الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




وقعة صفين- ابن مزاحم المنقريي

وقعة صفين

ابن مزاحم المنقري


[ 1 ]

وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقرى المتوفى سنة 212 تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون الطبعة الثانية 1382 ه‍ ملتزم الطبع والنشر المؤسسة العربية الحديثة للطبع والنشر والتوزيع بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الحافظ شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك ابن أحمد بن الحسن الأنماطي (1) قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى (2) بقراءتي عليه في شهر ربيع الآخر من سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وقال: أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد ابن جعفر الوكيل (3) قراءة عليه وأنا أسمع، في رجب من سنة ثمان وثلاثين


(1) كان أبو البركات محدث بغداد، وهو أحد حفاظ الحنابلة، ولد سنة 462 وقرأ على ابن الطيورى جميع ما عنده. وقال ابن الجوزى: " كنت أقرأ عليه الحديث وهو يبكى، فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايته ". وتوفى سنة 538. انظر المنتظم (10: 108 - 109) وصفة الصفوة (2: 281) وتذكرة الحفاظ (4: 75 - 76) وشذرات الذهب (4: 116 - 117). (2) هو أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم بن أحمد الصيرفى الطيورى، ويعرف أيضا بابن الحمامى، والمحدث البغدادي، سمع أبا على بن شاذان، وأبا الفرج الطناجيرى وأبا الحسن العتيقي، وأبا محمد الخلال. وكان عنده ألف جزء بخط الدارقطني. وأكثر عنه السلفي، وانتقى عليه مائة جزء تعرف بالطيوريات. وابن الحمامى بتخفيف الميم، كما في لسان الميزان (5: 11). ولد سنة 411 وتوفى سنة 500. انظر المنتظم (9: 154) ولسان الميزان (5: 9 - 11) وشذرات الذهب (3: 412). (3) هو أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن جعفر بن الحسن بن وهب، أبو يعلى، المعروف بابن زوج الحرة. سمع موسى بن جعفر، وأبا الحسن الدارقطني. قال الطيب البغدادي: " كتبت عنه، وكان صدوقا يسكن درب المجوس من نهر طابق. وسألته عن مولده فقال: ولدت بعد أن استخلف القادر بالله بأربعين يوما. وكان (*)

[ 2 ]

وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفى (1)، قراءة عليه وأنا أسمع، قال: أخبرنا أبو الحسن على بن محمد [ ابن محمد (2) ] بن عقبة بن الوليد بن همام بن عبد الله بن الحمار بن سلمة ابن سمير (3) بن أسعد بن همام (4) بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن على بن بكر بن وائل، قراءة عليه في سنة أربعين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز (5)، قال:


استخلاف القادر بالله في يوم السبت الحادى عشر من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلثمائة. ومات أبو يعلى في يوم الخميس الرابع والعشرين من شهر شوال سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، ودفن من يومه بباب الدير قريبا من قبر معروف الكرخي ". انطر تاريخ بغداد (4: 270). (1) ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد (2: 111) وقال: سمع إسماعيل بن محمد الصفار، وأبا عمرو بن السماك، وعبد الصمد بن على الطستى. وذكر أن وفاته في سنة 393. وهى السنة التى توفى فيها أبو الفتح عثمان بن جنى، والقاضى على بن عبد العزيز الجرجاني. (2) هذه التكملة ثابتة في سائر أسانيد أجزاء الكتاب، وكذلك في ترجمته من منتهى المقال ص 225، قال: " سمع منه التلعكبرى بالكوفة وببغداد، وله منه إجازة ". والتلعكبري الذى يشير إليه هو أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد بن سعيد الشيباني، ترجم له صاحب منتهى المقال في ص 320 - 321. (3) ما بعد " الوليد " إلى هنا لم أجده فيما لدى من المراجع. (4) ذكر في نهاية الأرب (2: 333): " الأسعد بن همام ". وانظر لإدخال أل على الأعلام التى هي في الأصل صفات ما كتبت في حواشى الحيوان (3: 382) ومجلة الثقافة 2152. (5) هو أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام بن عزور بن مهلهل، النهدي الكوفى. قدم بغداد وحدث بها عن حصين بن مخارق، وهمام بن مسلم الزاهد، وأبى نعيم الفضل بن دكين، وروى عنه محمد بن جرير الطبري، ويحيي بن صاعد، ومحمد بن مخلد العطار. توفى بالكوفة سنة 274. انظر تاريخ بغداد (9: 54 - 55) ولسان الميزان (3: 91). (*)

[ 3 ]

أنبأنا نصر بن مزاحم التميمي، قال عمر بن سعد بن أبى الصيد الأسدى (1) عن الحارث بن حصيرة (2) عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبى الكنود وغيره قالوا: لما قدم على بن أبى طالب من البصرة إلى الكوفة يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة مضت من رجب سنة ست وثلاثين، وقد أعز الله نصره وأظهره على عدوه، ومعه أشراف الناس وأهل البصرة، استقبله أهل الكوفة وفيهم قراؤهم وأشرافهم، فدعوا له بالبركة وقالوا: يا أمير المؤمنين، أين تنزل ؟ أتنزل القصر ؟ فقال: لا، ولكني أنزل الرحبة. فنزلها وأقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى فيه ركعتين، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال: " أما بعد يا أهل الكوفة فإن لكم في الإسلام فضلا ما لم تبدلوا وتغيروا. دعوتكم إلى الحق فأجبتم، وبدأتم بالمنكر فغيرتم. ألا إن فضلكم فيما بينكم وبين الله في الأحكام والقسم. فأنتم أسوة من أجابكم ودخل فيما دخلتم فيه. ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل. فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسى الآخرة. ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، والآخرة ترحلت مقبلة، ولكل واحدة منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة. اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل.


(1) في ميزان الاعتدال (2: 258): " عمر بن سعد. عن الأعمش. شيعي بغيض. قال أبو حاتم: متروك الحديث). (2) هو الحارث بن حصيرة الأزدي، أبو النعمان الكوفى. روى عن زيد بن وهب وأبى صادق الأزدي، وجابر الجعفي. وعنه: عبد الواحد بن زياد، والثوري، ومالك بن مغول، وعبد السلام بن حرب. قال ابن عدى: عامة روايات الكوفيين عنه في فضائل أهل البيت. وهو يعد من المحترفين بالكوفة في التشيع. وحصيرة، بفتح المهملة وكسر المهملة بعدها. وفي الأصل: (حضيرة) بالضاد المعجمة، تحريف. انظر تهذيب التهذيب (2: 140) وتقريب التهذيب 87. (*)

[ 4 ]

الحمد لله الذى نصر وليه، وخذل عدوه، وأعز الصادق المحق، وأذل الناكث المبطل. عليكم بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم، الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه، من المنتحلين المدعين المقابلين إلينا (1)، يتفضلون بفضلنا، ويجاحدونا أمرنا، وينازعونا حقنا، ويدافعونا عنه (2). فقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا. ألا إنه قد قعد عن نصرتي منكم رجال فأنا عليهم عاتب زار. فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا (3)، ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة ". فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي - وكان صاحب شرطته - فقال: والله إنى لأرى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلا. والله لئن أمرتنا لنقتلنهم فقال على: سبحان الله يا مال، جزت المدى، وعدوت الحد، وأغرقت في النزع ! فقال: يا أمير المؤمنين، لبعض الغشم أبلغ في أمور تنو بك من مهادنة الأعادي. فقال على: ليس هكذا قضى الله يا مال، قتل النفس بالنفس فما بال الغشم (4). وقال: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا). والإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك، فقد نهى الله عنه، وذلك هو الغشم. فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي - وكان ممن تخلف عنه - فقال:


(1) في ح (1: 256): (القائلين إلينا). (2) كذا وردت الأفعال الثلاثة هنا وفي ح بحذف نون الرفع لغير ناصب أو جازم، وهى لغة صحيحة. انظر خزانة الأدب (3: 525 - 526). (3) الإعتاب: إعطاء العتبى، وهى الرضا. وأعتبنى فلان: ترك ما كنت أجد عليه من أجله. (4) في ح (1: 257) " قال سبحانه النفس بالنفس فما بال ذكر النفس ". (*)

[ 5 ]

يا أمير المؤمنين، أرأيت القتلى حول عائشة والزبير وطلحة، بم قتلوا (1) ؟ قال: " قتلوا شيعتي وعمالي، وقتلوا أخا ربيعة العبدى، رحمة الله عليه، في عصابة من المسلمين قالوا: لا ننكث كما نكثتم، ولا نغدر كما غدرتم. فوثبوا عليهم فقتلوهم، فسألتهم أن يدفعوا إلى قتلة إخوانى أقتلهم بهم، ثم كتاب الله حكم بينى وبينهم، فأبوا على، فقاتلوني وفي أعناقهم بيعتى، ودماء قريب من ألف رجل من شيعتي، فقتلتهم بهم، أفى شك أنت من ذلك ؟ ". قال: قد كنت في شك، فأما الآن فقد عرفت، واستبان لى خطأ القوم، وأنك أنت المهدى المصيب. وكان أشياخ الحى يذكرون أنه كان عثمانيا، وقد شهد مع على على ذلك صفين، ولكنه بعد ما رجع كان يكاتب معاوية، فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة (2)، وكان عليه كريما. ثم إن عليا تهيأ لينزل، وقام رجال ليتكلموا، فلما رأوه نزل جلسوا وسكتوا. نصر: أبو عبد الله سيف بن عمر، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، أن عليا لما دخل الكوفة قيل له: أي القصرين ننزلك ؟ قال: " قصر الخبال لا تنزلونيه ". فنزل على جعدة بن هبيرة المخزومى (3). نصر، عن الفيض بن محمد، عن عون بن عبد الله بن عتبة، قال: لما قدم


(1) في ح: " علام قتلوا. أو قال: بم قتلوا ؟ ". (2) الفلوجتان: قريتان كبيرتان من سواد بغداد والكوفة قرب عين التمر. ويقال الفلوجة الكبرى والفلوجة الصغرى والفلوجة العليا والفلوجة السفلى أيضا. (3) قال ابن أبى الحديد: " قلت: جعدة ابن أخت هانئ بنت أبى طالب، كانت تحت هبيرة بن أبى وهب المخزومى، فأولدها جعدة ". (*)

[ 6 ]

على الكوفة نزل على باب المسجد فدخل وصلى، ثم تحول فجلس إليه الناس، فسأل عن رجل من أصحابه كان ينزل الكوفة، فقال قائل: استأثر الله به. فقال: " إن الله لا يستأثر بأحد من خلقه "، وقرأ: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم). قال: فلما لحق الثقل قالوا: أي القصرين تنزل ؟ فقال: " قصر الخبال لا تنزلونيه (1) ". نصر، عن سيف قال: حدثنى إسماعيل بن أبى عميرة، عن عبد الرحمن ابن عبيد بن أبى الكنود، أن سليمان بن صرد الخزاعى (2) دخل على على ابن أبى طالب بعد رجعته من البصرة، فعاتبه وعذله وقال له: " ارتبت وتربصت وراوغت، وقد كنت من أوثق الناس في نفسي وأسرعهم - فيما أظن - إلى نصرتي، فما قعد بك عن أهل بيت نبيك، وما زهدك في نصرهم ؟ ". فقال يا أمير المؤمنين، لا تردن الأمور على أعقابها، ولا تؤنبنى بما مضى منها واستبق مودتي يخلص (3) لك نصيحتي. وقد بقيت أمور تعرف فيها وليك من عدوك. فسكت عنه وجلس سليمان قليلا، ثم نهض فخرج إلى الحسن بن على وهو قاعد في المسجد، فقال: ألا أعجبك من أمير المؤمنين وما لقيت


(1) ح: " قالوا انزل القصر. فقال: قصر الجبال لا تنزلوا فيه ". ولم أجد ذكرا لهذا القصر برسميه اللذين وردا في الأصل وح. لكن وجدت السيد فرج الله الحسينى قد كتب " أراد منه عليه السلام قصر دار الامارة، فكأنه سماها به لما وقع فيها قبله من أمراء الجور وعمال أهل النفاق والشقاق، من الهلكة والنقصان ". (2) هو سليمان بن صرد، المهملة وفتح الراء، بن الجون الخزاعى، أبو مطرف الكوفى. صحابي جليل. قال ابن حجر: وكان خيرا فاضلا شهد صفين مع على وقتل حوبشا مبارزة، ثم كان ممن كاتب الحسين ثم تخلف عنه، ثم قدم هو والمسيب بن نجبة في آخرين فخرجوا في الطلب بدمه وهم أربعة آلاف، فالتقاهم عبيد الله بن زياد بعين الوردة بعسكر مروان، فقتل سليمان ومن معه، وذلك في سنة خمس وستين. انظر الإصابة وتهذيب التهذيب. (3) ح: (تخلص). (*)

[ 7 ]

منه من التبكيت والتوبيخ ؟ فقال له الحسن: إنما يعاتب من ترجى مودته ونصيحته. فقال: إنه بقيت أمور سيستوسق فيها القنا (1)، وينتضى فيها السيوف ويحتاج فيها إلى أشباهي، فلا تستغشوا عتبى (2)، ولا نتهموا نصيحتي. فقال له الحسن: رحمك الله: ما أنت عندنا بالظنين. نصر، عن عمر - يعنى ابن سعد - عن نمير بن وعلة (3) عن الشعبى (4)، أن سعيد بن قيس دخل على على بن أبى طالب فسلم عليه، فقال له على: " وعليك، وإن كنت من المتربصين ". فقال: حاش لله يا أمير المؤمنين لست من أولئك. قال: فعل الله ذلك ". نصر، عن عمر بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن مخنف قال: دخلت مع أبى على على عليه السلام حين قدم من البصرة، وهو عام بلغت الحلم، فإذا بين يديه رجال يؤنبهم ويقول لهم: ما بطأ بكم عنى وأنتم أشراف قومكم ؟ والله لئن كان من ضعف النية وتقصير البصيرة ؟ إنكم لبور (5). والله لئن كان من شك في فضلى ومظاهرة على إنكم لعدو ". قالوا: حاش لله يا أمير المؤمنين، نحن سلمك وحرب عدوك. ثم اعتذر القوم، فمنهم من


(1) القنا: الرماح. والاستيساق: الاجتماع، وفعله لازم. وفي حديث أحد: " استوسقوا كما يستوسق جرب الغنم "، أي استجمعوا وانضموا. وبدلها في ح: " سيسرع فيها القتال ". (2) استغشه واغتشه: ظن به الغش، وهو خلافه استنصحه. وفي الأصل: " لا تستبشعوا غيبتى " صوابها في ح. (3) ذكره في لسان الميزان مصحفا برسم نمير بن دعلمة. (4) هو عامر بن شراحيل الحميرى أبو عمرو الكوفى، ثقة مشهور. روى عن أبى هريرة، وعائشة، وابن عباس وغيرهم. أو عنه ابن سيرين، والأعمش، وشعبة، وجابر الجعفي. لسان الميزان (6: 840). (5) البور بالضم: الهالك، يقال رجل بور، ورجلان بور، وقوم بور، وكذلك الأنثى.... اللسان. (*)

[ 8 ]

ذكر عذره، ومنهم من اعتل بمرض، ومنهم من ذكر غيبة. فنظرت إليهم فإذا عبد الله بن المعتم العبسى (1)، وإذا حنظلة بن الربيع التميمي - وكلاهما كانت له صحبة - وإذا أبو بردة بن عوف الأزدي، وإذا غريب بن شرحبيل الهمداني. قال: ونظر على إلى أبى فقال: " لكن مخنف بن سليم وقومه لم يتخلفوا، ولم يكن مثلهم مثل القوم الذين قال الله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معكم شهيدا. ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (2)) ". ثم إن عليا مكث بالكوفة، فقال الشنى في ذلك (3) شن بن عبد القيس: قل لهذا الإمام قد خبت الحر * ب وتمت بذلك النعماء وفرغنا من حرب من نقض العه‍ * د وبالشام حية صماء تنفث السم ما لمن نهشته، * فارمها قبل أن تعض، شفاء إنه والذى يحج له النا * س ومن دون بيته البيداء


(1) هو عبد الله بن المعتم، بضم الميم وسكون المهملة وفتح المثناة وتشديد الميم، قال ابن حجر: " له صحبة، وهو ممن تخلف عن على يوم الجمل... وقال أبو زكريا الموصلي في تاريخ الموصل: هو الذى فتح الموصل ". وفي ح: " عبيد الله " بالتصغير، محرف. انظر الإصابة 4957. (2) الآيتان 72، 73 من سورة النساء. (3) هو الأعور الشني، بشر بن منقذ، أحد بنى شن بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. قال الآمدي: " شاعر خبيث، وكان مع على رضى الله عنه يوم الجمل ". انظر المؤتلف 38، 60. (*)

[ 9 ]

لضعيف النخاع إن رمى اليو * م بخيل كأنها الأشلاء (1) جانحات تحت العجاج سخالا * مجهضات تخالها الأشلاء (2) تتبارى بكل أصيد كالفح‍ * ل بكفيه صعدة سمراء ثم لا ينثنى الحديد ولما * يخضب العاملين منها الدماء إن تذره (3) فما معاوية الده‍ * ر بمعطيك ما أراك تشاء ولنيل السماك أقرب من ذا * ك ونجم العيوق والعواء (4) فاضرب الحد والحديد (5) إليهم * ليس والله غير ذاك دواء حدثنا نصر عن أبى عبد الله سيف بن عمر، عن الوليد بن عبد الله، عن أبى طيبة (6)، عن أبيه قال: أتم على الصلاة يوم دخل الكوفة، فلما كانت الجمعة وحضرت الصلاة صلى بهم وخطب خطبة.


(1) أشلاء الانسان: أعضاؤه بعد البلى والتفرق. وقد مثل الخيل في تفرقها للغارة بالأعضاء المتناثرة. (2) جانحات: أراد أنها تكسر جوانح هذه السخال. والجوانح: الضلوع القصار التى في مقدم الصدر، والواحدة جانحة، يقال جنح البعير: انكسرت جوانحه من الحمل الثقيل. والسخال: جمع سخلة، وهى ولد الشاة من المعز والضأن ذكرا كان أو أنثى. ويقال أيضا في الخيل، كما هنا وكما في قول عبد الله بن عنمة: يطرحن سخل الخيل في كل منزل * تبين منه شقرها وورادها. انظر المفضلية (114: 9 طبع المعارف). وفي الأصل وح: " سحال " محرفة. والمجهضات: التى ألقيت لغير تمام ولما يستبن خلقها. والأسلاء: جمع سلى، وهو الجلدة الرقيقة التى يكون فيها الولد. وفي البيت إقواء. (3) في الأصل: " أو تذره "، صوابه من ح. (4) السماك والعيون والعواء: نجوم في السماء. ح: " ولنيل السماء ". (5) ح: " فأعد بالجد والحديد "، صواب هذه: " فاغد بالجد والحديد ". (6) أبو طيبة، بفتح المهملة بعدها مثناة تحتة ساكنة ثم باء موحدة، واسمه عبد الله بن مسلم السلمى المروزى، كان قاضيا بمرو. (*)

[ 10 ]

نصر: قال أبو عبد الله، عن سليمان بن المغيرة، عن على بن الحسين: خطبة على بن أبى طالب في الجمعة بالكوفة والمدينة: " إن الحمد لله، أحمده (1) وأستعينه وأستهديه، وأعوذ بالله من الضلالة. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، انتجبه (2) لأمره، واختصه بالنبوة، أكرم خلقه وأحبهم إليه، فبلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وأدى الذى عليه. وأوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله وأقربه لرضوان الله، وخيره في عواقب الأمور عند الله. وبتقوى الله أمرتم، وللإحسان والطاعة خلقتم. فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه، فإنه حذر بأسا شديدا. واخشوا الله خشية ليست بتعذير (3)، واعملوا في غير رياء ولا سمعة، فإن من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل له، ومن عمل لله مخلصا تولى الله أجره. وأشفقوا من عذاب الله، فإنه لم يخلقكم عبثا، ولم يترك شيئا من أمركم سدى، قد سمى آثاركم، وعلم أعمالكم، وكتب آجالكم. فلا تغروا بالدنيا فإنها غرارة بأهلها، مغرور من اغتر بها، وإلى فناء ما هي. وإن الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون. أسأل الله منازل الشهداء، ومرافقة الأنبياء، ومعيشة السعداء، فإنما نحن له وبه ". ثم إن عليا عليه السلام أقام بالكوفة، واستعمل العمال.


(1) ح: " الحمد الذى أحمده ". (2) في اللسان: " انتجب فلان فلانا، إذا استخلصه واصطفاه اختيارا على غيره ". ح: " انتخبه ". والانتخاب بالخاء: الاختيار. (3) التعذير: التقصير مع إظهار الاجتهاد. وفي الحديث: " جاء بطعام جشيب فكنا نعذر "، أي نقصر ونظهر أننا مجتهدون. (*)

[ 11 ]

نصر، عن عمر بن سعد قال: حدثنا يحيى بن سعيد، والصقعب بن زهير عن يوسف وأبى روق، أن عليا حين قدم من البصرة إلى الكوفة بعث يزيد بن قيس الأرحبى على المدائن وجوخا كلها. وقال أصحابنا: وبعث مخنف بن سليم على أصبهان وهمدان. نصر، عن محمد بن عبيد الله، عن الحكم، قال: لما هرب مخنف بالمال قال على عليه السلام: " عذرت القردان فما بال الحلم (1) ؟ ". ثم رجع إلى حديث عمر بن سعد، قال: وبعث قرظة بن كعب على البهقباذات (2)، وبعث قدامه بن مظعون الأزدي على كسكر، وعدى بن الحارث على مدينة بهرسير وأستانها (3)، وبعث أبا حسان البكري على أستان العالي (4)، وبعث سعد بن مسعود الثقفى على أستان الزوابى (5)،


(1) القردان: جمع قراد، بالضم. والحلم جنس منه صغار. قال الميداني: " وهذا قريب من قولهم: " استنت الفصال حتى القرعى ". وفي الأصل: " غددت القردان فما بال الحكم " محرف، وصواب النص من مجمع الأمثال (1: 443)، ولم يذكر نسبته إلى على. (2) هن ثلاث بهقباذات ذكرها ياقوت في معجمه. وبهقباذ، بالكسر ثم السكون وضم القاف وباء موحدة وألف وذال معجمة. ثلاث كور ببغداد منسوبة إلى قباذ بن فيروز والد أنو شروان. وفي الأصل: " البهقياذات " محرفة. (3) بهرسير، بالفتح ثم الضم وفتح الراء وكسر السين المهملة: من نواحى سواد بغداد. والأستان، قال العسكري: مثل الرستاق بالضم: السواد والقرى. انظر معجم البلدان (1: 223 س 12) والقاموس (رزدق ورستق). والأستان، بالضم، كما في القاموس. (4) في معجم البلدان: " الأستان العالي " وقال: كورة في غربي بغداد من السواد تشتمل على أربعة طساسيج: وهى الأنبار، وبادرويا، وقضربل، ومسكن. (5) الزوابى، بالزاى المعجمة، قال ياقوت: " في العراق أربعة أنهر، نهران فوق بغداد ونهران تحتها، يقال لكل واحد منها الزاب ". وقال في مادة " الزاب ": " وربما قيل لكن واحد زابى والتثنيه زابيان... وإذا جمعت قيل لها الزوابى ". وقد تكون: الروابي "، ففى المعجم: " روابي بنى تميم من نواحى الرقة. عن نصر ". (*)

[ 12 ]

واستعمل ربعى بن كاس على سجستان - وكاس أمه يعرف بها - وهو من بنى تميم. وبعث خليدا إلى خراسان، فسار خليد حتى إذا دنا من نيسابور بلغه أن أهل خراسان قد كفروا ونزعوا يدهم من الطاعة، وقدم عليهم عمال كسرى من كابل، فقاتل أهل نيسابور فهزمهم وحصر أهلها وبعث إلى على بالفتح والسبي، ثم صمد لبنات كسرى فنزلن على أمان، فبعث بهن إلى على عليه السلام، فلما قدمن عليه قال: أزوجكن ؟ قلن: لا، إلا أن تزوجنا ابنيك، فإنا لا نرى لنا كفوا غيرهما. فقال على عليه السلام: اذهبا حيث شئتما. فقام نرسا فقال: مر لى بهن، فإنها منك كرامة، فبيني وبينهن قرابة (1). ففعل فأنزلهن نرسا معه، وجعل يطعمهن ويسقيهن في الذهب والفضة، ويكسوهن كسوة الملوك، ويبسط لهن الديباج. وبعث على الأشتر على الموصل ونصيبين، ودارا، وسنجار، وآمد، وهيت، وعانات، وما غلب عليه من تلك الأرضين من أرض الجزيرة. وبعث معاوية بن أبى سفيان الضحاك بن قيس على ما في سلطانه من أرض الجزيرة، وكان في يديه حران والرقة والرها وقر قيسيا. وكان من كان بالكوفة والبصرة من العثمانية قد هربوا فنزلوا الجزيرة في سلطان معاوية، فخرج الأشتر وهو يريد الضحاك بن قيس بحران، فلما بلغ ذلك الضحاك بعث إلى أهل الرقة فأمدوه، وكان جل أهلها يومئذ عثمانية، فجاءوا وعليهم سماك بن مخرمة، وأقبل الضحاك يستقبل الأشتر، فالتقى الضحاك وسماك بن مخرمة، بمرج مرينا بين حران والرقة، فرحل الأشتر حتى نزل عليهم فاقتتلوا اقتتالا شديدا حتى كان عند المساء، فرجع الضحاك بمن معه فسار ليلته كلها حتى


(1) أشار ناسخ الأصل إلى أن في بعض النسخ: " لأن بينى وبينهن قرابة ". (*)

[ 13 ]

صبح بحران فدخلها، وأصبح الأشتر فرأى ما صنعوا فتبعهم حتى نزل عليهم بحران فحصرهم، وأتى الخبر معاوية فبعث إليهم عبد الرحمن بن خالد في خيل يغيثهم، فلما بلغ ذلك الأشتر كتب كتائبه، وعبى جنوده وخيله، ثم ناداهم الأشتر: ألا إن الحى عزيز، ألا إن الذمار منيع، ألا تنزلون أيها الثعالب الرواغة ؟ احتجرتم احتجار الضباب. فنادوا: يا عباد الله أقيموا قليلا، علمتم والله أن قد أتيتم. فمضى الأشتر حتى مر على أهل الرقة فتحرزوا منه، ثم مضى حتى مر على أهل قرقيسيا فتحرزوا منه، وبلغ عبد الرحمن بن خالد انصراف الأشتر فانصرف. فلما كان بعد ذلك عاتب أيمن بن خريم الأسدى معاوية، وذكر بلاء قومه بنى أسد [ في مرج (1) ] مرينا. وفي ذلك يقول: أبلغ أمير المؤمنين رسالة * من عاتبين مساعر أنجاد منيتهم، أن آثروك، مثوبة * فرشدت إذ لم توف بالميعاد أنسيت إذ في كل عام غارة * في كل ناحية كرجل جراد (2) غارات أشتر في الخيول يريدكم * بمعرة ومضرة وفساد وضع المسالح مرصدا لهلاككم * ما بين عانات إلى زيداد (3) وحوى رساتيق الجزيرة كلها * غصبا بكل طمرة وجواد لما رأى نيران قومي أوقدت * وأبو أنيس فاتر الإيقاد أمضى إلينا خيله ورجاله * وأغذ لا يجرى لأمر رشاد


(1) الكلمتان ساقطتان من الأصل. (2) الرجل، بالكسر: الجراد الكثير، وجمعه أرجال. (3) زيداد، لم أجد لها ذكرا في كتب البلدان، ولعلها " سنداد ". (*)

[ 14 ]

ثرنا إليهم عند ذلك بالقنا * وبكل أبيض كالعقيقة صاد (1) في مرج مرينا (2) ألم تسمع بنا * نبغى الإمام به وفيه نعادي لو لا مقام عشيرتي وطعانهم * وجلادهم بالمرج أي جلاد لأتاك أشتر مذحج لا ينثنى * بالجيش ذا حنق عليك وآد (3) نصر: عبد الله بن كردم بن مرثد، قال: لما قدم على عليه السلام حشر أهل السواد، فلما اجتمعوا أذن لهم، فلما رأى كثرتهم قال: إنى لا أطيق كلامكم، ولا أفقه عنكم، فأسندوا أمركم إلى أرضاكم في أنفسكم، وأعمه نصيحة لكم. قالوا: نرسا، ما رضى فقد رضيناه، وما سخط فقد سخطناه. فتقدم فجلس إليه فقال: أخبرني عن ملوك فارس كم كانوا ؟ قال: كانت ملوكهم في هذه المملكة الآخرة اثنين وثلاثين ملكا (4). قال: فكيف كانت سيرتهم ؟ قال: ما زالت سيرتهم في عظم أمرهم واحدة (5)، حتى ملكنا كسرى بن هرمز، فاستأثر بالمال والأعمال، وخالف أولينا، وأخرب الذى للناس، وعمر الذى له، واستخف بالناس، فأوغر نفوس فارس، حتى ثاروا عليه فقتلوه، فأرملت نساؤه ويتم أولاده. فقال: يا نرسا، إن الله عز وجل خلق الخلق بالحق، ولا يرضى من أحد إلا بالحق، وفي سلطان الله


(1) العقيقة: البرق إذا رأيته في وسط السحاب كأنه سيف مسلول. (2) شدد راء " مرينا " للشعر، وأصلها التخفيف كما في القاموس. ومرينا: فوم من أهل الحيرة من العباد. قال الجواليقى: " وليس مرينا بكلمة عربية ". وأنشد لامرئ القيس: فلو في يوم معركة أصيبوا * ولكن في ديار بنى مرينا (3) الآد والأيد: القوة (4) جعلهم المسعودي في التنبيه والإشراف 87 - 90 ثلاثين ملكا. وهم الساسانيون. (5) عظم الأمر بالضم والفتح: معظمه. (*)

[ 15 ]

تذكرة مما خول الله، وإنها لا تقوم مملكة إلا بتدبير، ولا بد من إمارة، ولا يزال أمرنا متماسكا ما لم يشتم آخرنا أولنا، فإذا خالف آخرنا أولنا وأفسدوا، هلكوا وأهلكوا. ثم أمر عليهم أمراءهم. ثم إن عليا عليه السلام بعث إلى العمال في الآفاق، وكان أهم الوجوه إليه الشام. نصر، عن محمد بن عبيد الله القرشى، عن الجرجاني قال: لما بويع على وكتب إلى العمال في الآفاق كتب إلى جرير بن عبد الله البجلى، وكان جرير عاملا لعثمان على ثغر همدان (1)، فكتب إليه مع زحر بن قيس الجعفي (2): " أما بعد فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال. وإنى أخبرك عن نبأ (3) من سرنا إليه من جموع طلحة والزبير، عند نكثهم بيعتهم (4)، وما صنعوا بعاملى عثمان بن حنيف (5). إنى هبطت من المدينة بالمهاجرين والأنصار، حتى إذا كنت بالعذيب بعثت إلى أهل الكوفة بالحسن بن على، وعبد الله بن عباس، وعمار بن ياسر، وقيس بن سعد بن عبادة، فاستنفروهم


(1) همدان، كذا وردت في الأصل وفي ح (1: 246). وهما لغتان في همذان. ولغة الإهمال هي الفارسية، وبالإعجام معربة. انظر معجم استينجاس 1509. (2) زحر، بفتح الزاى وسكون الحاء المهملة. وهو زحر بن قيس الكوفى الجعفي، أحد أصحاب على بن أبى طالب، أنزله المدائن في جماعة جعلهم هناك رابطة، روى عنه عامر الشعبى، وحصين بن عبد الرحمن. انظر تاريخ بغداد 4605. ح: " زجر " محرف. (3) ح: " عن أنباء ". (4) ح: " بيعتى ". (5) حنيف، بهيئة التصغير. وعثمان بن حنيف صحابي أنصارى، شهد أحدا، وكان على استعمله على البصرة قبل أن يقدم عليها فغلبه عليها طلحة والزبير. ومات في خلافة معاوية. الاصابة 5427. (*)

[ 16 ]

فأجابوا، فسرت بهم حتى نزلت بظهر البصرة فأعذرت في الدعاء، وأقلت العثرة، وناشدتهم عقد بيعتهم (1) فأبوا إلا قتالي، فاستعنت بالله عليهم، فقتل من قتل وولوا مدبرين إلى مصرهم، فسألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء، فقبلت العافية، ورفعت السيف، واستعملت عليهم عبد الله بن عباس، وسرت إلى الكوفة. وقد بعثت إليكم زحر (2) بن قيس، فاسأل (3) عما بدا لك ". قال: فلما قرأ جرير الكتاب قام فقال: أيها الناس، هذا كتاب أمير المؤمنين على بن أبى طالب، وهو المأمون على الدين والدنيا، وقد كان من أمره وأمر عدوه ما نحمد الله عليه. وقد بايعه السابقون الأولون (4) من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان. ولو جعل هذا الأمر شورى بين المسلمين كان أحقهم بها. ألا وإن البقاء في الجماعة، والفناء في الفرقة. وعلى (5) حاملكم على الحق ما استقمتم، فإن ملتم أقام ميلكم. فقال الناس: سمعا وطاعة، رضينا رضينا. فأجاب جرير وكتب جواب كتابه بالطاعة. وكان مع على رجل من طيئ، ابن أخت لجرير، فحمل زحر بن قيس شعرا له إلى خاله جرير، وهو: جرير بن عبد الله لا تردد الهدى * وبايع علينا إننى لك ناصح فإن عليا خير من وطئ الحصى * سوى أحمد والموت غاد ورائح


(1) ح: " عهد بيعتهم ". (2) في الأصل وح: " زجر " بالجيم، محرفة. (3) في ح: " فاسأله "، وفى الإمامة والسياسة (1: 78): " فاسأله عنا وعنهم ". (4) ح: (الناس الأولون ". (5) ح: " وإن عليا ". (*)

[ 17 ]

ودع عنك قول الناكثين فإنما * أولاك، أبا عمرو، كلاب نوابح وبايعه إن بايعته بنصيحة * ولا يك معها في ضميرك قادح (1) فإنك إن تطلب به الدين تعطه * وإن تطلب الدنيا فبيعك رابح وإن قلت عثمان بن عفان حقه * على عظيم والشكور مناصح فحق على إذ وليك كحقه، * وشكرك ما أوليت في الناس صالح (2) وإن قلت لا نرضى عليا إمامنا * فدع عنك بحرا ضل فيه السوائح أبى الله إلا أنه خير دهره * وأفضل من ضمت عليه الأباطح ثم قام زحر بن قيس خطيبا (3)، فكان مما حفظ من كلامه أن قال: " الحمد لله الذى اختار الحمد لنفسه وتولاه دون خلقه، لا شريك له في الحمد، ولا نظير له في المجد، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائم الدائم، إله السماء والأرض، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالنور الواضح (4) والحق الناطق، داعيا إلى الخير، وقائدا إلى الهدى ". ثم قال: " أيها الناس، إن عليا قد كتب إليكم كتابا لا يقال بعده إلا رجيع من القول، ولكن لا بد من رد الكلام. إن الناس بايعوا عليا بالمدينة من غير محاباة له بيعتهم،


(1) القادح، بالتاف: أصله الاكل يقع في الشجر والأسنان، والمراد به الغش والدخل. وفي اللسان: " قدح في ساق أخيه: غشه وعمل في شئ يكرهه ". وفي الأصل: " فادح " بالفاء، وهو الحمل الثقيل والنازلة تنزل بالمرء. والوجه ما أثبت من ح. (2) وليه، كرضيه: صار وليا له. وسكن الياء للشعر. (3) كذا في الأصل. وفي ح: " قال نصر: ثم إن جرير قام في أهل همدان خطيبا ". وعقب ابن أبى الحديد على هذه الخطبة والشعر الذى بعدها بقوله: " قال نصر: فسر الناس بخطبة جرير وشعره ". انظر ح (1: 247). وقد مضت خطبة لجرير في الصفحة السابقة فيصح ما هنا إن كان قد أشار إلى تلك الخطبة. (4) في الأصل: " بالحق الواضح " وأثبت ما في ح. (*)

[ 18 ]

لعلمه بكتاب الله وسنن الحق، وإن طلحة والزبير نقضا بيعته على غير حدث، وألبا عليه الناس، ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب، وأخرجا أم المؤمنين، فلقيهما فأعذر في الدعاء، وأحسن في البقية، وحمل الناس على ما يعرفون. هذا عيان ما غاب عنكم. ولئن سألتم الزيادة زدناكم، ولا قوة إلا بالله ". وقال جرير في ذلك: أتانا كتاب على فلم * نرد الكتاب، بأرض العجم ولم نعص ما فيه لما أتى * ولما نذم (1) ولما نلم ونحن ولاة على ثغرها * نضيم العزيز ونحمى الذمم نساقيهم الموت عند اللقاء * بكأس المنايا ونشفى القرم طحناهم طحنة بالقنا * وضرب سيوف تطير اللمم مضينا يقينا على ديننا * ودين النبي مجلى الظلم أمين الإله وبرهانه * وعدل البرية والمعتصم رسول المليك، ومن بعده * خليفتنا القائم المدعم عليا عنيت وصى النبي * نجالد عنه غواة الأمم له الفضل والسبق والمكرمات * وبيت النبوة لا يهتضم (2) وقال رجل (3): لعمر أبيك والأنباء تنمى * لقد جلى بخطبته جرير


(1) في الأصل: " ولما نضام "، صوابه من ح. (2) بعد هذا في ح، كما سبق: " قال نصر: فسر الناس بخطبة جرير وشعره ". (3) ح: وقال ابن الازور القسرى في جرير يمدحه بذلك " ق‍. (*)

[ 19 ]

وقال مقالة جدعت رجالا * من الحيين خطبهم كبير بدا بك قبل أمته على * ومخك إن رددت الحق رير (1) أتاك بأمره زحر بن قيس * وزحر بالتى حدثت خبير فكنت بما أتاك به سميعا * وكدت إليه من فرح تطير فأنت بما سعدت به ولى * وأنت لما تعد له نصير (2) ونعم المرء أنت له وزير * ونعم المرء أنت له أمير فأحرزت الثواب، ورب حاد * حدا بالركب ليس له بعير ليهنك ما سبقت به رجالا * من العلياء والفضل الكبير (3) وقال النهدي في ذلك: أتانا بالنبا زحر بن قيس * عظيم الخطب من جعف بن سعد (4) تخيره أبو حسن على * ولم يك زنده فيها بصلد رمى أعراض حاجته بقول * أخوذ للقلوب بلا تعد فسر الحى من يمن وأرضى * ذوى العلياء من سلفى معد (5)


(1) مخ رير: ذائب فاسد من الهزال. يقال مخ رار، ورير بالكسر، ورير بالفتح. وفي الأصل: " يزير " وفي ح: " وتفخر إن رددت الحق زير " كلاهما محرف، والصواب ما أثبت. (2) في الأصل: " بصير " بالباء، صوابه من ح. (3) تقرأ بالرفع عطفا على: " ما سبقت "، وبالجر عطفا على " العلياء "، وفي القراءة الأخيرة إقواء. (4) جعف، أراد " جعفى " وحقها أن تنتهى في الرسم بالياء، لكن كذا وردت في الأصل وح. وجعفى، بتشديد الياء، هم بنو سعد العشيرة بن مذحج، حى من اليمن. (5) يعنى ربيعة ومضر ابني نزار بن عدنان. (*)

[ 20 ]

ولم يك قبله فينا خطيب * مضى قبلى ولا أرجوه بعدى متى يشهد فنحن به كثير * وإن غاب ابن قيس غاب جدى (1) وليس بموحشى أمر إذا ما * دنا منى وإن أفردت وحدي له دنيا يعاش بها ودين * وفي الهيجا كذى شبلين ورد قال: ثم أقبل جرير سائرا من ثغر همدان (2) حتى ورد على على عليه السلام بالكوفة، فبايعه ودخل فيما دخل فيه الناس، من طاعة على، واللزوم لأمره. ثم بعث إلى الأشعث بن قيس الكندى. نصر: محمد بن عبيد الله، عن الجرجاني قال: لما بويع على وكتب إلى العمال، كتب إلى الأشعث بن قيس مع زياد بن مرحب الهمداني، والأشعث على أذربيجان عامل لعثمان، وقد كان عمرو بن عثمان تزوج ابنة الأشعث بن قيس قبل ذلك، فكتب إليه على: " أما بعد، فلولا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس، ولعل أمرك يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله ثم إنه كان من بيعة الناس إياى ما قد بلغك، وكان طلحة والزبير ممن بايعانى ثم نقضا بيعتى على غير حدث وأخرجا أم المؤمنين وسارا إلى البصرة، فسرت إليهما فالتقينا، فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه فأبوا، فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقية. وإن عملك ليس لك بطعمة، ولكنه أمانة. وفي يديك


(1) الجد، ها هنا: الحظ. (2) كذا وردت بإهمال الدال، كما هو أصلها الفارسى. انظر التنبيه 1 ص 15. (*)

[ 21 ]

مال من مال الله، وأنت من خزان الله عليه حتى تسلمه إلى، ولعلى ألا أكون شر ولاتك لك إن استقمت. ولا قوة إلا بالله ". فلما قرأ الكتاب قام زياد بن مرحب (1) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس، إن من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير، إن أمر عثمان لا ينفع فيه العيان، ولا يشفى منه الخبر، غير أن من سمع به ليس كمن عاينه. إن الناس بايعوا عليا راضين به، وأن طلحة والزبير نقضا بيعته على غير حدث، ثم أذنا بحرب فأخرجا أم المؤمنين، فسار إليهما فلم يقاتلهم وفي نفسه منهم حاجة، فأورثه الله الأرض وجعل له عاقبة المتقين ". ثم قام الأشعث بن قيس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس إن أمير المؤمنين عثمان ولانى أذربيجان، فهلك وهى في يدى، وقد بايع الناس عليا، وطاعتنا له كطاعة من كان قبله. وقد كان من أمره وأمر طلحة والزبير ما قد بلغكم. وعلى المأمون على ما غاب عنا وعنكم من ذلك الأمر ". فلما أتى منزله دعا أصحابه فقال: إن كتاب على قد أوحشني، وهو آخذ بمال أذربيجان (2)، وأنا لاحق بمعاوية. فقال القوم: الموت خير لك من ذلك. أتدع مصرك وجماعة قومك وتكون ذنبا لأهل الشام ؟ ! فاستحيا فسار حتى قدم على على، فقال السكوني - وقد خاف أن يلحق بمعاوية: إنى أعيذك بالذى هو مالك * بمعاذة الآباء والأجداد


(1) في الإمامة والسياسة 1: 79: " زياد بن كعب ". (2) في الإمامة والسياسة: " وهو آخذى بمال أذربيجان ". (*)

[ 22 ]

مما يظن بك الرجال، وإنما * ساموك خطة معشر أوغاد إن اذربيجان التى مزقتها * ليست لجدك فاشنها ببلاد (1) كانت بلاد خليفة ولا كها * وقضاء ربك رائح أو غاد فدع البلاد فليس فيها مطمع * ضربت عليك الأرض بالأسداد (2) فادفع بمالك دون نفسك إننا * فادوك بالأموال والأولاد أنت الذى تثنى الخناصر دونه * وبكبش كندة يستهل الوادي ومعصب بالتاج مفرق رأسه * ملك لعمرك راسخ الأوتاد وأطع زيادا إنه لك ناصح * لا شك في قول النصيح زياد وانظر عليا إنه لك جنة * ترشد ويهدك للسعادة هاد (3) ومما كتب به إلى الأشعث: أبلغ الأشعث المعصب بالتا ج غلاما حتى علاه القتير (4) يا ابن آل المرار من قبل الأ م وقيس أبوه غيث مطير (5) قد يصيب الضعيف ما أمر الله ويخطى المدرب النحرير قد أتى قبلك الرسول جريرا * فتلقاه بالسرور جرير وله الفضل في الجهاد وفي الهج‍ رة والدين، كل ذاك كثير إن يكن حظك الذى أنت فيه * فحقير من الحظوظ صغير


(1) اشنها، أراد اشنأها ثم حذف الهمزة وعامله معاملة المعتل. والشناءة والشنآن: البغض (2) أي سد عليه الطريق فعميت مذاهبه، وواحد الأسداد سد. (3) في الأصل: " يرشد ويهديك للسعادة " محرف. (4) القتير: الشيب، أو أول ما يظهر منه. يقول: كان ملكا من صباه إلى مشيبه. (5) أبوه، على الالتفات. ولو لم يلتفت لقال: " أبوك ". (*)

[ 23 ]

يا ابن ذى التاج والمبجل من كن‍ دة، ترضى بأن يقال أمير ؟ أذربيجان حسرة فذرنها * وابغين الذى إليه تصير واقبل اليوم ما يقول على * ليس فيما يقوله تخيير واقبل البيعة التى ليس للنا س سواها من أمرهم قطمير عمرك اليوم قد تركت عليا * هل له في الذى كرهت نظير ومما قيل على لسان الأشعث: أتانا الرسول رسول على * فسر بمقدمه المسلمونا رسول الوصي وصى النبي * له الفضل والسبق في المؤمنينا بما نصح الله والمصطفى * رسول الإله النبي الأمينا يجاهد في الله، لا ينثنى، جميع الطغاة مع الجاحدينا (1) وزير النبي وذو صهره * وسيف المنية في الظالمينا وكم بطل ماجد قد أذاق * منية حتف، من الكافرينا وكم فارس كان سال النزال * فآب إلى النار في الآئبينا (2) فذاك على إمام الهدى * وغيث البرية والمقحمينا (3) وكان إذا ما دعا للنزال كليث عرين يزين العرينا (4)


(1) جاهد العدو: قاتله. وفي الكتاب: (جاهد الكفار والمنافقين). (2) سال: مخفف سأل. قال حسان (انظر ديوانه 67 والكامل 288 ليبسك): سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هذيل بما سالت ولم تصب (3) المقحمون: الذين أصابتهم السنة والجدب، فأخرجتهم من البادية وأقحمتهم الحضر. وفى الأصل: " المفخمينا " محرفة. (4) في الأصل: " بن ليث العرينا " وهو تحريف. (*)

[ 24 ]

أجاب السؤال بنصح ونصر * وخالص ود على العالمينا فما زال ذلك من شأنه * ففاز وربى مع الفائزينا ومما قيل على لسان الأشعث أيضا: أتانا الرسول رسول الوصي * على المهذب من هاشم رسول الوصي وصى النبي * وخير البرية من قائم وزير النبي وذو صهره * وخير البرية في العالم له الفضل والسبق بالصالحات * لهدى النبي به يأتمى (1) محمدا اعني رسول الإله * وغيث البرية والخاتم أجبنا عليا بفضل له * وطاعة نصح له دائم فقيه حليم له صولة * كليث عرين بها سائم حليم عفيف وذو نجدة * بعيد من الغدر والماثم وأنه قدم على على بن أبى طالب عليه السلام بعد قدومه الكوفة، الأحنف بن قيس، وجارية بن قدامة، وحارثة بن بدر، وزيد بن جبلة، وأعين بن ضبيعة، وعظيم الناس بنو تميم، وكان فيهم أشراف، ولم يقدم هؤلاء على عشيرة من أهل الكوفة، فقام الأحنف بن قيس، وجارية بن قدامة، وحارثة بن بدر، فتكلم الأحنف فقال: " يا أمير المؤمنين، إنه إن تك سعد لم تنصرك يوم الجمل فإنها لم تنصر عليك. وقد عجبوا أمس ممن نصرك وعجبوا اليوم ممن خذلك، لأنهم شكوا في طلحة والزبير، ولم يشكوا في معاوية. وعشيرتنا بالبصرة، فلو بعثنا إليهم فقدموا إلينا فقاتلنا بهم العدو


(1) يأتمى، أراد يأتمم أي يأتم، فقلب إحدى الميمين ياء، وكذلك يفعلون، كما قالوا في التظنن التظنى، وفي التنصص التقصى. وفي الأصل: " يأتم " محرفة. (*)

[ 25 ]

وانتصفنا بهم، وأدركوا اليوم ما فاتهم أمس ! ". قال على لجارية بن قدامة - وكان رجل تميم بعد الأحنف -: ما تقول يا جارية ؟ قال: " أقول هذا جمع حشره الله لك بالتقوى، ولم تستكره فيه شاخصا، ولم تشخص فيه مقيما. والله لو لا ما حضرك فيه من الله لغمك سياسته، وليس (1) كل من كان معك نافعك، ورب مقيم خير من شاخص، ومصراك خير لك، وأنت أعلم ". فكأنه [ بقوله ]: " كان معك " ربما كره إشخاص قومه عن البصرة (2). وكان حارثة بن بدر أسد الناس رأيا عند الأحنف (3)، وكان شاعر بنى تميم وفارسهم، فقال على: ما تقول يا حارثة ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنا نشوب الرجاء بالمخافة. والله لوددت أن أمواتنا (4) رجعوا إلينا فاستعنا بهم على عدونا. ولسنا نلقى القوم بأكثر من عددهم، وليس لك إلا من كان معك، وإن لنا في قومنا عددا لا نلقى بهم عدوا أعدى من معاوية، ولا نسد بهم ثغرا أشد من الشام، وليس بالبصرة بطانة نرصدهم لها، ولا عدو نعدهم له. ووافق الأحنف في رأيه، فقال على للأحنف: اكتب إلى قومك. فكتب الأحنف إلى بنى سعد:


(1) في الأصل: " وليس كل من كان معك " والتكملة من الإمامة والسياسة لابن تتيبة 1: 75، وقد سقطت منها كلمة " ليس ". (2) في الأصل: " فكأنه كان معك وربما كره... الخ "، والوجه فيما أثبت. (3) أسد، من سداد الرأى، وهو استتامته وصحته. وفي الأصل: " أشد " بالمعجمة، تحريف. (4) في الأصل: " أمراءنا " وصوابه من الإمامة والسياسة. (*)

[ 26 ]

" أما بعد فإنه لم يبق أحد من بنى تميم إلا وقد شقوا برأى سيدهم غيركم شقيت سعد بن خرشة برأى ابن يثربى، وشقيت حنظلة برأى لحيان (1)، وشقيت عدى برأى زفر ومطر، وشقيت بنو عمرو بن تميم برأى عاصم بن الدلف، وعصمكم الله برأيى لكم حتى نلتم ما رجوتم، وأمنتم ما خفتم، وأصبحتم منقطعين من أهل البلاء، لاحقين بأهل العافية. وإنى أخبركم أنا قدمنا على تميم الكوفة فأخذوا علينا بفضلهم مرتين: بمسيرهم إلينا مع على، وميلهم إلى المسير إلى الشام. ثم أخمروا (2) حتى صرنا كأنا لا نعرف إلا بهم، فأقبلوا إلينا ولا تتكلوا عليهم، فإن لهم أعدادنا من رؤسائهم، وحنانا أن تلحق (3) فلا تبطئوا، فإن من العطاء حرمانا، ومن النصر خذلانا. فحرمان العطاء القلة، وخذلان النصر الإبطاء، ولا تقضى الحقوق إلا بالرضا، وقد يرضى المضطر بدون الأمل ". وكتب معاوية بن صعصعة، وهو ابن أخى الأحنف: تميم بن مر إن أحنف نعمة * من الله لم يخصص بها دونكم سعدا وعم بها من بعدكم أهل مصركم * ليالى ذم الناس كلهم الوفدا سواه لقطع الحبل عن أهل مصره * فأمسوا جميعا آكلين بن رغدا وإعظامه الصاع الصغير وحذفه * من الدرهم الوافى يجوز له النقدا وكان لسعد رأيه أمس عصمة * فلم يخط لا الإصدار فيهم ولا الوردا


(1) في الأصل: " الحيان ". (2) أخمروا، من الإخمار، وهو الستر. أي غلبوا عليهم. وفي الأصل: " ثم أحمسوا "، وفي الإمامة والسياسة: " ثم انحشرنا معهم ". (3) كذا. ولعلها: " وجنانا لن نلحق ". جعلهم كالجن. والجنان: جمع جان. (*)

[ 27 ]

وفي هذه الأخرى له مخض زبدة * سيخرجها عفوا فلا تعجلوا الزبدا ولا تبطئوا عنه وعيشوا برأيه * ولا تجعلوا مما يقول لكم بدا أليس خطيب القوم في كل وفدة * وأقربهم قربا وأبعدهم بعدا وإن عليا خير حاف وناعل * فلا تمنعوه اليوم جهدا ولا جدا يحارب من لا يحرجون بحربه * ومن لا يساوى دينه كله ردا (1) ومن نزلت فيه ثلاثون آية * تسمية فيها مؤمنا مخلصا فردا سوى موجبات جئن فيه وغيرها * بها أوجب الله الولاية والودا فلما انتهى كتاب الأحنف وشعر معاوية بن صعصعة إلى بنى سعد ساروا بجماعتهم حتى نزلوا الكوفة، فعزت بالكوفة وكثرت، ثم قدمت عليهم ربيعة - ولهم حديث - وابتدأ خروج جرير إلى معاوية. نصر: عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة، عن عامر الشعبى، أن عليا عليه السلام حين قدم من البصرة نزع جريرا همدان، فجاء حتى نزل الكوفة، فأراد على أن يبعث إلى معاوية رسولا فقال له جرير: ابعثنى إلى معاوية، فإنه لم يزل لى مستنصحا وودا (2)، فآتيه (3) فأدعوه على أن يسلم لك هذا الأمر، ويجامعك على الحق، على أن يكون أميرا من أمرائك، وعاملا من عمالك، ما عمل بطاعة الله، واتبع ما في كتاب الله، وأدعو أهل الشام إلى طاعتك


(1) الرد: الزائف من الدراهم. وفي الأصل: " ريدا "، ولا وجه له. (2) الود، بكسر الواو: الصديق، كالحب بمعنى المحبوب. والود، بضم الواو: الصديق، على حذف المضاف. وجاء في اللسان: " وفى حديث ابن عمر: إن أبا هذا كان ودا لعمر. هو على حذف المضاف، تقديره كان ذا ود لعمر، أي صديقا ". (3) في الأصل: " نأتيه "، تحريف. وفي ح (1: 247): " آتيه ". (*)

[ 28 ]

و ولايتك، وجلهم (1) قومي وأهل بلادي، وقد رجوت ألا يعصونى. فقال له الأشتر: لا تبعثه ودعه، ولا تصدقه، فو الله إنى لأظن هواه هواهم، ونيته نيتهم. فقال له على: دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا. فبعثه على عليه السلام وقال له حين أراد أن يبعثه: إن حولي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الدين والرأى من قد رأيت، وقد اخترتك عليهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك: " إنك من خير ذى يمن (2) ". ايت معاوية بكتابي، فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون وإلا فانبذ إليه (3)، وأعلمه أنى لا أرضى به أميرا، وأن العامة لا ترضى به خليفة ". فانطلق جرير حتى أتى الشام ونزل بمعاوية، فدخل عليه فحمد الله وأثنى عليه وقال: " أما بعد يا معاوية فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين (4) وأهل الحجاز، وأهل اليمن، وأهل مصر، وأهل العروض وعمان، وأهل البحرين واليمامة، فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التى أنت فيها، لو سال عليها سيل من أوديته غرقها. وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة هذا الرجل ". ودفع إليه كتاب على بن طالب، وفيه:


(1) ح: " فجلهم " بالفاء. (2) من خير ذى يمن: أي من خير اليمن. وفي اللسان (20: 349): " ويقال أتينا ذا يمن، أي أتينا اليمن ". (3) النبذ: أن يكون بينه وبين قوم هدنة فيخاف منهم نقض العهد، فيلقى إليهم أنه قد نقض ما بينه وبينهم قبل أن يفجأهم بالقتال. ومنه قول الله: (وإما تخافن من قوم خيانة فانيذ إليهم على سواء). (4) الحرمان: مكة والمدينة. والمصران: البصرة والكوفة. (*)

[ 29 ]

بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن بيعتى بالمدينة لزمتك وأنت بالشام (1)، لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد. وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما (2) كان ذلك لله رضا، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه (3) الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا. وإن طلحة والزبير بايعانى ثم نقضا بيعتى، وكان نقضهما كردهما، فجاهدتهما. على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب الأمور إلى فيك العافية، إلا أن تتعرض للبلاء. فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت الله (4) عليك. وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على كتاب الله. فأما تلك التى تريدها فخدعة الصبى عن اللبن. ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان. واعلم أنك من الطلقاء (5) الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشورى. وقد أرسلت إليك


(1) في الأصل: ".. بيعتى لزمتك بالمدينة وأنت بالشام "، والوجه ما أثبت من ح. (1: 248). (2) ح: " إذا اجتمعوا على رجل وسموه إماما). (3) في الأصل: " ووليه "، وأثبت الصواب من ح. (4) ح: " بالله ". (5) الطلقاء: جمع طليق، وهو الأسير الذى أطلق عنه إساره وخلى سبيله. ويراد بهم الذين خلى عنهم رسول الله يوم فتح مكة وأطلقهم ولم يسترقهم. (*)

[ 30 ]

وإلى من قبلك (1) جرير بن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة. فبايع ولا قوة إلا بالله ". فلما قرأ الكتاب قام جرير فقال: الحمد لله المحمود بالعوائد (2)، المأمول منه الزوائد، المرتجى منه الثواب المستعان على النوائب. أحمده وأستعينه في الأمور التى تخير دونها الألباب، وتضمحل عندها الأسباب (3). وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، كل شئ هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بعد الفترة، وبعد الرسل الماضية (4) والقرون الخالية (5)، والأبدان البالية، والجبلة الطاغية، فبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وأدى الحق الذى استودعه الله وأمره بأدائه إلى أمته. صلى الله عليه وسلم من مبتعث ومنتجب (6). ثم قال: أيها الناس، إن أمر عثمان قد أعيا من شهده، فما ظنكم بمن غاب عنه. وإن الناس بايعوا عليا غير واتر ولا موتور، وكان طلحة والزبير ممن بايعه ثم نكثا بيعته على غير حدث. ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن


(1) كلمة: " وإلى من قبلك " ساقطة من ح. (2) العوائد: جمع عائدة، وهى المعروف، والصلة، والفضل. (3) الأسباب: جمع سبب، وهو كل ما يتوصل به إلى غيره. وفي الأصل: " الأرباب " ولا وجه له. وهذه الجملة ساقطة من ح. (4) ح: " بعد فترة من الرسل الماضية ". (5) الكلام بعد هذه الكلمة إلى: " الطاغية " ليس في ح. (6) منتجب، بالجيم: مختار. وانظر ما سبق في ص 10. ح: " من رسول ومبتعث ومنتخب ". (*)

[ 31 ]

ألا وإن العرب لا تحتمل السيف (1). وقد كانت بالبصرة أمس ملحمة إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس. وقد بايعت العامة (2) عليا. ولو ملكنا الله أمورنا (3) لم نختر لها غيره، ومن خالف هذا استعتب (4). فادخل يا معاوية فيما دخل فيه الناس. فإن قلت: استعملني عثمان ثم لم يعزلني، فإن هذا أمر لو جاز لم يقم لله دين، وكان لكل امرئ ما في يديه. ولكن الله لم يجعل للآخر من الولاة حق الأول، وجعل تلك أمورا موطأة، وحقوقا ينسخ بعضها بعضا. [ ثم قعد ]، فقال معاوية: انظر وننظر، واستطلع رأى أهل الشام. فلما فرغ جرير من خطبته أمر معاوية (5) مناديا فنادى: الصلاة جامعة. فلما اجتمع الناس صعد المنبر ثم قال: الحمد لله الذى جعل الدعائم للإسلام أركانا، والشرائع للإيمان برهانا، يتوقد قبسه (6) في الأرض المقدسة التى جعلها الله محل الأنبياء والصالحين من عباده، فأحلها أهل الشام (7)، ورضيهم لها ورضيها لهم، لما سبق من مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم خلفاءه والقوام بأمره، والذابين عن دينه


(1) ما بعد: " الفتن " إلى هنا ليس في ح. (2) ح: " الأمة ". (3) ح: " ولو ملكنا الله الأمور ". (4) استعتب: استقال مما فرط منه. (5) بدلها في ح: " فمضت أيام وأمر معاوية ". (6) القبس: النار، أو الشعلة منها. وفي الأصل: " قابسه " صوابه من ح. (7) أي أحل الأرض المقدسة أهل الشام. وفي ح: " فأحلهم أرض الشام ". وما في الأصل أولى وأقوى. (*)

[ 32 ]

وحرماته. ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما، وفي سبيل الخيرات أعلاما، يردع الله بهم الناكثين، ويجمع بهم ألفة المؤمنين. والله نستعين على ما تشعب من أمر المسلمين بعد الالتئام، وتباعد بعد القرب. اللهم انصرنا على أقوام يوقظون نائمنا، ويخيفون آمننا، ويريدون هراقة دمائنا (1)، وإخافة سبيلنا وقد يعلم الله أنا لم نرد بهم عقابا (2)، ولا نهتك لهم حجابا، ولا نوطئهم زلقا. غير أن الله الحميد كسانا من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا ما جاوب الصدى، وسقط الندى، وعرف الهدى. حملهم على خلافنا البغى والحسد، فالله نستعين عليهم (3). أيها الناس، قد علمتم أنى خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأنى خليفة عثمان بن عفان عليكم (4)، وأنى لم أقم رجلا منكم على خزاية قط (5)، وأنى ولى عثمان وقد قتل مظلوما. والله يقول: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا). وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان ". فقام أهل الشام بأجمعهم فأجابوا إلى الطلب بدم عثمان (6)، وبايعوه على ذلك، وأوثقوا له على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم أو يدركوا بثأره، أو يفنى الله أرواحهم (7). فلما أمسى معاوية وكان قد اغتم بما هو فيه، قال نصر:


(1) الهراقة، بكسر الهاء: الإراقة، كما في نص القاموس. وضبطت في اللسان ضبط قلم مرة بالكسر ومرة بالفتح، والأخيرة ليست من الصواب. (2) ح: " لا نريد لهم عقابا ". (3) ح: " حملهم على ذلك البغى والحسد فتستعين الله عليهم ". (4) ح: " وأمير المؤمنين عثمان بن عفان عليكم ". (5) الخزاية، بالفتح: الاستحياء. أراد عمل ما يستحيا منه. (6) في الأصل: " إلى دم عثمان " وأنبت ما في ح. (7) في الأصل: " يغنى "، بالغين المعجمة، تحريف. وفي ح: " أو تلحق أرواحهم بالله ". (*)

[ 33 ]

فحدثني محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال: لما جن معاوية الليل واغتم وعنده أهل بيته، قال: تطاول ليلى واعترتنى وساوسى لآت أتى بالترهات البسابس (1) أتانا جرير والحوادث جمة * بتلك التى فيها اجتداع المعاطس (2) أكابده والسيف بينى وبينه * ولست لأثواب الدنى بلابس (3) إن الشام أعطت طاعة يمنية * تواصفها أشياخها في المجالس فإن يجمعوا أصدم عليا بجبهة (4) * تفت عليه كل رطب ويابس وإنى لأرجو خير ما نال نائل * وما أنا من ملك العراق بآيس وإلا يكونوا عند ظنى بنصرهم * وإن يخلفوا ظنى كف عابس (5) نصر، قال: حدثنى محمد بن عبيد الله، عن الجرجاني قال: واستحثه جرير بالبيعة، فقال: يا جرير، إنها ليست بخلسة، وإنه أمر له ما بعده، فأبلعنى ريقي حتى أنظر. ودعا ثقاته فقال له عتبة بن أبى سفيان - وكان نظيره -: اجتمعن على هذا الأمر بعمرو بن العاص، وأثمن له بدينه فإنه من قد عرفت، وقد اعتزل أمر عثمان في حياته وهو لأمرك أشد اعتزالا إن ير فرصة (6).


(1) الترهات البسابس: الباطل. وربما قالوا ترهات البسابس، بالإضافة. (2) اجتداع المعاطس: أي قطع الأنوف، وذاك علامة الإذلال. (3) أكابده: من قولهم كابد الأمر مكابدة وكبادا: قاساه. ح: " أكايده " بالمثناة التحتية. وفي اللسان: " وكل شئ تعالجه فأنت تكيده ". (4) قال ابن أبى الحديد: " الجبهة ههنا الخيل ". وقال ابن منظور: " الجبهة الخيل لا يفرد لها واحد ". (5) كذا ورد البيت في الأصل. وهو ساقط من ح. (6) ح: " أشد اعتزالا إلا أن يثمن له دينه ". (*)

[ 34 ]

مبتدأ حديث عمرو بن العاص نصر، عن عمر بن سعد ومحمد بن عبيد الله قالا: كتب معاوية إلى عمرو وهو بالبيع (1) من فلسطين: " أما بعد فإنه كان من أمر على وطلحة والزبير ما قد بلغك. وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة (2)، وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة على، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني. أقبل أذاكرك أمرا (3) ". قال: فلما قرئ الكتاب على عمرو استشار ابنيه عبد الله ومحمدا فقال: ابني، ما تريان ؟ فقال عبد الله: أرى أن نبى الله صلى الله عليه وآله قبض وهو عنك راض، والخليفتان من بعده، وقتل عثمان وأنت عنه غائب. فقر في منزلك فلست مجعولا خليفة، ولا تريد أن تكون (4) حاشية لمعاوية على دنيا قليلة، أوشك أن تهلك فتشقى فيها (5). وقال محمد: أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها، وإن تصرم هذا الأمر وأنت فيه خامل (6) تصاغر أمرك، فالحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من أياديها، واطلب بدم عثمان، فإنك قد استنمت فيه إلى بنى أمية (7). فقال عمرو: أما أنت


(1) كذا في الأصل. (2) ح (1: 136): " في نفر من أهل البصرة ". (3) ح: " أذا كرك أمورا لا تعدم صلاح مغبتها إن شاء الله ". (4) ح: " ولا تزيد على أن تكون حاشية ". (5) ح: " أوشكتما أن تهلكا فتساويا في عقابها ". (6) ح: " غافل ". (7) استنام: سكن. وفي الأصل: " استلمت "، وفي ح: " فإنه سيقوم بذلك بنو أمية ". (*)

[ 35 ]

يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لى في دينى، وأما أنت يا محمد فأمرتني بما هو خير لى في دنياى، وأنا ناظر فيه، فلما جنة الليل رفع صوته وأهله ينظرون (1) إليه فقال: تطاول ليلى للهموم الطوارق * وخول التى تجلو وجوه العواتق (2) وإن ابن هند سائلي أن أزوره * وتلك التى فيها بنات البوائق (3) أتاه جرير من على بخطة * أمرت عليه العيش ذات مضائق فإن نال منى ما يؤمل رده * وإن لم ينله ذل ذل المطابق (4) فوالله ما أدرى وما كنت هكذا * أكون، ومهما قادني فهو سابقى (5) أخادعه إن الخداع دنية * أم اعطيه من نفسي نصيحة وامق أو اقعد في بيتى وفي ذاك راحة * لشيخ يخاف الموت في كل شارق وقد قال عبد الله قولا تعلقت * به النفس إن لم يعتلقنى عوائقي (6) وخالفه فيه أخوه محمد * وإنى لصلب العود عند الحقائق (7) فقال عبد الله: ترحل الشيخ (8). قال: ودعا عمرو غلاما له يقال له وردان، وكان داهيا ماردا، فقال: ارحل يا وردان. ثم قال: حط يا وردان


(1) ح: " وأهله يسمعون ". (2) خول: ترخيم خولة لغير نداء، وهى من أعلامهن. والعانق: الشابة أول ما تدرك. (3) البوائق: الدواهي، جمع بائقة. ح: " سألني أن أزوره ". (4) المطابق من المطابقة، وهى المشى في القيد. (5) ح: " فهو سابقى ". (6) ح: " تقتطعنى عوائقي ". (7) الحقيقة: ما يحق على المرء أن يحميه. (8) ترحل: ارتحل. أراد أنه استعد للرحيل إلى الدار الآخرة. ح: " رحل الشيخ ". (*)

[ 36 ]

[ ثم قال: ارحل يا وردان، احطط يا وردان (1) ]. فقال له وردان: خلطت أبا عبد الله، أما إنك إن شئت أنبأتك بما نفسك. قال: هات ويحك. قال: اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت: على معه الآخرة في غير دنيا، وفي الآخرة عوض الدنيا، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة، وليس في الدنيا عوض من الآخرة، فأنت واقف بينهما. قال: فإنك والله (2) ما أخطأت، فما ترى يا وردان ؟ قال: أرى أن تقيم في بيتك، فإن ظهر أهل الدين عشت [ في ] عفو دينهم (3) وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك. قال: الآن لما شهدت العرب مسيرى إلى معاوية (4) ؟ فارتحل وهو يقول: يا قاتل الله وردانا وقدحته * أبدى لعمرك ما في النفس وردان (5) لما تعرضت الدنيا عرضت لها * بحرص نفسي وفي الأطباع إدهان (6) نفس تعف وأخرى الحرص يغلبها ؟ (7) * والمرء يأكل تبنا وهو غرثان أما على فدين ليس يشركه * دنيا وذاك له دنيا وسلطان فاخترت من طمعي دنيا على بصر * وما معى بالذى أختار برهان إنى لأعرف ما فيها وأبصره * وفي أيضا لما أهواه ألوان لكن نفسي تحب العيش في شرف * وليس يرضى بذل العيش إنسان أمر لعمر أبيكم غير مشتبه * والمرء يعطس والوسنان وسنان


(1) التكملة من ح والإمامة والسياسة (1: 83). (2) ح: " قاتلك الله ؟ ؟ ". (3) العفو: الفضل. وكلمة: " في " ليست في الأصل، وهى ثابتة في ح. (4) في الإمامة والسياسة: " الآن حين شهرتني العرب بمسيرى إلى معاوية ". (5) في الأصل: " ومزحته "، صوابه من ح واللسان " قدح ". والقدحة، بالكسر. من قولهم اقتدح الأمر: دبره ونظر فيه. (6) الإدهان: المصانعة والغش واللين. (7) في الأصل: " يقلبها "، والصواب من ح. (*)

[ 37 ]

فسار حتى قدم إلى معاوية وعرف حاجة معاوية إليه، فباعد [ ه من نفسه ] وكايد كل واحد منهما صاحبه، فلما دخل عليه قال: يا أبا عبد الله، طرقتنا في ليلتنا هذه ثلاثة أخبار ليس منها ورد ولا صدر. قال: وما ذاك ؟ قال: ذاك أن محمد بن أبى حذيفة قد كسر سجن مصر فخرج هو وأصحابه، وهو من آفات هذا الدين. ومنها أن قيصر زحف بجماعة الروم إلى ليتغلب على الشام. ومنها أن عليا نزل الكوفة متهيئا للمسير إلينا. قال: ليس كل ما ذكرت عظيما. أما ابن أبى حذيفة فما يتعاظمك من رجل خرج في أشباهه أن تبعث إليه خيلا تقتله أو تأتيك به، وإن فاتك لا يضرك. وأما قيصر فأهد له من وصفاء الروم ووصائفها، وآنية الذهب والفضة، وسله الموادعة، فإنه إليها سريع. وأما على فلا والله يا معاوية ما تسوى (1) العرب بينك وبينه في شئ من الأشياء، وإن له في الحرب لحظا (2) ما هو لأحد من قريش، وإنه لصاحب ما هو فيه إلا أن تظلمه. نصر: عمر بن سعد بإسناده قال: قال معاوية لعمرو: يا أبا عبد الله، إنى أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذى عصى ربه وقتل الخليفة (3)، وأظهر الفتنة، وفرق الجماعة، وقطع الرحم. قال عمرو: إلى من ؟ قال: إلى جهاد على، قال: فقال عمرو: والله يا معاوية ما أنت وعلى بعكمى بعير (4)، مالك هجرته


(1) في الأصل: " تستوى " والوجه ما أثبت. (2) وقد تقرأ: " لحظا " باللام الداخلة على: " حظا "، وانظر ما سيأتي في كلام عمرو لمعاوية ص 38 س 2. (3) يعنى عثمان بن عفان. (4) يقال: هما كعكمى البعير، للرجلين يتساويان في الشرف. والعكمان: عدلان يشدان على جانبى الهودج بثوب. وفي اللسان (15: 309) وأمثال الميداني (2: 289) والحيوان (3: 10): " كعكمى عير ". (*)

[ 38 ]

ولا سابقته، ولا صحبته ولا جهاده، ولا فقهه وعلمه.. والله إن له مع ذلك حدا وجدا (1)، وحظا وحظوة، وبلاء من الله حسنا، فما تجعل لى إن شايعنك على حربه، وأنت تعلم ما فيه من الغرر والخطر ؟ قال: حكمك. قال: مصر طعمة. قال: فتلكأ عليه معاوية. قال نصر: وفي حديث غير عمر قال: قال له معاوية: يا أبا عبد الله، إنى أكره أن يتحدث العرب عنك أنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا. قال: دعني عنك. قال معاوية: إنى لو شئت أن أمنيك وأخدعك لفعلت. قال عمرو: لالعمر الله، ما مثلى يخدع، لأنا أكيس من ذلك. قال له معاوية: ادن منى برأسك أسارك. قال: فدنا منه عمرو يساره، فعض معاوية أذنه وقال: هذه خدعة، هل ترى في بيتك أحدا غيرى وغيرك ؟ (2) ثم رجع إلى حديث عمر (3)، قال: فأنشأ عمرو يقول (4):


(1) الحد: الحدة والنشاط والسرعة في الأمور والمضاء فيها. والجد، بفتح الجيم: الحظ. وبالكسر: الاجتهاد. وفي الأصل: " وحدودا " ولا وجه له. وفي ح: " ووالله إن له مع ذلك لحظا في الحرب ليس لأحد من غيره، ولكني قد تعودت من الله تعالى إحسانا وبلاء جميلا ". (2) قال ابن أبى الحديد بعد هذا: " قلت: قال شيخنا أبو القاسم البلخى رحمه الله تعالى: قول عمرو له: دعنا عنك، كناية عن الإلحاد بل تصريح به. أي دع هذا الكلام الذى لا أصل له فإن اعتقاد الآخرة وأنها لا تباع بعرض الدنيا من الخرافات. قال رحمه الله: وما زال عمرو بن العاص ملحدا ما تردد قط في الإلحاد والزندقة، وكان معاوية مثله. ويكفى من تلاعبهما بالإسلام حديث السرار المروى، وأن معاوية عض أذن عمرو. أين هذا من أخلاق على عليه السلام وشدته في ذات الله، وهما مع ذلك يعيبانه بالدعابة ". (3) يعنى عمر بن سعد الراوى. (4) في الأصل: " فأنشأ وهو يقول "، صوابه في ح. (*)

[ 39 ]

معاوى لا أعطيك دينى ولم أنل * بذلك دنيا (1) فانظرن كيف تصنع فإن تعطنى مصرا فأربح بصفقة * أخذت بها شيخا يضر وينفع وما الدين والدنيا سواء وإنني * لآخذ ما تعطى ورأسي مقنع ولكني أغضى الجفون وإنني * لأخدع نفسي والمخادع يخدع وأعطيك أمرا فيه للملك قوة * وإنى به إن زلت النعل أضرع (2) وتمنعني مصرا وليست برغبة (3) * وإنى بذا الممنوع قدما لمولع قال: أبا عبد الله، ألم تعلم أن مصرا مثل العراق ؟ قال: بلى، ولكنها إنما تكون لى إذا كانت لك، وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق وقد كان أهلها بعثوا بطاعتهم إلى على. قال: فدخل عتبة بن أبى سفيان فقال: أما ترضى أن نشترى عمرا بمصر إن هي صفت لك. فليتك لا تغلب على الشام. فقال معاوية: يا عتبة، بت عندنا الليلة. قال: فلما جن على عتبة الليل رفع صوته ليسمع معاوية، وقال: أيها المانع سيفا لم يهز * إنما ملت على خز وقز (4)


(1) ح (1: 137): " ولم أنل به منك دنيا ". (2) ح: " وألفى به أن زلت النعل أصرع ". (3) في الأصل: " ولست نزعته " والصواب من ح. قال ابن أبى الحديد تعليقا على هذا البيت: " قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ: كانت مصر في نفس عمرو بن العاص لأنه هو الذى فتحها في سنة تسع عشرة من الهجرة في خلافة عمر، فكان لعظمها في نفسه وجلالتها في صدره وما قد عرفه من أموالها وسعة الدنيا لا يستعظم أن يجعلها ثمنا من دينه). (4) القز من الثياب أعجمى معرب، وهو الذى يسوى منه الإبريسم. وفي الأصل: (بز)، والبز: الثياب، أو ضرب منها. وأثبت ما في ح. (*)

[ 40 ]

إنما أنت خروف ماثل (1) * بين ضرعين وصوف لم يجز أعط عمرا إن عمرا تارك * دينه اليوم لدنيا لم تحز (2) يا لك الخير فخذ من دره * شخبه الأولى وأبعد ما غرز واسحب الذيل وبادر فوقها (3) * وانتهزها إن عمرا ينتهز أعطه مصرا وزده مثلها * إنما مصر لمن عز وبز واترك الحرص عليها ضلة * واشبب النار لمقرور يكز (4) إن مصرا لعلى أو لنا * يغلب اليوم عليها من عجز (5) فلما سمع معاوية قول عتبة أرسل إلى عمرو وأعطاها إياه. قال: فقال له عمرو: ولى الله عليك بذلك شاهد ؟ قال له معاوية: نعم لك الله على بذلك، لئن فتح الله علينا الكوفة. قال عمرو: (والله على ما نقول وكيل). قال: فخرج عمرو ومن عنده فقال له ابناه: ما صنعت ؟ قال: أعطانا مصر [ طعمة ]. قالا: وما مصر في ملك العرب ؟ قال: لا أشبع الله بطونكما إن لم يشبعكما مصر. قال: فأعطاها إياه، وكتب له كتابا، وكتب معاوية: " على أن لا ينقض شرط طاعة "، وكتب عمرو: " على ألا تنقض طاعة شرطا (6) ". وكايد كل


(1) ماثل: قائم. وفى الأصل وح: " مائل ". (2) في الأصل: " لم تجز " والصواب من ح. (3) الفوق، بالضم، هنا: الطريق الأول. (4) الكزاز: داء يأخذ من شدة البرد وتعترى منه رعدة. وفي الأصل: " يكن " محرفة. (5) في الأصل: " ولنا " وأثبت ما في ح. وفي الأصل: " من عجن " تحريف. (6) في الأصل: " ولا ينقض طاعة شرطا " وأثبت ما في ح. وانظر الكامل للمبرد 184 ليبسك. (*)

[ 41 ]

واحد منهما صاحبه (1). وكان مع عمرو ابن عم له فتى شاب، وكان داهيا حليما (2)، فلما جاء عمرو بالكتاب مسرورا عجب الفتى وقال: ألا تخبرني يا عمرو بأى رأى تعيش في قريش ؟ أعطيت دينك ومنيت دنيا غيرك. أترى أهل مصر - وهم قتلة عثمان - يدفعونها إلى معاوية وعلى حى ؟ وتراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذها بالحرف الذى قدمه في الكتاب ؟ فقال عمرو: يا ابن الأخ، إن الأمر لله دون على ومعاوية. فقال الفتى في ذلك شعرا: ألا يا هند أخت بنى زياد * دهى عمرو بداهية البلاد (3) رمى عمرو بأعور عبشمى * بعيد القعر مخشى الكياد (4) له خدع يحار العقل فيها * مزخرفة صوائد للفؤاد


(1) قال ابن أبى الحديد (1: 138): " تفسيره أن معاوية قال للكاتب اكتب على ألا ينتقض شرط طاعة، يريد أخذ إقرار عمرو له أنه قد بايعه على الطاعة بيعة مطلقة غير مشروطة بشئ. وهذه مكايدة له، لأنه لو كتب ذلك لكان لمعاوية أن يرجع في إعطائه مصرا ولم يكن لعمرو أن يرجع عن طاعته ويحتج عليه برجوعه عن إعطائه مصرا، لأن مقتضى المشارطة المذكورة أن طاعة معاوية واجبة عليه مطلقا سواء كانت مصر مسلمة إليه أو لا. فلما انتبه عمرو على هذه المكيدة منع الكاتب من أن يكتب ذلك وقال: بل اكتب: على أن لا تنقض طاعة شرطا يريد أخذ إقرار معاوية له بأنه إذا كان أطاعه لا تقض طاعته إياه ما شارطه عليه من تسليم مصر إليه. وهذا أيضا مكايدة من عمرو لمعاوية، ومنع له من أن يغدر بما أعطاه من مصر ". (2) الحليم: ذو الأناة والعقل. وفي ح: " وكان لعمرو بن العاص ابن عم من بنى سهم أريب ". وفي الإمامة والسياسة: " وكان مع عمرو بن العاص ابن أخ له جاءه من مصر ". وانظر ما سيأتي في س 5 هذه الصفحة من قوله: " يا ابن الأخ " وما سيأتي بعد القصيدة في الصفحة التالية. (3) أراد: دهى، فسكن آخره للشعر. وفي ح: " رمى " وكلاهما بالبناء للمفعول. (4) في الأصح وح: " محشى الكباد "، وإنما يريد أنه يخشى كيده. (*)

[ 42 ]

فشرط في الكتاب عليه حرفا * يناديه بخدعته المنادى وأثبت مثله عمرو عليه * كلا المرأين حية بطن واد ألا يا عمرو ما أحرزت مصرا * وما ملت الغداة إلى الرشاد وبعت الدين بالدنيا خسارا * فأنت بذاك من شر العباد فلو كنت الغداة أخذت مصرا * ولكن دونها خرط القتاد وفدت إلى معاوية بن حرب * فكنت بها كوافد قوم عاد وأعطيت الذى أعطيت منه * بطرس فيه نضح من مداد ألم تعرف أبا حسن عليا * وما نالت يداه من الأعادي عدلت به معاوية بن حرب * فيا بعد البياض من السواد ويا بعد الأصابع من سهيل * ويا بعد الصلاح من الفساد أتأمن أن تراه على خدب * يحث الخيل بالأسل الحداد (1) ينادى بالنزال وأنت منه * بعيد فانظرن من ذا تعادى فقال عمرو: يا ابن أخى، لو كنت مع على وسعنى بيتى، ولكني الآن مع معاوية (2). فقال له الفتى: إنك إن لم ترد معاوية لم يردك، ولكنك تريد دنياه و [ هو ] يريد دينك. وبلغ معاوية قول الفتى فطلبه فهرب فلحق بعلى فحدثه بأمر عمرو ومعاوية. قال: فسر ذلك عليا وقر به. قال: وغضب مروان وقال: ما بالى لا أشترى كما اشترى عمرو ؟ قال: فقال له معاوية: إنما تبتاع الرجال لك. قال: فلما بلغ عليا ما صنعه معاوية وعمرو قال:


(1) الخدب: الضخم من كل شئ. (2) ح: " لو كنت عند على لوسعني، ولكني الآن عنده ". (*)

[ 43 ]

يا عجبا لقد سمعت منكرا * كذبا على الله يشيب الشعرا يسترق السمع ويغشى البصرا * ما كان يرضى أحمد لو خبرا أن يقرنوا وصيه والأبترا * شانى الرسول واللعين الأخزرا (1) كلاهما في جنده قد عسكرا * قد باع هذا دينه فأفجرا (2) من ذا بدنيا بيعه قد خسرا * بملك مصر أن أصاب الظفرا (3) إنى إذا الموت دنا وحضرا * شمرت ثوبي ودعوت قنبرا (4) قدم لوائى لا تؤخر حذرا * لن يدفع الحذار ما قد قدرا (5) لما رأيت الموت موتا أحمرا * عبأت همدان وعبوا حميرا حى يمان يعظمون الخطرا * قرن إذا ناطح قرنا كسرا قل لابن حرب لا تدب الخمرا (6) أرود قليلا أبد منك الضجرا لا تحسبني يا ابن حرب غمرا (7) * وسل بنا بدرا معا وخيبرا


(1) يعنى بالأبتر العاص بن وائل، والد عمرو بن العاص، وفيه نزل قول الله: (إن شانئك هو الأبتر). وبالأخزر عمرو بن العاص، وكأنه كان أخزر ينظر بمؤخر عينيه. (2) أفجر: كذب، أو عصى، أو كفر. ومثله فجر. (3) ح: " بيعة قد خسرا ". (4) قنبر بفتح القاف والباء: مولى على. وإليه ينسب المحدثان العباس بن الحسن وأحمد ابن بشر القنبريان. (5) الحذار: الحذر. وفي الأصل: " لن ينفع " صوابه في ح. (6) الخمر، بفتح الخاء المعجمة والميم: ما واراك من الشجر والجبال ونحوها. والدبيب: المشى على هينة. يقال للرجل إذا ختل صاحبه: هو يدب له الضراء، ويمشى له الخمر. وفي الأصل: " لا ندب الحمرا " والكلمتان محرفتان، والصواب في ح. والإرواد: الإمهال. (7) الغمر، بتثليث أوله وبفتح أوله وثانيه: من لم يجرب الأمور. وفي الأصل: " عمرا " محرف. (*)

[ 44 ]

كانت قريش يوم بدر جزرا (1) * إذ وردوا الأمر فذموا الصدرا لو أن عندي يابن حرب جعفرا * أو حمزة القرم الهمام الأزهرا رأت قريش نجم ليل ظهرا نصر: محمد بن عبيد الله، عن الجرجاني قال: لما بات عمرو عند معاوية وأصبح أعطاه مصر طعمة له، وكتب له بها كتابا وقال: ما ترى ؟ قال: أمض الرأى الأول. فبعث مالك بن هبيرة الكندى في طلب [ محمد ] بن أبى حذيفة فأدركه فقتله، وبعث إلى قيصر بالهدايا فوادعه. ثم قال: ما ترى في على ؟ قال: أرى فيه خيرا، أتاك في هذه البيعة خير أهل العراق، ومن عند خير الناس في أنفس الناس، ودعواك أهل الشام إلى رد هذه البيعة خطر شديد، ورأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندى، وهو عدو لجرير المرسل إليك، فأرسل إليه ووطن له ثقاتك فليفشوا في الناس أن عليا قتل عثمان، وليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل، فإنها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب، وإن تعلقت بقلب شرحبيل لم تخرج منه بشئ أبدا (2). فكتب إلى شرحبيل: " إن جرير بن عبد الله قدم علينا من عند على ابن أبى طالب بأمر فظيع، فاقدم ". ودعا معاوية يزيد بن أسد، وبسر بن أرطاة، وعمرو بن سفيان، ومخارق بن الحارث الزبيدى، وحمزة بن مالك، وحابس بن سعد الطائى - وهؤلاء رءوس قحطان واليمن، وكانوا ثقات معاوية وخاصته - وبنى عم شرحبيل بن السمط، فأمرهم أن يلقوه ويخبروه أن عليا قتل عثمان. فلما قدم كتاب معاوية على شرحبيل وهو بحمص استشار أهل


(1) الجزر بفتحتين: اللحم الذى تأكله السباع، يقال تركوهم جزرا إذا قتلوهم. (2) في الأصل: " وإن تعلق يقلبه لم يخرجه شئ أبدا "، وأثبت الصواب من ح. (*)

[ 45 ]

اليمن فاختلفوا عليه، فقام إليه عبد الرحمن بن غنم الأزدي، وهو صاحب معاذ بن جبل وختنه (1)، وكان أفقه أهل الشام، فقال: يا شرحبيل بن السمط، إن الله لم يزل يزيدك خيرا مذ هاجرت إلى اليوم، وإنه لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من الناس، ولا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. إنه قد ألقى إلينا قتل عثمان، وأن عليا قتل عثمان (2)، فإن يك قتله فقد بايعه المهاجرون والأنصار، وهم الحكام على الناس، وإن لم يكن قتله فعلام تصدق معاوية عليه ؟ لا تهلك نفسك وقومك. فإن كرهت أن يذهب بحظها جرير فسر إلى على فبايعه على شامك وقومك (3). فأبى شرحبيل إلا أن يسير إلى معاوية، فبعث إليه عياض الثمالى (4)، وكان ناسكا: يا شرح يا ابن السمط إنك بالغ * بود على ما تريد من الأمر (5) ويا شرح إن الشام شامك ما بها * سواك فدع قول المظل من فهر فإن ابن حرب ناصب لك خدعة * تكون علينا مثل راغية البكر (6)


(1) عبد الرحمن بن غنم، أحد الرجال المختلف في صحبتهم للرسول. ومات سنة 78. انظر الإصابة 5173 و 6371. في الأصل: " وحنثه " وإنما هي " وختنه " كما جاء في ح. (2) بدلها في ح: " إنه قد ألقى إلى معاوية أن عليا قتل عثمان، ولهذا يريدك ". (3) ح: " عن شامك وقومك ". (4) الثمالى: نسبة إلى ثمالة، بطن من بطونهم. وفي الأصل: " اليماني " صوابه في ح ومعجم المرزبانى 269. قال المرزبانى: " شامى. يقول لشرحبيل بن السمط لما بويع معاوية... " وأنشد بعض أبيات القصيدة التالية. (5) شرح: مرخم شرحبيل، وهذا بضم الشين وفتح الراء وسكون الحاء، ولكنه سكن الراء للشعر. وفي الأصل: " شرخ " بالخاء صوابه في ح. (6) الراغية: الرغاء. والبكر، بالفتح: ولد الناقة. انظر أمثال الميداني (2: 78). وهذا مثل يضرب في التشاؤم، يشار به إلى ما كان من رغاء بكر ثمود حين عقر قدار ناقة صالح فأصاب ثمود ما أصاب. انظر ثمار الفلوب 282 والمفضليات (2: 195 طبع المعارف). (*)

[ 46 ]

فإن نال ما يرجو بنا كان ملكنا هنيئا له، والحرب قاصمة الظهر فلا تبغين حرب العراق فإنها * تحرم أطهار النساء من الذعر وإن عليا خير من وطئ الحصى * من الهاشميين المداريك للوتر (1) له في رقاب الناس عهد وذمة * كعهد أبى حفص وعهد أبى بكر فبايع ولا ترجع على العقب كافرا * أعيذك بالله العزيز من الكفر (2) ولا تسمعن قول الطغام فإنما * يريدون أن يلقوك في لجة البحر وماذا عليهم أن تطاعن دونهم * عليا بأطراف المثقفة السمر فإن غلبوا كانوا علينا أئمة * وكنا بحمد الله من ولد الظهر (3) وإن غلبوا لم يصل بالحرب غيرنا * وكان على حربنا آخر الدهر يهون على عليا لؤى بن غالب * دماء بنى قحطان في ملكهم تجرى فدع عنك عثمان بن عفان إننا، * لك الخير، لا ندرى وإنك لا تدرى على أي حال كان مصرع جنبه * فلا تسمعن قول الأعيور أو عمرو نصر بن مزاحم، في حديث محمد بن عبيد الله، عن الجرجاني قال: لما قدم شرحبيل على معاوية تلقاه الناس فأعظموه، ودخل على معاوية فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا شرحبيل، إن جرير بن عبد الله يدعونا إلى بيعة على، وعلى خير الناس لولا أنه قتل عثمان بن عفان، و [ قد ] حبست نفسي


(1) المداريك: المدركون، جمع مدراك. والوتر، بالكسر: الثأر والذحل. (2) على العقب، فيه إشارة إلى قول الله: (يردوكم على أعقابكم). وفي الأصل: " العقد " بالدال، صوابه في ح. (3) يقال فلان من ولد الظهر، بالفتح: أي ليس منها. وقيل معناه أنه لا يلتفت إليه، قال أرطاة بن سهية: فمن مبلغ أبناء مرة أننا * وجدنا بنى البرصاء من ولد الظهر (*)

[ 47 ]

عليك، وإنما أنا رجل من أهل الشام، أرضى ما رضوا، وأكره ما كرهوا. فقال شرحبيل: أخرج فانظر. فخرج فلقيه هؤلاء النفر الموطؤون له، فكلهم يخبره بأن عليا قتل عثمان بن عفان. فخرج مغضبا إلى معاوية فقال: يا معاوية، أبى الناس إلا أن عليا قتل عثمان، ووالله لئن بايعت له لنخرجنك من الشام أو لنقتلنك. قال معاوية: ما كنت لأخالف عليكم، وما أنا إلا رجل من أهل الشام. قال: فرد هذا الرجل إلى صاحبه إذا. قال: فعرف معاوية أن شرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق، وأن الشام كله مع شرحبيل (1). فخرج شرحبيل فأتى حصين بن نمير فقال: ابعث إلى جرير [ فليأتنا ]. فبعث إليه حصين: أن زرنا، فإن عندنا شرحبيل بن السمط. فاجتمعا عنده، فتكلم شرحبيل فقال: يا جرير، أتيتنا بأمر ملفف (2) لنلقينا في لهوات الأسد، وأردت أن تخلط الشام بالعراق، وأطرأت عليا (3) وهو قاتل عثمان، والله سائلك عما قلت يوم القيامة. فأقبل عليه جرير فقال: يا شرحبيل، أما قولك إنى جئت بأمر ملفف فكيف يكون أمرا ملففا (4) وقد اجتمع عليه المهاجرون والأنصار، وقوتل على رده طلحة والزبير. وأما قولك إنى ألقيتك في لهوات الأسد ففى لهواتها ألقيت نفسك. وأما خلط العراق بالشام فخلطهما على حق خير من فرقتهما على باطل. وأما قولك إن عليا قتل عثمان فوالله ما في يديك من ذلك إلا القذف


(1) إلى هنا ينتهى اقتباس ح في (1: 140) وينتقل إلى (1: 249). (2) في اللسان: " اللفف: ما لففوا من ها هنا وها هنا، كما يلفف الرجل شهادة الزور ". وفي اللسان أيضا: " أحاديث ملففة: أي أكاذيب مزخرفة ". ح: " ملفق " بالقاف في آخره، وهما وجهان صالحان كما رأيت. (3) قال ابن منظور: " أطرأ القوم: مدحهم، نادرة، والأعرف بالياء "، ح: " أطريت " بالياء. (4) ح: " ملفقا " بقاف بعد الفاء، وانظر الحاشية الثانية من هذه الصفحة. (*)

[ 48 ]

بالغيب من مكان بعيد (1)، ولكنك ملت إلى الدنيا، وشئ كان في نفسك على زمن سعد بن أبى وقاص. فبلغ معاوية قول الرجلين، فبعث إلى جرير فزجره (2) ولم يدر ما أجابه أهل الشام، وكتب جرير إلى شرحبيل (3): شرحبيل يا ابن السمط لا تتبع الهوى فما لك في الدنيا من الدين من بدل وقل لابن حرب مالك اليوم حرمة تروم بها ما رمت، فاقطع له الأمل (4) شرحبيل إن الحق قد جد جده وإنك مأمون الأديم من النغل فأرود ولا تفرط بشئ نخافه عليك، ولا تعجل فلا خير في العجل (5) ولا تك كالمجرى إلى شر غاية فقد خرق السربال واستنوق الجمل وقال ابن هند في على عضيهة ولله في صدر ابن أبى طالب أجل وما لعلى في ابن عفان سقطة بأمر، ولا جلب عليه، ولا قتل (6)


(1) انظر الآية 53 من سورة سبأ وأقوال أصحاب التفسير فيها. (2) في الأصل: " فزجوه " صوابه في ح. (3) ح: " وكتب كتاب لا يعرف كاتبه إلى شرحبيل يقول ". (4) ح: " مالك اليوم... فاقطع ". (5) الإرواد: الإمهال. والفرط: السبق. (6) خ: " ولا مالا عليه ولا قتل ". والممالاة: المساعدة والمعاونة. (*)

[ 49 ]

وما كان إلا لازما قعر بيته إلى أن أتى عثمان في بيته الأجل فمن قال قولا غير هذا فحسبه من الزور والبهتان قول الذى احتمل (1) وصى رسول الله من دون أهله وفارسه الأولى به يضرب المثل (2) فلما قرأ شرحبيل الكتاب ذعر وفكر، وقال: هذه نصيحة لى في دينى ودنياى. [ و ] لا والله لا أعجل في هذا الأمر بشئ وفى نفسي منه حاجة. فاستتر له القوم، ولفف له معاوية الرجال يدخلون إليه ويخرجون، ويعظمون عنده قتل عثمان ويرمون به عليا، ويقيمون الشهادة الباطلة والكتب المختلفة، حتى أعادوا رأيه وشحذوا عزمه، وبلغ ذلك قومه فبعث ابن أخت له من بارق - وكان يرأى رأى على بن أبى طالب فبايعه بعد، وكان ممن لحق من أهل الشام، وكان ناسكا - فقال: لعمر أبى الأشقى ابن هند لقد رمى * شرحبيل بالسهم الذى هو قاتله ولفف قوما يسحبون ذيولهم * جميعا وأولى الناس بالذنب فاعله فألفى يمانيا ضعيفا نخاعه * إلى كل ما يهوون تحدى رواحله فطاطا لها لما رموه بثقلها * ولا يرزق التقوى من الله خاذله ليأكل دنيا لابن هند بدينه (3) * ألا وابن هند قبل ذلك آكله


(1) أي الذى احتمله. ح: " بعض الذى احتمل ". (2) ح: " ومن باسمه في فضله يضرب المثل ". (3) في الأصل: " ليأكل به دنيا ابن هند ". (*)

[ 50 ]

وقالوا على في ابن عفان، خدعة * ودبت إليه بالشنان غوائله (1) ولا والذى أرسى ثبيرا مكانه * لقد كف عنه كفه ووسائله وما كان إلا من صحاب محمد * وكلهم تغلى عليه مراجله فلما بلغ شرحبيل هذا القول قال: هذا بعيث الشيطان، الآن امتحن الله قلبى. والله لأسيرن صاحب هذا الشعر أو ليفوتننى. فهرب الفتى إلى الكوفة وكان - أصله منها - وكاد أهل الشام أن يرتابوا. نصر: محمد بن عبيد الله، وعمر بن سعد بإسناده قال: وبعث معاوية إلى شرحبيل بن السمط فقال: " إنه كان من إجابتك الحق، وما وقع فيه أجرك على الله وقبله عنك صلحاء الناس، ما علمت، وإن هذا الأمر الذى قد عرفته لا يتم إلا برضا العامة، فسر في مدائن الشام، وناد فيهم بأن عليا قتل عثمان، وأنه يجب على المسلمين أن يطلبوا بدمه ". فسار فبدأ بأهل حمص فقام خطيبا، وكان مأمونا في أهل الشام ناسكا متألها، فقال: " يا أيها الناس، إن عليا قتل عثمان بن عفان، وقد غضب له قوم فقتلهم، وهزم الجميع وغلب على الأرض فلم يبق إلا الشام. وهو واضع سيفه على عاتقه ثم خائض به غمار الموت (2) حتى يأتيكم (3) أو يحدث الله أمرا، ولا نجد أحدا أقوى على قتاله من معاوية، فجدوا [ وانهضوا ] ". فأجابه الناس إلا نساك أهل حمص (4)، فإنهم قاموا إليه فقالوا: بيوتنا قبورنا ومساجدنا، وأنت أعلم بما ترى. وجعل


(1) الشنان، كسحاب: لغة في الشنآن، وهو البغض. وأنشد للأحوص: وما العيش إلا ما تلذ وتشتهى * وإن لام فيه ذو الشنان وفندا (2) ح: " غمرات الموت ". (3) في الأصل: " بيكم " وإعجامه وإكماله من ح. (4) ح: " إلا نساكا من أهل حمص ". (*)

[ 51 ]

شرحبيل يستنهض مدائن الشام حتى استفرغها، لا يأتي على قوم إلا قبلوا ما أتاهم به، فبعث إليه النجاشي بن الحارث (1)، وكان صديقا له: شرحبيل ما للدين فارقت أمرنا * ولكن لبغض المالكى جرير وشحناء دبت بين سعد وبينه * فأصبحت كالحادي بغير بعير وما أنت، إذ كانت بجيلة عاتبت * قريشا فيالله بعد نصير أتفصل أمرا غبت عنه بشبهة * وقد حار فيها عقل كل بصير بقول رجال لم يكونوا أئمة * ولا للتى لقوكها بحضور (2) وما قول قوم غائبين تقاذفوا * من الغيب ما دلاهم بغرور وتترك أن الناس أعطوا عهودهم * عليا على أنس به وسرور إذا قيل هاتوا واحدا تقتدونه * نظيرا له لم يفصحوا بنظير (3) لعلك أن تشقى الغداة بحربه * شرحبيل ما ما جئته بصغير (4) نصر: عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة، عن عامر الشعبى، أن شرحبيل ابن السمط بن جبلة الكندى دخل على معاوية فقال: أنت عامل أمير المؤمنين وابن عمه، ونحن المؤمنون، فإن كنت رجلا تجاهد عليا وقتلة عثمان حتى ندرك بثأرنا أو تفنى أرواحنا استعملناك علينا، وإلا عزلناك واستعملنا غيرك


(1) وكذا ورد في ح. والمعروف في شعرائهم النجاشي الحارثى، واسمه قيس بن عمرو ابن مالك، من بنى الحارث بن كعب. وهو ممن حده أمير المؤمنين على بن أبى طالب لشربه الخمر. انظر الشعراء 68 والخزانة (4: 368). (2) في الأصل: " ولا بالتى لقوكها "، والصواب من ح (1: 250). (3) تقتدونه، المعروف تعديته بالباء، فقد عداه بتضمينه معنى تتبعونه، وفي ح: " يقتدى به ". (4) أي ليس الذى جئته بصغير. وفي ح: " فليس الذى قد جئته بصغير ". (*)

[ 52 ]

ممن نريد، ثم جاهدنا معه حتى ندرك بدم عثمان أو نهلك. فقال جرير: يا شرحبيل، مهلا فإن الله قد حقن الدماء، ولم الشعث، وجمع أمر الأمة، ودنا من هذه الأمة سكون، فإياك أن تفسد بين الناس، وأمسك عن هذا القول قبل أن يظهر منك قول لا تستطيع رده. قال: لا والله لا أسره أبدا. ثم قام فتكلم، فقال الناس: صدق صدق، القول ما قال، والرأى ما رأى. فأيس جرير عند ذلك عن معاوية وعن عوام أهل الشام. نصر، عن محمد بن عبيد الله، عن الجرجاني قال: كان معاوية أتى جريرا في منزله فقال: يا جرير، إنى قد رأيت رأيا. قال: هاته. قال: اكتب إلى صاحبك يجعل لى الشام ومصر جباية، فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده بيعة في عنقي، وأسلم له هذا الأمر، وأكتب إليه بالخلافة. فقال جرير: اكتب بما أردت، وأكتب معك. فكتب معاوية بذلك إلى على فكتب على إلى جرير: " أما بعد فإنما أراد معاوية ألا يكون لى في عنقه بيعة، وأن يختار من أمره ما أحب، وأراد أن يريثك حتى يذوق أهل الشام، وإن المغيرة بن شعبة قد كان أشار على أن أستعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة، فأبيت ذلك عليه، ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا. فإن بايعك الرجل، وإلا فأقبل ". وفشا كتاب معاوية في العرب فبعث إليه الوليد بن عقبة: معاوى إن الشام شامك فاعتصم * بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا وحام عليها بالقنابل والقنا * ولا تك محشوش الذراعين وانيا (1)


(1) حام: أمر من المحاماة. والقنابل: الجماعة من الناس، الواحدة قنبلة وقنبل بفتح = (*)

[ 53 ]

وإن عليا ناظر ما تجيبه * فأهد له حربا تشيب النواصيا وإلا فسلم إن في السلم راحة * لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا وإن كتابا يا ابن حرب كتبته * على طمع، يزجى إليك الدواهيا سألت عليا فيه ما لن تناله * ولو نلته لم يبق إلا لياليا وسوف ترى منه الذى ليس بعده * بقاء فلا تكثر عليك الأمانيا أمثل على تعتريه بخدعة * وقد كان ما جربت من قبل كافيا ولو نشبت أظفاره فيك مرة * حذاك، ابن هند، منه ما كنت حاذيا (1) قال: وكتب إليه أيضا: معاوى إن الملك قد جب غاربه * وأنت بما في كفك اليوم صاحبه أتاك كتاب من على بخطة * هي الفصل فاختر سلمه أو تحاربه ولا ترج عند الواترين مودة * ولا تأمن اليوم الذى أنت راهبه فحاربه إن حاربت حرب ابن حرة * وإلا فسلم لا تدب عقاربه (2) فإن عليا غير ساحب ذيله * على خدعة ما سوغ الماء شاربه (3) ولا قابل ما لا يريد وهذه * يقوم بها يوما عليك نوادبه


= القاف والباء فيهما. ح: " بالصوارم ". محشوش، في اللسان: " حشت اليد وأحشت وهى محش: يبست، وأكثر ذلك في الشلل. وحكى عن يونس حشت على صيغة ما لم يسم فاعله ". وفي ح: " موهون الذراعين ". (1) حذاه حذوا: أعطاه. والبيت لم يرو في ح. وفي الأصل: " حداك " و " حاديا " بالدال المهملة، تحريف. (2) في الأصل وح: " حربن حرة ". (3) يقال ساغ الطعام والشراب وأساغه: إذا ألفاه سائغا سهل المدخل في الحلق. ولم أجد هذه الصيغة من التضعيف في المعاجم. (*)

[ 54 ]

ولا تدعن الملك والأمر مقبل * وتطلب ما أعيت عليك مذاهبه فإن كنت تنوى أن تجيب كتابه * فقبح ممليه وقبح كاتبه فألق إلى الحى اليمانين كلمة * تنال بها الأمر الذى أنت طالبه تقول: أمير المؤمنين أصابه * عدو ومالاهم عليه أقاربه (1) أفانين منهم قاتل ومحضض * بلا ترة كانت وآخر سالبه وكنت أميرا قبل بالشام فيكم * فحسبي وإياكم من الحق واجبه (2) فجيئوا، ومن أرسى ثبيرا مكانه * ندافع بحرا لا تردد غواربه (3) فأقلل وأكثر مالها اليوم صاحب * سواك فصرح لست ممن تواربه قال: فخرج جرير يتجسس الأخبار، فإذا هو بغلام يتغنى على قعود له وهو يقول: حكيم وعمار الشجا ومحمد * وأشترو المكشوح جروا الدواهيا (4) وقد كان فيها للزبير عجاجة * وصاحبه الأدنى أشاب النواصيا (5)


(1) الممالاة: المعاونة والمساعدة. ويعنى بأمير المؤمنين عثمان. (2) في الأصل: " فحبلى " صوابه في ح. (3) في الأصل وح: " تجيبوا " تحريف. والغوارب: أعالي الموج. يستحلفهم بمن أرسى جبل ثبير في مكانه أن ينهضوا لمعاونته على عدوه لكثير العدد. (4) حكيم، بهيئة التصغير، هو ابن جبلة بن حصن العبدى، وكان من عمال عثمان على السند ثم البصرة. انظر مروج الذهب (1: 440) والإصابة 1991. وعمار، هو عمار ابن ياسر الصحابي. ومحمد، هو ان أبى بكر الصديق. انظر مروج الذهب (1: 440 - 442). والأشتر: لقب مالك بن الحارث الشاعر التابعي، وكان قد قدم في نفر من أهل الكوفة. انظر المعارف 84. والمكشوح، هو المرادى. وقد اختلف في اسمه. انظر الإصابة 7307. (5) يعنى بصاحبه الأدنى " الزبير بن العوام ". وقد قتل طلحة والزبير يوم الجمل. (*)

[ 55 ]

فأما على فاستغاث ببيته * فلا آمر فيها ولم يك ناهيا وقل في جميع الناس ما شئت بعده * وإن قلت أخطا الناس لم تك خاطيا وإن قلت عم القوم فيه بفتنة * فحسبك من ذاك الذى كان كافيا فقولا لأصحاب النبي محمد * وخصا الرجال الأقربين المواليا أيقتل عثمان بن عفان وسطكم * على غير شئ ليس إلا تماديا (1) فلا نوم حتى نستبيح حريمكم * ونخضب من أهل الشنان العواليا (2) قال جرير: يا ابن أخى، من أنت ؟ قال: أنا غلام من قريش وأصلى من ثقيف، أنا ابن المغيرة بن الأخنس [ بن شريق ]، قتل أبى مع عثمان يوم الدار. فعجب جرير من قوله وكتب بشعره إلى على (3)، فقال على: والله ما أخطأ الغلام شيئا. وفي حديث صالح بن صدقة قال: أبطأ جرير عند معاوية حتى اتهمه الناس وقال على: وقت لرسولي وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا ! وأبطأ على على حتى أيس منه. وفي حديث محمد وصالح بن صدقة قالا: وكتب على إلى جرير بعد ذلك: " أما بعد فإذا أتاك - كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل، وخذه بالأمر الجزم، ثم خيره بين حرب مجلية، أو سلم محظية (4). فإن اختار الحرب فانبذ له (5)، وإن اختار السلم فخذ بيعته ".


(1) ح: " إلا تعاميا ". (2) الشان لغة في الشنآن وهو البغض. انظر ما سبق في ص 50. والعوالى: عوالي الرماح. (3) ح: " من شعره وقوله وكتب بذلك إلى على عليه السلام ". (4) ح: " مخزبة ". (5) انظر التنبيه الثالث من ص 28. (*)

[ 56 ]

فلما انتهى الكتاب إلى جرير أتى معاوية فأقرأه الكتاب، فقال: [ له ] يا معاوية، إنه لا يطبع على قلب إلا بذنب، ولا يشرح [ صدر ] إلا بتوبة (1)، ولا أظن قلبك إلا مطبوعا. أراك قد وقفت بين الحق والباطل كأنك تنتظر شيئا في يدى غيرك ". فقال معاوية: " ألقاك بالفيصل أول مجلس إن شاء الله ". فلما بايع معاوية أهل الشام وذاقهم قال: " يا جرير الحق بصاحبك ". وكتب إليه بالحرب (2)، وكتب في أسفل كتابه بقول كعب بن جعيل: أرى الشام تكره ملك العراق * وأهل العراق لها كارهونا (3) وكل لصاحبه مبغض * يرى كل ما كان من ذاك دينا


(1) في الأصل: " ولا ينشرح إلا بتوبة " وأثبت ما في ح. (2) لم يذكر لنا نصر نص رسالة معاوية، وهى كما جاءت في كامل المبرد 184: " بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن صخر إلى على بن أبى طالب. أما بعد فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت برئ من دم عثمان كنت كأبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم أجمعين، ولكن أغريت بعثمان المهاجرين، وخذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل وقوى بك الضعيف. وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين. ولعمري ما حجتك على كحجتك على طلحة والزبير، لأنهما بايعاك ولم أبايعك. وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة، لأن أهل البصرة أطاعوك ولم يطعك أهل الشام. وأما شرفك في الإسلام وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعك من قريش فلست أدفعه ". وقد روى هذه الرسالة صاحب الإمامة والسياسة (1: 87) وزاد بعد قوله: " كانت شورى بين المسلمين " هذا الكلام: " وقد كان أهل الحجاز أعلى الناس وفي أيديهم الحق، فلما تركوه صار الحق في أيدى أهل الشام ". وهذه العبارة الأخيرة توضح لنا السر في ارتياب ابن أبى الحديد في آخر الصفحة 252 من الجزء الأول، في تمام الرواية التى رواها المبرد. وقال في أول 253: " وما وجدنا هذا الكلام في كتابه ". وما هو ذا الكلام بتمامه بين يدى القارئ. (3) ح (1: 158): " تكره أهل العراق * وأهل العراق لهم ". وفي كامل المبرد 184: " تكره ملك العراق * وأهل العراق لهم ". (*)

[ 57 ]

إذا ما رمونا رميناهم * ودناهم مثل ما يقرضونا (1) وقالوا على إمام لنا * فقلنا رضينا ابن هند رضينا وقلنا نرى أن تدينوا لنا * فقالوا لنا لا نرى (2) أن ندينا ومن دون ذلك خرط القتاد * وضرب وطعن يقر العيونا (3) وكل يسر بما عنده * يرى غث ما في يديه سمينا وما في على لمستعتب * مقال سوى ضمه المحدثينا وإيثاره اليوم أهل الذنوب * ورفع القصاص عن القاتلينا إذا سيل عنه حدا شبهة * وعمى الجواب على السائلينا (4) فليس براض ولا ساخط * ولا في النهاة ولا الآمرينا ولا هو ساء ولا سره * ولا بد من بعض ذا أن يكونا قال: فكتب إليه: " من على إلى معاوية بن صخر. أما بعد فقد أتانى كتاب امرئ ليس له نظر يهديه، ولا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه، وقاده فاتبعه. زعمت أنه أفسد عليك بيعتى خطيئتي في عثمان. ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا، وأصدرت كما أصدروا. وما كان الله ليجمعهم


(1) دناهم، من الدين، وهو القرض، وفي قول الحماسي: " دناهم كما دانوا ". يقرضونا، من الإقراض. وقد حذف نون الرفع، وهو وجه جائز في العربية. انظر التنبيه رقم 2 ص 4. وفي الأصل: " يعرضونا " صوابه في ح والكامل. (2) ح: " ألا لا نرى ". (3) قال المبرد: " وأحسن الروايتين: يفض الشؤونا. وفي آخر هذا الشعر ذم لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه، أمكنا عن ذكره ". (4) سيل: سئل. حدا شبهة: ساقها في الأصل: " عن السائلينا " صوابه في ح. (*)

[ 58 ]

على ضلالة، ولا ليضربهم بالعمى، وما أمرت (1) فيلزمني خطيئة الآمر، ولا قتلت فيجب على القصاص. وأما قولك أن أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز فهات رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة. فإن زعمت ذلك كذبك المهاجرون والأنصار، وإلا أتيتك به من قريش الحجاز. وأما قولك: ادفع إلينا قتلة عثمان، فما أنت وعثمان ؟ إنما أنت رجل من بنى أمية، وبنو عثمان أولى بذلك منك. فإن زعمت أنك أقوى على دم أبيهم منهم فادخل في طاعتي ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على المحجة. وأما تمييزك بين الشام والبصرة وبين طلحة والزبير فلعمري ما الأمر فيما هناك إلا واحد (2)، لأنها بيعة عامة لا يثنى فيها النظر، ولا يستأنف فيها الخيار (3). وأما ولوعك بى في أمر عثمان فما قلت ذلك عن حق العيان، ولا يقين الخبر (4). وأما فضلى في الإسلام وقرابتي من النبي صلى الله عليه وسلم وشرفي في قريش فلعمري لو استطعت دفع ذلك لدفعته ". وأمر النجاشي فاجابه في الشعر فقال (5): دعن يا معاوى ما لن يكونا * فقد حقق الله ما تحذرونا أتاكم على بأهل الحجاز * وأهل العراق فما تصنعونا (6)


(1) ح: " وما ألبت ". والتأليب: التحريض. (2) ح والكامل: " إلا سواء ". وما في ح هنا نقل عن الكامل لا عن كتاب نصر. (3) ح والكامل: " لأنها بيعة شاملة لا يستثنى فيها الخيار ولا يستأنف فيها النظر ". (4) الخبر: العلم، والاختبار. وفي الأصل: " ولا بعين الخير " والصواب من ح. (5) ح والكامل: " ثم دعا النجاشي أحد بنى الحارث بن كعب فقال له: إن ابن جعيل شاعر أهل الشام، وأنت شاعر أهل العراق، فأجب الرجل. فقال: يا أمير المؤمنين، أسمعني قوله. قال: إذا أسمعك شعر شاعر. فقال النجاشي يجيبه ". (6) روى المبرد هذين البيتين، وقال في إثرهما: " وبعد هذا ما نمسك عنه ". (*)

[ 59 ]

على كل جرداء خيفانة * وأشعث نهد يسر العيونا (1) عليها فوارس مخشية (2) * كأسد العرين حمين العرينا يرون الطعان خلال العجاج * وضرب الفوارس في النقع دينا هم هزموا الجمع جمع الزبير * وطلحة والمعشر الناكثينا وقالوا يمينا على حلفة * لنهدي إلى الشام حربا زبونا (3) تشيب النواصي قبل المشيب * وتلقى الحوامل منها الجنينا (4) فإن تكرهوا الملك ملك العراق * فقد رضى القوم ما تكرهونا فقل للمضلل من وائل * ومن جعل الغث يوما سمينا جعلتم عليا وأشياعه * نظير ابن هند ألا تستحونا إلى أول الناس بعد الرسول * وصنو الرسول من العالمينا وصهر الرسول ومن مثله * إذا كان يوم يشيب القرونا (5) نصر: صالح بن صدقة بإسناده قال: لما رجع جرير إلى على كثر قول الناس في التهمة لجرير في أمر معاوية، فاجتمع جرير والأشتر عند على فقال الأشتر: أما والله يا أمير المؤمنين لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيرا لك من هذا الذى أرخى من خناقه، وأقام [ عنده ]، حتى لم يدع بابا يرجو


(1) الجرداء: الفرس القصيرة الشعر. والخيفانة: الخفيفة الوثابة. والنهد، من الخيل: الجسيم المشرف. (2) مخشية: مخوفة. وفي الأصل: " تحسبهم "، صوابه في ح (1: 252). (3) ح: " آلوا "، أي حلفوا. (4) ح: " تشيب النواهد ". (5) قال ابن أبى الحديد: " أبيات كعب بن جعيل خير من هذه الأبيات، وأخبث مقصدا وأدمى وأحسن ". (*)

[ 60 ]

روحه إلا فتحه (1)، أو يخاف غمه إلا سده. فقال جرير: " والله لو أتيتهم لقتلوك - وخوفه بعمرو، وذى الكلاع، وحوشب ذى ظليم (2) - وقد زعموا أنك من قتلة عثمان ". فقال الأشتر: " لو أتيته والله يا جرير لم يعينى جوابها، ولم يثقل على محملها، ولحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن الفكر ". قال: فائتهم إذا. قال: الآن وقد أفسدتهم ووقع بينهم الشر ؟ نصر: عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة، عن عامر الشعبى قال: اجتمع جرير والأشتر عند على فقال الأشتر: أليس قد نهيتك يا أمير المؤمنين أن تبعث جريرا، وأخبرتك بعداوته وغشه ؟ وأقبل الأشتر يشتمه ويقول: يا أخا بجيلة، إن عثمان اشترى منك دينك بهمدان. والله ما أنت بأهل أن تمشى فوق الأرض حيا (3). إنما أتيتهم لتتخذ عندهم يدا بمسيرك إليهم، ثم رجعت إلينا من عندهم تهددنا بهم. وأنت والله منهم، ولا أرى سعيك إلا لهم، ولئن أطاعنى فيك أمير المؤمنين ليحبسنك وأشباهك في محبس لا تخرجون منه،، حتى تستبين هذه الأمور ويهلك الله الظالمين. قال جرير: وددت والله أنك كنت مكاني بعثت، إذا والله لم ترجع. قال: فلما سمع جرير ذلك لحق بقرقيسيا، ولحق به أناس من قسر من قومه (4)، ولم يشهد صفين من قسر (5) غير تسعة عشر، ولكن


(1) روحه، أي ما فيه من روح. والروح، بالفتح: الراحة. وفي ح (1: 260): " يرجو فتحه ". (2) ظليم، بهيئة التصغير، كما في القاموس. وهو حوشب بن طخمة. (3) ح: " بأهل أن تترك تمشى فوق الأرض ". (4) قسر، بفتح القاف، هم بنو بجيلة رهط جرير بن عبد الله البجلى. وفي الأصل: " ولحق به أناس من قيس فسر من قومه "، صوابه في ح. (5) في الأصل: " قيس " والكلام يقتضى ما أثبت من ح. (*)

[ 61 ]

أحمس (1) شهدها منهم سبعمائة رجل، وخرج على إلى دار جرير فشعث منها وحرق مجلسه، وخرج أبو زرعة بن عمر بن جرير فقال: أصلحك الله، إن فيها أرضا لغير جرير. فخرج على منها إلى دار ثوير بن عامر فحرقها وهدم منها، وكان ثوير رجلا شريفا، وكان قد لحق بجرير. وقال الأشتر فيما كان من تخويف جرير إياه بعمرو، وحوشب ذى ظليم، وذى الكلاع (2): لعمرك يا جرير لقول عمرو * وصاحبه معاوية الشامي وذى كلع وحوشب ذى ظليم * أخف على من زف النعام (3) إذا اجتمعوا على فخل عنهم * وعن باز مخالبه دوام (4) فلست بخائف ما خوفوني * وكيف أخاف أحلام النيام وهمهم الذين حاموا عليه * من الدنيا وهمى ما أمامى (5) فإن أسلم أعمهم بحرب * يشيب لهولها رأس الغلام وإن أهلك فقد قدمت أمرا * أفوز بفلجه يوم الخصام (6) وقد زأروا إلى وأوعدوني * ومن ذا مات من خوف الكلام


(1) بنو أحمس، هم من بطون بجيلة بن أنمار بن نزار. وكانت بجيلة في اليمن. انظر المعارف 29، 46. (2) انظر ما سبق في ص 60. (3) أي قول هؤلاء أخف من زف النعام. والزف، بالكسر: صغار ريش النعام. (4) دوام: داميات. وقد عنى بالبازى نفسه. (5) حاموا، من الحوم، وهو الدوران، يقال لكل من رام أمرا: حام عليه حوما وحياما وحؤوما وحومانا. وحاموا، بفتح الميم، من المحاماة والمدامعة. (6) الفلج: الظفر والنصر. وعنى بيوم الخصام اليوم الآخر. (*)

[ 62 ]

وقال السكوني: تطاول ليلى يا لحب السكاسك * لقول أتانا عن جرير ومالك (1) أجر عليه ذيل عمرو عداوة * وما هكذا فعل الرجال الحوانك (2) فأعظم بها حرى عليك مصيبة * وهل يهلك الأقوام غير التماحك (3) فإن تبقيا تبق العراق بغبطة * وفي الناس مأوى للرجال الصعالك وإلا فليت الأرض يوما بأهلها * تميل إذا ما أصبحا في الهوالك فإن جريرا ناصح لإمامه * حريص على غسل الوجوه الحوالك ولكن أمر الله في الناس بالغ * يحل منايا بالنفوس الشوارك قال نصر: وفي حديث صالح بن صدقة قال: لما أراد معاوية السير إلى صفين قال لعمرو بن العاص: إنى قد رأيت أن نلقى إلى أهل مكة وأهل


(1) السكاسك: حى من اليمن، أبوهم سكسك بن أشرس بن ثور بن كندى. انظر اللسان (12: 327) والاشتقاق 221. (2) الحوانك: جمع حانك على غير قياس، فهو من إخوان الفوارس. واشتقاق الحانك من قولهم: " حنكت الشئ فهمته ". انظر اللسان (12: 299 س 19 - 20). (3) أراد: أعظم بها مصيبة حرى. والحرى: الحارة. والتماحك: اللجاج والمشارة. (*)

[ 63 ]

المدينة كتابا نذكر لهم فيه أمر عثمان، فاما أن ندرك حاجتنا، وإما أن يكف القوم عنا. قال عمرو: إنما نكتب إلى ثلاثة نفر: راض بعلى فلا يزيده ذلك إلا بصيرة، أو رجل يهوى عثمان فلن نزيده على ما هو عليه، أو رجل معتزل فلست بأوثق في نفسه من على. قال: على ذلك. فكتبا: " أما بعد فإنه مهما غابت عنا من الأمور فلن يغيب عنا أن عليا قتل عثمان. والدليل على ذلك مكان قتلنه منه. وإنما نطلب بدمه حتى يدفعوا إلينا قتلته فنقتلهم بكتاب الله، فإن دفعهم على إلينا كففنا عنه، وجعلناها شورى بين المسلمين على ما جعلها عليه عمر بن الخطاب. وأما الخلافة فلسنا نطلبها، فأعينونا على أمرنا هذا وانهضوا من ناحيتكم، فإن أيدينا وأيديكم إذا اجتمعت على أمر واحد، هاب على ما هو فيه. قال: فكتب إليهما عبد الله بن عمر (1): أما بعد فلعمري لقد أخطأتما موضع البصيرة، وتناولتماها من مكان بعيد وما زاد الله من شاك في هذا الأمر بكتابكما إلا شكا. وما أنتما والخلافة ؟ وأما أنت يا معاوية فطليق (2)، وأما أنت يا عمرو فظنون (3). ألا فكفا عنى أنفسكما، فليس لكما ولا لى نصير. وكتب رجل من الأنصار مع كتاب عبد الله بن عمر: معاوى إن الحق أبلج واضح * وليس بما ربصت أنت ولا عمرو


(1) في الإمامة والسياسة (1: 85) أن صاحب الكتاب هو المسور بن مخرمة. (2) الطليق: واحد الطلقاء، وهم " اللين " ؟ أطلقهم الرسول يوم الفتح. انظر ص 29. وزاد في الإمامة والسياسة: " وأبوك من الأحزاب ". (3) الظنون، بالفتح: المتهم ومن لا يوثق به. ومثله الظنين. ح: " فظنين ". (*)

[ 64 ]

نصبت ابن عفان لنا اليوم خدعة * كما نصب الشيخان إذ زخرف الأمر (1) فهذا كهذاك البلا حذو نعله * سواء كرقراق يغر به السفر (2) رميتم عليا بالذى لا يضره (3) * وإن عظمت فيه المكيدة والمكر وما ذنبه أن نال عثمان معشر * أتوه من الأحياء يجمعهم مصر فصار إليه المسلمون ببيته * علانية ما كان فيها لهم قسر فبايعه الشيخان ثم تحملا * إلى العمرة العظمى وباطنها الغدر فكان الذى قد كان مما اقتصاصه * رجيع فيالله ما أحدث الدهر (4) فما أنتما والنصر منا وأنتما * بعيثا حروب ما يبوخ لها الجمر (5) وما أنتما لله در أبيكما * وذكر كما الشورى وقد فلج الفجر قال: وقال نصر: وفي حديث صالح بن صدقة بإسناده قال: قام عدى بن حاتم إلى على عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عندي رجلا من قومي لا يجارى به (6)، وهو يريد أن يزور ابن عم له، حابس بن سعد (7) الطائى، بالشام - فلو أمرناه أن يلقى معاوية لعله أن يكسره ويكسر أهل


(1) يعنى بالشيخين طلحة والزبير. انظر ح (1: 258). (2) يعنى بالرقراق السراب، ترقرق: تلألأ، وجاء وذهب. (3) ح: " لا يضيره ". (4) اقتصاصه: روايته وحكايته. والرجيع: المكرر المعاد من القول. ح: " مما اقتصاصه يطول ". (5) فما أنتما والنصر، يجوز في نحو هذا التركيب الرفع على العطف، والنصب على أنه مفعول معه انظر همع الهوامع (1: 221). (6) ح: " لا يوازى به رجل ". (7) حابس بن سعد، قيل كانت له صحبة، وقتل بصفين. انظر تهذيب التهذيب (2: 127). وقال ابن دريد في الاشتقاق 235: " كان على طيئ الشام مع معاوية، وقتل. وكان عمر رضى الله عنه ولاه قضاء مصر ثم عزله ". ح: " حابس بن سعيد " محرف. (*)

[ 65 ]

الشام. فقال له على: نعم، فمره بذلك - وكان اسم الرجل خفاف بن عبد الله - فقدم على ابن عمه حابس بن سعد بالشام، وكان حابس سيد طيئ فحدث خفاف حابسا أنه شهد عثمان بالمدينة، وسار مع على إلى الكوفة. وكان لخفاف لسان وهيئة وشعر. فغدا حابس وخفاف إلى معاوية فقال حابس: هذا ابن عمي قدم الكوفة مع على، وشهد عثمان بالمدينة، وهو ثقة. فقال له معاوية: هات يا أخا طيئ، حدثنا عن عثمان. قال: حصره المكشوح، وحكم فيه حكيم، ووليه محمد وعمار (1)، وتجرد في أمره ثلاثة نفر: عدى بن حاتم، والأشتر النخعي، وعمرو بن الحمق، وجد في أمره رجلان، طلحة والزبير (2) وأبرأ الناس منه على. قال: ثم مه ؟ قال: ثم تهافت الناس على على بالبيعة تهافت الفراش، حتى ضلت النعل (3) وسقط الرداء، ووطئ الشيخ، ولم يذكر عثمان ولم يذكر له، ثم تهيأ للمسير وخف معه المهاجرون والأنصار، وكره القتال معه ثلاثة نفر: سعد بن مالك، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة. فلم يستكره أحدا، واستغنى بمن خف معه عمن ثقل. ثم سار حتى أتى جبل طيئ، فأتاه منا جماعة كان ضاربا بهم الناس، حتى إذا كان في بعض الطريق أتاه مسير طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، فسرح رجالا إلى الكوفة فأجابوا دعوته، فسار إلى البصرة فهى في كفه (4)، ثم قدم إلى الكوفة، فحمل إليه الصبى، ودبت (5)


(1) انظر التنبيه الرابع من ص 54. (2) ح: " حصره المكشوح والأشتر النخعي وعمرو بن الحمق، وجد في أمره طلحة والزبير ". وفيه سقط كما ترى. (3) ح: " ضاعت النعل ". (4) ح: " فإذا هي في كفه ". (5) في الأصل: " دنت " والوجه ما أثبت من ح. والدبيب: المشى على هينة. (*)

[ 66 ]

إليه العجوز، وخرجت إليه العروس فرحا به، وشوقا إليه، فتركته وليس همه إلا الشام ". فذعر معاوية من قوله، وقال حابس: أيها الأمير لقد أسمعني شعرا غير به حالى في عثمان، وعظم به عليا عندي. قال معاوية: أسمعنيه يا خفاف. فأسمعه قوله شعرا: قلت والليل ساقط الأكناف * ولجنبي عن الفراش تجاف أرقب النجم مائلا ومتى الغم‍ * ض بعين طويلة التذراف (1) ليت شعرى وإنني لسؤول * هل لى اليوم بالمدينة شاف من صحاب النبي إذ عظم الخط * ب وفيهم من البرية كاف أحلال دم الإمام بذنب * أم حرام بسنة الوقاف (2) قال لى القوم لا سبيل إلى ما * تطلب اليوم قلت حسب خفاف عند قوم ليسوا بأوعية العل‍ * م ولا أهل صحة وعفاف قلت لما سمعت قولا دعوني * إن قلبى من القلوب الضعاف قد مضى ما مضى ومر به الده‍ * ر كما مر ذاهب الأسلاف إننى والذى يحج له النا * س على لحق البطون العجاف (3)


(1) مائلا، أي إلى الغيب. والغمض، بالضم: النوم. في الأصل: " راقب الليل " تحريف. هذا والبيت والستة الأبيات التى بعده لم ترو في ح. (2) الوقاف: المتأنى الذى لا يعجل. وفي حديث الحسن: " إن المؤمن وقاف متأن، وليس كحاطب الليل ". والوقاف أيضا: المحجم عن القتال. (3) لحق البطون، عنى بها الإبل. ولحق: جمع لاحق ولاحقة، واللاحق: الضامر. وفي ح: " لحق البطون عجاف ". (*)

[ 67 ]

تتبارى مثل القسى من النب‍ * ع بشعث مثل الرصاف نحاف (1) ارهب اليوم، إن أتاك على، * صيحة مثل صيحة الأحقاف (2) إنه الليث عاديا وشجاع * مطرق نافث بسم زعاف (3) فارس الخيل كل يوم نزال * ونزال الفتى من الإنصاف واضع السيف فوق عاتقه الأي‍ * من يذرى به شؤون القحاف (4) لا يرى القتل في الخلاف عليه * ألف ألف كانوا من الإسراف سوم الخيل ثم قال لقوم * تابعوه إلى الطعان خفاف: استعدوا لحرب طاغيه الشا * م، فلبوه كالبنين اللطاف ثم قالوا أنت الجناح لك الري‍ * ش القدامى ونحن منه الخوافى أنت وال وأنت والدنا الب‍ * ر ونحن الغداة كالأضياف وقرى الضيف في الديار قليل * قد تركنا العراق للإتحاف (5)


(1) شبه الإبل بالقسى في تقوسها. والشعث، عنى بهم الحجاج الذين قد شعثت رؤوسهم أي تلبد شعرها واغبر. والرصاف: العقبة التى تلوى فوق رعظ السهم إذا انكسر. ورعظ السهم: مدخل سنخ النصل. وفى ح: " مثل السهام ". (2) الصيحة: العذاب والهلكة. وقوم الأحقاف هم عاد قوم هود. انظر الآيات 21 - 26 من سورة الأحقاف. والأحقاف: رمل فيما بين عمان إلى حضر موت. ح: " إن أتاكم على * صبحة مثل صبحة ". والصبحة: المرة من صبح القوم شرا: جاءهم به صباحا. (3) عاديا، ينظر فيه إلى قوم عبد يغوث بن وقاص في المفضليات (1: 156): " أنا الليث معدوا عليه وعاديا ". وعدا الليث: وثب. وفي الأصل: " غازيا " وفي ح: " غاديا ". والشجاع، بالضم والكسر: الحية الذكر. (4) يذرى: يطيح ويلقى ويطير. والشؤون: مواصل قبائل الرأس. ح: " يفرى به ". (5) الإتحاف: أن يتحفه بتحفة، وهى ما تتحف به الرجل من البر واللطف. في الأصل: " للانحاف "، تحريف. والبيت لم يرو في ح. (*)

[ 68 ]

وهم ما هم إذا نشب البأ * س ذووالفضل والأمور الكوافى وانظر اليوم قبل نادية القوم * بسلم أردت أم بخلاف (1) إن هذا رأى الشفيق على الشا * م ولولاه ما خشيت مشاف فانكسر معاوية وقال: يا حابس، إنى لا أظن هذا إلا عينا لعلى، أخرجه عنك لا يفسد أهل الشام - وكنى معاوية بقوله - ثم بعث إليه بعد فقال: يا خفاف، أخبرني عن أمور الناس. فأعاد عليه الحديث، فعجب معاوية من عقله وحسن وصفه للامور. آخر الجزء الأول من الأصل، والحمد لله وصلواته على رسوله سيدنا محمد النبي وآله وسلم ويتلوه الجزء الثاني


(1) نادية القوم: دعوتهم. وفي الحديث: " فبينما هم كذلك إذ نودوا نادية ". في الأصل: " نادبة " بالباء الموحدة، تحريف. وفي ح: " قبل بادرة القوم ". والبادرة: ما يبدر حين النضب من قول أو فعل. ح: " بسلم تهم ". (*)

[ 69 ]

الجزء الثاني من كتاب صفين لنصر بن مزاحم رواية أبى محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبى الحسن على بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبى الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفى رواية أبى يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبى الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى رواية أبى البركات عبد الواهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي سماع مظفر بن على بن محمد المعروف بابن المعجم - غفر الله له

[ 71 ]

بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي، قال: أخبرنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى بقراءتي عليه في ربيع الآخر من سنة أربع وثمانين وأربعمائة، قال أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفى، قال أبو الحسن على بن محمد بن محمد بن عقبة، قال أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز، قال أبو الفضل نصر بن مزاحم، عن عطية بن غنى (1)، عن زياد بن رسم قال: كتب معاوية بن أبى سفيان إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب خاصة، وإلى سعد بن أبى وقاص، ومحمد بن مسلمة، دون كتابه إلى أهل المدينة، فكان في كتابه إلى ابن عمر: أما بعد فإنه لم يكن أحد من قريش أحب إلى أن يجتمع عليه الأمة (2) بعد قتل عثمان منك. ثم ذكرت خذلك إياه وطعنك على أنصاره فتغيرت لك، وقد هون ذلك على خلافك على على، ومحا عنك بعض ما كان منك (3) فأعنا - رحمك الله - على حق هذا الخليفة المظلوم، فإنى لست أريد


(1) ح (1: 259): " عطية بن غناء ". (2) ح: " الناس ". (3) في الأصل: " وجزنى إليك بعض ما كانت منك "، وأثبت ما في ح. (*)

[ 72 ]

الإمارة عليك، ولكني أريدها لك. فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين ". وكتب في أسفل كتابه: ألا قل لعبد الله واخصص محمدا * وفارسنا المأمون سعد بن مالك (1) ثلاثة رهط من صحاب محمد * نجوم ومأوى للرجال الصعالك (2) ألا تخبرونا والحوادث جمة * وما الناس إلا بين ناج وهالك أحل لكم قتل الإمام بذنبه * فلستم لأهل الجور أول تارك وإلا يكن ذنبا أحاط بقتله * ففى تركه والله إحدى المهالك وإما وقفتم بين حق وباطل * توقف نسوان إماء عوارك (3) وما القول إلا نصره أو قتاله * أمانة قوم بدلت غير ذلك فإن تنصرونا تنصروا أهل حرمة * وفي خذلنا يا قوم جب الحوارك (4) قال: فأجابه ابن عمر: " أما بعد فإن الرأى الذى أطمعك في هو الذى صيرك إلى ما صيرك إليه. أنى تركت عليا في المهاجرين والأنصار، وطلحة والزبير، وعائشة أم المؤمنين، واتبعتك (5). أما زعمك أنى طعنت على على فلعمري ما أنا


(1) هو الصحابي الجليل سعد بن أبى وقاص، واسمه سعد بن مالك بن أهيب - وقيل وهيب - بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشى الزهري. وهو أحد الستة أهل الشورى، و ولى الكوفة لعمر، وهو الذى بناها، ثم عزل ووليها لعثمان. توفى سنة 55. الإصابة 3187. (2) الصعالك: جمع صعلوك. وحذف الياء في مثله جائز. والصعلوك: الفقير الذى لا مال له. (3) العوارك: الحوائض من النساء، جمع عارك. (4) الحوارك: جمع حارك، وهو أعلى الكاهل. (5) ح: " أترك " مع إسقاط كلمة: " أنى " قبلها. وفي ح أيضا " وأتبعك " بدل: " واتبعتك ". (*)

[ 73 ]

كعلى في الإيمان والهجرة، ومكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونكايته في المشركين. ولكن حدث أمر لم يكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فيه عهد، ففزعت فيه إلى الوقوف (1)، وقلت: إن كان هدى ففضل تركته، وإن كان ضلالة فشر نجوت منه. فأغن عنا نفسك (2)). ثم قال لابن أبى غزية: أجب الرجل - وكان أبوه ناسكا، وكان أشعر قريش - فقال: معاوى لا ترج الذى لست نائلا * وحاول نصيرا غير سعد بن مالك (3) ولا ترج عبد الله واترك محمدا * ففى ما تريد اليوم جب الحوارك تركنا عليا في صحاب محمد وكان لما يرجى له غير تارك نصير رسول الله في كل موطن * وفارسه المأمون عند المعارك وقد خفت الأنصار معه وعصبة مهاجرة مثل الليوث الشوابك (4)


(1) ح: " ولكن عهد إلى في هذا الأمر عهد ففرغت فيه الوقوف "، تحريف ونقص. (2) أغن نفسك: اصرفها وكفها. ومنه قول الله: " لن يغنوا عنك من الله شيئا ". وفى الأصل: " فاعزل عنا نفسك "، صوابه من ح. (3) انظر ما مضى في الصفحة السابقة. (4) أسد شابك: مشتبك الأنياب مختلفها. والشابك أيضا من أسماء الأسد. وفي الأصل: " الشوائك " تحريف. (*)

[ 74 ]

وطلحة يدعو والزبير وأمنا * فقلنا لها قولى لنا ما بدا لك حذار أمور شبهت ولعلها موانع في الأخطار إحدى المهالك وتطمع فينا يا ابن هند سفاهة * عليك بعليا حمير والسكاسك (1) وقوم يمانيون يعطوك نصرهم * بصم العوالي والسيوف البواتك قال: وكان من كتاب معاوية إلى سعد: " أما بعد فإن أحق الناس بنصر عثمان أهل الشورى من قريش، الذين أثبتوا حقه واختاروه على غيره، وقد نصره طلحة والزبير وهما شريكاك في الأمر، ونظيراك في الإسلام، وخفت لذلك أم المؤمنين. فلا تكرهن ما رضوا، ولا تردن ما قبلوا، فإنا نردها شورى بين المسلمين ". وقال شعرا: ألا يا سعد قد أظهرت شكا * وشك المرء في الأحداث داء على أي الأمور وقفت حقا * يرى أو باطلا فله دواء وقد قال النبي وحد حدا * يحل به من الناس الدماء ثلاث: قاتل نفسا، وزان * ومرتد مضى فيه القضاء فإن يكن الإمام يلم منها * بواحدة فليس له ولاء


(1) انظر ما سبق في ص 62. (*)

[ 75 ]

وإلا فالتى جئتم حرام (1) * وقاتله وخاذله سواء وهذا حكمه لا شك فيه * كما أن السماء هي السماء وخير القول ما أوجزت فيه * وفي إكثارك الداء العياء أبا عمرو دعوتك في رجال * فجاز عراقى الدلو الرشاء (2) فأما إذ أبيت فليس بينى * وبينك حرمة، ذهب الرجاء سوى قولى، إذا اجتمعت قريش: * على سعد من الله العفاء فأجابه سعد: " أما بعد فإن عمر لم يدخل في الشورى إلا من يحل له الخلافة من قريش، فلم يكن أحد منا أحق بها (3) من صاحبه [ إلا ] باجتماعنا عليه، غير أن عليا قد كان فيه ما فينا ولم يك فينا ما فيه. وهذا أمر قد كرهنا أوله وكرهنا آخره (4). فأما طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما كان خيرا لهما. والله يغفر لأم المؤمنين ما أتت ". ثم أجابه في الشعر: معاوى داؤك الداء العياء * فليس لما تجئ به دواء طمعت اليوم في يا ابن هند * فلا تطمع فقد ذهب الرجاء عليك اليوم ما أصبحت فيه * فما يكفيك من مثلى الإباء (5)


(1) في الأصل: " حراما ". (2) أراد انقطع الأمل. وعراقى الدلو: جمع عرقوة، قال الأصمعى: يقال للخشبتين اللتين تعترضان على الدلو كالصليب: العرقوتان، وهى العراقى. وفي الأصل: " عوالي الدلو " ولا وجه له. وهذه القصيدة وسابقتها لم أجدهما في كتاب ابن أبى الحديد. (3) في الأصل: " به " صوابه في ح (1: 260). (4) ح: " قد كرهت أوله وكرهت آخره ". (5) أي الذى يكفيك منى الإباء. (*)

[ 76 ]

فما الدنيا بباقية لحى * ولا حى له فيها بقاء وكل سرورها فيها غرور * وكل متاعها فيها هباء أيدعوني أبو حسن على * فلم أردد عليه بما يشاء وقلت له اعطني سيفا بصيرا * تمر به العداوة والولاء فإن الشر أصغره كبير * وإن الظهر تثقله الدماء أتطمع في الذى أعيا عليا * على ما قد طمعت به العفاء ليوم منه خير منك حيا * وميتا، أنت للمرء الفداء فأما أمر عثمان فدعه * فإن الرأى أذهبه البلاء وكان كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة: " أما بعد فإنى لم أكتب إليك وأنا أرجو متابعتك (1)، ولكني أردت أن أذكرك النعمة التى خرجت منها والشك الذى صرت إليه. إنك فارس الأنصار، وعدة المهاجرين، ادعيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا لم تستطع إلا أن تمضى عليه، فهذا نهاك عن قتال أهل الصلاة، فهلا نهيت أهل الصلاة عن قتال بعضهم بعضا. وقد كان عليك أن تكره لهم ما كره لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو لم تر عثمان وأهل الدار من أهل الصلاة (2) ؟ فأما قومك فقد عصوا الله وخذلوا عثمان، والله سائلك وسائلهم عن الذى كان، يوم القيامة ". فكتب إليه محمد [ بن مسلمة ]: " أما بعد فقد اعتزل هذا الأمر من ليس في يده من رسول الله صلى الله


(1) ح: " مبايعتك ". (2) ح: " أهل القبلة " في المواضع الثلاثة. (*)

[ 77 ]

عليه وآله وسلم مثل الذى في يدى. فقد أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو كائن قبل أن يكون، فلما كان كسرت سيفى، وجلست في بيتى (1) واتهمت الرأى على الدين، إذ لم يصح لى معروف آمر به، ولا منكر أنهى عنه. وأما أنت فلعمري ما طلبت إلا الدنيا، ولا اتبعت إلا الهوى. فإن تنصر عثمان ميتا فقد خذلته حيا (2). فما أخرجنى الله من نعمة ولا صيرني إلى شك. إن كنت أبصرت خلاف ما تحبنى به ومن قبلنا من المهاجرين والأنصار، فنحن أولى بالصواب منك ". ثم دعا محمد بن مسلمة رجلا من الأنصار، وكان فيمن يرى رأى محمد في الوقوف، فقال: أجب يا مروان بجوابه فقد تركت الشعر. فقال مروان. لم يكن عند ابن عقبة الشعر. وفي حديث صالح بن صدقة بإسناده قال: ضربت الركبان إلى الشام بقتل عثمان، فبينما معاوية [ يوما ] إذ أقبل رجل متلفف، فكشف عن وجهه فقال: يا أمير المؤمنين، أتعرفني ؟ قال: نعم، أنت الحجاج بن خزيمة بن الصمة فأين تريد ؟ قال: إليك القربان (4)، أنعى إليك ابن عفان. ثم قال: إن بنى عمك عبد المطلب * هم قتلوا شيخكم غير الكذب وأنت أولى الناس بالوثب فثب * واغضب معاوى للإله واحتسب


(1) يروى عن محمد بن مسلمة أنه قال: " أعطاني رسول الله صلى الله عليه وآله سيفا فقال: قاتل به المشركين ما قوتلوا، فإذا رأيت أمتى يضرب بعضهم بعضا فائت به أحدا فاضرب به حتى ينكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية خاطئة. انظر الإصابة 7800. (2) ح: " فقد خذلته حيا. والسلام " وبذلك تنتهى هذه الرسالة في ح. (4) القربان، بالضم والكسر: الدنو. (*)

[ 78 ]

وسر بنا سير الجرئ المتلئب (1) * وانهض بأهل الشام ترشد وتصب (2). ثم اهزز الصعدة للشأس الكلب (3) يعنى " عليا ". فقال له: عندك مهز (4) ؟ قال: نعم. ثم أقبل الحجاج بن الصمة على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، إنى كنت فيمن خرج مع يزيد بن أسد [ القسرى ] مغيثا لعثمان، فقدمنا أنا وزفر بن الحارث فلقينا رجلا زعم أنه ممن قتل عثمان، فقتلناه. وإنى أخبرك يا أمير المؤمنين أنك تقوى على على بدون ما يقوى به عليك، لأن معك قوما لا يقولون إذا قلت، ولا يسألون إذا أمرت. وإن مع على قوما يقولون إذا قال، ويسألون إذا أمر، فقليل ممن معك خير من كثير ممن معه. واعلم أنه لا يرضى على إلا بالرضا، وإن رضاه سخطك. ولست وعلى سواء (6): لا يرضى على بالعراق دون الشام، ورضاك الشام دون العراق.


