تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر، وديوان المبتدإ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر لوحيد عصره العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المغربي المتوفي سنة 808 هجرية الجزء السابع 1391 ه. - 1971 م. منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب. 7120
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم { الخبر عن زناتة من قبائل البربر وما كان بين أجيالهم من العز والظهور وما تعاقب فيهم من الدول القديمة والحديثة } هذا الجيل في المغرب جيل قديم العهد معروف العين والاثر وهم لهذا العهد آخذون من شعائر العرب في سكنى الخيام واتخاذ الابل وركوب الخيل والتغلب في الارض وايلاف الرحلتين وتخطف الناس من العمران والاباية عن الانقياد للنصفة وشعارهم بين البربر اللغة التى يتراطنون بها وهى مشتهرة بنوعها عن سائر رطانة البربر ومواطنهم في سائر مواطن البربر بافريقية والمغرب فمنهم ببلاد النخيل ما بين غدامس والسوس
الاقصى حتى ان عامة تلك القرى الجريدية بالصحراء منهم كما نذكره ومنهم قوم بالتلول بجبال طرابلس وضواحي افريقية وبجبل أوراس بقايا منهم سكنوا مع العرب الهلاليين لهذا العهد واذعنوا لحكمهم والاكثر منهم بالمغرب الاوسط حتى انه ينسب إليهم ويعرف بهم فيقال وطن زناته ومنهم بالمغرب الاقصى أمم أخرى وهم لهذا العهد أهل دول وملك بالمغربين وكانت لهم فيه دول أخرى في القديم ولم يزل الملك يتداول في شعوبهم حسبما نذكره بعد لكل شعب منهم ان شاء الله تعالى
[ 3 ]
اما نسبهم بين البربر فلا خلاف بين نسابتهم أنهم من ولد شانا واليه نسبهم وأما شانا فقال أبو محمد بن حزم في كتاب الجمهرة قال بعضهم هو جانا بن يحيى بن صولات بن ورماك بن ضرى بن رحيك بن مادغيس بن بربر وقال أيضا في كتاب الجمهرة ذكر لى يوسف الوراق عن أيوب بن أبى يزيد يعنى حين وفد على قرطبة عن أبيه الثائر بافريقية أيام الناصر قال هو جانا بن يحيى بن صولات بن ورساك بن ضرى بن مقبو بن قروال بن يملا بن مادغيس بن رحيك بن همر حق بن كراد بن مازيغ بن هراك بن هرك بن برا بن بربر بن كنعان بن حام هذا ما ذكره ابن حزم ويظهر منه ان مادغيس ليس نسبة إلى البربر وقد قدمنا ما في ذلك من الخلاف وهو أصح ما ينقل في هذا الان ابن حزم موثوق ولا يعدل به غيره (ونقل) عن ابن أبى زيد وهو كبير زنانة ويكون البربر على هذا من نسل برنس فقط والبتر الذين هم بنو مادغيس الابتر ليسوا من البربر ومنهم زناتة وغيرهم كما قدمنا لكنهم اخوة البربر لرجوعهم كلهم إلى كنعان بن حام كما يظهر من هذا النسب (ونقل) عن أبى محمد بن قتيبة في نسب زناتة هؤلاء انهم من ولد جالوت في رواية ان زناتة هو جانا ابن يحيى بن ضريس بن جالوت وجالوت هو ونور بن جرييل بن جديلان بن جالد بن ديلان بن حصى بن باد بن رحيك بن مادغيس الابتر بن قيس بن عيلان (وفى) رواية أخرى عنه ان جالوت بن جالود بن بردنال بن قحطان ابن فارس وفارس مشهور (وفى)
رواية أخرى عنه انه بن هربال بن بالود بن دبال بن برنس بن سفك وسفك أبو البربر كلهم ونسابة الجيل نفسه من زناتة يزعمون انهم من حمير ثم من التبابعة منهم وبعضهم يقول انهم من العمالقة ويزعمون ان جالوت جدهم من العمالقة والحق فيهم ما ذكره أبو محمد ابن حزم أولا وما بعد ذلك فليس شئ منه بصحيح فأما الرواية الاولى عن أبى محمد بن قتيبة فمختلطة وفيها أنساب متداخلة وأما نسب مادغيس إلى قيس عيلان فقد تقدم في أول كتاب البربر عند ذكر أنسابهم وان أبناء قيس معروفون عن النسابة وأما نسب جالوت إلى قيس فأمر بعيد عن القياس ويشهد لذلك ان معد بن عدنان الخامس من آباء قيس انما كان معاصر البختنصر كما ذكرناه أول الكتاب وانه لما سلط على العرب أوحى الله إلى ارمياء نبى بنى اسرائيل أن يخلص معدا ويسير به إلى أرضه وبختنصر كان بعد داود بما يناهز أربعمائة وخمسين من السنين فانه خرب بيت المقدس بعد بناء داود وسليمان له بمثل هذه المدة فمعد متأخر عن داود بمثلها سواء فقيس الخامس من أبنائه متأخر عن داود بأكثر من ذلك فجالوت على ما ذكر انه من أبناء قيس متأخر عن داود بأضعاف ذلك الزمن وكيف يكون ذلك مع ان داود هو الذى قتل جالوت بنص القرآن
[ 4 ]
(وأما) ادخاله جالوت في نسب البربر وانه من ولد مادغيس أو سفك فخطأ وكذلك من نسبه من العمالقة والحق ان جالوت من بنى فلسطين بن كسلوحيم بن مصرايم بن حام أحد شعوب حام بن نوح وهم اخوة القبط والبربر والحبشة والنوبة كما ذكرناه في نسب أبناء حام وكان بين بنى فلسطين هؤلاء وبين بنى اسرائيل حروب كثيرة وكان بالشام كثير من البربر اخوانهم ومن سائر أولاد كنعان يضاهونهم فيها ودثرت أمة فلسطين وكنعان وشعوبهما لهذا العهد ولم يبق الا البربر واختص اسم فلسطين بالوطن الذى كان لهم فاعتقد سامع اسم البربر مع ذكر جالوت انه منهم وليس كذلك (وأما) ما رأى نسابة زناتة انهم من حمير فقد أنكره الحافظان أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم
وقالا ما كان لحمير طريق إلى بلاد البربر الا في أكاذيب مؤرخي اليمن وانما حمل نسابة زناتة على الانتساب في حمير الترفع عن النسب البربري لما يرونهم في هذا العهد خولا وعبيدا للجباية وعوامل الخراج وهذا وهم فقد كان في شعوب البربر من هم مكافؤن لزناتة في العصبية أو أشد منهم مثل هوارة ومكناسة وكان فيهم من غلب العرب على ملكهم مثل كتامة وصنهاجة ومن تلقف الملك من يد صنهاجة مثل المصامدة مدة كل هؤلاء كانوا أشد قوة وأكثر جمعا من زناتة فلما فنيت أجيالهم أصبحوا مغلبين فنالهم ضر المغرم وصار اسم البربر مختصا لهذا العهد بأهل المغرم فأنف زناتة منه فرارا من الهضيمة وأعجبوا بالدخول في النسب العربي لصراحته وما فيه من المزية بتعدد الانبياء ولاسيما نسب مضر وأنهم من ولد اسمعيل بن ابراهيم بن نوح بن شيث بن آدم خمسة من الانبياء ليس للبربر إذا نسبوا إلى حام مثلها مع خروجهم عن نسب ابراهيم الذى هو الاب الثالث للخليقة إذ الاكثر من اجيال العالم لهذا العهد من نسله ولم يخرج عنه لهذا العهد الا الاقل مع ما في العربية أيضا من عز التوحش والسلامة من مذمومات الخلق بانفرادهم في البيداء فأعجب زناتة نسبهم وزينه لهم نسابتهم والحق بمعزل عنه كونهم من البربر بعموم النسب لا ينافي شعارهم من الغلب والعز فقد كان الكثير من شعوب البربر مثل ذلك وأعظم منه وأيضا فقد تميزت الخليقة وتباينوا بغير واحد من الاوصاف والكل بنو آدم ونوح من بعده وكذلك تميزت العرب وتباينت شعوبها والكل لسام ولاسمعيل بعده (وأما) تعدد الانبياء في النسب فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولا يضرك الاشتراك مع الجيل في النسب العام إذا وقعت المباينة لهم في الاحوال التى ترفع عنهم مع ان المذلة للبربر انما هي حادثة بالقلة ودثور اجيالهم بالملك الذى حصل لهم ونفقوا في سبله وترفه كما تقدم لك في الكتاب الاول من تأليفنا والا فقد كان لهم من الكثرة والعز والملك والدولة ما هو معروف (وأما) ان جيل
[ 5 ]
زناتة من العمالقة الذين كانوا بالشام فقول مرجوح وبعيد من الصواب لان العمالقة الذين كانوا بالشام صنفان عمالقة من ولد عيصو بن اسحق ولم تكن لهم كثرة ولاملك ولا نقل ان أحدا منهم انتقل إلى المغرب بل كانوا لقلتهم ودثور اجيالهم أخفى من الخفاء والعمالقة الاخرى كانوا من أهل الملك والدولة بالشام قبل بنى اسرائيل وكانت أريحاء دار ملكهم وغلب عليهم بنو اسرائيل وابتزوهم ملكهم بالشام والحجاز وأصبحوا حصائد سيوفهم فكيف يكون هذا الجيل من أولئك العمالقة الذين دثرت اجيالهم وهذا لو نقل لوقع به الاسترابة فكيف وهو لم ينقل هذا بعيد في العادة والله علم بخلقه (وأما) شعوب زناتة وبطونهم فكثير ولنذكر المشاهير منها (فنقول) اتفق نساب زناتة على ان بطونهم كلها ترجع إلى ثلاثة من ولد جانا وهم ورسيك وفرنى والديرت هكذا في كتب انساب زناتة (وذكر) أبو محمد بن حزم في كتاب الجمهرة له من ولد ورسيك عند نسابتهم مسارت ورغاى وواشروجن ومن واشروجن واريعن بن واشروجن وقال أبو محمد بن حزم في ولد ورسيك انهم مسارت وناجرت وواسين (وأما) فرنى بن جانا فمن ولده عند نسابة زناتة يزمرتن ومرنجيصة ووركلة ونمالة وسبرترة ولم يذكر أبو محمد بن حزم سبرتره وذكر الاربعة الباقية (وأما) الديرت بن جانا فمن ولده عند نسابة زناتة جداو بن الديرت ولم يذكره ابن حزم وانما قال عند ذكر الديرت ومن شعوبه بنو ورسيك بن الديرت وهم بطنان دمر بن ورسيك قال ودمر لقب واسمه العانا قال فمن ولد زاكيا بنو مغراو وبنو يفرن وبنو واسين قال وأمهم واسين مملوكة لام مغراو وهم ثلاثتهم بنو يصلتن بن مسرا بن زاكيا ويزيد نسابة زناتة في هؤلاء يرنيات بن يصلتن أخا لمغراو ويفرن وواسين ولم يذكره ابن حزم قال ومن ولد دمر بو وريند بن وانتن بن وارديرن بن دمر وذكر لبنى دمر أفخاذا سبعة وهم عرازول ولفورة وزناتين وهؤلاء الثلاثة مختصون بنسب دمر وبرزال ويصدر بن وصغان وبطوفت هكذا ذكر أبو محمد بن حزم وزعم انه من املاء أبى بكر بن يكنى البرزالى
الاباضي وقال فيه كان ناسكا عالما بانسابهم وذكر أن بنى واسين وبنى برزال كانوا أباضية وأن بنى يفرن ومغراوة كانوا سنية وعند نسابة البربر مثل سابق بن سليمان المطماطى وهانئ بن يصدور الكومى وكهلان بن أبى لواوهو مسطر في كتبهم ان بنى ورسيك بن الديرت بن جانا ثلاثة بطون وهم بنو زاكيا وبنو دمر وآنشة بنو آنش وكلهم بنو وارديرن بن ورسيك فمن زاكيا وارديرن أربعة بطون مغراوة وبنو يفرن وبنو يرنيان وبنو واسين كلهم بنو اسيلتن بن مسر بن زاكيا بن آنش بن وارديرن ومن دمر وارديرن ثلاثة بطون بنو تغورت وبنو عزرول وبنو ورتاتين كلهم بنو وتيد بن دمر هذا
[ 6 ]
الذى ذكره نسابة البربر وهو خلاف ما ذكره ابن حزم ويذكر نسابة زناته آخرين من شعوبهم ولا ينسبونهم مثل يحفش وهم أهل جبل قازاز قريب مكناسة وسجاسن وربعمان وتحليلة وتيسات وواغمرت وتيفراض ووجديجن وبنو بلومو وبنو ومانى وبنو توجين على أن بنى توجين ينتسبون في بنى واسين نسبا ظاهرا صحيحا بلا شك على ما يذكر في أخبارهم وبعضهم يقول في وجديجن وواغمرت بنو ورتنيص انهم من البرانس من بطون البربر على ما قدمناه وذكر ابن عبد الحكم في كتابه فتح مصر خالد بن حميد الزناتى وقال فيه هو من شورة احدى بطون زنانة ولم نره لغيره هذا ملخص الكلام في شعوب زناتة وانسابهم بما لا يوجد في كتاب والله الهادى إلى مسالك التحقيق لارب غيره يصرتن وصغان يطوفت جداو واريعن بن واشروجن بن ورسيك دغاى ناجرت واسين
مسارت تغورت عزرول ورتاتين يفرن بن يصلتن بن مسرا بن زاكيا واسين نماله يزمرتن واركله مرنجيصة سبرتره بن فرنى واغمرت وجديجن بن ورتنيص برزال بن ورنيد بن وانتن بن وارد برن بن دمر بن ورسيك بن الديرت بن جانا
[ 7 ]
(اعلم) ان كثيرا من الناس يبحثون عن مبنى هذه الكلمة واشتقاقها على ما ليس معروفا للعرب ولا لاهل الجيل أنفسهم فيقال هو اسم وضعته العرب على هذا الجيل ويقال بل الجيل وضعوه لانفسهم أو اصطلحوا عليه ويقال هو زانا بن جانا فيزيدون في النسب شيأ لم تذكره النسابة وقد يقال انه مشتق ولا يعلم في لسان العرب أصل مستعمل من الاسماء يشتمل على حروفه المادية وربما يحاول بعض الجهلة اشتقاقه من لفظ الزنا ويعضده بحكاية خسيسة يدفعها الحق وهذه الاقوال كلها ذهاب إلى أن العرب وضعت لكل شئ اسما وأن استعمالها انما هو لاوضاعها التى من لغتها ارتجالا واشتقاقا وهذا
انما هو في الاكثر والا فالعرب قد استعملت كثيرا من غير لغتها في مسماه اما لكونه علما فلا يغير مثل ابراهيم ويوسف واسحق من اللغة العبرانية واما استعانة وتخفيفا لتداوله بين الالسنة كاللجام والديباج والزنجبيل والنيروز والياسمين والآجر فتصير باستعمال العرب كأنها من أوضاعهم ويسمونها المعربة وقد يغيرونها بعض التغيير في الحركات أو في الحروف وهو شائع لهم لانه بمنزلة وضع جديد وقد يكون الحرف من الكلمة ليس من حروف لغتهم فيبدلونه بما يقرب منه في المخرج فان مخارج الحروف كثيرة منضبطة وانما نطقت العرب منها بالثمانية والعشرين حروف أبجد وبين كل مخرجين منها حروف أكثر من واحد فمنها ما نطقت به الامم ومنها ما لم تنطق به ومنها ما نطق به بعض العرب كما هو مذكور في كتب أهل اللسان وإذا تقرر ذلك فاعلم ان أصل هذه اللفظة التى هي زناتة من صيغة جانا التى هي اسم ابى الجيل كله وهو جانا بن يحيى المذكور في نسبهم وهم إذا أرادوا الجنس في التعميم الحقوا بالاسم المفرد تاء فقالوا جانات وإذا أرادوا التعميم زادوا مع التاء نونا فصار جاناتن ونطقهم بهذه الجيم ليس من مخرج الجيم عند العرب بل ينطقون بها بين الجيم والشين وأميل إلى السين ويقرب للسمع منها بعض الصغير فأبدلوها زايا محضة لاتصال مخرج الزاى بالسين فصارت زانات لفظا مفردا دالا على الجنس ثم الحقوا به هاء النسبة وحذفوا الالف التى بعد الزاى تخفيفا لكثرة دورانه على الالسنة والله أعلم * (فصل في أولية هذا الجيل وطبقاته) * أما أولية هذا الجيل بافريقية والمغرب فهى مساوية لاولية البربر منذ أحقاب متطاولة لا يعلم مبدأها الا الله تعالى ولهم شعوب أكثر من أن تحصى مثل مغراوة وبنى يفرن وجراوة وبنى يرسان ووجدبجن وعمرة وتحصر وورتيد وبنى زنداك وغيرهم وفى كل واحد من هذه الشعوب بطون متعددة وكانت مواطن هذا الجيل من لدن جهات
[ 8 ]
طرابلس إلى جبل أوراس والزاب إلى قبله تلمسان ثم إلى وادى ملوية وكانت الكثرة والرياسة فيهم قبل الاسلام لجراوة ثم لمغراوة وبنى يفرن (ولما) ملك الافرنجة بلاد البربر في ضواحيهم صاروا يؤدون لهم طاعة معروفة وخراجا معروفا مؤقتا ويعسكرون معهم في حروبهم ويمتنعون عليهم فيما سوى ذلك حتى جاء الله بالاسلام وزحف المسلمون إلى افريقية وملك الافرنجة بها يومئذ جرجير فظاهره زناتة والبربر على شأنه مع المسلمين وانفضوا جميعا وقتل جرجير وأصبحت أموالهم مغانم ونساؤهم سبايا وافتتحت سبيطلة ثم عاود المسلمون غزو افريقية وافتتحوا جلولاء وغيرها من الامصار ورجع الافرنجة الذين كانوا يملكونهم على اعقابهم إلى مواطنهم وراء البحر وظن البربر بأنفسهم مقاومة العرب فاجتمعوا وتمسكوا بحصون الجبال واجتمعت زناتة إلى الكاهنة وقومها جراوة بجبل أوراس حسبما نذكره فأثخن العرب فيهم واتبعوهم في الضواحى والجبال والقفار حتى دخلوا في دين الاسلام طوعا وكرها وانقادوا إلى ايالة مصر وتولوا من أمرهم ماكان الافرنجة يتولونه حتى إذا انحلت بالمغرب عرى الملك العربي وأخرجهم من افريقية البربر من كتامة وغيرهم قدح هذا الجيل الزناتى زناد الملك فأوى لهم وتداول فيهم الملك جيلا بعد جيل في طبقتين حسبما نقصه عليك ان شاء الله تعالى * (الخبر عن الكاهنة وقومها جراوة من زناتة وشأنهم مع المسلمين عند الفتح) * كانت هذه الامة من البربر بافريقية والمغرب في قوة وكثرة وعديد وجموع وكانوا يعطون الافرنجة بامصارهم طاعة معروفة وملك الضواحى كلها لهم وعليهم مظاهرة الافرنجة مهما احتاجوا إليهم ولما أظل المسلمون في عساكرهم على افريقية للفتح ظاهروا جرجير في زحفه إليهم حتى قتله المسلمون وانفضت جموعهم وافترقت رياستهم ولم يكن بعدها بافريقية موضع للقاء المسلمين يجمعهم لما كانت غزواتهم لكل أمة من البربر في ناحيتها وموطنها مع من تحيز إليهم من قبل الافرنجة (ولما) اشتغل المسلمون في حرب على ومعاوية اغفلوا أمر افريقية ثم ولاها معاوية بعد عام الجامعة عقبة بن نافع
الفهرى فأثخن في المغرب في ولايته الثانية وبلغ إلى السوس وقتل بالزاب في مرجعه واجتمعت البربر على كسيلة كبيرا وربة وزحف إليه بعد ذلك زهير بن قيس البلوى أيام عبد الملك بن مروان فهزمه وملك القيروان وأخرج المسلمين من افريقية (وبعث) عبد الملك حسان بن النعمان في عساكر المسلمين فهزموا البربر وقتلوا كسيلة واسترجعوا القيروان وقرطاجنة وافريقية والافرنجة والروم إلى صقلية والاندلس وافترقت رياسة البربر في شعوبهم وكانت زناتة أعظم قبائل البربر وأكثرها جموعا
[ 9 ]
وبطونا وكان موطن جراوة منهم بجبل أوراس وهم ولد كراو بن الديرت بن جانا وكانت رياستهم للكاهنة دهبا بنت بن نيعان بن بارو بن مصكسرى بن أفرد بن وصيلا بن جراو وكان لها بنون ثلاثة ورثوا رياسة قومهم عن سلفهم وربوا في حجرها فاستبدت عليهم وعلى قومهم بهم وبما كان لها من الكهانة والمعرفة بغيب أحوالهم وعواقب أمورهم فانتهت إليها رياستهم قال هاني بن بكور الضريسى ملكت عليهم خمسا وثلاثين سنة وعاشت مائة وسبعا وعشرين سنة وكان قتل عقبة بن نافع في البسيط قبلة جبل أوراس باغرائها برابرة عليه وكان المسلمون يعرفون ذلك منها فلما انقضى جميع البربر وقتل كسيلة رجعوا إلى هذه الكاهنة بمعتصمها من جبل أوراس وقد ضوى إليها بنو يفرن ومن كان بافريقية من قبائل زناتة وسائر البتر فلقيتهم بالبسيط أمام جبلها وانهزم المسلمون واتبعت آثارهم في جموعها حتى أخرجتهم من افريقية وانتهى حسان إلى برقة فأقام بها حتى جاء المدد من عبد الملك فزحف إليهم سنة أربع وسبعين وفض جموعهم وأوقع بهم وقتل الكاهنة واقتحم جبل أوراس عنوة واستلحم فيه زهاء مائة ألف وكان للكاهنة ابنان قد لحقا بحسان وحسن اسلامهما واستقامت طاعتهما وعقد لهما على قومهما جراوة ومن انضوى إليهم بجبل أوراس ثم افترق فلهم من بعد ذلك وانقرض أمرهم وافترق جراوة أوزاعا
بين قبائل البربر وكان منهم قوم بسواحل مليلة وكان لهم آثار بين جيرانهم هناك واليهم نزع بن أبى العيس لما غلبه موسى بن أبى العافية على سلطانه بتلمسان أول المائة الرابعة حسبما نذكره فنزل عليهم وبنى القلعة بينهم إلى ان خربت من بعد ذلك والفل منهم بذلك الوطن إلى الآن لهذا العهد مندرجون في بطونه ومن إليهم من قبائل غمارة والله وارث الارض ومن عليها * (الخبر عن مبتدا دول زناتة في الاسلام ومصير الملك إليهم بالمغرب وافريقية) * لما فرغ شأن الردة من افريقية والمغرب وأذعن البربر لحكم الاسلام وملكت العرب واستقل بالخلافة ورياسة العرب بنو أمية اقتعدوا كرسى الملك بدمشق واستولوا على سائر على الامم والاقطار وأثخنوا في القاصية من لدن الهند والصين في المشرق وفرغانة في الشمال والحبشة في الجنوب والبربر في المغرب وبلاد الجلالقة والافرنجة في الاندلس وضرب الاسلام بجرانه وألقت دولة العرب بكلكلها على الامم ثم جدع بنو أمية أنوف بنى هاشم مقاسميهم في نسب عبد مناف والمدعين استحقاق الامر بالوصية وتكرر خروجهم عليهم فأثخنوا فيهم بالقتل والاسر حتى توغرت الصدور واستحكمت الاوتار وتعددت فرق الشيعة باختلافهم في مساق الخلافة من على إلى من بعده من بنى
