الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي- حسن بن فرحان المالكي

نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي

حسن بن فرحان المالكي


[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الرياض نحو إنقاذ التاريخ الاسلامي (قراءة نقدية لنماذج من الاعمال والدراسات الجامعية) حسن بن فرحان المالكي

[ 2 ]

مؤسسة اليمامة الصحفية، 1418 ه‍

[ 3 ]

42 الرياض

[ 5 ]

اهداء قيل (رب أخ لك لم تلده أمك) ويمكن أن نقول: (رب أستاذ لك لم تسمع منه أيام الطلب ولم تلحظه عيناك في قاعات الدراسة). إلى من رأيت في أبحاثه قوة المنهج ووضوح الهدف إلى من قرأت له واستطعت أن أقول باطمئنان وثقة: الان وجدت (المورخ) ! ! وجدت الذي ينشد الحقيقة ! ! وجدت الذي يصدع بالحقيقة ! ! للعلم ! ! للتاريخ ! ! للحقيقة ! ! إلى أستاذي الدكتور / عبد العزيز بن صالح الهلابي أهدي له هذا العمل المتواضع. تلميذك حسن بن فرحان المالكي

[ 6 ]

مقدمة التاريخ الاسلامي لا يجهل المسلمون أهميته، وان اختلفوا في قراءته، وكتابته، وبحثه، وتصنيفه، وتقييمه، فمنه يستمد المسلمون العبر والدروس، داليه يرجعون عند تفسير أسباب النصر وعوامل الاخفاق، لانه الارضية ؟ التي كان الاسلام في عصوره الزاهرة مبنيا عليها، وكان التاريخ أيضا المرآه، التي تعكس واقع المسلمين. لكن التاريخ الاسلامي ل ! ابتلي بكثير من أبنائه ل ! الذين لم يفهموا الاهداف الحقيقية من دراسته، ولم يقفوا على جواهر فوائده، ولم يعرفوا المنهج الصحيح في الاستفادة منه، تلك الاستفادة التي تتصاحب فيها معرفة الاخطاء وبدايات الانحراف مع معرفة الايجابيات وجوانب الاشراق. التاريخ الاسلامي مبتلى بأعدائه، الذين يعممون الخاص، ويخصصون السائد، وينشرون المثالب الظالمة في ثياب عدل وتحقي ! !. التاريخ الاسلامي مبتلى بكثير من الصالحين، الذين يجمعون بين العاطفة الصادقة والجهل المركب، وقديما قال بعفى السلف (لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث) ! ! ويقصد القائل ذلك الصلاح (العاطفي) الذي لم يتسلح بسلاح العلم فانطلت على هؤلاء الصالحين أكاذيب

[ 7 ]

الكذابين وأخطاء الجاهلين وأوهام النقلة فأصبحوا يرددونها وتجري بها ألسنتهم وهم لا يعرفون أنها أباطيل ! ! ولا يهتدون لمواطن الضعف فيها ! ! منخدعين بشيوعها وانتشارها ! !، محسنين الظن بكل ما سمعوا ! ! التاريخ الاسلامي مبتلى ببعفى العلماء، الذين يجازفون بإصدار الاحكام المستعجلة، حول الاحداث، والمواقف، والشخصيات، والنتائج، متناسين الطريقة الصحيحة والمثلى، في البحث عن الحقيقة، ذلك البحث الذي يحترم العلم، ويلتزم النقل الصحيح، ويحترم العقل، ولا يهمل الاستيفاء في جمع شتات المادة، العلمية، من مختلف المصادر. ثم يتبع ذلك بتصنيف هذه المادة، من حيث القبول والرد ذلك التصنيف، الذي يبحر في مناهج المحدثين وأهل العلم من محدثين وأصوليين ومؤرخين، ويغوص في دلائل القواعد والالفاظ، ويستوعب الاقوال في الراوي الواحد، ثم يجتهد في معرفة القول الصحيح، المتفق مع سبر مرويات الراوي وأحاديثه، وما يتفق معها من مرويات الاخرين ثم وزن ذلك بميزان العدل فلا هضم لجوانب الخير ولا مجاملة لنوازع الشر.

[ 8 ]

ثم ياتي بعد ذلك مرحلة التحليل والاستنتاجات، وجمع ملخص المادة ومتفرقات المعرفة، وتقديم هذا كله ليسهم في تصحيح معرفتنا بهذا التاريخ، ثم تنمية هذه المعرفة وزيادتها ومتابعتها ونقدها، لتسهم هذه المعرفة بدورها في علاج مشاكلنا المعاصرة، ونسترشد بها في استشراف المستقبل، وبالتالي وضع الحلول (الوقائية) للقضايا والمشكلات المتوقعة. التاريخ الاسلامي بحاجة إلى أن نحسن استخدام العلم، ذلك العلم الذي يهدي إلى الحق، ويوصل إليه، وليس ذلك العلم الذي تسيره العواطف ! ! وتراكمات الاخطاء والظنون ! ! وتجره ردود الافعال غير المدروسة ولا المسؤولة، لاتخاذ مواقف متشنجة، تقلب الحقائق من أجل ارضاء أناس أو اغضاب آخرين، وتلوي أعناق الادلة، وتجمع الاضداد، وتخضع المسلمات، وتفرق بين الامور المتفقة ؟ من أجل الثبات على موقف خاطئ أو الحصول على ثناء جاهل. فمثل هذه الامراضى البحثية لها أكبر الاثر في ضعف رؤيتنا للتاريخ الاسلامي وسوء فهمثا لحقائقه وعبره ودروسه !. التاريخ الاسلامي مبتلى بعدم معرفتنا للاهداف الكبرى

[ 9 ]

من دراسته، مبتلى بالطريقة العشوائية في البحث، والطريقة الظالمة في الحكم. التاريخ الاسلامي مبتلى بالجهود المشتتة التي كان من نتائجها المحزنة تلك التناقضات الكبيرة التي لا تخدم حقائق التاريخ الاسلامي. التارخ الاسلامي مبتلى بمثل هذه المصائب وأكثر، عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله، ولذلك لابد من التقاء الهموم لانقاذ هذا التاريخ وإخراجه من هذه العوائق والمصائب (البحثية) التي تحول قطعأ دون الاستفادة التي نرجوها منه. ولهذا كله فإن التاريخ الاسلامي بحاجة إلى قراء يحسنون القراءة، وإلى باحثين يحسنون البحث، والى عادلين يحسنون الحكم، وإلى تنسيق بين الجهود وإلى شعور بأن هذا التاريخ مسئولية الامة، ولا ينبغي أن يخضع للانطباعات الخاصة، والرؤى الذاتية، ثم إن هذا العصر أصبح عصر تنسيق وتعاون واتصالات علمية، ومن الخطأ ألا نستفيد من هذه الايجابيات المساعدة على تحقيق النتائج السريعة والعميقة في الوقت نفسه. التاريخ الاسلامي بحاجة إلى شجاعة غيورة تطرح

[ 10 ]

الحقائق ولا تخشى في سبيلها عتاب الاصدقاء ولا كيد الاعداء ولا الطعن في الاهداف والمقاصد. التاريخ الاسلامي لا يريد منا خلاف ما تريده الحقيقة في شمولها وقوتها في سموها وجوهرها. التاريخ الاسلامي لا يريد منا أن نسير وراء العاطفة ونلبس الباطل لباس الحق. التاريخ الاسلامي لا يريد منا أن نتشنج في ردود الافعال ونظلم في اصدار الاحكام. التاريخ الاسلامي لا يريد منا أن نتهم الابرياء كما لا يرتضي منا أن نبرئ المذنبين ولا نجامل الرجال على حساب الشرع والحقيقة. التاريخ الاسلامي لا يريد منا أن نتشبث في خطاء الدارسين، ولا رواسب التعصبات. التاريخ الاسلامي يريد منا أن نجرده من ملونات الازمنة والامكنة التي لا تتفق مع الحقائق. التاريخ الاسلامي يريد قلوبا نظيفة، وأهدافا سامية، وعزائم صادقة، وقوة في البحث، وتطبيقا حقيقيا للنظريات، ذلك التطبيق الشامل، وليس التطبيق الاعور، الذي نتغنى به في مواطن ونحاربه في مواطن مشابهة ! !

[ 11 ]

التاريخ الاسلامي يحتاج رجالا همهم العلم لا الشهادات والوظائف، فوظيفة المؤرخ هي التاريخ ثفسه كما ان وظيفة العالم هو العلم نفسه. ! التاريخ الاسلاهي يريد منا أن نترك المجاملات، ونبين بوضوح الاهداف الحقيقية من دراسته، ولا نضحك على انقسنا ولا الاخرين. التاريخ الاسلامي بحاجة إلى أن نضع لدراسته منهجا يحمينا من التناقضات ! !، إلى منهج يعلمنا كيف نصل إلى الحقيقة ! !، إلى منهج يعلمنا كيف نحمي الحقيقة ! ! إلى منهج يجبرنا على اتباع الحقيقة ! ! إلى منهج يعلمنا كيف نحمي التاريخ من أنفسنا وأهوائنا وأمراضنا ! ! إلى منهج يضبط مواقفنا وردود أفعالناة ! ! جإن حاولنا أن نحقق كل هذا، استطعنا أن نزعم اننا نسير (نحو إنقاذ التاريخ الاسلامي) ! ! ومن هذا المنطلق جاءت مقالاتنا في صحيفة (الرياض) محاولة من المحاولات التي تهدف إلى نقد (سلبيات البحث)

[ 12 ]

في التاريخ الاسلامي ويبقى هذا العمل خاضعا للنقد والمناقشة والحوار المتواصل أملا في اكتمال جوانبه ليسهم في التصحيح المأمول. ومن هذا المنطلق أيضا، كان حوارنا مع بعض الاخوة الفضلاء، من الاساتذة الاكاديميين، أو طلاب الدراسات العليا، ولم يكن الحوار مع غيرهم من عموم المؤلفين، ايمانا منا بأن المشاركة في إصلاح القمة، كفيل باصلاح القاعدة، وإن كانت القاعدة لا تخلو من خير أما إن بقيت أقسام التاريخ، تنتج تلك الانتاجات، التي تفتقد الخطوات الصحيحة، فإن هذا يدعو للقلق الشديد. وأنا لا أزعم أن تلد الدراسات متساوية من حيث اتباع المنهج الصحيح من عدمه، فهناك دراسات رائدة، يشهد لنزاهتها وعلميتها كل منصف يعلم الحقيقة، وهناك دراسات قريبة من هذه الريادة لكن الاغلب مما قرأناه من هذه الرسائل والدراسات التاريخية فيه من العيوب السابق ذكرها النصيب الاوفر، نتيجة للمفاهيم الخاطئة أو طرق البحث القاصرة، فلهذا جاءت ضرورة مثل هذا النقد الذي نرجو أن يسهم في تصحيح تلك السلبيات المستقرة في بحوث ودراسات كثير من دارسي التاريخ الاسلامي، كما نرجو أن تتنبه أقسام التاريخ إلى ضرورة (المراجعة)

[ 13 ]

و (النقد الذاتي) وتشجيع ذلك حتى لا يأتي يوم تكون فيه الدراسات من دلائل (الجهل) وعلامات (التخبط العلمي) الذي نعيشه في هذه المرحلة الزمنية. وليعذرني الاخوة الذين كان الحوار معهم في هذا الكتاب فقد تقسو عبارة ويشتط أسلوب وتند كلمة وما هذا كله إلا من باب الحرمى على هذا العلم الشريف مع سلامة النية والمقصد ومحبة الخير لي ولهم وفق الله الجميع وسدد خطاهم. كما أود التنبيه أنه قد تم في هذا الكتاب تصحيح الاخطاء الطباعية وإيراد بعض الاستدراكات القليلة والتفصيلات اليسيرة في بعض المسائل التي رأينا أنها تحتاج لذلك. وفي الختام لا يسعني إلا أن أشكر مؤسسة اليمامة الصحفية وصحيفة " الريافى " على وجه الخصومى لتبنيهم إصدار هذا الكتاب الشهري وحرصهم على حفظ الاعمال الكتابية لكتابهم من الضياع وايصالها إلى عموم المستفيدين لتكتمل الفائدة وتتحقق الاهداف. ونسعى جميعا لتاصيل المعرفة وإنمائها، نسأل الله أن يوفقنا لما فيه خير ديننا وأمتنا وتاريخنا. بقلم: حسن بن فرحان المالكى

[ 16 ]

الفصل الاول أنقضوا التاريخ الاسلامي ! ! حوار مع الدكتور عبد الحليم عويس والاستاذ المؤرخ محمود شاكر

[ 17 ]

يا أصاب الحديت: انقذوا التاريخ الاسلامي ! * لا تنقذوه من تلفيقات المستشرقين وأذنابهم من المستغربين بل من بعض المؤرخين الاسلاميين الذين دخلوا ميدان التحقيق العلمي للتاريخ بلا سلاح ورفعوا لواء (إعادة كتابة التاريخ الاسلامي) وهم يفتقدون أبسط أركان التحقيق العلمي. يا علماء الحديث: لقد سئمنا من الردود على المؤرخين المستغربين الذين يؤرخون بأقلامهم ما تمليه أهواؤهم وعقولهم فان هؤلاء - المستغربين - لن يجدوا عند المسلمين إلا آذانا صماء وأعينا عمياء، والقارئ المسلم الواعي لن ينجرف في تياراتهم ولن تخدعه ترهاتهم فقد طويت دونهم الكشوح منذ زمن فلم تعد أباطيلهم تنطلي على أحد ولا تستميل ذا لمب.


(*) اليمامة - العدد 1162 - الارلعاء 28 ذو الحجة 1411 ه‍ - 10 يوليو 1991 م - كتب المؤلف هذا المقال قبل تخرجه من الجامعة لذلك يجب مراعاة هذا في بعض الادبيات والتنميقات التي قد تكون ملاحظة عند بعضهم.

[ 18 ]

ولكن الانكى والامر عندما (يؤتى من مأمنه الحذر) فقد نشأ في زمننا الحاضر كثير من المؤرخين الاسلاميين الذين يريدون تنقية تاريخنا الاسلامي من الشوائب، فأتوا بالعجائب ! ! وطمسوا الحقائق، وأدخلوا أنفسهم في علم الحديث تصحيحا وتضعيفا ! ! وضعفوا الثقات، ووثقوا الهالكين، وأحجموا أنفسهم بين رفض النقل، وتحكيم العقل، وفتحوا بذلك شرخا عميقا في منهج أهل الحديث - ولهذا جئت مستنجدا - فإن لم يتدارك هذا الامر أهل الاختصاص فسيؤول بنا الامر إلى رفض المؤرخين العقلانيين (ومن سار في ركبهم) للمنهج الذي وصلنا عن طريقه كتاب الله وسنة رسوله " صلى الله عليه وسلم وقد بدت بوادر هذه المجازفات فرأينا في هذه الايام من الاساتذة المؤرخين أو تلاميذهم من يتلاعبون بتاريخنا الاسلامي، فيصححون الضعيف، ويضعفون المغواتر ! ! لان العقل - بزعمهم - يعقل هذا ولا يعقل ذاك، مع ادعائهم بأنهم رجال ثغور التاريخ، وأنه يقع على عواتقهم تنقية هذا التاربخ ! ! وإعادة كتابته وتصحيحه وإخراجه (خالصا سائغا للشاربين) ! ! لى إذا حاولت أن تبحث عن منهجهم وجدته (يعقل، ولا يعقل) و (ممكن، ولا أظن) ! ! يبدأون تحقيقاتهم ب (لست أدري، ومما يخيل إلي) لكنهم ينتهون ب (من المؤكد) وبفعلهم هذا يكونون قد هدموا ما بناه المحدثون منذ القرون الاولى مع أنهم - (المؤرخون) - يتفقون نظريا مع أهل الحديث في أن (أفضل منهج لكتابة التاريخ الاسلامي هو منهج أهل الجرح والتعديل وأن هذا المنهج هو المعيار الحقيقي

[ 19 ]

لقبول الخبر أو رده) ! !. وهذه حقيقة لا جدال فيها ولا يشك فيها منصف، لكن المؤرخين الاسلاميين هم أبعد الناس عن هذا المنهج عن التطبيق العملي الواقعي - مع اعترافهم بالمنهج نظريا ! ! - ومؤلفاتهم شاهدة تنضح بما ذكرت من تناقضاتهم، فهم يدعون إلى تطبيق منهج المحدثين، وبدعوتهم هذه يكونون قد جعلوا على مؤلفاتهم صبغة أهل الحديث ظاهريا ! ! بينما الحق والواقع يقرران أن هذه المؤلفات يتمشى الزور في مناكبها والباطل في جوانبها، لا ترفع حجابا من باطل، ولا تملك اقناعا لسائل، وسأكشف لكم الغماء فليس المقام مقام خطابة بل مقام تحقيق وتنقيب، حتى يبين الصبح لذي عينين، وسأضرب مثالا على أقوالي السابقة - حتى لا نتحدث في فراغ - وسأذكر بعض الملاحظات على إثنين من المؤرخين الاسلاميين الذين قد سبق لي أن تحاورت معهما ولهما في قلبي الحب والتقدير الاخوي ولكن هذا لا يمنع من النقد البناء الموثق حتى نصل إلى المستوى المأمول والى المنهج السديد في تنقية وكتابة التاريخ الاسلامي، بلا تحيز ولا دفع بالصدر وسترون - إخواني القراء - مقدار الهوة السحيقة بين النظرية التي ينادون بها ويدعون إليها بالحاح والتطبيق العملي عند كتاباتهم في التاريخ الاسلامي، والمؤرخان اللذان سيكون الحوار معهما هنا هما الدكتور الفاضل / عبد الحليم عويس والاستاذ المؤرخ محمود شاكر وكلاهما أشهر من نار على علم. وسأبدأ بالحوار مع الدكتور عبد الحليم عويس وننظر جميعا مدى الاتفاق والاختلاف بين نظريته وتطبيقه.

[ 20 ]

يقول الدكتور في كتابه (بنو أمية): " وقد أغفل كثير من المؤرخين كتب المحدثين والفقهاء من أمثال الصحاح الستة وكتب أئمة المذاهب الاربعة وكتب الفقهاء.. الخ ". وقد قال هذا في معرض انتقاده للمؤرخين وقال في صحيفة مراة الجامعة عدد 110: " لكن نقطة الخلاف الرئيسية بيننا وبين الدكتور فتحي عثمان أنه يكاد (وأقول يكاد) يغلب العقل على النص في بعض المواطن النصية وهو بالتالي يعطي العقل مساحة تمتد على حساب النص " ! !. وكلامه في الفقرتين السابقتين يمثل الجانب النظري عند الدكتور في أنه (يجب ألا تغفل كتب المحدثين والفقهاء) كما (لا يجوز تغليب العقل على النقل) عند الكتابة في التاريخ الاسلامي ! !. وهذا كلام نظري صحيح - وان لم يكن بجديد - ومع أنه صادق في اتهام المؤرخين أو اكثرهم بإغفال هذه الاصول وتغليب العقل على النص إلا أني تمنيت لو أنه لم يتبعهم في إغفال تلك المصادر والكتب مع الروايات الصحيحة، والدكتور - عفا الله عنه - قد أوهم القارئ - أو يظهر من كلامه - أنه (لا يغفل الصحاح الستة) ! ! وأمثالها و (لا يعطي العقل مساحة على حساب النص) ! ! وسنرى الان مدى التزامه بكلامه النظري السابق: خذ مثالا واحدا فقط وهو ما ذكره في مرآة الجامعة، العدد السابق نفسه عندما قال بالحرف الواحد: (فلا يعقل قبول ما يشاع عن بني امية من أنهم كانوا يسبون عليا كرم الله وجهه على المنابر لان ذلك يتنافي مع طبيعة البيئة الاسلامية... الخ اه‍.

[ 21 ]

فانتم ترون أنه هنا يتحاكم إلى العقل ولم يبحث عن النص في الصحاح الستة ! ! وكتب المحدثين والفقهاء ! ! التي أغفلت من بعض المؤرخين ! !، ولو رجع إلى بعض منها لوجد في اكثرها ما يخالف قوله أو نفيه السابق، وحتى لا يكون اتهامي له أو ردي عليه عائما فتعال معي أخي القارئ لنفتش في الكتب الستة ! ! وبعض كتب المحدثين والفقهاء ! ! حتى لا نتهم باغفالها ولا نغفلها كما أغفلها الدكتور ! ! لنرى الحق الذي فيها هل يتوافق مع قوله السابق أم لا في هذه القضية: 1 - صحيح البخاري - وأظنه من الكتب الستة ! ! مع شرح فتح الباري (7 / 70) نجد فيه حديثا (عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أن رجلا دعا سهل بن سعد فقال: هذا فلان أمير المدينة يدعوه عليا عند المنبر).. الحديث وفسر ابن حجر هذا القول برواية أخرى عند الطبراني من وجه آخر عن عبد العزيز نفسه، وهي (يدعوك لتسب عليا ! !. وهذا السبب صريح في حديث مسلم الاتي: 2 - صحيح مسلم (7 / 124) - وهو من الكتب الستة ! ! (عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: استعمل على المدينة رجل من آل مروان قال (أبو حازم): فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا قال: فابى سهل فقال له (الامير) أما إذا أبيت فقل لعن الله أبا التراب ! ! !، فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب، وما سماه إلا النبي

[ 22 ]

صلى الله عليه وسلم... الحديث. أقول: فهذا صحيح مسلم يفسر رواية البخاري - وكلاهما من الكتب الستة - بأن والي المدينة وهو مروان بن الحكم في زمن معاوية كان يسب ويأمر بسب علي على المنابر، هذه حقيقة تاريخية ثابتة ! !. فأين التزام الدكتور بالنقل الصحيح ! ! فلابد من قبول الحق وإن كان مرا، فأنا لا يهمني ثبوت التهمة ضد بني أمية أو غيرهم، ولا يهمني نفيها، بقدر ما يهمني حماية المنهج - منهج كتابة التاريخ الاسلامي - وتبرئته من الخلل الذي قد يصيبه بتحكيم العقل بعيدا عن النقل الصحيح. والمؤرخون يخلطون - غالبا - بين (ما وقع على الحقيقة) و (ما يجب أن يكون) ! ! وهناك فرق بين (ما نحب) و (ما حصل فعلا) فليس التاريخ رواية مسرحية خيالية نشكلها كما نريد ! ! بل من كمال وصدق وموضوعية التاريخ الاسلامي أن نذكر الحق ولا نجامل فيه أحدا وقد سألت شيخنا العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله - وهو من كبار المحدثين في عصرنا الحاضر - عن هذه الرواية في مسلم وهل تدل على أن بني أمية كانوا يسبون عليا ؟ ! فقال: (هذا ليس بعيدا عن مروان وغيره، وهذه من الزلات نسأل الله العافية ! إ). أ. ه‍. إذا فالشيخ لم يقل (لا يعقل) إ ! لانه إن صح النقل وجب على العقل قبول مقتضاه أما إذا فتحنا الابواب للعقول والاهواء والتشهي فستأتي على الاخضر واليابس وما أسهل كلمة (لا يعقل)

[ 23 ]

بل ما أجهلها عندما ندفع بها (ما يخالف أهواءنا) ! ! فهي سلاح العاجز وحجة الجاهل. ثم لا يوجد تناقض بين العقل السليم والنقل الصحيح أبدا ! ! إلا أن بعض العقول تريد رفض بعض النقل ! ! مجرد رفض ينبع من (هوى وتعصب) ! ! وليس من عقل راشد يضع الصحيح في موضعه ويضع له ظروفه وملابساته. أيضا نتابع الكتب الستة، فالثالث هو: 3 - سنن الترمذي: انظر صحيح الترمذي - للالباني (3 / 214): عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال (عامر): أمر معاوية سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب.. الحديث ! ! الحديث قال الالباني صحيح. قلت: وقد روى مسلم هذا الحديث أيضا واتفق مع الترمذي سندا ومتنا انظر صحيح مسلم (7 / 120). 4 - سن ابن ماجه: سنن ابن ماجه هو الكتاب الرابع من الصحاح الستة (على حد تعبير الدكتور) ! !. - انظر صحيح سنن ابن ماجه للالباني (1 / 26) عن عامر بن سعد عن أبيه قدم معاوية في بعض حجاته فدخل عليه سعد فذكروا عليا فنال منه فغضب سعد وقال: تقول هذا لرجل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه: من كنت مولاه فعلي مولاه.. الحديث، قال الالباني: صحيح.

[ 24 ]

أقول: والشاهد هو قوله: (فنال منه) أي (نال معاوية من علي) ! ! وأنه ليسوؤني أن أستطرد في هذه الادلة في هذه القضية، لكن الدكتور يحثنا على ألا نغفل الكتب الستة ! ! وحتى نرى الفرق بين النظرية والتطبيق ! ! عند التحقيق في الروايات التاريخية، فأهل السنة والجماعة لا يقولون بعصمة أحد من الصحابة، مع احترامنا وحبنا لهم، لكن الحب لا يقتضي القول بالعصمة لاحد، فلنتنبه لهذا ! !. ولكن نلتمس لهم أحسن الاعذار الحقيقية لا المفتعلة دون أن ننفي الحق ونضرب النقل الصحيح بالعقل وندعي التناقض بينهما ولا تناقض إلا في بعض العقول ! !. 5 - سنن أبي داود: وهو أيضا من الصحاح الستة. انظر صحيح سنن أبي داود الالباني (3 / 880) عن رياخ بن الحارث قال: كنت قاعدا عند فلان (أي المغيرة بن شعبة) في مسجد الكوفة فجاء سعيد بن زيد فرحب به (أي المغيرة) وحياه وأقعده على السرير فجاء رجل من أهل الكوفة يقال له قيس بن علقمة فاستقبله (أي استقبل المغيرة) فسب وسب فقال سعيد: من يسب هذا الرجل ؟ قال (المغيرة) يسب عليا ! ! قال: ألا أرى أصحاب رسول الله يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير.. الحديث أقول: والمغيرة لم يصرح باسمه أبو داود هنا ولكن مصرح به في مسند الامام أحمد وكان المغيرة والي معاوية على الكوفة وإنما ذكرته بين الاسطر لمجئ الروايات الصحيحة في المسند والسنة لابن أبي عاصم بذكر اسمه صريحا.

[ 25 ]

6 - الامام النسائي: هو صاحب الكتاب السادس من الصحاح الستة (حسب تسمية الدكتور) والا فالذي نعرفه أنه لا يطلق على سنن الاربعة (الصحاح) وإنما يطلق عليها (السنن) ويطلق الصحيح على البخاري ومسلم وصحيح ابن حبان ونحوهم. وسنن النسائي الصغرى لم أجد فيها ما يدل على هذه القضية، لكن أورد النسائي في السنن الكبرى (5 / 59)، وفي كتابه (خصائص علي) باسانيد صحيحة روايات تصرح بالسب وقد اتفق مع البخاري ومسلم في إخراج حديث سهل بن سعد السابق واتفق مع مسلم والترمذي في إخراج حديث عامر بن سعد عن أبيه وهذه الاحاديث موجودة برقم (10، 52، 90) من الخصائص وهي صحيحة الاسانيد. وهناك أحاديث وروايات أخرى في سق أبي داود برقم (3885، 3886) وفي مسند الامام أحمد الجزء الثالث (108، 110، 112، 115، 151) وغيرها باسانيد صحيحة وفي كتاب فضائل الصحابة للامام أحمد برقم (87، 90، 257، 256) اسانيدها صحيحة. وفي كتاب السنة لابن أبي عاصم برقم (1427) (1428) (1433) (1435) (1350) (1353) وأغلبها صحيحة الاسانيد كلها صحيحة المتون وأستطيع أن أضيف الكثير من النقل الصحيح ولكن يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق وكل الروايات تصرح باثبات هذه التهمة لبني أمية وهي أنهم كانوا يكيلون السب للامام

[ 26 ]

علي بن أبي طالب رضي الله عنه، نعوذ بالله من الهوى والزلل. فكيف نقول بكل سهولة (لا يعقل) ونضرب بهذه الصحاح عرض الحائط من أجل تبرئة بعض الناس بلا وجه حق ! !، أليست هذه هي الصحاح وكتب المحدثين التي يدعو الدكتور بعدم إغفالها ؟ ! من المتهم الان بإغفالها ؟ ! ثم إن تعليل الدكتور لدعواه هذه (بان هذا يتنافى مع طبيعة البيئة الاسلامية) دعوى هلامية عائمة، لانه بهذا التعليل المطاط يمكن أن ننكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم رجم ماعز الاسلمي لان الزنا (يتنافى مع طبيعة البيئة الاسلامية) ! !. ويمكن أن نقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقطع يد المخزومية ولا جلد شارب الخمر لان هذه الذنوب (تتنافى مع طبيعة البيئة الاسلامية ولا تطيقها) ! ! وهكذا هلم جرا. بل يمكن أن ننكر جميع (المخالفات) التي حدثت في عهد الصحابة بهذا التعليل المطاط الذي لا يقوله من يعرف حقيقة التاريخ الاسلامي وفوائد دراسته ! !، فكون أن قرن الصحابة أفضل القرون لا يعني هذا أنه لا توجد في ذلك العصر أخطاء فتاريخ الصحابة أو من بعدهم ليس (تاريخ ملائكة) بل هو (تاريخ بشر) قد يخطئ بعضهم الخطا الكبير. إذن فالقضية قضية منهج أكبر منها قضية دفاع عن فلان أو بني فلان ؟ القضية قضية (فهم) ل‍ (الهدف) من دراسة التاريخ ! ! إذن فالقول بأن بني أمية (لا يعقل) أنهم كانوا يسبون عليا قول مجرد عن الدليل، بل إن التواتر على خلافه، والتبرئة - بدون حق

[ 27 ]

ولا دليل - لبني أمية أو بني العباس أو حتى الصحابة السابقين قد يضر بالقواعد العلمية التي عليها اهل الحديث (أهل السنة والجماعة). ويضر بالاهداف التي من أجلها ندرس التاريخ الاسلامي ونستفيد من إثبات الاخطاء مثلما نستفيد من إثبات الايجابيات. والدكتور قد وافقته جماعة من المؤرخين أمثال محب الدين الخطيب والاستاذ محمود شاكر وإبراهيم شعوط وغيرهم ونفوا هذه الحقيقة حقيقة سب بني أمية لعلي وحجتهم في (أنها لا تعقل) وبعضهم زاد (ولم يصلنا بطريق صحيح ؟ ! !) وليتهم أتعبوا أنفسهم بالبحث في أحد الصحيحين وتركوا التعريج بالظنون والاوهام على حقائق التاريخ الاسلامي بين نافين ومثبتين أقول ليتهم ! ! ثم إن نفيهم هذه التهمة عن بني أمية يكونون قد هضموا بهذا حق عمر ابن عبد العزيز الخليفة العادل الذي منع هذا السب على المنابر وكان عمر بن عبد العزيز لم يفعل شيئا ولم يغير منكرات ! ! لان من سبقه لم يكن فيهم شئ من ذلك ! ! وبذلك سوينا بين عصر عمر بن عبد العزيز وعصر من سبقه ! ! !. ومن الانصاف والحق للحقيقة وللتاريخ أن نذكر الاشياء المنكرة التي غيرها هذا الخليفة وتلك المظالم التي ردها وأبطلها. وقد يقول قائل: ما الفائدة في إثبات أو نفي مثل هذه الزلات في تاريخنا ؟ ! !

[ 28 ]

أقول: ليست القضية بهذه السهولة وأنا أشرت إلى أن القضية ليست اتهام فلان أو تبرئة فلان بقدر ما هي حماية للمنهج الذي تسير عليه الامة والاستفادة من حقائق تاريخنا كما وقعت لا كما كنا نحب أن تقع ! !، ثم إن أبدى المؤرخون آراءهم ونفوا بعقولهم روايات ثابتة في الصحيحين وجعلوا الحكم مجرد (تخمينات العقل) فهذا (يهدم القاعدة) من أساسها ونصبح هكذا (كل في فلك) نشرق بروايات ونغرب بأخرى ! ! وننفي ما نشاء ونثبت ما نشاء ! ! دون ضابط يحكم قولنا وتفكيرنا إ ! فالقضية أعظم مما قد يتصوره بعض الاخوة الفضلاء من تبرئة أو إتهام ! !. وقد يقول قائل: إن كلامك هذا قد يفرح به بعض أهل الاهواء ويتخذونه سلاحا ضدنا في معركة لسنا بحاجة إليها ! !. أقول: وهل كلامي هذا جديد ؟ ! فصحيح البخاري ومسلم موجودان منذ القرون الاولى يقرأهما الخاصة والعامة، الصديق والعدو، وقضية سب بني أمية لعلي لا تخفى على العامة فضلا عن الخاصة. فكيف تخفى على المؤرخين من الخاصة ! ! ! ثم نحن أمام خيارات ثلاثة: أما نجعل التاريخ الاسلامي مسجلا للحقائق نافيا للاكاذيب ونترك اللعب على الاذقان ونثبت الروايات الصحيحة وما يقتضيه مضمونها، ثم نوجهها التوجيه السليم، وهذه الروايات ليست بدعا من عندنا فقد عقلها البخاري ومسلم وابن تيمية وابن باز والائمة المحدثون قديما وحديثا. الخيار الثاني: أن نترك التاريخ كلية ولا نبرئ زيدا ولا نتهم

[ 29 ]

عمرا ولا ندرسه في مدارسنا ولا في جامعاتنا ونرمي به في البحر أو ندسه في التراب ! ! وليذهب إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم ! ! وهذا لا يقوله عاقل لكن هذا يضمن لنا إلا نتهم أو نثبت خطأ أحد السابقين ! !. كما يريد منا البعض أن نتعسف ونفعل ذلك ! ! وإذا لم نرض بهذا - وعدم الرضا به حق - فأمامنا خيار ثالث باطل وهو أن نؤلف من (عندياتنا) تاريخا محببا إلى نفوسنا ونعجنه كما نشاء ونذكر فيه أن يزيد بن معاوية مبشر بالجنة ! ! وأن الحجاج صحابي جليل ! ! وهكذا كما لا ننسى أن ناخذ حبرأ أسود ونطمس الروايات الصحيحة في الصحيحين التي تدين بعض نقاط الضعف في تاريخنا الاسلامي ! ! ونذعي أن هذا يشوه التاريخ ! ! وبهذا لا نتحاكم إلى الصحاح الستة ولا العشرة ! ! وهذا ظاهر البطلان فلم يبق إلا الخيار الاول. * * * ونأتي الان إلى المؤرخ الاستاذ محمود شاكر، صاحب سلسلة التاريخ الاسلامي وهو من الذين أحبهم في الله، والله الشاهد على قولي. فهو في الذروة خلقا وتواضعا وحرقة على واقع المسلمين. ولكن هذا لا يمنع أيضا من النقد الهادف الذي يصل بنا إلى تحقيق تاريخي أفضل. والاستاذ محمود شاكر من المبدعين في كتابه (التاريخ الحديث) و (هموم المسلمين والاقليات في العالم الاسلامي) لكنه حين دخل في ميدان تحقيق التاريخ الاسلامي في العهود السابقة لم نجد هذا

[ 30 ]

الابداع إذ رأيناه يفند التهم الموجهة لبني أمية وبني العباس بلا منهج بل يفندها يمنة ومجمرة تارة ب (لا يعقل) وأخرى (ب (لا يمكن) وكلها أخف وطاة من زعمه بأنها (ليس لها إسناد معروف ومعظمها مجهول المصدر مما يدل على كذبها) ! ! ! !. فألفيت كتابه (العهد الاموي) مفتقدا لشررط التحقيق التي لا تخفى حتى على نجباء الطلبة. ودعنا - أخي القارئ - نأخذ مثالا واحدا فقط على تفنيداته حيث يقول في كتابه (العهد الاموي) من ص 24 - 27 يقول: (واتهم معاوية بادعاء زياد بن أبيه ونسبته إلى أبي سفيان.. فكيف قبل زياد هذا الكلام أمامه ؟ ! وكيف قبل معاوية ؟ وكيف رضي المسلمون بهذه المخالفة الصريحة من الامام ؟ فهل ضاع الاحساس وضاع الدين ولا يزال الصحابة أحياء ؟ " ا. ه‍. أتول: مهلا مهلا يا أستاذنا الجليل ! ما هكذا تورد الابل ؟ أهذا هو التحقيق الذي تدعو إليه ؟ أيكون التحقيق مجرد استفهامات انكارية ؟ !، ألست القائل ص 46 (وإذا أخذنا بمنهج أهل الحديث في الجرح والتعديل وهو أفضل منهج للوصول إلى صحة الخبر..) ما الذي أخرك - يا أستاذي - هنا في تطبيق هذا المنهج الذي تثني عليه ؟ !، تعال معي لنطبق معا ونرى هل ثبت استلحاق زياد في الروايات الصحيحة أم لا ؟ ! ! روى البخاري في صحيحه (2 / 207) - وهو من خير المطبقين

[ 31 ]

لهذا المنهج - عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرت عائشة أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة رضي الله عنها.. الحديث ا. ه‍. فهذا صحيح البخاري ينطق بخلاف ما نفاه الاستاذ ! ! واكتفي هنا بما أورده الشوكاني في نيل الاوطار (5 / 194) ونحوه ذكر ابن حجر في الفتح (12 / 55) أذ قال الشوكاني معلقا على هذا الحديث (زياد بن أبي سفيان: وقع التحديث بهذا في زمان بني أمية أما ما بعدهم فما كان يقال له إلا زياد بن أبيه ! ! وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له زياد بن عبيد ! ! وكانت سمية تحت عبيد المذكور فولدت زيادا على فراشه فكان ينسب إليه ! ! فلما كان في أيام معاوية شهد جماعة على اقرار أبي سفيان بان زيادأ ولده فاستلحقه معاوية بذلك وخالف الحديث الصحيح " أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ! ! وذلك لغرض دنيوي ! ! وقد أنكر هذه الواقعة على معاوية من أنكرها.. وقد أجمع أهل العلم على تحريم نسبته إلى أبي سفيان ! ! وما وقع من أهل العلم في زمان بني أمية فانما هو تقية ! !.. وذكر أهل الامهات نسبته إلى أبي سفيان في كتبهم مع كونهم لم يؤلفوها إلا بعد انقراض بني أمية محافظة منهم على الالفاظ التي وقعت من الرواة في ذلك الزمان هو دأبهم أ. ه‍. إذن فهذا استلحاق زياد ثابت عند أهل العلم والمحدثين ! ! الذين نصحنا الاستاذ باتباع منهجهم في الجرح والتعديل للتأكد من صحة الخبر ! !.

[ 32 ]

بل قد جاء صريحة في صحيح مسلم (57 / 1) " باب حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم " ونص الحديث هو " عن أبي عثمان قال: لما أدعي زياد لقيت أبا بكرة فقلت له ما هذا الذي صنعتم ؟ إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمع أذناي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: امن ادعى أبا في الاسلام غير أبيه يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام " ! ! قال أبو بكرة (وهو أخو زياد لامه) وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أ. ه‍. والبخاري أخرج هذا الحديث مرتين في كتاب (المغازي) وفي (الفرائض) ولكن بحذف مناسبة الحديث كما هي عادة البخاري غالبا - في اختصار المتون أحيانا كما أشار إلى ذلك الحافظ بن حجر في مقدمة فتح الباري. وأخرج الحديث أبو داود أيضا انظر صحيح السن (3 / 963) حديث رقم (4265) وغيرهم كثير. والشاهد قوله (لما ادعي زياد) هذا في مسلم وإن كنت اعجب من عدم اطلاع الاستاذ على ثبوت هذا وهو في الصحاح فأنا أشد عجبا لادعائه نفيها وأنه ليس لها سند معروف ؟ ! وإذا أردت أن تعرف مقدار التناقض عند الاستاذ فاقرأ ما كتبه في الكتاب السابق نفسه ص 85 حيث قال: (واعتصم زياد بخراسان فمازال به معاوية حتى أرضاه واستقدمه ثم ولاه وجعله أخا له " ؟ ! !. أ. ه‍. الان صار معقولا استلحاق زياد ؟ ؟ ! بعد 58 صفحة فقط يتغير

[ 33 ]

حكم الاستاذ ؟ ! ما الذي جعل استلحاق زياد لا يعقل ص 27 ويعقل ص 85 من الكتاب نفسه ؟ ! ! ! وهل بعد هذا التناقض تناقض ؟ ! ! ! بل هل بقي لي تعليق ؟ ! هذا أكبر دليل على أن بعض المؤرخين لا يكتبون ما يعتقدون عند الدفاع عن نقاط الضعف في بعض مراحل التاريخ ! ! !، فالاستاذ هنا يدافع وهو غير مقتنع ! ! والدليل على ذلك أنك تجده احيانا يلهج بنفس التهمة التي ردها ! ! بدون دليل ! ! وهذا التحقيق عند الاستاذ محمود شاكر بعيد عن قوله ص 46 (إن هذه الافتراءات على بني أمية ليس لها سند صحيح ومعظمها مجهول المصدر الامر الذي يدل على كذبها وبذا لا يمكن الاعتماد عليها) ! ! !. أ. د. أقول: ألا يكفيك يا أستاذنا أسانيد البخاري ومسلم صحة ؟ ألا يكفي الاستاذ أن يكون المصدر هو الصحيحين ؟ أهذه مصادر مجهولة ؟ أم أن مضامينها مكذوبة ؟ أم أن البخاري ومسلم والامام أحمد وغيرهم لا يعرفون منهج التحقيق ومنهج أهل الحديث ! ! ولا مقدار صحة الخبر ؟ أم أن عندهم قصورا في أعمال العقل ؟ ! أم أن إجماع الامة على صحة الصحيحين لا أساس له ؟ فالقضية أخي القارئ - قضية منهج ! ! فقل لي بربك إذا لم نرتض البخاري ومسلما فيما روياه في الصحيحين، فأين سنجد الروايات التي يعتمد عليها المؤرخون ؟ هل ستكون عند سيف بن عمر الوضاع المتهم بالزندقة ! ! أم عند الواقدي أم أبي مخنف الشيعي أم عوانة بن الحكم الناصبي ؟ ! ومع هذا كله فالمؤرخون القدماء مهما كانت بدعتهم في

[ 34 ]

الضلالة وضعفهم في الرواية إلا أنهم اخف وطاة على منهج أهل الحديث من مؤرخينا الاسلاميين المعاصرين، فأنت تلاحظ ان المؤرخ في عصرنا ينفي أن يكون للرواية أصلا صحيحا وهو لم يقرأ صحيح البخاري وحده فكيف يدعي المؤرخ - بتزييف وكذب - أن هذه الرواية أو تلك لا تصح ولا لها سند يعرف ولا مصدر معتمد ! ! وكأن المؤرخ قد طبخ الصحاح طبخا وشرب المتون بأسانيدها ومصنفاتها ! ! مع أنه في الواقع لم يقرأ ولم يطلع على تلك الاصول ! ! ثم نجده يصبغ مؤلفاته نظريا بصبغة التحقيق المدروس المبني على أسس علم مصطلح أهل الحديث ! ! وهو لا يعرف - أن يحقق رواية واحدة ! !، بل أكاد أجزم أن أكثر المؤرخين الاسلاميين - دعك من غيرهم - أجهل من أن يتجرأوا على تحقيق إسناد واحد من أسانيد الطبري أو خليفة بن خياط مثلا. إنه مما يجرح الفؤاد ويفقد الامل أن تجدهم يلبسون لباس أهل التحقيق ويتكلمون بلسان أهل الحديث ! ! ثم يطعنون أهل الحديث من الخلف ! ! ونجد التناقضات ناصعات الجباه فاغرات الافواه ! ! ألا يدل هذا على غبش في الرؤية وتلوث في الفكر، واختلال في الموازين وجهل مركب مزدوج ؟ ! ! اعذروني إن اشتدت حدثي على المؤرخين فما هذه إلا شقشقة هدرت، ونفثة صدرت، بعد أن أصبحت النظريات الصحيحة مطية يركبها العاجز، ويلبس عباءتها الجهول، ثم نجد التحقيق بعيدا عن تلك النظريات بعد سهيل عن الثريا ! ! !.

[ 35 ]

وفي الخلاصة: أقول لكم - وبلا فخر - خذوا مني هذه الحقائق التي هي خلاصة دراسة استمرت أربع سنوات في كتب التاريخ وهي: 1 - أن الكتب المفتقدة للتحقيق العلمي المتشدقة بمنهج أهل الحديث بالاضافة إلى ما سبق هي كتب محب الدين الخطيب وتحقيقاته وتعليقاته ومن أشهرها تعليقه على (العواصم من القواصم) لابن العربي المالكي، تلك التعليقات التي قلدها الجهلة من المؤرخين وأصبحوا يعارضون بها الاحاديث الصحيحة والروايات الثابتة ! !. كذلك كتاب (أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ) ما هو إلا كتاب أباطيل ولم يأت بفائدة تذكر لان التأليف داخل العقل الذي لا يعرف حدوده لا يجدي. وكذلك (محاضرات الخضري) التي أصبحت مرجعا لدارسي التاريخ في جامعاتنا، ففي هذه المحاضرات من الاخطاء الموبقة والنصب الظاهر ما يندى له الجبين، وقد أحسن المحدث محمد العربي التباني - رحمه الله - في نقض هذه المحاضرات بكتاب أسماه " تحذير العبقري من محاضرات الخضري "، وكذلك تاريخ الاسلام لحسن إبراهيم حسن وكتاب العواصم (1) من القواصم هذه


(1) كنت يومها قد ذكرت كتاب (منهاج السنة) لابن تيمية ضمن هذه الكتب التي تفتقد التحقيق ويقلدها المؤرخون بلا محاكمة للنصوص، وقد حذفت ذكره هنا مؤجلا الحكم النهائي بعد دراسة الكتاب دراسة مستفيضة وأسأل الله أن يوفقنا (*) =

[ 36 ]

أهم الكتب التي يطالعها الطلاب والمؤرخون ويثقون فيها ثقة تفوق ثقتهم في الصحاح ! !. فخذوها مني نصيحة صريحة: (إن هذه الكتب المذكورة فيها من الاخطاء التاريخية ما نحتاج لبسطه في مجلدات ! ! وغالبها تجمع بين نقيضين وهما الدعوة إلى التحقيق والسقوط عند التطبيق ! ! مع تحريف الحقائق أو الاستدلال بالصحيح أو الكذب الصراح المجرد - احيانا -. وأما غيرها من كتب المستغربين وأهل الاهواء فلا تخفى على القارئ اللبيب ولا أفيده حين أقول اجتنب كتب بروكلمان وطه حسين (1) ومصطفى عبد الرزاق وجورجي زيدان، لان هؤلاء


= للانصاف والعدل وعدم محاباة الناس على حساب الحق ويجنبنا أن نظلم أحدأ ونحمله ما لم يقل. وابن تيمية - رحمه الله - مثله مثل سائر العلماء يصيبون وبخطئون، فليس الاشكال في هذا من الناحية النظرية إنما الاشكال عند التطبيق، فكيف تقنع المتعصب ضده بما في مؤلفاته من خير كثير وكيف تقنع المتعصب له بالاخطاء الظاهرة الموجودة في كتبه، تلك الاخطاء التي لم يسلم منها مؤرخ ولا محدت بل ولا بشر ! ! والمنصفون من قديم الزمان يعانون من متعصبي الطرفين ومثل هذه البحوث تحتاج إلى هدوء علمي ونية خالصة للوصول إلى الحق مهما كان هذا الحق مرا والا فلن نستطيع الوصول إلى الحقيقة ما دمنا نرى أخطاء الاخرين بمنظار مكبر بينما ندفع بالصدر أخطاءنا وتعصباتنا، وكم من مدع للانصاف والعدل لا ينادي بهذا الانصاف ولا يطبقه إلا في المواضع التي تسير مع التيار العام والرأي السائد وقديما قال ابن مسعود (السنة ما وافق الحق ولو كنت وحدك) أو بمعناه. (1) الغريب أنني وجدت في كتب طه حسين من الانصاف أكثر مما وجدته في كتب بعض من يدعون أنهم يحملون هم (التاريخ الاسلامي) ! ! وهنا تكمن المصيبة عندما تكون الاراء الصرفة عند بعضهم أقرب إلى النصوص من آراء من يدعي العودة إلى النصوص والتزام الصحيح منها. ! ! (*)

[ 37 ]

المؤلفين ومؤلفاتهم لا تحتاج إلى تحذير فعدم إلتزامها بالمنهج ظاهر للخاصة والعامة، ولكنني أفيده حين أحذره من أخطاء من يثق فيهم ثقة مطلقة ! ! ويجعل أقوالهم حقائق مسلمة ! ! دون أن يرجع إلى الحقائق في مصادرها الصحيحة، هذه هي الفائدة. 2 - وبما أنني قد نبهت على الكتب التي يجب أن نحذر أخطاءها فمن الواجب أن أبين وجهة نظري في الكتب التي أظن أنها أفضل الموجود من حيث الكتابة التاريخية المستلهمة للاهداف وأشهر هذه الكتب كتاب (تحذير العبقري من محاضرات الخضري) للشيخ المحقق المحدث محمد العربي التباني، وهو كتاب عرفه الاكابر وجهله الاصاغر وأكاد أقطع قطعا أنه لم يؤلف مثله في موضوعه وقد حقق فيه مؤلفه القدير أحداث الفتنة برد (علمي دقيق موثق) على الخضري صاحب (المحاضرات) في ضوء منهج أهل الحديث وعقيدة أهل السنة والجماعة. كذلك كتاب (الخلافة والملك) لابي الاعلى المودودي ولو قرأه القارئ بإنصاف وحياد تام لوجد فيه فرائد قلائد قلما توجد في غيره مع ربط المؤلف بين الاحداث بتحليل سياسي عميق (1). كذلك كتب الاقدمين أمثال تاريخ خليفة بن خياط شيخ البخاري وطبقات ابن سعد ومصنفات عبد الرزاق وابن أبي شيبة فإن فيها الكثير من الروايات التاريخية الصحيحة بالاضافة إلى


(1) وفيه بعض الهنات التي لا تخفى على مهتم، لكن فوائده أكبر وأغزر (*).

[ 38 ]

الصحاح والمسانيد وشروحهما وتاريخ الاسلام للذهبي أكثر من 35 مجلدا (1) وغيرها من كتب المحدثين والفقهاء والثقات (الذين يأتون البيوت من أبوابها) ويخوضون أمور العلم بأسبابها فكتبهم برد الاكباد على القلوب وقميص يوسف على وجه يعقوب ! !. فهي الكتب التي لا يظمأ واردها ولا يمنع باردها يطغى جودها (2) على وجودها تجمع الاهواء المفترقة على الصواب وترجع الآراء المشتتة إلى الالباب إليها إليها - أخي - ودع الاذناب ! !. 3 - إن إعادة كتابة التاريخ الاسلامي ليس معناها أن نضع كذبا محبوبا مكان الحقائق المكروهة ! ! لان هذا يؤثر على منهج أهل الحق ويتعارض مع النقل والعقل والفطرة والحقيقة. وإنما الواجب هو تسجيل ما صح من التاريخ ونبذ الضعيف والموضوع وما أبعد أكثر المؤرخين عن هذا الواجب في التطبيق. فهم لا يقتربون من التحقيق العلمي ولا يكادون، وما مؤلفاتهم إلا مجمعات هزيلة للروايات الضعيفة المتناقضة والتخيلات العقلية المتضاربة. 4 - أوجه ندائي إلى المحدثين أن ينقذوا منهجهم من تحقيقات - بل تلفيقات - المؤرخين الاسلاميين خاصة لانهم أكثر الناس


(1) حذفت كتاب (العلم الشامخ للمقبلي) وكنت قد أثبته في المقالة لكن معظمه لا يتعلق بالتاريخ، ثم فيه بعض المبالغة في ذم بني أمية، لذا رأيت حذفه هنا. (2) بعض هذه التنميقات اللغوية كنت أحفظ بعضها من كثرة مطالعتي لكتب اللغة - يومئذ كدواوين الادب المشهورة وبعض كتت الثعالبي.

[ 39 ]

تشدقا بمنهج المحدثين ! ! وليبادر المحدثون بدراسة عميقة لاحداث التاريخ الاسلامي وخاصة العهد الراشدي والاموي والعباسي واستخراج الروايات الصحيحة بأسانيدها من الكتب المعروفة ولا يخافوا من تباكي المؤرخين بأن هذه الطريقة قد تؤدي إلى ضياع قسم كبير من التاريخ ! ! فهم لم يبحثوا أصلا ! ! ولم يقتنعوا بروايات الصحيحين ! ! ثم أن هذه دعوى عارية من الدليل سببها الكسل والخمول ! ! والتعريج العقلي الخيالي ! ! والدليل على كذب هذه الدعوى أنني قد حصلت - بعد بحث أربع سنوات - على سلاسل ذهبية لتاريخنا الاسلامي بداية من خلافة أبي بكر وانتهاء بالعهد الاموي بطرق صحيحة ثابتة فلا تخافوا على التاريخ الاسلامي من الضياع ! !. بل إن طريقة المؤرخين هي السبب في ضياع كثير من حقائق التاريخ لانهم جعلوا العقل هو الحكم الرئيسي ! ! فعقل يرفض وعقل يثبت ! ! فأنى للحقائق أن تعرف ؟ ! وللصحيح أن يظهر ؟ ! وللحق أن ينصع ؟ !. فإذا كان المؤرخون ينكرون أو يجهلون ما في الصحاح من أحداث تاريخية، فأين سيجدون البديل ؟ ! وها أنتم - أيها القراء - قد رأيتم تناقض المؤرخين في قضايا يعرفها صغار الطلبة لانهم جهلوا الحق ! ! ونادوا بالعودة إلى الصحاح ! ! بينما هم ينفونها أو ينفون مضامينها ! ! فأصبحت تحقيقاتهم مجرد دعاوى وأقوال هلامية مطاطية فضفاضة لا تستطيع أن تمسك منها بحبل ولا تحصل منها على أصل.

[ 40 ]

5 - أعيد وأكرر بان الدكتور عبد الحليم عويس والاستاذ محمود شاكر من الذين نقدرهم - ونحسبهم والله حسيبهم - انهم مجهتدون في كتاباتهم ولكنهم نسوا أو تناسوا ان مهمة التحقيق في التاريخ الاسلامي ليست مهمة المؤرخين الذين لا يمتلكون المنهج القوي في علم الحديث وإنما مهمة المحدثين المنصفين أيضا اللهم إلا إذا كان المؤرخ مؤرخا ومحدثا في الوقت نفسه فهذا مقبول والا فلن تنفعه التخصصات العلمية والالقاب البراقة. وعلم الحديث لا يشترط أن نحصل عليه بشهادات جامعية، بل بالجد والاهتمام والمطالعة والتطبيق وحضور دروس أهل الحديث فهذا هو النافع علميا ولا يشترط التخصص الاكاديمي بلا هم ولا تطبيق، كما أن أصغر مهتم بالحديث قد يحرج كبار المؤرخين ! ! وها آنذا طالب لم يحصل على شهادة في التاريخ ولكنني لما تمسكت بمنهج أهل الحديث فندت أقاويل من سبقوني بعقود في كتابة التاريخ الاسلامي ! ! ولو لم أقرأ ولم أبحث في الصحاح والمصنفات لما استطعت ولا تجرأت على نصيحة الاستاذين الفاضلين وبيان الخلل المنهجي في كتاباتهم. وهذا لا يعني أن جهودهم مهدرة حاشا وكلا فكثير من كتاباتهم - خاصة عن العصر الحديث - كتابات قيمة مفيدة لا ينكرها منصف. لكن العلم لا ينتهي ولا يتوقف عند سن معينة ولا عند شهادة أكاديمية ! ! 6 - خلال البحث رأيت أن السمة الغالبة على الكتب التي

[ 41 ]

انتقدتها أنها تربط (التحقيق العلمي) بالدفاع عن بني أمية فقط ! ! ! ! بل نجد أن بعض المؤرخين كمحب الدين الخطيب لا يتورع ان يطعن في علي أو الحسين أو أبن الزبير أو عبد الله بن حنظلة من أجل تبرئة بني أمية والدفاع عن يزيد والحجاج وأمثالهم ! ! وهذا غير لازم، بل هذا من بدع النواصب التي يقع فيها بعضهم وهو لا يدري، فالنواصب على العكس من الشيعة يتعصبون لبني أمية بالباطل كما أن الشيعة يتعصبون ضد الصحابة بالباطل، بينما أهل السنة يجب أن يكونوا منصفين ومتبعين للروايات الصحيحة غير مندفعين مع آراء النواصب المبالغة في الدفاع عن بني أمية وخير الامور أوسطها وأتبعها للدليل. فالدفاع عن التاريخ الاموي أمر مطلوب في حدود النقل الصحيح ولكن الدفاع يكون بالحق لا بالباطل ولا يلزم من الدفاع عنهم ان نطعن في ابن الزبير والحسين بن علي ! ! !. وقد درست في بداية المرحلة الجامعية عن الفتنة واستعرض استاذي - آنذاك - جميع التهم الموجهة ضد بني أمية وفندها بكلمة (لا يعقل) ! ! ! ثم وجدت بالبحث والتمحيص أن 90 من تلك التهم ثابتة في الصحاح وقد سبق بعضها. بينما لم نجد من يدافع عن علي الخليفة الرابع أو ابن الزبير ! ! وقد طعن فيهما كثير من المؤرخين الذين نثق فيهم ! ! كالخطيب والخضري وأمثالهما. فالدفاع عن يزيد والوليد تنوء به الكتب ولكن عليا لا بواكي له ! ! ومن العار والعيب أن نسوي عليا

[ 42 ]

بيزيد ! ! وأشد عيبا أن نجد الدفاع عن يزيد بينما نجد الاتهامات سهاما موجهة بدون حق إلى علي ! ! مع أن تلك التهم وذاك اللمز لعلي أو ابن الزبير أو الحسين ليس معتمدا إلا على مجرد الهوى والتعصب الاعمى وردة فعل لطعن الشيعة في بعض الصحابة أو أكثرهم ! ! وهذا رد للظلم بظلم مثله ! ! فالقاعدة أن يبقى الشخص بريئا حتى يثبت خطأه بسند صحيح ثم نقول أخطأ، سواء كان أمويا أو غير أموي أما ان نتهم المحق المصيب ونبرئ المخطئ المعيب فهذا لا يقوله مسلم ولا يقبله مؤمن. أخيرا هذه قضية للحوار والنقاش الذي نرجو أن يكون مبنيا على العلم والتحقيق وليس على نسيج الخيال والتعبيرات المتشدقة، فمن أراد أن يشارك في الحوار فعليه أن يبدي آراءه مدعما إياها بأحاديث أو روايات صحيحة مفسرة التفسير الصحيح وأكثر ما أخشاه أن يفهمني الآخرون خطا والفهم الخاطئ ينشر الخلاف ويفرق الاراء، أما الحوار المبني على الاصول (أصول الحوار) فسيؤتي أكله وثماره اليانعة بإذن الله. وأول المطالبين بالمشاركة هم أهل الحديث لانهم أكثر من سنستفيد منهم إذا تركوا التقليد والهوى البغيض الذي لا ينجو منه أحد إلا من رحم ربك فهم أرباب هذا الشأن وصفوة أهل التحقيق. والله من وراء القصد.

[ 43 ]

الفصل الثاني متى كان سيف بن عمر معتمد العلماء ؟ ! ! (دراسة في أسانيده ومروياته) حوار مع الدكتور عبد الله العسكر

[ 45 ]

ردا على الدكتور عبد الله العسكر متى كان سيف بن عمر معتمد العلماء ؟ ! اطلعت على مقال الدكتور عبد الله العسكر في صحيفة " الرياض " العدد 9889 وكان عنوان المقال (مخطوطة كتاب الردة والفتوح لسيف بن عمر في بلدة أشيقر) وكان المقال يدور حول الكتاب الذي حققه الدكتور قاسم السامرائي (كتاب سيف بن عمر) وعزمت يومها على كتابة تعقيب على مقال الدكتور العسكر لكنني فضلت الحصول على الكتاب المحقق الذي تكلم عنه الدكتور أولا ثم أكتب بعدها التعقيب والحمد لله قد حصلت على الجزء المحقق من كتاب (الردة والفتوح ومسير عائشة وعلي) لسيف بن عمر تحقيق السامرائي. وقرأته على عجل، ثم قرأت المجلد الثالث والرابع من تاريخ الطبري وهما المجلدان الوحيدان اللذان


صحيفة الرياض، الاعداد من الخميس 25 شوال 1416 ه‍ الموافق 14 مارس 1996 م حتى الاحد 28 شوال 1416 ه‍ الموافق 17 مارس 1996 م.

