الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




سيرة النبي (ص) - ابن هشام الحميري ج 2ي

سيرة النبي (ص)

ابن هشام الحميري ج 2


[ 266 ]

سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الفها أبو عبد الله محمد بن اسحاق بن يسارالمطلبى المتوفي في سنة 151 من الهجرة وهذبها ابو محمد عبد الملك بن هشا بن ايوب، الحميرى المتوفى في سنة 218 من الهجرة حقق اصلها، وضبط غرائبها، وعلق عليها محمد محيى الدين عبد الحميد عفا الله تعالى عنه وجميع حق اعادة الطبع محفوظ له الجزء الثاني يطلب من ناشره مكتب محمد علي صبيح واولاده بميدان الازهر بمصر 1383 ه‍ - 1963 م مطبعة المدني 295 ش رمسينس بالقاهرة 827851

[ 267 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ذى الجلال والكبرياء، والصلاة والسلام على خاتم الرسل والانبياء، وعلى آله وصحبه البررة الاتقياء.

[ 268 ]

ذكر الاسراء والمعراج قال ابن هشام: حدثنا زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق المطلبى قال: ثم أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى، وهو بيت المقدس من إيلياء، وقد فشا الاسلام بمكة في قريش، وفى القبائل كلها. قال ابن إسحاق: كان من الحديث فيما بلغني عن مسراه صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن مسعود، وأبى سعيد الخدرى، وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ومعاوية بن أبى سفيان، والحسن بن أبى الحسن [ البصري ]، وابن شهاب الزهري، وقتادة، وغيرهم من أهل العلم، وأم هانئ بنت أبى طالب، ما اجتمع في هذا الحديث، كل يحدث عنه بعض ما ذكر من أمره حين أسرى به صلى الله عليه وسلم، وكان في مسراه، وما ذكر عنه بلاء وتمحيص، وأمر من أمر الله [ عزوجل ] في قدرته وسلطانه، فيه عبرة لاولى الالباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق، وكان من أمر الله سبحانه وتعالى على يقين، فأسرى به سبحانه وتعالى كيف شاء [ وكما شاء ]، ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين [ ماعاين ] من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التى يصنع بها ما يريد. فكان عبد الله بن مسعود - فيما بلغني عنه - يقول: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق - وهى الدابة التى كانت تحمل عليها الانبياء قبله، تضع حفرها في منتهى طرفها - فحمل عليها، ثم خرج به صاحبه، يرى الآيات فيما بين السماء والارض، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم الخليل وموسى وعيسى في نفر من الانبياء قد جمعوا له، فصلى بهم. ثم

[ 269 ]

أتى بثلاث آنية، إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء. [ قال ]: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فسمعت قائلا يقول حين عرضت على: إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته، وإن أخذ الخمر غوى وغوت أمته، وإن أخذ اللبن هدى وهديت أمته. قال: فأخذت إناء اللبن، فشربت منه، فقال لى جبريل عليه السلام: هديت وهديت أمتك يا محمد. قال ابن إسحاق: وحدثت عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينا أنا نائم في الحجر [ إذ ] جاءني جبريل فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فعدت إلى مضجعي، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فعدت إلى مضجعي، فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه، فجلست، فأخذ بعضدي، فقمت معه، فخرج [ بى ] إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض، بين البغل والحمار، في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه، يضع يده في منتهى طرفه، فحملني عليه، ثم خرج معى لا يفوتنى ولا أفوته. قال ابن إسحاق: وحدثت عن قتادة أنه قال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما دنوت منه لاركبه شمس، فوضع جبريل يده على مغرفته، ثم قال: ألا تستحى يا براق مما تصنع، فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه. قال: فاستحيا حتى ارفض عرقا، ثم قر حتى ركبته. قال الحسن في حديثه: فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى جبريل عليه السلام معه حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الانبياء، فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم، ثم أتى بإناءين، في أحدهما خمر، وفى الآخر لبن. قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء اللبن، فشرب منه، وترك إناء الخمر. قال: فقال له جبريل: هديت للفطرة، وهديت أمتك [ يا محمد ]، وحرمت عليكم الخمر. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فلما أصبح غدا على

[ 270 ]

قريش فأخبرهم الخبر. فقال أكثر الناس: هذا والله الامر البين، والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة ؟ ! قال: فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبى بكر، فقالوا له: هل لك يا أبا بكر في صاحبك ؟ يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. قال: فقال [ لهم ] أبو بكر: إنكم تكذبون عليه، فقالوا: بلى، ها هو ذاك في المسجد يحدث [ به ] الناس، فقال أبو بكر: [ والله ] لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك ؟ ! فوالله إنه ليخبرني إن الخبر ليأتيه [ من الله ] من السماء إلى الارض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبى الله، أحدثت هولاء القوم أنك جئت بين المقدس هذه الليلة ؟ قال: نعم، قال: يا نبى الله، فصفه لى، فإنى قد جئته - قال الحسن: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرفع لى حتى نظرت إليه - فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لابي بكر ويقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول الله، كلما وصف له منه شيئا، قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله حتى [ إذا ] انتهى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي بكر: وأنت يا أبا بكر الصديق، فيومئذ سماه الصديق. قال الحسن: وأنزل الله تعالى فيمن ارتد عن إسلامه لذلك: { وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس، والشجرة المعلونة في القرآن، ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا - 60 من سورة الاسراء }. فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما دخل فيه من حديث قتادة. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض آل أبى بكر: أن عائشة [ زوج النبي صلى الله عليه وسلم ] كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن

[ 271 ]

الله أسرى بروحه. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس: أن معاوية بن أبى سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله تعالى صادقة. فلم ينكر ذلك من قولهما، لقول الحسن: إن هذه الآية نزلت في ذلك، قوله الله تبارك وتعالى: { وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس }، ولقول الله تعالى في الخبر عن إبراهيم عليه السلام إذ قال لابنه: { يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك - 102 من سورة الصافات } (1) ثم مضى على ذلك. فعرفت أن الوحى من الله يأتي الانبياء أيقاظا ونياما. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - يقول: تنام عيناى وقلبي يقظان. والله أعلم أي ذلك كان قد جاءه، وعاين فيه ما عاين من أمر الله، على أي حاليه كان: نائما، أو يقظان، كل ذلك حق وصدق. قال ابن إسحاق: وزعم الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف لاصحابه إبراهيم وموسى وعيسى حين رآهم في تلك الليلة، فقال: أما إبراهيم فلم أر رجلا أشبه [ قط ] بصاحبكم، ولا صاحبكم أشبه به منه، وأما موسى فرجل آدم طويل ضرب جعد أقنى، كأنه من رجال شنوة، وأما عيسى بن مريم فرجل أحمر، بين القصير والطويل، سبط الشعر، كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس، تخال رأسه يقطر ماء، وليس به ماء، أشبه رجالكم به عروة بن مسعود الثقفى. قال ابن هشام: وكانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر عمر مولى غفرة عن إبراهيم بن محمد بن على بن أبى طالب - قال: وكان على بن أبى طالب عليه السلام إذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لم يكن بالطويل الممغط، ولا القصير المتردد. وكان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط (هامش ص 271) (1) يريد أن " الرؤيا " بالالف المقصورة خاصة بما كان في النوم، وهذا غير متفق عليه

[ 272 ]

ولا السبط، كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم، وكان أبيض مشربا، أدعج العينين، أهدب الاشفار، جليل المشاش والكتد، دقيق المسربة، أجرد، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع، كأنما يمشى في صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو [ صلى الله عليه وسلم ] خاتم النبيين، أجود الناس كفا، وأجرأ الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن إسحاق: وكان فيما بلغني عن أم هانئ بنت أبى طالب رضى الله عنها، واسمها هند، في مسرى رسو الله صلى الله عليه وسلم، أنها كانت تقول: ما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتى، نام عندي تلك الليلة في بيتى، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: يا أم هانئ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم قد صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين، ثم قام ليخرج، فأخذت بطرف ردائه، فتكشف عن بطنه كأنه قبطية مطوية، فقلت له: يا نبى الله، لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك ويؤذوك، قال: والله لاحد ثنهموه. قالت: فقلت لجارية لى حبشية: ويحك ! اتبعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسمعى ما يقول للناس، وما يقولون له. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس أخبرهم فعجبوا، وقالوا: ما آية ذلك يا محمد ؟ فإنا لم نسمع بمثل هذا قط ! قال: آية ذلك أنى مررت بعير بنى فلان بوادي كذا وكذا، فأنفرهم حس الدابة، فندلهم بعير فدللتهم عليه، وأنا موجه إلى الشام. ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بنى فلان، فوجدت القوم نياما، ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشئ، فكشف غطاءه وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان، وآية ذلك أن

[ 273 ]

عيرهم الآن تصوب من البيضاء، ثنية التنعيم، يقدمها جمل أورق، عليه غرارتان إحداهما سوداء، والاخرى برقاء. قالت: فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أول من الجمل كما وصف لهم، وسألوهم عن الاناء فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءا ماء ثم غطوه وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه، ولم يجدوا فيه ماء. وسألوا الآخرين، وهم بمكة، فقالوا: صدق والله، لقد أنفرنا في الوادي الذى ذكر، وندلنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه، حتى أخذناه. قصة المعراج [ وما شاهد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات ] قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لما فرغت مما كان في بيت المقدس، أتى المعراج، ولم أر شيئا قط أحسن منه. وهو الذى يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر، فأصعدني صاحبي فيه، حتى انتهى بى إلى باب من أبواب السماء، يقال له: باب الحفظة، عليه ملك من الملائكة، يقال له: إسماعيل، تحت يديه اثنا عشر ألف ملك، تحت يدى كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك - قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حدث بهذا الحديث: وما يعلم جنود ربك إلا هو - فلما دخل بى قال: من [ هو ] هذا يا جبريل ؟ قال: [ هذا ] محمد، قال: أو قد بعث [ إليه ] ؟ قال: نعم، قال: فدعا [ لى ] بخير وقاله. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم عمن حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: تلقني الملائكة حين دخلت السماء الدنيا، فلم يلقنى ملك إلا ضاحكا مستبشرا، يقول خيرا ويدعو به، حتى لقيني ملك من الملائكة، فقال مثل ما قالوا، ودعا بمثل ما دعوا به، إلا أنه لم يضحك، ولم أر منه من البشر مثل ما رأيت من غيره، فقلت لجبريل: يا جبريل، من هذا الملك الذى قال لى كما قالت الملائكة ولم يضحك [ إلى ]، ولم أر منه من البشر مثل الذى

[ 274 ]

رأيت منهم ؟ قال: فقال لى جبريل: أما إنه لو ضحك إلى أحد كان قبلك، أو كان ضاحكا إلى أحد بعدك لضحك إليك، ولكنه لا يضحك، هذا مالك خازن النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت لجبريل، وهو من الله تعالى بالمكان الذى وصف لكم { مطاع ثم أمين - 21 من سورة التكوير }: ألا تأمره أن يرينى النار ؟ فقال: بلى، يا مالك، أر محمدا النار. قال: فكشف عنها غطاءها ففارت وارتفعت، حتى ظننت لتأخذن ما أرى. قال: فقلت لجبريل: يا جبريل، مره فليردها إلى مكانها. قال: فأمره، فقال لها: اخبى، فرجعت إلى مكانها الذى خرجت منه. فما شبهت رجوعها إلا وقوع الظل. حتى إذا دخلت من حيث خرجت رد عليها غطاءها. [ و ] قال أبو سعيد الخدرى في حديثه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما دخلت السماء الدنيا رأيت بها رجلا جالسا تعرض عليه أرواح بنى آدم، فيقول لبعضها إذا عرضت عليه خيرا ويسر به، ويقول: روح طيبة خرجت من جسد طيب، ويقول لبعضها إذا عرضت عليه: أف، ويعبس بوجهه ويقول: روح خبيثة خرجت من جسد خبيث. قال: قلت: من هذا يا جبريل ؟ قال: هذا أبوك آدم، تعرض عليه أرواح ذريته، فإذا مرت به روح المؤمن منهم سر بها، وقال: روح طيبة خرجت من جسد طيب، وإذا مرت به روح الكافر منهم أفف منها وكرهها، وساءه ذلك، وقال: روح خبيثة خرجت من جسد خبيث. قال: ثم رأيت رجالا لهم مشافر كمشافر الابل، في أيديهم قطع من نار كالافهار، يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل ؟ قال هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلما. قال: ثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قط بسبيل آل فرعون، يمرون عليهم كالابل المهيومة حين يعرضون على النار، يطئونهم لا يقدرون على أن

[ 275 ]

يتحولون من مكانهم ذلك. قال: قلت: من هؤلاء يا جبريل ؟ قال: هؤلاء أكلة الربا. قال: ثم رأيت رجالا بين أيديهم لحم سمين طيب، إلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن، ويتركون السمين الطيب. قال: قلت: من هؤلاء يا جبريل ؟ قال: هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء، ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن. قال: ثم رأيت نساء معلقات بثديهن، فقلت: من هؤلاء يا جبريل ؟ قال: هؤلاء اللاتى أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم. قال ابن إسحاق: وحدثني جعفر بن عمرو، عن القاسم بن محمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اشتد غضب الله على امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فأكل حرائبهم، واطلع على عوراتهم. ثم رجع إلى حديث أبى سعيد الخدرى قال: ثم أصعدني إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابنا الخالة: عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، قال: ثم أصعدني إلى السماء الثالثة، فإذا فيها رجل صورته كصورة القمر ليلة البدر، قال: قلت: من هذا يا جبريل ؟ قال: هذا أخوك يوسف بن يعقوب. قال: ثم أصعدني إلى السماء الرابعة، فإذا فيها رجل، فسألته: من هو ؟ قال: هذا إدريس - قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ورفعناه مكانا عليا - قال: ثم أصعدني إلى السماء الخامسة، فإذا فيها كهل أبيض الرأس واللحية عظيم العثنون، لم أر كهلا أجمل منه، قال: قلت: من هذا يا جبريل ؟ قال: هذا المحبب في قومه هارون بن عمران. قال: ثم أصعدني إلى السماء السادسة، فإذا فيها رجل آدم طويل أقنى، كأنه من رجال شنوة، فقلت [ له ]: من هذا يا جبريل ؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران. ثم أصعدني إلى السماء السابعة، فإذا فيها كهل جالس

[ 276 ]

على كرسى إلى باب البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يرجعون فيه إلى يوم القيامة، لم أر رجلا أشبه بصاحبكم، ولا صاحبكم أشبه به منه، قال: قلت: من هذا يا جبريل ؟ قال: هذا أبوك إبراهيم. قال: ثم دخل بى الجنة، فرأيت فيها جارية لعساء، فسألتها: لمن أنت ؟ وقد أعجبتني حين رأيتها، فقالت: لزيد بن حارثة، فبشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثه. قال ابن إسحاق: ومن حديث [ عبد الله ] بن مسعود رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغني: أن جبريل لم يصعد به إلى السماء من السموات إلا قالوا له حين يستأذن في دخولها: من هذا يا جبريل ؟ فيقول: محمد، فيقولون: أو قد بعث ؟ فيقول: نعم، فيقولون: حياه الله من أخ وصاحب ! حتى انتهى به إلى السماء السابعة، ثم انتهى به إلى ربه، ففرض عليه خمسين صلاة [ في ] كل يوم. [ قال ]: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأقبلت راجعا، فلما مررت بموسى [ بن ] عمران، ونعم الصاحب كان لكم، سألني: كم فرض عليك من الصلاة ؟ فقلت: خمسين صلاة كل يوم، فقال: إن الصلاة ثقيلة، وإن أمتك ضعيفة، فارجع إلى ربك، فاسأله أن يخفف عنك وعن أمتك. فرجعت فسألت ربى أن يخفف عنى وعن أمتى، فوضع عن عشرا. ثم انصرفت فمررت على موسى، فقال لى مثل ذلك، فرجعت فسألت ربى، فوضع عنى عشرا. ثم انصرفت فمررت على موسى، فقال لى مثل ذلك، فرجعت فسألته فوضع عنى عشرا. ثم لم يزل يقول لى مثل ذلك، كلما رجعت إليه قال: فارجع فاسأل [ ربك ]، حتى انتهيت إلى أن وضع ذلك عنى، إلا خمس صلوات في كل يوم وليلة. ثم رجعت إلى موسى، فقال لى مثل ذلك، فقلت: قد راجعت ربى وسألته، حتى استحييت منه، فما أنا بفاعل، فمن أداهن منكم إيمانا بهن واحتسابا لهن كان له أجر خمسين صلاة [ مكتوبة ] [ صلوات الله عليه محمد وآله ].

[ 277 ]

كفاية الله أمر المستهزئين قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله تعالى صابرا محتسبا، مؤديا إلى قومه النصحية على ما يلقى منهم من التكذيب والاذى [ والاستهزاء ]. وكان عظماء المستهزئين - كما حدثنى يزيد بن رومان عن عمرو بن الزبير - خمسة نفر من قومه، وكانوا ذوى أسنان وشرف في قومهم. من بنى أسد بن عبد العزى بن قصى [ بن كلاب ]: الاسود بن المطلب بن أسد أبو زمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - قد دعا عليه، لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه به، فقال: الله أعم بصره، وأثكله ولده. ومن بنى زهرة بن كلاب: الاسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف ابن زهرة. ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم. ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب: العاص بن وائل بن هشام قال ابن هشام: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم. ومن بنى خزاعة: الحارث بن الطلاطلة بن عمر [ و ] بن الحارث بن عبد عمرو ابن [ لؤى (1) بن ] ملكان. فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء أنزل الله تعالى عليه: { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين، وإنا كفيناك المستهزئين، الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون - 94 و 96 من سورة الحجر }. قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أو غيره من العلماء: أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يطوفون بالبيت (هامش ص 277) (1) في ا " بوى ".

[ 278 ]

فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمر به الاسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء، فعمى. ومر بن الاسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه فاستسقى [ بطنه ] فمات منه حبنا. ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله، كان أصابه قبل ذلك بسنين [ وهو يجر سبله ] وذلك أنه مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش في رجله ذلك الخدش، وليس بشئ فانتقض به فقتله. ومر به العاص ابن وائل، فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض به على شبارقة فدخل في اخمص رجله شوكة فقتلته. ومر به الحارث ابن الطلاطلة، فأشار إلى رأسه فامتخض قيحا، فقتله. قصة أبى أزيهر الدوسسى قال ابن إسحاق: فلما حضرت الوليد الوفاة دعا بنيه، وكانوا ثلاثة: هشام بن الوليد، والوليد بن الوليد، وخالد بن الوليد، فقال لهم: أي بنى، أوصيكم بثلاث، فلا تضيعوا فيهن: دمى في خزاعة فلا تطلنه، والله إنى لاعلم أنهم منه براء، ولكني أخشى أن تسبوا به بعد اليوم، ورباى في ثقيف، فلا تدعوه حتى تأخذوه، وعقرى عند أبى أزيهر الدوسى، فلا يفوتنكم به. وكان أبو أزيهر قد زوجه بنتا [ له ]، ثم أمسكها عنه، فلم يدخلها عليه حتى مات. فلما هلك الوليد بن المغيرة وثبت بنو مخزوم على خزاعة يطلبون منهم عقل الوليد، وقالوا: إنما قتله سهم صاحبكم - وكان لبنى كعب حلف من [ بنى ] عبد المطلب بن هاشم - فأبت عليهم خزاعة ذلك، حتى تقاولوا أشعارا، وغلظ بينهم الامر، وكان الذى أصاب الوليد سهمه رجلا من بنى كعب بن عمرو، من خزاعة - فقال عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم: إنى زعيم أن تسيروا فتهربوا * وأن تتركوا الظهران تعوى ثعالبه وأن تتركوا ماء بجزعة أطرقا * وأن تسألوا: أي الاراك أطايبه

[ 279 ]

فإنا أناس لا تطل دماؤنا * ولا يتعالى صاعدا من نحاربه وكانت الظهران والاراك منازل بنى كعب، من خزاعة. فأجابه الجون ابن أبى الجون، أخو بنى كعب بن عمرو الخزاعى، فقال: والله لا نؤتى الوليد ظلامة * ولما تروا يوما تزول كواكبه ويصرع منكم مسمن بعد مسمن * وتفتح بعد الموت قسرا مشاربه إذ ما أكلتم خبزكم وخزيركم * فكلكم باكى الوليد ونادبه ثم إن الناس ترادوا وعرفوا أنما يخشى القوم السبة، فأعطتهم خزاعة بعض العقل، وانصرفوا عن بعض. فلما اصطلح القوم قال الجون بن أبى الجون: وقائلة لما اصطلحنا تعجبا * لما قد حلمنا للوليد وقائل ألم تقسموا تؤتوا الوليد ظلامة * ولما تروا يوما كثير البلابل فنحن خلطنا الحرب بالسلم فاستوت * فأم هواه آمنا كل راحل ثم لم ينته الجون بن أبى الجون حتى افتخر بقتل الوليد، وذكر أنهم أصابوه، وكان ذلك باطلا [ كله ]. فلحق بالوليد [ و ] بولده وقومه من ذلك ما حذره، فقال الجون بن أبى الجون: ألا زعم المغيرة أن كعبا * بمكة منهم قدر كثير فلا تفخر مغيرة أن تراها * بها يمشى المعلهج والمهير بها آباؤنا، وبها ولدنا * كما أرسى بمثبته ثبير وما قال المغيرة ذاك إلا * ليعلم شأننا أو يستثير فإن دم الوليد يطل، إنا * نطل دماء انت بها خبير كساه الفاتك الميمون سهما * ذعافا وهو ممتلئ بهير فخر ببطن مكة مسلحبا * كأنه عند وجبته بعير سيكفيني مطال أبى هشام * صغار جعدة الاوبار خور

[ 280 ]

قال ابن هشام: تركنا منها بيتا [ واحدا ] أقذع فيه. قال ابن إسحاق: ثم عدا هشام بن الوليد على أبى أزيهر، وهو بسوق ذى المجاز - وكانت عند أبى سفيان بن حرب [ عاتكة ] بنت أبى أزيهر، وكان أبو أزيهر رجلا شريفا في قومه - فقتله بعقر الوليد الذى كان عنده، لوصية أبيه إياه، وذلك بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومضى بدر، وأصيب به من أصيب من أشراف قريش من المشركين، فخرج يزيد ابن أبى سفيان، فجمع بنى عبد مناف، وأبو سفيان بذى المجاز، فقال الناس: أخفر أبو سفيان في صهره، فهو ثائر به، فلما سمع أبو سفيان بالذى صنع ابنه يزيد - وكان أبو سفيان رجلا حليما منكرا، يحب قومه حبا شديدا - انحط سريعا إلى مكة، وخشى أن يكون بين قريش حدث في أبى أزيهر، فأتى ابنه وهو في الحديد، في قومه من بنى عبد مناف والمطيبين، فأخذ الرمح من يده ثم ضرب به على رأسه ضربة هده منها، ثم قال له: قبحك الله ! أتريد أن تضرب قريشا بعضهم ببعض في رجل من دوس ؟ سنؤتيهم العقل إن قبلوه، وأطفأ ذلك الامر. فانبعث حسان بن ثابت يحرض في دم أبى أزيهر، ويعير أبا سفيان خفرته ويجبنه، فقال: غدا أهل ضوجى ذى المجاز كليهما * وجار ابن حرب بالمغمس ما يغدو ولم يمنع العير الضروط ذماره * وما منعت مخزاة والدها هند كساك هشام بن الوليد ثيابه * فأبل وأخلف مثلها جددا بعد قضى وطرا منه فأصبح ماجدا * وأصبحت رخوا ما تخب وما تعدو فلو أن أشياخا ببدر تشاهدوا * لبل نعال القوم معتبط ورد فلما بلغ أبا سفيان قول حسان قال: يريد [ حسان ] أن يضرب بعضنا ببعض في رجل من دوس ؟ بئس والله ما ظن !

[ 281 ]

ولما أسلم أهل الطائف كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في ربا الوليد، الذى كان في ثقيف، لما كان أبوه أوصاه به. قال ابن إسحاق: فذكر لى بعض أهل العلم أن هؤلاء الآيات في تحريم ما بقى من الربا بأيدى الناس نزلن في ذلك، من طلب خالد [ ذلك ] الربا { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين - 278 من سورة البقرة } إلى آخر القصة فيها. ولم يكن في أبى أزيهر ثأر نعلمه، حتى حجز الاسلام بين الناس، إلا أن ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهرى خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس، فنزلوا على امرأة يقال لها أم غيلان، مولاة لدوس، وكانت تمشط النساء، وتجهز العرائس، فأرادت دوس قتلهم بأبى أزيهر، فقامت دونهم أم غيلان ونسوة [ كن ] معها، حتى منعتهم، فقال ضرار بن الخطاب في ذلك: جزى الله عنا أم غيلان صالحا * ونسوتها إذ هن شعث عواطل فهن دفعن الموت بعد اقترابه * وقد برزت للثائرين المقاتل دعت دعوة دوسا فسالت شعابها * بعز وأدتها الشراج القوابل وعمرا جزاه الله خيرا فماونى * وما بردت منه لدى المفاصل فجردت سيفى ثم قمت بنصله * وعن أي نفس بعد نفس أقاتل قال ابن هشام: حدثنى أبو عبيدة أن التى قامت دون ضرار أم جميل، ويقال: أم غيلان، قال: ويجوز أن تكون أم غيلان قامت مع أم جميل فيمن قام دونه. فلما قام عمر بن الخطاب أتته أم جميل، وهى ترى أنه أخوه، فلما انتسبت له عرف القصة، فقال: إنى لست بأخيه إلا في الاسلام، وهو غاز، وقد عرفت منتك عليه، فأعطاها على أنها ابنة سبيل.

[ 282 ]

[ قال الراوى: قال ابن هشام: وكان ضرار لحق عمر بن الخطاب يوم أحد، فجعل يضربه بعرض الرمح ويقول: انج يابن الخطاب لا أقتلك، فكان عمر يعرفها له بعد إسلامه ] (1). وفاة أبى طالب وخديجة [ وما جرى قبل ذلك، وبعده ] قال ابن إسحاق: وكان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته: أبا لهب، والحكم بن العاص بن أمية، وعقبة بن أبى معيط، وعدى بن حمراء الثقفى، وابن الاصداء الهذلى، وكانوا جيرانه، لم يسلم منهم [ أحد ] إلا الحكم بن أبى العاص، فكان أحدهم - فيما ذكر لى - يطرح عليه صلى الله عليه وسلم رحم الشاة وهو يصلى، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا يستتر به منهم إذا صلى، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طرحوا عليه ذلك الاذى، كما حدثنى عمر ابن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن عروة بن الزبير، يخرج به رسول الله صلى الله عليه وسلم على العود، فيقف به على بابه، ثم يقول: يا بنى عبد مناف، أي جوار هذا ! ثم يلقيه في الطريق. قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب: بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الاسلام، يشكو إليها، وبهلك عمه أبى طالب، وكان له عضدا وحرزا في أمره، ومنعة وناصرا على قومه، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين. فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبى طالب، حتى اعترضه (هامش ص 282) (1) ما بين المعقوفين ساقط من ا.

[ 283 ]

سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه تراب. قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، قال: لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التراب، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه التراب وهى تبكى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: لا تبكى يا بنية، فإن الله مانع أباك. قال: ويقول بين ذلك: ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب. قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشا ثقله، قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبى طالب، فليأخذ لنا على ابن أخيه، وليعطه منا، والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا. قال ابن إسحاق: فحدثني العباس بن عبد الله بن معبد [ بن عباس ] عن بعض أهله، عن ابن عباس، قال: مشوا إلى أبى طالب فكلموه، وهم أشراف قومه: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، في رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، وتخوفنا عليك، وقد علمت الذى بيننا وبين ابن أخيك، فادعه، فخذ له منا، وخذ لنا منه، ليكف عنا، ونكف عنه، وليدعنا وديننا، وندعه ودينه، فبعث إليه أبو طالب، فجاءه، فقال: يابن أخى، هؤلاء أشراف قومك، قد اجتمعوا لك، ليعطوك، وليأخذوا منك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، كلمة واحدة تعطوينها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم. قال: فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات، قال: تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه. قال: فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا،

[ 284 ]

إن أمرك لعجب ! [ قال ]: ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه. قال: ثم تفرقوا. فقال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: [ والله ] يابن أخى، ما رأيتك سألتهم شططا، قال: فلما قالها أبو طالب طمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إسلامه، فجعل يقول له: أي عم، فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة. قال: فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يابن أخى، والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بنى أبيك من بعدى، وأن تظن قريش أنى قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لاسرك بها. قال: فلما تقارب من أبى طالب الموت قال: نظر العباس إليه يحرك شفتيه، قال: فأصغى إليه بأذنه، قال: فقال: يابن أخى، والله لقد قال أخى الكلمة التى أمرته أن يقولها، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أسمع. قال: وأنزل الله تعالى في الرهط الذين كانوا اجتمعوا إليه، وقال لهم ما قال، وردوا عليه ما ردوا: { ص والقرآن ذى الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق - 1، 7 من سورة ص } إلى قوله تعالى: { أجعل الآلهة إلها واحدا، إن هذا لشئ عجاب، وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشئ يراد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة } - يعنون النصارى، لقولهم: { إن الله ثالث ثلاثة } - { إن هذا إلا اختلاق } ثم هلك أبو طالب. سفر الرسول إلى ثقيف يطلب النصرة قال ابن إسحاق: ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبى طالب، فخرج رسول الله

[ 285 ]

صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عزوجل، فخرج إليهم وحده. قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظى، قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو ابن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بنى جمح، فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الاسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك ! وقال الثالث: الله لا أكلمك أبدا. لثن كنت رسولا من الله كما تقول لانت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى أن أكلمك. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لى -: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عنى، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه، فيذئرهم ذلك عليه. قال ابن هشام: قال عبيد بن الابرص: ولقد أتانى عن تميم أنهم * ذئروا لقتلى عامر وتعصبوا فلم يفعلوا، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقى من سفهاء أهل الطائف، وقد لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لى - المرأة التى من بنى جمح فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك ؟

[ 286 ]

فلما أطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - فيما ذكر لى -: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتى، وهوانى على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمرى ؟ إن لم يكن بك على غضب فلا أبالى، ولكن عافيتك هي أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بى غضبك، أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك. قال: فلما رآه ابنا ربيعة، عتبة وشيبة، وما لقى، تحرتكت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يقال له عداس، فقالا [ له ]: خذ قطفا [ من هذا ] العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: كل، فلما وضع رسول الله صلى الله علهى وسلم فيه يده قال: باسم الله، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس، وما دينك ؟ [ قال: أنا رجل ] نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس ابن متى، فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخى، كان نبيا وأنا نبى، فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه. قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك يا عداس ! مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟ قال: يا سيدى ما في الارض شئ خير من هذا، لقد أخبرني بأمر

[ 287 ]

ما يعلمه إلا نبى، قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه. قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة، حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلى، فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، وهم - فيما ذكر لى - سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم، قال الله عزوجل: { وإذا صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن } إلى قوله تعالى { ويجزكم من عذاب أليم - 29، 31 من سورة الاحقاف } وقال تبارك وتعالى: { قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن - 1 من سورة الجن } إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة. عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه، إلا قليلا مستضعفين، ممن آمن به، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم، إذا كانت، على قبائل العرب: يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبى مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين لهم عن الله ما بعثه به. قال ابن إسحاق: فحدثني من أصحابنا من لا أتهم، عن زيد بن أسلم عن ربيعة بن عباد الدئلى أو من حدثه أبو الزناد عنه - [ قال ابن هشام: ربيعة ابن عباد ]. قال ابن إسحاق: وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيدالله بن عباس، قال: سمعت ربيعة بن عباد يحدثه أبى قال: إنى لغلام شاب مع أبى بمنى، ورسول الله

[ 288 ]

صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول: يا بنى فلان إنى رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الانداد، وأن تؤمنوا بى، وتصدقوا بى، وتمنعوني، حتى أبين عند الله ما بعثنى به. قال: وخلفه رجل أحول وضئ، له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بنى فلان إن هذا [ الرجل ] إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بنى مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. قال فقلت لابي: يا أبت، من هذا الذى يتبعه ويرد عليه ما يقول ؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب. قال ابن هشام: قال النابغة: كأنك من جمال بنى أقيش * يقعقع خلف رجليه بشن قال ابن إسحاق: حدثنا ابن شهاب الزهري: أنه أتى كندة في منازلهم، وفيهم سيد لهم يقال له: مليح، فدعاهم إلى الله عزوجل، وعرض عليهم نفسه، فأبوا عليه. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين: أنه أتى كلبا في منازلهم، إلى بطن منهم يقال لهم: بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول لهم: يا بنى عبد الله، إن الله عزوجل قد أحسن اسم أبيكم، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بنى حنيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردا منهم.

[ 289 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري: أنه قال: أتى بنى عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله عزوجل، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم - يقال له: بيحرة بن فراس - قال ابن هشام: فراس ابن عبد الله بن سلمة [ الخير ] بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة -: والله، لو أنى أخذت هذا الفتى من قريش لاكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الامر من بعدك ؟ قال: الامر إلى الله يضعه حيث يشاء، قال: فيقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الامر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه. فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم، قد كانت أردكته السن، حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بنى عبد المطلب، يزعم أنه نبى، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا، قال: فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال: يا بنى عامر، هل لها من تلاف ؟ هل لذناباها من مطلب ؟ والذى نفس فلان بيده، ما تقولها إسماعيلى قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم ؟ قال ابن إسحاق: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره، كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الاسلام، ويعرض عليهم نفسه، وما جاء به من الله من الهدى والرحمة، وهو لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب، له اسم وشرف إلا تصدى له، فدعاه إلى الله، وعرض عليه ما عنده. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الانصاري، ثم الظفرى عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سويد بن صامت، أخو بنى عمرو بن عوف، مكة حاجا أو معتمرا، وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم: الكامل، لجلده

[ 290 ]

وشرفه ونسبه، وهو الذى يقول: ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى * مقالته بالغيب ساءك ما يفرى مقالته كالشهد ما كان شاهدا * وبالغيب مأثور على ثغرة النحر يسرك باديه وتحت أديمه * نميمة غشر تبترى عقب الظهر تبين لك العينان ما هو كاتم * من الغل والبغضاء بالنظر الشزر فرشني بخير طالما قد بريتنى * فخير الموالى من يريش ولا يبرى وهو الذى يقول، ونافر رجلا من بنى سليم، ثم أحد بنى زعب بن مالك مئة ناقة [ إلى مائة ناقة ]، إلى كاهنة من كهان العرب، فقضت له فانصرف عنها هو والسلمى، ليس معهما غيرهما، فلما فرقت بينهما الطريق، قال: مالى، يا أخا بنى سليم، قال: أبعث إليك به، قال: فمن لى بذلك إذا فتني به ؟ قال: أنا، قال: كلا والذى نفس سويد بيده، لا تفارقني حتى أوتى بمالى. فاتخذا فضرب به الارض ثم أوثقه رباطا ثم انطلق به إلى دار بنى عمرو بن عوف، فلم يزل عنده حتى بعث إليه سليم بالذى له، فقال في ذلك: لا تحسبني يابن زعب بن مالك * ى كمن كنت ترد بالغيوب وتختل تحولت قرنا إذ صرعت بعزة * كذلك إن الحازم المتحول ضربت به إبط الشمال فلم يزل * على كل حال خده هو أسفل - في أشعار كثيرة كان يقولها. فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الاسلام، فقال له سويد: فلعل الذى معك مثل الذى معى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما الذى معك ؟ قال: مجلة لقمان - يعنى حكمة لقمان - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعرضها على، فعرضها عليه، فقال له: إن هذا الكلام حسن، والذى معى أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالى على

[ 291 ]

هو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ودعاه إلى الاسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف عنه، فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قد قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل يوم بعاث. إسلام إياس بن معاذ وقصة أبى الحيسر قال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن لبيد قال: لما قدم أبوالحيسر، أنس بن رافع، مكة ومعه فتية من بنى عبد الاشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم فجلس إليهم، فقال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له ؟ فقالوا له: وما ذاك ؟ قال: أنا رسول الله بعثنى إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل على الكتاب. قال: ثم ذكر لهم الاسلام وتلا عليهم القرآن. قال: فقال إياس بن معاذ، وكان غلاما حدثا: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له. قال: فيأخذ أبوالحيسر، أنس بن رافع، حفنة من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا. قال: فصمت إياس، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الاوس والخزرج. قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلما، لقد كان استشعر الاسلام في ذلك المجلس، حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع.

[ 292 ]

بدء إسلام الانصار قال ابن إسحاق: فلما أراد الله عزوجل إظهار دينه، وعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذى لقيه فيه النفر من الانصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: من أنتم ؟ قالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن موالى يهود ؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عزوجل، وعرض عليهم الاسلام، وتلا عليهم القرآن، قال: وكان مما صنع الله بهم في الاسلام، أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل الكتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شئ قالوا لهم: إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبى الذى توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العدواة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا.

[ 293 ]

قال ابن إسحاق: وهم فيما ذكر لى - ستة نفر من الخزرج، منهم من بنى النجار - وهو تيم الله - ثم من بنى مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة [ بن ثعلبة ] بن عمرو بن عامر: أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وهو أبو أمامة، وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار، وهو ابن عفراء. قال ابن هشام: وعفراء بنت عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار. قال ابن إسحاق: ومن بنى زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج: رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو ابن عامر بن زريق. قال ابن هشام: ويقال: عامر بن الازرق. قال ابن إسحاق: ومن بنى سلمة بن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، ثم من بنى سواد بن غنم بن كعب بن سلمة: قطبة ابن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد. قال ابن هشام: عمرو بن سواد، وليس لسواد ابن يقال له: غنم. قال ابن إسحاق: ومن بنى حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة: عقبة بن عامر بن نابى بن زيد بن حرام. ومن بنى عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة: جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد. فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الاسلام حتى فشافيهم، فلم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 294 ]

العقبة الاولى ومصعب بن عمير قال: حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الانصار اثنا عشر رجلا، فلقوه بالعقبة. [ قال ]: وهى العقبة الاولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب. منهم من بنى النجار، ثم من بنى مالك بن النجار، أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وهو أبو أمامة، وعوف، ومعاذ، ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار، وهما ابنا عفراء. ومن بنى عامر بن زريق: رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر ابن زريق، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق. قال ابن هشام: ذكوان، مهاجري أنصارى. ومن بنى عوف بن الخزرج، ثم من بنى غنم بن عوف بن عمرو بن عوف ابن الخزرج، وهم القوافل: عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم، وأبو عبد الرحمن، وهو يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة، من بنى غصينة، من بلى، حليف لهم. قال ابن هشام: وانما قيل لهم القواقل، لانهم كانوا إذا استجار بهم الرجل دفعوا له سهما وقالوا له: قوقل به بيثرب حيث شئت. قال ابن هشام: القوقلة: ضرب من المشى. قال ابن إسحاق: ومن بنى سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، ثم من بنى العجلان بن زيد بن غنم بن سالم: العباس بن عباد بن نضلة ابن مالك بن العجلان. ومن بنى سلمة بن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن

[ 295 ]

الخزرج، ثم من بنى حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة: عقبة بن عامر بن نابى بن زيد بن حرام. ومن بنى سواد بن غنم بن كعب بن سلمة: قطبة بن عامر بن حديدة ابن عمرو بن غنم بن سواد. وشهدها من الاوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ثم من بنى عبد الاشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس: أبو الهيثم بن التيهان، واسمه مالك. قال ابن هشام: التيهان، يخفف ويثقل، كقوله ميت وميت. ومن بنى عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس: عويم بن ساعدة. قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبى حبيب عن [ أبى ] مرثد بن عبد الله اليزنى عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحى عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الاولى، وكنا اثنى عشر رجلا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفرض الحرب: على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتى ببهتان نفتريه من بيد أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله عزوجل: إن شاء عذب، وان شاء غفر. قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ الله بن عبد الله الخولانى أبى إدريس أن عبادة بن الصامت حدثه أنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الاولى على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتى ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن عشيتم من ذلك [ شيئا ] فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى

[ 296 ]

يوم القيامة فأمركم إلى الله عزوجل: إن شاء عذب، وإن شاء غفر. قال ابن إسحاق: فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الاسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى المقرئ بالمدينة: مصعب، وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس، أبى أمامة. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه كان يصلى بهم، وذلك أن الاوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض. أول جمعة أقيمت بالمدينة قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه أبى أمامة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبى، كعب ابن مالك، حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الاذان بها صلى على أبى أمامة، أسعد بن زرارة. قال: فمكث حينا على ذلك: لا يسمع الاذان للجمعة إلا صلى عليه واستغفر له، قال: فقلت في نفسي: والله إن هذا بى لعجز ألا أسأله ماله إذا سمع الاذان للجمعة صلى على أبى أمامة أسعد بن زرارة ؟ قال: فخرجت به في يوم جمعة كما كنت أخرج، فلما سمع الاذان للجمعة صلى عليه واستغفر له، قال: فقلت له: يا أبت، مالك إذا سمعت الاذان الجمعة صليت على أبى أمامة ؟ قال: فقال: أي بنى، كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت، من حرة بنى بياضة، يقال له: نقيع الخضمات، قال: قلت: وكم أنتم يومئذ ؟ قال: أربعون رجلا. قال ابن إسحاق: وحدثني عبيدالله بن المغيرة بن معيقب، وعبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير

[ 297 ]

يريد بن دار بنى عبد الاشهل، ودار بنى ظفر، وكان سعد بن معاذ بن النعمان ابن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر - قال ابن هشام: واسم ظفر كعب بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس. قالا: على بئر يقال لها: بئر مرق، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، يومئذ سيد قومهما من بنى عبد الاشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لاسيد بن حضير: لا أبالك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة منى حيث [ ما ] قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما، قال: فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد ابن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه. قال: فوقف عليهما متشتما، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره ؟ قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالاسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا، فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا [ الكلام ] وأجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته

[ 298 ]

وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادى قال له سعد: ما فعلت ؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بنى حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم [ قد ] عرفوا أنه ابن خالتك، ليخفروك. قال: فقال سعد مغضبا مبادرا، تخوفا للذى ذكر [ له ] من بنى حارثة، فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعد مطمئنين، عرف سعد أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما، ثم قال لاسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، [ أما والله ] لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رمت هذا منى، أتغشانا في دارينا بما نكره ؟ - وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي مصعب، جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان - قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره ؟ قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الاسلام وقرأ عليه القرآن. قالا: فعرفنا الله في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم، لاشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين ؟ قالا: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى ركعتين، قال: فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادى قومه ومعه أسيد بن حضير. قال: فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بنى عبد الاشهل، كيف تعلمون أمرى فيكم ؟ قالوا: سيدنا [ وأوصلنا ] رأيا، وأيمننا نقيبة، قال:

[ 299 ]

فإن كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله. قالا: فوالله ما أمسى في دار بنى عبد الاشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة، ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الاسلام، حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بن أمية بن زيد، وخطمة ووائل وواقف، وتلك أوس الله، وهم من الاوس بن حارثة، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الاسلت وهو صيفي، وكان شاعرا لهم قائدا يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الاسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق، وقال فيما رأى من الاسلام، وما اختلف الناس فيه من أمره: أرب الناس أشياء ألمت * يلف الصعب منها بالذلول أرب الناس أما إذا ضللنا * فيسرنا لمعروف السبيل فلولا ربنا كنا يهودا * وما دين اليهود بذى شكول ولولا ربنا كنا نصارى * مع الرهبان في جبل الجليل ولكنا خلقنا إذا خلقنا حنيفا ديننا عن كل جيل نسوق الهدى ترسف مذعنات * مكشفة المناكب في الجلول قال ابن هشام: أنشدني قوله " فلولا ربنا " وقوله " لولا ربنا " وقوله " مكشفة المناكب في الجلول " رجل من الانصار، أو من خزاعة. أمر العقبة الثانية قال ابن إسحاق: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج من الانصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا

[ 300 ]

مكة، فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة، من أوسط أيا التشريق، حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته، والنصر لنبيه، وإعزاز الاسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله. قال ابن إسحاق: حدثنى معبد بن كعب بن مالك بن أبى كعب بن القين، أخو بنى سلمة، أن أخاه عبد الله بن كعب، وكان من أعلم الانصار، حدثه أن أباه كعبا حدثه، وكان كعب ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها. قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء ابن معرور، سيدنا وكبيرنا، فلما وجهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البراء لنا: يا هؤلاء، إنى قد رأيت رأيا، فوالله ما أدرى أتوافقونني عليه أم لا ؟ قال: قلنا: وما ذاك ؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه الننية منى بظهر، يعنى الكعبة، وأن أصلى إليها. قال: فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلى إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. قال: فقال: إنى لمصل إليها. قال: فقلنا له: لكنا لا نفعل. قال: فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة، قال: وقد كنا عبنا عليه ما صنع، وأبى إلا الاقامة على ذلك، فلما قدمنا مكة قال لى: يا ابى أخى، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شئ، لما رأيت من خلافكم إياى فيه. قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا لا نعرفه، ولم نره قبل ذلك، فلقينا رجلا من أهل مكة، فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل تعرفانه ؟ فقلنا: لا، قال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه ؟ قال: قلنا: نعم - قال: وقد كنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرا - قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس. قال:

[ 301 ]

فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل ؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور، سيد قومه، وهذا كعب بن مالك. قال: فوالله ما أنسى رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر ؟ قال: نعم، قال: فقال له البراء بن معرور: يا نبى الله، إنى خرجت في سفري هذا، وقد هداني الله للاسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية منى بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شئ، فما ترى يا رسول الله ؟ قال: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها. قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم. قال ابن هشام: وقا عون بن أيوب الانصاري: ومنا المصلى أول الناس مقبلا * على كعبة الرحمن بين المشاعر يعنى البراء بن معرور. وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: حدثنى معبد بن كعب بن مالك أن أخاه عبد الله بن كعب حدثه أن أباه كعب بن مالك حدثه، قال كعب: ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الل عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق. قال: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التى واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من ساداتنا [ وشريف من أشرافنا ] أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فلكمناه وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار

[ 302 ]

غدا، ثم دعوناه إلى الاسلام، أخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة. قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا. قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، أم عمارة، إحدى نساء بنى مازن ابن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدى بن نابى، إحدى نساء بنى سلمة، وهى أم منيع. قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءنا ومعه [ عمه ] العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له. فلما جلس كان أول متكلم العباس ابن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج - قال: وكانت العرب إنما يسمون هذا الحى من الانصار: الخزرج، خزرجها وأوسها - وإن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده، قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الاسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، والذى بعثك بالحق

[ 303 ]

[ نبيا ]، لنمعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرا [ عن كابر ]. قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها - يعنى يهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم. قال ابن هشام: الهدم الهدم [ يعنى الحرمة ]: أي ذمتي ذمتكم، وحرمتي حرمتكم (1). قال كعب [ بن مالك ]: وقد [ كان ] رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أخرجوا إلى منكم اثنى عشر نقيبا، ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم اثنى عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الاوس. أسماء النقباء الاثنى عشر، وتمام خبر العقبة قال ابن هشام: من الخزرج - فيما حدثنا زياد بن عبد الله البكائى، عن محمد بن إسحاق المطلب - أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة ابن غنم بن مالك بن النجار، وهو تيم الله [ بن ثعلبة ] بن عمرو بن الخزرج، وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبى زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة ابن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، وعبد الله بن رواحة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب ابن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، ورافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، (هامش ص 303) (1) في ا " يقال: حرمتي حرمتكم ودمى دمكم "

[ 304 ]

والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، وعبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة ابن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، وعبادة ابن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف ابن عمرو بن عوف بن الخزرج. قال ابن هشام: هو غنم بن عوف، أخو سالم بن عوف بن عمرو بن عوف ابن الخزرج. قال ابن إسحاق: وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبى حزيمة بن ثعلبة ابن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، والمنذر بن عمرو ابن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج ابن ساعدة بن كعب بن الخزرج [ قال ابن هشام: ويقال: ابن خنيش ]. ومن الاوس: أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك ابن الاوس، وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب ابن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الاوس، ورفاعة ابن عبد المنذر بن زبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو ابن عوف بن مالك بن الاوس. قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان، ولا يعدون رفاعة. وقال كعب بن مالك يذكرهم، فيما أنشدني أبو زيد الانصاري: أبلغ أبيا أنه فال رأيه * وحان غداة الشعب والحين واقع أبى الله ما منتك نفسك، إنه * بمرصاد أمر الناس راء وسامع وأبلغ أبا سفيان أن قد بدالنا * باحمد نور من هدى الله ساطع

[ 305 ]

فلا ترغبن في حشد أمر تريده * وألب وجمع كل ما أنت جامع ودونك فاعلم أن نقض عهدونا * أباه عليك الرهط حين تبايعوا أباه البراء، وابن عمرو، كلاهما * وأسعد يأباه عليك ورافع وسعد أباه الساعدي، ومنذر * لانفك - إن حاولت ذلك - جادع وما ابن ربيع إن تناولت عهده * بمسلمه، لا يطمعن ثم طامع وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة * وإخفاره من دونه السم ناقع وفاء به، والقوقلى بن صامت * بمندوحة عما تحاول يافع أبو هيثم أيضا وفى بمثلها * وفاء بما أعطى من العهد خانع وما ابن حضير إن أردت بمطمع * فهل أنت عن أحموقة الغى نازع ؟ وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه * ضروح لما حاولت ملامر مانع أولاك نجوم لا يغبك منهم * عليك بنحس في دجى الليل طالع فذكر كعب فيهم " أبا الهيثم بن التيهان " ولم يذكر " رفاعة ". قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي - يعنى المسلمين - قالوا: نعم. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الانصاري، أخو بنى سالم بن عوف: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الاحمر والاسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله - وإن فعلتم - خزى الدنيا والآخرة، وإن كنتم يرون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الاموال، وقتل الاشراف،

[ 306 ]

فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الاموال، وقتل الاشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا [ بذلك ] ؟ قال: الجنة. قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه. وأما عاصم بن عمر [ بن قتادة ] فقال: والله ما قال ذلك العباس إلا ليشد العقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أعناقهم. وأما عبد الله بن أبى بكر فقال: ما قال ذلك العباس إلا ليؤخر القوم تلك الليلة، رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبى ابن سلول، فيكون أقوى لامر القوم، فالله أعلم أي ذلك كان. قال ابن هشام: سلول: امرأة من خزاعة، وهى أم [ عبد الله (1) بن ] أبى بن مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج. قال ابن إسحاق: فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة، أسعد بن زرارة، كان أول من ضرب على يده، وبنو عبد الاشهل يقولون: بل أبو الهيثم ابن التيهان. قال ابن إسحاق: فأما معبد بن كعب بن مالك فحدثني في حديثه، عن أخيه عبد الله بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك، قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور، ثم بايع بعد القوم. فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب - والجباجب: المنازل - هل لكم في مذمم والصباء معه، قد اجتمعوا على حربكم. قال: فقال رسول الله صلى الله (هامش ص 306) (1) سقط ما بين المعقوفين من ا، ب والصواب إثباته، فإذا قلت " عبد الله بن أبى سلول " حذفت ألف ابن بين عبد الله وأبى، وتثبت بين أبى وسلول، وينون أبى، لانه غير موصوف بابن، ويمنع سلول من الصرف للعلمية والتأنيث.

[ 307 ]

عليه وسلم: هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب - قال ابن هشام: ويقال ابن أزيب - أتسمع أي عدو الله، أما والله لافرغن لك. قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفضوا إلى رحالكم. قال: فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والله الذى بعثك بالحق: إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا ؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم. قال: فرجعنا إن مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا. [ قال ]: فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش، حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حى من العرب أبغض إلينا، أن تنشب الحرب بيننا وبينهم، منكم. قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شئ، وما علمناه. قال: وقد صدقوا، لم يعلموه. قال: وبعضنا ينظر إلى بعض. قال: ثم قام القوم، وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومى، وعليه نعلان له جديدان. قال: فقلت له كلمه كأنى أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا -: يا أبا جابر، أما تستطيع أن تتخذ، وأنت سيد من ساداتنا، مثل نعلي هذا الفتى من قريش ؟ قال: فسمعها الحارث، فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلى، وقال: والله لتنتعلنهما، قال: يقول أبو جابر: مه، أحفظت والله الفتى، فاردد إليه نعليه. قال: قلت: والله لا أردهما، فأل والله صالح، لئن صدق الفأل لاسلبنه. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر: أنهم أتوا عبد الله ابن أبى ابن سلول، فقالوا له مثل ما قال كعب من القول، فقال له: [ والله ] إن هذا الامر جسيم، ما كان قومي ليتفوتوا على بمثل هذا، وما علمته كان. قال فانصرفوا عنه.

[ 308 ]

قال: ونفر الناس من منى، فتنطس القوم الخبر، فوجدوه قد كان، وخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر، والمنذر بن عمرو، أخابنى ساعدة ابن كعب بن الخزرج، وكلاهما كان نقيبا، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه، فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه، ويجذبونه بجمته، وكان ذا شعر كثير. قال سعد: فوالله إنى لفى أيديهم إذ طلع عليهم نفر من قريش، فيهم رجل وضئ أبيض، شعشاع، حلو من الرجال. قال: فقلت في نفسي: إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا، قال: فلما دنا منى رفع يده فلكمنى لكمة شديدة. قال: فقلت في نفسي: لا والله ما عندهم بعد هذا من خير. قال: فوالله إنى لفى أيديهم يسحبونني إذ أوى لى رجل ممن كان معهم، فقال: ويحك ! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد ؟ قال: قلت: بلى، والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدى ابن نوفل بن عبد مناف تجاره، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي، وللحارث ابن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قال: ويحك ! فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالابطح ويهتف بكما، ويذكر أن بينه وبينكما جوارا، قالا: ومن هو ؟ قال: سعد بن عبادة، قال: صدق والله، إن كان ليجير لنا تجارنا، ويمنعهم أن يظلموا ببلده. قال: فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم، فانطلق، وكان الذى لكم سعدا سهيل بن عمرو، أخو بنى عامر بن لؤى. قال ابن هشام: وكان الرجل الذى أوى إليه، أبا البخترى بن هشام. قال ابن إسحاق: وكان أول شعر قيل في الهجرة بيتين، قالهما ضرار بن الخطاب بن مرداس أخو بنى محارب بن فهر [ فقال ]:

[ 309 ]

تداركت سعدا عنوة فأخذته * وكان شفاء لو تداركت منذرا ولو نلته طلت هناك جراحه * وكان حريا أن يهان ويهدرا قال ابن هشام: ويروى: * وكان حقيقا أن يهان ويهدرا * قال ابن إسحاق: فأجابه حسان بن ثابت [ فيهما ] فقال: لست إلى سعد ولا المرء منذر * إذا ما مطايا القوم أصبحن ضمرا فلولا أبو وهب لمرت قصائد * على شرف البرقاء يهوين حسرا أتفخر بالكتان لما لبسته * وقد تلبس الانباط ريطا مقصرا فلا تك كالوسنان يحلم أنه * بقرية كسرى أو بقرى قيصرا ولا تك كالثكلى وكانت بمعزل * عن الثكل لو كان الفوائد تفكرا ولا تك كالشاة التى كان حتفها * بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا ولا تك كالعاوى، فأقبل نحره * ولم يخشه، سهما من النبل مضمرا فإنا ومن يهدى القصائد نحونا * كمستبضع تمرا إلى أرض خيبرا قصة صنم عمرو بن الجموح قال: فلما قدموا المدينة أظهروا الاسلام بها، وفى قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك، منهم عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم ابن كعب بن سلمة، وكان ابنه معاذ بن عمرو شهد العقبة، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وكان عمرو بن الجموح سيدا من سادات بنى سلمة، وشريفا من أشرافهم، وكان قد اتخذ في داره صنما من خشب، يقال له: مناة، كما كانت الاشراف يصنعون، يتخذه إلها يعظمه ويطهره، فلما أسلم فتيان بنى سلمة، معاذ بن جبل، وابنه معاذب بن عمرو [ بنى الجموح ]، في فتيان منهم ممن أسلم وشهد العقبة، كانوا يدلجون بالليل على صنم عمر وذلك، فيحملونه

[ 310 ]

فيطرحونه في بعض حفر بنى سلمة، وفيها عذر الناس، منكسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم ! من عدا على إلهنا هذه الليلة ؟ قال: ثم يغدو يلتمسه، حتى إذا وجهد غسله وطهره وطيبه، ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل هذا بك لاخزينه، فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه، ففعلوا به مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان من الاذى، فيغسله ويطهره ويطيبه، ثم يعدون عليه إذا أمسى، فيفعلون به مثل ذلك. فلما أكثروا عليه، استخرجه من حيث ألقوه يوما، فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال: إنى والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك. فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بنى سلمة، فيها عذر من عذر الناس، ثم غدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذى كان به. فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت، فلما رآه وأبصر شأنه، وكلمه من أسلم من [ رجال ] قومه، فأسلم برحمة الله وحسن إسلامه. فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف، وهو يذكر صمنه ذلك وما أبصر من أمره، ويشكر الله تعالى الذى أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة: والله لو كنت إلها لم تكن * أنت وكلب وسط بئر في قرن أفى لملقاك إلها مستدن * الآن فتشناك عن سوء الغبن الحمد لله العلى ذى المنن * الواهب الرزاق ديان الدين هو الذى أنقذني من قبل أن * أكون في ظلمة قبر مرتهن [ * بأحمد المهدى النبي المؤتمن * ]

[ 311 ]

شروط البيعة في العقبة الاخيرة قال ابن إسحاق: وكانت بيعة الحرب، حين أذن الله لرسوله [ صلى الله عليه وسلم في القتال شروطا سوى شرطه عليهم في العقبة الاولى، كانت الاولى على بيعة النساء، وذلك أن الله تعالى لم يكن أذن لرسوله ] صلى الله عليه وسلم في الحرب، فلما أذن الله له فيها، وبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الاخيرة على حرب الاحمر والاسود، أخذ لنفسه، واشتراط على القوم لربه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة. قال ابن إسحاق: فحدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه الوليد، عن جده عبادة بن الصامت، وكان أحد النقباء، قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب، وكان عبادة من الاثنى عشر الذين بايعوه في العقبة الاولى على بيعة النساء - على السمع والطاعة، في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الامر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. أسماء من شهد العقبة قال ابن إسحاق: وهذه تسمية من شهد العقبة، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها من الاوس والخزرج، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين شهدها من الاوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ثم من بنى عبد الاشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس: أسيد ابن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل نقيب لم يشهد بدرا. وأبو الهيثم بن التيهان، واسمه مالك، شهد بدرا. وسلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الاشهل، شهد بدرا، ثلاثة نفر - قال ابن هشام: ويقال ابن زعوراء (بفتح العين) - قال ابن إسحاق:

[ 312 ]

ومن بنى حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس: ظهير ابن رافع بن عدى بن زيد بن جشم بن حارثة، وأبو بردة بن نيار، واسمه هانئ ابن نيار بن عمرو بن عبيد بن [ عمرو بن ] كلاب بن دهمان بن غنم بن ذهل بن هميم ابن كاهل بن ذهل بن هنى بن بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، حليف لهم، شهد بدرا. ونهير بن الهيثم، من بنى نابى بن مجدعة بن حارثة، [ بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس ] [ ثم من آل السواف بن قيس بن عامر ابن نابى بن مجدعة بن حارثة ]. ثلاثة نفر. ومن بنى عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس: سعد بن خيثمة بن الحارث ابن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الاوس، نقيب، شهد بدرا، فقتل به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا. قال ابن هشام: ونسبه ابن إسحاق في بنى عمرو بن عوف، وهو من بنى غنم بن السلم، لانه ربما كانت دعوة الرجل في القوم، ويكون فيهم فينسب إليهم. قال ابن إسحاق: ورفاعة بن عبد المنذر بن زنبر بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو، نقيب، شهد بدرا [ وقتل يوم أحد شهيدا ]. وعبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك - واسم البرك: امرؤ القيس بن ثعلبة بن عمرو [ بن عوف بن مالك بن الاوس ] - شهد بدرا، وقتل يوم أحد شهيدا أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة. ويقال: أمية بن البرك، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: ومعن بن عدى بن الجد بن العجلان [ بن حارثة ] بن ضبيعة، حليف لهم من بلى، شهد بدرا وأحدا والخندق، ومشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها، قتل يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه.

[ 313 ]

وعويم بن ساعدة، شهد بدرا وأحدا والخندق، خمسة نفر. فجميع من شهد العقبة من الاوس أحد عشر رجلا. وشهدها من الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ثم من بنى النجار، وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج: أبو أيوب، وهو خالد ابن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار، شهد بدرا وأحد والخندق والمشاهد كلها، مات بأرض الروم غازيا في زمن معاوية [ بن أبى سفيان ] ومعاذ بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم ابن مالك بن النجار، شهد بدرا وأحدا والخندق، والمشاهد كلها، وهو ابن عفراء، وأخوه عوف بن الحارث، شهد بدرا وقتل به شهيدا، [ وهو لعفراء، وأخوه معوذ بن الحارث، شهد بدرا وقتل به شهيدا ]، وهو الذى قتل أبا جهل ابن هشام بن المغيرة، وهو لعفراء - ويقال: رفاعة ابن الحارث بن سواد، فيما قال ابن هشام - وعمارة بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف ابن غنم بن مالك بن النجار. شهد بدرا وأحدا والخندق، والمشاهد كلها، قتل يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه. وأسعد بن زرارة ابن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، نقيب، مات قبل بدر ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبنى، وهو أبو أمامة، ستة نفر. ومن بنى عمرو بن مبذول - ومبذول: عامر بن مالك بن النجار -: سهل ابن عتيك بن نعمان بن عمرو بن عتيك بن عمرو، شهد بدرا، رجل. ومن بنى عمرو بن مالك بن النجار، وهم بنو حديلة - قال ابن هشام: حديلة: بنت مالك بن زيد مناة بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب ابن جشم بن الخزرج - أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة ابن عدى بن عمرو بن مالك [ بن النجار ]، شهد بدرا. وأبو طلحة، وهو

[ 314 ]

زيد بن سهل بن الاسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدى بن عمرو بن مالك [ بن النجار ]، شهد بدرا، رجلان. ومن بنى مازن بن النجار: قيس بن أبى صعصعة، واسم أبى صعصعة، عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن، شهد بدرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله على الساقة يومئذ. وعمرو بن غزية ابن عمرو بن ثعلبة بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن، رجلان، فجميع من شهد العقبة من بنى النجار أحد عشر رجلا. قال ابن هشام: عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة بن خنساء، هذا الذى ذكره ابن إسحاق، وإنما هو غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء. قال ابن إسحاق: ومن بلحارث بن الخزرج: سعد بن الربيع بن عمرو ابن أبى زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك [ الاغر ] بن ثعلبة بن كعب ابن الخزرج بن الحارث، نقيب، شهد بدرا وقتل يوم أحد شهيدا. وخارجة ابن زيد بن أبى زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك [ الاغر ] بن ثعلبة ابن كعب بن الخزرج بن الحارث، شهد بدرا وقتل يوم أحد شهيدا. وعبد الله ابن رواحة [ بن ثعلبة ] بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس [ الاكبر ] ابن مالك [ الاغر ] بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث، نقيب، شهد بدرا واحدا والخندق ومشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها، إلا الفتح وما بعده، وقتل يوم مؤته شهيدا أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. بشير ابن سعد بن ثعلبة [ بن خلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة ] بن كعب بن الخزرج ابن الحارث، أبو النعمان بن بشير، شهد بدرا. وعبد الله بن زيد بن ثعلبة ابن عبد ربه بن زيد [ مناة ] بن الحارث بن الخزرج، شهد بدرا، وهو الذى أرى النداء للصلاة، فجاء به إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر [ ه ] به وخلاد ابن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرئ القيس [ بن مالك بن ثعلبة ]

[ 315 ]

ابن كعب بن الخزرج، شهد بدرا وأحدا والخندق، وقتل يوم بنى قريظة شهيدا، طرحت عليه رحى من أطم من آطامها فشدخته شدخا شديدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون -: إن له لاجر شهيدين. وعقبة بن عمرو ابن ثعلبة بن أسيرة بن عسيرة بن جدارة بن عوف بن الحارث [ بن الخزرج ]، وهو أبو مسعود، وكان أحدث من شهد العقبة سنا، [ مات في أيام معاوية ] لم يشهد بدرا، سبعة نفر. ومن بنى بياضة بن عامر بن زريق بن عبد حارثة [ بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج ]: زياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان بن عامر بن عدى بن أمية بن بياضة، شهد بدرا. وفروة بن عمرو بن وذقة بن عبيد بن عامر بن بياضة، شهد بدرا. قال ابن هشام: ويقال: ودفة قال ابن إسحاق: وخالد بن قيس بن مالك بن العجلان بن عامر بن بياضة، شهد بدرا، ثلاثة نفر. ومن بنى زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج: رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق، نقيب. وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق، وكان خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معه بمكة، وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ من المدينة ] فكان يقال له: مهاجري أنصارى، شهد بدرا وقتل يوم أحد شهيدا. وعبادة بن قيس بن عامر بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق، شهد بدرا، والحارث بن قيس بن خالد [ بن مخلد ] بن عامر بن زريق، [ وهو أبو خالد ] شهد بدرا، أربعة نفر. ومن سلمة بن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، ثم من بنى عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة: البراء بن معرور ابن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد [ بن عدى بن غنم ] نقيب، وهو الذى

[ 316 ]

تزعم بنو سلمة أنه كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرط له، واشترط عليه، ثم توفى قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. وابنه بشر بن البراء بن معرور، شهد بدرا وأحدا والخندق، ومات بخيبر من أكلة أكلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الشاة التى سم فيها - وهو الذى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سأل بنى سلمة: من سيدكم يا بنى سلمة ؟ فقالوا: الجد بن قيس، على بخله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأى داء أكبر من البخل ! سيد بنى سلمة الابيض الجعد، بشر بن البراء بن معرور - وسنان بن صيفي بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد، شهد بدرا، [ وقتل يوم الخندق شهيدا ]. والطفيل بن النعمان ابن خنساء بن سنان بن عبيد، شهد بدرا، وقتل يوم الخندق شهيدا. ومعقل ابن المنذر بن سرح بن خناس بن سنان بن عبيد، شهد بدرا. [ وأخوه ] يزيد ابن المنذر، شهد بدرا. ومسعود بن يزيد بن سبيع بن خنساء بن سنان بن عبيد. الضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بن عبيد، شهد بدرا. ويزيد بن حرام (1) ابن سبيع بن خنساء بن سنان بن عبيد. وجبار بن صخر بن أمية بن خنساء ابن سنان بن عبيد، شهد بدرا. قال ابن هشام: ويقال: جبار بن صخر بن أمية بن خناس. وقال ابن إسحاق: والطفيل بن مالك بن خنساء بن سنان بن عبيد، شهد بدرا، أحد عشر رجلا. ومن بنى سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، ثم من بنى كعب بن سواد: كعب بن مالك بن أبى كعب بن القين بن كعب، رجل. ومن بنى غنم بن سواد [ بن غنم ] بن كعب بن سلمة: سليم بن عمرو بن حديدة بن عمرو بن غنم، شهد بدرا. وقطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم شهد بدرا. و [ أخوه ] يزيد بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم، وهو (هامش ص 316) (1) في ا " يزيد بن خذام " وضبط بالحركات بوزن كتاب.

[ 317 ]

أبو المنذر، شهد بدرا. وأبو اليسر، واسمه كعب بن عمرو بن عباد ابن عمرو بن غنم، شهد بدرا. وصيفى بن سواد بن عباد بن عمرو بن غنم، خمسة نفر. قال ابن هشام: صيفي: ابن أسود بن عباد بن عمرو بن سواد، وليس لسواد ابن يقال له غنم. قال ابن إسحاق: ومن بنى نابى بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة: ثعلبة بن غنمة بن عدى بن نابى، شهد بدرا، وقتل بالخندق شهيدا. وعمرو بن غنمة بن عدى بن نابى. وعبس بن عامر بن عدى بن نابى، شهد بدرا. وعبد الله بن أنيس، حليف لهم من قضاعة. وخالد بن عمرو بن عدى بن نابى، خمسة نفر. قال ابن إسحاق: ومن بنى حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة: عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام، نقيب، شهد بدرا، وقتل يوم أحد شهيدا. وابنه جابر بن عبد الله. ومعاذ بن عمرو بن الجموح بن زيد (1) ابن حرام، شهد بدرا، وثابت بن الجذع - والجذع: ثعلبة بن زيد بن الحارث ابن حرام - شهد بدرا، وقتل بالطائف شهيدا. وعمير بن الحارث بن ثعلبة ابن الحارث بن حرام، شهد بدرا. قال ابن هشام: عمير ابن الحارث بن لبدة بن ثعلبة. قال ابن إسحاق: وخديج بن سلامة بن أوس بن عمرو بن الفرافر، حليف لهم من بلى. ومعاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن [ عدى بن ] كعب بن عمرو بن أدى بن سعد بن على بن أسد، ويقال: أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، وكان في بنى سلمة، شهد بدرا والمشاهد كلها، ومات بعمواس، عام الطاعون بالشام، في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وإنما (هامش ص 317) (1) في ب " بن يزيد ".

[ 318 ]

ادعته بنو سلمة أنه كان أخا سهل بن محمد بن الجد بن قيس بن صخر بن خنساء ابن سنان بن عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة لامه، سبعة نفر. قال ابن هشام: أوس: ابن عباد بن عدى بن كعب بن عمرو بن أذن ابن سعد. قال ابن إسحاق: ومن بنى عوف بن الخزرج، ثم من بنى سالم بن عوف ابن عمرو بن عوف بن الخزرج: عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر ابن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف، نقيب، شهد بدرا والمشاهد كلها. قال ابن هشام: هو غنم بن عوف، أخو سالم بن عوف بن عمرو بن عوف ابن الخزرج. قال ابن إسحاق: والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان ابن زيد بن غنم بن سالم بن عوف، وكان ممن خرج إلى رسول الله صلى الله علهى وسلم وهو بمكة، فأقام معه بها، فكان يقال له: مهاجري أنصارى، وقتل يوم أحد شهيدا. وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو ابن عمارة، حليف لهم من بنى غصينة من بلى. وعمرو بن الحارث بن لبدة ابن عمرو بن ثعلبة، أربعة نفر، وهم القواقل. ومن بنى سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج، وهم بنو الحبلى - قال ابن هشام: الحبلى: سالم بن غنم بن عوف، وإنما سمى " الحبلى " لعظم بطنه: رفاعة بن عمرو بن يزيد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن سالم بن غنم، شهد بدرا وهو أبو الوليد. قال ابن هشام: ويقال رفاعة: ابن مالك، ومالك: ابن الوليد بن عبد الله بن مالك بن ثعلبة بن جشم بن مالك بن سالم. قال ابن إسحاق: وعقبة بن وهب بن كلدة بن الجعد بن هلال بن الحارث ابن عمرو بن عدى بن جشم بن عوف بن بهثة بن عبد الله بن غطفان بن سعد

[ 319 ]

ابن قيس بن عيلان، حليف لهم، شهد بدرا، وكان ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا من المدينة إلى مكة، فكان يقال له: مهاجري أنصارى. قال ابن هشام: رجلان. قال ابن إسحاق: ومن بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج: سعد [ بن عبادة ] بن دليم بن حارثة بن أبى خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة، نقيب. والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن [ جشم بن ] الخزرج بن ساعدة، نقيب، شهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذى كان يقال: أعنق ليموت، رجلان. [ قال ابن هشام: ويقال المنذر ابن عمرو بن خنش ]. قال ابن إسحاق: فجميع من شهد العقبة من الاوس والخزرج ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان منهم، يزعمون أنهما قد بايعتا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء، إنما كان يأخذ عليهن، فإذا أقررن قال: اذهبن فقد بايعتكن. ومن بنى مازن بن النجار: نسيبة بنت كعب بن عمر بن عوف بن مبذول ابن عمرو بن غنم بن مازن، وهى أم عمارة، كانت شهدت الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدت معها أختها، وزوجها زيد بن عاصم بن كعب. وابناها: حبيب بن زيد، وعبد الله بن زيد - وابنها حبيب الذى أخذه مسيلمة الكذاب الحنفي، صاحب اليمامة، فجعل يقول له: أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ فيقول: نعم، فيقول: أفتشهد أنى رسول الله ؟ فيقول: لا أسمع، فجعل يقطعه عضوا عضوا حتى مات في يده، لا يزيده على ذلك، إذا ذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن به وصلى عليه، وإذا ذكر له مسيلمة قال: لا أسمع -

[ 320 ]

فخرجت إلى اليمامة مع المسلمين فباشرت الحرب بنفسها، حتى قتل الله مسيلمة، ورجعت وبها اثنا عشر جرحا، من بين طعنة وضربة. قال ابن إسحاق: حدثنى هذا الحديث عنها محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة. ومن بنى سلمة: أم منيع، واسمها: أسماء بنت عمرو بن عدى بن نابى بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة. نزول الامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال قال محمد بن إسحاق المطلبى: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لو يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله، والصبر على الاذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من [ قومه من ] المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم من بلادهم، فهم من بين مفتون في دينه، ومن بين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فرارا منهم، منهم من بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة، وفى كل وجه، فلما عتت قريش على الله عزوجل، وردا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه صلى الله عليه وسلم، وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه، أذن الله عزوجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب وإحلاله له الدماء والقتال لمن بغى عليهم، فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء، قول الله تبارك وتعالى: " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله، ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، إن

[ 321 ]

الله لقوى عزيز * الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر، ولله عاقبة الامور - 40 و 41 من سورة الحج }، أي أنى إنما أحللت لهم القتال لانهم ظلموا، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس إلا أن يعبدوا الله، وأنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعرف ونهو عن المنكر، يعنى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم أجمعين، ثم أنزل الله تبارك وتعالى عليه: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة - 193 من سورة البقرة }، أي حتى لا يفتن مؤمن عن دينه { ويكون الدين لله }، أي حتى يعبد الله لا يعبد معه غيره. قال ابن إسحاق: فلما أذن الله تعالى له صلى الله عليه وسلم في الحرب، وبايعه هذا الحى من الانصار على الاسلام والنصرة له ولمن اتبعه، وأوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين، بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الانصار، وقال: إن الله عزوجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها، فخرجوا أرسالا، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة، والهجرة إلى المدينة. ذكر المهاجرين إلى المدينة فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش، من بنى مخزوم: أبو سلمة بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسمه عبد الله، هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة، كان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من أرض الحبشة، فلما آذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الانصار، خرج إلى المدينة مهاجرا.

[ 322 ]

قال ابن إسحاق: فحدثني أبى إسحاق بن يسار عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبى سلمة، عن جدته أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لى بعيره ثم حملني عليه، وحمل معى ابني سلمة بن أبى سلمة في حجري، ثم خرج بى يقود بى بعيره، فلما رأته رجال بنى المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه ؟ علام نتركك تسير بها في البلاد ؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الاسد ؟ رهط أبى سلمة، فقالوا: لا والله، لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا بنى سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الاسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: ففرق بينى وبين زوجي وبين ابني. قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالابطح فما أزال أبكى، حتى أمسى سنة أو قريبا منها، حتى مر بى رجل من بنى عمى، أحد بنى المغيرة، فرأى ما بى فرحمني، فقال لبنى المغيرة، ألا تخرجون هذه المسكينة ! فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها ! قالت: فقالوا لى: الحقى بزوجك إن شئت. قالت: ورد بنو عبد الاسد إلى عند ذلك ابني. قالت: فارتحلت بعيرى، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معى أحد من خلق الله، قالت: فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبى طلحة، أخا بنى عبدالدار، فقال لى: إلى أين يا بنت أبى أمية ؟ قالت: فقلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد ؟ قالت: فقلت: لا والله، إلا الله وبنى هذا. قال: والله مالك من مترك، فأخذ بخطام البعير، فانطلق معى يهوى بى، فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط، أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بى، ثم

[ 323 ]

استأخر عنى، حتى إذا نزلت استأخر ببعيرى، فحط عنه، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى [ عنى ] إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيرى فقدمه فرحله، ثم استأخر عنى، وقال: اركبي، فإذا ركبت واستويت على بعيرى أتى فأخذ بخطامه، فقاده، حتى ينزل بى. فلم نزل يصنع ذلك بى حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بنى عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة نازلا بها - فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة. قال: فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الاسلام أصابهم ما أصاب آل أبى سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة. قال ابن إسحاق: ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبى سلمة: عامر بن ربيعة، حليف بنى عدى بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة ابن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب. ثم عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير (1) بن غنم بن دودان ابن أسد بن خزيمة، حليف بن أمية بن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه عبد ابن جحش، وهو أبو أحمد - وكان أبو أحمد رجلا ضرير البصر، وكان يطوف مكة، أعلاها وأسفلها، بغير قائد، وكان شاعرا، وكانت عنده الفرعة بنة أبى سفيان بن حرب، وكان أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم - فغلقت دار بنى جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة، والعباس بن عبد المطلب، وأبو جهل بن هشام بن المغيرة، وهى دار أبا بن عثمان اليوم التى بالردم، وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة بن ربيعة تخفق أبوابها يبابا، ليس فيها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء، ثم قال: وكل دار وإن طالت سلامتها * يوما ستدركها النكباء والحوب (هامش ص 323) (1) في ب " بن كثير " بالثاء المثلثة.

[ 324 ]

قال ابن هشام: وهذا البيت لابي داود الابادي في قصيدة له. والحوب: التوجع، [ وهو في موضع آخر: الحاجة، ويقال: الحوب: الاثم ]. قال ابن إسحاق: ثم قال عتبة [ بن ربيعة: أصبحت دار بنى جحش خلاء من أهلها ! فقال أبو جهل: وما تبكى عليه من قل بن قل ؟ قال ابن هشام: القل: الواحد، قال لبيد بن ربيعة: كل بنى حرة مصيرهم * قل، وإن أكثرت من العدد قال ابن إسحاق: ثم قال: هذا عمل ابن أخى هذا، فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وقطع بيننا. فكان منزل أبى سلمة بن عبد الاسد، وعامر بن ربيعة، وعبد الله بن جحش، وأخيه أبى أحمد بن جحش، على مبشر بن عبد المنذر بن زنبر بقباء، في بنى عمرو بن عوف، ثم قدم المهاجر أرسالا، وكان بنو غنم بن دودان أهل إسلام، قد أوعبوا إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرة، رجالهم ونساؤهم: عبد الله بن جحش، وأخوه أبو أحمد بن جحش، وعكاشة ابن محصن، وشجاع، وعقبة، ابنا وهب، وأربد بن حميرة. قال ابن هشام: ويقال ابن حميرة. قال ابن إسحاق: ومنقذ بن نباتة، وسعيد بن رقيش، ومحرز بن نصلة، ويزيد بن رقيش، وقيس بن خابر (1)، وعمرو بن محصن، ومالك بن عمرو، وصفوان بن عمرو، وثفف بن عمرو، وربيعة بن أكثم، والزبير بن عبيدة، وتمام ابن عبيدة، وسخبرة بن عبيدة، ومحمد بن عبد الله بن حجش. ومن نسائهم: زينب بنت جحش، وأم حبيب بنت جحش، وجذامة بنت جندل، وأم قيس بنت محصن، وأم حبيب بنت ثمامة، وآمنة (2) بنت رقيش، وسخبرة بنت تميم، وحمنة بنت جحش. (هامش ص 324) (1) في ب " بن جابر ". (2) في نسخة أشير لها بهامش ا " أميمة ".

[ 325 ]

وقال أبو أحمد بن جحش بن رئاب، وهو يذكر هجرة بنى أسد بن خزيمة من قومه إلى الله تعالى وإلى رسول صلى الله عليه وسلم، وإيعابهم في ذلك، حين دعوا إلى الهجرة: ولو حلفت بين الصفا أم أحمد * ومروتها بالله برت يمينها لنحن الالى كنابها ثم لم نزل بمكة حتى عاد غثا سمينها بها خيمت غنم بن دودان وابتنت * وما إن غدت غنم وخف قطينها (1) إلى الله تغدو بين مثنى وواحد * ودين رسول الله بالحق دينها وقال أبو أحمد بن جحش أيضا: لما رأتنى أم أحمد غاديا * بذمة من أخشى بغيب وأرهب تقول: فإما كنت لابد فاعلا * فيمم بنا البلدان ولتنأ يثرب فقلت لها: بل يثرب اليوم وجهنا * وما يشاء الرحمن فالعبد يركب إلى الله وجهى والرسول، ومن يقم * إلى الله تبكى وجهه لا يخيب فكم قد تركنا من حميم مناصح * وناصحة تبكى بدمع وتندب ترى أن وترا نأينا عن بلادنا * ونحن نرى أن الرغائب نطلب دعوت بنى غنم لحقن دمائهم * وللحق لما لاح الناس ملحب (2) أجابوا بحمد الله لما دعاهم * إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى * أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا كفوجين: أما منهما فموفق * على الحق مهدى، وفوج معذب طغوا، وتمنوا كذبة، وأزلهم * عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا ورعنا إلى قول النبي محمد * فطاب ولاة الحق منا وطيوا نمت بأرحام إليهم قريبة * ولا قرب بالارحام إذ لا تقرب فأى ابن أخت بعدنا يأمننكم * وأية صهر بعد صهرى ترقب (هامش ص 325) (1) في ا " ومنها غدت غنم - إلخ ". (2) الملحب: الطريق.

[ 326 ]

ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا * وزيل أمر الناس للحق أصوب قال ابن هشام: قوله " ولتنأ يثرب " وقوله: " إذ لا تقرب "، عن غير ابن إسحاق. قال ابن هشام يريد بقوله: " إذ " إذا، كقوله الله عزوجل: { إذ الظالمون موقوفون عند ربهم - 31 من سورة سبأ " قال أبو النجم العجلى: ثم جزاه الله عنا إذ جزى * جنات عدن في العلالى والعلا هجرة عمر وقصة عياش معه حين قدم المدينة قال ابن إسحاق: ثم خرج عمر بن الخطاب، وعياش بن أبى ربيعة المخزومى حتى قدما المدينة. فحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب، قال: اتعدت، لما أردنا الهجرة إلى المدينة، أنا وعياش ابن أبى ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السهمى التناضب من أضاة بنى غفار، فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس، فليمض صاحباه قال: فاصبحت أنا وعياش بن أبى ربيعة عند التتاضب، وحبس عنا هشام، وفتن فافتتن. فلما قدمنا المدينة نزلنا في بنى عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل ابن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبى ربيعة، وكان ابن عمهما وأخاهما لامهما، حتى قدما علينا المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فكلماه وقالا له: إن إمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرق لها، فقلت له: يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لا متشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، قال: فقال: أبر قسم أمي، ولى هنالك مال فاخذه. قال: فقلت: والله إنك لتعلم إنى لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالى ولا تذهب معهما. قال: فأبى على إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قال: قلت له: أما إذ قد فعلت ما فعلت، فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة

[ 327 ]

ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب، فانج عليها. فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال له أبو جهل: يابن أخى، والله لقد استغلظت بعيرى هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه ؟ قال: بلى، قال: فأناخ، وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالارض عدوا عليه، فأوثقاه رباطا، ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن. قال ابن إسحاق: فحدثني به بعض آل عياش بن أبى ربيعة: أنهما حين دخلا به مكة دخلا به نهارا موثقا، ثم قالا: يأهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا. قال ابن إسحاق: وحدثني نافع، عن عبد الله بن عمر، عن عمر في حديثه قال: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم ! قال: وكانوا يقولون ذلك لانفسهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أنزل الله تعالى فيهم، وفى قولنا وقولهم لانفسهم: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أ، يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون - 53 و 55 من سورة الزمر }. قال عمر بن الخطاب: فكتبتها بيد في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام ابن العاصى، قال: فقال هشام بن العاصى: فلما أتتنى جعلت أقرؤها بذى طوى أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهمنيها، قال: فألقى الله تعالى في قلبى أنها إنما أنزلت فينا، وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا. قال: فرجعت إلى بعيرى، فجلست عليه، فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة.

[ 328 ]

قال ابن هشام: فحدثني من أثق به: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وهو بالمدينة: من لى بعياش بن أبى ربيعة، وهشام بن العاصى ؟ فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله بهما، فخرج إلى مكة، فقدمها مستخفيا، فلقى أمرأة تحمل طعاما، فقال لها: أين تريدين يا أمة الله ؟ قالت: أريد هذين المحبوسين - تعنيهما - فتبعها حتى عرف موضعهما، وكانا محبوسين في بيت لا سقف له، فلما أمسى تسور عليهما، ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما، ثم ضربهما بسيفه فقطعهما فكان يقول لسيفه: " ذو المروة "، لذلك، ثم حملهما على بعيره، وساق بهما، فعثر فدميت أصبعه، فقال: هل أنت إلا أصبع دميت * وفى سبيل الله ما لقيت ثم قدم بهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. منازل المهاجرين بالمدينة [ على الانصار ] قال ابن إسحاق: ونزل عمر بن الخطاب حين قدم المدينة ومن لحق به من أهله وقومه، وأخوه زيد بن الخطاب، وعمرو و عبد الله ابنا سراقة ة بن المعتمر، وخنيس بن حذافة السهمى - وكان صهره على ابنته حفصة بنت عمر، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده - وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وواقد ابن عبد الله التميمي، حليف لهم، وخولى بن أبى خولى، ومالك بن أبى خولى حليفان لهم. قال ابن هشام: أبو خولى: من بنى عجل بن لجيم بن صعب [ بن على ] بن بكر بن وائل. قال ابن إسحاق: وبنو البكير أربعتهم: إياس بن البكير، وعاقل ابن البكير، وعامر بن البكير، وخالد بن البكير، حلفاؤهم من بنى سعد

[ 329 ]

ابن ليث، على رفاعة بن عبد المنذر بن زنبر، في بنى عمرو بن عوف بقباء، وقد كان منزل عياش بن أبى ربيعة معه عليه حين قدما المدينة. ثم تتابع المهاجرون، فنزل طلحة بن عبيدالله بن عثمان، وصهيب بن سنان على خبيب بن إساف، أخى بلحارث بن الخزرج بالسنح. ويقال: بل نزل طلحة بن عبيدالله على أسعد بن زرارة، أخى بنى النجار. قال ابن هشام: وذكر لى عن أبى عثمان النهدي، أنه قال: بلغني أن صهيبا - حين أراد الهجرة - قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا، وبلغت الذى بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك ! فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى ؟ قالوا: نعم، قال: فإنى جعلت لكم مالى، قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ربح صهيب ! ربح صهيب ! قال ابن إسحاق: ونزل حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو مرثد كناز ابن حصن - قال ابن هشام: ويقال: ابن حصين - وابنه مرثد العنويان، حليفا حمزة ابن عبد المطلب، وأنسة، وأبو كبشة، موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على كلثوم بن هدم، أخى بنى عمرو بن عوف بقباء، ويقال: بل نزلوا على سعد ابن خيثمة، ويقال: بل نزل حمزة بن عبد المطلب على سعد بن زرارة، أخى بنى النجار، كل ذلك يقال. ونزل عبيدة بن الحارث بن المطلب، وأخواه: الطفيل بن الحارث، والحصين ابن الحارث، ومسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، وسويبط بن سعد بن حريملة أخو بنى عبدالدار، وطليب بن عمير، أخو بنى عبد قصى، وخباب، مولى عتبة بن غزوان، على عبد الله بن سلمة، أخى بلعجلان بقباء. ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع

[ 330 ]

أخى بلحارث بن الخزرج، في دار بلحارث بن الخزرج. ونزل الزبير بن العوام، وأبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى، على منذر ابن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بالعصبة، دار بنى جحجبى. ونزل مصعب بن عمير بن هاشم، أخو بنى عبدالدار، على سعد بن معاذ ابن النعمان، أخى بنى عبد الاشهل، في دار بنى عبد الاشهل. ونزل أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبى حذيفة - قال ابن هشام: سلم مولى أبى حذيفة سائبة، لثبيتة بنت يعار بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس، سيبته فانقطع إلى أبى حذيفة بن عتبة بن ربيعة فتبناه، فقيل: سالم مولى أبى حذيفة، ويقال: كانت ثبيتة بنت يعار تحت أبى حذيفة بن عتبة، فأعتقت سالما سائبة، فقيل: سالم مولى أبى حذيفة. قال ابن إسحاق: ونزل عتبة بن غزوان بن جابر على عباد بن بشر بن وقش أخى بنى عبد الاشهل، في دار بنى عبد الاشهل. ونزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت بن المنذر، أخى حسان بن ثابت في دار بنى النجار، فلذلك كان حسان يحب عثمان ويبكيه حين قتل. وكان يقال: نزل الاعزاب (1) من المهاجرين على سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا، فالله أعلم أي ذلك كان. هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن، إلا على بن أبى طالب، وأبو بكر بن أبى قحافة الصديق رضى الله عنهما، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فيقول (هامش ص 330) (1) في أصل ا " العزاب " كتجار وكفار، هنا وفيما يلى ص 341 و 342.

[ 331 ]

له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا، فيطمع أبو بكر أن يكونه. قال ابن إسحاق: ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا، وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة - وهى دار قصى بن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها - يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين خافوه. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبى نجيح، عن مجاهدين جبير (1) أبى الحجاج [ وغيره ممن لا أتهم ] عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: لما أجمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا [ في ] دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، غدوا في اليوم الذى اتعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بت له، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشيخ ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذى اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا، قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش، من بنى عبد شمس: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب. ومن بنى نوفل بن عبد مناف: طعيمة بن عدى، وجبير ابن مطعم، والحارث بن عامر بن نوفل. ومن بنى عبدالدار بن قصى: النضر ابن الحارث بن كلدة. ومن بنى أسد بن عبد العزى: أبوالبخترى بن هشام، وزمعة بن الاسود بن المطلب، وحكيم بن حزام، ومن بنى مخزوم: أبو جهل ابن هشام. ومن بنى سهم: نبيه ومنبه ابنا الحجاج. ومن بنى جمح: أمية (هامش ص 331) (1) صححت بهامش ا " مجاهد بن جبر " وليس بذاك.

[ 332 ]

ابن خلف، ومن كان معهم، وغيرهم ممن لا يعد من قريش فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد ابتعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا. قال: فتشاوروا ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرا والنابغة، ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم، فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأى. والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذى أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلاوشكوا أن يثبوا عليكم، فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به، حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأى، فانظروا في غيره، فتشاوروا، ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا، فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه، فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأى، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حى من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم [ في بلادكم ]، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيا غيره هذا. قال: فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لى فيه لرأيا أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم ؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل، فعقلناه لهم، قال: فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأى الذى

[ 333 ]

لا رأى غيره، فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له. قال: فأتى جبري عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه. قال: فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلى بن أبى طالب: نم على فراشي وتسج ببردى هذا الحضرمي الاخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شى تكرهه منهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في بردة ذلك إذا نام. قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى، قال: لما اجتمعوا له، وفيهم أبو جهل بن هشام، فقال وهم على بابه: إن محمد يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الاردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها. قال: وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: [ نعم ] أنا أقول ذلك، أنت أحدهم، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه، فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من يس: { يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم } إلى قوله: { فأغشيناهم فهم لا يبصرون - 1 و 9 من سورة يس } حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون هاهنا ؟ قالوا: محمدا، قال: خيبكم الله ! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم ؟ قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا

[ 334 ]

ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام على رضى الله عنه عن الفراش، فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذى حدثنا. قال ابن إسحاق: وكان مما أنزل الله عزوجل من القرآن في ذلك اليوم، وما كانوا أجمعوا له: { وإذ يمكر بك الذين كفرا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين - 30 من سورة الانفال }، وقوله الله عزوجل: { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون * قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين - 30 و 31 من سورة الطور }. قال ابن هشام: المنون: الموت، وريب المنون: ما يريب ويعرض منها. قال أبو ذؤيب الهذلى: أمن المنون وريبها تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: وأذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم عند ذلك في الهجرة. قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر رضى الله عنه رجلا ذا مال، فكان حين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبا، قد طمع بأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعنى نفسه، حين قال له ذلك، فابتاع راحلتين، فاحتبسهما في دراه، يعلفها إعداد لذلك. قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبى بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذى أذن فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهرى قومه، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتي

[ 335 ]

فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا لامر حدث. قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس عند أبى بكر إلا أنا وأختى أسماء بنت أبى بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرج عنى من عندك، فقال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاى، وما ذاك ؟ فداك أبى وأمى ! فقال: إن الله قد أذن لى في الخروج والهجرة قالت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: الصحبة قال: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكى يومئذ، ثم قال: يا نبى الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا. فاستأجرا عبد الله بن أقط - رجلا من بنى الدئل ابن بكر، وكانت أمه امرأة من بنى سهم بن عمرو، وكان مشركا - يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. قال ابن إسحاق: ولم يعلم، فيما بلغني، بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد، حين خرج، إلا على بن أبى طالب، وأبو بكر الصديق، وآل أبى بكر. أما على فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة، حتى يؤدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده للناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شئ يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج، أتى أبا بكر بن أبى قحافة، فخرجا من خوخة لابي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور - جبل بأسفل مكة - فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبى بكر أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره،

[ 336 ]

ثم يريحها عليهما [ يأتيهما ] إذا أمسى في الغار، وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، أن الحسن بن أبى الحسن البصري قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلا، فدخل أبو بكر رضى الله عنه قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمس الغار، لينظر أفيه سبع أو حية، يقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه. قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر، وجعلت قريش فيه - حين فقدوه - مائة ناقة، لمن يرده عليهم. وكان عبد الله بن أبى بكر يكون في قريش نهاره معهم، يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر. وكان عامر بن فهيرة، مولى أبى بكر رضى الله عنه، يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبى بكر، فاحتلبا وذبحا، فإذا عبد الله بن أبى بكر غدا من عندهما إلى مكة، اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفى عليه، حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذى استأجراه ببعيرهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما. فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما، ثم علقتها به. فكان يقال لاسماء بنت أبى بكر: " ذات النطاق " لذلك. قال ابن هشام: وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول: ذات النطاقين. وتفسيره: أنها لما أرادت أن تعلق السفرة شقت نطاقها بأثنين، فعلقت السفرة بواحد، وانتطقت بالآخر. قال ابن إسحاق: فلما قرب أبو بكر، رضى الله عنه، الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم له أفضلهما ثم قال: اركب، فداك أبى

[ 337 ]

وأمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى لا أركب بعيرا ليس لى، قال: فهى لك يا رسول الله، بأبى أنت وأمى، قال: لا، ولكن ما الثمن الذى ابتعتها به ؟ قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها به، قال: هي لك يا رسول الله، فركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر الصديق رضى الله عنه عامر ابن فهيرة مولاه خلفه، ليخدمهما في الطريق. قال ابن إسحاق: فحدثت عن أسماء بنت أبى بكر أنها قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضى الله عنه أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبى بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك با بنت أبى بكر ؟ قالت: قلت: لا أدرى والله أين أبى ! قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدى لطمة طرح منها قرطي. قالت: ثم انصرفوا، فمكثنا ثلاث ليال، وما ندرى أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر ثم تروحا * فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بنى كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد قال ابن هشام: أم معبد بنت كعب، امرأة من بنى كعب، من خزاعة. وقوله: " حلا خميتى "، و " هما نزلا بالبر ثم تروحا " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: قالت أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما: فلما سمعنا قوله، عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجهه إلى المدينة، وكانوا أربعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الصديق رضى الله عنه، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر، وعبد الله بن أرقط دليلهما.

[ 338 ]

قال ابن هشام: ويقال: عبد الله بن أريقط. قال ابن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن أباه عبادا حدثه عن جدته أسماء بنت أبى بكر قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله، ومعه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف، فانطلق بها معه. قالت: فدخل علينا جدى أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إنى لاراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: قلت: كلا يا أبت ! إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. قالت: فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت [ الذى ] كان أبى يصنع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخت بيده، فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفى هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكني أدرت أن أسكن الشيخ بذلك. قال إبن إسحاق: وحدثني الزهري أن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم حدثه عن أبيه عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم. قال: فبينا أنا جالس في نادى قومي إذ أقبل رجل منا، حتى وقف علينا، فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا على آنفا، إنى لاراهم محمدا وأصحابه. قال: فأومأت إليه بعينى: أن اسكت، ثم قلت: إنما هما بنو فلان، يبتغون ضالة لهم، قال: لعله، ثم سكت. قال: ثم مكثت قليلا، ثم قمت فدخلت بيتى، ثم أمرت بفرسي، فقيد [ لى ] إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي، فأخرج [ لى ] من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحى التى أستقسم بها، ثم انطلقت، فلبست لامتي، ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره " لا يضره " قال: وكنت أرجوا أن أرده على قريش فآخذ المائة الناقة. قال:

[ 339 ]

فركبت على أثره، فبينما فرسى يشتد بى عثر بى فسقطت عنه. قال: فقلت: ما هذا ؟ قال: ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره " لا يضره " قال: فأبيت إلا أن أتبعه. قال: فركبت في أثره، فبينا فرسى يشتد بى عثر بى فسقطت عنه قال: فقلت: ما هذا ؟ قال ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره " لا يضره ". قال: فأبى إلا أن أتبعه، فركب في أثره. فلما بدا لى القوم ورأيتهم، عثر بى فرسى، فذهبت يداه في الارض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الارض، وتبعهما دخان كالاعصار قال: فعرفت - حين رأيت ذلك - أنه قد منع منى، وأنه ظاهر. قال: فناديت القوم فقلت: أنا سراقة بن جعشم، أنظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم، ولا يأتيكم منى شئ تكرهونه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي بكر: قل له: وما تبتغى منا ؟ قال: فقال [ لى ] ذلك أبو بكر، قال: قلت: تكتب لى كتابا يكون آية بينى وبينك. قال: اكتب له يا أبا بكر. [ قال ]: فكتبت لى كتاب في عظم، أو في رقعة، أو في خرقة، ثم ألقاه إلى، فأخذته، فجعلته في كنانتي ثم رجعت، فسكت فلم أذكر شيئا مما كان، حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرغ من حنين والطائف، خرجت ومعى الكتاب لالقاه، فلقيته بالجعرانة. قال: فدخلت في كتيبة من خيل الانصار. قال: فجعلوا يقرعونني بالرماح، ويقولون: إليك [ إليك ]، ما تريد ؟ قال: فدنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته، والله لكأنى أنظر إلى ساقه في عرزه كأنها جمارة. قال: فرفعت يدى بالكتاب، ثم قلت: يا رسول الله، هذا كتابك [ لى ]، أنا سراقة بن جعشم قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم وفاء وبر، ادنه، قال: فدنوت منه فأسلمت. ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فما أذكره، إلا أنى قلت: يا رسول الله، الضالة من الابل تغشى حياضي، وقد

[ 340 ]

ملاتها لابلى، هل لى من أجر في أن أسقيها ؟ قال: نعم، في كل ذات كبد حرى أجر، قال: ثم رجعت إلى قومي، فسقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقتي. قال ابن هشام: عبد الرحمن: ابن الحارث بن مالك بن جعشم. قال ابن إسحاق: فلما خرج بها دليلهما عبد الله بن أرقط، سلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهم على الساحل [ حتى عارض الطريق ] أسفل من عسفان ثم سلك بهما على أسفل أمج، ثم استجاز بهما، حتى عارض بهما الطريق، بعد أن أجاز قديدا، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما الخرار، ثم سلك بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا. قال ابن هشام: ويقال: لفتا. قال معقل بن خويلد الهذلى: نزيعا محلبا من أهل لفت * لحى بين أثلة والنحام قال ابن إسحاق: ثم أجاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة مجاج - ويقال: مجاج، فيما قال ابن هشام - ثم سلك بهما مرجح مجاج، ثم تبطن بهما مرجح من ذى الغضوين - قال ابن هشام: ويقال: الغضوين - ثم بطن ذى كشر، ثم أخذ بهما على الجداجد، ثم على الاجرد، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعداء مدلجة تعهن، ثم على العبابيد - قال ابن هشام: ويقال: العبابيب ويقال: العثيانة، يريد " العبابيب ". قال ابن إسحاق: ثم أجاز بهما الفاجة - ويقال: القاحة، فيما قال ابن هشام - قال ابن هشام: ثم هبط بهما العرج، وقد أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أسلم، يقال له: أوس بن حجر، على جملب له - يقال له: ابن الرداء - إلى المدينة، وبعث معه غلاما له، يقال له: مسعود بن هنيدة، ثم خرج بهما دليلهما من العرج، فسلك بهما ثنية الغائر، عن يمين ركوبة - ويقال ك ثنيه الغابر، فيما قال ابن هشام ح حتى هبط بهما بطن

[ 341 ]

رئم، ثم قدم بهما قباء، على بنى عمرو بن عوف، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول، يوم الاثنين، حين اشتد الضحاء، وكادت الشمس تعتدل. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، قال: حدثنى رجال من قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وتوكفنا قدومه، كنا نخرج إذا صلينا الصبح، إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الضلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك في أيام حارة، حتى إذا كان اليوم الذى قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع، وأنا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فصرخ بأعلى صوته، يا بنى قيلة، هذا جدكم قد جاء. قال: فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر رضى الله عنه في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك. قال ابن إسحاق: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - على كلثوم بن هدم، أخى بنى عمرو بن عوف، ثم أحد بنى عبيد، ويقال: بل نزل على سعد بن خيثمة. ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن هدم: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن هدم: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن هدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عازبا لا أهل له، وكان منزل الاعزاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين، فمن هنالك

[ 342 ]

يقال: [ إنه ] نزل على سعد بن خيثمة، وكان يقال لبيت سعد بن خيثمة: بيت الاعزاب. فالله أعلم أي ذلك كان، كلا قد سمعنا. ونزل أبو بكر الصديق رضى الله عنه على خبيب بن إساف، أحد بنى الحارث بن الخزرج بالسنح. ويقول قائل: كان منزله على خارجة بن زيد ابن زهير، أخى بنى الحارث بن الخزرج. وأقام على بن أبى طالب عليه السلام بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده الناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل معه على كلثوم بن هدم. فكان على بن أبى طالب، وإنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين، يقول: كانت بقباء امرأة لا زوج لها، مسلمة، قال: فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه. قال: فاستربت بشأنه، فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الرجل الذى يضرب عليك بابك كل ليلة، فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أدرى ما هو، وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك ؟ قالت: هذا سهل بن حنيف بن واهب، قد عرف أنى امرأة لا أحد لى، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها، ثم جاءني بها، فقال: احتطبي بها، فكان على رضى الله عنه يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف، حين هلك عنده بالعراق. قال ابن إسحاق: وحدثني هذا من حديث على رضى الله عنه، هند بن سعد بن سهل بن حنيف، رضى الله عنه. قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء، في بنى عمرو ابن عوف، يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويو الاربعاء ويوم الخمسى، وأسس مسجده. ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجعمة، وبنو عمرو بن عوف يزعمون

[ 343 ]

أنه مكث فيهم أكثر من ذلك، فالله أعلم [ أي ذلك كان ] فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بنى سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذى في بطن الوادي، وادى رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. فأتاه عتبان بن مالك، وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بنى سالم ابن عوف، فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة، قال: خلو سبيلها، فإنها مأمورة، لناقته، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بنى بياضة، تلقاه زياد بن لبيد، وفروة بن عمرو، في رجال من بنى بياضة، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا، إلى العدد والعدة والمنعة، قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها. فانطلقت، حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة اعترضه سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، في رجال من بنى ساعدة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا وازنت دار بنى الحارث بن الخزرج، اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد، وعبد الله بن رواحة، في رجال من بنى الحارث بن الخزرج فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا، إلى العدد والعدة والمنعة، قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها. فانطلقت، حتى إذا مرت بدار بنى عدى بن النجار، وهم أخواله دنيا - أم عبد المطلب: سلمى بنت عمرو، إحدى نسائهم - اعترضه سليط بن قيس، وأبو سليط أسيرة بن أبى خارجة، في رجال من بنى عدى ابن النجار، فقالوا: يا رسول الله، لهم إلى أخوالك، إلى العدد والعدة والمنعة قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت. حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار، بركت على باب مسجده صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمن من بنى النجار، ثم من بنى مالك ابن النجار، وهما في حجر معاذ بن عفراء، سهل وسهيل ابني عمرو، فلما بركت ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل، وثبت فسارت غير بعيد، ورسول الله

[ 344 ]

صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت [ إلى ] خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه، ثم تلحلحت وأرزمت ووضعت جرانها، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأل عن المربد لمن هو ؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو، وهما يتيمان لى، وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدا. قال: فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى مسجدا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين في العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والانصار، ودأبوا فيه، فقال قائل من المسلمين: لئن قعدنا والنبى يعمل * لذاك منا العمل المضلل وارتجز المسلمون وهم يبنونه يقولون: لا عيش إلا عيش الآخره * اللهم ارحم الانصار والمهاجره قال ابن هشام: هذا كلام وليس برجز. قال ابن إسحاق: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم المهاجرين والانصار. قال: فدخل عمار بن ياسر، وقد أثقلوه باللبن فقال: يا رسول الله، قتلوني، يحملون على مالا يحملون، قالت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض وفرته بيده، وكان رجلا جعدا، وهو يقول: ويح ابن سمية ! ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية. وارتجز على بن أبى طالب رضى الله عنه يومئذ: لا يستوى من يعمر المساجدا * يدأب فيه قائما وقاعدا * ومن يرى عن الغبار حائدا *

[ 345 ]

قال ابن هشام: سألت غير واحد من أهل العلم بالشعر عن هذا الزجر، فقالوا: بلغنا أن على بن أبى طالب ارتجز به، فلا يدرى أهو قائله أم غيره. قال ابن إسحاق: فأخذها عمار بن ياسر، فجعل يرتجز بها. قال ابن هشام: فلما أكثر، ظن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إنما يعرض به، فيما حدثنا زياد بن عبد الله [ البكائى ] عن ابن إسحاق. وقد سمى ابن إسحاق الرجل. قال ابن إسحاق: فقال: قد سمعت ما تقول منذ اليوم يابن سمية، والله إن لارانى سأعرض هذه العصا لانفك. قال: وفى يده عصا. قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ما لهم ولعمار ! يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، إن عمارا جلدة ما بين عينى (1) وأنفى، فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يستبق فاجتنبوه. قال ابن هشام: وذكر سفيان بن عيينة عن زكريا عن الشعبى، قال: [ إن ] أول من بنى مسجدا عمار بن ياسر. قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبى أيوب حتى بنى له مسجد ومساكنه، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبى أيوب، رحمة الله عليه ورضوانه. قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبى حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزنى عن أبى رهم السماعي قال: حدثنى أبو أيوب قال: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتى نزل في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له: يا نبى الله، بأبى أنت وأمى، إنى لاكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل، فقال: يا أبا أيوب، إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت. (هامش ص 345) (1) يكنى بهذه العبارة عن شدة الحب، ومنه قول الشاعر: يديرونني عن سالم وأديرهم * وجلدة بين العين والانف سالم

[ 346 ]

قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفله، وكنا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حب لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، مالنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء، تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شئ فيؤذيه. قال: وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده، فأكلنا منه نبتغى بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه، وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أر ليده فيه أثرا. قال: فجئته فزعا، فقلت: يا رسول الله، بأبى أنت وأمى، رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك، وكنت إذ رددته علينا تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك، نبتغى بذلك البركة، قال: إنى وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي، فأما أنتم فكلوه. قال: فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد. قال ابن إسحاق: وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق بمكة منهم أحد إلا مفتون أو محبوس، ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله تبارك وتعالى، وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أهل دور مسمون: بنو مظعون من بنى جمح، وبنو جحش بن رئاب، حلفاء بنى أمية، وبنو البكير، من بنى سعد بن ليث، حلفاء بنى عدى ابن كعب، فإن دورهم غلقت بمكة هجرة، ليس فيها ساكن. ولما خرج بنو جحش بن رئاب من دراهم، عدا عليها أبو سفيان بن حرب، فباعها من عمرو بن علقمة، أخى بنى عامر بن لؤى، فلما بلغ بنى جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم، ذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا خيرا منها في الجنة ؟ قال: بلى، قال: فذلك لك، فلما افتتح رسول الله

[ 347 ]

صلى الله عليه وسلم مكة كلمه أو أحمد في دارهم، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس لابي أحمد: يا أبا أحمد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن ترجعوا في شئ من أموالكم أصيب منكم في الله عزوجل، فأمسك عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لابي سفيان: أبلغ أبا سفيان عن * أمر عواقبه ندامه دار ابن عمك بعتها * تقضى بها عنك الغرامه وحليفكم بالله رب * الناس مجتهد القسامه إذ صب بها، إذهب بها * طوقتها طوق الحمامه قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الاول إلى صفر من السنة الداخلة، حتى بنى له فيها مسجده ومساكنه، واستجمع له إسلام هذا الحى من الانصار، فلم تبق دار من دور الانصار إلا أسلم أهلها، إلا ما كان من خطمة وواقف ووائل وأمية، وتلك أوس الله، وهم حى من الاوس، فإنهم أقاموا على شركهم. وكانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، نعوذ بالله أن نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل - أنه قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فقدموا لانفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه، وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلغك، وآتيتك مالا وأفضلت عليك ؟ فما قدمت لنفسك ؟ فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإنها بها تجزى الحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[ 348 ]

قال ابن إسحاق: ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس مرة أخرى فقال: إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إن أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الاسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه. أحبوا ما أحب الله أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفى، قد سماه الله خيرته من الاعمال، ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتى الناس الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده، والسلام عليكم [ ورحمة الله ]. قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والانصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقهم الاولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون الاولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون

[ 349 ]

معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو ابن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو البيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الاوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. قال ابن هشام: المفرح: المثقل بالدين الكثير والعيال. قال الشاعر: إذا أنت لم تبرح تؤدى أمانة * وتحمل أخرى أفرحتك الودائع وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس، وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة، ولا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا، وإن المؤمنين يبئ بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولى المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة،

[ 350 ]

ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شئ، فإن مرده إلى الله عزوجل، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود بنى النجار مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى الحارث مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى ساعدة مثل ما ليهود بن عوف، وإن ليهود بنى جشم مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى الاوس مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى ثعلبة مثل ما ليهود بنى عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لايوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبنى الشطيبة مثل ما ليهود بنى عوف، وإن البر دون الاثم، وإن موالى ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم، وإنه لا ينحجز على تأر جرح، وإنه من فنك فبنفسه [ فتك ]، وأهل بيته، إلا من ظلم، وإن الله على أبر هذا، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الاثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لاهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وإن ما كان بين أهل الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عزوج، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه

[ 351 ]

لا تجار قريش ولا من نصرها، دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذى قبلهم، وإن اليهود الاوس، مواليهم وأنفسهم، على مثل ما لاهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة. قال ابن هشام: ويقال: مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة. قال ابن إسحاق: وإن البر دون الاثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإن من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: يوتغ: يهلك، أو قال: يفسد المؤاخاة بين المهاجرين والانصار قال ابن إسحاق:: وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والانصار، فقال - فيما بلغنا، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل -: تأخوا في الله أخوين أخوين، أخذ بيد على بن أبى طالب، فقال: هذا أخى، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الذى ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعلى بن أبى طالب رضى الله عنه، أخوين. وكان حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم، وعم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزيد ابن حارثة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخوين وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال إن حدث به حدث الموت. وجعفر بن أبى طالب ذو الجناحين، الطيار في الجنة، ومعاذ بن جبل، أخو بنى سلمة، أخوين.

[ 352 ]

قال ابن هشام: وكان جعفر بن أبى طالب يومئذ غائبا بأرض الحبشة. قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر الصديق، [ رضى الله عنه، ابن أبى قحافة ] وخارجة بن زيد بن أبى زهير، أخو بلحارث بن الخزرج، أخوين. وعمر بن الخطاب رضى الله عليه، وعتبان بن مالك، أخو بنى سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، أخوين. وأبو عبيدة بن عبد الله بن الجراح، واسمه عامر ابن عبد الله، وسعد بن معاذ بن النعمان، أخو بنى عبد الاشهل، أخوين. وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع، أخو بلحارث بن الخزرج، أخوين. والزبير بن العوام، وسلمة بن سلامة بن وقش، أخو بنى عبد الاشهل، أخوين، ويقال: بل الزبير وعبد الله بن مسعود، حليف بنى زهرة، أخوين. وعثمان بن عفان، وأوس بن ثابت بن المنذر، أخو بنى النجار، أخوين. وطلحة ابن عبيدالله، وكعب بن مالك، أخو بنى سلمة، أخوين، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبى بن كعب، أخو بنى النجار، أخوين. ومصعب بن عمير ابن هاشم، وأبو أيوب خالد بن زيد، أخو بنى النجار، أخوين. وأبو حذيفة ابن عتبة بن ربيعة، وعباد بن بشر بن وقش، أخو بنى عبد الاشهل، أخوين. وعمار بن ياسر، حليف بنى مخزوم، وحذيفة بن اليمان، أخو بنى عبس، حليف بنى عبد الاشهل، أخوين، ويقال: بل ثابت بن قيس بن الشماس، أخو بلحارث ابن الخزرج، خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمار بن ياسر، أخوين. وأبو ذر - وهو برير بن جنادة الغفاري - والمنذر بن عمرو، المعنق ليموت، أخو بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج، أخوين. قال ابن هشام: وسمعت غير واحد من العلماء يقول: أبو ذر: جندب ابن جنادة. قال ابن إسحاق: وكان حاطب بن أبى بلتعة، حليف بنى أسد ابن عبد العزى، وعويم بن ساعدة، أخو بنى عمرو بن عوف، أخوين.

[ 353 ]

وسلمان الفارسى، وأبو الدرداء، عويمر بن ثعلبة، أخو بلحارث بن الخزرج، أخوين. قال ابن هشام: عويمر بن عامر، ويقال: عويمر بن زيد. قال ابن إسحاق: وبلال، مولى أبى بكر رضى الله عنهما، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو رويحة، عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي، ثم أحد الفزع، أخوين. فهؤلاء من سمى لنا، ممن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم من أصحابه. فلما دون عمر بن الخطاب الدواوين بالشام، وكان بلال قد خرج إلى الشام فأقام بها مجاهدا، فقال عمر لبلال: إلى من تجعل ديوانك يا بلال ؟ قال: مع أبى رويحة، لا أفارقه أبدا، للاخوة التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد بينه وبيني، فضم إليه، وضم الحبشة إلى خثعم، لمكان بلال منهم، فهو في خثعم إلى هذا اليوم بالشام. أبو أمامة قال ابن إسحاق: وهلك في تلك الاشهر أبو أمامة، أسعد بن زرارة، والمسجد يبنى، أخذته الذبحة أو الشهقة. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بئس الميت أبو أمامة ! ليهود ومنافقي العرب، يقولون: لو كان نبيا لم يمت صاحبه ! ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الانصاري:

[ 354 ]

إنه لما مات أبو أمامة، أسعد بن زرارة، اجتمعت بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو أمامة نقيبهم، فقالوا له: يا رسول الله، إن هذا [ الرجل ] قد كان منا حيث قد علمت، فاجعل منا رجلا مكانه يقيم من أمرنا ما كان يقيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: أنتم أخوالى، وأنا بما فيكم، وأنا نقيبكم، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أ، يخص بها بعضهم دون بعض، فكان من فضل بنى النجار الذى يعدون على قومهم، أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبهم. خبر الاذان قال ابن إسحاق: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين، واجتمع أمر الانصار، استحكم أمر الاسلام، فقامت الصلاة، وفرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود، وفرض الحلال والحرام، وتبوأ الاسلام بين أظهرهم، وكان هذا الحى من الانصار هم الذين تبوءوا الدار والايمان. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين قدمها - إنما يجمتع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها، بغير دعوة، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها أن يجعل بوقا كبوق يهود الذى يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس، فنحت ليضرب به المسلمين للصلاة. فبينما هم على ذلك، إذ رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، أخو بلحارث بن الخزرج، النداء، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله، [ إنه ] طاف بى هذه الليلة طائف: مر بى رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت [ له ]: يا عبد الله، أتبيع هذا الناقوس ؟ قال: وما تصنع به ؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك ؟ قال: قلت: وما هو ؟ قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر

[ 355 ]

الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمد رسول الله، حى على الصلاة، حى على الصلاة، حى على الفلا ح، حى على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها رؤيا حق، إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه، فليؤذن بها، فإن أندى صوتا منك، فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب، وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يجر رداءه، وهو يقول: يا نبى الله، والذى بعثك بالحق، لقد رأيت مثل الذى رأى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلله الحمد [ على ذلك ]. قال ابن إسحاق: حدثنى بهذا الحديث محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، عن أبيه. قال ابن هشام: وذكر ابن جريح قال: قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير الليثى يقول: ائتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالناقوس للاجتماع للصلاة، فبينما عمر بن الخطاب يريد أن يشترى خشبتين للناقوس، إذ رأى عمر ابن الخطاب في المنام: لا تجعلوا الناقوس، [ بل ] أذنوا للصلاة، فذهب عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذى رأى، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم الوحى بذلك، فما راع عمر إلا بلال يؤذن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره بذلك. قد سبقك بذلك الوحى. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن امرأة من بنى النجار قالت: كان بيتى [ من ] أطول بيت حول المسجد، فكان بلا يؤذن عليه للفجر كل غداة، فيأتى بسحر، فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم [ إنى ] أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا [ على ] دينك، قالت: [ ثم يؤذن، قالت ]: والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة.

[ 356 ]

أبو قيس بن أبى أنس قال ابن إسحاق: فلما اطمأنت برسول الله صلى الله عليه وسلم داره، وأظهر الله بها دينه، وسره بما جمع إليه من المهاجرين والانصار من أهل ولايته قال أبو قيس صرمة بن أبى أنس، أخو بنى عدى بن النجار. قال ابن هشام: أبو قيس: صرمة بن أبى أنس بن صرمة بن مالك بن عدى ابن عامر بن غنم بن عدى بن النجار. قال ابن إسحاق: وكان رجلا قد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، وفارق الاوثان، واغتسل من الجنابة، وتطهر من الحائض من النساء، وهم بالنصرانية ثم أمسك عنها، ودخل بيتا له، فاتخذه مسجدا لا يدخله عليه [ فيه ] طامث ولا جنب، وقال: أعبد رب إبراهيم، حين فارق الاوثان وكرهها، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأسلم وحسن إسلامه وهو شيخ كبير، وكان قوالا بالحق، معظما لله عزوجل في جاهليته، يقول أشعارا في ذلك حسانا - وهو الذى يقول: يقول أبو قيس وأصبح غاديا: * ألا ما استطعتم من وصاتى فافعلوا فأوصيكم بالله والبر والتقى * وأعراضكم، والبر بالله أول وإن قومكم سادوا فلا تحسدنهم * وإن كنتم أهل الرياسة فاعدلوا وإن نزلت إحدى الدواهي بقومكم * فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا وإن ناب غرم فادح فارفقوهم * وما حملوكم في الملمات فاحملوا وإن أنتم أمعرتم فتعففوا * وإن كان فضل الخير فيكم فأفضلوا قال ابن هشام ويروى: * وإن ناب أمر فادح فارفدوهم * قال ابن إسحاق: وقال أبو قيس صرمة أيضا:

[ 357 ]

سبحوا الله شرق كل صباح * طلعت شمسه وكل هلال عالم السم والبيان لدينا * ليس ما قال ربنا بضلال وله الطير تستريد وتأوى * وفى وكور من آمنات الجبال وله الوحش بالفلاة تراها * في حقاف وفى ضلال الرمال وله هودت يهود، ودانت * كل دين إذا ذكرت عضال وله شمس النصارى، وقاموا * كل عيد لربهم واحتفال وله الراهب الحبيس تراه * رهن بؤس، وكان ناعم بال يا بنى الارحام لا تقطعوها * وصلوها قصيرة من طوال واتقوا الله في ضعاف اليتامى * ربما يستحل غير الحلال واعلموا أن لليتيم وليا * عالما يهتدى بغير السؤال ثم مال اليتيم لا تأكلوه * إن مال اليتيم يرعاه وال يا بنى، التخوم لا تخزلوها * إن خزل التخوم ذو عقال يا بنى الايام لا تأمنوها * واحذروا مكرها ومر الليالى واعلموا أن مرها لنفاد الخلق ما كان من جديد وبال واجمعوا أمركم على البر والنقوي وترك الخنا وأخذ الحلال وقال أبو قيس صرمة [ أيضا ] يذكر ما أكرمهم الله تبارك وتعالى به من الاسلام، وما خصهم الله به من نزول رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم: ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا ويعرض في أهل المواسم نفسه * فلم ير من يؤوى، ولم ير داعيا فلما أتانا أظهر الله دينه * فأصبح مسرورا بطيبة راضيا وألفى صديقا وأطمأنت به النوى * وكان لنا عونا من الله باديا يقص لنا ما قال نوح لقومه * وما قال موسى إذ أجاب المناديا

[ 358 ]

فأصبح لا يخشى من الناس واحدا * قريبا، ولا يخشى من الناس نائيا بذلنا له الاموال من حل مالنا * وأنفسنا عند الوغى، والتآسيا ونعلم أن الله لا شئ غيره * ونعلم أن الله أفضل هاديا نعادي الذى عادى من الناس كلهم * جميعا، وإن كان الحبيب المصافيا أقول إذا أدعوك في كل بيعة: * تباركت قد أكثرت لاسمك داعيا أقول إذا جاوزت أرضا مخوفة: حنانيك لا تظهر على الاعاديا فطأ معرضا، إن الحتوف كثيرة * وإنك لا تبقى لنفسك باقيا فوالله ما يدرى الفتى كيف يتقى * إذا هو لم يجعل له الله واقيا ولا تحفل النخل المعيمة ربها * إذا أصبحت ريا وأصبح ثاويا قال ابن هشام: البيت الذى أوله: * فطأ معرضا إن الحتوف كثيرة * والبيت الذى يليه: * فوالله ما يدرى الفتى كيف يتقى * لافنون التغلبي، وهو صريم بن (1) معشر، في أبيات له. الاعداء من يهود قال ابن إسحاق: ونصبت عند ذلك أحبار يهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم العداوة، بغيا وحسدا وضغنا، لما خص الله تعالى به العرب من أخذه رسوله منهم، وانضاف إليهم رجال من الاوس والخزرج، ممن كان عسى على جاهليته، فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث، إلا أن الاسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومهم عليه، فظهروا بالاسلام واتخذوه جنة من القتل، ونافقوا في السر وكان هواهم مع يهود، لتكذيبهم النبي صلى الله (هامش ص 358) (1) ضبطت في ا بضم الصاد وفتح الراء، وبفتح الصاد وكسر الراء. ويقال: اسمه ظالم.

[ 359 ]

عليه وسلم، وجحودهم الاسلام. وكانت أحبار يهودهم الذى يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعنتونه، ويأتونه باللبس، ليلبسوا الحق بالباطل، فكان القرآن ينزل فيهم وفيما يسألون عنه، إلا قليلا من المسائل في الحلال والحرام وكان المسلمون يسألون عنها. منهم: حيى بن أخطب، وأخواه أبو ياسر بن أخطب، وجدى بن أخطب، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وسلام بن أبى الحقيق، وأخوه سلام بن الربيع - قال ابن إسحاق: وهو أبو رافع الاعور، [ وهو ] الذى قتله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر - والربيع بن الربيع بن أبى الحقيق، وعمرو بن جحاش، وكعب بن الاشرف، وهو من طيئ، ثم أحد بنى نبهان، وأمه من بنى النضير، والحجاج بن عمرو، حليف كعب بن الاشرف، وكردم ابن قيس، حليف كعب بن الاشرف، فهؤلاء من بنى النضير. ومن بنى ثعلبة بن الفطيون: عبد الله بن صوريا الاعور، ولم يكن بالحجاز في زمانه [ أحد ] أعلم بالتوراة منه، وابن صلوبا، ومخيريق، وكان حبرهم، أسلم. ومن بنى قينقاع: زيد بن اللصيت - ويقال: ابن اللصيت، فيما قال ابن هشام - وسعد بن حنيف، ومحمود بن سيحان، وعزيز بن أبى عزيز، وعبد الله بن صيف. قال ابن هشام: ويقال: ابن ضيف. قال ابن إسحاق: وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وفنحاص، وأشيع، ونعمان بن أضا، وبحري بن عمرو، وشأس بن عدى، وشأس بن قيس، وزيد بن الحارث، ونعمان بن عمرو، وسكين بن أبى سكين، وعدى بن زيد، ونعمان بن أبى أوفى، أبو أنس، ومحمود بن دحية، ومالك بن صيف. قال ابن هشام: ويقال: ابن ضيف. قال ابن إسحاق: وكعب بن راشد، وعازر، ورافع بن أبى رافع، وخالد، وإزار بن أبى إزار. قال ابن هشام: ويقال: آزر بن أبى آزر،

[ 360 ]

قال ابن إسحاق: ورافع بن حارثة، ورافع بن حريملة، ورافع بن خارجة، ومالك بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، وعبد الله بن سلام بن الحارث، وكان حبرهم وأعلمهم، وكان اسمه الحصين، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، فهؤلاء من بنى قينقاع. ومن بنى قريظة: الزبير بن باطا بن وهب، وعزال بن شمويل، وكعب ابن أسد، وهو صاحب عقد بنى قريظة الذى نقض عام الاحزاب، وشمويل ابن زيد، وجبل بن عمرو بن سكينة، والنحام بن زيد، وقردم بن كعب، ووهب بن زيد، ونافع بن أبى نافع، وأبو نافع، وعدى بن زيد، والحارث ابن عوف، وكردم بن زيد، وأسامة بن حبيب، ورافع بن رميلة، وجبل ابن أبى قشير، ووهب بن يهوذا، فهؤلاء من بنى قريظة. ومن يهود بنى زريق: لبيد بن أعصم، وهو الذى أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه. ومن يهود بنى حارثة: كنانة بن صورياء. ومن يهود بنى عمرو بن عوف: قردم بن عمرو. ومن يهود بنى النجار: سلسلمة بن برهام. فهؤلاء أحبار اليهود، وأهل الشرور والعدواة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأصحاب المسألة، والنصب لامر الاسلام [ الشرور ] ليطفئوه، إلا ما كان من عبد الله بن سلام ومخيريق. إسلام عبد الله بن سلام قال ابن إسحاق: وكان من حديث عبد الله بن سلام - كما حدثنى بعض أهله عنه وعن إسلامه حين أسلم، وكان حبرا عالما - قال ك لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه الذى كنا نتوكف له، فكنت مسرا لذلك، صامتا عليه، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة،

[ 361 ]

فلما نزل بقباء، في بنى عمرو بن عوف، أقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لى أعمل فيها، وعمتي خالدة بنة الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت، فقالت لى عمتى، حين سمعت تكبيري: خيبك الله ! والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما زدت، قال: فقلت لها: أي عمة، هو والله أخو موسى بن عمران، وعلى دينه، بعث بما بعث به، قال: فقالت: أي ابن أخى، أهو النبي الذى كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة ؟ قال: فقلت لها: نعم. قال: فقالت: فذاك إذا. قال: ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتى، فأمرتهم فأسلموا. قال: وكتمت إسلامى من يهود، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله، إن يهود قوم بهت، وإنى أحب أن تدخلني في بعض بيوتك، تغيبنى عنهم، ثم تسألهم عنى، حتى يخبروك كيف أنا فيهم، قبل أ، يعلموا بإسلامى، فإنهم إن علموا به بهتونى وعابوني. قال: فأدخلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض بيوته، ودخلوا عليه فكلموه وساءلوه، ثم قال لهم: أي رجل الحصين بن سلام فيكم ؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا. قال: فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم، فقلت لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإنى أشهد أنه رسول الله، وأومن به، وأصدقه وأعرفه، فقالوا: كذبت، ثم وقعوا بى. قال: فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت، أهل غدر وكذب وفجور ! قال: فأظهرت إسلامى وإسلام أهل بيتى، وأسلمت عمتى خالدة بنت الحارث، فحسن إسلامها.

[ 362 ]

حديث مخيريق قال ابن إسحاق: وكان من حديث مخيريق، وكان حبرا عالما، وكان رجلا غنيا كثير الاموال من النخل، وكان يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته، وما يجد في علمه، وغلب عليه إلف دينه، فلم يزل على ذلك، حتى إذا كان يوم أحد، وكان يوم أحد يوم السبت، قال: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون إن نصر محمد عليكم لحق، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم، ثم أخذ سلاحه، فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وأصحابه ] بأحد، وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت هذا اليوم، فأموالى لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] يصنع فيها ما أراه الله، فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - يقول: مخيريق خير يهود. وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواله، فعامة صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة منها. شهادة عن صفية قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: حدثت عن صفية بنت حيى بن أخطب أنها قالت: كنت أحب ولد أبى إليه وإلى عمى أبى ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذانى دونه. قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ونزل قباء، في بنى عمرو ابن عوف، غدا عليه أبى، حيى بن أخطب، وعمى أبو ياسر بن أخطب، مغلسين، قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى، قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلى واحد منهما، مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمى، أبا ياسر، وهو يقول لابي حيى بن أخطب: أهو هو ؟ قال: نعم والله، قال:

[ 363 ]

أتعرفه وتثبته ؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه ؟ قال: عداوته والله ما بقيت من اجتمع إلى يهود من منافقي الانصار قال ابن إسحاق: وكان ممن انضاف إلى يهود، ممن سمى لنا من المنافقين من الاوس والخزرج، والله أعلم: من الاوس: ثم من بنى عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس، ثم من بنى لوذان بن عمرو بن عوف: زوى بن الحارث. ومن بنى حبيب بن عمرو بن عوف: جلاس بن سويد بن الصامت، وأخوه الحارث بن سويد. وجلاس الذى قال - وكان ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك - لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمر، فرفع ذلك من قوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمير بن سعد، أحدهم، وكان في حجر جلاس، خلف جلاس على أمه بعد أبيه، فقال له عمير بن سعد: والله يا جلاس، إنك لاحب الناس إلى، وأحسنهم عندي يدا، وأعزهم على أ، يصيبه شئ يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لافضحنك، ولئن صمت عليها ليهلكن دينى، ولاحداهما أيسر على من الاخرى. ثم مشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ما قال جلاس، فحلف جلاس بالله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد كذب على عمير، وما قلت ما قال عمير بن سعد. فأنزل الله عزوجل فيه: { يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم، وهموا بما لم ينالوا، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله، فإن يتوبوا يك خيرا لهم، وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة، وما لهم في الارض من ولى ولا نصير - 74 من سورة التوبة } قال ابن هشام: الاليم: الموجع. قال ذو الرمة يصف إبلا: وترفع من صدور شمر دلات * يصك وجوهها وهج أليم

[ 364 ]

وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: فزعموا أنه تاب فحسنت توبته، حتى عرف منه الخير والاسلام. وأخوه الحارث بن سويد، الذى قتل المجذر بن ذياد البلوى، وقيس ابن زيد أحد بنى ضبيعة، يوم أحد، خرج مع المسلمين، وكان منافقا، فلما التقى الناس عدا عليهما فقتلهما ثم لحق بقريش. قال ابن هشام: وكان المجذر بن ذياد قتل سويد بن صامت في بعض الحروب التى كانت بين الاوس والخزرج، فلما كان يوم أحد طلب الحارث ابن سويد غرة المجذر بن ذياد، ليقتله بأبيه، فقتله وحده. وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول: والدليل على أنه لم يقتل قيس بن زيد، أن ابن إسحاق لم يذكره في قتلى أحد. قال ابن إسحاق: قتل سويد بن صامت معاذ بن عفراء غيلة، في غير حرب، رماه بسهم فقتله قبل يوم بعاث. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - قد أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر به، ففاته، فكان بمكة، ثم بعث إلى أخيه جلاس يطلب التوبة، ليرجع إلى قومه. فأنزل الله تبارك وتعالى فيه - فيما بلغني عن ابن عباس -: { كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، والله لا يهدى القوم الظالمين - 86 سورة آل عمران } إلى آخر القصة. ومن بنى ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف: بجاد بن عثمان بن عامر. ومن بنى لوذان بن عمرو بن عوف: نبتل بن الحارث، وهو الذى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني -: من أحب أن ينظر إلى الشيطان،

[ 365 ]

فلينظر إلى نبتل بن الحارث، وكان رجلا جسيما أدلم ثائر شعر الرأس، أحمر العينين، أسفع الخدين. وكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتحدث إليه، فسمع منه، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذى قال: إنما محمد أذن، من حدثه شيئا صدقه، فأنزل الله عزوجل فيه: { ومنه الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن، قل أذن خير لكم، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم - 61 من سورة التوبة }. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض رجال بلعجلان أنه حدث: أن جبريل عليه السلام أنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: إنه يجلس إليك رجل أدلم، ثائر الشعر الرأس، أسفع الخدين، أحمر العينين كأنهما قدران من صفر، كبده أغلظ من كبد الحمار، ينقل حديثك إلى المنافقين، فاحذره، وكانت تلك صفة نبتل بن الحارث، فيما يذكرون. ومن بنى ضبيعة: أبو حبيبة بن الازعر، وكان ممن بنى مسجد الضرار، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وهما اللذان عاهدا الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين، إلى آخر القصة، ومعتب هو الذى قال يوم أحد: لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا هاهنا. فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله: { وطائفة قد أهمتهم أنفسهم، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون: هل لنا من الامر شئ ؟ قل: إن الامر كله لله، يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون: لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ها هنا - 154 من سورة آل عمران } إلى آخر القصة. وهو الذى قام يوم الاحزاب: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط، فأنزل الله عزوجل فيه: { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا - 12 من سورة الاحزاب }. والحارث بن حاطب.

[ 366 ]

قال ابن هشام: معتب بن قشير، وثعلبة والحارث ابنا حاطب، وهم من بنى أمية بن زيد، من أهل بدر، وليسوا من المنافقين، فيما ذكر لى من أثق به من أهل العلم، وقد نسب ابن إسحاق ثعلبة والحارث في بنى أمية بن زيد في أسماء أهل بدر. قال ابن إسحاق: وعباد بن حنيف، أخو سهل بن حنيف، وبخرج، وهم ممن [ كان ] بنى مسجد الضرار، وعمرو بن جذام، وعبد الله بن نبتل. ومن بنى ثعلبة بن عمرو بن عوف: جارية بن عامر بن العطاف، وابناه: زيد، ومجمع، ابنا جارية، وهم ممن اتخذ مسجد الضرار. وكان مجمع غلاما حدثا قد جمع من القرآن أكثره، وكان يصلى بهم فيه، ثم إنه لما أخرب المسجد، وذهب رجال من بنى عمرو بن عوف، كانوا يصلون ببنى عمرو بن عوف في مسجدهم، وكان زمان عمر بن الخطاب، كلم في مجمع ليصلى بهم، فقال: لا، أو ليس بإمام المنافقين في مسجد الضرار ؟ فقال لعمر: يا أمير المؤمنين، والله الذى لا إله إلا هو، ما علمت بشئ من أمرهم، ولكني كنت غلاما قارئا للقرآن، وكانوا لا قرآن معهم، فقدموني أصلى بهم، وما أرى أمرهم إلا على أحسن ما ذكروا. فزعموا أن عمر تركه فصلى بقومه. ومن بنى أمية بن زيد بن مالك: وديعة بن ثابت، وهو ممن بنى مسجد الضرار، وهو الذى قال: إنما كنا نخوض ونعلب. فأنزل الله تبارك وتعالى فيه: { ولئن سألتهم ليقولن: إنما كنا نخوض ونعلب، قل: أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون - 65 من سورة التوبة } إلى آخر القصة. ومن بنى عبيد بن زيد بن مالك، خذام بن خالد، وهو الذى أخرج مسجد الضرار من داره، وبشر ورافع، ابنا زيد. ومن بنى النبيت - قال ابن هشام: النبيت: عمرو بن مالك بن الاوس - قال ابن إسحاق: ثم من بنى حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك ابن الاوس: مربع بن قيظى، وهو الذى قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 367 ]

حين أجاز في حائطه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عامد إلى أحد: لا أحل لك يا محمد، إن كنت نبيا، أن تمر في حائطي، وأخذ في يده حفنة من تراب، ثم قال: والله لو أعلم أنى لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه، فهذا الاعمى، أعمى القلب، أعمى البصيرة، فضر به سعد بن زيد، أخو بنى عبد الاشهل بالقوس فشجه، وأخوه أوس بن قيظى، وهو الذى قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق: يا رسول الله إن بيوتنا عورة، فأذن لنا فلنرجع إليها، فأنزل الله تعالى فيه: { يقولون: إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، إن يريدون إلا فرارا - 13 من سورة الاحزاب }. قال ابن هشام: عورة، أي معمورة للعدو وضائعة، وجمعها: عورات. قال النابغة الذبيانى: متى تلقهم لا تلق للبيت عورة * ولا الجار محروما ولا الامر ضائعا وهذا البيت في أبيات له. والعورة أيضا: عورة الرجل، وهى حرمته. والعورة أيضا: السوءة. قال ابن إسحاق: ومن بنى ظفر، واسم ظفر: كعب بن الحارث بن الخزرج: حاطب بن أمية بن رافع، وكان شيخا جسيما قد عسا في جاهليته، وكان له ابن من خيار المسلمين يقال له: يزيد بن حاطب، أصيب يوم أحد حتى أثبتته الجراحات، فحمل إلى دار بنى ظفر. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه اجتمع إليه من بها من رجال المسلمين ونسائهم، وهو بالموت، فجعلوا يقولون [ له ]: أبشر يابن حاطب بالجنة، قال: فنجم نفاقه حينئذ، فجعل يقول أبوه: أجل، جنة والله من حرمل، غررتم والله هذا المسكين من نفسه. قال ابن إسحاق: وبشير بن أبيرق، وهو أبو طعمة، سارق الدرعين، الذى أنزل الله تعالى فيه { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم

[ 368 ]

إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما - 107 من سورة النساء }، وقزمان: حليف لهم. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إنه لمن أهل النار، فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا حتى قتل بضعة نفر من المشركين، فأثبتته الجراحات، فحمل إلى دار بنى ظفر فقال له رجال من المسلمين: أبشر يا قزمان، فقد أبليت اليوم، وقد أصابك ما ترى في الله، قال: بماذا أبشر، فوالله ما قاتلت إلا حمية عن قومي، فلما اشتدت به جراحاته وآذته أخذ سهما من كنانته، فقطع به رواهش يده، فقتل نفسه. قال ابن إسحاق: ولم يكن في بنى عبد الاشهل منافق ولا منافق يعلم، إلا أن الضحاك بن ثابت، أحد بنى كعب، رهط سعد بن زيد، قد كان يتهم بالنفاق وحب يهود. قال حسان بن ثابت: من مبلغ الضحاك أن عروقه * أعيت على الاسلام أن تتمجدا أتحب يهدان الحجاز ودينهم * كبد الحمار، ولا تحب محمدا ؟ دينا لعمري لا يوافق ديننا * ما استن آل في الفضاء وخودا وكان جلاس بن سويد بن صامت قبل توبته - فيما بلغني - ومعتب ابن قشير، ورافع بن زيد، وبشر، وكانوا يدعون بالاسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعوهم إلى الكهان، حكام أهل الجاهلية، فأنزل الله عزوجل فيهم: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا - 60 من سورة النساء } إلى آخر القصة. ومن الخزرج، ثم من بنى النجار: رافع بن وديعة، وزيد بن عمرو، وعمرو بن قيس، وقيس بن عمرو بن سهل.

[ 369 ]

ومن بنى جشم بن الخزرج، ثم من بنى سلمة: الجد بن قيس، وهو الذى يقول: يا محمد، ائذن لى ولا تفتني. فأنزل الله تعالى فيه: { ومنهم من يقول: ائذن لى ولا تفتني، ألا في الفتنة سقطوا، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين - 49 من سورة التوبة } إلى آخر القصة. ومن بنى عوف بن الخزرج: عبد الله بن أبى ابن سلول، وكان رأس المنافقين، وإليه يجتمعون، وهو الذى قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل، في غزوة بنى المصطلق، وفى قوله ذلك نزلت سورة المنافقين بأسرها، وفيه وفى وديعة - رجل من بنى عوف - ومالك بن أبى قوقل، وسويد، وداعس، وهم من رهط عبد الله بن أبى ابن سلول، وعبد الله بن أبى ابن سلول، فهؤلاء النفر من قومه الذين كانوا يدسون إلى بنى النضير حين حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن اثبتوا، فوالله لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا، وإن قوتلتم لننصرنكم، فأنزل الله تعالى فيهم: { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم أحدا أبدا، وإن قوتلتم لننصرنكم، والله يشهد إنهم لكاذبون }، ثم القصة من السورة حتى انتهى إلى قوله: { كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر، فلما كفر قال إنى برئ منك، إنى أخاف الله رب العالمين - 11 و 16 من سورة الحشر }. من أسلم من أحبار يهود نفاقا قال ابن إسحاق: وكان ممن تعوذ بالاسلام ودخل فيه مع المسلمين وأظهره وهو منافق، من أحبار يهود. من بنى قينقاع: سعد بن حنيف، وزيد بن اللصيت، ونعمان بن أوفى ابن عمرو، وعثمان بن أوفى، وزيد بن اللصيت: الذدى قاتل عمر بن الخطاب

[ 370 ]

رضى الله عنه بسوق بن قينقاع، وهو الذى قال، حين ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وجاءه الخبر بما قال عدو الله في رحله، ودل الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على ناقته - إن قائلا قال: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء ولا يدرى أين ناقته ؟ وأنى والله ما أعلم إلا ما علمني الله وقد دلنى الله عليها، فهى في هذا الشعب، قد حبستها شجرة بزمامها، فذهب رجال من المسلمين، فوجدوها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما وصف. ورافع بن حريملة، وهو الذى قال له الرسول صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - حين مات: قد مات اليوم عظيم من العظماء المنافقين، ورفاعة بن زيد ابن التابوت، وهو الذى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين هبت عليه الريح، وهو قافل من غزوة بنى المصطلق، فاشتدت عليه حتى أشفق المسلمون منها - فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخافوا، فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وجد رفاعة ابن زيد بن التابوت مات ذلك اليوم الذى هبت فيه الريح، وسلسلة بن برهام. وكنانة بن صورياء. وكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد فيستمعون أحاديث المسلمين، ويسخرون منهم، ويستهزئون بدينهم، فاجتمع يوما في المسجد منهم ناس، فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون بينهم خافضي أصواتهم، قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا، فقام أبو أيوب، خالد بن زيد بن كليب، إلى عمرو بن قيس، أحد بنى غنم بن مالك بن النجار - وكان صاحب آلهتهم في الجاهلية - فأخذ برجله فسحبه، حتى أخرجه من المسجد، وهو يقول: أتخرجني يا أبا أيوب من مربد بنى ثعلبة ! ثم أقبل أبو أيوب أيضا إلى رافع بن وديعة، أحد بن النجار، فلببه

[ 371 ]

بردائه ثم نتره نترا شديدا، ولطم وجهه، ثم أخرجه من المسجد، وأبو أيوب يقول له: أف لك منافقا خبيثا ! أدراجك يا منافق من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. [ قال ابن هشام: أي ارجع من الطريق التى جئت منها. قال الشاعر: فولى وأدبر أدراجه * وقد ناء بالظلم من كان ثم ] وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو، وكان رجلا طويل اللحية، فأخذ بلحيته فقاده بها قودا عنيفا حتى أخرجه من المسجد، ثم جمع عمارة يديه [ جميعا ] فلدمه بهما في صدره لدمة خر منها، قال: يقول: خدشتني يا عمارة، فقال: أبعدك الله يا منافق، فما أعد الله لك من العذاب أشد من ذلك، فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: اللدم: الضرب ببطن الكف. قال تميم بن أبى ابن مقبل: وللفؤاد وجيب تحت أبهره * لدم الوليد وراء الغيب بالحجر قال ابن هشام: الغيب: ما انخفض من الارض. والابهر: عرق القلب. قال ابن إسحاق: وقال أبو محمد، رجل من بنى النجار، كان بدريا، وأبو محمد مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النجار، إلى قيس بن عمرو بن سهل، وكان قيس غلاما شابا، وكان لا يعلم في المنافقين شاب غيره، فجعل يدفع في قفاه حتى أخرجه من المسجد. وقام رجل من بلخدرة بن الخزرج، رهط أبى سعيد الخدرى، يقال له: عبد الله بن الحارث - حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراج المنافقين من المسجد - إلى رجل يقال له: الحارث بن عمرو، وكان ذا جمة، فأخذ بجمته فسحبه بها سحبا عنيفا، على ما مر به من الارض، حتى أخرجه من المسجد. قال: يقول المنافق: لقد أغلظت يابن الحارث، فقال له: إنك أهل

[ 372 ]

لذلك، أي عدو الله، لما أنزل الله فيك، فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنك نجس. وقام رجل من بنى عمرو بن عوف إلى أخيه زوى بن الحارث، فأخرجه من المسجد إخراجا عنيفا، وأفف منه، وقال: غلب عليك الشيطان وأمره. فهؤلاء من حضر المسجد يومئذ من المنافقين، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراجهم. ما نزل من البقرة في المنافقين ويهود ففى هؤلاء من أحبار اليهود، والمنافقين من الاوس والخزرج، نزل صدر سورة البقرة إلى المئة منها - فيما بلغني - والله أعلم. يقول الله سبحانه وبحمده: { ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه }، أي لا شك فيه. قال ابن هشام: قال ساعدة بن جؤية الهذلى: فقالوا: عهدنا القوم قد حصروا به * فلا ريب أن قد كان ثم لحيم وهذا البيت في قصيدة له، والريب [ أيضا ]: الريبة. قال خالد بن زهير الهذلى: * كأننى أريبه بريب * قال ابن هشام: [ ويقال: أربته ] ومنهم من يرويه: * كأننى أربته بريب * وهذا البيت في أبيات له. وهو ابن أخى أبى ذؤيب الهذلى. { هدى للمتقين } أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء [ هم ] منه { الذين يؤمنون

[ 373 ]

بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } أي يقيمون الصلاة بفرضها، ويؤتون الزكاة احتسابا لها { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } أي يصدقونك بما جئت به من الله عزوجل، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم { وبالآخرة هم يوقنون } أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، أي هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان من قبلك، وبما جاءك من ربك { أولئك على هدى من ربهم } أي على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم { وأولئك هم المفلحون } أي الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا { إن الذين كفروا } أي بما أنزل إليك، وإن قالوا إن قد آمنا بما جاءنا قبلك { سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } أي أنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق لك، فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يستمعون منك إنذارا أو تحذيرا، وقد كفروا بما عندهم من علمك ؟ { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } أي عن الهدى أن يصيبوه أبدا، يعنى بما كذبوك به من الحق الذى جاءك من ربك حتى يؤمنوا به، وإن آمنوا بكل ما كان قبلك، ولهم بما هم عليه من خلافك عذاب عظيم. فهذا في الاحبار من يهود، فيما كذبوا به من الحق بعد معرفته. { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } يعنى المنافقين من الاوس والخزرج، ومن كان على أمرهم { يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبه مرض } أي شك { فزادهم الله مرضا } أي شكا { ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون * وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا إنما نحن مصلحون } أي إنما نريد

[ 374 ]

الاصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب، يقول الله تعالى { ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون * وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا: أنؤمن كما آمن السفهاء ؟ ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم } من يهود، الذين يأمرونهم بالتكذيب بالحق وخلاف ما جاء به الرسول { قالوا إنا معكم } أي إنا على مثل ما أنتم عليه { إنما نحن مستهزئون } أي إنما نستهزئ بالقوم، ونلعب بهم. يقول الله عزوجل: { الله يستهزئ بهم، ويمدهم في طغيانهم يعمهون }. قال ابن هشام: يعمهون يحارون. تقول العرب: رجل عمه وعامه: أي حيران، قال رؤبة بن العجاج يصف بلدا: * أعمى الهدى بالجاهلين العمه * وهذا البيت في أرجوزة له، فالعمه: جمع عامة، وأما عمه، فجمعه عمهون، والمرأة: عمهة، وعمهاء. { أولئك الذى اشتروا الضلالة بالهدى } أي الكفر بالايمان { فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين } قال ابن إسحاق: ثم ضرب لهم مثلا، فقال تعالى: { مثلهم كمثل الذى استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون } أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم به، ونفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق { صم بكم عمى فهم لا يرجعون }، أي لا يرجعون إلى الهدى، صم بكم عمى عن الخير، لا يرجعون إلى خير، ولا يصيبون نجاة، ما كانوا على ما هم عليه { أو كصيب

[ 375 ]

من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق، يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت، والله محيط بالكافرين }. قال ابن هشام: الصيب: المطر، وهو من صاب يصوب، مثل قولهم: السيد، من ساد يسود، والميت، من مات يموت، وجمعه: صيائب، قال علقمة ابن عبدة، أحد بنى ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم: كأنهم صابت عليهم سحابة * صواعقها لطيرهن دبيب وفيها: فلا تعدلي بينى وبين مغمر * سقتك روايا المزن حين تصوب (1) وهذا البيتان في قصيدة له. قال ابن إسحاق: أي هم من ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل من الذى هم عليه من الخلاف والتخوف لكم، على مثل ما وصف، من الذى هو [ في ] ظلمة الصيب، يجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر الموت، يقول: والله منزل ذلك بهم من النقمة، أي هو محيط بالكافرين { يكاد البرق يخطف أبصارهم } أي لشدة ضوء الحق { كلما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا } أي يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه في الكفر قاموا متحيرين { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } أي لما تركوا من الحق بعد معرفته { إن الله على كل شئ قدير }. ثم قال: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } للفريقين جميعا، من الكفار والمنافقين، أي وحدوا ربكم { الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، فلا تجعلوا الله أنداد وأنتم تعلمون } (هامش ص 375) (1) في ب " حيث تصوب ".

[ 376 ]

قال ابن هشام: الانداد: الامثال، واحدهم: ند. قال لبيد بن ربيعة: أحمد الله فلا ند له * بيديه الخير ما شاء فعل وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: أي لا تشركوا بالله غيره من الانداد التى لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذى يدعوكم إليه الرسول من توحيد هو الحق لا شك فيه { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } أي في شك مما جاءكم به { فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله } أي من استطعتم من أعوانكم على ما أنتم عليه { إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } فقد تبين لكم الحق { فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة، أعدت للكافرين } أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر. ثم رغبهم وحذرهم نقض الميثاق الذى أخذ عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم إذ جاءهم، وذكر لهم بدء خلقهم حين خلقهم، وشأن أبيهم آدم عليه السلام وأمره، وكيف صنع به حين خالف عن طاعته، ثم قال: { يا بنى إسرائيل } للاحبار من يهود { اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم } أي بلائى عندكم وعند آبائكم، لما كان نجاهم به من فرعون وقومه { وأوفوا بعهدي } الذى أخذت في أعناقكم لنبيى أحمد إذا جاءكم { أوف بعهدكم } أنجز لكم ما وعدتكم على تصديقه واتباعه بوضع ما كان عليكم من الآصار والاغلال التى كانت في أعناقكم، بذنوبكم التى كانت من أحداثكم { وأياى فارهبون } أي أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التى قد عرفتم، من المسخ وغيره { وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم، ولا تكونوا أول كافر به } وعندكم من العلم فيه ما ليس عند غيركم { وإياى فاتقون * ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } أي لا تكتموا

[ 377 ]

ما عندكم من المعرفة برسولى وبما جاء به، وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التى بأيديكم { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } أي أتنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة، وتتركون أنفسكم، أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي. ثم عدد عليهم أحداثهم، فذكر لهم العجل وما صنعوا فيه، وتوبته عليهم وإقالته إياهم، ثم قولهم: { أرنا الله جهرة }. قال ابن هشام: جهرة، أي ظاهرا لنا لا شئ يستره عنا. قال أبوالاخزر الحمانى، واسمه قتيبة: * يجهر أجواف المياه السدم * وهذا البيت في أرجوزة له. يجهر: يقول: يظهر الماء ويكشف عنه ما يستره من الرمل وغيره. قال ابن إسحاق: وأخذ الصاعقة إياهم ذلك لغرتهم، ثم إحياءه إياهم بعد موتهم، وتظليله عليهم الغمام، وإنزاله عليهم المن والسلوى، وقوله لهم: { ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة } أي قولوا ما آمركم به أحد به ذنوبكم عنكم، وتبديلهم ذلك من قوله استهزاء بأمره، وإقالته إياهم ذلك بعد هزئهم. قال ابن هشام، المن: شئ كان يسقط في السحر على شجرهم، فيجتنونه حلوا مثل العسل، فيشربونه ويأكلونه، قال أعشى بنى قيس بن ثعلبة: لو أطعموا المن والسلوى مكانهم * ما أبصر الناس طعما فيهم نجعا وهذا البيت في قصيدة له، والسلوى: طير، واحدتها: سلواة، ويقال: إنها السمانى، ويقال للعسل [ أيضا ]: السلوى. وقال: خالد بن زهير الهذلى:

[ 378 ]

وقاسمها بالله حقا لانتم * ألذ من السلوى إذا ما نشورها وهذا البيت في قصيدة له. وحطة: أي حط عنا ذنوبنا. قال ابن إسحاق: وكان [ من ] تبديلهم ذلك، كما حدثنى صالح بن كيسان عن صالح مولى التوءمة بنت أمية بن خلف، عن أبى هريرة ومن لا أتهم، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دخلوا الباب الذى أمروا أن يدخلوا منه سجدا يزحفون، وهو يقولون حنط في شعير. قال ابن هشام: ويروى: حنطة في شعير [ ة ]. قال ابن إسحاق: واستسقاء موسى لقومه، وأمره [ إياه ] أن يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت لهم منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط عين يشربون منها، قد علم كل سبط عينه التى منها يشرب، وقولهم لموسى عليه السلام: { لن نصبر على طعام واحد، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها }. قال ابن هشام: الفوم: الحنطة (1). قال أمية بن أبى الصلت الثقفى: فوق شيزى مثل الجوابى عليها * قطع كالوذيل في نقى فوم قال ابن هشام: الوذيل: قطع الفضة [ والفوم: القمح ]، واحدته، فومة. وهذا البيت في قصيدة له. { وعدسها وبصلها، قال: أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير ؟ اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم }. قال ابن إسحاق: فلم يفعلوا، ورفعه الطور فوقهم ليأخذوا ما أوتوا، والمسخ الذى كان فيهم، إذا جعلهم قردة بأحداثهم، والبقرة التى أراهم الله عزوجل بها العبرة في القتيل الذى اختلفوا فيه، حتى بين الله لهم أمره، بعد التردد على (هامش ص 378) (1) ويقال: الفوم هو الثوم، والفاء بدل من الثاء.

[ 379 ]

موسى عليه السلام في صفة البقرة، وقسوة قلوبهم بعد ذلك حتى كانت كالحجارة أو أشد قسوة. ثم قال تعالى: { وإن من الحجارة لما ينفجر منه الانهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يهبط من خشية الله } أي وإن من الحجارة لالين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق { وما الله بغافل عما تعلمون }. ثم قال لمحمد عليه السلام، ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون }، وليس قوله يسمعون التوراة، أن كلهم قد سمعها، وكلنه يقول فريق منهم، أي خاصة، فيما بلغني عن بعض أهل العلم. قال ابن إسحاق، فيما بلغني عن بعض أهل العلم: قالوا لموسى: يا موسى، حيل بيننا وبين رؤية الله فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فطلب ذلك موسى عليه السلام من ربه، فقال له: نعم، مرهم فليطهروا ثيابهم، وليصوموا، ففعلوا. ثم خرج بهم حتى أتى بهم الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى فوقعوا سجدا وكلمه ربه فسمعوا كلامه تبارك وتعالى، يأمرهم وينهاهم، حتى عقلوا عنه ما سمعوا ثم انصرف بهم إلى بنى إسرائيل، فلما جاءهم حرف فريق منهم ما أمرهم به وقالوا، حين قال موسى لبنى اسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذى ذكر الله عزوجل: إنما قال كذا وكذا، خلافا لما قال الله لهم، فهم الذين عنى الله عزوجل لرسوله صلى الله عليه وسلم. ثم قال تعالى: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } أي بصاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة. وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان فيهم. فأنزل الله عزوجل فيهم: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا:

[ 380 ]

أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون } أي تقرون بأنه نبى، وقد عرفتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبركم أنه النبي الذى كنا ننتظر ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا لهم به. يقول الله عزوجل: { أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى }. قال ابن هشام: عن أبى عبيدة: إلا أمانى: إلا قراءة، لان الامي الذى يقرأ ولا يكتب. يقول: لا يعلمون السكتاب إلا [ أنهم ] يقرأونه. قال ابن هشام: عن أبى عبيدة ويونس أنهما تأولا ذلك عن العرب في قول الله عزوجل، حدثنى أبو عبيدة بذلك. قال ابن هشام: وحدثني يونس بن حبيب النحوي وأبو عبيدة: أن العرب تقول: تمنى، في معنى قرأ. وفى كتاب الله تبارك وتعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته - 52 من سورة الحج }. قال: وأنشدني أبو عبيدة النحوي: تمنى كتاب الله أول ليله * وآخره وافى حمام المقادر وأنشدني أيضا: تمنى كتاب الله في الليل خاليا * تمنى داود الزبور على رسل وواحدة الامانى: أمنية. والاماني [ أيضا ]: أن يتمنى الرجل المال أو غيره. قال ابن إسحاق: { وإن هم إلا يظنون }: أي لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظن. { وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، قل: أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون }. قال ابن إسحاق: وحدثني مولى لزيد بن ثابت عن عكرمة، أو عن سعيد

[ 381 ]

ابن جبير، عن ابن عباس، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، واليهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الله الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا في النار من أيام الآخرة، وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب. فأنزل الله في ذلك من قولهم: { وقالوا: لن تمسنا النار إلا أيام معدودة، قل: أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون، بلى كسب سيئة وأحاطت به خطيئته }: أي من عمل بمثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط كفره بماله عند الله من حسنة { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } أي خلدا أبدا { والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا، ولا انقطاع له. قال ابن إسحاق: ثم قال [ الله عزوجل ] يؤنهم: { وإذا أخذنا ميثاق بنى إسرائيل }، أي ميثاقكم { لا تعبدون إلا الله، وبالوالدين إحسانا وذى القربى اليتامى والمساكين، وقولوا للناس حسنا، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون }، أي تركتم ذلك كله ليس بالتنقص { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم }. قال ابن هشام: تسفكون: تصبون. تقول العرب: سفك دمه، أي صبه، وسفك الزق، أي هراقه. قال الشاعر: وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا * سفكنا دماء البدن في تربة الحال قال ابن هشام: يعنى بالحال: الطين الذى يخالطه الرمل، وهو الذى تقول له العرب: السهلة، وقد جاء في الحديث: أن جبريل لما قال فرعون: { آمنت أن لا إله إلا الذى آمنت به بنوا إسرائيل - 90 من سورة يونس } أخذ من حال بالبحر [ وحمأته ]، فضرب به وجه فرعون. [ والحال: مثل الحمأة ].

[ 382 ]

قال ابن إسحاق: { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم، ثم أقررتم وأنتم تشهدون } على أن هذا حق من ميثاقي عليكم، { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان } أي أهل الشرك، حتى يسفكوا دماءهم معهم، ويخرجوهم من ديارهم معهم { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم } وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم { وهو محرم عليكم } في كتابكم { إخراجهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض }، [ أي ] أتفادونهم مؤمنين بذلك، وتخرجونهم كفارا بذلك { فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما تعملون، أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون }. فأنبهم الله عزوجل بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم. فكانوا فريقين، منهم بنو قينقاع ولفهم، حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة ولفهم، حلفاء الاوس، فكانوا إذا كانت بين الاوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الاوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم، والاوس والخزرج أهل شرك يعبدون الاوثان: لا يعرفون جنة ولا نارا، ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حلالا ولا حراما، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أساراهم تصديقا لما في التوراة، وأخذ به بعضهم من بعض، يفتدى بنو قينقاع من كان من أسراهم في أيدى الاوس، وتفتدى النضير وقريظة ما في أيد الخزرج منهم. ويطلون ما أصابوا من الدماء وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لاهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى لهم حين أنبهم بذلك: { أفتؤمنون ببعض الكتاب

[ 383 ]

وتكفرون ببعض } أي تفاديه بحكم التوراة وتقتله، وفى حكم التوراة أن لا تفعل، تقتله وتخرجه من داره وتظاهر عليه من يشرك بالله، ويعبد الاوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا. ففى ذلك من فعلهم مع الاوس والخزرج - فيما بلغني - نزلت هذه القصة. ثم قال تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى بن مريم البينات }، أي الآيات التى وضعت على يديه: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وإبراء الاسقام، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم، وما رد عليهم من التوراة مع الانجيل، الذى أحدث الله إليه، ثم ذكر كفرهم بذلك كله، فقال: { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون }، ثم قال تعالى: { وقالوا قلوبنا غلف }: في أكنة. يقول الله عزوجل: { بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون. ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين }. قال ابن إسحاق: حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قال قالوا: فينا والله وفيهم نزلت هذه القصة، كنا قد علوناهم ظهرا في الجاهلية، ونحن أهل شرك، وهم أهل كتاب، فكانوا يقولون لنا: إن نبيا يبعث الآن نتبعه، قد أظل زمانه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم من قريش فاتبعناه كفروا به. يقول الله: { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين، بئسما اشتروا به أنفسهم

[ 384 ]

أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده }، أي أن جعله في غيرهم { فباءوا بغضب على غضب، وللكافرين عذاب مهين }. قال ابن هشام: فباءوا بغضب أي اعترفوا به واحتملوه. قال أعشى بنى قيس بن ثعلبة: أصالحكم حتى تبوءوا بمثلها * كصرخة حبلى يسرتها قبيلها [ قال ابن هشام: يسرتها أجلستها للولادة ] وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: فالغضب على الغضب لغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة، وهى معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبي صلى الله عليه وسلم الذى أحدث الله إليهم. ثم أنبهم برفع الطور عليهم، واتخاذهم العجل إلها دون ربهم، يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين }، أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب عند الله، فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول الله جل ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم }، أي بعلمهم بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك، فيقال: لو تمنوه يوم قال ذلك لهم ما بقى على وجه الارض يهودى إلا مات. ثم ذكر رغبتهم في الحياة الدنيا وطول العمر، فقال تعالى: { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } اليهود { ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر }، أي ما هو بمنجيه من العذاب وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت، فهو طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ماله في الآخرة من الخزى بما ضيع مما عنده من العلم. ثم قال تعالى: { قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله }.

[ 385 ]

قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن [ عبد ] الرحمن بن أبى حسين المكي عن شهر بن حوشب الاشعري: أن نفرا من أحبار يهود جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن، فإن فعلت ذلك اتبعناك، وصدقناك، وآمنا بك. قال: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقنني ؟ قالوا: نعم، قال: فاسألوا عما بدالكم، قالوا: فأخبرنا كيف يشبه الولد أمه، وإنما النطفة من الرجل ؟ قال: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدكم بالله وبأيامه عند بنى إسرائيل، هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة، ونطفة المرأة صفراء رقيقة، فأيتهما علت صاحبتها كان لها الشبه ؟ قالوا: اللهم نعم، قالوا: أخبرنا كيف نومك ؟ فقال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بنى إسرائيل، هل تعلمون أن نوم الذى تزعمون أنى لست به تنام عينه وقلبه يقظان ؟ فقالوا: اللهم نعم، قال: فذلك نومى، تنام عينى وقلبي يقظان، قالوا: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه، قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بنى إسرائيل، هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الابل ولحومها وأنه اشتكى شكوى، فعافاه الله منها، فحرم على نفسه أحب الطعام والشراب إليه شكرا لله، فحرم على نفسه لحوم الابل وألبانها ؟ قالوا: اللهم نعم، قالوا: فأخبرنا عن الروح ؟ قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بنى إسرائيل، هل تعلمونه جبريل، وهو الذى يأتيني ؟ قالوا: اللهم نعم، ولكنه يا محمد لنا عدو، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وبسفك الدماء، ولو لا ذلك لاتبعناك، قال: فأنزل الله عزوجل: { قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين } إلى قوله تعالى: { أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ؟ بل أكثرهم لا يؤمنون. ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا

[ 386 ]

الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان } أي السحر { وما كفر سليمان، ولكن الشيطان كفروا يعلمون الناس السحر } قال ابن إسحاق: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني لما ذكر سليمان بن داود في المرسلين، قال بعض أحبارهم: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن سليمان بن داود كان نبيا، والله ما كان إلا ساحرا. فأنزل تعالى في ذلك من قولهم: { وما كفر سليمان، ولكن الشياطين كفروا } أي باتباعهم السحر، وعملهم به { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، وما يعلمان من أحد }. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول: الذى حرم إسرائيل على نفسه زائدتا الكبد والكليتان والشحم إلا ما كان على الظهر، فإن ذلك كان يقرب للقربان، فتأكله النار. قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر فيما حدثنى مولى لآل زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، صاحب موسى وأخيه، والمصدق لما جاء به موسى: ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة، وإنكم لتجدون ذلك في كتابكم: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود. ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما - 29 من سورة الفتح }.

[ 387 ]

وإنى أنشدكم بالله، وأنشدكم بما أنزل عليكم، وأنشدكم بالذى أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المن والسلوى، وأنشدكم بالذى أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعون وعمله، إلا أخبرتموني: هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد ؟ فإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم لا كره عليكم { قد تبين الرشد من الغى } فأدعوكم إلى الله وإلى نبيه. قال ابن هشام: شطؤه: فراخه، وواحدته: شطأة. تقول العرب: قد أشطأ الزرع، إذا أخرج فراخه. وآزره: عاونه، فصار الذى قبله مثل الامهات قال امرؤ القيس بن حجر الكندى: بمحنية قد آزر الضال نبتها * مجر جيوش غانمين وخيب وهذا البيت في قصيدة له. وقال حميد بن مالك الارقط، أحد بنى ربيعة ابن مالك بن زيد مناة: * زرعا وقضبا مؤزر النبات * وهذا البيت في أرجوزة له، وسوقه [ غير مهموز ] جمع ساق، لساق الشجرة. قال ابن إسحاق: وكان ممن نزل فيه القرآن، بخاصة من الاحبار وكفار يهود، الذى كانوا يسألونه ويتعنتونه ليلبسوا الحق بالباطل - فيما ذكر لى عن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله بن رئاب - أن أبا ياسر بن أخطب مر برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلو فاتحة البقرة: { ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه }، فأتى أخاه حيى بن أخطب في رجال من يهود، فقال: تعلموا والله، لقد سمعت محمد يتلو فيما أنزل عليه: " ألم ذلك الكتاب "، فقالوا: أنت سمعته ؟ فقال: نعم، فمشى حيى بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: يا محمد، ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل إليك: { ألم ذلك الكتاب } ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

[ 388 ]

بلى، قالوا: أجاءك بها جبريل من عند الله ؟ فقال: نعم، قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء، ما نعلمه بين لنبى منهم ما مدة ملكه، وما أكل أمته غيرك، فقال حيى بن أخطب، وأقبل على من معه، فقال لهم: الالف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين إنما مدة ملكه وأكل أمته إحدى وسبعون سنة ؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، هل مع هذه غيره ؟ قال: نعم، قال: ماذا ؟ قال: { المص }. قال: هذه والله أثقل وأطول، الالف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومئة سنة، هل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال: نعم { الر }. قال: هذه والله أثقل وأطول، الالف واحدة واللام ثلاثون، والراء مئتان، فهذه إحدى وثلاثون ومئتان، هل مع هذا غيره يا محمد ؟ قال: نعم { المر }. قال: هذه والله أثقل وأطول، الالف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مئتان، هذه إحدى وسبعون ومئتا سنة، ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد، حتى ما ندرى أقليلا أعطيت أم كثيرا ؟ ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسر لاخيه حيى بن أخطب ولمن معه من الاحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد: إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومئة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسعبون ومئتان، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثة سنة، فقالوا: لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات - 7 من سورة آل عمران }. قال ابن إسحاق: وقد سمعت من لا أتهم من أهل العلم يذكر، أن هؤلاء الآيات إنما أنزلن في أهل نجران، حين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن عيسى ابن مريم عليه السلام. قال ابن إسحاق: وقد حدثنى محد بن أبى أمامة بن سهل بن حنيف، أنه

[ 389 ]

قد سمع أن هؤلاء الآيات إنما أنزلن في نفر من يهود، ولم يفسر ذلك لى. فالله أعلم أي ذلك كان. قال ابن إسحاق: وكان - فيما بلغني عن عكرمة مولى ابن عباس، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - أن يهود كانوا يستفتحون على الاوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور أخو بنى سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته، فقال سلام بن مشكم، أحد بنى النضير: ما جاءنا بشئ نعرفه، وما هو بالذى كنا نذكره لكم. فأنزل الله في ذلك من قولهم: { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله عليه الكافرين }. قال ابن إسحاق: وقال مالك بن الضيف، حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر لهم ما أخذ عليهم له من الميثاق، وما عهد الله إليهم فيه: والله ما عهد إلينا في محمد عهد، وما أخذ له علينا من ميثاق، فأنزل الله فيه: { أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم، بل أكثرهم لا يؤمنون }. وقال أبوصلوبا الفطيونى لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، ما جئتنا بشئ نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك لها. فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله: { ولقد أنزلنا إليك آيات بينات، وما يكفر بها إلا الفاسقون }. وقال رافع بن حريملة، ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرأه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: { أم تريدون أن تسألوا

[ 390 ]

رسولكم كما سئل موسى من قبل ؟ ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل }. قال ابن هشام: سواء السبيل: وسط السبيل قال حسان بن ثابت: يا ويح أنصار النبي ورهطه * بعد المغيب في سواء الملحد وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق: وكان حيى بن أخطب وأخوه أبو ياسر بن أخطب، من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصمهم الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم، وكانا جاهدين في رد الناس عن الاسلام بما استطاعا، فأنزل الله تعالى فيهما: { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره، إن الله على كل شئ قدير }. تنازع اليهود والنصارى عند رسول الله قال ابن إسحاق: ولما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شئ، وكفروا بعيسى وبالانجيل، فقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شئ، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم { وقالت اليهود: ليست النصارى على شئ، وقالت النصارى: ليست اليهود على شئ، وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون }، أي كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به، أي يكفر اليهود بعيسى، وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى عليه السلام بالتصديق بعيسى عليه السلام، وفى الانجيل ما جاء به عيسى عليه السلام، من تصديق موسى عليه السلام، وما جاء به من التوراة من عند الله، وكل يكفر بما في يد صاحبه.

[ 391 ]

قال ابن إسحاق: وقال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إن كنت رسولا من الله كما تقول، فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله: { وقال الذين لا يعلمون: لو لا يكلمنا الله أو تأتينا آية، كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم، تشابهت قلوبهم، قد بينا الآيات لقوم يوقنون }. وقال عبد الله بن صوريا الاعور الفطيونى لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله تعالى في ذلك من قول عبد الله بن صوريا وما قالت النصارى: { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } ثم القصة إلى قول الله تعالى: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون }. قول اليهود عند صرف القبلة إلى الكعبة قال ابن إسحاق: ولما صرف القبلة عن الشام إلى الكعبة وصرفت في رجب على رأس عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة - أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن قيس، وقردم بن عمرو، وكعب بن الاشرف، ورافع بن أبى رافع، والحجاج بن عمرو، حليف كعب ابن الاشرف، والربيع بن الربيع بن أبى الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق فقالوا: يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التى كنت عليها، وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ؟ ارجع إلى قبلتك التى كنت عليها نتبعك ونصدقك، وإنما يريدون بذلك فتنة عن دينه، فأنزل الله تعالى فيهم: { سيقول السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها ؟ قل: لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم، وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا، وما حعلنا

[ 392 ]

القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } أي ابتلاء واختبارا { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله }، أي من الفتن، أي الذين ثبت الله { وما كان الله ليضيع إيمانكم }، أي إيمانكم بالقبلة الاولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعكم إياه القبلة الآخرة، وطاعتكم نبيكم فيهما، أي ليعطينكم أجرهما جميعا { إن الله بالناس لرءوف رحيم }. ثم قال تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره }. قال ابن هشام: شطره: نحوه وقصده. قال عمرو بن أحمر الباهلى - وباهلة ابن يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان - يصف ناقة له: تعدو بنا شطر جمع وهى عاقدة * قد كارب العقد من إيفادها الحقبا وهذا البيت في قصيده له وقال قيس بن خويلد الهذلى يصف ناقته: إن النعوس بها داء مخامرها * فشطرها نظر العينين محسور (1) وهذا البيت في أبيات له. قال ابن هشام: والنعوس: ناقته، وكان بها داء فنظر إليها نظر حسير، من قوله: وهو حسير. { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم، وما الله بغافل عما يعملون، ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك، وما أ، ت بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض، ولئن ابتعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين }. قال ابن إسحاق: إلى قوله تعالى: { وإنه للحق من ربك فلا تكونن من الممترين } (هامش ص 392) (1) رواه في اللسان (ح س ر - ش ط ر) " إن العسير بها داء - إلخ ".

[ 393 ]

وسأل معاذ بن جبل، أخو بنى سلمة، وسعد بن معاذ، أخو بنى عبد الاشهل، وخارجة بن زيد، أخو بلحارث بن الخزرج، نفرا من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم عنه. فأنزل الله تعالى فيهم: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون }. قال: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود من أهل الكتاب إلى الاسلام ورغبهم فيه، وحذرهم عذاب الله ونقمته، فقال له رافع بن خارجة، ومالك بن عوف: بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيرا منا. فأنزل الله عزوجل في ذلك من قولهما: { وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون }. ولما أصاب الله عزوجل قريشا يوم بدر جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود في سوق بنى قينقاع، حين قدم المدينة، فقال: يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشا، فقالوا له: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش، كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لاولى الابصار - 12 و 13 من سورة آل عمران }. قال: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له النعمان بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي

[ 394 ]

دين أنت يا محمد ؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه، قالا: فإن إبراهيم كان يهوديا، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلم إلى التوراة فهى بيننا وبينكم، فأبيا عليه، فأنزل الله تعالى فيهما: { ألم تر إلى الذين أتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون، ذلك بأنهم قالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودات، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون - 23 و 24 من سورة آل عمران }. وقال أحبار يهود ونصارى نجران، حين اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا، فقالت الاحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى من أهل نجران: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله عزوجل فيهم: { يأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والانجيل إلا من بعده أفلا تعقلون، ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ؟ والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين، إن أولى الناس إبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا، والله ولى المؤمنين - 65، 68 من سورة آل عمران }. وقال عبد الله بن ضيف، وعدى بن زيد، والحارث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعون عن دينهم، فأنزل الله فيهم: { يأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ؟ وقالت طائفة من أهل الكتاب: آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون. ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم. قل: إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم، قل: إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله

[ 395 ]

واسع عليم - 71، 73 من سورة آل عمران }. وقال أبو رافع القرظى - حين اجتمعت الاحبار من يهود، والنصارى من أهل نجران، عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الاسلام -: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم ؟ وقال رجل من أهل نجران نصراني، يقال له: الربيس، [ ويروى: الريس، الرئيس ]: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا ؟ أو كما قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره، فما بذلك بعثنى الله، ولا أمرنى، أو كما قال. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس: كونوا عبادا لى من دون الله، ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } إلى قوله تعالى: { بعد إذ أنتم مسلمون - 79، 80 من سورة آل عمران }. قال ابن هشام: الربانيون: العلماء والفقهاء السادة، واحدهم: ربانى. قال الشاعر: لو كنت مرتهنا في القوس أفتننى * منها الكلام ورباني أحبار قال ابن هشام: القوس: صومعة الراهب. وأفتننى: لغة تميم، وفتننى: لغة قيس. قال جرير: لا وصل إذ صرمت هند، ولو وقفت * لاستنزلتنى وذا المسحين في القوس أي صومعة الراهب. والربانى: مشتق بن الرب، وهو السيد، وفى كتاب الله: " فيسقى ربه خمرا - 41 من سورة يوسف "، أي سيده. قال ابن إسحاق: " ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون - 80 آل عمران ؟ ". قال ابن إسحاق: ثم ذكر ما أخذ الله عليهم، وعلى أنبيائهم من الميثاق

[ 396 ]

بتصديقه، إذا هو جاءهم، وإقرارهم على أنفسهم، فقال: { وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى ؟ قالوا أقررنا، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين - 81 من سورة آل عمران } إلى آخر القصة. قال ابن إسحاق: ومر شاس بن قيس، وكان شيخا قد عسا، عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر (1) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الاسلام، بعد الذى كان بينهم من العدواة في الجاهلية. فقال: قد اجتمع ملا بنى قيلة بهذه البلاد، لا والله مالنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر فتى شابا من يهود كان معهم، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث وكان كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الاشعار. وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الاوس والخزرج، وكان الظفر فيه يومئذ للاوس على الخزرج، وكان على الاوس يومئذ حضير بن سماك الاشهلى. أبو أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضى، فقتلا جميعا. قال ابن هشام: قال أبو قيس بن الاسلت: على أن قد فجعت بذى حفاظ * فعاودني له حزن رصين فإما تقتلوه فإن عمرا * أعض برأسه عضب سنين وهذا البيتان في قصيدة له. وحديث يوم بعاث أطول مما ذكرت، وإنما معنى من استقصائه ما ذكرت من القطع. [ سنين: مسنون، من سنه، إذا شحذه ]. (هامش ص 396) (1) " على نفر " يتعلق بقوله " مرشاس ".

[ 397 ]

قال ابن إسحاق: ففعل، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب: أوس بن قيظى، أحد بن حارثة ابن الحارث، من الاوس، وجبار بن صخر، أحد بنى سلمة من الخزرج، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة، فغضب الفريقان جميعا وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحرة - السلاح السلاح، فخرجوا إليها. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم، فقال: يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للاسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بين قلوبكم، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الاوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس، فأنزل الله تعالى في شأس بن قيس وما صنع: { قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ؟ والله شهيد على ما تعملون، قل: يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا، وأنتم شهداء ؟ وما الله بغافل عما تعملون - 98، 99 من سورة آل عمران }. وأنزل الله في أوس بن قيظى وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا عما أدخل عليهم شأس من أمر الجاهلية: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ؟ ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }، إلى قوله تعالى: { وأولئك لهم عذاب عظيم - 100، 105 من سورة آل عمران }. قال ابن إسحاق: ولما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد

[ 398 ]

ابن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الاسلام، ورسخوا فيه، قالت أحبار يهود، أهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا اتبعه إلا شرارنا، ولو كان من أخيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى [ دين ] غيره. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { ليسوا سواء، من أهل الكتاب أمه قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون - 113 من سورة آل عمران }. قال ابن هشام: آناء الليل: ساعات الليل، وواحدها: إنى. قال المتنخل الهذلى، واسمه مالك بن عويمر، يرثى أثيلة ابنه: حلو ومر كعطف القدح شيمته * في كل إنى قضاه الليل ينتعل وهذا البيت في قصيدة له. وقال لبيد بن ربيعة، يصف حمار وحش: يطرب آناء النهار كأنه * غوى سقاه في التجار نديم وهذا البيت في قصيدة له، ويقال: إنى (مقصور)، فيما أخبرني يونس. { يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات، وأولئك من الصالحين - 114 آل عمران }. قال ابن إسحاق: وكان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحلف [ في الجاهلية ]، فأنزل الله تعالى فيهم ينهاهم عن مباطنتهم: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يالونكم خبالا، ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواهم، وما تخفى صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون * ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم، وتؤمنون بالكتاب كله }، أي تؤمنون بكتابكم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم كنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم { وإذا لقوكم قالوا آمنا، وإذا خلوا عضوا عليكم الانامل من الغيظ، قل موتوا بغيظكم - 118 و 119 من سورة آل عمران } إلى آخر القصة.

[ 399 ]

ودخل أبو بكر الصديق بيت المدارس على يهود، فوجد منهم ناسا كثيرا قد اجتمعوا إلى رجل منهم، يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر من أحبارهم، يقال له: أشيع، فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك يا فنحاص ! اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم إن محمدا لرسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والانجيل، فقال فنحاص لابي بكر: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا. وإنا عنه لاغنياء، وما هو عنا بغنى، ولو كان عنا غنيا ما استقرضنا أموالنا، كا يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان عنا غنيا ما أعطانا الربا، قال: فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال: والذى نفسي بيده، لولا العهد الذى بيننا وبينكم لضربت رأسك، أي عدو الله. قال: فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، انظر ما صنع بى صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي بكر: ما حملك على ما صنعت ؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولا عظيما، إنه زعم أن الله فقير [ إليهم ] وأنهم [ عنه ] أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله ما قال، وضربت وجهه. فجحد ذلك فنحاص، وقال: ما قلت ذلك. فأنزل الله فيما قال فنحاص ردا عليه، وتصديقا لابي بكر: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، سنكتب ما قالوا وقتلهم الانبياء بغير حق، ونقول ذوقوا عذاب الحريق - 181 من سورة آل عمران }. ونزل في أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وما بلغه في ذلك من الغضب: { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الامور - 186 من سورة آل عمران }.

[ 400 ]

ثم قال فيما قال فنحاص والاحبار معه من يهود: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون * لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم - 187 و 188 من سورة آل عمران }، يعنى فنحاص وأشيع وأشباههما من الاحبار، الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زينوا للناس من ضلالة، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، أن يقول الناس: علماء، وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى ولا حق، ويحبون أن يقول الناس: قد فعلوا. قال ابن إسحاق: وكان كردم بن قيس، حليف كعب بن الاشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبى نافع، وبحري بن عمرو، وحيى بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالا من الانصار كانوا يخالطونهم، ينتصحون لهم، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون علام يكون. فأنزل الله فيهم: { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله }، أي من التوراة، التى فيها تصديق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم { وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا، والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر }، إلى قوله: { وكان الله بهم عليما - 37، 39 من سورة النساء }. قال ابن إسحاق: وكان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود، إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه، وقال: أرعنا سمعك يا محمد، حتى نفهمك، طعن في الاسلام وعابه. فأنزل الله فيه: { ألم تر إلى الذين أتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل، والله

[ 401 ]

أعلم بأعدائكم، وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا. من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون: سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا }، [ أي راعنا سمعك ] { ليا بألسنتهم وطعنا في الدين، ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم، ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا - 44، 46 من سورة النساء }. وكلم رسول اله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود - منهم: عبد الله ابن صوريا الاعور، وكعب بن أسد - فقال لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون إن الذى جئتكم به لحق، قالوا: ما نعرف ذلك يا محمد، فجحدوا ما عرفوا، وأصروا على الكفر. فأنزل الله تعالى فيهم: { يا أيها الذين أتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولا - 47 من سورة النساء }. قال ابن هشام: نطمس: نمسحها فنسويها، فلا يرى فيها عين ولا أنف ولا فم ولا شئ مما يرى في الوجه، وكذلك { فطمسنا أعينهم - 37 من سورة القمر }، المطموس العين: الذى ليس بين جفنيه شق. ويقال: طمست الكتاب والاثر، فلا يرى منه شئ. قال الاخطل، واسمه الغوث بن هبيرة (1) ابن الصلت التغلبي، يصف إبلا كلفها ما ذكر: وتكليفناها كل طامسة الصوى * شطون ترى حرباءها يتململ وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن هشام: واحدة الصوى: صوة. والصوى: الاعلام التى يستدل بها على الطرق والمياه. قال ابن هشام: يقول مسحت فاستوت بالارض، فليس فيها شئ ناتئ (هامش ص 401) ذكر الآمدي أنه " غياث بن غوث بن الصلت " وهو المشهور المعروف.

[ 402 ]

قال ابن إسحاق: وكان الذين حزبوا الاحزاب من قريش وغطفان وبنى قريظة: حيى بن أخطب، وسلام بن أبى الحقيق، أبو رافع، والربيع بن الربيع بن أبى الحقيق، وأبو عمار، ووحوح بن عامر، وهوذة بن قيس. فأما وحوح، وأبو عمار، وهوذة، فمن بنى وائل، وكان سائرهم من بنى النضير، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتاب الاول، فسلوهم: أدينكم خير، أم دين محمد ؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله تعالى فيهم: { ألم تر إلى الذين أتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت - 51 من سورة النساء } قال ابن هشام: الجبت (عند العرب): ما عبد من دون الله تبارك وتعالى، والطاغوت: كل ما أضل عن الحق. وجمع الجبت: جبوت، وجمع الطاغوت: طواغيت. قال ابن هشام: وبلغنا عن ابن أبى نجيح أنه قال: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. { ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا }. قال ابن إسحاق: إلى قوله تعالى: { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة، وآتيناهم ملكا عظيما - 54 من سورة النساء }. قال ابن إسحاق: وقال سكين وعدى بن زيد: يا محمد، ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شئ بعد موسى، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا، ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل، ورسلا لم نقصصهم عليك، وكلم الله موسى تكليما، رسلا مبشرين ومنذرين

[ 403 ]

لئلا يكون الناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزا حكيما - 163، 165 من سورة النساء }. ودخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة منهم، فقال لهم: أما والله إنكم لتعلمون أنى رسول من الله إليكم، قالوا: ما نعلمه وما نشهد عليه فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { لكن الله يشهد بما أنزل إليك، أنزله بعلمه، والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدا - 166 من سورة النساء }. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى النضير يستعينهم في دية العامريين اللذين قتل عمرو بن أمية الضمرى، فلما خلا بعضهم ببعض قالوا: لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن، فمن رجل يظهر على هذا البيت، فيطرح عليه صخرة فيريحينا منه ؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فانصرف عنهم، فأنزل الله تعالى فيه وفيما أراد هو وقومه: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم، واتقوا الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون - 11 من سورة المائدة }. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضاء، وبحري بن عمرو، وشأس بن عدى، فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله تعالى فيهم: { وقالت اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه، قل: فلم يعذبكم بذنوبكم ؟ بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، ولله ملك السموات والارض وما بينهما وإليه المصير - 18 من سورة المائدة }. قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود إلى الاسلام،

[ 404 ]

ورغبهم فيه، وحذرهم غير الله وعقوبته، فأبوا عليه، وكفروا بما جاءهم به، فقال لهم معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب: يا معشر يهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حريملة، ووهب بن يهوذا: ما قلنا لكم هذا قط، وما أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم بشير ونذير، والله على كل شئ قدير - 19 من سورة النساء }. ثم قص عليهم خبر موسى وما لقى منهم، وانتقاضهم عليه، وما ردوا عليه، من أمر الله حتى تاهوا في الارض أربعين سنة عقوبة. قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري أنه سمع رجلا من مزينة، من أهل العلم، يحدث سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة حدثهم: أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدارس، حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة من يهود قد أحصنت، فقالوا: ابعثوا بهذا الرجل وهذا المرأة إلى محمد، فسلوه كيف الحكم فيهما، وولوه الحكم عليهما، فإن عمل فيهما بعملكم من التجبيه - والتجبيه: الجلد بحبل من ليف مطلى بقار، ثم تسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين، وتجعل وجوههما من قبل أدبار الحمارين - فاتبعوه، فإنما هو ملك، وصدقوه، وإن هو حكم فيهما بالرجم فإنه نبى، فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه. فأتوه، فقالوا: يا محمد، هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت، فاحكم فيهما، فقد وليناك الحكم فيهما، فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم في بيت المدارس، فقال: يا معشر يهود، أخرجوا إلى علماءكم فأخرجوا له عبد الله بن صوريا.

[ 405 ]

قال ابن إسحاق: وقد حدثنى بعض بنى قريظة: أنهم قد أخرجوا إليه يومئذ، مع ابن صوريا، أبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا، فقالوا: هؤلاء علماؤنا، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى حصل أمرهم، إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا: هذا أعلم من بقى بالتوراة. قال ابن هشام: من قوله: " وقد حدثنى بعض بنى قريظة " إلى " أعلم من من بقى بالتوراة " من قول إبن إسحاق، وما بعده من الحديث الذى قبله. فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان غلاما شابا من أحدثهم سنا، فألظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة، يقول له: يابن صوريا، أنشدك الله وأذكرك بأيامه عند بنى إسرائيل، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة ؟ قال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعرفون إنك لنبى مرسل ولكنهم يحسدونك، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بهما فرجما عند باب مسجده في بنى غنم بن مالك بن النجار. ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، وجحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: فأنزل الله تعالى فيهم: { يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك }، أي الذين بعثوا منهم من بعثوا وتخلفوا، وأمروهم بما أمروهم به من تحريف الحكم عن مواضعه. ثم قال: { يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه إن لم تؤتوه - 41، 43 من سورة المائدة } أي الرجم (فاحذروا) إلى آخر القصة. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن إسماعيل ابن إبراهيم عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما، فرجما بباب مسجده، فلما وجد اليهودي مس الحجارة قام إلى صاحبته فحنا عليها، يقيها مس الحجارة، حتى قتلا جميعا.

[ 406 ]

قال: وكان ذلك مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في تحقيق الزنى منهما. قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان عن نافع مولى عبد الله ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، قال: لما حكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما، دعاهم بالتوراة، وجلس حبر منهم يتلوها، وقد وضع يده على آية الرجم، قال: فضرب عبد الله بن سلام يد الحبر، ثم قال: هذه يا نبى الله آية الرجم يأبى أن يتلوها عليك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحكم يا معشر يهود ! ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو بأيديكم ؟ قال: فقالوا: أما والله إنه قد كان فينا يعمل به، حتى زنى رجل منا بعد إحصانه، من بيوت الملوك وأهل الشرف، فمنعه الملك من الرجم، ثم زنى رجل منا بعده، فأراد أن يرجمه، فقالوا: لا والله، حتى ترجم فلانا، فلما قالوا له ذلك اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التجبيه، وأماتوا ذكر الرجم والعمل به. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنا أول من أحيا أمر الله وكتابه وعمل به، ثم أمر بهما فرجما عند باب مسجده. قال عبد الله [ بن عمر ]: فكنت فيمن رجمهما. قال ابن إسحاق: وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: أن الآيات من المائدة التى قال الله فيها: { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين - 42 من سورة المائدة } إنما أنزلت في الدية بين بنى النضير وبين بنى قريظة، وذلك أن قتلى بنى النضير، وكان لهم شرف، يؤدون الدية كاملة، وأن بنى قريظة [ كانوا ] يؤدون نصف الدية، وكان لهم شرف، في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك، فجعل الدية سواء. قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان.

[ 407 ]

قال ابن إسحاق: وقال كعب بن أسد، وابن صلوبا، وعبد الله بن صوريا، وشأس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فإنما هو بشر، فأتوه فقالواله: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وسادتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعتك يهود، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين بعض قومنا خصومة، أفنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك ؟ فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، فأنزل الله فيهم: { وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيرا من الناس لفاسقون، أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟ - 49، 50 من سورة المائدة }. قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر منهم: أبو ياسر ابن أخطب، ونافع بن أبى نافع، وعازر بن أبى عازر، وخالد، وزيد، وإزار ابن أبى إزار، وأشيع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وما أوتى موسى وعيسى، وما أوتى النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون } فلما ذكر عيسى بن مريم جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى بن مريم ولا بمن آمن به. فأنزل الله تعالى فيهم: { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون - 59 من سورة المائدة }. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الضيف، ورافع بن حريملة، فقالو: يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله الحق ؟

[ 408 ]

قال: بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ الله عليكم من الميثاق فيها، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من إحداثكم، قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك، ولا نتبعك فأنزل الله تعالى فيهم: { قل: يأهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل إليكم من ربكم، وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا، فلا تأس على القوم الكافرين - 68 من سورة المائدة }. قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم النحام بن زيد، وقردم بن كعب، وبحري بن عمرو، فقالوا له: يا محمد، أما تعلم مع الله إلها غيره ؟ فقال رسول الله صلى الله علهى وسلم: الله لا إله إلا هو، بذلك بعثت، وإلى ذلك أدعوا. فأنزل فيهم وفى قولهم: { قل: أي شئ أكبر شهادة ؟ قل: الله شهيد بينى وبينكم، وأوحى إلى هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى، قل: لا أشهد، قل: إنما هو إله واحد وأنا برئ مما تشركون، الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذى خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون - 19، 20 من سورة الانعام }. وكان رفاعة بن زيد بن التابوت، وسويد بن الحارث قد أظهر الاسلام ونافقا، فكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله تعالى فيهما: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين }، إلى قوله: { إذا جاءوكم قالوا آمنا، وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به، والله أعلم بما كانوا يكتمون - 57، 61 من سورة المائدة }. وقال جبل بن أبى قشير، وشمويل بن زيد، لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، أخبرنا، متى تقوم الساعة إن كنت نبيا كما تقول ؟ فأنزل الله تعالى

[ 409 ]

فيهما { يسألونك عن الساعة أيان مرساها ؟ قل: إنما علمها عند ربى، لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت في السموات والارض، لا تأتيكم إلا بغتة، يسألونك كأنك حفى عنها، قل: إنما علمها عند الله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون - 187 من سورة الاعراف }. قال ابن هشام: أيان مرساها: متى مرساها. قال قيس بن الحدادية الخزاعى: فجئت ومخفى السر بينى وبينها * لاسألها: أيان من سار راجع ؟ وهذا البيت في قصيدة له. ومرساها: منتهاها، وجمعه: مراس. قال الكميت بن زيد الاسدي: والمصيبين باب ما أخطأ النا * س ومرسي قواعد الاسلام وهذا البيت في قصيدة له. ومرسي السفينة: حيث تنتهى. وحفى عنها على التقديم والتأخير. يقول: يسألونك عنها كأنك حفى بهم، فتخبرهم بما لا تخبر به غيرهم. والحفى: البر المتعهد. وفى كتاب الله { إنه كان بى حفيا - 47 من سورة مريم }. وجمعه: أحفياء. وقال أعشى بنى قيس بن ثعلبة: فإن تسألي عنى فيارب سائل * حفى عن الاعشى به حيث أصعدا وهذا البيت في قصيدة له. والحفى، أيضا: المستحفى عن علم الشئ، المبالغ في طلبه. قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى أبو أنس، ومحمود بن دحية، وشأس بن قيس، ومالك بن الضيف فقالوا له: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله ؟ فأنزل الله عزوجل في ذلك من قولهم: { وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون - 30 من سورة التوبة } إلى آخر القصة.

[ 410 ]

قال ابن هشام: يضاهئون: أي يشاكل قولهم قول الذين كفروا، نحو أن تحدت بحديث، فيحدث آخر بمثله، فهو يضاهيك. قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود بن سيحان، ونعمان بن أضاء، وبحري بن عمرو، وعزير بن أبى عزير، وسلام بن مشكم، فقالوا: أحق يا محمد أن هذا الذى جئت به حق من عند الله، فإنا لا نراه متسقا كما تتسق التوراة ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله إنكم لتعرفون أنه من عند الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة، ولو اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثله ما جاءوا به، فقالوا عند ذلك، وهم جميع: فنحاص، وعبد الله بن صوريا، وابن صلوبا، وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وأشيع، وكعب بن أسد، وشمويل بن زيد، وجبل بن عمرو بن سكينة: يا محمد، أما يعلمك هذا إنس ولا جن ؟ قال: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله وإنى لرسول الله، تجدون ذلك مكتوبا عندكم في التوراة، فقالوا: يا محمد، فإن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء، ويقدر منه على ما أراد، فأنزل علينا كتابا من السماء نقرؤه ونعرفه وإلا جئناك بمثل ما تأتى به، فأنزل الله تعالى فيهم وفيما قالوا { قل: لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا - 88 من سورة الاسراء } قال ابن هشام: الظهير: العون. ومنه قول العرب: تظاهروا عليه، أي تعاونوا عليه، قال الشاعر: يا سمى النبي أصبحت للدين * قواما وللامام ظهيرا أي عونا، وجمعه: ظهراء. قال إبن إسحاق: وقال حيى بن أخطب، وكعب بن أسد، وأبو رافع (1)، (هامش ص 410) (1) في ا " وأبو رافع " وكلا الاسمين مذكور في اليهود.

[ 411 ]

وأشيع، وشمويل بن زيد، لعبدالله بن سلام حين أسلم: ما تكون النبوة في العرب، ولكن صاحبك ملك، ثم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ذى القرنين، فقص عليهم ما جاءه من الله تعالى فيه، مما كان قص على قريش، وهم كانوا ممن أمر قريشا أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، حين بعثوا إليهم النضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط. قال ابن هشام: وحدثت عن سعيد بن جبير أنه قال: أتى رهط من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: يا محمد، هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله ؟ قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه، ثم ساورهم غضبا لربه، قال: فجاءه جبريل عليه السلام فسكنه، فقال: خفض عليك يا محمد، وجاءه من الله جواب ما سأله عنه: { قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد - سورة الصمد }. قال: فلما تلاها عليهم، قالوا: فصف لنا يا محمد كيف خلقه ؟ كيف ذراعه ؟ كيف عضده ؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الاول، وساورهم، فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له مثل ما قال له أول مرة، وجاءه من الله تعالى بجواب ما سألوه، بقول الله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون - 67 من سورة الزمر }. قال ابن إسحاق: وحدثني عتبة بن مسلم، مولى بنى تيم، عن أبى سلمة ابن عبد الرحمن، عن أبى هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يوشك الناس أن يتساءلوا بينهم حتى يقول قائلهم: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله ؟ قالوا ذلك فقولوا: { قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد - سورة الصمد }. ثم ليتفل الرجل عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم.

[ 412 ]

قال ابن هشام: الصمد: الذى يصمد إليه ويفزع إليه، قالت هند بنت معبد بن نضلة تبكى عمرو بن مسعود، وخالد بن نضلة، عميها الاسديين، وهما اللذان قتل النعمان بن المنذر اللخمى، وبنى الغريين اللذين بالكوفة عليهما: إلا بكر الناعي بخيري بنى أسد * بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد أمر السيد والعاقب، وذكر المباهلة قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران، ستون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، في الاربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب، أمير القوم وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذى لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبدالمسيح، والسيد، تمالهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الايهم، وأبو حارثة بن علقمة، أحد بنى بكر بن وائل، أسقفهم وحبرهم وإمامهم، وصاحب مدارسهم. وكان أبو حارثة قد شرف فيهم، ودرس كتبهم، حتى حسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فلما وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، جلس أبو حارثة على بلغة له موجها [ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ]، وإلى جنبه أخ له، يقال له: كوز بن علقمة - قال ابن هشام: ويقال: كرز - فعثرت بغلة أبى حارثة، فقال كوز: تعس الابعد ! يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست ! فقال: ولم يا أخى ؟ قال: والله إنه للنبى الذى

[ 413 ]

كنا ننتظره، فقال له كوز: ما يمنعك منه وأنت تعلم هذا ؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى، فأضمر عليها منه أخوه كوز بن علقمة، حتى أسلم بعد ذلك، فهو كان يحدث عنه هذا الحديث فيما بلغني. قال ابن هشام: وبلغني أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم، فكلما مات رئيس منهم فأفضت الرياسة إلى غيره، ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التى كانت قبله ولم يكسرها، فخرج الرئيس الذى كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يمشى فعثر، فقال له ابنه: تعس الابعد ! يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له أبوه: لا تفعل، فإنه نبى، واسمه في الوضائع يعنى الكتب. فلما مات لم تكن لابنه همة إلا أن شد فكسر الخواتم، فوجد فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم فحسن إسلامه وحج، وهو الذى يقول: إليك تعدو قلقا وضينها * معترضا في بطنها جنينها * مخالفا دين النصارى دينها * قال ابن هشام: الوضين: الحزام، حزام الناقة. وقال هشام بن عروة: وزاد فيه أهل العراق: * معترضا في بطنها جنينها * فأما أبو عبيدة فأنشدناه فيه. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات، جبب وأردية، في جمال رجال بنى الحارث بن كعب. قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم، فصلوا إلى المشرق.

[ 414 ]

قال ابن إسحاق: فكانت تسمية الاربعة عشر، الذين يؤول إليهم أمرهم: العاقب، وهو عبدالمسيح، والسيد، وهو الايهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بنى بكر بن وائل، وأوس، والحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، ونبيه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويحنس، في ستين راكبا. فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبدالمسيح، والايهم السيد - وهم من النصرانية على دين الملك، مع اختلاف من أمرهم، يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، وكذلك قول النصرانية. فهم يحتجون في قولهم: " هو الله " بأنه كان يحيى الموتى، ويبرئ الاسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم يفنخ فيه فيكون طائرا، وذلك كله بأمر الله تبارك وتعالى: { ولنجعله آية للناس - 21 من سورة مريم }. ويحتجون في قولهم " إنه ولد [ الله ] " بأنهم يقولون: لم يكن له أب يعلم وقد تكلم في المهد، وهذا شئ لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله. ويحتجون في قولهم: " إنه ثالث ثلاثة " بقول الله: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، فيقولون: لو كان واحدا ما قال إلا فعلت، وقضيت، وأمرت وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم، ففى كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن. فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلما، قالا: قد أسلمنا، قال: إنكما لم تسلما [ فأسلما ]، قالا: بلى، قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما، يمنعكما من الاسلام دعاؤكما لله ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، قالا: فمن أبوه يا محمد ؟ فصمت عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهما. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم كله، صدر سورة

[ 415 ]

آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، فقال عزوجل: { ألم الله لا إله إلا هو الحى القيوم } فافتتح السورة بتنزيه نفسه عما قالوا، وتوحيده إياها بالخلق والامر، لا شريك له فيه، ردا عليهم ما ابتدعوا من الكفر، وجعلوا معه من الانداد، واحتجاجا بقولهم عليهم في صاحبهم، ليعرفهم بذلك ضلالتهم فقال { ألم الله لا إله إلا هو } ليس معه غيره شريك في أمره (الحى القيوم) الحى: الذى لا يموت، وقد مات عيسى وصلب في قولهم، والقيوم: القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول، وقد زال عيسى في قولهم عن مكانه الذى كان به، وذهب عنه إلى غيره. { نزل عليك الكتاب بالحق }، أي بالصدق فيما اختلفوا فيه { وأنزل التوراة والانجيل }: التوراة على موسى، والانجيل على عيسى، كما أنزل الكتب على من كان قبله { وأنزل الفرقان } أي الفصل بين الحق والباطل، فيما اختلف فيه الاحزاب من أمر عيسى وغيره { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد، والله عزيز ذو انتقام } أي أن الله منتقم ممن كفر بآياته، بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها. { إن الله لا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء }، أي قد علم ما يريدون وما يكيدون وما يضاهون بقولهم في عيسى، إذ جعلوه إلها وربا، وعندهم من علمه غير ذلك، غرة بالله وكفرا به. { هو الذى يصوركم في الارحام كيف يشاء }، أي قد كان عيسى ممن صور في الارحام، لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صور غير من ولد آدم، فكيف يكون إلها وقد كان بذلك المنزل ؟ ثم قال تعالى إنزاها لنفسه، وتوحيدا لها مما جعلوا معه: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } العزيز: في انتصاره ممن كفر به، إذا شاء، الحكيم: في حجته وعذره إلى عباده. { هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب } فيهن حجة الرب، وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه { وأخر متشابهات }

[ 416 ]

لهن تصريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، ألا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرفن عن الحق. يقول عزوجل: { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي ميل عن الهدى { فيتبعون ما تشابه منه } أي ما تصرف منه، ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا، لتكون لهم حجة، ولهم على ما قالوا شبهة { ابتغاء الفتنة } أي اللبس { وابتغاء تأويله } ذلك على ما ركبوا من الضلالة في قولهم: خلقنا وقضينا، يقول: { وما يعلم تأويله } أي الذى به أرادوا ما أرادوا { إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } فكيف يختلف وهو قول واحد، من رب واحد ؟ ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التى لا تأويل لاحد فيها إلا تأويل واحد، واتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه بعضا، فنفذت به الحجة، وظهر به العدر، وزاح به الباطل، ودمغ به الكفر. يقول الله تعالى { وما يذكر } في مثل هذا { إلا أولوا الالباب. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا }، أي لا تمل قلوبنا إن ملنا بأحداثنا { وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب }. ثم قال { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم } بخلاف ما قالوا { قائما بالقسط }، أي بالعدل [ فيما يريد { لا إله إلا هو العزيز الحكيم، إن الدين عند الله الاسلام }، أي ما أنت عليه: التوحيد للرب، والتصديق للرسل { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم } أي الذى جاءك، أي أن الله الواحد الذى ليس له شريك { بغيا بينهم، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب، فإن حاجوك } أي بما يأتون به من الباطل من قولهم: خلقنا وفعلنا وأمرنا، فإنما هي شبهة باطل قد عرفوا ما فيها من الحق { فقل أسلمت وجهى لله }، أي وحده { ومن اتبعن، وقل للذين أوتوا الكتاب والاميين } الذين لا كتاب لهم { ءأسلمتم، فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن

[ 417 ]

تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد }. ثم جمع أهل الكتابين جميعا، وذكر ما أحدثوا وما ابتدعوا، من اليهود والنصارى، فقال: { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس }، إلى قوله: { قل اللهم مالك الملك، أي رب العباد، والملك الذى لا يقضى فيهم غيره { تؤتى الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير } أي لا إله غيرك { إنك على كل شئ قدير }، أي لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك { تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى } بتلك القدرة { وترزق من تشاء بغير حساب } لا يقدر على ذلك غيرك، ولا يصنعه إلا أنت، أي فإن كانت سلطت عيسى على الاشياء التى بها يزعمون أنه إله: من إحياء الموتى، وإبراء الاسقام، والخلق للطير من الطين، والاخبار، عن الغيوب، لاجعله به آية للناس، وتصديقا له في نبوته التى بعثته بها إلى قومه، فإن من سلطاني وقدرتي ما لم أعطه تمليك الملوك بأمر النبوة، ووضعها حيث شئت، وإيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وإخراج الحى من الميت وإخراج الميت من الحى، ورزق من شئت من بر أو فاجر بغير حساب، فكل ذلك لم أسلط عيسى عليه، ولم أملكه إياه، أفلم تكن لهم في ذلك عبرة وبينة ! أن لو كان إلها كان ذلك كله إليه، وهو في علمهم يهرب من الملوك، وينتقل منهم في البلاد من بلد إلى بلد. ثم وعظ المؤمنين وحذرهم، ثم قال: { قل: إن كنتم تحبون الله } أي إن كان هذا من قولكم حقا، حبا لله وتعظيما له { فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } أي ما من كفركم { والله غفور رحيم، قل: أطعيوا الله والرسول } فأنتم تعرفونه وتجدونه في كتابكم { فإن تولوا } أي

[ 418 ]

على كفرهم { فإن الله لا يحب الكافرين }. ثم استقبل لهم أمر عيسى [ عليه السلام ]، وكيف كان بدء ما أراد الله به فقال: { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض، والله سميع عليم } ثم ذكر أمر امرأة عمران وقولها: { إذ قالت امرأة عمران رب إنى نذرت لك ما في بطني محررا } أي نذرته فجعلته عتيقا، تعبده لله، لا ينتفع به لشى من الدنيا { فتقبل منى إنك أنت السميع العليم، فلما وضعها قالت: رب إنى وضعتها أنثي، والله أعلم بما وضعت، وليس الذكر كالانثي } أي ليس الذكر كالانثى لما جعلتها محررا لك نذيرة { وإنى سميتها مريم، وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } يقول الله تبارك وتعالى: { فتقبلها ربها بقبول حسن، وأنتبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا } بعد أبيها وأمها. قال ابن هشام: كفلها: ضمها. قال إبن إسحاق: فذكرها باليتيم، ثم قص خبرها وخبر زكريا، وما دعا به، وما أعطاه إذ وهب له يحيى، ثم ذكر مريم وقول الملائكة لها: { يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين، يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعى مع الراكعين } يقول الله عزوجل: { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم } أي ما كنت معهم { إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم }. قال ابن هشام: أقلامهم: سهامهم، يعنى قداحهم التى استهموا بها عليها، فخرج قدح زكريا فضمها، فيما قال الحسن بن أبى الحسن [ البصري ]. قال ابن إسحاق: كفلها ها هنا جريح الراهب، رجل من بنى إسرائيل نجار، خرج السهم عليه بحملها فحملها، وكان زكريا قد كفلها قبل ذلك،

[ 419 ]

فأصابت بنى إسرائيل أزمة شديدة، فعجز زكريا عن حملها، فاستهموا عليها أيهم يكفلها، فخرج السهم على جريح الراهب بكفولها فكفلها. { وما كنت لديهم إذ يختصمون } أي ما كنت معهم إذ يختصمون فيها، يخبره بخفى ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوته والحجة عليهم بما يأتيهم به مما أخفوا منه. ثم قال: { إذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم } أي هكذا كان أمره، لا كما تقولون فيه { وجيها في الدنيا والآخرة } أي عند الله { ومن المقربين، ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين } يخبرهم بحالاته التى يتقلب فيها في عمره، كتقلب بنى آدم في أعمارهم، صغارا وكبارا، إلا أن الله خصه بالكلام في مهده آية لنبوته، وتعريفا للعباد بمواقع قدرته { قالت: رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسني بشر ؟ قال: كذلك الله يخلق ما يشاء } أي يصنع ما أراد، ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن } مما يشاء وكيف شاء، (فيكون) كما أراد. ثم أخبرها بما يريد به، فقال: { ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة } التى كانت فيهم من عهد موسى قبله (والانجيل) كتاب آخر أحدثه الله عزوجل إليه لم يكن عندهم إلا ذكره أنه كائن من الانبياء بعده { ورسولا إلى بنى إسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم } أي يحقق بها نبوتى، أنى رسول منه إليكم { أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله } الذى بعثنى إليكم، وهو ربى وربكم { وأبرئ الاكمه والابرص }. قال ابن هشام: الاكمه: الذى يولد أعمى، قال رؤبة بن العجاج: * هرجت فارتد ارتداد الاكمه *

[ 420 ]

[ وجمعه: كمه ]. قال ابن هشام: هرجت: صحت بالاسد، وجلبت عليه. وهذا البيت في أرجوزة له. { وأحيى الموتى بإذن الله، وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك لآية لكم } أنى رسول من الله إليكم { إن كنتم مؤمنين، ومصدقا لما بين يدى من التوراة } أي لما سبقني منها { ولاحل لكم بعض الذى حرم عليكم } أي أخبركم به أنه كان عليكم حراما فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفا عنكم، فتصيبون يسره وتخرجون من تباعاته { وجئتكم بآية من ربكم، فاتقوا الله وأطيعون، إن الله ربى وربكم } أي تبريا من الذى يقولون فيه، واحتجاجا لربه عليهم { فاعبدوه هذا صراط مستقيم } أي هذا الذى قد حملتكم عليه، وجئتكم به { فلما أحس عيسى منهم الكفر } والعدوان عليه { قال: من أنصارى إلى الله ؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله، آمنا بالله } هذا قولهم الذى أصابوا به الفضل من ربهم { واشهد بأنا مسلمون } لا ما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فيه { ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول، فاكتبنا مع الشاهدين }، أي هكذا كان قولهم وإيمانهم. ثم ذكر [ سبحانه وتعالى ] رفعه عيسى إليه حين اجتمعوا لقتله، فقال: { ومكروا ومكر الله، والله خير الماكرين } ثم أخبرهم ورد عليهم فيما أقروا لليهود بصلبه، كيف رفعه وطهره منهم، فقال: { إذ قال الله: يا عيسى إنى متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا } إذ هموا منك بما هموا { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة }، ثم القصة، حتى انتهى إلى قوله: { ذلك نتلوه عليك } يا محمد { من الآيات والذكر الحكيم } القاطع الفاصل الحق، الذى لا يخالطه الباطل، من الخبر

[ 421 ]

عن عيسى وعما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقلبن خبرا خيره { إن مثل عيسى عند الله } فاستمع { كثمل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون الحق من ربك } أي ما جاءك من الخبر عن عيسى { فلا تكن من الممترين } أي قد جاءك الحق من ربك فلا تمترين فيه، وإن قالوا: خلق عيسى من غير ذكر فقد خلقت آدم من تراب، بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر، فكان كما كان عيسى لحما ودما، وشعرا وبشرا، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم } أي من بعد ما قصصت عليك من خبره، وكيف كان أمره { فقل: تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين }. قال ابن هشام: قال أبو عبيدة: نبتهل: ندعو باللعنة، قال أعشى بنى قيس بن ثعلبة: لا تقعدون وقد أكلتها حطبا * تعوذ من شرها يوما وتبتهل وهذا البيت في قصيدة له. يقول: ندعو باللعنة. وتقول العرب: بهل الله فلانا أي لعنه، وعليه بهلة الله. [ قال ابن هشام ]: ويقال: بهلة الله، أي لعنة الله، ونبتهل أيضا: نجتهد في الدعاء. قال ابن إسحاق: (إن هذا) الذى جئت به من الخير عن عيسى (لهو القصص الحق) من أمره (وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين، قل: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون } فدعاهم إلى النصف، وقطع عنهم الحجة.

[ 422 ]

فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله عنه، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك، فقالوا له: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه. فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبدالمسيح، ماذا ترى ؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم إن محمدا لنبى مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيا قط فبقى كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وإنه لا ستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، والاقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضا. قال محمد بن جعفر: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتونى العشية أبعث معكم القوى الامين، قال: فكان عمر بن الخطاب يقول: ما أحببت الامارة قط حبى إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرا، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سلم، ثم نظر عن يمينه وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة ابن الجراح، فدعاه فقال: اخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه. قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة. نبذ من ذكر المنافقين قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة - كما حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة - وسيد أهلها عبد الله بن أبى [ ابن ] سلول العوفى.

[ 423 ]

ثم أحد بنى الحبلى، لا يختلف عليه في شرفه [ من قومه ] اثنان، لم تجتمع الاوس الخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين، حتى جاء الاسلام، غيره، ومعه في الاوس رجل، هو في قومه من الاوس شريف مطاع، أبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن النعمان، أحد بنى ضبيعة بن زيد، وهو أبو حنظلة الغسيل يوم أحد، وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، وكان يقال له: الراهب، فشقيا بشرفهما وضرهما. فأما عبد الله بن أبى فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم، فجاءهم الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم، وهم على ذلك، فلما انصرف قومه عنه إلى الاسلام ضغن، ورأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استلبه ملكا، فلما رأى قومه قد أبوا إلا الاسلام دخل فيه كارها مصرا على نفاق وضغن. وأما أبو عامر فأبى إلا الكفر والفراق لقومه حين اجتمعوا على الاسلام، فخرج منهم إلى مكة ببضعة عشر رجلا مفارقا للاسلام ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثنى محمد بن أبى أمامة عن بعض آل حنظلة بن أبى عامر -: لا تقولوا الراهب، ولكن قولوا: الفاسق. قال ابن إسحاق: وحدثني جعفر بن عبد الله بن أبى الحكم، وكان قد أدرك وسمع، وكان راوية: أن أبا عامر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة، قبل أن يخرج إلى مكة، فقال: ما هذا الدين الذى جئت به ؟ فقال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال: فأنا عليها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لست عليها، قال: [ بلى ] إنك أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها، قال: ما فعلت، ولكني جئت بها بيضاء نقية، قال: الكاذب

[ 424 ]

أماته الله طريدا غريبا وحيدا - يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم - أي أنك جئت بها كذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل، فمن كذب ففعل الله تعالى ذلك به. فكان هو ذلك عود الله، خرج إلى مكة، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام، فمات بها طريدا غريبا وحيدا. وكان قد خرج معه علقمة بن علاثة بن عوف بن الاحوص بن جعفر بن كلاب، وكنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفى، فلما مات اختصما في ميراثه إلى قيصر، صاحب الروم، فقال قيصر: يرث أهل المدر أهل المدر، ويرث أهل الوبر أهل الوبر، فورثه كنانة بن عبد ياليل بالمدر، دون علقمة. فقال كعب بن مالك لابي عامر فيما صنع: معاذ الله من عمل خبيث * كسعيك في العشيرة عبد عمرو (1) فإما قلت لى شرف ونخل * فقدما بعت إيمانا بكفر قال ابن هشام: ويروى: * فإما قلت لى شرف ومال * قال ابن إسحاق: وأما عبد الله بن أبى فأقام على شرفه بالمدينة في قومه مترددا، حتى غلبه الاسلام فدخل فيه كارها. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسامة بن زيد بن حارثة، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة يعوده من شكو أصابه على حمار عليه إكاف، فوقه قطيفة فدكية مختطمه بحبل من ليف، وأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، قال: فمر بعبدالله بن أبى وهو [ في ] ظل مزاحم أطمه. (هامش ص 424) (1) عبد عمرو: هو اسم أبى عامر، كما علمت من قبل.

[ 425 ]

قال ابن هشام: مزاحم: اسم الاطم. قال ابن إسحاق: وحوله رجال من قومه. فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم تذمم من أن يجاوزه حتى ينزل، فنزل فسلم ثم جلس قليلا، فتلا القرآن ودعا إلى الله عزوجل، وذكر بالله وحذر، وبشر وأنذر، قال: وهو زام لا يتكلم، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقالته، قال: يا هذا إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقا، فاجلس في بيتك فمن جاءك له فحدثه إياه، [ و ] من لم يأتك فلا تغته به، ولا تأته في مجلسه بما يكره منه. قال: فقال عبد الله بن رواحة في رجال كانوا عنده من المسلمين: بلى، فاغشنا به وائتنا به في مجالسنا ودورنا وبيوتنا، فهو والله مما نحب، ومما أكرمنا الله به، وهدانا له. فقال عبد الله بن أبى، حين رأى من خلاف قومه ما رأى: متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل * تذل ويصرعك الذين تصارع وهل ينهض البازى بغير جناحه * وإن جذ يوما ريشه فهو واقع قال ابن هشام: البيت الثاني عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري عن عروة بن الزبير عن أسامة [ بن زيد ] قال: وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على سعد بن عبادة، وفى وجهه ما قال عدو الله ابن أبى، فقال: والله يا رسول الله إنى لارى في وجهك شيئا، لكأنك سمعت شيئا تكرهه، قال: أجل، ثم أخبره بما قال ابن أبى: فقال سعد: يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، فوالله إنه ليرى أن قد سلبته ملكا. ذكر من اعتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وحدثني هشام بن عروة، وعمر بن عبد الله بن عروة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضى الله عنها، قالت:

[ 426 ]

لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قدمها وهى أوبأ أرض الله من الحمى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، فصرف الله تعالى ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم. قالت: فكان أبو بكر، وعامر بن فهيرة، وبلال، موليا أبى بكر، مع أبى بكر في بيت واحد، فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم مالا يعلمه إلا الله من شدة الوعك فدنوت من أبى بكر، فقلت له: كيف تجدك يا أبت ؟ فقال: كل امرئ مصبح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله قالت: فقلت: والله ما يدرى أبى ما يقول، ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت له: كيف تجدك يا عامر ؟ فقال: لقد وجت الموت قبل ذوقه * إن الجبان حتفه من فوقه كل امرئ مجاهد بطوقه * كالثور يحمى جلده بروقه [ بطوقه ] يريد: بطاقته، فيما قال ابن هشام، قالت فقلت: والله ما يدرى عامر ما يقول ! قالت: وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت، ثم رفع عقيرته فقال: ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة * بفخ وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة * وهل يبدون لى شامة وطفيل قال ابن هشام: شامة وطفيل: جبلان بمكة. قالت عائشة رضى الله عنها: فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم، فقلت: إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى. قالت: فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة. ومهيعة: الجحفة.

[ 427 ]

قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عبد الله بن عمرو ابن العاصى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمى المدينة، حتى جهدوا مرضا، وصرف الله تعالى ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى كانوا ما يصلون إلا وهم قعود، قال: فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصلون كذلك، فقال لهم: اعلموا أن صلاة القاعدة على النصف من صلاة القائم. قال: فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل. قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهيأ لحربه، وقام فيما أمره الله به من جهاد عدوه وقتال من أمره الله به ممن يليه من المشركين، مشركي العرب، [ وذلك بعد أن بعثه الله تعالى بثلاث عشرة سنة ]. تاريخ الهجرة بالاسناد المتقدم عن عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق المطلبى، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه المدينة يوم الاثنين، حين اشتد الضحاء، وكادت الشمس تعتدل، لثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول، وهو التاريخ، [ فيما ] قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن ثلاث وخمسين سنة، وذلك بعد أن بعثه الله عزوجل بثلاث عشرة سنة، فأقام [ بها ] بقية شهر ربيع الاول، وشهر ربيع الآخر، وجماديين، ورجبا، وشعبان، وشهر رمضان، وشوالا، وذا القعدة، وذا الحجة - وولى تلك الحجة المشركون - والمحرم، ثم خرج غازيا في صفر على رأس اثنى عشر شهرا من مقدمة المدينة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة.

[ 428 ]

غزوة وادن وهى أول غزواته عليه السلام قال ابن إسحاق: حتى بلغ ودان، وهى غزوة الابواء، يريد قريشا وبنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذى وادعه منهم عليهم مخشى بن عمرو الضمرى، وكان سيدهم في زمانه ذلك. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يلق كيدا، فأقام بها بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الاول. قال ابن هشام: وهى أول غزوة غزاها. سرية عبيدة بن الحارث وهى أول راية عقدها عليه السلام قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مقامه ذلك بالمدينة، عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصى في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الانصار أحد، فسار حتى بلغ ماء بالحجا بأسفل ثنية المرة، فلقى بها جمعا عظيما من قريش، فلم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبى وقاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمى به في الاسلام. ثم انصرف القوم عن القوم، وللمسلمين حامية. وفر من المشركين [ إلى ] المسلمين المقداد بن عمرو البهرانى، حليف بن زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازنى، حليف بنى نوفل بن عبدمناف، وكانا مسلمين، ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار. وكان على القوم عكرمة بن أبى جهل. قال ابن هشام: حدثنى ابن أبى عمرو بن العلاء عن أبى عمرو المدنى: أنه كان عليهم مكرز بن حفص بن الاخيف، أحد بنى معيص بن عامر بن لؤى ابن غالب بن فهر.

[ 429 ]

قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه، في غزوة عبيدة ابن الحارث - قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة لابي بكر رضى الله عنه: أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث * أرقت وأمر في العشيرة حادث ؟ ترى من لؤى فرقة لا يصدها * عن الكفر تذكير ولا بعث باعث رسول أتاهم صادق فتكذبوا * عليه، وقالوا: لست فينا بماكث إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا * وهروا هرير المجحرات اللواهث فكم قد متتنا فيهم بقرابة * وترك التقى شئ لهم غير كارث فإن يراجعوا عن كفرهم وعقوقهم * فما طيبات الحل مثل الخبائث وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم * فليس عذاب الله عنهم بلابث ونحن أناس من ذؤابة غالب * لنا العز منها في الفروع الاثائث فأولى برب الراقصات عشية * حراجيج تحدى في السريح الرثائث كأدم ظباء حول مكة عكف * يردن حياض البئر ذات النبائث لئن لم يفيقوا عاجلا من ضلالهم * ولست إذا آليت قولا بحانث لتبتدرنهم غارة ذات مصدق * تحرم أطهار النساء الطوامث تغادر قتلى تعصب الطير حولهم * ولا ترأف الكفار رأف ابن حارث فأبلغ بنى سهم لديك رسالة * وكل كفور يبتغى الشر باحث فإن تشعثوا عرضى على سوء رأيكم * فإنى من أعراضكم غير شاعث فأجابه عبد الله بن الزبعرى السهمى، فقال: أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث * بكيت بعين دمعها غير لابث ؟ ومن عجب الايام والدهر كله * له عجب من سابقات وحادث لجيش أتانا ذى عرام يقوده * عبيدة يدعى في الهياج ابن حارث لنترك أصناما بمكة عكفا * مواريث موروث كريم لوارث

[ 430 ]

فلما لقيناهم بسمر ردينة * وجرد عتاق في العجاج لواهث وبيض كأن الملح فوق متونها * بأيدى كماة كالليوث العوائث نقيم بها إصعار من كان مائلا * ونشفى الذحول عاجلا غير لابث فكفوا على خوف شديد وهيبة * وأعجبهم أمر لهم أمر رائث ولو أنهم لم يفعلوا ناح نسوة * أيامى لهم، من بين نسء وطامث وقد غودرت قتلى يخبر عنهم * حفى بهم أو غافل غير باحث فأبلغ أبا بكر لديك رسالة * فما أنت عن أعراض فهر بماكث ولما تجب منى يمين غليظة * تجدد حربا حلفة غير حانث قال ابن هشام: تركنا منها بيتا واحدا، وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة لابن الزبعرى. قال ابن إسحاق: وقال سعد بن أبى وقاص في رميته تلك فيما يذكرون: ألا هل اتى رسول الله أنى * حميت صحابتي بصدور نبلى أذود بها أوائلهم ذيادا * بكل حزونة وبكل سهل فما يعتد رام في عدو * بسهم يا رسول الله قبلى وذلك أن دينك دين صدق * وذو حق أتيت به وعدل ينجى المؤمنون به، ويجزى * به الكفار عند مقام مهل (1) فهملا قد غويت فلا تعبنى * غوى الحى ويحك يابن الجهل قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد. قال ابن إسحاق: فكانت رأية عبيدة [ بن الحارث ] - فيما بلغني - أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاسلام، لاحد من المسلمين. وبعض علماء يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه حين أقبل من غزوة الابواء، قبل أن يصل إلى المدينة. (هامش ص 430) (1) في ا " ويخزى به الكفار "

[ 431 ]

سرية حمزة إلى سيف البحر وبعث في مقامه ذلك، حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، إلى سيف البحر، من ناحية العيص، في ثلاثين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الانصار أحد. فلقى أبو جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاث مئة راكب من أهل مكة. فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنى، وكان موادعا للفريقين جميعا، فانصرف بعض القوم عن بعض، ولم يكن بينهم قتال. وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحد من المسلمين. وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا، فشبه ذلك على الناس. وقد زعموا أن حمزة قد قال في ذلك شعرا يذكر فيه أن رايته أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان حمزة قد قال ذلك، فقد صدق إن شاء الله، لم يكن يقول إلا حقا، فالله أعلم أي ذلك كان فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة بن الحارث أول من عقد له. فقال حمزة في ذلك، فيما يزعمون - قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لحمزة رضى الله عنه -: ألا يا لقومي للتحلم والجهل * وللنقص من رأى الرجال وللعقل وللراكبينا بالمظالم لم نطأ * لهم حرمات من سوام ولا أهل كأنا تبلناهم ولا تبل عندنا * لهم غير أمر بالعفاف وبالعدل وأمر بإسلام فلا يقبلونه * وينزل منهم مثل منزلة الهزل فما برحوا حتى انتدبت لغارة * لهم حيث حلوا أبتغى راحة الفضل (1) بأمر رسول الله، أول خافق * عليه لواء لم يكن لاح من قبلى لواء لديه النصر من ذى كرامة * إله عزيز فعله أفضل الفعل عشية ساروا حاشدين وكلنا * مراجله من غيظ أصحابه تغلى (هامش ص 431) (1) في ا " حتى ابتدرت بغارة ".

[ 432 ]

فلما تراءينا أناخوا فعقلوا * مطايا وعقلنا مدى غرض النبل فقلنا لهم: حبل الاله نصيرنا * وما لكم إلا الضلالة من حبل فثار أبو جهل هنالك باغيا * فخاب، ورد الله كيد أبى جهل وما نحن إلا في ثلاثين راكبا * وهم مئتان بعد واحد فضل فيا للؤى لا تطيعوا غواتكم * وفيئوا إلى الالام والمنهج السهل فإنى أخاف أن يصب عليكم * عذاب فتدعوا بالندامة والثكل فأجابه أبو جهل بن هشام، فقال: عجبت لاسباب الحفيظة والجهل * وللشاغبين بالخلاف وبالبطل وللتاركين ما وجدنا جدودنا * عليه ذوى الاحساب والسودد الجزل أتونا بإفك كى يضلوا عقولنا * وليس مضلا إفكهم عقل ذى عقل فقلنا لهم: يا قومنا لا تخالفوا * على قومكم، إن الخلاف مدى الجهل فإنكم إن تفعلوا تدع نسوة * لهن بواك بالرزية والثكل وإن ترجعوا عما فعلتم فإننا * بنو عمكم أهل الحفائظ والفضل فقالوا لنا: إنا وجدنا محمدا * رضا لذوى الاحلام منا وذى العقل فلما أبوإلا الخلاف وزينوا * جماع الامور بالقبيح من الفعل تيممتهم بالساحلين بغارة * لاتركهم كالعصف ليس بذى أصل فور عنى مجدي عنهم وصحبتي * وقد وازرونى بالسيوف وبالنبل لال علينا واجب لا نضيعه * أمين قواه غير منتكث الحبل فلولا ابن عمرو كنت غادرت منهم * ملاحم للطير العكوف بلا تبل ولكنه آلى بإل فقلصت * بأيماننا حد السيوف عن القتل فإن تبقنى الايام أرجع عليهم * ببيض رقاق الحد محدثة الصقل بأيدى حماة من لؤى بن غالب * كرام المساعى في الجدوبة والمحل قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لابي جهل.

[ 433 ]

غزوة بواط قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الاول يريد قريشا. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون. قال ابن إسحاق: حتى بلغ بواط، من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، فلبث بها بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الاولى. غزوة العشيرة ثم غزا قريشا، فاستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الاسد، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: فسلك على نقب بنى دينار، ثم على فيفاء الخبار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر، يقال لها: ذات الساق، فصلى عندها. فثم مسجده صلى الله عليه وسلم، وصنع له عندها طعام، فأكله منه، وأكل الناس معه، فموضع أثافى البرمة معلوم هنالك، واستقى له من ماء به، يقال له: المشترب ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم فترك الخلائق بيسار، وسلك شعبة يقال لها: شعبة عبد الله، وذلك اسمها اليوم، ثم صب لليسار حتى هبط يليل، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة، واستقى من بئر بالضبوعة، ثم سلك الفرش: فرش ملل، حتى لقى الطريق بصخيرات اليمام، ثم اعتد به الطريق، حتى نزل العشيرة من بطن ينبع، فأقام بها جمادى الاولى وليالي من جمادى الآخرة، ووادع فيها بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا. وفى تلك الغزوة قال لعلى بن أبى طالب عليه السلام ما قال.

[ 434 ]

قال إبن إسحاق: فحدثني يزيد بن محمد بن خيثم المحاربي، عن محمد بن كعب القرظى، عن محمد بن خيثم أبى يزيد، عن عمار بن ياسر، قال: كنت أنا وعلى ابن أبى طالب رفيقين في غزوة العشيرة، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بها، رأينا أناسا من بنى مدلج يعملون في عين لهم وفى نخل، فقال لى على ابن أبى طالب، يا أبا اليقظان، هل لك في أن نأتى هؤلاء القوم، فننظر كيف يعملون ؟ قال: قلت: إن شئت، قال: فجئناهم، فنظرنا إلى عملهم ساعة، ثم غشينا النوم، فانطلقت أنا وعلى حتى اضطجعنا في صور من النخل، وفى دقعاء من التراب فنمنا، فوالله ما أهبنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركنا برجله وقد تتربنا من تلك الدقعاء التى نمنا فيها، فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى بن أبى طالب: مالك يا أبا تراب، لما يرى عليه من التراب، ثم قال: ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين ؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: أحيمر ثمود الذى عقر الناقة، الذى يضربك يا على على هذه - ووضع يده على قرنه - حتى يبل منها هذه، وأخذ بلحيته. قال ابن إسحاق: وقد حدثنى بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما سمى عليا أبا تراب أنه كان إذا عتب على فاطمة في شئ لم يكلمها ولم يقل لها شيئا تكرهه، إلا أنه يأخذ ترابا فيضعه على رأسه، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى عليه التراب عرف أنه عاتب على فاطمة، فيقول: مالك يا أبا تراب ؟ فالله أعلم أي ذلك كان. سرية سعد بن أبى وقاص قال ابن إسحاق: وقد كان بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين ذلك من غزوة سعد بن أبى وقاص، في ثمانية رهط من المهاجرين، فخرج حتى بلغ الخرار من أرض الحجاز، ثم رجع ولم يلق كيدا.

[ 435 ]

قال ابن هشام: ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة. غزوة سفوان وهى غزوة بدر الاولى قال ابن إسحاق: ولم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة إلا ليالى قلائل، لا تبلغ العشر، حتى أغار كرز بن جابر الفهرى على سرح المدينة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، فيما قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: حتى بلغ واديا، يقال له: سفوان، من ناحية بدر، وفاته كرز بن جابر فلم يدركه، وهى غزوة بدر الاولى. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأقام بها بقية جمادى الآخرة ورجبا وشعبان. سرية عبد الله بن جحش ونزول: " يسألونك عن الشهر الحرام " وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش بن رئاب الاسدي في رجب، مقفله من بدر الاولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الانصار أحد، وكتب له كتابا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضى لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا. وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين، ثم من بنى عبد شمس ابن عبد مناف: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حرثان، أحد

[ 436 ]

بنى أسد بن خزيمة، حليف لهم. ومن بنى نوفل بن عبد مناف: عتبة ابن غزوان بن جابر، حليف لهم. ومن بنى زهرة بن كلاب: سعد بن أبى وقاص. ومن بنى عدى بن كعب: عامر بن ربيعة، حليف لم من عنز ابن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع، أحد بنى تميم، حليف لهم، وخالد بن البكير، أحد بنى سعد بن ليث، حليف لهم. ومن بنى الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء. فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه، فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم، فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعا وطاعة، ثم قال لاصحابه: قد أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضى إلى نخلة، أرصد بها قريشا، حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهانى أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمضى ومضى معه أصحابه، لم يتخلف عنه منهم أحد. وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن، فوق الفرع، يقال له: بحران، أضل سعد بن أبى وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما، كانا يعتقبانه. فتخلفا عليه في طلبه. ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما، وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي. قال ابن هشام: واسم الحضرمي: عبد الله بن عباد، [ ويقال: مالك ابن عباد ] أحد الصدف، واسم الصدف: عمرو بن مالك، أحد السكون (2) ابن أشرس بن كندة، ويقال: كندى.

[ 437 ]

قال ابن إسحاق: وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله، المخزوميان، والحكم بن كيسان، مولى هشام بن المغيرة. فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة ابن محصن، وكان قد حلق رأسه فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عمار، لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الاقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالاسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لاصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس - وذلك قبل أن يفرض الله تعالى الخمس من المغانم - فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه. قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فوقف العير والاسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدى القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الاموال، وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين، ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان.

[ 438 ]

وقالت يهود - تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم - عمرو ابن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو: عمرت الحرب، والحضرمى: حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله: وقدت الحرب. فجعل الله ذلك عليهم لالهم. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل: قتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله - 217 من سورة البقرة } أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم { والفتنة أكبر من القتل } أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين. فلما نزل القرآن بهذا من الامر، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والاسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نفديكموها حتى يقدم صاحبانا - يعنى سعد بن أبى وقاص، وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم، فقدم سعد وعتبة، فأفداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم. فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا. وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة، فمات بها كافرا.

[ 439 ]

فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الاجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله عزوجل فيهم: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، أولئك يرجون رحمة الله، والله غفور رحيم - 218 من سورة البقرة } فوضعهم الله عزوجل من ذلك على أعظم الرجاء. والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير. قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن الله عزوجل قسم الفئ أحله، فجعل أربعة أخماس لمن أفاءه، وخمسا إلى الله ورسوله، فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير. قال ابن هشام: وهى أول غنيمة غنمها المسلمون. وعمرو بن الحضرمي أول من قتله المسلمون، وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون. قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه في غزوة عبد الله ابن جحش، ويقال: بل عبد الله بن جحش قالها، حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه المال، وأسروا فيه الرجال - قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش: تعدون قتلا في الحرام عظيمة * وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد * وكفر به، والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله * لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن عيرتمونا بقتله * وأرجف بالاسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا * بنخلة لما أوقد الحرب واقد دما، وابن عبد الله عثمان بيننا * ينازعه غل من القد عاند

[ 440 ]

صرف القبلة إلى الكعبة قال ابن إسحاق: صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. غزوة بدر الكبرى قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بأبى سفيان ابن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة، فيها أموال لقريش، وتجارة من تجاراتهم، وفيها ثلاثون رجلا من قريش أو أربعون، منهم: مخرمة ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وعمرو بن العاص بن وائل ابن هشام. قال ابن هشام: [ ويقال ]: عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبى بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن ابن عباس، كل قد حدثنى بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر، قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى سفيان مقبلا من الشام، ندب المسلمين إليهم، وقال: هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها، فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا. وكان أبو سفيان - حين دنا من الحجاز - يتحسس الاخبار، ويسأل من لقى من الركبان، تخوفا على أمر الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك. فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة.

[ 441 ]

ذكر رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب قال ابن إسحاق: فأخبرني من لا أتهم عن عكرمة بن ابن عباس، ويزيد ابن رومان عن عروة بن الزبير، قالا: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب، قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال، رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس ابن عبد المطلب، فقالت له: يا أخى، والله لقد رأيت الليلة رؤيا [ لقد ] أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عنى ما أحدثك [ به ]، فقال لها: وما رأيت ؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له، حتى وقف بالابطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس، فصرخ بمثلها، ثمأخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوى، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقى بيت من بيوت مكة، ولا دار إلا دخلتها منها فلقة، قال العباس: والله إن هذه لرؤيا ! وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لاحد. ثم خرج العباس، فلقى الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقا. فذكرها له واستكتمه إياها. فذكرها الوليد لابيه عتبة، ففشا الحديث بمكة، حتى تحدثت به قريش [ في أنديتها ]. قال العباس: فغدوت لاطوف بالبيت، وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعدو يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رأني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لى أبو جهل: يا بنى عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية ؟ قال: قلت: وما ذاك ؟ قال: تلك الرؤيا التى رأت عاتكة، قال: فقلت: وما رأت ؟

[ 442 ]

قال: يا بنى عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ؟ قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ، نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العباس: فوالله ما كان منى إليه كبير، إلا أنى جحدت ذلك، وانكرت أن تكون رأت شيئا. قال: ثم تفرقنا. فلما أمسيت، لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غير لشئ مما سمعت ! قال: قلت: قد والله فعلت، ما كان منى إليه من كبير. وايم الله لا تعرضن له، فإن عاد لاكفينكنه. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرى أنى قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إنى لامشى نحوه أتعرضه، ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر. قال: إذا خرج نحو باب المسجد يشتد. قال: فقلت في نفسي: ما لعنه الله ! أكل هذا فرق منى أن أشاتمه ! قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع: صوت ضمضم بن عمرو الغفاري، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره، قد جدع بعيره، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال: فشغلني عنه وشغله عنى ما جاء من الامر. فتجهز الناس سراعا، وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي، كلا والله ليعلمن غير ذلك. فكانوا بين رجلين، إما خارج

[ 443 ]

وإما باعث مكانه رجلا. وأوعبت قريش (1)، فلم يتخلف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب [ قد ] تخلف، وبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة، وكان قد لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، أفلس بها، فاستأجره بها، على أن يجزئ عنه، بعثه فخرج عنه، وتخلف أبو لهب. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى نجيح: أن أمية بن خلف كان أجمع القعود، وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا، فأتاه عقبة بن أبى معيط، وهو جالس في المسجد بين ظهرانى قومه، بمجمرة يحملها، فيها نار ومجمر، حتى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا على، استجمر، فإنما أنت من النساء، قال: قبحك الله وقبح ما جئت به، قال: ثم تجهز فخرج مع الناس. قال ابن إسحاق: ولما فرغوا من جهازهم، وأجمعوا المسير، ذكروا ما كان بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا، وكانت الحرب التى كانت بين قريش وبين بنى بكر - كما حدثنى بعض بنى عامر بن لؤى، عن محمد بن سعيد بن المسيب - في ابن لحفص بن الاخيف، أحد بنى معيص بن عامر بن لؤى، خرج يبتغى ضالة له بضجنان، وهو غلام حدث في رأسه ذؤابة، وعليه حلة له، وكان غلاما وضيئا نظيفا، فمر بعامر بن يزيد بن عامر بن الملوح، أحد بنى يعمر بن عوف ابن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو بضجنان، وهو سيد بنى بكر يومئذ، فرآه فأعجبه، فقال: من أنت يا غلام ؟ قال: أنا ابن لحفص بن الاخيف القرشى، فلما ولى الغلام، قال عامر بن يزيد: يا بنى بكر، أمالكم في قريش من دم ؟ قالوا: بلى والله، إن لنا فيهم لدماء، قال: ما كان رجل ليقتل (هذا ؟) الغلام برجله إلا كان قد استوفى دمه. قال: (هامش ص 443) (1) أوعبت قريش: أي خرجوا كلهم أجمعون، وأراد جمعوا من رجالهم ما استطاعوا.

[ 444 ]

فتبعه رجل من بنى بكر، فقتله بدم كان له في قريش، فتكلمت فيه قريش، فقال عامر بن يزيد: يا معشر قريش، قد كانت لنا فيكم دماء، فما شئتم: إن شئتم فادوا علينا مالنا قبلكم، ونؤدى مالكم قبلنا، وإن شئتم فإنما هي الدماء: رجل برجل. فتجافوا عما لكم قبلنا، ونتجافى عما لنا قبلكم، فهان ذلك الغلام على هذا الحى من قريش، وقالوا: صدق ! رجل برجل، فلهوا عنه، فلم يطلبوا به. قال: فبينما أخوه مكرز بن حفص بن الاخيف يسير بمر الظهران، إذا نظر إلى عامر بن يزيد بن عامر بن الملوح على جمل له، فلما رآه أقبل [ إليه ] حين أناخ به، وعامر متوشح سيفه، فعلاه مكرز بسيفه حتى قتله، ثم خاض بطنه بسيفه، ثم أتى به مكة وفعلقه من الليل بأستار الكعبة، فلما أصحبت قريش رأوا سيف عامر بن يزيد بن عامر معلقا بأستار الكعبة، فعرفوه، فقالوا: إن هذا لسيف عامر بن يزيد، عدا عليه مكرز بن حفص فقتله، فكان ذلك من أمرهم فبينما هم في ذلك من حربهم، حجز الاسلام بين الناس، فتشاغلوا به، حتى أجمعت قريش المسير إلى بدر، فذكروا الذى بينهم وبين بنى بكر فخافوهم. وقال مكرز بن حفص في قتله عامرا: لما رأيت أنه هو عامر * تذكرت أشلاء الحبيب الملحب وقلت لنفسي: إنه هو عامر * فلا ترهبيه، وانظرى أي مركب وأيقنت أنى إن أجلله ضربة * متى ما أصبه بالفرافر يعطب خفضت له جأشى وألقيت كلكلى * على بطل شاكى السلاح مجرب (1) ولم أك لما التف روعى وروعه * عصارة هجن من نساء ولا أب حللت به وترى، ولم أنس ذحله * إذا ما تناسى ذحله كل عيهب (2) (هامش ص 444) (1) في ا " حفظت له جأشى " (2) في ا " كل غيهب " بالغين معجمة.

[ 445 ]

قال ابن هشام: [ الفرافر - في غير هذا الموضع -: الرجل الاضبط، وفى هذا الموضع: السيف ] والعيهب: الذى لا عقل له، ويقال تيس الظباء [ وفحل النعام: العيهب. قال الخليل: العيهب: الرجل الضعيف عن إدراك وتر ]. قال إبن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذى كان بينها وبين بنى بكر، فكاد ذلك يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجى، وكان من أشراف بنى كنانة، فقال [ لهم ]: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشى تكرهونه، فخرجوا سراعا. قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه - قال ابن هشام: خرج [ يوم الاثنين ] لثمان ليال خلون من شهر رمضان - واستعمل عمرو بن أم مكتوم - ويقال اسمه: عبد الله ابن أم مكتوم أخا بنى عامر بن لؤى - على الصلاة بالناس، ثم رد أبا لبابة من الروحاء، واستعمله على المدينة. قال ابن إسحاق: ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبدالدار. قال ابن هشام: وكان أبيض. قال ابن إسحاق: وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سودوان إحداهما مع على بن أبى طالب، يقال لها: العقاب، والاخرى مع بعض الانصار. قال ابن إسحاق: وكانت إبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين بعيرا، فاعتقبوها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى بن أبى طالب، ومرثد بن أبى مرثد الغنوى يعتقبون بعيرا، وكان حمزة بن عبد المطلب، وزيد ابن حارثة، وأبو كبشة، وأنسة، موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون

[ 446 ]

بعيرا، وكان أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا. قال ابن إسحاق: وجعل على الساقة قيس بن أبى صعصعة أخا بنى مازن ابن النجار. وكانت راية الانصار مع سعد بن معاذ، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: فسلك طريقة من المدينة إلى مكة، على نقب المدينة، ثم على العقيق، ثم على ذى الحليفة، ثم على أولات الجيش. قال ابن هشام: ذات الجيش. قال ابن إسحاق: ثم مر على تربان، ثم على ملل، ثم على غميس الحمام من مريين، ثم على صخيرات اليمام، ثم على السيالة، ثم على فج الروحاء، ثم على شنوكة، وهى الطريق المعتدلة، حتى إذا كان بعرق الظبية - قال ابن هشام: الظبية، عن غير ابن إسحاق - لقوا رجلا من الاعراب، فسألوه عن الناس، فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس: سلم على رسول صلى الله عليه وسلم، قال: أوفيكم رسول الله ؟ قالوا: نعم، فسلم عليه، ثم قال: إن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه، قال له سلمة بن سلامة بن وقش: لا تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل على فأنا أخبرك عن ذلك، نزوت عليها، ففى بطنها منك سخلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه، أفحشت على الرجل، ثم أعرض عن سلمة. ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم سجسج، وهى بئر الروحاء، ثم ارتحل منها، حتى إذا كان بالمنصرف، ترك طريق مكة بيسار، وسلك ذات اليمين على النازية، يريد بدرا، فسلك في ناحية منها، حتى جزع واديا، يقال له: رحقان، بين النازية وبين مضيق الصفراء، [ ثم على المضيق ]، ثم انصب منه حتى إذا كان قريبا من الصفراء، بعث بسبس بن عمرو الجهنى، حليف بنى ساعدة وعدى بن أبى الرغباء الجهنى، حليف بنى النجار، إلى بدر يتحسسان له الاخبار

[ 447 ]

عن أبى سفيان بن حرب وغيره. ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قدمها. فلما استقبل الصفراء، وقى قرية بين جبلين، سأل عن جبليها ما اسماهما ؟ فقالوا: يقال لاحدهما هذا مسلح، وللآخر هذا مخرئ، وسأل عن أهلهما، فقيل: بنو النار وبنو حراق، بطنان من بنى غفار، فكرههما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرور بينهما، وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما. فتركهما رسول الله صلى الله عليه وسلم والصفراء بيسار، وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران، فجزع فيه، ثم نزل. وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون - 24 من سورة المائدة }. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له به. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا على أيها الناس. وإنما يريد الانصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الانصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله

[ 448 ]

لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم. ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران، فسلك على ثنايا، يقال لها: الاصافر، ثم انحط منها إلى بلد يقال له: الدبة، وترك الحنان بيمين، وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم، ثم نزل قريبا من بدر، فركب هو ورجل من أصحابه. قال ابن هشام: الرجل هو أبو بكر الصديق. قال ابن إسحاق: كما حدثنى محمد بن يحيى بن حبان -: حتى وقف على شيخ من العرب، فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبران ممن أنتما ؟ فقال [ له ] رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتنا أخبرناك. قال: أذاك بذالك ؟ قال: نعم، قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذى أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذى أخبرني صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذى فيه قريش. فلما فرغ من خبره، قال: ممن أنتما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، ثم انصرف عنه. قال يقول الشيخ: ما من ماء ! أمن ماء العراق ؟. قال ابن هشام: يقال: ذلك الشيخ: سفيان الضمرى.

[ 449 ]

قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، فلما أمسى بعث على بن أبى طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص، في نفر من أصحابه، إلى ماء بدر، يلتمسون الخبر له عليه - كما حدثنى يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير - فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم، غلام بنى الحجاج، وعريض أبو يسار، غلام بنى العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى، فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لابي سفيان، فضربوهما. فلما أذلقوهما قالا: نحن لابي سفيان، فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجديته، ثم سلم، وقال: إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا، والله إنهما لقريش ! أخبرانى عن قريش ؟ قالا: هم [ والله ] وراء هذا الكثيب الذى ترى بالعدوة القصوى - والكثيب: العقنقل - فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم القوم ؟ قالا: كثير، قال: ما عدتهم ؟ قالا: لا ندرى، قال: كم ينحرون كل يوم ؟ قالا: يوما تسعا، ويوما عشرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم فيما بين التسعمائة والالف. ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة عن عدى بن نوفل، والنضر ابن الحارث، وزمعه بن الاسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها. قال ابن إسحاق: وكان بسبس بن عمرو، وعدى بن أبى الرغباء قد مضيا حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنالهما يستقيان فيه،

[ 450 ]

ومجدى ابن عمرو الجهنى على الماء. فسمع عدى وبسبس جاريتين من جواري الحاضر، وهما تتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتى العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم، ثم أقضيل الذى لك. قال مجدي: صدقت، ثم خلص بينهما. وسمع ذلك عدى وبسبس، فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبراه بما سمعا. وأقبل أبو سفيان [ بن حرب ] حتى تقدم العير حذرا، حتى ورد الماء، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدا، فقال: ما رأيت أحدا أنكره، إلا أنى قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب. فرجع إلى أصحابه سريعا، فضرب وجه عيره عن الطريق، فساحل بها، وترك بدرا بيسار، وانطلق حتى أسرع. [ قال ]: وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة، رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إنى [ رأيت ] فيما يرى النائم، وإنى لبين النائم واليقظان. وإذا نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف، ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلاف، وفلان وفلان. فعدد رجالا ممن قتل يوم بدر، من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب في لبة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقى خباء من أخبيه العسكر إلى أصابه نصح من دمه. قال: فبلغت أبا جهل، فقال: وهذا أيضا نبى آخر من بنى المطلب ! سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا. قال ابن إسحاق: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى

[ 451 ]

قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله، فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا - وكان بدر موسما من مواسم العرب، يجتمع لهم به سوق كل عام - فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالوان يهابوننا أبدا بعدها، فامضوا. وقال الاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى، وكان حليفا لبنى زهرة، وهم بالجحفة: يا بنى زهرة، قد نجى الله لكم أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بى جبنها وارجعوا، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة، لا ما يقول هذا، يعنى أبا جهل. فرجعوا، فلم يشهدها زهرى واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعا. ولم يكن بقى من قريش بطن إلا وقد نفر منهم ناس، إلا بنى عدى بن كعب، لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الاخنس بن شريق، فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد، ومضى القوم، وكان بين طالب بن أبى طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة، فقالوا: والله لقد عرفنا يا بنى هاشم، وإن خرجتم معنا، إن هواكم لمع محمد، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع وقال طالب بن أبى طالب: لاهم إما يغزون طالب * [ في عصبة مخالف محارب ] في مقنب من هذه المقانب * فليكن المسلوب غير السالب * وليكن المغلوب غير المغالب * قال ابن هشام: قوله " فليكن المسلوب " وقوله " وليكن المغلوب " عن غير واحد من الرواة للشعر. قال ابن إسحاق: ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي، خلف العقنقل وبطن الوادي، وهو يليل، بين بدر وبين العقنقل، الكثيب

[ 452 ]

الذى خلفه قريش، والقلب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة. وبعث الله السماء، وكان الوادي دهسا، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبدلهم الارض، ولم يمنعهم عن السير، وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يباردهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به. قال ابن إسحاق: فحدثت عن رجال من بنى سلمة أنهم ذكروا: أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة ؟ قال: بل هو الرأى والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس، حتى نأتى أدنى ماء من القوم، فنزله، ثم نغور (1) ما وراءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأى. فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فعورت (1)، وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه، فملئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر أنه حدث: أن سعد بن معاذ قال: يا نبى الله [ ألا ] نبنى لك عريشا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الاخرى، جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام، يا نبى الله، ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك، فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير. (هامش ص 452) (1) في ا " نعور " و " فعورت " بالعين مهملة فيهما.

[ 453 ]

ثم بنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش، فكان فيه. قال ابن إسحاق: وقد ارتحلت قريش حين أصبحت، فأقبلت، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل - وهو الكثيب الذى جاءوا منه إلى الوادي - قال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتني، اللهم أحنهم الغداة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - [ وقد ] رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر - " إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمر، فإن يطيعوه يرشدوا ". وقد كان خفاف بن أيماء بن رحضة الغفاري، أو أبوه أيماء بن رحضة الغفاري، بعث إلى قريش، حين مروا به، ابنا له بجزائر أهداها لهم، وقال: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا. قال: فأرسلوا إليه مع ابنه: وصلتك رحم، قد قضيت الذى عليك، فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل الله، كما يزعم محمد، فما لاحد بالله من طاقة. فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيهم حكيم بن حزام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم. فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل، ثم أسلم بعد ذلك، فحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد في يمينه، قال: لا والذى نجاني من يوم بدر. قال ابن إسحاق: وحدثني أبى إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم، عن أشياخ من الانصار، قالوا: لما اطمأن القوم، بعثوا عمير بن وهب الجمحى فقالوا: احزر لنا أصحاب محمد، قال: فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم، فقال: ثلاث مئة رجل، يزيدون قليلا أو ينقصون، ولكن أمهلوني

[ 454 ]

حتى انظر أللقوم كمى أو مدد ؟ قال: فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئا، فرجع إليهم، فقال: ما وجدت شيئا، ولكني قد رأيت، ما معشر قريش، البلايا تحمل المنايا، نواضح يئرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك ؟ فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة، فقال: يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر ؟ فقال: وما ذاك يا حكيم ؟ قال: ترجع الناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي، قال: قد فعلت، أنت على بذلك، إنما هو حليفي، فعلى عقله وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية - قال ابن هشام: والحنظلية أم أبى جهل، وهى أسماء بنت مخربة، أحد بنى نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم - فإنى لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره، يعنى أبا جهل [ بن هشام ] ثم قام عتبة [ بن ربيعة ] خطيبا، فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذى أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون. قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل، فوجدته قد نثل درعا له من جرابها، فهو يهنئها. [ قال ابن هشام: يهيئها ] - فقلت له: يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذ وكذا، للذى قال، فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه، قد تخوفكم

[ 455 ]

عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي، فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك، ومقتل أخيك. فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ: واعمراه ! واعمراه ! فحميت الحرب، وحقب أمر الناس، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر، وأفسد على الناس الرأى الذى دعاهم إليه عتبة. فلما بلغ قول أبى جهل " انتفخ والله سحره "، قال: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره، أنا أم هو ؟ قال ابن هشام: السحر: الرئة وما حولها مما يعلق بالحلقوم من فوق السرة. وما كان تحت السرة فهو القصب، ومنه قوله: رأيت عمرو بن لحى يجر قصبه في النار، قال ابن هشام: حدثنى بذلك أبو عبيدة. ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته، فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له. قال ابن إسحاق: وقد خرج الاسود بن عبد الاسد المخزومى، وكان رجلا شرسا سيئ الخلق، فقال: أعاهد الله لاشربن من حوضهم، أو لاهدمنه، أو لاموتن دونه، فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد - [ زعم ] - أن يبر يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض. قال: ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد ابن عتبة، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إلى فتية من الانصار ثلاثة، وهو عوف، ومعوذ ابنا الحارث - وأمهما عفراء - ورجل آخر يقال: هو عبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم ؟ فقالوا: رهط من الانصار،

[ 456 ]

قالوا: مالنا بكم من حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا على، فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم ؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال على: على، قالوا: نعم، أكفاء كرام. فبارز عبيدة، وكان أسن القوم، عتبة [ بن ] ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة وبارز على الوليد بن عتبة، فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما على فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلى بأسيافهما على عتبة فذففا عليه، واحتملا صاحبهما، فحازاه إلى أصحابه. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الانصار، حين انتسبوا: أكفاء كرام، إنما نريد قومنا. قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: إن اكتنفكم القوم فانضحوهم (1) عنكم بالنبل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، معه أبو بكر الصديق. فكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان. قال ابن إسحاق: كما حدثنى أبو جعفر محمد بن على بن الحسين. قال ابن إسحاق: وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفى يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية، حليف بنى عدى بن النجار - قال ابن هشام: ويقال: سواد [ مثقلة ] وسواد في الانصار غير هذا، مخفف - وهو مستنتل من الصف - قال ابن هشام: ويقال: مستنصل من الصف - فطعن (هامش ص 456) (1) في ا " فانضخوهم " بالخاء المعجمة.

[ 457 ]

في بطنه بالقدح، وقال: استو يا سواد، فقال: يا رسول الله، أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدنى. [ قال ]: فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال: استقد، قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد ؟ قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقاله له. قال ابن إسحاق: ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف، ورجع إلى العريش فدخله، ومعه فيه أبو بكر الصديق، ليس معه فيه غيره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد. وأبو بكر يقول: يا نبى الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش، ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده، على ثناياه النقع [ يعنى الغبار ]. قال ابن إسحاق: وقد رمى مهجع، مولى عمر بن الخطاب، بسهم فقتل، فكان أول قتيل من المسلمين، ثم رمى حارثة بن سراقة، أحد بنى عدى ابن النجار، وهو يشرب من الحوض، بسهم فأصاب نحره، فقتل. قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم، وقال: والذى نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة. فقال عمير بن الحمام، أخو بنى سلمة، وفى يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، أفما بينى وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء، [ قال: ] ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عوف بن الحارث، وهو ابن عفراء، قال: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده، قال: غمسه

[ 458 ]

يده في العدو حاسرا، فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الله ابن ثعلبة بن صعير العذري، حليف بنى زهرة، أنه حدثه: أنه لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض، قال أبو جهل بن هشام: اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح. قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء، فاستقبل قريشا بها، ثم قال: شاهت الوجوه، ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه فقال: شدوا، فكانت الهزيمة. فقتل الله تعالى من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم، فلما وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش، الذى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، متوشح السيف، في نفر من الانصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخافون عليه كرة العدو، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لى - في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم، قال: أجل: والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها [ الله ] بأهل الشرك، فكان الاثخان في القتل [ بأهل الشرك ] أحب إلى من استبقاء الرجال. قال ابن إسحاق: وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله عن [ عبد الله ] بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه يومئذ: إنى قد عرفت أن رجالا من بنى هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى منكم أحدا من بنى هاشم فلا يقتله، ومن لقى أبا البخترى بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقى العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله

[ 459 ]

صلى الله عليه وسلم فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها. قال: فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا، ونترك العباس ! والله لئن لقيته لالحمنه السيف - قال ابن هشام: ويقال لالجمنه [ السيف ] - قال: فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص - قال عمر: والله إنه لاول يوم كنانى في رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى حفص - أيضرب وجه عم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالسيف ؟ فقال عمر: يا رسول الله، دعني فلاضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق: فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التى قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا، إلا أن تكفرها عنى الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدا. قال ابن إسحاق: وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبى البخترى لانه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، وكان لا يؤذيه، ولا يبلغه عنه شئ يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التى كتبت قريش على بنى هاشم وبنى المطلب. فلقيه المجذر بن ذياد البلوى، حليف الانصار، ثم من بنى سالم بنى عوف، فقال المجذر لابي البخترى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك - ومع أبى البخترى زميل له، قد خرج معه من مكة، وهو جنادة بن مليحة بنت زهير بن الحارث بن أسد، وجنادة رجل من بنى ليث. واسم أبى البخترى: العاص - قال: وزوميلى ؟ فقال له المجذر: لا والله، ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك، فقال: لا والله، إذن لاموتن أنا وهو جميعا، لا تتحدث عنى نساء مكة أنى تركت زميلي حرصا على الحياة، فقال أبوالبخترى - حين نازله المجذر وأبى إلا القتال - يرتجز: لن يسلم ابن حرة زميله * حتى يموت أو يرى سبيله فاقتتلا، فقتله المجذر بن ذياد [ ويقال: المجذب بن ذئاب ] وقال المجذر بن

[ 460 ]

ذياد ] في قتله أبا البخترى: إما جهلت أو نسيت نسبي * فأثبت النسبة أنى من بلى الطاعنين برماح اليزنى * والضاربين الكبش حتى ينحنى بشر بيتم من أبيه البخترى * أو بشرن بمثلها منى بنى أنا الذى يقال أصلى من بلى * أطعن بالصعدة حتى تنثني وأعبط القرن بعضب مشرفى * أرزم للموت كإرزام المرى * فلا ترى مجذرا يفرى فرى * قال ابن هشام: " المرى " عن غير ابن إسحاق. والمرى: الناقة التى يستنزل لبنها على عسر. قال ابن إسحاق: ثم إن المجذر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والذى بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فأتيك به، [ فأبى ] إلا أن يقاتلني، فقاتلته فقتلته. قال ابن هشام: أبوالبخترى: العاص بن هشام بن الحارث بن أسد. قال ابن إسحاق: حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال ابن إسحاق: وحدثنيه أيضا عبد الله بن أبى بكر وغيرهما عن عبد الرحمن ابن عوف، قال: كان أمية بن خلف لى صديقا بمكة، وكان اسمى عبد عمرو، فتسميت - حين أسلمت - عبد الرحمن، ونحن بمكة، فكان يلقانى إذ نحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو، أرغبت عن اسم سماكه أبواك ؟ فأقول: نعم، فيقول: فإنى لا أعرف الرحمن، فاجعل بينى وبينك شيئا أدعوك به، أما أنت فلا تحيبنى باسمك الاول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف ! قال: فكان إذا دعاني: يا عبد عمرو، لم أجبه. قال فقلت له: يا أبا على، اجعل ما شئت، قال: فأنت عبد الاله، قال: فقلت: نعم، قال: فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الاله، فأجيبه، فأتحدث معه. حتى إذا كان يوم بدر، مررت به وهو

[ 461 ]

واقف مع ابنه، على بن أمية، آخذ بيه، ومعى أدراع، قد استلبتها، فأنا أحملها، فلما رأني قال [ لى ]: يا عبد عمرو، فلم أجبه: فقال: يا عبد الاله ؟ فقلت: نعم، قال: هل لك في، فأنا خير لك من هذه الادراع التى معك ؟ قال: قلت: نعم، ها الله إذا. قال: فطرحت الادراع من يدى، وأخذت بيده ويد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن ؟ [ قال ] ثم خرجت أمشى بهما. قال ابن هشام: يريد اللبن أن من أسرني افتديت منه بإبل كثير اللبن. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الواحد بن أبى عون عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال لى أمية بن خلف، وأنا بينه وبين ابنه، آخذ بأيديهما: يا عبد الاله، من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره ؟ قال: قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: ذاك فعل بنا الافاعيل، قال عبد الرحمن: فوالله إنى لاقودهما إذ رآه بلال معى - وكان هو الذى يعذب بلالا بمكة على ترك الاسلام، فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت، فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد، فيقول بلال: أحد أحد. قال: فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. قال: قلت: أي بلال، أبأسيري ! قال: لا نجوت إن نجا. قال: قلت: أتسمع يابن السوداء قال: لا نجوت إن نجا. قال: ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية ابن خلف، لا نجوت إن نجا. قال: فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة وأنا أذب عنه. قال: فأخلف رجل السيف، فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط. قال: فقلت: انج بنفسك، ولا نجاء بك، فوالله ما أغنى عنك شيئا. قال: فهيروهما بأسيافهم، حتى فرغوا منهما. قال:

[ 462 ]

فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالا، ذهبت أدراعى وفجعني بأسيرى. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر أنه حدث عن ابن عباس قال: حدثنى رجل من بنى غفار، قال: أقبلت أنا وابن عم لى حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة، فننتهب مع من ينتهب. قال: فبينا نحن في الجبل، إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن عمى فانكشف قناع قلبه، فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر عن بعض بنى ساعدة عن أبى أسيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرا، قال، بعد أن ذهب بصره: لو كنت اليوم ببدر ومعى بصرى لاريتكم الشعب الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك فيه ولا أتمارى. قال ابن إسحاق: وحدثني أبى إسحاق: بن يسار عن رجال من بنى مازن ابن النجار عن أبى داود المازنى، وكان شهد بدرا، قال: إنى لاتبع رجلا من المشركين يوم بدر لاضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفى، فعرفت أنه قد قتله غيرى. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن مقسم، مولى عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن عباس، قال: كانت سيما الملائكة (1) يوم بدر عمائم بيضاء قد أرسلوها على ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمراء قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم: أن على بن أبى طالب قال: العمائم تيجان العرب، وكانت سيما الملائكة (1) يوم بدر عمائم بيضاء قد أرخوها على ظهورهم، إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء. قال بان إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن مقسم عن ابن عباس قال: (هامش ص 462) (1) سيماهم - بكسر السين - علامتهم التى يتميزون بها.

[ 463 ]

ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى [ يوم ] بدر من الايام، وكانوا يكونون فيما سواه من الايام عددا ومددا لا يضربون. قال ابن إسحاق: وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز، وهو يقاتل ويقول: ما تنقم الحرب العوان منى * بازل عامين حديث سنى * لمثل هذا ولدتني أمي * قال ابن هشام: وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: أحد أحد. قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوة، أمر بأبى جهل [ بن هشام ] أن يلتمس في القتلى. وكان أول من لقى أبا جهل، كما حدثنى ثور بن يزيد، عن عكرمة عن ابن عباس، وعبد الله بن أبى بكر أيضا قد حدثنى ذلك، قالا: قال معاذ ابن عمرو بن الجموح، أخو بنى سلمة: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة - قال ابن هشام الحرجة: الشجر الملتف. وفى الحديث عن عمر بن الخطاب: أنه سأل أعرابيا عن الحرجة، فقال: هي شجرة بين الاشجار لا يوصل إليها - وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه. قال: فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلما أمكننى حملت عليه فضربته ضربة أظنت قدمه بنصف ساقة، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها. قال: وضربنى ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدى، فتعلقت بجلده من جنبى، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومى، وإنى لاسحبها خلفي، فلما آذتنى وضعت عليها قدمى، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها. قال إبن إسحاق: ثم عاش بعذ ذلك حتى كان زمان عثمان.

[ 464 ]

ثم مر بأبى جهل وهو عقير، معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته، فتركه وبه رمق، وقاتل معوذ حتى قتل، فمر عبد الله بن مسعود بأبى جهل، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس في القتلى، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - انظروا، إن خفى عليكم في القتلى، إلى أثر جرح من ركبته، فإنى ازدحمت يوما أنا وهو على مأدبة لعبدالله بن جدعان، ونحن غلامان، وكنت أشف منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبيته، فجحش في إحداهما جحشا لم يزل أثره به. قال عبد الله بن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته، فوضعت رجلى على عنقه - قال: وقد كان ضبث بى مرة بمكة فأذاني ولكزنى ! ثم قلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ قال وبماذا أخزاني ! أأعمد من رجل قتلتموه ! أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ قال: قلت: لله ولرسوله. قال ابن هشام: ضبث: قبض عليه ولزمه، قال ضبائى بن الحارث البرجمى فأصبحت مما كان بينى وبنيكم * من الود مثل الضابث الماء باليد قال ابن هشام: ويقال: أعار على رجل قتلتموه ! أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ قال ابن إسحاق: وزعم رجال من بنى مخزوم، أن ابن مسعود كان يقول: قال لى: لقد ارتقيت مر تقى صعبا يا رويعى الغنم، قال: ثم احتززت رأسه، ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبى جهل، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آلله الذى لا إله غيره - قال: وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: قلت: نعم والله الذى لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله. قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي، أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص، ومر به: إنى أراك كأن في نفسك شيئا، أراك تظن أنى قتلت أباك، إنى لو قتلته لم أعتذر اليك من قتله، ولكني قتلت

[ 465 ]

خالي العاص بن هشام بن المغيرة، فأما أبوك فإنى مررت [ به ] وهو يبحث بحث الثور بروقه فحدت عنه، وقصد له ابن عمه على فقتله. قال ابن إسحاق: وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الاسدي، حليف بنى عبد شمس بن عبد مناف، يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلا من حطب، فقال: قاتل بهذا يا عكاشة، فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه، فعاد سيفا في يده الطويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله تعالى على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى: العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل في الردة، وهو عنده، قتله طليحة ابن خويلذ الاسدي، فقال طليحة في ذلك: فما ظنكم بالقوم إذ تقتلونهم * أليسوا وإن لم يسلموا برجال ؟ فإن تك أذواد أصبن ونسوة * فلن تذهبوا فرغا بقتل حبال نصبت لهم صدر الحمالة إنها * معاودة قيل الكماة نزال فيوما تراها في الجلال مصونة * ويوما تراها غير ذات جلال عشية غادرت ابن أقرم ثاويا * وعكاشة الغنمى عند مجال قال ابن هشام: حبال: ابن طليحة بن خويلد، وابن أقرم: ثابت بن أقرم الانصاري. قال ابن إسحاق: وعكاشة بن محصن الذى قال لرسول الله صليب الله عليه وسلم، حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدخل الجنة سبعون ألفا من أمتى على صورة القمر ليلة البدر، قال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: إنك منهم، أو اللهم اجعله منهم، فقام رجل من الانصار، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة وبردت الدعوة.

[ 466 ]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني عن أهله: منا خير فارس في العرب، قالوا: ومن هو يا رسول الله ؟ قال: عكاشة بن محصن، فقال ضرار بن الازور الاسدي: ذاك رجل منا يا رسول الله، قال: ليس منكم ولكنه منا للحلف. قال ابن هشام: ونادى أبو بكر الصديق ابنه عبد الرحمن، وهو يومئذ مع المشركين، فقال: أين مالى يا خبيث ؟ فقال عبد الرحمن: لم يبق غير شكة ويعبوب * وصارم يقتل ضلال الشيب فيما ذكر لى عن عبد العزيز محمد الدراوردى. قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة، قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب، طرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملاها، فذهبوا ليحركوه، فتزايل [ لحمه ] فأقرره، وألقوه عليه ما غيبه من التراب والحجارة، فلما ألقاهم في القليب، وقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يأهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإنى قد وجدت ما وعدني ربى حقا ؟ ! قالت: فقال له أصحابه: يا رسول الله، أتكلم قوما موتى ! فقال لهم: لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق ! قالت عائشة: والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم، وإنما قال لهم، رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد علموا. قال ابن إسحاق: وحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال: سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل وهو يقلو: يأهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية ابن خلف، ويا أبا جهل بن هشام، فعددمن كان منهم في القليب: هل وجدتم ما وعد [ كم ] ربكم حقا، فإنى قد وجدت ما وعدني ربى حقا ؟ فقال المسلمون:

[ 467 ]

يا رسول الله، أتنادى قوما قد جيفوا: قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم [ قال ] هذه المقالة: يأهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ! كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، ثم قال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ للمقالة التى قال: قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت: عرفت ديار زينب بالكثيب * كخط الوحى في الورق القشيب تداولها الرياح وكل جون * من الوسمى منهمر سكوب فأمسى رسمها خلقا، وأمست * يبابا بعد ساكنها الحبيب فدع عنك التذكر كل يوم * ورد حرارة الصدر الكئيب وخبر الذى لا عيب فيه * بصدق غير إخبار الكذوب بما صنع المليك غداة بدر * لنا في المشركين من النصيب غداة كأن جمعهم حراء * بدت أركانه جنح الغروب فلاقيناهم منا بجمع * كأسد الغاب مردان وشيب أمام محمد قد وازروه * على الاعداء في لفح الحروب بأيديهم صوارم مرهفات * وكل مجرب خاظى الكعوب بنو الاوس الغطارف وازرتها * بنو النجار في الدين الصليب فغادرنا أبا جهل صريعا * وعتبة قد تركنا بالجبوب وشيبة قد تركنا في رجال * ذوى حسب إذا نسبوا حسيب يناديهم رسول الله لما * قذفناهم كباكب في القليب ألم تجدوا كلامي كان حقا * وأمر الله يأخذ بالقلوب ؟ فما نطقوا، ولو نطقوا لقالوا: * صدقت وكنت ذا رأى مصيب !

[ 468 ]

قال ابن إسحاق: ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم أن يلقوا في القليب، أخذ عتبة بن ربيعة، فحسب إلى القليب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني، في وجه أبى حذيفة بن عتبة، فإذا هو كئيب قد تغير لونه، فقال: يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شئ ؟ أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فقال: لا، والله يا رسول الله، ما شككت في أبى ولا في مصرعه، ولكننى كنت أعرف من أبى رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الاسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر، بعد الذى كنت أرجو له، أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقال له خيرا. وكان الفتية الذين قتلوا ببدر، فنزل فيهم من القرآن، فيما ذكر لنا: { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا: فيم كنتم ؟ قالوا: كنا مستضعفين في الارض، قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا - 97 من سورة النساء } فتية مسمين. من بنى أسد بن عبد العزى بن قصى: الحارث بن زمعة بن الاسود [ بن عبد المطلب بن أسد ]. ومن بنى مخزوم: أبو قيس بن الفاكة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. ومن بنى جمح: على بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح. ومن بنى سهم: العاص بن منبه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد ابن سهم. وذلك أنهم كانوا أسلموا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة وفتنوهم

[ 469 ]

فافتتنوا، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر فأصيبوا به جميعا. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بما في العسكر، مما جمع الناس، فجمع، فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه: والله لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم، وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يخالف إليه العدو: والله ما أنتم بأحق به منا، والله لقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا الله تعالى أكتافه، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، وكلنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو، فقمنا دونه، فما أنتم بأحق به منا. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن امامة الباهلى - واسمه صدى بن عجلان فيما قال ابن هشام - قال: سألت عبادة بن الصامت عن الانفال، فقال: فينا أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء. يقول: على السواء. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر، قال: حدثنى بعض بنى ساعدة عن أبى أسيد الساعدي، مالك بن ربيعة، قال: أصبت سيف بنى عائذ المخزوميين، الذى يسمى المرزبان يوم بدر، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفل، أقبلت حتى ألقيته في النفل. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع شيئا سئله، فعرفه الارقم بن أبى الارقم، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاه إياه. قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الفتح

[ 470 ]

عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية، بما فتح الله عزوجل على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة. قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر - حين سوينا التراب على رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التى كانت عند عثمان بن عفان. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفنى عليها مع عثمان - أن زيد [ بن حارثة قد ] قدم. قال: فجئته وهو واقف بالمصلى قد غشيه الناس، وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة ابن ربيعة، وأبو جهل ابن هشام، وزمعة بن الاسود، وأبو البختري العاص بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج. قال: قلت: يا أبت، أحق هذا ؟ قال: نعم والله يا بنى. ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة، ومعه الاسارى من المشركين، وفيهم عقبة بن أبى معيط، والنضر بن الحارث، واحتمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه النفل الذى أصيب من المشركين، وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن ابن النجار، فقال راجز من المسلمين - قال ابن هشام: يقال: إنه عدى ابن أبى الزغباء -: أقم لها صدورها يا بسبس * ليس بذى الطلح لها معرس ولا بصحراء غمير محبس * إن مطايا القوم لا تخيس فحملها على الطريق أكيس * قد نصر الله وفر الاخنس ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية - يقال له: سير - إلى سرحة به. فقسم هنالك النفل الذى أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء، ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه، ومن معه من المسلمين، فقال لهم سلمة بن سلامة - كما

[ 471 ]

حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، ويزيد بن رومان - ما الذى تهنئوننا به ؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة، فنحرناها، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أي ابن أخى، أولئك الملا. قال ابن هشام: الملا: الاشراف والرؤساء. قال ابن إسحاق: حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث، قتله على بن أبى طالب، كما خبرني بعض أهل العلم من أهل مكة. قال ابن إسحاق: ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة ابن أبى معيط. قال ابن هشام: عرق الظبية عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: والذى أسر عقبة: عبد الله بن سلمة أحد بنى عجلان (1). قال ابن إسحاق: فقال عقبة - حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله -: فمن للصبية يا محمد ؟ قال: النار، فقتله عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح الانصاري، أخو بنى عمرو بن عوف، كما حدثنى أبو عبيدة بن محمد ابن عمار بن ياسر. قال ابن هشام: ويقال: قتله على بن أبى طالب، فيما ذكر لى ابن شهاب الزهري وغيره من أهل العلم. قال ابن إسحاق: ولقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الموضع أبو هند، مولى فروة بن عمرو البياضى بحميت مملوء حيسا (2). (هامش ص 471) (1) سلمة أبو عبد الله: بكسر اللام، وهو سلمة بن مالك، من بنى العجلان، يلوى النسب، أنصارى الخلف والولاء، قتل شهيدا يوم أحد، انظر الروض الانف. (2) فسر ابن هشام الحميت، والحيس: سمن يخلط بتمر وأقط.

[ 472 ]

قال ابن هشام: الحميت: الزق، وكان قد تخلف عن بدر، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كان حجام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أبو هند امرؤ من الانصار فأنكحوه، وأنكحوا إليه، ففعلوا. قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الاسارى بيوم. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر أن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال: قدم بالاسارى حين قدم بهم، وسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء، في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب. قال: تقول سودة: والله إنى لعندهم إذ أتينا، فقيل: هؤلاء الاسارى، قد أتى بهم، قالت: فرجعت إلى بيتى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. قالت: فلا والله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: أي أبا يزيد، أعطيتم بأيدكم، ألامتم كراما ! فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت: يا سودة، أعلى الله ورسوله تحرضين ؟ قالت: قلت: يا رسول الله، والذى بعثك بالحق، ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت. قال ابن إسحاق: وحدثني نبيه بن وهب، أخو بنى عبدالدار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالاسارى فرقهم بين أصحابه، وقال: استوصوا بالاسارى خيرا. قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم، أخو مصعب بن عمير لابيه وأمه في الاسارى.

[ 473 ]

قال: فقال أبو عزيز: مربى أخى مصعب بن عمير ورجل من الانصار يأسرنى، فقال: شد يديك به فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك ! قال: وكنت في رهط من الانصار حين أقلبوا بى من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز، وأكلوا التمر، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، قال: فأستحيى فأردها [ على أحدهم ] فيردها على ما يمسها. قال ابن هشام: وكان أبو عزيز صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر ابن الحارث، فلما قال أخوه مصعب بن عمير لابي اليسر، وهو الذى أسره، ما قال، قال له أبو عزيز: يا أخى، هذه وصاتك بى ! فقال مصعب: إنه أخى دونك، فسألت أمه عن أغلى ما فدى به قرشي، فقيل لها: أربعة آلاف درهم فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها. قال ابن إسحاق: وكان أول من قدم مكة [ بمصاب ] قريش الحيسمان ابن عبد الله الخزاعى، فقالوا: ما وراءك ؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة ابن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الاسود، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، فلما جعل يعدد أشراف قريش، قال صفوان بن أمية، وهو قاعد في الحجر: والله إن يعقل هذا فاسألوه عنى، فقالوا: [ و ] ما فعل صفوان بن أمية ؟ قال: ها هو ذاك جالسا في الحجر، وقد والله رأيت أبا وأخاه حين قتلا. قال ابن إسحاق: وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيدالله بن عباس عن عكرمة مولى ابن عباس: قال: قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الاسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره

[ 474 ]

خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فبعث مكان العاصى بن هشام بن المغيرة، وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش، كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا. قال: وكنت رجلا ضعيفا، وكنت أعمل الاقداح: أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إنى جالس فيها أنحت أقداحى، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذا أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر، حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهرى، فبينما هو جالس إذا قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب - قال ابن هشام: واسم أبى سفيان المغيرة - قد قدم، قال: فقال له أبو لهب: هلم إلى، فعندك لعمري الخبر، قال: فجلس [ إليه ] والناس قيام عليه، فقال: يابن أخى أخبرني كيف كان أمر الناس ؟ قال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم، فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك مالمت الناس، لقينا رجالا بيضا، على خيل بلق، بين السماء والارض، والله ما تليق شيئا، ولا يقوم لها شئ. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدى، ثم قلت: تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده فضرب [ بها ] وجهى ضربة شديدة. قال: وثاورته، فاحتملني فضرب بى الارض، ثم برك على يضربني، وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فلعت في رأسه شجة منكرة، وقالت: استضعفته أ، غاب عنه سيده، فقام موليا ذليلا، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يأرب عليكم محمد

[ 475 ]

وأصحابه في الفداء. قال: وكان الاسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة بن الاسود، وعقيل بن الاسود، والحارث بن زمعة، وكان يحب أن يبكى على بنيه، فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل، فقال لغلام له، وقد ذهب بصره: انظر هل أحل النحب: هل بكت قريش على قتلاها ؟ لعلى أبكى على أبى حكيمة - يعنى زمعة - فإن جوفى قد احترق. قال: فلما رجع إليه الغلام قال: إنما هي امرأة تبكى على بعير لها أضلته، قال: فذاك حين يقول الاسود: أتبكى أن يضل لها بعير * ويمنعها من النوم السهود فلا تبكى على بكر، ولكن * على بدر تقاصرت الجدود على بدر سراة بنى هصيص * ومخزوم ورهط أبى الوليد وبكى إن بكيت على عقيل * وبكى حارثا أسد الاسود وبكيهم ولا تسمى جميعا * وما لابي حكيمة من نديد ألا قد ساد بعدهم رجال * ولولا يوم بدر لم يسودوا [ قال ابن هشام: هذا إقواء، وهى مشهورة من أشعارهم، وهى عندنا إكفاء وقد أسقطنا من رواية ابن إسحاق ما هو أشهر من هذا ] [ قال ابن إسحاق ]: وكان في الاسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاءكم في طلب فداء أبيه، فلما قالت قريش: لا تعجلوا بفداء أسرائكم، لا يأرب عليكم محمد وأصحابه، قال المطلب بن أبى وداعة - وهو الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى -: صدقتم، لا تعجلوا، وانسل من الليل فقدم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم، فانطلق به. [ قال ]: ثم بعثت قريش في فداء الاسارى، فقدم مكرز بن حفص ابن الاخيف في فداء سهيل بن عمرو، وكان الذى أسره مالك بن الدخشم، أخو بنى سالم بن عوف، فقال:

[ 476 ]

أسرت سهيلا فلا أبتغى * أسيرا به من جميع الامم وخندف تعلم أن الفتى * فتاها سهيل إذا يظلم ضربت بذى الشفر حتى انثنى * وأكرهت نفسي على ذى العلم وكان سهيل رجلا أعلم من شفته السفلى. قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لمالك بن الدخشم. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن عمرو بن عطاء، أخو بنى عامر بن لوى: أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله علهى وسلم: يا رسول الله دعني أنزع ثنيتى سهيل بن عمرو، ويدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا في مواطن أبدا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أمثل به فيمثل الله بى، وإن كنت نبيا. قال ابن إسحاق: وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا الحديث: إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه. قال ابن هشام: وسأذكر حديث ذلك المقام في موضعه إن شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق: فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضاهم، قالوا: هات الذى لنا، قال: اجعلوا رجلى مكان رجله، وخلوا سبيله يبعث إليكم بفدائه فخلوا سبيل سهيل، وحبسوا مكرزا [ مكانه ] عندهم، فقال مكرز: فديت بأذواد ثمان سبا فتى * ينال الصميم غرمها لا المواليا رهنت يدى والمال أيسر من يدى * على، ولكني خشيت المخازيا وقلت: سهيل خيرنا فاذهبوا به * لابنائنا حتى ندير الامانيا قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذا لمكرز. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر، قال: كان عمرو بن أبى سفيان بن حرب، وكان لبنت عقبة بن أبى معيط - قال ابن هشام: أم عمرو

[ 477 ]

ابن أبى سفيان بنت أبى عمرو، أخت أبى معيط بن أبى عمرو - أسيرا في يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أسرى بدر. قال ابن هشام: أسره على بن أبى طالب. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن أبى بكر، قال: فقيل لابي سفيان: افد عمرا ابنك، قال: أيجمع على دمى ومالى ! قتلوا حنظلة، وأفدى عمرا ! دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدالهم. قال: فبينما هو كذلك، محبوس بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال، أخو بنى عمرو بن عوف، ثم أحد بنى معاوية، معتمرا ومعه مرية له، وكان شيخا مسلما، في غنم له بالنقيع، فخرج من هنالك معتمرا، ولا يخشى الذى صنع به، لم يظن أنه يحبس بمكة، إنما جاء معتمرا. وقد كان عهد قريشا لا يعرضون لاحد جاء حاجا أو معتمرا إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحبسه بابنه عمرو، ثم قال أبو سفيان: أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه * تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا فإنى بنى عمرو لئام أذلة * لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا فأجابه حسان بن ثابت فقال: لو كان سعد يوم مكة مطلقا * لاكثر فيكم أن يؤسر القتلا بعضب حسام أو بصفراء نبعة * تحن إذا ما أنبضت تحفز النبلا ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبى سفيان فيفكوا به صاحبهم، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثوا به إلى أبى سفيان، فخلى سبيل سعد. قال ابن إسحاق: وقد كان في الاسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى ابن عبد شمس، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته زينب.

[ 478 ]

قال ابن هشام: أسره خراش بن الصمة، أحد بنى حرام. قال ابن إسحاق: وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين: مالا، وأمانة، وتجارة، وكان لهالة بنت خويلد، وكانت خديجة خالته. فسألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالقها، وذلك قبل أن ينزل عليه الوحى، فزوجه، وكانت تعده بمنزلة ولدها فلما أكرم الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بنبوته آمنت به خديجة وبناته، فصدقنه، وشهدن أن ما جاء به الحق، ودن بدينه، وثبت أبو العاص على شركه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوج عتبة بن أبى لهب رقية، أو أم كلثوم. فلما بادى قريشا بأمر الله تعالى وبالعدواة، قالوا: إنكم قد فرغتم محمدا من همه، فردوا عليه بناته، فاشغلوه بهن. فمشوا إلى أبى العاص فقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت، قال: لا والله، إنى لا أفارق صاحبتي. وما أحب أن لى بامرأتي امرأة من قريش. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثنى عليه في صهره خيرا، فيما بلغني. ثم مشوا إلى عتبة ابن أبى لهب، فقالوا له: طلق بنت محمد ونحن ننكحك أي امرأة من قريش شئت، فقال: إن زوجتموني بنت أبان بن سعيد بن العاص، أو بنت سعيد ابن العاص فارقتها. فزوجوه بنت سعيد بن العاص وفارقها، لوم يكن دخل بها، فأخرجها الله من يده كرامة لها وهونا له، وخلف عليها عثمان بن عفان بعده. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم، مغلوبا على أمره، وكان الاسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلمت وبين أبى العاص بن الربيع، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر [ على ] أن يفرق بينهما، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم أبو العاص

[ 479 ]

ابن الربيع، فأصيب في الاسارى يوم بدر. فكان بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عائشة، قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبى العاص [ بن الربيع ] بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص حين بنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها مالها، فافعلوا، فقالوا: نعم، يا رسول الله فأطلقوه، وردوا عليها الذى [ كان ] لها. خروج زينب إلى المدينة [ قال ]: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه، أو وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، أن يخلى سبيل زينب إليه، أو كان فيما شرط عليه في إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم ما هو، إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخلى سبيله، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الانصار مكانه، فقال: كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب، فتصحباها حتى تأتياني بها، فخرج مكانهما، وذلك بعد بدر بشهر أو شيعه، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت تجهز. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبى بكر قال: حدثت عن زينب أنها قالت: بينا أنا أتجهز [ بمكة ] للحوق بأبى لقيتني هند بنت عتبة، فقالت: يا بنت محمد، ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك ؟ فقلت: ما أردت ذلك، فقالت أي ابنة عمى، لا تفعلي، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك،

[ 480 ]

أو بمال تتبلغين به إلى أبيك، فإن عندي حاجتك، فلا تضطنى منى، فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال. قالت: والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل، قالت: ولكني خفتها، فأنكرت أن أكون أريد ذلك، وتجهزت فلما فرغت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهازها قدم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها، بعيرا، فركبته، وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهارا يقود بها، وهى في هودج لها. وتحدث بذلك رجال من قريش، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذى طوى، فكان أول من سبق إليها هبار ابن الاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى الفهرى، فروعها هبار بالرمح، وهى في هودجها، وكانت المرأة حاملا - فيما يزعمون - فلما ريعت طرحت ذا بطنها، وبرك حموها كنانة، ونثر كنانته، ثم قال: والله لا يدنو منى رجل إلا وضعت فيه سهما، فتكركر الناس عنه. وأتى أبو سفيان في جلة من قريش، فقال: أيها الرجل، كف عنا نبلك حتى نكلمك، فكف، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه، فقال: إنم لم تصب، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا، أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا التى كانت، وأن ذلك منا ضعف ووهن، ولعمري مالنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا في ذلك من ثؤرة، ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الاصوات، وتحدث الناس أن قد رددناها، فسلها سرا وألحقها بأبيها، قال: ففعل، فأقامت ليالى، حتى إذا هدأت الاصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: فقال عبد الله بن رواحة، أو أبو خيثمة، أخو بنى سالم ابن عوف، في الذى كان من أمر زينب - قال ابن هشام: هي لابي خيثمة: أتانى الذى لا يقدر الناس قدره * لزينب فيهم من عقوق ومأثم

[ 481 ]

وإخراجها لم يخز فيها محمد * على مأقط وبيننا عطر منشم وأمس أبو سفيان من حلف ضمضم * ومن حربنا في رغم أنف ومندم قرنا ابنه عمرا ومولى يمينه * بذى حلق جلد الصلاصل محكم فأقسمت لا تنفك منا كتائب * سراة خميس في لهام مسوم نزوع قريش الكفر حتى نعلها * بخاطمة فوق الانوف بميسم ننزلهم أكناف نجد ونخلة * وإن يتهموا بالخيل والرجل نتهم يد الدهر حتى لا يعوج سربنا * ونلحقهم آثار عاد وجرهم ويندم قوم لم يطيعوا محمدا * على أمرهم، وأى حين تندم فأبلغ أبا سفيان إما لقيته * لئن أنت لم تخلص سجودا وتسلم فأبشر بخزى في الحياة معجل * وسربال قار خالدا في جهنم قال ابن هشام: ويروى: وسربال نار. قال ابن إسحاق: ومولى يمين أبى سفيان، الذى يعنى: عامر بن الحضرمي كان في الاسارى، وكان حلف الحضرمي إلى حرب بن أمية. قال ابن هشام: مولى يمين أبى سفيان، الذى يعنى: عقبة بن عبد الحارث ابن الحضرمي، فأما عامر بن الحضرمي فقتل يوم بدر. ولما انصرف الذين خرجوا إلى زينب لقيتهم هند بنت عتبة، فقالت لهم: أفى السلم أعيار جفاء وغلظة * وفى الحرب أشباه النساء العوارك وقال كنانة بن الربيع في أمر زينب، حين دفعها إلى الرجلين: عجبت لهبار وأوباش قومه * يريدون إخفارى ببنت محمد ولست أبالى ما حييت عديدهم * وما استجمعت قبضا يدى بالمهند قال ابن إسحاق: حدثنى يزيد بن أبى حبيب، عن بكير بن عبد الله ابن الاشج، عن سليمان بن يسار، عن أبى إسحاق الدوسى، عن أبى هريرة قال:

[ 482 ]

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها، فقال لنا: إن ظفرتم بهبار ابن الاسود، أو الرجل [ الآخر ] الذى سبق معه إلى زينب - قال ابن هشام: وقد سمى ابن إسحاق الرجل في حديثه [ وقال: هو نافع بن عبد قيس ] - فحرقوهما بالنار. قال: فلما كان الغد بعث إلينا فقال: إنى كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما، ثم رأيت أنه لا ينبغى لاحد أن يعذب بالنار إلا الله، فإن ظفرتهم بهما فاقتلوهما. إسلام أبى العاص بن الربيع قال ابن إسحاق: وأقام أبو العاص بمكة، وأقامت زينب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، حين فرق بينهما الاسلام، حتى إذا كان قبيل الفتح، خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام، وكان رجلا مأمونا، بمال له وأموال لرجال من قريش، أبضعوها معه، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا، لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصابوا ما معه، وأعجزهم هاربا، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله، أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستجار بها، فأجارته، وجاء في طلب ماله، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح - كما حدثنى يزيد بن رومان - فكبر وكبر الناس معه، صرخت زينب من صفة النساء: [ أيها الناس ] إنى قد أجرت أبا العاص بن الربيع، قال: فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، هل سمعتم، ما سمعت ؟ قالوا: نعم، قال: أما والذى نفس محمد بيده ما علمت بشئ من ذلك حتى سمعت ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل على ابنته، فقال: أي بنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له.

[ 483 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى السرية الذى أصابوا مال أبى العاص، فقال لهم: إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذى له، فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فئ الله الذى أفاء عليكم، فأنتم أحق به، فقالوا: يا رسول الله، بل نرده عليه، فردوه عليه، حتى إن الرجل ليأتي بالدلو ويأتى الرجل بالشنة وبالاداوة، حتى إن أحدهم ليأتي بالشظاظ، حتى ردوا عليه ماله بأسره، لا يفقد منه شيئا. ثم احتمل إلى مكة، فأدى إلى كل ذى مال من قريش ماله، ومن كان أبضع معه، ثم قال: يا معشر قريش، هل بقى لاحد منكم عندي مال لم يأخذه ؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا ! فقد وجدناك وفيا كريما، قال: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعنى من الاسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أنى إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت. ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وحدثني داود بن الحصين بن عكرمة عن ابن عباس، قال: رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الاول لم يحدث شيئا [ بعد ست سنين ]. قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة أن أبا العاص بن الربيع لما قدم من الشام ومعه أموال المشركين، قيل له: هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الاموال، فإنها أموال المشركين ؟ فقال أبو العاص: بئس ما أبدأ به إسلامى أن أخون أمانتى قال ابن هشام: وحدثني عبد الوارث بن سعيد التنورى، عن داود بن أبى هند، عن عامر الشعبى، بنحو من حديث أبى عبيدة عن أبى العاص. قال ابن إسحاق: فكان ممن سمى لنا من الاسارى ممن من عليه بغير

[ 484 ]

فداء، من بنى عبد شمس بن عبد مناف: أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى ابن عبد شمس، من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بفدائه. ومن بنى مخزوم [ بن يقظة ]: المطلب ابن حنطب بن الحارث بن عبيدة بن عمر بن مخزوم، كان لبعض بنى الحارث ابن الخزرج، فترك في أيديهم حتى خلوا سبيله. فلحق بقومه. قال ابن هشام: أسره خالد بن زيد، أبو أيوب [ الانصاري ]، أخو بنى النجار. قال ابن إسحاق: وصيفى بن أبى رفاعة بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ترك في أيدى أصحابه، فلما لم يأت أحد في فدائه أخذوا عليه ليبعثن إليهم بفدائه، فخلوا سبيله، فلم يف لهم بشئ، فقال حسان بن ثابت في ذلك: وما كان صيفي ليوفى ذمة * قفا ثعلب أعيا ببعض الموارد قال ابن هشام: وهذا البيت في أبيات له. قال ابن إسحاق: وأبو عزة، عمرو بن عبد الله بن عثمان بن أهيب بن حذافة بن جمح، كان محتاجا ذا بنات، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: رسول الله، لقد عرفت مالى من مال، وإنى لذو حاجة، وذو عيال، فامنن على، فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ عليه ألا يظاهر عليه أحدا، فقال أبو عزة في ذلك يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكر فضله في قومه: من مبلغ عنى الرسول محمدا * بأنك حق والمليك حميد وأنت امرؤ تدعوا إلى الحق والهدى * عليك من الله العظيم شهيد وأنت امرؤ بوئت فينا مباءة * لها درجات سهلة وصعود فإنك من حاربته لمحارب * شقى، ومن سالمته لسعيد

[ 485 ]

ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله * تأوب مابى حسرة وقعود قال ابن هشام: كان فداء المشركين يومئذ أربعة آلاف درهم للرجل، إلى ألف درهم، إلا من لا شئ له، فمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه. إسلام عمير بن وهب قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: جلس عمير بن وهب الجمحى مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش في الحجر بيسير، وكان عمير بن وهب شيطان من شياطين قريش، وممن كان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويلقون منه عناء وهو بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر. قال ابن هشام: أسره رفاعة بن رافع أحد بنى زريق. قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير قال: فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إن في العيش بعدهم خير، قال له عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين على ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدى، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لى قبلهم علة: ابني أسير في أيديهم، قال: فاغتنمها صفوان وقال: على دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك أواسيهم ما بقوا، لا يسعنى شئ ويعجز عنهم، فقال له عمير، فاكتم [ عنى ] شأني وشأنك، قال: أفعل. قال: ثم أمر عمير بسيفه، فشحذ له وسم، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، وما أراهم من عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحا السيف، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر، وهو الذى حرش بيننا، وحزرنا للقوم يوم بدر.

[ 486 ]

ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبى الله، هذا عدو لله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه، قال: فأدخله على، قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الانصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر آخذ بحمالة سيفة في عنقه قال: أرسله يا عمر، ادن يا عمير، فدنا ثم قال: انعموا صباحا، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة، فقال: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد، قال: فما جاء بك يا عمير ؟ قال: جئت لهذا الاسير الذى في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف في عنقك ؟ قال: قبحها الله من سيوف ! وهل أغنت عنا شيئا ! قال: اصدقني، ما الذى جئت له ؟ قال: ما جئت إلا لذلك، قال: بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين على وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان [ بن أمية ] بدينك وعيالك، على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك، قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحى، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إنى لا أعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذى هداني للاسلام، وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره، ففعلوا. ثم قال: يا رسول الله، إنى كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الاذى

[ 487 ]

لمن كان على دين الله عزوجل، وأنا أحب أن تأذلى لى، فأقدم مكة، فأدعوهم إلى الله تعالى، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلى الاسلام، لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذى أصحابك في دينهم، قال: فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلحق بمكة. وكان صفوان بن أمية - حين خرج عمير بن وهب - يقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام، تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبدا، ولا ينفعه بنفع أبدا. قال ابن إسحاق: فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الاسلام، ويؤذى من خالفه أذى شديدا، فأسلم على يديه ناس كثير. قال ابن إسحاق: وعمير بن وهب، أو الحارث بن هشام، قد ذكر لى أحدهما، الذى رأى إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر، فقال: أين أي سراق ؟ ومثل عدو الله فذهب، فأنزل الله تعالى فيه { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم - 48 من وسورة الانفال } فذكر استدارج إبليس إياهم، وتشبهه بسراقة بن مالك ابن جشعم لهم، حين ذكروا ما بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة في الحرب التى كانت بينهم. يقول الله تعالى: { فلما تراءت الفئتان } ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة، قد أيد الله بهم رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على عدوهم { نكص على عقبيه وقال: إنى برئ منكم، إنى أرى ما لا ترون }. وصدق عدو الله، رأى ما لم يروا وقال: { إنى أخاف الله، والله شديد العقاب }. فذكر لى أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة لا ينكرونه، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان نكص على عقبيه، فأوردهم ثم أسلمهم. قال ابن هشام: نكص: رجع. قال أوس بن حجر، أحد بنى أسيد

[ 488 ]

ابن عمرو بن تميم: نكصتم على أعقابكم يوم جئتم * تزجون أنفال الخميس العرمرم وهذا البيت في قصيدة له: قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت: قومي الذين هم آووا نبيهم * وصدقوه وأهل الارض كفار إلا خصائص أقوام هم سلف * للصالحين مع الانصار أنصار مستبشرين بقسم الله، قولهم * لما أتاهم كريم الاصل مختار أهلا وسهلا ففى أمن وفى سعة * نعم النبي ونعم القسم والجار فأنزلوه بدار لا يخاف بها * من كان جارهم، دارا هي الدار وقاسموه بها الاموال إذ قدموا * مهاجرين، وقسم الجاحد النار سرنا وساروا إلى بدر لحينهم * لو يعلمون يقين العلم ما ساروا دلاهم بغرور ثم أسلمهم * إن الخبيث لمن والاه غرار وقال: إنى لكم جار فأوردهم * شر الموارد فيه الخزى والعار ثم التقينا فولوا عن سراتهم * من منجدين، ومنهم فرقة غاروا قال ابن هشام: أنشدني قوله: " لما أتاهم كريم الاصل مختار " أبو زيد الانصاري. المطعمون من قريش قال ابن إسحاق: وكان المطعمون من قريش، ثم من بنى هاشم بن عبد مناف: العباس بن عبد المطلب بن هاشم. ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. ومن بنى نوفل بن عبد مناف: الحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدى ابن نوفل، يعتقبان ذلك.

[ 489 ]

ومن بنى أسد بن عبد العزى: أبا البخترى بن هشام بن الحارث بن أسد وحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، يعتقبان ذلك. ومن بنى عبدالدار بن قصى: النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة ابن عبد مناف بن عبدالدار. قال ابن هشام: ويقال: النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبدالدار. قال ابن إسحاق: ومن بنى مخزوم بن يقظة: أبا جهل بن هشام بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم. ومن بنى جمح: أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح. ومن بنى سهم بن عمرو: نبيها ومنبها ابني الحجاج بن عامر بن حذيفة ابن سعد بن سهم، يعتقبان ذلك. ومن بنى عامر بن لؤى: سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر. أسماء خيل المسلمين يوم بدر قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم: أنه كان مع المسلمين يوم بدر من الخيل، فرس مرثد بن أبى مرثد الغنوى، وكان يقال له: السيل (1)، وفرس المقداد بن عمرو البهرانى، وكان يقال له: بعزجة، ويقال: سبحة، وفرس الزبير بن العوام، وكان يقال له اليعسوب. [ قال ابن هشام: ومع المشركين مئة فرس ]. نزول سورة الانفال قال ابن إسحاق: فلما انقضى أمر بدر، أنزل الله عزوجل فيه من القرآن (هامش ص 489) (1) هكذا في ا، وفى ب " السبل " بموحدة وبزبة جبل.

[ 490 ]

الانفال بأسرها، فكان مما نزل منها في اختلافهم في النفل حين اختلفوا فيه: { يسئلونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين }. فكان عبادة بن الصامت - فيما بلغني إذا سئل عن الانفال، قال: فينا معشر أهل بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل يوم بدر، فانتزعه الله من أيدينا حين ساءت فيه أخلاقنا، فرده على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه بيننا عن بواء - يقول: على السواء - وكان في ذلك تقوى الله وطاعته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وصلاح ذات البين. ثم ذكر القوم ومسيرهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرف القوم أن قريشا قد ساروا إليهم، إنما خرجوا يريدون العير طمعا في الغنيمة، فقال: { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } أي كراهية للقاء العدو، وإنكارا لمسير قريش، حين ذكروا لهم { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم } أي الغنيمة دون الحرب { ويريد الله أن يحق الحق بكلماته، ويقطع دابر الكافرين } أي بالوقعة التى أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر { إذا تستغيثون ربكم } أي لدعائهم حين نظروا إلى كثرة عدوهم، وقلة عددهم، { فاستجاب لكم } بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائكم { أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين، إذا يغشيكم النعاس أمنة منه } أي أنزلت عليكم الامنة حتى نمتم لا تخافون { وينزل عليكم من السماء ماء } للمطر الذى أصابهم تلك الليلة، فحبس المشركين أن يسبقوا إلى الماء، وخلى سبيل المسلمين إليه { ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم، ويثبت به الاقدام } أي ليذهب عنكم

[ 491 ]

شك الشيطان، لتخويفه إياهم عدوهم، واستجلاد الارض لهم، حتى انتهوا إلى منزلهم الذى سبقوا إليه عدوهم. ثم قال تعالى: { إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا } أي آزروا الذين آمنوا { سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق، واضربوا منهم كل بنان * ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله، ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } ثم قال: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله وماواه جهنم وبئس المصير }: أي تحريضا لهم على عدوهم لئلا ينكلوا عنهم إذا لقوهم، وقد وعدهم الله فيهم ما وعدهم. ثم قال تعالى في رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بالحصباء من يده، حين رماهم: { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } أي لم يكن ذلك برميتك، لولا الذى جعل الله فيها من نصرك، وما ألقى في صدور عدوك منها حين هزمهم الله { وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا } أي ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم على عدوهم، وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته. ثم قال: { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } أي لقول أبى جهل: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة. والاستفتاح: الانصاف في الدعاء. يقول الله جل ثناؤه: { وإن تنتهوا }، أي لقريش { فهو خير لكم، وإن تعودوا نعد }، أي بمثل الوقعة التى أصبناكم بها يوم بدر { ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت، وأن الله مع المؤمنين } أي أن عددكم

[ 492 ]

وكثرتكم في أنفسكم لن تغنى عنكم شيئا، وإنى مع المؤمنين، أنصرهم على من خالفهم. ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا أطعيوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون }: أي لا تخالفوا أمره وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون }: أي كالمنافقين الذين يظهرون له الطاعة، ويسرون له المعصية { إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون } أي المنافقون الذين نهيتكم أن تكونوا مثلهم، بكم عن الخير، صم عن الحق، لا يعرفون ما عليهم في ذلك من النقمة والتباعة { ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم }، أي لانفذ لهم قولهم الذى قالوا بألسنتهم، ولكن القلوب خالفت ذلك منهم، ولو خرجوا معكم { لتولوا وهم معرضون } ما وفوا لكم بشئ مما خرجوا عليه. { يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } أي للحرب التى أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم { واذكروا إذا أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون * يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا آماناتكم وأنتم تعلمون } أي لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السر إلى غيره، فإن ذلك هلاك لاماناتكم، وخيانة لانفسكم. { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم، والله ذو الفضل العظيم } أي فصلا بين الحق والباطل، ليظهر الله به حقكم، ويطفئ به باطل من خالفكم. ثم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنعمته عليه، حين مكر به القوم ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه { ويمكرون ويمكر الله، والله خير

[ 493 ]

الماكرين } أي مكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم. ثم ذكر غرة قريش واستفتاحهم على أنفسهم، إذا قالوا: { اللهم إن كان هدا هو الحق من عندك } أي ما جاء به محمد { فأمطر علينا حجارة من السماء } كما أمطرتها على قوم لوط { أو ائتنا بعذاب أليم } أي بعض ما عذبت به الامم قبلنا، وكانوا يقولون: إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفره، ولم يعذب أمة ونبيها معها حتى يخرجه عنها. وذلك من قولهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، يذكر جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم، حين نعى عليهم سواء أعمالهم: { وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } أي لقولهم: إنا نستغفر ومحمد بين أظهرنا، ثم قال: { ومالهم ألا يعذبهم الله } وإن كنت بين أظهرهم، وإن كانوا يستغفرون كما يقولون { وهم يصدون عن المسجد الحرام } أي من آمن بالله وعبده، أي أنت ومن اتبعك، { وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون } الذين يحرمون حرمته، ويقيمون الصلاة عنده، أي أنت ومن آمن بك { ولكن أكثرهم لا يعلمون * وما كان صلاتهم عند البيت } التى يزعمون أنه يدفع بها عنهم { إلا مكاء وتصدية } قال ابن هشام: المكاء: الصفير. والتصدية: التصفيق. قال عنترة بن عمرو [ ابن شداد ] العبسى: ولرب قرن قد تركت مجدلا * تمكو فريصته كشدق الاعلم يعنى: صوت خروج الدم من الطعنة، كأنه الصفير. وهذا البيت في قصيدة له وقال الطرماح بن حكيم الطائى: لها كلما ريعت صداة وركدة * بمصدان أعلى ابني شمام البوائن وهذا البيت في قصيدة له. يعنى الاروية، يقول: إذا فزعت قرعت بيدها

[ 494 ]

الصفاة، ثم ركدت تسمع، وقرعها بيدها الصفاة مثل التصفيق. والمصدان: الحرز وابنا شمام: جبلان. قال ابن إسحاق: وذلك مالا يرضى الله عزوجل ولا يحبه، ولا ما افترض عليهم، ولا ما أمرهم به { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أي لما أوقع بهم يوم بدر من القتل. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عائشة قالت: ما كان بين نزول: { يا أيها المزمل } وقول الله تعالى فيها: { وذرنى والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا * إن لدينا أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما - 11 و 13 من سورة المزمل } إلا يسير. حتى أصاب الله قريشا بالوقعة يوم بدر. قال ابن هشام: الانكال، القيود، واحدها: نكل، قال رؤبة بن العجاج: * يكفيك نكلي بغى كل نكل * وهذا البيت في أرجوزة له. قال ابن إسحاق: ثم قال الله عزوجل: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون، واللذين كفروا إلى جهنم يحشرون } يعنى النفر الذى مشوا إلى أبى سفيان، وإلى من كان له مال من قريش في تلك التجارة، فسألوهم أن يقووهم بها على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعلوا. ثم قال: { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، وإن يعودوا } لحربك { فقد مضت سنة الاوليين } أي من قتل منهم يوم بدر. ثم قال تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } أي حتى لا يفتن مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصا، ليس له فيه

[ 495 ]

شريك، ويخلع ما دونه من الانداد { فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير * وإن تولوا } عن أمرك إلى ما هم عليه من كفرهم { فاعلموا أن الله مولاكم } الذى أعزكم ونصركم عليهم يوم بدر في كثرة عددهم، وقلة عددكم { نعم المولى ونعم النصير }. ثم أعلمهم مقاسم الفئ وحكمة فيه، حين أحله لهم، فقال: { واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وإن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شئ قدير } أي يوم فرقت فيه بين الحق والباطل بقدرتي يوم التقى الجمعان منكم ومنهم { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } من الوادي { وهم بالعدوة القصوى } من الوادي إلى مكة { والركب أسفل منكم } أي عير أبى سفيان التى خرجتم لتأخذوها، وخرجوا ليمنعوها عن غير ميعاد منكم ولا منهم { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد } أي ولو كان ذلك عن معياد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم ما لقيتموهم { ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا } أي ليقضى ما أراد بقدرته من إعزاز الاسلام وأهله، وإذلال الكفر وأهله، عن غير بلاء (1) منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه، ثم قال: { ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حى عن بينة، وإن الله لسميع عليم } أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك. ثم ذكر لطفه به وكيده له، ثم قال: { إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا تفشلتم ولتنازعتم في الامر، ولكن الله سلم، إنه عليم بذات الصدور } فكان ما أراه الله من ذلك نعمة من نعمه عليهم، شجعهم بها على عدوهم، وكف بها عنهم ما تخوف عليهم من ضعفهم، لعلمه بما فيهم. (هامش ص 495) (1) في ا " عن غير ملا منكم ".

[ 496 ]

قال ابن هشام: تخوف، مبدلة من كلمة ذكرها ابن إسحاق ولم أذكرها. { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا، ويقللكم في أعينهم ليقضى الله أمرا كان مفعولا } أي ليؤلف بينهم على الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والانعام على من أراد إتمام النعمة عليه، من أهل ولايته. ثم وعظهم وأفهمهم وأعلمهم الذى ينبغى لهم أن يسيروا به في حربهم، فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة } تقاتلونهم في سبيل الله عزوجل { فاثبتوا واذكروا الله كثيرا } الذى له بذلتم أنفكسم والوفاء له بما أعطيتموه من بيعتكم { لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا } أي لا تختلفوا فيتفرق أمركم { وتذهب ريحكم } أي وتذهب حدتكم { واصبروا إن الله مع الصابرين } أي إنى معكم إذا فعلتم ذلك { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس } أي لا تكونوا كأبى جهل وأصحابه الذين قالوا: لا نرجع حتى نأتى بدرا فننحر بها الجزر، ونسقى بها الخمر، وتعزف علينا فيه القيان، وتسمع بنا العرب، أي لا يكون أمركم رياء، ولا سمعة ولا التماس ما عند الناس، وأخلصوا لله النية والحسبة في نصر دينكم، ومؤازرة نبيكم، لا تعملوا إلا لذلك، ولا تطلبوا غيره. ثم قال تعالى: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإنى جار لكم }. قال ابن هشام: وقد مضى تفسير هذه الآية. قال ابن إسحاق: ثم ذكر الله تعالى أهل الكفر، وما يلقون عند موتهم ووصفهم بصفتهم، وأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عنهم، حتى انتهى إلى أن قال: { فإما تثقفنهم، في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون } أي فنكل بهم من ورائهم لعلهم يعقلون { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة

[ 497 ]

ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } إلى قوله تعالى: { وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } أي لا يضيع لكم عند الله أجره في الآخرة وعاجل خلفه في الدنيا. ثم قال تعالى: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } أي إن دعوك إلى السلم على الاسلام فصالحهم عليه { وتوكل على الله } إن الله كافيك { إنه هو السميع العليم }. قال ابن هشام: جنحوا للسلم: مالوا إليك للسلم. الجنوح: الميل. قال لبيد ابن ربيعة: جنوح الهالكى على يديه * مكبا يجتلى نقب النصال وهذا البيت في قصيدة له [ يريد الصيقل المكب على عمله. النقب: صدأ السيف. يجتلى: يجلوا السيف. والسلم [ أيضا ]: الصلح، وفى كتاب الله عزوجل { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الاعلون - 35 من سورة محمد } ويقرأ: " إلى السلم "، وهو ذلك المعنى: قال زهير بن أبى سلمى: وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا * بمال ومعروف من القول نسلم وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن هشام: وبلغني عن الحسن بن أبى الحسن البصري، أنه كان يقول: { وإن جنحوا للسلم } للاسلام. وفى كتاب الله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة - 208 من سورة البقرة }، ويقرأ { في السلم }، وهو الاسلام. قال أمية بن أبى الصلت: فما أنابوا لسلم حين تنذرهم * رسل الاله وما كانوا له عضدا وهذا البيت في قصيدة له. وتقول العرب لدلو تعمل مستطيلة: السلم. قال طرفة بن العبد، أحد بنى قيس بن ثعلبة، يصف ناقة له: لها مرفقان أفتلان كأنما * تمر بسلمى دالح متشدد

[ 498 ]

[ ويروى: دالج ]. وهذا البيت في قصيدة له. { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله } هو من وراء ذلك. { هو الذى أيدك بنصره } بعد الضعف { وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم } على الهدى الذى بعثك الله به إليهم { لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم } بدينه الذى جمعهم عليه { إنه عزيز حكيم }. ثم قال تعالى: { يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين * يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون } أي لا يقاتلون على نية ولا حق ولا معرفة بخير ولا شر. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن أبى نجيح عن عطاء بن أبى رباح عن عبد الله بن عباس قال: لما نزلت هذه الآية اشتد على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفا، فخففت الله عنهم، فنسختها الآية الاخرى، فقال: { الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبون مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين }. قال: فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم. قال ابن إسحاق: ثم عاتبه الله تعالى في الاسارى، وأخذ المغانم، ولم يكن أحد قبله من الانبياء يأكل مغنما من عدو له. قال ابن إسحاق: حدثنى محمد أبو جعفر بن على بن الحسين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت بالرعب، وجعلت لى الارض

[ 499 ]

مسجدا وطهورا، وأعطيت جوامع الكلم، وأحلت لى المغانم ولم تحلل لنبى كان قبلى، وأعطيت الشفاعة، خمس لم يؤتهن نبى قبلى. قال ابن إسحاق: فقال: { ما كان لنبى } أي قبلك { أن يكون له أسرى } من عدوه { حتى يثخن في الارض } أي يثخن عدوه، حتى ينفيه من الارض { تريدون عرض الدنيا } أي المتاع، الفداء بأخذ الرجال { والله يريد الآخرة } أي قتلهم لظهور الدين الذى يريد إظهاره، والذى تدرك به الآخرة { لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم } أي من الاسارى والمغانم { عذاب عظيم } أي لولا أنه سبق منى أنى لا أعذب إلا بعد النهى، ولم يك نهاهم، لعذبتكم فيما صنعتم. ثم أحلها له ولهم رحمة منه، وعائدة من الرحمن الرحيم، فقال: { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا، واتقوا الله إن الله غفور رحيم }. ثم قال: { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى: إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم، والله غفور رحيم }. وحض المسلمين على التواصل، وجعل المهاجرين والانصار أهل ولاية في الدين، دون من سواهم، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض، ثم قال: { إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير } أي إلا يوال المؤمن المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به: { تكن فتنة في الارض } أي شبهة في الحق والباطل، وظهور الفساد في الارض بتولى المؤمن الكافر دون المؤمن. ثم رد المواريث إلى الارحام ممن أسلم بعد الولاية من المهاجرين والانصار دونهم إلى الارحام التى بينهم، فقال: { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم، وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } أي بالميراث { إن الله بكل شئ عليم }.

[ 500 ]

[ جريدة ] من حضر بدرا من المسلمين قال ابن إسحاق: وهذه تسمية من شهد بدرا من المسلمين، ثم من [ قريش، ثم من ] بنى هاشم بن عبد مناف، وبنى المطلب بن عبد مناف ابن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة. محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين، ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وحمزة بن عبد المطلب بن هاشم، أسد الله، وأسد رسوله، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وزيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس الكلبى، أنعم [ الله ] عليه ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد الله بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة. قال إبن إسحاق: وأنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو كبشة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: أنسة: حبشي، وأبو كبشة: فارسي. قال ابن إسحاق: وأبو مرثد كناز بن حصن بن يربوع بن عمرو بن يربوع بن خرشة بن سعد بن طريف بن جلان بن غنم بن غنى بن يعصر بن سعد ابن قيس بن عيلان. قال ابن هشام: كناز بن حصين. قال ابن إسحاق: وابنه مرثد بن أبى مرثد، حليفا حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وأخواه الطفيل بن الحارث، والحصين بن الحارث، ومسطح، واسمه: عوف بن أثاثة بن عباد بن المطلب اثنا عشر رجلا.

[ 501 ]

ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف: عثمان بن عفان بن أبى العاص ابن أمية بن عبد شمس، تخلف على امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه، قال: وأجرى يا رسول الله ؟ قال: وأجرك، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وسالم، مولى أبى حذيفة. قال ابن هشام: واسم أبى حذيفة مهشم. قال ابن هشام: وسالم: سائبة لثبيتة بنت يعار بن زيد بن عبيد بن زيد ابن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس، سيبته فانقطع إلى أبى حذيفة فتبناه، ويقال: كانت ثبيتة بنت يعار تحت أبى حذيفة بن عتبة، فأعتقت سالما سائبة، فقيل: سالم مولى أبى حذيفة. قال ابن إسحاق: وزعموا أن صبيحا مولى أبى العاص بن أمية بن عبد شمس تجهز للخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مرض، فحمل على بعيره أبا سلمة بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ثم شهد صبيح بعد ذلك المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشهد بدرا من حلفاء بنى عبد شمس، ثم من بنى أسد بن خزيمة: عبد الله ابن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان ابن أسد، وعكاشة بن محصن بن حرثان بن قيس بن مرة [ بن ] كبير بن غنم ابن دودان بن أسد، وشجاع بن وهب بن ربيعة بن أسد بن صهيب بن مالك ابن كبير بن غنم بن دودان بن أسد، وأخوه عقبة بن وهب، ويزيد بن رقيش ابن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد، وأبو سنان بن محصن بن حرثان بن قيس، أخو عكاشة بن محصن، وابنه سنان ابن أبى سنان، ومحرز بن نضلة بن عبد الله بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان

[ 502 ]

ابن أسد، وربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو بن لكيز بن عامر بن غنم ابن دودان بن أسد. ومن حلفاء بنى كبير بن غنم بن دودان بن أسد: ثقف بن عمرو، وأخواه مالك بن عمرو، ومدلج بن عمرو. قال ابن هشام: مدلاج بن عمرو. قال ابن إسحاق: وهم من بنى حجر، آل بنى سليم. وأبو مخشي، حليف لهم. ستة عشر رجلا. قال ابن هشام: أبو مخشى طائى، واسمه: سويد بن مخشى. قال ابن إسحاق: ومن بنى نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة ابن خصفة بن قيس بن عيلان، وخباب، مولى عتبة بن غزوان - رجلان. ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، وحاطب بن أبى بلتعة، وسعد مولى حاطب، ثلاثة نفر. قال ابن هشام: حاطب بن أبى بلتعة، واسم أبى بلتعة: عمرو، لخمى، وسعد مولى حاطب، كلبى. قال ابن إسحاق: ومن بنى عبدالدار بن قصى: مصعب بن عمير بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى، وسويبط بن سعد بن حريملة بن مالك ابن عميلة بن السباق بن عبدالدار بن قصى. رجلا ن. ومن بنى زهرة بن كلاب: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد ابن الحارث بن زهرة، وسعد بن أبى وقاص - [ وأبو وقاص ] مالك بن أهيب ابن عبد مناف بن زهرة - وأخوه عمير بن أبى وقاص. ومن حلفائهم: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة ثمامة

[ 503 ]

ابن مطرود بن عمرو بن سعد بن زهير بن ثور بن ثعلبة بن مالك بن الشريد ابن هزل بن قائش بن دريم بن القين بن أهود بن بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة - قال ابن هشام: ويقال: هزل بن قاس بن ذر - ودهير بن ثور. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم ابن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، ومسعود بن ربيعة ابن عمرو بن سعد بن عبد العزى بن حمالة بن غالب بن محلم بن عائذة بن سبيع ابن الهون بن خزيمة، من القارة. قال ابن هشام: القارة: لقب لهم. ويقال: * قد أنصف القارة من راماها * وكانوا رماة. قال ابن إسحاق: وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم ابن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، من خزاعة. قال ابن هشام: وإنما قيل له " ذو الشمالين " لانه كان أعسر، واسمه عمير. قال ابن إسحاق: وخباب بن الارت، ثمانية نفر. قال ابن هشام: خباب بن الارت، من بنى تميم، وله عقب، وهم بالكوفة، ويقال: خباب من خزاعة. قال ابن إسحاق: ومن بنى تميم بن مرة، أبو [ بكر ] الصديق، واسمه عتيق بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم. قال ابن هشام: اسم أبى بكر: عبد الله، وعتيق: لقب، لحسن وجهه وعتقه. قال ابن إسحاق: وبلال، مولى أبى بكر - وبلال مولد من مولدي

[ 504 ]

بنى جمح، اشتراه أبو بكر من أمية بن خلف، وهو بلال بن رباح، لا عقب له وعامر بن فهيرة. قال ابن هشام: عامر بن فهيرة، مولد من مولدي الاسد، أسود، اشتراه أبو بكر منهم. قال ابن إسحاق: وصهيب بن سنان، من النمر بن قاسط. قال ابن هشام: النمر: ابن قاسط بن هنب بن أفطى بن جديلة بن أسد ابن ربيعة بن نزار، ويقال: أفصى ابن دعمى بن جديلة [ بن أسد بن ربيعة ابن نزار ] ويقال: صهيب، مولى عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم، ويقال: إنه رومى. فقال بعض من ذكر أنه من النمر بن قاسط: إنما كان أسيرا في الروم فاشترى منهم: وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " صهيب سابق الروم ". قال ابن إسحاق: وطلحة بن عبيدالله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم، كان بالشأم، فقدم بعد أن رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر فكلمه، فضرب له بسهمه، فقال: وأجرى يا رسول الله ؟ قال: وأجرك. خمسة نفر قال ابن إسحاق: ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة: أبو سلمة بن عبد الاسد، واسم أبى سلمة عبد الله بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وشماس بن عثمان بن الشريد بن سويد بن هرمى بن عامر ابن مخزوم. قال ابن هشام: واسم شماس: عثمان، وإنما سمى شماسا، لان شماسا من الشمامسة قدم مكة في الجاهلية، وكان جميلا، فعجب الناس من جماله. فقال عتبة بن ربيعة، وكان خال شماس: ها أنا آتيكم بشماس أحسن منه، فأتى

[ 505 ]

بابن أخته عثمان بن عثمان، فسمى شماسا، فيما ذكر ابن شهاب الزهري وغيره. قال ابن إسحاق: والارقم بن أبى الارقم، واسم أبى الارقم عبد مناف ابن أسد، وكان أسد يكنى: أبا جندب بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعمار ابن ياسر. قال ابن هشام: عمار بن ياسر، عنسى، من مذحج. قال ابن إسحاق: ومعتب بن عوف بن عامر بن الفضل بن عفيف بن كليب بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو، حليف لهم من خزاعة، وهو الذى يدعى " عيهامة ". خمسة نفر. ومن بنى عدى بن كعب: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله ابن قرط بن رياح بن رزاح بن عدى، وأخوه زيد بن الخطاب، ومهجع، مولى عمر بن الخطاب، من أهل اليمن، وكان أول قتيل من المسلمين بين الصفين يوم بدر، رمى بسهم. قال ابن هشام: مهجع، من عك [ بن عدنان ]. قال ابن إسحاق: وعمرو بن سراقة بن المعتمر بن أنس بن أداة بن عبد الله ابن قرط بن رياح بن رزاح بن عدى بن كعب، وأخوه عبد الله بن سراقة، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، حليف لهم، وخولى بن أبى خولى، ومالك بن أبى خولى، حليفان لهم. قال ابن هشام: أبو خولى: من بنى عجل بن لجيم بن صعب بن على بن بكر ابن وائل. قال ابن إسحاق: وعامر بن ربيعة، حليف آل الخطاب، من عنز ابن وائل.

[ 506 ]

قال ابن هشام: عنز بن وائل: ابن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة ابن أسد بن ربيعة بن نزار، ويقال: أفصى: ابن دعمى بن جديلة. قال ابن إسحاق: وعامر بن البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة، من بنى سعد بن ليث، وعاقل بن الكبير، وخالد بن البكير، وإياس بن البكير، حلفاء بنى عدى بن كعب، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن زراح بن عدى بن كعب، قدم من الشأم بعد ما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر، فكلمه، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه، قال: وأجرى يا رسول الله ؟ قال: وأجرك. أربعة عشر رجلا. ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: عثمان بن مظعون بن حبيب ابن وهب بن حذافة بن جمح، وابنه السائب بن عثمان، وأخواه قدامة بن مظعون، وعبد الله بن مظعون، ومعمر بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب ابن حذافة بن جمح. خمسة نفر. ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب: خنيس بن حذافة بن قيس ابن عدى بن سعيد (1) بن سهم. رجل. قال ابن إسحاق: ومن بنى عامر بن لؤى، ثم من بنى مالك بن حسل بن عامر: أبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل، وعبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود ابن نصر بن مالك، وعبد الله بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل - كان خرج مع أبيه سهيل بن عمرو، فلما نزل الناس بدرا فر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهدها معه - وعمير بن عوف، مولى سهيل بن عمرو، وسعد بن خولة، حليف لهم. خمسة نفر. (هامش ص 506) (1) في ب " سعد بن سهم ".

[ 507 ]

قال ابن هشام: سعد بن خولة، من اليمن. قال ابن إسحاق: ومن بنى الحارث بن فهر: أبو عبيدة بن الجراح، وهو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث، وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبى شداد بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث، وسهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث، وأخوه صفوان بن وهب، وهما ابنا بيضاء، وعمرو بن أبى سرح بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث. خمسة نفر. فجميع من شهد بدرا من المهاجرين، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، ثلاثة وثمانون رجلا. قال ابن هشام: وكثير من أهل العلم، غير ابن إسحاق، يذكرون في المهاجرين ببدر، في بنى عامر بن لؤى: وهب بن سعيد بن أبى سرح، وحاطب ابن عمرو، وفى بنى الحارث بن فهر: عياض بن [ أبى ] زهير. الانصار ومن معهم قال ابن إسحاق: وشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين، ثم من الانصار، ثم من الاوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ثم من بنى عبد الاشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس: سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل، وعمرو بن معاذ بن النعمان، والحارث بن أوس بن معاذ بن النعمان، والحارث ابن أنس بن رافع بن امرئ القيس. ومن بنى عبيد بن كعب بن عبد الاشهل: سعد بن زيد بن مالك بن عبيد. ومن بنى زعوراء بن عبد الاشهل - قال ابن هشام. ويقال: زعوراء - سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة، وعباد بن بشر بن وقش بن زعبة بن زعوراء

[ 508 ]

وسلمة بن ثابت بن وقش، ورافع بن يزيد بن كرز بن سكن بن زعوراء، والحارث بن خزمة بن عدى بن أبى بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، حليف لهم من بنى عوف بن الخزرج، ومحمد بن مسلمة ابن خالد بن عدى بن مجدعة بن حارثة بن الحارث، حليف لهم من بنى حارثة ابن الحارث، وسلمة بن أسلم بن حريش بن عدى بن مجدعة بن حارثة بن الحارث، حليف لهم من بنى حارثة بن الحارث. قال ابن هشام: أسلم: ابن حريس بن عدى. قال ابن إسحاق: وأبو الهيثم بن التيهان، وعبيد بن التيهان. قال ابن هشام: ويقال: عتيك بن التيهان. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن سهل. خمسة عشر رجلا. قال ابن هشام: عبد الله بن سهل: أخو بنى زعوراء، ويقال: من غسان. قال ابن إسحاق: ومن بنى ظفر، ثم من بنى سواد بن كعب، وكعب: هو ظفر - قال ابن هشام: ظفر: ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس -: قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد، وعبيد بن أوس بن مالك بن سواد. رجلان. قال ابن هشام: عبيد بن أوس الذى يقال له: مقرن، لانه قرن أربعة أسرى في يوم بدر. وهو الذى أسر عقيل بن أبى طالب يومئذ. قال ابن إسحاق: ومن بنى عبد بن رزاح بن كعب: نصر بن الحارث ابن عبد، ومعتب بن عبد. ومن حلفائهم، من بلى: عبد الله بن طارق. ثلاثة نفر. ومن بنى حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس:

[ 509 ]

مسعود بن سعد بن عامر بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة. قال ابن هشام: ويقال: مسعود بن سعد. قال ابن إسحاق: وأبو عبس بن جبر بن عمرو بن زيد بن جشم بن مجدعة ابن حارثة. ومن حلفائهم، ثم من بلى: أبو بردة بن نيار، واسمه: هانئ بن نيار ابن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذبيان بن هميم بن كاهل بن ذهل بن هنى بن بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. ثلاثة نفر. قال ابن إسحاق: ومن بنى عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس، ثم من بنى ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف: عاصم بن ثابت بن قيس - وقيس أبو الاقلح بن عصمة بن مالك بن أمة بن ضبيعة - ومعتب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة، وأبو مليل بن الازعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة، وعمرو بن معبد بن الازعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة. قال ابن هشام: عمير بن معبد. قال ابن إسحاق: وسهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن مجدعة بن الحارث بن عمرو، وعمرو الذى يقال له: بحزج بن حنش بن عوف ابن عمرو بن عوف. خمسة نفر. ومن بنى أمية بن زيد بن مالك: مبشر بن عبد المنذر بن زنبر بن زيد ابن أمية، ورفاعة بن عبد المنذر بن زنبر، وسعد بن عبيد بن النعمان بن قيس ابن عمرو بن زيد بن أمية، وعويم بن ساعدة، ورافع بن عنجدة - وعنجدة أمه، فيما قال ابن هشام - وعبيد بن أبى عبيد، وثعلبة بن حاطب. وزعموا أن أبا لبابة بن عبد المنذر، والحارث بن حاطب خرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجعهما، وأمر أبا لبابة على المدينة، فضرب

[ 510 ]

لهما بسهمين مع أصحاب بدر. تسعة نفر. قال ابن هشام: ردهما من الروحاء. قال ابن هشام: وحاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية، واسم أبى لبابة: بتير. قال ابن إسحاق: ومن بنى عبيد بن زيد بن مالك: أنيس بن قتادة بن ربيعة بن خالد بن الحارث بن عبيد. ومن حلفائهم من بلى: معن بن عدى بن الجد بن العجلان بن ضبيعة، وثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدى بن العجلان، وعبد الله بن سلمة بن مالك ابن الحارث بن عدى بن العجلان، وزيد بن أسلم بن ثعلبة بن عدى بن العجلان، وربعي بن رافع بن زيد بن حارثة بن الجد بن العجلان. وخرج عاصم بن عدى بن الجد بن العجلان، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب له بسهمه مع أصحاب بدر. سبعة نفر. ومن بنى ثعلبة بن عمرو بن عوف: عبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية ابن البرك - واسم البرك: امرؤ القيس بن ثعلبة - وعاصم بن قيس. قال ابن هشام: عاصم بن قيس: ابن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة. قال ابن إسحاق: وأبو ضياح بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس ابن ثعلبة، وأبو حنة. قال ابن هشام: وهو أخو أبى ضياح، ويقال: أبو حبة. ويقال لامرئ القيس: البرك بن ثعلبة. قال ابن إسحاق: وسالم بن عمير بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة. قال ابن هشام: ويقال: ثابت: ابن عمرو بن ثعلبة.

[ 511 ]

قال ابن إسحاق: والحارث بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة، وخوات بن جبير بن النعمان، ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم مع أصحاب بدر. سبعة نفر. ومن بنى جحجبى بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف: منذر بن محمد ابن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبى بن كلفة. قال ابن هشام: ويقال: الحريس بن جحجبى. قال ابن إسحاق: ومن حلفائهم من بنى أنيف: أبو عقيل بن عبد الله ابن ثعلبة بن بيجان بن عامر بن الحارث بن مالك بن عامر بن أنيف بن جشم ابن عبد الله بن تيم بن إراش بن عامر بن عميلة بن قسميل بن فران بن بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. رجلان. قال ابن هشام: ويقال تميم بن إراشة، وقسميل بن فاران. قال ابن إسحاق: ومن بنى غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الاوس: سعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب ابن حارثة بن غنم، ومنذر بن قدامة بن عرفجة، ومالك بن قدامة بن عرفجة. قال ابن هشام: عرفجة: ابن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة ابن غنم. قال ابن إسحاق: والحارث بن عرفجة، وتميم، مولى بنى غنم خمسة نفر. قال ابن هشام: تميم: مولى سعد بن خيثمة. قال ابن إسحاق: ومن بنى معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف: جبر بن عتيك بن الحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية، ومالك بن نميلة، حليف لهم من مزينة، والنعمان بن عصر، حليف لهم من بلى. ثلاثة نفر.

[ 512 ]

فجميع من شهد بدرا من الاوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ضرب له بسهمه وأجره، أحد وستون رجلا. قال ابن إسحاق: وشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين، ثم من الانصار، ثم من الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ثم من بنى الحارث بن الخزرج، ثم من بنى امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج: خارجة بن زيد بن أبى زهير بن مالك بن امرئ القيس، وسعد بن ربيع بن عمرو بن أبى زهير بن مالك بن امرئ القيس، وعبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس، وخلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرئ القيس. أربعة نفر. ومن بنى زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث ابن الخزرج: بشير بن سعد بن ثعلبة بن خلاس بن زيد - قال ابن هشام: ويقال: جلاس، وهو عندنا خطأ - وأخوه سماك بن سعد. رجلان. ومن بنى عدى بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج: سبيع ابن قيس بن عيشة بن أمية بن مالك بن عامر بن عدى، وعباد بن قيس بن عيشة، أخوه. قال ابن هشام: ويقال: قيس: ابن عبسة بن أمية. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن عبس. ثلاثة نفر. ومن بنى أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج: يزيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر، وهو الذى يقال له: ابن فسحم، رجل. قال ابن هشام: فسحم أمه، وهى امرأة من [ بنى ] القين بن جسر.

[ 513 ]

قال ابن إسحاق: ومن بنى جشم بن الحارث بن الخزرج، وزيد بن الحارث ابن الخزرج، وهما التوءمان: خبيب بن إساف بن عتبة بن عمرو بن خديج بن عامر بن جشم، وعبد الله بن ثعلبة بن عبد ربه بن زيد، وأخوه حريث بن زيد بن ثعلبة، زعموا، وسفيان بن بشر. أربعة نفر. قال ابن هشام: سفيان بن نسر بن عمرو بن الحارث بن كعب بن زيد قال ابن إسحاق: ومن بنى جدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج: تميم بن يعار بن قيس بن عدى بن أمية بن جدارة، وعبد الله بن عمير من بنى حارثة. قال ابن هشام: ويقال: عبد الله بن عمير بن عدى بن أمية بن جدارة. قال ابن إسحاق: وزيد بن المزين بن قيس بن عدى بن أمية ابن جدارة. قال ابن هشام: زيد ابن المرى. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن عرفطة بن عدى بن أمية بن جدارة. أربعة نفر. ومن بنى الابجر، وهم بنو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج: عبد الله بن ربيع بن قيس بن عمرو بن عباد بن الابجر. رجل. ومن بنى عوف بن الخزرج، ثم من بنى عبيد بن مالك بن سالم بن غنى ابن عوف بن الخزرج، وهم بنو الحبلى - قال ابن هشام: الحبلى: سالم بن غنم ابن عوف، وإنما سمى الحبلى لعظم بطنه -: عبد الله بن عبد الله بن أبى ابن مالك بن الحارث بن عبيد [ المشهور بابن سلول ]، وإنما سلول امرأة، وهى أم أبى، وأوس بن خولى بن عبد الله بن الحارث بن عبيد رجلان ومن بن جزء بن عدى بن مالك بن سالم بن غنم: زيد بن وديعة بن

[ 514 ]

عمرو بن قيس بن جزء، وعقبة بن وهب بن كلدة، حليف لهم من بنى عبد الله بن غطفان، ورفاعة بن عمرو بن زيد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك ابن سالم بن غنم، وعامر بن سلمة بن عامر، حليف لهم من أهل اليمن. قال ابن هشام: ويقال: عمرو بن سلمة، وهو من بلى، من قضاعة. قال ابن إسحاق: وأبو حميضة معبد بن عباد بن قشير بن المقدم بن سالم ابن غنم. قال ابن هشام: معبد: ابن عباد بن قشغر بن المقدم، ويقال: عبادة بن قيس بن القدم قال ابن إسحاق: وعامر بن البكير، حليف لهم ستة نفر. قال ابن هشام: عامر بن العكير، ويقال: عاصم بن العكير قال ابن إسحاق: ومن بنى سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، ثم من بنى العجلان بن زيد بن غنم بن سالم: نوفل بن عبد الله بن نضلة بن مالك بن العجلان. رجل. ومن بنى أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف - قال ابن هشام: هذا غنم بن عوف، أخو سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وغنم ابن سالم، الذى قبله - على ما قال ابن إسحاق -: عبادة بن الصامت بن قيس ابن أصرم، وأخوه أوس بن الصامت. رجلان. ومن بنى دعد بن فهر بن ثعلبة بن غنم: النعمان بن مالك بن ثعلبة بن دعد، والنعمان الذى يقال له: قوقل. رجل. ومن بنى قريوش بن غنم بن أمية بن لوذان بن سالم - قال ابن هشام: ويقال قريوس بن غنم - ثابت بن هزال بن عمرو بن قريوش. رجل. ومن بنى مرضخة بن غنم بن سالم: مالك بن الدخشم بن مرضخة. رجل.

[ 515 ]

قال ابن هشام: مالك بن الدخشم: ابن مالك بن الدخشم بن مرضخة. قال ابن إسحاق: ومن بنى لوذان بن سالم: ربيع بن إياس بن عمرو بن غنم بن أمية بن لوذان، وأخوه ورقة بن إياس، وعمرو بن إياس، حليف لهم من أهل اليمن. ثلاثة نفر. قال ابن هشام: ويقال عمرو بن إياس، أخو ربيع وورقة قال ابن إسحاق: ومن حلفائهم من بلى، ثم من بنى غصينة - قال ابن هشام: غصينة أمهم، وأبوهم عمرو بن عمارة - المجذر بن ذياد بن عمرو ابن زمزمة بن عمرو بن عمارة بن مالك بن غصينة بن عمرو بن بتيرة بن مشنو ابن قسر بن تيم بن إراش بن عامر بن عميلة بن قسميل بن فران بن بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. قال ابن هشام: ويقال: قسر بن تميم بن إراشة، وقسميل بن فاران. واسم المجذر: عبد الله. قال ابن إسحاق: وعبادة بن الخشخاش بن عمرو بن زمزمة، ونجاب ابن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة. قال ابن هشام: ويقال بحاث بن ثعلبة. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم. وزعموا أن عتبة بن ربيعة بن خالد بن معاوية - حليف لهم، من بهراء - قد شهد بدرا، خمسة نفر. قال ابن هشام: عتبة بن بهز، من بنى سليم. قال ابن إسحاق: ومن بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج، ثم من بنى ثعلبة ابن الخزرج بن ساعدة: أبو دجانة، سماك بن خرشة. قال ابن هشام: أبو دجانة: [ سماك ] بن أوس بن خرشة بن لوذان ابن عبد ود بن زيد بن ثعلبة.

[ 516 ]

قال ابن إسحاق: والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان ابن عبد ود بن ثعلبة. رجلان. قال ابن هشام: ويقال: المنذر: ابن عمرو بن خنبش. قال ابن إسحاق: ومن بنى البدى بن عامر بن عوف بن حارثة بن عمرو ابن الخزرج بن ساعدة: أبو أسيد مالك بن ربيعة بن البدى، ومالك بن مسعود، وهو إلى البدى. رجلان. قال ابن هشام: مالك بن مسعود: ابن البدى، فيما ذكر لى بعض أهل العلم. قال ابن إسحاق: ومن بنى طريف بن الخزرج بن ساعدة: عبد ربه ابن حق بن أوس بن وقش بن ثعلبة بن طريف. رجل. ومن حلفائهم، من جهينة: كعب بن حمار بن ثعلبة. قال ابن هشام: ويقال: كعب: ابن جماز، وهو من غبشان. قال ابن إسحاق: وضمرة، وزياد، وبسبس، بنو عمرو. قال ابن هشام: ضمرة وزياد ابنا بشر. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن عامر، من بلى، خمسة نفر. ومن بنى جشم بن الخزرج، ثم بنى سلمة بن سعد بن على بن أسد ابن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، ثم من بنى حرام بن كعب بن غنم ابن كعب بن سلمة: خراش بن الصمة بن عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، والحباب بن المنذر بن الجموح بن زيد بن حرام، وعمير بن الحمام بن الجموح ابن زيد بن حرام، وتميم، مولى خراش بن الصمة، وعبد الله بن عمرو بن حرام ابن ثعلبة بن حرام، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ومعوذ بن عمرو بن الجموح ابن زيد بن حرام، وخلاد بن عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، وعتبة

[ 517 ]

ابن عمر بن نابى بن زبد بن حرام، وحبيب بن أسود، مولى لهم، وثابت ابن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن حرام، وثعلبة، الذى يقال له: الجذع، وعمير بن الحارث بن ثعلبة بن الحارث بن حرام. اثنا عشر رجلا. قال ابن هشام: وكل ما كان ها هنا الجموح، [ فهو الجموح ] بن زيد ابن حرام، إلا ما كان من جد الصمة [ بن عمرو ] فإنه الجموح بن حرام. قال ابن هشام: عمير بن الحارث: ابن لبدة بن ثعلبة. قال ابن إسحاق: ومن بنى عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة، ثم من بنى خنساء بن سنان بن عبيد: بشر بن البراء بن معرور بن صخر ابن مالك بن خنساء، والطفيل بن مالك بن خنساء، والطفيل بن النعمان بن خنساء، وسنان بن صيفي بن صخر بن خنساء، وعبد الله بن الجد بن قيس ابن صخر بن خنساء، وعتبة بن عبد الله بن صخر بن خنساء، وجبار بن صخر بن أمية بن خنساء، وخارجة بن حمير، وعبد الله بن حمير، حليفان لهم من أشجع، من بنى دهمان. تسعة نفر. قال ابن هشام: ويقال: جبار: ابن صخر بن أمية بن خناس. قال ابن إسحاق: ومن بنى خناس بن سنان بن عبيد: يزيد بن المنذر بن سرح بن خناس، ومعقل بن المنذر بن سرح بن خناس، وعبد الله بن النعمان ابن بلدمة. قال ابن هشام: ويقال: بلذمة، وبلدمة. قال ابن إسحاق: والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بن عبيد بن عدى، وسواد بن زريق بن ثعلبة بن عبيد بن عدى. قال ابن هشام: ويقال: سواد: ابن رزن [ بن زيد ] بن ثعلبة. قال ابن إسحاق: ومعبد بن قيس بن صخر بن حرام بن ربيعة بن

[ 518 ]

عدى بن غنم بن كعب بن سلمة. ويقال: معبد بن قيس بن صيفي بن صخر بن حرام بن ربيعة، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن قيس بن صخر بن حرام بن ربيعة بن عدى بن غنم، سبعة نفر. ومن بنى النعمان بن سنان بن عبيد: عبد الله بن عبد مناف بن النعمان، وجابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان، وخليدة بن قيس بن النعمان، والنعمان ابن يسار، مولى لهم أربعة نفر. ومن بنى سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، ثم من بنى حديدة بن عمرو ابن غنم بن سواد - قال ابن هشام: عمرو بن سواد، ليس لسواد ابن يقال له غنم -: أبو المنذر، وهو يزيد بن عامر بن حديدة، وسليم بن عمرو بن حديدة، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعنترة مولى سليم بن عمرو. أربعة نفر. قال ابن هشام: عنترة، من بنى سليم بن منصور، ثم من بنى ذكوان. قال ابن إسحاق: ومن بنى عدى بن نابى بن عمرو بن سواد بن غنم: عبس بن عامر بن عدى، وثعلبة بن عنمة بن عدى، وأبو اليسر، وهو كعب ابن عمرو بن عباد بن عمرو بن غنم بن سواد، وسهل بن قيس بن أبى كعب ابن القين بن كعب بن سواد، وعمرو بن طلق بن زيد بن أمية بن سنان بن كعب بن غنم، ومعاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدى بن كعب ابن عدى بن أدى بن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر. ستة نفر. قال ابن هشام: أوس: ابن عباد بن عدى بن كعب بن عمرو بن أدى ابن سعد. قال ابن هشام: وإنما نسب ابن إسحاق معاذ بن جبل في بنى سواد، وليس منهم، لانه فيهم.

[ 519 ]

قال ابن إسحاق: والذين كسروا آلهة بنى سلمة: معاذ بن جبل، وعبد الله ابن أنيس، وثعلبة بن عنمة، وهم في بنى سواد بن غنم. قال ابن إسحاق: ومن بنى زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، ثم من بنى مخلد بن عامر بن زريق - قال ابن هشام: ويقال: عامر: ابن الازرق -: قيس بن محصن بن خالد ابن مخلد. قال ابن هشام: ويقال: قيس: ابن حصن. قال ابن إسحاق: وأبو خالد، وهو الحارث بن قيس بن خالد بن مخلد، وجبير بن إياس بن خالد بن مخلد، وأبو عبادة، وهو سعد بن عثمان بن خلدة ابن مخلد، وأخوه عتبة بن عثمان بن خلدة بن مخلد، وذكوان بن عبد قيس ابن خلدة بن مخلد، ومسعود بن خلدة بن عامر بن مخلد. سبعة نفر. ومن بنى خالد بن عامر بن زريق: عباد بن قيس بن عامر بن خالد. رجل. ومن بنى خلدة بن زريق: أسعد بن يزيد بن الفاكه بن زيد بن خلدة، والفاكه بن بشر بن الفاكه بن زيد بن خلدة. قال ابن هشام: بسر بن الفاكه. قال ابن إسحاق: ومعاذ بن ماعص بن قيس بن خلدة، وأخوه عائذ بن ماعص بن قيس بن خلدة، ومسعود بن سعد بن قيس بن خلدة، خمسة نفر. ومن بنى العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق: رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان، وأخوه خلاد بن رافع بن مالك بن العجلان، وعبيد بن زيد بن عامر بن العجلان. ثلاثة نفر. ومن بنى بياضة بن عامر بن زريق: زياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان

[ 520 ]

ابن عامر بن عدى بن أمية بن بياضة، وفروة بن عمرو بن وذقة بن عبيد ابن عامر بن بياضة. قال ابن هشام: ويقال: ودفة. قال ابن إسحاق: وخالد بن قيس بن مالك بن العجلان بن عامر بن بياضة، ورجيلة بن ثعلبة بن خالد بن ثعلبة بن عامر بن بياضة. قال ابن هشام: ويقال: رخيلة. قال ابن إسحاق: وعطية بن نويرة بن عامر بن عطية بن عامر بن بياضة، وخليفة بن عدى بن عمرو بن مالك بن عامر بن فهيرة بن بياضة. ستة نفر. قال ابن هشام: ويقال: عليفة. قال ابن إسحاق: ومن بنى حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج: رافع بن المعلى بن لوذان بن حارثة بن عدى بن زيد بن ثعلبة بن زيد مناة بن حبيب. رجل. قال ابن إسحاق: ومن بنى النجار، وهم تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، ثم من بنى غنم بن مالك بن النجار، ثم من بنى ثعلبة بن عبد عوف ابن غنم: أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة. رجل. ومن بنى عسيرة بن عبد عوف بن غنم: ثابت بن خالد بن النعمان بن خنساء ابن عسيرة رجل. قال ابن هشام: ويقال [ عسير، و ] عشيرة. قال ابن إسحاق: ومن بنى عمرو بن عبد عوف بن غنم. عمارة بن حزم ابن زيد بن لوذان بن عمرو، وسراقة بن كعب بن عبد العزى بن غزية بن عمرو. رجلان. ومن بنى عبيد بن ثعلبة بن غنم: حارثة بن النعمان بن زيد بن عبيد، وسليم بن قيس بن قهد، واسم قهد: خالد بن قيس بن عبيد، رجلان.

[ 521 ]

قال ابن هشام: حارثة بن النعمان: ابن نفع بن زيد. قال ابن إسحاق: ومن بنى عائذ بن ثعلبة بن غنم - ويقال " عابد " فيما قال ابن هشام -: سهيل بن رافع بن أبى عمرو بن عائذ، وعدى بن أبى الرغباء، حليف لهم من جهنية. رجلان. ومن بنى زيد بن ثعلبة بن غنم: مسعود بن أوس بن زيد، وأبو خزيمة ابن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد، ورافع بن الحارث بن سواد بن زيد. ثلاثة نفر. ومن بنى سواد بن مالك بن غنم: عوف، ومعوذ، ومعاذ، بنو الحارث ابن رفاعة بن سواد، وهم بنو عفراء. قال ابن هشام: عفراء بنت عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، ويقال: رفاعة: ابن الحارث بن سواد. قال ابن إسحاق: والنعمان بن عمرو بن رفاعة بن سواد، ويقال: نعيمان، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: وعامر بن مخلد بن الحارث بن سواد، وعبد الله بن قيس ابن خالد بن خلدة بن الحارث بن سواد، وعصيمة، حليف لهم من أشجع، ووديعة بن عمرو، حليف لهم جهينة، وثابت بن عمرو بن زيد بن عدى بن سواد [ و ] زعموا أن أبا الحمراء، مولى الحارث بن عفراء، قد شهد بدرا. عشرة نفر. قال ابن هشام: أبو الحمراء، مولى الحارث بن رفاعة. قال ابن إسحاق: ومن بنى عامر بن مالك بن النجار - وعامر: مبذول - ثم من بنى عتيك بن عمرو بن مبذول: ثعلبة بن عمرو بن محصن بن عمرو بن عتيك، وسهل بن عتيك بن عمرو بن النعمان (1) بن عتيك، والحارث بن الصمة (هامش ص 521) (1) في ا " سهل بن عتيك بن النعمان بن عمرو بن عتيك ".

[ 522 ]

ابن عمرو بن عتيك، كسر به بالروحاء، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه. ثلاثة نفر. ومن بنى عمرو بن مالك بن النجار - وهم بنو حديلة - ثم من بنى قيس ابن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. قال ابن هشام: حديلة بنت مالك بن زيد الله بن حبيب بن عبد حارثة ابن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، وهى أم معاوية بن عمرو بن مالك ابن النجار، فبنو معاوية ينتسبون إليها. قال ابن إسحاق: أبى بن كعب بن قيس، وأنس بن معاذ بن أنس بن قيس. رجلان ومن بنى عدى بن عمرو بن مالك بن النجار: قال ابن هشام: وهم بنو مغالة بنت عوف بن عبد مناة بن عمرو بن مالك ابن كنانة بن خزيمة، ويقال: إنها من بنى زريق، وهى أم عدى بن عمرو ابن مالك بن النجار، فبنو عدى ينسبون إليها. أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدى، وأبو شيخ أبى بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدى. قال ابن هشام: أبو شيخ أبى بن ثابت، أخو حسان بن ثابت. قال ابن إسحاق: وأبو طلحة، وهو زيد بن سهل بن الاسود بن حرام ابن عمرو بن زيد مناة بن عدى. ثلاثة نفر. ومن بنى عدى بن النجار، ثم من [ بنى ] عدى بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار: حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدى بن مالك بن عدى بن عامر، وعمرو ابن ثعلبة بن وهب بن عدى بن مالك بن عدى بن عامر، وهو أبو حكيم، وسليط بن قيس بن عمرو بن عتيك بن مالك بن عدى بن عامر، وأبو سليط، وهو أسيرة بن عمرو، وعمور أبو خارجة بن قيس بن مالك بن عدى بن عامر،

[ 523 ]

وثابت بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدى بن عامر، وعامر بن أمية ابن زيد بن الحسحاس بن مالك بن عدى بن عامر، ومحرز بن عامر بن مالك ابن عدى بن عامر، وسواد بن غزية بن أهيب، حليف لهم من بلى. ثمانية نفر. قال ابن هشام: ويقال: سواد. قال ابن إسحاق: ومن بنى حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى ابن النجار: أبو زيد، قيس بن سكن بن قيس بن زعوراء بن حرام، وأبو الاعور بن الحارث بن ظالم بن عبس بن حرام. قال ابن هشام: ويقال: أبو الأعور: الحارث بن ظالم. قال ابن إسحاق: وسليم بن ملحان، وحرام بن ملحان - واسم ملحان: مالك بن خالد بن زيد بن حرام. أربعة نفر. ومن بنى مازن بن النجار، ثم من بنى عوف بن منذول بن عمرو بن غنم ابن مازن بن النجار: قيس بن أبى صعصعة - واسم أبى صعصعة: عمرو بن زيد ابن عوف - وعبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف، وعصيمة، حليف لهم من بنى أسد بن خزيمة. ثلاثة نفر. ومن بنى خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن: أبو داود عمير ابن عامر بن مالك بن خنساء، وسراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء. رجلان. ومن بنى ثعلبة بن مازن بن النجار: قيس بن مخلد بن ثعلبة بن صخر ابن حبيب بن الحارث بن ثعلبة. رجل. ومن بنى دينار بن النجار، ثم من بنى مسعود بن عبد الاشهل بن حارثة ابن دينار بن النجار: النعمان بن عبد عمرو بن مسعود، والضحاك بن عبد عمرو ابن مسعود، وسليم بن الحارث بن ثعلبة بن كعب بن حارثة بن دينار، وهو

[ 524 ]

أخو الضحاك والنعمان ابني عبد عمرو، لامهما، وجابر بن خالد بن عبد الاشهل ابن حارثة، وسعد بن سهيل بن عبد الاشهل. خمسة نفر. ومن بنى قيس بن مالك بن كعب بن حارثة بن دينار بن النجار: كعب ابن زيد بن قيس، وبجير بن أبى بجير، حليف لهم. رجلان. قال ابن هشام: بجير: من عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، ثم من بنى جذيمة بن رواحة. قال ابن إسحاق: فجميع من شهد بدرا من الخزرج مئة وسبعون رجلا. قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم يذكر في الخزرج ببدر، في بنى العجلان ابن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج: عتبان ابن مالك بن عمرو بن العجلان، ومليل بن وبرة بن خالد بن العجلان، وعصمة بن الحصين بن وبرة بن خالد بن العجلان. وفى بنى حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، وهم في بنى زريق: هلال بن المعلى بن لوذان بن حارثة بن عدى بن زيد ابن ثعلبة بن مالك بن زيد مناة بن حبيب. قال ابن إسحاق: فجميع من شهد بدرا من المسلمين، من المهاجرين والانصار، من شهدها منهم، ومن ضرب له بسهمه وأجره، ثلاث مئة رجل وأربعة عشر رجلا، من المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلا، ومن الاوس واحد وستون رجلا، ومن الخزرج مئة وسبعون رجلا. من استشهد من المسلمين يوم بدر واستشهد من المسلمين يوم بدر، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، من قريش، ثم من بنى المطلب بن عبد مناف: عبيدة بن الحارث بن المطلب، قتله عتبة بن ربيعة، قطع رجله، فمات بالصفراء. رجل.

[ 525 ]

ومن بنى زهرة بن كلاب: عمير بن أبى وقاص بن أهيب بن عبد مناف ابن زهرة، وهو أخو سعد بن أبى وقاص، فيما قال ابن هشام، وذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة، حليف لهم من خزاعة، ثم من بنى غبشان. رجلان. ومن بنى عدى بن كعب بن لؤى: عاقل بن البكير، حليف لهم من بنى سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، ومهجع، مولى عمر ابن الخطاب. رجلان. ومن بنى الحارث بن فهر: صفوان بن بيضاء: رجل. ستة نفر. ومن الانصار، ثم من بنى عمرو بن عوف: سعد بن خيثمة، ومبشر ابن عبد المنذر بن زنبر. رجلان. ومن بنى الحارث بن الخزرج: يزيد بن الحارث، وهو الذى يقال له: [ ابن ] فسحم. رجل. ومن بنى سلمة، ثم من بنى حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة: عمير بن الحمام. رجل. ومن بنى حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم: رافع بن المعلى. رجل. ومن بنى النجار: حارثة بن سراقة بن الحارث. رجل. ومن بنى غنم بن مالك بن النجار: عوف ومعوذ، ابنا الحارث بن رفاعة ابن سواد، وهما ابنا عفراء. رجلان - ثمانية نفر. من قتل ببدر من المشركين. وقتل من المشركين يوم بدر من قريش، ثم من عبد شمس بن عبد مناف: حنظلة بن أبى سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، قتله زيد بن حارثة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما قال ابن هشام، ويقال: اشترك فيه حمزة وعلى وزيد، فيما قال ابن هشام.

[ 526 ]

قال ابن إسحاق: والحارث بن الحضرمي، وعامر بن الحضرمي، حليفان لهم. قتل عامرا عمار بن ياسر، وقتل الحارث النعمان بن عصر، حليف للاوس، فيما قال ابن هشام. وعمير بن أبى عمير، وابنه، موليان لهم. قتل عمير بن أبى عمير سالم، مولى أبى حذيفة، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: وعبيدة بن سعيد [ بن ] العاص بن أمية بن عبد شمس، قتله الزبير بن العوام. العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، قتله على بن أبى طالب. وعقبة بن أبى معيط بن أبى عمرو بن أمية بن عبد شمس، قتله عاصم ابن ثابت بن أبى الاقلح، أخو بنى عمرو بن عوف، صبرا. قال ابن هشام: ويقال: [ قتله ] على بن أبى طالب. قال ابن إسحاق: وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس، قتله عبيدة بن الحارث ابن المطلب. قال ابن هشام: اشترك فيه هو وحمزة وعلى. قال ابن إسحاق: وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس، قتله حمزة بن عبد المطلب، والوليد بن عتبة بن ربيعة، قتله على بن أبى طالب، وعامر بن عبد الله، حليف لهم من بنى أنمار بن بغيض، قتله على بن أبى طالب. اثنا عشر رجلا. ومن بنى نوفل بن عبد مناف: الحارث بن عامر بن نوفل، قتله - فيما يذكرون - خبيب بن إساف، أخو بنى الحارث بن الخزرج، وطعيمة بن عدى ابن نوفل، قتله على بن أبى طالب، ويقال: حمزة بن عبد المطلب. رجلان. ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى: زمعة بن الاسود بن المطلب ابن أسد. قال ابن هشام: قتله ثابت بن الجذع، أخو بنى حرام، فيما قال ابن هشام: ويقال: اشترك فيه حمزة وعلى بن أبى طالب وثابت.

[ 527 ]

قال ابن إسحاق: والحارث بن زمعة، قتله عمار بن ياسر - فيما قال ابن هشام - وعقيل بن الاسود بن المطلب، قتله حمزة وعلى، اشتركا فيه - فيما قال ابن هشام - وأبو البختري، وهو العاص بن هشام بن الحارث بن أسد، قتله المجذر بن ذياد البلوى. قال ابن هشام: أبوالبخترى: العاص بن هاشم. قال ابن إسحاق: ونوفل بن خويلد بن أسد، وهو ابن العدوية، عدى خزاعة، وهو الذى قرن أبا بكر الصديق وطلحة بن عبيدالله حين أسلما في حبل، فكانا يسميان " القرينين " لذلك، وكان من شياطين قريش - قتله على بن أبى طالب. خمسة نفر. ومن بنى عبدالدار بن قصى: النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن ابن عبد مناف بن عبد الدار، قتله على بن أبى طالب صبرا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء، فيما يذكرون. قال ابن هشام: بالاثيل. قال ابن هشام: ويقال: النضر بن الحارث: ابن علقمة بن كلدة بن عبد مناف. قال ابن إسحاق: وزيد بن مليص، مولى عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار. رجلان. قال ابن هشام: قتل زيد بن مليص بلال بن رباح، مولى أبى بكر، وزيد حليف لبنى عبد الدار، من بنى مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، ويقال: قتله المقداد بن عمرو. قال ابن إسحاق: ومن بنى تيم بن مرة: عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب ابن سعد بن تيم. قال ابن هشام: قتله على بن أبى طالب، ويقال: عبد الرحمن بن عوف.

[ 528 ]

قال ابن إسحاق: وعثمان بن مالك بن عبيدالله بن عثمان بن عمرو بن كعب، قتله صهيب بن سنان، رجلان. ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة: أبو جهل بن هشام - واسمه عمرو ابن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - ضربه معاذ بن عمرو ابن الجموح، فقطع رجله، وضرب ابنه عكرمة يد معاذ فطرحها، ثم ضربه معوذ بن عفراء حتى أثبته، ثم تركه وبه رمق، تم ذفف عليه عبد الله بن مسعود، واحتز رأسه، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس في القتلى - والعاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قتله عمر ابن الخطاب، ويزيد بن عبد الله، حليف لهم من بنى تميم. قال ابن هشام: ثم أحد بنى عمرو بن تميم، وكان شجاعا، قتله عمار ابن ياسر. قال ابن إسحاق: وأبو مسافع الاشعري، حليف لهم، قتله أبو دجانة الساعدي - فيما قال ابن هشام - وحرملة بن عمرو، حليف لهم. قال ابن هشام: قتله خارجة بن [ زيد بن ] أبى زهير، أخو بلحارث بن الخزرج، ويقال: بل على بن أبى طالب - [ فيما ] قال ابن هشام - وحرملة بن الاسد. قال ابن إسحاق: ومسعود بن أبى أمية بن المغيرة، قتله على بن أبى طالب - فيما قال ابن هشام - وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة. قال ابن هشام: قتله حمزة بن عبد المطلب. [ ويقال: على بن أبى طالب ]. قال ابن إسحاق: وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، قتله على بن أبى طالب، ويقال: قتله عمار بن ياسر، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: ورفاعة بن أبى رفاعة بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قتله سعد بن الربيع، أخو بلحارث بن الخزرج، فيما قال ابن هشام،

[ 529 ]

والمنذر بن أبى رفاعة بن عائذ، قتله معن بن عدى بن الجد بن العجلان، حليف بنى عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، فيما قال ابن هشام، وعبد الله بن المنذر بن أبى رفاعة بن عائذ، قتله على بن أبى طالب، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: والسائب بن أبى السائب بن عابد بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم. قال ابن هشام: السائب بن أبى السائب شريك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى جاء فيه الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الشريك السائب، لا يشارى ولا يمارى، وكان أسلم فحسن إسلامه، فيما بلغنا. والله أعلم. وذكر ابن شهاب الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس: أن السائب بن أبى السائب بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش، وأعطاه يوم الجعرانة من غنائم حنين. قال ابن هشام: وذكر غير ابن إسحاق: أن الذى قتله الزبير بن العوام. قال ابن إسحاق: والاسود بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم، قتله حمزة بن عبد المطلب، وحاجب بن [ أبى ] السائب بن عويمر ابن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم - قال ابن هشام: ويقال: عائذ: ابن عمران بن مخزوم، ويقال: حاجز بن السائب - والذى قتل صاحب ابن السائب على بن أبى طالب. قال ابن إسحاق: وعويمر بن السائب بن عويمر، قتله النعمان بن المالك القوقلى مبارزة، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: وعمرو بن سفيان، وجابر بن سفيان، حليفان لهم من

[ 530 ]

طيئ، قتل عمرا يزيد بن رقيش، وقتل جابرا أبو بردة بن نيار، [ فيما ] قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: سبعة عشر رجلا. ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى: منبه بن الحجاج ابن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر، أخو بنى سلمة، وابنه العاص بن منبه بن الحجاج، قتله على بن أبى طالب، فيما قال ابن هشام، ونبيه بن الحجاج بن عامر، قتله حمزة بن عبد المطلب وسعد بن أبى وقاص، اشتركا فيه، فيما قال ابن هشام، وأبو العاص بن قيس بن عدى بن سعيد ابن سهم. قال ابن هشام: قتله على بن أبى طالب، ويقال: النعمان بن مالك القوقلى، ويقال: أبو دجانة. قال ابن إسحاق: وعاصم بن [ أبى ] عوف بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر، أخو بنى سلمة، فيما قال ابن هشام. خمسة نفر. ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى: أمية بن خلف ابن وهب بن حذافة بن جمح، قتله رجل من الانصار من بنى مازن. قال ابن هشام: ويقال: بل قتله معاذ بن عفراء، وخارجة بن زيد، وخبيب ابن إساف، اشتركوا في قتله. قال ابن إسحاق: وابنه على بن أمية بن خلف، قتله عمار بن ياسر، وأوس ابن معير بن لوذان بن سعد بن جمح، قتله على بن أبى طالب، فيما قال ابن هشام، ويقال: قتله الحصين بن الحارث بن المطلب وعثمان بن مظعون، اشتركا فيه، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: ثلاثة نفر.

[ 531 ]

ومن بنى عامر بن لؤى: معاوية بن عامر، حليف لهم من عبد القيس، قتله على بن أبى طالب، ويقال قتله عكاشة بن محصن، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: ومعبد بن وهب، حليف لهم من بنى كلب بن عوف ابن كعب بن عامر بن ليث، قتل معبدا خالد وإياس ابنا البكير، ويقال: أبو دجانة، فيما قال ابن هشام. رجلان. قال ابن هشام: فجميع من أحصى لنا من قتلى قريش يوم بدر: خمسون رجلا. قال ابن هشام: حدثنى أبو عبيدة بن أبى عمرو: أن قتلى بدر من المشركين كانوا سبعين رجلا، والاسرى كذلك، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن المسيب وفى كتاب الله تبار وتعالى: { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها - 165 من سورة آل عمران } يقوله لاصحاب أحد - وكان من استشهد منهم سعبين رجلا - يقول: قد أصبتم يوم بدر مثلى من استشهد منكم يوم أحد، سبعين قتيلا وسبعين أسيرا. وأنشدني أبو زيد الانصاري لكعب بن مالك: فأقام بالعطن المعطن منهم * سبعون، عتبة منهم والاسود قال ابن هشام: يعنى قتلى بدر. وهذا البيت في قصيدة له في حديث يوم أحد، سأذكرها إن شاء الله تعالى في موضعها. قال ابن هشام: وممن لم يذكر ابن إسحاق من هؤلاء السبعين القتلى: من عبد شمس بن عبد مناف: وهب بن الحارث، من بنى أنمار بن بغيض، حليف لهم، وعامر بن زيد، حليف لهم من اليمن. رجلان. ومن بنى أسد بن عبد العزى: عتبة بن زيد، حليف لهم من اليمن، وعمير مولى لهم رجلان. ومن بنى عبدالدار بن قصى: نبيه بن زيد بن مليص، وعبيد بن سليط، حليف لهم من قيس. رجلان.

[ 532 ]

ومن بنى تيم بن مرة: مالك بن عبيدالله بن عثمان [ وهو أخو طلحة بن عبيد الله بن عثمان ] أسر فمات في الاسارى، فعد في القتلى، ويقال: وعمرو ابن عبد الله بن جدعان. رجلان. ومن بنى مخزوم بن يقظة: حديفة بن أبى حذيفة بن المغيرة، قتله سعد ابن أبى وقاص، وهشام بن أبى حذيفة بن المغيرة، قتله صهيب بن سنان، وزهير بن أبى رفاعة، قتله أبو أسيد مالك بن ربيعة، والسائب بن أبى رفاعة قتله عبد الرحمن بن عوف، وعائذ بن السائب بن عويمر، أسر ثم افتدى فمات في الطريق من جراحة جرحه إياها حمزة بن عبد المطلب، وعمير، حليف لهم من طيئ، وخيار، حليف لهم من القارة. سبعة نفر. ومن بنى جمح بن عمرو: سبرة بن مالك، حليف لهم. رجل. ومن بنى سهم بن عمرو: الحارث بن منبه بن الحجاج، قتله صهيب بن سنان، وعامر بن [ أبى ] عوف بن ضبيرة، أخو عاصم بن ضبيرة، قتله عبد الله بن سلمة العجلاني، ويقال: أبو دجانة. رجلان. ذكر أسرى قريش يوم بدر قال ابن إسحاق: وأسر من المشركين من قريش يوم بدر، من بنى هاشم ابن عبد مناف: عقيل بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ونوفل بن الحارث ابن عبد المطلب بن هاشم. ومن بنى المطلب بن عبد مناف: السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم ابن المطلب. ونعمان بن عمرو بن علقمة بن المطلب. رجلان. ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف: عمرو بن أبى سفيان بن حرب بن أمية ابن عبد شمس، والحارث بن أبى وجزة بن أبى عمرو بن أمية بن عبد شمس. ويقال: ابن أبى وحرة، فيما قال ابن هشام.

[ 533 ]

قال ابن إسحاق: وأبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن [ عبد ] شمس، وأبو العاص بن نوفل بن عبد شمس. ومن حلفائهم: أبو ريشة بن أبى عمرو، وعمرو بن الازرق، وعقبة بن عبد الحارث بن الحضرمي. سبعة نفر. ومن بنى نوفل بن عبد مناف: عدى بن الخيار بن عدى بن نوفل، وعثمان بن عبد شمس بن أخى غزوان بن جابر، حليف لهم من بنى مازن بن منصور، وأبو ثور، حليف لهم. ثلاثة نفر. ومن بنى عبدالدار بن قصى: أبو عزيز بن عمير بن هشام بن عبد مناف ابن عبدالدار، والاسود بن عامر، حليف لهم. ويقولون: نحن بنو الاسود بن عامر بن عمرو بن الحارث بن السباق. رجلان. ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى: السائب بن أبى حبيش بن المطلب ابن أسد، والحويرث بن عباد بن عثمان بن أسد. قال ابن هشام: هو الحارث بن عائذ بن عثمن بن أسد. قال ابن إسحاق: وسالم بن شماخ، حليف لهم. ثلاثة نفر. ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة: خالد بن هشام بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، وأمية بن أبى حذيفة بن المغيرة، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وصيفى بن أبى رفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأبو المنذر بن أبى رفاعة بن عابد ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأبو عطاء عبد الله بن عابد بن السائب بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والمطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر ابن مخزوم، وخالد بن الاعلم، حليف لهم، وهو كان - فيما يذكرون - أول من ولى فارا منهزما، وهو الذى يقول:

[ 534 ]

ولسنا على الادبار تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا يقطر الدم تسعة نفر. قال ابن هشام: ويروى: " لسنا على الاعقاب ". وخالد بن الاعلم، من خزاعة، ويقال: عقيلي. قال ابن إسحاق: ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب: أبو وداعة ابن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، كان أول أسير افتدى من أسرى بدر افتداه ابنه المطلب بن أبى وداعة، وفروة بن قيس بن عدى بن حذافة بن سعد بن سهم، وحنظلة بن قبيصة بن حذافة بن سعد بن سهم، والحجاج بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم. أربعة نفر. ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: عبد الله بن أبى بن خلف ابن وهب بن حذافة بن جمح، وأبو عزة عمرو بن عبد [ الله بن عثمان بن وهيب بن حذافة بن جمح، والفاكه، مولى أمية بن خلف، ادعاه بعد ذلك رباح بن المغترف، وهو يزعم أنه من بنى شماخ بن محارب بن فهر - ويقال: إن الفاكه: ابن جرول بن جذيم بن عوف بن غضب بن شماخ بن محارب بن فهر - ووهب بن عمير بن وهب بن خلف بن حذافة بن جمح، وربيعة ابن دراج بن العنبس بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح. خمسة نفر. ومن بنى عامر بن لؤى: سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر، أسره مالك بن الدخشم، أخو بنى سالم بن عوف، وعبد بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر، و عبد الرحمن بن مشنوء بن وقدان بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر. ثلاثة نفر.

[ 535 ]

ومن بنى الحارث بن فهر: الطفيل بن أبى قنيع: وعتبة بن عمرو بن جحدم. رجلان. قال ابن إسحاق: فجميع من حفظ لنا من الاسارى ثلاثة وأربعون رجلا. قال ابن هشام: وقع من جملة العدد رجل لم نذكر اسمه. وممن لم يذكر ابن إسحاق من الاسارى: من بنى هاشم بن عبد مناف: عتبة، حليف لهم من بنى فهر. رجل. ومن بنى المطلب بن عبد مناف: عقيل بن عمرو، حليف لهم، وأخوه تميم ابن عمرو، وابنه. ثلاثة نفر. ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف: خالد بن أسيد بن أبى العيص، وأبو العريض يسار، مولى العاص بن أمية. رجلان. ومن بنى نوفل بن عبد مناف: نبهان، مولى لهم. رجل. ومن بنى أسد بن عبد العزى: عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث. رجل. ومن بنى عبد الدار بن قصى: عقيل، حليف لهم من اليمن. رجل. ومن بنى تيم بن مرة: مسافع بن عياض بن صخر بن عامر بن كعب ابن سعد بن تيم، وجابر بن الزبير، حليف لهم. رجلان. ومن بنى مخزوم بن يقظة: قيس بن السائب. رجل. ومن بنى جمح بن عمرو: عمر بن أبى بن خلف، وأبورهم بن عبد الله، حليف لهم، وحليف لهم ذهب عنى اسمه، وموليان لامية بن خلف، أحدهما نسطاس، وأبو رافع، غلام أمية بن خلف. ستة نفر. ومن بنى سهم بن عمرو: أسلم، مولى نبيه بن الحجاج. رجل ومن بنى عامر بن لؤى: حبيب بن جابر، والسائب بن مالك. رجلان.

[ 536 ]

ومن بنى الحارث بن فهر: شافع وشفيع، حليفان لهم من [ أرض ] اليمن. رجلان. ما قيل من الشعر في يوم بدر قال ابن إسحاق: وكان مما قيل من الشعر في يوم بدر، وتراد به القوم [ بينهم ] لما كان فيه، قول حمزة بن عبد المطلب يرحمه الله: - قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها ونقيضتها -: ألم تر أمرا كان من عجب الدهر * وللحين أسباب مبينة الامر وما ذاك إلا أن قوما أفادهم * فحانوا تواص بالعقوق وبالكفر عشية راحوا نحو بدر بجمعهم * فكانوا رهونا للركية من بدر وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها * فساروا إلينا فالتقينا على قدر فلما التقينا لم تكن مثنوية * لنا غير طعن بالمثقفة السمر وضرب ببيض يختلى الهام حدها * مشهرة الالوان بينة الاثر ونحن تركنا عتبة الغى ثاويا * وشيبة في القتلى تجرجم في الجفر وعمرو ثوى فيمن ثوى من حماتهم * فشقت جيوب النائحات على عمرو جيوب نساء من لؤى بن غالب * كرام تفر عن الذوائب من فهر أولئك قوم قتلوا في ظلالهم * وخلوا لواء غير محتضر النصر لواء ضلال قاد إبليس أهله * فخاس بهم، إن الخبيث إلى غدر وقال لهم، إذا عاين الامر واضحا: * برئت إليكم مابى اليوم من صبر فإنى أرى ما لا ترون، وإنني * أخاف عقاب الله، والله، والله ذو قسر فقدمهم للحين حتى تورطوا * وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر فكانوا غداة البئر ألفا وجمعنا * ثلاث مئين كالمسدمة الزهر وفينا جنود الله حين يمدنا * بهم في مقام ثم مستوضح الذكر

[ 537 ]

فشد بهم جبريل تحت لوئنا * لدى مأزق فيه مناياهم تجرى فأجابه الحارث بن هشام بن المغيرة، فقال: ألا يا لقومي للصبابة والهجر * وللحزن منى والحرارة في الصدر وللدمع من عينى جودا كأنه * فريد هوى من سلك ناظمه يجرى على البطل الحلو الشمائل إذا ثوى * رهين مقام للركية من بدر فلا تبعدن يا عمرو من ذى قرابة * ومن ذى ندام كان ذا خلق غمر فإن يك قوم صادفوا الزمان منك دولة * فلابد للايام من دول الدهر فقد كنت في صرف الزمان الذى مضى تريهم هوانا منك ذا سبل وعر فإلا أمت يا عمرو أتركك ثائرا * ولا أبق بقيا في إخاء ولا صهر وأقطع ظهرا من رجال بمعشر * كرام عليهم مثل ما قطعوا ظهرى أغرهم ما جمعوا من وشيظة * ونحن الصميم في القبائل من فهر فيال لؤى ذببوا عن حريمكم * وآلهة لا تتركوها الذى الفخر توارثها آباؤكم وورثتم * أواسيها والبيت ذا السقف والستر فما لحليم قد أراد هلاككم * فلا تعذروه آل غالب من عذر وجدوا لمن عاديتم وتوازروا * وكونوا جميعا في التأسي وفى الصبر لعلكم أن تتأروا بأخيكم * ولا شى ء إن لم تثأروا بذوى عمرو بمطردات في الاكف كأنها * وميض تطير الهام بينة الاثر كأن مدب الذر قوف متونها * وإذا جردت يوما لاعدائها الخزر قال ابن هشام: أبدلنا من هذه القصيدة كلمتين مما روى ابن إسحاق: وهما " الفخر " في آخر البيت، و " فما لحليم "، في أول البيت، لانه نال فيهما من النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وقال على بن أبى طالب في يوم بدر:

[ 538 ]

قال ابن هشام: ولم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها ولا نقيضتها، وإنما كتبناهما لانه يقال: إن عمرو بن عبد الله بن جدعان قتل يوم بدر، ولم يذكره ابن إسحاق في القتلى، وذكره في هذا الشعر: ألم تر أن الله أبى رسوله * بلاء عزيز ذى اقتدار وذى فضل بما أنزل الكفار دار مذلة * فلاقوا هوانا من إسار ومن قتل فأمسى رسول الله قد عز نصره * وكان رسول الله أرسل بالعدل فجاء بفرقان من الله منزل * مبينة آياته لذوى العقل فآمن أقوام بذاك وأيقنوا * فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم * فزادهم ذو العرش خبلا على خبل وأمكن منهم يوم بدر رسوله * وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل بأيديهم بيض خفاف عصوا بها * وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل فكم تركوا من ناشئ ذى حمية * صريعا ومن ذى نجدة منهم كهل تبيت عيون النائحات عليهم * تجود بإسبال الرشاش وبالوبل نوائح تنعى عتبة الغى وابنه * وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم مسلبة حرى مبينة الثكل ثوى منهم في بئر بدر عصابة * ذوى نجدات في الحروب وفى المحل دعا الغى منهم من دعا فأجابه * وللغى أسباب مرمقه الوصل فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل * عن الشغب والعدوان في أشغل الشغل فأجابه الحارث [ بن هشام ] بن المغيرة، فقال: عجبت لاقوام تغنى سفيههم * بأمر سفاه ذى اعتراض وذى بطل تغنى بقتلى يوم بدر تتابعوا كرام المساعى من غلام ومن كهل مصاليت بيض من لؤى بن غالب * مطاعين في الهيجا مطاعيم في المحل

[ 539 ]

أصيبوا كراما لم يبيعوا عشيرة * بقوم سواهم نازحى الدار والاصل كما أصبحت غسان فيكم بطانة * لكم بدلا منا فيالك من فعل عقوقا وإثما بينا وقطيعة * يرى جوركم فيها ذوو الرأى والعقل فإن يك قوم قد مضوا لسبيلهم * وخير المنايا ما يكون من القتل فلا تفرحوا أن تقتلوهم فقتلهم * لكم كائن خبلا مقيما على خبل فإنكم لن تبرحوا بعد قتلهم * شتيتا هواكم، غير مجتمعي الشمل بفقد ابن جدعان الحميد فعاله * وعتبة والمدعو فيكم أبا جهل وشيبة فيهم والوليد وفيهم * أمية مأوى المعترين، وذو الرجل أولئك فابك ثم لا تبك غيرهم * نوائح تدعو بالرزية والثكل وقولوا لاهل المكتين: تحاشدوا * وسيروا إلى آطام يثرب ذى النخل جميعا، وحاموا آل كعب وذببوا * بخالصة الالوان محدثة الصقل وإلا فبيتوا خائفين وأصبحوا * أذل لوطئ الواطئين من النعل على أننى واللات يا قوم فاعلموا * بكم واثق أن لا تقيموا على تبل سوى جمعكم للسابغات وللقنا * وللبيض والبيض القواطع والنبل وقال ضرار بن الخطاب بن مرادس، أخو بنى محارب بن فهر، في يوم بدر: عجبت لفخر الاوس، والحين دائر * عليهم غدا، والدهر فيه بصائر وفخر بنى النجار أن كان معشر * أصيبوا ببدر كلهم ثم صابر فإن تك قتلى غودرت من رجالنا * فإنا رجال بعدهم سنغادر وتردى بنا الجرد العناجيج وسطكم * بنى الاوس حتى يشفى النفس ثائر ووسط بنى النجار سوف نكرها * لها بالقنا والدارعين زوافر فنترك صرعى تعصب الطير حولهم * وليس لهم، إلا الامانى، ناصر ؟ وتبكيهم من أهل يثرب نسوة * لهن بها ليل عن النوم ساهر

[ 540 ]

وذلك أنا لا تزال سيوفنا * بهن دم ممن يحاربن مائر فإن تظفروا في يوم بدر فإنما * بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر وبالنفر الاخيار هم أولياؤه * يحامون في الاواء والموت حاضر يعد أبو بكر وحمزة فيهم * ويدعى على وسط من أنت ذاكر ويدعى أبو حفص وعثمان منهم * وسعد إذا ماكان في الحرب حاضر أولئك لا من نتجت في ديارها * بنو الاوس والنجار حين تفاخر ولكن أبوهم من لؤى بن غالب * إذا عدت الانساب كعب وعامر هم الطاعنون الخيل في كل معرك * غداة الهياج الاطيبون الاكاثر فأجابه كعب بن مالك، أخو بنى سلمة، فقال: عجبت لامر الله، والله قادر * على ما أراد، ليس الله قاهر قضى يوم بدر أن نلاقى معشرا * بغوا وسبيل البغى بالناس جائر وقد حشدوا واستنفروا من يليهم * من الناس حتى جمعهم متكاثر وسارت إلينا لا تحاول غيرنا * بأجمعها كعب جميعا وعامر وفينا رسول الله والاوس حوله * له معقل منهم عزيز وناصر وجمع بنى النجار تحت لوائه * يميسون في الماذى والنقع ثائر فلما لقيناهم وكل مجاهد * لاصحابه مستبسل النفس صابر شهدنا بأن الله لا رب غيره * وأن رسول الله بالحق ظاهر وقد عريت بيض خفاف كأنها * مقابيس يزهيها لعينيك شاهر بهن أبدنا جمعهم فتبددوا * وكان يلاقى الحين من هو فاجر فكب أبو جهل صريعا لوجهه * وعتبة قد غادرنه وهو عاثر وشيبة والتيمي غادرن في الوغى * وما منهم إلا بذى العرش كافر فأمسوا وقود النار في مستقرها * وكل كفور في جهنم صائر

[ 541 ]

تلظى عليهم وهى قد شب حميها * بزبر الحديد والحجارة ساجر وكان رسول الله قد قال أقبلوا * فولوا وقالوا: إنما أنت ساحر لامر أراد الله أن يهلكوا به * وليس لامر حمه الله زاجر وقال عبد الله بن الزبعرى السهمى يبكى قتلى بدر: قال ابن هشام: وتروى للاعشى بن زرارة بن النباش، أحد بنى أسيد ابن عمرو بن تميم، حليف بنى نوفل بن عبد مناف. قال ابن إسحاق: حليف بنى عبدالدار: ماذا على بدر وماذا حوله * من فتية بيض الوجوه كرام تركوا نبيها خلفهم ومنبها * وابنى ربيعة خير خصم فئام والحارث الفياض يبرق وجهه * كالبدر جلى ليلة الاظلام والعاصي بن منبه ذا مرة * رمحا تميما غير ذى أو صام تنمى به أعراقه وجدوده * ومآثر الاخوال والاعمام وإذا بكى باك فأعول شجوه * فعلى الرئيس الماجد ابن هشام حيا الاله أبا الوليد ورهطه * رب الانام، وخصهم بسلام فأجابه حسان بن ثابت الانصاري، فقال: ابك بكت عيناك ثم تباردت * بدم تعل غروبها سجام ماذا بكيت به الذين تتابعوا * هلا ذكرت مكارم الاقوام وذكرت منا ماجدا ذا همة * سمح الخلائق صادق الاقدام أعنى النبي أخا المكارم والندى * وأبر من يولى على الاقسام فلمثله ولمثل ما يدعو له * كان الممدح ثم غير كهام وقال حسان بن ثابت الانصاري أيضا: تبلت فؤادك في المنام خريدة * تسقى الضجيع ببارد بسام

[ 542 ]

كالمسك تخلطه بماء سحابة * أو عانق كدم الذبيح مدام نفج الحقيبة بوصها متنضد * بلهاء غير وشيكة الاقسام بنيت على قطن أجم كأنه * فضلا إذا قعدت مداك رخام وتكاد تكسل أن تجئ فراشها * في جسم خرعبة وحسن قوام أما النهار فلا أفتر ذكرها والليل توزعني بها أحلامي أقسمت أنساها وأترك ذكرها * حتى تغيب في الضريح عظامي يا من لعاذلة تلوم سفاهة * ولقد عصيت على الهوى لوامى بكرت على بسحرة بعد الكرى * وتقارب من حادث الايام زعمت بأن المرء يكرب عمره * عدم لمعتكر من الاصرام إن كنت كاذبة الذى حدثتني * فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الاحبة أن يقاتل دونهم * ونجا برأس طمرة ولجام تذر العناجيج الجياد بقفرة * مر الدموك بمحصد ورجام ملات به الفرجين فارمدت به * وثوى أحبته بشر مقام وبنو أبيه ورهطه في معرك * نصر الاله به ذوى الاسلام طحنتهم، والله ينفذ أمره، * حرب يشب سعيرها بضرام لولا الاله وجريها لتركنه * جزر السباع ودسنه بحوامى من بين مأسور يشد وثاقة * صقر إذا لاقى الاسنة حامى ومجدل لا يستجيب لدعوة * حتى تزول شوامخ الاعلام بالعار والذل المبين إذ رأى * بيض السيوف تسوق كل همام بيدى أغر إذا انتمى لم يخزه * نسب القصار سميدع مقدام بيض إذا لاقت حديدا صممت * كالبرق تحت ضلال كل غمام فأجابه الحارث بن هشام، فيما ذكر ابن هشام، فقال:

[ 543 ]

الله أعلم ما تركت قتالهم * حتى حبوا مهرى بأشقر مزبد وعرفت أنى إن أقاتل واحدا * أقتل ولا ينكى عدوى مشهدى فصددت عنهم والاحبة فيهم * طمعا لهم بعقاب يوم مفسد قال ابن إسحاق: قالها الحارث يعتذر من فراره يوم بدر. قال ابن هشام: تركنا من قصيدة حسان ثلاث أبيات من آخرها، لانه أقذع فيها. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا: لقد علمت قريش يوم بدر * غداة الاسر والقتل الشديد بأنا - حين تشتجر العوالي - * حماة الحرب يوم أبى الوليد قتلنا ابني ربيعة يوم سارا * إلينا في مضاعفة الحديد وفر بها حكيم يوم جالت * بنو النجار تخطر كالاسود وولت عند ذاك جموع فهر * وأسلمها الحويرث من بعيد لقد لاقيتم ذلا وقتلا * جهيزا نافذا تحت الوريد وكل القوم قد ولوا جميعا * ولو يلووا على الحسب التليد وقال حسان بن ثابت أيضا: يا حار قد عولت غير معول * عند الهياج وساعة الاحساب إذا تمتطي سرح اليدين نجيبه * مرطى الجراء طويلة الاقراب والقوم خلفك قد تركت قتالهم * ترجو النجاء، وليس حين ذهاب ألا عطفت على ابن أمك إذا ثوى * قعص الاسنة ضائع الاسلاب عجل المليك له فأهلك جمعه * بشنار مخزية وسوء عذاب قال ابن هشام: تركنا منها بيتا واحدا أقذع فيه. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا:

[ 544 ]

- قال ابن هشام: ويقال: بل قالها عبد الله بن الحارث السهمى: مستشعرى حلق الماذى يقدمهم * جلد النحيزة ماض غير رعديد أعنى رسول إله الخلق فضله * على البرية بالتقوى وبالجود وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم * وماء بدر زعمتم غير مورود ثم وردنا ولم نسمع لقولكم * حتى شربنا رواء غير تصريد مستعصمين بحبل غير منجذم * مستحكم من حبال الله ممدود فينا الرسول وفينا الحق نتبعه * حتى الممات ونصر غير محدود واف وماض شهاب يستضاء به * بدر أنار على كل الاماجيد قال ابن هشام: بيته: " مستعصمين بحبل غير منجذم " عن أبى زيد الانصاري. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا: خابت بنو أسد وآب غزيهم * يوم القليب بسوءة وفضوح منهم أبو العاصي تجدل مقعصا * عن ظهر صادقة النجاء سبوح حينا له من مانع بسلاحه * لما ثوى بمقامه المذبوح والمرء زمعة قد تركن ونحره * يدمى بعاند معبط مسفوح متوسدا حر الجبين معفرا * قد عر مارن أنفه بقبوح ونجا ابن قيس في بقية رهطه * بشفا الرماق موليا بجروح وقال حسان بن ثابت أيضا: ألا ليت شعرى هل أتى أهل مكة * إبارتنا الكفار في ساعة العسر قتلنا سراة القوم عند مجالنا * فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر قتلنا أبا جهل وعتبة قبله * وشيبة يكبو لليدين وللنحر قتلنا سويدا ثم عتبة بعده * وطعمة أيضا عند ثائرة القتر فكم قد قتلنا من كريم مرزإ * له حسب في قومه نابه الذكر

[ 545 ]

تركناهم للعاويات ينبنهم * ويصلون نارا بعد حامية القعر لعمرك ما حامت فوارس مالك * وأشياعهم يوم التقينا على بدر قال ابن هشام: أنشدني أبو زيد الانصاري بيته: قتلنا أبا جهل وعتبة قبله * وشيبة يكبو لليدين وللنحر قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا: نجى حكيما يوم بدر شده * كنجاء مهر من بنات الاعوج لما رأى بدرا تسيل جلاهه * بكتيبة خضراء من بلخزرج لا ينلكون إذا لقوا أعداءهم * يمشون عاندة الطريق المنهج كم فيهم من ماجد ذى منعة * بطل بمهلكة الجبان المحرج ومسود يعطى الجزيل بكفه * حمال أثقال الديات متوج زين الندى معاود يوم الوغى * ضرب الكماة بكل أبيض سلجج قال ابن هشام: قوله " سلجج " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال حسان أيضا: فما نخشى بحول الله قوما * وإن كثروا وأجمعت الزحوف إذا ما ألبوا جمعا علينا * كفانا حدها رب رءوف سمونا يوم بدر بالعوالى * سراعا ما تضعضعنا الحتوف فلم تر عصبة في الناس أنكى * لمن عادوا إذا لقحت كشوف ولكنا توكلنا، وقلنا: مآثرنا ومعقلنا السيوف لقيناهم بها لما سمونا * ونحن عصابة وهو ألوف وقال حسان بن ثابت أيضا، يهجو بنى جمح ومن أصيب منهم: جمحت بنو جمح لشقوة جدهم * إن الذليل موكل بذليل قتلت بنو جمح ببدر عنوة * وتخاذلوا سعيا بكل سبيل

[ 546 ]

جحدوا الكتاب وكذبوا بمحمد * والله يظهر دين كل رسول لعن الاله أبا خزيمة وابنه * والخالدين، وصاعد بن عقيل قال ابن إسحاق: وقال عبيدة بن الحارث بن المطلب في يوم بدر، وفى قطع رجله حين أصيب، في مبارزته هو وحمزة وعلى حين بارزوا عدوهم - قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لعبيدة: ستبلغ عنا أهل مكة وقعة * يهب لها من كان عن ذاك نائيا بعتبة إذ ولى وشيبة بعده * وما كان فيها بكر عتبة راضيا فإن تقطعوا رجلى فإنى مسلم * أرجى بها عيشا من الله دانيا مع الحور أمثال الثماثيل أخلصت * مع الجنة العليا لمن كان عاليا وبعت بها عيشا تعرقت صفوه * وعالجته حتى فقدت الا دانيا فأكرمني الرحمن من فضل منه * بئوب من الاسلام غطى المساويا وما كان مكروها إلى قتالهم * غداة دعا الاكفاء من كان داعيا ولم يبغ إذ سالوا النبي سواءنا * ثلاثتنا حتى حضرنا المناديا لقيناهم كالاسد تخطر بالقنا * نقاتل في الرحمن من كان عاصيا فما برحت أقدامنا من مقامنا * ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا قال ابن هشام: لما أصيب رجل عبيدة قال: أما والله لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لعلم أنى أحق منه بما قال حين يقول: كذبتم وبيت الله نبزى محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل وهذان البيتان في قصيدة لابي طالب، وقد ذكرناها فيما مضى من هذا الكتاب قال ابن إسحاق: فلما هلك عبيدة بن الحارث من مصاب رجله يوم بدر قال كعب بن مالك الانصاري يبكيه:

[ 547 ]

أيا عين جودى ولا تبخلي * بدمعك حقا ولا تنزرى على سيد هدنا هلكه * كريم المشاهد والعنصر جرئ المقدم شاكى السلاح * كريم النثا طيب المكسر عبيدة أمسى ولا نرتجيه * لعرف عرانا ولا منكر وقد كان يحمى غداة القتا * ل حامية الجيش بالمبتر وقال كعب بن مالك أيضا، في يوم بدر: ألا هلى أتى غسان في نأى دارها * وأخبر شئ بالامور عليمها بأن قد رمتنا عن قسى عداوة * معد معا جهالها وحليمها لانا عبدنا الله لم نرج غيره * رجاء الجنان إذ أتانا زعيمها نبى له في قومه إرث عزة * وأعراق صدق هذبتها أرومها فساروا وسرنا فالتقينا كأننا * أسود لقاء لا يرجى كليمها ضربناهم حتى هوى في مكرنا * لمنخر سوء من لؤى عظيمها فولوا ودسناهم ببيض صوارم * سواء علينا حلفها وصميمها وقال كعب بن مالك أيضا: لعمر أبيكما يا بنى لؤى * على زهو لديكم وانتخاء لما حامت فوارسكم ببدر * ولا صبروا به عند اللقاء وردناه بنور الله يجلو * دجى الظلماء عنا والغطاء رسول الله يقدمنا بأمر * من امر الله أحكم بالقضاء فما ظفرت فوارسكم ببدر * وما رجعوا إليكم بالسواء فلا تعجل أبا سفيان وارقب * جياد الخيل تطلع من كداء بنصر الله روح القدس فيها * وميكال، فيا طيب الملاء وقال طالب بن أبى طالب، يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبكى أصحاب القليب من قريش يوم بدر:

[ 548 ]

ألا إن عينى أنفذت دمعها سكبا * تبكى على كعب وما إن ترى كعبا ألا إن كعبا في الحروب تخاذلوا * وأرداهم ذا الدهر واجترحوا ذنبا وعامر تبكى للملمات غدوة * فياليت شعرى هل أرى لهما قربا هما أخواى لن يعدا لغية * تعد، ولن يستام جارهما غصبا فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا * فدى لكما لا تبعثوا بيننا حربا ولا تصبحوا من بعد ود وألفة * أحاديث فيها كلكم يشتكى النكبا ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * وجيش أبى يكسوم إذا ملئوا الشعبا فلولا دفاع الله لا شئ غيره * لاصبحتم لا تمنعون لكم سربا فما إن جنينا في قريش عظيمة * سوى أن حمينا خير من وطئ التربا أخا ثقة في النائبات مرزا * كريما نثاه لا بخيلا ولا ذربا يطيف به العافون يغشون بابه * يؤمون بحرا لا نزورا ولا صربا فوالله لا تنفك نفسي حزينة * تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا وقال ضرار بن الخطاب الفهرى، يرثى أبا جهل [ بن هشام ] ألا من لعين باتت الليل لم تنم * تراقب نجما في سواد من الظلم كأن قذى فيها وليس بها قذى * سوى عبرة من جائل الدمع تنسجم فبلغ قريشا أن خير نديها * وأكرم من يمشى بساق على قدم ثوى يوم بدر رهن خوصاء رهنها * كريم الساعي غير وغد ولا برم فآليت لا تنهل عينى بعبرة * على هالك بعد الرئيس أبى الحكم على هالل أشجى لؤى بن غالب * أتته المنايا يوم بدر فلم يرم ترى كسر الخطى في نحره مهره * لدى بائن من لحمه بينها خذم وما كان ليث ساكن بطن بيشة * لدى غلل يجرى ببطحاء في أجم بأجرأ منه حين تختلف القنا * وتدعى تزال في القمامة البهم

[ 549 ]

فلا تجزعوا آل المغيرة، واصبروا * عليه، ومن يجزع عليه فلم يلم وجدوا فإن الموت مكرمة لكم * وما بعده في آخر العيش من ندم وقد قلت إن الريح طيبة لكم * وعز المقام غير شك لذى فهم قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لضرار. قال ابن إسحاق: وقال الحارث بن هشام، يبكى أخاه أبا جهل: ألا يا لهف نفسي بعد عمرو * وهل يغنى التهلف من قتيل يخبرني المخبر أن عمرا * أمام القوم في جفر محيل فقدما كنت أحسب ذاك حقا * وأنت لما تقدم غير فيل وكنت بنعمة ما دمت حيا * فقد خلفت في درج المسيل كأنى حين أمسى لا أراه * ضعيف العقد ذو هم طويل على عمرو إذا أمسيت يوما * وطرف من تذكره كليل قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها للحارث بن هشام، وقوله: " في جفر " عن غير إبن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال أبو بكر بن الاسود بن شعوب الليثى، وهو شداد ابن الاسود: تحيا بالسلامة أم بكر * وهل لى بعد قومي من سلام ؟ فماذا بالقليب قليب بدر * من القينات والشرب الكرام وماذا بالقليب قليب بدر * من الشيزى تكلل بالسنام وكم لك بالطوى طوى بدر * من الحومات والنعم المسام وكم لك بالطوى طوى بدر * من الغايات والدسع العظام وأصحاب الكريم أبى على * أخى الكأس الكريمة والندام وإنك لو رأيت أبا عقيل * وأصحاب الثنية من نعام

[ 550 ]

إذا لظللت من وجد عليهم * كأم السقب جائلة المرام يخبرنا الرسول لسوف نحيا * وكيف لقاء أصداء وهام ؟ قال ابن هشام: أنشدني أبو عبيدة النحوي: يخبرنا الرسول بأن سنحيا * وكيف حياة أصداء وهام قال: وكان قد أسلم ثم أرتد. وقال ابن إسحاق: وقال أمية بن أبى الصلت، يرثى من أصيب من قريش يوم بدر: ألا بكيت على الكرا * م بنى الكرام أولى الممادح كبكا الحمام على فرو * ع الايك في الغصن الجوانح يبكين حرى مستكينات يرحن مع الروائح أمثالهن الباكيا * ت المعولات من النوائح من يبكهم يبك على * حزن، ويصدق كل مادح ماذا ببدر فالعقنقل من مرازبة جحاجح فمدافع البرقين فالحنان من طرف الاواشح شمط وشبان بها * ليل مغاوير وحاوح ألا ترون لما أرى * ولقد أبان لكل لامح أن قد تغير بطن مكة * فهى موحشة الاباطح من كل بطريق لبطريق نقى اللون واضح دعموص أبواب الملو * ك وجائب للخرق فاتح من السراطمة الخلا * جمة الملاوثة المناجح القائلين الفاعلين * الآمرين بكل صالح المطعمين الشحم فو * ق الخبز شحما كالافافح

[ 551 ]

نقل الجفان مع الجفا * ن إلى جفان كالمناضح ليست بأصفار لمن * يعفو ولا رح رحارح للضيف ثم الضيف بعد [ الضيف ] والبسط السلاطح وهب المئين من المئين * إلى المئين من اللواقح سوق المؤبل للمؤبل * صادرات عن بالادح لكرامهم فوق الكرا * مزية وزن الرواجح كتثاقل الارطال بالقسطاس في الايدى الموائح خذلتهم فئة وهم * يحمون عورات الفضائح الضاربين التقدمية * بالمهندة الصفائح ولقد عناني صوتهم * من بين مستسق وصائح لله در بنى على * أيم منهم وناكح إن لم يغيروا غارة * شعواء تجحر كل نابح بالمقربات، المبعدا * ت، الطامحات مع الطوامح مردا على جرد إلى * أسد مكالبة كوالح ويلاق قرن قرنه * مشى المصافح للمصافح بزهاء ألف ثم ألف * بين ذى بدن ورامح قال ابن هشام: تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنشدني غير واحد من أهل العلم بالشعر بيته: ويلاق قرن قرنه * مشى المصافح للمصافح [ وأنشدني أيضا ]: وهب المئين من المئين * إلى المئين من اللواقح سوق المؤبل للمؤ * بل صادرات عن بلادح

[ 552 ]

قال ابن إسحاق: وقال أمية بن أبى الصلت، يبكى زمعة بن الاسود، وقتلى بنى أسد: عين بكي بالمسبلات أبا ال‍ * حارث لا تذخرى على زمعه وابكى عقيل بن أسود أسد ال‍ * بأس ليوم الهياج والدقعه تلك بنو أسد إخوة ال‍ * جوزاء لا خانة ولا خدعه هم الاسرة الوسيط من كع‍ * ب وهم ذروة السنام والقمعه وهم أنبتوا من معاشر شعر ال‍ * رأس وهم ألحقوهم المنعه أمسى بنو عمهم إذا حضر الب‍ * أس أكبادهم عليهم وجعه وهم المطعون إذا قحط القطر * وحالت فلا ترى قزعه قال ابن هشام: هذه الرواية لهذا الشعر مختلطة، ليست بصحيحة البناء، لكنى أنشدني أبو محرز خلف الاحمر وغيره، روى بعض ما لم يرو بعض: عين بكى بالمسبلات أبا الحا * رث لا تذخرى على زمعه وعقيل بن أسود أسد البأ * س ليوم الهياج والدقعه فعلى مثل هلكهم خوت الجو * زاء، لا خانة ولا خدعه وهم الاسرة الوسيط من كع‍ * ب، وفيهم كذروة القمعه أنبتوا من معاشر شعر الرأ * س، وهم ألحقوهم المنعه فبنو عمهم إذا حضر البأ * س عليهم أكبادهم وجعه وهم المطعمون إذ قحط القط * ر وحالت فلا ترى قزعه قال ابن إسحاق: وقال أبو أسامة، معاوية بن زهير بن قيس بن الحارث ابن سعد بن ضبيعة بن مازن بن عدى بن جشم بن معاوية حليف بن مخزوم. قال ابن هشام: وكان مشركا وكان مر بهبيرة بن أبى وهب وهم منهزمون يوم بدر، وقد أعيا هبيرة، فقام فألقى عنه درعه وحمله فمضى به. قال ابن هشام: وهذه أصح أشعار أهل بدر:

[ 553 ]

ولما أن رأيت القوم خفوا * وقد زالت نعامتهم لنفر وأن تركت سراة القوم صرعى * كأن خيارهم أذباح عتر وكانت حمة وافت حماما * ولقينا المنايا يوم بدر نصدعن الطريق وأدركونا * كأن زهاءهم غطيان بحر وقال القائلون: من ابن قيس ؟ * فقلت: أبو أسامة، غير فخر أنا الجشمى كيما تعرفوني * أبين نسبتى نقرا بنقر فإن تك في الغلاصم من قريش * فإنى من معاوية بن بكر فأبلغ مالكا لما غشينا * وعندك مال - إن نبأت - خبرى وأبلغ إن بلغت المرء عنا * هبيرة، وهو ذو علم وقدر بأنى إذا دعيت إلى أفيد * كررت ولم يضق بالكر صدري عشية لا يكر على مضاف * ولا ذى نعمة منهم وصهر فدونكم بنى لاى أخاكم * ودونك مالكا يا أم عمرو فلولا مشهدى قامت عليه * موقفة القوائم أم أجرى دفوع للقبور بمنكبيها * كأن بوجهها تحميم قدر فأقسم بالذى قد كان ربى * وأنصاب لدى الجمرات مغر لسوف ترون ما حسبى إذا ما * تبدلت الجلود جلود نمر فما إن خادر من أسد ترج * مدل عنبس في الغيل مجرى فقد أحمى الاباءة من كلاف * فما يدنو له أحد بنقر بخل تعجز الحلفاء عنه * يواثب كل هجهجة وزجر بأوشك سورة منى إذاما * حبوت له بقرقرة وهدر ببيض كالاسنة مرهفات * كأن ظباتهن جحيم جمر وأكلف مجناء من جلد ثور وصفراء البراية ذات أزر وأبيض كالغدير ثوى عليه * عمير بالمداوس نصف شهر

[ 554 ]

أرفل في حمائله وأمشى كمشية خادر ليث سبطر يقول لى الفتى سعد هديا * فقلت: لعله تقريب غدر وقلت أبا عدى لا تطرهم * وذلك إن أطعت اليوم أمرى كدأبهم بفروة إذ أتاهم * فظل يقاد مكتوفا بضفر قال ابن هشام: وأنشدني أبو محرز خلف الاحمر: نصد (عن ؟) الطريق وأدركونا * كأن سراعهم تيار بحر وقوله: " مدل عنبس في الغيل مجرى " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال أبو أسامة أيضا: ألا من مبلغ عنى رسولا * مغلغلة يثبتها لطيف ألم تعلم مردى يوم بدر * وقد برقت بجنبيك الكفوف وقد تركت سراة القوم صرعى * كأن رؤوسهم حدج نقيف وفد مالت عليك ببطن بدر * خلاف القوم داهية خصيف فنجاه من الغمرات عزمى * وعون الله والامر الحصيف ومنقلبي من الابواء وحدي * ودونك جمع أعداء وقوف وأنت لمن أرادك مستكين * بجنب كراش مكلوم نزيف وكنت إذا دعاني يوم كرب * من الاصحاب داع مستضيف فأسمعني ولو أحببت نفسي * أخ في مثل ذلك أو حليف أرد فأكشف الغمى وأرمى * إذا كلح المشافر والانواف وقرن قد تركت على يديه ينوء كأنه غصن قصيف دلفت له إذا اختلطوا بحرى * مسحسحة لعاندها حفيف فذلك كان صنعى يوم بدر * وقبل أخو مداراة عزوف أخوكم في السنين كما علمتم * وحرب لا يزال لها صريف

[ 555 ]

ومقدام لكم لا يزدهينى * جنان الليل والانس اللفيف أخوض الصرة الحماء خوضا * إذا ما الكلب ألجاه الشفيف قال ابن هشام: تركت قصيدة لابي أسامة على اللام، ليس فيها ذكر بدر إلا في أول بيت منها والثانى، كراهية الاكثار. قال ابن إسحاق: وقالت هند بنت عتبة بن ربيعة تبكى أباها يوم بدر: أعيني جودا بدمع سرب * على خير خندف لم ينقلب تداعى له رهطه غدوة * بنو هاشم وبنو المطلب يذيقونه حد أسيافهم * يعلونه بعد ما قد عطب يجرونه وعفير التراب * على وجهه عاريا قد سلب وكان لنا جبلا راسيا * جميل المراة كثير العشب وأما برى فلم أعنه * فأوتى من خير من يحتسب وقالت هند أيضا: يريب علينا دهرنا فيسوءنا * ويأبى فما نأتى بشئ نغالبه أبعد قتيل من لؤى بن غالب * يراع امرو إن مات أو مات صاحبه ألا رب يوم قد رزئت مرزأ * تروح وتغدو بالجزيل مواهبه فأبلغ أبا سفيان عنى مألكا * فإن ألقه يوما فسوف أعاتبه فقد كان حرب يسعر الحرب، إنه * لكل امرئ في الناس مولى يطالبه قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لهند. قال ابن إسحاق: وقالت هند أيضا: لله عينا من رأى * هلكا كهلك رجاليه يا رب باك لى غدا * في النائبات وباكيه كم غادروا يوم القلي‍ * ب غداة تلك الواعية

[ 556 ]

من كل غيث في السن‍ * ين إذا الكواكب خاوية قد كنت أحذر ما أرى * فاليوم حق حذاريه قد كنت أحذر ما أرى * فأنا الغداة مواميه يا رب قائلة غدا * يا ويح أم معاوية قال ابن هشام: وبعض أهل بالشعر ينكرها لهند [ بنت عتبة ]. قال ابن إسحاق: وقالت هند [ بنت عتبة ] أيضا. يا عين بكى عتبة * شيخا شديد الرقبه يطعم يوم المسغبة * يدفع يوم المغلبه إنى عليه حربه * ملهوفة مستلبه لنهبطن يثربه * بغارة منثعبه فيها الخيول مقربه * كل جواد سلهبه وقالت صفية بنت مسافر بن أبى عمرو بن أمية بن عبد شمس [ بن عبد مناف ] تبكى أهل القليب الذى أصيبوا يوم بدر من قريش [ وتذكر مصابهم ]: يا من لعين قذاها عائر الرمد * حد النهار وقرن الشمس لم يقد أخبرت أن سراة الاكرمين معا * قد أحرزتهم مناياهم إلى أمد وفر بالقوم أصحاب الركاب، ولم * تعطف غداتئذ أم على ولد قومي صفى ولا تنسى قرابتهم * وإن بكيت فما تبكين من بعد كانوا سقوب سماء البيت فانقصفت * فأصبح السمك منها غير ذى عمد قال ابن هشام: أنشدني بيتها: " كانوا سقوب " بعض أهل العلم بالشعر قال ابن إسحاق: وقالت صفية بنت مسافر أيضا: ألا يا من لعين للت‍ * بكى دمعها قان كغربي دالج يسقى * خلال الغيث الدان

[ 557 ]

وما ليث غريف ذو * أظافير وأسنان أبو شبلين وثاب * شديد البطش غرثان كحبى إذا تولى و * وجوه القوم ألوان وبالكف حسام صا * رم أبيض ذكران وأنت الطاعن النجلا * ء منها مزبد آن قال ابن هشام: ويروى قولها: " وما ليث غريف " إلى آخرها، مفصولا من البيتين اللذين قبله. قال ابن إسحاق: وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب ترثى عبيدة ابن الحارث بن المطلب: لقد ضمن الصفراء مجدا وسؤددا * وحلما أصيلا وافر اللب والعقل عبيدة فابكيه لاضياف غربة * وأرملة تهوى لاشعث كالجذل وبكيه للاقوام في كل شتوة إذا احمر آفاق السماء من المحل وبكيه للايتام والريح زفزف * وتشبيب قدر طالما أزبدت تغلى فإن تصبح النيران قد مات ضوءها * فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل لطارق ليل أو لملتمس القرى * ومستنبح أضحى لديه على رسل قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لهند. قال ابن إسحاق: وقالت قتيلة بنت الحارث، أخت النضر بن الحارث، تبكيه: يا راكبا إن الاثيل مظنة * من صبح خامسة وأنت موفق أبلغ بها ميتا بأن تحية * ما إن تزال بها النجائب تخفق منى إليك وعبرة مسفوحة * جادت بواكفها وأخرى تخنق هل يسمعني النضر إن ناديته * أم كيف يسمع ميت لا ينطق

[ 558 ]

أمحمد يا خير ضنء كريمة * في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت ؟ وربما * من الفتى وهو المغيظ المحنق أو كنت قابل فدية فلينفقن * بأعز ما يغلو به ما ينفق فالنضر أقرب من أسرت قرابة * وأحقهم إن كان عتق يعتق ظلت سيوف بنى أبيه تنوشه * لله أرحام هناك تشقق صبرا يقاد إلى المنية متعبا * رسف المقيد وهو عان موثق قال ابن هشام: فيقال، والله أعلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر، قال: لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه. قال ابن إسحاق: وكان فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر في عقب شهر رمضان، أو في شوال. غزوة بنى سليم بالكدر قال ابن إسحاق: فلما قدم [ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ] لم يقم بها إلا سبع ليال [ حتى ] غزا بنفسه، يريد بنى سليم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، أو ابن أم مكتوم. قال ابن إسحاق: فبلغ ماء من مياههم، يقال له: الكدر، فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة، وأفدى في إقامته تلك جل الاسارى من قريش. غزوة السويق [ قال ]: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام: قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائى، عن محمد بن إسحاق المطلبى، قال: ثم غزا أبو سفيان بن حرب غزوة

[ 559 ]

السويق في ذى الحجة، وولى تلك الحجة المشركون من تلك السنة، فكان أبو سفيان - كما حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير، ويزيد بن رومان، ومن لا أتهم، عن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان من أعلم الانصار - حين رجع إلى مكة، ورجع فل قريش من بدر، نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمد صلى الله عليه وسلم، فخرج في مئتى راكب من قريش، ليبر يمينه، فسلك النجدية، حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له: ثيب، من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج من الليل، حتى أتى بنى النضير تحت الليل، فأتى حيى ابن أخطب، فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له بابه وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بنى النضير في زمانه ذلك، وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه، فأذن له، فقراه وسقاه، وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالا من قريش إلا المدينة، فأتوا ناحية منها، يقال لها: العريض، فحرقوا في أصوار من نخل بها، ووجدوا بها رجلا من الانصار وحليفا له في الحرث لهما، فقتلوهما، ثم انصرفوا راجعين، ونذر بهم الناس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم [ واستعمل على المدينة بشير بن عبد المنذر، وهو أبو لبابة، فيما قال ابن هشام ] حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم انصرف راجعا، وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، وقد رأوا أزوادا من أزواد القوم قد طرحوها في الحرث يتخففون منها للنجاء، فقال المسلمون، حين رجع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أتطمع لنا أن تكون غزوة ؟ قال: نعم. قال ابن هشام: وإنما سميت غزوة السويق، فيما حدثنى أبو عبيدة: أن أكثر ما طرح القوم من أزوادهم السويق، فهجم المسلمون على سويق كثير، فسميت غزوة السويق.

[ 560 ]

قال ابن إسحاق: وقال أبو سفيان بن حرب عند منصرفه، لما صنع به سلام بن مشكم: وإنى تخيرت المدينة واحدا * لحلف فلم أندم ولم أتلوم سقاني فروانى كميتا مدامة * على عجل منى سلام بن مشكم ولما تولى الجيش قلت ولم أكن * لافرحه: أبشر بعز ومغنم (1) تأمل فإن القوم سر، وإنهم * صريح لؤى لا شماطيط جرهم وما كان إلا بعض ليلة راكب * أتى ساغبا من غير خلة معدم غزوة ذى أمر [ قال ]: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق، أقام بالمدينة بقية ذى الحجة أو قريبا منها، ثم غزا نجدا، يريد غطفان، وهى غزوة ذى أمر، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: فأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا، فلبث بها شهر ربيع الاول كله، أو إلا قليلا منه. غزوة الفرع من بحران ثم غزا [ رسول الله ] صلى الله عليه وسلم، يريد قريشا، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: حتى بلغ بحران، معدنا بالحجاز من ناحية الفرع، فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الاولى، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا. أمر بنى قينقاع [ قال ]: وقد كان فيما بين ذلك، من غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمر بنى قينقاع، وكان من حديث بنى قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (هامش ص 560) (1) في ا " أبشر بغزو ومغنم ".

[ 561 ]

جمعهم بسوق [ بنى ] قينقاع، ثم قال: يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نبى مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم، قالوا: يا محمد، إنك ترى أنا قومك ! لا يغزنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس. قال ابن إسحاق: فحدثني مولى لآل زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير، أو عن عكرمة عن ابن عباس، قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيهم: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد * قد كان لكم آية في فئتين التقيا }: أي أصحاب بدر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقريش { فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم رأى العين، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لاولى الابصار - 12 و 13 من سورة آل عمران }. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن بنى قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا فيما بين بدر وأحد. قال ابن هشام: وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة، عن أبى عون، قال: كان من أمر بنى قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته بسوق بنى قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوئب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع.

[ 562 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبى ابن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في موالى، وكانوا حلفاء الخزرج، قال: فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد أحسن في موالى، قال: فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: وكان يقال لها: ذات الفضول. قال ابن إسحاق: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلني، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ضللا، ثم قال: ويحك ! أرسلني، قال: لا، والله لا أرسلك حتى تحسن في موالى، أربع مئة حاسر وثلاث مئة دارع قد منعوني من الاحمر والاسود، تحصدهم في غداة واحدة، إنى والله امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم لك. قال ابن هشام: واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في محاصرته إياهم بشير بن عبد المنذر، وكانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلة. قال ابن إسحاق: وحدثني أبى إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد ابن عبادة بن الصامت، قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبى بن سلول، وقام دونهم. قال: ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحد بنى عوف، لهم من حلفه مثل الذى لهم من عبد الله بن أبى، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ إلى الله عزوجل، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين،

[ 563 ]

وأيرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم. قال: ففيه وفى عبد الله بن أبى نزلت هذه القصة من المائدة { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدى القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض } أي كعبد الله بن أبى وقوله: إنى أخشى الدوائر { يسارعون فيهم، يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده، فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم }، ثم القصة إلى قوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } وذكر لتولى عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا، وتبرئه من بنى قينقاع وحلفهم وولايتهم: { ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون - 51 و 56 من سورة المائدة }. سرية زيد بن حارثة إلى القردة [ من مياه نجد ] قال ابن إسحاق: وسرية زيد بن حارثة التى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، حين أصاب عير قريش، وفيها أبو سفيان بن حرب، على القردة، ماء من مياه نجد. وكان من حديثها: أن قريشا خافوا طريقهم الذى كانوا يسلكون إلى الشام، حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجار، فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة، وهى عظم تجارتهم، واستأجروا رجلا من بنى بكر بن وائل، يقال له: فرات بن حيان يدلهم في ذلك الطريق. قال ابن هشام: فرات بن حيان، من بنى عجل، حليف لبنى سهم. قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة

[ 564 ]

فلقيهم على ذلك الماء، فأصاب تلك العير وما فيها، وأعجزه الرجال، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال حسان بن ثابت بعد أحد في غزوة بدر الآخر يؤنب قريشا لاخذهم تلك الطريق: دعوا فلجات الشام قد حال دونها * جلاد كأفواه المخاض الاوارك يأيدى رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصاره حقا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا لها: ليس الطريق هنالك قال ابن هشام: وهذه الابيات في أبيات لحسان بن ثابت، نقضها عليه أبو سفيان بن الحارث بن المطلب، وسنذكرها ونقيضتها إن شاء الله [ في ] موضعها. مقتل كعب بن الاشرف قال ابن إسحاق: وكان من حديث كعب بن الاشرف: أنه لما أصيب أصحاب بدر، وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين، بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عزوجل عليه، وقتل من قتل من المشركين، كما حدثنى عبد الله ابن المغيث بن أبى بردة الظفرى، وعبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، وعاصم بن عمرو بن قتادة، وصالح بن أبى أمامة بن سهل، كل قد حدثنى بعض حديثه، قالوا: قال كعب بن الاشرف، وكان رجلا من طيئ، ثم أحد بنى نبهان، وكانت أمه من بنى النضير، حين بلغه الخبر: أحق هذا ؟ أترون محمدا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان رجلان - يعنى زيدا وعبد الله ابن رواحة - فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم، لبطن الارض خير من ظهرها.

[ 565 ]

فلما تيقن عدو الله الخبر، خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبى وداعة بن ضبيرة السهمى، وعنده عاتكة بنت أبى العيص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف، فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينشد الاشعار، ويبكى أصحاب القليب من قريش، اللذين أصيبوا ببدر، فقال: طحنت رحى بدر لمهلك أهله * ولمثل بدر تستهل وتدمع قتلت سراة الناس حول حياضهم * لا تبعدوا، إن الملوك تصرع كم قد أصيب به من ابيض ماجد * ذى بهجة يأوى إليه الضيع طلق اليدين إذا الكواكب أخلفت * حمال أثقال يسود ويربع ويقول أقوام أسر بسخطهم: * إن ابن الاشرف ظل كعبا يجزع صدقوا فليت الارض ساعة قتلوا * ظلت تسوخ بأهلها وتصدع صار الذى أثر الحديث بطعنة * أو عاش أعمى مرعشا لا يسمع نبئت أن بنى المغيرة كلهم * خشعوا لقتل أبى الحكيم وجدعوا وابنا ربيعة عنده ومنبه * ما نال مثل المهلكين وتبع نبئت أن الحارث بن هشامهم * في الناس يبنى الصالحات ويجمع ليزرو يثرب بالجموع، وإنما يحمى على الحسب الكريم الاروع قال ابن هشام: قوله " تبع "، و " أسر بسخطهم " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: فأجابه حسان بن ثابت الانصاري. فقال: أبكاه كعب ثم عل بعبرة * منه، وعاش مجدعا لا يسمع ولقد رأيت ببطن بدر منهم * قتلى تسح لها العيون وتدمع فابكى فقد أبكيت عبدا راضعا * شبه الكليب إلى الكليبة يتبع

[ 566 ]

ولقد شفى الرحمن منا سيدا * وأهان قوما قاتلوه وصرعوا ونجا وأفلت منهم من قلبه * شغف يظل لخوفه يتصدع قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان. وقوله " أبكاه كعب " عن غير إبن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقالت امرأة من المسلمين من بنى مريد، بطن من بلى كانوا حلفاء في بنى أمية بن زيد، يقال لهم: الجعادرة، تجيب كعبا - قال ابن هشام: اسمها ميمونة بنت عبد الله، وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه الابيات لها، وينكر نقيضتها لكعب بن الاشرف: تحنن هذا العبد كل تحنن * يبكى على قتلى وليس بناصب بكت عين من يبكى لبدر وأهله * وعلت بمثليها لؤى بن غالب فليت الذى ضرجوا بدمائهم * يرى ما بهم من كان بين الاخاشب فيعلم حقا عن يقين ويبصروا * مجرهم فوق اللحى والحواجب فأجابها كعب بن الاشرف، فقال: ألا فازجروا منكم سفيها لتسلموا * عن القول يأتي منه غير مقارب أتشتمني أن كنت أبكى بعبرة * لقوم أتانى ودهم غير كاذب فإنى لباك ما بقيت وذاكر * مآثر قوم مجدهم بالجباجب لعمري لقد كانت مريد بمعزل * عن الشر فاختالت وجوه الثعالب فحق مريد أن تجد أنوفهم * بشتمهم حيى لؤى بن غالب وهبت نصيبي من مريد الجعدر * وفاء وبيت الله بين الاخاشب ثم رجع كعب بن الاشرف إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثنى عبد الله بن المغيث بن أبى بردة:

[ 567 ]

من لى بابن الاشرف ؟ فقال له محمد بن مسلمة، أخو بنى عبد الاشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: فافعل إن قدرت على ذلك. فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه، فقال له: لم تركت الطعام والشراب ؟ فقال: يا رسول الله، قلت لك قولا لا أدرى هل أفين لك به أم لا ؟ فقال: إنما عليك الجهد، فقال: يا رسول الله، إنه لابد لنا من أن نقول، قال: قولوا ما بدالكم، فأنتم في حل من ذلك، فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة ابن وقش، وهو أبو نائلة، أحد بنى عبد الاشهل، وكان أخا كعب بن الاشرف من الرضاعة، وعباد بن بشر بن وقش، أحد بنى عبد الاشهل، والحارث ابن أوس بن معاذ، أحد بنى عبد الاشهل، وأبو عبس بن جبر، أحد بنى حارثة، ثم قدموا إلى عدو الله كعب بن الاشرف، قبل أن يأتوه، سلكان بن سلامة أبا نائلة، فجاءه، فتحدث معه ساعة، وتناشدا شعرا، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال: ويحك يابن الاشرف ! إنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عنى، قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا به العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال، وجهدت الانفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا، فقال كعب ابن الاشرف: أما والله لقد كنت أخبرك يابن سلامة أن الامر سيصير إلى ما أقول، فقال له سلكان: إنى قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك، فقال: أترهنونى أبناءكم ؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا إن معى أصحابا لى على مثل رأيى، وقد أردت أن آتيك بهم، فتبيعهم وتحسن في ذلك، ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء، وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاءوا بها، قال: إن في الحلقة لوفاء، قال: فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح، ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه،

[ 568 ]

فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: قال: أترهنونى نساءكم ؟ قال: كيف نرهنك نساءنا، وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم، قال: أترهنونى أبناءكم ؟ قال ابن إسحاق: فحدثني ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم، فقال: انطلقوا على اسم الله، الله أعنهم، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، وهو في ليلة مقمرة، وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة، قال: إنه أبو نائلة، لو وجدني نائما لما أيقظني، فقالت: والله إنى لاعرف في صوته الشر، قال: يقول لها كعب: لو يدعى الفتى لطعنة لاجاب فنزل فتحدث معهم ساعة، وتحدثوا معه، ثم قالوا: هل لك يابن الاشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز، فنتحدث به بقية ليلتنا هذه ؟ قال: إن شئتم. فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه، ثم شم يده، فقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها حتى أطمأن، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها، فأخذ بفود رأسه، ثم قال: أضربوا عدو الله، فضربوه، فاختلفت عليه أسيافهم، فلم تغن شيئا. قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا في سيفى، حين رأيت أسيافنا لا تغنى شيئا، فأخذته، وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا وقد أوقدت عليه نار، قال: فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته فوقع عدو الله، وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ، فجرح في رأسه أو في رجله، أصابه بعض أسيافنا، قال: فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية بن زيد، ثم على بنى قريظة، ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض وقد أبطأ علينا

[ 569 ]

صاحبنا الحارث بن أوس، ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة، ثما أتانا يتبع آثارنا. قال: فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل، وهو قائم يصلى، فسلمنا عليه، فخرج إلينا، فأخبرناه بقتل عدو الله، وتفل على جرح صاحبنا، فرجع ورجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله، فليس بها يهودى إلا وهو يخاف على نفسه. قال ابن إسحاق: فقال كعب بن مالك: فغودر منهم كعب صريعا * فذلت بعد مصرعه النضير على الكفين ثم وقد علته * بأيدينا مشهرة ذكور بأمر محمد إذ دس ليلا * إلى كعب أخا كعب يسير فما كره فأنزله بمكر * ومحمود أخو ثقة جسور قال ابن هشام: وهذه الابيات في قصيدة له في يوم بنى النضير، سأذكرها إن شاء الله في حديث ذلك اليوم. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يذكر قتل كعب بن الاشرف وقتل سلام بن أبى الحقيق: لله در عصابة لاقيتهم * يابن الحقيق وأنت يابن الاشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم * مرحا كأسد في عرين مغرف حتى أتوكم في محل بلادكم * فسقوكم حتفا ببيض ذفف مستنصرين لنصر دين نبيهم * مستصغرين لكل أمر مجحف قال ابن هشام: وسأذكرها قتل سلام بن أبى الحقيق في موضعه إن شاء الله. وقوله " ذفف "، عن غير ابن إسحاق. أمر محيصة وحويصة قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ظفرتم به من

[ 570 ]

رجال يهود فاقتلوه، فوثب محيصة بن مسعود - قال ابن هشام: محيصة، ويقال: محيصة بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدى بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس - على ابن سنينة - قال ابن هشام: ويقال سبينة - رجل من تجار يهود، كان يلابسهم ويبايعهم، فقتله وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم، وكان أسن من محيصة، فلما قتله جعل حويصة يضربه، ويقول: أي عدو الله، أقتلته، أما والله لرب شحم في بطنك من ماله. قال محيصة: فقلت: والله لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لضربت عنقك، قال: فوالله إن كان لاول إسلام حويصة، قال: آلله لو أمرك محمد بقتلى لقتلتني ؟ قال: نعم، والله لو أمرنى بضرب عنقك لضربتها، قال: والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب، فأسلم حويصة. قال ابن إسحاق: حدثنى هذا الحديث مولى لبنى حارثة، عن ابنة محيصة، عن أبيها محيصة. فقال محيصة في ذلك: يلوم ابن أمي لو أمرت بقتله * لطبقت ذفراه بأبيض قاضب حسام كلون الملح أخلص صقله * متى ما أصوبه فليس بكاذب وما سرنى أنى قتلتك طائعا * وأن لنا ما بين بصرى ومأرب قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة عن أبى عمرو المدنى، قال: لما ظفر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببنى قريظة أخذ منهم نحوا من أربع مئة رجل من اليهود، وكانوا حلفاء الاوس على الخزرج، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تضرب أعناقهم، فجعلت الخزرج تضرب أعناقهم ويسرهم ذلك، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخزرج ووجوههم مستبشرة، ونظر إلى الاوس فلم ير ذلك فيهم، فظن أن ذلك للحلف الذى بين الاوس وبين بنى قريظة

[ 571 ]

ولم يكن بقى من بنى قريظة إلا اثنا عشر رجلا، فدفعهم إلى الاوس، فدفع إلى كل رجلين من الاوس رجلا من بنى قريظة، وقال: ليضرب فلان وليذفف فلان، فكان ممن دفع إليهم كعب بن يهوذا، وكان عظيما في بنى قريظة فدفعه إلى محيصة بن مسعود، وإلى أبى بردة بن نيار - وأبو بردة هو الذى رخص له رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يذبح جذعا من المعز في الاضحى - وقال: ليضربه محيصة وليذفف عليه أبو بردة، فضربه محيصة ضربة لم تقطع، وذفف أبو بردة فأجهز عليه، فقال حويصة، وكان كافرا، لاخيه محيصة: أقتلت كعب بن يهوذا ؟ قال: نعم، فقال حويصة: أما والله لرب شحم قد نبت في بطنك من ماله، إنك للئيم يا محيصة، فقال له محيصة: لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لقتلتك، فعجب من قوله ثم ذهب عنه متعجبا. فذكروا أنه جعل يتيقظ من الليل: فيعجب من قول أخيه محيصة، حتى أصبح وهو يقول: والله إن هذا لدين، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، فقال محيصة في ذلك أبياتا قد كتبناها. قال ابن إسحاق: وكانت إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه من بحران جمادى الآخرة ورجبا وشعبان وشهر رمضان، وغزته قريش غزوة أحد في شوال سنة ثلاث. تم - بحمد الله - الجزء الثاني من سيرة ابن هشام، ويليه - إن شاء الله - الجزء الثالث مفتتحا بالقول على " غزوة أحد " والله المسؤول أن يعين على إتمامه، بمنه وفضله. ترجمة ابن إسحاق، وابن هشام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار، المطلبى (1) هو أبو عبد الله - ويقال: أبو بكر - محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار - ويقال: ابن كوتان - المؤلف الثبت الحافظ المتفنن، عمدة من أتى بعده، وأوحد من عاصره جمعا لاخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث مغازية، حتى قال فيه الزهري: " لا يزال بالمدينة علم جم ما كان فيهم ابن إسحاق " وقال فيه الامام الجليل محمد بن إدريس الشافعي " من أراد أن يتبحر في المغازى فهو عيال على ابن إسحاق " وقال فيه أبو معاوية " كان ابن إسحاق من أحفظ الناس، وكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر جاء فاستودعها محمد بن إسحاق، وقال: احفظها على، فإن نسيتها كنت قد حفظتها على " وقال فيه عبد الله بن فايد " كنا إذا جلسنا إلى محمد بن إسحاق فأخذ في فن من العلم قضى مجلسه في ذلك الفن ". (2) كان يسار بن خيار جد محمد بن إسحاق مولى لقيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، من أصل فارسي، أسر في عام اثنى عشر من الهجرة في عين التمر - وهى بلدة قريبة من الانبار غربي الكوفة، يجلب منها القسب والتمر إلى سائر البلاد، وهما بها كثير - وكان خالد بن الوليد رضى الله عنه قد غزاها في هذا العام، فافتتحها عنوة فسبى نساءها وقتل رجالها، وكان من سبى إتمامه، بمنه وفضله. ترجمة ابن إسحاق، وابن هشام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار، المطلبى (1) هو أبو عبد الله - ويقال: أبو بكر - محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار - ويقال: ابن كوتان - المؤلف الثبت الحافظ المتفنن، عمدة من أتى بعده، وأوحد من عاصره جمعا لاخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث مغازية، حتى قال فيه الزهري: " لا يزال بالمدينة علم جم ما كان فيهم ابن إسحاق " وقال فيه الامام الجليل محمد بن إدريس الشافعي " من أراد أن يتبحر في المغازى فهو عيال على ابن إسحاق " وقال فيه أبو معاوية " كان ابن إسحاق من أحفظ الناس، وكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر جاء فاستودعها محمد بن إسحاق، وقال: احفظها على، فإن نسيتها كنت قد حفظتها على " وقال فيه عبد الله بن فايد " كنا إذا جلسنا إلى محمد بن إسحاق فأخذ في فن من العلم قضى مجلسه في ذلك الفن ". (2) كان يسار بن خيار جد محمد بن إسحاق مولى لقيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، من أصل فارسي، أسر في عام اثنى عشر من الهجرة في عين التمر - وهى بلدة قريبة من الانبار غربي الكوفة، يجلب منها القسب والتمر إلى سائر البلاد، وهما بها كثير - وكان خالد بن الوليد رضى الله عنه قد غزاها في هذا العام، فافتتحها عنوة فسبى نساءها وقتل رجالها، وكان من سبى هذه الموقعة سيرين أم محمد بن سيرين، ويسار جد محمد بن إسحاق، وحمران مولى عثمان بن عفان، فلما قدم خالد المدينة بأسراه - وكان هذا أول سبى دخل المدينة من العراق - صار ولاء يسار إلى قيس بن مخرمة وعاش في المدينة. * (يوجد سقط في آخر الكتاب) * إتمامه، بمنه وفضله. ترجمة ابن إسحاق، وابن هشام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار، المطلبى (1) هو أبو عبد الله - ويقال: أبو بكر - محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار - ويقال: ابن كوتان - المؤلف الثبت الحافظ المتفنن، عمدة من أتى بعده، وأوحد من عاصره جمعا لاخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث مغازية، حتى قال فيه الزهري: " لا يزال بالمدينة علم جم ما كان فيهم ابن إسحاق " وقال فيه الامام الجليل محمد بن إدريس الشافعي " من أراد أن يتبحر في المغازى فهو عيال على ابن إسحاق " وقال فيه أبو معاوية " كان ابن إسحاق من أحفظ الناس، وكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر جاء فاستودعها محمد بن إسحاق، وقال: احفظها على، فإن نسيتها كنت قد حفظتها على " وقال فيه عبد الله بن فايد " كنا إذا جلسنا إلى محمد بن إسحاق فأخذ في فن من العلم قضى مجلسه في ذلك الفن ". (2) كان يسار بن خيار جد محمد بن إسحاق مولى لقيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، من أصل فارسي، أسر في عام اثنى عشر من الهجرة في عين التمر - وهى بلدة قريبة من الانبار غربي الكوفة، يجلب منها القسب والتمر إلى سائر البلاد، وهما بها كثير - وكان خالد بن الوليد رضى الله عنه قد غزاها في هذا العام، فافتتحها عنوة فسبى نساءها وقتل رجالها، وكان من سبى هذه الموقعة سيرين أم محمد بن سيرين، ويسار جد محمد بن إسحاق، وحمران مولى عثمان بن عفان، فلما قدم خالد المدينة بأسراه - وكان هذا أول سبى دخل المدينة من العراق - صار ولاء يسار إلى قيس بن مخرمة وعاش في المدينة. * (يوجد سقط في آخر الكتاب) * إتمامه، بمنه وفضله. ترجمة ابن إسحاق، وابن هشام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار، المطلبى (1) هو أبو عبد الله - ويقال: أبو بكر - محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار - ويقال: ابن كوتان - المؤلف الثبت الحافظ المتفنن، عمدة من أتى بعده، وأوحد من عاصره جمعا لاخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث مغازية، حتى قال فيه الزهري: " لا يزال بالمدينة علم جم ما كان فيهم ابن إسحاق " وقال فيه الامام الجليل محمد بن إدريس الشافعي " من أراد أن يتبحر في المغازى فهو عيال على ابن إسحاق " وقال فيه أبو معاوية " كان ابن إسحاق من أحفظ الناس، وكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر جاء فاستودعها محمد بن إسحاق، وقال: احفظها على، فإن نسيتها كنت قد حفظتها على " وقال فيه عبد الله بن فايد " كنا إذا جلسنا إلى محمد بن إسحاق فأخذ في فن من العلم قضى مجلسه في ذلك الفن ". (2) كان يسار بن خيار جد محمد بن إسحاق مولى لقيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، من أصل فارسي، أسر في عام اثنى عشر من الهجرة في عين التمر - وهى بلدة قريبة من الانبار غربي الكوفة، يجلب منها القسب والتمر إلى سائر البلاد، وهما بها كثير - وكان خالد بن الوليد رضى الله عنه قد غزاها في هذا العام، فافتتحها عنوة فسبى نساءها وقتل رجالها، وكان من سبى هذه الموقعة سيرين أم محمد بن سيرين، ويسار جد محمد بن إسحاق، وحمران مولى عثمان بن عفان، فلما قدم خالد المدينة بأسراه - وكان هذا أول سبى دخل المدينة من العراق - صار ولاء يسار إلى قيس بن مخرمة وعاش في المدينة. * (يوجد سقط في آخر الكتاب) * إتمامه، بمنه وفضله. ترجمة ابن إسحاق، وابن هشام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار، المطلبى (1) هو أبو عبد الله - ويقال: أبو بكر - محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار - ويقال: ابن كوتان - المؤلف الثبت الحافظ المتفنن، عمدة من أتى بعده، وأوحد من عاصره جمعا لاخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث مغازية، حتى قال فيه الزهري: " لا يزال بالمدينة علم جم ما كان فيهم ابن إسحاق " وقال فيه الامام الجليل محمد بن إدريس الشافعي " من أراد أن يتبحر في المغازى فهو عيال على ابن إسحاق " وقال فيه أبو معاوية " كان ابن إسحاق من أحفظ الناس، وكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر جاء فاستودعها محمد بن إسحاق، وقال: احفظها على، فإن نسيتها كنت قد حفظتها على " وقال فيه عبد الله بن فايد " كنا إذا جلسنا إلى محمد بن إسحاق فأخذ في فن من العلم قضى مجلسه في ذلك الفن ". (2) كان يسار بن خيار جد محمد بن إسحاق مولى لقيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، من أصل فارسي، أسر في عام اثنى عشر من الهجرة في عين التمر - وهى بلدة قريبة من الانبار غربي الكوفة، يجلب منها القسب والتمر إلى سائر البلاد، وهما بها كثير - وكان خالد بن الوليد رضى الله عنه قد غزاها في هذا العام، فافتتحها عنوة فسبى نساءها وقتل رجالها، وكان من سبى هذه الموقعة سيرين أم محمد بن سيرين، ويسار جد محمد بن إسحاق، وحمران مولى عثمان بن عفان، فلما قدم خالد المدينة بأسراه - وكان هذا أول سبى دخل المدينة من العراق - صار ولاء يسار إلى قيس بن مخرمة وعاش في المدينة. * (يوجد سقط في آخر الكتاب) * إتمامه، بمنه وفضله. ترجمة ابن إسحاق، وابن هشام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار، المطلبى (1) هو أبو عبد الله - ويقال: أبو بكر - محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار - ويقال: ابن كوتان - المؤلف الثبت الحافظ المتفنن، عمدة من أتى بعده، وأوحد من عاصره جمعا لاخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث مغازية، حتى قال فيه الزهري: " لا يزال بالمدينة علم جم ما كان فيهم ابن إسحاق " وقال فيه الامام الجليل محمد بن إدريس الشافعي " من أراد أن يتبحر في المغازى فهو عيال على ابن إسحاق " وقال فيه أبو معاوية " كان ابن إسحاق من أحفظ الناس، وكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر جاء فاستودعها محمد بن إسحاق، وقال: احفظها على، فإن نسيتها كنت قد حفظتها على " وقال فيه عبد الله بن فايد " كنا إذا جلسنا إلى محمد بن إسحاق فأخذ في فن من العلم قضى مجلسه في ذلك الفن ". (2) كان يسار بن خيار جد محمد بن إسحاق مولى لقيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، من أصل فارسي، أسر في عام اثنى عشر من الهجرة في عين التمر - وهى بلدة قريبة من الانبار غربي الكوفة، يجلب منها القسب والتمر إلى سائر البلاد، وهما بها كثير - وكان خالد بن الوليد رضى الله عنه قد غزاها في هذا العام، فافتتحها عنوة فسبى نساءها وقتل رجالها، وكان من سبى هذه الموقعة سيرين أم محمد بن سيرين، ويسار جد محمد بن إسحاق، وحمران مولى عثمان بن عفان، فلما قدم خالد المدينة بأسراه - وكان هذا أول سبى دخل المدينة من العراق - صار ولاء يسار إلى قيس بن مخرمة وعاش في المدينة. * (يوجد سقط في آخر الكتاب) * إتمامه، بمنه وفضله. ترجمة ابن إسحاق، وابن هشام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار، المطلبى (1) هو أبو عبد الله - ويقال: أبو بكر - محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار - ويقال: ابن كوتان - المؤلف الثبت الحافظ المتفنن، عمدة من أتى بعده، وأوحد من عاصره جمعا لاخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث مغازية، حتى قال فيه الزهري: " لا يزال بالمدينة علم جم ما كان فيهم ابن إسحاق " وقال فيه الامام الجليل محمد بن إدريس الشافعي " من أراد أن يتبحر في المغازى فهو عيال على ابن إسحاق " وقال فيه أبو معاوية " كان ابن إسحاق من أحفظ الناس، وكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر جاء فاستودعها محمد بن إسحاق، وقال: احفظها على، فإن نسيتها كنت قد حفظتها على " وقال فيه عبد الله بن فايد " كنا إذا جلسنا إلى محمد بن إسحاق فأخذ في فن من العلم قضى مجلسه في ذلك الفن ". (2) كان يسار بن خيار جد محمد بن إسحاق مولى لقيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، من أصل فارسي، أسر في عام اثنى عشر من الهجرة في عين التمر - وهى بلدة قريبة من الانبار غربي الكوفة، يجلب منها القسب والتمر إلى سائر البلاد، وهما بها كثير - وكان خالد بن الوليد رضى الله عنه قد غزاها في هذا العام، فافتتحها عنوة فسبى نساءها وقتل رجالها، وكان من سبى هذه الموقعة سيرين أم محمد بن سيرين، ويسار جد محمد بن إسحاق، وحمران مولى عثمان بن عفان، فلما قدم خالد المدينة بأسراه - وكان هذا أول سبى دخل المدينة من العراق - صار ولاء يسار إلى قيس بن مخرمة وعاش في المدينة. * (يوجد سقط في آخر الكتاب) *