[ 10 ]
هاشم فقوم ساقوها إلى آل العباس وقوم إلى آل الحسن وآخرون إلى آل الحسين فدعت شيعة آل العباس بخراسان وقام بها اليمنية فكانت الدولة العظيمة الحائزة للخلافة ونزلوا بغداد واستباحوا الامويين قتلا وسبيا وخلص من جاليتهم إلى الاندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام فجدد بها دعوة الامويين واقتطع ما وراء البحر عن ملك الهاشميين فلم تخفق لهم به راية (ثم نفس) آل أبى طالب على آل العباس ما أكرمهم الله به من الخلافة والملك فخرج المهدى محمد بن عبد الله المدعو بالنفس الزكية في بنى أبى طالب على أبى جعفر المنصور وكان من أمرهم ما هو مذكور واستلحمتهم جيوش
بنى العباس في وقائع عديدة وفر ادريس بن عبد الله أخو المهدى من بعض وقائعهم إلى المغرب الاقصى فأحاره البرابرة من أورية ومقيلة وقاموا بدعوته ودعوة بنيه من بعده ونالوا به الملك وغلبوا على المغرب الاقصى والاوسط وبثوا دعوة ادريس وبنيه من أهله بعده في أهله من زناتة مثل بنى يفرن ومغراوة وقطعوه من ممالك بنى العباس واستمرت دولتهم إلى حين انقراضها على يد العبيديين ولم يزل الطالبيون أثناء ذلك بالمشرق ينزعون إلى الخلافة ويبثون دعاتهم بالقاصية إلى ان دعا أبو عبد الله المحتسبب بافريقية إلى المهدى ولد اسمعيل الامام بن جعفر الصادق فقام برابرة كتامة ومن إليهم من صنهاجة وملكوا افريقية من يد الاغالبة ورجع العرب إلى مركز ملكهم بالمشرق ولم يبق لهم في نواحى المغرب دولة ووضع العرب ما كان على كاهلهم من أمر المغرب ووطأة مضر بعد أن رسخت الملة فيهم وخالطت بشاشة الايمان قلوبهم واستيقنوا بوعد الصادق أن الارض لله يورثها من يشاء من عباده فلم تنسلخ الملة بانسلاخ الدولة ولا تقوضت مباني الدين بتقويض معالم الملك وعدا من الله لن يخلفه في تمام أمره واظهار دينه على الدين كله فتناغى حينئذ البربر في طلب الملك والقيام بدعوة الاعياض من بنى عبد مناف يسدون منها حسدا في ارتقاء إلى ان ظفروا من ذلك بحظ مثل كتامة بافريقية ومكناسة بالمغرب ونافسهم في ذلك زناتة وكانوا من أكثرهم جما وأشدهم قوة فشمروا له حتى ضربوا معهم بسهم فكان لبنى يفرن بالمغرب وافريقية على يد صاحب الحمار ثم على يد يعلى بن محمد وبنيه ملك ضخم ثم كان لمغراوة على يد بنى خزر دولة أخرى تنازعوها مع بنى يفرن وضنهاجة ثم انقرضت تلك الاجيال وتجرد الملك بالمغرب بعدهم في جيل آخر منهم فكان لبنى مزين بالمغرب الاقصى ملك ولبنى عبد الواد بالمغرب الاوسط ملك آخر تقاسمهم فيه بنو توجين والفل من مغراوة حسبما نذكر ونستوفى شرحه ونجلب أيامهم وبطونهم على الطريقة التى سلكناها في أخبار البربر والله المعين سبحانه لارب سواه ولا معبود الا اياه
[ 11 ]
{ الطبقة الاولى من زناتة ونبدأ منها بالخبر عن بنى يفرن وأنسابهم وشعوبهم وما كان لهم من الدول بافريقية والمغرب } وبنو يفرن هؤلاء من شعوب زناتة وأوسع بطونهم وهم عند نسابة زناتة بنو يفرن بن يصلتين بن مسرا بن زاكيا بن ورسيك بن الديرت بن جانا واخوته مغراوة وبنو يرنيان وبنو واسين والكل بنو يصلتين ويفرن في لغة البربر هو القار وبعض نسابتهم يقولون ان يفرن هو ابن ورتنيذ بن جانا واخوته مغراوة وغمرت ووجديجن وبعضهم يقول يفرن بن مرة بن ورسيك بن جانا وبعضهم يقول هو ابن جانا لصلبه والصحيح ما نقلناه عن أبى محمد بن حزم (وأما) شعوبهم فكثير ومن أشهرهم بنو واركوا ومرنجيصة وكان بنو يفرن هؤلاء لعهد الفتح أكبر قبائل زناتة وأشدها شوكة وكان منهم بافريقية وجبل أوراس والمغرب الاوسط بطون وشعوب فلما كان الفتح غشى افريقية ومن بها من البربر جنود الله المسلمون من العرب فتطامنوا لبأسهم حتى ضرب الدين بجرانه وحسن اسلامهم ولما فشا دين الخارجية في العرب وغلبهم الخلفاء بالمشرق واستلحموهم نزعوا إلى القاصية وصاروا يبثون بها دينهم في البربر فتلقفه رؤساؤهم على اختلاف مذاهبه باختلاف رؤس الخارجية في أحكامهم من أباضية وصفرية وغيرهما كما ذكرناه في بابه ففشا في البربر وضرب فيه يفرن هؤلاء بسهم وانتحلوه وقاتلوا عليه وكان أول من جمع لذلك منهم أبو قرة من أهل المغرب الاوسط ثم من بعده أبو يزيد صاحب الحمار وقومه بنو واركوا ومرنجيصة ثم كان لهم بالمغرب الاقصى من بعد الانسلاخ من الخارجية دولتان على يد يعلى بن محمد صالح وبنيه حسبما نذكر ذلك مفسرا ان شاء الله تعالى خ ايفرن
مرنجيصة بن يفرن بن يصلتين بن مسرا بن زاكيا بن ورسيك بن الديرت بن جانا واركوا مغراو غمرت مغراو خ ايفرن اجديجن بن ورتنيص
[ 12 ]
كان من بنى يفرن بالمغرب الاوسط بطون كثيرة بنواحي تلمسان إلى جبل بنى راشد المعروف بهم لهذا العهد وهم الذين اختطوا تلمسان كما نذكره في أخبارها وكان رئيسهم لعهد انتقال الخلافة من بنى أمية إلى بنى العباس أبو قرة ولا نعرف من نسبه أكثر من أنه منهم ولما انتقض البرابرة بالمغرب الاقصى وقام ميسرة وقومه بدعوة الخارجية وقتله البرابرة قدموا على انفسهم مكانه خالد بن حميد من زناتة فكان من حروبه مع كلثوم بن عياص وقتله اياه ما هو معروف ورأس على زناتة من بعده أبو قرة هذا ولما استأثلت دولة بنى أمية كثرت الخارجية في البربر وملك وريحومة القيروان وهوارة وزناتة طرابلس ومكناسة سجلماسة وابن رستم تاهرت وقدم ابن الاشعث افريقية من قبل أبى جعفر المنصور وخافه البربر فحسم العلل وسكن الحروب ثم انتقض بنو يفرن بنواحي تلمسان ودعوا إلى الخارجية وبايعوا أبا قرة كبيرهم بالخلافة سنة ثمان وأربعين ومائة وسرح إليهم ابن الاشعث الاغلب بن سوادة التميمي فانتهى إلى الزاب وفر أبو قرة إلى المغرب الاقصى ثم راجع موطنه بعد رجوع الاغلب (ولما انتقض) البرابرة على عمر بن حفص بن أبى صفرة الملقب هزار مردا عام خمسين ومائة وحاصروه
بطبنة كان فيمن حاصره أبو قرة اليفرنى في أربعين ألفا صفرية من قومه وغيرهم حتى اشتد عليه الحصار وداخل أبا قرة في الافراج عنه على يد ابنه على أن يعطيه أربعين ألفا ولابنه أربعة آلاف فارتحل بقومه وانفض البرابرة عن طبنة ثم حاصروه بعد ذلك القيروان واجتمعوا عليه وأبو قرة معهم بثلثمائة وخمسين ألفا الخيالة منها خمسة وثمانون ألفا وهلك عمر بن حفص في ذلك الحصار وقدم يزيد بن حاتم واليا على افريقية ففض جموعهم وفرق كلمتهم ولحق أبو قرة وبنو يفرن أصحابه بمواطنهم من تلمسان بعد أن قتل صاحبه أبو حاتم الكندى رأس الخوارج واستلحم بنى يفرن وتوغل يزيد بن حاتم في المغرب ونواحيه وأثخن في أهله إلى ان استكانوا واستقاموا ولم يكن لبنى يفرن من بعدها انتقاض حتى كان شأن أبى يزيد بافريقية في بنى واركوا ومرنجيصة منهم حسبما نذكره ان شاء الله تعالى الكريم وبعض المؤرخين ينسبب ابا قرة هذا إلى مغيلة ولم أظفر بصحيح في ذلك والطرائق متساوية في الجانبين فان نواحى تلمسان وان كانت موطنا لبنى يفرن فهى أيضا موطن لمغيلة والقبيلتان متجاورتان لكن بنو يفرن كانوا أشد قوة وأكثر جمعا ومغيلة أيضا كانو أشهر بالخارجية من بنى يفرن لانهم كانوا صفرية وكثير من الناس يقولون ان بنى يفرن كانوا على مذهب أهل السنة كما ذكره ابن حزم وغيره والله أعلم
[ 13 ]
{ الخبر عن أبى يزيد الخارجي صاحب الحمار من بنى يفرن ومبدا أمره مع الشيعة ومصائره } هذا الرجل من بنى واركوا اخوة مرنجيصة وكلهم من بطون بنى يفرن وكنيته أبو يزيد واسمه مخلد بن كيداد لا يعلم من نسبه فيهم غير هذا وقال أبو محمد بن حزم ذكر لى أبو يوسف الوراق عن أيوب بن أبى يزيد ان اسمه مخلد بن كيداد بن سعد الله بن مغيث بن كرمان بن مخلد بن عثمان بن ورنمت بن حويفر بن سميران بن يفرن بن جانا وهو زناتة قال وقد
أخبرني بعض البربر بأسماء زائدة بين يفرن وجانا اه كلام ابن حزم ونسبه بن الرقيق أيضا في بنى واسين بن ورسيك بن جانا وقد تقدم نسبهم أول الفصل وكان كيداد أبوه يختلف إلى بلاد السودان في التجارة فولد له أبو يزيد بكركوا من بلادهم وأمه أم ولد اسمها سيكة ورجع به إلى قيطون زناتة ببلاد قصطيلة ونزل توزر مترددا بينها وبين تقيوس وتعلم القرآن وتأدب وخالط النكارية فمال إلى مذاهبهم وأخذها عنهم ورأس فيها ورحل إلى مشيختهم بتهيرت وأخذ عن أبى عبيدة منهم أيام اعتقال عبيد الله المهدى بسجلماسة ومات أبوه كيداد وتركه على حال من الخصاصة والفقر فكان أهل القيطون يصلونه بفضل أموالهم وكان يعلم صبيانهم القرآن ومذاهب النكارية واشتهر عنه تكفير اهل الملة وسب على فخاف وانتقل إلى تقيوس وكان يختلف بينها وبين وزر وأخذ نفسه بالتغيير على الولاة ونمى عنه اعتقاد الخروج عن السلطان فنذر الولاة بقصطيلة دمه فخرج إلى الحج سنة عشر وثلثمائة وأرهقه الطلب فرجع من نواحى طرابلس إلى تقيوس ولما هلك عبد الله أوغر القائم إلى أهل قصطيلة في القبض عليه فلحق بالمشرق وقضى الغرض وانصرف إلى موطنه ودخل توزر سنة خمس وعشرين مستترا وسعى به ابن فرقان عند والى البلد فتقبض عليه واعتقله وأقبل سرعان زناتة إلى البلد ومعهم أبو عمار الاعمى رأس النكارية واسمه كما سبق عبد الحميد وكان ممن أخذ عنه أبو يزيد فتعرضوا للوالى في اطلاقه فتعلل عليهم بطلبه في الخراج فاجتمعوا إلى فضل ويزيد ابني أبى يزيد وعمدوا إلى السجن فقتلوا الحرس وأخرجوه فلحق ببلد بنى واركلا وأقام بها سنة يختلف إلى جبل أوراس والى بنى برزال في مواطنهم بالجبال قبلة المسيلة والى بنى زنداك من مغراوة إلى أن أجابوه فوصل إلى أوراس ومعه أبو عمار الاعمى في اثنى عشر من الراحلة ونزلوا على النكارية بالنوالات واجتمع إليه القرابة وساتر الخوارج وأخذ له البيعة عليهم أبو عمار صاحبه على قتال الشيعة وعلى استباحة الغنائم والسبي وعلى أنهم ان ظفروا
بالمهدية والقيروان صار الامر شورى وذلك سنة احدى وثلاثين وترصدوا غيبة
[ 14 ]
صاحب باغية في بعض وجوهه فضربوا على بسيطها واستباح بعض القصور بها سنة ثنتين وثلاثين وغمس بذلك أيدى البربر في الفتنة ثم زحف بهم إلى باغية واستولت عليه وعلى أصحابه الهزيمة فلحقوا بالجبل وزحف إليهم صاحب باغية فانهزم ورجع إلى بلده فحاصره أبو يزيد وأوغر أبو القاسم القائم إلى كتامة في امداد كانون صاحب باغية فتلاحقت به العساكر فبيتهم أبو يزيد وأصحابه فقلوهم وامتنعت عليه باغية وكاتب أبو يزيد البربر الذين حول قصطيلة من بنى واسين وغيرهم فحاصروا توزر سنة ثلاث وستين ورحل إلى تبسة فدخلها صلحا ثم إلى بجاية كذلك ثم إلى مرماجنة كذلك وأهدوا له حمارا أشهب فلزم ركوبه حتى اشتهر به وبلغ خبره عساكر كتامة بالاربض فانفضوا وملك الاربض وقتل امام الصلاة بها وبعث عسكر إلى تبسة فملكوها وقتلوا عاملها وبلغ الخبر القائم وهو بالمهدية فهاله وسرح العساكر لضبط المدن والثغور وسرح مولاه بشرى الصقلى إلى باجة وعقد ليمسود على الجيوش فعسكر بناحية المهدية وسرح خليل بن اسحق إلى القيروان فعسكر بها وزحف أبو يزيد إلى بشرى بباجة واشتدت الحرب بينهم وركب أبو يزيد حماره وأمسك عصاه فاستمالت النكارية وخالفوا البشرى إلى معسكره فانهزم إلى تونس واقتحم أبو يزيد باجة واستباحها ودخل بشرى إلى تونس وارتدت البرابر من كل ناحية فأسلم تونس ولحق بسوسة واستأمن أهل تونس إلى أبى يزيد فأمنهم وولى عليهم وانتهى إلى وادى مجدرة فعسكر بها ووافتة الحشود هنالك ورعب الناس منه فاجفلوا إلى القيروان وكثرت الاراجيف وسرب أبو يزيد جيوشة في نواحى افريقية فشنوا الغارات وأكثروا السبى والقتل والاسر ثم زحف إلى رفادة فانفض كتامة اليذين كانوا بها ولحقوا بالمهدية ونزل أبو يزيد رفادة في مائة ألف ثم زحف إلى القيروان فانحصر بها خليل بن اسحق
ثم أخذه بعد مراوضة في الصلح وهم بقتله فأشار عليه أبو عمار باستبقائه فلم يطعه وقتله ودخلوا القيروان فاستباحوها ولقيه مشيخة الفقهاء فأمنهم بعد التقريع والعتب وعلى أن يقتلوا أولياء الشيعة وبعث رسله في وفد من أهل القيروان إلى الناصر الاموى صاحب قرطبة ملتزما لطاعته والقيام لدعوته وطالبا لمدده فرجعوا إليه بالقبول والوعد ولم يزل يردد ذلك سائر أيام الفتنة حتى أوفد ابنه أيوب في آخرها سنة خمس وثلاثين فكان له اتصال بالناصر سائر أيامه وزحف ميسور من المهدية بالعساكر وفرعنه بنو كملان من هوارة ولحقوا بأبى يزيد وحرضوه على لقاء ميسور فزحف إليه واستوى اللقاء واستمات أبو يزيد والنكارية فانهزم ميسور وقتلة أبو كملان وبعث برأسه إلى القيروان ثم إلى المغرب واستبيح معسكره وسرح أبو يزيد
[ 15 ]
عساكره إلى مدينة فاقتحموها عنوة وأكثروا من القتل والمثلة وعظم القتل بضواحي افريقية وخلت القرى والمنازل ومن أفلته السيف أهلكه الجوع واستخف أبو يزيد بالناس بعد قتل ميسور فلبس الحرير وركب الفاره ونكر عليه أصحابه ذلك وكاتبه به رؤساؤهم من البلاد والقائم خلال ذلك بالمهدية يخندق على نفسه ويستنفر كتامة وصنهاجة للحصار معه وزحف أبو يزيد حتى نزل المهدية وناوش عساكرها الحرب فلم يزل الظهور عليهم وملك زويلة ولما وقف بالمصلى قال القائم لاصحابه من ههنا يرجع واتصل حصاره للمهدية واجتمع إليه البربر من قابس وطرابلس ونفوسة وزحف إليهم ثلاث مرات فانهزم في الثالثة ولم يقلع وكذلك في الرابعة واشتد الحصار على المهدية ونزل الجوع بهم واجتمعت كتامة بقسنطينة وعسكروا بها لامداد القائم فسرح إليهم أبو يزيد يكموس المزاتى ورفجومة فانفض معسكر كتامة من قسنطينة ويئس القائم من مددهم وتفرقت عساكر أبى يزيد في الغارات والنهب فخف المعسكر ولم يبق به الاهوارة ورأس بنى كملان وكثرت
مراسلات القائم للبربر واستراب بهم أبو يزيد وهرب بعضهم إلى المهدية ورحل آخرون إلى مواطنهم فأشار عليه أصحابه بالافراج عن المهدية فأسلموا معسكرههم ولحقوا بالقيروان سنة أربع وثلاثين ودبر أهل القيروان في القبض عليه فلم يتهيأ لهم وعذله أبو عمار فيما أتاه من الاستكثار من الدنيا فتاب وأقلع وعاود لبس الصوف والتقشف وشاع خبر اجفاله عن المهدية فقتل النكارية في كل بلد وبعث عساكره فعاثوا في النواحى وأوقعوا بأهل الامصار وخربوا كثيرا منها وبعث ابنه أيوب إلى باجة فعسكر بها ينتظر وصول المدد من البربر وسائر النواحى فلم يفجأه الا وصول على بن حمدون الاندلسي صاحب المسيلة في حشد كتامة وزواوة وقد مر بقسنطينة والاربض وسقنبارية واستصحب منها العساكر فبيته أيوب وانفض معسكره وتردى به فرسه في بعض الاوعار فهلك ثم زحف أيوب في عسكره إلى تونس وقائدها حسن بن على من دعاة الشيعة فانهزم ثم أتيحت له الكرة ولحق حسن بن على بلد كتامة فعسكر بهم على قسنطينة وسرح أبو يزيد جموع البربر لحربه ثم اجتمعت لابي يزيد حشود البربر من كل ناحية وثابت إليه قوته وارتحل إلى سوسة فحاصرها ونصب عليها المجانيق وهلك القائم سنة أربع وثلاثين في شوال وصارت الخلافة لابنه اسمعيل المنصور فبعث بالمدد إلى سوسة بعد أن اعتزم على الخروج إليها بنفسه فمنعه أصحابه ووصل المدد إلى سوسة فقاتلوا أبا يزيد فانهزم ولحق بالقيروان فامتنعت عليه فاستخلص صاحبه أبا عمار من أيديهم وارتحل عنهم وخرج المنصور من المهدية إلى سوسة ثم إلى القيروان فملكها وعفا
[ 16 ]
عن أهلها وأمنهم وأحسن في مخلف أبى يزيد وعياله وتوافى المدد إلى أبى يزيد ثالثة فاعتزم على صاحب القيروان وزحف إلى عسكر المنصور بساحتها فبيتهم واشتد الحرب واستمات الاولياء وافترقوا آخر نهارهم وعاودوا الزحف مرأت ووصل المدد إلى المنصور من الجهات حتى إذا كان منتصف المحرم كان الفتح وانهزم أبو يزيد وعظم
القتل في البربر ورحل المنصور في اتباعه فمر ثم تبسة حتى انتهى إلى باغاية ووافاه بها كتاب محمد بن خزر بالطاعة والولاية والاستعداد للمظاهرة فكتب إليه بترصد أبى يزيد والقبض عليه ووعده في ذلك بعشرين حملا من المال ثم رحل إلى طبنة فوافاه بها جعفر بن على عامل المسيلة بالهدايا والاموال وبلغه أن أبا يزيد نزل بسكرة وانه كاتب محمد بن خزر يسأله النصرة فلم يجد عنده ما يرضيه فارتحل المنصور إلى بسكرة فتلقاه اهلها وفر أبو يزيد إلى بنى برزال بجبل سالات ثم إلى جبل كتامة وهو جبل عياض لهذا العهد وارتحل المنصور في أثره إلى ومرة وبيته أبو يزيد هنالك فانهزم ولم يظفر وانحاز إلى جبل سالات ثم لحق بالرمال ورجع عنه بنو كملان وأمنهم المنصور على يد محمد بن خزر وسار المنصور في التبعية حتى نزل جبل سالات وارتحل وراءه إلى الرمال ثم رجع ودخل بلاد صنهاجة وبلغه رجوع أبى يزيد إلى جبل كتامة فرجع إليه ونزل عليه المنصور في كتامة وعجيسة وزواوة وحشد بنى زنداك ومزاثة ومكناسة ومكلانة وتقدم المنصور إليه فقاتلوا أبا يزيد وجموع النكارية فهزموهم واعتصموا بجبل كتامة ورحل المنصور إلى المسيلة وانحصر أبو يزيد في قلعة الجبل وعسكر المنصور ازاءها واشتد الحصار وزحف إليها مرات ثم اقتحمها عليهم فاعتصم أبو يزيد بقصر في ذروة القلعة فأحيط به واقتحم وقتل أبو عمار الاعمى ويكموس المزاتى ونجا أبو يزيد مثخنا بالجراحة محمولا بين ثلاثة من أصحابه فسقط في مهواة من الاوعار فوهن وسيق من الغداة إلى المنصور فأمر بمداواته ثم أحضره ووبخه واقام الحجة عليه وتجافى عن دمه وبعثه إلى المهدية وفرض له بها الجراية فجزاه خيرا وحمل في القفص فمات من جراحته سنة خمس وثلاثين وأمر به فسلخ وحشى جلده بالتبن وطيف به في القيروان وهرب الفل من أصحابه إلى ابنه فضل وكان مع معبد بن خزر فأغاروا على ساقة المنصور وكمن لهم زيرى بن مناد أمير صنهاجة فاوقع بهم ولم يزل المنصور في اتباعه إلى أن نزل المسيلة وانقطع أثر معبد ووافاه بمعسكره هنالك انتقاض حميد بن يصل عامل يتهرت