[ 46 ]

فيهما روايات سيف بن عمر، ثم استخرجت روايات سيف بن عمر من تاريخ الطبري أكثر من (800 رواية) وليس كما قال العسكر (368 رواية) وبحثتها سندا ومتنا على عجل أيضا. ثم قارنت كل هذا مع الكتاب المحقق وأبرز الزيادات فيه ثم رأيت بعد هذا ان أكتب التعقيب الذي أرجو ان تكون فيه الفائدة المرجوة. وسيكون هذا التعقيب على مقال الدكتور العسكر خاصة لانني وجدت في مقدمة الدكتور قاسم السامرائي ملاحظات أخرى لكنها أقل أهمية من الملاحظات على مقال الدكتور العسكر وان كانت أكثر عددا منها فلذلك لا يتسع المقام لذكرها هنا. وعسى ان تتوفر فرصة أخرى للحوار مع الدكتور السامرائي ويكفي من حسنات السامرائي اخراجه للكتاب وتحقيقه للنص !. وأود قبل سرد الملاحظات والتعقيبات على مقال الدكتور عبد الله العسكر ان يكون هدفنا الحق أنا والدكتور العسكر وكل المهتمين، وان نقدم المنهج على الانطباعات والاحكام المسبقة فنحاكمها إلى المنهج ولا نحاكم المنهج إليها. وأود كذلك ان يتسع قلب أخي الدكتور عبد الله لهذه الملاحظات فما أصبت فيه فليعترف به وما أخطات فيه فليرده علي ويعلن هذا على الملا وأنا سعيد كل السعادة لاية ملاحظة على ما أورده سواء من الدكتور العسكر أو من أي قارئ يريد اثراء الموضوع. ولعل أبرز أقوال الدكتور العسكر التي هي في حاجة إلى وقفات وملاحظات ما يلي:

[ 47 ]

1 - قوله: (ولقد أصبح كتاب سيف بن عمر معتمد العلماء ! واحتفوا به واكثروا الاخذ منه...) ! !. ثم سرد أسماء العلماء والمحدثين الذين نقلوا من كتاب سيف بن عمر هذا، وكان الدكتور يرى ان النقل يقتضي التوثيق ! ! ولمح إلى أن سيف بن عمر (من الموثوق بهم) عندما تكلم عن فوائد الكتاب فذكر منها (معرفة بعض ما انتشر من الامور الغامضة التي وردت عن أناس لانثق بهم) ؟ ! أي ان سيف بن عمر ممن نثق به بخلاف أولئك ؟ ! ف (توثيق سيف) من كلام الدكتور سيكون محل نقاش في هذا المقال. 2 - راى الدكتور أن (ما انتشر حول سيف " ابن عمر " من آراء أقل ما يقال عنها انها متحيزة) ؟ ! فهذا أيضا محل دراسة وبحث وتعقيب بان نعرف من من الناس تكلم في سيف ولماذا تكلم ؟ ! وهل هم متحيزون ؟ !. 3 - عندما عبر الدكتور العسكر عن فرحته بطبع كتاب سيف بن عمر بين أن سبب هذه الفرحة هو (قيمة الكتاب العلمية). وهذه النقطة لها صلة بالنقطة الاولى. 4 - ذكر ان الطبري (أكثر من الاعتماد على سيف بن عمر حيث ورد ذكره 368 مرة) ؟ !. وسأبين أن هذا القول إنما نقله من السامرائي وأن السامرائي

[ 48 ]

لا يريد ما ذهب إليه الدكتور. 5 - النقد المبطن من الدكتور للامام الطبري فهو يأخذ عليه أنه (أغفل روايات سيف وفضل عليها روايات مثل روايات عمر بن شبة أو روايات أبي مخنف أو تجاهلها تماما) ! !. ثم ذكر الدكتور العسكر ثلاث روايات بالاسانيد ! ! من التي أغفلها الطبري وهي موجودة في كتاب سيف المكتشف حديثا ! ! ويرى الدكتور أن الطبري قد يغفل بعض روايات سيف (لاهميتها التاريخية والسياسية) ؟ ! ! وهذا اتهام مباشر للطبري باغفال روايات مهمة لكنه أغفلها لانها تعارض ما يذهب إليه سياسيا أو تاريخيا ؟ ! أقول: والعرض السابق لاقوال الدكتور العسكر يمكن تلخيصه في أربعة محاور رئيسية: المحور الاول: توثيق سيف بن عمر ورواياته والاعراض عن كل ما قاله المحدثون فيه. المحور الثاني: تعريض بكل من كان له رأي في تضعيف سيف بن عمر من الذين ضعفوه وطعنوا فيه وفي رواياته والحكم على آرائهم بانها (متحيزة) ؟ ! وهذا ينسحب على كل المحدثين والباحثين الذين تكلموا في سيف. المحور الثالث: ايهام الدكتور العسكر بان المحدثين والعلماء قديما وحديثا على توثيق سيف بن عمر ؟ ! !

[ 49 ]

وذلك لانهم ينقلون بعض رواياته وهو يعتبر النقل توثيقا ؟ وبهذا يكسر الاجماع على تضيف سيف بن عمر ! !، كما سيأتي بل ينقل الاجماع (على التضعيف) إلى اجماع (على التوثيق) ؟ ! المحور الرابع: تعريض الدكتور بالامام الطبري وأنه قد يغفل روايات مهمة (لاهميتها) وأنه ظلم سيفا لانه لم ينقل منه روايات (مهمة) ؟ ! انتهى العرض الشامل لابرز ما ظهر لي من رؤى وأفكار الدكتور العسكر في ذلك المقال. وأحب هنا أن أدخل مع الدكتور العسكر بالتركيز على واحد وعشرين محورأ. المحور الاول: ضعف سيف بن عمر نفسه واثبات أن كل من تكلم فيه من أهل الحديث (أهل الجرح والتعديل) قد أجمعوا على تضعيفه ولا يوجد محدث واحد له عبارة توثيق فيه، وعباراتهم متفاوتة بين اتهامه بالضعف المطلق وبين اتهامه بالكذب والوضع وستأتي هذه الاقوال تفصيلا. المحور الثاثي: ضعف الرواة عن سيف: فلو كان البخاري مكان سيف بن عمر لبقيت معظم رواياته ضعيفة الاسانيد لسبب ظاهر معلوم وهو أن الراوي اسبر عن سيف هو (شعيب بن ابراهيم الكوفي) ضعيف أيضا وقد روى عن سيف نحو 90 من رواياته ! ! !.

[ 50 ]

المحور الثاك: ضعف الاسانيد التي يوردها سيف ؟ فلو افترضنا أن الراوي عن سيف ثقة وأن سيفا نفسه ثقة (وهذا كله بعيد) فستبقى أسانيد سيف كلها ضعيفة لسبب ظاهر ومعلوم أيضا وهو أن اكثر روايات سيف بل 95 من رواياته كانت عن المجهولين والضعفاء ! !. المحور الرابع: البقية الباقية من روايات سيف. المحور الخامس: الانقطاع في روايات سيف. المحور السادسى: تفرده بالرواية عن مجهولين لم يرو عنهم غيره ! !. المحور السابع: روايته عن أناس لم يدركهم. المحور الثمامن: مخالفة سيف للاحاديث الصحيحة للروايات الصحيحة. المحور التاسع: طعن سيف في كبار الصحابة بدون وجه حق. المحور اله حاشر: ميوله المذهبية (العقدية). المحور الحمادي عشر: ميوله وعصبيته القبلية. المحور الثاني عثس: إبطاله للاحاديث الصحيحة وتحريفها. المحور المثالث عشر: روايته لما يحب العوام مع بيان أسباب احتفاء المؤرخين المعاصرين بروايات سيف. المحور الرابع عشر: تناقضات سيف.

[ 51 ]

المحور الخامس عشر: وقفة عند اتهام الدكتور لمن ضعف سيفا بانه (متحيز) ! المحور السادس عشر: هل أضاف الكتاب المحقق حقائق جديدة للتاريخ ؟ ! المحور السابع عشر: عدد روايات سيف في تاريخ الطبري. المحور الثامن عشر: الدفاع عن الطبري من اتهام الدكتور له. المحور التاسح عشر: خلط الدكتور بين النقل والتوثيق. المحور العشرون: حب الوطن لا يعني القفز على ضوابط توثيق الرجال. المحور الحادي والعشرين: لفظان موهمان يتكئ عليهما موثقو سيف من المعاصرين. الآن إلى التفصيل: الاول: ضعف سيف بن عمر: للرد على توثيق الدكتور العسكر لسيف بن عمر أود أن أقول انه قد أجمع المحدثون الذين ترجموا أو تكلموا عن سيف بن عمر على ضعفه وتفاوتت عباراتهم في جرحه بين (ضعيف) و (متروك) و (يضع الحديث) و (متهم بالزندقة) و (مخالفة الاجماع)... إلخ. ولم يوثقه أحد منهم كما توهم البعض من بعض عبارات الحافظ بن حجر أو الذهبي وسيأتي البيان.

[ 52 ]

واليك الان كل الاقوال التي وجدتها للمحدثين في سيف بن عمر. 1 - امام اهل الجرح والتعديل يحيى بن معين (232 ه‍) قال عن سيف: (فلس خير منه) ! ! وقال في موضع آخر (ضعيف). 2 - الامام أبو زرعة الرازي (264 ه‍) قال: (ضعيف الحديث). 3 - قال الامام أبو داود (275 ه‍) (صاحب السنن) في سيف (ليس بشئ) وهذا جرح شديد. 4 - قال الامام أبو حاتم الرازي (277 س): (متروك يشبه حديثه حديث الواقدي). 5 - الامام يعقوب بن سفيان الفسوي (277 س) قال عن سيف: (حديثه وروايته ليس بشئ) 1. س. والعجيب ان الدكتور العسكر ذكر يعقوب بن سفيان في الذين اعتمدوا على روايات سيف بن عمر ووثقوه ؟ ! ! مع ان يعقوب قد قال هذا القول ثم أورد سيف بن عمر في المتروكين الذين لا يجوز الرواية عنهم فلا أدري لماذا قلب العسكر المسالة ؟ ! 6 - أورده الامام النسائي (303 ه‍) (صاحب السنن) في كتابه (الضعفاء والمتروكين) وقال عنه: ضعيف. 7 - الامام الطبري (310 س). مع أن الطبري قد روى عن سيف مثلما روى عن غيره من الضعفاء ورغم أن الطبري لم يورد

[ 53 ]

في تاريخه أقوالا في الجرح والتعديل إلا في النادر ولم يجرح الضعفاء الذين يروي عنهم إلا أنه صرح بضعف سيف بن عمر فذكر مخالفة سيف للاجماع في أكثر من موضع مع أن الطبري لم يذكر هذا عن رواة آخرين ضعفاء كأبي مخنف والواقدي، فيعد الطبري من مضعفي سيف بن عمر. أما روايته عنه فقد روى عن غيره من المؤرخين الضعفاء من باب جمع المادة أو جمع أمثل ما رواه هؤلاء المؤرخون يظهر ذلك من كلامه في المقدمة ثم قد روى للكلبي وأبي مخنف والواقدي والهيثم بن عدي والهذلي وغيرهم من الضعفاء والمتروكين فليس روايته عن سيف استثناء من هولاء. 8 - العقيلي (322 ه‍) صاحب كتاب الضعفاء الكبير قال في سيف (لا يتابع على كثير من حديثه). 9 - الامام عبد الرحمن بن أبي حاتم (327 ه‍) صاحب كتاب الجرح والتعديل قال في سيف (متروك الحديث). 10 - وقال ابن السكن (353 ه‍): سيف بن عمر ضعيف. انظر الاصابة (3 / 230) وأقره الحافظ ابن حجر. 11 - ابن حبان (354 ه‍) أورد سيفا في كتابه (المجروحين) وقال عنه (يروي الموضوعات عن الاثبات وقالوا: انه كان يضع الحديث وكان قد اتهم بالزندقة) ا. ه‍.

[ 54 ]

12 - الامام ابن عدي (365 س) أورده في كتابه (الكامل في ضعفاء الرجال) وقال (بعض احاديث سيف مشهورة وعامتها منكرة) 1. ه‍. يعني أكثرها ولا يوجد كذاب في الدنيا إلا وبعض أحاديثه من حيث المق المشهورة أو صحيحة لكنها قلة نسبة إلى الغرائب (المكذوبة) ولا يستطيع الكذاب أن يكذب في كل أقواله، هذا مستحيل. 13 - الامام الدارقطني (385 ه‍) صاحب العلل قال عن سيف: (متروك) وقال مرة (ضعيف). 14 - الامام الحاكم (405 ه‍) صاحب المستدرك قال في سيف (متهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط). 15 - البرقاني (425 ه‍) قال (متروك) وتابع الدارقطني على هذا. 16 - أبو منصور الصيرفي عد سيفا من الضعفاء والمتروكين، اتفق مع الدارقطني والبرقاني في ذلك. 17 - ابن نمير (234 ه‍): نقل عنه الذهبي وابن حبان قوله (سيف الضبي تميمي وكان جميع يقول: حدثني رجل من بني تميم وكان سيف يضع الحديث وكان قد اتهم بالزندقة). 18 - نقل ابن عبد البر (463 ه‍) قول ابن أبي حاتم السابق في الاستيعاب (3 / 252) ولم يتعقبه بشئ. مما يعني اقرارا له، والعجيب أن الدكتور العسكر ذكر ابن عبد البر في جملة العلماء الموثقين لسيف بن عمر ! !

[ 55 ]

19 - ذكره ابن الجوزي (571 ه‍) في (الضعفاء). 20 - وقال الذهبي (748 ه‍) في الكاشف (1 / 371): (تركوه واتهم بالزندقة) ؟ ! وليعلم القارئ ان الدكتور العسكر ذكر الذهبي في الذين (اعتمدوا سيف بن عمر) ؟ ! واحتفوا برواياته ؟ ! يعني بلفظ آخر: من الموثقين لسيف بن عمر ! ! مع أن الذهبي قد ترجم لسيف في الميزان وديوان الضعفاء وتاريخ الاسلام حوادث (171 - 180) وذكر أقوال المضعفين له، ولم يذكر له موثقا واحدا ؟ ! فكيف اجترأ الدكتور في جعل الذهبي من موثقي سيف بن عمر ؟ ! قد يكون اغتر ببعض النقولات التي نقلها الذهبي عن سيف وسيأتي الكلام عن هذه النقطة بالتفصيل وان النقل لا يقتضي التوثيق. 21 - وقال الحافظ بن حجر (852 ه‍) في التقريب (ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ) واللفظ الاخير مما تمسك به موثقو سيف المعاصرون وسيأتي بيان هذه اللفظة وأنها لا تعني التوثيق ؟ ! كيف والحافظ نفسه قد ضعف سيفا في روايات تاريخية بحتة كما سيأتي ؟ ويعد الحافظ المتساهل الوحيد في الاكثار من روايات سيف مع حكمه عليه بالضعف. والحافظ ينقل عن ضعفاء غير سيف مثل الكلبي وأبي مخنف والهيثم بن عدي مع حكمه عليهم بالضعف والترك أيضا. لكنه يجتهد في اختيار بعض الاختيار من رواياتهم. 22 - وقال الشيخ المحدث محمد العربي التباني ت: (نحو

[ 56 ]

1390 ه‍) في كتابه القيم (تحذير العبقري من محاضرات الخضري). (1 / 275) (سيف بن عمر الوضاع المتهم بالزندقة المتفق على انه لا يروي إلا عن المجهولين). وقال (1 / 272): (وقد اتفق أئمة النقد على ان سيفا لا يروي إلا عن المجهولين وعلى طرحه). أقول: لعل الشيخ محمد العربي يقصد الاغلب في شيوخ سيف الجهالة وهذا ملاحظ أنك لا تكاد تجد له اسنادا سليما من المجهولين. وقال (1 / 256): (وهذا التدافع والتخبط والطعن في الصحابة قد استقريناه في كل خبر يرويه الطبري عن سيف بن عمر المتهم بالزندقة الذي لا يروي إلا عن المجهولين). أقول: فالشيخ هنا يبين أنه استقرأ روايات سيف ومن استقرأ مقدم على من لم يستقرئ. وقال (1 / 299): (سيف بطل الروايات المتدافعة الطاعنة في الصحابة). وأشار أنه بسبب روايات سيف بن عمر اتهم أبو ذر بالاشتراكية ! !. وقال (1 / 272): في رده على الذين يوثقون سيفا في التاريخ دون الحديث قال الشيخ المحدث محمد العربي: (وإذا كان وضع الاخبار الكثيرة على النبي صلى الله عليه وسلم سهلا على الوضاعين فالوضع على الصحابة والتابعين يكون أسهل) اه‍. والوضع يعني به هنا الكذب.

[ 57 ]

وقال (2 / 19): (روى هذه الرواية الطبري عن بطل الاكاذيب سيف بن عمر عن أناس مجهولين كعادته) ؟ ! 23 - الشيخ المحدث العلامة الالباني - من المعاصرين - ضعف أحاديث سيف بن عمر انظر ضعيف الترمذي (ص 519) وانظر هذا الحديث الذي رواه سيف في ضعيف الجامع فقد حكم عليه الالباني بأنه (ضعيف جدا) !. 24 - وقال د. اكرم العمري (معاصر) في كتاب السيرة النبوية الصحيحة (1 / 39) (ان الطبري يكثر عن رواة في غاية الضعف مثل هشام بن الكلبي وسيف بن عمر...) إ إ. أقول: مع ان العمري قد يستشهد أحيانا ببعض روايات سيف مع اعترافه بانه (في غاية الضعف) ! !. 25 - ذكره الشيخ عمر حسن فلاتة - معاصر - في (الذين رموا بالكذب في الحديث) انظر كتابه القيم (الوضع في الحديث) (3 / 179) ولم يدافع عنه كما دافع عن بعض من اتهم ظلما بذلك ! !. 26 - قام بعض الباحثين بدراسات خاصة عن سيف بن عمر ضمن أبحاثهم ومؤلفاتهم في التاريخ الاسلامي واعتقد أن من قام بدراسة عن الرجل اولى بقبول الرأي ممن لم يقم بذلك ومن هؤلاء الدكتور عبد العزيز بن صالح الهلابي وقد توصل إلى نتائج تتفق مع أحكام أهل الحديث المضعفة لسيف بن عمر بل المتهمة له بالكذب واختلاق الروايات مما يؤكد على قوة منهج أهل الحديث

[ 58 ]

وأهميته وأنهم لا يطلقون الاحكام جزافا أو وليدة اللحظة وانما يصدرون أحكامهم في الغالب بعد سبرهم لاحاديث ومرويات الراوي ومقارنة وافية مع غيره من الرواة وهذا ما أكدته الدراسات التي قارنت روايات سيف بروايات غيره من المحدثين والمؤرخين على حد سواء. وهذه الدراسة من أروع الدراسات عن سيف بن عمر رغم ان موضوعها كان (عبد الله بن سبأ) لكن القسط الاكبر من الدراسة كان عن سيف بن عمر لكونه المصدر الوحيد الذي روى أخبار عبد الله بن سبأ في الفتنة. هناك دراسة أخرى للسيد مرتضي العسكري ورغم ميوله العقدية فإنه قد توصل للنتائج نفسها التي توصل إليها الدكتور الهلابي وقبلهما قد توصل المحدثون إلى هذه النتائج التي تفيد أن سيف بن عمر في غاية الضعف وأن أخباره لا تقبل سواء كانت في الاحاديث النبوية أو في الاخبار التاريخية فكيف بما انفرد به فضلا عما خالف فيه الثقات إ ! ولعل أهم ما هي ما في هاتين الدراستين (للهلابي والعسكري) ان فيهما ردا على من يزعم ان المحدثين لا يتفق منهجهم مع الدراسة التاريخية وأنهم متعصبون متحيزون وان منهجهم مثالي غير واقعي. وخلاصة هذا (المحور الاول): انك قد رأيت - أخي القارئ - ان المحدثين قديما وحديثا قد أجمعوا على ضعف سيف بن عمر وانه قد يضع الاحاديث ويكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ومن كذب على

[ 59 ]

النبي صلى الله عليه وسلم فكيف ينتظر منه ان يصدق في أخبار الجمل والقعقاع بن عمرو ؟ ! كما رأيت ان الدراسات المعاصرة تتفق مع ما اتفق عليه المحدثون وان كان بعغر الدراسات التي لم أذكرها قد توصلت لنتائج غير النتائج السابقة لكنها مبنية على مقدمات خاطئة سيأتي بيان شئ من ذلك. وكنت أظن ان الدراسات (الاكاديمية) قد طوت صفحة سيف منذ زمن فلم تعد أباطيله تنطلي على أحد ولا تخدع ذا لب وإذا بنا نفاجا من وقت الاخر بكتابات تتهم (المحدثين) بدلا من (سيف) وتجعلهم (متحيزين) وتجعل من سيف (معتمدأ لهم) ! ! فكيف نجمع بين (تحيزهم ضده) و (اعتمادهم عليه) ؟ ! وهكذا نستخرج سيفا من أحكامهم كما تستخرج الشعرة من العجين ولتبقى أحكامهم صالحة ضد بقية المؤرخين كالواقدي وأبي مخنف ! ! ! فالمحدثون (معتدلون) في الحكم عليهم ! ! لكنهم (متحيزون) في حكمهم على سيف بن عمر ! وهكذا فلتكن العلمية والمقالات الاكاديمية المتخصصة ؟ ! وبهذا تبدأ الازدواجية ولا تنتهي عن سيف بن عمر ومروياته. والغريب ان (الموثقين) لسيف بن عمر يزعمون ان (أهل الحديث) معهم ؟ ! بل قال أخي الدكتور العسكر إن كتاب سيف أصبح (معتمد العلماء) وهذه لفظة في غاية التوثيق لسيف وأنا أرغب من أخي الدكتور العسكر ان ينقل قولا واحدا لعالم واحد من أهل الحديث فيه (توثيق لسيف بن عمر) ! ! وإذا فعل فأنا على

[ 60 ]

استعداد ان أرجع عن كل هذا المقال بشرط ان تكون عبارة ذلك العالم (صريحة) وليست (متوهمة) فمان بعض الالفاظ مثل (عمدة في التاريخ) قد لا يراد بها التوثيق فقد اطلقها الحافظ بن حجر على سيف بن عمر وعلى ابن الكلبي وغيرهما من كبار المتروكين وغاية ما يريد منها الحافظ كون هذا من كبار المؤرخين من حيث (جمع مادة التاريخ والاهتمام بها) وكتابتها لا أنه (ثقة) ولذلك نجد الحافظ نفسه يضعف سيفا في روايات تاريخية ويضعف الكلبي وقد سماه (عمدة النسابين) وهكذا وسيأتي المزيد من التفصيل. على أية حال فلن يجد الدكتور العسكر ولا غير العسكر أية لفظة صريحة تدل على توثيق سيف بن عمر حتى لو بحثوا عشرات السنين فلن يجدوا ! ! اللهم إلا أن يفسروا بعض الالفاظ الموهمة خلاف ما هي عليه من حقيقة أو يضخموها وينفخوها. ولو ان كاتبا عاديا نسب إلى العلماء توثيق سيف بن عمر لقلت إن هذا يضحك على القراء ولا يحترم عقولهم ولا علومهم ولكن لا تطاوعني نفسي أن أقول هذا المؤرخ أكاديمي متخصص مثل الدكتور العسكر مع ما اسمع عنه من حسن خلق ورجاحة عقل بل وقوة منهج أيضا فلعل هذه زلة قلم. ثانيها وثالثا: ضعف الاسانيد إلى سيف بن عمر وضعف شيوخ سيف بن عمر. هب أن مكابرأ - وما أكثرهم في هذا العصر - ضرب بأقوال

[ 61 ]

المحدثين عرض الحائط وأصر على توثيق سيف بن عمر ولم يلتفت للدراسات الجادة التي اتفقت مع أحكام المحدثين على ضعفه وكذبه وعلى وصف مروياته بالضعف والكذب والترك. وهب أننا وافقناه على قوله واتهمنا المحدثين بدلا من سيف وقلنا بان سيف بن عمر (ثقة ثبت حافظ حجة إمام). وجعلناه بمرتبة البخاري أو الامام احمد. فإننا بعد هذا كله لن نستطيع توثيق روايات سيف بن عمر فإنها ستبقى ضعيفة أيضا لماذا ؟ ! لان الاسانيد لا تصح إلى سيف ولا تصح روايته عن شيوخه ؟ كيف ؟ ! أما النقطة الاولى: فلان تلميذ سيف المتخص في نقل مروياته هو شعيب بن ابراهيم الكوفي وهو (مجهول) و (في رواياته منكرات وتحامل على السلف) وانظر ترجمته في الميزان للذهبي وقبله في الكامل في الضعفاء لابن عدي فهو أخو سيف في الضعف والمنكرات ؟ وشعيب هذا قد روى أكثر من 90 من روايات سيف بن عمر وانفرد بكثر هذه النسبة فقد روى 730 رواية من أصل 800 رواية - أو أكثر بقليل - هي كل ما رواه الطبري في تاريخه سيف بن عمر. كما ان الكتاب المحقق الذي أخرجه السامرائي كله عن طريق (شعيب عن سيف) ؟ ! فلو كان هذا الكتاب للبخاري لما أمكن الوثوق في رواياته لان (ضعف التلميذ) لا يزيله (صدق الشيخ)

[ 62 ]

والعكس صحيح ايضا. معنى هذا كله اننا نقول للروايات ال‍ (730) وللكتاب المحقق السلام عليكما ونلقيهما في مهملات التاريخ ومنكراته ! ! اللهم إلا روايات معدودة في تاريخ الطبري، قد توبع فيها شعيب (أي شاركه غيره في روايتها عن سيف) وكل الطرو والاسانيد إلى سيف ضعيفة مع قلتها (ثلاث طرق) إلا طريق عبيد الله بن سعد الزهري عن عمه يعقوب بن إبراهيم عن سيف فهذا طريق صحيح إلى سيف ولا غبار عليه ومن هذا الطريق روى الطبري نحو 71 رواية صحيحة الاسناد إلى سيف لكن يبقى البلاء في (شيوخ سيف) إذا خالفنا الاجماع على ضعف سيف وافترضنا ان سيفا (ثقة ثبت حجة امام حافظ) وهذه هي النقطة الثانية وهناك طريق ثالث إلى سيف: وهي طريق علي بن أحمد بن الحسن عن الحسين بن نصر بن مزاحم عن أبيه عن سيف (وهذه الطريق لم يذكرها العسكر) فهذه الطريق الثالثة ضعيفة لضعف نصر بن مزاحم وليس لهذه الطريق في تاريخ الطبري إلا روايتان فقط. نعود ونقول: إن سيف بن عمر مشهور بالرواية عن المجهولين الذين ليس لهم قدم صدق في الرواية ولا في الاحاديث بخلاف غيره من المؤرخين الذين يكثرون من الرواية عن الثقات أو المشهورين وان لم يكونوا بثقات لكن سيف بن عمر يكثر من روايات المجهولين الذين لا يعرفهم احد ! ! فالروايات ال‍ (71) التي صح الاسناد فيها إلى سيف قمت بدراستها رواية رواية

[ 63 ]

فوجدت أن سيفا قد رواها عن رواة لم يشهدرا الاحداث أو مجهولين أو ضعفاء أو كذابين الا روايتين فقط (سيأتي ذكرهما) فكل الاسانيد التي ساقها سيف لم تسلم من ارسال أو إعضال أو انقطاع أو ضعف ظاهر أو مخالفة للروايات الموثوقة أو راو كذاب معروف ! !. معنى هذا أنه لو كان (البخاري) مكان سيف بن عمر لما قبلت منه هذه الاسانيد لان شيوخه غير ثقات أو لانقطاع الاسناد مع مخالفة الروايات الصحيحة. بل إن من علامات ضعف الراوي أنه يروي عن كثير عن المجهولين مما قد يسبق إلى الظن انه يختلق الرواة وينسب إليهم اقوالا من عنده حتى يخرج من العهدة ويكون قد ضرب أكثر من هدف وبالرواية عن المجهولين عرف الناس كذب الكذابين يدرك العاقل هذا بقليل من التأمل. واختلاق سيف للرواة ليس بأغرب من اختلاقه الشخصيات الكبرى المشهورة الذين زعم أنهم صحابة أو تابعون بينما ليس لهم وجود أصلا ! ! !. ولا يتسع المقام لشرح هذا. رابعا: البقية الباقية من روايات سيف: إذا لم يبق من روايات سيف التي نجزم بأن سيفا رواها عن ثقات ورواها عنه ثقات إلا روايتان لان الاسناد صح إليه فيهما ولان الاسناد الذي ساقه سيف رجاله ثقات وظاهره الاتصال مع أننا سنرى بعض العلل في المتن التي تمنع صحة هاتين الروايتين ايضا.

[ 64 ]

أما الرواية الولي: فرواها الطبري (3 / 367) بسند صحيح إلى سيف ورواها سيف عن اسماعيل بن ابي خالد عن قيس بن ابي حازم ومفادها ان خالد بن الوليد صلى بالحيرة وقال: (اندق تسعة أسياف في يدي يوم مؤتة) وقول خالد هذا صحيح فقد رواه البخاري في صحيحه لكن صلاة خالد هذه رواها سيف ويريد بها (صلاة الفتح) كما في الروايات السابقة التي رواها سيف والتي سبقت هذه الرواية و (صلاة الفتح) هذه لفظة منكرة فليس في الاسلام ما يسمى ب (صلاة الفتح) ! ! فهذه صلاة مبتدعة وهذه الرواية صحيحة الاسناد كلهم ثقات غير سيف ومع ذلك لم تسلم من العلل في المتن والحمل فيها على سيف لان تلاميذه وشيوخه هنا ثقات كلهم وهو في غاية الضعف. وسيف مع هذا ذكي - وأكثر الكذابين أذكياء - فهو ألبس المتن بقول مشهور عن خالد بن الوليد وأورد الرواية في سياق روايات ضعيفة ودس في هذا كله (صلاة مبتدعة) في الاسلام ! ! وسيف قد إتهم من بعض المحدثين ب (الزندقة) ! ! ويدخل فيها افساد الدين بذكر (عبادات مبتدعة) أو (اباحة محرمات) أو جعل الواجبات مستحبات فقط ! ! وهكذا فسيف هنا قريب من بعض هذا رغم ان روايته هذه من أنظف الروايات التي رواها ! !. الرواية الثانية: رواها الطبري (3 / 371) بسند صحيح إلى سيف وسيف رواها عن عطية بن الحارث الهمداني عن عبد خير قال: (وخرج خالد وقد كتب أهل الحيرة عنه كتابا إنا قد أدينا الجزية التي عاهدنا عليها خالد العبد الصالح والمسلمون عباد الله

[ 65 ]

الصالحون على أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم). أقول: وهذه الرواية رغم صحة اسنادها إلا أن فيها بعض العلل منها: 1 - إنه لا يعرف رواية لعطية بن الحارث عن عبد خير فقد تكون الرواية منقطعة انظر تهذيب الكمال (20 / 144)، (16 / 469). 2 - ان عبد خير لم يشهد فتح الحيرة على الارجح لانه كان باليمن يوم وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا يحفظ له التاريخ أنه شهد الحيرة ثم إن فتحها كان مبكرا (بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بنحو سنة فقط). 3 - ثم لماذا هذا الثناء المستغرب من الكفار على خالد بن الوليد والمسلمين ؟ ! فقالوا عن خالد (العبد الصالح)، وقالوا عن المسلمين (العباد الصالحون) ؟ ! فكتابة العهود لا تحمل صيغتها ثناء من طرف على آخر (راجع الوثائق السياسية) وأساليب كتابتها. 4 - ثم كيف (كتب أهل الحيرة كتابا) ؟ ! ! هل هذا الكتاب اتفاق من الطرفين أم أن أهل الحيرة كتبوه دون علم خالد كما يظهر من النص ؟ ! فهذه لا تتفق ايضا مع سياقات الصلح والمعاهدات المعروفة التي لابد أن تكون بإقرار الجميع مع الشهود وإلا لما كان لهذا الكتاب أية قيمة تدفع عنهم الخطر في المستقبل ؟ ! 5 - التناقض فقد روى الطبري عن سيف صيغا أخرى غير هذه

[ 66 ]

الصيغة انظر (3 / 367). فكل هذه العلل في هاتين الروايتين اللتين تعتبران أصح ما روى سيف من حيث الاسناد ! ! ! تؤكد مدى هشاشة روايات سيف بن عمر، علما بأنه من المتوقع أن يحاول سيف اخفاء كذبه عندما يروي عن الثقات لان مروياتهم (مراقبة محفوظة) عند العلماء أما إن روى عن المجهولين والكذابين فإنه سيأخذ (حريته كاملة) ! !. أما الروايات التي رواها سيف فأسانيدها كلها مطعون فيها وتبلغ (نحو 800 رواية) في تاريخ الطبري وهناك زيادات عليها في الكتاب المحقق. ولو كان المجال متسعا لسردتها رواية رواية مبينا ما فيها من ضعف سندا ومتنامع مناقضتها - في أغلبها - للروايات الصحيحة واجماع المؤرخين، وعسى أن تروا ذلك موسعا في مناقشتي مع محقق الكتاب الدكتور قاسم السامرائي والذي سأنشره قريبا ان شاء الله. خامسا: الانقطاع في روايات سيف: فسيف من اشهر المؤرخين الذين يروون أخبارا منقطعة ليس لها زمام ولا خطام فهو يروي عن اناس لم يشهدوا الاحداث ! ! ولم يولدوا في ذلك العصر الذي يتحدثون عنه ! !، فهو يكثر من الرواية عن (أبي عثمان وأبي حارثة) مثلا ! !، ثم يذهب هذان المجهولان إلى سرد تفاصيل الاحداث التي بينهم وبينها أكثر من قرن ؟ ! وأمثلة هذا الانقطاع في روايات سيف كثيرة جدا طالع - على سبيل المثال - تاريخ الطبري المجلد الثالث: (185، 187،

[ 67 ]

225، 227، 242، 259، 262، 223، 243، 249، 244، 357، 351، 350، 253، 261، 260، 266، 258، 263، 264، 256، 355، 358، 348، 40، 347، 354، 367، 368، 37، 599، 3، 6، 602، 600، 601، 612، 610) فهذه نماذج فقط من الروايات التي أوردها سيف عن اناس لم يشهدوا الاحداث بل بينهم وبينها مفاوز، فوالله لو كان البخاري مكان سيف بن عمر لما قبل هذه الروايات باحث عن الحق بل لكانت طعنا في البخاري فإن كثرة الاحتجاج بالروايات المنقطعة والضعيفة طعن في الراوي ! ! يدرك هذا من طالع كتب الجرح والتعديل، وشدة انكار العلماء على من أخذ عن الضعفاء والمتروكين أو اكثر من المرسلات والغرائب والافراد فضلا عن المعضلات والبواطيل والمنكرات ! !. سادسا: الجهالة: فسيف يكثر من الرواية عن أناس مجهولين لا تجد لهم ذكرا ولا ترجمة في كتب الجرح والتعديل اللهم إلا من ذكرهم ووصفهم بالجهالة. بينما يقلل سيف من الرواية عن الثقات، فهو يروي مئات الاخبار عن المستنير بن زيد ومبشر بن فضيل وسهل بن يوسف والغصن بن القاسم وأبو صفية ! ! وأمثال هؤلاء من المجهولين، بينما لا تكاد تجده يروي عن الثقات إلا في النادر جدا وإذا روى عنهم اخبارا قصيرة لا تتعدى الاسطر، حتى لا ينكشف أمره ! ! بينما يسرح ويمرح مع المجهولين فتجد الرواية عن بعضهم

[ 68 ]

تبلغ ثلاث صفحات أو أربع أو اكثر فيها أدق التفاصيل كوصف أذني فرس القعقاع ؟ ! وكيف أن إحداهما أطول قليلا من الاخرى ؟ ! حتى يثبت لك انه ثقة ؟ ! وأنه ملم بكل التفاصيل ؟ ! وقد اتهم سيف باختلاق اسماء للرواة الذين ليس لهم وجود أصلا بينما تكون الروايات من انشائه ! ! وهذا ليس ببعيد فمن كذب على النبي صلى الله عليه وسلم سهل عليه الكذب على غيره. ولا يعني هذا انه لا يوجد مجهولون في روايات المؤرخين الاخرين بل في روايات بعض المحدثين لكن المجهولين في اسانيد أولئك قلة نادرة بينما الجهالة في أسانيد سيف سمة ظاهرة. بل إن سيفا أحيانا ربما ذكر أسانيد مضحكة مثل روايته في الطبري (3 / 600) (عن اشياخ من غسان وبلقين) ؟ !. كيف بنا ان نعرف من هم ؟ ! وقوله (3 / 256): عن عمارة بن فلان الاسدي ؟ ! وقوله (3 / 304) عن عمير بن فلان العبدي ؟ ! وقوله (3 / 630) عن رجل من بني كنانة ؟ ! وكما روى (9 / 593) عن ابي الزهراء عن رجل من قومه ؟ ! فهذه الاسانيد لو رواها الامام أحمد أو البخاري أو مسلم لما قبلت منهم فكيف نقبلها من مؤرخ مجمع على ضعفه متهم بالكذب والزندقة ؟ سابعا: روايته عن أناس لم يدركهم مثل أنس بن مالك ! ! وكان سيفا يريد بهذا أن يثبت لنفسه علو الاسناد وانه تابعي ؟ !

[ 69 ]

وغالبا ما يحب المحدثون هذا العلو ! !، فلو كان فيهم من وثق بسيف لرووا له هذا الاسناد العالي جدا، فإن سيف قيل أنه توفي في عهد الرشيد أي نحو (180 ه‍) بينما توفي أنس بن مالك بعد (90 ه‍) فلابد ان يكون قد سمع من انس وعمره نحو عشر سنوات وهذا يعني ان عمر سيف نحو 100 سنة، وقد توفي بعد سيف (نهاية القرن الثاني) كبار المحدثين امثال يحمى القطان ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي فلم يكونوا ليتركوا اسنادا بهذا العلو دون روايتهم له لكنهم فضلوا الاسناد النازل الصحيح على الكذب على أنس بن مالك بعلو ؟ ! ! فهم إما انهم جزمرا باختلاقه هذا الحديث على انس أو انهم يجهلون ان سيفا يروي هذا الاسناد وهذا ابعد الاحتمالات وفي تفصيله طول. ثامنما: مخالفة روايات سيف للروايات الصحيحة فعندما تقرأ التاريخ وتقارن روايات سيف بن عمر مع روايات بقية المؤرخين كابن اسحاق وابن شبة بل والواقدي وأبي مخنف وغيرهم تجد لروايات سيف واديا ولرواياتهم واديا آخر ! ! مع حرصه على ايراد رواياته في السياق نفسه، لكنه كثير التفرد والمخالفة لما هو أصح وليس أدل على ذلك من مخالفته لروايات ثابتة عند المحدثين ومن أمثلة ذلك مخالفته لصحيح مسلم في قصة جلد الوليد بن عقبة عندما شرب الخمر في الكوفة فشربه للخمر وجلده من اجل ذلك ثابت في صحيح مسلم ! ! وشهد عليه جماعة صالحون منهم الصحابي الجليل جندب بن زهير ! ! فلما ثبتت عليه الشهادة جلده علي بن أبي طالب بامر عثمان في

[ 70 ]

خلافة عثمان وعزله عثمان عن عمله. هذا خلاصة ما يثبته المحدثون وهذا لب ما في صحيح مسلم وهذا ما أثبته المؤرخون أيضا الثقات منهم والضعفاء من الذين تكلموا عن الحادثة، أما سيف بن عمر فقد قلب القضية فجعل المجلود (الاموي) بريئا وجعل الشهود - وفيهم صحابة - كذابين شهدوا زورا ؟ ! وان الوليد لم يشرب الخمر وإنما اكل عنبا فقط ؟ ! ! ولغفلة عثمان وعلي صدقوا (شهود الزور) من الصحابة والتابعين ؟ ! وهكذا... فهذه من الاشياء التي يحتج بها من يتهم سيفا بالزندقة ؟ وهذه من مخالفاته للاحاديث الصحيحة. أما مخالفته للروايات الصحيحة فحدث ولا حرج فهي لا تحصى ولا تعد وانا لا أريد من الآخرين ان يطالبوني بأمثلة على مخالفته للروايات الصحيحة ولكنني انا أطالب من يدافع عن سيف بأن يبرز لنا خمس روايات عن سيف ليس فيها مخالفة للروايات الصحيحة الاخرى ؟ ! بل انني من خلال دراستي السريعة لروايات سيف لم أجد رواية واحدة إلا وهي مخالفة إما للاحاديث أو الروايات الاءقوى ومن وجد رواية لسيف لا تخالف الروايات الصحيحة فليتحفنا بها مشكورا. تاسعا: طعنه في كبار الصحابة والتابعين: سيف مغرم بالطعن في بعض الصحابة والتابعين الذين كانت لهم مواقف من بني أمية كعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وزيد بن صوحان والاشتر والاسود بن يزيد وأمثالهم، فأنت تجد في

[ 71 ]

رواياته ان اباذر وعمار بن ياسر من تلاميذ عبد الله بن سبأ يسلط الاول على معاوية ويحرض الثاني ضد عثمان وكلاهما (أبو ذر وعمار) آذان صاغية وايد منفذة لهذا اليهودي النكرة ؟ ! سبحان الله، أين الولاء والبراء ؟ أين عقيدة عمار وأبي ذر ؟ هل كل هذا من أجل يهودي يلعب بهما كيف شاء ؟ ! ويسخرهما لطاعته ؟ ! سبحان الله، (أصدق الناس لهجة) أبو ذر يردد (أكاذيب) هذا اليهودي ! ! (والطيب المطيب) عمار (يتلوث) بهذه الافكار اليهودية ؟ ! يتحولان بعد صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وشهادته لهما بالجنة إلى متآمرين مع اليهود ضد المسلمين ؟ ! هذه ردة فإن من نواقض (لا إله إلا الله) مظاهرة المشركين ضد المسلمين ؟ ! فهل يريد سيف أن يطعن فيهما بهذا الطعن ؟ ! مما يصلح للاستدلال به على اتهامه بالزندقة ! ! فهو يطعن في هؤلاء الاخيار بينما يدافع عن معاوية وزياد بن أبيه وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة (الفاسق) وأبي الاعور السلمي وبسر بن أبي أرطأة (السفاك) ومروان وأمثالهم وهؤلاء وان كان في بعضهم فضل وخير لكنهم لا يوازون عمارا وأبا ذر ولا يكادون. فكيف يتهم سيف البرئ ويبرئ المتهم إلا لهوى وفساد عقل ودين. عاشرا: ميوله المذهبية فمن طالع روايات سيف يجده أموي النزعة وتجده يبني (الاموي) من عهد النبي صلى الله عليه وسلم ويذكر له من

[ 72 ]

الامجاد والبطولات وحسن الرأي ما يجعل القارئ يتمنى ان يصل ذلك (الاموي) للحكم ! ! ! ولذلك أكثر عنه أمويو عصرنا كمحب الدين الخطيب وأمثاله إ ! فسيف يفعل ما سبق، بينما يطعن في مخالفي الامويين كما سبق أن بينا ولا يتسع المقال لذكر المزيد من هذا ووالله ان الامثلة عندي وأقول: طالعوا أي شخصية أموية في تاريخ الطبري واستخرجوا أخبارها وقارنوا ما كتبه سيف عنها وما كتبها غيره وستجدون العجب ؟ ! خذوا أي شخصية أموية، معاوية مثلا، الوليد بن عقبة، زياد بن ابيه،.. الخ في المقابل خذوا أي شخصية معادية لبني أمية أو لبعضهم أو لهم مواقف معهم كابي ذر وعمار وقارنوا أخبارهم في كتب الحديث والتاريخ مع ما كتبه سيف ! ! ستجدون غاية العجب وغاية الخبث ! !. فعمار وأبو ذر من أتباع ابن سبأ عند سيف بن عمر وجندب بن زهير شاهد زور لانه ضد الوليد بن عقبة وزيد بن صوحان إنما قطعت يده في السرقة عند سيف إ !. ولم تقطع في الجهاد في سبيل الله ! ! وهكذا لانه كان ضد بني أمية ! !. فمن خالف بني أمية أو له مواقف معهم نجد سيفا يجدعه تجديعا ويظهره بهذا المظهر المزري، هذه أقوال سيف في عمار وأمثاله فكيف بالاشتر وغيره من التابعين الذين كانوا مع علي فنحن في هذا العصر خاصة مغرمون بالرد على المذهب الشيعي ! ! وبالتالي قبول كل ما يخالفه وإن كان باطلا ورد كل ما يوافقه وإن كان حقا، وهذا خطا منهجي كبير يقع فيه كثير من المؤرخين بعلم أو بجهل، فعندما يكون الاسلام ضد عقيدة اليهود والنصارى لا

[ 73 ]

يعني هذا قبول ذم موسى وعيسى عليهما السلام ! ! !. اذن فهناك خلط وقع فيه كثير من المؤرخين الاسلاميين المعاصرين من هذا القبيل، فلله در المحدثين ما أنصفهم وما أعلمهم فهم لم ياخذوا بروايات سيف رغم ان في بعضها دفاعا عن بعض الصحابة، وانما لم يأخذوا بها لعلمهم أنها كذب وأن المسلم لا يتسلح بالكذب فحبله قصير وأمده قريب. الحادي عشر: ميوله القبلية: فسيف بن عمر تميمي ولذلك نجده كثيرا ما يختلق شخصيات من بني تميم ويصنع لها أساطير من البطولات والفتوحات خذ مثالا على ذلك القعقاع بن عمرو التميمي كلكم يسمع به ؟ ! ويسمع ببطولاته وفتوحاته بل وصحبته ؟ ! فهذا الراجح انه من مختلقات سيف بن عمر، بل انك تجزم مع البحث انه من مختلقاته وليس له وجود أصلا ؟ ! أو انه على أبعد حد رجل بسيط بالغ فيه سيف بن عمر حتى أوصله إلى مصاف خالد بن الوليد ؟ وإذا قلت ان القعقاع شخصية مشهورة لا تحتاج إلى اثبات فأقول لك: إن جئت لي بمؤرخ من مئات المؤرخين أو محدث من مئات المحدثين ذكره قبل سيف بن عمر فأنا راجع عن كل ما قلته في هذا المبحث ؟ ! وأظن هذه غاية في الانصاف ! ! هل يعقل ان رجلا مثل القعقاع 1 - صحابي، 2 - شهد القادسية 3 - وكان سبب النصر فيها 4 - ودوخ الفرس في العراق والمشرق 5 - ويوازي خالد بن الوليد شجاعة وفتوحات ؟ هل يعقل

[ 74 ]

ان احدا من المؤرخين والمحدثين بل والقصاص، في القرنين الاول والثاني لا يعرفه احد منهم ولم يأت على ذكره ولو إسما ؟ ! هل يعقل ان يكون مجهولا عند كل هؤلاء مع شهرته وبطولاته ! ! حتى جاء سيف بن عمر في أواسط القرن الثاني وعرفه ؟ ! ! !. سيف بن عمر لانه (تميمي) اخترع هذه الشخصية (التميمية) أو بالغ فيها وتناقلها المؤرخون عن سيف بعد موت سيف بأكثر من مائة سنة فاول من ذكرها الطبري (310 ه‍) عندما نقل روايات سيف (180 ه‍) اما الواقدي وابن عبد الحكم وابن سعد وخليفة بن خياط والمحدثون كالبخاري ومسلم واصحاب السنن فإنهم لم يذكروا القعقاع بن عمرو البتة لماذا ؟ هل هذا جهل منهم وعلم من سيف ؟ ! ان كان كذلك فهم يعرفون ويترجمون لمن هو اقل شهرة من القعقاع بدرجات كبيرة بل ترجموا لاناس واختلفوا فيهم هل هم مجهولو الحال أم مجهولو العين، أما القعقاع فلم يرد له ذكر ولا إسم ولا خبر عندهم ؟ ! لماذا ؟ ! فخالد بن الوليد ذكره الجميع ولم يهمله مصدر تاريخي ولا حديثي قبل سيف وبعده ومن هو اقل منه شهرة كعمرو بن معدي كرب الزبيدي الكل يعرفه وذكروه قبل سيف وبعده ! ثم الاقل شهرة كالاشتر مالك بن الحارث ذكره المؤرخون والمحدثون قبل سيف وبعده ثم الاقل شهرة مثل اعين بن ضبيعة المجاشعي ذكره الناس قبل سيف وبعده ؟ ! اما القعقاع الذي ملات بطولاته وفتوحاته وشهرته بطون الكتب فهذا لم يعرفه احد قبل سيف بن عمر ؟ ! ! فسيف ارجح - بعد البحث - انه مخترعه كما اخترع غيره وهو سبب شهرته وصاحب بطولاته المزعومة ! !

[ 75 ]

ومن وجد القعقاع بن عمرو مترجما له اسما فقط في مصدر من مئات المصادر التاريخية والحديثية والفقهية قبل سيف بن عمر فأنا راجع ليس فقط عن هذه النقطة بل راجع إلى توثيق سيف وتقديم رواياته على صحيح البخاري ! ! وأنا أمهل من جاءني بمصدر ذكر القعقاع قبل سيف سنة، سنتين، أو عشر سنوات وأنا أجزم ايضا بان أحدا لن يستطيع أن يجد مصدرا قبل سيف أو في عصر سيف ذكر القعقاع لانه وبكل سهولة شخصية وهمية اختلقها سيف بن عمرو (التميمي) وزعمها (تميمية) ! ! !. وكذلك اختلق سيف شخصيات تميمية أخرى كعاصم بن عمرو أخو القعقاع بزعمه وغيرهم من أبطال (تميم) ؟ ! وزياد بن حنظلة التميمي (قائد علي) وهذا لم يذكره أحد في قواد علي ولا في انصاره أما سيف، فجعله المختص بعلي (أمين السر) والذي لا يخبر الناس عن علي إلا هو ؟ ! وقاتل أبي لؤلؤة المجوسي (تميمي) مع أن الثقات والكذابين متفقون على أن أبا لؤلؤة قتل نفسه ولم يقتله تميمي ولا قرشي ! !.. فهل نصحو من سباتنا العميق وندرس التاريخ دراسة جادة أم نعيش مع أوهام وتخيلات سيف بن عمر وأمثاله ؟ ! المحور الثاني عشر: ابطاله للاحاديث الصحيحة بروايتها محرفة بزيادة أو نقص أو روايتها في سياق يخرجها عن معناها الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم خذ مثالا على ذلك: حديث الحوأب وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه (ليت شعري ايتكن تنبحها كلاب الحوأب)

[ 76 ]

أخرجه احمد وابن حبان في صحيحه والحاكم كلهم باسناد صحيح على شرط الشيخين وقال الالباني: (هو من أصح الاحاديث) وصححه قبله ابن كثير وابن حجر وابن حبان والحاكم والذهبي (والحوأب اسم ماء لبني عامر) قد نبحت كلابه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فهمت بالرجوع وتذكرت الحديث ثم رأت أن تواصل المسير إلى البصرة بعد أن نصحها بعض من كان معها بالمواصلة للاصلاح بين الناس. فهذا الحديث يتضمن تخطئة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الخروج وقد اعترفت بخطئها وأن الاولى هو بقاؤها في بيتها وكانت تبكي إذا تذكرت مسيرها إلى البصرة. الخلاصة إن هذا الحديث هذا لفظه وهذه دلالته أما سيف بن عمر - لانحرافه عن علي ! ! - لم يعجبه هذا فذهب يحرف الحديث بروايته بإسناد آخر متهالك - وهو أهلك رجل في الاسناد - يزعم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله لنسائه ! ! إنما قاله لامرأة أخرى اسمها ام زمل ! ! ! وأن كلاب الحوأب نبحتها أيام الردة ؟ ! انظر الطبري (3 / 264) وخالف سيف بهذا المحدثين والمؤرخين على حد سواء الذين رووا حديث الحوأب وعلى رأسهم الامام احمد بن حنبل في المسند ؟ ! فانظر إلى كراهية سيف لهذا الحديث تلك الكراهية التي دفعته لذكر رواية تذهب بالحديث بعيدا عن مدلوله، ولعل هذا مما استدل به المتهمون له بالزندقة ! ! !.

[ 77 ]

وقد سبق تحريفه لرواية جلد الوليد بن عقبة وهي في صحيح مسلم والامثلة كثيرة لكن هذه نماذج سريعة فقط. المحور الثالث عشر: روايته لما يحب العوام: فتجد سيفا يتفرد بذكر حروب طاحنة ومعارك حاسمة لم يذكرها غيره هذا من جهة، الجهة الاخرى تجده يبالغ جدا في عدد القتلى من المشركين فتجد المعركة التي يجمع المؤرخون انه لم يقتل فيها إلا العدد القليل من المشركين تجد سيفا يرفع العدد ويزعم انه قتل فيها آلاف الاشخاص ؟ ! وكذلك الاساطير التي ذكرها عن القعقاع واخيه عاصم وصراعهما مع الفيل ! !.. وهذا يحبه العوام جدا فسبب هذا انتشارا لروايته بين العوام. أما بين الخاصة: فلم تنتشر روايات سيف على مدى قرن ونصف القرن من موته (180) فكان أول من أشهرها - كما أشهر غيرها - هو الطبري (310 و) وكانت روايات سيف قبل ذلك خاملة جدا فاحتاجها الناس بعد الطبري للرد على الشيعة ! ! لان روايات سيف كما سبق تمجد بني امية وتدافع عنهم ! ! فلما غلا الشيعة في ذم عثمان وولاة عثمان وبني امية وجد المدافعون في روايات سيف كنزا ثمينا في الدفاع عن العنصر الاموي ! ! ثم صار بعد ذلك دفاعا لكثير منا أهل السنة ضد الشيعة ؟ ! هكذا دون تأمل ولا بحث ولا نظر في اتهامه بالكذب والزندقة ! ! فبسبب هذا ازداد الانتشار لروايات سيف واعتمد عليها المعاصرون للسبب نفسه تقريبا ! !. فالمؤرخون بل وأهل السنة المعاصرون عامة احتاجوا للرد

[ 78 ]

على هجمات الشيعة والمستشرقين على التاريخ الاسلامي خصوصا عهد عثمان وبني أمية فلذلك اتجه المدافعون يتلمسون الدفاع سواء كان الدفاع بحق أو بباطل ! ! فاتجهوا للطبري فوجدوا في روايات سيف منهلا فائضا للدفاع عن بني امية وولاتهم ! ! فلهذا اكثروا من النقل عنه ثم وثقوه ! ! مخالفين اجماع المحدثين، بل ولم يكتفوا بهذا فنسب بعضهم إلى المحدثين (توثيق سيف) ؟ ! وزعم اخرون أن سيفا راوي أهل السنة ! ! كأنه يقصد راوي بني أمية ! ! ولله في خلقه شؤون ؟ ! ! ثم إن توثيق المؤرخين في هذه الايام لسيف بن عمر لاجل الدفاع عن بني امية ضد الشيعة والمستشرقين وأحيانا ضد عمار وابي ذر وهذا يعني بكل بساطة ان مقياس التوثيق والتضعيف لم يعد الصدق والكذب وانما (المصالح) و (الظروف الراهنة) و (الحاجة الملحة) ! ! وهذا المنهج - للاسف - منهج انهزامي، ولو علم هؤلاء اننا نستفيد من اخطاء سلفنا مثلما نستفيد من صوابهم لما فعلوا هذا الفعل ! !،، فان برحلة التحليل واستخلاص العبر تأتي بعد مرحلة التصنيف ومعرفة الصحيح من الضعيف لكنهم قدموا جانب مرحلة (التحليل) على (مرحلة التصنيف) بل على مرحلة (الجمع) وأرادوا أن يحرمونا - كما حرموا أنفسهم - من الاستفادة الكبيرة من تاريخنا بهذه الاحكام المسبقة الانهزامية التي يصدرونها. المحور الرابع عشر: تناقضات سيف من تتبع روايات سيف بن عمر وجد فيها تناقضات عجيبة لا

[ 79 ]

داعي لاستطرادها لكنني سأذكر امثلة سريعة فقط فمنها: المثال الاول: انه يروي ان عبد الله بن سبأ نشر فكرة (الوصية) لعلي بن ابي طالب ثم يروي ان اهل البصرة عندما خرجوا كانوا يشتهون طلحة اما اهل الكوفة فكانوا يشتهون الزبير وأهل مصر يشتهون عليا ؟ ! وهذا يتناقض مع فكرة (الوصية) لان عبد الله بن سبأ لو بث فكرة الوصية لعلي وتأثر الناس بها فلماذا اختار اتباعه بالبصرة والكوفة غيره ؟ ! مع أن ابن سبأ لم يدع ب (الوصية) للزبير ولا لطلحة ؟ ! فهذا تناقض. مثال ثان: يروي سيف أن أتباع عبد الله بن سبا قاموا بالوشاية في مصر بين عمرو بن العاص وابن ابي السرح حتى عزل عثمان عمرو بن العاص سنة سبع وعشرين بينما يروي سيف نفسه أن ابن سبا لم يدخل مصر الا سنة خمس وثلاثين ؟ ! ويروي سيف في رواية ثالثة ان عبد الله بن سبا لم يسلم الا نحو عام 33 ه‍ ! !.. وذكر في رواية رابعة أن ابن سبا أضل أبا ذر عام 30 ه‍ ! ! !. فروايات سيف هنا يلعن بعضها بعضا، فإذا كان عبد الله بن سبا لم يسلم الا سنة 33 ه‍.. فهل هو من العبقرية بحيث استطاع في سنتين فقط ان يناطح بين الصحابة ؟ ! هل الصحابة بهذا الغباء ؟ ! هل ابن سبأ هو سبب الفتنة الوحيد ؟ ! إذا كان كذلك لماذا لم يحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخبر به كما اخبر بالمختار الكذاب والحجاج الظالم والمال والملك العضوض والدجال و...

[ 80 ]

الخ. هل ابن سبأ منبع الفتنة ؟ ! ام ان اسباب الفتنة كثيرة وعديدة وواقعية تحدث عنها القرآن والسنة ؟ ! اما سيف فيجعل سبب فتنة المسلمين في غيرهم مع ان الصواب ان اسباب الفتنة داخلية (داخل المسلمين) هذا هو الواقع الذي نريد ان نلقي به على اليهود ! ! هروبا من مواجهة هذا الواقع وهروبا من استفادتنا منه.. فتناقضات سيف لا تحتاج إلى تطويل وتوضيح لمن تأملها. المحور الخامس عشر: اتهام الدكتور العسكر للاراء المضعفة لسيف بانها متحيزة ؟ فيه مجازفة كبيرة، فان أكثر تلك الاراء هي لاصحاب الحديث وان جوزنا التحيز على افراد منهم إلا أن اتهامهم أجمعين (بالتحيز) أمر أربأ بالدكتور أن يظنه فضلا عن ان يقرره وينشره. فليس من العلمية في شئ أن نوثق من أحببناه ونضعف من أبغضناه ! ! ونتهم العلماء بالتحيز إذا ضعفوا سيف بن عمر ! ! ونصفهم بالامانة في تضعيفهم الواقدي ! ! فهذه الازدواجية منبتها الهوى وثمارها الجهل والظلم. وكلامي هنا عن نماذج كثيرة موجودة في الساحة وليس عن الدكتور العسكر فعلمية الدكتور ومنهجه أفضل من هؤلاء لكن قلمه قد يزل بما هو سائد ! ! والسائد ليس بالضرورة حقا ! ! المحور السادس عشر: مبالغته في وصف فرحته بالكتاب ذاكرا ان السبب هو (قيمة الكتاب العلمية) ! !. اقول: ان كان يقصد من هذه العلمية ان الكتاب يزيدنا معرفة بسيف ورواياته واخباره فهذا صحيح وان كان يقصد (وهو الظاهر)

[ 81 ]

ان المعلومات التي يذكرها سيف نستفيد منها اضافة حقائق للتاريخ ووضعها مكان روايات اخرى فهذا غير صحيح وللمبحث طول. وقد اشار الدكتور العسكر إلى ان الكتاب يحمل كنوزا كانت مدفونة ! ! وان الطبري اخفى بعضها لاهميتها السياسية والتاريخية ؟ ! وسأترك بقية الكلام عندما اكتب عن الكتاب المحقق قريبا.. ان شاء الله تعالى. لكن من حيث الاسناد فالدكتور العسكر يعلم ان الكتاب المحقق كله من طريق شعيب بن ابراهيم الكوفي وهو مجهول وعلى هذا فلا نثق في كل روايات الكتاب لان المجهول لم يوثق على مر التاريخ ! ! أضف إلى ان شعيبا هذا متهم بطعنه في الصحابة وليته كان طعنا بحق وإنما طعن مبني على التعصب لبني أمية ضد عمار وأمثاله ! ! فهل ينتظر العسكر خيرا من مثله عن مثل سيف ؟ ! المحور السابع عشر: قوله: إن الطبري (اكثر من الاعتماد على سيف بن عمر حيث ورد ذكره 368 مرة). اقول: هذه نقلها د. العسكر من محقق الكتاب السامرائي ولم يشر لذلك وقد نقل كثيرا من الاقوال من السامرائي ولم يشر لذلك وهذا خلاف الامانة العلمية. وقد يأخذ علي الدكتور انني نقلت بعض النتائج التي توصل إليها بعض الباحثين كالهلابي والعسكري ! ! وهذا غير صحيح لانني رجعت للمصادر نفسها وتأكدت من تلك النتائج بنفسي وخالفتهما في بعض النتائج التي

[ 82 ]

لم أعلن عنها وأضفت مما لم أجده عندهما مع امتناني لصاحب السبق في سبقه إلى تلك النتائج أو بعضها لكن لنتأكد من المعلومات بأنفسنا ونضيف غير مقلدين ليأتي بعدنا من يضيف ويبني على نتائجنا وهكذا، لكن أخانا الدكتور العسكر تابع السامرائي مقلدا وفهم كلامه على غير ما أراد ! ! لان سيفا روى له الطبري اكثر من 800 رواية فهي اكثر بكثير من رقم الدكتور العسكر اما السامرائي فانما ذكر هذه الروايات في حروب الردة فقط على ما يظهر من كلامه في المقدمة ! !. إذن فهناك فرق بين الاستفادة من الدراسات السابقة وبين التقليد دون رجوع ولا تأكد من تلك الدراسات ونتائجها ! ! المحور الثامن عشر: لمح الدكتور إلى ان الطبري قد يتجاهل بعض روايات سيف ويفضل عليها روايات اخرى ويرى ان اغفال الطبري لها بسبب (اهميتها التاريخية والسياسية) ! !. اقول: وهشا طعن ظاهر في الطبري وانه انما يخفي بعض روايات سيف بسبب اتجاهات الطبري السياسية وميوله المخالفة لهذه الروايات ؟ ! وانا اتمنى لو صرح العسكر بتلك (السياسات) وتلك (الاهمية) ؟ ! فالطعن في امام كبير مثل الطبري ينبغي ان تسنده الادلة والبراهين، بل قد يرد على العسكر آخر ويقول: ان الطبري جر على التاريخ الاسلامي تشويهات كثيرة بسبب سرده لثمانمائة رواية من روايات كذب مؤرخ في التاريخ وهو سيف بن عمر

[ 83 ]

فالطبري - عنده - متعصب مع سيف بن عمر لانه في نظره ينقل دفاعاته عن بني أمية ولم ينقل الدفاعات عن عمار وابي ذر ! ! وان الواجب الا ينقل لسيف أية رواية بسبب ما ثبت من كذبه ووضعه للاحاديث ولوجود البديل الصحيح ؟ ! فمن يقول هذا القول تكون حجته اقوى من حجة الدكتور واظهر دلالة ! ! لكننا لا نريد إلقاء التهم جزافا الا بعد دراسة وبحث بانصاف وعدل، عندئذ لا مانع من اتهام مؤرخ أو غيره بانه اخطأ أو تعصب أو أظهر أو أغفل. المحور التاسع عشر: خلط الدكتور بين النقل والتوثيق فقد اورد كثيرا من العلماء الذين نقلوا من كتب سيف وجعل هؤلاء موثقين لسيف بن عمر، مع ان هناك فرقا كبيرا بين (النقل عن الشخص) و (توثيقه) فالله عزوجل قد نقل في القران الكريم اقوال الشيطان والكفار والمنافقين في سياق الانكار، كما ان علماء الحديث قد نقلوا اقوال وروايات كثير من الضعفاء والمتروكين في سياق العلم بالشئ وليس في سياق الاحتجاج، وقد يغتر بعضهم بضعيف ويظنه ثقة وينقل عنه فهذا الباب كبير، لكن العلماء الذين ذكرهم فيهم كثيرون صرحوا بضعف سيف، وهذا يدل على ان الدكتور قد فهم (النقل) فهما خاطئا أو اراد ان يفهمنا ذلك فهما خاطئا ! ! فان كان يريد هذا الاخير فهذا لعب على العقول والافهام لا يرتضيه احد.. ولا ينطلي على باحث ولا أظن الدكتور وقع إلا في الامر الاول فهو أعدل من أن يقع في الامر الثاني.