(1) قال ابن أبى الحديد في (1: 253): " المتلئب: المستقيم المطرد ". وفي اللسان أيضا: اتلأب: أقام صدره ورأسه. وفي الأصل: " الملتبب " ولا وجه له. (2) في الأصل: " وجمع أهل الشام "، صوابه من ح. (3) الصعدة، بالفتح: القناة المستوية. والشأس، أصل معناه المكان الغليظ الخشن. قال ابن أبى الحديد: " ومن رواه: للشاسى، بالياء فأصله الشاصى بالصاد، وهو المرتفع، يقال شصا السحاب إذا ارتفع، فأبدل الصاد سينا. ومراده هنا نسبة على عليه السلام إلى التيه والرفع عن الناس ". قلت: قد أبعد ابن أبى الحديد في التخريج، إنما يكون: " الشاسى " مخفف " الشاسئ " وهو من المقلوب. وفي اللسان (مادة شأس): " ويقال مقلوبا: مكان شاسئ وجاسئ: غليظ ". (4) مهز: مصدر ميمى من الهز. يقال هززت فلانا لخير فاهتز. ح: " أفيك مهز ". (5) زاد ابن أبى الحديد: " ولم يخاطب معاوية بأمير المؤمنين قبلها " أي قبل هذه الزيارة. وهذه العبارة تعليق من ابن أبى الحديد. وتقرأ بفتح الطاء من " يخاطب " وإلا فإن الحجاج خاطبه قبلها بأمير المؤمنين في أول الحديث. وانظر ص 80 س 6. (6) كذا وردت العبارة في الأصل، وح. وهو وجه ضعيف في العربية، إذ لا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل إلا بعد توكيده بالضمير المنفصل، أو وجود فاصل بين المتبوع والتابع. (*)

[ 79 ]

فضاق معاوية [ صدرا ] بما أتاه، وندم على خذلانه عثمان (1). وقال معاوية حين أتاه قتل عثمان: أتانى أمر فيه للنفس غمة * وفيه بكاء للعيون طويل وفيه فناء شامل وخزاية * وفيه اجتداع للأنوف أصيل مصاب أمير المؤمنين وهدة * تكاد لها صم الجبال تزول (2) فلله عينا من رأى مثل هالك * أصيب بلا ذنب وذاك جليل تداعت عليه بالمدينة عصبة * فريقان منها قاتل وخذول (3) دعاهم فصموا عنه عند جوابه * وذاكم على ما في النفوس دليل (4) ندمت على ما كان من تبعى الهوى * وقصرى فيه حسرة وعويل (5) سأنعى أبا عمرو بكل مثقف * وبيض لها في الدار عين صليل (6) تركتك للقوم الذين هم هم * شجاك فماذا بعد ذاك أقول فلست مقيما ما حييت ببلدة * أجر بها ذيلي وأنت قتيل


(1) في الأصل: " وهذه "، صوابها من ح. (2) ح: " على خذلان عثمان ". (3) ح: " منهم قاتل ". (4) أي عند طلبه الجواب. وفي ح: " عند دعائه ". (5) يقال: قصرك أن تفعل كذا، أي حسبك وكفايتك وغايتك، كما تقول: قصارك وقصاراك. الأولى بفتح القاف والأخريان بضمها. (6) أبو عمرو: كنية عثمان بن عفان. وفي رثائه تقول زوجه نائلة بنت الفرافصة: ومالى لا أبكى وتبكى قرابتي * وقد غيبوا عنا فضول أبى عمرو ح: " سأبغى " أي سأطلب ثاره. والبيض، بالكسر: السيوف، جمع أبيض. والدارع: لابس الدرع. (*)

[ 80 ]

فلا نوم حتى تشجر الخيل بالقنا * ويشفى من القوم الغواة غليل (1) ونطحنهم طحن الرحى بثفالها * وذاك بما أسدوا إليك قليل (2) فأما التى فيها مودة بيننا * فليس إليها ما حييت سبيل سألقحها حربا عوانا ملحة * وإنى بها من عامنا لكفيل (3) نصر: وافتخر الحجاج على أهل الشام بما كان من تسليمه على معاوية بإمرة المؤمنين. نصر: صالح بن صدقة، عن إسماعيل بن زياد، عن الشعبى، أن عليا قدم من البصرة مستهل رجب الكوفة، وأقام بها سبعة عشر شهرا يجرى الكتب فيما بينه وبين معاوية وعمرو بن العاص. قال: وفي حديث عثمان بن عبيد الله الجرجاني قال: بويع معاوية على الخلاف، فبايعه الناس على كتاب الله وسنة نبيه، فأقبل مالك بن هبيرة الكندى - وهو يومئذ رجل من أهل الشام - فقام خطيبا وكان غائبا من البيعة، فقال: " يا أمير المؤمنين، أخدجت هذا الملك (4)، وأفسدت الناس، وجعلت للسفهاء مقالا. وقد علمت العرب أنا حى فعال، ولسنا بحى مقال، وإنا نأتى بعظيم فعالنا على قليل مقالنا. فابسط


(1) الشجر: الطعن بالرمح. وفي حديث الشراة: " فشجرناهم بالرماح، أي طعناهم بها حتى اشتبكت فيهم ". وعنى بالخيل الفرسان. (2) الثفال، بالكسر، جلد يبسط تحت الرحى ليقى الطحين من التراب، ولا تثفل الرحى إلا عند الطحن. في الأصل: " وأطحنهم " وأثبت ما في ح، وفي الأصل أيضا: " بما أسدى إلى "، والوجه ما أثبت من ح. (3) في الأصل: " من عامها ". (4) الإخداج: النقص، وفي الأصل: " أخرجت " بالراء، تحريف. (*)

[ 81 ]

يدك أبايعك على ما أحببنا وكرهنا ". فكان أول العرب بايع عليها مالك ابن هبيرة. وقال الزبرقان بن عبد الله السكوني: معاوى أخدجت الخلافة بالتى * شرطت فقد بوالك الملك مالك ببيعة فصل ليس فيها غميزة * ألا كل ملك ضمه الشرط هالك وكان كبيت العنكبوت مذبذبا * فأصبح محجوبا عليه الأرائك وأصبح لا يرجوه راج لعلة * ولا تنتحى فيه الرجال الصعالك وما خير ملك يا معاوى مخدج * تجرع فيه الغيظ والوجه حالك إذا شاء ردته السكون وحمير * وهمدان والحى الخفاف السكاسك نصر: صالح بن صدقة، عن ابن إسحاق، عن خالد الخزاعى وغيره عمن لا يتهم (1)، أن عثمان لما قتل وأتى معاوية كتاب على بعزله عن الشام خرج حتى صعد المنبر ثم نادى في الناس أن يحضروا، فحضروا المسجد فخطب الناس معاوية فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال: " يا أهل الشام، قد علمتم أنى خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وخليفة عثمان وقتل مظلوما، وقد تعلمون أنى وليه (2)، والله يقول في كتابه: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا): وأنا أحب أن تعلموني ما في أنفسكم من قتل عثمان ". قال: فقام كعب بن مرة السلمى وفي المسجد يومئذ أربعمائة رجل


(1) ح (1: 253): " ممن لا يتهم ". (2) ح: " وخليفة عثمان وقد قتل وأنا ابن عمه ووليه ". (*)

[ 82 ]

أو نحو ذلك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله - فقال: " والله لقد قمت مقامي هذا وإنى لأعلم أن فيكم من هو أقدم صحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله منى، ولكني قد شهدت من رسول الله مشهدا لعل كثيرا منكم لم يشهده. وإنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف النهار في يوم شديد الحر فقال: " لتكونن فتنة حاضرة ". فمر رجل مقنع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا المقنع يومئذ على الهدى قال: فقمت فأخذت بمنكبيه (1) وحسرت عن رأسه فإذا عثمان، فأقبلت بوجهه إلى رسول الله فقلت: هذا يارسول الله ؟ قال: " نعم ". فأصفق أهل الشام على معاوية، وبايعوه على الطلب بدم عثمان أميرا لا يطمع في الخلافة، ثم الأمر شورى. وفي حديث محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال: لما قدم عبيد الله بن عمر بن الخطاب على معاوية بالشام، أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص فقال: " يا عمرو، إن الله قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم عبيد الله ابن عمر، وقد رأيت أن أقيمه خطيبا فيشهد على على بقتل عثمان، وينال منه ". فقال: الرأى ما رأيت. فبعث إليه فأتى، فقال له معاوية: يا ابن أخى، إن لك اسم أبيك، فانظر بملء عينيك، وتكلم بكل فيك (2) فأنت المأمون المصدق ! فا [ صعد المنبر، وا ] شتم عليا واشهد عليه أنه قتل عثمان. فقال: يا أمير المؤمنين (3) أما شتميه فإنه على بن أبى طالب، وأمه فاطمة بنت أسد بن


(1) ح: " بمنكبه ". (2) ح (1: 256): " وانطق بملء فيك ". (3) ح: " أيها الأمير ". (*)

[ 83 ]

هاشم، فما عسى أن أقول في حسبه. وأما بأسه فهو الشجاع المطرق. وأما أيامه فما قدمت عرفت: ولكني ملزمه دم عثمان. فقال عمرو [ بن العاص ]: إذا والله قد نكأت القرحة (1). فلما خرج عبيد الله قال معاوية: أما والله لولا قتله الهرمزان، ومخافة على على نفسه (2) ما أتانا أبدا. ألم تر إلى تقريظه عليا ؟ ! فقال عمرو: " يا معاوية، إن لم تغلب فاخلب ". فخرج حديث إلى عبيد الله، فلما قام خطيبا تكلم بحاجته، حتى إذا أتى إلى أمر على أمسك [ ولم يقل شيئا ]، فقال له معاوية (3): ابن أخى (4)، إنك بين عى أو خيانة ! فبعث إليه: " كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان، وعرفت أن الناس محتملوها عنى [ فتركتها ] ". فهجره معاوية، واستخف بحقه، وفسقه فقال عبيد الله: معاوى لم أخرص بخطبة خاطب * ولم أك عيا في لؤى بن غالب (5) ولكننى زاولت نفسا أبية * على قذف شيخ بالعراقين غائب


(1) ح: " قد وأبيك إذن نكأت القرحة ". (2) ح: " ومخافته عليا على نفسه ". (3) ح: " فلما نزل بعث إليه معاوية ". (4) في الأصل: " ابن أخ " تحريف، والمنادى إذا كان مضافا إلى مضاف إلى الياء فالياء ثابتة لا غير كقولك: " يا ابن أخى " و " يا ابن خالي " إلى إن كان " ابن أم " أو " ابن عم " ففيهما مذاهب. (5) لم أخرص: لم أكذب. وفي الأصل وح: " لم أحرص " تحريف. (*)

[ 84 ]

وقذفي عليا بابن عفان جهرة يجدع بالشحنا أنوف الأقارب (1) فأما انتقافى أشهد اليوم وثبة فلست لكم فيها ابن حرب بصاحب (2) ولكنه قد قرب القوم جهده ودبوا حواليه دبيب العقارب (3) فما قال أحسنتم ولا قد أسأتم وأطرق إطراق الشجاع المواثب فأما ابن عفان فأشهد أنه أصيب بريئا لابسا ثوب تائب حرام على آهاله نتف شعره فكيف وقد جازوه ضربة لازب (4) وقد كان فيها للزبير عجاجة وطلحة فيها جاهد غير لاعب وقد أظهرا من بعد ذلك توبة فياليت شعرى ما هما في العواقب


(1) الشحناء: البغض والعداوة، وفي الأصل: " أجدع بالشحناء ": وفي ح: " كذاب وما طبعي سجايا المكاذب "، وجه هذه " وما طبى ". (2) البيت لم يرو في ح، وفي صدره تحريف. (3) ح: " ولكنه قد حزب القوم حوله ". (4) الآهال: جمع أهل، وأنشد الجوهرى: * وبلدة ما الجن من آهالها * (*)

[ 85 ]

فلما بلغ معاوية شعره بعث إليه فأرضاه وقربه وقال: " حسبى هذا منك ". نصر، عن عمر بن سعد عن أبى ورق، أن ابن عمر بن مسلمة الأرحبى أعطاه كتابا في إمارة الحجاج بكتاب من معاوية إلى على. قال: وإن أبا مسلم الخولانى (1) قدم إلى معاوية في أناس من قراء أهل الشام، [ قبل مسير أمير المؤمنين عليه السلام إلى صفين، ] فقالوا [ له ]: يا معاوية علام تقاتل عليا، وليس لك مثل صحبته ولا هجرته ولا قرابته ولا سابقته ؟ قال لهم: ما أقاتل عليا وأنا أدعى أن لى في الإسلام مثل صحبته ولا هجرته ولا قرابته ولا سابقته، ولكن خبروني عنكم، ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ؟ قالوا: بلى. قال: فليدع إلينا (2) قتلته فنقتلهم به، ولا قتال بيننا وبينه. قالوا: فاكتب [ إليه ] كتابا يأتيه [ به ] بعضنا. فكتب إلى على هذا الكتاب مع أبى مسلم الخولانى، فقدم به على على، ثم قام أبو مسلم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد فإنك قد قمت بأمر وتوليته (3)، والله ما أحب أنه لغيرك إن أعطيت الحق من نفسك، إن عثمان قتل مسلما محرما (4) مظلوما، فادفع


(1) أبو مسلم الخولانى الزاهد الشامي هو عبد الله بن ثوب، بضم المثلثة وفتح الواو، وقيل بإشباع الواو، وقيل ابن أثوب بوزن أحمر، ويقال ابن عوف وابن مشكم، ويقال اسمه يعقوب بن عوف، وكان ممن رحل إلى النبي فلم يدركه، وعاش إلى زمن يزيد بن معاوية. انظر تقريب التهذيب 612 والمعارف 194. وفى الأصل: " الحولانى " بالمهملة، صوابه بالخاء المعجمة، كما في ح (3: 407) نسبة إلى خولان، بالفتح، إحدى قبائل اليمن. (2) ح (3: 407): " فليدفع إلينا ". (3) ح: (3: 408): " وليته ". (4) محرما: أي له حرمة وذمة، أو أراد أنهم قتلوه في آخر ذى الحجة، وقال أبو عمرو: = (*)

[ 86 ]

إلينا قتلته، وأنت أميرنا، فإن خالفك أحد من الناس كانت أيدينا لك ناصرة، وألسنتنا لك شاهدة، وكنت ذا عذر وحجة ". فقال له على: اغد على غدا، فخذ جواب كتابك. فانصرف ثم رجع من الغد ليأخذ جواب كتابه فوجد الناس قد بلغهم الذى جاء فيه، فلبست الشيعة أسلحتها ثم غدوا فملؤوا المسجد وأخذوا ينادون: كلنا قتل ابن عفان [ وأكثروا من النداء بذلك ]، وأذن لأبى مسلم فدخل على على أمير المؤمنين فدفع إليه جواب كتابه معاوية، فقال له أبو مسلم: قد رأيت قوما ما لك معهم أمر. قال: وما ذاك ؟ قال: بلغ القوم أنك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان فضجوا واجتمعوا ولبسوا السلاح وزعموا أنهم كلهم قتلة عثمان. فقال على: " والله ما أردت أن أدفعهم إليك طرفة عين، لقد ضربت هذا الأمر أنفه وعينيه ما رأيته ينبغى لى أن أدفعهم إليك ولا إلى غيرك ". فخرج بالكتاب وهو يقول: الآن طاب الضراب. وكان كتاب معاوية إلى على عليه السلام (1): بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبى سفيان إلى على بن أبى طالب. سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد فإن الله اصطفى محمدا بعلمه، وجعله الأمين على وحيه، والرسول إلى خلقه، واجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم،


= أي صائما، ويقال أراد لم يحل بنفسه شيئا يوقع به، فهو محرم. وبكل هذه التأويلات فسر بيت الراعى، الذى أنشده صاحب اللسان (15: 13): قتلوا ابن عفان الخليفة محرما * ودعا فلم أر مثله مقتولا وانظر خزانة الأدب (1: 503 - 504). (1) انظر هذا الكتاب أيضا في العقد (3: 107). (*)

[ 87 ]

فكانوا في منار لهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام. فكان أفضلهم في إسلامه، وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة من بعده، وخليفة خليفته، والثالث الخليفة المظلوم عثمان، فكلهم حسدت، وعلى كلهم بغيت. عرفنا ذلك في نظرك الشزر، وفى قولك الهجر، وفي تنفسك الصعداء، وفي إبطائك عن الخلفاء، تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش (1) حتى تبايع وأنت كاره. ثم لم تكن لأحد منهم بأعظم حسدا منك لابن عمك عثمان، وكان أحقهم ألا تفعل به ذلك في قرابته وصهره، فقطعت رحمه، وقبحت محاسنه، وألبت الناس عليه، وبطنت وظهرت، حتى ضربت إليه آباط الإبل، وقيدت إليه الخيل العراب، وحمل عليه السلاح في حرم رسول الله، فقتل معك في المحلة وأنت تسمع في داره الهائعة (2)، لا تردع الظن والتهمة عن نفسك فيه بقول ولا فعل. فأقسم صادقا أن لو قمت فيما كان من أمره مقاما واحدا تنهنه الناس عنه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا، ولمحا ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان والبغى عليه. وأخرى أنت بها عند أنصار عثمان ظنين: إيواؤك قتلة عثمان، فهم عضدك وأنصارك ويدك وبطانتك (3). وقد ذكر لى أنك تنصل من دمه، فإن كنت صادقا فأمكنا من قتلته نقتلهم به، ونحن أسرع [ الناس ] إليك. وإلا فإنه فليس لك ولا لأصحابك إلا السيف. والذى لا إله إلا هو لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال، والبر والبحر، حتى يقتلهم الله، أو لتلحقن أرواحنا بالله. والسلام.


(1) المخشوش: الذى جعل في عظم أنفه الخشاش، وهو بالكسر، عويد يجعل في أنف البعير يشد به الزمام ليكون أسرع في انقياده. (2) الهائعة: الصوت الشديد. (3) بطانة الرجل: خاصته وصاحب سره. وفي الأصل: " بطاشك " صوابه في ح. (*)

[ 88 ]

فكتب إليه على عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان. أما بعد فإن أخا خولان قدم على بكتاب منك تذكر فيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما أنعم الله عليه به من الهدى والوحى. والحمد لله الذى صدقه الوعد، وتمم له النصر (1)، ومكن له في البلاد، وأظهره على أهل العداء (2) والشنآن، من قومه الذين وثبوا به، وشنفوا له (3)، وأظهروا له التكذيب، وبارزوه بالعداوة، وظاهروا على إخراجه وعلى إخراج أصحابه [ وأهله ]، وألبوا عليه العرب، وجامعوهم على حربه، وجهدوا في أمره كل الجهد، وقلبوا له الأمور حتى ظهر أمر الله وهم كارهون. وكان أشد الناس عليه ألبة (4) أسرته والأدنى فالأدنى من قومه إلا من عصمه الله (5) يا ابن هند. فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا، ولقد قدمت فأفحشت، إذ طفقت تخبرنا عن بلاء الله تعالى في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وفينا، فكنت في ذلك كجالب التمر إلى هجر، أو كداعي مسدده إلى النضال (6). وذكرت أن الله اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام،


(1) ح: " وأيده بالنصر ". (2) في الأصل: " العدى " تحريف. وفي ح: " العداوة ". (3) شنف له يشنف شنفا، من باب تعب: أبغضه. وفي الحديث في إسلام أبى ذر: " فإنهم قد شنفوا له "، أي أبغضوه. (4) الألبة: المرة من الألب، وهو التحريض. والذى في ح: " تأليبا وتحريضا ". (5) الكلام بعد هذه إلى كلمة: " النضال " لم يرد في ح. (6) التسديد: التعليم. أي كمن يدعو من علمه النضال إلى النضال. (*)

[ 89 ]

فكان أفضلهم - زعمت - في الإسلام، وأنصحهم لله ورسوله الخليفة، وخليفة الخليفة. ولعمري إن مكانهما من الإسلام لعظيم، وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد. رحمهما الله وجزاهما بأحسن الجزاء (1). وذكرت أن عثمان كان في الفضل ثالثا (2)، فإن يكن عثمان محسنا فسيجزيه الله بإحسانه، وإن يك مسيئا فسيلقى ربا غفورا لا يتعاظمه ذنب أن يغفره. ولعمر الله إنى لأرجو إذا أعطى الله الناس على قدر فضائلهم في الإسلام ونصيحتهم لله ورسوله أن يكون نصيبنا في ذلك الأوفر. إن محمدا صلى الله عليه وسلم لما دعا إلى الإيمان بالله والتوحيد كنا - أهل البيت - أول من آمن به، وصدق بما جاء به، فلبثنا أحوالا مجرمة (3) وما يعبد الله في ربع ساكن من العرب غيرنا، فأراد قومنا قتل نبينا، واجتياح أصلنا، وهموا بنا الهموم، وفعلوا بنا الأفاعيل، فمنعونا الميرة، وأمسكوا عنا العذب (4)، وأحلسونا الخوف (5)، وجعلوا علينا الأرصاد والعيون، واضطرونا إلى جبل وعر، وأوقدوا لنا نار الحرب، وكتبوا علينا بينهم كتابا لا يواكلونا ولا يشاربونا ولا يناكحونا ولا يبايعونا ولا نأمن فيهم حتى ندفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقتلوه ويمثلوا به. فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم إلى موسم، فعزم الله لنا على منعه، والذب عن حوزته، والرمى من وراء حرمته، والقيام


(1) ح: " وجزاهما أحسن ما عملا ". (2) ح: " تاليا ": (3) أي سنين كاملة. والمجرمة، بتشديد الراء المفتوحة. (4) الميرة، بالكسر: ما يجلب من الطعام. والعذب، عنى به الماء العذب. (5) أي ألزموناه. انظر ح (3: 304). وفي الأصل: " وأحلسوا " صوابه في ح (3: 303، 408). (*)

[ 90 ]

بأسيافنا دونه في ساعات الخوف بالليل والنهار (1)، فمؤمننا يرجو بذلك الثواب، وكافرنا يحامى به عن الأصل. فأما من أسلم من قريش بعد فإنهم مما نحن فيه أخلياء، فمنهم حليف ممنوع، أو ذو عشيرة تدافع عنه فلا يبغيه أحد بمثل ما بغانا به قومنا من التلف، فهم من القتل بمكان نجوة وأمن. فكان ذلك ما شاء الله أن يكون، ثم أمر الله رسوله بالهجرة، وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين، فكان إذا احمر البأس ودعيت نزال أقام أهل بيته فاستقدموا، فوقى بهم أصحابه حر الأسنة والسيوف، فقتل عبيدة (2) يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وجعفر وزيد يوم مؤتة، وأراد لله من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذى أرادوا من الشهادة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مرة، إلا أن آجالهم عجلت، ومنيته أخرت. والله مولى الإحسان إليهم، والمنان عليهم، بما قد أسلفوا من الصالحات. فما سمعت بأحد ولا رأيت فيهم من هو أنصح لله في طاعة رسوله، ولا أطوع لرسوله في طاعة ربه، ولا أصبر على اللأواء والضراء وحين البأس ومواطن المكروه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هؤلاء النفر الذين سميت لك. وفي المهاجرين خير كثير نعرفه (3)، جزاهم الله بأحسن أعمالهم. وذكرت (4) حسدي الخلفاء، وإبطائي عنهم، وبغيى عليهم. فأما البغى فمعاذ الله أن يكون، وأما الإبطاء عنهم والكراهة لأمرهم فلست أعتذر منه إلى الناس، لأن الله جل ذكره لما قبض نبيه


(1) في الأصل: " والليل والنهار "، وأثبت ما في ح. (2) هو عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف. وهو أول من عقدت له راية في الإسلام. انظر الإصابة 5367. وقد تزوج الرسول الكريم زوجته زينب بنت خزيمة بعده. انظر المعارف 59. (3) ح (3: 409): " خير كثير يعرف ". (4) في الأصل: " فذكرت " صوابه بالواو، كما في ح. (*)

[ 91 ]

صلى الله عليه وسلم قالت قريش: منا أمير، وقالت الأنصار: منا أمير. فقالت قريش: منا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن أحق بذلك الأمر. فعرفت ذلك الأنصار فسلمت لهم الولاية والسلطان. فإذا استحقوها بمحمد صلى الله عليه وآله دون الأنصار فإن أولى الناس بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أحق بها منهم. وإلا فإن الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا فلا أدرى أصحابي سلموا من أن يكونوا حقى أخذوا، أو الأنصار ظلموا. [ بل ] عرفت أن حقى هو المأخوذ، وقد تركته لهم تجاوز الله عنهم. وأما ما ذكرت من أمر عثمان وقطيعتي رحمه، وتأليبى عليه فإن عثمان عمل ما [ قد ] بلغك، فصنع الناس [ به ] ما قد رأيت وقد علمت. إنى كنت في عزلة عنه، إلا أن تتجنى، فتجن ما بدا لك. وأما ما ذكرت من أمر قتله عثمان فإنى نظرت في هذا الأمر وضربت أنفه وعينيه فلم أر دفعهم إليك ولا إلى غيرك. ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك لتعرفنهم عن قليل يطلبونك، ولا يكلفونك أن تطلبهم في بر ولا بحر، ولا جبل ولا سهل. وقد كان أبوك أتانى حين ولى الناس أبا بكر فقال: أنت أحق بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الأمر، وأنا زعيم لك بذلك على من خالف عليك. ابسط يدك أبايعك. فلم أفعل. وأنت تعلم أن أباك قد كان قال ذلك وأراده حتى كنت أنا الذى أبيت، لقرب عهد الناس بالكفر، مخافة الفرقة بين أهل الإسلام. فأبوك كان أعرف بحقى منك. فإن تعرف من حقى ما كان يعرف أبوك تصب رشدك، وإن لم تفعل فسيغنى الله عنك والسلام. آخر الجزء الثاني من أصل عبد الوهاب

[ 92 ]

نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن إسماعيل بن يزيد، والحارث بن حصيرة، عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبى الكنود قال: لما أراد علي المسير إلى أهل الشام دعا إليه من كان معه من المهاجرين والأنصار، فحمد الله وأثنى عليه وقال: " أما بعد فإنكم ميامين الرأى، مراجيح الحلم، مقاويل بالحق، مباركو الفعل والأمر. وقد أردنا المسير إلى عدونا، وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم ". فقام هاشم بن عتبة بن أبى وقاص، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " أما بعد يا أمير المؤمنين فأنا بالقوم جد خبير، هم لك ولأشياعك أعداء، وهم لمن يطلب حرث الدنيا أولياء، وهم مقاتلوك ومجاهدوك (1) لا يبقون (2) جهدا، مشاحة على الدنيا، وضنا بما في أيديهم منها. وليس لهم إربة غيرها إلا ما يخدعون به الجهال من الطلب بدم عثمان بن عفان (3). كذبوا ليسوا بدمه يثأرون (4) ولكن الدنيا يطلبون. فسر بنا إليهم (5)، فإن أجابوا إلى الحق فليس بعد الحق إلا الضلال. وإن أبو إلا الشقاق فذلك الظن بهم (6). والله ما أراهم يبايعون وفيهم أحد ممن يطاع إذا نهى، و [ لا ] يسمع إذا أمر ". نصر: عمر بن سعد، عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الرحمن بن عبيد ابن أبى الكنود، أن عمار بن ياسر قام فذكر الله بما هو أهله، وحمده وقال: يا أمير المؤمنين، إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا فا [ فعل. ا ] شخص بنا


(1) ح (1: 278): " ومجادلوك " لعل هذه: " ومجالدوك ". (2) ح: " لا يبغون " تحريف. (3) ح: " من طلب دم ابن عفان ". (4) ح: " ليسوا لدمه ينفرون ". (5) ح: " انهض بنا إليهم ". (6) ح: " فذاك ظنى بهم ". (*)

[ 93 ]

قبل استعار نار الفجرة، واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة، وادعهم إلى رشدهم وحظهم. فإن قبلوا سعدوا، وإن أبوا إلا حربنا فوالله إن سفك دمائهم، والجد في جهادهم، لقربة عند الله، وهو كرامة منه ". وفي هذا الحديث: ثم قام قيس بن سعد بن عبادة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " يا أمير المؤمنين، انكمش بنا إلى عدونا ولا تعرد (1)، فوالله لجهادهم أحب إلى من جهاد الترك والروم، لإدهانهم في دين الله (2)، واستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان. إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو حرموه أو سيروه (3). وفيئنا لهم في أنفسهم حلال، ونحن لهم - فيما يزعمون - قطعين (4). قال: يعنى رقيق. فقال أشياخ الأنصار، منهم خزيمة بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري وغيرهما: لم تقدمت أشياخ قومك وبدأتهم يا قيس بالكلام ؟ فقال: أما إنى عارف بفضلكم، معظم لشأنكم، ولكني وجدت في نفسي الضغن الذى جاش في صدوركم حين ذكرت الأحزاب. فقال بعضهم لبعض: ليقم رجل منكم فليجب أمير المؤمنين عن جماعتكم. فقالوا: قم يا سهل بن حنيف. فقام سهل فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " يا أمير المؤمنين، نحن سلم لمن سالمت، وحرب لمن حاربت، ورأينا رأيك ونحن كف يمينك. وقد رأينا أن تقوم بهذا الأمر في أهل الكوفة، فتأمرهم بالشخوص، وتخبرهم بما صنع الله لهم في ذلك من الفضل، فإنهم هم أهل البلد


(1) الانكماش: الإسراع والجد. والتعريد: الفرار والإحجام والانهزام. ح: " ولا تعرج ". (2) الإدهان: الغش والمصانعة. وفي التنزيل العزيز: " ودوا لو تدهن فيدهنون ". (3) في اللسان: " سيره من بلده: أخرجه وأجلاه ". (4) القطين: الخدم والأتباع والحشم والمماليك. (*)

[ 94 ]

وهم الناس. فإن استقاموا لك استقام لك الذى تريد وتطلب. وأما نحن فليس عليك منا خلاف، متى دعوتنا أجبناك، ومتى أمرتنا أطعناك ". نصر: عمر بن سعد، عن أبى مخنف، عن زكريا بن الحارث، عن أبى حشيش (1)، عن معبد قال: قام على خطيبا على منبره، فكنت تحت المنبر حين حرض الناس وأمرهم بالمسير إلى صفين لقتال أهل الشام. فبدأ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " سيروا إلى أعداء [ الله. سيروا إلى أعداء ] السنن والقرآن، سيروا إلى بقية الأحزاب، قتلة المهاجرين والأنصار ". فقام رجل من بنى فزارة يقال له أربد فقال: أتريد أن تسيرنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلهم لك، كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقتلناهم. كلا، ها الله إذا لا نفعل ذلك (2). فقام الأشتر فقال: من لهذا إيها الناس (3) ؟ وهرب الفزارى واشتد الناس على أثره، فلحق بمكان من السوق تباع فيه البراذين، فوطئوه بأرجلهم وضربوه بأيديهم ونعال سيوفهم (4) حتى قتل، فأتى على فقيل: يا أمير المؤمنين، قتل الرجل. قال: ومن قتله ؟ قالوا: قتلته همدان وفيهم شوبة من الناس (5). فقال: قتيل عمية لا يدرى


(1) ح (1: 279): " أبى خشيش ". (2) ها التنبيه، قد يقسم بها، كما هنا. قال ابن منظور: " إن شئت حذفت الألف التى بعد الهاء، وإن شئت أثبت ". (3) ح: " من هذا المأزق ". (4) نعل السيف: ما يكون في أسفل جفنه من حديدة أو فضة. (5) ح: " ومعهم شوب من الناس ". (*)

[ 95 ]

من قتله (1)، ديته من بيت مال المسلمين. وقال علاقة التيمى (2): أعوذ بربي أن تكون منيتى * كما مات في سوق البراذين أربد تعاوره همدان خفق نعالهم * إذا رفعت عنه يد وضعت يد قال: وقام الأشتر فحمد الله وأثنى عليه فقال: " يا أمير المؤمنين، لا يهدنك ما رأيت، ولا يؤيسنك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقى الخائن. جميع من ترى من الناس شيعتك، وليسوا يرغبون بأنفسهم عن نفسك، ولا يحبون بقاء بعدك. فإن شئت فسر بنا إلى عدوك. والله ما ينجو من الموت من خافه، ولا يعطى البقاء من أحبه، وما يعيش بالآمال إلا شقى. وإنا لعلى بينة من ربنا أن نفسا لن تموت حتى يأتي أجلها، فكيف لا نقاتل قوما هم كما وصف أمير المؤمنين، وقد وثبت عصابة منهم على طائفة من المسلمين [ بالأمس ] فأسخطوا الله، وأظلمت بأعمالهم الأرض، وباعوا خلاقهم (3) بعرض من الدنيا يسير ". فقال على عليه السلام: " الطريق مشترك، والناس في الحق سواء، ومن اجتهد رأيه في نصيحة العامة فله ما نوى وقد قضى ما عليه ". ثم نزل فدخل منزله. نصر: عمر بن سعد قال: حدثنى أبو زهير العبسى، عن النضر بن صالح، أن عبد الله بن المعتم العبسى، وحنظلة بن الربيع التميمي، لما أمر على عليه السلام الناس بالمسير إلى الشام، دخلا في رجال كثير من غطفان وبنى تميم على


(1) العمية، بكسر العين وتشديد الميم المكسورة والياء المفتوحة المشددة، ويقال أيضا " عميا " بوزنه مع القصر، أي ميتة فتنة وجهالة. (2) بدلها في ح: " فقال بعض بنى تيم اللات بن ثعلبة ". (3) الخلاق، بالفتح: الحظ والنصيب من الخير. (*)

[ 96 ]

أمير المؤمنين، فقال له التميمي: " يا أمير المؤمنين، إنا قد مشينا إليك بنصيحة فاقبلها منا، ورأينا لك رأيا فلا ترده علينا، فإنا نظرنا لك ولمن معك. أقم وكاتب هذا الرجل، ولا تعجل إلى قتال أهل الشام، فإنى والله ما أدرى ولا تدرى لمن تكون إذا التقيتم الغلبة، وعلى من تكون الدبرة ". وقام ابن المعتم فتكلم، وتكلم القوم الذين دخلوا معهما بمثل ما تكلم به، فحمد على الله وأثنى عليه، وقال: " أما بعد فإن الله وارث العباد والبلاد، ورب السموات السبع والأرضين السبع، وإليه ترجعون. يؤتى الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء. أما الدبرة فإنها على [ الضالين ] العاصين، ظفروا أو ظفر بهم. وايم الله إنى لأسمع كلام قوم ما أراهم يريدون أن يعرفوا معروفا، ولا ينكروا منكرا ". فقام إليه معقل بن قيس اليربوعي ثم الرياحي فقال: " يا أمير المؤمنين، إن هؤلاء والله ما أتوك بنصح، ولا دخلوا عليك إلا بغش، فاحذرهم فإنهم أدنى العدو ". فقال له مالك بن حبيب: يا أمير المؤمنين، إنه بلغني أن حنظلة هذا يكاتب معاوية، فادفعه إلينا نحبسه حتى تنقضي غزاتك ثم تنصرف. وقام إلى على عياش بن ربيعة، وقائد بن بكير العبسيان، فقالا: يا أمير المؤمنين، إن صاحبنا عبد الله بن المعتم قد بلغنا أنه يكاتب معاوية، فأحبسه أو أمكنا منه نحبسه حتى تنقضي غزاتك وتنصرف. فأخذا يقولان: هذا جزاء من نظر لكم (1) وأشار عليكم بالرأى فيما بينكم وبين عدوكم. فقال


(1) في الأصل: " من نصركم " صوابه من ح (1: 280). (*)

[ 97 ]

لهما على: " الله بينى وبينكم، وإليه أكلكم، وبه أستظهر عليكم. اذهبوا حيث شئتم ". ثم بعث على إلى حنظلة بن الربيع، المعروف بحنظلة الكاتب (1)، وهو من الصحابة، فقال: يا حنظلة، أعلى أم لى ؟ قال: لا عليك ولا لك. قال: فما تريد ؟ قال: اشخص إلى الرها (2)، فإنه فرج من الفروج، اصمد له حتى ينقضى هذا الأمر. فغضب من ذلك خيار بنى عمرو بن تميم - وهم رهطه - فقال: إنكم والله لا تغروني من دينى. دعوني فأنا أعلم منكم. فقالوا: والله لئن لم تخرج مع هذا الرجل لا ندع فلانة تخرج معك - لأم ولده - ولا ولدها. ولئن أردت ذلك لنقتلنك. فأعانه ناس من قومه فاخترطوا سيوفهم، فقال: أجلوني [ حتى ] أنظر. فدخل منزله وأغلق بابه حتى إذا أمسى هرب إلى معاوية، وخرج من بعده إليه من قومه رجال كثير، ولحق ابن المعتم أيضا حتى أتى معاوية، وخرج معه أحد عشر رجلا من قومه. وأما حنظلة فخرج بثلاثة وعشرين رجلا من قومه، ولكنهما لم يقاتلا مع معاوية واعتزلا الفريقين جميعا، فقال حنظلة حين خرج إلى معاوية: يسل غواة عند بابى سيوفها * ونادى مناد في الهجيم لأقبلا سأترككم عودا لأصعب فرقة * إذا قلتم كلا يقول لكم بلى قال: فلما هرب حنظلة أمر على بداره فهدمت، هدمها عريفهم بكر بن تميم، وشبث بن ربعى، فقال في ذلك:


(1) هو حنظلة بن الربيع - ويقال ابن ربيعة - بن صيفي، ابن أخى أكثم بن صيفي حكيم العرب. وكتب للنبى صلى الله عليه وسلم مرة كتابا فسمى بذلك " الكاتب ". وكانت الكتابة قليلة في العرب. وكان ممن تخف عن على عليه السلام يوم الجمل. وهو الذى قال للنبى صلى الله عليه وسلم: " لليهود يوم وللنصارى يوم، فلو كان لنا يوم " فنزلت سورة الجمعة. انظر الإسابة 1855 والمعارف 130. (2) الرها، بضم أوله والمد والقصر: مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام (*)

[ 98 ]

أيا راكبا إما عرضت فبلغن * مغلغلة عنى سراة بنى عمرو فأوصيكم بالله والبر والتقى * ولا تنظروا في النائبات إلى بكر ولا شبث ذى المنخرين كأنه * أزب جمال في ملاحية صفر (1) وقال أيضا يحرض معاوية بن أبى سفيان: أبلغ معاوية بن حرب خطة * ولكل سائلة تسيل قرار لا نقبلن دنية تعطونها * في الأمر حتى تقتل الأنصار وكما تبوء دماؤهم بدمائكم * وكما تهدم بالديار ديار (2) وترى نساؤهم يجلن حواسرا * ولهن من علق الدماء خوار (3) نصر: عمر بن سعد، عن سعد بن طريف، عن أبى المجاهد، عن المحل ابن خليفة قال: قام عدى بن حاتم الطائى [ بين يدى على عليه السلام ] فحمد الله بما هو أهله وأثنى عليه ثم قال: " يا أمير المؤمنين، ما قلت إلا بعلم، ولا دعوت إلا إلى حق، ولا أمرت إلا برشد. فإن رأيت (4) أن تستأنى هؤلاء القوم وتستديمهم حتى تأتيهم كتبك، ويقدم عليهم ررسلك - فعلت.


(1) الأزب من الإبل: الكثير شعر الوجه والعثنون. والملاحى، بضم الميم وتخفيف اللام، هو من الأراك ما فيه بياض وشهبة وحمرة. وفي ح: " قد غار ليلة النفر "، وفي هامش الأصل: " قد دعا ليلة النفر " إشارة إلى أنه كذلك في نسخة أخرى. صواب هذين: " قد رغا ". (2) في الأصل: وتجر قتلاهم بقتلى حروب * وكما يقدم بالديار ديار وأثبت ما في ح (1: 280). وكتب في حاشية الأصل: " وكما تبوء دماؤهم بدمائكم " إشارة إلى أن صدره كذلك في نسخة أخرى. (3) أصل الخوار صوت البقر والغنم والظباء. وفي ح: " من ثكل الرجال خوار ". (4) ح: (1: 280): " ولكن إذا رأيت ". (*)

[ 99 ]

فإن يقبلوا يصيبوا ويرشدوا (1)، والعافية أوسع لنا ولهم. وإن يتمادوا في الشقاق ولا ينزعوا عن الغى فسر إليهم. وقد قدمنا إليهم العذر (2) ودعوناهم إلى ما في أيدينا من الحق، فوالله لهم من الله أبعد، وعلى الله أهون، من قوم قاتلناهم بناحية البصرة أمس، لما أجهد لهم الحق (3) فتركوه، ناوخناهم براكاء (4) القتال حتى بلغنا منهم ما نحب، وبلغ الله منهم رضاه فيما يرى ". فقام زيد بن حصين الطائى - وكان من أصحاب البرانس (5) المجتهدين فقال: الحمد لله حتى يرضى، ولا إله إلا الله ربنا، ومحمد رسول الله نبينا. إما بعد فوالله لئن كنا في شك من قتال من خالفنا، لا يصلح لنا النية في قتالهم حتى نستديمهم ونستأنيهم. ما الأعمال إلا في تباب، ولا السعي إلا في ضلال. والله يقول: (وأما بنعمة ربك فحدث). إنا والله ما ارتبنا طرفة عين فيمن يبتغون دمه (6)، فكيف بأتباعه القاسية قلوبهم، القليل في الإسلام حظهم، أعوان الظلم ومسددى أساس الجور والعدوان (7). ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار، ولا التابعين بإحسان.


(1) ح: " يصيبوا رشدهم ". (2) ح: " بالعذر ". (3) في اللسان: " أجهد لك الطريق وأجهد لك الحق: برز وظهر ووضح ". وفي الأصل " أجهدنا " والفعل لازم كما رأيت. كما رأيت. وفي ح: " لما دعوناهم إلى الحق ". (4) البراكاء، بضم الراء وفتحها: الابتراك في الحرب، وهو أن يجثو القوم على ركبهم. والمناوخة: مفاعله من النوخ، وهو البروك. وفي الأصل: " ناوحناهم " بالمهملة، صوابه في ح. (5) البرنس، بالضم: قلنسوة طويلة، أو كل ثوب رأسه منه. (6) ح: " فيمن يتبعونه ". (7) ح: " وأصحاب الجور والعدوان ". (*)

[ 100 ]

فقام رجل من طيئ فقال: يا زيد بن حصين، أكلام سيدنا عدى بن حاتم تهجن ؟ قال: فقال زيد: ما أنتم بأعرف بحق عدى منى، ولكني لا أدع القول بالحق وإن سخط الناس. قال: فقال عدى بن حاتم: الطريق مشترك، والناس في الحق سواء. فمن اجتهد رأيه في نصيحة العامة فقد قضى الذى عليه (1). نصر: عمر بن سعد، عن الحارث بن حصيرة (2) قال: دخل أبو زبيب (3) بن عوف على على فقال: " يا أمير المؤمنين، لئن كنا على الحق لأنت أهدانا سبيلا، وأعظمنا في الخير نصيبا، ولئن كنا في ضلالة إنك لأثقلنا ظهرا وأعظمنا وزرا: أمرتنا بالمسير إلى هذا العدو وقد قطعنا ما بيننا وبينهم من الولاية، وأظهرنا لهم العداوة، نريد بذلك ما يعلم الله [ من طاعتك ]، وفي أنفسنا من ذلك ما فيها. أليس الذى نحن عليه الحق المبين، والذى عليه عدونا الغى والحوب الكبير ؟ ". فقال على: " [ بلى ]، شهدت أنك إن مضيت معنا ناصرا لدعوتنا، صحيح النية في نصرتنا، قد قطعت منهم الولاية، وأظهرت لهم العداوة كما زعمت، فإنك ولى الله تسيح (4) في رضوانه، وتركض في طاعته: فأبشر أبا زبيب ".


(1) ما بعد: " سخط الناس " ساقط من ح، فهو إما دخيل على النسخة، أو تمثل من عدى بقول على عليه السلام، الذى سبق في ص 95. (2) سبقت ترجمته في ص 3. وفي الأصل: " حضيرة " بالضاد المعجمة، تحريف. وفي هامش الأصل " خ: حصين " إشارة إلى أنه " حصين " في نسخة أخرى. وهذه الأخيرة توافق ما ورد في ح (1: 280). وليس بشئ. (3) ح: " أبو زينب " في جميع المواضع. (4) ح: " تسبح " من السباحة. (*)

[ 101 ]

فقال له عمار بن ياسر: اثبت أبا زبيب ولا تشك في الأحزاب عدو الله ورسوله (1). قال: فقال أبو زبيب: ما أحب أن لى شاهدين من هذه الأمة فيشهدا لى على ما سألت عنه من هذا الأمر الذى أهمنى مكانكما. قال: وخرج عمار [ بن ياسر ] وهو يقول: سيروا إلى الأحزاب أعداء النبي * سيروا فخير الناس اتباع على هذا أوان طاب سل المشرفى * وقودنا الخيل وهز السمهرى عمر بن سعد عن أبى روق قال: دخل يزيد بن قيس الأرحبى على على بن أبى طالب فقال: يا أمير المؤمنين، نحن على جهاز وعدة (2)، وأكثر الناس أهل قوة (3) ومن ليس بمضعف وليس به علة. فمر مناديك فليناد الناس يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة، فإن أخا الحرب ليس بالسؤوم ولا النؤوم، ولا من إذا أمكنه الفرص أجلها واستشار فيها، ولا من يؤخر الحرب في اليوم إلى غد وبعد غد. فقال زياد بن النضر: لقد نصح لك يا أمير المؤمنين يزيد بن قيس، وقال ما يعرف، فتوكل على الله وثق به، واشخص بنا إلى هذا العدو راشدا معانا، فإن يرد الله بهم خيرا لا يدعوك رغبة عنك إلى من ليس مثلك في السابقة


(1) عدو، يقال للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحدا، ويقال أيضا عدوة وعدوان وأعداء. (2) الجهاز: ما يحتاج إليه المسافر والغازي. ح: " أولو جهاز وعدة ". (3) أي أصحاب قوة. وفي الأصل: " القوة " وأثبت ما في ح (1: 281). (*)

[ 102 ]

مع النبي صلى الله عليه وآله، والقدم (1) في الإسلام، والقرابة من محمد صلى الله عليه وآله. وإلا ينيبوا ويقبلوا ويأبوا إلا حربنا نجد حربهم علينا هينا، ورجونا أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم بالأمس. ثم قام عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعى فقال: " يا أمير المؤمنين، إن القوم لو كانوا الله يريدون أو لله يعملون، ما خالفونا. ولكن القوم إنما يقاتلون فرارا من الأسوة (2)، وحبا للأثرة، وضنا بسلطانهم، وكرها لفراق دنياهم التى في أيديهم، وعلى إحن في أنفسهم، وعداوة يجدونها في صدورهم، لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة، قتلت فيها أباءهم وإخوانهم (3)). ثم التفت إلى الناس فقال: فكيف يبايع معاوية عليا وقد قتل أخاه حنظلة، وخاله الوليد، وجده عتبة في موقف واحد. والله ما أظن أن يفعلوا (4)، ولن يستقيموا لكم دون أن تقصد فيهم المران (5)، وتقطع على هامهم السيوف، وتنثر حواجبهم بعمد الحديد، وتكون أمور جمة بين الفريقين. نصر: عمر بن سعد، عن عبد الرحمن، عن الحارث بن حصيرة (6)،


(1) القدم، بفتحتين: السبق والتقدم في الإسلام. (2) الأسوة، ها هنا: التسوية بين المسلمين في قسمة المال. انظر ح (3: 4). (3) ح: " وأعوانهم ". (4) ح: " ما أظنهم يفعلون ". (5) تقصد: تكسر. والمران: الرماح الصلبة اللينة. والمران أيضا: نبات الرماح. ح: " دون أن تقصف فيهم قنا ؟ ؟ المران ". (6) ح: " حصين " وانظر ما سبق في ص 3. (*)

[ 103 ]

عن عبد الله بن شريك قال: خرج حجر بن عدى، وعمرو بن الحمق، يظهران البراءة واللعن من أهل الشام، فأرسل إليهما على: أن كفا عما يبلغني عنكما فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين، ألسنا محقين ؟ قال: بلى. [ قالا: أو ليسوا مبطلين ؟ قال: بلى ]. قالا: فلم منعتنا من شتمهم ؟ قال: " كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين، تشتمون وتتبرءون. ولكن لو وصفتم مساوى أعمالهم فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا، ومن عملهم كذا وكذا، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر. و [ لو (1) ] قلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق منهم من جهله، ويرعوى عن الغى والعدوان من لهج به، كان هذا أحب إلى وخيرا لكم ". فقالا: يا أمير المؤمنين، نقبل عظتك، ونتأدب بأدبك. وقال عمرو بن الحمق: إنى والله يا أمير المؤمنين ما أجبتك ولا بايعتك على قرابة بينى وبينك، ولا إرادة مال تؤتينيه، ولا التماس سلطان يرفع ذكرى به، ولكن أجبتك لخصال خمس: أنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وأول من آمن به، وزوج سيدة نساء الأمة فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله، وأبو الذرية التى بقيت فينا من رسول الله صلى الله عليه وآله، وأعظم رجل من المهاجرين سهما في الجهاد. فلو أنى كلفت نقل الجبال الرواسى، ونزح (2) البحور الطوامى حتى يأتي على يومى في أمر أقوى به وليك وأوهن به عدوك، ما رأيت أنى قد أديت فيه كل الذى يحق على من حقك. فقال أمير المؤمنين على: اللهم نور قلبه بالتقى، واهده إلى صراط


(1) ليست في الأصل ولا في ح، وبها يلتئم الكلام. (2) في الأصل: " وأنزح " صوابه في ح (1: 281). (*)

[ 104 ]

مستقيم (1)، ليت أن في جندي مائة مثلك، فقال حجر: إذا والله يا أمير المؤمنين صح جندك، وقل فيهم من يغشك. ثم قال حجر فقال: يا أمير المؤمنين، نحن بنو الحرب وأهلها، الذين نلقحها وننتجها، قد ضارستنا وضارسناها (2)، ولنا أعوان ذو وصلاح، وعشيرة ذات عدد، ورأى مجرب وبأس محمود، وأزمتنا منقادة لك بالسمع والطاعة، فإن شرقت شرقنا، وإن غربت غربنا، وما أمرتنا به من أمر فعلناه. فقال على: " أكل قومك يرى مثل رأيك ؟ " قال: " ما رأيت منهم إلا حسنا، وهذه يدى عنهم بالسمع والطاعة، وبحسن الإجابة ". فقال له على خيرا. قال نصر: وفي حديث عمر بن سعد قال: وكتب على إلى عماله، فكتب إلى مخنف بن سليم: سلام عليك، فإنى أحمد الله إليك الذى لا إله إلا هو. أما بعد فإن جهاد من صدف عن الحق رغبة عنه، وهب في نعاس العمى والضلال اختيارا له - فريضة على العارفين. إن الله يرضى عمن أرضاه، ويسخط على من عصاه. وإنا قد هممنا بالمسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد الله بغير ما أنزل الله، واستأثروا بالفئ، وعطلوا الحدود، وأماتوا الحق، وأظهروا في الأرض الفساد، واتخذوا الفاسقين وليجة من دون المؤمنين، فإذا ولى لله أعظم أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه، وإذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبوه وأدنوه وبروه فقد أصروا على الظلم، وأجمعوا على الخلاف. وقديما ما صدوا عن الحق، وتعاونوا على الإثم وكانوا ظالمين. فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك


(1) ح: " صراطك المستقيم ". (2) في اللسان (8: 424): " وضارست الأمور: جربتها وعرفتها ". (*)

[ 105 ]

أوثق أصحابك في نفسك، وأقبل إلينا لعلك تلقى هذا العدو المحل فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتجامع الحق وتباين الباطل، فإنه لا غناء بنا ولا بك عن أجر الجهاد. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. وكتب عبد الله بن أبى رافع سنة سبع وثلاثين. فاستعمل مخنف على أصبهان الحارث بن أبى الحارث بن الربيع، واستعمل على همدان سعيد بن وهب - وكلاهما من قومه - وأقبل حتى شهد مع على صفين. وكان على قد استخلف ابن عباس على البصرة، فكتب عبد الله بن عباس إلى على يذكر له اختلاف أهل البصرة، فكتب إليه على: من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس. أما بعد فالحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله. أما بعد (1) فقد قدم على رسولك وذكرت ما رأيت وبلغك عن أهل البصرة بعد انصرافي (2) وسأخبرك عن القوم: هم بين مقيم لرغبة يرجوها، أو عقوبة يخشاها (3). فأرغب راغبهم بالعدل عليه، والإنصاف له والإحسان إليه، وحل عقدة الخوف عن قلوبهم، فإنه ليس لأمراء أهل البصرة في قلوبهم عظم (4) إلا قليل منهم. وانته إلى أمرى ولا تعده، وأحسن إلى هذا الحى من ربيعة، وكل من قبلك فأحسن إليهم ما استطعت إن شاء الله. والسلام. وكتب عبد الله بن أبى رافع في ذى القعدة سنة سبع وثلاثين.


(1) كذا جاءت " أما بعد " مكررة.. وأول الرسالة في ح: " أما بعد فقد قدم على رسولك " بإهمال ما قبلها من الكلام. (2) ح: " وقرأت كتابك تذكر فيه حال أهل البصرة واختلافهم بعد انصرافي عنهم ". (3) ح: " أو خائف من عقوبة يخشاها ". (4) كذا في الأصل وح. ولعلها: " عصم " جمع عصام، وهو الحبل يشد به. (*)

[ 106 ]

وكتب: من عبد الله على أمير المؤمنين إلى الأسود بن قطنة. أما بعد فإنه من لم ينتفع بما وعظ لم يحذر ما هو غابر (1) ومن أعجبته الدنيا رضى بها، وليست بثقة. فاعتبر بما مضى تحذر ما بقى، واطبخ للمسلمين قبلك من الطلاء ما يذهب ثلثاه (2)، وأكثر لنا من لطف الجند، واجعله مكان ما عليهم من أرزاق الجند، فإن للولدان علينا حقا، وفي الذرية من يخاف دعاؤه، وهو لهم صالح. والسلام. وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عامر. أما بعد فإن خير الناس عند الله عز وجل أقومهم لله بالطاعة فيما له وعليه، وأقولهم بالحق ولو كان مرا، فإن الحق به قامت السماوات والأرض. ولتكن سريرتك كعلانيتك، وليكن حكمك واحدا، وطريقتك مستقيمة، فإن البصرة مهبط الشيطان. فلا تفتحن على يد أحد منهم بابا لا نطيق سده نحن ولا أنت. والسلام. وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس. أما بعد فانظر ما اجتمع عندك من غلات المسلمين وفيئهم، فاقسمه من قبلك حتى تغنيهم، وابعث إلينا بما فضل نقسمه فيمن قبلنا. والسلام.


(1) في اللسان: الغابر: الباقي. قال: وقد يقال للماضي غابر. (2) الطلاء، بالكسر: ما طبخ من عصير العنب. (*)

[ 107 ]

وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس. أما بعد فإن الإنسان قد يسره ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه وإن جهد. فليكن سرورك فيما قدمت من حكم أو منطق أو سيرة، وليكن أسفك على ما فرطت لله فيه من ذلك. ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر به حزنا، وما أصابك فيها فلا تبغ به سرورا. وليكن همك فيما بعد الموت. والسلام (1). وكتب إلى أمراء الجنود: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين. أما بعد فإن حق الوالى ألا يغيره على رعيته أمر ناله ولا أمر خص به، وأن يزيده ما قسم الله له دنوا من عباده وعطفا عليهم. ألا وإن لكم عندي ألا أحتجز دونكم سرا إلا في حرب، ولا أطوى عنكم أمرا إلا في حكم، ولا أؤخر حقا لكم عن محله، ولا أرزأكم شيئا، وأن تكونوا عندي في الحق سواء. فإذا فعلت ذلك وجبت عليكم النصيحة والطاعة. فلا تنكصوا عن دعوتي، ولا تفرطوا في صلاح دينكم من دنياكم، وأن تنفذوا لما هو لله طاعة، ولمعيشتكم صلاح، وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق ولا يأخذكم في الله لومة لائم. فإن أبيتم أن تستقيموا لى على ذلك لم يكن أحد أهون على ممن فعل ذلك منكم، ثم أعاقبه عقوبة لا يجد عندي فيها هوادة. فخذوا هذا من أمرائكم، وأعطوهم من أنفسكم، يصلح الله أمركم. والسلام.


(1) انظر مجالس ثعلب 186. (*)

[ 108 ]

وكتب إلى أمراء الخراج: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى أمراء الخراج (1). أما بعد فإنه من لم يحذر ما هو صائر إليه لم يقدم لنفسه ولم يحرزها. ومن اتبع هواه وانقاد له على ما يعرف نفع عاقبته عما قليل ليصبحن من النادمين. ألا وأن أسعد الناس في الدنيا من عدل عما يعرف ضره، وإن أشقاهم من اتبع هواه. فاعتبروا واعلموا أن لكم ما قدمتم من خير، وما سوى ذلك وددتم لو أن بينكم وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف ورحيم بالعباد. وإن عليكم ما فرطتم فيه، وإن الذى طلبتم ليسير، وإن ثوابه لكبير. ولو لم يكن فيما نهى عنه من الظلم والعدوان عقاب يخاف، كان في ثوابه مالا عذر لأحد بترك طلبته (2) فارحموا ترحموا، ولا تعذبوا خلق الله ولا تكلفوهم فوق طاقتهم، وأنصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم فإنكم خزان الرعية. لا تتخذن حجابا، ولا تحجبن أحدا عن حاجته حتى ينهيها إليكم. ولا تأخذوا أحدا بأحد إلا كفيلا عمن كفل عنه، واصبروا أنفسكم على ما فيه الاغتباط، وإياكم وتأخير العمل ودفع الخير، فإن في ذلك الندم. والسلام. وكتب إلى معاوية: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان. سلام على من اتبع الهدى، فإنى أحمد الله إليك الذى لا إله إلا هو. أما بعد فإنك قد رأيت من الدنيا وتصرفها بأهلها وإلى ما مضى منها، وخير ما بقى من الدنيا ما أصاب


(1) في نهج البلاغة بشرح ابن أبى الحديد (4: 115): " أصحاب الخراج ". (2) الطلبة، بالكسر: الطلب. (*)

[ 109 ]

العباد الصادقون فيما مضى. ومن نسى الدنيا نسيان الآخرة يجد بينهما بونا بعيدا. واعلم يا معاوية أنك قد ادعيت أمرا لست من أهله لا في القدم ولا في الولاية (1)، ولست تقول فيه بأمر بين تعرف لك به أثرة ولا لك عليه شاهد من كتاب الله، ولا عهد تدعيه من رسول الله، فكيف أنت صانع إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا أبهجت بزينتها (2) وركنت إلى لذتها، وخلى فيها بينك وبين عدو جاهد ملح، مع ما عرض في نفسك من دنيا قد دعتك فأجبتها، وقادتك فاتبعتها، وأمرتك فأطعتها. فاقعس عن هذا الأمر (3)، وخذ أهبة الحساب، فإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا يجنك منه مجن (4). ومتى كنتم يا معاوية ساسة للرعية، أو ولاة لأمر هذه الأمة بغير قدم حسن، ولا شرف سابق على قومكم. فشمر لما قد نزل بك، ولا تمكن الشيطان من بغيته فيك، مع أنى أعرف أن الله ورسوله صادقان. فنعوذ بالله من لزوم سابق الشقاء. وإلا تفعل أعلمك ما أغفلك من نفسك (5)، فإنك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه، فجرى منك مجرى الدم في العروق، واعلم أن هذا الأمر لو كان إلى الناس أو بأيديهم لحسدونا وامتنوا به علينا، ولكنه


(1) انظر ما سبق في التنبيه الأول ص 102. (2) في اللسان: " أبهجت الأرض: بهج نباتها ". وفي الأصل: " انتهت " تحريف. وفي ح (3: 410): " تبهجت " قال ابن أبى الحديد: " وتبهجت بزينتها: صارت. ذات بهجة ". ولم أجد هذه الصيغة في المعاجم. (3) القعس: التأخر والرجوع إلى الخلف، كما في اللسان. وفي الأصل: " فايس من هذا الأمر " صوابه في ح (3: 409). (4) رواه ح: " ما لا ينجيك منه منج "، وقال: " ويروى: ولا ينجيك مجن. وهو الترس: والرواية الأولى أصح ". (5) ح: " ما أغفلت ". (*)

[ 110 ]

قضاء ممن امتن به علينا على لسان نبيه الصادق المصدق. لا أفلح من شك بعد العرفان والبينة. اللهم احكم بيننا وبين عدونا بالحق وأنت خير الحاكمين. فكتب معاوية: بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبى سفيان إلى على بن أبى طالب. أما بعد فدع الحسد فإنك طالما لم تنتفع به، ولا تفسد سابقة قدمك بشره نخوتك، فإن الأعمال بخواتيمها، ولا تمحق سابقتك في حق من لا حق لك في حقه (1)، فإنك إن تفعل لا تضر بذلك إلا نفسك، ولا تمحق إلا عملك، ولا تبطل إلا حجتك. ولعمري ما مضى لك من السابقات لشبيه أن يكون ممحوقا، لما اجترأت عليه من سفك الدماء، وخلاف أهل الحق. فاقرأ سورة الفلق، وتعوذ بالله من شر نفسك، فإنك الحاسد إذا حسد. وكتب إلى عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص. أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها، وصاحبها مقهور فيها (2)، لم يصب منها شيئا قط إلا فتحت له حرصا، وأدخلت عليه مؤونة تزيده رغبة فيها، ولن يستغنى صاحبها بما نال عما لم يبلغه، ومن وراء ذلك فراق ما جمع، والسعيد من وعظ بغيره. فلا تحبط أجرك أبا عبد الله، ولا تجارين معاوية في باطله (3) فإن معاوية غمص الناس


(1) حق الرجل وأحقه: إذا غلبه على الحق. (2) ح (4: 114): " وصاحبها منهوم عليها ". (3) ح: " ولا تشرك معاوية في باطله ". (*)

[ 111 ]

وسفه الحق (1). [ والسلام (2) ]. وكتب إليه عمرو بن العاص: من عمرو بن العاص إلى على بن أبى طالب. أما بعد فإن الذى فيه صلاحنا وألفة ذات بيننا أن تنيب إلى الحق (3)، وأن تجيب إلى ما تدعون إليه من شورى (4). فصبر الرجل منا نفسه على الحق، وعذره الناس بالمحاجزة. والسلام. فجاء الكتاب إلى على قبل أن يرتحل من النخيلة. نصر: عمر بن سعد، عن أبى روق قال: قال زياد بن النضر الحارثى لعبد الله بن بديل بن ورقاء: إن يومنا ويومهم ليوم عصيب، ما يصبر عليه إلا كل مشيع القلب (5)، صادق النية، رابط الجأش. وايم الله ما أظن ذلك اليوم يبقى منا ومنهم إلا الرذال (6). قال عبد الله بن بديل: والله أظن ذلك. فقال على: ليكن هذا الكلام مخزونا في صدوركما، لا تظهراه ولا يسمعه منكما سامع. إن الله كتب القتل على قوم والموت على آخرين، وكل آتيه منيته كما كتب الله له. فطوبى للمجاهدين في سبيل الله، والمقتولين في طاعته.


(1) غمص الناس: احتقرهم ولم يرهم شيئا. وسفه الحق، مختلف في تأويله، قيل معناه سفه الحق تسفيها. وقال الزجاج: سفه في معنى جهل. وهو اقتباس من حديث لرسول الله رواه ابن منظور في اللسان " غمص ". (2) زاد ان أبى الحديد بعد هذه الكلمة: " قال نصر: وهذا أول كتاب كتبه على عليه السلام إلى عمرو بن العاص ". (3) أناب: رجع. (4) ح: " إلى ما ندعوكم إليه من الشورى ". (5) المشيع القلب: الشجاع. (6) الرذل، والرذال، والرذيل، والأرذل: الدون الخسيس. (*)

[ 112 ]

فلما سمع هاشم بن عتبة (1) مقالتهم [ قام (2) ] فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: سربنا يا أمير المؤمنين إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم، الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وعملوا في عباد الله بغير رضا الله، فأحلوا حرامه وحرموا حلاله، واستولاهم الشيطان (3) ووعدهم الأباطيل ومناهم الأماني، حتى أزاغهم عن الهدى وقصد بهم قصد الردى، وحبب إليهم الدنيا، فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها كرغبتنا في الآخرة إنجاز موعود ربنا. وأنت يا أمير المؤمنين أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه رحما، وأفضل الناس سبقة وقدما. وهم يا أمير المؤمنين منك مثل الذى علمنا. ولكن كتب عليهم الشقاء، ومالت بهم الأهواء وكانوا ظالمين. فأيدينا مبسوطة لك بالسمع والطاعة، وقلوبنا منشرحة لك ببذل النصيحة، وأنفسنا تنصرك (4) جذلة على من خالفك وتولى الأمر دونك. والله ما أحب أن لى ما في الأرض مما أقلت، وما تحت السماء مما أظلت، وأنى واليت عدوا لك، أو عاديت وليا لك. فقال على: اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك، والمرافقة لنبيك صلى الله عليه وآله وسلم. ثم إن عليا صعد المنبر فخطب الناس ودعاهم إلى الجهاد، فبدأ بالحمد لله والثناء عليه ثم قال: إن الله قد أكرمكم بدينه، وخلقكم لعبادته، فانصبوا أنفسكم في أداء


(1) هو هاشم بن عتبة بن أبى وقاص. وكان معه لواء على رضى الله عنه يوم صفين، وقتل في آخر أيامها. انظر الإصابة 8913 والاشتقاق 96. (2) ليست في الأصل. وفي ح: "... ما قالاه أتى عليا عليه السلام فقال: سر بنا ". (3) كذا في الأصل. وفي ح (1: 282): " واستهوى بهم الشيطان " وظني بها " استهواهم ". (4) في الأصل: " بنورك "، صوابها في ح. (*)

[ 113 ]

حقه، وتنجزوا موعوده، واعلموا أن الله جعل أمراس الإسلام متينة، وعراه وثيقة، ثم جعل الطاعة حظ الأنفس برضا الرب، وغنيمة الأكياس عند تفريط الفجرة. وقد حملت أمر أسودها وأحمرها (1)، ولا قوة إلا بالله. ونحن سائرون إن شاء الله إلى من سفه نفسه، وتناول ما ليس له وما لا يدركه: معاوية وجنده، الفئة الباغية الطاغية، يقودهم إبليس، ويبرق لهم ببارق تسويفه، ويدليهم بغروره (2). وأنتم أعلم الناس بحلاله وحرامه، فاستغنوا بما علمتم، واحذروا ما حذركم الله من الشيطان، وارغبوا فيما أنالكم من الأجر والكرامة، واعلموا أن المسلوب من سلب دينه وأمانته، والمغرور من آثر الضلالة على الهدى. فلا أعرف أحدا منكم تقاعس عنى وقال: في غيرى كفاية، فإن الذود إلى الذود إبل، ومن لا يذد عن حوضه يتهدم. ثم إنى آمركم بالشدة في الأمر، والجهاد في سبيل الله، وألا تغتابوا مسلما. وانتظروا النصر العاجل من الله إن شاء الله. ثم قام الحسن بن على خطيبا فقال: الحمد لله لا إله غيره، وحده لا شريك له، وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: إن مما عظم الله عليكم من حقه، وأسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره، ولا يؤدى شكره، ولا يبلغه (3) صفة ولا قول. ونحن إنما غضبنا


(1) يعنى العرب والعجم، ولغالب على ألوان العرب السمرة والأدمة، وعلى ألوان العجم البياض والحمرة. في الأصل: " أمركم أسودها وأحمرها "، صوابه في خ. (2) أي يوقعهم فيما أراد من تغريره. وفي الكتاب: " فدلاهما بغرور ". (3) في الأصل: " تبلغها "، والوجه ما أثبت من ح. (*)

[ 114 ]

لله ولكم، فإنه من علينا بما هو أهله أن نشكر فيه آلاءه وبلاءه ونعماءه قولا (1) يصعد إلى الله فيه الرضا، وتنتشر فيه عارفة الصدق، يصدق الله فيه قولنا، ونستوجب فيه المزيد من ربنا، قولا يزيد ولا يبيد، فإنه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد أمرهم، واستحكمت عقدتهم. فاحتشدوا في قتال عدوكم: معاوية وجنوده، فإنه قد حضر. ولا تخاذلوا، فإن الخذلان يقطع نياط القلوب، وإن الإقدام على الأسنة نجدة وعصمة، لأنه لم يمتنع (2) قوم قط إلا رفع الله عنهم العلة، وكفاهم جوائح الذلة (3)، وهداهم إلى معالم الملة. والصلح تأخذ منه ما رضيت [ به ] والحرب يكفيك من أنفاسها جرع (4) ثم قام الحسين بن على خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا أهل الكوفة أنتم الأحبة الكرماء، [ و ] الشعار دون الدثار، جدوا في إحياء ما دثر بينكم، وإسهال ما توعر عليكم، وألفة ما ذاع منكم (5).


(1) في الأصل: " قوك ". والكلام بعد: " إنما غضبنا لله ولكم " إلى: " ولا يبيد " لم يرد في ح. (2) الامتناع: العزة والقوة. وفي القاموس: " والممتنع الأسد القوى العزيز في نفسه ". ح: " يتمنع ". وفي اللسان: " منع الشئ مناعة: اعتز وتعسر. وقد تمنع ". (3) الجوائح: الدواهي والشدائد، واحدتها جائحة. وفي الأصل: " حوائج "، والوجه ما أثبت من ح. (4) البيت للعباس بن مرداس السلمى، كما في الخزانة (2: 82) والرواية. المعروفة: " السلم تأخذ منها ". ويستشهد بهذه الرواية اللغويون على أن " السلم " تؤنث. قال التبريزي: " الجرع: جمع جرعة، وهى ملء الفم. يخبره أن السلم هو فيها وادع ينال من مطالبه ما يريد فإذا جاءت الحرب قطعته عن لذاته وشغلته بنفسه ". وهو تحريض على الصلح. وأنفاس الحرب، أراد بها أوائلها. (5) ليست في ح. وذاع: انتشر وتفرق. وفي الأصل: " أذاع ". (*)

[ 115 ]

ألا إن الحرب شرها ذريع، وطعمها فظيع، وهى جرع متحساة، فمن أخذ لها أهبتها، واستعد لها عدتها، ولم يألم كلومها عند حلولها، فذاك صاحبها. ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها، فذاك قمن ألا ينفع قومه، و [ أن ] يهلك نفسه. نسأل الله بعونه أن يدعمكم بألفته (1). ثم نزل. فأجاب عليا إلى السير (2) والجهاد جل الناس، إلا أن أصحاب عبد الله بن مسعود أتوه، وفيهم عبيدة السلمانى (3) وأصحابه، فقالوا له: إنا نخرج معكم، ولا ننزل عسكركم، ونعسكر على حدة حتى ننظر في أمركم وأمر أهل الشام، فمن رأيناه أراد ما لا يحل له، أو بدا منه بغى، كنا عليه. فقال على: مرحبا وأهلا، هذا هو الفقه في الدين، والعلم بالسنة، من لم يرض بهذا فهو جائر خائن. وأتاه آخرون من أصحاب عبد الله بن مسعود، فيهم ربيع بن خشيم (4) وهم يومئذ أربعمائة رجل، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا شككنا في هذا القتال على معرفتنا بفضلك، ولا غناء بنا ولا بك ولا المسلمين عمن يقاتل العدو، فولنا بعض الثغور نكون به (5) تم نقاتل عن أهله. فوجهه على (6) على ثغر الرى، فكان أول لواء عقده بالكوفة لواء ربيع بن خثيم.


(1) ح: " بالفيئة ". (2) في الأصل: " فأجابه إلى السير "، والوجه ما أثبت من ح. (3) عبيدة، بفتح أوله. وهو عبيدة بن عمرو ويقال ابن قيس بن عمرو السلمانى، بفتح السين المهملة وسكون اللام، نسبة إلى سلمان بن يشكر بن ناجية بن مراد. أسلم قبل وفاة النبي بسنتين ولم يلقه. روى عن ابن مسعود وعلى، وروى عنه محمد بن سيرين، وأبو إسحاق السبيعى، وإبراهيم النخعي وغيرهم. وقال ابن نمير: كان شريح إذا أشكل عليه شئ كتب إلى عبيدة. توفى سنة 72 وقيل ثلاث، وقيل أربع. الإصابة 6401 والمعارف 188 وتقريب التهذيب، ومختلف القبائل ومؤتلفها لمحمد بن حبيب ص 30. (4) خثيم، بهيئة التصغير. انظر الاشتقاق 112 وشرح الحيوان (4: 292). (5) ح (1: 283): " نكمن به ". (6) ح: " فوجه على عليه السلام بالربيع بن خثيم ". (*)

[ 116 ]

نصر: عمر بن سعد، عن ليث بن سليم قال: دعا على باهلة فقال: يا معشر باهلة، أشهد الله أنكم تبغضوني وأبغضكم، فخذوا عطاءكم واخرجوا إلى الديلم. وكانوا قد كرهوا أن يخرجوا معه إلى صفين. نصر، عن عمر بن سعد، عن يوسف بن يزد عن عبد الله بن عوف ابن الأحمر، أن عليا لم يبرح النخيلة حتى قدم عليه ابن عباس بأهل البصرة، وكان كتب على إلى ابن عباس وإلى أهل البصرة: " أما بعد فأشخص إلى من قبلك من المسلمين والمؤمنين، وذكرهم بلائى عندهم، وعفوي عنهم، واستبقائي لهم، ورغبهم في الجهاد، وأعلمهم الذى لهم في ذلك من الفضل ". فقام فيهم ابن عباس فقرأ عليهم كتاب على، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، استعدوا للمسير إلى إمامكم، وانفروا في سبيل الله خفافا وثقالا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم، فإنكم تقاتلون المحلين القاسطين، الذين لا يقرءون القرآن ولا يعرفون حكم الكتاب، ولا يدينون دين الحق، مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر والصادع بالحق، والقيم بالهدى، والحاكم بحكم الكتاب، الذى لا يرتشى في الحكم، ولا يداهن الفجار، ولا تأخذه في الله لومة لائم. فقام الأحنف بن قيس فقال: نعم، والله لنجيبنك، ولنخرجن معك على العسر واليسر، والرضا والكره، نحتسب في ذلك الخير، ونأمل من الله العظيم من الأجر (1).


(1) ح: " نحتسب في ذلك الأجر، ونأمل به من الله العظيم حسن الثواب ". (*)

[ 117 ]

وقام إليه خالد بن المعمر السدوسى (1) فقال: سمعنا وأطعنا، فمتى استنفرتنا نفرنا، ومتى دعوتنا أجبنا. وقام إليه عمرو بن مرجوم العبدى (2)، فقال: وفق الله أمير المؤمنين، وجمع له أمر المسلمين، ولعن المحلين القاسطين، الذين لا يقرءون القرآن، نحن والله عليهم حنقون، ولهم في الله مفارقون. فمتى أردتنا صحبك خيلنا ورجلنا. وأجاب الناس إلى المسير، ونشطوا وخفوا، فاستعمل ابن عباس على البصرة أبا الأسود الدئلى، وخرج حتى قدم على على ومعه رءوس الأخماس: خالد بن المعمر السدوسى على بكر بن وائل، وعمرو بن مرجوم العبدى على عبد القيس، وصبرة بن شيمان الأزدي (3) على الأزد، والأحنف بن قيس على تميم وضبة والرباب، وشريك بن الأعور الحارثى على أهل العالية. فقدموا على على عليه السلام بالنخيلة. وأمر الأسباع من أهل الكوفة: سعد بن مسعود الثقفى على قيس وعبد القيس، ومعقل بن قيس اليربوعي على تميم وضبة والرباب وقريش وكنانة وأسد، ومخنف بن سليم على الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار وخزاعة، وحجر بن عدى الكندى على كندة وحضر موت وقضاعة ومهرة، وزياد بن النضر على مذحج والأشعريين، وسعيد بن قيس بن مرة الهمداني على همدان ومن معهم من حمير، وعدى بن حاتم على طيئ، ويجمعهم


(1) ترجم له في الإصابة 2317 فيمن له إدراك. (2) مرجوم، بالجيم، كان من أشراف عبد القيس ورؤسائها في الجاهلية، وقد مدحه المسيب بن عباس. وكان ابنه عمرو سيدا شريفا في الإسلام. ذكره ابن حجر في الصحابة. انظر الإصابة 5954. (3) في الأصل: " سيمان " صوابه بالشين كما في الاشتقاق 299. (*)

[ 118 ]

الدعوة مع مذحج وتختلف الرايتان: راية مذحج مع زياد بن النضر، وراية طيئ مع عدى بن حاتم. وكتب محمد بن أبى بكر إلى معاوية. بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن أبى بكر إلى الغاوى بن صخر. سلام على أهل طاعة الله ممن. هو مسلم لأهل ولاية الله. أما بعد فإن الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته خلق خلقا بلا عنت (1) ولا ضعف في قوته، ولا حاجة به إلى خلقهم، ولكنه خلقهم عبيدا، وجعل منهم شقيا وسعيدا، وغويا ورشيدا، ثم اختارهم على علمه، فاصطفى وانتخب منهم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فاختصه برسالته، واختاره لوحيه، وائتمنه على أمره، وبعثه رسولا مصدقا لما بين يديه من الكتب، وذليلا على الشرائع، فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أول من أجاب وأناب، وصدق ووافق، وأسلم وسلم - أخوه وابن عمه على بن أبى طالب عليه السلام، فصدقه بالغيب المكتوم، وآثره على كل حميم، فوقاه كل هول، وواساه بنفسه في كل خوف، فحارب حربه، وسالم سلمه (2) فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات، الأزل (3) ومقامات الروع، حتى برز سابقا لا نظير له في جهاده، ولا مقارب له في فعله. وقد رأيتك تساميه وأنت أنت. وهو هو المبرز السابق في كل خير، أول الناس إسلاما، وأصدق الناس نية، وأطيب الناس ذرية، وأفضل الناس زوجة، وخير الناس ابن عم. وأنت اللعين ابن


(1) العنت: المشقة. (2) الحرب العدو المحارب. والسلم: المسلم. (3) الأزل: الضيق والشدة. (*)

[ 119 ]

اللعين. ثم لم تزل أنت وأبوك تبغيان الغوائل لدين الله، وتجهدان على إطفاء نور الله، وتجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتخالفان فيه القبائل. على ذلك مات أبوك، وعلى ذلك خلفته، والشاهد عليك بذلك من يأوى ويلجأ إليك من بقية الأحزاب، ورؤوس النفاق والشقاق لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والشاهد لعلى مع فضله المبين وسبقه القديم، أنصاره الذين ذكروا بفضلهم في القرآن فأثنى الله عليهم، من المهاجرين والأنصار، فهم معه عصائب وكتائب حوله، يجالدون بأسيافهم، ويهريقون دماءهم دونه، يرون الفضل في اتباعه، والشقاء في خلافه، فكيف - يا لك الويل - تعدل نفسك بعلى، وهو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووصيه وأبو ولده وأول الناس له اتباعا، وآخرهم به عهدا، يخبره بسره ويشركه في أمره، وأنت عدوه وابن عدوه ؟ ! فتمتع ما استطعت بباطلك، وليمدد لك ابن العاص في غوايتك، فكأن أجلك قد انقضى، وكيدك قد وهى. وسوف يستبين لمن تكون العاقبة العليا. واعلم أنك [ إنما ] تكايد ربك الذى قد أمنت كيده، وأيست من روحه. وهو لك بالمرصاد، وأنت منه في غرور، وبالله وأهل رسوله عنك الغناء، والسلام على من اتبع الهدى. فكتب إليه معاوية: بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبى سفيان إلى الزارى على أبيه محمد بن أبى بكر. سلام على أهل طاعة الله. أما بعد فقد أتانى كتابك، تذكر فيه ما الله أهله في قدرته وسلطانه، وما أصفى به نبيه (1)، مع كلام ألفته ووضعته، لرأيك فيه تضعيف،


(1) أصفاه بالشئ: آثره به. وفي الكتاب: (أفأصفاكم ربكم بالبنين) وفي الأصل: " وما اصطفاه به نبيه "، صوابه في ح (1: 284). (*)

[ 120 ]

ولأبيك فيه تعنيف. ذكرت حق ابن أبى طالب، وقديم سوابقه وقرابته من نبى الله صلى الله عليه، ونصرته له ومواساته إياه في كل خوف وهول، واحتجاجك على بفضل غيرك لا بفضلك. فاحمد إلها صرف الفضل عنك وجعله لغيرك. وقد كنا وأبوك معنا في حياة من نبينا صلى الله عليه - نرى حق ابن أبى طالب لازما لنا، وفضله مبرزا علينا، فلما اختار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ما عنده، وأتم له ما وعده، وأظهر دعوته وأفلج حجته. قبضه الله إليه، فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه. على ذلك اتفقا واتسقا (1)، ثم دعواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما، فهما به الهموم، وأرادا به العظيم، فبايع وسلم لهما، لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرهما، حتى قبضا وانقضى أمرهما. ثم قام بعدهما ثالثهما عثمان بن عفان، يهتدى بهديهما، ويسير بسيرتهما، فعبته أنت وصاحبك، حتى طمع فيه الأقاصى من أهل المعاصي، وبطنتما له وأظهرتما (2)، [ وكشفتما ] عداوتكما وغلكما، حتى بلغتما منه منا كما. فخذ حذرك يا ابن أبى بكر، فسترى وبال أمرك. وقس شبرك بفترك (3) تقصر عن أن تساوى أو توازى من يزن الجبال حلمه، [ و ] لا تلين على قسر قناته (4)، ولا يدرك ذو مدى أناته. أبوك مهد مهاده، وبنى ملكه وشاده، فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوله، وإن يك جورا فأبوك أسسه (5). ونحن شركاؤه، وبهديه أخذنا، وبفعله اقتدينا.


(1) في الأصل: " وانشقا " وأثبت ما في ح. (2) ح (1: 284): " وظهرتما ". (3) الشبر، بالكسر: ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر. والفتر، بالكسر أيضا: ما بين طرف السبابة والإبهام إذا فتحهما. (4) القسر: القهر والإ كراه. وفي الأصل " قصر "، صوابه في ح. (5) الأسس، بالتحريك: الأساس، ومثلها الأس، بالضم. ح: " أسه ". (*)

[ 121 ]

ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبى طالب وأسلمنا له، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك فاحتذينا بمثاله (1)، واقتدينا بفعاله. فعب أباك ما بدا لك أودع، والسلام على من أناب، ورجع عن غوايته وتاب. قال: وأمر على الحارث الأعور ينادى في الناس: أن اخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة. فنادى: أيها الناس، اخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة. وبعث على إلى مالك بن حبيب اليربوعي صاحب شرطته، فأمره أن يحشر الناس إلى المعسكر (2). ودعا عقبة بن عمرو الأنصاري فاستخلفه على الكوفة، وكان أصغر أصحاب العقبة السبعين. ثم خرج على وخرج الناس معه. نصر: عمر حدثنى عبد الرحمن عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الله ابن شريك، أن الناس لما توافوا بالنخيلة قام رجال ممن كان سير عثمان (3) فتكلموا، فقام جندب بن زهير، والحارث الأعور، ويزيد بن قيس الأرحبى فقال جندب: قد آن للذين أخرجوا من ديارهم (4). نصر: عمر بن سعد، حدثنى يزيد بن خالد بن قطن، أن عليا حين أراد المسير إلى النخيلة دعا زياد بن النضر، وشريح بن هانئ - وكانا على مذحج والأشعريين - قال: يا زياد، اتق الله في كل ممسى ومصبح، وخف (5) على نفسك الدنيا الغرور، ولا تأمنها على حال من البلاء واعلم أنك إن لم تزع


(1) ح: " رأينا أباك فعل ما فعل فاحتذينا مثاله ". (2) في الأصل: " العسكر "، وأثبت ما في ح. (3) أي سيرهم عثمان. والتسيير: الإجلاء والإخراج من البلد. (4) كذا وردت العبارة. أي آن لهم أن يقاتلوا. وفي الكتاب: " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم ". (5) في الأصل: " خفف "، صوابه في ح. (*)

[ 122 ]

نفسك عن كثير مما يحب (1) مخافة مكروهة، سمت بك الأهواء إلى كثير من الضر. فكن لنفسك مانعا وازعا (2) من البغى والظلم والعدوان، فإنى قد وليتك هذا الجند، فلا تستطيلن عليهم، وإن خيركم عند الله أتقاكم. وتعلم من عالمهم، وعلم جاهلهم، واحلم عن سفيههم، فإنك إنما تدرك الخير بالحلم، وكف الأذى والجهل (3). فقال زياد: أوصيت يا أمير المؤمنين حافظا لوصيتك، مؤدبا بأدبك، يرى الرشد في نفاذ أمرك، والغى في تضييع عهدك. فأمرهما أن يأخذا في طريق واحد ولا يختلفا، وبعثهما في اثنى عشر ألفا على مقدمته (4) شريح بن هانئ على طائفة من الجند، وزياد على جماعة. فأخذ شريح يعتزل بمن معه من أصحابه على حدة، ولا يقرب زياد بن النضر (5)، فكتب زياد [ إلى على عليه السلام ] مع غلام له أو مولى يقال له شوذب: لعبد الله على أمير المؤمنين من زياد بن النضر، سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد فإنك وليتني أمر الناس، وإن شريحا لا يرى لى عليه طاعة ولا حقا، وذلك من فعله بى استخفاف بأمرك، وترك لعهدك (6). [ والسلام ].


(1) في الأصل: " يجب "، صوابه في ح. (2) في الأصل: " وادعا " صوابه في ح. وجاء في نهج البلاغة (4: 161) بشرح ابن أبى الحديد: " رادعا ". (3) الجهل: نقيض الحلم. وفى الأصل: " الجهد "، والصواب في ح. (4) مقدمة الجيش، بكسر الدال المشددة، وعن ثعلب فتح داله. (5) في الأصل: " بزياد " تحريف. وفي ح: " زيادا " فقط. (6) في الأصل: " استخفافا " و: " تركا "، صوابه في ح (1: 285). (*)

[ 123 ]

وكتب شريح بن هانئ: سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد فإن زياد ابن النضر حين أشركته في أمرك، و وليته جندا من جنودك، تنكر واستكبر ومال به العجب والخيلاء والزهو إلى ما لا يرضاه الرب تبارك وتعالى (1) من القول والفعل. فإن رأى أمير المؤمنين أن يعزله عنا ويبعث مكانه من يحب فليفعل، فإنا له كارهون. والسلام. فكتب إليهما على: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى زياد بن النضر وشريح بن هانئ: سلام عليكما، فإنى أحمد إليكما الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد فإنى قد وليت مقدمتي زياد بن النضر وأمرته عليها، وشريح على طائفة منها أمير، فإن أنتما جمعكما بأس فزياد بن النضر على الناس، وإن افترقتما فكل واحد منكما أمير الطائفة (2) التى وليناه أمرها. واعلما أن مقدمة القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم، فإذا أنتما خرجتما من بلادكما فلاتسأما من توجيه الطلائع، ومن نقض الشعاب والشجر والخمر في كل جانب (3) كى لا يغتر كما عدو، أو يكون لكم كمين. ولا تسيرن الكتائب [ والقبائل ] من لدن


(1) ح: " إلى ما لا يرضى الله تعالى به ". (2) في الأصل: " على أمير الطائفة " وكلمة: " على " مقحمة. (3) النفيضة: الجماعة يبعثون في الأرض متجسسين لينظروا هل فيها عدو أو خوف. والشعاب: جمع شعبة، وهو ما انشعب من التلعة والوادى، أي عدل عنه وأخذ في طريق غير طريقه. والخمر، بالتحريك: ما واراك من الشجر والجبال ونحوها. في الأصل وح: " نقض الشعاب " بالقاف، صوابه بالفاء. (*)

[ 124 ]

الصباح إلى المساء إلا على تعبية (1). فإن دهمكم داهم أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدمتم في التعبية. وإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبل الأشراف أو سفاح الجبال (2)، أو أثناء الأنهار، كى ما يكون ذلك لكم ردءا (3)، وتكون (4) مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين. واجعلوا رقباءكم في صياصى الجبال، وبأعالى الأشراف، ومناكب الهضاب (5) يرون لكم لئلا يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن. وإياكم والتفرق، فإذا نزلتم فانزلوا جميعا، وإذا رحلتم فارحلوا جميعا، وإذا غشيكم ليل فنزلتم فحفوا عسكركم بالرماح والأترسة (6)، ورماتكم يلون ترستكم ورماحكم. وما أقمتم فكذلك فافعلوا كى لا تصاب لكم غفلة، ولا تلفى منكم غرة، فما قوم حفوا عسكرهم برماحهم وترستهم من ليل أو نهار إلا كانوا كأنهم في حصون. واحرسا عسكركما بأنفسسكما، وإياكما أن تذوقا نوما حتى تصبحا إلا غرارا أو مضمضة (7) ثم ليكن ذلك شأنكما ودأبكما حتى تنتهيا إلى عدوكما.


(1) في الأصل: " إلا من لدن " الخ. وكلمة: " إلا " مقحمة. (2) الأشراف: الأماكن العالية، جمع شرف. وقبلها: ما استقبلك منها. وسفاح الجبال: أسافلها، حيث يسفح منها الماء. ولم أجد هذا الجمع في المعاجم. والمعروف سفوح. (3) قال ابن أبى الحديد في (3: 413): " المعنى أنه أمرهم أن ينزلوا مسندين ظهورهم إلى مكان عال كالهضاب العظيمة أو الجبال أو منعطف الأنهار التى تجرى مجرى الخنادق على العسكر، ليأمنوا بذلك من البيات، وليأمنوا من إتيان العدو لهم من خلفهم ". (4) في نهج البلاغة: " ولتكن ". (5) المنكب من الأرض: الموضع المرتفع. في الأصل: " ومناكب الأنهار "، صوابه من نهج البلاغة بشرح ابن الحديد (3: 412). (6) الترس من السلاح تلك التى يتوقى بها، وتجمع على أتراس وتراس وترسة وتروس. وفي اللسان: " قال يعقوب: ولا نقل أترسة ". وفي ح (1: 285): " والترسة ". (7) في اللسان: " لما جعل للنوم ذوقا أمرهم أن لا ينالوا منه إلا بألسنتهم ولا يسيغوه. فشبهه بالمضمضة بالماء وإلقائه من الفم من غير ابتلاع ". (*)

[ 125 ]

وليكن عندي كل يوم خبركما ورسول من قبلكما، فإنى - ولا شئ إلا ما شاء الله - حثيث السير في آثاركما. عليكما في حربكما بالتؤدة، وإياكم والعجلة إلا أن تمكنكم فرصة بعد الإعذار والحجة. وإياكما أن تقاتلا حتى أقدم عليكما إلا أن تبدأ أو يأتيكما أمرى إن شاء الله. والسلام. وفي حديث عمر أيضا بإسناده، ثم قال: إن عليا كتب إلى أمراء الأجناد: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين، أما بعد فإنى أبرأ إليكم وإلى أهل الذمة من معرة الجيش (1)، إلا من جوعة إلى شبعة، ومن فقر إلى غنى، أو عمى إلى هدى، فإن ذلك عليهم. فاعزلوا الناس عن الظلم والعدوان، وخذوا على أيدى سفهائكم، واحترسوا أن تعملوا أعمالا لا يرضى الله بها عنا فيرد علينا وعليكم دعاءنا، فإن الله تعالى يقول: (قل ما يعبأ بكم ربى لولا دعاؤكم فقد كذبتم. فسوف يكون لزاما). فإن الله إذا مقت قوما من السماء هلكوا في الأرض، فلا تألوا أنفسكم خيرا (2)، ولا الجند حسن سيرة، ولا الرعية معونة، ولا دين الله قوة، وأبلوا في سبيله (3) ما استوجب عليكم، فإن الله قد اصطنع عندنا وعندكم ما [ يجب علينا أن ] نشكره بجهدنا، وأن ننصره ما بلغت قوتنا. ولا قوة إلا بالله. وكتب أبو ثروان.


(1) معرة الجيش: أن ينزلوا بقوم فيأكلوا من زروعهم شيئا بغير علم. (2) يقال فلان لا يألو خيرا: أي لا يدعه ولا يزال يفعله. وفي الأصل: " لا تدخروا أنفسكم "، صوابه في ح. (3) في الأصل: " وأبلوه "، صوابه في ح. (*)

[ 126 ]

قال: وفي كتاب عمر بن سعد أيضا: وكتب إلى جنوده يخبرهم بالذى لهم والذى عليهم: من عبد الله على أمير المؤمنين. أما بعد فإن الله جعلكم في الحق جميعا سواء، أسودكم وأحمركم (1)، وجعلكم من الوالى وجعل الوالى منكم بمنزلة الوالد من الولد، وبمنزلة الولد من الوالد الذى لا يكفيهم منعه إياهم طلب عدوه والتهمة به، ما سمعتم وأطعتم وقضيتم الذى عليكم (2). وإن حقكم عليه إنصافكم والتعديل بينكم، والكف عن فيئكم. فإذا فعل ذلك معكم وجبت عليكم طاعته بما وافق الحق، ونصرته على سيرته، والدفع عن سلطان الله، فإنكم وزعة الله في الأرض - قال عمر: الوزعة الذين يدفعون عن الظلم - فكونوا له أعوانا ولدينه أنصارا، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها. إن الله لا يحب المفسدين. قال: ومرت جنازة على على وهو بالنخيلة. نصر: عمر بن سعد، حدثنى سعد بن طريف عن الأصبغ بن نبانة عن على قال: قال على: ما يقول الناس في هذا القبر ؟ - وفي النخيلة قبر عظيم يدفن اليهود موتاهم حوله - فقال الحسن بن على: يقولون هذا قبر هود النبي صلى الله عليه وسلم لما أن عصاه قومه جاء فمات هاهنا. قال: كذبوا، لأنا، أعلم به منهم، هذا قبر يهودا (3) بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، بكر يعقوب (4). ثم قال


(1) انظر ما مضى ص 113. (2) الكلام بعد " الولد " إلى هنا ليس في ح. (3) في الأصل: " يهود " وفي ح (1: 286): " يهوذا " صوابهما ما أثبت كما في القاموس مادة (هود). وفي شفاء الغليل للخفاجي: " يهودا معرب يهوذا بذال معجمة، ابن يعقوب عليه السلام ". (4) الحق أن بكر يعقوب هو " رأوبين " وأمه ليئة. انظر التكوين (35: 23 27). (*)

[ 127 ]

هاهنا أحد من مهرة (1) ؟ قال: فأتى بشيخ كبير، فقال: أين منزلك ؟ قال: على شاطئ البحر. قال: أين من الجبل الأحمر (2) ؟ قال: [ أنا ] قريب منه. قال: فما يقول قومك فيه ؟ قال: يقولون: قبر ساحر. قال: كذبوا، ذاك قبر هود، وهذا قبر يهودا (3) بن يعقوب بكره. [ ثم قال عليه السلام ]: يحشر من ظهر الكوفة سبعون ألفا على غرة الشمس (4) يدخلون الجنة بغير حساب. قال نصر: وفي حديث عمر بن سعد قال: بعث قيس بن سعد الأنصاري من الكوفة إلى مصر أميرا عليها. فلما بلغ معاوية بن أبى سفيان مكان على بالنخيلة ومعسكره بها - ومعاوية بدمشق قد ألبس منبر دمشق قميص عثمان وهو مخضب بالدم، وحول المنبر سبعون ألف شيخ يبكون [ حوله ] لا تجف دموعهم على عثمان - خطب معاوية أهل الشام فقال: يا أهل الشام، قد كنتم تكذبوني في على، وقد استبان لكم أمره، والله ما قتل خليفتكم غيره، وهو أمر بقتله، وألب الناس عليه، وآوى قتلته، وهم جنده وأنصاره وأعوانه، وقد خرج بهم قاصدا بلادكم [ ودياركم ] لإبادتكم. يا أهل الشام، الله الله في عثمان، فأنا ولى عثمان وأحق من طلب بدمه، وقد جعل الله لولى المظلوم سلطانا (5). فانضروا خليفتكم [ المظلوم ]، فقد صنع


(1) مهرة، بالفتح، ابن حيدان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وهم حى من اليمن. (2) ح: " أين أنت من الجبل " فقط. (3) في الأصل: " يهود " وانظر التنبيه رقم 3 من الصفحة السابقة. (4) أي مطلعها. وغرة كل شئ: أوله. وفي الأصل: " الشمس والقمر "، وأثبت ما في ح. (5) ح: " لولى المقتول ظلما سلطانا ". (*)

[ 128 ]

به القوم ما تعلمون، قتلوه ظلما وبغيا، وقد أمر الله بقتال الفئة الباغية حتى تفئ إلى أمر الله. [ ثم نزل ]. فأعطوه الطاعة، وانقادوا له وجمع إليه أطرافه، واستعمل على فلسطين ثلاثة رهط فجعلهم بإزاء أهل مصر ليغيروا عليهم من خلفهم، وكتب إلى معتزلة أهل مصر، وهم يومئذ يكاتبون معاوية ولا يطيقون مكاثرة أهل مصر، إن تحرك قيس عامل على على مصر أن يثبتوا له. وفيها معاوية بن خديج، وحصين بن نمير. وأمراء فلسطين الذين أمرهم معاوية عليها: حباب بن أسمر، وسمير بن كعب بن أبى الحميرى، وهيلة بن سحمة. واستعمل على أهل حمص محول بن عمرو بن داعية، واستخلف على أهل دمشق عمار بن السعر، واستعمل على أهل قنسرين صيفي بن علية بن شامل (1). آخر الجزء الثاني من الأصل، ويتلوه في الجزء الثالث خروج على رضى الله عنه إلى النخيلة. وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم


(1) ترجم له ابن عساكر في تاريخه (18: 64) النسخة التيمورية، وقيده بالضبط الذى أثبت. وفي الأصل: " صيفي بن عيلة بن سائل "، تحريف. (*)

[ 129 ]

الجزء الثالث من كتاب صفين لنصر بن مزاحم رواية أبى محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبى الحسن على بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبى الحسن محمد بن ثابت. رواية أبى يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبى الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى رواية أبى البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي سماع مظفر بن على بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم - غفر الله له

[ 131 ]

بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي، قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى بقراءتي عليه في ربيع الآخر من سنة أربع وثمانين وأربعمائة، قال أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر، قال أبو الحسن محمد بن ثابت ابن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفى، قال أبو الحسن على بن محمد بن محمد بن عقبة، قال أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز قال أبو الفضل نصر بن مزاحم: خروج على رضى الله عنه من النخيلة عمرو بن شمر، وعمر بن سعد، ومحمد بن عبد الله، قال عمر: حدثنى رجل من الأنصار عن الحارث بن كعب الوالبى، عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبى الكنود، قال: لما أراد على الشخوص من النخيلة قام في الناس لخمس مضين من شوال يوم الأربعاء فقال: الحمد لله غير مفقود النعم (1) ولا مكافأ الإفضال، وأشهد ألا إله إلا الله ونحن على ذلكم من الشاهدين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد ذلكم فإنى قد بعثت مقدماتي، وأمرتهم بلزوم هذا


(1) في الأصل: " غير معقود النعم " صوابه في نهج البلاغة (1: 287) بشرح ابن أبى الحديد. (*)

[ 132 ]

الملطاط (1) حتى يأتيهم أمرى، فقد أردت أن أقطع هذه النطفة (2) إلى شرذمة منكم موطنين بأكناف دجلة (3)، فأنهضهم معكم إلى أعداء الله، إن شاء الله، وقد أمرت على المصر عقبة بن عمرو الأنصاري، ولم الكم (4) ولا نفسي. فإياكم والتخلف والتربص، فإنى قد خلفت مالك بن حبيب اليربوعي، وأمرته ألا يترك متخلفا إلا ألحقه بكم عاجلا إن شاء الله. فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: يا أمير المؤمنين، والله لا يتخلف عنك إلا ظنين، ولا يتربص بك إلا منافق. فأمر مالك بن حبيب أن يضرب أعناق المتخلفين. قال على: قد أمرته بأمرى، وليس مقصرا في أمرى إن شاء الله. وأراد قوم أن يتكلموا فدعا بدابته فجاءته، فلما أراد أن يركب وضع رجله في الركاب وقال: " بسم الله ". فلما جلس (5) على ظهرها قال: (سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون). ثم قال: اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحيرة بعد اليقين، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، ولا يجمعهما غيرك، لأن المستخلف


(1) قال الرضى في تعليقه على نهج البلاغة: " أقول: يعنى عليه السلام بالملطاط ها هنا: السمت الذى أمرهم بلزومه، وهو شاطئ الفرات. ويقال ذلك أيضا لشاطئ البحر. وأصله ما استوى من الأرض ". (2) قال الرضى: " يعنى بالنطفة ماء الفرات. وهو من غريب العبارات وعجيبها ". (3) يقال وطن بالمكان وأوطن والأخيرة أعلى. (4) يقال ما يألو الشئ: أي ما يتركه. في الأصل: " ولم آلوكم "، صوابه في ح (1: 287). (5) في الأصل: " ملس " تحريف. (*)

[ 133 ]

لا يكون مستصحبا، والمستصحب لا يكون مستخلفا (1). ثم خرج وخرج أمامه الحر بن سهم بن طريف الربعي (ربيعة تميم) وهو يقول: يا فرسى سيرى وأمى الشاما * وقطعي الحزون والأعلاما (2) ونابذى من خالف الإماما * إنى لأرجو إن لقينا العاما جمع بنى أمية الطعاما * أن نقتل العاصى والهماما وأن نزيل من رجال هاما. قال: وقال مالك بن حبيب - وهو على شرطة على - وهو آخذ بعنان دابته عليه السلام: يا أمير المؤمنين، أتخرج بالمسلمين فيصيبوا أجر الجهاد والقتال وتخلفني في حشر الرجال ؟ فقال له على: إنهم لن يصيبوا من الأجر شيئا إلا كنت شريكهم فيه، وأنت هاهنا أعظم غناء منك عنهم (3) لو كنت معهم. فقال: سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين. فخرج على حتى إذا جاز حد الكوفة صلى ركعتين. نصر: إسرائيل بن يونس، عن أبى إسحاق السبيعى، عن عبد الرحمن بن يزيد، أن عليا صلى بين القنطرة والجسر ركعتين.


(1) قال الرضى في نهج البلاغة: " وابتداء هذا الكلام مروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله. وقد قفاه أمير المؤمنين عليه السلام بأبلغ كلام، وتممه بأحسن تمام، من قوله: ولا يجمعهما غيرك، إلى آخر الفصل ". ووعثاء السفر: مشقته. والمنقلب: الرجوع. (2) انظر الأغاني (11: 130). (3) ح (1: 277): " عنهم منك ". (*)

[ 134 ]

نصر: عمرو بن خالد، عن أبى الحسين زيد بن على، عن آبائه عن على عليه السلام قال. خرج على وهو يريد صفين حتى إذا قطع النهر أمر مناديه فنادى بالصلاة. قال: فتقدم فصلى ركعتين، حتى إذا قضى الصلاة أقبل علينا فقال: يأيها الناس، ألا من كان مشيعا أو مقيما فليتم الصلاة فإنا قوم على سفر (1)، ومن صحبنا فلا يصم المفروض (2). والصلاة [ المفروضة ] ركعتان. قال: ثم رجع إلى حديث عمر بن سعد، قال: ثم خرج حتى أتى دير أبى موسى، وهو من الكوفة على فرسخين (3)، فصلى بها العصر (4)، فلما انصرف من الصلاة قال: " سبحان ذى الطول والنعم، سبحان ذى القدرة والإفضال. أسأل الله الرضا بقضائه، والعمل بطاعته، والإنابة إلى أمره، فإنه سميع الدعاء ". ثم خرج حتى نزل على شاطئ نرس (5)، بين موضع حمام أبى بردة وحمام عمر، فصلى بالناس المغرب فلما انصرف قال: " الحمد لله الذى يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، [ و ] الحمد لله كلما وقب ليل وغسق، والحمد لله كلما لاح نجم وخفق ".


(1) ح: " قوم سفر ". وسفر، بالفتح: أي مسافرون. (2) ح (1: 277): " فلا يصومن المفروض ". (3) لم يذكره ياقوت. (4) ح: " به العصر " التذكير للدير، والتأنيث للبقعة. (5) نرس، بفتح النون في أوله: نهر حفره نرسى بن بهرام بنواحي الكوفة، مأخذه من الفرات. وفي الأصل: " البرس " بالباء. صوابه ما أثبت من ح ومعجم البلدان. (*)

[ 135 ]

ثم أقام حتى صلى الغداة، ثم شخص حتى بلغ قبة قبين (1)، [ و ] فيها نخل طوال إلى جانب البيعة من وراء النهر. فلما رآها قال: (والنخل باسقات لها طلع نضيد). ثم أقحم دابته النهر فعبر إلى تلك البيعة فنزلها فمكث بها قدر الغداة. نصر: عمر، عن رجل - يعنى أبا مخنف (2) - عن عمه ابن مخنف (3) قال: إنى لأنظر إلى أبى، مخنف بن سليم (4) وهو يساير عليا ببابل، وهو يقول. إن ببابل أرضا قد خسف بها، فحرك دابتك لعلنا أن نصلى العصر خارجا منها. قال: فحرك دابته وحرك الناس دوابهم في أثره، فلما جاز جسر الصراة (5) نزل فصلى بالناس العصر. نصر: عمر، حدثنى عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفى، عن أبيه


(1) قبين، بضم القاف وتشديد الباء المكسورة بعده. وفي ح: " يبين " محرف. (2) أبو مخنف، هو لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي الغامدى، شيخ من أصحاب الأخبار بالكوفة. روى عن الصعق بن زهير، وجابر الجعفي، ومجالد، وروى عنه المدائني، وعبد الرحمن بن مغراء. ومات قبل السبعين ومائة. منتهى المقال 248 ولسان الميزان (4: 292) وابن النديم 93 ليبسك. (3) لمخنف أولاد، أحدهم أبو رملة عامر بن مخنف بن سليم الأزدي. ذكره صاحب منتهى المقال في 299 وقال إنه روى عن أبيه مخنف. والآخر حبيب بن مخنف ذكره الحافظ أبو عمرو. وثالث ذكره صاحب لسان الميزان (5: 375) وهو محمد بن مخنف. (4) مخنف، بكسر الميم، وسليم، بضم السين، كما في الاشتقاق 289 ومنتهى المقال 299. وهو صحابي ترجم له في الإصابة 7842. (5) الصراة، بالفتح: نهر يأخذ من نهر عيسى من بلدة يقال لها المحول، بينها وبين بغداد فرسخ. وهو من أنهار الفرات. وفي الأصل: " الصراط " تحريف. وفي ح: " الفرات ". (*)

[ 136 ]

عن عبد خير (1) قال: كنت مع على أسير في أرض بابل. قال: وحضرت الصلاة صلاة العصر. قال: فجعلنا لا نأتى مكانا إلا رأيناه أفيح (2) من الآخر. قال: حتى أتينا على مكان أحسن ما رأينا، وقد كادت الشمس أن تغيب. قال: فنزل على ونزلت معه. قال: فدعا الله فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر. قال: فصلينا العصر، ثم غابت الشمس، ثم خرج حتى أتى دير كعب، ثم خرج منها (3) فبات بساباط، فأتاه دهاقينها يعرضون عليه النزل (4) والطعام، فقال: لا، ليس ذلك لنا عليكم. فلما أصبح وهو بمظلم (5) ساباط قال: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون). قال: وبلغ عمرو بن العاص مسيره فقال: لا تحسبني يا على غافلا * لأوردن الكوفة القنابلا (6) بجمعى العام وجمعى قابلا فقال على: لأوردن العاصى بن العاصى * سبعين ألفا عاقدي النواصي


(1) هو عبد خير بن يزيد الهمداني، أبى عمارة الكوفى. أدرك الجاهلية وأدرك زمن النبي ولم يسمع منه. الإصابة 6360 وتهذيب التهذيب. (2) أفيح من الفيح وهو الخصب والسعة. وفي الأصل وح: " أقبح ". (3) ح (1: 277): " ثم خرج منه ". (4) النزل، بضم وبضمتين: ما يهيأ للضيف. وفي الأصل: " النزول "، وأثبت ما في ح. (5) قال ياقوت: مضاف إلى ساباط التى قرب المدائن. (6) القنابل: جمع قنبلة، بالفتح، وهى جماعة الخيل. (*)

[ 137 ]

مستحقبين حلق الدلاص * قد جنبوا الخيل مع القلاص (1) أسود غيل حين لا مناص (2) قال: وكتب على إلى معاوية: أصبحت منى يا ابن حرب جاهلا * إن لم نرام منكم الكواهلا بالحق والحق يزيل الباطلا * هذا لك العام وعام قابلا قال: وبلغ أهل العراق مسير معاوية إلى صفين ونشطوا وجدوا، غير أنه كان من الأشعث بن قيس شئ عند عزل على إياه عن الرياسة، وذلك أن رياسة كندة وربيعة كانت للأشعث، فدعا على حسان بن مخدوج، فجعل له تلك الرياسة، فتكلم في ذلك أناس من أهل اليمن، منهم الأشتر، وعدى الطائى، وزحر بن قيس (3) وهانئ بن عروة، فقاموا إلى على فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رياسة الأشعث لا تصلح إلا لمثله، وما حسان بن مخدوج مثل الأشعث. فغضب ربيعة، فقال حريث بن جابر: يا هؤلاء رجل برجل، وليس بصاحبنا عجز في شرفه وموضعه، ونجدته وبأسه، ولسنا ندفع فضل صاحبكم وشرفه. فقال النجاشي في ذلك: رضينا بما يرضى على لنا به * وإن كان فيما يأت جدع المناخر وصى رسول الله من دون أهله * ووارثه بعد العموم الأكابر (4)


(1) كانت العرب إذا أرادت حربا فساروا إليها ركبوا الإبل وقرنوا إليها الخيل لإراحة الخيل وصيانتها. انظر المفضليات الخمس 39. (2) انظر لأقوال النحاة في مثل هذه العبارة خزانة البغدادي (2: 90 بولاق). (3) في الأصل: " زجر " بالجيم، صوابه بالحاء كما سبق في ص 15. (4) جمع العم أعمام وعموم وعمومة. (*)

[ 138 ]

رضى بابن مخدوج فقلنا الرضا به * رضاك وحسان الرضا للعشائر وللأشعث الكندى في الناس فضله * توارثه من كابر بعد كابر متوج آباء كرام أعزة * إذ الملك في أولاد عمرو بن عامر فلولا أمير المؤمنين وحقه * علينا لأشجينا حريث بن جابر فلا تطلبنا يا حريث فإننا * لفومك ؟ ؟ ردء في الأمور الغوامر وما بابن مخدوج بن ذهل نقيصة * ولا قومنا في وائل بعوائر (1) وليس لنا إلا الرضا بابن حرة * أشم طويل الساعدين مهاجر على أن في تلك النفوس حزازة * وصدعا يؤتيه أكف الجوابر (2) قال: وغضب رجال اليمنية، فأتاهم سعيد بن قيس الهمداني فقال: ما رأيت قوما أبعد رأيا منكم، أرأيتم إن عصيتم على على هل لكم إلى عدوه وسيلة ؟ وهل في معاوية عوض منه، أو هل لكم بالشام من بدله (3) بالعراق، أو تجد ربيعة ناصرا من مضر ؟ القول ما قال، والرأى ما صنع. قال: فتكلم حريث بن جابر فقال: يا هؤلاء، لا تجزعوا، فإنه إن كان الأشعث ملكا في الجاهلية وسيدا في الإسلام فإن صاحبنا أهل هذه الرياسة وما هو أفضل منها. فقال حسان للأشعث: لك راية كندة، ولى راية


(1) العوائر: جمع عائر، وهو الذى لا يدرى من أين أتى، وأصل ذلك في السهام. (2) يؤتيه: يهيئه ويصلحه. وفي اللسان: " أتيت الماء: أصلحت مجراه ". وفيه: " وأتاه الله: هيأه ". وفي الأصل: " يأبيه " مع ضبطها بضم الياء وفتح الهمزة. والوجه ما أثبت. (3) في الأصل: " أو هل لك بالشام من بدلة بالعراق ". (*)

[ 139 ]

ربيعة. فقال: معاذ الله، لا يكون هذا أبدا، ما كان لك (1) فهو لى، وما كان لى فهو لك. وبلغ معاوية ما صنع بالأشعث فدعا مالك بن هبيرة فقال: اقذفوا إلى الأشعث شيئا تهيجونه على على. فدعوا شاعرا لهم فقال هذه الأبيات، فكتب بها مالك بن هبيرة إلى الأشعث، وكان له صديقا، وكان كنديا: من كان في القوم مثلوجا بأسرته * فالله يعلم أنى غير مثلوج زالت عن الأشعث الكندى رياسته * واستجمع الأمر حسان بن مخدوج يا للرجال لعار ليس يغسله * ماء الفرات وكرب غير مفروج إن ترض كندة حسانا بصاحبها * يرض الدناة وما قحطان بالهوج هذا لعمرك عار ليس ينكره * أهل العراق وعار غير ممزوج كان ابن قيس هماما في أرومته * ضخما يبوء بملك غير مفلوج ثم استقل بعار في ذوى يمن * والقوم أعداء ياجوج وماجوج إن الذين تولوا بالعراق له * لا يستطيعون طرا ذبح فروج ليست ربيعة أولى بالذى حذيت * من حق كندة، حق غير محجوج (2) قال: فلما انتهى الشعر إلى أهل اليمن قال شريح بن هانئ: يا أهل اليمن ما يريد صاحبكم إلا أن يفرق بينكم وبين ربيعة. وإن حسان بن مخدوج مشى إلى الأشعث بن قيس برايته حتى ركزها في داره، فقال الأشعث: إن


(1) في الأصل: " ذلك ". (2) حذيت: أعطيت. والحذوة: العطية. (*)

[ 140 ]

هذه الراية عظمت على على، وهو والله أخف على من زف النعام (1)، ومعاذ الله أن يغيرنى ذلك لكم. قال: فعرض عليه على بن أبى طالب أن يعيدها عليه فأبى وقال: يا أمير المؤمنين، إن يكن أولها شرفا فإنه ليس آخرها بعار. فقال له على: أنا أشركك فيه. فقال له الأشعث: ذلك إليك. فولاه على ميمنته، وهى ميمنة أهل العراق. وقال: وأخذ مالك بن حبيب رجلا وقد تخلف عن على فضرب عنقه فبلغ ذلك قومه فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى مالك فنتسقطه (2) لعله أن يقر لنا بقتله، فإنه رجل أهوج. فجاءوا فقالوا: يا مالك، قتلت الرجل ؟ قال: أخبركم أن الناقة ترأم ولدها. اخرجوا عنى قبحكم الله. أخبرتكم أنى قتلته. قال: حدثنى مصعب بن سلام (3)، قال أبو حيان التميمي، عن أبى عبيدة، عن هرثمة بن سليم قال: غزونا مع على بن أبى طالب غزوة صفين، فلما نزلنا بكربلا صلى بنا صلاة، فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمها ثم قال: واها لك أيتها التربة، ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب. فلما رجع هرثمة من غزوته (4) إلى امرأته - وهى جرداء بنت سمير، وكانت شيعة لعلى - فقال لها زوجها هرثمة: ألا أعجبك من صديقك أبى الحسن ؟ لما نزلنا كربلا رفع إليه من تربتها فشمها وقال: واها لك يا تربة، ليحشرن منك قوم


(1) زف النعام، بالكسر: ريشه الصغير. (2) في اللسان: " وتسقطه واستسقطه: طلب سقطه وعالجه على أن يسقط فيخطئ، أو يكذب، أو يبوح بما عنده ". وفي الأصل: " فنسقطه " تحريف: (3) في الأصل: " سلم " تحريف. وترجمة مصعب في تاريخ بغداد (13: 108) (4) ح (1: 278): " من غزاته ". (*)

[ 141 ]

يدخلون الجنة بغير حساب وما علمه بالغيب ؟ فقالت: دعنا منك أيها الرجل، فإن أمير المؤمنين لم يقل إلا حقا. فلما بعث عبيد الله بن زياد البعث الذى بعثه إلى الحسين بن على وأصحابه، قال: كنت فيهم في الخيل التى بعث إليهم، فلما انتهيت إلى القوم وحسين وأصحابه عرفت المنزل الذى نزل بنا على فيه والبقعة التى رفع إليه من ترابها، والقول الذى قاله، فكرهت مسيرى، فأقبلت على فرسى حتى وقفت على الحسين، فسلمت عليه، وحدثته بالذى سمعت من أبيه في هذا المنزل، فقال الحسين: معنا أنت أو علينا ؟ فقلت: يا ابن رسول الله. لا معك ولا عليك. تركت أهلى وولدى (1) أخاف عليهم من ابن زياد. فقال الحسين: فول هربا حتى لا ترى لنا مقتلا، فوالذي نفس محمد بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل ولا يغيثنا (2) إلا أدخله الله النار. قال: فأقبلت في الأرض هاربا حتى خفى على مقتله (3). نصر: مصعب بن سلام قال: حدثنا الأجلح بن عبد الله الكندى عن أبى جحيفة قال جاء عروة البارقى إلى سعيد بن وهب. فسأله وأنا أسمع فقال: حديث حدثتنيه (4) عن على بن أبى طالب. قال: نعم، بعثنى مخنف بن سليم إلى على. فأتيته بكربلاء: فوجدته يشير بيده ويقول: هاهنا هاهنا. فقال له رجل: وما ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال: ثقل لآل محمد ينزل هاهنا فويل لهم منكم، وويل لكم منهم. فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام


(1) ح: " ولدى وعيالي ". (2) ح: " ثم لا يعيننا ". (3) ح: " مقتلهم ". (4) في الأصل: " حدثنيه " محرف. وفى ح: " حدثتناه ". (*)

[ 142 ]

يا أمير المؤمنين ؟ قال: ويل لهم منكم: تقتلونهم، وويل لكم منهم: يدخلكم الله بقتلهم إلى النار. وقد روى هذا الكلام على وجه آخر: أنه عليه السلام قال: فويل [ لكم منهم، وويل ] لكم عليهم. قال الرجل: أما ويل لنا منهم فقد عرفت (1): وويل لنا عليهم ما هو ؟ قال: ترونهم يقتلون ولا تستطيعون نصرهم. نصر: سعيد بن حكيم العبسى: عن الحسن بن كثير عن أبيه: أن عليا أتى كربلاء فوقف بها، فقيل يا أمير المؤمنين، هذه كربلاء. قال: ذات كرب وبلاء. ثم أومأ بيده إلى مكان فقال: هاهنا موضع رحالهم، ومناخ ركابهم وأومأ بيده إلى موضع آخر فقال: هاهنا مهراق دمائهم. ثم رجع إلى حديث عمر بن سعد، قال: ثم مضى نحو ساباط حتى انتهى إلى مدينة بهر سير، وإذا رجل من أصحابه يقال له حر (2) بن سهم بن طريف من بنى ربيعة بن مالك (3)، ينظر إلى آثار كسرى، وهو يتمثل قول ابن يعفر التميمي (4): جرت الرياح على مكان ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد


(1) ح: " عرفناه ". (2) في الأصل: " حريز " وأثبت ما في ح (1: 288). (3) ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. انظر 133 ونهاية الأرب (2: 344). (4) هو الأسود بن يعفر بن عبد الأسود بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك بن زيد مناة بن تميم. شاعر جاهلي مقدم، كان ينادم النعمان بن المنذر. والبيت من قصيدة له في المفضليات (2: 15 - 20 طبع المعارف). وفي الأصل: " ابن يعقوب التميمي " والصواب ما أثبت. وفي ح: " بقول الأسود بن يعفر ". (*)

[ 143 ]

فقال على: أفلا قلت: " كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوما آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ". إن هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين، إن هؤلاء لم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية. إياكم وكفر النعم لا تحل بكم النقم. ثم قال: انزلوا بهذه النجوة (1). نصر: عمر بن سعد، حدثنى مسلم الأعور، عن حبة العرنى (2) (رجل من عرينة) قال: أمر على بن أبى طالب الحارث الأعور فصاح في أهل المدائن: من كان من المقاتلة فليواف أمير المؤمنين صلاة العصر. فوافره في تلك الساعة، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإنى قد تعجبت من تخلفكم عن دعوتكم، وانقطاعكم عن أهل مصركم في هذه المساكن الظالم أهلها، والهالك أكثر سكانها لا معروفا تأمرون به، ولا منكرا تنهون عنه. قالوا: يا أمير المؤمنين، إنا كنا ننتظر أمرك ورأيك، مرنا بما أحببت. فسار وخلف عليهم عدى بن حاتم، فأقام عليهم ثلاثا ثم خرج في ثمانمائة، وخلف ابنه يزيد فلحقه في أربعمائة رجل منهم، ثم لحق عليا، وجاء على حتى مر بالأنبار، فاستقبله بنو خشنوشك دهاقنتها.


(1) النجوة: المكان المرتفع. ح: " الفجوة ". والفجوة: ما اتسع من الأرض، وقيل ما اتسع منها وانخفض. (2) هو حبة، بفتح أوله ثم موحدة ثقيلة، بن جوين بجيم مصغر، العرنى، أبو قدامة الكوفى، كان غاليا في التشيع. قال في تقريب التهذيب: " أخطأ من زعم أن له صحبة ". ح: " حية " بالياء، تحريف. (*)

[ 144 ]

قال سليمان (1): " خش: طيب. نوشك: راض. يعنى بنى الطيب الراضي، بالفارسية ". فلما استقبلوه نزلوا ثم جاءوا يشتدون معه قال: ما هذه الدواب التى معكم ؟ وما أردتم بهذا الذى صنعتم ؟ قالوا: أما هذا الذى صنعنا فهو خلق منا نعظم به الأمراء. وأما هذه البراذين فهدية لك. وقد صنعنا لك وللمسلمين طعاما، وهيأنا لدوابكم علفا كثيرا. قال: أما هذا الذى زعمتم أنه منكم خلق تعظمون به الأمراء فوالله ما ينفع هذا الأمراء، وإنكم لتشقون به على أنفسكم وأبدانكم، فلا تعودوا له. وأما دوابكم هذه فإن أحببتم أن نأخذها منكم فنحسبها من خراجكم أخذناها منكم. وأما طعامكم الذى صنعتم لنا فإنا نكره أن نأكل من أموالكم شيئا إلا بثمن. قالوا: يا أمير المؤمنين، نحن نقومه ثم نقبل ثمنه. قال: إذا لا تقومونه قيمته، نحن نكتفي بما دونه. قالوا: يا أمير المؤمنين فإن لنا من العرب موالى ومعارف، فتمنعنا أن نهدى لهم وتمنعهم أن يقبلوا منا ؟ قال: كل العرب لكم موال، وليس ينبغى لأحد من المسلمين أن يقبل هديتكم. وإن غصبكم أحد فأعلمونا. قالوا: يا أمير المؤمنين، إنا نحب أن تقبل هديتنا وكرامتنا. قال لهم: ويحكم، نحن أغنى منكم. فتركهم ثم سار. نصر: عبد العزيز بن سياه (2)، عن حبيب بن أبى ثابت، قال أبو سعيد


(1) هو أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي، أحد رواة هذا الكتاب. (2) عبد العزيز بن سياه، بكسر المهملة بعدها تحتانية خفيفة، الأسدى الكوفى. صدوق يتشيع من كبار أتباع التابعين. انظر تهذيب التهذيب والتقريب. وفي ح (1: 288): " بن سباع " تحريف. (*)

[ 145 ]

التيمى، المعروف بعقيصا ()، قال: كنا مع على في مسيره إلى الشام، حتى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد - قال: - عطش الناس واحتاجوا إلى الماء، فانطلق بنا على حى أتى بنا (2) على صخرة ضرس من الأرض (3)، كأنها ربضة عنز (4)، فأمرنا فاقتلعناها فخرج لنا ماء، فشرب الناس منه وارتووا. قال: ثم أمرنا فأكفأناها عليه. قال: وسار الناس حتى إذا مضينا قليلا قال على: منكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذى شربتم منه ؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فانطلقوا إليه. قال: فانطلق منا رجال ركبانا ومشاة، فاقتصصنا الطريق [ إليه ] حتى انتهينا إلى المكان الذى نرى أنه فيه. قال: فطلبناها (5) فلم نقدر على شئ، حثى إذا عيل علينا انطلقنا إلى دير قريب منا فسألناهم: أين الماء الذى هو عندكم ؟ قالوا: ما قربنا ماء. قالوا: بلى، إنا شربنا منه. قالوا: أنتم شربتم منه ؟ قلنا: نعم: قال [ صاحب الدير ]: ما بنى هذا الدير إلا بذلك الماء (6)، وما استخرجه إلا نبى أو وصى نبى. ثم رجع إلى الحديث. قال ثم مضى أمير المؤمنين حتى نزل بأرض


(1) في القاموس: " وعقيصى مقصورا: لقب أبى سعيد التيمى التابعي ". وفي منتهى المقال 132: " دينار، يكنى أبا سعيد، ولقبه عقيصا، وإنما لقب بذلك لشعر قاله " فجعل اسمه " دينارا ". في الأصل: " التميمي " تحريف. وفي ح: " حدثنا سعيد التيمى المعروف يعقيصاء "، نقص وتحريف. (2) في الأصل: " أتانا " وفي ح: " أتى " فقط. (3) الضرس، بالكسر: الأرض الخشنة. (4) ربضة العنز، بالضم: أي جثتها إذا بركت. وروى في الحديث: " كربضة العنز " بكسر الراء. اللسان (9: 13). (5) أي الصخرة. وفي ح: " فطلبناه "، أي الماء. (6) في الأصل: " لذلك الماء "، وأثبت ما في ح. (*)

[ 146 ]

الجزيرة، فاستقبله بنو تغلب والنمر بن قاسط بالجزيرة (1). قال: قال على ليزيد ابن قيس الأرحبى: يا يزيد بن قيس. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: هؤلاء قومك، من طعامهم فاطعم، ومن شرابهم فاشرب. نصر: عمر بن سعد، عن الكلبى، عن الأصبغ بن نباتة، أن رجلا سأل عليا بالمدائن عن وضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام، فدعا بمخضب من برام (2) قد نصفه الماء (3). قال على: من السائل عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقام الرجل، فتوضأ على ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه واحدة، وقال: هكذا رأيت رسول الله يتوضأ. ثم رجع إلى الحديث الأول، حديث يزيد بن قيس الأرحبى. ثم قال: والله إنى لشاهد إذ أتاه وفد بنى تغلب فصالحوه على أن يقرهم على دينهم، ولا يضعوا أبناءهم في النصرانية. قال: وقد بلغني أنهم قد تركوا ذلك، وايم الله لئن ظهرت عليهم لأقتلن مقاتلتهم، ولأسبين ذراريهم. فلما دخل بلادهم استقبلته مسلمة لهم كثيرة، فسر بما رأى من ذلك، وثناه عن رأيه. ثم سار أمير المؤمنين حتى أتى الرقة وجل أهلها العثمانية الذين فروا من الكوفة برأيهم وأهوائهم إلى معاوية فغلقوا أبوابها وتحصنوا فيها، وكان أميرهم سماك بن مخرمة الأسدى في طاعة معاوية، وقد كان فارق عليا في نحو من مائة رجل من بنى أسد، ثم أخذ يكاتب قومه حتى لحق به منهم سبعمائة رجل.