من أوليائهم وانه ركب البحر من تنس إلى العدوة فارتحل إلى تيهرت وولى عليها وعلى تنس ثم قصد لوانة فهربوا إلى الرمال ورجع إلى افريقية سنة خمس وثلاثين ثم بلغه ان فضل بن أبى يزيد أغار على جهات قصطيلة فرحل من سنته في طلبه وانتهى إلى قفصة
[ 17 ]
ثم ارتحل إلى من أعمال الزاب وفتح حصن ماداس مما يليه وهرب فضل في الرمال فأعجزه ورجع إلى القيروان سنة ست وثلاثين ومضى فضل إلى جبل أوراس ثم سار منه إلى باغاية فحصرها وغدر به ماطيط بن يعلى من أصحابه وجاء برأسه إلى المنصور وانقرض أمر ابى يزيد وبنيه وافترقت جموعهم واغتال عبد الله بن بكار من رؤساء مغراوة بعد ذلك أيوب بن أبى يزيد وجاء برأسه إلى المنصور متقربا إليه وتتبع المنصور قبائل بنى يفرن بعدها إلى أن انقطع أثر الدعوة والبقاء لله تعالى وحده { الخبر عن الدولة الاولى لبنى يفرن بالمغرب الاوسط والاقصى ومبادي أمورهم ومصايرها } كان لبنى يفرن من زناتة بطون كثيرة وكانوا متفرقين بالمواطن فكان منهم بافريقية بنو واركو ومرنجيصة وغيرهم كما قدمناه وكان منهم بنواحي تلمسان ما بينها وبين تاهرت أمم كثير عددهم وهم الذين اختطوا مدينة تلمسان كما نذكره بعد ومنهم أبو قرة المنترنى بتلك الناحية لاول الدولة العباسية وهو الذى حاصر عمر بن حفص بطبنة كما تقدم ولما انقرض أمر أبى يزيد وأثخن المنصور فيمن كان بافريقية من بنى يفرن أقام هؤلاء الذين كانو بنواحي تلمسان على وفودهم وكان رئيسهم لعهد أبى يزيد محمد بن صالح ولما تولى المنصور محمد بن ذر وقومه مغراوة وكان بينه وبين بنى يفرن هؤلاء فتنة هلك فيها محمد بن صالح على يد عبد الله بن بكار من بنى يفرن كان متحيزا إلى مغراوة وولى أمره في بنى يفرن من بعده ابنه يعلى فعظم صيته واختط مدينة ايفكان ولما خطب عبد الرحمن الناصر طاعد الاموية من زناتة أهل العدوة واستألف ملوكهم سارع يعلى لاجابته واجتمع عليها
مع الخير بن محمد بن خزر وقومه مغراوة وأجلب على وهران فملكها سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة من يد محمد بن عون وكان ولاه عليها صولات اللميطى أحد رجالات كتامه سنة ثمان وتسعين ومائتين فدخلها يعلى عنوة على بنيه وخربها وكان يعلى قد زحف مع الخير ابن محمد إلى تاهرت وبرز إليه ميسور الخصى في شيعته من لماية فهزموهم وملكوا تاهرت وتقبض على ميسور وعبد الله بن بكار فبعث به الخبر إلى يعلى بن محمد ليثاربه فلم يرضه كفوا لدمه ودفعه إلى من أثار به من بنى يفرن واستفحل سلطان يعلى في ناحية المغرب وخطب على منابرها لعبد الرحمن الناصر ما بين تاهرت إلى طنجة واستدعى من الناصر تولية رجال بيته على امصار المغرب فعقد على فاس محمد بن الخير بن محمد بن عشيرة ونسك محمد لسنة من ولايته واستأذن في الجهاد والرباط بالاندلس فاجاز لذلك واستخلف على عمله ابن عمه أحمد بن أبى بكر بن أحمد بن عثمان بن سعيد وهو الذى اختط مأدنة القرويين سنة أربع وأربعين كما ذكرناه ولم يزل سلطان يعلى بن محمد بالمغرب عظيما إلى أن أغزى بعد المعز لدين الله كاتبه جوهر الصقلى من القيروان إلى المغرب سنة
[ 18 ]
سبع وأربعين فلما فصل جوهر بالجنود بادرامير زناتة بالمغرب يعلى بن محمد اليفرنى إلى لقائه والاذعان لطاعته والانحياش إليه ونبذ عهد البيعة عن قومه بنى يفرن وزناتة فتقبلها جوهر وأضمر الفتك به وتخير لذلك يوم فصوله من بلده وأسر إلى بعض مستخلصيه من الاتباع فأوقعوا نفرة في أعقاب العسكر طار إليها الزعماء من كتامة وصنهاجة وزناتة وتقبض على يعلى فهلك في وطيس تلك الهيعة فغص بالرماح على أيدى رجالات كتامة وصنهاجة وذهب دمه هدرا في القبائل وخرب جوهر مدينة ايفكان وفرت زناتة أمامه وكشف القناع في مطالبتهم (وقد ذكر) بعض المؤرخين ان يعلى انما لقى جوهرا عند منصرفه من الغزاة بمدينة تاهرت وهنالك كانت فتكه به بناحية شلف فتفرقت بعدها جماعة بنى يفرن وذهب ملكهم فلم يجتمعوا الا بعد حين على ابنه بدوى
بالمغرب كما نذكره وحلق الكثير منهم بالاندلس كما يأتي خبرهم في موضعه وانقرضت دولة بنى يفرن هؤلاء إلى أن عادت بعد مدة على يد يعلى بفاس ثم استقرت آخر ابسلا وتعاقب فيهم هنالك إلى آخرها كما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن الدولة الثانية لبنى يفرن بسلا من المغرب الاقصى وأولية ذلك وتصاريفه) * لما أوقع جوهر الكاتب قائد المعز بيلعى بن محمد بن أمير بنى يفرن وملك المغرب سنة سبع وأربعين كما ذكرناه وتفرقت جموع بنى يفرن لحق ابنه بدوى بن يعلى بالمغرب الاقصى وأحس بجوهر من ورائه فأبعد المفر وأصحر إلى أن رجع جوهر من المغرب ويقال ان جوهرا تقبض عليه واحتمله أسيرا فاعتقل إلى ان فر من معتقله بعد حين واجتمع عليه قومه من بنى يفرن وكان جوهر عند منصرفه من المغرب ولى على الادارسة المتحيزين إلى الريف وبلاد غمارة الحسن بن كنون شيخ بنى محمد منهم فنزل وأجاز الحكم المنتصر لاول ولايته سنة خمس وثلثمائة وزيره محمد بن قاسم بن طلمس في العساكر لتدويخ المغرب واقتلاع جرثومة الادارسة فأجاز في العساكر وغلبهم على بلادهم وأزعجهم جميعا عن المغرب إلى الاندلس سنة خمس وستين كما ذكرناه ومهد دعوة الاموية بالمغرب وأقبل الحكم مولاه غالبا ورده إلى الثغر لسده وعقد على المغرب ليحيى بن محمد بن هاشم التجيبى صاحب الثغر الا على وكان أجازه مدد الغالب في رجال العرب وجند الثغور حتى إذا انغمس الحكم في علة الفالج وركدت ريح المروانية بالمغرب واحتاجت الدولة إلى رجالها لسد الثغور ودفاع العدو استدعى يحيى بن محمد بن اشم من العدوة وادالة الحاجب المصجعى بجعفر بن على بن حمدون أمير الزاب والمسيلة النازع إليهم من دعوة الشيعة وجمعوا بين الانتفاع به في العدوة والراحة مما يتوقع منه على الدولة ومن البرابرة في التيات الخلابة لما كانوا أصاروا إليه من النكبة وطوقوه
[ 19 ]
من المحنة ولما كان اجتمع بقرطبة من جموع البرابرة فعقدوا له ولاخيه يحيى
على المغرب وخلعوا عليهما وأمكنوهما من مال دثر وكسى فاخرة للخلع على ملوك العدوة فنهض جعفر إلى المغرب سنة خمس وستين وضبطه واجتمع إليه ملوك زناتة مثل بدوى بن يعلى أمير بنى يفرن وابن عمه أبو بخت بن عبد الله بن بكار ومحمد بن الخير بن خزر وابن عمه بكساس ابن سيد الغاس وزيرى بن خزروز يرى ومقاتل ابنا عطية بن تبادها وخزرون بن ابن سعيد أمير مغراوة واسمعيل بن البورى أمير مكاسة ومحمد بن ابن محمد الازداخى وكان بدوى بن يعلى من أشدهم قوة وأحسنهم طاعة الحكم وولى مكانه هشام المؤيد وانفرد محمد ابن أبى عامر بحجابته اقتصر من العدوة لاول قيامه على مدينة سبتة فضبطها مجبند السلطان ورجال الدولة وقلدها الصنائع من أرباب السيوف والاقلام وعول في ضبط ما وراء ذلك على ملوك زناتة وتعهدهم بالجوائز والخلع وصار إلى اكرام وفودهم واثبات من رغب في الاثبات في ديوان السلطان منهم فجددوا في ولاية الدولة وبث الدعوة وفسد ما بين أمير العدوة جعفر بن على وأخيه يحيى واقتطع يحيى مدينة لنفسه وذهب بأكثر الرجال ثم كانت على جعفر النكبة التى نكبه برغواطة في غزاته اياهم واستدعاه محمد بن أبى عامر لاول أمره لما رآه من استامته إليه وشد ازره وتلوى عليه كراهية لما يلقى بالاندلس من الحكم ثم وتخلى لاخيه عن عمل المغرب وأجاز البحر إلى ابن أبى عامر فحل منه بالمكان الاثير وتناغت زناتة في التزلف إلى الدولة بقرب الطاعات فزحف خزرون بن فلفول سنة ست وستين إلى مدينة سجلماسة فاقتحمها ومحى دولة آل مدرار منها وعقد له المنصور عليها كما ذكرنا ذلك قبل وزحف عقب هذا الفتح بلكين بن زيرى قائد افريقية للشيعة إلى المغرب سنة تسع وستين زحفه المشهور وخرج محمد بن أبى عامر من قرطبة إلى الجزيرة لمدافعته بنفسه واحتمل من بيت المال مائة حمل ومن العساكر ما لا يحصى عده وأجاز جعفر بن على بن حمدون إلى سبتة وانضمت إليه ملوك زناتة ورجع بلكين عنهم إلى غزو برغواطة إلى أن هلك سنة
ثلاث وسبعين كا ذكرناه ورجع جعفر إلى مكانه إلى ابن أبى عامر لم يسمح بمقامه عنه ووصل حسن بن كنون خلال ذلك من القاهرة بكتاب عبد العزيز بن نزار بن معدالى بلكين صاحب افريقية في اعابته إلى ملك المغرب وامداده بالمال والعساكر فأمضاه بلكين لسبيله وأعطاه مالا ووعده باضعافه ونهض إلى المغرب فوجد طاعة المروانية قد استحكمت فيه وهلك بلكين أثر ذلك وشغل ابنه المنصور عن شأنه فدعا لحسن بن كنون إلى نفسه وأنفذ أبو محمد بن أبى عامر بن عمه محمد بن عبد الله ويلقب عسكلاجة
[ 20 ]
لحربه سنة خمس وسبعين وجاء أثره إلى الجزيرة كيما يشارف القصة وأحيط بالحسن بن كنون فسأل الامان وعقد له مقارعه عمر وعسكلاجة وأشخصه إلى الحضرة فلم يمض ابن أبى عامر امامه ورأى ان لا ذمة له لكثرة نكثه فبعث من ثقاته من أتاه برأسه وانقرض أمر الادارسة وانمحى أثرهم فأغضب عمر وعسكلاجة لذلك وامتراح إلى الجند بأقوال نميت عنه إلى المنصور فاستدعاه من العدوة وألحقه بمقتوله ابن كنون وعقد على العدوة للوزير حسن بن أحمد بن عبد الودود السلمى واكثف عدده وأطلق في المال يده ونفذ إلى عمله سنة ست وسبعين فضبط المغرب أحسن ضبط وهابته البرابرة ونزل فاس من العدوة فعز سلطانه وكثر جمعه وانضم إليه ملوك النواحى حتى حذر ابن أبى عامر مغبة استقلاله واستدعاه ليبلو صحة طاعته فأسرع اللحاق به فضاعف تكرمته وأعاده إلى عمله وكان بدوى بن يعلى هذا من بين ملوك زناتة كثير الاضطراب على الاموية والمراوعة لهم بالطاعة وكان لمنصور بن أبى عامر يضرب بينه وبين قرينه زيرى بن عطية ويقرن كلا منهما بمناغاة صاحبه في الاستقامة وكان إلى زيرى أميل وبطاعته أوثق لخلوصه وصدق طويته وانحياشه فكان يرجو ان يتمكن من قياد بدوى بن يعلى بمناغاته فاستدعى بزيرى بن عطية الحضرة سنة سبع وسبعين فبادر إلى القدوم عليه وتلقاه وأكبر موصله وأحسن مقامه ومنقلبه وأعظم جائزته وسام بدوى مثلها
فامتنع وقال لرسوله قل لابن أبى عامر متى عهد حمر الوحش تنقاد للبيطارة وأرسل عنانه في العيث ولفساد ونهض إليه صاحب المغرب الوزير حسن بن عبد الودود في عساكره وجموعه من جند الاندلس وملوك العدوة مظاهرا عليه لعدوه زيرى بن عطية وجمع لهم بدوى ولقيهم سنة احدى وثمانين فكان الظهور له وانهزم عسكر السلطان وجموع مغراوة واستلحموا وجرح الوزير حسن بن عبد الودود جراحات كان فيها لليال مهلكه وطار الخبر إلى ابن أبى عامر فاغتم لذك وكتب إلى زيرى بضبط فاس ومكانفة أصحاب حسن وعقد له على المغرب كما نستوفي ذكره عند ذكر دولتهم وغالبه بدوى عليها مرة بعد أخرى ونزع أبو البهار بن زيرى بن مناد الصنهاجى عن قومه ولحق بسواحل تلمسان ناقضا لطاعة الشيعة وخارجا عن أخيه المنصور بن بلكين صاحب القيروان وخاطب ابن أبى عامر من وراء البحر وأوفد عليه ابن أخيه ووجوه قومه فسرب إليه الاموال والصلاة بفاس مع زيرى حسبما نذكره وجمع أيديهما على مدافعة بدوى فساء أمره فيهما جميعا إلى أن راجع أبو البهار ولاية منصور بن أخيه كما نذكره بعد وحاربه زيرى فكان له الظهور عليه ولحق أبو البهار بسبتة ثم عاد إلى قومه واستفحل زيرى من بعد ذلك وكانت بينه وبين بدوى وقعة اكتسح زيرى من ماله ومعسكره مالا كقوله وسبى حرمه واستلحم من قومه
[ 21 ]
زهاء ثلاثة آلاف فارس وخرج إلى الصحراء شريد اسنة ثلاث وثمانين وهلك هناك فولى أمره في قومه حبوس ابن أخيه زيرى بن يعلى ووثب به ابن عمه أبو يداس بن دوناس فقتله طمعا في الرياسة من بعده واختلف عليه قومه فأخفق أمله وعبر البحر إلى الاندلس في جمع عظيم من قومه وولى أمر بنى يفرن من بعده حمامة بن زيرى بن يعلى أخو حبوس المذكور فاستقام عليه أمر بنى يفرن وقد مر ذكره في خبر بدوى غير مرة وانه كانت الحرب بينه وبين زيرى بن عطية سجالا وكانا يتعاقبان ملك فاس بتناول الغلب وانه لما وفد زيرى على المنصور خالفه بدوى إلى فاس فملكها وقتل بها خلقا من مغراوة وانه لما
رجع زيرى اعتصم بدوى بفاس فنازله زيرى وعلك من مغراوة وبنى يفرن في ذلك الحصار خلق ثم اقتحمها زيرى عليهم عنوة فقتله وبعث برأسه إلى سدة الخلافة بقرطبة سنة ثلاث وثمانين والله أعلم (ولما) اجمع بنو يفرن على حمامة تحيز بهم إلى ناحية شالة من المغرب فملكها وما إليها من تاذلا واقتطعها من زيرى ولم يزل عميد بنى يفرن في تلك العمالة والحرب بينه وبين زيرى ومغراوة متصلة وكانت بينه وبين المنصور صاحب القيروان مهاداة فأهدى إليه وهو محاصر لعمه حماد بالقلعة سنة ست وأربعمائة وأوفد بهديته أخاه زاوى بن زيرى فلقيه بالطبول والبنود ولما هلك حمامة قام بامر بنى يفرن من بعده أخوه الامير أبو الكمال تميم بن زيرى بن يعلى فاستبد بملكهم وكان مستقيما في دينه مولعا بالجهاد فانصرف إلى جهاد برغواطة وسالم مغراوة وأعرض عن فتنتهم (ولما) كانت سنة أربع وعشرين وأربعمائة تجددت العداوة بين هذين الحيين بنى يفرن ومغراوة وثارت الاحن القديمة وزحف أبو الكمال صاحب شالة وتاذلا وما إلى ذلك في جموع يفرن وبرز إليه حمامة بن المعز في قبائل مغراوة ودارت بيهم حروب شديدة وانكشفت مغراوة وفر حمامة إلى وجدة واستولى الامير أبو الكمال تميم وقومه على فاس وغلبوا مغراوة على عمل المغرب واكتسح تميم اليهود بمدينة فاس واصطلم نعمهم واستباح حرمهم ثم احتشد حمامة من وجدة سائر قبائل مغراوة وزنانة وبعث الحاشدين في قياطينهم لجميع بلاد المغرب الاوسط ووصل إلى تنس صريخا لزعمائهم وكاتب من بعد عنه من رجالاتهم وزحف إلى فاس سنة تسع وعشرين فأفرج عنها أبو الكمال تميم ولحق ببلده ومقر ملكه من شالة وأقام بمكان عمله وموطن امارته منها إلى أن هلك سنة ست وأربعين وولى ابنه حماد إلى أن هلك سنة تسع وأربعين وولى بعده ابنه يوسف إلى أن توفى سنة ثمان وخمسين فولى بعده عمه محمد بن الامير أبى تميم إلى أن هلك في حروب لمتونة حين غلبوهم على المغرب أجمع حسبما نذكره والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين (وأما) أبو يداس بن دوناس قاتل
[ 22 ]
حبوس بن زيرى بن يعلى بن محمد فانه لما اختلف عليه بنو يفرن وأخفق أمله في اجتماعهم له أحاز البحر إلى الاندلس سنة ثنتين وثمانين فرفعه اخوانه أبو قرة وأبو زيد وعطاف فحل كلهم من المنصور محل التكرمة والايثار ونظمه في جملة الرؤساء والامراء واسنى له الجراية ولاقطاع وأثبت رجاله في الديوان ومن أجاز من قومه فبعد صيته وعلا في الدولة كعبه (ولما) افترقت الجماعة وانتثر سلك الخلافة كان له في حروب البربر مع جند الاندلس آثار بعيدة وأخبار غريبة ولما ملك المستعين قرطبة سنة أربعمائة واجتمع إليه من كان بالاندلس من البرابرة لحق المهدى بالثغور واستجاش طاغية الجلالقة فزحف معه إلى غرناطة وخرج المستعين في جموعه من البرابرة إلى الساحل واتبعهم المهدى في جموعه فتواقعوا بوادي ايرة فكانت بين الفريقين جولة عظم بلاء البرابرة وطار لابي يداس فيما ذكر وانهزم المهدى والطاغية وجموعهم بعد أن تضايقت المعركة وأصابت أبا يداس بن دوناس جراحة كان فيها مهلكه ودفن هناك وكان لابنه خلوف وحافده تميم بن خلوف من رجالات زناتة بالاندلس شجاعة ورياسة وكان يحيى بن عبد الرحمن بن أخيه عطاف من رجالاتهم وكان له اختصاص ببنى حمود ثم بالقاسم منهم ولاه على قرطبة أيام خلافته والبقاء لله وحده محمد حبوس بدوى تميم بن خلوف بن يداس بن دوناس يحيى بن عبد الرحمن بن عطاف محمد الخير بن محمد
ولاه يعلى على فاس حمامة أحمد بن أبى بكر بن أحمد بن عثمان بن سعيد ولاه يعلى على فاس يوسف بن حماد بن تميم بن زيرى بن يعلى بن محمد بن صالح
[ 23 ]
* (الخبر عن أبى نور بن أبى قرة وما كان له من الملك بالاندلس أيام الطوائف) * هذا الرجل اسمه أبو نور بن أبى قرة بن أبى يفرن من رجالات البربر الذين استظهر بهم قومهم أيام الفتنة تغلب على رندة أزمان تلك الفتن وأخرج منها عامر بن فتوح من موالى الاموية سنة خمس وأربعمائة فملكها واستحدث بها لنفسه سلطانا ولما استفحل أمر ابن عباد باشبيلية واشفى على تملك أجوره من الاعمال والثغور نشأهت الفتنة بينه وبين أبى نور هذا واختلف حاله معه في الولاية والانحراف وسجل له سنة ثلاث وأربعين برنده وأعمالها فيمن سجل له من البربر واستدعاه بعدها سنة خمسين لبعض ولائمه وكاده بكتاب أوقفه عليه على لسان جارية بقصره تشكو إليه ما نال منها ما نال ابنه من المحرم فانطلق إلى بلده وقتل ابنه وشعر بالمكيدة فمات أسفا وولى ابنه الآخر أبو نصر إلى سنة سبع وخمسين فغدر به بعض جنده وخرج هاربا فسقط من السور ومات وتسلم المعتمد رنده من يد ذلك ويقال ن ذلك كان عند كائنة الحمام سنة خمس وأربعين وان أبا نور هلك فيها ولما بلغ الخبر ابنه أبا نصر وقع ما وقع والله أعلم * (الخبر عن مرنجيصة من بطون بنى يفرن وشرح أحوالهم) * كان هذا البطن من بنى يفرن بضواحي افريقية وكانت لهم كثرة وقوة ولما خرج أبو يزيد على الشيعة وكان من أخوالهم بنو واركوا ظاهروه على أمره بما كان له معهم من العصبية ثم انقرض أمره وأخذتهم دولة الشيعة وأولياؤهم صنهاجة وولاتهم على
افريقية بالسطوة والقهر وانزال العقوبات بالانفس والاموال إلى أن تلاشوا وأصبحوا في عداد القبائل الغارمة وبقيت منهم احياء نزلوا ما بين القيروان وتونس أهل شاء وبقر وخيام يظعنون في نواحيها وينتحلون الفلح في معاشهم وملك الموحدون افيقية وهم بهذا الحال وضربت عليهم المغارم والضرائب والعسكرة مع السلطان في غزواته بعدة مفروضة يحضرون بها متى استقروا (ولما تغلب) الكعوب من بنى سليم على ضواحي افريقية وأخرجوا منها الزواودة من الرياح أعداء الدولة لذلك العهد واستظهر بهم السلطان عليهم اتخذوا افريقية وطنا من قابس إلى باجة ثم اشتدت ولايتهم للدولة وعظم الاستظهار بهم وأقطعهم ملك الدولة ما شاؤه من الاعمال والخراج فكان في اقطاعهم خراج مرنجيصة ولما وقعت بنو مرين على القيروان وكان بعدها في الفترة ما كان من طحيان الفتنة التى اعتز فيها العرب على السلطان والدولة كان لهؤلاء الكعوب المتغلبين مدد قوى من احياء مرنجيصة هؤلاء من الخيل للحملان والخيالة للاستظهار باعدادهم في الحروب فصار والهم لحمة وخولة وتملكوهم تملك العبيد حتى إذا ذهب الله بحمى الفتنة وأقام مائل الخلافة والدولة
[ 24 ]