[ 84 ]

المحور العشرون: رأيت في مقال الدكتور العسكر اهتمامه بالكتاب المحقق لان مخطوطته اكتشفت في بلدة (أشيقر) السعودية ولعل لهذا صلة بتوثيقه سيفا فإن، فإن صح فهمي هذا فانه لا يليق بنا ان نوثق الضعفاء، الذين اكتشفت مخطوطاتهم في بلداننا ! ! فهذه عصبية لا يرتضيها منصف، صحيح اننا نفرح بأي مخطوط يكتشف عندنا أكثر من فرحتنا باكتشافه عند غيرنا، لكن لا يدفعنا هذا لمصادرة العلم واقوال العلماء من اجل بلدة أو مدينة سعودية ؟ ! فهذا سيكون مسبة وعارا علينا ؟ ! فلا يجوز ان نضع معايير غير صحيحة وضوابط (غير منضبطة) لقيمة المخطوط ! !. المحور الحادي والعشرون: هناك لفظان موهمان يتكئ عليهما بعض موثقي سيف بن عمر وقد سبقت الاشارة إليهما ألا وهما قول الذهبي (كان إخباريا عارفا) وقول الحافظ بن حجر (عمدة في التاريخ). وحقيقة ان الذهبي قد قال تلك الكلمة في رواة كذابين غير سيف فهو يكثر من قوله (اديب عارف) أو (نسابة عارف) أو (اخباري عارف) مع ان الذهبي نفسه يصفهم بالكذب والضعف في مواطن أخرى ! ! والدليل على ذلك انه ضعف سيفا في اكثر من مكان من كتبه فهذا اللفظ (الموهم) لا يقدمه على (التضعيفات الصريحة) الا مكابر. كذلك الحافظ بن حجر نجده يرد روايات لسيف تاريخية بحتة في الاصابة وغيرها فمراد الحافظ - والله اعلم - ان سيفا يعتبر

[ 85 ]

شيخا في التاريخ مثلما كان الكلبي شيخا في الانساب مع ان الاثنين ضعيفان جرب عليهما الكذب ثم لو افترضنا ان الحافظ يثق في سيف بن عمر فماذا نفعل بعشرات المحدثين الآخرين الذين سبروا روايات سيف بن عمر وكانوا اقرب لعصره من الحافظ بن حجر ! ! وهم اعلم وادرى به من المتأخرين ! ! ثم وجدنا اقوالهم واحكامهم - بعد الدراسة والمقارنة - صحيحة ! ! وهي ان سيفا متروك كذاب لا يعتمد عليه لا في الاحاديث ولا في التاريخ ! ! بل يكفي مقارنة رواياته مع بعضها لنجد التناقضات الكبيرة ! ! فكيف بمقارنتها مع روايات المؤرخين الاخرين ! ! وكيف بمخالفتها لمتون الاحاديث الصحيحة ! !. أظن انه من الظلم للعلم ان نتعلق بقول موهم مشتبه للحافظ ابن حجر ونترك اقوال عشرات المحدثين الآخرين في تضعيف سيف بن عمر بل من الظلم للعلم ان نعتمد على قول موهم للحافظ بن حجر ونترك رده روايات سيف بن عمر في مواضع أخرى. فالعلم بحاجة إلى دراسة وافية ومقارنة مع عدم التعلق بالاقوال التي نحبها ورفض الاقوال التي لا نريدها بل الواجب أن نترك المنهج يحكم على الجميع ولا نقفز فوق المنهج ونطوعه لخدمة أحكامنا المسبقة. واخيرا: لولا خشية الاطالة والملل لبسطت الموضوع اكثر فهو بحاجة إلى استطراد كبير ليس هنا موقعه لكنني أحب ان نركز

[ 86 ]

على النقطة الاهم وهي (سيف بن عمر) هل هو ثقة ام ضعيف ؟ ! هل تقبل رواياته أو ترد ؟ هل نعتمد منهج المحدثين في سيف مثلما نطبقه على سائر المؤرخين ام نقبل هذا المنهج في المؤرخين ونرفضه في سيف ؟. كما يفعل بعض المستفيدين من روايات سيف ! ! ثم عندما ندرس روايات سيف هل نتكفي بدراسة سيف فقط ام ندرس كل رجال الاسناد ؟ هل نقارن روايات سيف مع روايات غيره ام انه فوق مستوى المقارنة ؟ وهكذا ينبغي ان نطرح مثل هذه الاسئلة ثم نجيب عليها بعد بحث ودراسة لا تكفي الاجابات الانطباعية المتدثرة بالهوى والتقليد والتعصب الاعمى. هذا ما أحببت طرحه في هذا المقال وآمل من اخي الدكتور عبد الله العسكر ان يتسع قلبه للنقد والنقاش ويعذرني ان قسوت عليه بعض القسوة في بعض المواضع فالمنهج العلمي لا يحتمل المجاملات ولا الصداقات، نريد فقط نية صادقة ومنهجا صحيحا وبحوثا قوية جادة وهذا كله يوصلنا إلى الاتفاق على اكثر النتائج والتقليل من الاختلافات وبهذا نقدم للتاريخ الاسلامي خدمة جليلة في تسجيل الوقائع كما هي ثم تفسيرها التفسير الصحيح الذي نستلهم منه العبر ونفهم منه الماضي ونستضئ به في المستقبل.

[ 87 ]

الفصل الثالث سيف بن عمر مؤرخا ! ! حوار مع الدكتور عبد الله العسكر

[ 88 ]

بعد الاتفاق على طرحه حديثيا سيف في عمر مؤرخا ! اطلعت على رد أخي الدكتور عبد الله العسكر في صحيفة الرياض عدد 10137 يوم الثلاثاء 7 ذي القعدة 1416 اه‍ وإن كان الاخ العسكر قد عبر عن سروره باستفاضتي في مقالاتي السابقة فانا أعبر عن حزني لقصر مقاله وتركه كثيرا من القضايا معلقة دون بت فيها، في الوقت الذي أشكر فيه الدكتور العسكر على رده الذي اكتسى بحلل الخلق الرفيع والادب الجم والذي لم نعهده في كثير من المردود عليهم وأنا لا أخفيكم انني كنت أتوقع ردا (متشنجا) وكنت أجهز نفسي لمعركة (تاريخية) طويلة الاجل، فقد تعودت على ردود (بعض الفقهاء) وبعض (مشاغبي التاريخ) قبل سنوات وكان (بعضنا) قد خلط يومها بين (الفقه) و (الشتائم) والاتهامات المبطنة. فجاء أخونا الدكتور العسكر ليعيد لقناعاتي بان الانصاف ما زال باقيأ وان الاعتراف بالحق والفضل لم يمت في القلوب.


صحيفة الرياض، عددي االاثنين 26 / 11 والاحد 27 / 11 / 1416 ه‍ الموافق 14 - 15 ابريل 1996 م (*)

[ 90 ]

ولكن محاولة الدكتور لاغلاق باب الحوار حول هذه القضايا المهمة أرى انها محاولة مستعجلة وغير مدروسة وللاسف ان أكثر حواراتنا وقضايانا نبترها قبل ان تستوي وتؤتي أكلها. ثم يأتي الناس يسالون ما النتيجة ؟ ! وعلى ماذا اتفقتم ؟ ! وفي أي شئ اختلفتم ؟ وفي مقالة الدكتور العسكر الاخيرة (اتفاقات جوهرية) تجعلني أطمع في التوصل لمزيد من (الاتفاقات) وليس من حقي ولا من حق الدكتور اخفاء هذه (الاتفاقات) على الجمهور لان البعض قد يقول: اتفق أنت والعسكر في لقاءات ثنائية دون حاجة للنشر عبر رسائل الاعلام ! ! ولكن فات على قائل هذا القول ان القضية ليست قضيتي أنا والعسكر وليس لنا حق (احتكار تقييم سيف بن عمر) ! ! فالجمهور تهمه هذه المواضيع وكثير من القراء عندهم أفضل مما عندي أنا والعسكر في هذه القضية وغيرها. فليس من الحكمة (الحوار في الخفاء) خاصة واننا متفقون على أمور جوهرية ستقودنا - قطعا - للبت في كثير من الاشكالات المتبقية. ولعل أهم النقاط التي ذكرها الدكتور العسكر في مقاله الاخير والتي أشكره عليها وعلى شجاعة اثباتها في هذا الجانب ما يلي: 1 - ان سيف بن عمر كمحدث لا يعتمد عليه واننا نرفضه راويا للحديث النبوي، هذا ما قاله الدكتور ولي وقفه مع سيف بوصفه مؤرخا سأشرحها بعد قليل. 2 - ان النقل لا يقتضي التوثيق.

[ 91 ]

3 - ان الطبري ربما يكون عذره في تجاهل كثير من روايات سيف تلك السمعة السيئة عن سيف (أي وصف المحدثين له بالضعف والكذب والنكارة والزندقة... وما أشبه ذلك). 4 - اثبات الدكتور بان سيفا متعصب لقبيلته بني تميم وانه وجد ذلك عند دراسة مرويات الردة وكيف ان سيفا برأ منها قومه بني تميم وحملها بني حنيفة فقط. وهذا من أفضل وأقوى ما أثبته الدكتور فهذه النقاط أرى أنها منطلق متين لدراسة بقية الاراء حول سيف بن عمر وقيمة مروياته التاريخية (بعد ان اتفقنا على طرحه حديثيا). أما ملاحظاتي - السريعة والمهمة على مقال الدكتور الاخير فهي كالتالي: الملاحظة الاولى: أشعر بان الدكتور استعجل في قراءة مقالاتي الاربع وحملني أشياء لم أقل بها وبعضها يمكن أن يكون محل نقاش واختلاف واحتجاج إلى الآن ومثال ذلك. انه ذكر ان كلامي عن سيف بن عمر وسردي لاقوال المحدثين فيه انما هو جانب حديثي فقط ويتهمني بانني أخرجت القضية من (سياقها التاريخي) ولو رجع الدكتور لتلك المقالات لوجد في الجانب الاكبر منها تركز على (الجانب التاريخي) من نواح كثيرة منها.

[ 92 ]

أولا: انه بطريق الاولى إذا كان سيف متهما بالكذب على النبي (صلى الله عليه وسلم) في الاحاديث النبوية فكيف لنا ان نصدقه في أخبار الفتوح والفق ؟ ! ! فهذا يدركه العاقل ولا يخفى على البليد، وهذا مما يسميه العلماء (من باب الاولى) فالذي يشرب الخمر في مسجد مثلا فمن باب الاولى انه سيشربها خارج المسجد ! ! والذي يزني بإحدى محارمه فانه لن يتورع عن الزنا بغيرهن ! ! هذا من باب الاولى، والذي يترك صلاة الفرض فلن يهتم بقيام الليل ! ! والذي يكذب على النبي (صلى الله عليه وسلم) ويحرف أحاديثه ويخرجها عن مدلولها وسياقها ويشوه أقوال النبي (صلى الله عليه وسلم) بان ينسب إليها حقائق باطلة ويجعل من كبار أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) تلاميذ لليهود فهذا (من باب الاولى) انه سيكذب على زيد بن صوحان والاشتر النخعي ! ! وسيكذب في اخبار القعقاع والوليد والاحداث والمعارك وغيرها، لكن المعقول والمعروف ان بعضهم قد يكذب في الاقوال والروايات لكنه يتورع في الكذب على النبي (صلى الله عليه وسلم)، أما غير المعقول فان يوجد من يكذب على النبي (صلى الله عليه وسلم) ويصدق في أخبار الردة والفتوح والفتن وغيرها من أخبار الناس وأقوالهم. فهذه ذكرتها في تلك المقالات، وهذا الدليل العقلي لا أدري كيف خفي على الدكتور. ثانيا: انني نقلت أقوال المحدثين الذين يتهمون سيفا بالضعف في الحديث والتاريخ أيضا ومنها قول يعقوب بن سفيان مثلا (حديثه وروايته ليس بشئ) فهذا يضعفه في الاثنين (الحديث والتاريخ). وكذلك قول الحاكم (هو في الرواية ساقط) هذه

[ 93 ]

تنصرف للناحيتين الحديثية والتاريخية. أضف إلى نقد الطبري له وذكره لمخالفات سيف لاجماع المؤرخين والمحدثين في بعض المواضع. ثالثا ؟ ذكرت في المقالات كثيرا من القضايا التاريخية البحتة التي ثبت كذب سيف فيها مثل جلد الوليد بن عقبة وقطع يد زيد بن صوحان وزعمه بان عمار بن ياسر وأبا ذر من أعوان عبد الله بن سبا وطعنه في الصحابي جندب بن زهير وأنه (شاهد زور) وتبرئته للشخصيات الاموية كالوليد وزياد واختلاقه للقعقاع وبطولاته وكتاب أهل الحيرة وزعمه بان (تميميا) قتل أبا لؤلؤة قاتل عمر ! !، وزعمه بان (تميميم آخر هو (أمين سر) علي بن أبي طالب ! ! وغير هذا كثير من (الاخبار التاريخية) البحتة التي ثبت كذب سيف فيها أو مبالغاته فيها على أقل تقدير ولم أذكر من الاحاديث إلا حديث (الحوأب) وتحريف سيف لسياقه فكيف يقول الدكتور انني اخرجت الموضوع من سياقه التاريخي ؟ ! مع ان كل المقال يدور حول قيمة روايات سيف التاريخية. والتي لم تصمد للنقد التاريخي فضلا عن صمودها للنقد الحديثي. لكنه في الوقت نفسه يصعب علي ان أحلل روايات سيف بعيدا عن (الاراء والاقوال) في شخصه بل ليس من العلمية في شئ أن أحلل روايات سيف بعيدا عن معرفة صاحب هذه الروايات، ولم أجد له ترجمة إلا عند أهل الحديث، لا يوجد (مصدر تاريخي) يترجم لسيف بن عمر، اللهم الا مصادر (ناقلة)

[ 94 ]

عن (المصادر الحديثية) فمن أين سأعرف سيفا ان لم أرجع لترجمته ؟ ! رابعا: ثم إن حكم أئمة الحديث على راو من الرواة لا يعني هذا انهم يحكمون على أحاديثه فقط، فهذا سوء فهم لمنهج المحدثين فان المحدثين عندما يحكمون على شخص بالضعف أو بالتوثيق لا يفعلون هذا إلا بعد سبر لاحاديث الراوي ومروياته بل وأقواله وسلوكياته حتى أن بعضم يتجنب من يكذب على الدواب ؟ ! فإذا كان الكذب على الدواب معيارا عند بهعضهم - على الاقل - فكيف لا يكون الكذب على الصحابة والتابعين والاحداث معيارأ في ترك حديثه وروايته ؟ ! !. فمن ظن ان أهل الحديث (منغلقون) على علم الحديث فقط وانهم لا يهتمون بالمرويات الاخرى للرواية فقد جهل منهج المحدثين. ولو طالع أحدنا (ميزان الاعتدال) للذهبي أو (تهذيب الكمال) للمزي لوجد ان المحدثين يحكمون على كثير من رواة الحديث بالضعف بمسبب الكذب في روايات وأقوال لا علاقة لها بالحديث ! !. كذلك قد يحكمون على مؤرخ بالضعف لمخالفاته لروايات الثقات من المؤرخين الآخرين أو مما ثبت عن طريق المحدثين الثقات.

[ 95 ]

فإمام مثل يحيى بن معين يقوم بسبر كل أحاديث الراوي ومروياته وأخباره ثم يحكم بعد هذا. كما ان أهل الحديث لا يجهلون الاحداث التاريخية وحقائقها مع تفاوت فيما بينهم ولذلك نجد ان تضعيف بعضهم لا سيف كان نتيجة لاكتشافهم الكذب في رواياته التاربخية مثل تضعيف الخطيب البغدادي لسيف ابن عمر بسبب ما رواه من ان (خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين مات زمن عثمان) فرد ذلك الخطيب بانه من المعروف انه قتل مع علي يوم صفين واستدل الخطيب بهذه الرواية التاريخية البحتة على كذب سيف لان هذا امر صحيح مشهور ليس بذاك الغامض الذي يمكن فيه الاختلاف. وتضعيف ابن أبي حاتم لسيف بسبب روايته لشهود القعقاع بن عمر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ! ! فرد ذلك ابن أبي حاتم وضعف سيفا وهكذا فلو بحثنا عن أسباب تضعيفهم لسيف لوجدنا كثيرا من تلك الاسباب (تاريخية بحتة). وانهم لا يفصلون (رواية الخبر) عن (رواية الحديث ! فمن كذب في هذا لم نضمن كذبه في ذاك. خامسا: إن روايات سيف بن عمر سقطت تاريخيا فهي لم تصمد للنقد التاريخي المجرد القائم على المقارنة ودراسة المق. وأنت عندما تدرس متونها فلن تصمد تلك المتون لهذا النقد والدكتور العسكر نفسه لما درس متون روايات سيف في حروب الردة وجد سيفا يبرئ قومه (بني تميم) منها ويحملها غيرهم ! !. وهذا يؤكد ما قلناه سابقا بان من يكذب على النبي (صلى الله عليه وسلم) فلن يتورع في الكذب على غيره. ! !

[ 96 ]

الملاحظة الثانية: قول الدكتور (ومذهبي في هذا شيخي الامام الطبري فأنا اقبل سيفا كاخبهاري وارفضه كرواية للحديث النبوي) ! !. اقول: وهذا المذهب الذي اختاره الدكتور العسكر بحاجة إلى مقدمات اظن الدكتور لم يدقق النظر فيها وهي: 1 - تحديد موقف الطبري من سيف بن عمر مؤرخا ومحدثا ! !. 2 - التحديد الدقيق لمعنى (القبول) ! !. 3 - مدى علمية اطلاق التفريق بين التحديث والاخبار ! !. 4 - المستند الذي بنى عليه الدكتور متابعته - ولا اقول تقليده - للطبري على افتراض ان مذهبه قبول سيف مؤرخا لا محدثا ! !. فالمقدمة الاولى (تحديد موقف الطبري) يحتاج من الدكتور لبحث كبير ليحدد في ضوئه (موقف الطبري) من سيف بن عمر كاخباري وكمحدث ! ! فإن الطبري انتقد (اخبارا) تاريخية بحتة لسيف بن عمر ! ! واورد له (أحاديث) ولم يتعقبها بشئ ! ! فما هو موقف الطبري أولا حتى يتبناه اخونا العسكر ؟ ! ! هل رواية الطبري لسيف تعني (القبول به) وإذا كنا (نقبل) سيفا على ما علمناه فيه فهل هناك مؤرخ آخر يمكن (رفضه) بعد سيف ؟ !

[ 97 ]

فانا أرى أن قبول سيف (كمؤرخ) لم يدع هناك مجالا لرفض اي مؤرخ آخر ! !، لان سيفا قد ضرب الرقم القياسي في عدد المضعفين له ! ! وفي شدة العبارة المضعفة له ايضا ! ! وفي كثرة (المنكرات) و (الاكاذيب) و (العصبيات) المبثوثة في روايته (التاريخية) قبل الحديثية. ثم ان الدكتور ذكر أن المتقدمين (لهم منهجية) في تسجيل ما وصل إليهم ونحن لنا منهجية تختلف عنهم. فإذا كان لنا منهجية (تحليلية) تختلف عن (السرد) فلماذا نقول قدوتنا في سيف الطبري ! ! فإذا كان الطبري له منهجه ولنا منهجنا فكيف ندعي تقليده في قبول سيف كمؤرخ لا كمحدث ؟ ! لابد من البت في هذه المفارقات والكلمات المتقاطعة. اما المقدمة الثانية: فما معنى (القبول) بسيف مؤرخا ؟ ! هل يعني (الاحتجاج) ام يعني (الاستشهاد) ام (الاستئناس) ام مجرد (السرد التاريخي) فلفظ (القبول) لفظ عام واسع فضفاض يحتاج إلى تحديد وتقييد وتفتيت لنعرف ماهية هذا القبول ومستوياته ومحدداته ومواضعه في الرواية التاريخية وظروفه ومواضيعه ! !. المقدمة الثالثة: لماذا هذا التفريق الواسع بين (التحديث) و (الاخبار) بكسر الالف. فإذا كان فلان من الناس متهما بالكذب في (الحديث النبوي) وليس بالنسيان أو الوهم أو الاختلاط أو التغير بسبب كبر الان فهل يجوز لنا بعد هذا ان (نصدقه) و (نعتمد عليه) في اخبار الناس ؟ ! !، فهذه مسالة عقلية بحته ! !..

[ 98 ]

قد يقول لي أخي الدكتور العسكر إن العلماء يفرقون بين رواية الحديث ورواية التاريخ اقول: سأتي لهذه النقطة وبيان انها ليست على اطلاقها والذين يزعمون اننا لو طبقنا منهج اهل الحديث على التاريخ فلن يبقى لنا الا النزر اليسير اما انهم لم يجربوا تطبيقه أو انهم يسيئون فهمه أو يبالغون في التخويف منه أو يجهلونه، فليس منهج أهل الحديث خاصا بهم بل هو منهج يحدد مجال ومستوى واسباب (القناعة) سواء في الحديث أو في التاريخ ولي تجارب (حديثية تطبيقية) على بعض (الحوادث التاريخية) فوجدت ان الذي ينقصنا هو (جمع المادة) فقط فإذا جمعت المادة شهد بعض الاسانيد لبعض واعتضدت وتوفرت (أسباب الاقتناع) اما ان نحكم باستحالة تطبيق منهج اهل الحديث قبل ان نفهمه وقبل أن نجربه فهذا فيه قصور وعجلة مرفوضة من كل عاقل. وأظن الدكتور العسكر يوافقني على هذه النقطة. ويعجبني في هذا كلمة للعلامة الالباني حول هذه المسالة يرد بها على الذين يفصلون بين التاريخ والحديث فصلا كبيرأ من حيث قبول الروايات وردها يقول في السلسلة الصحيحة (5 / 331) (وقد يظن بعضهم ان كل ما يروى في كتب التاريخ والايرة ان ذلك صار جزءا لا يتجزأ من التاريخ الاسلامي لا يجوز انكار شئ منه وهذا جهل فاضح وتنكر بالغ للتاريخ الاسلامي الرائع الذي يتميز عن تواريخ الامم الاخرى بانه هو وحده الذي يملك الوسيلة العلمية لتمييز ما صح منه مما لم يصح وهي نفس الوسيلة التي يميز بها الحديث الصحيح من الضعيف الا وهو الاسناد الذي قال

[ 99 ]

فيه بعض السلف: لولا الاسناد لقال من شاء ما شاء. ولذلك لما فقدت الامم الاخرى هذه الوسيلة العظمى امتلا تاريخها بالسخافات والخرافات..) أ ه‍. اقول: ونحن لما صدقنا سيفا و (اعتمدنا) رواياته وجدنا (سخافات وخرافات) تضاهي تلك الخرافات في تواريخ الامم الاخرى بل تزيد عليها ! !. ورغم ان كلمة الالباني السابقة قد تبدو مثالية متفائلة اكثر من اللازم ورغم أنني قد اختلف معه في بعض التفصيلات عند التطبيق الا انها اقرب إلى الحق من القول بانه يستحيل تطبيق منهج المحدثين على التاريخ الاسلامي ! ! وان هذا المنهج سيمحو كل احداث التاريخ ! ! فهذا التخويف مبني على غير تجربة علمية وعلى غير فهم لهذا المنهج والالباني (مجرب) وقد صحح كثيرا من الروايات التاريخية اثناء تصحيحه لبعض الاحاديث لان مناسبات الاحاديث هي (مادة تاريخية) ثم ان منهج اهل الحديث هو منهج الامة الاسلامية وليس مختصا باهل الحديث، أقول هذا بقناعة واوجه هذا لمن يفهم منهج المحدثين اما من (يسمع به) فقط دون تمعن فيه ولا فهم له فلا يفيده كلامي هذا انما يفيد (صاحب التجربة + الفهم) لهذا المنهج. ولا يجوز ان نحكم على (علم) من العلوم بلا تطبيق واختبار له على ارضية (التجربة) بمعنى أنه يجب علينا (أن نعلم) قبل (أن نحكم) أما أن نحكم قبل علمنا بالشئ على حقيقته فهذا من الجهل، والناس اعداء ما جهلوا.

[ 100 ]

والتاريخ لا يوجد في كتب التاريخ فقط بل يبدأ جمع (المادة التاريخية) من القران الكريم ثم الصحيحين ثم كتب الاسنن والمسانيد والمعاجم والزوائد والمستدركات والطبقات ثم كتب التاريخ المشهورة وانا على يقين اننا لو جربنا (جمع المادة) لخرج لنا تاريخا هائلا صحيحا لا تسمع فيه بسيف بن عمر ولا الهيثم بن عدي، ثم ان مراتب الجرح كثيرة فقد ناخذ اخبار الضيف الذي سبب ضعفه الوهم والنسيان ولا نأخذ اخبار الضعيف الذي سبب ضعفه الكذب أو الزندقة ؟ ! فان كان ولابد من (الاعتماد) على الضعفاء فليكن اختيارنا لضعف الواقدي (الذي وثقه سبعة من علماء الحديث) مقدما على ضعف سيف بن عمر (الذي لم يوثقه احد) إ !. فالضعفاء مراتب اعلى هذه المراتب قريبة من (الصدوق) وادناها قريبة من (الكذب) فكيف بمن (ثبت كذبه) ! !. ولكننا - للاسف - وفي كثير من الرسائل الجامعية التي اطلعت عليها، وجدتهم يقدمون (كذب سيف) على (صحيح) البخاري ومسلم ! ! بسبب عاطفتي (التبرئة) و (سفك الدماء) اللتين بثهما سيف في رواياته ولا ادري كيف اجتمعتا في عقل سيف.. اذن فالمطالب ليست (تعجيزية) فكل شئ مطروح للنقاش والحوار لكن ان نقبل روايات سيف ونترك روايات الثقات فهذا لا يقبله منصف. ثم ان قبول اخبار المؤرخين انما تكون عند تعاضدها وتعدد القرائن والشواهد لا بما انفرد به كذاب أو متهم ولا بما

[ 101 ]

خالف فيه فرد جمهرة المؤرخين وان كان بعض العلماء قد وقع في قبول شئ من هذا (المردود) فعندئذ نرده للمنهج ولا نجعله حاكما على المنهج. الملاحظة الثالثة: قيد الدكتور كلمة (العلماء) المطلقة في المقال الاول بانه يقصد بهم (علماء التاريخ) وليس (علماء الحديث) وأقول: هذا التقييد سيبقى فيه اشكالات من نواح كثيرة. منها ان الدكتور العسكر نفسه قد ذكر في أولئك (العلماء) كثيرا من (علماء الحديث) الذين كان التصاقهم بعلم الحديث اكبر من التصاقهم بعلم التاريخ مثل ابن عبد البر وابن حجر وامثالهما. فكتاب الاستيعاب (4 مجلدات) لابن عبد البر لا يقاس بكتاب التمهيد (24 مجلدا) له. وكذلك الحافظ ابن حجر لا تقاس الاصابة (4 مجلدات) بعشرات المجلدات المؤلفة في الحديث ورجال الحديث. ثم لماذا هذا الفصل الكبير بين (علماء والتاريخ) و (علماء الحديث) فهذا الفصل يكاد يكون (صوريا) في الازمنة المتقدمة اما الازمنة المتأخرة (المعاصرة) فالفرق واضح في بعضهم دون بعض. لكن لو تنظر للمؤرخين الاقدمين أو المحدثين لا تستطيع تصنيف كثير منهم في (الجانب التاريخي) فقط ولا في (الجانب الحديثي) فقط وانظر خليفة بن خياط مثلا وابن عبد البر والذهبي ويعقوب بن سفيان والخطيب البغدادي وقبلهم الزهري وعروة بن الزبير

[ 102 ]

وابن سعد وابن ابي شيبة وابن ابي خيثمة وغيرهم كثير فهل تستطيع - وكلامي هذا عام ان تصف واحدا من هؤلاء بانه (مؤرخ) فقظ أو (محدث) فقط ام الصواب انهم (موسوعيون) في علوم الحديث والفقه والتاريخ ؟ الا ان بعضهم غلبت عليه سمة التاريخ كابن سعد وخليفة بن خياط وبعضهم غلب عليه علم الحديث كاصحاب الكتب الستة وبعضهم كالذهبي والطبري يصعب تصنيفهم تصنيفا احاديا. فتقييد الدكتور العسكر للعلماء بأنهم (علماء التاريخ) بحاجة إلى مقدمات وتقييدات اخرى في المراد بعلماء التاريخ ؟ هل يريد الذهبي وابن حجر وابن عبد البر والطبري ويعقوب بن سفيان وامثالهم ؟ ! فهؤلاء محدثون ايضا. وان اراد نصر بن مزاحم وابي مخنف وامثالهما فلماذا اورد الدكتور معهم الذهبي وابن حجر وابن عبد البر وذكرهم في (المعتمدين) على سيف بن عمر ؟ ! وهؤلاء اكثر التصاقا بعلم الحديث والجرح والتعديل ؟ ! اذن فتحديد المراد من (علماء التاريخ) بحاجة إلى بحث وتفصيل لان الدكتور ذكر في هؤلاء (محدثين كبارا) فسيبقى الاشكال كبيرا والمخرج اضيق. اما عند (التعميم) فنجد انه نسب إلى العلماء (اعتماد سيف) بمعنى (التوثيق) في مقاله الاول اما مقاله الثاني فقد تضضع هذا (الاعتماد) فعلى ايهما (نعتمد) ؟ ! !. وعندما قال الدكتور (واقصد هنا علماء التاريخ لا كما فهم

[ 103 ]

اخي حسن بانهم علماء الحديث واخرجها من سياقها التاريخي).. تجد هذا القول مخروقا بذكر الدكتور لابن عبد البر وابن حجر وامثالهما في (معتمدي سيف) ! ! فهذا هو الذي اخرج (الاعتماد) من سياقه التاريخي ! !. الملاحظة الرابعة: قول الدكتور لكنهم (المؤرخون الاوائل التزموا بمنهجية وهي باختصار: تسجيل كل خبر يصل إليهم ويتفق مع منهجهم). اقول: من عيوب الدكتور انه يعمم مثل هذه الاطلاقات التي يستطيع ان يوافقه عليها كل احد ويستطيع ان يخالفه فيها كل احد ايضا.. فهي جمل بحاجة إلى (تفكيك) و (تفتيت) واسع فلذلك اجد نفسي مؤثرا الاكوت - احيانا - عند بعض الاطلاقات. ولعل حبه للاختصار اخل ببعض الوضوح في كثير من العبارات. لكني اود هنا الاشارة تعليقا على قوله السابق إلى ان (طبيعة المادة) لها علاقة مباشرة بعملية (تسجيل المؤرخ) للاخبار قلة أو كثرة. فكتب الايرة النبوية أو الخلفاء الراشدين تختلف عن كتب (البلدان) فلا يستطيع ياقوت الحموي مثلا ان يهمل (بلدانا) لانها جاءت في روايات ضعيفة أو موضوعة ؟ ! فايراد الدكتور لياقوت في (معتمدي سيف) في التاريخ فيه نظر كبير نظرا لطبيعة المادة وكذلك كتب التراجم لابن ماكولا وابن حجر وابن عبد البر، فإكثار ابن حجر من النقل عن سيف في كتاب (الاصابة) جاء نظرا لانفراد سيف بذكر مجموعة من الصحابة لم يذكرهم غيره

[ 104 ]

لكن ابن حجر عندما تكلم عن روايات الفتنة واحداث الجمل وصفين (في فتح الباري المجلد الثالث عشر) لم يذكر عن سيف حرفا واحدا لا في فتنة عثمان ولا في مسير عائشة وعلي ولا في اخبار الجمل ؟ ! ! فتأمل. اذن فإيراد الدكتور لابن حجر في (معتمدي سيف) بسبب نقوله عنه في كتاب (تراجم) لا كتاب (أحداث) فيه تعميم لمنهج الحافظ وتوسيع لدائرة قبوله سيف بن عمر ؟ ! مع ما فيه من اغفال لاهمال ابن حجر لسيف في روايات الفتنة والمسير والجمل التي ألف فيها سيف أشهر كتبه - ان صح له غيرها ! ! - فهذا المنهج (التعميمي) المبني على (الزام ما لا يلزم) وعلى الانطباعات والظنون والعجلة هو شر ما يقع فيه المؤرخون المعاصرون. الملاحظة الخامسة: قول الدكتور (فإنني أقول ان علماء التاريخ والاخباريين قد اعتمدوا على سيف إما بالنقل المباشر أو غير المباشر من كتب سيف). أقول: مازلت ارى هنا خلطا واضحا بين (الاعتماد) و (النقل) مع الغموض الذي ذكرناه سابقا في عدم تقييد الدكتور لهذا الاعتماد وبيان حجمه ومستواه. ثم يقول الدكتور (ألا يكفي هذا دليلا على اعتماد المؤرخين ومن في حكمهم على سيف) ثم نجده يقول بعد هذا ان (النقل شئ والتوثيق شئ آخر) و (اننا لسنا في معرض الحديث عن

[ 105 ]

الجرح والتعديل) فهذه كلها كلمات متقاطعة جاء تقاطعها من تشكلها (حسب الطلب) ! ! طولا وعرضا فلها استخدامات كثيرة (تتمدد) و (تنكمش) حسب المناسبة والحاجة إليها. الملاحظة السادسة: قول الدكتور عن الحافظ ابن حجر (انه اقتبس من مؤلفات سيف اكثر من سبعين موضعا في الجزء الاول من كتاب الاصابة... وهو الذي وصف سيفا في كتاب تقريب التهذيب بأنه عمدة في التاريخ.. ومن هذه الجملة قلنا بأنه (معتمد العلاماء). أقول: أولا - اقتباس الحافظ بن حجر في كتاب (الاصابة) خاصة له وضع خاص كما سبق لانه كتاب (تراجم) وكان سيف قد انفرد بذكر كثير من الصحابة (التميميين) في الفتوح ! ! وقد اتهمه بعض الباحثين باختلاق نحو (150) صحابيا ليس لهم ذكر ولا أثر ولم يلدوا ! ! ولم يولدوا فإن صح هذا الاتهام في سيف فمعنى هذا انه سيتكرر في كتاب (الاصابة) 150 مرة على الاقل ! !. والحافظ ابن حجر رحمه الله معروف بحب (الاستقصاء) ولم ينقل عن سيف وحده في كتاب الاصابة بل نقل عن كل الثقات والضعفاء والكذابين ولو (وثقنا) كل من نقل عنه (ابن حجر) لما بقي عندنا في الدنيا (ضعيف ولا كذاب) ! ! ولاصبحت كل الروايات (معتمدة) رغم تناقضها الذي لا يطاق ! !

[ 106 ]

ولا يعرف تناقض الروايات التاريخية إلا من قرأ وقارن فكيف نجمع بين اتفاق المؤرخين مثلا على موت طليحة بن خويلد في عهد عمر وبين انفراد سيف بانه (أي طليحة) كان من معارضي علي بن ابي طالب في خلافته ! ! أي ان طليحة مات عام 21 ه‍ ومات مرة اخرى بعد عام 35 ه‍ ! ! فله موتتان لا موتة واحدة ! ! هذه هي النتيجة التي سنتوصل إليها إذا قبلنا كل من (نقل عنه ابن حجر أو الذهبي). ثم هذا (موت طليحة) نموذج فقط من مئات التناقضات والاضطرابات المذهلة فالمشكلة اكبر مما يتصوره البعض. ثانيا: ذكرت في مقالاتي السابقة انه ليس من العدل ولا العلم الاعتماد على قول لابن حجر وترك بقية أقوال عشرات المحدثين الاخرين إلا ببرهان هذا ان سلمنا بان ابن حجر يوثق سيف بن عمر - وهذا بعيد كل البعد - فاقل ما نقوم به هنا هو ان نقوم بدراسة ومقارنة اما ان نتعلق بقول (موهم) لعالم ونترك عشرات الاقوال المخالفة لهذا القول دون برهان ولا مستند فهذا لا يقوله مريد للحق ولا أظن الدكتور يرى هذا الرأي لكن قد يفهم منه الاخرون مثل هذا. ثالثا: ان الحافظ ابن حجر نفسه لم يكن راضيا تماما عن كتابه (تقريب التهذيب) وقد قمت بدراسة الكتاب ومقارنته مع أصليه (تهذيب التهذيب) و (تهذيب الكمال) فوجدت أوهاما عجيبة استغربت صدورها من الحافظ رحمه الله، ومن ذلك انه قد يورد الترجمة بالاسم ثم يوردها بالكنية ويختلف الحكمان فيقول مرة

[ 107 ]

(صدوق) وفي الثانية (مقبول) ! ! مع ان الترجمة واحدة باعترافه هو ! !، أضف إلى مخالفة كثير من (أحكامه) في التقريب لما قرره من (أحكام) في فتح الباري وغيره من كتبه الاخرى. فكيف باختلاف اقواله مع اقوال غيره من عشرات المحدثين الذين كان بعضهم اعلم منه بالرجال كابن معين والنسائي وابن المديني.. الخ. ثم ان الحافظ نفسه لم يكن راضيا عن كتابه (تقريب التهذيب) كما سبق فقد ذكر الحافظ بنفسه عدم رضاه عن الكتاب (انظر مقدمة التقريب تحقيق ابي الاشبال الباكستاني). وكلامي هذا لا يعني ان (التقريب) غير مفيد علميا لكن الاقتصار عليه أو التعلق بقول فيه دون دراسة وبرهان فيه تعسف ومجازفة وانتقاء مبني على التقليد والجهل وهناك أسباب كثيرة لاوهام الحافظ في التقريب فهو على علو كعبه وتبحره في علوم الحديث بشر له طاقات محدودة فقد ألف (التقريب) وهو في (معمعة) شرح صحيح البخاري في كتابه العظيم (فتح الباري) الذي لبث في تأليفه نحو ثلاثين عاما فكيف نريد منه ان يدقق في ترجمة كل راو ودراستها تلك الدراسة التي قد تحتاج لكتاب كامل، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وللاسف ان النقل من التقريب أو الاعتماد على مصدر واحد أو قول واحد في جرح الرجل أو توثيقه هو (داء) منتشر بين كثير من طلبة (علم الحديث) فكيف بالفقهاء والمؤرخين. بل وجدنا بعض العلماء (يوثق) الراوي إذا روى ما يوافق مذهبه و (يضعفه) إذا روى ما يخالف

[ 108 ]

المذهب وهذا تلاعب وجرأة رخيصة على منهج اهل الحديث وعلى الحقيقة نفسها. الملاحظة السابعة: نسب الي الدكتور اقوالا في نقد الطبري لم اقلها ولم اعتقدها فسامحه الله عندما قال (هل استطيع ان أقول عنك انك قدحت في الطبري عندما قلت في مقالاتك ما يلي: انه جر على التاريخ الاسلامي تشويهات كثيرة بسبب سرده لثمانمائة رواية من روايات أكذب مؤرخ في التاريخ وتقول عنه ايضا: الطبري متعصب مع سيف بن عمر ينقل دفاعاته عن بني أمية ولم ينقل الدفاعات عن عمار وأبي ذر) ! ! انتهى كلام أخي الدكتور العسكر ولم ينته عتابي فأنا لم اقل هذا القول منسوبا الي وسأضطر لنقله مرة اخرى فأنا أوردت ذلك القول ردا على اتهام العسكر للطبري بان سبب اخفائه لبعض روايات سيف إنما هو لاهميتها التاريخية والسياسية فقلت (بل قد يرد على العسكر آخر ويقول: إن الطبري جر على التاريخ الاسلامي تشويهات كثيرة... الخ) فأنت تلاحظ انني انسب هذا القول ل‍ (آخر) في الطرف (الاخر) تماما ثم قلت بعد ذلك (فمن يقول هذا القول تكون حجته أقوى من حجة الدكتور وأظهر دلالة لكننا لا نريد القاء التهم جزافا..) اه‍ فهذا قولي وهو واضح ان القول في الطبري هو قول افتراضي منسوب لمتعصب ضد الطبري بسبب (اكثاره) من الرواية عن سيف ومفهوم

[ 109 ]

الكلام يدل على ان كلام ذلك المتعصب وكلام الدكتور طرفان متطرفان وان كان قول ذلك اقوى من قول من يتهم الطبري باخفاء روايات (قيمة) لسيف بن عمر لمعارضتها لما يذهب إليه سياسيا وتاريخيا ! !. فلا أدري لماذا نسب الي الدكتور هذا القول وحذف الافتراضات وألاستدراكات والتحفظات ! ! فسامحك الله يا دكتور ما أشبه قولك السابق بروايات سيف بن عمر ! ! فقد كان يقلب (القضية) فيجعل المجاهد سارقا وشارب الخمر بريئا وشاهد العدل الصحابي (كذابا) وأخونا العسكر قلب كلامي في الدفاع عن الطبري إلى اتهام للطبري ! !. أيضا قول الدكتور (كما ربط اخي حسن عفا الله عنه بين العثور على مخطوطة في بلدة اشيقر وبين توثيقي له... وهنا قد تقول علي أخي حسن). اقول: انا لم أجزم بذلك وانما قلت (فلعل لهذا صلة بتوثيق سيف فإن صح فإنه لا يليق بنا ان نوثق الضعفاء...) فهذا صريح انه كان ظنا ساورني وقد انجلى بصراحة الدكتور في مقاله الاخير ولم يأتني هذا الظن من فراغ فكثير من المحققين إذا حققوا كتبا أو اكتشفت في بلدانهم مخطوطات ذهبوا ينفخون فيها ويضخمونها ويوثقون رجالها وإذا كنت قد صرحت ان هذا (ظن) واستخدمت (لعل) و (إذا صح فهمي) فهذه تبين أن الامر كان شكا فقط وتحذيرا من هذا الفعل.

[ 110 ]

الملاحظة الثامنة: قول الدكتور بأنه لا يسأل في (التاريخ) هل فلان ثقة أو غير ثقة وانه سؤال غير مطروح تاريخيا ! ! فقول الدكتور هذا يتناقض مع قوله عندما ذكر فوائد كتاب سيف فذكر منها (معرفة بعض ما انتشر من الامور الغامضة التي وردت عن أناس لا نثق بهم) ! !. فالدكتور يؤمن بأن هناك (أناس لا نثق بهم) فالدكتور لم يسأل السؤال فقط بل جاء بالجواب بان هناك من (لا نثق بهم) ! ! !. فلماذا لا يريد الدكتور ان نطرح السؤال في أولئك الذين لا يثق بهم ولا نطرحه في (سيف) ! ! !. وأخيرا أعتذر عن (الهنات) التي لمح إليها الدكتور في آخر مقاله وكأنه يريد بعض العبارات التي فيها شدة ولو رجع إليها اخي الدكتور لوجدها عامة ليست موجهة لشخصه الكريم فقد أطلق عبارة فيها نقد موجع للواقع العلمي ويفهم منها البعض انها موجهة للدكتور مع انها واضحة انها مطلقة ضد واقع علمي مؤلم. وقبل الختام ادعو الدكتور وغيره من المهتمين للمشاركة في الموضوع وابداء الاراء موثقة بتجارب تطبيقية ودراسات علمية - ما أمكن - حتى لا نقع فيما وقع فيه سيف بن عمر ! !.

[ 111 ]

الفصل الرابع نقد الدراسات التاريخية مع الدكتور أكرم العمري في كتابه (عصر الخلافة الراشدة)

[ 113 ]

نقد الدراسات التاريخية كيف يضحك علينا هؤلاء ؟ ! من المتفق عليه عند كل العقلاء أنه يفترض في الرسائل الجامعية (الدكتوراه والماجستير).. ومن باب أولى (مؤلفات) المشرفين على تلك الرسائل - أن تمثل (الصفوة) في المنهج بجانبيه النظري والتطبيقي، وألا تستغفل القراء، ولا تستهتر بعقولهم ولا علومهم، وألا تعتمد على ذر (رماد النظريات) في العيون مع حرقها بسوء (التطبيقات). ومن فضول الكلام أن أقول إنه يشين الرسالة الجامعية أن تدعو إلى منهج سليم ثم تخالفه مخالفات واقعية لا نستطيع الاعتذار عنها ولا عن أصحابها بدعوى الاجتهاد كما لا تطارعك نفسك على أن تصم هؤلاء بالجهل أو الجنون أو الاكراه أو الهوى لان هذه الامور يصعب على النفس إطلاقها على من هو أقل منهم


صحيفة الرياض، الثلاء 18 محرم 1417 ه‍ 4 حزيران 1996 م والاعداد التالية (*)

[ 114 ]

علما وفهما فكيف بهم ؟ !. والمفترض في (الدراسات الجامعية) أن تكون (قدوة) في الالتزام بالحق ومعرفة الاسس التي تضبط العواطف والانفعالات وردود الافعال غير المسؤولة حتى لا يطغى كل هذا على الرسالة وعلى منهجها النظري الجميل. والمفترض أن تكون هذه (القدوة) أكثر حضورأ وإلحاحا في الجامعات (الاسلامية) ! ! التي تولي العلوم الشرعية أكبر اهتماماتها. ضياع التطبيق ! ! لكننا نفاجا عند الاطلاع على محتوى بعض تلك الرسائل التي نوقشت في بعضى هذه الجامعات والتي حصل أصحابها على تقديرات ممتازة ! !، نفاجأ بعد هذا كله بأن (الاحكام المسبقة) و (الانطباعات الجماهيرية) و (التفكير بعقول الاخرين) و (البحث بأقلامهم ورؤاهم) نجد هذا كله هو الذي يحدد نتائج الدراسة مع مساعدة العواطف ومجاملة الوضع السائد من الركود العلمي والتقليد والتلقين والتكرار. ومما يزيد الامر حسرة أن تجري مؤلفات بعض الاساتذة (أساتذة الجامعات والمشرفين على الرسائل والمناقشين) في هذا المجرى الذي تجري فيه رسائل تلاميذهم. مع وجود النظريات الصحيحة والتي

[ 115 ]

كان ينبغي أن تجري فيها (المادة). فتجد دكتورا كبيرأ يقلد تلاميذه ويخرج أبحاثهم ورسائلهم في كتاب مفرد له مع أنه يعرف أن الوضع العلمي والجلد البحثي لطلابه لا يفرح بل ولا يعول عليه. أقول هذا - نظريا - وسأتي للتطبيق بذكر تلك الرسائل وأسماء أصحابها إيمانا أن النقد النظري - الذي أقوله الآن - لا يعجز عنه أحد. لكن النقد التطبيقي يبقى المحك والارضية التي يتبين عليها مدى إيماننا بالنظريات التي ندعو إليها ونتبجح بها في كل مجلس وفي مقدمة كل كتاب وفي ثنايا كل رسالة. ويدفعني للنقد التطبيقي إيمان مني بأهمية (النقد الذاتي) الذي تركنا أكثره للمجاملات والصداقات بل إن بعضهم لا ينقد الدراسات الجامعية لانها (دراسات جامعية) فحسب ؟ ! بينما العكس يجب ان يكون الا وهو نقد تلك الدراسات لانها (دراسات جامعية) لانها تمثل (النموذج) فإن كان (النموذج) صحيحا قويا فان هذا يبشر بوضع علمي مستقبلي ينهض بالامة من سباتها العميق وينير الدرب ويفتح العقول. أما إن لم يصمد هذا (النموذج) للنقد فإن هذا ينذر بكارثة علمية مستقبلية تطيل (الغفوة العلمية والحضارية) إن لم نتدارك هذا بالنقد (الذاتي) السريع اليوم قبل غد، وهذا النقد لن يفيد إن لم يجد تجاوبا من (المعنيين) بالنقد ومن الجامعات نفسها لانه من السهل (تطنيش) المقالات ما دام أنه سبق (تطنيش) الاحاديث الصحيحة والروايات الثابتة والنظريات السليمة.

[ 116 ]

وقد يقول قائل: من ينقد من ؟ ! ومن أنت حتى تنقد (دراسات جامعية) و (أساتذة جامعات) ؟.. أقول: قائل هذا القول لا يعرف (ضوابط التخطئة والتصويب) ! ! ولا معايير الحق والباطل، فليس من هذه الضوابط ولا تلك المعايير أن يكون الناقد حاصلا على (شهادة أعلى) بل ولا أن يكون (أعلم) من (المنتقد) إلا بما انتقده عليه ولو كان الامر كذلك لكان عذرأ لعمر بن الخطاب الذي استدركت عليه امرأة فكان يستطيع أن يقول (من ينقد من ؟ !). لكن عمر كان أعلم من أن يقول هذه الكلمة (الجاهلة) لانه يعرف (ضوابط التخطئة والتصويب) أما نحن فحياتنا ضبابية الضوابط عارية المعايير هلامية الادلة فضفاضة الحجج والبراهين. فلذلك سيأتي كثيرون يقولون (من أنت) ؟ ! لانهم لا يعرفون هذه الضوابط ولا المعايير التي تحكم الحياة العلمية. أما العارفون بها فسيسألون عن (الادلة) و (البراهين) بغض النظر عن القائل، وهذا كان الاصل وهو السائد في عصر الصحابة والسلف الاول ثم مع تدفق التيار التقليدي (المنهي عنه شرعا) بدأ السؤال الاستنكاري الجاهل (من أنت ؟) ياخذ حيز السؤال العلمي (ما دليلك ؟)، وبدا هذا الاخير يتوارى ويختفي من الالسنة والعقول لندرة الناصرين وكثرة المقلدين وتراكم أخطاء السنين وكتب التلقين ! !

[ 117 ]

اذن فالسمؤال الاستنكاري (من أنت ؟) يجب رفعه من طريق (الاصلاح) فهذا السؤال سذ الطرق والمخارج، وهبط الهمم والعزائم واصبح (قناعا) يختفي خلفه المرتابون من (النقد الاصلاحي) الذي كان من كنوزنا ثم تركناه لاعدائنا فعزوا وذللنا وطاروا وقعدنا. فلذلك لن ألتفت إلى (من أنت ؟) لانه سؤال لا يستحق إلا (رد السلام) ! ! وأقول إن نقدي في هذه المقالات سأصبه على (النموذج) لانه ما زال (مريضا) يحتاج إلى (عمليات جراحية) متنوعة ومتواصلة إن وجدت من هذا (المريض) تفهما ومن أقاربه ضغوطا لقبول الدواء المر ! ! وقد تمكنت من مطالعة الكثير من الرسائل الجامعية ما طبع منها وما لم يطبع ولكنني حاولت - كمرحلة أولى - أن اختار تخصصا واحدا بين التخصصات (الشرعية والتاريخية واللغوية) فهذه التخصصات هي التي أستطيع أن أزعم أنني سأتي بفائدة عند الكتابة عنها. فاخترت من هذه التخصصات (التاريخ) لانه أقرب إلى اهتماماتي وبحوثي الخاصة. ثم اخترت (التاريخ الاسلامي) ثم اخترت (الخلافة الراشدة) ثم اخترت حدثا معينا ليكون (أرضية التجربة) و (عينة الدراسة) وحاولت أن يكون الحدث (العينة) من الاحداث التي كثر فيها الاختلاف لنرى هل اتفقت على تحليله (تطبيقات) الدراسات المتفقة في (النظريات) أم أن التطبيق سيكون حجة على عدم الايمان بالنظرية واقعا مطبقا. فكان هذا الحدث هو (بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه).

[ 118 ]

أما الرسائل (وما في حكمها) التي ستكون محل دراسة ونقاش ونقد في هذه المقالات فهي على النحو التالي: 1 - كتاب الخلافة الراشدة: للدكتور اكرم ضياء العمري. وهذه ليست رسالة جامعية ولكننا اخترناها لانها (نموذج) أقوى من (الدراسات الجامعية)، لان الدكتور اكرم يعتبر أبرز المؤرخين الاسلاميين المعاصرين الذين سعوا في تطبيق (منهج أهل الحديث) على الروايات التاريخية، ويحظى بسمعة علمية كبيرة وبلغني عنه - وان لم ألتق به - أنه على جانب كبير من دماثة الاخلاق، إلى جانب القوة العلمية. وقد أشرف على كثير من الرسائل الجامعية التي سنستعرض بعضها هنا. وكتاب الدكتور يمثل (صفوة الصفوة) عند المؤرخين الاسلاميين (أصحاب المنهج) للاسباب السابق ذكرها. 2 - رسالة: خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. (دراسة نقدية للروايات). - رسالة ماجستير. - إعداد الاستاذ / عبد الحميد بن علي ناصر فقيهي. - اشراف الدكتور / أكرم ضياء العمري. الجامعة الاسلامية. - كلية الدعوة وأصول الدين - شعبة السيرة والتاريخ. وقد توسعنا في هاتين الدراستين لتخصصهما في الموضوع

[ 119 ]

ولانهما كانا في بداية هذا المقال فأصبحت الاحالات عليهما بكثرة في نقد الدراسات اللاحقة. 3 - كتاب عبد الله بن سبأ وأثره في إحداث الفتنة في صدر الاسلام. - رسالة ماجستير. - تأليف الدكتور سليمان بن حمد العودة. - جامعة الامام - كلية العلوم الاجتماعية قسم التاريخ. - اشراف الدكتور محمد فتحي عثمان. 4 - كتاب تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة. - رسالة دكتوراه. - تأليف الدكتور - محمد أمحزون. - جامعة محمد الاول - المغرب. - كلية الآداب والعلوم الانسانية. وهي الرسالة الوحيدة في جامعة غير سعودية. - اشراف الدكتور فاروق حمادة 5 - كتاب الامامة العظمى - رسالة ماجستير. - تأليف عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي.

[ 120 ]

- جامعة أم القرى - كلية الشريعة والدراسات الاسلامية. - قسم الدراسات العليا الشرعية (فرع العقيدة). - اشراف الدكتور راشد الراجح. 6 - كتاب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنة - رسالة ماجستير. - تأليف - عيادة ايوب الكبيسي - جامعة أم القرى. - الشريعة الاسلامية - فرع الكتاب والسنة. 7 - كتاب عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام. - رسالة دكتوراه. - تأليف الدكتور ناصر بن علي بن عائض حسن الشيخ. - الجامعة الاسلامية - قسم الدراسات العليا - شعبة العقيدة. - اشراف الشيخ عبد المحسن العباد. 8 - كتاب (جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين) للدكتور محمد السيد الوكيل (الجامعة الاسلامية). 9 - رسالة (أثر التشيع على الرواية التاريخية) - رسالة دكتوراه.

[ 121 ]

- إعداد الدكتور / عبد العزيز نور ولي - إشراف الدكتور أكرم العمري - الجامعة الاسلامية. 10 - رسالة (مرويات ابن إسحاق) - إعداد الاستاذ عبد الله محمد علي حيدر. - رسالة ماجستير. - الجامعة الاسلامية. - إشراف الدكتور عبد الكريم بن باز. والدكتور عبد العزيز العثيم. وقبل أن أدخل في نقد بعض مضامين هذه الرسائل عن (بيعة علي) أحب أن ألخص للقارئ لب الروايات الصحيحة في الموضوع فاقول: كانت بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيعة شرعية صحيحة مجمعا عليها من كبار الصحابة وأهل الحل والعقد، ولم يصح تخلف احد من كبارهم لاسعد بن أبي وقاص ولا ابن عمر ولا أبي سعيد الخدري ولا غير أولئك ممن تردد في بعض روايات الهلكى، على أن تخلف العشرة والعشرين والولاية والولايتين ليس ضارا.. للبيعة ولا مبطلا لشرعيتها لان إجماع أفراد الامة أمر مستحيل فلم يرض كل الناس عن بيعة أحد من الخلفاء الراشدين فكيف بغيرهم فعارض بيعة أبي بكر وعمر سعد بن

[ 122 ]

عبادة وعارض بيعة عثمان عمار والمقداد لكنهم بايعوا أخيرأ وعارض بيعة علي معاوية وعمرو بن العاص وغيرهما من أهل الشام. لكن الخلاصة في بيعة علي رضي الله عنه أنها بيعة شرعية صحيحة مثل بيعة الخلفاء قبله وهي تابعة لخلافته المجمع عليها عند أهل السنة والجماعة وهي داخلة في حديث (الخلافة ثلاثون عامه وهو من صحاح الاحاديث وحديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين..) وغير ذلك من الاحاديث المؤكدة لصحة خلافة الخلفاء الاربعة وأنها خلافة راشدية على منهاج النبوة وأن من طعن في خلافة أحد منهم فهو أضل من حمار أهله كما قال الامام أحمد رحمه الله. ولا ريب أن الطعن في البيعة طعن غير مباشر في الخلافة فالروافض الذين يطعنون في بيعة الثلاثة يريدون الطعن في خلافتهم وأن طاعتهم لا تلزم عليا ! ! وكذلك النواجممب الذين كانوا يطعنون في بيعة علي انما كان قصدهم الطعن في خلافته ! ! وأن طاعته لا تلزم معاوية ولا عمرو بن العاص ! ! والصواب مع أهل السنة (الطرف الوسط) الذين يعتقدون صحة خلافة الاربعة بل يعتقدون جازمين راشدين هذه الخلافة - خلافة الاربعة - وأنها (النموذج) الواجب والذي ينبغي أن يكون (قدوة المصلحين) من حكام وأمراء وعلماء وأهل شورى. أما الروايات في بيعة علي خليفة المسلمين فللاسف أن أكثر

[ 123 ]

الدراسات اقتصرت على روايتين أو ثلاث ليس منها رواية صحيحة إلا رواية ابن الحنفية أما البقية فينقلون عن الضعفاء والمتروكين. وقد وردت في بيعة علي روايات كثيرة صحيحة أو حسنة لذاتها أو حسنة في الشواهد وهذه الروايات لمن أراد مراجعتها هي (1): ا رواية ابن الحنفية: رواها الامام أحمد في فضائل الصحابة (2 / 573) والخلال في السنة (ص 417) والطبري في تاريخه (427 / 4) وعمر بن شبة في تاريخ المدينة (4 / 79). وهذه الرواية صحيحة على شرط مسلم. 2 - رواية أبي بشير العابدي: رواها الطبري (4، 427) وهي رواية حسنة لغيرها. 3 - رواية الاسود بن يزيد النخعي وخزيمة بن ثابت الانصاري وردتا باسناد واحد رواه الحاكم في المستدرك (3 / 114) وهي رواية صحيحة لذاتها. 4 - رواية الاشتر مالك بن الحارث: رواها أبو بكر بن أبي شيبة شيخ مسلم في المصنف (2 / 576) وصححها الحافظ في الفتح (57 / 13).


(1) يجدها القارئ مفصلة في كتاب (بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة) تأليف أم مالك الخالدي والمؤلف. الرياض - دار التوبة - الطبعة الاولى 1417 ه‍ (*).

[ 124 ]

5 - رواية ابن عباس: رواها الطبري (4 / 427) والخلال (ص 416) وهي حسنة الاسناد. 6 - رواية المسور بن مخرمة: رواها الامام أحمد في الفضائل (2 / 547) وهي صحيحة الاسناد جدأ. 7 - رواية الاحنف بن قيس: رواها ابن أبي شيبة في المصنف (7 / 540) وصححها الحافظ في الفتح. 8 - رواية الشعبي: رواها عمر بن شبة في تاريخ البصرة (مفقود) نقلها عنه الحافظ بن حجر في الفتح (13 / 54) وأصلها في الطبري أيضا (4 / 433). وهي حسنة في الشواهد لارسالها. 9 - رواية ابن عمر: رواها نعيم بن حماد في الفتن (1 / 186) وهي حسنة. 10 - رواية الحسن البصري: رواها الامام أحمد في الفضائل (2 / 576) بسند قوي. 11 - رواية علي بن أبي طالب في بيعة طلحة والزبير طائعين: رواها أبو بكر بين أبي شيبئ في المصنف (15 / 274). 12 - رواية أخرى للاشتر في بيعة طلحة والزبير طائعين: رواها الطبري والحافظ في الفتح (13 / 54) (13 / 58). 13 - رواية زيد بن وهب: رواها ابن أبي شيبة في المصنف

[ 125 ]

(15 / 287) وهي خاصة ببيعة طلحة والزبير لعلي. 14 - رواية الحسن بن علي وقد صححها المحافظ في المطالب العالية (4 / 296). 15 - رواية أخرى للحسن البصري: رواها البلاذري في أنساب الاشراف (ترجمة علي ص 216). 16 - رواية ابن سيرين: رواها الطبري (4 / 43 4) وهي مرسلة ومراسيل ابن سيرين فيها قوة. هذه تقريبا كل الروايات الصحيحة في بيعة الناس علي بن أبي طالب أميرا للمؤمنين بعد عثمان بن عفان وهذه الروايات الست عشرة أهمل اكثرها كل الدراسات التاريخية التي سننقدها بعد قليل - بل تزعم بعض الدراسات أنه لا يصح في البيعة سوى رواية ابن الحنفية ثم (يملحها) آخرون بروايات أكذب المؤرخين سيف بن عمر التميمي. أما الروايات التي فيها أن بعض الصحابة لم يبايع عليا فكلها روايات ضعيفة بلا استثناء وهي كالتالي: 1 - رواية الزهري: له روايتان رواهما الطبري (4 / 430). 2 - روايتان لسيف بن عمر: الطبري (4 / 434) و (4 / 435). 3 - رواية أبي المليح: رواها الطبري (4 / 428). 4 - رواية عبد الله بن الحسن: رواها الطبري (4 / 430). 5 - رواية سعد بن أبي وقاص: رواها الطبري (4 / 431) وهذه

[ 126 ]

الروايات كلها ضعيفة بلا استثناء (1) ولا أستطيع الاطالة في بحث أسانيدها ومتونها لكن ليرجع إليها من شاء ومن وجد رواية صحيحة في هذا الباب فليتحفنا بها مشكورا. كما ان هناك روايات ضعيفة في بيعة طلحة والزبير مكرهين وهي روايات عاصم بن كليب الجرمي - التي من طريق مصعب بن سلام الجمحي - أما رواية عاصم التي من طريق أبي أسامة فهي صحيحة وليس فيها (بيعة طلحة والزبير مكرهين) ! ! وكذلك رواية أبي نضرة ورواية ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ورواية الوليد بن عبد الملك (نظر مصادر هذه الروايات في الطبري (4 / 490) والمصنف لابن أبي شيبة (15 / 260، 261). وكل هذه الروايات ضعيفة سيأتي بيان ذلك عند نقد الدراسات. أما الروايات في بيعتهما (طلحة والزبير) كارهين فروايتان فقط لاسامة بن زيد وطلحة انظرهما في المصنف (15 / 260 / 264). هذه كل الروايات الصحيحة والحسنة والضيفة والمكذوبة ضغطناها في أسطر قليلة لطلبة العلم الذين قد لا تفيدهم رسائل أساتذتهم الا بالنزر اليسير من هذه الروايات خاصة الصحيحة التي بقيت (رهينة المحابس) النفسية والعلمية والبحثية. (1) التفصبل في هذه الروايات تجده في كتاب (بيعة علي بن أبي طالب) ص 123.

