الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




سيرة النبي (ص) - ابن هشام الحميري ج 1ي

سيرة النبي (ص)

ابن هشام الحميري ج 1


[ 1 ]

سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم ألفها أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار المطلبى المتوفى في سنة 151 من الهجرة وهذبها أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب، الحميري المتوفى في سنة 218 من الهجرة حقق أصلها، وضبط غرائبها، وعلق عليها محمد محيى الدين عبد الحميد - عفا الله تعالى عنه - وجميع حق إعادة الطبع محفوظ له - الجزء الاول يطلب من ناشره: مكتبة محمد علي صبيح وأولاده، بميدان الازهر بمصر

[ 2 ]

1383 ه‍. 1963 م

[ 3 ]

إهداء الكتاب إلى خير من طلعت عليه الشمس، وسيد من أقلته الارض وأظلته السماء. إلى السراج المنير الذى انبثق في غياهب الجاهلية والناس يتيهون في بيداوات الجهل والتعصب والتقليد، فأنار الطريق للسائرين، وكشف الله به موضحات الاعلام. إلى البشير النذير الذى من الله ببعثته على الانسانية كلها، فدعا إلى الله بإذنه، وضرب المثل الاعلى للانسان الكامل في قوله وصمته، وفى سره وجهره، وفى فعله وتركه، وفى أحواله كلها. إلى صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، ومن آتاه الله الفضيلة والوسيلة والدرجة العالية الرفيعة. إلى الذى وسعت نفسه ما بين الارض وسمائها، واكتملت فيه الانسانية بمعانيها وأسمائها، وأدبه الله فكان تمام الآداب وحليتها وإنسان عينها.. إلى رسول الله وخيرته من خلقه. إلى من خصه الله بختم الشرائع، وزينه بالتقوى، وجعل البر شعاره، والعدل حليته، والصدق قوله، والوفاء طبيعته، والقصد في الامور كلها سيرته، والرشد سنته. أقدم هذا الكتاب، لانه بعض حديث الاجيال عنه، والحديث عنه نور العين وجلاء القلوب.

[ 5 ]

مقدمة

[ 6 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. وبعد، فقد انقضى العصر الاول من عصور الاسلام المديدة والمسلمون لا يكتبون شيئا، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص فقد كتب لنفسه ما سمعه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يحدث ذلك منهم اتفاقا، ولا صرفتهم عن الكتابة والتدوين شواغل - وإن تكن شواغلهم آنذاك كثيرة، ولكنه كان أمرا قد قصدوه عن تفكير وروية، فقد فكروا وتدبروا، وأعملوا الرأى، وقدحوا زناد الروية، فوجدوا ذلك واجبا لا معدى عنه ولا مناص لهم منه. ذلك بأنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا تكتبوا عنى، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه، وحدثوا عنى ولا حرج، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " وإذا كانوا لا يكتبون حديث رسول الله ولا شيئا مما يسمعون منه غير القرآن فهم أشد انصرافا عن كتابة غير ذلك من فتاوى الصحابة وخطبهم وأحوالهم وأخبارهم ووقائعهم في العدو، وهم يجدون لذلك سببا يحملهم على الانصراف عن كتابة غير القرآن، ذلك أنهم كانوا يخافون أن يختلط بعض ما يكتبونه بالقرآن فيدخل في كتاب الله تعالى الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ما ليس منه، أو يلتبس بعض القرآن ببعض ما كتبوه من غيره فيسقط من الكتاب الكريم بعض ما هو منه، لذلك رأوا ألا يكتبوا إلا القرآن، ليكون المكتوب هو القرآن، وليكون القرآن هو المكتوب. ومع أنهم لم يكونوا يكتبون غير القرآن صرفوا همهم، وبذلوا غاية وسعهم

[ 7 ]

وعنايتهم لتتبع أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله، ولم يتركوا شيئا مما يتصل بذلك إلا حفظته ذاكرتهم، ووعته قلوبهم، وروته ألسنتهم، ووهبهم الله صبرا على طلب ذلك عند أهله، والبحث عنه، مع حافظة واعية، ونفس صافية، وبصيرة نافذة، وقلب متدبر، وذهن يصل إلى قرارة ما يلقى إليه، ويتفهم المراد مما يسمع، ويعى حقيقة ما وقع له. انقضى على هذه الحال عصر الصحابة كله وصدر من عصر بنى أمية، بل أكثر عصر بنى أمية، فلما أفضت الخلافة في آخر القرن الاول إلى أمير المؤمنين الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بن مروان فكر في الامر، ورأى كثيرا من العلماء الذين رووا حديث رسول الله وأخباره ووعوا علوم المسلمين يموتون من غير أن يخلفوا شيئا من مروياتهم واجتهاداتهم التى أفنوا فيها أعمارهم وأنفذوا في تحصيلها أكثر أوقاتهم، وخشى - إن دام الحال على ذلك - أن تضيع علوم المسلمين، وتذهب أخبار رسولهم، ثم قد يكون ذلك سببا في الكذب والاختلاف والوضع إذا بعد العهد وطال الزمن، ورأى - مع ذلك - أن الحجة التي من أجلها امتنع الصحابة ومن بعدهم عن الكتابة والتدوين - وهى الخوف من اختلاف ما ليس من القرآن به - قد زالت، فقد أصبح القرآن الكريم محفوظا في الصدور، مرويا في المصاحف، ثابتا، مقروءا في الامصار، بل رأى أن الامر قد صار إلى عكس ما كان عليه في عهد الصحابة، فلو أنهم سكتوا عن الكتابة كما سكتوا من قبل لذهب العلم وضاعت ثقة المسلمين - إذا طال الزمن - بما يروى لهم منه. وحينئذ كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر بن حزم - وهو شيخ من شيوخ المحدثين وكبارهم، وهو شيخ معمر والليث والاوزاعي ومالك وابن إسحاق وابن أبى ذئب - وكان ابن حزم نائب عمر بن عبد العزيز في الامرة والقضاء

[ 8 ]

على المدينة، كتب عمر إليه يقول " انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولتفشوا العلم، والتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا " وأمر عمر غير ابن حزم بمثل ذلك، أمر محمد ابن مسلم بن شهاب الزهري - وهو أحد أئمة المسلمين، وعالم المدينة والشام، وشيخ مالك وابن أبى ذئب ومعمر والاوزاعي والليث - فدون له في ذلك كتابا. وبدأت من ذلك الوقت حركة التدوين والتصنيف، بدأت - كما ترى - بتدوين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لان عمر رسم لهم ذلك، فكان العالم يجمع ما يرويه من الحديث في كتاب، غير متقيد بتمييز الموضوعات وضم ما يندرج من مروياته تحت مسألة واحدة أو مسائل متشابهة في باب واحد، وربما صنف أحدهم كتابا من الحديث في باب واحد من أبواب التشريع، وكانت أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ ولادته إلى التحاقه بالرفيق الاعلى بعض ما عنى المحدثون بروايته، كما كانت بعض ما عنى العلماء بتدوينه على أنه جزء من الحديث. ثم جاء بعد ذلك وقت رتب فيه المحدثون كتبهم، ونسقوا تصانيفهم، فكانوا يضمون الاحاديث التى يستدل بها على شئ واحد أو على مسائل يجمعها شئ واحد تحت باب واحد، فباب للوضوء، وباب للصلاة، وباب للزكاة، وباب للحج، وباب للنكاح، وهلم جرا، وكان من بين هذه الابواب في الكتب الجامعة باب لاخبار النبي صلى الله عليه وسلم، يذكرون فيه ما يروونه عن ولادته ورضاعة وما بعدهما إلى بعثته، ثم يفصلون أحواله بعد البعثة في مكة من دعوة قريش إلى الدين وصبره على أذاهم له ولصحبه، ويفصلون كذلك أخباره في غزواته وجهاده وبعثه الرسل إلى الملوك والامراء وغير ذلك، وخصوا ذلك الباب أحيانا باسم " المغازى والسير ".

[ 9 ]

ثم جاء بعد ذلك دور من أدوار التصنيف كتبت فيه " المغازى والسير " في مؤلفات خاصة، وتوفر عليها جماعة من العلماء، وكان هؤلاء يقدمون ؟ بين يدى أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من القول في أخبار الجاهلية، كأخبار جرهم ودفن زمزم وحديث قصى بن كلاب وجمعه قريشا، ونحو ذلك مما هو شرح لبعض أخبار آباء النبي صلى الله عليه وسلم وأحوالهم وأحوال من عاصرهم. وقد كان أول من كتب في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عروة بن الزبير ابن العوام - وهو رجل من أشرف قريش نسبا، فأبوه الزبير بن العوام، وأمه أسماء بنت أبى بكر الصديق، ومن معاصريه أبان بن ذى النورين الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وشرحبيل بن سعد أحد موالى الانصار، ووهب بن منبه، وهؤلاء الاربعة من علماء القرن الاول للهجرة، وقد مات أولهم في أخريات هذا القرن، وبقى الثلاثة بعده حتى سلخوا من القرن الثاني قليلا، وكان أطولهم أمدا شرحبيل بن سعد فإنه بقى حتى حطم ربع القرن الثاني. ثم جاء من بعد هؤلاء الاربعة طبقة أخرى، كان أشهر من كتب من علمائها في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة رجال، وهم عاصم بن قتادة المدنى الانصاري الظفرى، ومحمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبد الله بن شهاب الزهري المكى، وعبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو ابن أبى بكر بن حزم الذى كتب إليه عمر بن عبد العزيز يأمره بتدوين حديث رسول الله، على ما أنبأتك من قبل. ثم جاء من بعد هذه الطبقة طبقة أخرى كان أشهر رجالها الذين صنفوا في هذا الفن موسى بن عقبة المدنى، مولى آل الزبير، المتوفى في سنة إحدى وأربعين ومائة، ومعمر بن راشد، مولى الازد البصري، المتوفى في سنة خمسين ومائة - ويقال: في سنة ثلاث وخمسين ومائة - ومحمد بن إسحاق بن يسار مولى قيس ابن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وهو مؤلف أصل هذه السيرة التى بين

[ 10 ]

أيدينا الآن، وسنتحدث عنه حديثا خاصا في ترجمة تفردها له فيما يلى إن شاء الله تعالى، ومحمد بن عمر بن واقد الواقدي، مولى بنى هاشم - ويقال: مولى بنى سهم ابن أسلم - المتوفى في أواخر العقد الاول من القرن الثالث. ثم جاء من بعد هؤلاء محمد بن سعد صاحب الطبقات الكبرى، وهو راوية الواقدي الذى ذكرناه في أعيان الطبقة السابقة، وزياد بن عبد الله البكائى، وهو راوية ابن إسحاق صاحب أصل هذه السيرة. وجاء من بعد ذلك أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب، الحميرى، البصري، المصرى، المتوفى في أوائل أو أخريات العقد الثاني من القرن الثالث أو في أوائل العقد الثالث منه، وهو الذى انتهت إليه سيرة ابن إسحاق، ووقف عنده علمها، وإليه اليوم تنسب، حتى لم يعد أكثر الناس يعرفها إلا باسم " سيرة ابن هشام " وستعلم مبلغ أثره فيها متى أفضى بنا القول إلى الحديث عن هذا الكتاب. وقد ضاعت مصنفات الطبقتين الاولى والثانية ممن ذكرنا في هذه الكلمة، وعدا عليها الزمن فيما عدا عليه من علوم المسلمين ومصنفاتهم، فلم يعد لنا من هذه الكتب إلا اسمها الذى تجده في بعض مؤلفات المتقدمين من أمثال ابن النديم وبعض نقول عنها نجدها منتثرة في ثنايا مصنفات من جاء بعدهم من العلماء كالطبري وابن سعد والواقدى والبلاذري، ولولا هؤلاء الاعلام لما علمنا عن تصنيف هاتين الطبقتين شيئا، ولا بلغنا من علمهم قليل ولا كثير. فأما الطبقة الثالثة فهذا الكتاب الذى نعاني إخراجه اليوم أحد ثمرات رجل من رجالها هو محمد بن إسحاق، وإن لم يكن الكتاب الذى تراه هو المؤلف الذى وضعه محمد بن إسحاق، وقد بقى لنا من مؤلفات هذه الطبقة أيضا كتاب " المغازى " الذى صنفه محمد بن عمر الواقدي، وأما كتب موسى بن عقبة ومعمر ابن راشد فقد لحقت بآثار الطبقتين السابقتين، والامر لله الواحد القهار. فكتاب السيرة الذى تقدمه اليوم للقراء أقدم أثر وصل إلينا من آثار

[ 11 ]

علماء الاسلام في هذا الفن الاسلام الجليل، وهذه وحدها ميزة كافية للتوفر عليه والمبالغة في العناية به، وإحلاله المحل الذى يليق له من الثقة به والاعتماد عليه. صنفه مؤلفه محمد بن إسحاق بن يسار في أول عهد الخلفاء العباسيين، وهذبه مهذبه بعد تأليفه بنصف قرن أو يزيد قليلا، وهى المدة التى بين وفاتيهما، وهو يرويه عن مؤففه بواسطة رجل واحد هو زياد البكائى. وليس من شك عندنا ولا عند أحد من الناس أن الكتاب الذى وضعه محمد ابن إسحاق أكبر من هذا الكتاب الذى بين أيدينا اليوم وأوفر مادة وأكثر جمعا، وبخاصة في أخبار الجاهلية التى تسبق بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أنا لا نشك في أن ابن هشام قد حافظ على عبارة ابن إسحاق فيما أبقاه من الكتاب: لم يغير منها كلمة، بل أداها كما رواها له زياد البكائى عن ابن إسحاق، وآية ذلك أنه يأتي بعبارة ابن إسحاق ولو لم تكن موافقة لما يعلمه هو، ثم يعقب عليها بقوله: قال ابن هشام، ويذكر ما يراه صوابا، سواء أكان ذلك في ذكر علم من أعلام الاناسى أم في ذكر رواية في غير ذلك، وأنت تراه يشرح كلمة يراها غامضة بكلمة أخرى أوضح منها، أو يذكر رواية أخرى في كلمة غير رواية ابن إسحاق، أو يستشهد على استعمال أسلوب أو لفظ، أو نحو ذلك مما تقف على مثال له في كل ورقة من أوراق الكتاب، وهو يبين لك في بعض الاحايين أنه أسقط في هذا الموضوع كلاما أو أبياتا أو خبرا، ويبين في أغلب الاحيان ما دعاه إلى ذلك ومن عجيب تحرى هذا الرجل ودقته أنه يروى لك خبرا طويلا أو قصيدة طويلة ثم يجئ في آخر الخبر أو القصيدة فيقول لك: كلمة كذا من غير ابن إسحاق. وأكثر ما ترك ابن هشام مما رواه ابن إسحاق متصلا بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر الذى يرويه ابن إسحاق بعد الغزوات، ولا يقتصر فعل ابن هشام في ذلك على الشعر الذى قاله المشركون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما يدعى بعض من ينسب نفسه إلى التحقيق من أهل هذا العصر، بل إنك

[ 12 ]

لتجد ابن هشام قد ترك في كثير من الاحيان شعرا من كلام شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى هجوا به المشركين، لانه وجد فيه من الاقذاع في الهجاء ما يصرفه عن روايته، وهذا أمر من الامور التى أكبرنا شأنها، وعظم عندنا من أجلها ابن هشام ومنهج ابن هشام، فإن روح الانصاف والعدل لتبدو جد واضحة في هذا الصنيع، فكما يحذف من شعر المشركين لان قائليه قد أقذعوا فيه يترك كذلك من شعر أصحاب النبي لانهم أقذعوا فيه، فليهون على أنفسهم أولئك الذين يرمون علماء المسلمين بالتعصب والعصبية، وبأنهم نقصوا الاخبار من أطرافها وحذفوا مما قيل في الرسول كثيرا، وليعلموا أن علماء المسلمين كانوا أحب الناس للنصفة، وأكثرهم تقديرا للعلم، وأعلاهم كعبا في بناء صرح الانسانية الكاملة، وكانوا - مع ذلك كله - أقدر الناس على تناسى الاحقاد ونبذ الضغائن حينما يعمدون إلى تدوين العلم وشرح مسائله، وليذكروا فوق هذا كله أن في القرآن الكريم الذى يتلوه المسلمون في محاريبهم وصلواتهم آيات تسجل عبارات من الهجو الذى قاله المشركون في رسول الله وقد ترك ابن هشام مما كتبه ابن إسحاق قسما كبيرا لم يكن في كتابته غناء ولا نفع، ولا هو - في جملته وتفصيله - مما يحتاجه الناس أو تقوم على صحته الادلة العلمية، وذلك حديث ما قبل إسماعيل وإبراهيم من بدء الخليقة، وحديث أبناء إسماعيل على التفصيل، وأخبار ليست من سيرة النبي في شئ، ولا هي مؤدية في جملتها وتفصيلها إلى شئ من ذلك، وترك كذلك أشعارا لم يجد أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها، وإن كان قد أبقى من هذا النوع كثيرا، غير أن الاعتذار عنه أمر قريب: فهو حين يذكر شعرا من هذا النوع ينبه بعد روايته أو قبلها بأنه لم ير أحدا من أهل العلم بالشعر يثبتها لمن نسبت إليه، وتجد ذلك كثيرا في الشعر الذى يذكر بعد الغزوات، وقد بين هو في مطلع كتابه ما أخذ وما ترك وسبب تركه ما ترك بيانا وافيا

[ 13 ]

وهذا عمل يستحق الثناء والحمد، وهو وحده مجهود ليس بالقليل، وهو - مع جلالته وما يحتاجه من الجهد - ليس كل ما صنع ابن هشام في سيرة ابن إسحاق بل هو يتجاوز ذلك إلى تحقيق الاعلام وذكر أوهام ابن إسحاق وما وقع له من الروايات التى تخالف ما رواه صاحب الاصل، سواء في ذلك ما يرتبط بأخبار الرسول وغير ما يرتبط بها، ويعلق على عبارات السيرة تعليقات من الشرح والنقد تدل على سعة اطلاع وكبير فضل، وإن لم يكن نقده الذى وجهه إلى ابن إسحاق أحيانا مما يشبع نهمه الذين يتطلعون إلى التحقيق العلمي، ولسنا نشك في أن ابن هشام كان مستطيعا أن يبلغ من ذلك إلى ما يريد هؤلاء وفوق ما يريدون، وأنه لو تعلقت رغبته بأن يبلغ هذا الشأو لما استعصى عليه، فقد كانت طرق النقد الدقيقة وبحث أحوال الرواة قد وضع المحدثون مبادئها وشرعوا في ترتيب أصولها، وكان هو من أهل العلم البارعين الواسعى الاطلاع ذلك بعض صنيع ابن هشام في سيرة ابن إسحاق، فلا جرم صارت نسبة السيرة إليه ليست من اغتصاب آثار السلف وانتحالها، ولم يعد لنا أن نعد على العلماء اعتبارهم هذا الكتاب من تصنيف ابن هشام وقد لقيت هذه السيرة من نباهة الذكر ما لم يلقه كتاب آخر من كتب السيرة، سواء في ذلك الكتب التى شاركتها في زمان التأليف والتى جاءت بعدها وقد كانت - ولا تزال إلى يوم الناس هذا - من أمهات المراجع التى يقصدها الباحثون في تاريخ حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما لقيت من عناية العلماء بشرح حوادثها وأبياتها والتعليق على أحاديثها وتخريجها وضبط كلماتها الشئ الكثير، كما لقيت من إقبال أهل العلم على قراءتها ما هي جديرة به، وبحسبك أن تعلم أنها قد طبعت في أورو بامرة وفى بولاق مرة ثم طبعت بعد ذلك في مصر مرارا وأنك تبحث الآن عن نسخة من إحدى هذه الطبعات فلا تجدها بعد البحث الطويل.

[ 14 ]

وقد كان من سوالف الاقضية أننى عنيت منذ سنين بقراءة هذا الكتاب وصححت كثير مما أصابه من التحريف بالرجوع إلى نسخ كثيرة منه وإلى كثير من كتب السيرة والتاريخ التى تنقل عبارة ابن إسحاق بحروفها كالطبري، وانتفعت في هذا الباب بكتاب " معجم البلدان " لياقوت، فإنه يذكر في الكلام على الاماكن التى وردت في السيرة عبارة ابن إسحاق، ويبين ما فيها من الخلاف، ويضبط ذلك كله، وانتفعت بشروح الكتاب كشرحي السهيلي وأبى ذر، وانتفعت بشرح الزرقاني على الشمائل المحمدية الذى يذكر عبارة ابن إسحاق كثيرا ويضبط حروفها، وانتفعت بشرحي " الشفا " لملا على القارى وللشهاب الخفاجى، وقد أخرجت منذ ربع قرن تقريبا نسخة من هذا الكتاب ظهر فيها أثر ما انتفعت به مما ذكرت من الكتب وغيرها، وقد نفذت هذه النسخة بعد ظهورها بقليل، وطال انتظار الناس إلى خروجها مرة أخرى، ثم رغب إلى ناشر هذه الطبعة في أن أتوفر على ضبط السيرة وتحقيقها دقيقا من غير أن أعلق عليها بشئ، فترددت كثيرا في قبول هذا العرض، لانه لا يظهر القرأة على الجهد الذى يبذل في تحقيقها وضبطها على الوجه المرغوب فيه، ولكني آمنت في آخر الامر بأن ظهورها على هذا الوجه خير من بقائها في زوايا النسيان، مع أنه قد يكون سببا في ظهورها مرة أخرى مع شرح واف وبيان كاف وبحسبي اليوم أننى ضبطت آيات القرآن الكريم، ودللت على موضعها من المصحف ببيان رقم الآية واسم السورة، وضبطت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وضبطت ما ورد من الشعر في هذا الكتاب على كثرته، وضبطت - بعد ذلك - غريب الكلمات والمشكل من الاعلام وتحريت أدق التحرى في اختيار الرواية التى أثق من نسبتها إلى ابن إسحاق حين تختلف العبارات، وإنى لارجو أن أكون قد أسديت إلى هذا الكتاب خدمة أستحق أن أنال به مثوبة الله

[ 15 ]

ورضوانه، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ربنا إنك تعلم ما نحفى وما نعلن، وما يخفى على الله من شئ في الارض ولا في السماء. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي آخرة حسنة، وقنا عذاب النار. كتبه: المعتز بالله تعالى أبو رجاء محمد محيى الدين عبد الحميد عفا الله تعالى عنه

[ 1 ]

سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ألفها أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار المطلبى المتوفى في سنة 151 من الهجرة بسم الله الرحمن الرحيم [ الحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله أجمعين ] ذكر سرد النسب الزكي من محمد صلى الله عليه وسلم وآله إلى آدم عليه السلام قال أبو محمد عبد الملك بن هشام [ النحوي ]: هذا كتاب سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، واسم عبد المطلب: شيبة، بن هاشم، واسم هاشم: عمرو، بن عبد مناف، واسم عبد مناف: المغيرة، بن قصى، [ واسم قصى: زيد ] بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، واسم مدركة: عامر، بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن [ أد، ويقال ]: أدد، بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم - خليل الرحمن - بن تارح، وهو آزر، بن ناحور بن ساروغ (1) بن راعو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك (2) بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس النبي - فيما يزعمون، والله أعلم، وكان أول بنى آدم أعطى النبوة، وخط بالقلم - ابن يرد بن مهليل بن قينن ابن يانش ابن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم. قال أبو محمد بن عبد الملك بن هشام: حدثنا زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق المطلبى بهذا الذى ذكرت من نسب محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى آدم عليه السلام، وما فيه من حديث إدريس وغيره.


(1) في ا " ساروح ". (2) في ا " لامك " (*)

[ 2 ]

قال ابن هشام: وحدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسى عن شيبان بن زهير بن شقيق بن ثور عن قتادة بن دعامة أنه قال: إسماعيل بن إبراهيم - خليل الرحمن - ابن تارح، وهو آزر، بن ناحور بن أسرغ بن أرعو بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك (1) بن متوشلخ بن أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قاين بن أنوش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: وأنا إن شاء الله مبتدئ هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم، ومن ولد رسول الله صلى الله عليه وآله من ولده، وأولادهم لاصلابهم، الاول فالاول، من إسماعيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وما يعرض من حديثهم، وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل، على هذه الجهة، للاختصار، إلى حديث سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب، مما ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه ذكر، ولا نزل (2) فيه من القرآن شئ، وليس سببا لشئ من هذا الكتاب، ولا تفسيرا له، ولا شاهدا عليه، لما ذكرت من الاختصار، وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره، وبعض لم يقر لنا البكائى بروايته، ومستقص إن شاء الله تعالى ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له، والعلم به. سياقة النسب من ولد إسماعيل عليه السلام قال ابن هشام: حدثنا زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق المطلبى قال: ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام اثنى عشر رجلا: نابتا، وكان أكبرهم، وقيذر، وأذبل، وميشا، ومسمغا، وماشى، ودما، وأذر، وطيما ويطور، ونبش، وقيذما، وأمهم [ رعلة ] بنت مضاض بن عمرو، الجرهمى -


(1) في ا " لامك " هنا أيضا. (2) في ا " وما نزل " (*).

[ 3 ]

قال ابن هشام: ويقال: مضاض. وجرهم ابن قحطان، وقحطان أبو اليمن كلها وإليه يجتمع نسبها - ابن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال ابن إسحاق: جرهم بن يقطن بن عيبر بن شالخ [ ويقطن هو قحطان بن عيبر بن شالخ ] قال ابن إسحاق: وكان عمر إسماعيل فيما يذكرون مئة سنة وثلاثين سنة، ثم مات رحمة الله وبركاته عليه، ودفن في الحجر مع أمه هاجر، رحمهم الله تعالى. قال ابن هشام: تقول العرب هاجر وآجر، فيبدلون الالف من الهاء، كما قالوا: هراق الماء، وأراق الماء وغيره. وهاجر من أهل مصر. قال ابن هشام: حدثنا عبد الله بن وهب عن عبد الله بن لهيعة عن عمر مولى غفرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " الله الله في أهل الذمة، أهل المدرة السوداء السحم الجعاد، فإن لهم نسبا وصهرا ". قال عمر مولى غفرة: نسبهم أن أم إسماعيل النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم. وصهرهم أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - تسرر فيهم. قال ابن لهيعة: أم إسماعيل: هاجر، أم العرب، من قرية كانت أمام الفرما من مصر. وأم إبراهيم: مارية سرية النبي - صلى الله عليه وآله - التى أهداها المقوقس من حفن من كورة أنصنا. قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن مسلم بن عبيدالله بن شهاب الزهري أن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الانصاري ثم السلمى، حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما ". فقلت لمحمد بن مسلم الزهري: ما الرحم التى ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله لهم ؟ فقال: كانت هاجر أم إسماعيل منهم. قال ابن هشام: فالعرب كلها من ولد إسماعيل وقحطان. وبعض [ أهل ] اليمن يقول: قحطان من ولد إسماعيل، ويقول: إسماعيل أبو العرب كلها.

[ 4 ]

قال ابن إسحاق: عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وثمود وجديس ابنا عابر بن إرم بن سام بن نوح، وطسم وعملاق وأميم بنو لاوذ بن سام بن نوح: عرب كلهم. فولد نابت بن إسماعيل: يشجب بن نابت، فولد يشجب: يعرب بن يشجب، فولد يعرب، تيرح بن يعرب، فولد تيرح: ناحور بن تيرح، فولد ناحور: مقوم بن ناحور، فولد مقوم: أدد بن مقوم، فولد أدد: عدنان بن أدد. قال ابن هشام: ويقال: عدنان بن أد. قال ابن إسحاق: فمن عدنان تفرقت القبائل من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، فولد عدنان رجلين: معد بن عدنان، وعك بن عدنان. قال ابن هشام: فصارت عك في دار اليمن، وذلك أن عكا تزوج في الاشعريين، فأقام فيهم، فصارت الدار واللغة واحدة، والاشعريون بنو أشعر بن نبت بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ويقال: أشعر: ابن نبت بن أدد، ويقال: أشعر ابن مالك. ومالك: مذحج بن أدد بن زيد بن هميسع ويقال: أشعر ابن سبأ بن يشجب. وأنشدني أبو محرز خلف الاحمر وأبو عبيدة، لعباس بن مرداس، أحد بنى سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان، يفخر يعك: وعك بن عدنان الذين تلقبوا * بغسان حتى طردوا كل مطرد وهذا البيت في قصيدة له. وغسان: ماء بسد مأرب باليمن، كان شربا لولد مازن بن الاسد بن الغوث فسموا به، ويقال: غسان: ماء بالمشلل قريب من الجحفة، والذين شربوا منه فسموا به قبائل من ولد مازن بن الاسد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان. قال حسان بن ثابت الانصاري - والانصار بنو الاوس والخزرج،

[ 5 ]

ابني حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الاسد بن الغوث -: إما سألت فإنا معشر نجب * الاسد نسبتنا والماء غسان وهذا البيت في أبيات له. فقالت اليمن وبعض عك، وهم الذين بخراسان منهم: عك ابن عدنان بن عبد الله بن الاسد بن الغوث، ويقال: عدثان بن [ الديث بن ] عبد الله بن الاسد [ بن الغوث ]. قال ابن إسحاق: فولد معد بن عدنان أربعة نفر: نزار بن معد، وقضاعة بن معد، وكان قضاعة بكر معد الذى به يكنى فيما يزعمون، وقنص ابن معد، وإياد بن معد. فأما قضاعة فتيامنت إلى حمير بن سبأ - وكان اسم سبأ عبد شمس، وإنما سمى سبأ لانه أول من سبى في العرب - ابن يشجب (1) بن يعرب بن قحطان. قال ابن هشام: فقالت اليمن وقضاعة: قضاعة ابن مالك بن حمير. وقال عمرو بن مرة الجهنى، وجهينة: ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن إلحاف بن قضاعة: نحن بنو الشيخ الهجان الازهر * قضاعة بن مالك بن حمير النسب المعروف غير المنكر * [ في الحجر المنقوش تحت المنبر ] قال ابن إسحاق: وأما قنص بن معد فهلكت بقيتهم - فيما يزعم نساب معد - وكان منهم النعمان بن المنذر ملك الحيرة. قال إبن إسحاق: حدثنى محمد بن مسلم بن عبيدالله بن شهاب الزهري: أن النعمان بن المنذر كان من ولد قنص بن معد - قال ابن هشام: ويقال: قنص - قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس، عن شيخ من الانصار من بنى زريق أنه حدثه أن عمر بن الخطاب رضى الله


(1) في أ هنا فقط " بن يعرب بن يشجب " وانظر ص 11 الآتية (*).

[ 6 ]

عنه - حين أتى بسيف النعمان بن المنذر - دعا جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل ابن عبد مناف بن قصى - وكان جبير من أنسب قريش لقريش وللعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وكان أبو بكر الصديق أنسب العرب - فسلحه إياه - ثم قال: ممن كان - يا جبير - النعمان بن المنذر ؟ فقال: كان من أشلاء قنص بن معد. قال ابن إسحاق: فأما سائر العرب فيزعمون أنه كان رجلا من لخم، من ولد ربيعة بن نصر، فالله أعلم أي ذلك كان. قال ابن هشام: لخم: ابن عدى بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ، ويقال: لخم ابن عدى بن عمرو بن سبأ، ويقال: ربيعة ابن نصر بن أبى حارثة بن عمرو بن عامر، وكان تخلف باليمن بعد خروج عمرو بن عامر من اليمن. أمر عمرو بن عامر في خروجه من اليمن وقصة سد مأرب وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن - فيما حدثنى أبو زيد الانصاري - أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب، الذى [ كان ] يحبس عليهم الماء، فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة من اليمن، فكان قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهى فيه أصغر ولدى، وعرض أمواله، فقال أشراف من أشراف [ أهل ] اليمن: اغتنموا غضبة عمرو، فاشتروا منه أمواله. وانتقل في ولده وولده ولده. وقالت الازد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم، وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك، فكانت حربهم سجالا، ففى ذلك

[ 7 ]

قال عباس بن مرداس البيت الذى كتبنا. ثم ارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلدان فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الاوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مرا، ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عمان عمان، ثم أرسل الله على السد السيل فهدمه، ففيه أنزل الله تبارك وتعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: " لقد كان لسبأ في مسكنهم آية، جنتان عن يمين وشمال، كلوا من رزق ربكم واشكروا له، بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم [ 15، 16 من سورة سبأ ] ". والعرم: السد، واحدته: عرمة، فيما حدثنى أبو عبيدة. وقال الاعشى: أعشى بنى قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ابن معد - قال ابن هشام: ويقال: أفصى بن دعمى بن جديلة - واسم الاعشى ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس ابن ثعلبة وفي ذاك للمؤتسى أسوة * ومأرب عفى عليها العرم رخام بنته لهم حمير * إذا جاء مواره لم يرم فأروى الزروع وأعنابها * على سعة ماؤهم إذا قسم فصاروا أيادى ما يقدرو * ن منه على شرب طفل فطم وهذه الابيات في قصيدة له. وقال أمية ابن أبى الصلت الثقفى - واسم ثقيف قسى بن منبه بن بكر ابن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس (عيلان) بن مضر بن نزار بن معد [ بن عدنان ]: من سبأ الحاضرين مأرب إذ * يبنون من دون سيله العرما وهذا البيت في قصيدة له. وتروى للنابغة الجعدى، واسمه قيس بن عبد الله

[ 8 ]

أحد بنى جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر ابن هوزان. وهو حديث طويل، منعنى من استقصائه ما ذكرت من الاختصار. أمر ربيعة بن نصر ملك اليمن وقصة شق وسطيح الكاهنين معه قال ابن إسحاق: وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف (1) ملوك التبابعة فرأى رؤيا هالته وفظع بها، فلم يدع كاهنا، ولا ساحرا، ولا عائفا، ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إنى قد رأيت رؤيا هالتني، وفظعت بها، فأخبرني بها وبتأويلها، فقالوا له: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال: إنى إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها فإنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها، فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق، فإن ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانه بما سأل عنه. واسم سطيح: ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدى بن مازن. وشق: ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قسر بن عبقر بن أنمار ابن إراش، وأنمار أبو بجيلة وخثعم. قال ابن هشام: وقالت اليمن: وبجيلة: [ بنو ] أنمار بن إراش بن لحيان ابن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، ويقال إراش: ابن عمر بن لحيان [ بن الغوث ] ودار بجيلة وخثعم يمانية. قال ابن إسحاق: فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فقال له: [ إنى قد ] رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها قال: أفعل، رأيت حممة، خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تهمة، فأكلت


(1) في ا " من أضعاف " (*).

[ 9 ]

منها كل ذات جمجمة: فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح، فما عندك في تأويلها ؟ فقال: أحلف بما بين الحرتين من حنش، لتهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش، فقال له الملك: وأبيك يا سطيح، إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن ؟ أفى زماني هذا أم بعده ؟ قال: لا، بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين، قال أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع ؟ قال: [ لا ] بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين، قال: ومن يلى ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال: يليه إرم [ بن ] ذى يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدا منهم باليمن، قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال: لا، بل ينقطع، قال: ومن يقطعه ؟ قال نبى زكى، يأتيه الوحى من قبل العلى، قال: وممن هذا النبي ؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدهر من آخر ؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الاولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون، قال: أحق ما تخبرني ؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك [ به ] لحق. ثم قدم عليه شق، فقال له كقوله لسطيح، وكتمه ما قال سطيح، لينظر أيتفقان أم يختلفان، فقال: نعم رأيت حممة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة. قال: فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا، فإن قولهما واحد، إلا أن سطيحا قال: " وقعت بأرض تهمة، فأكلت منها كل ذات جمجمة ". وقال شق: " وقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة ". فقال له الملك: ما أخطأت يا شق منها شيئا، فما عندك في تأويلها ؟ قال أحلف بما الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران.

[ 10 ]

فقال له الملك: وأبيك يا شق، وإن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن ؟ أفى زماني أم بعده ؟ قال: لا، بل بعده پزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذوشان، ويذيقهم أشد الهوان، قال: ومن هذا العظيم الشان ؟ قال: غلام ليس بدنى، ولا مدن، يخرج عليهم من بيت ذى يزن، [ فلا يترك أحدا منهم باليمن ]، قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع ؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل، قال: وما يوم الفصل ؟ قال: يوم تجزى فيه الولاة، ويدعى فيه من السماء بدعوات، يسمع منها الاحياء والاموات، ويجمع فيه بين الناس للمقيات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات، قال: أحق ما تقول ؟ قال: إى ورب السماء والارض، وما بينهما من رفع وخفض، إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض. قال ابن هشام: أمض: يعنى شكا، هذا بلغة حمير، وقال أبو عمرو: أمض، أي باطل. فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاد، فأسكنهم الحيرة. فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان بن المنذر، فهو في نسب اليمن وعلمهم: النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدى بن ربيعة بن نصر [ ذلك الملك ]. قال ابن هشام: النعمان ابن المنذر بن المنذر، فيما أخبرني خلف الاحمر. استيلاء أبى كرب تبان أسعد على ملك اليمن وغزوه إلى يثرب قال ابن إسحاق: فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله إلى حسان

[ 11 ]

ابن تبان أسعد أبى كرب - وتبان أسعد هو تبع الآخر - ابن كلى كرب بن زيد، وزيد هو تبع الاول، بن عمرو ذى الاذعار بن أبرهة ذى المنار بن الريش - قال ابن هشام: ويقال الرائش - قال ابن إسحاق: ابن عدى بن صيفي بن سبأ الاصغر بن كعب، كهف الظلم، بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنحج، والعرنجج: حمير بن سبأ الاكبر بن يعرب بن يشجب بن قحطان. قال ابن هشام: يشجب ابن يعرب بن قحطان. قال ابن إسحاق: وتبان أسعد أبو كرب الذى قدم المدينة، وساق الحبرين من يهود [ المدينة ] إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه، وكان ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر. قال ابن هشام: وهو الذى يقال له: ليت حظى من أبى كرب * أن يسد خيره خبله قال ابن إسحاق: وكان قد جعل طريقة - حين أقبل من المشرق - على المدينة، وكان قد مر بها في بدأته فلم يهج أهلها، وخلف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها وهو مجمع لا خرابها، واستئصال أهلها، وقطع نخلها، فجمع له هذا الحى من الانصار، ورئيسهم عمرو بن طلة أخو بنى النجار، ثم أحد بنى عمرو بن مبذول، واسم مبذول: عامر بن مالك بن النجار، واسم النجار: تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر. قال ابن هشام: عمرو بن طلة: عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك ابن النجار، وطلة أمه، وهى بنت عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج.

[ 12 ]

قال ابن إسحاق: وقد كان رجل من بنى عدى بن النجار، يقال له أحمر، عدا على رجل من أصحاب تبع حين نزل بهم فقتله، وذلك أنه وجده في عذق له يجده، فضربه بمنجله فقتله، وقال: إنما التمر لمن أبره، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فاقتتلوا، فتزعم الانصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك منهم، ويقول: والله إن قومنا لكرام. فبينا تبع على ذلك من قتالهم إذا جاءه حبران من أحبار اليهود، من بنى قريظة - وقريظة والنضير والنجام وعمرو، وهو هدل، بنو الخزرج بن الصريح ابن التوءمان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النجام بن (تمحوم) بن عازر بن عزرى بن هارون بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى ابن يعقوب، وهو إسرائيل، بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، صلى الله عليهم - عالمان راسخان في العلم، حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك، لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذلك ؟ فقالا: هي مهاجر نبى يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى عن ذلك، ورأى أن لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، فانصرف عن المدينة، واتبعهما على دينهما، فقال خالد بن عبد العزى بن غزية بن عمرو [ بن عبد ] ابن عوف بن غنم بن مالك بن النجار يفخر بعمرو بن طلة: أصحا أم قد نهى ذكره * أم قضى من لذة وطره أم تذكرت الشباب، وما * ذكرك الشباب أو عصره ؟ إنها حرب رباعية * مثلها أتى الفتى عبره فاسألا عمران أو أسدا * إذا أتت عدوا مع الزهره فيلق فيها أبو كرب * سبغ أبدانها ذفره

[ 13 ]

ثم قالوا: من نؤم بها * أبنى عوف أم النجره ؟ بل بنى النجار، إن لنا * فيهم قتلى وإن تره فتلقتهم (مسايفة) * مدها كالغبية النثره فيهم عمرو بن طلة ملى الاله قومه عمره سيد سامي الملوك، ومن * رام عمرا لا يكن قدره وهذا الحى من الانصار يزعمون أنه إنما كان حنق تبع على هذا الحى من يهود الذين كانوا بين أظهرهم، وإنما أراد هلاكهم فمنعوهم منه حتى انصرف عنهم، ولذلك قال في شعره: حنقا على سبطين حلا يثربا * أولى لهم بعقاب يوم مفسد قال ابن هشام: الشعر الذى فيه هذا البيت مصنوع، فذلك [ الذى ] منعنا من إثباته. قال ابن إسحاق: وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، فتوجه إلى مكة، وهى طريقة إلى اليمن، حتى إذا كان بين عسفان وأمج أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد، فقالوا له: أيها الملك، ألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة ؟ قال: بلى، قالوا: بيت بمكة يعبده أهله، ويصلون عنده. وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك، لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده. فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين، فسألهما عن ذلك، فقالا له: ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك، ما نعلم بيتا لله اتخذه في الارض لنفسه غيره، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا، قال: فماذا تأمر اننى أن أصنع إذا [ أنا ] قدمت عليه ؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله: تطوف به، وتعظمه، وتكرمه، وتحلق رأسك عنده، وتذل له حتى تخرج من عنده، قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك ؟ قال: أما والله إنه لبيت أبينا

[ 14 ]

إبراهيم، وإنه لكما أخبرناك، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالاوثان التى نصبوها حوله، وبالدماء التى يهريقون عنده، وهم نجس أهل شرك - أو كما قالا له - فعرف نصحهما وصدق حديثهما، فقرب النفر من هذيل، فقطع أيديهم وأرجلهم، ثم مضى حتى قدم مكة، فطاف بالبيت، ونحر عنده، وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام - فيما يذكرون - ينحر بها للناس، ويطعم أهلها، ويسقيهم العسل، وأرى في المنام أن يكسوا البيت، فكساه الخصف، ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافر، ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه الملاء والوصائل، فكان تبع - فيما يزعمون - أول من كسا البيت، وأوصى به ولاته من جرهم، وأمرهم بتطهبره، وألا يقربون دما ولا ميتة ولا مئلاة، وهى المحائض، وجعل له بابا ومفتاحا. وقالت سبيعة بنت الاحب بن زبينة بن جذيمة بن عوف بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، وكانت عند عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، لابن لها منه يقال له خالد، تعظم عليه حرمة مكة، وتنهاه عن البغى فيها، وتذكر تبعا وتذلله لها، وما صنع بها: أبنى لا تظلم بمكة لا الصغير ولا الكبير واحفظ محارمها بنى ولا يغرنك الغرور أبنى من يظلم بمكة يلق أطراف الشرور أبنى يضرب وجهه * ويلح بخديه السعير أبنى قد جربتها * فوجدت ظالمها يبور الله آمنها، وما * بنيت بعرصتها قصور

[ 15 ]

والله آمن طيرها * والعصم تأمن في ثبير ولقد غزاها تبع * فكسا بنيتها الحبير وأذل ربى ملكه * فيها فأوفى بالنذور يمشى إليها حافيا * بفنائها ألفا بعير ويظل يطعم أهلها * لحم المهارى والجزور يسقيهم العسل المصفى والرحيض من الشعير والفيل أهلك جيشه * يرمون فيها بالصخور والملك في أقصى البلا * د وفى الاعاجم والخزير فاسمع إذا حدثت وافهم كيف عاقبة الامور قال ابن هشام: وهذا الشعر مقيد، والمقيد: الذى لا يرفع ولا ينصب ولا يخفض. ثم خرج [ منها ] متوجها إلى اليمن بمن معه من جنوده وبالحبرين، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخول فيه، فأبوا عليه، حتى يحاكموه إلى النار التى كانت باليمن. قال ابن إسحاق: حدثنى أبو مالك بن ثعلبة بن أبى مالك القرظى، قال: سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله يحدث: أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه خير من دينكم، فقالوا: فحاكمنا إلى النار، قال: نعم، قال: وكانت باليمن - فيما يزعم أهل اليمن - نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه، تأكل الظالم ولا تضر المظلوم، فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما ستقلديها، حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذى تخرج منه، فخرجت النار إليهم، فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها، فذمرهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها، فصبروا [ لها ] حتى

[ 16 ]

غشيتهم فأكلت الاوثان وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما لم تضرهما، فأصفقت عند ذلك حمير على دينه، فمن هنالك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن. قال ابن إسحاق: وقد حدثنى محدث أن الحبرين، ومن خرج من حمير إنما اتبعوا النار ليردوها، وقالوا: من ردها فهو أولى بالحق، فدنا منها رجال من حمير بأوثانهم ليردوها، فدنت منهم لتأكلهم، فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردها، ودنا منها الحبران بعد ذلك، وجعلا يتلوان التوراة وتنكص [ عنهما ]، حتى رداها إلى مخرجها الذى خرجت منه، فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما، والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن إسحاق: وكان رئام بيتا لهم يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلمون [ منه ] إذا كانوا على شركهم ! فقال الحبران لتبع: إنما هو الشيطان يفتنهم بذلك، فحل بيننا وبينه، قال: فشأنكما به، فاستخرجا منه - فيما يزعم أهل اليمن - كلبا أسود فذبحاه، ثم هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم - كما ذكر لى - بها آثار الدماء التى كانت تهراق عليه ملك ابنه حسان بن تبان، وقتل عمرو أخيه [ له ] فلما ملك ابنه حسان بن تبان أسعد أبى كرب سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض الاعاجم، حتى إذا كانوا ببعض أرض العراق قال ابن هشام: بالبحرين، فيما ذكر لى بعض أهل العلم - كرهت حمير وقبائل اليمن المسير معه، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم، فكلموا أخا له يقال له عمرو، وكان معه في جيشه، فقالوا له: اقتل أخاك حسان ونملكك علينا، وترجع بنا إلى بلادنا، فأجابهم، فاجتمعوا على ذلك، إلا ذارعين الحميرى، فإنه نهاه عن ذلك، فلم يقبل منه، فقال ذو رعين:

[ 17 ]

ألا من يشترى سهرا بنوم * سعيد من يبيت قرير عين فإما حمير غدرت وخانت * فمعذرة الاله لذى رعين ثم كتبهما في رقعة، وختم عليها، ثم أتى بها عمرا، فقال له: ضع لى هذا الكتاب عندك، ففعل، ثم قتل عمرو أخاه حسان، ورجع بمن معه إلى اليمن، فقال رجال من حمير: لاه عينا الذى رأى مثل حسا * ن قتيلا في سالف الاحقاب قتلته مقاول خشية الحبس غداة قالوا: لباب لباب ميتكم خيرنا وحيكم * رب علينا وكلكم أربابي قال ابن إسحاق: وقوله " لباب لباب ": لا بأس لا بأس، بلغة حمير. قال ابن هشام: ويروى: لباب لباب. قال ابن إسحاق: فلما نزل عمرو بن تبان اليمن منع منه النوم، وسلط عليه السهر، فلما جهده ذلك سأل الاطباء والحزاة من الكهان والعرافين عما به، فقال له قائل منهم: إن والله ما قتل رجل قط أخاه، أو ذا رحمه بغيا على مثل ما قتلت أخاك عليه، إلا ذهب نومه، وسلط عليه السهر، فلما قيل له ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه حسان من أشراف اليمن، حتى خلص إلى ذى رعين، فقال له ذورعين: إن لى عندك براءة، فقال: وما هي ؟ قال: الكتاب الذى دفعته إليك، فأخرجه فإذا فيه [ مكتوب ] البيتان، فتركه، ورأى أنه قد نصحه. وهلك عمرو، فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا. وثوب لخنيعة ذى شناتر على ملك اليمن فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة، يقال له لخنيعة ينوف ذو شناتر، فقتل خيارهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، فقال قائل من حمير [ للخنيعة ]:

[ 18 ]

تقتل أبناها وتنفى سراتها * وتبنى بأيديها لها الذل حمير تدمر دنياها بطيش حلومها * وما ضعيت من دينها فهو أكبر (1) كذاك القرون قبل ذاك بظلمها * وإسرافها تأتى الشرور فتخسر وكان لخنيعة امرأ فاسقا يعمل عمل قوم لوط، فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك، لئلا يملك بعد ذلك. ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده، قد أخذ مسواكا فجعله في فيه، أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه، حتى بعث إلى زرعة ذى نواس ابن تبان أسعد أخى حسان، وكان صبيا صغيرا حين قتل حسان، ثم شب غلاما جميلا وسيما، ذا هيئة وعقل، فلما أتاه رسوله عرف ما يريد (2) به، فأخذ سكينا حديدا لطيفا، فخبأه بين قدمه ونعله، ثم أتاه، فلما خلا معه وثب إليه، فواثبه ذو نواس، فوجأه حتى قتله، ثم حز رأسه، فوضعه في الكوة التى كان يشرف منها، ووضع مسواكه في فيه، ثم خرج على الناس، فقالوا له: ذا نواس، أرطب أم يباس ؟ فقال: سل نخماس، استرطبان ذو نواس، استرطبان لا باس - قال ابن هشام: هذا كلام حمير، ونخماس: الرأس (3) - فنظروا إلى الكوة فإذا رأس لخنيعة مقطوع، فخرجوا في إثر ذى نواس حتى أدركوه، فقالوا: ما ينبغى أن يملكنا غيرك، إذا أرحتنا من هذا الخبيث. ملك ذى نواس فملكوه، واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير، وهو صاحب الاخدود، وتسمى يوسف، فأقام في ملكه زمانا. وبنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام على الانجيل، أهل


(1) في ب " أكثر " (2) في ب " يريد منه " (3) هكذا، وفى الاغانى 20 / 9 بولاق " ستعلم الاحراس، است ذى نواس، است رطبان أم يباس " (*).

[ 19 ]

فضل واستقامة، من أهل دينهم، لهم رأس يقال له عبد الله بن الثامر، وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران، وهى بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها، وذلك أن رجلا من بقايا أهل ذلك الدين - يقال له فيميون - وقع بين أظهرهم، فحملهم عليه، فدانوا به. ابتداء وقوع النصرانية بنجران قال ابن إسحاق: حدثنى المغيرة بن أبى لبيد مولى الاخنس عن وهب بن منبه اليماني أنه حدثهم: أن موقع ذلك الدين بنجران كان أن رجلا من بقايا أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام يقال له فيميون، وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا، مجاب الدعوة، وكان سائحا ينزل بين القرى، لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف بها، وكان لا يأكل إلا من كسب يديه، وكان بناء يعمل الطين، وكان يعظم الاحد، فإذا كان يوم الاحد لم يعمل فيه شيئا، وخرج إلا فلاة من الارض يصلى بها حتى يمسى، قال: وكان في قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفيا، ففطن لشأنه رجل من أهلها يقال له صالح، فأحبه حبا لم يحبه شيئا كان قبله، فكان يتبعه حيث ذهب، ولا بفطن له فيميون، حتى خرج مرة في يوم الاحد إلى فلاة من الارض، كما كان يصنع، وقد أتبعه صالح وفيميون لا يدرى، فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا منه، لا يحب أن يعلم بمكانه، وقام فيميون يصلى، فبينما هو يصلى إذ أقبل نحوه التنين - الحية ذات الرؤوس السبعة - فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت، ورآها صالح ولم يدر ما أصابها، فخافها عليه، فعيل عوله (1)، فصرخ: يا فيميون، التنين قد أقبل نحوك، فلم يلتفت إليه، وأقبل على صلاته حتى فرغ منها، وأمسى فانصرف، وعرف أنه قد عرف، وعرف صالح أنه


(1) في نسخة عند ا " فعول عولة " وعول: بتشديد الواو، يريد صاح صيحة (*).

[ 20 ]

قد رأى مكانه، فقال [ له: يا ] فيميون، تعلم والله أنى ما أحببت شيئا قط حبك، وقد أردت صحبتك، والكينونة معك حيث كنت، فقال: ما شئت، أمرى كما ترى، فإن علمت أنك تقوى عليه فنعم، فلزمه صالح. وقد كاد أهل القرية يفطنون لشأنه، وكان إذا فاجأه العبد به الضر دعا له فشفى، وإذا دعى إلى أحد به ضر لم يأته، وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير، فسأل عن شأن فيميون، فقيل له: إنه لا يأتي أحدا دعاه، ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالاجر، فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته وألقى عليه ثوبا، ثما جاءه فقال له: يا فيميون، إنى قد أردت أن أعمل في بيتى عملا فانطلق معى إليه حتى تنظر إليه، فأشارطك عليه، فانطلق معه، حتى دخل حجرته، ثم قال له: ما تريد أن تعمل في بيتك هذا ؟ قال: كذا وكذا، ثم انتشط الرجل الثوب عن الصبى، ثم قال له: يا فيميون، عبد من عباد الله أصابه ما ترى فادع الله له، فدعا له فيميون، فقال الصبى ليس به بأس. وعرف فيميون أنه قد عرف فخرج من القرية وأتبعه صالح، فبينما هو يمشى في بعض الشام إذا مر بشجرة عظيمة، فناداه منها رجل فقال: أفيميون ؟ قال نعم، قال: ما زلت أنظرك وأقول: متى هو جاء، حتى سمعت صوتك، فعرفت أنك هو، لا تبرح حتى تقوم على، فإنى ميت الآن، قال: فمات وقام عليه حتى واراه، ثم انصرف. وتبعه صالح، حتى وطئا بعض أرض العرب، فعدوا عليهما، فاختطفتهما سيارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران، وأهل نجران يومئذ على دين العرب، يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم، لها عيد في كل سنة، إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه، وحلى النساء، ثم خرجوا إليها فعكفوا عليها يوما، فابتاع فيميون رجل من أشرافهم، وابتاع صالحا آخر، فكان فيميون إذا قام من الليل [ يتهجد ] في بيت له - أسكنه إياه سيده - يصلى، استسرج له البيت نورا حتى يصبح من غير مصباح، فرأى ذلك سيده،

[ 21 ]

فأعجبه ما يرى منه، فسأله عن دينه فأخبره به، وقال له فيميون: إنما أنتم في باطل، إن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع، ولو دعوت عليها إلهى الذى أعبده لاهلكها، وهو الله وحده لا شريك له، قال: فقال له سيده: فافعل، فإنك إن فعلت دخلنا في دينك، وتركنا ما نحن عليه، قال: فقام فيميون، فتطهر وصلى ركعتين، ثم دعا الله عليها. فأرسل الله [ عليها ] ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه، فحملهم على الشريعة من دين عيسى بن مريم عليه السلام، ثم دخلت عليهم الاحداث التى دخلت على أهل دينهم بكل أرض، فمن هنالك كانت النصرانية بنجران في أرض العرب. قال ابن إسحاق: فهذا حديث وهب بن منبه عن أهل نجران. أمر عبد الله بن الثامر، وقصة أصحاب الاخدود قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى، وحدثني أيضا بعض أهل نجران عن أهلها، أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الاوثان، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران - ونجران: القرية العظمى التى إليها جماع أهل تلك البلاد - ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزلها فيميون - ولم يسموه لى باسمه الذى سماه به وهب بن منبه، قالوا: رجل نزلها - ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التى بها الساحر، فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث إليه الثامر ابنه عبد الله بن الثامر، مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى منه من صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه، ويستمع منه، حتى أسلم، فوحد الله وعبده وجعل يسأله عن شرائع الاسلام، حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الاعظم، وكان يعلمه، فكتمه إياه، وقال [ له ]: يابن أخى، إنك لن تحمله، أخشى [ عليك ] ضعفك عنه، والثامر أبو عبد الله لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبد الله أن صاحبه

[ 22 ]

قد ضن به عنه، وتخوف ضعفه فيه، عمد إلى قداح فجمعها، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح، لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الاعظم قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا، فأخذه، ثم أتى صاحبه فأخبره بأنه قد علم الاسم الذى كتمه، فقال: وما هو ؟ قال: هو كذا وكذا، قال: وكيف علمته ؟ فأخبره بما صنع، قال: أي ابن أخى، قد أصبته فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل. فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال [ له ]: يا عبد الله، أتوحد الله وتدخل في دينى وأدعوا الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء ؟ فيقول: نعم، فيوحد الله ويسلم. ويدعو له فيشفى، حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه، فاتبعه على أمره، ودعا له فعوفى، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران فدعاه فقال [ له ]: أفسدت على أهل قريتي، وخالفت دينى ودين آبائى، لا مثلن بك، قال: لا تقدر على ذلك، قال: فجعل يرسل به إلى الجبل [ الطويل ] فيطرح على رأسه فيقع إلى الارض ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران، بحور لا يقع فيها شئ إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر: إنك والله لن تقدر على قتلى حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت ذلك سلطت على فقتلتني، قال: فوحد الله تعالى ذلك الملك، وشهد شهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، ثم هلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين عبد الله ابن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الانجيل وحكمه، ثم اصابهم مثل ما أصاب أهل دينهم من الاحداث، فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران، والله أعلم بذلك. قال ابن إسحاق: فهذا حديث محمد بن كعب القرظى، وبعض أهل نجران

[ 23 ]

عن عبد الله بن الثامر، والله أعلم أي ذلك كان. فسار إليهم ذو نواس بجنوده، فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بين ذلك والقتل فاختاروا القتل، فخدلهم الاخدود، فحرق [ من حرق ] بالنار، وقتل بالسيف، ومثل بهم، حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا، ففى ذى نواس وجنده أنزل الله تعالى على رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: [ قتل أصحاب الاخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ]. [ 4 - 8 من سورة البروج ] قال ابن هشام: الاخدود: [ الحفر المستطيل في الارض، كالخندق والجدول ونحوه، وجمعه أخاديد. قال ذو الرمة - واسمه غيلان بن عقبة، أحد بنى عدى ابن عبد مناف بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر: من العراقية اللاتى يحيل لها * بين الفلاة وبين النخل أخدود يعنى جدولا. وهذا البيت في قصيدة له. قال: ويقال لاثر السيف والسكين في الجلد وأثر السوط ونحوه: أخدود، وجمعه أخاديد. قال ابن إسحاق: ويقال: كان فيمن قتل ذو نواس عبد الله بن الثامر، رأسهم وإمامهم. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث، أن رجلا من أهل نجران كان في زمان عمر بن الخطاب رضى الله عنه حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته، فوجدوا عبد الله بن الثامر تحت دفن منها قاعدا، واضعا يده على ضربة في رأسه، ممسكا عليها بيده، فإذا أخرت يده عنها تثعبت (1) دما، وإذا أرسلت يده ردها عليها، فأمسكت دمها، وفى يده خاتم مكتوب فيه: " ربى الله " فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب


(1) تثعبت: سالت، وفى ب " تنبعث ". (*)

[ 24 ]

يخبره بأمره، فكتب إليهم عمر رضى الله عنه: أن أقروه على حاله، وردوا عليه الدفن الذى كان عليه، ففعلوا. أمر دوس ذى ثعلبان، وابتداء ملك الحبشة وذكر أرياط المستولي على اليمن قال ابن إسحاق: وأفلت منهم رجل من سبأ، يقال له: دوس ذو ثعلبان، على فرس له، فسلك الرمل فأعجزهم، فمضى على وجهه ذلك، حتى أتى قيصر ملك الروم، فاستنصره على ذى نواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم، فقال له: بعدت بلادك منا، ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك، وكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره. فقدم دوس على النجاشي بكتاب قيصر، فبعث معه سبعين ألفا من الحبشة، وأمر عليهم رجلا منهم يقال له أرياط، ومعه في جنده أبرهة الاشرم، فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن، ومعه دوس [ ذو ثعلبان ]، وسار إليه ذو نواس في حمير، ومن أطاعه من قبائل اليمن، فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه، فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه في البحر، ثم ضربه فدخل به، فخاض به ضحضاح البحر، حتى أفضى به إلى غمره، فأدخله فيه، وكان آخر العهد به، ودخل أرياط اليمن فملكها. فقال رجل من أهل اليمن - وهو يذكر ما ساق إليهم دوس من أمر الحبشة: " لا كدوس ولا كأعلاق رحله " فهو مثل باليمن إلى هذا اليوم. وقال ذو جدن الحميرى: هونك ليس يرد الدمع ما فاتا * لا تهلكي أسفا في إثر من ماتا

[ 25 ]

أبعد بينون لا عين ولا أثر * وبعد سلحين يبنى الناس أبياتا ؟ وبينون وسلحين وغمدان: من حصون اليمن التى هدمها أرياط، ولم يكن في الناس مثلها، وقال ذو جدن أيضا: دعينى لا أبالك لن تطيقي * لحاك الله ! قد أنزفت ريقي لدى عزف القيان إذا انتشينا * وإذ نسقى من الخمر الرحيق وشرب الخمر ليس على عارا * إذا لم يشكني فيها رفيقي فإن الموت لا ينهاه ناه * ولو شرب الشفاء مع النشوق ولا مترهب في اسطوان * يناطح جدره بيض الانوق وغمدان الذى حدثت عنه * بنوه مسمكا في رأس نيق بمنهمة وأسلفه جروب * وحر المؤجل اللثق الزليق بمرمرة وأعلاه رخام * تحام لا يغيب في الشقوق مصابيح السليط تلوح فيه * إذا يمسى كتوماض البروق ونخلته التى غرست إليه * يكاد البسر يهصر بالعذوق فأصبح بعد جدته رمادا * وغير حسنه لهب الحريق وأسلم ذو نواس مستكينا * وحذر قومه ضنك المضيق وقال ابن الذئبة الثقفى في ذلك - قال ابن هشام: الذئبة أمه. واسمه ربيعة ابن عبد ياليل بن سالم بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسى: لعمرك ما للفتى من مفر * مع الموت يلحقه والكبر لعمرك ما للفتى صحرة * لعمرك ما إن له من وزر أبعد قبائل من حمير * أبيدوا صباحا بذات العبر بألف ألوف وحرابة * كمثل السماء قبيل المطر

[ 26 ]

يصم صياحهم القربات * وينفون من قاتلوا بالذفر سعالى مثل عديد الترا * ب تيبس منهم رطاب الشجر وقال عمرو بن معدى كرب الزبيدى في شئ كان بينه وبين قيس بن مكشوح المرادى فبلغه أنه يتوعده، فقال يذكر حمير وعزها وما زال من ملكها عنها: أتوعدنى كأنك ذو رعين * بأفضل عيشة، أو ذو نواس ؟ وكائن كان قبلك من نعيم * وملك ثابت في الناس راس قديم عهده من عهد عاد * عظيم قاهر الجبروت قاس فأمسى أهله بادوا، وأمسى * يحول من أناس في أناس قال ابن هشام: زبيد بن سلمة بن مازن بن منبه بن صعب بن سعد العشيرة ابن مذحج، ويقال: زبيد بن منبه بن صعب بن سعد العشيرة، ويقال: زبيد ابن صعب. ومراد: يحابر بن مذحج. قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة قال: كتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى سلمان بن ربيعة الباهلى، وباهلة: ابن يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان، وهو بأرمينية يأمره أن يفضل أصحاب الخيل العراب على أصحاب الخيل المقارف في العطاء، فعرض الخيل، فمر به فرس عمرو بن معدى كرب، فقال له سلمان: فرسك هذا مقرف، فغضب عمرو، وقال: هجين عرف هجينا مثله، فوثب إليه قيس فتوعده، فقال عمرو هذه الابيات. قال ابن هشام: فهذا الذى عنى سطيح الكاهن بقوله: " ليهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش ". والذى عن شق الكاهن بقوله: " لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران ".

[ 27 ]

غلب أبرهة الاشرم على أمر اليمن، وقتل أرياط قال ابن إسحاق: فأقام أرياط بأرض اليمن سنين في سلطانه ذلك، ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشى - [ وكان في جنده ] - حتى تفرقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كل واحد منهما طائفة منهم، ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط: إنك لا تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا. فابرز إلى وأبرز إليك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده، فأرسل إليه أرياط: أنصفت، فخرج إليه أبرهة، وكان رجلا قصيرا لحيما [ حادرا (1) ] وكان ذا دين في النصرانية، وخرج إليه أرياط - وكان رجلا جميلا عظيما طويلا - وفى يده حربة له، وخلف أبرهة غلام له - يقال له عتودة - يمنع ظهره، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة، يريد يافوخه، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وأنفه وعينه وشفته، فبذلك سمى أبرهة الاشرم، وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، وودى أبرهة أرياط. فلما بلغ ذلك النجاشي غضب غضبا شديدا، وقال: عدا على أميرى فقتله بغير أمرى ! ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده، ويجز ناصيته، فحلق أبرهة رأسه، وملا جرابا من تراب اليمن، ثم بعث إلى النجاشي، ثم كتب إليه: " أيها الملك، إنما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، فاختلفنا في أمرك، وكل طاعته لك، إلا أنى كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس منه، وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك، وبعثت إليه بجراب تراب من أرضى، ليضعه تحت قدميه، فيبر قسمه في ". فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضى عنه، وكتب إليه: أن اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمرى، فأقام أبرهة باليمن.


(1) الحادر: الرجل السمين الغلبظ (*).

[ 28 ]

أمر الفيل، وقصة النسأة ثم إن أبرهة بنى القليس بصنعاء، فبنى كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشئ من الارض، ثم كتب إلى النجاشي: إنى قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب. فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي، غضب رجل من النسأة، أحد بنى فقيم بن عدى بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. والنسأة: الذين كانوا ينسئون الشهور على العرب في الجاهلية، فيحلون الشهر من الاشهر الحرم، ويحرمون مكانه الشهر من أشهر الحل، ويؤخرون ذلك الشهر، ففيه أنزل الله تبارك وتعالى: [ إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما، ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله ] [ 37 من سورة التوبة ] قال ابن هشام: ليواطئوا: ليوافقوا، والمواطأة: الموافقة، تقول العرب: واطأتك على هذا الامر، أي وافقتك عليه. والايطاء في الشعر: الموافقة، وهو اتفاق القافيتين من لفظ واحد، وجنس واحد، نحو قول العجاج - واسم العجاج عبد الله بن رؤبة أحد بنى سعد بن زيد مناة بن تميم ابن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن بزار: * في أثعبان المنجنون المرسل * ثم قال: * مد الخليج في الخليج المرسل * وهذا البيتان في أرجوزة له. قال ابن إسحاق: وكان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحلت منها ما أحل، وحرمت منها ما حرم: القلمس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن

[ 29 ]

عدى بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة. ثم قام بعده على ذلك ابنه [ عباد ] بن حذيفة، ثم قام بعد عباد: قلع بن عباد، ثم قام بعد قلع: أمية بن قلع، ثم قام بعد أمية: عوف بن أمية، ثم قام بعد عوف: أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان آخرهم، وعليه قام الاسلام، وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فحرم الاشهر الحرم الاربعة: رجبا، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، فإذا أراد أن يحل منها شيئا أحل المحرم فأحلوه، وحرم مكانه صفرا فحرموه، ليواطئوا عدة الاربعة الاشهر الحرم، فإذا أرادوا الصدر قام فيهم فقال: اللهم إنى قد أحللت لهم أحد الصفرين، الصفر الاول، ونسأت الآخر للعام المقبل، فقال في ذلك عمير بن قيس جذل الطعان، أحد بنى فراس بن غنم [ بن ثعلبة ] بن مالك بن كنانة، يفخر بالنسأة على العرب: لقد علمت معد أن قومي * كرام الناس أن لهم كراما فأى الناس فاتونا بوتر * وأى الناس لم نملك لجاما ؟ ألسنا الناسئين على معد * شهور الحل نجعلها حراما ؟ قال ابن هشام: أول الاشهر الحرم المحرم. قال ابن إسحاق: فخرج الكنانى حتى أتى القليس فقعد فيها - قال ابن هشام: يعنى أحدث فيها - قال ابن إسحاق: ثم خرج فلحق بأرضه، فأخبر بذلك أبرهة، فقال: من صنع هذا ؟ فقيل له: صنع هذا رجل من العرب من أهل هذا البيت الذى تحج العرب إليه بمكة، لما سمع قولك: " أصرف إليها حج العرب " غضب فجاء فقعد فيها، أي أنها ليست لذلك بأهل، فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه، ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، ثم سار وخرج معه بالفيل، وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظعوا

[ 30 ]

به، ورأوا جهاده حقا عليهم، حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة، بيت الله الحرام. فخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له: ذو نفر، فدعا قومه من أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله [ الحرام ]، وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه إلى ذلك من أجابه، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر فأتى به أسيرا، فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك، لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلى، فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق، وكان أبرهة رجلا حليما. ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلى خثعم: شهران، وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيل أسيرا فأتى به، فلما هم بقتله قال له نفيل: أيها الملك، لا تقتلني فإنى دليلك بأرض العرب، وهاتان يداى لك على قبيلى خثعم: شهران، وناهس، بالسمع والطاعة، فخلى سبيله. وخرج به معه يدله، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب ابن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف في رجال ثقيف. واسم ثقيف قسى بن النبيت بن منبه بن منصور بن يقدم بن أفصى بن دعمى بن إياد [ بن نزار ] بن معد بن عدنان. قال أمية بن أبى الصلت الثقفى: قومي إياد لو أنهم أمم * أو لو أقاموا فتهزل النعم قوم لهم ساحة العراق إذا * ساروا جميعا والقط والقلم [ وهو الصك - قال ابن هشام: وهو قول الله تعالى: [ عجل لنا قطنا ] 16 من سورة ص ] (1)


سقط ما بين المعقوفين مما عدا ا (*).

[ 31 ]

قال ابن إسحاق: وقال أمية بن أبى الصلت أيضا: فإما تسألي عنى لبينى * وعن نسبي أخبرك اليقينا فإنا للنبيت أبى فسى * لمنصور بن يقدم الا فدمينا قال ابن هشام: ثقيف: قسى بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور ابن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. والبيتان الاولان والآخران في قصيدتين لامية. قال ابن إسحاق: فقالوا له: أيها الملك، إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذى تريد - يعنون اللات - إنما تريد البيت الذى بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم. واللات: بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة - قال ابن هشام: أنشدني أبو عبيدة النحوي لضرار بن الخطاب الفهرى: وفرت ثقيف إلى لاتها * بمنقلب الخائب الخاسر وهذا البيت في أبيات له. قال ابن إسحاق: فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس (1)، فلما أنزله [ به ] مات أبو رغال هنالك، فرجمت قبره العرب، فهو القبر الذى يرجم الناس بالمغمس (1). فلما نزل أبرهة المغمس (1) بعث رجلا من الحبشة يقال له: الاسود بن مقصود على خيل له، حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال [ أهل ] تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مئتى بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم [ من سائر الناس ] بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك.


(1) المغمس - بكسر الميم مشددة أو فتحها - على ثلثى فرسخ من مكة في طريق الطائف (*)

[ 32 ]

وبعث أبرهة حناطة الحميرى إلى مكة، وقال له: سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفها، ثم قل [ له ]: إن الملك يقول لك: إنى لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لى بدمائكم، فإن هو لم يرد حربى فأتني به، فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم [ بن عبد مناف بن قصى ]، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام - أو كما قال - فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه، فقال [ له ] حناطة: فانطلق معى إليه، فإنه قد أمرنى أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب - ومعه بعض بنيه - حتى أتى العسكر، فسأل عن ذى نفر، وكان له صديقا، حتى دخل عليه وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفر، هل عندك من غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر:: وما غناء رجل أسير بيدى ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ! ما عندي غناء في شئ مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لى، وسأرسل إليه فأوصيه بك، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك، فقال: حسبى، فبعث ذو نفر إلى أنيس، فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش، وصاحب عير مكة، يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب له الملك مئتى بعير، فاستأذن له عليه، وانفعه عنده بما استطعت، فقال: أفعل. فكلم أنيس أبرهة، فقال له: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عير مكة، وهو يطعم الناس في السهل، والوحوش في رءوس الجبال، فأذن له عليك، فيكلمك في حاجته، [ وأحسن إليه ]. قال: فأذن له أبرهة.

[ 33 ]

قال: وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم، فلما رآه أبرهة أجله [ وأعظمه ] وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه، [ فنزل أبرهة عن سريره ] فجلس على بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له: حاجتك ؟ فقال له ذلك الترجمان، فقال: حاجتى أن يرد على الملك مئتى بعير أصابها لى، فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قدز هدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مئتى بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه ؟ ! قال له عبد المطلب: إنى أنا رب الابل، وإن للبيت ربا سيمنعه، قال: ما كان ليمتنع منى، قال: أنت وذاك. وكان - فيما يزعم بعض أهل العلم - قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة، حين بعث إليه - حناطة - يعمر بن نفاثة بن عدى بن الدئل بن بكر بن [ عبد ] مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد بنى بكر، وخويلد بن واثلة الهذلى، وهو يومئذ سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة، على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى عليهم. والله أعلم أكان ذلك أم لا. فرد أبرهة على عبد المطلب الابل التى أصاب له. فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرز في شعف الجبال، والشعاب، تخوفا عليهم [ من ] معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: لا هم إن العبد يمنع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم غدوا محالك [ زاد الواقدي ]:

[ 34 ]

إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمر ما بدا لك قال ابن هشام: هذا ما صح له منها. قال ابن إسحاق: وقال عكرمة بن هاشم بن عامر بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى: لا هم أخز الاسود بن مقصود * الآخذ الهجمة فيها التقليد بين حراء وثبير فالبييد * يحبسها وهى أولات التطريد فضمها إلى طماطم سود * أخفره يا رب وأنت محمود قال ابن هشام: هذا ما صح له منها [ والطماطم: الاعلاج ]. قال ابن إسحاق ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله وعبى جيشه، وكان اسم الفيل محمودا، وأبرهة مجمع لهدم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن. فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب [ الخثعمي ] حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه فقال: ابرك محمود، أو ارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل، وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم، فأبى، فضربوا [ في ] رأسه بالطبرزين [ ليقوم ] فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، فأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدون الطريق الذى منه جاءوا،

[ 35 ]

ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمة: أين المفر والاله الطالب * والاشرم المغلوب ليس الغالب (1) قال ابن هشام: قوله: " ليس الغالب " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال نفيل أيضا: ألا حبيت عنا ياردينا * نعمنا كم مع الاصباح عينا [ أتانا قابس منكم عشاء * فلم يقدر لقابسكم لدينا ] ردينة لو رأيت - ولا تريه - * لدى جنب المحصب ما رأينا إذا لعذرتني وحمدت أمرى * ولم تأسى على ما فات بينا حمدت الله إذ أبصرت طيرا * وخفت حجارة تلقى علينا وكل القوم يسأل عن نفيل * كأن على للحبشان دينا فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون [ بكل مهلك ] على كل منهل وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم تسقط [ أنامله ] أنملة انملة، كلما سقطت أنملة أتبعتها منه مدة تمث قيحا ودما، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، فيما يزعمون قال ابن إسحاق: حدثنى يعقوب بن عتبة أنه حدث: أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤى بها مرائر الشجر والحرمل والحنظل والعشر ذلك العام. قال ابن إسحاق: فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم، كان مما يعد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله، مارد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم، فقال الله تبارك وتعالى: [ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ؟ ألم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم


(1) يستدل بعض النجاة بهذا البيت على أن " ليس " يأتي حرف عطف، مثل لا " (*)

[ 36 ]

بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول، لايلاف قريش إيلافهم، رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف - سورتا الفيل وقريش بتمامها ] أي لئلا يغير شيئا من حالهم التى كانوا عليها لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه. قال ابن هشام: الابابيل: الجماعات، ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه وأما السجيل، فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب: الشديد الصلب. قال رؤبة بن العجاج: ومسهم ما مس أصحاب الفيل * ترميهم حجارة من سجيل ولعبت طير بهم أبابيل وهذه الابيات في أرجوزة له. وذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية، جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنما هو سنج وجل، يعنى بالسنج: الحجر، والجل: الطين. يعنى: الحجارة من هذين الجنسين: الحجر والطين والعصف: ورق الزرع الذى لم يقصب، وواحدته عصفة. قال: وأخبرني أبو عبيدة النحوي أنه يقال له: العصافة والعصيفة. وأنشدني لعلقمة بن عبدة أحد بنى ربيعة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم: تسقى مذانب قد مالت عصيفتها * حدورها من أتى الماء مطموم وهذا البيت في قصيدة له، وقال الراجز: فصيروا مثل كعصف مأكول قال ابن هشام: ولهذا البيت تفسير في النحو (1). وإيلاف قريش: إيلافهم الخروج إلى الشام في تجارتهم، وكانت لهم خرجتان: خرجة في الشتاء، وخرجة في الصيف. أخبرني أبو زيد الانصاري أن العرب تقول: ألفت الشئ إلفا، وآلفته إيلافا، في معنى واحد.


(1) خلاصته أن الكاف في قوله " كعصف " زائدة، لوجود " مثل " قبلها وهو اسم (*)

[ 37 ]

وأنشدني لذى الرمة: من المؤلفات الرمل أدماء حرة * شعاع الضحى في لونها يتوضح وهذا البيت في قصيدة له. وقال مطرود بن كعب الخزاعى: المنعمين إذا النجوم تغيرت * والظاعنين لرحلة الايلاف وهذا البيت في أبيات له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. والايلاف أيضا: أن يكون للانسان ألف من الابل، أو البقر، أو الغنم، أو غير ذلك يقال: آلف فلان إيلافا. قال الكميت بن زيد، أحد بنى أسد بن خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد: بعام يقول له المؤلفو * ن: هذا المعيم لنا المرجل وهذا البيت في قصيدة له. والايلاف أيضا: أن يصير القوم ألفا، يقال: آلف القوم إيلافا، قال الكميت بن زيد: وآل مزيقياء غداة لا قوا * بنى سعد بن ضبة مؤلفينا وهذا البيت في قصيدة له. والايلاف أيضا: أن تؤلف الشئ إلى الشئ فيألفه ويلزمه، يقال: آلفته إياه إيلافا. والايلاف أيضا: ان تصير ما دون الالف ألفا، يقال: آلفته إيلافا. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن أبى بكر عن عمرة بنة عبد الرحمن ابن سعد بن زرارة عن عائشة رضى الله عنها - قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان [ الناس ]. ما قيل في صفة الفيل من الشعر قال ابن إسحاق: فلما رد الله الحبشة عن مكة، وأصابهم بما أصابهم به من النقمة، أعظمت العرب قريشا، وقالوا: هم أهل الله، قاتل الله عنهم وكفاهم

[ 38 ]

مئونة عدوهم، فقالوا في ذلك أشعارا يذكرون فيها ما صنع الله بالحبشة، وما رد عن قريش من كيدهم. فقال عبد الله بن الزبعرى بن عدى بن قيس بن عدى بن سعد بن سعيد ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر: تنكلوا عن بطن مكة إنها * كانت قديما لا يرام حريمها لم تخلق الشعرى ليالى حرمت * إذ لا عزيز من الانام يرومها سائل أمير الحبش عنها ما رأى * ولسوف ينبى الجاهلين عليمها ستون ألفا لم يؤوبوا أرضهم * ولم يعش بعد الاياب سقيمها كانت بها عاد وجرهم قبلهم * والله من فوق العباد يقيمها قال ابن إسحاق: يعنى ابن الزبعرى بقوله: * ولم يعش بعد الاياب سقيمها * أبرهة، إذا حملوه معهم حين أصابه ما أصابه حتى مات بصنعاء. وقال أبو قيس بن الاسلت الانصاري ثم الخطمى، واسمه صيفي - قال ابن هشام: أبو قيس: صيفي بن الاسلت بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس ابن عامر بن مرة بن مالك بن الاوس: ومن صنعه يوم فيل الحبو * ش إذ كلما بعثوه رزم محاجنهم تحت أقرابه * وقد شرموا أنفه فانخزم وقد جعلوا سوطه مغولا * إذا يمموه قفاه كلم فولى وأدبر أدراجه * وقد باء بالظلم من كان ثم فأرسل من فوقهم حاصبا * فلفهم مثل لف القزم تحض على الصبر أحبارهم * وقد ثأجوا كثواج الغنم قال ابن هشام: وهذه الابيات في قصيدة له. والقصيدة أيضا تروى لامية ابن أبى الصلت.

[ 39 ]

قال ابن إسحاق: وقال أبو قيس بن الاسلت أيضا: فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا * بأركان هذا البيت بين الاخاشب فعندكم منه بلاء مصدق * غداة أبى يكسوم هادى الكتائب كتيبته بالسهل تمسى ورجله * على القاذفات في رءوس المناقب فلما أتاكم نصر ذى العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب فولوا سراعا هاربين ولم يؤب * إلى أهله ملحبش غير عصائب قال ابن هشام: أنشدني أبو زيد الانصاري قوله: * على القاذفات في رءوس المناقب * وهذه الابيات في قصيدة لابي قيس سأذكرها في موضعها إن شاء الله. وقوله: " غداة أبى يكسوم " يعنى أبرهة، كان يكنى أبا يكسوم. قال ابن إسحاق: وقال طالب بن أبى طالب بن عبد المطلب: ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * وجيش أبى يكسوم إذ ملئوا الشعبا فلولا دفاع الله لا شئ غيره * لاصبحتم لا تمنعون لكم سربا قال ابن هشام: وهذان البيتان في قصيدة له في يوم بدر سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق: وقال أبو الصلت بن أبى ربيعة الثقفى في شأن الفيل، ويذكر الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام - قال ابن هشام: تروى لامية بن أبى الصلت بن أبى ربيعة الثقفى - إن آيات ربنا ثاقبات * لا يمارى فيهن إلا الكفور خلق الليل والنهار، فكل * مستبين حسابه مقدور ثم يجلو النهار رب كريم * بمهاة شعاعها منشور حبس الفيل بالمغمس حتى * ظل يحبو كأنه معقور لازما حلقة الجران كما قطر من صخر كبكب محدور

[ 40 ]

حوله من ملوك كندة أبطا * ل ملاويث في الحروب صقور خلفوه ثم ابذعروا جميعا * كلهم عظم ساقه مكسور كل دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفة بور قال ابن هشام: وقال الفرزدق - واسمه همام بن غالب أحد بنى مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم - يمدح سليمان بن عبد الملك بن مروان، ويهجوا الحجاج بن يوسف، ويذكر الفيل وجيشه: فلما طغى الحجاج حين طغى به * غنى قال: إنى مرتق في السلالم فكان كما قال ابن نوح: سأرتقى * إلى جبل من خشية الماء عاصم رمى الله في جثمانه مثل ما رمى * عن القبلة البيضاء ذات المحارم جنودا تسوق الفيل حتى أعادهم * هباء، وكانوا مطر خمى الطراخم نصرت كنصر البيت إذ ساق فيله * إليه عظيم المشركين الاعاجم وهذه الابيات في قصيدة له. قال ابن هشام: وقال عبد الله بن قيس الرقيات، أحد بنى عامر بن لؤى ابن غالب يذكر أبرهة - وهو الاشرم - والفيل: كاده الاشرم الذى جاء بالفيل فولى وجيشه مهزوم واستهلت عليهم الطير بالجندل حتى كأنه مرجوم ذاك من يغزه من الناس يرجع * وهو فل من الجيوش ذميم وهذه الابيات في قصيدة له. قال ابن إسحاق: فلما هلك أبرهة، ملك الحبشة ابنه يكسوم بن أبرهة، وبه كان يكنى، فلما هلك يكسوم بن أبرهة، ملك اليمن في الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة.

[ 41 ]

خروج سيف بن ذى يزن وملك وهرز علي اليمن فلما طال البلاء على أهل اليمن، خرج سيف بن ذى يزن الحميرى، وكان يكنى بأبى مرة، حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكا إليه ما هم فيه، وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم هو، ويبعث إليهم من شاء من الروم، فيكون له ملك اليمن، فلم يشكه [ ولم يجد عنده شيئا مما يريد ]. فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر - وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق - فشكا إليه أمر الحبشة، فقال له النعمان: إن لى على كسرى وفادة في كل عام، فأقم حتى يكون ذلك، ففعل، ثم خرج معه فأدخله على كسرى، وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذى فيه تاجه، وكان تاجه مثل القنقل العظيم - فيما يزعمون - يضرب فيه الياقوت واللؤلؤ والزبرجد بالذهب والفضة، معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك، وكانت عنقه لا تحمل تاجه، إنم يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ثم يدخل رأسه في تاجه، فإذا استوى في مجسله كشفت عنه الثياب، فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له، فلما دخل عليه سيف بن ذى يزن برك. قال ابن هشام: حدثنى أبو عبيدة أن سيفا لما دخل عليه طأطأ رأسه، فقال الملك: إن هذا الاحمق يدخل على من هذا الباب الطويل، ثم يطأطئ رأسه ! فقيل ذلك لسيف، فقال: إنما فعلت هذا الهمى، لانه يضيق عنه كل شئ. قال ابن إسحاق: ثم قال له: أيها الملك، غلبتنا على بلادنا الاغربة، فقال كسرى: أي الاغربة: الحبشة، أم السند ؟ فقال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرني، ويكون ملك بلادي لك، قال: بعدت بلادك مع قلة خيرها فلم أكن لاورط جيشا من فارس بأرض العرب، لا حاجة لى بذلك، ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف، وكساه كسوة حسنة فلما قبض ذلك [ منه ] سيف خرج

[ 42 ]

فجعل ينثر ذلك الورق للناس، فبلغ ذلك الملك، فقال: إن هذا لشأنا، ثم بعث إليه فقال: عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس ! فقال: وما أصنع بهذا، ما جبال أرضى التى جئت منها إلا ذهب وفضة، يرغبه فيها. فجمع كسرى مرازبته، فقال لهم: ماذا ترون في أمر هذا الرجل، وما جاء له ؟ فقال قائل: أيها الملك، إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم معه، فإن يهلكوا كان ذلك الذى أردت بهم، وإن ظفروا كان ملكا ازددته. فبعث معه كسرى من كان في سجونه، وكانوا ثمان مئة رجل. واستعمل عليهم [ رجلا منهم ] يقال له وهرز، وكان ذا سن فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا، فخرجوا في ثمان سفائن، فغرقت سفينتان، ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن، فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه، وقال له: رجلى مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا، قال له وهرز: أنصفت، وخرج له مسروق بن أبرهة ملك اليمن، وجمع إليه جنده، فأرسل إليهم وهرز ابنا له، ليقاتلهم فيختبر قتالهم، فقتل ابن وهرز، فزاده ذلك حنقا عليهم. فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز: أرونى ملكهم، فقالوا له: أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه، بين عينيه ياقوتة حمراء ؟ قال: نعم، قالوا: ذاك ملكهم، فقال: اتركوه، فوقفوا طويلا، ثم قال: علام هو ؟ قالوا: قد تحول على الفرس، قال: اتركوه، فوقفوا طويلا، ثم قال: علام هو ؟ قالوا: قد تحول على البغلة، قال وهرز: بنت الحمار ! ذل وذل ملكه، إنى سأرميه، فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم، فإنى قد أخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به فقد أصبت الرجل، فاحملوا عليهم، ثم وتر قوسه وكانت فيما يزعمون لا يوترها غيره من شدتها، وأمر بحاجبيه فعصبا له، ثم رماه فصك الياقوتة التى بين عينية، فتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه، ونكس عن دابته، واستدارت الحبشة ولاثت به، وحملت عليهم الفرس،

[ 43 ]

وانهزموا، فقتلوا وهربوا في كل وجه، وأقبل وهرز ليدخل صنعاء، حتى إذا أتى بابها قال: لا تدخل رايتى منكسة أبدا، اهدموا الباب، فهدم. ثم دخلها ناصبا رايته، فقال سيف بن ذى يزن الحميرى: يظن الناس بالملكين * أنهما قد التأما ومن يسمع بلامهما * فإن الخطب قد فقما قتلنا القيل مسروقا * وروينا الكثيب دما وإن القيل قيل النا * س وهرز مقسم قسما يذوق مشعشعا حتى * يفئ السبى والنعما قال ابن هشام: وهذه الابيات في أبيات له. وأنشدني خلاد بن قرة السدوسى آخرها بيتا لاعشى بنى قيس بن ثعلبة في قصيدة له، وغيره من أهل العلم بالشعر ينكرها له. قال إبن إسحاق: وقال أبو الصلت بن أبى ربيعة الثقفى - قال ابن هشام: وتروى لامية بن أبى الصلت: ليطلب الوتر أمثال ابن ذى يزن * ريم في البحر للاعداء أحوالا يمم قيصر لما حان رحلته * فلم يجد عنده بعض الذى سالا ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة * من السنين يهين النفس والمالا (1) حتى أتى ببنى الاحرار يحملهم * إنك عمرى لقد أسرعت قلقالا (2) لله درهم من عصبة خرجوا * ما إن أرى لهم في الناس أمثالا بيضا مرازبة غلبا أساورة * أسدا تربب في الغيضات أشبالا يرمون عن شدف كأنها غبط * بزمخر يعجل المرمى إعجالا [ أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد * أضحى شريدهم في الارض فلالا ]


(1) في ا " ثم انتحى " وتأخر فيها هذا البيت عن تاليه (2) بنو الاحرار: الفرس (*)

[ 44 ]

فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا * في رأس غمدان دارا منك محلالا واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم * وأسبل اليوم في برديك إسبالا تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا يماء فعادا بعد أبوالا قال ابن هشام: هذا ما صح له مما روى ابن إسحاق منها، إلا آخرها بيتا قوله: * تلك المكارم لا قعبان من لبن * فإنه للنابغة الجعدى. [ واسمه حبان بن عبد الله بن قيس، أحد بنى جعدة ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ] في قصيدة له. قال ابن إسحاق: وقال عدى بن زيد الحيرى، وكان أحد بنى تميم - قال ابن هشام: ثم أحد بنى امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم، ويقال: عدى من العباد من أهل الحيرة: ما بعد صنعاء كان يعمرها * ولاة ملك جزل مواهبها رفعها من بنى لدى قزع المزن وتندى مسكا محاربها محفوفة بالجبال دون عرى الكائد ما ترتقى غواربها يأنس فيها صوت النهام إذا * جاوبها بالعشى قاصبها ساقت إليها الاسباب جند بنى الاحرار فرسانها مواكبها وفوزت بالبغال توسق بالحتف وتسعى بها توالبها حتى رآها الاقوال من طرف المنقل مخضرة كتائبها يوم ينادون آل بربر واليكسوم لا يفلحن هاربها وكان يوم باقى الحديث وزا * لت إمة ثابت مراتبها وبدل الفيج بالزرافة وا * لايام جون جم عجائبها بعد بنى تبع نخاورة * قد اطمأنت بها مرازبها قال ابن هشام: وهذه الابيات في قصيدة له، وأنشدني أبو زيد [ الانصاري ]،

[ 45 ]

ورواه لى عن المفضل الضبى قوله: " يوم ينادون آل بربر واليكسوم " وهذا الذى عنى سطيح بقوله: " يليه إرم ذى يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدا منهم باليمن ". والذى عنى شق بقوله: " غلام ليس بدنى ولا مدن، يخرج عليهم من بيت ذى يزن ". ذكر ما انتهى إليه أمر الفرس باليمن قال ابن إسحاق: فأقام وهرز والفرس باليمن، فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الابناء الذى باليمن اليوم، وكان ملك الحبشة باليمن - فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروق بن أبرهة وأخرجت الحبشة - اثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة: أرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة. قال ابن هشام: ثم مات وهرز فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن، ثم مات المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان بن المرزيان على اليمن، ثم مات التينجان، فأمر كسرى ابن التينجان على اليمن، ثم عزله وأمر باذان، فلم يزل باذان عليها حتى بعث الله محمدا [ النبي ] صلى الله عليه وسلم. فبلغني عن الزهري أنه قال: كتب كسرى إلى باذان: إنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه بنى، فسر إليه فاستتبه، فإن تاب وإلا فابعث إلى برأسه، فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه رسول صلى الله عليه وسلم: إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا من شهر كذا، فلما أتى باذان الكتاب توقف لينظر، وقال: إن كان نبيا فسيكون ما قال، فقتل الله كسرى في اليوم الذى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال ابن هشام: [ قتل ] على يدى ابنه شيرويه، وقال خالد بن حق الشيباني:

[ 46 ]

وكسرى إذ تقسمه بنوه * بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيوم * أنى، ولكل حاملة تمام فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت الرسل من الفرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى من نحن يارسول الله ؟ قال: أنتم منا وإلينا أهل البيت. قال ابن هشام: فبلغني عن الزهري أنه قال: فمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلمان منا أهل البيت. قال ابن هشام: فهو الذى عنى سطيح بقوله: " نبى زكى، يأتيه الوحى من قبل العلى " والذى عنى شق بقوله: " بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، من أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل ". قال إبن إسحاق: وكان في حجر باليمن - فيما يزعمون - كتاب الزبور كتب في الزمان الاول: " لمن ملك ذمار ؟ لحمير الاخيار، لمن ملك ذمار ؟ للحبشة الاشرار، لمن ملك ذمار ؟ لفارس الاحرار، لمن ملك ذمار ؟ لقريش التجار ". وذمار: اليمن أو صنعاء. قال ابن هشام: ذمار: بالفتح، فيما أخبرني يونس [ النحوي ]. قال ابن إسحاق: وقال الاعشى أعشى بنى قيس بن ثعلبة في وقوع ما قال سطيح وصاحبه: ما نظرت ذات أشفار كنظرتها * حقا كما صدق الذئبى إذ سجعا وكانت العرب تقول لسطيح: الذئبى، لان سطيح بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب. قال ابن هشام: وهذا البيت في قصيدة له.

[ 47 ]

قصة ملك الحضر قال ابن هشام: وحدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسى عن جناد - أو عن بعض علماء أهل الكوفة بالنسب - أنه يقال: إن النعمان بن المنذر من ولد ساطرون ملك الحضر. والحضر: حصن عظيم كالمدينة، كان على شاطئ الفرات، وهو الذى ذكر عدى بن زيد في قوله: وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج‍ * لة تجبى إليه والخابور شاده مرمرا وجلله كا * سا، فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فبان الم‍ * لك عنه فبابه مهجور قال ابن هشام: وهذه الابيات في قصيدة له. والذى ذكره أبو داود الايادي في قوله: وأرى الموت قد تدلى من الحضر على رب أهل الساطرون وهذه البيت في قصيدة له. ويقال: إنها لخلف الاحمر، ويقال: لحماد الرواية. وكان كسرى سابور ذو الاكتاف غزا ساطرون ملك الحضر، فحصره سنتين، فأشرفت بنت ساطرون يوما فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، وكان جميلا، فدست إليه: أتتزوجني إن فتحت لك باب الحضر ؟ فقال: نعم، فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر، وكان لا يبيت إلا سكران، فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه، فبعثت بها مع مولى لها، ففتح الباب، فدخل سابور فقتل ساطرون، واستباح الحضر وخربه، وسار بها معه وتزوجها. فبينا هي نائمة في فراشها ليلا إذ جعلت تتململ لا تنام، فدعا لها بشمع، ففتش فراشها، فوجد عليه ورقة آس، فقال لها سابور: أهذا الذى أسهرك ؟ قالت: نعم،

[ 48 ]

قال: فما كان أبوك يصنع بك ؟ قالت: كان يفرش لى الديباج، ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ، ويسقيني الخمر، قال: أفكان جزاء أبيك ما صنعت به ؟ أنت إلى بذلك أسرع، ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس، ثم ركض الفرس حتى قتلها، ففيه يقول أعشى بنى قيس بن ثعلبة: ألم تر للحضر إذ أهله * بنعمى، وهل خالد من نعم ؟ أقام به شاهبور الجنو * د حولين تضرب فيه القدم فلما دعا ربه دعوة * أناب إليه فلم ينتقم وهذه الابيات في قصيدة له. وقال عدى بن زيد في ذلك: الحضر صابت عليه داهية * من فوقه أيد مناكبها ربية لم توق والدها لحينها إذ أضاع راقبها إذ غبقته صهباء صافية * والخمر وهل يهيم شاربها فأسلمت أهلها بليلتها * تظن أن الرئيس خاطبها فكان حظ العروس إذ جشر الصبح دماء تجرى سبائبها وخرب الحضر واستبيح، وقد * أحرق في خدرها مشاجبها وهذه الابيات في قصيدة له. ذكر ولد نزار بن معد قال ابن إسحاق: فولد نزار بن معد ثلاثة نفر: مضر بن نزار، وربيعة بن نزار، وأنمار بن نزار. قال ابن هشام: وإياد بن نزار، قال الحارث بن دوس الايادي، ويروى لابي دواد الايادي، واسمه جارية بن الحجاج: وفتو حسن أوجههم * من إياد بن نزار بن معد

[ 49 ]

وهذا البيت في أبيات له. فأم مضر وإياد: سودة بنت عك بن عدنان، وأم ربيعة وأنمار: شقيقة بنت عك بن عدنان، ويقال: جمعة بنت عك بن عدنان. قال ابن إسحاق: فأنمار: أبو خثعم وبجيلة، قال جرير بن عبد الله البجلى وكان سيد بجيلة، وهو الذى يقول له القائل: لولا جرير هلكت بجيله * نعم الفتى وبئست القبيله وهو ينافر الفرافصة الكلبى إلى الاقرع بن حابس التميمي [ بن عقال بن مجاشع ابن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ]: يا أقرع بن حابس يا أقرع * إنك إن يصرع أخوك تصرع وقال: ابني نزار انصرا أخاكما * إن أبى وجدته أباكما * لن يغلب اليوم أخ والا كما * وقد تيامنت فلحقت باليمن. قال ابن هشام: قالت اليمن: وبجيلة: أنمار بن إراش بن لحيان بن عمرو ابن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، ويقال: إراش ابن عمرو بن لحيان بن الغوث. ودار بجيلة وخثعم: يمانية. قال ابن إسحاق: فولد مضر بن نزار رجلين: إلياس بن مضر، وعيلان ابن مضر. قال ابن هشام: وأمهما جرهمية. قال ابن إسحاق: فولد إلياس بن مضر ثلاثة نفر: مدركة بن إلياس، وطابخة بن إلياس، وقمعة بن إلياس، وأمهم خندف، امرأة من اليمن. قال ابن هشام: خندف بنت عمران بن الحاف بن قضاعة. قال ابن إسحاق: وكان اسم مدركة عامرا، واسم طابخة عمرا، وزعموا

[ 50 ]

أنهما كانا في إبل لهما يرعيانها، فاقتنصا صيدا فقعدا عليه يطبخانه، وعدت عادية على إبلهما، فقال عامر لعمرو: أتدرك الابل أم تطبخ هذا الصيد ؟ فقال عمرو: بل أطبخ، فلحق عامر بالابل فجاء بها، فلما راحا على أبيهما حدثاه بشأنهما، فقال لعامر: أنت مدركة، وقال لعمرو: وأنت طابخة [ وخرجت أمهم لما بلغها الخبر، وهى مسرعة، فقال لها: تخندفين ! فسميت خندف ]. وأما قمعة فيزعم نساب مضر أن خزاعة من ولد عمرو بن لحى بن قمعة ابن إلياس. قصة عمرو بن لحى، وذكر أصنام العرب قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت عمرو بن لحى يجر قصبة في النار، فسألته عمن بينى وبينه من الناس، فقال: هلكوا. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة - قال ابن هشام: واسم أبى هريرة: عبد الله ابن عامر، ويقال: اسمه عبد الرحمن بن صخر - يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لاكثم بن الجون الخزاعى: يا أكثم رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا بك منه، فقال أكثم: عسى أن يضرنى شبهه يا رسول الله ! قال: لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الاوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامى. قال ابن هشام: حدثنى بعض أهل العلم: أن عمرو بن لحى خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق - وهم ولد عملاق، ويقال: عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح - رآهم يعبدون

[ 51 ]

الاصنام، فقال لهم: ما هذه الاصنام التى أراكم تعبدون ؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنما، فأسير به إلى أرض العرب، فيعبدوه ؟ فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. قال ابن إسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بنى إسماعيل، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم، حين ضاقت عليهم، والتمسوا الفسح (1) في البلاد، إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه، فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة، وأعجبهم، حتى خلف الخلوف، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الاوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الامم قبلهم من الضلالات، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها: من تعظيم البيت، والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف على عرفة والمزدلفة، وهدى البدن، والاهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه، فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك ". فيوحدونه بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم، ويجعلون ملكها بيده. يقول الله تبارك وتعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: [ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ] [ 106 من سورة يوسف ] أي ما يوحدونني لمعرفة حقى إلا جعلوا معى شريكا من خلقي. وقد كانت لقوم نوح أصنام قد عكفوا عليها، قص الله تبارك وتعالى خبرها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [ قالوا لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن


(1) الفسح: جمع فسحة، كغرفة - وهى السعة، والفسح - بفتح فسكون - مثله (*).

[ 52 ]

ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا، وقد أضلوا كثيرا ] [ 23 و 24 من سورة نوح ] فكان الذين اتخذوا تلك الاصنام من ولد إسماعيل وغيرهم، وسموا بأسمائهم حين فارقوا دين إسماعيل: هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، اتخذوا سواعا، فكان لهم برهاط، وكلب بن وبرة من قضاعة، اتخذوا ودا بدومة الجندل. قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك الانصاري: وننسى اللات والعزى وودا * ونسلبها القلائد والشنوفا قال ابن هشام: وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله قال ابن هشام: وكلب: ابن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. قال ابن إسحاق: وأنعم من طيئ، وأهل جرش من مذحج، اتخذوا يغوث بجرش. قال ابن هشام: ويقال: أنعم. وطيئ: ابن أدد بن مالك ومالك: مذحج ابن أدد، ويقال: طيئ ابن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ. قال ابن إسحاق: وخيوان بطن من همدان، اتخذوا يعوق بأرض همدان من أرض اليمن. قال ابن هشام: اسم همدان: أو سلة بن مالك بن زيد بن ربيعة بن أو سلة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. ويقال: أو سلة: ابن زيد بن أو سلة بن الخيار. ويقال: همدان ابن أو سلة بن ربيعة بن مالك بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. قال ابن هشام: وقال مالك بن نمط الهمداني: يريش الله في الدنيا ويبرى * ولا يبرى يعوق ولا يريش

[ 53 ]

وهذا البيت في أبيات له. قال ابن إسحاق: وذو الكلاع من حمير، اتخذوا نسرا بأرض حمير. وكان لخولان صنم يقال له عميانس بأرض خولان: يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله بزعمهم، فما دخل في حق عميانس من حق الله تعالى الذى سموه له تركوه له، وما دخل في حق الله تعالى من حق عميانس ردوه عليه. وهم بطن من خولان، يقال لهم الاديم، وفيهم أنزل الله تبارك وتعالى فيما يذكرون: [ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم، ساء ما يحكمون ]. [ 136 من سورة الانعام ] قال ابن هشام: خولان: ابن عمرو بن الحاف بن قضاعة، ويقال: خولان ابن عمرو بن مرة بن أدد بن زيد بن مهسع بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان ابن سبأ، ويقال: خولان: ابن عمرو بن سعد العشيرة بن مذحج. قال ابن إسحاق: وكان لبنى ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر صنم، يقال له سعد، صخرة بفلاة من أرضهم طويلة - فأقبل رجل من بنى ملكان بإبل له مؤبلة ليقفها عليه، التماس بركته، فيما يزعم، فلما رأته الابل - وكانت مرعية لا تركب، وكان يهراق عليه الدماء، نفرت منه، فذهبت في كل وجه، وغضب ربها الملكانى، فأخذ حجرا فرماه به، ثم قال: لا بارك الله فيك، نفرت على إبلى، ثم خرج في طلبها حتى جمعها، فلما اجتمعت له قال: أتينا إلى سعد ليجمع شملنا * فشتتنا سعد فلا نحن من سعد وهل سعد إلا صخرة بتنوفة * من الارض لا تدعو لغى ولا رشد ؟ وكان في دوس صنم لعمرو بن حممة الدوسى.

[ 54 ]

قال ابن هشام: سأذكر حديثه في موضعه إن شاء الله. ودوس: ابن عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب ابن عبد الله بن مالك بن نصر بن الاسد بن الغوث، ويقال: دوس: ابن عبد الله ابن زهران بن الاسد بن الغوث. قال ابن إسحاق: وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له: هبل. قال ابن هشام: واتخذوا إسافا ونائلة، على موضع زمزم ينحرون عندهما، وكان إساف ونائلة رجلا وامرأة من جرهم - هو إساف بن بغى، ونائلة بنت ديك - فوقع إساف على نائلة في الكعبة، فمسخهما الله حجرين. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنها قالت: سمعت عائشة رضى الله عنها تقول: ما زلنا نسمع أن إسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة، فمسخهما الله تعالى حجرين، والله أعلم. قال ابن إسحاق: وقال أبو طالب: وحيث ينيخ الاشعرون ركابهم * بمفضى السيول من إساف ونائل قال ابن هشام: وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى قال ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله، فلما بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد، قالت قريش: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا الشئ عجاب ! وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهى بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة

[ 55 ]

وحجاب، وتهدى لها كما تهدى للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، وهى تعرف فضل الكعبة عليها، لانها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم الخليل ومسجده فكانت لقريش وبنى كنانة العزى بنخلة، وكان سدنتها وحجابها بنو شيبان، من سليم، حلفاء بنى هاشم. قال ابن هشام: حلفاء [ بنى ] أبى طالب خاصة، وسليم: سليم بن منصور ابن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. قال ابن إسحاق: فقال شاعر من العرب: لقد أنكحت أسماء رأس بقيرة * من الادم أهداها امرؤ من بنى غنم رأى قدعا في عينها إذ يسوقها * إلى غبغب العزى فوسع في القسم وكذلك كانوا يصنعون إذا نحروا هديا قسموه في من حضرهم. الغبغب: المنحر ومهراق الدماء. قال ابن هشام: وهذان البيتان لابي خراش الهذلى، واسمه خويلد بن مرة، في أبيات له. والسدنة: الذين يقومون بأمر الكعبة، قال رؤبة بن العجاج: فلا ورب الآمنات القطن * بمحبس الهدى وبيت المسدن وهذا البيتان في أرجوزة له، سأذكر حديثها إن شاء الله تعالى في موضعه. قال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بنو معتب من ثقيف. قال ابن هشام: وسأذكر حديثها إن شاء الله تعالى في موضعه. قال ابن إسحاق: وكانت مناة للاوس والخزرج، ومن دان بدينهم من

[ 56 ]

أهل يثرب، على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد. قال ابن هشام: وقال الكميت بن زيد [ أحد بنى أسد بن خزيمة بن مدركة: ] وقد آلت قبائل لا تولى * مناة ظهورها متحرفينا وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن هشام: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها أبا سفيان بن حرب فهدمها، ويقال: على بن أبى طالب. قال ابن إسحاق: وكان ذو الخصلة لدوس وخثعم وبجيلة، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة. قال ابن هشام: ويقال: ذو الخلصة. قال رجل من العرب: لو كنت يا ذا الخلص المؤتورا * مثلى وكان شيخك المقبورا * لم تنه عن قتل العداة زورا * قال: وكان أبوه قتل، فأراد الطلب بثأره، فأتى ذا الخلصة، فاستقسم عنده بالازلام، فخرج السهم بنهيه عن ذلك، فقال هذا الابيات. ومن الناس من ينحلها امرأ القيس بن حجر الكندى، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم جرير بن عبد الله البجلى فهدمه. قال ابن إسحاق: وكانت فلس لطيئ ومن يليها بجبلى طيئ، يعنى سلمى وأجأ. قال ابن هشام: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليها على بن أبى طالب فهدمها، فوجد فيها سيفين، يقال لاحدهما: الرسوب، وللآخر: المخذم، فأتى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبهما له، فهما سيفا على رضى الله عنه. قال ابن إسحاق: وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له: رئام.

[ 57 ]

قال ابن هشام: قد ذكرت حديثه فيما مضى. قال ابن إسحاق: وكانت رضاء بيتا لبنى ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد [ بن زيد مناة ] حين هدمها في الاسلام: ولقد شددت على رضاء شدة * فتركتها قفرا بقاع أسحما قال ابن هشام: قوله: * فتركتها قفرا بقاع أسحما * عن رجل من بنى سعد. ويقال: إن المستوغر عمر ثلاث مئة سنة وثلاثين سنة، وكان أطول مضر كلها عمرا، وهو الذى يقول: ولقد سئمت من الحياة وطولها * وعمرت من عدد السنين مئينا مئة حدتها بعدها مئتان لى * وازددت من عدد الشهور سنينا هل ما بقى إلا كما قد فاتنا * يوم يمر وليلة تحدونا وبعض الناس يروى هذه الابيات لزهير بن جناب الكلبى. قال ابن إسحاق: وكان ذون الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد. وله يقول أعشى بنى قيس بن ثعلبة: بين الخورنق والسدير وبارق * والبيت ذى الكعبات من سنداد قال ابن هشام: وهذا البيت للاسود بن يعفر النهشلي. نهشل: ابن دارم ابن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، في قصيدة له. وأنشدنيه أبو محرز خلف الاحمر: أهل الخورنق والسدير وبارق * والبيت ذى الشرفات من سنداد أمر البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي قال ابن إسحاق: فأما البحيرة فهى بنت السائبة، والسائبة: الناقة إذا

[ 58 ]

تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر، سيبت فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شقت أذنها، ثم خلى سبيلها مع أمها، فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها، فهى البحيرة بنت السائبة. والوصيلة: الشاة إذا أتأمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن، ليس بينهن ذكر، جعلت وصيله، قالوا: قد وصلت، فكان ما ولدت بعد بذلك للذكور منهم دون إناثهم، إلا أن يموت منها شئ فيشتركوا في أكله، ذكورهم وإناثهم. قال ابن هشام: ويروى: فكان ما ولدت بعد ذلك لذكور بنيهم دون بناتهم. قال ابن إسحاق: والحامي: الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر، حمى ظهره فلم يركب، ولم يجز وبره، وخلى في إبله يضرب فيها، لا ينتفع منه بغير ذلك. قال ابن هشام: وهذا [ كله ] عند العرب على غير هذا إلا الحامى، فإنه عندهم على ما قال ابن إسحاق، فالبحيرة عندهم: الناقة تشق أذنها فلا يركب ظهرها، ولا يجز وبرها، ولا يشرب لبنها إلا ضيف، أو يتصدق به، وتهمل لآلهتهم. والسائبة: التى ينذر الرجل أن يسيبها إن برئ من مرضه، أو إن أصاب أمرا يطلبه، فإذا كان ذلك أساب ناقة من إبله أو جملا لبعض آلهتهم، فسابت فرعت لا ينتفع بها. والوصيلة: التى تلد أمها اثنين في كل بطن، فيجعل صاحبها لآلهته الاناث [ منها ] ولنفسه الذكور منها، فتلدها أمها ومعها ذكر في بطن، فيقولون: وصلت أخاها، فيسيب أخوها معها فلا ينتفع به. قال ابن هشام: حدثنى به يونس بن حبيب النحوي وغيره، روى بعض ما لم يرو بعض. قال ابن إسحاق: فلما بعث الله تبارك وتعالى رسوله محمدا صلى الله عليه

[ 59 ]

وسلم أنزل عليه: [ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ] [ 103 من سورة المائدة ]. وأنزل الله تعالى: [ وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ] [ 139 من سورة الانعام ]، وأنزل عليه: [ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ] [ 59 من سورة يونس ]. وأنزل عليه: [ من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، قل آلذكرين حرم أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين نبئونى بعلم إن كنتم صادقين * ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين، قل آلذكرين حرم أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين، أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم، إن الله لا يهدى القوم الظالمين ] [ 143 و 144 من سورة الانعام ]. قال ابن هشام: قال الشاعر: حول الوصائل في شريف حقة * والحاميات ظهورها والسيب وقال تميم بن أبى [ بن ] مقبل أحد بنى عامر بن صعصعة: فيه من الا خرج المرباع قرقرة * هدر الديافى وسط الهجمة البحر وهذا البيت في قصيدة له. وجمع بحيرة: بحائر وبحر، وجمع وصيلة: وصائل ووصل. وجمع سائبة الاكثر: سوائب وسيب. وجمع حام الاكثر: حوام. عدنا إلى سياقة النسب قال ابن إسحاق: وخزاعة تقول: نحن بنو عمر بن عامر، من اليمن. قال ابن هشام: وتقول خزاعة: نحن بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو

[ 60 ]

ابن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الاسد بن الغوث، وخندف أمنا، فيما حدثنى أبو عبيدة وغيره من أهل العلم. ويقال: خزاعة: بنو حارثة بن عمرو بن عامر، وإنما سميت خزاعة لانهم تخزعوا من ولد عمرو ابن عامر، حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام، فنزلوا بمر الظهران فأقاموا بها. قال عون بن أيوب الانصاري أحد بنى عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة من الخزرج في الاسلام: فلما هبطنا بطن مر تخزعت * خزاعة عنا في حلول كراكر حمت كل واد من تهامة واحتمت * بضم القنا والمرهفات البواتر وهذان البيتان في قصيدة له. وقال أبو المطهر إسماعيل بن رافع الانصاري، أحد بنى حارثة بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس: فلما هبطنا بطن مكة أحمدت * خزاعة دار الآكل المتحامل فحلت أكاريسا وشنت قنابلا * على كل حى بين نجد وساحل (1) نفوا جرهما عن بطن مكة واحتبوا * بعز خزاعي شديد الكواهل قال ابن هشام: وهذه الابيات في قصيدة له، وأنا إن شاء الله أذكر نفيها جرهما في موضعه. قال ابن إسحاق: فولد مدركة بن اليأس رجلين: خزيمة بن مدركة، وهذيل بن مدركة، وأمهما امرأة من قضاعة. فولد خزيمة بن مدركة أربعة نفر: كنانة بن خزيمة، وأسد بن خزيمة، وأسدة بن خزيمة، والهون بن خزيمة. فأم كنانة: عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان بن مضر.


(1) في رواية " وسنت " بالسين مهملة، والقنابل: جمع قنبل، وهى الطائفة من للناس، وأراد أنها فرقت رجالا ذوى عدد لاثارة الغارات (*).

[ 61 ]

قال ابن هشام: ويقال الهون بن خزيمة. قال ابن إسحاق: فولد كنانة بن خزيمة أربعة نفر: النضر بن كنانة، ومالك بن كنانة، وعبد مناة بن كنانة، وملكان بن كنانة. فأم النضر برة بنت مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر، وسائر بنيه لامرأة أخرى. قال ابن هشام: أم النضر ومالك وملكان: برة بنت مر، وأم عبد مناة هالة بنت سويد بن الغطريف من أزد شنوءة. وشنوءة: عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نضر بن الاسد بن الغوث، وإنما سموا شنوءة لشنآن كان بينهم. والشنآن: البغض. قال ابن هشام: النضر: قريش، فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي، قال جرير بن عطية أحد بنى كليب بن يربوع ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان: فما الام التى ولدت قريشا * بمقرفة النجار ولا عقيم وما قرم بأنجب من أبيكم * ولا خال بأكرم من تميم يعين برة بنت مر أخت تميم بن مر، أم النضر. وهذان البيتان في قصيدة له. ويقال: فهر بن مالك: قريش، فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي، وإنما سميت قريش قريشا من التقرش، والتقرش: التجارة والاكتساب، قال رؤبة بن العجاج: قد كان يغنيهم عن الشغوش * والخشل من تساقط القروش شحم ومحض ليس بالمغشوش قال ابن هشام: والشغوش: قمح، يسمى الشغوش. والخشل: رءوس الخلاخيل والاسورة ونحوه. والقروش: التجارة والاكتساب. يقول: قد كان يغنيهم عن هذا شحم ومحض، والمحض: اللبن الحليب الخالص. وهذه الابيات

[ 62 ]

في أرجوزة له. وقال أبو جلدة (1) اليشكرى، ويشكر: ابن بكر بن وائل: إخوة قرشوا الذنوب علينا * في حديث من عمرنا وقديم وهذا البيت في أبيات له. قال ابن إسحاق: ويقال: إنما سميت قريش قريشا لتجمعها من بعد تفرقها ويقال للتجمع: التقرش. فولد النضر بن كنانة رجلين: مالك بن النضر، ويخلد بن النضر، فأم مالك: عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان، ولا أدرى أهى أم يخلد أم لا. قال ابن هشام: والصلت بن النضر - فيما قال أبو عمرو المدنى - وأمهم جميعا بنت سعد بن ظرب العدواني. وعدوان: ابن عمرو بن قيس بن عيلان قال كثير بن عبد الرحمن، وهو كثير عزة أحد بنى مليح بن عمرو: من خزاعة (2) أليس أبى بالصلت أم ليس إخوتى * لكل هجان من بنى النضر أزهرا رأيت ثياب العصب مختلط السدى * بنا وبهم والحضرمى المخصرا فإن لم تكونوا من بنى النضر فاتركوا * أراكا بأذناب الفوائج أخضرا وهذه الابيات في قصيدة له. والذين يعزون إلى الصلت بن النضر من خزاعة: بنو مليح بن عمرو، رهط كثير عزة. قال ابن إسحاق: فولد مالك بن النضر فهر بن مالك، وأمه جندلة بنت الحارث بن مضاض الجرهمى. قال ابن هشام: وليس بابن مضاض الاكبر. قال إبن إسحاق: فولد فهر بن مالك أربعة نفر: غالب بن فهر، ومحارب


(1) في ا " أبو خلدة " بفتحات وأوله خاء معجمة. (2) في ا " بن خزاعة " (*).

[ 63 ]

ابن فهر، والحارث بن فهر، وأسد بن فهر، وأمهم ليلى بنت سعد بن هذيل ابن مدركة. قال ابن هشام: وجندلة بنت فهر، وهى أم يربوع بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم، وأمها ليلى بنت سعد، قال جرير بن عطية بن الخطفى - واسم الخطفى حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة: وإذا غضبت رمى ورائي بالحصى * أبناء جندلة كخير الجندل وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: فولد غالب بن فهر رجلين: لؤى بن غالب، وتيم بن غالب، وأمهما سلمى بنت عمرو الخزاعى، وتيم بن غالب: الذين يقال لهم: بنو الادرم. قال ابن هشام: وقيس بن غالب، وأمه سلمى بنت كعب بن عمرو الخزاعى، وهى أم لؤى وتيم ابني غالب. قال ابن إسحاق فولد لؤى بن غالب أربعة نفر: كعب بن لؤى، وعامر بن لؤى، وسامة بن لؤى، وعوف بن لؤى، فأم كعب وعامر وسامة: ماوية بنت كعب بن القين بن جسر، من قضاعة. قال ابن هشام: ويقال: والحارث بن لؤى، وهم جشم بن الحارث، في هزان من ربيعة، قال جرير: بنى جشم، لستم لهزان، فانتموا * لاعلى الروابي من لؤى بن غالب ولا تنكحوا في آل ضور نساءكم * ولا في شكيس، بئس مثوى الغرائب وسعد بن لؤى، وهم بنانة، في شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل، من ربيعة. وبنانة: حاضنة لهم من بنى القين بن جسر بن شيع الله، ويقال: سيع الله ابن الاسد بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ويقال:

[ 64 ]

بنت النمر بن قاسط، من ربيعة، ويقال: بنت جرم بن ربان بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة. وخزيمة بن لؤى بن غالب، وهم هائذة بن شيبان بن ثعلبة، وعائذة: امرأة من اليمن، وهى أم بنى عبيد بن خزيمة بن لؤى. وأم بنى لؤى كلهم إلا عامر بن لؤى: ماوية بنت كعب بن القين بن جسر. وأم عامر بن لؤى مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر، ويقال: ليلى بنت شيبان بن محارب بن فهر. أمر سامة قال ابن إسحاق: فأما سامة بن لؤى فخرج إلى عمان، وكان بها. ويزعمون أن عامر بن لؤى أخرجه، وذلك أنه كان بينهما شئ ففقأ سامة عين عامر، فأخافه عامر، فخرج إلى عمان، فيزعمون أن سامة بن لؤى بينا هو يسير على ناقته، إذا وضعت رأسها ترتع، فأخذت حية بمشفرها فهصرتها، حتى وقعت الناقة لشقها، ثم نهشت سامة فقتلته، فقال سامة حين أحس بالموت فيما يزعمون: عين فابكى لسامة بن لؤى * علقت ساق سامة العلاقه لا أرى مثل سامة بن لؤى * يوم حلوا به قتيلا لناقه بلغا عامرا وكعبا رسولا * أن نفسي إليهما مشتاقه إن تكن في عمان دارى فإنى * غالبى، خرجت من غير فاقه رب كأس هرقت يابن لؤى * حذر الموت لم تكن مهراقه رمت دفع الحتوف يابن لؤى * ما لمن رام ذاك بالحتف طاقه وخروس السرى تركت رذيا * بعد جد وحدة ورشاقه (1) قال ابن هشام: وبلغني أن بعض ولده أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) زاد في في التاج: وتعاطيت مفرقا بحسام * وتجنبت قالة العواقه (*).

[ 65 ]

فانتسب إلى سامة بن لؤى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر ؟ فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله قوله: رب كأس هرقت يابن لؤى * حذر الموت لم تكن مهراقه قال: أجل. أمر عوف بن لؤى، ونقلته قال ابن إسحاق: وأما عوف بن لؤى فإنه خرج - فيما يزعمون - في ركب من قريش، حتى إذا كان بأرض غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، أبطئ به، فانطلق من كان معه من قومه، فأتاه ثعلبة بن سعد، وهو أخوه في نسب بنى ذبيان - ثعلبة: ابن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. [ وعوف: ابن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ] - فحبسه وزوجه والتاطه وآخاه. فشاع نسبه في بنى ذبيان. وثعلبة - فيما يزعمون - الذى يقول لعوف حين أبطئ به فتركه قومه: احبس على ابن لؤى جملك * تركك القوم ولا منزل لك (1) قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير - أو محمد بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن حصين - أن عمر بن الخطاب قال: لو كنت مدعيا حيا من العرب أو ملحقهم بنا لادعيت بنى مرة بن عوف، إنا لنعرف فيهم الاشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيث وقع، يعنى عوف بن لؤى. قال ابن إسحاق: فهو في نسب غطفان: مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان ابن بغيض بن ريث بن غطفان، وهم يقولون إذا ذكر لهم هذا النسب: ما ننكره وما نجحده، وإنه لاحب النسب إلينا. وقال الحارث بن ظالم بن جذيمة بن يربوع - قال ابن هشام: أحد بنى مرة ابن عوف - حين هرب من النعمان بن المنذر فلحق بقريش:


(1) في ا " ولا مترك لك " ولها وجه (*).

[ 66 ]

فما قومي بثعلبة بن سعد * ولا بفزارة الشعر الرقابا (1) وقومي - إن سألت - بنو لؤى * بمكة علموا مضر الضرابا سفهنا باتباع بنى بغيض * وترك الاقربين لنا انتسابا سفاهة مخلف لما تروى * هراق الماء واتبع السرابا فلو طووعت، عمرك، كنت فيهم * وما ألفيت أنتجع السحابا وخش رواحة القرشى رحلى * بناجية ولم يطلب ثوابا قال ابن هشام: هذا ما أنشدني أبو عبيدة منها. قال ابن إسحاق: فقال الحصين بن الحمام المرى، ثم أحد بنى سهم بن مرة يرد على الحارث بن ظالم، وينتمى إلى غطفان: ألا لسم منا ولسنا إليكم * برئنا إليكم من لؤى بن غالب أقمنا على عز الحجاز، وأنتم * بمعتلج البطحاء بين الاخاشب يعنى قريشا. ثم ندم الحصين على ما قال، وعرف ما قال الحارث بن ظالم، فانتمى إلى قريش وأكذب نفسه، فقال: ندمت على قول مضى كنت قلته * تبينت فيه أنه قول كاذب فليت لساني كان نصفين منهما * بكيم ونصف عند مجرى الكواكب أبونا كنانى بمكة قبره * بمعتلج البطحاء بين الاخاشب لنا الربع من بيت الحرام وراثة * وربع البطاح عند دار ابن حاطب أي أن بنى لؤى كانوا أربعة: كعبا، وعامر، وسامة، وعوفا. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لرجال من بنى مرة: إن شئتم أن ترجعوا إلى نسبكم فارجعوا إليه. قال ابن إسحاق: وكان القوم أشرافا في غطفان، هم سادتهم وقادتهم، منهم


(1) الشعر: جمع أشعر، وهو الكثير الشعر، ويروى " الشعرى رقابا " (*).

[ 67 ]

هرم بن سنان بن أبى حارثة [ بن مرة بن نشبة ]، وخارجة بن سنان بن أبى حارثة، والحارث بن عوف، والحصين بن الحمام، وهاشم بن حرملة الذى يقول له القائل: أحيا أباه هاشم بن حرمله * [ يوم الهبا آت ويوم اليعمله ] ترى الملوك عنده مغربله * يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له قال ابن هشام: أنشدني أبو عبيدة هذه الابيات لعامر الخصفى، خصفة بن قيس بن عيلان: أحيا أباه هاشم بن حرمله * يوم الهبا آت ويوم اليعمله ترى الملوك عنده مغربله * يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له ورمحه للوالدات مثكله وحدثني أن هاشما قال لعامر: قل في بيتا جيدا أثبك عليه، فقال عامر البيت الاول، فلم يعجب هاشما، ثم قال الثاني، فلم يعجبه، قال الثالث، فلم يعجبه، فلما قال الرابع: * يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له * أعجبه، فأثابه عليه. قال ابن هشام: وذلك الذى أراد الكميت بن زيد في قوله: وهاشم مرة المفنى ملوكا * بلا ذنب إليه ومذنبينا وهذا البيت في قصيدة له. وقوله عامر " يوم الهبا آت " عن غير أبى عبيدة قال ابن إسحاق: قوم لهم صيت وذكر في غطفان وقيس كلها، فأقاموا على نسبهم، وفيهم كان البسل. أمر البسل والبسل - فيما يزعمون - ثمانية أشهر حرم، لهم من كل سنة من بين

[ 68 ]

العرب، قد عرفت ذلك لهم العرب لا ينكرونه ولا يدفعونه، يسيرون به إلى أي بلاد العرب شاءوا، لا يخافون منهم شيئا. قال زهير بن أبى سلمى، يعنى بنى مرة - قال ابن هشام: زهير أحد بنى مزينة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، ويقال: زهير بن أبى سلمى من غطفان، ويقال: حليف في غطفان - تأمل فإن تقو المروراة منهم * وداراتها لا تقو منهم إذا نخل بلاد بها نادمتهم وألفتهم * فإن تقويا منهم فإنهم بسل (1) [ أي حرام ] يقول: ساروا في حرمهم. قال ابن هشام: وهذان البيتان في قصيدة له. قال ابن إسحاق: وقال أعشى بنى قيس بن ثعلبة: أجارتكم بسل علينا محرم * وجارتنا حل لكم وحليلها قال ابن هشام: وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: فولد كعب بن لؤى ثلاثة نفر: مرة بن كعب، وعدى ابن كعب، وهصيص بن كعب، وأمهم وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر ابن مالك بن النضر. فولد مرة بن كعب ثلاثة نفر: كلاب بن مرة، وتيم بن مرة، ويقظة ابن مرة. فأم كلاب: هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن [ فهر بن ] مالك ابن [ النضر بن ] كنانة بن خزيمة. وأم يقظة: البارقية، امرأة من بارق، من الاسد من اليمن. ويقال: هي أم تيم، ويقال: تيم لهند بنت سرير أم كلاب. قال ابن هشام: بارق: بنو عدى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة


(1) المروراة: موضع كان فيه يوم من أيامهم، ونخل: موضع بأرض غطفان من نجد (*).

[ 69 ]

ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الاسد بن الغوث، وهم في شنوءة. قال الكميت بن زيد: وأزد شنوءة اندرءوا علينا * بجم يحسبون لها قرونا فما قلنا لبارق قد أسأتم * وما قلنا لبارق أعتبونا قال: وهذا البيتان في قصيدة له. وإنما سموا ببارق، لانهم تبعوا البرق. قال ابن إسحاق: فولد كلاب بن مرة رجلين: قصى بن كلاب، وزهرة ابن كلاب. وأمهما: فاطمة بنت سعد بن سيل أحد [ بنى ] الجدرة، من جعثمة (1) الازد، من اليمن، حلفاء في بنى الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. قال ابن هشام: ويقال: جعثمة الاسد، وجعثمة الازد، وهو جعثمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن الحارث بن كعب ابن عبد الله بن مالك بن نصر بن الاسد بن الغوث، ويقال: جعثمة: ابن يشكر ابن مبشر بن صعب بن نصر بن زهران بن الاسد بن الغوث. وإنما سموا الجدرة، لان عامر بن عمرو بن خزيمة بن جعثمة تزوج بنت الحارث بن مضاض الجرهمى - وكانت جرهم أصحاب الكعبة - فبنى للكعبة جدارا فسمى عامر بذلك الجادر، فقيل لولده " الجدرة " لذلك. قال ابن إسحاق: ولسعد بن سيل يقول الشاعر: ما نرى في الناس شخصا واحدا * من علمناه كسعد بن سيل فارسا أضبط فيه عسرة * وإذا ما واقف القرن نزل (2) فارسا يستدرج الخيل كما استدرج * الحر القطامى الحجل قال ابن هشام: قوله " كما استدرج الحر " عن بعض أهل العلم بالشعر. قال ابن هشام: ونعم بنت كلاب، وهى أم أسعد وسعيد ابني سهم بن


(1) في أ " خثعمة " في جميع المواضع هنا. (2) الاضبط: الذى يعمل بكلتا يديه، يعمل بيساره كما يعمل بيمينه، ويقال له " أعسر يسر " أيضا (*).

[ 70 ]

عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى، وأمها: فاطمة بنت سعد بن سيل. قال ابن إسحاق: فولد قصى بن كلاب أربعة نفر وامرأتين: عبد مناف ابن قصى، وعبد الدار بن قصى، وعبد العزى بن قصى، وعبد [ قصى ] بن قصى، وتخمر بنت قصى، وبرة بنت قصى. وأمهم: حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى. قال ابن هشام: ويقال: حبشية بن سلول. قال ابن إسحاق: فولد عبدمناف - واسمه المغيرة بن قصى - أربعة نفر: هاشم بن عبدمناف، وعبد شمس بن عبدمناف، والمطلب بن عبدمناف، وأمهم: عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سلم بن منصور بن عكرمة، ونوفل بن عبدمناف، وأمه: واقدة بنت عمرو المازنية، مازن بن منصور بن عكرمة. قال ابن هشام: فبهذا النسب خالفهم عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب ابن نسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة. قال ابن هشام: وأبو عمرو، وتماضر، وقلابة، وحية، وريطة، وأم الاخثم، وأم سفيان: بنو عبدمناف. فأم أبى عمرو وريطة: امرأة من ثقيف. وأم سائر النساء: عاتكة بنت مرة بن هلال، أم هاشم بن عبدمناف، وأمها: صفية بنت حوزة بن عمرو بن سلول بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، وأم صفية: بنت عائذ الله بن سعد العشيرة بن مذحج. قال ابن هشام: فولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر، وخمس نسوة: عبد المطلب بن هاشم، وأسد بن هاشم، وأبا صيفي بن هاشم، ونضلة بن هاشم، والشفاء، وخالدة، وضعيفة، ورقية، وحية. فأم عبد المطلب ورقية: سلمى

[ 71 ]

بنت عمرو بن زيد بن لبيد [ بن حرام ] بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى ابن النجار - واسم النجار: تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر - وأمها: عميرة بنت صخر بن الحارث بن ثعلبة بن مازن ابن النجار. وأم عميرة: سلمى بنت عبد الاشهل النجارية. وأم أسد: قيلة بنت عامر بن مالك الخزاعى. وأم أبى صيفي وحية: هند بنت عمرو بن ثعلبة الخزرجية. وأم نضلة والشفاء: امرأة من قضاعة، وأم خالدة وضعيفة: واقدة بنت أبى عدى المازنية. أولاد عبد المطلب بن هاشم قال ابن هشام: فولد عبد المطلب بن هاشم عشرة نفر وست نسوة: العباس، وحمزة، وعبد الله، وأبا طالب - واسمه عبد مناف - والزبير، والحارث، وحجلا، والمقوم، وضرارا، وأبا لهب - واسمه عبد العزى - وصفية، وأم حكيم البيضاء، وعاتكة، وأميمة، وأروى، وبرة. فأم العباس وضرار: نتيلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر - وهو الضحيان - بن سعد بن الخزرج بن تيم اللات ابن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار - ويقال: أفصى ابن دعمى بن جديلة - وأم حمزة والمقوم وحجل - وكان يلقب بالغيداق لكثرة خيره، وسعة ماله - وصفية: هالة بنت وهيب بن عبد مناف (1) ابن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى. وأم عبد الله، وأبى طالب، والزبير، وجميع النساء غير صفية: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. وأمها: صخرة بنت عبد بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن


(1) في نسخة " عبد مناة " (*).

[ 72 ]

لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. وأم صخرة: تخمر بنت عبد بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. وأم الحارث بن عبد المطلب: سمراء بنت جندب بن حجير بن رئاب ابن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة. وأم أبى لهب: لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر ابن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى. قال ابن هشام: فولد عبد الله بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته عليه وعلى آله. وأمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. وأمها: برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. وأم برة: أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. وأم أم حبيب: برة بن عوف بن عبيد ابن عويج بن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. قال ابن هشام: فرسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف ولد آدم حسبا، وأفضلهم نسبا من قبل أبيه وأمه صلى الله عليه وسلم. إشارة إلى ذكر احتفار زمزم قال محمد بن إسحاق [ المطلبى ]: بينما عبد المطلب بن هاشم نائم في الحجر إذ أتى فأمر بحفر زمزم، وهى دفن بين صنمي قريش: إساف ونائلة، عند منحر قريش. وكانت جرهم دفنتها حين ظعنوا من مكة، وهى بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، التى سقاه الله حين ظمئ وهو صغير، فالتمست له أمه ماء فلم

[ 73 ]

تجده، فقامت على الصفا تدعو الله وتستغيثه لاسماعيل، ثم أتت المروة ففعلت مثل ذلك. وبعث الله تعالى جيريل عليه السلام، فهمز له بعقبه في الارض، فظهر الماء، وسمعت أمه أصوات السباع فخافتها عليه، فجاءت تشتد نحوه، فوجدته يفحص بيده عن الماء من تحت خده ويشرب، فجعلته حسيا. أمر جرهم ودفن زمزم قال ابن هشام: وكان من حديث جرهم، ودفنها زمزم، وخروجها من مكة، ومن ولى أمر مكة بعدها إلى أن حفر عبد المطلب زمزم، ما حدثنا به زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق المطلبى، قال: لما توفى إسماعيل ابن إبراهيم ولى البيت بعده ابنه نابت بن إسماعيل ما شاء الله أن يليه، ثم ولى البيت بعده مضاض بن عمرو الجرهمى. قال ابن هشام: ويقال: مضاض بن عمرو الجرهمى. قال ابن إسحاق: وبنو إسماعيل وبنو نابت مع جدهم مضاض بن عمرو وأخوالهم من جرهم. وجرهم وقطوراء يومئذ أهل مكة، وهما ابنا عم. وكانا ظعنا من اليمن فأقبلا سيارة، وعلى جرهم مضاض بن عمرو، وعلى قطوراء السميدع رجل منهم. وكانوا إذا خرجوا من اليمن لم يخرجوا إلا ولهم ملك يقيم أمرهم فلما نزلا مكة رأيا بلدا ذا ماء وشجر، فأعجبهما فنزلا به. فنزل مضاض بن عمرو بمن معه من جرهم بأعلى مكة بقعيقعان فما حاز. ونزل السميدع بقطوراء أسفل مكة بأجياد فما حاز. فكان مضاض يعشر من دخل مكة من أعلاها، وكان السميدع يعشر من دخل مكة من أسفلها، وكل في قومه لا يدخل واحد منهما على صاحبه. ثم إن جرها وقطوراء بغى بعضهم على بعض، وتنافسوا الملك بها، ومع مضاض يومئذ بنو إسماعيل وبنو نابت، وإليه ولاية البيت دون السميدع، فساع بعضهم إلى بعض، فخرج مضاض بن عمرو بن قعيقعان في كتيبة

[ 74 ]

سائرا إلى السميدع، ومع كتيبته عدتها من الرماح والدرق والسيوف والجعاب يقعقع بذلك معه، فيقال: ما سمى قعيقعان بقعيقعان إلا لذلك. وخرج السميدع من أجياد ومعه الخيل والرجال، فيقال: ما سمى أجياد أجيادا إلى لخروج الجياد من الخيل مع السميدع منه. فالنقوا بفاضح، واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل السميدع، وفضحت قطوراء، فيقال: ما سمى فاضح فاضحا إلا لذاك. ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح، فساروا حتى نزلوا المطابخ: شعبا بأعلى مكة، واصطلحوا به، وأسلموا الامر إلى مضاض، فلما جمع إليه أمر مكة فصار ملكها له، نحر للناس فأطعمهم فاطبخ الناس وأكلوا، فيقال: ما سميت المطابخ المطابخ إلا لذلك. وبعض أهل العلم يزعم أنها إنما سميت المطابخ لما كان تبع نحر بها وأطعم، وكانت منزله، فكان الذى كان بين مضاض والسميدع أول بغى كان بمكة فيما يزعمون. ثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم، ولاة البيت والحكام بمكة، لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخؤولتهم وقرابتهم، وإعظاما للحرمة أن يكون بها بغى أو قتال، فلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل انتشروا في البلاد فلا يناوئون قوما إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم فوطئوهم. استيلاء قوم كنانة وخزاعة على البيت، ونفى جرهم ثم إن جرهما بغوا بمكة، واستحلوا خلالا من الحرمة فظلموا من دخلها من غير أهلها، وأكلوا مال الكعبة الذى يهدى لها، فرق أمرهم. فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة (1) بن كنانة، وغبشان من خزاعة ذلك، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة. فأذنوهم بالحرب فاقتتلوا، فغلبتهم بنو بكر وغبشان، فنفوهم من مكة، وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا، ولا يبغى فيها أحد إلا أخرجته، فكانت تسمى الناسة، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا


(1) في نسخة " عبد مناف " (*).

[ 75 ]

هلك مكانه، فيقال: إنها ما سميت ببكة إلا أنها كانت تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها شيئا. قال ابن هشام: أخبرني أبو عبيدة: أن بكة اسم لبطن مكة، لانهم يتباكون فيها، أي يزدحمون. وأنشدني: إذا الشريب أخذته أكه * فخله حتى يبك بكه أي فدعه [ حتى ] يبك إبله، أي يخليها إلى الماء فتزدحم عليه. وهو موضع البيت والمسجد. وهذان البيتان لعامان بن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم قال ابن إسحاق: فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمى بغزالي الكعبة وبحجر الركن فدفنها في زمزم، وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن، فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا. فقال عمرو بن الحارث [ بن عمرو ] بن مضاض في ذلك، وليس بمضاض الاكبر: [ وقائلة والدمع سكب مبادر * وقد شرقت بالدمع منها المحاجر ] كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس، ولم يسمر بمكة سامر [ فقلت لها والقلب منى كأنما * يلجلجه بين الجناحين طائر ] بلى نحن كنا أهلها، فأزالنا * صروف الليالى والجدود العواثر وكنا ولاة البيت من بعد نابت * نطوف بذاك البيت والخير ظاهر ونحن ولينا البيت من بعد نابت * بعز فما يحظى لدينا المكاثر ملكنا فعززنا، فأعظم بملكنا فليس لحى غيرنا ثم فاخر ألم تنكحوا من خير شخص علمته * فأبناؤه منا ونحن الاصاهر فإن تنثن الدنيا علينا بحالها * فإن لها حالا وفيها التشاجر فأخرجنا منها المليك بقدرة * كذلك يا للناس تجرى المقادر أقول إذا نام الخلى ولم أنم * أذا العرش، لا يبعد سهيل وعامر وبدلت منها أوجها لا أحبها * قبائل منها حمير ويحابر

[ 76 ]

وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة * بذلك عضتنا السنون الغوابر فسحت دموع العين تبكى لبلدة * بها حرم أمن وفيها المشاعر وتبكى لبيت ليس يؤذى حمامه * يظل به أمنا وفيه العصافر وفيه وحوش لا ترام أنيسة * إذا خرجت منه فليست تغادر قال ابن هشام: قوله " فأبناؤه منا " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال عمرو بن الحارث أيضا يذكر بكرا وغبشان، وساكني مكة الذين خلفوا فيها بعدهم: يا أيها الناس سيروا، إن قصركم * أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا حثوا المطى وأرخوا من أزمتها * قبل الممات وقضوا ما تقضونا كنا أناسا كما كنتم، فغيرنا * دهر، فأنتم كما كنا تكونونا قال ابن هشام: هذا ما صح له منها. وحدثني بعض أهل العلم بالشعر: أن هذه الابيات أول شعر قيل في العرب، وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن ولم يسم لى قائلها. استبداد قوم من خزاعة بولاية البيت قال ابن إسحاق: ثم إن غبشان من خزاعة وليت البيت دون بنى بكر ابن عبد مناة، وكان الذى يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشانى، وقريش إذ ذاك حلول وصرم، وبيوتات متفرقون في قومهم من بنى كنانة، فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى. قال ابن هشام: ويقال حبشية بن سلول. تزوج قصى بن كلاب حبى بنت حليل قال ابن إسحاق: ثم إن قصى بن كلاب خطب إلى حليل بن حبشية

[ 77 ]

ابنته حبى، فرغب فيه حليل فزوجه، فولدت له عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا، فلما انتشر ولد قصى، وكثر ماله، وعظم شرفه، هلك حليل. فرأى قصى أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبنى بكر، وأن قريشا قرعة إسماعيل بن إبراهيم وصريح ولده، فكلم رجالا من قريش وبنى كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبنى بكر من مكة، فأجابوه. وكان ربيعة بن حرام بن عذرة بن سعد بن زيد قد قدم مكة بعد هلك كلاب، فتزوج فاطمة بنت سعد بن سيل، وزهرة يومئذ رجل، وقصى فطيم، فاحتملها إلى بلاده، فحملت قصيا معها، وأقام زهرة، فولدت لربيعة رزاحا. فلما بلغ قصى وصار رجلا أتى مكة، فأقام بها، فلما أجابه قومه إلى ما دعاهم إليه، كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة، يدعوه إلى نصرته، والقيام معه. فخرج رزاخ بن ربيعة ومعه إخوته: حن بن ربيعة، ومحمود بن ربيعة، وجلهمة بن ربيعة، وهم لغير فاطمة، فيمن تبعهم من قضاعة في حاج العرب، وهم مجمعون لنصرة قصى. وخزاعة تزعم أن حليل بن حبشية أوصى بذلك قصيا، وأمره به حين انتشر له [ من ابنته ] من الولد ما انتشر، وقال: أنت أولى بالكعبة، وبالقيام عليها وبأمر مكة من خزاعة، فعند ذلك طلب قصى ما طلب. ولم نسمع ذلك من غيرهم، فالله أعلم أي ذلك كان. ما كان يليه الغوث بن مر من الاجازة للناس بالحج وكان الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر يلى الاجازة للناس بالحج من عرفة، وولده من بعده، وكان يقال له ولولده صوفة، وإنما ولى ذلك الغوث بن مر لان أمه كانت امرأة من جرهم، وكانت لا تلد، فنذرت لله إن هي ولدت رجلا أن تصدق به على الكعبة عبدا لها يخدمها، ويقوم عليها، فولدت الغوث، فكان يقوم على الكعبة في الدهر الاول مع أخواله من جرهم

[ 78 ]

فولى الاجازة بالناس من عرفة، لمكانه الذى كان به من الكعبة، وولده من بعده حتى انقرضوا، فقال مر بن أد لوفاء نذر أمه: إنى جعلت رب من بنيه * ربيطة بمكة العليه فباركن لى بها إليه * واجعله لى من صالح البريه وكان الغوث بن مر - فيما زعموا - إذا دفع بالناس قال: لا هم إنى تابع تباعه * إن كان إثم فعلى قضاعة قال ابن إسحاق: حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: كانت صوفة تدفع بالناس من عرفة، وتجيز بهم إذا نفروا من منى، فإذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار، ورجل من صوفة يرمى للناس، لا يرمون حتى يرمى، فكان ذوو الحاجات المتعجلون يأتونه فيقولون له: قم فارم حتى نرمى معك، فيقول: لا والله، حتى تميل الشمس. فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجل يرمونه بالحجارة، ويستعجلونه بذلك، ويقولون له: ويلك ! قم فارم، فيأبى عليهم. حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه. قال ابن إسحاق: فإذا فرغوا من رمى الجمار وأرادوا النفر من منى، أخذت صوفة بجانبى العقبة، فحبسوا الناس وقالوا: أجيزى صوفة، فلم يجز أحد من الناس حتى يمروا، فإذا نفرت صوفة ومضت خلى سبيل الناس، فانطلقوا بعدهم، فكانوا كذلك حتى انقرضوا، فورثهم ذلك من بعدهم بالقعدد بنو سعد بن زيد مناة بن تميم، وكانت من بنى سعد في آل صفوان بن الحارث بن شجنة. قال ابن هشام: صفوان: ابن جناب بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. قال ابن إسحاق: وكان صفوان هو الذى يجيز للناس بالحج من عرفة، ثم

[ 79 ]

بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذى قام عليه الاسلام كرب بن صفوان، وقال أوس [ بن تميم ] بن مغراء السعدى: لا يبرج الناس ما حجوا معرفهم * حتى يقال: أجيزوا آل صفوانا قال ابن هشام: هذا البيت في قصيدة لاوس بن مغراء. ما كانت عليه عدوان من إفاضة المزدلفة وأما قول ذى الاصبع العدواني، واسمه حرثان [ من عدوان ] بن عمرو [ وإنما سمى ذا الاصبع لانه كان له إصبع فقطعها ]: عذير الحى من عدوا * ن كانوا حية الارض بغى بعضهم ظلما * فلم يرع على بعض ومنهم كانت السادا * ت والموفون بالقرض ومنهم من يجيز النا * س بالسنة والفرض ومنهم حكم يقضى * فلا ينقض ما يقضى وهذه الابيات في قصيدة له - فلان الافاضة من المزدلفة كانت في عدوان - فيما حدثنى زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق - يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم الذى قام عليه الاسلام أبو سيارة، عميلة ابن الاعزل، ففيه يقول شاعر من العرب: نحن دفعنا عن أبى سيارة * وعن مواليه بنى فزاره حتى أجاز سالما حماره * مستقبل القبلة يدعو جاره قال: وكان أبو سيارة يدفع بالناس على أتان له، فلذلك يقول: " سالما حماره ". أمر عامر بن ظرب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان قال ابن إسحاق: وقوله " حكم يقضى "، يعنى عامر بن ظرب [ بن عمرو

[ 80 ]

ابن عياذ بن يشكر بن عدوان ] العدواني. وكانت العرب لا يكون بينها نائرة ولا عضلة في قضاء إلا أسندوا ذلك إليه، ثم رضوا بما قضى فيه. فاختصم إليه في بعض ما كانوا يختلفون فيه، في رجل خنثي، له ما للرجل وله ما للمرأة، فقالوا: أتجعله رجلا أو امرأة ؟ ولم يأتوه بأمر كان أعضل منه. فقال: حتى أنظر في أمركم، فوالله ما نزل بى مثل هذه منكم يا معشر العرب ! فاستأخروا عنه. فبات ليلته ساهرا، يقلب أمره، وينظر في شأنه، لا يتوجه له منه وجه. وكانت له جارية يقال لها سخيلة ترعى عليه غنمه، وكان يعاتبها إذا سرحت فيقول: صبحت والله يا سخيل ! وإذا أراحت عليه قال: مسيت والله يا سخيل ! وذلك أنها كانت تؤخر السرح حتى يسبقها بعض الناس، وتؤخر الاراحة حتى يسبقها بعض. فلما رأت سهره وقلة قراره على فراشه قالت: مالك لا أبالك ! ما عراك في ليلتك هذه ؟ قال: ويلك ! دعينى، أمر ليس من شأنك، ثم عادت له بمثل قولها فقال في نفسه: عسى أن تأتى مما أنا فيه بفرج، فقال: ويحك ! اختصم إلى في ميراث خنثى، أأجعله رجلا أو امرأة ؟ فوالله ما أدرى ما أصنع، وما يتوجه لى فيه وجه. قال: فقالت: سبحان الله ! لا أبالك ! أتبع القضاء المبال، أقعده، فإن بال من حيث يبول الرجل فهو رجل، وإن بال من حيث تبول المرأة فهى امرأة. قال: مسى سخيل بعدها أو صبحى، فرجتها والله. ثم خرج على الناس حين أصبح، فقضى بالذى أشارت عليه به. غلب قصى بن كلاب على أمر مكة، وجمعه أمر قريش ومعونة قضاعة له قال ابن إسحاق: فلما كان ذلك العام فعلت صوفة كما كانت تفعل، وقد عرفت ذلك لها العرب، وهو دين في أنفسهم في عهد جرهم وخزاعة وولايتهم. فأتاهم قصى بن كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة،

[ 81 ]

فقال: لنحن أولى بهذا منكم، فقاتلوه، فاقتتل الناس قتالا شديدا، ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصى على ما كان بأيديهم من ذلك. وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصى، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة. فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم [ وثبت معه أخوه رزاح بن ربيعة بمن معه من قومه من قضاعة ]. وخرجت له خزاعة وبنو بكر فالتقوا، فاقتتلوا قتالا شديدا [ بالابطح ]، حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا، ثم إنهم تداعوا إلى الصلح وإلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة، وأن كل دم أصابه قصى من خزاعة وبنى بكر موضوع، يشدخه تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة، وأن يخلى بين قصى وبين الكعبة ومكة، فسمى يعمر بن عوف يومئذ: الشداخ، لما سدخ من الدماء ووضع منها. قال ابن هشام: ويقال الشداخ. قال ابن إسحاق: فولى قصى البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه، إلا أنه قد أقر للعرب ما كانوا عليه وذلك أنه كان يراه دينا في نفسه لا ينبغى تغييره، فأقر آل صفوان وعدوان والنسأة ومرة بن عوف على ما كانوا عليه، حتى جاء الاسلام فهدم الله به ذلك كله. فكان قصى أول بنى كعب بن لؤى أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، فحاز شرف مكة كله. وقطع مكة رباعا بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التى أصبحوا عليها، ويزعم الناس أن قريشا هابوا قطع شجر [ من ] الحرم في منازلهم،

[ 82 ]

فقطعها قصى بيده وأعوانه، فسمته قريش مجمعا لما جمع من أمرها، وتيمنت بأمره، فما تنكح امرأة، ولا يتزوج رجل من قريش، وما يتشاورون في أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواء الحرب قوم من غيرهم إلا في داره، يعقده لهم بعض ولده، وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في داره، يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه، ثم ينطلق بها إلى أهلها. فكان أمره في قومه من قريش في حياته، ومن بعد موته، كالدين المتبع لا يعمل بغيره. واتخذ لنفسه دار الندوة وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضى أمورها. قال ابن هشام: وقال الشاعر: قصى لعمري كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الملك بن راشد عن أبيه قال: سمعت السائب ابن خباب صاحب المقصورة يحدث أنه سمع رجلا يحدث عمر بن الخطاب، وهو خليفة، حديث قصى بن كلاب، وما جمع من أمر قومه، وإخراجه خزاعة وبنى بكر من مكة، وولايته البيت وأمر مكة، فلم يرد ذلك عليه ولم ينكره. قال ابن إسحاق: فلما فرغ قصى من حربه انصرف أخوه رزاخ بن ربيعة إلى بلاده بمن معه من قومه، وقال رزاخ في إجابته قصيا: لما أتى من قصى رسول * فقال الرسول: أجيبوا الخليلا نهضنا إليه نقود الجياد * ونطرح عنا الملول الثقيلا نسير بها الليل حتى الصباح * ونكمى النهار لئلا نزولا فهن سراع كورد القطا * يجبن بنا من قصى رسولا جمعنا من السر من أشمذين * ومن كل حى جمعنا قبيلا فيالك حلبة ماليلة * تزيد على الالف سيبا رسيلا فلما مررن على عسجر * وأسهلن من مستناخ سبيلا وجاوزن بالركن من ورقان * وجاوزن بالعرج حيا حلولا

[ 83 ]

مررن على الحلى ما ذقنه * وعالجن من مر ليلا طويلا ندنى من العوذ أفلاءها * إرادة أن يسترقن الصهيلا فلما انتهينا إلى مكة * أبحنا الرجال قبيلا قبيلا نغاورهم ثم حد السيوف * وفى كل أوب خلسنا العقولا تخبرهم بصلاب النسو * ر خبز القوى العزيز الذليلا قتلنا خزاعة في دارها * وبكرا قتلنا وجيلا فجيلا نفيناهم من بلاد المليك * كما لا يحلون أرضا سهولا فأصبح سبيهم في الحديد * ومن كل حى شفينا الغليلا وقال ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد هذيم القضاعى في ذلك من أمر قصى حين دعاهم فأجابوه: جلبنا الخيل مضمرة تغالى * من الاعراف أعراف الجناب إلى غورى تهامة فالتقينا * من الفيفاء في قاع يباب فأما صوفة الخنثى فخلوا * منازلهم محاذرة الضراب وقام بنو على إذ رأونا * إلى الاسياف كالابل الطراب وقال قصى بن كلاب: أنا ابن العاصمين بنى لؤى * بمكة منزلي وبها ربيت إلى البطحاء قد علمت معد * ومروتها رضيت بها رضيت فلست لغالب إن لم تأثل * بها أولاد قيذر والنبيت رزاح ناصرى وبه أسامي * فلست أخاف ضيما ما حييت فلما استقر رزاخ بن ربيعة في بلاده، نشره الله ونشر حنا، فهما قبيلا عذرة اليوم. وقد كان بين رزاخ بن ربيعة، حين قدم بلاده، وبين نهد بن زيد وحوتكة بن أسلم، وهما بطنان من قضاعة، شئ، فأخافهم حتى لحقوا باليمن وأجلوا من بلاد قضاعة، فهم اليوم باليمن. فقال قصى بن كلاب، وكان يحب

[ 84 ]

قضاعة ونماءها واجتماعها ببلادها، لما بينه وبين رزاخ من الرحم، ولبلائهم عنده إذا أجابوه إذ دعاهم إلى نصرته، وكره ما صنع بهم رزاخ: ألا من مبلغ عنى رزاحا * فإنى قد لحيتك في اثنتين لحيتك في بنى نهد بن زيد * كما فرقت بينهم وبيني وحوتكة بن أسلم، إن قوما * عنوهم بالمساءة قد عنوني قال ابن هشام: وتروى هذه الابيات لزهير بن جناب الكلبى. قال ابن إسحاق: فلما كبر قصى ورق عظمه، وكان عبدالدار بكره، - وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه وذهب كل مذهب، وعبد العزى وعبد - قال قصى لعبد الدار: [ أما والله يا بنى ] لالحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك: لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفنحها له، ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك، ولا يشرب أحد بمكة إلامن سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في دارك، فأعطاه داره دار الندوة، التى لا تقضى قريش أمرا من أمورها إلا فيها، وأعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة. وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصى ابن كلاب، فيصنع به طعاما للحاج، فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد. وذلك أن قصيا عرضه على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: " يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج، حتى يصدروا عنكم " ففعلوا، فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيام منى. فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه حتى قام الاسلام، ثم جرى في الاسلام إلى يومك هذا، فهو الطعام الذى يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس حتى ينقضى الحج.

[ 85 ]

قال ابن إسحاق: حدثنى بهذا من أمر قصى بن كلاب، وما قال لعبد الدار فيما دفع إليه مما كان بيده، أبى إسحاق بن بسار عن الحسن بن محمد بن على ابن أبى طالب رضى الله عنهم قال: سمعته يقول ذلك لرجل من بنى عبدالدار، يقال له: نبيه بن وهب بن عامر بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصى. قال الحسن: فجعل إليه قصى كل ما كان بيده من أمر قومه، وكان قصى لا يخالف، ولا يرد عليه شئ صنعه. ذكر ما جرى من اختلاف قريش بعد قصى وحلف المطيبين قال ابن إسحاق: ثم إن قصى بن كلاب هلك، فأقام أمره في قومه [ وفى غيرهم ] بنوه من بعده، فاختطوا مكة رباعا - بعد الذى كان قطع لقومه بها - فكانوا يقطعونها في قومهم وفى غيرهم من حلفائهم ويبيعونها، فأقامت على ذلك قريش معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع، ثم إن بنى عبد مناف بن قصى: عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلا أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدى بنى عبدالدار بن قصى مما كان قصى جعل إلى عبدالدار، من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم، فتفرقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة مع بنى عبد مناف على رأيهم يرون أنهم أحق به من بنى عبدالدار لمكانهم في قومهم، وكانت طائفة مع بنى عبدالدار، يرون أن لا ينزع منهم ما كان قصى جعل إليهم. فكان صاحب أمر بنى عبد مناف عبد شمس بن عبد مناف، وذلك أنه كان أسن بنى عبد مناف، وكان صاحب أمر بنى عبدالدار عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار، فكان بنو أسد بن عبد العزى بن قصى، وبنو زهرة

[ 86 ]

ابن كلاب، وبنو تيم بن مرة بن كعب، وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر، مع بنى عبد مناف. وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو عدى بن كعب، مع بنى عبدالدار. وخرجت عامر بن لؤى ومحارب بن فهر، فلم يكونوا مع واحد من الفريقين. فعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة. فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا، فيزعمون أن بعض نساء بنى عبد مناف، أخرجتها لهم، فوضعوها لاحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها، فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم، فسموا المطيبين. وتعاقد بنو عبدالدار وتعاهدوا وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا مؤكدا، على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا، فسموا الاحلاف. ثم سوند بين القبائل، ولز بعضها ببعض، فعبيت بنو عبد مناف لبنى سهم، وعبيت بنو أسد لبنى عبدالدار، وعبيت زهرة لبنى جمح، وعبيت بنو تيم لبنى مخزوم، وعبيت بنو الحارث بن فهر لبنى عدى بن كعب. ثم قالوا: لتفن كل قبيلة من أسند إليها (1). فبينا الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب إذ تداعوا إلى الصلح، على أن يعطوا بنى عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندرة لبنى عبدالدار كما كانت. ففعلوا ورضى كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب، وثبت كل قوم مع من حالفوا، فلم يزالوا على ذلك، حتى


(1) في ا " من أسند إليه " (*).

[ 87 ]

جاء الله تعالى بالاسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان من حلف في الجاهلية فإن الاسلام لم يزده إلا شدة. حلف الفضول قال ابن هشام: وأما حلف الفضول فحدثني زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق قال: تداعت قبائل من قريش إلى حلف، فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى، لشرفه وسنه، فكان حلفهم عنده: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد ابن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمى أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم ولو أدعى به في الاسلام لاجبت. قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن عبد الله بن إسامة بن الهادى الليثى أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى حدثه أنه كان بين الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما، وبين الوليد بن عتبة بن أبى سفيان - والوليد يومئذ أمير على المدينة أمره عليها عمه معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه - منازعة في مال كان بينهما بذى المروة، فكأن الوليد تحامل على الحسين رضى الله عنه في حقه لسلطانه، فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقى أو لآخذن سيفى ثم لاقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لادعون بحلف الفضول. قال: فقال عبد الله بن الزبير - وهو عند الوليد

[ 88 ]

حين قال الحسين رضى الله عنه ما قال - وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفى، ثم لاقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. قال: فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيدالله التيمى، فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضى. قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادى الليثى عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى قال: قدم محمد بن جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف - وكان محمد بن جبير أعلم قريش - على عبد الملك ابن مروان بن الحكم حين قتل ابن الزبير، واجتمع الناس على عبد الملك، فلما دخل عليه قال له: يا أبا سعيد، ألم نكن نحن وأنتم - يعنى بنى عبد شمس ابن عبد مناف، وبنى نوفل بن عبد مناف - في حلف الفضول ؟ قال: أنت أعلم، قال عبد الملك: لتخبرنى يا أبا سعيد بالحق من ذلك، فقال: لا والله، لقد خرجنا نحن وأنتم منه ! قال: صدقت. تم خبر حلف الفضول. قال ابن إسحاق: فولى الرفادة والسقاية هاشم بن عبد مناف، وذلك أن عبد شمس كان رجلا سفارا قلما يقيم بمكة، وكان مقلا ذا ولد، وكان هاشم موسرا، فكان - فيما يزعمون - إذ حضر الحاج قام في قريش فقال: " يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله وحجاج بيته، وهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، فاجمعوا لهم ما تصنعون لهم به طعاما أيامهم هذه التى لابد لهم من الاقامة بها (1)، فإنه والله لو كان مالى يسع لذلك ما كلفتكموه ". فيخرجون لذلك خرجا من أموالهم، كل امرئ بقدر ما عنده، فيصنع به للحجاج طعاما حتى يصدروا منها.


(1) في أصل ا " القيامة بها " (*)

[ 89 ]

وكان هاشم - فيما يزعمون - أول من سن الرحلتين لقريش: رحلتي الشتاء والصيف. وأول من أطعم الثريد بمكة، وإنما كان اسمه عمرا، فما سمى هاشما إلا بهشمه الخبز بمكة لقومه. فقال شاعر من قريش أو من بعض العرب: عمرو الذى هشم الثريد لقومه * قوم بمكة مسنتين عجاف سنت إليه الرحلتان كلاهما * سفر الشتاء ورحلة الاصياف قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالشعر من أهل الحجاز: * قوم بمكة مسنتين عجاف * قال إبن إسحاق: ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغزة من أرض الشام تاجرا، فولى السقاية والرفادة من بعده المطلب بن عبد مناف، وكان أصغر من عبد شمس وهاشم، وكان ذا شرف في قومه وفضل، وكانت قريش إنما تسميه الفيض لسماحته وفضله. وكان هاشم بن عبد مناف قدم المدينة فتزوج سلمى بنت عمرو أحد بنى عدى بن النجار، وكانت قبله عند أحيحة بن الجلاح بن الحريش - قال ابن هشام: ويقال: الحريس - ابن جحجبى بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف ابن مالك بن الاوس، فولدت له عمرو بن أحيحة وكانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشترطوا (1) لها أن أمرها بيدها، إذا كرهت رجلا فارقته. فولدت لهاشم عبد المطلب، فسمته شيبة، فتركه هاشم عندها حتى كان وصيفا أو فوق ذلك، ثم خرج إليه عمه المطلب لقبضه فيلحقه ببلده وقومه، فقالت له سلمى: لست بمرسلته معك، فقال لها المطلب، إنى غير منصرف حتى أخرج به معى، إن ابن أخى قد بلغ، وهو غريب في غير قومه، ونحن أهل بيت شرف في قومنا، نلى كثيرا من أمورهم، وقومه وبلده وعشيرته خير له من الاقامة في غيرهم، أو كما قال وقال شيبة لعمه المطلب - فيما يزعمون -: لست بمفارقها إلا أن


(1) في ا " يشرطوا لها " (*)

[ 90 ]

تأذن لى، فأذنت له، ودفعته إليه، فاحتمله فدخل به مكة مردفه معه على بعيره، فقالت قريش: عبد المطلب، ابتاعه، فبها سمى شيبة عبد المطلب. فقال المطلب: ويحكم ! إنما هو ابن أخى هاشم، قدمت به من المدينة. ثم هلك المطلب بردمان من أرض اليمن، فقال رجل من العرب يبكيه: قد ظمئ الحجيج بعد المطلب * بعد الجفان والشراب المنثعب * ليت قريشا بعده على نصب * وقال مطرود بن كعب الخزاعى، يبكى المطلب وبنى عبد مناف جميعا حين أتاه نعى نوفل بن عبد مناف، وكان نوفل آخرهم هلكا: يا ليلة هيجت ليلاتى * إحدى ليالى القسيات وما أقاسى من هموم وما * عالجت من رزء المنيات إذا تذكرت أخى نوفلا * ذكرني بالاوليات ذكرني بالازر الحمر والاردية الصفر القشيبات أربعة كلهم سيد * أبناء سادات لسادات ميت بردمان وميت بسلمان وميت عند غزات وميت أسكن لحدا لدى المحجوب شرقي البنيات أخلصهم عبد مناف فهم * من لوم من لام بمنجاة إن المغيرات وأبناءها من خير أحياء وأموات وكان اسم عبد مناف المغيرة، وكان أول بنى عبد مناف هلكا هاشما، بغزة من أرض الشام، ثم عبد شمس بمكة، ثم المطلب بردمان من أرض اليمن، ثم نوفلا بسلمان من ناحية العراق. فقيل لمطرود - فيما يزعمون - لقد قلت فأحسنت، ولو كان أفحل مما قلت (1) كان أحسن، فقال: أنظروني ليالى، فمكث أياما، ثم قال:


(1) في ا " أفحل مما هو لكان " (*)

[ 91 ]

يا عين جودى وأذرى الدمع وانهمرى * وابكى على السر من كعب المغيرات يا عين واسحنفرى بالدمع واحتفلي * وابكى خبيئة نفسي في الملمات وابكى على كل فياض أخى ثقة * ضخم الدسيعة وهاب الجزيلات محض الضريبة عالى الهم مخنلق * جلد النحيزة ناء بالعظيمات صعب البديهة، لا نكس ولا وكل * ماضى العزيمة متلاف الكريمات صقر توسط من كعب إذا نسبوا * بحبوحة المجد والشم الرفيعات ثم اندبى الفيض والفياض مطلبا * واستخرطي بعد فيضات بجمات أمسى بردمان عنا اليوم مغتربا * يا لهف نفسي عليه بين أموات وابكى، لك الويل، إما كنت باكية * لعبد شمس بشرقي البنيات وهاشم في ضريح وسط بلقعة * تسفى الرياح عليه بين غزات ونوفل كان دون القوم خالصتي * أمسى بسلمان في رمس بموماة لم ألق مثلهم عجما ولا عربا * إذا استقلت بهم أدم المطيات أمست ديارهم منهم معطلة * وقد يكونون زينا في السريات أفناهم الدهر أم كلت سيوفهم * أم كل من عاش أزواد المنيات ؟ أصبحت أرضى من الاقوام بعدهم * بسط الوجوه وإلقاء التحيات يا عين فابكى أبا الشعث الشجيات * يبكينه حسرا مثل البليات يبكين أكرم من يمشى على قدم * يعولنه بدموع بعد عبرات يبكين شخصا طويل الباع ذا فجر * آبى الهضيمة فراج الجليلات يبكين عمرو العلا إذ حان مصرعه * سمح السجية بسام العشيات ببكينه مستكينات على حزن * يا طول ذلك حزن وعولات يبكين لما جلاهن الزمان له * خضر الخدود كأمثال الحميات مختزمات على أوساطهن لما * جر الزمان من أحداث المصيبات أبيت ليلى أراعى النجم من ألم * أبكى وتبكى معى شجوى بنياتى

[ 92 ]

ما في القروم لهم عدل ولا خطر * ولا لمن تركوا شروى بقيات أبناؤهم خير أبناء، وأنفسهم * خير النفوس لدى جهد الاليات كم وهبوا من طمر سابح أرن * ومن طمرة نهب في طمرات ومن سيوف من الهندي مخلصة * ومن رماح كأشطان الركيات ومن توابع مما يفضلون بها * عند المسائل من بذل العطيات فلو حبست وأحصى الحاسبون معى * لم أقض أفعالهم تلك الهنيات هم المدلون إما معشر فخروا * عند الفخار بأنساب نقيات زين البيوت التى خلوا مساكنها * فأصبحت منهم وحشا خليات أقول والعين لا ترقا مدامعها: * لا يبعد الله أصحاب الرزيات قال ابن هشام: الفجر: العطاء. قال أبوخراش الهذلى: عجف أضيافي جميل بن معمر * بذى فجر تأوى إليه الارامل قال ابن إسحاق: أبو الشعث الشجيات: هاشم بن عبد مناف. قال: ثم ولى عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم. ذكر حفر زمزم، وما جرى من الخلف فيها ثم إن عبد المطلب بينما هو نائم في الحجر إذ أتى فأمر بحفر زمزم. قال ابن إسحاق: وكان أول ما ابتدئ به عبد المطلب من حفرها، كما حدثنى يزيد بن أبى حبيب المصرى عن مرثد بن عبد الله اليزنى عن عبد الله ابن زرير الغافقي: أنه سمع على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها، قال: قال عبد المطلب: إنى لنائم في الحجر إذ أتانى آت فقال: احفر طيبة. قال: قلت: وما طيبة ؟ قال: ثم ذهب عنى، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برة. قال:

[ 93 ]

فقلت: وما برة ؟ قال: ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر المضنونة. قال: فقلت: وما المضنونة ؟ قال: ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم، قال: قلت: وما زمزم ؟ قال: لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقى الحجيج الاعظم، وهى بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الاعصم، عند قرية النمل. قال ابن إسحاق: فلما بين له شأنها، ودل على موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره فحفر [ فيها ] فلما بدا لعبد المطلب الطى كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا، فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الامر قد خصصت به دونكم، وأعطيته من بينكم، فقالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بينى وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بنى سعد هذيم، قال: نعم، قال: وكانت بأشراف الشام. فركب عبد المطلب ومعه نفر من بنى أبيه من بنى عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر، قال: والارض إذ ذاك مفاوز. قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام، فنى ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فأبوا عليهم، وقالوا: إنا بمفازة، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه، قال: ماذا ترون ؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت، قال: فإنى أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلا واحدا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضعية ركب جميعا، قالوا: نعم ما أمرت به، فقام كل واحد منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا

[ 94 ]

ينتظرون الموت عطشا، ثم إن عبد المطلب قال لاصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت، لا نضرب في الارض ولا نبتغى لانفسنا، لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا، فارتحلوا. إذا فرغوا، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلم إلى الماء، فقد سقانا الله، فاشربوا واستقوا، فجاءوا فشربوا واستقوا، ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذى سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذى سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا، فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبينها. قال ابن إسحاق: فهذا الذى بلغني من حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه في زمزم، وقد سمعت من يحدث عن عبد المطلب أنه قيل له حين أمر بحفر زمزم: ثم ادع بالماء الروى غير الكدر * يسقى حجيج الله في كل مبر * ليس يخاف منه شئ ما عمر * فخرج عبد المطلب - حين قيل له ذلك - إلى قريش فقال: تعلموا أنى قد أمرت أن أحفر [ لكم ] زمزم، فقالوا: فهل بين لك أين هي ؟ قال: لا، قالوا: فارج إلى مضجعك الذى رأيت فيه ما رأيت، فإن يك حقا من الله يبين لك، وإن يك من الشيطان فلن يعود إليك. فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه فأتى فقيل له: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لم تندم، وهى تراث من أبيك الاعظم، لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقى الحجيج الاعظم، مثل نعام جافل لم يقسم،

[ 95 ]

ينذر فيها ناذر لمنعم، تكون ميراثا وعقدا محكم، ليست كبعض ما قد تعلم، وهى بين الفرث والدم. قال ابن هشام: هذا الكلام والكلام الذى قبله في حديث على [ رضوان الله عليه ] في حفر زمزم من قوله: " لا تنزف أبدا ولا تذم " إلى قوله " عند قرية النمل " عندنا سجع، وليس شعرا. قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين قل له ذلك قال: وأين هي ؟ قيل له: عند قرية النمل، حيث ينقر الغراب غدا. والله أعلم أي ذلك كان. فغدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث، وليس له يومئذ ولد غيره، فوجد قرية النمل، ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين: إساف ونائلة، اللذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحها، فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش رأوا جده فقالوا: والله لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما، فقال عبد المطلب لابنه الحارث: ذد عنى حتى أحفر، فوالله لامضين لما أمرت به، فلما عرفوا أنه غير نازع، خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطى، فكبر وعرف أنه قد صدق. فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة، ووجد فيها أسيافا قلعية وأدراعا، فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك وحق، قال: لا، ولكن هلم إلى أمر نصف بينى وبينكم: نضرب عليها بالقداح، قالوا: كيف تصنع ؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولى قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج له قدحاه على شئ كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شئ له، قالوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوا [ القداح ] صاحب القداح الذى يضرب بها عند هبل - وهبل: صنم في جوف الكعبة، وهو أعظم أصنامهم - وهو الذى يعنى أبو سفيان ابن حرب يوم أحد

[ 96 ]

حين قال: أعل هبل، أي أظهر دينك - وقام عبد المطلب يدعو الله عزوجل فضرب صاحب القداح فخرج الاصفران على الغزالين للكعبة، وخرج الاسودان على الاسياف والادراع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش. فضرب عبد المطلب الاسياف بابا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليته، فيما يزعمون - ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحجاج. ذكر بئار قبائل قريش بمكة قال ابن هشام: وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت بئارا بمكة، فيما حدثنا زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق قال: حفر عبد شمس ابن عبد مناف الطوى، وهى البئر التى بأعلى مكة عند البيضاء، دار محمد بن يوسف [ الثقفى ]، وحفر هاشم بن عبد مناف بذر، وهى البئر التى عند المستنذر، خطم الخندمة على فم شعب أبى طالب، وزعموا أنه قال حين حفرها: لاجعلنها بلاغا للناس. قال ابن هشام: وقال الشاعر: سقى الله أمواها عرفت مكانها * جرابا، وملكوما، وبذر، والغمرا قال ابن إسحاق: وحفر سجلة، وهى بئر المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف التى يسقون عليها اليوم، ويزعم بنو نوفل أن المطعم ابتاعها من أسد ابن هاشم، ويزعم بنو هاشم أنه وهبها له حين ظهرت زمزم، فاستغنوا بها عن تلك الآبار. وحفر أمية بن عبد شمس الحفر لنفسه. وحفرت بنو أسد ابن عبد العزى شفية، وهى بئر بنى أسد. وحفرت بنو عبدالدار أم أحراد، وحفرت بنو جمح السنبلة، وهى بئر خلف بن وهب. وحفرت بنو سهم الغمر، وهى بئر بنى سهم. وكانت آبار حفائر خارجا من مكة قديمة من عهد مرة بن كعب، وكلاب

[ 97 ]

ابن مرة، وكبراء قريش الاوائل منها يشربون، وهى رم، ورم: بئر مرة بن كعب بن لؤى: وخم، وخم: بئر بنى كلاب بن مرة، والحفر. قال حذيفة ابن غانم أخو بنى عدى بن كعب بن لؤى. قال ابن هشام: وهو أبو أبي جهم بن حذيفة: وقدما غنينا قبل ذلك حقبة * ولا نستقي ألا نجم أو الحفر قال ابن هشام: وهذا البيت في قصيدة له، سأذكرها إن شاء الله في موضعها. قال ابن إسحاق: فعفت زمزم على البئار التى كانت قبلها يسقى عليها الحاج، وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام، ولفضلها على ما سواها من المياه، ولانها بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها، وعلى سائر العرب، فقال مسافر بن أبى عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وهو يفخر على قريش بما ولوا عليهم من السقاية والرفادة، وما أقاموا للناس من ذلك، وبزمزم حين ظهرت لهم. وإنما كان بنو عبد مناف أهل بيت واحد، شرف بعضهم لبعض شرف، وفضل بعضهم لبعض فضل: ورثنا المجد من آبا * ئنا فنمى بنا صعدا ألم نسق الحجيج وننحر الدلافة الرفدا ونلقى عند تصريف المنايا شددا رفدا فإن نهلك فلم نملك * ومن ذا خالد أبدا ؟ وزمزم من أرومتنا * ونفقأ عين من حسدا قال ابن هشام: وهذه الابيات في قصيدة له. قال ابن إسحاق: وقال حذيفة بن غانم أخو بنى عدى بن كعب بن لؤى: وساقى الحجيج ثم للخير هاشم * وعبد مناف ذلك السيد الفهرى

[ 98 ]

طوى زمزما عند المقام فأصحبت * سقايته فخرا على كل ذى فخر قال ابن هشام: يعنى عبد المطلب بن هاشم. وهذا البيتان في قصيدة لحذيفة [ بن غانم ] سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. ذكر نذر عبد المطلب ذبح ولده قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب بن هاشم - فيما يزعمون والله أعلم - قد نذر - حين لقى من قريش ما لقى عند حفر زمزم - لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرن أحدهم لله عند الكعبة. فلما توافي بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه وقالوا: كيف نصنع ! قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب فيه اسمه، تم ائتونى، ففعلوا ثم أتوه، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة، وكان هبل على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التى يجمع فيها ما يهدى للكعبة. وكان عند هبل قداح سبعة، كل قدح منها فيه [ كتاب: قدح فيه ] " العقل " إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله، وقدح فيه " نعم " للامر إذا أرادوه يضرب به في القداح، فإن خرج قدح " نعم " عملوا به، وقدح فيه " لا " إذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح، فإن خرج ذلك القداح لم يفعلوا ذلك الامر، وقدح فيه " منكم "، وقدح فيه " ملصق "، وقدح فيه " من غيركم "، وقدح فيه " المياه " إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به، وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا منكحا، أو يدفنوا ميتا، أو شكوا في نسب أحدهم، ذهبوا به إلى هبل وبمئة درهم وجزور فأعطوها صاحب القداح الذى يضرب بها، ثم قربوا صاحبهم الذى يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلا هنا، هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا،

[ 99 ]

فأخرج الحق فيه، ثم يقولون لصاحب القداح، اضرب، فإن خرج عليه " منكم " كان منهم وسيطا، وإن خرج عليه " من غيركم " كان حليفا، وإن خرج عليه " ملصق " كان على منزلته فيهم، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه شئ، مما سوى هذا مما يعملون به " نعم " عملوا به، وإن خرج " لا " أخروه عامه ذلك حتى يأتوه به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح. فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بنى هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذى نذر، فأعطاه كل رجل منهم قدحه الذى فيه اسمه، وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر بنى أبيه، كان هو الزبير وأبو طالب لفاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب ابن لؤى بن غالب بن فهر. قال ابن هشام: عائذ ابن عمران بن مخزوم. قال ابن إسحاق: وكان عبد الله - فيما يزعمون - أحب ولد عبد المطلب إليه، فكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى. وهو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هبل يدعو الله، ثم ضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فأخذه عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها، فقالوا: ما تريد يا عبد المطلب ؟ قال: أذبحه، فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه. فما بقاء الناس على هذا ! وقال المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة، وكان عبد الله ابن أخت القوم: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وقالت له قريش

[ 100 ]

وبنوه، لا تفعل، وانطلق به إلى الحجاز، فإن به عرافة لها تابع، فسلها، ثم أنت على رأس أمرك، إن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته. فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوها - فيما يزعمون - بخيبر، فركبوا حتى جاءوها فسألوها، وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه، وما أراد به ونذره فيه، فقالت لهم: ارجعوا عنى اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا من عندها فلما خرجوا عنها قام عبد المطلب يدعو الله، ثم غدوا عليها، فقالت لهم: قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم ؟ قالوا: عشر من الابل، وكانت كذلك. قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الابل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح: فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الابل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الابل فانحروها عنه، فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم. فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا على ذلك من الامر قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشر من الابل، وعبد المطلب قائم عن هبل يدعو الله عزوجل، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الابل، فبلغت الابل عشرين، وقام عبد المطلب يدعو الله عزوجل، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الابل، فبلغت الابل ثلاثين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الابل، فبلغت الابل أربعين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الابل، فبلغت الابل خمسين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الابل فبلغت الابل ستين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الابل، فبلغت الابل سبعين، وقام عبد المطلب يدعوا الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الابل،

[ 101 ]

فبلغت الابل ثمانين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الابل فبلغت تسعين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الابل، فبلغت الابل مئة، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على الابل، فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب. فزعموا أن عبد المطلب قال: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الابل، وقام عبد المطلب يدعو الله، فخرج القدح على الابل، ثم عادوا الثانية، وعبد المطلب قائم يدعو الله، فضربوا، فخرج القدح على الابل، ثم عادوا الثالثة، وعبد المطلب قائم يدعو الله، فضربوا، فخرج القدح على الابل، فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع. قال ابن هشام: ويقال: إنسان ولا سبع. قال ابن هشام: وبين أضعاف هذا الحديث رجز لم يصح عندنا عن أحد من أهل العلم بالشعر. ذكر المرأة المتعرضة لنكاح عبد الله بن عبد المطلب قال ابن إسحاق: ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد عبد الله، فمر به - فيما يزعمون - على امرأة من بنى أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر، وهى أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهى عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله ؟ قال: مع أبى، قالت: لك مثل الابل التى نحرت عنك وقع على الآن، قال: أنا مع أبى ولا أستطيع خلافه ولا فراقه. فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر، وهو يومئذ سيد بنى زهرة نسبا

[ 102 ]

وشرفا، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهى يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا. وهى لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبدالدار بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر. وبرة: لام حيبى بنت أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر. وأم حبيب: لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب بن لؤى ابن غالب بن فهر. فزعموا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه فوقع عليها، فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج من عندها، فأتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين على اليوم ما كنت عرضت على بالامس ؟ فقالت له: فارقك النور الذى كان معك بالامس، فليس [ لى ] بك اليوم حاجة. وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل - وكان قد تنصر واتبع الكتب - أنه سيكون في هذه الامه نبى. قال ابن إسحاق: وحدثني أبى إسحاق بن يسار أنه حدث: أن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب، وقد عمل في طين له، وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه فأبطأت عليه لما رأت به من أثر الطين، فخرج من عندها فتوضأ وغسل ما كان به من ذلك الطين، ثم خرج عامدا إلى آمنة فمر بها، فدعته إلى نفسها، فأبى عليها، وعمد إلى آمنة، فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمد صلى الله عليه وسلم. ثم مر بامرأته تلك فقال لها: هل لك ؟ قالت: لا، مررت بى وبين عينيك غرة [ بيضاء ] فدعوتك فأبيت [ على ] ودخلت على آمنة فذهبت بها. قال ابن إسحاق: فزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث: أنه مر بها وبين

[ 103 ]

عينيه [ غرة ] مثل غرة الفرس، فقالت: فدعوته رجاء أن تكون تلك بى فأبى على، ودخل على آمنة فأصابها، فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط قومه نسبا، وأعظمهم شرفا من قبل أبيه وأمه، صلى الله عليه وسلم. ذكر ما قيل لآمنة عند حملها برسول الله صلى الله عليه وسلم ويزعمون - فيما يتحدث الناس والله أعلم - أن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدث أنها أتيت، حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الامة، فإذا وقع إلى الارض فقول: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى، من أرض الشام. ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب، أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن هلك، وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به. ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضاعه قال ابن إسحاق: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، لاثنتى عشرة ليلة خلت (1) من شهر ربيع الاول، عام الفيل، قال ابن إسحاق: حدثنى المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة قال: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل فنحن لدان. قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الانصاري، قال: حدثنى من شئت من رجال قومي، عن حسان بن ثابت، قال: والله إنى الغلام يفعة ابن


(1) في ا " مضت " (*)

[ 104 ]

سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب: يا معشر يهود. حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك ! مالك ؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذى ولد به. قال محمد بن إسحاق: فسألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فقلت: ابن كم كان [ حسان بن ثابت ] مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ؟ فقال: ابن ستين [ سنة ]، وقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فسمع حسان ما سمع وهو ابن سبع سنين. قال ابن إسحاق: فلما وضعته أمه صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى جده عبد المطلب: إنه قد ولد لك غلام، فأته فانظر إليه، فأتاه فنظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيهه، وما أمرت به أن تسميه فيزعمون أن عبد المطلب أخذه، فدخل به الكعبة فقام يدعو الله، ويشكر له ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه، فدفعه إليها، والتمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم الرضعاء. قال ابن هشام: المراضع. وفى كتاب الله تبارك وتعالى في قصة موسى عليه السلام: (وحرمنا عليه المراضع - 12 من سورة قصص). قال ابن إسحاق: فاسترضع له امرأة من بنى سعد بن بكر، يقال لها: حليمة، ابنة أبى ذؤيب. وأبو ذؤيب: عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة ابن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة ابن قيس بن عيلان. واسم أبيه الذى أرضعه صلى الله عليه وسلم: الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن.

[ 105 ]

قال ابن هشام: ويقال: هلال بن ناصرة. قال ابن إسحاق: وإخوته من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة بنت الحارث، وهى الشيماء، غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومها إلا به. وهم لحليمة بنت أبى ذؤيب عبد الله بن الحارث، أم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويذكرون أن الشيماء كانت تحضنه مع أمها إذا كان عندهم. قال ابن إسحاق: وحدثني جهم بن أبى جهم مولى الحارث بن حاطب الجمحى عن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، أو عمن حدثه عنه، قال: كانت حليمة بنت أبى ذؤيب السعدية أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التى أرضعته، تحدث: أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه، في نسوة من بنى سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء، قالت: وذلك في سنة شهباء، لم تبق [ لنا ] شيئا. قال: فخرجت على أتان لى قمراء، معنا شارف لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذى معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديى ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغديه - قال ابن هشام: ويقال يغذيه - ولكنا [ كنا ] نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتانى تلك، فلقد أدمت بالركب (1) حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبى الصبى، فكنا نقول: يتيم ! وما عسى أن تصنع أمه وجده ! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إنى لاكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لاذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن


(1) معناه أطلت مسافة السير على الركب لتمهلهم على وتأنيهم (*).

[ 106 ]

يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أنى لم أجد غيره. قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلى، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل، فحلب منها ما شرب وشربت [ معه ] حتى انتهينا ريا وشبعا فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة. قالت: فقلت: والله إنى لارجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت [ أنا ] أتانى، وحملته عليها معى، فو الله لقطعت بالركب، ما يقدر عليها شئ من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لى: يابنة أبى ذؤيب، ويحك ! اربعى علينا، أليست هذه أتانك التى كنت خرجت عليها ؟ فأقول لهن: بلى والله، إنها لهى هي، فيقلن: والله إن لها لشأنا، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بنى سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعا لبنا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة من لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبى ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبنا. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا. قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شئ على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته. فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت بنى عندي حتى يغلظ، فإنى أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا. قالت: فرجعنا به، فوالله إنه بعد مقدمنا [ به ] بأشهر مع أخيه لفى بهم لنا خلف بيوتنا، إذا أتانا أخوه يشتد، فقال لى ولابيه، ذاك أخى القرشى قد أخذه

[ 107 ]

رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه، فشقا بطنه، فهما يسوطانه. قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائما منتقعا وجهه. قالت: فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: مالك يا بنى ؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاني وشقا بطني، فالتمسا [ فيه ] شيئا لا أدرى ما هو. قالت: فرجعنا [ به ] إلى خبائنا قالت: وقال لى أبوه: يا حليمة، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به، قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك [ به ] يا ظئر، وقد كنت حريصة عليه، وعلى مكثه عندك ؟ قالت: فقلت: قد بلغ الله بابنى وقضيت الذى على، وتخوفت الاحداث عليه، فأديته إليك كما تحبين، قالت: ما هذا شأنك، فاصدقيني خبرك. قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها. قالت: أفتخوفت عليه الشيطان ؟ قالت: قلت: نعم، قالت: كلا، والله ما للشيطان عليه [ من ] سبيل، وإن لبنى لشأنا، أفلا أخبرك خبره ؟ قالت: [ قلت ] بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج منى نور أضاء لى قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف [ على ] ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالارض رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة. قال ابن إسحاق: وحدثني ثور بن يزيد عن بعض أهل العلم - ولا أحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعى - أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك ؟ قال: نعم، أنا دعوة [ أبى ] إبراهيم، وبشرى [ أخى ] عيسى، ورأت أمي حين حملت بى أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت في بنى سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لى خلف بيوتنا نرعى بهما لنا، إذ أتانى رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا، ثم أخذانى فشقا بطني واستخرجا قلبى، فشقاه،

[ 108 ]

فاستخرجا منه علقمة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبى وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزننى بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمئة من أمته، فوزننى بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزننى بهم فوزنتهم، فقال: دعه عنك، فوالله لو وزنتة بأمته لوزنها. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من نبى إلا وقد رعى الغنم، قيل: وأنت يا رسول الله ؟ قال: وأنا. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لاصحابه: أنا أعربكم، أنا قرشي، واسترضعت في بنى سعد بن بكر. قال ابن إسحاق: وزعم الناس - فيما يتحدثون، والله أعلم - أن أمه السعدية لما قدمت به مكة أضلها في الناس وهى مقبلة به نحو أهله، فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب، فقالت له: إنى قد قدمت بمحمد هذه الليلة، فلما كنت بأعلى مكة أضلني، فوالله ما أدرى أين هو، فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله أن يرده، فيزعمون أنه وجده ورقة بن نوفل بن أسد، ورجل آخر من قريش، فأتيا به عبد المطلب، فقالا [ له ]: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة، فأخذه عبد المطلب، فجعله على عنقه وهو يطوف بالكعبة يعوذه ويدعو له، ثم أرسل (1) به إلى أمه آمنة. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أن مما هاج أمه السعدية على رده إلى أمه - مع ما ذكرت لامه مما أخبرتها عنه - أن نفرا من الحبشة نصارى، رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلبوه، ثم قالوا لها: لنأخذن هذا الغلام، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا غلام كائن له شأن، نحن نعرف أمره، فزعم الذى حدثنى أنها لم تكد تنفلت به منهم.


(1) في ا " أرسله إلى أمه " (*)

[ 109 ]

وفاة آمنة وحال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب بعدها قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب بن هاشم في كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا، لما يريد به من كرامته، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين، توفيت أمه آمنة بنت وهب. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة توفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ست سنين بالابواء، بين مكة والمدينة، كانت قد قدمت به على أخواله من بنى عدى بن النجار، تزيره إياهم، فماتت وهى راجعة به إلى مكة. قال ابن هشام: أم عبد المطلب بن هاشم: سلمى بنت عمرو النجارية، فهذه الخؤولة التى ذكرها ابن إسحاق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم. قال ابن إسحاق: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب ابن هاشم، وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر، حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب، إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه عليه الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسرد ما يراه يصنع. وفاة عبد المطلب وما رثى به من الشعر فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانى سنين هلك عبد المطلب بن هاشم، وذلك بعد الفيل بثماني سنين.

[ 110 ]

قال ابن إسحاق: حدثنى العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس عن بعض أهله: أن عبد المطلب توفى ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثمانى سنين. قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن سعيد بن المسيب: أن عبد المطلب لما حضرته الوفاة وعرف أنه ميت جمع بناته، وكن ست نسوة: صفية، وبرة، وعاتكة، وأم حكيم البيضاء، وأميمة، وأروى، فقال لهن: ابكين على حتى أسمع ما تقلن قبل أن أموت. قال ابن هشام: ولم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر، إلا أنه لما رواه عن محمد بن سعيد بن المسيب كتبناه. فقالت صفية بنة عبد المطلب تبكى أباها: أرقت لصوت نائحة بليل * على رجل بقارعة الصعيد ففاضت عند ذلكم دموعي * على خدى كمنحدر الفريد على رجل كريم غير وغل * له الفضل المبين على العبيد على الفياض شيبة ذى المعالى * أبيك الخير وارث كل جود صدوق في المواطن غير نكس * ولا شخت المقام ولا سنيد طويل الباع أروع شيظمى * مطاع في عشيرته حميد رفيع البيت أبلج ذى فضول * وغيث الناس في الزمن الجرود كريم الجد ليس بذى وصوم * يروق على المسود والمسود عظيم الحلم من نفر كرام * خضارمة ملاوثة أسود فلو خلد امرؤ لقديم مجد * ولكن لا سبيل إلى الخلود لكان مخلدا أخرى الليالى * لفضل المجد والحسب التليد وقالت برة بنت عبد المطلب تبكى أباها:

[ 111 ]

أعيني جودا بدمع درر * على طيب الخيم والمعتصر على ماجد الجد وارى الزناد * جميل المحيا عظيم الخطر على شيبة الحمد ذى المكرمات * وذى المجد والعز والمفتخر وذى الحلم والفصل في النائبات * كثير المكارم جم الفجر له فضل مجد على قومه * منير يلوح كضوء القمر أتته المنايا فلم تشوه * بصرف الليالى وريب القدر وقالت عاتكة بنت عبد المطلب تبكى أباها: أعيني جودا ولا تبخلا * بدمعكما بعد نون النيام أعيني واسحنفرا واسكبا * وشوبا بكاءكما بالتدام أعيني واسنخرطا واسجما * على رجل غير نكس كهام على الجحفل الغمر في النائبات * كريم المساعى وفى الذمام على شيبة الحمد وارى الزناد * وذى مصدق بعد ثبت المقام وسيف لدى الحرب صمصامة * ومردى المخاصم عند الخصام وسهل الخليقة طلق اليدين * وفى عد ملى صميم لهام تبنك في باذخ بيته * رفيع الذؤابة صعب المرام وقالت أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب تبكى أباها: ألا يا عين جودى واستهلى * وبكى ذا الندى والمكرمات ألا يا عين ويحك أسعفيني * بدمع من دموع هاطلات وبكى خير من ركب المطايا * أباك الخير تيار الفرات طويل الباع شيبة ذا المعالى * كريم الخيم محمود الهبات وصولا للقرابة هبرزيا * وغيثا في السنين الممحلات وليثا حين تشتجر العوالي * تروق له عيون الناظرات

[ 112 ]

عقيل بنى كنانة والمرجى * إذا ما الدهر أقبل بالهنات ومفزعها إذا ما هاج هيج * بداهية، وخصم المعضلات فبكيه ولا تسمى بحزن * وبكى، ما بقيت، الباكيات وقالت أميمة بنت عبد المطلب تبكى أباها: ألا هلك الراعى العشيرة ذو الفقد * وساقى الحجيج والمحامي عند المجد ومن يؤلف الضيف الغريب بيوته * إذا ما سماء الناس تبخل بالرعد كسبت وليدا خير ما يكسب الفتى * فلم تنفكك تزداد يا شيبة الحمد أبو الحارث الفياض خلى مكانه * فلا تبعدن فكل حى إلى بعد فإنى لباك ما بقيت وموجع * وكان له أهلا لما كان من وجدى سقاك ولى الناس في القبر ممطرا * فسوف أبكيه وإن كان في اللحد فقد كان زينا للعشيرة كلها * وكان حميدا حيث ما كان من حمد وقالت أروى بنت عبد المطلب تبكى أباها: بكت عينى وحق لها البكاء * على سمح سجيته الحياء على سهل الخليقة أبطحي * كريم الخيم نيته العلاء على الفياض شيبة ذى المعالى * أبيك الخير ليس له كفاء طويل الباع أملس شيظمى * أغر كأن غرته ضياء أقب الكشح أروع ذى فضول * له المجد المقدم والسناء أبى الضيم أبلج هبرزى * قديم المجد ليس له خفاء ومعقل مالك وربيع فهر * وفاصلها إذا التمس القضاء وكان هو الفتى كرما وجودا * وبأسا حين تنسكب الدماء إذا هاب الكماة الموت حتى * كأن قلوب أكثرهم هواء مضى قدما بذى ربد خشيب * عليه حين تبصره البهاء

[ 113 ]

قال ابن إسحاق: فزعم لى محمد بن سعيد بن المسيب أنه أشار برأسه وقد أصمت: أن هكذا فابكيننى. قال ابن هشام: [ و ] المسيب: ابن حزن بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. قال ابن إسحاق: وقال حذيفة بن غانم أخو بنى عدى بن كعب بن لؤى، يبكى عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ويذكر فضله وفضل قصى على قريش، وفضل ولده من بعده عليهم، وذلك أنه أخذ بغرم أربعة آلاف درهم بمكة، فوقف بها فمر به أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب فافتكه: أعيني جودا بالدموع على الصدر * ولا تسأما أسقيتما سبل القطر وجودا بدمع واسفحا كل شارق * بكاء امرئ لم يشوه نائب الدهر [ وسحا وجما واسجما ما بقيتما * على ذى حياء من قريش وذى ستر ] على رجل جلد القوى ذى حفيظة * جميل المحيا غير نكس ولا هدر على الماجد البهلول ذى الباع والندى * ربيع لؤى في القحوط وفى العسر على خير حاف من معد وناعل * كريم المساعى طيب الخيم والنجر وخيرهم أصلا وفرعا ومعدنا * وأحظاهم بالمكرمات وبالذكر وأولاهم بالمجد والحلم والنهى * وبالفضل عند المجحفات من الغبر على شيبة الحمد الذى كان وجهه * يضئ سواد الليل كالقمر البدر وساقى الحجيج ثم للخير هاشم * وعبد مناف ذلك السيد الفهرى طوى زمزما عند المقام فأصبحت * سقايته فخرا على كل ذى فخر ليبك عليه كل عان بكربة * وآل قصى من مقل وذى وفر بنوه سراة كهلهم وشبابهم * تفلق عنهم بيضة الطائر الصقر قصى الذى عادى كنانة كلها * ورابط بيت الله في العسر واليسر

[ 114 ]

فإن تك غالته المنايا وصرفها * فقد عاش ميمون النقيبة والامر وأبقى رجالا سادة غير عزل * مصاليت أمثال الردينية السمر أبو عتبة الملقى إلى حباءه * أغر هجان اللون من نفر غر وحمزة مثل البدر يهتز للندى * نقى الثياب والذمام من الغدر وعبد مناف ماجد ذو حفيظة * وصول لذى القربى رحيم بذى الصهر كهولهم خير الكهول، ونسلهم * كنسل الملوك لا تبور ولا تحرى متى ما تلاقى منهم الدهر ناشئا * تجده بإجريا أوائله يجرى هم ملئوا البطحاء مجدا وعزة * إذا استبق الخيرات في سالف العصر وفيهم بناة للعلا وعمارة * وعبد مناف جدهم جابر الكسر بإنكاح عوف بنته ليجيرنا * من اعدائنا إذا أسلمتنا بنو فهر فسرنا تهامى البلاد ونجدها بأمنة حتى خاضت العير في البحر وهم حضروا والناس باد فريقهم * وليس بها إلا شيوخ بنى عمرو بنوها ديارا جمة وطووا بها * بئارا تسح الماء من ثبج بحر لكى يشرب الحجاج منها وغيرهم * إذا ابتدروها صبح تابعة النحر ثلاثة أيام تظل ركابهم * مخيسة بين الاخاشب والحجر وقدما غنينا قبل ذلك حقبة * ولا نستقي إلا بخم أو الحفر وهم يغفرون الذنب ينقم دونه * ويعفون عن قول السفاهة والهجر وهم جمعوا حلف الاحابيش كلها * وهم نكلوا عنا غواة بنى بكر فخارج، إما أهلكن فلا تزل * لهم شاكرا حتى تغيب في القبر ولا تنس ما أسدى ابن لبنى فإنه * قد اسدي يدا محقوقة منك بالشكر وأنت ابن لبنى من قصى إذا انتموا * بحيث انتهى قصد الفؤاد من الصدر وأنت تناولت العلا فجمعتها * إلى محتد للمجد ذى ثبج جسر

[ 115 ]

سبقت وفت القوم بذلا وئائلا * وسدت وليدا كل ذى سودد غمر وأمك سر من خزاعة جوهر * إذا حصل الانساب يوما ذوو الخبر إلى سبأ الابطال تنمى وتنتمى * فأكرم بها منسوبة في ذرا الزهر أبو شمر منهم وعمرو بن مالك * وذو جدن من قومها وأبو الجبر وأسعد قاد الناس عشرين حجة * يؤيد في تلك المواطن بالنصر قال ابن هشام: " أمك سر من خزاعة "، يعنى أبا لهب، أمه لبنى بنت هاجر الخزاعى. وقوله " بإجريا أوائله " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال مطرود بن كعب الخزاعى يبكى عبد المطلب وبنى عبد مناف: يأيها الرجل المحول رحله * هلا سألت عن آل عبد مناف هبلتك أمك لو حللت بدارهم * ضمنوك من جرم ومن إقراف [ الخالطين غنيهم بفقيرهم * حتى يعود فقيرهم كالكافي ] المنعمين إذا النجوم تغيرت * والظاعنين لرحلة الايلاف والمطعمين إذا الرياح تناوحت * حثى تغيب الشمس في الرجاف إما هلكت أبا الفعال فما جرى * من فوق مثلك عقد ذات نطاف إلا أبيك أخى المكارم وحده * والفيض مطلب أبى الاضياف قال ابن إسحاق: فلما هلك عبد المطلب بن هاشم ولى زمزم والسقاية عليها بعده العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا، فلم تزل إليه حتى قام الاسلام وهى بيده. فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم له على ما مضى من ولايته، فهى إلى آل العباس، بولاية العباس إياها، إلى [ هذا ] اليوم.

[ 116 ]

كفالة أبى طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عبد المطلب مع عمه أبى طالب، وكان عبد المطلب - فيما يزعمون - يوصى به عمه أبا طالب، وذلك لان عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا طالب أخوان لاب وأم، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم. قال ابن هشام: عائذ: ابن عمران بن مخزوم. قال ابن إسحاق: وكان أبو طالب هو الذى يلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده فكان إليه ومعه. قال ابن إسحاق: حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه أن رجلا من لهب - قال ابن هشام: ولهب: من أزد شنوءة - كان عائفا، فكان إذا قدم مكة أتاه رجال قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف لهم فيهم. قال: فأتى به أبو طالب وهو غلام، مع من يأتيه، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم شغله عنه شئ، فلما فرغ قال: أين الغلام ؟ على به. فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه، فجعل يقول: ويلكم ! ردوا على الغلام الذى رأيت آنفا، فوالله ليكونن له شأن. قال: فانطلق به أبو طالب. قصة بحيرى قال ابن إسحاق: ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل وأجمع المسير صب به رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يزعمون - فرق له [ أبو طالب ]. وقال: والله لاخرجن به معى، ولا يفارقنى، ولا أفارقه أبدا، أو كما قال، فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له بحيرى في صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها - فيما يزعمون -

[ 117 ]

يتوارثونه كابرا عن كابر. فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى، وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام. فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك - فيما يزعمون - عن شئ رآه وهو في صومعته. يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في صومعته، في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم. قال: ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه. فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته، ثم أرسل إليهم، فقال: إنى قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحركم، فقال له رجل منهم: والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم ! فما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرا ! فما شأنك اليوم ؟ قال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم، فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بين القوم، لحداثة سنه، في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرى في القوم لم ير الصفة التى يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش، لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي، قالوا له: يا بحيرى، ما تخلف عنك أحد ينبغى له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سنا، فتخلف في رحالهم، فقال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. قال: فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى، إن كان للؤما بنا أن يتخلف ابن عبد الله ابن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم. فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى، فقال [ له ]: يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى إلا

[ 118 ]

ما أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرى ذلك لانه سمع قومه يحلفون بهما. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [ له ]: لا تسألني باللات والعزى، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما، فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له: سلنى عما بدالك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئنه وأموره، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التى عنده. قال ابن هشام: وكان مثل أثر المحجم. قال ابن إسحاق: فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب، فقال له: ما هذا الغلام منك ؟ قال: ابني. قال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخى، قال: فما فعل أبوه، قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإن كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده. فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام فزعموا فيما روى الناس: أن زريرا وتماما ودريسا، وهم نفر من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رآه بحيرى في ذلك السفر الذى كان فيه مع عمه أبى طالب، فأرادوه فردهم عنه بحيرى، وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا إليه، ولم يزل بهم حتى عرفوا ما قال لهم، وصدقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا عنه. فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية، لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان

[ 119 ]

رجلا، أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والاخلاق التى تدنس الرجال تنزها وتكرما، حتى ما اسمه في قومه إلا الامين، لما جمع الله فيه من الامور الصالحة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لى - يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره وأمر جاهليته، أنه قال: لقد رأيتنى في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى، وأخذ إزاره فجعله على رقبته، يحمل عليه الحجارة، فإنى لاقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمنى لاكم ما أراه، لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك، قال: فأخذته على ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزارى على من بين أصحابي. حرب الفجار قال ابن هشام: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة - فيما حدثنى أبو عبيدة النحوي عن أبى عمرو بن العلاء - هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة، وبين قيس عيلان. وكان الذى هاجها أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، أجار لطيمة للنعمان بن المنذر فقال له البراض بن قيس، أحد بنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة: أتجيرها على كنانة ؟ قال: نعم، وعلى الخلق [ كله ] فخرج فيها عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته، حتى إذا كان بتيمن ذى طلال بالعالية، غفل عروة، فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام، فلذلك سمى " الفجار " وقال البراض في ذلك: وداهية تهم الناس قبلى * شددت لها بنى بكر ضلوعي هدمت بها بيوت بنى كلاب * وأرضعت الموالى بالضروع

[ 120 ]

رفعت له يدى بذى طلال * فخر يميد كالجذع الصريع وقال لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب: أبلغ، إن عرضت، بنى كلاب * وعامر، والخطوب لها موالى وبلغ، إن عرضت، ينى نمير * وأخوال القتيل بنى هلال بأن الوافد الرحال أمسى * مقيما عند تيمن ذى طلال وهذه الابيات في أبيات له فيما ذكر ابن هشام. قال ابن هشام: فأتى آت قريشا فقال: إن البراض قد قتل عروة، وهم في الشهر الحرام بعكاظ، فارتحلوا وهوازن لا تشعر [ بهم ]، ثم بلغهم الخبر فأتبعوهم، فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم، فاقتتلوا حتى جاء الليل، ودخلوا الحرم، فأمسكت عنهم هوازن، ثم التقوا بعد هذا اليوم أياما، والقوم متساندون، على كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم، وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم. وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم، أخرجه أعمامه معهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كنت أنبل على أعمامي " أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها. قال ابن إسحاق: هاجت حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة. وإنما سمى " يوم الفجار " بما استحل هذان الحيان، كنانة وقيس عيلان، فيه من المحارم بينهم. وكان قائد قريش وكنانة حرب [ بن ] أمية بن عبد شمس، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان في وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس. قال ابن هشام: وحديث الفجار أطول مما ذكرت، وإنما منعنى من استقصائه قطعه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 121 ]

حديث تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة رضى الله عنها قال ابن هشام: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة تزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤى بن غالب، فيما حدثنى غير واحد من أهل العلم عن أبى عمر المدنى. قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه، بشئ تجعله لهم، وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها: من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه، بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان، فاطلع الراهب إلى ميسرة، فقال له: من هذا الرجل الذى نزل تحت هذه الشجرة ؟ قال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبى. ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته التى خرج بها، واشترى ما أراد أن يشترى، ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة، فكان ميسرة - فيما يزعمون - إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس، وهو يسير على بعيره، فلما قدم مكة على خديجة بمالها، باعت ما جاء به، فاضعف أو

[ 122 ]

قريبا. وحدثها مسيرة عن قول الراهب، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه. وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد الله بها من كرامته فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها به بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له فيما يزعمون: يابن عم، إنى قد رغبت فيك لقرابتك، وسطنك في قومك، وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها. وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه. وهى خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر. وأمها: فاطمة بنت زائدة بن الاصم ابن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤى بن غالب بن فهر. وأم فاطمة: هالة بنت عبد مناف بن الحارث بن عمرو بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤى بن غالب بن فهر. وأم هالة: قلابة بنت سعيد بن سعد ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر. فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لاعمامه، فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب، رحمه الله، حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها. قال ابن هشام: وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة، وكان أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت، رضى الله عنها. قال ابن إسحاق: فولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم إلا إبراهيم: القاسم، وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم، والطاهر، والطيب، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة عليهم السلام. قال ابن هشام: أكبر بنيه القاسم، ثم الطيب، ثم الطاهر، وأكبر بناته

[ 123 ]

رقية، ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. قال ابن إسحاق: فأما القاسم، والطيب، والطاهر، فهلكوا في الجاهلية، وأما بناته فكلهن أدركن الاسلام، فأسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: وأما إبراهيم فأمه مارية [ القبطية ]. حدثنا عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة قال: أم إبراهيم: مارية سرية النبي صلى الله عليه وسلم التى أهداها إليه المقوقس من حفن من كورة أنصنا. قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى - وكان ابن عمها، وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس - ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب، وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه، فقال ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة، إن محمدا لنبى هذه الامة. وقد عرفت أنه كائن لهذه الامة نبى ينتظر، هذا زمانه، أو كما قال. [ قال ]: فجعل ورقة يستبطئ الامر ويقول: حتى متى ؟ فقال ورقة في ذلك: لججت وكنت في الذكرى لجوجا * لهم طالما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف * فقد قال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي * حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس * من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود فينا * ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور * يقيم به البرية أن تموجا فيلقى من يحاربه خسارا * ويلقى من يسالمه فلوجا فياليتى إذا ما كان ذاكم * شهدت فكنت أولهم ولوجا ولوجا في الذى كرهت قريش * ولو عجت بمكتها عجيجا

[ 124 ]

أرجى بالذى كرهوا جميعا * إلى ذى العرش إن سفلوا عروجا وهل أمر السفالة غير كفر * بمن يختار من سمك البروجا فإن يبقوا وأبق تكن أمور * يضج الكافرون لها ضجيجا وإن أهلك فكل فتى سيلقى * من الاقدار متلفة حروجا حديث بنيان الكعبة، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش في وضع الحجر قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها وإنما كانت رضما فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرا سرقوا كنز للكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذى وجد عنده الكنز دويكا، مولى لبنى مليح بن عمرو، من خزاعة - قال ابن هشام فقطعت قريش يده، وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك - وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطى نجار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها. وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التى كان يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم، فتتشرق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاها، وكانوا يهابونها. فبينا هي ذات يوم تتشرق على جدار الكعبة، كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرا فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضى ما أردنا: عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية. فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد ابن عمران بن مخزوم - قال ابن هشام: عائذ: ابن عمران بن مخزوم - فتناول من

[ 125 ]

الكعبة حجرا، فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغى، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. قال ابن إسحاق: وقد حدثنى عبد الله بن أبى نجيح المكى أنه حدث عن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى. أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبى وهب بن عمرو يطوف بالبيت، فسأل عنه فقيل: هذا ابن لجعدة بن هبيرة، فقال عبد الله ابن صفوان عند ذلك: جد هذا - يعنى أبا وهب - الذى أخذ حجرا من الكعبة حين أجمعت قريش لهدمها، فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه، فقال عند ذلك: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا، لا تدخلوا فيها مهر بغى، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. قال ابن إسحاق: وأبو وهب خال أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شريفا، وله يقول شاعر من العرب: ولو بأبى وهب أنخت مطيتي * غدت من نداه رحلها غير خائب بأبيض من فرعى لؤى بن غالب * إذا حصلت أنسابها في الذوائب أبى لاخذ الضيم يرتاح للندى * توسط جداه فروع الاطايب عظيم رماد القدر يملا جفانه * من الخبز يعلوهن مثل السبائب ثم إن قريشا جزأت الكعبة، فكان شق الباب لبنى عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الاسود والركن اليماني لبنى مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وسهم، ابني عمرو بن هصيص بن كعب ابن لؤى، وكان شق الحجر لبنى عبدالدار بن قصى، ولبنى أسد بن عبد العزى

[ 126 ]

ابن قصى، ولبنى عدى بن كعب بن لؤى وهو الحطيم. ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها، وهو يقول: اللهم لم ترع - قال ابن هشام: ويقال: لم نزغ - اللهم إنا لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شئ فقد رضى الله صنعنا، فهدمنا، فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الاساس، أساس إبراهيم، عليه السلام، أفضوا إلى حجارة خضر كالاسمنة (1) آخذ بعضها بعضا. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض من يروى الحديث أن رجلا من قريش، ممن كان يهدمها، أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقضت (2) مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الاساس. قال ابن إسحاق: وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا هو: إنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السموات والارض، وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا تزول حتى يزول أخشباها، مبارك لاهلها في الماء واللبن. قال ابن هشام: أخشباها: جبلاها. قال ابن إسحاق: وحدثت أنهم وجدوا في المقام كتابا فيه: مكة بيت الله الحرام، يأتيها رزقها من ثلاث سبل، لا يحلها أول من أهلها. قال ابن إسحاق: وزعم ليث بن أبى سليم أنهم وجدوا حجرا في الكعبة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، إن كان ما ذكر حقا، مكتوبا فيه: من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرا يحصد ندامة، تعملون


(1) يروى " كالاسنة " جمع سنان (2) يريد: اهتزت (*)

[ 127 ]

السيئات، وتجزون الحسنات ! أجل، لا يجتنى من الشوك العنب. قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها، حتى بلغ البنيان موضع الركن، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الاخرى، حتى تحاوروا وتحالفوا وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبدالدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدى ابن كعب بن لؤى على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا " لعقة الدم " فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد وتشاوروا وتناصفوا. فزعم بعض أهل الرواية: أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم - وكان عامئذ أسن قريش كلها - قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم فيه، ففعلوا. فكان أول داخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا: هذا الامين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال صلى الله عليه وسلم: هلم إلى ثوبا، فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا، حتى إذا بلغوا بن موضعه وضعه هو يبده، ثم بنى عليه. وكانت قريش تسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أن ينزل عليه الوحى " الامين " فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا، قال الزبير ابن عبد المطلب، فيما كان من أمر الحية التى كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها: عجبت لما تصوبت العقاب * إلى الثعبان وهى لها اضطراب وقد كانت يكون لها كشيش * وأحيانا يكون لها وثاب إذا قمنا إلى التأسيس شدت * تهيبنا البناء وقد تهاب فلما أن خشينا الرجز جاءت * عقاب تتلئب لها انصباب

[ 128 ]

فضمتها إليها ثم خلت * لنا البنيان ليس له حجاب فقمنا حاشدين إلى بناء * لنا منه القواعد والتراب غداة نرفع التأسيس منه * وليس على مسوينا ثياب أعز به المليك بنى لؤى * فليس لاصله منهم ذهاب وقد حشدت هناك بنو عدى * ومرة قد تقدمها كلاب فبوأنا المليك بذاك عزا * وعند الله يلتمس الثواب قال ابن هشام: ويروى: * وليس على مساوينا ثياب * وكانت الكعبة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانى عشرة ذراعا، وكانت تكسى القباطى، ثم كسيت البرود، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف. حديث الحمس قال ابن إسحاق: وقد كانت قريش - لا أدرى أقبل الفيل أم بعده - ابتدعت رأى الحمس رأيا رأوه وأداروه، فقالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقطان مكة (1) وساكنها، فليس لاحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخف العرب بحرمتكم وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم. فتركوا الوقوف على عرفة والافاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فليس ينبغى لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها، نحن الحمس، والحمس أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا من


(1) في ا " وقاطن مكة وساكنها " (*)

[ 129 ]

العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذى لهم، بولادتهم إياهم: يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم. وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك. قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة النحوي: أن بنى عامر بن صعصعة ابن معاوية بن بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك، وأنشدني لعمرو ابن معد يكرب: أعباس لو كانت شيارا جيادنا * بتثليث ما ناصيت بعدى الاحامسا قال ابن هشام: تثليث: موضع من بلادهم. والشيار: [ السمان ] الحسان. يعنى بالاحامس: بنى عامر بن صعصعة. وبعباس: عباس بن مرداس السلمى، وكان أغار على بنى زبيد بتثليث. وهذا البيت من قصيدة لعمرو. وأنشدني للقيط بن زرارة الدارمي في يوم جبلة: أجذم إلى إنها بنو عبس * المعشر الجلة في القوم الحمس لان بنى عبس كانوا يوم جبلة حلفاء في بنى عامر بن صعصعة. ويوم جبلة يوم كان بين بنى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وبين بنى عامر بن صعصعة، فكان الظفر فيه لبنى عامر بن صعصعة على بنى حنظلة، وقتل يومئذ لقيط بن زرارة بن عدس، وأسر حاجب بن زرارة ابن عدس، وانهزم عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم ابن مالك بن حنظلة، ففيه يقول جرير للفرزدق: كأنك لم تشهد لقيطا وحاجبا * وعمرو بن عمر وإذ دعوا يالدارم وهذا البيت في قصيدة له. ثم التقوا يوم ذى نجب، فكان الظفر لحنظلة على بنى عامر، وقتل يومئذ حسان بن معاوية الكندى، وهو ابن كبشة، وأسر يزيد بن الصعق

[ 130 ]

الكلابي، وانهزم الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، أبو عامر بن الطفيل، ففيه يقول الفرزدق: (1) ومنهن إذا نجى طفيل بن مالك * على قرزل رجلا ركوض الهزائم ونحن ضربنا هامة ابن خويلد * نزيد على أم الفراخ الجواثم وهذا البيتان في قصيدة له. فقال جرير: ونحن خضبنا لابن كبشة تاجه * ولاقى امرأ في ضمة الخيل مصقعا وهذا البيت في قصيدة له. وحديث يوم جبلة ويوم ذى نجب أطول مما ذكرنا، وإنما منعنى من استقصائه ما ذكرت في حديث [ يوم ] الفجار. قال ابن إسحاق: ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن لهم، حتى قالوا: لا ينبغى للحمس أن ياتقطوا الاقط، ولا يسلئوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا في بيوت الادم ما كانوا حرما، ثم رفعوا في ذلك فقالوا: لا ينبغى لاهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم، إذا جاءوا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة، فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة، ولم يجد ثياب الحمس، فطاف في ثيابه التى جاء بها من الحل، ألقاها إذا فرغ من طوافه، ثم لم ينتفع بها ولم يمسها هو ولا أحد غيره أبدا. فكانت العرب تسمى تلك الثياب اللقى، فحملوا على ذلك العرب، فدانت به، ووقفوا على عرفات، وأفاضوا منها، وطافوا بالبيت عراة: أما الرجال


(1) البيتان في ديوان الفرزدق (ص 858) وقرزل: اسم فرس لطفيل بن مالك، وأم الفراخ: فسرها أبو ذر بالرماح، والصواب أنها كنية الرأس، والفرخ: مقدم الدماغ (*)

[ 131 ]

فيطوفون عراة، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا درعا مفرجا عليها، ثم تطوف فيه. فقالت امرأة من العرب، وهى كذلك تطوب بالبيت: اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله ومن طاف منهم في ثيابه التى جاء فيها من الحل ألقاها، فلم ينتفع بها هو ولا غيره. فقال قائل من العرب يذكر شيئا تركه من ثيابه فلا يقربه، وهو يحبه: كفى حزنا كرى عليه كأنه * لقى بين أيدى الطائفين حريم يقول: لا يمس. فكانوا كذلك حتى بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم، فأنزل عليه حين أحكم له دينه، وشرع له سنن حجه: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم - 199 من سورة البقرة } يعنى قريشا. والناس: العرب. فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والافاضة منها. وأنزل الله عليه فيما كانوا حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت، حين طافوا عراة وحرموا ما جاءوا به من الحل من الطعام: { يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين. قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون - 31 و 32 من سورة الاعراف }. فوضع الله تعالى أمر الحمس، وما كانت قريش ابتدعت منه على الناس بالاسلام حين بعث الله [ به ] رسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عثمان بن أبى سليمان (1) بن جبير بن مطعم، عن عمه نافع بن جبير،


(1) في ا " بن أبى سلمان " وليس بذاك، وانظر الخلاصة 259 (*).

[ 132 ]

عن أبيه جبير بن مطعم، قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحى، وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها، توفيقا من الله [ عزوجل ] له، صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا. إخبار الكهان من العرب، والاحبار من يهود والرهبان من النصارى (1) قال ابن إسحاق: وكانت الاحبار من يهود، والرهبان من النصارى، والكهان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، لما تقارب من زمانه. أما الاحبار من يهود، والرهبان من النصارى، فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه. وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع، إذا كانت وهى لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره، ولا تلقى العرب لذلك فيه بالا، حتى بعثه الله تعالى، ووقعت تلك الامور التى كانوا يذكرون، فعرفوها. فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه، حجبت الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التى كانت تقعد لاستراق السمع فيها، فرموا بالنجوم، فعرفت الجن أن ذلك لامر حدث من أمر الله في العباد. يقول الله تبارك وتعالى لنبيه [ محمد ] صلى الله عليه وسلم حين بعثه، وهو يقص عليه خبر الجن إذ حجبوا عن السمع فعرفوا ما عرفوا، وما أنكروا من ذلك حين رأوا [ ما رأوا ]: { قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا.


(1) وقع هذا العنوان في ا " أمر حدوث الرجوم وإنذار الكهان برسول الله " (*).

[ 133 ]

وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا. وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا. وأنا ظننا أن لن تقول الانس والجن على الله كذبا. وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا }. إلى قوله: { وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. وأنا لا ندرى أشر أريد بمن في الارض أم أراد بهم ربهم رشدا - من 1 إلى 10 من سورة الجن }. فلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها [ إنما ] منعت من السمع قبل ذلك لئلا يشكل الوحى بشئ من خبر السماء، فيلتبس على أهل الارض ما جاءهم من الله فيه، لوقوع الحجة، وقطع الشبهة، فآمنوا وصدقوا، ثم { ولوا إلى قومهم منذرين. قالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم - 29 و 30 من سورة الاحقاف } الآية. وكان قول الجن: { وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا - 6 من سورة الجن }. أنه كان الرجل من العرب من قريش وغيرهم إذا سافر فنزل بطن واد من الارض ليبيت فيه قال: إن أعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة من شر ما فيه. قال ابن هشام: الرهق: الطغيان والسفه. قال رؤبة بن العجاج: * إذا تستبى الهيامة المرهقا * وهذا البيت في أرجوزة له، والرهق أيضا: طلبك الشئ حتى تدنو منه، فتأخذه أو لا تأخذه. قال رؤبة بن العجاج يصف حمير وحش: * بصبصن واقشعررن من خوف الرهق * وهذا البيت في أرجوزة له. والرهق أيضا: مصدر لقول الرجل للرجل: رهقت الاثم أو العسر الذى أرهقتني رهقا شديدا، أي حملت الاثم أو

[ 134 ]

العسر الذى حملتني حملا شديدا، وفى كتاب الله تعالى: { فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا - 80 من سورة الكهف } وقوله: { ولا ترهقني من أمرى عسرا - 73 من سورة الكهف }. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس أنه حدث: أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمى بها، هذا الحى من ثقيف، وأنهم جاءوا إلى الرجل منهم يقال له عمرو بن أمية، أحد بنى علاج - قال: وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا - فقالوا له: يا عمرو، ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم ؟ قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التى يهتدى بها في البر والبحر، وتعرف بها الانواء من الصيف والشتاء، لما يصلح الناس في معايشهم، هي التى يرمى بها، فهو والله طى الدنيا، وهلاك هذا الخلق الذى فيها، وإن كانت نجوما غيرها، وهى ثابتة على حالها، فهذا لامر أراد الله به هذا الخلق، فما هو ؟ قال ابن إسحاق: وذكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن على بن الحسين بن على بن أبى طالب عن عبد الله بن العباس عن نفر من الانصار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: ماذا كنتم تقولون في هذا النجم الذى يرمى به ؟ قالوا: يا نبى الله، كنا نقول حين رأيناها يرمى بها: مات ملك، ملك ملك، ولد مولود، مات مولود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك كذلك، ولكن الله تبارك وتعالى كان إذا قضى في خلقه أمرا سمعه حملة العرش، فسبحوا فسبح من تحتهم، فسبح لتسبيحهم من تحت ذلك، فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهى إلى السماء الدنيا فيسبحوا، ثم يقول بعضهم لبعض: مم سبحتم ؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم، فيقولون: ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا ؟ فيقولون مثل ذلك، حتى ينتهوا إلى حملة العرش، فيقال لهم: مم سبحتم ؟ فيقولون: قضى الله في خلقه كذا وكذا، للامر الذى كان، فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهى إلى السماء الدنيا

[ 135 ]

فيتحدثوا به، فتسترقه الشياطين بالسمع، على توهم واختلاف، ثم يأتوا به الكهان من أهل الارض فيحدثوهم به، فيخطئون ويصيبون، فيتحدث به الكهان، فيصيبون بعضا ويخطئون بعضا. ثم إن الله عزوجل حجب الشياطين بهذه النجوم التى يقذفون بها، فانقطعت الكهانة اليوم، فلا كهانة. قال ابن إسحاق: وحدثني عمرو بن أبى جعفر عن محمد بن عبد الرحمن بن أبى لبيبة عن على بن الحسين بن على رضى الله عنه بمثل حديث ابن شهاب عنه. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أن امرأة من بنى سهم، يقال لها الغيطلة، كانت كاهنة في الجاهلية، جاءها صاحبها ليلة من الليالى، فانقض تحتها، ثم قال: أدر ما أدر، يوم عقر ونحر، فقالت قريش حين بلغها ذلك: ما يريد ؟ ثم جاءها ليلة أخرى، فانقض تحتها، ثم قال: شعوب ما شعوب، تصرع فيه كعب لجنوب. فلما بلغ ذلك قريشا قالوا: ماذا يريد ؟ إن هذا لامر هو كائن ؟ فانظروا ما هو ؟ فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر وأحد بالشعب، فعرفوا أنه الذى كان جاء به إلى صاحبته. قال ابن هشام: الغيطلة: من بنى مرة بن عبد مناة بن كنانة، إخوة مدلج بن مرة، وهى أم الغياطل الذين ذكر أبو طالب في قوله: لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بنى خلف قيضا بنا والغياطل فقيل لولدها: الغياطل، وهم من بنى سهم بن عمرو بن هصيص. وهذا البيت في قصيدة لها سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق: وحدثني على بن نافع الجرشى أن جنبا - بطنا من اليمن - كان لهم كاهن في الجاهلية، فلما ذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر في العرب، قالت له جنب: انظر لنا في أمر هذا الرجل، واجتمعوا له في أسفل جبله، فنزل عليهم حين طلعت الشمس، فوقف لهم قائما متكئا على قوس له،

[ 136 ]

فرفع رأسع إلى السماء طويلا، ثم جعل ينزو، ثم قال: أيها الناس، إن الله أكرم محمدا واصطفاه، وطهر قلبه وحشاه، ومكثه فيكم أيها الناس قليل، ثم أسند في جبله راجعا من حيث جاء. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب، مولى عثمان ابن عفان، أنه حدث أن عمر بن الخطاب، بينا هو جالس في الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أقبل رجل من العرب داخلا المسجد، يريد عمر بن الخطاب، فلما نظر إليه عمر رضى الله عنه قال: إن هذا الرجل لعلى شركه ما فارقه بعد، أو لقد كان كاهنا في الجاهلية. فسلم عليه الرجل، ثم جلس، فقال له عمر رضى الله عنه: هل أسلمت ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال له: فهل كنت كاهنا في الجاهلية ؟ فقال [ له ] الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين ! لقد خلت في، واستقبلتني بأمر ما أراك قلته لاحد من رعيتك منذ وليت ما وليت، فقال له عمر: اللهم غفرا، قد كنا في الجاهلية على شر من هذا، نعبد الاصنام، ونعتنق الاوثان، حتى أكرمنا الله برسول الله وبالاسلام، قال: نعم، والله يا أمير المؤمنين، لقد كنت كاهنا في الجاهلية، قال: فأخبرني ما جاءك به صاحبك، قال: جاءني قبيل الاسلام بشهر أو شيعه، فقال: ألم تر إلى الجن وإبلاسها، وإياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها. قال ابن هشام: هذا الكلام سجع، وليس بشعر. قال عبد الله بن كعب: فقال عمر [ بن الخطاب ] عند ذلك يحدث الناس: والله إنى لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش، قد ذبح له رجل من العرب عجلا، فنحن ننتظر قسمه ليقسم لنا منه، إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه، وذلك قبيل الاسلام بشهر أو شيعه، يقول: يا ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح، يقول: لا إله إلا الله.

[ 137 ]

قال ابن هشام: ويقال رجل يصيح، بلسان فصيح، يقول: لا إله إلا الله وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر: عجبت للجن وإبلاسها * وشدها العيس بأحلاسها تهوى إلى مكة تبغى الهدى * ما مؤمنو الجن كأنجاسها قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغنا من الكهان من العرب. إنذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر (1) بن قتادة عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الاسلام - مع رحمة الله تعالى وهداه لنا - لما كنا نسمع من رجال يهود، [ و ] كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه [ قد ] تقارب زمان نبى يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أجبناه: حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة: { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين - 89 من سورة البقرة }. قال ابن هشام: يستفتحون: يستنصرون، ويستفتحون [ أيضا ] يتحاكمون وفى كتاب الله تعالى: { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين - 89 من سورة الاعراف }. قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد أخى بنى عبد الاشهل، عن سلمة بن سلامة بن وقش،


(1) في ب " بن عمرو " هنا فقط، وجاء على الصواب فيما بعد (*).

[ 138 ]

وكان سلمة من أصحاب بدر، قال: كان لنا جار من يهود في بنى عبد الاشهل قال: فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بنى عبد الاشهل - قال سلمة: وأنا يومئذ من أحدث من فيه سنا، على بردة لى، مضطجع فيها بفناء أهلى - فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار، قال: فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان ! أو ترى هذا كائنا، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار [ و ] يجزون فيها بأعمالهم ؟ قال: نعم، والذى يحلف به، ولود أن له بحظه من تلك النار أعطم تنور في الدار، يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه، بأن ينجو من تلك النار غدا، فقالوا له: ويحك يا فلان ! فما آية ذلك ؟ قال: نبى مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكة واليمن، فقالوا: ومتى تراه ؟ قال: فنظر إلى، وأنا من أحدثهم سنا، فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدا رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو حى بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا. قال: فقلنا له: ويحك يا فلان ! ألست الذى قلت لنا فيه ما قلت ؟ قال: بلى، ولكن ليس به. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بنى قريظة قال لى: هل تدرى عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد ابن عبيد، نفر من بنى هدل إخوة [ بنى ] قريظة، كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا في الاسلام ؟ قال: قلت: لا والله، قال: فإن رجلا من يهود من أهل الشام، يقال له " ابن الهيبان " قدم علينا قبيل الاسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلى الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يابن الهيبان فاستسق لنا، فيقول: لا والله، حتى تقدموا بين يدى مخرجكم صدقة، فنقول له: كم ؟ فيقول: صاعا من تمر، أو

[ 139 ]

أو مدين من شعير. قال: فنخرجها ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقى الله لنا. فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث. قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجنى من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع ؟ قال: قلنا: إنك أعلم (1)، قال: فإنى إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبى قد أظل زمانه، وهذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبى الذرارى والنساء ممن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بنى قريظة، قال هؤلاء الفتية، وكانوا شبابا أحداثا: يا بنى قريظة، والله إنه للنبى الذى كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان، قالوا: ليس به، قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته، فنزلوا وأسلموا وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم. قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغنا عن أحبار اليهود. حديث إسلام سلمان رضى الله عنه قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الانصاري عن محمود ابن لبيد عن عبد الله بن عباس، قال: حدثنى سلمان الفارسى، وأنا أسمع من فيه قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من قرية يقال لها جى، وكان أبى دهقان قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، لم يزل به حبه إياى حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذى يوقدها، لا يتركها تخبو ساعة. قال: وكانت لابي ضعية عظيمة، فشغل في بنيان له يوما، فقال لى: يا بنى، إنى قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب إليها فاطلعها. وأمرني فيها ببعض ما يريد، ثم قال لى: ولا تحتبس


(1) في ا " أنت أعلم " (*).

[ 140 ]

عنى فإنك إن احتبست عنى كنت أهم إلى من ضيعتي، وشغلتني عن كل شئ من أمرى. قال: فخرجت أريد ضيعته التى بعثنى إليها، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فمسعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدرى ما أمر الناس، لحبس أبى إياى في بيته، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من [ الدين ] الذى نحن عليه، فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبى فلم آتها، ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين ؟ قالوا: بالشام. فرجعت إلى أبى، وقد بعث في طلبى، وشغلته عن عمله كله، فلما جئته قال: أي بنى، أين كنت ؟ أو لم أكن عهدت إلى ما عهدت ؟ قال: قلت له: يا أبت مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله مازلت عندهم حتى غربت الشمس، قال: أي بنى، ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، قال: قلت له: كلا والله، إنه لخير من ديننا. قال: فخافني فجعل في رجلى قيدا، ثم حبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم. قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، فأخبروني بهم، فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنونى بهم. قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلى، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام. فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علما ؟ قالوا: الاسقف في الكنيسة. قال: فجئته، فقلت له: إنى قد رغبت في هذا الذين، فأحببت أن أكون معك، وأخدمك في كنيستك، فأتعلم منك، وأصلى معك، قال: ادخل، فدخلت معه. قال: وكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة، ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه شيئا منها اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال

[ 141 ]

من ذهب وورق. قال: فأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع، ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء. يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئا. قال: فقالوا لى: وما علمك بذلك ؟ قال: قلت لهم: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا عليه، قال: فأريتهم موضعه، فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا. قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا. قال: فصلبوه ورجموه بالحجارة، وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه. قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلى الخمس، أرى أنه كان أفضل منه [ و ] أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه. قال: فأحببته حبا لم أحبه شيئا قبله. قال: فأقمت معه زمنا طويلا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان، إنى قد كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى، فإلى من توصى بى ؟ وبم تأمرني ؟ قال: أي بنى، والله أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه، فقد هلك الناس، وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل، وهو فلان، وهو على ما كنت عليه فالحق به. قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره، فقال [ لى ]: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات. فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان، إن فلانا أوصى بى إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصى بى ؟ وبم تأمرني ؟ قال: يا بنى، والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه، إلا رجلا بنصيبين، وهو فلان، فالحق به. فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين، فاخبرته خبرى، وما أمرنى به

[ 142 ]

صاحبه، فقال: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلانا كان أوصى بى إلى فلان، وإن فلانا أوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إليك. فإلى من توصى بى ؟ وبم تأمرني ؟ قال: يا بنى، والله ما أعلمه بقى أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته فإنه على أمرنا. فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبرى، فقال: أقم عندي، فأقمت عند خير رجل، على هدى أصحابه وأمرهم. قال: واكتسبت حتى كانت لى بقرات وغنيمة. قال: ثم نزل به أمر الله تعالى، فلما حضر قلت له: يا فلان، إنى كنت مع فلان فأوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى ؟ وبم تأمرني ؟ قال: أي بنى، والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك به أن تأتيه. ولكنه قد أظل زمان نبى، وهو مبعوث بدين إبراهيم عليه السلام، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين، بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. قال: ثم مات وغيب، ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بى نفر من كلب تجار، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه، قالوا: نعم، فأعطيتهموها وحملوني معهم، حتى إذا بلغوا وادى القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودى عبدا، فكنت عنده، ورأيت النخل، فرجوت أن يكون البلد الذى وصف لى صاحبي، ولم يحق في نفسي، فبينا أنا عنده إذا قدم عليه ابن عم له من بنى قريظة من المدينة، فابتاعنى منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت

[ 143 ]

بها، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إنى لفى رأس عذق لسيدي أعمل له فيه بعض العمل، وسيدي جالس تحتي، إذا أقبل ابن عم له حتى وقف عليه، فقال: يا فلان، قاتل الله بنى قيلة، والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبى. قال ابن هشام: قيلة: بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن ليث ابن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، أم الاوس والخزرج. قال النعمان بن بشير الانصاري يمدح الاوس والخزرج: بهاليل من أولاد قيلة لم يجد * عليهم خليط في مخالطة عتبا مساميح أبطال يراحون للندى * يرون عليهم فعل آبائهم نحبا وهذا البيتان في قصيدة له. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الانصاري عن محمود ابن لبيد عن عبد الله بن عباس قال: قال سلمان: فلما سمعتها أخذتنى العرواء - قال ابن هشام: والعرواء: الرعدة من البر والانتفاض، فإن كان مع ذلك عرق فهى الرحضاء، وكلاهما ممدود - حتى ظننت أنى سأسقط على سيدى، فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا [ تقول ] ؟ فغضب سيدى فلكمنى لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا ! أقبل على عملك. قال: قلت: لا شئ، إنما أردت أن أستثبته عما قال. قال: وقد كان عندي شئ قد جمعته، فلما أمسيت أخذته، ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شئ قد كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربته إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: كلوا، وأمسك يده فلم يأكل. قال:

[ 144 ]

فقلت في نفسي: هذه واحدة. قال: ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا، وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جئته به فقلت له: إنى قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها. قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه. قال: فقلت في نفسي: هاتان ثنتان، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد، قد تبع جنازة رجل من أصحابه، [ و ] على شملتان لى، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذى وصف لى صاحبي، فلما رأني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أنى أستثبت في شئ وصف لى، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكى، فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحول، فتحولت فجلست بين يديه، فقصصت عليه حديثى كما حدثتك يا بن عباس، فأعجب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد. قال سلمان: ثم قال لى رسول الله صلى الله وسلم: كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلاث مئة نخلة أحييها له بالفقير، وأربعين أوقية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: أعينوا أخاكم، فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشرة ودية، والرجل بعشر، يعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لى ثلاث مئة ودية فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فأتني أكن أنا أضعها بيدى. قال: ففقرت وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت جئته فأخبرته، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معى إليها، فجعلنا نقرب إليه الودى، ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، حتى فرغنا. فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة. قال: فأديت النخل

[ 145 ]

وبقى على المال. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب، من بعض المعادن، فقال: ما فعل الفارسى المكاتب ؟ قال: فدعيت له، فقال: خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان، قال: قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما على ؟ ! فقال: خذها فإن الله سيؤدى بها عنك. قال: فأخذتها فوزنت لهم منها - والذى نفس سلمان بيده - أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم [ منها ] وعتق سلمان، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الخندق حرا ثم لم يفتنى معه مشهد. قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبى حبيب عن رجل من عبد القيس عن سلمان أنه قال: لما قلت: وأين تقع هذه من الذى على يا رسول الله ؟ أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه، ثم قال: خذها فأوفهم منها فأخذتها فأوفيتهم منها حقهم كله، أربعين أوقية. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: حدثنى من لا أتهم عن عمر بن عبد العزيز بن مروان، قال: حدثت عن سلمان الفارسى أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره خبره: إن صاحب عمورية قال له: ائت كذا وكذا من أرض الشام، فإن بها رجلا بين غيضتين، يخرج في كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزا، يعترضه ذوو الاسقام فلا يدعو لاحد منهم إلا شفى، فاسأله عن هذا الدين الذى تبتغى، فهو يخبرك عنه. قال سلمان: فخرجت حتى أتيت حيث وصف لى، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هنالك، حتى خرج لهم تلك الليلة مستجيزا من أحدى الغيضتين إلى الاخرى، فغشيه الناس بمرضاهم، لا يدعو لمريض إلا شفى، وغلبوني عليه، فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التى يريد أن يدخل، إلا منكبه. قال: فتناولته، فقال: من هذا ؟ والتفت إلى، فقلت: يرحمك الله، أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم. قال إنك لتسأل عن شئ ما يسأل عنه الناس اليوم ! قد أظلك زمان نبى يبعث بهذا الدين

[ 146 ]

من أهل الحرم، فأته فهو يحملك عليه، قال: ثم دخل. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان: لئن كنت صدقتني يا سلمان، لقد لقيت عيسى ابن مريم، على نبينا وعليه السلام. ذكر ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعبيدالله ابن حجش، وعثمان بن الحوريث، وزيد بن عمرو بن نفيل قال ابن إسحاق: واجتمعت قريش يوما في عيد لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه وينحرون له، ويعكفون عنده، ويدورون به (1)، وكان ذلك عيدا لهم [ في ] كل سنة يوما، فخلص منهم أربعة [ نفر ] نجيا، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، قالوا: أجل - وهم: ورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى، وعبيدالله ابن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان ابن أسد بن خزيمة، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب، وعثمان بن الحويرث ابن أسد بن عبد العزى بن قصى، وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط [ بن رياح ] بن رزاخ بن عدى بن كعب بن لؤى. فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شئ ! لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم ! ما حجر نطيف به، لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ! يا قوم، التمسوا لانفسكم [ دينا ] فإنكم والله ما أنتم على شئ. فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين إبراهيم. فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية، واتبع الكتب من أهلها حتى علم علما من أهل الكتاب. وأما عبيدالله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم


(1) في ب " ويديرون به " (*).

[ 147 ]

هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان مسلمة، فلما قدمها تنصر، وفارق الاسلام، حتى هلك هنالك نصرانيا. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: كان عبيدالله ابن جحش - حين تنصر - يمر بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم هنالك من أرض الحبشة، فيقول: فقحنا وصأصأتم، أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر، ولم تبصروا بعد. وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه لينظر صأصأ لينظر. وقوله " فقح " فتح عينيه. قال ابن إسحاق: وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن على بن حسين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث فيها إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمرى، فخطبها عليه النجاشي فزوجه إياها، وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة دينار. فقال محمد بن على: ما نرى عبد الملك بن مروان وقف صداق النساء على أربع مئة دينار إلا عن ذلك. وكان الذى أملكها النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن سعيد ابن العاص. وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر، وحسنت منزلته عنده. قال ابن هشام: ولعثمان بن الحويرث عند قيصر حديث منعنى من ذكره ما ذكرت في حديث حرب الفجار. قال ابن إسحاق: وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية، وفارق دين قومه، فاعتزل الاوثان والميتة والدم والذبائح التى تذبح على الاوثان، ونهى عن قتل المؤودة، وقال: أعبد رب إبراهيم، وبادى قومه بعيب ما هم عليه.

[ 148 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني هشام بن عروة بن أبيه عن أمه أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما، قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة وهو يقول: يا معشر قريش، والذى نفس زيد ابن عمرو بيده، ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيرى، ثم يقول: اللهم لو أنى أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على راحته. قال ابن إسحاق: وحدثت أن ابنه، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعمر بن الخطاب - وهو ابن عمه - قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انستغفر لزيد بن عمرو ؟ قال: نعم، فإنه يبعث أمة وحده. وقال زيد بن عمرو بن نفيل في فراق دين قومه، وما كان لقى منهم في ذلك: أربا واحدا أم ألف رب * أدين إذا تقسمت الامور ؟ عزلت اللات والعزى جميعا * كذلك يفعل الجلد الصبور فلا العزى أدين ولا ابنتيها * ولا صنمي بنى عمرو أزور ولا هبلا أدين، وكان ربا * لنا في الدهر إذ حلمي يسير (1) عجبت وفى الليالى معجبات * وفى الايام يعرفها البصير بأن الله قد أفني رجالا * كثيرا كان شأنهم الفجور وأبقى آخرين ببر قوم * فيربل منهم الطفل الصغير وبينا المرء يفتر ثاب يوما * كما يتروح الغصن المطير ولكن أ عبد الرحمن ربى * ليغفر ذنبي الرب الغفور فتقوى الله ربكم احفظوها * متى ما تحفظوها لا تبوروا ترى الابرار دارهم جنان * وللكفار حامية سعير وخزى في الحياة، وإن يموتوا * يلاقوا ما تضيق به الصدور


(1) في ا، ب " ولا غنما أدين " (*).

[ 149 ]

وقال زيد بن عمرو بن نفيل أيضا - قال ابن هشام: هي لامية بن أبى الصلت في قصيدة له، إلا البيتين الاولين والبيت الخامس وآخرها بيتا. وعجز البيت الاول عن غير ابن إسحاق: إلى الله أهدى مدحتي وثنائيا * وقولا رصينا لا ينى الدهر باقيا إلى الملك الاعلى الذى ليس فوقه * إلاه ولا رب يكون مدانيا ألا أيها الانسان إياك والردى * فإنك لا تخفى من الله خافيا وإياك لا تجعل مع الله غيره * فإن سبيل الرشل أصبح باديا حنانيك إن الجن كانت رجاءهم * وأنت إلاهى ربنا ورجائيا رضيت بك اللهم ربا فلن أرى * أدين إلاها غيرك الله ثانيا [ أدين لرب يستجيب، ولا أرى * أدين لمن لم يسمع الدهر داعيا ] وأنت الذى من فضل من ورحمة * بعثت إلى موسى رسولا مناديا فقلت له: يا اذهب وهارون فادعوا * إلى الله فرعون الذى كان طاغيا وقولا له: أأنت سويت هذه * بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا وقولا له: أأنت رفعت هذه * بلا عمد ؟ أرفق إذا بك بانيا وقولا له: أأنت سويت وسطها * منيرا إذا ما جنه الليل هاديا وقولا له: من يرسل الشمس غدوة * فيصبح ما مست من الارض ضاحيا وقولا له: من ينبت الحب في الثرى * فيصبح منه البقل يهتز رابيا ويخرج منه حبه في رؤوسه * وفى ذاك آيات لمن كان واعيا وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت لياليا وإنى [ و ] لو سبحت باسمك ربنا * لاكثر، إلا ما غفرت، خطائيا فرب العباد ألق سيبا ورحمة * على وبارك في بنى وماليا وقال زيد بن عمرو يعاتب امرأته صفية بنت الحضرمي. - قال ابن هشام: واسم الحضرمي: عبد الله بن عباد [ بن أكبر ] أحد

[ 150 ]

الصدف، واسم الصدف: عمرو بن مالك أحد السكون بن أشرس بن كندى، ويقال: كندة بن ثور بن مرتع بن عفير بن عدى بن الحارث بن مرة بن أدد ابن زيد بن مهسع بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، ويقال: مرتع ابن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ - قال ابن إسحاق: وكان زيد بن عمرو قد أجمع الخروج من مكة ليضرب في الارض يطلب الحنيفية دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فكانت صفية بنت الحضرمي كلما رأته قد تهيأ للخروج وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل، وكان الخطاب بن نفيل عمه وأخاه لامه، وكان يعاتبه على فراق دين قومه، وكان الخطاب قد وكل صفية به، وقال: إذا رأيتيه قد هم بأمر فآذنينى به - فقال [ عند ذلك ] زيد: لا تحبسيني في الهوا * ن صفى ما دابى ودابه إنى إذا خفت الهوا * ن مشيع ذلل ركابه دعموص أبواب الملو * ك وجائب للخرق نابه قطاع أسباب تذ * ل بغير أقران صعابه وإنما أخذ الهوا * ن العير إذ يوهى إهابه ويقول إنى لا أذل * بصك جنبيه صلابه وأخى ابن أمي ثم عم‍ * ى لا يواتيني خطابه وإذا يعاتبني بسو * ء قلت: أعيانى جوابه ولو أشاء لقلت ما * عندي مفاتحه وبابه قال ابن إسحاق: وحدثت [ عن ] بعض أهل زيد بن عمرو بن نفيل: أن زيدا كان إذا استقبل الكعبة داخل المسجد قال: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا. عذت بما عاذ به إبراهم * مستقبل الكعبة وهو قائم

[ 151 ]

إذ قال: أنفى لك عان راغم * مهم تجشمنى فإنى جاشم (1) البرأ بغى لا الخال، ليس مهجر كمن قال. قال ابن هشام: ويقال: البرأ بقى لا الخال، ليس مهجر كمن قال. قال: وقوله " مستقبل الكعبة " عن بعض أهل العلم. قال ابن إسحاق: وقال زيد بن عمرو بن نفيل: وأسلمت وجهى لمن أسلمت له الارض تحمل صخرا ثقالا دحاها فلما رآها استوت * على الماء أرسى عليها الجبالا وأسلمت وجهى لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا إذا هي سيقت إلى بلدة * أطاعت فصبت عليها سجالا وكان الخطاب قد آذى زيدا حتى أخرجه إلى أعلى مكة، فنزل حراء مقابل مكة، ووكل به الخطاب شبابا من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم، فقال لهم: لا تتركوه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرا منهم، فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم، وأن يتابعه أحد منهم على فراقه. فقال وهو يعظم حرمته على من استحل منه ما استحل من قومه: لاهم إنى محرم لا حله * وإن بيتى أوسط المحله عند الصفا ليس بذى مضله ثم خرج يطلب دين إبراهيم عليه السلام، ويسأل الرهبان والاحبار، حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل فجال الشام كله، حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء كان ينتهى إليه علم أهل النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم، فقال: إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظل زمان نبى يخرج من بلادك


(1) في ب جعل كلمة " إذا قال " خارجة عن الرجز، والبيت بعدها: * أنفى لك اللهم عان راغم * (*)

[ 152 ]

التى خرجت منها، يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق بها، فإنه مبعوث الآن، هذا زمانه. وقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئا منهما، فخرج سريعا، حين قال له ذلك الراهب ما قال، يريد مكة، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه، فقال ورقة بن نوفل بن أسد يبكيه: رشدت وأنعمت ابن عمرو، وإنما * تجنبت تنورا من النار حاميا بدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي كما هيا وإدراكك الدين الذى قد طلبته * ولم تك عن توحيد ربك ساهيا فأصبحت في دار كريم مقامها * تعلل فيها بالكرامة لاهيا تلاقى خليل الله فيها ولم تكن * من الناس إلى النار هاويا وقد تدرك الانسان رحمة ربه * ولو كان تحت الارض سبعين واديا قال ابن هشام: يروى لامية بن أبى الصلت البيتان الاولان منها، وآخرها بيتا في قصيدة له، وقوله: " أوثان الطواغي " عن غير ابن إسحاق. صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانجيل قال ابن إسحاق: وقد كان، فيما بلغني عما كان وضع عيسى بن مريم فيما جاءه من الله في الانجيل لاهل الانجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أثبت يحنس الحوارى لهم، حين نسخ لهم الانجيل عن عهد عيسى ابن مريم عليه السلام، في رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، أنه قال: من أبغضني فقد أبغض الرب، ولولا أنى صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلى ما كانت لهم خطيئة، ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزوننى، وأيضا للرب، ولكن لابد من أن تتم الكلمة التى في الناموس، إنهم أبغضوني مجانا، أي باطلا. فلو قد جاء المنحمنا هذا الدى يرسله الله إليكم من عند الرب [ و ] روح القسط (1)، هذا الذى من عند الرب خرج، فهو شهيد على وأنتم * (هامش) (1) في ب " وروح القدس " (*).

[ 153 ]

أيضا، لانكم قديما كنتم معى، في هذا قلت لكم لكيما لا تشكوا. المنحمنا [ بالسريانية ]: محمد، وهو بالرومية: البرقليطس، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما قال ابن إسحاق: فلما بلغ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، وكافة للناس [ بشيرا ] وكان الله تبارك وتعالى قد أخذ الميثاق على كل نبى بعثه قبله بالايمان به، والتصديق له، والنصر له على من خالفه، وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم، فأدوا من ذلك ما كان عليهم [ من ] الحق فيه. يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى } أي ثقل ما حملتكم من عهدي { قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين - 81 من سورة آل عمران } فأخذ الله ميثاق النبيين جميعا بالتصديق [ له ] والنصر له عليه من خالفه، وأدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم من أهل هذين الكتابين. قال ابن إسحاق: فذكر الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضى الله عنها أنها حدثته: أن أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة - حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به - الرؤيا الصادقة، لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح. قالت: وحبب الله تعالى إليه الخلوة، فلم يكن شئ أحب إليه من أن يخلو وحده. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الملك بن عبد (1) الله بن أبى سفيان بن العلاء بن جارية الثقفى، وكان واعية، عن بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) في ب " بن عبيدالله - إلخ " (*).

[ 154 ]

- حين أراده الله بكرامته وابتدأه بالنبوة - كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت ويفضى إلى شعاب مكة وبطون أوديتها، فلا يمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. قال: فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله وعن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة. فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث، ثم جاء جبريل عليه السلام بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في شهر رمضان. قال ابن إسحاق: وحدثني وهب بن كيسان، مولى آلى الزبير. قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد، كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاءه جبريل عليه السلام ؟ قال: عبيد - وأنا حاضر - يحدث عبد الله ابن الزبير ومن عنده من الناس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهرا، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية. والتحنث: التبرر. قال ابن إسحاق: وقال أبو طالب: وثور ومن أرسى تثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل قال ابن هشام: تقول العرب: التحنث والتحنف، يريدون الحنيفية، فيبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا جدث وجدف، يريدون القبر. قال رؤبة ابن العجاج: * لو كان أحجارى مع الاجداف * يريد الاجداث. وهذا البيت في أرجوزة له. وبيت أبى طالب في قصيدة له سأذكرها إن شاء الله في موضعها. قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول: فم، في موضع ثم، يبدلون الفاء من الثاء.

[ 155 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني وهب بن كيسان قال: قال [ لى ] عبيد: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به - إذا انصرف من جواره - الكعبة، قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته. حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته، من السنة التى بعثه الله تعالى فيها، وذلك الشهر [ شهر ] رمضان، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته، ورحم العباد بها، جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فجاءني جبريل، وأنا نائم، بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ ؟ قال: فغتنى به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أقرأ ؟ قال: فغتنى به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: قلت: ماذا أقرأ ؟ قال: فغتنى به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: فقلت: ماذ أقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لى بمثل ما صنع بى فقال: { اقرأ باسم ربك الذى خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الاكرم * الذى علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم - من 1 إلى 5 من سورة العلق }. قال: فقرأتها ثم انتهى فانصرف عنى وهببت من نومى، فكأنما كتبت في قبلى كتابا. قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فوقفت أنظر إليه،

[ 156 ]

فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهى عنه في آفاق السماء، قال: فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامى وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبى، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عنى. وانصرفت راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخدها مضيفا إليها، فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت ؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا أعلى مكة ورجعوا إلى، ثم حدثتها بالذى رأيت، فقالت: أبشر يابن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إنى لارجو أن تكون نبى هذه الامة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العزى بن قصى، وهو ابن عمها - وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والانجيل - فأخبرته بما أخبرها [ به ] رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه رأى وسمع، فقال ورقة بن نوفل: قدوس قدوس، والذى نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الاكبر الذى كان يأتي موسى، وإنه لنبى هذه الامة، فقولي له: فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة [ بن نوفل ]. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال: يا ابن أخى، أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ورقة: والذى نفسي بيده، إنك لنبى هذه الامة، ولقد جاءك الناموس الاكبر الذى جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لانصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله.

[ 157 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني إسماعيل بن أبى حكيم مولى آل الزبير: أنه حدث عن خديجة رضى الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذى يأتيك إذا جاءك ؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به. فجاءه جبريل عليه السلام كما كان يصنع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة: يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني، قالت: قم يابن عم فاجلس على فخذي اليسرى، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس على فخذي اليمنى، قالت: فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه ؟ قال: نعم. قالت: فتحول فاجلس في حجري، قالت: فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس في حجرها، قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قال: فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها، ثم قالت له: هل تراه ؟ قال: لا، قالت: يابن عم، اثبت وأبشر، فوالله إنه لملك وما هذا بشيطان. قال ابن إسحاق: وقد حدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث فقال: قد سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة، إلا أنى سمعتها تقول: أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبريل، فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا لملك وما هو بشيطان. ابتداء تنزيل القرآن قال ابن إسحاق: فابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنزيل في شهر رمضان، يقول الله عزوجل: { شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان - 185 من سورة البقرة }. وقال الله

[ 158 ]

تعالى: { إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر - سورة القدر كلها }، وقال الله تعالى: { حم والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين - من 1 إلى 5 من سورة الدخان }، وقال تعالى: { إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان - 41 من سورة الانفال }. وذلك ملتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر. قال ابن إسحاق: وحدثني أبو جعفر محمد بن على بن حسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون ببدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان. ثم تتام الوحى إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مؤمن بالله مصدق بما جاءه منه، قد قبله بقبوله، وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم، وللنبوة أثقال ومؤنة، لا يحملها ولا يستطيع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله تعالى وتوفيقه، لما يلقون من الناس، وما يرد عليهم مما جاءوا به عن الله سبحان وتعالى. قال: فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله، على ما يلقى من قومه من الخلاف والاذى. إسلام خديجة بنت خويلد وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، ووازرته على أمره، وكانت أول من آمن بالله وبرسوله، وصدق بما جاء منه، فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يسمع شيئا [ مما ] يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس، رحمها الله تعالى !

[ 159 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب، لاصخب فيه ولا نصب. قال ابن هشام: القصب [ ههنا ]: اللؤلؤ المجوف. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به: أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أقرى خديجة السلام من ربها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خديجة هذا جبريل يقرئك السلام من ربك، فقالت خديجة: الله السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام. قال ابن إسحاق: ثم فتر الوحى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة من ذلك حتى شق [ ذلك ] عليه فأحزنه، فجاءه جبريل بسورة الضحى، يقسم له ربه، وهو الذى أكرمه بما أكرمه به، ما ودعه وما قلاه، فقال تعالى: { والضحى والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى } يقول: ما صرمك فتركك، وما أبغضك منذ أحبك. { وللآخرة خير لك من الاولى } أي: لما عندي من مرجعك إلى، خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا. { ولسوف يعطيك ربك فترضى } من الفلج في الدنيا، والثواب في الآخرة. { ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى } يعرفه الله ما ابتدأه به من كرامته في عاجل أمره، ومنه عليه في يتمه وعيلته وضلالته، واستنقاذه من ذلك كله برحمته. قال ابن هشام: سجى: سكن. قال أمية بن أبى الصلت [ الثقفى ]: إذ أتى موهنا وقد نام صحبى * وسجا الليل بالظلال البهيم وهذا البيت في قصيدة له، ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، وسجا طرفها. قال جرير [ بن الخطفى ]: ولقد رمينك حين رحن بأعين * يقتلن من خلل الستور سواجى

[ 160 ]

وهذا البيت في قصيدة له. والعائل: الفقير. قال أبوخراش الهذلى: إلى بيته يأوى الضريك إذا شتا * ومستنبح بالى الدريسين عائل وجمعه: عالة وعيل. وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله. والعائل [ أيضا ]: الذى يعول العيال. والعائل [ أيضا ]: الحائف. وفى كتاب الله تعالى { ذلك أدنى ألا تعولوا - 3 من سورة النساء }. وقال أبو طالب: بميزان قسط لا يخس شعيرة * له شاهد من نفسه غير عائل وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها إن شاء الله في موضعها. والعائل [ أيضا ]: الشئ المثقل المعيى. يقول الرجل: قد عالنى هذا الامر، أي أثقلني وأعيانى. قال الفرزدق: ترى الغر الجحاجح من قريش * إذا ما الامر في الحدثان عالا وهذا البيت في قصيدة له. { فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر } أي لا تكن جبارا ولا متكبرا، ولا فحاشا فظا على الضعفاء من عباد الله. { وأما بنعمة ربك فحدث } أي بما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة فحدث، أي اذكرها وادع إليها. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله. ابتداء فرض الصلاة وافترضت الصلاة عليه، فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته. قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة رضى الله عنها قالت: افترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أول

[ 161 ]

أول ما افترضت عليه ركعتين ركعتين، كل صلاة، ثم إن الله تعالى أتمها في الحضر أربعا، وأقرها في السفر على فرضها الاول ركعتين. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أن الصلاة - حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم - أتاه جبريل وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت منه عين، فتوضأ جبريل عليه السلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر [ إليه ]، ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل توضأ، ثم قام به جبريل فصلى به، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته، ثم انصرف جبريل عليه السلام. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة، فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله عليه السلام، ثم صلى بها رسول الله عليه السلام كما صلى به جبريل، فصلت بصلاته. قال ابن إسحاق: وحدثني عتبة بن مسلم، مولى بنى تيم، عن نافع بن جبير ابن مطعم، وكان نافع كثير الرواية، عن ابن عباس قال: لما افترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فصلى به الظهر حين مالت الشمس، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق، ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر، ثم جاءه فصلى به الظهر [ من غد ] حين كان ظله مثله، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثليه، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالامس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل الاول، ثم صلى به الصبح مسفرا غير مشرق، ثم قال: يا محمد، الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالامس (1).


(1) افترضت الصلاة في ليلة الاسراء برسول الله، وحدثت هذه القصة في غداة الاسراء (*)

[ 162 ]

ذكر أن على بن أبى طالب رضى الله عنه أول ذكر أسلم قال ابن إسحاق: ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى معه، وصدق بما جاء من الله تعالى، على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم، رضوان الله وسلامه عليه، وهو يومئذ ابن عشر سنين. وكان مما أنعم الله [ به ] على على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الاسلام. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد بن جبر أبى الحجاج قال: كان من نعمة الله على على بن أبى طالب، ومما صنع الله له، وأراده به من الخير، أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة (1)، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه، وكان من أيسر بنى هاشم: يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الازمة (1)، فانطلق بنا إليه فلنخفف [ عنه ] من عياله، آخذ من بنيه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفلهما عنه، فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفف [ عنك ] من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما عقيلا فاصنعا ما شئتما - قال ابن هشام: ويقال عقيلا وطالبا. فأخذ رسول صلى الله عليه وسلم عليا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل على مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبيا، فاتبعه على رضى الله عنه، وآمن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه. قال ابن إسحاق: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه على بن أبى طالب


(1) الازمة: الشدة، والمراد هنا القحط (*)

[ 163 ]

مستخفيا من أبيه أبى طالب، ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا. فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا. ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يابن أخى ! ما هذا الدين الذى أراك تدين به ؟ قال: أي عم. هذا دين الله، ودين ملائكته ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم - أو كما قال صلى الله عليه وسلم - بعثنى الله به رسولا إلى العباد، وأنت أي عم، أحق من بذلت له النصحية، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابنى إليه وأعانني عليه، أو كما قال، فقال أبو طالب: أي ابن أخى، إنى لا أستطيع أن أفارق دين آبائى وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشئ تكرهه ما بقيت. وذكروا أنه قال لعلى: أي بنى، ما هذا الدين الذى أنت عليه ؟ فقال: يا أبت، آمنت [ بالله و ] برسول الله، وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله، واتبعته، فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير، فالزمه. إسلام زيد بن حارثة ثانيا قال ابن إسحاق: ثم أسلم زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب ابن عبد العزى بن امرى القيس الكلبى، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أول ذكر أسلم، وصلى، بعد على بن أبى طالب. قال ابن هشام: زيد ابن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى ابن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبدود بن عوف بن كنانة ابن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة. وكان حكيم بن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق، فيهم زيد بن حارثة وصيف (1)، فدخلت عليه عمته خديجة بنت خويلد، وهى يومئذ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: اختاري يا عمة أي هؤلاء الغلمان شئت فهو لك،


(1) كانت أم زيد قد خرجت به لتزيره قومها، فأخذته خيل من بنى القين، فباعته، وكان ابن ثمان سنين (*).

[ 164 ]

فاختارت زيدا فأخذته، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها، فاستوهبه منها، فوهبته له، فاعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبناه، وذلك قبل أن يوحى إليه. وكان أبوه حارثة قد جزع عليه جزعا شديدا، وبكى عليه حين فقده، فقال: بكيت على زيد ولم أدر ما فعل * أحى فيرجى أم أتى دونه الاجل فوالله ما أدرى وإنى لسائل * أغالك بعدى السهل أم غالك الجبل ويا ليت شعرى هل لك الدهر أوبة * فحسبي من الدنيا رجوعك لى بجل (1) تذكرينه الشمس عند طلوعها * وتعرض ذكراه إذا غربها أفل وإن هبت الارواح هيجن ذكره * فيا طول ما حزنى عليه وما وجل (2) سأعمل نص العيس في الارض جاهدا * ولا أسأم التطواف أو تسام الابل حياتي أو تأتى على منيتى * فكل امرئ فان وإن غره الامل ثم قدم عليه وهو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت فأقم عندي، وإن شئت فانطلق مع أبيك ! فقال: بل أقيم عندك. فلم يزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله فصدقه وأسلم، وصلى معه، فلما أنزل الله عزوجل: { ادعوهم لآبائهم - 5 من سورة الاحزاب }. قال: أنا زيد بن حارثة. إسلام أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وشأنه قال ابن إسحاق: ثم أسلم أبو بكر بن أبى قحافة، واسمه عتيق، واسم أبى قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب ابن لؤى بن غالب بن فهر. قال ابن هشام: اسم أبى بكر: عبد الله، وعتيق: لقب لحسن وجهه وعتقه.


(1) بجل - هنا - بمعنى حسب. (2) الوجل: الخوف (*).

[ 165 ]

قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر رضى الله عنه أظهر إسلامه، ودعا إلى الله و [ إلى ] رسوله. وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الامر، لعلمه، وتجارته، وحسن مجالسته، فجعل يدعوا إلى [ الله وإلى ] الاسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه، ويجلس إليه. ذكر من أسلم من الصحابة بدعوة أبى بكر رضى الله عنه قال: فأسلم بدعائه - فيما بلغني - عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى ابن غالب. والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى. وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف ابن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى. وسعد ابن أبى وقاص، واسم أبى وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى. وطلحة بن عبيدالله بن عثمان ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين استجابوا له - فأسلموا وصلوا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، فيما بلغني: ما دعوت أحدا إلى الاسلام إلا كانت فيه عنده كبوة، ونظر وتردد، إلا ما كان من أبى بكر بن أبى قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه. [ قال ابن هشام: قوله: " بدعائه " عن غير ابن إسحاق ]. قال ابن هشام: قوله: عكم: تلبث. قال رؤبة بن العجاج. * وانصاع وثاب بها وماعكم *

[ 166 ]

قال إبن إسحاق: فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالاسلام فصلوا، وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وصدقوه ] بما جاءه من الله. ثم أسلم أبو عبيدة بن الجراح، واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال ابن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر. وأبو سلمة [ واسمه ] عبد الله بن عبد الاسد ابن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى. والارقم بن أبى الارقم، واسم أبى الارقم عبد مناف بن أسد - وكان أسد يكنى أبا جندب - بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب ابن لؤى. وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو ابن هصيص بن كعب بن لؤى. وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون بن حبيب. وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤى. وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله ابن قرط بن رياح بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤى، وامرأته فاطمة بنت الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدى ابن كعب بن لؤى، أخت عمر بن الخطاب. وأسماء بنت أبى بكر. وعائشة بنت أبى بكر، وهى [ يومئذ ] صغيرة. وخباب بن الارت، حليف بنى زهرة. قال ابن هشام: خباب بن الارت من بنى تميم، ويقال: هو من خزاعة. قال ابن إسحاق: وعمير بن أبى وقاص، أخو سعد بن أبى وقاص. وعبد الله بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث ابن تميم بن سعد بن هذيل، حليف بنى زهرة. ومسعود بن القارى، وهو مسعود ابن ربيعة بن عمرو بن سعد بن عبد العزى بن حمالة بن غالب بن محلم بن عائذة ابن سبيع (1) بن الهون بن خزيمة، من القارة. قال ابن هشام: والقارة: لقب [ لهم ] ولهم يقال:


(1) في جوامع السير 48 وجمهرة الانساب 190، كلاهما لابن حزم " يثيع بن مليح بن الهون " (*).

[ 167 ]

* قد أنصف القارة من راماها * وكانوا [ قوم ] رماة. قال ابن إسحاق: وسليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن [ حسل بن ] عامر بن لؤى بن غالب بن فهر، [ وأخوه حاطب ابن عمرو ] وعياش بن أبى ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة بن كعب بن لؤى، وامرأته أسماء بنت سلامة بن مخربة التميمية وخنيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤى. وعامر بن ربيعة، من عنز بن وائل، حليف آل الخطاب ابن نفيل بن عبد العزى. قال ابن هشام: عنز بن وائل [ أخو بكر بن وائل ] من ربيعة بن نزار. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة ابن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة. وأخوه أبو أحمد ابن جحش، حليفا بنى أمية بن عبد شمس. وجعفر بن أبى طالب، وامرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة، من خثعم. وحاطب ابن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو ابن هصيص بن كعب بن لؤى، وامرأته فاطمة بنت المجلل بن عبد الله بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى بن غالب بن فهر، وأخوه خطاب بن الحارث، وامرأته فكيهة بنت يسار. ومعمر بن الحارث ابن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب ابن لؤى. والسائب بن عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب. والمطلب ابن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤى، وامرأته: رملة بنت أبى عوف بن ضبيرة بن سعيد ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى. والنحام، واسمه نعيم بن عبد الله بن أسيد، أخو بنى عدى بن كعب بن لؤى.

[ 168 ]

قال ابن هشام: هو نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب بن لؤى، وإنما سمى النحام لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقد سمعت نحمة في الجنة. قال ابن هشام: نحمه: صوته. [ ونحمه ]: حسه. قال ابن إسحاق: وعامر بن فهيرة، مولى أبى بكر الصديق رضى الله عنه. قال ابن هشام: عامر بن فهيرة مولد من مولدي الاسد، أسود، اشتراه أبو بكر رضى الله عنه منهم. قال ابن إسحاق: وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى، وامرأته: أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة (1) بن سعد بن مليح ابن عمرو، من خزاعة. قال ابن هشام: ويقال: همينة بنت خلف. قال ابن إسحاق: وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى بن غالب بن فهر. وأبو حذيفة - واسمه مهشم فيما قال ابن هشام - بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ابن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى. وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، حليف بنى عدى بن كعب. قال ابن هشام: جاءت به باهلة، فباعوه من الخطاب (2) بن نفيل، فتبناه، فلما أنزل الله تعالى: { ادعوهم لآبائهم - 5 من سورة الاحزاب } قال: أنا واقد بن عبد الله، فيما قال أبو عمرو المدنى. قال ابن إسحاق: وخالد وعامر وعاقل وإياس بنو البكير بن عبد ياليل ابن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، حلفاء


(1) في ا " خثعمة " (2) في ا " من آل الخطاب " (*).

[ 169 ]

بنى عدى بن كعب. وعمار بن ياسر، حليف بنى مخزوم بن يقظة. قال ابن هشام: عمار بن ياسر عنسى من مذحج. قال ابن إسحاق: وصهيب بن سنان، أحد النمر بن قاسط، حليف بنى تيم ابن مرة. قال ابن هشام: النمر: ابن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد ابن ربيعة بن نزار، ويقال: أفصى ابن دعمى بن جديلة [ بن أسد ]، ويقال: صهيب: مولى عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، ويقال: إنه رومى. فقال بعض من ذكر أنه من النمر بن قاسط: إنما كان أسيرا في [ أرض ] الروم، فاشترى منهم. وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " صهيب سابق الروم ". مباداة رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه [ بالاسلام ]، وما كان منهم قال ابن إسحاق: ثم دخل الناس [ في الاسلام ] أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الاسلام بمكة وتحدث به. ثم إن الله عزوجل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادى الناس بأمره، وأن يدعو إليه وكان بين ما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين - فيما بلغني - من مبعثه، ثم قال الله تعالى له: { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين - 94 من سورة الحجر }. وقال تعالى: { وأنذر عشيرتك الاقربين * واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين - 214 و 215 من سورة الشعراء } [ وقال تعالى ] { وقل إنى أنا النذير المبين - 89 من سورة الحجر }. قال ابن هشام: اصدع: افرق بين الحق والباطل. قال أبو ذؤيب الهذلى واسمه خويلد بن خالد، يصف أتن وحش وفحلها: وكأنهن ربابة وكأنه * يسر يفيض على القداح ويصدع

[ 170 ]

أي يفرق على القداح ويبين أنصباءها. وهذا البيت في قصيدة له. وقال رؤبة ابن العجاج: أنت الحليم والامير المنتقم * تصدع بالحق وتنفى من ظلم وهذا البيتان في أرجوزة له. قال ابن إسحاق: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبى وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة، إذا ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبى وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحى بعير فشجه، فكان أول دم هريق في الاسلام. قال ابن إسحاق: فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالاسلام وصدع به كما أمره الله، لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه وعدواته، إلا من عصم الله تعالى منهم بالاسلام، وهم قليل مستخفون، وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب، ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرا لامره، لا يرده [ عنه ] شئ. فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شئ أنكروه عليه، من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه، فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبى طالب: عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس ابن عبد مناف، بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب. وأبو سفيان ابن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤى [ بن غالب بن فهر ]. قال ابن هشام: واسم أبى سفيان صخر.

[ 171 ]

قال ابن إسحاق: وأبو البختري، واسمه العاص بن هشام بن الحارث بن أسد ابن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى. قال ابن هشام: أبوالبخترى: العاص بن هاشم. قال ابن إسحاق: والاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصى ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى. وأبو جهل - واسمه عمرو، وكان يكنى أبا الحكم - ابن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة ابن كعب بن لؤى. والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة بن كعب بن لؤى. ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى. والعاص بن وائل. قال ابن هشام: العاص: ابن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو ابن هصيص بن كعب بن لؤى. قال ابن إسحاق: أو من مشى منهم، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شرى الامر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها، فتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضا عليه، ثم إنهم مشوا إلى أبى طالب مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو تنازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، أو كما قالوا له. [ ثم ] انصرفوا عنه، فعظم على أبى طالب فراق قومه وعدواتهم، ولم يطب

[ 172 ]

نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم [ لهم ] ولا خذلانه. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس أنه حدت أن قريشا حين قالوا لابي طالب هذه المقالة، بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يابن أخى، إن قومك قد جاءوني، فقالوا لى كذا وكذ، للذى [ كانوا ] قالوا له، فأبق على وعلى نفسك، ولا تحملني من الامر مالا أطيق قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، قال، فقال [ له ] رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى على أن أترك هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته. قال: ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا بن أخى. قال: فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اذهب يابن أخى فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشئ أبدا. قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعدواتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له، فيما بلغني: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد. أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذى قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل، فقال: والله لبئس ما تسوموننى ! أتعطفونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ هذا والله مالا يكون أبدا. قال: فقال المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف ابن قصى: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا، فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم على، فاصنع ما بدالك،

[ 173 ]

أو كما قال. فحقب الامر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضا فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدى، ويعم من خذله من بنى عبد مناف، ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم: ألا قل لعمرو والوليد ومطعم * ألا ليت حظى من حياطتكم بكر من الخور حبحاب كثير رغاؤه * يرش على الساقين من بوله قطر تخلف خلف الورد ليس بلاحق * إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر أرى أخوينا من أبينا وأمنا * إذا سئلا قالا إلى غيرنا الامر بلى لهما أمر ولكن تجرجما كما جرجمت من رأس ذى علق الصخر أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا * هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر هما أغمزا للقوم في أخويهما فقد أصبحا منهم أكفهما صفر هما أشركا في المجد من لا أباله * من الناس إلا أن يرس له ذكر وتيم ومخزوم وزهرة منهم * وكانوا لنا مولى إذا بغى النصر فوالله لا تنفك منا عداوة * ولا منهم ما كان من نسلنا شفر [ فقد سفهت أحلامهم وعقولهم * وكانوا كجفر، بئس ما صنعت جفر ] قال ابن هشام: تركنا منها بيتين أقذع فيهما. قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسوله صلى الله عليه وسلم منهم بعمه أبى طالب، وقد قام أبو طالب - حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون - في بنى هاشم وبنى المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه، من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه، فاجتمعوا إليه، وقاموا معه، وأجابوه إلى ما دعاهم

[ 174 ]

إليه، إلا ما كان من أبى لهب عدو الله الملعون. فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جدهم معه وحدبهم عليه، جعل يمدحهم ويذكر قديمهم، ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، ومكانه منهم، ليشد لهم رأيهم، وليحدبوا معه على أمره، فقال: إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها وإن حصلت أشراف عبد منافها * ففى هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فإن محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش غثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها وكنا قديما لا نقر ظلامة * إذا ماثنوا صعر الخدود نقيمها ونحمى حماها كل يوم كريهة * ونضرب عن أحجارها من يرومها بنا انتعش العود الذواء، وإنما * بأكنافنا تندى وتنمى أرومها تحير الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنفه ولا تخالجه ولا وسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول ساحر، قال:

[ 175 ]

ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم، قلوا: فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال: والله إن لقوله الحلاوة، وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة - قال ابن هشام: ويقال لغدق - وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لان تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره. فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة وفى ذلك من قوله: { ذرنى ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهودا * ومهدت له تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيدا - من 11 إلى 16 من سورة المدثر } أي خصيما. قال ابن هشام: عنيد: معاند مخالف. قال رؤبة بن العجاج: * ونحن ضرابون رأس العند * وهذا البيت في أرجوزة له. { سأرهقه صعودا * إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر - من 17 إلى 22 من سورة المدثر }. قال ابن هشام: بسر: كره وجهه. قال العجاج: * مضبر اللحيين بسرا منهسا * يصف كراهية وجهه. وهذا البيت في أرجوزة له. { ثم أدبر واستكبر * فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر - من 23 إلى 25 من سورة المدثر }. قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى: في النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما جاء به من الله تعالى: { كما

[ 176 ]

أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا القرآن عضين * فوربك لنسئلنهم أجمعين * عما كانوا يعملون - 90 إلى 93 من سورة الحجر }. قال ابن هشام: واحدة العضين: عضة، يقول: عضوه: فرقوه. قال رؤبة بن العجاج: * وليس دين الله بالمعضى * وهذا البيت في أرجوزة له. قال ابن إسحاق: فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها. فلما خشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التى تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشئ أبدا حتى يهلك دونه، فقال: ولما رأيت القوم لاود فيهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعدواة والاذى * وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وقد حالفوا قوما علينا أظنه * يعضون غيظا خلفنا بالانامل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة * وأبيض عضب من تراث المقاول وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتى * وأمسكت من أثوابه بالوصائل قياما معا مستقبلين رتاجه * لدى حيث يقضى حلفه كل نافل وحيث ينيخ الاشعرون ركابهم * بمفضى السيول من إساف ونائل موسمة الاعضاد أو قصراتها * مخيسة بين السديس وبازل ترى الودع فيها والرخام وزينة * بأعناقها معقودة كالعثاكل أعوذ برب الناس من كل طاعن * علينا بسوء أو ملح بباطل

[ 177 ]

ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة * ومن ملحق في الدين ما لم نحاول وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل وبالبيت، حق البيت، من بطن مكة * وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذا يمسحونه * إذا اكتنفوه بالضحى والاصائل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل وأشواط بين المروتين إلى الصفا * وما فيهما من صورة وتماثل ومن حج بيت الله من كل راكب * ومن كل ذى نذر ومن كل راجل وبالمشعر الاقصى إذا عمدوا له * إلال إلى مفضى الشراج القوابل وتوقافهم فوق الجبال عشية * يقيمون بالايدي صدور الرواحل وليلة جمع والمنازل من منى وهل فوقها من حرمة ومنازل وجمع إذا ما المقربات أجزنه * سراعا كما يخرجن من وقع وابل وبالجمرة الكبرى إذا ضمدوا لها * يؤمون قذفا رأسها بالجنادل وكندة إذ هم بالحصاب عشية * تجيز بهم حجاج بكر بن وائل حليفان شدا عقد ما احتلفا له * وردا عليه عاطفات الوسائل وحطمهم سمر الصفاح وسرحه * وشبرقه وخد النعام الجوافل فهل بعد هذا من معاذ لعائذ * وهل من معيذ يتقى الله عادل يطاع بنا العدى، وودوا لو اننا * تسد بنا أبواب ترك وكابل كذبتم وبيت الله نترك مكة * ونظعن إلا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبزى محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد إليكم * نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل وحتى ترى ذا الضغن يركب ردعه * من الطعن فعل الا نكب المتحامل وإنا لعمر الله إن جد ما أرى لتلتبسن أسيافنا بالاماثل

[ 178 ]

بكفى فتى مثل الشهاب سميدع * أخى ثقة حامى الحقيقة باسل شهورا وأياما وحولا مجرما * علينا وتأتى حجة بعد قابل وما ترك قوم، لا أبالك، سيدا * يحوط الذمار غير ذرب مواكل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في رحمة وفواضل لعمري لقد أجرى أسيد وبكره * إلى بغضنا وجزانا لآكل وعثمان لم يربع علينا وقنفذ * ولكن أطاعا أمر تلك القبائل أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم * ولم يرقبا فينا مقالة قائل كما قد لقينا من سبيع ونوفل * وكل تولى معرضا لم يجامل فإن يلقيا أو يمكن الله منهما * نكل لهما صاعا بصاع المكايل وذاك أبو عمرو أبى غير بغضنا * ليظعننا في أهل شاء وجامل يناجى بنا في كل ممسى ومصبح * فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل ويولى لنا بالله ما إن يغشنا * بلى قد نراه جهرة غير حائل أضاق عليه بغضنا كل تلعة * من الارض بين أخشب فمجادل وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا * بسعيك فينا معرضا كالمخاتل وكنت امرأ ممن يعاش برأيه * ورحمته فينا، ولست بجاهل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح * حسود كذوب مبغض ذى دغاول ومر أبو سفيان عنى معرضا * كما مر قيل من عظام المقاول يفر إلى نجد وبرد مياهه * ويزعم أنى لست عنكم بغافل ويخبرنا فعل المناصح أنه * شفيق ويخفى عارمات الدواخل امطعم لم أخذلك في يوم نجدة * ولا معظم عند الامور الجلائل ولا يوم خصم إذا أتوك ألدة * أولى جدل من الخصوم المساجل أمطعم إن القوم ساموك خطة * وإنى متى أوكل فلست بوائل

[ 179 ]

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غير آجل بميزان قسط لا يخس شعيرة * له شاهد من نفسه غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بنى خلف قيضا بنا والغياطل ونحن الصميم من ذؤابة هاشم * وآل قصى في الخطوب الاوائل وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا * علينا العدا من كل طمل وخامل فعبد مناف أنتم خير قومكم * فلا تشركوا في أمركم كل واغل لعمري لقد وهنتم وعجزتم * وجئتم يأمر مخطئ للمفاصل وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم * ألان حطاب أقدر ومراجل ليهنئ بنى عبد مناف عقوقنا * وخذلاننا وتركنا في المعاقل فإن نك قوما نتئر ما صنعتم * وتحتلبوها لقحة غير باهل [ وسائط كانت في لؤى بن غالب * نفاهم إلينا كل صقر حلاحل ] [ ورهط نفبل شر من وطئ الحصى * وألام حاف من معد وناعل ] فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا * وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة * إذا ما لجأنا دونهم في المداخل ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم * لكنا أسى عند النساء المطافل فكل صديق وابن أخت نعده * لعمري وجدنا غبه غير طائل سوى أن رهطا من كلاب بن مرة * براء إلينا من معقة خاذل وهنا لهم حتى تبدد جمعهم * ويحسر عنا كل باغ وجاهل وكان لنا حوض السقاية فيهم * ونحن الكدى من غالب والكواهل شباب من المطيبين وهاشم * كبيض السيوف بين أيدى الصياقل فما أدركوا ذحلا، ولا سفكوا دما * ولا حالفوا إلا شرار القبائل بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم * ضوارى أسود فوق لحم خرادل بنى أمة محبوبة هند كية * بنى جمح عبيد قيس بن عاقل

[ 180 ]

ولكننا نسل كرام لسادة * بهم نعى الاقوام عند البواطل ونعم ابن أخت القوم غير مكذب * زهير حساما مفردا من حمائل أشم من الشم البهاليل ينتمى * إلى حسب في حومة المجد فاضل لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد * وإخوته دأب المحب المواصل فلا زال في الدنيا جمالا لاهلها * وزينا لمن والاه رب المشاكل فمن مثله في الناس أي مؤمل * إذا قاسه الحكام عند التفاضل حليم رشيد عادل غير طائش * يوالى إلاها ليس عنه بغافل فوالله لولا أن أجئ بسنة * تجر على أشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة * من الدهر جدا غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا، ولا يعنى بقول الا باطل فأصبح فبنا أحمد في أرومة * تقصر عنها سورة المنطاول حدبت بنفسى دونه وحميته * ودافعت عنه بالذرا والكلاكل فأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير باطل رجال كرام غبر ميل نماهم * إلى الخير آباء كرام المحاصل فإن تك كعب من لوى صقيبة * فلابد يوما مرة من تزايل قال ابن هشام: هذا ما صح لى من هذه القصيدة، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به قال: أقحط أهل المدينة فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكوا ذلك إليه، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحى يشكون منه الغرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم حوالينا ولا علينا، فانجاب السحاب عن المدينة فصار حواليها كالاكليل، فقال رسول الله

[ 181 ]

صلى الله عليه وسلم: لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسره ! فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل قال: أجل. قال ابن هشام: وقوله " وشبرقه " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق " والغياطل " من بنى سهم بن عمرو بن هصيص، وأبو سفيان: ابن حرب بن أمية. ومطعم: ابن عدى بن نوفل بن عبد مناف. وزهير: ابن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأمه: عاتكة بنت عبد المطلب. قال ابن إسحاق: وأسيد، وبكره: عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى. وعثمان: ابن عبيدالله، أخو طلحة ابن عبيدالله التيمى. وقنفذ: ابن عمير بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة. وأبو الوليد: عتبة بن ربيعة. وأبى: الاخنس بن شريق الثقفى حليف بنى زهرة بن كلاب. قال ابن هشام: وإنما سمى الاخنس لانه خنس بالقوم يوم بدر، وإنما اسمه أبى، وهو من بنى علاج، وهو علاج بن أبى سلمة بن عوف بن عقدة. والاسود: ابن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. وسبيع ابن خالد، أخو بلحارث بن فهر. ونوفل: ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى ابن قصى، وهو ابن العدوية. وكان من شياطين قريش، وهو الذى قرن بين أبى بكر الصديق وطلحة بن عبيدالله رضى الله عنهما في حبل حين أسلما، فبذلك كانا يسميان القرينين، قتله على بن أبى طالب عليه السلام يوم بدر. وأبو عمرو: قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف. وقوله " وقوم علينا أظنة ":

[ 182 ]

بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، فهؤلاء الذين عدد أبو طالب في شعره من العرب. فلما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة، ولم يكن حى من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين ذكر وقبل أن يذكر - من هذا الحى من الاوس والخزرج، وذلك لما كانوا يسمعون من أحبار اليهود - وكانوا لهم حلفاء ومعهم في بلادهم - فلما وقع ذكره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف قال أبو قيس بن الاسلت، أخو بنى واقف. قال ابن هشام: نسب ابن إسحاق أبا قيس هذا ها هنا إلى بنى واقف، ونسبه في حديث الفيل إلى خطمة، لان العرب قد تنسب الرجل إلى أخى جده الذى هو أشهر منه. قال ابن هشام: حدثنى أبو عبيدة أن الحكم بن عمرو الغفاري من ولد نعيلة أخى غفار، وهو غفار بن مليل، ونعيلة: ابن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة، وقد قالوا " عتبة بن غزوان السلمى " وهو من ولد مازن بن منصور، وسليم ابن منصور. قال ابن هشام: فأبو قيس بن الاسلت: من بنى وائل، ووائل وواقف وخطمة إخوة من الاوس. قال ابن إسحاق: فقال أبو قيس بن الاسلت - وكان يحب قريشا، وكان لهم صهرا، كانت عنده أرنب بنت أسد بن عبد العزى بن قصى، وكان يقيم عندهم السنين بامرأته - قصيدة يعظم فيها الحرمة، وينهى قريشا فيها عن الحرب ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض، ويذكر فضلهم وأحلامهم، ويأمرهم بالكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكرهم بلاء الله عندهم، ودفعه عنهم الفيل وكيده، فقال: يا راكبا إما عرضت فبلغن * مغلغلة عنى لؤى بن غالب

[ 183 ]

رسول امرئ قد راعه ذات بينكم * على النأى محزون بذلك ناصب وقد كان عند للهموم معرس * فلم أقض منها حاجتى ومآربي نبيتكم شرجين كل قبيلة * لها أزمل من بين مذك وحاطب أعيذكم بالله من شر صنعكم * وشر تباغيكم ودس العقارب وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة * كوخز الاشافى وقعها حق صائب فذكرهم بالله أول وهلة * وإحلال أحرام الظباء الشوازب وقل لهم والله يحكم حكمه * ذروا الحرب تذهب عنكم في المراحب متى تبعثوها تبعثوها دميمة * هي الغول للاقصين أو للاقارب تقطع أرحاما وتهلك أمة * وتبرى السديف من سنام وغارب وتستبدلوا بالاتحمية بعدها * شليلا وأصداء ثياب المحارب وبالمسك والكافور غبرا سوابغا * كأن قتيريها عيون الجنادب فإياكم والحرب لا تعلقنكم * وحوضا وخيم الماء مر المشارب تزين للاقوام ثم يرونها * بعاقبة، إذ بينت، أم صاحب تحرق لا تشوى ضعيفا وتنتحي * ذوى العز منكم بالحتوف الصوائب ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * فتعتبروا أو كان في حرب حاطب وكم قد أصابت من شريف مسود * طويل العماد ضيفه غير خائب عظيم رماد النار يحمد أمره * وذى شيمة محض كريم المضارب وماء هريق في الضلال كأنما * أذاعت به ريح الصبا والجنائب يخبركم عنها امرؤ حق عالم * بأيامها والعلم علم التجارب فبيعوا الحراب ملمحارب واذكروا * حسابكم والله خير محاسب ولى امرئ فاختار دينا فلا يكن * عليكم رقيب غير رب الثواقب أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم * لنا غاية قد يهتدى بالذوائب وأنتم لهذا الناس نور وعصمة * تؤمون، والاحلام غير عوازب

[ 184 ]

وأنتم، إذا ما حصل الناس، جوهر * لكم سرة البطحاء شم الارانب تصونون أجسادا كراما عتيقة * مهذبة الانساب غير أشائب ترى طالب الحاجات نحو بيوتكم * عصائب هلكى تهتدى بعصائب لقد علم الاقوام أن سراتكم * على كل حال خير أهل الجباجب وأفضله رأيا، وأعلاه سنة، * وأقوله للحق وسط المواكب فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا * بأركان هذا البيت بين الاخاشب فعندكم منه بلاء ومصدق * غداة أبى يكسوم هادى الكتائب كتيبته بالسهل تمسى، ورجله * على القاذفات في رءوس المناقب فلما أتاكم نصر ذى العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب فولوا سراعا هاربين، ولم يؤب * إلى أهله ملحبش غير عصائب فإن تهلكوا نهلك وتهلك مواسم * يعاش بها، قول امرئ غير كاذب قال ابن هشام: أنشدني بيته: " وماء هريق "، وبيته: " فبيعوا الحراب "، وقوله: " ولى امرئ فاختار "، وقوله: * على القاذفات في رءوس المناقب * أبو زيد الانصاري وغيره. قال ابن هشام: وأما قوله: * ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * فحدثني أبو عبيدة النحوي: أن داحسا فرس كان لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، أجراه مع فرس لحذيفة بن بد بن عمرو [ بن زيد ] بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدى بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن عطفان، يقال لها: الغبراء. فدس حذيفة قوما وأمرهم أن يضربوا وجه داحس إن رأوه قد جاء سابقا، فجاء

[ 185 ]

داحس سابقا فضربوا وجهه، وجاءت الغبراء. فلما جاء فارس داحس أخبر قيسا الخبر، فوثب أخوه مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء، فقام حمل بن بدر فلطم مالكا. ثم إن أبا الجنيدب العبسى لقى عوف بن حذيفة فقتله، ثم لقى رجل من بنى فزارة مالكا فقتله، فقال حمل بن بدر أخو حذيفة بن بدر: قتلنا بعوف مالكا وهو ثأرنا * فإن تطلبوا منا سوى الحق تندموا وهذا البيت في أبيات له. وقال الربيع بن زياد العبسى: أفبعد مقتل مالك بن زهير * ترجو النساء عواقب الاطهار وهذا البيت في قصيدة له. فوقعت الحرب بين عبس وفزارة، فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل بن بدر، فقال قيس بن زهير بن جذيمة يرثى حذيفة، وجزع عليه: كم فارس يدعى وليس بفارس * وعلى الهباءة فارس ذو مصدق فابكوا حذيفة لن ترثوا مثله * حتى تبيد قبائل لم تخلق وهذا البيتان في أبيات له. وقال قيس [ بن ] زهير: على أن الفتى حمل بن بدر * بغى، والبغى مرتعه وخيم وهذا البيت في أبيات له. وقال الحارث بن زهير أخو قيس بن زهير: تركت على الهباءة غير فخر * حذيفة عنده قصد العوالي وهذا البيت في أبيات له. قال ابن هشام: ويقال أرسل قيس داحسا والغبراء، وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء، والاول أصح الحديثين. وهو حديث طويل منعنى من استقصائه قطعه حديث سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: وأما قوله: " حرب حاطب " فيعنى حاطب بن الحارث ابن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو

[ 186 ]

ابن عوف بن مالك بن الاوس، كان قتل يهوديا جارا للخزرج، فخرج إليه يزيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج ابن الحارث بن الخزرج - وهو الذى يقال له: ابن فسحم، وفسحم: أمه، وهى امرأة من القين بن جسر - ليلا في نفر من بنى الحارث بن الخزرج فقتلوه فوقعت الحرب بين الاوس والخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا، فكان الظفر للخزرج على الاوس، وقتل يومئذ سويد بن صامت بن خالد بن عطية بن حوط ابن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس، قتله المجذر بن ذياد البلوى، واسم المجذر: عبد الله، حليف بنى عوف بن الخزرج. فلما كان يوم أحد خرج المجذر [ بن ذياد ] مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج معه الحارث بن سويد بن صامت، فوجد الحارث بن سويد غرة من المجذر فقتله بأبيه. وسأذكر حديثه في موضعه إن شاء الله تعالى. ثم كانت بينهم حروب منعنى من ذكرها واستقصاء هذا الحديث ما ذكرت في [ حديث ] حرب داحس. قال ابن إسحاق: وقال حكيم بن أمية بن حارثة بن الاوقص السلمى، حليف بنى أمية، وقد أسلم، يورع قومه عما أجمعوا عليه من عدواة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم شريفا مطاعا: هل قائل قولا هو الحق * عليه ؟ وهل غضبان للرشد سامع ؟ وهل سيد ترجو العشيرة نفعه * لاقصى الموالى والاقارب جامع ؟ تبرأت إلا وجه من يملك الصبا * وأهجركم ما دام مدل ونازع وأسلم وجهى للاله ومنطقي * ولو راعني من الصديق روائع ذكر ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا اشتد أمرهم للشقاء الذى أصابهم في عدواة

[ 187 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله صلى الله عليه وسلم سفهاءهم، فكذبوه وآذوه ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون ورسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر لامر الله لا يستخفى به، مباد لهم بما يكرهون: من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم على كفرهم. قال ابن إسحاق: فحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة [ بن الزبير ] عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يظهرون من عدواته ؟ قال: حضرتهم، وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، [ قد ] سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا [ منه ] على أمر عظيم، أو كما قالوا. فبيناهم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول. قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: أتسمعون يا معشر قريش ؟ أما والذى نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح. قال: فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولا. قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم في ذلك طلع [ عليهم ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به يقولون: أنت الذى تقول كذا وكذا ؟

[ 188 ]

لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، أنا الذى أقول ذلك. قال: فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه. قال: فقام أبو بكر رضى الله عنه دونه، وهو يبكى ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ! ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لاشد ما رأيت قريشا نالوا منه قط. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض آل أم كلثوم بنت أبى بكر، أنها قالت: [ لقد ] رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه، مما جبذوه بلحيته، وكان رجلا كثير الشعر. قال ابن هشام: حدثنى بعض أهل العلم: أن أشد ما لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش أنه خرج يوما فلم يلقه أحد من الناس إلا كذبه وآذاه، لا حر ولا عبد، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله، فتدثر من شدة ما أصابه، فأنزل الله تعالى عليه: { يأيها المدثر * قم فأنذر - 1 و 2 من سورة المدثر }. إسلام حمزة رحمه الله قال ابن إسحاق: حدثنى رجل من أسلم، كان واعية: أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره، من العيب لدينه والتضعيف لامره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومولاة لعبدالله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة في مسكن لها تسمع ذلك [ منه ]، ثم انصرف عنه، فعمد إلى نادى قريش عند الكعبة فجلس معهم. فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش

[ 189 ]

وأشد شكيمة. فلما مر بالمولاة، وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد آنفا من أبى الحكم ابن هشام: وجده ها هنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد صلى الله عليه وسلم. فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى ولم يقف على أحد، معدا لابي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه أقول كما يقول ؟ فرد ذلك على إن استطعت. فقامت رجال من بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإنى والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا، وتم حمزة رضى الله عنه على إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. قول عتبة بن ربيعة في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيدا، قال يوما وهو جالس في نادى قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا ؟ وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يابن أخى، إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم

[ 190 ]

ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع. قال: يابن أخى، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الامر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد [ به ] ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا تراه لا تسطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال له. حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال: نعم، قال فاسمع منى، قال: أفعل، فقال: " { بسم الله الرحمن الرحيم. حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون * بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون * وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه - 1 إلى 5 من سورة فصلت } ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال: ورائي أنى قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بى، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذى سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله

[ 191 ]

يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيى فيه فاصنعوا ما بدالكم. ما دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين رؤساء قريش وتفسير لسورة الكهف قال ابن إسحاق: ثم إن الاسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء، وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين، ثم إن إشراف قريش من كل قبيلة، كما حدثنى بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان ابن حرب، والنضر بن الحارث [ بن كلدة ] أخو بنى عبدالدار، وأبو البختري ابن هشام، والاسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الاسود، والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبى أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وأمية بن خلف، أو من اجتمع منهم. قال: اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فأتهم، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا، وهو يظن أن قد بدالهم فيما كلمهم فيه بداء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا له: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الاحلام، وفرقت الجماعة، فما بقى أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا [ له ] - فإن كنت إنما جئت بهذا الحديت تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا،

[ 192 ]

وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا - فربما كان ذلك بذلنا [ لك ] أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بى ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثنى إليكم رسولا، وأنزل على كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لامر الله، حتى يحكم الله بينى وبينكم، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا، ولا أقل ماء، ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذى بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التى قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصى بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول: أحق هو أم باطل فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول. فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثنى به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لامر الله تعالى حتى يحكم الله بينى وبينكم، قالوا: فإذ لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفصة يغنيك بها عما نراك تبتغى، فإنك تقوم بالاسواق [ كما نقوم ] وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه

[ 193 ]

وسلم: ما أنا بفاعل، وما أنا بالذى يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثنى بشيرا ونذيرا - أو كما قال - فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لامر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله، إن شاء أن يفعله بكم فعل، قالوا: يا محمد، أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا، إذا لم نقبل منك ما جئتنا به ! إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له: الرحمن، وإنا والله نؤمن بالرحمن أبدا فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا الله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة، وهى بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قام عنهم، وقام معه عبد الله ابن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وهو ابن عمته، فهو لعاتكة بنت عبد المطلب - فقال له: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لانفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله - كما تقول - ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل - أو كما قال له - فوالله لا أو من بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتى معك [ بصك معه ] أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله، لو فعلت ذلك ما ظننت أنى أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا آسفا، لما فاته مما كان يطمع به من

[ 194 ]

قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه. فلما قام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جهل: يا معشر قريش، إن محمدا قد أبى إلا ما ترون: من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإنى أعاهد الله لاجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله - أو كما قال - فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع [ بى ] بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدالهم، قالوا: والله لا نسلمك لشئ أبدا، فامض لما تريد. فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وقبلته إلى الشام، فكان إذا صلى صلي بين الركن اليماني والحجر الاسود، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم ؟ قال: قمت إليه لافعل [ به ] ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه فحل من الابل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم بى أن يأكلني. قال ابن إسحاق: فذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ذلك جبريل عليه السلام، لو دنا لاخذه. فلما قال لهم ذلك أبو جهل قام النضر بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف ابن عبدالدار بن قصى. قال ابن هشام: ويقال النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف قال ابن إسحاق: فقال: يا معشر قريش، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم

[ 195 ]

له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به، قلتم ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة [ و ] نفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم، وسمعنا سجعهم، وقلتم شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها: هزجه ورجزه، وقلتم مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقة، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم. وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينصب له العداوة، وكان [ قد ] قدم الحيرة، وتعلم بها أ حاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسنبديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا فذكر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الامم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش، أحسن حدثنا منه، فهلم [ إلى ] فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا منى ؟ قال ابن هشام: وهو الذى قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل الله قال ابن إسحاق: وكان ابن عباس رضى الله عنهما يقول، فيما بلغني: نزل فيه ثمان آيات من القرآن: قول الله عزوجل: { إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين - 15 من سورة القلم، 13 من سورة المطففين }. وكل ما ذكر فيه الاساطير من القرآن. فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه، وبعثوا معه عقبة بن أبى معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الاول، وعندهم علم ليس عندنا من علم الانبياء. فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،

[ 196 ]

ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبى مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الاول: ما كان أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب ؟ وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الارض ومغاربها، ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هي ؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه، فإنه نبى، وإن لم يفعل فهو رجل متقول، فاصنعوا في أمره ما بدالكم. فأقبل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط بن أبى عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى حتى قدما مكة على قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها فهو نبى، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم. فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الاول قد كانت له قصة عجب، وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الارض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي ؟ قال: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبركم بما سألتم عنه غدا، ولم يستثن، فانصرفوا عنه. فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة، قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشئ مما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحى عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل من الله عزوجل بسور أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف، والروح.

[ 197 ]

قال ابن إسحاق فذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه: لقد احتبست عنى يا جبريل حتى سؤت ظنا، فقال له جبريل: { وما نتنزل إلا بأمر ربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك، وما كان ربك نسيا - 64 من سورة مريم }. فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده وذكر نبوة رسوله، لما أنكروا عليه من ذلك، فقال: { الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب - 1 من سورة الكهف } يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم، إنك رسول منى: أي تحقيق لما سألوا عنه من نبوتك. { ولم يجعل له عوجا قيما } أي معتدلا لا اختلاف فيه { لينذر بأسا شديدا من لدنه } أي عاجل عقوبته في الدنيا، وعذابا أليما في الآخرة، أي من عند ربك الذى بعثك رسولا. { ويبشر المؤمنين الذى يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا } أي دار الخلد. لا يموتون فيها: الذى صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم، وعملوا بما أمرتهم به من الاعمال. { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } يعنى قريشا في قولهم: إنا نعبد الملائكة، وهى بنات الله. { ما لهم به من علم ولا لآبائهم } الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم. { كبرت كلمة تخرج من أفواههم } أي لقولهم: إن الملائكة بنات الله. { إن يقولون إلا كذبا، فلعلك باخع نفسك } يا محمد { على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } أي لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجوه منهم، أي لا تفعل. قال ابن هشام: باخع نفسك، أي مهلك نفسك، فيما حدثنى أبو عبيدة. قال ذو الرمة: ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه * لشئ نحته عن يديه المقادر وجمعه: باخعون وبخعة. وهذا البيت في قصيدة له. وتقول العرب: قد بخعت له نصحي ونفسي، أي جهدت له. { إنا جعلنا ما على الارض زينة

[ 198 ]

لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا } قال ابن إسحاق: أي أيهم أتبع لامرى، وأعمل بطاعتي { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } أي الارض، وإن ما عليها لفان وزائل، وإن المرجع إلى فأجزى كلا بعمله، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى فيها. قال ابن هشام: الصعيد: الارض، وجمعه: صعد. قال ذو الرمة يصف ظبيا صغيرا: كأنه بالضحى ترمى الصعيد به * دبابة في عظام الرأس خرطوم وهذا البيت في قصيدة له. والصعيد [ أيضا ]: الطريق. وقد جاء في الحديث: " إياكم والقعود على الصعدات " يريد الطرق. والجرز: الارض التى لا تنبت شيئا، وجمعها: أجراز. ويقال: سنة جرز، وسنون أجراز، وهى التى لا يكون فيها مطر، وتكون فيها جدوبة ويبس وشدة. قال ذو الرمة يصف إبلا: طوى النحز والاجراز ما في بطونها * فما بقيت إلا الضلوع الجراشع وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفتية فقال: { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا - 9 من سورة الكهف }. أي قد كان من آياتى فيما وضعت على العباد من حججى ما هو أعجب من ذلك. قال ابن هشام: والرقيم: الكتاب الذى رقم [ فيه ] بخبرهم، وجمعه: رقم. قال العجاج: * ومستقر المصحف المرقم * وهذا البيت في أرجوزة له. قال ابن إسحاق: ثم قال تعالى: { إذا أوى الفتية إلى الكهف فقالوا: ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا * فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا * ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا

[ 199 ]

أمدا - 10 - 12 من سورة الكهف }. ثم قال تعالى: { نحن نقص عليك نبأهم بالحق } أي بصدق الخبر عنهم { إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذا قاموا فقالوا ربنا رب السموات والارض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذ شططا - 13 و 14 من سورة الكهف } أي لم يشركوا بى كما أشركتم بى ما ليس لكم به علم. قال ابن هشام: و " الشطط " الغلو ومجاوزة الحق. قال أعشى بنى قيس ابن ثعلبة. لا ينتهون ولا ينهى ذوى شطط * كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل وهذا البيت في قصيدة له. { هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين }. قال ابن إسحاق: أي بحجة بالغة. { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا * وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأوا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا * وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، وهم في فجوة منه - 15 إلى 17 من سورة الكهف } قال ابن هشام: " تزاور " تميل، وهو من الزور، وقال امرؤ القيس بن حجر: وإنى زعيم إن رجعت مملكا * بسير ترى منه الفرانق أزورا وهذا البيت في قصيدة له. وقال أبو الزحف الكليبي يصف بلدا: جاب المندى عن هوانا أزور * ينضى المطايا خمسه العشنزر وهذا البيتان في أرجوزة له. و { تقرضهم ذات الشمال }: تجاوزهم وتتركهم عن شمالها. قال ذو الرمة: إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف * شمالا، وعن أيمانهن الفوارس وهذا البيت في قصيدة له. والفجوة: السعة، وجمعها: الفجاء. قال الشاعر:

[ 200 ]

ألبست قومك مخزاة ومنقصة * حتى أبيحوا وخلوا فجوة الدار { ذلك من آيات الله } أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب، ممن أمرهم هؤلاء بمسألتك عنهم في صدق نبوتك بتحقيق الخبر عنهم { من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا * وتحسبهم ايقاظا وهم رقود، ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد - 17 و 18 من سورة الكهف }. قال ابن هشام: " الوصيد " الباب، قال العبسى، واسمه عبيد بن وهب: بأرض فلاة لا يسد وصيدها * على، ومعروفي بها غير منكر وهذا البيت في أبيات له، الوصيد [ أيضا ]: الفناء، وجمعه: وصائد، ووصد، ووصدان، وأصد، وأصدان. { لو أطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا } إلى قوله: { قال الذين غلبوا على أمرهم } أهل السلطان والملك منهم: { لنتخذن عليهم مسجدا سيقولون - 18 إلى 21 من سورة الكهف }، يعنى أحبار يهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم { ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم، رجما بالغيب }، أي لا علم لهم { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم، قل: ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل، فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا }، أي لا تكابرهم { ولا تسنفت فيهم منهم أحدا - 22 من سورة الكهف } فإنهم لا علم لهم بهم { ولا تقولن لشئ إنى فاعل ذلك غدا إلا أن شاء الله، واذكر ربك إذا نسيت، وقل عسى أن يهدين ربى لاقرب من هذا رشدا - 23 و 24 من سورة الكهف } أي ولا تقولن لشئ سألوك عنه كما قلت في هذا: إنى مخبركم غدا. واستثن شيئة الله، واذكر ربك إذا نسيت، وقل: عسى أن يهدين ربى لخير مما سألتموني عنه رشدا، فإنك

[ 201 ]

لا تدرى ما أنا صانع في ذلك { ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا } أي سيقولون ذلك. { قل الله أعلم بما لبثوا، له غيب السموات والارض أبصر به وأسمع، مالهم من دونه من ولى ولا يشرك في حكمه أحدا - 25 و 26 من سورة الكهف } أي لم يخف عليه شئ مما سألوك عنه. وقال فيما سألوه عنه من أمر الرجل الطواف: { ويسألونك عن ذى القرنين، قل: سأتلوا عليكم منه ذكرا * إنا مكنا له في الارض وآتيناه من كل شئ سببا * فأتبع سببا - 83 إلى 85 من سورة الكهف } حتى انتهى إلى آخر قصة خبره. وكان من خبر ذى القرنين أنه أوتى ما لم يؤت [ أحد ] غيره، فمدت له الاسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الارض ومغاربها، لا يطأ أرضا إلا سلط على أهلها، حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شئ من الخلق. قال ابن إسحاق: فحدثني من يسوق الاحاديث عن الاعاجم - فيما توارثوا من علمه - أن ذا القرنين كان رجلا من أهل مصر اسمه مرزبان بن مرذبة اليونانى، من ولد يونان بن يافث بن نوح. قال ابن هشام: واسمه الاسكندر، وهو الذى بنى الاسكندرية فنسبت إليه. قال ابن إسحاق: وقد حدثنى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان الكلاعى وكان رجلا قد أردك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذى القرنين فقال: ملك مسح الارض من تحتها بالاسباب. وقال خالد: سمع عمر بن الخطاب رضى الله عنه رجلا يقول: يا ذا القرنين، فقال عمر: اللهم غفرا، أما رضيتم أن تسموا بالانبياء حتى تسميتم بالملائكة. قال ابن إسحاق: الله أعلم أي ذلك كان، أقال ذلك رسول الله صلى الله

[ 202 ]

عليه وسلم أم لا، [ فإن كان قاله ] فالحق ما قال. وقال تعالى فيما سألوه عنه من أمر الروح: { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا - 85 من سورة الاسراء }. قال ابن إسحاق: وحدثت عن ابن عباس أنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قالت أحبار يهود: يا محمد، أرأيت قولك: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } إيانا تريد أم قومك ؟ قال: كلا، قالوا: فإنك تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها بيان كل شئ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها في علم الله قليل، وعندكم في ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه. قال: فأنزل الله تعالى عليه فيما سألوه عنه من ذلك { ولو أن ما في الارض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله، إن الله عزيز حكيم - 27 من سورة لقمان } أي أن التوراة في هذا من علم الله قليل. قال: وأنزل الله تعالى عليه فيما سأله قومه لانفسهم من تسيير الجبال، وتقطيع الارض وبعث من مضى من آبائهم من الموتى: { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض أو كلم به الموتى، بل لله الامر جميعا - 31 من سورة الرعد }. أي لا أصنع من ذلك إلا ما شئت. وأنزل عليه في قولهم: خذ لنفسك، ما سألوه أن يأخذ لنفسه، أن يجعل له جنانا وقصورا وكنوزا، ويبعث معه ملكان يصدقه بما يقول، ويرد عنه: { وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الاسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا * أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا * تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا من ذلك - 7 إلى 10 من سورة الفرقان } أي من أن تمشى في الاسواق وتلتمس

[ 203 ]

المعاش { جنات تجرى من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا } وأنزل عليه في ذلك من قولهم: { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق، وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا - 20 من سورة الفرقان }. أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفوا لفعلت. وأنزل الله عليه فيما قال عبد الله بن أبى أمية: { وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتى بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه، قل: سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا - 90 إلى 93 من سورة الاسراء }. قال ابن هشام: الينبوع: ما نبع من الماء من الارض وغيرها، وجمعه: ينابيع، قال ابن هرمة، واسمه إبراهيم بن عبد الله (1) الفهرى: وإذا هرقت بكل دار عبرة * نزف الشئون ودمعك الينبوع وهذا البيت في قصيدة له. والكسف: القطع من العذاب، وواحدته كسفة مثل سدرة وسدر. وهى أيضا: واحدة الكسف، والقبيل: يكون مقابلة ومعاينة، وهو كقوله تعالى: { أو يأتيهم العذاب قبلا - 55 من سورة الكهف }: أي عيانا. وأنشدني أبو عبيدة لاعشى بنى قيس بن ثعلبة: أصالحكم حتى تبوءوا بمثلها * كصرخة حبلى يسرتها قبيلها يعنى القابلة، لانها تقابلها وتقبل ولدها. وهذا البيت في قصيدة له. ويقال: القبيل: جمعه قبل، وهى الجماعات، وفى كتاب الله تعالى: { وحشرنا عليهم كل شئ قبلا - 111 من سورة الانعام } فقبل: جمع قبيل، مثل سبل جمع سبيل، وسرر جمع سرير، وقمص جمع قميص. والقبيل [ أيضا ]: في مثل من


(1) هكذا في جميع الاصول، ابن هرمة: إبراهيم بن على بن سلمة (*).

[ 204 ]

الامثال، وهو قولهم: ما يعرف قبيلا من دبير. أي لا يعرف ما أقبل مما أدبر، قال الكميت بن زيد: تفرقت الامور بوجهتيهم * فما عرفوا الدبير من القبيل وهذا البيت في قصيدة له. ويقال: إنما أريد بهذا [ القبيل ] الفتيل، فما فتل إلى الذراع فهو القبيل، وما فتل إلى أطراف الاصابع فهو الدبير، وهو من الاقبال والادبار الذى ذكرت. ويقال: فتل المغزل. فإذا فتل [ المغزل ] إلى الركبة فهو القبيل، وإذا فتل إلى الورك فهو الدبير. والقبيل [ أيضا ]: قوم الرجل. والزخرف: الذهب. والمزخرف: المزين بالذهب. قال العجاج: من طلل أمسى تخال المصحفا * رسومه والمذهب المزخرفا وهذان البيتان في أرجوزة له. ويقال أيضا لكل مزين: مزخرف. قال ابن إسحاق: وأنزل عليه في قولهم: انا قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة، يقال له الرحمن، ولن نؤمن به أبدا: { كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذى أوحينا إليك، وهم يكفرون بالرحمن، قل هو ربى لا إله إلا هو، عليه توكلت وإليه متاب - 30 من سورة الرعد }. وأنزل عليه فيما قال أو جهل بن هشام، وما هم به: { أرأيت الذى ينهى * عبدا إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالنقوى * أرأيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى * كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية * ناصية كذابة خاطئة * فليدع ناديه * سندع الزبانية * كلا لا تطعه واسجد واقترب - 9 إلى 19 من سورة العلق } قال ابن هشام: لنسعفا: لنجذبن ولنأخذن. قال الشاعر: قوم إذا سمعوا الصراخ رأيتهم * من بين ملجم مهره أو سافع والنادى: المجلس الذى يجتمع فيه القوم ويقضون فيه أمورهم، وفى كتاب

[ 205 ]

الله تعالى: { وتأتون في ناديكم المنكر - 29 من سورة العنكبوت } وهو الندى. قال عبيد بن الابرص: اذهب إليك فإنى من بنى أسد * أهل الندى وأهل الجرد والنادى وفى كتاب الله تعالى: { وأحسن نديا - 73 من سورة مريم }. وجمعه: أندية. يقول: فليدع ناديه، أي أهل ناديه. كما قال تعالى: { واسئل القرية - 82 من سورة يوسف } يريد أهل القرية. قال سلامة بن جندل أحد بنى سعد بن زيد مناة بن تميم: يومان يوم مقامات وأندية * ويوم سير إلى الاعداء تأويب وهذا البيت في قصيدة له. وقال الكميت بن زيد: لا مهاذير في الندى مكاثير * ولا مصمتين بالافحام وهذا البيت في قصيدة له. ويقال النادى: الجلساء. الزبانية: الغلاظ الشداد، وهم في هذا الموضع: خزنة النار. والزبانية [ أيضا ] في الدنيا: أعوان الرجل الذى يخدمونه ويعينونه، والواحد: زبنية. قال ابن الزبعرى في ذلك: مطاعيم في المقرى، مطاعين في الوغى، * زبانية غلب عظام حلومها يقول: شداد. وهذا البيت في قصيدة له. وقال صخر بن عبد الله الهذلى، وهو صخر الغى: * ومن كبير نفر زبانية * وهذا البيت في أبيات له. قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى عليه فما عرضوا [ عليه ] من أموالهم { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم، إن أجرى إلا على الله، وهو على كل شئ شهيد - 47 من سورة سبأ }. فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوا من الحق، وعرفوا صدقه فيما حدث، وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوا عنه حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه، فعتوا على الله وتركوا أمره

[ 206 ]

عيانا، ولجوا فيها هم عليه من الكفر، فقال قائلهم: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون، أي اجعلوه لغوا وباطلا، واتخذوه هزؤا لعلكم تغلبونه بذلك، فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه [ يوما ] غلبكم. فقال أبو جهل يوما وهو يهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق: يا معشر قريش، يزعم محمدا أنما جنود الله الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر، وأنتم أكثر الناس عددا، وكثرة، أفيعجز كل مئة رجل منكم عن رجل منهم ! فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قوله: { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة، وما جعلنا عدتهم إلى فتنة للذين كفروا - 21 من سورة المدثر } إلى آخر القصة، فلما قال ذلك بعضهم لبعض، جعلوا إذا جهروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن وهو يصلى يتفرقون عنه، ويأبون أن يستمعوا له، فكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلى استرق السمع دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه ذهب خشية أذاهم فلم يستمع، وإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته، فظن الذى يستمع أنهم لا يستمعون شيئا من قراءته، وسمع هو شيئا دونهم أصاخ له يستمع منه. قال ابن إسحاق: حدثنى داود بن الحصين، مولى عمرو بن عثمان، أن عكرمة مولى ابن عباس حدثهم أن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما حدثهم: إنما نزلت هذه الآية: { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا - 11 من سورة الاسراء } من أجل أولئك النفر. يقول: لا تجهر بصلاتك فيتفرقوا عنك، ولا تخافت بها فلا يسمعها من يحب أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم لعله يرعوى إلى بعض ما يسمع فينتفع به. أول من جهر بالقرآن قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: كان أول

[ 207 ]

من جهر بالقرآن - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - بمكة عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، قال: اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه ؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال: دعوني فإن الله سيمنعنى. قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ: { بسم الله الرحمن الرحيم } رافعا بها صوته { الرحمن علم القرآن - 1 و 2 من سورة الرحمن } قال: ثم استقبلها يقرؤها. قال: فتأملوه فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أم عبد ؟ قال ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ. ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذى خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون على منهم الآن، ولئن شئتم لاغادينهم بمثلها غدا، قالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون. قصة استماع قريش إلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث: أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والاخنس بن شريق بن عمرو ابن وهب الثقفى، حليف بنى زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا. فجمعهم الطريق، فتلاوموا (1)، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رأكم بعض سفهائكم لاوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت


(1) تلاموا: لام كل واحد منهم أصحابه (*).

[ 208 ]

الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا. فلما أصبح الاخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها، قال الاخنس: وأنا والذى حلفت به [ كذلك ]. قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال: ماذا سمعت ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاذينا على الركب، وكنا كفرس رهان، قالوا: منا نبى يأتيه الوحى من السماء، فمتى ندرك مثل هذه ! والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه قال: فقام عنه الاخنس وتركه. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله قالوا يهزءون به: قلوبنا في أكنة، [ مما تدعونا إليه ] لا نفقه ما تقول، وفى آذاننا وقر، لا نسمع ما تقول، ومن بيننا وبينك حجاب قد حال بيننا وبينك، فاعمل بما أنت عليه، إننا عاملون بما نحن عليه، إنا لا نفقه عنك شيئا. فأنزل الله تعالى [ عليه ] في ذلك في قولهم: { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا - 45 من سورة الاسراء } إلى قوله: { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولو على أدبارهم نفورا - 46 من سورة الاسراء } أي كيف فهموا توحيدك ربك إن كنت جعلت على قلوبهم

[ 209 ]

أكنة وفى آذانهم وقرا، وبينك وبينهم حجابا بزعمهم ؟ أي أنى لم أفعل ذلك. { نحن أعلم بما يستمعون به، إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون: إن تتبعون إلا رجلا مسحورا - 47 من سورة الاسراء } أي ذلك ما تواصوا به من ترك ما بعثتك به إليهم. { انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا - 48 من سورة الاسراء }: أي أخطئوا المثل الذى ضربوا [ لك ]، فلا يصيبون به هدى، ولا يعتدل لهم فيه قول { وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا - 49 من سورة الاسراء } أي قد جئت تخبرنا أنا سنبعث بعد موتنا إذا كنا عظاما ورفاتا، وذلك ما لا يكون. { قل كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذى فطركم أول مرة 50 و 51 من سورة الاسراء }. أي الذى خلقكم مما تعرفون، فليس خلقكم من تراب بأعز من ذلك عليه. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: سألته عن قول الله تعالى: { أو خلقا مما يكبر في صدوركم } ما الذى أراد الله به ؟ فقال: الموت. ذكر عدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم بالاذى والفتنة قال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم، واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوا منهم، يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذى يصيبه، ومنهم من يصلب لهم، ويعصمه الله منهم. وكان بلال، مولى أبى بكر رضى الله عنهما، لبعض بنى جمح، مولدا

[ 210 ]

من مولديهم، وهو بلال بن رباح، وكان اسم أمه حمامة، وكان صادق الاسلام، طاهر القلب، وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: [ لا والله ] لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد. قال ابن إسحاق: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك، وهو يقول: أحد أحد، فيقول: أحد أحد والله يا بلال ! ثم يقبل على أمية بن خلف، ومن يصنع ذلك به من بنى جمح، فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتخذنه حنانا، حتى مر به أبو بكر الصديق [ بن أبى قحافة ] رضى الله عنه يوما، وهم يصنعون ذلك به، وكانت دار أبى بكر في بنى جمح، فقال لامية [ بن خلف ]: ألا تتقى الله في هذا المسكين ؟ حتى متى ! قال: أنت [ الذى ] أفسدته فأنقذه مما ترى، فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيكه به، قال: قد قبلت، فقال: هو لك. فأعطاه أبو بكر [ الصديق رضى الله عليه ] غلامه ذلك، وأخذه فأعتقه. ثم أعتق معه على الاسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، بلال سابعهم: عامر بن فهيرة، شهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة شهيدا، وأم عبيس وزنيرة، وأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت، كذبوا وبيت الله، ما تضر اللات والعزى وما تنفعان، فرد الله [ إليها ] بصرها. وأعتق النهدية وبنتها، وكانتا لامرأة من بنى عبدالدار، فمر بهما، وقد بعثهما سيدتهما بطحين لها، وهى تقول: والله لا أعتقكما أبدا ! فقال أبو بكر

[ 211 ]

رضى الله عنه: حل يا أم فلان، فقالت: حل، أنت أفسدتهما فأعتقهما، قال: فبكم هما ؟ قالت: بكذا وكذا، قال: قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها، قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها ؟ قال: وذلك إن شئتما. ومر بجارية بنى مؤمل، حى من بنى عدى بن كعب، وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الاسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها، حتى إذا مل قال: إنى أعتذر إليك، إنى لم أتركك إلا ملالة، فتقول: كذلك فعل الله بك، فابتاعها أبو بكر، فأعتقها. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن عبد الله بن أبى عتيق عن عامر ابن عبد الله بن الزبير، عن بعض أهله قال: قال أبو قحافة لابي بكر: يا بنى، إنى أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذا فعلت [ ما فعلت ] أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك ؟ قال: فقال أبو بكر رضى الله عنه: يا أبت، إنى إنما اريد ما أريد [ يعنى ] الله [ عزوجل ] قال: فيتحدث أنه ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيه، وفيما قال له أبوه: { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى } إلى قوله تعالى: { وما لاحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى * ولسوف يرضى - 5 إلى 21 من سورة الليل }. قال ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول - فيما بلغني - صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة، فأما أمه فقتلوها، وهى تأبى إلا الاسلام. وكان أبو جهل الفاسق الذى يغرى بهم في رجال من قريش، إذا سمع بالرجل قد أسلم، له شرف ومنعة، أنبه وأخزاه وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك ! لنسفهن حلمك، ولنفيلن رأيك (1)، ولنضعن شرفك، وإن


(1) قال رأى فلان: ضعف وفسد، وفيله - بتشديد الياء - أضعفه وأفسده (*).

[ 212 ]

كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به. قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير، قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر [ على ] أن يستوى جالسا من شدة الضر الذى [ نزل ] به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له، اللات والعزى إلهك من دون الله ؟ فيقول: نعم، حتى إن الجعل ليمر بهم، فيقولون له: أهذا الجعل إلهك من دون الله ؟ فيقول: نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده. قال ابن إسحاق: وحدثني الزبير بن عكاشة بن عبد الله بن أبى أحمد أنه حدث أن رجالا من بنى مخزوم مشوا إلى هشام بن الوليد، حين أسلم أخوه الوليد بن الوليد [ بن المغيرة ]، وكانوا قد أجمعوا [ على ] أن يأخذوا فتية منهم كانوا قد أسلموا، منهم سلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، قال: فقالوا له، وخشوا شرهم: إنا قد أردنا أن تعاتب هؤلاء الفتية على هذا الدين الذى أحدثوا فإنا لا نأمن ذلك في غيرهم. قال: هذا، فعليكم به، فعاتبوه وإياكم ونفسه، وأنشأ يقول: ألا لا يقتلن أخى عييش * فيبقى بيننا أبدا تلاحى (1) احذروا على نفسه، فأقسم بالله لئن قتلتموه لاقتلن أشرفكم رجلا. قال: فقالوا: اللهم العنه، من يغرر بهذا الحديث، فوالله لو أصيب في أيدينا لقتل أشرفنا رجلا. [ قال ]: فتركوه ونزعوا عنه. قال: وكان ذلك مما دفع الله به عنهم.


(1) عييش: تصغير عياش، تصغير الترخيم، كما قالوا في تصغير حامد ومحمود وحماد وأحمد: حميد (*).

[ 213 ]

ذكر الهجرة الاولى إلى أرض الحبشة قال ابن إسحاق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، لمكانه من الله ومن عمه أبو طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهى أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه. فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الاسلام. وكان أول من خرج من المسلمين من بنى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ابن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر: عثمان بن عفان ابن أبى العاص بن أمية، معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، أحد بنى عامر بن لؤى، ولدت له بأرض الحبشة محمد بن أبى حذيفة. ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد. ومن بنى عبدالدار بن قصى: مصعب ابن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار. ومن بنى زهرة بن كلاب: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد [ بن ] الحارث بن زهرة. ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة: أبو سلمة بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، معه امرأته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم. ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح. ومن بنى عدى بن كعب: عامر ابن ربيعة، حليف آل الخطاب، من عنز بن وائل - [ قال بن هشام ويقال: من عنزة بن أسد بن ربيعة ] - معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة [ بن حذافة ] بن غانم

[ 214 ]

[ بن عامر ] بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب. ومن بنى عامر بن لؤى: أبو سيرة بن أبى رهم بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، ويقال: بل أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر [ بن لؤى ]، ويقال: هو أول من قدمها. ومن بنى الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء، وهو سهيل بن وهب ابن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث. فكان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة، فيما بلغني. قال ابن هشام: وكان عليهم عثمان بن مظعون، فيما ذكر لى بعض أهل العلم قال ابن إسحاق: ثم خرج جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة، فكانوا بها، منهم من خرج بأهله معه ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه. [ و ] من بنى هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤى بن غالب بن فهر: جعفر بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم، معه امرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم، ولدت له بأرض الحبشة عبد الله بن جعفر، رجل. ومن بنى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف: عثمان بن عفان بن أبى العاص ابن أمية بن عبد شمس، معه امرأته رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، معه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث [ بن خمل ] بن شق بن رقبة بن مخدج الكنانى، وأخوه خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، معه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة (1) بن سعد بن مليح بن عمرو، من خزاعة. قال ابن هشام: ويقال همينة بنت خلف.


(1) ويقال " بن خثعمة " وسيتكرر ذلك في بقية أنسابهم (*).

[ 215 ]

قال ابن إسحاق: ولدت له بأرض الحبشة سعيد بن خالد، وأمه بنت خالد، فتزوج أمة بعد ذلك الزبير بن العوام، فولدت له عمرو بن الزبير، وخالد بن الزبير. ومن حلفائهم، من بنى أسد بن خزيمة: عبد الله بن جحش بن رئاب ابن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد، وأخوه عبيدالله بن جحش، معه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب بن أمية. وقيس بن عبد الله، رجل من بنى أسد بن خزيمة، معه امرأته بركة بنت يسار مولاة أبى سفيان بن حرب بن أمية، ومعيقيب بن أبى فاطمة. وهؤلاء آل سعيد ابن العاص، سبعة نفر. قال ابن هشام: معيقيب من دوس. قال ابن إسحاق: ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف: أبو حذيفة بن عتبة ابن ربيعة بن عبد شمس، وأبو موسى الاشعري، واسمه عبد الله بن قيس، حليف آل عتبة بن ربيعة، رجلان. ومن بنى نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس ابن عيلان، حليف لهم، رجل. ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، والاسود بن نوفل بن خويلد بن أسد، ويزيد بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد. وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد، أربعة نفر. ومن بنى عبد بن قصى: طليب بن عمير بن وهب بن أبى كبير بن عبد [ بن قصى ]، رجل. ومن بنى عبدالدار بن قصى: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار. وسويبط بن سعد بن حرملة بن مالك بن عميلة بن السباق بن

[ 216 ]

عبدالدار. وجهم بن قيس بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار، معه امرأته أم حرملة بنت عبد الاسود بن جذيمة بن أقيش بن عامر ابن بياضة بن سبيع بن جثعمة بن سعد بن مليح بن عمرو، من خزاعة، وابناه عمرو بن جهم وخزيمة بن جهم. وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبدالدار. وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبدالدار، خمسة نفر. ومن بنى زهرة بن كلاب: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد ابن الحارث بن زهرة. وعامر بن أبى وقاص. وأبو وقاص، مالك بن أهيب ابن عبد مناف بن زهرة. والمطلب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث ابن زهرة، معه امرأته رملة بنت أبى عوف بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، ولدت له بأرض الحبشة عبد الله بن المطلب. ومن حلفائهم من هذيل: عبد الله بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل. وأخوه: عتبة بن مسعود. ومن بهراء: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود بن عمرو بن سعد بن زهير بن ثور بن ثعلبة بن مالك بن الشريد بن هزل ابن فائش بن دريم بن القين بن أهود بن بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. قال ابن هشام: ويقال هزل بن قاش بن ذر، ودهير بن ثور. قال ابن إسحاق: وكان يقال له المقداد بن الاسود بن عبد يغوث [ بن وهب ] ابن عبد مناف بن زهرة، وذلك أنه تبناه في الجاهلية، وحالفه، ستة نفر. ومن بنى تيم بن مرة: الحارث بن خالد بن صخر بن عامر [ بن عمرو ] ابن كعب بن سعد بن تيم، معه امرأته ريطة بنت الحارث بن جبلة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، ولدت له بأرض الحبشة: موسى بن الحارث،

[ 217 ]

وعائشة بنت الحارث، وزينب بنت الحارث، وفاطمة بنت الحارث، وعمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، رجلان. ومن بن مخزوم بن يقظة بن مرة: أبو سلمة بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومعه امرأته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ولدت له بأرض الحبشة زينب بنت أبى سلمة، واسم أبى سلمة عبد الله، واسم أم سلمة: هند. وشماس [ بن ] عثمان بن الشريد ابن سويد بن هرمى بن عامر بن مخزوم. قال ابن هشام: واسم شماس: عثمان، وإنما سمى شماسا، لان شماسا من من الشمامسة قدم مكة في الجاهلية - وكان جميلا - فعجب الناس من جماله، فقال عتبة بن ربيعة، وكان خال شماس: أنا آتيكم بشماس أحسن منه، فجاء بابن أخته عثمان بن عثمان، فسمى شماسا. فيما ذكر ابن شهاب وغيره. قال ابن إسحاق: وهبار بن سفيان بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وأخوه عبد الله بن سفيان. وهشام بن أبى حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وسلمة بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وعياش بن أبى ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. ومن حلفائهم: معتب بن عوف بن عامر بن الفضل بن عفيف بن كليب ابن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو، من خزاعة، وهو الذى يقال له: عيهامة، ثمانية نفر. قال ابن هشام: ويقال حبشية بن سلول، وهو الذى يقال له: معتب ابن حمراء. ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذاقة بن جمح. وابنه السائب بن عثمان. وأخواه: قدامة ابن مظعون، وعبد الله بن مظعون. وحاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب

[ 218 ]

ابن وهب بن حذافة بن جمح، معه امرأته فاطمة بنت المجلل بن عبد الله بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر. وابناه: محمد ابن حاطب، والحارث بن حاطب، وهما لبنت المجلل. وأخوه حطاب بن الحارث، معه امرأته فكيهة بنت يسار. وسفيان بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، معه ابناه جابر بن سفيان، وجنادة بن سفيان، ومعه امرأته حسنة، وهى أمهما، وأخوهما من أمهما: شرحبيل بن حسنة، أحد الغوث. قال ابن هشام: شرحبيل بن عبد الله أحد الغوث بن مر، أخى تميم بن مر. قال ابن إسحاق: وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح أحد عشر رجلا. ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب: خنيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد (1) بن سهم. وعبد الله بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم. وهشام بن العاص بن وائل بن سعد بن سهم. قال ابن هشام: العاص بن وائل بن هاشم بن سعد بن سهم. قال ابن إسحاق: وقيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم. وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم. وعبد الله بن حذافة ابن قيس بن عدى بن سعد بن سهم. والحارث بن الحارث بن قيس بن عدى ابن سعد بن سهم. ومعمر بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم. وبشر بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، وأخ له من أمه من بنى تميم، يقال له: سعيد بن عمرو. وسعيد بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم. والسائب بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم. وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بن سعد بن سهم. ومحمية بن الجزء، حليف لهم، من بنى زبيد، أربعة عشر رجلا.


(1) في ا " سعد بن سهم " في كل ما ذكر من بنى سهم هنا وفيما مضى وفيما يلى (*).

[ 219 ]

ومن بنى عدى بن كعب: معمر بن عبد الله بن نضلة بن عبد العزى ابن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى. وعروة بن عبد العزى ابن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى. وعدى بن نضلة بن عبد العزى ابن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى. وابنه النعمان بن عدى، وعامر بن ربيعة، حليف لآل الخطاب، من عنز بن وائل، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة بن غانم. خمسة نفر. ومن بنى عامر بن لؤى: أبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى (1) بن أبى قيس ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، معه امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر. وعبد الله بن مخرمة بن عبد العزى (1) بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر. وعبد الله بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، وسليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر. وأخوه السكران بن عمرو، معه امرأته سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر. ومالك بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر، معه امرأته عمرة بنت السعدى بن وقدان بن عبد شمس ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر. وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر. وسعد بن خولة، حليف لهم، ثمانية نفر. قال ابن هشام: سعد بن خولة من اليمن. قال ابن إسحاق: ومن بنى الحارث بن فهر: أبو عبيدة بن الجراح، وهو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر. وسهيل بن بيضاء، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة


(1) في هامش نسخة ا " وفى نسخة عبد العزيز " (*)

[ 220 ]

ابن الحارث، ولكن أمه غلبت على نسبه، فهو ينسب إليها، وهى دعد بنت جحدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر، وكانت تدعى بيضاء، وعمرو أبى سرح بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث. وعياض بن زهير ابن أبى شداد بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث، ويقال: بل ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة [ بن الحارث ]. وعمرو بن الحارث بن زهير ابن أبى شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث. وعثمان بن عبد غنم بن زهير بن أبى شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث. وسعد بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث [ بن فهر ]. والحارث بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر، ثمانية نفر. فكان جميع من لحق بأرض الحبشة، وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارا وولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا، إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه. وكان مما قيل من الشعر في الحبشة، أن عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدى ابن سعد بن سهم - حين أمنوا بأرض الحبشة، وحمدوا جوار النجاشي، وعبدوا الله لا يخافون على ذلك أحدا، وقد أحسن النجاشي جوارهم حين نزلوا به - قال: يا راكبا بلغن عنى مغلغلة * من كان يرجو بلاغ الله والدين كل امرئ من عباد الله مضطهد * ببطن مكة مقهور ومفتون أنا وجدنا بلاد الله واسعة * تنجي من الذل والمخزاة والهون فلا تقيموا على ذل الحياة وخز * ى في الممات وعيب غير مأمون إنا تبعنا رسول الله واطرحوا * قول النبي وعالوا في الموازين فاجعل عذابك بالقوم الذين طغوا * وعائذ بك أن يعلوا فيطغونى وقال عبد الله بن الحارث أيضا، يذكر نفى قريش إياهم من بلادهم، ويعاتب بعض قومه في ذلك:

[ 221 ]

أبت كبدي، لا أكذبنك، قتالهم * على، وتأباه على أناملي وكيف قتالي معشرا أدبوكم * على الحق أن لا تأشبوه بباطل نفتهم عباد الجن من حر أرضهم * فأضحوا على أمر شديد البلابل فإن تك كانت في عدى أمانة * عدى بن سعد عن تقى أو تواصل فقد كنت أرجوا أن ذلك فيكم * بحمد الذى لا يطبى بالجعائل وبدلت شبلا شبل كل خبيثة * بذى فجر مأوى الضعاف الارامل وقال عبد الله بن الحارث أيضا: وتلك قريش تجحد الله حقه * كما جحدت عاد ومدين والحجر فإن أنا لم أبرق فلا يسعننى * من الارض بر ذو فضاء ولا بحر بأرض بها عبد الاله محمد * أبين ما في النفس إذ بلغ النقر فسمى عبد الله بن الحارث - يرحمه الله - لبيته الذى قال: " المبرق ". وقال عثمان بن مظعون يعاتب أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح وهو ابن عمه، وكان يؤذيه في إسلامه، وكان أميا شريفا في قومه في زمانه ذلك: أتيم بن عمرو للذى جاء بغضة * ومن دونه الشرمان والبرك أكتع أأخرجتنى من بطن مكة آمنا * وأسكنتني في صرح بيضاء نقذع تريش نبالا لا يواتيك ريشها * وتبرى نبالا ريشها لك أجمع وحاربت أقواما كراما أعزة * وأهلكت أقواما بهم كنت تفزع ستعلم إن نابنك يوما ملمة * وأسلمك الاوباش ما كنت تصنع وتيم بن عمرو، الذى يدعو عثمان، جمح (1)، كان اسمه تيما. إرسال قريش إلى الحبشة في طلب المهاجرين إليها قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا، ائتمروا بينهم


(1) في هامش ا " كان يدعى عثمان بن جمح " (*).

[ 222 ]

أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشي، فيردهم عليهم، ليفتنوهم في دينهم، ويخرجوهم من دارهم التى اطمأنوا بها وأمنوا فيها، فبعثوا عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص بن وائل، وجمعوا لهما هدايا للنجاشي ولبطارقته، ثم بعثوها إليه فيهم، فقال أبو طالب - حين رأى ذلك من رأيهم وما بعثوهما فيه - أبياتا للنجاشي يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم: ألا ليت شعرى كيف في النأى جعفر * وعمرو وأعداء العدو الاقارب ؟ وهل نالت افعال النجاشي جعفرا * وأصحابه أو عاق ذلك شاغب ؟ تعلم، أبيت اللعن، أنك ماجد * كريم فلا يشقى لديك المجانب تعلم بأن الله زادك بسطة * وأسباب خير كلها بك لازب وأنك فيض ذو سجال غزيرة * ينال الاعادي نفعها والاقارب قال ابن إسحاق: حدثنى محمد بن مسلم الزهري عن أبى بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام المخزومى، عن أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الادم، فجعلوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم، قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم

[ 223 ]

ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شئ أبغض إلى عبد الله بن أبى ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي قالت: فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. قالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لاها الله، إذا لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواى، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما جاءوا - وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله - سألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذى قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا [ به ] في دينى، ولا في دين أحد من هذه الملل ؟ قالت: قكان الذى كلمه جعفر ابن أبى طالب [ رضوان الله عليه ]، فقال له: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الاصنام، ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطع الارحام،

[ 224 ]

ونسئ الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من دونه من الحجارة والاوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الامانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت: فعدد عليه أمور الاسلام - فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وافتتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الاوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن الا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شئ ؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه على، قالت: فقرأ عليه صدرا من " كهيعص ". قالت: فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال [ لهم ] النجاشي: إن هذا والذى جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون قالت: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم. قالت: فقال له عبد الله بن أبى ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحاما، وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لاخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد. قالت: ثم غدا عليه [ من ] الغد فقال [ له ]: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما،

[ 225 ]

فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها قط. فاجتمع القوم، ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه ؟ قالوا: نقول والله ما قال الله، وما جاء به نبينا، كائنا في ذلك ما هو كائن. قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا تقولون في عيسى بن مريم ؟ قالت: فقال جعفر بن أبى طالب: نقول فيه الذى جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، [ يقول ]: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمنه ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قالت: فضرب النجاشي بيده إلى الارض، فأخذ منها عودا، ثم قال: والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، قالت: فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم شيوم بأرضى - والشيوم: الآمنون - من سبكم غرم، ثم قال: من سبكم غرم، ثم قال: من سبكم غرم، ما أحب أن لى دبرا من ذهب، وأنى آذيت رجلا منكم - قال ابن هشام: ويقال دبرا من ذهب، ويقال: فأنتم سيوم - والدبر (بلسان الحبشة): الحبل - ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لى بها، فوالله ما أخذ الله منى الرشوة حين رد على ملكى، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار. قالت: فوالله إنا لعلي ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه. قالت: فوالله ما علمتنا حزنا حزنا قط كان أشد [ علينا ] من حزن حزناه عند ذلك، تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتى رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. قالت: وسار إليه النجاشي، وبينهما عرض النيل. قالت: فقال أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقعية القوم ثم يأتينا بالخبر ؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا، قالوا: فأنت. وكان من أحدث القوم سنا. قالت: فنفخوا له قربة فجعلها

[ 226 ]

في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التى بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم. قالت: فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده، قالت: فوالله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن، إذ طلع الزبير وهو يسعى، فلمع بثوبه وهو يقول: ألا أبشروا، فقد ظفر النجاشي، وأهلك الله عدوه، ومكن له في بلاده، قالت: فوالله ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها. قالت: ورجع النجاشي، وقد أهلك الله عدوه، ومكن له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة. قصة [ ابتداء ] تملك النجاشي على الحبشة قال ابن إسحاق: قال الزهري: فحدثت عروة بن الزبير حديث أبى بكر ابن عبد الرحمن عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هل تدرى ما قوله: " ما أخذ الله منى الرشوة حين رد على ملكى فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه " ؟ قال قلت: لا، قال: فإن عائشة أم المؤمنين حدثتني أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إلا النجاشي، وكان النجاشي عم له من صلبه اثنا عشر رجلا، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لاخيه من صلبه اثنى عشر رجلا، فتوارثوا ملكه من بعده، بقيت الحبشة بعده دهرا، فغدوا على أبى النجاشي فقتلوه وملكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينا. ونشأ النجاشي مع عمه، وكان لبيبا حازما من الرجال، فغلب على أمر عمه ونزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه [ منه ] قالت بينها: والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه، وإنا لنتخوف أن يملكه علينا، وإن ملكه علينا ليقتلنا أجمعين، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه، فمشوا إلى عمه فقالوا: إما أن

[ 227 ]

تقتل هذا الفتى وإما أن تخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خفناه على أنفسنا، قال: ويلكم قتلت أباه (1) بالامس، وأقتله اليوم ! بل أخرجه من بلادكم، قالت: فخرجوا به إلى السوق، فباعوه من رجل من التجار بست مئة درهم، فقذفه في سفينة فانطلق به، حتى إذا كان العشى من ذلك اليوم هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته، قالت: ففزعت الحبشة إلى ولده، فإذا هو محمق ليس في ولده خير، فمرج على الحبشة أمرهم. فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك، قال بعضهم لبعض: تعلموا والله أن ملككم الذى لا يقيم أمركم غيره للذى بعتم غدرة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه [ الآن ]. قالت: فخرجوا في طلبه، وطلب الرجل الذى باعوه منه، حتى أدركوه فأخذوه منه، ثم جاءوا به، فعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملكوه. فجاءهم التاجر الذى كان باعوه منه فقال: إما أن تعطوني مالى، وإما أن أكلمه في ذلك ؟ قالوا: لا نعطيك شيئا، قال: إذا والله أكلمه، قالوا: فدونك وإياه. قالت: فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعت غلاما من قوم بالسوق بست مئة درهم، فأسلموا إلى غلامي وأخذوا دراهمي، حتى إذا سرت بغلامي أدركوني فأخذوا غلامي، ومنعوني دار همي، قالت: فقال لهم النجاشي لتعطنه دارهمه، أو ليضعن غلامه يده في يده، فليذهبن به حيث شاء، قالوا: بل نعطيه دارهمه. قالت: فلذلك يقول: " ما أخذ الله منى رشوة حين رد على ملكى، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه " قالت: وكان ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه، وعدله في حكمه. قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.


(1) في ا " قتلتم أباه " (*).

[ 228 ]

خروج الحبشة على النجاشي قال ابن إسحاق: وحدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة، فقالوا للنجاشي: إنك قد فارقت ديننا، وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه، فهيأ لهم سفنا، وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى بن مريم عبده ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قبائه عند المنكب الايمن، وخرج إلى الحبشة، وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة، ألست أحق الناس بكم ؟ قالوا: بلى، قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم ؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما بالكم ؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبد، قال: فما تقولون أنتم في عيسى ؟ قالوا: نقول هو ابن الله، فقال النجاشي، ووضع يده [ على صدره ] على قبائه: هو يشهد أن عيسى بن مريم، لم يزد على هذا شيئا، وإنما يعنى ما كتب، فرضوا وانصرفوا [ عنه ]. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات النجاشي صلى عليه، واستغفر له. [ قصة ] إسلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ابن إسحاق: ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة على قريش، ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردهما النجاشي بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب - وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره - امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة حتى عازوا قريشا (1)، وكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر [ بن الخطاب ]، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة،


(1) عازوا قريشا: غالبوهم. (*)

[ 229 ]

وصلينا معه، وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة. قال البكائى: حدثنى مسعر بن كدام، عن سعد بن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه. قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش ابن أبى ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت أبى حثمة، قالت: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر في بعض حاجاتنا، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف على وهو على شركه - قالت وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا - قالت فقال: إنه للانطلاق يا أم عبد الله. قالت: فقلت نعم والله، لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجا (1). قالت: فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف، وقد أحزنه - فيما أرى - خروجنا، قالت: فجاء عامر بحاجته تلك، فقلت له: يا أبا عبد الله، لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا، قال: أطمعت في إسلامه ؟ قالت قلت: نعم، قال: فلا يسلم الذى رأيت حتى يسلم حمار الخطاب، قالت: بأسا منه، لما كان يرى من غلظته وقسوته على [ أهل ] الاسلام. قال ابن إسحاق: وكان إسلام عمر - فيما بلغني - أن أخته فاطمة بنت الخطاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام، - رجل من قومه، من بنى عدى بن كعب - قد أسلم، وكان أيضا يستخفى بإسلامه فرقا من قومه، وكان خباب بن الارت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها


(1) في ب " يجعل الله لنا مخرجا " (*).

[ 230 ]

القرآن، فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله صلى الله على وسلم ورهطا من أصحابه قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين ما بين الرجال ونساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب، وأبو بكر بن أبى قحافة الصديق، وعلى بن أبى طالب، في رجال من المسلمين رضى الله عنهم، ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله، فقال له: أين تريد يا عمر ؟ فقال: أريد محمدا هذ الصابئ، الذى فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله، فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر. أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الارض، وقد قتلت محمدا ! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟ قال: وأى أهل بيتى ؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما، قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الارت معه صحيفة، فيها: " طه " يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر، تغيب خباب في مخدع لهم، أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التى سمعت ؟ قالا له: ما سمعت شيئا، قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدالك. فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، فارعوى، وقال لاخته: أعطيني هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرءون آنفا أنظر ما هذا الذى جاء به محمد، وكان عمر كاتبا، فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال: لا تخافى، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها،

[ 231 ]

فلما قال ذلك طمعت في إسلامه، فقالت له: يا أخى، إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل، فاعطته الصحيفة، وفيها: " طه "، فقرأها، فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له: يا عمر، والله إنى لارجو أن [ يكون ] الله قد خصك بدعوة نبيه، فإنى سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيد الاسلام بأبى الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر. فقال له عند ذلك عمر: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، معه فيه نفر من أصحابه. فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب، فرآه متوحشا السيف، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع، فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف، فقال حمزة بن عبد المطلب: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان [ جاء ] يريد شرا قتلناه بسيفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن له، فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة، فأخذ حجزته، أو بمجمع ردائه، ثم جبذه [ به ] جبذة شديدة، وقال: ما جاء بك يابن الخطاب ؟ فوالله ما أرى أن تنتهى حتى ينزل الله بك قارعة، فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لاومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله، قال: فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم. فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتصفون بهما من عدوهم. فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر بن الخطاب حين أسلم.

[ 232 ]

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبى نجيح المكى عن أصحابه: عطاء ومجاهد، أو عمن روى ذلك، أن إسلام عمر [ فيما ] تحدثوا به عنه، أنه كان يقول: كنت للاسلام مباعدا، وكنت صاحب خمر في الجاهلية، أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة، عند دور آل عمر بن عبد ابن عمران المخزومى، قال: فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك قال: فجئتهم فلم أجد فيه منهم أحدا. قال: فقلت: لو أنى جئت فلانا الخمار، وكان بمكة يبيع الخمر، لعلى أجد عنده خمرا فأشرب منها. قال: فخرجت فجئته فلم أجده. قال: فقلت: فلو أنى جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين. قال: فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى، وكان إذا صلى استقبل الشام، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاه بين الركنين: الركن الاسود، والركن اليماني. قال، فقلت حين رأيته: والله لو أنى استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول ! [ قال ] فقلت: لئن دنوت منه أستمع منه لاروعنه، فجئت من قبل الحجر، فدخلت تحت ثيابها، فجعلت أمشى رويدا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله، ما بين وبينه إلا ثياب الكعبة. قال: فلما سمعت القرآن رق له قلبى، فبكيت ودخلني الاسلام، فلم أزل قائما [ في مكاني ذلك ] حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، ثم أنصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبى حسين وكان طريقه، حتى يجزع المسعى، ثم يسلك بين دار عباس ابن المطلب، وبين دار ابن أزهر بن عبد عوف الزهري، ثم على دار الاخنس بن شريق، حتى يدخل بيته. وكان مسكنه صلى الله عليه وسلم في الدار الرقطاء، التى كانت بيدى معاوية بن أبى سفيان. قال عمر رضى الله عنه: فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسى عرفني، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنى إنما

[ 233 ]

تبعته لاوذيه، فنهمنى، ثم قال: ما جاء بك يابن الخطاب هذه الساعة ؟ قال: قلت: [ جئت ] لاومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله، قال: فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: قد هداك الله يا عمر، ثم مسحد صدري، ودعا لى بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته. قال ابن إسحاق: والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: لما أسلم أبى عمر قال: أي قريش أنقل للحديث ؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحى قال: فغدا عليه. قال عبد الله عمر: فغدوت أتبع أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت، حتى جاءه، فقال له: أعلمت يا جميل أنى قد أسلمت ودخلت في دين محمد ؟ فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر، واتبعت أبى، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش - وهم في أنديتهم حول الكعبة - ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ. قال: [ و ] يقول عمر من خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس على رؤوسهم. قال: وطلح، فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدالكم، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاث مئة رجل [ لقد ] تركناها لكم، أو تركتموها لنا، قال: فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش، عليه حلة حبرة، وقميص موشى، حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم ؟ قالوا: صبأ عمر، قفال: فمه ؟ رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون ؟ أترون بنى عدى بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا ! خلوا عن الرجل. قال: فوالله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. قال: فقلت لابي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت، من الرجل الذى

[ 234 ]

زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت، وهم يقاتلونك ؟ فقال: أي بنى، العاص بن وائل السهمى. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أنه قال: يا أبت، من الرجل الذى زجر القوم عنك [ بمكة ] يوم أسلمت، وهم يقاتلونك، جزاه الله خيرا ؟ قال: يا بنى، ذاك العاص بن وائل، لا جزاه الله خيرا. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن الحارث عن بعض آل عمر، أو بعض أهله، قال: قال عمر: لما أسلمت تلك الليلة تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عدواة حتى آتيه فأخبره أنى قد أسلمت، قال: قلت: أبو جهل - وكان عمر لحنتمة بنت هشام بن المغيرة - قال: فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه، قال: فخرج إلى أبو جهل، فقال: مرحبا وأهلا بابن أختى، ما جاء بك ؟ قال: جئت لاخبرك أنى قد آمنت بالله وبرسوله محمد، وصدقت بما جاء به، قال: فضرب الباب في وجهى، وقال: قبحك الله، وقبح ما جئت به ! خبر الصحيفة قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل الاسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا [ بينهم ] أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بنى هاشم، وبنى المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى - قال ابن هشام: ويقال: النضر بن

[ 235 ]

الحارث - فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشل بعض أصابعه. قال ابن إسحاق: فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم ونبو المطلب إلى أبى طالب بن عبد المطلب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه، وخرج من بنى هاشم أبو لهب، عبد العزى بن عبد المطلب، إلى قريش فظاهرهم. قال ابن إسحاق: وحدثني حسين بن عبد الله: أن أبا لهب لقى هند بنت عتبة بن ربيعة، حين فارق قومه، وظاهر عليهم قريشا، فقال: يا بنت عتبة، هل نصرت اللات والعزى، وفارقت من فارقهما وظاهر عليهما ؟ قالت: نعم، فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة. قال ابن إسحاق: وحدثت أنه كان يقول في بعض ما يقول: يعدني محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يدى بعد ذلك ؟ ثم ينفخ في يدى ويقول: تبا لكما، ما أرى فيكما شيئا مما يقول محمد. فأنزل الله تعالى فيه: { تبت يدا أبى لهب وتب - 1 من سورة المسد }. قال ابن هشام: تبت: خسرت. والتباب: الخسران. قال حبيب بن خدرة (1) الخارجي، أحد بنى هلال بن عامر بن صعصعة: يا طيب إنا في معشر ذهبت * مسعاتهم في التبار والتبب وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: فلما اجتمعت على ذلك قريش، وصنعوا فيه الذى صنعوا قال أبو طالب: ألا أبلغا عنى على ذات بيننا * لؤيا، وخصا من لؤى بنى كعب ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العباد محبة * ولا خير ممن خصه الله بالحب وأن الذى ألصقتم من كتابكم * لكم كائن نحسا كراغية السقب أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى * ويصبح من لم يجن ذنبا كذى الذنب


(1) في هامش ا " ويقال بن جدرة " (*).

[ 236 ]

ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا * أواصرنا بعد المودة والقرب وتستجلبوا حربا عوانا، وربما * أمر على من ذاقه جلب الحرب فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كرب ولما تبن منا ومنكم سوالف * وأيد أثرت بالقساسية الشهب بمعترك ضيق ترى كسر القنا * به والنسور الطخم يعكفن كالشرب كأن مجال الخيل في حجراته * ومعمعة الابطال معركة الحرب أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب ؟ ولسنا نمل الحرب حتى تملنا * ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهى * إذا طار أرواح الكماة من الرعب فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا، حتى جهدوا، لا يصل إليهم شئ إلا سرا مستخفيا [ به ] من أراد صلتهم من قريش. وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون - لقى حكيم بن حزام بن خويلد ابن أسد، معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه في الشعب، فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بنى هاشم ؟ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة. فجاءه أبوالبخترى بن هاشم بن الحارث بن أسد فقال: مالك وله ؟ فقال: يحمل الطعام إلى بنى هاشم، فقال [ له ] أبوالبخترى: طعام كان لعمته عنده بعثث إليه [ فيه ] أفتمنعه أن يأتيها بطعامها ! خل سبيل الرجل، فأبى أبو جهل حتى نا أحدهما من صاحبه، فأخذ [ له ] أبوالبخترى لحى بعير فضربه به فشجه، ووطئه وطأ شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيشمتوا بهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، مباديا بأمر الله لا يتقى فيه أحدا من الناس.

[ 237 ]

ذكر [ بعض ] ما لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه من الاذى فجعلت قريش - حين منعه الله منها، وقام عمه وقومه من بنى هاشم وبنى المطلب دونه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به - يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه، وجعل القرآن ينزل في قريش بأحداثهم، وفيمن نصب لعدواته منهم، فمنهم من سمى لنا، ومنهم من نزل فيه القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار، فكان ممن سمى لنا من قريش ممن نزل فيه القرآن: عمه أبو لهب بن عبد المطلب، وامرأته أم جميل بنت حرب بن أمية، حمالة الحطب، وإنما سماها الله تعالى حمالة الحطب، لانها كانت - فيما بلغني - تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يمر، فأنزل الله تعالى فيهما: { تبت يدا أبى لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد - سورة المسد } قال ابن هشام: الجيد: العنق. قال أعشى بنى قيس بن ثعلبة: يوم تبدى لنا قتيلة عن جي‍ * د أسيل تزينه الاطواق وهذا البيت في قصيدة له. وجمعه: أجياد. المسد: شجر يدق كما يدق الكنان فتفتل منه حبال. قال النابغة الذبيانى، واسمه زياد بن عمرو بن معاوية: مقذوفة بدخيس النحض بازلها * له صريف صريف القعو بالمسد وهذا البيت في قصيدة له. وواحدته: مسدة. قال ابن إسحاق: فذكر لى أن أم جميل: حمالة الحطب، حين سمعت ما نزل فيها وفى زوجها من القرآن، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق، وفى يدها فهر من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ترى

[ 238 ]

إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك فقد بلغني أنه يهجوني ؟ والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إنى لشاعرة، ثم قالت: * مذمما عصينا * وأمره أبينا * ودينه قلينا * ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله أما تراها رأتك ؟ فقال: ما رأتنى، لقد أخذ الله ببصرها عنى. قال ابن هشام: قولها " ودينه قلينا " عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وكانت قريش إنما تسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم مذمما، يم يسبونه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا تعجبون لما يصرف الله عنى من أذى قريش، يسبون ويهجون مذمما، وأنا محمد. وأمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، كان إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم همزه ولمزه، فأنزل الله تعالى فيه { ويل لكل همزة لمزة * الذى جمع مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده * كلا لينبذن في الحطمة * وما أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة * التى تطلع على الافئدة * إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة - سورة الهمزة }. قال ابن هشام: الهمزة. الذى يشتم الرجل علانية، ويكسر عينيه عليه، ويغمز به، قال حسان بن ثابت: همزتك فاختضعت لذل نفس * بقافية تأجج كالشواظ وهذا البيت في قصيدة له، وجمعه همزات. واللمزة: الذى يعيب الناس سرا ويؤذيهم، قال رؤبة بن العجاج: * في ظل عصرى باطلى ولمزي * وهذا البيت في أرجوزة له، وجمعه: لمزات. قال ابن إسحاق: والعاص بن وائل السهمى، وكان خباب بن الارت، - صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قينا بمكة يعمل السيوف، وكان قد باع

[ 239 ]

من العاص بن وائل سيوفا عملها له، حتى كان له عليه مال، فجاءه يتقاضاه، فقال له: يا خباب، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذى أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب، أو فضة، أو ثياب، أو خدم ! قال خباب: بلى، قال: فانظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هنالك حقك، فوالله لا تكون أنت وصاحبك يا خباب آثر عند الله منى، ولا أعظم حظا من ذلك. فأنزل الله تعالى فيه: { أفرأيت الذى كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا * أطلع الغيب } إلى قوله تعالى: { ونرثه ما يقول ويأتينا فردا - 77 إلى 80 من سورة مريم }. ولقى أبو جهل بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - فقال له: والله يا محمد، لتتركن سب آلهتنا، أو لنسبن إلهك الذى تعبد. فأنزل الله تعالى فيه: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم - 108 من سورة الانعام } فذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كف عن سب آلهتهم، وجعل يدعوهم إلى الله [ عزوجل ]. والنضر بن الحارث [ بن علقمة ] بن كلدة بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصى كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا فدعا فيه إلى الله تعالى وتلا فيه القرآن وحذر [ فيه ] قريشا ما أصاب الامم الخالية، خلفه في مجلسه إذا قام، فحدثهم عن رستم السنديد (1)، وعن اسفنديار، وملوك فارس، ثم يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا منى، وما حديثه إلا أساطير الاولين، اكتتبها كما اكتتبتها. فأنزل الله فيه { وقالوا: أساطير الاولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا * قل: أنزله الذى يعلم السر في السموات والارض إنه كان غفورا رحيما - 5 و 6 من سورة الفرقان } ونزل فيه: { إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين - 15 من سورة القلم }. ونزل فيه:


(1) في ا وب " الشديد " وفى هامش ا " الشيد " (*).

[ 240 ]

{ ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم - 7 و 8 من سورة الجاثية } قال ابن هشام: الافاك: الكذاب. وفى كتاب الله تعالى: { ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون - 151 و 152 من سورة الصافات } وقال رؤبة [ بن العجاج ]: * ما لامرئ أفك قولا أفكا * وهذا البيت في أرجوزة له. قال ابن إسحاق: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما - فيما بلغني - مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم [ في المجلس ] وفى المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ثم تلا عليه وعليهم: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها، وكل فيها خالدون * لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون - 98 إلى 100 من سورة الانبياء } قال ابن هشام: حصب جهنم: كل ما أوقدت به. قال أبو ذؤيب الهذلى واسمه خويلد بن خالد: فأطفئ، ولا توقد، ولاتك محصبا * لنار العداة أن تطير شكاتها وهذا البيت في أبيات له. ويروى " ولاتك محضأ ". قال الشاعر: حضأت له نارى فأبصر ضوءها * وما كان لولا حضأة النار يهتدى [ الحضأة: العود الذى يفتح به النار ]. قال ابن إسحاق: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمى حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبدالله بن الزبعرى: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد

[ 241 ]

من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا: أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى بن مريم [ عليهما السلام ]، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم. فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قول ابن الزبعرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ إن ] كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم [ إنما ] يعبدون الشيطان، ومن أمرتهم بعبادته، فأنزل الله تعالى عليه في ذلك: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون * لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون - 101 و 102 من سورة الانبياء } أي إن عيسى بن مريم، وعزيرا، ومن عبدوا من الاحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله. ونزل فيما يذكرون، أنهم يعبدون الملائكة، وأنها بنات الله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } إلى قوله: { ومن يقل منهم إنى إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين - 26 إلى 29 من سورة الانبياء }. ونزل فيما ذكر من أمر عيسى [ بن مريم ] أنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد من حضره من حجته وخصومته: { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون - 57 من سورة الزخرف } أي يصدون عن أمرك بذلك من قولهم. ثم ذكر عيسى بن مريم فقال: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل، ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الارض يخلفون وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم - 59 إلى 61 من سورة الزخرف }. أي ما وضعت على يديه من الآيات: من احياء

[ 242 ]

الموتى، وإبراء الاسقام، فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: { فلا تمترن بها واتبعون، هذا صراط مستقيم }. [ قال ابن إسحاق ]: والاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى، حليف بنى زهرة، وكان من أشراف القوم وممن يستمع منه، فكان يصيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرد عليه، فأنزل الله تعالى فيه: { ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم } إلى قوله تعالى: (زنيم - 10 إلى 13 من سورة القلم) ولم يقل:: " زنيم " لعيب في نسبه، لان الله لا يعيب أحدا بنسب، ولكنه حقق بذلك نعته ليعرف. الزنيم: العديد للقوم. وقد قال الخطيم التميمي في الجاهلية: زنيم تداعاه الرجال زيادة * كما زيد في عرض الاديم الا كارع والوليد بن المغيرة، قال: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها ! ويترك أبو مسعود بن عمرو بن عمير الثقفى سيد ثقيف، ونحن عظيما القريتين ! فأنزل الله تعالى فيه، فيما بلغني { وقالوا: لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } إلى قوله تعالى: { خير مما يجمعون 31 و 32 من سورة الزخرف }. وأبى بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، وعقبة بن أبى معيط، وكان متصافيين، حسنا ما بينهما، فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه، فبلغ ذلك أبيا فأتى عقبة فقال [ له ]: ألم يبلغني أنك جالست محمدا وسمعت منه ! [ ثم قال ]: وجهى من وجهك حرام أن أكلمك - واستغلظ من اليمين - إن أنت جلست إليه أو سمعت منه، أو لم تأته فتتفل في وجهه. ففعل ذلك عدوا الله عقبة بن أبى معيط لعنه الله، فأنزل الله تعالى فيهما: { ويوم يعض الظالم على يديه يقول: يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا }. إلى قوله تعالى: { للانسان خذولا - 27 إلى 29 من سورة الفرقان }. ومشى أبى بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم بال قد ارفت

[ 243 ]

فقال: يا محمد، أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم، ثم فته في يده، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم أنا أقول ذلك، يبعثه الله إياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك الله النار، فأنزل الله تعالى فيه: { وضرب لنا مثلا ونسى خلقه، قال: من يحيى العظام وهى رميم * قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليهم * الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون - 78 إلى 80 من سورة يس }. واعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يطوف بالكعبة - فيما بلغني - الاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمى، وكانوا ذوى أسنان في قومهم، فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الامر، فإن كان الذى تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم: { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولى دين - سور الكافرين }. أي إن كنتم لا تعبدون الله إلا أن أعبد ما تعبدون فلا حاجة لى بذلك منكم، لكم دينكم جميعا، ولى دينى. وأبو جهل بن هشام، لما ذكر الله عزوجل شجرة الزقوم تخويفا بها لهم، قال: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التى يخوفكم بها محمد ؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزبد، والله لئن استمكنا منها لنتزقمنها تزقما، فأنزل الله تعالى فيه: { إن شجرة الزقوم طعام الاثيم * كالمهل يغلى في البطون كغلى الحميم - 43 إلى 46 من سورة الدخان } أي ليس كما يقول.

[ 244 ]

قال ابن هشام: المهل: كل شئ أذبته من نحاس أو رصاص أو ما أشبه ذلك، فيما أخبرني أبو عبيدة. وبلغنا عن الحسن بن أبى الحسن [ البصري ] أنه قال: كان عبد الله بن مسعود واليا لعمر بن الخطاب على بيت مال الكوفة، وأنه أمر يوما بفضة فأذيبت فجعلت تلون ألوانا، فقال: هل بالباب من أحد ؟ قالوا: نعم، قال: فأدخلوهم، فأدخلوا، فقال: إن أدنى ما أنتم راءون شبها بالمهل لهذا. وقال الشاعر: يسقيه ربى حميم لمهل يجرعه * يشوى الوجوه فهو في بطنه صهر ويقال: إن المهل صديد الجسد (1). بلغنا أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه لما حضر أمر بثوبين لبيسين يغسلان فيكفن فيهما، فقالت له عائشة: قد أغناك الله يا أبت عنهما، فاشتر كفنا، فقال: إنما هي ساعة حتى يصير إلى المهل. قال الشاعر: شاب بالماء منه مهلا كريها * ثم عل المتون بعد النهال قال ابن إسحاق: فأنزل الله تعالى فيه: { والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم، فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا - 60 من سورة الاسراء }. ووقف الوليد بن المغيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه، وقد طمع في إسلامه، فبينا هو في ذلك [ إذ ] مر به ابن أم مكتوم الاعمى، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يستقرئه القرآن، فشق ذلك منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضجره، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد، وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا وتركه، فأنزل الله تعالى فيه: { عبس وتولى أن جاءه


(1) وجد في هامش ا بقلم حديث زيادة هذا نصها " وقال عبد الله بن الزبير الاسدي: فمن عاش منهم عاش عبدا، ومن يمت * ففى النار يسقى مهلها وصديدها وهذا البيت في قصيدة له " وكتب في آخرها علامة الصحة (*).

[ 245 ]

الاعمى } إلى قوله تعالى: { في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة - 1 إلى 14 من سورة عبس }. أي إنما بعثتك بشيرا ونذيرا، لم أخص بك أحدا دون أحد، فلا تمنعه ممن ابتغاه، ولا تتصدين به لمن لا يريده. قال ابن هشام: ابن أم مكتوم: أحد بنى عامر بن لؤى، واسمه عبد الله، ويقال: عمرو. ذكر من عاد من أرض الحبشة لما بلغهم إسلام أهل مكة قال ابن إسحاق: وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين خرجوا إلى أرض الحبشة، إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيا. فكان ممن قدم عليه مكة منهم، فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدرا [ وأحدا ] ومن حبس عنه حتى فاته بدر وغيره، ومن مات بمكة. منهم من بنى عبد شمس بن عبد مناف بن قصى: عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس، [ و ] معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، [ و ] معه امرأته سهلة بنت سهيل [ بن عمرو ]. ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش بن رئاب. ومن بنى نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان، حليف لهم، من قيس [ بن ] عيلان. ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد. ومن بنى عبدالدار بن قصى: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، [ بن عبدالدار ] وسويبط بن سعد بن حرمله.

[ 246 ]

ومن بنى عبد بن قصى: طليب بن عمير بن وهب [ بن أبى كبير ] بن عبد. ومن بنى زهرة بن كلاب: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد [ بن ] الحارث بن زهرة. والمقداد بن عمرو، حليف لهم. وعبد الله بن مسعود، حليف لهم. ومن بنى مخزوم بن يقظة: أبو سلمة بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، معه امرأته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة. وشماس ابن عثمان بن الشريد بن سويد بن هرمى بن عامر بن مخزوم. وسلمة بن هشام ابن المغيرة، حبسه عمه بمكة، فلم يقدم إلا بعد بدر وأحد والخندق. وعياش ابن أبى ربيعة بن المغيرة، هاجر معه إلى المدينة ولحق به أخواه لامه: أبو جهل ابن هشام، والحارث بن هشام، فرجعا به إلى مكة فحبساه بها حتى مضى بدر وأحد والخندق. ومن حلفائهم: عمار بن ياسر، يشك فيه، أكان خرج إلى الحبشة أم لا. ومعتب بن عوف بن عامر من خزاعة. ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: عثمان بن مظعون بن حبيب ابن وهب بن حذافة بن جمح. وابنه السائب بن عثمان. وقدامة بن مظعون. وعبد الله بن مظعون. ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب: خنيس بن حذافة بن قيس ابن عدى. وهشام بن العاص بن وائل، حبس بمكة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى قدم بعد بدر وأحد والخندق. ومن بنى عدى بن كعب: عامر بن ربيعة، حليف لهم، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة [ بن حذافة ] بن غانم. ومن بنى عامر بن لؤى: عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبى قيس. وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وكان حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 247 ]

حين هاجر إلى المدينة، حتى كان يوم بدر، فانحاز من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معه بدرا. وأبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى، معه امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو. والسكران بن عمرو بن عبد شمس، معه امرأته سودة بنت زمعة بن قيس، مات بمكة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأته سودة بنت زمعة. ومن حلفائهم: سعد بن خولة. ومن بنى الحارث بن فهر: أبو عبيدة بن الجراح، وهو عامر بن عبد الله ابن الجراح، وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبى شداد. وسهيل بن بيضاء، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال. وعمرو بن أبى سرح بن ربيعة بن هلال فجميع من قدم عليه مكة من أصحابه من أرض الحبشة ثلاثة وثلاثون رجلا فكان من دخل منهم بجوار، فيمن سمى لنا: عثمان بن مظعون بن حبيب الجمحى، دخل بجوار من الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة بن عبد الاسد بن هلال ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، دخل بجوار من أبى طالب بن عبد المطلب، وكان خاله. وأم أبى سلمة: برة بنت عبد المطلب. قصة عثمان بن مظعون في رد جوار الوليد قال ابن إسحاق: فأما عثمان [ بن مظعون ] فإن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف حدثنى عمن حدثه عن عثمان قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة، قال: والله إن غدوى ورواحى آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل دينى يلقون من البلاء والاذى في الله ما لا يصيبني، لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، قد رددت إلى جوارك، فقال له: [ لم ] يابن أخى ؟ لعله آذاك

[ 248 ]

أحد من قومي، قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره ! قال: فانطلق إلى المسجد فاردد على جواري علانية كما أجرتك علانية. قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد على جواري، قال: صدق، قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة بن مالك ابن جعفر بن كلاب في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد: * ألا كل شئ ما خلا الله باطل * قال عثمان: صدقت، قال [ لبيد ]: * وكل نعيم لا محالة زائل * قال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد بن ربيعة: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم ؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضرها، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يابن أخى إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة، قال: يقول عثمان: بل والله إن عينى الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإنى لفى جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس، فقال له الوليد: هلم يابن أخى، إن شئت فعد إلى جوارك، فقال: لا. قصة أبى سلمة رضى الله عنه في جواره قال ابن إسحاق: وأما أبو سلمة بن عبد الاسد، فحدثني أبى إسحاق بن يسار عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبى سلمة أنه حدثه: أن أبا سلمة لما استجار بأبى طالب، مشى إليه الرجال من بنى مخزوم، قفالوا [ له ]: يا أبا طالب،

[ 249 ]

لقد منعت منا ابن أخيك محمدا، فمالك ولصاحبنا تمنعه منا ؟ قال: إنه استجار بى، وهو ابن أختى، وإن أنا لم أمنع ابن أختى لم أمنع ابن أخى، فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون توثبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنتهن عنه أو لنقومن معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد، قال: فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة، وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبقوا على ذلك، فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول، ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو طالب يحرض أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن امرأ أبو عتيبة عمه * لفى روضة ما إن يسام المظالما أقول له، وأين منه نصيحتي، * أبا معتب ثبت سوادك قائما ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة * تسب بها إما هبطت المواسما وول سبيل العجز غيرك منهم * فإنك لم تخلق على العجز لازما وحارب فإن الحرب نصف، ولن ترى * أخا الحرب يعطى الخسف حتى يسالما وكيف ولم يجنوا عليك عظيمة * ولم يخذلوك غانما أو مغارما جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما بتفريقهم من بعد ود وألفة * جماعتنا كيما ينالوا المحارما كذبتم وبيت الله نبزى محمدا * ولما تروا يوما لدى الشعب قائما [ قال ابن هشام: نبزى، نسلب ] قال ابن هشام: وبقى منها بيت تركناه. دخول أبى بكر في جوار ابن الدغنة ورد جواره عليه قال ابن إسحاق: وقد كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، كما حدثنى محمد بن مسلم [ ابن شهاب ] الزهري عن عروة عن عائشة رضى الله عنهما، حين

[ 250 ]

ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الاذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما رأى [ قد ] استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرا، حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين، لقيه ابن الدغنة (1)، أخو بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد الاحابيش. قال ابن إسحاق: والاحابيش: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة. قال ابن هشام: تحالفوا جميعا، فسموا الاحابيش [ لانهم تحالفوا بواد يقال له الاحبش بأسفل مكة ] للحلف. ويقال: ابن الدغينة (1). قال ابن إسحاق: حدثنى الزهري عن عروة [ بن الزبير ] عن عائشة رضى الله عنها قالت: فقال ابن الدغنة: أين يا أبا بكر ؟ قال: أخرجنى قومي وآذوني، وضيقوا على، قال: ولم ؟ فوالله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع فأنت في جواري. فرجع معه، حتى إذا دخل مكة قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إنى قد أجرت ابن أبى قحافة، فلا يعرضن له أحد إلا بخير. قالت: فكفوا عنه. قالت: وكان لابي بكر مسجد عند باب داره في بنى جمح، فكان يصلى فيه، وكان رجلا رقيقا، إذا قرأ القرآن استبكى. قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته. قالت: فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة، فقالوا [ له ]: يابن الدغنة، إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا ! إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق [ ويبكى ] وكانت له هيئة ونحو، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فاته فمره أن يدخل بيته


(1) في القاموس ذكر الدغنة كخزمة والدغنة ككلمة، وصوب الدغنة كحزقة، ولم يذكر المصغر (*).

[ 251 ]

فليصنع فيه ما شاء. قالت: فمشى ابن الدغنة إليه فقال له: يا أبا بكر، إنى لم أجرك لتؤذي قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذى أنت فيه، وتأذوا بذلك منك، فادخل بينك، فاصنع فيه ما أحببت، قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله ؟ قال: فاردد على جواري، قال: قد رددته عليك. قالت: فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحاطة قد رد على جواري فشأنكم بصاحبكم. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد قال: لقيه سفيه من سفهاء قريش، وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه ترابا. قال: فمر بأبى بكر الوليد بن المغيرة، أو العاص بن وائل. قال: فقال أبو بكر: ألا ترى [ إلى ] ما يصنع هذا السفيه ؟ قال: أنت فعلت ذلك بنفسك. قال: هو يقول: أي رب، ما أحلمك ! أي رب، ما أحلمك، أي رب، ما أحلمك ! حديث نقض صحيفة قال ابن إسحاق: وبنو هاشم، وبنو المطلب في منزلهم الذى تعاقدت فيه قريش عليهم في الصحيفة التى كتبوها، ثم إنه قام في نقض تلك الصحيفة التى تكاتبت فيها قريش على بنى هاشم وبنى المطلب نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن نصر ابن [ جذيمة ] بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، وذلك أنه كان ابن أخى نضلة بن هاشم بن عبد مناف لامه، فكان هشام لنبى هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه، فكان - فيما بلغني - يأتي بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا، قد أوقره طعاما، حتى إذا أقبل [ به ] فم الشعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه، فيدخل الشعب عليهم، ثم يأتي به قد أوقره بزا، فيفعل به مثل ذلك.

[ 252 ]

قال ابن إسحاق: ثم إنه مشى إلى زهير بن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم - وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب - فقال: يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت، لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم ؟ أما إنى أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبى الحكم بن هشام ثم دعوته إلى [ مثل ] ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدا، قال: ويحك يا هشام ! فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد، والله أن لو كان معى رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها، قال: قد وجدت رجلا، قال: فمن هو ؟ قال: أنا، قال له زهير: أبغنا [ رجلا ] ثالثا. فذهب إلى المطعم بن عدى [ بن نوفل بن عبد مناف ] فقال له: يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه ! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا، قال: ويحك ! فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانيا، قال: من هو ؟ قال: أنا، قال: أبغنا ثالثا، قال: قد فعلت، قال: من هو ؟ قال: زهير بن أبى أمية، قال: أبغنا رابعا. فذهب إلى أبى البخترى بن هشام (1)، قفال له نحوا مما قال للمطعم بن عدى، فقال: وهل من يعين على هذا ؟ قال. نعم، قال: من هو ؟ قال: زهير بن أبى أمية، والمطعم بن عدى، وأنا معك، قال: أبغنا خامسا. فذهب إلى زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الامر الذى تدعوني إليه من أحد ؟ قال: نعم ثم سمى له القوم. فاتعدوا خطم الحجون ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، فأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في أمر الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم،


(1) في ا " بن هاشم " (*).

[ 253 ]

فأكون أول من يتكلم، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبى أمية عليه حلة فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس فقال: يأهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل، وكان في ناحية المسجد: كذبت والله لا تشق، قال زمعة ابن الاسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حيث كتبت، قال أبوالبخترى: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقر به، قال المطعم بن عدى: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها، وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. فقال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل، تشوور فيه بغير هذا المكان. [ قال ]: وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، فقام المطعم إلى الصحيفه ليشقها فوجد الارضة قد أكلتها إلا " باسمك اللهم ". وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة. فشلت يده فيما يزعمون. قال ابن هشام: وذكر بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي طالب: يا عم، إن ربى الله قد سلط الارضة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم والقطعية والبهتان، فقال: أربك أخبرك بهذا ؟ قال: نعم، قال: فوالله ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخى أخبرني بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم، فإن كان كما قال [ ابن أخى ] فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عما فيها، وإن كان كاذبا دفعت إليكم ابن أخى، فقال القوم: رضينا فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا، فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزادهم ذلك شرا، فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفه ما صنعوا. قال ابن إسحاق: فلما مزقت الصحيفة وبطل ما فيها، قال أبو طالب، فيما كان من أمر أولئك النفر الذين قاموا في نقضها يمدحهم:

[ 254 ]

ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا * على نأيهم، والله بالناس أرود فيخبرهم أن الصحيفة مزقت * وأن كل ما لم يرضه الله مفسد تراوحها إفك وسحر مجمع * ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد تداعى لها من ليس فيها بقرقر * فطائرها في رأسها يتردد وكانت كفاء وقعة بأثيمة * ليقطع منها ساعد ومقلد ويظعن أهل المكتين فيهربوا * فرائصهم من خشية الشر عد ويترك حراث يقلب أمره * أيتهم فيهم عند ذاك وينجد وتصعد بين الاخشبين كتيبة * لها حدج سهم وقوس ومرهد فمن ينش من حضار مكة عزه * فعزتنا في بطن مكة أتلد نشأنا بها والناس فيها قلائل * فلم ننفكك نزداد خيرا ونحمد ونطعم حتى يترك الناس فضلهم * إذا جعلت أيدى المفيضين ترعد جزى الله رهطا بالحجون تبايعوا * على ملا يهدى لحزم ويرشد قعودا لدى خطم الحجون كأنهم * مقاولة، بل هم أعز وأمجد أعان عليها كل صقر كأنه * إذا مامشى في رفرف الدرع أحرد جرى على جلى الخطوب كأنه * شهاب بكفى قابس يتوقد من الاكرمين من لؤى بن غالب * إذ سيم خسفا وجهه يتربد طويل النجاد خارج نصف ساقه * على وجهه يسقى الغمام ويسعد عظيم الرماد سيد وابن سيد * يحض على مقرى الضيوف ويحشد ويبنى لابناء العشيرة صالحا * إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد ألظ بهذا الصلح كل مبرأ * عظيم اللواء أمره ثم يحمد قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا * على مهل وسائر الناس رقد هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا * وسر أبو بكر بها ومحمد متى شرك الاقوام في جل أمرنا * وكنا قديما قبلها نتودد

[ 255 ]

وكنا قديما لا نقر ظلامة * وندرك ما شئنا ولا نتشدد فيالقصى هل لكم في نفوسكم * وهل لكم فيما يجئ به غد ؟ فإنى وإياكم كما قال قائل * لديك البيان لو تكلمت أسود وقال حسان بن ثابت: يبكى المطعم بن عدى حين مات، ويذكر قيامه في [ نقض ] الصحيفة: أيا عين فابكى سيد القوم واسفحي * بدمع، وإن أنزفته فاسبكى الدما وبكى عظيم المشعرين كليهما * على الناس معروفا له ما تكلما فلو كان مجد يخلد الدهر واحدا * من الناس أبقى مجده اليوم مطعما أجرت رسول الله منهم فأصبحوا * عبيدك ما لبى مهل وأحرما فلو سئلت عنه معد بأسرها * وقحطان أو باقى بقية جرهما لقالوا: هو الموفى بخفرة جاره وذمته يوما إذا ما تذمما فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم * على مثله فيهم أعز وأعظما وآبى إذا يأبى، وألين شيمة * وأنوم عن جار إذا الليل أظلما قال ابن هشام: قوله " كليهما " عن غير ابن إسحاق. قال ابن هشام: وأما قوله، " أجرت رسول الله منهم "، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن أهل الطائف، ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، من تصديقه ونصرته، صار إلى حراء، ثم بعث إلى الاخنس بن شريق ليجيره فقال: أنا حليف والحليف لا يجير. فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال: إن بنى عامر لا تجير على بنى كعب. فبعث إلى المطعم بن عدى، فأجابه إلى ذلك ثم تسلح المطعم وأهل بيته، وخرجوا حتى أتو المسجد، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله. فذلك الذى يعنى حسان [ بن ثابت ]. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت [ الانصاري ] أيضا: يمدح هشام ابن عمرو لقيامه في الصحيفة:

[ 256 ]

هل يوفين بنو أمية ذمة * عقدا كما أوفى جوار هشام من معشر لا يغدرون بجارهم * للحارث بن حبيب بن سخام وإذا بنو حسل أجاروا ذمة * أوفوا وأدوا جارهم بسلام وكان هشام أحد سحام [ بالضم ]. قال ابن هشام: ويقال: سخام. قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسى قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما يرى من قومه، يبذل لهم النصحية، ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه. وجعلت قريش - حين منعه الله منهم - يحذرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب. وكان الطفيل بن عمرو الدوسى يحدث: أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذى بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه [ شيئا ]. قال: فوالله ما زالوا بى حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، حتى حشوت في أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شئ من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه. قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة. قال: فقمت منه قريبا، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، قال: فسمعت كلاما حسنا، قال: فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إنى لرجل لبيب شاعر [ و ] ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من [ هذا ] الرجل ما يقول ! فإن كان الذى يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.

[ 257 ]

قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لى كذا وكذا، للذى قالوا، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذنى بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعته (1) قولا حسنا، فاعرض على أمرك. قال: فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام، وتلا علي القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه. قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبى الله، إنى امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الاسلام، فادع الله أن يجعل لى آية تكون لى عونا عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: اللهم اجعل له آية. قال: فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عينى مثل المصباح، فقلت: اللهم في غير وجهى، إنى أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهى لفراقي دينهم. قال: فتحول فوقع في رأس سوطي. قال: فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية، قال: حتى جئتهم فأصبحت فيهم. قال: فلما نزلت أتانى أبى، وكان شيخا كبيرا، قال: فقلت: إليك عنى يا أبت، فلست منك ولست منى قال: ولم يا بنى ؟ قال: قلت: أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم، قال: أي بنى، فدينى دينك، قال: فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت. قال: فذهب فاغتسل، وطهر ثيابه. قال: ثم جاء فعرضت عليه الاسلام، فأسلم. [ قال ]: ثم أتتنى صاحبتي، فقلت: إليك عنى، فلست منك ولست منى، قالت: لم ؟ بأبى أنت وأمى، قال: [ قلت: قد ] فرق بينى وبينك الاسلام، وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم، قالت: فدينى دينك، قال:


(1) في ا " فسمعت قولا حسنا " (*).

[ 258 ]

قلت: فاذهبي إلى حناذى الشرى - قال ابن هشام: ويقال: حمى ذى الشرى - فتطهري منه. [ قال ]: وكان ذو الشرى صنما لدوس، وكان الحمى حمى حموه له، [ و ] به وشل من ماء يهبط من جبل. قال: فقالت: بأبى أنت وأمى، أتخشى على الصبية من ذى الشرى شيئا ؟ قال: قلت: لا أنا ضامن لذلك، فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت فعرضت عليها الاسلام، فأسلمت. ثم دعوت دوسا إلى الاسلام فأبطئوا على، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقلت له: يا نبى الله، إنه قد غلبنى على دوس الزنا (1)، فادع الله عليهم، فقال: اللهم اهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم. قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الاسلام، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معى من قومي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس، ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين. ثم لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا فتح الله عليه مكة، قال: قلت: يا رسول الله، ابعثنى إلى ذى الكفين، صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه. قال ابن إسحاق: فخرج إليه، فجعل طفيل يوقد عليه النار ويقول: يا ذا الكفين لست من عبادكا * ميلادنا أقدم من ميلادكا * إن حشوت النار في فؤادكا * قال: ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان معه بالمدينة حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم. فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين،


(1) في هامش ا " في نسخة الربا " (*).

[ 259 ]

فسار معهم حتى فرغوا من طليحة، ومن أرض نجد كلها. ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة، ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة، فقال لاصحابه: إنى قد رأيت رؤيا فاعبروها لى، رأيت أن رأسي حلق، وأنه خرج من فمى طائر، وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها، وأرى ابني يطلبني طلبا حثيثا، ثم رأيته حبس عنى، قالوا: خيرا، قال: أما أنا والله فقد أولتها، قالوا: ماذا ؟ قال: أما حلق رأسي فوضعه، وأما الطائر الذى خرج من فمى فروحي، وأما المرأة التى أدخلتني في فرجها فالارض: تحفر لى، فأغيب فيها، وأما طلب ابني إياى ثم حبسه عنى، فإنى أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني. فقتل رحمه الله شهيدا باليمامة، وجرح ابنه جراحة شديدة، ثم استبل منها، ثم قتل عام اليرموك في زمن عمر رضى الله عنه شهيدا. أمر أعشى بنى قيس بن ثعلبة قال ابن هشام: حدثنى خلاد بن قرة بن خالد السدوسى وغيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم: أن أعشى بنى قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب ابن على بن بكر بن وائل، خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الاسلام، فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبت كما بات السليم مسهدا وما ذاك من عشق النساء، وإنما * تناسيت قبل اليوم صحبة مهددا ولكن أرى الدهر الذى هو خائن * إذا أصلحت كفاى عاد فأفسدا كهولا وشبانا فقدت وثروة * فلله هذا الدهر كيف ترددا وما زلت أبغى المال مذ أنا يافع * وليدا وكهلا حين شبت وأمردا وأبتذل العيس المراقيل تغتلى * مسافة ما بين النجير فصرخدا الا أيهذا السائلى أين يممت * فإن لها في أهل يثرب موعدا

[ 260 ]

فإن تسألي عنى فيارب سائل * حفى عن الاعشى به حيث أصعدا أجدت برجليها النجاء وراجعت * يداها خنافا لينا غير أحردا وفيها إذا ما هجرت عجرفية * إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا وأما إذا ما أدلجت فترى لها * رقيبين جديا ما تغيب وفرقدا وآليت لا آوى لها من كلالة * ولا من حفى حتى تلاقى محمدا متى ما تناخى عند باب ابن هاشم * تراحى وتلقى من فواضله ندى نبيا يرى ما لا ترون وذكره * أغار لعمري في البلاد وأنجدا له صدقات ما تغب ونائل * وليس عطاء اليوم مانعه غدا أجدك لم تسمع وصاة محمد * نبى الاله حيث أوصى وأشهدا إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله * فترصد للامر الذى كان أرصدا فإياك والميتات لا تقربنها * ولا تأخذ سهما حديدا لنفصدا وذا النصب المنصوب لا تنسكنه * ولا تعبد الاوثان، والله فاعبدا ولا تقربن حرة كان سرها * عليك حراما فانكحن أو تأبدا وذا الرحم القربى فلا تقطعنه * لعاقبة ولا الاسير المقيدا وسبح على حين العشيات والضحى * ولا تحمد الشيطان، والله فاحمدا ولا تسخرا من بائس ذى ضرارة * ولا تحسبن المال للمرء مخلدا فلما كان بمكة أو قريبا منها، اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم، فقال له: يا أبا بصير، إن يحرم الزنا: فقال الاعشى: والله إن ذلك لامر مالى فيه من أرب، فقال له: يا أبا بصير، فإنه يحرم الخمر، فقال الاعشى: أما هذه فوالله إن في النفس منها لعلالات، ولكني منصرف فأتروى منها عامى هذا ثم آتيه فأسلم. فانصرف، فمات في عامه ذلك، ولم يعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 261 ]

قال ابن إسحاق: وقد كان عدو الله أبو جهل بن هشام مع عدواته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبغضه إياه، وشدته عليه، يذله الله له إذا رآه. أمر الاراشى الذى باع أبا جهل إبله قال ابن إسحاق: حدثنى عبد الملك بن عبد الله بن أبى سفيان الثقفى، وكان واعية، قال: قدم رجل من إراش - قال ابن هشام: ويقال: إراشة - بإبل له مكة، فابتاعها منه أبو جهل، فمطله بأثمانها، فأقبل الاراشى حتى وقف على ناد من قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية المسجد جالس، فقال: يا معشر قريش، من رجل يؤديني على أبى الحكم بن هشام، فإنى رجل غريب، ابن سبيل، وقد غلبنى على حقى ؟ قال: فقال له أهل ذلك المجلس: أترى ذلك الرجل الجالس - لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يهزءون به، لما يعلمون بينه وبين أبى جهل من العدواة - اذهب إليه فإنه يؤديك عليه. فأقبل الاراشى حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عبد الله، إن أبا الحكم بن هشام قد غلبنى على حق لى قبله، وأنا [ رجل ] غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه، يأخذ لى حقى منه، فأشاروا لى إليك، فخذ لى حقى منه يرحمك الله، قال: انطلق إليه، وقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: ابتعه، فانظر ماذا يصنع. قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه. فقال: من هذا ؟ قال: محمد، فاخرج إلى، فخرج إليه، وما في وجهه من رائحة، قد انتقع لونه، فقال: أعط هذا الرجل حقه، قال: نعم، لا تبرح حتى أعطيه الذى له، قال: فدخل، فخرج إليه بحقه، فدفعه إليه. [ قال ]: ثم انصرف

[ 262 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال للاراشى: الحق بشأنك، فأقبل الاراشى حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرا، فقد والله أخذ لى حقى. قال: وجاء الرجل الذى بعثوا معه، فقالوا: ويحك ! ماذا رأيت ؟ قال: عجبا من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه، فخرج إليه وما معه روحه، فقال له: أعط هذا حقه، فقال: نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فخرج إليه بحقه، فأعطاه إياه. قال: ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا [ له ]: ويلك ! مالك ؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط ! قال: ويحكم ! والله ما هو إلا أن ضرب على بابى، وسمعت صوته، فملئت رعبا، ثم خرجت إليه، وإن فوق رأسه لفحلا من الابل، ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لاكلنى. أمر ركانة المطلبى، ومصارعته للنبى صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وحدثني أبى إسحاق بن يسار قال: كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف أشد قريش، فخلا يوما برسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ركانة، ألا تتقى الله وتقبل ما أدعوك إليه ؟ قال: إنى لو أعلم أن الذى تقول حق لاتبعتك، فقال [ له ] رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق ؟ قال: نعم، قال: فقم حتى أصارعك. قال: فقام إليه ركانة يصارعه، فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعه، وهو لا يملك من نفسه شيئا، ثم قال: عد يا محمد، فعاد فصرعه، فقال: يا محمد، والله إن هذا للعجب، أتصرعني ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه، إن اتقيت الله واتبعت أمرى، قال: ما هو ؟ قال: أدعو لك هذه الشجرة التى ترى فتأتيني، قال: ادعها، فدعاها فأقبلت، حتى

[ 263 ]

وقفت بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقال لها: ارجعي إلى مكانك، قال: فرجعت إلى مكانها. قال: فذهب ركانة إلى قومه فقال: يا بنى عبد مناف، ساحروا بصاحبكم أهل الارض، فوالله ما رأيت أسحر منه قط، ثم أخبرهم بالذى رأى والذى صنع. أمر وفد النصارى الذى أسلموا قال ابن إسحاق: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بمكة، عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عزوجل وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له، وآمنوا به، وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب ! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه بما قال ! ما نعلم ركبا أحمق منكم - أو كما قالوا - فقالوا لهم: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا. ويقال: إن النفر من النصارى من أهل نجران، فالله أعلم أي ذلك كان، فيقال - والله أعلم - فيهم نزلت هؤلاء الآيات { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا: آمنا به إنه لحق من ربنا، إنا كنا من قبله مسلمين }. إلى قوله: { لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين - 52 إلى 55 من سورة القصص }.

[ 264 ]

قال ابن إسحاق: وقد سألت [ ابن شهاب ] الزهري عن هؤلاء الآيات فيمن أنزلن ؟ فقال لى: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن أنزلن في النجاشي وأصحابه. والآيات من سورة المائدة من قوله: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } إلى قوله: { فاكتبنا مع الشاهدين - 82 و 83 من سورة المائدة } قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد فجلس إليه المستضعفون من أصحابه، خباب، وعمار، وأبو فكيهة يسار، مولى صفوان بن أمية بن محرث، وصهيب، وأشباههم من المسلمين، هزئت بهم قريش، وقال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق ! لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه، وما خصهم الله به دوننا. فأنزل الله تعالى فيهم: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين * وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ؟ أليس الله بأعلم بالشاكرين * وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سواء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم - 52 إلى 54 من سورة الانعام }. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني، يقال له جبر، عبد لبنى الحضرمي، فكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتي به إلا جبر النصراني، غلام بنى الحضرمي، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر، لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربي مبين - 103 من سورة النحل } قال ابن هشام: يلحدون إليه: يميلون إليه. والالحاد: الميل عن الحق. قال رؤبة العجاج:

[ 265 ]

* إذ تبع الضحاك كل ملحد * قال ابن هشام: يعنى الضحاك الخارجي، وهذا البيت في أرجوزة له. نزول سورة الكوثر قال ابن إسحاق: وكان العاص بن وائل السهمى - فيما بلغني - إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوه، فإنما هو رجل أبتر لا عقب له، لو [ قد ] مات لا نقطع ذكره واسترحتم منه. فأنزل الله في ذلك: { إنا أعطيناك الكوثر } ما هو خير [ لك ] من الدنيا وما فيها، والكوثر: العظيم. قال ابن إسحاق: وقال لبيد بن ربيعة الكلابي: وصاحب ملحوب فجعنا بيومه * وعند الرداع بيت آخر كوثر يقول: عظيم. قال ابن هشام: وهذا البيت في قصيدة له. وصاحب ملحوب: عوف ابن الاحوص بن جعفر بن كلاب، مات بملحوب. وقوله * وعند الرداع بيت آخر كوثر * يعنى شريح بن الاحوص بن جعفر بن كلاب، مات بالرداع. وكوثر: أراد الكثير. ولفظه مشتق من لفظ الكثير. قال الكميت بن زيد يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان: وأنت كثير يابن مروان طيب * وكان أبوك ابن العقائل كوثرا وهذا البيت في قصيدة له. وقال أمية بن أبى عائذ الهذلى يصف حمار وحش: يحامى الحقيق إذا ما احتدمن * وحمحمن في كوثر كالجلال يعنى بالكوثر: الغبار الكثير، شبهه لكثرته عليه بالجلال. وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: حدثنى جعفر بن عمرو - قال ابن هشام: هو جعفر بن عمرو بن جعفر بن عمرو بن أمية الضمرى - عن عبد الله بن مسلم أخى محمد [ بن مسلم ] بن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك، قال:

[ 266 ]

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل له: يا رسول الله، ما الكوثر الذى أعطاك الله ؟ قال: نهر كما بين صنعاء إلى أيلة، آنيته كعدد نجوم السماء، ترده طيور لها أعناق كأعناق الابل. قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة، قال: آكلها أنعم منها. قال ابن إسحاق: وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم: من شرب منه لا يضمأ أبدا. نزول (وقالوا لولا نزل عليك ملك) قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الاسلام، ترده طيور لها أعناق كأعناق الابل. قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة، قال: آكلها أنعم منها. قال ابن إسحاق: وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم: من شرب منه لا يضمأ أبدا. نزول (وقالوا لولا نزل عليك ملك) قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الاسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال [ له ] زمعة بن الاسود، والنضر بن الحارث، والاسود بن عبد يغوث، وأبى بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك ! فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون 8 و 9 من سورة الانعام }. نزول (ولقد استهزئ برسل من قبلك) قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - بالوليد ابن المغيرة، وأمية بن خلف، وبأبى جهل بن هشام، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك. فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قولهم: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون - 10 من سورة الانعام }. والحمد لله حق حمده، وصلاته وسلامه على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وجنده، ونسأله حلت قدرته أن يوفقنا إلى ما يرضاه لنا من صالح العمل، إنه ولى ذلك. وقد تم الجزء الاول من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويليه الجزء الثاني، ومطلعه " أمر الاسراء والمعراج " نسأل الله الذى بيده كل شئ أن يعين ويوفق إلى إكماله. ترده طيور لها أعناق كأعناق الابل. قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة، قال: آكلها أنعم منها. قال ابن إسحاق: وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم: من شرب منه لا يضمأ أبدا. نزول (وقالوا لولا نزل عليك ملك) قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الاسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال [ له ] زمعة بن الاسود، والنضر بن الحارث، والاسود بن عبد يغوث، وأبى بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك ! فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون 8 و 9 من سورة الانعام }. نزول (ولقد استهزئ برسل من قبلك) قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - بالوليد ابن المغيرة، وأمية بن خلف، وبأبى جهل بن هشام، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك. فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قولهم: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون - 10 من سورة الانعام }. والحمد لله حق حمده، وصلاته وسلامه على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وجنده، ونسأله حلت قدرته أن يوفقنا إلى ما يرضاه لنا من صالح العمل، إنه ولى ذلك. وقد تم الجزء الاول من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويليه الجزء الثاني، ومطلعه " أمر الاسراء والمعراج " نسأل الله الذى بيده كل شئ أن يعين ويوفق إلى إكماله. ترده طيور لها أعناق كأعناق الابل. قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة، قال: آكلها أنعم منها. قال ابن إسحاق: وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم: من شرب منه لا يضمأ أبدا. نزول (وقالوا لولا نزل عليك ملك) قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الاسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال [ له ] زمعة بن الاسود، والنضر بن الحارث، والاسود بن عبد يغوث، وأبى بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك ! فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون 8 و 9 من سورة الانعام }. نزول (ولقد استهزئ برسل من قبلك) قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - بالوليد ابن المغيرة، وأمية بن خلف، وبأبى جهل بن هشام، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك. فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قولهم: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون - 10 من سورة الانعام }. والحمد لله حق حمده، وصلاته وسلامه على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وجنده، ونسأله حلت قدرته أن يوفقنا إلى ما يرضاه لنا من صالح العمل، إنه ولى ذلك. وقد تم الجزء الاول من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويليه الجزء الثاني، ومطلعه " أمر الاسراء والمعراج " نسأل الله الذى بيده كل شئ أن يعين ويوفق إلى إكماله. ترده طيور لها أعناق كأعناق الابل. قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة، قال: آكلها أنعم منها. قال ابن إسحاق: وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم: من شرب منه لا يضمأ أبدا. نزول (وقالوا لولا نزل عليك ملك) قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الاسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال [ له ] زمعة بن الاسود، والنضر بن الحارث، والاسود بن عبد يغوث، وأبى بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك ! فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون 8 و 9 من سورة الانعام }. نزول (ولقد استهزئ برسل من قبلك) قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - بالوليد ابن المغيرة، وأمية بن خلف، وبأبى جهل بن هشام، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك. فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قولهم: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون - 10 من سورة الانعام }. والحمد لله حق حمده، وصلاته وسلامه على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وجنده، ونسأله حلت قدرته أن يوفقنا إلى ما يرضاه لنا من صالح العمل، إنه ولى ذلك. وقد تم الجزء الاول من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويليه الجزء الثاني، ومطلعه " أمر الاسراء والمعراج " نسأل الله الذى بيده كل شئ أن يعين ويوفق إلى إكماله. ترده طيور لها أعناق كأعناق الابل. قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة، قال: آكلها أنعم منها. قال ابن إسحاق: وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم: من شرب منه لا يضمأ أبدا. نزول (وقالوا لولا نزل عليك ملك) قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الاسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال [ له ] زمعة بن الاسود، والنضر بن الحارث، والاسود بن عبد يغوث، وأبى بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك ! فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون 8 و 9 من سورة الانعام }. نزول (ولقد استهزئ برسل من قبلك) قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - بالوليد ابن المغيرة، وأمية بن خلف، وبأبى جهل بن هشام، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك. فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قولهم: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون - 10 من سورة الانعام }. والحمد لله حق حمده، وصلاته وسلامه على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وجنده، ونسأله حلت قدرته أن يوفقنا إلى ما يرضاه لنا من صالح العمل، إنه ولى ذلك. وقد تم الجزء الاول من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويليه الجزء الثاني، ومطلعه " أمر الاسراء والمعراج " نسأل الله الذى بيده كل شئ أن يعين ويوفق إلى إكماله. ترده طيور لها أعناق كأعناق الابل. قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة، قال: آكلها أنعم منها. قال ابن إسحاق: وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم: من شرب منه لا يضمأ أبدا. نزول (وقالوا لولا نزل عليك ملك) قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الاسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال [ له ] زمعة بن الاسود، والنضر بن الحارث، والاسود بن عبد يغوث، وأبى بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك ! فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون 8 و 9 من سورة الانعام }. نزول (ولقد استهزئ برسل من قبلك) قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - بالوليد ابن المغيرة، وأمية بن خلف، وبأبى جهل بن هشام، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك. فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قولهم: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون - 10 من سورة الانعام }. والحمد لله حق حمده، وصلاته وسلامه على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وجنده، ونسأله حلت قدرته أن يوفقنا إلى ما يرضاه لنا من صالح العمل، إنه ولى ذلك. وقد تم الجزء الاول من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويليه الجزء الثاني، ومطلعه " أمر الاسراء والمعراج " نسأل الله الذى بيده كل شئ أن يعين ويوفق إلى إكماله. ترده طيور لها أعناق كأعناق الابل. قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة، قال: آكلها أنعم منها. قال ابن إسحاق: وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم: من شرب منه لا يضمأ أبدا. نزول (وقالوا لولا نزل عليك ملك) قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الاسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال [ له ] زمعة بن الاسود، والنضر بن الحارث، والاسود بن عبد يغوث، وأبى بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك ! فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون 8 و 9 من سورة الانعام }. نزول (ولقد استهزئ برسل من قبلك) قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - بالوليد ابن المغيرة، وأمية بن خلف، وبأبى جهل بن هشام، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك. فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قولهم: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون - 10 من سورة الانعام }. والحمد لله حق حمده، وصلاته وسلامه على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وجنده، ونسأله حلت قدرته أن يوفقنا إلى ما يرضاه لنا من صالح العمل، إنه ولى ذلك. وقد تم الجزء الاول من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويليه الجزء الثاني، ومطلعه " أمر الاسراء والمعراج " نسأل الله الذى بيده كل شئ أن يعين ويوفق إلى إكماله. ترده طيور لها أعناق كأعناق الابل. قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة، قال: آكلها أنعم منها. قال ابن إسحاق: وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم: من شرب منه لا يضمأ أبدا. نزول (وقالوا لولا نزل عليك ملك) قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الاسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال [ له ] زمعة بن الاسود، والنضر بن الحارث، والاسود بن عبد يغوث، وأبى بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك ! فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون 8 و 9 من سورة الانعام }. نزول (ولقد استهزئ برسل من قبلك) قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - بالوليد ابن المغيرة، وأمية بن خلف، وبأبى جهل بن هشام، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك. فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قولهم: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون - 10 من سورة الانعام }. والحمد لله حق حمده، وصلاته وسلامه على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وجنده، ونسأله حلت قدرته أن يوفقنا إلى ما يرضاه لنا من صالح العمل، إنه ولى ذلك. وقد تم الجزء الاول من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويليه الجزء الثاني، ومطلعه " أمر الاسراء والمعراج " نسأل الله الذى بيده كل شئ أن يعين ويوفق إلى إكماله. ترده طيور لها أعناق كأعناق الابل. قال: يقول عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة، قال: آكلها أنعم منها. قال ابن إسحاق: وقد سمعت في هذا الحديث أو غيره أنه قال صلى الله عليه وسلم: من شرب منه لا يضمأ أبدا. نزول (وقالوا لولا نزل عليك ملك) قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الاسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال [ له ] زمعة بن الاسود، والنضر بن الحارث، والاسود بن عبد يغوث، وأبى بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك ! فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون 8 و 9 من سورة الانعام }. نزول (ولقد استهزئ برسل من قبلك) قال ابن إسحاق: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - بالوليد ابن المغيرة، وأمية بن خلف، وبأبى جهل بن هشام، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك. فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من قولهم: { ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون - 10 من سورة الانعام }. والحمد لله حق حمده، وصلاته وسلامه على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وجنده، ونسأله حلت قدرته أن يوفقنا إلى ما يرضاه لنا من صالح العمل، إنه ولى ذلك. وقد تم الجزء الاول من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويليه الجزء الثاني، ومطلعه " أمر الاسراء والمعراج " نسأل الله الذى بيده كل شئ أن يعين ويوفق إلى إكماله.