بثراة هذا الملك الحفصى إلى الاحق به مولانا السلطان أبى العباس أحمد فانقشع الجو وأضاء الافق ودفع المتغلبين من العرب عن أعماله وقبض أيديهم عن رعاياته وأصار مرنجيصة هؤلاء من صفاياه بعد انزال العقوبة بهم على لياذهم بالعرب وظعنهم معهم فراجعوا الحق وأخلصوا في الانحياش ورجعوا إلى ما ألفوه من الغرامة وقوانين الخراج وهم على ذلك لهذا العهد والله وارث الارض ومن عليها { الخبر عن مغراوة من أهل الطبقة الاولى من زناتة وما كان لهم من الدول بالمغرب ومبدأ ذلك وتصاريفه } هؤلاء القبائل من مغراوة كانوا أوسع بطون زناتة وأهل الباس والغلب منهم ونسبهم
إلى مغراوة بن بصلتين بن مسر ابن زاكيا بن ورسيك بن ألديرت بن جانا اخوة بنى يفرن وبنى يرنيان وقد تقدم الخلاف في نسبهم عند ذكر بنى يفرن وأما شعوبهم وبطونهم فكثير مثل بنى يلنث وبنى زنداك وبنى رواو وتزمير وبنى أبى سعيد وبنى ورسيعان والاعواط وبنى ريقة وغيرهم ممن لم يحضرني أسماؤهم وكانت محلاتهم بأرض المغرب الاوسط من شلف إلى تلمسان إلى جبل مدبولة وما إليها ولهم مع اخوانهم بنى يفرن اجتماع وافتراق ومناغاة في أحوال البدو وكان لمغراوة هؤلاء في بدوهم ملك كبير أدركهم عليه الاسلام فأقره لهم وحسن اسلامهم وهاجر أميرهم صولات بن وزمار إلى المدينة ووفد على أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه فلقاه برا وقبولا لهجرته وعقد له على قومه ووطنه وانصرف إلى بلاده محبوا محبورا مغتبطا بالدين مظاهر القبائل مضر فلم يزل هذا دأبه وقيل انه تقبض عليه أسير الاول الفتح في بعض حروب العرب مع البربر قبل أن يدينوا بالدين فأشخصوه إلى عثمان لمكانه من قومه فمن عليه وأسلم فحسن اسلامه وعقد له على عمله فاختص صولات هذا وسائر الاحياء من مغراوة بولاء عثمان وأهل بيته من بنى أمية وكانوا خاصة لهم دون قريش وظاهروا دعوة المروانية بالاندلس رعيا لهذا الولاء على ما تراه بعد في أخبارهم ولما هلك صولات قام بأمره في مغراوة وسائر زناتة من بعده ابنه حفص وكن من أعظم ملوكهم ثم لما هلك قام بأمره ابنه خزر وعند ما تقلص ظل الخلافة عن المغرب الاقصى بعض الشئ وأظلت فتنة ميسرة المقبر ومظفره فاعتز خزر وقومه على أمر المضربة بالقيروان واستفحل ملكهم وعظم شأن سلطانهم على البدو من زناتة بالمغرب الاوسط ثم انتقض أمر بنى أمية بالمشرق فكانت الفتنة بالمغرب فازدادوا اعتزازا وعتوا وهلك خلال ذلك خزر وقام بملكه ابنه محمد وخلص إلى المغرب ادريس الاكبر بن عبد الله بن حسن بن الحسن سنة سبعين ومائة في خلافة الهادى وقام برابرة المغرب من
[ 25 ]
أروبة وصدينة ومقيلة بأمره واستوثق له الملك واقتطع المغرب عن طاعة بنى العباس سائر الايام ثم نهض إلى المغرب الاوسط سنة أربع وسبعين فتلقاه محمد بن خزر هذا وألقى إليه المقادة وبايع له عن قومه وأمكنه من تلمسان بعد ان غلب عليها بنى يفرن أهلها وانتظم لادريس بن ادريس الامر وغلب على جميع اعمال أبيه وملك تلمسان وقام بنوخزر هؤلاء بدعوته كما كانوا لابيه وكان قد نزل تلمسان لعهد ادريس الاكبر أخوه سليمان بن عبد الله بن حسن بن الحسن القادم إليه من المشرق وسجل له بولاية تلمسان من سجل ابنه ادريس لمحمد ابن عمه سليمان من بعده فكانت ولاية تلمسان وأمصارها في عقبه واقتسموا ولاية ثغورها الساحلية فكانت تلمسان لولد ادريس بن محمد بن سليمان وأرشكول لولد عيسى بن محمد وتنس لولد ابراهيم بن محمد بن محمد وسائر الضواحى من اعمال تلمسان لبنى يفرن مغراوة ولم يزل الملك بضواحي المغرب الاوسط لمحمد بن خزر كما قلناه إلى ان كانت دولة الشيعة واستوثق لهم ملك افريقية وسرح عبيد الله المهدى إلى المغرب عروبة بن يوسف الكتامى في عساكر كتامة سنة ثمان وتسعين ومائتين فدوخ المغرب الادنى ورجع ثم سرح بعده مصالة بن حيوص إلى المغرب في عساكر كتامة فاستولى على اعمال الادارسة واقتضى طاعتهم لعبيد الله وعقد على فاس ليحيى بن ادريس بن عمر آخر ملوك الادارسة وخلع نفسه ودان بطاعتهم وعقد له مصالة على فاس وعقد لموسى بن أبى العالية أمير مكناسة وصاحب تارة واستولى على ضواحي المغرب وقفل إلى القيروان وانتقض عمر بن خزر من أعقاب محمد بن خزر الداعية لادريس الكبر وحمل زناتة وأهلا المغرب الاوسط على البرابرة من الشيعة وسرح عبيد الله المهدى مصالة قائد المغرب في عساكر كتامة سنة تسع ولقيه محمد ابن خزر في جموع مغراوة وسائر زناتة ففل عساكر مصالة وخلص إليه فقتله وسرح عبيد الله ابنه أبا القاسم في العساكر إلى المغرب سنة عشر وعقد له على حرب محمد بن خزر وقومه فأجفلوا إلى الصحراء واتبع آثارهم إلى ملوية فلحقوا بسجلماسة وعطف أبو
القاسم على المغرب فدوخ أقطاره وجال في نواحيه وجدد لابن أبى العافية على عمله ورجع ولم يلق كيدا (ثم ان الناصر) صاحب قرطبة سماله أمل في ملك العدوة فخاطب ملوك الادارسة وزناتة وبعث إليهم خالصته محمد بن عبيد الله بن أبى عيسى سنة ستة عشر فبادر محمد بن خزر إلى اجابته وطرد أولياء الشيعة من الزاب وملك شلب وتنس من أيديهم وملك وهران وولى عليها ابنه المنير وبث دعوة الاموية في اعمال المغرب الاوسط ما عدا تاهرت في القيام بدعوة الاموية ادريس بن ابراهيم بن عيسى بن محمد بن سليمان صاحب أرشكول ثم فتح الناصر سبتة سنة سبع عشرة من يد الادارسة وأجار موسى بن أبى العالية على طاعته واتصلت يده بمحمد بن خزر
[ 26 ]
وتظاهروا على الشيعد وخالف فلفول بن خزر أخاه محمد إلى طاعة الشيعة وعقد له عبد الله على مغراوة وزحف إلى المغرب حميد بن يصل سنة احدى وعشرين في عساكر كتامة إلى عبد الله على تاهرت فانتهى إلى فاس وأجفلت أمامه ظواعن زناتة ومكاسة ودوخ المغرب وزحف من بعده ميسور الخصى سنة ثنتين وعشرين فحاصر فاسا وامتنعت عليه ورجع ثم انتقض حميد بن يصل سنة ثمان وعشرين وتحيز إلى محمد بن خزر ثم أجاز إلى الناصر وولاه على المغرب الاوسط ثم شغل الشيعة بفتنة أبى يزيد وعظمت آثار محمد بن خزر وقومه من مغراوة وزحفوا إلى تاهرت مع حميد بن يصل قائد الاموية سنة ثلاث وثلاثين وزحف معه الخير بن محمد وأخوه حمزة وعمه عبد الله بن خزر ومعهم يعلى بن محمد في قومه بنى يفرن وأخذوا تاهرت عنوة وقتلوا عبد الله بن بكار وأسروا قائدها ميسور الخصى بعد ان قتل حمزة بن محمد بن خزر في حروبها وكان محمد بن خزر وقومه زحفوا قبل ذلك إلى بسكرة ففتحوا وقتلوا زيدان الخصى ولما خرج اسمعيل من حصار أبى يزيد وزحف إلى المغرب في اتباعه خشية محمد ابن خزر على نفسه لما سلف منه في نقض دعوتهم وقتل أتباعهم فبعث إليه بطاعة
معروفة وأوعز إليه اسمعيل بطلب أبى يزيد ووعده في ذلك بعشرين حملا من المال وكان أخوه معبد بن خزر في موالاة أبى يزيد إلى ان هلك وتقبض اسمعيل بعد ذلك على على معبد سنة أربعين وقتله ونصب رأسه بالقيروان ولم يزل محمد بن خزر وابنه الخير متغلبا على المغرب الاوسط ومقاسما فيها ليعلى بن محمد ووفد فتوح بن الخير سنة أربعين على الناصر مع مشيخة تاهرت ووهران فأحازهم وصرفهم إلى اعمالهم ثم حدثت الفتنة بين مغراوة وصنهاجة وشغل محمد بن الخير وابنه خزر بحروبهم وتغلب يعلى بن محمد على وهران وخربها وعقد الناصر لمحمد بن يصل على تلمسان واعمالها وليعلى بن محمد على المغرب واعماله فراجع محمد بن خزر طاعة الشيعة من أجل قريعة يعلى بن محمد ووفد على المعز بعد مهلك أبيه اسمعيل سنة ثنتين وأربعين فأولاه تكرمة وتم على طاعتهم إلى ان حضر مع جوهر في غزاته إلى المغرب باعوام سبع أو ثمان وأربعين ثم وفد على المعز بعد ذلك سنة خمسين وهلك بالقيروان وقد نيف على المائة من السنين وهلك الناصر المروانى عامئذ على حين انتشرت دعوة الشيعة بالمغرب وانقبض أولياء الاموية إلى اعمال سبتة وطنجة فقام بعده ابنه الحكم المستنصر واستأنف مخاطبة ملوك العدوة فأجابه محمد بن الخير بن محمد بن خزر بما كان من أبيه الخير وجده محمد في ولاية الناصر والولاية التى لبنى أمية على آل خزر بوصية عثان بن عفان لصولات بن وزمار جدهم كما ذكرناه فاثخن في الشيعة ودوخ بلادهم ورماه معد بقرينه زيرى بن مناد أمير صنهاجة فعقد له
[ 27 ]
على حرب زناتة وسوغه ما غلب عليه من أعمالهم وجمعوا للحرب سنة ستين ومائتين فلقى بلكين بن زيرى جموعهم بدسيسة من بعض أولياء محمد بن الخير قبل أن يستكمل تعبيتهم فابلى منهم ناسا صبرا واشتدت الحرب بينهم وانهزمت زناتة حتى إذا رأى محمد بن الخير ان قد أحيط به انتبذ إلى ناحية من العسكر وذبح نفسه واستمرت الهزيمة على قومه ووجد منهم في المعركة سبعة عشر أميرا سوى الاتباع وتحيز كل إلى فريقه وولى
بعد محمد في مغراوة ابنه الخير وأغرى بلكين بن زيرى الخليفة معد الجعفر بن على ابن حمدون صاحب المسيلة والزاب بموالاة محمد بن الخير فاستراب جعفر وبعث عنه معد لولاية افريقية حتى اعتزم على الرحيل إلى القاهرة فاشتدت استرابته ولحق بالخير ابن محمد وقومه وزحفوا إلى صنهاجة فأتيحت لهم الكرة وأصيب زيرى بن مناد كبير العصابة وبعثوا برأسه إلى قرطبة في وفد من وجوه بنى خزر مع يحيى بن على أخى جعفر ثم استراب بعدها جعفر من زناتة ولحق بأخيه يحيى ونزلوا على الحكم وعقد معه لبلكين ابن زيرى على حرب زناتة وامده بالاموال والعساكر وسوغه ما تغلب عليه من أعمالهم فنهض إلى المغرب سنة احدى وستين وأوغر بالبرابرة منهم وتعرى أعمال وباغاية والمسيلة وبسكرة وأجفلت زناتة امامه وتقدم إلى تاهرت فمحا من المغرب الاوسط آثار زناتة ولحق بالمغرب الاقصى واتبع بلكين آثار الخير بن محمد وقومه إلى سجلماسة فأوقع بهم وتقبض عليهم فقتله صبرا وفض جموعهم ودوخ المغرب وانكف راجعا ومر بالمغرب الاوسط فالتحم بوادي زناتة ومن إليهم من المصاصين ورفع الامان على كل من ركب فرسا أو أنتج خيلا من سائر البربر ونذر دماءهم فأقفر المغرب الاوسط من زناتة وصار إلى ما وراء ملوية من بلاد المغرب الاقصى إلى ان كان من رجوع بنى يعلى بن محمد إلى تلمسان وملكهم اياها ثم هلك بنو خزر بسجلماسة وطرابلس وملك بنى زيرى بن عطية بفاس ما نحن ذاكروه ان شاء الله تعالى
[ 28 ]
يعلى خزون بن فلفول فتح حمزة عطية بن عبد الله
سعيد الخير بن محمد بن الخير بن محمد بن خزر من أعقاب محمد بن خزر بن حفص بن صولات بن وزمار { الخبر عن آل زيرى بن عطية ملوك فاس وأعمالها من الطبقة الاولى من مغراوة وما كان لهم بالمغرب الاقصى من الملك والدولة ومبادي ذلك وتصاريفه } كان زير هذا أمير آل خزر في وقته ووارث ملكهم البدوى وهو الذى مهد الدولة بفاس والمغرب الاقصى وأورثها بنيه إلى عهد لمتونة حسبما نستوفي شرحه واسمه زيرى بن عطية بن عبد الرحمن بن خزر وجده عبد الله أخو محمد داعية الناصر الذى هلك بالقيروان كما ذكرناه وكانوا أربعة اخوة محمد ومعبد الذى قتله اسمعيل وفلفول الذى خالف محمد إلى ولاية الشيعة وعبد الله هذا وكان يعرف بأمه واسمها تبادلت وقد قيل ان عبد الله هذا هو ابن محمد بن خزر وأخوه حمزة بن محمد الهالك في حربه مع ميسور عند فتح تاهرت ولما هلك الخير بن محمد كما قلناه بيد بلكين سنة احدى وستين وارتحلت زناتة إلى ما وراء ملوية من الغرب الاقصى وصار المغرب الاوسط كله لصنهاجة واجتمع مغراوة إلى بقية آل خزر وأمراؤهم يومئذ محمد بن خير المذكور ومقاتل وزيرى ابنا مقاتل بن عطية بن عبد الله وخزرون بن فلفول ثم كان ما ذكرناه من ولاية بلكين بن زيرى على افريقية وزحف إلى المغرب الاقصى زحفه المشهور سنة تسع وستين وأجفلت أمامه ملوك زناتة من بنى محمد بن صالح وانحازوا جميعا إلى سبتة وأجاز محمد بن الخير البحر إلى المنصور بن أبى عامر صريخا فخرج المنصور
[ 29 ]
في عساكره إلى الجزيرة ممدا لهم بنفسه وعقد لجعفر بن على على حرب بلكين وأجازه البحر وأمده بمائة حمل من المال فاجتمعت إليه ملوك زناتة وضربوا مصافهم بساحة سبتة واظل عليهم بلكين من جبل تطاون فرأى مالا قبل له به فارتحل عنهم وأشغل نفسه بجهاد برغواطة إلى ان هلك منصرفا من المغرب سنة ثنتين وسبعين كما ذكرناه وعاد
جعفر بن على إلى مكانه من الحضرة وساهمه المنصور في حمل الرياسة وبقى المغرب غفلا من الولاية واقتصر المنصور على ضبط سبتة ووكل إلى ملوك زناتة دفاع صنهاجة وسائر أولياء الشيعة وقام يبلو طاعنتهم إلى أن قام بالمغرب الحسن بن كنون من الادارسة بعثه العزيز نزار من مصر لاسترجاع ملكه بالمغرب وأمده بلكين بعسكر من صنهاجة وهلك على ذلك بلكين ودعا الحسن إلى أمره بالمغرب وانضم إليه بدوى بن يعلى بن محمد اليفرنى وأخوه زيرى وابن عمه أبو يداس فيمن إليهم من بنى يفرن فسرح المنصور لحربه ابن عمه أبا الحكم عمرو بن عبد الله بن أبى عامر الملقب عسكلاجه وبعثه بالعساكر والاموال فأجاز البحر وانحاش إليه ملوك آل خزر محمد بن الخير ومقاتل وزيرى ابنا عطية وخزرون بن فلفول في جميع مغراوة وظاهروه على شانه وزحف بهم أبو الحكم بن أبى عامر إلى الحسن بن كنون حتى الجؤه إلى الطاعة وسأل الامان على نفسه فعقد له عمرو بن أبى عامر مارضيه من ذلك وأمكن به من قياده وأشخصه إلى الحضرة فكان من قتله وأخفار ذمة أبى الحكم بن أبى عامر وقتله بعده ما تقدم حسبما ذكرنا ذلك من قبل وكان مقاتل وزيرى ابنا عطية من بين ملوك زناتة أشد الناس انحياشا للمنصور وقياما بطاعة المروانية وكان بدوى بن يعلى وقومه بنو يفرن منحرفين عن طاعتهم ولما انصرف أبو الحكم بن أبى عامر من المغرب عقد المنصور عليه للوزير حسن بن أحمد بن عبد الودود السلمى وأطلق يده في انتقاء الرجال والاموال فأنفذه إلى عمله سنة ست وسبعين وأوصاه بملوك مغراوة من زناتة واستبلغ بمقاتل وزيرى من بنيهم لحسن انحياشهم وطاعتهم وأغراه ببدوى بن يعلى المضطرب الطاعة الشديد المراوغة فنفذ لعمله ونزل بفاس وظبط أعمال المغرب واجتمعت إليه ملوك زناتة وهلك مقاتل بن عطية سنة ثمان وسبعين واستقل برياسة الظواعن البدو من مغراوة واخوة زيرى بن عطية وحسنت مخاللته لابن عبد الودود صاحب المغرب وانحياشه بقومه إليه واستدعاه المنصور من محله بفاس سنة احدى وثمانين اشادة
بتكريمه واغراه ببدوى بن يعلى بمنافسته في الحظ وايثار الطاعة فبادر إلى اجابته بعد ان استخلف على المغرب ابنه المعز وأنزله بتلمسان ثغر المغرب وولى على عدوة القرويين من فاس على بن محمود بن أبى على قشوش وعلى عدوة الاندلسيين عبد الرحمن بن عبد
[ 30 ]
الكريم بن ثعلبة وقدم بين يديه هدية إلى المنصور ووفد عليه فاستقبله بالجيوش والعدة واحتفل للقائه وأوسع نزله وجرايته ونوه باسمه في الوزارة وأقطعه رزقها وأثبت رجاله في الديوان ووصله بقيمة هديته وأسنى فيها وأعظم جائزته وجائزة وفده وعجل تسريحه إلى عمله فقفل إلى امارته من المغرب ونمى عنه خلاف ما احتسب فيه من حمطا المعروف وانكار الصنيع والاستنكاف من لقب الوزارة الذى نوه به حتى انه قال لبعض حشمه وقد دعاه بالوزير وزير من يالكع فما والله الا أمير ابن أمير واعجبا من ابن أبى عامر ومخرقته والله لو كان بالاندلس رجل ما تركه على حاله وان له منا ليوما والله لقد تأجرني فيما أهديت إليه حطا للقيم ثم غالطني بما بذله تنبيتا للكرم الا أن يحتسب بثمن الوزارة التى حطنى بها من رتبتي ونمى ذلك إلى ابن أبى عامر فصر عليها أذنه وزاد في اصطناعه وبعث بدوى بن يعلى اليفرنى قريعه في ملك زناتة يدعوه إلى الوفادة فأساء اجابته وقال متى عهد المنصور حمر الوحش تنقاد للبياطرة وأخذ في افساد السابلة والاجلاب على الاحياء والعيث في العمالة فأوعز المنصور إلى عامله بالمغرب الوزير حسن بن عبد الودود بنبذ العهد إليه ومظاهرة عدوه زيرى بن عطية عليه فجمعوا له سنة احدى وثمانين ولقوه فكانت الدائرة عليهم وتخرم العسكر وأثبت الوزير بن عبد الودود جراحة كان فيها حتفه وبلغ الخبر إلى المنصور فشق عليه وأهمه شأن المغرب وعقد عليه لوقته لزيرى بن عطية وكتب إليه بعهده وأمر بضبط المغرب ومكانفة جند السلطان وأصحاب حسن بن عبد الودود فاطلع باعبائه وأحسن الغناء في عمله واستفحل شأن بدوى بن يعلى وبنى يفرن واستغلظوا على زيرى بن عطية
وأصلوه نار الفتنة وكانت حروبهم سجالا وسئمت الرعايا بفاس كثرة تعاقبهم عليها وانتزاؤهم على عملها وبعث الله لزيرى بن عطية ومغراوة مددا من أبى البهار بن زيرى بن مناد بما كان انتقض على ابن أخيه منصور بن بلكين صاحب القيروان ونزع عن دعوة الشيعة إلى المروانية واقتفى أثره في ذلك خلوف بن أبى بكر صاحب تاهرت وأخوه عطية لصهر كان بينهما وبين فاقتسموا أعمال المغرب الاوسط ما بين الزاب وأنشريس وهدان وخطبوا في سائر منابرها باسم هشام المؤيد وخاطب أبو البهار من وراء البحر محمد بن أبى عامر وأوفد عليه أبا بكر بن أخيه حيوس بن زيرى في طائفة من أهل بيته ووجوه قومه فاستقبلوا بالحسن مائة قطعة من صنوف الثياب الخز والعبيد وما قيمته عشره آلاف درهم من الآنية والحلى وبخمسة وعشرين ألفا من الدنانير ودعاه إلى مظاهرة زيرى بن عطية على بدوى بن يعلى وقسم بينهما أعمال المغرب شق الابلة حتى لقد اقتسما مدينة فاس عدوة بعد عدوة فلم يرع ذلك بدوى ولاوزعه عن
[ 31 ]
شأنه من الفتنة والاجلاب على البدو والحاضرة وشق عصا الجماعة وانتقض خلوف بن أبى بكر على المنصور لوقته وراجع ولاية المنصور بن بلكين ومرض أبو البهار في المظاهرة عليه للوصلة التى بينهما وقعد عما قام له زيرى بن عطية من حرب خلوف بن أبى بكر وأوقع به زيرى في رمضان سنة احدى وثمانين واستلحمه وكثيرا من أوليائه واستولى على عسكره وانحاش إليه عامة أصحابه وفر عطية شريدا إلى الصحراء ثم نهص على اثرها لبدوي بن يعلى وقومه فكانت بينهم لقاآت انكشف فيها أصحاب بدوى واستلحم منهم زهاء ثلاثة آلاف واكتسح معسكره وسبيت حرمه التى كانت منهن أمه وأخته وتحيز سائر أصحابه إلى فئة زير وخرج شريدا إلى الصحراء إلى ان اغتاله ابن عمه أبو يداس بن دوناس كما ذكرناه وورد خبر الفتحين متعاقبين على المنصور فعظم موقعهما لديه وقد قيل ان مقتل بدوى انما كان عند اياب زيرى من الوفادة