[ 127 ]

مع الدكتور أكرم العمري في كتابه (عصر الخلافة الراشدة) أما الآن فمع (معمعة) الرسائل والمؤلفات الجامعية التى سبق في المقال السابق ذكرها ولنبدأ باشهر تلك المؤلفات وهي لاشهر مؤرخي هذا العصر وأقواهم منهجا وأعرقهم تاريخا فمع كتاب الخلافة الراشدة: للدكتور أكرم العمري حفظه الله وسدده: والملاحظات كالتالي: الملاحظة الاولى: قال الشيخ الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه (الخلافة الراشدة) ص 51، 52: (تولى علي الخلافة اثر مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنهما في ظروف خطيرة حيث سيطر الناقمون على عثمان على المدينة، وأفلت الامر من يد كبار الصحابة). أقول: هذا مضمون رواية سيف بن عمر فهو الراوي الوحيد الذي ذكر هذه (السيطرة) وسيف مؤرخ في غاية الضعف باعتراف الدكتور العمري نفسه. فليته لم يذكر محتوى رواية سيف فمان فيها

[ 128 ]

طعنا (غير مباشر) في خلافة علي رضي الله عنه وفي الصحابة الموجودين آنذاك بالمدينة بان الامر (أمر هؤلاء الناقمين وليس أمر المهاجرين والانصار) ! !. الملاحظة الثانية: خلط الشيخ اكرم العمري ص 52، بين روايات الامام أحمد وغيره الصحيحة في بيعة علي رضي الله عنه ورواية الحاكم الشاذة. وهذا الخلط عجيب فقد حذف الشيخ كل ما يفيد بيعة الصحابة من (المهاجرين والانصار) ! ! وساق روايتين بطريقة توحي بان المبايعين لعلي الذين ألحوا عليه إنما هم (قتلة عثمان) رضي الله عنه فقط ؟ !. فقال ص 52: (وقد بادر الناس إلى علي ليبايعوه). وكلمة الناس هنا سليمة لولا أن الشيخ ذكرها في سياق يدل على أن هؤلاء الناس هم (قتلة عثمان رضي الله عنه) فقط ؟ ! فقد ذكر (أول) رواية الحاكم مع (آخر) رواية الامام أحمد وحذف كل ما يشير إلى أن (الصحابة) هم الذين أتوا عليا رضي الله عنه وألحوا عليه وليسوا قتلة عثمان ؟ ثم وجدنا أنه نقل هذا الكلام من تلميذه الفقيهي ! ! مع تصرف يسير ولم يشر إلى ذلك ؟ !. فقد ذكر الفقيهي نحوأ من هذا (ص 92) من رسالته (خلافة علي بن أبي طالب) ودمج بين الروايتين في سياق غريب مع حذف ما يفيد بان (الصحابة) هم (الناس) الذين جاءوا إلى علي رضي الله عنه فاتفق (الفقيهي) وشيخه (كرم العمري) على حذف

[ 129 ]

(الصحابة من المهاجرين والانصار) الذين وردوا في روايات صحيحة مفسرة للروايات التي أوردوها هنا فهل يريدان من هذا إثبات ان مبايعي علي هم قتلة عثمان فقط ؟ ! ! !. وأن الصحابة ليس لهم امر ولا نهي ولا حل ولا عقد في بيعة علي رضي الله عنه ؟ ! ثم لو افترضنا أن رواية الحاكم مقبولة وأن فيها لبسا وغموضا فاين الجمع بين الروايات ؟ ! وأين تقديم الروايات الاصح والاكثر ؟ !. الملاحظة الثالثة: ثم يقول الدكتور العمري ص 53 عن بيعة علي: (وبايعه الناس عن رضى واختيار سوى طلحة والزبير فانهما بايعا مكرهين ولم يكونا راضيين عن الطريقة التي تمت بها البيعة حيث لم يتم التداول بين أهل الحل والعقد بشأنهما ولم يعقد مجلس شورى). أقول: وهذا عليه ملاحظات: أولا: لم يعقد (مجلس شورى) إلا لبيعة عثمان رضي الله عنه أما بيعة أبي بكر رضي الله عنه فلم يعقد فيها مجلس للشورى وكذلك بيعة عمر - رضي الله عنه - فلماذا زيادة الشروط في بيعة علي هنا ؟ ! فإذا ثبتت أحقية أبي بكر أو عمر أو علي رضي الله عنهم للخلافة باتفاق جمهور الناس أو أكثر أهل الحل والعقد مع سكوت الباقين وعدم معارضتهم، فهل يجب بعد كل هذا عقد (مجلس للشورى) ؟ !.

[ 130 ]

على أية حال هذا الشرط (عقد مجلس الشورى) لم يشترط في بيعة ابي بكر ولا عمر رضي الله عنهما فلا ينبغي اشتراطه في بيعة علي رضي الله عنه ؟ !. ثانيا: ان اتفاق كبار الصحابة من المهاجرين والانصار على الذهاب إلى علي رضي الله عنه وطلب البيعة منه له وإلحاحهم عليه يدل على أحد أمرين لا ثالث لهما: * إما أن يكونوا تشاوروا قبل الذهاب إليه. * وإما أن الامر لا يحتاج إلى شورى لظهور فضل علي رضي الله عنه يومئذ على من سواه من بقية أهل الشورى. فالامر الواضح الظاهر لا يحتاج إلى شورى. ولم يبق يومئذ على ظهر الارض أفضل من علي رضي الله عنه ولا أقدم سابقة بشهادة الصحابة أنفسهم كما سبق في الروايات الصحيحة فلماذا التشكيك في شرعية البيعة ؟ ! فلو تركنا العقول لهذه الوساوس (التشكيكية) لامكن الطعن بسهولة في بيعة أبي بكر وعمر رضي الهله عنهما لانه (لم يعقد مجلس للشورى فيها ولم يتم التداول بين أهل الحل والعقد بشأنها) ! !. والاغرب من هذا أن الدكتور العمري أحال الكلام السابق في الهامش لصحيح البخاري والمسند وابن أبي خيثمة وليس في هذه المصادر إلا نهي عمر رضي الله عنه عن البيعة دون مشورة وهذا كلام نظري والكل يوافق عمر رضي الله عنه عليه ولكن هل قال عمر رضي الله عنه أن بيعة علي لم يكن فيها شورى وقد مات عمر قبل بيعة علي كما هو

[ 131 ]

معلوم ؟ ! وهل ثبت في تلك المصادر وأهمها البخاري أن بيعة علي رضي الله عنه لم يكن فيها شورى كما تفيد إحالة الدكتور العمري ؟ ! اللهم لا. وأرى أن الذي دفع الشيخ أكرم العمري لذكر المسالة إنما هو رغبته وحبه للاعتذار عن طلحة والزبير رضي الله عنهما ولكن الاعتذار يجب أن يكون بالحق لا بالباطل وهذا هو الخطا الذي يقع فيه كثير من المؤرخين، تجدهم يدافعون بالباطل عن صحابي فيقعون في صحابي آخر بهذا الباطل أيضا. ثم يزيد الدكتور العمري في تسويغ ما يراه من كراهية طلحة والزبير للامر بقوله (ولان الثوار أتوا بهما بأسلوب جاف عنيف ولا شك أن هذه الطريقة فرضتها طبيعة الاحداث لسيطرة هؤلاء الاعراب الجلف على المدينة) ! ! وهذا نقله الدكتور العمري من تلميذه عبد الحميد فقيهي كما يفهم من إحالته في الهامش ! !، والفقيهي ذكره نقلا عن المؤرخ سيف بن عمر التميمي ! ! وسيف بن عمر وضاع كذاب ! ! فانتقل هذا الخطأ من (أكذب مؤرخ) في القرن الثاني إلى (أصدق مؤرخ) في القرن الحديث ! ! والسبب هو عدم البحث عن المصدر الرئيس لهذا الكلام ؟ ! ورغم أن الفقيهي له بعض الاخطاء التي سنشير إليها بعد قليل إلا أن له بعض الاقوال الجيدة التي لم ينقلها الدكتور العمري مثل قوله (أي قول الفقيهي): (هذه هي الاسباب التي دفعت عليا إلى القبول بالخلافة عندما عرضها عليه الصحابة من المهاجرين والانصار) وهذا في

[ 132 ]

الصفحة نفسها التي نقل منها العمري ! ! !. وقال الفقيهي ص 99: (وهكذا تمت البيعة لعلي رضي الله عنه وأصبح خليفة المسلمين إذ بايعه أهل المدينة أهل الحل والعقد من أهل بدر وأصحاب الشورى والمهاجرين والانصار.. والناس تبع لهم في ذلك) فهذا قول جيد لم ينقله الدكتور العمري ؟ ! مع أن الفقيهي سيتناقض ولن يثبت على هذا القول. كما سيأتي في دراسة رسالته. الملاحظة الرابعة: ثم قال الدكتور العمري ص 53 وذكر مثله ص 400: (واعتزل بعض الصحابة فلم يبايعوا عليا، منهم: محمد بن مسلمة، وأهبان بن صيفي، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر.. الخ). أقول: الدكتور العمري هنا يرى أن (من لم يقاتل) مع علي رضي الله عنه فقد (رفض بيعته) إ ! وهذا خلط ما ظننت أن العمري يقع فيه وقد وقع فيه قبله الكثير ممن أرخوا عن هذه الفترة والجواب على هذا أنه لا تلازم بين الحالتين وسيأتي تفصيل ذلك. ثم إن العمري قد ذكر إهبان بن صيفي في الذين تركوا البيعة وهذا ما لم يرد لا في رواية صحيحة ولا ضعيفة ولا موضوعة وانما ورد اعتزاله يوم الجمل ؟ ! والذي يدل على بطلان هذا (الخلط) أن أبا موسى الاشعري كان من (المعتزلين) لكنه بعث (ببيعته وبيعة أهل الكوفة) إلى علي فكيف سيجيب الدكتور

[ 133 ]

العمري على هذا الاشكال إن أصر على الخلط بين المسالتين ؟ !. إذن لابد من التفصيل والتفريق بين (من بايع) و (من لم يقاتل مع علي) فكل مقاتل مبايع وليس كل مبايع مقاتلا ولا كل معتزل رافضا للبيعة، فهذا أمر في غاية الاهمية والوضوح - مع كثرة من أهمله - فيجب أخذه في الاعتبار. الملاحظة الخامسة: قال الدكتور العمري معتذرا عن الرافضين للبيعة في نظره ص 53: (فقد كانوا يرون الناس في فرقة واختلاف وفتنة فكانوا ينتظرون أن يستقر الامر فيبايعوا). أقول هم من المبايعين وانما تورعوا عن القتال فالفتنة أيا كان نوعها لا تخلو من أمور: الاول: إما أن تكون الطائفتان مبطلتين بحيث تطلبان الدنيا والملك، فهذا يجب الاعتزال فيه. الثاني: أن تكون إحدى الطائفتين محقة والاخرى مبطلة فعندئذ يجب نصر المحق ضد المبطل ونصر المظلوم ضد الظالم. ولا يجوز الاعتزال فيها. هذا ما عليه أكثر علماء الاسلام وأكثر الصحابة. الثالث: أن تكون كلا الطائفتين على حق وهذا ممتنع لان الحق لا يتعدد ولا يكون الحق إلا واحدا. ولو نظرنا لعهد عثمان وعلي رضي الله عنهما لوجدنا أن الادلة الصريحة تدل على أن الحق مع عثمان ومع علي رضي الله عنهما ضد الخارجين عليهما من البغاة

[ 134 ]

والخوارج فلذلك وجب نصرهما وحرم القعود عن ذلك إلا لعذر كالتباس الامر مثلا بحيث لا يعرف القاعد المحق من المبطل أو بسبب اصرار الامام على القعود مع أمره الناس بالاعتزال كما فعل عثمان رضي الله عنه فعندئذ يكون الاعتزال أفضل وهذا أفضل اعتذار لاعتزال من اعتزل عن عثمان وعلي رضي الله عنهما. والدليل على أنه يجب نصر المحق في الفتنة أن النبي صلى الله عليه وسلم على قتال الخوارج ومدح الطائفة المقاتلة لهم وسماها (أولى الطائفتين بالحق) ومع أن قتال علي رضي الله عنه للخوارج كان في (فتنة) واختلاف ؟ ! فليس كل (فتنة) يجب فيها الاعتزال. فالفتنة أنواع كثيرة لكل نوع منها حكمه الشرعي الخاص. كذلك أمر الله تعالى بقتال (الفئة الباغية) وقد توجد الفئة الباغية أثناء (الفتنة)، وأمر الله عزوجل بمقاتلة المحاربين مع أنهم قد يظهرون في (فتنة) الناس واختلافهم، فليس كل فتنة يجب فيها الاعتزال، بل ينصر فيها المحق ضد المبطل إلا إذا لم يعرف المحق والمبطل فعندئذ يجب الاعتزال، ويجب الاعتزال كذلك عند عدم وجود الامام الشرعي (إذا كان الناس فرقا يقتل بعضها بعضا بلا امام شرعي) فعندئذ نعم يجب الاعتزال، وأسباب الاعتزال هذه لا توجد في عهد علي رضي الله عنه، فهو كان خليفة راشدا وبيعته صحيحة ومخالفوه مخطئون والامر ظهرت أدلته فلا يجب الاعتزال بل ولا يجوز، ومن شك في قتال البغاة فلن يشك في قتال الخوارج ومع هذا فمن اعتزل قتال البغاة فقد استمر اعتزاله ولم يقاتل مع علي رضي الله عنه الخوارج مع حث النبي صلى الله عليه وسلم

[ 135 ]

على قتالهم، لكن لعل (من اعتزل) لم يعلم أن الخوارج هم الواردون في الاحاديث الا بعد أن قاتلهم علي رضي الله عنه وظهرت العلامات الدالة عليهم أثناء وبعد المعركة. والخلاصة في هذا كله ان اعتذار الدكتور العمري عن المتوقفين عن البيعة - في نظره - بانهم يرون الامر (فتنة) وجعل هذا مبررا لاعتزالهم فيه نظر كبير وعدم تحديد لمفهوم (الفتنة) وأنواعها ومتى يجب الاعتزال فيها ؟ ! وهل يجب الاعتزال في كل حدث يسمى (فتنة) ؟ ! !. الملاحظة السادسة: ثم قال في الصفحة نفسها: (كما أن معاوية وأهل الشام وكثير من أهل البصرة ومصر واليمن لم يبايعوه). أقول: أما أهل الشام فصحيح وكذلك بعض أهل مصر وأما بقية الامصار فقد بايعوا، فأهل البصرة كانوا مبايعين ولكن بعضهم نكث البيعة وانضم لاهل الجمل أصحاب عائشة رضي الله عنها أما اليمن والحجاز والجزيرة وخراسان والعراق فكلهم كانوا من المبايعين كما أن تردد بعضهم في بادئ الامر ليس مقياسا. أما أن يعبر عنه الدكتور العمري بكلمة (كثير) فهذه مبالغة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن بيعة الامصار تابعة لبيعة أهل المدينة فمن رضيه المهاجرون والانصار وأهل المدينة فهو الخليفة الشرعي ولا اختيار لاهل الامصار وانما يشترط بيعة أهل الحل والعقد أو أكثرهم ولا يشترط بيعة أهل الامصار أو موافقتهم على

[ 136 ]

البيعة ؟ فهذا لم يشترط في خلافة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان فلا ينبغي اشتراطه في خلافة علي رضي الله عن الجميع. الملاحظة السابعة: ثم قال الدكتور كرم العمري ص 53: (ويرى ابن حزم أن عدد من امتنع عن بيعة علي مثل عدد من بايعه وقدر عددهم بمائة ألف مسلم). أقول: ابن حزم رغم كثرة علمه وفضله إلا أن له انفرادات لا يعول عليها عاقل مثل نفيه لجميع صفات الله عزوجل، وقوله: بان الترمذي (صاحب السنن) مجهول، وزعمه أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من كل الصحابة حتى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. ومثل زعمه بان قاتل عمار من أهل الجنة، ومن أهل الرضوان، مع أنه صح فيه (قاتل عمار وسالبه في النار) صححه الالباني وغيره. ومثل تضعيفه لحديث (الموالاة) مع أنه متواتر. وهكذا تجد أن ابن حزم له انفرادات وغرائب ومبالغات لا تجدها عند غيره، أضف إلى ذلك أنه متهم بالنصب وهو الانحراف عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وموالاة بني أمية والدفاع عن ماضيهم وحاضرهم وهذا لا يخفى على الدكتور العمري ولا يخفى على من يكثر من أقوال ابن حزم عند الكلام عن تضعيف الاحاديث في فضائل علي رضي الله عنه أو بيعته أو خلافته فهؤلاء لا يخفى عليهم موقف ابن حزم مع علي رضي الله عنه. الملاحظة الثامنة: وقال الدكتور العمري ص 56: (وهكذا لم

[ 137 ]

يحظ علي رضي الله عنه بالاجماع على خلافته حيث خرج عليه أصحاب الجمل مطالبين بالاقتصاص من قتلة عثمان ورفض معاوية مبايعته لنفس السبب). أقول: إذا كان الشيخ العمري يقصد بالاجماع على (الخلافة) هنا، هو الاجماع على (البيعة) فقد أخطأ، فقد أجمع الناس على بيعة علي رضي الله عنه ولم يخالف في ذلك إلا أهل الشام وهم ليسوا أهلا لمعارضة المهاجرين والانصار والبدريين وأصحاب بيعة الرضوان وأهل الحرمين. ثم إن أصحاب الجمل قد ندموا وعرفوا أنهم على خطا فلم يبق معارضا لخلافة علي إلا أهل الشام وقد ثبت بغيهم بالاحاديث الصحيحة والبغي إنما يكون على (إمام شرعي) وكذلك عثمان رضي الله عنه لم يحظ قي آخر عمره بالاجماع على خلافته فخرج عليه كثيرون من أهل مصر والعراق وعاونهم بعض أهل المدينة ؟ ! هذا بغض النظر عن الحق والباطل، فإذا كان الحق والباطل مقياسا هنا في (خلافة عثمان) فهو مقياس أيضا في (خلافة علي) رضي الله عنهما. الملاحظة التاسعة: قال العمري ص 80: (وقد اجتمع أهل المدينة على بيعه علي رغم انه اظهر عدم رغبته في ذلك ثم وافق منعا للفتن). أقول: وهذا اعتراف وتناقض مع بعض ما سبق، ف (اجتماع) أهل المدينة لابد أن يكون شاملا لكبار الصحابة من المهاجرين واللانصار.

[ 138 ]

الملاحظة العاشرة: وقال ص 88: (وأما خلافة علي فان الصحابة بايعوا إثر غلبة المعارضين لعثمان على المدينة ولم يحظ بالاجماع بسبب معارضة اصحاب الجمل في البصرة ومعاوية في الشام ولكن أكثرية المسلمين بايعوه ولم ينكر أحد حين بيعته أحقيته بالخلافة). أقول: قوله (لم يحظ بالاجماع) هي التي كدرت صفاء هذا القول فاهل الجمل كانوا من المبايعين لعلي رضي الله عنه ومن الذين كانوا يوصون ببيعة علي رضي الله عنه ثم ندموا كلهم على خروجهم ونكثهم فندم الزبير وندم طلحة وندمت عائشة رضي الله عنهم فذكرهم هنا بمثابة ذكر (الانصار) في بيعة أبي بكر الصديق.. فيمكن لقائل أن يقول ان بيعة أبي بكر لم تحظ بالاجماع إذ عارض فيها الانصار كلهم وعارض ممثر بني أمية وبني هاشم ؟ ! فقائل هذا القول لم يذكر مقياس الحق والباطل، ولم يذكر رجوع هؤلاء إلى الحق ومبايعتهم لابي بكر رضي الله عنه، كذلك الدكتور هنا لم يذكر نتيجة هذه (المعارضة) وهي قبولهم أخيرا بعلي رضي الله عنه خليفة وتبين لهم خطؤهم فيما ذهبوا إليه من النكث والخروج لم ان كان باجتهاد.. فاهل الجمل كانوا قد بايعوه أصلا ثم نكثوا ثم ندموا في اخر الامر أما معاوية وأهل الشام فلم يبايعوا ولم يندموا وأصروا على الخروج وشق العصا وقد سبق مرارا أنه لا يشترط موافقتهم فهم تابعون ولا يحق لهم اختيار الخليفة ولا رفض بيعته مثلهم مثل سائر الناس في الولايات الاخرى والامصار المختلفة.

[ 139 ]

الملاحظة الحادية عشرة: ثم يقول الدكتور العمري ص 93: (وقد تمت بيعة علي بن ابي طالب في أعقاب الفتنة التي أودت بحياة الخليفة عثمان حيث بايعه معظم أهل الحل والعقد وتخلف بعضهم عنه ثم بايعه الناس عامة وكانت البيعة الخاصة والعامة في المسجد النبوي). اقول: هذا الكلام كله جيد إلا قوله: (وتخلف بعضهم عنه) فكل أهل الحل والعقد قد بايعوا عليا مع انه لا يشترط اجماع اهل الحل والعقد، وهذا بناه العمري على الروايات الضعيفة التى خالفت الروايات الصحيحة. الملاحظة الثانية عشرة: ثم قال الدكتور ص 400: (وكانت بيعة على بعد ايام من مقتل عثمان) ؟ ! أقول: هذا خطا محض بل كانت بيعة علي في اليوم الثاني من مقتل عثمان مباشرة أما اكثار (الايام) فهذا من رواية سيف بن عمر الذي زعم ان المدينة حكمها الثوار خمسة أيام وهذه فرية لم يذكرها غير سيف والروايات القوية تجمع على ردها. والخلاصة: أن كتاب الدكتور اكرم ضياء العمري مع انه يعتبر من أفضل ما ألف في الخلافة الراشدة إلا انه لم ينجح في (الاقتصار على الروايات الصحيحة) فكتابه ملئ بمضامين روايات الضعفاء والكذابين كسيف بن عمر وأمثاله. أضف إلى ذلك انه (لم يستوعب الروايات الصحيحة) في الموضوعات التي طرقها، سواء في بيعة علي أو في غيرها فكتابه

[ 140 ]

ظهر فيه (الاعتماد على غيره) من طلابه الذين اشرف على رسائلهم كما ظهر فيه (العجلة والجمع) كثر مما ظهر (التحقيق والترجيح) وفق منهج المحدثين الذي وعد به، و (محاولته) في (كتابه هذا) لتطبيق منهج المحدثين فيها نظر كبير، وكتابه هذا بحاجة ماسة منه - قبل غيره - إلى اعادة نظر ودراسة يعتمد فيها على نفسه وليس على رسائل تلاميذه فهو أعقل وأعلم من أن يثق في النتائج التي توصلوا إليها ! !. ملاحظة أخيرة: من عيوب كتاب الدكتور أن الدكتور ينقل من (مصادر ناقلة) ولا يعود للمصادر (الاصلية) وقد يتصرف في كلام المصدر (الناقل) ولا يشير إليه فيجمع بين هضم حق (المصدر) الذي نقل عنه، وبين الخطأ في الاحالات على المصادر الاخرى فنجده في كلامه عن البيعة (ولا داعي لاستعراض الاخطاء فيما سواها) قد نقل هذا القول ص 52، 53 فقال: (فخرج (علي) إلى المسجد وبايعه الناس عن رضا واختيار سوى طلحة والزبير فانهما بايعاه مكرهين ولم يكونا راضيين عن الطريقة التي تمت بها البيعة حيث لم يتم التداول بين أهل الحل والعقد بشأنها ولم يعقد مجلس الشورى). ثم وضع علامة التهميش (2) ووجدناه ينسب هذا القول للبخاري في الصحيح مع الفتح ولا حمد في المسند وابن ابي خيثمة في التاريخ الكبير.. وهذا كله - خطأ محض فهذا الكلام لا يوجد في البخاري ولا الفتح ولا مسند أحمد ولا تاريخ ابن ابي

[ 141 ]

خيثمة ؟ فمن أين جاء الخطا ؟ ! جاء في نقل الدكتور عن تلميذه الفقيهي فالنص ذكره الفقيهي ص 96 من رسالته وذكر المصادر نفسها تقريبا، والفقيهي مع انه اخطأ في موقع التهميش إلا انه إنما أراد مصادر (الفلتة) التي حذر منها عمر، فتصرف العمري في الكلام وحذف (الفلتة) وأثبت مصادر الفقيهي عن (الفلتة) وجعلها مصادر للكلام السابق الذي يقطع من رآه انه لا يوجد في تلك المصادر وقد راجعتها إلا تاريخ ابن أبي خيثمة فهو مفقود فلم أجد فيها إلا حديث عمر الطويل في (بيعة ابي بكر) وتحذيره من (بيعة الفلتة).. فليت الدكتور العمري يتوثق من المصادر بنفسه ولا يفسد (منهجه النظري) - الذي دعا إليه في كثير من كتبه - بمثل هذا التعجل فان خسرنا العمري فمن يبقى للتاريخ ودراسته تنظيرا وتطبيقا وفقه الله وسدده وأعانه على استكمال الجانب التطبيقي بالقوة نفسها التي رأيناها في الجانب النظري. ويبقى خطا الفقيهي ان قوله بانه (لم يعقد مجلس للشورى) ليس في صحيح البخاري ولا في المصادر التي اشار إليها اما (الفلتة) فنعم يوجد تحذير عمر منها في المصادر التي اشار إليها الفقيهي. لكن بيعة علي ليست (فلتة) بل باختيار وإلحاح الصحابة من المهاجرين والانصار..

[ 143 ]

الفصل الخامس مع الاستاذ عبد الحميد فقيهي في رسالته (خلافة علي بن أبي طالب)

[ 145 ]

مع الاستاذ عبد الحميد فقيهي في رسالته (خلافة علي بن أبي طالب) انتهينا في الفصل الماضي من سرد أبرز الملاحظات على ما كتبه الدكتور أكرم العمري - وفقه الله - عن (بيعة علي بن أبي طالب) في كتابه (عصر الخلافة الراشدة) وبينا جوانب القصور التي اعترت كلام الدكتور العمري عن (البيعة) سواء كان هذا القصور بالاعتماد على الروايات الضعيفة أو عدم استيفاء الروايات الصحيحة أو سوء التفسير والاستنتاج من الروايات الصحيحة وما إلى ذلك من ملاحظات. واليوم سنستعرض أبرز الملاحظات على ما كتبه الطالب عبد الحميد بن علي بن ناصر فقيهي عن (بيعة علي بن أبي طالب) في رسالته للماجستير (خلافة علي بن أبي طالب) ولا أريد استيعاب محاسن الرسالة والملاحظات عليها ولكني أريد أن استعرض أبرز الملاحظات على ما كتبه صاحبها عن صحيفة الرياض، الاربعاء 26 / 1 / 1417 ه‍ - 12 حزيران 1996 م

[ 146 ]

(البيعة) فقط ومن ابرز الملاحظات: الملاحظة الاولى: لم تستوعب الرسالة كل الروايات الصحيحة عن (بيعة علي بن ابي طالب). الملاحظة الثانية: لم تستعرض الرسالة كل أو أكثر الروايات الضعيفة المشهورة. الملاحظة الثعاشة: عنون المؤلف الفصل الثالث بعنوان (البيعة وموقف الولايات منها) لا داعي - فيما أعتقد - لذكر الولايات وموقفهم من البيعة فالولايات لا اختيار لها في تعيين الخليفة وإنما هي تبع للصحابة من المهاجرين والانصار الموجودين بالمدينة النبوية كما ان بيعة ابي بكر وعمر وعثمان لم ينتظر منها موافقة الولايات والامصار الاخرى ؟ الملاحظة الرابعة: قوله ص 90: فعلي رضي الله عنه يقول: ".. ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان وأنكرت نفسي، ثم نسب الرواية لابي نعيم والحاكم وحستن اسنادها والصواب ان اسنادها محل توقف على الاقل ففيها: أولا: عنعنة الحسن البصري.. أما ثانيا: ففي الاسناد أبو جعفر الهاشمي وهو ثقة لكن شيخه في الرواية هارون الخزاز توفي، وعمر الهاشمي لا يتجاوز ثلاث عشرة سنة ؟ ! وهذا محل تأمل وشك ؟ ! هل سمع منه في تلك الفترة ؟ ! ومتى سمع الرواية منه ؟ فالرواية محل توقف ولا نجزم بحسن اسنادها إلا ان وجدنا متنها يتفق مع روايات مماثلة، لا سيما عند معارضتها روايات أصح وأقوى، وقد وجدت في بعض

[ 147 ]

متنها غرابة ومخالفة للروايات الصحيحة فلذلك أرجح أن تكون رواية شاذة، خاصة ما خالفت فيه الروايات الصحيحة.. أما الرواية كلية فأنا متوقف في هذه الرواية بعد رد الشاذ منها لا استطيع قبولها أو رفضها كلية، ولها متابعة هالكة ذكرها صاحب الرسالة. الملاحظة الخامسة: لا يفسر الاخ الفقيهي بعض الالفاظ الموهمة التي قد يتبادر إلى الذهن غير معناها مثل رواية الحاكم نفسه فسياقها كأنه يشير إلى ان عليا يعرف قتلة عثمان بأعيانهم وأنهم هم الذين جاؤوا إلى البيعة مع ان الروايات الصحيحة الصريحة تبين انه لم يكن يعرف القتلة بل ولا عرفهم كثر أو كل الموجودين آنذاك، فقد صح عن علي: أنه قال: (والله لوددت أن بني أمية رضوا لنفلناهم خمسين رجلا من بني هاشم يحلفون ما قتلنا عثمان ولا نعلم له قاتلا).. اخرجه سعيد بن منصور في سننه (2 / 335) وسنده صحيح جدأ وفيه ان عليا لا يعرف القتلة بأعيانهم.. فلو فسر الفقيهي ألفاظ الرواية الاولى بما يتفق مع الروايات الصحيحة لاحسن، أو ليضعف الرواية لنكارتها ومخالفتها للروايات الصحيحة الاخرى. الملاحظة السادسة: قوله ص 91: (فالمدينة عاصمة الدولة ومقر الخلافة مضطربة والثائرون يسيطرون عليها). أقول: هذا من رواية سيف بن عمر فهو الراوي الوحيد الذي تفرد بذكر (سيطرة) قتلة عثمان على المدينة خمسة أيام، والصواب أن عليا بويع لليوم الثاني من قتل عثمان رضي الله عنه

[ 148 ]

وأن الثوار على عثمان ارتاعوا بعد مقتل عثمان وتفرقوا فمنهم من هرب ومنهم من ندم ومنهم من كان قصده التضييق على عثمان رضي الله عنه حتى يستجيب لمطالب معينة فليس كل من خرج على عثمان يريد قتل عثمان وسيف بن عمر هو الراوي الوحيد الذي يذكر الثوار على عثمان وكانهم كلهم اتباع لعبدالله بن سبا ! !، مع ان الخارجين على عثمان فيهم صحابة وتابعون أجلاء وان كان معظم الخارجين ذوي أهواء وجهل ونفاق فلا يجوز أن ننجرف مع روايات الكذابين (التعيمية) ولا يجوز أن نتهم الابرياء بفعل الفجار.. فالخارجون على عثمان أصناف كثيرة وليسوا متفقين في الاهداف (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) مع جزمنا بأنهم على باطل وان عثمان رضي الله عنه على حق، لكن في الوقت نفسه نعرف لعبد الرحمن بن عديس البلوي رضي " الله صحبته وبيعته تحت الشجرة وهو من الخارجين على عثمان ونعرف للاشتر - قانك بن الحارث النخعي حقه وتدينه وندمه وكراهيتة لمقتل عثمان وهو من الخارجين لكنه اعتزل عنهم آخر الامر فلم يكن من محاصري عثمان يوم مقتله وقد ندم، كل هذا بأسانيد صحيحة وليس هنا مجال ذكرها، كذلك نعرف لابناء بديل بن ورقاء رضي الله عنهم صحبتهم وهم من الخارجين ونعرف لعمرو بن الحمق الخزاعي رضي الله عنه صحبته وهجرته وهو من الخارجين، والعجب فيمن يعذر معاوية في الخروج على علي رضي الله عنه ولا يعذر عبد الرحمن بن عديس البلوي في الخروج على عثمان رضي الله عنهما مع ان عبد الرحمن بن عديس افضل من معاوية

[ 149 ]

فهو من اصحاب بيعة الرضوان الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة أما معاوية فلم يكن أسلم يومئذ ولا عمرو بن العاص ولا كل أهل الشام الذين حاربوا عليا بصفين، فابن عديس خير منهم جميعا ومع هذا تجد المؤرخين يتهمون ابن عديس - تبعا لسيف بن عمر - بانه من السبئية سبحان الله ؟ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبئية ؟ ! أصحاب بيعة الرضوان سبئية ؟ ! فالخلاصة: اننا لا نقول هذا الكلام دفاعا عن الخارجين على عثمان فهم مخطئون قطعا ولا نقول هذا مجاملة لعثمان رضي الله عنه بسبب مقتله فقط، بل لانه ثبت بالاحاديث الصحيحة أن عثمان على حق وان الخارجين عليه مخطئون. وسيف بن عمر هو الراوي الوحيد الذي يذكر الصحابة في اتباع عبد الله بن سبأ فهو يذكر اباذر وعمار بن ياسر وعدي بن حاتم رضي الله عنهم وغيرهم يذكرهم في أعوان عبد الله بن سبا ؟ ! ولذلك اتهم سيف ب (الزندقة) ربما لطعنه في كبار الصحابة بانهم يتبعون (يهوديا فيتصرف في أمورهم كيف يشاء ؟ ولعلي أفصل الموضوع في كتاب قادم عنوانه (قتلة عثمان من يكونون ؟) فابين ان الخارجين على عثمان أصناف كثيرة وليسوا سبئية ؟ ! رغم أنهم مخطئون والحق مع عثمان لا معهم. الملاحظة السابعة: صرح صاحب الرسالة بنقله عن سيف (نحو عشر مرات) هذا في البيعة فقط ؟ ! فكيف ببقية موضوعات الرسالة ؟ ! وصرح كذلك بالنقل عن الواقدي ونصر بن مزاحم وأبي بكر الهذلي والكلبي وهذا في البيعة فقط فكيف ببقية

[ 150 ]

مباحث الرسالة ؟ ! ! وهؤلاء من كبار الضعفاء والمتروكين وأخفهم وطأة الواقدي فقد صرخ الحافظ في التقريب بانه (متروك) لكنه في الفتح ذكر بانه (يستشهد به في التاريخ) وكذلك قال الذهبي نحوا من هذا القول الاخير، والواقدي مختلف فيه جدا وإن كان أكثرهم على تضعيفه.. لكن البقية معروفون بانهم في غاية الضعف.. فلماذا يستدل الفقيهي برواياتهم في موضوع مهم مثل (بيعة علي).. كنا نتمنى من صاحب الرسالة أن يطهر رسالته من أمثال هؤلاء ويكفي اخراج ربع الرسالة بأسانيد صحيحة. وقد يقول قائل: ان للمؤلف عذره فهو لم يجد روايات أخرى.. نقول: هذا غير ظاهر فقد اهمل كثيرأ من الروايات الصحيحة التي سبقت فلم يذكر رواية علي نفسه ولا رواية الاشتر ولا رواية الحسن البصري ولا رواية أبي بشير العابدي ولا غيرها من الروايات الصحيحة أو الحسنة فليس معذورا في تركها والاعتماد على روايات الكاذبين والضعفاء ! !. الملاحظة الثامنة: قوله ص 95: (اهمها على الاطلاق " أي أهم مسؤوليات الخلافة الجديدة " القود من قتلة عثمان).. أقول: هذا فيه اتهام لعلي ومن معه من البدريين والمهاجرين والانصار بأنهم اهملوا (أهم مسؤوليات الخلافة على الاطلاق) ؟ ! ثم من قال ان اهم مسؤوليات الخلافة هو القود من قتلة عثمان ؟ وما مستنده ؟ صحيح ان عثمان قتل مظلوما شهيدا هذا ما يدين أهل الله به كل مسلم، وصحيح أن قتلته المباشرين لقتله مخطئون

[ 151 ]

آثمون فاسقون، لكن ما الحكم الشرعي في هذه الحالة ؟ ! هل الحكم الشرعي القود بالظن بلا دعوى ولا شهود ؟ ! هل يتم قتل جميع الثوار الخارجين على عثمان ؟ حتى وان كان أكثر هؤلاء ينكر قتل عثمان وببرأ إلى الله منه ؟ ! قد ثبت أن عليا وأكثر الصحابة لا يعرفون القتلة بأعيانهم بل لم يثبت أن أحدأ من الصحابة عرف احدأ منهم بعينه ثم هم طائفة كثيرة وليس كل خارج قاتلا ولا كل خارج راضيا بقتل عثمان. فالمسألة كبيرة وفيها تفصيل احتار فيه الصحابة وتقاتلوا وليست بهذه السهولة ففيها تفصيل كبير كما أن لعلي مذهبا فيها بل هو مذهبه ومذهب ابي بكر وأكثر الصحابة وهو ان المقتول الذي تقتله طائفة ممتنعة متأولة انه لا قود على الجماعة، فأبو بكر رضي الله عنه لم يقد من قتلة الصحابة من مانعي الزكاة لانهم كانوا جماعة متأولين، ولو علموا أن مصيرهم هو القصاص منهم لتمنعوا وصارت المفسدة أكبر وكذلك علي رضي الله عنه لم يقد من قتلة عثمان للسبب نفسه ولم يقد من قاتل الزبير مع انه ثبت انه جاء عليا معترفا، كما لم يقتل قتلة اصحابه يوم الجمل، ولا يوم صفين.. فلا يجب القصاص من المرتدين بعد توبتهم، ولا مانعي الزكاة، ولا قتلة عثمان، ولا أصحاب عائشة، وغيرهم من الطوائف الممتنعة المتأولة لاسيما عند فيئها إلى الحق ودخولها في جماعة المسلمين لانهم تابوا وابوا فاؤوا وأخذ القصاص من افرادهم يسبب مفسدة أكبر وفتنة أعظم.. فالقصاص من هؤلاء لم

[ 152 ]

يقم به أبو بكر ولا علي رضي الله عنهما وهما من الخلفاء الراشدين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنتهم.. ولذلك ثبت عن الزهري بسند صحيح انه قال: (أدركت الفتنة الاولى اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت فيها دماء وأموال فلم يقتص فيها من دم ولا مال ولا فرج أصيب بوجه التأويل) (1)، فقتلة عثمان متأولون مخطئون مثلهم مثل قاتل الزبير وقاتل طلحة وقبل ذلك مثل مانعي الزكاة الذين ترك أبو بكر رضي الله عنه القصاص منهم، لان الجماعة المتأولة الممتنعة لا قصاص ولا قود على أفرادها إما بسبب الفتنة، نفسها أو بسبب التوبة والفيئة إلى الحق أو الصلح هذا (اجماع الصحابة) نقله الزهري.. راجع هذا الامر مفصلا في كتاب الامام للشافعي رحمه الله (4 / 214) وهذا (الحكم الفقهي) غفل عنه (الفقيهي) ! ! وأكثر المؤرخين المعاصرين وزعموا أن عليا انما يريد تأخير القصاص وهذا عذر لم يتفوه به علي رضي الله عنه إلا في روايات سيف الكذاب وغاية ما نقل عنه انه لا يعرف القتلة ولم يقتل ولم يامر ولم يمالئ على قتل عثمان ولم يرض وهذا غاية ما يستطيع أن يجيب به ولولا مكانة عثمان رضي الله عنه في قلوب الناس لاستوعبوا هذا (الحكم الفقهي) الذي كان عليه أكثر الصحابة على الاقل ونصره الشافعي جدأ ويظهر انه اجماع الصحابة والله اعلم.


(1) انظر سنن سعيد بن منصور (2 / 339) ففد أورد أثر الزهري مطولا

[ 153 ]

الملاحظة التاسعة: قوله ص 96: (والصحيح انهما بايعا مكرهين) يعني طلحة والزبير.. أقول:، اعتماده في اكراه طلحة والزبير على روايتين: الاولى: رواية ابي بكر بن ابي شيبة (15 / 261) وفيها أبو نضرة (المنذر بن مالك) لم يشهد القصة وروايته عن علي وطبقته مرسلة وانما يروي عن ابن عباس وطبقته من المتأخرين انظر جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص 354 فقول المؤلف: (اسناده صحيح) غير صحيح فإنه مرسل والمرسل أخو الضعيف خاصة إذا عارض روايات صحيحة متصلة أما عند عدم وجود معارض صحيح موصول فانه يمكن الاخذ بالمرسل القوي لا المرسل الضعيف. فالمرسل نفسه مراتب ومستويات ورواية أبي نضرة هذه ضعيفة ومما يقوي ضعف الرواية أن وفاة ابي نضرة متأخرة جدأ نحو عام (108 ه‍) أي بعد وقعة الجمل بأكثر من سبعين سنة ؟ ! هذا مع ان بعض المحدثين ذكروا أبا نضرة في الضعفاء كالعقيلي وابن عدي وضعفه ابن عون ايضا لكن الصواب انه ثقة أو صدوق فقد اخرج له مسلم ووثقه بقية الائمة أما روايته السابقة ففيها الفاظ منكرة مثل قول طلحة رضي الله عنه: (فعرفت انها بيعة ضلالة) يعني بيعة علي رضي الله عنه ؟ ! فهذا منكر من قول طلحة ولما ارسل إليهم علي عبد الله بن عباس لم يقل طلحة هذا القول ولم يحتج به إ ! كما ان طلحة كان من المؤيدين لبيعة علي رضي الله عنه من

[ 154 ]

ايام عثمان بن عفان، فيستبعد منه هذا القول، اللهم إلا ان يكون تغير اجتهاده لاسباب أخرى فالله أعلم.. لكن رواية أبي نضرة هنا ليست حجة في ما ذكره الطالب. الرواية الثانية: رواية أبي بكر بن ابي شيبة (15 / 260) وهذه اسنادها صحيح لكن ليس فيها أن طلحة بايع مكرها وانما بايع وهو (كاره) وهناك فرق بين اللفظين فإنه لما بلغ علي قول طلحة - وقد يكون الناقل مخطئ - ان طلحة يزعم انه (بايع واللج على قفاه) أرسل علي ابن عباس ليسألهم فانكر اسامة بن زيد رضي الله عنه قول طلحة هذا لكنه اثبت انه طلحة بايع وهو كاره.. فالكراهية هنا موطنها القلب، وعلي لم يعرف ما في قلب طلحة، فإذا كان طلحة والزبير كارهين لبيعة علي ولم يخبراه بذلك فما ذنب علي في قبول البيعة ؟ ثم لا تخلوا بيعة من مبايعة بعض الكارهين لها فبيعة ابي بكر كرهها بعض الصحابة ومنهم سعد بن عبادة وكثير من الانصار وبعض بني أمية وبعض بني هاشم لكن ما ذنب أبي بكر إن كان الجمهور على اختياره ؟ !، وكذلك بيعة عمر كان بعضهم لا يختارها لشدة عمر وقد حذر طلحة يومها أبا بكر من الوصية لعمر رضي الله عنهما، وكذلك بيعة عثمان رضي الله عنه، لم يرض بها من كان يرى عليا أولى بالخلافة، فما ذنب عمر وعثمان إن كان الجمهور على اختيارهم فالخلاصة: انها لا توجد بيعة إلا ويوجد في المبايعين بعض الكارهين لهذه البيعة فاعتذار طلحة - إن صح عنه - لا يبرر له الخروج على أمير وقته

[ 155 ]

فهاتان الروايتان لا يصح الاستدلال بهما على أن طلحة بايع مكرها والسيف على عنقه ؟ ! خاصة إذا خالفها روايات أخرى صحيحة. وهناك رواية ثالثة لم يذكرها الفقيهي وهي رواية عاصم بن كليب الجرمي عن ابيه التي اوردها الطبري (4 / 490) عن زياد بن صلى الله عليه وسلم أيوب عن مصعب بن سلام التميمي عن محمد بن سوقه عن عاصم بن كليب عن ابيه فذكر رواية طويلة وفيها: فقال الناس (يعني لطلحة والزبير): ألم تبايعوا عليا وتدخلوا في أمره ؟ ! فقالوا: دخلنا واللج على أعناقنا.. وعندما سئل كليب (ما سمعت من طلحة والزبير ؟ قال: أما الزبير فانه يقول بايعنا كرها وأما طلحة فمقبل على أن يتمثل الاشعار) أقولي: وهذه الرواية اسنادها غاية ما يقال فيه أنه حسن فإن مصعب بن سلام التميمي.. مختلف فيه جداء (1) فقد ضعفه ابن معين في رواية وعلي بن المديني والامام احمد وابو داود وابن حبان وابو بكر البزار والساجي وابو بكر بن أبي شيبة، بينما قوى أمره ابن معين في رواية أخرى والعجلي وهارون البزار وابو حاتم وابن عدي، لكن أكثر ما انكروه عليه احاديث له عن شعبة وأحاديث انقلبت عليه وروايتنا هذه ليست من روايته عن شعبة فالاسناد غاية ما يقال أنه حسن. ولكن رواية ابن ابي شيبة في المصنف لهذا الخبر أقوى بكثير


(1) طالع ترجمته في تهذيب الكمال (28 / 28). (*)

[ 156 ]

وليس فيها الاكراه على البيعة ولا انهما بايعا مكرهين.. فهل الزيادة في رواية مصعب بن سلام من جنس زيادة الثقة ام من قبل جنس الشاذ أم المنكر ؟ ! هذا محل بحث والصواب ان ننتظر فلو كان هذا الاسناد حسنا لوجدنا في المق مخالفة لمتن آخر أصح فعندئذ نرد هذه المخالفة بعينها ولا نرد كل المتن، هذا ما عليه المحدثون يفعلون هذا مع أسانيد صحيحة جدا تجدهم يردون لفظا ضعيفا أو كلمة في المتن مع قبول بقية المتن. وعلى العكس، ولذلك نعلم يقينا ان في متون الاسانيد الضعيفة بعض الاخبار الصحيحة وهذا علم كبير له اتصال بعلم (العلل) ومن أمعن النظر في كتاب (العلل) للدار قطني عرف قيمة هذا العلم والاضطرار إليه عند الترجيح. والخلاصة: ان الروايات التي تقول ان طلحة والزبير بايعا مكرهين والسيف على أعناقهما روايات ضعيفة لذاتها أو شاذة مخالفة لما هو أوثق منها ثم ناتي للروايات القائلة انهما بايعا كارهين بلا رفع للسيف على أعناقهما فننظر في هذه ونرى هل يمكن الجمع بينهما وبين الروايات المثبتة لبيعتهما طائعين ؟ ! وهل يمكن الجمع بين كل الروايات هذا له مبحث آخر، فإن تعذر الجمع، نأخذ الاقوى من الروايات ألا وهي (بيعتهما طائعين) ونعتبر المخالف لهذا الاقوى شاذأ هذا هو المنهج الصحيح الذي عليه المحدثون قديما وحديثا، أما الانتقاء للهوى أو العجلة أو ضرب النصوص ببعضهما فليس هذا هو (منهج المحدثين) الذي

[ 157 ]

ندعو إليه ونسأل الله أن يوفقنا في تطبيقه. الملاحظة العاشرة: في ص 97: ذكر الفقيهي عذر طلحة والزبير في كراهيتهما لبيعة علي مبينا ان كراهيتهما (ليس لعلي وأحقيته في الخلافة ولكن للطريقة التي تمت بها البيعة وكأنها الفلتة التي حذر منها عمر فلم يعقد مجلس للشورى ولان الثوار أتوا بهما بأسلوب جاف عنيف ولا شك أن هذه الطريقة فرضتها طبيعة الاحداث لسيطرة هؤلاء الاعراب الجلف على المدينة). أقول: وكلامه هذا عليه ملاحظات منها: ان الطريقة التي تمت بها البيعة لعلي أفضل الطرق وهي طريقة الاختيار من أهل الحل والعقد ولم تتم بيعته (فلتة) كما لمح الفقيهي ! !.. بل إن عليا رفض أن تكون بيعته سرأ وأبى أن تكون إلا في المسجد النبوي وعن رضى من المسلمين (راجع الرواية الاولى).. وكان الصحابة من المهاجرين والانصار هم الذين بايعوه بعد الحاح منهم عليه في تولي الخلافة.. فما أدري ما الذي دفع الفقيهي إلى التلميح بان هذه تشبه (الفلتة) التي حذر منها عمر رضي الله عنه ؟ !، ثم إن الفلتة انما تكون مكروهة إذا كان المبايع له غير أهل للبيعة أو يوجد من هو أفضل منه أما ان كان هو الافضل فلا كراهة وقد بويع أبو بكر رضي الله عنه (فلتة) كما قال عمر رضي الله عنه لكن الله وقى شرها وكان الافضل يومئذ فلو أدعى مدع ان بيعة علي رضي الله عنه كانت (فلتة) فعلي كان أفضل الناس يومئذ ولا كراهة في الامر.. ولكن الصحيح الذي تدل عليه الروايات

[ 158 ]

الصحيحة أن بيعة علي لم تكن (فلتة) وهذه الكلمة لم تات في أقوال المحاربين له من أهل الجمل وصفين بل ولا حتى الخوارج فلم يدع منهم أحد أن بيعة علي رضي الله عنه كانت فلتة وانما خرج أهل الجمل وصفين والنهروان لامور أخرى والصواب فيها مع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. ثانيا: أما عقد مجلس للشورى فقد سبق في نقدنا لهذه المسالة في كتاب الشيخ الدكتور ممرم العمري.. ثم من قال انهم لم يتشاوروا ؟ ! وقد جاؤوا إلى علي في داره ثم واعدهم على المسجد ثم جاؤوا ثم بايعوا ولم يتخلف منهم أحد فهل يحتاج الامر بعد هذا إلى الزعم بانه (لم يعقد مجلس للشورى) ؟ ! ثم هل عقد (مجلس للشورى) ني بيعة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ؟ ! أما ما ذكره من اتيان الثوار لطلحة والزبير واجبارهما على البيعة فهذا لم يثبت من طريق مقبول ولو حدث لما رضي علي رضي الله عنه، فإنه أبى أن يكون خليفة إلا عن (رضى من المسلمين)، ايضا لو تم هذا لما احتاج علي رضي الله عنه ان يرسل ابن عباس يسأل عما بلنه عن طلحة رضي الله عنه من انه بايع مكرها ونفى هذا اسامة بن زبد رضي الله عنه لكنه أثبت بيعة طلحة كارها.. فلو أحضر طلحة والزبير إلى علي احضار أ وسلت عليهما السيوف وبايعا لما احتاج علي ان يرسل أحدأ ليستقصي حقيقة الخبر ولقال: (نعم قد أكرهناهما على البيعة خوفا من الفتنة وحرصا على الكلمة).. مع أن الفقيهي صحح اسناد الرواية التي

[ 159 ]

فيها ارسال علي لابن عباس وهي تتناقض مع ما اثبته هنا (انظر ملحق الرسالة ص 73). أما قوله ص 97: (إن الاعراب سيطروا على المدينة) فقد سبق أن هذه من انفرادات سيف بن عمر وهو أكذب المؤرخين بل هو يضع الاحاديث على النبي صلى الله عليه وسلم ومن كذب على النبي صلى الله عليه وسلم فلن يتورع أن يكذب على غيره. الملاحظة الحادية عشرة: قوله ص 97: (وتكاد الروايات الصحيحة والضعيفة المشهورة تجمع على أن طلحة والزبير بايعا مكرهين أكرهما قتلة عثمان وأحضروهما للبيعة). أقول: قد رأينا الروايات الصحيحة ورأينا أنها تكاد تجمع على العكس في بيعتهما طائعين غير مكرهين لكن هناك روايات قوية تؤكد أنهما بايعا كارهين وقد تم الجمع بين هذه الروايات بأن كراهية القلب للبيعة لن يطلع عليها أحد إلا إذا صرح صاحب النية بذلك.. ولو صح ان بعض قتلة عثمان رضي الله عنه اكرهوهما على البيعة فلن يكون هذا امام علي رضي الله عنه وانما يحمل انهما هددوهما وحذروهما المخالفة والحوا عليهما في وجوب البيعة فلم يجدا بدأ من الاستجابة والحضور إلى علي واظهار البيعة والطاعة مع انهما في واقع الامر كارهين لبيعته، هذا إن سلمنا بصحة (الاكراه) ثم إن طلحة والزبير ليسا (كل الامة) بل هما فردان من كبار الصحابة قد كرها قبل ذلك بيعة ابي بكر وعمر وعثمان، فالزبير تخلف مع علي في بيت فاطمة ولم يبايعوا

[ 160 ]

ابا بكر في بادئ الامر كما في صحيح البخاري وهذه (كراهية للبيعة) وأما طلحة فحذر ابا بكر من توليه عمر خوفا من شدته ثبت بأسانيد قوية كراهيته لبيعة عمر رضي الله عنه وتجد الزبير يوم الشورى جعل امره إلى علي (ثابت باسانيد صحيحة) وهذه كراهية لبيعة عثمان.. فليس كراهيتهما لبيعة علي - إن ثبتت - طعنا فيها فلو كان طعنا فيها لكان طعنا في بيعة الخلفاء قبله فكراهية طلحة أو الزبير رضي الله عنهما لبيعة علي إن ثبت ذلك - ليس جديدا فالصحابة (ومن كبارهم طلحة والزبير) كانوا في مستوى كبير من الشجاعة يعبرون عن آرائهم متى شاؤوا فإن كرهوا بيعة فلان أعلنوا ذلك وان رضوا فلانا أعلنوا ذلك وقد كانا يامران الناس ببيعة علي رضي الله جمنه، فإن كان كراهيتهما لبيعة علي طعنا فيها فكراهيتهما لبيعة من سبق طعن فيها ايضا.. وقد سبق انه يستحيل موافقة كل الامة على البيعة ثم هذا (رأي) من طلحة والزبير فليس معهما نص في وجوب كراهية (بيعة علي) وان كرها (بيعة علي) فقد رضيها المهاجرون والانصار أو جمهورهم على الاقل ولو بويع غير علي لكان عدد (الكارهين) أكثر ولبقيت مشكلة (اجماع كل أفراد الامة) لا حل لها ولن يكون لها حل لانها (غير واقعية) والاسلام دين واقعي ليس مجرد (مثاليات) غير صالحة للتطبيق، ولولا هذه (الكراهية) لكان (المنهج النظري السياسي) في الاسلام صعب التطبيق على ارض الواقع، ولله في كل شئ حكمة وله في خلقه شؤون.. ولكننا لا نستفيد - للاسف - من حقائق تاريخنا بسبب المجازفة في تضعيف الحقائق

[ 161 ]

أو سوء تفسيرها أو تأويلها حتى يضيع جوهرها وحكمتها وفائدتها.. الملاحظة الثانية عشرة: قوله ص 98: (أما الروايات التي تذكر أنهما بايعا طائعين أو انهما أول من بايعا في قليلة وضعيفة). أقول: جاءت روايات صحيحة في معنى الشطر الاول (البيعة طائعين) أما انهما (أول من بايع) فالروايات فيها ضعف لكن بمجموعها قد تتقوى، ولا يهم إن كانا بايعا أول الناس أو آخر الناس.. ثم لم يستوعب الاخ صاحب الرسالة كل الروايات الصحيحة في الباب فكيف يحكم على كل الرايات بأنها ضعيفة وهو لم يستوعبها بل فاته أصح الروايات في الباب ! !.. الملاحظة الثالثة عشرة: قوله ص 98: (ولم يبايعه (بيده) من اعتزل الفتنة مثل ابن عمر رضي الله عنه). اقول: قد سبق للجواب على هذا. ثم ما الداعي لذكر (يده) هنا ؟ ! وهل يشترط البيعة باليد ؟ ! فللبيعة صور منها ما يكون باليد وما يكون باللسان وما يكون بالمكاتبة ومنها ما يكون بالرضى العام وعدم المخالفة. وهذا مثل بيعة عامة المسلمين فان أهل الحل والعقد عندما يبايعون الخليفة (بأيديهم) فان البيعة تلزم بقية المسلمين ولو لم يبايعوا بايديهم يكفي انهم لا يعارضون البيعة ولم يكرهوها فإنهم بهذا يعتبرون مبايعين فالخلفاء الاربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي

[ 162 ]

لم يبايعهم كل المسلمين (بايديهم) وانما كانت البيعة باليد (للصفوة) والكبار أو بعضهم أما العامة وبقية الناس فهم تبع لهم. الملاحظة الرابعة عشرة: ذكر صاحب الرسالة ص 98: دليلا على ان ابن عمر لم يبايع عليا فقال: (فقد جاءت عنه رواية صحيحة انه قال لعلي رضي الله عنه حين اراد ان يبعثه إلى الشام واليا عليها وألح عليه في ذلك رفض ابن عمر وقال: فوالله لا أبايعك فتركه علي وانصرف عنه).. ونسب الرواية لمصنف ابن ابي شيبة (15 / 81) عن ابن علية عن ايوب السختياني عن نافع عن ابن عمر وهذا سند صحيح لاشك فيه.. لكن الرواية وردت بأسانيد أخرى صحيحة ذكرها الفقيهي نفسه ص 84 وليس فيها لفظة (والله لا أبايعك) وهناك نقطة أخرى في غاية الاهمية وهي ان مصنف ابن ابي شيبة مطبوع طبعات رديئة وفيها كثير من التصحيفات والتحريفات حتى في أحد لفظي الرواية نفسها قول علي لابن عمر (انك امرؤ محبوب في أهل السماء وقد استعملتك عليهم) والصواب (في أهل الشام) ؟ ! وإلا كيف يستطيع علي أن يستعمل ابن عمر على (أهل السماء) ؟ ! وفي الرواية ايضا قول ابن عمر (فذكرت له القرابة وذكرت النهب) وانما الصواب (النسب) فلا يستبعد عندنذ أن تكون لفظة (فوالله لا أبايعك) مصحفة أو محرفة وأن الصواب (لا اتابعك) أو (لا أطيعك) وغيرها من الالفاظ لانه ليس لذكر (المبايعة) هنا مناسبة فقد تمت البيعة وصارت ملزمة لكل المسلمين فليس لاحد

[ 163 ]

أن يستشي ويمتنع من بيعة شرعية حتى في الرواية نفسها قول ابن عمر (لما بويع علي) فهذه لفظة شاملة فيها اقرار ابن عمر بأن عليا (بويع) ! ! وهناك رواية أخرى حسنة عن ابن عمر في بيعته علي وأنه قد (فزع الناس إليه) ! ! في البيعة وذكر ابن عمر في الروايتين ما يفيد اجماع أهل المدينة فكيف يخرج نفسه من بيعة أجمع عليها أهل المدينة خاصة في (بيعة الامام) فان ابن عمر يتشدد في وجوب مبايعة المسلمين للامام.. وقد خالف رضي الله عنه أهل المدينة ولم يخلع بيعة يزيد بن معاوية يوم الحرة. فهل يزيد بن معاوية عنده أولى بقبول البيعة والمحافظة عليها من علي بين ابي طالب رضي الله عنه ؟ ! هذا ما يريد الروافض اثباته للطعن في ابن عمر ويريد النواصب إثباته للطعن في بيعة علي ويساعدهم - أعني (الفريقين) بعض أهل السنة بلا علم ولا قصد.. والصواب انه ان كان ابن عمر قد خالف اهل المدينة وحافظ على بيعة يزيد بن معاوية رغم فسقه، فكيف لا يدخل مع اهل المدينة في بيعة علي بن ابي طالب الخليفة الراشدي مع المحافظة عليها ؟ ! ! فلفظة (والله لا أبايعك) فيها نظر كبير من حيث المتن ومن حيث احتمال التحريف ومن حيث روايات أخرى صحيحة ليس فيها هذه اللفظة ومن حيث اجماع أهل المدينة وحرص ابن عمر على الوفاء ببيعة الامام وتحذيره من الغدر به وحثه على الجماعة.. فابن عمر من فقهاء الصحابة ولن يفوته ان اجماع أهل المدينة على البيعة ملزم له ولغيره.. وهناك احتمال ضعيف وهو تعبيره بلفظ (لا أبايعك) ويقصد بها بيعة خاصة في طاعته في

[ 164 ]

ولاية الشام فعبر بالبيعة عن الطاعة وهذا موجود في لغة العرب. الملاحظة الخامسة عشرة: وقال الفقيهي ص 98: (ويظهر أن عليا رضي الله عنه يرى فيمن لم يحاربه ولم يناصر خصمه عليه انه مبايع له). أقول: وهذا هو الصواب فما دام للمسلمين خليفة فمن لم يعارض خلافته بخروج أو تحريض فهو مبايع له والاعتزال لا يعني خلع الامام ولا نكث البيعة ولا عدم الزامها للمعتزل. الملاحظة السادسة عشرة: عقد الفقيهي مر 101 بابا بعنوان (موقف الولايات من بيعته) أي من بيعة علي رضي الله عنه. اقول: الولايات تابعة لبيعة الصحابة اهل المدينة فمن رضي به أهل المدينة فهو خليفة فايراد باب خاص ب (موقف الولايات من البيعة) كأن فيه ايحاء بأن للولايات حق اختيار الخليفة الجديد وهذا ما لا يشترط في بيعة ابي بكر ولا عمر ولا عثمان رضي الله عنهم وقد توسع في نقض هذه الدعوى الشيخ المحدث محمد العربي التباني (راجع كتابه تحذير العبقري) وقد سبق شئ من التفصيل في هذا الموضوع. الملاحظة السابعة عشرة: ذكر مى 107 موقف البصرة وذكر (ان المعتزلين والمحايدين والرافضين لبيعة علي أكثر من المبايعين) ! !.. وهذا باطل، فالصواب انهم بايعوا وبعث علي عليهم عثمان بن حنيف رضي الله عنه وكان الامر مستقيما حتى قدم اصحاب عائشة فنكث من أهل البصرة من نكث واعتزل من

[ 165 ]

اعتزل واضطربت البصرة اقساما ثم توحدت على بيعة علي رضي الله عنه بعد معركة الجمل، وكانت تحت امرة علي رضي الله عنه وبيعته قبل قدوم اصحاب الجمل. أما قول الفقيهي: (حتى إن أحد الكوفيين قال عن البصرة عندما سألوه: كيف رأيت البصرة ؟ قال: قطعة من أهل الشام نزلوا بين أظهرنا).. فهذا خطل من القول وسوء فهم فهذا القول لا علاقة له ببيعة أهل البصرة لعلي رضي الله عنه وهذا القول قاله حماد بن ابي سليمان بعد بيعة علي بنحو تسعين سنة ؟ ولا يقصد منها حماد انهم لم يبايعوا عليا رضي الله عنه، وانما قصد انهم (نواصب) يتفقون مع أهل الشام في الانحراف عن علي رضي الله عنه.. وهذا معروف عن أهل البصرة وأهل الشام أن فيهم نصبا ظاهرأ.. وهو تنقص علي رضي الله عنه أو بغضه أو الانحراف عنه.. فايراد الفقيهي لهذا القول هنا عن هذا العالم بل وصفه ص 126 بانه (بعض الموالين لعلي) ؟ ! يجعل القارئ يتوهم خلاف الحقيقة فراجع سياق الخبر في الطبقات لابن سعد (6 / 333) وأعرف قائل الخبر لتعلم انه لا علاقة لهذا القول ولا لقائله بالبيعة البتة ! ! !.. والاعجب من هذا أن هذا دليل الفقيهي (الوحيد) على أن (أكثر أهل البصرة) لم يبايع عليا ! !. ثم صارت رسالة الفقيهي الدليل (الوحيد) للدكتور أكرم العمري في أن (أكثر أهل البصرة) لم يبايعوا عليا ! ولا تعليق ! ! !.