(1) ح: " ابن قاسط بن محرز " تحريف. وهو النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. (2) المخضب، بالكسر: شبه الإجانة يغسل فيها الثياب، والمركن. والبرام: جمع برمة، بالضم، وهى قدر من حجارة. (3) نصفه الماء: بلغ نصفه. وفي الأصل: " قدر نصفه الماء ". محرف. وهذا الخبر لم يرد في مظنه من ح. (*)

[ 147 ]

نصر: عمر بن سعد، حدثنى مسلم الملائى (1) عن حبة (2) عن على قال: لما نزل على الرقة [ نزل ] بمكان يقال له بليخ على جانب الفرات، فنزل راهب [ هناك ] من صومعته فقال لعلى: إن عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا، كتبه [ أصحاب ] عيسى بن مريم، أعرضه عليك. قال على: نعم فما هو ؟ قال الراهب: بسم الله الرحمن الرحيم الذى قضى فيما قضى، وسطر فيما سطر، أنه باعث في الأميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب والحكمة، ويدلهم على سبيل الله، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح (3)، أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل نشز، وفي كل صعود وهبوط (4)، تذل ألسنتهم (5) بالتهليل والتكبير [ والتسبيح ]، وينصره الله على كل من ناواه، فإذا توفاه الله اختلفت أمته ثم اجتمعت، فلبثت بذلك ما شاء الله ثم اختلفت، فيمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقضى بالحق، ولا يرتشى في الحكم (6). الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت [ به ] الريح، والموت أهون عليه من شرب الماء


(1) هو مسلم بن كيسان الضبى الملائى البراد، أبو عبد الله الكوفى. انظر تهذيب التهذيب والتقريب. (2) سبقت ترجمته في ص 143. (3) ح (1: 289): " بل يعفو ويصفح ". (4) النشز، بالفتح والتحريك: المتن المرتفع من الأرض. والصعود والهبوط، بفتح أولهما: ما ارتفع وما انخفض من الأرض. (5) يذل، من الذل، بالكسر والضم، وهو اللين. (6) ح: " ولا يركس الحكم ". والركس: رد الشئ مقلوبا. (*)

[ 148 ]

على الظماء (1)، يخاف الله في السر، وينصح له في العلانية، ولا يخاف في الله لومة لائم. من أدرك ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني والجنة، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره، فإن القتل معه شهادة ". [ ثم قال له ]: فأنا مصاحبك غير مفارقك حتى يصيبني ما أصابك. قال: فبكى على ثم قال: الحمد لله الذى لم يجعلني عنده منسيا (2)، الحمد لله الذى ذكرني في كتب الأبرار. ومضى الراهب معه، وكان - فيما ذكروا - يتغدى مع على ويتعشى حتى أصيب يوم صفين، فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم قال على: اطلبوه. فلما وجدوه صلى عليه ودفنه، وقال: هذا منا أهل البيت. واستغفر له مرارا. نصر: عمر عن رجل - وهو أبو مخنف - عن نمير بن وعلة، عن أبى الوداك (3) أن عليا بعث من المدائن معقل بن قيس [ الرياحي ] في ثلاثة آلاف رجل، وقال له: " خذ على الموصل، ثم نصيبين، ثم القنى بالرقة، فإنى موافيها، وسكن الناس وأمنهم، ولا تقاتل إلا من قاتلك، وسر البردين (4)، وغور بالناس (5)، وأقم الليل، ورفه في السير، ولا تسر في


(1) الظمء، بالفتح، والظمأ، بالتحريك، والظماء والظماءة، كسحاب وسحابة: العطش: ح: " الظمآن " (2) ح: " الذى لم أكن عنده منسيا ". (3) هو جبر بن نوف - بفتح النون وآخره فاء - الهمداني - بسكون الميم - البكالى - بكسر الباء الموحدة وتخفيف الكاف - أبو الوداك - بفتح الواو وتشديد الدال. انظر تهذيب التهذيب والتقريب. (4) البردان: الصبح والعصر، كالأبردين. انظر جى الجنتين 26. (5) التغوير: النزول في القائلة نصف النهار. يقال " غوروا بنا فقد أرمضتمونا " أي انزلوا بنا وقت الهاجرة حتى تبرد. (*)

[ 149 ]

الليل (1) فإن الله جعله سكنا، أرح فيك بدنك وجندك وظهرك. فإذا كان السحر أو حين ينبطح الفجر (2) فسر ". فخرج حتى أتى الحديثة، وهى إذ ذاك منزل الناس - إنما بنى مدينة الموصل بعد ذلك محمد بن مروان - فإذا هم بكبشين ينتطحان، ومع معقل بن قيس رجل من خثعم يقال له شداد بن أبى ربيعة (3) قتل بعد ذلك مع الحرورية (4)، فأخذ يقول: إيه إيه. فقال معقل: ما تقول: قال: فجاء رجلان نحو الكبشين فأخذ كل واحد منهما كبشا ثم انصرفا، فقال الخثعمي لمعقل: لا تغلبون ولا تغلبون. قال له: من أين علمت ذلك ؟ قال: أما أبصرت الكبشين، أحدهما مشرق والآخر مغرب، التقيا فاقتتلا وانتطحا، فلم يزل كل واحد منهما من صاحبه منتصفا حى أتى كل واحد منهما صاحبه فانطلق به. فقال له معقل: أو يكون خيرا مما تقول يا أخا خثعم ؟ ثم مضوا حتى أتوا عليا بالرقة. نصر: عمر بن سعد، عن رجل، عن أبى الوداك، أن طائفة من أصحاب على قالوا له: اكتب إلى معاوية وإلى من قبله من قومك بكتاب تدعوهم فيه إليك، وتأمرهم بترك ما هم فيه من الخطأ (5)، فإن الحجة لن تزداد عليهم بذلك إلا عظما. فكتب إليهم:


(1) ح (1: 290): " اول الليل ". (2) انبطح الفجر: ذهب هاهنا وهاهنا. وإنما سمى بطن المسيل أبطح لأن الماء ينبطح فيه أي يذهب يمينا وشمالا. ح: " ينبلج الفجر ". (3) ح: " شرار بن شداد بن أبى ربيعة ". (4) هنا ضبط ياقوت. وضبط في اللسان والقاموس والوفيات (1: 224) بفتح أوله وضم ثانيه. (5) في الأصل: " وتأمرهم بما لهم فيه من الخطأ ". (*)

[ 150 ]

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية وإلى من قبله من قريش سلام عليكم فإنى أحمد الله إليكم الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد فإن لله عبادا آمنوا بالتنزيل، وعرفوا التأويل، وفقهوا في الدين، وبين الله فضلهم في القرآن الحكيم، وأنتم في ذلك الزمان أعداء لرسول الله صلى الله عليه، تكذبون بالكتاب، مجمعون على حرب المسلمين، من ثقفتم منهم حبستموه أو عذبتموه أو قتلتموه، حتى أراد الله إعزاز دينه وإظهار رسوله (1)، ودخلت العرب في دينه أفواجا، وأسلمت [ له ] هذه الأمة طوعا وكرها، وكنتم ممن دخل في هذا الدين إما رغبة وإما رهبة، على حين فاز أهل السبق بسبقهم وفاز المهاجرون الأولون بفضلهم. فلا ينبغى لمن ليست له مثل سوابقهم في الدين ولا فضائلهم في الإسلام، أن ينازعهم الأمر الذى هم أهله وأولى به، فيحوب بظلم (2). ولا ينبغى لمن كان له عقل أن يجهل قدره، ولا أن يعدو طوره، ولا أن يشقى نفسه بالتماس ما ليس له. ثم إن أولى الناس بأمر هذه الأمة قديما وحديثا، أقربها من رسول الله صلى الله عليه، وأعلمها بالكتاب وأفقهها في الدين، وأولها إسلاما وأفضلها جهادا وأشدها بما تحمله الرعية من أمورها اضطلاعا. فاتقوا الله الذى إليه ترجعون، (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون). واعلموا أن خيار عباد الله الذين يعملون بما يعلمون (3)، وأن شرارهم الجهال الذين ينازعون بالجهل أهل العلم، فإن للعالم بعلمه فضلا، وإن الجاهل لن يزداد بمنازعة العالم إلا جهلا. ألا


(1) ح: " وإظهار أمره ". (2) حاب يحوب حوبا: أثم. (3) في الأصل: " بما يعطون "، صوابه في ح. (*)

[ 151 ]

وإنى أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه، وحقن دماء هذه الأمة. فإن قبلتم أصبتم رشدكم، وأهتديتم لحظكم. وإن أبيتم إلا الفرقة وشق عصا هذه الأمة فلن (1) تزدادوا من الله إلا بعدا، ولن يزداد الرب عليكم إلا سخطا. والسلام. فكتب إليه معاوية: " أما بعد فإنه: ليس بينى وبين قيس عتاب * غير طعن الكلى وضرب الرقاب " فقال على: (إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين). نصر: عمر، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث أن عليا قال لأهل الرقة: اجسروا لى جسرا لكى أعبر من هذا المكان إلى الشام. فأبوا وقد كانوا ضموا السفن عندهم، فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج، وخلف عليه الأشتر، فناداهم فقال: يا أهل هذا الحصن، إنى أقسم بالله لئن مضى أمير المؤمنين ولم تجسروا له عند مدينتكم حتى يعبر منها لأجردن فيكم السيف، ولأقتلن مقاتلتكم، ولأخربن أرضكم، ولآخذن أموالكم. فلقى بعضهم بعضا فقالوا: إن الأشتر يفى بما يقول (2)، وإن عليا خلفه علينا ليأتينا منه الشر (3). فبعثوا إليه: إنا ناصبون لكم جسرا


(1) في الأصل: " لن " والصواب دخول الفاء. وفي ح: " لم ". وهذه لا تطلب الفاء. (2) ح: " بما حلف عليه ". (3) ح: " وإنما خلفه على عندنا ليأتينا بشر ". (*)

[ 152 ]

فأقبلوا. فأرسل الأشتر إلى على فجاء ونصبوا له الجسر، فعبر الأثقال والرجال (1)، ثم أمر الأشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس، حتى لم يبق أحد من الناس إلا عبر، ثم إنه عبر آخر الناس رجلا. وذكر الحجاج أن الخيل ازدحمت حين عبرت، وزحم بعضها بعضا وهى تعبر، فسقطت قلنسوة عبد الله بن أبى الحصين (2) فنزل فأخذها وركب، وسقطت قلنسوة عبد الله بن الحجاج فنزل فأخذها ثم ركب، فقال لصاحبه: إن يك ظن الزاجرى الطير صادقا * كما زعموا أقتل وشيكا وتقتل (3) قال عبد الله بن أبى الحصين: ما شئ أوتاه هو أحب إلى مما ذكرت. فقتلا جميعا يوم صفين. وقال خالد بن قطن: فلما قطع على الفرات دعا زياد بن النضر، وشريح بن هانئ، فسرحهما أمامه نحو معاوية على حالهما الذى كانا عليه حين خرجا من الكوفة، في اثنى عشر ألفا. وقد كانا حين سرحهما من الكوفة [ مقدمة له ] أخذا على شاطئ الفرات، من قبل البر مما يلى الكوفة، حتى بلغا عانات، فبلغهما أخذ على على طريق الجزيرة، وبلغهما أن معاوية أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقبال على فقالا: لا والله ما هذا لنا برأى: أن


(1) في الأصل: " فعبر على الأثقال والرحال " بالحاء وبزيادة " على "، وأثبت صوابه من ح (1: 290). وفي الطبري (5: 237): " فعبر عليه بالأثقال والرحال ". (2) في الأصل: " عبد الرحمن بن أبى الحصين " في هذا الموضع وتاليه، وصوابه في ح والطبري. (3) رسم في الأصل بصورة النثر ؟ وبلفظ: " الزاجر " و " يزعمون "، صوابه في الطبري. (*)

[ 153 ]

نسير وبيننا وبين أمير المؤمنين هذا البحر: ما لنا خير أن نلقى جموع أهل الشام بقلة من عددنا منقطعين من العدد والمدد. فذهبوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهل عانات، وحبسوا عندهم السفن (1)، فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت ثم لحقوا عليا بقرية دون قرقيسيا وقد أرادوا أهل عانات فتحصنوا منهم، فلما لحقت المقدمة عليا قال: مقدمتي تأتى [ من ] ورائي ؟ فتقدم إليه زياد وشريح فأخبراه [ بالرأى ] الذى رأيا، فقال: قد أصبتما رشدكما. فلما عبر الفرات قدمهما أمامه نحو معاوية، فلما انتهوا إلى معاوية لقيهم أبو الأعور [ السلمى ] في جند أهل الشام، فدعوهم إلى الدخول في طاعة أمير المؤمنين فأبوا، فبعثوا إلى على: إنا قد لقينا أبا الأعور السلمى بسور الروم في جند من أهل الشام فدعوناه (2) وأصحابه إلى الدخول في طاعتك فأبوا علينا، فمرنا بأمرك. فأرسل على إلى الأشتر فقال: " يا مال، إن زيادا وشريحا أرسلا إلى يعلمانى أنهما لقيا أبا الأعور السلمى في جند من أهل الشام بسور الروم فنبأني الرسول أنه تركهم متواقفين (3). فالنجاء إلى أصحابك النجاء. فإذا أتيتهم فأنت عليهم، وإياك أن تبدأ القوم بقتال، إلا أن يبدءوك، حتى تلقاهم وتسمع منهم، ولا يجرمنك شنآنهم على قتالهم (4) قبل دعائهم والإعذار إليهم مرة بعد مرة. واجعل على ميمنتك زيادا، وعلى ميسرتك شريحا، وقف بين أصحابك وسطا، ولا تدن


(1) ح (1: 291): " عنهم السفن ". (2) في الأصل: " فدعوناهم " صوابه من ح. (3) متواقفين: وقف بعضهم أمام بعض في الحرب. (4) أي لا يحملنك بغضهم على قتالهم. (*)

[ 154 ]

منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب، ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس، حتى أقدم عليك (1)، فإنى حثيث السير إليك إن شاء الله ". وكان الرسول الحارث بن جمهان الجعفي (2). وكتب إليهما: " أما بعد، فإنى قد أمرت عليكما مالكا، فاسمعا له وأطيعا أمره، فإنه ممن لا يخاف رهقه ولا سقاطه (3)، ولا بطؤه عن ما الإسراع إليه أحزم، ولا الإسراع إلى ما البطء عنه أمثل. وقد أمرته بمثل الذى أمرتكما: ألا يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم فيدعوهم ويعذر إليهم (4) [ إن شاء الله ] ". فخرج الأشتر حتى قدم على القوم فاتبع ما أمره به على، وكف عن القتال. فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور السلمى فثبتوا [ له ] واضطربوا ساعة. ثم إن أهل الشام انصرفوا، ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل ررجال حسن عدتها وعددها، وخرج إلهيم أبو الأعور السلمى، فاقتتلوا يومهم ذلك، تحمل الخيل على الخيل (5)، والرجال على الرجال، فصبر القوم بعضهم لبعض ثم انصرفوا. وبكر عليهم الأشتر فقتل منهم (6) عبد الله بن المنذر


(1) في الأصل: " إليك " وأثبت ما في ح. (2) ذكره في لسان الميزان (2: 149) بدون نسبته، وقال: " ذكره الطوسى في رجال الشيعة ". وقد ضبط في تاريخ الطبري (5: 238) بضم الجيم. (3) الرهق: الجهل وخفة العقل، وهو أيضا الكذب، والعربدة. والسقاط، بالكسر: الخطأ والعثرة والزلة. (4) في الأصل: " ألا تبدءوا القوم بقتال حتى تلقاهم فتدعوهم وتعذر إليهم " وأثبت ما في ح. (5) في الأصل: " فحمل الخيل على الخيل " وأثبت ما في ح والطبري (5: 239). (6) ح: " فقتل من أهل الشام ". (*)

[ 155 ]

التنوخى، قتله ظبيان بن عمارة التميمي، وما هو يومئذ إلا فتى حديث السن. وإن كان الشامي لفارس أهل الشام. وأخذ الأشتر يقول: ويحكم، أرونى أبا الأعور. ثم إن أبا الأعور دعا الناس فرجعوا نحوه، فوقف على تل من وراء المكان الذى كان فيه أول مرة، وجاء الأشتر حتى صف أصحابه في المكان الذى كان فيه أبو الأعور أول مرة، فقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي: انطلق إلى أبى الأعور فادعه إلى المبارزة. فقال: إلى مبارزتي أو مبارزتك ؟ فقال: إلى مبارزتي. فقال الأشتر: [ أو ] لو أمرتك بمبارزته فعلت ؟ قال: نعم، والذى لا إله إلا هو لو أمرتنى أن أعترض صفهم بسيفي فعلته (1) حتى أضربه بالسيف. فقال: يا ابن أخى، أطال الله بقاءك، وقد والله ازددت فيك رغبة، لا، ما أمرتك بمبارزته، إنما أمرتك أن تدعوه إلى مبارزتي، لأنه لا يبارز - إن كان ذلك من شأنه - إلا ذوى الأسنان (2) والكفاءة والشرف، وأنت بحمد الله من أهل الكفاءة والشرف، ولكنك حديث السن، [ و ] ليس يبارز الأحداث، فاذهب فادعه إلى مبارزتي. فأتاهم فقال (3): أمنوني فإنى رسول (4). فأمنوه حتى انتهى إلى أبى الأعور. نصر: عمر بن سعد، رجل (5)، عن أبى زهير العبسى، عن صالح بن سنان بن مالك، عن أبيه قال: قلت له: إن الأشتر يدعوك إلى مبارزته. فسكت عنى طويلا ثم قال: إن خفة الأشتر وسوء رأيه هو الذى دعاه إلى


(1) ح (1: 291): " لفعلت ". (2) في الأصل: " لذوى الأسنان " والوجه ما أثبت في ح. وانظر الطبري. (3) في الأصل: " فأتاه فقال "، صوابه في ح. (4) ح: " أنا رسول فأمنوني ". (5) كذا في الأصل، وليست في ح. ومعناه حدثنى رجل. (*)

[ 156 ]

إجلاء عمال عثمان من العراق، وافترائه عليه يقبح محاسنه، ويجهل حقه، ويظهر عداوته. ومن خفة الأشتر وسوء رأيه أنه سار إلى عثمان في داره وقراره، فقتله فيمن قتله، فأصبح مبتغى بدمه (1). لا حاجة لى في مبارزته. قال: قلت له: قد تكلمت فاستمع منى حتى أخبرك (2). قال: فقال: لا حاجة لى في جوابك، ولا الاستماع منك. اذهب عنى. وصاح بى أصحابه فانصرفت عنه. ولو سمع منى لأخبرته بعذر صاحبي وحجته. فرجعت إلى الأشتر فأخبرته أنه قد أبى المبارزة، فقال: لنفسه نظر. قال: فتواقفنا حتى حجز بيننا وبينهم الليل، وبتنا متحارسين. فلما أن أصبحنا نظرنا فإذا هم قد انصرفوا (3). قال: وصبحنا (4) على غدوة فسار نحو معاوية، فإذا أبو الأعور السلمى قد سبق إلى سهولة الأرض، وسعة المنزل، وشريعة الماء، مكان أفيح (5)، وكان على مقدمة معاوية. نصر: عمرو بن شمر، عن جابر، عن محمد بن على، وزيد بن حسن، ومحمد - يعنى ابن المطلب - قالوا: استعمل على عليه السلام، على مقدمته الأشتر بن الحارث النخعي، وسار على في خمسين ومائة ألف من أهل العراق وقد خنست طائفة من أصحاب على، وسار معاوية في نحو من ذلك من أهل الشام، واستعمل معاوية على مقدمته سفيان بن عمرو: أبا الأعور السلمى. فلما بلغ معاوية أن عليا يتجهز أمر أصحابه بالتهيوء. فلما استتب لعلى أمره


(1) مبتغى: مطلوبا. وفي ح والطبري: " متبعا ". (2) ح والطبري: " فاسمع حتى أجيبك ". (3) في الطبري: " قد انصرفوا من تحت ؟ ؟ ليلتهم ". (4) في الأصل: " وأصبحنا " تحريف. وفي ح والطبري: " ويصبحنا على غدوة ". (5) الأفيح: الواسع. ح: " مكانا أفسح "، محرف. (*)

[ 157 ]

سار بأصحابه، فلما بلغ معاوية مسيره إليه سار بقضه وقضيضه نحو على عليه السلام، واستعمل على مقدمته سفيان بن عمرو، وعلى ساقته ابن أرطاة العامري - يعنى بسرا (1) - فساروا حتى توافوا جميعا بقناصرين (2) إلى جنب صفين. فأتى الأشتر صاحب مقدمة معاوية وقد سبقه إلى المعسكر على الماء، وكان الأشتر في أربعة آلاف من متبصرى أهل العراق، فأزالوا أبا الأعور عن معسكره، وأقبل معاوية في جميع الفيلق (3) [ بقضه وقضيضه ]، فلما رأى ذلك الأشتر انحاز إلى على عليه السلام وغلب معاوية على الماء، وحال بين أهل العراق وبينه، وأقبل على عليه السلام حتى إذا أراد المعسكر إذا القوم قد حالوا بينه وبين الماء. ثم رجع إلى الحديث بإسناده إلى الأول. ثم إن عليا عليه السلام طلب موضعا لعسكره، وأمر الناس أن يضعوا أثقالهم - وهم مائة ألف أو يزيدون - فلما نزلوا تسرع فوارس من فوارس على على خيلهم إلى معاوية وكانوا في ثلاثين ومائة - ولم ينزل بعد معاوية، فناوشوهم القتال واقتتلوا هويا (4).


(1) بعده في ح (1: 291): " وعلى الخيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ودفع اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وجعل على الميمنة حبيب بن مسلمة الفهرى، وعلى الميسرة عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى الرجالة من الميسرة حابس بن سعيد الطائى وعلى خيل دمشق الضحاك بن قيس الفهرى، وعلى رجالة أهل دمشق يزيد بن أسد بن كرز البجلى، وعلى أهل حمص ذا الكلاع، وعلى أهل فلسطين مسلمة بن مخلد ". وسيأتى هذا الكلام في نهاية هذا الجزء الثالث من الكتاب. (2) لم يذكره ياقوت. وفي القاموس: " وقناصرين بالضم: موضع بالشام ". (3) في الأصل: " جمع الفيلق " صوابه في ح (1: 325). (4) الهوى، بفتح الهاء وكسر الواو وتشديد الياء: الحين الطويل من الزمان. وبالضم: السرعة، يقال هوت الناقة تهوى هويا، إذا عدت عدوا شديدا أرفع العدو. (*)

[ 158 ]

نصر: عمر بن سعد، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، قال: كتب معاوية إلى على عليه السلام: " عافانا الله وإياك. ما أحسن العدل والإنصاف من عمل وأقبح الطيش ثم النفش في الرجل (1) [ وكتب بعده (2) ]: اربط حمارك لا ينزع سويته إذا يرد وقيد العير مكروب (3) ليست ترى السيد زيدا في نفوسهم كما تراه بنو كوز ومرهوب إن تسألوا الحق يعطى الحق سائله والدرع محقبة والسيف مقروب أو تأنفون فإنا معشر أنف لا نطعم الضيم إن السم مشروب " قال: وأمر على عليه السلام الناس، فوزعوا عن القتال (4) حتى تأخذ


(1) قال ابن أبى الحديد في (1: 326): " والنفش كثرة الكلام والدعاوى. وأصله من نفش الصوف ". (2) التكملة من ح (1: 325). (3) الأبيات لعبد الله بن عنمة الضبى: انظر الشعر وشرحه وترجمة قائله وجو الأبيات في المفضليات (2: 182 طبع المعارف). (4) وزعوا: كفوا. (*)

[ 159 ]

أهل المصاف مصافهم (1)، ثم قال: أيها الناس، هذا موقف من نطف فيه نطف يوم القيامة (2)، ومن فلج فيه فلج يوم القيامة. ثم قال على، لما نزل معاوية بصفين: لقد أتاكم كاشرا عن نابه * يهمط الناس على اعتزا به (3) فليأتنا الدهر بما أتى به وكتب على إلى معاوية: فإن للحرب عراما شررا * إن عليها قائدا عشنزرا (4) ينصف من أجحر أو تنمرا * على نواحيها مزجا زمجرا (5)


(1) ح (1: 326): " حتى أخذ أهل الشام مصافهم ". (2) يقال نطف، كعلم، ونطف بالبناء للمجهول: أي اتهم بريبة. (3) يهمط الناس، أي يقهرهم ويخطبهم. والاعتزاب، قال ابن أبى الحديد في (1: 327): " أي على بعده عن الإمارة والولاية على الناس ". وفي الأصل: " اغترابه " تحريف. (4) العشنزر: الشديد. (5) قال ابن أبى الحديد: " أجحر: ظلم الناس حتى ألجأهم إلى أن دخلوا جحرتهم أو بيوتهم. وتنمر: أي تنكر حتى صار كالنمر. يقول: هذا القائد الشديد القوى ينصف من يظلم الناس ويتنكر لهم، أي ينصف منه. فحذف حرف الجر كقوله (واختار موسى قومه) أي من قومه. والمزج، بكسر الميم: السريع النفوذ، وأصله الرمح القصير كالمزراق. ورجل زمجر أي مانع حوزته، والميم زائدة. ومن رواها: زمخرا، بالخاء، عنى به المرتفع العالي الشأن ". في الأصل: " أحجم " وفي ح: " أحجر " بتقديم الحاء على الجيم في الرجز وفي شرحه، وصوابهما بتقديم الجيم على الحاء وآخره راء كما أثبت. (*)

[ 160 ]

إذا ونين ساعة تغشمرا (1) وقال أيضا (2): ألم تر قومي إذ دعاهم أخوهم أجابوا وإن يغضب على القوم يغضبوا هم حفظوا غيبي كما كنت حافظا لقومي أخرى مثلها إذ تغيبوا بنو الحرب لم يقعد بهم أمهاتهم، وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا فتراجع الناس إلى معسكرهم، وذهب شباب من الناس وغلمانهم يستقون، فمنهم أهل الشام. نصر، عن عمر بن سعد، عن يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف ابن الأحمر قال: لما قدمنا على معاوية وأهل الشام بصفين، وجدناهم قد نزلوا منزلا اختاروه، مستويا (3) بساطا واسعا، وأخذوا الشريعة فهى في أيديهم، وقد صف أبو الأعور عليها الخيل والرجالة، وقدم المرامية ومعهم أصحاب الرماح والدرق، وعلى رؤوسهم البيض، وقد أجمعوا أن يمنعونا الماء، ففزعنا إلى أمير المؤمنين فأخبرناه بذلك، فدعا صعصعة بن صوحان فقال:


(1) تغشمر: تنمر وأخذهم بالشدة لا يبالى. (2) الشعر لربيعة بن مشروم الطائى، كما في ح (1: 327) (3) في الأصل: " اختار ولا مستويا "، صوابه في ح. (*)

[ 161 ]

ائت معاوية فقل: إنا سرنا مسيرنا هذا، وأنا أكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنك قد قدمت بخيلك (1) فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، وبدأتنا بالقتال، ونحن من رأينا (2) الكف حتى ندعوك ونحتج عليك. وهذه أخرى قد فعلتموها، حتى حلتم بين الناس وبين الماء، فخل بينهم وبينه حتى ننظر فيما بيننا وبينكم، وفيما قدمنا له وقدمتم. وإن كان أحب إليك أن ندع ما جئنا له وندع الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا. فقال معاوية لأصحابه (3): ما ترون ؟ قال الوليد بن عقبة: امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان: حصروه أربعين يوما يمنعونه برد الماء ولين الطعام، اقتلهم عطشا قتلهم الله ! قال عمرو: خل بين القوم وبين الماء، فإنهم لن يعطشوا وأنت ريان، ولكن لغير الماء فانظر فيما بينك وبينهم. فأعاد الوليد مقالته، وقال عبد الله ابن أبى سرح (4) - وهو أخو عثمان من الرضاعة -: امنعهم الماء إلى الليل، فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا، وكان رجوعهم هزيمتهم. امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة. فقال صعصعة بن صوحان: إنما يمنعه الله يوم القيامة الكفرة الفجرة شربة الخمر، ضربك وضرب هذا الفاسق (5) - يعنى الوليد ابن عقبة - فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهددونه. فقال معاوية: كفوا عن الرجل فإنه رسول. نصر: عمر بن سعد، عن يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن


(1) ح: " قدمت خيلك ". (2) ح: " ممن رأينا ". (3) ح: " فلما مضى صعصعة برسالته إلى معاوية قال معاوية لأصحابه ". (4) هو عبد الله بن سعد بن أبى سرح بن الحارث بن حبيب - بالتصغير - بن حذافة ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى. وهو الذى افتتح إفريقية زمن عثمان وولى مصر بعد ذلك. ومات سنة تسع وخمسين في آخر عهد معاوية. الإصابة 4702. ح: " بن سعيد " تحريف. (5) الضرب، هاهنا: المثل والشبيه. (*)

[ 162 ]

الأحمر، أن صعصعة رجع إلينا فحدثنا بما قال معاوية وما كان منه وما رد عليه، فقلنا: وما رد عليك معاوية ؟ قال: لما أردت الانصراف من عنده قلت: ما ترد على ؟ قال: سيأتيكم رأيى. قال: فوالله ما راعنا إلا تسوية الرجال والخيل والصفوف، فأرسل إلى أبى الأعور: امنعهم الماء. فازدلفنا والله إليهم، فارتمينا واطعنا بالرماح، واضطربنا بالسيوف فطال ذلك بيننا وبينهم، فضاربناهم فصار الماء في أيدينا، فقلنا: والله لا نسقيهم. فأرسل إلينا على: خذوا من الماء حاجتكم، وارجعوا إلى عسكركم (1) وخلوا بينهم وبين الماء، فإن الله قد نصركم ببغيهم وظلمهم. نصر: عمر بن سعد، عن رجل، عن أبى حرة أن عليا قال: هذا يوم نصرتم فيه بالحمية. نصر، محمد بن عبيد الله، عن الجرجاني، قال: فبقى أصحاب على يوما وليلة - يوم الفرات - بلا ماء. وقال رجل من السكون من أهل الشام، يعرف بالسليل بن عمرو (2): يا معاوية: اسمع اليوم ما يقول السليل * إن قولى قول له تأويل امنع الماء من صحاب على * أن يذوقوه، والذليل ذليل واقتل القوم مثل ما قتل الشي‍ * خ ظما والقصاص أمر جميل (3) فوحق الذى يساق له البد * ن هدايا لنحرها تأجيل (4)


(1) ح: " معسكركم " وهما سيان، فإن العسكر كما يقال للجيش يقال أيضا لمجتمع الجيش كالمعسكر. (2) ح: " بالشليل بن عمرو "، وكذا جاءت في الشعر. (3) ح: " صدى فالقصاص أمر جميل ". (4) التأجيل: تحديد الأجل. وفي التنزيل: " كتابا مؤجلا ". ح: " هدايا كأنهن الفيول ". (*)

[ 163 ]

لو على وصحبه وردوا الما * ء لما ذقتموه حتى تقولوا: (1) قد رضينا بما حكمتم علينا * بعد ذاك الرضا جلاد ثقيل فامنع القوم ماءكم، ليس للقو * م بقاء وإن يكن فقليل فقال معاوية: الرأى ما تقول، ولكن عمرو لا يدعنى (2). قال عمرو: خل بينهم وبين الماء، فإن عليا لم يكن ليظمأ وأنت ريان، وفي يده أعنة الخيل وهو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت، وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق (3)، ومعه أهل العراق وأهل الحجاز، وقد سمعته أنا وأنت (4) وهو يقول: لو استمكنت من أربعين رجلا. فذكر أمرا. يعنى لو أن معى أربعين رجلا يوم فتش البيت. يعنى بيت فاطمة. وذكروا أنه لما غلب أهل الشام على الفرات فرحوا بالغلبة فقال معاوية: يا أهل الشام، هذا والله أول الظفر، سقاني الله ولا سقى أبا سفيان إن شربوا منه أبدا حتى يقتلوا بأجمعهم عليه. وتباشر أهل الشام، فقام إلى معاوية رجل من أهل الشام [ همداني ناسك ]، يقال له المعرى بن الأقبل وكان ناسكا، وكان له - فيما تذكر همدان - لسان، وكان صديقا ومواخيا لعمرو بن العاص، فقال: يا معاوية، سبحان الله، ألان سبقتم القوم (5) إلى الفرات فغلبتموهم عليه تمنعونهم عنه ؟ أما والله لو سبقوكم إليه لسقوكم منه. أليس أعظم ما تنالون من القوم أن تمنعونهم الفرات فينزلوا على فرضة أخرى فيجازوكم بما صنعتم ؟ أما تعلمون أن فيهم العبد والأمة والأجير


(1) هذا البيت ساقط من ح. (2) ح: " ولكن عمرا يدرى ". (3) انظر ما سبق ص 67 س 3. (4) ح (1: 328): وقد سمعته أنا مرارا ". (5) في الأصل: " إن سبقتم القوم ". وأثبت ما في ح. (*)

[ 164 ]

والضعيف ومن لا ذنب له. هذا والله أول الجور. لقد شجعت الجبان، وبصرت المرتاب، وحملت من لا يريد قتالك على كتفيك. فأغلظ له معاوية، وقال لعمرو: اكفني صديقك. فأتاه عمرو فأغلظ، فقال الهمداني في ذلك: لعمرو أبى معاوية بن حرب * وعمرو ما لدائهما دواء سوى طعن يحار العقل فيه * وضرب حين يختلط الدماء فلست بتابع دين ابن هند * طوال الدهر ما أرسى حراء لقد ذهب العتاب فلا عتاب * وقد ذهب الولاء فلا ولاء وقولى في حوادث كل أمرى (1) * على عمرو وصاحبه العفاء ألا لله درك يا ابن هند * لقد برح الخفاء فلا خفاء (2) أتحمون الفرات على رجال * وفي أيديهم الأسل الظماء وفي الأعناق أسياف حداد * كأن القوم عندهم نساء (3) فترجو أن يجاوركم على * بلا ماء وللأحزاب ماء دعاهم دعوة فأجاب قوم * كجرب الإبل خالطها الهناء قال: ثم سار الهمداني في سواد الليل، فلحق بعلى. قال: ومكث أصحاب على يوما وليلة بغير ماء، واغتم على بما فيه أهل العراق. نصر: محمد بن عبيد الله، عن الجرجاني، قال: خرج على لما اغتم بما فيه أهل العراق من العطش قبل رايات مذحج، وإذا رجل ينادى: أيمنعنا القوم ماء الفرات * وفينا الرماح وفينا الحجف (4)


(1) ح: " كل خطب ". (2) يقال برح الخفاء بكسر الراء وفتحها: أي ظهر ما كان خافيا وانكشف. وفي الأصل: " ذهب الحياء فلا حياء "، وأثبت ما في ح. (3) في الأصل: " عندكم "، والصواب ما أثبت من ح. (4) الحجف: جمع حجفة، وهى الترس من جلود الإبل يطارق بعضها ببعض. وانظر مقاييس اللغة " حجف ". (*)

[ 165 ]

وفينا الشوازب مثل الوشيج * وفينا السيوف وفينا الزغف (1) وفينا على له سورة * إذا خوفره الردى لم يخف فنحن الذين غداة الزبير * وطلحة خضنا غمار التلف (2) فما بالنا أمس أسد العرين * وما بالنا اليوم شاء النجف (3) فما للعراق وما للحجاز * سوى اليوم يوم فصكوا الهدف (4) فدبوا إليهم كبزل الجمال * دوين الذميل وفوق القطف (5) فإما تحلوا بشط الفرات * ومنا ومنهم عليه الجيف وإما تموتوا على طاعة * تحل الجنان وتحبو الشرف وإلا فأنتم عبيد العصا * وعبد العصا مستذل نطف (6) قال: فحرك ذلك عليا، ثم مضى إلى راية كندة (7)، فإذا مناد ينادى إلى جنب منزل الأشعث (8) وهو يقول:


(1) الشوازب: الخيل الضامرة. وفي الأصل: " الشوارب " وفي ح: " الشواذب " صوابه بالزاى كما أثبت. والوشيج: أراد به الرماح، وأصل الوشيج شجر الرماح. وشبه الخيل بالرماح في دقتها وضمرها. انظر المفضليات (2: 180). والزغف: جمع زغفة، وهى الدرع الواسعة الطويلة، والغين تسكن وتحرك في المفرد والجمع. (2) يشير إلى وقعة الجمل. (3) النجف، بفتح النون والجيم، قال ابن الأعرابي. " هو الحلب الجيد حتى ينفض الضرع " انظر خزانة البغدادي (1: 529) ومروج الذهب (2: 18) حيث أنشد بعض هذه الأبيات. (4) الصك: الضرب. ح: " سوا الشام خصم ". (5) الذميل والقطف: ضربان من السير. (6) عبيد العصا، يقال للقوم إذا استذلوا. قال امرؤ القيس: قولا لدودان عبيد العصا * ما غركم بالأسد الباسل وفي الأصل: " عبيد الرشاء * وعبد الرشا " صوابه في ح (1: 328). والنطف: المريب المعيب. (7) ح: " رايات كندة ". (8) في مروج الذهب (2: 18): " وألقى في فسطاط الأشعث بن قيس رقعة فيها " وأنشد البيتين الأولين. (*)

[ 166 ]

لئن لم يجل الأشعث اليوم كربة * من الموت فيها للنفوس تعنت (1) فنشرب من ماء الفرات بسيفه * فهبنا أناسا قبل كانوا فموتوا فإن أنت لم تجمع لنا اليوم أمرنا * وتلق التى فيها عليك التشتت (2) فمن ذا الذى تثنى الخناصر باسمه * سواك ومن هذا إليه التلفت وهل من بقاء بعد يوم وليلة * نظل عطاشا والعدو يصوت (3) هلموا إلى ماء الفرات ودونه * صدور العوالي والصفيح المشتت وأنت امرؤ من عصبة يمنية * وكل امرئ من غصنه حين ينبت فلما سمع الأشعث قول الرجل أتى عليا من ليلته، فقال: يا أمير المؤمنين أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا، ومعنا السيوف ؟ خل عنا وعن القوم، فوالله لا نرجع حتى نرده أو نموت. ومر الأشتر فليعل بخيله فيقف حيث تأمره (4). فقال: ذاك إليكم (5). فرجع الأشعث، فنادى في الناس: من كان يريد [ الماء أو ] الموت فميعاده الصبح (6)، فإنى ناهض إلى الماء. فأتاه من ليلته اثنا عشر ألف رجل (7) وشد عليه سلاحه وهو يقول: ميعادنا اليوم بياض الصبح * هل يصلح الزاد بغير ملح لا لا، ولا أمر بغير نصح * دبوا إلى القوم بطعن سمح


(1) التعنت، من قولهم تعنت فلان فلانا: إذا أدخل عليه الأذى. وفي الأصل: " تفتت "، وفي مروج الذهب: " تعلت " صوابهما ما أثبت. (2) ح: " المذلة ". (3) ح " نظل خفوتا ". (4) في الأصل: " ومر الأشتر فليعلو بخيله فيقف حين أمره "، صوابه من ح. (5) في الأصل: " إليك " وأثبت ما في ح. (6) ح: " فميعاده موضع كذا ". (7) ح: " فأتاه اثنا عشر ألفا من كندة وأفناء قحطان واضعى سيوفهم على عواتقهم ". (*)

[ 167 ]

مثل العزالى بطعان نفح (1) * لا صلح للقوم وأين صلحي حسبى من الإقحام قاب رمح فلما أصبح دب في الناس وسيوفهم على عواتقهم، وجعل يلقى رمحه ويقول: بأبى أنتم وأمي، تقدموا قاب رمحي (2) [ هذا ]. فلم يزل ذلك دأبه حتى خالط القوم وحسر عن رأسه ونادى: أنا الأشعث بن قيس، خلوا عن الماء. فنادى أبو الأعور السلمى: أما والله لا، حتى تأخذنا وإياكم السيوف. فقال: قد والله أظنها دنت منا. وكان الأشتر قد تعالى بخيله حيث أمره على، فبعث إليه الأشعث أن أقحم الخيل. فأقحمها حتى وضع سنابكها في الفرات، وأخذت القوم السيوف فولوا مدبرين. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبى جعفر، عن زيد بن حسين (3) قال: نادى الأشعث عمرو بن العاص، قال: ويحك يا ابن العاص، خل بيننا وبين الماء، فوالله لئن لم تفعل ليأخذنا وإياكم السيوف. فقال عمرو: والله لا نخلي عنه حتى تأخذنا السيوف وإياكم، فيعلم ربنا أينا اليوم أصبر. فترجل الأشعث والأشتر (4) وذوو البصائر من أصحاب على، وترجل معهما اثنا عشر ألفا، فحملوا على عمرو ومن معه من أهل الشام (5) فأزالوهم عن الماء حتى غمست خيل على سنابكها في الماء. نصر: روى سعد أن عليا قال ذلك اليوم: هذا يوم نصرتم فيه بالحمية (6). ثم إن عليا عسكر هناك. وقبل ذاك قال شاعر أهل العراق:


(1) العزالى: جمع عزلاء، بالفتح، وهى فم المزادة. شبه بها اتساع الطعنة واندفاق الدماء منها. والنفح: الدفع. وطعنة نفاحة: دفاعة بالدم. (2) في الأصل: " قاب رمح " وأثبت ما في ح. قاب رمحي: أي قدره. (3) ح: " عن أبى جعفر وزيد بن الحسن ". (4) ح: " فالأشتر " بالفاء. (5) ح: " على عمرو وأبى الأعور ومن معهما من أهل الشام ". (6) انظر ما سبق في ص 162 س 9 - 10. (*)

[ 168 ]

ألا يتقون الله أن يمنعوننا ال‍ * فرات وقد يروى الفرات الثعالب وقد وعدونا الأحمرين فلم نجد * لهم أحمرا إلا قراع الكتائب (1) إذا خفقت راياتنا طحنت لها * رحى تطحن الأرحاء والموت طالب (2) فتعطى إله الناس عهدا نفي به * لصهر رسول الله حتى نضارب وكان بلغ [ أهل ] الشام أن عليا جعل للناس إن فتحت الشام أن يقسم بينهم البر والذهب - وهما الأحمران (3) - وأن يعطيهم خمسمائة كما أعطاهم بالبصرة (4)، فنادى منادى أهل الشام (5)، يا أهل العراق [ لماذا نزلتم بعجاج من الأرض (6) ؟ نحن أزد شنوءة لا أزد عمان. يا أهل العراق ]: لا خمس إلا جندل الإحرين (7) * والخمس قد يحمل الأمرين (8)


(1) الأحمران، سيأتي تفسيرهما بعد الشعر. (2) الأرحاء، هاهنا: القبائل المستقلة، واحدتها رحى. (3) فسرا في المعاجم بأنهما اللحم والخمر، أو الذهب والزعفران. أما تفسيرهما بالبر والذهب فلم أجده إلا هاهنا. وفي ح: " التبر والذب " ولا إخال " التبر " إلا تحريفا. (4) لما فرغ على من بيعة أهل البصرة بعد وقعة الجمل نظر في بيت المال فإذا فيه ستمائة ألف وزيادة، فقسمها على من شهد معه، فأصاب كل رجل منهم خمسمائة خمسمائة، وقال: لكم إن أظفركم الله عز وجل بالشام مثلها إلى أعطياتكم، انظر الطبري (4: 223). (5) في اللسان (حرر): " أنشد ثعلب لزيد بن عتاهية التميمي، وكان زيد المذكور لما عظم البلاء بصفين قد انهزم ولحق بالكوفة.... فلما قدم زيد على أهله قالت له ابنته: أين خمس المائة ؟ فقال: إن أباك فر يوم صفين * لما رأى عكا والأشعريين وقيس عيلان الهوازنيبن ؟ ؟ * وابن نمر في سراة الكنديين وذا الكلاع سيد اليمانين * وحابسا يستن في الطائيين قال لنفس السوء هل تفرين * لا خمس إلا جندل الإحرين والخمس قد جشمك الأمرين * جمزا إلى الكوفة من قنسرين ". (6) العجاج، أراد به الأرض الخبيثة. وأصل العجاج من الناس الغوغاء والأراذل ومن لا خير فيه. (7) لا خمس، أراد لا خمسمائة. والجندل: جمع جندلة، وهى الحجارة يقلها الرجل. والإحرين بكسر أوله وفتح ثانيه: الحرار من الأرض، كأنها جمع إحرة، ولم يتكلموا بهذه. وهى من ملحقات الجمع السالم كالإوزين والأرضين والسنين. والحرار: جمع حرة، وهى أرض ذات حجارة سود نخرات. والمعنى: ليس لك اليوم إلا الحجارة والخيبة. (8) الأمرين: الشعر والأمر العظيم، يقال بكسر الراء وفتحها، كما في القاموس. (*)

[ 169 ]

جمزا إلى الكوفة من قنسرين (1) نصر: أبو عبد الرحمن المسعودي، عن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه، عن عمرو بن العاص: لا خمس إلا جندل الإحرين * والخمس قد يجشمك الأمرين (2) نصر: قال عمرو بن شمرو (4)، عن جابر قال: سمعت تميما الناجى (3) قال سمعت الأشعث بن قيس يقول - يوم حال عمرو بن العاص بيننا وبين الفرات -: ويحك يا عمرو، والله إن كنت لأظن لك رأيا فإذا أنت لا عقل لك، أترانا نخليك والماء، تربت يداك وفمك، أما علمت أنا معشر عرب، ثكلتك أمك وهبلتك، لقد رمت أمر عظيما. فقال له عمرو: أما والله لتعلمن اليوم أنا سنفى بالعهد، ونقيم على العقد، ونلقاك بصبر وجد (5). فناداه الأشتر: والله لقد نزلنا هذه الفرضة يابن العاص، والناس تريد القتال، على البصائر والدين، وما قتالنا سائر اليوم إلا حمية. ثم كبر الأشعث وكبر الأشتر، ثم حملا فما ثار الغبار حتى انهزم أهل الشام.


(1) الجمز: ضرب من السير السريع. وفي الأصل: " حمزك من الكوفة إلى قنسرين " وكتب بجواره: " خ: يجزيك من كوف إلى قنسرين " إشارة إلى أنه كذلك في نسخة أخرى. وصواب هذه الأخيرة: " جمزك " وهذا البيت الأخير ساقط من ح (1: 329). وانظر الاشتقاق لابن دريد 85 جوتنجن 136 من تحقيقنا. (2) كتب إلى جوارها في الأصل: " خ: قد يحمل الأمرين ". (3) هو عمرو بن شمر الجعقى الكوفى الشيعي، أبو عبد الله. يروى عن جعفر بن محمد وجابر الجعفي، والأعمش. انظر لسان الميزان (4: 366). ح: " عمر بن شمر " تحريف. (4) هو تميم بن حذلم بالحاء المهملة والذال المعجمة وزان جعفر - ويقال حذيم - الناجى الضبى. الكوفى، أبو سلمة، شهد مع على وكان من خواصه. قال ابن حجر: " ثقة، مات سنة مائة ". انظر منتهى المقال 70 والقاموس " حذلم " وتهذيب التهذيب والتقريب. (5) ح (1: 329): " ونحكم العقد ونلقاهم بصبر وجد ". (*)

[ 170 ]

[ قالوا ]: فلقى عمرو بن العاص بعد ذلك (1) الأشعث بن قيس فقال: أي أخا كندة، أما والله لقد أبصرت صواب قولك يوم الماء، ولكني كنت مقهورا على ذلك الرأى، فكايدتك بالتهدد، والحرب خدعة. ثم إن عمرا أرسل إلى معاوية: أن خل بين القوم وبين الماء، أترى القوم يموتون عطشا وهم ينظرون إلى الماء ؟ فأرسل معاوية إلى يزيد بن أسد [ القسرى ]: أن خل بين القوم وبين الماء يا أبا عبد الله. فقال يزيد - وكان شديد العثمانية - كلا والله (2)، لنقتلنهم عطشا كما قتلوا أمير المؤمنين. نصر، عمرو بن شمر، عن إسماعيل السدى قال: سمعت بكر بن تغلب السدوسى يقول: والله لكأنى أسمع الأشتر وهو يحمل على عمرو بن العاص يوم الفرات، وهو يقول: ويحك يا ابن العاصى * تنح في القواصى واهرب إلى الصياصى (3) * اليوم في عراص (4) نأخذ بالنواصى * لا نحذر التناصى (5) نحن ذوى الخماص (6) لا نقرب المعاصي في الأدرع الدلاص * في الموضع المصاص (7)


(1) ح: " بعد انقضاء صفين ". (2) في الأصل: " كلا والله يا أم عبد الله ". وهى عبارة تحتمل أن تكون من إقحام الناسخ، أو من تهكم يزيد بن أسد بمعاوية، كما أشار إلى ذلك ناشر الأصل. لكن عدم إثباتها في ح يؤيد أنها مقحمة في الكتاب. (3) الصياصى: الحصون وكل شئ امتنع به. (4) العراص، بالكسر: جمع عرصة، بالفتح، وهى الساحة. (5) التناصى: أن يأخذ كل منهما بناصية الآخر. وفي الأصل: " القصاص " تحريف. (6) الخماص: الضوامر، أراد بها الخيل. (7) الدلاص: البراقة الملساء اللينة، تقال للواحد والجمع. والمصاص، بالضم: أخلص كل شئ. (*)

[ 171 ]

فأجابه عمرو بن العاص: ويحك يا ابن الحارث (1) * أنت الكذوب الحانث أنت الغرير الناكث (2) * أعد مال الوارث * وفي القبور ماكث عمرو بن شمر (3)، عن إسماعيل السدى، عن بكر بن تغلب (4) قال: حدثنى من سمع الأشتر يوم الفرات، وقد كان له يومئذ غناء عظيم من أهل العراق (5)، وهو يقول: اليوم يوم الحفاظ * بين الكماة الغلاظ نحفزها والمظاظ (6) قال: ثم قال: وقد قتل من آل ذى لقوة (7)، وكان يومئذ فارس أهل الأردن، وقتل رجال من آل ذى يزن. نصر: فحدثني عمرو بن شمر، عن إسماعيل السدى، عن بكر بن تغلب قال: حدثنى من سمع الأشعث يوم الفرات وقد كان له غناء عظيم من أهل العراق وقتل رجالا من أهل الشام بيده، وهو يقول: والله إن كنت لكارها قتال أهل الصلاة، ولكن معى من هو أقدم منى في الإسلام، وأعلم بالكتاب


(1) ابن الحارث، هو الأشتر. واسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن جذيمة، تنتهى نسبته إلى النخع. انظر الاشتقاق ص 241 والمعارف 84. (2) الغرير: الدى لم يجرب الأمور. وفي الأصل: " العزيز " تحريف. (3) في الأصل: " عمر بن شمر " تحريف. وقد تقدمت ترجمة عمرو في ص 169. (4) في الأصل: " بحر بن تغلب " وأثبت ما اتفق عليه الأصل وح في الموضع التالى. (5) في الأصل: " من أهل العراق " والوجه ما أثبت من ح (1: 329). (6) الحفز: الطعن بالرمح. والمظاظ: المخاصمة والمنازعة. (7) كذا وردت العبارة ناقصة في الأصل، ولم ترد في مظنها من ح. (*)

[ 172 ]

والسنة، وهو الذى يسخى بنفسه (1). نصر، عن عمر بن سعد، عن رجل من آل خارجة بن الصلت، أن ظبيان بن عمارة التميمي، جعل يومئذ يقاتل وهو يقول (2): مالك يا ظبيان من بقاء * في ساكن الأرض بغير ماء (3) لا، وإله الأرض والسماء * فاضرب وجوه الغدر الأعداء بالسيف عند حمس الوغاء (4) * حتى يجيبوك إلى السواء قال: فضربناهم والله حتى خلونا وإياه. نصر: عمر بن سعد بإسناده قال. طال بيننا وبين أهل الشام القتال، فما أنسى قول عبد الله بن عوف [ بن ] الأحمر (5)، يوم الفرات، وكان من فرسان على، وهو يضربهم بالسيف وهو يقول: خلوا لنا عن الفرات الجارى * أو اثبتوا للجحفل الجرار لكن قرم مستميت شار (6) * مطاعن برمحه كرار ضراب هامات العدى مغوار قال: ثم إن الاشتر دعا الحارث بن همام النخعي ثم الصهبانى (7) فأعطاه


(1) السخاء: الجود، يقال سخى كسعى ودعا ورضى. وفي الأصل: " بنفسى " وأثبت ما في ح (1: 330). (2) الرجز في تاريخ الطبري (5: 240) مطابق لهذه الرواية. (3) ح (1: 33): " وحمل ظبيان بن عمارة التيمى على أهل الشام وهو يقول: هل لك يا ظبيان من بقاء * في ساكنى الأرض بغير ماء ". (4) الوغى: الحرب، مقصور، وقد مده هنا للشعر. ح: " الهيجاء ". (5) في الطبري: " عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي "، والتكملة هاهنا من الطبري ومما سبق في 160، 161. (6) القرم بالفتح، هو من الرجال السيد المعظم. وفي الأصل: " قوم " صوابه في الطبري. والشارى: البائع، أي الذى يبيع نفسه لله، ومن ذلك سمى الخوارج شراة لأنهم زعموا أنهم باعوا أنفسهم لله بالجنة. (7) الصهبانى، نسبة إلى صهبان بالضم، وهم قبيلة من النخع، منهم كميل بن زياد صاحب على بن أبى طالب. انظر الاشتقاق 242. (*)

[ 173 ]

لواءه ثم قال: يا حارث، لولا أتى أعلم أنك تصبر عند الموت لأخذت لوائى. منك ولم أحبك بكرامتي (1). قال: والله يا مالك لأسرنك اليوم أو لأموتن، فاتبعني فتقدم [ باللواء ] وهو يقول (2): يا أشتر الخير ويا خير النخع وصاحب النصر إذا عم الفزع (3) وكاشف الأمر إذا الأمر وقع ما أنت في الحرب العوان بالجذع (4) قد جزع القوم وعموا بالجزع وجرعوا الغيظ وغصوا بالجرع إن تسقنا الماء فما هي بالبدع (5) أو نعطش اليوم فجند مقتطع (6) ما شئت خذ منها وما شئت فدع فقال الأشتر: ادن منى يا حارث. فدنا منه فقبل رأسه وقال: لا يتبع رأسه اليوم إلا خير (7). ثم قام الأشتر يحرض أصحابه يومئذ ويقول:


(1) الحباء: ما يحبو به الرجل صاحبه ويكرمه به، تقول: حبوته أحبوه حباء. وفي الأصل: " لم أجبك ". وفى ح: " لم أحيك " صوابهما ما أثبت. (2) القائل هو الحارث بن همام النخعي. وفي مروج الذهب (2: 18): " فصار يؤم الأشعث صاحب رايته، وهو رجل من النخع، يرتجز ويقول ". (3) في مروج الذهب: " إذا عال الفزع ". (4) الحرب العوان: التى حورب فيها مرة بعد مرة. والجذع: الصغير السن. قال الليث: " الجذع من الدواب والأنعام قبل أن يثنى بسنة ". وفي الأصل: " بالخدع "، والخدع بفتح فكسر: الكثير الخداع. ولا وجه له هنا. وأثبت ما في ح. (5) في مروج الذهب: " فما هو بالبدع ". (6) في الأصل: " فجد يقتطع " صوابه في ح. (7) الخير، بالفتح وكسيد: الكثير الخير. في الأصل: " لا يتبع هذا اليوم إلا خيرا " وأثبت ما في ح. (*)

[ 174 ]

فدتكم نفسي، شدوا شدة المحرج الراجى الفرج، فإذا نالتكم الرماح فالتووا فيها، وإذا عضتكم السيوف فليعض الرجل نواجذه فإنه أشد لشئون الرأس، ثم استقبلوا القوم بهاماتكم. قال: وكان الأشتر يومئذ على فرس له محذوف أدهم كأنه حلك الغراب (1). نصر، عن عمرو بن شمر (2)، عن جابر، عن عامر، عن الحارث بن أدهم، عن صعصعة بن صوحان قال: قتل الأشتر في تلك المعركة سبعة، وقتل الأشعث فيها خمسة، ولكن أهل الشام لم يثبتوا. فكان الذين قتلهم الأشتر صالح بن فيروز العكي، ومالك بن أدهم السلمانى، ورياح بن عتيك الغساني (3)، والأجلح بن منصور الكندى - وكان فارس أهل الشام - وإبراهيم بن وضاح الجمحى، وزامل بن عبيد الحزامى، ومحمد بن روضة الجمحى. نصر: فأول قتيل قتل الأشتر ذلك اليوم بيده من أهل الشام رجل يقال له صالح بن فيروز، وكان مشهورا بشدة البأس، فقال وارتجز على الأشتر: يا صاحب الطرف الحصان الأدهم * أقدم إذا شئت علينا أقدم أنا ابن ذى العز وذى التكرم * سيد عك كل عك فاعلم فبرز إليه الأشتر وهو يقول: آليت لا أرجع حتى أضربا * بسيفي المصقول ضربا معجبا أنا ابن خير مذحج مركبا * من خيرها نفسا وأما وأبا (4) قال: ثم شد عليه بالرمح فقتله وفلق ظهره، ثم رجع إلى مكانه،


(1) المحذوف: المقطوع الذنب. وحلك الغراب: شدة سواده. (2) في الأصل: " عمر بن شمر " تحريف. وانظر ترجمته في ص 169. (3) في الأصل: " رماح بن عتيك الغساني " وأثبت ما في ح. (4) روى هذا البيتان في ح (1: 330) مقدمين على البيتين السابقين. (*)

[ 175 ]

ثم خرج إليه فارس آخر يقال له مالك بن أدهم السلمانى - وكان من فرسان أهل الشام - وهو يقول: إنى منحت مالكا سنانيا (1) * أجيبه بالرمح إذ دعانيا لفارس أمنحه طعانيا ثم شد على الأشتر فلما رهقه (2) التوى الأشتر على الفرس، ومار السنان فأخطأه (3)، ثم استوى على فرسه وشد عليه بالرمح وهو يقول: خانك رمح لم يكن خوانا * وكان قدما يقتل الفرسانا لويته لخير ذى قحطانا * لفارس يخترم الأقرانا أشهل لا وغلا ولا جبانا (4) فقتله. ثم خرج فارس آخر يقال له رياح بن عتيك (5) وهو يقول: إنى زعيم مالك بضرب * بذى غرارين، جميع القلب (6) عبل الذراعين شديد الصلب وقال بعضهم: " شديد العصب ". فخرج إليه الأشتر وهو يقول: رويد لا تجزع من جلادي * جلاد شخص جامع الفؤاد (7) يجيب في الروع دعا المنادى * يشد بالسيف على الأعادي


(1) في الأصل: " منحت صالحا " تحريف. ومالك، هو مالك بن الحارث، المعروف بالأشتر النخعي. الإصابة 8335 وتهذيب التهذيب ومعجم المرزبانى 362. (2) رهقه: غشيه أو لحقه أو دنا منه. (3) مار يمور مورا: اضطرب. (4) الأشهل، من الشهلة وهى أقل من الزرق في الحدقة وأحسن منه. والوغل: الضعيف النذل الساقط. (5) في الأصل: " رياح بن عبيدة "، وفي ح: " رياح بن عقيل " وأثبت ما سبق في ص 174. (6) جميع القلب: مجتمعه لم يتفرق عليه. (7) لا تجزع، أراد لا تجزعن، بنون التوكيد الخفيفة. (*)

[ 176 ]

فشد عليه فقتله. ثم خرج إليه فارس آخر يقال له إبراهيم بن الوضاح وهو يقول: هل لك يا أشتر في برازى * براز ذى غشم وذى اعتزاز مقاوم لقرنه لزاز (1) فخرج إليه الأشتر وهو يقول: نعم نعم أطلبه شهيدا * معى حسام يقصم الحديدا يترك هامات العدى حصيدا فقتله. ثم خرج إليه فارس آخر يقال له زامل بن عتيك الحزامى (2)، وكان من أصحاب الألوية، فشد عليه وهو يقول: يا صاحب السيف الخضيب المرسب (3) وصاحب الجوشن ذاك المذهب (4) هل لك في طعن غلام محرب (5) يحمل رمحا مستقيم الثعلب ليس بحياد ولا مغلب


(1) اللزاز: الشديد الخصومة، اللزوم لما يطالب. ويقال أيضا لزه لزا: طعنه. (2) في الأصل: " أزمل " تحريف. وسبق في ص 174: " زامل بن عبيد " وفي ح: " زامل بن عقيل ". (3) المرسب، من قولهم سيف رسب ورسوب: ماض يغيب في الضريبة " وكان سيف خالد بن الوليد يسمى " مرسبا ". وفي الأصل: " المرزبى " ولا وجه له. (4) الجوشن: زرد يلبس على الصدر والحيزوم. (5) المحرب والمحراب: الشديد الحرب الشجاع. (*)

[ 177 ]

فطعن الأشتر في موضع الجوشن فصرعه عن فرسه ولم يصب مقتلا، وشد عليه الأشتر [ راجلا ] فكسف قوائم الفرس بالسيف (1) وهو يقول: لا بد من قتلى أو من قتلكما * قتلت منكم خمسة من قبلكما وكلهم كانوا حماة مثلكا ثم ضربه بالسيف وهما رجلان (2)، ثم خرج إليه فارس يقال له الأجلح، وكان من أعلام العرب وفرسانها، وكان على فرس يقال له لاحق، فلما استقبله الأشتر كره لقاءه واستحيا أن يرجع، فخرج إليه وهو يقول: أقدم باللاحق لا تهلل (3) * على صمل ظاهر التسلل (4) كأنما يقشم مر الحنظل (5) * إن سمته خسفا أبى أن يقبل وإن دعاه القرن لم يعول (6) يمشى إليه بحسام مفصل مشيا رويدا غير ما مستعجل * يخترم الآخر بعد الأول فشد عليه الأشتر وهو يقول: بليت بالأشتر ذاك المذحجي * بفارس في حلق مدجج


(1) الكسف: القطع. وفى الحديث " أن صفوان كسف عرقوب راحلته "، أي قطعه بالسيف. وفي الأصل: " فكتف " بالتاء، وفي ح: " فكشف " بالشين، صوابهما بالسين المهملة كما أثبت. (2) الرجل، بالفتح وكمفرح وندس: الراجل، وهو خلاف الراكب. ح: " وهما راجلان " وكلاهما صحيح. (3) أقدم: أمر من الإقدام، وأصله أقدمن بنون التوكيد الخفيفة حذفت للضرورة وبقيت الفتحة، كما في قول طرفة: اضرب عنك الهموم طارقها * ضربك بالسيف قونس الفرس انظر شرح شواهد المغنى 315. والتهليل: النكوص والإحجام. (4) الصمل، كعتل: الشديد الخلق العظيم. (5) القشم، بالشين المعجمة: الأكل. وفي الأصل: " يقسم " تحريف. وأكل الحنظل مثل في شدة العداوة. انظر البيت 13 من المفضلية 40 طبع المعارف. (6) التعويل: رفع الصوت بالبكاء والصياح. وفي الأصل: " لم يقول " ولا وجه له. (*)

[ 178 ]

كالليث ليث الغابة المهيج * إذا دعاه القرن لم يعرج فضربه. ثم خرج إليه محمد بن روضة، وهو يضرب في أهل العراق ضربا منكرا، وهو يقول: يا ساكنى الكوفة يا أهل الفتن * يا قاتلي عثمان ذاك المؤتمن ورث صدري قتله طول الحزن (1) * أضربكم ولا أرى أبا حسن فشد عليه الأشتر وهو يقول: لا يبعد الله سوى عثمانا * وأنزل الله بكم هوانا ولا يسلى عنكم الأحزانا * مخالف قد خالف الرحمانا نصرتموه عابدا شيطانا ثم ضربه فقتله. وقالت أخت الأجلح بن منصور الكندى حين أتاها مصابه، وكان اسمها حبلة بنت منصور: ألا فابكى أخا ثقة * فقد والله أبكينا (2) لقتل الماجد القمقا * م لا مثل له فينا أتانا اليوم مقتله * فقد جزت نواصينا كريم ماجد الجدي‍ * ن يشفى من أعادينا وممن قاد جيشهم * على والمضلونا (3) شفانا الله من أهل ال‍ * عراق فقد أبادونا (4) أما يخشون ربهم * ولم يرعوا له دينا


(1) ح (1: 330): " أورث قلبى قتله طول الحزن ". (2) في الأصل: " أبلينا " صوابه في ح (1: 331). (3) البيت لم يرو في ح. وفي الأصل: " والمصلونا " وهى إنما تهجو أصحاب على رضى الله عنه. (4) في الأصل: " قد أبادونا "، وأثبت ما في ح. (*)

[ 179 ]

نصر، قال: قال عمرو قال جابر: بلغني أنها ماتت حزنا على أخيها. وقال أمير المؤمنين حين بلغه مرثيتها أخاها: أما إنهن ليس بملكهن ما رأيتم من الجزع (1)، أما إنهم قد أضروا بنسائهم فتركوهن [ أيامى ] خزايا (2) [ بائسات ]، من قبل ابن آكلة الأكباد (3). اللهم حمله آثامهم وأوزارهم وأثقالا مع أثقالهم (4). وأصيب يوم الوقعة العظمى حبيب بن منصور، أخو الأجلح - وكان من أصحاب الرايات - وجاء برأسه رجل من بجيلة قد نازعه في سلبه رجل من من همدان، كل واحد منها يزعم أنه قتله، فأصلح على بينهما وقضى بسلبه للبجلى، وأرضى الهمداني. نصر، عن عمرو بن [ شمر، عن ] جابر، عن الشعبى، عن الحارث بن أدهم، عن صعصعة قال: ثم أقبل الأشتر يضرب بسيفه جمهور الناس حتى كشف أهل الشام عن الماء وهو يقول: لا تذكروا ما قد مضى وفاتا * والله ربى باعث أمواتا (5) من بعد ما صاروا صدى رفاتا (6) * لأوردن خيلى الفراتا شعث النواصي أو يقال ماتا (7)


(1) ليس بملكهن: أي إن ما بدا عليهن من الجزع خارج عن إرادتهن. وفي الأصل: " ليس يملكن " وأثبت ما في ح. (2) الخزايا: جمع خزيا، وهى التى عملت قبيحا فاشتد لذلك حياؤها. ح: " حزانى ". (3) آكلة الأكباد يعنى بها هندا بنت عتبة بن ربيعة. وهى أم معاوية. يروى أنها بقرت عن كبد حمزة فلاكتها، وقالت: شفيت من حمزة نفسي بأحد * حتى بقرت بطنه عن الكبد انظر السيرة 581 جوتنجن. (4) ح: " مع أثقاله ". (5) في ح: " باعث الأمواتا ". (6) الصدى: ما يبقى من الميت في قبره. وفي الأصل: " كذا ". (7) انظر مروج الذهب (2: 18). (*)

[ 180 ]

وكان لواء الأشعث مع معاوية بن الحارث، فقال له الأشعث: لله أنت ! ليس النخع بخير من كندة، قدم لواءك [ فإن الحظ لمن سبق ]. فتقدم صاحب اللواء، وهو يقول: أنعطش اليوم وفينا الأشعث * والأشعث الخير كليث يعبث فأبشروا فإنكم لن تلبثوا * أن تشربوا الماء فسبوا وارفثوا من لا يرده والرجال تلهث وقال الأشعث: إنك لشاعر، وما أنعمت لى بشرى. وكره أن يخلط الأشتر به، فنادى الأشعث: أيها الناس، إنما الحظ لمن سبق. قال: وحمل عمرو العكى من أصحاب معاوية، وهو يقول: ابرز إلى ذا الكبش يا نجاشى * اسمى عمرو وأبو خراش وفارس الهيجاء، بانكماشي * تخبر عن بأسى واحر نفاشى (1) فشد عليه النجاشي وهو يقول: أرود قليلا فأنا النجاشي * من سرو كعب ليس بالرقاشى أخو حروب في رباط الجاش * ولا أبيع اللهو بالمعاش أنصر خير راكب وماش * أعنى عليا بين الرياش من خير خلق الله في نشناش (2) * مبرأ من نزق الطياش بيت قريش لا من الحواشى * ليت عرين للكباش غاش (3)


(1) الاحر نفاش: التقبض والتهيؤ للشر. وفي الأصل: " يخبر باني من أحرناشى ". تحريف. (2) النشناش: مصدر نشنش الرجل الرجل إذا دفعه وحركه، ونشنش السلب: أخذه. ولم تذكر هذا المصدر المعاجم، وهذا الوزن من المصادر سماعي. انظر شرح الشافية (1: 178). (3) كبش القوم: رئيسهم وسيدهم، وقائدهم. (*)

[ 181 ]

يقتل كبش القوم بالهراش * وذى حروب بطل وناش خف له أخطف في البطاش (1) * من أسد خفان وليث شاش (2) فضربه ضربة ففلق هامته بالسيف. وحمل أبو الأعور وهو يقول: أنا أبو الأعور واسمى عمرو (3) * أضرب قدما لا أولى الدبر ليس بمثلى يا فتى يغتر * ولا فتى يلاقيني يسر (4) أحمى ذمارى وللحامي حر * جرى إلى الغايات فاستمر (5) فحمل عليه الأشتر وهو يقول: لست - وإن يكره - ذا الخلاط * ليس أخو الحرب بذى اختلاط لكن عبوس غير مستشاط * هذا على جاء في الاسباط وخلف النعيم بالإفراط * بعرصة في وسط البلاط منحل الجسم من الرباط (6) * يحكم حكم الحق لا اعتباط وحمل شرحبيل بن السمط فقال: أنا شرحبيل أنا ابن السمط * مبين الفعل بهذا الشط بالطعن سمحا بقناة الخط * أطلب ثارات قتيل القبط (7) جمعت قومي باشتراط الشرط * على ابن هند وأنا الموطى


(1) خف له: أسرع. والبطاش: مصدر باطشه، والبطش: التناول بشدة عند الصولة. وفي الأصل: " كف له يخطف بالنهاس ". (2) خفان، ككتان: مأسدة قرب الكوفة. وشاش: مدينة بما وراء النهر. (3) هذا يؤيد ما قيل من أن اسمه " عمرو بن سفيان السلمى ". (4) في الأصل: " ولا فتى بلا فتى يسر ". (5) الغايات: غايات السبق ينتهى إليها. وفي الأصل: " جرى على الغايات ". (6) الرباط والمرابطة: ملازمة ثغر العدو. (7) يعنى عثمان، وعنى بالقبط أهل مصر. (*)

[ 182 ]

حتى أناخوا بالمحامي الخط * جند يمان ليس هم بخلط فأجابه الأشعث بن قيس: إنى أنا الأشعث وابن قيس * فارس هيجاء قبيل دوس لست بشكاك ولا ممسوس (1) * كندة رمحي وعلى قوسى وقال حوشب ذو ظليم (2): يا أيها الفارس ادن لا ترع * أنا أبو مر وهذا ذو كلع (3) مسود بالشام ما شاء صنع * أبلغ عنى أشترا أخا النخع (4) والأشعث الغيث إذا الماء امتنع (5) * قد كثر الغدر لديكم لو نفع فأجابه الأشعث: أبلغ عنى حوشبا وذا كلع * وشرحبيل ذاك أهلك الطمع (6) قوم جفاة لا حيا ولا ورع * يقودهم ذاك الشقى المبتدع إنى إذا القرن لقرن يختضع * وأبرقوها في عجاج قد سطع (7) أحمى ذمارى منهم وأمتنع وقال الأشتر أيضا فجال: يا حوشب الجلف ويا شيخ كلع * أيكما أراد أشتر النخع


(1) الممسوس: الذى به مس من الجنون. وفي هذا البيت سناد الحذو، وهو اختلاف حركة ما قبل الردف. وفي الأصل: " مملوس " ولا وجه له. (2) سبقت ترجمته في ص 66. (3) ذو كلع، هو ذو الكلاع. انظر ص 60، 61. (4) أبلغ: أي أبلغا، بنون التوكيد الخفيفة، حذفها وأبقى الحركة قبلها. انظر ما مضى ص 177. (5) في الأصل: " منع ". (6) أي أهلكه الطمع. وقد غير ضبط شرحبيل للشعر. (7) العجاج، كسحاب: الغبار. أبرقوها: أي أبرقوا السيوف. وفي اللسان: " وأبرق " بسيفه يبرق: إذا لمع به ". (*)

[ 183 ]

ها أنا ذا وقد يهولك الفزع * في حومة وسط قرار قد شرع ثم تلاقى بطلا غير جزع * سائل بنا طلحة وأصحاب البدع وسل بنا ذات البعير المضطجع (1) * كيف رأوا وقع الليوث في النقع (2) تلقى أمرأ كذاك ما فيه خلع * وخالف الحق بدين وابتدع (3) نصر: عمر بن سعد، عن رجل قد سماه (4) عن أبيه، عن عمه محمد بن مخنف (5) قال: كنت مع أبى يومئذ وأنا ابن سبع عشرة سنة، ولست في عطاء (6)، فلما منع الناس الماء قال لى: لا تبرح. فلما رأيت الناس يذهبون نحو الماء لم أصبر، فأخذت سيفى فقاتلت، فإذا أنا بغلام مملوك لبعض أهل العراق، ومعه قربة له، فلما رأى أهل الشام قد أفرجوا عن الماء شد (7) فملأ قربته ثم أقبل بها، وشد عليه رجل من أهل الشام (8) فضربه فصرعه، ووقعت القربة منه، وشددت على الشامي فضربته وصرعته، وعدا أصحابه فاستنقذوه. قال: وسمعتهم يقولون: لا بأس عليك. ورجعت إلى المملوك فأجلسته (9) فإذا هو يكلمني وبه جرح رحيب (10)، فلم يكن أسرع من أن


(1) ذات البعير، يعنى بها عائشة رضى الله عنها. وقد عرقب بعيرها يوم الجمل وأخذته السيوف حتى سقط واضطجع. (2) النقع، بالفتح: الغبار، وحركه للشعر. (3) أي وما خالف الحق. (4) هو أبو مخنف. وقد سبق نظير هذا الصنيع في ص 135. (5) ذكره في لسان الميزان (5: 375) وقال: " روى يحيى بن سعيد عنه أنه قال: دخلت مع أبى على على رضى الله عنه عام بلغت الحلم ". وهذا يضم إلى أولاد مخنف. انظر ص 135. (6) العطاء: اسم لما يعطى. يقول: لم أكن في الجند فيفرض لى عطاء. وفي الأصل: " في غطاء " بالمعجمة، تحريف. (7) شد: أسرع في عدوه، كاشتد. (8) شد عليه، هنا، بمعنى حمل عليه. (9) في الطبري (5: 241): " فاحتملته " أي حملته. (10) في الطبري. " رغيب " وهو الأكثر في كلامهم. انظر المفضليات (2: 55). (*)

[ 184 ]

جاء مولاه فذهب به، وأخذت قربته وهى مملوءة ماء، فجئت بها إلى أبى، فقال: من أين جئت بها ؟ فقلت: اشتريتها. وكرهت أن أخبره الخبر فيجد على، فقال: اسق القوم. فسقيتهم وشربت آخرهم، ونازعتني نفسي والله القتال، فانطلقت أتقدم فيمن يقاتل. قال: فقاتلتهم ساعة، ثم أشهد أنهم خلوا لنا عن الماء. قال: فما أمسيت حتى رأيت سقاتهم وسقاتنا يزدحمون على الماء، فما يؤذى إنسان إنسانا. قال: وأقبلت راجعا فإذا أنا بمولى صاحب القربة فقلت: هذه قربتك فخذها، أو ابعث معى من يأخذها، أو أعلمني مكانك. فقال: رحمك الله، عندنا ما يكتفى به. فانصرفت وذهب، فلما كان من الغد مر على أبى، فوقف فسلم، ورأني إلى جنبه فقال: من هذا الفتى منك ؟ قال: ابني. قال: أراك الله فيه السرور، استنقذ والله غلامي أمس، وحدثني شباب الحى أنه كان من أشجع الناس. قال: فنظر إلى أبى نظرة عرفت [ منها (1) ] الغضب في وجهه، ثم سكت حتى مضى الرجل ثم قال: هذا ما تقدمت إليك فيه (2) ؟ قال: فحلفني ألا أخرج إلى قتال إلا بإذنه. فما شهدت لهم قتالا حتى كان آخر يوم من أيامهم، إلا ذلك اليوم. نصر، عن يونس بن [ أبى (3) ] إسحاق السبيعى، عن مهران مولى يزيد ابن هانئ السبيعى قال: والله إن مولاى ليقاتل على الماء، وإن القربة لفى يدى، فلما انكشف أهل الشام عن الماء شددت حتى أستقى، وإنى فيما بين ذلك لأرمى وأقاتل.


(1) التكمله من الطيرى (5: 241)، وحذف العائد على الموصوف قليل في كلامهم. انظر حواشى الحيوان (6: 241). (2) تقدم إليه في كذا: أمره وأوصاه به. وفي الأصل: " قدمت " صوابه من الطبري. (3) التكملة من الطبري. وانظر منتهى المقال 336. (*)

[ 185 ]

نصر، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبى عمرة (1) عن أبيه سليمان الحضرمي (2)، قال: لما خرج على من المدينة خرج معه أبو عمرة بن عمرو بن محصن (3) قال: فشهدنا مع على الجمل ثم انصرفنا إلى الكوفة، ثم سرنا إلى أهل الشام، حتى إذا كان بيننا وبين صفين ليلة دخلنى الشك فقلت: والله ما أدرى علام أقاتل ؟ وما أدرى ما أنا فيه. قال: واشتكى رجل منا بطنه من حوت أكله، فظن أصحابه أنه طعين (4) فقالوا: نتخلف على هذا الرجل. فقلت: أنا أتخلف عليه. والله ما أقول ذلك إلا مما دخلنى من الشك. فأصبح الرجل ليس به بأس، وأصبحت قد ذهب عنى ما كنت أجد، ونفذت لى بصيرتي، حتى إذا أدركنا أصحابنا ومضينا مع على إذا أهل الشام قد سبقونا إلى الماء، فلما أردناه منعونا، فصلتنا لهم بالسيف فخلونا وإياه، وأرسل أبو عمرة إلى أصحابه: قد والله جزناهم فهم يقاتلونا، وهم في أيدينا، ونحن دونه إليهم كما كان في أيديهم قبل أن نقاتلهم. فأرسل معاوية إلى أصحابه: لا تقاتلوهم وخلوا بينهم وبينه. فشربوا فقلنا لهم: قد كنا عرضنا عليكم هذا أول مرة فأبيتم حتى أعطانا الله وأنتم غير محمودين. قال: فانصرفوا عنا وانصرفنا عنهم، ولقد رأيت روايانا ورواياهم بعد، وخيلنا وخيلهم ترد ذلك الماء جميعا، حتى ارتووا وارتوينا. نصر: محمد بن عبيد الله، عن الجرجاني، أن عمرو بن العاص قال:


(1) في التقريب 603: " أبو عمرة عن أبيه، في سهم الفارس. مجهول من السادسة ". وفي الأصل: " عن أبيه عمرة " تحريف. (2) في التقريب: " سليمان بن زياد الحضرمي المصرى، ثقة من الخامسة ". (3) هو أبو عمرة الأنصاري، قيل اسمه بشر وقيل بشير، وكان زوج بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم المقوم بن عبد المطلب. انظر قسم الكنى من الإصابة 805، 801. وفي الاشتقاق 269: " وأبو عمرة بشير بن عمرو، قتل بصفين ". (4) الطعين، هنا: الذى أصابه الطاعون. (*)

[ 186 ]

يا معاوية ما ظنك بالقوم إن منعوك الماء اليوم كما منعتهم أمس، أتراك تضاربهم عليه (1) كما ضاربوك عليه. وما أغنى عنك أن تكشف لهم السوءة. قال: دع عنك ما مضى منه، ما ظنك بعلى ؟ قال: ظنى أنه لا يستحل منك ما استحللت منه، وأن الذى جاء له غير الماء. فقال له معاوية قولا أغضبه. فأنشأ عمرو يقول: أمرتك أمرا فسخفته * وخالفني ابن أبى سرحه (2) فأغمضت في الرأى إغماضة * ولم تر في الحرب كالفسحه فكيف رأيت كباش العراق * ألم ينطحوا جمعنا نطحه أظن لها اليوم ما بعدها * وميعاد ما بيننا صبحه فإن ينطحونا غدا مثلها * نكن (3) كالزبيري أو طلحه وإن أخروها لما بعدها * فقد قدموا الخبط والنفحة (4) وقد شرب القوم ماء الفرات * وقلدك الأشتر الفضحه قال: ومكث على يومين لا يرسل إلى معاوية ولا يأتيه من قبل معاوية أحد، وجاء عبيد الله بن عمر فدخل على على في عسكره فقال: أنت قاتل الهرمزان، وقد كان أبوك فرض له في الديوان وأدخله في الإسلام ؟ فقال له ابن عمر: الحمد لله الذى جعلك تطلبني بدم الهرمزان وأطلبك بدم عثمان بن عفان. فقال له على: لا عليك، سيجمعني وإياك الحرب غدا. ثم مكث على يومين لا يرسل إلى معاوية ولا يرسل إليه معاوية (5).


(1) في الأصل: " ضاربهم عليه " صوابه من ح (1: 331). (2) يريد به عبد الله بن سعد بن أبى سرح. وقد تصرف في الاسم للشعر. انظر ما سبق في ص 161. (3) ح: " فكن ". (4) الخبط: الضرب الشديد. والنفحة: الدفعة من العذاب. ح: " الخيط " تحريف. (5) انظر أول هذا الكلام. (*)

[ 187 ]

ثم إن عليا دعا بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري (1)، وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعى التميمي فقال: ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله عز وجل وإلى الطاعة والجماعة، وإلى اتباع أمر الله تعالى. فقال له شبث: ألا نطمعه (2) في سلطان توليه إياه ومنزلة تكون به له أثرة عندك إن هو بايعك ؟ قال على: ائتوه الآن فالقوه واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه - وهذا في شهر ربيع الآخر - فأتوه فدخلوا عليه، فحمد أبو عمرة بن محصن الله وأثنى عليه وقال: " يا معاوية، إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله عز وجل مجازيك بعملك، ومحاسبك بما قدمت يداك، وإنى أنشدك بالله أن تفرق جماعة هذه الأمة، وأن تسفك دماءها بينها ". فقطع معاوية عليه الكلام، فقال: هلا أوصيت صاحبك ؟ فقال: سبحان الله، إن صاحبي ليس مثلك، إن صاحبي أحق البرية في هذا الأمر في الفضل والدين والسابقة والإسلام، والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال معاوية: فتقول ماذا ؟ قال: أدعوك إلى تقوى ربك وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق، فإنه أسلم لك في دينك، وخير لك في عاقبة أمرك. قال: ويطل دم عثمان ؟ لا والرحمن لا أفعل ذلك أبدا. قال: فذهب سعيد يتكلم، فبدره شبث فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معاوية، قد فهمت ما رددت على ابن محصن، إنه لا يخفى علينا ما تقرب وما تطلب، إنك لا تجد شيئا تستغوى به الناس وتستميل به أهواءهم وتستخلص به طاعتهم إلا أن قلت لهم قتل إمامكم مظلوما فهلموا نطلب بدمه، فاستجاب لك سفهاء طغام رذال، وقد علمنا أنك قد أبطأت عنه بالنصر،


(1) هو أبو عمرة بن عمرو بن محصن، وقد سبقت ترجمته في ص 185. (2) في الأصل: " لا نطعمه ". (*)

[ 188 ]

وأحببت له القتل بهذه المنزلة التى تطلب. ورب مبتغ أمرا وطالبه يحول الله دونه. وربما أوتى المتمنى أمنيته، وربما لم يؤتها. ووالله مالك في واحدة منها خير. والله لئن أخطأك ما ترجو إنك لشر العرب حالا، ولئن أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق صلى النار. فاتق الله يا معاوية، ودع ما أنت عليه، ولا تنازع الأمر أهله. قال: فحمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد فإن أول (1) ما عرفت به سفهك وخفة حلمك - قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه، ثم عتبت بعد فيما لا علم لك به. ولقد كذبت ولويت (2) أيها الأعرابي الجلف الجافي في كل ما وصفت وذكرت. انصرفوا من عندي فليس بنى وبينكم إلا السيف ". قال: وغضب فخرج القوم وشبث يقول: أفعلينا تهول بالسيف، أما والله لنعجلنه إليك. فأتوا عليا عليه السلام فأخبروه بالذى كان من قوله - وذلك في شهر ربيع الآخر - قال: وخرج قراء أهل العراق وقراء أهل الشام، فعسكروا ناحية صفين في ثلاثين ألفا، وعسكر على على الماء، وعسكر معاوية فوق ذلك، ومشت القراء فيما بين معاوية وعلى، فيهم عبيدة السلمانى (3)، وعلقمة بن قيس النخعي، وعبد الله بن عتبة، وعامر بن عبد القيس - وقد كان في بعض تلك السواحل - قال: فانصرفوا من عسكر على (4) فدخلوا على معاوية فقالوا:


(1) في الأصل: " فإنى أول " تحريف. (2) وردت هذه الكلمة في الأصل غير واضحة هكذا: " و - وت ". (3) هو عبيدة - بفتح أوله - بن عمرو، ويقال ابن قيس بن عمرو السلمانى، بفتح المهملة وسكون اللام، وفتحها بعضهم. قال ابن الكلبى: أسلم قبل وفاة النبي بسنتين ولم يلقه. وكان شريح إذا أشكل عليه شئ كتب إلى عبيدة. والسلمانى نسبة إلى سلمان بن يشكر بن ناجية بن مراد. انظر مختلف القبائل ومؤتلفها لمحمد بن حبيب ص 30 جوتنجن والإصابة 6401 والمعارف 188 وتهذيب التهذيب والتقريب. (4) في الأصل: " إلى عسكر على ". (*)

[ 189 ]

يا معاوية، ما الذى تطلب ؟ قال: أطلب بدم عثمان. قالوا: ممن تطلب بدم عثمان. قال: من على " عليه السلام ". قالوا: وعلى عليه السلام قتله ؟ قال: نعم، هو قتله وآوى قاتليه. فانصرفوا من عنده فدخلوا على على فقالوا: إن معاوية يزعم أنك قتلت عثمان. قال: اللهم لكذب فيما قال، لم أقتله. فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال لهم معاوية: إن لم يكن قتله بيده فقد أمر ومالا. فرجعوا إلى على عليه السلام فقالوا: إن معاوية يزعم أنك إن لم تكن فتلت بيدك فقد أمرت ومالأت على قتل عثمان. فقال: اللهم كذب فيما قال. فرجعوا إلى معاوية فقالوا: إن عليا عليه السلام يزعم أنه لم يفعل. فقال معاوية: إن كان صادقا فليمكنا من قتلة عثمان، فإنهم في عسكره وجنده وأصحابه وعضده. فرجعوا إلى على عليه السلام فقالوا: إن معاوية يقول لك إن كنت صادقا فادفع إلينا قتلة عثمان أو أمكنا منهم. قال لهم على: تأول القوم عليه القرآن ووقعت الفرقة، وقتلوه في سلطانه وليس على ضربهم قود. فخصم على معاوية (1). فقال معاوية: إن كان الأمر كما يزعمون فما له ابتز الأمر دوننا على غير مشورة منا ولا ممن هاهنا معنا. فقال على عليه السلام: إنما الناس تبع المهاجرين والأنصار، وهم شهود المسلمين في البلاد على ولايتهم وأمر دينهم، فرضوا بى وبايعوني، ولست أستحل أن أدع ضرب معاوية (2) يحكم على الأمة ويركبهم ويشق عصاهم. فرجعوا إلى معاوية فأخبروه بذلك فقال: ليس كما يقول، فما بال من هاهنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر فيؤامروه (3). فانصرفوا إلى على عليه السلام فقالوا له ذلك وأخبروه. فقال على عليه السلام: ويحكم، هذا للبدريين دون الصحابة، ليس في الأرض


(1) خصمه: غلبه في الخصومة بالحجة. (2) أي مثل معاوية. والضرب: المثل والشبيه. (3) المؤامرة: المشاورة. (*)

[ 190 ]

بدرى إلا قد بايعني وهو معى، أو قد أقام ورضي، فلا يغرنكم معاوية من أنفسكم ودينكم. فتراسلوا ثلاثة أشهر، ربيعا الآخر وجماديين، فيفزعون الفزعة (1) فيما بين ذلك، فيزحف بعضهم إلى بعض، وتحجز القراء بينهم. ففزعوا في ثلاثة أشهر خمسة وثمانين فزعة، كل فزعة يزحف بعضهم إلى بعض ويحجز القراء بينهم، ولا يكون بينهم قتال. قال: وخرج أبو أمامة الباهلى، وأبو الدرداء، فدخلا على معاوية وكانا معه، فقالا: يا معاوية: علام تقاتل هذا الرجل، فوالله لهو أقدم منك سلما (2)، وأحق بهذا الأمر منك، وأقرب من النبي صلى الله عليه وسلم، فعلام تقاتله ؟ فقال: أقاتله على دم عثمان، وأنه آوى قتلته، فقولوا له فليقدنا من قتلته، فأنا أول من بايعه من أهل الشام. فانطلقوا إلى على فأخبروه بقول معاوية، فقال: هم الذين ترون. فخرج عشرون ألفا أو أكثر مسر بلين في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق، فقالوا: كلنا قتله، فإن شاءوا فليروموا ذلك منا. فرجع أبو أمامة، وأبو الدرداء فلم يشهدا شيئا من القتال حتى إذا كان رجب وخشى معاوية أن يبايع القراء عليا على القتال أخذ في المكر، وأخذ يحتال للقراء لكيما يحجموا عنه (3) ويكفوا حتى ينظروا. قال: وإن معاوية كتب في سهم: " من عبد الله الناصح، فإنى أخبركم أن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم. فخذوا حذركم ". ثم رمى معاوية بالسهم في عسكر على عليه السلام، فوقع السهم في يدى رجل من أهل الكوفة، فقرأه ثم اقرأه صاحبه، فلما قرأه وأقرأه الناس - أقرأه من أقبل وأدبر - قالوا: هذا أخر ناصح كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية. فلم يزل السهم يقرأ ويرتفع


(1) في الأصل: " فيقرعون القرعة " وبنى سائر العبارة على ذلك، تحريف. (2) السلم: الإسلام. (3) في الأصل: " عليه ". (*)

[ 191 ]

حتى رفع (1) إلى أمير المؤمنين، وقد بعث معاوية مائتي رجل من الفعلة إلى عاقول من النهر (2)، بأيديهم المرور والزبل (3) يحفرون فيها بحيال عسكر على ابن أبى طالب، فقال على عليه السلام: ويحكم، إن الذى يعالج معاوية لا يستقيم له ولا يقوم عليه (4)، وإنما يريد أن يزيلكم عن مكانكم، فالهوا عن ذلك ودعوه. فقالوا له: لا ندعهم (5) والله يحفرون الساعة. فقال على: يا أهل العراق لا تكونوا ضعفى (6)، ويحكم لا تغلبوني على رأيى. فقالوا: والله لنرتحلن، فإن شئت فارتحل، وإن شئت فأقم. فارتحلوا وصعدوا بعسكرهم مليا (7)، وارتحل على في أخريات الناس، وهو يقول: ولو أنى أطعت عصبت قومي * إلى ركن اليمامة أو شمام (8) ولكني إذا أبرمت أمرا * منيت بخلف آراء الطغام وارتحل معاوية حتى نزل على معسكر على الذى كان فيه، فدعا على الأشتر، فقال: ألم تغلبني على رائى (9) أنت والأشعث ؟ فدونكما. فقال الأشعث: أنا أكفيك يا أمير المؤمنين، سأداوى ما أفسدت اليوم من ذلك. فجمع بنى كندة، وقال: يا معشر كندة، لا تفضحوني اليوم ولا تخزوني،


(1) في الأصل: " دفع " بالدال، وأثبت ما في ح (1: 343). (2) عاقول النهر والوادى والرمل: ما اعوج منه. (3) المرور: جمع مر، بالفتح، وهو المسحاة. والزبل، بضمتين: جمع زبيل، وهو الجراب والقفة. في الأصل: " الزبيل " والوجه الجمع. وفي ح: " المزور والرمل " تحريف. (4) ح: " ولا يقوى عليه ". (5) في الأصل: " هم " بدل: " لا ندعهم " صوابه في ح. (6) كذا في الأصل. ولعلها: " خلفي " وهو بالكسر: المخالف. (7) مليا: طويلا. ومنه: " واهجرني مليا " وفي الأصل: " عليا " صوابه في ح. (8) ح: " عصمت قومي ". وشمام: جبل لباهلة. وفي الأصل: " شآم " وجهه في ح. (9) الراء: الرأى. وفي ح: " رأيى ". (*)

[ 192 ]

إنما أقارع بكم أهل الشام. فخرجوا معه رجلا يمشون (1) وبيد الأشعث رمح له يلقيه على الأرض، ويقول: امشوا قيس رمحي [ هذا ]. فيمشون، فلم يزل يقيس لهم الأرض برمحه ذلك ويمشون معه رجالة قد كسروا جفون سيوفهم حتى لقوا معاوية وسط بنى سليم واقفا على الماء، وقد جاءه أداني عسكره، فاقتتلوا قتالا شديدا على الماء ساعة، وانتهى أوائل أهل العراق فنزلوا، وأقبل الأشتر في خيل من أهل العراق، فحمل على معاوية حملة، والأشعث يحارب في ناحية [ أخرى ]، فانحاز معاوية في بنى سليم فردوا وجوه إبله قدر ثلاثة فراسخ. ثم نزل ووضع أهل الشام أثقالهم، والأشعث يهدر ويقول: أرضيتك يا أمير المؤمنين ! ثم تمثل [ بقول طرفة بن العبد ]: ففداء لبنى سعد على * ما أصاب الناس من خير وشر (2) ما أقلت قدماى، إنهم * نعم الساعون في الحى الشطر (3) ولقد كنت عليكم عاتبا * فعقبتم بذنوب غير مر (4) كنت فيكم كالمغطى رأسه * فانجلى اليوم قناعي وخمر سادرا أحسب غيى رشدا * فتناهيت وقد صابت بقر (5)


(1) ح: " رجالة " والرجالة والرجل والراجلون بمعنى. (2) رواية " فداء " بالرفع، أي نفسي فداء أو أنا فداء. وفي ديوان طرفة 82 والخزانة (4: 101 بولاق): " لبنى قيس " وفي الديوان والخزانة: " من سر وضر " وهما بضم أولهما السراء والضراء. (3) أقلت: حملت أي ما أقلتني قدماى، أي طول الحياة. ونعم، بكسرتين ففتح: لغة في نعم. والشطر بضمتين: جمع شطير، وهو الغريب البعيد ويروى: " خالتي والنفس قدما " على أن تكون " خالتي " مبتدأ خبره " فداء " في البيت السابق. (4) عقبتم: أي وجدتم عقب ذلك. والذنوب، بالفتح: النصيب والحظ. وفي الكتاب: " فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم ". والمر: نقيض الحلو. (5) تناهيت أي انتهيت من سفهى. ويقال للأمر إذا وقع في مستقره: " صابت بقر " بضم القاف، أي نزل الأمر في مستقره فلا يستطاع له تحويل. وفي الأصل: وقد كادت ثفر "، صوابه في ح والديوان. (*)

[ 193 ]

قال: وقال الأشعث: يا أمير المؤمنين، قد غلب الله لك على الماء. قال على: أنت كما قال الشاعر: تلاقين قيسا وأتباعه * فيشعل للحرب نارا فنارا أخو الحرب إن لقحت بازلا * سما للعلى وأجل الخطارا (1) فلما غلب على على الماء فطرد عنه أهل الشام بعث إلى معاوية: " إنا لا نكافيك بصنعك، هم إلى الماء فنحن وأنتم فيه سواء ". فأخذ كل واحد منهما بالشريعة مما يليه، وقال على عليه السلام لأصحابه: أيها الناس، إن الخطب أعظم من منع الماء. وقال معاوية: لله در عمرو، ما عصيته في أمر قط إلا أخطأت الرأى فيه. قال: فمكث معاوية أياما لا يكلم عمرا، ثم بعث إليه، فقال: يا عمرو، كان فلتة من رأى أعقبتني بخطائها (2) وأمت ما كان قبلها من الصواب، أما والله لو تقايس [ صوابك (3) ] بخطائك لقل صوابك. فقال عمرو: قد كان كذا فرأيت احتجت إلى رأيك، وما خطاؤك اليوم حين أعذرت إليك أمس، وكذلك أنالك غدا إن عصيتني اليوم. فعطف عليه معاوية، ورضى عنه، وبات على مشق الحيل (4) حتى أصبح، ثم غاداهم على القتال، وعلى رايته يومئذ هاشم بن عتبة المرقال. قال: ومعه الحدل التى يقول فيها الأشتر: إنا إذا ما احتسبنا الوغى * أدرنا الرحى بصنوف الحدل (5)


(1) أي إن لقحت الحرب وهى بازل. والبزول: أقصى أسنان البعير إذا طعن في التاسعة. يقول: إذ تجددت الحرب بعد ما طال عهدها وقوتل فيها مرات دخل في غمارها ولم يتهيب. أجل: أعظم. والخطار: مصدر كالمخاطرة، يقال خاطر بنفسه: أشفى بها على خطر هلك أو نيل ملك. وفي الأصل: " لحقت بازلا "، صوابه في ح. (2) الخطاء: الخطأ. وفي الأصل: " يخطاؤها " تحريف. (3) تكملة يقتضيها السياق. (4) كذا في الأصل. (5) الحدل: جمع حدلاء، وهى القوس قد حدرت إحدى سيتيها ورفعت الأخرى. وفي الأصل: " الجدل " في هذا الموضع وسابقه، جمع جدلاء للدرع المجدولة. ولا وجه لها هنا. (*)

[ 194 ]

وضربا لهاماتهم بالسيوف * وطعنا لهم بالقنا والاسل عرانين من مذحج وسطها * يخوضون أغمارها بالهبل (1) ووائل تسعر نيرانها * ينادونهم أمرنا قد كمل أبو حسن صوت خيشومها * بأسيافه كل حام بطل (2) على الحق فينا له منهج * على واضح القصد لا بالميل قال: وبرز يومئذ عوف من أصحاب معاوية وهو يقول: إنى أنا عوف أخو الحروب * عند هياج الحرب والكروب صاحب لا الوقاف والهيوب (3) * عند اشتعال الحرب باللهيب ولست بالناجي من الخطوب * ومن ردينى مارن الكعوب إذ جئت تبغى نصرة الكذوب * ولست بالعف ولا النجيب فبرز إليه علقمة بن عمرو، من أصحاب على، وهو يقول: يا عجبا للعجب العجيب * قد كنت يا عوف أخا الحروب وليس فيها لك من نصيب * إنك، فاعلم، ظاهر العيوب في طاعة كطاعة الصليب * في يوم بدر عصبة القليب (4) فدونك الطعنة في المنخوب (5) * قلبك ذو كفر من القلوب فطعنه علقمة فقتله، فقال علقمه في ذلك:


(1) الهبل: الثكل، هبلته أمه ثكلته. (2) في الأصل: " أبا حسن ". (3) أي أنا صاحب من ليس بوقاف ولا هيوب. والوقوف: المحجم عن القتال. والهيوب: الجبان. وفي الأصل: " صاحبها الوقاف لا الهيوب " محرف. (4) القليب: قليب بدر. (5) المنخوب: الجبان، أراد به قلبه. وفى الأصل: " النخوب " ولا وجه له. (*)

[ 195 ]

يا عوف لو كنت امرأ حازما * لم تبرز الدهر إلى علقمه لاقيت ليثا أسدا باسلا * يأخذ بالأنفاس والغلصمه لاقيته قرنا له سطوة * يفترس الأقران في الملحمه ما كان في نصر امرئ ظالم * ما يدرك الجنة والمرحمه ما لابن صخر حرمة ترتجى * لها ثواب الله بل مندمه لاقيت ما لاقى غداة الوغى * من أدرك الأبطال يا ابن الأمه ضيعت حق الله في نصرة * للظالم المعروف بالمظلمه إن أبا سفيان من قبله * لم يك مثل العصبة المسلمه لكنه نافق في دينه * من خشية القتل على المرغمة بعدا لصخر مع أشياعه * في جاحم النار لدى المضرمه (1) فمكثوا على ذلك حتى كان ذو الحجة، فجعل على يأمر هذا الرجل الشريف فيخرج معه جماعة فيقاتل، ويخرج إليه من أصحاب معاوية رجل معه آخر، فيقتتلان في خيلها ورجلهما ثم ينصرفان، وأخذوا يكرهون أن يتراجعوا بجميع الفيلق من العراق وأهل الشام، مخافة الاستئصال والهلاك. وكان على عليه السلام يخرج الأشتر مرة في خيله، وحجر بن عدى مرة، وشبث بن ربعي التميمي مرة، ومرة خالد بن المعمر السدوسى، ومرة زياد بن النضر الحارثى، ومرة زياد بن جعفر الكندى، ومرة سعد بن قيس الهمداني، ومرة معقل بن قيس الرياحي ومرة قيس بن سعد بن عبادة. وكان أكثر القوم حروبا الأشتر. وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومى،


(1) جاحم النار: معظمها وموضع الشدة فيها. والمضرمة: مصدر ميمى من الضرم، وهو اشتعال النار والتهابها. (*)

[ 196 ]

ومرة أبا الأعور السلمى، ومرة حبيب بن مسلمة الفهرى، ومرة ابن ذى الكلاع، ومرة عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ومرة شرحبيل بن السمط، ومرة حمزة بن مالك الهمداني. فاقتتلوا ذا الحجة، وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرتين: أوله وآخره. نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن عبد الله بن عاصم قال: حدثنى رجل من قومي، أن الأشتر خرج يوما فقاتل بصفين في رجال من القراء، ورجال من فرسان العرب، فاشتد قتالهم، فخرج علينا رجل لقل والله ما رأيت رجلا قط هو أطول ولا أعظم منه، فدعا إلى المبارزة فلم يخرج إليه إنسان، وخرج إليه الأشتر فاختلفا ضربتين، وضربه الأشتر فقتله. وايم الله لقد كنا أشفقنا عليه، وسألناه ألا يخرج إليه. فلما قتله نادى مناد من أصحابه: يا سهم سهم بن أبى العيزار * يا خير من نعلمه من زار (1) وجاء رجل من الأزد فقال: أقسم بالله لأقتلن قاتلك. فحمل على الأشتر [ وعطف عليه الأشتر (2) ] فضربه فإذا هو بين يدى فرسه، وحمل أصحابه فاستنقذوه جريحا، فقال أبو رقيقة السهمى (3): " كان هذا نارا فصادفت إعصارا ". فاقتتل الناس ذا الحجة كله، فلما مضى ذو الحجة تداعى الناس أن يكف بعضهم عن بعض إلى أن ينقضى المحرم، لعل الله أن يجرى صلحا واجتماعا. فكف الناس بعضهم عن بعض.


(1) زار: مرخم زارة، وهم بطن من الأزد. انظر الاشتقاق 288. وقد أنشد الطبري الرجز في (5: 243) وعقب عليه بقوله: " وزارة حى من الأزد ". وفي الأصل " من نعلم من نزار "، صوابه من الطبري. (2) التكملة من الطبري (5: 243) (3) في الطبري: " أبو رفيقة الفهمى ". (*)

[ 197 ]

نصر: عمر بن سعد، عن أبى المجاهد، عن المحل بن خليفة قال: لما توادع على عليه السلام ومعاوية بصفين اختلفت الرسل فيما بينهما رجاء الصلح، فأرسل على بن أبى طالب إلى معاوية عدى بن حاتم، وشبث بن ربعى، ويزيد بن قيس، وزياد بن خصفة، فدخلوا على معاوية، فحمد الله عدى بن حاتم وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنا أتيناك لندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا، ويحقن الله به دماء المسلمين (1)، وندعوك إلى أفضلها سابقة وأحسنها في الإسلام آثارا (2)، وقد اجتمع له الناس (3)، وقد أرشدهم الله بالذى رأوا فأتوا، فلم يبق أحد غيرك وغير من معك، فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله وأصحابك بمثل يوم الجمل. فقال له معاوية: كأنك إنما جئت متهددا ولم تأت مصلحا. هيهات يا عدى. كلا والله إنى لابن حرب، ما يقعقع لى بالشنان (4). أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان، وإنت لمن قتلته، وإنى لأرجو أن تكون ممن يقتله الله (5). هيهات يا عدى، قد حلبت بالساعد الأشد (6). وقال له شبث بن ربعى وزياد بن خصفة - وتنازعا كلاما واحدا (7) -:


(1) زاد الطبري في (6: 2): " ويأمن به السبل ويصلح به البين ". (2) أفضلها: أي أفضل الناس. وفي تاريخ الطبري: " إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة وأحسنها في الإسلام آثارا ". وفي ح (1: 344): " ندعوك إلى أفضل الناس سابقة وأحسنهم في الإسلام آثارا ". (3) ح: " إليه الناس "، الطبري: " استجمع له الناس ". (4) الشنان: جمع شن، وهو القربة الخلق. وهم يحركون القربة البالية إذا أرادوا حث الإبل على السير لتفزع فتسرع. انظر الميداني (2: 191). (5) الطبري: " ممن يقتل الله عز وجل به ". (6) في الميداني (1: 176): " حلبتها بالساعد الأشد. أي أخذتها بالقوة إذا لم يتأت الرفق ". وفي الأصل: " قد جئت "، والصواب من الطبري (6: 3). وهذه العبارة لم ترد في ح. (7) الطبري: " جوابا واحدا ". (*)

[ 198 ]

أتيناك فيما يصلحنا وإياك، فأقبلت تضرب الأمثال لنا. دع مالا ينفع من القول والفعل، وأجبنا فيما يعمنا (1) وإياك نفعه. وتكلم يزيد بن قيس الأرحبى فقال: إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك، ولنؤدي عنك ما سمعنا منك، لن ندع أن ننصح لك، وأن نذكر ما ظننا أن لنا به عليك حجة، أو أنه راجع بك إلى الألفة والجماعة. إن صاحبنا لمن قد عرفت وعرف المسلمون فضله، ولا أظنه يخفى عليك: أن أهل الدين والفضل لن يعدلوك بعلى عليه السلام، ولن يميلوا بينك وبينه (2). فاتق الله يا معاوية، ولا تخالف عليا، فإنا والله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى، ولا أزهد في الدنيا، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه. فحمد الله معاوية وأثنى عليه وقال: أما بعد فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة. فأما الجماعة التى دعوتم إليها فنعما هي. وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها. إن صاحبكم قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا، وآوى ثأرنا وقتلتنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله، فنحن لا نرد ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا ؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم ؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة. فقال له شبث بن ربعى: أيسرك بالله يا معاوية أن أمكنت (3) من عمار ين ياسر فقتلته ؟ قال: وما يمنعنى من ذلك ؟ والله لو أمكننى صاحبكم (1) في الأصل: " يصيبنا " وكتب فوقه: " خ: يعمنا " وهو ما في ح والطبري. (2) التمييل بين الشيئين: الترجيح بينهما. تقول العرب: إنى لأميل بين ذينك الأمرين وأمايل بينهما أيهما آتى. وفي الأصل: " يمثلوا " تحريف. وفي ح: " ولا يميلون ". (3) في الأصل: " أنك إن أمكنت " صوابه في ح. وفي الطبزى: " أنك أمكنت ". (*)

[ 199 ]

من ابن سمية (1) ما قتلته بعثمان، ولكن كنت أقتله بنائل (2) مولى عثمان ابن عفان، فقال له شبث: وإله السماء ما عدلت معدلا، لا والله الذى لا إله إلا هو لا تصل إلى قتل ابن ياسر حتى تندر الهام عن كواهل الرجال وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها، فقال له معاوية: إنه لو كان ذلك كانت عليك أضيق (3). ورجع القوم عن معاوية، فلما رجعوا من عنده بعث إلى زياد بن خصفة التيمى فدخل عليه، فحمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أخا ربيعة فإن عليا قطع أرحامنا، وقتل إمامنا، وآوى قتلة صاحبنا، وإنى أسألك النصرة عليه (4) بأسرتك وعشيرتك، ولك على عهد الله وميثاقه إذا ظهرت أن أوليك أي المصرين أحببت. قال أبو المجاهد (5): سمعت زياد بن خصفة يحدث بهذا الحديث. قال: فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت له: " أما بعد فإنى لعلى بينة من ربى، وبما أنعم على فلن أكون ظهيرا للمجرمين ". قال: ثم قمت، فقال معاوية لعمرو بن العاص - وكان إلى جانبه جالسا -: ليس يكلم رجل


(1) سمية، هي سمية بنت خباط، بمعجمة مضمومة وموحدة ثقلية، وهى أم عمار بن ياسر، وكانت أمة لأبى حذيفة بن المغيرة المخزومى، ثم زوجها ياسرا فولدت له عمارا. وهى أول شهيدة استشهدت في الإسلام، وجأها أبو جهل بحربة فماتت. المعارف 111 - 112 والإصابة 582. (2) في الطبري: " بناتل ". (3) الطبري: " إنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيق ". (4) في الأصل: " عليك " صوابه في ح والطبزى. (5) أبو المجاهد، هو سعد الطائى الكوفى، وثقة وكيع وابن حبان، وقال ابن حجر: " لا بأس به. من السادسة ". انظر التقريب وحواشيه. (*)

[ 200 ]

منا رجلا منهم بكلمة فيجيب بخير (1)، ما لهم عضبهم الله (2)، ما قلوبهم إلا قلب رجل واحد. نصر: حدثنا سليمان بن أبى راشد (3)، عن عبد الرحمن بن عبيد أبى الكنود، أن معاوية بعث إلى حبيب بن مسلمة الفهرى، وشرحبيل بن السمط، ومعن بن يزيد بن الأخنس السلمى، فدخلوا على على عليه السلام وأنا عنده، فحمد الله حبيب بن مسلمة وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهديا، يعمل بكتاب الله، وينيب إلى أمر الله، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إلينا قتلة عثمان نقتلهم به. فإن قلت إنك لم تقتله فاعتزل أمر الناس فيكون أمرهم هذا شورى بينهم، يولى الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم. فقال له على عليه السلام: وما أنت لا أم لك والولاية والعزل والدخول في هذا الأمر. اسكت فإنك لست هناك، ولا بأهل لذاك. فقام حبيب بن مسلمة فقال: أما والله لتريني حيث تكره. فقال له على: وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك ؟ ! اذهب فصوب وصعد ما بدا لك، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت. فقال شرحبيل بن السمط: إن كلمتك فلعمري ما كلامي إياك إلا كنحو من كلام صاحبي قبلى، فهل لى عندك جواب غير الجواب الذى أجبته به ؟ فقال على عليه السلام: عندي جواب غير الذى أجبته به، لك ولصاحبك (4). فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:


(1) في الأصل: " ليس يتكلم رجل منهم بكلمة " بهذا التحريف والنقص. وتصحيحه وإكماله من الطبري. وهذه العبارة لم ترد في ح. (2) العضب: القطع. وفي اللسان: " وتدعو العرب على الرجل فتقول: ماله عضبه الله. يدعون عليه بقطع يده ورجله ". وفي الأصل: " غصبهم " صوابه في ح والطبري. (3) وكذا في ح. وفي الطبري: " سليمان بن راشد الأزدي ". (4) بدل هذه العبارة في ح: " قال نعم ". وفي الطبري (6: 4): " نعم لك ولصاحبك جواب غير الذى أجبته به ". (*)

[ 201 ]

أما بعد فإن الله بعث النبي صلى الله عليه وسلم فأنقذ به من الضلالة، ونعش به من الهلكة (1)، وجمع به بعد الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه، ثم استخلف الناس (2) أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمر، وأحسنا السيرة، وعدلا في الأمة، وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمر دوننا ونحن آل الرسول وأحق بالأمر، فغفرنا ذلك لهما، ثم ولى أمر الناس عثمان فعمل بأشياء عابها الناس عليه، فسار إليه ناس فقتلوه، ثم أتانى الناس وأنا معتزل أمرهم فقالوا لى: بايع. فأبيت عليهم، فقالوا لى: بايع فإن الأمة لا ترضى إلا بك، وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس. فبايعتهم، فلم يرعنى إلا شقاق رجلين قد بايعانى (3)، وخلاف معاوية إياك، الذى لم يجعل الله له سابقة في الدين، ولا سلف صدق في الإسلام، طليق ابن طليق، وحزب من الأحزاب، لم يزل لله ولرسوله وللمسلمين عدوا هو وأبوه، حتى دخلا في الإسلام كارهين مكرهين، فعجبنا لكم (4) ولإجلابكم معه، وانقيادكم له، وتدعون أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم، الذين لا ينبغى لكم شقاقهم ولا خلافهم، ولا أن تعدلوا بهم أحدا من الناس. إنى أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين. أقول قولى هذا وأستغفر الله لنا ولكل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة. فقال له شرحبيل ومعن بن يزيد: أتشهد أن عثمان قتل مظلوما ؟ فقال


(1) في الأصل: " وأنعش " صوابه في ح. ولا يقال أنعشه فهو من كلام العامة. نعشه: تداركه. وفي الطبري: " وانتاش به من الهلكة ". والانتياش: الاستدراك والاستنقاذ. (2) ح (1: 345): " فاستخاف الناس ". (3) ح فقط: " قد بايعا ". (4) ح: " فيا عجبا لكم ". الطبري: " فلا غرو إلا خلافكم معه ". (*)

[ 202 ]

لهما: إنى لا أقول ذلك. قالا: فمن لم يشهد أن عثمان قتل مظلوما فنحن برآء منه. ثم قاما فانصرفا. فقال عليه السلام: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين. وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون). ثم أقبل على أصحابه فقال: لا يكون هؤلاء بأولى في الجد في ضلالتهم منكم في حقكم وطاعة إمامكم (1). ثم مكث الناس حتى دنا انسلاخ المحرم. نصر: عمرو بن شمر، عن جابر عن أبى الطفيل، أن حابس بن سعد الطائى (2) كان صاحب لواء طيئ مع معاوية، فقال: أما بين المنايا غير سبع * بقين من المحرم أو ثمان أما يعجبك أنا قد كففنا * عن اهل الكوفة الموت العيانى (3) أينهانا كتاب الله عنهم * ولا ينهاهم السبع المثانى (4) فقتل بعد، وكان مع معاوية. فلما انسلخ المحرم واستقبل صفر، وذلك في سنة سبع وثلاثين، بعث على نفرا من أصحابه حتى إذا كانوا من عسكر معاوية حيث يسمعونهم الصوت قام مرثد بن الحارث الجشمى فنادى عند غروب الشمس: يا أهل الشام، إن أمير المؤمنين على بن أبى طالب وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون لكم: إنا والله ما كففنا عنكم شكا في أمركم، ولا بقيا عليكم، وإنما كففنا عنكم لخروج المحرم، ثم انسلخ، وإنا


(1) الطبري فقط: " وطاعة ربكم ". (2) سبقت ترجمته في ص 64. وفي الأصل: " بن سعيد " تحريف. (3) العيانى: منسوب إلى العيان. وفي الأصل: " العيان ". (4) السبع المثانى: السور الطوال من البقرة إلى التوبة، على أن تحسب التوبة والأنفال سورة واحدة، ولذلك لم يفصل بينهما في المصحف بالبسملة. (*)

[ 203 ]

قد نبذنا إليكم على سواء (1)، إن الله لا يحب الخائنين. قال: فتحاجز الناس (2) وثاروا إلى أمرائهم. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبى الزبير قال: كانت وقعة صفين في صفر. قال نصر: في حديث عمر - يعنى ابن سعد (3) - إن عليا عليه السلام لما انسلخ المحرم أمر مرثد بن الحارث الجشمى فنادى عند غروب الشمس: يا أهل الشام، ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم: إنى قد استدمتكم واستأنيت بكم (4) لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه، واحتججت عليكم بكتاب الله ودعوتكم إليه، فلم تتناهوا عن طغيان، ولم تجيبوا إلى حق. وإنى قد نبذت إليكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين. فثار الناس إلى أمرائهم ورؤسائهم. قال: وخرج معاوية وعمرو بن العاص يكتبان الكتائب، ويعبيان العساكر، وأوقدوا النيران، وجاءوا بالشموع (5)، وبات على عليه السلام ليلته كلها يعبى الناس، ويكتب الكتائب، ويدور في الناس يحرضهم. نصر: عمر بن سعد، وحدثني رجل عن عبد الله بن جندب عن أبيه أن عليا عليه السلام كان يأمرنا في كل موطن لقينا معه عدوه يقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم، فإنكم بحمد الله على حجة، وترككم إياهم


(1) انظر ما سبق في ص 28. (2) تحاجز القوم: أخذ بعضهم بحجز بعض. (3) خلط ابن أبى الحديد بين هذا الإسناد وسابقه فجعلهما لعمرو بن شمر. (4) في الأصل: " قد استنبذتكم واستأناتكم "، صوابه في ح. وفي الطبري (6: 5): " قد استدمتكم " فقط. (5) وجاءوا بالشموع، ليست في الطبري. (*)

[ 204 ]

حتى يبدءوكم حجة أخرى لكم عليهم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل. فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا إلا بإذنى، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأة بأذى (1)، وإن شتمن أعراضكم وتناولن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس والعقول. ولقد كنا وإنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة أو الحديد فيعير بها عقبه من بعده. نصر، عن عمر بن سعد، عن إسماعيل بن يزيد [ يعنى ابن أبى خالد (2) ]، عن أبى صادق، عن الحضرمي قال: سمعت عليا عليه السلام حرض في الناس (3) في ثلاثة مواطن: في يوم الجمل، ويوم صفين، ويوم النهروان، فقال: عباد الله، اتقوا الله عز وجل، وغضوا الأبصار، واخفضوا الأصوات، وأقلوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجاولة، والمبارزة والمعانقة والمكادمة (4)، واثبتوا (واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون). (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) اللهم ألهمهم الصبر، وأنزل عليهم النصر، وأعظم لهم الأجر. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن محمد بن على، وزيد بن حسن،


(1) في الأصل وح (1: 346): " إلا باذنى " صوابه من الطبري (6: 6). (2) إسماعيل بن أبى خالد، أبو عبد الله، أحد التابعين، رأى سعيد من رأى النبي، منهم أنس بن مالك. توفى بالكوفة سنة 146. انظر المعارف 211 وتهذيب التهذيب. (3) في الأصل: " عرض في الناس " صوابه في ح. وفي الطبري: " يحرض الناس ". (4) المكادمة: مفاعلة من الكدم، وهو العض، والتأثير بالحديد، وهذا هو الأقرب. وفي اللسان: " رجل مكدم: إذا لقى قتالا فأثرت فيه الجراح ". وفي الأصل: " المكارمة " بالراء، صوابه في الطبري (6: 6). (*)

[ 205 ]

ومحمد بن المطلب (1)، أن عليا عليه السلام ومعاوية عقدا الأولوية، وأمرا الأمراء، وكتبا الكتائب، واستعمل على على الخيل عمار بن ياسر، وعلى الرجالة عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعى، ودفع اللواء إلى هاشم بن عتبة ابن أبى وقاص الزهري، وجعل على الميمنة الأشعث بن قيس، وعلى الميسرة عبد الله بن العباس، وجعل على رجالة الميمنة سليمان بن صرد الخزاعى، وجعل على رجالة الميسرة الحارث بن مرة العبدى، وجعل القلب مضر الكوفة والبصرة، وجعل الميمنة اليمن، وجعل الميسرة ربيعة، وعقد ألوية القبائل فأعطاها قوما منهم بأعيانهم جعلهم رؤساءهم وأمراءهم، وجعل على قريش وأسد وكنانة عبد الله بن عباس، وعلى كندة حجر بن عدى، وعلى بكر البصرة حضين بن المنذر. وعلى تميم البصرة الأحنف بن قيس، وعلى خزاعة عمرو بن الحمق، وعلى بكر الكوفة نعيم بن هبيرة، وعلى سعد ورباب البصرة جارية بن قدامة السعدى، وعلى بجيلة رفاعة بن شداد، وعلى ذهل الكوفة يزيد بن رويم الشيباني (2)، وعلى عمرو وحنظلة البصرة (3) أعين بن ضبيعة، وعلى قضاعة وطيئ عدى بن حاتم، وعلى لهازم الكوفة عبد الله بن حجل العجلى، وعلى تميم الكوفة عمير بن عطارد، وعلى الأزد واليمن جندب ابن زهير، وعلى ذهل البصرة خالد بن المعمر السدوسى، وعلى عمرو وحنظلة الكوفة (4) شبث بن ربعى، وعلى همدان سعيد بن قيس، وعلى لهازم البصرة حريث بن جابر الحنفي (5)، وعلى سعد ورباب الكوفة الطفيل أبا صريمة،


(1) ذكره في لسان الميزان (5: 383) وقال: " روى عن أبان بن بشير، وعنه وهب بن كعب. مجهول ". ح: " بن عبد المطلب " تحريف. (2) ح (1: 346): " رويما الشيباني أو يزيد بن رويم ". (3) ح: " وعلى عمرو البصرة وحنظلتها ". (4) ح: " وعلى عمرو الكوفة وحنظلتها ". (5) ح: " الجعفي ". (*)

[ 206 ]

وعلى مذحج الأشتر بن الحارث النخعي، وعلى عبد القيس الكوفة صعصعة بن صوحان، وعلى قيس الكوفة عبد الله بن الطفيل البكائى (1)، وعلى عبد القيس البصرة عمرو بن حنظلة، وعلى قريش البصرة الحارث بن نوفل الهاشمي، وعلى قيس البصرة (2) قبيصة بن شداد الهلالي، وعلى اللفيف من القواصى القاسم بن حنظلة الجهنى. واستعمل معاوية على الخيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى الرجالة مسلم بن عقبة المرى (3)، وعلى الميمنة عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى الميسرة حبيب بن مسلمة القهري، وأعطى اللواء عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى أهل دمشق - وهم القلب - الضحاك بن قيس القهري، وعلى أهل حمص - وهم الميمنة - ذا الكلاع الحميرى، وعلى أهل قنسرين - وهم [ في ] الميمنة [ أيضا ] زفر بن الحارث، وعلى أهل الأردن - وهم الميسرة - سفيان بن عمرو الأعور السلمى، وعلى أهل فلسطين - وهم في الميسرة - أيضا مسلمة بن مخلد، وعلى رجالة أهل حمص حوشبا ذا ظليم (4)، وعلى رجالة قيس طريف بن حابس الألهانى (5)، وعلى رجالة أهل الأردن عبد الرحمن بن قيس القينى، وعلى رجالة


(1) هو عبد الله بن الطفيل بن ثور بن معاوية بن عبادة بن البكاء، العامري ثم البكائى، له إدراك، وقد شهد مشاهد على. والعامري: نسبة إلى عامر بن صعصعة. والبكائي، بفتح الباء وتشديد الكاف: نسبة إلى البكاء، وبنو البكاء من قبائل ربيعة بن عامر بن صعصعة. انظر الاشتقاق 179. وفي الأصل: " الكنانى " تحريف، صوابه في ح والإصابة 6328. (2) الكلام بعد: " البكائى " إلى هنا ساقط من ح. (3) المرى: نسبة إلى مرة بن عوف. قال ابن دريد في الاشتقاق 174: " فمن قبائل مرة بن عوف مسلم بن عقبة الدى اعترض أهل المدينة فقتلهم يوم الحرة في طاعة يزيد بن ومعاوية ". انظر المعارف 153. ح: " المزني " تحريف. (4) سبقت ترجمته في ص 60. (5) الألهانى، بالفتح: نسبة إلى ألهان، وهم إخوة همدان بن مالك بن زيد بن كهلان. انظر الاشتقاق 250. (*)

[ 207 ]

أهل فلسطين الحارث بن خالد الأزدي، وعلى رجالة قيس دمشق همام بن قبيصة، وعلى قيس وإياد حمص (1) بلال بن أبى هبيرة الأزدي وحاتم بن المعتمر الباهلى (2)، وعلى رجالة الميمنة حابس بن سعد الطائى، وعلى قضاعة دمشق حسان بن بحدل الكلبى (3)، وعلى قضاعة الأردن حبيش بن دلجة القينى، وعلى كنانة فلسطين شريكا الكنانى (4)، وعلى مذحج الأردن المخارق بن الحارث الزبيدى، وعلى لخم وجذام فلسطين (5) ناتل بن قيس الجذامي (6)، وعلى همدان الأردن حمزة بن مالك الهمداني، وعلى خثعم اليمن حمل بن عبد الله الخثعمي (7)، وعلى غسان الأردن يزيد بن الحارث، وعلى جميع القواصى القعقاع بن أبرهة الكلاعى (8) - وأصيب في المبارزة أول يوم تراءت فيه الفئتان.


(1) ح: " وعلى قيس حمص وإيادها ". (2) ما بعد " الأزدي " ليس في ح. (3) بحدل، بالحاء المهملة وزان جعفر. وفي الأصل وح: " بجدل " بالجيم، تحريف. وهو حسان بن مالك بن بحدل أبو سليمان الكلبى، زعيم بنى كلب ومقدمهم. ويروون أنه سلم عليه بالخلافة أربعين ليلة. انظر تاريخ ابن عساكر (9: 342) المخطوطة التيمورية وكذا الأغاني (11: 114). (4) في الأصل: " شريك البكائى "، وأثبت ما في ح (1: 346). (5) ح: " وعلى جذام فلسطين ولخمها ". (6) ناتل، بمثناة، ابن قيس بن زيد الشامي الفلسطيني أحط أمراء معاوية، قتل سنة ست وستين. وفي الأصل: " نائل " وفي ح: " نابل " صوابهما ما أثبت من تهذيب التهذيب والاشتقاق 225 والمشتبه للذهبي 514. (7) ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق، في حرب الحاء المهملة. قال: " حمل بن عبد الله الخثعمي، شهد صفين مع معاوية، وكان يومئذ أميرا على خثعم ". وفي ح: " جمل " بالجيم، تحريف، صوابه في ابن عساكر (11. 551) مخطوطة التيمورية. (8) ترجم له ابن عساكر في (35: 369). وفي ح: " الكلابي " تحريف. (*)

[ 208 ]

نصر: إسماعيل بن أبى عميرة (1) عن الشعبى أن عليا عليه السلام بعث على ميمنته عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعى، وعلى ميسرته عبد الله بن العباس. وذكر عن فضيل بن خديج (2) أن عليا عليه السلام بعث على خيل أهل الكوفة الأشتر، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف، وعلى رجالة أهل الكوفة عمار بن ياسر، وعلى رجالة أهل البصرة قيس بن سعد - وكان قد أقبل من مصر إلى صفين - وجعل معه هاشم بن عتبة، وابنه، و [ جعل ] مسعود بن فدكى التميمي على قراء أهل البصرة. فصار قراء أهل الكوفة إلى ابن بديل وعمار بن ياسر. آخر الجزء الثالث من أجزاء ابن الطيورى والحمد لله وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله وسلم. ويتلوه الجزء الرابع [ وأوله (3) ]: " نصر، عن عمر قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن القاسم مولى يزد بن معاوية ". وجدت في الجزء الخامس من نسخة عبد الوهاب بخطه: " سمع جميعه على الشيخ أبى الحسين المبارك بن عبد الجبار، الأجل


(1) في الأصل: " بن أبى عمرة "، وأثبت ما في ح (1: 347) كما سبق ص 22. (2) ذكره الذهبي في المشتبه 151 قال: " وفضيل بن خديج شيخ لأبى مخنف لوط الأخباري ". وترجم له ابن حجر في لسان الميزان. وفي الأصل: " فضل بن خديج "، صوابه في المراجعين المذكورين. (3) تكملة يستقيم بها الكلام. وانظر أول الجزء التالى. (*)

[ 209 ]

السيد الأوحد قاضى القضاة أبو الحسن على بن محمد الدامغاني، وابناه القاضيان أبو عبد الله محمد (1) وأبو الحسين أحمد، وأبو عبد الله محمد بن القاضى أبى الفتح بن البيضاوى، والشريف أبو الفضل محمد بن على بن أبى يعلى الحسنى، وأبو منصور محمد بن محمد بن قرمى، بقراءة عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي في شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة ".


(1) ترجم له السمعاني في الورقة 219 وياقوت في معجم البلدان. ولى القضاء ببغداد مدة. وكانت ولادته بالدامغان سنة 400 ووفاته سنة 498. والدامغاني: نسبة إلى الدامغان، بفتح الميم، وهى قصبة بلاد قومس. (*)

[ 211 ]

الجزء الرابع من كتاب صفين لنصر بن مزاحم رواية أبى محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبى الحسن على بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبى الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت رواية أبى يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبى الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى رواية الشيخ الحافظ أبى البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي - سماع مظفر بن على بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم - غفر الله له

[ 213 ]

بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي، قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر، قال أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفى، قال أبو الحسن على بن محمد بن محمد بن عقبة، قال أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز، قال أبو الفضل نصر بن مزاحم: عن عمر قال: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم مولى يزيد بن معاوية، أن معاوية بعث على ميمنته ذا الكلاع، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهرى، وعلى مقدمته من يوم أقبل من دمشق أبا الأعور السلمى، وكان على خيل أهل دمشق، وعمرو بن العاص على خيول أهل الشام كلها (1)، و [ جعل ] مسلم بن عقبة المرى على رجالة أهل دمشق، والضحاك بن قيس على رجالة الناس كلهم (2)، وبايع رجال من أهل الشام على الموت، فعقلوا أنفسهم بالعمائم (3)، فكانوا خمسة صفوف معقلين (4)، وكانوا يخرجون


(1) وكذا في الطبري (6: 6) لكن في ح (1: 347): " أبا الأعور السلمى وكان على خيل دمشق كلها عمرو بن العاص ومعه خيول الشام بأسرها "، تحريف. (2) وكذا في الطبري. لكن في ح: " على سائر الرجالة بعد ". (3) أي جعلوا العمائم لهم بمثابة العقل - جمع عقال. وفي الأصل: " فعلقوا " تحريف صوابه في ح والطبري. وسيأتى في هذا الكتاب قوله: " وقد قيدت عك أرجلها بالعمائم ". (4) في الأصل: " معلقين "، صوابه في ح والطبري. (*)

[ 214 ]

فيصطفون أحد عشر صفا (1) ويخرج أهل العراق فيصطفون أحد عشر صفا. فخرجوا أول يوم من صفر (من سنة سبع وثلاثين)، وذلك يوم الأربعاء، فاقتتلوا، وعلى من خرج يومئذ من أهل الكوفة الأشتر، وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة، فاقتتلوا قتالا شديدا جل النهار، ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض. ثم خرج (في اليوم الثاني) هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عددها وعدتها، وخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمى فاقتتلوا يومهم ذلك، تحمل الخيل على الخيل، والرجال على الرجال، ثم انصرفوا وقد صبر القوم بعضهم لبعض. وخرج اليوم الثالث عمار بن ياسر، وخرج إليه عمرو بن العاص فاقتتل الناس كأشد القتال، وجعل عمار يقول: " يا أهل الإسلام (2)، أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين، فلما أراد الله أن يظهر دينه وينصر رسوله أتى النبي صلى الله عليه، فأسلم وهو والله فيما يرى (3) راهب غير راغب، وقبض الله رسوله صلى الله عليه وإنا والله لنعرفه بعداوة المسلم ومودة المجرم ؟ ألا وإنه معاوية، فالعنوه لعنه الله، وقاتلوه فإنه ممن يطفئ نور الله، ويظاهر أعداء الله ". وكان مع عمار زياد بن النضر على الخيل، فأمره أن يحمل في الخيل، فحمل وصبروا له، وشد عمار في الرجالة فأزال عمرو بن العاص عن موقفه، وبارز يومئذ زياد بن النضر أخا له [ لأمه (4) ] من بنى عامر يقال له معاوية بن عمرو


(1) الطبري: " وكانوا يخرجون ويصفون عشرة صفوف ". (2) في ح: " يا أهل الشام "، فقد يكون ذلك إغراء لهم بصاحبهم وحثا لهم على الخلاف عليه. وعند الطبري: " يا أهل العراق " يخاطب أصحابه. (3) الطبري: " نرى ". (4) هذه التكملة من الطبري. (*)

[ 215 ]

العقيلى (1) - وكانت أمهما هند امرأة من بنى زبيد - فلما التقيا تساءلا (2) وتواقفا، ثم انصرف كل واحد منها عن صاحبه، ورجع الناس يومهم ذاك. نصر: أبو عبد الرحمن المسعودي، حدثنى يونس بن الأرقم بن عوف، عن شيخ من بكر بن وائل قال: كنا مع على بصفين، فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء في رأس رمح، فقال ناس: هذا لواء عقده له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يزالوا كذلك حتى بلغ عليا، فقال: هل تدرون ما أمر هذا اللواء ؟ إن عدو الله عمرو بن العاص أخرج له رسول الله هذه الشقة فقال: " من يأخذها بما فيها ؟ "، فقال عمرو: وما فيها يا رسول الله ؟ قال: " فيها أن لا تقاتل به مسلما، ولا تقربه من كافر (3) " فأخذها، فقد والله قربه من المشركين، وقاتل به اليوم المسلمين (4): والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا، وأسروا الكفر، فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عدواتهم منا (5)، إلا أنهم لم يدعوا الصلاة. نصر: أخبرني عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبى ثابت قال: لما كان قتال صفين قال رجل لعمار: يا أبا اليقظان: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قاتلوا الناس حتى يسلموا، فإذا أسلموا عصموا منى دماءهم وأموالهم " ؟ قال: بلى ولكن والله ما أسلموا ولكن استسلموا، وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا (6).


(1) الطبري: " يقال له عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عقيل ". (2) ليست في ح. وفي الطبري: " تعارفا " وفي الأصل: " تسايلا " (3) الضمير للواء. وفي ح: " بها " في الموضعين، أي الشقة. (4) ح: " قربها " و " قاتل بها ". (5) ح: " فلما وجدوا عليه أعوانا أظهروه ". ولم يرو سائر هذه الفقرة. (6) في الأصل: " أهوانا " صوابه في ح. (*)

[ 216 ]

نصر: عبد العزيز، قال حبيب بن أبى ثابت قال: حدثنى منذر الثوري (1) قال: قال محمد بن الحنفية: لما أتاهم [ رسول ] الله من أعلى الوادي ومن أسفله، وملأ الأودية كتائب (2) استسلموا حتى وجدوا أعوانا. نصر، عن فطر بن خليفة (3)، عن منذر الثوري قال عمار بن ياسر: والله ما أسلم القوم ولكن استسلموا وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا. نصر، عن الحكم بن ظهير، عن إسماعيل، عن الحسن، و [ قال: وحدثنا ] الحكم [ أيضا ]، عن عاصم بن أبى النجود (4)، عن زر بن حبيش (5)، عن عبد الله بن مسعود قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. " إذا رأيتم معاوية بن أبى سفيان يخطب على منبرى فاضربوا عنقه ". قال الحسن: فما فعلوا ولا أفلحوا. نصر: عمرو بن ثابت، عن إسماعيل، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم معاوية يخطب على منبرى فاقتلوه ". قال: فحدثني بعضهم قال: قال أبو سعيد الخدرى: فلم نفعل ولم نفلح.


(1) هو المنذر بن يعلى الثوري، أبو يعلى الكوفى. ترجم له في تهذيب التهذيب. وفي الأصل: " منذر العلوى " لعلها " الكوفى " وأثبت ما في ح. (2) في الأصل: " وملؤوا ". ح: " وملأ الأودية كتائب - يعنى يوم فتح مكة ". 3) فطر بكسر الفاء، بن خليفة المخزومى مولاهم، أبو بكر الحناط. انظر تهذيب التهذيب والمعارف ومشارق الأنوار (2: 168). وفي الأصل: " قطرب " تحريف. (4) هو عاصم بن بهدلة الأسدى مولاهم الكوفى المقرئ، كان حجة في القراءة، قرأ على عبد الرحمن السلمى، وزر بن حبيش. ويعرف بابن أبى النجود، بفتح النون. وبهدلة أمه كما في القاموس. توفى سنة 128. انظر تهذيب التهذيب والمعارف 231. (5) زر، بكسر أوله وتشديد الراء، بن حبيش، بالتصغير، بن حباشة، بالضم، الأسدى الكوفى، كان أعرب الناس، وكان عبد الله بن مسعود يسأله عن العربية. مات سنة إحدى أو ثنتين أو ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وعشرين سنة. انظر تهذيب التهذيب والمعارف 188 والإصابة 2965. (*)

[ 217 ]

نصر، عن يحيى بن يعلى، عن الأعمش، عن خيثمة قال: قال عبد الله بن عمر (1): إن معاوية في تابوت في الدرك الأسفل من النار. ولولا كلمة فرعون: (أنا ربكم الأعلى) ما كان أحدا أسفل من معاوية. نصر، عن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن سالم بن أبى الجعد (2) عن أبى حرب بن أبى الأسود (3) عن رجل من أهل الشام عن أبيه قال: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " شر خلق الله خمسة: إبليس، وإبن آدم الذى قتل أخاه، وفرعون ذو الأوتاد، ورجل من بنى إسرائيل ردهم عن دينهم، ورجل من هذه الأمة يبايع على كفره عند باب لد (4) ". قال الرجل: إنى لما رأيت معاوية بايع عند باب لد ذكرت قول رسول الله، فلحقت بعلى فكنت معه. نصر، عن جعفر الأحمر، عن ليث عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يموت معاوية على غير الإسلام ". عن جعفر الأجمر، عن ليث، عن محارب بن زياد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يموت معاوية على غير ملتى ". نصر، عن عبد الغفار بن القاسم، عن عدى بن ثابت عن البراء بن عازب قال: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


(1) في الأصل: " عبد الله بن عمرو "، تحريف. (2) هو سالم بن أبى الجعد رافع الغطفانى الأشجعي مولاهم. مات سنة سبع أو ثمان وتسعين، وقيل مائة. تهذيب التهذيب. (3) هو أبو حرب بن أبى الأسود الديلى البصري، ثقة، قيل اسمه محجن، وقيل عطاء. مات سنة 108. تهذيب التهذيب. (4) لد، بالضم والتشديد: قرية قرب بيت المقدس من نواحى فلسطين. (*)

[ 218 ]

" اللهم العن التابع والمتبوع. اللهم عليك بالأقيعس ". فقال ابن البراء لأبيه: من الأقيعس ؟ قال معاوية. نصر، عن قيس بن الربيع وسليمان بن قرم (1)، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمى، عن الحارث بن سعيد، عن على قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فشكوت إليه ما لقيت من أمته من الأود واللدد، فقال: " انظر ! "، فإذا عمرو بن العاص ومعاوية معلقين منكسين تشدخ رؤوسهما بالصخر. نصر، عمر حدثنى يحيى بن يعلى بن عبد الجبار بن عباس، عن عمار الدهنى (2)، عن أبى المثنى، عن عبد الله بن عمر قال: ما بين تابوت معاوية وتابوت فرعون إلا درجة ؟ وما انخفضت تلك الدرجة إلا أنه قال: " أنا ربكم الأعلى ". نصر، عن أبى عبد الرحمن قال: حدثنى العلاء بن يزيد القرشى، عن جعفر بن محمد قال: دخل زيد بن أرقم على معاوية، فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير، فلما رأى ذلك زيد جاء حتى رمى بنفسه بينهما، فقال له عمرو بن العاص: أما وجدت لك مجلسا إلا أن تقطع بينى وبين أمير المؤمنين ؟ فقال زيد: إن رسول الله غزا غزوة وأنتما معه، فرأكما مجتمعين فنظر إليكما نظرا شديدا، ثم رأكما اليوم الثاني واليوم الثالث، كل ذلك يديم النظر إليكما، فقال في اليوم الثالث: " إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص


(1) هو سليمان بن قرم - بفتح القاف وسكون الراء - بن معاذ أبو داود البصري. النحوي. قال ابن حجر: " سيئ الحفظ، يتشيع من السابعة ". تقريب التهذيب. وفي الأصل: " بن قوم " تحريف. (2) هو عمار بن معاوية الدهنى، بضم الدال المهملة وسكون الهاء بعدها نون، أبو معاوية البجلى الكوفى، صدوق يتشيع من الخامسة. تقريب التهذيب. (*)

[ 219 ]

مجتمعين ففرقوا بينهما، فإنهما لن يجتمعا على خير (1) ". نصر، عن محمد بن فضيل (2)، عن يزيد بن أبى زياد، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص الأزدي قال: أخبرني أبو هلال أنه سمع أبا برزة الأسلمي يقول: إنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعوا غناء فتشرفوا له، فقام رجل فاستمع له، وذاك قبل أن تحرم الخمر، فأتاهم ثم رجع فقال: هذا معاوية وعمرو بن العاص يجيب أحدهما الآخر وهو يقول: يزال حوارى تلوح عظامه * زوى الحرب عنه أن يحس فيقبرا (3) فرفع رسول الله يديه فقال: " اللهم أركسهم في الفتنة ركسا. اللهم دعهم إلى النار دعا (4) ". نصر، عن محمد بن فضيل،، عن أبى حمزة الثمالى (5)، عن سالم بن أبى الجعد، عن عبد الله بن عمر قال: إن تابوت معاوية في النار فوق تابوت فرعون، وذلك بأن فرعون قال: (أنا ربكم الأعلى). نصر: شريك، عن ليث، عن طاوس، عن عبد الله بن عمر قال:


(1) الكلام التالى إلى كلمة: " فاقتلوه " التى ستأتي في ص 221 محذوف من طبعة بيروت. (2) هو محمد بن فضيل بن غزوان الضبى مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفى صدوق رمى بالتشييع. مات سنة خمس وتسعين ومائة. تهذيب التهذيب. (3) في اللسان: " وحكى بعضهم زلت أفعل، أي ما زلت ". والحس: القتل الشديد. وفي الكتاب: (إذ تحسونهم بإذنه). (4) الإركاس والركس: الرد والإرجاع. وفي التنزيل: (والله أركسهم بما كسبوا). والدع: الدفع الشديد. وفي الكتاب: (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا). وقد ورد الحديث في اللسان (ركس) بلفظ: " اللهم أركسهما في الفتنة ركسا ". وجاء في اللسان (دعع): " اللهم دعها إلى النار دعا " صوابه: " دعهما ". (5) هو ثابت بن أبى صفية الثمالى، بضم المثلثة، أبو حمزة. واسم أبيه دينار وقيل سعيد، كوفى ضعيف رافضي من الخامسة، مات في خلافة أبي جعفر. تقريب التهذيب. (*)

[ 220 ]

أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: " يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت حين يموت وهو على غير سنتى ". فشق علي ذلك وتركت أبى يلبس ثيابه ويجئ، فطلع معاوية. نصر، عن بليد بن سليمان (1)، حدثنى الأعمش، عن على بن الأقمر (2) قال: وفدنا على معاوية وقضينا حوائجنا ثم قلنا: لو مررنا برجل قد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاينه. فأتينا عبد الله بن عمر فقلنا: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدثنا ما شهدت ورأيت. قال: إن هذا أرسل إلي - يعنى معاوية - فقال: لئن بلغني أنك تحدث لأضربن عنقك. فجثوت على ركبتي بين يديه ثم قلت: وددت أن أحد سيف في جندك (3) على عنقي. فقال: والله ما كنت لأقاتلك ولا أقتلك. وأيم الله ما يمنعنى أن أحدثكم ما سمعت (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه. رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه يدعوه - وكان يكتب بين يديه - فجاء الرسول فقال: هو يأكل. فقال: لا أشبع الله بطنه فهل ترونه يشبع ؟ قال: وخرج من فج فنظر رسول الله إلى أبى سفيان وهو راكب ومعاوية وأخوه، أحدهما قائد والآخر سائق، فلما نظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم العن القائد والسائق والراكب ". قلنا: أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم، وإلا فصمتا أذناى، كما عميتا عيناى.


(1) هو تليد، بفتح التاء المثناة، بن سليمان المحاربي، أبو سليمان أو أبو إدريس الكوفى الأعرج، رافضي ضعيف. قال صالح جزرة: كانوا يسمونه " بليدا " يعنى بالموحدة. مات سنة تسعين ومائة. تقريب التهذيب. وقد ورد " بليد " هاهنا بالموحدة فأثبته كما هو. (2) هو على بن الأقمر بن عمرو الهمداني الوادعى، كوفى ثقة. تقريب التهذيب. (3) في الأصل: " جسدك ". (4) في الأصل: " ما سمعت من " وكلمة " من " مقحمة. (*)

[ 221 ]

نصر، عن عبد العزيز بن الخطاب، عن صالح بن أبى الأسود، عن إسماعيل، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم معاوية على منبرى يخطب فاقتلوه ". قال نصر: ثم رجع إلى حديث عمرو بن شمر، قال: فلما كان من الغد خرج محمد بن على بن أبى طالب، وخرج إليه عبيد الله بن عمر بن الخطاب في جمعين عظيمين فاقتتلوا كأشد القتال. ثم إن عبيد الله بن عمر أرسل إلى محمد بن الحنفية (1): أن اخرج إلى أبارزك. قال له: نعم. ثم خرج إليه يمشى، فبصر به على فقال: من هذان المتبارزان ؟ فقيل له: ابن الحنفية وابن عمر. فحرك على دابته ثم دعا محمدا فوقف له فقال: أمسك دابتي. فأمسكها له ثم مشى إليه فقال: أنا أبارزك فهلم إلى. قال: ليس لى في مبارزتك حاجة. قال: فرجع ابن عمر وأخذ ابن الحنفية يقول لأبيه: منعتني من مبارزته، فوالله لو تركتني لرجوت أن أقتله. قال: يا بنى، لو بارزته أنا لقتلته، ولو بارزته أنت لرجوت أن تقتله، وما كنت آمن أن يقتلك. ثم قال: يا أبه أتبرز بنفسك إلى هذا الفاسق اللئيم عدو الله ؟ والله لو أبوه يسألك المبارزة لرغبت بك عنه. فقال: يا بنى [ لا تذكر أباه ولا ] تقل فيه إلا خيرا (2). يرحم الله أباه. ثم إن الناس تحاجزوا وتراجعوا. فلما أن كان اليوم الخامس خرج عبد الله بن العباس والوليد بن عقبة فاقتتلوا قتالا شديدا، ودنا ابن عباس


(1) هو محمد بن على بن أبى طالب، وهو أخو الحسن والحسين ابني على، بيد أن والدة. هذين هي فاطمة الزهراء، وأم ذاك هي خولة بنت جعفر الحنفية، فنسب إليها تمييزا له. كان ابن الحنفية أحد أبطال صدر الإسلام، وكان ورعا واسع العلم. توفى سنة 81. وفيات الأعيان (1: 449) وطبقات ابن سعد (5: 66). (2) ح (1: 480): " لأبيه إلا خيرا ". (*)

[ 222 ]

من الوليد بن عقبة، فأخذ الوليد يسب بنى عبد المطلب (1) وأخذ يقول: يا ابن عباس قطعتم أرحامكم، وقتلتم إمامكم، فكيف رأيتم صنع الله بكم، لم تعطوا ما طلبتم، ولم تدركوا ما أملتم، والله - إن شاء الله - مهلككم وناصرنا عليكم (2). فأرسل إليه ابن عباس: أن ابرز إلى. فأبى أن يفعل، وقاتل ابن عباس يومئذ قتالا شديدا. ثم انصرفوا عند الظهر وكل غير غالب. وذلك يوم الأحد (3). نصر، عن عمر بن سعد، قال: أبو يحيى عن الزهري قال: وخرج في ذلك اليوم شمر بن أبرهة بن الصباح الحميرى، فلحق بعلى عليه السلام في ناس من قراء أهل الشام، ففت ذلك في عضد معاوية وعمرو بن العاص، وقال عمرو: يا معاوية، إنك تريد أن تقاتل بأهل الشام رجلا له من محمد صلى الله عليه وسلم قرابة قريبة، ورحم ماسة، وقدم في الإسلام لا يعتد أحد بمثله، ونجدة في الحرب لم تكن لأحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله (4)، وإنه قد سار إليك بأصحاب محمد صلى الله عليه المعدودين، وفرسانهم وقرائهم وأشرافهم وقدمائهم في الإسلام، ولهم في النفوس مهابة. فبادر بأهل الشام مخاشن الوعر، ومضايق الغيض (5)، واحملهم على الجهد، وأتهم من باب الطمع


(1) ح: " فأكثر من سبب بنى عبد المطلب ". (2) ح: " والله إن شاء أمهلكم وناصر عليكم ". وما في الأصل يوافق ما في الطبري (6: 7). (3) بعد هذه الكلمة في الأصل كلام ناقص لم يرد في ح وهو: " وخرج شمر بن أبرهة ابن الصباح الحميرى فلحق بعلى في ناس من قراء أهل الشام، فلما رأى ذلك معاوية وعمرو وما خرج إلى على من قبائل أهل الشام وأشرافهم ". وانظر ما يلى. (4) النجدة: الشجاعة وشدة البأس. (5) الغيض: القليل، ومنه: فلان يعطى غيضا من فيض. ح: (1: 481). " مخاشن الأوعار ومضايق الغياض ". (*)

[ 223 ]

قبل أن ترفههم فيحدث عندهم طول المقام مللا، فيظهر فيهم كآبة الخذلان. ومهما نسيت فلا تنس أنك على باطل. فلما قال عمرو لمعاوية ذلك زوق معاوية خطبة، وأمر بالمنبر فأخرج، ثم أمر أجناد أهل الشام فحضروا خطبته، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أعيرونا أنفسكم وجماجمكم، لا تفشلوا ولا تخاذلوا (1)، فإن اليوم يوم خطار، ويوم حقيقة وحفاظ، فإنكم على حق وبأيديكم حجة (2) وإنما تقاتلون من نكث البيعة، وسفك الدم الحرام، فليس له في السماء عاذر. ثم صعد عمرو بن العاص مرقاتين من المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (3): أيها الناس، قدموا المستلئمة، وأخروا الحاسر، وأعيروا جماجمكم ساعة، فقد بلغ الحق مقطعه، وإنما هو ظالم ومظلوم (4). نصر: عمر بن سعد، عن أبى يحيى، عن محمد بن طلحة، عن أبى سنان الأسلمي قال: لما أخبر على بخطبة معاوية وعمرو، وتحريضهما الناس عليه أمر الناس فجمعوا. قال: وكأني أنظر إلى على متوكئا على قوسه، وقد جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه عنده، فهم يلونه. و [ كأنه ] أحب أن يعلم الناس أن أصحاب رسول الله متوافرون عليه (5)، فحمد الله ثم قال: أيها الناس، اسمعوا مقالتي، وعوا كلامي، فإن الخيلاء من التجبر،


(1) ح: " لا تقتتلوا ولا تتجادلوا ". (2) في الأصل: " ولكم حجة "، وأثبت ما في ح. (3) الكلام من: " ثم صعد " إلى هنا، ليس في ح، فإن ابن أبى الحديد جعل كلام عمرو من بقية خطبة معاوية. والحق أنهما خطبتان كما سيظهر مما يلى. وانظر البيان والتبيين 2: 285. (4) في الأصل: " فإنه هو ظالم أو مظلوم " وأثبت ما في ح. (5) ح: " متوافرون معه ". (*)

[ 224 ]

وإن النخوة من التكبر، وإن الشيطان عدو حاضر، يعدكم الباطل. ألا إن المسلم أخو المسلم، [ ف‍ ] لا تنابذوا ولا تخاذلوا، فإن شرائع الدين واحدة وسبله قاصدة، من أخذ بها لحق، ومن تركها مرق، ومن فارقها محق. ليس المسلم بالخائن إذا اؤتمن ولا بالمخلف إذا وعد، ولا بالكذاب إذا نطق. نحن أهل بيت الرحمة، وقولنا الصدق، ومن فعالنا القصد (1)، ومنا خاتم النبيين، وفينا قادة الإسلام، ومنا قراء الكتاب (2)، ندعوكم إلى الله وإلى رسوله، وإلى جهاد عدوه، والشدة في أمره، وابتغاء رضوانه، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، وتوفير الفئ لأهله (3). ألا وإن من أعجب العجائب أن معاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص السهمى، أصبحا يحرضان الناس على طلب الدين بزعمهما. وقد علمتم أنى لم أخالف رسول ان صلى الله عليه وسلم قط، ولم أعصه في أمر قط. أقيه بنفسى في المواطن التى ينكص فيها الأبطال، وترعد فيها الفرائص. نجدة (4) أكرمنى الله بها، فله الحمد ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وإن رأسه لفى حجري، ولقد وليت غسله بيدى وحدي، تقلبه الملائكة المقربون معى. وايم الله ما اختلفت أمة قط بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على [ أهل ] حقها، إلا ما شاء الله. قال: فقال أبو سنان الأسلمي (5): فسمعت عمار بن ياسر يقول: أما أمير المؤمنين فقد أعلمكم أن الأمة لن تستقيم عليه [ أولا، وأنها لن تستقيم


(1) ح: " وفعلنا الفضل ". (2) ح: " وفينا حملة الكتاب ". (3) ح: " على أهله ". (4) ح: بنجدة ". (5) في الأصل: " الأسدى " وأثبت ما في (1: 481) مطابقا ما مضى في ص 223. (*)

[ 225 ]

عليه آخرا ]. ثم تفرق الناس وقد نفذت بصائرهم في قتال عدوهم، [ فتأهبوا واستعدوا ]. نصر: عمرو بن شمر (1)، عن مالك بن أعين، عن يزيد بن وهب، أن عليا قال في هذه الليلة: " حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا ؟ ". قال: فقام في الناس عشية الثلاثاء ليلة الأربعاء بعد العصر فقال: الحمد لله الذى لا يبرم ما نقض، ولا ينقض ما أبرم. ولو شاء ما اختلف اثنان من هذه الأمة ولا من خلقه، ولا تنازعت الأمة (2) في شئ من أمره، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله. وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار حتى لفت (3) بيننا في هذا المكان، فنحن من ربنا بمرأى ومسمع، فلو شاء لعجل النقمة ولكان منه التغيير (4) حتى يكذب الله الظالم ويعلم الحق (5) أين مصيره، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة عنده دار [ الجزاء ] والقرار، (ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى). ألا إنكم لاقو العدو غدا إن شاء الله. فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، واسألوا الله الصبر والنصر، والقوهم بالجد والحزم، وكونوا صادقين. ثم انصرف ووثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها، فمر عليهم كعب بن جعيل التغلبي وهو يقول: أصبحت الأمة في أمر عجب * والملك مجموع غدا لمن غلب


(1) ح: " عمر بن سعد ". (2) ح " ولا تنازع البشر ". (3) في الأصل: " ألفت " وأثبت ما في ح. الطبري (6: 8): " فلفت ". (4) فيه إشارة إلى قول الله: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وفي ح: " النصر " وأثبت ما في الأصل مطابقا ما في الطبري. (5) ح فقط: " المحق ". (*)

[ 226 ]

فقلت قولا صادقا غير كذب * إن غدا يهلك أعلام العرب غدا نلاقى ربنا فنحتسب * يا رب لا تشمت بنا ولا تصب من خلع الأنداد كلا والصلب * غدا يكونون رمادا قد كثب بعد الجمال والحياء والحسب فلما كان الليل خرج على فعبأ الناس ليلته كلها حتى أصبح، وعقد الأولوية وأمر الأمراء، وكتب الكتائب. وبعث على مناديا فنادى: يا أهل الشام، اغدوا على مصافكم. فضج (2) أهل الشام في عسكرهم، واجتمعوا إلى معاوية، فعبأ خيله وعقد الألوية وأمر الأمراء، وكتب الكتائب، ثم نادى معاوية: أين الجند المقدم ؟ فخرج أهل حمص في رايتهم عليهم ذو الكلاع الحميرى (3). ثم نودى: أين أهل الأردن ؟ فخرجوا في راياتهم عليهم [ أبو الأعور ] سفيان بن عمرو السلمى. ثم نودى: أين أهل قنسرين ؟ فجاءوا في راياتهم عليهم زفر بن الحارث. ثم نودى: أين جند الأمير ؟ فجاء أهل دمشق على راياتهم وهم القلب، وعليهم الضحاك بن قيس الفهرى، فأطافوا بمعاوية. وسار أبو الأعور وسار عمرو بن العاص [ ومن معهما ] حتى وقفوا قريبا من أهل العراق، فنظر إليهم عمرو فاستقلهم وطمع فيهم، وكان أهل الشام أكثر من أهل العراق بالضعف. ثم رجع عمرو بن العاص إلى معاوية فقال: قد عرفت وعلمت ما بيننا من العهد والعقد، فاعصب هذا الامر برأسي، وأرسل إلى أبى الأعور [ فنحه عنى ودعني والقوم. فأرسل معاوية إلى أبى الأعور ]: إن لأبى عبد الله رأيا


(1) في الأصل: " لا تعب " صوابه في ح (1: 482). (2) في الأصل: " فصبح " صوابه في ح (1: 481). (3) في الأصل: " أبو الأعور السلمى "، وهو تحريف فإن أبا الأعور السلمى هو سفيان بن عمرو والسلمى الذى سيأتي ذكره. وأما من كان على أهل حمص فهو ذو الكلاع الحميرى كما سبق في ص 206. (*)

[ 227 ]

وتجربة ليست لى ولا لك، وقد وليته أعنة الخيل، فسر حتى تقف أنت وخيلك على تل كذا، [ ودعه والقوم. فسار أبو الأعور ]، فأقبل عمرو بن العاص ثم نادى ابنه: يا عبد الله بن عمرو. قال: لبيك. وقال: يا محمد بن عمرو. قال: لبيك. قال: قدما لى هذه الدرع وأخرا عنى هذه الحسر، وأقيما الصف قص الشارب، فإن هؤلاء قد جاءوا بخطة بلغت السماء. فمشيا براياتهما وعدلا الصفوف، وسار بينهما عمرو حتى عدل الصفوف، وأحسن الصف ثانية، ثم حمل قيسا وكلبا وكنانة على الخيول، ورجل سائر الناس، وقعد على منبره وأحاط به أهل اليمن وقال: لا يقربن هذا المنبر أحد إلا قتلتموه كائنا من كان. نصر، عن عمر، عن الحارث بن حصيرة وغيره قال: لما قام أهل الشام وأهل العراق وتواقفوا وأخذوا مصافهم للقتال، قال معاوية: من هؤلاء في الميسرة ؟ ميسرة أهل العراق. قالوا: ربيعة. فلم يجد في أهل الشام ربيعة. فجاء بحمير فجعلهم بإزاء ربيعة على قرعة أقرعها من حمير وعك، فقال ذو الكلاع: " باستك من سهم لم تبغ الضراب (1)). كأنه أنف من أن تكون حمير بإزاء ربيعة، فبلغ ذلك الخندف الحنفي (2)، فحلف بالله لئن عاينه ليقتلنه أو ليموتن دونه. فجاءت حمير حتى وقفت بإزاء ربيعة، وجعل السكون والسكاسك بإزاء كندة وعليها الأشعث، وجعل بإزاء همدان من أهل العراق الأزد وبجيلة، وبإزاء مذحج من أهل العراق عكا. فقال راجز من * أهل الشام: ويل لام مذحج من عك * وأمهم قائمة تبكى نصكهم بالسيف أي صك * فلا رجال كرجال عك


(1) ينعى على سهام القرعة التى لم تأت بما أتت به مريدة. (2) ح (1: 482): " جحدرا الحنفي ". (*)

[ 228 ]

وجعل بإزاء التيم (1) من أهل العراق هوازن وغطفان وسليما، وقد قيدت عك أرجلها بالعمائم، ثم طرحوا حجرا بين أيديهم وقالوا: لا نفر حتى يفر هذا الحكر (بالكاف). وعك تقلب الجيم كافا. وصف القلب خمسة صفوف، وفعل أهل العراق أيضا كذلك (2). قال: ثم قال عمرو بن العاص: يأيها الجند الصليب الإيمان * قوموا قياما واستعينوا الرحمن إنى أتانى خبر فأشجان (3) * أن عليا قتل ابن عفان ردوا علينا شيخنا كما كان فرد عليه [ أهل العراق وقالوا (4) ]: أبت سيوف مذحج وهمدان * بأن نرد نعثلا كما كان (5) خلقا جديدا مثل خلق الرحمن * [ ذلك شأن قد مضى وذا شأن ] وصاح رجل من أهل الشام (6): ردوا علينا شيخنا ثم بجل (7) * أولا تكونوا جزرا من الأسل (8) فقال رجل من أهل العراق:


(1) في الأصل: " التميم ". (2) في الأصل: " كك " وهو رمز إلى كلمة " كذلك ". وفي ح: " مثل ذلك ". (3) أي فأشجاني. وفي ح: " ذو ألوان ". (4) التكملة من ح (1: 482). (5) نعثل: رجل من أهل مصر كان طويل اللحية. وكان عثمان إذا نيل منه وعيب، شبه بهذا الرجل المصرى لطول لحيته، ولم يكونوا يجدون فيه عيبا غير هذا. انظر اللسان " نعثل ". (6) ح: " ثم نادى عمرو بن العاص ثانية يرفع صوته ". (7) بجل بمعنى حسب. وقبل البيت كما في اللسان (14: 70): نحن بنى ضبة أرباب الجمل * الموت أحلى عندنا من العسل (8) الجزر: قطع اللحم تأكله السباع. والأسل: الرماح. ح: " حرزا " تحريف. (*)

[ 229 ]

كيف نرد نعثلا وقد قحل (1) * نحن ضربنا رأسه حتى انجفل (2) لما حكى حكم الطواغيت الأول * وجار في الحكم وجار في العمل (3) وأبدل الله به خير البدل * أقدم للحرب وأنكى للبطل (4) وقال إبراهيم بن أوس بن عبيدة السلمى، من أهل الشام: لله در كتائب جاءتكم * تبكى فوارسها على عثمان سبعون ألفا ليس فيهم قاسط * يتلون كل مفصل ومثان يسلون حق الله لا يعدونه * ومجيئكم للملك والسلطان (5) فأتوا ببينة على ما جئتم * أولا فحسبكم من العدوان وأتوا بما يمحو قصاص خليفة * لله، ليس بكاذب خوان قال: وبات على ليلته كلها يعبى الناس، حتى إذا أصبح زحف بالناس وخرج إليه معاوية في أهل الشام، فأخذ على يقول: من هذه القبيلة ؟ ومن هذه القبيلة ؟ يعنى قبائل أهل الشام - فيسمون له. حتى إذا عرفهم وعرف مراكزهم قال للأزد: اكفوني الأزد. وقال لخثعم: اكفوني خثعما. وأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام، إلا قبيلة ليس منهم بالشام أحد (6)، مثل بجيلة لم يكن بالشام منهم إلا عدد يسير، فصرفهم إلى لخم (7).


(1) قحل: أي مات وجف جلده (2) انجفل: انقلب وسقط. (3) هذا البيت وسابقة لم يرويا في ح. وفي الأصل: " لما حكم " (4) أنكى: تفضيل من النكاية، وهى الهزيمة والغلبة. وفي الأصل: " وألظى " ولا وجه له إلا أن جعل مقلوبا من ألظ، ومورد هذا السماع. (5) يسلون: يسألون، بإسقاط الهمزة وإلقاء حركتها على السين. (6) ح (1: 283): " إلا قبيلة ليس منهم بالعراق إلا القليل " صوابه " بالشام ". (7) ح: مثل بجيلة فإن لخما كانت بإزائها ". وفي الطبري (6: 8): " إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى تكون بالشام ليس منهم بالعراق واحد، مثل بجيلة لم يكن منهم بالشام إلا عدد قليل، فصرفهم إلى لخم ". وفي الأصل: " ففرقهم إلى لخم "، صوابه من الطبري. (*)

[ 230 ]

ثم تناهض القوم يوم الأربعاء فاقتتلوا اقتتالا شديدا نهارهم كله، وانصرفوا عند المساء وكل غير غالب. وكان على يركب بغلا له يستلذه (1)، فلما حضرت الحرب قال: ائتونى بفرس. [ فأتوه بفرس ] له ذنوب أدهم (2) يقاد بشطنين (3) يبحث الأرض بيديه جميعا (4)، له حمحمة وصهيل، فركبه وقال: (سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين)، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. نصر: عمرو بن شمر، عن جابر، عن تميم، قال: كان على إذا سار إلى القتال ذكر اسم الله حين يركب، ثم يقول: الحمد لله على نعمه علينا وفضله العظيم، (سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون). ثم يستقبل القبلة ويرفع يديه إلى الله ثم يقول: اللهم إليك نقلت الأقدام، وأتعبت الأبدان، وأفضت القلوب، ورفعت الأيدى، وشخصت الأبصار. (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين). سيروا على بركة الله. ثم يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر. يا الله يا أحد يا صمد، يا رب محمد. بسم الله الرحمن الرحيم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ([ الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين ]. إياك نعبد وإياك نستعين). اللهم كف عنا بأس الظالمين. فكان هذا شعاره بصفين.


(1) ح (1: 479): " بغلة له يستلذها ". (2) الذنوب: الوافر الذنوب الطويلة. (3) الشطن: الحبل. وفى اللسان: " وفي حديث البراء: وعنده فرس مربوطة بشطنين. الشطن: الحبل، وقبل هو الطويل منه. وإنما شده بشطنين لقوته وشدته ". ح: " نفار شطين " محرف. (4) في الأصل: " يبحث بيديه الأرض جميعا " والوجه ما أثبت من ح. (*)

[ 231 ]

نصر: الأبيض بن الأغر (1) عن سعد بن طريف (2)، عن الأصبغ قال: ما كان علي في قتال قط إلا نادى: كهيعص. نصر: قيس بن الربيع، عن عبد الواحد بن حسان العجلى، عمن حدثه عن على أنه سمع يقول يوم صفين: اللهم إليك رفعت الأبصار، وبسطت الأيدى [ ونقلت الأقدام ]، ودعت الألسن، وأفضت القلوب، وتحوكم إليك في الأعمال، فاحكم بيننا وبينهم بالحق وأنت خير الفاتحين (3). اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا، وقلة عددنا، وكثرة عدونا وتشتت أهوائنا، وشدة الزمان، وظهور الفتن. أعنا عليهم بفتح تعجله، ونصر تعز به سلطان الحق وتظهره. نصر: عمرو بن شمر، عن عمران، عن سلام بن سويد قال: كان علي إذا أراد أن يسير إلى الحرب قعد على دابته وقال: " الحمد لله رب العالمين على نعمه علينا وفضله العظيم. (سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون). ثم يوجه دابته إلى القبيلة، ثم يرفع يديه إلى السماء ثم يقول: (اللهم إليك نقلت الأقدام، وأفضت القلوب ورفعت الأيدى، وشخصت الأبصار. نشكو إليك غيبة نبينا، وكثرة عدونا، وتشتت أهوائنا. (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين). سيروا على بركة الله ". ثم [ يحمل ف‍ ] يورد والله من اتبعه [ ومن حاده (4) ] حياض الموت.


(1) هو الأبيض بن الأغر بن الصباح الكوفى، ذكره ابن حبان في الثقات. روى عن صالح بن حيان، ومجالد، وعبيدة الضبى، وروى عنه مروان بن معاوية، ويحيي بن حسان التميمي. لسان الميزان. (2) سعد بن طريف الإسكاف الحنظلي الكوفى، كان رافضيا، وترجم له في تهذيب التهذيب. وفي الأصل. " بن سعد بن ظريف " كأنه تتمة للرجل قبله. والصواب ما أثبت. (3) الفاتح: القاضى الحاكم. وفي اللسان. " ويقال للقاضى الفتاح لأنه يفتح مواضع الحق. وقوله تعالى: ربنا افتح بيننا: أي اقض بيننا ". (4) المحادة: المعاداة والمخالفة. (*)

[ 232 ]

نصر، عن عمر بن سعد، عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه قال: لما كان غداة الخميس [ لسبع خلوان من صفر من سنة سبع وثلاثين ] صلى علي فغلس بالغداة، ما رأيت عليا غلس بالغداة أشد من تغليسه يومئذ، ثم خرج بالناس إلى أهل الشام فزحف إليهم، وكان هو يبدؤهم فيسير إليهم، فإذا رأوه وقد زحف استقبلوه بزحوفهم. قال: نصر فحدثني [ عمر بن سعد، عن ] مالك بن أعين، عن زيد بن وهب أن عليا خرج إليهم فاستقبلوه فقال: " اللهم رب [ هذا ] السقف المحفوظ [ المكفوف ]، الذى جعلته مغيضا لليل والنهار (1)، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر، ومنازل الكواكب والنجوم، وجعلت سكانه سبطا (2) من الملائكة لا يسأمون العبادة، ورب هذه الأرض التى جعلتها قرارا للأنام والهوام والأنعام وما لا يحصى مما يرى ومما لا يرى من خلقك العظيم، ورب الفلك التى تجرى في البحر بما ينفع الناس، ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض، ورب البحر المسجور [ المحيط ] بالعالمين، ورب الجبال الرواسى التى جعلتها للأرض أوتادا وللخلق متاعا، إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغى، وسددنا للحق، وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة، واعصم بقية أصحابي من الفتنة ". قال: فلما رأوه وقد أقبل خرجوا إليه بزحوفهم (3)، وكان على ميمنته يومئذ عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعى، وعلى ميسرته عبد الله بن العباس وقراء العراق مع ثلاثة نفر: مع عمار بن ياسر، ومع قيس بن سعد، ومع عبد الله


(1) أي يغبض فيه الليل والنهار. في الأصل: " مغيضا الليل "، صوابه من الطبري (6: 8). وفى ح: " محيطا بالليل والنهار ". (2) السبط: الأمة. وهذه الكلمة ساقطة من ح (3) ح: " تقدموا إليه بزحوفهم ". (*)

[ 233 ]

بن بديل. والناس على راياتهم ومراكزهم، وعلى في القلب في أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، وعظم من معه من [ أهل (1) ] المدينة الأنصار، ومعه من خزاعة عدد حسن، ومن كنانة وغيرهم من أهل المدينة. وكان على رجلا دحداحا (2)، أدعج العينين، كأن وجهه القمر ليلة البدر حسنا، ضخم البطن، عريض المسربة (3)، شثن الكفين، ضخم الكسور (4)، كأن عنقه إبريق فضة، أصلع ليس في رأسه شعر إلا خفاف من خلفه (5)، لمنكبيه مشاش كمشاش السبع الضارى (6)، إذا مشى تكفأ به ومار به جسده (7)، له سنام كسنام الثور (8)، لا تبين عضده من ساعده (9)، قد أدمجت إدماجا، لم يمسك بذراع رجل قط إلا أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس. وهو إلى السمرة، أذلف الأنف (10)، إذا مشى إلى الحرب هرول، وقد أيده الله بالعز والنصر. ثم زحف على بالناس إليهم، ورفع معاوية قبة له عظيمة قد ألقى عليها


(1) هذه التكملة من الطبري. (2) الدحداح: القصير السمين. وفي ح: " ربعة ". (3) المسربة: الشعر وسط الصدر إلى البطن. (4) شثن: غليظ. والكسور: الأعضاء. (5) الخفاف، بالضم: الخفيف، وبالكسر: جمع خفيف. (6) المشاش، بالضم: رءوس العظام، مثل المنكبين والمرفقين والركبتين. (7) تكفأ جسده: تمايل. والمور: التحرك والمجئ والذهاب، كما تتكفأ النخلة العيدانة. (8) في الأصل: " البعير " والوجه ما أثبت من ح (1: 48). وسنام كل شئ: أعلاه. (9) العضد: ما بين المرفق إلى الكتف، يذكر ويؤنث. والساعد: الذراع. (10) الذلف: قصر الأنف وصغره. (*)

[ 234 ]

الكرابيس (1) وجلس تحتها، وزحف عبد الله بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة [ وهو على ميسرة أهل الشام ]، فلم يزل يحوزه (2)، ويكشف خيله من الميسرة حتى اضطرهم إلى قبة معاوية عند الظهر. نصر، عن عمر، عن مالك بن أعين، عن زيد بن وهب، أن عبد الله بن بديل قام في أصحابه فقال: إن معاوية ادعى ما ليس له، ونازع الأمر أهله ومن ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحق، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، وزين لهم الضلالة (3)، وزرع في قلوبهم حب الفتنة، ولبس عليهم الأمر، وزادهم رجسا إلى رجسهم، وأنتم والله على نور من ربكم وبرهان مبين. قاتلوا الطغام الجفاة ولا تخشوهم. وكيف تخشونهم وفي أيديكم كتاب من ربكم ظاهر مبروز (4) ؟ ! (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين). وقد قاتلتهم مع النبي صلى الله عليه (5) والله ما هم في هذه بأزكى ولا أتقى ولا أبر. قوموا إلى عدو الله وعدوكم (6).


(1) الكرابيس: ضرب من الثياب، فارسي معرب. (2) حازهم يحوزهم: نحاهم فانحازوا، أي تركوا مركزهم ومعركه قتالهم، والحوزاء: الحرب تحوز القوم. في الأصل: " يجوره ". وفي ح (1: 483): " يجوزه "، صوابه بالحاء والزاى. وقد جاءت على هذا الصواب الذى أثبت، في الطبري (6: 9). (3) في الأصل: " الضلال " وأثبت ما في ح والطبري. (4) المبروز: الظاهر المنشور. انظر اللسان " برز ". وفي الأصل: " مبرور ". وفي الطبري: " طاهرا مبرورا " ح: " ظاهر مبين ". وبعد هذه الكلمة في الأصل وح لفظة: " قوله " وليست في الطبري. (5) الطبري: " وقد قاتلناهم مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة، وهذه ثانية ". (6) الطبري: " قوموا إلى عدوكم بارك الله عليكم ". (*)

[ 235 ]

نصر، قال: قال عمر بن سعد، عن عبد الرحيم بن عبد الرحمن (1)، عن أبيه (2) أن عليا أمير المؤمنين حرض الناس فقال: إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من العذاب، وتشفى بكم على الخير (3) إيمان بالله ورسوله، وجهاد في سبيله، وجعل ثوابه مغفرة الذنوب، ومساكن طيبة في جنات عدن، ورضوان من الله أكبر (4)، فأخبركم بالذى يحب فقال: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص). فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وعضوا على الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام (5)، وأربط للجأش، وأسكن للقلوب. وأميتوا الأصوات، فإنه أطرد للفشل، وأولى بالوقار. والتووا في أطراف الرماح، فإنه أمور للأسنة (6). وراياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها، ولا تجعلوها إلا في أيدى شجعانكم المانعى الذمار، والصبر عند نزول الحقائق، أهل الحفاظ، الذين يحفون براياتكم ويكتنفونها، يضربون خلفها وأمامها، ولا تضيعوها (7) أجزأ كل امرئ منكم - رحمه الله - [ وقذ (8) ] قرنه، وواسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه، فيكتسب بذلك لأئمة، ويأتى به دناءة. وأنى هذا، وكيف يكون هكذا ؟ ! هذا يقاتل اثنين


(1) هو عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن محمد المحاربي أبو زياد الكوفى توفى سنة 111. انظر تهذيب التهذيب. (2) أبوه هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي أبو محمد الكوفى، توفى سنه 95. وفي ح: " عن أبى عمرو عن أبيه ". (3) أشفى على الشئ: أشرف. وفي الحديث: " فأشفوا على المرج ". (4) كذا في الأصل وح. ورفعه على الاستئناف. وهذه الجملة لم ترد في الطبري. (5) أنبى: أبعد. والهام: الرؤوس. (6) أمور: تفضيل من المور، وهو الاضطراب والمجئ والذهاب. في الطبري: " أصون للأسنة ". (7) ح: " ولا يضيعوها " تحريف. وفي الطبري: " ولا يضعونها ". (8) هذه التكملة من الطبري. وقذه: ضربه شديدا. (*)

[ 236 ]

وهذا ممسك يده، قد خلى قرنه على أخيه هاربا منه، وقائما ينظر إليه. من يفعل هذا يمقته الله. فلا تعرضوا لمقت الله، فإنما مردكم إلى الله. قال الله لقوم: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا). وايم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة. استعينوا بالصدق والصبر، فإنه بعد الصبر ينزل النصر. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن الشعبى، عن مالك بن قدامة الأرحبى (1) قال: قام سعيد بن قيس يخطب أصحابه بقناصرين (2) فقال: " الحمد لله الذى هدانا لدينه، وأورثنا كتابه، وامتن علينا بنبيه صلى الله عليه فجعله رحمة للعالمين، وسيدا للمسلمين، وقائدا للمؤمنين، وخاتم النبيين، وحجة الله العظيم على الماضين والغابرين. وصلوات الله عليه ورحمة الله وبركاته. ثم كان مما قضى الله وقدره - والحمد لله على ما أحببنا وكرهنا - أن ضمنا وعدونا بقناصرين، فلا يحمد بنا اليوم الحياص (3). وليس هذا بأوان انصراف، ولات حين مناص. وقد اختصنا الله منه بنعمة فلا نستطيع أداء شكرها، ولا نقدر قدرها: أن أصحاب محمد المصطفين الأخيار معنا، وفي حيزنا. فوالله الذى هو بالعباد بصير أن لو كان قائدنا حبشيا مجدعا (5) إلا أن معنا من البدريين (4) سبعين رجلا، لكان ينبغى لنا أن تحسن بصائرنا


(1) ح: " الأزدي ". (2) في القاموس: " قناصرين بالضم: موضع بالشام ". (3) الحياص: العدول والهرب. ح (1: 483): " فلا يجمل بنا ". (4) ح: " رجلا مخدوعا " محرف. وهو إشارة إلى حديث أبى ذر، قال: " إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف ". انظر صحيح مسلم (2: 85). (5) البدريون: الذى حضروا وقعة بدر. وفي الأصل: " البدوبين "، صوابه في ح. (*)

[ 237 ]

وتطيب أنفسنا. فكيف وإنما رئيسنا ابن عم نبينا، بدرى صدق، صلى صغيرا، وجاهد مع نبيكم كبيرا. ومعاوية طليق من وثاق الإسار، وابن طليق. ألا إنه أغوى جفاة فأوردهم النار، وأورثهم العار، والله محل بهم الذل والصغار. ألا إنكم ستلقون عدوكم غدا، فعليكم بتقوى الله والجد والحزم، والصدق والصبر، فإن الله مع الصابرين. ألا إنكم تفوزون بقتلهم ويشقون بقتلكم. والله لا يقتل رجل منكم رجلا منهم إلا أدخل الله القاتل جنات عدن، وأدخل المقتول نارا تلظى، (لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون). عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه، وجعلنا وإياكم ممن أطاعه واتقاه، وأستغفر الله لنا ولكم وللمؤمنين. ثم قال الشعبى: لعمري لقد صدق بفعله، وبما قاله في خطبته (1). نصر: عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبى جعفر وزيد بن حسن قالا: طلب معاوية إلى عمرو بن العاص أن يسوى صفوف أهل الشام، فقال له عمرو: على أن لى حكمي إن قتل الله ابن أبى طالب، واستوسقت لك البلاد (2). قال: أليس حكمك في مصر ؟ قال: وهل مصر تكون عوضا عن الجنة، وقتل ابن أبى طالب ثمنا لعذاب النار الذى لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون ؟ فقال معاوية: إن لك حكمك أبا عبد الله إن قتل ابن أبى طالب. رويدا لا يسمع الناس كلامك. فقال لهم عمرو: " يا معشر أهل الشام، سووا صفوفكم، وأعيروا ربكم جماجمكم، واستعينوا بالله إلهكم، وجاهدوا عدو الله وعدوكم، واقتلوهم قتلهم الله وأبادهم، (واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) ".


(1) ح: " صدق فعله ما قال في خطبته ". (2) استوسقت البلاد: اجتمعت على الطاعة واستقر فيها الملك. ح: " استوثقت " تحريف. (*)

[ 238 ]

نصر. عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن الفضل بن أدهم قال: حدثنى أبى أن الأشتر قام يخطب الناس بقناصرين، وهو يومئذ على فرس أدهم مثل [ حلك (1) ] الغراب، فقال: الحمد لله الذى خلق السموات العلى، (الرحمن على العرش استوى. له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى). أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، حمدا كثيرا بكرة وأصيلا. من يهده الله فقد اهتدى، ومن يظلل الله فقد غوى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالصواب والهدى، وأظهره على الدين كله ولو كره المشركون. صلى الله عليه وسلم. ثم كان مما قضى الله وقدر أن ساقتنا المقادير إلى هذه البلدة من الأرض (2)، ولف بيننا وبين عدونا، فنحن بحمد الله ونعمته ومنه وفضله قريرة أعيننا، طيبة أنفسنا، ونرجو في قتالهم حسن الثواب، والأمن من العقاب، معنا ابن عم نبينا، وسيف من سيوف الله، على بن أبى طالب، صلى مع رسول الله صلى الله عليه، لم يسبقه بالصلاة ذكر حتى كان شيخا، لم يكن له صبوة ولا نبوة ولا هفوة. فقيه في دين الله، عالم بحدود الله، ذو رأى أصيل، وصبر جميل، وعفاف قديم. فاتقوا الله، وعليكم بالحزم والجد، واعلموا أنكم على الحق، وأن القوم على الباطل يقاتلون مع معاوية، وأنتم مع البدريين قريب من مائة بدرى، ومن سوى ذلك (3) من أصحاب محمد صلى الله عليه، أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله صلى الله عليه، ومع معاوية رايات قد كانت مع المشركين


(1) وردت الكلمة محرفة في ح (1: 484) بلفظ: " حثل " والصواب ما أثبت. وحلك الغراب: شدة سواده، انظر ما مضى في ص 174. (2) في هامش الأصل: " خ: البقعة "، أي في نسخة. (3) أي ومع من سوى ذلك. وفى ح: " سوى من حولكم ". (*)

[ 239 ]

على رسول الله صلى الله عليه. فما يشك في قتال هؤلاء إلا ميت القلب. فإنما أنتم على إحدى الحسنيين: إما الفتح، وإما الشهادة. عصمنا الله وإياكم بما عصم به من أطاعة واتقاه، وألهمنا وإياكم طاعته وتقواه. وأستغفر الله لى ولكم (1). نصر: عمرو بن شمر، عن جابر عن الشعبى، عن صعصعة بن صوحان العبدى قال: سمعت زامل بن عمرو الجذامي يقول: طلب معاوية إلى ذى الكلاع أن يخطب الناس ويحرضهم على قتال على ومن معه من أهل العراق، فعقد فرسه - وكان من أعظم أصحاب معاوية خطرا - ثم قال: الحمد لله حمدا كثيرا، ناميا جزيلا، واضحا منيرا، بكرة وأصيلا. أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وكفى بالله وكيلا. ثم إنى أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالفرقان حين ظهرت المعاصي ودرست الطاعة، وامتلأت الأرض جورا وضلالة، واضطرمت الدنيا كلها نيرانا وفتنة، وورك (2) عدو الله إبليس على أن يكون قد عبد في أكنافها، واستولى بجميع أهلها، فكان الذى أطفأ الله به نيرانها، ونزع به أوتادها وأوهى به قوى إبليس، وآيسه مما كان قد طمع فيه من ظفره بهم - رسول الله محمد بن عبد الله، صلى الله عليه، فأظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ثم كان مما قضى الله أن ضم بيننا وبين أهل ديننا بصفين، وإنا لنعلم أن فيهم قوما كانت لهم مع رسول الله صلى الله عليه سابقة ذات شأن وخطر، ولكني ضربت الأمر ظهرا وبطنا فلم أر يسعنى أن يهذر


(1) في الأصل: " واستعفروا " والوجه ما أثبت من ح. (2) ورك بالمكان وروكا: أقام. (*)

[ 240 ]

دم عثمان صهر رسول الله صلى الله عليه نبينا، الذى جهز جيش العسرة (1)، وألحق في مسجد رسول الله بيتا وبنى سقاية، وبايع له نبى الله صلى الله عليه بيده اليمنى [ على اليسرى ]، واختصه رسول الله بكريمتيه: أم كلثوم ورقية، ابنتى رسول الله صلى الله عليه وآله. فإن كان أذنب ذنبا فقد أذنب من هو خير منه. وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر). وقتل موسى نفسا ثم استغفر الله فغفر له، ولم يعر أحد من الذنوب ! وأنا لنعلم أنه قد كانت لابن أبى طالب سابقة حسنة مع رسول الله، فإن لم يكن مالا على قتل عثمان فقد خذله، وإنه لأخوه في دينه وابن عمه (2)، وسلفه (3)، وابن عمته (4). ثم قد أقبلوا من عراقهم حتى نزلوا في شامكم وبلادكم، وإنما عامتهم بين قاتل وخاذل. فاستعينوا بالله واصبروا، فلقد ابتليتم أيتها الأمة والله. ولقد رأيت في منامي في ليلتى هذه، لكأنا وأهل العراق اعتورنا مصحفا نضربه بسيوفنا، ونحن في ذلك جميعا ننادى: " ويحكم الله ". ومع أنا والله ما نحن لنفارق العرصة (5) حتى نموت. فعليكم بتقوى الله، ولتكن النيات لله (6)، فإنى سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت: رسول الله صلى الله عليه يقول: " إنما يبعث المقتتلون على


(1) وذلك في غزوة تبوك، إذ حدثت عسرة في الظهر، وعسرة في الزاد، وعسرة في الماء، فكان العشرة يعتقبون على بعير، وكانت الجماعة تتعاور التمرة الواحدة، وكان الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه. وقد أنفق عثمان في جيش العسرة ألف دينار. انظر تفسير الآية 117 من سورة التوبة وكتب السير. (2) يعنى بذلك العمومة البعدى لا الدنيا، فإن عبد شمس جد عثمان الأعلى، وهاشما جد على الأعلى - هما ولدا عبد مناف بن قصى بن كلاب. (3) السلفان: الرجلان يتزوجان بأختين، كل منهما سلف صاحبه. (4) أم عثمان هي أروى بنت كريز، وأم أمه هي البيضاء بنت عبد المطلب. (5) أي عرصة الحرب، وهى ساحتها. ح (1: 485): " ومع أنا والله لا نفارق العرصة ". (6) ح (1: 485): " وليكن الثبات لله ". تحريف. (*)

[ 241 ]

النيات (1))، أفرغ الله علينا وعليكم الصبر، وأعزلنا ولكم النصر، وكان لنا ولكم في كل أمر. وأستغفر الله لى ولكم. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن عامر (2)، عن صعصعة العبدى (3) [ عن أبرهة بن الصباح ] قال: قام يزيد بن أسد البجلى [ في أهل الشام ] يخطب الناس بصفين، وعليه يومئذ قباء خز، وعمامة سوداء، آخذا بقائم سيفه، واضعا نعل السيف (4) على الأرض متوكئا عليه. قال صعصعة: فذكر لى أبرهة (5) أنه [ كان ] يومئذ من أجمل العرب وأكرمه وأبلغه (6) فقال: " الحمد لله الواحد القهار، ذى الطول والجلال، العزيز الجبار، الحليم الغفار، الكبير المتعال، ذى العطاء والفعال، والسخاء والنوال، والبهاء والجمال، والمن والإفضال. مالك اليوم الذى لا ينفع فيه بيع ولا خلال (7). أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، وفي كل حالة من شدة أو رخاء. أحمده على نعمه التؤام (8)، وآلائه العظام، حمدا قد استنار، بالليل والنهار. ثم


(1) ح: " على الثبات " تحريف. وانظر لسان الميزان (4: 367). والحديث رواه السيوطي في الجامع الصغير (1: 351) من رواية ابن عساكر عن عمر. وروى السيوطي أيضا نظيرا لهذا الحديث وهو: " إنما يبعث الناس على نياتهم ". رواه ابن ماجه عن أبى هريرة. (2) هو عامر بن شراحيل الشعبى، المترجم في ص 23. (3) هو صعصعة بن صوحان العبدى، تابعي كبير مخضرم فصيح ثقة. مات في خلافه معاوية. وصوحان، بضم الصاد. تهذيب التهذيب. وفي الأصل: " بن عامر بن صعصعة العبدى "، والصواب: " عن عامر عن صعصعة " كما أثبت. (4) نعل السيف: حديدة في أسفل غمده. ح: " نصل السيف " تحريف. (5) هو أبرهة بن الصباح الحبشى، أو الحميرى. ذكره ابن حجر في الإصابة 15. وفي الأصل: " ابن أبرهة " صوابه في ح. (6) أي من أجمل من وجد من العرب، فلذا وحد الضمير ذهابا إلى المعنى. انظر اللسان (18: 221 س 21 - 25). وفي ح: " وأكرمها وأبلغها ". (7) في الأصل: " يملك يوم لا ينفع فيه بيع ولا خلال "، صوابه من ح. (8) التؤام، كغراب: جمع توأم. ح: " التوام ": جمع تامة. (*)

[ 242 ]

إنى أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة النجاة في الحياة، وعند الوفاة، وفيها الخلاص، يوم القصاص. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصطفى، وإمام الهدى، صلى الله عليه وسلم كثيرا. ثم قد كان مما قضى الله (1) أن جمعنا وأهل ديننا في هذه الرقعة من الأرض، والله يعلم أنى كنت لذلك كارها، ولكنهم لم يبلعونا ريقنا، ولم يتركونا نرتاد لأنفسنا، وننظر لمعادنا حتى نزلوا بين أظهرنا، وفي حريمنا وبيضتنا. وقد علمنا أن في القوم أحلاما وطغاما، فلسنا نأمن طغامهم على ذرارينا ونسائنا. وقد كنا نحب ألا نقاتل أهل ديننا، فأخرجونا حتى صارت الأمور إلى أن قاتلتاهم كراهية (2) فإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين. أما والله الذى بعث محمدا بالرسالة لوددت أنى مت منذ سنة، ولكن الله إذا أراد أمرا لم يستطع العباد رده. فنستعين بالله العظيم، وأستغفر الله لى ولكم ". ثم انكفأ. قال نصر: وفى حديث عمر، عن مالك بن أعين، عن زيد بن وهب، أن عمرو بن العاص قال يومئذ: لا تأمننا بعدها أبا حسن (3) * إنا نمر الحرب إمرار الرسن (4) لتصبحن مثلها أم لبن (5) * طاحنة تدقكم دق الحفن (6) فأجابه شاعر من شعراء أهل العراق:


(1) ح: " من قضاء الله ". (2) في الأصل وح (1: 485): " غدا حمية " والوجه ما أثبت. (3) في الأصل: " بعده أبا الحسن " وأثبت ما في ح. وكتب ناسخ الأصل: " ويروى: خذها إليك فاعلمن أبا حسن ". (4) الرسن: الحبل. وإمراره: إحكام قتله. ح: " تمر الأمر ". (5) اللبن: جمع لبون، وهى ذات اللبن من الإبل. عنى كثرة ما بهذه الحرب من الإبل وركبانها. (6) الحفن: جمع حفنة، بالفتح، وهى ملء الكفين من طعام، ولا يكون إلا من شئ يابس كالدقيق ونحوه. (*)

[ 243 ]

ألا احذروا في حربكم أبا الحسن * ليثا أبا شبلين محذورا فطن يدقكم دق المهاريس الطحن (1) * لتغبنن يا جاهلا أي غبن (2) حتى تعض الكف أو تقرع سن * ندامة أن فاتكم عدل السنن (3) نصر: عمرو بن شمر، عن جابر، عن الشعبى، أن أول فارسين التقيا في هذا اليوم - وهو اليوم السابع من صفر، وكان من الأيام العظيمة في صفين، ذا أهوال شديدة - حجر الخير وحجر الشر. أما حجر الخير فهو حجر بن عدى صاحب أمير المؤمنين على بن أبى طالب. وحجر الشر ابن عمه. وذلك أن حجر الشر دعا حجر بن عدى (4) إلى المبارزة، وكلاهما من كندة، فأجابه فاطعنا برمحيهما، ثم حجز بينهما امرؤ من بنى أسد، وكان مع معاوية (5)، فضرب حجرا ضربة برمحه (6)، وحمل أصحاب على فقتلوا الأسدى، وأفلتهم حجر بن يزيد (7) [ حجر (8) ] الشر هاربا، وكان اسم الأسدى خزيمة بن ثابت. نصر: عمرو بن شمر، عن عطاء بن السائب قال: أخبرني مروان بن الحكم أن حجرا يوم قتل الحكم بن أزهر جعل يرتجز ويقول:


(1) المهاريس: جمع مهراس، وهو حجر مستطيل منقور يهرس به الحب. (2) في الأصل: " لتغبنن راكبا " صوابه في ح (1: 485). (3) عدل السنن، أي الطريق العادل المستقيم. وهذا البيت لم يرو في ح. وفي الأصل: " إن فاته ". (4) هو حجر بن عدى بن معاوية بن جبلة بن عدى بن ربيعة بن معاوية الأكرمين الكندى، وفد على النبي فأسلم. وقتل سنة 51 أو 53. انظر الإصابة 1624. (5) ح (1: 486): " من عسكر معاوية ". (6) في الأصل: " رمخه " صوابه في ح. (7) هو حجر بن يزيد بن سلمة بن مرة بن حجر بن عدى بن ربيعة بن معاوية الأكرمين الكندى. وفد على النبي فأسلم، وكان شريفا، وكان مع على يوم الجمل، واتصل بعد بمعاوية فاستعمله على أرمينية. انظر الإصابة 1626. وقد ورد ذكره في حواشى الاشتقاق ص 219 أنه حجر بنى زيد، صوابه (بن يزيد). (8) تكملة يقتضيها السياق. (*)

[ 244 ]

أنا الغلام اليمنى الكندى * قد لبس الديباج والإفرندى (1) أنا الشريف الأريحي المهدى * يا حكم بن أزهر بن فهد لقد أصبت غارتي وحدي * وكرتى وشدتي وجدى أثبت أقاتلك الغداة وحدي فلما أن أصاب الحكم بن أزهر حمل عليه رفاعة بن ظالم الحميرى وهو يقول: أنا ابن عم الحكم بن أزهر * الماجد القمقام حين يذكر في الذروتين من ملوك حمير * يا حجر الشر تعالى فانظر أنا الغلام الملك المحبر * الواضح الوجه كريم العنصر أقدم إذا شئت ولا تأخر * والله لا ترجع ولا تعثر في قاع صفين بواد معفر ثم إن رفاعة حمل على حجر الشر فقتله فقال على: الحمد لله الذى قتل حجرا بالحكم بن أزهر. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن تميم، أن عليا قال: من يذهب بهذا المصحف إلى هؤلاء القوم فيدعوهم إلى ما فيه ؟ فأقبل فتى اسمه سعيد فقال: أنا صاحبه. ثم أعادها فسكت الناس وأقبل الفتى (2) فقال: أنا صاحبه. فقال على دونك. فقبضه [ بيده ] ثم أتى معاوية فقرأه عليهم ودعاهم إلى


(1) في اللسان والقاموس أن " الفرند " ضرب من الثياب، دخيل معرب. وفي المعرب 135، 243 أن الفرند الحرير، وأنشد للفرزدق: ليسن الفرند الخسروانى فوقه * مشاعر من خز العراق المفوف ولذي الرمة: كأن الفرند الخسروانى لثنه * بأعطاف أنقاء العقوق العواتك وأما الإفرندى، فلم أجده إلا المنسوب إلى الإفرند، لغة في فرند السيف. (2) ح: " وتقدم الفتى ". (*)

[ 245 ]

ما فيه فقتلوه. وزعم تميم (1) أنه سعيد بن قيس. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر (2) قال: سمعت الشعبى يقول: كان عبد الله بن بديل الخزاعى مع على يومئذ، وعليه سيفان ودرعان، فجعل يضرب الناس بسيفه قدما وهو يقول: لم يبق إلا الصبر والتوكل * وأخذك الترس وسيفا مقصل (3) ثم التمشى في الرعيل الأول (4) * مشى الجمال في حياض المنهل (5) والله يقضى ما يشا ويفعل فلم يزل يحمل حتى انتهى إلى معاوية [ والذين بايعوه على الموت، فأمرهم أن يصمدوا لعبد الله بن بديل، وبعث إلى حبيب بن مسلمة الفهرى وهو في الميسرة أن يحمل عليه بجميع من معه، واختلط الناس واضطرم الفيلقان: ميمنة أهل العراق، وميسرة أهل الشام. وأقبل عبد الله بن بديل يضرب الناس بسيفه قدما ] حتى أزال معاوية عن موقفه (6)، وجعل ينادى: يا لثارات عثمان ! - يعنى أخا كان له قد قتل - وظن معاوية وأصحابه أنه إنما يعنى


(1) هو تميم بن حذلم - بكسر المهملة وسكون المعجمة وفتح اللام - الضبى، أبو سلمة الكوفى، ثقة مات سنة 100. وقد اختلف في اسم أبيه فقيل " خزيم " و " حذيم " والصواب " حذلم ". انظر تقريب التهذيب ومنتهى المقال. (2) هو جابر بن يزيد الجعفي، ثقة في نفسه، ولكن جل من روى عنه ضعيف فمن أكثر عنه من الضعفاء عمرو بن شمر الجعفي، ومفضل بن صالح السكوني. وفي الميزان أنه روى عن أبى الطفيل الصحابي. مات سنة 127 أو 132. تهذيب التهذيب، وميزان الاعتدال، ومنتهى المقال. (3) ح (1: 486): " والترس والرمح "، وفي الأصل وح: " وسيف مصقل " تحريف، وإنما هو " مقصل " يقال سيف قاصل ومقصل وقصال: قطاع. وانظر للرجز الإصابة. 455 في ترجمة عبد الله بن بديل حيث نقل الخبر عن وقعه صفين. (4) التمشى: المشى. وفي الأصل: " التمسني " صوابه في ح. (5) في الأصل: " في الحياض " صوابه في ح. (6) في الأصل: " فأزاله عن موقفه " وأثبت ما في ح لتلتئم التكملة السابقة بالكلام. (*)

[ 246 ]

عثمان بن عفان (1). [ وتراجع معاوية عن مكانه القهقرى كثيرا، وأشفق على نفسه، وأرسل إلى حبيب بن مسلمة مرة ثانية وثالثة يستنجده ويستصرخه. ويحمل حبيب حملة شديدة بميسرة معاوية على ميمنة العراق فكشفها، حتى لم يبق مع ابن بديل إلا نحو مائة إنسان من القراء، فاستند بعضهم إلى بعض يحمون أنفسهم، ولجج ابن بديل في الناس وصمم على قتل معاوية، وجعل يطلب موقفه ويصمد نحوه حتى انتهى إليه ] عبد الله بن عامر واقفا، [ فنادى معاوية بالناس: ويلكم ! الصخر والحجارة إذا عجزتم عن السلاح ]. فأقبل أصحاب معاوية على عبد الله بن بديل يرضخونه بالصخر (2) حتى أثخنوه وقتل الرجل، وأقبل إليه معاوية وعبد الله بن عامر [ حتى وقفا عليه ]. فأما عبد الله ابن عامر فألقى عمامته على وجهه وترحم عليه، وكان له [ من قبل ] أخا وصديقا، فقال معاوية: اكشف عن وجهه. [ فقال: لا والله، لا يمثل به وفي روح. فقال معاوية: اكشف عن وجهه، فإنا لا نمثل به ]، فقد وهبته لك (3). فكشف [ ابن عامر ] عن وجهه فقال معاوية: هذا كبش القوم ورب الكعبة اللهم أظفرني بالأشتر النخعي والأشعث الكندى. والله ما مثل هذا إلا كما قال الشاعر (4): أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا


(1) بعد هذا في الأصل: " حتى إذا أزال معاوية عن موقفه " وهى عبارة مقحمة. (2) ح: " فرضخه الناس بالصخر والحجارة ". (3) ح: " قد وهبناه لك ". (4) هو حاتم الطائى من قصيدة له في ديوانه (خمسة دواوين العرب 121 - 122). (*)

[ 247 ]

ويحمى، إذا ما الموت كان لقاؤه قدى الشبر، يحمى الأنف أن يتأخرا (1) كليث هزبر كان يحمى ذماره رمته المنايا قصدها فتقطرا (2) مع أن نساء خزاعة لو قدرت على أن تقاتلني فضلا عن رجالها فعلت. نصر: عمرو، عن أبى روق الهمداني أن يزيد بن قيس الأرحبى حرض الناس بصفين. قال: فقال: " إن المسلم السليم (3) من سلم دينه ورأيه. إن هؤلاء القوم والله ما إن يقاتلونا (4) على إقامة دين رأونا ضيعناه، ولا إحياء عدل رأونا أمتناه، ولا يقاتلونا (5) إلا على إقامة الدنيا، ليكونوا جبابرة فيها ملوكا، فلو ظهروا عليكم - لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا - إذا ألزموكم (6) مثل سعيد والوليد (7)


(1) قدى الشبر، بكسر القاف والقصر، أي قدره، كأنه مقلوب من قيد، بالكسر. يقال قدى رمح وقد رمح وقاد رمح. وأنشد: ولكن إقدامى إذا الخيل أحجمت * وصبرى إذا ما الموت كان قدى الشبر وقد نسب بيت حاتم هذا في اللسان (20: 32) إلى هدبة بن الخشرم. وروايته فيه: وإنى إذا ما الموت لم يك دونه * قدى الشبر أحمى الأنف أن يتأخرا وفي اللسان: " أتأخرا ". في الأصل: " لدى الشر " وفي ح: " قدى السير " صوابهما ما أثبت. (2) تقطر: سقط صريعا. وهذا البيت لم يرو في الديوان. (3) هذه الكلمة ليست في ح. (4) في الأصل: " يقاتلوا " صوابه في ح (1: 485). (5) في الأصل: " ولن يقاتلونا " وأثبت ما في ح. (6) ح (1: 485): " إذا لوليكم " والعبارتان متقاربتان. (7) يعنى سعيد بن العاص، والوليد بن عقبة. أما سعيد فكان واليا لعثمان على الكوفة بعد الوليد بن عقبة، وولاه معاوية المدينة وتوفى سنة 53. وأما الوليد بن عقبة بن أبى معيط فكان أخا عثمان لأمه، وولاه الكوفة ثم عزله عنها وجلده لشربه الخمر. وكان ممن يحرض معاوية على قتال على. انظر ما سبق في ص 52 - 54. (*)

[ 248 ]

وعبد الله بن عامر (1) السفيه، يحدث (2) أحدهم في مجلسه بذيت وذيت، ويأخذ مال الله ويقول: هذا لى ولا إثم على فيه، كأنما أعطى تراثه من أبيه، وإنما هو مال الله أفاءه الله علينا بأسيافنا ورماحنا. قاتلوا، عباد الله، القوم الظالمين، الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا تأخذكم في جهادهم لومة لائم، إنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا دينكم ودنيا كم، وهم من قد عرفتم وجربتم. والله ما أرادوا إلى هذا إلا شرا (3). [ وأستغفر الله العظيم لى ولكم ] ". فقاتلهم عبد الله بن بديل في الميمنة حتى انتهى إلى معاوية مع الذين بايعوه على الموت. فأقبلوا إلى معاوية فأمرهم أن يصمدوا لعبد الله بن بديل في الميمنة، وبعث معاوية إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة، فحمل بمن كان معه على ميمنة الناس فهزمهم، وكشف أهل العراق ميلا من قبل الميمنة، حتى لم يبق مع ابن بديل إلا نحو مائة من القراء، واستند بعضهم إلى بعض، وانجفل الناس عليهم (4)، فأمر على سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان مع على من أهل المدينة، فاستقبلتهم جموع أهل الشام في خيل عظيمة، فحملوا عليهم وألحقوهم بالميمنة، وكانت الميمنة متصلة إلى موقف على في القلب في أهل اليمن، فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلى على، فانصرف على يمشى نحو


(1) هو عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، ابن خال عثمان ابن عفان، ولاه عثمان البصرة ثم وليها لمعاوية. وكان قد فتح خراسان في أيام عثمان، فأحرم من نيسابور وقدم عليه، فلامه على ما صنع وقال: " غررت بنسكك ". الإصابة 6175 والمعارف 139 - 140. (2) في الأصل: " الذى يحدث " وكلمة: " الذى " مقحمة. (3) ح (1: 485): " ما أرادوا باجتماعهم عليكم إلا شرا ". (4) انجفلوا عليهم: ذهبوا مسرعين نحوهم. وفي الحديث: " لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قبله "، أي ذهبوا مسرعين نحوه. وفي الأصل: " انحفل " صوابه بالجيم. (*)

[ 249 ]

الميسرة، فانصرف عنه مضر من الميسرة، وثبت ربيعة. نصر: عن عمر بن سعد، عن مالك بن أعين، عن زيد بن وهب قال: مر على يومئذ ومعه بنوه نحو الميسرة [ ومعه ربيعة وحدها ] وإنى لأرى النبل بين عاتقه ومنكبيه، وما من بنيه أحد إلا يقيه بنفسه، فيكره على ذلك، فيتقدم (1) عليه فيحول بينه وبين أهل الشام، ويأخذ بيده إذا فعل ذلك فيلقيه بين يديه، أو من ورائه. فبصر به أحمر - مولى أبى سفيان، أو عثمان، أو بعض بنى أمية - فقال على: ورب الكعبة قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني ! فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسان مولى على، فاختلفا ضربتين، فقتله مولى بنى أمية وخالط عليا ليضربه بالسيف، فانتهزه على (2) فتقع يده في حبيب درعه (3) فجذبه ثم حمله على عاتقه، فكأني أنظر إلى رجليه تختلفان على عنق على، ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه وعضده، وشد ابنا على عليه: الحسين ومحمد، فضرباه بأسيافهما [ حتى برد (4) ]، فكأني أنظر إلى على قائما وشبلاه يضربان الرجل، حتى إذا أتيا عليه (5) أقبلا إلى أبيهما والحسن معه قائم، قال: يا بنى، ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك ؟ قال: كفياني يا أمير المؤمنين. ثم إن أهل الشام دنوا منه - والله ما يزيده قربهم منه [ ودنوهم إليه ] سرعة في مشية (6) - فقال له الحسن: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهى إلى هؤلاء


(1) في الأصل: " فيقدم " وأثبت ما في ح (1: 486). (2) انتهزه، بالزاى: بادر إليه وأسرع. قال: * وانتهز الحق إذا الحق وضح * (3) أي يد على. في الأصل: " فوقع يده " وأثبت ما في ح. (4) برد: مات. (5) في الأصل: " قتلاه " وأثبت ما في ح. (6) في الأصل: " إلا سرعة في مشيه " والوجه حذف (لا) كما في ح، وهو ما يقتضيه السياق. (*)

[ 250 ]

الذين صبروا لعدوك من أصحابك ؟ - [ قال: يعنى ربيعة الميسرة ] - قال: يا بنى [ إن ] لأبيك يوما لن يعدوه، ولا يبطئ به عنه السعي، ولا يعجل به إليه المشى. إن أباك والله ما يبالى وقع على الموت أو وقع الموت عليه. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبى إسحاق، قال: خرج على يوم صفين وفي يده عنزة (1)، فمر على سعيد بن قيس الهمداني، فقال له سعيد: أما تخشى يا أمير المؤمنين أن يغتالك أحد وأنت قرب عدوك ؟ فقال له على: (إنه ليس من أحد إلا عليه من الله حفظة يحفظونه من أن يتردى في قليب، أو يخر عليه حائط، أو تصيبه آفة، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه ". نصر، عن عمر، عن فضيل بن خديج، عن مولى الأشتر قال: لما انهزمت ميمنة أهل العراق أقبل على يركض نحو الميسرة يستثيب الناس (2) ويستوقفهم ويأمرهم بالرجوع نحو الفزع، حتى مر بالأشتر فقال له: يا مالك. قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: ائت [ هؤلاء ] القوم فقل لهم: أين فراركم من الموت الذى لن تعجزوه إلى الحياة الثى لا تبقى لكم ؟ فمضى الأشتر فاستقبل الناس منهزمين فقال لهم هؤلاء الكلمات التى أمره على بهن (3) وقال: أيها الناس، أنا مالك بن الحارث - [ يكررها - فلم يلو أحد منهم عليه ]. ثم ظن أنه بالأشتر أعرف في الناس فقال: أيها الناس، أنا الأشتر، إلى أيها الناس. فأقبلت إليه طائفة وذهبت عنه طائفة فقال: عضضتم بهن أبيكم،


(1) العنزة، بالتحريك: رميح بين العصا والرمح في أسفله زج. (2) يستثيب الناس: يسترجعهم، ثاب: رجع. وفي الأصل: " يستئيب " وفي ح: " يستتب " ووجههما ما أثبت. (3) ح: " فقال لهم الكلمات " وفى الطبري (6: 11): " هذه الكلمات التى قالها له على). (*)

[ 251 ]

ما أقبح [ والله ] ما قاتلتم اليوم (1) يأيها الناس، غضوا الأبصار، وعضوا على النواجذ، واستقبلوا القوم بهامكم، ثم شدوا شدة قوم موتورين بآبائهم وأبنائهم وإخوانهم، حنقا على عدوهم، وقد وطنوا على الموت أنفسهم، كى لا يسبقوا بثأر. إن هؤلاء القوم والله لن يقارعوكم إلا عن دينكم، ليطفئوا السنة، ويحيوا البدعة، ويدخلوكم في أمر قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة. فطيبوا عباد الله نفسا بدمائكم دون دينكم، فإن الفرار فيه سلب العز، والغلبة على الفئ، وذل المحيا والممات، وعار الدنيا والآخرة، وسخط الله وأليم عقابه. ثم قال: أيها الناس، أخلصوا إلى مذحجا. فاجتمعت إليه مذحج، فقال لهم: عضضتم بصم الجندل ! والله ما أرضيتم اليوم ربكم، ولا نصحتم له في عدوه، فكيف بذلك وأنتم أبناء الحرب وأصحاب الغارات، وفتيان الصباح (2)، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان (3)، الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولا تطل دماؤهم، ولا يعرفون في موطن من المواطن بخسف وأنتم أحد أهل مصركم (4)، وأعد حى في قومكم (5) وما تفعلوا في في هذا اليوم فإنه مأثور بعد اليوم. فاتقوا مأثور الحديث في غد (6) واصدقوا


(1) وسيأتى في ص 252 قوله: " والله ما أحسنتم اليوم القراع ". في ح: " ما فعلتم ". (2) فتيان الصباح: فتيان الغارة، وكانوا يسمون يوم الغارة يوم الصباح. (3) في المعارف 49 والعمدة (2: 156): " كان يقال: مازن غسان أرباب الملوك، وحمير أرباب العرب، وكندة كندة الملك، ومذحج مذحج الطعان، وهمدان أحلاس الخيل ". (4) ح: " وأنتم سادة مصركم ". (5) أعد: أكثر عددا. وفي الحديث: " يخرج جيش من المشرق آدى شئ وأعده " أي أكثره استعدادا وعددا. وفي ح: " وأعز حى " من العزة، وما أثبت من الأصل يوافق ما في الطبري. (6) مأثور الحديث: ما يؤثر ويروى ويخبر الناس به بعضهم بعضا. وفي الأصل: " وأبقوا مآثر الحديث في غد " صوابه في ح والطبري. (*)

[ 252 ]

عدوكم اللقاء، فإن الله مع الصابرين. والذى نفس مالك بيده ما من هؤلاء - وأشار بيده إلى أهل الشام - رجل على مثل جناح بعوضة من دين الله. والله ما أحسنتم اليوم القراع. اجلوا سواد وجهى يرجع في وجهى دمى. عليكم بهذا السواد الأعظم، فإن الله لو [ قد ] فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع [ مؤخر (1) ] السيل مقدمه. قالوا: خذ بنا حيث أحببت. فصمد بهم نحو عظمهم مما نحو الميمنة، وأخذ يزحف إليهم الأشتر ويردهم، ويستقبله شباب من همدان (2) وكانوا ثمانى مائة مقاتل يومئذ وقد انهزموا آخر الناس، وكانوا قد صبروا في ميمنة على عليه السلام حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل، وقتل منهم أحد عشر رئيسا، كلما قتل منهم رجل أخذ الراية آخر. فكان أولهم كريب بن شريح، وشرحبيل بن شريح، ومرثد بن شريح، وهبيرة بن شريح، ثم يريم بن شريح (3)، [ ثم شمر بن شريح (4) ]، قتل هؤلاء الإخوة الستة جميعا، ثم أخذ الراية سفيان بن زيد، ثم عبد بن زياد، ثم كرب بن زيد (5) فقتل هؤلاء الإخوة الثلاثة جميعا. ثم أخذ الراية عمير بن بشر (6)، والحارث بن بشر، فقتلا. ثم أخذ الراية وهب بن كريب (7) أبو القلوص، فأراد أن يستقبل


(1) هذه من الطبري. (2) في الأصل: " واستقبله سنام من همدان ". ح (1: 487): " واستقبله أشباههم من همدان ". وأثبت ما في الطبري. (3) في الأصل: " بريم " صوابه من الطبري. وفي ح: " هريم ". (4) التكملة من ح والطبري. لكن في الطبري: " سمير ". (5) الطبري: " كريب بن زيد " وفي ح: " سفيان بن زيد، ثم كرب بن زيد، ثم عبد الله بن زيد ". (6) في الأصل: " عميرة بن بشر " وأثبت ما في ح. وفي الطبري: " عمير بن بشير ". (7) في الأصل: " وهيب " وأثبت ما في ح والطبري. (*)

[ 253 ]

فقال له رجل من قومه: انصرف [ يرحمك الله ] بهذه الراية ترحها الله (1) من راية، فقد قتل أشراف قومك حولها، فلا تقتل نفسك ولا من بقى ممن معك. فانصرفوا وهم يقولون: ليت لنا عديدا من العرب يحالفوننا ثم نستقدم نحن وهم، فلا ننصرف حتى نقتل أو نظهر (2). فمروا بالأشتر وهم يقولون هذا القول، فقال لهم الأشتر: إلى، أنا أحالفكم وأعاقدكم على أن لا نرجع أبدا حتى نظهر أو نهلك (3) فوقفوا معه [ على هذه النية والعزيمة ]. ففى هذا القول قال كعب ابن جعيل (4): * وهمدان زرق تبتغى من تحالف (5) * وزحف الأشتر نحو الميمنة، وثاب إليه أناس تراجعوا من أهل البصيرة والحياء والوفاء (6)، فأخذ لا يصمد لكتيبة إلا كشفها، ولا لجمع إلا حازه ورده (7). فإنه لكذلك إذ مر بزياد بن النضر يحمل إلى العسكر فقال: من هذا ؟ قيل: " زياد بن النضر، استلحم [ عبد الله بن بديل (8) ] وهو وأصحابه في الميمنة، فتقدم زياد فرفع لأهل الميمنة رايته فقاتل حتى صرع ". ثم لم


(1) ترحها الله، دعاء عليها بالترح، وهو الحزن والهم. وفي اللسان: " ترحه الأمر تتريحا: أي أحزنه ". وهذه الكلمة ليست في الطبري وفي ح: " نزحها الله " تحريف. (2) الظهور: الظفر، ظهر عليه ظهورا وأظهره الله عليه ح: (حتى نظفر أو نقتل) الطبري: (حتى تقتل أو نظفر). (3) ح والطبري: (حتى نظفر أو نهلك). (4) في الأصل: " في هذا القول فقال كعب بن جعيل " وأثبت ما في الطبري. وفي ح: " فهذا معنى قول كعب بن جعيل ". (5) المراد بالزرق زرق العيون، والعرب يتهاجون بذلك، ويعدونه من اللؤم. انظر الحيوان (3: 175 و 5: 330 - 331). (6) ح: " أهل الصبر والوفاء والحياء ". (7) في الأصل وح: " جازه " صوابه بالحاء كما في الطبري. انظر ما سبق ص 234. (8) استلحم، بالبناء للمفعول: احتوشه العدو في القتال. وهذه التكملة من الطبري (6: 12). والكلام في ح محرف مبتور. (*)

[ 254 ]

يمكثوا إلا كلا شئ حتى مروا بيزيد بن قيس محمولا إلى العسكر، فقال الأشتر: من هذا ؟ قالوا: " يزيد بن قيس، لما صرع زياد بن النضر رفع لأهل الميمنة رايته فقاتل حتى صرع ". فقال الأشتر: " هذا والله الصبر الجميل، والفعل الكريم. ألا يستحيى الرجل أن ينصرف لم يقتل ولم يقتل ولم يشف به على القتل ؟ ". نصر، عن عمر، عن الحر بن الصياح (1) [ النخعي (2) ] أن الأشتر كان يومئذ يقاتل على فرس له، في يده صفيحة [ له ] يمانية إذا طأطأها خلت فيها ماء منصبا، فإذا رفعها كاد يغشى البصر (3) شعاعها، ويضرب بسيفه قدما وهو يقول: * الغمرات ثم ينجلينا (4) * قال: فبصر به الحارث بن جمهان الجعفي، والأشتر مقنع في الحديد، فلم


(1) الحر، بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، بن الصياح، كشداد، النخعي الكوفى، ثقة من الثالثة، وروى عن ابن عمر وأنس وعبد الرحمن بن الأخنس، وعنه شعبة والثوري وأبو خيثمة وعمرو بن قيس الملائى. انظر تهذيب التهذيب والمشتبه 310. وفي الأصل: " الحر بن الصباح " وأثبت ما في التهذيب والمشتبه مطابقا ما في الطبري. وفي ح: " الحارث ابن الصباح " وهو رجل شيعي آخر ذكره ابن حجر في لسان الميزان (6: 153) وقال إنه تابعي روى عن على. (2) هذه التكملة من الطبري، وهى تعين أنه " الحر بن الصياح النخعي ". (3) يغشى البصر: يذهب به. وفي كتاب الله: (فأغشيناهم فهم لا يبصرون). وقد وردت هكذا بالغين المعجمة في الأصل وح والطبري. وهم يقولون كثيرا في نحو هذا المقام: " يعشى " بالعين المهملة، والعشا: ضعف الإبصار. (4) هو للأغلب العجلى، كما في أمثال الميداني. في الأصل: " غمرات " وفي أمثال الميداني: " غمرات ثم ينجلين " ويروى: " الغمرات ثم ينجلين ". وهذا الأخير هو الوجه في الإنشاد، ففى جمهرة العسكري 150 عند الكلام على المثل: هو من قول الراجز: الغمرات ثم ينجلين * عنا وينزلن بآخرين شدائد يتبعهن لين وانظر مقاييس اللغة (غمر). (*)

[ 255 ]

يعرفه، فدنا منه وقال له: جزاك الله منذ اليوم عن أمير المؤمنين عليه السلام وجماعة المسلمين خيرا. فعرفه الأشتر فقال: يا ابن جمهان، أمثلك يتخلف اليوم عن مثلى موطنى هذا الذى أنا فيه ؟ فتأمله ابن جمهان فعرفه، وكان الأشتر من أعظم الرجال وأطوله (1)، إلا أن في لحمه خفة قليلة - قال: جعلت فدك، لا والله ما علمت مكانك حتى الساعة، ولا أفارقك حتى أموت. قال: ورآه (2) منقذ وحمير ابنا قيس الناعطيان (1) فقال منقذ لحمير: ما في العرب رجل مثل هذا إن كان ما أرى من قتاله على نيته. فقال له حمير: وهل النية إلا ما ترى ؟ قال: إنى أخاف أن يكون يحاول ملكا. نصر، عن عمر (4)، عن فضيل بن خديج، عن مولى الأشتر قال: لما اجتمع إلى الأشتر عظم من كان انهزم من الميمنة حرضهم فقال لهم: " عضوا على النواجذ من الأضراس، واستقبلوا القوم بهامكم، فإن الفرار من الزحف فيه سلب العز، والغلبة على الفئ، وذل المحيا والممات، وعار الدنيا والآخرة (5)). ثم حمل عليهم حتى كشفهم فألحقهم بصفوف معاوية (6) بين صلاة العصر والمغرب. نصر، عن عمر، عن محمد بن إسحاق، أن عمرو بن حمية الكلبى خرج يوم صفين وهو مع معاوية يدعو للبراز.


(1) في الأصل وح: " وأطولهم " وأثبت ما في الطبري. وانظر التنبيه السادس من ص 241. (2) في الأصل: " ورأى " وفي ح: " رأى الأشتر يومئذ منقذا وحميرا ابنا قيس " تحريف، صوابه من الطبري. (3) بنو ناعط: قبيلة في اليمن. انظر الاشتقاق 251. وفي الأصل: " البعطبان " ح (1: 488): " اليقظيان " والأشبه ما أثبت من الطبري. (4) ح: " عمرو ". (5) الخطبة في تاريخ الطبري (6: 12) مسهبة. (6) ح: " بمضارب معاوية ". (*)

[ 256 ]

نصر، عن عمر (1)، عن مالك بن أعين، عن زيد بن وهب، أن عليا لما رأى ميمنته قد عادت إلى موقفها ومصافها وكشف من بإزائها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم، أقبل حتى انتهى إليهم فقال: إنى قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم، يحوزكم (2) الجفاة الطغام وأعراب أهل الشام، وأنتم لهاميم العرب، والسنام الأعظم، وعمار الليل بتلاوة القرآن، وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون (3). فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم، وجب عليكم ما وجب على المولى يوم الزحف دبره، وكنتم فيما أرى من الهالكين. ولقد هون على بعض وجدى، وشفى بعض أحاح نفسي (4) أنى رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم، وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم، تحوزونهم بالسيوف ليركب أولهم آخرهم، كالإبل المطردة الهيم (5). فالآن فاصبروا، أنزلت عليكم السكينة، وثبتكم الله باليقين. وليعلم المنهزم أنه مسخط لربه، وموبق نفسه، وفي الفرار موجدة الله عليه، والذل اللازم [ له، والعار الباقي، واعتصار الفئ من يده (6) ]، وفساد العيش، وإن الفار لا يزيد الفرار في عمره، ولا يرضى ربه. فموت الرجل محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتلبس بها (7) والإقرار عليها.


(1) ح (1: 488): " عمرو ". (2) يحوزكم: ينحيكم عن مراكزكم. في الأصل: " وتحززكم " صوابه في ح والطبري (6: 14). وانظر ما مضى ص 234. (3) في الأصل: " إذا ضل " وأثبت ما في ح والطبري. (4) الأحاح، بالضم: اشتداد الحزن والغيظ. وفي الأصل: " حاج " صوابه في الطبري. وفي ح: " لاعج ". (5) الهيم: العطاش. في الأصل وح: " المطرودة " وأثبت ما في الطبري. (6) كلمة: " له " من ح. وباقى التكملة من الطبري. (7) الطبري: " بالتأنيس لها ". (*)

[ 257 ]

نصر، عن عمر [ قال: حدثنا ] أبو علقمة الخثعمي، أن عبد الله بن حنش الخثعمي رأس خثعم مع معاوية، أرسل إلى أبى كعب رأس خثعم مع على: أن لو شئت لتواقفنا فلم نقتتل، فإن ظهر صاحبك كنا معكم، وإن ظهر صاحبنا كنتم معنا ولم يقتل بعضنا بعضا، فأبى أبو كعب ذلك، فلما التقت خثعم وخثعم وزحف الناس بعضهم إلى بعض، قال رأس خثعم الشام لقومه: يا معشر خثعم، قد عرضنا (1) على قومنا من أهل العراق الموادعة صلة لأرحامهم، وحفظا لحقهم، فأبوا إلا قتالنا، فقد بدءونا بالقطيعة فكفوا أيديكم عنهم حفظا لحقهم أبدا ما كفوا عنكم، فإذا قاتلوكم فقاتلوهم. فخرج رجل من أصحابه فقال: [ إنهم ] قد ردوا عليك رأيك وأقبلوا يقاتلونك. ثم برز فنادى: رجل لرجل يا أهل العراق. فغضب رأس خثعم من أهل الشام، فقال: اللهم قيض له وهب بن مسعود - رجلا من خثعم من أهل الكوفة، وقد كانوا يعرفونه في الجاهلية، لم يبارزه رجل قط إلا قتله - فخرج إليه وهب بن مسعود فحمل على الشامي فقتله، ثم اضطربوا [ ساعة ] فاقتتلوا أشد القتال، وأخذ أبو كعب يقول لأصحابه: يا معشر خثعم: خدموا (2). وأخذ صاحب الشام يقول: يا أبا كعب، [ الكل ] قومك فأنصف ! فاشتد قتالهم، فحمل شمر بن عبد الله الخثعمي من أهل الشام على أبى كعب رأس خثعم الكوفة فطعنه، فقتله، ثم انصرف يبكى ويقول: رحمك الله يا أبا كعب، لقد قتلتك في طاعة قوم أنت أمس بى رحما منهم وأحب إلى نفسا منهم. ولكن والله ما أدرى ما أقول، ولا أرى (3) الشيطان إلا قد فتننا، ولا أرى قريشا إلا قد لعبت بنا. ووثب كعب بن أبى كعب


(1) في الأصل: " عرضت "، وأثبت ما في ح. (2) فسره ابن أبى الحديد في (1: 489) بقوله: " أي اضربوا موضع الخدمة وهى الخلخال. يعنى اضربوهم في سوقهم ". (3) في الأصل: " أدرى "، صوابه في ح. (*)

[ 258 ]

إلى راية أبيه فأخذها، ففقئت عينه وصرع، ثم أخذها شريح بن مالك فقاتل القوم تحتها، حتى صرع منهم حول رايتهم ثمانون رجلا، وأصيب من خثعم الشام نحو منهم. ثم إن شريح بن مالك ردها بعد ذلك إلى كعب بن أبى كعب. نصر، عن عمرو (1)، عن عبد السلام بن عبد الله بن جابر (2)، أن راية بجيلة في صفين كانت في أحمس مع أبى شداد - وهو قيس بن مكشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن عامر (3) بن على بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار. فقالت له بجيلة: خذ رايتنا. فقال: غيرى خير لكم منى. قالوا: ما نريد غيرك. قال: فوالله لئن أعطيتمونيها لا أنتهى (4) بكم دون صاحب الترس المذهب - قال: وعلى رأس معاوية رجل قائم معه ترس مذهب، يستره من الشمس - قالوا: اصنع ما شئت. فأخذها ثم زحف وهو يقول: إن عليا ذو أناة صارم * جلد إذا ما حضر العزائم لما رأى ما تفعل الأشائم * قام له الذروة والأكارم الأشيبان مالك وهاشم ثم زحف بالراية حتى انتهى إلى صاحب الترس المذهب، وكان في خيل عظيمة من أصحاب معاوية - وذكروا أنه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - قال: فاقتتل الناس هنالك قتالا شديدا. قال: وشد أبو شداد بسيفه نحو


(1) في الأصل: " عمر "، وأثبت ما في ح. (2) هو عبد السلام بن عبد الله بن جابر الأحمسى، كما في الطبري. ذكره في لسان الميزان (4: 13) وقال: إنه روى عن أبيه. وذكر في ترجمة أبيه أنه لم يرو عنه إلا ابنه. انظر (3: 265). وفي الأصل: " عبد السلام بن عبد الله عن جابر " وكلمة " عن " محرفة. (3) في ح: " بن عمرو بن عوف بن عامر "، وما أثبت من الأصل يطابق ما في الإصابة 7307. وفي تاريخ الطبري: " بن عمرو بن جابر ". (4) في الأصل: " لانتهى " صوابه في ح. (*)

[ 259 ]

صاحب الترس، فتعرض له رومى من دونه لمعاوية، فضرب قدم أبى شداد فقطعها وضربه أبو شداد فقتله، وأشرعت إليه الأسنة فقتل، وأخذ الراية عبد الله بن قلع الأحمسى وهو يقول: لا يبعد الله أبا شداد * حيث أجاب دعوة المنادى وشد بالسيف على الأعادي * نعم الفتى كان لدى الطراد وفي طعان الخيل والجلاد ثم قاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية أخوه عبد الرحمن بن قلع فقاتل فقتل، ثم أخذها عفيف بن إياس [ الأحمسى ]، فلم تزل بيده حتى تحاجز الناس. [ قال نصر ]: و [ حدثنا عمرو قال: حدثنا عبد السلام قال ]: قتل حازم بن أبى حازم، أخو قيس بن أبى حازم، يومئذ، وقتل نعيم بن صهيب بن العلية [ البجلى (1) ]، فأتى ابن عمه وسميه نعيم بن الحارث بن العلية (2) معاوية - وكان معه - فقال: إن هذا القتيل ابن عمى فهبه لى أدفنه. فقال: لا تدفنهم فليسوا أهلا لذلك، فوالله ما قدرنا (3) على دفن عثمان معهم إلا سرا. قال: والله لتأذنن لى في دفنه أو لا لحقن بهم ولأدعنك. فقال له معاوية: [ ويحك ] ترى أشياخ العرب لا نواريهم (4) وأنت تسألني دفن ابن عمك ؟ ثم قال له: ادفنه إن شئت أو دع (5). فأتاه فدفنه. نصر، عن عمر (6)، عن أبى زهير العبسى، عن النضر بن صالح أن راية


(1) في الأصل: " نعيم بن سهيل بن الثعلبة " وأثبت ما في الطبري مع هذه التكملة. وفي ح (1: 489): " نعيم بن شهد بن التغلبية ". (2) في الأصل: " الثعلبة " وفي ح: " الثعلبية " وأثبت ما في الطبري. (3) في الأصل: " ما قدر " وأثبت ما في ح والطبري. (4) ح: " ترى أشياخ العرب قد أجالتهم أمورهم ". (5) في الأصل وح: " أودعه " وأثبت ما في الطبري. (6) ح: " عمرو ". (*)

[ 260 ]

غطفان العراق كانت مع عياش بن شريك بن حارثة بن جندب (1) بن زيد بن خلف بن رواحة، قال: فخرج رجل من آل ذى الكلاع يسأل المبارزة فبرز إليه قائد بن بكير العبسى، فبارزه فشد عليه الكلاعى فأوهطه (2)، فخرج إليه عياش بن شريك أبو سليم فقال لقومه: أنا مبارز الرجل، فإن أصيب فرأسكم الأسود بن حبيب بن جمانة (3) بن قيس بن زهير، فإن قتل فرأسكم هرم بن شتير (4) بن عمرو بن جندب، فإن قتل فرأسكم عبد الله بن ضرار من بنى حنظلة بن رواحة. ثم مشى نحو الكلاعى فلحقه هرم بن شتير (4) فأخذ بظهره فقال: ليمسك رحم (5)، لا تبرز لهذا الطوال ! قال: هبلتك الهبول (6)، وهل هو إلا الموت. قال: وهل يفر إلا منه ؟ ! قال: وهل منه بد ؟ قال: والله لأفتلنه أو ليلحقني (7) بقائد بن بكير. فبرز له ومعه حجفة له من جلود الإبل، فدنا منه فنظر عياش بن شريك فإذا الحديد عليه مفرغ لا يرى منه عورة (8) إلا مثل شرائك النعل من عنقه بين بيضته ودرعه، فضربه الكلاعى فقطع حجفته إلا نحوا من شبر، ويضر به عياش على ذلك الموضع (9) فقطع نخاعه، وخرج ابن الكلاعى ثائرا بأبيه، فقتله بكير بن وائل.


(1) في الأصل: " بن جارية بن جنيدب " وأثبت ما في ح. (2) أوهطه: صرعه صرعة لا يقوم منها. (3) في الأصل: " الأسعد بن حبيب بن حمامة " وأثبت ما في ح. (4) في الأصل: " هرم بن شبير " وأثبت ما في ح. (5) الرحم: القرابة، كأنه يتوسل إليه بحق القرابة. ح: " لتمسك " بالتاء. (6) في اللسان: " وفي حديث على: هبلتهم الهبول. أي ثكلتهم الثكول، وهى بفتح الهاء من النساء التى لا يبقى لها ولد ". (7) في الأصل: " ليقتلني أو ليلحقن " صوابه في ح (1: 489). (8) ح: " لا يبين من نحره ". (9) أي في الموضع الذى كانا فيه. وفي الأصل: " وضربه عياش على ذلك المكان ". (*)

[ 261 ]

نصر، قال: عمر، حدثنى أبو الصلت التيمى أن زياد بن خصفة بارزه فقتله. نصر: عمر، عن الصلت بن زهير النهدي أن راية بنى نهد بن زيد أخذها مسروق بن الهيثم بن سلمة، فقتل وأخذ الراية صخر بن سمى فارتث (1) ثم أخذها على بن عمير فقاتل حتى ارتث، ثم أخذها عبد الله بن كعب فقتل، ثم رجع إليهم سلمة بن خذيم (2) بن جرثومة وكان يحرض الناس، فوجد عبد الله بن كعب قد قتل، فأخذ رايته فارتث وصرع، فأخذها عبد الله بن عمرو بن كبشة (3) فارتث، ثم أخذها أبو مسبح (4) بن عمرو الجهنى فقتل، ثم أخذها عبد الله بن النزال فقتل، ثم أخذها ابن أخيه عبد الرحمن بن زهير فقتل، ثم أخذها مولاه مخارق فقتل، حتى صارت إلى عبد الرحمن بن مخنف الأزدي (5). [ قال نصر: فحدثنا عمر، وقال: حدثنا الصلت بن زهير قال: حدثنى عبد الرحمن بن مخنف ] قال: صرع يزيد بن المغفل إلى جنبى فقتلت صاحبه وقمت على رأسه (6)، وقتل أبو زبيب بن عروة فقتلت صاحبه، وجاءني سفيان بن عوف فقال: أقتلتم (7) يا معشر الأزد يزيد بن المغفل ؟ فقلت له: [ إى والله إنه لهذا الذى تراني قائما على رأسه. قال: ومن أنت حياك الله ؟ قلت: أنا عبد الرحمن بن مخنف. فقال: الشريف الكريم، حياك الله ومرحبا بك


(1) ارتث، على ما لم يسم فاعله: ضرب في الحرب فأثخن وحمل وبه رمق ثم مات من بعد. (2) خذيم، بالذال المعجمة كما في ح. وفي الأصل: " خديم " تحريف. (3) ح: " كنيسة " تحريف. (4) في الأصل: " أبو مسيح " صوابه بالباء الموحدة. ح: " أبو سنخ ". (5) في الأصل: " ثم أخذها مولاه مخارق فقتل ثم أخذها ابن أخيه عبد الرحمن بن مخنف الأزدي " ورددت الكلام إلى نصابه وتمامه من ح. (6) الكلام بعدها إلى كلمة " صاحبه " ساقط من ح. (7) في الأصل: " أفيكم " وأثبت ما في ح. (*)

[ 262 ]

يا ابن عم، أفلا تدفعه إلى فأنا عمه سفيان بن عوف بن المغفل ؟ فقلت ]: مرحبا بك، أما الآن فنحن أحق به منك، ولسنا بدافعيه إليك، وأماما عدا ذلك فلعمري أنت عمه ووارثه (1). نصر قال: قال عمر، عن الحارث بن حصيرة عن أشياخ من النمر من الأزد (2) أن مخنف بن سليم لما ندب أزد العراق إلى أزد الشام حمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إن من الخطب الجليل والبلاء العظيم أنا صرفنا إلى قومنا وصرفوا إلينا، فوالله ما هي إلا أيدينا [ نقطعها بأيدينا (3) ]، وما هي إلا أجنحتنا نحذفها بأسيافنا، فإن نحن لم نفعل لم نناصح صاحبنا، ولم نواس جماعتنا، وإن نحن فعلنا فعزنا أبحنا (4)، ونارنا أخمدنا ". فقال جندب بن زهير: " والله لو كنا آباءهم ولدناهم أو كنا أبناءهم ولدونا، ثم خرجوا من جماعتنا وطعنوا على إمامنا، وآزروا الضالمين والحاكمين بغير الحق، على أهل ملتنا ودمتنا (5)، ما افترقنا بعد أن اجتمعنا (6) حتى يرجعوا عما هم عليه، ويدخلوا فيما ندعوهم إليه، أو تكثر القتلى بيننا وبينهم ". فقال مخنف: " أعز بك الله في التيه (7). أما والله ما علمتك صغيرا و [ لا ] كبيرا إلا مشؤوما، والله ما ميلنا الرأى بين أمرين قط (8) أيهما نأتى


(1) في الأصل: " وأما بعد ذلك فأنت عمه وأحق به " وأثبت ما في ح (1: 490) (2) هم بنو النمر بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن الأزد. انظر مختلف القبائل ومؤتلفها ص 19. وفي الأصل: " أشياخ النمر " وفي ح: " أشياخ الأزد " وأثبته كاملا من الطبري (6: 15). (3) التكملة من ح والطبري. (4) ح: " آلمنا ". (5) ح: " وديننا " (6) في الأصل: " إذا اجتمعنا " وأثبت ما في ح. (7) هذه الجملة ساقطة من ح. وهى في أصلها: " اغر الله بك في النية " وفي الطبري: " أعز الله بك النية ". ورأيت صوابهما فيما أثبت. الإعزاب: الإبعاد. والتيه: الضلال. (8) التمييل: الترجيح. في الأصل: " في أمرين قط " وأثبت ما في ح. وفي اللسان: (*)

[ 263 ]

وأيهما ندع، في الجاهلية ولا بعد ما أسلمنا، إلا اخترت أعسرهما وأنكدهما. اللهم فأن نعافى أحب إلينا من أن نبتلى (1). فأعط كل رجل منا ما سألك ". فقال أبو بردة بن عوف: " اللهم احكم بيننا بما هو أرضى لك. يا قوم إنكم سترون ما يصنع الناس، وإن لنا الأسوة (2) بما اجتمعت عليه الجماعة إن كنا على حق [ وإن يكونوا (3) ] صادقين، فإن أسوة في الشر، والله، ما علمنا ضرر في المحيا والممات (4)). وتقدم جندب بن زهير فبارز رأس أزد الشام، فقتله الشامي، وقتل من رهط عبد الله بن ناجد عجلا وسعيدا ابني عبد الله (5)، وقتل مع مخنف من رهطه عبد الله بن ناجد، [ و ] خالد بن ناجد (6)، وعمرو وعامر ابنا عريف، وعبد الله بن الحجاج، وجندب بن زهير، وأبو زينب بن عوف. وخرج عبد الله ابن أبى الحصين [ الأزدي ] في القراء الذين كانوا مع عمار بن ياسر فاصيب معه. وقد كان مخنف قال له: نحن أحوج إليك من عمار. فأبى عليه، فأصيب مع عمار. نصر: عمر، عن الحارث بن حصيرة، عن أشياخ النمر (7) أن عتبة


" تقول العرب: إنى لأميل بين ذينك الأمرين وأمايل بينهما أيهما آتى " وفي ح: " والله ما دفعنا في الرأى " تحريف. (1) ح: " أن تعافينا أحب إلى من أن تبتلينا ". (2) في الأصل: " وإن كنا الاسوة " صوابه في الطبري. وكلام أبى بردة لم يرد في مظنه من ح. (3) التكملة من الطبري. (4) في الأصل: " وإن كنا الأسوة " صوابه في الطبري. (5) الطبري: " وقتل من رهطه عجل وسعد ابنا عبد الله من بنى ثعلبة ". (6) في الأصل: " من رهط عبد الله بن ناجد بن خالد بن ناجد ". وصواب العبارة من الطبري. وفي الطبري: " عبد الله وخالد ابنا ناجد ". (7) انظر ما سبق ص 262. (*)

[ 264 ]

بن جويرية (1) قال يوم صفين: " ألا إن مرعى الدنيا قد أصبح هشيما (2)، وأصبح زرعها حصيدا، وجديدها سملا، وحلوها مر المذاق. ألا وإنى أنبئكم نبأ امرئ صادق، إنى سئمت الدنيا، وعزفت نفسي عنها. وقد كنت أتمنى الشهادة، وأتعرض لها في كل حين (3)، فأبى الله إلا أن يبلغني هذا اليوم. ألا وإنى متعرض ساعتي هذه لها، وقد طمعت ألا أحرمها. فما تنتظرون عباد الله من جهاد أعداء الله ؟ أخوف الموت القادم عليكم، الذاهب بأنفسكم لا محالة، أو من ضربة كف أو جبين بالسيف ؟ ! أتستبدلون الدنيا بالنظر إلى وجه الله عز وجل، أو مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار القزار. ما هذا بالرأى السديد ". ثم قال: " يا إخوتاه، إنى قد بعت هذه الدار بالدار التى أمامها. وهذا وجهى إليه، لا يبرح الله وجوهكم (4) ولا يقطع الله أرحامكم ". فتبعه إخوته عبيد الله وعوف ومالك وقالوا (5): " لا نطلب رزق الدنيا بعدك. قبح الله العيش بعدك. اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك ". فاستقدموا [ جميعا ] فقاتلوا حتى قتلوا. نصر: عمر، حدثنى رجل من آل الصلت بن خارجة، أن تميما لما ذهبت لتنهزم [ ذلك اليوم ] ناداهم مالك بن حرى النهشلي (6): " ضاع الضراب اليوم


(1) ح (1: 490): " عقبة بن خوبة " وفي الطبري: " عقبة بن حديد النمري ". (2) في الأصل: " أصبح شجرها هشيما " والوجه حذف " شجرها " كما في ح والطبري. (3) وكذا في ح. لكن في الطبري: " في كل جيش وغارة ". (4) البرح: الشدة والأذى. (5) في الأصل: " فتبعه أخواه عبيد الله وعوف ابنا مالك وقالا " والوجه ما أثبت من الطبري. (6) في الأصل: " مالك بن مر النهشلي " صوابه في ح (1: 490). وقد ذكره ابن حجر في أثناء ترجمته لأخيه نهشل بن حرى 8878. (*)

[ 265 ]

والذى أنا له وسائر القوم عبد، يا بنى تميم ". قالوا: ألا ترى الناس قد انهزموا ؟ قال لهم: أفرارا واعتذارا ؟ ! (1) [ ثم نادى بالأحساب، فجعل يكررها، ف‍ ] قالت له بنو تميم: أفتنادى بنداء الجاهلية ؟ ! إن ذا لا يحل. قال: فالفرار ويلكم أقبح. إن لم تقاتلوا على الدين واليقين فقاتلوا على الأحساب. ثم أقبل يقاتل ويرتجز وهو يقول: إن تميما أخلفت عنك ابن مر (2) * وقد أراهم وهم الحى الصبر فإن تخيموا أو تفروا لا نفر (3) وقال أخوه نهشل بن حرى (4) التميمي يرثيه: تطاول هذا الليل ما كاد ينجلى * كليل التمام ما يريد انصراما فبت لذكرى مالك بكآبة * أؤرق من بعد العشاء نياما أبى جزعى في مالك غير ذكره * فلا تعذليني أن جزعت أماما سأبكى أخى ما دام صوت حمامة * يؤرق (5) من وادى البطاح حماما وأبعث أنواحا عليه بسحرة (6) * وتذرف عيناى الدموع سجاما وأدعو سراة الحى يبكون مالكا * وأبعث نوحا يلتدمن قياما


(1) في الأصل: " أفرار واعتذار " وأثبت ما في ح. (2) يقول: إن تميم بن مر أخلفت عنك. وهم تميم بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر. والإخلاف: التخلف، قال الأسود بن يعفر (اللسان 10: 443): بيض مساميح في الشتاء وإن * أخلف نجم عن نوئه وبلوا (3) خام يخيم خيما وخيمانا وخيوما وخيومة وخيمومة وخياما: نكص وجبن. (4) هو نهشل بن حرى بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو من الشعراء المخضرمين. انظر الإصابة والخزانة (1: 151). وحرى، بفتح الحاء وتشديد الراء المكسورة كالمنسوب إلى الحر أو الحرة. وفي الأصل: " نهشل بن مر " صوابه في ح. (5) ح: " تؤرق " أي الحمامة. (6) الأنواح: جمع نوح، بالفتح، للنسوة النائحات. والسحرة، بالضم: السحر، وقيل هو من ثلث الليل الآخر إلى طلوع الفجر. وفي الأصل: " بشجوة " صوابه في ح. (*)

[ 266 ]

يقلن ثوى رب السماحة والندى * وذو عزة يأبى بها أن يضاما وفارس خيل لا تساير خيله * إذا اضطرمت نار العدو ضراما وأحيا عن الفحشاء من ذات كلة * يرى ما يهاب الصالحون حراما وأجرأ من ليث بخفان مخدر * وأمضى إذ رام الرجال صداما فلا ترجون ذا إمة بعد مالك * ولا جازرا للمنشئات غلاما (1) وقل لهم لا يرحلوا الأدم بعده * ولا يرفعوا نحو الجياد لجاما (2) وقال أيضا فيه: أبكى الفتى الأبيض البهلول سنته * عند النداء، فلا نكسا ولا ورعا (3) أبكى على مالك الأضياف إذ نزلوا * حين الشتاء وعز الرسل فانجدعا (4) ولم يجد لقراهم غير مربعة * من العشار تزجى تحتها ربعا (5) أهوى لها السيف ترا وهى راتعة * فأوهن السيف عظم الساق فانقطعا (6)


(1) الإمة، بالكسر: النعمة. وفي الأصل: " فلا يرجعون ". والمنشئات: النوق اللواقح، أنشأت الناقة فهى منشئ: لقحت. والغلام: الطار الشارب، والكهل، أو من حين يولد إلى أن يشب. وهذا البيت وتاليه لم يرويا في ح. وفي الأصل: " ولا جار إلا المنشآت علاما ". (2) الأدم: جمع آدم وأدماء، وهى الإبل الخالصة البياض. رحل البعير، كمنع: حط عليه الرحل. (3) السنة: الوجه. وفي الأصل: " شبيه " صوابه في ح (1: 491)، وفي ح: " بكى " في هذا البيت وتاليه على الأمر. (4) نسبه إلى الأضياف. والرسل، بالكسر: اللبن. (5) المربعة: ذات الربع، بضم ففتح، وهو ما ولد من الإبل في الربيع. والمذكور في المعاجم: " مربع " بدون تاء، و " مرباع ". تزجى: تسوق، وفي الأصل: " يرجى " صوابه في ح. (6) التر: القطع والإبانة. ح: " صلتا ". (*)

[ 267 ]

فجاءهم بعد رقد الحى أطيبها وقد كفى منهم من غاب واضطجعا (1) يا فارس الروع يوم الروع قد علموا * وصاحب العزم لا نكسا ولا طبعا (2) ومدرك التبل في الأعداء يطلبه * وإن طلبت بتبل عنده منعا (3) قالوا: أخوك أتى الناعي بمصرعه * فارتاع قلبي غداة البين فانصدعا ثم ارعوى القلب شيئا بعد طيرته * والنفس تعلم أن قد أثبتت وجعا (4) وقتل محيا بن سلامة بن دجاجة، من تيم الرباب، بصفين، وقتل المسيب بن خداش من تيم الرباب، ودينار عقيصا (5) مولاه. نصر: عمر بن سعد، حدثنى يونس بن أبى إسحاق قال: قال [ لنا ] أدهم بن محرز [ الباهلى ] ونحن معه بأذرح (6): هل رأى أحد منكم شمر بن


(1) الرقد، بالفتح: النوم كالرقاد والرقود. وفي ح: " رفد الناس " بالفاء، وهو بالكسر: الصلة والعطاء، وبالفتح، المصدر. من غاب: أي من غاب وقعد عن بر الأضياف. ومثله قول متمم بن نويرة في المفضلية 67: إذا جرد القوم القداح وأوقدت * لهم نار أيسار كفى من تضجعا وفي الأصل: " من غار " صوابه ما أثبت. وفي ح: " وأشبعت منهم من نام " وهى رواية مصنوعة فيما أرى. (2) النكس، بالكسر: المقصر عن غاية النجدة والكرم، والطبع، بفتح فكسر: الدنئ الخلق الدنس. (3) التبل، بالفتح: الثأر والذحل. وفي الأصل: " ومدرك النيل " و: " بنيل " صوابهما ما أثبت من ح (1: 491). (4) الطيرة: المرة من الطيران. ح: " طربته " والطربة المرة من الطرب، والطرب يقال في السرور والحزن معا. وفي الأصل: " قد أثبتت " صوابه في ح. وفي اللسان: " أثبته السقم، إذا لم يفارقه ". (5) سبقت ترجمته في 145. وعقيصا لقب لدينار. والبصريون يوجبون الإضافة في مثل هذا. والكوفيون يجيزون الإتباع والقطع إلى النصب وإلى الرفع. الأشموني (1: 143 - 144). (6) أذرح، بضم الراء وفي آخرة حاء مهملة: اسم بلد في أطراف الشام. وفي الأصل: " باددخ " وفي ح: " بأدرج " صوابهما ما أثبت. (*)

[ 268 ]

ذى الجوشن ؟ فقال عبد الله بن كبار النهدي، وسعيد بن خازم السلولى 1): نحن رأيناه. قال: فهل رأيتما ضربة بوجهه ؟ قالا: نعم. قال: أنا والله ضربته تلك الضربة بصفين. نصر: عمر، عن الصلت بن زهير (2) النهدي، عن مسلم قال: خرج أدهم بن محرز من أصحاب معاوية بصفين إلى شمر بن ذى الجوشن فاختلفا ضربتين، فضربه أدهم على جبينه فأسرع فيه السيف حتى خالط العظم، وضربه شمر فلم يصنع سيفه شيئا، فرجع إلى عسكره فشرب من الماء وأخذ رمحا، ثم أقبل وهو يقول: إنى زعيم لأخي باهله * بطعنة إن لم أمت عاجله (3) وضربة تحت الوغى فاصله (4) * شبيهة بالقتل أو قاتله ثم حمل على أدهم وهو يعرف وجهه، وأدهم ثابت له لم ينصرف، فطعنه فوقع عن فرسه، وحال أصحابه دونه فانصرف، فقال [ شمر ]: هذه بتلك. وخرج سويد [ بن قيس ] بن يزيد الأرحبي من عسكر معاوية يسأل المبارزة، فخرج إليه من عسكر العراق أبو العمرطة قيس [ بن عمرو بن عمير ] بن يزيد، وهو ابن عم سويد، وكل منهما لا يعرف صاحبه، فلما تقاربا تعارفا وتواقفا وتساءلا، ودعا كل واحد منهما صاحبه إلى ما هو عليه (5)، فقال أبو العمرطة: أما أنا فوالله الذى لا إله إلا هو لئن استطعت لأضربن بسيفي هذه القبة البيضاء - يعنى قبة معاوية التى هو فيها - ثم انصرف كل منهما إلى أصحابه. فقال في ذلك همام:


(1) ح: " سعيد بن حازم البلوى ". (2) في الأصل: " عمر بن الصلت بن زهير ". (3) في الطبري (6: 16): " إن لم اصب ". (4) الطبري: " أو ضربة تحت القنا والوغى ". (5) ح: " إلى دينه ". (*)

[ 269 ]

ألوم بن لوم ما غدا بك حاسرا * إلى بطل ذى جرأة وشكيم (1) معاود ضرب الدارعين بسيفه * على الهام عند الهيج غير لئيم إلى فارس الغاوين حيث تلاقيا * بصفين قرم نجل خير قروم (2) قال: وخرج بشر بن عصمة المزني (3) يسأل المبارزة - وكان من أهل الكوفة فلحق بمعاوية - فخرج إليه مالك بن الجلاح (4)، وكان يقال له ابن العقدية (5) وكان رجلا ناسكا، فأقبلا في خيلهما، فتغفله بشر بن عصمة فطعنه، فصرع ابن العقدية، فقال بشر بن عصمة: إنى لأرجو من مليكى وخالقي ومن فارس الموسوم في الصدر هاجس (6) دلفت له تحت الغبار بطعنة * على ساعة فيها الطعان يخالس (7)


(1) هذه الأبيات لم ترو في ح. وفي الأصل: " ذى جرة " والوجه ما أثبت. والشكيم، في اللسان: " يجوز أن يكون لغة في الشكيمة ". وأنشد: * أنا ابن سيار على شكيمه * والشكيمة: الصرامة والحزم والأنفة والانتصار من الظلم. (2) الغاوين، كذا وردت. والقرم، بالفتح: السيد المعظم. (3) بشر بن عصمة المزني، أحد الصحابة، ترجم له في الاستيعاب والإصابة ولسان الميزان. وفي الأصل: " المرى " صوابه في الطبري ومراجع ترجمته. وهذا الخبر لم يرد في مظنه من ح. (4) هو مالك بن الجلاح بن صامت بن سدوس بن إنسان بن عتوارة، أحد بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن. ذكره المرزبانى في معجمه 363. وفي الأصل: " مالك بن اللجلاج "، صوابه في الطبري ومعجم المرزبانى. (5) العقدية أمه، غلبت عليه. وعقد، بالتحريك: قبيلة من بجيلة أو اليمن. انظر الطبري والقاموس (عقد). (6) في القاموس: " موسوم فرس مالك بن الجلاح ". ورواية الطبري: " من مليكى تجاوزا ". (7) الطبري: " الطعان تخالس ". (*)

[ 270 ]

فرد عليه ابن العقدية: ألا أبلغا بشر بن عصمة أننى * شغلت وألهاني الذين أمارس وصادفت منى غرة فأصبتها كذا كانت الأبطال ماض وحابس (1) قال: وخرج ذو نواس بن هذيم بن قيس العبدى - وكان ممن لحق بمعاوية - يسأل المبارزة، فخرج إليه ابن عمه الحارث بن منصور فاضطربا بسيفهما وانتميا إلى عشائرهما (2)، فعرف كل منهما صاحبه فتتاركا (3). ثم خرج مالك بن يسار الحضرمي يسأل المبارزة، فخرج إليه الجون بن مالك الحضرمي من أهل الشام فقتل الشامي الكوفى، وخرج زياد بن النضر الحارثى يسأل المبارزة، فخرج إليه رجل من أهل الشام من بنى عقيل فلما عرفه انصرف عنه، ثم خرج رجل من أزد شنوءة يسأل المبارزة، فخرج إليه رجل من أهل العراق فقتله، فخرج إليه الأشتر فما لبث أن قتله، فقال رجل: " كان هذا نارا فصادفت إعصارا ". فاقتتل الناس قتالا شديدا يوم الأربعاء، فقال رجل من أصحاب على: والله لأحملن على معاوية حتى أقتله ! فأخذ فرسا فركبه ثم ضربه حتى إذا قام على سنابكه دفعه فلم ينهنهه شئ عن الوقوف على رأس معاوية، ودخل معاوية خباء (4) فنزل الرجل عن فرسه ودخل عليه، فخرج معاوية من [ جانب ] الخباء [ الآخر ]، وطلع


(1) الطبري: " كذلك والأبطال ماص وخالس ". وفي معجم المرزبانى: " كذلك والأبطال ماض وجالس ". (2) انتميا: ارتفعا في النسب. وفي الأصل: " فانتهبا " تحريف. والخبر لم يرد في في مظنه من ح ولا في الطبري. (3) أي ترك كل منهما صاحبه. وفي الأصل: " تشاركا " تحريف. (4) ح: " فهرب معاوية ودخل خباء ". (*)

[ 271 ]

الرجل في إثره، فخرج معاوية وهو يقول (1): أقول لها وقد طارت شعاعا * من الأبطال إنك لن تراعى فإنك لو سألت خلاء يوم * على الأجل الذى لك لم تطاعى فأحاط به الناس فقال: ويحكم، إن السيوف لم يؤذن لها في هذا، ولولا ذلك لم يصل إليكم. عليكم بالحجارة. فرضخوه بالحجارة حتى همد الرجل، ثم عاد معاوية إلى مجلسه وهو يقول: هذا كما قال الآخر (2): أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا نصر، عن عمر، عن أبى روق، عن أبيه، عن عم له يدعى أبا أيوب قال: حمل يومئذ أبو أيوب على صف أهل الشام ثم رجع فوافق رجلا [ من أهل الشام ] صادرا قد حمل على صف أهل العراق ثم رجع، فاختلفا ضربتين، فنفحه أبو أيوب فأبان عنقه، فثبت رأسه على جسده كما هو، وكذب الناس أن يكون ضربه وأرابهم، حتى إذا دخل في أهل الشام (3) وقع ميتا وندر رأسه، فقال على: والله لأنا من ثبات رأس الرجل أشد تعجبا منى لضربته، وإن كان إليها ينتهى وصف الضارب (4). وغدا أبو أيوب إلى القتال فقال له على: أنت والله كما قال القائل: وعلمنا الضرب آباؤنا * فسوف نعلم أيضا بنينا نصر: قال عمر: وخرج رجل يسأل المبارزة، من أهل الشام، فنادى


(1) المعروف أن البيتين التاليين هما من أبيات لقطرى بن الفجاءة المتوفى سنة 78 أو 79. انظر الحماسة (1: 24) وابن خلكان (1: 430). وقد كانت وفاة معاوية سنة 60. (2) هو حاتم الطائى، كما سبق في حواشى ص 246. (3) ح (1: 491): " حتى إذا أدخلته فرسه في صف أهل الشام ". (4) كذا. وفي ح: (1: 491): " وصف الواصفين ". (*)

[ 272 ]

من يبارز ؟ - وهو بين الصفين - فخرج إليه رجل من أهل العراق فاقتتلا بين الصفين قتالا شديدا، ثم إن العراقى اعتنقه فوقعا جميعا تحت قوائم فرسيهما، فجلس على صدره وكشف المغفر عنه يريد ذبحه، فلما رآه عرفه فإذا هو أخوه لأبيه وأمه، فصاح به أصحاب على: أجهز على الرجل ! فقال: إنه أخى قالوا: قاتركه. قال: لا، حتى يأذن لى أمير المؤمنين. فأخبر على بذلك، فأرسل إليه: دعه. فتركه، [ فقام فعاد إلى صف معاوية ]. نصر، عن محمد بن عبيد الله (1)، عن الجرجاني قال: كان فارس معاوية الذى يعده لكل مبارز ولكل عظيم حريث مولاه، وكان يلبس سلاح معاوية متشبها به، فإذا قاتل (2) قال الناس: ذاك معاوية. وإن معاوية دعاه فقال: يا حريث، اتق عليا، وضع رمحك حيث شئت ! فأتاه عمرو بن العاص فقال: يا حريث، إنك والله لو كنت قرشيا (3) لأحب معاوية أن تقتل عليا ولكن كره أن يكون لك حظها، فإن رأيت فرصة فاقحم. وخرج على [ عليه السلام في هذا اليوم ] أمام الخيل، وحمل عليه حريث. قال نصر: فحدثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن تميم قال: نادى حريث مولى معاوية [ هذا اليوم ]، وكان شديدا ذا بأس، فقال: يا على، هل لك في المبارزة، فأقدم أبا حسن إذا شئت. قأقبل على وهو يقول: أنا على وابن عبد المطلب * نحن لعمر الله أولى بالكتب منا النبي المصطفى غير كذب * أهل اللواء والمقام والحجب


(1) في الأصل: " عبد الله " تحريف. (2) في الأصل: " قابل " صوابه في ح. (3) في الأصل: " قريشا " صوابه في ح. (*)

[ 273 ]

نحن نصرناه على جل العرب (1) يأيها العبد الغرير المنتدب (2) أثبت لنا يأيها الكلب الكلب ثم خالطه فما أمهله أن ضربه ضربة واحدة فقطعه نصفين (3). قال نصر: قال محمد بن عبيد الله، [ عن ] الجرجاني (4): إن معاوية جزع عليه جزعا شديدا، وعاتب عمرا. قال معاوية: حريث ألم تعلم وجهلك ضائر * بأن عليا للفوارس قاهر وأن عليا لم يبارزه فارس * من الناس إلا أقصدته الأظافر أمرتك أمرا حازما فعصيتني * فجدك إذ لم تقبل النصح عاثر ودلاك عمرو والحوادث جمة * غرورا وما جرت عليك المقادر وظن حريث أن عمرا نصيحه * وقد يهلك الإنسان من لا يحاذر أيركب عمر رأسه خوف سيفه * ويصلى حريثا إنه لفرافر (5) نصر: عمرو بن شمر، عن جابر، عن تميم قال: فلما قتل على حريثا برز عمرو بن حصين السكسكي فنادى: يا أبا حسن هلم إلى المبارزة. فأنشأ على يقول: ما علتى وأنا جلد حازم * وعن يمينى مذحج القماقم وعن يسارى وائل الخضارم * والقلب حولي مضر الجماجم وأقبلت همدان في الخضارم * مشى الجمال البزل الخلاجم


(1) ح (1: 492): " كل العرب ". (2) الغرير: المخدوع. وفي الأصل: " العزيز " وهذا البيت وتاليه لم يرويا في ح. (3) في الأصل: " ثم ضربه على فقتله " وأثبت بدلها ما ورد في ح. (4) في الأصل: " محمد بن عبد الله الجرجاني " والوجه ما أثبت. (5) الفرافر، بفاءين أولاهما مضمومة: الأخرق الأحمق. وفي الأصل: " قراقر " بقافين، ووجهه ما أثبت. وهذا البيت لم يرد في ح. (*)

[ 274 ]

أقسمت بالله العلى العالم * لا أنثنى إلا برغم الراغم وحمل عليه عمرو بن الحصين ليضربه، فبادره إليه سعيد بن قيس ففلق صلبه. نصر، عن عمرو بن شمر قال: حدثنى السدى عن أبى أراكة أن عليا قال يومئذ: دعوت فلباني من القوم عصبة * فوارس من همدان غير، لئام فوارس من همدان لبسوا بعزل * غداة الوغى من شاكر وشبام (1) بكل ردينى وعضب تخاله * إذا اختلف الأقوام شعل ضرام (2) لهمدان أخلاق ودين يزينهم * وبأس إذا لا قوا وحد خصام (3) قال: قال نصر: وفي حديث عمر بن سعد: وجد وصدق في الحروب ونجدة * وقول إذا قالوا بغير أثام متى تأتهم في دارهم تستضيفهم * تبت ناعما في خدمة وطعام جزى الله همدان الجنان فإنها * سمام العدى في كل يوم زحام (4) فلو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان ادخلي بسلام نصر قال: عمرو بن شمر في حديثه: ثم قام على بين الصفين ثم نادى: يا معاوية ! - يكررها - فقال معاوية: اسألوه، ما شأنه ؟ قال: أحب أن يظهر لى فأكلمه كلمة واحدة. فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص، فلما قارباه


(1) بنو شاكر وشبام: بطنان من همدان. انظر الاشتقاق 257، 250. وشبام، بكسر الشين، وأصل معناه الخشبة تعرض في فم الجدى لثلا يرتضع، وشباما البرقع: الخيطان اللذان يشدان في القفا. (2) في الأصل: " وكل " والوجه ما أثبت من ح (1: 492). (3) الحد، بفتح الحاء: الحدة. وفي الأصل: " وجد " ووجهه في ح. (4) لسمام. جمع سم: في الأصل. " يوم سمام " صوابه في ج. (*)

[ 275 ]

لم يلتفت إلى عمرو، وقال لمعاوية: ويحك، علام يقتتل الناس بينى وبينك، ويضرب بعضهم بعضا ؟ ! ابرز إلى فأينا قتل صاحبه فالأمر له. فالتفت معاوية إلى عمرو فقال: ما ترى يا أبا عبد الله فيما ها هنا، أبارزه ؟ فقال عمرو: لقد أنصفك الرجل، واعلم أنه إن نكلت عنه لم تزل (1) سبة عليك وعلى عقبك ما بقى عربي فقال معاوية: يا عمرو بن العاص، ليس مثلى يخدع عن نفسه. والله ما بارز ابن أبى طالب رجلا قط إلا سقى الأرض من دمه. ثم انصرف راجعا حتى انتهى إلى آخر الصفوف وعمرو معه. [ فلما رأى على عليه السلام ذلك ضحك وعاد إلى موقفه ] وفي حديث عمر قال: قال معاوية: ويحك يا عمرو، ما أحمقك، أتراني أبرز إليه ودوني عك والأشعرون وجذام ؟ ! قال: وحقدها معاوية على عمرو [ باطنا ] وقال له [ ظاهرا ]: ما أظنك [ قلت ما قلته ] يا عمرو (2) إلا مازحا. فلما جلس معاوية مجلسه مع أصحابه أقبل عمرو يمشى حتى جلس فقال معاوية: يا عمرو إنك قد قشرت لى العصا * برضاك في وسط العجاج برازى يا عمرو إنك قد أشرت بظنة * إن المبارز كالجدي النازى ما للملوك وللبراز وإنما * حتف المبارز خطفة للبازى (3) ولقد أعدت فقلت مزحة مازح * والمزح يحمله مقال الهازى فإذا الذى منتك نفسك خاليا * قتلى، جزاك بما نويت الجازى فلقد كشفت قناعها مذمومة * ولقد لبست بها ثياب الخازى (4)


(1) ح: " لم يزل " بالياء. (2) ح: " أبا عبد الله ". (3) في الأصل: " حسب المبارز حفظه من بازى " وأثبت ما كتب في هامش الأصل مشارا إليه بأنه كذلك في نسخة أخرى. وقد لفق من عجز هذا البيت وصدر سابقة بيت واحد في ح فأسقط صدر هذا وعجز سابقه. (4) في الأصل: " لبست بنا " صوابه في ح (1: 493). (*)

[ 276 ]

فقال له عمرو: إيها أيها الرجل، أتجبن عن خصمك وتتهم نصيحك ؟ ! وقال مجيبا له: معاوى إن نكلت عن البراز * لك الويلات فانظر في المخازى (1) معاوى ما اجترمت إليك ذنبا * وما أنا في التى حدثت بخازى (2) وما ذنبي بأن نادى على * وكبش القوم يدعى للبراز فلو بارزته بارزت ليثا * حديد الناب يخطف كل بازى (3) ويزعم أننى أضمرت غشا * جزاني بالذى أضمرت جازى أضبع في العجاجة يا ابن هند * وعند الباه كالتيس الحجازى نصر، عن عمر قال: حدثنى فضيل بن خديج قال: خرج رجل من أهل الشام يدعو إلى المبارزة، فخرج إليه عبد الرحمن بن محرز (4) الكندى ثم الطمحى (5)، فتجاولا ساعة، ثم إن عبد الرحمن حمل على الشامي فطعنه في نقرة نحره (6) فصرعه، ثم نزل إليه فسلبه درعه وسلاحه، فإذا هو عبد أسود (7)، فقال: يا لله، لقد أخطرت نفسي لعبد أسود. قال: وخرج رجل من عك ليسأل المبارزة، فخرج إليه قيس بن فهدان الكنانى ثم


(1) ح: " وخفت فإنها أم المخازى ". (2) في الأصل: " بخاذى " تحريف، وفي ح: " خازى " مع قراءة " حدثت " بتشديد الدال. (3) في الأصل: " ينفذ كل بازى " وأثبت ما في ح. (4) في الأصل: " بن نجم " صوابه في ح والطبري (6: 16). (5) هذه الكلمة ساقطة من ح، وفي الطبري: " الطحمى " بتقديم الحاء، تحريف. والطمحى: نسبة إلى " طمح "، وضبطت في القاموس ضبط نص بالتحريك، وفي اللسان ضبط قلم بفتحتين أيضا. وفي الاشتقاق 218، 317 بضم الطاء وفتح الميم. وهى بطن من بطون كندة. (6) الطبري: " ثغرة نحره " وما أثبت من الأصل يطابق ما في ح. والثغرة، بالضم: نقرة النحر. (7) الطبري " فإذا هو حبشي ". (*)

[ 277 ]

البدني (1) فما لبث العكى أن طعنه فقتله، فقال قيس: لقد علمت عك بصفين أننا * إذا ما نلاقى الخيل نطعنها شزرا ونحمل رايات القتال بحقها * فنوردها بيضا ونصدرها حمرا (2) وحمل عبد الله بن الطفيل البكائى (3) على صفوف أهل الشام، فلما انصرف حمل عليه رجل من بنى تميم يقال له قيس بن نهد (4) الحنظلي اليربوعي - وهو ممن لحق بمعاوية من أهل العراق - فوضع الرمح بين كتفي عبد الله فاعترضه يزيد بن معاوية البكائى، ابن عم عبد الله بن الطفيل، فوضع الرمح بين كتفي التميمي وقال: والله لئن طعنته لأطعننك. قال: عليك عهد الله لئن رفعت السنان عن ظهر صاحبك لترفعنه عنى. قال: نعم لك العهد والميثاق بذلك. فرفع السنان عبد الله بن طفيل، ورفع يزيد الرمح عن التميمي، فوقف التميمي فقال [ ليزيد ]: من أنت ؟ قال: أحد بنى عامر. قال: جعلني الله فداكم، أينما لقيناكم وجدناكم كراما، والله إنى لآخر أحد عشر رجلا من بنى تميم قتلتموهم (5) اليوم. فلما تراجع الناس عن صفين عتب يزيد على عبد الله بن الطفيل في بعض ما يعتب الرجل على ابن عمه فقال: ألم ترنى حاميت غنك مناصحا * بصفين إذ خلاك كل حميم ونهنهت عنك الحنظلي وقد أتى * على سابح ذى ميعة وهزبم ثم خرج ابن مقيدة الحمار الأسدى، [ وكان ذا بأس وشجاعة ] وهو مع


(1) في الأصل: " بن فهد بن الكندى " وأثبت ما في الطبري. وفي ح: " قيس ابن فهران ". (2) في الأصل: " ونوردها " وأثبت ما في ح والطبري. (3) سبقت ترجمته في ص 206. ح: " البكالى " تحريف. (4) ح: " بن فهد " بالفاء، وفي الطبري (6: 16): " بن قرة ". (5) في الأصل: " قتلتموه " وأثبت ما في ح والطبري. (*)

[ 278 ]

أهل الشام، وكان في الناس ردف بشر بن عصمة وهو الثاني في الناس، فنادى: ألا من مبارز ؟ فأحجم الناس عنه، فقام المقطع العامري وكان شيخا كبيرا، فقال له علي: اقعد إنك شيخ كبير وليس معه من رهطه أحد غيره، ما كنت لأقدمك. فجلس. ثم إنه نادى ابن مقيدة الحمار: ألا من مبارز ؟ الثانية. فقام المقطع، فأجلسه على أيضا. ثم نادى الثالثة: ألا من مبارز ؟ فقام المقطع فقال: يا أمير المؤمنين، والله لا تردني، إما أن يقتلنى فأتعجل الجنة، وأستريح من الحياة الدنيا في الكبر والهرم، أو أقتله فأريحك منه. فقال له على: ما اسمك ؟ قال: أنا المقطع، قد كنت أدعى هشيما فأصابتني جراحة فسميت مقطعا منها. فقال له: اخرج [ إليه، وأقدم عليه ]، اللهم انصره ! فحمل عليه المقطع، فأجهش ابن مقيده الحمار، وكان ذكيا مجربا، فلم يجد شيئا خيرا من الهرب، فهرب حتى مر بمضرب معاوية (1) والمقطع على أثره فجاز معاوية فناداه معاوية: لقد شمص بك العراقى (2). قال: لقد فعل ! ثم رجع المقطع حتى وقف في موقفه: فلما كان عام الجماعة [ و ] بايع الناس معاوية سأل عن المقطع العامري حتى نزل عليه، فدخل عليه فإذا هو شيخ كبير، فلما رآه قال: أوه، لولا (3) أنك في هذا الحال ما أفلتني. قال: نشدتك الله إلا قتلتنى وأرحتني (4) من بؤس الحياة، وأدنيتني إلى لقاء الله. قال: إنى لا أقتلك، وإن لى إليك لحاجة. قال: فما حاجتك ؟ قال: جئت لا واخيك. قال: إنا وإياكم قد افترقنا في الله، أما أنا فأكون على حالى حتى يجمع الله بيننا في الآخرة.


(1) المضرب، بكسر الميم: الفسطاط العظيم. (2) في الأصل: " شخص " وأثبت ما في ح. الشمص: الإعجال، والتشميص: السوق والطرد العنيف. (3) في الأصل: " لو علمت " والوجه ما أثبت من ح. (4) في الأصل: " إلا قتلت وأرحت " وأثبت ما في ح. (*)

[ 279 ]

قال: فزوجني ابنتك. قال: قد منعتك ما هو أهون على من ذلك، قال: فاقبل منى صلة. قال: فلا حاجة لى في ما قبلك فتركه فلم يقبل منه شيئا قال: فاقتتل الناس قتالا شديدا فعبت لطيئ جموع أهل الشام، فجاءهم حمزة بن مالك [ الهمداني (1) ] فقال: من، أنتم، لله أبوكم ! فقال عبد الله بن خليفة الطائى (2): نحن طى السهل وطى الجبل، وطى الجبل الممنوع بالنحل (3)، ونحن حماة الجبلين، ما بين العذيب إلى العين، طى الرماح وطى البطاح، وفرسان الصباح. فقال له: بخ بخ ما أحسن ثناءك على قومك ! فقال: إن كنت لم تشعر بنجدة معشر * فاقدم علينا ويل غيرك تشعر (4) ثم اقتتلوا وأنشأ يقول: يا طي، فدى لكم طارفى وتلادى، قاتلوا على الدين والأحساب. ثم أنشأ يقول: يا طيئ الجبال والسهل معا * إنا إذا داع دعا مضطجعا ندب بالسيف دبيبا أروعا * فننزل المستلئم المقنعا (5) ونقتل المنازل السميدعا وقال بشر بن العشوش الطائى [ ثم الملقطى (1) ]: يا طيئ السهول والجبال * ألا انهضوا بالبيض والعوالى


(1) هذه من الطبري (6: 17). (2) في الطبري: " البولانى "، وبولان: إحدى قبائل طيئ. (3) كذا. وفي الطبري: " الممنوع ذى النخل ". (4) البيت لم يرو في ح. وفي الطبري: " ويب غيرك ". (5) في الأصل: " فنترك ". وقد روى الرجز في الطبري على الوجه التالى: أنا الذى كنت إذا الداعي دعا * مصمما بالسيف ندبا أروعا فأنزل المستلئم المقنعا * وأقتل المبالط السميدعا (6) التكملة من الطبري. وفيه: " بن العسوس " بمهملتين. (*)

[ 280 ]

وبالكماة منكم الأبطال * فقارعوا أئمة الضلال السالكين سبل الجهال قال: ففقئت عينه فقال: ألا ياليت عينى هذه مثل هذه * ولم أمش بين الناس إلا بقائد ويا ليت رجلى ثم طنت بنصفها (1) ويا ليت كفى ثم طاحت بساعدي ويا ليتنى لم أبق بعد مطرف * وسعد وبعد المستنير بن خالد فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم * إذا هي أبدت عن خدام الخرائد (2) آخر الجزء الرابع من أجزاء ابن الطيورى، يتلوه في الخامس: " نصر ابن مزاحم، عن عمر، عن فضيل بن خديج أن قيس بن فهدان كان يحرض أصحابه ويقول: إذا شددتم فشدوا جميعا ". وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا. وجدت في الجزء السادس من أجزاء عبد الوهاب بخطه: " سمع جميعه على الشيخ أبى الحسين المبارك بن عبد الجبار، الأجل السيد الأوحد الإمام قاضى القضاة أبو الحسن على بن محمد الدامغاني، وابناه القاضيان أبو عبد الله محمد


(1) طنت: قطعت وسقطت فكان لذلك صوت. وفي الأصل: " طلت " صوابه في الطبري. (2) الحواضن: الأمهات. وفي الأصل: " لم تعر الحواضر " صوابه من الطبري. هي: أي الحرب، وفي الطبري: " إذا الحرب ". والخدام: السيقان، واحدتها خدمة. ومثله قوله: تذهل الشيخ عن بنيه وتبدى * عن خدام العقيلة العذراء (*)

[ 281 ]

وأبو الحسين أحمد، وأبو عبد الله محمد بن القاضى أبى الفتح بن البيضاوى، والشريف أبو الفضل محمد بن على بن أبى يعلى الحسينى، وأبو منصور محمد بن محمد بن قرمى، بقراء عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي في شعبان من سنة أربع وتسعين وأربعمائة.

[ 283 ]

الجزء الخامس من كتاب صفين لنصر بن مزاحم رواية أبى محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبى الحسن على بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبى الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت رواية أبى يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبى الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى رواية الشيخ الحافظ أبى البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الانماطى سماع مظفر بن على بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم - غفر الله له

[ 285 ]

بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الحافظ شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك ابن أحمد بن الحسن الأنماطي قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار ابن أحمد الصيرفى بقراءتي عليه، قال: أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد ابن جعفر الحريري، قال: أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن ثابت، قال: أبو الحسن على بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد بن همام الشيباني، قال: أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز، قال: نصر بن مزاحم، عن عمر، عن فضيل بن خديج أن قيس بن فهدان كان يحرض أصحابه ويقول: " إذا شددتم فشدوا جميعا وغضوا الأبصار، وأقلوا الكلام واللغط، واعتوروا الأقران (1)، ولا تؤتين من قبلكم العرب ". وقتل نهيك بن عزيز من بنى الحارث بن عدى، وعمرو بن يزيد من بنى ذهل، وسعد بن عمر (2) من بنى بدا. وخرج قيس بن يزيد (3) الكندى - وهو ممن فر إلى معاوية من على - فخرج إليه من أصحاب على [ قيس بن


(1) في الأصل: " وأغنوا الأقران " صوابه في الطبري (6: 17). وهذا الكلام لم يرد في مظنه من ح. (2) الطبري: " وسعيد بن عمرو " ولم ينسبه إلى قبيلته. (3) في الأصل: " زيد " صوابه من الطبري. (*)

[ 286 ]

عمرو بن عمير بن (1) ] يزيد، أبو العمرطة، فلما دنا منه عرفه فانصرف كل واحد منهما عن صاحبه. نصر، عن عمر قال: حدثنى رجل عن أبى الصلت التيمي، قال أشياخ من محارب: إنه كان رجل منهم يقال له عنتر بن عبيد بن خالد (2)، وكان من أشجع الناس يوم صفين، فلما رأى أصحابه منهزمين أخذ ينادى: يا معشر قيس، أطاعة الشيطان آثر عندكم من طاعة الله ؟ ! [ ألا إن ] الفرار فيه معصية الله وسخطه، والصبر فيه طاعة الله ورضوانه. [ أفتختارون سخط الله على رضوانه، ومعصيته على طاعته ]. فإنما الراحة بعد الموت لمن مات محتسبا لنفسه. وقال (3): لاوألت نفس امرئ ولت دبر (4) * أنا الذى لا أنثنى ولا أفر ولا يرى مع المعازيل الغدر (5) فقاتل حتى ارتث. ثم إنه بعد ذلك خرج في الخمسمائة (6) الذين خرجوا مع فروة (7) بن نوفل الأشجعي، فنزلوا بالدسكرة والبندنيجين (8). ثم إن النخع قاتلت قتالا شديدا فأصيب منهم يومئذ بكر بن هوذة، وحنان


(1) تكملة يصح بها الكلام. انظر ما سبق من 268. وفي الطبري. " أبو العمرطة بن يزيد ". (2) الطبري: " خنثر بن عبيدة بن خالد ". (3) وردت هذه الكلمة بعد البيت الأول من الرجز التالى. وموضعها هنا. (4) وألت: نجت. وفي الأصل: " وأبت " صوابه في ح والطبري. (5) المعازيل: جمع معزال، وهو الذى لا سلاح معه. (6) في الأصل: " خمسمائة " صوابه في الطبري. (7) في الأصل: " فرفة " تحريف، صوابه في الطبري. وفي تقريب التهذيب: " فروة بن نوفل الأشجعي، مختلف في صحبته، والصواب أن الصحبة لأبيه ". وانظر الإصابة 7033. ولم يرد ذكره في معجم المرزبانى المطبوع، مع نص الإصابة على أن المرزبانى ذكره في المعجم. (8) البندنيجين: بلدة في طرف النهروان من ناحية الجبل من أعمال بغداد. (*)

[ 287 ]

ابن هوذة (1)، وشعيب بن نعيم من بنى بكر النخع، وربيعة بن مالك بن وهبيل (2)، وأبى بن قيس أخو علقمة [ بن قيس الفقيه (3) ]، وقطعت رجل علقمة بن قيس، فكان يقول: ما أحب أن رجلى أصح ما كانت، لما أرجو بها من حسن الثواب من ربى. ولقد كنت أحب أن أبصر في نومى أخى وبعض إخوانى، فرأيت أخى في النوم فقلت له: يا أخى، ماذا قدمتم عليه ؟ فقال: التقينا نحن والقوم فاحتججنا عند الله عز وجل فحججناهم. فما سررت بشئ مذ عقلت كسروري بتلك الرؤيا. نصر، عن عمر، عن سويد بن حبة النضرى (4)، عن الحضين (5) بن المنذر [ الرقاشى ] قال: إن ناسا كانوا أتوا عليا قبل الوقعة في هذا اليوم، فقالوا: إنا لا نرى خالد بن المعمر السدوسى إلا قد كاتب معاوية، وقد خشينا أن يتابعه. فبعث إليه على وإلى رجال من أشرافهم، فحمد الله ربه تبارك وتعالى وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معشر ربيعة فأنتم أنصارى، ومجيبو دعوتي، ومن أوثق حى في العرب في نفسي، ولقد بلغني أن معاوية قد كاتب صاحبكم خالد بن المعمر، وقد أتيت (6) به، وقد جمعتكم له لأشهدكم عليه وتسمعوا أيضا منى ومنه ". ثم أقبل عليه فقال: " يا خالد بن المعمر، إن كان ما بلغني عنك حقا فإنى


(1) الطبري: " حيان بن هوذة ". (2) في الأصل: " وسعير بن نعيم من بنى بكر بن ربيعة ومالك بن نهشل ". وأثبت ما في الطبري (6: 18). (3) هذه التكملة من الطبري. (4) ح (1: 4 5): " بن حبة البصري " الطبري: " بن حبة الأسدى ". (5) هو الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشى، فارس شاعر من كبار التابعين مات على رأس المائة. انظر المؤتلف 87 وتهذيب التهذيب والخزانة (2: 89 - 90). وحضين، بالضاد المعجمة وبهيئة التصغير. وفي الأصل وح: " الحصين " صوابه في الطبري. (6) في الأصل: " أوتيت به " صوابه في ح والطبري. (*)

[ 288 ]

أشهد الله ومن حضرني من المسلمين أنك آمن حتى تلحق بالعراق أو بالحجاز، أو أرض لا سلطان لمعاوية فيها. وإن كنت مكذوبا عليك فأبر صدورنا بأيمان نطمئن إليها ". فحلف له بالله ما فعل، وقال رجال منا كثير: والله لو نعلم أنه فعل لقتلناه. وقال شقيق بن ثور [ السدوسى (1) ]: ما وفق الله الله خالد بن المعمر حين نصر معاوية وأهل الشام على على وربيعة. فقال له زياد بن خصفة: يا أمير المؤمنين، استوثق من ابن المعمر بالأيمان لا يغدر. فاستوثق منه، ثم انصرفنا فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من الميمنة فجاءنا على حتى انتهى إلينا ومعه بنوه، فنادى بصوت عال جهير كغير المكترث لما فيه الناس، وقال: لمن هذه الرايات ؟ قلنا: رايات ربيعة. قال: بل هي رايات الله، عصم الله أهلها وصبرهم وثبت أقدامهم. ثم قال لى [ وأنا حامل راية ربيعة يومئذ ]: يا فتى، ألا تدنى رايتك هذه ذراعا ؟ فقلت له: نعم والله، وعشرة أذرع (2). ثم ملت (3) بها [ هكذا ] فأدنيتها، فقال لى: حسبك، مكانك. نصر، عن أبى عبد الرحمن قال: حدثنى المثنى بن صالح - من بنى قيس ابن ثعلبة - عن يحيى بن مطرف أبى الأشعث العجلى، شهد مع على صفين، قال: لما نصبت الرايات اعترض على الرايات ثم انتهى إلى رايات ربيعة فقال: لمن هذه الرايات ؟ فقلت: رايات ربيعة. قال: بل هي رايات الله.