وذلك أنه لما استقدمه المنصور ووفد عليه كما ذكرناه خالفه بدوى إلى فاس فملكها وقتل من مغراوة خلقا واستمكن بها أمره فلما رجع زيرى من وفادته امتنع بها بدوى فنازله زيرى وطال الحصار وهلك من الفريقين خلق ثم اقتحمها عليه عنوة وبعث برأسه إلى سدة الخلافة بقرطبة الا أن راوي هذا الخبر يجعل وفادة زيرى على المنصور وقتله لبدوي سنة ثلاث وثمانين فالله أعلم أي ذلك كان (ثم ان زيرى) فسد ما بينه وبين أبى البهار الصنهاجى وتزاحف فأوقع به زيرى وانهزم أبو البهار إلى سبتة موريا بالعبور فبادر بكاتبه عيسى بن سعيد بن القطاع في قطعة من الجند إلى تلقيه فحاد عن لقائه وصاعد إلى قلعة جراوة وقد قدم الرسل إلى ابن أخيه المنصور صاحب القيروان مستميلا إلى أن التحم ذات بينهما ثم تحيز إليه وعاد إلى مكانه من عمله وخلع ما تمسك به من طاعة الاموية وراجع طاعة الشيعة فجمع المنصور لزيرى بن عطية أعمال المغرب واستكفى به في سد الثغر وعول عليه من بين ملوك المغرب في الذب عن الدعوة وعهد إليه بمناجزة أبى البهار وزحف إليه زيرى في أمم عديدة من قبائل زناتة وحشود البربر وفر أمامه ولحق بالقيروان واستولى زيرى على تلمسان وسائر أعمال أبى البهار وملك ما بين السوس الاقصى والزاب فاتسع ملكه وانبسط سلطانه واشتدت شوكته وكتب بالفتح إلى المنصور بمائتين من الخيل وخمسين جملا من المهارى السبق وألف درقة من جلود اللمط وأحال من قسى الزاب وقطوط الغالية والزرافة وأصناف الوحوش الصحراوية كاللمط وغيره وألف حمل من التمر وأحمال من ثياب الصوف الرفيعة كثيرة فجدد له عهده على المغرب سنة احدى وثمانين وأنزل أحياء بانحاء فاس في قياطينهم واستفحل أمر زيرى بالمغرب ودفع بنى يفرن عن فاس إلى نواحى سلا واختط
[ 32 ]
مدينة وجدة سنة أربع وثمانين وأنزلها عساكره وحشمه واستعمل عليها ذويه ونقل إليها ذخيرته وأعدها معتصما وكانت ثغرا للعمالتين المغرب الاقصى والاوسط (ثم فسد)
ما بينه وبين المنصور بما نمى عنه من التألف لهشام باستبداد المنصور عليه فسامه المنصور الهضيمة وأبى منها وبعث كاتبه ابن القطاع في العساكر فاستعصى عليه وأمكنه صاحب قلعة حجر النسر منها فأشخصه إلى الحضرة وأحسن إليه المنصور وسماه الناصح وكشف زيرى وجهه في عداوة ابن أبى عامر والاغراء به والتشيع للمؤيد والامتعاض له من هضيمته وحجره فسخطه عند ابن أبى عامر وقطع عنه رزق الوزارة ومحى اسمه من ديوانه ونادى بالبراءة منه وعقد لواضح مولاه على المغرب وعلى حرب زيرى بن عطية الحمات من سائر الطبقات وأزاح عللهم وأمكنه من الاموال للنفقات واحمال السلاح والكسى وأصحبه طائفة من ملوك العدوة كانوا بالحضرة منهم محمد بن الخير وزيرى بن خزر وابن عمهما بكساس بن سيد الناس ومن بنى يفرن أبو بخت بن عبد الله بن مدين ومن ازداجة خزرون بن محمد وأمره بوجوه الجند وفصل من الحضرة سنة سبع وثمانين وسار في التعبية وأجاز البحر إلى طنجة فعسكر بوادي ردات وزحف زيرى بن عطية في قومه فعسكر ازاءه وتواقفا ثلاثة أشهر واتهم واضح رجالات بنى مرزال بالادهان فأشخصهم إلى الحضرة وأغرى بهم المنصور فوبخهم وتنصلوا فصفح عنهم وبعثهم في غير ذلك الوجه ثم تناول واضح أصيلا ونكور فضبطهما واتصلت الوقائع بينه وبين زيرى وبيت واضح معسكر زيرى بنواحي أصيلا وهم غارون فأوقع بهم وخرج ابن أبى عامر من الحضرة لاستشراف أحوال واضح وامداده فسار في التعبية واحتل بالجزيرة عند فرصة المجاز ثم بعث عن ابنه المظفر من مكان استخلافه بالزاهرة وأجاز إلى العدوة واستكمل معه أكابر أهل الخدمة وجلة القواد وقفل المنصور إلى قرطبة واستراع خبر عبد الملك بالمغرب ورجع إليه عامة أصحاب زيرى من ملوك البربر وتناولهم من احسانه وبره ما لم يعهد وامثله وزحف عبد الملك إلى طنجة واجتمع مع واضح وتلوم هناك مزيحا لعلل العسكر فلما استتم تدبيره زحف في جمع لاكفاء له فلقيه زيرى بوادي منى من احواز طنجة في شوال سنة ثمان
وثمانين فدارت بينهم حروب شديدة وهم فيها أصحاب عبد الملك وثبت هو وبينما هم في حومة الحرب إذ طعن زيرى بعض المتوزين من أتباعه اهتبل الغرة في ذلك الموقف فطعنه ثلاثا في نحره أشواه بها ومر يشتد نحو المظفر وبشره فاستكذبه لثبوت رؤيته ثم سقط إليه الصحيح فشد عليهم فاستوت الهزيمة وأثخن فيهم بالقتل واستولى على ما كان في عسكرهم مما يذهب فيه الوصف ولحق زيرى بفاس جريحا في قلة فامتنع عليه
[ 33 ]
أهلها ودافعوه بحرمه فاحتملهن وفر أمام العساكر إلى الصحراء وأسلم جميع أعماله وطير عبد الملك بالفتح إلى أبيه فعظم موقعه عنده وأعلن بالشكر لله والدعاء وبث الصدقات وأعتق الموالى وكتب إلى ابنه عبد الملك بعهده على المغرب فأصلح نواحيه وسد ثغوره وبعث العمال في جهاته فأنفذ محمد بن الحسن بن عبد الودود في جند كثيف إلى تادلا واستعمل حميد بن يصل المكناسى على سجلماسة فخرج كل لوجهه واقتضوا الطاعة وحملوا إليه الخراج وأقفل المنصور ابنه عبد الملك في جمادى من سنة تسع وثمانين وعقد على المغرب لواضح فضبطه واستقام على تدبيره ثم عزله في رمضان من سنته بعبيد الله بن أخيه يحيى ثم ولى عليه من بعده اسمعيل بن البورى من بعد بالاخوص معن بن عبد العزيز التجيبى إلى أن هلك المنصور وأعاد المظفر بن المعز بن زيرى من منتبذه بالمغرب الاوسط لولاية أبيه بالمغرب فنزل فاس وكان من خبر زيرى أنه لما استقل من نكبته وهزيمة عبد الملك اياه واجتمع إليه بالصحراء فل مغراوة وبلغه اضطرا ب صنهاجة واختلافهم على باديس بن المنصور بعد مهلك أبيه وأنه خرج عليه بعد عمومته مع ماكس بن زيرى فصرف وجهه حينئذ إلى أعمال صنهاجة ينتهز فيها الفرصة واقتحم المغرب الاوسط ونازل تاهرت وحاصر بها يطوفة بن بلكين وخرج باديس من القيروان صريخا له فلما مر بطبنة امتنع عليه فلفول بن خزرون وخالفه إلى افريقية فشغل بحربه وكان أبو سعيد بن خزرون لحق بافريقية وولاه المنصور على طبنة كما نذكره فلما انتقض سار إليه باديس ودفع حماد بن بلكين في عساكر صنهاجة إلى مدافعة زيرى
ابن عطية فالتقيا بوايد ميناس قرب تاهرت فكانت الدائرة على صنهاجة واحتوى زيرى على معسكرهم واستلحم ألوفا منهم وفتح مدينة تاهرت وتلمسان وشلف وتنس وأقام الدعوة فيها كلها للمؤيد هشام ولحاجبه المنصور من بعده ثم اتبع آثار صنهاجة إلى أشير قاعدة ملكهم فأناخ عليها واستأمن إليه زاوى بن زيرى ومن معه من أكابر أهل بيته المنازعين لباديس فأعطاه منه ما سأل وكتب إلى المنصور بذلك يسترضيه ويشترط على نفسه الرهن والاستقامة ان أعيد إلى الولاية ويستأذنه في قدوم زاوى وأخيه علال فأذن لهما وقدما سنة تسعين وسأل أخوهما أبو البهار مثل ذلك وأنفذ رسله يذكر تقدميه فسوفه المنصور لما سبق من نكثه واعتل زيرى بن عطية وهو بمكانه من حصار أشير فأفرج عنها وهلك في منصرفه سنة احدى وتسعين واجتمع آل خزر وكافة مغراوة من بعده على ابنه المعز بن زيرى فبايعوه وضبط أمرهم وأقصر عن محاربة صنهاجة ثم استجدى للمنصور واعتلق بالدعوة العامرية وصلحت حاله عندهم وهلك المنصور خلال ذلك ورغب المعز من ابنه عبد الملك المظفر أن يعيده إلى عمله على مال يحمله
[ 34 ]
إليه وعلى أن يكون ولده معنصر رهينة بقرطبة فأجابه إلى ذلك وكتب له عهدا وأنفذ به وزيره أبا على بن خديم (ونسخته) بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله من الحاجب المظفر سيف الدولة دولة الامام الخليفة هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين أطال الله بقاءه عبد الملك بن المنصور بن أبى عامر إلى كافة مدنى فاس وكافة أهل المغرب سلمهم الله أما بعد أصلح الله شأنكم وسلم أنفسكم وأديانكم فالحمد لله علام الغيوب وفار الذنوب ومقلب القلوب ذى البطش الشديد المبدئ المعيد الفعال لما يريد لاراد لامره ولا معقب لحكمه بل له الملك والامر وبيده الخير والشر اياه نعبد وياه نستعين وإذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله الطيبين وجميع الانبياء والمرسلين والسلام عليكم أجمعين وان
المعز بن زيرى بن عطية أكرمه الله تابع رسله لدينا وكتبه متنصلا من هنات دفعته إليها ضرورات ومستغفرا من سيأت حطتها من توبته حسنا والتوبة محاء الذنب والاستغفار منقذ من العيب وإذا أذن الله بشئ يسره وعسى أن تكرهوا شيأ ولكم فيه خير وقد وعد من نفسه واستشعار الطاعة ولزوم الجادة واعتقاد الاستقامة وحسن المعونة وخفة المؤنة فويلناه ما قبلكم وعهدنا إليه أن يعمل بالعدل فيكم وأن يرفع أعمال الجور عنكم وأن يعمر سبلكم وأن يقبل من محسنكم ويتجاوز عن مسيئكم الا في حدود الله تبارك وتعالى وأشهدنا الله عليه بذلك وكفى بالله شهيدا وقد وجهنا الوزير أبا على بن خديم أكرمه الله وهو من ثقاتنا ووجوه رجالنا ليأخذ بشأنه ويؤكد العهد فيه عليه بذلك وأمرناه باشراككم فيه ونحن بأمركم معتنون وأحوالكم مطالعون وأن يقضى على الاعلى للادنى ولا يرتضى فيكم بشئ من الادنى فثقو بذلك واسكنوا إليه وليمض القاضى أبو عبد الله أحكامه مشدود اظهره بنا معقودا سلطانه بسلطاننا ولا تأخذه في الله لومة لائم فذلك ظننا به إذ وليناه وأملنا فيه إذ قلدناه والله المستعان وعليه التكلان لا اله الا هو ولتبلغوا منا سلاما طيبا جزيلا ورحمة الله وبركاته (ولما وصل) إلى المعز بن زيرى عهد المظفر بولايته على المغرب ما عدا كورة سجلماسة فان واضحا مولى المنصور عهد في ولايته على المغرب بها لواندين بن خزرون بن فلفول حسبما نذكره فلم تدخل في ولاية المعز هذه فلما وصله عهد المظفر ضم نشره وثاب إليه نشاطه وبث عماله في جميع كور المغرب وجبى خراجها ولم تزل ولايته متسقة وطاعة رعاياه منتظمة (ولما) افترق أمر الجماعة بالاندلس واختل رسم الخلافة وصار الامر فيها طوائف استحدث المعز في التغلب على سجلماسة وانتزاعها من أيدى بنى واندين بن بن خزرون فأجمع لذلك ونهض
[ 35 ]
إليه سنة سبع وأربعمائة وبرزوا إليه في جموعهم فهزموه ورجع إلى فاس في فل من
قومه وأقام على الاضطراب من أمره إلى أن هلك سنة سبع عشرة وولى من بعده بن عمه حمامة بن المعز بن عطية وليس كما يزعم بعض المؤرخين انه ابنه وانما هو اتفاق في الاسماء أوجب هذا الغلط فاستولى حمامة هذا على عملهم واستفحل ملكه وقصده الامراء والعلماء وأتته الوفود ومدحه الشعراء ثم نازعه الامر أبو الكمال تميم بن زيرى ابن يعلى اليفرنى سنة أربع وعشرين من بنى يدوى بن يعلى المتغلبين على نواحى سلا وزحف إلى فاس في قبائل بنى يفرن ومن انضاف إليهم من زناتة وبرز إليه حمامة في جموع مغراوة ومن إليهم فكانت بينهم حروب شديدة أجلت عن هزيمة حمامة ومات من مغراوة أمم واستولى تميم على فاس وأعمال المغرب ولما دخل فاس استباح يهود وسبى حرمهم واصطلم نعمتهم ولحق حمامة بوجدة فامتد من هنالك من قبائل مغراوة من انجاد مديونة وملوية وزحف إلى فاس فدخلها سنة تسع وعشرين وتحيز تميم إلى موضع امارته من سلا وأقام حمامة في سلطان المغرب وزحف إليه سنة ثلاثين وأربعمائة القائد بن حماد صاحب القلعة في جموع صنهاجة وخرج إليه مجمعا حربه وبث القائد عطاه في زناتة واستعبدهم على صاحبهم حمامة فأقصر عن لقائه ولما دفعه بالسلم والطاعة رجع القائد عنه ورجع هو إلى فاس وهلك سنة احدى وثلاثين فولى بعده ابنه دوناس ويكنى أبا العطاف واستولى على فاس وسائر عمل أبيه وخرج عليه لاول أمره حماد بن عمه معنصر بن المعز فكانت له معه حروب ووقائع وكثرت جموع حماد فغلب دوناس على الضواحى وأحجره بمدينة فاس وخندق دوناس على نفسه الخندق المعروف بسياج حماد وقطع حماد جرية الوادي عن عدوة القرويين إلى أن هلك محاصرا لها سنة خمس وثلاثين فاستقامت دولة دوناس وانفسحت أيامه وكثر العمران ببلده واحتفل في تشييد المصانع وأدار السور على أرباضها وبنى بها الحمامات والفنادق فاستبحر عمرانها ورحل التجار إليها بالبضائع وهلك دوناس سنة احدى وخمسين فولى بعده انبه الفتوح ونزل بعدوة الاندلس ونازعه الامر أخوه الاصغر عجيسة وامتنع
بعدوة القرويين وافترق أمرهم بافتراقهما وكانت الحرب بينهما سجالا ومجالها بين المدينتين حيث يفضى باب النقبة بعدوة القرويين لهذا العهد وشيد الفتوح باب عدوة الاندلس وهو مسمى به إلى الآن واختط عجيسة باب الجيسة وهو أيضا مسمى به وانما حذفت عينه لكثرة الاستعمال وأقاموا على ذلك إلى أن غدر الفتوح بعجيسة أخيه سنة ثلاث وخمسين وبيته فظفر به وقتله ودهم المغرب اثر ذلك ما دهمه من أمر المرابطين من لمتونة وخشى الفتوح مغبة أحوالهم فأفرج عن فاس وزحف
[ 36 ]
صاحب القلعة بلكين بن محمد بن حماد إلى المغرب سنة أربع وخمسين على عادتهم في عزوه ودخل فاس واحتمل من أكابرهم وأشرافهم رهنا على الطاعة وقفل إلى قلعته وولى على المغرب بعد الفتوح معنصر بن حماد بن معنصر وشغل بحروب لمتونة وكانت له عليهم الوقعة المشهورة سنة خمس وخمسين ولحق بضرية وملك يوسف بن تاشفين والمرابطون فاس وخلف عليها عامله وارتحل إلى غمارة فخالفه معنصر إلى فاس وملكها وقتل العامل ومن معه من لمتونة ومثل بهم بالحرق والصلب ثم زحف إلى مهدى ابن يوسف الكترنائى صاحب مدينة مكناسة وقد كان دخل في دعوة المرابطين فهزمه وقتله وبعث برأسه إلى سكوت البرغواطى صاحب عبتة وقد بلغ الخبر إلى يوسف بن تاشفين فسرح عساكر المرابطين لحصار فاس فأخذوا بمخنقها وقطعوا المرافق عنها إحتى اشتد بأهلها الحصار ومسهم الجهد وبرز معنصر لاحدى الراحتين فكانت الدائرة عليه وفقد في الملحمة ذلك اليوم سنة ستين وبايع أهل فاس من بعده لابنه تميم بن معنصر فكانت أيامه أيام حصار وفتنة وجهد وغلاء وشغل يوسف ابن تاشفين عنهم بفتح بلاد غمارة حتى إذا كان سنة ثنتين وستين وفرغ من فتح غمارة صمد إلى فاس فحاصرها أياما ثم اقتحمها عنوة وقتل بها زهاء ثلاثة آلاف من مغراوة وبنى يفرن ومكناسة وقبائل زناتة وهلك تميم في جملتهم حتى أعوزت مواراتهم فرادى
فاتخذت لهم الاخاديد وقبروا جماعات وخلص من نجا من القتل منهم إلى تلمسان وأمر يوسف بن تاشفين بهدم الاسوار التى كانت فاصلة بين العدوتين وصيرهما مصرا وأدار عليهما سورا واحدا وانقرض أمر مغراوة من فاس والبقاء لله سبحانه وتعالى
[ 37 ]
المنتصر الفتوح بن دوناس حمامة بن المعز عجيسة أولاه القديد بن حماد صاحب القلعة منصور بن مصال تميم بن معنصر بن حماد بن معنصر بن المعز بن زيرى بن عطية بن عبد الله بن خزر { الخبر عن بنى خزرون ملوك سجلماسة من الطبقة الاولى من مغراوة وأولية ملكهم ومصائره } كان خزرون بن فلفول من أمراء مغراوة واعيان بنى خزر ولما غلبهم بلكين بن زيرى على المغرب الاوسط تحيزوا إلى المغرب الاقصى وراء ملوية وكان بنو خزر يدينون بالدعوة المروانية كما ذكرناه وكان المنصور بن أبى عامر القائم بدولة المؤيد قد اقتصر لاول حجابته من أحوال العدوة على ضبط سبتة برجال الدولة ووجوه القواد وطبقات العسكر ودفع ما وراءها إلى أمراء زناتة من مغراوة وبنى يفرن ومكناسة وعول في ضبط كوره وسداد ثغوره عليهم وتعهدهم بالعطاء وأفاض فيهم الاحسان فازدلفوا إليه بوجوه التقربات وأسباب الوصائل وكان خزرون بن فلفول هذا زحف يومئذ إلى سجلماسة وبها المعتز من أعقاب آل مدرار فانتزى بها أخوه المنتصر بعد قفول جوهر من المغرب وظفر بأميرهم الشاكر لله محمد بن الفتح فوثب المنتصر من أعقابهم بعده على سجلماسة وتملكها ثم وثب به أخوه أبو محمد سنة ثنتين وخمسين وثلثمائة فقتله وقام بأمر
سجلماسة وأعاد بها ملك بنى مدرار وتلقب المعتز بالله فزحف إليه خزرون بن فلفول سنة
[ 38 ]
سبع وستين في جموع مغراوة وبرز إليه المعتز فهزمه خزرون واستولى على مدينة سجلماسة ومحا دولة آل مدرار والخوارج منها آخر الدهر وأقام الدعوة بها للمؤيد هشام فكانت أول دولة أقيمت للمروانيين بذلك الصقح ووجد للمعتز مالا وسلاحا فاحتقنها وكتب بالفتح إلى هشام وأنفذ رأس المعتز فنصب بباب سدته ونسب الاثر في ذلك الفتح لصحابة محمد بن أبى عامر وبين طائره وعقد لخزرون على سجلماسة ومن بعده ابنه وانودين ثم كان زحف زيرى بن مناد إلى المغرب الاقصى سنة تسع وستين وفرت زناتة أمامه إلى سبتة وملك أعمال المغرب وولى عليها من قبله وحاصر سبتة ثم أفرج عنها وشغل بجهاد برغواطة وبلغه أن وانودين بن خزون أغار على نواحى سجلماسة وأنه دخلها عنوة وأخذ عامله وما كان معه من الاموال والذخيرة فدخل إليها سنة ثلاث وتسعين وفصل عنها فهلك في طريقه ورجع وانودين بن خزون إلى سجلماسة وفى اثناء ذلك كان استيلاء زيرى بن عطية بن عبد الله بن خزر على المغرب وملك فاس بعهد هشام ثم انتقض على المنصور آخرا وأجاز ابنه عبد الملك في العساكر إلى العدوة سنة ثمان وثمانين فغلب عليها بنى خزر ونزل فاس وبث العمال في سائر نواحى المغرب لسد الثغور وجباية الخراج وعقد فيما عقد على سجلماسة لحميد بن يصل المكناسى النازع إليهم من أولياء الشيعة فعقد له على سجلماسة حين فر عنها بنو خزرون فملكها وأقام فيها الدعوة ولما قفل عبد الملك إلى العدوة وأعاد واضحا إلى عمله بفاس استأمن إليه كثير من بنى خزر كان منهم وانودين بن خزرون صاحب سجلماسة وابن عمه فلفول بن سعيد فامنهم ثم رجع وانودين إلى عمله بسجلماسة بعد أن تضمن وانودين وفلفول بن سعيد على مال مفروض وعدة من الخيل والدرق يحملان إليه ذلك كل سنة وأعطيا في ذلك أبناءهما رهنا فعقد لهما واضح بذلك واستقل وانودين بعد ذلك بملك سجلماسة منذ اول سنة
تسعين مقيما فيها للدعوة المروانية ورجع المعز بن زيرى إلى ولاية المغرب بعهد المظفر ابن أبى عامر سنة ست وتسعين واستثنى عليه فيها أمر سجلماسة لمكان وانودين بها ولما انتثر سلك الخلافة بقرطبة وكان أمر الجماعة والطوائف واستبد أمراء الانصار والثغور وولاة الاعمال بما في أيديهم استبد وانودين هذا بأعمال سجلماسة وتغلب على عمل درعة واستضافه إليه ونهض المعز بن زيرى صاحب فاس سنة سبع وأربعمائة مع جموع من مغراوة يحاول انتزاع هذه الاعمال من يد وانودين فبرز إليه في جموعه وهزموه وكان ذلك سببا في اضطراب أمر المعز إلى أن هلك واستفحل ملك وانودين واستولى على صيرون من أعمال فاس وعلى جميع قصور ملوية وولى عليها من أهل بيته ثم هلك وولى أمره من بعده ابنه مسعود بن وانودين ولم أقف على تاريخ ولايته ومهلك أبيه (ولما)
[ 39 ]