[ 166 ]

الملاحظة الثامنة عشره: أورد ص 109 عن موقف اليمن من البيعة فقال: (بقي بعض اليمنيين لم يبايع ويرغب في قتل قتلة عثمان ولما لم يحدث هذا نجدهم يراسلون معاوية بعد التحكيم) ! !.. وهذا القول مبني على رواية بطل الاكاذيب (1) سيف بن عمر التميمي وقد أحال المؤلف على الطبري (4 / 442 - 443) من طريق سيف، وسيف أكثر مروياته انفرادات وغرائب يخالف فيها المحدثين والمؤرخين على حد سواء ! !.. ومن منكراته في الرواية نفسها التي احال عليها الفقيهي انه ذكر طليحة بن خويلد الاسدي فيمن خرج يطلب بدم عثمان رضي الله عنه مع انه (أي طليحة) قتل شهيدا في عهد عمر رضي الله عنه قبل ان يتولى علي الخلافة بخمسة عشر عاما بل قبل مقتل عمر وهكذا فمن اعتمد على روايات الضعفاء والمتروكين يقع في تناقضات مثل هذه وأكبر.. وما اعتمد مؤرخ على مرويات سيف إلا افتضح. الملاحظة التاسعة عشرة: قوله ص 110: (وسيطرة الثوار على المدينة وان لهم اليد الطولى في عقد الخلافة).. فهذا القول قبل ان يخالف الروايات الصحيحة يخالف ما كتبه المؤلف نفسه ص 99 عندما قال: (وهكذا تمت لعلي رضي الله عنه البيعة واصبح خليفة المسلمين إذ بايعه اهل المدينة أهل الحل والعقد من أهل بدر وأصحاب الشورى والمهاجرين والانصار والناس تبع لهم في ذلك).


(1) هذا اللقب أطلقه على سيف الشيخ المحدث محمد العربي التباني (*)

[ 167 ]

وقد سبق أن تضخيم دور الثوار (وسيطرتهم) على المدينة جاء من روايات سيف بن عمر الذي أكثر عنه المؤرخون المعاصرون رغم اعتراف محققيهم بانه في غاية الضعف. الملاحظة العشرون: ثم نجد المؤلف ص 111 كأنه يصوب معاوية في عدم مبايعته لعلي ! ! !.. وهذا خلاف الادلة الصحيحة.. ولو رفض معاوية أو غيره بيعة أبي بكر أو عمر أو عثمان لحكمنا بانه أخطا فلماذا هنا نريد تصويبه ؟ ! بل وصل الامر بنا إلى ان نستدل له بآيات لا تدل على التصويب في ترك البيعة ؟ ! مع الاعتراف بانه مخطئ في قتال علي رضي الله عنه إ ! !.. وهذا تناقض فلا يجوز أن تتضارب الاحكام، فنحكم بان معاوية مصيب في ترك البيعة ونحكم بانه مخطئ في الخروج على علي ؟ ! كيف يجتمعان ؟ ! ! ! ومن الادلة التي ذكرها المؤلف لمعاوية حديث النعمان بن بشير عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يا عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصا.. (الحديث) وهذا الحديث انما سمع به معاوية بعد موت علي بدهر، طالع الحديث وسياقه وشروحه، تعرف ذلك وليس في الحديث إلا تصويب عثمان رضي الله عنه في التمسك بالخلافة والامتناع عن خلع نفسه وهذا متفق عليه ولم يقل أحد انه كان يجب على عثمان أن يخلع نفسه، فالدليل صحيح لكن الاستدلال به خاطئ وفيه مجازفة عجيبة ؟ ! ثم نجد للفقيهي أوهاما كثيرة في الخلاف بين علي ومعاوية

[ 168 ]

ذكره في البيعة لا أريد الخوض فيه لانه خارج موضوعنا.. الملاحظة الواحدة والعشرون: ذكر المؤلف تأوللات معاوية في الخروج على علي ص 112، 113، 114 ولم يرد على هذه التأويلات ! ! وهو إن كان قد نقلها عن الباقلاني لكن كان من الواجب بعد أن يستعرض هذه التأويلات ان يمحصها وينظر فيها فالباقلاني وإن كان من كبار المتكلمين لكنه كثير التناقض، قليل الاعتماد على الروايات الصحيحة، فهو يقارن بين المتون ويستنبط دون تضعيف أو تصحيح، وهو من كبار الاشاعرة ومتكلميهم، ولكن علمه بالروايات والاحاديث الصحيحة فيه ضعف ظاهر لمن تأمل مؤلفاته.. وكثر المتكلمين فيهم ضعف مثل هذا. الملاحظة الثانية والعشرون: ذكر الفقيهي ص 115 موقف مكة المكرمة من البيعة وجاء بعجائب منها: (ان أهل مكة أجمعوا على رفض بيعة علي) ! ! وهذا ما لم يرد في رواية صحيحة ولا يؤيده الواقع التاريخي.. فقال: (ويذكر أبو مخنف ان عليا ارسل إلى خالد بن العاص بأن يأخذ له البيعة من أهل مكة لكن أهل مكة اجمعوا تقريبا على رفض بيعته) ونسب هذا لانساب الاشراف للبلاذري. أقول: أولا هذه ليست من رواية ابي مخنف وانما رواها البلاذري عن احمد بن ابراهيم عن وهب بن جرير عن ابن جعدبة عن خالد بن كيسان وهذا سند تالف، فيه ابن جعدبة واسمه (يزيد بن عياض بن يزيد بن جعدبه الليثي) وهو من اكذب الناس وضاع للأحاديث (انظر ترجمته في الجرح والتعديل (9 / 282). أضف

[ 169 ]

إلى ذلك ان الاسناد معضل فصالح بن كيسان توفي بعد تلك الاحداث بنحو مائة سنة فالاسناد معضل والرواية موضوعة والنتيجة اتهام أهل مكة برفض بيعة خليفة من الخلفاء الراشدين حتى لا يكون أهل الشام وحدهم في الاتهام ؟ ! الملاحظة الثالثة والعشرون: قوله ص 115: (هرب الكثير من سكان المدينة إلى مكة) ؟ ! أقول: أين الاسناد في هذا ؟ ومن قال هذا ؟ ! الملاحظة الرابعة والعشرون: قوله ص 116: (لم يقتصر أمر مكة على الاستنكار والغضب ورفضه البيعة لعلي..) ! ! !. فيقال: هل ثبت هذا أولا من رواية الثقات وليس من رواية ابن جعدبة الوضاع ؟ ! فقد بنى المؤلف على رواية هذا الكذاب نتيجة كبيرة وهي ان (موقف مكة كموقف الشام بل اشد منه تأثرا) ؟ ! ! ثم تجرأ وقال: (فقد رفض هذان الاقليمان البيعة لعلي بالخلافة عن بكرة أبيهم) ؟ ! وأترك للقارئ الحكم على الرسالة كلها بعد هذا الكلام ؟ ! ! ثم أقول: أما الشام فنعم وأما مكة فما الداعي لجرها إلى ميدان الشام بالاعتماد على رواية موضوعة شاذة ؟ ! هل القصد إظهار أهل الشام بأنهم ليسوا وحدهم في رفض البيعة ؟ ! أم القصد الطعن في بيعة علي بأن الاقاليم اختلفت عليه ؟ ! أين (المنهج) الذي يحكم الدراسات الجامعية ؟ أين المشرف والمناقشون ؟ الذين لم يتعبوا أنفسهم بالتأكد من المعلومات من مصادرها الاصلية على

[ 170 ]

الاقل ؟ وأرجو ألا يظن أحد من نقدنا هذا الطعن في نيات أو مقاصد الناس، لكننا إن لم نتناصح ونتواصى بالحق فلا خير فينا، ولا في علمنا ومناهجنا التي ندعو إليها.. ولو أحيينا (النقد الذاتي) لما وصلنا إلى هذا المستوى الذي أصبح سمة من سمات كثير من الرسائل الجامعية. نعود إلى صاحب الرسالة ونقول: لم يكتف بما سبق حتى قال: (أما الاقاليم أو الامصار الاخرى فلم يبايع جميع أهلها) إذن فليس على أهل الشام بأس إن لم يبايعوا ؟ ! فمعهم جميع الامصار ؟ ! ! وهذا أكثره استقاه الفقيهي من روايات الكذابين مثل ابن جعدبة وسيف بن عمر فسيف خاصة يحاول اظهار كل الولايات والاقاليم بأنها مضطربة وليست مجمعة على البيعة حتى ولو دعى الامر إلى (احياء الموتى) أمثال طليحة بن خويلد والادعاء بأنه خرج يطالب بدم عثمان ؟ ! هذه هي أبرز الملاحظات على ما كتبه الفقيهي عن (بيعة علي) خاصة ولم أشا أن استطرد في بقية الملاحظات على كل ما كتبه في (البيعة) فكيف بكل ما كتبه في (فصول الرسالة ومباحثها الاخرى) ! ! فإذا كانت هذه الرسائل هي (الصفوة) فيما يزعم الناس فكيف بالغثاء ؟ !.. والخطير في أمر مثل هذه الرسائل ان الجميع اصبح ينقل منها بكل ثقة ويقين فهي (رسالة جامعية) ؟ ! ولا يدري أكثر الناقلين أن الاوهام في (الرسائل الجامعية) مثل الاءوهام والاخطاء في غيرها.. بل لعلها أكثر مجاملة من المؤلفات

[ 171 ]

الاخرى فالمشرف يوافق على المخطط والمناقشون يسجلون ما صاده الخاطر اثناء التصفح دون (محاكمة بحثية) للادعاءات والاقوال والروايات التي يوردها الطالب ثم تكتمل بحصول الطالب على (امتياز مع مرتبة الشرف الاولى) وقد عبث بالعلم وهزئ بالحق ورفع الباطل ثم مع هذا لا يرد عليه ولا ينصح ولا ينتقد، بل نتبارى في مجاملة بعضنا، وكأن الملاحظة جريمة والنصيحة عداوة، فالنواحي الوظيفية والاجتماعية - للاسف - غلبت على النواحي العلمية.

[ 175 ]

الفصل السادس مع الدكتور سليمان، العودة في رسالته (عبد الله بن سبأ) والدكتور محمد أمحزون في رسالته (تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة) كتاب عبد الله بن سبأ للد كتور سليمان بن حمد العودة في البداية أقول: إن ما كتبه الدكتور سليمان العودة عن (بيعة علي) رضي الله عنه، كان معظمه، مستقى من روايات سيف بن عمر وقد سبق مرارا انه من أكذب المؤرخين اضافة إلى انحرافه الظاهر عن علي رضي الله عنه ومحبيه كأبي ذر وعمار وغيرهم رضي الله عنهم ممن يصورهم وكأنهم أذناب لعبدالله بن سبأ ! ! ومن الامثلة التي اعتمد فيها العودة على روايات سيف ما يلي: الملاحظة الاولى: قوله: 169: (فالثوار يمسكون بزمام المدينة ويتولون الصلاة فيها). ثم نسب هذا للطبري (4 / 432) ولما رجعنا للطبري وجدنا هذا النص من طريق سيف بن عمر ! ! !. وليت المؤلف يبين في الاحالة ان الطبري رواه (من طريق سيف بن عمر). لان كلمة (رواه الطبري) عامة تشمل الاسانيد


صحيفة الرياض، الثلاثاء 16 / 2 / 1417 ه‍ - 2 بوليو 1996 م. (*)

[ 176 ]

الصحيحة والضيفة والموضوعة والمنكرة وقد سبق للعودة مثل هذا القول ص 5 إلا أن فيها زيادة (خمسة أيام). وهذا يخالف ما أورده نفسه ص 169 من قوله: (نقل ابن سعد البيعة لعلي في اليوم الثاني من قتل عثمان) فأين ال‍ (خمسة أيام) المزعومة ؟ ! الملاحظة الثانية: ثم أورد اقوالا لبعض العلماء كابن حبان والقاضي عبد الجبار المعتزلي وابن كثير وهي أقوال مضمونها صحيح لكن لبعضها أسانيد صحيحة فلو نقل الرواية الصحيحة لكانت أولى من قول العالم أيا كان، خاصة مضمون قول القاضي عبد الجبار المعتزلي في بيعة الصحابة من المهاجرين والانصار فقد جاء باسناد حسن عن ابن عباس فلو نقل رواية ابن عباس باسنادها الحسن لكان خيرا من قول المعتزلي ؟ أ. كما ان المؤلف قد رد على ابن خلدون فأجاد، وكان ابن خلدون تد زعم تفرق الصحابة في الامصار وانهم لم يشهدوا بيعة علي، ودعوى ابن خلدون هذه دعوى عريضة ومشهورة وليس لها أصل إلا في بعض روايات الكذابين كسيف بن عمر واشتهرت عند المؤرخين المعاصرين مع ضعفها الذي لا يخفى على متأمل. الملاحظة الثالثة: اثبت المؤلف ص 172، 173 كثيرا من الاحداث يوم البيعة كاجماع الصحابة وبيعة طلحة والزبير وغير ذلك، وساق روايات كثيرة جدا لكن لا يذكر لها اسنادا ولا يدرس الاسناد وإنما ينسب للطبري والعواصم والطبقات وكتب المقالات والفرق وهذا خلاف المنهج الحق من اخضاع كل الروايات

[ 177 ]

لمنهج التصحيح والتضعيف ولذلك يستطيع غير المؤلف ان يذكر خلاف ما قال وينسب ذلك للكتب نفسها التي أخذ منها المؤلف، إذن لابد من منهج (قبول ورد) للاتفاق أو للتقليل من كثرة الاختلاف. والمؤلف نظريا لا يقر منهجه الذي اتبعه هنا. الملاح حظة الرابعة: التناقض فينقل ص 173 عن ابن العربي رده لخبر اشتراط طلحة والزبير اقامة الحدود مؤكدا بأن ذلك لا يصح في شرط البيعة. ثم تجده ص 176 يذكر روايات سيف بن عمر التي فيها قول طلحة والزبير: (يا علي إنا قد اشترطنا اقامة الحدود...) ؟ ! فهذا التناقض الذي جاء بعد ثلاث صفحات فقط جاء نتيجة (للورود) مع الروايات الضعيفة (والصدور) مع الموضوعة، والباطل أشد اختلافا، فالحق قد يكون فيه خاص وعام، مطلق ومقيد، أما الباطل فيتناقض تناقضا لا يقبل الجمع فلو أراح المؤلف نفسه من البداية واعتمد على الروايات الصحيحة فقط وشواهدها لما وقع في هذه التناقضات. وكثير من الروايات التي أثبتها يعارض بعض متونها ما يقرره المؤلف في موطن آخر. وعلى أية حال فكتاب (عبد الله بن سبأ) للدكتور سليمان العودة رغم حسن جمعه، ورغم ما يظهر من سلامة مقصده إلا أن الكتاب بلا منهج والأخطاء فيه والتناقضات أكثر من ان تحصر وأنا إنما ذكرت الأخطاء الخاصة ببيعة علي رضي الله عنه والتي لا تتعدى خمس صفحات فقط (من ص 169 إلى ص 173)

[ 178 ]

وذكرتها باختصار أيضا لان أكثر الملاحظات على هذا الكتاب (في البيعة) قد سبق الجواب عليها في المقالات السابقة فليس هناك داع للتكرار.

[ 179 ]

مع الدكتور محمد أمحزون في رسالته (تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة) هذا الكتاب من أشمل الكتب التي تحدثت عن الفتنة، فقد جمع جمعا لا بأس به إلا أنه كثير التناقض جدا، فما يعقده في مكان يحله في مكان آخر، وما يصححه في موضع ضعفه في آخر، وكان الكتاب لأكثر من مؤلف وليس لمؤلف واحد، ولم ينج (مبحث البيعة) من هذه التناقضات والمفارقات العجيبة، ولكن يحسن بنا انصافا للمؤلف ان نذكر بعض تقريراته الصحيحة ثم نذكر بعض الاخطاء التي وقع فيها فمن التقريرات والنتائج الحسنة التي توصل إليها المؤلف ما يأتي: 1 - قوله (2 / 65): فتقرر عند أهل السنة والجماعة بالدليل الشرعي ان عليا كان إماما وان كل من خرج عليه باغ، يجب قتاله حتى يفئ إلى الحق وينقاد إلى الصلح). وقوله هذا في غاية الصواب لولا انه نقضه في موقع آخر كما سنبين. 2 - كذلك من الاقوال الحسنة قوله (2 / 324): (وقد ثبت بما

[ 180 ]

لا يدع مجالا للشك ان بيعة علي رضي الله عنه كانت بيعة شرعية ويؤيد ذلك ما ورد في السنة النبوية من مؤشرات على خلافته وما روي عن الصحابة في هذا الشأن وما نقله المؤرخون والمحدثون والفقهاء وأهل العلم عن شرعية خلافة علي وصحتها ومبايعة أهل الحل والعقد له من المهاجرين والانصار). 3 - وعند جوابه على الروايات التي تذكر موقف بعض الصحابة قال (2 / 85): (والذي يظهر من هذه الروايات ان التوقف في البيعة كان في البداية فقط فلما اتضح الامر واجتمع الناس على بيعة علي بايعه هؤلاء...). ونقل قول الواقدي (ولم يتخلف أحد من الانصار فيما نعلم) وقول ابن كثير: (فلما كان يوم الجمعة وصعد على المنبر بايعه من لم يبايعه بالامس). وكذلك ما ذكره من النواحي النظرية ص 86، 87، 88، 89. كان سليما جدا ومتفقا مع الروايات الصحيحة، كذلك كلامه عن عزل علي للولاة ص 98، 99، 100، 101، 102، 103 وصوابه في ذلك، وان كان كثير من هذا نقله من كتاب (تحذير العبقري) للعربي التباني ولم يشر إلى هذا ؟ ! ! لكن هذه النقاط الايجابية قلما تجدها في الرسائل الجامعية، والله أعلم ما سبب انعدامها في الرسائل الجامعية ؟ ! أما أبرز الملاحظات على كتابه فهي: الملاحظة الاولى: كثرة اعتماده على الروايات الضعيفة رغم

[ 181 ]

مخالفتها لمنهجه النظري في وجوب تركها ! فهو يجمع كل ما يؤيد وجهة نظره سواء كان صحيحا أو ضعيفا أو موضوعا منكرا. وقد نقل في (مبحث البيعة) أكثر من عشر روايات ضعيفة وموضوعة خلطها بالروايات الصحيحة وبتر منها كل ما يتعارض مع أحكامه المسبقة ولو تركها لكان أولى. الملاحظة الثانية: كثيرا ما ينقل عن غيره ولا يشير لذلك فتجد له أقوالا منقولة من محمد العربي التباني والعقاد وابن تيمية ولا يشير إلى ذلك مع ان بعضها (بالنص) ؟ ! وهذا خلاف الامانة العلمية في نسبة كل قول الى قائله. الملاحظة الثالثة: التناقضات: ومن أمثال ذلك قوله ص 164: (لكن عليالم يصب الحق بتمامه) ؟ ! ! وقوله ص 166: (الموقف الاحوط والامثل هو موقف الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة... وقد كان في امكان علي اتخاذ وسائل أخرى غير السيف لتهدئة الاحوال وجمع الكلمة وللصلح أبواب كثيرة، ولو بالتنازل عن بعض الحق). أقول: وهذا القول يتناقض تماما مع ما قرره سابقا بأن (من خرج على علي وجب قتاله حتى ينقاد إلى الصلح) ! !. ويتناقض مع ما ذكره ص 102 عندما قال: (وأما ما قيل عن استعمال علي رضي الله عنه القوة في غير موطنها بإيثار الحرب على السلم والرفق في الامور فإن ذلك لم يعهد في سياسة علي رضي الله عنه إلا عند الضرورة وعندما تفرض عليه الحرب

[ 182 ]

فرضا، ويمكن القول ان عليا - وان كان شجاعا بطلا مغوارا في الحرب - فإن ذلك ليس بداع ليلجأ إلى الحرب كل مرة فلم يكن يلجأ إلى الحروب إلا حين لا يمكنه اخماد الفتنة إلا بها ولم يكن هذا المسلك من عمله وحده) ؟ ! ! ثم ذكر ان أبا بكر قاتل مانعي الزكاة أيضا ولم يستعمل معهم الرفق والتساهل. فها هو يرد على نفسه ويبني ويهدم. فالتناقض في كتابات المؤلف واضحة فمرة ينقد عليا ومرة يبرئه وثالثة يصوب قتاله لمن خرج على الخلافة ورابعة يخطئه أو يكاد فالتناقضات سمة من سمات الكتاب الكبرى ومباحث الكتاب يلعن بعضها بعضا وهذا من أكبر عيوب التأليف التاريخي المعاصر. الملاحظة الرابعة: عدم تمييزه بين الاقوال فقد ينسب قولا الى غير قائله، ومن ذلك قوله ص 142: (وينفي ابن شبة في كتابه " اخبار البصرة " هذا الزعم بقوله: (ان أحدا لم ينقل ان عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة...). أقول: هذا الكلام نقله من الفتح (13 / 56) وهذا القول للمهلب الفقيه وليس لعمر بن شبة ! ! فلا أدري من أين جاء خطأ المؤلف اللهم إلا كون ابن حجر اشترط على نفسه تلخيص كتاب عمر بن شبة (أخبار البصرة) والاقتصار على ما صح أسانيده كما في الفتح (13 / 54) لكن الحافظ توقف نقله عن ابن شبه بعد نصف الصفحة الخامسة والخمسين، ثم أخذ الحافظ ينقل عن

[ 183 ]

الطبراني والبزار وأحمد وغيرهم. ثم ان المهلب قائل الجملة ولد بعد موت (عمر ابن شبة) بدهر طويل فكيف ينقل عنه (ابن شبة) ؟ ! ! فهذا تخليط عجيب ! ! وعجلة في البحث. الملاحظة الخامسة: ومن أخطاء المؤلف التي لها صلة بالبيعة زعمه ان أكثر الصحابة اعتزلوا ولم يحاربوا مع علي رضي الله عنه، وعقد لذلك (المبحث الثالث) ص 167 وحشر كل أحاديث الفتن والآثار في الاعتزال في الفتنة، ولم يفصل بين فتنة وفتنة، ولا شك ان كلامه في هذا الفصل باطل، وان أكثر الصحابة من البدريين وأصحاب الشجرة كانوا مع علي رضي الله عنه. أما الاحاديث التي أوردها في اعتزال الفتن فليست صريحة في هذا الموطن فهي أحاديث عامة تخصص بالاحاديث الدالة على وجوب قتال الخوارج والبغاة وشاقي العصا والخارج على الجماعة. أما أحاديث الاعتزال في الفتن فتنزل عند تقاتل الناس على الملك وعند عدم وجود الامام الشرعي وعند التباس الحق على الفرد لا يعرف الحق من الباطل فعندئذ يرجح الاعتزال. وهكذا فهذه الامور لم يتطرق لها المؤلف بل عالج المسألة بشكل عام بأنه (يجب الاعتزال في الفتنة) مطلقا وهذا غير صحيح فإنه أيضا (يجب قتال الخوارج والبغاة) فكيف نجمع بين (وجوب الاعتزال في الفتنة) و (وجوب قتال الخوارج وأهل البغي) ؟ ! لا ريب ان هذا تناقض واضح، إذن فلابد من التفصيل، بإن الاعتزال في وقت دون وقت وهناك أحاديث كثيرة صحيحة تبين

[ 184 ]

وقت الاعتزال بأنه (أيام الهرج) و (عندما لا يأمن الرجل جليسه) انظر الفتح (13 / 31، 37، 43، 47) فكأنها تتحدث عن فترة القتال على الملك وما وقع بين بني أمية وابن الزبير مثلا أو ما وقع بين بني أمية وآل المهلب وما وقع بين بني أمية أنفسهم في آخر دولتهم وغير ذلك من الفتن التي كان القتال على الملك، وفي بعضها لم يكن للمسلمين إمام شرعي بل كانوا فرقا ليس فيها خليفة راشدي ولا بيعة شرعية لاهل الحل والعقد. كما انه فات المؤلف ان عليا رضي الله عنه والصحابة الذين معه يروون أحاديث الفتن أيضا ويعرفونها ويوردون بجانبها أحاديث قتال الخوارج والمتأولين فليست أحاديث الفتن مما اختص بمعرفته المعتزلون، فالمقاتلون مع علي رضي الله عنه يعلمون أحاديث الفتن، لكنهم ينزلونها في مواطن غير تلك المواطن التي ينزلها فيها المعتزلون، ولا ريب ان رأي علي ومن معه أصوب وقد رجع بعض المعتزلين عن رأيهم، كما انه من المعلوم ان أعلم الناس بالفق حذيفة بن اليمان وقد أوصى باتباع علي في (الفتنة) ولم يأمر (بالاعتزال). فكان يقول (عليكم بالطائفة التي تدعو إلى أمر علي بن أبي طالب فإنها على الحق) رواه البزار وصححه الحافظ ابن حجر. وحذيفة أعلم بالفتن من المعتزلين بل هو أعلم الصحابة مطلقا باخبار الفتن وما يجب فيها. إذن فالخلط في المسألة ليست من العلمية ولا الانصاف ولا العدل ولا التجرد للحق. وكأن المؤلف يقلد في هذه المسألة بعض العلماء الذين رجحوا الاعتزال مع عدم دراسة الادلة المخالفة اضافة إلى أنهم لم يناقشوا (نتائج الاعتزال). فلو اعتزل

[ 185 ]

علي رضي الله عنه (الفتنة) ولم يحارب الخارجين عليه، ولم يحارب البغاة لخالف نصوصا صريحة من القرآن والسنة تأمر بقتال البغاة والخوارج، هذا أولا. أما ثانيا: فلو اعتزل علي رضي الله عنه القتال ولم يقاتل أهل الجمل ولا أهل صفين لسن سنة سيئة في ترك قتال من خرج على الجماعة وترك قتال البغاة ! ! وعلى هذا فكل وال من الولاة سينفرد بولايته ويقول: ما دام معاوية انفرد بالشام ولم يقاتله علي فسأنفرد بولايتي هذه ولن يقاتلني علي ولن أطيعه حتى يطيعه معاوية ؟ ! وهكذا تتفكك الدولة الاسلامية خلال أشهر نتيجة تعطيل (حكم شرعي) ألا وهو (قتال شاق العصا والخارج عن الجماعة) حتى ولو كان الخارج فاضلا، فالفضل لا يقتضي العصمة فإذا ارتكب الفاضل أعمالا فلا تكون حجة في ترك العقوبة، وهذا مبحث يطول الكلام فيه وقد اتطرق إليه إن شاء الله بتوسع كبير في كتاب بعنوان: (أحاديث الفتن)، ومن الملاحظات على المؤلف في هذا المبحث أيضا ايراده للنصوص التي تفيد اعتزال أكثر الصحابة مع انها نصوص إما مرسلة والمرسل أخو الضعيف أو ضعيفة باطلة أو منكرة مردودة على قائلها وقد سود بها المؤلف كتابه من ص 167 إلى ص 187 (عشرون صفحة تقريبا ولا يصح منها إلا اعتزال بعض أفراد الصحابة كسعد وابن عمر وأسامة بن زيد وغيرهم رضي الله عن الجميع فهؤلاء لم يكن لهم فضل قتال الخوارج الذي حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم حثا صريحا - كما في البخاري -.. أيضا كان على المؤلف ان ينقل الآثار المتصلة التي تثبت شهود

[ 186 ]

أكابر الصحابة رضي الله عنهم مع علي رضي الله عنه منهم (ثمان مائة) من أصحاب بيعة الرضوان وفي هؤلاء نحو (سبعين بدريا بينما لم يصح ان أحدا من البدريين اعتزل إلا اثنين أو ثلاثة فكيف يقال ان أكثر أكابر الصحابة اعتزلوا ؟ ! وكيف يقرر ان هذا مذهب أهل السنة ؟ ! سبحان الله ؟ ! وكان خلافة علي رضي الله عنه (الراشدية) ليست على (مذهب أهل السنة) ! ! ! فإن أكثرها ا كانت في قتال (الناكثين والقاسطين والمارقين) فكيف يقال: إن مذهب أهل السنة هو (ترك قتال الخوارج والبغاة) ؟ ! سبحان الله، هذا لا يقوله من يدرك نتائج أقواله ؟ ! ! وعلى أية حال فكتاب (تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة) رغم جمعه لكثير من النصوص إلا أنه ملئ بالروايات الضعيفة والموضوعة والتناقضات والآراء الفاسدة والهوى المتبع وقد حاولنا ان نقتصر على أهم الملاحظات الخاصة (ببيعة علي) فقط دون توسع فالملاحظات على الكتاب تحتاج إلى كتب نسأل الله الهداية للجميع.

[ 187 ]

الفصل السادبع مع الاستاذ عبد الله الدميجي في رسالته (الامامة العظمى) والاستاذ عيادة الكبيسي في رسالته (صحابة الرسول) والدكتور حسن الشيخ في رسالته (عقيدة أهل السنة والجماعة)

[ 189 ]

مع الأستاذ عبد الله الدميجي في رسالته (الامامة العظمى)، الأستاذ عيادة الكبيسي في رسالته (صحابة رسول الله) والدكتر حسن الشيخ في رسالته (عقيدة أهل السنة والجماعة) استعرضنا في الفصول الماضية أبرز الملاحظات على أربع دراسات تاريخية كانت لكل من الدكتور أكرم العمري والطالب عبد الحميد فقيهي والدكتور محمد أمحزون والدكتور سليمان العودة عن (بيعة علي بن أبي طالب) في كتبهم أو رسائلهم الجامعية ومدى التزامهم بالنظريات التي يدعون إليها، أما اليوم فنستكمل الملاحظات على ثلاث رسائل أخرى تناولت موضوع (البيعة) وهي: 1 - كتاب (الامامة العظمى) للطالب عبد الله الدميجي وأصله رسالة ماجستير. 2 - كتاب (صحابة رسول الله) للطالب عيادة الكبيسي وأصله رسالة ماجستير.


صحيفة الرياض، الثلاثاء 23 / صفر 1417 ه‍ - 9 يوليو 1996 م. (*)

[ 190 ]

3 - كتاب (عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام) للدكتور حسن بن علي الشيخ. وسنحاول - ما أمكن - ذكر أبرز الملاحظات باختصار وعدم تكرار بعض الملاحظات التي سبق ذكرها والجواب عليها في الحلقات الماضية فنقول:

[ 191 ]

رسالة ماجستير للطالب عبد الله الدميجي: كتاب الامامة العظمى عند أهل السنة والجماحة تكلم المؤلف عن بيعة علي في الصفحات (154، 155، 156، 157) من كتابه ومن أبرز الملاحظات على الكتاب: 1 - عدم التزامه بالروايات الصحيحة فقد أورد في البيعة روايتين طويلتين عن سيف بن عمر، وحاله لا يخفى على محقق. 2 - لم يستقص أكثر الروايات الصحيحة المشهورة فلم يذكر منها إلا رواية محمد بن الحنفية فقط. 3 - لم يحقق الاسانيد ولم يبين صحة الاسانيد من ضعفها وإنما سردها سردا. 4 - أهمل مبحثا مهما وهو (حكم الامتناع عن البيعة) مع ان كتابه جله في الجانب النظري وكان من المهم ذكر هذا المبحث. 6 - من حسنات الكتاب، انه لم يطعن في بيعة أحد

[ 192 ]

الخلفاء الراشدين ولم يجار بعضهم في الطعن في بيعة علي، ولا طعن في كونه على الحق في قتاله للخارجين عليه وذكر ص 531 ندم سعد وابن عمر رضي الله عنهما على تركهم القتال مع علي رضي الله عنه وهذا جيد منه.

[ 193 ]

رسالة ماجستير للطالب عيادة الكبيسي كتاب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنة تعرض المؤلف لبيعة علي رضي الله عنه اثناء الفصل الثالث (بيان حكم ما وقع بين الصحابة وتأويل ذلك) ومن أبرز الملاحظات: 1 - اعتماده على الروايات الضعيفة والموضوعة انظر ص 307 ولا يحقق أسانيد الروايات بل ينسبها للطبري والمسعودي وابن الاثير وابن كثير... إلخ ومعلوم ان هذه الكتب فيها الصحيح والضعيف والمنكر والموضوع. 2 - ص 308 ذكر ان أهل الكوفة صدوا عمارة بن شهاب والي علي على الكوفة وان الذي تولى صده هو طليحة بن خويلد الاسدي ؟ ! وهذه من كاذيب سيف بن عمر نقلها منه الكبيسي دون تحقيق لان طليحة بن خويلد مات، قبل بيعة علي بنحو خمس عشرة سنة ؟ ! والنريب ان المؤلف قد اعترف بهذا في الهامش وذكر ان طليحة بن خويلد توفي

[ 194 ]

عام 21 ه‍ ! ! ! مع ان بيعة علي كانت عام 35 ه‍ ! ! ! والخبر من أكاذيب سيف بن عمر انظر الطبري (4 / 442). 3 - قوله ص 308: (وقد قام معاوية وجماعة من الصحابة في الشام يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وغيرهما من الصحابة). أقول: هذا باطل. فعبادة بن الصامت وأبو الدرداء ماتا قبل مقتل عثمان. فقد مات عبادة بن الصامت عام 34 ه‍ على الصحيح ومات أبو الدرداء نحو ذلك على الصحيح أيضا فكيف يحرضان على الطلب بدم عثمان وهما قد ماتا قبله ؟ ! ثم إن عبادة بن الصامت كان على خلاف كبير مع معاوية فقد انكر على معاوية بعض المعاملات الربوية كما ثبت في صحيح مسلم وسنن النسائي - والتي اجتهد معاوية وظنها مباحة وانكر على معاوية أشياء أخرى بأسانيد قوية (انظر ترجمة عبادة بن الصامت في تاريخ دمشق وسير أعلام النبلاء). فمثل هذا لن يقف مع معاوية ضد علي وهو على خلاف شبه دائم مع معاوية، اضافة إلى النقطة الاهم وهي موته قبل مقتل عثمان رضي الله عنه وقبل هذه الاحداث كلها. وهذه الرواية من بلايا سيف بن عمر انظر الطبري (4 / 352). ولكن مع هذا فإن سياق سيف يدل على ان هؤلاء طالبوا

[ 195 ]

بنصرة عثمان في حياة عثمان فنقلها محرفة ابن كثير (7 / 228) فأصبحت تدل على (الطلب بدم عثمان) بعد موت عثمان وتابع المؤلف ابن كثير في تحريف السياق وتتابعت الاوهام بسبب اهمال المصدر الرئيس للخبر. وأخيرا نقول: من طالع كتاب الكبيسي (صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم) وجده ملآن بالروايات الضعيفة وان كان قد أجاد في بيان الحكم الشرعي فيما جرى بين الصحابة (ص 321 - 329)، وان من خرج على علي رضي الله عنه فهو مخطئ يجب قتاله (انظر ص 320) وقد استطرد الادلة في ذلك (ص 331، 349).

[ 197 ]

الدكتور حسن بن علي الشيخ في رسالته: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام تكلم المؤلف عن بيعة علي رضي الله عنه في المجلد الثاني تحت الفصل الرابع (خلافة علي بن أبي طالب) ومن أبرز الملاحظات على ما سطره في البيعة فقط ما يأتي: 1 - انه اعتمد على كثير من الروايات الضعيفة والموضوعة منها ثلاث روايات عن سيف بن عمر. 2 - لم يذكر من الروايات الصحيحة إلا رواية ابن الحنفية وابن عباس والحسن البصري. 3 - تهجم المؤلف على بعض مناصري علي بن أبي طالب رضي الله عنه اعتمادا على أقوال ابن العربي المالكي ومن ذلك وصفه للاشتر النخعي ب‍ (اللئيم) وان (يده لا تزال رطبة من دم الامام الشهيد عثمان بن عفان) رضي الله عنه وأرى ان هذا الاتهام لاحد المناصرين لعلي بن أبي طالب هو اتهام لعلي رضي الله عنه نفسه، والاشتر تابعي كبير

[ 198 ]

وهو برئ من دم عثمان جاء ذلك بأسانيد غاية في الصحة، أما خروجه مع الثائرين فلم ينكر حصوله أحد، وقد خرج مع الثائرين من هو أفضل من الاشتر كعبد الرحمن بن عديس البلوي وعمرو بن الحمق الخزاعي وهما من الصحابة المهاجرين، بل كان معهم بعض البدريين كجبلة بن عمرو الساعدي، وقد صح عن الاشتر براءته من دم عثمان رضي الله عنه وكراهيته لمقتله واعتزاله بالمدينة قبل مقتل عثمان وصح عنه مفارقته للثوار وكراهيتهم له وسبهم له ولذلك استعان به علي رضي الله عنه وكان من كبار قواده. ولا شك ان الصحابة الذين كانوا يعارضون سياسة عثمان قد ندموا ولم يكونوا يرون قتله، أما الاشتر فقد اعتزل من أيام الحصار وكراهيته لقتل عثمان صحيحة معلومة، لكن الباحثين (لا يبحثون) والمحققين (لا يحققون) وروايات الكذابين تغزو (الحواشي والمتون) فيتهم البرئ ويبرأ الفاعل وتخلط الاوراق والمؤلفون مشغولون بالوظائف والاعمال عن الدراسة والتدقيق والتحقيق فأصبح تاريخنا (خلطة) تجد فيها الحق بصحبة الباطل في تزامل عجيب لم يشهد له التاريخ مثيلا ! ! !. 4 - ومن أخطاء المؤلف ما ذكره ص 1 - 7 من ان طليحة بن خويلد رد عمارة بن شهاب والي علي على الكوفة وهذا خطل من القول بناه على روايات سيف بن عمر الموضوعة، فطليحة بن خويلد مات قبل بيعة علي بنحو خمسة عشر

[ 199 ]

عاما. وكذلك زعمه أن عبادة بن الصامت وأبا الدرداء وغيرهم قاموا للمطالبة بدم عثمان ؟ ! قد سبق ان هذا القول قول باطل فعبادة بن الصامت قد مات قبل عثمان بسنة وكذلك أبو الدرداء مات قبل عثمان بمدة فكيف يطالبان بدمه ؟ ! هذا نقله المؤلف من ابن كثير، وابن كثير نقله محرفا عن سيف بن عمر وسيف إنما روى ذلك في حياة عثمان وليس بعد وفاته فوهم (ابن كثير) وتبعه (كثير) من الناس منهم المؤلف. هذه بعض الاخطاء التي تتعلق بالبيعة وتوابعها. ومن حسنات المؤلف انه قد اصاب في كثير من النتائج التي توصل إليها من كون بيعة علي رضي الله عنه وخلافته مجمع عليها وانه لم يتخلف عنها أحد ولم يكرهها أحد ومثل هذه التقريرات الجيدة، أضف إلى ذلك - وهو الاهم - اثباته لدلالات الاحاديث الصحيحة. مثل حديث عمار وحديث خاصف النعل وغير ذلك فالكتاب رغم تقريراته ونتائجه الجيدة إلا أنه ضعيف المنهج جماع بين الصحيح والضيف والموضوع. عتاب وجواب: عتب علي بعض الاخوة الاكثار من ذكر سيف بن عمر

[ 200 ]

وتضعيفاته أثناء هذه المقالات وقال قد سبق لك في حلقات ماضية أن أشبعت سيف بن عمر بحثا ودراسة وتضعيفا فلا - داعي للتكرار.. والجواب على هذا العتاب أقول: الذنب ليس ذنبي وانما ذنب هؤلاء الذين أكثروا من النقل عن سيف بن عمر فعندما أنقد أقوالهم وأحكامهم الضعيفة لابد أن أبين سبب الضعف فعندما أفتش عن هذا السبب أجد سيف بن عمر في الانتظار ! ! فماذا أفعل ؟ ! هل أترك نقد الروايات الضعيفة في الدراسات الجامعية ولا أبين سبب ضعفها حتى لا تتكرر بعض المعلومات ؟ ! فأنا عندما أخذت نموذجا (بيعة علي) لارى مدى التزام أصحاب هذه الدراسات بما يدعون إليه من نظريات وجدت كثيرا من أقوالهم يبنونها على روايات سيف بن عمر ! ! ويتركون الروايات الصحيحة أو يجهلونها فكان لابد من ذكر هذه الاخطاء، وتكرار نقد روايات سيف مني إنما هو فرع عن أصل، فالاصل هو تكرار هذه الدراسات لسيف ومروياته ومضامين مروياته والفرع هو نقدي لهذا التكرار والاعتماد ! !.. فالذنب في التكرار ذنب هؤلاء الاخوة وليس ذنبي فلو لم يعتمدوا على سيف بن عمر لما وجدتم في مقالاتي هذه حرفا واحدا عنه هذا أولا. أما ثانيا: فإن تكرار تضعيف سيف بن عمر لا يعني تكرار المعلومة نفسها فإن المعلومات مختلفة وإن كان راويها واحدا، فالتكرار من هذه الزاوية فيه فوائد من حيث بيان (الحضور الكبير)

[ 201 ]

لروايات سيف بن عمر في دراساتنا التاريخية ! ! التي تعد بتجنبه وأمثاله، وكثير من المعلومات غير الصحيحة التي بينت ضعفها من وجهة نظري لم يكن يعلم بعض المهتمين أنها من طريق سيف بن عمر ! !، بل ربما كرر أصحاب الدراسات أقوالا لا يعرفون انها مبنية على روايات سيف بن عمر ؟ ! فكان في تكرار سبب الضعف الواحد لهذه المعلومات المختلفة أمر مدهش ومستغرب ويدعو للحيطة والحذر ! !، وقد جلست مع بعض المهتمين بالتاربخ الاسلامي ممن يؤمنون بضعف سيف بن عمر وكانت عنده معلومات يظنها حقائق ولا يعرف ان مصدرها سيف بن عمر ! ! فلما عرف ان مصدرها سيف أبدى تعجبا واستغرابا وتعلم جديدا.. فالتكرار من هذه الزاوية عظيم الفائدة.. أما ثالثا: فإن سيف بن عمر من أكثر المؤرخين تشويها وطعنا في بيعة علي بن أبي طالب ونقل أكثرهم هذا التشويه وهذا الطعن في البيعة وشرعيتها فكان لزاما علي أن أبين هذا، وهذا يقودنا قطعا لشئ من التكرار، في وصم سيف بالضعف والكذب والاختلاق والمخالفة.. الخ لاننا وجدنا رواياته تخالف الروايات الصحيحة التي اشرنا إليها والى مصادرها باختصار في المقال الاول.. فطعن سيف في بيعة علي وتشويهها ومخالفته للروايات الصحيحة ادى إلى تكرار النقد..

[ 202 ]

رابعا: مقالاتنا السابقة عن سيف بن عمر لا تعني أننا لا نعيد ذكر ضعفه عند الحاجة، وأغلب المقالات أو الدراسات لابد أن تكرر أشياء وتحيل على بعضها ولن تجد دراسة أو مقالا أو كتابا خاليا من بعض التكرار لان المادة التاريخية متداخلة وكذلك المادة الفقهية والحديثية وغيرها من العلوم لابد أن تجد فيها معلومات مكررة تدعو الحاجة إلى هذا التكرار. أحببت التوسع في ذكر هذا العتاب وجوابه لانه قد يأتي بعض التكرار ايضا سواء في هذه المقالات أو مقالات قادمة وإذا لم نكرر نقد المصادر فلن نستطيع معرفة الحقائق.

[ 203 ]

الفصل الثامن مع االدكتور محمد السيد الوكيل في كتابه (جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين) والدكتور عبد العزيز نور ولي في رسالته (أثر التشيع على الرواية التاريخية) والاستاذ عبد الله محمد علي حيدر في رسالته (مرويات ابن إسحاق)

[ 205 ]

مع ادكتور محمد السيد الوكيل في كتابه (جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين) والدكتور عبد العزيز نور ولي في رسالته (أثر التشيع على على الرواية التاريخية) والاستاذ عبد الله محمد علي في رسالته مرويات ابن إسحاق) كتاب: جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين. تأليف: الدكتور محمد السيد الوكيل. أيضا هذا الكتاب لم يكن أصله رسالة جامعية لكن مؤلفه يشرف ويناقش العديد من الرسائل الجامعية في التاريخ الاسلامي فلذلك أدخلناه هنا مثلما أدخلنا كتاب الدكتور أكرم العمري، والدكتور الوكيل أكد في المقدمة ص 6: ان المؤرخين الاقدمين (تلقوا الاحداث تلقيا عن طريق الرواة بينما نحن لا نقبلها إلا بعد ان تمر بفحص دقيق وتجارب عديدة وتجتاز الاختبار بنجاح). وأكد قبل ذلك في الصفحة نفسها انه (ينبغي تحقيق الحادثة والتثبت من صحتها) وهذا جيد ومقدمة كتابه أيضا جيدة متينة رغم قصرها لكن لما نأتي لموضوعات الكتاب لا نجد ذلك (الفحص) ولا


صحيفة الرياض، الاربعاء 24 صفر 1417 ه‍ - 10 يوليو 1996 م (*)

[ 206 ]

(التدقيق) ولا (الاختبارات والتجارب العديدة) فنجد المؤلف سامحه الله يكتفي بالجمع ونسبة ذلك لمصادره دون تفصيل ولا دراسة للاسانيد ولا مقارنة بين المتون. وعقد المؤلف فصلا عن بيعة علي ص 433 من كتابه بعنوان (مبايعته بالخلافة) وسرد مضامين روايات سيف بن عمر فقال ص 435: (اما بيعة علي فكانت على خلاف ذلك، فإنها تمت في ظروف سيطر فيها الارهابيون على العاصمة واعتدوا على الخليفة فقتلوه...). وسبق ان قلنا: إن هذه السيطرة انفرد بها سيف بن عمر وان الروايات الصحيحة تؤكد ان الصحابة من المهاجرين والانصار هم الذين عقدوا البيعة لعلي وهم الذين جاؤوه في بيته ثم واعدهم في المسجد النبوي وبايعوا ولم يصح تخلف أحد منهم هذا ما نطقت به الروايات الصحيحة التي ذكرنا مصادرها في بداية المقالات ولم نسردها خوف الاطالة وإنما نقلت مضمونها وخلاصتها. أما روايات سيف خاصة فتصوران الامر (أمر قتله عثمان) وليس للصحابة في هذه البيعة حل ولا عقد ولا مشورة مع انه صح عن علي في أصح الروايات انه أبى قبول البيعة إلا (عن رضى من المسلمين) وانه أبى البيعة في بيته وأبى ان تكون بيعته (فلتة) فلذلك لما جاء المسجد جاءه المسلمون وفيهم المهاجرون والانصار فبايعوه بكل رضا واختيار ولم يشترطوا (إقامة الحدود) كما في روايات سيف الكذاب لان البيعة إنما هي على الكتاب

[ 207 ]

والسنة فهي تأتي على كل شئ، وكأن سيف في روايته (اشتراطهم اقامة الحدود) كأنه يريد الاعتذار عن الخارجين على علي بأن (قتله عثمان لم يقتلوا) وما دام ان البيعة بشرط ولم يتحقق الشرط فقد بطلت البيعة ولم تلزم أهل الشام ! ! وفي رواية سيف اتهام مبطن لعلي بأنه يريد (اضاعة الحدود ويرفض تطبيق أحكام الشرع) فسيف بروايته تلك يكون قد ضرب أكثر من حقيقة بخبر مكذوب وقد بينا في حلقات ماضية موقف الصحابة من الاقتصاص من الجماعة المتأولة أو من أفرادها وكيف ان أكثر الصحابة على ترك القصاص من المتأولين إضافة إلى عدم معرفة القاتل بعينه وعدم توفر أدلة الاثبات والشهود فهذا كله من موانع الاقتصاص وقد توسع الشافعي في كتاب الام في شرح هذه القضية. - وذكر المؤلف ص 431: (غياب كثير من الصحابة عن المدينة) أيام بيعة علي وهذا أيضا من أباطيل سيف بن عمر فإن أكثر الصحابة بالمدينة أما خروج بعضهم من المدينة للفتوحات والولايات فهذا حاصل من عهد أبي بكر رضي الله عنه. - وذكر المؤلف ص 437: عرض الثوار البيعة على طلحة والزبير وسعد وابن عمر ثم ختم الرواية بقوله (يقول ابن جرير: فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون والامر أمرهم) وهذا ليس قول ابن جرير الطبري بل هذه رواية سيف بن عمر التميمي انظر الطبري (4 / 432) وكان الاولى بالمؤلف ان ينقل الخبر منسوبا إلى

[ 208 ]

قائله لاننا بقولنا (قال ابن جرير) نلغي الاستفادة من سرده للاسانيد فهو لم يسرد الاسانيد عبثا لان كلمة (رواه الطبري) يدخل فيها الصحيح والموضوع ولا يجوز ان نطلقها دون تقييد مثل (رواه الطبري من طريق سيف) أو (رواه الطبري من طريق الواقدي...) وهكذا فهذا التحديد يوفر على القارئ نصف المرحلة ويبقى النصف الاخر بالانتقال إلى الرواية نفسها والنظر في اسنادها، فاسناد فيه الواقدي أخف وأفضل بكثير من اسناد فيه سيف بن عمر فقد يستشهد باسناد الواقدي أو عوانة بن الحكم وقد يحتج باسناد لابن اسحاق أما سيف بن عمر فهذا لا يعرف كذبه وخبث رواياته وتعمده التزوير إلا من درسها وقارنها بروايات الصحاح وأسانيد المحدثين وثقات المؤرخين أما من يثني عليها قبل دراستها فهذا لن يفيده هذا الكلام وسيظل أسير الخيالات والاوهام. - قوله ص 437: (تواترت الروايات على ان عليا رفض ان يتولى المسلمين بعد مقتل عثمان). أقول: التواتر صعب، والصواب ان يقول (صحت الروايات) فدقة التعبير تدل على دقة التفكير ودقة العلم. - ذكر ص 445 - 441 اكراه الثوار لطلحة والزبير البيعة وقد سبق انها لم تصح من وجه وان الصحيح من الروايات يعارضها. - أجاد المؤلف ص 442: في الجمع بين الروايات التي تزعم تخلف بعض الصحابة على ضعفها مع الروايات العامة بأنه يظهر

[ 209 ]

ان التوقف في البيعة كان في البداية ثم لما اجتمع الناس على بيعة علي كانوا معهم، وهذا جيد على افتراض صحة تلك الروايات مع انها كلها ضعيفة بلا استثناء وقد أشرنا لها بالمصادر في المقال الاول وليرجع إلى أسانيدها من شاء فسيرى بنفسه انها ضعيفة بلا أستثناء مع معارضتها لما هو أقوى منها واصح. وذكر المؤلف ص 456 رد طليحة بن خويلد لعمارة بن شهاب وقلنا إن هذه من مختلقات سيف بن عمر فان طليحة مات قبل بيعة علي بنحو خمس عشرة سنة وهكذا فقد نقل المؤلف كثيرا من الروايات عن سيف وغيره من الضعفاء بل يكاد نصف كتابه أن يكون نقلا وتحليلا لروايات سيف بن عمر فكيف يمكنه (وهو على هذا الحال) ان يستطيع دراسة الاسانيد ومعرفة الضعفاء والثقات والجمع بين الروايات وحسن تحليلها ؟ ! وكيف يمكنه الالتزام بمنهجه النظري من (التدقيق) و (الفحص) و (الاختبار) للمرويات ؟ !

[ 210 ]

رسالة (اثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الاول الهجري) - رسالة دكتوراه مقدمة من الطالب عبد العزيز نور ولي - الجامعة الاسلامية - قسم التاربخ الاسلامي - - اشراف الدكتور كرم العمري الملاحظة الاولى: - ذكر المؤلف بيعة علي ص 379 من رسالته في الفصل الثالث وأورد الروايات التي جاءت من طريق الشيعة أو من طريق من اتهم بالتشيع من المحدثين وخلط بين الثقات والكذابين ويظهر من خلال رسالته أنه لا يفرق بين رواية سلمة بن كهيل وأبي مخنف ولا بين عمرو بن حماد شيخ مسلم وابن الكلبي وهذا خلط بين متفارقات. فروايات سلمة بن كهيل الذي روى له الجماعة ومنهم البخاري ومسلم واعتمدوه في روايات الاحكام الشرعية فكيف بغيرها لا يساوى بروايات أبي مخنف ولا نصر بن مزاحم. وكان على المؤلف ان يبين أن هذه الرواية صحيحة وان كان في أسانيدها بعض من اتهم بالتشيع من الثقات لاسيما وانه قد روى عنهم المحدثون وعلى رأسهم البخاري ومسلم. ثم ان الذي عليه أهل الحق من أهل الجرح والتعديل ان البدعة لا تؤثر في رواية الثقة حتى وان كانت هذه الرواية يفهم منها تأييد لبدعته، وأول

[ 211 ]

من اشترط الا تؤيد رواية المبتدع الثقة بدعته هو أبو إسحاق الجوزجاني وهو نفسه مبتاع فهو من كبار النواصب بالشام وإنما أورد هذا القول في مقدمة كتابه (الشجرة وأحوال الرجال) للرد على ثقات الكوفيين الذين اتهموا بالتشيع حتى يسقط الكثير من فضائل علي التي جاءت من طريقهم ! ! وعلى هذا فقوله هذا يؤيد بدعته فسيكون مطرحا ومردودا بمنهجه نفسه ولذلك نجد كبار المحدثين كالبخاري ومسلم لم يعولا على هذا، فقد أخرج مسلم أحاديث في فضائل علي من طريق بعض الشيعة الثقات كعدي بن ثابت وأخرج البخاري روايات يفهم منها التقليل من بني هاشم من طريق بعض المتهمين بالنصب كقيس بن أبي حازم ومروان بن الحكم. إذن فالدائرة المعيارية الحقيقية هي دائرة الثقة فإذا كان الراوي ثقة فلماذا لا نقبل رواياته فإن وجدنا في رواياته مخالفة مطردة لما رواه الثقات الذين يخالفهم المذهب فعندئذ يضعف بهذا ويكون ضعيفا جملة أما ان ناخذ من رواياته ما نشاء ونرد ما نشاء دون منهج ثابت فهذا خلاف ما عليه أكثر المحدثين وعلى رأسهم البخاري ومسلم فلم يتركوا روايات ثقات المبتدعة حتى ولو كان فيها تأييد لبدعتهم والامثلة على هذا كثيرة قد سبق بعضها. ملاحظات أخرى: لم يذكر المؤلف الروايات الصحيحة الاخرى المخالفة لروايات الشيعة التي سردها، كما لم يبين أن بعض روايات هؤلاء الشيعة

[ 212 ]

صحيحة مثل رواية سلمة بن كهيل التي رواها الامام أحمد وسندها صحيح وسلمة بن كهيل وان اتهم بشئ من التشيع إلا أنه لا يخفى على المؤلف أن كثيرا من ثقات المبتدعة سواء من الشيعة أو النواصب أو المرجئة أو القدرية قد اعتمدهم أصحاب الصحاح وأكثر المحدثين وخرجوا لهم بل لا يخلو مصدر حديثي من الاعتماد على سلمة بن كهيل وهو من كبار التابعين وأكثر التابعين الكوفيين شيعة وكانوا في عصرهم من أوثق الناس كما قال شعبة (انظر تهذيب الكمال 11 / 316) فكنا نود من المؤلف لو صنف هذه الروايات ويبين صحيحها من ضعيفها أما الاستعراض لهذه الروايات فإنه بسبب غموضا وتعميما مزعجا لكل باحث.

[ 213 ]

مرويات محمد بن اسحاق في كتاب تاريخ الرسل والملوك. - رسالة ماجستير - إعداد الطالب عبد الله بن محمد علي بن حيدر علي. - اشراف الدكتور عبد الكريم بن باز والدكتور عبد العزيز العثيم. - هذه الرسالة لم تتعرض لبيعة علي بن أبي طالب من قريب أو بعيد لعدم وجود روايات لابن اسحاق عنها في تاريخ الطبري لكننا أوردناها هنا لسبب في غاية الاهمية وهو ان بعض الاسانيد التي تكلم عنها قد نقلت لنا متونا كثيرة منها (بيعة علي) ومن أبرز هذه الاسانيد رواية ابن عباس فقد رواها الطبري عن جعفر بن عبد الله المحمدي عن عمرو بن حماد بن طلحة وعلي بن حسين بن عيسى عن حسين عن أبيه عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس ولها شاهد من رواية أبي بشير العابدي. وهنا في رسالة عبد الله حيدر ذكر اسناد الطبري الى عيسى (والد حسين) عن ابن اسحاق فماذا قال عن رجال الاسناد السابقين ؟ !. قال ص 441: - جعفر بن عبد الله المحمدي: لم أجد له ترجمة ! !. - عمرو بن حماد بن طلحة: لم أجد له ترجمة ! !.

[ 214 ]

- علي بن حسين بن عيسى: لم أجد له ترجمة ! !. - حسين بن عيسى: لم أجد له ترجمة ! !. أقول: سبحان الله بل هؤلاء معروفون عينا وان كان بعضهم مجهولا حالا واليلث التفصيل: 1 - جعفر بن عبد الله المحمدي: هو جعفر بن عبد الله بن جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب ونسبته (المحمدي) نسبة إلى محمد بن الحنفية وهو (ابن علي بن أبي طالب). وانظر الانساب للسمعاني (5 / 218) فكافي الاولى بالمؤلف ألا يقتصر على الكتب المشهورة في الجرح والتعديل بل يمتد لما سواها من كتب الانساب والتواريخ. 2 - عمرو بن حماد بن طلحة: قال المؤلف: (لم أجد له ترجمة) وهذا عجيب وجهل بالغ بأصول البحث عن الرواة فهذا من رجال مسلم واسمه عمرو بن حماد بن طلحة القناد وهو (ثقة يتشيع) من شيوخ الامام مسلم وروى له مسلم وأصحاب السنن الاربعة (الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة) وروى له البخاري في الادب المفرد. وله ترجمة في أشهر ومعظم كتب الرجال فهو مترجم في تقريب التهذيب ترجمة رقم (5014) (طبعة عوامة) وفي الطبقات الكبرى لابن سعد (6 / 408) وفي تاريخ الدارمي (ترجمة رقم 553) وتاريخ البخاري الكبير (6 / الترجمة رقم 2529) وفي الجرح والتعديل (6 / الترجمة 1268) وفي ثقات ابن

[ 215 ]

حبان (8 / 483) والكاشف للذهبي (2 / ترجمة 4208) والمغني للذهبي أيضا (2 / ترجمة 4645) والميزان له أيضا (3 / ترجمة 6353) وتهذيب التهذيب (8 / 22 / 23) وخلاصة الخزرجي (2 / ترجمة 5279) وتهذيب الكمال (21 / 591) وتاريخ الاسلام للذهبي (وفيات 221 - 230) ص 299. والانساب للسمعاني (10 / 232) وغيرها من كتب الرجال والتواريخ والانساب ولا أدري بعد هذا كيف استطاع الطالب ان يتلفظ بكلمة (لم أجد له ترجمة) ؟ ! ! فإذا لم نجد ترجمة لرجال مسلم فهل نستطيع ان نجد تراجم لرجال ابن اسحاق والواقدي ؟ ! ! 3 - أما علي بن حسين بن عيسى فقوله عنه (لم أجد له ترجمة) يشعر بكونه مجهولا عينا وهذا غير صحيح فهو معروف عينا فهو علي بن حسين بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وجهالته حالا لا تضر لانه قد توبع من عمرو بن حماد (السابق) أحد شيوخ مسلم. 4 - أما حسين بن عيسى: فقوله عنه لم أجد له ترجمة. فهذا غير صحيح فقد ترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (3 / 60) وهو حسين بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ولم يذكر فيه ابن أبي

[ 216 ]

حاتم جرحا ولا تعديلا لكنه من كبار أهل البيت واشرافهم وقد تزوج من ابنة الحسن بن صالح بن حي وهو مقل من الرواية بسبب خلافه مع بني العباس وعاش متخفيا مع أبيه ومثله لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن فمن المعلوم عند أهل الجرح والتعديل ان الاشراف وكبار القوم لا يكذبون فكيف بكبار أهل البيت المتقدمين. 5 - عيسى أبو حسين: ولم يقل عيسى بن زيد لانه ظنه مجهولا عينا وحالا ولم يتعب نفسه للرجوع إلى الجرح والتعديل (6 / 276) لابن أبي حاتم ففيه ترجمة عيسى هذا وقد سبق انه ابن زيد بن علي الذي ثار على الامويين عام 122 ه‍ وقتل فعيسى هذا ابنه وكان من اجلاء بني هاشم في زمنه ومن كبار أهل البيت ومحدثيهم وكان مع النفس الزكية وخرج على أبي جعفر المنصور ثم اختفى خوفا على نفسه وكان سفيان الثوري والحسن بن صالح وأمثالهم يجلونه ويحبونه وقد توسع أبو الفرج الاصفهاني في ترجمته في مقاتل الطالبيين ص 405 وكذلك ترجم له من المعاصرين الزركلي في الاعلام (5 / 102). فهؤلاء الرواة الخمسة معروفون عينا وكثرهم معروف عينا وحالا وبعضهم من شيوخ مسلم فقول المؤلف عن كل واحد منهم (لم أجد له ترجمة) فيه قصور واضح خصوصا وان هذا الاسناد سيضعف به المؤلف أسانيد كثيرة لان هذا الاسناد من الاسانيد إلى

[ 217 ]

ابن اسحاق وابن اسحاق موضوع رسالته ! ! فكانت المسؤولية مضاعفة هنا في استيفاء تراجم رجال الاسانيد التي توصلنا إلى ابن اسحاق والرسالة موضوعها مرويات ابن اسحاق فإذا كان هذا القصور في دراسة الطرق المحدودة الموصلة إلى ابن اسحاق فمن باب أولى ان يكون القصور في دراسة الاسانيد الكثيرة التي يوردها ابن اسحاق ! !.

[ 219 ]

االفصل التاسع مغالطات الفقيهي بين بريق النظرية وظلام التطبيق ! !