(1) هذه التكملة من الطبري. (2) كذا في الأصل وح. وهى صحيحة، فإن الذراع قد يذكر. وفي الطبري: " عشر أذرع ". (3) في الأصل: " فقلبت " وأثبت ما في ح (1: 495). (*)

[ 289 ]

نصر، عن عمرو بن شمر قال: أقبل الحضين (1) بن المنذر - وهو يومئذ غلام - يزحف برايته. قال السدى: وكانت حمراء. فأعجب عليا زحفه وثباته فقال: لمن راية حمراء يخفق ظلها * إذا قيل قدمها حضين تقدما (2) ويدنو بها في الصف حتى يديرها * حمام المنايا تقطر الموت والدما (3) تراه إذا ما كان يوم عظيمة * أبى فيه إلا عزة وتكرما جزى الله قوما صابروا في لقائهم * لدى البأس حراما أعف وأكرما (4) وأحزم صبرا حين تدعى إلى الوغى * إذا كان أصوات الكماة تغمغما ربيعة أعنى، إنهم أهل نجدة * وبأس إذا لا قوا خميسا عرمرما وقد صبرت عك ولخم وحمير * لمذحج حتى لم يفارق دم دما ونادت جذام يال مذحج ويلكم * جزى الله شرا أينا كان أظلما أما تتقون الله في حرماتكم * وما قرب الرحمن منها وعظما أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا * بأسيافنا حتى تولى وأحجما وفر ينادى الزبرقان وظالما * ونادى كلاعا والكريب وأنعما (5 وعمرا وسفيانا وجهما ومالكا * وحوشب والغاوي شريحا وأظلما


(1) في الأصل: " الحصين " صوابه بالضاد المعجمة. انظر ما سبق ص 287. (2) في الأصل وح: " حصين " صوابه بالضاد المعجمة كما في الطبري (6: 20) (3) وهى أيضا رواية ح. وفي الطبري: " حتى يزيرها * حياض المنايا " (4) الحر: الفعل الحسن الجميل. وجاء في قول طرفة: لا يكن حبك داء داخلا * ليس هذا منك ماوى بحر ورواية الطبري: " لدى الموت قوما ". (5) في الأصل: " وحتى ينادى زبرقان بن أظلم "، وأثبت ما في ح (1: 496) (*)

[ 290 ]

وكرز بن نبهان وعمرو بن جحدر * وصباحا القينى يدعو وأسلما (1) نصر: عن عمر، قال حدثنى الصلت بن يزيد بن أبى الصلت التيمى قال: سمعت أشياخ الحى من بنى تيم الله بن ثعلبة (2) يقولون: كانت راية ربيعة كوفيتها وبصريتها (3) مع خالد بن المعمر [ من أهل البصرة. قال: وسمعتهم يقولون: إن خالد بن المعمر (4) ] وسعيد بن ثور (5) السدوسى، اصطلحا أن يوليا راية بكر بن وائل من أهل البصرة الحضين (6) بن المنذر. قالوا: وتنافسا في الراية قالا: هذا فتى له حسب ونجعلها له حتى نرى من رأينا. ثم إن عليا أعطى الراية خالد بن المعمر، راية ربيعة كلها. قال: وضرب معاوية لحمير بسهم على ثلاث قبائل لم يكن لأهل العراق قبائل أكثر منها عددا يومئذ: على ربيعة، وهمدان، ومذحج. فوقع سهم حمير على ربيعة، فقال ذو الكلاع: قبحك الله من سهم كرهت الضراب. فأقبل ذو الكلاع في حمير ومن لف لفها، ومعها عبيدالله بن عمر بن الخطاب


(1) ح: " بن تيهان " بالتاء، و " صباحا الليثى ". وقد عقب ابن أبى الحديد على هذه الأبيات بقوله: " قلت: هكذا روى نصر بن مزاحم. وسائر الرواة رووا له عليه السلام الأبيات الستة الأولى، ورووا باقى الأبيات من قوله: وقد صبرت عك، للحضين بن المنذر صاحب الراية ". (2) هم بنو تيم الله بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة. انظر المعارف ص 44 وما قبلها. وفي الأصل: " تميم بن ثعلبة " صوابه في الطبري. ومما هو جدير بالذكر أن في العرب: " تيم بن ثعلبة " وهؤلاء في قحطان من ولد طيئ بن أدد. وليس في العرب إلا تميمان: تميم بن مر القبيلة المعروفة، وتميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر. انظر لهذه المعارف ص 30. (3) الطبري: " أهل كوفتها وبصرتها ". انظر (6: 18). (4) هذة التكملة من الطبري. (5) الطبري: " سفيان بن ثور "، مع إسقاط النسبة بعده. (6) في الأصل: " الحصين " بالمهملة، تحريف. انظر ما سبق في 287. (*)

[ 291 ]

في أربعة آلاف من قراء أهل الشام قد بايعوا على الموت، وهى ميمنة أهل الشام وعلى ميمنتهم ذو الكلاع، فحملوا على ربيعة - وهم ميسرة أهل العراق - وفيهم عبد الله بن العباس وهو على الميسرة، فحمل عليهم ذو الكلاع وعبيد الله بن عمر، فحملوا على ربيعة حملة شديدة بخيلهم ورجالهم، فتضعضعت رايات ربيعة، فتثبتوا إلا قليلا من الأحشام والأنذال (1). ثم إن أهل الشام انصرفوا ولم يمكثوا إلا قليلا حتى كروا [ ثانية ] وعبيد الله بن عمر [ في أوائلهم ] يقول: " يا أهل الشام، هذا الحى من أهل العراق قتلة عثمان بن عفان، وأنصار على بن أبى طالب. وإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم في عثمان وهلك على وأهل العراق ". فشدوا على الناس شدة شديدة فثبتت لهم ربيعة وصبروا صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء، وثبت أهل الرايات وأهل البصائر منهم والحفاظ، وقاتلوا قتالا شديدا. فلما رأى خالد بن المعمر أناسا قد انهزموا من قومه انصرف، فلما رأى أصحاب الرايات قد ثبتوا ورأى قومه قد صبروا رجع وصاح بمن انهزم بالرجوع، فقال من أراد أن يتهمه [ من قومه ]: أراد الانصراف فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا ؟ وقال هو (2): لما رأيت رجالا منا قد انهزموا رأيت أن أستقبلهم ثم أردهم إليكم، فأقبلت إليكم بمن أطاعنى منهم. فجاء يأمر مشتبه (3). وكان بصفين أربعة آلاف محجف من عنزة (4).


(1) الأحشام: الأنباع. وعند الطبري: " فتضعضعت رايات ربيعة إلا قليلا من الأخيار والأبدال ". ومؤدى العبارتين واحد. وهذا الخبر من أوله روى في ح مختصرا، ولم أجد فيه مواضع المقابلة التى أشرت إليها من الطبري. (2) في الأصل: " لهم " وأثبت ما في ح (1: 496) والطبري. (3) الطبري: " بأمر مشبه ". (4) ح: " وكان في جملة ربيعة من عنزة وحدها أربعة آلاف مجفف ". والمحجف: لابس الحجفة، وهى ترس يتخذ من جلود الإبل يطارق بعضها ببعض. والمجفف في رواية ح صحيحة أيضا، رجل مجفف لبس التجفاف، وهو بالفتح: ما جلل به الفرس من سلاح وآلة. (*)

[ 292 ]

نصر، عن عمر قال: حدثنى رجل من بكر بن وائل، عن محرز بن عبد الرحمن [ العجلى (1) ] أن خالد بن المعمر قال: " يا معشر ربيعة، إن الله عز وجل قد أتى بكل رجل منكم من منبته ومسقط رأسه فجمعكم في هذا المكان جمعا لم تجتمعوا مثله، منذ نشركم في الأرض (2)، وإنكم إن تمسكوا أيديكم تنكلوا عن عدوكم، وتحولوا عن مصافكم (3)، لا يرضى الرب فعلكم، ولا تعدموا معيرا يقول: فضحت ربيعة الذمار، وخامت عن القتال (4)، وأتيت (5) من قبلها العرب. فإياكم أن يتشاءم بكم المسلمون اليوم. وإنكم إن تمضوا مقدمين، وتصبروا محتسبين فإن الإقدام منكم عادة، والصبر منكم سجية. فاصبروا ونيتكم صادقة تؤجروا، فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا وكرامة الآخرة، ولا يضيع الله أجر من أحسن عملا ". فقام إليه رجل من ربيعة فقال: " ضاع والله أمر ربيعة حين جعلت أمرها إليك، تأمرنا ألا نحول ولا نزول حتى نقتل أنفسنا ونسفك دماءنا. ألا ترى إلى الناس قد انصرف جلهم ". فقام إليه رجال من قومه فتناولوه


تقيه الجراح. وفي اللسان: " وقد يلبسه الإنسان أيضا ". قال ابن أبى الحديد: " قلت: لا ريب عند علماء السير أن خالد بن المعمر كان له باطن سوء مع معاوية، وأنه انهزم ذلك اليوم ليكسر الميسرة على على عليه السلام. ذكر ذلك الكلبى والواقدى وغيرهما. ويدل على باطنه هذا أنه لما استظهرت ربيعة على معاوية وعلى صفوف أهل الشام في اليوم الثاني من هذا أرسل معاوية إلى خالد بن المعمر: أن كف ولك إمارة خراسان ما بقيت. فرجع بربيعة وقد شارفوا أخذه من مضربه ". (1) التكملة من الطبري. (2) في الأصل: " هذا فرشكم الأرض " صوابه في الطبري. (3) الطبري: " ونزلوا عن مصافكم ". (4) خامت: جبنت. وفي الأصل: " حامت " بالمهملة، تحريف. وفي ح: " خاموا ". وفي الطبري: " حاصت ". والحيص: العدول والفرار والهرب. (5) في الأصل: " وأوتيت " صوابه من ح والطبري. (*)

[ 293 ]

بقسيهم (1)، ولكزوه بأيديهم، فقال لهم خالد بن المعمر: " أخرجوا هذا من بينكم، فإن هذا إن بقى أضربكم، وإن خرج منكم لم ينقصكم هذا الذى لا ينقص العدد ولا يملأ البلد. برحك (2) الله من خطيب قوم ! كيف جنبك الخير (3) ! ". واشتد قتال ربيعة وحمير وعبيد الله بن عمر، حتى كثرت القتلى فيما بينهم، وحمل عبيد الله بن عمر فقال: أنا الطيب ابن الطيب. قالوا: أنت الخبيث ابن الطيب. فقتل شمر بن الريان بن الحارث (4)، وهو من أشد الناس بأسا. ثم خرج نحو من خمسمائة فارس أو أكثر من أصحاب على، على رؤوسهم البيض وهم غائصون في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق، وخرج إليهم من أهل الشام نحوهم في العدو فاقتتلوا بين الصفين والناس تحت راياتهم، فلم يرجع من هؤلاء ولا من هؤلاء مخبر لا عراقى ولا شامى، قتلوا جمعا بين الصفين. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن تميم قال: نادى منادى أهل الشام: ألا إن معنا الطيب ابن الطيب، عبيد الله بن عمر. فقال عمار بن ياسر: بل هو الخبيث [ ابن الطيب ]. ونادى منادى أهل العراق: ألا إن معنا الطيب ابن الطيب، محمد بن أبى بكر. فنادى منادى أهل الشام: بل هو الخبيث ابن الطيب. وفي حديث: فقال عقبة بن سلمة أخو بنى رقاش (5) من أهل الشام، وكان بصفين تل يلقى عليه جماجم الرجال [ وكان يدعى تل الجماجم ]، فقال:


(1) في الأصل: " بفيهم " صوابه في ح (1: 496). وفي الطبري: " وتناولوه بألسنتهم ". (2) برح به: عذبه. وفي الأصل: " يرحمك الله "، صوابه في الطبري. ح: " ترحك الله " يقال ترحه الأمر تتريحا: أحزنه. (3) جنبه: بعد عنه. ح: " لقد جنبك الخير ". الطبري: " كيف جنبك السداد ". (4) الطبري: " سمير بن الريان بن الحارث العجلى ". (5) ح: " عقبة بن مسلم الرقاشى ". (*)

[ 294 ]

لم أر فرسانا أشد بديهة * وأمنع منهم يوم تل الجماجم (1) غداة غدا أهل العراق كأنهم * نعام تلاقى في فجاج المخارم إذا قلت قد ولوا أنابت كتيبة * ململمة في البيض شمط المقادم وقالوا لنا: هذا على فبايعوا * فقلنا ألا لا بالسيوف الصوارم (2) وثرنا إليهم بالسيوف وبالقنا * تدافعهم فرساننا بالتزاحم وقد كان معاوية نذر في سبى نساء ربيعة وقتل المقاتلة، فقال في ذلك خالد بن المعمر: تمنى ابن حرب نذرة في نسائنا * ودون الذى ينوى سيوف قواضب ونمنح ملكا أنت حاولت خلعه * بنى هاشم قول امرئ غير كاذب وقال أيضا: وفتنة مثل ظهر الليل مظلمة * لا يستبين لها أنف ولا ذنب فرجتها بكتاب الله فانفرجت * وقد تحير فيها سادة عرب وقال شبث بن ربعى: وقفنا لديهم يوم صفين بالقنا * لدن غدوة حتى هوت لغروب و ولى ابن حرب والرماح تنوشه * وقد أرضت الأسياف كل غضوب (3) نجالدهم طورا وطورا نصدهم * على كل محبوك السراة شبوب (4) بكل أسيل كالقراط، إذا بدت * لوائحها بين الكماة، لعوب (5)


(1) ح (1: 497): " أشد حفيظة ". (2) ح: " فقلنا صه بل بالسيوف ". (3) في الأصل: " وقد غضب الأحلاس " صوابه في ح. (4) ح: " وطورا نشلهم ". والشل: الطرد. والسراة، بالفتح: الظهر. والمحبوك: المدمج. وفي الأصل: " محنوك " صوابه بالباء، كما في ح. (5) القراط، بالكسر: شعلة السراج. (*)

[ 295 ]

نجالد غسانا وتشقى بحربنا * جذام ووتر العبد غير طلوب (1) فلم أر فرسانا أشد حفيظة * إذا غشى الآفاق نفح جنوب أكر وأحمى بالغطاريف والقنا * وكل حديد الشفرتين قضوب وقال ابن الكؤاء: ألا من مبلغ كلبا ولخما * نصيحة ناصح فوق الشقيق فإنكم وإخوتكم جميعا * كباز حاد عن وضح الطريق وبعتم دينكم برضاء عبد * أضل بها مصافحة الرقيق (2) وقمتم دوننا بالبيض صلتا * بكل مصانع مثل الفنيق (3) وساروا بالكتائب حول بدر * يضئ لدى الغبار من البريق يعنى بالبدر عليا. حتى إذا كان يوم الخميس التاسع من صفر، خطب الناس معاوية وحرضهم وقال: " إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وحضركم ما قد حضركم. فإذا نهدتم إليهم إن شاء الله فقدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وصفوا الخيل مجنبين، وكونوا كقص الشارب، وأعيرونا جماجمكم ساعة، فإنما هو ظالم أو مظلوم. وقد بلغ الحق مقطعه، والناس على تعبئة أخرى ". نصر، عن عمر قال: حدثنى رجل عن جابر، عن الشعبى قال: قام معاوية يخطب بصفين قبل الوقعة العظمى فقال: " الحمد لله الذى علا في دنوه، ودنا في علوه، وظهر وبطن، وارتفع فوق


(1) غير طلوب: أي قريب سهل المنال. وأصله من قولهم " بئر طلوب " أي بعيدة الماء. (2) العبد: العبيد، والأصل فيه ضم الباء، وسكنها للشعر. (3) المصانع: الفرس الذى لا يعطيك جميع ما عنده من السير، له صون يصونه، فهو يصانعك ببذله سيره. وفي الأصل: " مضالع " ولا وجه له. والفنيق: الفحل المكرم. (*)

[ 296 ]

كل منظر، أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، يقضى فيفصل، ويقدر فيغفر، ويفعل ما يشاء، إذا أراد أمرا أمضاه، وإذا عزم على أمر قضاه، لا يؤامر أحدا فيما يملك، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. والحمد لله رب العالمين على ما أحببنا وكرهنا. ثم كان فيما قضى الله أن ساقتنا المقادير (1) إلى هذه البقعة من الأرض، ولف بيننا وبين أهل العراق، فنحن من الله بمنظر. وقد قال سبحانه: (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ". انظروا يا معاشر أهل الشام فإنما تلقون غدا أهل العراق، فكونوا على إحدى ثلاث أحوال: إما أن تكونوا قوما طلبتم ما عند الله في قتال قوم بغوا علكم فأقبلوا من بلادهم حتى نزلوا في بيضتكم، وإما أن تكونوا قوما تطلبون بدم خليفتكم وصهر نبيكم صلى الله عليه، وإما أن تكونوا قوما تذبون عن نسائكم وأبنائكم. فعليكم بتقوى الله والصبر الجميل. أسأل الله لنا ولكم النصر، وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين ". فقام ذو الكلاع فقال: يا معاوية: إنا لنحن الصبر الكرام (2) * لا ننثني عند الخصام بنو الملوك العظام * ذوو النهى والأحلام لا يقربون الآثام فلما سكت قال له معاوية: صدقت. نصر قال: أخبرني عمر بن سعد قال: أخبرني رجل عن جيفر بن أبى


(1) في الأصل: " وساقتنا المقادير " صوابه في ح (1: 497). (2) كذا ورد هذا الشعر على ما به من اضطراب ظاهر في الوزن. وهو أشبه ما يكون بالنثر والتسجيع. وفي ح: " نحن الصبر الكرام ". (*)

[ 297 ]

القاسم (1) [ العبدى (2) ]، عن يزيد بن علقمة، عن زيد بن بدر، أن زياد بن خصفة أتى عبد القيس يوم صفين وقد عبيت قبائل حمير مع ذى الكلاع - وفيهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب - لبكر بن وائل، فقاتلوا قتالا شديدا خافوا [ فيه (3) ] الهلاك، فقال زياد لعبد القيس: لا بكر بعد اليوم، إن ذا الكلاع وعبيد الله أبادا ربيعة، فانهضوا لهم وإلا هلكوا. فركبت عبد القيس وجاءت كأنها غمامة سوداء، فشدت إزاء الميسرة، فعظم القتال فقتل ذو الكلاع الحميرى، قتله رجل من بكر بن وائل اسمه خندف، وتضعضعت أركان حمير، وثبتت بعد ذى الكلاع تحارب مع عبيد الله بن عمر. وبعث عبيد الله بن عمر إلى الحسن بن على فقال: إن لى إليك حاجة فالقني. فلقيه الحسن فقال له عبيد الله: إن أباك قد وتر قريشا أولا وآخرا، وقد شنئوه فهل لك أن تخلفه ونوليك (4) هذا الأمر ؟ قال: كلا والله لا يكون ذلك. ثم قال له الحسن: لكأنى أنظر إليك مقتولا في يومك أو غدك. أما إن الشيطان قد زين لك وخدعك حتى أخرجك مخلقا بالخلوق ترى نساء أهل الشام موقفك، وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلا. قال: فو الله ما كان إلا كيومه أو كالغد وكان القتال. فخرج عبيد الله في كتيبة رقطاء - وهى الخضرية - كانوا أربعة آلاف، عليهم ثياب خضر، ونظر الحسن فإذا هو برجل متوسد رجل قتيل قد ركز رمحه في عينه، وربط فرسه برجله، فقال الحسن لمن معه: انظروا من هذا. فإذا هو برجل من همدان، فإذا القتيل


(1) في الأصل: " جيفر عن القاسم " وأثبت ما في الطبري. (2) هذه التكملة من الطبري. وفي لسان الميزان ومنتهى المقال: " جيفر بن الحكم العبدى " فلعله هو. والعبدى: نسبة إلى عبد القيس. (3) هذه التكملة من الطبري. (4) في الأصل: " ونليك ". وفي ح (1: 498): " وأن تتولى أنت ". (*)

[ 298 ]

عبيد الله بن عمر بن الخطاب، قد قتله وبات عليه حتى أصبح، ثم سلبه. فسأل الرجل من هو ؟ فقال (1): رجل من همدان، وإنه قتله. فحمد الله وحزنا القوم حتى اضطررناهم إلى معسكرهم. واختلفوا في قاتل عبيد الله، فقالت همدان: قتله هانئ بن الخطاب. وقالت حضر موت: قتله مالك بن عمرو السبيعى، وقالت بكر بن وائل: قتله رجل منا من أهل البصرة يقال له محرز بن الصحصح من بنى [ عائش بن مالك بن (2) ] تيم اللات بن ثعلبة، وأخذ سيفه ذا الوشاح فأخذ به معاوية بالكوفة بكر بن وائل حين بويع، فقالوا (3): إنما قتله رجل منا من أهل البصرة يقال له محرز بن الصحصح. فبعث معاوية إليه بالبصرة فأخذ السيف منه. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن الشعبى قال: فعند ذلك يقول كعب بن جعيل التغلبي في قتل عبيد الله بن عمر: ألا إنما تبكى العيون لفارس * بصفين أجلت خيله وهو واقف تبدل من أسماء أسياف وائل * وأى فتى لو أخطأته المتالف تركن عبيد الله بالقاع مسلما * يمج دماه والعروق نوازف (4) ينوء وتغشاه شآبيب من دم * كما لاح في حبيب القميص الكفائف دعاهن فاستسمعن من أين صوته * وأقبلن شتى والعيون ذوارف (5)


(1) في الأصل: " فقالوا ". (2) التكملة من الطبري. (3) في الأصل: " فقال ". (4) مسلما: متروكا. وفي الأصل: " مسلبا " صوابه في ح. وفي ح: " يمج دماء ". (5) قال ابن أبى الحديد في (1: 499): " الضمير في قوله: دعاهن فاستسمعن من أين صوته، يرجع إلى نساء عبيد الله. وكان تحته أسماء بنت عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي، وبحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني. وكان عبيد الله قد أخرجهما معه إلى الحرب في ذلك اليوم لينظرا إلى قتاله ". (*)

[ 299 ]

وقد صبرت حول ابن عم محمد * لدى الموت شهباء المناكب شارف (1) فما برحوا حتى رأى الله صبرهم * وحتى أتيحت بالأكف المصاحف بمرج ترى الرايات فيه كأنها * إذا اجتنحت للطعن طير عواكف (2) جزى الله قتلانا بصفين خير ما * جزاه عبادا غادرتها المواقف وفي حديث عمر: قال كعب بن جعيل في قتل عبيد الله بن عمر: يقول عبيد الله لما بدت له * سحابة موت تقطر الحتف والدما ألا يالقومى اصبروا إن صبرنا * أعف وأحجى، عفة وتكرما فلما تلاقى القوم خر مجدلا * صريعا فلاقى الترب كفيه والفما وخلف أطفالا يتامى أذلة * وخلف عرسا تسكب الدمع أيما حلالا لها الخطاب لا تتقيهم * وقد كان يحمى غيرة أن تكلما وحمل عبيد الله بن عمر وهو يقول: أنا عبيد الله ينميني عمر * خير قريش من مضى ومن غبر إلا نبى الله والشيخ الأغر * قد أبطأت عن نصر عثمان مضر والربعيون فلا أسقوا المطر * وسارع الحى اليمانون الغرر والخير في الناس قديما يبتدر فحمل عليه حريث بن جابر الحنفي وهو يقول: قد سارعت في نصرها ربيعه * في الحق والحق لهم شريعه فاكفف فلست تارك الوقيعة * في العصبة السامعة المطيعة حتى تذوق كأسها الفظيعه (3)


(1) في الأصل: " شهباء المبارك " صوابه في ح. عنى بها الكتيبة قد صارت مناكبها شهباء لما يعلوها من بياض الحديد. (2) اجتنحت: مالت. وفي ح: " جنحت " وهما بمعنى. (3) في الأصل: " القطيعة " صوابه في ح (1: 498). (*)

[ 300 ]

فطعنه فصرعه وأخذ لواءه ابن جون السكوني. وفي حديث محمد بن عبيد الله، عن الجرجاني، قال الصلتان العبدى [ يذكر مقتل عبيد الله، وأحريث بن جابر الحنفي قتله ]: ألا يا عبيد الله ما زلت مولعا * ببكر لها تهدى اللغا والتهددا (1) كأن حماة الحى من بكر وائل بذى الرمث أسد قد تبو أن غرقدا وكنت سفيها قد تعودت عادة * وكل امرئ جار على ما تعودا فأصحبت مسلوبا على شر آلة * صريع قناوسط العجاجة مفردا (2) تشق عليك الجيب ابنة هانئ * مسلبة تبدى الشجا والتلددا (3) وكانت ترى ذا الأمر قبل عيانه * ولكن أمر الله أهدى لك الردى وقالت: عبيد الله لا تأت وائلا * فقلت لها: لا تعجلى وانظرى غدا فقد جاء ما منيتها فتسلبت * عليك وأمسى الجيب منها مقددا حباك أخو الهيجا حريث بن جابر * بجياشة تحكى الهدير المنددا (4) نصر، عن عمر، عن الزبير بن مسلم قال: سمعت حضين بن المنذر يقول: أعطاني على الراية ثم قال: سر على اسم الله يا حضين (5)، واعلم أنه لا يخفق على رأسك راية أبدا مثلها. إنها راية رسول الله صلى الله عليه وسلم.


(1) اللغا، بالفتح: الباطل. وفي الأصل: " اللقا " تحريف. وفي ح: " القرى ". (2) الآلة، هنا، بمعنى الحالة. (3) المسلبة: المحد التى تلبس الثياب السود للحداد. والذى ذكرته المعاجم " المسلب " بدون هاء. والتلدد: التلفت يمينا ويسارا في حيرة وتبلد. (4) الجياشة: الطعنة التى يفور منها الدم. والمندد، من التنديد، وهو رفع الصوت. وفي الأصل: " المبددا " تحريف. وفي ح: * بحاسمة تحكى بها النهر مزبدا * (5) في الأصل: " حصين " صوابه بالمعجمة، كما سبق في ص 287. (*)

[ 301 ]

قال: وقد كان حريث بن جابر نازلا بين العسكرين في قبة له حمراء، وكان إذا التقى الناس للقتال أمدهم بالشراب من اللبن والسويق والماء، [ ويطعمهم اللحم والثريد ]، فمن شاء أكل أو شرب (1). وفي ذلك يقول الشاعر: لو كان بالدهنا حريث بن جابر * لأصبح بحرا بالمفازة جاريا (2) نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: سمعت الشعبى يذكر [ أن (3) ] صعصعة قال: عبأ لمذحج ولبكر بن وائل ذو الكلاع وعبيد الله، فأصابوا ذا الكلاع وعبيد الله، فاقتتلوا قتالا شديدا. قال: وشدت عك ولخم وجذام والأشعرون من أهل الشام، على مذحج وبكر بن وائل. فقال العكى في ذلك: ويل لام مذحج من عك * لنتركن أمهم تبكى نقتلهم بالطعن ثم الصك * فلا رجال كرجال عك لكل قرن باسل مصك قال: ونادى منادى مذحج: يال مذحج، خدموا (4). فاعترضت مذحج لسوق القوم فكان بوار عامة القوم. وذلك أن مذحج حميت من قول العكى. وقال العكى حين طحنت رحى القوم، وخاضت الخيل والرجال في الدماء. قال: فنادى: " يال مذحج: الله الله: في عك وجذام،


(1) ح (1: 500): " فمن شاء أكل ومن شاء شرب ". (2) قال ابن أبى الحديد: " قلت: هذا حريث الذى كتب معاوية إلى زياد في أمره بعد عام الجماعة - وحريث عامل لزياد على همدان -: أما بعد فاعزل حريث بن جابر عن عمله فما ذكرت مواقفه بصفين إلا كانت حزازة في صدري. وكتب إليه زياد: خفض عليك يا أمير المؤمنين، فإن حريثا قد بلغ من الشرف مبلغا لا تزيده الولاية ولا ينقصه العزل ". (3) ليست في الأصل. (4) انظر ما سبق ص 257. (*)

[ 302 ]

ألا تذكرون الأرحام، أفنيتم لخم الكرام، والأشعرين وآل ذى حمام (1)، أين النهى والأحلام، هذه النساء تبكى الأعلام ". وقال العكى (2): " يا عك أين المفر، اليوم تعلم ما الخبر، إنكم قوم صبر، كونوا كمجتمع المدر (3)، لا تشمتن بكم مضر، حتى يحول الحكر (4)، فيرى عدوكم الغير ". وقال الأشعري (5): " يال مذحج من للنساء غدا إذا أفناكم الردى، الله الله في الحرمات، أما تذكرون نساءكم والبنات، أما تذكرون أهل فارس والروم والأتراك، لقد أذن الله فيكم بالهلاك ": والقوم ينحر بعضهم بعضا، ويتكادمون بالأفواه. وقال: نادى أبو شجاع الحميرى وكان من ذوى البصائر مع على فقال: يا معشر حمير [ تبت أيديكم ]، أترون معاوية خيرا من على ؟ أضل الله سعيكم. ثم أنت يا ذا الكلاع فوالله إن كنا نرى أن لك نية في الدين. فقال ذو الكلاع: إيها يا أبا شجاع، والله فاعلمن ما معاوية بأفضل من على، ولكن إنما أقاتل على دم عثمان. قال: وأصيب ذو الكلاع بعده (6)، قتله خندف [ بن بكر ] البكري في المعركة. نصر: عمر، عن الحارث بن حصيرة، أن ابن ذى الكلاع أرسل إلى الأشعث بن قيس رسولا، فقال له: " إن ابن عمك ذى الكلاع (7) يقرئك


(1) في القاموس: " وذو الحمام بن مالك حميري ". (2) ح: " ونادى منادى عك ". (3) في الأصل: " كمفترق المدر " صوابه في ح (1: 500). (4) الحكر في لغة أهل عك هو " الحجر " بقلب الجيم كافا. انظر ما سبق ص 228. ح: " حتى يحول ذا الخبر " تحريف. (5) في الأصل: " الأشعرون " وفي ح: " ونادى منادى الأشعريين ". (6) ح: " حينئذ ". (7) في الأصل: " ذا الكلاع " تحريف. (*)

[ 303 ]

السلام ورحمة الله، وإن كان ذو الكلاع قد أصيب وهو في الميسرة فتأذن لنا فيه ". فقال له الأشعث: أقرئ صاحبك السلام ورحمة الله وقل له: إنى أخاف أن يتهمني على، فاطلبه (1) إلى سعيد بن قيس فإنه في الميمنة. فذهب إلى معاوية فأخبره وكان منع ذلك منهم، وكانوا في اليوم والأيام يتراسلون، فقال له معاوية: فما عسيت أن أصنع ؟ وذلك لأنهم منعوا أهل الشام أن يدخلوا عسكر على لشئ، خافوا أن يفسدوا أهل العسكر (2). وقال (3) معاوية: لأنا أشد فرحا بقتل ذى الكلاع منى بفتح مصر لو فتحتها. لأن ذا الكلاع كان يحجر على معاوية في أشياء كان يأمر بها. فخرج ابن ذى الكلاع إلى سعيد بن قيس فاستأذنه في ذلك فإذن له، فقال سعد الإسكاف (4) والحارث بن حصيرة قالا: قال سعيد بن قيس لابن ذى الكلاع. كذبت أن يمنعوك، إن أمير المؤمنين لا يبالى من دخل بهذا الأمر، ولا يمنع أحدا من ذلك فادخل. فدخل من قبل الميمنة فطاف في العسكر فلم يجده، ثم أتى الميسرة فطاف في العسكر فوجده قد ربط رجله بطنب من أطناب بعض فساطيط العسكر، فوقف على باب الفسطاط، فقال: السلام عليكم يا أهل البيت. فقيل له: وعليك السلام. وكان معه عبد له أسود لم يكن معه غيره، فقال: تأذنون لنا في طنب من أطناب فسطاطكم ؟ قالوا: قد أذنا لكم. ثم قالوا: معذرة إلى ربنا عز وجل وإليكم، أما إنه لو لا بغيه علينا ما صنعنا به ما ترون. فنزل ابنه إليه - وكان من أعظم الناس خلقا وقد انتفخ شيئا - فلم يستطيعا


(1) في الأصل: " فاطلبوا " وأثبت ما في ح. (2) ح: " فقال له إن عليا عليه السلام قد منع أن يدخل أحد منا إلى معسكره، يخاف أن يفسد عليه جنده ". (3) في الأصل: " فقال ". (4) هو سعد بن طريف الحنظلي، مولاهم، الإسكاف الكوفى، ويقال له أيضا سعد الخفاف. روى عن الأصبغ بن نباتة وأبى جعفر وأبى عبد الله. قال ابن حجر: متروك، ورماه ابن حبان بالوضع. انظر تهذيب التهذيب ومنتهى المقال 144. (*)

[ 304 ]

احتماله، فقال ابنه. هل من فتى معوان ؟ فخرج إليه خندف البكري فقال: تنحوا [ عنه ]. فقال له ابن ذى الكلاع: ومن يحمله إذا تنحينا ؟ قال: يحمله الذى قتله. فاحتمله خندف ثم رمى به على ظهر البغل، ثم شده بالحبال فانطلقوا به. ثم تمادى الناس في القتال فاضطربوا بالسيوف حتى تعطفت (1) وصارت كالمناجل، وتطاعنوا بالرماح حتى تكسرت [ وتناثرت أسنتها ]، ثم جثوا على الركبات فتحاثوا بالتراب، يحثو بعضهم في وجوه بعض التراب، ثم تعانقوا وتكادموا [ بالأفواه ]، وتراموا بالصخر والحجارة، ثم تحاجزوا فجعل الرجل من أهل العراق يمر على أهل الشام فيقول: من أين آخذ (2) إلى رايات بنى فلان ؟ فيقولون: هاهنا لا هداك الله. ويمر الرجل من أهل الشام على أهل العراق فيقول: كيف آخذ إلى رايات بنى فلان ؟ فيقولون: هاهنا لا حفظك الله ولا عافاك. وكان من أمراء النمر بن قاسط عبد الله بن عمرو، من بنى تميم. وقتل يومئذ فلان بن مرة بن شرحبيل، والحارث بن عمرو بن شرحبيل. نصر، عن عمر بن سعد، عن البراء بن حيان الذهلى أن أبا عرفاء جبلة بن عطية الذهلى قال للحضين (3) يوم صفين: هل لك أن تعطيني رايتك أحملها فيكون لك ذكرها ويكون لى أجرها، فقال له الحضين (4): وما غناى [ يا عم ] عن أجرها مع ذكرها ؟ قال له: لا غنى بك عن ذلك، أعرها عمك ساعة (5)


(1) تعطفت: تثنت وتلوت. وفي الأصل وح: " تقطعت " والوجه ما أثبت. (2) ح (1: 501): " كيف آخذ ". (3) في الأصل: " للحصين " وانظر ما سبق ص 287. (4) في الأصل: " الحصين " بالصاد المهملة، تحريف. (5) في الأصل: " أعيرها عنك ساعة " صوابه في ح (1: 500). (*)

[ 305 ]

فما أسرع ما ترجع إليك. فعلم أنه يريد أن يستقتل، قال: فما شئت. فأخذ الراية أبو عرفاء فقال: يا أهل هذه الراية، إن عمل الجنة كره كله [ وثقيل ]، وإن عمل النار خف كله [ وحبيب (1) ]، وإن الجنة لا يدخلها إلا الصابرون، الذين صبروا أنفسهم على فرائض الله وأمره، وليس شئ مما افترض الله على العباد أشد من الجهاد، هو أفضل الأعمال ثوابا. فإذا رأيتموني قد شددت فشدوا. ويحكم، أما تشتاقون إلى الجنة، أما تحبون أن يغفر الله لكم. فشد وشدوا معه فاقتتلوا اقتتالا شديدا، وأخذ الحضين (2) يقول: شدوا إذا ما شد باللواء * ذاك الرقاشى أبو عرفاء فقاتل أبو عرفاء حتى قتل، [ وشدت ربيعة بعده شدة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضتها ]. وفي ذلك قال مجزأة بن ثور (2): أضربهم ولا أرى معاويه * الأبرج العين العظيم الحاويه (3) هوت به في النار أم هاويه * جاوره فيها كلاب عاويه أغوى طغاما لا هدته هادبه قال: وقال معاوية لعمرو: أما ترى يا أبا عبد الله ما قد دفعنا فيه ؟ كيف ترى أهل العراق غدا صانعين ؟ إنا لبمعرض خطر عظيم. فقال له عمرو: إن أصبحت ربيعة متعطفين حول على تعطف الإبل حول فحلها لقيت منهم جلادا


(1) هذه التكملة التى أثبت من ح هي في أصلها: " وخبيث "، والمقابلة تقتضي ما أثبت. (2) هو مجزأة بن ثور بن عفير بن زهير بن عمرو بن كعب بن سدوس السدوسى، أحد الصحابة، وكان رئيسا. انظر الإصابة 7724. وفي ح: " محرز بن ثور " تحريف. والرجز يروى لبديل بن ورقاء كما في مروج الذهب (2: 25) ولعلى رضى الله عنه كما في اللسان (18: 229) ومروج الذهب. وللأخنس، كما في الاشتقاق 148. (3) البرج: سعة العين. والحاوية: واحدة الحوايا، وهى الأمعاء. (*)

[ 306 ]

صادقا وبأسا شديدا، [ وكانت التى لا يتعزى لها ]. فقال له معاوية: أبخؤولتك تخوفنى يا أبا عبد الله ؟ قال: إنك سألتنى فأجبتك. فلما أصبحوا في اليوم العاشر أصبحوا وربيعة محدقة بعلى عليه السلام إحداق بياض العين بسوادها، وقام خالد بن المعمر فنادى: من يبايع نفسه على الموت ويشرى نفسه لله ؟ فبايعه سبعة آلاف على ألا ينظر رجل منهم خلفه حتى يرد سرادق معاوية. فاقتتلوا قتالا شديدا وقد كسروا جفون سيوفهم. نصر، قال عمر: حدثنى ابن أخى عتاب بن لقيط البكري من بنى قيس ابن ثعلبة أن عليا حيث انتهى إلى رايات ربيعة قال ابن لقيط: إن أصيب على فيكم افتضحتم، وقد لجأ إلى راياتكم. وقال لهم شقيق بن ثور: يا معشر ربيعة، ليس لكم عذر في العرب إن أصيب على (1) فيكم ومنكم رجل حى، إن منعتموه فحمد الحياة ألبستموه. فقاتلوا قتالا شديدا لم يكن قبله [ مثله ] حين جاءهم على. ففى ذلك تعاقدوا وتواصوا ألا ينظر رجل منهم خلفه حتى يرد سرادق معاوية. فلما نظر إليهم معاوية قد أقبلوا قال: إذا قلت قد ولت ربيعة أقبلت * كتائب منهم كالجبال تجالد ثم قال معاوية لعمرو: ماذا ترى ؟ قال: أرى ألا تحنث أخوالى اليوم. فخلى معاوية عنهم وعن سرادقه وخرج فارا عنه لائذا إلى بعض مضارب العسكر، فدخل فيه. وبعث معاوية إلى خالد بن المعمر: إنك قد ظفرت ولك إمرة خراسان إن لم تتم. فطمع خالد في ذلك ولم يتم (2)، فأمره معاوية - حين بايعه الناس - على خراسان، فمات قبل أن يصل إليها.


(1) ح (1: 501) " إن وصل إلى على ". (2) ح: " فقطع خالد القتال ولم يتمه ". (*)

[ 307 ]

وفي ذلك قال النجاشي: لو شهدت هند لعمري مقامنا * بصفين فدتنا بكعب بن عامر فياليت أن الأرض تنشر عنهم * فيخبرهم أنباءنا كل خابر بصفين إذ قمنا كأنا سحابة * سحاب ولى صوبه متبادر فأقسم لو لاقيت عمرو بن وائل * بصفين الفاني بعهدة غادر فولوا سراعا موجفين كأنهم * نعام تلاقى خلفهن زواجر وفر ابن حرب عفر الله وجهه * وأراده خزيا، إن ربى قادر معاوى لولا أن فقدناك فيهم * لغودرت مطروحا بها مع معاشر معاشر قوم ضلل الله سعيهم * وأخزاهم ربى كخزى السواحر قال: وقال مرة بن جنادة العليمى، من بنى عليم من كلب (1): ألا سألت بنا غداة تبعثرت * بكر العراق بكل عضب مقصل (2) برزوا إلينا بالرماح تهزها * بين الخنادق مثل هز الصيقل والخيل تضبر في الحديد كأنها * أسد أصابتها بليل شمأل (3) وفي حديث عمر بن سعد قال: ثم إن عليا صلى الغداة ثم زحف إليهم، فلما أبصروه قد خرج استقبلوه بزحوفهم فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن خيل أهل الشام حملت على خيل أهل العراق فاقتطعوا من أصحاب على ألف رجل أو أكثر، فأحاطوا بهم وحالوا بينهم وبين أصحابهم فلم يروهم، فنادى على


(1) هم بنو عليم بن جناب بن هبل، إحدى قبائل كلب بن وبرة، من قضاعة. انظر الاشتقاق 316 ثم 314. (2) مقصل، بالقاف: قطاع. وفي الأصل: " مفصل ". (3) تضبر: تثب. وفي الأصل: " تصبر " تحريف. والحديد، هنا: السلاح. والبليل: الريح الندية. وفى هذا البيت إقواء. (*)

[ 308 ]

يومئذ: ألا رجل يشرى نفسه لله ويبيع دنياه بآخرته ؟ فأتاه رجل من جعف يقال له عبد العزيز بن الحارث، على فرس أدهم كأنه غراب، مقنعا في الحديد، لا يرى منه إلا عيناه، فقال: يا أمير المؤمنين، مرنى بأمر، فوالله ما تأمرني بشئ إلا صنعته. فقال على: سمحت بأمر لا يطاق حفيظة * وصدقا، وإخوان الحفاظ قليل (1) جزاك إله الناس خيرا فقد وفت * يداك بفضل ما هناك جزيل (2) أبا الحارث، شد الله ركنك، احمل لى أهل الشام حتى تأتى أصحابك فتقول لهم: أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: هللوا وكبروا من ناحيتكم، ونهلل نحن ونكبر من هاهنا، واحملوا من جانبكم ونحمل من جانبنا على أهل الشام. فضرب الجعفي فرسه حتى إذا قام على السنابك (3)، حمل على أهل الشام المحيطين بأصحاب على فطاعنهم ساعة وقاتلهم فانفرجوا له حتى أتى أصحابه، فلما رأوا استبشروا به وفرحوا وقالوا: ما فعل أمير المؤمنين ؟ قال: صالح يقرئكم السلام ويقول لكم: هللوا وكبروا واحملوا حملة رجل واحد من ذلك الجانب. وحملوا على أهل الشام من ثم، وحمل على من هاهنا في أصحابه، فانفرج أهل الشام عنهم فخرجوا وما أصيب منهم رجل واحد. ولقد قتل من فرسان أهل الشام يومئذ زهاء سبعمائة رجل. قال: وقال على: من أعظم الناس غناء ؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين، قال: كلا، ولكنه الجعفي. وذكروا أن عليا كان لا يعدل بربيعة أحدا من الناس، فشق ذلك على


(1) ح (1. 501): " وإخوان الصفاء ". (2) في البيت إقواء. وفي ح: " خيرا فإنه * لعمرك فضل ". (3) ح: " على أطراف سنابكه ". (*)

[ 309 ]

مضر وأظهروا لهم القبيح، وأبدوا ذات أنفسهم، فقال حضين بن المنذر [ الرقاشى ] شعرا أغضبهم، فيه: رأت مضر صارت ربيعة دونهم * شعار أمير المؤمنين، وذا الفضل فأبدوا إلينا ما تجن صدورهم * علينا من البغضا وذاك له أصل (1) فقلت لهم لما رأيت رجالهم * بدت بهم قطو كأن بهم ثقل إليكم أهيبوا لا أبا لأبيكم * فإن لكم شكلا وإن لنا شكل ونحن أناس خصنا الله بالتى * رآنا لها أهلا وأنتم لها أهل فأبلوا بلانا أو أقروا بفضلنا * ولن تلحقونا الدهر ما حنت الإبل فغضبوا من شعر حضين، فقام أبو الطفيل عامر بن واثلة الكنانى (2)، وعمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي، ووجوه بنى تميم، وقبيصة ابن جابر الأسدى في وجوه بنى أسد، وعبد الله بن الطفيل العامري (3) في وجوه هوازن، فأتوا عليا فتكلم أبو الطفيل فقال يا أمير المؤمنين، إنا والله ما نحسد قوما خصهم الله منك بخير إن أحمدوه وشكروه، وإن هذا الحى من ربيعة قد ظنوا أنهم أولى بك منا، وأنك لهم دوننا، فأعفهم عن القتال أياما، واجعل لكل امرئ منا يوما يقاتل فيه، فإنا إذا اجتمعنا (4) اشتبه عليك بلاؤنا. فقال على: أعطيتم ما طلبتم يوم الأربعاء (5)، وأمر


(1) ح: فأبدوا لنا مما تجن صدورهم * هو السوء والبغضاء والحقد والغل " (2) هو عامر بن واثلة - بالثاء المثلثة - بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثى. ولد عام أحد، ورأى الرسول، وروى عن أبى بكر فمن بعده، وعمر إلى أن مات سنة عشر ومائة. وهو آخر من مات من الصحابة. انظر الإصابة 670 من باب الكنى، وتهذيب التهذيب. ح: " بن وائلة " تحريف. (3) هو عبد الله بن الطفيل بن ثور بن معاوية العامري ثم البكائى. انظر ما سبق ص 206 والإصابة 6328. وفي الأصل: " عبيد الله بن عامر " صوابه في ح (1: 502). وسيأتى على الصواب أيضا ص 311. (4) في الأصل: " إن اجتمعنا " وأثبت ما في ح. (5) يوم الأربعاء، ليست في ح. (*)

[ 310 ]

ربيعة أن تكف عن القتال، وكانت بإزاء اليمن من صفوف أهل الشام. فغدا [ أبو الطفيل ] عامر بن واثلة في قومه من كنانة وهم جماعة عظيمة، فتقدم أمام الخيل وهو يقول: طاعنوا وضاربوا. ثم حمل وهو يقول: قد صابرت في حربها كنانه (1) * والله يجزيها بها جنانه من أفرغ الصبر عليه زانه * أو غلب الجبن عليه شانه * أو كفر الله فقد أهانه * غدا يعض من عصى بنانه فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انصرف أبو الطفيل إلى على فقال: " يا أمير المؤمنين، إنك نبأتنا أن أشرف القتل الشهادة، وأحظى الأمر الصبر، وقد والله صبرنا حتى أصبنا، فقتيلنا شهيد، وحينا ثائر (2)، فاطلب بمن بقى ثأر من مضى، فإنا وإن كان قد ذهب صفونا (3) وبقى كدرنا فإن لنا دينا لا يميل به الهوى، ويقينا لا يزحمه الشبهة ". فأثنى على عليه خيرا، ثم غدا يوم الجمعة عمير بن عطارد بجماعة من بنى تميم، وهو يومئذ سيد مضر من أهل الكوفة، فقال: يا قوم، إنى أتبع آثار أبى الطفيل وتتبعون آثار كنانة. فتقدم برايته وهو يقول: قد ضاربت في حربها تميم * إن تميما خطبها عظيم لها حديث ولها قديم * إن الكريم نسله كريم إن لم تزرهم رايتى فلوموا (4) * دين قويم وهوى سليم فطعن برايته حتى خضبها دما، وقاتل أصحابه قتالا شديدا حتى أمسوا،


(1) ح: " ضاربت ". (2) ثائر، من الثأر. ح: " سعيد ". (3) في الأصل: " عفونا " صوابه في ح. (4) في الأصل: " إن لم تزدهم " تحريف. وفي ح: " إن لم تردهم ". (*)

[ 311 ]

وانصرف عمير إلى على وعليه سلاحه فقال: يا أمير المؤمنين، قد كان ظنى بالناس حسنا، وقد رأيت منهم فوق ظنى بهم، قاتلوا من كل جهة، وبلغوا من عفوهم جهد عدوهم (1)، وهم لهم إن شاء الله. ثم غدا يوم السبت قبيصة بن جابر الأسدى في بنى أسد، وهم حى الكوفة بعد همدان، فقال: " يا معشر بنى أسد، أما أنا فلا أقصر دون صاحبي، وأما أنتم فذاك إليكم " ثم تقدم برايته وهو يقول: قد حافظت في حربها بنو أسد * ما مثلها تحت العجاج من أحد أقرب من يمن وأنأى من نكد * كأننا ركنا ثبير أو أحد (2) لسنا بأوباش ولا بيض البلد (3) * لكننا المحة من ولد معد (4) كنت ترانا في العجاج كالأسد * ياليت روحي قد نأى عن الجسد فقاتل القوم ولم يكونوا على ما يريد (5) في الجهد، فعذلهم على ما يجب فظفر، ثم أتى عليا فقال: " يا أمير المؤمنين، إن استهانة النفوس في الحرب أبقى لها (6)، والقتل خير لها في الآخرة ". ثم غدا يوم الأحد عبد الله بن الطفيل العامري (7) - وكان سيد بنى عامر، فغدا بجماعة هوازن وهو يقول:


(1) العفو: ما جاء في يسر لا كلفة معه. (2) في الأصل: " ركن ثبير " وأثبت ما في ح. (3) بيضة البلد، مثل في الذلة والقلة، وهى بيضة النعام التى يتركها. (4) الولد، بالضم: جمع ولد، كأسد وأسد. وفي الأصل: " من ولد سعد " صوابه في ح (1: 502). وكأنه ينظر إلى قول عبد الله بن الزبعرى: كانت قريش بيضة فتفلقت * فالمح خالصة لعبد مناف (5) في الأصل: " يزيد ". (6) ينظر إلى قول الحنساء: نهين النفوس وهون النفو * س يوم الكريهة أبقى لها (7) سبقت ترجمته في ص 309. (*)

[ 312 ]

قد ضاربت في حربها هوازن * أولاك قوم لهم محاسن حبى لهم حزم وجأشى ساكن * طعن مداريك وضرب واهن (1) هذا وهذا كل يوم كائن * لم يخبروا عنا ولكن عاينوا واشتد القتال بينهم حتي الليل، ثم انصرف عبد الله بن الطفيل فقال: يا أمير المؤمنين، أبشر، فإن الناس نقمة، لقيت والله بقومي أعدادهم من عدوهم، فما ثنوا أعنتهم حتى طعنوا في عدوهم، ثم رجعوا إلى فاستكرهوني على الرجوع إليهم، واستكرهتهم على الانصراف إليك، فأبوا ثم عادوا فاقتتلوا. فأثنى على عليهم خيرا، وفخرت المصرية بما كان منهم على الربعية، وانتصفوا من الربعية. وقال عامر بن واثلة: حامت كنانة في حربها * وحامت تميم وحامت أسد وحامت هوازن يوم اللقا * فما خام منا ومنهم أحد لقينا قبائل أنسابهم * إلى حضر موت وأهل الجند (2) لقينا الفوارس يوم الخمي‍ * س والعيد والسبت ثم الأحد (3) وأمدادهم خلف آذانهم * وليس لنا من سوانا مدد (4) فلما تنادوا بآبائهم * دعونا معدا ونعم المعد فظلنا نفلق هاماتهم * ولم نك فيها ببيض البلد ونعم الفوارس يوم اللقاء * فقل في عديد وقل في عدد وقل في طعان كفرغ الدلاء * وضرب عظيم كنار الوقد (5)


(1) الضرب الواهن: الموهن. يقال وهنه وأوهنه، أي أضعفه. (2) الجند، بالتحريك: قسم من أقسام اليمن، وهى من أرض السكاسك، بينها وبين صنعاء ثمانية وخمسون فرسخا. وفي الأصل: " جند " صوابه في ح (1: 503). (3) يعنى بيوم العيد يوم الجمعة. (4) خلف آذانهم، أي هم من القرب إليهم بذلك المكان. وفي الأصل: " أذنابهم " والوجه ما أثبت من ح. (5) فرغ بضم الراء: جمع فراغ ككتاب، وهو مصب الدلو. وسكن الراء للشعر. (*)

[ 313 ]

ولكن عصفنا بهم عصفة * وفي الحرب يمن وفيها نكد طحنا الفوارس وسط العجاج * وسقنا الزعانف سوق النقد وقلنا، على لنا والد * ونحن له طاعة كالولد قال: وبلغ أبا الطفيل أن مروان وعمرو بن العاص يشتمون أبا الطفيل، فقال أبو الطفيل الكنانى: أيشتمني عمرو ومروان ضلة * بحكم ابن هند والشقى سعيد وحول ابن هند شائعون كأنهم * إذا ما استقاموا في الحديث قرود يعضون من غيظ على أكفهم * وذلك غم لا أجب شديد وما سبنى إلا ابن هند وإنني * لتلك التى يشجى بها لرصود وما بلغت أيام صفين نفسه * تراقيه والشامتون شهود وطارت لعمرو في الفجاج شظية * ومروان من وقع الرماح يحيد نصر عن عمرو، عن الأشعث بن سويد، عن كردوس قال: كتب عقبة - وهو ابن مسعود، عامل على على الكوفة - إلى سليمان بن صرد [ الخزاعى ]، وهو مع على بصفين: " أما بعد فإنهم " إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا ". فعليك بالجهاد والصبر مع أمير المؤمنين. والسلام عليك ". نصر، عن عمر [ بن سعد ] وعمرو بن شمر، عن جابر، عن أبى جعفر قال: قام على فخطب الناس بصفين يومئذ فقال: " الحمد لله على نعمه الفاضلة على جميع من خلق من البر والفاجر، وعلى حججه البالغة على خلقه من أطاعه فيهم ومن عصاه. إن رحم فبفضله ومنه، وإن عذب فبما كسبت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد. أحمده على حسن (*)

[ 314 ]

البلاء، وتظاهر النعماء، وأستعينه على ما نابنا من أمر دنيا أو آخرة، وأومن به وأتوكل عليه وكفى بالله وكيلا. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ارتضاه لذلك، وكان أهله، [ و ] اصطفاه على جميع العباد لتبليغ رسالته، وجعله رحمة منه على خلقه، فكان كعلمه فيه رؤوفا رحيما، أكرم خلق الله حسبا (1)، وأجمله (2) منظرا وأسخاه نفسا، وأبره بوالد، وأوصله لرحم، وأفضله علما، وأثقله حلما، وأوفاه بعهد، وآمنه على عقد، لم يتعلق عليه مسلم ولا كافر بمظلمة قط، بل كان يظلم فيغفر، ويقدر (3) فيصفح ويعفو، حتى مضى صلى الله عليه مطيعا لله صابرا على ما أصابه، مجاهدا في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه [ وآله ] فكان ذهابه أعظم المصيبة على جميع أهل الأرض والبر والفاجر. ثم ترك كتاب الله فيكم يأمر بطاعة الله وينهى عن معصيته. وقد عهد إلى رسول الله صلى الله عليه عهدا فلست أحيد عنه، وقد حضرتم عدوكم وقد علمتم من رئيسهم، منافق ابن منافق يدعوهم إلى النار، وابن عم نبيكم معكم بين أظهركم يدعوكم إلى [ الجنة وإلى ] طاعة ربكم، ويعمل بسنة نبيكم صلى الله عليه. فلا سواء من صلى قبل كل ذكر. لم يسبقنى بصلاتي مع رسول الله صلى الله عليه حد، وأنا من أهل بدر، ومعاوية طليق ابن طليق. والله إنكم لعلى حق وإنهم لعلى باطل، فلا يكونن القوم على باطلهم اجتمعوا عليه وتفرقون عن حقكم حتى يغلب باطلهم حقكم. (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم). فإن لم تفعلوا يعذبهم بأيدى غيركم).


(1) في الأصل: " حسنا " وأثبت ما في ح. (2) في ح: " وأجملهم " وكذا سائر ضمائر العبارة إلى قوله: " وآمنه على عقد " أي بضمير الجمع. (3) في الأصل: " ويغدر " صوابه في ح. (*)

[ 315 ]

فأجابه أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين، انهض بنا إلى عدونا وعدوك إذا شئت، فوالله ما نريد بك بدلا، نموت معك ونحيا معك. فقام لهم على مجيبا لهم: والذى نفسي بيده لنظر إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] أضرب قدامه بسيفي فقال: " لا سيف إلا ذو الفقار (1)، ولا فتى إلا علي ". وقال: " يا على، أنت منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبى بعدى، وموتك وحياتك يا على معى ". والله ما كذبت ولا كذبت، ولا ضللت ولا ضل بى، وما نسيت ما عهد إلى، وإنى لعلى بينة من ربى، وإنى لعلى الطريق الواضح. ألفظه لفظا. ثم نهض إلى القوم، فاقتتلوا من حين طلعت الشمس حتى غاب الشفق، وما كانت صلاة القوم إلا تكبيرا. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن الشعبى، عن صعصعة بن صوحان ذكر أن على بن أبى طالب صاف أهل الشام، حتى برز رجل من حمير من آل ذى يزن، اسمه كريب بن الصباح، ليس في أهل الشام يومئذ رجل أشهر شدة بالبأس منه. ثم نادى: من يبارز ؟ فبرز إليه المرتفع بن الوضاح الزبيدى، فقتل المرتفع. ثم نادى: من يبارز ؟ فبرز إليه الحارث بن الجلاح (2) فقتل ؟ ثم نادى: من يبارز ؟ فبرز إليه عائذ بن مسروق الهمداني (3) فقتل عائذا ثم رمى بأجسادهم بعضها فوق بعض، ثم قام عليها بغيا واعتداء، ثم نادى: هل بقى من مبارز ؟ فبرز إليه على ثم ناداه: ويحك يا كريب، إنى أحذرك [ الله وبأسه ونقمته ]، وأدعوك إلى سنة الله وسنة رسوله، ويحك لا يدخلنك


(1) ذو الفقار: اسم سيف النبي صلى الله عليه، سمى بذلك لحفر صغار حسان كانت به. وكان للعاص بن منبه، ثم صار إلى الرسول، ثم صار إلى على. انظر اللسان، وما يعول عليه. (2) ح: " بن اللجلاج ". (3) ح: " عابد " بالباء الموحدة. (*)

[ 316 ]

ابن آكلة الأكباد النار. فكان جوابه أن قال: ما أكثر ما قد سمعنا هذه المقالة منك، فلا حاجة لنا فيها. أقدم إذا شئت. من يشترى سيفى وهذا أثره ؟ فقال عليه عليه السلام: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم مشى إليه فلم يمهله أن ضربه ضربة خر منها قتيلا يتشحط في دمه. ثم نادى: من يبارز ؟ فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميرى فقتل الحارث. ثم نادى: من يبارز ؟ فبرز إليه المطاع بن المطلب القينى (1)، فقتل مطاعا ثم نادى: من يبرز ؟ فلم يبرز إليه أحد. ثم إن عليا نادى: يا معشر المسلمين، (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (2)). ويحك يا معاوية هلم إلى فبارزني ولا يقتلن الناس فيما بيننا. فقال عمرو: اغتنمه منتهزا، قد قتل ثلاثة من أبطال العرب، وإنى أطمع أن يظفرك الله به. فقال معاوية: ويحك يا عمرو، والله إن تريد إلا أن أقتل فتصيب الخلافة بعدى، اذهب إليك، فليس مثلى يخدع. وقال المخارق بن الصباح الحميرى في ذلك، وقد قتل إخوة له ثلاثة وقتل أبوه وكان من أعلام العرب. فقال وهو يبكى على العرب: أعوذ بالله الذى قد احتجب * بالنور والسبع الطباق والحجب أمن ذوات الدين منا والحسب * لا تبكين عين على من قد ذهب ليس كمثل الله شئ يرتهب * يا رب لا تهلك أعلام العرب (3)


(1) ح (1: 504): " العبسى ". (2) في الأصل: " مع الصابرين " تحريف. والآية هي ال‍ 194 من البقرة. (3) أراد لا تهلكن، فحذف نون التوكيد الحقيقة، وأبقى الفتحة قبلها تدل عليها. انظر ما سبق ص 177 في التنبيه الثالث. (*)

[ 317 ]

القائلين الفاعلين في التعب * والمطعمين الصالحين في السغب أفناهم يوم الخميس المعتصب (1) قال: فأرسل إليه معاوية بألف درهم. نصر، قال عمر: حدثنى خالد بن عبد الواحد الجزرى (2) قال: حدثنى من سمع عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصفين، وهو يحرض أصحابه بصفين، فقام محنيا على قوس فقال: الحمد لله العظيم [ في ] شأنه، القوى في سلطانه، العلى في مكانه، الواضح [ في ] برهانه. أحمده على حسن البلاء، وتظاهر النعماء، وفي كل لزبة من بلاء (3) أو شدة أو رخاء. وأشهد ألا إله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. ثم إنا نحتسب عند الله رب العالمين ما أصبح في أمة محمد صلى الله عليه من اشتعال نيرانها، وظلام جنباتها، واضطراب حبلها، ووقوع بأسها بينها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين. أولا تعلمون أن صلاتنا وصلاتهم، وصيامنا وصيامهم، وحجنا وحجهم، وقبلتنا وقبلتهم، وديننا ودينهم واحد، ولكن الأهواء متشتتة (4). اللهم أصلح هذه الأمة بما أصلحت به أولها، واحفظ فيها بنيها (5). مع أن القوم قد وضئوا بلادكم، وبغوا عليكم فجدوا في قتال عدوكم، واستعينوا بالله ربكم، وحافظوا على حرماتكم ". ثم إنه جلس، ثم قام عبد الله بن العباس خطيبا فقال:


(1) المعتصب، وصف من قولهم يوم عصيب أي شديد. وفي الأصل: " المغتصب ". (2) ح: " الجريرى ". (3) اللزبة: الشدة. ح: " رزية ". (4) ح: " مختلفة ". (5) ح: " واحفظ فيما بيننا ". (*)

[ 318 ]

" الحمد لله رب العالمين، الذى دحا تحتنا سبعا، وسمك فوقنا سبعا (1)، ثم خلق فيما بينهن خلقا، وأنزل لنا منهن رزقا (2)، ثم جعل كل شئ يبلى ويفنى غير وجهه، الحى القيوم الذى يحيا ويبقى. ثم إن الله بعث أنبياء ورسلا فجعلهم حججا على عباده، عذرا أو نذرا، لا يطاع إلا بعلمه وإذنه، يمن بالطاعة على من يشاء من عباده ثم يثيب عليها، ويعصى [ بعلم منه ] فيعفو ويغفر بحلمه، لا يقدر قدره، ولا يبلغ شئ مكانه، أحصى كل شئ عددا، وأحاط بكل شئ علما. ثم إنى أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه، إمام الهدى والنبى المصطفى. وقد ساقنا قدر الله إلى ما قد ترون، حتي كان فيما اضطرب من حبل هذه الأمة وانتشر من أمرها، أن ابن آكلة الأكباد قد وجد من طغام أهل الشام أعوانا على على بن أبى طالب، ابن عم رسول الله وصهره، وأول ذكر صلى معه، بدرى قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه كل مشاهده التى فيها الفضل، ومعاوية وأبو سفيان مشركان يعبدان الأصنام. واعلموا والله الذى ملك الملك وحده فبان به وكان أهله، لقد قاتل على بن أبى طالب مع رسول الله صلى الله عليه، وعلى يقول: صدق الله ورسوله، ومعاوية وأبو سفيان يقولان: كذب الله ورسوله. فما معاوية في هذه بأبر ولا أتقى ولا أرشد ولا أصوب منه في قتالكم. فعليكم بتقوى الله والجد والحزم والصبر، وإنكم لعلى الحق وإن القوم لعلى الباطل. فلا يكونن أولى بالجد في باطلهم منكم في حقكم. أما والله إنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدى غيركم. اللهم ربنا أعنا ولا تخذلنا، وانصرنا على عدونا ولا تخل عنا (3)، وافتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين. والسلام


(1) سمك: رفع. ويقال سمكته فسمك، أي رفعته فارتفع. (2) في الأصل: " وأنزل لهم فيها رزقا " وأثبت ما في ح: (3) " ولا تحل عنا " من حال يحول. (*)

[ 319 ]

عليكم ورحمة الله وبركاته. أقول قولى وأستغفر الله لى ولكم ". نصر، عن عمر قال: حدثنى عبد الرحمن بن جندب، عن جندب بن عبد الله قال: قام عمار بن ياسر بصفين فقال: " امضوا (1) [ معى ] عباد الله إلى قوم يطلبون - فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله، إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان. فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم [ و ] لو درس هذا الدين: لم قتلتموه ؟ فقلنا: لإحداثه. فقالوا: إنه ما أحدث شيئا. وذلك لأنه مكنهم من الدنيا فيهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدت عليهم الجبال. والله ما أظنهم يطلبون دمه (2) إنهم ليعلمون أنه لظالم، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمروها، وعلموا لو أن [ صاحب ] الحق لزمهم لحال بينهم وبين ما [ يأكلون و ] يرعون فيه منها. ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها الطاعة والولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوما. ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا. وتلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون، ولولا هي (3) ما بايعهم من الناس رجلان (4). اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت، وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم.


(1) ح: " انهضوا ". (2) ح (1: 505): " بدم ". (3) هذا هو المعتمد في مثل هذا التعبير، كما جاء في الطبري (6: 22) بل ذهب المبرد إلى أن " لولا " لا يليها من المضمرات إلا المنفصل المرفوع، واحتج بأنه لم يأت في القرآن غير ذلك. وفي قول الله: (لولا أنتم لكنا مؤمنين) انظر الخزانة (2: 430 - 433) وشرح الرضى للكافية (2: 18 - 19). وجاء في ح (1: 504): " لولاها " وفي جواز هذا الوجه - وهو إيلاؤها الضمير المشترك بين النصب والجر - خلاف، ومما سمع منه قوله: * لولاك في ذا العام لم أحجج * (4) وكذا في الطبري، لكن في ح: " رجل ". (*)

[ 320 ]

ثم مضى ومضى معه أصحابه، فلما دنا من عمرو بن العاص قال: يا عمرو: بعت دينك بمصر ! تبا لك، وطالما بغيت الإسلام عوجا ! ثم حمل عمار وهو يقول: صدق الله وهو للصدق أهل * وتعالى ربى وكان جليلا رب عجل شهادة لى بقتل * في الذى قد أحب قتلا جميلا (1) مقبلا غير مدبر إن للقت‍ * ل على كل ميتة تفضيلا إنهم عند ربهم في جنان * يشربون الرحيق والسلسبيلا من شراب الأبرار خالطه المس‍ * ك، وكأسا مزاجها زنجبيلا ثم نادى عمار عبيد الله بن عمر، وذلك قبل مقتله، فقال يا ابن عمر، صرعك الله ! بعت دينك بالدنيا من عدو الله وعدو الإسلام. قال: كلا، ولكن أطلب بدم عثمان الشهيد المظلوم. قال: كلا، أشهد على علمي فيك أنك أصبحت لا تطلب بشئ من فعلك وجه الله، وإنك إن لم تقتل اليوم فستموت غدا. فانظر إذا أعطى الله العباد على نياتهم ما نيتك ؟ ثم قال عمار: اللهم إنك تعلم أنى لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسى في هذا البحر لفعلت. اللهم إنك تعلم أنى لو أعلم أن رضاك أن أضع ظبة سيفى في بطني ثم أنحنى عليها حتى يخرج من ظهرى لفعلت. اللهم وإنى أعلم مما أعلمتني أنى لا أعمل (2) اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم اليوم عملا أرضى لك منه لفعلته. نصر، عن يحيى بن يعلى، عن صباح المزني (3)، عن الحارث بن حصيرة


(1) في الذى، أي مع الذين. (2) في الأصل: " لا أعلم " وأثبت ما في ح (1: 505). (3) هو صباح بن يحيى أبو محمد المزني، يروى عن الحارث بن حصيرة. قال ابن عدى: هو من جملة الشيعة. انظر لسان الميزان ومنتهى المقال 164. (*)

[ 321 ]

عن زيد بن أبى رجاء، عن أسماء بن الحكم الفزارى قال: كنا بصفين مع على بن أبى طالب تحت راية عمار بن ياسر، ارتفاع الضحى - استظللنا ببرد أحمر، إذ أقبل رجل يستقرى الصف حتى انتهى إلينا فقال: أيكم عمار بن ياسر ؟ فقال عمار بن ياسر: هذا عمار. قال: أبو اليقظان ؟ قال: نعم. قال: إن لى حاجة إليك فأنطق بها علانية أو سرا ؟ قال: اختر لنفسك أي ذلك شئت. قال: لا، بل علانية. قال: فانطق. قال: إنى خرجت من أهلى مستبصرا في الحق الذى نحن عليه لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم وأنهم على الباطل، فلم أزل على ذلك مستبصرا حتى كان ليلتى هذه صباح يومنا هذا، فتقدم منادينا فشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ونادى بالصلاة، فنادى مناديهم بمثل ذلك، ثم أقيمت الصلاة فصلينا صلاة واحدة، ودعونا دعوة واحدة، وتلونا كتابا واحدا، ورسولنا واحد، فأدركني الشك في ليلتى هذه، فبت بليلة لا يعلمها إلا الله حتى أصبحت، فأتيت أمير المؤمنين فذكرت ذلك له فقال: هل لقيت عمار بن ياسر ؟ قلت: لا. قال: فالقه فانظر ما يقول لك فاتبعه. فجئتك لذلك. قال له عمار: هل تعرف صاحب الراية السوداء المقابلتى (1) فإنها راية عمرو بن العاص، قاتلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، وهذه الرابعة ما هي بخيرهن ولا أبرهن، بل هي شرهن وأفجرهن. أشهدت بدرا وأحدا وحنينا أو شهدها لك أب فيخبرك عنها ؟ قال: لا. قال: فإن مراكزنا على مراكز رايات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ويوم أحد، ويوم حنين، وإن هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب، هل ترى هذا العسكر ومن فيه ؟ فوالله لوددت أن جميع من أقبل مع معاوية ممن يريد قتالنا مفارقا للذى نحن عليه كانوا


(1) في الأصل: " لمقابلتي " تحريف. وفي ح (1: 506): " المقابلة لى ". (*)

[ 322 ]

خلقا واحدا فقطعته وذبحته. والله لدماؤهم جميعا أحل من دم عصفور. أفترى دم عصفور حراما ؟ قال: لا، بل حلال. قال: فإنهم كذلك حلال دماؤهم، أتراني بينت لك ؟ قال: قد بينت لى. قال: فاختر أي ذلك أحببت. قال: فانصرف الرجل ثم دعاه عمار بن ياسر فقال: أما إنهم سيضربوننا بأسيافهم (1) حتى يرتاب المبطلون منكم فيقولون: لو لم يكونوا على حق ما ظهروا علينا. والله ما هم من الحق على ما يقذى عين ذباب. والله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر (2) لعرفت أنا على حق وهم على باطل. وأيم الله لا يكون سلما سالما أبدا حتى يبوء أحد الفريقين على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين، وحتى يشهدوا على الفريق الآخر بأنهم على الحق وأن قتلاهم في الجنة وموتاهم. ولا ينصرم أيام الدنيا حتى يشهدوا بأن موتاهم وقتلاهم في الجنة، وأن موتى أعدائهم وقتلاهم في النار، وكان أحياؤهم على الباطل. نصر، عن يحيى (3)، عن على بن حزور (4) عن الأصبغ بن نباتة قال: جاء رجل إلى على فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء القوم الذين نقاتلهم: الدعوة واحدة، والرسول واحد، والصلاة واحدة، والحج واحد فبم نسميهم ؟ قال: تسميهم بما سماهم الله في كتابه. قال: ما كل ما في الكتاب أعلمه. قال: أما سمعت الله قال: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) إلى قوله: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات


(1) ح: " سيضربونكم بأسيافهم ". (2) ذكر هذا الحديث في اللسان (11: 52): وقال: " وإنما خص هجر للمباعدة في المسافة، ولأنها موصوفة بكثرة النخيل ". (3) هو يحيى بن يعلى، كما في ح. وانظر ص 217. (4) حزور، بالحاء المهملة والزاى المفتوحتين والواو المشددة. ويقال له أيضا على بن أبى فاطمة. متروك شديد التشيع. مات بعد الثلاثين والمائة. منتهى المقال 210. (*)

[ 323 ]

ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر). فلما وقع الاختلاف كنا نحن أولى بالله وبالكتاب وبالنبى وبالحق. فنحن الذين آمنوا، وهم الذين كفروا، وشاء الله قتالهم فقاتلناهم هدى، بمشيئة الله (1) ربنا وإرادته. نصر، عن سفيان الثوري وقيس بن الربيع (2)، عن أبى إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن على قال: جاء عمار بن ياسر يستأذن على النبي صلى الله عليه وآله فقال: " ايذنوا له. مرحبا بالطيب ابن الطيب ". نصر عن سفيان بن سعيد (3)، عن سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن النبي صلى الله عليه - يعنى أنه رآهم يحملون الحجارة حجارة المسجد - فقال: " ما لهم ولعمار، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار. وذاك الأشقياء الفجار ". نصر، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبى عمار، عن عمرو بن شرحبيل، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه، قال: " لقد ملئ عمار إيمانا إلى مشاشه (4) ". نصر، عن الحسن بن صالح، عن أبى ربيعة الإيادى، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه قال: " إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة: على، وعمار، وسلمان (5)).


(1) في الأصل: " بسنة الله " وأثبت ما في ح (1: 506). (2) هو قيس بن الربيع الأسدى، أبو محمد الكوفى. قال ابن حجر: " لا يكاد يعرف، عداده في التابعين ". انظر لسان الميزان ومنتهى المقال 247. وفي الأصل: " بن الربيعي " تحريف. وانظر ما مضى في ص 217، 231. (3) هو سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله الثوري الكوفى، ثقة حافظ فقيه، وكان ربما دلس. مات سنة 161 وله أربع وستون سنة. وهو أحد أصحاب الرأى. انظر تهذيب التهذيب والمعارف 217. وفي الأصل: " سفيان عن سعيد " تحريف. (4) المشاش، بالضم: رءوس العظام اللينة. انظر اللسان (8: 239 س 10). (5) هو سلمان الفارسى الصحابي، كان أول مشاهده الخندق، ثم شهد بقية المشاهد وفتوح العراق، وولى المدائن. وهو أحد المعمرين، يزعمون أنه عاش ثلثمائة وخمسين سنة. انظر الإصابة 335. (*)

[ 324 ]

نصر عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبى ثابت قال: لما بنى " المسجد جعل عمار يحمل حجرين، فقال له رسول الله صلى الله عليه: " يا أبا اليقظان، لا تشقق على نفسك ". قال: يا رسول الله، إنى أحب أن أعمل في هذا المسجد. قال: ثم مسح ظهره ثم قال: " إنك من أهل الحنة تقتلك الفئة الباغية ". نصر، عن حفص بن عمران الأزرق البرجمى (1) قال: حدثنى نافع بن الجمحى عن ابن أبى مليكة (2) قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص: لولا أن رسول الله صلى الله عليه أمر بطواعيتك ما سرت معك هذا المسير. أما سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول لعمار: " يقتلك الفئة الباغية " ؟ ! نصر، عن حفص بن عمران البرجمى، عن عطاء بن السائب، عن أبى البخترى قال: أصيب أويس القرنى (3) مع على بصفين. نصر، عن محمد بن مروان، عن الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس في قول الله عز وجل: (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد) قال: نزلت في رجل، وهو صهيب بن سنان مولى عبد الله بن جدعان (4)، أخذه المشركون في رهط من المسلمين، فيهم خير


(1) هو حفص بن عمر أو ابن عمران الأزرق البرجمى الكوفى، كان من المستورين. تقريب التهذيب. (2) اسمه عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبى مليكة - بالتصغير - بن عبد الله بن جدعان التيمى المدنى، أدرك ثلاثين من الأصحاب ومات سنة 117. تقريب التهذيب. (3) هو أويس بن عامر القرنى، سيد التابعين، روى له مسلم. والقرني، بفتح القاف والراء: نسبة إلى قرن، وهم بطن من بطون جعفى بن سعد العشيرة. انظر تقريب التهذيب والاشتقاق ص 245. (4) جدعان، بضم الجيم بعدها دال مهملة. انظر الاشتقاق 88 والإصابة 4578. وكان عبد الله سيد قريش في الجاهلية. وفي الأصل: " بن جذعان " تحريف. (*)

[ 325 ]

مولى قريش لبنى الحضرمي (1)، وخباب بن الأرت مولى ثابت بن أم أنمار (2)، وبلال مولى أبى بكر، وعابس (3) مولى حويطب بن عبد العزى، وعمار بن ياسر، وأبو عمار (4)، وسمية أم عمار. فقتل أبو عمار وأم عمار، وهما أول قتيلين قتلا من المسلمين، وعذب الآخرون بعد ما خرج النبي صلى الله عليه من مكة إلى المدينة، فأرادوهم على الكفر. فأما صهيب فكان شيخا كبيرا ذا متاع، فقال للمشركين. هل لكم إلى خير ؟ فقالوا: ما هو ؟ قال: أنا شيخ كبير ضعيف لا يضركم منكم كنت أو من عدوكم، وقد تكلمت بكلام أكره أن أنزل عنه، فهل لكم أن تأخذوا مالى وتذروني وديني، ففعلوا فنزلت هذه الآية، فلقيه أبو بكر حين دخل المدينة فقال: ربح البيع يا صهيب. وقال: وبيعك لا يخسر. وقرأ عليه هذه الآية ففرح بها. أما بلال وخباب وعابس وعمار وأصحابهم فعذبوا حتى قالوا بعض ما أراد المشركون، ثم أرسلوا. ففيهم نزلت هذه الآية: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا (5) لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون).


(1) خير، ويقال أيضا " جبر " مولى عامر بن الحضرمي، أخى العلاء بن الحضرمي الصحابي المشهور. وفي خير نزل قول الله: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) أكرهه عامر على الكفر، ثم أسلم عامر بعد وكان في الصحابة. انظر الإصابة والسيرة 260 جوتنجن. (2) كذا. وفي الإصابة: " مولى أم أنمار الخزاعية، وقيل غير ذلك ". (3) عابس، بالباء الموحدة، كما في القاموس " عبس " والإصابة 4331. قيل: نزل فيه وفي صهيب (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله). وفي الأصل: " عائش " في هذا الموضع وتاليه، تحريف. (4) في الأصل: " وأبى عمار " تحريف. (5) في الأصل: " فتنوا " وهو من شنيع التحريف. وهذه الآية هي الآية 41 من سورة النحل. وأما " فتنوا " فهى في الآية 110 من سوره النحل أيضا: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم). (*)

[ 326 ]

نصر، عن أيوب بن خوط (1)، عن الحسن، أن رسول الله صلى الله عليه لما أخذ في بناء المسجد قال: " ابنوا لى عريشا كعريش موسى " وجعل يناول اللبن وهو يقول: " اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فاغفر للأنصار. والمهاجرة ". وجعل يتناول من عمار بن ياسر ويقول: " ويحك يابن سمية تقتلك الفئة الباغية ". نصر، عن عمر قال: حدثنى مالك بن أعين، عن زيد بن وهب الجهنى أن عمار بن ياسر نادى يومئذ (2): أين من يبغى رضوان ربه ولا يؤوب إلى مال. ولا ولد ؟ قال: فأتته عصابة من الناس فقال: " أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبغون دم عثمان ويزعمون أنه قتل مظلوما، والله إن كان إلا ظالما لنفسه، الحاكم بغير ما أنزل الله ". ودفع على الراية إلى هاشم بن عتبة بن أبى وقاص، وكانت عليه [ ذلك اليوم ] درعان، فقال له على كهيئة المازح: أيا هاشم، أما تخشى من نفسك أن تكون أعور جبانا ؟ قال: ستعلم يا أمير المؤمنين، والله لألفن بين جماجم القوم لف رجل ينوى الآخرة. فأخذ رمحا فهزه فانكسر، ثم آخر فوجده جاسيا فألقاه، ثم دعا برمح لين فشد به لواءه. ولما دفع على الراية إلى هاشم قال له رجل من بكر بن وائل من أصحاب هاشم: أقدم هاشم - يكررها - ثم قال: مالك يا هاشم قد انتفخ سحرك، أعورا وجبنا ؟ قال: من هذا ؟ قالوا: فلان. قال: أهلها وخير منها، إذا رأيتنى قد صرعت فخذها. ثم قال لأصحابه: شدوا شسوع نعالكم وشدوا أزركم، فإذا رأيتموني قد هززت الراية ثلاثا فاعلموا


(1) خوط، بفتح الخاء المعجمة بعدها واو ساكنة. وترجمة أيوب في تقريب التهذيب ولسان الميزان. وفي الأصل: " بن حنوط " تحريف. (2) ح (2: 269): " نادى في صفين يوما قبل مقتله بيوم أو يومين ". (*)

[ 327 ]

أن أحدا منكم لا يسبقنى إليها (1). ثم نظر هاشم إلى عسكر معاوية فرأى جمع عظيما، فقال: من أولئك ؟ [ قيل: أصحاب ذى الكلاع. ثم نظر فرأى جندا فقال: من أولئك ] ؟ قالوا: جند أهل المدينة وقريش (2). قال: قومي لا حاجة لى في قتالهم. قال: من عند هذه القبة البيضاء ؟ قيل: معاوية وجنده. قال: فإنى أرى دونهم أسودة (3). قالوا: ذاك عمرو بن العاص وابناه [ ومواليه ]. وأخذ الراية فهزها فقال له رجل من أصحابه: امكث قليلا ولا تعجل. فقال هاشم: قد أكثروا لومى وما أقلا (4) * إنى شريت النفس، لن أعتلا أعور يبغى نفسه محلا * لا بد أن يفل أو يفلا (5) قد عالج الحياة حتى ملا * أشدهم بذى الكعوب شلا (6) قال نصر: عمرو بن شمر: * أشلهم بذى الكعوب شلا * مع ابن عم أحمد المعلى * فيه الرسول بالهدى استهلا أول من صدقه وصلى * فجاهد الكفار حتى أبلى قال: وقد كان على قال له: أتخاف أن تكون أعور جبانا أيا هاشم


(1) ح: " إلى الحملة ". (2) ح: " قيل قريش وقوم من أهل المدينة ". (3) الأسودة: جمع سواد، وهو الشخص. (4) ح: " قد أكثرا لومى ". مروج الذهب (2: 22): " قد أكثر القوم ". (5) الفل: الهزيمة. وفي الأصل: " يغل أو يغلا " صوابه في ح ومروج الذهب والطبري (6: 22). (6) ذو الكعوب: الرمح. والشل: الطرد. ورواية الطبري (6: 24): * يتلهم بذى الكعوب تلا * تله يتله تلا: صرعه، فهو متلول وتليل. (*)

[ 328 ]

المرقال: قال: يا أمير المؤمنين، أما والله لتعلمني (1) - إن شاء الله - ألف اليوم بين جماجم القوم. فحمل يومئذ يرقل إرقالا. نصر، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبى ثابت قال لما كان قتال صفين والراية مع هاشم بن عتبة - قال - جعل عمار بن ياسر يتناوله بالرمح ويقول: أقدم يا أعور. * لا خير في أعور لا يأتي الفزع * قال: فجعل يستحيى من عمار، وكان عالما بالحرب، فيتقدم فيركز الراية، فإذا تتامت (2) إليه الصفوف قال عمار: أقدم يا أعور. * لا خير في أعور لا يأتي الفزع * فجعل عمرو بن العاص يقول: إنى لأرى لصاحب الراية السوداء عملا، لئن دام على هذا لتفنين العرب اليوم. فاقتتلوا قتالا شديدا، وجعل عمار يقول: صبرا عباد الله، الجنة تحت ظلال البيض (3) ". وكان لواء الشام مع أبى الأعور السلمى. ولم يزل عمار بهاشم ينخسه حتى أشتد القتال (4)، وزحف هاشم بالراية يرقل بها إرقالا، وكان يسمى المرقال. قال: وزحف الناس بعضهم إلى بعض، والتقى الزحفان فاقتتل الناس قتالا شديدا لم يسمع الناس بمثله، وكثرت القتلى في الفريقين كليهما.


(1) في الأصل: " لتعلمن ". (2) في الأصل: " شامت ". (3) البيض: السيوف. (4) في الأصل: " شبت القتال " صوابه في ح (2: 270). (*)

[ 329 ]

قال: وقال عمر [ وبن شمر ]: عن أبى إسحاق، عن أبى السفر (1) قال: لما التقينا بالقوم في ذلك اليوم وجدناهم خمسة صفوف قد قيدوا أنفسهم بالعمائم (2) فقتلنا صفا صفا، حتى قتلنا ثلاثة صفوف وخلصنا إلى الصف الرابع ما على الأرض شامى ولا عراقي يولى دبره. وأبو الأعور يقول (3): إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا * صدود الخدود وازورار المناكب (4) صدود الخدود والقنا متشاجر * ولا تبرح الأقدام عند التضارب ثم إن الأزد وبجيلة كشفوا همدان غلوة حتى ألجؤوهم إلى التل، فصعدوا فشدت عليهم الأزد وبجيلة حتى أحدروهم منه، ثم عطفت عليهم همدان حتى ألجؤوهم إلى أن تركوا مصافهم. وقتل من الأزد وبجيلة يومئذ ثلاثة آلاف في دفعة. ثم إن همدان عبيت لعك، فقيل: همدان همدان وعك عك * ستعلم اليوم من الأرك (5) وكانت على عك الدروع وليس عليهم رانات (6)، فقالت همدان: خدموا القوم - أي اضربوا سوقهم - (7) فقالت عك: برك كبرك الكمل (8). فبركوا كما برك الجمل (9). ثم رموا بحجر فقالوا: لا نفر حتى يفر الحكر.


(1) أبو السفر، بالتحريك، كما في تقريب التهذيب والقاموس. واسمه سعيد بن يحمد، بضم الياء وسكون الحاء وكسر الميم، الهمداني الثوري الكوفى، ثقة من الثالثة، مات سنة 112 (2) انظر ما سبق ص 228. (3) الشعر ليس للأعور، بل هو لقيس بن الخطيم من قصيدة له في ديوانه 10 - 15 ليبسك. (4) في الأصل: " صدود خدود " وأثبت ما في ح والديوان. (5) الأرك: الأضعف، والركة: الضعف. وفي الأصل: " الأدك " صوابه في ح. (6) في القاموس: " الران كالخف إلا أنه لا قدم له، وهو أطول من الخف " والجمع رانات. ح: " رايات ". (7) انظر ما سبق في ص 257. (8) الكمل، أي الجمل. وعك تقلب الجيم كافا. انظر ما مضى في ص 228. وفي الأصل: " الجمل " صوابه في ح (2: 270). (9) ح: " كما يبرك الجمل ". (*)

[ 330 ]

وبلغنا في حديث آخر أن عبيد الله بن عمر بعثه معاوية في أربعة آلاف وثلثمائة - وهى كتيبة الخضرية الرقطاء، وكانوا قد أعلموا بالخضرة - ليأتوا عليا من ورائه. قال أبو صادق. فبلغ عليا أن عبيد الله بن عمر قد توجه ليأتيه من ورائه، فبعث إليهم أعدادهم ليس منهم إلا تميمي. واقتتل الناس من لدن اعتدال النهار إلى صلاة المغرب، ما كانت صلاة القوم إلا التكبير عند مواقيت الصلاة. ثم إن ميسرة العراق كشفت ميمنة أهل الشام فطاروا في سواد الليل، وأعاد عبيد الله والتقى هو وكرب - رجل من عكل - فقتله وقتل الذين معه جميعا، وإنما انكشف الناس لوقعة كرب، فكشف أهل الشام أهل العراق فاختلطوا في سواد الليل وتبدلت الرايات بعضها ببعض، فلما أصبح الناس وجد أهل الشام لواءهم وليس حوله إلا ألف رجل، فاقتلعوه وركزوه من وراء موضعه الأول، وأحاطوا به، ووجد أهل العراق لواءهم مركوزا وليس حوله إلا ربيعة، وعلى عليه السلام بينها، وهم يحيطون به، وهو لا يعلم من هم ويظنهم غيرهم. فلما أذن مؤذن على حين طلع الفجر قال على يا مرحبا بالقائلين عدلا * وبالصلاة مرحبا وأهلا فلما صلى على الفجر أبصر وجوها ليست بوجوه أصحابه بالأمس، وإذا مكانه الذى هو به ما بين الميسرة والقلب بالأمس، فقال: من القوم ؟ قالوا: ربيعة، وقد بت فيهم تلك الليلة (1). قال: فخر طويل لك يا ربيعة. ثم قال لهاشم: خذ اللواء، فوالله ما رأيت مثل هذه الليلة. ثم خرج نحو القلب حتى ركز اللواء به. [ نصر: حدثنا عمرو بن شمر، عن الشعبى قال: عبا معاوية تلك الليلة أربعة آلاف وثلثمائة من فارس وراجل معلمين بالخضرة، وأمرهم أن يأتوا عليا


(1) ح: " وإنك يا أمير المؤمنين لعندنا منذ الليلة ". (*)

[ 331 ]

عليه السلام من ورائه، ففطنت لهم همدان فواجهوهم وصمدوا إليهم، فباتوا تلك الليلة يتحارسون، وعلى عليه السلام قد أفضى به ذهابه ومجيئه إلى رايات ربيعة، فوقف بينها وهو لا يعلم، ويظن أنه في عسكر الأشعث. فلما أصبح لم ير الأشعث ولا أصحابه ] وإذا سعيد بن قيس [ الهمداني ] على مركزه، فلحقه رجل من ربيعة يقال له " نفر (1) " فقال له: ألست الزاعم لئن لم تنته ربيعة لتكونن ربيعة ربيعة وهمدان همدان (2)، فما أغنت عنك همدان (3) البارحة. فنظر إليه على نظر منكر، [ ونادى منادى على عليه السلام: أن اتعدوا للقتال واغدوا عليه، وانهدوا إلى عدوكم ] فلما أصبحوا نهدوا للقتال غير ربيعة لم تتحرك، فبعث إليهم على: أن انهدوا إلى عدوكم. فأبوا، فبعث إليهم أبا ثروان فقال: إن أمير المؤمنين يقرئكم السلام ويقول: يا معشر ربيعة ما يمنعكم أن تنهدوا وقد نهد الناس ؟ قالوا: كيف ننهد وهذه الخيل من وراء ظهرنا ؟ قل لأمير المؤمنين عليه السلام فليأمر همدان أو غيرها بمناجزتهم لننهد. فرجع أبو ثروان إلى على عليه السلام فأخبره، فبعث إليهم الأشتر فقال: يا معشر ربيعة، ما منعكم أن تنهدوا [ وقد نهد الناس ] - وكان جهير الصوت - وأنتم أصحاب كذا وأصحاب كذا ؟ ! فجعل يعدد أيامهم. فقالوا: لسنا نفعل حتى ننظر ما تصنع هذه الخيل التى خلف ظهورنا، وهى أربعة آلاف. قل لأمير المؤمنين فليبعث إليهم من يكفيه أمرهم - وراية ربيعة يومئذ مع حضين ابن المنذر - فقال لهم الأشتر: فإن أمير المؤمنين عليه السلام يقول لكم: اكفونيها. إنكم لو بعثتم إليهم طائفة منكم لتركوكم في هذه الفلاة وفروا


(1) ح: " زفر ". (2) في الأصل: " ومضر مضر " والصواب ما أثبت من ح. (3) في الأصل: " مضر " والصواب ما أثبت من ح. (*)

[ 332 ]

كاليعافير (1). فوجهت حينئذ ربيعة إليهم تيم الله، والنمر بن قاسط، وعنزة. قالوا: فمشينا إليهم مستلئمين مقنعين في الحديد، وكانت عامه قتال صفين مشيا، فلما أتيناهم هربوا وانتشروا انتشار الجراد. قال: فذكرت قول الأشتر: " وفروا كاليعافير (2))، فرجعنا إلى أصحابنا وقد نشب القتال بينهم وبين أهل الشام وقد اقتطع أهل الشام طائفة من أهل العراق بعضها من ربيعة فأحاطوا بها، فلم نصل إليها حتى حملنا على أهل الشام فعلوناهم بالأسياف حتى انفرجوا لنا وأفضينا إلى أصحابنا [ فاستنقذناهم ] وعرفناهم تحت النقع بسيماهم وعلامتهم (3). وكانت علامة أهل العراق بصفين الصوف الأبيض قد جعلوه في رؤوسهم وعلى أكتافهم. وشعارهم: " يا الله يا أحد يا صمد، يا رب محمد، يا رحمن يا رحيم ". وكان علامة أهل الشام خرقا صفرا (4) قد جعلوها على وءوسهم وأكتافهم. وكان شعارهم " نحن عباد الله حقا حقا، يا لثارات عثمان ". وكانت رايات أهل العراق سودا وحمرا ودكنا وبيضا ومعصفرة وموردة، والألوية مضروبة دكن وسود. قال: فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد. قال: فما تحاجزوا حتى حجز بيننا سواد الليل. قال: وما نرى رجلا منا ولا منهم موليا. نصر: عمر، حدثنى صديق أبى، عن الإفريقى بن أنعم قال: كانوا عربا يعرف بعضهم بعضا في الجاهلية، وإنهم لحديثو عهد بها، فالتقوا في الإسلام وفيهم بقايا تلك الحمية، وعند بعضهم بصيرة الدين والإسلام، فتصابروا (5) واستحيوا من الفرار حتى كادت الحرب تبيدهم، وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء


(1) اليعافير: الظباء، واحدها يعفور. (2) في الأصل: " كأنهم اليعافير " وأثبت ما في ح (2: 271). (3) في الأصل: " وعرفنا علامة الصوف ". وأثبت ما في ح. (4) في الأصل: " بيضا " وأثبت ما في ح. (5) ح: " فتضاربوا ". (*)

[ 333 ]

عسكر هؤلاء فيستخرجون قتلاهم فيدفنونهم، فلما أصبحوا - وذلك يوم الثلاثاء - خرج الناس إلى مصافهم فقال أبو نوح: فكنت في الخيل يوم صفين في خيل على عليه السلام وهو واقف بين جماعة من همدان وحمير وغيرهم من أفناء قحطان (1)، وإذا أنا برجل من أهل الشام يقول: من دل على الحميري أبى نوح ؟ فقلنا: هذا الحميرى فأيهم تريد ؟ قال: أريد الكلاعى أبا نوح. قال: قلت: قد وجدته فمن أنت ؟ قال: أنا ذو الكلاع، سر إلى. فقلت له: معاذ الله أن أسير إليك إلا في كتيبة. قال ذو الكلاع: [ بلى ] فسر، فلك ذمة الله وذمة رسوله وذمة ذى الكلاع حتى ترجع إلى خيلك، فإنما أريد أن أسألك عن أمر فيكم تمارينا فيه. فسر دون خيلك حتى أسير إليك. فسار أبو نوح وسار ذو الكلاع حتى التقيا، فقال ذو الكلاع: إنما دعوتك أحدثك حديثا حدثناه عمرو بن العاص [ قديما ] في إمارة عمر بن الخطاب. قال أبو نوح: وما هو ؟ قال ذو الكلاع: حدثنا عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه قال: " يلتقى أهل الشام وأهل العراق وفي إحدى الكتيبتين الحق وإمام الهدى ومعه عمار بن ياسر ". قال أبو نوح: لعمر الله إنه لفينا. قال: أجاد هو في قتالنا ؟ قال أبو نوح: نعم ورب الكعبة، لهو أشد على قتالكم منى، ولوددت أنكم خلق واحد فذبحته وبدأت بك قبلهم وأنت ابن عمى. قال ذو الكلاع: ويلك، علام تتمنى ذلك منا ؟ ! والله ما قطعتك فيما بينى وبينك، وإن رحمك لقريبة، وما يسرنى أن أقتلك. قال أبو نوح: إن الله قطع بالإسلام أرحاما قريبة، ووصل به أرحاما متباعدة، وإنى لقاتلك (2) أنت وأصحابك، ونحن على الحق وأنتم على الباطل مقيمون مع أئمة الكفر ورؤوس الأحزاب. فقال له ذو الكلاع: [ فهل تستطيع أن تأتى معى في صف أهل


(1) الأفناء: الأخلاط النزاع من ها هنا وها هنا. (2) في الأصل: " وإنى منا " صوابه في ح. (*)

[ 334 ]

الشام، ف‍ ] أنا جار لك من ذلك ألا تقتل ولا تسلب ولا تكره على بيعه، ولا تحبس عن جندك، وإنما هي كلمة تبلغها عمرو بن العاص، لعل الله أن يصلح بذلك بين هذين الجندين، ويضع الحرب والسلاح (1). فقال أبو نوح: إنى أخاف غدراتك وغدرات أصحابك. فقال له ذو الكلاع: أنا لك بما قلت زعيم. فقال أبو نوح: اللهم إنك ترى ما أعطاني ذو الكلاع وانت تعلم ما في نفسي، فاعصمني واختر لى وانصرني وادفع عنى. ثم سار مع ذى الكلاع حتى أتى عمرو بن العاص وهو عند معاوية وحوله الناس وعبد الله بن عمرو يحرض الناس على الحرب، فلما وقفا على القوم قال ذو الكلاع لعمرو: يا أبا عبد الله، هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمار بن ياسر لا يكذبك ؟ قال عمرو: ومن هو ؟ قال: ابن عمى هذا، وهو من أهل الكوفة. فقال عمرو: إنى لأرى عليك سيما أبى تراب. قال أبو نوح: على سيما محمد صلى الله عليه وأصحابه، وعليك سيما أبى جهل وسيما فرعون. فقام أبو الأعور فسل سيفه ثم قال: لا أرى هذا الكذاب اللئيم يشاتمنا بين أظهرنا وعليه سيما أبى تراب. فقال ذو الكلاع: أقسم بالله لئن بسطت يدك إليه لأخطمن أنفك بالسيف. ابن عمى وجاري عقدت له بذمتي، وجئت به إليكما ليخبركما عما تماريتم فيه. قال له عمرو بن العاص: اذكرك بالله يا أبا نوح إلا ما صدقتنا، ولم تكذبنا (2)، أفيكم عمار بن ياسر ؟ فقال له أبو نوح:


(1) قال ابن أبى الحديد: قلت: واعجباه من قوم يعتريهم الشك في أمرهم لمكان عمار ولا يعتريهم الشك لمكان على عليه السلام، ويستدلون على أن الحق مع أهل العراق يكون عمار بين أظهرهم ولا يعبثون بمكان على عليه السلام، ويحذرون من قول النبي صلى الله عليه وآله: تقتلك الفئة الباغية، ويرتاعون لذلك ولا يرتاعون لقوله صلى الله عليه وآله في على عليه السلام: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. ولا لقوله: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. وهذا يدلك على أن عليا عليه السلام اجتهدت قريش كلها من مبدأ الأمر في إخمال ذكره وستر فضائله ". (2) في الأصل: " إلا ما صدقت ولا تكذبنا " والوجه ما أثبت من ح (2: 272). (*)

[ 335 ]

ما أنا بمخبرك عنه حتى تخبرني لم تسألني عنه، فإنا معنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه عدة غيره، وكلهم جاد على قتالكم. قال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: " إن عمارا تقتله الفئة الباغية، وإنه ليس ينبغى لعمار أن يفارق الحق ولن تأكل النار منه شيئا ". فقال أبو نوح: لا إله إلا الله والله أكبر، والله إنه لفينا، جاد على قتالكم. فقال عمرو: والله إنه لجاد على قتالنا ؟ قال: نعم والله الذى لا إله إلا هو، [ و ] لقد حدثنى يوم الجمل أنا سنظهر عليهم، ولقد حدثنى أمس أن لو ضربتمونا حتى تبلغوا بنا سعفات هجر (1) لعلمنا أنا على حق وأنهم على باطل، و [ ل‍ ] - كانت قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال له عمرو: فهل تستطيع أن تجمع بينى وبينه ؟ قال: نعم. فلما أراد أن يبلغه أصحابه ركب عمرو بن العاص، وابناه، وعتبة بن أبى سفيان، وذو الكلاع، وأبو الأعور السلمى، وحوشب، والوليد بن [ عقبة بن ] أبى معيط، فانطلقوا حتى أتوا خيولهم. وسار أبو نوح ومعه شرحبيل بن ذى الكلاع حتى انتهيا إلى أصحابه فذهب أبو نوح إلى عمار فوجده قاعدا مع أصحاب له، منهم ابنا بديل وهاشم، والأشتر، وجارية بن المثني، وخالد بن المعمر، وعبد الله بن حجل، وعبد الله بن العباس. وقال أبو نوح: إنه دعاني ذو الكلاع وهو ذو رحم فقال: أخبرني عن عمار ابن ياسر، أفيكم هو ؟ قلت: لم تسأل ؟ قال: أخبرني عمرو بن العاص في إمرة عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه يقول: " يلتقى أهل الشام وأهل العراق وعمار في أهل الحق يقتله الفئة الباغية ". فقلت: إن عمارا فينا. فسألني (2): أجاد هو على قتالنا ؟ فقلت: نعم والله، أجد منى، ولوددت


(1) انظر ما سبق ص 322 س 7. (2) في الأصل: " قيل لى " صوابه في ح (2: 272). (*)

[ 336 ]

أنكم خلق واحد فذبحتكم وبدأت بك يا ذا الكلاع. فضحك عمار وقال: هل يسرك ذلك ؟ قال: قلت نعم. قال أبو نوح: أخبرني [ الساعة ] عمرو ابن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه يقول: " عمار يقتله الفئة الباغية ". قال عمار: أقررته بذلك ؟ قال: نعم أقررته فأقر. فقال عمار: صدق، وليضرنه ما سمع ولا ينفعه. ثم قال أبو نوح لعمار - ونحن اثنا عشر رجلا -: فإنه يريد أن يلقاك. فقال عمار لأصحابه: اركبوا. فركبوا وساروا ثم بعثنا إليهم فارسا من عبد القيس يسمى عوف بن بشر، فذهب حتى كان قريبا من القوم، ثم نادى: أين عمرو ابن العاص ؟ قالوا (1): هاهنا. فأخبره بمكان عمار وخيله. قال عمرو: قل له فليسر إلينا. قال عوف: إنه يخاف غدراتك. فقال له عمرو: ما أجرأك على وأنت على هذه الحال ! فقال له عوف: جرأنى عليك بصيرتي فيك وفي أصحابك، فإن شئت نابذتك [ الآن ] على سواء، وإن شئت التقيت أنت وخصماؤك، وأنت كنت غادرا (2). فقال له عمرو: ألا أبعث إليك بفارس يواقفك ؟ فقال له عوف: ما أنا بالمستوحش، فابعث بأشقى أصحابك. قال عمرو: فأيكم يسير إليه ؟ فسار إليه أبو الأعور، فلما تواقفا تعارفا فقال عوف لأبى الأعور: إنى لأعرف الجسد وأنكر القلب، إنى لا أراك مؤمنا، وإنك لمن أهل النار. فقال أبو الأعور: لقد أعطيت لسانا يكبك الله به على وجهك في نار جهنم. فقال عوف: كلا والله إنى أتكلم أنا بالحق، وتكلم أنت بالباطل، وإنى


(1) في الأصل: " قال " صوابه في ح. (2) الكلام بعد لفظة " سواء " إلى هنا لم يرد في ح. (*)

[ 337 ]

أدعوك إلى الهدى وأقاتل أهل الضلالة (1) وأفر من النار، وأنت بنعمة الله ضال تنطق بالكذب وتقاتل على ضلالة، وتشترى العقاب بالمغفرة، والضلالة بالهدى انظروا إلى وجوهنا ووجوهكم، وسيمانا وسيماكم، واسمعوا إلى دعوتنا ودعوتكم، فليس أحد منا إلا [ و ] هو أولى بمحمد صلى الله عليه وأقرب إليه قرابة منكم، قال له أبو الأعور: [ لقد ] أكثرت الكلام وذهب النهار. [ ويحك ] ادع أصحابك وأدعو أصحابي، فأنا جار لك حتى تأتى موقفك الذى أنت فيه الساعة، فإنى لست أبدؤك بغدر ولا أجترئ على غدر حتى تأتى أنت وأصحابك، وحتى تقفوا. فإذا علمت كم هم جئت من أصحابي بعددهم. فإن شاء أصحابك فليقلوا وإن شاءوا فليكثروا. فسار أبو الأعور في مائة فارس حتى إذا كان حيث كنا بالمرة الأولى (2) وقفوا وسار في عشرة بعمرو، وسار عمار في اثنى عشر فارسا حتى اختلفت أعناق الخيل: خيل عمرو وخيل عمار، ورجع عوف بن بشر في خيله وفيها الأشعث بن قيس، ونزل عمار والذين معه فاحتبوا بحمائل سيوفهم، فتشهد عمرو بن العاص، فقال له عمار بن ياسر: اسكت (بعد هذا الكلام ليس عند ابن عقبة إلى موضع العلامة (3)) فقد تركتها في حياة محمد صلى الله عليه وبعد موته، ونحن أحق بها منك، فإن شئت كانت خصومة فيدفع حقنا باطلك، وإن (4) شئت كانت خطبة فنحن أعلم بفصل الخطاب منك، وإن شئت أخبرتك بكلمة تفصل بيننا وبينك وتكفرك قبل القيام، وتشهد بها على نفسك،


(1) ح: " وأقاتلك على الضلال ". (2) ح: " حتى إذا كانوا بالمنصف ". (3) ابن عقبة أحد رواة هذا الكتاب. ويريد بموضع العلامة ما أشار إليه بعد قوله: " فيمن قتله " الذى سيأتي في ص 339، وهو قوله: " من هنا عند ابن عقبة ". (4) قبل هذه العبارة في الأصل: " وإن شئت كانت خصومة فيدفع حقنا باطلا ". وهذه العبارة المكررة المحرفة لم ترد في ح. وقد طرحتها من الأصل. (*)

[ 338 ]

ولا تستطيع أن تكذبني [ فيها ]. قال عمرو: يا أبا اليقظان، ليس لهذا جئت، إنما جئت لأنى رأيتك أطوع أهل هذا العسكر فيهم. أذكرك الله إلا كففت سلاحهم وحقنت دماءهم، وحرضت على ذلك (1)، فعلام تقاتلنا ؟ أو لسنا نعبد إلها واحدا، ونصلي [ إلى ] قبلتكم، وندعو دعوتكم، ونقرأ كتابكم، ونؤمن برسولكم. قال عمار: الحمد لله الذى أخرجها من فيك، إنها لى ولأصحابي: القبلة، والدين، وعبادة الرحمن، والنبى صلى الله عليه، والكتاب من دونك ودون أصحابك. الحمد لله الذى قررك لنا بذلك، دونك ودون أصحابك، وجعلك ضالا مضلا، لا تعلم هاد أنت أم ضال ؟ وجعلك أعمى. وسأخبرك علام قاتلتك عليه أنت وأصحابك. أمرنى رسول الله صلى الله عليه أن أقاتل الناكثين، وقد فعلت، وأمرني أن أقاتل القاسطين، فأنتم هم. وأما المارقون (2) فما أدرى أدركهم أم لا. أيها الأبتر، ألست تعلم أن رسول الله صلى الله عليه قال لعلى: " من كنت مولاه فعلى مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". وأنا مولى الله ورسوله وعلى بعده، وليس لك مولى. قال له عمرو: لم تشتمتى يا أبا اليقظان ولست أشتمك ؟ قال عمار: وبم تشتمني، أتستطيع أن تقول: إنى عصيت الله ورسوله يوما قط ؟ قال له عمرو: إن فيك لمسبات (3) سوى ذلك. فقال عمار: إن الكريم من أكرمه الله، كنت وضيعا فرفعني الله، ومملوكا فأعتقني الله، وضعيفا فقوانى الله، وفقيرا فأغناني الله. وقال له عمرو. فما ترى في قتل عثمان ؟ قال: فتح لكم باب كل سوء. قال عمرو: فعلى قتله ؟ قال عمار: بل الله علي قتله وعلى معه. قال عمرو:


(1) ح: " وحرصت على ذلك " ومؤدى العبارتين واحد. (2) في الأصل: " المارقين " صوابه في ح (2: 273). (3) ح: " لمساب ". (*)

[ 339 ]

أكنت فيمن قتله ؟ (من هنا عند ابن عقبة (1)) قال: كنت مع من قتله وأنا اليوم أقاتل معهم. قال عمرو: فلم قتلتموه ؟ قال عمار: أراد أن يغير ديننا فقتلناه. فقال عمرو: ألا تسمعون ؟ قد اعترف بقتل عثمان. قال عمار: وقد قالها فرعون قبلك لقومه: (ألا تستمعون (2)). فقام أهل الشام ولهم زجل فركبوا خيولهم فرجعوا، [ وقام عمار وأصحابه فركبوا خيولهم ورجعوا ]، فبلغ معاوية ما كان بينهم فقال: هلكت العرب أن أخذتهم (3) خفة العبد الأسود يعنى عمار بن ياسر. [ قال نصر: فحدثنا عمرو بن شمر قال ]: وخرج إلى القتال (4)، وصفت الخيول بعضها لبعض، وزحف الناس، وعلى عمار درع [ بيضاء ] وهو يقول: أيها الناس، الرواح إلى الجنة. فاقتتل الناس قتالا شديدا لم يسمع الناس بمثله، وكثرت القتلى حتى إن كان الرجل ليشد طنب فسطاطه بيد الرجل أو برجله. فقال الأشعث: لقد رأيت أخبية فلسطين وأروقتهم وما منها خباء ولا رواق ولا بناء ولا فسطاط إلا مربوطا بيد رجل أو رجله. وجعل أبو سماك الأسدي يأخذ إداوة من ماء وشفرة حديد، فإذا رأى رجلا جريحا وبه رمق أقعده فيقول: من أمير المؤمنين ؟ فإن قال على غسل عنه الدم وسقاه من الماء، وإن سكت وجأه بالسكين (5) حتى يموت [ ولا يسقيه ]. قال: فكان يسمى المخضخض.


(1) ابن عقبة، أحد رواة هذا الكتاب. انظر التنبيه 3 من صفحة 337. (2) من الآية 25 في سورة الشعراء. وفي الأصل وح: " ألا تسمعون " والوجه ما أثبت. (3) ح: " حركتهم ". (4) وخرج، أي عمار. وفي ح (2: 273): " فخرجت الخيول إلى القتال ". (5) في الأصل: " بسكين " وأثبت ما في ح. (*)

[ 340 ]

نصر، عن عمرو بن شمر عن جابر قال: سمعت الشعبى يقول: قال الأحنف ابن قيس: والله إنى لإلى جانب عمار بن ياسر، بينى وبينه رجل من بنى الشعيراء (1)، فتقدمنا حتى إذا دنونا من هاشم بن عتبة قال له عمار: احمل فداك أبى وأمى. ونظر عمار إلى رقة في الميمنة فقال له هاشم: رحمك الله يا عمار، إنك رجل تأخذك خفة في الحرب، وإنى إنما أزحف باللواء زحفا، وأرجوا أن أنال بذلك حاجتى، وإنى إن خففت لم آمن الهلكة. وقد كان قال معاوية لعمرو: ويحك، إن اللواء اليوم مع هاشم بن عتبة، وقد كان من قبل يرقل به إرقالا، وإنه إن زحف به اليوم زحفا إنه لليوم الأطول لأهل الشام، وإن زحف في عنق من أصحابه إنى لأطمع أن تقتطع. فلم يزل به عمار حتى حمل، فبصر به معاوية فوجه إليه حماة أصحابه ومن يزن بالبأس (2) [ والنجدة ] منهم في ناحيته، وكان في ذلك الجمع عبد الله بن عمرو بن العاص ومعه [ يومئذ ] سيفان قد تقلد واحدا وهو يضرب بالآخر، وأطافت به خيل على، فقال عمرو: يا الله، يا رحمن، ابني ابني. قال: ويقول معاوية: صبرا صبرا فإنه لا بأس عليه قال عمرو: ولو كان يزيد بن معاوية إذا لصبرت ! ولم يزل حماة أهل الشام يذبون عنه (3) حتى نجا هاربا على فرسه ومن معه، وأصيب هاشم في المعركة. قال [ نصر: وحدثنا عمر بن سعد قال: وفي هذا اليوم قتل عمار بن ياسر رضى الله عنه أصيب في المعركة ]، و [ قد كان ] قال عمار حين نظر إلى راية عمرو بن العاص: والله إن هذه الراية قاتلتها ثلاث عركات وما هذه بأرشدهن ! ثم قال عمار:


(1) بنو الشعيراء هم بنو بكر بن أد بن طابخة. وفي الأصل: " السفير " ولم آجده في قبائلهم. انظر القاموس واللسان (شعر) والمعارف 34. (2) يقال زنه بالخير وأزنه: ظنه به. (3) ح: " تذب عن عبد الله ". (*)

[ 341 ]

نحن ضربناكم على تنزيله * فاليوم نضربكم على تأويله (1) ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله أو يرجع الحق إلى سبيله ثم استسقى وقد اشتد ظمؤه، فأتته امرأة طويلة اليدين والله ما أدرى أعس معها أم إداوة فيها ضياح من لبن (2)، فقال حين شرب: " الجنة تحت الأسنة اليوم ألقى الأحبة * محمدا وحزبه والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وهم على الباطل ". ثم حمل وحمل عليه ابن جون السكوني (3)، وأبو العادية الفزارى. فأما أبو العادية فطعنه، وأما ابن جون (4) فإنه احتز رأسه. وقد كان ذو الكلاع يسمع عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه لعمار بن ياسر: " تقتلك الفئة الباغية، وآخر شربة تشربها ضياح من لبن " فقال ذو الكلاع لعمرو: ويحك ما هذا ؟ قال عمرو: إنه سيرجع إلينا [ ويفارق أبا تراب ]. وذلك قبل أن يصاب عمار. فأصيب عمار مع على، وأصيب ذو الكلاع مع معاوية، فقال عمرو: والله يا معاوية ما أدرى بقتل أيهما أنا أشد فرحا. والله لو بقى ذو الكلاع حتى يقتل عمار لمال بعامة قومه إلى على، ولأفسد علينا جندنا (5). قال: فكان لا يزال رجل يجئ فيقول لمعاوية وعمرو: أنا قتلت عمارا. فيقول


(1) ح: " كما ضربناكم على تأويله ". لكن الرواية هنا تطابق ما في مروج الذهب (2: 21). وهذا الرجز يحتمل التقييد والإطلاق في قافيته. (2) الضياح، بالفتح: اللبن الرقيق الكثير الماء. (3) ح (2: 274): " ابن حوى السكسكى "، وفي مروج الذهب (2: 21). " أبو حواء السكسكى ". (4) ح: " ابن حوى ". (5) ح: " أمرنا ". (*)

[ 342 ]

له عمرو: فما سمعته يقول: فيخلط (1). حتى أقبل [ ابن ] جون (2) فقال: أنا قتلت عمارا. فقال له عمرو: فما كان آخر منطقه ؟ قال سمعته يقول: اليوم ألقى الأحبة * محمدا وحزبه فقال له عمرو: صدقت، أنت صاحبه (3)، أما والله ما ظفرت يداك ولكن أسخطت ربك. نصر، عن عمرو بن شمر قال: حدثنى إسماعيل السدى، عن عبد خير الهمداني قال: نظرت إلى عمار بن ياسر يوما من أيام صفين رمى رمية فأغمى عليه ولم يصل الظهر، و [ لا ] العصر، و [ لا ] المغرب، ولا العشاء، ولا الفجر ثم أفاق فقضاهن جميعا، يبدأ بأول شئ فاته، ثم بالتى تليها (4). نصر، عن عمرو بن شمر، عن السدى، عن ابن حريث (5) قال: أقبل غلام لعمار بن ياسر، اسمه راشد، يحمل شربة من لبن، فقال عمار: إنى سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه [ يقول ]: " إن آخر زادك من الدنيا شربة لبن ". نصر، عن عمرو بن شمر، عن السدى عن يعقوب بن الأوسط قال: احتج رجلان بصفين في سلب عمار بن ياسر، وفي قتله، فأتيا عبد الله بن عمرو بن العاص فقال لهما: ويحكما، اخرجا عنى فإن رسول الله صلى الله عليه قال - [ و ] ولعت قريش بعمار (6) -: " ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى


(1) في الأصل: " فما سمعتموه يقول فيخلطون " وأثبت ما في ح. (2) ح: " ابن حوى ". (3) أي صاحب قتله، الذى تولى ذلك منه. (4) في الأصل: " ثم التى يليها " صوابه في ح. (5) ح (2: 284): " أبى حريث ". (6) هذه الجملة لم ترد في ح. والواو ليست في الأصل. ويقال ولع فلان بفلان يولع به: إذا لج في أمره وحرص على إيذائه. (*)

[ 343 ]

النار، قاتله وسالبه في النار ". قال السدى: فبلغني أن معاوية قال: " إنما قتله من أخرجه ". يخدع بذلك طغام أهل الشام. نصر عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبى الزبير قال: أتى حذيفة بن اليمان رهط من جهينة فقالوا: يا أبا عبد الله، إن رسول الله صلى الله عليه استجار من أن تصطلم أمته (1) فأجير من ذلك، واستجار من أن يذوق بعضها بأس بعض فمنع من ذلك. قال حذيفة: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: " إن ابن سمية لم يخير بين أمرين قط إلا اختار أرشدهما - يعنى عمارا فالزموا - سمته ". وفي حديث عمرو بن شمر قال: حمل عمار بن ياسر [ ذلك ] اليوم وهو يقول: كلا ورب البيت لا أبرح أجى * حتى أموت أو أرى ما أشتهى أنا مع الحق أحامي عن علي (2) * صهر النبي ذى الأمانات الوفى نقتل أعداه وينصرنا العلى (3) ونقطع الهام بحد المشرفى والله ينصرنا على من يبتغى (4) ظلما علينا جاهدا ما يأتلى قال: فضربوا أهل الشام حتى اضطروهم إلى الفرار (5). قال: ومشى عبد الله بن سويد [ الحميرى ] سيد جرش إلى ذى الكلاع فقال له: لم جمعت بين الرجلين ؟ قال: لحديث سمعته من عمرو، وذكر أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وهو يقول لعمار بن ياسر: " يقتلك الفئة


(1) الاصطلام: الاستئصال، افتعال من الصلم. (2) ح: " لا أفتر الدهر أحامي ". (3) ح: " ينصرنا رب السموات ". (4) ح: " يمنحنا النصر ". وهذا الرجز كما ترى ركيك مشيأ القافية. (5) في الأصل: " الفرات " صوابه في ح (2: 274). (*)

[ 344 ]

الباغية ". فخرج عبد الله بن عمر العنسى، وكان من عباد أهل زمانه، ليلا فأصبح في عسكر على، فحدث الناس بقول عمرو في عمار. وقال الجرشى: ما زلت يا عمرو قبل اليوم مبتدئا * تبغى الخصوم جهارا غير إسرار حتى لقيت أبا اليقظان منتصبا * لله در أبى اليقظان عمار ما زال يقرع منك العظم منتقيا * مخ العظام بنزع غير مكثار (1) حتى رمى بك في بحر له حدب تهوى بك الموج ها فاذهب إلى النار (2) وقال العنسى: والراقصات بركب عامدين له * إن الذى جاء من عمرو لمأثور (3) قد كنت أسمع والأنباء شائعة هذا الحديث فقلت الكذب والزور حتى تلقيته عن أهل عيبته * فاليوم أرجع والمغرور مغرور واليوم أبرأ من عمرو وشيعته * ومن معاوية المحدو به العير لا لا أقاتل عمارا على طمع * بعد الرواية حتى ينفخ الصور تركت عمرا وأشياعا له نكدا * إنى بتركهم يا صاح معذور (4) يا ذا الكلاع فدع لى معشرا كفروا أو لا فدينك عين فيه تعزير (5)


(1) انتقاء المخ: استخراجه. (2) حدب الماء: ما ارتفع من أمواجه. (3) يقسم بالإبل التى ترقص، أي تخب بركبانها القاصدين إلى الله أو البيت الحرام للحج. (4) النكد: جمع أنكد، وهو المشؤوم العسر. (5) عين، لعله يريد: دين عين، كما تقول فلان صديق عين، إذا كان يظهر لك من نفسه ما لا يفى به إذا غاب، أي إنه دين رياء. (*)

[ 345 ]

ما في مقال رسول الله في رجل * شك ولا في مقال الرسل تحبير فلما سمع معاوية بهذا القول بعث إلى عمرو فقال: أفسدت على أهل الشام، أكل ما سمعت من رسول الله تقوله ؟ فقال عمرو: قلتها ولست والله أعلم الغيب ولا أدرى أن صفين تكون. قلتها وعمار يومئذ لك ولى، وقد رويت أنت فيه مثل الذى رويت فيه، فاسأل أهل الشام. فغضب معاوية وتنمر لعمرو، ومنعه خيره، فقال عمرو: لا خير لى في جوار معاوية إن تجلت هذه الحرب عنا. وكان عمرو حمى الأنف، فقال في ذلك: تعاتبني أن قلت شيئا سمعته * وقد قلت لو أنصفتني مثله قبلى أنعلك فيما قلت نعل ثبيتة * وتزلق بى في مثل ما قلته نعلي وما كان لى علم بصفين أنها تكون وعمار يحث على قتلى فلو كان لى بالغيب علم كتمتها وكابدت أقواما مراجلهم تغلى أبى الله إلا أن صدرك واغر على بلا ذنب جنيت ولا ذحل سوى أننى، والراقصات عشية، بنصرك مدخول الهوى ذاهل العقل فلا وضعت عندي حصان قناعها ولا حملت وجناء ذعلبة رحلى ولا زلت أدعى في لؤى بن غالب قليلا غنائي لا أمر ولا أحلى

[ 346 ]

إن الله أرخى من خناقك مرة ونلت الذى رجيت إن لم أزر أهلى وأترك لك الشام الذى ضاق رحبها عليك ولم يهنك بها العيش من أجلى فأجاب معاوية: أالآن لما ألقت الحرب بركها * وقام بنا الأمر الجليل على رجل غمزت قناتي بعد ستين حجة * تباعا كأنى لا أمر ولا أحلي (1) أتيت بأمر فيه للشام فتنة * وفي دون ما أظهرته زلة النعل فقلت لك القول الذى ليس ضائرا * ولو ضر لم يضررك حملك لى ثقلى فعاتبتني في كل يوم وليلة * كأن الذى أبليك ليس كما أبلى (2) فيا قبح الله العتاب وأهله * ألم تر ما أصبحت فيه من الشغل فدع ذا ولكن هل لك اليوم حيلة ترد بها قوما مراجلهم تغلى دعاهم على فاستجابوا لدعوة * أحب إليهم من ثرى المال والأهل إذا قلت هابوا حومة الموت أرقلوا * إلى الموت إرقال الهلوك إلى الفحل فلما أتى عمرا شعر معاوية أتاه فأعتبه وصار أمرهما واحدا. ثم إن عليا دعا في هذا اليوم هاشم بن عتبة ومعه لواؤه، وكان أعور، فقال له: يا هاشم، حتى متى تأكل الخبز وتشرب الماء ؟ فقال هاشم: لأجهدن على ألا


(1) في الأصل: " بعد سبعين حجة " والصواب ما أثبت من ح (2: 275) وذلك لأن معاوية حين وقعة صفين كان عمره نحوا من 57 سنة، فإن صفين كانت في سنتى 36 - 37 وكانت وفاة معاوية سنة 60 وله ثمانون سنة. (2) الإبلاء: الإخبار، يقال ابتليته فأبلاني، أي استخبرته فأخبرني. ح: " تعاتبني ". (*)

[ 347 ]

أرجع إليك أبدا. قال على: إن بإزائك ذا الكلاع، وعنده الموت الأحمر ؟ فتقدم هاشم، فلما أقبل قال معاوية: من هذا المقبل ؟ فقيل هاشم المرقال. فقال: أعور بنى زهرة قاتله الله ! وقال: إن حماة اللواء ربيعة، فأجيلوا القداح فمن خرج سهمه عبيته لهم. فخرج سهم ذى الكلاع لبكر بن وائل (1)، فقال: ترحك الله من سهم كرهت الضراب (2). وإنما كان جل أصحاب على أهل اللواء من ربيعة، لأنه أمر حماة منهم أن يحاموا عن اللواء. فأقبل هاشم وهو يقول: أعور يبغى نفسه خلاصا * مثل الفنيق لابسا دلاصا قد جرب الحرب ولا أناصا (3) * لادية يخشى ولا قصاصا كل امرئ وإن كبا وحاصا (4) * ليس يرى من موته مناصا (5) وحمل صاحب لواء ذى الكلاع - وهو رجل من عذرة - وهاشم حاسر وهو يقول: يا أعور العين وما بى من عور أثبت فإنى لست من فرعى مضر نحن اليمانون وما فينا خور * كيف ترى وقع غلام من عذر (6)


(1) هم بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة، فهم ربعيون. وفي الأصل: " بكر بن وائل " والصواب: " لبكر " كما أثبت. (2) انظر ما سبق في ص 227. (3) المعروف ناص ينوص: هرب وفر. (4) كبا: انكب على وجهه. حاص: هرب. ح: " وإن بنى ". (5) في الأصل: " ليس له " وأثبت ما في ح (2: 275). وفي ح أيضا: " من يومه ". (6) الغلام يقال للرجل من حين يولد إلى أن يشيب. وعذر: ترخيم عذرة لغير نداء. وعذرة من قبائل قضاعة. (*)

[ 348 ]

ينعى ابن عفان ويلحى من غدر * سيان عندي من سعى ومن أمر فاختلفا طعنتين، فطعنه هاشم فقتله، وكثرت القتلى، وحمل ذو الكلاع فاجتلد الناس، فقتلا جميعا (1) وأخذ ابن هاشم اللواء وهو يقول: أهاشم بن عتبة بن مالك * أعزز بشيخ من قريش هالك تخبطه الخيلات بالسنابك * في أسود من نقعهن حالك أبشر بحور العين في الأرائك * والروح والريحان عند ذلك نصر: حدثنا عمرو بن شمر قال: لما انقضى أمر صفين وسلم الأمر الحسن عليه السلام إلى معاوية [ و ] وفدت عليه الوفود، أشخص عبد الله بن هاشم إليه أسيرا، فلما أدخل عليه مثل بين يديه وعنده عمرو بن العاص فقال: " يا أمير المؤمنين، هذا المختال (2) ابن المرقال، فدونك الضب المضب (3)، المغتر (4) المفتون، فإن العصا من العصية، وإنما تلد الحية حية، وجزاء السيئة سيئة مثلها). فقال له ابن هاشم: ما أنا بأول رجل خذله قومه، وأدركه يومه (5). فقال معاوية: تلك ضغائن صفين وما جنى عليك أبوك. فقال عمرو: أمكنى منه فأشخب أو داجه على أثباحه. فقال له ابن هاشم: فهلا كانت هذه الشجاعة منك يابن العاص أيام صفين حين ندعوك إلى النزال، وقد ابتلت أقدام الرجال، من نقيع الجريال، وقد تضايقت بك المسالك، وأشرفت فيها على المهالك. وأيم الله لو لا مكانك منه لنشبت لك منى خافية أرميك من خلالها


(1) ح: " فقتل هاشم وذو الكلاع جميعا ". (2) المختال: المتكبر المعجب بنفسه. وفي الأصل: " المحتال "، صوابه في ح (2: 276). (3) المضب: الذى يلزم الشئ لا يفارقه، وأصل الضب اللصوق بالأرض. (4) في الأصل: " المعن " صوابه في ح. (5) ح: " وأسلمه يومه ". (*)

[ 349 ]

أحد من وقع الأشافى (1)، فإنك لا تزال تكثر في هوسك وتخبط في دهشك، وتنشب في مرسك، تخبط العشواء، في الليلة الحندس الظلماء. قال: فأعجب معاوية ما سمع من كلام ابن هاشم فأمر به إلى السجن وكف عن قتله، فبعث إليه عمرو بأبيات يقولها له: أمرتك أمرا حازما فعصيتني * وكان من التوفيق قتل ابن هاشم وكان أبوه يا معاوية الذى * رماك على جد بحز الغلاصم فما برحوا حتى جرت من دمائنا * بصفين أمثال البحور الخضارم وهذا ابنه والمرء يشبه أصله * ستقرع إن أبقيته سن نادم فبلغ ذلك ابن هاشم وهو في محبسه فكتب إلى معاوية: معاوى إن المرء عمرا أبت له * ضغينة صدر ودها غير سالم (2) يرى لك قتلى يا ابن حرب وإنما * يرى ما يرى عمر وملوك الأعاجم على أنهم لا يقتلون أسيرهم * إذا كان منهم منعة للمسالم وقد كان منا يوم صفين نفرة * عليك جناها هاشم وابن هاشم قضى الله فيها ما قضى ثمت انقضى * وما ما مضى إلا كأضغاث حالم هي الوقعة العظمى التى تعرفونها * وكل على ما قد مضى غير نادم فإن تعف عنى تعف عن ذى قرابة * وإن تر قتلى تستحل محارمي


(1) الأشافى: جمع إشفى، وهو مخصف الإسكاف. وفي الأصل: " الأثافي " بالثاء، صوابه في ح (2: 276). (2) في الأصل: " غشها غير سالم " وأثبت ما في ح. (*)

[ 350 ]

آخر الجزء الخامس يتلوه الجزء السادس: " نصر عمرو بن شمر، عن السدى، عن عبد خير الهمداني ". وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله والحمد لله رب العالمين، ونعوذ بالله من الزيادة والنقصان. وجدت في الجزء الثامن من نسخة عبد الوهاب بخطه: " سمع جميعه من الشيخ أبى الحسين المبارك بن عبد الجبار، الأجل السيد الأوحد الإمام قاضى القضاة أبو الحسن على بن محمد الدامغاني وابناه القاضيان أبو عبد الله محمد وأبو الحسين أحمد، وأبو عبد الله محمد بن القاضى أبى الفتح بن البيضاوى، والشريف أبو الفضل محمد بن على بن أبى يعلى الحسينى، وأبو منصور محمد بن محمد بن قرمى، بقراءة عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي. وذلك في شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة ". (*)

[ 351 ]

الجزء السادس من كتاب صفين لنصر بن مزاحم رواية أبى محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبى الحسن على بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبى الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت رواية أبى يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبى الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى رواية الشيخ الحافظ أبى البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي سماع مظفر بن على بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم - غفر الله له

[ 353 ]

بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي، قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار ابن أحمد الصيرفى بقراءتي عليه، قال أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد ابن جعفر: قال أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفى: قال أبو الحسن على بن محمد بن محمد بن محمد بن عقبة: قال أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز: قال أبو الفضل نصر بن مزاحم. عمرو بن شمر، عن السدى عن عبد الخير الهمداني قال: قال هاشم بن عتبة: أيها الناس، إنى رجل ضخم، فلا يهولنكم مسقطي إن أنا سقطت، فإنه لا يفرغ منى أقل من نحر جزور حتى يفرغ الجزار من جزرها. ثم حمل فصرع، فمر عليه رجل وهو صريع بين القتلى فقال له: اقرأ [ على ] أمير المؤمنين السلام ورحمة الله، وقل له: أنشدك بالله إلا أصبحت وقد ربطت مقاود خيلك بأرجل القتلى، فإن الدبرة تصبح غدا (1) لمن غلب على القتلى. فأخبر الرجل عليا بذلك، فسار على في بعض الليل حتى جعل القتلى خلف ظهره، وكانت الدبرة له عليهم. نصر، عن عمرو بن شمر، عن رجل (2)، عن أبى سلمة، أن هاشم بن


(1) الدبرة، بالفتح: العاقبة. في الأصل: " تصبح عندك " صوابه في ح (2: 278). (2) ح: " نصر وحدثنا عمر بن سعد عن الشعبى ". (*)

[ 354 ]

عتبة دعا في الناس عند المساء: " ألا من كان يريد الله والدار الآخرة فليقبل ". فأقبل إليه ناس، فشد في عصابة من أصحابه على أهل الشام مرارا، فليس من وجه يحمل عليه (1) إلا صبروا له وقوتل فيه قتالا شديدا، فقال لأصحابه: " لا يهولنكم ما ترون من صبرهم، فو الله ما ترون منهم إلا حمية العرب وصبرها تحت راياتها وعند مراكزها، وإنهم لعلى الضلال وإنكم لعلى الحق. يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا، وامشوا بنا إلى عدونا على تؤدة رويدا. ثم تآسوا وتصابروا واذكروا الله، ولا يسلم رجل أخاه، ولا تكثروا الالتفات، واصمدوا صمدهم، وجالدوهم محتسبين، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ". فقال أبو سلمة: فمضى في عصابة من القراء فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه، حتى رأى بعض ما يسرون به، إذ خرج عليهم فتى شاب يقول: أنا ابن أرباب الملوك غسان * والدائن اليوم بدين غسان أنبأنا أقوامنا بما كان (2) * أن عليا قتل ابن عفان ثم شد فلا ينثنى يضرب بسيفه، ثم [ جعل ] يلعن [ عليا ] ويشتمه ويسهب في ذمه (3)، فقال له هاشم بن عتبة: " إن هذا الكلام بعده الخصام، وإن هذا القتال بعده الحساب. فاتق الله فإنك راجع إلى ربك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به (4) ". قال: فإنى أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلى كما ذكر لى، وأنكم لا تصلون، وأقاتلكم أن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله. فقال له هاشم: " وما أنت وابن عفان ؟ إنما قتله أصحاب محمد وقراء الناس، حين أحدث أحداثا وخالف حكم الكتاب،


(1) في الأصل: " عليهم " صوابه في ح. (2) ح (2: 278): " أنبأنا قراؤنا ". (3) في الأصل: " ويشتم ويكثر الكلام " وأثبت ما في ح. (4) ح: " وعن هذا المقال ". (*)

[ 355 ]

وأصحاب محمد هم أصحاب الدين، وأولى بالنظر في أمور المسلمين. وما أظن أن أمر هذه الأمة ولا أمر هذا الدين عناك طرفة عين قط ". قال الفتى: أجل أجل، والله لا أكذب فإن الكذب يضر ولا ينفع، ويشين ولا يزين. فقال له هاشم: " إن هذا الأمر لا علم لك به، فخله وأهل العلم به " قال: أظنك والله قد نصحتني. وقال له هاشم: وأما قولك إن صاحبنا لا يصلى فهو أول من صلى مع رسول الله، وأفقهه في دين الله، وأولاه برسول الله. وأما من ترى معه فكلهم قارئ الكتاب، لا ينامون الليل تهجدا. فلا يغررك عن دينك الأشقياء المغرورون ". قال الفتى: يا عبد الله، إنى لأظنك امرأ صالحا، [ وأظنني مخطئا آثما ]، أخبرني هل تجدلى من توبة ؟ قال: " نعم، تب إلى الله يتب عليك، فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، ويحب التوابين ويحب المتطهرين ". قال: فذهب الفتى بين الناس راجعا، فقال له رجل من أهل الشام: خدعك العراقى ! قال: لا، ولكن نصحنى العراقى ! وقاتل هاشم هو وأصحابه قتالا شديدا حتى أتت كتيبة لتنوخ فشدوا على الناس، فقاتلهم وهو يقول: أعور يبغى أهله محلا * لابد أن يفل أو يفلا (1) قد عالج الحياة حتى ملا حتى قتل تسعة نفر أو عشرة، وحمل عليه الحارث بن المنذر التنوخى فطعنه فسقط، وبعث إليه على: أن قدم لواءك. فقال للرسول: انظر إلى بطني. فإذا هو قد انشق. فأخذ الراية رجل من بكر بن وائل، ورفع هاشم رأسه فإذا هو بعبيد الله بن عمر بن الخطاب قتيلا إلى جانبه، فحبا (2) حتى دنا منه،


(1) في الأصل: " يغل أو يغلا " صوابه مما سبق ص 327. (2) في الأصل: " فجثا " والوجه ما أثبت. (*)

[ 356 ]

فعض على ثديه حتى نيبت فيه أنيابه (1). ثم مات هاشم وهو على صدر عبيد الله بن عمر، وضرب البكري فوقع، فرفع رأسه فأبصر عبيد الله بن عمر قريبا منه، فحبا إليه (2) حتى عض على ثديه الآخر حتى نيبت (3) أنيابه فيه، ومات أيضا، فوجدا جميعا على صدر عبيد الله بن عمر، هاشم والبكرى قد ماتا جميعا. ولما قتل هاشم جزع الناس عليه جزعا شديدا، وأصيب معه عصابة من أسلم من القراء، فمر عليهم على وهم قتلى حول أصحابه الذين قتلوا معه فقال: جزى الله خيرا عصبة أسلمية * صباح الوجوه صرعوا حول هاشم يزيد وعبد الله بشر ومعبد * وسفيان وابنا هاشم ذى المكارم (4) وعروة لا يبعد ثناه وذكره * إذا اخترطت يوما خفاف الصوارم (5) ثم قال عبد الله بن هاشم وأخذ الراية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " يأيها الناس، إن هاشما كان عبدا من عباد الله الذين قدر أرزاقهم، وكتب آثارهم، وأحصى أعمالهم، وقضى آجالهم، فدعاه ربه الذى لا يعصى فأجابه، وسلم الأمر لله وجاهد في طاعة ابن عم رسول الله، وأول من آمن به، وأفقههم في دين الله، المخالف لأعداء الله المستحلين ما حرم الله، الذين عملوا في البلاد بالجور والفساد، واستحوذ عليهم الشيطان فزين لهم الإثم والعدوان. فحق عليكم جهاد من خالف سنة رسول الله، وعطل حدود الله، وخالف أولياء الله. فجودوا


(1) نيبت أنيابه: نشبت. وفي الأصل: " تبينت " وليس بشئ. (2) في الأصل: " فجثا إليه " والصواب ما أثبت. ولم أعثر على هذا الخبر في ح. (3) في الأصل: " تبينت " والوجه ما أثبت. وانظر ما سبق في التنبيه الأول. (4) ح: " يزيد وسعدان وبشر ومعبد * وسفيان وابنا معبد ". (5) ثناه، أجدر بها أن تكون: " نثاه " بتقديم النون، وهو ما أخبرت به عن الرجل من خير أو شر. اخترط السيف: استله. (*)

[ 357 ]

يمهج أنفسكم في طاعة الله في هذه الدنيا، تصيبوا الآخرة والمنزل الأعلى، والملك الذى لا يبلى. فلو لم يكن ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار، لكان القتال مع على أفضل من القتال مع معاوية ابن أكالة الأكباد. فكيف وأنتم ترجون ما ترجون. وقالت امرأة من أهل الشام: لا تعدموا قوما أذاقوا ابن ياسر * شعوبا ولم يعطوكم بالخزائم فنحن قتلنا اليثربي بن محصن * خطيبكم وابنى بديل وهاشم وقال رجل من بنى عذرة: لقد رأيت أمورا كلها عجب * وما رأيت كأيام بصفينا لما غدوا وغدونا كلنا حنق * ما رأيت الجمال الجلة الجونا خيل تجول وخيل في أعنتها * وآخرون على غيظ يرامونا ثم ابتذلنا سيوفا في جماجمهم * وما نساقيهم من ذاك يجزونا كأنها في أكف القوم لامعة * سلاسل البرق يجد عن العرانينا ثم انصرفنا كأشلاء مقطعة * وكلنا عند قتلاهم يصلونا وقال عبد الله بن أبى معقل بن نهيك بن يساف الأنصاري. قال: وفي حديث عمرو بن شمر: قال النجاشي يبكى أبا عمرة بن عمرو بن محصن (1) وقتل بصفين: لنعم فتى الحيين عمرو بن محصن * إذا صائح الحى المصبح ثوبا (2)


(1) هو بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري. ترجمته في 185. (2) صدر البيت يشهد بأن اسمه " عمرو " وهو أحد الأقوال التى قيلت في اسمه، وفي الإصابة: " وقال ابن الكلبى: اسمه عمرو بن مخصن ". المصبح: الذى صبحته الغارة. وفي الأصل: " المصيح " صوابه في ح (2: 278). والتثويب: الاستصراخ، وأصله أن يلوح المستصرخ بثوبه ليرى ويشتهر. ح: " إذا ما صارخ الحى ". (*)

[ 358 ]

إذا الخيل جالت، بينها قصد القنا * يثرن عجاجا ساطعا متنصبا لقد فجع الأنصار طرا بسيد * أخى ثقة في الصالحين مجربا فيارب خير قد أفدت وجفنة * ملأت وقرن قد تركت مخيبا (1) ويا رب خصم قد رددت بغيظه * فآب ذليلا بعد ما كان مغضبا وراية مجد قد حملت وغزوة * شهدت إذا النكس الجبان تهيبا حووطا على جل العشيرة ماجدا * ولم يك في الأنصار نكسا مؤنبا (2) طويل عمود المجد رحبا فناؤه * خصيبا إذا ما رائد الحى أجدبا (3) عظيم رماد النار لم يك فاحشا * ولا فشلا يوم القتال مغلبا وكنت ربيعا ينفع الناس سيبه * وسيفا جرازا باتك الحد مقضبا فمن يك مسرورا بقتل ابن محصن * فعاش شقيا ثم مات معذبا وغودر منكبا لفيه ووجهه * يعالج رمحا ذا سنان وثعلبا فإن تقتلوا الحر الكريم ابن محصن * فنحن قتلنا ذا الكلاع وحوشبا وإن تقتلوا ابني بديل وهاشما * فنحن تركنا منكم القرن أعضبا ونحن تركنا حميرا في صفوفكم * لدى الموت صرعى كالنخيل مشذبا وأفلتنا تحت الأسنة مرثد * وكان قديما في الفرار مجربا ونحن تركنا عند مختلف القنا * أخاكم عبيد الله لحما ملحبا بصفين لما ارفض عنه صفوفكم * ووجه ابن عتاب تركناه ملغبا (4)


(1) ح: " مسلبا ". (2) ح: " حويطا ". في الأصل: " عضبا مشيبا " وأثبت ما في ح. (3) في الأصل: " حصينا " وصوابه في ح. (4) ح: " عنه رجالكم ". وألغبه: أنصبه. (*)

[ 359 ]

وطلحة من بعد الزبير ولم ندع * لضبة في الهيجا عريفا ومنكبا (1) ونحن أحطنا بالبعير وأهله * ونحن سقيناكم سماما مقشبا (2) نصر: وكان ابن محصن من أعلام أصحاب على عليه السلام، قتل في المعركة، وجزع على عليه السلام لقتله. قال: وفي قتل هاشم بن عتبة يقول أبو الطفيل عامر بن واثلة، وهو من الصحابة، وقيل إنه آخر من بقى من صحب رسول الله صلى الله عليه، وشهد مع على عليه السلام صفين، وكان من مخلصي الشيعة (3): يا هاشم الخير جزيت الجنة * قاتلت في الله عدو السنه والتاركي الحق وأهل الظنه * أعظم بما فزت به من منه صيرني الدهر كأنى شنه * ياليت أهلى قد علوني رنه (4) من حوبة وعمة وكنه (5) نصر: والحوبة القرابة، يقال لى في بنى فلان حوبة أي قربى. نصر، عن عمرو بن شمر بإسناده قال: قال رجل يومئذ لعدى بن حاتم - وكان من جلة (6) أصحاب على عليه السلام -: يا أبا طريف، ألم أسمعك


(1) العريف: النقيب، وهو دون الرئيس. والمنكب، كمجلس: عون العريف، وقال الليث: رأس العرفاء. (2) البعير، يعنى جمل عائشة الذى نسبت إليه الوقعة. والمقشب: المخلوط. (3) ترجمته سبقت في ص 309. (4) الرنة: صيحة النياحة. وفى ح (2: 279): * وسوف تعلو حول قبري رنه * (5) الحوبة، جاء في تفسيرها عن أبى عبيد: " وبعض أهل العلم يتأوله على الأ ؟ ؟ خاصة. قال: وهى عندي كل حرمة تضيع إن تركها، من أم أو أخت أو ابنة أو غيرها. والكنة، بالفتح: امرأة الابن وامرأة الأخ. (6) ح: " جملة ". (*)

[ 360 ]

تقول يوم الدار: " والله لا تحبق فيها عناق حولية (1) ! "، وقد رأيت كان فيها (2) ؟ - وقد كانت فقئت عين عدى وقتل بنوه (3) - قال: بلى والله لقد حبقت (4) فيه العناق والتيس الأعظم. وبعث على خيلا ليحبسوا عن معاوية مادة، فعبث معاوية الضحاك ابن قيس الفهرى في خيل إلى تلك الخيل فأزالوها، وجاءت عيون على فأخبرته بما قد كان، فقال على لأصحابه: فما ترون فيما هاهنا ؟ فقال بعضهم: نرى كذا. وقال بعضهم: نرى كذا. فلما رأى ذلك الاختلاف أمرهم بالغدو إلى القوم، فغاداهم إلى القتال قتال صفين، فانهزم أهل الشام وقد غلب أهل العراق على قتلى أهل حمص، وغلب أهل الشام على قتلى أهل العالية، وانهزم عتبة بن أبى سفيان عشرين فرسخا عن موضع المعركة حتى أتى الشام. فقال النجاشي من قصيدة أولها: لقد أمعنت يا عتب الفرارا * وأورثك الوغى خزيا وعارا فلا يحمد خصاك سوى طمر * إذا أجريته انهمر انهمارا وقال كعب بن جعيل، [ وهو شاعر أهل الشام، بعد رفع المصاحف يذكر أيام صفين ويخرض معاوية ]: معاوى لا تنهض بغير وثيقة * فإنك بعد اليوم بالذل عارف


(1) الحبق: ضراط المعز. وفي الأصل: " لا تخنق " صوابه في ح. والعناق، بالفتح: الأنثى من ولد المعز. والحولية: التى أتى عليها حول. ويروى أيضا: " لا تحبق في هذا الأمر عناق حولية " قال الميداني: " يضرب المثل في أمر لا يعبأ به ولا غير له، أي لا يدرك فيه ثأر ". وأول من قال هذا المثل عدى حين قتل عثمان. فيها: أي في هذه الحادثة. (2) أي من وقعتي الجمل وصفين، إذ طولب فيهما بدم عثمان. (3) عند الميداني: " فلما كان يوم الجمل فقئت عين عدى وقتل ابنه بصفين ". (4) في الأصل: " خنقت " صوابه في ح وأمثال الميداني. (*)

[ 361 ]

تركتم عبيد الله بالقاع مسندا * يمج نجيعا والعروق نوازف ألا إنما تبكى العيون لفارس * بصفين أجلت خيله وهو واقف ينوء وتعلوه شآبيب من دم * كما لاح في جيب القميص اللفائف يحللن عنه زر درع حصينة * ويبدين عنه بعدهن معارف (1) تبدل من أسماء أسياف وائل * وكان فتى لو أخطأته المتالف (2) الا إن شر الناس في الناس كلهم * بنو أسد، إنى لما قلت عارف وفرت تميم سعدها وربابها وخالفت الجعراء فيمن يخالف (3) فرد عليه أبو جهمة الأسدى فقال: تعرفت والعراف تمج أمه * فإن كنت عرافا فلست تقائف (4) أغرتم علينا تسرقون بناتنا * وليس لنا في قاع صفين قائف يجالد من دون ابن عم محمد * من الناس شهباء المناكب شارف فما برحوا حتى رأى الله صبرهم * وحتى أتيحت بالأكف المصاحف (5)


(1) ح (1: 498): " وأنكر منه بعد ذاك معارف ". (2) أسماء هذه هي بنت عطارد بن حاجب بن زرارة، زوج عبيد الله بن عمر، كان قد أخرجها مع زوجة الأخرى بحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني، لينظرا إلى قتاله، كما في ح (1: 499). (3) في الأصل: " وجالت تميم " وأثبت ما في ح (2: 279). والجعراء: لقب بنى العنبر بن عمرو بن تميم. انظر القاموس " جعر ". وفي الأصل: " الجعداء " صوابه ما أثبت من ح. وقد سبق بعض أبيات هذه القصيدة في ص 298 - 299. وقال ابن أبى الحديد في (1: 498): " قلت: هذا الشعر نظمه كعب بن جعيل بعد رفع المصاحف وتحكيم الحكمين يذكر فيه ما مضى لهم من الحرب على عادة شعراء العرب ". (4) تمج أمه، كذا وردت في الأصل. (5) هذا البيت وسابقه يرويان في شعر كعب بن جعيل، كما سبق في 299. وهذا البيت أيضا يروى للحصين بن الحمام المرى، كما في اللسان (6: 69). (*)

[ 362 ]

وقال أبو جهمة الأسدى: أنا أبو جهمة في جلد الأسد * على منه لبد فوق لبد أهجو بنى تغلب ما ينجى النقد (1) * أقود من شئت وصعب لم يقد وقال عتبة يهجو كعب بن جعيل مجيبا له (2): سميت كعبا بشر العظام * وكان أبوك سمى الجعل (3) وكان مكانك (4) من وائل * مكان القراد من است الجمل وقال كعب مجيبا له: * سميت عتابا ولست بمعتب * ثم إن عليا أمر مناديه فنادى في الناس: أن اخرجوا إلى مصافكم. فخرج الناس إلى مصافهم، واقتتل الناس، وأقبل أبو الأعور السلمى يقال: أضربهم ولا أرى عليا * كفى بهذا حزنا عليا وأقبل عبد الرحمن بن خالد وهو يقول: أنا عبد الرحمن وابن خالد * أضرب كل قدم وساعد نصر: ثم كانت بين الفريقين الواقعة المعروفة ب‍ " وقعة الخميس "، حدثنا


(1) النقد، بالتحريك: جنس من الغنم قباح الوجوه صغار الأرجل، يقال فيها: " أذل من نقد ". (2) ح (2: 280: " وهجا كعب بن جعيل عتبة بن أبى سفيان وعيره بالفرار، وكان كعب من شيعة معاوية لكنه هجا عتبة تحريضا له ". على أن البيتين يرويان للأخطل، نظر ديوانه 335، وشرح الحيوان (5: 441) حيث تخريج الشعر. (3) ح: " يسمى الجعل ". (4) ح: " وإن مكانك ". وفي الحيوان: " وأنت مكانك " ويروى: " وإن محلك ". (*)

[ 363 ]

بها عمر بن سعد، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم الهجرى (1) قال: حدثنا القعقاع بن الأبرد الطهوى قال: والله إنى لواقف قريبا من على بصفين يوم وقعة الخميس [ و ] قد التقت مذحج - وكانوا في ميمنة على - وعك وجذام ولخم والأشعرون، وكانوا مستبصرين في قتال على. ولقد والله رأيت ذلك اليوم من قتالهم، وسمعت من وقع السيوف على الرؤوس، وخبط الخيول بحوافرها في الأرض وفي القتلى، ما الجبال تهد (2) ولا الصواعق تصعق بأعظم هولا في الصدور من ذلك الصوت. نظرت إلى على وهو قائم فدنوت منه، فسمعته يقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله (3)، والمستعان الله ". ثم نهض حين قام قائم الظهيرة وهو يقول: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (4)): وحمل على الناس بنفسه، وسيفه مجرد بيده، فلا والله ما حجز بيننا إلا الله رب العالمين، في قريب من ثلث الليل، وقتلت يومئذ أعلام العرب. وكان في رأس على ثلاث ضربات، وفي وجهه ضربتان. نصر: وقد قيل إن عليا لم يجرح قط. وقتل في هذا اليوم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين (5)، وقتل من أهل


(1) هو إبراهيم بن مسلم العبدى، أبو إسحاق الهجرى، قال ابن حجر: " لين الحديث، رفع موقوفات. من الخامسة " تقريب التهذيب. وفي ح: " إبراهيم النخغى " تحريف. (2) الهدة: صوت تسمعه من سقوط ركن أو حائط أو ناحية جبل، تقول منه: هد يهد، بالكسر، هديدا. (3) بعده في ح: " اللهم إليك الشكوى وأنت المستعان ". (4) من الآية 89 في سورة الأعراف. (5) هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه الأنصاري، شهد بدرا وما بعدها، وسمى ذا الشهادتين لأنه شهد للنبى على يهودى في دين قضاه عليه السلام فقال: " كيف تشهد ولم تحضره ولم تعلمه " ؟ قال: يا رسول الله نحن نصدقك على الوحى من السماء فكيف لا نصدقك على أنك قضيته ؟ فأنفذ عليه السلام شهادته وسماه " ذا الشهادتين "، لأنه صير شهادته شهادة رجلين. الإصابة 2247 وجنى الجنتين 160. (*)

[ 364 ]

الشام عبد الله بن ذى الكلاع الحميرى، فقال معقل بن نهيك بن يساف الأنصاري يا لهف نفسي ومن يشفى حزازتها * إذا أفلت الفاسق الضليل منطلقا وأفلت الخيل عمرو وهى شاحبة جنح الظلام يحث الركض والعنقا (1) وافت منية عبد الله إذ لحقت * قب البطون به، أعجز بمن لحقا وانساب مروان في الظلماء مستترا * تحت الدجى كلما خاف الردى أرقا قال: وقال مالك الأشتر: نحن قتلنا حوشبا * لما غدا قد أعلما وذا الكلاع قبله * ومعبدا إذ أقدما إن تقتلوا منا أبا ال‍ * يقظان شيخا مسلما فقد قتلنا منكم * سبعين رأسا مجرما أضحوا بصفين وقد * لاقوا نكالا مؤثما وقال عامر بن الأمين السلمى: كيف الحياة ولا أراك حزينا * وغبرت في فتن كذاك سنينا ونسيت تلذاذ الحياة وعشيها * وركبت من تلك الأمور فنونا ورجعت قد أبصرت أمرى كله * وعرفت دينى إذ رأيت يقينا أبلغ معاوية السفيه بأنني * في عصبة ليسوا لديك قطينا لا يغضبون لغير ابن نبيهم * يرجون فوزا، إن لقوك، ثمينا وقال عبد الله بن يزيد بن عاصم الأنصاري يرثى من قتل من أصحابه: يا عين جودى على قتلى بصفينا * أضحوا رفاتا وقد كانوا عرانينا


(1) ح: " تحت العجاج تحث ". (*)

[ 365 ]

أنى لهم صرف دهر قد أضربنا * تبا لقاتلهم في اليوم مدفونا (1) كانوا أعزة قومي قد عرفتهم * مأوى الضعاف وهم يعطون ماعونا أعزز بمصرعهم تبا لقاتلهم * على النبي وطوبى للمصابينا وقال النضر بن عجلان الأنصاري: قد كنت عن صفين فيما قد خلا * وجنود صفين لعمري غافلا قد كنت حقا لا أحاذر فتنة * ولقد أكون بذاك حقا جاهلا فرأيت في جمهور ذلك معظما * ولقيت من لهوات ذاك عياطلا (2) كيف التفرق والوصى إمامنا * لا كيف إلا حيرة وتخاذلا لا تعتبن عقولكم لا خير في * من لم يكن عند البلابل عاقلا وذروا معاوية الغوى وتابعوا * دين الوصي تصادفوه عاجلا وقالت أمينة الأنصارية ترثى مالكا: منع اليوم أن أذوق رقادا * مالك إذ مضى وكان عمادا يا أبا الهيثم بن تيهان إنى * صرت للهم معدنا ووسادا إذ غدا الفاسق الكفور عليهم * إنه كان مثلها معتادا أصبحوا مثل من ثوى يوم أحد * يرحم الله تلكم الأجسادا وقالت ضبيعة بنة خزيمة بن ثابت ترثى أباها (3) صاحب الشهادتين: عين جودى على خزيمة بالدم‍ * ع قتيل الأحزاب يوم الفرات قتلوا ذا الشهادتين عتوا * أدرك الله منهم بالترات قتلوه في فتية غير عزل * يسرعون الركوب للدعوات


(1) أنى يأنى: حان وقته. وفي الأصل: " أنالهم " تحريف. (2) يقال هضبة عيطل: طويلة. (3) في الأصل: " في خزيمة أباها " صوابه في ح (2: 280). (*)

[ 366 ]

نصروا السيد (1) الموفق ذا العد * ل ودانوا بذاك حتى الممات لعن الله معشرا قتلوه * ورماهم بالخزى والآفات نصر: حدثنا عمر بن سعد، عن الأعمش قال، كتب معاوية إلى أبى أيوب خالد بن زيد الأنصاري (2) صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وكان سيدا معظما من سادات الأنصار، وكان من شيعة على عليه السلام - كتابا، وكتب إلى زياد بن سمية - وكان عاملا لعلى عليه السلام على بعض فارس - كتابا. فأما كتابه إلى أبى أيوب فكان سطرا واحدا: " لا تنسى شيباء أبا عذرتها، ولا قاتل بكرها ". فلم يدر أبو أيوب ما هو ؟ فأتى به عليا وقال: يا أمير المؤمنين، إن معاوية ابن أكالة الأكباد، وكهف المنافقين، كتب إلى بكتاب لا أدرى ما هو ؟ فقال له على: وأين الكتاب ؟ فدفعه إليه فقرأه وقال: نعم، هذا مثل ضربه لك، يقول: ما أنسى الذى لا تنسى الشيباء، لا تنسى أبا عذرتها. والشيباء: المرأة البكر ليلة افتضاضها (3)، لا تنسى بعلها الذى افترعها أبدا، ولا تنسى قاتل بكرها وهو أول ولدها. كذلك لا أنسى أنا قتل عثمان. وأما الكتاب الذى كتب إلى زياد فإنه كان وعيدا وتهددا، فقال زياد: " ويلى على معاوية ابن أكالة الأكباد، وكهف المنافقين وبقية الأحزاب، يتهددني ويوعدني وبيني وبينه ابن عم محمد، ومعه سبعون ألفا طوائع (4)،


(1) في الأصل: " نصروا أحمد " والوجه ما أثبت من ح. (2) هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، نزل عليه النبي صلى الله عليه لما قدم المدينة فأقام عنده حتى بنى بيوته ومسجده. وتوفى في غزاة القسطنطينية سنة 52. الأصابة 2159. وفي الأصل: " خالد بن أيوب " صوابه في ح والإصابة. (3) قيل ياء " شيباء " بدل من واو، لأن ماء الرجل شاب ماء المرأة ؟ ولم يسمع الأصل، جعلوه بدلا لازما، كعيد وأعياد من العودة. (4) طوائع: جعله جمعا لطائع والقياس طائعون. وفي ح (2: 281): " سبعون ألفا سيوفهم على عواتقهم، يطيعونه في جميع ما يأمرهم ". (*)

[ 367 ]

سيوفهم عند أذقانهم، لا يلتفت رجل منهم وراءه حتى يموت. أما والله لئن خلص الأمر إلى ليجدني أحمر ضرابا بالسيف ". والأحمر يعنى أنه مولى، فلما ادعاه معاوية صار عريبا [ منافيا (1) ]. [ قال نصر ]: و [ روى عمرو بن شمر، أن معاوية ] كتب في أسفل كتاب أبى أيوب: أبلغ لديك أبا أيوب مالكة * أنا وقومك مثل الذئب والنقد إما قتلتم أمير المؤمنين فلا * ترجوا الهوادة عندي آخر الأبد (2) إن الذى نلتموه ظالمين له * أبقت حرارته صدعا على كبدي إنى حلفت يمينا غير كاذبة * لقد قتلتم إماما غير ذى أود لا تحسبوا أننى أنسى مصيبته * وفي البلاد من الأنصار من أحد (3) أعزز على بأمر لست نائله * واجهد علينا فلسنا بيضة البلد قد أبدل الله منكم خير ذى كلع * واليحصبيين أهل الحق في الجند (4) إن العراق لنا فقع بقرقرة * أو شحمة بزها شاو ولم يكد (5) والشام ينزلها الأبرار، بلدتها * أمن، وحومتها عريسة الأسد (6) فلما قرأ الكتاب على على عليه السلام قال: لشد ما شحذكم معاوية (7) (هامش) * (1) منافيا: منسوبا إلى عبد مناف. (2) ح: " منا آخر الأبد). (3) في الأصل: " مصابته " ولم يقولوا في المصيبة إلا " المصاب " بالتذكير. وأثبت ما في ح. (4) ينو يحصب: بطن من حمير، وحاؤه مثلثة. والجند بالتحريك: مدينة باليمن بينها وبين صنعاء ثمانية وخمسون فرسخا. ح: " أهل الخوف والجند ". (5) الفقع، بالفتح: ضرب من أردأ الكمأة. والقرقرة: أرض مطمئنة لينة. (6) ح: " وبيضتها عريسة الأسد ". (7) في الأصل: " لأشد " صوابه في ح (2: 281). (*)

[ 368 ]

يا معشر الأنصار، أجيبوا الرجل. فقال أبو أيوب: يا أمير المؤمنين: ما أشاء أن أقول شيئا من الشعر يعيا به الرجال (1) إلا قلته. قال: فأنت إذا أنت. فكتب أبو أيوب إلى معاوية: " [ أما بعد فإنك كتبت إلى ]: لا تنسى الشيباء (2) - وقال في هذا الحديث: الشيباء: الشمطاء - ثكل ولدها، ولا أبا عذرتها فضربتها مثلا بقتل عثمان. وما نحن (3) وقتل عثمان ؟ ! إن الذى تربص بعثمان وثبط يزيد بن أسد (4) وأهل الشام في نصرته لأنت، وإن الذين قتلوه لغير الأنصار ! ". وكتب في آخر كتابه: لا توعدنا ابن حرب إننا بشر * لا نبتغى ود ذى البغضاء من أحد فاسعوا جميعا بنى الأحزاب كلكم * لسنا نريد ولاكم آخر الأبد (5) نحن الذين ضربنا الناس كلهم * حتى استقاموا وكانوا عرضة الأود والعام قصرك منا أن أقمت لنا * ضربا يزيل بين الروح والجسد أما على فإنا لن نفارقه * ما رقرق الآل في الدوايه الجرد إما تبدلت منا بعد نصرتنا * دين الرسول أناساسا كنى الجند لا يعرفون أضل الله سعيهم * إلا اتباعكم، يا راعى النقد فقد بغى الحق هضما شر ذى كلع * واليحصبيون طرا بيضة البلد


(1) يعيا به: يعجز عنه. وفى الأصل: " يعبأ به " وفي ح: " يعتا به ". (2) في الأصل: " أنت لا تنسى الشيباء " وكلمه " أنت " محرفه عن " كتبت " التى في التكملة السابقة. (3) في الأصل: " وما أنا " وأثبت ما في ح. (4) هو يزيد بن أسد، جد خالد بن عبد الله القسرى. وكان مطاعا في أهل اليمن عظيم الشأن، وجهه معاوية لنصر عثمان في أربعة آلاف، فجاء إلى المدينة فوجد عثمان قد قتل، فلم يحدث شيئا. انظر الإصابة 9229. (5) ولاكم: أي ولاءكم. وفي ح: " رضاكم ". (*)

[ 369 ]

ألا ندافع كفا دون صاحبها * حد الشقاق ولا أم ولا ولد (1) فلما أتى معاوية بكتاب أبى أيوب كسره. نصر، قال: وذكر عمر، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبى سليمان الحضرمي - وكان حضرها أبو سليمان مع على -: أن الفيلقين التقيا بصفين، واضطربوا بالسيوف ليس معهم غيرها إلى نصف الليل. نصر، قال عمر: وحدثني مجالد، عن الشعبى، عن زياد بن النضر الحارثى وكان على مقدمة على، قال: شهدت مع على بصفين، فاقتتلنا ثلاثة أيام وثلاث ليال، حتى تكسرت الرماح، ونفدت السهام، ثم صرنا إلى المسايفة (2) فاجتلدنا بها إلى نصف الليل، حتى صرنا نحن وأهل الشام في اليوم الثالث يعانق بعضنا بعضا، وقد قاتلت ليلتئذ بجميع السلاح، فلم يبق شئ من السلاح إلا قاتلت به، حتى تحاثينا بالتراب، وتكادمنا [ بالأفواه ]، حتى صرنا قياما ينظر بعضنا إلى بعض (3) ما يستطيع واحد من الفريقين ينهض إلى صاحبه ولا يقاتل. فلما كان نصف الليل من الليلة الثالثة انحاز معاوية وخيله من الصف، وغلب على عليه السلام على القتلى في تلك الليلة، وأقبل على أصحاب محمد صلى الله عليه وأصحابه فدفنهم، وقد قتل كثير منهم، وقتل من أصحاب معاوية أكثر، وقتل فيهم تلك الليلة شمر بن أبرهة، وقتل عامة من أصحاب على يومئذ، فقال عمارة: قالت أمامة: ما للونك شاحبا * والحرب تشحب ذا الحديد الباسل أنى يكون أبوك أبيض صافيا * بين السمائم فوق متن السائل


(1) كذا ورد هذا البيت. (2) في الأصل: " صارت إلى المسايفة " وأثبت ما في ح (2: 281). (3) بعدها في الأصل: " حتى صرنا قياما " وهى عبارة مكررة. (*)

[ 370 ]

تغدو الكتائب حوله ويسوقهم * مثل الاسود بكل لدن ذابل خزر العيون من الوفود لدى الوغى * بالبيض تلمع كالشرار الطاسل (1) قالوا معاوية بن حرب بايعوا * والحرب شائلة كظهر البازل فخرجت مخترما أجر فضولها * حتى خلصت إلى مقام القاتل (2) وقال عمرو بن العاص: إذا تحازرت وما بى من خزر (3) ثم خبأت العين من غير عور (4) ألفيتني ألوى بعيد المستمر (5) * ذا صولة في المصمئلات الكبر أحمل ما حلمت من خير وشر * كالحية الصماء في أصل الصخر وقال محمد بن عمرو بن العاص: لو شهدت جمل مقامي وموقفي * بصفين يوما شاب منها الذوائب غداة غدا أهل العراق كأنهم * من البحر موج لجه متراكب وجئناهم نمشي صفوفا كأننا * سحاب خريف صفقته الجنائب فطار إلينا بالرماح كماتهم * وطرنا إليهم والسيوف قواضب فدارات رحانا واستدارت رحاهم * سراة النهار ما تولى المناكب


(1) الطاسل: الجارى المضطرب، من قولهم طسل السراب: اضطرب. (2) مخترما: يخترم الأقران، أي يستأصلهم. وفي الأصل: " محترما ". فضولها: أي فضول الدرع السابغة. مقام القاتل، يعنى نفسه. وبعده في الأصل: " ويقرقعونه كقرن الحائل "، ولعلها رواية محرفة لعجز أحد الأبيات السابقة. (3) التخازر: إظهار الخزر، وهو ضيق العين وصغرها. (4) ح (2: 281): " ثم كسرت العين ". (5) الألوى: الشديد الخصومة. (*)

[ 371 ]

إذا قلت يوما قد ونوا برزت لنا كتائب حمر وارجحنت كتائب (1) فقالوا: نرى من رأينا أن تبايعوا * عليا فقلنا بل نرى أن تضاربوا فأبنا وقد نالوا سراة رجالنا * وليس لما لاقوا سوى الله حاسب فلم أر يوما كان أكثر باكيا * ولا عارضا منهم كميا يكالب كأن تلالى البيض فينا وفيهم * تلألؤ برق في تهامة ثاقب (2) فرد عليه محمد بن على بن أبى طالب: لو شهدت جمل مقامك أبصرت * مقام لئيم وسط تلك الكتائب أتذكر يوما لم يكن لك فخره * وقد ظهرت فيها عليك الجلائب (3) وأعطيتمونا ما نقمتم أذلة * على غير تقوى الله والدين واصب (4) وروى: " خوف العواقب " نصر: عمرو بن شمر، عن جابر، عن تميم قال: والله إنى مع على حين أتاه علقمة بن زهير الأنصاري فقال: يا أمير المؤمنين، إن عمرو بن العاص ينادى ثم: أنا الغلام القرشى المؤتمن * الماجد الأبلج ليث كالشطن يرضى به الشام إلى أرض عدن * يا قادة الكوفة من أهل الفتن يأيها الأشراف من أهل اليمن * أضربكم ولا أرى أبا حسن


(1) في الأصل: " إذا قلت قد استهزموا " وأثبت ما في ح. كتائب حمر، لما علاها من صدأ الحديد. ح: " كتائب منهم ". (2) تلالى، مصدر من تلالا المسهلة، كما تقول: تراضى تراضيا. (3) الجلائب: العبيد يجلبون من بلد إلى غيره. (4) واصب، أي طاعته دائمة واجبة أبدا. وفي الكتاب: " وله الدين واصبا ". (*)

[ 372 ]

أعنى عليا وابن عم المؤتمن * كفى بهذا حزنا من الحزن فضحك على ثم قال: أما والله لقد حاد عدى الله عنى، وإنه بمكانى لعالم، كما قال العربي: " غير الوهى ترقعين وأنت مبصرة (1) "، ويحكم، أرونى مكانه لله أبوكم، وخلا كم ذم. وقال النجاشي يمدح عليا: إنى إخال عليا غير مرتدع * حتى يؤدى كتاب الله والذمم (2) حتى ترى النقع معصوبا بلمته * نقع القبائل، في عرنينه شمم (3) غضبان يحرق نابيه بحرته * كما يغظ الفنيق المصعب القطم (4) حتى يزيل ابن حرب عن إمارته * كما تنكب تيس الحبلة الحلم (5) أو أن تروه كمثل الصقر مرتبئا * يخفقن من حوله العقبان والرخم وقال النجاشي أيضا يمدح عليا ويهجو معاوية وقد بلغه أنه يتهدده (6): يأيها الرجل المبدى عداوته * رو لنفسك أي الأمر تأتمر


(1) في الأصل: " عين الوهى " صوابه في ح (2: 282). والوهى، بالفتح: الشق في الشئ. (2) في الأصل: " غير منتهى " وهى من ضرورة الشعر، لكن كتب بجوارها " ن: مرتدع " أي إنها كذلك في نسخة أخرى، وهذه الأخيرة رواية ح. (3) في الأصل: " حتى ترى النقع " وفي ح: " أما ترى النقع ". (4) حرق نابيه يحرقهما، بالضم والكسر: سحقهما حتى سمع لهما صريف. المصعب: الفحل. والقطم: المشتهى للضراب. وفي الأصل: " المغضب القطم " والوجه ما أثبت من ح. (5) الحبلة، بالضم: ثمر عامة العضاه. وهم ينسبون التيس أيضا فيقولون: " تيس الربل " وهو ضروب من الشجر إذا برد الزمان عليها وأدبر الصيف تفطرت بورق أخضر. انظر الحيوان (4: 134 / 6: 123). وفي الأصل: " الجلة " وفي ح: " الخلة " ولا وجه لهما. (6) ح: " قال نصر: " وحدثنا عمر بن سعد عن الشعبى قال: بلغ النجاشي أن معاوية تهدده فقال ". (*)

[ 373 ]

لا تحسبني كأقوام ملكتهم * طوع الأعنة لما ترشح العذر وما علمت بما أضمرت من حنق * حتى أتتنى به الركبان والنذر فإن نفست على الأمجاد مجدهم * فابسط يديك فإن الخير مبتدر واعلم بأن على الخير من نفر * مثل الأهلة لا يعلوهم بشر لا يرتقى الحاسد الغضبان مجدهم (1) * ما دام بالحزن من صمائها حجر بئس الفتى أنت إلا أن بينكما * كما تفاضل ضوء الشمس والقمر ولا إخالك إلا لست منتهيا * حتى يمسك من أظفاره ظفر لا تحمدن أمرأ حتى تجربه * ولا تذمن من لم يبله الخبر إنى امرؤ قلما أثنى على أحد * حتى أرى بعض ما يأتي وما يذر إنى إذا معشر كانت عداوتهم * في الصدر أو كان في أبصارهم خزر جمعت صبرا جراميزى بقافية (2) * لا يبرح الدهر منها فيهم أثر فلما بلغ هذا الشعر معاوية قال: " ما أراه إلا قد قارب ". نصر، عن عمر بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الملك بن عبد الله، عن ابن أبى شقيق، أن عبد الله بن جعفر ذى الجناحين كان يحمل على الخيل بصفين، إذا جاء رجل من خزيمة فقال: هل من فرس ؟ قال: نعم، خذ أي الخليل شئت. فلما ولى قال ابن جعفر: إن يصب أفضل الخيل يقتل. قال: فما عتم أن أخذ أفضل الخيل فركبه، وحمل على الذى دعاه إلى البراز، فقتله الشامي. وحمل غلامان من الأنصار جميعا أخوان، حتى انتهيا إلى سرادق معاوية


(1) ح: " لا يجحد الحاسد الغضبان فضلهم ". (2) جمع جراميزه، إذا تجمع ليثب. في الأصل: " بعافية " صوابه في ح. وأراد بالقافية الشعر يقوله في الهجو. (*)

[ 374 ]

فقتلا عنده، وأقبلت الكتائب بعضها نحو بعض، فاقتتلت قياما في الركب لا يسمع السامع إلا وقع السيوف على البيض والدرق. وقال عمرو بن العاص: أجئتم إلينا تسفكون دماءنا * وما رمتم وعر من الأمر أعسر لعمري لما فيه يكون حجاجنا (1) * إلى الله أدهى لو عقلتم وأنكر تعاورتم ضربا بكل مهند * إذا شد وردان تقدم قنبر (2) كتائبكم طورا تشد وتارة * كتائبنا فيها القنا والسنور (3) إذا ما التقوا يوما تدارك بينهم * طعان وموت في المعارك أحمر (4) وقال مرة بن جنادة العليمى: لله در عصابة في مأقط * شهدوا مجال الخيل تحت قتامها شهدوا ليوثا ليس يدرك مثلهم * عند الهياج تذب عن آجامها (5) خزر العيون، إذا أردت قتالهم * برزوا سماحا كلهم بحمامها (6) لا ينكلون إذا تقوض صفهم * جزعا على الإخوان عند جلامها فوق البراح من السوابح بالقنا * يردين مهيعة الطريق بهامها (7)


(1) في الأصل: " حجامنا " صوابه في ح. (2) وردان: غلام عمرو بن العاص. انظر ص 35، 36. وقنبر، بوزن جعفر: مولى على. انظر الحاشية الرابعة من ص 43. (3) السنور: جملة السلاح، وخص به بعضهم الدروع. (4) في الأصل: " إذا ما التقوا حربا " و: " في المبارك " صوابهما في ح. (5) الأجمة: الشجر الكثير الملتف. في الأصل: " يذب عند إجامها " والصواب ما أثبت. وهذه المقطوعة لم ترد في ل. (6) السماح: جمع سمح، وهو الجواد. بحمامها، بحمام النفوس أي موتها المقدر لها. (7) السوابح: الخيل تسبح في جريها. يردين من الرديان، وهو ضرب من السير. (*)

[ 375 ]

وقال العليمى: يا كلب ذبوا عن حريم نسائكم * كما ذب فحل الشول بين عشارها ولا تجزعوا إن الحروب لمرة * إذا ذيق منها الطعم عند زيارها فإن عليا قد أتاكم بفتية * محددة أنيابها مع شفارها إذا ندبوا للحرب سارع منهم * فوارس حرب كالأسود ابتكارها يخفون دون الروع في جمع قومهم * بكل قضوب مقصل في حذارها (1) وقال سماك (2) بن خرشة الجعفي، من خيل على: لقد علمت غسان عند اعتزامها * بأنا لدى الهيجاء مثل السعائر مقاويل أيسار لهاميم سادة * إذا سال بالجريال شعر البياطر مساعير لم يوجد لهم يوم نبوة * مطاعين أبطال غداة التناحر ترانا إذا ما الحرب درت وأنشبت * رواسيها، في الحرب مثل الضباطر (3) فلم نر حيا دافعوا مثل دفعنا * غداة قتلنا مكنفا وابن عامر أكر وأحمى عند وقع سيوفها * إذا سافت العقبان تحت الحوافر هم ناوشونا عن حريم ديارهم * غداة التقينا بالسيوف البواتر وقال رجل من كلب مع معاوية، يهجو أهل العراق ويوبخهم: لقد ضلت معاشر من نزار * إذا انقادوا لمثل أبى تراب وإنهم وبيعتهم عليا * كواشمة التغضن بالخضاب (4)


(1) القضوب: القاطع، يعنى السيف. وفي الأصل: " صعوب ". وهذه المقطوعة لم ترد في ح. (2) سماك، بوزن كتاب، كما في القاموس والإصابة. وخرشة، بالتحريك. وهما صحابيان يقال لكل منهما سماك بن خرشة، ويفرق بينهما بالكنية. أما أحدهما وهو أبو دجانة فلم يشهد صفين، وشهدها الآخر. انظر الإصابة 3458. (3) الضباطر: جمع ضبطر، وهو الأسد الماضي الشديد. وفي الأصل: " الصياخر ". (4) التغضن: تكسر الجلد وتثنيه. في الأصل: " تغضر " صوابه في ح. (*)

[ 376 ]

تزين من سفاهتها يديها * وتحسر باليدين عن النقاب فإياكم وداهية نؤودا * تسير إليكم تحت العقاب (1) إذا هشوا سمعت لحافتيهم * دويا مثل تصفيق السحاب (3) يجيبون الصريخ إذا دعاهم * إلى طعن الفوارس بالحراب عليهم كل سابغة دلاص * وأبيض صارم مثل الشهاب وقال الأحمر - وقتل مع على: قد علمت غسان مع جذام * إنى كريم ثبت المقام (3) أحمى إذا ما زيل بالأقدام * والتقت الجريال بالأهدام إني ورب البيت والإحرام * لست أحامي عورة القمقام وقال الشيخ بن بشر الجذامي: يا لهف نفسي على جذام وقد * هزت صدور الرماح والخرق كانوا لدى الحرب في مواطنهم * أسدا إذا انساب سائل العلق فاليوم لا يدفعون إن دهموا * ولا يردون شامة الغلق (4) فاليوم لا ينصفون إخوتهم * عند وقوع الحروب بالحق وقال الأشتر: وسار ابن حرب بالغواية يبتغى * قتال على والجيوش مع الحفل


(1) النؤود: الداهية. وفي الأصل: " تروها " صوابه في ح (2: 283). والعقاب: راية معاوية، كما سيأتي في قول النجاشي: رأيت اللواء لواء العقاب * يقحمه الشانئ الأخزر (2) في ح: " إذا ساروا ". (3) الثبت، بالفتح: الذى لا يبرح. وحرك الباء للشعر. (4) الشامة: الناقة السوداء. والغلق: الجاني، والأسير. وفى الأصل: " العلق ". (*)

[ 377 ]

فسرنا إليهم جهرة في بلادهم * فصلنا عليهم بالسيوف وبالنبل فأهلكهم ربى وفرق جمعهم * وكان لنا عونا وذاقوا ردى الخبل ثم إن معاوية أرسل عمرو بن العاص في خيل عظيمة، فلقيه حمزة بن عتبة بن أبى وقاص، فقاتله حمزة، وجعل حمزة يطعن بالرمح ويقول: ماذا يرجى من رئيس ملا * لست بفرار ولا زميلا (1) في قومه مستبدلا مدلا * قد سئم الحياة واستملا وكل أغراض له تملا (2) وذلك عند غروب الشمس. وقال حمزة: دعاني عمرو للقاء فلم أقل * وأى جواد لا يقال له هنى (3) وولى على طرف يجول بشكة * مقلصة أحشاؤه ليس ينثنى (4) فلو أدركته البيض تحت لوائه * لغودر مجدولا تعاوره القنى (5) عليه نجيع من دماء تنوشه * قشاعم شهب في السباسب تجتنى فرجع عمرو إلى معاوية فحدثه فقال: لقد لقيت اليوم رجلا [ هو (6) ] خليق أن تدرسه الخيل بسنابكها، أو تذريه في مداركها، كدوس الحصرم،


(1) الزميل: الضعيف الجبان الرذل. وفي الأصل: " زملا " تحريف. (2) تملى العيش: استمتع به طويلا. (3) هنى، أي ياهنى. أراد أن كل جواد يستدعى ويطلب. وفي الأصل: " وإنى جواد ". ونحوه في الأسلوب قول ليلى الأخيلية: تعيرنا داء بأمك مثله * وأى حصان لا يقال لها هلا الحصان، بالفتح: المرأة العفيفة. وهلا بمعنى أسرعي. (4) الطرف: الفرس الكريم الطرفين، أي الأبوين. ويجول، من الجولة في الحرب. وفي الأصل: " يجوب ". والشكة: السلاح. (5) مجدولا: صريعا. وفي الأصل: " مخذولا ". والقنى، على وزن فعول: الرماح، واحدها قناة. (6) ليست في الأصل. والخبر لم يرو في مظنه من ح. (*)

[ 378 ]

وهو ضعيف الكبد، شديد البطش، يتلمظ تلمظ الشمطاء المفجعة، فأتاه غمر - فقال - إذ به عندنا والله ضرب كضرب القدار (1)، مرن الشراسيف، بالشفار الواقع، تشمص له النشوز في سراعيف الخيل، فحمل عليه فدخل تحت. بطن فرسه فطعنه حتى جدله عن فرسه، وجاء أصحابه فحملوه فعاش ثلاثة أيام ثم مات (2). وهو الذى جعل معاوية ابنه على عطائه. وقتل حمزة يوم التليل المنفرد. وقال حمزة: بلغا عنى السكون وهل لى * من رسول إليهم غير آن لم أصد السنان عن سبق الخيل ولم أتقى هذام السنان (3) حين ضج الشعاع من ندب الخي‍ * ل لحرب وهر الكماة وقع اللدان (4) ومشى القوم بالسيوف إلى القو * م كمشى الجمال بين الإران وقال عمرو بن العاص: أن لو شهدت فوارسا في قومنا * يوم القوارع مر مر الأجهل لرأيت مأسدة شوارع بالقنا * جون الجلود من الحديد المرسل (5)


(1) القدار، بالضم: الجزار. وفي الأصل: " القداد " تحريف. قال مهلهل: إنا لنضرب بالصوارم هامها * ضرب القدار نقيعة القدام (2) في هذا الكلام تحريف لم أجد مرجعا لتحقيقه. (3) سنان هذام: حديد قاطع. (4) الشعاع، بالفتح: ما تفرق وانتشر من الدم إثر الطعنة. والندب. آثار الجراحات. والدان: جمع لدن، وهو اللين من الرماح. وفي الأصل: " الجبان " ولا وجه له. قال المفضل بن المهلب: ومن هر أطراف القنا خشية الردى * فليس لمجد صالح بكسوب وقال عنترة: حلفنا لهم والخيل تردى بنا معا * نزايلكم حتى تهروا العواليا (5) أي اسودت جلودهم من لبس الحديد والسلاح. والجون بالضم: جمع جون، بالفتح، وهو الأسود. وفى الأصل: " دون " تحريف. (*)

[ 379 ]

متسربلين سوابغا عادية * ادفوا الملوك بكل عضب مقصل (1) يمشون في عنت الطريق كأنهم * أسد تقلقل في غريف الحسكل يحمون إذ دهموا وذاك فعالهم * عند البديهة في عجاج القسطل النازلون أمام كل كريهة * تخشى عوائدها غداة الفيصل والخيل غائرة العيون كأنما * كحلت مآقيها بزرق الكعطل (2) يعدون إذ ضج المنادى فيهم * نحو المنادى بذخة في القنبل (3) ودنا الكماة من الكماة وأعملت * زرقا تعم سراتهم كالمشعل (4) وقال الأحمر: كل امرئ لابد يوما ميت * والموت حق فاعرفن وصيه وجاء عدى بن حاتم يلتمس عليا، ما يطأ إلا على إنسان ميت أو قدم أو ساعد، فوجده تحت رايات بكر بن وائل، فقال: يا أمير المؤمنين، ألا نقوم حتى نموت ؟ فقال على: ادنه. فدنا حتى وضع أذنه عند أنفه فقال: ويحك، إن عامة من معى يعصينى، وإن معاوية فيمن يطيعه ولا يعصيه. وقال أبو حبة بن غزية الأنصاري، واسمه عمرو (5)، وهو الذى عقر الجمل، فقال بصفين: سائل حليلة معبد عن فعلنا * وحليلة اللخمى وابن كلاع


(1) ادفوا، كذا وردت. والمقصل: القطاع. (2) كذا ورد هذا اللفظ. (3) البذخة: المرة من البذخ وهو الكبر. والقنبل، بالفتح: الطائفة من الناس ومن الخيل. (4) الزرق: الأسنة. في الأصل: " وأهملت زرقا " والوجه ما أثبت. (5) هو عمرو بن غزية، بفتح العين وكسر الزاى وتشديد الياء، بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، ترجم له ابن حجر في الإصابة 5922. (*)

[ 380 ]

واسأل عبيد الله عن أرماحنا * لما ثوى متجدلا بالقاع وأسأل معاوية المولى هاربا * والخيل تعدو وهى جد سراع (1) ماذا يخبرك المخبر منهم * عنا وعنهم عند كل وقاع (2) إن يصدقوك يخبروك بأننا * أهل الندى قدما مجيبو الداعي (3) ندعو إلى التقوى ونرعى أهلها * برعاية المأمون لا المضياع إن يصدقوك يخبروك بأننا * نحمى الحقيقة عند كل مصاع ونسن للأعداء كل مثقف * لدن وكل مشطب قطاع وقال عدى بن حاتم بصفين: أقول لما أن رأيت المعمعه * واجتمع الجندان وسط البلقعه. هذا على والهدى حقا معه * يا رب فاحفظه ولا تضيعه فإنه يخشاك ربى فارفعه * ومن أراد عيبه فضعضعه (4) وقال النعمان بن عجلان الأنصاري (5) يوم صفين: سائل بصفين عنا عند وقعتنا * وكيف كنا غداة المحك نبتدر (6) واسأل غداة لقينا الأزد قاطبة * يوم البصيرة لما استجمعت مضر


(1) ح (2: 283): " والخيل تمعج ". (2) الوقاع: المواقعة في الحرب. وفي الأصل: " دفاع " وأثبت ما في ح. (3) في الأصل: " مستسمعون الداعي " صوابه في ح. (4) في الأصل: " ومن أراد غيه " صوابه في ح. (5) هو النعمان بن عجلان بن النعمان بن عامر بن زريق الأنصاري، كان لسان الأنصار وشاعرهم. وذكر المبرد أن عليا استعمله على البحرين فجعل يعطى كل من جاءه من بنى زريق، فقال فيه الشاعر، وهو أبو الأسود الدئلى: أرى فتنة قد ألهت الناس عنكم * فندلا زريق المال ندل الثعالب فإن ابن عجلان الذى قد علمتم * يبدد مال الله فعل المناهب انظر الإصابة 8747. ح: " بن جعلان " تحريف. (6) ح: " أم كيف كنا إلى العلياء ". (*)

[ 381 ]

لولا الإله وقوم قد عرفتهم * فيهم عفاف، وما يأتي به القدر (1). لما تداعت لهم بالمصر داعية * إلا الكلاب، وإلا الشاء والحمر (2) كم مقعص قد تركناه بمقفرة * تعوى السباع لديه وهو منعفر وما إن تراه ولا يبكى علانية * إلى القيامة حتى تنفخ الصور (3) وقال عمرو بن الحمق الخزاعي: تقول عرسي لما أن رأت أرقي * ماذا يهيجك من أصحاب صفينا ألست في عصبة يهدى الإله بهم * لا يظلمون (4) ولا بغيا يريدونا فقلت إنى على ما كان من سدر * أخشى عواقب أمر سوف يأتينا (5) إدالة القوم في أمر يراد بنا * فاقنى حياء وكفى ما تقولينا وقال حجر بن عدى الكندى: يا ربنا سلم لنا عليا * سلم لنا المهذب النقيا المؤمن المسترشد المرضيا * واجعله هادى أمة مهديا لا أخطل الرأى ولا غبيا (6) * واحفظه ربى حفظك النبيا فإنه كان له وليا * ثم ارتضاه بعده وصيا وقال معقل بن قيس التميمي:


(1) ح: " وعفو من أبى حسن * عنهم وما زال منه العفو ينتظر " (2) ح (2: 284): " ما إن يؤوب ولا ترجوه أسرته ". (3) الصور، بضم ففتح: جمع صورة، وبها قرأ الحسن في كل موضع من الكتاب جاء فيه لفظ " الصور " بالضم. انظر إتحاف فضلاء البشر ص 211. على أن بعض من قرأ " الصور " بالضم جعله أيضا جمعا لصورة كصوف وصوفة، وثوم وثومة. انظر اللسان (6: 146). (4) في الأصل: " أهل الكتاب " وأثبت ما في ح. (5) السدر، بالتحريك: الحيرة. وفي ح: " رشد ". (6) في الأصل: " بغيا " ولا وجه له، وقال اللحيانى: " لا يقال رجل بغى ". (*)

[ 382 ]

يأيها السائل عن أصحابي * إن كنت تبغى خبر الصواب أخبر عنهم غير ما تكذاب * بأنهم أوعية الكتاب صبر لدى الهيجاء والضراب (1) * وسل جموع الأزد والرباب وسل بذاك معشر الأحزاب وقال أبو شريح الخزاعى: يا رب قاتل كل من يريدنا * وكد إلهى كل من يكيدنا حتى يرى معتدلا عمودنا * إن عليا للذى يقودنا وهو الذى بفقهه يؤودنا (2) عن قحم الفتنة إذ تريدنا وقال عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي: ألا أبلغ معاوية بن حرب * أمالك لا تنيب إلى الصواب أكل الدهر مرجوس لغير * تحارب من يقوم لدى الكتاب فإن تسلم وتبقى الدهر يوما * نزرك بجحفل شبه الهضاب يقودهم الوصي إليك حتى * يردك عن عوائك (3) وارتياب وإلا فالتى جربت منا * لكم ضرب المهند بالذؤاب وقال أبو واقد الحارث بن عوف الخشنى: سائل بنا يوم لقينا الأزدا * والخيل تعدو شقرا ووردا (4) لما قطعنا كفهم والزندا * واستبدلوا بغيا وباعوا الرشدا


(1) في الأضل: " صبرا " وهذه المقطوعة لم ترد في مظنها من ح. (2) آده: عطفه وثناه. (3) من العواء اشتق اسم " معاوية "، فإن المعاوية الكلبة تعاوى الكلاب. وفي الأصل: " غواتك " تحريف. (4) شقرا: جمع أشقر وشقراء، وهو الأحمر، وهن أكرم الخيل. والورد، بالضم: جمع ورد، بالفتح، وهو ما لونه أحمر يضرب إلى صفرة حسنة. وفي الأصل: " تفدو سفرا ووردا " وإنما هما من العدو والشقرة. وهذه المقطوعة ترد في مظنها من ح. (*)

[ 383 ]

وضيعوا فيما أرادوا القصدا * سحقا لهم في رأيهم وبعدا (1) وقال همام بن الأغفل الثقفى: قد قرت العين من الفساق (2) * ومن رءوس الكفر والنفاق إذ ظهرت كتائب العراق * نحن قتلنا صاحب المراق (3) وقائد البغاة والشقاق * عثمان يوم الدار والإحراق (4) لما لففنا ساقهم بساق * بالطعن والضرب مع العناق وسل بصفين لدى التلاقي * تنبأ بتبيان مع المصداق (5) أن قد لقوا بالمارق الممراق (6) ضربا يدمى عقر الأعناق (7) وقال محمد بن أبى سبرة بن أبى زهير القرشى: نحن قتلنا نعثلا بالسيرة (8) * إذ صد عن أعلامنا المنيرة يحكم بالجور على العشيره * نحن قتلنا قبله المغيره نالته أرماح لنا موتوره * إنا أناس ثابتو البصيره إن عليا عالم بالسيرة وقال حويرثة بن سمى العبدى: سائل بنا يوم التقينا الفجرة * والخيل تغدو في قتام الغبره


(1) سحقا، بالضم: بعدا. وفي الكتاب: " فسحقا لأصحاب السعير ". (2) في الأصل: " المساق " وهذه المقطوعة لم ترد في مظنها من ح. (3) المراق: جمع مارق. وفي الأصل: " المراقى " تحريف. (4) يشير إلى ما كان من إحراق باب دار عثمان في أثناء حصاره. انظر الطبري (5: 131). (5) في الأصل: " ثبنا بتبيان ". (6) المارق: السهم يمرق من الرمية، أي ينفذ، وقد عنى به السيف. (7) عقر الأعناق: أصلها، وهو بضم العين، وضم القاف للعشر. وفي الأصل: " عكر " تحريف. (8) نعثل: نبز لعثمان بن عفان. انظر ما سبق في ص 229. (*)

[ 384 ]

تنبأ بأنا أهل حق نعمره (1) * كم من قتيل قد قتلنا تخبره ومن أسير قد فككنا مأسره * بالقاع من صفين يوم عسكره وقال عمرو: لعمري لقد لاقت بصفين خيلنا * سميرا فلم يعدلن عنه تخوفا قصدت له في وائل فسقيته * سمام زعاف يترك اللون أكلفا فما جبنت بكر عن ابن معمر * ولكن رجا عود الهوادة فانكفا وخاف الذى لاقى الهجيمى قبله * تفرق عنه جمعه فتخطفا ونحن قتلنا هاشما وابن ياسر * ونحن قتلنا ابني بديل تعسفا وهذا سمير، ابن الحارث العجلى. وقال عرفجة بن أبرد الخشنى: ألا سألت بنا والخيل شاحبة (2) * تحت العجاجة والفرسان تطرد وخيل كلب ولخم قد أضربها * وقاعنا (3) إذ غدوا للموت واجتلدوا من كان أصبر فيها عند أزمتها * إذ الدماء على أبدنها جسد (4) وقال أيضا: سائل بنا عكا وسائل كلبا * والحميريين وسائل شعبا (5)


(1) في الأصل: " ثبنا بأنا " والوجه ما أثبت. وفي هذا البيت وتاليه إقواء. (2) الشحوب: التغير من هزال أو عمل أو جوع أو سفر. وفي الأصل: " ساجية ". وهذه المقطوعة لم ترد في مظنها من ح. (3) الوقاع، بالكسر: المقاتلة. وفي الأصل: " في قاعنا ". (4) الجسد: جمع جساد، وهو بالكسر: الزعفران. وفي الأصل: " جسدوا " تحريف. (5) أي أهل شعب، وهو جبل باليمن نزله حسان بن عمرو والحميري، فمن كان منهم بالكوفة يقال لهم شعبيون، منهم الشعبى الفقيه، ومن كان منهم بالشام يقال لهم الشعبانيون، ومن كان باليمن يقال لهم آل ذى شعبين، ومن كان بمصر يقال لهم الأشعوب. وقالوا في قوله: * جارية من شعب ذى رعين *: ليس يراد به الموضع، بل القبيلة. (*)

[ 385 ]

كيف رأونا إذ أرادوا الضربا * ألم نكن عند اللقاء غلبا (1) لما ثوى معبدهم منكبا وقال المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب: يا شرطة الموت صبرا لا يهولكم * دين ابن حرب فإن الحق قد ظهرا وقاتلوا كل من يبغى غوائلكم * فإنما النصر في الضرا لمن صبرا سيفوا الجوارح حد السيف واحتسبوا (2) * في ذلك الخير وارجوا الله والظفرا وأيقنوا أن من أضحى يخالفكم * أضحى شقيا وأضحى نفسه خسرا فيكم وصى رسول الله قائدكم * وأهله وكتاب الله قد نشرا ولا تخافوا ضلالا لا أبا لكم * سيحفظ الدين والتقوى لمن صبرا وكتب على إلى معاوية: أما بعد فإنك قد ذقت ضراء الحرب وأذقتها، وإنى عارض عليكم ما عرض المخارق على بنى فالج (3): أيا راكبا إما عرضت فبلغن * بنى فالج حيث استقر قرارها (4) هلموا إلينا لا تكونوا كأنكم * بلاقع أرض طار عنها غبارها سليم بن منصور أناس بحرة * وأرضهم أرض كثير وبارها (5)


(1) الأغلب: الأسد الغليظ الرقبة. (2) سافه يسيفه: ضربه بالسيف. حد السيف، أي بحد السيف، فنزع الخافض. (3) في الأصل: " فاتح " تحريف. وانظر الحيوان (6: 369). (4) في الأصل: " بنى فاتح " وانظر التنبيه السابق. (5) الحرة، بالفتح: أرض ذات حجارة سود نخرة كأنما أحرقت بالنار. وفي معجم البلدان: " حرة سليم، هو سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. قال أبو منصور: حرة النار لبنى سليم، وتسمى أم صبار ". وفي الأصل: " تجرة " صوابها ما أثبت. وانظر الحيوان (4: 71). والوبار: جمع وبر، بالفتح: دويبة كالسنور. (*)

[ 386 ]

فأجابه معاوية: من معاوية إلى على: أما بعد - عافانا الله وإياك - فإنى إنما قاتلت على دم عثمان، وكرهت التوهين (1) في أمره وإسلام حقه، فإن أدرك به فبها، وإلا فإن الموت على الحق أجمل من الحياة على الضيم. وإنما مثلى ومثل عثمان كما قال المخارق: متى تسلى عن نصرتي السيد لا يجد لك السيد بيت السيد عندي مسلما (2) إذا حل بيتى عند جارى لم يخف غوائل ما يسرى إذا الليل أظلما وقلت له في الرحب وجهك إننى سأمسك عنك الدار أن يتهدما (3) فكتب إليه على بن أبى طالب: أما بعد فإنك وما ترى كما قال أوس ابن حجر: وكائن يرى من عاجز متضعف * جنى الحرب يوما ثم لم يغن ما يجنى ألم يعلم المهدى الوعيد بأننى * سريع إلى ما لا يسر له قرنى وإن مكاني للمريدين بارز * وإن برزونى، ذو كؤود وذو حضن (4) فكتب إليه معاوية: عافانا الله وإياك. إنا لم نزل للحرب قادة وأبناء. لم تصب مثلنا ومثلك، ولكن مثلنا كما قال أوس:


(1) التوهين: الإضعاف. وفي الأصل: (التدهين). (2) السيد، بالكسر: قبيلة من قبائلهم، من بنى ضبة. (3) وجهك: أي الجهة التى تنتويها في السفر. والدار مؤنثة، وقد تذكر. (4) الكؤود: العقبة الشاقة المصعد، الصعبة المرتقى. (*)

[ 387 ]

إذا الحرب حلت ساحة القوم أخرجت * عيوب رجال يعجبونك في الأمر وللحرب يجنيها رجال ومنهم * إذا ما جناها من يعيد ولا يغنى وقال الأحنف بن قيس التميمي بصفين وهو مع على: هلكت العرب ! فقال له أصحابه: وإن غلبنا أبا بحر ؟ قال: نعم. قالوا: وإن غلبنا ؟ قال: نعم. قالوا: والله ما جعلت لنا مخرجا. قال الأحنف: إن غلبنا لم نترك بها رئيسا إلا ضربنا عنقه، وإن غلبنا لم يعرج [ بعدها ] رئيس عن معصية الله أبدا. نصر: وحدثنا عمر بن سعد، عن الشعبى قال: ذكر معاوية يوما صفين بعد عام الجماعة وتسليم الحسن عليه السلام الأمر إليه، فقال للوليد بن عقبة: أي بنى عمك كان أفضل يوم صفين يا وليد، عن وقدان الحرب واستشاطة لظاها، حين قاتلت الرجال على الأحساب ؟ قال: " كلهم قد وصل كنفتها (1)، عند انتشار وقعتها، حتى ابتلت أثباج الرجال، من الجريال، بكل لدن عسال، وكل عضب قصال). ثم قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: " أما والله لقد رأيتنا (2) يوما من الأيام وقد غشينا ثعبان مثل الطود الأرعن قد أثار قسطلا حال بيننا وبين الأفق، وهو على أدهم شائل، يضربهم بسيفه ضرب غرائب الإبل، كاشرا عن أنيابه، كشر المخدر الحرب. فقال معاوية: والله إنه كان يجالد ويقاتل عن ترة له وعليه. أراه يعنى عليا (3). نصر: وحدثنا عمر بن سعد، عن الشعبى قال: أرسل على إلى معاوية: ان ابرز لى وأعف الفريقين من القتال، فأينا قتل صاحبه كان الأمر له. قال


(1) الكنف والكنفة: جانب الشئ. ح (2: 284): " كنفيها ". (2) في الأصل: " رأيت " وأثبت ما في ح. (3) هذه العبارة ليست في ح. (*)

[ 388 ]

عمرو: لقد أنصفك الرجل. فقال معاوية: إنى لا كره أن أبارز الأهوج الشجاع (1)، لعلك طمعت فيها يا عمرو. [ فلما لم يجب ] قال على: " وانفساه، أيطاع معاوية وأعصى ؟ ما قاتلت أمة قط أهل بيت نبيها وهى مقرة بنبيها إلا هذه الأمة ". ثم إن عليا أمر الناس أن يحملوا على أهل الشام، فحملت خيل على على صفوف أهل الشام، فقوضت صفوفهم. قال عمرو يومئذ: على من هذا الرهج الساطع ؟ فقيل: على ابنيك عبد الله ومحمد. فقال عمرو: يا وردان، قدم لواءك. فتقدم فأرسل إليه معاوية: " إنه ليس على ابنيك بأس، فلا تنقض الصف والزم موقعك ". فقال عمرو: هيهات هيهات ! الليث يحمى شبليه * ما خيره بعد ابنيه فتقدم [ باللواء ] فلقى الناس وهو يحمل، فأدركه رسول معاوية فقال: إنه ليس على ابنيك بأس فلا تحملن. فقال له عمرو: قل له: إنك لم تلدهما، وإنى أنا ولدتهما. وبلغ مقدم الصفوف فقال له الناس: مكانك، إنه ليس على ابنيك بأس، إنهما في مكان حريز. فقال: أسمعوني أصواتهما حتى أعلم أحيان هما أم قتيلان ؟ ونادى: يا وردان، قدم لواءك قدر قيس قوسى (2)، ولك فلانة - جارية له - فتقدم بلوائه. فأرسلي على إلى أهل الكوفة: أن أحملوا. وإلى أهل البصرة: أن احملوا. فحمل الناس من كل جانب فاقتتلوا قتالا شديدا، فخرج رجل من أهل الشام فقال: من يبارز ؟ فخرج إليه رجل من أصحاب علي فاقتتلا ساعة، ثم إن العراقي


(1) ح: " الشجاع الأخرق ". (2) القيس، بالكسر، هو القدر. ونحو هذه الإضافة: دار الآخرة، وحق اليقين، وحبل الوريد، وحب الحصيد. وفي ح: " قيس قوس ". (*)

[ 389 ]

ضرب رجل الشامي فقطعها، فقاتل ولم يسقط إلى الأرض، ثم ضرب يده فقطعها، فرمى الشامي بسيفه بيده اليسرى إلى أهل الشام ثم قال: يا أهل الشام، دونكم سيفى هذا فاستعينوا به على عدوكم. فأخذوه، فاشترى معاوية ذلك السيف من أولياء المقتول بعشرة آلاف. وقال أبو زبيد الطائى يمدح عليا ويذكر بأسه: إن عليا ساد بالتكرم * والحلم عند غاية التحلم هداه ربى للصراط الأقوم * بأخذه الحل وترك المحرم كالليث عند اللبوات الضيغم (1) * يرضعن أشبالا ولما تفطم فهو يحمى غيرة ويحتمى * عبل الذراعين كريه شدقم (2) مجوف الجوف نبيل المحزم * نهد كعادى البناء المبهم يزدجر الوحى بصوت أعجم * تسمع بعد الزبر والتقحم منه إذا حش له ترمرم (3) * مندلق الوقع جرى المقدم (4) ليث الليوث في الصدام مصدم * وكهمس الليل مصك ملدم (5) عفروس آجام عقار الأقدم (6) * كروس الذفرى أغم مكدم (7)


(1) في الأصل: " عنده الليوث ". (2) شدقم: واسع الشدق. وفي الأصل: " كريه الشدقم " تحريف. (3) كذا ورد هذا البيت. (4) الاندلاق: الهجوم والتقدم. وفي الأصل: " مندلف " تحريف. (5) الكهمس: اسم من أسماء الأسد. (6) العفروس، من أسماء الأسد، واشتقاقه من العفرسة وهو الصرع والغلبة، ولم يذكر هذه اللغة - صاحب اللسان. وفي القاموس: " العفرس: بالكسر، والعفريس والعفراس والعفروس والمفرنس كسفرجل: الأسد ". والعقار، بالضم: القاتل، وهو من قولهم: كلأ عقار، أي قاتل للماشية. وفي الأصل: " عفار ". والأقدم، بفتح الدال: الأسد. (7) الكروس: الضخم. والذفرى، بالكسر: عظم شاخص خلف الأذن. والأغم: الذى سال شعره فضاق وجهه وقفاه. والمكدم: الغليظ الشديد. وفي الأصل: " كروس الذفرين عم المكرم ". (*)

[ 390 ]

ذو جبهة غرا وأنف أخثم * يكنى من البأس أبا محطم (1) قسورة النطر صفى شجعم (2) * صم صمات صلخد صلدم (3) مصمت الصم صموت سرطم (4) * إذا رأته الأسد لم ترمرم (5) من هيبة الموت ولم تجمجم * رهبة مرهوب اللقاء ضيغم مجرمز شان ضرار شيظم * عند العراك كالفنيق الأعلم (6) يفرى الكمي بالسلاح المعلم * منه بأنياب ولما تقضم ركن مما ضيغ بلحى سلجم (7) حامى الذمار وهو لما يكدم ترى من الفرس به نضح الدم * بالنحر والشدقين لون العندم أغلب ما رضى (8) الأنوف الرغم * إذا الأسود أحجمت لم يحجم إذا تناجى النفس قالت صمم * غمغمة في جوفها المغمغم أغضف رئبال خدب فدغم (9) * منتشر العرف هضيم هيصم (10) قالها أبو زبيد لعلى. وقال على: أنا الذى سمتن أمي حيدره * رئبال آجام كريه المنظره


(1) البأس: الشدة. وفي الأصل: " من الناس ". (2) القسورة: الشجاع. والنطر، كذا وردت. (3) الصم، بالكسر، والصمة: من أسماء الأسد لشجاعته. والصلخد: الشديد الماضي. وفي الأصل: " مصلخد "، ولا يستقيم به الوزن. (4) السرطم: الواسع الحلق السريع البلع. (5) أي لم تترمرم. أي سكنت ولم تتحرك. وفي الأصل: " ألم ترترم " تحريف. (6) الأعلم: المشقوق الشفة العليا. وفي الأصل: " المعلم " تحريف. (7) ركن، كذا وردت. والمماضيغ: الأضراس: وفي الأصل: " مما ضع ". ولحى سلجم: شديد. انظر اللسان " سلجم ". (8) كذا وردت هذه الكلمة. (9) الفدغم: اللحيم الجسيم الطويل في عظم. وفي الأصل: " فدعم " تحريف. (10) الهضيم، بالضاد المعجمة: اللطيف الكشحين. والهيصم، بالمهملة: الغليظ الشديد الصلب. وهذه الأرجورة لم أجد لها مصدرا أعتمد عليه في تحقيقها. (*)

[ 391 ]

عبل الذراعين شديد القسوره * أكيلهم بالصاع كيل السندره نصر قال: وحدثني رجل عن مالك الجهنى، عن زيد بن وهب، أن عليا مر على جماعة من أهل الشام بصفين، فيهم الوليد بن عقبة وهم يشتمونه ويقصبونه (1) فأخبروه بذلك، فوقف في ناس من أصحابه فقال: " انهدوا إليهم وعليكم السكينة وسيما الصالحين ووقار الإسلام، والله لاقرب قوم من الجهل بالله عز وجل قوم قائدهم ومؤدبهم (2) معاوية، وابن النابغة (3)، وأبو الأعور السلمى، وابن أبى معيط، شارب الحرام، والمجلود حدا في الإسلام وهم أولاء يقومون فيقصبوننى، ويشتمونني، وقبل اليوم ما قاتلوني وشتموني، وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام. فالحمد لله ولا إله إلا الله، وقديما ما عاداني الفاسقون. إن هذا هو الخطب الجليل. إن فساقا كانوا عندنا غير مرضيين، وعلى الإسلام وأهله متخوفين، أصبحوا وقد خدعوا (4) شطر هذه الأمة فأشربوا قلوبهم حب الفتنة، فاستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان، وقد نصبوا لنا الحرب، وجدوا في إطفاء نور الله (والله متم نوره ولو كره الكافرون). اللهم فإنهم قد ردوا الحق فافضض جمعهم، وشتت كلمتهم، وأبسلهم بخطاياهم (5)، فإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت ". نصر، عن نمير بن وعلة، عن عامر الشعبى، أن على بن طالب مر بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم، فحرض الناس على قتالهم - وذكر


(1) القصب: العيب والشتم، ومثله التقصيب. (2) ح (2: 285): " أقرب بقوم من الجهل قائدهم ومؤدبهم ". (3) يعنى عمرو بن العاص. واسم أمه " النابغة " وهى من بنى عنزة، كما في أول ترجمته من الإصابة 5877. (4) في الأصل: " حتى خدعوا " وأثبت ما في ح (2: 285). (5) الإبسال: الإهلاك. وفي الكتاب: " أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا ". (*)

[ 392 ]

أنهم غسان - فقال: " إن هؤلاء القوم لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منه النسيم (1)، وضرب يفلق الهام، ويطيح العظام وتسقط منه المعاصم والأكف، حتى تصدع جباههم وتنثر حواجبهم على الصدور والأذقان. أين أهل الصبر وطلاب الخير ؟ أين من يشرى وجهه لله عز وجل ؟ ". فثابت إليه عصابة من المسلمين فدعا ابنه محمدا فقال له: امش نحو هذه الراية مشيا رويدا على هينتك، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فأمسك يدك حتى يأتيك أمرى ورأيى (2). ففعل، وأعد على عليه السلام مثلهم مع الأشتر، فلما دنا منهم وأشرع الرماح في صدورهم، أمر على الذين أعدوا فشدوا عليهم، ونهض محمد في وجوههم، فزالوا عن مواقفهم، وأصابوا منهم رجالا، واقتتل الناس بعد المغرب قتالا شديدا، فما صلى كثير من الناس إلا إيماء. وقال العديل بن نائل العجلى (3): لست أنس مقام غسان بالت‍ * ل ولو عشت، ما أظل شمام سادة قادة إذا اعصوصب القو * م ليوم القراع عند الكدام (4) ولهم أنديات ناد كرام * فهم الغر في ذرى الأعلام ناوشونا غداة سرنا إليهم * بالعوالى وبالسيوف الدوامى فتولوا ولم يصيبوا حميا * عند وقع السيوف يوم اللغامى (5)


(1) النسيم: الروح، كالنسم. قال الأغلب: ضرب القدار نقيعة القديم * يفرق بين النفس والنسيم (2) في الأصل: " ورايتي ". (3) لم أعثر له على ترجمة. وفى شعرائهم: " العديل بن الفرخ العجلى ". (4) اعصوصب القوم: اجتمعوا وصاروا عصابة واحدة. والكدام: شدة القتال، وفى اللسان: " والكدم والمكدم: الشديد القتال ". وفي الأصل: " الكهام " ولا وجه له. (5) كذا وردت هذه الكلمة. (*)

[ 393 ]

ورضينا بكل كهل كريم * ثابت أسه من القمقام (1) نصر، عن رجل، عن محمد بن عتبة الكندى قال: حدثنى شيخ من حضر موت شهد مع على صفين فقال: كان منا رجل يدعى بهانئ بن نمر (2)، وكان هو الليث النهد، فخرج إليه رجل من أهل الشام يدعو إلى المبارزة، فلم يخرج إليه أحد فقال: سبحان الله، ما يمنعكم أن يخرج منكم رجل إلى هذا ؟ فلولا أنى موعوك وأنى أجد لذلك ضعفا [ شديدا ] لخرجت إليه. فما رد عليه رجل من أصحابه شيئا، فوثب (3) فقال أصحابه: سبحان الله تخرج وأنت موعوك ؟ ! قال: والله لأخرجن إليه ولو قتلني. فلما رآه عرفه، وإذا الرجل من قومه يقال له يعمر بن أسيد (4) الحضرمي، وبينهما قرابة من قبل النساء، فقال له: يا هانئ ارجع، فإنه أن يخرج إلى غيرك أحب إلى، إنى لست أريد قتلك. قال له هانئ: ما خرجت إلا وأنا موطن نفسي على القتل، [ لا والله، لأقاتلن اليوم حتى أقتل ]، ما أبالى قتلتنى أنت أو غيرك. ثم مشى نحوه فقال: اللهم في سبيلك وسبيل رسولك، ونصرا لابن عم نبيك. ثم اختلفا ضربتين، فقتل هانئ صاحبه، وشد أصحابه نحوه، وشد أصحاب هانئ نحوه، ثم اقتتلوا وانفرجوا عن اثنين وثلاثين قتيلا. ثم إن عليا أرسل إلى الناس: أن احملوا. فحمل الناس على راياتهم كل قوم بحيالهم (5)، فتجالدوا بالسيوف وعمد الحديد، لا يسمع إلا صوت ضرب الهامات كوقع المطارق على السنادين (6). ومرت الصلوات كلها ولم يصلوا إلا تكبيرا


(1) القمقام: العدد الكثير. قال ركاض بن أباق: * من نوفل في الحسب القمقام * (2) ح (2: 285): " بن فهد ". (3) في ح: " فقام وشد عليه سلاحه ليخرج ". (4) ح: " بن أسد ". (5) ح (2: 286): " كل منهم يحمل على من بإزائه ". (6) في الأصل: " لا يسمع إلا صوت السنادين " وأثبت ما في ح. (*)

[ 394 ]

عند مواقيت الصلاة، حتى تفانوا ورق الناس، فخرج رجل بين الصفين لا يعلم من هو، فقال: أخرج فيكم المحلقون ؟ قلنا: لا. قال: إنهم سيخرجون، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لهم حمة كحمة الحيات. ثم غاب الرجل ولم يعلم من هو. نصر، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبى يحيى، عن عبد الرحمن ابن حاطب (1) قال: خرجت ألتمس أخى في القتلى بصفين، سويدا، فإذا برجل قد أخذ بثوبي، صريع في القتلى، فالتفت فإذا بعبد الرحمن بن كلدة، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، هل لك في الماء ؟ قال: لا حاجة لى في الماء قد أنفذ في السلاح وخرقني، ولست أقدر على الشرب، هل أنت مبلغ عنى أمير المؤمنين رسالة فأرسلك بها ؟ قلت: نعم. قال: فإذا رأيته فاقرأ عليه منى السلام، وقل: " يا أمير المؤمنين، أحمل جرحاك إلى عسكرك، حتى تجعلهم من وراء القتلى، فإن الغلبة لمن فعل ذلك ". ثم لم أبرح حتى مات، فخرجت حتى أتيت عليا، فدخلت عليه فقلت: إن عبد الرحمن بن كلدة يقرأ عليك السلام. قال: وعليه، أين هو ؟ قلت: قد والله يا أمير المؤمنين أنفذه السلاح وخرقه فلم أبرح حتى توفى. فاسترجع. قلت: قد أرسلني إليك برسالة. قال: وما هي ؟ قلت: قال: " يا أمير المؤمنين، احمل جرحاك إلى عسكرك حتى تجعلهم من وراء القتلى، فإن الغلبة لمن فعل ذلك ". قال: صدق والذى نفسي بيده. فنادى منادى العسكر: أن احملوا جرحاكم إلى عسكركم. ففعلوا ذلك، فلما أصبح نظر إلى أهل الشام وقد ملوا من الحرب. وأصبح على فرحل الناس وهو يريد أن ينزل على أهل الشام في عسكرهم، فقال معاوية: فأخذت معرفة


(1) هو عبد الرحمن بن حاطب بن أبى بلتعة اللخمى، وهو ممن ولد زمن الرسول صلى الله عليه، وكان ثقة قليل الحديث، توفى سنة 68، وقيل قتل يوم الحرة، وهذه كانت سنة 63 في أيام يزيد بن معاوية. انظر الإصابة 6196 ومعجم البلدان " حرة واقم ". (*)

[ 395 ]

فرسى (1)، ووضعت رجلى في الركاب (2) حتى ذكرت أبيات عمرو بن الإطنابة: أبت لى عفتى وأبى بلائى * وأخذى الحمد بالثمن الربيح وإجشامي على المكروه نفسي * وضربي هامة البطل المشيح (3) وقولى كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدى أو تستريحي فعدت إلى مقعدي فأصبت خير الدنيا. وكان على إذا اراد القتال هلل وكبر ثم قال: من أي يومى من الموت أفر * أيوم ما قدر أم يوم قدر وأقبل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ومعه لواء معاوية الأعظم، وهو يقول: أنا ابن سيف الله ذاكم خالد * أضرب كل قدم وساعد بصارم مثل الشهاب الواقد * أنصر عمى إن عمى والدى بالجهد، لابل فوق جهد الجاهد * ما أنا فيما نابنى براقد فاستقبله جارية بن قدامة السعدى وهو يقول: اثبت لصدر الرمح يا ابن خالد * اثبت لليث ذى فلول حارد


(1) معرفة الفرس: لحمه الذى ينبت عليه العرف، وهى بفتح الميم والراء. (2) في أمالى القالى (1: 258): " في الركاب يوم صفين غير مرة ". وانظر القصة في الكامل 753 وعيون الأخبار (1: 126) ومجالس ثعلب 83 ومعجم المرزبانى 204 وديوان المعاني (1: 114). ورواية الأبيات في حماسة البحترى " وهى أول مقطوعة فيها " ولباب الآداب 223 - 224. (3) في الأصل: " وإعظامى " وأثبت أقرب رواية إليها من المصادر المتقدمة، وهى رواية المبرد. وفي عيون الأخبار ولباب الآداب واللسان (3: 331): " وإقدامى " وفي معجم المرزبانى: " وإكراهي ". وفي الأمالي: " وإعطائي على الإعدام مالى " والبحتري: " على المعسور مالى " وديوان المعاني: " على المكروه مالى ". (*)

[ 396 ]

من أسد خفان شديد الساعد * ينصر خير راكع وساجد من حقه عندي كحق الوالد * ذاكم على كاشف الأوابد واطعنا مليا، ومضى عبد الرحمن وانصرف جارية، وعبد الرحمن لا يأتي على شئ إلا أهمده، وهو يقول: إنى إذا ما الحرب فرت عن كبر * تخالنى أخزر من غير خزر أقحم والخطى في النقع كشر * كالحية الصماء في رأس الحجر * أحمل ما حملت من خير وشر * فغم ذلك عليا، وأقبل عمرو بن العاص في خيل من بعده فقال: أقحم يا ابن سيف الله فإنه الظفر ! وأقبل الناس على الأشتر فقالوا: يوم من أيامك الأول، وقد بلغ لواء معاوية حيث ترى. فأخذ الأشتر لواءه ثم حمل وهو يقول: إنى أنا الاشتر معروف الشتر (1) * إنى انا الأفعى العراقى الذكر لست من الحى ربيع أو مضر (2) * لكننى من مذحج الغر الغرر فضارب القوم حتى ردهم على أعقابهم، فرجعت خيل عمرو. وقال النجاشي في ذلك: رأيت اللواء لواء العقاب (3) * يقحمه الشانى الأخزر كليث العرين خلال العجاج * وأقبل في خيله الأبتر دعونا لها الكبش كبش العراق * وقد خالط العسكر العسكر (4)


(1) الشتر: انقلاب جفن العين من أعلى وأسفل وتشنجه. (2) ربيع: مرخم ربيعة لغير نداء. وفي الأصل: " ربيعة ومضر " ولا يستقيم به الوزن. والصواب ما أثبت من مروج الذهب (2: 21). (3) ح (2: 285): " ولما رأينا اللواء العقاب ". (4) ح: " وقد أضمر الفشل العسكر ". (*)

[ 397 ]

فرد اللواء على عقبه * وفاز بحظوتها الأشتر كما كان يفعل في مثلها * إذا ناب معصوصب منكر (1) فإن يدفع الله عن نفسه * فحظ العراق بها الأوفر (2) إذا الأشتر الخير خلى العراق * فقد ذهب العرف والمنكر وتلك العراق ومن قد عرفت * كفقع تنبته القرقر (3) وذكروا أنه لما رد لواء معاوية ورجعت خيل عمرو اشرأب (4) لعلى همام بن قبيصة، وكان من أشتم الناس لعلى، وكان معه لواء هوازن، فقصد لمذحج وهو يقول: قد علمت حوراء كالتمثال (5) * أنى إذا ما دعيت نزل أقدم إقدام الهزبر الغالى * أهل العراق إنكم من بالى كل تلادى وطريف مالى * حتى أنال فيكم المعالى أو أطعم الموت وتلكم حالى * في نصر عثمان ولا أبالى فقال عدى بن حاتم لصاحب لوائه: ادن منى. فأخذه وحمل وهو يقول: يا صاحب الصوت الرفيع العالي * إن كنت تبغى في الوغى نزالى


(1) ناب: نزل، والنوائب: النوازل. وفي الأصل: " ثاب " صوابه في ح. (2) بها، أي بنفسه، أو بتلك الفعلة. وفي ح: " به " أي بشخصه. (3) الفقع: البيضاء الرخوة من الكمأة. والقرقر: الأرض المطمئنة اللينة. يقال: " أذل من فقع بقرقر "، لأن الدواب تنجله بأرجلها. وتنبته: نماه وغذاه، ولم أجد تفسير هذه الكلمة إلا في شرح الشنتمرى للبيت الذى أنشده سيبويه في (1: 368)، وهو: إلا كناشرة الذى كلفتم * كالغصن في غلوائه المتنبت وفي ح: " تضمنه القرقر ". (4) اشرأب: ارتفع وعلا. وفى الأصل: " أشدب " تحريف. (5) في الأصل: " قد علمت الخود " ولا يستقيم بها الوزن. ولم ترد المقطوعة في مظنها من ح. (*)

[ 398 ]

فادن فإنى كاشف عن حالى * تفدى عليا مهجتي ومالى * وأسرتي يتبعها عيالي * فضربه وسلب لواءه، فقال ابن حطان وهو شامت به: أهمام لا تذكر مدى الدهر فارسا * وعض على ما جئته بالأباهم سما لك يوما في العجاجة فارس * شديد القفيز ذو شجا وغماغم (1) فوليته لما سمعت نداءه * تقول له خذ يا عدى بن حاتم فأصبحت مسلوب اللواء مذبذبا * وأعظم بهذا من شتيمة شاتم ثم حمل خزيمة بن ثابت وهو يقول: قد مر يومان وهذا الثالث * هذا الذى يلهث فيه اللاهث هذا الذى يبحث فيه الباحث * كم ذا يرجى أن يعيش الماكث الناس موروث ومنهم وارث * هذا على من عصاه ناكث فقتل. ثم خرج خالد بن خالد الأنصاري وهو يقول: هذا على والهدى أمامه * هذا لوا نبينا قدامه يقحمه في بقعة إقدامه * لا جبنه نخشى ولا أثامه * منه غداه وبه إدامه * فطعن ساعة ثم رجع. ثم حمل جندب بن زهير وهو يقول: هذا على والهدى حقا معه * يا رب فاحفظه ولا تضيعه فإنه يخشاك ربى فارفعه * نحن نصرناه على من نازعه صهر النبي المصطفى قد طاوعه * أول من بايعه وتابعه


(1) القفيز، كذا في الأصل، ولعلها: " القصيرى " وهى أسفل الأضلاع. وأنشد في اللسان: لا تعدلينى بظرب جعد * كز القصيرى مقرف المعد (*)

[ 399 ]

وأقبل الأشتر يضرب بسيفه وهو يقول: أضربهم ولا أرى معاويه * الأخزر العين العظيم الحاوية هوت به في النار أم هاويه * جاوره فيها كلاب عاويه أغوى طغاما لا هدته هاديه قال: وذكروا أن عمرو بن العاص لما رأى الشر استقبل، فقال له معاوية: ائت ببنى أبيك فقاتل بهم، فإنه إن يك عند أحد خير فعندهم. فأتى جماعة أهل اليمن فقال: أنتم اليوم الناس وغدا لكم الشان، هذا يوم له ما بعده من الأمر، حملوا معى على هذا الجمع. قالوا: نعم. فحملوا وحمل عمرو وهو يقول: أكرم بجمع طيب يمان * جدوا تكونوا أولياء عثمان إنى أتانى خبر فأشجان (1) * أن عليا قتل ابن عفان (2) خليفة الله على تبيان * ردوا علينا شيخنا كما كان (3) فرد على عمرو: أبت شيوخ مذحج وهمدان * بأن نرد نعثلا كما كان خلقا جديدا مثل خلق الرحمن (4) فقال عمرو بن الحمق: دعوني والرجل، فإن القوم قومي. فقال ابن بديل: دع الجمع يلقى بعضهم بعضا. فأبى عليه، وحمل وهو يقول:


(1) في الأصل: " فجان " صوابه مما سبق ص 228. (2) في الأصل: " نال من عفان " صوابه مما سبق ص 228. (3) في الأصل: " مكاني " صوابه مما سبق ص 228. (4) في الأصل: " بعد خلق الرحمن " صوابه مما سبق ص 228. (*)

[ 400 ]

بؤسا لجند ضائع يمان * مستوسقين كاتساق الضان (1) تهوى إلى راع لها وسنان * أقحمها عمرو إلى الهوان يا ليت كفى عدمت بنانى * وأنكم بالشحر من عمان مثل الذى أفناكم أبكاني ثم طعن في صدره فقتله، وولت الخيل، وزال (2) القوم عن مراكزهم. ثم إن حوشبا ذا ظليم، وهو يومئذ سيد أهل اليمن، أقبل في جمعه وصاحب لوائه يقول: نحن اليمانون ومنا حوشب * أذا ظليم أين منا المهرب (3) فينا الصفيح والقنا المعلب (4) * والخيل أمثال الوشيج شزب (5) إن العراق حبلها مذبذب * إن عليا فيكم محبب في قتل عثمان وكل مذنب فحمل عليه سليمان (6) بن صرد الخزاعى وهو يقول: يالك يوما كاسفا عصبصبا (7) * يالك يوما لا يوارى كوكبا (8) يأيها الحى الذى تذبذبا * لسنا نخاف ذا ظليم حوشبا


(1) الاستيساق والاتساق: الاجتماع. وفي اللسان (12: 260): " واتسقت الإبل واستوسقت: اجتمعت ". (2) في الأصل: " وأزال ". (3) أي يا ذا ظليم. وفي الأصل: " أنا ظليم " تحريف. (4) علب السيف والسكين والرمح، فهو معلوب، وعلبه تعليبا: حزم مقبضه بعلباء البعير، والعلباء، بالكسر: عصب العنق. وفي الأصل: " مغلب " بالغين المعجمة، تحريف. (5) الوشيج: الرماح. شزب: ضوامر، جمع شازب. وفي الأصل: " شذب " بالذال، تحريف. (6) في الأصل: " سليم "، تحريف. (7) الكاسف: العبوس. وفي الأصل: " كاشفا " تحريف. (8) كأن نجومه ظاهرة لشدة ظلامه واحتجاب شمسه، لما ثار من الغبار. (*)

[ 401 ]

لأن فينا بطلا مجربا * ابن بديل كالهزبر مغضبا أمسى على عندنا محببا * نفديه بالأم ولا نبقى أبا فطعنه وقتله، واستدار القوم، وقتل حوشب وابن بديل، وصبر بعضهم لبعض، وفرح أهل الشام بمقتل هاشم. وقال جريش السكوني مع على: معاوى ما أفلت إلا بجرعة من الموت رعبا تحسب الشمس كوكبا نجوت وقد أدميت بالسوط بطنه أزوما على فأس اللجام مشذبا (1) فلا تكفرنه واعلمن أن مثلها إلى جنبها ما دارك الجرى أو كبا (2) فإن تفخروا بابنى بديل وهاشم فنحن قتلنا ذا الكلاع وحوشبا وإنهما ممن قتلتم على الهدى ثواء فكفوا القول ننسى التحوبا (3) فلما رأينا الأمر قد جد جده * وقد كان مما يترك الطفل أشيبا صبرنا لهم تحت العجاج سيوفنا * وكان خلاف الصبر جدعا موعبا فلم نلف فيها خاشعين أذلة * ولم يك فيها حبلنا متذبذبا


(1) الأزوم: الشديد العض. وفي اللسان: " وأزم الفرس على فاس اللجام: قبض ". وفي الأصل: " لزوما " تحريف. والمشذب: الفرس الطويل ليس بكثير اللحم. (2) دارك الجرى: تابعه. وفي الأصل: " مالا بك الجرى ". (3) الثواء: الإقامة. والتحوب: التغيظ والتوجع. (*)

[ 402 ]

كسرنا القنا حتى إذا ذهب القنا * صبرنا وفللنا الصفيح المجربا (1) فلم نر في الجمعين صادف خده * ولا ثانيا من رهبة الموت منكبا (2) ولم نر إلا قحف رأس وهامة * وساقا طنونا أو ذراعا مخضبا (3) واختلط أمرهم حتى ترك أهل الرايات مراكزهم، وأقحم أهل الشام من آخر النهار، وتفرق الناس عن على، فأتى ربيعة [ ليلا فكان (4) فيهم، وأقبل عدي ابن حاتم يطلب عليا في موضعه الذى تركه فيه فلم يجده، فطاف يطلبه ]، فأصابه في مصاف ربيعة فقال: " يا أمير المؤمنين: أما إذ كنت حيا فالأمر أمم (5)، ما مشيت إليك إلا على قتيل، وما أبقت هذه الوقعة لنا ولهم عميدا، فقاتل حتى يفتح الله عليك، فإن في القوم بقية بعد ". وأقبل الأشعث يلهث جزعا، فلما رأى عليا هلل وكبر وقال: يا أمير المؤمنين خيل كخيل، ورجال كرجال، ولنا الفضل [ عليهم ] إلى ساعتنا هذه، فعد إلى مقامك الذى كنت [ فيه ]، فإن الناس إنما يظنونك حيث تركوك ". وأرسل سعيد بن قيس [ الهمداني إلى على عليه السلام ]: " إنا مشتغلون (6) بأمرنا [ مع القوم ] وفينا فضل، فإن أردت أن نمد أحدا أمددناه ". وأقبل على على ربيعة فقال: " أنتم درعى ورمحي " - [ قال: فربيعة تفخر بهذا الكلام إلى اليوم ] - فقال عدى بن حاتم: " يا أمير المؤمنين، إن قوما أنست [ بهم ] وكنت فيهم في هذه الجولة، لعظيم حقهم علينا.


(1) الصفيح، عنى به السيوف. والمجرب، لعلها " المحرب " وهو المحدد المذرب. (2) صدف خده: أعرض به. وفي الأصل: " صارف حده ". (3) الطنون: التى أطنها الضارب، أي أسرع قطعها فطنت. وهذا الوصف لم تذكره المعاجم. وفي الأصل: " ظنونا " ووجهه ضعيف. (4) في الأصل: " وكان ". (5) أمم، أي قريب. وفي ح (2: 286): " أهم " تحريف. (6) في الأصل: " مستقبلون) وأثبت ما في ح. (*)

[ 403 ]

والله إنهم لصبر عند الموت، أشداء عند القتال ". وركب علي عليه السلام فرسه الذى كان لرسول الله، وكان يقال له " المرتجز "، [ فركبه ] ثم تقدم (1) [ أمام الصفوف ثم قال: بل البغلة بل البغلة. فقدمت له ] بغلة رسول الله صلى الله عليه " الشهباء "، فركبها ثم تعصب بعمامة رسول الله السوداء ثم نادى: أيها الناس، من يشر نفسه لله يربح. هذا يوم له ما بعده. إن عدوكم قد مسه القرح كما مسكم (2)). فانتدب له ما بين عشرة آلاف (3) إلى اثنى عشر ألفا [ قد ] وضعوا سيوفهم على عواتقهم، وتقدمهم على منقطعا على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: دبوا دبيب النمل لا تقوتوا * وأصبحوا بحربكم (4) وبيتوا حتى تنالوا الثأر أو تموتوا * أولا فإنى طالما عصيت قد قلتم لو جئتنا، فجيت * ليس لكم ما شئتم وشيت بل ما يريد المحيى المميت وتبعه ابن عدى بن حاتم بلوائه وهو يقول: أبعد عمار وبعد هاشم * وابن بديل فارس الملاحم نرجو البقاء مثل حكم الحالم * وقد عضضنا أمس بالأباهم فاليوم لا نقرع سن نادم * ليس امرؤ من يومه (5) بسالم


(1) في الأصل: " ثم قدم على " صوابه من ح. (2) القرح، بالضم: ألم الجراح، وبالفتح: الجراح بأعيانها. وبهما قرئ قوله تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله). انظر اللسان (3: 392). (3) في الأصل: " بين العشرة الآف " صوابه من ح. (4) ح: " حربكم ". (5) ح: " من حتفه ". (*)

[ 404 ]

وتقدم الأشتر وهو يقول: حرب بأسباب الردى تأجج * يهلك فيها البطل المدجج يكفيكها همدانها ومذحج * قوم إذا ما أحمشوها أنضجوا (1) روحوا إلى الله ولا تعرجوا * دين قويم وسبيل منهج وحمل الناس حملة واحدة فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض، وأهمدوا ما أتوا عليه (2) حتى أفضى الأمر إلى مضرب معاوية (3)، وعلى يضربهم بسيفه ويقول: أضربهم ولا أرى معاويه * الأخزر العين العظيم الحاويه * هوت به في النار أم هاويه * فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه، فلما وضع رجله في الركاب تمثل بأبيات عمرو بن الإطنابة (4): أبت لى عفتى وأبى بلائى * وأخذى الحمد بالثمن الربيح وإجشامي (5) على المكروه نفسي * وضربي هامة البطل المشيح وقولى كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدى أو تستريحي لأدفع عن مآثر صالحات * وأحمى بعد عن عرض صحيح بذى شطب كلون الملح صاف * ونفس ما تقر على القبيح وقال: " يا ابن العاص، اليوم صبر، وغدا فخر ". صدقت، إنا وما نحن


(1) في الأصل: " انقبجوا ". والمقطوعة لم ترد في مظنها من ح. (2) ح (2: 286): " وأهمد أهل العراق ما أتوا عليه ". (3) المضرب، بكسر الميم: فسطاط الملك. (4) سبق إنشاد الأبيات في ص 395. (5) في الأصل: " وإعظامى على المكروه " وانظر ما سبق في ص 395. (*)

[ 405 ]

فيه كما قال ابن أبى الأقلح (1): ما علنى وأنا رام نابل (2) * والقوس فيها وتر عنابل (3) تزل عن صفحتها المعابل (4) * الموت حق والحياة باطل فثثى معاوية رجله من الركاب ونزل واستصرخ بعك والأشعريين، فوقفوا دونه (5) وجالدوا عنه، حتى كره كل من الفريقين صاحبه وتحاجز الناس. قال الشنى في ذلك: أتانا أمير المؤمنين فحسبنا * على الناس طرا أجمعين بها فضلا على حين أن زلت بنا النعل زلة * ولم تترك الحرب العوان لنا فحلا وقد أكلت منا ومنهم فوارسا * كما تأكل النيران ذا الحطب الجزلا وكنا له في ذلك اليوم جنة * وكنا له من دون أنفسنا نعلا فأثنى ثناء لم ير الناس مثله * على قومنا طرا وكنا له أهلا ورغبه فينا عدى بن حاتم * بأمر جميل صدق القول والفعلا فإن يك أهل الشام أودوا بهاشم * وأودوا بعمار وأبقوا لنا ثكلا


(1) ح (2: 287): " كقول القائل ". وفي الأصل: " ابن الأفلح " وهو نقص وتحريف. وابن أبى الأقلح، بالقاف، كما في الإصابة 4340 والقاموس " قلح ". وهو عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح قيس بن عصمة الأنصاري. وهو صحابي جليل، وكان المشركون قد أرادوه بأذى، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته منهم، وسمى لذلك: " حمى الدبر ". (2) في اللسان " عنبل ": " وأنا طب خاتل ". (3) الوتر العنابل، بضم العين: الغليظ الصلب المتين. (4) المعابل: جمع معبلة، وهى النصل الطويل العريض. وفي اللسان: " صفحته " أي صفحة الوتر. لكن في اللسان (13: 448 ص 11): " عن صفحتي "، وإخال هذه محرفة. (5) في الأصل: " فرفعوا دونه " وأثبت ما في ح (2: 287). (*)

[ 406 ]

وبابنى بديل فارسي كل بهمة * وغيث خزاعي به ندفع المحلا (1) فهذا عبيد الله والمرء حوشب * وذو كلع أمسوا بساحتهم قتلى ثم إن معاوية لما أسرع أهل العراق في أهل الشام قال: " هذا يوم تمحيص. إن القوم قد أسرع فيهم كما أسرع فيكم. اصبروا يومكم هذا وخلاكم ذم ". وحضض على أصحابه، فقام إليه الأصبغ بن نباتة التميمي فقال: يا أمير المؤمنين إنك جعلتني على شرطة الخميس، وقدمتني في الثقة دون الناس، وإنك اليوم لا تفقد لى صبرا ولا نصرا. وأما أهل الشام فقد هدهم ما أصبنا منهم، ونحن ففينا (2) بعض البقية، فاطلب بنا أمرك وأذن لى في التقدم. فقال له على: " تقدم باسم الله ". وأقبل الأحنف بن قيس السعدى فقال: يا أهل العراق، والله لا تصيبون هذا الأمر أذل عنقا منه اليوم، قد كشف القوم عنكم قناع الحياء وما يقاتلون على دين، وما يصبرون إلا حياء (3)، فتقدموا. فقالوا: إنا إن تقدمنا اليوم فقد تقدمنا أمس فما تقول يا أمير المؤمنين ؟ قال: " تقدموا في موضع التقدم، وتأخروا في موضع التأخر. تقدموا من قبل أن يتقدموا إليكم ". وحمل أهل العراق وتلقاهم أهل الشام فاجتلدوا، وحمل عمرو بن العاص معلما وهو يقول: شدوا على شكتى لا تنكشف * بعد طليح والزبير فأتلف يوم لهمدان ويوم للصدف (4) * وفي تميم نخوة لا تنحرف


(1) يقال فلان فارس بهمة، كما يقال ليث غابة، والبهمة، بالضم: الجيش. (2) في الأصل: " نفينا ". (3) لعلها: " إلا حبا في الدنيا ". (4) الصدف، بكسر الدال: لقب عمرو بن مالك بن أشرس بن عفير بن عدى بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، انظر نهاية الأرب (2: 304 ثم 303). والنسبة إليه " صدفى " بالتحريك. (*)

[ 407 ]

أضربها بالسيف حتى تنصرف * إذا مشيت مشية العود الصلف ومثلها لحمير، أو تنحرف * والربعيون لهم يوم عصف (1) فاعترضه على وهو يقول: قد علمت ذات القرون الميل * والخصر والأنامل الطفول (2) إنى بنصل السيف خنشليل (3) * أحمى وأرمى أول الرعيل بصارم ليس بذى فلول ثم طعنه فصرعه واتقاه عمرو برجله، فبدت عورته، فصرف علي وجهه عنه وارتث، فقال القوم: أفلت الرجل يا أمير المؤمنين. قال: وهل تدرون من هو ؟ قالوا: لا قال: فإنه عمرو بن العاص تلقاني بعورته فصرفت وجهى عنه. ورجع عمرو إلى معاوية فقال له: ما صنعت يا عمرو ؟ قال: لقيني على فصرعني. قال: احمد الله وعورتك، أما والله أن لو عرفته ما أقحمت عليه. وقال معاوية في ذلك: ألا لله من هفوات عمرو * يعاتبني على تركي برازى فقد لاقى أبا حسن عليا * فآب الوائلي مآب خازى فلو لم يبد عورته للاقى * به ليثا يذلل كل نازى له كف كأن براحتيها * منايا القوم يخطف خطف بازى


(1) المقطوعة لم ترد في مظنها من ح. (2) الطفول: جمع طفل. بالفتح، وهو الرخص الناعم، قال ابن هرمة: متى ما يغفل الواشون تومئ * بأطراف منعمة طفول (3) في البيت إقواء، وأنشد في اللسان بدون نسبة: قد علمت جارية عطبول * أنى بنصل السيف خنشليل والخشليل: الجيد الضرب بالسيف، ومثله الخنشل. (*)

[ 408 ]

فإن تكن المنايا أخطأته * فقد غنى بها أهل الحجاز فغضب عمرو وقال: ما أشد تغبيطك عليا في أمرى هذا (1)، هل هو إلا رجل لقيه ابن عمه فصرعه، أفترى السماء قاطرة لذلك دما ؟ ! قال: ولكنها معقبة لك خزيا (2). قال: وتقدم جندب بن زهير برايته وراية قومه وهو يقول: والله لا أنتهى حتى أخضبها ! فخضبها مرارا إذ اعترضه رجل من أهل الشام فطعنه، فمشى إلى صاحبه في الرمح حتى ضربه بالسيف فقتله. ثم إن معاوية دعا أخاه عتبة بن أبى سفيان فقال: الق الأشعث بن قيس، فإنه إن رضى رضيت العامة. وكان عتبة لا يطاق لسانه (3). فخرج عتبة فنادى الأشعث بن قيس، فقال الناس: يا أبا محمد، هذا الرجل يدعوك. فقال الأشعث: كما يكون الرجل فسلوه من هو. فقال: أنا عتبة بن أبى سفيان. فقال الأشعث بن قيس: غلام مترف ولا بد من لقائه. [ فخرج إليه ] فقال: ما عندك يا عتبة ؟ فقال: أيها الرجل، إن معاوية لو كان لاقيا رجلا غير على للقيك، إنك رأس أهل العراق، وسيد أهل اليمن، وقد سلف من عثمان إليك ما سلف من الصهر والعمل، ولست كأصحابك. أما الأشتر فقتل عثمان، وأما عدى فحرض عليه، وأما سعيد فقلد عليا ديته (4)، وأما شريح وزحر ابن قيس فلا يعرفان غير الهوى، وإنك حاميت عن أهل العراق تكرما، ثم حاربت أهل الشام حمية، وقد بلغنا والله منك وبلغت منا ما أردت،


(1) التغبيط، هو كما ورد في الحديث " أنه جاء وهم يصلون في جماعة فجعل يغبطهم ". قال ابن الأثير: " هكذا روى بالتشديد، أي يحملهم على الغبط ويجعل هذا الفعل عندهم مما يغبط عليه ". وفي الأصل: " تعظيمك عليا في كسرى هذا " وأثبت ما في ح. (2) في الأصل: " تعقبك جبنا " وأثبت ما في ح. (3) ح: " وكان عتبة فصيحا ". (4) في الأصل: " دينه " والوجه ما أثبت من ح. (*)

[ 409 ]

وإنا لا ندعوك إلى ترك على ونصر معاوية، ولكنا ندعوك إلى البقية (1) التى فيها صلاحك وصلاحنا. فتكلم الأشعث فقال: يا عتبة، أما قولك إن معاوية لا يلقى إلا عليا فإن لقيني والله لما عظم عنى ولا صغرت عنه، فإن أحب أن أجمع بينه وبين على فعلت. وأما قولك إنى رأس أهل العراق وسيد أهل اليمن فإن الرأس المتبع والسيد المطاع هو على بن أبى طالب عليه السلام. وأما ما سلف من عثمان إلى فوالله ما زادني صهره شرفا، ولا عمله عزا. وأما عيبك أصحابي فإن هذا لا يقربك منى ولا يباعدني عنهم. وأما محاماتي عن أهل العراق فمن نزل بيتا حماه. وأما البقية فلستم بأحوج إليها منا، وسنرى رأينا فيها إن شاء الله. فلما بلغ معاوية كلام الأشعث قال: " يا عتبة، لا تلقه بعدها، فإن الرجل عظيم عند نفسه، وإن كان قد جنح للسلم ". وشاع في أهل العراق ما قاله عتبة للأشعث وما رده الأشعث عليه: وقال النجاشي يمدحه: يا ابن قيس وحارث ويزيد * أنت والله رأس أهل العراق أنت والله حية تنفث السم قليل فيها غناء الراقي أنت كالشمس والرجال نجوم * لا يرى ضوؤها مع الإشراق قد حميت العراقى بالأسل السم‍ * ر وبالبيض كالبروق، الرقاق وأجبناك إذ دعوت إلى الشا * م على القب كالسحوق العتاق (2)


(1) البقية: الإبقاء. والعرب تقول للعدو إذا غلب: " البقية " أي أبقوا علينا ولا تستأصلونا. قال الأعشى: * قالوا البقية والخطى يأخذهم * (2) القب: الخيل الضامرة. والسحوق، بالفتح: النخلة الطويلة. (*)

[ 410 ]

وسعرت القتال في الشام بالبي‍ * ض المواضى وبالرماح الدقاق (1) لا نرى غير أذرع وأكف * ورؤوس بهامها، أفلاق (2) كلما قلت قد تصرمت الهي‍ * جاء سقيتهم بكأس دهاق (3) قد قضيت الذى عليك من الحق * وسارت به القلاص المناقى (4) وبقى حقك العظيم على النا * س وحق المليك صعب المراقى أنت حلو لمن تقرب بالود * وللشانئين مر المذاق لابس تاج جده وأبيه * لو وقاه ردى المنية واق (5) بئس ما ظنه ابن هند ومن مث‍ * لك للناس عند ضيق الخناق قال: وإن معاوية لما يئس من جهة الأشعث قال لعمرو بن العاص: إن رأس الناس بعد على هو عبد الله بن عباس، فلو ألقيت إليك كتابا لعلك ترققه به (6)، فإنه إن قال شيئا لم يخرج على منه، وقد أكلتنا الحرب ولا أرانا نصل [ إلى ] العراق إلا بهلاك أهل الشام. قال له عمرو: إن ابن عباس لا يخدع، ولو طمعت فيه [ ل‍ ] طمعت في على. فقال معاوية: على ذلك، فاكتب إليه. فكتب إليه عمرو: " أما بعد فإن الذى نحن وأنتم فيه ليس بأول أمر (7)


(1) في الأصل: وأدرنا كأس المنية في الفت‍ * نة بالضرب والطعان الدقاق وقد أشير في هامش الأصل إلى هذه الرواية التى أثبتها من ح. (2) أفلاق: جمع فلق، بالكسر، وهو المفلوق. (3) كذا في ح وهامش الأصل عن نسخة. وفي الأصل: كلما قلت قد تصرمت الحر * ب سقانا ردى المنية ساق (4) المناقى: جمع منقية، كمحسنة، وهى الناقة ذات الشحم. (5) في الأصل: " لدى المنية ". (6) في الأصل: " ترفقه به " وأثبت وجهه من ح (2: 288). (7) في الأصل. " ليس بأمر " وأثبت ما في ح. (*)

[ 411 ]

قاده البلاء، وساقته العافية (1)، وأنت رأس هذا الجمع (2) بعد على، فانظر فيما بقى ودع ما مضى، فوالله ما أبقت هذه الحرب لنا ولكم حياة (3) ولا صبرا. واعلموا أن الشام لا تملك إلا بهلاك العراق، وأن العراق لا تملك إلا بهلاك الشام، وما خيرنا بعد هلاك أعدادنا منكم، وما خيركم بعد هلاك أعدادكم منا. ولسنا نقول ليت الحرب غارت (4)، ولكنا نقول ليتها لم تكن، وإن فينا من يكره القتال كما أن فيكم من يكرهه، وإنما هو أمير مطاع أو مأمور مطيع، أو مؤتمن مشاور، وهو أنت. وأما الأشتر الغليظ الطبع، القاسي [ القلب ]، فليس بأهل أن يدعى في الشورى ولا في خواص أهل النجوى ". وكتب في أسفل الكتاب: طال البلاء وما يرجى له آس بعد الإله سوى رفق ابن عباس قولا له قول من يرضى بحظوته (5) لا تنس حظك إن الخاسر الناسي يا ابن الذى زمزم سقيا الحجيج له أعظم بذلك من فخر على الناس كل لصاحبه قرن يساوره أسد العرين أسود بين أخياس (6)


(1) هذه الجملة ليست في ح. (2) في الأصل: " أهل الجمع " وأثبت ما في ح. (3) في الأصل: " حياء ". (4) في الأصل وح: " عادت ". (5) ح: " قول من يرجو مودته ". (6) يساوره: يواثبه. وفي الأصل: " يشاوره " تحريف. والبيت لم يرو في ح. والأخياس: جمع خيس، بالكسر، وهو الشجر الكثير الملتف. (*)

[ 412 ]

لو قيس بينهم في العرب لا عتدلوا العجز بالعجز ثم الراس بالراس انظر فدى لك نفسي قبل قاصمة للظهر ليس لها راق ولا آسى إن العراق وأهل الشام لن يجدوا طعم الحياة مع المستغلق القاسي بسر وأصحاب بسر والذين هم داء العراق رجال أهل وسواس قوم عراة من الخيرات كلهم فما يساوى به أصحابه كاسى إنى أرى الخير في سلم الشآم لكم والله يعلم، ما بالسلم من باس فيها التقى وأمور ليس يجهلها إلا الجهول وما النوكى كأكياس قال: فلما فرغ من شعره عرضه على معاوية فقال معاوية: " لا أرى كتابك على رقة شعرك ". فلما قرأ ابن عباس الكتاب أتى به عليا فأقرأه شعره فضحك وقال: " قاتل الله ابن العاص، ما أغراه بك يا ابن العباس، أجبه وليرد عليه شعره الفضل بن العباس، فإنه شاعر ". فكتب ابن عباس إلى عمرو: " أما بعد فإنى لا أعلم رجلا من العرب أقل حياء منك، إنه مال بك معاوية إلى الهوى، وبعته دينك بالثمن اليسير، ثم خبطت بالناس في عشوة

[ 413 ]

طمعا في الملك (1)، فلما لم تر شيئا أعظمت الدنيا إعظام أهل الذنوب)، وأظهرت فيها نزاهة أهل الورع (3)، فإن كنت ترضى الله بذلك فدع مصر وارجع إلى بيتك وهذه الحرب ليس فيها معاوية كعلى، ابتدأها على بالحق وانتهى فيها إلى العذر، وبدأها معاوية بالبغى وانتهى فيها إلى السرف، وليس أهل العراق فيها كأهل الشام، بايع أهل العراق عليا وهو خير منهم، وبايع معاوية أهل الشام وهم خير منه. ولست أنا وأنت فيها بسواء، أردت الله وأردت أنت مصر. وقد عرفت الشئ الذى باعدك منى، ولا أرى (4) الشئ الذى قربك من معاوية. فإن ترد شرا لا نسبقك به، وإن ترد خيرا لا تسبقنا إليه. [ والسلام ] ". ثم دعا [ أخاه ] الفضل بن العباس فقال له: يا ابن أم، أجب عمرا. فقال الفضل: يا عمرو حسبك من خدع ووسواس * فاذهب فليس لداء الجهل من آسى إلا تواتر طعن في نحوركم * يشجى النفوس ويشفى نخوة الراس هذا الدواء الذى يشفى جماعتكم * حتى تطيعوا عليا وابن عباس أما على فإن الله فضله * بفضل ذى شرف عال على الناس إن تعقلوا الحرب نعقلها مخيسة * أو تبعثوها فإنا غير أنكاس قد كان منا ومنكم في عجاجتها * ما لا يرد وكل عرضة الباس قتلى العراق بقتلى الشام ذاهبة * هذا بهذا وما بالحق من باس


(1) ح (1: 288): " في الدنيا ". (2) بدل هذه العبارة في ح: " فاعظمتها إعظام أهل الذنيا ". (3) النزاهة: التباعد عن السوء كالتنزه. وفي الأصل: " النزهة ". وفي ح: " ثم تزعم أنك تتنزه عنها تنزه أهل الورع ". (4) ح: " ولا أعرف ". (*)

[ 414 ]

لا بارك الله في مصر لقد جلبت * شرا وحظك منها حسوة الكاس يا عمرو إنك عار من مغارمها * والراقصات ومن يوم الجزا كاسى ثم عرض الشعر والكتاب على على فقال: " لا أراه يجيبك بشئ بعدها إن كان يعقل، ولعله يعود فتعود عليه ". فلما انتهى الكتاب إلى عمرو أتى به معاوية فقال: " أنت دعوتني إلى هذا، ما كان أغناني وإياك عن بنى عبد المطلب ". فقال: " إن قلب ابن عباس وقلب على قلب واحد، كلاهما ولد عبد المطلب، وإن كان قد خشن فلقد لان، وإن كان قد تعظم أو عظم صاحبه فلقد قارب وجنح إلى السلم ". وإن معاوية كان يكاتب ابن عباس وكان يجيبه بقول لين، وذلك قبل أن يعظم الحرب، فلما قتل أهل الشام قال معاوية: " إن ابن عباس رجل من قريش، وأنا كاتب إليه في عداوة بنى هاشم لنا، وأخوفه عواقب هذه الحرب لعله يكف عنا ". فكتب إليه: " أما بعد فإنكم يا معشر بنى هاشم لستم إلى أحد أسرع بالمساءة منكم إلى أنصار عثمان بن عفان، حتى إنكم قتلتم طلحة والزبير لطلبهما دمه، واستعظامهما ما نيل منه، فإن يكن ذلك لسلطان بنى أمية فقد وليها عدى وتيم، [ فلم تنافسوهم ] وأظهرتم لهم الطاعة. وقد وقع من الأمر ما قد ترى، وأكلت هذه الحروب بعضها من بعض حتى استوينا فيها، فما أطمعكم فينا أطمعنا فيكم، وما آيسكم منا آيسنا منكم. وقد رجونا غير الذى كان، وخشينا دون ما وقع، ولستم بملاقينا اليوم بأحد من حد أمس، ولا غدا بأحد من حد اليوم، وقد قنعنا بما كان في أيدينا من ملك الشام فاقنعوا بما في أيديكم من ملك العراق، وأبقوا على قريش، فإنما بقى من رجالها ستة، رجلان بالشام، ورجلان بالعراق، ورجلان بالحجاز. فأما اللذان بالشام فأنا وعمرو، وأما اللذان بالعراق فأنت وعلى، وأما اللذان بالحجاز فسعد وابن عمر، واثنان من الستة ناصبان لك،

[ 415 ]

واثنان واقفان [ فيك ]، وأنت رأس هذا الجمع اليوم. ولو بايع لك الناس بعد عثمان كنا إليك أسرع منا إلى على " في كلام كثير كتب إليه. فلما انتهى الكتاب إلى ابن عباس أسخطه ثم قال: حتى متى يخطب [ ابن هند ] إلى عقلي، وحتى متى أجمجم على ما في نفسي ؟ ! فكتب إليه: " أما بعد [ فقد أتانى كتابك وقرأته ]، فأما ما ذكرت من سرعتنا [ إليك ] بالمساءة في أنصار ابن عفان، وكراهيتنا لسلطان بنى أمية، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك حين استنصرك فلم تنصره، حتى صرت إلى ما صرت إليه، وبيني وبينك في ذلك ابن عمك وأخو عثمان الوليد بن عقبة (1). وأما طلحة والزبير [ فإنهما أجلبا عليه، وضيقا خناقه، ثم خرجا ] ينقضان البيعة ويطلبان الملك (2)، فقاتلناهما على النكث وقاتلناك على البغى. وأما قولك إنه لم يبق من قريش غير ستة، فما أكثر رجالها وأحسن بقيتها، [ و ] قد قاتلك من خيارها من قاتلك، لم يخذلنا إلا من خذلك. وأما إغراؤك إيانا بعدى وتيم فأبو بكر وعمر خير من عثمان، كما أن عثمان خير منك: وقد بقى لك منا يوم ينسيك (3) ما قبله ويخاف ما بعده (4). وأما قولك إنه لو بايع الناس لى لاستقامت لى (5)، فقد بايع الناس عليا وهو خير منى فلم يستقيموا له. وإنما الخلافة لمن كانت له في المشورة. وما أنت يا معاوية والخلافة وأنت طليق وابن طليق، [ والخلافة للمهاجرين الأولين، وليس الطلقاء منها في شئ. والسلام ] ".


(1) هو أخوه لأمه كما سبق في حواشى 247. (2) في الأصل: " فنقضا البيعة وطلبا الملك " وأثبت ما في ح. (3) ح (2: 289): " ما ينسيك ". (4) ح: " وتخاف ما بعده ". (5) بدلها في ح: " لاستقاموا ". (*)

[ 416 ]

فلما انتهى الكتاب إلى معاوية قال: هذا عملي بنفسى. لا والله لا أكتب إليه كتابا سنة [ كاملة ]. وقال معاوية في ذلك: دعوت ابن عباس إلى حد خطة * وكان امرأ أهدى إليه رسائلي فأخلف ظنى والحوادث جمة * ولم يك فيما قال منى بواصل وما كان فيما جاء ما يستحقه * وما زاد أن أغلى عليه مراجلي فقل لابن عباس تراك مفرقا * بقولك من حولي وأنك آكلى وقل لابن عباس تراك مخوفا * بجهلك حلمي إننى غير غافل فأبرق وأرعد ما استطعت فإننى * إليك بما يشجيك سبط الأنامل فلما قرأ ابن عباس الشعر قال: " لن أشتمك بعدها ". وقال الفضل بن عباس: ألا يا ابن هند إننى غير غافل * وإنك ما تسعى له غير نائل لأن الذى اجتبت إلى الحرب نابها * عليك وألقت بركها بالكلا كل (1) فأصبح أهل الشام ضربين خيرة * وفقعة قاع أو شحيمة آكل (2) وأيقنت أنا أهل حق وإنما * دعوت لأمر كان أبطل باطل دعوت ابن عباس إلى السلم خدعة * وليس لها حتى تدين بقابل فلا سلم حتى تشجر الخليل بالقنا * وتضرب هامات الرجال الأماثل وآليت: لا أهدى إليه رسالة * إلى أن يحول الحول من رأس قابل أردت به قطع الجواب وإنما * رماك فلم يخطئ بنات المقاتل وقلت له لو بايعوك تبعتهم * فهذا على خير حاف وناعل وصى رسول الله من دون أهله * وفارسه إن قيل هل من منازل.


(1) كذا ورد صدر هذا البيت. والمقطوعة لم تزد في مظنها من ح. (2) انظر ص 367. (*)

[ 417 ]

فدونكه إن كنت تبغى مهاجرا * أشم كنصل السيف عير حلاحل (1) فعرض شعره على على فقال: " أنت أشعر قريش ". فضرب بها الناس إلى معاوية. وذكروا أنه اجتمع عند معاوية تلك الليلة عتبة بن أبى سفيان والوليد ابن عقبة، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن عامر، وابن طلحة الطلحات، فقال عتبة: إن أمرنا وأمر على لعجب، ليس منا إلا موتور محاج. أما أنا فقتل جدى، واشترك في دم عمومتي يوم بدر. وأما أنت يا وليد فقتل أباك يوم الجمل، وأيتم إخوتك. وأما أنت يا مروان فكما قال الأول (2): وأفلتهن علباء جريضا * ولو أدركنه صفر الوطاب (3) قال معاوية: هذا الإقرار فأين الغير (4) ؟ قال مروان: أي غير تريد ؟ قال: أريد أن يشجر بالرماح. فقال: والله إنك لهازل، ولقد ثقلنا عليك. فقال الوليد بن عقبة في ذلك: يقول لنا معاوية بن حرب * أما فيكم لواتركم طلوب يشد على أبى حسن على * بأسمر لا تهجنه الكعوب فيهتك مجمع اللبات منه * ونقع القوم مطرد يثوب فقلت له أتلعب يا ابن هند * كأنك وسطنا رجل غريب أتأمرنا بحية بطن واد * إذا نهشت فليس لها طبيب


(1) عير القوم: سيدهم. والحلاحل، بفتح أوله: جمع الحلاحل بضمه، وهو السيد في عشيرته، الشجاع، الركين في مجلسه. وفي الأصل: " بنعل السيف غير حلاحل " تحريف. (2) هو امرؤ القيس، من أبيات له في ديوانه ص 160. (3) علباء هذا هو قاتل والد امرئ القيس، وهو علباء بن حارث الكاهلى. والجريض: الذى يأخذ بريقه. صفر وطابه: قتل. (4) الغير: جمع غيور، والغيرة: الحمية والأنفة. (*)

[ 418 ]

وما ضبع يدب ببطن واد * أتيح له به أسد مهيب بأضعف حيلة منا إذا ما * لقيناه وذا منا عجيب دعا للقاه في الهيجاء لاق * فأخطأ نفسه الأجل القريب سوى عمرو وقته خصيتاه * نجا ولقلبه منها وجيب كأن القوم لما عاينوه * خلال النقع ليس لهم قلوب لعمر أبى معاوية بن حرب * وما ظنى بملقحة العيوب (1) لقد ناداه في الهيجا على * فأسمعه ولكن لا يجيب فغضب عمرو وقال: إن كان الوليد صادقا فليلق عليا، أو ليقف حيث يسمع صوته. وقال عمرو: يذكرنى الوليد دعا علي * وبطن المرء يملؤه الوعيد متى يذكر مشاهده قريش * يطر من خوفه القلب الشديد فأما في اللقاء فأين منه * معاوية بن حرب والوليد وعيرني الوليد لقاء ليث * إذا ما زار هابته الأسود (2) لقيت ولست أجهله عليا * وقد بلت من العلق الكبود فأطعنه ويطعنني خلاسا * وماذا بعد طعنته أريد فرمها منه يابن أبى معيط * وأنت الفارس البطل النجيد فإقسم لو سمعت ندا علي * لطار القلب وانتفخ الوريد ولو لاقيته شقت جيوب * عليك ولطمت فيك الخدود


(1) كذا ورد هذا العجز. (2) زار: زأر وصاح. (*)

[ 419 ]

آخر الجزء السادس ويتلوه في السابع: " ثم إنهم التقوا بصفين واقتتلوا أشد القتال حتى كادوا أن يتفانوا ": والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما يا إله العالمين آمين رب العالمين. وجدت في الجزء العاشر من نسخة عبد الوهاب بخطه: " سمع جميعه من الشيخ أبى الحسين المبارك بن عبد الجبار، الأجل السيد الأوحد الإمام قاضى القضاة أبو الحسن على بن محمد الدامغاني وابناه القاضيان [ أبو عبد الله محمد (1) ] وأبو الحسين أحمد، وأبو عبد الله محمد بن القاضى أبى الفتح بن البيضاوى، والشريف أبو الفضل محمد بن على بن أبى يعلى الحسينى، وأبو منصور محمد بن محمد بن [ قرمى، بقراءة (2) ] عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي. وذلك في شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة ".


(1) ليست في الأصل، وإكمالها مما سلف في نظائرها. (2) موضعها بياض في الأصل، وتكملتها مما مضى في أشباهها. (*)

[ 421 ]

الجزء السابع من كتاب صفين لنصر بن مزاحم رواية أبى محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبى الحسن على بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبى الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت رواية أبى يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبى الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى رواية الشيخ الحافظ أبى البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي سماع مظفر بن على بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم - غفر الله له

[ 423 ]

بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر قال: أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفى قال: أبو الحسن على بن محمد بن عقبة قال: أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز قال: أبو الفضل نصر بن مزاحم: ثم إنهم التقوا بصفين، واقتتلوا أشد القتال حتى كادوا أن يتفانوا، ثم إن عمرو بن العاص مر بالحارث بن نصر الجشمى وكان عدوا لعمرو، وكان عمرو قلما يجلس مجلسا إلا ذكر فيه الحرب (1). فقال الحارث في ذلك: ليس عمرو بتارك ذكره الحر * ب مدى الدهر أو يلاقى عليا واضع السيف فوق منكبه الأي‍ * من لا يحسب الفوارس شيا ليت عمرا يلقاه في حمس النق‍ * ع وقد صارت السيوف عصيا (1) حيث يدعو البراز حامية القو * م إذا كان بالبراز مليا


(1) في الأصل: " الحرث " أي الحارث. والشعر يقتضى ما أثبت. (2) في الأصل: " ليس عمرو " والوجه ما أثبت. والمقطوعة لم ترو في مظنها من ح. وحمس النقع: شدته. والنقع: الغبار. صارت عصيا، جعل المقاتلة يضربون بها ضرب العصى ويأخذونها أخذها. (*)

[ 424 ]

فوق شهب مثل السحوق من النخ‍ * ل ينادى المبارزين: إليا (1) ثم يا عمرو تستريح من الفخ‍ * ر وتلتقي به فتى هاشميا فالقه إن أردت مكرمة الده‍ * ر أو الموت كل ذاك عليا فلما سمع عمرو شعره قال: والله لو علمت أنى أموت ألف موتة لبارزت عليا في أول ما ألقاه، فلما بارزه طعنة على فصرعه، واتقاه عمرو بعورته، فانصرف على عنه. وقال على حين بدت له عورة عمرو فصرف وجهه عنه: ضربي ثبى الأبطال في المشاعب (2) * ضرب الغلام البطل الملاعب أين الضراب في العجاج الثائب * حين احمرار الحدق الثواقب بالسيف في تهتهة الكتائب (3) * والصبر فيه الحمد للعواقب ثم إن معاوية عقد لرجال من مضر، منهم بسر بن أرطاة، وعبيد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ومحمد وعتبة أبنا أبى سفيان، قصد بذلك إكرامهم ورفع منازلهم، وذلك في الوقعات الأولى من صفين، فغم ذلك رجالا من أهل اليمن، وأرادوا ألا يتأمر عليهم أحد إلا منهم، فقام رجل من كندة يقال له عبد الله بن الحارث السكوني، فقال: يا معاوية، إنى قلت شيئا فاسمعه، وضعه منى على النصيحة. فقال: هات. قال:


(1) السحوق من النخل: الطويلة، شبه بها الخيل. (2) الثبة: الجماعة، والعصبة من الفرسان، وثبى، هي ثبين جمع ثبة، مع الجمع الملحق بالسالم، كعزين وعضين، وحذفت النون للاضافة: وفي الأصل: " ضرب ثبا "، والوجه ما أثبت. (3) التهتهة: مصدر قولهم تهته في الشئ - بالبناء للمفعول: أي ردد فيه. وقد تكون: " نهنهة " بنونين، وهو الكف والزجر. (*)

[ 425 ]

معاوي أحييت فينا الإحن * وأحدثت في الشام ما لم يكن عقدت لبسر وأصحابه * وما الناس حولك إلا اليمن فلا تخلطن بنا غيرنا * كما شيب بالماء محض اللبن (1) وإلا فدعنا على مالنا * وإنا وإنا إذا لم نهن ستعلم إن جاش بحر العراق * وأبدى نواجذه في الفتن ونادى على وأصحابه (2) * ونفسك إذ ذاك عند الذقن بأنا شعارك دون الدثار * وأنا الرماح وأنا الجنن وأنا السيوف وأنا الحتوف * وأنا الدروع وأنا المجن فكبا له معاوية، ونظر إلى وجوه أهل اليمن فقال: أعن رضاكم قال هذا ما قال: فقال القوم: لا مرحبا بما قال: الأمر إليك فاصنع ما أحببت (3). قال معاوية: إنما خلطت بكم ثقاتي وثقاتكم (4)، ومن كان لى فهو لكم ومن كان لكم فهو لى. فرضى القوم وسكتوا، فلما بلغ أهل الكوفة مقالة عبد الله بن الحارث لمعاوية فيمن عقد له من رءوس أهل الشام قام [ الأعور ] الشنى إلى على فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لا نقول لك كما قال أصحاب أهل الشام لمعاوية، ولكنا نقول: زاد الله في هداك وسرورك (5)، نظرت بنور الله فقدمت رجالا، وأخرت رجالا، فعليك أن تقول وعلينا أن نفعل، أنت الإمام، فإن هلكت فهذان من بعدك - يعنى حسنا وحسينا - وقد قلت شيئا فاسمعه. قال: هات. فقال:


(1) ح (2: 290): " صفو اللبن ". (2) ح: " وشد على بأصحابه ". (3) في الأصل: " بما أحببت " وأثبت ما في ح. (4) في الأصل: " أهل ثقاتي وثقاتكم " وكلمة: " أهل " مقحمة، وفي ح: " أهل ثقتى " فقط. (5) ح: " في سرورك وهداك ". (*)

[ 426 ]

أبا حسن أنت شمس النهار * وهذان في الحادثات القمر وأنت وهذان حتى الممات * بمنزلة السمع بعد البصر وأنتم أناس لكم سورة * يقصر عنها أكف البشر (1) يخبرنا الناس عن فضلكم * وفضلكم اليوم فوق الخبر (2) عقدت لقوم ذوى نجدة * من أهل الحياء وأهل الخطر مساميح بالموت عند اللقاء * منا وإخواننا من مضر ومن حى ذى يمن جلة * يقيمون في الحادثات الصعر فكل يسرك في قومه * ومن قال لا فبفيه الحجر ونحن الفوارس يوم الزبير * وطلحة إذ قيل أودى غدر ضربناهم قبل نصف النهار * إلى الليل حتى قضينا الوطر ولم يأخذ الضرب إلا الرؤوس * ولم يأخذ الطعن إلا الثغر فنحن أولئك في أمسنا * ونحن كذلك فيما غبر (3) فلم يبق أحد من الناس به طرق (4) أوله ميسرة إلا أهدى للشنى أو أتحفه. قال [ نصر: وحدثنا عمر بن سعد قال ]: ولما تعاظمت الأمور على معاوية [ قبل قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب ] دعا عمرو بن العاص، وبسر بن أرطاة وعبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقال لهم: إنه قد غمني رجال من أصحاب على، منهم سعيد بن قيس في همدان، والأشتر في قومه، والمرقال وعدى بن حاتم وقيس بن سعد في الأنصار، وقد وقتكم


(1) السورة، بالضم: المنزلة الرفيعة. (2) في الأصل: " يخبر بالناس " صوابه في ح (2: 290). (3) غبر: بقى. والغابر من الأضداد، يقال للماضي وللباقى. في الأصل: " فيمن غبر " وأثبت ما في ح. (4) الطرق، بكسر الطاء: القوة والقدرة. وفي الأصل: " ظرف " تحريف. (*)

[ 427 ]

يمانيتكم بأنفسها [ أياما كثيرة ] حتى لقد استحييت لكم، وأنتم عدتهم من قريش: وقد أردت أن يعلم الناس أنكم أهل غناء، وقد عبأت لكل رجل منهم رجلا منكم، فاجعلوا ذلك إلى. فقالوا: ذلك إليك. قال: فأنا أكفيكم سعيد بن قيس وقومه غدا، وأنت يا عمرو لأعور بنى زهرة المرقال، وأنت يا بسر لقيس بن سعد، وأنت يا عبيد الله للأشتر النخعي، وأنت يا عبد الرحمن بن خالد لأعور طيئ - يعنى عدى بن حاتم - ثم ليرد كل رجل منكم عن حماة الخيل. فجعلها نوائب في خمسة أيام، لكل رجل منهم يوم. فأصبح معاوية [ في غده ] فلم يدع فارسا إلا حشده، ثم قصد لهمدان [ بنفسه ] وتقدم الخيل وهو يقول: لا عيش إلا فلق قحف الهام * من أرحب وشاكر وشبام لن تمنع الحرمة بعد العام * بين قتيل وجريح دام سأملك العراق بالشآم * انعى ابن عفان مدى الأيام فطعن في أعراض الخيل مليا. ثم إن همدان تنادت بشعارها، وأقحم سعيد بن قيس فرسه على معاوية واشتد القتال، وحجز بينهم الليل، فذكرت همدان أن معاوية فاتها ركضا. وقال سعيد بن قيس في ذلك: يا لهف نفسي فاتني معاويه * فوق طمر كالعقاب هاويه والراقصات لا يعود ثانيه (1) إلا على ذات خصيل طاويه إن يعد اليوم فكفى عاليه فانصرف معاوية ولم يعمل شيئا. وإن عمرو بن العاص غدا في اليوم الثاني


(1) يقسم بالراقصات، وهى الإبل ترقص في سيرها، والرقص: ضرب من الخبب. انظر أيمان العرب للنجيرمى ص 20 وأمالى القالى (3: 51). (*)

[ 428 ]

في حماة الخيل، فقصد المرقال، ومع المرقال، لواء على الأعظم، في حماة الناس، وكان عمرو من فرسان قريش، فتقدم وهو يقول: لا عيش إن لم ألق يوما هاشما * ذاك الذى أجشمني المجاشما ذاك الذى أقام لى المآتما * ذاك الذى يشتم عرضى ظالما ذاك الذى إن ينج منى سالما * يكن شجا حتى الممات لازما فطعن في أعراض الخيل مزبدا، فحمل هاشم وهو يقول: لا عيش إن لم ألق يومى عمرا * ذاك الذى أحدث فينا الغدرا أو يحدث الله لأمر أمرا * لا تجزعي يا نفس صبرا صبرا ضربا هذا ذيك وطعنا شزرا (1) * يا ليت ما تجنى يكون قبرا (2) فطاعن عمرا حتى رجع (3)، واشتد القتال وانصرف الفريقان [ بعد شدة القتال ]، ولم يسر معاوية ذلك. وإن بسر بن أرطاة غدا في اليوم الثالث في حماة الخيل فلقى قيس ابن سعد في كماة الأنصار، فاشتدت الحرب بينهما، وبرز قيس كأنه فنيق مقرم، وهو يقول: أنا ابن سعد زانه عباده * والخزرجيون رجال ساده ليس فرارى في الوغى بعاده * إن الفرار للفتى قلاده يا رب أنت لقنى الشهادة * والقتل خير من عناق غاده حتى متى تثنى لى الوسادة


(1) هذاذيك: أي هذا بعد هذ، يعتى قطعا بعد قطع. وفي الأصل: " مداريك " صوابه في ح (2: 291). (2) في الأصل: " يا ليت ما تحيى " والوجه ما أثبت من ح. (3) في الأصل: " فطعن عمرا " صوابه في ح. (*)

[ 429 ]

وطاعن خيل بسر (1)، وبرز له بسر بعد ملى (2)، وهو يقول: أنا ابن أرطاة عظيم القدر * مردد في غالب بن فهر (3) ليس الفرار من طباع بسر * أن يرجع اليوم بغير وتر وقد قضيت في عدوى نذري * يا ليت شعرى ما بقى من عمرى (4) ويطعن بسر قيسا فيضربه قيس بالسيف فرده على عقبيه، ورجع القوم جميعا ولقيس الفضل. وإن عبيد الله بن عمر تقدم في اليوم الرابع ولم يترك فارسا مذكورا، وجمع من استطاع، فقال له معاوية: إنك تلقى أفاعى أهل العراق (5) فارفق واتئد. فلقيه الأشتر أمام الخيل مزبدا - وكان الأشتر إذا أراد القتال أزبد - وهو يقول: في كل يوم هامتي مقيره * بالضرب أبغى منة مؤخره والدرع خير من برود حبره (6) * يا رب جنبني سبيل الكفره واجعل وفاتي بأكف الفجرة * لا تعدل الدنيا جميعا وبره ولا بعوضا في ثواب البرره وشد على الخيل خيل الشام فردها (7)، فاستحيا عبيد الله فبرز أمام الخيل وكان فارسا [ شجاعا ] وهو يقول:


(1) في الأصل: " فطعن خيل بسر " والصواب في ح. (2) يقال مضى ملى من النهار، أي ساعة طويلة. (3) في الأصل: " مراود " ووجهه من ح. وفي ح: " غالب وفهر " وغالب هو ابن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. (4) بقى، بكسر القاف وإسكان الياء للشعر، وفي لغة طيئ بقى يبقى بفتح القاف، كما يقولون فنى يفنى، يفعلون ذلك في كل ياء انكسر ما قبلها، يجعلونها ألفا. انظر اللسان (بقى). (5) ح (2: 291): " أفعى أهل العراق ". (6) ح: " فالقتل خير من ثياب الحبره ". (7) هذا ما في ح. وبدل هذه العبارة في الأصل: " فرد الخيل ". (*)

[ 430 ]

أنعى ابن عفان وأرجو ربى * ذاك الذى يخرجني من ذنبي ذاك الذى يكشف عنى كربى * إن ابن عفان عظيم الخطب يأبى له حبي بكل قلبى (1) * إلا طعانى دونه وضربي حسبى الذى أنويه حسبى حسبى فحمل عليه الأشتر فطعنه، واشتد الأمر، وانصرف القوم وللأشتر الفضل، فغم ذلك معاوية. وإن عبد الرحمن بن خالد غدا في اليوم الخامس، وكان أرجاهم عند معاوية أن ينال حاجته، فقواه معاوية بالخيل والسلاح، وكان معاوية بعده ولدا، فلقيه عدى بن حاتم في حماة مذحج وقضاعة، فبرز عبد الرحمن أمام الخيل وهو يقول: قل لعدى ذهب الوعيد * أنا ابن سيف الله لا مزيد وخالد يزينه الوليد * ذاك الذى هو فيكم الوحيد (2) قد ذقتم الحرب فزيدوا زيدوا * فما لنا ولا لكم محيد * عن يومنا ويومكم فعودوا * ثم حمل فطعن الناس، وقصده عدى بن حاتم [ وسدد إليه الرمح ] وهو يقول: أرجو إلهى وأخاف ذنبي * وليس شئ مثل عفو ربى (3) يا ابن الوليد بغضكم في قلبى * كالهضب بل فوق قنان الهضب (4)


(1) في الأصل: " قلب " صوابه في ح. (2) ح (2: 292): " الذى قيل له ". (3) ح: " ولست أرجو غير عفو ربى ". (4) القنان: جمع قنة، وقنة كل شئ: أعلاه. (*)

[ 431 ]

فلما كاد أن يخالطه بالرمح توارى عبد الرحمن في العجاج واستتر بأسنة أصحابه، واختلط القوم، ورجع عبد الرحمن إلى معاوية مقهورا، وانكسر معاوية. وإن أيمن بن خريم الأسدى (1) لما بلغه ملقى معاوية وأصحابه شمت، وكان أنسك رجل من أهل الشام وأشعره، وكان في ناحية معتزلا (2)، فقال في ذلك: معاوى إن الأمر لله وحده * وإنك لا تستطيع ضرا ولا نفعا عبأت رجالا من قريش لمعشر * يمانية لا تستطيع لها دفعا فكيف رأيت الأمر إذ جد جده * لقد زادك الذى جئته جدعا تعبي لقيس أو عدى بن حاتم * والأشتر، يا للناس، أغمارك الجدعا (3) تعبئ للمرقال عمرا وإنه * لليث لقى من دون غابته ضبعا وإن سعيدا إذ برزت لرمحه * لفارس همدان الذى يشعب الصدعا ملى بضرب الدارعين بسيفه * إذا الخيل أبدت من سنابكها نقعا رجعت فلم تظفر بشئ أردته * سوى فرس أعيت وأبت بها ظلعا فدعهم فلا والله لا تستطيعهم * مجاهرة فاعمل لقهرهم خدعا (4)


(1) أيمن بن خريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك بن العليب بن عمرو بن أسد ابن خزيمة بن مدركة الأسدى. قال المبرد في الكامل: له صحبه. وقال ابن عيد البر: أسلم يوم الفتح. وكان يسمى خليل الخلفاء، لإعجابهم في تحديثه بفصاحته وعلمه. وكان به وضح يغيره بزعفران. انظر الإصابة 390. وفي الأصل وح: " بن خزيم " صوابه بالراء المهملة، كما في ترجمة (خريم) من الإصابة 2242. (2) ح: " وكان معتزلا للحرب من ناحية عنها ". (3) الأغمار: جمع غمر، وهو من لا تجربة له. والجدع، جمع أجدع. وفي الأصل: " الخدعا " وفي ح: " الجذعا " والوجه ما أثبت. (4) في الأصل: " فانظر تطيقهم خدعا " وأثبت ما في ح. (*)

[ 432 ]

قال: وإن معاوية أظهر لعمرو شماتة [ وجعل يقرعه ويوبخه ] وقال: لقد أنصفتكم إذ لقيت سعيد بن قيس في همدان وقررتم، وإنك لجبان. فغضب عمرو ثم قال: والله لو كان عليا ما قحمت عليه يا معاوية، فهلا برزت إلى على إذ دعاك إن كنت شجاعا كما تزعم. وقال عمرو في ذلك: تسير إلى ابن ذى يزن سعيد * وتترك في العجاجة من دعاكا فهل لك في أبى حسن على * لعل الله يمكن من قفاكا دعاك إلى النزال فلم تجبه * ولو نازلته تربت يداكا وكنت أصم، إذ ناداك، عنها * وكان سكوته عنها (1) مناكا فآب الكبش قد طحنت رحاه * بنجدته ولم تطحن رحاكا فما انصفت صحبك يا ابن هند * أتفرقه وتغضب من كفاكا فلا والله ما أضمرت خيرا * ولا أظهرت لى إلا هواكا [ قال ]: وإن القرشيين استحيوا مما صنعوا، وشمتت بهم اليمانية [ من أهل الشام ]، فقال معاوية " يا معشر قريش، والله لقد قربكم لقاء القوم من الفتح، ولكن لا مرد لأمر الله (2)، [ ومم تستحيون ؟ ! ]، إنما لقيتم كباش أهل العراق، وقتلتم وقتل منكم، ومالكم علي من حجة، لقد عبأت نفسي (3) لسيدهم سعيد بن قيس ". فانقطعوا عن معاوية أياما، فقال معاوية في ذلك:


(1) أي عن الدعوة أو المنازلة. وفي الأصل: " عنه " وأثبت ما في ح ليتلاءم الكلام. (2) في الأصل: " الأمر لأمر الله " صوابه في ح. (3) في الأصل: " تعبئتى "، والوجه ما أثبت من ح. انظر السطر الثاني. (*)

[ 433 ]

لعمري لقد أنصفت والنصف عادة * وعاين طعنا في العجاج المعاين (1) ولولا رجائي أن تبوءوا (2) بنهزة * وأن تغسلوا عارا وعته الكنائن لناديت للهيجا رجالا سواكم * ولكنما تحمى الملوك البطائن أتدرون من لاقيتم فل جيشكم * لقيتم جيوشا أصحرتها العرائن (3) لقيتم صناديد العراق ومن بهم * إذا جاشت الهيجاء تحمى الظعائن وما كان منكم فارس دون فارس * ولكنه ما قدر الله كائن قال: فلما سمع القوم ما قال معاوية أتوه فاعتذروا له، واستقاموا له على ما يحب. قال [ نصر: وحدثنا عمرو بن شمر قال ]: ولما اشتد القتال [ وعظم الخطب ] أرسل معاوية إلى عمر وأن قدم عكا والأشعريين إلى من بإزائهم. فبعث عمرو إلى معاوية: " إن همدان بإزاء عك ". فبعث [ إليه ] معاوية: " أن قدم عكا إلى همدان ". فأتاهم عمرو فقال: يا معشر عك، إن عليا قد عرف أنكم حى أهل الشام، فعبأ لكم حى أهل العراق همدان، فاصبروا وهبوا لى جماجمكم ساعة من النهار، وقد بلغ الحق مقطعه. فقال ابن مسروق العكي: أمهلوني (4) حتى آتى معاوية. فأتاه فقال: يا معاوية، اجعل لنا فريضة ألفى رجل في ألفين، ومن هلك فابن عمه مكانه، لنقر اليوم عينك. قال: ذلك لك. فرجع ابن مسروق إلى أصحابه فأخبرهم الخبر فقالت عك: نحن لهمدان.


(1) النصف، بالكسر: الإنصاف. (2) ح: " أن تؤوبوا ". (3) أصحرتها: أبرزتها. وفى الحديث: فلا تصحريها " معناه لا تبرزيها إلى الصحراء. قال ابن الأثير: هكذا جاء في هذا الحديث متعديا، على حذف الجار وإيصال الفعل، فإنه غير متعد. والعرائن: جمع عرينة، وهى مأوى الأسد، كالعرين. (4) ح (2: 293): " أمهلنى ". (*)

[ 434 ]

قال: فتقدمت عك، ونادى سعيد بن قيس: يال همدان خدموا (1). فأخذت السيوف أرجل عك، فنادى أبو مسروق العكى: يالعك، بركا كبرك الكمل (2). فبركوا تحت الجحف وشجروهم بالرماح (3)، وتقدم شيخ من همدان وهو يقول: يا لبكيل لخمها وحاشد (4) * نفسي فداكم طاعنوا وجالدوا حتى تخر منكم القماحد (5) * وأرجل تتبعها سواعد بذاك أوصى جدكم والوالد * إنى لقاضي عصبتي ورائد وتقدم رجل من عك وهو يقول: يدعون همدان وندعو عكا * نفسي فداكم يال عك بكا إن خدم القوم فبركا بركا * لا تدخلوا نفسي (6) عليكم شكا قد محك القوم فزيدوا محكا قال: فألقى القوم الرماح وصاروا إلى السيوف، وتجالدوا حتى أدركهم الليل، فقالت همدان: يا معشر عك، إنا والله لا ننصرف حتى تنصرفوا. وقالت عك مثل ذلك، فأرسل معاوية إلى عك: " أبروا قسم القوم (7) [ وهلموا ] ". فانصرفت عك ثم انصرفت همدان، وقال عمرو: يا معاوية، لقد لقيت أسد أسدا، لم أر كاليوم قط، لو أن معك حيا كعك، أو مع على


(1) انظر ما سبق ص 257 س 15 وص 329 س 13. (2) الكمل: الجمل، في لغة عك، وهم يقبلون الجيم كافا. انظر ما مضى ص 228، 329. وفي الأصل: " الجمل " صوابه في ح. (3) شجروهم: طعنوهم. وفي ح: " فشجرتهم همدان بالرماح ". (4) في الاشتقاق 250: " بنو حاشد وبنو بكيل منهم تفرقت همدان ". (5) القماحد: جمع قمحدوة، وهى ما أشرف على القفا من عظم الرأس. (6) ح: " لا تدخلوا اليوم ". (7) ح (2: 293): " أن أبروا قسم إخوتكم ". (*)

[ 435 ]

حيا كهمدان لكان الفناء. وقال عمرو في ذلك: إن عكا وحاشدا وبكيلا * كأسود الضراب لاقت أسودا وجثا القوم بالقنا وتساقوا بظبات السيوف موتا عتيدا ليس يدرون ما الفرار وإن كا * ن فرارا لكان ذاك سديدا (1) ازورار المناكب الغلب بالشم وضرب المسومين الخدودا يعلم الله ما رأيت من القو * م ازورارا ولا رأيت صدودا غير ضرب فوق الطلى وعلى الها * م وقرع الحديد يعلو الحديدا ولقد فضل المطيع على العا * صى ولم يبلغوا به المجهودا ولقد قال قائل خدموا السو * ق فخرت هناك عك قعودا كبروك الجمال أثقلها الحم‍ * ل فما تستقل إلا وئيدا (2) ولما اشترطت عك والأشعرون على معاوية ما اشترطوا من الفريضة والعطاء فأعطاهم، لم يبق من أهل العراق أحد في قلبه مرض إلا طمع في معاوية وشخص بصره إليه (3)، حتى فشا ذلك في الناس، وبلغ ذلك عليا فساءه. وجاء المنذر بن أبى حميصة الوادعى (4)، وكان فارس همدان وشاعرهم فقال:


(1) في الأصل: " وكان ذلك شديدا " صوابه في ح. (2) في الأصل وح: " كبراك " ولا وجه لها. (3) ح: " وشخص ببصره إليه ". (4) الوادعى: نسبة إلى وادعة، وهم بطن من همدان. الاشتقاق 253. وفي الأصل: " الأوزاعي " صوابه في ح والإصابة 8459. قال ابن حجر: " له إدراك، هو أول من جعل سهم البراذين دون سهم العراب، فبلغ عمر فأعجبه ". وفي الأصل أيضا: " بن أبى حميضة " وفي ح: " بن أبى حمضمة " صوابهما في الإصابة. (*)

[ 436 ]

" يا أمير المؤمنين، إن عكا والأشعريين طلبوا إلى معاوية الفرائض والعطاء (1) فأعطاهم، فباعوا الدين بالدنيا، وإنا رضينا بالآخرة من الدنيا، وبالعراق من الشام، وبك من معاوية. والله لآخرتنا خير من دنياهم، ولعراقنا خير من شامهم، ولإمامنا أهدى من إمامهم، فاستفتحنا بالحرب، وثق منا بالنصر (2) واحملنا على الموت). ثم قال في ذلك: إن عكا سالوا الفرائض والأش‍ * عر سالوا جوائزا بثنيه (3) تركوا الدين للعطاء وللفر * ض فكانوا بذاك شر البريه وسألنا حسن الثواب من الله وصبرا على الجهاد ونيه فلكل ما ساله ونواه * كلنا يحسب الخلاف خطيه ولأهل العراق أحسن في الحر * ب إذاما تدانت السمهريه ولأهل العراق أحمل للثق‍ * ل إذا عمت العباد بليه (4) ليس منا من لم يكن لك في الله وليا يا ذا الولا والوصيه فقال على: حسبك، رحمك الله. وأثنى عليه خيرا وعلى قومه. وانتهى شعره إلى معاوية فقال معاوية: والله لأستميلن بالأموال ثقات (5) على، ولأقسمن فيهم المال حتى تغلب دنياى آخرته. وإنه لما أصبح الناس غدوا على مصافهم، وإن معاوية نادى في أحياء اليمن فقال: عبوا إلى (6) كل فارس مذكور فيكم، أتقوى به لهذا الحى من


(1) في الأصل: " والعقار " صوابه في ح. (2) بدل هاتين الجملتين في ح: " فامنحنا بالصبر " وهو نقص وتحريف. (3) سالوا: مخفف سألوا. والبثنية: المنسوبة إلى قرية بالشام بين دمشق وأذرعات. وإليها تنسب الحنطة البثنية، وهى أجود أنواع الحنطة. ح (2: 294): " لبثيه "، تحريف. (4) ح: " إذا عمت البلاد ". (5) في الأصل: " أهل ثقات على " والوجه ما أثبت من ح. (6) ح: " عبوا لى ". (*)

[ 437 ]

همدان (1). فخرجت خيل عظيمة، فلما رآها علي عرف أنها عيون الرجال فنادى: يا لهمدان. فأجابه سعيد بن قيس، فقال له على عليه السلام: احمل. فحمل حتى خالط الخيل واشتد القتال، وحطمتهم همدان حتى ألحقوهم بمعاوية فقال: ما لقيت من همدان، وجزع جزعا شديدا وأسرع في فرسان أهل الشام القتل، وجمع على همدان فقال: يا معشر همدان، أنتم درعى ورمحي يا همدان، ما نصرتم إلا الله ولا أجبتم غيره. فقال سعيد بن قيس: " أجبنا الله وأجبناك (2)، ونصرنا نبى الله صلى الله عليه في قبره، وقاتلنا معك من ليس مثلك، فارم بنا حيث أحببت ". قال نصر: وفي هذا اليوم قال على عليه السلام: ولو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان ادخلي بسلام فقال على عليه السلام لصاحب لواء همدان: اكفني أهل حمص، فإنى لم ألق من أحد ما لقيت منهم. فتقدم وتقدمت همدان وشدوا شدة واحدة على أهل حمص فضربوهم ضربا شديدا متداركا بالسيوف وعمد الحديد، حتى ألجؤوهم إلى قبة معاوية، وارتجز من همدان رجل [ عداده (3) ] في أرحب، وهو يقول: قد قتل الله رجال حمص * حرصا على المال وأى حرص غروا بقول كذب وخرص * قد نكص القوم وأى نكص (4) * عن طاعة الله وفحوى النص *


(1) ح: " على هذا الحى من همدان ". (2) في الأصل: " أجبنا الله وأنت " صوابه في ح. (3) أي عدده ونسبته. وموضع هذه الكلمة بياض في الأصل. (4) الخرص: الكذب، والخراص: الكذاب. ح: " وحرص " تحريف. (*)

[ 438 ]

وحمل أهل حمص ورجل من كندة يقدمهم وهو يقول: قد قتل الله رجال العاليه * في يومنا هذا وغدوا ثانيه حتى يكونوا كرجام باليه (1) * من عهد عاد وثمود الثاويه * بالحجر أو يملكهم معاويه * قال: ولما عبأ معاوية حماة الخيل لهمدان فردت خيله أسف، فخرج بسيفه فحملت عليه فوارس همدان، ففاتها (2) ركضا، وانكسر حماة أهل الشام ورجعت همدان إلى مكانها. وقال حجر بن قحطان الوادعى (3)، [ يخاطب سعيد بن قيس ]: ألا يا ابن قيس قرت العين إذ رأت فوارس همدان بن زيد بن مالك على عارفات للقاء عوابس طوال الهوادى مشرفات الحوارك موقرة بالطعن في ثغراتها يجلن ويحطمن الحصى بالسنابك (4) عباها على لابن هند وخيله فلو لم يفتها كان أول هالك


(1) الرجام: الحجارة، وربما جمعت على القبر ليسنم. وفي الأصل: " كرجال ". (2) في الأصل: " ففارقها ". (3) وادعة: بطن من همدان. انظر 435 وفى ح: " الهمداني ". (4) الموقرة: المصلبة الممرنة، يقال وقرتنى الأسفار أي صلبتني ومرنتني عليها. ح: " معودة للطعن ". والثغرة، بالضم: نقرة النحر. وفي الأصل: " يزلن ويلحقن القنا " صوابه من ح. (*)

[ 439 ]

وكانت له في يومه عند ظنه وفي كل يوم كاسف الشمس حالك وكانت بحمد الله في كل كربة * حصونا وعزا للرجال الصعالك فقل لأمير المؤمنين أن ادعنا * إذا شئت (1) إنا عرضة للمهالك ونحن حطمنا السمر في حى حمير وكندة والحى الخفاف السكاسك (2) وعك ولخم شائلين سياطهم * حذار العوالي كالإماء العوارك (3) [ قال نصر ]: و [ حدثنا عمر بن سعد، عن رجاله ]، أن معاوية دعا مروان بن الحكم فقال: يا مروان، إن الأشتر قد غمني [ وأقلقنى ]، فاخرج بهذه الخيل في كلاع ويحصب، فالقه فقاتل بها. فقال له مروان: ادع لها عمرا فإنه شعارك دون دثارك. قال: وأنت نفسي دون وريدي. قال: لو كنت كذلك ألحقتنى به في العطاء، أو ألحقته بى في الحرمان، ولكنك أعطيته ما في يديك ومنيته ما في يدى غيرك، فإن غلبت طاب له المقام، وإن غلبت خف عليه الهرب. فقال معاوية: يغنى الله عنك (4). قال: أما اليوم فلا. ودعا معاوية عمرا وأمره بالخروج إلى الأشتر فقال: والله إنى لا أقول لك كما قال لك مروان. قال: ولم تقوله (5) وقد قدمتك وأخرته، وأدخلتك وأخرجته. قال عمرو: [ أما ] والله لئن كنت فعلت لقد قدمتنى كافيا وأدخلتني ناصحا. وقد أكثر القوم عليك في أمر مصر، وإن كان لا يرضيهم إلا أخذها فخذها (6).


(1) ح: " متى شئت ". (2) انظر ص 81 س 9. (3) العوالي: أعالي الرماح. العوارك: الحوائض. (4) ح (1: 295): " سيغنى الله عنك ". (5) ح: " وكيف تقوله ". (6) ح: " فإن كان لا يرضيهم إلا رجوعك فيما وثقت لى به منها فارجع فيه ". (*)

[ 440 ]

فخرج عمرو في تلك الخيل فلقيه الأشتر أمام الخيل، [ وقد علم أنه سيلقاه ]، وهو [ يرتجز ] ويقول: يا ليت شعرى كيف لى بعمرو * ذاك الذى أوجبت فيه نذري ذاك الذى أطلبه بوترى * ذاك الذى فيه شفاء صدري ذاك الذى إن ألقه بعمرى * تغلى به عند اللقاء قدري أولا فربى عاذري بعذري فعرف عمرو أنه الأشتر، وفشل حيله (1) وجبن، واستحيا أن يرجع، فأقبل نحو الصوت وهو يقول: ياليت شعرى كيف لى بمالك * كم كاهل جببته وحارك (2) وفارس قتلته وفاتك * ونابل فتكته وباتك (3) ومقدم آب بوجه حالك * هذا وهذا عرضة المهالك قال: فلما غشيه الأشتر بالرمح زاغ عنه عمرو، فطعنه الأشتر في وجهه فلم يصنع [ الرمح ] شيئا، وثقل عمرو فأمسك [ عنان فرسه وجعل يده ] على وجهه، ورجع راكضا إلى العسكر، ونادى غلام من يحصب: يا عمرو، عليك العفا، ماهبت الصبا، يالحمير (4)، إنما لكم ما كان معكم، أبلغوني اللواء (5). فأخذه ثم مضى - وكان غلاما شابا (6) - وهو يقول:


(1) الفشل: الضعف. والحيل: القوة. وفى الأصل: " خيله " تحريف، وهذه الكلمة ليست في ح. (2) الكاهل: مقدم أعلى الظهر مما يلى العنق. والحارك: أعلى الكاهل. جببته: قطعته. في الأصل: " كداجل خيبته " وفي ح: " كم جاهل جببته " والوجه ما أثبت. (3) هذا البيت ليس في ح. والمعروف في اللغة " فتكت به ". (4) ح (2: 295): " يا آل حمير ". (5) ح: " هاتوا اللواء ". (6) ح: " غلاما حدثا ". (*)

[ 441 ]

إن يك عمرو قد علاه الأشتر * بأسمر فيه سنان أزهر فذاك والله لعمري مفخر * يا عمرو هيهات الجناب الأخضر (1) يا عمرو يكفيك الطعان حمير * واليحصبى بالطعان أمهر * دون اللواء اليوم موت أحمر * فنادى الأشتر إبراهيم ابنه: خذ اللواء، فغلام لغلام. فتقدم وهو يقول: يا أيها السائل عنى لا ترع * أقدم فإنى من عرانين النخع كيف ترى طعن العراقى الجذع * أطير في يوم الوغى ولا أقع ما ساءكم سر وما ضر نفع (2) * أعددت ذا اليوم لهول المطلع ويحمل على الحميرى فالتقاه الحميري بلوائه ورمحه، ولم يبرحا يطعن كل منهما صاحبه حتى سقط الحميري قتيلا، وشمت مروان بعمرو، وغضب القحطانيون على معاوية فقالوا: تولى علينا من لا يقاتل معنا ؟ ! ول رجلا منا، وإلا فلا حاجة لنا فيك. فقال المزعف اليحصبى - وكان شاعرا - أيها الأمير، اسمع: معاوى إما تدعنا لعظيمة يلبس من نكرائها الغرض بالحقب (3) فول علينا من يحوط ذمارنا من الحميريين الملوك على العرب


(1) يشير إلى مصر. (2) أي ما ساءكم سرنا وما ضركم نفعنا. في الأصل: " ولا ضر " صوابه في ح. (3) الغرض: حزام الرحل. وفي الأصل: " العرض " صوابه في ح. والحقب، بالتحريك: حبل يشد به الرحل في بطن البعير مما يلى ثيله لئلا يؤذيه التصدير. (*)

[ 442 ]

ولا تأمرنا بالتى لا نريدها ولا تجعلنا للهوى موضع الذنب ولا تغضبنا، والحوادث جمة عليك، فيفشو اليوم في يحصب الغضب فإن لنا حقا عظيما وطاعة وحبا دخيلا في المشاشة والعصب (1) فقال لهم معاوية: [ والله ] لا أولى عليكم بعد موقفي هذا (2) إلا رجلا منكم. [ قال نصر ]: و [ حدثنا عمر بن سعد قال ]: إن معاوية لما أسرع أهل العراق في أهل الشام قال: هذا يوم تمحيص، [ وإن لهذا اليوم ما بعده ]. إن القوم قد أسرع فيهم كما أسرع فيكم، فاصبروا وكونوا كراما (3). قال: وحرض على بن أبى طالب أصحابه، فقام إليه الأصبغ بن نباتة فقال: يا أمير المؤمنين، قدمنى في البقية من الناس، فإنك لا تفقد لى اليوم صبرا ولا نصرا. أما أهل الشام فقد أصبنا منهم، وأما نحن ففينا بعض البقية، ائذن لى فأتقدم. فقال على: تقدم باسم الله والبركة. فتقدم وأخذ رايته، فمضى وهو يقول: حتى متى ترجو البقا يا أصبغ * إن الرجاء بالقنوط يدمغ أما ترى أحداث دهر تنبغ * فادبغ هواك، والأديم يدبغ


(1) المشاشة: واحدة المشاش، وهى رءوس العظام. ح: " في المشاش وفى العصب ". (2) ح: " بعد هذا اليوم ". (3) ح: " وموتوا كراما ". (*)

[ 443 ]

والرفق فيما قد تريد (1) أبلغ * اليوم شغل وغدا لا تفرغ فرجع الأصبغ وقد خصب سيفه دما ورمحه، وكان شيخا ناسكا عابدا، وكان إذا لقى القوم بعضهم بعضا يغمد سيفه، وكان من ذخائر على ممن قد بايعه على الموت، وكان من فرسان أهل العراق، وكان على عليه السلام يضن به على الحرب والقتال. وقال: وكانوا قد ثقلوا عن البراز حين عضتهم الحرب، فقال الأشتر: يا أهل العراق، أما من رجل يشرى نفسه [ لله ] ؟ ! فخرج أثال بن حجل فنادى بين العسكرين: هل من مبارز ؟ فدعا معاوية حجلا فقال: دونك الرجل. وكانا مستبصرين في رأيهما، فبرز كل واحد منهما إلى صاحبه فبدره الشيخ بطعنة فطعنه الغلام، وانتمى (2) فإذا هو ابنه، فنزلا فاعتنق كل وأحد منهما صاحبه وبكيا، فقال له الأب: أي أثال، هلم إلى الدنيا. فقال له الغلام: يا أبه، هلم إلى الآخرة، والله: يا أبه، لو كان من رأيى الانصراف إلى أهل الشام لوجب عليك أن يكون من رأيك لى أن تنهانى. واسوأتاه (3)، فماذا أقول لعلى وللمؤمنين الصالحين ؟ ! كن على ما أنت عليه، وأنا أكون على ما أنا عليه. وانصرف حجل إلى أهل الشام، وانصرف أثال إلى أهل العراق، فخبر كل واحد منهما أصحابه. وقال في ذلك حجل: أن حجل بن عامر وأثالا * أصبحا يضربان في الأمثال أقبل الفارس المدجج في النق‍ * ع أثال يدعو يريد نزالى دون أهل العراق يخطر كالفح‍ * ل على ظهر هيكل ذيال


(1) في الأصل: " قديدين " صوابه في ح (2: 296). (2) انتمى: انتسب. وفي ح: " وانتسبا ". (3) في الآصل: " واسوأتنا " وأثبت ما في ح. (*)

[ 444 ]

فدعاني له ابن هند وما زا * ل قليلا في صحبه أمثالى (1) فتناولته ببادرة الرم‍ * ح وأهوى بأسمر عسال فاطعنا وذاك من حدث الدهر * عظيم، فتى لشيخ بجال (2) شاجرا بالقناة صدر أبيه * وعظيم على طعن أثال لا أبالى حين اعترضت أثالا * وأثال كذاك ليس يبالى فافترقنا على السلامة والنف‍ * س يقيها مؤخر الآجال لا يرانى على الهدى وأراه * من هداى على سبيل ضلال فلما انتهى شعره إلى أهل العراق قال أثال - وكان مجتهدا مستبصرا: إن طعنى وسط العجاجة حجلا * لم يكن في الذى نويت عقوقا كنت أرجو به الثواب من الل‍ * ه وكوني مع النبي رفيقا لم أزل أنصر العراق على الشا * م (3) أرانى بفعل ذاك حقيقا قال أهل العراق إذ عظم الخط * ب ونق المبارزون نقيقا من فتى يأخذ الطريق إلى الل‍ * ه فكنت الذى أخذت الطريقا (4) حاسر الرأس لا أريد سوى المو * ت أرى كل ما يرون دقيقا (5) فإذا فارس تقحم في النق‍ * ع خدبا مثل السحوق عتيقا (6) فبداني حجل ببادرة الطع‍ * ن وما كنت قبلها مسبوقا


(1) في الأصل: " وما ذاك قليلا " صوابه في ح. (2) البجال، بالفتح: الكبير العظيم. ح: " بشيخ بجال ". (3) في الأصل: " من الشام " وأثبت ما في ح. (4) ح: " يسلك الطريق " و " سلكت الطريق ". (5) ح: " أرى الأعظم الجليل دقيقا ". (6) الخدب: الضخم العظيم. والسحوق: النخلة الطويلة. (*)

[ 445 ]

فتلافيته بعالية الرم‍ * ح، كلانا يطاول العيوقا (1) أحمد الله ذا الجلالة والقد * رة حمدا يزيدنى توفيقا لم أنل قتله ببادرة الطع‍ * نة منى ولم أنل ثفروقا (2) قلت للشيخ لست أكفرك الده‍ * ر لطيف الغذاء والتفنيقا (3) غير أنى أخاف أن تدخل النا * ر فلا تعصنى وكن لى رفيقا وكذا قال لى، فغرب تغري‍ * با وشرقت راجعا تشريقا وإن معاوية دعا النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري، ومسلمة بن مخلد الأنصاري، ولم يكن معه من الأنصار غيرهما، فقال: يا هذان، لقد غمني ما لقيت من الأوس والخزرج، صاروا واضعى سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال، حتى والله جبنوا أصحابي، الشجاع والجبان، وحتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قالوا قتلته الأنصار. أما والله لألقينهم بحدى وحديدي، ولأعبين لكل فارس منهم فارسا ينشب في حلقه، ثم لأرمينهم بأعدادهم من قريش، رجال لم يغذهم التمر والطفيشل (4)، يقولون نحن الأنصار، قد والله آووا ونصروا ولكن أفسدوا حقهم بباطلهم.


(1) التلافى: التدارك. وعالية الرمح: أعلاه. وفي الأصل: " ببادرة الرمح " صوابه في ح. وفي ح أيضا: " فتلقيته ". (2) الثفروق: قمع البسرة والتمرة، يقول: لم أنل منه أقل شئ. وفي الأصل: " لم أكن مفروقا " وفي ح: إذا كففت السنان عند ولم أد * ن فتيلا أبى ولا ثفروقا وصواب إنشاد هذا: " منه ولا ثفروقا ". (3) التفنيق: التنعيم. ح: " لست أكفر نعماك ". (4) الطفيشل، بوزن سميدع، كما في القاموس، ويقال له أيضا " طفشيل ". ولفظه فارسي معرب، وهو بالفارسية " تفشله " أو " تفشيله " وقد فسره استينجاس في 313 بأنه ضرب من اللحم يعالج بالبيض والجزر والعسل، وفسر في القاموس بأنه نوع من المرق. وجعله البغدادي في كتاب الطبيخ ضربا من التنوريات، أي الأطعمة التى تنضج في التنور. وفي منهاج الدكان 220: " طفشيل كل طعام يعمل من القطانى، أعتى الحبوب كالعدس والجلبان وما أشبه ذلك ". انظر حواشى الحيوان (3: 24 / 5: 226). (*)

[ 446 ]

فغضب النعمان فقال: يا معاوية، لا تلومن الأنصار بسرعتهم في الحرب فإنهم كذلك كانوا في الجاهلية. فأما دعاؤهم الله فقد رأيتهم مع رسول الله صلى الله عليه [ يفعلون ذلك كثيرا ]. وأما لقاؤك إياهم في أعدادهم من قريش فقد علمت ما لقيت قريش منهم [ قديما ]، فإن أحببت أن ترى فيهم مثل ذلك آنفا فافعل. وأما التمر والطفيشل فإن التمر كان لنا، فلما أن ذقتموه شاركتمونا فيه. وأما الطفيشل فكان لليهود، فلما أكلناه غلبناهم عليه، كما غلبت قريش على السخينة (1). ثم تكلم مسلمة بن مخلد فقال: يا معاوية، إن الأنصار لا تعاب أحسابها ولا نجداتها. وأما غمهم إياك فقد والله غمونا، ولو رضينا ما فارقونا وما فارقنا جماعتهم، وإن في ذلك لما فيه من مباينة العشيرة، ومباعدة الحجاز وحرب العراق، ولكن حملنا ذلك لك، ورجونا منك عوضه. وأما التمر والطفيشل فإنهما يجران (2) عليك نسب السخينة والخرنوب. وانتهى الكلام إلى الأنصار، فجمع قيس بن سعد الأنصاري، الأنصار ثم قام خطيبا فيهم فقال: إن معاوية قد قال ما بلغكم، وأجاب عنكم صاحباكم (3)، فلعمري لئن غظتم معاوية اليوم لقد غظتموه بالأمس، وإن وترتموه في الإسلام فقد وترتموه في الشرك، ومالكم إليه من ذنب [ أعظم ] من نصر هذا الدين الذى أنتم عليه، فجدوا اليوم جدا تنسونه [ به ] ما كان أمس، وجدوا غدا [ جدا ] تنسونه (4) [ به ] ما كان اليوم، وأنتم مع هذا


(1) السخينة: طعام يتخذ من دقيق وسمن - وقيل من دقيق وتمر - أغلظ من الحساء وأرق من العصيدة. وكانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها حتى سموا سخينة. (2) في الأصل: " يجبران " وأثبت ما في ح (4: 297). (3) أي النعمان ومسلمة. وفي الأصل: " صاحبكم " صوابه في ح. (4) في الأصل: " فتنسونه " وأثبت ما في ح. (*)

[ 447 ]

اللواء الذى كان يقاتل عن يمينه جبرائيل وعن يساره ميكائيل، والقوم مع لواء أبى جهل والأحزاب. وأما التمر فإنا لم نغرسه، ولكن غلبنا عليه من غرسه. وأما الطفيشل فلو كان طعامنا لسمينا به اسما كما سميت قريش السخينة. ثم قال قيس بن سعد في ذلك: يا ابن هند دع التوثب في الحر * ب إذا نحن في البلاد نأينا (1) نحن من قد رأيت فادن (2) إذ شئ‍ * ت بمن شئت في العجاج إلينا إن برزنا بالجمع نلقك في الجم‍ * ع وإن شئت محضة أسرينا فالقنا في اللفيف نلقك في الخز * رج ندعو في حربنا أبوينا أي هذين ما أردت فخذه * ليس منا وليس منك الهوينا ثم لا تنزع العجاجة حتى * تنجلي حربنا لنا أو علينا (3) ليت ما تطلب الغداة أتانا * أنعم الله بالشهادة عينا إننا إننا الذين إذا الفت‍ * ح شهدنا وخيبرا وحنينا بعد بدر وتلك قاصمة الظهر وأحد وبالنضير ثنينا يوم الاحزاب، قد علم النا * س، شفينا من قبلكم واشتفينا (4) فلما بلغ شعره معاوية دعا عمرو بن العاص فقال: ما ترى في شتم الأنصار ؟ قال: أرى أن توعد ولا تشتم، ما عسى أن نقول لهم ؟ إذا أردت ذمهم فذم أبدانهم ولا تذم أحسابهم. قال معاوية: إن خطيب الأنصار قيس بن سعد يقوم كل يوم خطيبا، وهو والله يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس الفيل، فما الرأى ؟ قال: الرأى التوكل والصبر. فأرسل معاوية إلى رجال


(1) ح: " بالجياد سرينا ". (2) في الأصل: " فأذن " صوابه في ح (2: 297). (3) العجاجة: واحدة العجاج، وهو ما ثورته الريح. تنزع: تكف. وفي الأصل: " ينزع " وفي ح: " لا نسلخ ". (4) لعلها: " وبيوم الأحزاب ". (*)

[ 448 ]

من الأنصار فعاتبهم، منهم عقبة بن عمرو، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، وخزيمة بن ثابت، وزيد بن أرقم، وعمرو بن عمير (1) والحجاج بن غزية، وكان هؤلاء يلقون في تلك الحرب، فبعث معاوية بقوله: لتأتوا قيس بن سعد. فمشوا بأجمعهم إلى قيس، فقالوا: إن معاوية لا يريد شتما فكف عن شتمه. فقال: إن مثلى لا يشتم، ولكني لا أكف عن حربه حتى ألقى الله. وتحركت الخيل غدوة فظن قيس بن سعد أن فيها معاوية، فحمل على رجل يشبهه فقنعه بالسيف فإذا غير معاوية، وحمل الثانية [ على آخر ] يشبهه أيضا فضربه، ثم انصرف وهو يقول: قولوا لهذا الشاتمى معاويه * إن كل ما أوعدت ريح هاويه خوفتنا أكلب قوم عاويه * إلى يا بن الخاطئين الماضية ترقل إرقال العجوز الجارية (2) * في أثر السارى ليالى الشاتيه (3) فقال معاوية: يا أهل الشام، إذا لقيتم هذا الرجل فأخبروه بمساويه. وغضب النعمان ومسلمة على معاوية فأرضاهما بعد ما هما أن ينصرفا إلى قومهما، ولم يكن مع معاوية من الأنصار غيرهما. ثم إن معاوية سأل النعمان أن يخرج إلى قيس فيعاتبه ويسأله السلم. فخرج النعمان حتى وقف بين الصفين فقال: يا قيس، أنا النعمان بن بشير. فقال قيس: هيه يا ابن بشير فما حاجتك ؟ فقال النعمان: يا قيس، إنه قد أنصفكم من دعاكم إلى ما رضى لنفسه، ألستم معشر الأنصار،


(1) عمرو بن عمير الأنصاري، أحد الصحابة، وقد اختلف في اسمه فقيل عمرو بن عمرو، وقيل عامر بن عمير أيضا. وفي الأصل: " عمير بن عمر " تحريف. الإصابة 4404، 5914. (2) العجوز: الكلبة. وفي الأصل: " العجوز الحاوية ". (3) السارى: السحاب الذى يسرى ليلا. والكلاب تنبح السحاب. انظر الحيوان (2: 73). (*)

[ 449 ]

تعلمون أنكم أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، وقتلتم أنصاره يوم الجمل وأقحمتم خيولكم على أهل الشام بصفين، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا لكانت واحدة بواحدة، ولكنكم خذلتم حقا ونصرتم باطلا، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتى أعلمتم في الحرب ودعوتم إلى البراز، ثم لم ينزل بعلى أمر قط إلا هونتم عليه المصيبة، ووعدتموه الظفر. وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم. فاتقوا الله في البقية. فضحك قيس ثم قال: ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذه المقالة، إنه لا ينصح أخاه من غش نفسه، وأنت والله الغاش الضال المضل. أما ذكرك عثمان فإن كانت الأخبار تكفيك فخذها منى، واحدة قتل عثمان من لست خيرا منه، وخذله من هو خير منك. وأما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث. وأما معاوية فو الله أن لو اجتمعت عليه العرب [ قاطبة ] لقاتلته الأنصار. وأما قولك إنا لسنا كالناس، فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله، نتقى السيوف بوجوهنا، والرماح بنحورنا، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، ولكن انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقا أو أعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور. انظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان، الذين رضى الله عنهم، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك، ولستما والله ببدريين [ ولا عقبيين ] ولا أحديين، ولا لكما سابقة في الإسلام ولا آية في القرآن. ولعمري لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك ". وقال قيس في ذلك: والراقصات بكل أشعث أغبر * خوص العيون تحثها الركبان ما ابن المخلد ناسيا أسيافنا * في من نحاربه ولا النعمان (1)


(1) ابن المخلد يعنى به مسلمة بن مخلد الآنصارى. وفي الأصل: " عمن تحاربه " والوجه ما أثبت. والمقطوعة لم ترد في مظنها من ح. (*)

[ 450 ]

تركا البيان وفي العيان كفاية * لو كان ينفع صاحبيه عيان [ قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد، عن مالك بن أعين، عن زيد بن وهب قال ]: (1) كان فارس أهل الكوفة الذى لا ينازع رجل كان يقال له العكبر ابن جدير الأسدى، وكان فارس أهل الشام الذى لا ينازع عوف بن مجزأة الكوفى [ المرادى ] المكنى أبا أحمر، وهو أبو الذى استنقذ الحجاج بن يوسف يوم صرع في المسجد بمكة. وكان العكبر له عبادة ولسان لا يطاق، فقام إلى على فقال: " يا أمير المؤمنين، إن في أيدينا عهدا من الله لا نحتاج فيه إلى الناس، وقد ظننا بأهل الشام الصبر وظنوه بنا فصبرنا وصبروا. وقد عجبت من صبر أهل الدنيا لأهل الآخرة، وصبر أهل الحق على أهل الباطل، ورغبة أهل الدنيا، ثم نظرت فإذا أعجب ما يعجبنى جهلى بآية من كتاب الله: (الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين). وأثنى عليه على خيرا، وقال خيرا. وخرج الناس إلى مصافهم وخرج [ عوف بن مجزأة ] المرادى نادرا من الناس، وكذلك كان يصنع. وقد كان قتل قبل ذلك نفرا [ من أهل العراق ] مبارزة، فنادى: يا أهل العراق، هل من رجل عصاه سيفه يبارزني، ولا أغركم من نفسي، فأنا فارس زوف (2). فصاح الناس بالعكبر، فخرج إليه منقطعا من أصحابه والناس وقوف، ووقف المرادي وهو يقول: بالشام أمن ليس فيه خوف * بالشام عدل ليس فيه حيف


(1) قبل هذا الأصل: " وذكروا أنه "، وضعت مكان السند المتقدم. (2) زوف، بفتح الزاى: أبو قبيلة، وهو زوف بن زاهر - أو أزهر - بن عامر بن عويثان. انظر القاموس (زوف). وفي الأصل: " دوف " تحريف. (*)

[ 451 ]

بالشام جود ليس فيه سوف (1) * أنا المرادى ورهطي زوف (2) أنا ابن مجزاة واسمى عوف * هل من عراقي عصاه سيف * يبرز لى وكيف لى وكيف * فبرز إليه العكبر وهو يقول: الشام محل والعراق تمطر * بها الإمام والإمام معذر (3) والشام فيها للإمام معور (4) * أنا العراقى واسمى العكبر ابن جدير وأبوه المنذر * ادن فإنى للكمى مصحر (5) فاطعنا فصرعه العكبر فقتله، ومعاوية على التل في أناس من قريش (6) ونفر من الناس قليل (7)، فوجه العكبر فرسه فملأ فروجه ركضا يضربه بالسوط، مسرعا نحو التل، فنظر إليه معاوية فقال: إن هذا الرجل مغلوب على عقله أو مستأمن، فاسألوه. فأتاه رجل وهو في حمى فرسه (8) فناداه فلم يجبه، فمضى [ مبادرا ] حتى انتهى إلى معاوية وجعل يطعن في أعراض الخيل، ورجا العكبر أن يفردوا له معاوية، فقتل رجالا (9)، وقام القوم دون معاوية بالسيوف والرماح، فلما لم يصل إلى معاوية نادى: أولى لك يا ابن هند، أنا الغلام الأسدى. فرجع إلى على (10) فقال له: ماذا دعاك إلى ما صنعت


(1) يقال فلان يقتات السوف أي يعيش بالأمانى. (2) في الأصل: " روف " وانظر التحقيق فيما قبل. (3) المعذر: المنصف. ح: " بها إمام طاهر مطهر ". (4) المعور: القبيح السريرة. ح: " فيها أعور ومعور ". (5) مصحر، أي هو من أمره على أمر واضح منكشف. ح: " فإنى في البراز قسور ". (6) ح (2: 297): " في وجوه قريش ". (7) في الأصل: " وأناس من الناس قليل " وفي ح: " ونفر قليل من الناس ". (8) الحمى: اشتداد العدو. وفي الأصل: " حمو " والوجه ما أثبت. قال الأعشى: كأن احتدام الجوف من حمى شده * وما بعده من شده غلى قمقم (9) ح: " فاستقبله رجال قتل منهم قوما ". (10) ح: " ورجع إلى صف العراق ولم يكلم ". (*)

[ 452 ]

يا عكبر ؟ [ لا تلق نفسك إلى التهلكة ] قال: أردت غرة ابن هند. وكان شاعرا فقال: قتلت المرادى الذى جاء باغيا * ينادى وقد ثار العجاج: نزال يقول أنا عوف بن مجزاة، والمنى * لقاء ابن مجزاة بيوم قتال فقلت له لما علا القوم صوته * منيت بمشبوح الذراع طوال فأوجرته في معظم النقع صعدة * ملأت بها رعبا قلوب رجال فغادرته يكبو صريعا لوجهه * ينادى مرارا في مكر مجال فقدمت مهرى آخذا حد جريه * فأضربه في حومة بشمالي (1) أريد به التل الذى فوق رأسه * معاوية الجاني لكل خبال يقول ومهرى يغرف الجرى جامحا * بفارسه قد بان كل ضلال (2) فلما رأوني أصدق الطعن فيهم * جلا عنهم رجم الغيوب فعالى. فقام رجال دونه بسيوفهم * وقال رجال دونه بعوالي فلو نلته نلت التى ليس بعدها * من الأمر شئ غير قيل وقال (3) ولو مت في نيل المنى ألف ميتة * لقلت إذا ما مت لست أبالى وانكسر أهل الشام لقتل [ عوف ] المرادي، وهدر معاوية دم العكبر، فقال العكبر: يد الله فوق يد معاوية، فأين دفاع الله عن المؤمنين (4). وقال نصر: حيث شرك الناس عليا في الرأى.


(1) ح (2: 299): " أصرفه في جريه بشمالي ". (2) في الأصل: " يعرف الجرى " تحريف. وفي القاموس: " وخيل مغارف كأنها تغرف الجرى ". (3) ح: " وفزت بذكر صالح وفعال ". (4) في الأصل: " من المؤمنين ". وفي ح: " فأين الله جل جلاله ودفاعه عن المؤمنين ". (*)

[ 453 ]

فجزع النجاشي من ذلك وقال: كفى حزنا أنا عصينا إمامنا * عليا وأن القوم طاعوا معاويه (1) وإن لأهل الشام في ذاك فضلهم * علينا بما قالوه فالعين باكيه فسبحان من أرسى ثبيرا مكانه * ومن أمسك السبع الطباق كماهيه أيعصى إمام أوجب الله حقه * علينا وأهل الشام طوع لطاغيه (2) ثم إن عليا عليه السلام دعا قيس بن سعد فأثنى عليه خيرا، وسوده على الأنصار، وكانت طلائع أهل الشام وأهل العراق يلتقون فيما بين ذلك ويتناشدون الأشعار، ويفخر بعضهم على بعض، ويحدث بعضهم بعضا على أمان، فالتقوا يوما وفيهم النجاشي، فتذاكر القوم رجراجة على وخضرية معاوية، فافتخر كل بكتيبتهم فقال أهل الشام: إن الخضرية مثل الرجراجة. وكان مع على أربعة آلاف مجفف (3) من همدان، مع سعيد بن قيس رجراجة، وكان عليهم البيض والسلاح والدروع، وكان الخضرية مع عبيد الله بن عمر بن الخطاب أربعة آلاف عليهم الخضرة، فقال فتى من جذام من أهل الشام ممن كان في طليعة معاوية: ألا قل لفجار أهل العراق * ولين الكلام لهم سيه (4)


(1) اللسان: " الطوع نقيض الكره - أي بفتح الكاف - طاعه يطوعه وطاوعه ". (2) في الأصل وح: " طوعا لطاغيه ". (3) المجفف: لابس التجفاف، وأصله ما يوضع على الخيل من حديد وغيره. وفي الأصل: " مجفجف " تحريف. (4) السية هي مخفف السيئة، ثم سهلت همزتها وقلبت ياء وأدغمت في أختها، كما أن السى مخفف السيئ، ومنه قول أفنون التغلبي (انظر اللسان 1: 91 والقصيدة 66 من المفضليات): أنى جزوا عامرا سيئا بفعلهم * أم كيف يجزوننى السوأى من الحسن (*)

[ 454 ]

متى ما تجيئوا برجراجة * نجئكم بجأواء (1) خضرية فوارسها كأسود الضراب * طوال الرماح يمانيه قصار السيوف بأيديهم يطولها الخطو والنيه (2) يقول ابن هند إذا أقبلت * جزى الله خيرا جذاميه * فقال اليوم للنجاشي: أنت شاعر أهل العراق وفارسهم، فأجب الرجل فتنحى ساعة ثم أقبل يهدر مزبدا يقول: معاوى إن تأتنا مزبدا * بخضرية تلق رجراجه أسنتها من دماء الرجال * إذا جالت الخيل مجاجه فوارسها كأسود الضراب * إلى الله في القتل محتاجه وليست لدى الموت وقافة * وليست لدى الخوف فجفاجه (3) وليس بهم غير جد اللقاء * إلى طول أسيافهم حاجه خطاهم مقدم أسيافهم * وأذرعهم غير خداجه وعندك من وقعهم مصدق * وقد أخرجت أمس إخراجه فشنت عليهم ببيض السيوف * بها فقع لجاجه (4) فقال أهل الشام: يا أخا بنى الحارث أروناها فإنها جيدة. فأعادها عليهم حتى رووها. وكانت الطلائع تلتقي، يستأمن بعضهم بعضا فيتحدثون. [ قال نصر: وروى عمر بن سعد، عن الحارث بن حصيرة، عن ابن أبى


(1) الجأواء: الكتيبة التى علاها الصدأ. وفي الأصل: " بجا " فقط، وهذه المقطوعة وتاليتها لم تردا في مظنهما من ح. (2) ينظر إلى قول الأخنس بن شهاب في المفضلية 41: وإن قصرت أسيافنا كان وصلها * خطانا إلى القوم الذين نضارب (3) الفجفاج: الكثير الصياح والجلبة. وفي الأصل: " فجاجة " تحريف. (4) كذا ورد هذا الشطر. (*)

[ 455 ]

الكنود ]، قال: جزع أهل الشام (1) على قتلاهم جزعا شديدا، فقال معاوية ابن خديج: يا أهل الشام، قبح الله ملكا يملكه المرء بعد حوشب وذى الكلاع و [ الله ] لو ظفرنا بأهل العراق بعد قتلهما بغير مؤونة ما كان ظفرا. وقال يزيد بن أنس لمعاوية: لا خير في أمر لا يشبه أوله آخره، لا يدمل جريح (2)، ولا يبكي على قتيل حتى تنجلي هذه الفتنة، فإن يكن الأمر لك دملت (3) وبكيت على قرار، وإن كان الأمر لغيرك فما أصبت فيه أعظم. فقال معاوية: " يا أهل الشام، ما جعلكم أحق بالجزع على قتلاكم من أهل العراق على قتلاهم، فوالله ما ذو الكلاع فيكم بأعظم من عمار بن ياسر فيهم، ولا حوشب فيكم بأعظم من هاشم فيهم، وما عبيد الله بن عمر فيكم بأعظم من ابن بديل فيهم، وما الرجال إلا أشباه، وما التمحيص إلا من عند الله. فأبشروا فإن الله قد قتل من القوم ثلاثة، قتل عمار بن ياسر وهو كان فتاهم، وقتل هاشما وكان جمرتهم، وقتل ابن بديل وهو فاعل الأفاعيل، وبقى الأشعث والأشتر وعدى ابن حاتم. فأما الأشعث فحماه مصره، وأما الأشتر وعدى فغضبا للفتنة، والله قاتلهما غدا إن شاء الله فقال ابن خديج: إن يكن الرجال عندك أشباها فليست عندنا كذلك. وغضب معاوية [ من ] ابن خديج. وقال الحضرمي في ذلك شعرا (4):


(1) بدل ما بعد التكملة في الأصل: " ثم ذكروا أن أهل الشام جزعوا " وأثبت ما في ح. (2) يدمل: يصلح ويعالج. وفي الأصل: " لا يدمن على جريح ". ح (2: 299): " لا يدمى جريح "، ووجههما ما أثبت. (3) في الأصل: " أدمنت " وفي ح: " أدميت " وانظر التحقيق السالف. (4) ح: " وقال شاعر اليمن يرثى ذا الكلاع وحوشبا ". (*)

[ 456 ]

معاوى قد نلنا ونيلت سراتنا * وجدع أحياء الكلاع ويحصب بذى كلع لا يبعد الله داره * وكل يمان قد أصيب بحوشب هما ما هما كانا، معاوى، عصمة * متى ما أقله جهرة لا أكذب ولو قبلت في هالك بذل فدية * فديناهما بالنفس والأم والأب وقد علقت أرماحنا بفوارس * منى قومهم منا بجدع موعب (1) وليس ابن قيس أو عدى بن حاتم * والأشتر إن ذاقوا فنا بتحوب (2) ثم رجع إلى حديث عمر بن سعد. نصر، عن عمر، عن عبد الرحمن بن عبد الله (3)، أن عبد الله بن كعب (4) قتل يوم صفين، فمر به الأسود بن قيس (5) بآخر رمق فقال: عز على والله مصرعك. أما والله لو شهدتك لآسيتك ولدافعت عنك، ولو رأيت الذى أشعرك (6) لأحببت ألا يزايلنى حتى [ أقتله أو ] يلحقني بك. ثم نزل إليه فقال: [ رحمك الله يا عبد الله ]، والله إن كان جارك ليأمن بوائقك، وإن كنت لمن الذاكرين الله كثيرا. أوصني رحمك الله. قال: " أوصيك


(1) في الأصل: " وقد علقت أرحامنا " والوجه ما أثبت، والبيت لم يرو في ح. أراد أخذت أرماحنا هؤلاء الفوارس الذين يتمنى قومهم لنا الجدع الموعب. وهذا البيت ترتيبه الثالث في الأصل، كما أن تاليه كان ترتيبه الخامس في الأصل، ولم يرويا في ح، وقد رددتهما إلى هذا الوضع الذى يتساوق به الشعر. (2) فنا: مقصور فناء، قصره للشعر. وفي الأصل: " فلا ". (3) ح: " عن عبيد الرحمن بن كعب ". (4) عبد الله بن كعب المرادى قتل يوم صفين، وكان من أعيان أصحاب على. الإصابة 4909. وفي ح: " عبد الله بن بديل ". وعبد الله بن بديل، وأخوه عبد الرحمن بن بديل، قتلا أيضا بصفين. (5) ح: " الأسود بن طهمان الخزاعى ". (6) في اللسان: " أشعره سنانا: خالطه به ". وأنشد قول أبى عازب الكلابي: فأشعرته تحت الظلام وبيننا * من الخطر المنضود في العين واقع قال: " يريد أشعرت الذئب بالسهم ". وفى الأصل: " ولو أعرف " وأثبت ما في ح. (*)

[ 457 ]

بتقوى الله، وأن تناصح أمير المؤمنين وأن تقاتل معه المحلين، حتى يظهر الحق أو تلحق بالله. وأبلغه عنى السلام وقل له: قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك، فإنه من أصبح والمعركة خلف ظهره كان الغالب ". ثم لم يلبث أن مات، فأقبل الأسود إلى على فأخبره فقال: " رحمه الله، جاهد معنا عدونا في الحياة، ونصح لنا في الوفاة ". ثم إن عليا غلس بالناس بصلاة الفجر، ثم زحف بهم فخرج الناس على راياتهم وأعلامهم، وزحف إليهم أهل الشام. قال: فحدثني عمرو بن شمر، عن جابر عن عامر، عن صعصعة بن صوحان والحارث بن أدهم، أن أبرهة بن الصباح بن أبرهة الحميرى قام فقال: ويلكم يا معشر أهل اليمن، والله إنى لأظن أن قد أذن بفنائكم، ويحكم خلوا بين هذين الرجلين فليقتتلا، فأيهما قتل صاحبه ملنا معه جميعا. وكان [ أبرهة ] من رؤساء أصحاب معاوية. فبلغ ذلك عليا فقال: صدق أبرهة بن الصباح، والله ما سمعت بخطبة منذ وردت الشام أنا بها أشد سرورا منى بهذه. وبلغ معاوية كلام أبرهة فتأخر آخر الصفوف وقال لمن حوله: إنى لأظن أبرهة مصابا في عقله. فأقبل أهل الشام يقولون: والله إن أبرهة لأفضلنا دينا ورأيا وبأسا، ولكن معاوية كره مبارزة على. فقال أبرهة في ذلك: لقد قال ابن أبرهة مقالا * وخالفه معاوية بن حرب لأن الحق أوضح من غرور * ملبسة غرائضه بحقب (1) رمى بالفيلقين به جهارا * وأنتم ولد قحطان بحرب فخلوا عنهما ليثى عراك * فإن الحق يدفع كل كذب وما إن يعتصم يوما بقول * ذوو الأرحام إنهم لصحبي


(1) كذا ورد هذا الشطر. وانظر أواخر ص 441. (*)

[ 458 ]

وكم بين المنادى من بعيد * ومن يغشى الحروب بكل عضب ومن يرد البقاء ومن يلاقى * بإسماح الطعان وصفح ضرب أيهجرني معاوية بن حرب * وما هجرانه سخطا لربى وعمرو إن يفارقنى بقول * فإن ذراعه بالغدر رحب (1) وإنى إن أفارقهم بدينى * لفى سعة إلى شرق وغرب وبرز يومئذ عروة بن داود الدمشقي (2) فقال: إن كان معاوية كره مبارزتك يا أبا الحسن فهلم إلى. فتقدم إليه على فقال له أصحابه: ذر هذا الكلب فإنه ليس لك بخطر (3). فقال: والله ما معاوية اليوم بأغيظ لى منه. دعوني وإياه. ثم حمل عليه فضربه فقطعه قطعتين، سقطة إحداهما يمنة والأخرى يسرة، فارتج العسكران لهول الضربة، ثم قال: اذهب يا عروة فأخبر قومك. أما والذى بعث محمدا بالحق لقد عاينت النار وأصبحت من النادمين. وقال ابن عم لعروة: واسوء صباحاه، قبح الله البقاء بعد أبى داود. ثم أنشأ يقول في ذلك: فقدت عروة الأرامل والأي‍ * تام يوم الكريهة الشنعاء (4) كان لا يشتم الجليس ولا ين‍ * كل يوم العظيمة النكباء (5) آمن الله من عدى ومن اب‍ * ن أبى طالب ومن عليا يالعينى ألا بكت عروة [ الأق‍ * وام ] يوم العجاج والترباء (6)


(1) الذراع أنثى، وقد تذكر. وفي البيت إقواء. (2) ح (2: 300): " أبو داود عروة بن داود العامري ". (3) في اللسان: " وهذا خطير لهذا وخطر له، أي مثل له في القدر ". (4) في الأصل: " الشغباء " تحريف. والمقطوعة لم ترد في ح. (5) نكل، كضرب ونصر وعلم، نكولا: نكص وجبن. (6) كلمة " الأقوام " بمثلها يتم البيت، وليست في الأصل. والترباء، إحدى لغات التراب، وهى إحدى عشرة لغة. (*)

[ 459 ]

فليبكيه نسوة من بنى عا * مر من يثرب وأهل قباء رحم الله عروة الخير ذا النج‍ * دة وابن القماقم النجباء أرهقته المنون في قاع صفين صريعا قد غاب في الجرباء (1) غادرته الكماة من أهل بدر * ومن التابعين والنقباء وقال عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري: عرو يا عرو قد لقيت حماما * إذ تقحمت في حمى اللهوات أعليا، لك الهوان، تنادى * ضيغما في أياطل الحومات إن لله فارسا كأبى الشب‍ * لمين ما إن يهوله المتلفات (2) مؤمنا بالقضاء محتسبا بال‍ * خير يرجو الثواب بالسابقات ليس يخشى كريهة في لقاء * لا ولا ما يجى به الآفات فلقد ذقت في الجحيم نكالا * وضراب المقامع المحميات يا ابن داود قد وقيت ابن هند * أن يكون القتيل بالمقفرات قال: وحمل ابن عم أبى داود على على فطعنه فضرب الرمح فبراه، ثم قنعه ضربة فألحقه بأبى داود، ومعاوية واقف على التل يبصر ويشاهد، فقال: تبا لهذه الرجال وقبحا، أما فيهم من يقتل هذا مبارزة أو غيلة، أو في اختلاط الفيلق وثوران النقع. فقال الوليد بن عقبة: ابرز إليه أنت فإنك أولى الناس بمبارزته. فقال: والله لقد دعاني إلى البراز حتى استحييت من قريش، وإنى والله لا أبرز إليه، ما جعل العسكر بين يدى الرئيس إلا وقاية له. فقال عتبة ابن أبى سفيان: الهوا عن هذا كأنكم لم تسمعوا نداءه، فقد علمتم أنه قتل حريثا وفضح عمرا، ولا أرى أحدا يتحكك به إلا قتله. فقال معاوية لبسر


(1) الجرباء: الأرض الممحلة المقحوطة. وفي الأصل: " قد عاين الحوباء ". (2) في الأصل: " ليس لله فارس ". (*)

[ 460 ]

ابن أرطاة أتقوم لمبارزته ؟ فقال: ما أحد أحق بها منك، وإذا أبيتموه فأنا له. فقال له معاوية: أما إنك ستلقاه في العجاجة غدا في أول الخيل. وكان عند بسر بن أرطاة ابن عم له قد قدم من الحجاز يخطب ابنته فأتى بسرا فقال له: إنى سمعت أنك وعدت من نفسك أن تبارز عليا. أما تعلم أن الوالى من بعد معاوية عتبة، ثم بعده محمد أخوه، وكل من هؤلاء قرن لعلى (1)، فما يدعوك إلى ما أرى. قال: الحياء، خرج منى كلام (2) فأنا أستحيى أن أرجع عنه. فضحك الغلام وقال في ذلك: تنازله يا بسر إن كنت مثله * وإلا فإن الليث للضبع آكل (3) كأنك يا بسر بن أرطاة جاهل * بآثاره في الحرب أو متجاهل معاوية الوالى وصنواه بعده * وليس سواء مستعار وثاكل أولئك هم أولى به منك إنه * على فلا تقربه، أمك هابل متى تلقه فالموت في رأس رمحه * وفي سيفه شغل لنفسك شاغل وما بعده في آخر الحرب عاطف * ولا قبله في أول الخيل حامل (4) فقال بسر: هل هو إلا الموت، لابد والله من لقاء الله تعالى. فغدا على [ عليه السلام ] منقطعا من خيله ومعه الأشتر، وهو يريد التل وهو يقول: إنى على فاسألوا لتخبروا * ثم ابرزوا إلى الوغى أو أدبروا سيفى حسام وسناني أزهر * منا النبي الطيب المطهر


(1) في الأصل: " وكل هؤلاء من قرن لعلى " صوابه في ح. (2) في الأصل: " شئ " والوجه ما أثبت من ح (2: 300). (3) ح: " للشاة آكل ". (4) عاطف، أراد به الذى يحمى المنهزمين. وفي اللسان: " ورجل عطوف وعطاف " يحمى المنهزمين ". وفي الأصل: " خاطف " موضع " عاطف " صوابه في ح. (*)

[ 461 ]

وحمزة الخير ومنا جعفر * له جناح في الجنان أخضر (1) ذا أسد الله وفيه مفخر * هذا وهذا وابن هند مجحر مذبذب مطرد مؤخر فاستقبله بسر قريبا من التل وهو مقنع في الحديد لا يعرف، فناداه: ابرز إلى أبا حسن. فانحدر إليه على تؤدة غير مكترث، حتى إذا قار به طعنه وهو دارع، فألقاه على الأرض، ومنع الدرع السنان أن يصل إليه، فاتقاه بسر [ بعورته ] وقصد أن يكشفها يستدفع بأسه، فانصرف عنه على عليه السلام مستدبرا له، فعرفه الأشتر حين سقط فقال: يا أمير المؤمنين، هذا بسر بن أرطاة، عدو الله وعدوك. فقال: دعه عليه لعنة الله، أبعد أن فعلها. فحمل ابن عم لبسر شاب على على عليه السلام وهو يقول: أرديت بسرا والغلام ثائره * أرديت شيخا غاب عنه ناصره وكلنا حام لبسر واتره فحمل عليه الأشتر وهو يقول: أكل يوم رجل شيخ شاغره * وعورة وسط العجاج ظاهره تبرزها طعنة كف واتره * عمرو وبسر رميا بالفاقره (2) فطعنه الأشتر فكسر صلبه، وقام بسر من طعنة على [ موليا ] وولت خيله، وناده على: يا بسر، معاوية كان أحق بهذا منك (3). فرجع بسر إلى


(1) هو جعفر بن أبى طالب، أخو على عليه السلام، وكان جعفر أسن من على بعشر سنين. وكان مصرعه يوم مؤتة في الثامنة من الهجرة، وكان قد حمل لواء المسلمين زيد بن حارثة فقتل، فحمله جعفر بيمينه فقطعت، ثم بشماله فقطعت، فاحتضنها بعضديه فقتل وخر شهيدا. ويسمى جعفر " ذا الجناحين " و " ذا الهجرتين ". انظر الإصابة، وكتب المغازى، والحيوان (3: 233). (2) الفاقرة: الداهية تكسر فقار الظهر. ح: " منيا بالفاقرة ". (3) ح (2: 301): " بها منك ". (*)

[ 462 ]

معاوية، فقال له معاوية: ارفع طرفك قد أدال الله عمرا منك. فقال في ذلك النضر بن الحارث: أفى كل يوم فارس تندبونه * له عورة وسط العجاجة باديه يكف بها عنه علي سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاويه بدت أمس من عمرو فقنع رأسه * وعورة بسر مثلها حذو حاذيه فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا * سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه ولا تحمدا إلا الحيا وخصا كما * هما كانتا والله للنفس واقيه فلولا هما لم تنجوا من سنانه * وتلك بما فيها عن العود ناهيه متى تلقيا الخيل المشيحة صبحة * وفيها علي فاتركا الخيل ناحيه (1) وكونا بعيدا حيث لا يبلغ القنا * وخمى الوغى إن التجارب كافيه وإن كان منه بعد في النفس حاجة * فعودا إلى ما شئتما هي ماهيه فكان بسر بعد ذلك إذا لقى الخيل التى فيها على تنحى ناحية. وتحامى فرسان أهل الشام عليا. [ قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد، عن الأجلح بن عبد الله الكندى، عن أبى جحيفة قال ]: ثم إن معاوية جمع كل قرشي بالشام فقال: العجب يا معشر قريش أنه ليس لأحد منكم في هذه الحرب فعال يطول به لسانه (2) غدا ما عدا عمرا، فما بالكم، وأين حمية قريش ؟ ! فغضب الوليد بن عقبة


(1) المشيحة: المجدة، صبحة: صبحا. وفي الأصل: " صيحة " صوابه في ح، وفيها: " الخيل المغبرة ؟ ؟ ". (2) الفعال، بالفتح: الفعل الحسن. وفي ح: " فعال يطول بها لسانه " وهو بالكسر: جمع فعل. (*)

[ 463 ]

وقال: وأى فعال تريد، والله ما نعرف في أكفائنا من قريش العراق من يغنى غناءنا باللسان ولا باليد. فقال معاوية: بل إن أولئك قد وقوا عليا بأنفسهم. قال الوليد: كلا بل وقاهم على بنفسه. قال: ويحكم، أما منكم من يقوم لقرنه منهم مبارزة أو مفاخرة. فقال مروان: أما البراز فإن عليا لا يأذن لحسن ولا لحسين ولا لمحمد بنيه فيه، ولا لابن عباس وإخوته، ويصلى بالحرب دونهم، فلأيهم نبارز. وأما المفاخرة فبماذا نفاخرهم أبا لإسلام أم بالجاهلية. فإن كان بالإسلام فالفخر لهم بالنبوة، وإن كان بالجاهلية فالملك فيه لليمن. فإن قلنا قريش قالت العرب: فأقروا لبنى عبد المطلب. فغضب عتبة بن أبى سفيان فقال: الهوا عن هذا فإنى لاق بالغداة جعدة بن هبيرة. فقال معاوية: بخ بخ، قومه بنو مخزوم، وأمه أم هانئ بنت أبى طالب، وأبوه هبيرة بن أبى وهب، كفو كريم. وظهر العتاب بين عتبة والقوم حتى أغلظ لهم وأغلظوا له. فقال مروان: أما والله لولا ما كان منى يوم الدار مع عثمان، ومشهدي بالبصرة لكان منى في علي رأى كان يكفى امرأ ذا حسب ودين، ولكن ولعل. ونابذ معاوية الوليد بن عقبة دون القوم، فأغلظ له الوليد فقال معاوية: يا وليد، إنك إنما تجترئ على بحق عثمان (1)، وقد ضربك حدا، وعزلك عن الكوفة. ثم إنهم ما أمسوا حتى اصطلحوا وأرضاهم معاوية من نفسه، ووصلهم بأموال جليلة. وبعث معاوية إلى عتبة فقال: ما أنت صانع في جعدة ؟ فقال: ألقاه اليوم وأقاتله غدا. وكان لجعدة في قريش شرف عظيم، وكان له لسان، وكان من أحب الناس إلى علي، فغدا عليه عتبة فنادى: أيا جعدة، أيا جعدة. فاستأذن عليا عليه السلام في الخروج إليه، فإذن له، واجتمع الناس لكلامهما فقال عتبة: يا جعدة، إنه والله ما أخرجك علينا إلا حب خالك وعمك ابن


(1) ح (2: 301) " بنسبك من عثمان ". (*)

[ 464 ]

أبى سلمة عامل البحرين (1)، وإنا والله ما نزعم أن معاوية أحق بالخلافة من على لولا أمره في عثمان، ولكن معاوية أحق بالشام لرضا أهلها به فاعفوا لنا عنها، فوالله ما بالشام رجل به طرق (2) إلا وهو أجد من معاوية في القتال، ولا بالعراق من له مثل جد على [ في الحرب ]. ونحن أطوع لصاحبنا منكم لصاحبكم، وما أقبح بعلى أن يكون في قلوب المسلمين أولى الناس بالناس، حتى إذا أصاب سلطانا أفنى العرب. فقال جعدة: أما حبى لخالي فوالله أن لو كان لك خال مثله لنسيت أباك. وأما ابن أبى سلمة فلم يصب أعظم من قدره، والجهاد أحب إلى من العمل. وأما فضل على على معاوية فهذا ما لا يختلف فيه [ اثنان ]. وأما رضاكم (3) اليوم بالشام فقد رضيتم بها أمس [ فلم نقبل ]. وأما قولك إنه ليس بالشام من رجل إلا وهو أجد من معاوية، وليس بالعراق لرجل مثل جد على، فهكذا ينبغى أن يكون، مضى بعلى يقينه، وقصر بمعاوية شكه، وقصد أهل الحق خير من جهد أهل الباطل. وأما قولك نحن أطوع لمعاوية منكم لعلى عليه السلام، فو الله ما نسأله إن سكت، ولا نرد عليه إن قال. وأما قتل العرب فإن الله كتب [ القتل و ] القتال فمن قتله الحق فإلى الله. فغضب عتبة وفحش على جعدة، فلم يجبه وأعرض عنه وانصرفا جميعا مغضبين. فلما انصرف عتبة جمع خيله فلم يستبق منها [ شيئا ]، وجل أصحابه السكون والأزد والصدف، وتهيأ جعدة بما استطاع فالتقيا، وصبر القوم جميعا، وباشر جعدة يومئذ القتال بنفسه، وجزع عتبة فأسلم خيله


(1) في الأصل: " عامل البحرين " وأثبت ما في ح. (2) الطرق، بالكسر: القوة. وفي الحديث: " لا أرى أحدا به طرق يتخلف ". وفي الأصل: " طرف " صوابه بالقاف. (3) في الأصل: " رضاكم " وأثبت ما في ح. (*)

[ 465 ]

وأسرع هاربا إلى معاوية، فقال له: فضحك جعدة، وهزمتك (1) لا تغسل رأسك منها أبدا. قال عتبة: لا والله لا أعود إلى مثلها أبدا، ولقد أعذرت، وما كان على أصحابي من عتب، ولكن الله أبى أن يديلنا منهم فما أصنع. فخطى بها جعدة عند على. فقال النجاشي فيما كان من شتم عتبة لجعدة شعرا: إن شتم الكريم يا عتب خطب * فاعلمنه من الخطوب عظيم أمه ام هانئ وأبوه * من معد ومن لؤى صميم ذاك منها هبيرة بن أبى وه‍ * ب أقرت بفضله مخزوم كان في حربكم يعد بألف * حين تلقى بها القروم القروم وابنه جعدة الخليفة منه * هكذا يخلف الفروع الأروم كل شئ تريده فهو فيه * حسب ثاقب ودين قويم وخطيب إذا تمعرت الأو * جه يشجى به الألد الخصيم وحليم إذا الحبى حلها الجه‍ * ل وخفت من الرجال الحلوم (2) وشكيم الحروب قد علم النا * س إذا حل في الحروب الشكيم وصحيح الأديم من نغل العي‍ * ب إذا كان لا يصح الأديم حامل للعظيم في طلب الحم‍ * د إذا أعظم الصغير اللئيم ما عسى أن تقول للذهب الأح‍ * مر عيبا، هيهات منك النجوم كل هذا بحمد ربك فيه * وسوى ذاك كان وهو فطيم وقال الشنى في ذلك لعتبة: مازلت تنظر في عطفيك أبهة * لا يرفع الطرف منك التيه والصلف (3)


(1) في الأصل: " بهزمك " والوجه ما أثبت من ح. (2) الحبى، تقال بضم الحاء جمع حبوة بضم الحاء، وبكسر الحاء جمع حبوة بكسرها، وهى أن يجمع ظهره وساقيه بعمامة. ح: " إذا الجبال جللها الجهل ". (3) في الأصل: " وظلت تنظر " وأثبت ما في ح (1: 302). (*)

[ 466 ]

لا تحسب القوم إلا فقع قرقرة * أو شحمة بزها شاو لها نطف (1) حتى لقيت ابن مخزوم وأى فتى * أحيا مآثر آباء له سلفوا إن كان رهط أبى وهب جحاجحة * في الأولين فهذا منهم خلف أشجاك جعدة إذ نادى فوارسه * حاموا عن الدين والدنيا فما وقفوا حتى رموك بخيل غير راجعة * إلا وسمر العوالي منكم تكف قد عاهدوا الله لن يثنوا أعنتها * عند الطعان ولا في قولهم خلف لما رأيتهم صبحا حسبتهم * أسد العرين حمى أشبالها الغرف (2) ناديت خيلك إذ عض الثقاف بهم: * خيلى إلى، فما عاجوا ولا عطفوا (3) هلا عطفت على قتلى مصرعة * منها السكون ومنها الأزد والصدف قد كنت في منظر من ذا ومستمع * يا عتب لولا سفاه الرأى والسرف فاليوم يقرع منك السن عن ندم * ما للمبارز إلا العجز والنصف نصر، عن عمر في إسناده قال: وكان من أهل الشام بصفين رجل يقال له الأصبغ بن ضرار الأزدي، وكان يكون طليعة ومسلحة لمعاوية، فندب على له الأشتر فأخذه أسيرا من غير أن يقاتل. وكان على ينهى عن قتل الأسير الكاف فجاء به ليلا وشد وثاقه وألقاه عند أصحابه (4) ينتظر به الصباح، وكان الأصبغ شاعرا مفوها، ونام أصحابه، فرفع صوته فأسمع الأشتر فقال:


(1) في الأصل: " لم يصبح القوم " وأثبت ما في ح. وفي الأصل أيضا: " شحمة يشوها " صوابه من ح، وانظر ما سبق في ص 367 س 13. (2) الغرف: جمع غريف، وهو الشجر الملتف. وفي الأصل: " العرف " تحريف. وهذا البيت والثلاثة قبله والبيت الذى بعده ليس في ح. (3) خيلك: أي فوارسك. عض الثقاف بهم: دخلوا في مأزق الحرب. وأصل الثقاف خشبة تسوى بها الرماح والقسى، بها خرق يتسع لهما، ثم يغمز منهما حيث ينبغى أن يغمز، وهما مدهونان مملولان أو مضهوبان على النار، حتى يصيرا إلى ما يراد منهما. وفي الأصل: " إذا غض النقاف " تحريف. (4) في الأصل: " مع أضيافه " وأثبت ما في ح (2: 302). (*)

[ 467 ]

ألا ليت هذا الليل طبق سرمدا * على الناس لا يأتيهم بنهار (1) يكون كذا حتى القيامة إنني * أحاذر في الإصباح ضرمة نار (2) فياليل طبق إن في الليل راحة * وفي الصبح قتلى أو فكاك إسارى ولو كنت تحت الأرض ستين واديا * لما رد عنى ما أخاف حذارى فيا نفس مهلا إن للموت غاية * فصبرا على ما ناب يا ابن ضرار أأخشى ولى في القوم رحم قريبة * أبى الله أن أخشى والاشتر جارى (3) ولو أنه كان الأسير ببلدة * أطاع بها شمرت ذيل إزارى ولو كنت جار الأشعث الخير فكنى * وقل من الأمر المخوف فرارى وجار سعيد أو عدي بن حاتم * وجار شريح الخير قر قرارى وجار المرادى العظيم وهانئ * وزحر بن قيس ما كرهت نهاري (4) ولو أننى كنت الأسير لبعضهم * دعوت رئيس القوم عند عثارى أولئك قومي لا عدمت حياتهم * وعفوهم عنى وستر عوارى (5) فغذا به الأشتر على على فقال: يا أمير المؤمنين، هذا رجل من المسلحة لقيته بالأمس، فوالله لو علمت أن قتله الحق قتلته، وقد بات عندنا الليلة وحركنا [ بشعره ]، فإن كان فيه القتل فاقتله وإن غضبنا فيه، وإن ساغ لك العفو عنه (6) فهبه لنا. قال: هو لك يا مالك، فإذا أصبت [ منهم ] أسيرا فلا تقتله، فإن أسير أهل القبلة لا يفادى ولا يقتل. فرجع به الأشتر إلى منزله وقال: لك ما أخذنا منك، ليس لك عندنا غيره


(1) ح: " أصبح سرمدا ". (2) ح: " يوم بوار ". والبوار: الهلاك. (3) ح (2: 303): " ومالك جارى "، ومالك هو الأشتر. (4) ح: " المرادى الكريم ". (5) العوار، مثلثة: العيب. (6) في الأصل: " وإن كنت فيه بالخيار " وأثبت ما في ح. (*)

[ 468 ]

وذكروا أن عليا أظهر أنه مصبح غدا معاوية ومناجزه، فبلغ ذلك معاوية، وفزع أهل الشام لذلك وانكسروا لقوله. وكان معاوية بن الضحاك ابن سفيان صاحب راية بنى سليم مع معاوية، وكان مبغضا لمعاوية [ وأهل الشام، وله هوى مع أهل العراق وعلى بن أبى طالب عليه السلام ]، وكان يكتب بالأخبار (1) إلى عبد الله بن الطفيل العامري ويبعث بها إلى على عليه السلام (2) فبعث إلى عبد الله بن الطفيل: إنى قائل شعرا أذعر به أهل الشام وأرغم به معاوية (3). وكان معاوية لا يتهمه، وكان له فضل ونجدة ولسان، فقال ليلا ليسمع أصحابه: ألا ليت هذا الليل أطبق سرمدا * علينا وأنا لا نرى بعده غدا ويا ليته إن جاءنا بصباحه * وجدنا إلى مجرى الكواكب مصعدا حذار على إنه غير مخلف * مدى الدهر، ما لبى الملبون، موعدا فأما قرارى في البلاد فليس لى * مقام ولو جاوزت جابلق مصعدا كأنى به في الناس كاشف رأسه * على ظهر خوار الرحالة أجردا يخوض غمار الموت في مرجحنة * ينادون في نقع العجاج محمدا فوارس بدر والنضير وخيبر * وأحد يروون الصفيح المهندا ويوم حنين جالدوا عن نبيهم * فريقا من الأحزاب حتى تبددا هنالك لا تلوى عجوز على ابنها * وإن أكثرت في القول نفسي لك الفدا فقل لابن حرب ما الذي أنت صانع * أتثبت أم ندعوك في الحرب قعددا (4) وظني بأن لا يصبر القوم موقفا * يقفه وإن لم يجر في الدهر للمدى


(1) ح (3: 423): " بأخبار معاوية ". (2) ح: " فيخبر بها عليا عليه السلام ". (3) في الأصل: " وأذعر به معاوية " وأثبت ما في ح. (4) القعدد، بضم القاف والدال، وبفتح الدال أيضا: الجبان اللئيم القاعد عن الحرب والمكارم. (*)

[ 469 ]

فلا رأى إلا تركنا الشام جهرة * وإن أبرق الفجفاج فيها وأرعدا (1) فلما سمع أهل الشام شعره أتوا به معاوية فهم بقتله، ثم راقب فيه قومه وطرده عن الشام فلحق بمصر، وندم معاوية على تسييره إياه. وقال معاوية: والله لقول السلمى أشد على أهل الشام من لقاء علي، ماله - قاتله الله - لو أصاب خلف جابلق مصعدا نفذه (2). وجابلق: مدينة بالمشرق. وجابلص: مدينة بالمغرب ليس بعدهما شئ (3). وقال الأشتر حين قال على: " إننى مناجز القوم إذا أصبحت ": قد دنا الفصل في الصباح وللسلم رجال وللحروب رجال فرجال الحروب كل خدب * مقحم لا تهده الأهوال يضرب الفارس المدجج بالسي‍ * ف إذا فل في الوغى الأكفال (4) يا ابن هند شد الحيازيم للمو * ت ولا يذهبن بك الآمال إن في الصبح إن بقيت لأمرا * تتفادى من هوله الأبطال فيه عز العراق أو ظفر الشا * م بأهل العراق والزلزال فاصبروا للطعان بالأسل السم‍ * ر وضرب تجرى به الأمثال إن تكونوا قتلتم النفر البي‍ * ض وغالت أولئك الآجال


(1) الفجفاج: الكثير الكلام والفخر بما ليس عنده. (2) نفذه: جازه. ح: " لو صار خلف جابلق مصعدا لم يأمن عليا ". (3) ذكر ياقوت أن جابلق بأقصى المغرب، ومدينة أخرى من رستاق أصبهان لها ذكر في التواريخ. ولم يرسم لجابلص. وفي ح (3: 423): " ألا تعلمون ما جابلق ؟ يقول لأهل الشام. قالوا: لا. قال: مدينة في أقصى المشرق ليس بعدها شئ ". (4) فل: هزم. ح (3: 424): " فر ". والأكفال: جمع كفل، بالكسر، هو من الرجال الذى يكون في مؤخر الحرب، إنما همته في الفرار والتأخر. (*)

[ 470 ]

فلنا مثلهم وإن عظم الخط * ب، قليل أمثالهم أبدال (1) يخضبون الوشيج طعنا إذا جرت من الموت بينهم أذيال (2) طلب الفوز في المعاد وفي ذا * تستهان النفوس والأموال آخر الجزء الحادى عشر من نسخة أجزاء عبد الوهاب فلما انتهى إلى معاوية شعر الأشتر قال: شعر منكر من شاعر منكر، رأس أهل العراق وعظيمهم ومسعر حربهم، وأول الفتنة وآخرها. وقد رأيت أن أكتب إلى على كتابا أسأله الشام - وهو الشئ الأول الذى ردنى عنه - وألقى في نفسه الشك والريبة. فضحك عمرو بن العاص، ثم قال: أين أنت يا معاوية من خدعة على ؟ ! فقال: ألسنا بنى عبد مناف ؟ قال: بلى، ولكن لهم النبوة دونك، وإن شئت أن تكتب فاكتب فكتب معاوية إلى على مع رجل من السكاسك، يقال له عبد الله بن عقبة، وكان من ناقلة أهل العراق، فكتب: " أما بعد، فإنى أظنك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمنا، لم يجنها بعضنا على بعض، وإنا وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقى لنا منها ما نندم به على ما مضى، ونصلح به ما بقى. وقد كنت سألتك الشام على ألا يلزمنى لك طاعة ولا بيعة، فأبيت ذلك على، فأعطاني الله


(1) ح: " فلنا مثلهم غداة التلاقي ". (2) في الأصل: " جرت للموت " صوابه من ح. (*)

[ 471 ]

ما منعت، وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس، فإنى لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو، ولا أخاف من الموت إلا ما تخاف. وقد والله رقت الأجناد، وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز، ولا يسترق حربه. والسلام " فلما انتهى كتاب معاوية إلى على قرأه، ثم قال: العجب لمعاوية وكتابه. ثم دعا على عبيد الله بن أبى رافع كاتبه، فقال: اكتب إلى معاوية: " أما بعد فقد جاءني كتابك، تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض. فإنا وإياك منها في غاية لم تبلغها. وإنى لو قتلت في ذات الله وحييت، ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة، لم أرجع عن الشدة في ذات الله، والجهاد لأعداء الله. وأما قولك إنه قد بقى من عقولنا ما نندم به على ما مضى، فإنى ما نقصت عقلي، ولا ندمت على فعلى. فأما طلبك الشام، فإنى لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك [ منها ] أمس. وأما استواؤنا في الخوف والرجاء، فإنك لست أمضى على الشك منى على اليقين، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة. وأما قولك إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل، فلعمري إنا بنو أب واحد، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبى طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا المحق كالمبطل. وفي أيدينا [ بعد ] فضل النبوة التى أذللنا بها العزيز، وأعززنا بها الذليل. والسلام ". نصر، عن عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة قال: فلما أتى معاوية كتاب على كتمه عن عمرو بن العاص أياما، ثم دعاه بعد ذلك فأقرأه الكتاب، فشمت به عمرو. ولم يكن أحد من قريش أشد تعظيما لعلى من عمرو منذ يوم (*)

[ 472 ]

لقيه وصفح عنه. فقال عمرو بن العاص فيما كان أشار به على معاوية: ألا لله درك يا ابن هند * ودر الآمرين لك الشهود أتطمع لا أبالك في على * وقد قرع الحديد على الحديد وترجو أن تحيره بشك * وترجو أن يهابك بالوعيد (1) وقد كشف القناع وجر حربا * يشيب لهولها رأس الوليد له جأواء مظلمة طحون * فوارسها تلهب كالأسود (2) يقول لها إذا دلفت إليه * وقد ملت طعان القوم عودي (3) فإن وردت فأولها ورودا * وإن صدت فليس بذى صدود (4) وما هي من أبى حسن بنكر * وما هي من مسائك بالبعيد وقلت له مقالة مستكين * ضعيف الركن منقطع الوريد دعن الشام حسبك يا ابن هند * من السوءات والرأى الزهيد ولو أعطاكها ما أزددت عزا * ولا لك لو أجابك من مزيد ولم تكسر بذاك الرأى عودا * لركته ولا ما دون عود فلما بلغ معاوية قول عمرو دعاه، فقال: يا عمرو، إننى قد أعلم ما أردت بهذا. قال: ما أردت ؟ قال: أردت تفييل رأيى وإعظام على، وقد فضحك. قال: أما تفييلى رأيك فقد كان. وأما إعظامي عليا فإنك بإعظامه أشد معرفة منى، ولكنك تطويه وأنا أنشره. وأما فضيحتي، فلم يفتضح امرؤ لقى أبا حسن.


(1) في الأصل: " أن تخبره " صوابه في ح (3: 424). وفي ح أيضا: " وتأمل أن يهابك ". (2) الجأواء: الكتيبة يعلوها لون السواد لكثرة الدروع. (3) ح: " إذا رجعت إليه ". (4) في الأصل: " وإن صدرت " وأثبت ما في ح. (*)

[ 473 ]

وقد كان معاوية شمت بعمرو، حيث لقى من على عليه السلام ما لقى، فقال عمرو في شماتة معاوية: معاوى لا تشمت بفارس بهمة * لقى فارسا لا تعتريه الفوارس معاوى إن أبصرت في الخيل مقبلا * أبا حسن يهوى دهتك الوساوس وأيقنت أن الموت حق وأنه * لنفسك إن لم تمض في الركض حابس فإنك لو لاقيته كنت بومة * أتيح لها صقر من الجو آنس وماذا بقاء القوم بعد اختباطه * وإن امرأ يلقى عليا لآيس دعاك فصمت دونه الأذن هاربا * بنفسك قد ضاقت عليك الأمالس وأيقنت أن الموت أقرب موعد * وأن التى ناداك فيها الدهارس وتشمت بى أن نالنى حد رمحه * وعضضنى ناب من الحرب ناهس (1) أبى الله إلا أنه ليث غابة * أبو أشبل تهدى إليه الفرائس وأنى امرؤ باق فلم يلف شلوه * بمعترك تسفى عليه الروامس فإن كنت في شك فأرهج عجاجة * وإلا فتلك الترهات البسابس نصر: حدثنا عمرو بن شمر قال: حدثنا أبو ضرار قال: حدثنى عمار ابن ربيعة قال: غلس على بالناس صلاة الغداة يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين، وقيل عاشر شهر صفر، ثم زحف إلى أهل الشام بعسكر العراق والناس على راياتهم، وزحف إليهم أهل الشام، وقد كانت الحرب أكلت الفريقين ولكنها في أهل الشام أشد نكاية وأعظم وقعا، فقد ملوا الحرب وكرهوا القتال، وتضعضعت أركانهم. قال: فخرج رجل من أهل العراق على فرس كميت ذنوب، عليه السلاح، لا يرى منه إلا عيناه،


(1) في الأصل: " عضعضنى " والوجه ما أثبت. والمطوعة لم ترد في مظنها من ح. (*)

[ 474 ]

وبيده الرمح، فجعل يضرب رءوس أصحاب على بالقناة ويقول: سووا صفوفكم [ رحمكم الله ]. حتى إذا عدل الصفوف والرايات استقبلهم بوجهه وولى أهل الشام ظهره، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: الحمد لله الذى جعل فينا ابن عم نبيه (1)، أقدمهم هجرة، وأولهم إسلاما، سيف من سيوف لله صبه على أعدائه. فانظروا (2). إذا حمى الوطيس وثار القتام وتكسر المران، وجالت الخيل بالأبطال، فلا أسمع إلا غمغمة أو همهمة، [ فاتبعوني وكونوا في إثرى ]. قال: ثم حمل على أهل الشام وكسر فيهم رمحه ثم رجع، فإذا هو الأشتر. قال وخرج رجل من أهل الشام ينادى بين الصفين: يا أبا الحسن، يا على، ابرز إلى. قال: فخرج إليه على حتى إذا اختلف أعناق دابتيهما بين الصفين فقال: يا على، إن لك قدما في الإسلام وهجرة (3)، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء، وتأخير هذه الحروب حتى ترى من رأيك ؟ فقال له على: وما ذاك ؟ قال: " ترجع إلى عراقك فنخلى بينك وبين العراق، ونرجع إلى شامنا فتخلى بيننا وبين شامنا ". فقال له على: لقد عرفت، إنما عرضت هذا نصيحة وشفقة. ولقد أهمنى هذا الأمر وأسهرني، وضربت أنفه وعينيه، فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه. إن الله تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فوجدت القتال أهون على من معالجة الأغلال في جهنم).


(1) في الأصل: " فيكم ابن عم نبيكم " وأثبت ما في ح (1: 183). (2) في الأصل: " فانظروا إلى ". وكلمة " إلى " ليست في ح. (3) ح: " والهجرة ". (*)

[ 475 ]

فرجع الشامي وهو يسترجع. قال: وزحف الناس بعضهم إلى بعض فارتموا بالنبل [ والحجارة ] حتى فنيت، ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت واندقت، ثم مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسيف وعمد الحديد، فلم يسمع السامع إلا وقع الحديد بعضه على بعض، لهو أشد هولا في صدور الرجال من الصواعق، ومن جبال تهامة يدك بعضها بعضا. قال: وانكشفت الشمس [ بالنقع ] وثار القتام، وضلت الألوية والرايات. قال: و [ أخذ ] الأشتر يسير فيما بين الميمنة والميسرة فيأمر كل قبيلة أو كتيبة من القراء بالإقدام على التى تليها. قال: فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة إلى نصف الليل، لم يصلوا لله صلاة. فلم يزل يفعل ذلك الأشتر بالناس حتى أصبح والمعركة خلف ظهره، وافترقوا عن سبعين ألف قتيل في ذلك اليوم وتلك الليلة، وهى " ليلة الهرير ". و [ كان ] الأشتر في ميمنة الناس، وابن عباس في الميسرة، وعلى في القلب، والناس يقتتلون. ثم استمر القتال من نصف الليل الثاني إلى ارتفاع الضحى، والأشتر يقول لأصحابه وهو يزحف بهم نحو أهل الشام: ازحفوا قيد رمحي هذا. وإذا فعلوا قال: ازحفوا قاب هذا القوس (1). فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر الناس الإقدام (2). فلما رأى ذلك قال: أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم. ثم دعا بفرسه وركز رايته، وكانت مع حيان بن هوذة النخعي، وخرج يسير في الكتائب ويقول: ألا من يشرى نفسه لله ويقاتل مع الأشتر حتى


(1) وكذلك في ح. والقوس يذكر ويؤنث. (2) في الأصل: " حتى بل " صوابه من ح. (*)

[ 476 ]

يظهر أو يلحق بالله (1) ". فلا يزال الرجل من الناس يخرج إليه ويقاتل معه. نصر، عن عمر بن سعد قال: حدثنى أبو ضرار، عن عمار (2) بن ربيعة قال: مر بى والله الأشتر وأقبلت معه حتى رجع إلى المكان الذى كان به، فقام في أصحابه فقال: شدوا، فدى لكم عمى وخالى، شدة ترضون بها الله وتعزون بها الدين، فإذا شددت فشدوا. قال: ثم نزل وضرب وجه دابته ثم قال لصاحب رايته: أقدم. فأقدم بها ثم شد على القوم، وشد معه أصحابه يضرب أهل الشام حتى انتهى بهم إلى عسكرهم. ثم إنهم قاتلوا عند العسكر قتالا شديدا فقتل صاحب رايته. وأخذ على - لما رأى الظفر قد جاء من قبله - يمده بالرجال. قال: وإن عليا قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس قد بلغ بكم الأمر وبعدوكم ما قد رأيتم، ولم يبق منهم إلا آخر نفس، وإن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها، وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغنا منهم ما بلغنا، وأنا غاد عليهم بالغداة أحاكمهم إلى الله عز وجل ". فبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص فقال: يا عمرو، إنما هي الليلة حتى يغدو على علينا بالفيصل (3) فما ترى ؟ قال: إن رجالك لا يقومون لرجاله، ولست مثله. هو يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره. أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء. وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، وأهل الشام


(1) في الأصل: " ويلحق بالله " صوابه في ح. (2) في الأصل: " عمارة " وأثبت ما في ح (1: 184) مطابقا ما سلف في ص 473. (3) ح: " بالفصل ". (*)

[ 477 ]

لا يخافون عليا إن ظفر بهم. ولكن ألق إليهم أمرا إن قبلوه اختلفوا، وإن ردوه اختلفوا. ادعهم إلى كتاب الله حكما فيما بينك وبينهم، فإنك بالغ به حاجتك في القوم، فإنى لم أزل أؤخر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه (1). فعرف ذلك معاوية فقال: صدقت. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن عمير الأنصاري (2) قال: والله لكأنى أسمع عليا يوم الهرير حين سار أهل الشام، وذلك بعد ما طحنت رحى مذحج فيما بينها (3) وبين عك ولخم وجذام والأشعريين، بأمر عظيم تشيب منه النواصي من حين استقلت الشمس (4) حتى قام قائم الظهيرة. ثم إن عليا قال: حتى متى نخلى بين هذين الحيين ؟ قد فنيا وأنتم وقوف تنظرون إليهم. أما تخافون مقت الله. ثم انفتل إلى القبلة ورفع يديه إلى الله ثم نادى: " يا الله، يا رحمن [ يا رحيم ] يا واحد [ يا أحد ]، يا صمد، يا الله يا إله محمد. اللهم إليك نقلت الأقدام، وأفضت القلوب، ورفعت الأيدى، وامتدت الأعناق، وشخصت الأبصار، وطلبت الحوائج. [ اللهم ] إنا نشكو إليك غيبة نبينا صلى الله عليه، وكثرة عدونا وتشتت أهوائنا. (ربنا افتح بينا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين). سيروا على بركة الله ". ثم نادى: لا إله إلا الله والله أكبر كلمة التقوى. ثم قال (5): لا والله الذى بعث محمدا صلى الله عليه بالحق نبيا، ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق الله السموات والأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب. إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب،


(1) في الأصل: " لحاجتك إليه " وأثبت ما في ح. (2) في الأصل: " بن نمير " تحريف. انظر الإصابة 1030. (3) في الأصل: " بيننا " والوجه ما أثبت من ح. (4) استقلت الشمس: ارتفعت في السماء. وفي الأصل: " استقبلت " صوابه في ح. (5) القائل هو الراوى، جابر بن عمير الأنصاري. (*)

[ 478 ]

يخرج بسيفه منحنيا فيقول: معذرة إلى الله عزوجل وإليكم من هذا، لقد هممت أن أصقله (1) ولكن حجزنى عنه أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول كثيرا: " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على ". وأنا أقاتل به دونه. قال: فكنا نأخذه فنقومه ثم يتناوله من أيدينا فيتقحم به في عرض الصف، فلا والله ما ليث بأشد نكاية في عدوه منه. رحمة الله عليه رحمة واسعة. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر (2) قال: سمعت تميم بن حذيم (3) يقول: لما أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا، فإذا أشباه الرايات أمام صف أهل الشام وسط الفيلق من حيال موقف معاوية، فلما أسفرنا إذا هي المصاحف قد ربطت على أطراف الرماح، وهى عظام مصاحف العسكر، وقد شدوا ثلاثة أرماح جميعا وقد ربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم يمسكه عشرة رهط. وقال أبو جعفر وأبو الطفيل: استقبلوا عليا بمائة مصحف، ووضعوا في كل مجنبة مائتي مصحف (4)، وكان جميعها خمسمائة مصحف. قال أبو جعفر: ثم قام الطفيل بن أدهم حيال على، وقام أبو شريح الجذامي حيال الميمنة، وقام ورقاء بن المعمر حيال الميسرة، ثم نادوا: يا معشر العرب، الله الله في نسائكم وبناتكم، فمن للروم (5) والأتراك وأهل فارس غدا إذا فنيتم. الله الله في دينكم. هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فقال على: اللهم إنك تعلم أنهم ما الكتاب يريدون، فاحكم بيننا وبينهم، إنك أنت الحكم الحق المبين. فاختلف أصحاب على في الرأى، فطائفة قالت القتال، وطائفة قالت المحاكمة


(1) إنما يريد أن يصقله ليزيل ما به من الفقار، وهى الحفر الصغار. وفي الأصل: " أفلقه ". (2) جابر هذا هو جابر بن يزيد الجعفي المترجم في ص 245. (3) سبقت ترجمته في ص 169. (4) المجنبة، بكسر النون المشددة: ميمنة الجيش وميسرته، وبفتحها: مقدمة الجيش. (5) ح: " من الروم ". (*)

[ 479 ]

إلى الكتاب، ولا يحل لنا الحرب وقد دعينا إلى حكم الكتاب. فعند ذلك بطلت الحرب ووضعت أوزارها. فقال محمد بن على: فعند ذلك حكم الحكمان. قال نصر: وفي حديث عمرو بن شمر بإسناده قال: فلما أن كان اليوم الأعظم قال أصحاب معاوية، والله ما نحن لنبرح اليوم العرصة حتى يفتح الله لنا أو نموت. فبادروا القتال غدوة في يوم من أيام الشعرى طويل شديد الحر (1) فتراموا حتى فنيت النبل، ثم تطاعنوا حتى تقصفت رماحهم، ثم نزل القوم عن خيولهم فمشى بعضهم إلى بعض بالسيوف حتى كسرت جفونها وقامت الفرسان في الركب، ثم اضطربوا بالسيوف وبعمد الحديد، فلم يسمع السامع إلا تغمغم القوم وصليل الحديد في الهام، وتكادم الأفواه، وكسفت الشمس، وثار القتام، وضلت الألوية والرايات (2)، ومرت مواقيت أربع صلوات لم يسجد لله فيهن إلا تكبيرا، ونادت المشيخة في تلك الغمرات: يا معشر العرب، الله الله في الحرمات، من النساء والبنات. قال جابر: فبكى أبو جعفر وهو يحدثنا بهذا الحديث (3). قال: وأقبل الأشتر على فرس كميت محذوف، قد وضع مغفره على قربوس السرج، وهو يقول: " اصبروا يا معشر المؤمنين فقد حمى الوطيس ". ورجعت الشمس من الكسوف، واشتد القتال، وأخذت السباع بعضها بعضا، فهم


(1) في الأصل: " فباكروا القتال غدا يوما من أيام الشعرى طويلا شديد الحر ". وأثبت ما في ح. (2) في الأصل: " في الرايات " وجهه من ح (1: 185). (3) في الأصل: " وهو يحدثنى " وأثبت ما في ح. (*)

[ 480 ]

كما قال الشاعر (1): مضت واستأخر القرعاء عنها * وخلى بينهم إلا الوريع (2) قال: يقول واحد [ لصاحبه ] في تلك الحال: أي رجل هذا لو كانت له نية. فيقول له صاحبه: وأي نية أعظم من هذه ثكلتك أمك وهبلتك. إن رجلا فيما قد ترى قد سبح في الدماء وما أضجرته الحرب، وقد غلت هام الكماة الحر، وبلغت القلوب الحناجر، وهو كما تراه جذعا يقول هذه المقالة ! اللهم لا تبقنا بعد هذا (3). نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن الشعبى، عن صعصعة قال: قام الأشعث بن قيس الكندى ليلة الهرير في أصحابه من كندة فقال: " الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأستنصره وأستغفره، وأستخيره وأستهديه، [ وأستشيره وأستشهد به ]، فإنه من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه ". ثم قال: " قد رأيتم يا معشر المسلمين


(1) في الأصل: " فأنتم " ووجهه من ح. والشاعر هو عمرو بن معد يكرب، من قصيدة في خزانة الأدب (3: 462 - 463) والأصمعيات 43 - 45. وقبل البيت: وزحف كتيبة دلفت لأخرى * كأن زهاءها رأس صليع (2) القرعاء: جمع قريع، وهو المغلوب المهزوم. وفي الأصل وح: " الفرعاء " تحريف. وفي الخزانة والأصمعيات: " الأوغال " جمع وغل، وهو النذل من الرجال. والوريع، الكاف، وفي الخزانة: " والوريع، بالراء المهملة، وكذلك الورع بفتحتين، وهو الصغير الضعيف الذى لا غناء عنده ". وفي الأصل وح: " الوزيع " ولا وجه له. (3) كتب ابن أبى الحديد بعد هذا في (1: 185): " قلت: لله أم قامت عن الأشتر. لو أن إنسانا يقسم أن الله تعالى ما خلق في العرب ولا في العجم أشجع منه إلا أستاذه عليه السلام لما خشيت عليه الإثم. ولله در القائل وقد سئل عن الأشتر: ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام، وهزم موته أهل العراق. وبحق ما قال فيه أمير المؤمنين عليه السلام: كان الأشتر كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله ". (*)

[ 481 ]

ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فنى فيه من العرب، فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قط. ألا فليبلغ الشاهد الغائب، أنا إن نحن تواقفنا غدا إنه لفناء العرب وضيعة الحرمات (1). أما والله ما أقول هذه المقالة جزعا من الحتف، ولكني رجل مسن أخاف على [ النساء و ] الذرارى غدا إذا فنينا. اللهم إنك تعلم أنى قد نظرت لقومي ولأهل دينى فلم آل، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، والرأى يخطئ ويصيب، وإذا قضى الله أمرا أمضاه على ما أحب العباد أو كرهوا. أقول قولى هذا وأستغفر الله [ العظيم ] لى ولكم ". قال صعصعة: فانطلقت عيون معاوية إليه بخطبة الأشعث فقال: أصاب ورب الكعبة، لئن نحن التقينا غدا لتميلن الروم على ذرارينا ونسائنا، ولتميلن (2) أهل فارس على نساء أهل العراق وذراريهم. وإنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنهى. اربطوا المصاحف على أطراف القنا. قال صعصعة: فثار (3) أهل الشام فنادوا في سواد الليل: يا أهل العراق، من لذرارينا إن قتلتمونا ومن لذراريكم إن قتلناكم ؟ الله الله في البقية. فأصبح أهل الشام وقد رفعوا المصاحف على رءوس الرماح وقلدوها الخيل، والناس على الرايات قد اشتهوا ما دعوا إليه، ورفع مصحف دمشق الأعظم تحمله عشرة رجال على رءوس الرماح، ونادوا: يا أهل العراق، كتاب الله بيننا وبينكم. وأقبل أبو الأعور السلمى على برذون أبيض وقد وضع المصحف على رأسه ينادى: يا أهل العراق، كتاب الله بيننا وبينكم


(1) في الأصل: " الحرمان " صوابه في ح. (2) في الأصل: " لتمكن " في هذا الموضع وسابقه، ووجههما ما أثبت من ح. (3) في الأصل: " فأمر " وصوابه في ح. (*)

[ 482 ]

وأقبل عدى بن حاتم فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان أهل الباطل لا يقومون بأهل الحق فإنه لم يصب عصبة منا إلا وقد أصيب مثلها منهم، وكل مقروح، ولكنا أمثل بقية منهم. وقد جزع القوم وليس بعد الجزع إلا ما تحب (1)، فناجز القوم، فقام الأشتر النخعي فقال: يا أمير المؤمنين، إن معاوية لا خلف له من رجاله، ولك بحمد الله الخلف، ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا بصرك، فاقرع الحديد بالحديد، واستعن بالله الحميد. ثم قام عمرو بن الحمق فقال: يا أمير المؤمنين، إنا والله ما أجبناك (2) ولا نصرناك عصبية على الباطل ولا أجبنا إلا الله عز وجل، ولا طلبنا إلا الحق، ولو دعانا غيرك إلى ما دعوت إليه لا ستشرى فيه اللجاج (3) وطالت فيه النجوى، وقد بلغ الحق مقطعه، وليس لنا معك رأى. فقام الأشعث بن قيس مغضبا فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لك اليوم على ما كنا عليه أمس، وليس آخر أمرنا كأوله، وما من القوم أحد أحنى على أهل العراق ولا أوتر لأهل الشام منى، فأجب القوم إلى كتاب الله فإنك أحق به منهم. وقد أحب الناس البقاء وكرهوا القتال. فقال على عليه السلام: إن هذا أمر ينظر فيه. وذكروا أن أهل الشام جزعوا فقالوا: يا معاوية، ما نرى أهل العراق أجابوا إلى ما دعوناهم إليه، فأعدها جذعة (4)، فإنك قد غمرت بدعائك القوم وأطمعتهم فيك.


(1) ح (1: 185): " نحب " بالنون. (2) في الأصل: " ما اخترناك " والوجه ما أثبت من ح. (3) استشرى: اشتد وقوى. وفي الأصل: " لكان فيه اللجاج " وأثبت ما في ح. (4) أي ابدأها مرة أخرى. وفي اللسان: " وإذا طفئت حرب بين قوم فقال بعضهم إن شئتم أعدناها جذعة، أي أول ما يبتدأ فيها ". ح (1: 188): " فأعدوها خدعة " تحريف. (*)

[ 483 ]

فدعا معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص، وأمره أن يكلم أهل العراق. فأقبل حتى إذا كان بين الصفين نادى: يا أهل العراق، أنا عبد الله بن عمرو ابن العاص، إنها قد كانت بيننا وبينكم أمور للدين والدنيا، فإن تكن للدين فقد والله أعذرنا وأعذرتم، وإن تكن للدنيا فقد والله أسرفنا وأسرفتم. وقد دعوناكم إلى أمر لو دعوتمونا إليه لأجبناكم، فإن يجمعنا وإياكم الرضا فذلك من الله. فاغتنموا هذه الفرجة لعله أن يعيش فيها المحترف (1) وينسى فيها القتيل. فإن بقاء المهلك بعد الهالك قليل. فخرج سعيد بن قيس فقال: يا أهل الشام، إنه قد كان بيننا وبينكم أمور حامينا فيها على الدين والدنيا، سميتموها غدرا وسرفا، وقد دعوتمونا اليوم إلى ما قاتلناكم عليه بالأمس، ولم يكن ليرجع أهل العراق إلى عراقهم، ولا أهل الشام إلى شامهم، بأمر أجمل من أن يحكم بما أنزل الله. فالأمر في أيدينا دونكم، وإلا فنحن نحن وأنتم أنتم. وقام الناس إلى على فقالوا: أجب القوم إلى ما دعوك إليه فإنا قد فنينا. ونادى إنسان من أهل الشام في سواد الليل بشعر سمعه الناس، وهو: رءوس العراق أجيبوا الدعاء * فقد بلغت غاية الشده وقد أودت الحرب بالعالمين * وأهل الحفائظ والنجده فلسنا ولستم من المشركين * ولا المجمعين على الرده ولكن أناس لقوا مثلهم * لنا عدة ولهم عده فقاتل كل على وجهه * يقحمه الجد والحده فإن تقبلوها ففيها البقاء * وأمن الفريقين والبلده وإن تدفعوها ففيها الفناء * وكل بلاء إلى مده


(1) ح: " المحترق ". (*)

[ 484 ]

وحتى متى مخض هذا السقاء * ولا بد أن يخرج الزبده ثلاثة رهط هم أهلها * وإن يسكتوا تخمد الواقده سعيد بن قيس وكبش العراق * وذاك المسود من كنده نصر (1): هؤلاء النفر المسمون في الصلح. قال: فأما المسود من كندة وهو الأشعث، فإنه لم يرض بالسكوت، بل كان من أعظم الناس قولا في إطفاء الحرب والركون إلى الموادعة. وأما كبش العراق، وهو الأشتر، فلم يكن يرى إلا الحرب، ولكنه سكت على مضض. وأما سعيد بن قيس، فتارة هكذا وتارة هكذا. قال: ذكروا أن الناس ماجوا وقالوا: أكلتنا الحرب وقتلت الرجال. وقال قوم: نقاتل القوم على ما قاتلناهم عليه أمس. ولم يقل هذا إلا قليل من الناس. ثم رجعوا عن قولهم مع الجماعة، وثارت الجماعة بالموادعة. فقام على أمير المؤمنين فقال: " إنه لم يزل أمرى معكم على ما أحب إلى أن أخذت منكم الحرب، وقد والله أخذت منكم وتركت، وأخذت من عدوكم فلم تترك، وإنها فيهم أنكى وأنهك. ألا إنى كنت أمس أمير المؤمنين فأصبحت اليوم مأمورا، وكنت ناهيا فأصبحت منهيا. وقد أحببتم البقاء وليس لى أن أحملكم على ما تكرهون ". ثم قعد، ثم تكلم رؤساء القبائل، فأما من ربيعة وهى الجبهة العظمى فقام كردوس بن هانئ البكري فقال: أيها الناس، إنا والله ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه، ولا تبرأنا من علي منذ توليناه. وإن قتلانا لشهداء، وإن أحياءنا لأبرار، وإن عليا لعلى بينة من ربه، ما أحدث إلا الإنصاف، وكل محق منصف، فمن سلم له نجا، ومن خالفه هلك.


(1) في الأصل: " فمحمد ". (*)

[ 485 ]

ثم قام شقيق بن ثور البكري فقال: أيها الناس، إنا دعونا أهل الشام إلى كتاب الله فردوه علينا فقاتلناهم عليه، وإنهم دعونا إلى كتاب الله فإن رددناه عليهم حل لهم منا ما حل لنا منهم. ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ولا رسوله. وإن عليا ليس بالراجع الناكص، ولا الشاك الواقف، وهو اليوم على ما كان عليه أمس. وقد أكلتنا هذه الحرب، ولا نرى البقاء إلا في الموادعة. ثم قام حريث بن جابر البكري، فقال: أيها الناس، إن عليا لو كان خلفا من هذا الأمر لكان المفزع إليه، فكيف وهو قائده وسائقه. وإنه والله ما قبل من القوم اليوم إلا ما دعاهم إليه أمس، ولو رده عليهم كنتم له أعنت. ولا يلحد في هذا الأمر إلا راجع على عقبيه أو مستدرج بغرور. فما بيننا وبين من طغى علينا إلا السيف. ثم قام خالد بن المعمر فقال: يا أمير المؤمنين، إنا والله ما اخترنا هذا المقام أن يكون أحد هو أولى به منا، غير أنا جعلناه ذخرا، وقلنا: أحب الأمور إلينا ما كفينا مؤنته (1). فأما إذ سبقنا في المقام فإنا لا نرى البقاء إلا فيما دعاك إليه القوم، إن رأيت ذلك، فإن لم تره فرأيك أفضل. ثم إن الحضين الربعي، وهو أصغر القوم سنا قام فقال: أيها الناس، إنما بنى هذا الدين على التسليم فلا توفروه بالقياس ولا تهدموه بالشفقة، فإنا والله لو لا أنا لا نقبل إلا ما نعرف لأصبح الحق في أيدينا قليلا، ولو تركنا ما نهوى لكان الباطل في أيدينا كثيرا، وإن لنا داعيا قد حمدنا ورده


(1) المؤنة، بالضم وسكون الهمزة: لغة في المؤونة، بفتح الميم وضم الهمزة. واستشهد صاحب المصباح لها بقوله: * أميرنا مؤنته خفيفه * (*)

[ 486 ]

وصدره، وهو المصدق على ما قال، المأمون على ما فعل. فإن قال لا قلنا لا، وإن قال نعم قلنا نعم. فبلغ ذلك معاوية فبعث إلى مصقلة بن هبيرة فقال: يا مصقلة، ما لقيت من أحد ما لقيت من ربيعة. قال: ما هم منك بأبعد من غيرهم، وأنا باعث إليهم فيما صنعوا. فبعث مصقلة إلى الربعيين فقال: لن يهلك القوم أن تبدى نصيحتهم * إلا شقيق أخو ذهل وكردوس وابن المعمر لا تنفك خطبته * فيها البيان وأمر القوم ملبوس أما حريث فان الله ضلله * إذ قام معترضا، والمرء كردوس طاطا حضين هنا في فتنة جمحت * إن ابن وعلة فيها، كان، محسوس منوا علينا ومناهم وقال لهم * قولا يهيج له البزل القناعيس كل القبائل قد أدى نصيحته * إلا ربيعة زعم القوم محبوس وقال النجاشي: إن الأراقم لا يغشاهم بوس * ما دافع الله عن حوباء كردوس (1) نمته من تغلب الغلبا فوارسها * تلك الرؤوس وأبناء المرائيس (2) ما بال كل أمير يستراب به * دين صحيح ورأى غير ملبوس وإلى عليا بغدر بذ منه إذا * ما صرح الغدر عن رد الضغابيس نعم النصير لأهل الحق، قد علمت * عليا معد، على أنصار إبليس


(1) الأراقم، هم جشم ومالك وعمرو وثعلبة والحت ومعاوية، بنو بكر بن حبيب ابن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط. والحوباء: النفس. وفي الأصل: " من حوباء ". (2) الغلباء لقب لتغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. انظر القاموس (غلب) رالمعارف 41 - 42. وفي الأصل: " العليا ". والمرائيس: جمع مرآس، وهو المتقدم السابق. (*)

[ 487 ]

قل للذين ترقوا في تعنته * إن البكارة ليست كالقناعيس (1) لن تدركوا الدهر كردوسا وأسرته * أبناء ثعلبة الحادى وذو العيس (2) وقال فيما قال خالد بن المعمر: وفت لعلى من ربيعة عصبة * بصم العوالي والصفيح المذكر شقيق وكردوس ابن سيد تغلب * وقد قام فيها خالد بن المعمر وقارع بالشورى حريث بن جابر * وفاز بها لولا حضين بن منذر (3) لأن حضينا قام فينا بخطبة * من الحق فيها ميتة المتجبر (4) أمرنا بمر الحق حتى كأننا * خشاش تفادى من قطام بقرقر (5) وكان أبوه خير بكر بن وائل * إذا خيف من يوم أغر مشهر نماه إلى عليا عكابة عصبة * وآب أبى للدنية أزهر (6) وقال الصلتان: شقيق بن ثور قام فينا بخطبة * يحدثها الركبان أهل المشاعر بما لم يقف فينا خطيب بمثلها * جزى الله خيرا من خطيب وناصر وقد قام فينا خالد بن معمر * وكردوس الحامى ذمار العشائر بمثل الذى جاءا به حذو نعله * وقد بين الشورى حريث بن جابر


(1) البكارة بالكسر: جمع البكر، بالفتح، وهو الفتى من الإبل. والقناعيس: جمع قنعاس، وهو الجمل الضخم العظيم. (2) هم بنو ثعلبة بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم. انظر ما سبق في التنبيه الأول من الصفحة السابقة. وفي الأصل: " بنى ثعلبة " ولا يستقيم به الشعر. (3) سبقت ترجمة حضين في ص 287. وفي الأصل: " حصين " تحريف. (4) في الأصل: " حصينا " صوابه بالضاد المعجمة. وفي الأصل أيضا: " منية المتجبر ". (5) في الأصل: " حتى كأنها ". والخشاش: ضعاف الطير. والقطام كالقطامي: الصقر. والقرقر: الأرض المطمئنة اللينة. (6) في هذا البيت إقواء. (*)

[ 488 ]

فلا يبعدنك الدهر ما هبت الصبا * ولا زلت مسقيا بأسحم ماطر ولا زلت تدعى في ربيعة أولا * باسمك في أخرى الليالى الغوابر (1) وقال حريث بن جابر: أتى نبأ من الأنباء ينمى * وقد يشفى من الخبر الخبير قال: فلما ظهر قول حضين رمته بكر بن وائل بالعداوة، ثم إن عليا أصلح بينهم. وقال رفاعة بن شداد البجلى: " أيها الناس، إنه لا يفوتنا شئ من حقنا، وقد دعونا في آخر أمرنا إلى ما دعوناهم إليه في أوله. وقد قبلوه من حيث لا يعقلون. فإن يتم الأمر على ما نريد فبعد بلاء وقتل، وإلا أثرناها جذعة، وقد رجع إليه جدنا ". وقال في ذلك: تطاول ليلى للهموم الحواضر * وقتلى أصيبت من رءوس المعاشر بصفين أمست والحوادث جمة * يهيل عليها الترب ذيل الأعاصر فإنهم في ملتقى الخيل بكرة * وقد جالت الأبطال دون المساعر (2) فإن يك أهل الشام نالوا سراتنا * فقد نيل منهم مثل جزرة جازر وقام سجال الدمع منا ومنهم * يبكين قتلى غير ذات مقابر فلن يستقيل القوم ما كان بيننا * وبينهم أخرى الليالى الغوابر (3)


(1) الغوابر: الباقيات. والغابر من الأضداد، يقال للماضي وللباقى. (2) دونهم: أي قريبا منهم. والمساعر: جمع مسعر، بكسر الميم، يقال رجل مسعر حرب إذا كان يؤرثها، أي تحمى به. وفي الأصل: " المشاعر " تحريف. والمقطوعة لم ترد في مظنها من ح. (3) أخرى الليالى: آخرها. وفي الأصل " إحدى " تحريف، ونحوه قول الشنفرى: هنا لك لا أرجو حياة تسرني * سجيس الليالى مبسلا بالجرائر وسجيس الليالى: آخرها، أي أبدا. (*)

[ 489 ]

وماذا علينا أن تريح نفوسنا * إلى سنة من بيضنا والمغافر (1) ومن نصبنا وسط العجاج جباهنا * لوقع السيوف المرهفات البواتر وطعن إذا نادى المنادى أن اركبوا * صدور المذاكى بالرماح الشواجر أثرنا التى كانت بصفين بكرة * ولم نك في تسعيرها بعواثر فإن حكما بالحق كانت سلامة * ورأى وقانا منه من شؤم ثائر (2) وفي حديث عمر بن سعد قال: لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يدعون إلى حكم القرآن قال على عليه السلام: " عباد الله، إنى أحق من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمرو بن العاص، وابن أبى معيط، وحبيب ابن مسلمة، وابن أبى سرح، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إنى أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال (3). إنها كلمة حق يراد بها باطل. إنهم والله ما رفعوها أنهم يعرفونها ويعملون بها (4)، ولكنها الخديعة والوهن والمكيدة (5). أعيروني سواعد كم وجماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحق، مقطعه، ولم يبق إلا أن يقطع دابر الذين ظلموا ". فجاءه زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد شاكى السلاح، سيوفهم على عواتقهم، وقد اسودت جباههم من السجود، يتقدمهم مسعر بن فدكى، وزيد بن حصين، وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد، فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين: يا على، أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه،


(1) في الأصل: " من بيننا ". (2) الثائر: الذى يطلب الثأر. في الأصل: " في شؤم ". (3) ح (: 186): " صحبتهم صغارا ورجالا فكانوا شر رجال ". وما أثبت من الأصل يوافق ما في الطبري (6: 27). (4) في الأصل: " ولا يعلمون بها " وتصح هذه القراءة على الاستئناف. وأثبت ما في ح. (5) في الأصل: " وما رفعوها لكم إلا خديعة ومكيدة " وأثبت ما في ح. (*)

[ 490 ]

وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فو الله لنفعلنها إن لم تجبهم. فقال لهم: ويحكم، أنا أول من دعا إلى كتاب الله وأول من أجاب إليه، وليس يحل لى ولا يسعنى في دينى أن أدعى إلى كتاب الله فلا أقبله، إنى إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم، ونقضوا عهده، ونبذوا كتابه، ولكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم، وأنهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون. قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتيك. وقد كان الأشتر صبيحة ليل الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله. نصر: فحدثني فضيل بن خديج، عن رجل من النخع قال: رأيت إبراهيم ابن الأشتر دخل على مصعب بن الزبير فسأله عن الحال كيف كانت (1). فقال: كنت عند على حين بعث إلى الأشتر أن يأتيه، وقد [ كان الأشتر ] أشرف على معسكر معاوية ليدخله، فأرسل [ إليه ] على يزيد بن هانئ: أن ائتنى. فأتاه فبلغه فقال الأشتر: ائته فقل له: ليس هذه بالساعة [ التى ] ينبغى لك أن تزيلني فيها عن موقفي. إنى قد رجوت الله أن يفتح لى فلا تعجلنى. فرجع يزيد بن هانئ إلى على فأخبره، فما هو إلا أن انتهى إلينا حتى ارتفع الرهج وعلت الأصوات من قبل الأشتر، وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق، ودلائل الخذلان والإدبار على أهل الشام، فقال له القوم: والله ما نراك إلا أمرته بقتال القوم. قال: أرأيتموني ساررت رسولي [ إليه ] ؟ أليس إنما كلمته على رءوسكم علانية وأنتم تسمعون. قالوا: فابعث إليه فليأتك، وإلا فوالله اعتزلناك. قال: ويحك يا يزيد، قل له أقبل إلى، فإن الفتنة قد وقعت. فأتاه فأخبره فقال له الأشتر: الرفع هذه المصاحف (2) ؟ قال: نعم. قال:


(1) السائل، هو مصعب بن الزبير. وفي ح: " قال: سألت مصعب بن إبراهيم بن الأشتر عن الحال كيف كانت "، تحريف. (2) ح: " أبرفع هذه المصاحف ". وما في الأصل يوافق الطبري (6: 27). (*)

[ 491 ]

أما والله لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع اختلافا وفرقة، إنها من مشورة ابن النابغة - يعنى عمرو بن العاص - قال: ثم قال ليزيد: [ ويحك ] ألا ترى إلى ما يلقون، ألا ترى إلى الذى يصنع الله لنا، أيتبغى أن ندع هذا وننصرف عنه ؟ ! فقال له يزيد: أتحب أنك ظفرت هاهنا وأن أمير المؤمنين بمكانه الذى هو به يفرج عنه ويسلم إلى عدوه ؟ ! قال: سبحان الله، [ لا ] والله ما أحب ذلك. قال: فإنهم قالوا: لترسلن إلى الأشتر فليأتينك أو لنقتلنك [ بأسيافنا ] كما قتلنا عثمان، أو لنسلمنك إلى عدوك. قال: فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم فصاح فقال: يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم فظنوا أنكم لهم قاهرون ورفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ؟ ! وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها وسنة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم. أمهلوني فواقا (1)، فإنى قد أحسست بالفتح. قالوا: لا. قال: فأمهلوني عدوة الفرس (2)، فإنى قد طمعت في النصر. قالوا: إذن ندخل معك في خطيئتك. قال: فحدثوني عنكم - وقد قتل أماثلكم وبقى أراذلكم - متى كنتم محقين، أحين كنتم تقتلون أهل الشام (3)، فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون أم [ أنتم ] الآن [ في إمساككم عن القتال ] محقون ؟ فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم وكانوا خيرا منكم، في النار. قالوا: دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله. إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا. قال: خدعتم والله فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الجباه السود، كنا نظن أن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوق إلى لقاء الله، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت. ألا فقبحا يا أشباه النيب الجلالة، ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا، فابعدوا


(1) الفواق، بالضم وبالفتح: ما بين الحلبتين. يقال: أنظرني فواق ناقة. (2) في الأصل: " عدو الفرس " وأثبت ما في ح. (3) في الأصل: " حيث كنتم " صوابه في ح (1: 186). (*)

[ 492 ]

كما بعد القوم الظالمون. فسبوه وسبهم، وضربوا بسياطهم وجه دابته، وضرب بسوطه وجوه دوابهم، فصاح بهم علي فكفوا. وقال الأشتر: يا أمير المؤمنين، احمل الصف على الصف يصرع القوم. فتصايحوا (1): إن عليا أمير المؤمنين قد قبل الحكومة ورضى بحكم القرآن ولم يسعه إلا ذلك. قال الأشتر: إن كان أمير المؤمنين قد قبل ورضى بحكم القرآن، فقد رضيت بما رضى أمير المؤمنين. فأقبل الناس يقولون: قد رضى أمير المؤمنين، قد قبل أمير المؤمنين. وهو ساكت لا يبض بكلمة (2)، مطرق إلى الأرض. وقال أبو محمد نافع بن الأسود التميمي (3): ألا أبلغا عنى عليا تحية * فقد قبل الصماء لما استقلت بنى قبة الإسلام بعد انهدامها * وقامت عليه قصرة فاستقرت (4) كأن نبيا جاءنا حين هدمها * بما سن فيها بعد ما قد أبرت (5) قال: ولما صدر على من صفين أنشأ يقول: وكم قد تركنا في دمشق وأرضها * من أشمط موتور وشمطاء ثاكل وعانية صاد الرماح حليلها * فأضحت تعد اليوم إحدى الأرامل


(1) بدلها في الأصل: " فقالوا له " وأثبت ما في ح (1: 187). (2) لا يبض بكلمة، أي ما يتكلم. وفي حديث طهفة: " ماتبض ببلال " أي ما يقطر منها لبن. وفي الأصل: " لا يفيض " صوابه في ح. (3) هو أبو محمد نافع بن الأسود بن قطبة بن مالك التميمي ثم الأسيدى بتشديد الياء، من بنى أسيد بن عمرو بن تميم. قال المرزبانى: شاعر مخضرم يكنى أبا محمد. وقال الدارقطني في المؤتلف: أبو محمد نافع بن الأسود شهد فتوح العراق. انظر الإصابة 8849. وفي الأصل: " أبو مجيد " تحريف. (4) قصرة، أي دون الناس. وفي اللسان: " أبلغ هذا الكلام بنى فلان قصرة ومقصورة، أي دون الناس ". (5) أبرت: غلبت. والمقطوعة لم ترد في ح. (*)

[ 493 ]

تبكى على بعل لها راح غاديا * فليس إلى يوم الحساب بقافل (1) وإنا أناس ما تصيب رماحنا * إذا ما طعنا القوم غير المقاتل قال: وقال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما. وبعث معاوية أبا الأعور السلمى على برذون أبيض، فسار بين الصفين صف أهل العراق وصف أهل الشام، والمصحف على رأسه وهو يقول: كتاب الله بيننا وبينكم. فأرسل معاوية إلى علي: " إن الأمر قد طال بيننا وبينك، وكل واحد منا يرى أنه على الحق فيما يطلب من صاحبه، ولن يعطى واحد منا الطاعة للآخر، وقد قتل فيما بيننا بشر كثير، وأنا أتخوف أن يكون ما بقى أشد مما مضى، وإنا [ سوف ] نسأل عن ذلك الموطن، ولا يحاسب به غيرى وغيرك، فهل لك في أمر لنا ولك فيه حياة وعذر وبراءة، وصلاح للأمة، وحقن للدماء، وألفة للدين، وذهاب للضغائن والفتن: أن يحكم بيننا وبينك حكمان رضيان، أحدهما من أصحابي والآخر من أصحابك، فيحكمان بما في كتاب الله بيننا، فإنه خير لى ولك، وأقطع لهذه الفتن. فاتق الله فيما دعيت له، وارض بحكم القرآن إن كنت من أهله. والسلام ". فكتب إليه على بن أبى طالب: " من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبى سفيان. أما بعد فإن أفضل ما شغل به المرء نفسه اتباع ما يحسن به فعله، ويستوجب فضله، ويسلم من عيبه. وإن البغى والزور يزريان بالمرء في دينه ودنياه، ويبديان من خلله عند من يغنيه ما استرعاه الله ما لا يغنى عنه تدبيره. فاحذر الدنيا فإنه لا فرح في شئ وصلت إليه منها. ولقد علمت أنك غير مدرك ما قضى فواته. وقد رام قوم أمرا بغير الحق


(1) قافل: راجع، قفل يقفل قفولا. وفي الأصل: " بغافل " والوجه ما أثبت. (*)

[ 494 ]

فتأولوا على الله تعالى (1)، فأكذبهم ومتعهم قليلا ثم اضطرهم إلى عذاب غليظ. فاحذر يوما يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله، ويندم فيه من أمكن الشيطان من قياده ولم يحاده، فغرته الدنيا واطمأن إليها. ثم إنك قد دعوتني إلى حكم القرآن، ولقد علمت انك لست من أهل القرآن، ولست حكمه تريد. والله المستعان. وقد أجبنا القرآن إلى حكمه، ولسنا إياك أجبنا. ومن لم يرض بحكم فقد ضل ضلالا بعيدا). آخر الجزء. يتلوه في الذى يتلوه قصة الحكمين. والحمد لله وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله والطاهرين. والسلام. وجدت في الجزء الثاني عشر (2) من أجزاء عبد الوهاب بخطه: " سمع على الشيخ أبى الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفى الأجل السيد الإمام قاضى القضاة أبو الحسن على بن محمد الدامغاني وابناه القاضيان أبو عبد الله محمد وأبو الحسين أحمد، وأبو عبد الله محمد بن القاضى أبى الفتح بن البيضاوى، والشريف أبو الفضل محمد بن على بن أبى يعلى الحسينى، وأبو منصور محمد بن محمد بن قرمى، بقراءة عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي. في شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة ".


(1) ح (1: 188) وتأولوه على الله عز وجل ". (2) في الأصل: " الثامن " وصوابه ما أثبت. (*)

[ 495 ]

الجزء الثامن من كتاب صفين لنصر بن مزاحم رواية أبى محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبى الحسن على بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبى الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفى رواية أبى يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبى الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى رواية الشيخ الحافظ أبى البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي سماع مظفر بن على بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم - غفر الله له

[ 497 ]

بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي قراءة عليه وأنا أسمع، قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى بقراءتي عليه، قال أبو يعلى أحمد ابن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري: قال أبو الحسن محمد بن ثابت ابن عبد الله بن [ محمد (1) ] بن ثابت الصيرفى: قال أبو الحسن على بن محمد بن محمد ابن عقبة: قال أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز: قال أبو الفضل نصر بن مزاحم: قصة الحكمين نصر عن عمر بن سعد، عن رجل، عن شقيق بن سلمة قال: جاءت عصابة من القراء قد سلوا سيوفهم واضعيها على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما تنتظر بهؤلاء القوم أن نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم بالحق. فقال لهم على: قد جعلنا حكم القرآن بيننا وبينهم، ولا يحل قتالهم حتى ننظر بم يحكم القرآن. قال: وكتب معاوية إلى على: " أما بعد، عافانا الله وإياك، فقد آن لك أن تجيب إلى ما فيه صلاحنا وألفة بيننا، وقد فعلت وأنا أعرف حقى، ولكن


(1) ساقطة من الأصل. (*)

[ 498 ]

اشتريت بالعفو صلاح الأمة، ولا أكثر فرحا بشئ جاء ولا ذهب (1)، وإنما أدخلني في هذا الأمر القيام بالحق فيما بين الباغى والمبغى عليه، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. فدعوت إلى كتاب الله فيما بيننا وبينك، فإنه لا يجمعنا وإياك إلا هو، نحيي ما أحيا القرآن، ونميت ما أمات القرآن. والسلام ". وكتب على إلى عمرو بن العاص [ يعظه ويرشده ]: " أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها، ولم يصب صاحبها منها شيئا إلا فتحت له حرصا يزيده فيها رغبة، ولن يستغنى صاحبها بما نال عما لم يبلغه، ومن وراء ذلك فراق ما جمع. والسعيد من وعظ بغيره. فلا تحبط أبا عبد الله أجرك، ولا تجار معاوية في باطله ". فأجابه عمرو بن العاص: " أما بعد فإن ما فيه صلاحنا وألفتنا الإنابة إلى الحق، وقد جعلنا القرآن حكما بيننا فأجبنا إليه. وصبر الرجل منا نفسه على ما حكم عليه القرآن، وعذره الناس بعد المحاجزة. [ والسلام ] ". فكتب إليه علي: " أما بعد فإن الذى أعجبك من الدنيا مما نازعتك إليه نفسك ووثقت به منها لمنقلب عنك، ومفارق لك. فلا تطمئن إلى الدنيا فإنها غرارة. ولو اعتبرت بما مضى لحفظت ما بقى، وانتفعت بما وعظت به. والسلام ". فأجابه عمرو: " أما بعد فقد أنصف من جعل القرآن إماما ودعا الناس إلى أحكامه. فاصبر أبا حسن، وأنا غير منيلك (2) إلا ما أنالك القرآن ". وجاء الأشعث بن قيس إلى علي فقال: [ يا أمير المؤمنين ] ما أرى الناس إلا وقد رضوا وسرهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم


(1) كذا ورد في الأصل وح على الاكتفاء، أي ولا بشئ ذهب. (2) ح (1: 189): " فإنا غير منيليك ". (*)

[ 499 ]

القرآن، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد، ونظرت ما الذى يسأل. قال: ائته إن شئت. فأتاه فسأله فقال: يا معاوية، لأى شئ رفعتم هذه المصاحف ؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه (1). فابعثوا منكم رجلا ترضون به، ونبعث منا رجلا، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه، ثم نتبع ما أتففا عليه. فقال الأشعث: هذا هو الحق. فانصرف إلى على فأخبره بالذى قال. وقال الناس: قد رضينا وقبلنا. فبعث على قراء من أهل العراق، وبعث معاوية قراء من أهل الشام، فاجتمعوا بين الصفين ومعهم المصحف، فنظروا فيه وتدارسوه، وأجمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن، وأن يميتوا ما أمات القرآن. ثم رجع كل فريق إلى أصحابه، وقال الناس: قد رضينا بحكم القرآن. فقال أهل الشام: فإنا قد رضينا واخترنا عمرو بن العاص. وقال الأشعث والقراء الذين صاروا خوارج فيما بعد: فإنا قد رضينا واخترنا أبا موسى الأشعري. فقال لهم على: إنى لا أرضى بأبى موسى، ولا أرى أن أوليه. فقال الأشعث، وزيد بن حصين (1)، ومسعر بن فدكى، في عصابة من القراء: إنا لا نرضى إلا به، فإنه قد حذرنا ما وقعنا فيه. قال على: فإنه ليس لى برضا، وقد فارقني وخذل الناس عنى (2) ثم هرب، حتى أمنته بعد أشهر. ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك. قالوا: والله ما نبالي، أكنت أنت أو ابن عباس، ولا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء، وليس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر. قال على: فإنى أجعل الأشتر. قال نصر: قال عمرو: فحدثني أبو جناب قال: قال الأشعث: وهل سعر


(1) ح: " به فيها ". (2) هو زيد بن حصين الطائى، ذكره ابن حجر في الإصابة 2887. وقد سبقت خطبة له في ص 99، وانظر أيضا ص 100. وفي الأصل " يزيد بن حصن " والصواب مما أثبت من ح. (3) التخذيل: حمل الرجل على خذلان صاحبه، وتثبيطه عن نصرته. (*)

[ 500 ]

الأرض علينا غير الأشتر، وهل نحن إلا في حكم الأشتر. قال له على: وما حكمه ؟ قال: حكمه أن يضرب بعضنا بعضا بالسيوف حتى يكون ما أردت وما أراد. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبى جعفر محمد بن على قال: لما أراد الناس عليا على أن يضع حكمين قال لهم على: إن معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحدا هو أوثق برأيه ونظره من عمرو بن العاص، وإنه لا يصلح للقرشي إلا مثله، فعليكم بعبد الله بن عباس فارموه به، فإن عمرا لا يعقد عقدة إلا حلها عبد الله، ولا يحل عقدة إلا عقدها، ولا يبرم أمرا إلا نقضه، ولا ينقض أمرا إلا أبرمه. فقال الأشعث: لا والله لا يحكم فيها مضريان حتى تقوم الساعة، ولكن أجعله رجلا من أهل اليمن إذ جعلوا رجلا من مضر. فقال على: إنى أخاف أن يخدع يمنيكم، فإن عمرا ليس من الله في شئ إذا كان له في أمر هوى (1). فقال الأشعث: والله لأن يحكما ببعض ما نكره، وأحدهما من أهل اليمن، أحب إلينا من أن يكون [ بعض ] ما نحب في حكمهما وهما مضريان. وذكر الشعبى مثل ذكر الشعبى مثل ذلك. وفي حديث عمر قال: قال على: قد أبيتم إلا أبا موسى ؟ قالوا: نعم. قال: فاصنعوا ما أردتم. فبعثوا إلى أبى موسى وقد اعتزل بأرض من أرض الشام يقال لها (عرض (2)) واعتزل القتال، فأتاه مولى له فقال: إن الناس قد اصطلحوا. قال: الحمد لله رب العالمين. قال: وقد جعلوك حكما. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فجاء أبو موسى حتى دخل عسكر على، وجاء الأشتر حتى أتى عليا فقال له: يا أمير المؤمنين الزنى بعمرو بن العاص (3)، فوالله الذى


(1) في الأصل: " حتى إذا كان له في أمر هواه " صوابه في ح. (2) عرض، بضم أوله وسكون ثانيه: بلد ببن تدمر والرصافة الشامية. (3) ألزه به: ألزمه إباه. (*)

[ 501 ]

لا إله غيره لئن ملأت عينى منه لأقتلنه. قال: وجاء الأحنف بن قيس التميمي فقال: يا أمير المؤمنين، إنك قد رميت بحجر الأرض (1) ومن حارب الله ورسوله أنف الإسلام (2)، وإنى قد عجمت هذا الرجل - يعنى أبا موسى - وحلبت أشطره، فوجدته كليل الشفرة، قريب القعر. وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يكون في أكفهم، ويتباعد منهم حتى يكون بمنزلة النجم منهم، فإن تجعلني حكما فاجعلني، وإن أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا (3)، فإنه لا يعقد عقدة إلا حللتها، ولن يحل عقدة إلا عقدتها وعقدت لك أخرى أشد منها. فعرض ذلك على الناس فأبوه وقالوا: لا يكون إلا أبا موسى. نصر: وفي حديث عمر قال: قام الأحنف بن قيس إلى على فقال: يا أمير المؤمنين، إنى خيرتك يوم الجمل أن آتيك فيمن أطاعنى وأكف عنك بنى سعد، فقلت كف قومك فكفى بكفك نصيرا (4) فأقمت بأمرك. وإن عبد الله بن قيس (5) رجل قد حلبت أشطره فوجدته قريب القعر كليل المدية، وهو رجل يمان وقومه مع معاوية. وقد رميت بحجر الأرض وبمن حارب الله ورسوله، وإن صاحب القوم من ينأى حتى يكون مع النجم، ويدنو حتى يكون في أكفهم. فابعثني ووالله لا يحل عقدة إلا عقدت لك أشد منها


(1) في اللسان: " يقال رمى فلان بحجر الأرض، إذا رمى بداهية من الرجال ". وروى صاحب اللسان حديث الأحنف في (3: 237). (2) أي في أول الإسلام. (3) في الأصل: " فإن شئت أن تجعلني ثانيا أو ثالثا "، وصوابه وتكملته من الطبري. (4) في الأصل: " نصرا " وأثبت ما في ح. (5) عبد الله بن قيس، هو أبو موسى الأشعري. توفى سنة 42 أو 43 وهو ابن نيف وستين سنة. (*)

[ 502 ]

فإن قلت: إنى لست من أصحاب رسول الله صلى الله عليه، فابعث رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه غير عبد الله بن قيس (1)، وابعثني معه. فقال على: إن القوم أتونى بعبد الله بن قيس مبرنسا، فقالوا (2): ابعث هذا، فقد رضينا به، والله بالغ أمره. وذكروا أن ابن الكواء قام إلى على فقال: هذا عبد الله بن قيس وافد أهل اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه، وصاحب مقاسم أبى بكر (3)، وعامل عمر، وقد [ رضى به القوم. و ] عرضنا على القوم عبد الله بن عباس فزعموا أنه قريب القرابة منك، ظنون في أمرك (4). فبلغ ذلك أهل الشام فبعث أيمن بن خريم الأسدى، وهو معتزل لمعاوية، هذه الأبيات، وكان هواه أن يكون هذا الأمر لأهل العراق فقال: لو كان للقوم رأى يعصمون به * من الضلال رموكم بابن عباس (5) لله در أبيه أيما رجل * ما مثله لفصال الخطب في الناس لكن رموكم بشيخ من ذوى يمن * لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس إن يخل عمرو به يقذفه في لجج * يهوى به النجم تيسا بين أتياس أبلغ لديك عليا غير عاتبه (6) * قول امرئ لا يرى بالحق من باس ما الأشعري، بمأمون، أبا حسن، * فاعلم هديت وليس العجز كالراس فاصدم بصاحبك الأدنى زعيمهم * إن ابن عمك عباس هو الآسى


(1) " غير عبد الله بن قيس " ليست في ح. (2) في الأصل: " فقال " صوابه في ح. (3) صاحب المقاسم: الذى يتولى أمر قسمة المغانم ونحوها. (4) الظنون كالظنين: المتهم. (5) في الأصل: " يعظمون به * بعد الخطار " صوابه في ح. (6) في الأصل: " غير عائبه " وأثبت ما في ح (1: 190). (*)

[ 503 ]

قال: فلما بلغ الناس قول أيمن طارت أهواء قوم من أولياء على عليه السلام وشيعته (1) إلى عبد الله بن عباس، وأبت القراء إلا أبا موسى. وفي حديث عمر بن سعد قال: قال بسر بن أرطاة: لقد رضى معاوية بهذه المدة، ولئن أطاعنى لينقصن هذه المدة. قال أيمن بن خريم بن فاتك، وكان قد اعتزل عليا ومعاوية ثم قارب أهل الشام ولم يبسط بدا: أما والذى أرسى ثبيرا مكانه * وأنزل ذا الفرقان في ليلة القدر لئن عطفت خيل العراق عليكم * ولله لا للناس عاقبة الأمر تقحمها قدما عدى بن حاتم * والاشتر يهدى الخيل في وضح الفجر وطاعنكم فيها شريح بن هانئ * وزحر بن قيس بالمثقفة السمر وشمر فيها الأشعث اليوم ذيله * تشبهه (2) بالحارث بن أبى شمر لتعرفه يابسر يوما عصبصبا * يحرم أطهار النساء من الذعر (3) يشيب وليد الحى قبل مشيبه * وفي بعض ما أعطوك راغية البكر (4) وعهدك يابسر بن أرطاة والقنا * رواء من أهل الشام أظماؤها تجرى وعمرو بن سفيان على شر آلة * بمعترك حام أحر من الجمر (5) قال: فلما سمع القوم الذين كرهوا المدة قول أيمن بن خريم كفوا عن الحرب وكان أيمن رجلا عابدا مجتهدا، قد كان معاوية جعل له فلسطين على أن يتابعه ويشايعه على قتال على (6)، فبعث إليه أيمن:


(1) بدلها في الأصل: " طارت أهواؤهم " وما هنا من ح. (2) في الأصل: " يشبهه " والمقطوعة لم ترد في ح. (3) انظر ص 46 س 2. (4) انظر ص 45 السطر الأخير. (5) الآلة: الحالة. قال: * قد أركب الآلة بعد الآله * (6) في الأصل: " على أن يبايعه على قتل على "، وأثبت ما في ح. (*)

[ 504 ]

ولست مقاتلا رجلا يصلى * على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعلى إثمى * معاذ الله من سفه وطيش أأقتل مسلما في غير جرم * فليس بنافعى ما عشت عيشي قال: وبعث [ بسر (1) ] إلى أهل الشام: " أما والله إن من رأيى إن دفعتم هذه الموادعة أن ألحق بأهل العراق فأكون يدا من أيديها عليكم، وما كففت عن الجمعين إلا طلبا للسلامة ". قال معاوية: يا بسر، أتريد أن تمن علينا بخير ؟ ! قال: فرضى أهل الشام ببعث الحكمين. فلما رضى أهل الشام بعمرو بن العاص، ورضى أهل العراق بأبى موسى، أخذوا في كتاب الموادعة، ورضوا بالحكم حكم القرآن. نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن زيد بن حسن قال عمرو: قال جابر: سمعت زيد بن حسن - وذكر كتاب الحكمين فزاد فيه شيئا على ما ذكره محمد بن على الشعبى، في كثرة الشهود وفي زيادة في الحروف ونقصان، أملاها على من كتاب عنده فقال -: هذا ما تقاضى عليه على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان وشيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه، قضية على على أهل العراق ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب، [ وقضية معاوية على أهل الشام ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب ]. إنا رضينا أن ننزل عند حكم القرآن فيما حكم، وأن نقف عند أمره فيما أمر، وإنه لا يجمع بيننا إلا ذلك. وإنا جعلنا كتاب الله فيما بيننا حكما فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته، نحيى ما أحيا ونميت ما أمات (2). على ذلك تقاضيا، وبه تراضيا. وإن عليا وشيعته رضوا أن يبعثوا عبد الله


(1) تكملة يقتضيها السياق. (2) ح (1: 191): " نحيى ما أحيا القرآن ونميت ما أماته ". (*)

[ 505 ]

ابن قيس (1) ناظرا ومحاكما، ورضى معاوية وشيعته أن يبعثوا عمرو بن العاص ناظرا ومحاكما. على أنهما (2) أخذوا عليهما عهد الله وميثاقه وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه، ليتخذان الكتاب إماما فيما بعثا له، لا يعدوانه إلى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطورا. وما لم يجداه مسمى في الكتاب رداه إلى سنة رسول الله صلى الله عليه الجامعة، لا يتعمدان لهما خلافا، ولا يتبعان في ذلك لهما هوى، ولا يدخلان في شبهة. وأخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص على على ومعاوية عهد الله وميثاقه بالرضا بما حكما به من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، وليس لهما أن ينقضا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره، وأنهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأهلهما ما لم يعدوا الحق، رضى بذلك راض أو أنكره منكر، وأن الأمة أنصار لهما على ما قضيا به من العدل. فإن توفى أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة فأمير شيعته وأصحابه يختارون مكانه رجلا، لا يألون عن أهل المعدلة والإقساط، على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق، والحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله. وله مثل شرط صاحبه. وإن مات أحد الأميرين قبل القضاء فلشيعته أن يولوا مكانه رجلا يرضون عدله. وقد وقعت القضية ومعها الأمن والتفاوض ووضع السلاح والسلام والموادعة. وعلى الحكمين عهد الله وميثاقه ألا يألوا اجتهادا، ولا يتعمدا جورا، ولا يدخلا في شبهة، ولا يعدوا حكم الكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن لم يفعلا برئت الأمة (سقط من كتاب بن عقبة) من حكمهما، ولا عهد لهما ولا ذمة. وقد وجبت القضية على ما قد سمى في هذا الكتاب من مواقع الشروط على الأميرين والحكمين والفريقين


(1) عبد الله بن قيس، هو أبو موسى الأشعري. (2) في الأصل: " أنهم " وأثبت ما في ح. (*)

[ 506 ]

والله أقرب شهيدا، وأدنى حفيظا. والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم إلى انقضاء مدة الأجل، والسلاح موضوع، والسبل مخلاة، والغائب والشاهد من الفريقين سواء في الأمن. وللحكمين أن ينزلا منزلا عدلا بين أهل العراق وأهل الشام ولا يحضرهما فيه إلا من أحبا، عن ملأ منهما وتراض وإن المسلمين قد أجلوا القاضيين إلى انسلاخ رمضان، فإن رأى الحكمان تعجيل الحكومة فيما وجها له عجلاها، وإن أرادا تأخيرها بعد رمضان إلى انقضاء الموسم فإن ذلك إليهما. فإن هما لم يحكما بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله إلى انقضاء الموسم فالمسلمون على أمرهم الأول في الحرب. ولا شرط بين واحد من الفريقين. وعلى الأمة عهد الله وميثاقه على التمام، والوفاء بما في هذا الكتاب. وهم يد على من أراد فيه إلحادا وظلما، أو حاول له نقضا. وشهد بما في الكتاب من أصحاب علي (1) عبد الله بن عباس، والأشعث بن قيس، والأشتر مالك بن الحارث، وسعيد بن قيس الهمداني، والحصين والطفيل ابنا الحارث بن المطلب، وأبو أسيد مالك بن ربيعة الأنصاري (2)، وخباب بن الأرت، وسهل بن حنيف، وأبو اليسر بن عمرو الأنصاري (3)، ورفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري، وعوف بن الحارث بن المطلب القرشى،


(1) ح (1: 192): " وشهد فيه من أصحاب على عشرة، ومن أصحاب معاوية عشرة ". وقد فصل الطبري في (6: 130) فذكر هؤلاء العشرة وهؤلاء العشرة. لكن ما في الأصل هنا يربى على هذا العدد كثيرا. (2) هو أبو أسيد، بهيئة التصغير، مالك بن ربيعة بن البدن بن عامر بن عوف بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي. وكان معه راية بنى ساعدة يوم الفتح، اختلف في وفاته ما بين سنة ثلاثين إلى ثمانين. انظر الإصابة 7622. وفي الأصل: " ربيعة بن مالك " تحريف. (3) هو أبو اليسر، بفتحتين، الأنصاري، واسمه كعب بن عمرو بن عباد. شهد بدرا والمشاهد، وهو الذى أسر العباس. ومات بالمدينة سنة خمس وخمسين. الإصابة (7: 218). وفي الأصل: " أبو اليسير " تحريف. (*)

[ 507 ]

وبريدة الأسلمي (1)، وعقبة بن عامر الجهنى، ورافع بن خديج الأنصاري، وعمرو بن الحمق الخزاعى، والحسن والحسين ابنا على، وعبد الله بن جعفر الهاشمي، والنعمان بن عجلان الأنصاري، وحجر بن عدى الكندى، وورقاء بن مالك بن كعب الهمداني، وربيعة بن شرحبيل، وأبو صفرة ابن يزيد، والحارث بن مالك الهمداني، وحجر بن يزيد، وعقبة بن حجية، (إلى هنا السقط). ومن أصحاب معاوية حبيب بن مسلمة الفهرى، وأبو الأعور بن سفيان السلمى (2)، وبسر بن أرطاة القرشى، ومعاوية بن خديج الكندى، والمخارق بن الحارث الحميرى، ورعبل بن عمرو السكسكى، وعبد الرحمن ابن خالد المخزومى، وحمزة بن مالك الهمداني، وسبيع بن يزيد الهمداني، ويزيد بن الحر الثقفى، ومسروق بن حرملة العكى (3)، ونمير بن يزيد الحميرى، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعلقمة بن يزيد الكلبى، وخالد ابن المعرض السكسكي، وعلقمة بن يزيد الجرمى، وعبد الله بن عامر القرشى، ومروان بن الحكم، والوليد بن عقبة القرشى، وعتبة بن أبى سفيان، ومحمد بن أبى سفيان، ومحمد بن عمرو بن العاص، ويزيد بن عمر الجذامي، وعمار ابن الأحوص الكلبى، ومسعدة بن عمرو التجيبى، والحارث بن زياد القينى، وعاصم بن المنتشر الجذامي، وعبد الرحمن بن ذى الكلاع الحميرى، والقباح بن جلهمة الحميرى (4)، وثمامة بن حوشب، وعلقمة بن حكيم، وحمزة بن مالك. وإن بيننا على ما في هذه الصحيفة عهد الله وميثاقه. وكتب عمر يوم الأربعاء.


(1) هو بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج الأسلمي، ينتمى إلى أسلم بن أفصى. مات سنة ثلاث وستين. الإصابة 629. وفي الأصل: (السلمى) تحريف. (2) هو أبو الأعور عمرو بن سفيان بن عبد شمس، وهو ممن قدم مصر مع مروان سنة خمس وستين. انظر الإصابة 5846. (3) ذكره ابن حجر في الإصابة 7938 ولم يعرف اسم والده. (4) لم أعثر له على ترجمة، والمعروف في أعلامهم مما يقاربه " القباع ". (*)

[ 508 ]

لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين. قال نصر: وفي كتاب عمر بن سعد: " هذا ما تقاضى عليه على أمير المؤمنين ". فقال معاوية: بئس الرجل أنا إن أقررت أنه أمير المؤمنين ثم قاتلته. وقال عمرو: اكتب اسمه واسم أبيه، إنما هو أميركم، وأما أميرنا فلا. فلما أعيد إليه الكتاب أمر بمحوه، فقال الأحنف: لا تمح اسم إمرة المؤمنين عنك، فإنى أتخوف إن محوتها ألا ترجع إليك أبدا، لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضا. فأبى مليا من النهار أن يمحوها، ثم إن الأشعث بن قيس جاء فقال: امح هذا الإسم. فقال على: لا إله إلا الله والله أكبر، سنة بسنة، أما والله لعلي يدى دار هذا يوم الحديبية، حين كتبت الكتاب عن رسول الله صلى الله عليه: " هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسهيل بن عمرو "، فقال سهيل: لا أجيبك إلى كتاب تسمى [ فيه ] رسول الله صلى الله عليه، ولو أعلم أنك رسول الله لم أقاتلك، إنى إذا ظلمتك إن منعتك أن تطوف ببيت الله وأنت رسول الله، ولكن اكتب: " محمد بن عبد الله " أجبك. فقال محمد صلى الله عليه: " يا علي إنى لرسول الله، وإنى لمحمد بن عبد الله، ولن يمحو عنى الرسالة كتابي إليهم من محمد بن عبد الله، فاكتب: محمد بن عبد الله ". فراجعني المشركون في هذا (1) إلى مدة. فاليوم أكتبها إلى أبنائهم كما كتبها رسول الله صلى الله عليه إلى آبائهم سنة ومثلا. فقال عمرو بن العاص: سبحان الله، ومثل هذا شبهتنا بالكفار ونحن مؤمنون ؟ فقال له على: يا ابن النابغة، ومتى لم تكن للكافرين وليا وللمسلمين عدوا، وهل تشبه إلا أمك التى وضعت بك (2). فقام عمرو فقال: والله لا يجمع بينى وبينك


(1) في الأصل: " في عهد ". (2) هذه العبارة بعينها في الطبري (6: 29). (*)

[ 509 ]

مجلس أبدا بعد هذا اليوم. فقال على: والله إنى لأرجو أن يظهر الله عليك وعلى أصحابك. قال: وجاءت عصابة قد وضعوا سيوفهم على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين مرنا بما شئت. فقال لهم ابن حنيف: أيها الناس اتهموا رأيكم فوالله لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا. وذلك في الصلح الذى صالح عليه النبي صلى الله عليه. نصر، عن عمر بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن بريدة الأسلمي (1) - يعنى ابن سفيان - عن محمد بن كعب القرظى، عن علقمة بن قيس النخعي قال: لما كتب على الصلح يوم صالح معاوية فدعا الأشتر ليكتب، قال قائل: أكتب بينك وبين معاوية. فقال (2): إنى والله لأنا كتبت الكتاب بيدى يوم الحديبية، وكتبت " بسم الله الرحمن الرحيم "، فقال سهيل: لا أرضى، اكتب " باسمك اللهم " فكتب: " هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو "، فقال. لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك. قال على: فغضبت فقلت: بلى والله إنه لرسول الله وإن رغم أنفك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اكتب ما يأمرك، إن لك مثلها، ستعطيها وأنت مضطهد ". نصر، عن عمر بن سعد قال: حدثنى أبو إسحاق الشيباني قال: قرأت كتاب الصلح عند سعيد بن أبى بردة، في صحيفة صفراء عليها خاتمان خاتم من أسفلها وخاتم من أعلاها. في خاتم على: " محمد رسول الله " وفي خاتم معاوية: " محمد رسول الله ". فقيل لعلي حين أراد أن يكتب الكتاب بينه وبين معاوية وأهل الشام: أتقر أنهم مؤمنون مسلمون ؟ فقال على: ما أقر لمعاوية ولا لأصحابه أنهم مؤمنون ولا مسلمون، ولكن يكتب


(1) هذا غير بريدة الأسلمي، المترجم في ص 507. وقد ترجم لبريدة بن سفيان. في تهذيب التهذيب. (2) أي على عليه السلام. (*)

[ 510 ]

معاوية ما شاء، ويقر بما شاء لنفسه وأصحابه، ويسمى نفسه وأصحابه ما شاء. فكتبوا: " بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما تقاضى عليه على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان. قاضى على بن أبى طالب على أهل العراق ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين، وقاضي معاوية بن أبى سفيان على أهل الشام ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين: إنا ننزل عند حكم الله وكتابه، والا يجمع بيننا إلا إياه، وأن كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته إلى خاتمته: نحيى ما أحيا القرآن، ونميت ما أمات القرآن. فما وجد الحكمان في كتاب الله بيننا وبينكم فإنهما يتبعانه، وما لم يجداه في كتاب الله أخذا بالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة، والحكمان عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص. وأخذنا عليهما عهد الله وميثاقه ليقضيا بما وجدا في كتاب الله، فإن لم يجدا في كتاب الله فالسنة الجامعة غير المفرقة. وأخذ الحكمان من على ومعاوية ومن الجندين - مما هما عليه من أمر الناس بما يرضيان به من العهد والميثاق والثقة من الناس - أنهما آمنان على أموالهما وأهليهما. والأمة لهما أنصار على الذى يقضيان به عليهما (1). وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيها عهد الله أنا على ما في هذه الصحيفة، ولنقومن عليه، وإنا عليه لأنصار. وإنها قد وجبت القضية بين المؤمنين بالأمن والإستقامة ووضع السلاح، أينما ساروا، على أنفسهم وأموالهم وأهليهم وأرضيهم، وشاهدهم وغائبهم وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ليحكمان بين الأمة بالحق، ولا يردانها في فرقة ولا بحرب حتى يقضيا. وأجل القضية إلى شهر رمضان فإن أحبا أن يعجلا عجلا. وإن توفى واحد من الحكمين فإن أمير شيعته يختار مكانه رجلا لا يألو عن المعدلة والقسط، وإن ميعاد قضائهما الذى


(1) في الأصل: " عليه ". (*)

[ 511 ]

يقضيان فيه مكان عدل بين أهل الشام وأهل الكوفة، فإن رضيا مكانا غيره فحيث رضيا لا يحضرهما فيه إلا من أرادا. وأن يأخذ الحكمان من شاءا من الشهود ثم يكتبوا شهادتهم على ما في الصحيفة. ونحن براء من حكم بغير ما أنزل الله. اللهم إنا نستعينك على من ترك ما في هذه الصحيفة، وأراد فيها إلحادا وظلما. وشهد على ما في الصحيفة عبد الله بن عباس، والأشعث ابن قيس، وسعيد بن قيس، و ورقاء بن سمى (1)، وعبد الله بن الطفيل، وحجر ابن يزيد، وعبد الله بن جمل، وعقبة بن جارية، ويزيد بن حجية، وأبو الأعور السلمى، وحبيب بن مسلمة، والمخارق بن الحارث، وزمل بن عمرو (2)، وحمزة ابن مالك، وعبد الرحمن بن خالد، وسبيع بن يزيد (3) وعلقمة بن مرثد، وعتبة ابن أبى سفيان، ويزيد بن الحر. وكتب عميرة يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين. واتعد الحكمان أذرح (4)، وأن يجئ على بأربعمائة من أصحابه، ويجئ معاوية بأربعمائة من أصحابه فيشهدون الحكومة. نصر، عن عمر بن سعد، قال أبو جناب (5)، عن عمارة بن ربيعة الجرمى قال: لما كتبت الصحيفة دعى لها الأشتر فقال: لا صحبتني يمينى ولا نفعتنى بعدها الشمال إن كتب لى في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادعة. أو لست على بينة من ربى، ويقين من ضلالة عدوى ؟ ! أو لستم قد رأيتم


(1) الطبري (6: 30): " ووفاء بن سمى ". (2) زمل، بالكسر، بن عمرو بن عنز العذري، عقد له النبي صلى الله عليه لواء، وشهد بهذا اللواء صفين مع معاوية، وقتل بمرج راهط مع مروان سنة أربع وستين. انظر الإصابة 2810. وفى الأصل: " زامل " تحريف، صوابه في الإصابة والطبري. (3) في الأصل: " سمع بن زيد " وأثبت ما في الطبري (6: 30). (4) أذرح، بضم الراء: بلد في أطراف الشام مجاور لأرض الحجاز. (5) هو أبو جناب الكلبى، كما في الطبري (6: 30) وفي الأصل " أبو خباب ". (*)

[ 512 ]

الظفر إن لم تجمعوا على الخور ؟ ! فقال له رجل من الناس: إنك والله رأيت ظفرا ولا خورا، هلم فأشهد على نفسك، وأقرر بما كتب في هذه الصحيفة فإنه لا رغبة بك عن الناس. قال: بلى والله، إن بى لرغبة عنك في الدنيا للدنيا وفي الآخرة للآخرة. ولقد سفك الله بسيفي هذا دماء رجال ما أنت بخير منهم عندي ولا أحرم دما. فقال عمار بن ربيعة: فنظرت إلى ذلك الرجل وكأنما قصع على أنفه الحمم (1)، وهو الأشعث بن قيس. ثم قال: ولكن قد رضيت بما صنع على أمير المؤمنين، ودخلت فيما دخل فيه، وخرجت مما خرج منه، فإنه لا يدخل إلا في هدى وصواب. نصر، عن عمر، عن أبى جناب، عن إسماعيل بن سميع (2)، عن شقيق بن سلمة (3) وغيره، أن الأشعث خرج في الناس بذلك الكتاب يقرؤه على الناس، ويعرضه عليهم ويمر به على صفوف أهل الشام وراياتهم فرضوا بذلك، ثم مر به على صفوف أهل العراق وراياتهم يعرضه عليهم حتى مر برايات عنزة وكان مع على من عنزة بصفين أربعة آلاف مجفف (4) - فلما مربهم الأشعث فقرأه عليهم قال فتيان منهم: لا حكم إلا لله. ثم حملا على أهل الشام بسيوفهما [ فقاتلا ] حتى قتلا على باب رواق معاوية، وهما أول من حكم (5) واسماهما معدان وجعد، أخوان. ثم مر بها على مراد فقال صالح بن شقيق وكان من رؤسائهم:


(1) القصع: الضرب والدلك. والحمم: الرماد والفحم وكل ما احترق من النار، واحدته حمة. وفي ح (1: 192): " الحميم ". وما أثبت من الأصل يطابق ما في الطبري. (2) ح: " شفيع ". (3) ح: " سفيان بن سلمة ". (4) المجفف: لابس التجفاف، وأصله ما يجلل به الفرس من سلاح وآلة تقية الجراحة. (5) في اللسان: " والخوارج يسمون المحكمة، لإنكارهم أمر الحكمين وقولهم لا حكم إلا لله ". (*)

[ 513 ]

ما لعلى في الدماء قد حكم * لو قاتل الأحزاب يوما ما ظلم لا حكم إلا لله ولو كره المشركون. ثم مر على رايات بنى راسب فقرأها عليهم فقالوا: لا حكم إلا لله، لا نرضى ولا نحكم الرجال في دين الله. ثم مر على رايات بنى تميم (1) فقرأها عليهم فقال رجل منهم: لا حكم إلا لله، يقضى بالحق وهو خير الفاصلين. فقال رجل منهم لآخر: أما هذا فقد طعن طعنة نافذة. وخرج عروة بن أدية أخو مرداس بن أدية التميمي فقال: أتحكمون الرجال في أمر الله، لا حكم إلا لله، فأين قتلانا يا أشعث. ثم شد بسيفه ليضرب به الأشعث، فأخطأه وضرب به عجز دابته ضربة خفيفة، فاندفع به الدابة وصاح به الناس أن أمسك يدك. فكف ورجع الأشعث إلى قومه، فأتاه ناس كثير من أهل اليمن، فمشى إليه الأحنف بن قيس، ومعقل بن قيس، ومسعر بن فدكي، ورجال من بنى تميم، فتنصلوا إليه واعتذروا، فقبل منهم الأشعث فتركهم وانطلق إلى على فقال: يا أمير المؤمنين، قد عرضت الحكومة على صفوف أهل الشام وأهل العراق، فقالوا جميعا: قد رضينا. حتى مررت برايات بنى راسب ونبذ من الناس سواهم (2)، فقالوا: لا نرضى، لا حكم إلا لله. فلنحمل بأهل العراق وأهل الشام عليهم فنقتلهم. فقال على: هل هي غير راية أو رايتين ونبذ من الناس ؟ قال: بلى (3). قال: دعهم. قال: فظن على عليه السلام أنهم قليلون لا يعبأ بهم. فما راعه إلا نداء الناس من كل جهة وفي كل ناحية: لا حكم إلا لله، الحكم لله يا على لا لك، لا نرضى بأن يحكم الرجال في دين الله. إن الله قد أمضى حكمه في معاوية وأصحابه، أن يقتلوا


(1) ح (1: 192): " رايات تميم ". (2) النبذ، بالفتح: الشئ القليل، وجمعه أنباذ. (3) في الأصل وح (1: 193): " لا ". (*)

[ 514 ]

أو يدخلوا في حكمنا عليهم (1). وقد كانت منازلة حين رضينا بالحكمين، فرجعنا وتبنا، فارجع أنت يا على كما رجعنا، وتب إلى الله كما تبنا، وإلا برئنا منك. فقال على: ويحكم، أبعد الرضا [ والميثاق ] العهد نرجع. أو ليس الله الله تعالى قال: (أوفوا بالعقود (2))، وقال: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون). فأبى على أن يرجع، وأبت الخوارج إلا تضليل التحكيم والطعن فيه، وبرئت من على عليه السلام، وبرئ منهم، وقام خطيب أهل الشام حمل بن مالك بين الصفين فقال: أنشدكم الله يا أهل العراق إلا أخبرتمونا لم فارقتمونا ؟ قالوا: فارقناكم لأن الله عز وجل أحل البراءة ممن حكم بغير ما أنزل الله، فتوليتم الحاكم بغير ما أنزل الله، وقد أحل عداوته وأحل دمه إن لم يرجع إلى التوبة ويبؤ بالدين (3). وزعمتم أنتم خلاف حكم الله فتوليتم الحاكم بغير ما أنزل الله وقد أمر الله بعداوته، وحرمتم دمه وقد أمر الله بسفكه، فعاديناكم لأنكم حرمتم ما أحل الله، وحللتم ما حرم الله، وعطلتم أحكام الله واتبعتم هواكم بغير هدى من الله. قال الشامي حمل بن مالك (4): قتلتم أخانا وخليفتنا ونحن غيب عنه، بعد أن استتبتموه فتاب، فعجلتم عليه فقتلتموه، فنذكركم الله لما أنصفتم الغائب (5) المتهم لكم، فإن قتله لو كان عن ملأ من الناس ومشورة كما كانت إمرته، لم يحل لنا الطلب بدمه، وإن أطيب التوبة والخير في العاقبة أن يعرف من لا حجة له الحجة عليه


(1) ح: " تحت حكمنا عليهم ". (2) من الآية الأولى في سورة المائدة. وفي الأصل: " بالعهود " تحريف. (3) يبوء: يقر ويعترف. وفي الأصل: " ويبوء بالدين ". (4) في الأصل: " حمزة بن مالك ". (5) لما، هنا، بمعنى إلا، كما في قول الله: (إن كل نفس لما عليها حافظ). (*)

[ 515 ]

وذلك أقطع للبغي، وأقرب للمناصحة. وقد رضينا أن تعرضوا ذنوبه على كتاب الله أولها وآخرها، فإن أحل الكتاب دمه برئنا منه وممن تولاه ومن يطلب دمه، وكنتم قد أجرتم في أول يوم وآخره. وإن كان كتاب الله يمنع دمه ويحرمه تبتم إلى الله ربكم، وأعطيتم الحق من أنفسكم في سفك دم بغير حله بعقل أو قود، أو براءة ممن فعل ذلك وهو ظالم. ونحن قوم نقرأ القرآن وليس يخفى علينا منه شئ، فأفهمونا الأمر الذى استحللتم عليه دماءنا. قالوا: نعم، قد بعثنا منا رجلا ومنكم رجلا يقرآن القرآن كله ويتدارسان ما فيه، وينزلان عند حكمه علينا وعليكم. وإنا قد بعثنا منا من هو عندنا مثل أنفسنا، وجعلنا لهما أن ينتهيا إليه، وأن يكون أمرهما على تؤدة، ونسأل عما يجتمعان عليه وما يتفرقان عنه، فإنما فارقناكم في تفسيره ولم نفارقكم في تنزيله. ونحن وأنتم نشهد أنه من عند الله، فإنما نريد أن نسأل عنه مما تفسرون، مما جهلنا (1) نحن تفسيره، فنسأل عنه أهل العلم (2) منا ومنكم، فأعطيناكم على هذا الأمر ما سألتم من شأن الحكمين. وإنما بعثا ليحكما بكتاب الله، يحييان ما أحيا الكتاب ويميتان ما أمات الكتاب، فأما ما لم يجدا في الكتاب فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة. ولم يبعثا ليحكما بغير الكتاب. ولو أرادا اللبس على أمة محمد لبرئت منهما الذمة (3) وليس لهما على أمة محمد حكم. فلما سمع المسلمون قولهم علموا أن على كل مخاصم إنصاف خصيمه وقبول الحق منه وإن كان قد منعه فقاتل عليه، لأنهم إلى الحق دعوا أول يوم، وبه عملوا يقينا غير شك، ومن الباطل استعتبوا، وعلى عماية قتلوا من قتلوا. ونظر القوم في أمرهم، وشاوروا قائدهم، وقالوا: قد قبلنا من عثمان بن عفان حين


(1) في الأصل: " ما جعلنا ". (2) في الأصل: " السلم ". (3) في الأصل: " فبرئت منهما الذمة ". (*)

[ 516 ]

دعى إلى الله والتوبة من بغيه وظلمه، وقد كان منا عنه كف حين أعطانا أنه تائب حتى جرى علينا حكمه بعد تعريفه ذنوبه، فلما لم يتم التوبة وخالف بفعله عن توبته قلنا اعتزلنا ونولى أمير المؤمنين رجلا يكفيك ويكفينا، فإنه لا يحل لنا أن نولي أمر المؤمنين رجلا نتهمه في دمائنا وأموالنا، فأبى ذلك وأصر، فلما أن رأينا ذلك منه قتلناه ومن تولاه بعد قتلنا إياه، وهم يعرضون كتاب الله بيننا وبينهم، ويسألونا حجتنا عليهم، وإنما هم صادقون أو كاذبون في نيتهم، وليس لنا عذر في إنصافهم والموادعة والكف عنهم حتى يرجعوا بتوبة أو مناصحة بعد أن نقررهم ونعرفهم ظلمهم وبغيهم، أو يصروا فيغلبنا عليهم ما غلبنا على قائدهم فنقتلهم، فإنما نطلب الحجة بعد العذر، ولا عذر إلا ببينة، ولا بينة إلا بقرآن أو سنة (1). وهم خلطاء في الدين، ومقرون بالكتاب والنبى صلى الله عليه، ليسوا بمنزلة أحد ممن حارب المسلمين، أهل بغى أمر الله أن يقاتلوا حتى يفيئوا من بغيهم إلى أمر الله، وبرئوا ببغيهم من الإيمان. قال الله عز وجل على لسان نبيه داود: (وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم). هؤلاء منافقون، لأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف وقتالهم عليه، ولا تباعهم ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم. بذلك تفنى حسناتهم، وذلك أنه كانت لهم حسنات لم تنفعهم حين عاداهم. فقبل أمير المؤمنين مناصفتهم في المنازعة عند الحكمين بالدين بأن يحكم بكتاب الله ويرد المحق والمبطل إلى أمره، و [ ما (2) ] يرضى به، وفيما نزل بهم أمر ليس فيه قرآن يعرفونه فالسنة الجامعة العادلة غير المفرقة،


(1) في الأصل: " وسنة ". (2) ليست في الأصل. (*)

[ 517 ]

فلم يكن يسع أحدا من الفريقين ترك كتاب الله والسنة بعد قول الله عزوجل في صفة عدوه ومن يرغب عن كتابه وهو مقر بتنزيله، حامل لميثاقه: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون). وقال الله تعالى يعيرهم بذلك: (أفى قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون). وما أولئك بالمؤمنين، إنهم لو كانوا مؤمنين رضوا بكتابي ورسولي. ثم أنزل: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون). يعنى أنهم أصابوا حقائق الإيمان والصلح. فلم يسع عليا أمير المؤمنين إلا الكف بعد توكيدهم الميثاق، وضربهم الأجل، والرضا بأن يحكم بينهم رجلان بكتاب الله - فيما تنازع فيه عباد الله - بما أنزل الله وسنة رسوله، ليبلغ الشاهد الغائب منهم سبيل المحق من المبطل، ألا يغير بمؤمن غائب برضا غوى (1) أو عم (2) غير مهتد، فيسمى أمير المؤمنين من كل باسمه حتى يقره الكتاب (3) على منزلته. قال: فنادت الخوارج أيضا في كل ناحية: لا حكم إلا الله، لا نرضى بأن تحكم الرجال في دين الله، قد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا معنا في حكمنا عليهم، وقد كانت منا خطيئة وزلة حين رضينا بالحكمين، وقد تبنا إلى ربنا ورجعنا عن ذلك، فارجع كما رجعنا، وإلا فنحن منك براء. فقال على: ويحكم، بعد الرضا والعهد والميثاق أرجع ؟ أو ليس الله يقول: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها


(1) كذا وردت هذه العبارة. (2) في الأصل: " عمى ". (3) في الأصل: " يفرده الكتاب ". (*)

[ 518 ]

وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون). فبرئوا من على وشهدوا عليه بالشرك، وبرئ على منهم. نصر، عن عمر بن سعد قال: حدثنى أبو عبد الله يزيد الأودى أن رجلا منهم كان يقال له عمرو بن أوس، قاتل مع على يوم صفين وأسره معاوية في أسرى كثيرة، فقال له عمرو بن العاص: اقتلهم. قال عمرو بن أوس لمعاوية: إنك خالي فلا تقتلني. فقامت إليه بنو أود (1) فقالوا: هب لنا أخانا. فقال: دعوه فلعمري لئن كان صادقا ليستغنين عن شفاعتكم، وإن كان كاذبا فإن شفاعتكم لمن ورائه. فقال له معاوية: من أين أنا خالك ؟ فما بيننا وبين أود من مصاهرة. فقال: فإذا أخبرتك فعرفت فهو أمانى عندك ؟ قال: نعم. قال: ألست تعلم أن أم حبيبة (2) ابنة أبى سفيان زوجة النبي صلى الله عليه هي أم المؤمنين ؟ قال: بلى. قال: فأنا ابنها وأنت أخوها، فأنت خالي. فقال معاوية: ما له لله أبوه، ما كان (3) في هؤلاء الأسرى أحد يفصن لها غيره. وقال: خلوا سبيله. نصر، عن عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة، عن الشعبى قال: أسر على أسرى يوم صفين، فخلى سبيلهم فأتوا معاوية، وقد كان عمرو بن العاص يقول لأسرى أسرهم معاوية: اقتلهم. فما شعروا إلا بأسراهم قد خلى سبيلهم على فقال


(1) أود، بالفتح. وهم من بنى معن بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان. (2) أم حبيبة كنية لها. واسمها رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس. وقيل بل اسمها هند. وأمها صفية بنت أبى العاص بن أمية. وقد تزوجها رسول الله وهى في الحبشة، زوجه إياها سعيد بن العاص، وأصدقها النجاشي عن رسول الله أربعمائة. دينار، وعمل النجاشي لذلك طعاما. وقد دخل بها الرسول قبل إسلام أبيها. وماتت بالمدينة سنة 44. انظر الإصابة (قسم النساء) والروض الأنف (2: 368). وفي الأصل: " أن حبيبة " صوابه " أن أم حبيبة ". (3) ح (1: 193): " أما كان ". (*)

[ 519 ]

معاوية: يا عمرو، لو أطعناك في هؤلاء الأسرى لوقعنا في قبيح من الأمر. ألا تراه (1) قد خلى سبيل أسرانا. فأمر بتخلية من في يديه من أسرى على. وكان على إذا أخذ أسيرا من أهل الشام خلى سبيله، إلا أن يكون قد قتل أحدا من أصحابه فيقتله به، فإذا خلى سبيله فإن عاد الثانية قتله ولم يخل سبيله. وكان على لا يجهز على الجرحى (2) ولا على من أدبر بصفين، لمكان معاوية. نصر، عن عمر بن سعد، عن الصقعب بن زهير، عن عون بن أبى جحيفة (3) قال: أتى سليمان بن صرد عليا أمير المؤمنين بعد الصحيفة، ووجهه مضروب بالسيف، فلما نظر إليه على قال: (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا). فأنت ممن ينتظر وممن لم يبدل. فقال: يا أمير المؤمنين، أما لو وجدت أعوانا ما كتبت هذه الصحيفة أبدا. أما والله لقد مشيت في الناس ليعودوا إلى أمرهم الأول فما وجدت أحدا عنده خير إلا قليلا. وقام إلى على محرز بن جريش (4) بن ضليع فقال: يا أمير المؤمنين، ما إلى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل، فو الله إنى لأخاف أن يورث ذلا. فقال على: أبعد أن كتبناه ننقضه (5)، إن هذا لا يحل. وكان محرز يدعى " مخضخضا " وذاك أنه أخذ عنزة بصفين (6)، وأخذ معه إداوة من ماء، فإذا وجد رجلا من أصحاب على جريحا سقاه من الماء، وإذا وجد رجلا من أصحاب معاوية خضخضه بالعنزة حتى يقتله.


(1) في الأصل: " ألا ترى ". (2) أجهز على الجريح: أسرع قتله. وفي اللسان: " ومنه حديث على رضوان الله عليه: " لا يجهز على جريحهم ". وفي الأصل: " لا يجبر " تحريف. (3) عون بن أبى جحيفة، بتقديم الجيم وبهيئة التصغير، السوائى، بضم السين، الكوفى. ثقة من الرابعة. مات سنه 116. تقريب التهذيب. (4) ح (1: 193): " محمد بن جريش ". (5) في الأصل: " أما بعد " بإقحام " ما "، صوابه في ح. (6) العنزة، بالتحريك: رميح صغير. (*)

[ 520 ]

نصر، عن عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة، عن أبى الوداك قال: لما تداعى الناس إلى الصلح بعد رفع المصاحف - قال - قال على: إنما فعلت ما فعلت لما بدا فيكم الخور والفشل - هما الضعف - فجمع سعيد بن قيس قومه، ثم جاء في رجراجة (1) من همدان كأنها ركن حصير (2) - يعنى جبلا باليمن - فيهم عبد الرحمن (3)، غلام له ذؤابة، فقال سعيد: هأنذا وقومي، لا نرادك ولا نرد عليك (4)، فمرنا بما شئت. قال: أما لو كان هذا قبل رفع المصاحف (5) لأزلتهم عن عسكرهم أو تنفرد سالفتي قبل ذلك، ولكن انصرفوا راشدين، فلعمري ما كنت لأعرض قبيلة واحدة للناس. نصر، عن عمر بن سعد، عن إسحاق بن يزيد، عن الشعبى، أن عليا قال يوم صفين حين أقر الناس بالصلح: إن هؤلاء القوم لم يكونوا ليفيئوا إلى الحق (6)، ولا ليجيبوا إلى كلمة السواء حتى يرموا بالمناسر تتبعها العساكر، وحتى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلائب، وحتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس، وحتى يدعوا الخيل في نواحى أرضهم وبأحناء مساربهم ومسارحهم، وحتى تشن عليهم الغارات من كل فج، وحتى يلقاهم قوم صدق صبر، لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم وموتاهم في سبيل الله إلا جدا في طاعة الله، وحرصا على لقاء الله. ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا


(1) كلمة: " في " ليست في الأصل. (2) حصير: حصن باليمن من أبنية ملوكهم القدماء، عن ياقوت. وفي الأصل وح: " حصين " تحريف. (3) هو عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، كما في ح. (4) بدلهما في ح: " لا نرد أمرك ". (5) بدلها في ح: " قبل سطر الصحيفة " أي كتابتها. (6) ح: " لينيبوا إلى الحق " وهما بمعنى. (*)

[ 521 ]

على أمض الألم، وجدا على جهاد العدو، والاستقلال بمبارزة الأقران. ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيهما يسقى صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا. فلما رآنا الله صبرا صدقا أنزل الله بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر. ولعمري لو كنا نأتى مثل الذين أتيتم ما قام الدين ولا عز الإسلام. وايم الله لتحلبنها دما، فاحفظوا ما أقول لكم - يعنى الخوارج. نصر، عن عمر، عن فضيل بن خديج قال: قيل لعلى لما كتبت الصحيفة إن الأشتر لم يرض بما في هذه الصحيفة، ولا يرى إلا قتال القوم. فقال على: بلى إن الأشتر ليرضى إذا رضيت، وقد رضيت ورضيتم، ولا يصلح الرجوع بعد الرضا، ولا التبديل بعد الإقرار، إلا أن يعصى الله ويتعدى ما في كتابه. وأما الذى ذكرتم من تركه أمرى وما أنا عليه فليس من أولئك، وليس أتخوفه على ذلك (1)، وليت فيكم مثله اثنين، بل ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوه مثل رأيه، إذن لخفت على مؤونتكم ورجوت أن يستقيم لى بعض أودكم. وأما القضية فقد استوثقنا لكم فيها، فقد طمعت ألا تضلوا إن شاء الله رب العالمين. وكان الكتاب في صفر، والأجل في شهر رمضان لثمانية أشهر يلتقى الحكمان. ثم إن الناس أقبلوا على قتلاهم يدفنونهم. قال: وكان عمر بن الخطاب دعا حابس بن سعد الطائى فقال له: إنى أريد أن أوليك قضاء حمص فكيف أنت صانع. قال: أجتهد رأيى، وأستشير جلسائي. فانطلق فلم يمض إلا يسيرا حتى رجع فقال: يا أمير المؤمنين، إنى رأيت رؤيا أحببت أن أقصها عليك. قال: هاتها. قال: رأيت كأن الشمس أقبلت من المشرق ومعها جمع عظيم،


(1) ح: " ولا أعرفه على ذلك ". (*)

[ 522 ]

وكأن القمر أقبل من المغرب ومعه جمع عظيم، فقال له عمر: مع أيهما كنت ؟ قال: كنت مع القمر. قال عمر: كنت مع الآية الممحوة، [ اذهب، ف‍ ] لا والله لا تعمل لى عملا. فرده فشهد مع معاوية صفين وكانت راية طيئ (1) معه، فقتل يومئذ فمر به عدى بن حاتم، ومعه ابنه زيد بن عدى فرآه قتيلا فقال: يا أبه، هذا والله خالي. قال: نعم، لعن الله خالك فبئس والله المصرع مصرعه. فوقف زيد فقال: من قتل هذا الرجل - مرارا - فخرج إليه رجل من بكر بن وائل طوال يخضب، فقال: أنا والله قتلته. قال له: كيف صنعت به (2). فجعل يخبره، فطعنه زيد بالرمح فقتله، وذلك بعد أن وضعت الحرب أوزارها. فحمل عليه عدى يسبه ويسب أمه ويقول: يا ابن المائقة، لست على دين محمد إن لم أدفعك إليهم. فضرب [ زيد ] فرسه فلحق بمعاوية، فأكرمه معاوية وحمله وأدنى مجلسه، فرفع عدى يديه فدعا عليه فقال: اللهم إن زيدا قد فارق المسلمين، ولحق بالمحلين (3) اللهم فارمه بسهم من سهامك لا يشوى (4) - أو قال: لا يخطئ - فإن رميتك لا تنمى (5)، لا والله لا أكلمه من رأسي (6) كلمة أبدا، ولا يظلنى وإياه سقف بيت أبدا. قال وقال زيد في قتل البكري: من مبلغ أبناء طى بأننى * ثأرت بخالى ثم لم أتأثم


(1) في الأصل: " راية على " صوابه في ح (1: 194). (2) في الأصل: " له " وأثبت ما في ح. (3) ح: " بالملحدين ". (4) أشوى: رمى فأصاب الشوى - وهى الأطراف - ولم يصب المقتل. (5) الإنماء: أن ترمى الصيد فيغيب عنك فيموت. والإصماء: أن ترميه فتقتله على المكان بعينه قبل أن يغيب عنه. وفي حديث ابن عباس: " كل ما أصميت ودع ما أنميت " وفي قول امرئ القيس: فهو لا تنمى رميته * ماله لا عد من نفره وفي الأصل: " لا تمنى " تحريف. وهذه العبارة ليست في ح. (6) في الأصل: " رأس " صوابه في ح (1: 194). (*)

[ 523 ]

تركت أخا بكر ينوء بصدره * بصفين مخضوب (1) الجيوب من الدم. وذكرني ثأري غداة رأيته * فأوجرته رمحي فخر على الفم لقد غادرت أرماح بكر بن وائل * قتيلا عن الأهوال ليس بمحجم قتيلا يظل الحى يثنون بعده * عليه بأيد من نداه وأنعم لقد فجعت طى بحلم ونائل * وصاحب غارات ونهب مقسم لقد كان خالي ليس خال كمثله * دفاعا لضيم واحتمالا لمغرم (2) قال: ولما لحق زيد بن عدى بمعاوية تكلم رجال من أهل العراق في عدى بن حاتم، وطعنوا في أمره، وكان عدى سيد الناس مع على في نصيحته وغنائه، فقام إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، أما عصم الله رسوله من حديث النفس والوساوس وأمانى الشيطان بالوحى ؟ وليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه. وقد أنزل في عائشة وأهل الإفك. والنبى صلى الله عليه خير منك، وعائشة يومئذ خير منى. وقد قربنى زيد للظن وعرضني للتهمة. غير أنى إذا ذكرت مكانك من الله ومكاني منك ارتفع حناني (3)، وطال نفسي. ووالله أن لو وجذت زيدا لقتلته، ولو هلك ما حزنت عليه. فأثنى عليه على خيرا. وقال عدى في ذلك: يا زيد قد عصبتني بمصابة * وما كنت للثوب المدنس لابسا فليتك لم تخلق وكنت كمن مضى * وليتك إذ لم تمض لم تر حابسا ألا زاد أعداء وعق ابن حاتم * أباه وأمسى بالفريقين ناكسا وحامت عليه مذحج دون مذحج * وأصبحت للأعداء ساقا ممارسا


(1) ح (1: 195): " مخضوب الجبين ". (2) المغرم: ما يلزم أداؤه من حمالة وغيرها. وفي الأصل: " لمعدم " صوابه في ح. (3) أراد ذهب حناني. وفى الأصل: " أرانسع حناني ". (*)

[ 524 ]

نكصت على العقبين يا زيد ردة * وأصبحت قد جدعت منا المعاطسا قتلت امرأ من آل بكر بحابس * فأصبحت مما كنت آمل آيسا نصر عن عمرو بن شمر، عن إسماعيل السدى قال: حدثنى نويرة بن خالد الحارثى، أن ابن عمه النجاشي قال في وقعة صفين - رواه نصر قال: رواه أيضا عن عمر بن سعد بإسناده -: ونجى ابن حرب سابح ذو علالة * أجش هزيم والرماح دوانى سليم الشظاعبل الشوى شنج النسا * أقب الحشا مستطلع الرديان إذا قلت أطراف العوالي ينلنه (1) * مرته به الساقان والقدمان حسبتم طعان الاشعرين ومذحج * وهمدان أكل الزبد بالصرفان (2) فما قتلت عك ولخم وحمير * وعيلان إلا يوم حرب عوان وما دفنت قتلى قريش وعامر * بصفين حتى حكم الحكمان غشيناهم يوم الهرير بعصبة * يمانية كالسيل سيل عران (3)


(1) في كتاب الخيل لأبى عبيدة ص 162: " تناله ". وبعض أبيات هذه القصيدة فيه، وهى على هذا الترتيب: 1، 3، 2، 30 ثم بيتان آخران، وهما: من الأعوجيات الطوال كأنه * على شرف التقريب شاة إران أجش هزيم مقبل مدبر معا * كتيس ظباء الحلب الغذوان وروى ابن الشجرى في حماسته ص 33 قبل الأبيات: أيا راكبا إما عرضت فبلغن * تميما وهذا الحى من غطفان فما لكم لو لم تكونوا فخرتم * بإدراك مسعاة الكرام يدان وكنتم كذى رجلين رجل سوية * ورجل بها ريب من الحدثان فأما التى شلت فأزد شنوءة * وأما الثى صحت فأزاد عمان (2) الصرفان، بالتحريك: ضرب من التمر أخمر مثل البرنى إلا أنه صلب الممضغة علك، لواحدة صرفانة. وفي الاصل: " حسبت " صوابه من اللسان (صرف). وفي حماسة ابن الشجرى: " أخلتم ". ونحوه قول عمران الكلى: أكنتم حسبتم ضربنا وجلادنا * على الحجر أكل الزيد بالصرفان (3) عران، بالكسر: موضع قرب اليمامة. (*)

[ 525 ]

فأصبح أهل الشام قد رفعوا القنا * عليها كتاب الله خير قران ونادوا: عليا، يا ابن عم محمد * أما تتقى أن يهلك الثقلان فمن للذراري بعدها ونسائنا * ومن للحريم أيها الفتيان أبكي عبيدا إذ ينوء بصدره (1) * غداة الوغى يوم التقى الجبلان وبتنا نبكى ذا الكلاع وحوشبا * إذا ما أنى أن يذكر القمران (2) ومالك واللجلاج والصخر والفتى * محمد قد ذلت له الصدفان (3) فلا تبعدوا لقاكم الله حبرة * وبشركم من نصره بجنان (4) وما زال من همدان خيل تدوسهم * سمان وأخرى غير جد سمان فقاموا ثلاثا يأكل الطير منهم * على غير نصف والأنوف دوان وما ظن أولاد الإماء بنو استها * بكل فتى رخو النجاد يمان فمن ير خيلينا غداة تلاقيا * يقل جبلا جيلان ينتطحان (5) كأنهما نار ان في جوف غمرة * بلا حطب حد الضحى تقدان وعارضة براقة صوبها دم * تكشف عن برق لها الافقان تجود إذا جادت وتجلو إذا انجلت * بلبس ولا يحما لها كربان (6) قتلنا وأبقينا وما كل ما ترى * بكف المذرى يأكل الرحيان وفرت ثقيف فرق الله جمعها * إلى جبل الزيتون والقطران كأنى أراهم يطرحون ثيابهم * من الروع، والخيلان يطردان


(1) في الاصل: " أبعد عبيد الله ينوء ". والوزن والمعنى فاسدان. (2) أنى: حان وقته. وفي الاصل: " إذا ما أشا ". (3) الصدفان، بضمتين: ناحيتا الشعب أو الوادي، ويقال لجانبى الجبل إذا تحاذيا صدفان وصدفان، بضمتين وبفتحتين. (4) الحبرة، بالفتح: السرور. وفي الاصل: " خيره ". (5) جيلان: قرى من وراء طبرستان في مروج بين جبال. (6) كذا ورد هذا الشطر. (*)

[ 526 ]

فيا حزنا ألا أكون شهدتهم * فأدهن من شحم العبيد سنانى (1) وأما بنو نصر ففر شريدهم * إلى الصلتان الخور والعجلان وفرت تميم سعدها وربابها إلى حيث يضفو الحمض والشبهان (2) فأضحى ضحى من ذى صباح كأنه * وإياه راما حفرة قلقان (3) إذا ابتل بالماء الحميم رأيته * كقادمة الشؤبوب ذى النفيان (4) كأن جنابي سرجه ولجامه * إذا ابتل ثوبا ماتح خضلان (5) جزاه بنعمى كان قدمها له * وكان لدى الاسطبل غير مهان فرد عليه ابن مقبل العامري: تأمل خليلي هل ترى من ظعائن * تحملن بالجرعاء فوق ظعان على كل حياد اليدين مشهر * يمد بذفرى درة وجران فصبحن من ماء الوحيدين نقرة * بميزان رعم إذ بدا ضدوان (6)


(1) في الأصل: " من شحم الثمار " وأثبت ما في حماسة ابن الشجرى. (2) يضفو: يكثر ويطول. وفي الأصل: " يصفو ". والشبهان: ضرب من العضاه. وفي البيت إقواء. (3) ذو صباح، بضم الصاد: موضع. والرام: ضرب من الشجر. (4) الشؤبوب: الدفعة من المطر. ونفيان السيل: ما فاض من مجتمعه. وفي الأصل: " كقادمتي الشؤبوب ذى نفيان ". (5) الماتح: المستقى من البئر. وفي الأصل: " ثوبا أنجد " ولا وجه له، وأثبت ما في كتاب الخيل لابي عبيدة ص 162. (6) الوحيدان: ماءان في بلاد قيس. والنقرة: الموضع يجتمع فيه الماء. ورعم، بالفتح: اسم جبل في ديار بجيلة. بميزانه، أي بما يوازنه، كما فسر ياقوت في (رعم). وضدوان: جبلان. وقد ورد البيت محرفا: فأصبح من ماء الوحيدين فقره * بميزان زعم قد بدا ضدوان وصوابه من معجم البلدان (رعم، ضدوان، الوحيدان). (*)

[ 527 ]

وأصبحن لم يبركن في ليلة السرى * من السوق إلا عقبة الدبران (1) وعرسن والشعرى تغور (2) كأنها * شهاب غضا يرمى به الرجوان فهل يبلغني أهل دهماء حرة * وأعيس نضاح القفا مرجان (3)


(1) الدبران: نجم من منازل القمر. وعقبته: نزول القمر به في كل شهر مرة. (2) في الأصل: " في الشعرى ". (3) دهماء: موضع في بلاد مزينة من نواحى المدينة، يقال له دهماء مرضوض. حرة، عنى بها الناقة الكريمة. والأعيس: ما فيه أدمة من الإبل، والأنثى عيساء. وفي الأصل: " أغبس " تحريف. وفي الأصل أيضا: " نضاح القرى " ولا وجه له. أراد أنه ينضح ذفراه بالعرق، والذفرى من القفا هو الموضع الذى يعرق من البعير خلف الأذن. والمرج، بالتحريك: الذى يخلى في المرعى يذهب حيث شاء. (*)

[ 528 ]

مقدم علي من صفين إلى الكوفة نصر، عن عمر، عن عبد الرحمن بن جندب قال: لما أقبل على من صفين أقبلنا معه، فأخذ طريقا غير طريقنا الذى أقبلنا فيه، فقال على: " آئبون عائدون، لربنا حامدون. اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في المال والأهل ". قال: ثم أخذ بنا طريق البر على شاطئ الفرات حتى انتهينا إلى هيت وأخذنا على صندودا (1) فخرج الأنماريون بنو سعيد ابن حزيم (2) واستقبلوا عليا فعرضوا عليه النزل فلم يقبل، فبات بها، ثم غدا وأقبلنا معه حتى جزنا النخيلة ورأينا بيوت الكوفة، فإذا نحن بشيخ جالس في ظل بيت على وجهه أثر المرض، فأقبل إليه على ونحن معه حتى سلم عليه وسلمنا عليه. قال: فرد ردا حسنا ظننا أن قد عرفه، فقال له على: مالى أرى وجهك منكفتا (3)، أمن مرض ؟ قال: نعم. قال: فلعلك كرهته. فقال: ما أحب أنه بغيرى (4). قال: أليس احتسابا للخير (5) فيما أصابك منه ؟ قال: بلى. قال: أبشر برحمة ربك وغفران ذنبك، من أنت يا عبد الله ؟ قال: بلى. قال: أنا صالح بن سليم. قال: ممن أنت ؟ قال: أما الأصل فمن سلامان بن طى، وأما الجوار والدعوة فمن بنى سليم بن منصور. قال: سبحان الله، ما أحسن


(1) صندوداء، ضبطت في معجم ياقوت بفتح الصاد وسكون النون وفتح الدل " مع المد. وهى بلدة في الطريق ما بين الشام والعراق. (2) كذا. وفي الطبري (6: 33): " الأنصاريون بنو سعد بن حرام ". (3) الطبري: " منكفئا " وهما بمعنى، أي متغيرا. (4) في الأصل: " يعترى " صوابه من الطبري. (5) في الأصل: " احتساب بالخير " صوابه من الطبري. (*)

[ 529 ]

اسمك واسم أبيك ادعيائك (1) واسم من اعتزيت إليه، هل شهدت معنا غزاتنا هذه ؟ قال: لا والله ما شهدتها، ولقد أردتها، ولكن ما ترى بى من لحب الحمى (2) خذلني عنها قال على: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم). أخبرني ما يقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام ؟ قال: منهم المسرور فيما كان بينك وبينهم، وأولئك أغشاء (3) الناس، ومنهم المكبوت الآسف لما كان من ذلك، وأولئك نصحاء الناس لك. فذهب لينصرف فقال: صدقت، جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك، فإن المرض لا أجر فيه، ولكن لا يدع للعبد ذنبا إلا حطه. إنما الأجر في القول باللسان، والعمل باليد والرجل، وإن الله عزوجل يدخل بصدق النية والسريرة الصالحة [ عالما جما (4) ] من عباده الجنة. ثم مضى غير بعيد فلقيه عبد الله بن وديعة الأنصاري، فدنا منه وسأله فقال: ما سمعت الناس يقولون في أمرنا هذا ؟ قال: منهم المعجب به، ومنهم الكاره له. والناس كما قال الله تعالى: (ولا يزالون مختلفين). فقال له: فما يقول ذوو الرأى ؟ قال: يقولون: إن عليا كان له جمع عظيم ففرقه، وحصن حصين فهدمه، فحتى متى يبنى مثل ما قد هدم، وحتى متى يجمع مثل ما قد فرق. فلو أنه كان مضى بمن أطاعه إذا عصاه من عصاه، فقاتل حتى يظهره الله أو يهلك، إذن كان ذلك هو الحزم. فقال علي: أنا هدمت أم هم


(1) أصل الدعى المنسوب إلى غير أبيه، وأراد بالأدعياء الأحلاف، من الدعوة وهى الحلف. يقال دعوة فلان في بنى فلان. وفي الأصل: " أعدادك " صوابه من الطبري. (2) لحب الحمى: إنحالها الجسم، ويقال لحب الرجل، بالكسر، إذا أنحله الكبر (3) في الأصل: " أغنياء الناس " صوابه من الطبري. وهو في مقابل النصحاء (4) هذه التكملة من الطبري (6: 34). (*)

[ 530 ]

هدموا، أم أنا فرقت أم هم فرقوا (1) ؟ وأما قولهم لو أنه مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك، إذن كان ذلك هو الحزم فو الله ما غبى عنى ذلك الرأى (2)، وإن كنت لسخيا بنفسى عن الدنيا (3)، طيب النفس بالموت. ولقد هممت بالإقدام [ على القوم (1) ]، فنظرت إلى هذين [ قد ابتدرانى - يعنى الحسن والحسين - ونظرت إلى هذين (4) ] قد استقدمانى - [ يعنى عبد الله بن جعفر ومحمد بن على (4) ] - فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسل محمد من هذه الأمة، فكرهت ذلك. وأشفقت على هذين أن يهلكا، وقد علمت (5) أن لولا مكاني لم يستقدما - يعنى محمد بن على وعبد الله بن جعفر - (6) وايم الله لئن لقيتهم بعد يومى لألقينهم (7) وليس هما معى في عسكر ولا دار. قال: ثم مضى حتى جزنا دور بنى عوف، فإذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية، فقال أمير المؤمنين: ما هذه القبور ؟ فقال له قدامة بن عجلان الأزدي: يا أمير المؤمنين، إن خباب بن الأرت توفى بعد مخرجك، فأوصى أن يدفن في الظهر (8)، وكان الناس [ إنما (9) ] يدفنون في دورهم وأفنيتهم، فدفن الناس إلى جنبه. فقال على: رحم الله خبابا، قد أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلى في جسده أحوالا، ولن يضيع الله أجر


(1) في الأصل: " تفرقوا " والوجه ما أثبت من الطبري. (2) غبى عنه: لم يفطن له. وفي الأصل: " ما غنى عن ذلك الرأى " وفي الطبري: " غبى عن رأيى ذلك " ووجههما ما أثبت. (3) في الأصل: " لسخى النفس بالدنيا " صوابه من الطبري. (4) التكملة من الطبري. (5) في الأصل: " ولو علمت " صوابه من الطبري. (6) في الأصل: يعنى بذلك ابنيه الحسن والحسين " صوابه من الطبري. (7) في الأصل: " لقيتهم " وأثبت ما في الطبري. (8) الظهر من الأرض: ما غلظ وارتفع. (9) هذه من الطبري. (*)

[ 531 ]

من أحسن عملا. فجاء حتى وقف عليهم ثم قال: عليكم السلام يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأنتم لنا سلف وفرط، ونحن لكم تبع، وبكم عما قليل لاحقون. اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنا وعنهم. ثم قال: الحمد لله الذى جعل الأرض كفاتا (1)، أحياء وأمواتا، الحمد لله الذى جعل منها خلقنا، وفيها يعيدنا، وعليها يحشرنا. طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضى عن الله بذلك. ثم أقبل حتى دخل سكة الثوريين فقال: خشوا بين هذه الأبيات (2) نصر، عن عمر قال: حدثنى عبد الله بن عاصم القائشى، قال: لما مر على بالثوريين - يعنى ثور همدان - سمع البكاء فقال: ما هذه الأصوات ؟ قيل: هذا البكاء على من قتل بصفين. فقال: أما إنى أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة. ثم مر بالفائشيين فسمع الأصوات فقال مثل ذلك، ثم مر بالشباميين فسمع رنة شديدة وصوتا مرتفعا عاليا، فخرج إليه حرب ابن شرحبيل الشبامى (3) فقال على: أيغلبكم نساؤكم، ألا تنهونهن عن هذا الصياح والرنين ؟ قال: يا أمير المؤمنين، لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك، ولكن من هذا الحى ثمانون ومائة قتيل، فليس من دار إلا


(1) الكفات، بالكسر: الموضع الذى يضم فيه الشئ يقبض. وظهر الأرض كفات للأحياء، وبطنها كفات للأموات. وفي الكتاب العزيز: (ألم نجعل الأرض كفاتا. أحياء وأمواتا). (2) خشوا: ادخلوا، خش في الشئ: دخل. وفي الأصل: " حشوا " تحريف. وكلمة " بين " ليست في الأصل، وصوابه وتكملته من الطبري، وعبارته: " خشوا ادخلوا بين هذه الأبيات ". (3) الشبامى: نسبة إلى شبام، بالكسر، وهم حى من همدان. وفي الأصل: " حارب بن شرحبيل الشامي " تحريف. (*)

[ 532 ]

وفيها بكاء، أما نحن معشر الرجال فإنا لا نبكى، ولكن نفرح لهم [ ألا نفرح لهم (1) ] بالشهادة ؟ ! فقال على: رحم الله قتلاكم وموتاكم. وأقبل يمشى معه وعلى راكب، فقال له على: ارجع. ووقف ثم قال له: ارجع، فإن مشى مثلك فتنة للوالى ومذلة للمؤمنين. ثم مضى حتى مر بالناعطيين (2) فسمع رجلا منهم يقال له عبد الرحمن بن مرثد (3)، فقال: ما صنع على والله شيئا، ذهب ثم انصرف في غير شئ. فلما نظر أمير المؤمنين أبلس (4) فقال على: وجوه قوم ما رأوا الشام العام. ثم قال لأصحابه: قوم فارقتهم آنفا خير من هؤلاء. ثم قال: أخوك الذى إن أحرضتك ملمة * من الدهر لم يبرح لبثك واجما (5) وليس أخوك بالذى إن تمنعت * عليك أمور ظل يلحاك لائما (6) ثم مضى، فلم يزل يذكر الله حتى دخل الكوفة (7). قال نصر: وفي حديث عمرو بن شمر قال: لما صدر علي من صفين. أنشأ يقول (8): وكم قد تركنا في دمشق وأرضها * من أشمط موتور وشمطاء ثاكل


(1) التكملة من الطبري. (2) الناعطيون، بالنون: حى من همدان، نسبة إلى جبل لهم يسمى " ناعط ". الاشتقاق 251 ومعجم البلدان. وفي الأصل: " الباعطيين " تحريف، وهو على الصواب الذى أثبت في الطبري. (3) الطبري: " عبد الرحمن بن يزيد، من بنى عبيد من الناعطيين ". (4) الطبري: " فلما نظروا إلى على أبلسوا ". والإبلاس: أن تنقطع به الحجة ويسكت. (5) أحرضه: أفسده وأشفى به على الهلاك. الطبري: " أجرضتك "، أي أغصتك. (6) الطبري: " إن تشعيت ". (7) الطبري: " القصر ". (8) سبقت هذه الأبيات في ص 492 - 493. (*)

[ 533 ]

وغانية صاد الرماح حليلها * فأضحت تعد اليوم إحدى الأرامل تبكى على بعل لها راح غاديا * فليس إلى يوم الحساب بقافل وإنا أناس ما تصيب رماحنا * إذا ما طعنا القوم غير المقاتل قال: وفي حديث يوسف قال: وقال أبو محمد نافع بن الأسود التميمي (1): ألا أبلغا عنى عليا تحية * فقد قبل الصماء لما استقلت بنى قبة الإسلام بعد انهدامها * فقامت عليه قصرة فاستقرت كأن نبيا جاءنا بعد هدمها * بما سن فيها بعد ما قد أبرت قال: لما (2) بعث على أبا موسى لدى يوم الحكمين. نصر: عمر بن سعد، عن مجالد (3)، عن الشعبى، عن زياد بن النضر أن عليا بعث أربعمائة رجل، وبعث عليهم شريح بن هانئ الحارثى، وبعث عبد الله بن عباس يصلى بهم ويلى أمورهم، وأبو موسى الأشعري معهم. وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة رجل. قال: فكان إذا كتب على بشئ أتاه أهل الكوفة فقالوا: ما الذى كتب به إليك أمير المؤمنين ؟ فيكتمهم فيقولون له: كتمتنا ما كتب به إليك، إنما كتب في كذا وكذا ثم يجئ رسول معاوية إلى عمرو بن العاص فلا يدرى في أي شئ جاء ولا في أي شئ ذهب، ولا يسمعون حول صاحبهم لغطا. فأنب ابن عباس أهل الكوفة بذاك وقال: إذا جاء رسول قلتم بأى شئ جاء، فإن كتمكم قلتم لم


(1) سبقت ترجمته في 492. وفي الأصل: " أبو مجيد " تحريف سلف نظيره. والأبيات التالية تقدمت روايتها في ص 492. (2) في الأصل: " ولما " وأرى الكلام تعقيبا على الشعر. (3) هو مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفى، توفى سنة 144. وفي الأصل: " عمر بن سعد بن مجالد " تحريف. (*)

[ 534 ]

تكتمنا ؟ جاء بكذا وكذا. فلا تزالون توقفون وتقاربون حتى تصيبوا، فليس لكم سر. ثم إنهم خلوا بين الحكمين فكان رأى عبد الله بن قيس أبو موسى في ابن عمر. وكان يقول: والله أن لو استطعت لأحيين سنة عمر. قال نصر: وفي حديث محمد بن عبيدالله، عن الجرجاني قال: لما أراد أبو موسى المسير قام شريح فأخذ بيد أبى موسى فقال: يا أبا موسى، إنك قد نصبت لأمر عظيم لا يجبر صدعه، ولا يستقال فتقه (1)، ومهما تقل شيئا لك أو عليك يثبت حقه وير صحته وإن كان باطلا (2)، وإنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكها معاوية، ولا بأس على أهل الشام إن ملكها على. وقد كانت منك تثبيطة أيام قدمت الكوفة، فإن تشفعها بمثلها يكن الظن بك يقينا، والرجاء منك يأسا. وقال شريح في ذلك: أبا موسى رميت بشر خصم * فلا تضع العراق فدتك نفسي وأعط الحق شامهم وخذه * فإن اليوم في مهل كأمس وإن غدا يجئ بما عليه * يدور الأمر من سعد ونحس ولا يخدعك عمرو، إن عمرا * عدو الله، مطلع كل شمس له خدع يحار العقل فيها * مموهة مزخرفة بلبس فلا تجعل معاوية بن حرب * كشيخ في الحوادث غير نكس هداه الله للإسلام فردا * سوى بنت النبي، وأى عرس - في غير كتاب ابن عقبة: " سوى عرس النبي وأى عرس " - فقال أبو موسى: ما ينبغى لقوم اتهموني أن يرسلوني لأدفع عنهم باطلا


(1) ح (1: 195): " ولا تستقال فتنته ". (2) في الأصل: " ثبت حقه ويزول باطله " والوجه ما أثبت من ح. (*)

[ 535 ]

أو أجر إليهم حقا. وكان النجاشي بن الحارث بن كعب صديقا لأبى موسى، فبعث إليه: يؤمل أهل الشام عمرا وإنني * لآمل عبد الله عند الحقائق وإن أبا موسى، سيدرك حقنا * إذاما رمى عمرا بإحدى الصواعق (1) وحققه حتى يدر وريده * ونحن على ذاكم كأحنق حانق على أن عمرا لا يشق غباره * إذا ما جرى بالجهد أهل السوابق فلله ما يرمى العراق وأهله * به منه إن لم يرمه بالبوائق (2) فقال أبو موسى: والله إنى لأرجو أن ينجلى هذا الأمر وأنا فيه على رضا الله. [ قال نصر ]: وإن شريح بن هانئ جهز أبا موسى جهازا حسنا وعظم أمره في الناس، ليشرف أبا موسى في قومه، فقال الشنى في ذلك لشريح: زففت ابن قيس زفاف العروس * شريح إلى دومة الجندل وفي زفك الأشعري البلاء * وما يقض من حادث ينزل وما الأشعري بذى إربة * ولا صاحب الخطبة الفيصل (3) ولا آخذا حظ أهل العراق * ولو قيل ها خذه لم يفعل يحاول عمرا وعمرو له * خدائع يأتي بها من على (4) فإن يحكما بالهدى يتبعا * وإن يحكما بالهوى الأميل يكونا كتيسين في قفرة * أكيلى نقيف من الحنظل (5)


(1) ح (1: 196): " البوائق ". (2) ح: " بالصواعق ". (3) ح: " صاحب الخطة ". (4) من على، بياء ساكنة: من أعلى، وهى إحدى لغات عل. (5) التيس، هنا: الذكر من الظباء. والنقيف: المنقوف، الذى يكسر ليستخرج حبه. (*)

[ 536 ]

وقال شريح بن هانئ: والله لقد تعجلت رجال مساءتنا في أبى موسى، وطعنوا عليه بسوء الظن (1) وما الله عاصمه منه (2)، إن شاء الله. وسار مع عمرو بن العاص شرحبيل بن السمط الكندى في خيل عظيمة، حتى إذا أمن عليه خيل أهل العراق ودعه ثم قال: يا عمرو، إنك رجل قريش، وإن معاوية لم يبعثك إلا ثقة بك، وإنك لن تؤتى من عجز ولا مكيدة، وقد عرفت أن وطأت (3) هذا الأمر لك ولصاحبك، فكن عند ظننا بك. ثم انصرف، وانصرف شريح بن هانئ حين أمن أهل الشام على أبى موسى، وودعه هو ووجوه الناس. وكان آخر من ودع أبا موسى الأحنف بن قيس، أخذ بيده ثم قال له: " يا أبا موسى، اعرف خطب هذا الأمر، واعلم أن له ما بعده، وأنك إن أضعت العراق فلا عراق. فاتق الله فإنها تجمع لك دنياك وآخرتك، وإذا لقيت عمرا غدا فلا تبدأه بالسلام، فإنها وإن كانت سنة إلا أنه ليس من أهلها، ولا تعطه يدك (4) فإنها أمانة وإياك أن يقعدك على صدر الفراش فإنها خدعة. ولا تلقه وحده، واحذر أن يكلمك في بيت فيه مخدع تخبأ فيه الرجال والشهود ". ثم أراد أن يبور (5) ما في نفسه لعلى فقال له: " فإن لم يستقم لك عمرو على الرضا بعلى فخيره أن يختار أهل العراق من قريش الشام من شاءوا، فإنهم يولونا الخيار فنختار من نريد. وإن أبوا فليختر أهل الشام من قريش العراق


(1) ح: " بأسوأ الطعن ". (2) أي وبما الله عاصمه منه. (3) ح (1: 196): " أنى وطأت ". (4) في الأصل: " بيدك " وأثبت ما في ح. (5) ح: " يبلو "، وهما بمعنى. (*)

[ 537 ]

من شاءوا، فإن فعلوا كان الأمر فينا ". قال أبو موسى: قد سمعت ما قلت: ولم يتحاش لقول الأحنف. قال: فرجع الأحنف فأتى عليا فقال: يا أمير المؤمنين، أخرج والله أبو موسى زبدة سقائه في أول مخضه، لا أرانا إلا بعثنا رجلا لا ينكر خلعك. فقال على: يا أحنف، إن الله غالب على أمره. قال: فمن ذلك نجزع يا أمير المؤمنين. وفشا أمر الأحنف وأبى موسى في الناس، فجهز الشنى راكبا فتبع به أبا موسى بهذه الأبيات: أبا موسى جزاك الله خيرا * عراقك إن حظك في العراق وإن الشام قد نصبوا إماما * من الأحزاب معروف النفاق وإنا لا نزال لهم عدوا * أبا موسى إلى يوم التلاقي فلا تجعل معاوية بن حرب * إماما ما مشت قدم بساق ولا يخدعك عمرو إن عمرا * أبا موسى تحاماه الرواقي (1) فكن منه على حذر وأنهج * طريقك لا تزل بك المراقي ستلقاه أبا موسى مليا * بمر القول من حق الخناق ولا تحكم بأن سوى على * إماما إن هذا الشر باق قال: وبعث الصلتان العبدى (2) وهو بالكوفة بأبيات إلى دومة الجندل: لعمرك لا ألفى مدى الدهر خالعا * عليا بقول الأشعري ولا عمرو فإن يحكما بالحق نقبله منهما * وإلا أثرناها كراغية البكر (3)


(1) عنى أنه حية يعجز الراقون عن استخراجها بالرقى لخبثها. (2) هو قثم بن خبية، أحد بنى محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس. انظر خزانة الأدب (1: 308 بولاق). (3) انظر ما سبق في نهاية ص 45. (*)

[ 538 ]

ولسنا نقول الدهر ذاك إليهما * وفي ذاك لو قلناه قاصمة الظهر ولكن نقول الأمر والنهى كله (1) * إليه، وفي كفيه عاقبة الأمر وما اليوم إلا مثل أمس وإننا * لفى وشل الضحضاح أو لجة البحر (2) فلما سمع الناس قول الصلتان شحذهم ذلك على أبى موسى، واستبطأه القوم وظنوا به الظنون. وأطبق الرجلان بدومة الجندل لا يقولان شيئا. وكان سعد بن أبى وقاص قد اعتزل عليا ومعاوية، فنزل على ماء لبنى سليم بأرض البادية يتشوف الأخبار، وكان رجلا له بأس ورأي [ ومكان ] في قريش، ولم يكن له في على ولا معاوية هوى، فأقبل راكب يوضع من بعيد فإذا هو بابنه عمر بن سعد، [ فقال له أبوه: مهيم (3) ]. فقال: يا أبى، التقى الناس بصفين فكان بينهم ما قد بلغك، حتى تفانوا، ثم حكموا الحكمين: عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص، وقد حضر ناس من قريش عندهما، وأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ومن أهل الشورى، ومن قال له رسول الله: " اتقوا دعواته "، ولم تدخل في شئ مما تكره هذه الأمة (4)، فاحضر دومة الجندل فإنك صاحبها غدا. فقال: مهلا يا عمر، إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: " يكون من بعدى فتنة خير الناس فيها الخفي التقى ". وهذا أمر لم أشهد أوله فلا أشهد آخره (5)، ولو كنت غامسا يدى في هذا الأمر لغمستها مع على. قد رأيت القوم حملوني على حد السيف فاخترته على النار. فأقم عند أبيك ليلتك هذه. فراجعه حتى طمع في الشيخ. فلما جنه


(1) في الأصل: " الأمر بالحق كله " وأثبت ما في ح (1: 197). (2) الوشل: الماء القليل. وفي الأصل: " رهق الضحضاح " صوابه في ح. (3) مهيم: كلمة يمانية، معناه ما أمرك وما شأنك. (4) في الأصل: " ما تكن هذه الأمة " صوابه في ح. (5) في الأصل: " ولن أشهد آخره " والوجه ما أثبت من ح. (*)

[ 539 ]

الليل رفع صوته ليسمع ابنه (1) فقال: دعوت أباك اليوم والله * دعاني إليه القوم والأمر مقبل فقلت لهم: للموت أهون جرعة * من النار فاستبقوا أخاكم أو اقتلوا فكفوا وقالوا إن سعد بن مالك * مزخرف جهل والمجهل أجهل فلما رأيت الأمر قد جد جده * وكاشفنا * يوم أغر محجل هربت بدينى والحوادث جمة * وفي الأرض أمن واسع ومعول فقلت معاذ الله من شر فتنة * لها آخر لا يستقال وأول ولو كنت يوما لا محالة وافدا * تبعت عليا والهوى حيث يجعل ولكننى زاولت نفسا شحيحة * على دينها تأبى على وتبخل فأما ابن هند فالتراب بوجهه * وإن هواى عن هواه لأميل فيا عمر ارجع بالنصيحة إننى * سأصبر هذا العام والصبر أجمل فارتحل عمر وقد استبان له أمر أبيه. وقد كانت الأخبار أبطأت على معاوية، فبعث إلى رجال من قريش من الذين كرهوا أن يعينوه في حربه: " إن الحرب قد وضعت أوزارها، والتقى هذان الرجلان بدومة الجندل فأقدموا على ". فأتاه عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وأبو الجهم بن حذيفة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري، وعبد الله بن صفوان الجمحى، ورجال من قريش، وأتاه المغيرة بن شعبة وكان مقيما بالطائف لم يشهد صفين. فقال: يا مغيرة ما ترى ؟ قال: يا معاوية، لو وسعنى أن أنصرك لنصرتك، ولكن على أن آتيك بأمر الرجلين.


(1) في الأصل: " أبوه " والصواب ما أثبت. (*)

[ 540 ]

فركب حتى أتى دومة الجندل فدخل على أبى موسى كأنه زائر له، فقال: يا أبا موسى، ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره الدماء ؟ قال: أولئك خيار الناس، خفت ظهورهم من دمائهم، وخمصت بطونهم من أموالهم. ثم أتى عمرا فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره هذه الدماء ؟ قال: أولئك شرار الناس، لم يعرفوا حقا ولم ينكروا باطلا. فرجع المغيرة إلى معاوية فقال له: قد ذقت الرجلين، أما عبد الله بن قيس فخالع صاحبه وجاعلها لرجل لم يشهد هذا الأمر، وهواه في عبد الله بن عمر. وأما عمرو فهو صاحبك الذى تعرف، وقد ظن الناس أنه يرومها لنفسه، وأنه لا يرى أنك أحق بهذا الأمر منه. آخر الجزء الثالث عشر من أجزاء شيخنا عبد الوهاب نصر: في حديث عمرو، قال: أقبل أبو موسى إلى عمرو فقال: يا عمرو، هل لك في أمر هو للأمة صلاح ولصلحاء الناس رضا ؟ نولي هذا الأمر عبد الله ابن عمر بن الخطاب، الذى لم يدخل في شئ من هذه الفتنة ولا هذه الفرقة - وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير قريبان يسمعان هذا الكلام - فقال عمرو: فأين أنت عن معاوية ؟ فأبى عليه أبو موسى. قال: وشهدهم عبد الله بن هشام، وعبد الرحمن بن [ الأسود بن ]

[ 541 ]

عبد يغوث (1)، وأبو الجهم بن حذيفة العدوى، والمغيرة بن شعبة، فقال عمرو، ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما ؟ قال: بلى. قال اشهدوا، فما يمنعك يا أبا موسى من معاوية ولى عثمان، وبيته في قريش ما قد علمت ؟ فإن خشيت أن يقول الناس ولى معاوية وليست له سابقة، فإن لك بذلك حجة، تقول: إنى وجدته ولى عثمان الخليفة المظلوم، والطالب بدمه، الحسن السياسة الحسن التدبير، وهو أخو أم حبيبة (2) أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه، وقد صحبه وهو أحد الصحابة. ثم عرض له بالسلطان فقال: إن هو ولى الأمر أكرمك كرامة لم يكرمك أحد قط [ مثلها ]. فقال أبو موسى: اتق الله يا عمرو، أما ذكرك شرف معاوية فإن هذا الأمر ليس على الشرف يولاه أهله، ولو كان على الشرف كان أحق الناس بهذا الأمر أبرهة بن الصباح. إنما هو لأهل الدين والفضل. مع أنى لو كنت أعطيه أفضل قريش شرفا أعطيته على بن أبى طالب. وأما قولك إن معاوية ولى عثمان فوله هذا الأمر، فإنى لم أكن أوليه معاوية وأدع المهاجرين الأولين. وأما تعريضك بالسلطان فوالله لو خرج لى من سلطانه ما وليته، ولا كنت لأرتشى في الله، ولكنك إن شئت أحيينا سنة عمر بن الخطاب. نصر، عن عمر بن سعد، عن أبى جناب (3) أنه قال: " والله أن لو استطعت


(1) هو عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهري، ولد على عهد رسول الله، ومات أبوه في ذلك الزمان، فلذلك عد في الصحابة. وقال العجلى: من كبار التابعين. الإصابة 5072 وتهذيب التهذيب. وكلمة " الأسود " ساقطة من الأصل وح، وقد سبق الاسم كاملا في ص 539. (2) سبقت ترجمتها في ص 518. (3) أبو جناب، أوله جيم مفتوحة فنون خفيفة، هو يحيى بن أبى حية الكلبى، وشهرته بكنيته. ضعفوه لكثرة تدليسه. مات سنة 150. تهذيب التهذيب. وفي الأصل: " أبى خباب " وفي ح: " أبى حباب " والوجه ما أثبت. (*)

[ 542 ]

لأحيين اسم عمر بن الخطاب ". فقال عمرو بن العاص: إن كنت تريد أن تبايع ابن عمر فما يمنعك من ابني وأنت تعرف فضله وصلاحه ؟ قال: إن ابنك رجل صدق، ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة. نصر: عمر بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال أبو موسى لعمرو: إن شئت ولينا هذا الأمر الطيب ابن الطيب عبد الله ابن عمر. فقال عمرو: إن هذا الأمر لا يصلح له إلا رجل له ضرس (1) يأكل ويطعم، وإن عبد الله ليس هناك. وكان في أبى موسى غفلة (2). فقال ابن الزبير لابن عمر: اذهب إلى عمرو بن العاص فارشه. فقال عبد الله ابن عمر: لا والله ما أرشو عليها أبدا ما عشت. ولكنه قال له: ويلك يا ابن العاص، إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعدما تقارعت بالسيوف وتشاجرت بالرماح، فلا تردهم في فتنة واتق الله. نصر: قال عمر: عن أبى زهير العبسى، عن النضر بن صالح قال: كنت مع شريح بن هانئ في غزوة سجستان، فحدثني أن عليا أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص، قال له: قل لعمرو إن لقيته: إن عليا يقول لك: إن أفضل الخلق عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه، وإن أبعد الخلق من الله من كان العمل بالباطل أحب إليه وإن زاده. والله يا عمرو إنك لتعلم أين موضع الحق، فلم تتجاهل ؟ أبأن أوتيت طمعا (3) يسيرا فكنت لله ولأوليائه عدوا، فكأن والله ما أوتيت قد زال عنك فلا تكن للخائنين خصيما، ولا للظالمين ظهيرا. أما إنى أعلم أن يومك الذى


(1) في الأصل: " إلا كل رجل ضرس " صوابه في ح (1: 198) والطبري (6: 39). (2) الطبري فقط: " في ابن عمر غفلة ". (3) كذا في الأصل وح والطبري. وأراها: " طعما ". (*)

[ 543 ]

أنت فيه نادم هو يوم وفاتك، وسوف تتمنى أنك لم تظهر لمسلم عداوة ولم تأخذ على حكم رشوة. قال شريح: فأبلغته ذلك فتمعر وجه عمرو وقال: متى كنت أقبل مشورة على أو أنيب إلى أمره وأعتد برأيه ؟ ! فقلت: وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم صلى الله عليه مشورته. لقد كان من هو خير منك، أبو بكر وعمر، يستشيرانه ويعملان برأيه. فقال: إن مثلى لا يكلم مثلك (1). فقلت: بأى أبويك ترغب عن كلامي ؟ بأبيك الوشيظ (2)، أم بأمك النابغة ؟ فقام من مكانه، وأقبلت رجال من قريش على معاوية فقالوا: إن عمرا قد أبطأ بهذه الحكومة، وهو يريدها لنفسه، فبعث إليه معاوية: نفى النوم ما لا تبتغيه الأضالع * وكل امرئ يوما إلى الصدق راجع (3) فيا عمرو قد لاحت عيون كثيرة * فياليت شعرى عمرو ما أنت صانع ويا ليت شعرى عن حديث ضمنته * أتحمله يا عمرو ؟ ما أنت ضالع (4) وقال رجال إن عمرا يريدها * فقلت لهم عمرو لى اليوم تابع فإن تك قد أبطأت عنى تبادرت * إليك بتحقيق الظنون الأصابع فإنى ورب الراقصات عشية * خواضع بالركبان والنقع ساطع بك اليوم في عقد الخلافة واثق * ومن دون ما ظنوا به السم ناقع


(1) في الأصل: " إلا مثلك "، وكلمة " إلا " مقحعة. (2) الوشيظ: الخسيس، والتابع، والحليف، والدخيل في القوم ليس من صميمهم، وفي الأصل: " الوسيط " صوابه في ح والطبري. (3) في الأصل: " ما لا يبلغنه ". (4) ضالع، أراد به المطيق القوى، من الضلاعة وهى القوة وشدة الأضلاع. ولم يرد هذا المشتق في المعاجم، وفيها " الضليع ". (*)

[ 544 ]

فأسرع بها، أو أبط في غير ريبة * ولا تعد، فالأمر الذى حم واقع (1) عمر بن سعد قال: حدثنى أبو جناب الكلبى (2)، أن عمرا وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدم عبد الله بن قيس في الكلام ويقول: إنك قد صحبت رسول الله صلى الله عليه قبلى وأنت أكبر منى فتكلم ثم أتكلم (3). وكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في كل شئ (4) وإنما اغتره بذلك ليقدمه (5) فيبدأ بخلع على. قال: فنظرا في أمرهما وما اجتمعا عليه فأراده عمرو على معاوية فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراده أبو موسى على عبد الله بن عمر فأبى عليه عمرو. قال: فأخبرني ما رأيك يا أبا موسى ؟ قال: رأيى أن أخلع هذين الرجلين عليا ومعاوية، ثم نجعل هذا الأمر شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم من شاءوا ومن أحبوا. فقال له عمرو: الرأى ما رأيت. وقال عمرو: يا أبا موسى، إنه ليس أهل العراق بأوثق بك من أهل الشام، لغضبك لعثمان وبغضك للفرقة، وقد عرفت حال معاوية في قريش وشرفه في عبد مناف، وهو ابن هند وابن أبى سفيان فما ترى ؟ قال أرى خيرا. أما ثقة أهل الشام بى فكيف يكون ذلك وقد سرت إليهم مع على. وأما غضبى لعثمان فلو شهدته لنصرته. وأما بغضى للفتن فقبح الله الفتن. وأما معاوية فليس بأشرف من على.


(1) في الأصل: " وكم تعدوا الأمر ". (2) في الأصل: " أبو خباب " وفي ح (1: 198): " أبو حباب " صوابهما ما أثبت. وانظر ما سبق في ص 541. (3) ح: " فتكلم أنت وأتكلم أنا ". الطبري (6: 39): " فتكلم وأتكلم ". (4) في الأصل: " قد أعد أبا موسى يقدمه في كل شئ " صوابه وتكملته من الطبري. (5) الطبري: " اغتزى بذلك كله أن يقدمه " وهى صحيحة، ففى اللسان: اغتزاه: قصده. وأنشد ابن الأعرابي (اللسان 19: 359): * قد يغتزى الهجران بالتجرم * (*)

[ 545 ]

وباعده أبو موسى. فرجع عمرو مغموما. فخرج عمرو ومعه ابن عم له غلام شاب، وهو يقول: يا عمرو إنك للأمور مجرب * فارفق ولا تقذف برأيك أجمع واستبق منه ما استطعت فإنه * لا خير في رأى إذا لم ينفع واخلع معاوية بن حرب خدعة * يخلع عليا ساعة وتصنع واجعله قبلك ثم قل ما بعده * اذهب فما لك في ابن هند مطمع تلك الخديعة إن أردت خداعه * والراقصات إلى منى، خذ أودع فافترصها عمرو (1) وقال: يا أبا موسى، ما رأيك ؟ قال: رأيى أن أخلع هذين الرجلين، ثم يختار الناس لأنفسهم من أحبوا. فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فتكلم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه فقال: إن رأيى ورأى عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة. قال عمرو: صدق ! ثم قال: يا أبا موسى فتكلم. فتقدم أبو موسى ليتكلم فدعاه ابن عباس فقال: ويحك، إنى لأظنه قد خدعك، إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه قبلك فيتكلم بذلك الأمر قبلك ثم تكلم أنت بعده، فإن عمرا رجل غدار، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه، فإذا قمت به في الناس خالفك. وكان أبو موسى رجلا مغفلا - فقال: [ إيها عنك ] إنا اتفقنا. فتقدم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يأيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نر شيئا هو أصلح لأمرها وألم لشعثها من ألا تتباين أمورها (2). وقد أجمع رأيى ورأى صاحبي عمرو على خلع على ومعاوية، و [ أن ] نستقبل هذا الأمر فيكون شورى بين المسلمين، فيولون أمورهم من أحبوا. وإنى قد خلعت عليا


(1) يقال: فرص الفرصة وافترصها وتفرصها، أي أصابها. (2) في الأصل: " لشعثها الا نبتر أمورها " صوابه في ح. (*)

[ 546 ]

ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولوا من رأيتم لها أهلا. ثم تنحى فقعد. وقام عمرو بن العاص مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا قال ما قد سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية [ في الخلافة ] فإنه ولى عثمان والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه. فقال له أبو موسى: مالك لا وفقك الله، قد غدرت وفجرت. وإنما مثلك مثل الكلب (إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) إلى آخر الآية. قال: فقال له عمرو: إنما مثلك مثل (الحمار يحمل أسفارا) إلى آخر الآية. وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط، وحمل على شريح ابن لعمرو فضربه بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم، فكان شريح يقول بعد ذلك: ما ندمت على شئ ندامتي أن لا ضربته بالسيف بدل السوط. والتمس أصحاب على أبا موسى فركب ناقته فلحق بمكة، فكان ابن عباس يقول: قبح الله أبا موسى، حذرته وأمرته بالرأى فما عقل (1). وكان أبو موسى يقول: قد حذرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكن اطمأننت إليه، وظننت أنه لن يؤثر شيئا على نصيحة الأمة. ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى على. وقال الشنى: ألم تر أن الله يقضى بحكمه * وعمرو وعبد الله يختلفان وليسا بمهدي أمة من ضلالة * بدرماء سخما فتنة عميان (2) أثارا لما في النفس من كل حاجة * شديدان ضراران مؤتلفان (3) أصمان عن صوت المنادى تراهما * على دارة بيضاء يعتلجان


(1) وكذا في الطبري (6: 40) وفي ح (1: 199): " وهديته إلى الرأى فما عقل ". (2) كذا ورد هذا العجز. (3) كذا. (*)

[ 547 ]

فيا راكبا بلغ تميما وعامرا * وعبسا وبلغ ذاك أهل عمان فما لكم، إلا تكونوا فجرتم * بإدراك مسعاة الكرام، يدان (1) بكت عين من يبكى ابن عفان بعدما * نفى ورق الفرقان كل مكان كلا فئتيه عاش حيا وميتا * يكادان لولا الحق يشتبهان ولما فعل عمرو ما فعل واختلط الناس رجع إلى منزله فجهز راكبا إلى معاوية يخبره بالأمر من أوله إلى آخره. وكتب في كتاب على حدة (2): أتتك الخلافة مزفوفة * هنيئا مريئا تقر العيونا تزف إليك كزف العروس * بأهون من طعنك الدارعينا وما الأشعري بصلد الزناد * ولا خامل الذكر في الأشعرينا ولكن أتيحت له حية * يظل الشجاع لها مستكينا فقالوا وقلت وكنت امرأ * أجهجه بالخصم حتى يلينا فخذها ابن هند على بأسها * فقد دافع الله ما تحذرونا وقد صرف الله عن شامكم * عدوا شنيا وحربا زبونا (3) وقام سعيد بن قيس الهمداني فقال: والله لو اجتمتما على الهدى ما زدتمانا على ما نحن الآن عليه، وما ضلالكما بلازمنا، وما رجعتما إلا بما بدأتما، وإنا اليوم لعلى ما كنا عليه أمس. وتكلم الناس غير الأشعث بن قيس، وتكلم كردوس بن هانئ فقال:


(1) في الأصل: " معصات " تحريف. وفى اللسان: " والعرب تسمى مآثر أهل الشرف والفضل مساعي، واحدتها مسعاة، لسعيهم فيها، كأنها مكاسبهم وأعمالهم التى أعنوا فيها أنفسهم ". وقال عبدة بن الطبيب في المفضلية 27: فلئن هلكت لقد بنيت مساعيا * تبقى لكم منها مآثر أربع (2) في الأصل: " عليحدة ". (3) ح: " عدوا مبينا ". (*)

[ 548 ]

أما والله إنى لأظنك أول راض بهذا الأمر يا أخا ربيعة. فغضب كردوس فقال: أياليت من يرضى من الناس كلهم * بعمرو وعبد الله في لجة البحر رضينا بحكم الله لا حكم غيره * وبالله ربا والنبى وبالذكر وبالأصلع (1) الهادى على إمامنا * رضينا بذاك الشيخ في العسر واليسر رضينا به حيا وميتا وإنه * إمام هدى في الحكم والنهى والأمر فمن قال لا قلنا بلى إن أمره * لأفضل ما تعطاه في ليلة القدر وما لابن هند بيعة في رقابنا * وما بيننا غير المثقفة السمر وبيض تزيل الهام عن مستقره * وهيهات هيهات الولا (2) آخر الدهر أبت لى أشياخ الأراقم سبه (3) * أسب بها حتى أغيب في القبر وتكلم يزيد بن أسد القسرى - وهو من قواد معاوية - فقال: يا أهل العراق، اتقوا الله، فإن أهون ما يردنا وإياكم إليه الحرب ما كنا عليه أمس، وهو الفناء. وقد شخصت الأبصار إلى الصلح، وأشرفت الأنفس على الفناء (4)، وأصبح كل امرئ يبكي على قتيل. مالكم رضيتم بأول أمر صاحبكم وكرهتم آخره. إنه ليس لكم وحدكم الرضا. فتشاتم عمرو وأبو موسى من ليلته، فإذا ابن عم لأبى موسى يقول: أبا موسى خدعت وكنت شيخا (5) * قريب القعر مدهوش الجنان رمى عمرو صفاتك يا ابن قيس * بأمر لا تنوء به اليدان وقد كنا نجمجم عن ظنون * فصرحت للظنون عن العيان


(1) انظر ما سبق في ص 233 س 6 - 7. (2) ح (1: 199): " الرضا ". (3) انظر للأراقم ما مضى في ص 486. (4) في الأصل: " البقاء " صوابه من ح. (5) في الأصل: " بليت فكنت شيخا " وأثبت ما في ح. (*)

[ 549 ]

فعض الكف من ندم وماذا * يرد عليك عضك بالبنان قال: وشمت أهل الشام بأهل العراق. وقال كعب بن جعيل الغلتبى (1)، وكان شاعر معاوية، قال: كأن أبا موسى عشية أذرح * يطوف بلقمان الحكيم يواربه فلما تلاقوا في تراث محمد * نمت بابن هند في قريش مضاربه (2) سعى بابن عفان ليدرك ثأره * وأولى عباد الله بالثأر طالبه وقد غشيتنا في الزبير غضاضة * وطلحة إذ قامت عليه نوادبه فرد ابن هند ملكه في نصابه * ومن غالب الأقدار فالله غالبه وما لابن هند في لؤى بن غالب * نطير وإن جاشت عليه أقاربه فهذاك ملك الشام واف سنامه * وهذاك ملك القوم قد جب غاربه يحاول عبد الله عمرا وإنه * ليضرب في بحر عريض مذاهبه دحا دحوة في صدره فهوت به * إلى أسفل المهوى ظنون كواذبه فرد عليه رجل من أصحاب على فقال: غدرتم وكان الغدر منكم سجية * فما ضرنا غدر اللئيم وصاحبه وسميتم شر البرية مؤمنا * كذبتم فشر الناس للناس كاذبه ولكم (3) بن حرب بصيرة * بلعن رسول الله إذ كان كاتبه


(1) في الأصل: " وقال أبا موسى إنما كان غدرا من عمرو " وما بعد " قال " مقحم. وفي الأصل أيضا " كعب بن جعيل الثعلبي ". والصواب ما أثبت، وهو كعب بن جعيل ابن قمير بن عجزة بن ثعلبة بن عوف بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن تغلب بن وائل. انظر الخزانة (1: 458 - 459). (2) وكذا الرواية في معجم البلدان (أذرح) وفي ح: " مناسبه " وهما بمعنى. وفي اللسان: " ابن سيده: ما يعرف له مضرب عسلة، أي أصل ولا قوم ولا أب ولا شرف ". (3) كذا وردت هذه الكلمة غير واضحة في الأصل. وهذه المقطوعة لم ترد في ح. (*)

[ 550 ]

وقال عمرو بن العاص حين خدع أبا موسى: خدعت أبا موسى خديعة شيظم * يخادع سقبا في فلاة من الأرض (1) فقلت له إنا كرهنا كليهما * فنخلعهما قبل التلاتل والدحض (2) فإنها لا لا يغضيان على قذى * من الدهر حتى يفصلان على أمض (3) فطاوعني حتى خلعت أخاهم * وصار أخونا مستقيما لدى القبض وإن ابن حرب معطيهم الولا * ولا الهاشمي الدهر أو بربع الحمض (4) فرد عليه ابن عباس فقال: كذبت ولكن مثلك اليوم فاسق * على أمركم يبغى لنا الشر والعزلا وتزعم أن الأمر منك خديعة * إليه وكل القول في شأنكم فضلا فأنتم ورب البيت قد صار دينكم * خلافا لدين المصطفى الطيب العدلا أعاديتم حب النبي ونفسه * فما لكم من سابقات ولا فضلا وأنتم ورب البيت أخبث من مشى * على الأرض ذا نعلين أو حافيا رجلا غدرتم وكان الغدر منكم سجية * كأن لم يكن حرثا وأن لم يكن نسلا (5) قال: ولحق أبو موسى وهو يطوف بالبيت بمكة. نصر، قال: فحدثني عمر بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن طاوس


(1) في الأصل: " خداعة شيظم " وإنما هي الخديعة. والشيظم: الطويل الجسيم الفتى من الناس والخيل والإبل. والسقب: ولد الناقة. (2) التلاتل: الشدائد. والدحض: الزلق والزلل. (3) الأمض: الباطل والشك. وحتى، في البيت، ابتدائية، كما في قوله: * ولا صلح حتى تضبعون ونضبعا * انظر الخزانة (3: 599). (4) كذا ورد هذا العجز. (5) في الأصل: " فإن لم يكن حرثا ". (*)

[ 551 ]

قال: سألت أبا موسى وهو يطوف بالبيت فقلت له: أهذه الفتنة التى كنا نسمع بها ؟ قال: ابن أخى، هذه حيصة من حيصات الفتن، فكيف بكم إذا جاءتكم المثقلة الرداح، تقتل من أشرف لها، وتموج بمن ماج فيها. وقال الهيثم بن الأسود النخعي: لما تداركت الوفود بأذرح * وبأشعرى لا يحل له الغدر (1) أدى أمانته وأوفى نذره * وصبا فأصبح غادرا عمرو (2) يا عمرو إن تدع القضية تعترف * ذل الحياة وينزع النصر ترك القران فما تأول آية (2) * وارتاب إذ جعلت له مصر * قال نصر: وفي حديث عمر بن سعد: ودخل عبد الله بن عمر، وسعد ابن أبى وقاص، والمغيرة بن شعبة مع أناس معهم، وكانوا قد تخلفوا عن علي، فدخلوا عليه فسألوه أن يعطيهم عطاءهم - وقد كانوا تخلفوا عن على حين خرج إلى صفين والجمل - فقال لهم على: ما خلفكم عنى ؟ قالوا: قتل عثمان، ولا ندرى أحل دمه أم لا ؟ وقد كان أحدث أحداثا ثم استتبتموه فتاب، ثم دخلتم في قتله حين قتل، فلسنا ندرى أصبتم أم اخطأتم ؟ مع أنا عارفون بفضلك يا أمير المؤمنين وسابقتك وهجرتك. فقال على: ألستم تعلمون أن الله عز وجل قد أمركم أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر فقال: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله) ؟ قال سعد: يا على، أعطني


(1) كذا ورد هذا العجز. وفي معجم البلدان (أذرح): " وفي أشعرى لا يحل له غدر " وهذا العجز في هذه الرواية من بحر الطويل، والأبيات من الكامل. (2) صبا: خرج ومال بالعداوة. وفي الأصل: " وسما " وبدلها في معجم البلدان: " عنه وأصبح ". (3) في الأصل: " ترك القرآن فأول " وصوابه من معجم البلدان. (*)

[ 552 ]

سيفا يعرف الكافر من المؤمن، أخاف أن أقتل مؤمنا فأدخل النار. فقال لهم على: ألستم تعلمون أن عثمان كان إماما بايعتموه على السمع والطاعة، فعلام خذلتموه إن كان محسنا، وكيف لم تقاتلوه إذ كان مسيئا ؟ ! فإن كان عثمان أصاب بما صنع فقد ظلمتم إذ لم تنصروا إمامكم، وإن كان مسيئا فقد ظلمتم إذ لم تعينوا من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر. وقد ظلمتم إذ لم تقوموا بيننا وبين عدونا بما أمركم الله به، فإنه قال: (قاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله (1)). فردهم ولم يعطهم شيئا. وكان على عليه السلام إذا صلى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاة يقول (2) " اللهم العن معاوية، وعمرا، وأبا موسى (3)، وحبيب بن مسلمة، والضحاك بن قيس، والوليد بن عقبة، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد "، فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت (4) لعن عليا، وابن عباس، وقيس بن سعد، والحسن والحسين. وقال الراسبى، من أهل حرورا -: ندمنا على ما كان منا ومن يرد * سوى الحق لا يدرك هواه ويندم خرجنا على أمر فلم يك بيننا * وبين على غير غاب مقوم وضرب يزيل الهام عن مستقره * كفاحا كفاحا بالصفيح المصمم فجاء على بالتى ليس بعدها * مقال لذى حلم ولا متحلم


(1) من الآية 9 في سورة الحجرات. وقد اشتشهد بالآية مع إسقاط الفاء في أولها، وهو جائز. انظر حواشى الحيوان (4: 57). (2) في الطبري (6: 40): " وكان إذا صلى الغداة يقنت ". (3) وكذا في ح (1: 200) لكن بدله في الطبري: " وأبا الأعور السلمى ". (4) وكذا في الطبزى، لكن في ح: " فكان إذا صلى ". (*)

[ 553 ]

رمانا بمر الحق إذ قال جئتم * إلى بشيخ للأشاعر قشعم فقلتم رضينا با بن قيس وما لنا * رضا غير شيخ ناصح الجيب مسلم وقال: ابن عباس يكون مكانه * فقالوا له: لا لا ألا بالتهجم فما ذنبه فيه وأنتم دعوتم * إليه عليا بالهوى والتقحم فأصبح عبد الله بالبيت عائذا * يريد المنى بين الحطيم وزمزم - من هنا إلى موضع العلامة ليس عند ابن عقبة - وقال نابغة بنى جعدة. وقال: [ هي ] عندنا أكثر من مائة بيت فكتبت الذى يحتاج إليه: سألتنى جارتي عن أمتى * وإذا ما عي ذو اللب سأل سألتنى عن أناس هلكوا * شرب الدهر عليهم وأكل (1) بلغوا الملك فلما بلغوا * بخسار وانتهى ذاك الأجل وضع الدهر عليهم بركه * فأبيدوا لم يغادر غير تل فأراني طربا في إثرهم * طرب الواله أو كالمختبل (2) أنشد الناس ولا أنشدهم * إنما ينشد من كان أضل (3) ليت شعرى إذ مضى ما قد مضى * وتجلى الأمر لله الأجل ما يظنن بناس قتلوا * أهل صفين وأصحاب الجمل أينامون إذا ما ظلموا * أم يبيتون بخوف ووجل وقال طلبة بن قيس بن عاصم المنقرى:


(1) انظر للكلام على نسبة هذا البيت وروايته الحيوان (5: 28). (2) الطرب، هاهنا: الحزن. والواله: كل أنثى فارقت ولدها. وفي الأصل: " الوالد " تحريف. (3) أنشد: أطلب. ولا أنشدهم: لا أدل عليهم. وفى الأصل: " من قال أضل " وصوابه من اللسان (4: 433). (*)

[ 554 ]

إذا فاز دوني بالمودة مالك (1) * وصاحبه الأدنى عدى بن حاتم وفاز بها دوني شريح بن هانئ * ففيم ننادى للأمور العظائم ولو قيل من يفدى عليا فديته (2) * بنفسك يا طلب بن قيس بن عاصم لقلت نعم تفديه نفس شحيحة * ونفدى بسعد كلها حى هاشم نصر: عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي قال: سمعت تميم بن حذيم (3) الناجى يقول: لما استقام لمعاوية أمره لم يكن شئ أحب إليه من لقاء عامر بن واثلة، فلم يزل يكاتبه ويلطف حتى أتاه، فلما قدم ساءله عن عرب الجاهلية. قال: ودخل عليه عمرو بن العاص ونفر معه فقال لهم معاوية: تعرفون هذا ؟ هذا فارس صفين وشاعرها ؟ هذا خليل أبى الحسن. قال: ثم قال: يا أبا الطفيل، ما بلغ من حبك عليا ؟ قال: " حب أم موسى لموسى ". قال: فما بلغ من بكائك عليه ؟ قال: " بكاء العجوز المقلات (4)، والشيخ الرقوب (5). إلى الله أشكو تقصيري " فقال معاوية: ولكن أصحابي هؤلاء لو كانوا سئلوا عنى ما قالوا في ما قلت في صاحبك. قال: " إنا والله لا نقول الباطل ": فقال لهم معاوية: لا والله ولا الحق. قال: ثم قال معاوية: هو الذى يقول: إلى رجب السبعين تعترفوننى * مع السيف في خيل وأحمى عديدها (6) وقال معاوية: يا أبا الطفيل، أجزها. فقال أبو الطفيل: زحوف كركن الطود كل كتيبة * إذا استمكنت منها يفل شديدها


(1) مالك، هو مالك بن الحارث، المعروف بالأشتر النخعي. وفي الأصل: " هالك " (2) في الأصل: " ولو قيل بعدى من على " صوابه ما أثبت. (3) الوجه فيه: " بن حذلم " كما سبق في ص 169، 245. (4) المقلات: التى لا يبقى لها ولد. وفي الأصل: " الملغاة " تحريف. (5) الرقوب: الذى لا يبقى له ولد. (6) الإجازة هنا تقتضي أن يكون " عديدها " بالرفع، فيبدو أن في البيت تحريفا (*)

[ 555 ]

كأن شعاع الشمس تحت لوائها * مقارمها حمر النعام وسودها (1) شعارهم سيما النبي وراية * بها ينصر الرحمن ممن يكيدها لها سرعان من رجال كأنها * دواهي السباع نمرها وأسودها (2) يمورون مور الموج ثم ادعاؤهم * إلى ذات أنداد كثير عديدها إذا نهضت مدت جناحين منهم * على الخيل فرسان قليل صدودها كهول وشبان يرون دماءكم * طهورا وثارات لها تستقيدها (3) كأنى أراكم حين تختلف القنا * وزالت بأكفال الرجال لبودها (4) ونحن نكر الخيل كرا عليكم * كخطف عتاق الطير طيرا تصيدها إذا نعيت موتى عليكم كثيرة * وعيت أمور غاب عنكم رشيدها هنالك النفس تابعة الهدى * ونار إذا ولت وأز شديدها (5) فلا تجزعوا إن أعقب الدهر دولة * وأصبح منآكم قريبا بعيدها فقالوا: نعم، قد عرفناه، هذا أفحش شاعر، وألام جليس (6) فقال معاوية يا أبا الطفيل، أتعرف هؤلاء ؟ قال: ما أعرفهم بخير ولا أبعدهم من شر. فأجابه [ أيمن بن (7) ] خريم الأسدى: إلى رجب أو غرة الشهر بعده * يصبحكم حمر المنايا وسودها


(1) مقارمها، كذا وردت. (2) السرعان، بالتحريك: أوائل القوم المستبقون إلى الأمر. وفي الأصل: " لها شرعاء " والوجه ما أثبت. وفي الأصل أيضا: " دواعى السباع " تحريف. (3) تستقيدها: تطلب القود فيها. والقود، بالتحريك: قتل النفس بالنفس. وفي الأصل: " يستعيدها " محرفة. (4) الأكفال: جمع كفل، بالكسر، وهو الذى لا يثبت على ظهور الخيل. (5) كذا ورد هذا البيت. (6) في الأصل: " والم جليس ". (7) هاتان الكلمتان ساقطتان من الأصل. وانظر 431، 502، 503. (*)

[ 556 ]

ثمانين ألفا دين عثمان دينهم * كتائب فيها جبرئيل يقودها فمن عاش عبدا عاش فينا ومن يمت * ففى النار يسقى، مهلها وصديدها - من هنا عند ابن عقبة - نصر، عن عمرو بن شمر عن جابر قال: سمعت تميم بن حذيم (1) الناجى يقول: أصيب في المبارزة من أصحاب على (2): عامر بن حنظلة الكندى يوم النهر، وبسر بن زهير الأزدي، ومالك بن كعب العامري، وطالب بن كلثوم الهمداني، والمرتفع بن الوضاح الزبيدى أصيب بصفين، وشرحبيل بن طارق البكري، وأسلم بن يزيد الحارثى، وعلقمة بن حصين الحارثى، والحارث بن الجلاح الحكمى، وعائذ بن كريب الهلالي، وواصل بن ربيعة الشيباني، وعائذ بن مسروق الهمداني، ومسلم بن سعيد الباهلى، وقدامة بن مسروق العبدى، والمخارق بن ضرار المرادى، وسلمان بن الحارث الجعفي، وشرحبيل بن الأبرد الحضرمي، والحصين بن سعيد الجرشى، وأبو أيوب بن باكر الحكمى، وحنظلة بن سعد التميمي، ورويم بن شاكر الأحمرى، وكلثوم بن رواحة النمري، وأبو شريح بن الحارث الكلاعى، وشرحبيل بن منصور الحكمى، ويزيد بن واصل المهرى، وعبد الرحمن بن خالد القينى، وصالح بن المغيرة اللخمى، وكريب بن الصباح الحميرى من آل ذى يزن قتله على (3)، والحارث بن وداعة الحميرى، وروق بن الحارث الكلاعى، والمطاع بن المطلب القينى، والوضاح بن أدهم السكسكى،


(1) انظر ما سبق في ص 555. (2) كذا. ونجد في جملة من سرد من الأعلام أسماء كثير من أصحاب معاوية. وقد تعذر التمييز الدقيق بين هؤلاء وهؤلاء لندرة تراجمهم. كما أن هذه الأسماء تضمنت بعض من قتل في غير صفين. (3) قتله على يوم صفين. انظر الإصابة 7483. (*)

[ 557 ]

وجلهمة بن هلال الكلبى، وابن سلامان الغساني، وعبد الله بن جريش العكى وابن قيس، والمهاجر بن حنظلة الجهنى، والضحاك بن قيس، ومالك بن وديعة القرشى، وشريح بن العطاء الحنظلي، والمخارق بن علقمة المازنى، وأبو جهل بن ظالم الرعينى، وعبيدة بن رياح الرعينى، ومالك بن ذات (1) الكلبى، وأكيل بن جمعة الكنانى، والربيع بن واصل الكلاعى، ومطرف بن حصين العكى، وزبيد بن مالك الطائى، والجهم بن المعلى، والحصين بن تميم الحميريان والأبرد بن علقمة الحرقى من أصحاب طلحة والزبير، والهذيل بن الأشهل التميمي والحارث بن حنظلة الأزدي، ومالك بن زهير الرقاشى، وعمرو بن يثربى الضبى (2)، والمجاشع بن عبد الرحمن، والنعمان بن جبير اليشكرى (3)، والنضر بن الحارث الضبى، والقاسم بن منصور الضبى، وزامل بن طلحة الأزدي، وكرز بن عطية الضبى، ورفاعة بن طالب الجرهمى، والأشعث بن جابر، وعبد الله بن المنهال الساعدي، وعبد الله بن الحارث المازنى، والحكم بن حنظلة الكندى، وأبرهة بن زهير المذحجي، وهند الجملى (4)، ورافع بن زيد الأنصاري، وزيد


(1) كذا. ولعلها: " زرارة ". (2) عمرو بن يثربى الضبى، كان من رءوس ضبة في الجاهلية ثم أسلم. وهو قاتل علباء بن الهيثم السدوسى، وهند بن عمرو الجملى، وزيد بن صوحان العبدى، قتلهم يوم الجمل، فأسره عمار بن ياسر فجاء به إلى على رضى الله عنه فأمر بقتله. ولم يقتل أسيرا غيره. وهو القائل: إن تقتلوني فأنا ابن يثربى * قاتل علباء وهند الجملى ثم ابن صوحان على دين على انظر الإصابة 6513 والاشتقاق 246 - 247. (3) في الأصل: " والمجاشع بن عبد الرحمن النعماني بن حبير اليشكرى ". والوجه ما أثبت. (4) هو هند بن عمرو الجملى، نسبة إلى جمل بن سعد العشيرة، حى من مذحج. انظر المعارف 48 والاشتقاق 246 واللسان (مادة جمل)، قتله عمرو بن يثربى، كما سبقت الإشارة إليه في التنبيه الثاني. انظر الإصابة 9056. وفى الأصل: " همد الحملى " تحريف. (*)

[ 558 ]

ابن صوحان العبدى (1)، ومالك بن حذيم الهمداني (2)، وشرحبيل بن امرئ القيس الكندى، وعلباء بن الهيثم البكري (3)، وزيد بن هاشم المرى، وصالح بن شعيب القينى، وبكر بن علقمة البجلى، والصامت بن قنسلى الفوطى (4)، وكليب بن تميم الهلالي، وجهم الراسبى، والمهاجر بن عتبة الأسدى، والمستنير بن معقل الحارثى، والأبرد بن طهرة الطهوى، وعلباء بن المخارق الطائى، وبواب بن زاهر (5)، وأبو أيوب بن أزهر السلمى. زهاء عشرة آلاف. وأصيب يوم الوقعة العظمى أكثر من ذلك، وأصيب فيها من أصحاب على ما بين السبعمائة إلى الألف. وأصيب بصفين من أهل الشام خمسة وأربعون ألفا. وأصيب بها من أهل العراق خمسة وعشرون ألفا. وأصيب يوم النهروان على قنطرة البردان (6) من المحكمة خمسة آلاف.


(1) وهذا زبد قتله كذلك عمرو بن يثربى الضبى في وقعة الجمل. اختلف في صحبته. الإصابة 2991. (2) هذا غير مالك بن حريم الهمداني الشاعر الجاهلي الذى ذكره المرزبانى في معجمه ص 357. (3) هو علباء بن الهيثم بن جرير السدوسى البكري، نسبة إلى سدوس بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل. استشهد في وقعة الجمل، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في ترجمة عمرو بن يثربى ص 557. (4) كذا ورد هذا الاسم. (5) المعروف في أعلامهم " ثواب ". ومنه المثل: " أطوع من ثواب ". (6) قنطرة البردان، بفتح الباء والراء. والبردان: محلة ببغداد. انظر معجم البلدان. وفي الأصل: " البودان " تحريف. (*)

[ 559 ]

وأصيب منهم ألف بالنخيلة بعد مصاب على. وأصيب من أصحاب على يوم النهروان ألف وثلاثمائة. قال: وذكر جابر عن الشعبى وأبى الطفيل، ذكروا في عدة قتلى صفين والنهروان والنخيلة نحوا مما ذكر تميم الناجى. آخر كتاب صفين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا

[ 561 ]

المقدمة مراجع التحقيق * إتحاف فضلا البشر للدمياطي طبع، مصر 1359 الاستيعاب لابن عبد البر، طبع حيدر آباد 1318 الاشتقاق لابن دريد، طبع جوتنجن 1853 الإصابة لابن حجر العسقلاني، طبع السعادة 1323 الأصمعيات، اختيار الأصمعى، طبع ليبسك 1902 م الأغاني لأبى الفرج الأصبهاني، طبع الساسى 1323 الأمالي للقالى، طبع دار الكتب المصرية 1344 الإمامة والساسة لابن قتيبة، طبع مطبعة الفتوح 1331 الأنساب للسمعاني، طبع ليدن 1912 م أيمان العرب للنجيرمى، طبع السلفية 1343 تاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري، طبع الحسينية 1323 تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، طبع السعادة 1349 تاريخ دمشق لابن عساكر (مخطوطة المكتبة التمورية بدار الكتب المصرية) تذكرة الحفاظ للذهبي، طبع حيدر آباد 1333 تقريب التهذيب لابن حجر. طبع الهند 1230 التنبيه والإشراف للمسعودي، طبع الصاوى 1357 تهذيب التهذيب لابن حجر، طبع حيدر آباد 1325 الجامع الصغير للسيوطي، طبع مصر 1352 جمهرة الأمثال للعسكري، طبع بمباى 1306 جنى الجنتين للمولى المحبى، طبع دمشق 1348 حماسة البحترى، طبع الرحمانية 1929 م حماسة أبى تمام، طبع السعادة 1331 حماسة ابن الشجرى، طبع حيدر آباد 1345 الحيوان للجاحظ، طبع الحلبي من سنة 1357 خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي، طبع بولاق 1299 الخيل لأبى عبيدة، طبع حيدر آباد 1358 ديوان الأخطل، طبع بيروت 1891 م ديوان امرئ القيس، طبع أمين هندية 1324


(*) اقتصر فيها على ما ورد له ذكر في حواشى الكتاب. (*)

[ 562 ]

ديوان حاتم (من خمسة دواوين العرب)، طبع الوهبية 1293 ديوان حسان، طبع الرحمانية 1347 ديوان طرفة، طبع قازان 1909 م ديوان المعاني لأبى هلال العسكري، طبع 1352 الروض الأنف للسهيلي، طبع مصر 1332 سفر التكوين، طبع جامعة كمبردج السيرة لابن هشام، طبع جوتنجن 1859 م شذرات الذهب لابن العماد الحنبلى، طبع مصر 1350 شرح الألفية للأشمونى، طبع بولاق 1287 شرح الشافية للرضى، طبع مطبعة حجازى 1358 شرح شواهد المغنى للسيوطي، طبع البهية 1322 شرح الكافية للرضى، طبع الآستانة 1275 شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد، طبع الحلبي 1329 الشعر والشعراء لابن قتيبة، طبع الخانجى 1322 شفاء الغليل للخفاجي، طبع السعادة 1325 صفة الصفوة لابن الجوزى، طبع حيدر آباد 1355 صحيح مسلم، طبع بولاق 1290 الطبقات الكبير لابن سعد، طبع ليدن 1323 العقد لابن عبد ربه، طبع الجمالية 1331 العمدة لابن رشيق، طبع هندية 1344 عيون الأخبار لابن قتيبة، طبع دار الكتب 1343 الفرق بين الفرق للبغدادي، طبع مطبعة المعارف 1328 الفهرست لابن النديم، طبع الرحمانية الكامل للمبرد، طبع ليبسك 1864 م كتاب سيبويه، طبع بولاق 1316 لباب الآداب لأسامة بن منقذ، طبع الرحمانية 1354 لسان الميزان لابن حجر، طبع حيدر آباد 1330 مجمع الأمثال للميداني، طبع البهية 1342 مختلف القبائل ومؤتلفها لابن حبيب، طبع جوتنجن 1850 م مروج الذهب للمسعودي، طبع البهية 1346 مشارق الأنوار للفاضي عياض، طبع السعادة 1332 المشتبه للذهبي، طبع ليدن 1881 م المعارف لابن قتيبة، طبع مصر 1353 معجم الأدباء لياقوت، طبع مصر 1355 معجم البلدان لياقوت، طبع السعادة 1323

[ 563 ]

معجم الشعراء للمرزباني، طبع القدسي 1354 المعجم الفارسى الإنجليزي لاستينجاس، طبع لندن المفضليات للمفضل الضبى، طبع دار المعارف 1362 المنتظم لابن الجوزى، طبع حيدر آباد 1359 منتهى المقال لأبى على محمد بن إسماعيل، طبع إيران 1320 المؤتلف والمختلف للآمدي، طبع القدسي 1354 نهاية الأرب للنويرى، طبع دار الكتب 1342 نهج البلاغة مع شرح ابن أبى الحديد طبع الحلبي 1329 وفيات الأعيان لابن خلكان، طبع الميمنية 1310

[ 564 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الطبعة الأولى صفين: ما بين أعالي العراق وبلاد الشام تقع صفين، تلك البلدة التى خلدها التاريخ، وخلدت هي تاريخا ظاهرا في حياة الأمة العربية والخلافة الإسلامية، وألوان المذاهب الدينية والسياسية التى ولدتها حرب صفين، ونشرت أطيافها في ربوع الدولة الإسلامية، تلك الحرب التى استنفدت من تاريخ الدم المهراق مائة يوم وعشرة أيام، بلغت فيها الوقائع تسعين وقعة فيما يذكر المؤرخون (1). كانت حربا ضروسا أوشكت أن تفنى المسلمين وتذهب بمجدهم وتمحو آثارهم، فما كاد المسلمون ينزلون عن خيلهم بعد وقعة الجمل سنة 36 من الهجرة، حتى اعتلوها مرة أخرى في حرب صفين، لخمس مضين من شوال من تلك السنة (2). ولو لا أن تداركتهم عناية الله بصلح حقن من دماء الفريقين، وحفظ عليهم بقية من أبطالهم وأنجادهم لتغير وجه التاريخ الإسلامي. وقد عنى علماء التاريخ بتسجيل هذه الوقعة. ومن أقدم من ألف في ذلك أبو مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي المتوفى قبل سنة 170. ثم أبو الفضل نصر بن مزاحم المتوفى سنة 212. قال ابن النديم (3): (أبو الفضل


(1) معجم البلدان (صفين). (2) انظر ص 131 من الكتاب. (3) الفهرست ص 137. (*)

[ 565 ]

من طبقة أبى مخنف). وقد عاصر ابن مزاحم مؤرخ آخر ألف في وقعة صفين، وهو عبد الله بن عمر الواقدي المولود سنة 130 والمتوفى سنة 207 (1). ومن أقدم من كتب في تاريخ صفين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310، وهو لم يفرد لها تأليفا خاصا، وإنما ذكر الوقعة في أثناء تاريخه لحوادث سنة 33 وسنة 37 (2). وأقدم نص معروف لدينا في هذه الوقعة هو (كتاب صفين) لنصر بن مزاحم، الذى نستطيع أن نعده في طبقة شيوخ شيوخ الطبري، إذ أن الطبري يروى عمن يروى عن أبى مخنف (3) الذى يعد نصر بن مزاحم في طبقته كما سلف القول. نصر بن مزاحم: هو أبو الفضل نصر بن مزاحم بن سيار المنقرى. ونسبته إلى بنى منقر بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم (4). وهو مؤرخ عربي، شيعي يغلو في مذهبه، كما يذكر المؤرخون، وهو كوفى النشأة ولكنه سكن بغداد وحدث بها عن سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وحبيب ابن حسان، وعبد العزيز بن سياه، ويزيد بن إبراهيم التسترى، وأبى الجارود زياد بن المنذر. وروى عنه ابنه (الحسين بن نصر)، ونوح بن حبيب القومسى، وأبو الصلت الهروي، وأبو سعيد الأشج، وعلى بن المنذر الطريقي، وجماعة من الكوفيين. ولسكناه بغداد أورد له الخطيب البغدادي ترجمة في تاريخه (5).


(1) انظر فهرست ابن النديم 144. وقد اجتمع مع نصر في الرواية عن الثوري. انظر ابن خلكان (1: 506). (2) انظر تاريخ الطبري (5: 235 - 244 / 6: 2 - 40). (3) يروى الطبري عن أبى الحسن على بن محمد المدائني، عن أبى مخنف. انظر (: 233). ويروى أيضا عن عمر بن شبة، عن أبى الحسن المدائني، عن أبى مخنف. انظر (5: 184). (4) انظر المعارف 36 والاشتقاق 152. (5) انظر تاريخ بغداد (13: 282 - 283). (*)

[ 566 ]

ولم تذكر لنا التواريخ مولده، ولكن عده في طبقة أبى مخنف يحملنا على القول بأنه كان من المعمرين، إذ أن أبا مخنف لوط بن يحيى توفى قبل سنة 170 كما ذكر ابن حجر في لسان الميزان. وذلك يرجح أن ولادة نصر كانت قريبة من سنة 120. ويذكر المترجمون له أنه كان عطارا يبيع العطور، ولعل ذلك مما أسبغ على تأليفه ذلك الذوق الحسن الذى يلمع في أثناء كتابه. ولعل ذلك أيضا مما أكسبه هذه الروح البارعة في التأليف، إذ أنه يسوق مقدمات حرب صفين في حذق، ثم هو يصور لنا الحرب وهى دائرة الرحى في دقة تصوير وحسن استيعاب، ويروى لنا أحاديث القوم وخطبهم وأشعارهم، على ما في ذلك الشعر من صناعة الرواة أو تلفيق أصحاب الأخبار، ولكنه في ذلك كله يكاد لا يخطئه التوفيق في مراعاة الانسجام، واستواء التصوير، واتساق العرض. والمؤرخون يختلفون في توثيق نصر، شأنهم في كل راو من الشيعة، فبينا يذكره ابن حبان في الثقات (1)، ويقول ابن أبى الحديد الشيعي في شأنه (2): (ونحن نذكر ما أورده نصر بن مزاحم في كتاب صفين في هذا المعنى، فهو ثقة ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى ولا إدغال. وهو من رجال أصحاب الحديث)، إذ يقول فيه العقيلى: (شيعي في حديثه اضطراب). ويقول أبو حاتم: (زائغ الحديث متروك (3)). ومهما يكن فإن الناظر في كتابه هذا يلمس هدوء المؤرخ الذى لا تستفزه العصبية إلى هواه، إلا في القليل لا يستطيع منه إفلاتا، فهو حين يذكر مثالب معاوية لا يخفى مطاعن الأعداء في على.


(1) انظر لسان الميزان (6: 157). (2) شرح نهج البلاغة (1: 183). (3) لسان الميزان (6: 157). (*)

[ 567 ]

مصنفاته: قال ياقوت (1): (كان عارفا بالتاريخ والأخبار). وسرد له ابن النديم (2) من المصنفات. كتاب الغارات (3). كتاب الجمل. كتاب صفين. كتاب مقتل حجر بن عدى. كتاب مقتل الحسين بن على. وزاد صاحب منتهى المقال (4): كتاب عين الوردة (5). كتاب أخبار المختار (6). كتاب المناقب. فأنت ترى أن جهد هذا الرجل كان موجها إلى التأليف الشيعي. ولم تحفظ لنا الأيام من آثاره إلا هذا الكتاب، (كتاب صفين). نسخ كتاب صفين: 1 - طبع هذا الكتاب لأول مرة على الحجر في إيران سنة 1301. وهذه الطبعة نادرة الوجود، عزيزة المنال، حتى إنها لم تدخل خزائن دار الكتب المصرية إلا منذ عهد قريب. وهى نسخة مروية تقع في ثمانية أجزاء، في صدر كل منها سند الرواية التى تنتهى إلى نصر بن مزاحم. وهذه الأجزاء الثمانية في 305 صفحة، كل صفحة منها تشتمل على نحو 20 سطرا في كل سطر نحو 12


(1) معجم الأدباء (19: 225). (2) الفهرست 137. وقد نقل أسماء هذه المصنفات ياقوت في معجمه ولم يصرح بالنقل. (3) ممن ألف كتابا بهذا الاسم أيضا إبراهيم بن هلال الثقفى، يروى عنه ابن أبى الحديد كثيرا. انظر (1: 369) وما بعدها. (4) منتهى المقال لأبى على محمد بن إسماعيل س 317. (5) عين الوردة، هي رأس عين، المدينة المشهورة بالجزيرة، كانت فيها وقعة للعرب ويوم من أيامهم. معجم البلدان. (6) هو المختار بن أبى عبيد الثقفى، صاحب (المختارية) ويسمون (الكيسانية)، فرقة من الشيعة. انظر الفرق بين الفرق 27 - 38. (*)

[ 568 ]

كلمة. وقد طمست بعض كلمات هذه النسخة ووقع فيها كثير من التحريف والتصحيف، والزيادة والنقص. وهذه النسخة هي التى قد اتخذتها أصلا في نشر هذا الكتاب وتحقيقه، وهى التى أعبر عنها بلفظ (الأصل). 2 - وطبع مرة أخرى في المطبعة العباسية ببيروت سنة 1340. وهذه الطبعة عمد فيها الناشر إلى حذف جميع أسانيد الكتاب، وكذلك بعض النصوص والشعر، وليس لهذه الطبعة قيمة في التحقيق، إذ أن ناشرها لم يزد على أن قدم مختصر النسخة الأولى إلى المطبعة، ولم يشأ أن يمس ما شاع فيها من التحريف والتصحيف، ومهما يكن فإن له كبير الفضل في إذاعة كتاب صفين بطبعته هذه التى اعتمد عليها كثير من الباحثين. 3 - وهناك نسخة ثالثة كانت في ضمير الغيب، وأمكنني أن أكشفها شيئا فشيئا، بمطالعتي في شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد، الذى جرت عادته على أن يضمن تأليفه جملة من الكتب ينثرها في تضاعيف كتابه، كما جرى على ذلك من بعد صاحب خزانة الأدب عبد القادر بن عمر البغدادي. وقد اقتضاني استخراج هذه النسخة وتكشيفها أن أنفق نحو الشهر في صناعتها، وأمكنني عون الله - والحمد له - أن أعثر على جميع نصوص هذا الكتاب في شرح ابن أبى الحديد، من مواضع متباينة لم يلتزم فيها ترتيب الكتاب، وإنما وردت في الشرح وفقا لما تقتضيه المناسبات المختلفة. ولم يخطئنى من ذلك إلا نحو نيف وعشرين صفحة. وهذه النسخة هي التى رمزت إليها بالرمز (ح) اقتباسا من اسم ابن أبى الحديد. وإلى القارئ صفحات نسخة الأصل معارضة بصفحات النسخة المصنوعة من شرح ابن أبى الحديد، المرموز إليها بالرمز (ح)، ليتضح له كيف أمكن استخراجها وتعقبها:

[ 569 ]

جدول ارقام

[ 570 ]

جدول ارقام

[ 571 ]

فعلى هذه النسخة المستخرجة من شرح ابن أبى الحديد، وعلى النسخة الأولى، كان اعتمادي في نشر هذا الكتاب. تحقيق الكتاب: لم يكن لى بد من أن ألتزم معارضة نسخة إيران بتلك النسخة المستخرجة من شرح ابن أبى الحديد. وقد وجدت في نسخة إيران أسقاطا كثيرة أكملتها من النسخة المصنوعة، ولم أنبه عليها إلا بوضعها بين معقفى الإكمال: [ ]. فما وجده القارئ بين هاتين العلامتين خاليا من التنبيه فهو من هذه النسخة، وما لم يكن منها فقد نبهت على موضع اقتباسه. ولم يكن لى بد أيضا أن أرجع إلى مختلف مصادر التاريخ وكتب الرجال والشعر والعربية والبلدان، في تحقيق النصوص المختلفة لهذا الكتاب الزاخر بالحوادث والأعلام والشعر والرجز والآثار الأدبية. وقد عينت بعض هذه المراجع في صدر هذا الكتاب. فهارس الكتاب: وضعت لهذا الكتاب فهارس تحليلية ستة: أولها للأعلام، وقد عنيت فيه بتبيين الصور المختلفة التى يرد عليها العلم في مختلف مواضعه من الكتاب. ولم أجعل الإحالة على موضع واحد كما يفعل كثير من الناشرين، فيجهد الباحث نفسه في العثور على صورة خاصة من صور العلم الذى يبغيه. وألفيت ثمة أعلاما - هي سبعة في العد - يكثر دورانها في الكتاب، فلا يجد القارئ في تتبع أرقامها إلا الجهد والعنت، فهذه أسقطت أرقامها واكتفيت بتسجيل العلم فقط، ونبهت على ذلك في ص 647 (1). كما وضعت أرقام الصفحات التى ترجم فيها كل علم بين قوسين، تنبيها على موضع الترجمة.


(1) من أرقام الطبعة الأولى، كما هو المفهوم. (*)

[ 572 ]

ويلى فهرست الأعلام فهرس القبائل والطوائف، ثم فهرس البلدان والمواضع. وقد صنعت في هذين الفهرسين ما صنعت بسابقهما. وبعد هذين فهرس الأشعار، ثم فهرس الأرجاز، وقد فصلت بينهما لكثرة هذا الأخير بحيث يكاد يكون قسيما للأول. وقد عينت بحور الشعر وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون وقائليه في الفهرس الأول، وجعلت الأرجاز كلها بابا واحدا مهما اختلفت بحورها، وأثبت أسماء قائليها. ثم فهرس مواضيع الكتاب، صنعته مختصرا من العنوانات التى أثبتها في أعلى صفحات الكتاب. وأرجو أن أكون قد وفقت في جلاء الريب عن كثير من مشتبهات هذا الكتاب، وأن أكون قد أسديت إلى المكتبة التاريخية والعربية جهدا متواضعا ؟ الإسكندرية في منتصف المحرم سنة 1365 عبد السلام محمد هارون

[ 573 ]

مقدمة الطبعة الثانية وهذه هي الطبعة الثانية من وقعة صفين، وقد أتاحت لى الفترة التى بين الطبعتين أن أعيد النظر في بعض النصوص والتفسيرات، وأن أضيف إلى الفهارس الفنية فهارس أخرى، تيسيرا للانتفاع بنصوص الكتاب. وفي هذه الطبعة روجعت الفهارس مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض الاستدراكات والتكملات، فكانت بذلك أدق من سابقتها، وأوسع إحاطة وشمولا. والله المسئول أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وأن يمنحنا من العون والقوة ما نستطيع به أن نحقق بعض ما نأمل من خدمة هذا التراث الخالد) وتجلية وجهه وتيسير الانتفاع به، إنه نعم المولى ونعم المعين. مصر الجديدة في أول ربيع الثاني سنة 1382 آخر أغسطس سنة 1962 عبد السلام محمد هارون