ظهر عبد الله بن ياسين واجتمع إليه المرابطون من لمتونة ومسوفة وسائر المتلثمين وافتتحوا أمرهم بغزو درعة سنة خمس وأربعين فاغاروا على ابل كانت هناك في حى لمسعود بن وانودين وقتل كما ذكرناه في أخبار لمتونة ثم عاودوا الغزو إلى سجلماسة فدخلوها من العام المقبل وقتلوا من كان بها من فل مغراوة ثم تتبعوا من بعد ذلك أعمال المغرب وبلاد سوس وجبال المصامدة وافتتحوا صفروى سنة خمس وخمسين وقتلوا من كان بها من أولاد وانودين وبقية مغراوة ثم افتتحوا حصون ملوية سنة ثلاث وستين وانقرض أمر بنى وانودين كان لم يكن والبقاء لله وحده وكل شئ هالك الا وجهه سبحانه وتعالى لارب سواه ولا معبود الا اياه وهو على كل شئ قدير فلفول بن سعيد قتله عبد الله بن ياسين والمرابطون ملك سجلماسة من يد المعتز بن محمد بن مدرار وعقد له عليها هشام المؤيد
مسعود بن وانودين بن خزرون بن فلفول بن خزر { الخبر عن ملوك طرابلس من بنى خزرون بن فلفول من الطبقة الاولى وأولية أمرهم وتصاريف أحوالهم } كان مغراوة وبنو خزر ملوكهم قد تحيزوا إلى المغرب الاقصى أمام لمكين ثم اتبعهم سنة تسع وستين في زحفه المشهور وأحجرهم بساحل سبتة حتى بعثوا صريخهم إلى المنصور وجاءهم إلى الجزيرة مشارفا لاحوالهم وأمدهم بجعفر بن يحيى ومن كان معه من ملوك البربر وزناتة فامتنعوا على بلكين ورجع عنهم فتقرأ أعمال المغرب وهلك في منصرفه سنة ثنتين وسبعين ورجع أحياء مغراوة وبنو يفرن إلى مكانهم منه وبعث المنصور الوزير حسن بن عبد الودود عاملا على المغرب وقدم سنة ست وسبعين واختص مقاتلا وزيرى ابني عطية بن عبد الله بن خزر بمزيد التكرمة ولحق نظراءهما من أهل بيتهما الغيرة من ذلك فنزع سعيد بن خزر بن فلفول بن خزر إلى صنهاجة سنة سبع وسبعين منحرفا عن طاعة الاموية ووافى المنصور بن بلكين ياشير منصرفه من احدى
[ 40 ]
غزواته فتلقاه بالقبول والمساهمة وبالغ في تكرمته وعقد له على عمل طبنة سنة احدى وثمانين وخرج للقائه واحتفل في تكرمته ونزله وأدركه الموت بالقيروان فهلك لسنته ووفد ابنه فلفول من مكان عمله فعقد له على عمل أبيه وخلع عليه وزف إليه بنته وسوغه ثلاثين حملا من المال وثلاثين تختا من الثياب وقرب إليه مراكب بسروج مثقلة وأعطاه عشرة من البنود مذهبة وانصرف إلى عمله وهلك المنصور بن بلكين سنة خمس وثمانين وولى ابنه باديس فعقد لفلفول على عمله بطبنة ولما انتقض زيرى بن عطية على المنصور بن أبى عامر وسرح إليه ابنه المظفر كما قلناه فغلبه على أعمال المغرب ولحق زيرى بالقفر ثم عاج على المغرب الاوسط ونازل ثغور صنهاجة وحاصر تيهرت وبها يطوفت بن بلكين وزحف إليه حماد بن بلكين من أشير في العساكر من تلكاتة ومحمد بن
أبى العرب قائد باديس بعثه في عساكر صنهاجة من القيروان مددا ليطوفت وأوغر إلى فلفول وهو باشير ان يكون معهم ولقيهم زيرى بن عطية ففض جموعهم واستولى على معسكرهم واضطربت افريقية فتنة وتنكرت صنهاجة لمن كان بجهاتها من قبائل زناتة وخرج باديس بن المنصور من رقادة في العساكر إلى المغرب ولما مر بطبنة استقدم فلفول بن سعيد بن خزون ليستظهر به على حربه فاستراب واعتذر عن الوصول وسأل تجديد العهد إلى مقدم السلطان فأسعف ثم اشتدت استرابته ومن كان معه من مغراوة فارتحلوا عن طبنة وتركوها ولما أبعد باديس رجع فلفول إلى طبنة فعاث في نواحيها ثم فعل في تيجن كذلك ثم حاصر باغاية وانتهى باديس إلى أشير وفر زيرى بن عطية إلى صحراء المغرب ورجع على باديس بعد أن ولى على تاهرت وأشير عمه يطوفت بن لمكين وانتهى إلى المسيلة فبلغه خروج عمومته ماكس وزاوى وغرم ومقنين فخاف أبو بهار زيرى ولحق بهم من معسكره وبعث باديس في أثرهم عمه حماد بن بلكين ورحل هو إلى فلفول بن سعيد بعدان كان سرح عساكره إليه وهو محاصر باغاية فهزمهم وقتل قائدهم أبا رعبل ثم بلغه وصول باديس فأفرج عنها واتبعه باديس إلى مرجانة فتزاحفوا وقد اجتمع لفلفول من قبائل زناتة والبربر أمم فلم يثبتوا للقاء وانكشفوا عنه وانهزم إلى جبل الحناش ونزل القيطون بما فيه وكتب باديس بالفتح إلى القيروان وقد كان الارجاف أخذ منهم المأخذ وفر كثير منهم إلى المهدية وشرعوا في عمل الدروب بما كانوا يتوقعون من فلفول بن سعيد حين قتل أبارعبل وهزم جيوش صنهاجة وكانت الواقعة آخر سنة تسع وثمانين وانصرف باديس إلى القيروان ثم بلغه ان أولاد زيرى اجتمعوا مع فلفول بن سعيد وعاقدوه ونزلوا جميعا فحصروا تبسة فخرج باديس من القيروان إليهم فافترقوا ولحق العمومة بزيرى بن عطية ما خلا ماكسا وابنه
[ 41 ]
حسنا فانهما أقامامع فلفول ورجع باديس في أثره سنة حدى وتسعين وانتهى إلى
بسكرة ففر فلفول إلى الرمال وكان زيرى بن عطية محاصرا لاشير أثناء هذه الفتنة فأفرج عنها ورجع عنها أبو البهار إلى باديس وقفل معه إلى القيروان وتقدم فلفول بن سعيد إلى نواحى قابس وطرابلس فاجتمع إليه من هنالك من زناتة وملك طرابلس على ما نذكره (وذلك) أن طرابلس كانت من أعمال مصر وكان العامل عليها بعد رحيل معد إلى القاهرة عبد الله بن يخلف الكتامى ولما هلك معد رغب بلكين من نزار العزيز اضافتها إلى عمله فأسعفه بها وولى عليها تمصولة بن بكار من خواص مواليه نقله إليها من ولاية بونة فلم يزل عليها إلى أن أرسل إلى الحاكم بمصر يرغب في الكون في حضرته وان يتسلم منه عمل طرابلس وكان برجوان الصقلى يستبد على الدولة وكان يغص بمكان يانس الصقلى منها فأبعده عن الحضرة لولاية برقة ثم لما تتابعت رغبة تمصولة صاحب طرابلس أشار برجوان ببعث يانس إليها فعقدله الحاكم عليها وأمره بالنهوض إلى عملها فوصلها سنة تسعين ولحق تمصولة بمصر وبلغ الخبر إلى باديس فسرح القائد جعفر بن حبيب في العساكر ليصده عنها وزحف إليه يانس فكانت عليه الهزيمة وقتل ولحق فتوح بن على من قواده بطرابلس فامتنع بها ونازله جعفر بن حبيب وأقام عليها مدة وبينما هو محاصر له إذ وصله كتاب يوسف بن عامر عامل قابس يذكر ان فلفول بن سعيد نزل على قابس وانه قاصد إلى طرابلس فرحل جعفر عن البلد إلى ناحية الجبل وجاء فلفول بن سعيد فنزل بمكانه وضاقت الحال بجعفر وأصحابه فارتحلوا مصممين على المناجزة وقاصدين قابس فتخلى فلفول عن طريقهم وانصرفوا إلى قابس وقدم فلفول مدينة طرابلس فتلقاه أهلها ونزل له فتوح بن على عن امارتها فملكها وأوطنها من يومئذ وذلك سنة احدى وتسعين وبعث بطاعته إلى الحاكم فسرح الحاكم يحيى بن على بن حمدون وعقد له على أعمال طرابلس وقابس فوصل إلى طرابلس وارتحل معه فلفول وفتوح بن على بن غفيانان في عساكر زناتة إلى حصار قابس فحاصروها مدة ورجعوا إلى طرابلس ثم رجع يحيى بن على إلى مصر
واستبد فلفول بعمل طرابلس وطالت الفتنة بينه وبين باديس ويئس من صريخ مصر فبعث بطاعته إلى المهدى محمد بن عبد الجبار بقرطبة وأوفد إليه رسله في الصريخ والمدد وهلك فلفول قبل رجوعهم إليه سنة أربعمائة واجتمعت زناتة إلى أخيه وروا بن سعيد وزحف باديس إلى طرابلس وأجفل وروا ومن معه من زناتة عنها ولحق باديس من كان بها من الجند فلقوه في طريقه وتمادى إلى طرابلس فدخلها ونزل قصر فلفول وبعث إليه وروا بن سعيد يسأل الامان له ولقومه فبعث إليه
[ 42 ]
محمد بن حسن من صنائعه فاستقدم وفدهم بامانه فوصلهم وروا على نفزاوة والنعيم بن كنون على قسطينة وشرط عليهم أن يرحلوا بقومهم على أعمال طرابلس فرجعوا إلى أصحابهم وأرتحل باديس إلى القيروان وولى على طرابلس محمد بن الحسن ونزل وروا بنفزاوة والنعيم قسطينة (ثم انتقض) وروا سنة احدى وأربعمائة ولحق بجبال ايدمر فتعاقدوا على الخلاف واستضاف النعيم بن كنون نفزاوة إلى عمله ورجع خزرون بن سعيد عن أخيه وروا إلى السلطان باديس وقدم عليه بالقيروان سنة ثنتين وأربعمائة فتقبله ووصله وولاه عمل أخيه نفزاوة وولى بنى محلية من قومه على قفصه وصارت مدن لزناتة وزحف وروا بن سعيد فيمن معه من زناتة إلى طرابلس وبرز إليه عاملها محمد بن حسن فتواقعوا ودارت بينهم حروب شديدة انهزم فيها وروا وهلك الكثير من قومه ثم راجع حصارها وضيق على أهلها فبعث باديس إلى خزرون وأخيه وا النعيم بن كنون وأمراء الجريد من زناتة بأن يخرجوا لحرب صاحبهم فخرجوا إليه وتواقعوا بعبرة ما بين قابس وطرابلس ثم اتفقوا ولحق أصحاب خزرون بأخيه وروا ورجع خزرون إلى عمله واتهمه السلطان بالمداهنة في شأن أخيه وروا فاستقدمه من نفزاوة فاستراب وأظهر الخلاف وسرح السلطان إليه فتوح بن أحمد في العساكر فأجفل عن عمله واتبعه النعيم وسائر زناتة ولحقوا جميعا بوروا بن سعيد سنة أربع وتظاهروا على الخلاف ونصبوا
الحرب على مدينة طرابلس واشتد فساد زناتة فقتل السلطان من كان عنده من رهن زناتة واتفق وصول مقاتل بن سعيد نازعا عن أخيه وروا في طائفة من أبنائه وأخواله فقتلوا معهم جميعا وشغل السلطان بحرب عمه حماد ولما غلبه بشلب سنته وانصرف إلى القيروان بعث إليه وروا بطاعته ثم كان مهلك وروا سنة خمس وأربعمائة وانقسم قومه على ابنه خليفة وأخيه خزرون بن سعيد واختلفت كلمتهم ودس حسن بن محمد عامل طرابلس في التصريف بينهم ثم صار أكثر زناتة إلى خليفة وناجز عمه خزرون الحرب فغلبه على القيطون وضبط زناتة وقام فيهم بأمر أبيه وبعث بطاعته إلى السلطان باديس بمكانه من حصار القلعة فتقبلها ثم هلك باديس وولى ابنه المعز سنة ست وانتقض خليفة بن وروا عليه وكان أخوه حماد بن وروا يضرب على أعمال طرابلس وقابس ويواصل عليها الغارة والنهب إلى سنة ثلاث عشرة فانتقض عبد الله بن حسن صاحب طرابلس على السلطان وأمكنه من طرابلس وكان سبب ذلك ان المعز بن باديس لاول ولايته استقدم محمد بن حسن من عمله واستخلف عليه أخاه عبد الله بن حسن وقدم على المعز وفوض إليه أمر مملكته وأقام على ذلك سبعا وتمكنت
[ 43 ]
حاله عند السلطان وكثرت السعاية به فنكب وقتله وبلغ الخبر إلى أخيه فانتقض كما قلناه وامكن خليفة بن وروا وقومه من مدينة طرابلس فقتلوا الصنهاجيين واستولوا عليها ونزل خليفة بقصر عبد الله وأخرجه عنه واستصفى أمواله وحرمه واتصل ملك خليفة ابن وروا وقومه بنى خزرون بطرابلس وخاطب الخليفة بالقاهرة الظاهر بن الحكم سنة سبع عشرة بالطاعة وضمان السابلة وتشييع الرفاق ويحفظ عهده على طرابلس فأجابه إلى ذلك وانتظم في عمله وأوفد في هذه السنة أخاه حمادا على المعز بهديته فتقبلها وكافأه عليها (هذا آخر ما حدث به) ابن الرقيق من أخبارهم ونقل ابن حماد وغيره أن المعز زحف أعوام ثلاثين وأربعمائة إلى زناتة بجهات طرابلس فبرزوا إليه وهزموه وقتلوا عبد الله
ابن حماد وسبوا أخته أم العلو بنت باديس ومنوا عليها بعد حين وأطلقوها إلى أخيها ثم زحف إليهم ثانية فهزموه ثم أتيحت له الكرة عليهم فغلبهم وأذعنوا لسطانه واتقوه بالمهادنة فاستقام أمرهم على ذلك وكان خزرون بن سعيد لما غلبه خليفة بن وروا على امارة زناتة لحق بمصر فأقام فيها بدار الخلافة ونشأ بنوه بها وكان منهم المنتصر بن خزرون وأخوه سعيد ولما وقعت الفتنة بين الترك والمغاربة بمصر وغلبهم الترك وأجلوهم عنها لحق المنتصر وسعيد بطرابلس وأقاما في نواحيها ثم ولى سعيد أمر طرابلس ولم يزل واليا عليها إلى أن هلك سنة تسع وعشرين (وقال أو محمد) التيجاني في رحلته عند ذكر طرابلس ولما قتلت زغبة سعيد بن خزرون سنة تسع وعشرين قدم خليفة بن خزرون من القيطون إلى ولايتها فأمكنه منها رئيس الشورى وبها يومئذ من الفقهاء أبو الحسن بن المنتصر المشتهر بعلم الفرائض وبايع له وقام بها خزرون إلى سنة ثلاثين بعدها فقام المنتصر بن خزرون في ربيع الاول منها ومعه عساكر زناتة ففر خزرون بن خليفة من طرابلس مختفيا وملكها المنتصر بن خزرون وأوقع بابن المنتصر ونفاه واتصلت بها امارته انتهى ما نقله التيجاني (وهذا الخبر) مشكل من جهة أن زغبة من العرب الهلاليين وانما جاؤا إلى افريقية من مصر بعد الاربعين من تلك المائة فلا يكون وجودهم بطرابلس سنة تسع وعشرين الا ان كان تقدم بعض أحيائهم إلى افريقية من قبل ذلك فقد كان بنو مرة ببرقة بعثهم الحاكم مع يحيى بن على بن حمدون الا أن ذلك لم ينقله أحد ولم تزل طرابلس بأيدى بنى خزرون الزناتيين ولما وصل العرب الهلاليون وغلبوا المعز بن باديس على أعمال افريقية واقتسموها كانت قابس وطرابلس في قسمة زغبة والبلد لبنى خزرون ثم استولى بنو سليم على الضاحية وغلبوا عليها زغبة ورحلوهم عن تلك المواطن ولم تزل البلد لبنى خزرون وزحف المنتصر بن خزرون مع بنى عدى من قبائل هلال مجلبا على بنى حماد حتى نزل المسيلة ونزل أشير ثم
[ 44 ]
خرج إليهم الناصر ففر أمامه إلى الصحراء ورجع إلى القلعة فرجعوا إلى الاحلاف على اعماله فراسله الناصر على الصلح وأقطعه ضواحي الزاب وريغة وأوعز إلى عروس ابن سندى رئيس بسكرة لعهده أن يمكر به فلما وصل المنتصر إلى بسكرة أنزله عروس ثم قتله غيلة أعوام ستين وأربعمائة وولى طرابلس آخر من بنى خزرون لم يحضرني اسمه واختل ملك صنهاجة واتصل فيهم ملك تلك الاعمال إلى سنة أربعين وخمسمائة ثم نزل بطرابلس ونواحيها في هذا العام مجاعة وأصابهم منها شدة هلك فيها الناس وفروا عنها وظهر اختلال أحوالها وفناء حاميتها فوجه إليها لحار طاغية صقلية اسطولا لحصارها بعد استيلائه على المهدية وصفاقس واستقرار ولايته فيهما ووقع بين أهل طرابلس الخلاف فغلب عليهم جرحى بن ميخايل قائد الاسطول وملكها وأخرج منها بنى خزرون وولى على البلد شيخهم أبا يحيى بن مطروح التميمي فانقرض أمر بنى خزرون منها وبقى منهم من بقى بالضاحية إلى ان افتتح الموحدون افريقية آخر الدولة الصنهاجية والملك لله وحده يؤتيه من يشاء من عباده سبحانه لا اله غيره سعيد بن خزرون المنتصر فلفول زروال خزرون بن خليفة بن وروا بن سعيد بن خزرون بن فلفول بن خزر { الخبر عن بنى يعلى ملوك تلمسان من آل خزر من أهل الطبقة الاولى والالمام ببعض دولهم ومصائرها } قد ذكرنا في أخبار محمد بن خزر وبنيه محمد أن محمد بن الخير الذى قتل نفسه في معركة بلكين كان من ولده الخير ويعلى وأنهما اللذان ثأرا منه بأبيهما زيرى فقتلوه واتبعهم بلكين من بعد ذلك وأجلاهم إلى المغرب الاقصى حتى قتل منهم محمد صبرا أعوام ستين
[ 45 ]
وثلثمائة بنواحي سجلماسة قبل وصول معد إلى القاهرة وولاية بلكين على افريقية وقام بأمر زناتة بعد الخير محمد وعمه يعلى بن محمد وتكررت اجازة محمد بن الخير هذا وعمه يعلى إلى المنصور بن أبى عامر كما ذكرنا ذلك من قبل وغلبهم ابنا عطية بن عبد الله بن خزر وهما مقاتل وزيرى على رياسة مغراوة وهلك مقاتل واختص المنصور زيرى بن عطية باثرته وولاه على المغرب كما ذكرناه وقارن ذلك مهلك بلكين وانتقاض أبى البهار ابن زيرى صاحب المغرب الاوسط على باديس فكان من شأنه مع زيرى ويدوى بن يعلى ما قدمناه ثم استقل زيرى وغلبهم جميعا على المغرب ثم انتقض على المنصور فأجاز إليه ابنه المظفر وأخرج زناتة من المغرب الاوسط فتوغل زيرى في المغرب الاوسط ونازل أمصاره وانتهى إلى المسيلة واشير وكان سعيد بن خزرون قد نزع إلى زناتة وملكوا طبنة واجتمع زناتة بافريقية عليه وعلى ابنه فلفول من بعده وانتقض فلفول على باديس عند زحف زيرى إلى المسيلة واثير وشغل باديس ثم ابنه المنصور على المغرب الاوسط بحروب فلفول وقومه ودفعوا إليه حماد بن بلكين فكانت بينه وبين زناتة حروب سجال وهلك زيرى بن عطية واستقل المعز وابنه بملك المغرب سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة وغلب صنهاجة على تلمسان وما إليها واختط مدينة وجدة كما ذكرنا ذلك كله من قبل ونزل يعلى بن محمد مدينة تلمسان فكانت خالصة له وبقى ملكها وسائر ضواحيها في عقبه ثم هلك حماد بعد استبداده ببلاد صنهاجة على آل بلكين وشغل بنوه بحرب بنى باديس فاستوسق ملك بنى يعلى خلال ذلك بتلمسان واختلفت أيامهم مع آل حماد سلما وحربا ولما دخل العرب الهلاليون افريقية وغلبوا المعز وقومه عليها واقتسموا سائر أعمالها ثم تخطوا إلى اعمال بنى حماد فأحجروهم بالقلعة وغلبوهم على الضواحى فرجعو إلى استئلافهم واستخلصوا الاثبج منهم وزغبة فاستظهروا بهم على زناتة المغرب الاوسط وأنزلوهم بالزاب وأقطعوهم الكثير من أعماله فكانت بينهم
وبين بنى يعلى أمراء تلمسان حروب ووقائع وكان زغب أقرب إليهم بالمواطن وكان أمير تلمسان لعهدهم يحيى من ولد يعلى وكان وزيره وقائد حروبه أبا سعيد بن خليفة بن اليفرنى فكان كثيرا ما يخرج بالعساكر من تلمسان لقتال عرب الاثبج وزغبة ويحتشد من إليها من زناتة من أهل المغرب الاوسط مثل مغراوة وبنى يفرن وبنى يلومو وبنى عبد الواد وتوجين وبنى مرين وهلك في بعض تلك الملاحم هذا الوزير أبو سعيد أعوام خمسين وأربعمائة (ثم ملك) المرابطون أعمال المغرب الاقصى بعد مهلك يحيى وولاية ابنه العباس بن يحيى بتلمسان وسرح يوسف بن تاشفين قائده قردلى بن في عساكر لمتونة لحرب من بقى بتلمسان من مغراوة ومن لحق بهم
[ 46 ]
من فل بنى زيرى وقومهم فدوخ المغرب الاوسط وظفر بمعلى بن العباس بن بختى برز لمدافعتهم فهزمه وقتله وانكف راجعا إلى المغرب ثم نهض يوسف بن تافشين بنفسه في جموع المرابطين سنة ثلاث وسبعين فافتتح تلمسان واستلحم بنى يعلى ومن كان بها من مغراوة وقتل العباس بن بختى أميرها من بنى يعلى ثم افتتح وهران وتنس وملك جبل وانشريس وشلب إلى الجزائر وانكف راجعا وقد محى أثر مغراوة من المغرب الاوسط وأنزل محمد بن تينعمر المسوفى في عسكر من المرابطين بتلمسان واختط مدينة تاكرارت بمكان معكسره وهو اسم المحلة بلسان البربر وهى التى صارت اليوم مع تلمسان القديمة التى تسمى أكادير بلدا واحدا وانقرض أمر مغراوة من جميع المغرب كان لم يكن والبقاء والله وحده سبحانه معلى بن العباس بن بختى بن بن يعلى بن محمد بن الخير بن محمد بن خزر * (الخبر عن أمراء اغمات من مغراوة) * لم أقف على أسماء هؤلاء الا انهم أمراء بأغمات آخر دولة بنى زيرى بفاس وبنى يعلى اليفرنى بسلا وتادلا في جوار المصامدة وبر غواطة وكان لقوط بن يوسف بن على آخرهم
في سنى الخمسين وأربعمائة وكانت امرأته زينب بنت اسحق النفزاوية من احدى نساء العالم المشهورات بالجمال والرياسة ولما غلب المرابطون على اغمات سنة تسع وأربعين فر لقوط هذا إلى تادلا سنة احدى وخمسين وقتل الامير محمد واستلحم بنى يفرن فكان فيمن استلحم وخلفه أبو بكر بن عمر أمير المرابطين على زينب بنت اسحق حتى إذا ارتحل إلى الصحراء سنة ثلاث وخمسين واستعمل ابن عمه يوسف بن تاشفين على المغرب نزل له عن زوجه زينب هذه فكان لها رياسة أمره وسلطانه وما أشارت إليه عند مرجع أبى بكر من الصحراء في اظهار الاستبداد حتى تجافى عن منازعته وخلص ليوسف بن تاشفين ملكه كما ذكرناه في أخبارهم ولم نقف من لقوط بن يوسف وقومه على غير هذا الذى كتبناه والله ولى العون سبحانه { الخبر عن بنى سنجاس وريغة والاغواط وبنى ورا من قبائل مغراوة من أهل الطبقة الاولى وتصاريف أحوالهم } هذه البطون الاربعة من بطون مغراوة وقد زعم بعض الناس أنهم من بطون زناتة غير مغراوة أخبرني بذلك الثقة عن ابراهيم بن عبد الله التمروغتى قال وهو نسابة زناتة لعهده ولم تزل هذه البطون الاربعة من أوسع بطون مغراوة (فأما) بنو سنجاس فلهم مواطن في كل عمل من افريقية والمغربين فمنهم قبلة المغرب الاوسط بجبل راشد وجبل كريكرة وبعمل الزاب وببلاد شلب ومن بطونهم بنو عيار ببلاد شلب أيضا وبنو عيار
[ 47 ]
بأعمال قسنطينة وكان بنو سنجاس هؤلاء من أوسع القبائل وأكثرهم عددا وكان لهم في فتنة زناتة وصنهاجة آثار بافريقية والمغرب وأكثرها في افساد السبيل والعيث في المدن ونازلوا قفصة سنة أربع عشرة وخمسمائة بعد ان عاثوا بجهات القصر وقتلوا من وجدوا هنالك من عسكر تلكاتة وخرجت إليهم حامية قفصة فأثخنوا فيهم ثم كثر فسادهم وسرح السلطان قائده محمد بن أبى العرب في العساكر إلى بلاد الجريد فشردهم عنها وأصلح السابلة ثم عادوا إلى مثلها سنة خمس عشرة فأوقع بهم قائد بلاد
الجريد وأثخن فيهم بالقتل وحمل رؤسهم إلى القيروان فعظم الفتح ولم تزل الدولة فيهم بالقتل والاثخان إلى أن كسروا من شوكتهم وجاء العرب الهلاليون وغلبوا على الضواحى كل من كان بها من صنهاجة وزناتة وتحيز فلهم إلى الحصون والمعاقل وضربت عليهم المغارم الا ما كان ببلاد المغرب القفر مثل جبل راشد فانهم لبعدهم عن منازل الملك لا يعطون مغرما الا أنه غلب عليهم العمور من بطون الهلاليين ونزلوا معهم وملكوا عليهم أمرهم وصاروا لهم فيه ومن بنى سنجاس من نزل الزاب وهم لهذا العهد أهل مغارم لمن غلب على ثغورهم من مشايخهم وأما من نزل منهم ببلاد شلب ونواحى قسنطينة فهم لهذا العهد أهل مغارم للدول وكان دينهم جميعا الخارجية على سنن زناتة في الطبقة الاولى ومن بقى منهم اليوم بالزاب فعلى ذلك ومن بنى سنجاس هؤلاء بأرض المشيل من جبل بنى راشد وطنوا جبلا في جواره غمرة وصاروا عند تغلب الهلاليين في ملكهم يقبضون الاتاوة منهم ونزل منهم لهذا العهد الصحارى من بطون عروة من زغبة وغلبوهم على أمرهم وأصاروهم خولا (وأما بنو ريغة) فكانوا أحياء متعددة ولما افترق أمر زناتة تحيز منهم إلى جبل عياض وما إليه من البسيط إلى تعاوس وأقاموا في قياطينهم فمن كان بجبل عياض منهم أهل مغارم لامراء عباض يقبضونها للدولة الغالبة ببجاية وأما من كان ببسيط تعاوس فهم في اقطاع العرب لهذا العهد ونزل أيضا الكثير منهم ما بين قصور الزاب وواركلا فاختطوا قصورا كثيرة في عدوتى واد ينحدر من المغرب إلى المشرق يشتمل على المصر الكبير والقرية المتوسطة والاطم قد رف عليها الشجر ونضدت حفا فيها النخيل وانساحت خلالها المياه وزهت ينابعها الصحراء وكثر في قصورها العمران من ريغه هؤلاء وبهم تعرف لهذا العهد وهم أكثرها ومن بنى سنجاس وبنى يفرن وغيرهم من قبائل زناتة وتفرقت جماعتهم للتنازع في الرياسة فاستقلت كل طائفة منهم بقصور منها أو بواحد ولقد كانت فيما يقال أكثر من هذا العدد أضعافا وان ابن غانية الستوفى حين كان يجلب على بلاد افريقية والمغرب
في فتنته مع الموحدين خرب عمرانها واجتث شجرها وغور مياهها ويشهد لذلك آثار
[ 48 ]
العمران بها في اطلال الديار ورسوم البناء واعجاز النخل المنقعر وكان هذا العمل يرجع في أول الدولة الحفصية لعامل الزاب وكان من الموحدين ونزل بسكرة ما بينها وبين مغرة وكان من اعماله قصور واركلا أيضا ولما فتك المنتصر بمشيخة الزواودة كما قلناه في أخباره وقتلوا بعد ذلك عامل الزاب بن عتوا من مشيخة الموحدين وغلبوا على ضواحي الزاب وواركلا وأقطعتهم اياها الدول بعد ذلك فصارت في اقطاعهم ثم عقد صاحب بجاية بعد ذلك على العمل كله لمنصور بن مزنى واستقر في عقبه فربما يسيمون بعض الاحيان أهل تلك القصور المغرم للسلطان بما كان من الامر القديم ويعسكر عليهم في ذلك كتائب رجل الزاب وخيالة العرب ويبرز عليها بأمر الزواودة ثم يقاسمهم فيما يمتريه منهم وأكبر هذه الامصار يسمى تقرت مصر مستبحر العمران بدوى الاحوال كثير المياه والنخل ورياسته في بنى يوسف بن عبد الله وتغلب على واركلا من يد أبى بكر بن موسى لزمان حداثته وأضافها إلى عمله ثم هلك وصار أمر تقرت لاخيه مسعود ابن عبيد الله ثم لابنه حسن بن مسعود ثم لابنه أحمد بن حسن شيخها لهذا العهد وبنو يوسف بن عبد الله هؤلاء من ريغة ويقال انهم من سنجاس وفى أهل تلك الامصار من المذاهب الخوارج وفرقهم كثير وأكثرهم على دين العزابية ومنهم النكارية أقاموا على انتحال هذه الخارجية لبعدهم عن منال الاحكام ثم بعد مدينة تقرت بلد تماسين وهى دونها في العمران والخطة ورياسته لبنى ابراهيم بن من ريغة وسائر أمصارهم كذلك كل مصر منها مستبد بأمره وحرب نجاره (وأما لقواط) وهم فخذ من مغراوة أيضا فهم في نواحى الصحراء ما بين الزاب وجبل راشد ولهم هنالك قصر مشهور بهم فيه فريق من أعقابهم على سغب من العيش لتوغلهم في القفر وهم مشهورون بالنجدة والامتناع من العرب وبينهم وبين الروس أقصى عمل الزاب
مرحلتان وتختلف قصودهم إليهم لتحصيل المرافق منهم والله يخلق ما يشاء ويختار (وأما بنو ورا) فهم فخذ من مغراوة أيضا ويقال من زناتة وهم متشعبون ومفترقون بنواحي المغرب منهم بناحية مراكش والسوس ومنهم ببلاد شلب ومنهم بناحية قسنطينة ولم يزالوا على حالهم منذ انقراض زناتة الاولين وهم لهذا العهد أهل مغارم وعسكرة مع الدول وأكثر الذين كانوا بمراكش قد انتقل رؤساؤهم إلى ناحية شلب نقلهم يوسف بن يعقوب سلطان بنى مرين في أول هذه المائة الثامنة لما ارتاب بأمرهم في تلك الناحية وخشى من افسادهم وعيثهم فنقلهم في عسكر إلى موطن شلب لحمايته فنزلوا به ولما ارتحل بنو مرين من بعد مهلك يوسف بن يعقوب أقاموا ببلاد شلب فأعقابهم بها لهذا العهد وأحوالهم جميعا في كل قطر متقاربة في المغرم والعسكرة
[ 49 ]
مع السلطان ولله الخلق والامر جميعا سبحانه لا اله الا هو الملك العظيم * (الخبر عن بنى يرنيان اخوة مغراوة وتصاريف أحوالهم) * وهم منبثون كثيرا بين زناتة في المواطن وأما الجمهور منهم فموطنهم بملوية من المغرب الاقصى ما بين سجلماسة وكرسيف كانوا هناك مجاورين لمكناسة في مواطنهم واختطوا حفافى وادى ملوية قصورا كثيرة متقاربة الخطة ونزلوها وتعددت بطونهم وأفخاذهم في تلك الجهات ومنهم بنو وطاط متوطنون لهذا العهد بالجبال المطلة على وادى ملوية من جهة القبلة ما بينه وبين تازى وفاس وبهم تعرف تلك القصور لهذا العهد وكان لبنى يرنيان هؤلاء صولة واعتزاز وأجاز الحكم المستنصر منهم والمنصور بن أبى عامر من بعده فيمن أجازوه من زناتة في المائة الرابعة وكانوا من أفحل جند الاندلس وأشدهم شوكة وبقى أهل المواطن منهم في مواطنهم مع مكناسة أيام ملكهم بالمغرب الاقصى ولما ملك لمتونة والموحدون من بعدهم لحق الطواعن منهم بالقفر فاختطوا بأحياء بنى مزين الموالين لتلول المغرب من زناتة أقاموا معهم في أحيائهم وبقى
من عجز عن الظعن منهم بمواطنهم مثل بنى وطاط وغيرهم ففرضت عليهم المغارم والجبايات ولما دخل بنو مزين للمغرب ساهموهم في اقتسام أعماله وأقطعوهم البلد الطيب من ضواحي سلا والمعمورة زيادة إلى وطنهم الاول بملوية وأنزلوهم بنواحي سلا بعد أن كان منهم انحراف عنهم في سبيل المدافعة عن أوطانهم الاولى ثم اصطلحوا ورعى لهم بنو عبد الحق سابقتهم معهم فاصطفوهم للوزارة والتقدم في الحرب ودفعوهم إلى المهمات وخلطوهم بانفسهم وكان من أكابر رجالاتهم لعهد السلطان أبى يعقوب وأخيه أبى سعيد الوزير ابراهيم بن عيسى استخلصوه للوزارة مرة بعد أخرى واستعمله السلطان أبو سعيد على وزارة ابنه أبى على ثم لوزارته واستعمل ابنه السلطان أبو الحسن ابناء ابراهيم هذا في أكابر الخدمة فعقد لمسعود بن ابراهيم على أعمال السوس عندما فتحها أعوام الثلاثين والسبعمائة ثم عزله بأخيه حسون وعقد لحسون على بلاد الجريد من افريقية عند فتحه اياها سنة ثمان وأربعين وكان فيها مهلكه ونظم أخاهما موسى في طبقة الوزارة ثم أفرده بها أيام نكبته والحاقه بجبل هنتاتة واستعمله السلطان أبو عنان بعد في العظيمات وعقد له على أعمال مدو يكش بنواحي قسنطينة ورشح ابنه محمد السبيع لوزارته إلى ان هلك وتقلبت بهم الايام بعده وقلد عبيد الحميد المعروف بحلى بن السلطان أبى على وزارته محمد بن السبيع بعد هذا أيام حصاره لدار ملكهم سنة ثنتين وستين كما نذكره في أخبارهم فلم يقدر لهم الظفر ثم راجع السبيع بعدها إلى محله من دار السلطان وطبقة الوزارة ومازال يتصرف في الخدم الجليلة والاعمال
[ 50 ]
الواسعة ما بين سجلماسة ومراكش وأعمال تازى وتادة وغمارة وهو على ذلك لهذا العهد والله وارث الارض ومن عليها سبحانه لا اله غيره * (الخبر عن وجديجن واوغمرت من قبائل زناتة ومبادي أحوالهم وتصاريفهم) * قد تقدم أن هذين البطنين من بطون زناتة من ولد ورتنيص بن جانا وكان لهم عدد وقوة
ومواطنهم مفترقة في بلاد زناتة فأما وجديجن فكان جمهورهم بالمغرب الاوسط ومواطنهم منه منداس مابين بنى يفرن من جانب المغرب ولواتة من جانب القبلة في السرسو ومطماطة في جانب الشرق في وانشريس وكان أميرهم لعهد يحيى بن محمد اليفرنى رجل منهم اسمه عنان وكان بينهم وبين لواتة الموطنين بالسرسو فتنة متصلة يذكر أنها بسبب امرأة من وجديجن نكحت في لواتة وتلاحا معها نساء قيطونهم فعيرنها بالفقر فكتبت بذلك لى عنان تدمره فغضب واستجاش أهل عصبته من زناتة وجيرانه فزحف معه يعلى في بنى يفرن وكلمام بن حياتي في مغيلة وغرابة في مطماطة ودارت الحرب بينهم وبين لواتة مليا ثم غلبوا لواتة على بلاد السرسو وانتهوا بهم إلى كدية لعابد من آخرها وهلك عنان شيخ وجد يجن في بعض تلك الوقائع بملاكوا من جهات السرسو ثم لجأت زناتة إلى جبل كريرة قبلة السرسو وكان يسكنه أحياء من مغراوة يعرف شيخهم لذلك العهد علاهم ربيب شيخهم عمر بن تامصا الهالك قبله ومعنى تامصا بلسان البربر الغول ولما لجأت لواتة إليه غدر بهم وأغرى قومه فوضعوا أيديهم فيهم قتلا وسلبا فلاذوا بالفرار ولحقوا بجبل معود وجبل دراك فاستقروا هناك آخر الدهر وورثت وجديجن مواطنهم بمنداس إلى ان غلبهم عليها بنو يلومين وبنو ومانو كل من جهته ثم غلب الآخرين عليها بنو عبد الواد وبنو توجين إلى هذا العهد والله وارث الارض ومن عليها (وأما أو غمرت) ويمسى لهذا العهد غمرت وهم اخوة وجديجن من ولد ورتنيص بن جانا كما قلناه فكانوا من أوفر القبائل عددا ومواطنهم متفرقة وجمهورهم بالجبال إلى قبلة بلاد صنهاجة من المستنتل إلى الدونس وكان لهم مع أبى يزيد صاحب الحمار في الشيعة آثار وأوقع بهم اسمعيل القائم عند ظهوره على أبى يزيد وأثخن فيهم وكذلك بلكين وصنهاجة من بعده ولما افترق أمر صنهاجة لحماد وبنيه كانوا شيعا لهم على بلكين ونزع عن حماد أيام متنته ابن أبى حلى من مشيختهم وكان مختصا بهم إلى باديس فوصله وحمل أصحابه وعقد له على طبنة وأعمالها حتى إذا جاء العرب
الهلاليون وغلبوهم على الضواحى اعتصموا بتلك الجبال قبلة المسيلة وبلاد صنهاجة وقعدوا بها عن الظعن وتركوا القيطون إلى سكنى المدن ولما تغلب الزواودة على ضواحي الزاب وما إليها أقطعتهم الدولة مغارم هذه الجبال التى تعمرت وهم لهذا العهد
[ 51 ]
في سهمان أولاد يحيى بن على بن سباع من بطونهم وكان في القديم من غمرت هؤلاء كاهن زناتة موسى بن صالح مشهور عندهم حتى الان ويتناقلون بينهم كلماته برطانتهم على طريق الرجز فيها أخبار بالحدثان فيما يكون لهذا الجيل الزناتى من الملك والدولة والتغلب على الاحياء والقبائل والبلدان شهد كثير من الواقعات على وفقها بصحتها حتى لقد نقلوا من بعض كلماته ما معناه باللسان العربي ان تلمسان مآلها الخراب وتصير دورها فدنا حتى يثير أرضها حراث أسود يثور أسود أعور وذكر الثقات انهم عاينوا ذلك بعد انتشار كلماته هذه أيام لحقها الخراب في دولة بنى مزين الثانية سنة ستين وسبعمائة وأفرط الخلاف بين هذا الجيل الزناتى في التشيع له والحمل عليه فمنهم من يزعم انه نبى أو ولى وآخرون يقولون كاهن شيطان ولم توقفنا الاخبار الصحيحة على الجلى من أمره والله سبحانه وتعالى أعلم لارب غيره { الخبر عن بنى واركلا من بطون زناتة والمصر المنسوب إليهم بصحراء افريقية وتصاريف أحوالهم } بنو واركلا هؤلاء احدى بطون زناتة كما تقدم من ولد فرنى بن جانا وقد مر ذكرهم وان اخوتهم الديرت ومرنجيصه وسبرترة ونمالة والمعروفون لهذا العهد منهم بنوا واركلا وكانت فئتهم قليلة وكانت مواطنهم قبلة الزاب واختطوا المصر المعروف بهم لهذا العهد على ثمان مراحل من بسكرة في القبلة عنها ميامنة إلى المغرب بنوها قصورا متقابلة متقاربة الخطة ثم استبحر عمرانها فأتلفت وصارت مصرا واحدا وكان معهم هناك جماعة من بنى زنداك من مغراوة واليهم كان هرب أبى زيد النكارى عند فراره من
الاعتقال سنة خمس وعشرين وثلثمائة وكان مقامه بينهم سنة يختلف إلى بنى برزال قبلة المسيلة بسالات والى قبائل البربر بجبل أوراس يدعوهم جميعا إلى مذهب النكارية إلى أن أرتحل إلى أوراس واستبحر عمران هذا المصر واعتصم به بنو واركلا هؤلاء والكثير من ظواعن زناتة عند غلب الهلاليين اياهم على الضواحى واختصاص الاثبج بضواحي القلعة والزاب وما إليها ولما استبد الامير أبو زكريا بابن أبى حفص بملك افريقية وجال في نواحيها في اتباع بن غانية مر بهذا المصر فأعجبه وكلف بالزيادة في تمصيره فاختط مسجده العتيق وماذنته المرتفعة وكتب عليها اسمه وتاريخ وضعه نقشا في الحجر وهذا البلد لهذا العهد باب لولوج السفر من الزاب إلى المفازة الصحراوية المفضية إلى بلاد السودان يسكنها التجار الداخلون لها بالبضائع وسكانه لهذا العهد من بنى واركلا واعقاب اخوانهم من بنى يفرن ومغراوة ويعرف رئيسه باسم السلطان شهرة غير نكيرة بينهم ورياسته لهذه الاعصار مخصوصة ببنى أبى عبدل ويزعمون انهم
[ 52 ]
من بنى واكين احدى بيوت بنى واركلا ولهذا العهد أبو بكر بن موسى بن سليمان من بنى أبى عبدل ورياستهم متصلة في عمود هذا النسب وعلى عشرين مرحلة من هذا في القبلة منحرفا إلى المغرب بيسير بلد تكرت قاعدة وطن الملثمين وركاب الحجاج من السودان اختطه الملثمون من صنهاجة وهم سكانه لهذا العهد وصاحبه أمير من بيوتاتهم يعرفونه باسم السلطان وبينه وبين أمير الزاب مراسلة ومهاداة (ولقد) قدمت على بسكرة سنة أربع وخمسين أيام السلطان أبى عنان في بعض الاغراض السلطانية ولقيت رسول صاحب تكرت عند يوسف بن مزنى أمير بسكرة وأخبرني عن استبحار هذا المصر في العمارة ومرور السابلة وقال لى اجتاز بنا هذا العام سفر من تجار المشرق إلى بلد مالى كانت ركابهم اثنى عشر ألف راحلة وذكر لى غيره أن ذلك هو الشأن في كل سنة وهذا البلد في طاعة سلطان مالى من السودان كما في سائر الصحراوية
المعروفة بالملثمين لهذا العهد والله غالب على أمره سبحانه * (الخبر عن دمر من بطون زناتة ومن ولى منهم بالاندلس وأولية ذلك ومصائره) * بنو دمر هؤلاء من زناتة وقد تقدم أنهم من ولد ورسيك بن الديرت بن جانا وشعوبهم كثيرة وكانت مواطنهم بافريقية في نواحى طرابلس وجبالها وكان منهم آخرون ظواعن من عرب افريقية ومن بطون بنى دمر هؤلاء بنو ورغمة وهم لهذا العهد مع قومهم بجبال طرابلس ومن بطونهم أيضا بطن متسع كثير الشعوب وهم بنو وريندين ابن وانتن بن وارديرن بن دمروان من شعوبهم بنى ورتاتين وبنى عزرول وبنى تغورت وربما يقال ان هؤلاء الشعوب لا ينتسبون إلى بنى وريندين كما تقدم وبقايا بنى وريندين لهذا العهد بالجبل المطل على تلمسان بعد ان كانوا في البسيط قبلته فزاحمهم بنو راشد حين أجلوهم من بلادهم بالصحراء إلى التل وغلبوهم على تلك البسائط فانزاحو إلى الجبل المعروف بهم لهذا العهد وهو المطل على تلمسان وكان قد أجاز إلى الاندلس من بنى دمر هؤلاء أعيان ورجالات حرب فيمن أجاز إليها من زناتة وسائر البربر أيام أخذهم بدعوة المنتصر فضمهم السلطان إلى عسكره واستظهر بهم المنصور بن أبى عامر من بعد ذلك على شأنه وقوى بهم المستعين أديم دولته ولما اعصوصب البربر على المستعين وبنى حمود من بعده وغالبوا جنود الاندلس من العرب وكانت الفتنة الطويلة بينهم التى نثرت سلك الخلافة وفرقت شمل الجماعة واقتسموا خطط الملك وولايات الاعمال وكان من رجالاتهم نوح الدمرى وكان من عظماء أصحاب المنصور وولاه المستعين أعمال مورور واركش فاستبد بها سنة أربع في عمار الفتنة وأقام بها سلطانا لنفسه إلى أن هلك سنة ثلاث وثلاثين فولى ابنه أبا مناد محمد بن نوح وتلقب بالحاجب عز الدولة في فرن شان ملوك الطوائف وكانت بينه وبين ابن عباد شأن
[ 53 ]
غرب الاندلس ومر المعتضد في بعض أسفاره بحصن أركش وتطوف به مختفيا فقبض
عليه بعض أصحاب بن نوح وساقه إليه فخلى سبيله وأولاه كرامة احتسبها عنده يدا وذلك سنة ثلاث وأربعين فانطلق إلى دار ملكه ورجع بعدها إلى ولاية الملوك الذين حوله من البربر وأسجل لابن نوح هذا على عمل اركش ومورور فيمن أسجل له منهم فصاروا إلى مخالصته إلى أن استدعاهم سنة خمس وأربعين بعدها إلى صنع ودعا إليه الجفلى من أهل أعماله واختصه بدخول حمام أعده لهم استبلاغا في تكريمهم وتخلف ابن نوح عنده من بينهم فلما حصلوا داخل الحمام أطبقه عليهم وسد المنافس للهوى دونهم إلى أن هلكوا ونجا منهم ابن نوح لسالفة يده وطير في الحين من تسلم معاقلهم وحصونهم فانتظمها في أعماله وكان منها رندة وشريش وسائر أعمالها وهلك من بعد ذلك الحاجب أبو مناد بن نوح سنة وولى ابنه أبو عبد الله ولم يزل المعتضد يضايقه إلى أن انخلع سنة ثمان وخمسين فانتظمها في أعماله وسار إليه محمد أبى مناد إلى أن هلك سنة ثمان وستين وانقرض ملك بنى نوح والبقاء لله وحده سبحانه أبو عبد الله بن الحاجب أبى مناد محمد بن نوح الدمرى { الخبر عن بنى برزال احدى بطون دمر وما كان لهم من الحال بقرموتة وأعمالها من الاندلس أيام الطوائف وأولية ذلك ومصائره } قد تقدم لنا ان بنى برزال هؤلاء من ولد وريندين بن وانتن بن وارديرن بن دمر كما ذكره ابن حزم وان اخوتهم بنو يصدرين وبنو صمغان وبنو يطوفت وكان بنو برزال هؤلاء بافريقية وكانت مواطنهم منها جبل سالات وما إليها من أعمال المسيلة وكان لهم ظهور ووفور عدد وكانوا نكارية من فرق الخوارج ولما فر أبو زيد أمام اسمعيل المنصور وبلغه ان محمد بن خزر يترصد له أجمع الاعتصام بسالات وصعد إليه وأرهقته عساكر المنصور فانتقل عنه إلى كنانة وكان من أمره ما قدمناه ثم استقام بنو برزال عى طاعة الشيعة وموالاة جعفر بن على بن حمدون صاحب المسيلة والزاب حتى صاروا له شيعا (ولما انتقض) جعفر بن معد سنة ستين وثلثمائة كان بنو برزال هؤلاء في جملته من أهل خصوصيته فأجازوا معه البحر إلى الاندلس أيام الحكم المستنصر فاستخدمهم ونظمهم
في طبقات جنده إلى من كان به من قبائل زناتة وسائر البربر أيام أخذهم بالدعوة الاموية ومحاربتهم عليها للادارسة فاستقروا جميعا بالاندلس وكان لبنى برزال من بينهم ظهور وغنى مشهور (ولما أراد) المنصور بن أبى عامر الاستبداد على خليفته هشام وتوقع النكير من رجالات الدولة وموالى الحكم استكثر بنى برزال وغيرهم من البربر وأفاض فيهم الاحسان فاعتز امره واشتد أزره حتى أسقط رجال الدولة ومحى رسومها
[ 54 ]
وأثبت أركان سلطانه ثم قتل صاحبهم جعفر بن يحيى كما ذكرناه خشية عصبيته بهم واستمالهم من بعده فأصبحوا له عصبية وكان يستعملهم في الولايات النبيهة والاعمال الرفيعة وكان من أعيان بنى برزال هؤلاء اسحق بن فولاه قرمونة وأعمالها فلم يزل عليها أيام بنى عامر وجدد له العقد عليها المستعين في فتنة البرابرة ووليها من بعده ابنه عبد الله (ولما انقرض) ملك بنى حمود من قرطبة ودفع أهلها القاسم المأمون عنهم سنة أربع عشرة أراد اللحاق بأشبيلية وبها نائبه محمد بن أبى زيرى من وجوه البربر وبقرمونة عبد الله بن اسحق البرزالى فداخلهما القاضى ابن عباد في خلع طاعة القاسم وصده عن العملين فأجابا إلى ذلك ثم دس للقاسم بالتحذير من عبد الله بن اسحق فعدل القاسم عنهما جميعا إلى شريش واستبد كل منهم بعمله ثم هلك عبد الله من بعد ذلك وولى ابنه محمد سنة وكانت بينه وبين المعتمد بن عباد حرب وظاهر عليه يحيى بن على بن حمود في منازلة أشبيلية سنة ثمان عشرة ثم اتفق مع ابن عباد بعدها وظاهره على عبد الله الافطس وكانت بينهما حرب كانت الدائرة فيها على ابن الافطس وحصل ابنه المظفر قائد العسكر في قبضة محمد بن عبد الله بن اسحق إلى أن من عليه بعد ذلك وأطلقه ثم كانت الفتنة بين محمد بن اسحق وبين المعتضد وأغار اسمعيل بن المعتضد على قرمونة في بعض الايام بعد ان كمن الكمين من الخيالة والرجل وركب إليه محمد في قومه فاستطرد له اسمعيل إلى أن بلغوا الكمائن فثاروا بهم
وقتلوا محمدا البرزالى وذلك سنة أربع وثلاثين وولى ابنه العزيز بن محمد وتلقب المستظهر مناغيا لملوك الطوائف لعهده ولم يزل المعتضد يستولى على غرب الاندلس شيأ فشيأ إلى ان ضايقه في عمل قرمونة واقتطع منه اسحه والمورو ثم انخلع له العزيز عن قرمونة سنة تسع وخمسين ونظمها المعتضد في ممالكه وانقرض ملك بنى برزال من الاندلس ثم انقرض من بعد ذلك حيهم من جبل سالات وأصبحوا في الغابرين والبقاء لله وحده سبحانه العزيز محمد بن عبد الله بن اسحق البرزالى * (الخبر عن بنى وماتوا وبنى يلومى من الطبقة الاولى وما كان لهم من الملك والدولة بأعمال المغرب الاوسط ومبدا ذلك وتصاريفه } هاتان القبيلتان من قبائل زناتة ومن توابع الطبقة الاولى ولم نقف على نسبهما إلى جانا الا أن نسابتهما متفقون على أن يلومى ورتاجن الذى هو أبو مزين اخوان وان مديون أخوهما للام ذكر ذلك غير واحد من نسابتهم وبنو مزين لهذا العهد يعرفون لهم هذا النسب ويوجبون لهم العصيبة له وكانت هاتان القبيلتان من أوفر بطون زناتة
[ 55 ]
وأشدهم شوكة ومواطنهم جميعا بالمغرب الاوسط وبنو وماتوا منهم إلى جهة المشرق عن وادى ميناس ومرات وما إليها من أسافل شلب وبنو يلومين بالعدوة الغربية منه بالجعبات والبطحاء وسبد وسيرات وجبل هوارة وبنى راشد (وكان لمغراوة) وبنى يفرن التقدم عليهم في الكثرة والقوة ولما غلب بلكين بن زيرى مغراوة وبنى يفرن على المغرب الاوسط وأزاحهم إلى المغرب الاقصى بقيت هاتان القبيلتان بمواطنهما واستعملهم صنهاجه في حروبهم حتى إذا تقلص ملك صنهاجه عن المغرب الاوسط واعتزوا عليهم واختص الناصر بن علتاس صاحب القلعة ومختط بجاية بنى وماتوا هؤلاء بالولاية فكانوا شيعا لقومه دون يلومى وكانت رياسة بنى وماتوا في بيت منهم
يعرفون ببنى ماخوخ وأصهر المنصور بن الناصر إلى ماخوخ منهم في أخته فزوجها إليه فكان لهم بذلك مزيد ولاية في الدولة ولما ملك المرابطون تلمسان أعوام سبعين وأربعمائة وأنزل يوسف بن تاشفين بها عامله محمد تينعمر المسوفى ودوخ أعمال المنصور وملك أمصارها إلى أن نازل الجائر وهلك فولى أخاه تاشفين على عمله فغزا أشير وافتتحها ومدها وكان لهذين الحيين في مظاهرته وامداده أحقد عليهم المنصور بعدها وأغرى بنى وماتوا في عساكر صنهاجة له ماخوخ فهزمه وأتبعه منهزما إلى بجاية وقتل لدخله إلى قصره قتلته زوجه أخت ماخوخ تشفيا وضعفا ثم نهض إلى تلمسان في العساكر واحتشد العرب من الاثيح ورياح وزغبة ومن لحق به من زناتة وكانت الغزاة المشهورة سنة ست وثمانين أبقى فيها ابن تينعمر المسوفى بعد استمكانه من البلد كما ذكرناه في أخبار صنهاجة ثم هلك المنصور وولى ابنه العزيز وراجع ماخوخ ولايته وأصهر إليه العزيز أيضا في ابنته فزوجها اياه واعتز البدو في نواحى المغرب الاوسط واشتعلت نار الفتنة بين هذين الحيين من بنى وماتوا وبنى يلومى فكانت بينهم حروب ومشاهد وهلك ماخوخ وقام بأمره في قومه بنوه تاشفين وعلى وأبو بكر وكان أحياء زناتة الثانية من بنى عبد الواد وتوجين وبنى راشد وبنى ورسفان من مغراوة مددا وربما ماد بنو مزين اخوانهم بنى يلومى لقرب مواطنهم منهم الا أن زناتة الثانية لذلك العهد مغلوبون لهذين الحيين وأمرهم تبع لهم إلى أن ظهر أمر الموحدين وزحف عبد المؤمن إلى المغرب الاوسط في اتباع تاشفين بن على وتقدم أبو بكر بن ماخوخ ويوسف بن زيد من بنى وماتوا إلى طاعته ولحقوه بمكانه من أرض الريف فسرح معهم عسكر الموحدين لنظر بن واندين بن بن يغمور فاثخنوا في بلاد بنى يلومى وبنى عبد الواد ولحق صريخهم بتاشفين بن على بن يوسف فأمدهم بالعساكر ونزلوا منداس واجتمع لبنى يلومى بنو ورسفان من مغراوة
[ 56 ]
وبنى توجين من بنى بادين وبنو عبد الواد منهم ايضا وشيخهم حمامة بن مظهر وبنو يكناس من بنى مزين وأوقعوا ببنى وماتوا وقتلوا أبا بكر في ستمائة منهم واستنقذوا غنائمهم وتحصن الموحدون وفل بنى وماتوا بجبل سيرات ولحق تاشفين بن ماخوخ صريخا بعبد المؤمن وجاء في جملته حتى نزل تاشفين بن على بتلمسان ولما ارتحل في أثره إلى وهران كما قدمناه سرح الشيخ أبو حفص في عساكر الموحدين إلى بلاد زناتة فنزلوا منداس وسط بلادهم وأثخنوا فيهم حتى أذعنوا لطاعته ودخلوا في الدعوة ووفد على عبد المؤمن بمكانه من حصار وهران مقدمهم سيد الناس بن أمير الناس شيخ بنى يلومى وحمامة بن مطهر شيخ بنى عبد الواد وعطية الحيو شيخ بنى توجين وغيرهم فتلقاهم بالقبول ثم انتقضت زناتة بعدها وامتنع بنو يلومى بحصنهم الجعبات ومعهم شيخهم سيد الناس مدرج ابنا سيد الناس فحاصرتهم عساكر الموحدين وغلبوهم عليها وأشخصوهم إلى المغرب ونزل سيد الناس بمراكش وبها كان مهلكه أيام عبد المؤمن وهلك بعد ذلك بنو ماخوخ (ولما) أخذ أمير هذين الحيين في الانتقاض جاذب بنو يلومى في تلك الاعمال بنو توجين وشاجروهم في أحوله ثم واقعوهم الحرب في جوانبه وتولى ذلك فيهم عطية الحيو شيخ بنى تجين وصلى بنارها معه منهم بنو منكوش من قومه حتى غلبوهم على مواطنهم وأذلوهم واصاروهم جيرانا لهم في قياطينهم واستعلى بنو عبد الواد وتوجين على هذين الحيين وغيرهم بولايتهم للموحدين ومخالطتهم اياهم فذهب شأنهم وافترق قيطونهم أوزاعا في زناتة الوارثين أوطانهم من عبد الواد وتوجين والبقاء لله سبحانه (ومن بطون بنى وماتوا هؤلاء بنو يامدس) وقد يزعم زاعمون انهم من مغراوة ومواطنهم متصلة قبلة المغرب الاقصى والاوسط وراء العرق المحيط بعمرانها المذكور قبل واختطوا في المواطن القصور والاطم واتخذوا بها الجنات من النخيل والاعناب وسائر الفواكه فمنها على ثلاثة مراحل قبلة سجلماسة ويسمى وطن توات وفيه قصور متعددة تناهز المائتين أخذت من المشرق إلى المغرب وآخرها من جانب المشرق
يسمى تمنطيت وهو بلد مستبحر في العمران وهو محط ركاب التجر المترددين من المغرب إلى بلد مالى من السودان لهذا العهد ومن بلد مالى إليه وبينه وبين ثغر بلاد مالى المسمى غا المفازة المجهلة لا يهتدى فيها للسبيل ولا يمر الوارد الا بالدليل الخبير من الملثمين الظواعن بذلك القفر يستأجره التجار على الدربة بهم فيها باوفر الشروط وكانت بلد بودى وهى أعلى تلك القصور بناحية المغرب من بادية السوس هي الركاب إلى والاتن الثغر الآخر من أعمال مالى ثم أهملت لما صارت الاعراب بادية السوس يغيرون على سابلتها ويعترضون رفاقها فتركوا تلك ونهجوا الطريق إلى
[ 57 ]
بلد السودان من أعلى تمنطيت ومن هذه القصور قبلة تلمسان وعلى عشر مراحل منها قصور بيكارين وهى كثيره تقارب المائة في بسيط واد منجدر من المغرب إلى المشرق واستحرث في العمران وغصت بالساكن وأكثر سكان هذه القصور الغريبة في الصحراء بنو يامدس هؤلاء ومعهم من سائر قبائل البربر مثل وتطغير ومصاب وبنى عبد الواد وبنى مرين وهم أهل عدد وعدة وبعد عن هضمة الاحكام وذل المغارم وفيهم الرجالة والخيالة وأكثر معاشهم من بلح النخل وفيهم التجار إلى بلاد السودان وضواحيهم كلها ممشاة للعرب ومختصه بعبيد الله من المعقل عينتها لهم قسمة الرحلة وربما شاركهم بنو عامر بن زغبة في نيكرارين فتصل إليها ناجعتهم بعض السنن وأما عبيد الله فلا بد لهم في كل سنة من رحلة الشتاء إلى قصور توات وبلد تمنسيت ومع ناجعتهم تخرج قفول التجار من الامصار والتلول حتى يحطوا بتمنطيت ثم ينذرفون منها إلى بلاد السودان وفى هذه البلاد الصحراوية غريبة في استنباط المياه الجارية لا توجد في تلول المغرب وذلك ان البئر تحفر عميقة بعيدة المهوى وتطوى جوانبها إلى أن توصل بالحفر إلى حجارة صلدة فتنحت بالمعاول والفؤس إلى أن يرق جرمها ثم تصعد الفعلة ويقذفون عليها زبرة من الحديد تكسر طبقها على الماء فينبعث صاعدا فيعم
البئر على وجه الارض واديا ويزعمون ان الماء ربما أعجل بسرعته عن كل شئ وهذه الغريبة موجودة في قصور توات وتكرارين وواركلا وريع والعالم أبو العجائب والله الخلاق العليم وهذا آخر الكلام في الطبقة الاولى من زناتة فلنرجع إلى أخبار الطبقة الثانية وهم الذين اتصلت دولتهم إلى هذا العهد * (أخبار الطبقة الثانية من زناتة وذكر أنسابهم وشعوبهم وأوليتهم ومصائر ذلك) * قد تقدم لنا في أضعاف الكلام قبل انقراض الملك من الطبقة من زناتة ما كان على يد صنهاجة والمرابطين من بعدهم وأن عصبية أجيالهم افترقت بانقراض ملكهم ودولهم وبقى منهم بطون لم يمارسوا الملك ولا أخلقهم ترفه فأقاموا في قياطينهم بأطراف المغربين ينتجعون جانبى القفر والتل ويعطون الدول حق الطاعة وغلبوا على بقايا الاجيال الاولى ومن زناتة بعد أن كانوا مغلوبين لهم فأصبحت لهم السورة والعزة وصارت الحاجة من الدول إلى مظاهرتهم ومسالمتهم حتى انقرضت دولة الموحدين فتطاولوا إلى الملك وضربوا فيه مع أهله بسهم وكانت لهم دول نذكرها ان شاء الله تعالى وكان أكثر هذه الطبقة من بنى واسين بن يصلتن اخوة مغراوة وبنى يفرن ويقال انهم من بنى وانتن بن ورسيك بن جانا اخوة منسارة وناجدة وقد تقدم ذكر هذه الانساب وكان من بنى واسين هؤلاء ببلد قصطيلة وذكر ابن الرقيق ان أبا يزيد النكارى لما ظهر
[ 58 ]
بجبل أوراس كتب إليهم بمكانهم حول توزر (1) يأمرهم بحصارها فحاصروها سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة وربما كان منهم ببلد الحامة لهذا العهد ويعرفون ببنى ورتاجن احدى بطونهم وأما جمهورهم فلم يزالوا بالمغرب الاقصى بين ملوية إلى جبل راشد (وذكر موسى) بن أبى العافية في كتابه إلى الناصر الاموى يعرفه بحربه مع ميسور مولى أبى القاسم الشيعي ومن سار إليه من قبائل زناتة فذكر فيمن ذكر ملوية وسار من قبائل بنى واسين وبنى يفرن وبنى يرناتن وبنى ورنمت ومطماطة فذكر منهم بنى واسين لان تلك المواطن من موطنهم قبل الملك (وفى هذه الطبقة منهم بطون) فمنهم بنو مرين وهم
أكثرهم عددا وأقواهم سلطانا وملكا وأعظمهم دولة (ومنهم) بنو عبد الواد تلوهم في الكثرة والقوة وبنو توجين من بعدهم كذلك هؤلاء أهل الملك من هذه الطبقة وفيها غير أهل الملك بنو راشد اخوة بنى يادين كما نذكره وفيها أهل الملك أيضا من غير نسبهم بقية من مغراوة بمواطنهم الاولى من وادى شلب فنضت فيهم عروق الملك بعد انقراض جيلهم الاول فتجاذبوا حبله مع أهل هذا الجيل وكانت لهم في مواطنهم دولة كما نذكره (ومن أهل هذه الطبقة) كثير من بطونهم ليس لهم ملك نذكرهم الآن عند تفصيل شعوبهم وذلك أن احياءهم جميعا تشعبت من زرجيك بن واسين فكان منهم بنو يادين ابن محمد وبنو مرين بن ورتاجن فأما بنو ورتاجن فهم من ولد ورتاجن بن ماخوح ابن جريح بن فاتن بن يدر بن يخفت بن عبد الله بن ورتنيك بن المعز بن ابراهيم بن رجيك (وأما بنو مرين) بن ورتاجن فتعددت أفخاذهم وبطونهم كما نذكر بعد حتى كثروا سائر شعوب بنى ورتاجن وصار بنو ورتاجن معدودين في جملة أفخاذهم وشعوبهم (وأما بنو يادين) بن محمد فمن ولد زرجيك ولا أذكر الآن كيف يتصل نسبهم به وتشعبوا إلى شعوب كثيرة فكان منهم بنو عبد الواد وبنو توجين وبنو مصاب وبنو زردال يجمعهم كلهم نسب يادين بن محمد وفى محمد هذا يجتمع يادين وبنو راشد ثم يجتمع محمد مع ورتاجى في زرجيك بن واسين وكانوا كلهم معروفين بين زناتة الاولى ببنى واسين قبل أن تعظم هذه البطون والافخاذ وتتشعب مع الايام وبأرض افريقية وصحراء برقة وبلاد الزاب منهم طوائف من بقايا زناتة الاولى قبل انسياحهم إلى المغرب فمنهم بقصور غذامس على عشرة مراحل قبلة سرت وكانت مختطة منذ عهد الاسلام وهى خطة مشتملة على قصور وآطام عديدة وبعضها لبنى ورتاجن وبعضها لبنى واطاس من أحياء بنى مرين يزعمون أن أوليتهم اختطوها وهى لهذا العهد قد استبحرت في العمارة واسعة في التمدن بما صارت محطا لركاب الحاج من السودان وقفل التجار إلى مصر والاسكندرية عند اراحتهم من قطع المفازة ذات الرمال المعترضة أمام طريقهم دون
[ 59 ]
الارياف والتلول وبابا لولوج تلك المفازة والحاج والتجرر في موضعهم ومنهم ببلد الحامة غربي قابس أمة عظيمة من بنى ورتاجن وفرت منهم حاميتها واشتدت شوكتها ورحل إليها التجر بالبضائع لنفاق أسواقها وتبحر عمرانها وامتنعت لهذا العهد على مرين وبها من يجار بها فهم لا يؤدون خراجا ولا يسامون بمغرم حتى كأنهم لا يعرفونه عزة جناب وفضل باس ومنعته ويزعمون أن سلفهم من بنى ورتاجن اختطوها ورياستهم في بيت منهم يعرفون ببنى وشاح ولربما طال على رؤسائهم عهد الخلافة ووطأة الدولة فيتطاولون إلى التى تنكر على السوقة من اتخاذ الآلة ويبرزون في زى السلطان أيام الزينة تهاونا بشعار الملك ونسيانا لمألوف الانقياد شأن جيرانهم رؤساء توزر ونفطة وسابق الغاية في هذه الضحكة هو يملول مقدم توزر (ومن بنى واسين) هؤلاء بقصور مصاب على خمس مراحل من جبل تيطر في القبلة لما دون الرمال على ثلاث مراحل من قصور بنى ريغة في المغرب وهذا الاسم للقوم الذين اختطوها ونزلوها من شعوب بنى يادين حسبما ذكرناهم الآن وضعوها في أرض حرة على احكام وضراب ممتنعة في مساربها بين الارض المحجرة المعروفة بالحمادة في سمت العرق متوسطة فيه قبالة تلك البلاد على فراسخ في ناحية القبلة وسكانها لهذا العهد شعوب بنى يادين من بنى عبد الواد وبنى توجين ومصاب وبنى رزدال فيمن انضاف إليهم من شعوب زناتة وان كان شهرتها مختصة بمصاب وحالها في المباني والاغتراس وتفرق الجماعات بتفرق الرياسة شبيهة بحال بنى ريغة والزاب ومنهم بجبل أوراس بافريقية طائفة من بنى عبد الواد موطونة منذ العهد القديم لاول الفتح معروفون بين ساكنيه (وقد ذكر) بعض الاخبار بين أن بنى عبد الواد حضروا مع عقبة بن نافع في فتح المغرب عند اثغاله في ديار المغرب وانتهائه إلى البحر المحيط بالسوس في ولايته الثانية وهى الغزاة التى هلك فيها في منصرفه منها وانهم أبلو البلاء الحسن فدعا لهم وأذن في رجوعهم قبل استتمام الغزاة ولما تحيرت زناتة أمام
كتامة وصنهاجة اجتمع شعوب بنى واسين هؤلاء كلهم ما بين ملوية كما ذكرناه وتشعبت أحياؤهم وبطونهم وانبسطوا في صحراء المغرب الاقصى والاوسط إلى بلاد الزاب وما إليها من صحارى افريقية إذ لم يكن للعرب في تلك المجالات كلها مذهب ولا مسلك إلى المائة الخامسة كما سبق ذكره ولم يزالوا بتلك البلاد مشتملين لبوس العز مشمرين للانفة وكانت مكاتبهم الانعام والماشية وابتغاؤهم الرزق من تحيف السابلة (1) وفى ظل الرماح المشرعة وكانت لهم في محاربة الاحياء والقبائل ومنافسة الامم والدول ومغالبة الملوك أيام ووقائع فلم بها ولم تعظم العناية باستيعابها فنأتي به والسبب في ذلك أن اللسان العربي كان غالبا لغلبة دولة العرب وظهور الملة العربية فالكتاب والخط
[ 60 ]
بلغة الدولة ولسان الملك واللسان العجمي مستتر بجناحه مندرج في غماده ولم يكن لهذا الجيل من زناتة في الاحقاب القديمة ملك يحم