[ 221 ]

مغالطات الفيهي بين بريق النظرية وظلام التطبيق كنت في الاسبوع الماضي قد كتبت مقالا من جزءين (1) حاولت فيهما استنهاض همة القارئ ليكون أكثر مساهمة ومتابعة وايجابية لما ينشر من (المقالات العلمية) خاصة ولما يقرأه من المواد بشكل عام.. وبينت شيئا من المعاناة التي يكابدها الكاتب المخلص الذي يحرص على هذا القارئ لكن القارئ قد لا يقدر له جهده ويبقى سلبيا حتى لو حصل على الفائدة العظمى من هذا المقال أو ذاك. وطلبت من القارئ أن يحاول - بقدر الامكان - التحلي بالموضوعية والعدل وأن يحاكم الكاتب ويجبره على احترامه وألا يكون (إمعة) مع آخر المقالات ولا يقلد الكاتب بل يشارك في تقويم الكاتب نفسه. إذن فالمطلوب من القارئ هنا أن يتبع المنهج العلمي في حسن


صحيفة الرياض، السبت 23 / 1475 ه‍ - 5 أكوبر 1996 م - المقالان ستجدهما في الفصل الاخير من هذا الكتاب. (*)

[ 222 ]

القراءة وحسن الفهم وحسن المتابعة ثم حسن الحكم على مجهودات الآخرين سلبا وايجابا. وعلى هذا فلا أريد من القارئ الكريم أن يقلدني ولا يقلد الدكتور العمري، ولا الفقيهي ولا غيرنا، بل يحاول نصرة الحق الذي يراه ليساهم في (التصفية النقدية) التي نحن أحوج ما نكون إليها في هذا العصر. عودة إلى الفقيهي أعود إلى تعقيب الاخ عبد الحميد فقيهي الذي نشره على حلقتين في صحيفة " الرياض) أعداد (10237 و 10238) بتاريخ 18، 19 صفر 1417 ه‍. وكان الاخ عبد الحميد قد كتب ذلك التعقيب ردا على ما أوردته في نقد رسالته للماجستير ضمن مقالاتي المنشورة بعنوان (كيف يضحك علينا هؤلاء ؟ !) لماذا هذا الرد ؟ ! وأنا لا أخفيكم سرا أنني لم أكن انوي كتابة هذا الرد لان نقدي لرسالة الاخ الفقيهي أو غيرها من الرسائل والمؤلفات الجامعية كان واضحا بحيث يستطيع المهتم العادي أن يكتشف بنفسه من صدق معه ومن ضحك عليه ! ! لكنني فضلت الرد لامور منها: 1 - أن الفقيهي يمثل قطاعا واسعا من المؤرخين

[ 223 ]

(الاسلاميين) المعاصرين الذين يلبسون التاريخ الاسلامي بلباس الوعظ مع السطحية في تناول الروايات ودراستها وتحميلهم المنهج الاسلامي (منهج المحدثين) أخطاءهم وأحكامهم المسبقة ! ! ومسايرتهم للوضع العلمي السائد ! ! بما. فيه من ركود وخمول، وسطحية، وغلبة العواطف على الحقائق، والتشنج في التناول الجاد للقضايا الهامة في تاريخنا الاسلامي، واتهام المخالفين والطعن في عقيدتهم ومنهجهم، وهذه للاسف أصبحت سمة من سمات المؤرخين الاسلاميين المعاصرين.. فردي على الاخ الفقيهي هو رد على (منهج قائم بذاته) يحمل السمات السابقة ويضرب بجذوره في الصروح الاكاديمية ! !. 2 - سلبية القارئ: التي أشرت إليها في المقالات السابقة فقد كانت سببا رئيسا في نشر هذا الرد لان أكثر القراء إن لم نبين لهم الصواب ونكرره وندافع عما نراه من حق فسيكونون ضحية تلبيسات وأباطيل الذين لا يراعون (أمانة الكتابة) ولا يهمهم إلا الدفاع عن مؤلفاتهم أو أبحاثهم أو أفكارهم وكان الرجوع إلى الحق جريمة. لكننا مع الردود وإيضاح المسائل أكثر نساهم في حماية الحق وافادة القارئ والرفع في مستوى ايجابيته.

[ 224 ]

3 - ومن الاسباب أن الاخ الفقيهي - سامحه الله - قد حملني أشياء لم أقلها وأفهم القراء من مقالاتي أشياء لم تخطر لي على بال، فأجاد - سامحه الله - التحوير وأساء التفسير لكثير مما كتبته ولم ينس أن يتهمني بالبدعة والاستشراق كما هي ديدن أكثر المؤرخين (الاسلاميين) أيضا في هذا العصر. فلهذه الاسباب وغيرها كتبت هذا الرد الذي أرجو أن يساهم الاكاديميون أنفسهم في عملية (النقد الذاتي) التي نحن في أمس الحاجة إليها، بل لن يعلو لنا علم ما دمنا (نتستر) على أخطاء بعضنا حتى صار كثير من مؤلفاتنا ورسائلنا (أضحوكة) لكل متمرس في هذا الفن. المؤرخون الاسلاميون وأمانة المنهج كنت اتمنى ألا يشوه المؤرخون الاسلاميون منهج المحدثين هذا التشويه القائم على الشك في الاخرين واتهامهم مع الضعف البحثي وتحميل كل هذا (منهج المحدثين) فهم بهذا يسيئون أبلغ الاساءة إلى (منهج المحدثين) الذي لا يعرفون منه إلا (ألفاظ الجرح) لمخالفيهم في الاراء، وألفاظ (التعديل) للمتفقين معهم. أضف إلى أن المؤرخين الاسلاميين أو أكثرهم في هذا الزمان قد أدخلوا في العقيدة أمورا تاريخية بحتة، فأصبحوا يتهمون كل من لم يقر بوجود عبد الله بن سبأ أو شكك في شخصية القعقاع

[ 225 ]

بل وصل الامر بصاحبنا الفقيهي إلى إتهام من ضعف سيف بن عمر ! !، أي أن سيف بن عمر أضيف أخيرا إلى (العقيدة) وصار الايمان بأنه (ثقة) من الواجبات العقدية ! !، فاتخمت العقيدة بهذه الاباطيل، لان كل أحد أصبح يضيف إليها ما يشاء ويوافقه أمثاله حتى أخرجوا الاخرين بجهل لا بعلم من دائرة السنة إلى دائرة البدعة. وللاسف فإن هذه (الادخالات) قد وظفت منذ زمن بعيد في محاربة وطمس الرأي المخالف لارائنا ولو كان حقا، وبسبب هذه (الادخالات والاضافات إلى العقيدة) تجد المسلمين اليوم أو أكثرهم غارقين في (الاتهامات المتبادلة) لانهم - اضافة إلى ما سبق - لم يحددوا (الاسس العلمية الصحيحة) لهذه الاتهامات فكم من حق ظنه الاخرون باطلا وكم من مخلص أتهم ومن عاجز كيلت له المدائح (البالونية) ! !. إذن فأرجو أن يتسع صدر أخي عبد الحميد لما أورده من ملاحظات مثلما اتسع صدري لملاحظاته مع أن فيها من الاتهامات (الثقيلة الوزن) التي أرجو أن يغفرها الله له إن كان مجتهدا معتقدا أنه محق فيها لكنني لا أسامحه إن كان يعرف أنه مبطل فيها، فالفقيهي يعرف نيته ولا أعرفها. أما أبرز الملاحظات على الاخ الفقيهي مما أورده في تعقيبه فكالتالي:

[ 226 ]

الملاحظة الاولى: نشر الاخ الفقيهي تعقيبه قبل اكتمال الرد عليه فهذه سابقة عجيبة لم أعرف لها سرا اللهم إلا ان كان الفقيهي يريد من (تلاميذه) أن يحصلوا على تعقيبه قبل تفرقهم في العطلة الصيفية ! ! لكن يبقى هذا خلاف المنهج فمن المعلوم عند العقلاء أنه يفترض في (المردود عليه) أن ينتظر حتى ينتهي (صاحب الرد) من اتمام رده، وهذا من (آداب) الحوار المعروفة التي ينبغي أن يلتزم بها الاكاديميون فكيف بغيرهم ؟ والغريب أن الاخ الفقيهي ذكر أنه سيتناول (بالتفصيل) ! ! كل ما نشرته من مقالات فكيف يستطيع وقد نشر رده قبل اكتمال نشر مقا لاتي ! ! الملاحظة الثانية: لم يستطع الفقيهي أن يرد ملاحظة واحدة من الملاحظات الاربع والعشرين التي أوردتها في مقالاتي ردا على الاخطاء التي وردت في رسالته للماجستير فيما يتعلق ببيعة علي بن أبي طالب فقط. وهذا إقرار من الفقيهي (غير مباشر) بأنني مصيب في تلك الملاحظات ! !.. قد يقول قائل: فماذا كان رد الفقيهي متعلقا به ؟ أقول: أغلب رده كان إما نبذة عن الجامعات في المملكة

[ 227 ]

وخاصة الجامعة الاسلامية أو الدخول في موضوعات خارج الملاحظات وذهب إلى كتابات حول الفتنة وصلح الحسن وغيرها مما لم أتكلم عنه بينما ترك الدفاع عن الاخطاء التي وقع فيها وللاسف لم يعترف بخطأ واحد، كما لم يستطع أن يدافع عن خطأ واحد، فجمع بين المكابرة والمحاورة. ويتبين من رد الفقيهي أنه لم يكتبه إلا لتلاميذه لانه يحتك معهم يوميا وربما فيهم بعض النابهين فذهب رد الفقيهي في أودية ليس معه فيها إلا الريح وكان الاولى أن يرد على ملاحظاتي واحدة واحدة أو ليعترف بالاخطاء ويربي طلابه على الاعتراف بالخطأ وهذه من أكبر ميزات الرجل العالم. وللاسف فإن رد الفقيهي يظهر منه أن الفقيهي لم (يفقه) لب الموضوع ولا موطن الاختلاف وخلاصته أن الفقيهي لم يلتزم بما وعد به من النظريات البراقة. فراح يغرق في التنظير مع أن هذا ليس موطن الخلاف إنما الخلاف في التطبيق. الملاحظة الثالثة عنون مقاله بقوله (نرحب بالنقد العلمي) ولم نجد إلا ترحيبا نظريا في العنوان فقط أما التطبيقي فكان محتوى المقال خلاف هذا الترحيب ! ! وإلا قل لي متى يكون استعداء الجامعات ترحيبا بالنقد العلمي ؟ ! ومتى يكون إتهام المخالف بأنه مع المستشرقين ترحيبا علميا إلا في قاموس الفقيهي ؟ ! وإذا كان هذا ترحيب الفقيهي فكيف يكون تأنيبه ؟ !

[ 228 ]

الملاحظة الرابعة قول الفقيهي (ونرفض إتهام الصحابة بالخروج).. أقول: أيضا الفقيهي (لم يفقه) القضية فلا يستطيع هو ولا غيره إلغاء التاريخ ولا يستطيع أحد أن يقول إن عثمان لم يبتلى بخروج بعض الصحابة عليه، ولا يستطيع أحد أن يقول إن عليا لم يبتلى بخروج بعض الصحابة عليه، فهذه مسألة أصبح العوام يعرفونها فضلا عن الخواص والمتخصصين، وقد أثبت الفقيهي نفسه كلمة (خرج) في رسالته في أكثر من موضع.. أما تفسيره لكلمة (خرج) بأنها تعني رأي الخوارج فهذا لم يقل به أحد من السلف ولا من الخلف وأنا أجزم بأن الفقيهي يعرف هذا جيدا لكنه وجد شحا في الملاحظات على مقالاتي حتى أنه لم يجد إلا هذه الكلمة فذهب ينفخها ويفسرها تفسيرا بعيدا لا يوافقه عليه أحد، لكنه يريد من هذا استعطاف السذج من القراء (ومواصلة الضحك عليهم) ! ! بهذا العنوان (العاطفي) الذي ليس له موقع من الاعراب. الملاحظة الخامسة: أسلوب الاخ الفقيهي الذي مارسه في استعداء الاخرين ضدي سواء المؤسسات العلمية أو بعض الشخصيات فأنا أعاتب الفقيهي على هذا الاسلوب ليس حماية لي وإنما حماية لمصداقية الفقيهي، لان هذا الاسلوب أصبح دليل العجز وشماعة الاخطاء. وكل من قرأ المقالات يعرف أنه ليس هناك من داع لما بدأ به الفقيهي مقاله

[ 229 ]

من الثناء العطر على جامعات المملكة ثم الجامعة الاسلامية وقسم السيرة والتاريخ بها ! !، فهذا كله خارج الموضوع اضافة إلى أن دفاعه عن هذه الجهات دفاع ضعيف وليت الفقيهي أجاد الدفاع عن رسالته فكيف يجيد الدفاع عن هذه الجهات ويورد نفسه في أمور ليس له فيها ناقة ولا جمل ! !. ثم إن الجامعات أو الاقسام التاريخية بها تستطيع أن ترد على ما كتبته إن كان ما كتبته عنها يخالف الحقيقة. فليس من المحرم أن نكتب بعض الملاحظات على جامعة من الجامعات أو قسم من الاقسام أو وزارة أو أية مؤسسة حكومية أو أهلية، الفقيهي نفسه يقول (لا يأبى النقد العلمي إلا مكابر) إ ! لكن أن يجعل الفقيهي نفسه (وصيا) على الجامعات في المملكة فهذا يبدو أنه أسهل له من أن يدافع عن رسالته ! ! الملاحظة السادسة: الاخ الفقيهي بعدما اتهمني - وما أسهلها من تهمة - بأنني خصصت الجامعة الاسلامية بمزيد من النقد ذكر السبب بقوله (لانها الرائدة في محاولة تطبيق منهج المحدثين...) ؟ ! وأنا أبارك للاخ الفقيهي (فقهه) للمسألة وذكاءه في هذه النقطة وقوة (حاسته) النقدية ! ! وهكذا فليكن الترحيب بالنقد العلمي ! ! الملاحظة السابعة: قول الفقيهي (وقبل الدخول في المناقشات التفصيلية لكل ما ذكره (المالكي) في مقالاته عموما ولما خص به رسالتي خاصة...)

[ 230 ]

أقول: كيف تستطيع (المناقشات التفصيلية لكل ما ذكرته) مع أنك نشرت ردك قبل اكتمال نشر مقالاتي تلك بل قبل الانتهاء من نشر الردود على رسالتك وحدها ؟ ! فكيف تجمع بين النقيضين ؟ ! وبأي منهج تتحدث ؟ ! ألست معي بأن هذا خلاف (النقد العلمي) ! ! لماذا تعد القراء بأشياء هم أول من يكتشف أنك غير صادق فيها ؟ ! لماذا تحرق نفسك بهذه الطريقة ؟ ! أنا أربأ بالاخ الفقيهي أن يتشبه ببعض الكتاب الذين (يزمجرون) في بداية المقال ثم لا يفعلون شيئا بعد ذلك. والفقيهي يهدد ويتوعد (بالمناقشات التفصيلية) ثم لم يرد على ملاحظة واحدة مما ذكرته ردا علميا وإنما يقتطف بعض الجزئيات ويدندن حولها. ثم إنه قد بلغني عن بعض (المردود عليهم) ممن يعترف الفقيهي بعلمهم وفضلهم عليه أنه أثنى على المقالات التي كتبتها ولم يتحفظ إلا على عنوان المقالات ولو ذكرت اسمه للفقيهي لسببت له (للفقيهي) حرجا شديدا ! ! الملاحظة الثامنة: الاتهامات والطعون التي لمح لها الفقيهي سواء بالاستشراق أو الرفض أو الطعن في الصحابة لم استغربها فليس لاكثر المؤرخين الاسلاميين اليوم إلا هذا، وهم ضحية التربية المتوجسة من الاخرين فلا تستغرب ألا تجد لهم من التحقيق إلا وعظ الموالف واتهام المخالف واستجداء العواطف ! !.

[ 231 ]

الملاحظة التاسعة قوله عن عنوان المقالات (كيف يضحك علينا هؤلاء) بأنه لا يفهم منه إلا اتهام أصحاب قسم السيرة والتاريخ بالجامعة الاسلامية.. أقول: وهذا أيضا من كمال (فقه الفقيهي) وحسن فهمه لما يكتب وصدق (حاسته) النقدية ! ! ولو سأل نفسه: هل كل هؤلاء الذين رددت عليهم تخرجوا من قسم الفقيهي فقط ؟ ! بل هل كلهم تخرجوا من الجامعات الاسلامية فقط ؟ ! الملاحظة العاشرة ذكر الفقيهي بأن رسائل قسم السيرة والتاريخ (حظيت بتقدير المراكز العلمية داخل المملكة وخارجها) ! !. أقول: هذا لا يمنع من وجود بعض الملاحظات الكبيرة أو الصغيرة، وأنا لم أنقد جميع أعمال ورسائل القسم ولا غيرها من الرسائل التي نوقشت في الجامعات الاخرى وإنما انصب نقدي على عشر رسائل ومؤلفات أخذتها (كنموذج) لم يلتزم أصحابها بالنظريات التي وعدوا بها.. ولا ريب أن ثناء الفقيهي (المطلق) على هذه الرسائل ثناء مشكوك فيه إن لم يكن مجروحا لانه بهذا يثني بطريقة غير مباشرة على رسالته ! !. ثم لم يخبرنا الفقيهي (أين هي تلك المراكز العلمية التي قدرت

[ 232 ]

تلك الرسائل ؟ !) وكيف عرف بأن الرسائل حظيت بتقدير تلك المراكز ؟ ! وما هي معايير تلك المراكز في (التقدير) ؟ ! وهل خصوا قسم السيرة والتاريخ بشئ من (التقدير) أم أن مثله مثل غيره ؟ ! وهل اطلع أصحاب تلك المراكز على (خبايا التطبيق) أم أنهم اطلعوا على (موجز) عنها وأتبعوه بالتصفيق ؟ ! علما بأن الباحث أو المحقق أو الكاتب الواثق إن اكتشف خطا فلا تهزه ثناءات الاخرين على هذا العمل (المنقود)، ولو تركنا كل عمل أو مؤلف أو رسالة لثناءات الاخرين وتقديرهم لما ساهمنا في تصحيح مسار هذه البحوث والدراسات. ثم إن المراكز العلمية داخل المملكة وخارجها ليس فيها إلا بشر مثلنا ومثل هؤلاء الذين ناقشوا هذه الرسائل وأعطوها (امتياز مع مرتبة الشرف الاولى) ! ! أم أن الفقيهي يريد ايهامنا أن تلك المراكز لا يمكن أن تخطئ ؟ الملاحظة الحادية عشرة ذكر أن مقالاتي لا تحتاج إلى رد (لولا ما قد يظنه غير المتخصص أنه نقد علمي) ! !. أقول: قد أثنى على هذه المقالات من المتخصصين في التاريخ من حصل على الدكتوراه فيه قبل حصول الفقيهي على شهادة الابتدائية ! !، لكنني لا أحب التشبث بالاسماء ولا بالتخصصات،

[ 233 ]

فالبراهين والادلة أفضل التخصصات.. كذلك لو كنت متشبثا بالتخصص لقلت للفقيهي قد رد عليك الشيخ مفلح الشمري وهو متخصص في (السنة وعلومها) بخلافك فأنت متخصص في (التاريخ فقط) وقد انتقد الشيخ مفلح تحميلك لمنهج (المحدثين) أخطاءك في الرسالة، لكنني أيضا لا أحب أن استخدم مع الفقيهي معايير أو ضوابط غير صحيحة لان التخصص معيار فيه ما فيه بينما الدليل والبرهان خير ضابط وأفضل معيار.. لان المتخصصين أنفسهم مختلفون في كثير من النتائج التي توصلوا إليها، ورسائل القسم (الذي يطريه الفقيهي) قد اختلفت في كثير من النتائج، ورسالة الفقيهي مختلفة عن مقاله في كثير من الامور (سيأتي ذكر بعضها). إذن فمعيار التخص معيار غير علمي على إطلاقه وخاصة العلوم الانسانية التي يترابط الكثير من موضوعاتها، إذن فقد بطل الاحتجاج بالتخصص الذي أراد الفقيهي أن يحتمي بزجاجه. فلا الفقيهي استطاع تطبيق منهج المحدثين ولا استطاع تطبيق المنهج التاريخي، بل كانت رسالته خلطة عجيبة لا لون لها ولا طعم ولا رائحة بسبب عدم التحديد الدقيق للمنهج وعدم التطبيق الادق لنظرياته. الملاحظة الثانية عشرة: قال الفقيهي (إن للنقد موازين ومعايير إذا التزم بها الناقد استفاد وأفاد).

[ 234 ]

أقول: أنا متفق مع الفقيهي في هذه النقطة، لكن يبقى الكلام نظريا فقط فالفقيهي لم نجد في نقده من الناحية التطبيقية أيا من هذه الموازين ولا تشم فيها رائحة لمعيار من المعايير بل نجد اتهام الاخرين بالباطل مع المكابرة والتنصل من كل الاخطاء فأين الموازين والمعايير ؟ ! فتعقيبه الذي نشره لم نلمس منه شيئا من هذا الكلام النظري الجميل. الملاحظة الثالثة عشرة أرشدنا الفقيهي إلى الرجوع لفصل (النقد) في كتاب الدكتور أكرم العمري المسمى (مناهج البحث). وأقول: ليس المهم الاحالة إلى الكتب والنظريات التي تضمنتها لكن المهم هو الالتزام بتلك النظريات، فليس الخلاف إلا في التطبيق. وكتاب (مناهج البحث) للدكتور العمري لم يستوف الجانب النظري فضلا عن الجانب التطبيقي فكيف بالتزام طلابه (عمليا) بهذه الموازبن في النقد ؟ ! !. وقد رأينا الفقيهي نموذجا من هؤلاء لا يحسن من النقد إلا الاتهام بالباطل أو التنصل من الاخطاء، بل إن الفقيهي أول من يخالف كتاب العمري من الناحية العملية لا النظرية، فمن المقاييس التي ذكرها العمري ألا يتأثر الناقد أو المنقود (بالعلاقات الاجتماعية والمجاملات الشخصية منها والعامة مثل مجاملة الرأي العام والتجاوب مع اتجاهاته). فهل ترون الفقيهي قريبا من هذا

[ 235 ]

المقياس ؟ ! وبم تفسرون بداية مقاله الذي وشحه باطراء ومديح الجامعات والاقسام والمشرفين والاساتذة وجعل هؤلاء فوق مستوى النقد والتعقب وهكذا لم أجد مقياسا صحيحا من مقاييس كتاب العمري إلا وقد خالفها الفقيهي عمليا لا نظريا ! ! فالفقيهي إلى الان (لم يفقه) أن الاقوال سهلة لكن التطبيق هو المحك. ومن طالع نقد الفقيهي للدراسات المعارضة في آخر رسالته عرف مدى علم الفقيهي بالمقاييس والموازين ومدى ايمانه بها وتطبيقه لها ؟ ! الملاحظة الرابعة عشرة: قول الفقيهي (إن المنهج الذي سلكه قسم السيرة والتاريخ لا غبار عليه) ! ! أقول: القسم لا يتحمل أخطاء الطلاب مباشرة ثم أقول للفقيهي: هل تستطيع أن تزعم (أن عليه غبار) ؟ ! لا أظنك تستطيع إلا الموافقة على صحة المنهج وخلوه من العيوب النظرية والتطبيقية ولو قلت خلاف ذلك لادنت نفسك ورسالتك فما أنت إلا أحد أبناء القسم وما رسالتك إلا صناعة من صناعات القسم ولو كان في المنهج أدني غبار (لما أخرج لنا مثل رسالة الفقيهي) ! ! التي لم تحمل منهج المحدثين ولا حسن تحليل المؤرخين.. ولا أدري لماذا لم يذكر لنا الفقيهي أهداف ذلك المنهج وأسسه حتى نناقشه في ضوئها.. أم أن المنهج (شفوي) فقط - والشفوي يخضع للتحوير والتبديل من شخص لاخر فعندما نحاكم هواء

[ 236 ]

وكلاما منطوقا يكون أصعب بكثير من محاورة المنهج المكتوب المعلن.. وسواء كان القسم (الذي تخرج منه الفقيهي) له منهج أو هو بلا منهج لا يهمنا هذا، إنما يهمنا أن بعض (انتاجاته) ورسائله فيها ضعف ظاهر وبعض تلك الرسائل فيها قوة ظاهرة، ورسالة الفقيهي خير شاهد على ضعف ذلك (البعض) من الرسائل ولا أدري كيف أجيز للفقيهي تجاوز (الاحكام الشرعية) في رسالته فضلا عن تجاوز الحقائق التاريخية ؟ ! ! الملاحظة الخامسة عشرة قول الفقيهي (إن علماء أهل السنة قد حصنوا أفكار أتباعهم من القواصم). أقول: هذا اتهام شبه معلن بأنني لم أنج من تلك القواصم ! !، التي ذكر منها الفقيهي تهجمي على قسم السيرة والتاريخ ! ! وزعمي ! ! بأن عبد الرحمن بن عديس خرج على عثمان ! ! لم ينس القاصمة الكبرى وهي أنني (أعبر عن آرائي بكل صراحة) ! ! وبأمثال هذه (القواصم) أخرجني الاخ الفقيهي من (أهل السنة) إلى المبتدعة والمستشرقين ! ! وليت الفقيهي (يفقه) بأن اخراج الناس من السنة إلى البدعة بلا علم ولا بينة هي (القواصم الحقيقية). فإذا كان الفقيهي قد حمل قسم السيرة والتاريخ أخطاءه في رسالته فهو هنا يحمل أهل السنة هذه العقيدة، التي هم منها براء، وقديما قيل (عدو عاقل خير من صديق جاهل) ! !.

[ 237 ]

قلنا في حلقة سابقة إنه ليس الهدف من هذه المقالات رد الاخطاء التي وقع فيها الاخ الفقيهي فقط، إنما الهدف الاهم والاشمل هو استعراض أبرز الاخطاء (التطبيقية) عند قطاع كبير من المؤرخين ألا وهم (المؤرخون الاسلاميون) على وجه الخصوص، فهؤلاء وإن كان فيهم القوي في علمه الصحيح في نيته إلا أن أغلب هذا القطاع - للاسف - فيه سطحية ظاهرة في تناول القضايا التاريخية مع إلباس العاطفة والاراء الجماهيرية بلباس العلم والتحقيق والتدقيق مما (شوش) على المنهج (منهج المحدثين) وشوه تطبيقه، فهذه المقالات أرجو أن يكون فيها إبراز للمنهج التطبيقي عند (المحدثين) مع تبرئه من تطبيقات (المؤرخين الاسلاميين) المعاصرين، وأنتم تلاحظون تركيزي على (المؤرخين الاسلاميين) دون غيرهم لان هؤلاء يتحدثون بلسان (أهل الحديث) ويكتبون باسم (الاسلام) مع ما في كتاباتهم من آراء خطيرة لا يقرها (الشرع) ولا (منهج المحدثين) ولا (أصول الاستدلال) ولا (المنهج التاريخي البحت) القائم على مقارنة المتون ودراستها، فلذلك أرجو ألا يفهم القارئ من هذه المقالات أنها مجرد رد على خصم، وإنما أرجو أن تساهم في تصحيح مسار (الدراسات الجامعية) في التاريخ لتكون أكثر عمفا وأقوى تحليلا وألصق بالنظرية. أما الان فنستكمل المشوار مع الاخ الفقيهي فنقول:

[ 238 ]

الملاحظة السادسة عشرة: قوله: (يظهر أنه (يقصدني بهذا القول) لم يقرأ كتاب العواصم من القواصم لابن العربي). أقول: أولا: مما يدل على تقليد وسطحية كثير من المؤرخين الاسلاميين انهم ينسبون لهذا الكتاب ويوصون به وكأنه أحد الصحيحين ! ! مع أن الكتاب مثل سائر الكتب فيه حق وباطل ولعل تعليقات محب الدين الخطيب زادت الامر شرا مستطيرا، وصارت أقواله مقدسة عند كثير منهم مع أنه (أي الخطيب - يرحمه الله -) كان في غاية السطحية والانتقاء المدفوع بدوافع (الهوى المضاد) فقد دفعه هذا الهوى إلى تنقص علي بن أبي طالب في أكثر من موضع، ولو استطردت في إثبات هذا لما انتهيت. إضافة إلى تحريفه للنص (الذي حققه من العواصم) وتصرفه الذي يدل على أنه - رحمه الله - لم يكن نظيف البحث ولا نظيف النية. أما المقلد فيمدح الكتاب مع المادحين (1). ثانيا: الاءخ الفقيهي قد خالف موضوعات رئيسية في كتاب العواصم ووقع في كثير من (القواصم) التي يراها ابن العربي أو الخطيب، بل إن رسالة الفقيهي تكاد تتناقض تناقضا شبه كامل مع


(1) من الذين ردوا على محب الدين الخطيب وانتقدوا تعصبه لبني أمية، الاستاذ منذر الاسعد في كتابه (براءة الصحابة في انفاق) ص 104 ومن الذين ردوا على الخطيب تحريفاته للنصوص الدكتور محمد جميل غازي والاستاذ محمود مهدي الاستانبولي في تحقيقهم لكتاب العواصم، ورد عليه الالباني تضعيفه للاحاديث الصحيحة كما في حديت الحوأب وغير ذلك واتهمه عمار طالبي بتحريف نصوص من كتاب ابن العربي ! ! (*)

[ 239 ]

(العواصم) فمن منا لم يقرأ الكتاب ؟ ! ثم هل الكتاب بهذه الاهمية حتى يصبح الجهل به جهلا بالعلم ؟ ! كنت أتمنى من الفقيهي أن يوصيني بالكتاب والسنة فهي المنجية من القواصم. وليس بكتاب من زعم (أن الحسين قتل بسيف جده) إ ! على أية حال: فإن كانت مخالفة كتاب ابن العربي (من القواصم) فقد وقع الفقيهي في كثير منها وكم من قضية أثبتها الفقيهي هي عند ابن العربي (أكاذيب) ! ! ووالله إنني كنت قد جمعتها لكن خشية طول الرد لم أوردها لكن ليرجع الفقيهي ويقارن النتائج التي توصل إليها ابن العربي ومحب الدين الخطيب ثم ليقارن هذا مع نتائج رسالته فإن فعل فلن يوصي بقراءة كتاب (العواصم) بعد اليوم ! ! ! الملاحظة السابعة عشرة: دلل الفقيهي على انني لم أقرأ كتاب العواصم بقوله (وإلا لو قرأه لما وقع في تلك القاصمة وهي قوله (والعجب فيمن يعذر معاوية في الخروج على علي ولا يعذر عبد الرحمن بن عديس في الخروج على عثمان). فإن هذا القول - ولا يزال الكلام للفقيهي - لم يسبق إليه أحد من أهل السنة ولم يصدر إلا من الرافضة. أقول: أولا أيضا الفقيهي (لم يفقه) القضية، القضية بكل بساطة ان عثمان وعليا خليفتان راشدان وأن من خرج عليهما فقد أخطأ بغض النظر عن النية والاجتهاد. فإذا حكمنا على الخارج على عثمان بأنه أخطأ فكذلك الخارج على علي وإن عذرنا الخارج

[ 240 ]

على علي وزعمنا أنه مصيب، فكذلك الخارج على عثمان لان أدلة المعارضين (معارضي عثمان وعلي) ضعيفة لا تبرر لهم الخروج بالسيف. أما الفقيهي فإنه يعتبر من يعذر عبد الرحمن بن عديس البلوي (الرضواني) في الخروج على عثمان (رافضيا بينما من يعذر معاوية (وهو أقل فضلا من ابن عديس) في الخروج على علي يعتبره سنيا سلفيا ! !. ثانيا: ابن العربي (الذي أوصى الفقيهي بكتابه) يعتبر عبد الرحمن بن عديس البلوي من الخارجين على عثمان (انظر العواصم ص 123)، وهذا أمر ظاهر ومعلوم لكن الفقيهي تناقض هنا مع ابن العربي وزعم أن ابن عديس إنما يخالف عثمان في أمور اجتهادية، وهذه من (القواصم) عند ابن العربي ! ! ثالثا: هل تريدون أن يزيد عجبكم أكثر ؟ ! إذن تعالوا معي: الفقيهي في رسالته ص 119 يعتبر عبد الرحمن بن عديس البلوي من (الخارجين على عثمان)، بل يعتبره من (قتلة عثمان) يدل على ذلك العنوان الذي وضعه باسم (موقف علي من قتلة عثمان ص 118). لكن فالفقيهي في المقال الاول يقول عني: (ومن اتهامه لعدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج على عثمان.. والحقيقة غير ذلك، فابن عديس ومن ذكرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن أنكر بعض الامور الاجتهادية من عثمان مثل ابن عديس في ذلك مثل أم المؤمنين عائشة وأبي ذر، وهذا من باب الخلافات الفقهية أما التمادي ليصل إلى العصيان والخروج، فهذا لم يحصل

[ 241 ]

منهم مطلقا..) أ. ه‍. أقول: فها هي الدنيا مليئة بالعجائب وها هو الفقيهي يرد على الفقيهي، فالفقيهي صاحب الرسالة يعتبر ابن عديس من الثوار على عثمان، لكن الفقيهي صاحب المقال يجعل ابن عديس صاحب رأي فقط مثله مثل طلحة والزبير وعائشة في معارضتهم بعض سياسات عثمان (كما سيأتي). وعلى هذا فالفقيهي صاحب المقال يتهم الفقيهي صاحب الرسالة (بالرفض) لانه اتهم (ابن عديس) بالخروج ! ! وهذا لا يقوله - في زعمه - إلا الرافضة ! ! على أية حال: الفقيهي في مقاله ما زال يضحك علينا والفقيهي لا يؤاخذ على هذا الضحك بقدر ما نؤاخذ نحن الذين لا نتصارح ولا نشجع النقد الذاتي حتى وصلنا إلى هذه (المهازل). الملاحظة الثامنة عشرة: أورد الاخ الفقيهي صلح الحسن ومعاوية مع أن هذا خارج موضوعنا. لكنني هنا أريد أن أبين خطا كبيرا يقع فيه كثير من المؤرخين الاسلاميين، فهم يركزون على (صلح الحسن) ويزعمون أن (ما فعله الحسن أحب إلى الله ورسوله مما فعله علي بن أبي طالب) ! ! يعني بعبارة أخرى كأنهم يقولون: لو أن عليا فعل مثل الحسن لكان أفضل، أي لو أنه تصالح مع معاوية ولو أن يبايع له لكان أفضل في نظرهم لان النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على الصلح ؟ ! وينسى هؤلاء - بحسن نية أو بسوئها - ان ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على

[ 242 ]

قتال البغاة أكبر من ثنائه على صلح الحسن، وإلا فبماذا تفسرون قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار). هذا لفظ البخاري. فالعبارة الاخيرة (يدعوهم إلى الجنة) فيها غاية المدح والثناء. وهي أبلغ ثناء من قوله صلى الله عليه وسلم: (ابني هذا سيد...) وقد سألت الشيخ ابن باز منذ زمن عن المراد من قوله صلى الله عليه وسلم (يدعوهم إلى الجنة) فقال: عمار يدعوهم إلى طاعة ولي الامر التي هي من أسباب دخول الجنة، وأهل الشام يدعونه إلى الفرقة التي هي من أسباب دخول النار ومازال كلام الشيخ مسجلا في شريط. لكن الفقيهي لم يفقه الجمع بين النصوص وإنما يختار ما يحب ويرفض أو يهمل الاصرح والاقوى دلالة. وطريقة الفقيهي (الانتقائية) دون الجمع بين النصوص من شر ما يقع فيه المؤرخون والمحققون على وجه العموم. ولو كنت متهما الفقيهي - كما أراد أن يتهمني - لقلت إن أهل السنة يقولون: (إن من سمات أهل البدع الاعتماد على نصوص دون نصوص ويبالغون في تفسير أدلة دون أخرى) ! ! لكن مازلنا نتورع عن اتهام الناس في عقائدهم ومناهجهم، فالجرأة في هذه الامور الخطيرة خلاف ما (حصن به أهل السنة أتباعهم) ! ! والاهم في هذه النقطة انه إن لم تكن (الدعوة إلى الجنة) مدحا من النبي صلى الله عليه وسلم لعمار في محاربة البغاة فلن تكون (ابني هذا سيد !) مدحا للحسن في التصالح معهم.

[ 243 ]

والاولى ألا نضرب الادلة ببعضها فالاولى أن نستخدم في عهد أبي بكر كل الادلة الخاصة بتلك الفترة وكذلك في عهد علي نركز على الادلة الخاصة بفترة خلافته مثل حديث عمار وأحاديث الحوأب والزبير والخوارج. وكذلك في عهد الحسن نستخدم حديث الصلح فهو الدليل الوحيد على تلك الفترة لان ظروف الحسن وفترته غير ظروف علي وخلافته، أما أن نعمم حديث الصلح على عهد علي وعثمان وأبي بكر بالاستدلال به على عدم قتال البغاة والخارجين على الامام فهذا ضرب للادلة الاخرى الاكثر والاصح والاصرح دلالة فالجمع بين النصوص واستخدامها في أزمنتها دليل النية الصادقة. ومثلما حارب الرافضة حديث (صلح الحسن) فقد حارب النواصب (حديث عمار)، إما بتضعيفه (رغم أنه متواتر في الصحيحين). أو (إهمال ذكره) ! ! أو (تأويله) أو (التقليل من دلالته الصريحة) ! ! وتجد بعض أهل السنة قد تابع - بجهل - محاربة حديث عمار من أجل (مقاومة الشيعة) ! ! لكن مقاومة الشيعة لا تعني (طمس النصوص الصحيحة) عندنا، ولا تعني (جواز انتقاص علي والحسين) تماما كما ان محاربة النصارى لا تجيز لنا انتقاص عيسى عليه السلام ومقاومة اليهود لا تعني سب موسى عليه السلام فكذلك مقاومة الفكر المخالف لا تعني إخفاء (أدلة علي) القوية ونفخ أدلة المعارضين (الضعيفة) فأهل السنة أولى بعلي وأهل البيت من الروافض كما أن المسلمين أولى بموسى وعيسى من اليهود والنصارى.

[ 244 ]

لكن كثيرا من الناس يخلطون بين العلم والعاطفة حتى تطغى العاطفة وتصبح هي العلم الشائع بينما العلم (الحق) يبقى في بطون الكتب حتى يصبح غريبا بين أهله ! ! ! فلذلك كلما أظهر أحذ هذا (الحق الغريب) اتهمه أصحاب العواطف بالبدعة أو الاستشراق ! !. ثم لنعلم أن غربة الاسلام في آخر الازمان إنما تتحقق بغربة المفاهيم الصحيحة التي أصبح المنادي بها (مبتدعا وأصبحت العاطفة ومجاراة السائد دليل التسنن والاتباع ؟ ! الملاحظة التاسعة عشرة: الفقيهي يستخدم معاول (منتهية الصلاحية) لهدم الرأي المخالف ومن تلك المعاول: الاتهام بالجهل: وهذا أيضا ديدن كثير من المؤرخين، يتهمون الاخرين بالجهل وهم من أجهل الناس. لكن جهلهم يلبسونه بألفاظ حفظوها من أهل الحديث، فجهلهم مقنن أو نستطيع أن نطلق عليه (الجهل العلمي) ! ! فقول: الفقيهي (قلة معرفتك باستخدام المنهج الحديثي في التاريخ)، من تلك المعاول مع أننا قد رأينا وسنرى المزيد من (استخداماته) لهذا المنهج ! !. ثم انه ليس من العيب أن يكون في المرء شئ من الجهل فما منا إلا عالم بأشياء وجاهل بأخرى، لكن تبرئة النفس من الجهل واتهام الاخرين بالجهل هو الجهل بعينه ! !.

[ 245 ]

الملاحظة العشرون: من ملاحظات الاخ الفقيهي علي (نقص الحاسة التاريخية أو فقدانها). ولم يبين لنا الاخ الفقيهي كيف (تقاس) هذه (الحاسة التاريخية) ؟ !، وما مراده منها ؟ ومن أول من قال بها ؟ بل هل قال بها غيره ؟ ! وما هي ضوابطها وحدودها ؟ وما مدى منهجيتها ؟ ولم يخبرنا الفقيهي هل من كمال (الحاسة التاريخية) ان نقبل من روايات الكذابين ما نشاء ؟ ونرد من رواية الثقات ما لا يتوافق مع هذه (الحاسة) ؟ ! وهل من دلالة صدق (الحاسة) ان تكون (موظفة) لتيار معين ؟ أو مذهب تاريخي معين ؟ ! ونتائج معينة ؟ !. إذن فهذا الضابط (الجديد) الذي ادخله الفقيهي هو معول (عتيد) ليس لهدم الرأي الاخر وإنما لهدم حقائق التاريخ الاسلامي إذ يصبح التاريخ الاسلامي تحت مطرقة ضابط غير منضبط ولا يمكن قياسه ولا معرفة حدوده فيصبح المؤرخ (يرفض بالحاسة) ويقبل (بالحاسة) بعيدا عن منهج أهل الحديث في قبول الرواية أو ردها وبعيدا عن مناهج الدراسات التاريخية عامة وهذا من اخطر المعاول الجديدة في هدم التاريخ الاسلامي خاصة ولذلك رأينا الفقيهي ينفرد في رسالته بأشياء (من العجائب الجديدة) ! ! لعل لحاسته التاريخية الدور الاكبر في وجودها ! !. الملاحظة الحادية والعشرون: ثم دلل الفقيهي على: (نقص الحاسة التاريخية) عندي بقوله: " نظرتك إلى بيعة علي نظرة جزئية تفصلها عما قبلها أحداث).

[ 246 ]

أقول: كلام الاخ الفقيهي هنا يشبه الكلمات المتقاطعة أو على طريقة المثل القائل (الخسن والخسين بنات معاوية) ! ! فهل إن أخذت (بيعة علي) نموذجا أرى في ضوئه مدى التزام الدراسات الجامعية التطبيقي بالجانب النظري هل يلزمني ان أذكر أحداثا أخرى غير البيعة حتى تكتمل (الحاسة) ! ! لا ريب ان موضوعات التاريخ الاسلامي كثيرة وبينها ترابط لكن ما المانع من التركيز على دراسة حدث معين ؟ ! فالتركيز عليه لا يعني الجهل بغيره إلا في (حاسة الفقيهي) ! ! فالاخ الفقيهي يظهر انه يتشبع بألفاظ لا يعرف معناها ولا مدى منهجيتها ولا حدودها حتى يظن من قرأ مقاله انه وصل إلى درجة تجعله يصحح ويضعف ب‍ (الحاسة) وبهذا يستمر (الضحك على القراء) ! ! وقول الفقيهي ب‍ (الحاسة) فيه اتهام لمنهج المحدثين بأنه لن يكفي بل لا بد من (حاسة) وهذه الحاسة ليست مشاعة وإنما توجد عند (الخواص) ومنهم الفقيهي ! ! ولاول مرة في التاريخ الاسلامي وفي منهج المحدثين تدخل (الحاسة) مقياسا من مقاييس القبول والرد في الروايات. وأرجو ان يكون الاعتماد على هذه (الحاسة) من منهج الفقيهي وحده وليس من منهج القسم الذي كتب عنه (نبذة موجزة) ! ! على أية حال الفقيهي ليس وحده الذي يصحح ويضعف بدعاوى هلامية لا تمسك منها بشئ ولا تستطيع قياسها ولذا تجد أحدهم إن فشل في تطبيق منهج المحدثين أو لم تعجبه بعض النتائج يلجأ إلى (العقل) ومرة إلى (العاطفة) وثالثة إلى

[ 247 ]

(الوجدان) ورابعة إلى (التخيل) إلى ان وصلنا إلى (الحاسة) وهي أوسع ضابط فضفاض سمعت به كما انها أبعد الضوابط غموضا، فهذه (المخارج) يكثر من الاعتماد عليها الذين تكثر أقوالهم وتقل تطبيقاتهم ولذلك الفقيهي لم يذكر (الحاسة) في مقدمة رسالته لا من قريب ولا من بعيد لكنه عندما وجد أن ثباته على منهج المحدثين سيتعبه لجأ إلى (الاحاسيس) ! ! وبهذا يقطع علي الطريق في نقده لانني لن أستطيع التحكم في (حاسته) ولا (الرد عليها) فله الحق (ان يحس) كما يشاء لكن ليس له الحق في فرض (هذه الحاسة) على حقائق التاريخ الاسلامي ولا على منهج المحدثين ولا مناهج المؤرخين. الملاحظة الثانية والعشرون: كرر الفقيهي استنكاره لمقارنتي بين الفتنة آخر عهد عثمان وفي عهد علي وبين ابن عديس ومعاوية وقد سبق الجواب عليها في حلقات ماضية ورسالة الفقيهي نفسها ضد ما توصل إليه في المقال وهذا التناقض بين الرسالة والمقال ليس غريبا فقد تتغير (الحاسة) من وقت لاخر حسب المناسبة والوسيلة والظروف ! ! الملاحظة الثالثة والعشرون: زعم الفقيهي أنني تجاهلت روايات أوردها في رسالته وزعمت انه أهملها.

[ 248 ]

أقول: الرسالة بين أيدينا ومبحث البيعة فيها من ص 90 إلى ص 117 أورد فيها الفقيهي رواية سيف ص 91، 92 ثم خلطت رواية الحاكم مع الامام أحمد ص 92، 93 وبعض رواية المسور بن مخرمة ص 96. فأين رواية ابن عباس التي رواها الطبري في تاريخه (4 / 427) وهي جزء من رواية أبي بشير العابدي والروايتان في السنة للخلال أيضا (ص 416) واين رواية الشعبي التي اوردها الحافظ في الفتح (13 / 54) نقلا عن تاريخ البصرة لعمر بن شبة (وهو اليوم مفقود)، واين رواية ابن عمر في كتاب الفتن لنعيم بن حماد (1 / 186) واين رواية الاسود بن يزيد النخعي التي رواها الحاكم في المستدرك (3 / 114) واين رواية الحسن البصري في فضائل الصحابة للامام أحمد (2 / 576) واين رواية الاشتر التي رواها ابن ابي شيبة في المصنف (15 / 228) وصححها الحافظ في الفتح (13 / 57) فهذه ست روايات كاملة صحيحة أو حسنة أو هي على الاقل خير من رواية سيف بن عمر، فلماذا لم يوردها ؟ بل الغريب من ذلك انه يزعم انني سرقتها من رسالته مع انها ليست فيها البتة ! ! فكيف يتشبع الاخ الفقيهي بما ليس عنده وأقول له: الا تتقي الله في هذا ؟ إذا كنت تنكر مثل هذه الامور المعلومة الظاهرة فكيف سترجع عن الاخطاء في الامور الغامضة ؟ ! ولم تذكر في ملحق الرسالة من الروايات السابقة الا رواية الاشتر فقط لكنك اوردتها في مناسبة غير مناسبتها ولم تستفد من تقرير الاشتر، وقوله: (ان القوم بايعوا عليا طائعين غير مكرهين).

[ 249 ]

الملاحظة الرابعة والعشرون: قول الاخ الفقيهي: (وقليل من الملاحظات التي أوردتها قد تحتمل الصواب وقد تحتمل الخطأ). أقول: أي انني - في نظر الفقيهي لم أصب ولا في ملاحظة واحدة من الملاحظات وهذه مكابرة منه وانا على استعداد كامل لان نتحاكم إلى من يشاء ولو إلى قسم السيرة والتاريخ بالجامعة فإن لم يجزموا بصواب كثير منها - على الاقل - فللفقيهي علي ان أعلن رجوعي إلى قوله كما أعلنت نقد رسالته. وأنا أجزم ان الفقيهي يجزم بصواب كثير من الملاحظات التي أوردتها ! ! لكنه لا يكتب للحق وإنما يظهر انه يكتب لفئة محدودة من طلابه وأصدقائه ! ! للتلبيس عليهم ! ولو كانت رسالته مطبوعة لما تجرأ على المكابرات الظاهرة والتي لا يحتاج اكتشافها لكثير علم ولا عمق بحث. الملاحظة الخامسة والعشرون: ومن عجائب ملاحظات الفقيهي علي ملاحظة (الصراحة) ! ! فقال - لله دره -: " لفت نظري جرأتك في التعبير عن آرائك العلمية بكل صراحة) ! !. أقول: وأنا لفت نظري انك (لا تعبر عن آرائك بكل صراحة) ! ! ! ثم متى كان التعبير عن الرأي بكل صراحة من (الملاحظات) ؟ ! وما العيب في ذلك ؟ (فتلك شكاة ظاهر عنك عارها) كما يقول ابن الزبير.

[ 250 ]

وإذا كان الفقيهي يستغرب مني (الصراحة) فهل يكون نقيضها هو (الصواب) ؟ ! ! أم ان الفقيهي وجد شحا في الملاحظات حتى وصل به الامر لاتهامي ب‍ (الصراحة) ! ! ولا ريب انني اشكر الفقيهي على هذه التهمة ! ! وهي أكبر دليل على انه (بخلافها) ما دامت عنده من الملاحظات ! !. الملاحظة السادسة والعشرون: من أدلة الفقيهي على قلة معلوماتي (بكيفية تطبيق المنهج الحديثي في التاريخ) أنني ناديت بالاقتصار على الروايات الصحيحة ونبذ الرواة الضعفاء. ورد على ذلك بقوله (وهل هذا هو منهج الشيخين في صحيحيهما) ؟ ! أقول: الفقيهي خلط هنا بين مسألتين مسألة الصحيح الاصطلاحي والصحيح المطلق فالمطلق يدخل فيه (الصحيح لغيره والحسن والحسن لغيره) ومن المعلوم ان الحسن لغيره يعني تضافر الادلة الضعيفة ضعفا غير شديد. أما الصحيح الاصطلاحي فيعني رواية الثقة الضابط عن مثله من مبتدأ الاسناد إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة. أما الشيخان فلم يخرجا اخبارا انفرد بها كذابون أو ضعفاء شديدي الضعف ولا يجوز تحميلهما منهج الفقيهي وأخطاءه والكلام في هذا يطول جدا ويتشعب لكن خلاصته ان الفقيهي أورد كثيرا من الروايات الباطلة سندا ومتنا مع وعده

[ 251 ]

بتجنب ذلك وقد استعرض هذه النقطة بتوسع الشيخ مفلح الشمري في رده على الفقيهي ولا داعي للتكرار. الملاحظة السابعة والعشرون: قول الفقيهي: (بل مما ذكرته في مقدمة الرسالة، الاعتماد على بعض الروايات الضعيفة بشرط ألا يكون لها علاقة بأمر عقدي أو شرعي أو يبنى عليها حكم أو نتيجة مؤثرة وكانت مسايرة للروايات الصحيحة واستبعادها عند شذوذها وتفردها ونكارتها). أقول: للاسف ان الفقيهي لم يف بما وعد به هنا فكم من رواية منكرة شاذة بنى عليها حكما ونتيجة مؤثرة. والامثلة كثيرة جدا لكن لعل من أوضحها. ما نقله ص 115 من رسالته عن أبي مخنف (ان عليا ارسل إلى خالد بن العاص بأن يأخذ البيعة من أهل مكة لكن أهل مكة اجمعوا تقريبا على رفض بيعته). ونسب هذا للبلاذري في انساب الاشراف. وبنى الفقيهي على هذه الرواية الشاذة النكرة نتيجة مؤثرة وحكما كبيرا وهي: (ان أهل مكة اجمعوا على رفض بيعة علي) مع ان الرواية - أصلا - لم يروها أبو مخنف وإنما رواها البلاذري من طريق ابن جعدبة عن ابن كيسان وفيها ابن جعدبة كذاب انظر الجرح والتعديل (9 / 282) ثم ان ابن كيسان متأخر جدا عن تلك الاحداث فهذا نموذج مبسط يهدم ما وعد به ويبين لنا ان الفقيهي لا يفي بوعوده فهذه الوعود كان المقصود منها إرضاء المشرف والمناقشين. أما عند التطبيق فتجده ينسب الرواية لابي مخنف لانه أقل

[ 252 ]

ضعفا من ابن جعدبة فابن جعدبة (كذاب وضاع للاحاديث) أما ابو مخنف فضعيف شيعي. فيظهر انه يريد ان يظهر (بأن الشيعة معترفون بأن أهل مكة لم يبايعوا) ! ! وبهذا يضرب الفقيهي أكثر من عصفور بحجر واحد وأول هذه العصافير وأبرأها (عصفور الحقيقة) ! ! الملاحظة الثامنة والعشرون: قوله (أما سيف بن عمر فأعدل الاقوال فيه ما جاء في التقريب: (ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ) وذكر انني قد تجنيت عليه كثيرا وانه لا يعرف أحدا قال فيه ما قلت إلا المستشرقين وطه حسين ومرتضى العسكري). أقول: هذه النقطة قد أجاد الشيخ مفلح الشمري في ردها على الاخ الففيهي والاخ مفلح ألصق بأهل الحديث من الفقيهي، لكنني أريد ان انقل عجيبة من العجائب ذكرها الفقيهي في رسالته وتتعلق بسيف بن عمر. فأنتم ترون هنا ان الفقيهي يدافع عن سيف ويقول انه (عمدة في التاريخ) فعل هذا لانني أرى ان سيف بن عمر كذاب وان اكثر أهل الحديث أجمعوا على تكذيبه أو تركه أو اتهامه بالضعف الشديد أو الزندقة والعجيب أن الفقيهي يرى هذا الرأي كما في رسالته فقد قال ص 2: (وقد شاعت أخبار شوهت تلك الاحداث بسبب روايات الاخبار في.. إلى ان قال: وروايات آخرين ضعفوا

[ 253 ]

في الرواية كسيف بن عمر والواقدي فهؤلاء نقلوا لنا أحداث تلك الفترة بصورة فيها الزيادة والتشويه والتحريف والطعن في الصحابة وتنقصهم ما يقشعر لها الابدان وتستنكره القلوب المؤمنة..) ! ! ليس هذا فقط بل يصرح ص 4 بقوله (لم ادرس أسانيد الروايات التي تأتي من فريق الاخبارين المشهورين كالواقدي وسيف وهشام الكلبي وابي مخنف وامثالهم لان هؤلاء بين متروك أو ضعيف ضعفا شديدا). إذن فالفقيهي يرى ان سيفا إما (متروك) أو ضعيف ضعفا شديدا) يعني ان الفقيهي عدل عن (أعدل الاقوال في سيف) كما زعم في المقال ولم يتقيد بقول ابن حجر في سيف بن عمر فابن حجر يقول في سيف (عمدة في التاريخ) والفقيهي يقول (متروك أو ضعيف ضعفا شديدا) لانه يعرف ان ابن حجر وهم في إطلاق مثل هذا القول لكن الفقيهي هنا يريد ان يلزمنا بقول ابن حجر مع ان الفقيهي نفسه لم يلتزم به في رسالته لكنه (ضحك على المناقشين والمشرف) وذكر في مقدمة الرسالة ضعف سيف (الشديد) لكن رسالته ملاى من روايات سيف فانخدع المشرف والمناقشون بالنظرية ولم يحاكموا التطبيق ! ! ثم ان الفقيهي الان عاد (للتعبير عن آرائه بكل صراحة) ! ! لكن بعد ماذا ؟ ! بعد ان حاز على الرسالة وافلت بفضل منهج نظري جميل وبجملة (وعود) ذكرها في المقدمة لذر الرماد في العيون (فالفقيهي لا زال يضحك علينا) ! ! فقد كان شديد الوطأة (نظريا) على سيف بن عمر للاسباب السابقة فلما كشفت له زيف نظرياته وانه في الواقع

[ 254 ]

لم يلتزم بها عاد إلى (تقوية سيف) ! ! وقد يعود إلى شطب (تضعيف سيف) من مقدمة، رسالته فالرجل ذكي (ولا يعبر عن آرائه بكل صراحة) ! ! وهو مستعد لتغيير احكامه حسب الظروف والمصالح وردود الافعال. وقفة مع نقد الخطيب أود الاشارة إلى انه اتصل بي بعض الاخوة الافاضل والتقيت بآخرين ابدى كثير منهم الرضا بالمقالات الا ما ذكرته عن كتاب (العواصم من القواصم) مع تعليقات الخطيب فهم يرون انني قد قسوت على الكتاب ومؤلفه ومحققه الخطيب مع ان بعض هؤلاء الاخوة وافقني على ان كتاب (العواصم) مع تعليقات الخطيب فيه عاطفة وتعصب زائد لبني امية وذم لمخالفيهم وان فيه تضعيفا لاحاديث صحيحة وتقوية لروايات واحاديث ضعيفة لكنهم يرون ان كتاب (العواصم) ليس أسوأ ما في الساحة من كتب فكان الاولى ان نوجه النقد لما هو أولى منه. وانا اشكر هؤلاء الاخوة جميعا سواء من وافقني في الاعتراف بأخطاء كتاب (العواصم) وتعليقات الخطيب على وجه الخصوص أو الذين تحفظوا على نقدي للكتاب. لكنني مع هذا الشكر أؤكد لهؤلاء ان هناك فرقا واسعا بين من

[ 255 ]

قرأ كتاب العواصم مع تعليقات الخطيب وحاكمه للمنهج ورجع للمصادر وحاول توثيق جميع نصوصه وبين من قرأه مقلدا وانخدع به. فقبل ان ندافع عن كتاب العواصم لابن العربي أو (الرعيل الاول) للخطيب فيجب اولا ان نقرأه كمرحلة اولى ثم نحاكمه إلى المنهج كمرحلة ثانية ونحاكمه إلى نظرياته كمرحلة ثالثة ونرجع إلى المصادر وندرس دعاويه وما يورده من روايات واحاديث ثم ننظر ما هي تلك الروايات التي يصححها وير ضعيفة ؟ ولماذا صححها ؟ ! وما هي تلك الاخرى التي يضعفها وهي صحيحة ؟ ولماذا فعل ذلك ؟ وما هي الشخصيات التي يثني عليها بكثير من المبالغة ؟ ولماذا فعل ذلك ؟ ومن هم الناس الذين يتنقصهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ؟ ولماذا يفعل ذلك ؟ ! وهكذا فإذا فعلنا هذا فسنكتشف الاخطاء بانفسنا ولن ندافع عن كتاب العواصم ولا تعليقاته بالباطل كما سنعرف بعلم ما فيه من حق وهذه الطريقة (البحثية) خير من الطريقة (الغوغائية) التي تدافع عما لا تعرفه وتمدح ما تجهله. وحقيقة ان اصل كتاب (العواصم) فيه خير كثير لولا ان تعليقات الخطيب حرفته عن الجادة تماما مثلما نجد كتابا في العقيدة سليما فيأتي شارح ويوجهه لعقيدة معينة ربما لا يريدها صاحب (المتن) فكذلك كتاب (العواصم) فقد جعلته تعليقات الخطيب يصب في نصرة بني امية ! ! والقومية العربية وبينهما تلازم ومن عرف سيرة محب الدين الخطيب لم يستغرب هذه (الاموية القومية) ! ! فيه فقد كان رحمه

[ 256 ]

الله من مؤسسي (العربية الفتاة) وهي مؤسسة قومية سرية وقاوم الدولة العثمانية فسببت له هذه (القومية) ميلا للدولة الاموية ورجالها بصفتها لم تعتمد على العنصر الاجنبي ! ! كما فعلت الدولة العباسية فهذه العقدة عقدة (القومية) كانت سببا في تركيز الخطيب رحمه الله على تمجيد الدولة (الاموية) ومدح رجالاتها حتى الظلمة منهم كالحجاج وزياد وابنه ويزيد والوليد وجعلته يتنقص من مخالفيهم ويطعن فيهم وفي صدقهم حتى وصل به الامر لاتهام بعض الصحابة المخالفين لبني أمية بالكذب ! ! وهذا خلاف عقيدة اهل السنة الذين (يعدلون) كل الصحابة والتعديل لا يعني انهم لا يخطئون لكن يعني انهم لا يكذبون ! ! على اية حال فالخطيب رحمه الله تجد جل كتبه فيها (انتصار مبطن) للقومية العربية ويحاول مدح (مرتكزاتها التاريخية) ومن البداهة ان كل حركة قومية أو غيرها في الوطن العربي والاسلامي تحاول ان توجد لها (المبرر الشرعي والتاريخي) فليس بمستغرب ان يلجأ في تلك الظروف إلى (القومية العربية) لمقاومة الدولة العثمانية ولا من الغريب ان يلجأ إلى (بني أمية) لتبرير (القومية العربية) تاريخيا وحضاريا ! ! كل هذا لن يعرفه ولن يقتنع به إلا من عرف (سيرة الخطيب كاملة) ! ! لان معرفة سيرة المؤلف تساعد على فهم اتجاهاته في المؤلفات ! ! وتساعد على فهم مواقفه وعذره أو عدم عذره في اتخاذ بعض تلك المواقف. اما نحن فللاسف لا ندرس سيرة محب الدين الخطيب ولا

[ 257 ]

نعرف عن تاريخه واعماله الا التعليق على كتاب العواصم ! ! وهذا الذي جعلنا نشتط في الدفاع عنه دون علم ولا هدى والغريب ان الذين يدافعون عنه بالباطل هم من اشد الناس نقدا للقومية العربية، ورجالاتها ! ! وكأنهم لا يعرفون ان محب الدين الخطيب رحمه الله كان من رجالاتها ولو عرفوا ذلك لطمسوا فضائل الرجل فلا خيار ثالثا عند هؤلاء ولا نجد الا القبول المطلق أو الرفض المطلق. نعود ونقول: ان المنهج الحق في الدفاع عن الكتب أو نقدها هو التفصيل والابتعاد ما امكن عن التعميم الا بعد استيفاء الجانب التفصيلي. واسوأ ما في الدفاع أو النقد ان يكون بجهل وان اقترن الجهل بالهوى فقد اكتملت المأساة. فلذلك انا ارحم لحال بعض المدافعين عن بعض الكتب الذين يدافعون عنها ولم يقرؤوها ولم يفهموها ولم يحاكموا نصوصها إلى المنهج ! ! فهؤلاء يحكمون على عقولهم وعلى مواقفهم بشتى انواع العيوب ! !، وكنت اظن اننا قد تجاوزنا هذه المرحلة ! ! لكننا للاسف ما زال كثير منا لم يكتشف جهله وأكبر من هذا انه يريد فرض ما جهله على ما علمه الناس ! ! ثم أعود إلى الملاحظات على ما كتبه الاخ الفاضل عبد الحميد فقيهي فأقول:

[ 258 ]

الملاحظة التاسعة والعشرون ذكر الفقيهي سيف بن عمر والواقدي وغيرهما من المؤرخين وفضل سيفا عليهم بقوله (وسيف في الحقيقة افضل هؤلاء) اقول: الفقيهي ظلم (الحقيقة) ولو بحث في كتب الجرح والتعديل لوجد ان الواقدي وثقه نحو سبعة من الائمة المحدثين بل اسماه بعضهم (أمير المؤمنين في الحديث) بينما سيف بن عمر لم يوثقه احد فكيف يظلم الفقيهي (الحقيقة) بتفضيله سيفا على الواقدي ؟ الملاحظة الثلاثون قوله: (ولو أهملت روايات سيف وامثاله لسقط جزء كبير من التاريخ). أقول: اولا: الضعفاء مراتب وليسوا في مرتبة واحدة، فالضعيف الذي لم يؤثر عنه الكذب والاختلاق أو المختلف فيه فهذا نعم يستفاد منه في الاخبار اما من جرب عليه الكذب والاختلاق مثل سيف وابن جعدبة فلا ولا كرامة فالفقيهي يعمم ويخلط امورا فيها تفاصيل كثيرة. ثانيا: قول الفقيهي السابق يقول به ايضا كثير من المؤرخين ليتخذوا من القول السابق جسرا لاخذ ما يحبون وترك ما لا يوافق اهواءهم واحكامهم المسبقة فنجد احدهم ينتقي من روايات الواقدي وابي مخنف وسيف ما يتوافق مع ما يحب ويقويه ويترك ما سوى ذلك ويضعفه فيأتي آخر ويأخذ الجانب الاخر فيظهر للقارئ ان التاريخ الاسلامي متناقض ! !

[ 259 ]

والاولى ان نتفق على ضوابط تفصيلية ومعايير صحيحة واضحة توجب على من اتبعها ان يجد النتيجة نفسها خصوصا في النتائج الجوهرية والكبرى. وقول الفقيهي السابق يقول به كثير من اصحاب الدراسات الجامعية فهو يساعدهم على السطحية ويريحهم من التعمق والجلد البحثي ! ! ولذلك تجدهم يختلفون في النتائج اختلافات جوهرية مما يعني أن الاهواء والانطباعات هي التي تحدد النتيجة وليس المنهج النظري ! ! اضافة إلى هذا كله فقول الفقيهي السابق مبني على الجهل بالشئ لا على العلم به فهو لم يجرب جمع المادة التاريخية من رواية الثقات ولو فعل ذلك (لسقط) زعمه السابق ! ! الملاحظة الحادية والثلاثون قول الفقيهي (والذي أريد توضيحه هنا ان روايات سيف بن عمر في الفتنة تتفق غالبا مع روايات صحيحة أو حسنة...) أ. ه‍. أقول: هذا كلام من لم يقرأ روايات سيف بن عمر ولا قارنها بغيرها ولو استعرضت مخالفة سيف بن عمر لغيره من المؤرخين الثقات في هذا الموضوع لطال بنا المقام، والفقيهي نقل هذا القول من يوسف العش في كتابه (الدولة الاموية). ولم يقارن لا الفقيهي ولا العش روايات سيف بروايات الثقات لى الا لما قالوا ما قالوا. بل إن روايات سيف في الفتنة خاصة لها منهج معين

[ 260 ]

يختلف تماما عن كل ما رواه الاخرون من الثقات والضعفاء على حد سواء. والفقيهي نفسه يعترف بان سيف بن عمر (ضخم) دور عبد الله بن سبأ ولم يجرؤ الفقيهي ان يقول ان سيفا (اختلق) دور عبد الله بن سبأ في الفتنة (لان الفقيهي لا يعبر عن آرائه بكل صراحة) ! ! مع ان سيفا قد انفرد برواية اخبار ابن سبأ وجعله سبب التنازع مع ان اسباب التنازع مذكورة في الكتاب والسنة. الملاحظة الثانية والثلاثون قول الفقيهي: (وتسقط بعض الروايات (روايات سيف) مثل تضخيمه لدور ابن سبأ). اقول: لكن رسائل اكثر زملائك سواء في الجامعة الاسلامية أو ام القرى أو الامام أو غير ذلك من الجامعات لا يزالون يثبتون روايات سيف في (تضخيمه) ابن سبأ ولا يسقطونها مثلما تسقطها أنت هنا ! ! فأنتم متناقضون في حدث كبير مثل عبد الله بن سبأ ! ! بل ان رسالة الدكتور سليمان العودة هي في اثبات دور (عبد الله بن سبأ) فانظروا كيف ان نتائج الرسائل التي يثني عليها الفقيهي قد اختلفت نتائجها اختلافا كبيرا وليست من الاختلافات اليسيرة ! ! وثناء الفقيهي إما أنه عن جهل بتلك الرسائل أو محاولة

[ 261 ]

لاستعطاف اصحابها لكن الاسوأ من هذا انه يصعب على صاحب (رسالة جامعية) ان يرجع إلى الحق خصوصا في النتائج الكبرى ! ! لان رجوعهم إلى الحق سيفسره طلابهم بانه (عار وعيب وجهل) وهم غير مستعدين للظهور امام طلابهم بمظهر (الجاهل) الذي ارتكب عيبا ولذلك سيصرون على الثبات ما امكن على نتائج رسائلهم حتى ولو عرف اكثرهم في قرارة نفسه انه قد اخطأ، والعيب ليس فيهم فقط فهم ضحية (تربية) هذه التربية التي لا ترحم الراجع إلى الحق ولا تساعده على الاعتراف بأخطائه ولا تعودنا هذه التربية على التحاور مع الاخرين. وقد آتي في مقالات لاحقة على إلقاء الضوء على حقيقة (دور عبد الله بن سبا في الفتنة) بتوسع وبيان كيف ضحك سيف بن عمر على المسلمين باسطورته وتبعه في ذلك موثقوه المعاصرون ولم يكتشفوا ضحك سيف إلى الان، وسترون أن اثبات دور عبد الله بن سبا (في الفتنة) يتناقض مع الكتاب والسنة قبل تناقضه مع الروايات الصحيحة. الملاحظة الثالثة والثلاثون: قوله في: (واستشهاده بروايات ضعيفة تتعلق بكره بعض الصحابة لبيعة الثلاثة الصديق والفاروق وعثمان ويبني عليها أحكاما. ثم دلل الفقيهي على كلامه السابق بقوله (وهو يستخدم روايات الرافضة المحترقين في قضية مهمة وحساسة كقوله: فبيعة

[ 262 ]

أبي بكر كرهها بعض الصحابة ومنهم سعد بن عبادة وكثير من الانصار وبعض بني أمية وبعض بني هاشم). ثم ذكر الفقيهي أن معتمدي في هذا على (رواية ابي مخنف واليعقوبي) ! !. أقول: أولا: الفقيهي يحكم على كل رواية لا يعرفها حكما (غيابيم بأنها من روايات الرافضة وكانه يرى نفسه ينبوعا للروايات (السنية) أما ما يجهله فهو عنده من طريق المبتدعة. فالحد الفاصل بين روايات السنة والمبتدعة هو علمه بتلك الروايات من عدمه ! !. ثانيا: الفقيهي نفسه يستدل بروايات (الروافض المحترقين) في (قضايا حساسة ! فقد استدل في رسالته برواية نسبها لابي مخنف وهو عنده (رافضي محترق) أن (أهل مكة أجمعوا على رفض بيعة علي) ! ! فالفقيهي يجيز لنفسه ما يحرمه على الآخرين وهذا من كمال (فقهه) وقوة (حاسته) ! !. مع أن الرواية ليست لابي مخنف كما سبق أن ذكرنا في مقالات سابقة. ثالثا: ما قلته سابقا في أن بعض الصحابة كره بيعة أبي بكر وبعضهم كره بيعة عمر واخرين كرهوا بيعة عثمان وفرقة رابعة كرهت بيعة علي لازلت على هذا القول ولي أدلتي من رواياث (أهل السنة) وسيراها الفقيهي بعد قليل، لكن كراهية بعض الصحابة لبيعة خليفة من الخلفاء الراشدين لا يعني طعنا في الخلافة ولا في صحة البيعة وقد ذكرنا في تلك المقالات أنه لا يشترط في صحة البيعة ولا في شرعية الخلافة إجماع الامة ولا إجماع أهل الحل والعقد وهذا من يسر الاسلام وواقعيته.

[ 263 ]

أما الروايات التي تدل على أن بعض الصحابة كره بيعة أبي بكر فمنها ما رواه البخاري (7 / 20 مع الفتح في صحيحه) من اجتماع الانصار على سعد بن عبادة وذكر البخاري المشادة بين عمر وحباب بن المنذر حتى تمت بيعة أبي بكر وفيها قال بعضهم للمهاجرين (قتلتم سعد بن عبادة فقال عمر: قتله الله) فهذا الحديث مشهور في الصحيحين (وليسا من كتب الرافضة) وفي الحديث دلالة على أن سعد بن عبادة وهو (بدري) كره بيعة أبي بكر ولاريب أن كثيرا من الانصار وخاصة قبيلته (الخزرج) ومنهم ابنه قيس بن سعد والحباب بن المنذر كانوا على رأيه في كراهية بيعة أبي بكر وان كانوا قد بايعوا بخلاف سعد فانه لم يبايع. ومن ذلك ما رواه البخاري (في صحيحه مع الفتح 12 / 151) عن عمر من تخلف علي والزبير ومن معهما عن بيعة أبي بكر وفيها قول عمر: (وخالف عنا علي والزبير ومن معهما) ولاريب انهما لن يتخلفا عن بيعة أبي بكر الا عن عدم رضى. وذكرت عائشة أن عليا لم يبايع أبا بكر أشهرا عدة رواه البخاري في (صحيحه مع الفتح 7 / 564). إذن فعلي سيد بني هاشم والزبير بن العوام كبير بني أسد وسعد بن عبادة سيد الخزرج وأبو سفيان كبير بني أمية وغيرهم من المتبوعين لم يرضوا ببيعة أبي بكر ولابد أن يكون معهم بعض قومهم على الاقل - في كراهية بيعة أبي بكر لكن هذه الكراهية لن تضرها شيئا فقد انعقدت وبايع بعض الكارهين كالانصار

[ 264 ]

وتريث بعضهم كعلي والزبير وامتنع بعضهم كسعد بن عبادة فهذه الروايات موجودة في الصحيحين فكيف بغيرهما، لكن الفقيهي يجهل روايات الصحيحين ويزعم أننا نعتمد على روايات (الروافض) وهو بهذا يحاكم علم الناس إلى جهله فيخرجهم من السنة إلى البدعة ومن المسلمين إلى المستشرقين بهذا الجهل وهذه من (القواصم) ! !. صحيح أن هناك روايات ضعيفة ومرسلة تعارض روايات الصحيحين وتثبت بيعة علي وسعد بن عبادة لكن تلك الروايات لا تقاوم روايات الصحيحين ولا يثبتها الا الذين يخشون أن تخلف الواحد أو الاثنين يضر بالبيعة ! ! فلذلك تجدهم يحاولون رد روايات الصحيحين وتقوية الروايات الضعيفة والمرسلة. وكون بعض الصحابة كره بيعة أبي بكر أو كان يرى اختيار غيرها أمر مشهور معلوم، بل ان ابن تيمية وهو في معمعة الرد على الروافض يعترف بهذه الحقيقة فقد قال في منهاج السنة (7 / 49): (وبايع المسلمون أبا بكر وكان أكثر بني عبدمناف من بني أمية وبني هاشم وغيرهم لهم ميل قوي إلى علي بن أبي طالب يختارون ولايته). وقال في المنهاج أيضا (1 / 530): (وصار أبو بكر إماما بمبايعة جمهور الصحابة). ولم يقل (كل الصحابة) وقال (76 / 176): (وقد تخلف سعد بن عبادة عن بيعة أبي بكر) ! !. ولعل هذه الاعترافات من ابن تيمية هي أشد على الفقيهي من ثبوت روايات الصحيحين ! ! لاننا تعودنا على قبول أقوال العلماء أكثر من قبولنا للنصوص الصحيحة. فنحن صناعة تربية تجعلنا

[ 265 ]

نهتز لاقوال العلماء ولا نأبه بالنصوص الصحيحة من أحاديث أو روايات وهذا مرض عام مستشر في المجتمع وليس من العيب محبة أقوال العلماء الصحيحة لكن من العيب والجهل تقديمها على النصوص الصحيحة. وسيأتي كراهية بعفر الصحابة لبيعة عمر أو عثمان أو علي في الملاحظات القادمة ويأتي معها بيان أن هذا لا يضر بيعتهم شيئا إلا عند من يجهل (شروط البيعة الشرعية) ! !. الملاحظة الرابعة والثلاثون قول الفقيهي: (وما ذكره عن طلحة انه لا يختار بيعة عمر فهذا ورد من طريق ضعيف جدا والذي يصل إلى مرتبة الحسن هو ان رجلا من المهاجرين هكذا بالابهام). أقول أولا: قد ورد التصريح باسم (طلحة) في الكارهين لبيعة عمر في أكثر من رواية منها واحدة اسنادها صحيح (سأتي على ذكرها). ثانيا: الفقيهي هنا أيضا يحكم على ما لم يعرفه بأنه (ضعيف جدا. ولعل من أشهر الروايات التي لم يطلع عليها الفقيهي عندما كتب المقال أو أنه ظن انه يختص بمعرفتها: ما رواه ابن عساكر (في ترجمة عمر ص 212) بسند صحيح عن عائشة قالت: (لما

[ 266 ]

حضرت أبا بكر الوفاة استخلف عمر فدخل عليه علي وطلحة فقالا: من استخلفت: قال عمر، قالا: فماذا أنت قائل لربك...). وهذه قد رواها ابن عساكر بسند صحيح من طريق الضحاك بن مخلد (صاحب السنة) عن عبيدالله بن أبي زياد (وهو صدوق) عن يوسف بن ماهك (وهو ثقة معروف) عن عائشة فهذا اسناد صحيح وأقل رجاله توثيقا هو ابن أبي زياد وهو (صدوق) من الطبقة السابعة والضحاك من التاسعة أقول هذا لان هناك راويا اخر اسمه (عبيدالله بن أبي زياد) لكنه متقدم من الطبقة الخامسة وهو أيضا صدوق في الجملة. فهذا الاسناد صحيح أو هو داخل في (الصحيح المطلق) على الاقل وفيه اثبات ان عليا وطلحة وهما بدريان ومن العشرة المبشرين بالجنة لم يكونا راضيين ببيعة عمر رضي الله عنه. وهناك رواية أخرى في كراهية كثير من الناس أو بعضهم لبيعة عمر والروايات متفاوتة في القوة منها رواية أسماء بنت عميس عند عبد الرزاق الصنعاني في المصنف (5 / 449) وابن سعد في الطبقات (3 / 274) وابن عساكر (ترجمة عمر ص 212) ورواية زبيد اليامي بسند صحيح إليه في المصنف لابن أبي شيبة (12 / 35) ورواية عثمان بن عبد الله بن عمر عند ابن عساكر (ترجمة عمر ص 212) وغيرهما من الروايات التي لا أحب التطويل في استعراضها لكن الفقيهي لم يكن يعرف رواية تصرح بطلحة الا رواية ضعيفة في زعمه ولم يذكرها لنا ! !، وها نحن قد

[ 267 ]

أفدناه بروايات صحيحة وشواهد في الموضوع فليضفها - ان أراد الحق - إلى علمه ولا يحكم بعد اليوم على الشئ الذي لا يعرفه بأنه ضعيف أو من رواية المبتدعة حتى (لا يسقط جزء كبير من حقائق التاريخ) ! !. ولعل أوكد بيعة هي بيعة عثمان ومع ذلك فقد عارضها بعض الصحابة أو على الاقل كانوا يتمنون غيره حتى ان ابن تيمية وهو معروف بدفاعه عن الخلفاء الثلاثة وبيعتهم اعترت بهذه القضية في المنهاج (89 / 2) فقال: (ولما بويع عثمان كان في نفوس بعض الناس ميل إلى غيره فمثل هذا لا يخلو من الوجود). أقول: وأجمل ما في كلام ابن تيمية كلمته الاخيرة (فمثل هذا لا يخلو من الوجود) وهذا حق يشهد له الواقع انه لم يجمع الناس على الرضا ببيعة أحد من الخلفاء الراشدين وانما كان رضا الاغلبية وتبعت ذلك الاقلية ولن يستطيع الناس الاجماع المطلق على الرضا بحاكم أو خليفة أو امام. لكن الفقيهي ومن معه يجعلون كل الناس مجمعين على (بيعة الخلفاء الثلاثة فقط) ثم يبالغون في (ذم بيعة علي) لانهم يعرفون أنهم لن يجدوا أحدا يدافع عن بيعة علي بن أبي طالب ! ! وان وجد ذلك الشخص فالاتهامات له ستكون جاهزة ! !، فقد تعودنا أيضا على اتهام كل من دافع عن علي أو أحد من أهل البيت إ !. كما اننا قد تعودنا على عدم مراقبة الله في هذه الاتهامات ! !، وبهذا الاتهام يحجم كثير من الباحثين عن الدفاع عن علي رضي الله عنه. بينما

[ 268 ]

الدفاعات عن يزيد والوليد وبني أمية والمبالغة في مدحهم تنوء به الكتب الان. فنحن بحاجة إلى الدفاع عن علي مثلما نحن بحاجة إلى الدفاع عن اخوانه الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان فنحن - أهل السنة - بحاجة إلى الدفاع عن هؤلاء وهم - أي الخلفاء الاربعة - ليسوا في حاجة إلى دفاعنا انما نحن الذين بحاجة إلى الدفاع عنهم بالحق ولا يعني هذا عصمتهم وانهم لا يخطئون لكنهم أقل الناس خطأ وأكثرهم فضلا وأبعدهم عن الشبهة. الملاحظة الخامسة والثلاثون: ذكر الفقيهي أنني في مقال لي أنكرت شخصية القعقاع ورد بقوله: (بالرغم من وجود ترجمته في كتب الصحابة ! ! كالاصابة لابن حجر وأورد ذكره من غير طريق سيف وترجمه ابن عبد البر في الاستيعاب. إه‍ ثم حاول الاخ الفقيهي ان يربط إنكار شخصية القعقاع بالتأثر بكتاب مرتض العسكري. وأقول: لي مقال قادم - إن شاء الله - عن القعقاع خاصة سأترك كثيرأ مما أود أن أقوله هنا لتلك المناسبة. أما كون القعقاع موجود في كتب تراجم الصحابة فهذا ليس حجة في وجود القعقاع فكم من شخصية مختلقة ترجم لها بعض أصحاب التراجم وأنكرها آخرون.

[ 269 ]

أما كون ابن حجر أورد ترجمة القعقاع من غير طريق سيف فهذه مغالطة كبرى وقول ظاهر البطلان فالاصابة بين أيدينا وقد ترجم الحافظ للقعقاع فيها (2 / 230) لم يذكر ابن حجر حرفا واحدأ في ترجمة القعقاع إلا من طريق سيف بن عمر ويكفي ان الحافظ في ترجمة القعقاع كرر ذكر سيف بن عمر تسع مرات ! ! ونقل عن ابن أبي حاتم وابن أبي حاتم انما نقل عن سيف وهذا مصرح به في الصفحة نفسها ونقل الحافظ بعض أخبار القعقاع من إبن السكن لكن ابن السكن صرح بانه ينقل أخبار القعقاع من سيف بن عمر ! !. في الصفحة نفسها أيضا إ ! وابن عساكر كذلك في ترجمة القعقاع انما نقل عن سيف ! ! وسبق ان قلت ولازلت عند قولي (إن جاء أحد بترجمة القعقاع أو ذكره فقط لعالم أو فقيه أو محدث أو أديب أو مؤرخ أو قاص قبل سيف بن عمر فأنا راجع عن قولي). ومن ذلك اليوم لم يقل أحد أنه وجد ترجمة أو ذكرأ للقعقاع في مصدر قبل سيف بن عمر ولا يستطيعون أن يجدوها ولو لبثوا عشرات السنين أقول هذا جازما فإن وجدوها فاحكموا علي بما شئتم إ !. بينما من هو أقل من القعقاع شهرة تجده مترجما في كتب التراجم قبل سيف وبعده ! ! ولذلك نجد العلماء المتقدمين كالبخاري لم يترجم للقعقاع ولم يذكره لا في تاريخه الصغير ولا الكبير مع انه على شرطه ! ! وانما بدأ ذكر القعقاع وأخباره من أيام الطبري نهاية القرن الثالث لان الطبري نقل عن سيف ! ! والكلام في القعقاع فيه طول سأتي عليه في مقال قادم ان شاء الله

[ 270 ]

وسترون إلى أي حد يضحك علينا سيف وموثقوه. أما ربط الفقيهي بين انكار شخصية القعقاع وبين كتاب مرتضى العسكري فان هذا الربط لو صح لما ضر البحث شيئا فالحكمة ضالة المؤمن، ولا ضير على الباحث المسلم أن يستفيد من أبحاث اليهود والنصارى فضلا عن المبتدعة والفقيهي نفسه لم يستغن في رسالته (الاكاديمية) عن روايات وأبحاث (المبتدعة) بل جعل بعضها حجة في مسائل لكن الفقيهي تعود ان يحرم على الناس ما يبيحه لنفسه ! ! وهذا أيضا من (الضحك الفقهي) مثلما (توثيق سيف) من الضحك التاريخي ! !. الملاحظة السادسة والثلاثون: قول الاخ الفقيهي (أما من قاتل عليا سواء من أصحاب الجمل أو صفين فلا يطلق على صنيعهم هذا خروجا ولا يسمون خوارج) ثم زاد الفقيهي بقوله (واطلاق هذا القول عليهم جريمة كبيرة يستحق قائلها التأديب والاستتابة) ! !. أقول: الفقيهي لا يدري ما يقول إلا لما قال هذا القول، لاسباب: أولا: لو كان قول الفقيهي السابق صحيحا فالقيهي نفسه أول من (يستحق التاديب والعقوبة والاستتابة) اتدرون لماذا ؟ لانه نفسه قد اطلق لفظ (الخروج) على الثوار على عثمان بى فيهم بعض

[ 271 ]

الصحابة وأطلق ذلك على الخارجين على علي من أهل الجمل وصفين واليك التفصيل: قال ص 81: من رسالته: (وبسبب موقف علي الفقهي والسياسي من الخارجين على عثمان) ! ! وقال ص 82: (وقد قابل عثمان هؤلاء الخارجين) ! ! ومعلوم لدى الفقيهي وغيره أن الخارجين على عثمان فيهم صحابة رضوانيون ومهاجرون بل وبعض البدريين فهؤلاء أطلق عليهم الفقيهي لفظ (الخروج) وسماهم (خارجين) وهذا أبلغ من كلمة (خرجوا) وقد كرر ذكر الخارجين على عثمان أيضا في صحفات 88، 84، 116. أما عهد علي فالفقيهي أيضا قال ص 118: (انتقض الناس على علي فاعلن معاوية عصيانه وخرج طلحة والزبير إلى مكة) ! !. وقال ص 119: وسبب خروجهما (طلحة والزبير) إلى مكة ليقيما حدودا.. ولم يخرجوا لاراقة الدماء وإنما للصلح..) ! !. وقال ص 133: (لكن خروج هؤلاء الصحابة المشهود لهم - يعني طلحة والزبير - واعضاء الشورى ومعهم أم المؤمنين) ! !. وقال ص 136: (واضاف علي استنكاره لهذا الخروج وخطورة فعله). فالفقيهي يسمي فعل طلحة والزبير خروجا كما ترون ! ! وقال ص 143: (ولكن الظروف السابقة من خروج طلحة

[ 272 ]

والزبير..) وقال: (إن عليا يرى ان طاعته واجبة وخروج طلحة والزبير شق للطاعة وعصيان له) ! !. وقال الفقيهي أيضا ص 144: رواية عن علي فيها قول علي: (إنهما لو خرجا على أبي بكر أو عمر لقاتلاهما) ! !. وكرر لفظ (الخروج) ص 150، 154، 175، 176، 181. ومن أقواله في تلك الصفحات (ندمت عائشة على خروجها) ! !. (كان موقف علي واضحا ممن خرج على طاعته) ! !. واعترف الققيهي ص 168، 189 بان أهل الجمل وصفين (أهل بغي) وتعريف أهل البغي (هم من خرجوا عن طاعة الامام الشرعي وكان لهم منعة وقوة) ! !. فتعريف أهل البغي يشمل (الخروخ). وقال ص 201: (وعلي هو الخليفة الذي بايعه أهل الحل والعقد ويرى أن معاوية خارج عليه ولابد من قتاله) ! !. والخروج هنا اثبته الفقيهي لمعاوية. وذكر ص 222: أنه اتضح للصحابة (أن فرقة معاوية هي الفرقة الباغية) والبغي يقتضي الخروج ! !. أقول: إذن الفقيهي - على قاعدته السابقة - يستحق التأديب والاستتابة فضلا عن العلماء الذين حكموا على أصحاب الجمل وصفين بالبغي والخروج عن طاعة ولي الامر فهم على قاعدة

[ 273 ]

الفقيهي قد (ارتكبوا جريمة يستحقون عليها العقاب والاستتابة) ! ! أما قول الفقيهي (ولا يسمون خوارج). فهذا رغم صحته إلا أن الفقيهي قد ناقضه ليس في مكان آخر بل بعد اسطر عندما قال في المقال نفسه (وكل من خرج على الامام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة يسمى خارجيا ! ! وهكذا لا اكاد أجد للفقيهي قولا يعقده في مكان إلا ويحله في مكان آخر ولا يثبت على قول وهذه سياسة كثير من المؤرخين المعاصرين ولا ادري كيف أفسر مرور هذه التناقضات بسهولة على الاخ الفقيهي إلا موافقة لمنهج هؤلاء. على أي حال أنا فرقت بين البغاة والخوارج في المقالات نفسها ومنها مقالي الاخير من (كيف يضحك علينا هؤلاء) ففيها قولي (ضد الخارجين على علي من البغاة والخوارج). فصرحت بالتفريق بينهما وأن (الخارجين) قسمان بغاة وخوارج. ولم يقل أحد إن كل البغاة خوارج، فالخارجون على الامام أقسام منهم البغاة ومنهم الخوارج ومنهم المارقون وقطاع الطرق فهذا أمر واضح اراد الفقيهي خلطه وايهام القراء بأنني خلطت بين أقسام البغاة وأنا اتحدى أن يجد لي الفقيهي قولا خلاف ما قاله علماء أهل السنة في أهل البغي والخارجين عن طاعة الامام. بل اتحدى أن يجد لي قولا في هذا (الخروج) إلا ويجد في رسالته ما هو مثله أو اشد.

[ 274 ]

الملاحظة السابعة والثلاثون: يستمكل الفقيهي ما سبق بقوله: (وفي قول بعض المالكية يقتل ومتهم بالزندقة). أقول: يقصد من قال إن بعض الصحابة خرج على علي أو عثمان فانه على رأي بعض المالكية يقتل ؟ ! وأقول: إن صح هذا القول من الفقيهي فسأكون انا والفقيهي وجميع علماء المسلمين ممن يستحق القتل ؟ ! ومتهمين بالزندقة ! ! لانني لم أجد إلى الان عالما معتبرا من علماء المسلمين إلا واطلق على الخارجين على عثمان أو علي لفظة (الخروج) أو (البغي) وهذان اللفظان كل منهما يقتضي الاخر فالبغي يقتضي (الخروج عن الطاعة) والخروج عن الطاعة يستلزم (البغي). أما الخوارج فإنما ازداد ذمهم لسوء عقيدتهم وليس بسبب خروجهم على الامام فقط. وإنما جاءت مصيبتهم من سوء المعتقد أما فعل البغاة فقريب من فعل الخوارج وعقيدتهم سليمة ويجمعهم جميعا (الخروج عن طاعة ولي الامر). كذلك الاتهام بالزندقة لن يبق عالم من علماء المسلمين المعتبرين إلا وهو متهم بالزندقة لو صحت قاعدة الفقيهي التي وضعها ! ! والفقيهي لم يفقه خطورة وبطلان (القواعد التي يقعدها) ويدعو لها وهو أول المتضررين منها مع بطلانها أيضا ! !.

[ 275 ]

الملاحظة الثامنة والثلاثون: ثم يقول الفقيهي: (وكل من خرج على الامام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة يسمى خارجيا) ! !. أقول: ها هو الفقيهي بعد خمسة اسطر يهدم ما بناه ويحكم على كل من خرج على الامام بانه (يسمى خارجيم وهذا القول رغم خطئه وفحش تعميمه إلا أن الفقيهي وقع فيما حذر منه، لا أقول في كتاب آخر وانما قبل أسطر ؟ ! لانه يعرف أن ما حذر منه ليس فيه محذور. الملاحظة التاسعة والثلاثون: ثم أخذ الفقيهي ينقل عن العلماء في (الامساك عما شجر بين الصحابة) مع أن الفقيهي نفسه (لم يمسك) ! ! بل والعلماء من قديم لم أجد عالما معتبرا أمسك امساكا مطلقا فهناك سوء فهم لاقوال العلماء في (الامساك) وحدوده ووقته. بل إن العلماء أنفسهم يتفاوتون في فهم (حدود الامساك) ومتى يجب ومتى يباح، ومتى يحرم فالامساك الواجب إنما يكون عند الجهل أو الهوى أو التصعب أما بيان حقائق التاريخ وفق منهج علمي دون جهل ولا هوى فلا نستطيع قراءة التاريخ والاستفادة منه إلا بهذا، والغريب أن كثيرا من المؤرخين (المعاصرين) ينادون ب (الامساك عما شجر بين الصحابة) ! ! وهم من اشد الناس كلاما

[ 276 ]

في ذلك ومن افحشهم اخطاء واكثرهم تعصبا، تجدهم يدافعون عن المفضول وينتقصون الافضل ويتعصبون لبعض الظلمة ويرمون الابرياء فاي إمساك يريدون ؟ ! أيريدون الامساك عن مثل الحجاج واتهام مثل أبي ذر ؟ ! فإمساكهم النظري إنما يطبقونه على الوليد بن عقبة ولكنهم لا يتورعون في ذم عمار بن ياسر وامثاله واتهامهم - تبعا لسيف - بأنهم تأثروا وتتلمذوا على اليهودي عبد الله بن سبا ؟ ! وأي إمساك يريد المؤرخين المعاصرون ؟ ايريدون أن نمسك عن تخطئة المخطئ وعن الاستدلال بالاحاديث الصحيحة ؟ ! !، أنا أرى أن نفهم معنى (الامساك) قبل أن ننادي به وأنه لا يعني طمس الاحاديث والروايات الصحيحة. فالامر الذي لم يمسك عنه النبي (صلى الله عليه وآله) لا يجوز أن نطالب الناس بالامساك عنه ! ! إنما نمسك عن الاستدلال بروايات الكذابين ونمسك عن اتهام الابرياء كما نمسك عن تبرئة المخطئ من خطئه ونمسك عن مدح الظالم على ظلمه، كما نمسك عن تضخيم الاخطاء لكنهم يعكسون الامر، فإذا اطلقوا الامساك فانما يريدون الامساك عن (صحابة دون صحابة) والامساك عن (أدلة دون أدلة) ! ! وهذه (شنشنة نعرفها من أخزم). فالاخ الفقيهي مع مناداته بالامساك فرسالته كلها (خلاف الامساك) الذي يريد أن يلزمنا به وقد تعودنا من الفقيهي أن يحرم علينا ما يبيحه لنفسه ! !.

[ 277 ]

الملاحظة الاربعون: ثم خاض الفقيهي في سبب خروج بعض الصحابة على علي وأنه بسبب مقتل عثمان ولا اريد الدخول في تفاصيل الموضوع لان ما ذكره الفقيهي فيه تخليط يطول بنا الكلام فيه ولم يكن من صلب موضوعنا وهو (مدى الالتزام التطبيقي بالنظريات الصحيحة) وليس لما ذكره علاقة مباشرة بموضوع (بيعة علي). الملاحظة الحادية والاربعون: قول الفقيهي (فأصحاب رسول الله (صلى الله عليه واله) لم يخرجوا على علي لكرههم بيعته ولم يقل بهذا أحد من أهل العلم من السلف). أقول: أولا: الفقيهي اطلق هنا (الخروج على الصحابة) مع أن عنوان مقاله: (ونرفض اتهام الصحابة بالخروج) ! ! ثانيا: أنا لم أقل إن سبب خروج بعض الصحابة على علي هو كراهيتهم لبيعته فالاسباب تحتاج لدراسة وافية تستقصي اسباب الخروج، والفقيهي يريد أن يحملنا ما لم نقل ولا نريد. ايماءة: أشكر الاخ المهندس محمد عسيري على مقاله يوم الاربعاء الماضي والذي ضم صوته إلى صوتي في أهمية ابتعاد القارئ عن

[ 278 ]

التقليد والسطحية، كما أذكر الاخ محمد بان التركيز على نقد الاسلوب دون الغوص على المعلومات فيه كثير من السطحية أيضا ! !، واشكر لك ملاحظاتك على اسلوبي وشدته في الوقت الذي أرجو فيه أن يكون تقييمنا أشمل وأعمق من النظرة الاولى للالفاظ والاساليب ثم إن عيوب الاسلوب تبقى أخف من عيوب المضمون ! ! مع تقبلي لما ذكره الاخ محمد من نقد شاكرا له مشاركته وملاحظته. الملاحظة الثانية والاربعون: أخذ الفقيهي يسوغ خروج بعض الصحابة على علي (ولم يسوغ خروجهم على عثمان) ! ! فقال في تسويغه (رأوا وجوب اقامة القصاص وان تركه تضييع لحد من حدود الله عز وجل) ! !. أقول: هذا اتهام لعلي ومن معه من الصحابة بانهم (لا يرون وجوب اقامة القصاص وانهم ضيعوا حدود الله) ! ! فالفقيهي يذكر حجج خصوم علي ولا يذكر حجة علي ولا أدلته مع ان الحق معه بإجماع اهل السنة والجماعة ولن نستكمل بقية تسويغات الفقيهي فهي من هذا الجنس ! !. الملاحظة الثالثة والاربعون: زاد الفقيهي وسوغ لمعاوية خروجه عن طاعة علي بقوله:

[ 279 ]

(وبالنسبة لمعاوية فبالاضافة إلى ما سبق هو أولى الناس بالمطالبة بدم عثمان لانه ولي دمه فهو ابن عمه وكبير اسرته بني أمية). أقول: أولا: كون معاوية هو ولي دم عثمان باطل فإن ابناء عثمان هم أولياء دم عثمان وكانوا شبابا بالغين خرجوا مع عائشة يوم الجمل فهم أولياء دمه وليس معاوية ! !.. أما كونه كبير أسرة بني أمية فإن القبلية قد أبطلها الاسلام.. فقول الفقيهي فيه إقرار بشرعية (العصبية القبلية) على حساب (الاحكام الشرعية) وللاسف ان أكثر المؤرخين الاسلاميين اليوم إذا تحدثوا عن خلاف معاوية فإنهم يرتكزون على (الجانب القبلي الجاهلي) في تسويغ خروج معاوية وينسون الجانب الشرعي الاسلامي أو يتناسونه ! ! على أية حال لن يكون معاوية أحرص على تطبيق الشرع من علي ولن يكون أعارب لخم وجذام ومسلمة الفتح أحرص على ذلك من البدريين والمهاجرين والانصار الذين كانوا مع علي ! ! !. ثانيا: إن سلمنا ان معاوية له الحق في المطالبة بدم عثمان فإن المطالبة الشرعية لا تكون بالسيف، فإذا حاول كل صاحب حق ان يأخذ حقه من الامام بالسيف فهذا فيه شر عظيم وشق للعصا ومفسدة أكبر مما يرجى من المصلحة وقد رأينا النتائج. ثالثا: معاوية نفسه عندما تولى الخلافة تخلى عما كان يطالب به من قتل قتلة عثمان ! ! فهذا يدل على انه لم تكن له بينة على احد منهم بعينه أو انه خشي ازدياد الفتنة وهذه يعتذر بها الفقيهي عن معاوية ولا يعتذر بها عن علي مع ان عليا أولى بالعذر هنا..

[ 280 ]

وأحرص على تطبيق الشرع من معاوية باتفاق كل العقلاء وأهل الاسلام.. الملاحظة الرابعة والاربعون: قول الفقيهي: (ولتعلم يا أخي انه ليس هناك قياس ومماثلة بين الخارجين على عثمان والرافضين لبيعة علي). أقول: الخارجون على عثمان وعلى علي فيهم كل الوان الطيف ففيهم صحابة فضلاء وفيهم تابعون وفيهم اعراب وفيهم متهمون فالفقيهي يريد ان يفرق بين امور متشابهة فان كان في الخارجين على علي بدريون ثم تابوا فقد خرج على عثمان بعضهم ولم يؤثر عنه توبة ! ! وان خرج علي على رضوانيون فقد خرج على عثمان مثلهم ! ! وان خرج على علي متنطعون خوارج فقد كانت نواتهم الاولى في عهد عثمان ! !، لكن الفقيهي ومعه طائفة يبالغون في ذم مخالفي عثمان ويبالغون في مدح مخالفي علي ! ! مع ان مخالفي عثمان وعلي فيهم الصالح وفيهم المتوسط وفيهم الشرير. وانا ادري لماذا الفقيهي يفعل هذا لكن كثيرا من القراء لا يدرون ؟ ! الملاحظة الخامسة والاربعون: استنكر علي الاخ الفقيهي ثنائي على الاشتر وتبرئته من دم عثمان وكما قلت سابقا ان الذين يطعنون في الاشتر ويتهمونه

[ 281 ]

ظلما بدم عثمان انما يريدون الطعن - بطريق غير مباشر - في علي بن أبي طالب ! ! لان الاشتر كان من قواد علي الكبار وولاه نصيبين ثم مصر فكأنهم يقولون: (ها هو علي يستخدم قتلة عثمان ويوليهم الولايات ويجعلهم قواد جيوشه) ! ! فاتهام الاشتر فيه اتهام لعلي. فرغم الروايات الكثيرة المبرئة للاشتر إلا انه يصعب على من يريد اتهام علي بدم عثمان ان يبرئ الاشتر ! ! على اية حال الفقيهي تحداني ان اجد الروايات المبرئة له وانا اشكره على هذا التحدي فقال (اعطني ان استطعت ولن تستطيع رواية واحدة صحيحة تقول هذا القول الذي ذكرته) ! !. ويقصد تبرئتي للاشتر وذكري انه كره مقتل عثمان ! !. أقول: أولا: الفقيهي كما قلت سابغا يجهل كثيرا من الروايات الصحيحة ويظن ان كل ما يجهله فهو ضعيف والدليل على ذلك ان الروايات المبرئة للاشتر مشهورة لا يجهلها مطلع فضلا عن المتخصص في التاريخ الاسلامي ! ! وفي خلافة علي بن ابي طالب على وجه الخصوص ! ! وقد يخفيها بعض المبغضين للاشتر لانه بالغ في محاربة معاوبة وكان السبب المباشر في تغلب علي يوم صفين وأنا ابرئ الفقيهي من علمه بها واخفائها لكنني لا ابرئه من الجهل بها إ إ !. ولعل من اشهر تلك الروايات وأصحها ما رواه الامام ابو بكر بن ابي شيبة ني المصنف (15 / 228) عن يحمى بن آدم قال حدثني أبو بكر بن عياش عن مغيرة عن ابراهيم عن علقمة قال:

[ 282 ]

قلت للاشتر: لقد كنت كارها ليوم الدار فكيف رجعت عن رأيك ؟ قال: أجل، والله لقد كنت كارها ليوم الدار ولكن جئت بأم حبيبة بنت ابي سفيان لادخلها الدار، وأردت ان أخرج عثمان في هودج فابوا ان يدعوني وقالوا: ما لنا ولك يا أشتر ولكني رأيت طلحة والزبير والقوم بايعوا عليا طائعين غير مكرهين ثم نكثوا عليه...) ! ! فهذه الرواية صحيحة الاسناد على شرط مسلم فصاحب المصنف أبو بكر بن ابي شيبة من شيوخ البخاري ومسلم وكذلك يحيى بن آدم من رجال الشيخين ومثله أبو بكر بن عياش وشيخه مغيرة بن مقسم كذلك وشيخه ابراهيم النخعي من كبار التابعين وعلقمة بن قيس عالم التابعين فهذا الاسناد رجاله كلهم ثقات اثبات والاشتر نفسه ثقة كذلك فقد روى له النسائي ولا يروي إلا لثقة ووثقه العجلي وابن حبان وروى عنه كبار من التابعين منهم علقمة هذا والاشتر قد اثنى عليه علي بن ابي طالب وثناؤه أقوى من توثيق المحدثين. وفي الرواية ايضا شهادة من علقمة بن قيس كبير التابعين بأن الاشتر (كان كارها لحصار عثمان) ! !. وفي الرواية دلالة واضحة على أن الاشتر لم يكن بريئا فقط بل كان يعمل على انقاذ عثمان والخروج به ربما إلى الشام أو مكة ! !. وهذه الرواية رواها الطبري ايضا وصححها الحافظ ابن حجر في الفتح (13 / 57).

[ 283 ]

وفي رواية ابي سعيد مولى ابي اسيد الانصاري وهي رواية حسنة رواها الطبري (4 / 383) وفيها قول ابي سعيد (فقام الاشتر وقال: لعله قد مكر به (يعني عثمان) وبكم فوطئه الناس حتى لقي كذا وكذا) فهذه الرواية يصححها كل من تحدث عن فتنة عثمان وهي صحيحة الاسناد وفيها اثبات ان الاشتر كان يبرئ عثمان امام الثائرين حتى يطئوه ويلقى منهم شرأ. فليس الغريب في كثرة الروايات الصحيحة المبرئة للاشتر إنما الغريب هو جهل الفقيهي بتلك الروايات والسبب في جهل بعض المؤرخين الاسلاميين للروايات المبرئة للاشتر انهم أدمنوا على روايات سيف بن عمر وتعليقات الخطيب على العواصم ! ! حتى أصابهم ما يشبه ب‍ (غسيل الدماغ) فأصبحوا لا يصدقون ولا يعقلون إلا روايات سيف بن عمر التي تتهم عليا وأصحابه بالمشاركة في قتل عثمان والتتلمذ على عبد الله بن سبأ ! !.. ولا يتلذذون إلا بكتابات الخطيب التي تسير في هذا الاتجاه مع شئ من الذكاء ! ! اما الروايات الصحيحة المبرئة لهم فلا يلتفتون إليها - لانها خلاف روايات سيف بن عمر وكتابات الخطيب ! ! إذن فالروايات السابقة ارجو ان يتعلم منها الفقيهي الا يتحدى بعد اليوم ويزعم أنني لن أجد دليلا على كلامي ! ! الملاحظة السادسة والاربعون:. ثم صب الفقيهي اتهاماته للاشتر جامعا ماهب ودب من

[ 284 ]

مكذوبات الروايات وضعافها فقال (فالاشتر في رواية صحيحة إلى الزهري انه هدد طلحة بالسيف إن لم يبايع). أقول: أولا: هذا لا يدل على اشتراك الاشتر في دم عثمان فهذا حدث لا دخل له ولا ارتباط بينه وبين مقتل عثمان، بل لعل الاشتر خشي من طلحة ان يخالف عليا مثلما خالف عثمان فهدده ان لم يبايع عليا، والفقيهي نفسه يعتبر طلحة مشاركا في قتل عثمان انظر ص 166 من رسالته ! !. فلعل الاشتر كان غاضبا على طلحة لانه كان شديد المخالفة لعثمان فهذا الدليل ضد الفقيهي لا معه على أن مرسلات الزهري ضعيفة عند أكثر المحدثين وفيها تفصيل ليس هنا محله. الملاحظة السابعة والاربعون: قول الفقيهي: (قد ثبت في رواية متصلة صحيحة ان طلحة بايع مكرها. أقول: هذه لا دخل لها - لو صحت - ولا تدل على ان الاشتر شارك في قتل عثمان فاين هذه من تلك ؟ ! الملاحظة الثامنة والاربعون: قول الفقيهي (والاشتر في رواية: ضرب وجه دابة أم المؤمنين حبيبة عندما أرادت ادخال الطعام على عثمان...) فاين احترامه لام المؤمنين ؟ !.

[ 285 ]

أقول: الرواية لم يذكر لنا اسنادها هنا لكن ما ثبت على شرط مسلم لا ندفعه بمثل هذه الاقوال والروايات الغامضة فالاخ الفقيهي ومعه كثيرون لا يمتلكون منهجا فهم يقدمون الضعيف على الصحيح ما دام هذا الضيف يخدم احكامهم المسبقة فالاشتر ثبت بالاسانيد الصحيحة عكس ما ذكر الفقيهي لكن الفقيهي لن يقبل براءة الاشتر ما دام سيف والخطيب لم يبرئاه ! !. والفقيهي مقتنع بان الرواية التي معه ضعيفة ولذلك لم يذكر انها صحيحة مثلما وصف رواية الزهري السابقة بأنها صحيحة ولم ينقل لنا اسنادها لانه يعرف اننا لن نجهل ان (كنانة مولى صفية) إ ! ليس مثل علقمة بن قيس ! ! الملاحظة التاسعة والاربعون: قول الفقيهي: (وفي رواية صحيحة عرض الاشتر على أمير المؤمنين عثمان اما ان يخلع نفسه واما ان يقتل). أقول: الفقيهي حرف الرواية للاسف وهذا أيضا ديدن كثير من المؤرخين الاسلاميين يستحلون الكذب والتحريف من أجل اتهام من يريدون اتهامه، والرواية سأنقلها كاملة بالاسناد والمتن وقد وردت بأسانيد من أصحها وأشهرها ما رواه خليفة بن خياط في تاريخه (ص 170) ورواها أبو بكر بن أبي شيبة في المنصف (15 / 200) كلاهما بسند صحيح عن الحسن البصري قال: (انبأني وثاب قال: بعثني عثمان فدعوت له الاشتر: فجاء قال:

[ 286 ]

فطرحت لامير المؤمنين وسادة فقال: يا أشتر ما يريد الناس مني ؟ قال ثلاث ليس من احداهن بد يخيرونك بين ان تخلع لهم أمرهم فتقول هذا أمركم فاختاروا له من شنتم وبين ان تقص من نفسك فإن أبيت هاتين فان القوم قاتلوك....) الرواية. فها أنتم رأيتم الفرق بين كلام الفقيهي والرواية الصحيحة. فالرواية الصحيحة تجعل عثمان هو الذي ارسل إلى الاشتر ليسأله عن نية (القوم) لان الاشتر كان من الخارجين وهو يعرف مقاصدهم ومطالبهم فهذه ثقة من عثمان أولاها في الاشتر. أما الفقيهي فيجعل الاشتر هو الذي عرض على عثمان الخلع أو القتل ؟ ! وهناك فرق واسع بين اللفظين وتحريف الفقيهي واضح وهذا من حسن (فقهه) للروايات ! ! الملاحظة الخمسون: قول الفقيهي: (وهو الذي غضب بعد ذلك على علي عندما ولى ابن عباس على البصرة عقب الجمل إذ قال: فعلام قتلنا الشيخ إذن ؟ ! وهذا اعتراف صريح منه بمشاركته في دم الخليفة المحرم). أقول: أما غضبه على علي بسبب توليه ابن عباس فنعم حدث وأما قوله: (فعلام قتلنا الشيخ إذن) فلا يدل على مشاركته في دم عثمان فهذا اللفظ عام يقصد به (الامة) كما ورد عنه في رواية أخرى عنه (ان هذه الامة عمدت إلى خيرها فقتلته) ! !.

[ 287 ]

وعمرو بن العاص عندما أثنى على عمار بن ياسر قالوا له (هذا قتيلكم يوم صفين) قال: (قد والله قتلناه) فهذا الاعتراف من عمرو بقتل عمار لا يعني مشاركته في قتل عمار فتأمل ! ! ! وكذلك الاشتر مع عثمان فإن أصر الفقيهي على أن لفظة الاشتر تعني مشاركته المباشرة في قتل عثمان فلفظة عمرو كذلك بالنسبة لعمار وهذا ما لن يقوله الفقيهي ولا المؤرخون الاسلاميون ! ! الملاحظة الحادية والخمسون: دغدغ الفقيهي العواطف بوصفه لمقتل عثمان وهذا خارج موضوعنا مع اننا أول من يقول بأن هؤلاء القتلة المباشرون لقتله فسقه ظلمة متهمون في دينهم لكن هذا لا يعني تكفير الخارجين لان المعصية مهما عظمت لا توجب التكفير إلا المكفرات المعروفة وليس منها القتل. الامر الثاني: ان الخارجين لم يكونوا على اتفاق (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) وبعضهم أنكر قتل عثمان وبعضهم كان يريد النصيحة والاصلاح ومنهم اعراب اجلاف وبعضهم متهمون منافقون لكنهم مخطئون كلهم فالاءمر فيه تفصيل تماما مثلما الخارجون على علي فيهم مبشرون بالجنة ومسلمة الفتح وخوارج فهذه الاصناف ليست سواء مع أنهم أخطأوا كلهم في الخروج عن الطاعة.

[ 288 ]

الملاحظة الثانية والخمسون: قوله: (فقد استعظم المالكي ما جاء عن ابن حزم في تقدير عدد من لم يبايع عليا حين قدره بمائة ألف إذا اعتبر هذا دليلا على نصبه (اي ناصبي لا يميل إلى علي) أقول: ايضا هذا الكلام على طريقة المثل الكردي (الفاسقون الخمسة أربعة الجرذ والفأر والثعبان) ففي جملة واحدة يجعل الخمسة أربعة ثم ثلاثة ! ! أرلا: أنا لم استنكر على ابن حزم تقديره هذا وإنما استنكرت قوله: (ان عدد من أمتنع عن بيعة علي مثل عدد من بايعه). فهذا الكلام باطل أما التقدير ب 100 ألف مسلم فهذا صحيح جملة لكن المسلمين ذلك اليوم لم يكونوا مئتي ألف مسلم فقط ! ! وعلي لما حارب أهل الشام إنما حاربهم بأهل العراق وقليل من أهل الحجاز وكان معه نحو هذا العدد. أما المبايعون لعلي فأكثر من ذلك بكثير في الحجاز واليمن ونجد وخراسان وفارس والجزيرة ومصر وأذربيجان كلها على البيعة إلا الشام وأهل الشام خرجوا كلهم تقريبا مع معاوية إلا قليل من المتوقفين كعبد الرحمن بن غنم الاشعري. ثانيا: أنا لم أتهم ابن حزم بالنصب بسبب هذا وانما بسبب أشياء أخرى ولست مصدر الاتهام الاول له وإنما هو معروف بهذا فأنا ناقل فقط والفقيهي يعرف لماذا أتهم ابن حزم بالنصب لكنه ظننا لا نعرف ! ! فلذلك اعتمد على بعض أقواله ؟ ! ثالثا: الفقيهي عرف النصب بانه (عدم الميل إلى علي) ! ! وهذا

[ 289 ]

تعريف باطل فإن (الميل إلى علي) إذا أطلق فإنه يعني التشيع فكأنه يقول انني انقد ابن حزم لانه ليس شيعيا ! ! وهذا كلام باطل فأما النصب فهو (كل انحراف عن علي وأهل البيت) سواء بلعنه أو تفسيقه كما كان يفعل بعض بني أمية أو بالتقليل من فضائله كما يفعل محبوهم ! ! أو تضيف الاحاديث الصحيحة في فضله ! ! أو عدم تصويبه في حروبه ! ! أو التشكيك في شرعية خلافته وبيعته ! ! أو المبالغة في مدح خصومه ! ! فهذا وأمثاله هو النصب وبعضه موجود عند ابن حزم - رحمه الله وهو (أي النصب) متفاوتة ليس هنا محل تفصيلها، والنصب حسب استقراني يصل لسبع مراتب فهذا هو النصب وليس كما عرفه الفقيهي ! !. الملاحظة الثالثة والخمسون: قوله: (وقع النافد في أخطاء مثل تضعيفه احدى الروايات التي ظهر لي ان اسنادها حسن وقال انه متوقف فيها حائر وأخيرا حكم عليها بالشذوذ). أولا: أقول يقصد رواية الحسن البصري فهي من حيث الاسناد فيها نظر ومن حيث المق فإن بعض متنها خالف روايات أصح وهذا هو تعريف الشذوذ فليراجعه إن شاء. ثانيا: أما التوقف الذي عابني به في هذه الرواية فليس عيبا بل هو خير من المجازفة برد روايات صحيحة أو قبول روايات الكذابين كما يفعل أخونا الفقيهي فليته أكثر من التوقف في كثير من المجازفات التي وقع فيها ! !.

[ 290 ]

أما سن التحمل أو متى يصح سماع الصغير فليس لها ضابط معين والصواب انه متى كان أهلا لنقل الرواية فانه يقبل منه مع التوثيق وقد سئل الامام أحمد (متى يجوز سماع الصبي للحديث ؟ فقال: (إذا عقل وضبط) انظر علوم الحديث لابن الصلاح ص 129. وقد رد علماء الحديث سماعات كثير من الصبيان بل سماعات كبار من المحدثين شكوا في روايتهم عن شيوخهم اضافة إلى شذوذ في المتن مخالف لما هو أصح منه. فالامر اغوص وأعمق مما يتصور الفقيهي. الملاحظة الرابعة والخمسون: قول الاخ عبد الحميد: (وما كتبه (المالكي) في المقال (5) عن رواية ابي نضرة بانها مرسلة ولم يشهد القصة وهو لم يرو عن علي ليس صحيحا فما نقله عن العلائي وأحال إلى التهذيب لا يوجد في التهذيب بل صاحب التهذيب ذكر روايته عن علي وقبله الذهبي في السير ذكر روايته عن علي ولم يذكره ابن ابي داود في (مراسيله) ! !. أقول: أولا: كون رواية ابي نضرة مرسلة ولم يشهد القصة فهذا صحيح وسيعترف به الفقيهي عندما ذكر أن أبا نضرة إنما يروي القصة عن قومه ! ! كما سيأتي. ثانيا: أنا نقلت عن العلائي من جامع التحصيل ولم أحل للتهذيب كما زعم الفقيهي ! ! فمقولة (وأحال للتهذيب) من كيس

[ 291 ]

الفقيهي والمقال المنشور موجود يرجع إليه من يشاء. لكن هل تدرون لماذا حرف الفقيهي كلامي ؟ ! لانه يعرف أن صاحب التهذيب (سواء تهذيب الكمال أو تهذيب التهذيب) يذكرون شيوخ الراوي سواء من روى عنهم سماعا أو إرسالا في الغالب وأن العلائي في جامع التحصيل لا يفعل هذا بل يفرق بين سماع الراوي وارساله ! ! فلما وجد الفقيهي نفسه أمام قول العلائي (روى عن علي وأبي ذر وغيرهما من قدماء الصحابة وذلك مرسل) لم يعجب الفقيهي كلمة (وذلك مرسل) فزعم إنني أحلت للتهذيب لان التهذيب ليس من منهجه بيان ذلك ؟ ! ! والفقيهي يعرف أن صاحب التهذيب ليس من شرطه بيان المرسل وقد ينبه عرضا ولا ريب إنني أشهد للفقيهي - بعد هذا - بالذكاء واجادة التعمية على المشتغلين بالحديث فضلا عن طلابه وعامة القراء ! ! الذين لا يمتلكون التهذيب ولا جامع التحصيل ! ! لكنهم سيقرؤون كلام الفقيهي ويصدقون - ولو لفترة زمنية - إنني أنقل من التهذيب خطا ! ! والفقيهي يعرف أن الطلاب وأكثر القراء أضعف من أن يرجعوا للمصادر ويحكموا بيني وبينه ! ! فقوله: (وصاحب التهذيب ذكر روايته عن علي) كلام من لا يعرف منهج صاحب التهذيب ولا منهج العلائي اضافة لتقويله عني ما لم أقل البتة إ !

[ 292 ]

الملاحظة الخامسة والخمسون: قول الفقيهي: (ولم يذكره ابن أبي داود في مراسيله) يقصد لم يذكر أبا نضرة. أقول: أولا: عش رجبا تر عجبا ! ! فابن أبي داود ليس له كتاب في المراسيل إنما كتاب المراسيل لوالده أبي داود سليمان بن الاشعث السجستاني فإذا كان الفقيهي لا يعرف مؤلف الكتاب فلن يعرف مضمون ومنهج الكتاب ! ! ثانيا: منهج أبي داود في مراسيله ليس مثل منهج العلائي أي ليس من منهجه تتبع الرواة الذين يرسلون إنما منهجه ذكر الاحاديث المرفوعة التي رواها بعض التابعين أي ان كتابه خاص بمراسيل التابعين عن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ! ! !. أما صاحبنا أبو نضرة فانما رجحنا أن روايته السابقة مرسلة عن طلحة وعلي ونحوهما وليس له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم لا مرسلة ولا موصولة. فالفقيهي يظهر من كلامه انه لا يمتلك كتاب المراسيل فضلا عن معرفة مؤلفه ومنهجه ! ! ولو امتلكه فليس هناك أسهل من قراءة اسم مؤلف الكتاب فحتى هذه لم يفلح الفقيهي فيها للاسف ! ! ثم ياتي يرمي الناس بالجهل في مصطلح الحديث وهذا - كما قلت سابقا - بأن أكثر المؤرخين الاسلاميين للاسف يرمون الناس بالجهل وهم أجهل الناس بمصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل

[ 293 ]

فهذا منهج عام مؤلم مستشر بينهم. ثالثا: لو ذكر أبو داود أبا نضرة في مراسيله بأنه ارسل عن النبي صلى الله عليه وسلم فليس له كبير فائدة في موضوعنا بل ليس له فائدة البتة ولو قرأ الفقيهي المراسيل لابي داود (وليس كما زعم لابن أبي داود) لما فال هذا القول ! !. الملاحظة السادسة والخمسون: قول الفقيهي: (ومن المهم ذكره أن الرواية التي يتحدث عنها الناقد ليست روايته عن علي بل عن قومه من ربيعة). أقول: قولك هذا أقوى في دحض حجتك فيما زعمت من تقوية رواية أبي نضرة لان قومه هؤلاء مجهولون ! ! والمجهول مردود الرواية بالاتفاق ! ! فهذا اعتراف منه بانه روى عن مجهولين، ولولا أن هذه الرواية تعارض روايات أصح لقلنا أن الفقيهي له عذره في الاستشهاد بها (لا الاحتجاج) فالفقيهي حكم على الرواية بنفسه بأنها عن مجهولين وهو نفسه يضعف الروايات عن المجهولين لكن (إذا لم تخدم أحكامه المسبقة) ! ! الملاحظة السابعة والخمسون: قوله (فقد وصف (أبو نضرة) طلحة حين قدم البصرة برفقة الزبير فهل بعد هذا تقولي بأن روايته مرسلة !).

[ 294 ]

أقول: وأين الاسناد بهذا ؟ ! وما صحته ؟ ! ولو فرضنا صحة هذا فهل يناقض ضعف روايته عن قومه بأن طلحة بايع مكرها) ؟ ! الملاحظة الثامنة والخمسون: قوله: (وما كتبه في المقال (4) قال: أهمل كثيرا من الروايات الصحيحة التي سبقت فلم يذكر رواية علي نفسه ولا رواية الاشتر ولا رواية الحسن البصري ولا أبي بشير العابدي). كان هذا كلامي رد عليه الفقيهي بقوله: (رواية علي في سنن سعيد بن منصور التي ذكرها لا أراه أخذها إلا من رسالتي فقد ذكرتها ص 123 وحكمت على إسنادها بالصحة) ! !. أقول: الفقيهي لا يدري ما يقول، فرواية علي التي قلت في ذلك المقال انها سبقت ليست رواية سعيد بن منصور فقد ذكرت في المقال الاول مصادر رواية علي في بيعة طلحة والزبير طائعين وانه رواها أبو بكر بن أبي شيبة (15 / 274) هذا ما ذكرته في المقال الاول وتلك الرواية هي التي تتحدث عن (بيعة طلحة والزبير طائعين) أما رواية سعيد بن منصور فإن مضمونها (أن عليا لا يعرف قتلة عثمان). فالفقيهي لم يرجع للمصدر الذي اشرت إليه وأهمل ذكر هذه الرواية المهمة فلم يذكرها في رسالته ! ! البتة لا في الاصل ولا في الملحق ثم يقول اننا سرقناها من رسالته مع انه لم يوردها مطلقة وهذا من حسن (فقهه) لما يكتب ! !

[ 295 ]

الملاحظة التاسعة والخمسون: قوله: ورواية أبي بشير العابدي أوردتها في ص 98 مجملا ودرست إسنادها في الملحق مفصلة برقم 69 وهي ضعيفة. أقول: لم توردها في بيعة علي العامة مع انها تدل عليها وانما أوردتها مستدلا بها على ضعف من قال (ان طلحة والزبير بايعا طائعين) وكلامي كان من (الروايات في بيعة علي العامة) وانك أهملت الروايات الدالة عليها ! ! وهذه من الشواهد ولو نظرت لرواية ابن الحنفية لوجدت ان رواية أبي بشير مشابهة لها إلى حد بعيد فهي شاهد لا بأس به لكن أكاذيب سيف بن عمر شغلتك عن هذه الروايات المهمة ! !. الملاحظة الستون: قوله (ورواية الحسن البصري موجودة في الرسالة أيضا ص 93 وصححت إسنادها في الملحق (ص 62). أقول: أيضا الفقيهي يخلط بين روايات مختلفة فأنا عندما قلت انه أهمل رواية الحسن البصري ذكرت هناك مصدرها وهو كتاب الفضائل للامام أحمد (2 / 576) وهي قول الحسن (فعمد الناس إلى خيرهم فبايعوه) وإسنادها قوي فهذه رواية في البيعة (بيعة علي) لم يذكرها الفقيهي. أما الرواية التي في رسالته فهي رواية أخرى لا تدل على بيعة علي ونصها كما في ملحق رسالته (لما

[ 296 ]

كان من عثمان ما كان واختلاف الناس...) وفيها عرض الناس البيعة على ابن عمر ورفضه ذلك). فهذا كله لا علاقة له ببيعة علي فانظروا كيف يعمي الفقيهي الحقائق ويخلط الامور ويتشبع بما لم يعط فرواية الحسن البصري التي ذكرتها لم يذكرها البتة ثم يأتي برواية أخرى للحسن البصري ويزعم إنها هي التي أقصد مع انني ذكرت المصدر والصفحة فهلا رجع إليه ليعرف الرواية التي أريد. ثم هو لا يذكر نصها ولو ذكره لافتضح قوله وبدلا من أن يشكرني على إرشاده للروايات التي فاتته يأتي بعد هذا كله ويزعم إن ما لم يذكره في رسالته قد سرقته من رسالته ! ! وهكذا فليكن العدل والصدق والانصاف ! !

[ 297 ]

والفصل العاشر تعالوا إلى كلمة سواء ! ! نريد قارئ المسؤولية لا قارئ آخر صيحة ! ! النتائج العامة

[ 299 ]

تعالوا الى كلمة سواء ! ! ليس من المهم أن نتفق في كل شئ لان الاختلاف من سنن الله التي قدرها في هذه الحياة الدنيا فلا يزال الحق والباطل في صراع إلى يوم القيامة ولولا وجود الباطل لما عرف الناس قيمة الحق، ولولا مرارة المصائب لما عرف المبتلون نعمة السلامة والعافية ولولا الجدب لما عرفنا فضل الغيث، لذلك يجب ألا نتوهم بأننا سنصل إلى اتفاق عام بين كل الناس مسلمهم وكافرهم، سنيهم ومبتدعهم، مصيبهم ومخطئهم فهذا خلاف سنن الله في هذه الحياة. لكن في الوقت نفسه نحن مطالبون من الله عز وجل بدعوة الكافر إلى الاسلام ودعوة المبتدع إلى السنة ودعوة المخطئ المذنب إلى الصواب والتوبة. فالله الذي قدر الاختلاف هو الذي أوجب


صحيفة الرياض، السبت 26 / 7 / 1417 ه‍ - 7 ديسمبر 1996 م (*)

[ 300 ]

علينا العمل لتقليصه بالحق والى الحق، فدعوة الغير وتصحيح الذات عنوان كل مسلم مخلص ومطلب كل عارف بمهمته في هذه الحياة. المكابرة والاختلاف ! ! ليس من مهمتنا القضاء نهائيا على كل اختلاف لكن من مهمتنا محاربة التلوث الذي اصاب العلم والحق، محاربة الجهل ببيان العلم، بمحاربة المكابرة، محاربة تضليل الناس عن الحقيقة. فهناك كافر لا يعرف ان الاسلام حق فهذا يبقى في دائرة الجهل لكن قد يوجد آخر يعرف ان الاسلام حق لكنه يابى اتباعه والاعتراف به فهذا خرج من دائرة الجهل الي دائرة المكابرة، وهو بهذا بحاجة إلى حرب فكرية تكشف تضليله للناس وتكسر مكابرته.. كذلك قد يوجد مبتدع يعرف ان السنة حق فهذا مكابر، وقد يتيقن مخطئ من خطئه لكنه يستمرئ المواصلة فيه لمصلحة من المصالح على حساب الحقيقة والمتلقي فهذا مكابر وصلنا معه لطريق مسدود، فهل نستمر في وصف هذا بالاجتهاد ف " اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ا ! ! هناك قضايا واضحة لا تخضع للاجتهاد فالذي ينسب اية للقران الكريم وليست فيه لا نقول انه مجتهد خاصة بعد ان نبين

[ 301 ]

له ان هذه الاية ليست في القرآن ثم يصر ويزعم انها فيه ! كذلك قد ينسب احدهم احاديث للصحيحين أو احدهما فإذا بين له ان هذا خطا ثم اصر على خطئه يكون مكابرأ لا مجتهدأ. وكذلك ان زعم مؤرخ انه قد أورد روايات معينة بعد أن بين له انه لم يوردها ثم اصر على ذلك فهذا مكابر لا مجتهد والضحية هو القارئ والحقائق. سر المكابرة ! ! في أحايين كثيرة لا يشعر المكابر بمكابرته أو لا يحب ان يشعر نفسه ولا الاخرين بذلك، يأتيه الشيطان وينفخ فيه قائلا (أنت الان تقاوم أهل الضلال فلا تظهر بمظهر الضعف، لا تعترف بالاخطاء لان الناس سيفسرون هذا بان الاخر مصيب في كل شئ وأنت مخطئ على كل حال استمر فيما أنت عليه، هي زوبعة وتنتهي، ثم ترجع لتصحيح الاخطاء بهدوء..) ! ! ! فيظن المكابر المسكين ان هذه الاقوال نابعة من احساس مرهف سليم والواقع انها من شيطان رجيم ! ! وهذا سر من اسرار عدم اسلام الكافر وعدم توبة المبتدع واصرار المخطئ على خطئه، كل منهم يأتيه الشيطان مبغضا له الخصم واقواله ونافخا فيه الجاهلية فتجد احدهم لا يصارح نفسه ولا ينقد ذاته بل يستسلم ل‍ " سواليف الشيطان " ! ! ويصغي لها ويحس لها حلاوة تفوق مرارة الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الصواب واتباع ما يقوله خصم الامس،

[ 302 ]

فالخصومة تذكي " سواليف " الشيطان فإذا فكر المخطئ في الرجوع جاءه قرينه مذكرا له بيوم " بعاث " ! ! وهل الشيطان حقيقة ! ! بعض من تعودوا على دراسة المناهج واختلافاتها والعلوم المختلفة التي وفدت الينا من الغرب يصعب عليهم الاعتراف ب " الوساوس أ و " الشيطان أ و " الهوى ولان هذا - فيما يزعمون خلاف المنهج العلمي.. وقصدهم المنهج المادي ! ! الذي لا يؤمن الا بما هو محسوس، قد يعذر " المؤرخ " الغربي " المادي " لانه يكفي انه " مادي " ! ! لكن لا يعذر أبناء المسلمين الذين يؤمنون بالقرآن الكريم والسنة المطهرة وفيهما مئات ان لم اقل الاف - النصوص في اثبات وسوسة الشيطان ومكره بالانسان وفيها أيضا وصف امراض النفوس من هوى وكبر وغير ذلك.. لكن الكثير منا مع كثرة تعودهم على قراءة المناهج المادية اصبحوا - للاسف ماديين اكثر من الماديين فلا يكفيهم ألا يعترفوا بما سبق بل ربما هاجموا من لجأ لتفسير موقف معين بذلك واتهموه بالجهل والبعد عن التحقيق العلمي. وهذا ايضا من وسوسة الشيطان لهؤلاء يأتيهم ويقول " ما هذا ؟ !... شيطان ووساوس ! !.. ما دخل هذه بتلك ؟ !.. ليس هناك اشياء اسمها وساوس وشياطين " ! ! وبهذا يكون الشيطان قد نجح معهم في إماتة ذكره والامن من مكره بل إن من اكبر وساوسه ان يجعل الباحث لا يؤمن بوجوده ولا وسوسته ! ! فإذا

[ 303 ]

وصل الباحث إلى هذه المرحلة فهذا يعني انه مستعد لرد نصوص القران الكريم التي تثبت هذا. فهم النفس اذن فنحن بحاجة إلى فهم نفوسنا وفهم الاخرين والعدل في الحكم والانصاف في الطرح، بحاجة إلى التفسير الصحيح للمواقف سواء موقف المؤرخ أو العالم أو الشخصية المترجمة، هذا التفسير المتوازن بين المادي وغيره، بين الوحي والعقل وما عند الآخرين من ابحاث وعلوم وفوائد، وليس هناك فصل بين الوحي، والعقل فالوحي امر بالتفكر والبحث والنظر وفتح الابواب المعينة على ذلك وفسر لنا ما لا نستطيع تفسيره من خلال الماديات. أسباب الاختلاف والعلاج المطلوب قبل ان نعالج حالة من الحالات لابد من معرفة أسبابها، والحالات تختلف، حتى في الامراض فالسرطان غير الزكام، قد نهتم بعلاج الاول ونترك للثاني فسحة من الوقت دون علاج بل ولا اهتمام، فكذلك الامور العلمية هناك امور كثيرة قابلة للاجتهاد وتتجاذبها الادلة اضافة إلى ان نتائجها يسيرة في جميع الحالات. إذن فأسباب الاختلاف مرحلة سابقة على مرحلة علاج هذا الاختلاف وكل اختلاف في الدنيا مرده إلى عدة اسباب رئيسة منها:

[ 304 ]

1 - الجهل: فهذا أول أسباب الاختلاف وأهمها على الاطلاق فمن جهل الحقيقة خالفها، وعلاج هذا الجهل بالعلم.. وقد يكون هناك جاهل مركب لا يعلم ولا يعلم انه لا يعلم وهذه كارثة خاصة إذا كان هذا الجاهل في موقع الصدارة وتعليم الناس. واحيانا يكون الجهل مغلفا بغلاف العلم فتجد الالفاظ العلمية في كلام هذا الجاهل لكنه يوردها في غير موقعها مع سطحية في التناول والبحث وكل منا لابد ان يكون فيه بعض الجهل قل أو كثر حتى في مجال تخصصه الدقيق. لذا نرى ان من اهم أسباب الاتفاق هو العلم المضاد للجهل فمتى علم المختلفان الحقائق اتفقا في الاغلب. 2 - الهوى رالتعصب: قد يعرف المختلفان أو أحدهما الحقائق لكنهما لا يتفقان لان احدهما يتنكر لهذه الحقائق بسبب الهوى الذي دفعه للتعصب للباطل فالهوى اصل والتعصب نتيجة جمعت بينهما لتلازمهما القوي. فعلاج الهوى يكون بتصحيح النية، والاستعاذة من الشيطان، وحب خدمة الحقيقة، ونشدان ذلك، وعلاج التعصب يكون باجبار النفس على اتباع الدليل، والحجة والبرهان، وترويض النفس على مقاومة الوساوس والهوى ومداخل الشيطان. وليتذكر المتعصب بان تعصبه سيسئ إليه قبل اساءته للحقيقة فكل امر سينكشف اليوم أو غدأ فلماذا يتعب نفسه ويكسب اثما في امر هو خاسر فيه لا محالة. وماذا سينفعه مشجعوه وجمهور

[ 305 ]

اخر صيحة إذا سئل عن كتمان العلم بل إذا سئل عن اظهار ونشر ما لا يعتقد صحته بل يعتقد خلاف ذلك، فلابد ان يحاسب نمسه. هذه الاسباب هي ابرز أسباب الاختلاف على الاطلاق فمتى ذهب الجهل والهوى جاء الاتفاق ومتى وجد أحدهما طرد الاتفاق. المناظرة ! ! إذا واصل المتعصب في تعصبه وكابر ولم يقبل الحقائق المدوية الظاهرة فهل تبقى ضحاياه - من الحقائق والناس - عرضة لاباطيله ! ! ام أن من واجبنا حماية الحقيقة وحماية الناس وذلك بالمناظرة وكشف الاخطاء وبيان الصواب حتى ينتفع الآخرون بذلك. والمناظرة لا نقصد منها ان نبت في كل صغيرة وكبيرة لانه كما قلنا سابقا هناك امور قابلة للاجتهاد لكن لا يقبل من الاجتهاد ما خالف الحقائق الظاهرة. فمثلا: قد نقبل من شخص ما اجتهاده في تصحيح حديث حسن أو تضيفه بأسباب يراها لكن لا نقبل منه ان يضعف الاحاديث المتواترة ولا أن ينسب لصحيح البخاري مثلا حديثا ليس فيه البتة ! !. فهذا فيه تضليل للحقائق وظلم للاحاديث النبوية وظلم للقارئ أو الجمهور ولنكن أكثر وضوحا: فأقول انا والاخ الفقيهي اختلفنا في روايات زعمت أنها ليست

[ 306 ]

في رسالته والقليل منها لم يوردها محل الشاهد وهو زعم انه قد اوردها وذكر ذلك بالصفحة والرقم ! ! ثم رددت عليه بأن ذلك باطل ! !. فما موقف القارئ هنا ؟ ! لابد من فصل في الموضوع لان هذا غير خاضع للاجتهاد لابد أن يكون احدنا قد كذب ! ؟ فمن هو الكاذب ومن هو الصادق ؟ ! هذه بحاجة إلى مناظرة ولجنة تحكيم وانا ارضى القسم الذي يثني عليه الفقيهي " قسم السيرة والتاريخ بالجامعة الاسلامية " ليكون حكما بشرط ان تنشر الحقائق للناس حتى يعرفوها أما ان يعمل بيننا صلح فهذا غير مقبول، لانه لا عداوة بين الاشخاص انما العدواة بين الحقائق والمعلومات، ومن الخطأ ان يفسر الناس كل اختلاف بأنه عداوة بين اثنين هذا من كبر الاخطاء.. عندما نختلف لا يعني هذا تنافر القلوب، انا اتحدث عن قلبي فوالله لا أكن لاخي الفقيهي إلا كل خير وارجو ان يكون قلبه أصلح من قلبي. صحيح ان الاساليب قد يظهر منها خشونة أو قسوة أو تلميح لكن طبيعة الافكار لابد أن تتصارع والبقاء للاصح. وقد اسعدني نية الاستاذ احمد حسين شرف الدين وزملائه في فتح المناظرة في النادي الادبي في الرياض حول بعض الامور التي اختلفوا فيها في التاريخ.. فليت النوادي الادبية توافق على إحياء " المناظرات " ونشرها إعلاميا لتحيى فينا حب العلم والمعرفة، وليت الاخ الفقيهي يوافق على ان نتناظر في القضايا التي اختلفنا فيها، ولنا في الشافعي واسحق بن راهويه سلف وقدوة ! !

[ 307 ]

نريد قارئ المسؤولية لا قارئ آخر صيحة ! ! أحببت أن أوجه رسالة للقراء، لانني - منذ سنوات - وأنا أرى أن القارئ - للاسف - يكون ضحية لتلبيسات الكتاب ولا يمتلك اكثرهم المنهج الذي يستطيع به الاستفادة من الحوارات العلمية حتى يعرف الحق والباطل فيها ويعرف المحق من المبطل. القارئ أمانة والقارئ أمانة في عنق الكاتب أو المؤلف أو الخطيب أو الوسيلة.. فهذا القارئ إن لم نكن أمناء وصادقين معه فإن الاثم - لا محالة - سيكون من نصيبنا قبل أن نخالف (الاخلاقيات) التي تدعونا لاحترام الآخرين وعدم الاستهتار بهم ولا بعقولهم ومعلوماتهم. (هامش) صحيفة الرياض، السبت 26 / 7 / 1417 ه‍ - 7 ديسمبر 1996 م (.)

[ 308 ]

الحقيقة المؤلمة ولا أود أن اتحدث عن تجاربي مع (الردود والتعقيبات) لكنني أحب أن أنقل حقيقة واحدة فقط لمستها كثيرأ من تلك التجارب، وهذه الحقيقة مؤلمة، خلاصتها انني وجدت كثيرأ من القراء - للاسف - نستطيع أن نطلق عليهم (قراء آخر صيحة) ! !. فكثير من القراء - إن لم يكن أكثرهم - ليسوا في مستوى القوة والمتابعة التي تؤهلهم لتقييم الكاتب أو المؤلف بل تجدهم في مستوى التلقي والاستسلام في القضايا العلمية، فلا مشاركة بصيرة ولا تقويم منهم للكاتب ولا ايجابية في التفاعل مع القضايا، ليس لهم - أقصد هؤلاء الكثير من القراء لاكلهم - ليس لهم من المشاركة إلا التصفيق لآخر الردود أو النقد المطلق لما لا يرغبون ولا يفهمون ! يرددون ما قال اللاحق ولا يتذكرون ماذا قال السابق ! ! وهذا سر اصرار بعض المردود عليهم على المكابرة والرد حتى ولو كان يعلم أنه يرد بالباطل ليدحض به الحق ! !، لانه يعلم - عندما يكتب ردأ - أن القارئ أضعف من أن يكتشف تلبيسات الكاتب وتمويهاته وإخفاءه للحقائق وتهربه من الاخطاء لان القارئ لن يرجع إلى المصادر ولن يحاكم الكاتب إلى الادلة بل ربما - الاكثرية من القراء - لا يمتلك الواحد منهم مكتبة تؤهله للحكم على طرف من الاطراف بأنه أصاب أو أخطا.

[ 309 ]

شئ من التجربة واذكر أنه جرت بيني وبين (بعض الناس) ردود في الماضي فكان الواحد من هؤلاء القراء الكرام بين أمرين: إما مقلد لطرف من الاطراف معرض عما يقوله الطرف الاخر ومتشكك في كل ادلته، وإما ينعق مع " آخر الردود " ! ! فيثني عليك إذا نشر ردك ويعاتبك إذا نشر رد خصمك ! !، فمثل هذه النوعية من القراء وفيهم بعض الاكاديميين - للاسف - لا يفرح بتأييدهم لانهم لا رأي لهم ولا بحث في أدلة المتحاورين ولا رجوع للمصادر بل تجمعهم العاطفة ويفرقهم الدليل ! !. أين المعايير الصحيحة ! ! بل إن أكثر القراء للاسف ليس عندهم معايير التخطئة والتصويب وإنما معاييرهم في الحق والصواب تجدها معايير (جاهلة) لم يقل بها أحد من عقلاء السلف والخلف، وجل معاييرهم تنحصر في (الشهرة) و (السمعة) و (التخصص)، و (الوظيفة)، و (الصداقة) و (المعرفة) وهذه كلها ليست معايير ولا ضوابط يعرف بها المحق من المبطل لكنها معايير (العامة) تعارفوا عليها فتبعهم كثير من (الخاصة) ممن كان يظن فيهم البحث والتحري والدراسات الجادة ! !.

[ 310 ]

لا تعميم ولكن ! ! سبق وأن قلت انني لا اعمم هذه الاحكام القاسية على كل القراء فالتعميم أمر مخالف للحقيقة العلمية والواقع المشاهد، لكنني قد ابتليت من اخواني القراء بالتأييد الاعور مثلما ابتليت بالمخالفة العمياء، أنا لا اريد من القارئ أن يؤيدني بلا علم ولا بحث كما لا اريد منه أن يخالفني عصبية أو حسدا أو تقليدا للخصم. فكلا الامرين احلاهما مر، فالذي يؤيدك بلا دليل سيخالفك بلا دليل، والذي تفرح بسرعة تأييده اليوم ستحزن على سرعة انتكاسته غدا. لا نريد قارئ آخر صيحة ! ! نريد (قارئ المسؤولية) ولا نريد قارئ (اخر صيحة) ! !، نريد القارئ الذي يكتشف بعض (الاعيب) الكتاب والمؤلفين ! ! نريد القارئ الذي يعرف المحسن ويقول له احسنت ويعرف المسئ ويقول له أسأت. نريد القارئ المناصح لا المجامل، نريد القارئ الشجاع لا الخائف، نريد القارئ المتحلي بالصراحة لا القارئ المتلون، نريد القارئ الثابت على الحق لا الميال مع الرياح. نريد القارئ ذا القناعة العلمية وليس المتردد في ظلامات الجهالة. نريد القارئ الذي يجبر الكاتب أو المؤلف على احترامه والابتعاد عن (الضحك عليه) ! ! نريد من القارئ أن يكتشف بنفسه (القهقهات) الجاهلة

[ 311 ]

المتدثرة بلباس (العلم والتحقيق) ! !. نريد من القارئ أن يكتشف الذين يمارسون الاستهتار بعلمه وعقله والمتاجرة بعاطفته وطيبته. نريد من القارئ أن يطور نفسه وبكون لها منهجا قويا بعيدا عن المجاملة والعشوائية، لا نريد عشوائية في العلم ولا في الحكم على الاخرين. نريد من القارئ أن يروض نفسه على اتباع الحق وإن كان هذا الحق غير مألوف في وسطه العلمي أو الثقافي أو الوظيفي. نريد قارئا مقيما لا متابعا مقلدا، بل يتعامل مع ما يقرؤه تعاملا مجردا عن الظنون الكاذبة والاشاعات المغرضة، لانه إن صدق الاشاعات والظنون فلن يستفيد من هذا المقال مهما كان فيه من علم. بل سينقلب الحق الذي في المقال إلى (حق يراد به باطل)، وبسوء الظن ستتبخر الحقائق وبسوء التفسير لن تجد فكرة سليمة ولا رأيا صحيحا. بسوء الظن وسوء التفسير وسوء الفهم لن نحصل على لب القفزة الحضارية التي ليس لها من نواة إلا نواة العلم والمعرفة، فمتى اعطينا العلم حقه من الموضوعية والصدق والامانة حتى يعطينا حقنا من التطور ؟ !. إذن نريد من القارئ كل هذا نعم نريد هذا كله من القارئ، ونريد أن نذكر القارئ بأهميته - إن كان يجهلها ! !.

[ 312 ]

أهمية القارئ ! ! نريد أن نذكر القارئ بأنه الهدف الاساس من العملية الاعلامية، برمتها، فإذا كانت العملية الاعلامية فيها: أ - المرسل: وهو الكاتب هنا أو المؤلف أو الخطيب. ب الرسالة: وهي المحتوى سواء كانت مقالات أو أخبارا أو تحليلات أو أبحاثا ومؤلفات. ج - المرسل إليه: أو المستقبل (بكسر الباء) أو الجمهور وهذا هو القارئ بالنسبة للصحافة أو المطبوعات بشكل عام. فهذه الاطراف الثلاثة اضافة إلى الاساليب والوسائل ورجع الصدى، كل هذه العملية (الاعلامية) أو (عملية النشر) بشكل عام إنما المقصود بها هذا القارئ، فلولا (القارئ) لما كانت هناك وسائل إعلام ولولاه لما وجهت رسالة ولما تفق صانعو الاعلام في اختيار الاساليب المناسبة لهذا القارئ. القارئ الاقوى والاضعف ! ! فالقارئ هو (الكل في الكل) في العملية الاعلامية لكنه - للاسف - اضعف حلقة في هذه العملية، كما أن ضعف الوسيلة أو المرسل (بكسر السين) أو الاساليب إنما يرجع أساسا إلى ضعف القارئ، فكل ضعف يكون للقارئ نصيب فيه، وكل نجاح يكون القارئ من أكبر المساهمين فيه. فهل عرف - أخي القارئ - أهميته ؟ ! هل يعرف أنه من أجله قامت المؤسسات الاعلامية ولوده

[ 313 ]

تسابقت وسائل الاعلام فهو (للمطبوعات) كالشعب للدولة فلا دولة بلا شعب، كما أنه لا (مطبوعة) ناجحة بلا قارئ ناجح. خصوصية القارئ السعودي ! ! وإذا أراد القراء أن يغضبوا مني أكثر فانني أقول: مثلما نريد لاعلامنا (خصوصية) فاننا نريد للقارئ السعودي - خصوصية في تناول القضايا وقراءتها، لكن الذي يشاع أن القارئ السعودي للاسف من اضعف القراء في الوطن العربي ! ! فهو يتهم بانه يريد (كل شئ جاهزا) وليس مستعدا للبحث ولا المشاركة ولا حتى حسن القراءة لما ينشر ولا حسن الحكم عليه. هذه الاشاعة - وإن كانت مجرد اشاعة - إلا أنها مؤلمة، وتؤلم أكثر عندما نرى لها بعض الحقيقة في محيطنا الصغير ومن خلال قراءة ردود أفعال القراء على ما ينشر من أخبار ومقالات وكتب وغيرها. للاسف أن القارئ السعودي - حتى له ان غضبنا من الحقيقة - فيه عجلة وسطحية في زمن نحن احوج ما نكون إلى العمق والقوة. القارئ الاكاديمي القارئ (الاكاديمي) مسؤوليته أكبر لكن مشاركته أقل، أقصد تلك المشاركة التي يناقش فيها الطالب استاذه وشيخه ويرتبط فيها الاستاذ بالادلة أكثر من ارتباطه بالمؤسسة العلمية التي يعمل فيها.

[ 314 ]

فنحن بحاجة لمشاركة، طالب الجامعة، والاستاذ، المشاركة التي تبتغي الحقيقة وتنشدها مؤثرة لها على (مجاملات الزمالة)، وخوف فقدان الاصدقاء والوظائف ! ! نريد مشاركة (الموقف المدروس) وليست مشاركة " خر صحية) ! !. سلبية القارئ ! ! إن الكاتب ليحترق ألما وحسرة عندما يضحي من أجل هذا القارئ ثم لا يجد من القارئ التفاعل مع ما ينشره الكاتب لا سلبا ولا ايجابا. إن أكثر ما يؤلم الكاتب أن يجد قارئا (باردا) لدرجة (التجمد) ! !، فمهما حاول الكاتب ان يصهر هذا (التجمد) بالحقائق والمعلومات التي تكلفه الكثير من (الجهد والوقت) إلا ان القارئ - إن تجاوب - سرعان ما ينكمس لادنى هبوب ! !. فما على القارئ إلا أن يسمع عبارة تتهم هذا الكاتب بالجهل أو الهوى أو سوء النية والمعتقد حتى يسارع القارئ إلى تصديق ذلك واتباعه ولا يكلف نفسه (الرد عن عرض أخيه) ولا البحث عن الحقيقة ولا الاتصال بالكاتب ولا مراسلته ولا تقدير تعبه وبحثه وتضحيته من أجل هذا القارئ. مع أن الكاتب كان باستطاعته أن (يطوي جسمه على ما فيه ويدع لسانه في فيه) وأن يترك هذا القارئ لمن شاء من مجيدي (الضحك) ومتاجري (العواطف) ! !.

[ 315 ]

الكاتب بين العامة والخاصة ! ! كما أن هناك إشكالا آخر يواجه الكاتب وهو صعوبة في مخاطبة فئات وطبقات القراء. فكما نعلم أن (القراء) كلمة عامة يدخل فيها المتخصص وغير المتخصص، المهتم والمتابع والمتأرجح، العالم والاقل علما، والشيخ والدكتور والانسان العادي، يدخل في (القراء) كل التخصصات والطبقات العلمية والاجتماعية والثقافية فمن الصعب (على الكاتب) أن يرضي كل القراء وأن يفهمهم مقصود الخطاب. وأصعب من ذلك أن يتنازل عن بعض الحق من أجل ارضاء أكبر قدر ممكن من القراء ! ! !. فالكاتب بين خيارات صعبة، فإن اقتصر على الخاصة انصرفت العامة عن قراءة المحتوى وان نزل إلى مستوى العامة في (تبسيط المسائل) اتهمته الخاصة بأنه يستخف بعقولهم بتوضيحه للواضح. على أن هناك اشكالا آخر في تحديد العامة والخاصة ساتي على ذكره لكنه يهمني هنا قولى بعضهم (قرأنا مقالك لكن لم نفهمه) ! !. وقول الآخرين (لماذا تكرر القول وتفصله كأننا طلاب مرحلة ابتدائية ! !) فالعامة (وهي هنا كل من ليس مهتما بالموضوع وان كان متخصصا في غيره) لهم أدلتهم في وجوب تبسيط الكاتب أو المؤلف للافكار والمعلومات ومن حججهم في ذلك قول ابن مسعود (ما إن تحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم

[ 316 ]

فتنة)، وقول علي (حدثوا الناس بما يعرفون).. فالوسيلة الاعلامية موجهة للجميع والكاتب يحاول مخاطبة الجميع لكن قد لا يفلح في كثير من هذا. حجج الخاصة ! ! كما أن الخاصة لهم أدلتهم وحججهم فهم يقولون إن كل ما ينشر في الوسائل الاعلامية إنما هو موجه - غالبا - إلى العامة ؟ !. فكأنهم يقولون: اليس لنا نصيب ؟ ! اتريدون أن تكون كل المواد تخاطب العامة فقط ؟ ! ألا يكون لنا نصيب في مقالات متعمقة وتحليلات جادة نريح بها أبصارنا وأفكارنا ؟ !. كما أن الخاصة لهم حجة أخرى فهم يقولون: إذا كان الكاتب أو الوسيلة الاعلامية تحتج - سابقا - على (تهميشنا) بالحرص على العامة، فان هذه الحجة ضعيفة في أيامنا هذه خصوصا بعد القفزات التعليمية الاخيرة، ولو كانت هناك دراسات ميدانية لربما اثبتت أن عدد القراء من الخاصة يفوق عددهم من العامة، فهناك آلاف من حملة الدكتواره والماجستير ومئات الآلاف من طلبة الجامعات وخريجيها في السابق بالاضافة لكثير من المدرسين والمثقفين والباحثين بوجه عام. فهؤلاء ولازال الكلام على لسان الخاصة أليس لهم نصيب يليق بهم فيما تنشره وسائل الاعلام أنترك هذا الكم الكبير ليبحث

[ 317 ]

عن المقال والخبر المستقصي والتحليل الجاد في (الصحف الوافدة) ! !. الخاصة فيهم بعضى العامة ! ! ومع هذا فالكاتب يجد صعوبة كبيرة إذا حاول التوفيق بين رغبات الناس لان الخاصة (إذا افترضنا أنهم كل من دخل الجامعة أو تخرج منها) يدخل فيهم (بعض العامة) فكم من دكتور متخصص في (المساقاة) لا يعرف شيئا عن (المزارعة) ! ! ورب متخصص في التاريخ تخصص في (حياة الحجاج بن يوسف بالطائف) ولا يعرف عن حياته بالعراق شيئا فضلا عن التاريخ الاسلامي كله ؟ فلا يظن كل (اكاديمي) أنه قد ألم بتخصصه العام فضلا عن العلوم الاخرى. عوام الاكاديميين ! ! إذا فإذا كتب الكاتب في (التاريخ) فانه أمام جيش من (عوام الاكاديميين) الذين ليس لهم اهتمام ولا بحث في التاريخ. ويجب ألا نغضب فكل منا فيه شئ من هذه (العامة) شاء أم أبى، فإذا كان الدكتور فلان (متخصصا) في الجغرافيا فقد يكون (عاميا) في النحو، وان كان الدكتور فلان (متخصصا) في سيرة الوليد بن عبد الملك فقد يكون (عاميا) في سيرة أبي بكر الصديق والعكس

[ 318 ]

وارد، فقد تجد (طبيبا) بارعا في علم النحو، وقد تفاجا ب‍ (رجل اقتصاد) متوغلا في علم الحديث. فهذا العلم لمن خدمه ولمن حرص عليه وأحبه وليس بالضرورة لكل من تخصص فيه، هذا أمر ملاحظ لا ينكره عاقل والشواهد أكثر من أن تحصر. طريقة للمتخصص وغير المتخصص ! ! واليوم أريد ان اجتهد في رسم طريقة لاخي القارئ يمكنه - عند اتباعها - ان يكون اكثر ايجابية. هذه الطريقة تفيد المتخصص وغير المتخصص، يمكن بها لرجل الاقتصاد ان يشارك في تقويم المؤرخ ويمكن للطبيب المشاركة في معرفة الاسانيد ودراستها، طريقة يستفيد منها عامة القراء وخاصتهم، لكنني سأركز على جانب واحد وليكن المقالات لاتخاذه نموذجا نجرب عليه هذه (الطريقة) التي ارجو ان يستفيد منها القارئ في تطوير معلوماته الاستفادة (ايجابيا) مما ينشر وبالتالي المساهمة (ايجابيا) في ذلك. وسأخذ نوعا فرعيا من (المقالات) ليكون ارضية التجربة وليكن (المقالات التعقيبية) لكونها اكثر ما يلفت القارئ في المقالات غالبا ولانها محل اختلاف بين طرفين يكون القارئ فيه ضحية التوقف وعدم اتخاذ موقف علمي لانه لا يتبع منهجا علميا في القراءة ثم الفهم ثم البحث والحكم..

[ 319 ]

تربية (خروج المغلوب) ! ! والقارئ بحاجة إلى كاتب صريح، كاتب صادق مع نفسه ومع القراء، كاتب امين، وهذه الصفات تتلاشى اثناء الردود فالكتاب جزء من المجتمع، والمجتمع فيه عيوب ومن ابرزها عدم الاعتراف بالخطأ وعدم ترويض النفس وإجبارها على أخذ الحق من الآخرين، تربيتنا - للاسف - ليس فيها ما يشجع المخطئ على الرجوع عن خطئه لكن فيها ما يشجعه على المكابرة وثبات الموقف ولو كان خاطئا، تربيتنا ومناهجنا الدراسية لم نجد فيها مدح المعترف بالخطأ وانما نصبح بها كالفرق الرياضية في مباريات الكؤوس التي يكون القانون فيها بخروج (المغلوب) وانطفاء ذكره وتحطيمه نقدا وذما ! ! وبسبب هذه (التربية) تجد المؤلف أو الكاتب - غالبا - يصر على الخطأ ويتشبث بأقواله السابقة ملتمسا لها ما هب ودب من الاءدلة متعسفا في تفسير الصحيح وفي تقوية الضعيف حتى لا يقضي عليه بقانون (خروج المغلوب) ! ! فهذه إشكالية تواجه بعض الكتاب والمؤلفين ولم اقرأ إلى الان ان كاتبا أو مؤلفا عربيا رجع عن فكرة جوهرية في مقاله أو كتابه ولم اجد خطيب جمعة عوتب على حديث ضعيف الا وتعصب لهذا الحديث باحثا عن أو هي خيوط التقوية له ! ! هذه حقيقة يجب على القارئ ان يعرفها ويجب على الكاتب والمؤلف ان يروض نفسه على الاعتراف بالخطا ويجب على القراء ان يمدحوا المعترفين بأخطائهم ويثنون عليهم والا يساهموا في تقوقع الكاتب على نفسه وشعوره

[ 320 ]

بخروجه (مغلوبا) لا يكلمه احد ولا يثق في علمه أحد.. أيضا كاتب المسئولية ! ! ولذلك تجد كثيرا من الكتاب - لانهم لا يريدون (وجع الدماغ) ولا يحبون ان يخالفهم أحد تجد مقالاتهم لا لون لها ولا طعم ولا رائحة يمكن ان يفسرها كل فرد على ما يشتهي فهي صالحة لكل زمان ومكان، ولكل فكرة وعنوان، كل هذا خوف من الكاتب ان يتهم أو يساء به الظن فضمرت المعرفة وذبل الابداع وأصابتنا اشكالية التشابه والتكرار مع السطحية في التناول وهذا كله من التخلي عن المسئولية، فمثلما نطالب القارئ بأن يكون (قارئ مسئولية) فمن باب أولى ان يكون الكاتب (كاتب مسئولية) فلا يخفي الحقائق خوفا من الناس ولا يدفن الموضوعية بمعول (عدم المخالفة).. دع القارئ يسئ القراءة ويسئ الفهم فهذا افضل من (برودة المقال).. كيف يكون القارئ حكما عدلا ؟ ! أعود إلى القارئ وأقول: ان تأييدك لما لا تعلم صحته ومعارضتك لما لا تعلم بطلانه مشاركة منك في وأد العلم وإماتته فلا تتحمل اثم هذا (الوأد) ولا تتعصب الا لما تراه حقا. وهناك خطوات تستطيع بها الاستفادة علميا مما يكتب ولو ركزنا على النموذج (المقالات التعقيبية) فستكون الخطوات كالتالي:

[ 321 ]

1 - الخطوة الاولى: الحصول على كامل كلام الخصمين من المقالات والردود (واعذروني في التعبير بالخصومة فالافكار تتخاصم وليس المقصود ان يتخاصم المتحاوران) والقارئ عندما يطلع على رد أحد الخصوم ولا يطلع على كلام الآخر فمعنى هذا انه سيحكم لذلك الخصم وانا أعجب من بعض القراء الذين يحكمون بان فلانا (مخربط) وإذا سألت القارئ لماذا ؟ ! قال (اما رأيت رد فلان عليه ! ؟) وإذا قلت له وهل قرأت كلام (المخربط) نفسه ؟ يجيبك بالنفي ! !.. اذن فانت اكثر (خربطة) ما دام انك تحكم على طرف لم تقرأ كلامه فكان لزاما على القارئ - ان اراد ان يحكم - بان يطلع على كلام الخصمين ولا تقتصر قراءته على كلام احدهما دون الاخر. وقد يقول القارئ: لكنني اثق بأن فلانا صادق في نقله عن ذلك (المخربط) ! !.. اقول: ان نقل كلامه بنصه وكان ثقة في نقله فنعم يمكن ان تحكم على ذلك (المنصوص) لا على ما فهم فلان من هذا (النص) رغم ان النقل (المنصوص) قد يكون مبتورا أو مفصولا عن مقدمة أو شرط وما أشبه ذلك لكن الادهى من ذلك ان بعض القراء لا يعرف ان بعض الخصوم ينقلون كلام خصومهم ويشوهون ذلك المعنى المراد فمن فعل هذا كان حقا على القارئ ان يذم هذه الطريقة وللاسف فان (كبارا) قد مارسوها في كتبهم ومقالاتهم فكيف ببقية الناس ؟ ! اذن الخطوة الاولى تكمن في الحصول على

[ 322 ]

كلام الخصمين كليهما ولا يكفي ان تسمع من واحد دون الآخر.. الخطوة الثانية: حسن القراءة: فقد يحصل القارئ على كلام الخصمين لكنه لا يحسن القراءة بمعنى ان يقرأ اجزاء ويهمل اخرى، يقرأ على عجل دون تعمق، يقرأ ولا يعرف لب الموضوع ولا موطن الاختلاف.. اذن فعلى القارئ قراءة كل مادة المقال ومعرفة لب واساس المشكلة.. فمثلا قد يكتب كاتب عن أهمية الالتزام بالنظريات وبنقد آخر في عدم وفائه بما التزم به نظريا. فيأتي ذلك الاخر ويقول ان الكاتب الاول انما يريد الطعن في الجامعة الفلانية أو القسم الفلاني فالقارئ الحصيف هنا يرجع لمقال الاول وينظر هل لب المقال يتحدث عن هذا ام عن ذاك ؟ ! على انه ليس من المحرم لا شرعا ولا عقلا ان تنتقد مؤسسة علمية أو قسم علمي ؟ فالنقد كالعلاج يصعب على المريض تناوله لكنه طريق الشفاء.. الخطوة الثالثة: حسن الفهم: فبعض القراء يحكم على فكرة ويعاديها من باب الجهل بها وليس من باب العلم بها وهذا شر أنواع الجهل وأقسى أنواع الحكم ؟ فالقارئ ليصارح نفسه: فان رأى من نفسه قدرة على الفهم للافكار المطروحة في المقالات فليشارك بالنقد اما ان احس من

[ 323 ]

نفسه عجزا عن فهم تلك الافكار فليرح الناس من سوء الفهم. فلابد من فهم الالفاظ والدلالات التي بها تفهم الافكار والمعاني التي تضمنها المقال: الخطوة الرابعة: البحث والدراسة: فإن فهمت كلام الخصمين فلا عليك بعد هذا الا الرجوع للمصادر والبحث رالنظر (من من الخصمين صحيح الكلام ومن منهما يخالف الحقائق).. وهذا يقود القارئ إلى خطوة داخل أخرى الا وهي (تكوين المكتبة) التي بها تستطيع ان تجد المصادر التي في ضوئها تستطيع الحكم. ولا يعني هذا انني اطالب القارئ بالمستحيل فهو يستطيع تكوين مكتبة لا باس بها بقليل من المال.. فكثرة الكتب ليست مقياسا لنجاح المكتبة وانما نوعية الكتب فليأخذ المصادر المهمة في كل علم.. ففي علم الحديث مثلا ليس شرطا ان يشتري الكتب الستة بألف ريال لكنه سيجد هذه الكتب وزيادة في كتاب واحد بثلاثمائة ريال وهكذا ليختر القارئ (جوامع الكتب) كجامع الاصول ومجمع الزوائد والمطالب العالية في متون الاحاديث فهذه الكتب في الحديث النبوي اساسية ولا يكاد يخرج عنها الا قليل من الاحاديث.. إذن لو ان القارئ يحدد (امهات الكتب) الاساسية في كل علم فانه يستطيع تكوين مكتبة باقل الاسعار وانا يؤسفني جدا

[ 324 ]

عندما أجد بعض الاخوة متخصصا في السنة وعلومها مثلا ثم لا تجد مكتبته محتوية على بعض هذه (الامهات) بينما تجدها في مكتبة (الشاعر أو الاديب) ! ! وربما لا تجد في مكتبة (الاديب) ديوان المتنبي بينما تجده في مكتبة (الفقيه) ! ! فهذه التباينات عجيبة ! !.. إذن على القارئ إذا أراد ان يحكم ان يوفر لنفسه الادوات التي تمكنه من الحكم، فلا يستطيع طبيب ان يجري عملية بلا مشرط كما لا يستطيع القارئ ان يحكم بين الخصمين بلا رجوع إلى مصادر الاختلاف.. الخطوة الخامسة: الحكم أعني ان تحكم بان الحق في هذه النقطة مع فلان والحكم لا يأتي الا بعد بحث ودراسة وليس ب (الحاسة) كما يزعم أخونا الفقيهي ! ! ولا (بالوجدان) كما يزعم الاستاذ شعوط صاحب الاباطيل ! ! الحكم يجب ان يكون بالعدل وان يتجرد القارئ من حظوظ النفس ومن الجور والتعصب فلا يحكم الا وفق معايير الادلة والحقائق وليبتعد عن المعايير (الخفية) من العاطفة ومجاراة السائد ومداراة الفهم العامي والاحكام المسبقة. الحكم على الاخرين من اخطر وأصعب المراحل، لان هذا الحكم اما ان تؤجر عليه أو تحاسب، ليس هناك خيار وسط الا إذا قلت (لا أدري) بل حتى

[ 325 ]

إذا قلت (لا أدري) وانت تدري فانت اثم بإخفائك الحقائق وعدم نصرتك لما تراه من حق.. كما ان الحكم ينبغي ان يكون نسبيا فالغالب ان الخصمين قد يقولان حقا ويقعان في بعض الباطل فإذا حكمت فاحكم بالعدل قل: فلان محق في كل النقاط الا نقطة واحدة أو نقطتين كان الحق فيهما مع الطرف الاخر.. وهكذا ليكن حكمك دقيقا بعد العدالة فيه. بل الدقة من تمام العدالة.. ولكن أين تجد الحكم العدل الذي ينصفك من الاخرين فضلا عن انصافك من نفسه.. العدل صار محفوفا بالعلاقات الاجتماعية أو الوظيفية التي تحول بينه وبين ورود ينبوع الحقيقة لكن نصف العدل خير من لا عدل.. الخطوة السادسة: المشاركة والنصرة: بعد ان يعرف القارئ جوانب الحق والباطل - من وجهة نظره - في كلام الخصمين فعليه ان يشارك ويساهم بنصرة الحق ونصرة الخصمين جميعا من باب (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) وتتم النصرة باحد الامور التالية: 1 - الكتابة في الموضوع وهذه اقوى جوانب النصرة.. 2 - المساهمة بالجديد وتسديد القصور الذي اعترى المقالات أو الابحاث أو الكتب..

[ 326 ]

3 - الاتصال بالصحيفة أو الوسيلة بشكل عام وابلاغها ما توصل إليه من حكم كل هذا بعد البحث. فهذا خير من ان يبقى القارئ (سلبيا) لا يظهر منه تأييد ولا معارضة ولا نقد ولا اتصال ولا حتى نصرة للحق في المجالس العامة والندوات واللقاءات الفكرية.. صفحة رجع الصدى ! ! وأرى لو ان كل صحيفة تخصص نصف صفحة اسبوعية تحت عنوان (رجع الصدى) أو (ردود الافعال) يتم فيها تسجيل ابرز الاتصالات والردود القصيرة (بل لو كانت يومية لكان أفضل). فهذا (التواصل) مع القارئ يعوده على الايجابية وتعرف الصحيفة مدى أهمية الموضوعات التي تنشرها. والقارئ لا يستطيع ان يكتب في كل مقال يحظى باعجابه لكنه يستطيع ان يتصل. وكم من فكرة طرحها بعض الكتاب كنت اتمنى ان اكتب مؤيدا أو منتقدا لكن الوقت لا يفي بهذا، اضف إلى ذلك ان بعض المقالات التي تعجبنا قد يستوفي صاحبها الفكرة ولا نجد عندنا جديدا يمكن اضافته إلا الاتصال والثناء. فكانت هذه (النصف صفحة) ستحقق لنا وللكاتب وللصحيفة حسن التواصل ودراسة ردود أفعال القراء..

[ 327 ]

الخطوة السابعة: المناظرة: يستطيع القارئ ان يتفق مع الخصمين المتحاورين في الالتقاء الاخوي ليتحاورا مباشرة ودون حواجز مع تعيين حكم - يرضيانه - عند الاختلاف.. لان بعض المتحاورين قد يكابر ويزعم ان منهجه هو المنهج الحق فعلى هذا سيبقى القارئ والحق ينتظران من هذا المكابر الرجوع لكنه مصر على الاطلالة عليهم عبر الصحف فقط اما عند المناظرة المباشرة فهو يخشى ان يظهر بمظهر (خروج المغلوب) ! ! فلذلك ان كان يعرف من نفسه حبا للحق فسيوافق على المناظرة بآدابها المعروفة وان كان يعرف انه مبطل فسيعتذر عنها،. فان اعتذر فيستطيع القارئ ان يعرف ان حجته ضعيفة.. والمناظرات كانت في السابق ايام السلف الصالح قائمة لكنها اختفت في العصور الحديثة. واختفاؤها سبب زيادة الفرقة والاختلاف لان الناس لا يعرفون المحق من المبطل الا إذا التقيا وجها لوجه، تماما مثلما يزعم ناديان رياضيان انهما افضل من بعض فلا يعرف الجمهور ذلك الا إذا التقيا وكان الحكم عدلا ايضا.. فهذه الخطوات لو يقوم القارئ - أي قارئ - باتباعها ويزيد عليها ويضيف ما يراه لائقا فستؤدي ان شاء الله إلى رفع مستواه ليكون في مستوى المقيم للكاتب وليس المتابع المقلد وانا اعرف ان بعض القراء متخصصون واعلم من المتحاورين لكنني اريد بهذه

[ 328 ]

الرسالة اغلب القراء - أو كثيرأ منهم على الاقل - الذين يحتارون في معرفة من هو المصيب ومن هو المخطئ أو معرفة الاكثر اصابة والانبل اهدافا.. والكلام ايضا فيه طول لا أود التوسع فيه وعسى ان يكون ما كتبت هنا معينا لنا على ايجاد (القارئ) الايجابي والتقليل من قراء (آخر صيحة) ! !.

[ 329 ]

النتائج والتوصيات استعرضنا في الحلقات الاحدى عشر الماضية عشرأ من الرسائل والمؤلفات الجامعية التي تناولت " بيعة علي بن أبو طالب " بشئ من الدراسة والبحث وقد حصلنا اخيرأ على رسائل اخرى كررت كثيرأ من الملاحظات التي سبق نقدها ولا داعي لتكرار الملاحظات والاجابات عليها لكننا سنذكر هنا ملخصا لابرز النتائج التي توصلنا إليها عند استعراض الرسائل الجامعية، وللاسف ان الملاحظات كبيرة الحجم ثقيلة الوزن داكنة اللون ! ! خصوصا إذا علمنا انها مرتبطة بالصروح الاكاديمية ! ! والان سنذكر ابرز النتائج ثم نوجه ثلاث رسائل سترونها في هذا المقال. وقفة مع عنوان المقالات: (هامش) صحيفة الرياض، 30 صفر 1417 ه‍ - 16 يوليو 1996 م (.)

[ 330 ]

لكنني قبل هذا اود الاجابة على استشكال بعض الاخوة اطلاق عنوان " كيف يضحك علينا هؤلاء " على بعض هذه المقالات ويقولون ان الامر اخطاء وملاحظات لا يبرر اطلاق ما يفيد ان هؤلاء يخدعوننا ويستغفلوننا ويكتبون ما لا يعتقدون ! ! اقول: كيف لا يضحك علينا هؤلاء وهم جميعا يدعون لنظريات سليمة ثم يخالفونها مخالفة متعمدة لا يستطيعون هم الاعتذار عن هذه المخالفة فكيف يعتذر غيرهم عنهم ؟ ! كيف يزعمون انهم ملتزمون بمنهج المحدثين ونبذ الرواة الضعفاء والاعتماد على روايات الثقات ثم لا نجد لهذه النظريات والمزاعم اثرا في كتاباتهم ؟ ! مع تفاوت بين مؤرخ وآخر. كيف لا يضحك علينا هؤلاء أو بعضهم وهم يلونون النتائج وفق الاحكام المسبقة والانطباعات الذاتية ؟ ! كيف لا يضحك علينا من وجدناه يرفض روايات الواقدي لان المحدثين ضعفوه بينما يقبل روايات سيف بن عمر مع انه اشد ضعفا من الواقدي والفاظ المحدثين في ضعفه ابلغ ؟ ! اليس من استغفال القراء تطبيق منهج المحدثين على رواة دون رواة ؟ ! اليس من الخداع توثيق اكذب مؤرخ في التاريخ لاننا وجدنا في رواياته اشياء نحبها و " تشفي الغلة وتقضي الحاجة، ؟ ! اليس من استغفال القراء ان نذكر بعض الموتى في معارضي

[ 331 ]

بيعة علي ؟ ! اليس من استغفال القراء ان نذكر من معارضي بيعة علي من لم تلده أمه الا بعد موت الامام بعشرات السنين ؟ ! اليس من استغفال القراء والضحك على عقولهم وعلومهم الزعم بان علي بن ابي طالب وكبار الصحابة من البدريين واصحاب بيعة الرضوان قد اهملوا اهم مسؤوليات الخلافة ؟ ! لو قيلت هذه التهمة في الوليد أو يزيد بن معاوية أو عبد الملك لما رضي هؤلاء باطلاقها فيهم فكيف تطلق على خليفة راشدي خلافته على منهاج النبوة ؟ ! واشياء من هذا القبيل كثير وكثير قد رأيتموه اثناء المقالات رغم ان العينة التي اخذتها ما هي الا حدث صغير وهو " بيعة علي " ولم استعرض بقية موضوعات تلك الرسائل. إذن فلست نادما على العنوان وان كان هؤلاء يختلفون ويتفاوتون في استغفال القراء وقد يكون القليل منهم يخطئون عن اجتهاد وحسن نية وتقليد. لكن يبقى ان يدعوا إلى نظريات سليمة ثم يخالفوها مخالفات صريحة امرأ فيه (ضحك) واستغفال للقراء وهذا يكفي في تبرير عنوان المقالات. نعود ونذكر ابرز ما نراه من دراسة هذه الرسائل التاريخية فنقول: 12 - 12

[ 332 ]

أبرز نتائج دراسة الدراسات التاريخية في بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما يلي.. وجدنا الدراسات التاريخية متفقة في النظرية في أهمية الالتزام بمنهج المحدثين فهي تدعو إلى ذلك اجمالا وتفصيلا في بعض المواضع لكن الواقع يشهد بأن التطبيق فيه خوارم من نواح كثيرة أبرزها: 1 - ضعف الصناعة الحديثية فلا نرى الا سطحية (مصطلحات) بلا عمق ولا دراسة. 2 - الاعتماد على الروايات الضعيفة كرويات سيف وابن الكلبي وغيرهم من الضعفاء والكذابين والمجهولين. 3 - عدم استقصاء الروايات الصحيحة التي سبق وان أشرنا لمصادرها. 4 - ضعف الجمعين (جمع المادة + الجمع بين ما يظهر فيه التناقض والتعارض). 5 - سرقة بعضهم من بعغر دون اشارة إلى ذلك ؟ ! 6 - عدم الرجوع إلى المصادر الاصلية وعدم الاشارة - أحيانا - إلى المصادر التي تم النقل منها. 7 - ابتكار بعض هذه الدراسات لشروط جديدة في صحة البيعة مثل (عقد مجلس للشورى) ؟ ! فهذا لم يقل أحد انه من شروط صحة البيعة.

[ 333 ]

8 - سوء التفسير للروايات الصحيحة أو بلفظ آخر (تدخل الهوى والاحكام المسبقة في تفسير النصوص). أو الجهل بقواعد تفسير النصوص أو بهما معا. 9 - العجائب: فبعض الدراسات تأتي بعجائب تدل على المستوى العلمي الضعيف الذي وصلنا إليه، مثل ذكر بعض الناس في معارضي بيعة علي مع انهم قد ماتوا قبلها بسنوات عديدة ! ! أو ولدوا بعدها بعشرات السنين ! ! 10 - التسويغ: يجمع أكثر الدراسات على تسويغ الاخطاء، فهم يحاولون تسويغه الخطأ ولا يجدون إلا تسويغه بخطا أكبر، فيسوغون عدم بيعة بعضهم ويسوغون خروج أصحاب الجمل وصفين ويسوغون رفض أهل الشام لبيعة علي الشرعية ويسوغون قتال أهل الشام لعلي... إلخ فهذه التسويغات والاراء الفاسدة من أخطر الامور ليس على (التاريخ الاسلامي) فقط بل على (الاحكام الشرعية) اضافة إلى عدم اقتناعهم بهذه التسويغات ولذلك تجدهم يناقضونها في مواضع أخرى. 11 - التناقض: فما تثبته دراسة تنفيه أخرى مما يدل دلالة واضحة على عدم وضوح المنهج أو سوء تطبيقه أو التدخل في صرف الادلة عن معانيها الصحيحة وما أشبه ذلك من العيوب والامراض البحثية المنتشرة عند المسلمين للاسف. 12 - أكثر الدراسات الجامعية ظلمت موضوع (بيعة علي)

[ 334 ]

ظلمته بعدم استيعاب واستقصاء الروايات الصحيحة وظلمت (البيعة) بالاكثار من الاعتماد على الروايات الضعيفة، أضف إلى مظالم (سوء التطبيق للمنهج) وسوء الرأي وسوء التفسير أيضا وهذه (الرسائل) والاعمال تتفاوت في هذه العيوب وليست على مستوى واحد. 13 - ضعف (الرسائل الجامعية) يدل على ان الساحة لا زالت بحاجة كبيرة وماسة إلى دراسات تتجنب السلبيات المشار إليها ويدل ضعفها على ضعف القول بأن ا (لدراسات الجامعية قد غطت مساحة كبيرة من التاريخ الاسلامي) فإن أكثر هذه الدراسات لم يشف الغليل بل ان بعضها زاد الطين بلة وزاد الامر غموضا والتاريخ تشويها، فلابد من التشمير عن ساعد الجد والتعمق في دراسة التاريخ الاسلامي تنظيرأ وتطبيقا مع الربط الصحيح والعميق بمنهج المحدثين مع محاربة الهوى والجهل الذي عشش في عقول كثير من المؤرخين المعاصرين وذلك عن طريق النقد الذاتي البناء لما يطرح من أعمال حتى تنجلي ظلمات الموضوعات والمنكرات لتسفر عن حقائق الصحاح واخبار الثقات. 14 - إن الذين يشككون في صحة (بيعة علي) لم يستحضروا (الجانب النظري) في البيعة على فرض صحة أدلتهم، التي يستدلون بها، فينسون مثلا انه لا يشترط في البيعة قبول جميع أفراد الامة ولا قبول جميع أفراد أهل الحل والعقد بها.

[ 335 ]

15 - ان الذين يشككون في صحة (بيعة علي) هدفهم في الغالب هدف حسن وهو الدفاع عمن خرج على علي: كأهل الجمل وصفين، لكنهم وقعوا في خطأ أكبر من حيث شعروا أو من حيث لا يشعرون بالطعن في شرعية بيعة علي وراشديتها والزامها لهؤلاء. 16 - عندما نحكم على صحابي بأنه أخطأ لا يعني هذا انتقاصا للصحابي. فما زال علماء أهل السنة والجماعة يخطئون حاطب بن أبي بلتعة والنعيمان بن عمرو والمخزومية التي سرقت وماعز الاسلمي الذي زنا فتخطئة هؤلاء حق، في وصفهم بالخطأ أو الاثم فيما ارتكبوه من أخطاء دون تعميم ولا اطراح لفضائلهم الاخرى. كذلك تخطئة المتخلفين عن بيعة الامام الشرعي - بلا عذر - وأكبر من ذلك خطا الخارج على الامام الشرعي والمقاتل له بلا موجب، فهذه الاخطاء يجب ان نعترف بأنها أخطاء، وان أصحابها مخطئون حسب الادلة الواضحة، لكن لا ننسى فضائلهم الاخرى ونأخذ التأويل في الاعتبار. وقد يأتي من يزعم ان تخطئة هؤلاء تخالف عقيدة أهل السنة في " وجوب الامساك عما شجر بين الصحابة، وهذا خلط لامور متفرقة ومفصلة فعلماء المسلمين من عصر الصحابة إلى يومنا هذا لم يمسكوا عما شجر بين الصحابة امساكا مطلقا وانما يكون الامساك عند غلبة الهوى أو التعصب دون دليل أو الكلام بلا علم

[ 336 ]

فهنا يتوجب الامساك اما الكلام فيما شجر بينهم بعلم ودون محاباة وتقديم للادلة والروايات الصحيحة وحسن تفسيرها فهذا لا شئ فيه بل لا يمكن الاستفادة من التاريخ ولا دراسته الا بهذا، ومن اتى لي بعالم كبير من علماء الامة امسك عن الصحابة امساكا مطلقا فأنا راجع إلى قوله. على اية حال لن تجدوا عالما معتبرأ أمسك عما شجر بين الصحابة امساكا مطلقا لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يمسك ذلك الامساك الذي نفهمه، بل تحدث صلى الله عليه وسلم عن كثير من الاحداث التي حدثت ايام عثمان وعلي مثل حديث مقتل عثمان وحديث الحوأب وحديث الزبير وحديث عمار واحاديث الخوارج... الخ. فهذه كلها تخالف مذهب الامساك المطلق اما الامساك في وقت دون وقت والامساك عند الجهل بهذه الامور أو عند التعصب والهوى فلا رب ان الامساك هنا واجب أما تبرير الاخطاء التي نصت الاحاديث النبوية على أنها اخطاء فهذا ليس من مذهب أهل السنة والجماعة. 17 - كذلك في الحاضر ينبغي ألا نبرر أخطاء المؤرخين بان قصده كذا أو لعل قصده كذا. فالخطا خطأ، وإذا أكثرنا الاعتذارات التي لم نقتنع بها، ضاع الحق وسط ركام هذه الاعتذارات ثم ان الخطا ليس كفرأ ولا فسقا حتى نعتذر عن صاحبه ونورد له التأويلات والاعتذرات المبالغ فيها. 28 - ان المؤرخ المعاصر يتحمل مسؤولية أكبر من المؤرخ

[ 337 ]

المتقدم لتوفر الوسائل المعينة على الحصول على المادة. لكنه يجد صعوبة في تقبل الناس للحق المخالف لاحكامهم المسبقة. 19 - الذين يقولون بأن سعدا وأصحابه لم يبايعوا عليا. كأنهم ينسبون إليهم (اشتراط اجماع الامة) وهذا الشرط باطل، بل هو مستحيل التطبيق. وقد بايع هؤلاء أبا بكر مع ان بعض الانصار وبعض بني هاشم وبعض بني أمية لم يبايعه بعد، فهل هؤلاء الصحابة يجهلون أنه (لا يشترط الاجماع في البيعة) اللهم لا. 20 - قبل ان ناخذ بروايات الضعفاء يجب ان نبين للناس أننا بحثنا ولم نجد روايات صحيحة أو مقبولة في المسالة، ونبين لهم المصادر التي بحثنا فيها. أما ان ناتي وندعي الكتابة حسب منهج المحدثين، ثم نحمل منهجمهم أمثال سيف بن عمرو أبي مخنف فهذا تحميل للمنهج ما هو منه برئ، فنحمله قصورنا واتكالنا وأهواءنا. فمن غير العلمية ان نذهب إلى (المتروكين) ونترك مرويات (الثقات) في بطون كتب السنة والحديث، فهذا منهج أعور، إن لم يكن أعمى.، 21 - تركيزي في هذه المقالات انصب على الجانب التطبيقي وهو الجانب اسثر اضطرابا عند المؤرخين المعاصرين.

[ 338 ]

وأخيرا: قبل ان اختم هذه المقالات لي ثلاث رسائل أوجهها كالاتي: 1 - الرسالة الاولى: للجامعات ومسؤوليها من اداريين وأساتذة ومشرفين وأقول لهم: اتقوا الله في هذا العلم. هل يعقل ان يكون هذا مستوى الدراسات الجامعية ؟ ! هذه (فضائح) وليست (رسائل) فهل فكرتم في وضع (منهج) يستطيع ان يرد الجهل إلى العلم، والهوى إلى الانصاف، والظلم إلى العدل لابد من منهج يربط التطبيق بالنظريات أنتم رأيتم ان المتفقين في النظريات قد تفرقوا أيادي سبأ ؟ ! وقد رأيتم تناقضر الرسالة الواحدة وكأنها سثر من طالب وفي أكثر من موضوع ؟ ! لماذا ؟ ! أنا لن أذكر ما أتوقعه جاريا من (وراء الكواليس) والذي بدأ الكثيرون يضعون علامات استفهام كبيرة وكثيرة على بعض الرسائل الجامعية ؟ ! التي إن وجدت أصحابها وجدتهم لا يعرفون عنها ولا عن مضمونها إلا خطوطا عامة عريضة يعرفها غيرهم من طلبة العلم ؟ ! ماذا يعني هذا ؟ ! وماذا يعني كثرة (ممتاز مع مرتبة الشرف الاولي) ؟ ! مع أن واقع تلك الرسائل يرثى له، ولو قام طالب في المرحلة الثانوية وأتعب نفسه قليلا لاكتشف أخطاء (التعب القليل) الذي بذل في تلكم الرسائل فكيف يحصل مثل هذا ؟ إ ! الرسالة الثانية: لاصحاب الدراسات الجامعية سواء الذي (تشاكست) معهم هنا أو الذين يشعرون بانهم لم يبذلوا من

[ 339 ]

التحقيق والتدقيق ما يكفي فأقول لهم: ما زال الباب مفتوحا للتصحيح والاضافة والاعتراف بالخطأ وتذكروا أن الحق سينصره الله وأن الباطل سيخذل حتى ولو كان له صولة، فلا تتشبعوا بالعلم لتدافعوا به عن الباطل وانصروا الحق وتداركوا أمركم ولا تغتروا بكثرة (المصفقين) ولا (تجار المدائح) فانتم تعرضون عقولكم على الناس وتعرضوا دينكم على الله فاختاروا لانفسكم وما التحقيق والتدقيق ما يكفي فأقول لهم: ما زال الباب مفتوحا للتصحيح والاضافة والاعتراف بالخطأ وتذكروا أن الحق سينصره الله وأن الباطل سيخذل حتى ولو كان له صولة، فلا تتشبعوا بالعلم لتدافعوا به عن الباطل وانصروا الحق وتداركوا أمركم ولا تغتروا بكثرة (المصفقين) ولا (تجار المدائح) فانتم تعرضون عقولكم على الناس وتعرضوا دينكم على الله فاختاروا لانفسكم وما اختفى اليوم سينكشف غدأ ! ! الرسالة الثالثة: لمن حرم الدراسات الجامعية والالقاب البراقة. مع صدق نياتهم وقوة بحوثهم، أقول لكم اعملوا ولا يغركم نظرة الناس لكم بأنكم غير حاصلين على (مؤهلات) فالدليل والبرهان هو (المؤهل الحقيقي) وان لم يكن مؤهلا (اليوم) فهو (المؤهل) غدأ بعد أن يكتشف الناس سماجة الدراسات المتدثرة ب (الاكاديمية) العلمية ثم انكم تملكون الحوافز النفسية والدوافع البحثية التي ستعينكم على خدمة العلم بعكس كثير من اصحاب الدراسات الذين يختارون موضوعات رسائلهم بلا شعور بأهمية هذه الموشوعات وانما الشهادة عند كثير من هؤلاء وسيلة للوصول إلى وظيفة اعلى فتعطلت الاهداف التي يثبتونها في مقدمة رسائلهم، فالله المستعان، كم من علم ضيعوا وكم من جهل وضعوا. وأقول لكم أيضا: ليس المهم أن تطبعوا الكتب فقد لا تستطيعون لكن يكفي أن تجمعوا الحقائق وتخلصوا النية وسيأتي يوم يخرج الله فيه هذا الحق وأنتم وان لم تكونوا (متخصصين) ولا (متفيهقين) (فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية