الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 تاريخ ابن خلدون - ابن خلدون ج 7

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون ج 7


[ 1 ]

تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر، وديوان المبتدإ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر لوحيد عصره العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المغربي المتوفي سنة 808 هجرية الجزء السابع 1391 ه‍. - 1971 م. منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب. 7120

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم { الخبر عن زناتة من قبائل البربر وما كان بين أجيالهم من العز والظهور وما تعاقب فيهم من الدول القديمة والحديثة } هذا الجيل في المغرب جيل قديم العهد معروف العين والاثر وهم لهذا العهد آخذون من شعائر العرب في سكنى الخيام واتخاذ الابل وركوب الخيل والتغلب في الارض وايلاف الرحلتين وتخطف الناس من العمران والاباية عن الانقياد للنصفة وشعارهم بين البربر اللغة التى يتراطنون بها وهى مشتهرة بنوعها عن سائر رطانة البربر ومواطنهم في سائر مواطن البربر بافريقية والمغرب فمنهم ببلاد النخيل ما بين غدامس والسوس الاقصى حتى ان عامة تلك القرى الجريدية بالصحراء منهم كما نذكره ومنهم قوم بالتلول بجبال طرابلس وضواحي افريقية وبجبل أوراس بقايا منهم سكنوا مع العرب الهلاليين لهذا العهد واذعنوا لحكمهم والاكثر منهم بالمغرب الاوسط حتى انه ينسب إليهم ويعرف بهم فيقال وطن زناته ومنهم بالمغرب الاقصى أمم أخرى وهم لهذا العهد أهل دول وملك بالمغربين وكانت لهم فيه دول أخرى في القديم ولم يزل الملك يتداول في شعوبهم حسبما نذكره بعد لكل شعب منهم ان شاء الله تعالى

[ 3 ]

اما نسبهم بين البربر فلا خلاف بين نسابتهم أنهم من ولد شانا واليه نسبهم وأما شانا فقال أبو محمد بن حزم في كتاب الجمهرة قال بعضهم هو جانا بن يحيى بن صولات بن ورماك بن ضرى بن رحيك بن مادغيس بن بربر وقال أيضا في كتاب الجمهرة ذكر لى يوسف الوراق عن أيوب بن أبى يزيد يعنى حين وفد على قرطبة عن أبيه الثائر بافريقية أيام الناصر قال هو جانا بن يحيى بن صولات بن ورساك بن ضرى بن مقبو بن قروال بن يملا بن مادغيس بن رحيك بن همر حق بن كراد بن مازيغ بن هراك بن هرك بن برا بن بربر بن كنعان بن حام هذا ما ذكره ابن حزم ويظهر منه ان مادغيس ليس نسبة إلى البربر وقد قدمنا ما في ذلك من الخلاف وهو أصح ما ينقل في هذا الان ابن حزم موثوق ولا يعدل به غيره (ونقل) عن ابن أبى زيد وهو كبير زنانة ويكون البربر على هذا من نسل برنس فقط والبتر الذين هم بنو مادغيس الابتر ليسوا من البربر ومنهم زناتة وغيرهم كما قدمنا لكنهم اخوة البربر لرجوعهم كلهم إلى كنعان بن حام كما يظهر من هذا النسب (ونقل) عن أبى محمد بن قتيبة في نسب زناتة هؤلاء انهم من ولد جالوت في رواية ان زناتة هو جانا ابن يحيى بن ضريس بن جالوت وجالوت هو ونور بن جرييل بن جديلان بن جالد بن ديلان بن حصى بن باد بن رحيك بن مادغيس الابتر بن قيس بن عيلان (وفى) رواية أخرى عنه ان جالوت بن جالود بن بردنال بن قحطان ابن فارس وفارس مشهور (وفى) رواية أخرى عنه انه بن هربال بن بالود بن دبال بن برنس بن سفك وسفك أبو البربر كلهم ونسابة الجيل نفسه من زناتة يزعمون انهم من حمير ثم من التبابعة منهم وبعضهم يقول انهم من العمالقة ويزعمون ان جالوت جدهم من العمالقة والحق فيهم ما ذكره أبو محمد ابن حزم أولا وما بعد ذلك فليس شئ منه بصحيح فأما الرواية الاولى عن أبى محمد بن قتيبة فمختلطة وفيها أنساب متداخلة وأما نسب مادغيس إلى قيس عيلان فقد تقدم في أول كتاب البربر عند ذكر أنسابهم وان أبناء قيس معروفون عن النسابة وأما نسب جالوت إلى قيس فأمر بعيد عن القياس ويشهد لذلك ان معد بن عدنان الخامس من آباء قيس انما كان معاصر البختنصر كما ذكرناه أول الكتاب وانه لما سلط على العرب أوحى الله إلى ارمياء نبى بنى اسرائيل أن يخلص معدا ويسير به إلى أرضه وبختنصر كان بعد داود بما يناهز أربعمائة وخمسين من السنين فانه خرب بيت المقدس بعد بناء داود وسليمان له بمثل هذه المدة فمعد متأخر عن داود بمثلها سواء فقيس الخامس من أبنائه متأخر عن داود بأكثر من ذلك فجالوت على ما ذكر انه من أبناء قيس متأخر عن داود بأضعاف ذلك الزمن وكيف يكون ذلك مع ان داود هو الذى قتل جالوت بنص القرآن

[ 4 ]

(وأما) ادخاله جالوت في نسب البربر وانه من ولد مادغيس أو سفك فخطأ وكذلك من نسبه من العمالقة والحق ان جالوت من بنى فلسطين بن كسلوحيم بن مصرايم بن حام أحد شعوب حام بن نوح وهم اخوة القبط والبربر والحبشة والنوبة كما ذكرناه في نسب أبناء حام وكان بين بنى فلسطين هؤلاء وبين بنى اسرائيل حروب كثيرة وكان بالشام كثير من البربر اخوانهم ومن سائر أولاد كنعان يضاهونهم فيها ودثرت أمة فلسطين وكنعان وشعوبهما لهذا العهد ولم يبق الا البربر واختص اسم فلسطين بالوطن الذى كان لهم فاعتقد سامع اسم البربر مع ذكر جالوت انه منهم وليس كذلك (وأما) ما رأى نسابة زناتة انهم من حمير فقد أنكره الحافظان أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم وقالا ما كان لحمير طريق إلى بلاد البربر الا في أكاذيب مؤرخي اليمن وانما حمل نسابة زناتة على الانتساب في حمير الترفع عن النسب البربري لما يرونهم في هذا العهد خولا وعبيدا للجباية وعوامل الخراج وهذا وهم فقد كان في شعوب البربر من هم مكافؤن لزناتة في العصبية أو أشد منهم مثل هوارة ومكناسة وكان فيهم من غلب العرب على ملكهم مثل كتامة وصنهاجة ومن تلقف الملك من يد صنهاجة مثل المصامدة مدة كل هؤلاء كانوا أشد قوة وأكثر جمعا من زناتة فلما فنيت أجيالهم أصبحوا مغلبين فنالهم ضر المغرم وصار اسم البربر مختصا لهذا العهد بأهل المغرم فأنف زناتة منه فرارا من الهضيمة وأعجبوا بالدخول في النسب العربي لصراحته وما فيه من المزية بتعدد الانبياء ولاسيما نسب مضر وأنهم من ولد اسمعيل بن ابراهيم بن نوح بن شيث بن آدم خمسة من الانبياء ليس للبربر إذا نسبوا إلى حام مثلها مع خروجهم عن نسب ابراهيم الذى هو الاب الثالث للخليقة إذ الاكثر من اجيال العالم لهذا العهد من نسله ولم يخرج عنه لهذا العهد الا الاقل مع ما في العربية أيضا من عز التوحش والسلامة من مذمومات الخلق بانفرادهم في البيداء فأعجب زناتة نسبهم وزينه لهم نسابتهم والحق بمعزل عنه كونهم من البربر بعموم النسب لا ينافي شعارهم من الغلب والعز فقد كان الكثير من شعوب البربر مثل ذلك وأعظم منه وأيضا فقد تميزت الخليقة وتباينوا بغير واحد من الاوصاف والكل بنو آدم ونوح من بعده وكذلك تميزت العرب وتباينت شعوبها والكل لسام ولاسمعيل بعده (وأما) تعدد الانبياء في النسب فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولا يضرك الاشتراك مع الجيل في النسب العام إذا وقعت المباينة لهم في الاحوال التى ترفع عنهم مع ان المذلة للبربر انما هي حادثة بالقلة ودثور اجيالهم بالملك الذى حصل لهم ونفقوا في سبله وترفه كما تقدم لك في الكتاب الاول من تأليفنا والا فقد كان لهم من الكثرة والعز والملك والدولة ما هو معروف (وأما) ان جيل

[ 5 ]

زناتة من العمالقة الذين كانوا بالشام فقول مرجوح وبعيد من الصواب لان العمالقة الذين كانوا بالشام صنفان عمالقة من ولد عيصو بن اسحق ولم تكن لهم كثرة ولاملك ولا نقل ان أحدا منهم انتقل إلى المغرب بل كانوا لقلتهم ودثور اجيالهم أخفى من الخفاء والعمالقة الاخرى كانوا من أهل الملك والدولة بالشام قبل بنى اسرائيل وكانت أريحاء دار ملكهم وغلب عليهم بنو اسرائيل وابتزوهم ملكهم بالشام والحجاز وأصبحوا حصائد سيوفهم فكيف يكون هذا الجيل من أولئك العمالقة الذين دثرت اجيالهم وهذا لو نقل لوقع به الاسترابة فكيف وهو لم ينقل هذا بعيد في العادة والله علم بخلقه (وأما) شعوب زناتة وبطونهم فكثير ولنذكر المشاهير منها (فنقول) اتفق نساب زناتة على ان بطونهم كلها ترجع إلى ثلاثة من ولد جانا وهم ورسيك وفرنى والديرت هكذا في كتب انساب زناتة (وذكر) أبو محمد بن حزم في كتاب الجمهرة له من ولد ورسيك عند نسابتهم مسارت ورغاى وواشروجن ومن واشروجن واريعن بن واشروجن وقال أبو محمد بن حزم في ولد ورسيك انهم مسارت وناجرت وواسين (وأما) فرنى بن جانا فمن ولده عند نسابة زناتة يزمرتن ومرنجيصة ووركلة ونمالة وسبرترة ولم يذكر أبو محمد بن حزم سبرتره وذكر الاربعة الباقية (وأما) الديرت بن جانا فمن ولده عند نسابة زناتة جداو بن الديرت ولم يذكره ابن حزم وانما قال عند ذكر الديرت ومن شعوبه بنو ورسيك بن الديرت وهم بطنان دمر بن ورسيك قال ودمر لقب واسمه العانا قال فمن ولد زاكيا بنو مغراو وبنو يفرن وبنو واسين قال وأمهم واسين مملوكة لام مغراو وهم ثلاثتهم بنو يصلتن بن مسرا بن زاكيا ويزيد نسابة زناتة في هؤلاء يرنيات بن يصلتن أخا لمغراو ويفرن وواسين ولم يذكره ابن حزم قال ومن ولد دمر بو وريند بن وانتن بن وارديرن بن دمر وذكر لبنى دمر أفخاذا سبعة وهم عرازول ولفورة وزناتين وهؤلاء الثلاثة مختصون بنسب دمر وبرزال ويصدر بن وصغان وبطوفت هكذا ذكر أبو محمد بن حزم وزعم انه من املاء أبى بكر بن يكنى البرزالى الاباضي وقال فيه كان ناسكا عالما بانسابهم وذكر أن بنى واسين وبنى برزال كانوا أباضية وأن بنى يفرن ومغراوة كانوا سنية وعند نسابة البربر مثل سابق بن سليمان المطماطى وهانئ بن يصدور الكومى وكهلان بن أبى لواوهو مسطر في كتبهم ان بنى ورسيك بن الديرت بن جانا ثلاثة بطون وهم بنو زاكيا وبنو دمر وآنشة بنو آنش وكلهم بنو وارديرن بن ورسيك فمن زاكيا وارديرن أربعة بطون مغراوة وبنو يفرن وبنو يرنيان وبنو واسين كلهم بنو اسيلتن بن مسر بن زاكيا بن آنش بن وارديرن ومن دمر وارديرن ثلاثة بطون بنو تغورت وبنو عزرول وبنو ورتاتين كلهم بنو وتيد بن دمر هذا

[ 6 ]

الذى ذكره نسابة البربر وهو خلاف ما ذكره ابن حزم ويذكر نسابة زناته آخرين من شعوبهم ولا ينسبونهم مثل يحفش وهم أهل جبل قازاز قريب مكناسة وسجاسن وربعمان وتحليلة وتيسات وواغمرت وتيفراض ووجديجن وبنو بلومو وبنو ومانى وبنو توجين على أن بنى توجين ينتسبون في بنى واسين نسبا ظاهرا صحيحا بلا شك على ما يذكر في أخبارهم وبعضهم يقول في وجديجن وواغمرت بنو ورتنيص انهم من البرانس من بطون البربر على ما قدمناه وذكر ابن عبد الحكم في كتابه فتح مصر خالد بن حميد الزناتى وقال فيه هو من شورة احدى بطون زنانة ولم نره لغيره هذا ملخص الكلام في شعوب زناتة وانسابهم بما لا يوجد في كتاب والله الهادى إلى مسالك التحقيق لارب غيره يصرتن وصغان يطوفت جداو واريعن بن واشروجن بن ورسيك دغاى ناجرت واسين مسارت تغورت عزرول ورتاتين يفرن بن يصلتن بن مسرا بن زاكيا واسين نماله يزمرتن واركله مرنجيصة سبرتره بن فرنى واغمرت وجديجن بن ورتنيص برزال بن ورنيد بن وانتن بن وارد برن بن دمر بن ورسيك بن الديرت بن جانا

[ 7 ]

(اعلم) ان كثيرا من الناس يبحثون عن مبنى هذه الكلمة واشتقاقها على ما ليس معروفا للعرب ولا لاهل الجيل أنفسهم فيقال هو اسم وضعته العرب على هذا الجيل ويقال بل الجيل وضعوه لانفسهم أو اصطلحوا عليه ويقال هو زانا بن جانا فيزيدون في النسب شيأ لم تذكره النسابة وقد يقال انه مشتق ولا يعلم في لسان العرب أصل مستعمل من الاسماء يشتمل على حروفه المادية وربما يحاول بعض الجهلة اشتقاقه من لفظ الزنا ويعضده بحكاية خسيسة يدفعها الحق وهذه الاقوال كلها ذهاب إلى أن العرب وضعت لكل شئ اسما وأن استعمالها انما هو لاوضاعها التى من لغتها ارتجالا واشتقاقا وهذا انما هو في الاكثر والا فالعرب قد استعملت كثيرا من غير لغتها في مسماه اما لكونه علما فلا يغير مثل ابراهيم ويوسف واسحق من اللغة العبرانية واما استعانة وتخفيفا لتداوله بين الالسنة كاللجام والديباج والزنجبيل والنيروز والياسمين والآجر فتصير باستعمال العرب كأنها من أوضاعهم ويسمونها المعربة وقد يغيرونها بعض التغيير في الحركات أو في الحروف وهو شائع لهم لانه بمنزلة وضع جديد وقد يكون الحرف من الكلمة ليس من حروف لغتهم فيبدلونه بما يقرب منه في المخرج فان مخارج الحروف كثيرة منضبطة وانما نطقت العرب منها بالثمانية والعشرين حروف أبجد وبين كل مخرجين منها حروف أكثر من واحد فمنها ما نطقت به الامم ومنها ما لم تنطق به ومنها ما نطق به بعض العرب كما هو مذكور في كتب أهل اللسان وإذا تقرر ذلك فاعلم ان أصل هذه اللفظة التى هي زناتة من صيغة جانا التى هي اسم ابى الجيل كله وهو جانا بن يحيى المذكور في نسبهم وهم إذا أرادوا الجنس في التعميم الحقوا بالاسم المفرد تاء فقالوا جانات وإذا أرادوا التعميم زادوا مع التاء نونا فصار جاناتن ونطقهم بهذه الجيم ليس من مخرج الجيم عند العرب بل ينطقون بها بين الجيم والشين وأميل إلى السين ويقرب للسمع منها بعض الصغير فأبدلوها زايا محضة لاتصال مخرج الزاى بالسين فصارت زانات لفظا مفردا دالا على الجنس ثم الحقوا به هاء النسبة وحذفوا الالف التى بعد الزاى تخفيفا لكثرة دورانه على الالسنة والله أعلم * (فصل في أولية هذا الجيل وطبقاته) * أما أولية هذا الجيل بافريقية والمغرب فهى مساوية لاولية البربر منذ أحقاب متطاولة لا يعلم مبدأها الا الله تعالى ولهم شعوب أكثر من أن تحصى مثل مغراوة وبنى يفرن وجراوة وبنى يرسان ووجدبجن وعمرة وتحصر وورتيد وبنى زنداك وغيرهم وفى كل واحد من هذه الشعوب بطون متعددة وكانت مواطن هذا الجيل من لدن جهات

[ 8 ]

طرابلس إلى جبل أوراس والزاب إلى قبله تلمسان ثم إلى وادى ملوية وكانت الكثرة والرياسة فيهم قبل الاسلام لجراوة ثم لمغراوة وبنى يفرن (ولما) ملك الافرنجة بلاد البربر في ضواحيهم صاروا يؤدون لهم طاعة معروفة وخراجا معروفا مؤقتا ويعسكرون معهم في حروبهم ويمتنعون عليهم فيما سوى ذلك حتى جاء الله بالاسلام وزحف المسلمون إلى افريقية وملك الافرنجة بها يومئذ جرجير فظاهره زناتة والبربر على شأنه مع المسلمين وانفضوا جميعا وقتل جرجير وأصبحت أموالهم مغانم ونساؤهم سبايا وافتتحت سبيطلة ثم عاود المسلمون غزو افريقية وافتتحوا جلولاء وغيرها من الامصار ورجع الافرنجة الذين كانوا يملكونهم على اعقابهم إلى مواطنهم وراء البحر وظن البربر بأنفسهم مقاومة العرب فاجتمعوا وتمسكوا بحصون الجبال واجتمعت زناتة إلى الكاهنة وقومها جراوة بجبل أوراس حسبما نذكره فأثخن العرب فيهم واتبعوهم في الضواحى والجبال والقفار حتى دخلوا في دين الاسلام طوعا وكرها وانقادوا إلى ايالة مصر وتولوا من أمرهم ماكان الافرنجة يتولونه حتى إذا انحلت بالمغرب عرى الملك العربي وأخرجهم من افريقية البربر من كتامة وغيرهم قدح هذا الجيل الزناتى زناد الملك فأوى لهم وتداول فيهم الملك جيلا بعد جيل في طبقتين حسبما نقصه عليك ان شاء الله تعالى * (الخبر عن الكاهنة وقومها جراوة من زناتة وشأنهم مع المسلمين عند الفتح) * كانت هذه الامة من البربر بافريقية والمغرب في قوة وكثرة وعديد وجموع وكانوا يعطون الافرنجة بامصارهم طاعة معروفة وملك الضواحى كلها لهم وعليهم مظاهرة الافرنجة مهما احتاجوا إليهم ولما أظل المسلمون في عساكرهم على افريقية للفتح ظاهروا جرجير في زحفه إليهم حتى قتله المسلمون وانفضت جموعهم وافترقت رياستهم ولم يكن بعدها بافريقية موضع للقاء المسلمين يجمعهم لما كانت غزواتهم لكل أمة من البربر في ناحيتها وموطنها مع من تحيز إليهم من قبل الافرنجة (ولما) اشتغل المسلمون في حرب على ومعاوية اغفلوا أمر افريقية ثم ولاها معاوية بعد عام الجامعة عقبة بن نافع الفهرى فأثخن في المغرب في ولايته الثانية وبلغ إلى السوس وقتل بالزاب في مرجعه واجتمعت البربر على كسيلة كبيرا وربة وزحف إليه بعد ذلك زهير بن قيس البلوى أيام عبد الملك بن مروان فهزمه وملك القيروان وأخرج المسلمين من افريقية (وبعث) عبد الملك حسان بن النعمان في عساكر المسلمين فهزموا البربر وقتلوا كسيلة واسترجعوا القيروان وقرطاجنة وافريقية والافرنجة والروم إلى صقلية والاندلس وافترقت رياسة البربر في شعوبهم وكانت زناتة أعظم قبائل البربر وأكثرها جموعا

[ 9 ]

وبطونا وكان موطن جراوة منهم بجبل أوراس وهم ولد كراو بن الديرت بن جانا وكانت رياستهم للكاهنة دهبا بنت بن نيعان بن بارو بن مصكسرى بن أفرد بن وصيلا بن جراو وكان لها بنون ثلاثة ورثوا رياسة قومهم عن سلفهم وربوا في حجرها فاستبدت عليهم وعلى قومهم بهم وبما كان لها من الكهانة والمعرفة بغيب أحوالهم وعواقب أمورهم فانتهت إليها رياستهم قال هاني بن بكور الضريسى ملكت عليهم خمسا وثلاثين سنة وعاشت مائة وسبعا وعشرين سنة وكان قتل عقبة بن نافع في البسيط قبلة جبل أوراس باغرائها برابرة عليه وكان المسلمون يعرفون ذلك منها فلما انقضى جميع البربر وقتل كسيلة رجعوا إلى هذه الكاهنة بمعتصمها من جبل أوراس وقد ضوى إليها بنو يفرن ومن كان بافريقية من قبائل زناتة وسائر البتر فلقيتهم بالبسيط أمام جبلها وانهزم المسلمون واتبعت آثارهم في جموعها حتى أخرجتهم من افريقية وانتهى حسان إلى برقة فأقام بها حتى جاء المدد من عبد الملك فزحف إليهم سنة أربع وسبعين وفض جموعهم وأوقع بهم وقتل الكاهنة واقتحم جبل أوراس عنوة واستلحم فيه زهاء مائة ألف وكان للكاهنة ابنان قد لحقا بحسان وحسن اسلامهما واستقامت طاعتهما وعقد لهما على قومهما جراوة ومن انضوى إليهم بجبل أوراس ثم افترق فلهم من بعد ذلك وانقرض أمرهم وافترق جراوة أوزاعا بين قبائل البربر وكان منهم قوم بسواحل مليلة وكان لهم آثار بين جيرانهم هناك واليهم نزع بن أبى العيس لما غلبه موسى بن أبى العافية على سلطانه بتلمسان أول المائة الرابعة حسبما نذكره فنزل عليهم وبنى القلعة بينهم إلى ان خربت من بعد ذلك والفل منهم بذلك الوطن إلى الآن لهذا العهد مندرجون في بطونه ومن إليهم من قبائل غمارة والله وارث الارض ومن عليها * (الخبر عن مبتدا دول زناتة في الاسلام ومصير الملك إليهم بالمغرب وافريقية) * لما فرغ شأن الردة من افريقية والمغرب وأذعن البربر لحكم الاسلام وملكت العرب واستقل بالخلافة ورياسة العرب بنو أمية اقتعدوا كرسى الملك بدمشق واستولوا على سائر على الامم والاقطار وأثخنوا في القاصية من لدن الهند والصين في المشرق وفرغانة في الشمال والحبشة في الجنوب والبربر في المغرب وبلاد الجلالقة والافرنجة في الاندلس وضرب الاسلام بجرانه وألقت دولة العرب بكلكلها على الامم ثم جدع بنو أمية أنوف بنى هاشم مقاسميهم في نسب عبد مناف والمدعين استحقاق الامر بالوصية وتكرر خروجهم عليهم فأثخنوا فيهم بالقتل والاسر حتى توغرت الصدور واستحكمت الاوتار وتعددت فرق الشيعة باختلافهم في مساق الخلافة من على إلى من بعده من بنى

[ 10 ]

هاشم فقوم ساقوها إلى آل العباس وقوم إلى آل الحسن وآخرون إلى آل الحسين فدعت شيعة آل العباس بخراسان وقام بها اليمنية فكانت الدولة العظيمة الحائزة للخلافة ونزلوا بغداد واستباحوا الامويين قتلا وسبيا وخلص من جاليتهم إلى الاندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام فجدد بها دعوة الامويين واقتطع ما وراء البحر عن ملك الهاشميين فلم تخفق لهم به راية (ثم نفس) آل أبى طالب على آل العباس ما أكرمهم الله به من الخلافة والملك فخرج المهدى محمد بن عبد الله المدعو بالنفس الزكية في بنى أبى طالب على أبى جعفر المنصور وكان من أمرهم ما هو مذكور واستلحمتهم جيوش بنى العباس في وقائع عديدة وفر ادريس بن عبد الله أخو المهدى من بعض وقائعهم إلى المغرب الاقصى فأحاره البرابرة من أورية ومقيلة وقاموا بدعوته ودعوة بنيه من بعده ونالوا به الملك وغلبوا على المغرب الاقصى والاوسط وبثوا دعوة ادريس وبنيه من أهله بعده في أهله من زناتة مثل بنى يفرن ومغراوة وقطعوه من ممالك بنى العباس واستمرت دولتهم إلى حين انقراضها على يد العبيديين ولم يزل الطالبيون أثناء ذلك بالمشرق ينزعون إلى الخلافة ويبثون دعاتهم بالقاصية إلى ان دعا أبو عبد الله المحتسبب بافريقية إلى المهدى ولد اسمعيل الامام بن جعفر الصادق فقام برابرة كتامة ومن إليهم من صنهاجة وملكوا افريقية من يد الاغالبة ورجع العرب إلى مركز ملكهم بالمشرق ولم يبق لهم في نواحى المغرب دولة ووضع العرب ما كان على كاهلهم من أمر المغرب ووطأة مضر بعد أن رسخت الملة فيهم وخالطت بشاشة الايمان قلوبهم واستيقنوا بوعد الصادق أن الارض لله يورثها من يشاء من عباده فلم تنسلخ الملة بانسلاخ الدولة ولا تقوضت مباني الدين بتقويض معالم الملك وعدا من الله لن يخلفه في تمام أمره واظهار دينه على الدين كله فتناغى حينئذ البربر في طلب الملك والقيام بدعوة الاعياض من بنى عبد مناف يسدون منها حسدا في ارتقاء إلى ان ظفروا من ذلك بحظ مثل كتامة بافريقية ومكناسة بالمغرب ونافسهم في ذلك زناتة وكانوا من أكثرهم جما وأشدهم قوة فشمروا له حتى ضربوا معهم بسهم فكان لبنى يفرن بالمغرب وافريقية على يد صاحب الحمار ثم على يد يعلى بن محمد وبنيه ملك ضخم ثم كان لمغراوة على يد بنى خزر دولة أخرى تنازعوها مع بنى يفرن وضنهاجة ثم انقرضت تلك الاجيال وتجرد الملك بالمغرب بعدهم في جيل آخر منهم فكان لبنى مزين بالمغرب الاقصى ملك ولبنى عبد الواد بالمغرب الاوسط ملك آخر تقاسمهم فيه بنو توجين والفل من مغراوة حسبما نذكر ونستوفى شرحه ونجلب أيامهم وبطونهم على الطريقة التى سلكناها في أخبار البربر والله المعين سبحانه لارب سواه ولا معبود الا اياه

[ 11 ]

{ الطبقة الاولى من زناتة ونبدأ منها بالخبر عن بنى يفرن وأنسابهم وشعوبهم وما كان لهم من الدول بافريقية والمغرب } وبنو يفرن هؤلاء من شعوب زناتة وأوسع بطونهم وهم عند نسابة زناتة بنو يفرن بن يصلتين بن مسرا بن زاكيا بن ورسيك بن الديرت بن جانا واخوته مغراوة وبنو يرنيان وبنو واسين والكل بنو يصلتين ويفرن في لغة البربر هو القار وبعض نسابتهم يقولون ان يفرن هو ابن ورتنيذ بن جانا واخوته مغراوة وغمرت ووجديجن وبعضهم يقول يفرن بن مرة بن ورسيك بن جانا وبعضهم يقول هو ابن جانا لصلبه والصحيح ما نقلناه عن أبى محمد بن حزم (وأما) شعوبهم فكثير ومن أشهرهم بنو واركوا ومرنجيصة وكان بنو يفرن هؤلاء لعهد الفتح أكبر قبائل زناتة وأشدها شوكة وكان منهم بافريقية وجبل أوراس والمغرب الاوسط بطون وشعوب فلما كان الفتح غشى افريقية ومن بها من البربر جنود الله المسلمون من العرب فتطامنوا لبأسهم حتى ضرب الدين بجرانه وحسن اسلامهم ولما فشا دين الخارجية في العرب وغلبهم الخلفاء بالمشرق واستلحموهم نزعوا إلى القاصية وصاروا يبثون بها دينهم في البربر فتلقفه رؤساؤهم على اختلاف مذاهبه باختلاف رؤس الخارجية في أحكامهم من أباضية وصفرية وغيرهما كما ذكرناه في بابه ففشا في البربر وضرب فيه يفرن هؤلاء بسهم وانتحلوه وقاتلوا عليه وكان أول من جمع لذلك منهم أبو قرة من أهل المغرب الاوسط ثم من بعده أبو يزيد صاحب الحمار وقومه بنو واركوا ومرنجيصة ثم كان لهم بالمغرب الاقصى من بعد الانسلاخ من الخارجية دولتان على يد يعلى بن محمد صالح وبنيه حسبما نذكر ذلك مفسرا ان شاء الله تعالى خ ايفرن مرنجيصة بن يفرن بن يصلتين بن مسرا بن زاكيا بن ورسيك بن الديرت بن جانا واركوا مغراو غمرت مغراو خ ايفرن اجديجن بن ورتنيص

[ 12 ]

كان من بنى يفرن بالمغرب الاوسط بطون كثيرة بنواحي تلمسان إلى جبل بنى راشد المعروف بهم لهذا العهد وهم الذين اختطوا تلمسان كما نذكره في أخبارها وكان رئيسهم لعهد انتقال الخلافة من بنى أمية إلى بنى العباس أبو قرة ولا نعرف من نسبه أكثر من أنه منهم ولما انتقض البرابرة بالمغرب الاقصى وقام ميسرة وقومه بدعوة الخارجية وقتله البرابرة قدموا على انفسهم مكانه خالد بن حميد من زناتة فكان من حروبه مع كلثوم بن عياص وقتله اياه ما هو معروف ورأس على زناتة من بعده أبو قرة هذا ولما استأثلت دولة بنى أمية كثرت الخارجية في البربر وملك وريحومة القيروان وهوارة وزناتة طرابلس ومكناسة سجلماسة وابن رستم تاهرت وقدم ابن الاشعث افريقية من قبل أبى جعفر المنصور وخافه البربر فحسم العلل وسكن الحروب ثم انتقض بنو يفرن بنواحي تلمسان ودعوا إلى الخارجية وبايعوا أبا قرة كبيرهم بالخلافة سنة ثمان وأربعين ومائة وسرح إليهم ابن الاشعث الاغلب بن سوادة التميمي فانتهى إلى الزاب وفر أبو قرة إلى المغرب الاقصى ثم راجع موطنه بعد رجوع الاغلب (ولما انتقض) البرابرة على عمر بن حفص بن أبى صفرة الملقب هزار مردا عام خمسين ومائة وحاصروه بطبنة كان فيمن حاصره أبو قرة اليفرنى في أربعين ألفا صفرية من قومه وغيرهم حتى اشتد عليه الحصار وداخل أبا قرة في الافراج عنه على يد ابنه على أن يعطيه أربعين ألفا ولابنه أربعة آلاف فارتحل بقومه وانفض البرابرة عن طبنة ثم حاصروه بعد ذلك القيروان واجتمعوا عليه وأبو قرة معهم بثلثمائة وخمسين ألفا الخيالة منها خمسة وثمانون ألفا وهلك عمر بن حفص في ذلك الحصار وقدم يزيد بن حاتم واليا على افريقية ففض جموعهم وفرق كلمتهم ولحق أبو قرة وبنو يفرن أصحابه بمواطنهم من تلمسان بعد أن قتل صاحبه أبو حاتم الكندى رأس الخوارج واستلحم بنى يفرن وتوغل يزيد بن حاتم في المغرب ونواحيه وأثخن في أهله إلى ان استكانوا واستقاموا ولم يكن لبنى يفرن من بعدها انتقاض حتى كان شأن أبى يزيد بافريقية في بنى واركوا ومرنجيصة منهم حسبما نذكره ان شاء الله تعالى الكريم وبعض المؤرخين ينسبب ابا قرة هذا إلى مغيلة ولم أظفر بصحيح في ذلك والطرائق متساوية في الجانبين فان نواحى تلمسان وان كانت موطنا لبنى يفرن فهى أيضا موطن لمغيلة والقبيلتان متجاورتان لكن بنو يفرن كانوا أشد قوة وأكثر جمعا ومغيلة أيضا كانو أشهر بالخارجية من بنى يفرن لانهم كانوا صفرية وكثير من الناس يقولون ان بنى يفرن كانوا على مذهب أهل السنة كما ذكره ابن حزم وغيره والله أعلم

[ 13 ]

{ الخبر عن أبى يزيد الخارجي صاحب الحمار من بنى يفرن ومبدا أمره مع الشيعة ومصائره } هذا الرجل من بنى واركوا اخوة مرنجيصة وكلهم من بطون بنى يفرن وكنيته أبو يزيد واسمه مخلد بن كيداد لا يعلم من نسبه فيهم غير هذا وقال أبو محمد بن حزم ذكر لى أبو يوسف الوراق عن أيوب بن أبى يزيد ان اسمه مخلد بن كيداد بن سعد الله بن مغيث بن كرمان بن مخلد بن عثمان بن ورنمت بن حويفر بن سميران بن يفرن بن جانا وهو زناتة قال وقد أخبرني بعض البربر بأسماء زائدة بين يفرن وجانا اه‍ كلام ابن حزم ونسبه بن الرقيق أيضا في بنى واسين بن ورسيك بن جانا وقد تقدم نسبهم أول الفصل وكان كيداد أبوه يختلف إلى بلاد السودان في التجارة فولد له أبو يزيد بكركوا من بلادهم وأمه أم ولد اسمها سيكة ورجع به إلى قيطون زناتة ببلاد قصطيلة ونزل توزر مترددا بينها وبين تقيوس وتعلم القرآن وتأدب وخالط النكارية فمال إلى مذاهبهم وأخذها عنهم ورأس فيها ورحل إلى مشيختهم بتهيرت وأخذ عن أبى عبيدة منهم أيام اعتقال عبيد الله المهدى بسجلماسة ومات أبوه كيداد وتركه على حال من الخصاصة والفقر فكان أهل القيطون يصلونه بفضل أموالهم وكان يعلم صبيانهم القرآن ومذاهب النكارية واشتهر عنه تكفير اهل الملة وسب على فخاف وانتقل إلى تقيوس وكان يختلف بينها وبين وزر وأخذ نفسه بالتغيير على الولاة ونمى عنه اعتقاد الخروج عن السلطان فنذر الولاة بقصطيلة دمه فخرج إلى الحج سنة عشر وثلثمائة وأرهقه الطلب فرجع من نواحى طرابلس إلى تقيوس ولما هلك عبد الله أوغر القائم إلى أهل قصطيلة في القبض عليه فلحق بالمشرق وقضى الغرض وانصرف إلى موطنه ودخل توزر سنة خمس وعشرين مستترا وسعى به ابن فرقان عند والى البلد فتقبض عليه واعتقله وأقبل سرعان زناتة إلى البلد ومعهم أبو عمار الاعمى رأس النكارية واسمه كما سبق عبد الحميد وكان ممن أخذ عنه أبو يزيد فتعرضوا للوالى في اطلاقه فتعلل عليهم بطلبه في الخراج فاجتمعوا إلى فضل ويزيد ابني أبى يزيد وعمدوا إلى السجن فقتلوا الحرس وأخرجوه فلحق ببلد بنى واركلا وأقام بها سنة يختلف إلى جبل أوراس والى بنى برزال في مواطنهم بالجبال قبلة المسيلة والى بنى زنداك من مغراوة إلى أن أجابوه فوصل إلى أوراس ومعه أبو عمار الاعمى في اثنى عشر من الراحلة ونزلوا على النكارية بالنوالات واجتمع إليه القرابة وساتر الخوارج وأخذ له البيعة عليهم أبو عمار صاحبه على قتال الشيعة وعلى استباحة الغنائم والسبي وعلى أنهم ان ظفروا بالمهدية والقيروان صار الامر شورى وذلك سنة احدى وثلاثين وترصدوا غيبة

[ 14 ]

صاحب باغية في بعض وجوهه فضربوا على بسيطها واستباح بعض القصور بها سنة ثنتين وثلاثين وغمس بذلك أيدى البربر في الفتنة ثم زحف بهم إلى باغية واستولت عليه وعلى أصحابه الهزيمة فلحقوا بالجبل وزحف إليهم صاحب باغية فانهزم ورجع إلى بلده فحاصره أبو يزيد وأوغر أبو القاسم القائم إلى كتامة في امداد كانون صاحب باغية فتلاحقت به العساكر فبيتهم أبو يزيد وأصحابه فقلوهم وامتنعت عليه باغية وكاتب أبو يزيد البربر الذين حول قصطيلة من بنى واسين وغيرهم فحاصروا توزر سنة ثلاث وستين ورحل إلى تبسة فدخلها صلحا ثم إلى بجاية كذلك ثم إلى مرماجنة كذلك وأهدوا له حمارا أشهب فلزم ركوبه حتى اشتهر به وبلغ خبره عساكر كتامة بالاربض فانفضوا وملك الاربض وقتل امام الصلاة بها وبعث عسكر إلى تبسة فملكوها وقتلوا عاملها وبلغ الخبر القائم وهو بالمهدية فهاله وسرح العساكر لضبط المدن والثغور وسرح مولاه بشرى الصقلى إلى باجة وعقد ليمسود على الجيوش فعسكر بناحية المهدية وسرح خليل بن اسحق إلى القيروان فعسكر بها وزحف أبو يزيد إلى بشرى بباجة واشتدت الحرب بينهم وركب أبو يزيد حماره وأمسك عصاه فاستمالت النكارية وخالفوا البشرى إلى معسكره فانهزم إلى تونس واقتحم أبو يزيد باجة واستباحها ودخل بشرى إلى تونس وارتدت البرابر من كل ناحية فأسلم تونس ولحق بسوسة واستأمن أهل تونس إلى أبى يزيد فأمنهم وولى عليهم وانتهى إلى وادى مجدرة فعسكر بها ووافتة الحشود هنالك ورعب الناس منه فاجفلوا إلى القيروان وكثرت الاراجيف وسرب أبو يزيد جيوشة في نواحى افريقية فشنوا الغارات وأكثروا السبى والقتل والاسر ثم زحف إلى رفادة فانفض كتامة اليذين كانوا بها ولحقوا بالمهدية ونزل أبو يزيد رفادة في مائة ألف ثم زحف إلى القيروان فانحصر بها خليل بن اسحق ثم أخذه بعد مراوضة في الصلح وهم بقتله فأشار عليه أبو عمار باستبقائه فلم يطعه وقتله ودخلوا القيروان فاستباحوها ولقيه مشيخة الفقهاء فأمنهم بعد التقريع والعتب وعلى أن يقتلوا أولياء الشيعة وبعث رسله في وفد من أهل القيروان إلى الناصر الاموى صاحب قرطبة ملتزما لطاعته والقيام لدعوته وطالبا لمدده فرجعوا إليه بالقبول والوعد ولم يزل يردد ذلك سائر أيام الفتنة حتى أوفد ابنه أيوب في آخرها سنة خمس وثلاثين فكان له اتصال بالناصر سائر أيامه وزحف ميسور من المهدية بالعساكر وفرعنه بنو كملان من هوارة ولحقوا بأبى يزيد وحرضوه على لقاء ميسور فزحف إليه واستوى اللقاء واستمات أبو يزيد والنكارية فانهزم ميسور وقتلة أبو كملان وبعث برأسه إلى القيروان ثم إلى المغرب واستبيح معسكره وسرح أبو يزيد

[ 15 ]

عساكره إلى مدينة فاقتحموها عنوة وأكثروا من القتل والمثلة وعظم القتل بضواحي افريقية وخلت القرى والمنازل ومن أفلته السيف أهلكه الجوع واستخف أبو يزيد بالناس بعد قتل ميسور فلبس الحرير وركب الفاره ونكر عليه أصحابه ذلك وكاتبه به رؤساؤهم من البلاد والقائم خلال ذلك بالمهدية يخندق على نفسه ويستنفر كتامة وصنهاجة للحصار معه وزحف أبو يزيد حتى نزل المهدية وناوش عساكرها الحرب فلم يزل الظهور عليهم وملك زويلة ولما وقف بالمصلى قال القائم لاصحابه من ههنا يرجع واتصل حصاره للمهدية واجتمع إليه البربر من قابس وطرابلس ونفوسة وزحف إليهم ثلاث مرات فانهزم في الثالثة ولم يقلع وكذلك في الرابعة واشتد الحصار على المهدية ونزل الجوع بهم واجتمعت كتامة بقسنطينة وعسكروا بها لامداد القائم فسرح إليهم أبو يزيد يكموس المزاتى ورفجومة فانفض معسكر كتامة من قسنطينة ويئس القائم من مددهم وتفرقت عساكر أبى يزيد في الغارات والنهب فخف المعسكر ولم يبق به الاهوارة ورأس بنى كملان وكثرت مراسلات القائم للبربر واستراب بهم أبو يزيد وهرب بعضهم إلى المهدية ورحل آخرون إلى مواطنهم فأشار عليه أصحابه بالافراج عن المهدية فأسلموا معسكرههم ولحقوا بالقيروان سنة أربع وثلاثين ودبر أهل القيروان في القبض عليه فلم يتهيأ لهم وعذله أبو عمار فيما أتاه من الاستكثار من الدنيا فتاب وأقلع وعاود لبس الصوف والتقشف وشاع خبر اجفاله عن المهدية فقتل النكارية في كل بلد وبعث عساكره فعاثوا في النواحى وأوقعوا بأهل الامصار وخربوا كثيرا منها وبعث ابنه أيوب إلى باجة فعسكر بها ينتظر وصول المدد من البربر وسائر النواحى فلم يفجأه الا وصول على بن حمدون الاندلسي صاحب المسيلة في حشد كتامة وزواوة وقد مر بقسنطينة والاربض وسقنبارية واستصحب منها العساكر فبيته أيوب وانفض معسكره وتردى به فرسه في بعض الاوعار فهلك ثم زحف أيوب في عسكره إلى تونس وقائدها حسن بن على من دعاة الشيعة فانهزم ثم أتيحت له الكرة ولحق حسن بن على بلد كتامة فعسكر بهم على قسنطينة وسرح أبو يزيد جموع البربر لحربه ثم اجتمعت لابي يزيد حشود البربر من كل ناحية وثابت إليه قوته وارتحل إلى سوسة فحاصرها ونصب عليها المجانيق وهلك القائم سنة أربع وثلاثين في شوال وصارت الخلافة لابنه اسمعيل المنصور فبعث بالمدد إلى سوسة بعد أن اعتزم على الخروج إليها بنفسه فمنعه أصحابه ووصل المدد إلى سوسة فقاتلوا أبا يزيد فانهزم ولحق بالقيروان فامتنعت عليه فاستخلص صاحبه أبا عمار من أيديهم وارتحل عنهم وخرج المنصور من المهدية إلى سوسة ثم إلى القيروان فملكها وعفا

[ 16 ]

عن أهلها وأمنهم وأحسن في مخلف أبى يزيد وعياله وتوافى المدد إلى أبى يزيد ثالثة فاعتزم على صاحب القيروان وزحف إلى عسكر المنصور بساحتها فبيتهم واشتد الحرب واستمات الاولياء وافترقوا آخر نهارهم وعاودوا الزحف مرأت ووصل المدد إلى المنصور من الجهات حتى إذا كان منتصف المحرم كان الفتح وانهزم أبو يزيد وعظم القتل في البربر ورحل المنصور في اتباعه فمر ثم تبسة حتى انتهى إلى باغاية ووافاه بها كتاب محمد بن خزر بالطاعة والولاية والاستعداد للمظاهرة فكتب إليه بترصد أبى يزيد والقبض عليه ووعده في ذلك بعشرين حملا من المال ثم رحل إلى طبنة فوافاه بها جعفر بن على عامل المسيلة بالهدايا والاموال وبلغه أن أبا يزيد نزل بسكرة وانه كاتب محمد بن خزر يسأله النصرة فلم يجد عنده ما يرضيه فارتحل المنصور إلى بسكرة فتلقاه اهلها وفر أبو يزيد إلى بنى برزال بجبل سالات ثم إلى جبل كتامة وهو جبل عياض لهذا العهد وارتحل المنصور في أثره إلى ومرة وبيته أبو يزيد هنالك فانهزم ولم يظفر وانحاز إلى جبل سالات ثم لحق بالرمال ورجع عنه بنو كملان وأمنهم المنصور على يد محمد بن خزر وسار المنصور في التبعية حتى نزل جبل سالات وارتحل وراءه إلى الرمال ثم رجع ودخل بلاد صنهاجة وبلغه رجوع أبى يزيد إلى جبل كتامة فرجع إليه ونزل عليه المنصور في كتامة وعجيسة وزواوة وحشد بنى زنداك ومزاثة ومكناسة ومكلانة وتقدم المنصور إليه فقاتلوا أبا يزيد وجموع النكارية فهزموهم واعتصموا بجبل كتامة ورحل المنصور إلى المسيلة وانحصر أبو يزيد في قلعة الجبل وعسكر المنصور ازاءها واشتد الحصار وزحف إليها مرات ثم اقتحمها عليهم فاعتصم أبو يزيد بقصر في ذروة القلعة فأحيط به واقتحم وقتل أبو عمار الاعمى ويكموس المزاتى ونجا أبو يزيد مثخنا بالجراحة محمولا بين ثلاثة من أصحابه فسقط في مهواة من الاوعار فوهن وسيق من الغداة إلى المنصور فأمر بمداواته ثم أحضره ووبخه واقام الحجة عليه وتجافى عن دمه وبعثه إلى المهدية وفرض له بها الجراية فجزاه خيرا وحمل في القفص فمات من جراحته سنة خمس وثلاثين وأمر به فسلخ وحشى جلده بالتبن وطيف به في القيروان وهرب الفل من أصحابه إلى ابنه فضل وكان مع معبد بن خزر فأغاروا على ساقة المنصور وكمن لهم زيرى بن مناد أمير صنهاجة فاوقع بهم ولم يزل المنصور في اتباعه إلى أن نزل المسيلة وانقطع أثر معبد ووافاه بمعسكره هنالك انتقاض حميد بن يصل عامل يتهرت من أوليائهم وانه ركب البحر من تنس إلى العدوة فارتحل إلى تيهرت وولى عليها وعلى تنس ثم قصد لوانة فهربوا إلى الرمال ورجع إلى افريقية سنة خمس وثلاثين ثم بلغه ان فضل بن أبى يزيد أغار على جهات قصطيلة فرحل من سنته في طلبه وانتهى إلى قفصة

[ 17 ]

ثم ارتحل إلى من أعمال الزاب وفتح حصن ماداس مما يليه وهرب فضل في الرمال فأعجزه ورجع إلى القيروان سنة ست وثلاثين ومضى فضل إلى جبل أوراس ثم سار منه إلى باغاية فحصرها وغدر به ماطيط بن يعلى من أصحابه وجاء برأسه إلى المنصور وانقرض أمر ابى يزيد وبنيه وافترقت جموعهم واغتال عبد الله بن بكار من رؤساء مغراوة بعد ذلك أيوب بن أبى يزيد وجاء برأسه إلى المنصور متقربا إليه وتتبع المنصور قبائل بنى يفرن بعدها إلى أن انقطع أثر الدعوة والبقاء لله تعالى وحده { الخبر عن الدولة الاولى لبنى يفرن بالمغرب الاوسط والاقصى ومبادي أمورهم ومصايرها } كان لبنى يفرن من زناتة بطون كثيرة وكانوا متفرقين بالمواطن فكان منهم بافريقية بنو واركو ومرنجيصة وغيرهم كما قدمناه وكان منهم بنواحي تلمسان ما بينها وبين تاهرت أمم كثير عددهم وهم الذين اختطوا مدينة تلمسان كما نذكره بعد ومنهم أبو قرة المنترنى بتلك الناحية لاول الدولة العباسية وهو الذى حاصر عمر بن حفص بطبنة كما تقدم ولما انقرض أمر أبى يزيد وأثخن المنصور فيمن كان بافريقية من بنى يفرن أقام هؤلاء الذين كانو بنواحي تلمسان على وفودهم وكان رئيسهم لعهد أبى يزيد محمد بن صالح ولما تولى المنصور محمد بن ذر وقومه مغراوة وكان بينه وبين بنى يفرن هؤلاء فتنة هلك فيها محمد بن صالح على يد عبد الله بن بكار من بنى يفرن كان متحيزا إلى مغراوة وولى أمره في بنى يفرن من بعده ابنه يعلى فعظم صيته واختط مدينة ايفكان ولما خطب عبد الرحمن الناصر طاعد الاموية من زناتة أهل العدوة واستألف ملوكهم سارع يعلى لاجابته واجتمع عليها مع الخير بن محمد بن خزر وقومه مغراوة وأجلب على وهران فملكها سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة من يد محمد بن عون وكان ولاه عليها صولات اللميطى أحد رجالات كتامه سنة ثمان وتسعين ومائتين فدخلها يعلى عنوة على بنيه وخربها وكان يعلى قد زحف مع الخير ابن محمد إلى تاهرت وبرز إليه ميسور الخصى في شيعته من لماية فهزموهم وملكوا تاهرت وتقبض على ميسور وعبد الله بن بكار فبعث به الخبر إلى يعلى بن محمد ليثاربه فلم يرضه كفوا لدمه ودفعه إلى من أثار به من بنى يفرن واستفحل سلطان يعلى في ناحية المغرب وخطب على منابرها لعبد الرحمن الناصر ما بين تاهرت إلى طنجة واستدعى من الناصر تولية رجال بيته على امصار المغرب فعقد على فاس محمد بن الخير بن محمد بن عشيرة ونسك محمد لسنة من ولايته واستأذن في الجهاد والرباط بالاندلس فاجاز لذلك واستخلف على عمله ابن عمه أحمد بن أبى بكر بن أحمد بن عثمان بن سعيد وهو الذى اختط مأدنة القرويين سنة أربع وأربعين كما ذكرناه ولم يزل سلطان يعلى بن محمد بالمغرب عظيما إلى أن أغزى بعد المعز لدين الله كاتبه جوهر الصقلى من القيروان إلى المغرب سنة

[ 18 ]

سبع وأربعين فلما فصل جوهر بالجنود بادرامير زناتة بالمغرب يعلى بن محمد اليفرنى إلى لقائه والاذعان لطاعته والانحياش إليه ونبذ عهد البيعة عن قومه بنى يفرن وزناتة فتقبلها جوهر وأضمر الفتك به وتخير لذلك يوم فصوله من بلده وأسر إلى بعض مستخلصيه من الاتباع فأوقعوا نفرة في أعقاب العسكر طار إليها الزعماء من كتامة وصنهاجة وزناتة وتقبض على يعلى فهلك في وطيس تلك الهيعة فغص بالرماح على أيدى رجالات كتامة وصنهاجة وذهب دمه هدرا في القبائل وخرب جوهر مدينة ايفكان وفرت زناتة أمامه وكشف القناع في مطالبتهم (وقد ذكر) بعض المؤرخين ان يعلى انما لقى جوهرا عند منصرفه من الغزاة بمدينة تاهرت وهنالك كانت فتكه به بناحية شلف فتفرقت بعدها جماعة بنى يفرن وذهب ملكهم فلم يجتمعوا الا بعد حين على ابنه بدوى بالمغرب كما نذكره وحلق الكثير منهم بالاندلس كما يأتي خبرهم في موضعه وانقرضت دولة بنى يفرن هؤلاء إلى أن عادت بعد مدة على يد يعلى بفاس ثم استقرت آخر ابسلا وتعاقب فيهم هنالك إلى آخرها كما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن الدولة الثانية لبنى يفرن بسلا من المغرب الاقصى وأولية ذلك وتصاريفه) * لما أوقع جوهر الكاتب قائد المعز بيلعى بن محمد بن أمير بنى يفرن وملك المغرب سنة سبع وأربعين كما ذكرناه وتفرقت جموع بنى يفرن لحق ابنه بدوى بن يعلى بالمغرب الاقصى وأحس بجوهر من ورائه فأبعد المفر وأصحر إلى أن رجع جوهر من المغرب ويقال ان جوهرا تقبض عليه واحتمله أسيرا فاعتقل إلى ان فر من معتقله بعد حين واجتمع عليه قومه من بنى يفرن وكان جوهر عند منصرفه من المغرب ولى على الادارسة المتحيزين إلى الريف وبلاد غمارة الحسن بن كنون شيخ بنى محمد منهم فنزل وأجاز الحكم المنتصر لاول ولايته سنة خمس وثلثمائة وزيره محمد بن قاسم بن طلمس في العساكر لتدويخ المغرب واقتلاع جرثومة الادارسة فأجاز في العساكر وغلبهم على بلادهم وأزعجهم جميعا عن المغرب إلى الاندلس سنة خمس وستين كما ذكرناه ومهد دعوة الاموية بالمغرب وأقبل الحكم مولاه غالبا ورده إلى الثغر لسده وعقد على المغرب ليحيى بن محمد بن هاشم التجيبى صاحب الثغر الا على وكان أجازه مدد الغالب في رجال العرب وجند الثغور حتى إذا انغمس الحكم في علة الفالج وركدت ريح المروانية بالمغرب واحتاجت الدولة إلى رجالها لسد الثغور ودفاع العدو استدعى يحيى بن محمد بن اشم من العدوة وادالة الحاجب المصجعى بجعفر بن على بن حمدون أمير الزاب والمسيلة النازع إليهم من دعوة الشيعة وجمعوا بين الانتفاع به في العدوة والراحة مما يتوقع منه على الدولة ومن البرابرة في التيات الخلابة لما كانوا أصاروا إليه من النكبة وطوقوه

[ 19 ]

من المحنة ولما كان اجتمع بقرطبة من جموع البرابرة فعقدوا له ولاخيه يحيى على المغرب وخلعوا عليهما وأمكنوهما من مال دثر وكسى فاخرة للخلع على ملوك العدوة فنهض جعفر إلى المغرب سنة خمس وستين وضبطه واجتمع إليه ملوك زناتة مثل بدوى بن يعلى أمير بنى يفرن وابن عمه أبو بخت بن عبد الله بن بكار ومحمد بن الخير بن خزر وابن عمه بكساس ابن سيد الغاس وزيرى بن خزروز يرى ومقاتل ابنا عطية بن تبادها وخزرون بن ابن سعيد أمير مغراوة واسمعيل بن البورى أمير مكاسة ومحمد بن ابن محمد الازداخى وكان بدوى بن يعلى من أشدهم قوة وأحسنهم طاعة الحكم وولى مكانه هشام المؤيد وانفرد محمد ابن أبى عامر بحجابته اقتصر من العدوة لاول قيامه على مدينة سبتة فضبطها مجبند السلطان ورجال الدولة وقلدها الصنائع من أرباب السيوف والاقلام وعول في ضبط ما وراء ذلك على ملوك زناتة وتعهدهم بالجوائز والخلع وصار إلى اكرام وفودهم واثبات من رغب في الاثبات في ديوان السلطان منهم فجددوا في ولاية الدولة وبث الدعوة وفسد ما بين أمير العدوة جعفر بن على وأخيه يحيى واقتطع يحيى مدينة لنفسه وذهب بأكثر الرجال ثم كانت على جعفر النكبة التى نكبه برغواطة في غزاته اياهم واستدعاه محمد بن أبى عامر لاول أمره لما رآه من استامته إليه وشد ازره وتلوى عليه كراهية لما يلقى بالاندلس من الحكم ثم وتخلى لاخيه عن عمل المغرب وأجاز البحر إلى ابن أبى عامر فحل منه بالمكان الاثير وتناغت زناتة في التزلف إلى الدولة بقرب الطاعات فزحف خزرون بن فلفول سنة ست وستين إلى مدينة سجلماسة فاقتحمها ومحى دولة آل مدرار منها وعقد له المنصور عليها كما ذكرنا ذلك قبل وزحف عقب هذا الفتح بلكين بن زيرى قائد افريقية للشيعة إلى المغرب سنة تسع وستين زحفه المشهور وخرج محمد بن أبى عامر من قرطبة إلى الجزيرة لمدافعته بنفسه واحتمل من بيت المال مائة حمل ومن العساكر ما لا يحصى عده وأجاز جعفر بن على بن حمدون إلى سبتة وانضمت إليه ملوك زناتة ورجع بلكين عنهم إلى غزو برغواطة إلى أن هلك سنة ثلاث وسبعين كا ذكرناه ورجع جعفر إلى مكانه إلى ابن أبى عامر لم يسمح بمقامه عنه ووصل حسن بن كنون خلال ذلك من القاهرة بكتاب عبد العزيز بن نزار بن معدالى بلكين صاحب افريقية في اعابته إلى ملك المغرب وامداده بالمال والعساكر فأمضاه بلكين لسبيله وأعطاه مالا ووعده باضعافه ونهض إلى المغرب فوجد طاعة المروانية قد استحكمت فيه وهلك بلكين أثر ذلك وشغل ابنه المنصور عن شأنه فدعا لحسن بن كنون إلى نفسه وأنفذ أبو محمد بن أبى عامر بن عمه محمد بن عبد الله ويلقب عسكلاجة

[ 20 ]

لحربه سنة خمس وسبعين وجاء أثره إلى الجزيرة كيما يشارف القصة وأحيط بالحسن بن كنون فسأل الامان وعقد له مقارعه عمر وعسكلاجة وأشخصه إلى الحضرة فلم يمض ابن أبى عامر امامه ورأى ان لا ذمة له لكثرة نكثه فبعث من ثقاته من أتاه برأسه وانقرض أمر الادارسة وانمحى أثرهم فأغضب عمر وعسكلاجة لذلك وامتراح إلى الجند بأقوال نميت عنه إلى المنصور فاستدعاه من العدوة وألحقه بمقتوله ابن كنون وعقد على العدوة للوزير حسن بن أحمد بن عبد الودود السلمى واكثف عدده وأطلق في المال يده ونفذ إلى عمله سنة ست وسبعين فضبط المغرب أحسن ضبط وهابته البرابرة ونزل فاس من العدوة فعز سلطانه وكثر جمعه وانضم إليه ملوك النواحى حتى حذر ابن أبى عامر مغبة استقلاله واستدعاه ليبلو صحة طاعته فأسرع اللحاق به فضاعف تكرمته وأعاده إلى عمله وكان بدوى بن يعلى هذا من بين ملوك زناتة كثير الاضطراب على الاموية والمراوعة لهم بالطاعة وكان لمنصور بن أبى عامر يضرب بينه وبين قرينه زيرى بن عطية ويقرن كلا منهما بمناغاة صاحبه في الاستقامة وكان إلى زيرى أميل وبطاعته أوثق لخلوصه وصدق طويته وانحياشه فكان يرجو ان يتمكن من قياد بدوى بن يعلى بمناغاته فاستدعى بزيرى بن عطية الحضرة سنة سبع وسبعين فبادر إلى القدوم عليه وتلقاه وأكبر موصله وأحسن مقامه ومنقلبه وأعظم جائزته وسام بدوى مثلها فامتنع وقال لرسوله قل لابن أبى عامر متى عهد حمر الوحش تنقاد للبيطارة وأرسل عنانه في العيث ولفساد ونهض إليه صاحب المغرب الوزير حسن بن عبد الودود في عساكره وجموعه من جند الاندلس وملوك العدوة مظاهرا عليه لعدوه زيرى بن عطية وجمع لهم بدوى ولقيهم سنة احدى وثمانين فكان الظهور له وانهزم عسكر السلطان وجموع مغراوة واستلحموا وجرح الوزير حسن بن عبد الودود جراحات كان فيها لليال مهلكه وطار الخبر إلى ابن أبى عامر فاغتم لذك وكتب إلى زيرى بضبط فاس ومكانفة أصحاب حسن وعقد له على المغرب كما نستوفي ذكره عند ذكر دولتهم وغالبه بدوى عليها مرة بعد أخرى ونزع أبو البهار بن زيرى بن مناد الصنهاجى عن قومه ولحق بسواحل تلمسان ناقضا لطاعة الشيعة وخارجا عن أخيه المنصور بن بلكين صاحب القيروان وخاطب ابن أبى عامر من وراء البحر وأوفد عليه ابن أخيه ووجوه قومه فسرب إليه الاموال والصلاة بفاس مع زيرى حسبما نذكره وجمع أيديهما على مدافعة بدوى فساء أمره فيهما جميعا إلى أن راجع أبو البهار ولاية منصور بن أخيه كما نذكره بعد وحاربه زيرى فكان له الظهور عليه ولحق أبو البهار بسبتة ثم عاد إلى قومه واستفحل زيرى من بعد ذلك وكانت بينه وبين بدوى وقعة اكتسح زيرى من ماله ومعسكره مالا كقوله وسبى حرمه واستلحم من قومه

[ 21 ]

زهاء ثلاثة آلاف فارس وخرج إلى الصحراء شريد اسنة ثلاث وثمانين وهلك هناك فولى أمره في قومه حبوس ابن أخيه زيرى بن يعلى ووثب به ابن عمه أبو يداس بن دوناس فقتله طمعا في الرياسة من بعده واختلف عليه قومه فأخفق أمله وعبر البحر إلى الاندلس في جمع عظيم من قومه وولى أمر بنى يفرن من بعده حمامة بن زيرى بن يعلى أخو حبوس المذكور فاستقام عليه أمر بنى يفرن وقد مر ذكره في خبر بدوى غير مرة وانه كانت الحرب بينه وبين زيرى بن عطية سجالا وكانا يتعاقبان ملك فاس بتناول الغلب وانه لما وفد زيرى على المنصور خالفه بدوى إلى فاس فملكها وقتل بها خلقا من مغراوة وانه لما رجع زيرى اعتصم بدوى بفاس فنازله زيرى وعلك من مغراوة وبنى يفرن في ذلك الحصار خلق ثم اقتحمها زيرى عليهم عنوة فقتله وبعث برأسه إلى سدة الخلافة بقرطبة سنة ثلاث وثمانين والله أعلم (ولما) اجمع بنو يفرن على حمامة تحيز بهم إلى ناحية شالة من المغرب فملكها وما إليها من تاذلا واقتطعها من زيرى ولم يزل عميد بنى يفرن في تلك العمالة والحرب بينه وبين زيرى ومغراوة متصلة وكانت بينه وبين المنصور صاحب القيروان مهاداة فأهدى إليه وهو محاصر لعمه حماد بالقلعة سنة ست وأربعمائة وأوفد بهديته أخاه زاوى بن زيرى فلقيه بالطبول والبنود ولما هلك حمامة قام بامر بنى يفرن من بعده أخوه الامير أبو الكمال تميم بن زيرى بن يعلى فاستبد بملكهم وكان مستقيما في دينه مولعا بالجهاد فانصرف إلى جهاد برغواطة وسالم مغراوة وأعرض عن فتنتهم (ولما) كانت سنة أربع وعشرين وأربعمائة تجددت العداوة بين هذين الحيين بنى يفرن ومغراوة وثارت الاحن القديمة وزحف أبو الكمال صاحب شالة وتاذلا وما إلى ذلك في جموع يفرن وبرز إليه حمامة بن المعز في قبائل مغراوة ودارت بيهم حروب شديدة وانكشفت مغراوة وفر حمامة إلى وجدة واستولى الامير أبو الكمال تميم وقومه على فاس وغلبوا مغراوة على عمل المغرب واكتسح تميم اليهود بمدينة فاس واصطلم نعمهم واستباح حرمهم ثم احتشد حمامة من وجدة سائر قبائل مغراوة وزنانة وبعث الحاشدين في قياطينهم لجميع بلاد المغرب الاوسط ووصل إلى تنس صريخا لزعمائهم وكاتب من بعد عنه من رجالاتهم وزحف إلى فاس سنة تسع وعشرين فأفرج عنها أبو الكمال تميم ولحق ببلده ومقر ملكه من شالة وأقام بمكان عمله وموطن امارته منها إلى أن هلك سنة ست وأربعين وولى ابنه حماد إلى أن هلك سنة تسع وأربعين وولى بعده ابنه يوسف إلى أن توفى سنة ثمان وخمسين فولى بعده عمه محمد بن الامير أبى تميم إلى أن هلك في حروب لمتونة حين غلبوهم على المغرب أجمع حسبما نذكره والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين (وأما) أبو يداس بن دوناس قاتل

[ 22 ]

حبوس بن زيرى بن يعلى بن محمد فانه لما اختلف عليه بنو يفرن وأخفق أمله في اجتماعهم له أحاز البحر إلى الاندلس سنة ثنتين وثمانين فرفعه اخوانه أبو قرة وأبو زيد وعطاف فحل كلهم من المنصور محل التكرمة والايثار ونظمه في جملة الرؤساء والامراء واسنى له الجراية ولاقطاع وأثبت رجاله في الديوان ومن أجاز من قومه فبعد صيته وعلا في الدولة كعبه (ولما) افترقت الجماعة وانتثر سلك الخلافة كان له في حروب البربر مع جند الاندلس آثار بعيدة وأخبار غريبة ولما ملك المستعين قرطبة سنة أربعمائة واجتمع إليه من كان بالاندلس من البرابرة لحق المهدى بالثغور واستجاش طاغية الجلالقة فزحف معه إلى غرناطة وخرج المستعين في جموعه من البرابرة إلى الساحل واتبعهم المهدى في جموعه فتواقعوا بوادي ايرة فكانت بين الفريقين جولة عظم بلاء البرابرة وطار لابي يداس فيما ذكر وانهزم المهدى والطاغية وجموعهم بعد أن تضايقت المعركة وأصابت أبا يداس بن دوناس جراحة كان فيها مهلكه ودفن هناك وكان لابنه خلوف وحافده تميم بن خلوف من رجالات زناتة بالاندلس شجاعة ورياسة وكان يحيى بن عبد الرحمن بن أخيه عطاف من رجالاتهم وكان له اختصاص ببنى حمود ثم بالقاسم منهم ولاه على قرطبة أيام خلافته والبقاء لله وحده محمد حبوس بدوى تميم بن خلوف بن يداس بن دوناس يحيى بن عبد الرحمن بن عطاف محمد الخير بن محمد ولاه يعلى على فاس حمامة أحمد بن أبى بكر بن أحمد بن عثمان بن سعيد ولاه يعلى على فاس يوسف بن حماد بن تميم بن زيرى بن يعلى بن محمد بن صالح

[ 23 ]

* (الخبر عن أبى نور بن أبى قرة وما كان له من الملك بالاندلس أيام الطوائف) * هذا الرجل اسمه أبو نور بن أبى قرة بن أبى يفرن من رجالات البربر الذين استظهر بهم قومهم أيام الفتنة تغلب على رندة أزمان تلك الفتن وأخرج منها عامر بن فتوح من موالى الاموية سنة خمس وأربعمائة فملكها واستحدث بها لنفسه سلطانا ولما استفحل أمر ابن عباد باشبيلية واشفى على تملك أجوره من الاعمال والثغور نشأهت الفتنة بينه وبين أبى نور هذا واختلف حاله معه في الولاية والانحراف وسجل له سنة ثلاث وأربعين برنده وأعمالها فيمن سجل له من البربر واستدعاه بعدها سنة خمسين لبعض ولائمه وكاده بكتاب أوقفه عليه على لسان جارية بقصره تشكو إليه ما نال منها ما نال ابنه من المحرم فانطلق إلى بلده وقتل ابنه وشعر بالمكيدة فمات أسفا وولى ابنه الآخر أبو نصر إلى سنة سبع وخمسين فغدر به بعض جنده وخرج هاربا فسقط من السور ومات وتسلم المعتمد رنده من يد ذلك ويقال ن ذلك كان عند كائنة الحمام سنة خمس وأربعين وان أبا نور هلك فيها ولما بلغ الخبر ابنه أبا نصر وقع ما وقع والله أعلم * (الخبر عن مرنجيصة من بطون بنى يفرن وشرح أحوالهم) * كان هذا البطن من بنى يفرن بضواحي افريقية وكانت لهم كثرة وقوة ولما خرج أبو يزيد على الشيعة وكان من أخوالهم بنو واركوا ظاهروه على أمره بما كان له معهم من العصبية ثم انقرض أمره وأخذتهم دولة الشيعة وأولياؤهم صنهاجة وولاتهم على افريقية بالسطوة والقهر وانزال العقوبات بالانفس والاموال إلى أن تلاشوا وأصبحوا في عداد القبائل الغارمة وبقيت منهم احياء نزلوا ما بين القيروان وتونس أهل شاء وبقر وخيام يظعنون في نواحيها وينتحلون الفلح في معاشهم وملك الموحدون افيقية وهم بهذا الحال وضربت عليهم المغارم والضرائب والعسكرة مع السلطان في غزواته بعدة مفروضة يحضرون بها متى استقروا (ولما تغلب) الكعوب من بنى سليم على ضواحي افريقية وأخرجوا منها الزواودة من الرياح أعداء الدولة لذلك العهد واستظهر بهم السلطان عليهم اتخذوا افريقية وطنا من قابس إلى باجة ثم اشتدت ولايتهم للدولة وعظم الاستظهار بهم وأقطعهم ملك الدولة ما شاؤه من الاعمال والخراج فكان في اقطاعهم خراج مرنجيصة ولما وقعت بنو مرين على القيروان وكان بعدها في الفترة ما كان من طحيان الفتنة التى اعتز فيها العرب على السلطان والدولة كان لهؤلاء الكعوب المتغلبين مدد قوى من احياء مرنجيصة هؤلاء من الخيل للحملان والخيالة للاستظهار باعدادهم في الحروب فصار والهم لحمة وخولة وتملكوهم تملك العبيد حتى إذا ذهب الله بحمى الفتنة وأقام مائل الخلافة والدولة

[ 24 ]

بثراة هذا الملك الحفصى إلى الاحق به مولانا السلطان أبى العباس أحمد فانقشع الجو وأضاء الافق ودفع المتغلبين من العرب عن أعماله وقبض أيديهم عن رعاياته وأصار مرنجيصة هؤلاء من صفاياه بعد انزال العقوبة بهم على لياذهم بالعرب وظعنهم معهم فراجعوا الحق وأخلصوا في الانحياش ورجعوا إلى ما ألفوه من الغرامة وقوانين الخراج وهم على ذلك لهذا العهد والله وارث الارض ومن عليها { الخبر عن مغراوة من أهل الطبقة الاولى من زناتة وما كان لهم من الدول بالمغرب ومبدأ ذلك وتصاريفه } هؤلاء القبائل من مغراوة كانوا أوسع بطون زناتة وأهل الباس والغلب منهم ونسبهم إلى مغراوة بن بصلتين بن مسر ابن زاكيا بن ورسيك بن ألديرت بن جانا اخوة بنى يفرن وبنى يرنيان وقد تقدم الخلاف في نسبهم عند ذكر بنى يفرن وأما شعوبهم وبطونهم فكثير مثل بنى يلنث وبنى زنداك وبنى رواو وتزمير وبنى أبى سعيد وبنى ورسيعان والاعواط وبنى ريقة وغيرهم ممن لم يحضرني أسماؤهم وكانت محلاتهم بأرض المغرب الاوسط من شلف إلى تلمسان إلى جبل مدبولة وما إليها ولهم مع اخوانهم بنى يفرن اجتماع وافتراق ومناغاة في أحوال البدو وكان لمغراوة هؤلاء في بدوهم ملك كبير أدركهم عليه الاسلام فأقره لهم وحسن اسلامهم وهاجر أميرهم صولات بن وزمار إلى المدينة ووفد على أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه فلقاه برا وقبولا لهجرته وعقد له على قومه ووطنه وانصرف إلى بلاده محبوا محبورا مغتبطا بالدين مظاهر القبائل مضر فلم يزل هذا دأبه وقيل انه تقبض عليه أسير الاول الفتح في بعض حروب العرب مع البربر قبل أن يدينوا بالدين فأشخصوه إلى عثمان لمكانه من قومه فمن عليه وأسلم فحسن اسلامه وعقد له على عمله فاختص صولات هذا وسائر الاحياء من مغراوة بولاء عثمان وأهل بيته من بنى أمية وكانوا خاصة لهم دون قريش وظاهروا دعوة المروانية بالاندلس رعيا لهذا الولاء على ما تراه بعد في أخبارهم ولما هلك صولات قام بأمره في مغراوة وسائر زناتة من بعده ابنه حفص وكن من أعظم ملوكهم ثم لما هلك قام بأمره ابنه خزر وعند ما تقلص ظل الخلافة عن المغرب الاقصى بعض الشئ وأظلت فتنة ميسرة المقبر ومظفره فاعتز خزر وقومه على أمر المضربة بالقيروان واستفحل ملكهم وعظم شأن سلطانهم على البدو من زناتة بالمغرب الاوسط ثم انتقض أمر بنى أمية بالمشرق فكانت الفتنة بالمغرب فازدادوا اعتزازا وعتوا وهلك خلال ذلك خزر وقام بملكه ابنه محمد وخلص إلى المغرب ادريس الاكبر بن عبد الله بن حسن بن الحسن سنة سبعين ومائة في خلافة الهادى وقام برابرة المغرب من

[ 25 ]

أروبة وصدينة ومقيلة بأمره واستوثق له الملك واقتطع المغرب عن طاعة بنى العباس سائر الايام ثم نهض إلى المغرب الاوسط سنة أربع وسبعين فتلقاه محمد بن خزر هذا وألقى إليه المقادة وبايع له عن قومه وأمكنه من تلمسان بعد ان غلب عليها بنى يفرن أهلها وانتظم لادريس بن ادريس الامر وغلب على جميع اعمال أبيه وملك تلمسان وقام بنوخزر هؤلاء بدعوته كما كانوا لابيه وكان قد نزل تلمسان لعهد ادريس الاكبر أخوه سليمان بن عبد الله بن حسن بن الحسن القادم إليه من المشرق وسجل له بولاية تلمسان من سجل ابنه ادريس لمحمد ابن عمه سليمان من بعده فكانت ولاية تلمسان وأمصارها في عقبه واقتسموا ولاية ثغورها الساحلية فكانت تلمسان لولد ادريس بن محمد بن سليمان وأرشكول لولد عيسى بن محمد وتنس لولد ابراهيم بن محمد بن محمد وسائر الضواحى من اعمال تلمسان لبنى يفرن مغراوة ولم يزل الملك بضواحي المغرب الاوسط لمحمد بن خزر كما قلناه إلى ان كانت دولة الشيعة واستوثق لهم ملك افريقية وسرح عبيد الله المهدى إلى المغرب عروبة بن يوسف الكتامى في عساكر كتامة سنة ثمان وتسعين ومائتين فدوخ المغرب الادنى ورجع ثم سرح بعده مصالة بن حيوص إلى المغرب في عساكر كتامة فاستولى على اعمال الادارسة واقتضى طاعتهم لعبيد الله وعقد على فاس ليحيى بن ادريس بن عمر آخر ملوك الادارسة وخلع نفسه ودان بطاعتهم وعقد له مصالة على فاس وعقد لموسى بن أبى العالية أمير مكناسة وصاحب تارة واستولى على ضواحي المغرب وقفل إلى القيروان وانتقض عمر بن خزر من أعقاب محمد بن خزر الداعية لادريس الكبر وحمل زناتة وأهلا المغرب الاوسط على البرابرة من الشيعة وسرح عبيد الله المهدى مصالة قائد المغرب في عساكر كتامة سنة تسع ولقيه محمد ابن خزر في جموع مغراوة وسائر زناتة ففل عساكر مصالة وخلص إليه فقتله وسرح عبيد الله ابنه أبا القاسم في العساكر إلى المغرب سنة عشر وعقد له على حرب محمد بن خزر وقومه فأجفلوا إلى الصحراء واتبع آثارهم إلى ملوية فلحقوا بسجلماسة وعطف أبو القاسم على المغرب فدوخ أقطاره وجال في نواحيه وجدد لابن أبى العافية على عمله ورجع ولم يلق كيدا (ثم ان الناصر) صاحب قرطبة سماله أمل في ملك العدوة فخاطب ملوك الادارسة وزناتة وبعث إليهم خالصته محمد بن عبيد الله بن أبى عيسى سنة ستة عشر فبادر محمد بن خزر إلى اجابته وطرد أولياء الشيعة من الزاب وملك شلب وتنس من أيديهم وملك وهران وولى عليها ابنه المنير وبث دعوة الاموية في اعمال المغرب الاوسط ما عدا تاهرت في القيام بدعوة الاموية ادريس بن ابراهيم بن عيسى بن محمد بن سليمان صاحب أرشكول ثم فتح الناصر سبتة سنة سبع عشرة من يد الادارسة وأجار موسى بن أبى العالية على طاعته واتصلت يده بمحمد بن خزر

[ 26 ]

وتظاهروا على الشيعد وخالف فلفول بن خزر أخاه محمد إلى طاعة الشيعة وعقد له عبد الله على مغراوة وزحف إلى المغرب حميد بن يصل سنة احدى وعشرين في عساكر كتامة إلى عبد الله على تاهرت فانتهى إلى فاس وأجفلت أمامه ظواعن زناتة ومكاسة ودوخ المغرب وزحف من بعده ميسور الخصى سنة ثنتين وعشرين فحاصر فاسا وامتنعت عليه ورجع ثم انتقض حميد بن يصل سنة ثمان وعشرين وتحيز إلى محمد بن خزر ثم أجاز إلى الناصر وولاه على المغرب الاوسط ثم شغل الشيعة بفتنة أبى يزيد وعظمت آثار محمد بن خزر وقومه من مغراوة وزحفوا إلى تاهرت مع حميد بن يصل قائد الاموية سنة ثلاث وثلاثين وزحف معه الخير بن محمد وأخوه حمزة وعمه عبد الله بن خزر ومعهم يعلى بن محمد في قومه بنى يفرن وأخذوا تاهرت عنوة وقتلوا عبد الله بن بكار وأسروا قائدها ميسور الخصى بعد ان قتل حمزة بن محمد بن خزر في حروبها وكان محمد بن خزر وقومه زحفوا قبل ذلك إلى بسكرة ففتحوا وقتلوا زيدان الخصى ولما خرج اسمعيل من حصار أبى يزيد وزحف إلى المغرب في اتباعه خشية محمد ابن خزر على نفسه لما سلف منه في نقض دعوتهم وقتل أتباعهم فبعث إليه بطاعة معروفة وأوعز إليه اسمعيل بطلب أبى يزيد ووعده في ذلك بعشرين حملا من المال وكان أخوه معبد بن خزر في موالاة أبى يزيد إلى ان هلك وتقبض اسمعيل بعد ذلك على على معبد سنة أربعين وقتله ونصب رأسه بالقيروان ولم يزل محمد بن خزر وابنه الخير متغلبا على المغرب الاوسط ومقاسما فيها ليعلى بن محمد ووفد فتوح بن الخير سنة أربعين على الناصر مع مشيخة تاهرت ووهران فأحازهم وصرفهم إلى اعمالهم ثم حدثت الفتنة بين مغراوة وصنهاجة وشغل محمد بن الخير وابنه خزر بحروبهم وتغلب يعلى بن محمد على وهران وخربها وعقد الناصر لمحمد بن يصل على تلمسان واعمالها وليعلى بن محمد على المغرب واعماله فراجع محمد بن خزر طاعة الشيعة من أجل قريعة يعلى بن محمد ووفد على المعز بعد مهلك أبيه اسمعيل سنة ثنتين وأربعين فأولاه تكرمة وتم على طاعتهم إلى ان حضر مع جوهر في غزاته إلى المغرب باعوام سبع أو ثمان وأربعين ثم وفد على المعز بعد ذلك سنة خمسين وهلك بالقيروان وقد نيف على المائة من السنين وهلك الناصر المروانى عامئذ على حين انتشرت دعوة الشيعة بالمغرب وانقبض أولياء الاموية إلى اعمال سبتة وطنجة فقام بعده ابنه الحكم المستنصر واستأنف مخاطبة ملوك العدوة فأجابه محمد بن الخير بن محمد بن خزر بما كان من أبيه الخير وجده محمد في ولاية الناصر والولاية التى لبنى أمية على آل خزر بوصية عثان بن عفان لصولات بن وزمار جدهم كما ذكرناه فاثخن في الشيعة ودوخ بلادهم ورماه معد بقرينه زيرى بن مناد أمير صنهاجة فعقد له

[ 27 ]

على حرب زناتة وسوغه ما غلب عليه من أعمالهم وجمعوا للحرب سنة ستين ومائتين فلقى بلكين بن زيرى جموعهم بدسيسة من بعض أولياء محمد بن الخير قبل أن يستكمل تعبيتهم فابلى منهم ناسا صبرا واشتدت الحرب بينهم وانهزمت زناتة حتى إذا رأى محمد بن الخير ان قد أحيط به انتبذ إلى ناحية من العسكر وذبح نفسه واستمرت الهزيمة على قومه ووجد منهم في المعركة سبعة عشر أميرا سوى الاتباع وتحيز كل إلى فريقه وولى بعد محمد في مغراوة ابنه الخير وأغرى بلكين بن زيرى الخليفة معد الجعفر بن على ابن حمدون صاحب المسيلة والزاب بموالاة محمد بن الخير فاستراب جعفر وبعث عنه معد لولاية افريقية حتى اعتزم على الرحيل إلى القاهرة فاشتدت استرابته ولحق بالخير ابن محمد وقومه وزحفوا إلى صنهاجة فأتيحت لهم الكرة وأصيب زيرى بن مناد كبير العصابة وبعثوا برأسه إلى قرطبة في وفد من وجوه بنى خزر مع يحيى بن على أخى جعفر ثم استراب بعدها جعفر من زناتة ولحق بأخيه يحيى ونزلوا على الحكم وعقد معه لبلكين ابن زيرى على حرب زناتة وامده بالاموال والعساكر وسوغه ما تغلب عليه من أعمالهم فنهض إلى المغرب سنة احدى وستين وأوغر بالبرابرة منهم وتعرى أعمال وباغاية والمسيلة وبسكرة وأجفلت زناتة امامه وتقدم إلى تاهرت فمحا من المغرب الاوسط آثار زناتة ولحق بالمغرب الاقصى واتبع بلكين آثار الخير بن محمد وقومه إلى سجلماسة فأوقع بهم وتقبض عليهم فقتله صبرا وفض جموعهم ودوخ المغرب وانكف راجعا ومر بالمغرب الاوسط فالتحم بوادي زناتة ومن إليهم من المصاصين ورفع الامان على كل من ركب فرسا أو أنتج خيلا من سائر البربر ونذر دماءهم فأقفر المغرب الاوسط من زناتة وصار إلى ما وراء ملوية من بلاد المغرب الاقصى إلى ان كان من رجوع بنى يعلى بن محمد إلى تلمسان وملكهم اياها ثم هلك بنو خزر بسجلماسة وطرابلس وملك بنى زيرى بن عطية بفاس ما نحن ذاكروه ان شاء الله تعالى

[ 28 ]

يعلى خزون بن فلفول فتح حمزة عطية بن عبد الله سعيد الخير بن محمد بن الخير بن محمد بن خزر من أعقاب محمد بن خزر بن حفص بن صولات بن وزمار { الخبر عن آل زيرى بن عطية ملوك فاس وأعمالها من الطبقة الاولى من مغراوة وما كان لهم بالمغرب الاقصى من الملك والدولة ومبادي ذلك وتصاريفه } كان زير هذا أمير آل خزر في وقته ووارث ملكهم البدوى وهو الذى مهد الدولة بفاس والمغرب الاقصى وأورثها بنيه إلى عهد لمتونة حسبما نستوفي شرحه واسمه زيرى بن عطية بن عبد الرحمن بن خزر وجده عبد الله أخو محمد داعية الناصر الذى هلك بالقيروان كما ذكرناه وكانوا أربعة اخوة محمد ومعبد الذى قتله اسمعيل وفلفول الذى خالف محمد إلى ولاية الشيعة وعبد الله هذا وكان يعرف بأمه واسمها تبادلت وقد قيل ان عبد الله هذا هو ابن محمد بن خزر وأخوه حمزة بن محمد الهالك في حربه مع ميسور عند فتح تاهرت ولما هلك الخير بن محمد كما قلناه بيد بلكين سنة احدى وستين وارتحلت زناتة إلى ما وراء ملوية من الغرب الاقصى وصار المغرب الاوسط كله لصنهاجة واجتمع مغراوة إلى بقية آل خزر وأمراؤهم يومئذ محمد بن خير المذكور ومقاتل وزيرى ابنا مقاتل بن عطية بن عبد الله وخزرون بن فلفول ثم كان ما ذكرناه من ولاية بلكين بن زيرى على افريقية وزحف إلى المغرب الاقصى زحفه المشهور سنة تسع وستين وأجفلت أمامه ملوك زناتة من بنى محمد بن صالح وانحازوا جميعا إلى سبتة وأجاز محمد بن الخير البحر إلى المنصور بن أبى عامر صريخا فخرج المنصور

[ 29 ]

في عساكره إلى الجزيرة ممدا لهم بنفسه وعقد لجعفر بن على على حرب بلكين وأجازه البحر وأمده بمائة حمل من المال فاجتمعت إليه ملوك زناتة وضربوا مصافهم بساحة سبتة واظل عليهم بلكين من جبل تطاون فرأى مالا قبل له به فارتحل عنهم وأشغل نفسه بجهاد برغواطة إلى ان هلك منصرفا من المغرب سنة ثنتين وسبعين كما ذكرناه وعاد جعفر بن على إلى مكانه من الحضرة وساهمه المنصور في حمل الرياسة وبقى المغرب غفلا من الولاية واقتصر المنصور على ضبط سبتة ووكل إلى ملوك زناتة دفاع صنهاجة وسائر أولياء الشيعة وقام يبلو طاعنتهم إلى أن قام بالمغرب الحسن بن كنون من الادارسة بعثه العزيز نزار من مصر لاسترجاع ملكه بالمغرب وأمده بلكين بعسكر من صنهاجة وهلك على ذلك بلكين ودعا الحسن إلى أمره بالمغرب وانضم إليه بدوى بن يعلى بن محمد اليفرنى وأخوه زيرى وابن عمه أبو يداس فيمن إليهم من بنى يفرن فسرح المنصور لحربه ابن عمه أبا الحكم عمرو بن عبد الله بن أبى عامر الملقب عسكلاجه وبعثه بالعساكر والاموال فأجاز البحر وانحاش إليه ملوك آل خزر محمد بن الخير ومقاتل وزيرى ابنا عطية وخزرون بن فلفول في جميع مغراوة وظاهروه على شانه وزحف بهم أبو الحكم بن أبى عامر إلى الحسن بن كنون حتى الجؤه إلى الطاعة وسأل الامان على نفسه فعقد له عمرو بن أبى عامر مارضيه من ذلك وأمكن به من قياده وأشخصه إلى الحضرة فكان من قتله وأخفار ذمة أبى الحكم بن أبى عامر وقتله بعده ما تقدم حسبما ذكرنا ذلك من قبل وكان مقاتل وزيرى ابنا عطية من بين ملوك زناتة أشد الناس انحياشا للمنصور وقياما بطاعة المروانية وكان بدوى بن يعلى وقومه بنو يفرن منحرفين عن طاعتهم ولما انصرف أبو الحكم بن أبى عامر من المغرب عقد المنصور عليه للوزير حسن بن أحمد بن عبد الودود السلمى وأطلق يده في انتقاء الرجال والاموال فأنفذه إلى عمله سنة ست وسبعين وأوصاه بملوك مغراوة من زناتة واستبلغ بمقاتل وزيرى من بنيهم لحسن انحياشهم وطاعتهم وأغراه ببدوى بن يعلى المضطرب الطاعة الشديد المراوغة فنفذ لعمله ونزل بفاس وظبط أعمال المغرب واجتمعت إليه ملوك زناتة وهلك مقاتل بن عطية سنة ثمان وسبعين واستقل برياسة الظواعن البدو من مغراوة واخوة زيرى بن عطية وحسنت مخاللته لابن عبد الودود صاحب المغرب وانحياشه بقومه إليه واستدعاه المنصور من محله بفاس سنة احدى وثمانين اشادة بتكريمه واغراه ببدوى بن يعلى بمنافسته في الحظ وايثار الطاعة فبادر إلى اجابته بعد ان استخلف على المغرب ابنه المعز وأنزله بتلمسان ثغر المغرب وولى على عدوة القرويين من فاس على بن محمود بن أبى على قشوش وعلى عدوة الاندلسيين عبد الرحمن بن عبد

[ 30 ]

الكريم بن ثعلبة وقدم بين يديه هدية إلى المنصور ووفد عليه فاستقبله بالجيوش والعدة واحتفل للقائه وأوسع نزله وجرايته ونوه باسمه في الوزارة وأقطعه رزقها وأثبت رجاله في الديوان ووصله بقيمة هديته وأسنى فيها وأعظم جائزته وجائزة وفده وعجل تسريحه إلى عمله فقفل إلى امارته من المغرب ونمى عنه خلاف ما احتسب فيه من حمطا المعروف وانكار الصنيع والاستنكاف من لقب الوزارة الذى نوه به حتى انه قال لبعض حشمه وقد دعاه بالوزير وزير من يالكع فما والله الا أمير ابن أمير واعجبا من ابن أبى عامر ومخرقته والله لو كان بالاندلس رجل ما تركه على حاله وان له منا ليوما والله لقد تأجرني فيما أهديت إليه حطا للقيم ثم غالطني بما بذله تنبيتا للكرم الا أن يحتسب بثمن الوزارة التى حطنى بها من رتبتي ونمى ذلك إلى ابن أبى عامر فصر عليها أذنه وزاد في اصطناعه وبعث بدوى بن يعلى اليفرنى قريعه في ملك زناتة يدعوه إلى الوفادة فأساء اجابته وقال متى عهد المنصور حمر الوحش تنقاد للبياطرة وأخذ في افساد السابلة والاجلاب على الاحياء والعيث في العمالة فأوعز المنصور إلى عامله بالمغرب الوزير حسن بن عبد الودود بنبذ العهد إليه ومظاهرة عدوه زيرى بن عطية عليه فجمعوا له سنة احدى وثمانين ولقوه فكانت الدائرة عليهم وتخرم العسكر وأثبت الوزير بن عبد الودود جراحة كان فيها حتفه وبلغ الخبر إلى المنصور فشق عليه وأهمه شأن المغرب وعقد عليه لوقته لزيرى بن عطية وكتب إليه بعهده وأمر بضبط المغرب ومكانفة جند السلطان وأصحاب حسن بن عبد الودود فاطلع باعبائه وأحسن الغناء في عمله واستفحل شأن بدوى بن يعلى وبنى يفرن واستغلظوا على زيرى بن عطية وأصلوه نار الفتنة وكانت حروبهم سجالا وسئمت الرعايا بفاس كثرة تعاقبهم عليها وانتزاؤهم على عملها وبعث الله لزيرى بن عطية ومغراوة مددا من أبى البهار بن زيرى بن مناد بما كان انتقض على ابن أخيه منصور بن بلكين صاحب القيروان ونزع عن دعوة الشيعة إلى المروانية واقتفى أثره في ذلك خلوف بن أبى بكر صاحب تاهرت وأخوه عطية لصهر كان بينهما وبين فاقتسموا أعمال المغرب الاوسط ما بين الزاب وأنشريس وهدان وخطبوا في سائر منابرها باسم هشام المؤيد وخاطب أبو البهار من وراء البحر محمد بن أبى عامر وأوفد عليه أبا بكر بن أخيه حيوس بن زيرى في طائفة من أهل بيته ووجوه قومه فاستقبلوا بالحسن مائة قطعة من صنوف الثياب الخز والعبيد وما قيمته عشره آلاف درهم من الآنية والحلى وبخمسة وعشرين ألفا من الدنانير ودعاه إلى مظاهرة زيرى بن عطية على بدوى بن يعلى وقسم بينهما أعمال المغرب شق الابلة حتى لقد اقتسما مدينة فاس عدوة بعد عدوة فلم يرع ذلك بدوى ولاوزعه عن

[ 31 ]

شأنه من الفتنة والاجلاب على البدو والحاضرة وشق عصا الجماعة وانتقض خلوف بن أبى بكر على المنصور لوقته وراجع ولاية المنصور بن بلكين ومرض أبو البهار في المظاهرة عليه للوصلة التى بينهما وقعد عما قام له زيرى بن عطية من حرب خلوف بن أبى بكر وأوقع به زيرى في رمضان سنة احدى وثمانين واستلحمه وكثيرا من أوليائه واستولى على عسكره وانحاش إليه عامة أصحابه وفر عطية شريدا إلى الصحراء ثم نهص على اثرها لبدوي بن يعلى وقومه فكانت بينهم لقاآت انكشف فيها أصحاب بدوى واستلحم منهم زهاء ثلاثة آلاف واكتسح معسكره وسبيت حرمه التى كانت منهن أمه وأخته وتحيز سائر أصحابه إلى فئة زير وخرج شريدا إلى الصحراء إلى ان اغتاله ابن عمه أبو يداس بن دوناس كما ذكرناه وورد خبر الفتحين متعاقبين على المنصور فعظم موقعهما لديه وقد قيل ان مقتل بدوى انما كان عند اياب زيرى من الوفادة وذلك أنه لما استقدمه المنصور ووفد عليه كما ذكرناه خالفه بدوى إلى فاس فملكها وقتل من مغراوة خلقا واستمكن بها أمره فلما رجع زيرى من وفادته امتنع بها بدوى فنازله زيرى وطال الحصار وهلك من الفريقين خلق ثم اقتحمها عليه عنوة وبعث برأسه إلى سدة الخلافة بقرطبة الا أن راوي هذا الخبر يجعل وفادة زيرى على المنصور وقتله لبدوي سنة ثلاث وثمانين فالله أعلم أي ذلك كان (ثم ان زيرى) فسد ما بينه وبين أبى البهار الصنهاجى وتزاحف فأوقع به زيرى وانهزم أبو البهار إلى سبتة موريا بالعبور فبادر بكاتبه عيسى بن سعيد بن القطاع في قطعة من الجند إلى تلقيه فحاد عن لقائه وصاعد إلى قلعة جراوة وقد قدم الرسل إلى ابن أخيه المنصور صاحب القيروان مستميلا إلى أن التحم ذات بينهما ثم تحيز إليه وعاد إلى مكانه من عمله وخلع ما تمسك به من طاعة الاموية وراجع طاعة الشيعة فجمع المنصور لزيرى بن عطية أعمال المغرب واستكفى به في سد الثغر وعول عليه من بين ملوك المغرب في الذب عن الدعوة وعهد إليه بمناجزة أبى البهار وزحف إليه زيرى في أمم عديدة من قبائل زناتة وحشود البربر وفر أمامه ولحق بالقيروان واستولى زيرى على تلمسان وسائر أعمال أبى البهار وملك ما بين السوس الاقصى والزاب فاتسع ملكه وانبسط سلطانه واشتدت شوكته وكتب بالفتح إلى المنصور بمائتين من الخيل وخمسين جملا من المهارى السبق وألف درقة من جلود اللمط وأحال من قسى الزاب وقطوط الغالية والزرافة وأصناف الوحوش الصحراوية كاللمط وغيره وألف حمل من التمر وأحمال من ثياب الصوف الرفيعة كثيرة فجدد له عهده على المغرب سنة احدى وثمانين وأنزل أحياء بانحاء فاس في قياطينهم واستفحل أمر زيرى بالمغرب ودفع بنى يفرن عن فاس إلى نواحى سلا واختط

[ 32 ]

مدينة وجدة سنة أربع وثمانين وأنزلها عساكره وحشمه واستعمل عليها ذويه ونقل إليها ذخيرته وأعدها معتصما وكانت ثغرا للعمالتين المغرب الاقصى والاوسط (ثم فسد) ما بينه وبين المنصور بما نمى عنه من التألف لهشام باستبداد المنصور عليه فسامه المنصور الهضيمة وأبى منها وبعث كاتبه ابن القطاع في العساكر فاستعصى عليه وأمكنه صاحب قلعة حجر النسر منها فأشخصه إلى الحضرة وأحسن إليه المنصور وسماه الناصح وكشف زيرى وجهه في عداوة ابن أبى عامر والاغراء به والتشيع للمؤيد والامتعاض له من هضيمته وحجره فسخطه عند ابن أبى عامر وقطع عنه رزق الوزارة ومحى اسمه من ديوانه ونادى بالبراءة منه وعقد لواضح مولاه على المغرب وعلى حرب زيرى بن عطية الحمات من سائر الطبقات وأزاح عللهم وأمكنه من الاموال للنفقات واحمال السلاح والكسى وأصحبه طائفة من ملوك العدوة كانوا بالحضرة منهم محمد بن الخير وزيرى بن خزر وابن عمهما بكساس بن سيد الناس ومن بنى يفرن أبو بخت بن عبد الله بن مدين ومن ازداجة خزرون بن محمد وأمره بوجوه الجند وفصل من الحضرة سنة سبع وثمانين وسار في التعبية وأجاز البحر إلى طنجة فعسكر بوادي ردات وزحف زيرى بن عطية في قومه فعسكر ازاءه وتواقفا ثلاثة أشهر واتهم واضح رجالات بنى مرزال بالادهان فأشخصهم إلى الحضرة وأغرى بهم المنصور فوبخهم وتنصلوا فصفح عنهم وبعثهم في غير ذلك الوجه ثم تناول واضح أصيلا ونكور فضبطهما واتصلت الوقائع بينه وبين زيرى وبيت واضح معسكر زيرى بنواحي أصيلا وهم غارون فأوقع بهم وخرج ابن أبى عامر من الحضرة لاستشراف أحوال واضح وامداده فسار في التعبية واحتل بالجزيرة عند فرصة المجاز ثم بعث عن ابنه المظفر من مكان استخلافه بالزاهرة وأجاز إلى العدوة واستكمل معه أكابر أهل الخدمة وجلة القواد وقفل المنصور إلى قرطبة واستراع خبر عبد الملك بالمغرب ورجع إليه عامة أصحاب زيرى من ملوك البربر وتناولهم من احسانه وبره ما لم يعهد وامثله وزحف عبد الملك إلى طنجة واجتمع مع واضح وتلوم هناك مزيحا لعلل العسكر فلما استتم تدبيره زحف في جمع لاكفاء له فلقيه زيرى بوادي منى من احواز طنجة في شوال سنة ثمان وثمانين فدارت بينهم حروب شديدة وهم فيها أصحاب عبد الملك وثبت هو وبينما هم في حومة الحرب إذ طعن زيرى بعض المتوزين من أتباعه اهتبل الغرة في ذلك الموقف فطعنه ثلاثا في نحره أشواه بها ومر يشتد نحو المظفر وبشره فاستكذبه لثبوت رؤيته ثم سقط إليه الصحيح فشد عليهم فاستوت الهزيمة وأثخن فيهم بالقتل واستولى على ما كان في عسكرهم مما يذهب فيه الوصف ولحق زيرى بفاس جريحا في قلة فامتنع عليه

[ 33 ]

أهلها ودافعوه بحرمه فاحتملهن وفر أمام العساكر إلى الصحراء وأسلم جميع أعماله وطير عبد الملك بالفتح إلى أبيه فعظم موقعه عنده وأعلن بالشكر لله والدعاء وبث الصدقات وأعتق الموالى وكتب إلى ابنه عبد الملك بعهده على المغرب فأصلح نواحيه وسد ثغوره وبعث العمال في جهاته فأنفذ محمد بن الحسن بن عبد الودود في جند كثيف إلى تادلا واستعمل حميد بن يصل المكناسى على سجلماسة فخرج كل لوجهه واقتضوا الطاعة وحملوا إليه الخراج وأقفل المنصور ابنه عبد الملك في جمادى من سنة تسع وثمانين وعقد على المغرب لواضح فضبطه واستقام على تدبيره ثم عزله في رمضان من سنته بعبيد الله بن أخيه يحيى ثم ولى عليه من بعده اسمعيل بن البورى من بعد بالاخوص معن بن عبد العزيز التجيبى إلى أن هلك المنصور وأعاد المظفر بن المعز بن زيرى من منتبذه بالمغرب الاوسط لولاية أبيه بالمغرب فنزل فاس وكان من خبر زيرى أنه لما استقل من نكبته وهزيمة عبد الملك اياه واجتمع إليه بالصحراء فل مغراوة وبلغه اضطرا ب صنهاجة واختلافهم على باديس بن المنصور بعد مهلك أبيه وأنه خرج عليه بعد عمومته مع ماكس بن زيرى فصرف وجهه حينئذ إلى أعمال صنهاجة ينتهز فيها الفرصة واقتحم المغرب الاوسط ونازل تاهرت وحاصر بها يطوفة بن بلكين وخرج باديس من القيروان صريخا له فلما مر بطبنة امتنع عليه فلفول بن خزرون وخالفه إلى افريقية فشغل بحربه وكان أبو سعيد بن خزرون لحق بافريقية وولاه المنصور على طبنة كما نذكره فلما انتقض سار إليه باديس ودفع حماد بن بلكين في عساكر صنهاجة إلى مدافعة زيرى ابن عطية فالتقيا بوايد ميناس قرب تاهرت فكانت الدائرة على صنهاجة واحتوى زيرى على معسكرهم واستلحم ألوفا منهم وفتح مدينة تاهرت وتلمسان وشلف وتنس وأقام الدعوة فيها كلها للمؤيد هشام ولحاجبه المنصور من بعده ثم اتبع آثار صنهاجة إلى أشير قاعدة ملكهم فأناخ عليها واستأمن إليه زاوى بن زيرى ومن معه من أكابر أهل بيته المنازعين لباديس فأعطاه منه ما سأل وكتب إلى المنصور بذلك يسترضيه ويشترط على نفسه الرهن والاستقامة ان أعيد إلى الولاية ويستأذنه في قدوم زاوى وأخيه علال فأذن لهما وقدما سنة تسعين وسأل أخوهما أبو البهار مثل ذلك وأنفذ رسله يذكر تقدميه فسوفه المنصور لما سبق من نكثه واعتل زيرى بن عطية وهو بمكانه من حصار أشير فأفرج عنها وهلك في منصرفه سنة احدى وتسعين واجتمع آل خزر وكافة مغراوة من بعده على ابنه المعز بن زيرى فبايعوه وضبط أمرهم وأقصر عن محاربة صنهاجة ثم استجدى للمنصور واعتلق بالدعوة العامرية وصلحت حاله عندهم وهلك المنصور خلال ذلك ورغب المعز من ابنه عبد الملك المظفر أن يعيده إلى عمله على مال يحمله

[ 34 ]

إليه وعلى أن يكون ولده معنصر رهينة بقرطبة فأجابه إلى ذلك وكتب له عهدا وأنفذ به وزيره أبا على بن خديم (ونسخته) بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله من الحاجب المظفر سيف الدولة دولة الامام الخليفة هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين أطال الله بقاءه عبد الملك بن المنصور بن أبى عامر إلى كافة مدنى فاس وكافة أهل المغرب سلمهم الله أما بعد أصلح الله شأنكم وسلم أنفسكم وأديانكم فالحمد لله علام الغيوب وفار الذنوب ومقلب القلوب ذى البطش الشديد المبدئ المعيد الفعال لما يريد لاراد لامره ولا معقب لحكمه بل له الملك والامر وبيده الخير والشر اياه نعبد وياه نستعين وإذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله الطيبين وجميع الانبياء والمرسلين والسلام عليكم أجمعين وان المعز بن زيرى بن عطية أكرمه الله تابع رسله لدينا وكتبه متنصلا من هنات دفعته إليها ضرورات ومستغفرا من سيأت حطتها من توبته حسنا والتوبة محاء الذنب والاستغفار منقذ من العيب وإذا أذن الله بشئ يسره وعسى أن تكرهوا شيأ ولكم فيه خير وقد وعد من نفسه واستشعار الطاعة ولزوم الجادة واعتقاد الاستقامة وحسن المعونة وخفة المؤنة فويلناه ما قبلكم وعهدنا إليه أن يعمل بالعدل فيكم وأن يرفع أعمال الجور عنكم وأن يعمر سبلكم وأن يقبل من محسنكم ويتجاوز عن مسيئكم الا في حدود الله تبارك وتعالى وأشهدنا الله عليه بذلك وكفى بالله شهيدا وقد وجهنا الوزير أبا على بن خديم أكرمه الله وهو من ثقاتنا ووجوه رجالنا ليأخذ بشأنه ويؤكد العهد فيه عليه بذلك وأمرناه باشراككم فيه ونحن بأمركم معتنون وأحوالكم مطالعون وأن يقضى على الاعلى للادنى ولا يرتضى فيكم بشئ من الادنى فثقو بذلك واسكنوا إليه وليمض القاضى أبو عبد الله أحكامه مشدود اظهره بنا معقودا سلطانه بسلطاننا ولا تأخذه في الله لومة لائم فذلك ظننا به إذ وليناه وأملنا فيه إذ قلدناه والله المستعان وعليه التكلان لا اله الا هو ولتبلغوا منا سلاما طيبا جزيلا ورحمة الله وبركاته (ولما وصل) إلى المعز بن زيرى عهد المظفر بولايته على المغرب ما عدا كورة سجلماسة فان واضحا مولى المنصور عهد في ولايته على المغرب بها لواندين بن خزرون بن فلفول حسبما نذكره فلم تدخل في ولاية المعز هذه فلما وصله عهد المظفر ضم نشره وثاب إليه نشاطه وبث عماله في جميع كور المغرب وجبى خراجها ولم تزل ولايته متسقة وطاعة رعاياه منتظمة (ولما) افترق أمر الجماعة بالاندلس واختل رسم الخلافة وصار الامر فيها طوائف استحدث المعز في التغلب على سجلماسة وانتزاعها من أيدى بنى واندين بن بن خزرون فأجمع لذلك ونهض

[ 35 ]

إليه سنة سبع وأربعمائة وبرزوا إليه في جموعهم فهزموه ورجع إلى فاس في فل من قومه وأقام على الاضطراب من أمره إلى أن هلك سنة سبع عشرة وولى من بعده بن عمه حمامة بن المعز بن عطية وليس كما يزعم بعض المؤرخين انه ابنه وانما هو اتفاق في الاسماء أوجب هذا الغلط فاستولى حمامة هذا على عملهم واستفحل ملكه وقصده الامراء والعلماء وأتته الوفود ومدحه الشعراء ثم نازعه الامر أبو الكمال تميم بن زيرى ابن يعلى اليفرنى سنة أربع وعشرين من بنى يدوى بن يعلى المتغلبين على نواحى سلا وزحف إلى فاس في قبائل بنى يفرن ومن انضاف إليهم من زناتة وبرز إليه حمامة في جموع مغراوة ومن إليهم فكانت بينهم حروب شديدة أجلت عن هزيمة حمامة ومات من مغراوة أمم واستولى تميم على فاس وأعمال المغرب ولما دخل فاس استباح يهود وسبى حرمهم واصطلم نعمتهم ولحق حمامة بوجدة فامتد من هنالك من قبائل مغراوة من انجاد مديونة وملوية وزحف إلى فاس فدخلها سنة تسع وعشرين وتحيز تميم إلى موضع امارته من سلا وأقام حمامة في سلطان المغرب وزحف إليه سنة ثلاثين وأربعمائة القائد بن حماد صاحب القلعة في جموع صنهاجة وخرج إليه مجمعا حربه وبث القائد عطاه في زناتة واستعبدهم على صاحبهم حمامة فأقصر عن لقائه ولما دفعه بالسلم والطاعة رجع القائد عنه ورجع هو إلى فاس وهلك سنة احدى وثلاثين فولى بعده ابنه دوناس ويكنى أبا العطاف واستولى على فاس وسائر عمل أبيه وخرج عليه لاول أمره حماد بن عمه معنصر بن المعز فكانت له معه حروب ووقائع وكثرت جموع حماد فغلب دوناس على الضواحى وأحجره بمدينة فاس وخندق دوناس على نفسه الخندق المعروف بسياج حماد وقطع حماد جرية الوادي عن عدوة القرويين إلى أن هلك محاصرا لها سنة خمس وثلاثين فاستقامت دولة دوناس وانفسحت أيامه وكثر العمران ببلده واحتفل في تشييد المصانع وأدار السور على أرباضها وبنى بها الحمامات والفنادق فاستبحر عمرانها ورحل التجار إليها بالبضائع وهلك دوناس سنة احدى وخمسين فولى بعده انبه الفتوح ونزل بعدوة الاندلس ونازعه الامر أخوه الاصغر عجيسة وامتنع بعدوة القرويين وافترق أمرهم بافتراقهما وكانت الحرب بينهما سجالا ومجالها بين المدينتين حيث يفضى باب النقبة بعدوة القرويين لهذا العهد وشيد الفتوح باب عدوة الاندلس وهو مسمى به إلى الآن واختط عجيسة باب الجيسة وهو أيضا مسمى به وانما حذفت عينه لكثرة الاستعمال وأقاموا على ذلك إلى أن غدر الفتوح بعجيسة أخيه سنة ثلاث وخمسين وبيته فظفر به وقتله ودهم المغرب اثر ذلك ما دهمه من أمر المرابطين من لمتونة وخشى الفتوح مغبة أحوالهم فأفرج عن فاس وزحف

[ 36 ]

صاحب القلعة بلكين بن محمد بن حماد إلى المغرب سنة أربع وخمسين على عادتهم في عزوه ودخل فاس واحتمل من أكابرهم وأشرافهم رهنا على الطاعة وقفل إلى قلعته وولى على المغرب بعد الفتوح معنصر بن حماد بن معنصر وشغل بحروب لمتونة وكانت له عليهم الوقعة المشهورة سنة خمس وخمسين ولحق بضرية وملك يوسف بن تاشفين والمرابطون فاس وخلف عليها عامله وارتحل إلى غمارة فخالفه معنصر إلى فاس وملكها وقتل العامل ومن معه من لمتونة ومثل بهم بالحرق والصلب ثم زحف إلى مهدى ابن يوسف الكترنائى صاحب مدينة مكناسة وقد كان دخل في دعوة المرابطين فهزمه وقتله وبعث برأسه إلى سكوت البرغواطى صاحب عبتة وقد بلغ الخبر إلى يوسف بن تاشفين فسرح عساكر المرابطين لحصار فاس فأخذوا بمخنقها وقطعوا المرافق عنها إحتى اشتد بأهلها الحصار ومسهم الجهد وبرز معنصر لاحدى الراحتين فكانت الدائرة عليه وفقد في الملحمة ذلك اليوم سنة ستين وبايع أهل فاس من بعده لابنه تميم بن معنصر فكانت أيامه أيام حصار وفتنة وجهد وغلاء وشغل يوسف ابن تاشفين عنهم بفتح بلاد غمارة حتى إذا كان سنة ثنتين وستين وفرغ من فتح غمارة صمد إلى فاس فحاصرها أياما ثم اقتحمها عنوة وقتل بها زهاء ثلاثة آلاف من مغراوة وبنى يفرن ومكناسة وقبائل زناتة وهلك تميم في جملتهم حتى أعوزت مواراتهم فرادى فاتخذت لهم الاخاديد وقبروا جماعات وخلص من نجا من القتل منهم إلى تلمسان وأمر يوسف بن تاشفين بهدم الاسوار التى كانت فاصلة بين العدوتين وصيرهما مصرا وأدار عليهما سورا واحدا وانقرض أمر مغراوة من فاس والبقاء لله سبحانه وتعالى

[ 37 ]

المنتصر الفتوح بن دوناس حمامة بن المعز عجيسة أولاه القديد بن حماد صاحب القلعة منصور بن مصال تميم بن معنصر بن حماد بن معنصر بن المعز بن زيرى بن عطية بن عبد الله بن خزر { الخبر عن بنى خزرون ملوك سجلماسة من الطبقة الاولى من مغراوة وأولية ملكهم ومصائره } كان خزرون بن فلفول من أمراء مغراوة واعيان بنى خزر ولما غلبهم بلكين بن زيرى على المغرب الاوسط تحيزوا إلى المغرب الاقصى وراء ملوية وكان بنو خزر يدينون بالدعوة المروانية كما ذكرناه وكان المنصور بن أبى عامر القائم بدولة المؤيد قد اقتصر لاول حجابته من أحوال العدوة على ضبط سبتة برجال الدولة ووجوه القواد وطبقات العسكر ودفع ما وراءها إلى أمراء زناتة من مغراوة وبنى يفرن ومكناسة وعول في ضبط كوره وسداد ثغوره عليهم وتعهدهم بالعطاء وأفاض فيهم الاحسان فازدلفوا إليه بوجوه التقربات وأسباب الوصائل وكان خزرون بن فلفول هذا زحف يومئذ إلى سجلماسة وبها المعتز من أعقاب آل مدرار فانتزى بها أخوه المنتصر بعد قفول جوهر من المغرب وظفر بأميرهم الشاكر لله محمد بن الفتح فوثب المنتصر من أعقابهم بعده على سجلماسة وتملكها ثم وثب به أخوه أبو محمد سنة ثنتين وخمسين وثلثمائة فقتله وقام بأمر سجلماسة وأعاد بها ملك بنى مدرار وتلقب المعتز بالله فزحف إليه خزرون بن فلفول سنة

[ 38 ]

سبع وستين في جموع مغراوة وبرز إليه المعتز فهزمه خزرون واستولى على مدينة سجلماسة ومحا دولة آل مدرار والخوارج منها آخر الدهر وأقام الدعوة بها للمؤيد هشام فكانت أول دولة أقيمت للمروانيين بذلك الصقح ووجد للمعتز مالا وسلاحا فاحتقنها وكتب بالفتح إلى هشام وأنفذ رأس المعتز فنصب بباب سدته ونسب الاثر في ذلك الفتح لصحابة محمد بن أبى عامر وبين طائره وعقد لخزرون على سجلماسة ومن بعده ابنه وانودين ثم كان زحف زيرى بن مناد إلى المغرب الاقصى سنة تسع وستين وفرت زناتة أمامه إلى سبتة وملك أعمال المغرب وولى عليها من قبله وحاصر سبتة ثم أفرج عنها وشغل بجهاد برغواطة وبلغه أن وانودين بن خزون أغار على نواحى سجلماسة وأنه دخلها عنوة وأخذ عامله وما كان معه من الاموال والذخيرة فدخل إليها سنة ثلاث وتسعين وفصل عنها فهلك في طريقه ورجع وانودين بن خزون إلى سجلماسة وفى اثناء ذلك كان استيلاء زيرى بن عطية بن عبد الله بن خزر على المغرب وملك فاس بعهد هشام ثم انتقض على المنصور آخرا وأجاز ابنه عبد الملك في العساكر إلى العدوة سنة ثمان وثمانين فغلب عليها بنى خزر ونزل فاس وبث العمال في سائر نواحى المغرب لسد الثغور وجباية الخراج وعقد فيما عقد على سجلماسة لحميد بن يصل المكناسى النازع إليهم من أولياء الشيعة فعقد له على سجلماسة حين فر عنها بنو خزرون فملكها وأقام فيها الدعوة ولما قفل عبد الملك إلى العدوة وأعاد واضحا إلى عمله بفاس استأمن إليه كثير من بنى خزر كان منهم وانودين بن خزرون صاحب سجلماسة وابن عمه فلفول بن سعيد فامنهم ثم رجع وانودين إلى عمله بسجلماسة بعد أن تضمن وانودين وفلفول بن سعيد على مال مفروض وعدة من الخيل والدرق يحملان إليه ذلك كل سنة وأعطيا في ذلك أبناءهما رهنا فعقد لهما واضح بذلك واستقل وانودين بعد ذلك بملك سجلماسة منذ اول سنة تسعين مقيما فيها للدعوة المروانية ورجع المعز بن زيرى إلى ولاية المغرب بعهد المظفر ابن أبى عامر سنة ست وتسعين واستثنى عليه فيها أمر سجلماسة لمكان وانودين بها ولما انتثر سلك الخلافة بقرطبة وكان أمر الجماعة والطوائف واستبد أمراء الانصار والثغور وولاة الاعمال بما في أيديهم استبد وانودين هذا بأعمال سجلماسة وتغلب على عمل درعة واستضافه إليه ونهض المعز بن زيرى صاحب فاس سنة سبع وأربعمائة مع جموع من مغراوة يحاول انتزاع هذه الاعمال من يد وانودين فبرز إليه في جموعه وهزموه وكان ذلك سببا في اضطراب أمر المعز إلى أن هلك واستفحل ملك وانودين واستولى على صيرون من أعمال فاس وعلى جميع قصور ملوية وولى عليها من أهل بيته ثم هلك وولى أمره من بعده ابنه مسعود بن وانودين ولم أقف على تاريخ ولايته ومهلك أبيه (ولما)

[ 39 ]

ظهر عبد الله بن ياسين واجتمع إليه المرابطون من لمتونة ومسوفة وسائر المتلثمين وافتتحوا أمرهم بغزو درعة سنة خمس وأربعين فاغاروا على ابل كانت هناك في حى لمسعود بن وانودين وقتل كما ذكرناه في أخبار لمتونة ثم عاودوا الغزو إلى سجلماسة فدخلوها من العام المقبل وقتلوا من كان بها من فل مغراوة ثم تتبعوا من بعد ذلك أعمال المغرب وبلاد سوس وجبال المصامدة وافتتحوا صفروى سنة خمس وخمسين وقتلوا من كان بها من أولاد وانودين وبقية مغراوة ثم افتتحوا حصون ملوية سنة ثلاث وستين وانقرض أمر بنى وانودين كان لم يكن والبقاء لله وحده وكل شئ هالك الا وجهه سبحانه وتعالى لارب سواه ولا معبود الا اياه وهو على كل شئ قدير فلفول بن سعيد قتله عبد الله بن ياسين والمرابطون ملك سجلماسة من يد المعتز بن محمد بن مدرار وعقد له عليها هشام المؤيد مسعود بن وانودين بن خزرون بن فلفول بن خزر { الخبر عن ملوك طرابلس من بنى خزرون بن فلفول من الطبقة الاولى وأولية أمرهم وتصاريف أحوالهم } كان مغراوة وبنو خزر ملوكهم قد تحيزوا إلى المغرب الاقصى أمام لمكين ثم اتبعهم سنة تسع وستين في زحفه المشهور وأحجرهم بساحل سبتة حتى بعثوا صريخهم إلى المنصور وجاءهم إلى الجزيرة مشارفا لاحوالهم وأمدهم بجعفر بن يحيى ومن كان معه من ملوك البربر وزناتة فامتنعوا على بلكين ورجع عنهم فتقرأ أعمال المغرب وهلك في منصرفه سنة ثنتين وسبعين ورجع أحياء مغراوة وبنو يفرن إلى مكانهم منه وبعث المنصور الوزير حسن بن عبد الودود عاملا على المغرب وقدم سنة ست وسبعين واختص مقاتلا وزيرى ابني عطية بن عبد الله بن خزر بمزيد التكرمة ولحق نظراءهما من أهل بيتهما الغيرة من ذلك فنزع سعيد بن خزر بن فلفول بن خزر إلى صنهاجة سنة سبع وسبعين منحرفا عن طاعة الاموية ووافى المنصور بن بلكين ياشير منصرفه من احدى

[ 40 ]

غزواته فتلقاه بالقبول والمساهمة وبالغ في تكرمته وعقد له على عمل طبنة سنة احدى وثمانين وخرج للقائه واحتفل في تكرمته ونزله وأدركه الموت بالقيروان فهلك لسنته ووفد ابنه فلفول من مكان عمله فعقد له على عمل أبيه وخلع عليه وزف إليه بنته وسوغه ثلاثين حملا من المال وثلاثين تختا من الثياب وقرب إليه مراكب بسروج مثقلة وأعطاه عشرة من البنود مذهبة وانصرف إلى عمله وهلك المنصور بن بلكين سنة خمس وثمانين وولى ابنه باديس فعقد لفلفول على عمله بطبنة ولما انتقض زيرى بن عطية على المنصور بن أبى عامر وسرح إليه ابنه المظفر كما قلناه فغلبه على أعمال المغرب ولحق زيرى بالقفر ثم عاج على المغرب الاوسط ونازل ثغور صنهاجة وحاصر تيهرت وبها يطوفت بن بلكين وزحف إليه حماد بن بلكين من أشير في العساكر من تلكاتة ومحمد بن أبى العرب قائد باديس بعثه في عساكر صنهاجة من القيروان مددا ليطوفت وأوغر إلى فلفول وهو باشير ان يكون معهم ولقيهم زيرى بن عطية ففض جموعهم واستولى على معسكرهم واضطربت افريقية فتنة وتنكرت صنهاجة لمن كان بجهاتها من قبائل زناتة وخرج باديس بن المنصور من رقادة في العساكر إلى المغرب ولما مر بطبنة استقدم فلفول بن سعيد بن خزون ليستظهر به على حربه فاستراب واعتذر عن الوصول وسأل تجديد العهد إلى مقدم السلطان فأسعف ثم اشتدت استرابته ومن كان معه من مغراوة فارتحلوا عن طبنة وتركوها ولما أبعد باديس رجع فلفول إلى طبنة فعاث في نواحيها ثم فعل في تيجن كذلك ثم حاصر باغاية وانتهى باديس إلى أشير وفر زيرى بن عطية إلى صحراء المغرب ورجع على باديس بعد أن ولى على تاهرت وأشير عمه يطوفت بن لمكين وانتهى إلى المسيلة فبلغه خروج عمومته ماكس وزاوى وغرم ومقنين فخاف أبو بهار زيرى ولحق بهم من معسكره وبعث باديس في أثرهم عمه حماد بن بلكين ورحل هو إلى فلفول بن سعيد بعدان كان سرح عساكره إليه وهو محاصر باغاية فهزمهم وقتل قائدهم أبا رعبل ثم بلغه وصول باديس فأفرج عنها واتبعه باديس إلى مرجانة فتزاحفوا وقد اجتمع لفلفول من قبائل زناتة والبربر أمم فلم يثبتوا للقاء وانكشفوا عنه وانهزم إلى جبل الحناش ونزل القيطون بما فيه وكتب باديس بالفتح إلى القيروان وقد كان الارجاف أخذ منهم المأخذ وفر كثير منهم إلى المهدية وشرعوا في عمل الدروب بما كانوا يتوقعون من فلفول بن سعيد حين قتل أبارعبل وهزم جيوش صنهاجة وكانت الواقعة آخر سنة تسع وثمانين وانصرف باديس إلى القيروان ثم بلغه ان أولاد زيرى اجتمعوا مع فلفول بن سعيد وعاقدوه ونزلوا جميعا فحصروا تبسة فخرج باديس من القيروان إليهم فافترقوا ولحق العمومة بزيرى بن عطية ما خلا ماكسا وابنه

[ 41 ]

حسنا فانهما أقامامع فلفول ورجع باديس في أثره سنة حدى وتسعين وانتهى إلى بسكرة ففر فلفول إلى الرمال وكان زيرى بن عطية محاصرا لاشير أثناء هذه الفتنة فأفرج عنها ورجع عنها أبو البهار إلى باديس وقفل معه إلى القيروان وتقدم فلفول بن سعيد إلى نواحى قابس وطرابلس فاجتمع إليه من هنالك من زناتة وملك طرابلس على ما نذكره (وذلك) أن طرابلس كانت من أعمال مصر وكان العامل عليها بعد رحيل معد إلى القاهرة عبد الله بن يخلف الكتامى ولما هلك معد رغب بلكين من نزار العزيز اضافتها إلى عمله فأسعفه بها وولى عليها تمصولة بن بكار من خواص مواليه نقله إليها من ولاية بونة فلم يزل عليها إلى أن أرسل إلى الحاكم بمصر يرغب في الكون في حضرته وان يتسلم منه عمل طرابلس وكان برجوان الصقلى يستبد على الدولة وكان يغص بمكان يانس الصقلى منها فأبعده عن الحضرة لولاية برقة ثم لما تتابعت رغبة تمصولة صاحب طرابلس أشار برجوان ببعث يانس إليها فعقدله الحاكم عليها وأمره بالنهوض إلى عملها فوصلها سنة تسعين ولحق تمصولة بمصر وبلغ الخبر إلى باديس فسرح القائد جعفر بن حبيب في العساكر ليصده عنها وزحف إليه يانس فكانت عليه الهزيمة وقتل ولحق فتوح بن على من قواده بطرابلس فامتنع بها ونازله جعفر بن حبيب وأقام عليها مدة وبينما هو محاصر له إذ وصله كتاب يوسف بن عامر عامل قابس يذكر ان فلفول بن سعيد نزل على قابس وانه قاصد إلى طرابلس فرحل جعفر عن البلد إلى ناحية الجبل وجاء فلفول بن سعيد فنزل بمكانه وضاقت الحال بجعفر وأصحابه فارتحلوا مصممين على المناجزة وقاصدين قابس فتخلى فلفول عن طريقهم وانصرفوا إلى قابس وقدم فلفول مدينة طرابلس فتلقاه أهلها ونزل له فتوح بن على عن امارتها فملكها وأوطنها من يومئذ وذلك سنة احدى وتسعين وبعث بطاعته إلى الحاكم فسرح الحاكم يحيى بن على بن حمدون وعقد له على أعمال طرابلس وقابس فوصل إلى طرابلس وارتحل معه فلفول وفتوح بن على بن غفيانان في عساكر زناتة إلى حصار قابس فحاصروها مدة ورجعوا إلى طرابلس ثم رجع يحيى بن على إلى مصر واستبد فلفول بعمل طرابلس وطالت الفتنة بينه وبين باديس ويئس من صريخ مصر فبعث بطاعته إلى المهدى محمد بن عبد الجبار بقرطبة وأوفد إليه رسله في الصريخ والمدد وهلك فلفول قبل رجوعهم إليه سنة أربعمائة واجتمعت زناتة إلى أخيه وروا بن سعيد وزحف باديس إلى طرابلس وأجفل وروا ومن معه من زناتة عنها ولحق باديس من كان بها من الجند فلقوه في طريقه وتمادى إلى طرابلس فدخلها ونزل قصر فلفول وبعث إليه وروا بن سعيد يسأل الامان له ولقومه فبعث إليه

[ 42 ]

محمد بن حسن من صنائعه فاستقدم وفدهم بامانه فوصلهم وروا على نفزاوة والنعيم بن كنون على قسطينة وشرط عليهم أن يرحلوا بقومهم على أعمال طرابلس فرجعوا إلى أصحابهم وأرتحل باديس إلى القيروان وولى على طرابلس محمد بن الحسن ونزل وروا بنفزاوة والنعيم قسطينة (ثم انتقض) وروا سنة احدى وأربعمائة ولحق بجبال ايدمر فتعاقدوا على الخلاف واستضاف النعيم بن كنون نفزاوة إلى عمله ورجع خزرون بن سعيد عن أخيه وروا إلى السلطان باديس وقدم عليه بالقيروان سنة ثنتين وأربعمائة فتقبله ووصله وولاه عمل أخيه نفزاوة وولى بنى محلية من قومه على قفصه وصارت مدن لزناتة وزحف وروا بن سعيد فيمن معه من زناتة إلى طرابلس وبرز إليه عاملها محمد بن حسن فتواقعوا ودارت بينهم حروب شديدة انهزم فيها وروا وهلك الكثير من قومه ثم راجع حصارها وضيق على أهلها فبعث باديس إلى خزرون وأخيه وا النعيم بن كنون وأمراء الجريد من زناتة بأن يخرجوا لحرب صاحبهم فخرجوا إليه وتواقعوا بعبرة ما بين قابس وطرابلس ثم اتفقوا ولحق أصحاب خزرون بأخيه وروا ورجع خزرون إلى عمله واتهمه السلطان بالمداهنة في شأن أخيه وروا فاستقدمه من نفزاوة فاستراب وأظهر الخلاف وسرح السلطان إليه فتوح بن أحمد في العساكر فأجفل عن عمله واتبعه النعيم وسائر زناتة ولحقوا جميعا بوروا بن سعيد سنة أربع وتظاهروا على الخلاف ونصبوا الحرب على مدينة طرابلس واشتد فساد زناتة فقتل السلطان من كان عنده من رهن زناتة واتفق وصول مقاتل بن سعيد نازعا عن أخيه وروا في طائفة من أبنائه وأخواله فقتلوا معهم جميعا وشغل السلطان بحرب عمه حماد ولما غلبه بشلب سنته وانصرف إلى القيروان بعث إليه وروا بطاعته ثم كان مهلك وروا سنة خمس وأربعمائة وانقسم قومه على ابنه خليفة وأخيه خزرون بن سعيد واختلفت كلمتهم ودس حسن بن محمد عامل طرابلس في التصريف بينهم ثم صار أكثر زناتة إلى خليفة وناجز عمه خزرون الحرب فغلبه على القيطون وضبط زناتة وقام فيهم بأمر أبيه وبعث بطاعته إلى السلطان باديس بمكانه من حصار القلعة فتقبلها ثم هلك باديس وولى ابنه المعز سنة ست وانتقض خليفة بن وروا عليه وكان أخوه حماد بن وروا يضرب على أعمال طرابلس وقابس ويواصل عليها الغارة والنهب إلى سنة ثلاث عشرة فانتقض عبد الله بن حسن صاحب طرابلس على السلطان وأمكنه من طرابلس وكان سبب ذلك ان المعز بن باديس لاول ولايته استقدم محمد بن حسن من عمله واستخلف عليه أخاه عبد الله بن حسن وقدم على المعز وفوض إليه أمر مملكته وأقام على ذلك سبعا وتمكنت

[ 43 ]

حاله عند السلطان وكثرت السعاية به فنكب وقتله وبلغ الخبر إلى أخيه فانتقض كما قلناه وامكن خليفة بن وروا وقومه من مدينة طرابلس فقتلوا الصنهاجيين واستولوا عليها ونزل خليفة بقصر عبد الله وأخرجه عنه واستصفى أمواله وحرمه واتصل ملك خليفة ابن وروا وقومه بنى خزرون بطرابلس وخاطب الخليفة بالقاهرة الظاهر بن الحكم سنة سبع عشرة بالطاعة وضمان السابلة وتشييع الرفاق ويحفظ عهده على طرابلس فأجابه إلى ذلك وانتظم في عمله وأوفد في هذه السنة أخاه حمادا على المعز بهديته فتقبلها وكافأه عليها (هذا آخر ما حدث به) ابن الرقيق من أخبارهم ونقل ابن حماد وغيره أن المعز زحف أعوام ثلاثين وأربعمائة إلى زناتة بجهات طرابلس فبرزوا إليه وهزموه وقتلوا عبد الله ابن حماد وسبوا أخته أم العلو بنت باديس ومنوا عليها بعد حين وأطلقوها إلى أخيها ثم زحف إليهم ثانية فهزموه ثم أتيحت له الكرة عليهم فغلبهم وأذعنوا لسطانه واتقوه بالمهادنة فاستقام أمرهم على ذلك وكان خزرون بن سعيد لما غلبه خليفة بن وروا على امارة زناتة لحق بمصر فأقام فيها بدار الخلافة ونشأ بنوه بها وكان منهم المنتصر بن خزرون وأخوه سعيد ولما وقعت الفتنة بين الترك والمغاربة بمصر وغلبهم الترك وأجلوهم عنها لحق المنتصر وسعيد بطرابلس وأقاما في نواحيها ثم ولى سعيد أمر طرابلس ولم يزل واليا عليها إلى أن هلك سنة تسع وعشرين (وقال أو محمد) التيجاني في رحلته عند ذكر طرابلس ولما قتلت زغبة سعيد بن خزرون سنة تسع وعشرين قدم خليفة بن خزرون من القيطون إلى ولايتها فأمكنه منها رئيس الشورى وبها يومئذ من الفقهاء أبو الحسن بن المنتصر المشتهر بعلم الفرائض وبايع له وقام بها خزرون إلى سنة ثلاثين بعدها فقام المنتصر بن خزرون في ربيع الاول منها ومعه عساكر زناتة ففر خزرون بن خليفة من طرابلس مختفيا وملكها المنتصر بن خزرون وأوقع بابن المنتصر ونفاه واتصلت بها امارته انتهى ما نقله التيجاني (وهذا الخبر) مشكل من جهة أن زغبة من العرب الهلاليين وانما جاؤا إلى افريقية من مصر بعد الاربعين من تلك المائة فلا يكون وجودهم بطرابلس سنة تسع وعشرين الا ان كان تقدم بعض أحيائهم إلى افريقية من قبل ذلك فقد كان بنو مرة ببرقة بعثهم الحاكم مع يحيى بن على بن حمدون الا أن ذلك لم ينقله أحد ولم تزل طرابلس بأيدى بنى خزرون الزناتيين ولما وصل العرب الهلاليون وغلبوا المعز بن باديس على أعمال افريقية واقتسموها كانت قابس وطرابلس في قسمة زغبة والبلد لبنى خزرون ثم استولى بنو سليم على الضاحية وغلبوا عليها زغبة ورحلوهم عن تلك المواطن ولم تزل البلد لبنى خزرون وزحف المنتصر بن خزرون مع بنى عدى من قبائل هلال مجلبا على بنى حماد حتى نزل المسيلة ونزل أشير ثم

[ 44 ]

خرج إليهم الناصر ففر أمامه إلى الصحراء ورجع إلى القلعة فرجعوا إلى الاحلاف على اعماله فراسله الناصر على الصلح وأقطعه ضواحي الزاب وريغة وأوعز إلى عروس ابن سندى رئيس بسكرة لعهده أن يمكر به فلما وصل المنتصر إلى بسكرة أنزله عروس ثم قتله غيلة أعوام ستين وأربعمائة وولى طرابلس آخر من بنى خزرون لم يحضرني اسمه واختل ملك صنهاجة واتصل فيهم ملك تلك الاعمال إلى سنة أربعين وخمسمائة ثم نزل بطرابلس ونواحيها في هذا العام مجاعة وأصابهم منها شدة هلك فيها الناس وفروا عنها وظهر اختلال أحوالها وفناء حاميتها فوجه إليها لحار طاغية صقلية اسطولا لحصارها بعد استيلائه على المهدية وصفاقس واستقرار ولايته فيهما ووقع بين أهل طرابلس الخلاف فغلب عليهم جرحى بن ميخايل قائد الاسطول وملكها وأخرج منها بنى خزرون وولى على البلد شيخهم أبا يحيى بن مطروح التميمي فانقرض أمر بنى خزرون منها وبقى منهم من بقى بالضاحية إلى ان افتتح الموحدون افريقية آخر الدولة الصنهاجية والملك لله وحده يؤتيه من يشاء من عباده سبحانه لا اله غيره سعيد بن خزرون المنتصر فلفول زروال خزرون بن خليفة بن وروا بن سعيد بن خزرون بن فلفول بن خزر { الخبر عن بنى يعلى ملوك تلمسان من آل خزر من أهل الطبقة الاولى والالمام ببعض دولهم ومصائرها } قد ذكرنا في أخبار محمد بن خزر وبنيه محمد أن محمد بن الخير الذى قتل نفسه في معركة بلكين كان من ولده الخير ويعلى وأنهما اللذان ثأرا منه بأبيهما زيرى فقتلوه واتبعهم بلكين من بعد ذلك وأجلاهم إلى المغرب الاقصى حتى قتل منهم محمد صبرا أعوام ستين

[ 45 ]

وثلثمائة بنواحي سجلماسة قبل وصول معد إلى القاهرة وولاية بلكين على افريقية وقام بأمر زناتة بعد الخير محمد وعمه يعلى بن محمد وتكررت اجازة محمد بن الخير هذا وعمه يعلى إلى المنصور بن أبى عامر كما ذكرنا ذلك من قبل وغلبهم ابنا عطية بن عبد الله بن خزر وهما مقاتل وزيرى على رياسة مغراوة وهلك مقاتل واختص المنصور زيرى بن عطية باثرته وولاه على المغرب كما ذكرناه وقارن ذلك مهلك بلكين وانتقاض أبى البهار ابن زيرى صاحب المغرب الاوسط على باديس فكان من شأنه مع زيرى ويدوى بن يعلى ما قدمناه ثم استقل زيرى وغلبهم جميعا على المغرب ثم انتقض على المنصور فأجاز إليه ابنه المظفر وأخرج زناتة من المغرب الاوسط فتوغل زيرى في المغرب الاوسط ونازل أمصاره وانتهى إلى المسيلة واشير وكان سعيد بن خزرون قد نزع إلى زناتة وملكوا طبنة واجتمع زناتة بافريقية عليه وعلى ابنه فلفول من بعده وانتقض فلفول على باديس عند زحف زيرى إلى المسيلة واثير وشغل باديس ثم ابنه المنصور على المغرب الاوسط بحروب فلفول وقومه ودفعوا إليه حماد بن بلكين فكانت بينه وبين زناتة حروب سجال وهلك زيرى بن عطية واستقل المعز وابنه بملك المغرب سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة وغلب صنهاجة على تلمسان وما إليها واختط مدينة وجدة كما ذكرنا ذلك كله من قبل ونزل يعلى بن محمد مدينة تلمسان فكانت خالصة له وبقى ملكها وسائر ضواحيها في عقبه ثم هلك حماد بعد استبداده ببلاد صنهاجة على آل بلكين وشغل بنوه بحرب بنى باديس فاستوسق ملك بنى يعلى خلال ذلك بتلمسان واختلفت أيامهم مع آل حماد سلما وحربا ولما دخل العرب الهلاليون افريقية وغلبوا المعز وقومه عليها واقتسموا سائر أعمالها ثم تخطوا إلى اعمال بنى حماد فأحجروهم بالقلعة وغلبوهم على الضواحى فرجعو إلى استئلافهم واستخلصوا الاثبج منهم وزغبة فاستظهروا بهم على زناتة المغرب الاوسط وأنزلوهم بالزاب وأقطعوهم الكثير من أعماله فكانت بينهم وبين بنى يعلى أمراء تلمسان حروب ووقائع وكان زغب أقرب إليهم بالمواطن وكان أمير تلمسان لعهدهم يحيى من ولد يعلى وكان وزيره وقائد حروبه أبا سعيد بن خليفة بن اليفرنى فكان كثيرا ما يخرج بالعساكر من تلمسان لقتال عرب الاثبج وزغبة ويحتشد من إليها من زناتة من أهل المغرب الاوسط مثل مغراوة وبنى يفرن وبنى يلومو وبنى عبد الواد وتوجين وبنى مرين وهلك في بعض تلك الملاحم هذا الوزير أبو سعيد أعوام خمسين وأربعمائة (ثم ملك) المرابطون أعمال المغرب الاقصى بعد مهلك يحيى وولاية ابنه العباس بن يحيى بتلمسان وسرح يوسف بن تاشفين قائده قردلى بن في عساكر لمتونة لحرب من بقى بتلمسان من مغراوة ومن لحق بهم

[ 46 ]

من فل بنى زيرى وقومهم فدوخ المغرب الاوسط وظفر بمعلى بن العباس بن بختى برز لمدافعتهم فهزمه وقتله وانكف راجعا إلى المغرب ثم نهض يوسف بن تافشين بنفسه في جموع المرابطين سنة ثلاث وسبعين فافتتح تلمسان واستلحم بنى يعلى ومن كان بها من مغراوة وقتل العباس بن بختى أميرها من بنى يعلى ثم افتتح وهران وتنس وملك جبل وانشريس وشلب إلى الجزائر وانكف راجعا وقد محى أثر مغراوة من المغرب الاوسط وأنزل محمد بن تينعمر المسوفى في عسكر من المرابطين بتلمسان واختط مدينة تاكرارت بمكان معكسره وهو اسم المحلة بلسان البربر وهى التى صارت اليوم مع تلمسان القديمة التى تسمى أكادير بلدا واحدا وانقرض أمر مغراوة من جميع المغرب كان لم يكن والبقاء والله وحده سبحانه معلى بن العباس بن بختى بن بن يعلى بن محمد بن الخير بن محمد بن خزر * (الخبر عن أمراء اغمات من مغراوة) * لم أقف على أسماء هؤلاء الا انهم أمراء بأغمات آخر دولة بنى زيرى بفاس وبنى يعلى اليفرنى بسلا وتادلا في جوار المصامدة وبر غواطة وكان لقوط بن يوسف بن على آخرهم في سنى الخمسين وأربعمائة وكانت امرأته زينب بنت اسحق النفزاوية من احدى نساء العالم المشهورات بالجمال والرياسة ولما غلب المرابطون على اغمات سنة تسع وأربعين فر لقوط هذا إلى تادلا سنة احدى وخمسين وقتل الامير محمد واستلحم بنى يفرن فكان فيمن استلحم وخلفه أبو بكر بن عمر أمير المرابطين على زينب بنت اسحق حتى إذا ارتحل إلى الصحراء سنة ثلاث وخمسين واستعمل ابن عمه يوسف بن تاشفين على المغرب نزل له عن زوجه زينب هذه فكان لها رياسة أمره وسلطانه وما أشارت إليه عند مرجع أبى بكر من الصحراء في اظهار الاستبداد حتى تجافى عن منازعته وخلص ليوسف بن تاشفين ملكه كما ذكرناه في أخبارهم ولم نقف من لقوط بن يوسف وقومه على غير هذا الذى كتبناه والله ولى العون سبحانه { الخبر عن بنى سنجاس وريغة والاغواط وبنى ورا من قبائل مغراوة من أهل الطبقة الاولى وتصاريف أحوالهم } هذه البطون الاربعة من بطون مغراوة وقد زعم بعض الناس أنهم من بطون زناتة غير مغراوة أخبرني بذلك الثقة عن ابراهيم بن عبد الله التمروغتى قال وهو نسابة زناتة لعهده ولم تزل هذه البطون الاربعة من أوسع بطون مغراوة (فأما) بنو سنجاس فلهم مواطن في كل عمل من افريقية والمغربين فمنهم قبلة المغرب الاوسط بجبل راشد وجبل كريكرة وبعمل الزاب وببلاد شلب ومن بطونهم بنو عيار ببلاد شلب أيضا وبنو عيار

[ 47 ]

بأعمال قسنطينة وكان بنو سنجاس هؤلاء من أوسع القبائل وأكثرهم عددا وكان لهم في فتنة زناتة وصنهاجة آثار بافريقية والمغرب وأكثرها في افساد السبيل والعيث في المدن ونازلوا قفصة سنة أربع عشرة وخمسمائة بعد ان عاثوا بجهات القصر وقتلوا من وجدوا هنالك من عسكر تلكاتة وخرجت إليهم حامية قفصة فأثخنوا فيهم ثم كثر فسادهم وسرح السلطان قائده محمد بن أبى العرب في العساكر إلى بلاد الجريد فشردهم عنها وأصلح السابلة ثم عادوا إلى مثلها سنة خمس عشرة فأوقع بهم قائد بلاد الجريد وأثخن فيهم بالقتل وحمل رؤسهم إلى القيروان فعظم الفتح ولم تزل الدولة فيهم بالقتل والاثخان إلى أن كسروا من شوكتهم وجاء العرب الهلاليون وغلبوا على الضواحى كل من كان بها من صنهاجة وزناتة وتحيز فلهم إلى الحصون والمعاقل وضربت عليهم المغارم الا ما كان ببلاد المغرب القفر مثل جبل راشد فانهم لبعدهم عن منازل الملك لا يعطون مغرما الا أنه غلب عليهم العمور من بطون الهلاليين ونزلوا معهم وملكوا عليهم أمرهم وصاروا لهم فيه ومن بنى سنجاس من نزل الزاب وهم لهذا العهد أهل مغارم لمن غلب على ثغورهم من مشايخهم وأما من نزل منهم ببلاد شلب ونواحى قسنطينة فهم لهذا العهد أهل مغارم للدول وكان دينهم جميعا الخارجية على سنن زناتة في الطبقة الاولى ومن بقى منهم اليوم بالزاب فعلى ذلك ومن بنى سنجاس هؤلاء بأرض المشيل من جبل بنى راشد وطنوا جبلا في جواره غمرة وصاروا عند تغلب الهلاليين في ملكهم يقبضون الاتاوة منهم ونزل منهم لهذا العهد الصحارى من بطون عروة من زغبة وغلبوهم على أمرهم وأصاروهم خولا (وأما بنو ريغة) فكانوا أحياء متعددة ولما افترق أمر زناتة تحيز منهم إلى جبل عياض وما إليه من البسيط إلى تعاوس وأقاموا في قياطينهم فمن كان بجبل عياض منهم أهل مغارم لامراء عباض يقبضونها للدولة الغالبة ببجاية وأما من كان ببسيط تعاوس فهم في اقطاع العرب لهذا العهد ونزل أيضا الكثير منهم ما بين قصور الزاب وواركلا فاختطوا قصورا كثيرة في عدوتى واد ينحدر من المغرب إلى المشرق يشتمل على المصر الكبير والقرية المتوسطة والاطم قد رف عليها الشجر ونضدت حفا فيها النخيل وانساحت خلالها المياه وزهت ينابعها الصحراء وكثر في قصورها العمران من ريغه هؤلاء وبهم تعرف لهذا العهد وهم أكثرها ومن بنى سنجاس وبنى يفرن وغيرهم من قبائل زناتة وتفرقت جماعتهم للتنازع في الرياسة فاستقلت كل طائفة منهم بقصور منها أو بواحد ولقد كانت فيما يقال أكثر من هذا العدد أضعافا وان ابن غانية الستوفى حين كان يجلب على بلاد افريقية والمغرب في فتنته مع الموحدين خرب عمرانها واجتث شجرها وغور مياهها ويشهد لذلك آثار

[ 48 ]

العمران بها في اطلال الديار ورسوم البناء واعجاز النخل المنقعر وكان هذا العمل يرجع في أول الدولة الحفصية لعامل الزاب وكان من الموحدين ونزل بسكرة ما بينها وبين مغرة وكان من اعماله قصور واركلا أيضا ولما فتك المنتصر بمشيخة الزواودة كما قلناه في أخباره وقتلوا بعد ذلك عامل الزاب بن عتوا من مشيخة الموحدين وغلبوا على ضواحي الزاب وواركلا وأقطعتهم اياها الدول بعد ذلك فصارت في اقطاعهم ثم عقد صاحب بجاية بعد ذلك على العمل كله لمنصور بن مزنى واستقر في عقبه فربما يسيمون بعض الاحيان أهل تلك القصور المغرم للسلطان بما كان من الامر القديم ويعسكر عليهم في ذلك كتائب رجل الزاب وخيالة العرب ويبرز عليها بأمر الزواودة ثم يقاسمهم فيما يمتريه منهم وأكبر هذه الامصار يسمى تقرت مصر مستبحر العمران بدوى الاحوال كثير المياه والنخل ورياسته في بنى يوسف بن عبد الله وتغلب على واركلا من يد أبى بكر بن موسى لزمان حداثته وأضافها إلى عمله ثم هلك وصار أمر تقرت لاخيه مسعود ابن عبيد الله ثم لابنه حسن بن مسعود ثم لابنه أحمد بن حسن شيخها لهذا العهد وبنو يوسف بن عبد الله هؤلاء من ريغة ويقال انهم من سنجاس وفى أهل تلك الامصار من المذاهب الخوارج وفرقهم كثير وأكثرهم على دين العزابية ومنهم النكارية أقاموا على انتحال هذه الخارجية لبعدهم عن منال الاحكام ثم بعد مدينة تقرت بلد تماسين وهى دونها في العمران والخطة ورياسته لبنى ابراهيم بن من ريغة وسائر أمصارهم كذلك كل مصر منها مستبد بأمره وحرب نجاره (وأما لقواط) وهم فخذ من مغراوة أيضا فهم في نواحى الصحراء ما بين الزاب وجبل راشد ولهم هنالك قصر مشهور بهم فيه فريق من أعقابهم على سغب من العيش لتوغلهم في القفر وهم مشهورون بالنجدة والامتناع من العرب وبينهم وبين الروس أقصى عمل الزاب مرحلتان وتختلف قصودهم إليهم لتحصيل المرافق منهم والله يخلق ما يشاء ويختار (وأما بنو ورا) فهم فخذ من مغراوة أيضا ويقال من زناتة وهم متشعبون ومفترقون بنواحي المغرب منهم بناحية مراكش والسوس ومنهم ببلاد شلب ومنهم بناحية قسنطينة ولم يزالوا على حالهم منذ انقراض زناتة الاولين وهم لهذا العهد أهل مغارم وعسكرة مع الدول وأكثر الذين كانوا بمراكش قد انتقل رؤساؤهم إلى ناحية شلب نقلهم يوسف بن يعقوب سلطان بنى مرين في أول هذه المائة الثامنة لما ارتاب بأمرهم في تلك الناحية وخشى من افسادهم وعيثهم فنقلهم في عسكر إلى موطن شلب لحمايته فنزلوا به ولما ارتحل بنو مرين من بعد مهلك يوسف بن يعقوب أقاموا ببلاد شلب فأعقابهم بها لهذا العهد وأحوالهم جميعا في كل قطر متقاربة في المغرم والعسكرة

[ 49 ]

مع السلطان ولله الخلق والامر جميعا سبحانه لا اله الا هو الملك العظيم * (الخبر عن بنى يرنيان اخوة مغراوة وتصاريف أحوالهم) * وهم منبثون كثيرا بين زناتة في المواطن وأما الجمهور منهم فموطنهم بملوية من المغرب الاقصى ما بين سجلماسة وكرسيف كانوا هناك مجاورين لمكناسة في مواطنهم واختطوا حفافى وادى ملوية قصورا كثيرة متقاربة الخطة ونزلوها وتعددت بطونهم وأفخاذهم في تلك الجهات ومنهم بنو وطاط متوطنون لهذا العهد بالجبال المطلة على وادى ملوية من جهة القبلة ما بينه وبين تازى وفاس وبهم تعرف تلك القصور لهذا العهد وكان لبنى يرنيان هؤلاء صولة واعتزاز وأجاز الحكم المستنصر منهم والمنصور بن أبى عامر من بعده فيمن أجازوه من زناتة في المائة الرابعة وكانوا من أفحل جند الاندلس وأشدهم شوكة وبقى أهل المواطن منهم في مواطنهم مع مكناسة أيام ملكهم بالمغرب الاقصى ولما ملك لمتونة والموحدون من بعدهم لحق الطواعن منهم بالقفر فاختطوا بأحياء بنى مزين الموالين لتلول المغرب من زناتة أقاموا معهم في أحيائهم وبقى من عجز عن الظعن منهم بمواطنهم مثل بنى وطاط وغيرهم ففرضت عليهم المغارم والجبايات ولما دخل بنو مزين للمغرب ساهموهم في اقتسام أعماله وأقطعوهم البلد الطيب من ضواحي سلا والمعمورة زيادة إلى وطنهم الاول بملوية وأنزلوهم بنواحي سلا بعد أن كان منهم انحراف عنهم في سبيل المدافعة عن أوطانهم الاولى ثم اصطلحوا ورعى لهم بنو عبد الحق سابقتهم معهم فاصطفوهم للوزارة والتقدم في الحرب ودفعوهم إلى المهمات وخلطوهم بانفسهم وكان من أكابر رجالاتهم لعهد السلطان أبى يعقوب وأخيه أبى سعيد الوزير ابراهيم بن عيسى استخلصوه للوزارة مرة بعد أخرى واستعمله السلطان أبو سعيد على وزارة ابنه أبى على ثم لوزارته واستعمل ابنه السلطان أبو الحسن ابناء ابراهيم هذا في أكابر الخدمة فعقد لمسعود بن ابراهيم على أعمال السوس عندما فتحها أعوام الثلاثين والسبعمائة ثم عزله بأخيه حسون وعقد لحسون على بلاد الجريد من افريقية عند فتحه اياها سنة ثمان وأربعين وكان فيها مهلكه ونظم أخاهما موسى في طبقة الوزارة ثم أفرده بها أيام نكبته والحاقه بجبل هنتاتة واستعمله السلطان أبو عنان بعد في العظيمات وعقد له على أعمال مدو يكش بنواحي قسنطينة ورشح ابنه محمد السبيع لوزارته إلى ان هلك وتقلبت بهم الايام بعده وقلد عبيد الحميد المعروف بحلى بن السلطان أبى على وزارته محمد بن السبيع بعد هذا أيام حصاره لدار ملكهم سنة ثنتين وستين كما نذكره في أخبارهم فلم يقدر لهم الظفر ثم راجع السبيع بعدها إلى محله من دار السلطان وطبقة الوزارة ومازال يتصرف في الخدم الجليلة والاعمال

[ 50 ]

الواسعة ما بين سجلماسة ومراكش وأعمال تازى وتادة وغمارة وهو على ذلك لهذا العهد والله وارث الارض ومن عليها سبحانه لا اله غيره * (الخبر عن وجديجن واوغمرت من قبائل زناتة ومبادي أحوالهم وتصاريفهم) * قد تقدم أن هذين البطنين من بطون زناتة من ولد ورتنيص بن جانا وكان لهم عدد وقوة ومواطنهم مفترقة في بلاد زناتة فأما وجديجن فكان جمهورهم بالمغرب الاوسط ومواطنهم منه منداس مابين بنى يفرن من جانب المغرب ولواتة من جانب القبلة في السرسو ومطماطة في جانب الشرق في وانشريس وكان أميرهم لعهد يحيى بن محمد اليفرنى رجل منهم اسمه عنان وكان بينهم وبين لواتة الموطنين بالسرسو فتنة متصلة يذكر أنها بسبب امرأة من وجديجن نكحت في لواتة وتلاحا معها نساء قيطونهم فعيرنها بالفقر فكتبت بذلك لى عنان تدمره فغضب واستجاش أهل عصبته من زناتة وجيرانه فزحف معه يعلى في بنى يفرن وكلمام بن حياتي في مغيلة وغرابة في مطماطة ودارت الحرب بينهم وبين لواتة مليا ثم غلبوا لواتة على بلاد السرسو وانتهوا بهم إلى كدية لعابد من آخرها وهلك عنان شيخ وجد يجن في بعض تلك الوقائع بملاكوا من جهات السرسو ثم لجأت زناتة إلى جبل كريرة قبلة السرسو وكان يسكنه أحياء من مغراوة يعرف شيخهم لذلك العهد علاهم ربيب شيخهم عمر بن تامصا الهالك قبله ومعنى تامصا بلسان البربر الغول ولما لجأت لواتة إليه غدر بهم وأغرى قومه فوضعوا أيديهم فيهم قتلا وسلبا فلاذوا بالفرار ولحقوا بجبل معود وجبل دراك فاستقروا هناك آخر الدهر وورثت وجديجن مواطنهم بمنداس إلى ان غلبهم عليها بنو يلومين وبنو ومانو كل من جهته ثم غلب الآخرين عليها بنو عبد الواد وبنو توجين إلى هذا العهد والله وارث الارض ومن عليها (وأما أو غمرت) ويمسى لهذا العهد غمرت وهم اخوة وجديجن من ولد ورتنيص بن جانا كما قلناه فكانوا من أوفر القبائل عددا ومواطنهم متفرقة وجمهورهم بالجبال إلى قبلة بلاد صنهاجة من المستنتل إلى الدونس وكان لهم مع أبى يزيد صاحب الحمار في الشيعة آثار وأوقع بهم اسمعيل القائم عند ظهوره على أبى يزيد وأثخن فيهم وكذلك بلكين وصنهاجة من بعده ولما افترق أمر صنهاجة لحماد وبنيه كانوا شيعا لهم على بلكين ونزع عن حماد أيام متنته ابن أبى حلى من مشيختهم وكان مختصا بهم إلى باديس فوصله وحمل أصحابه وعقد له على طبنة وأعمالها حتى إذا جاء العرب الهلاليون وغلبوهم على الضواحى اعتصموا بتلك الجبال قبلة المسيلة وبلاد صنهاجة وقعدوا بها عن الظعن وتركوا القيطون إلى سكنى المدن ولما تغلب الزواودة على ضواحي الزاب وما إليها أقطعتهم الدولة مغارم هذه الجبال التى تعمرت وهم لهذا العهد

[ 51 ]

في سهمان أولاد يحيى بن على بن سباع من بطونهم وكان في القديم من غمرت هؤلاء كاهن زناتة موسى بن صالح مشهور عندهم حتى الان ويتناقلون بينهم كلماته برطانتهم على طريق الرجز فيها أخبار بالحدثان فيما يكون لهذا الجيل الزناتى من الملك والدولة والتغلب على الاحياء والقبائل والبلدان شهد كثير من الواقعات على وفقها بصحتها حتى لقد نقلوا من بعض كلماته ما معناه باللسان العربي ان تلمسان مآلها الخراب وتصير دورها فدنا حتى يثير أرضها حراث أسود يثور أسود أعور وذكر الثقات انهم عاينوا ذلك بعد انتشار كلماته هذه أيام لحقها الخراب في دولة بنى مزين الثانية سنة ستين وسبعمائة وأفرط الخلاف بين هذا الجيل الزناتى في التشيع له والحمل عليه فمنهم من يزعم انه نبى أو ولى وآخرون يقولون كاهن شيطان ولم توقفنا الاخبار الصحيحة على الجلى من أمره والله سبحانه وتعالى أعلم لارب غيره { الخبر عن بنى واركلا من بطون زناتة والمصر المنسوب إليهم بصحراء افريقية وتصاريف أحوالهم } بنو واركلا هؤلاء احدى بطون زناتة كما تقدم من ولد فرنى بن جانا وقد مر ذكرهم وان اخوتهم الديرت ومرنجيصه وسبرترة ونمالة والمعروفون لهذا العهد منهم بنوا واركلا وكانت فئتهم قليلة وكانت مواطنهم قبلة الزاب واختطوا المصر المعروف بهم لهذا العهد على ثمان مراحل من بسكرة في القبلة عنها ميامنة إلى المغرب بنوها قصورا متقابلة متقاربة الخطة ثم استبحر عمرانها فأتلفت وصارت مصرا واحدا وكان معهم هناك جماعة من بنى زنداك من مغراوة واليهم كان هرب أبى زيد النكارى عند فراره من الاعتقال سنة خمس وعشرين وثلثمائة وكان مقامه بينهم سنة يختلف إلى بنى برزال قبلة المسيلة بسالات والى قبائل البربر بجبل أوراس يدعوهم جميعا إلى مذهب النكارية إلى أن أرتحل إلى أوراس واستبحر عمران هذا المصر واعتصم به بنو واركلا هؤلاء والكثير من ظواعن زناتة عند غلب الهلاليين اياهم على الضواحى واختصاص الاثبج بضواحي القلعة والزاب وما إليها ولما استبد الامير أبو زكريا بابن أبى حفص بملك افريقية وجال في نواحيها في اتباع بن غانية مر بهذا المصر فأعجبه وكلف بالزيادة في تمصيره فاختط مسجده العتيق وماذنته المرتفعة وكتب عليها اسمه وتاريخ وضعه نقشا في الحجر وهذا البلد لهذا العهد باب لولوج السفر من الزاب إلى المفازة الصحراوية المفضية إلى بلاد السودان يسكنها التجار الداخلون لها بالبضائع وسكانه لهذا العهد من بنى واركلا واعقاب اخوانهم من بنى يفرن ومغراوة ويعرف رئيسه باسم السلطان شهرة غير نكيرة بينهم ورياسته لهذه الاعصار مخصوصة ببنى أبى عبدل ويزعمون انهم

[ 52 ]

من بنى واكين احدى بيوت بنى واركلا ولهذا العهد أبو بكر بن موسى بن سليمان من بنى أبى عبدل ورياستهم متصلة في عمود هذا النسب وعلى عشرين مرحلة من هذا في القبلة منحرفا إلى المغرب بيسير بلد تكرت قاعدة وطن الملثمين وركاب الحجاج من السودان اختطه الملثمون من صنهاجة وهم سكانه لهذا العهد وصاحبه أمير من بيوتاتهم يعرفونه باسم السلطان وبينه وبين أمير الزاب مراسلة ومهاداة (ولقد) قدمت على بسكرة سنة أربع وخمسين أيام السلطان أبى عنان في بعض الاغراض السلطانية ولقيت رسول صاحب تكرت عند يوسف بن مزنى أمير بسكرة وأخبرني عن استبحار هذا المصر في العمارة ومرور السابلة وقال لى اجتاز بنا هذا العام سفر من تجار المشرق إلى بلد مالى كانت ركابهم اثنى عشر ألف راحلة وذكر لى غيره أن ذلك هو الشأن في كل سنة وهذا البلد في طاعة سلطان مالى من السودان كما في سائر الصحراوية المعروفة بالملثمين لهذا العهد والله غالب على أمره سبحانه * (الخبر عن دمر من بطون زناتة ومن ولى منهم بالاندلس وأولية ذلك ومصائره) * بنو دمر هؤلاء من زناتة وقد تقدم أنهم من ولد ورسيك بن الديرت بن جانا وشعوبهم كثيرة وكانت مواطنهم بافريقية في نواحى طرابلس وجبالها وكان منهم آخرون ظواعن من عرب افريقية ومن بطون بنى دمر هؤلاء بنو ورغمة وهم لهذا العهد مع قومهم بجبال طرابلس ومن بطونهم أيضا بطن متسع كثير الشعوب وهم بنو وريندين ابن وانتن بن وارديرن بن دمروان من شعوبهم بنى ورتاتين وبنى عزرول وبنى تغورت وربما يقال ان هؤلاء الشعوب لا ينتسبون إلى بنى وريندين كما تقدم وبقايا بنى وريندين لهذا العهد بالجبل المطل على تلمسان بعد ان كانوا في البسيط قبلته فزاحمهم بنو راشد حين أجلوهم من بلادهم بالصحراء إلى التل وغلبوهم على تلك البسائط فانزاحو إلى الجبل المعروف بهم لهذا العهد وهو المطل على تلمسان وكان قد أجاز إلى الاندلس من بنى دمر هؤلاء أعيان ورجالات حرب فيمن أجاز إليها من زناتة وسائر البربر أيام أخذهم بدعوة المنتصر فضمهم السلطان إلى عسكره واستظهر بهم المنصور بن أبى عامر من بعد ذلك على شأنه وقوى بهم المستعين أديم دولته ولما اعصوصب البربر على المستعين وبنى حمود من بعده وغالبوا جنود الاندلس من العرب وكانت الفتنة الطويلة بينهم التى نثرت سلك الخلافة وفرقت شمل الجماعة واقتسموا خطط الملك وولايات الاعمال وكان من رجالاتهم نوح الدمرى وكان من عظماء أصحاب المنصور وولاه المستعين أعمال مورور واركش فاستبد بها سنة أربع في عمار الفتنة وأقام بها سلطانا لنفسه إلى أن هلك سنة ثلاث وثلاثين فولى ابنه أبا مناد محمد بن نوح وتلقب بالحاجب عز الدولة في فرن شان ملوك الطوائف وكانت بينه وبين ابن عباد شأن

[ 53 ]

غرب الاندلس ومر المعتضد في بعض أسفاره بحصن أركش وتطوف به مختفيا فقبض عليه بعض أصحاب بن نوح وساقه إليه فخلى سبيله وأولاه كرامة احتسبها عنده يدا وذلك سنة ثلاث وأربعين فانطلق إلى دار ملكه ورجع بعدها إلى ولاية الملوك الذين حوله من البربر وأسجل لابن نوح هذا على عمل اركش ومورور فيمن أسجل له منهم فصاروا إلى مخالصته إلى أن استدعاهم سنة خمس وأربعين بعدها إلى صنع ودعا إليه الجفلى من أهل أعماله واختصه بدخول حمام أعده لهم استبلاغا في تكريمهم وتخلف ابن نوح عنده من بينهم فلما حصلوا داخل الحمام أطبقه عليهم وسد المنافس للهوى دونهم إلى أن هلكوا ونجا منهم ابن نوح لسالفة يده وطير في الحين من تسلم معاقلهم وحصونهم فانتظمها في أعماله وكان منها رندة وشريش وسائر أعمالها وهلك من بعد ذلك الحاجب أبو مناد بن نوح سنة وولى ابنه أبو عبد الله ولم يزل المعتضد يضايقه إلى أن انخلع سنة ثمان وخمسين فانتظمها في أعماله وسار إليه محمد أبى مناد إلى أن هلك سنة ثمان وستين وانقرض ملك بنى نوح والبقاء لله وحده سبحانه أبو عبد الله بن الحاجب أبى مناد محمد بن نوح الدمرى { الخبر عن بنى برزال احدى بطون دمر وما كان لهم من الحال بقرموتة وأعمالها من الاندلس أيام الطوائف وأولية ذلك ومصائره } قد تقدم لنا ان بنى برزال هؤلاء من ولد وريندين بن وانتن بن وارديرن بن دمر كما ذكره ابن حزم وان اخوتهم بنو يصدرين وبنو صمغان وبنو يطوفت وكان بنو برزال هؤلاء بافريقية وكانت مواطنهم منها جبل سالات وما إليها من أعمال المسيلة وكان لهم ظهور ووفور عدد وكانوا نكارية من فرق الخوارج ولما فر أبو زيد أمام اسمعيل المنصور وبلغه ان محمد بن خزر يترصد له أجمع الاعتصام بسالات وصعد إليه وأرهقته عساكر المنصور فانتقل عنه إلى كنانة وكان من أمره ما قدمناه ثم استقام بنو برزال عى طاعة الشيعة وموالاة جعفر بن على بن حمدون صاحب المسيلة والزاب حتى صاروا له شيعا (ولما انتقض) جعفر بن معد سنة ستين وثلثمائة كان بنو برزال هؤلاء في جملته من أهل خصوصيته فأجازوا معه البحر إلى الاندلس أيام الحكم المستنصر فاستخدمهم ونظمهم في طبقات جنده إلى من كان به من قبائل زناتة وسائر البربر أيام أخذهم بالدعوة الاموية ومحاربتهم عليها للادارسة فاستقروا جميعا بالاندلس وكان لبنى برزال من بينهم ظهور وغنى مشهور (ولما أراد) المنصور بن أبى عامر الاستبداد على خليفته هشام وتوقع النكير من رجالات الدولة وموالى الحكم استكثر بنى برزال وغيرهم من البربر وأفاض فيهم الاحسان فاعتز امره واشتد أزره حتى أسقط رجال الدولة ومحى رسومها

[ 54 ]

وأثبت أركان سلطانه ثم قتل صاحبهم جعفر بن يحيى كما ذكرناه خشية عصبيته بهم واستمالهم من بعده فأصبحوا له عصبية وكان يستعملهم في الولايات النبيهة والاعمال الرفيعة وكان من أعيان بنى برزال هؤلاء اسحق بن فولاه قرمونة وأعمالها فلم يزل عليها أيام بنى عامر وجدد له العقد عليها المستعين في فتنة البرابرة ووليها من بعده ابنه عبد الله (ولما انقرض) ملك بنى حمود من قرطبة ودفع أهلها القاسم المأمون عنهم سنة أربع عشرة أراد اللحاق بأشبيلية وبها نائبه محمد بن أبى زيرى من وجوه البربر وبقرمونة عبد الله بن اسحق البرزالى فداخلهما القاضى ابن عباد في خلع طاعة القاسم وصده عن العملين فأجابا إلى ذلك ثم دس للقاسم بالتحذير من عبد الله بن اسحق فعدل القاسم عنهما جميعا إلى شريش واستبد كل منهم بعمله ثم هلك عبد الله من بعد ذلك وولى ابنه محمد سنة وكانت بينه وبين المعتمد بن عباد حرب وظاهر عليه يحيى بن على بن حمود في منازلة أشبيلية سنة ثمان عشرة ثم اتفق مع ابن عباد بعدها وظاهره على عبد الله الافطس وكانت بينهما حرب كانت الدائرة فيها على ابن الافطس وحصل ابنه المظفر قائد العسكر في قبضة محمد بن عبد الله بن اسحق إلى أن من عليه بعد ذلك وأطلقه ثم كانت الفتنة بين محمد بن اسحق وبين المعتضد وأغار اسمعيل بن المعتضد على قرمونة في بعض الايام بعد ان كمن الكمين من الخيالة والرجل وركب إليه محمد في قومه فاستطرد له اسمعيل إلى أن بلغوا الكمائن فثاروا بهم وقتلوا محمدا البرزالى وذلك سنة أربع وثلاثين وولى ابنه العزيز بن محمد وتلقب المستظهر مناغيا لملوك الطوائف لعهده ولم يزل المعتضد يستولى على غرب الاندلس شيأ فشيأ إلى ان ضايقه في عمل قرمونة واقتطع منه اسحه والمورو ثم انخلع له العزيز عن قرمونة سنة تسع وخمسين ونظمها المعتضد في ممالكه وانقرض ملك بنى برزال من الاندلس ثم انقرض من بعد ذلك حيهم من جبل سالات وأصبحوا في الغابرين والبقاء لله وحده سبحانه العزيز محمد بن عبد الله بن اسحق البرزالى * (الخبر عن بنى وماتوا وبنى يلومى من الطبقة الاولى وما كان لهم من الملك والدولة بأعمال المغرب الاوسط ومبدا ذلك وتصاريفه } هاتان القبيلتان من قبائل زناتة ومن توابع الطبقة الاولى ولم نقف على نسبهما إلى جانا الا أن نسابتهما متفقون على أن يلومى ورتاجن الذى هو أبو مزين اخوان وان مديون أخوهما للام ذكر ذلك غير واحد من نسابتهم وبنو مزين لهذا العهد يعرفون لهم هذا النسب ويوجبون لهم العصيبة له وكانت هاتان القبيلتان من أوفر بطون زناتة

[ 55 ]

وأشدهم شوكة ومواطنهم جميعا بالمغرب الاوسط وبنو وماتوا منهم إلى جهة المشرق عن وادى ميناس ومرات وما إليها من أسافل شلب وبنو يلومين بالعدوة الغربية منه بالجعبات والبطحاء وسبد وسيرات وجبل هوارة وبنى راشد (وكان لمغراوة) وبنى يفرن التقدم عليهم في الكثرة والقوة ولما غلب بلكين بن زيرى مغراوة وبنى يفرن على المغرب الاوسط وأزاحهم إلى المغرب الاقصى بقيت هاتان القبيلتان بمواطنهما واستعملهم صنهاجه في حروبهم حتى إذا تقلص ملك صنهاجه عن المغرب الاوسط واعتزوا عليهم واختص الناصر بن علتاس صاحب القلعة ومختط بجاية بنى وماتوا هؤلاء بالولاية فكانوا شيعا لقومه دون يلومى وكانت رياسة بنى وماتوا في بيت منهم يعرفون ببنى ماخوخ وأصهر المنصور بن الناصر إلى ماخوخ منهم في أخته فزوجها إليه فكان لهم بذلك مزيد ولاية في الدولة ولما ملك المرابطون تلمسان أعوام سبعين وأربعمائة وأنزل يوسف بن تاشفين بها عامله محمد تينعمر المسوفى ودوخ أعمال المنصور وملك أمصارها إلى أن نازل الجائر وهلك فولى أخاه تاشفين على عمله فغزا أشير وافتتحها ومدها وكان لهذين الحيين في مظاهرته وامداده أحقد عليهم المنصور بعدها وأغرى بنى وماتوا في عساكر صنهاجة له ماخوخ فهزمه وأتبعه منهزما إلى بجاية وقتل لدخله إلى قصره قتلته زوجه أخت ماخوخ تشفيا وضعفا ثم نهض إلى تلمسان في العساكر واحتشد العرب من الاثيح ورياح وزغبة ومن لحق به من زناتة وكانت الغزاة المشهورة سنة ست وثمانين أبقى فيها ابن تينعمر المسوفى بعد استمكانه من البلد كما ذكرناه في أخبار صنهاجة ثم هلك المنصور وولى ابنه العزيز وراجع ماخوخ ولايته وأصهر إليه العزيز أيضا في ابنته فزوجها اياه واعتز البدو في نواحى المغرب الاوسط واشتعلت نار الفتنة بين هذين الحيين من بنى وماتوا وبنى يلومى فكانت بينهم حروب ومشاهد وهلك ماخوخ وقام بأمره في قومه بنوه تاشفين وعلى وأبو بكر وكان أحياء زناتة الثانية من بنى عبد الواد وتوجين وبنى راشد وبنى ورسفان من مغراوة مددا وربما ماد بنو مزين اخوانهم بنى يلومى لقرب مواطنهم منهم الا أن زناتة الثانية لذلك العهد مغلوبون لهذين الحيين وأمرهم تبع لهم إلى أن ظهر أمر الموحدين وزحف عبد المؤمن إلى المغرب الاوسط في اتباع تاشفين بن على وتقدم أبو بكر بن ماخوخ ويوسف بن زيد من بنى وماتوا إلى طاعته ولحقوه بمكانه من أرض الريف فسرح معهم عسكر الموحدين لنظر بن واندين بن بن يغمور فاثخنوا في بلاد بنى يلومى وبنى عبد الواد ولحق صريخهم بتاشفين بن على بن يوسف فأمدهم بالعساكر ونزلوا منداس واجتمع لبنى يلومى بنو ورسفان من مغراوة

[ 56 ]

وبنى توجين من بنى بادين وبنو عبد الواد منهم ايضا وشيخهم حمامة بن مظهر وبنو يكناس من بنى مزين وأوقعوا ببنى وماتوا وقتلوا أبا بكر في ستمائة منهم واستنقذوا غنائمهم وتحصن الموحدون وفل بنى وماتوا بجبل سيرات ولحق تاشفين بن ماخوخ صريخا بعبد المؤمن وجاء في جملته حتى نزل تاشفين بن على بتلمسان ولما ارتحل في أثره إلى وهران كما قدمناه سرح الشيخ أبو حفص في عساكر الموحدين إلى بلاد زناتة فنزلوا منداس وسط بلادهم وأثخنوا فيهم حتى أذعنوا لطاعته ودخلوا في الدعوة ووفد على عبد المؤمن بمكانه من حصار وهران مقدمهم سيد الناس بن أمير الناس شيخ بنى يلومى وحمامة بن مطهر شيخ بنى عبد الواد وعطية الحيو شيخ بنى توجين وغيرهم فتلقاهم بالقبول ثم انتقضت زناتة بعدها وامتنع بنو يلومى بحصنهم الجعبات ومعهم شيخهم سيد الناس مدرج ابنا سيد الناس فحاصرتهم عساكر الموحدين وغلبوهم عليها وأشخصوهم إلى المغرب ونزل سيد الناس بمراكش وبها كان مهلكه أيام عبد المؤمن وهلك بعد ذلك بنو ماخوخ (ولما) أخذ أمير هذين الحيين في الانتقاض جاذب بنو يلومى في تلك الاعمال بنو توجين وشاجروهم في أحوله ثم واقعوهم الحرب في جوانبه وتولى ذلك فيهم عطية الحيو شيخ بنى تجين وصلى بنارها معه منهم بنو منكوش من قومه حتى غلبوهم على مواطنهم وأذلوهم واصاروهم جيرانا لهم في قياطينهم واستعلى بنو عبد الواد وتوجين على هذين الحيين وغيرهم بولايتهم للموحدين ومخالطتهم اياهم فذهب شأنهم وافترق قيطونهم أوزاعا في زناتة الوارثين أوطانهم من عبد الواد وتوجين والبقاء لله سبحانه (ومن بطون بنى وماتوا هؤلاء بنو يامدس) وقد يزعم زاعمون انهم من مغراوة ومواطنهم متصلة قبلة المغرب الاقصى والاوسط وراء العرق المحيط بعمرانها المذكور قبل واختطوا في المواطن القصور والاطم واتخذوا بها الجنات من النخيل والاعناب وسائر الفواكه فمنها على ثلاثة مراحل قبلة سجلماسة ويسمى وطن توات وفيه قصور متعددة تناهز المائتين أخذت من المشرق إلى المغرب وآخرها من جانب المشرق يسمى تمنطيت وهو بلد مستبحر في العمران وهو محط ركاب التجر المترددين من المغرب إلى بلد مالى من السودان لهذا العهد ومن بلد مالى إليه وبينه وبين ثغر بلاد مالى المسمى غا المفازة المجهلة لا يهتدى فيها للسبيل ولا يمر الوارد الا بالدليل الخبير من الملثمين الظواعن بذلك القفر يستأجره التجار على الدربة بهم فيها باوفر الشروط وكانت بلد بودى وهى أعلى تلك القصور بناحية المغرب من بادية السوس هي الركاب إلى والاتن الثغر الآخر من أعمال مالى ثم أهملت لما صارت الاعراب بادية السوس يغيرون على سابلتها ويعترضون رفاقها فتركوا تلك ونهجوا الطريق إلى

[ 57 ]

بلد السودان من أعلى تمنطيت ومن هذه القصور قبلة تلمسان وعلى عشر مراحل منها قصور بيكارين وهى كثيره تقارب المائة في بسيط واد منجدر من المغرب إلى المشرق واستحرث في العمران وغصت بالساكن وأكثر سكان هذه القصور الغريبة في الصحراء بنو يامدس هؤلاء ومعهم من سائر قبائل البربر مثل وتطغير ومصاب وبنى عبد الواد وبنى مرين وهم أهل عدد وعدة وبعد عن هضمة الاحكام وذل المغارم وفيهم الرجالة والخيالة وأكثر معاشهم من بلح النخل وفيهم التجار إلى بلاد السودان وضواحيهم كلها ممشاة للعرب ومختصه بعبيد الله من المعقل عينتها لهم قسمة الرحلة وربما شاركهم بنو عامر بن زغبة في نيكرارين فتصل إليها ناجعتهم بعض السنن وأما عبيد الله فلا بد لهم في كل سنة من رحلة الشتاء إلى قصور توات وبلد تمنسيت ومع ناجعتهم تخرج قفول التجار من الامصار والتلول حتى يحطوا بتمنطيت ثم ينذرفون منها إلى بلاد السودان وفى هذه البلاد الصحراوية غريبة في استنباط المياه الجارية لا توجد في تلول المغرب وذلك ان البئر تحفر عميقة بعيدة المهوى وتطوى جوانبها إلى أن توصل بالحفر إلى حجارة صلدة فتنحت بالمعاول والفؤس إلى أن يرق جرمها ثم تصعد الفعلة ويقذفون عليها زبرة من الحديد تكسر طبقها على الماء فينبعث صاعدا فيعم البئر على وجه الارض واديا ويزعمون ان الماء ربما أعجل بسرعته عن كل شئ وهذه الغريبة موجودة في قصور توات وتكرارين وواركلا وريع والعالم أبو العجائب والله الخلاق العليم وهذا آخر الكلام في الطبقة الاولى من زناتة فلنرجع إلى أخبار الطبقة الثانية وهم الذين اتصلت دولتهم إلى هذا العهد * (أخبار الطبقة الثانية من زناتة وذكر أنسابهم وشعوبهم وأوليتهم ومصائر ذلك) * قد تقدم لنا في أضعاف الكلام قبل انقراض الملك من الطبقة من زناتة ما كان على يد صنهاجة والمرابطين من بعدهم وأن عصبية أجيالهم افترقت بانقراض ملكهم ودولهم وبقى منهم بطون لم يمارسوا الملك ولا أخلقهم ترفه فأقاموا في قياطينهم بأطراف المغربين ينتجعون جانبى القفر والتل ويعطون الدول حق الطاعة وغلبوا على بقايا الاجيال الاولى ومن زناتة بعد أن كانوا مغلوبين لهم فأصبحت لهم السورة والعزة وصارت الحاجة من الدول إلى مظاهرتهم ومسالمتهم حتى انقرضت دولة الموحدين فتطاولوا إلى الملك وضربوا فيه مع أهله بسهم وكانت لهم دول نذكرها ان شاء الله تعالى وكان أكثر هذه الطبقة من بنى واسين بن يصلتن اخوة مغراوة وبنى يفرن ويقال انهم من بنى وانتن بن ورسيك بن جانا اخوة منسارة وناجدة وقد تقدم ذكر هذه الانساب وكان من بنى واسين هؤلاء ببلد قصطيلة وذكر ابن الرقيق ان أبا يزيد النكارى لما ظهر

[ 58 ]

بجبل أوراس كتب إليهم بمكانهم حول توزر (1) يأمرهم بحصارها فحاصروها سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة وربما كان منهم ببلد الحامة لهذا العهد ويعرفون ببنى ورتاجن احدى بطونهم وأما جمهورهم فلم يزالوا بالمغرب الاقصى بين ملوية إلى جبل راشد (وذكر موسى) بن أبى العافية في كتابه إلى الناصر الاموى يعرفه بحربه مع ميسور مولى أبى القاسم الشيعي ومن سار إليه من قبائل زناتة فذكر فيمن ذكر ملوية وسار من قبائل بنى واسين وبنى يفرن وبنى يرناتن وبنى ورنمت ومطماطة فذكر منهم بنى واسين لان تلك المواطن من موطنهم قبل الملك (وفى هذه الطبقة منهم بطون) فمنهم بنو مرين وهم أكثرهم عددا وأقواهم سلطانا وملكا وأعظمهم دولة (ومنهم) بنو عبد الواد تلوهم في الكثرة والقوة وبنو توجين من بعدهم كذلك هؤلاء أهل الملك من هذه الطبقة وفيها غير أهل الملك بنو راشد اخوة بنى يادين كما نذكره وفيها أهل الملك أيضا من غير نسبهم بقية من مغراوة بمواطنهم الاولى من وادى شلب فنضت فيهم عروق الملك بعد انقراض جيلهم الاول فتجاذبوا حبله مع أهل هذا الجيل وكانت لهم في مواطنهم دولة كما نذكره (ومن أهل هذه الطبقة) كثير من بطونهم ليس لهم ملك نذكرهم الآن عند تفصيل شعوبهم وذلك أن احياءهم جميعا تشعبت من زرجيك بن واسين فكان منهم بنو يادين ابن محمد وبنو مرين بن ورتاجن فأما بنو ورتاجن فهم من ولد ورتاجن بن ماخوح ابن جريح بن فاتن بن يدر بن يخفت بن عبد الله بن ورتنيك بن المعز بن ابراهيم بن رجيك (وأما بنو مرين) بن ورتاجن فتعددت أفخاذهم وبطونهم كما نذكر بعد حتى كثروا سائر شعوب بنى ورتاجن وصار بنو ورتاجن معدودين في جملة أفخاذهم وشعوبهم (وأما بنو يادين) بن محمد فمن ولد زرجيك ولا أذكر الآن كيف يتصل نسبهم به وتشعبوا إلى شعوب كثيرة فكان منهم بنو عبد الواد وبنو توجين وبنو مصاب وبنو زردال يجمعهم كلهم نسب يادين بن محمد وفى محمد هذا يجتمع يادين وبنو راشد ثم يجتمع محمد مع ورتاجى في زرجيك بن واسين وكانوا كلهم معروفين بين زناتة الاولى ببنى واسين قبل أن تعظم هذه البطون والافخاذ وتتشعب مع الايام وبأرض افريقية وصحراء برقة وبلاد الزاب منهم طوائف من بقايا زناتة الاولى قبل انسياحهم إلى المغرب فمنهم بقصور غذامس على عشرة مراحل قبلة سرت وكانت مختطة منذ عهد الاسلام وهى خطة مشتملة على قصور وآطام عديدة وبعضها لبنى ورتاجن وبعضها لبنى واطاس من أحياء بنى مرين يزعمون أن أوليتهم اختطوها وهى لهذا العهد قد استبحرت في العمارة واسعة في التمدن بما صارت محطا لركاب الحاج من السودان وقفل التجار إلى مصر والاسكندرية عند اراحتهم من قطع المفازة ذات الرمال المعترضة أمام طريقهم دون

[ 59 ]

الارياف والتلول وبابا لولوج تلك المفازة والحاج والتجرر في موضعهم ومنهم ببلد الحامة غربي قابس أمة عظيمة من بنى ورتاجن وفرت منهم حاميتها واشتدت شوكتها ورحل إليها التجر بالبضائع لنفاق أسواقها وتبحر عمرانها وامتنعت لهذا العهد على مرين وبها من يجار بها فهم لا يؤدون خراجا ولا يسامون بمغرم حتى كأنهم لا يعرفونه عزة جناب وفضل باس ومنعته ويزعمون أن سلفهم من بنى ورتاجن اختطوها ورياستهم في بيت منهم يعرفون ببنى وشاح ولربما طال على رؤسائهم عهد الخلافة ووطأة الدولة فيتطاولون إلى التى تنكر على السوقة من اتخاذ الآلة ويبرزون في زى السلطان أيام الزينة تهاونا بشعار الملك ونسيانا لمألوف الانقياد شأن جيرانهم رؤساء توزر ونفطة وسابق الغاية في هذه الضحكة هو يملول مقدم توزر (ومن بنى واسين) هؤلاء بقصور مصاب على خمس مراحل من جبل تيطر في القبلة لما دون الرمال على ثلاث مراحل من قصور بنى ريغة في المغرب وهذا الاسم للقوم الذين اختطوها ونزلوها من شعوب بنى يادين حسبما ذكرناهم الآن وضعوها في أرض حرة على احكام وضراب ممتنعة في مساربها بين الارض المحجرة المعروفة بالحمادة في سمت العرق متوسطة فيه قبالة تلك البلاد على فراسخ في ناحية القبلة وسكانها لهذا العهد شعوب بنى يادين من بنى عبد الواد وبنى توجين ومصاب وبنى رزدال فيمن انضاف إليهم من شعوب زناتة وان كان شهرتها مختصة بمصاب وحالها في المباني والاغتراس وتفرق الجماعات بتفرق الرياسة شبيهة بحال بنى ريغة والزاب ومنهم بجبل أوراس بافريقية طائفة من بنى عبد الواد موطونة منذ العهد القديم لاول الفتح معروفون بين ساكنيه (وقد ذكر) بعض الاخبار بين أن بنى عبد الواد حضروا مع عقبة بن نافع في فتح المغرب عند اثغاله في ديار المغرب وانتهائه إلى البحر المحيط بالسوس في ولايته الثانية وهى الغزاة التى هلك فيها في منصرفه منها وانهم أبلو البلاء الحسن فدعا لهم وأذن في رجوعهم قبل استتمام الغزاة ولما تحيرت زناتة أمام كتامة وصنهاجة اجتمع شعوب بنى واسين هؤلاء كلهم ما بين ملوية كما ذكرناه وتشعبت أحياؤهم وبطونهم وانبسطوا في صحراء المغرب الاقصى والاوسط إلى بلاد الزاب وما إليها من صحارى افريقية إذ لم يكن للعرب في تلك المجالات كلها مذهب ولا مسلك إلى المائة الخامسة كما سبق ذكره ولم يزالوا بتلك البلاد مشتملين لبوس العز مشمرين للانفة وكانت مكاتبهم الانعام والماشية وابتغاؤهم الرزق من تحيف السابلة (1) وفى ظل الرماح المشرعة وكانت لهم في محاربة الاحياء والقبائل ومنافسة الامم والدول ومغالبة الملوك أيام ووقائع فلم بها ولم تعظم العناية باستيعابها فنأتي به والسبب في ذلك أن اللسان العربي كان غالبا لغلبة دولة العرب وظهور الملة العربية فالكتاب والخط

[ 60 ]

بلغة الدولة ولسان الملك واللسان العجمي مستتر بجناحه مندرج في غماده ولم يكن لهذا الجيل من زناتة في الاحقاب القديمة ملك يحمل أهل الكتاب على العناية بتقييد أيامهم وتدوين أخبارهم ولم تكن مخالطة بينهم وبين أهل الارياف والحضر حتى يشهدوا آثارهم لابعادهم في القفر كما رأيت في مواطنهم وتوحشهم عن الانقياد فبقوا غفلا إلى ان درس منهم الكثير ولم يصل الينا بعد ملكهم الا الشارد القليل يتبعه المؤرخ المضطلع في مسالكه ويتقراه في شعابه ويثيره من مكامنه وأقاموا بتلك القفار إلى ان تسنموا منها هضبات الملك على ما نصفه عبد الواد توجين رزدال مر بن ولد ابراهيم مصاب بن يادين بن محمد بن رزجيك بن واسين بن يسلتن بن مسر بن زاكيا بن ورسيك بن اديدت بن جانا

[ 61 ]

{ الخبر عن أحوال هذه الطبقة قبل الملك وكيف كانت تصاريف أحوالهم إلى ان غلبوا على الملك والدول } وذلك أن أهل هذه الطبقة من بنى واسين وشعوبهم التى سميناها كانوا تبعا لزناتة الاولى ولما انزاحت زناتة إلى المغرب الاقصى أمام كتامة وصنهاجة خرج بنو واسين هؤلاء إلى القفر ما بين وصا فكانوا يرجعون إلى ملك المغرب لذلك العهد مكناسة أولا ثم مغراوة من بعدهم ثم حسر تيار بنى صنهاجة عن المغرب وتقلص ملكهم بعض الشئ وصاروا إلى الاستجاشة على القاصية بقبائل زناتة فأومضت بروقهم ورفت في ممالك زناتة منابتهم كما قدمناه واقتسم أعمالها بنو وماتو وبنو يلومى ناحيتين وكانت ملوك صنهاجة أهل القلعة إذا عسكروا للغرب يستنفرونهم لغزوه ويجمعون حشدهم للتوغل فيه وكان بنو واسين هؤلاء ومن تشعب معهم من القبائل الشهيرة الذكر مثل بنى مرين وبنى عبد الواد وبنى توجين ومصاب قد ملكوا القفر ما بين ملوية وأرض الزاب وامتنعت عليهم المغربان ممن ملكها من زناتة الذين ذكرناهم (وكان) أهل الرياسة بتلك الارياف والضواحي من زناتة مثل بنى وماتوا وبنى يلومى بالمغرب الاوسط وبنى يفرن ومغراوة بتلسمان يستجيشون بنى واسين هؤلاء وشعوبهم ويستظهرون بجموعهم على من زاحمهم أو نازعهم من ملوك صنهاجة وزناتة وغيرهم يحاجون بهم عن مواطنهم لذلك ويقرضونهم القرض الحسن من المال والسلاح والحبوب المعوزة لديهم بالقفار فيتأثلون منهم ويرتاشون وعظمت حاجة بنى حماد إليهم في ذلك عندما عصفت بهم ريح العرب الضوالع من بنى هلال بن عامر وصرعوا دولة المعز وصنهاجة بالقيروان والمهدية والايواء عن مدهم وزحفوا إلى المغرب الاوسط فدافعوا بنى حماد عن حوزته وأوعزوا إلى زناتة بمدافعتهم أيضا فاجتمع لذلك بنو يعلى ملوك تلمسان من مغراوة وجمعوا من كان إليهم من بنى واسين هؤلاء من بنى مرين وعبد الواد وتوجين وبنى راشد وعقدوا على حرب الهلاليين لوزيرهم أبى سعدى خليفة بن اليفرنى فكان له مقامات في حروبهم ودفاعهم عن ضواحي الزاب وما إليه من بلاد افريقية والمغرب الاوسط إلى أن هلك في بعض أيامه معهم وغلب الهلاليون قبائل زناتة على جميع الضواحى وأزاحوهم عن الزاب وما إليه من بلاد افريقية وانشمر بنو واسين هؤلاء من بنى مرين وعبد الواد وتوجين عن الزاب إلى مواطنهم بصحراء المغرب الاوسط من مصاب وجبل راشد إلى ملوية وفيكك ثم إلى سجلماسة ولاذوا ببنى وماتوا وبنى يلومى ملوك الضواحى بالمغرب الاوسط وتفيؤا ظلهم واقتسموا ذلك القفر بالمواطن فكان لبنى مرين الناحية الغربية منها قبلة المغرب الاقصى بتيكوارين ودبروا إلى ملوية

[ 62 ]

وسجلماسة وبعدوا عن بنى يلومى الا في الاحابى وعند الصريخ وكان لبنى يادين منها الناحية الشرقية قبلة المغرب الاوسط ما بين فيكيك ومديونة إلى جبل راشد ومصاب وكان بينهم وبين بنى مرين فتن متصلة باتصال أيامهم في تلك المواضع بسيل القبائل الجيران في مواطنهم وكان الغلب في حروبهم أكثر ما يكون لبنى يادين لما كانت شعوبهم أكثر وعددهم أوفر فانهم كانوا أربعة شعوب بنى عبد الواد وبنى توجين وبنى زردال وبنى مصاب كان معهم شعب آخروهم اخوانهم بنو راشد لانا قدمنا أن راشدا أخو يادين وكان موطن بنى راشد الجبل المشهور بهم بالصحراء ولم يزالوا على هذه الحال إلى ان ظهر أمر الموحدين فكان لبنى عبد الواد وتوجين ومغراوة من المظاهرة لبنى يلومى على الموحدين ما هو مذكور في أخبارهم ثم غلب الموحدون على المغرب الاوسط وقبائله من زناتة فأطاعوا وانقادوا وتحيز بنو عبد الواد وبنو توجين إلى الموحدين وازدلفوا إليهم وأمحضوا النصيحة للموحدين فاصطنعوهم دون بنى مرين كما نذكر في أخبارهم وترك الموحدون ضواحي المغرب الاوسط كما كانت لبنى يلومى وبنى وماتوا فملكوها وتفرد بنو مرين بعد مدخل بنى يادين إلى المغرب الاوسط بتلك الصحراء لما اختار الله لهم من وفور قسمهم في الملك واستيلائهم على سلطان المغرب الذى غلبوا به الدول واشتملوا الاقطار ونظموا المشارق إلى المغارب واقتعدوا كراسي الدول المسامته لهم بأجمعها ما بين السوس الاقصى إلى افريقية والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده فأخذ بنو مرين وبنو عبد الواد من شعوب بنى واسين بحظ من الملك أعادوا فيه لزناتة دولة وسلطانا في الارض واقتادوا الامم برسن الغلب وناغاهم في ذلك الملك البدوى اخوانهم بنو توجين وكان في هذه الطبقة الثانية بقية أخرى مما ترك آل خزر من قبائل مغراوة الاول كانوا موطنين بقرار عزهم ومنشا جيلهم بوادي شلب فجاذبوا هؤلاء القبائل حبل الملك وناغوهم في أطوار الرياسة واستطالوا بمن وصل جناحهم من هذه العشائر فتطاولوا لى مقاسمتهم في الماء ومساهمتهم في الامر وما زال بنو عبد الواد في الغض من عنانهم وجدع أنوف عصبيتهم حتى أوهنوا من بأسهم وخصت الدولة العبد الوادية ثم المرينية بسمة الملك لملحمة من جناح تطاولهم وتمحض ذلك كله عن استبداد بنى مرين واستتباعهم لجميع هؤلاء العصائب كما نذكر لك الآن دولهم واحدة بعد أخرى ومصائر هؤلاء القبائل الاربعة التى هي رؤس هذه الطبقة الثانية من زناتة والملك لله يؤتيه من يشاء والعاقبة للمتقين (ولنبدأ منها بذكر مغراوة) بقية الطبقة الاولى وما كان لرؤسائهم أولاد منديل من الملك في هذه الطبقة الثانية كما ستراه ان شاء الله تعالى

[ 63 ]

{ الخبر عن أولاد منديل من الطبقة الثانية وما آعادوا لقومهم مغراوة من الملك بموطنهم الاول من شلب وما إليه من نواحى المغرب الاوسط } لما ذهب الملك من مغراوة بانقراض ملوكهم آل خزر واضمحلت دولتهم بتلمسان وسجلماسة وفاس وطرابلس وبقيت قبائل مغراوة متفرقة في مواطنها الاولى بنواحي المغربين وافريقية بالصحراء والتلول والكثير منهم بعنصرهم ومركزهم الاول بوطن شلب وما إليه فكان به بنو ورسيفان وبنو يرنار وبنو ينلت ويقال انهم من وترمار وبنو سعيد وبنو زحاك وبنو سنجاس وربما يقال انهم من زناتة وليسوا من مغراوة وكان بنو خزرون الملوك بطرابلس لما انقرض أمرهم وافترقوا في البلاد ولحق منهم عبد الصمد بن محمد بن خزرون بجبل أوراس فرارا من أهل بيته هنالك الذين استولوا على الامر وجده خزرون بن خليفة السادس من ملوكهم بطرابلس فأقام بينهم أعواما ثم ارتحل عنهم فنزل على بقايا قومه مغراوة بشلب من بنى ورسيفان وبنى ورتزمير وبنى بو سعيد وغيرهم فتلقوهم بالمبرة والكرامة وأوجبوا له حق البيت الذى ينسب إليه فيهم وأصهر إليهم فأنكحوه وكثر ولده وعرفوا بينهم ببنى محمد ثم بالخزرية نسبة إلى سلفه الاول وكان من ولده الملقب أبو ناس بن عبد الصمد بن ورجيع بن عبد الصمد وكان منتحلا للعبادة والخيرية وأصهر إليه بعض ولد ماخوخ ملوك بنى وماتوا بابنته فأنكحه اياها فعظم أمره عندهم بقومه ونسبه وصهره وجاءت دولة الموحدين على اثر ذلك فرمقوه بعين التجلة لما كان عليه من طرق الخير فأقطعوه بوادي شلب وأقام على ذلك وكان له من الولد ورجيع وهو كبيرهم وغربي ولغريات وماكور ومن بنت ماخوخ عبد الرحمن وكان أجلهم شأنا عنده وعند قومه عبد الرحمن هذا لما يوجبون له بولادة ماخوخ لامه ويتفرسون فيه أن له ولعقبه ملكا وزعموا أنه لما ولد حرجت به أمه إلى الصحراء فألقته إلى شجرة وذهبت في بعض حاجاتها فأطاف به يعسوب من النحل متواقعين عليه وبصرت به على البعد فجاءت قعد ولما أدركها من الشفقة فقال لها بعض العارفين خففي عنك فوالله ليكونن لهذا شأن ونشأ عبد الرحمن هذا في جو هذه التجلة مدة بنسبه وبأسه وكثرت عشيرته من بنى أبيه واعصوصب عليه قبائل مغراوة فكان له بذلك شوكة وفى دولة الموحدين تقدمد لما كان يوجب لهم على نفسه من الانحياش والمخالطة والتقدم في مذاهب الطاعة وكان السادة منهم يمرون به في غزواتهم إلى افريقية ذاهبين وجائين فينزلون منه خير نزل وينقلبون بحمده والشكر لمذهبه فيزيد خلفاءهم اغتباطا به وأدرك بعض السادة وهو بأرض قومه الخبر بمهلك الخليفة بمراكش فخلف الذخيرة والظهر وأسلمها لعبد الرحمن هذا ونجا بدمائه بعد ان صحبه إلى

[ 64 ]

تخوم وطنه فكانت له بها ثروة أكسبته قوة فاستركب من قومه واستكثر من عصابته وعشيرته وهلك خلال ذلك وقد فشل ريح بنى عبد المؤمن وضعف أمر الخليفة بمراكش (وكان له من الولد) منديل وتميم وكان أكبرهما منديل فقام بأمر قومه على حين عصفت رياح الفتنة وسما لمنديل أمل في التغلب على ما يليه فاستأسد في عرينة وحامى عن أشباله ثم فسح خطوه إلى ما جاوره من البلاد فملك جبل وانشريس والمرية وما إلى ذلك واختط قصبة مرات وكان بسيط متيجة لهذ العهد في العمران آهلا بالقرى والامصار (ونقل الاخباريون) أن أهل متيجة لذلك العهد يجمعون في ثلاثين مصرا فجاس خلالها وأوطأ الغارات ساحتها وخرب عمرانها حتى تركها خاوية على عروشها وهو في ذلك يوهم التمسك بطاعة الموحدين وأنه سلم لمن سالمهم حرب لمن عاداهم وكان ابن غانية منذ غلبه الموحدون عن افريقية قد أزاحوه إلى قابس وما إليها فنزل الشيخ أبو محمد بن أبى حفص بتونس ودفعه إلى افريقية إلى أن هلك سنة ثمان عشرة فطمع يحيى ابن غانية في استرجاع أمره وسبق إلى الثغور والامصار يعيث فيها ويخربها ثم تجاوز افريقية إلى بلاد زناتة وشن عليها الغارات واكتسح البسائط وتكررت الوقائع بينه وبينهم فجمع له منديل بن عبد الرحمن ولقيه بمتيجة وكانت الدبرة عليه وانفضت عنه مغراوة فقتله ابن غانية صبرا سنة ثنتين أو ثلاث وعشرين وتغلب على الجزائر اثر نكبته فصلب شلوه بها وصيره مثلا للآخرين وقام بأمره في قومه بنوه وكان منجبا فكان لهم العدد والشرف وكانوا يرجعون في أمرهم إلى كبيرهم العباس فتقلد مذاهب أبيه واقتصر على بلاد متيجة ثم غلبهم بنو توجين على جبل وانشريس وضواحي المرية وما إلى ذلك وانقبضوا إلى مركزهم الاول شلب وأقاموا فيها ملكا بدويا لم يفارقوا فيه الظعن والخيام والضواحي والبسائط واستولى على مدينة مليانة وتنس وبرشك وشرشال مقيمين فيها للدعوة الحفصية واختطوا قرية مازونة (ولما استوطن) الملك بتلمسان ليغمرا سن بن زيان واستفحل سلطانه بها وعقد له عليها ولاخيه من قبله عبد المؤمن سما على التغلب على اعمال المغرب الاوسط وزاحم بنى توجين وبنى منديل هؤلاء بمكناسة فلفتوا وجوههم جميعا إلى الامير أبى زكريا بن أبى حفص مديل الدولة بافريقية من بنى عبد المؤمن وبعثوا إليه الصريخ على يغمراسن فاحتشد لهم جميع الموحدين والعرب وابتز تلمسان وافتتحها كما ذكرناه ولما قفل إلى الحضرة عقد في مرجعه لامراء زناتة كل على قومه ووطنه فعقد للعباس بن منديل على مغراوة ولعبد القوى على توجين وولاء حورة وسوغ لهم اتخاذ الآلة فاتخذوها بمشهد منه وعقد العباس السلم مع يغمراسن ووفد عليه بتلمسان فلقاه برة وتكريما عنه

[ 65 ]

بعدها مغاضبا يقال انه تحدث بمجلسه يوما فزعم أنه رأى فارسا واحدا يقاتل مائتين الفرسان فنكر ذلك من سمعه من بنى عبد الواد وعرضوا بتكذيبه فخرج العباس لها مغاضبا حتى أتى بقومه وأتى يغمراسن مصداق قوله فانه كان يعنى بذلك الفارس نفسه وهلك العباس لخمس وعشرين سنة بعد أبيه سنة سبع وأربعين وقام بالامر بعده أخوه محمد بن منديل وصلحت الحال بينه وبين يغمرا سن وصاروا إلى الاتفاق والمهادنة ونفر معه بقومه مغروة إلى غزو المغرب سنة كلومان وهى سنة سبع وأربعين وستمائة هزمهم فيها يعقوب بن عبد الحق فرجعوا إلى أوطانهم وعاودوا شأنهم في العداوة وانتقض عليهم أهل مليانة وخلعوا الطاعة الحفصية (وكان من خبر) هذا الانتقاض أن أبا العباس أحمد المليانى كان كبير وقته علما ودينا ورواية وكان عالى السند في الحديث فرحل إليه الاعلام وأخذ عنه الائمة وأوفت به الشهرة على ثنايا السيادة فانتهت إليه رياسة بلده على عهد يعقوب المنصور وبنيه ونشأ ابنه أبو على في جو هذه العناية وكان جموحا للرياسة طامحا للاستبداد وهو مع ذلك خلو من المغارم فلما هلك أبوه جرى في شأو رياسته طلقا ثم رأى ما بين مغراوة وبنى عبد الواد من الفتنة فحدثته نفسه بالاستبداد ببلده فجمع لما جرى وقطع الدعاء للخليفة المستنصر سنة تسع وخمسين وبلغ الخبر إلى تونس فسرح الخليفة أخاه في عسكر من الموحدين في جملته دون الديك ابن هرنزة من آل ادفوش ملوك الجلالقة كان نازعا إليه عن أبيه في طائفة من قومه فنازلوا مليانة أياما وداخل السلطان طائفة من مشيخة البلد المنحرفين عن ابن المليانى فسرب إليهم جنودا بالليل واقتحموها من بعض المداخل وفر أبو على المليانى تحت الليل وخرج من بعض البلد فلحق بأحياء العرب ونزل على يعقوب بن موسى بن العطاب من بطون زغبة فأجاره إلى أن لحق بعدها يعقوب بن عبد الحق فكان من أمره ما ذكرناه في أخبارهم وانصرف عسكر الموحدين والامير أبو حفص إلى الحضمرة وعقد لمحمد بن منديل على مليانة فأقام بها الدعوة الحفصية على سنن قومه ثم هلك محمد بن منديل سنة ثنتين وستين لخمس عشرة من ولايته قتله أخوه ثابت وعابد بمنزل ظواعنهم بالخيس من بسيط بلادهم وقتل معه عطية ابن أخيه سنيق وتولى عابد وشاركه ثابت في الامر واجتمع إليه قومه وتقطع ما بين أولاد منديل وخشنت صدورهم واستغلظ يغمر اسن بن زيان عليهم وداخله عمر بن منديل في أن يمكنه من مليانة ويشد عضده على رياسة قومه فشارطه على ذلك وأمكنه من أزمة البلد سنة ثمان وستين ونادى بعزل ثابت وموازرة عمر على الامر فتم لهما ما أحكماه من أمرهما في مغراوة واستمكن بها يغمر اسن من قيادة قومه ثم تناغى أولاد منديل في الازدلاف إلى يغمر اسن بمثلها نكاية

[ 66 ]

لعمر فاتفق ثابت وعابد أولاد منديل أن يحكماه من تونس فأمكناه منها سنة ثنتين وسبعين على اثنى عشر ألفا من الذهب واستمرت ولاية عمر إلى أن هلك سنة ست وسبعين فاستقل ثابت بن منديل برياسة مغراوة وأجاز عابد أخوه إلى الاندلس للرباط والجهاد مع صاحبه زيان بن محمد بن عبد القوى وعبد الملك بن يغمراسن فحول زناتة واسترجع ثابت بلاد تونس ومليانة من يد يغمراسن ونبذ إليه العهد ثم استغلظ يغمراسن عليهم واسترد تونس سنة احدى وثمانين بين يدى مهلكه (ولما) هلك يغمراسن وقام بالامر بعده ابنه عثمان انتقضت عليه تونس ثم ردد الغزو إلى بلاد توجين ومغراوة حتى غلبهم آخرا على ما بأيديهم وملك المرية بمداخلة بنى لمدينة أهلها سنة سبع وثمانين وغلب ثابت بن منديل على مازونة فاستولى عليها ثم نزل له عن تونس أيضا فملكها ولم يزل عثمان مراغما لهم إلى أن زحف إليهم سنة ثلاث وتسعين فاستولى على أمصارهم وضواحيهم وأخرجهم عنها وألجأهم إلى الجبال ودخل ثابت بن بمنديل إلى برشك مما لقا دونها فزحف إليهم عثمان وحاصره بها حتى إذا استيقن أنه محاطبه ركب البحر إلى المغرب وركب إلى يوسف ابن يعقوب سلطان بنى مرين صريخا سنة أربع وتسعين فأكرمه ووعده بالنصرة من عدوه وأقام بفاس وكانت بينه وبين ابن الاشعث من رجالات بنى عسكر صحبة ومداخلة فجاءه بعض الايام إلى منزله ودخل عليه من غير استئذان وكان ابن الاشعث ثملا فسطا به وقتله وثار السلطان به منه وانفجع لموته وكان ثابت بن منديل قد أقام ابنه محمد الامير في قومه وولاه عليهم لعهده واستبد بملك مغراوة دونه (ولما انصرف) أبوه ثابت إلى قومه أقام هو في امارته على مغراوة وهلك قريبا من مهلك أبيه فقام بأمرهم من بعده شقيقه على ونازعه الامر أخواه رحمون ومنيف فقتله منيف ونكر ذلك قومهما وأبو من امارتهما عليهم فلحقا بعثمان بن يغمراسن فأجازهما إلى الاندلس (وكان) أخوهما معمر بن ثابت قائدا على الغزاة بالمزة فنزل لمنيف عنها فكانت أول ولايه وليها بالاندلس ولحق بهم أخوهم عبد المؤمن فكانوا جميعا هنالك ومن أعقاب عبد المؤمن يعقوب بن زيان بن عبد المؤمن ومن أعقاب منيف بن عمر بن منيف وجماعة منهم لهذا العهد بالاندلس (ولما هلك) ثابت بن منديل سنة أربع وتسعين كما قلناه كفل السلطان ولده وأهله وكان فيهم حافده راشد بن محمد فأصهره إليه في أخته فأنكحه اياها ونهض إلى تلمسان سنة ثمان وتسعين فأناخ عليها واختط مدينته لحصارها وسرح في نواحيها وعقد على مغراوة وشلب لعمر بن ويعزن بن منديل وبعث معه جيشا ففتح مليانة وتونس ومازونة سنة تسع وتسعين ووجد راشد في نفسه إذ لم يوله على قومه وكان يرى أنه الاحق لنسبه وصهره فنزع عن السلطان ولحق بجبال متيحة

[ 67 ]

ودس إلى أوليائه من مغراوة حتى وجد فيهم الدخلة فأجد السير ولحق بهم فافترق أمر مغراوة وداخل أهل مازونة فانتقضوا على السلطان وبيت عمر بن ويعزن بازمور من ضواحي بلادهم فقتله واجتمع عليه قومه وسرح السلطان إليه الكتائب من بنى عسكر لنظر الحسن بن على بن أبى الطلاق من بنى ورتاجن ولنظر على بن محمد الحيو من بنى توجين ولنظر أبى بكر بن ابراهيم بن عبد القوى ومن الجند لنظر على بن حسان الصبحى من صنائعه وعقد على مغراوة لمحمد بن عمر بن منديل وزحفوا إلى مازونة وقد ضبطها راشد وخلف عليها عليا وحموا من بنى عمه يحيى بن ثابت ولحق هو ببنى بو سعيد مطلا عليهم وأناخت العساكر على مازونة ووالوا عليها الحصار سنين أجهدوهم وبعث على بن يحيى أخاه حموا إلى السلطان من غير عهد فتقبض عليهم ثم اضطره الجهد إلى مركب الغرر فخرج إليهم ملقيا بيده سنة ثلاث وأشخصوه إلى السلطان فعفا عنه واستبقاه واحتسبها تأنيسا واستمالة لراشد بن محمد في معقل بنى بو سعيد وطال حصاره اياه وأمكنته الغرة بعض الايام في العساكر وقد تعلقوا بأوعار البلد زاحفين إليه فهزمهم وهلك في تلك الواقعة خلق من بنى مرين وعساكر وذلك سنة أربع وسبعمائة وبلغ الخبر إلى السلطان فأحفظه ذلك عليهم ابن عمه على ابن يحيى وأخاه حموا ومن معهم من قومهم فقتلوا رشقا بالسهام واستلحمهم ثم سرح أخاه أبا يحيى بن يعقوب ثانية سنة أربع فاستولى على بلاد مغراوة ولحق راشد بجبال صنهاجة من متيجة ومعه عمه منيف بن ثابت ومن اجتمع إليهم من قومهم فنازلهم أبو يحيى بن يعقوب وراسل راشد يوسف بن يعقوب فانعقدت بينهما السلم ورجعت العساكر عنهم وأجاز منيف بن ثابت معه بنيه وعشيرته إلى الاندلس فاستقروا هنالك آخر الايام (ولما هلك) يوسف بن يعقوب بمناخه على تلمسان آخر سنة ست انعقدت السلم بين حافده أبى ثابت وبين أبى زيان بن عثمان سلطان بنى عبد الواد على أن يخلى له بنومرين عن جميع ما ملكوه من أمصارهم وأعمالهم وثغورهم وبعثوا في حاميتهم وعمالهم وأسلموها لعمال بنى زيان وكان راشد قد طمع في استرجاع بلاده وزحف إلى مليانة فأحاط بها فلما نزل عنها بنو مرين لابي زيان وصارت مليانة وتونس له أخفق سعى راشد وأفرج عن البلد ثم كان مهلك أبى زيان قريبا وولى أخوه أبو حموا موسى بن عثمان واستولى على المغرب الاوسط فهلك تافريكت سنة وملك بعدها مليانة والمرية ثم ملك تونس وعقد عليها لمولاه مسامح وقارن ذلك حركة صاحب بجاية السلطان أبى البقاء خالد ابن مولانا الامير أبى زكريا ابن السلطان أبى اسحق إلى متيجة لاسترجاع الجزائر من يد بن عسلان الثائر بها عليهم فلقيه هنالك راشد بن محمد

[ 68 ]

وصار في جملته وظاهره على شأنه ولقاه السلطان تكرمة وبرا وعقد له ولقومه حلفا مع صنهاجة أولياء الدولة والمتغلبين على ضاحية بجاية وجبال زواوة فاتصلت يد راشد بيد زعيمهم يعقوب بن خلوف آخر الدولة ولما نهض السلطان للاستيثار بملك الحضرة بتونس استعمل يعقوب بن خلوف على بجاية وعسكر معه راشد بقومه وأبلى في الحروب بين يديه وأغنى في مظاهرة أوليائه حتى إذا ملك حضرتهم واستولى على سراة سلفهم أسف حاجب الدولة راشد هذا وقومه بامضاء الحكم في بعض حشمه وتعرض للحرابة في السابلة فتقبض عليه ورفع إلى سدة السلطان فأمضى فيه حكم الله وذهب راشد مغاضبا ولحق بوليه بن خلوف ومضطر به من زواوة وكان يعقوب بن خلوف قد هلك وولى السلطان مكانه ابنه عبد الرحمن فلم يدع حق أبيه في اكرام صديقه راشد وتشاجر معه في بعض الايام مشاجرة نكر عبد الرحمن فيها ملاحة راشد له وأنف منها وأدل فيها راشد بمكانه من الدولة وببأس قومه فلدغه بالقول وتناوله عبد الرحمن وحشمه وخزا بالرماح إلى أن أقعصوه (1) وانذعر جمع مغراوة ولحقوا بالثغور القاصية وأقفر منهم شلب وما إليه كان لم يكونوا به فأجاز منهم بنو منيف وابن ويعزن إلى الاندلس للمرابطة بثغور المسلمين فكانت منهم عصابة موطنة هناك أعقابهم لهذا العهد وأقام في جوار الموحدين فل آخر من أوسط قومهم كانوا شوكة في عساكر الدولة إلى أن انقرضوا ولحق على بن راشد بعمته في قصر بنى يعقوب بن عبد الحق فكفلته وسار أولاد منديل غضبا إلى وطن بنى مرين فتولوهم وأحسنوا جوارهم وأصهروا إليهم سائر الدولة إلى أن تغلب السلطان أبو الحسن على المغرب الاوسط ومحا دولة آل زيان وجمع كلمة زناتة وانتظم مع بلادهم بلاد افريقية وعمل الموحدين وكانت نكبته على القيروان سنة تسع وأربعين كما شرحناه قبل فانتقضت العمالات والاطراف وانتزى أعياص الملك بمواطنهم الاولى فتوثب على بن راشد بن محمد بن ثابت بن منديل على بلاد شلب وتملكها وغلب على أمصارها مليانة وتنس وبرشك وشرشال وأعاد ما كان لسلفه بها من الملك على طريقتهم البدوية وأرهفوا حدهم لمن طالبهم من القبائل وخلص السلطان أبو الحسن من ورطته إلى افريقية ثم من ورطة البحر من مرسى الجزائر إلى بجاية يحاول استرجاع ملكه المفرق فبعث إلى على بن راشد وذكره ذمتهم فتذكر وحن واشترط لنفسه التجافي له عن ملك قومه بشلب على أن يظاهره على بنى عبد الواد فأبى السلطان أبو الحسن من اشتراط ذلك فتحيز عنه إلى فئة بنى عبد الواد الناجين بتلمسان كما ذكرناه قبل وظاهرهم عليه وبرز إليهم السلطان أبو الحسن من الجزائر والتقى الجمعان بشربونة سنة احدى وخمسين فاختلف مصاف السلطان أبى الحسن

[ 69 ]

وانهزم جمعه وهلك ابنه الناصر طاح دمه في مغراوة هؤلاء وخرج إلى الصحراء ولحق منها بالمغرب الاقصى كما نذكره بعد وتطاول الناجمون بتلمسان من آل يغمراسن إلى انتظام بلاد مغراوة في ملكهم كما كان سلفهم فنهض إليهم بعساكر بنى عبد الواد رديف سلطانهم وأخوه أبو ثابت الزعيم بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن فأوطأ قومه بلاد مغراوة سنة ثنتين وخمسين وفل جموعهم وغلبهم على الضاحية والامصار وأحجر على بن راشد بتنس في شرذمة من قومه وأناخ بعساكره عليه وطال الحصار ووقع الغلب ولما رأى على بن رشد أن قد أحيط به دخل إلى زاوية من زوايا قصره انتبذ فيها عن الناس وذبح نفسه بحد حسامه وصار مثلا وحديثا للآخرين واقتحم البلد لحينه واستلحم من عثر عليه من مغراوة ونجا الآخرون إلى أطراف الارض ولحقوا بأهل الدول فاستركبوا واستلحقوا وصاروا جندا للدول وحشما وأتباعا وانقرض أمرهم من بلاد شلب ثم كانت لبنى مرين الكرة الثانية إلى تلمسان وغلبوا آل زيان ومحوا آثارهم ثم فاء ظلهم بملك السلطان أبى عنان وحسر تيارهم وجدد الناجمون من آل يغمراسن دولة ثانية بمكان عملهم على يد أبى حمو الاخير ابن موسى بن يوسف كما نذكره في أخبارهم ثم كانت لبنى مرين الكرة الثالثة إلى بلاد تلمسان ونهض السلطان عبد العزيز ابن السلطان أبى الحسن إليها فدخلها فاتح سنة ثنتين وسبعين وسرح عساكره في اتباع أبى حمو الناجم من آل يغمراسن حين فر أمامه في قومه وأشياعه من العرب كما يأتي في ذلك كله ولما انتهت العساكر إلى البطحاء تلوموا هنالك أياما لازاحة عللهم وكان في جملتهم صبى من ولد على بن راشد الذبيح اسمه حمزة ربى يتيما في حجر دولتهم لذمام الصهر الذى لقومه فيهم فكفلته نعمهم وكنفه جوهم حتى شب واستوى وسخط رزقه في ديوانهم وحاله بين ولدانهم واعترض بعض الايام قائد الجيوش الوزير أبا بكر بن غاز شاكيا وأساء رده فركب الليل ولحق بو سعيد من بلاد شلب فأجاروه ومنعوه ونادى بدعوة قومه فأجابوه وسرح إليه السلطان وزيره عبد العزيز عمر بن مسعود بن منديل بن حمامة كبير يتريعن في جيش كثيف من بنى مرين والجند فنزل بساحة ذلك الجبل حولا كريتا (1) فحاصرهم ينال منهم وينالون منه وامتنعوا واتهم السلطان وزيره الآخر أبا بكر بن غازى فنهض يجر العساكر الضخمة والجيوش الكثيفة إلى أن نزل بهم وصحبهم القتال فقذف الله في قلوبهم الرعب وأنزلهم من معقلهم وفر حمزة بن على في فل من قومه فنزل ببلاد حصين المنتقضين كانوا على الدولة مع أبى زيان بن أبى سعيد الناجم من آل يغمراسن حسبما نذكره وأتى بنو أبى سعيد طاعتهم وأخلصوا الضمائر في مغبتها فحسن

[ 70 ]

موقعهم وبدأ حمزة في الرجوع إليهم فأعد السير في لمة من قومه حتى إذا لم بهم نكرو لمكان ما اعتقلوا به من حبل الطاعة فتساهل إلى البسائط وقصد تيمروغت يظن بهاه غرة ينتهزها فبرز إليه حاميتها ففلوا حده وردوه على عقبه وتسابقوا في اتباعه إلى أن تقبضوا عليه وقادوه إلى الوزير بن الغازبن الكاس فأوعز إليه السلطان بقتله مع جملة أصحابه فضربت أعناقهم وبعث بها إلى سدة السلطان وصلب أشلاؤهم على خشب مسندة نصبها لهم ظاهر مليانة ومحى أثر مغراوة وانقرض أمرهم وأصبحوا خولا للامراء وجندا في الدل وأوزاعا في الاقطار كما كانوا قبل هذه الدولة لاخبرة لهم والبقاء لله وحده وكل شئ هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون لارب غيره ولا معبود سواه وهو على كل شئ قدير

[ 71 ]

على بن حارون حمزة بن يحيى عابد تميم ورجيع غربة عمر عطية بن منديل يعقوب بن زيان بن عبد الحق العباس حمزة بن زيد بن منيف بن محمد عمر بن منديل عيسى بن عمر محمد حمو ماكور يفرنان حمزة بن على بن راشد بن محمد بن ثابت بن منديل بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الصمد بن ورجيع بن عبد الصمد بن محمد بن خزرون

[ 72 ]

{ الخبر عن بنى عبد الواد من هذه الطبقة الثانية وما كان لهم بتلمسان وبلاد المغرب الاوسط من الملك والسلطان وكيف كان مبدأ أمرهم ومصائر أحوالهم } قد تقدم لنا في أول هذه الطبقة الثانية من زناتة ذكر بنى عبد الواد هؤلاء وأنهم من ولديادين بن محمد اخوة نوجين ومصاب وزرد ال وبنى راشد وأن نسبهم يرتفع إلى رزجيك ابن اسين بن ورسيك بن جانا وذكرنا كيف كانت حالهم قبل الملك في مواطنهم تلك وكان اخوانهم بمصاب وجبل راشد وفيكك وملوية ووصفنا من حال فتنتهم مع بنى مرين اخوانهم المجتمعين معهم في النسب في رزجيك بن واسيز ولم يزل بنو عبد الواد هؤلاء بمواطنهم تلك وبنو راشد وبنو زردال ومصاب مسخرين إليهم بالنسب والحلف وبنو توجين منابذين لهم أكثر أزمانهم ولم يزالوا جميعا متغلبين على ضاحية المغرب الاوسط عامة الازمان وكانوا تبعا فيه لبنى وماتوا وبنى يلومى حين كان لهم التغلب فيهم وربما يقال كان شيخهم لذلك العهد يعرف بيوسف بن تكفا حتى إذا نزل عبد المؤمن والموحدون نواحى تلمسان وسارت عساكرهم إلى بلاد زناتة تحت راية الشيخ أبى حفص فأوقعوا بهم كما ذكرناه وحسنت بعد ذلك طاعة بنى عبد الواد وانحياشهم إلى الموحدين وكانت بطونهم وشعوبهم كثيرة أظهرها فيما يذكرون ستة بنو يانكين وبنو اولوا وبنو ورهطف ونصوحه وبنو لو مرت وبنو القاسم ويقولون بلسانهم ائت القاسم وائت حرف الاضافة النسبية عندهم ويزعم بنو القاسم هؤلاء انهم من أولاد القاسم بن ادريس وربما قالوا في هذا القاسم انه ابن محمد بن ادريس أو ابن محمد ابن عبد الله أو ابن محمد بن القاسم وكلهم من أعقاب ادريس زعما لا مستند له الا اتفاق بنى القاسم هؤلاء عليه مع ان البادية بعداء عن معرفة هذه الانساب والله أعلم بصحة ذلك (وقد قال يغمراسن) ابن زنان أبو ملوكهم لهذا العهد لما رفع نسبه إلى ادريس كما يذكرون فقال برطانتهم ما معناه ان كان هذا صحيحا فينفعنا عند الله وأما الدنيا فانما نلناها بسيوفنا ولم تزل رياسة بنى عبد الواد في بنى القسام لشدة شوكتهم واعتزاز عصبيتهم وكانو بطونا كثيرة فمنهم بنو يكمثين بن القاسم وكان منهم ويعزن ابن مسعود بن يكمثين وأخواه يكمثين وعمر وكان أيضا منهم اغدوى بن يكمثين الاكبر ويقال الاصغر ومنهم أيضا عبد الحق من منغفاد بن ولد ويعزن وكانت الرياسة عليهم لعهد عبد المؤمن لعبد الحق بن منغفاد واغدوى بن يكمثين وعبد الحق بن منغفاد هو الذى استنقذ الغنائم من يدى بنى مرين وقتل المخضب المسوف حين بعثه عبد المؤمن مع الموحدين لذلك والمؤرخون يقولون عبد الحق بن معاد بميم وعين مهملة مفتوحتين وألف بعدها وهو غلط وليس هذا اللفظ بهذا الضبط من لغة زناتة وانما

[ 73 ]

هو تصحيف منغفاد بميم ونون مفتوحتين وغين بعدهما معجمة ساكنة وفاء مفتوحة والله أعلم (ومن بطون) بنى القاسم أيضا بنو مطهر بن يمل بن يزكين بن القاسم وكان جماعة بن مطهر من شيوخهم لعهد عبد المؤمن وأبلى في حروب زناتة مع الموحدين ثم حسنت طاعته وانحياشه (ومن بطون) بنى القاسم أيضا بنو على واليهم انتهت رياستهم وهم أشد عصبية وأكثر جمعا وهم أربعة أفخاذ بنو طاع الله وبنو دلول وبنو كمين وبنو معطى بن جوهر والاربعة بنو على ونصاب الرياسة في بنى طاع الله لبنى محمد ابن زكراز بن تيدوكس بن طاع الله هذا ملخص الكلام في نسبهم (ولما) ملك الموحدون بلاد المغرب الاوسط وأبلوا من طاعتهم وانحياشهم ما كان سببا لاستخلاصهم فأقطعوهم عامة بلاد بنى وماتوا وأقاموا بتلك المواطن وحدثت الفتنة بين بنى طاع الله وبنى كمين إلى أن قتل كندور بن من بنى كمى زيان بن ثابت كبير بنى محمد بن زكراز وشيخهم وقام بأمرهم بعده جابر بن عمه يوسف بن محمد فشار كندور بزيان ابن عمه وقتله في بعض أيامهم وحروبهم ويقال قتله غيلة وبعث برأسه ورؤس أصحابه إلى يغمراسن بن زيان بن ثابت فنصبت عليهم القدور أثافى شفاية لنفوسهم من شأن أبيه زيان وافترق بنو كمين وفر بهم كبيرهم عبد الله بن كندور فلحقوا بتونس ونزل على الامير أبى زكريا كما نذكره بعد واستبد جابر بن يوسف بن محمد برياسة بنى عبد الواد وأقام هذا الحى من بنى عبد الواد بضواحي المغرب الاوسط حتى إذا فشل ريح بنى عبد المؤمن وانتزى يحيى بن غالية على جهات قابس وطرابلس وردد الغزو والغارات على بسائط افريقية والمغرب الاوسط فاكتسحها وعاث فيها وكبس الامصار فاقتحمها بالغارة وافساد السابلة وانتساف الزرع وحطم النعم إلى أن خربت وعفار سمها لسني الثلاثين من المائة السابعة وكان تلمسان نزلا للحامية ومناخا للسيد من القرابة الذى يضم نشرها ويذب عن أنحائها وكان المأمون قد استعمل على تلمسان أخاه السيد أبا سعيد وكان مغفلا ضعيف التدبير وغلب عليه الحسن بن حيون من مشيخة قومه وكان عاملا على الوطن وكانت في نفسه ضغائن من بنى عبد الواد جرها ما كان حدث لهم من التغلب على الضاحية وأهلها فأغرى السيد أبا سعيد بجماعة مشيخة منهم وفدوا عليه فتقبض عليهم واعتقلهم وكان في حامية تلمسان لمة من بقايا لمتونة تجافت الدولة عنهم وأثبتهم عبد المؤمن في الديوان وجعلهم مع الحامية وكان زعيمهم لذلك العهد ابراهيم بن اسمعيل بن علان فشفع عندهم في المشيخة المعتقلين بمن بنى عبد الواد فردوه فغضب وحمى انفه وجمع الانتقاض والقيام بدعوة ابن غانية فجدد ملك المرابطين من قومه بقاصية المشرف فاغتال الحسن بن حيون لحينه وتقبض على السيد أبى سعيد وأطلق

[ 74 ]

المشيخة من بنى عبد الواد ونقض طاعة المأمون وذلك سنة أربع وعشرين فطير الخبر إلى ابن غانية فأجد إليه السير ثم بدا له في أمر بنى عبد الواد ورأى ان ملاك أمره في خضد شوكتهم (1) وقص جناحهم فحدث نفسه بالفتك بمشيختهم ومكر بهم في دعوة واعدهم لها وفطن لتدبيره ذلك جابر بن يوسف شيخ بنى عبد الواد فواعده اللقاء والمزاورة وطوى له على وخرج ابراهيم بن علان إلى لقائه ففتك به جابر وبادر إلى البلد فنادى طاعته وكشف لاهلها القناع عن مكر بن علان بهم ولما أوقعهم بن غانية فحمدوا رأيه وشكروا جابرا على صنيعه وجددوا البيعة هذا دفع بنى عبد الواد واحلافهم من بنى راشد وبعث إلى فخاطب له بالشكر وكتب له بالعهد على تلمسان وسائر زناتة على رسم السادات الذين كانوا يلون ذلك مع القرابة فاضطلع بأمر المغرب الاوسط (وكانت) هذه الولاية ركوبا إلى صهوة الملك الذى اقتعدوه من بعد ثم انتقض عليه أهل اربونة بعد ذلك فنازلهم وهلك في حصارها بسهم غرب سنة تسع وعشرين وقامس بالامر بعده ابنه الحسن وجدد له المأمون عهده بالولاية ثم ضعف عن الامر وتخلى عنه لستة أشهر من ولايته ودفع إليه عمه عثمان بن يوسف وكان سيئ الملكة كثير العسف والجور فثارت به الرعايا بتلمسان وأخرجوه سنة احدى وثلاثين وارتضوا مكانه ابن عمه زكراز بن زيان بن ثابت الملقب بأبى عزة فاستدعوه لها وولوه على أنفسهم وبلدهم وسلموا له أمرهم وكان مضطلعا بأمر زناتة ومستبدا برياستهم ومستوليا على سائر الضواحى فنفس بنو مطهر عليه وعلى قومه بنى على اخوانهم ما آتاهم الله من الملك واكرمهم الله به من السلطان وحسدوا زكراز وسلفه فيما صار إليه من الملك فشاقوه ودعوا إلى الخروج عليه واتبعهم بنو راشد احلافهم منذ عهد الضحراء وجمع لهم أبو عزة سائر قبائل بنى عبد الواد فكانت بينه وبينهم حرب سجال هلك في بعض أيامها سنة ثلاث وثلاثين وقام بالامر بعده أخوه يغمراسن بن زيان فوقع التسليم والرضا وسير القبيل ودان له بالطاعة جميع الامصار وكتب له الخليفة الرشيد بالعهد على عمله وكان له ذلك سلما إلى الملك الذى أورثه بنيه سائر الايام والملك لله يؤتيه من يشاء

[ 75 ]

يغمراسن دلول معطى بن جوهر عبد الحق بن يكبيكن واعروى بنو ورصطف مصوهه وللدا الحسن بن جابر بن يوسف عثمان عبد الله بن كندور بن كمى حمامة بن مطهر بن يمل بن يزكن حمامة بن مطهر بنو تومرت تاكتر زكراز بن زيان بن ثابت بن محمد بن زكراز بن تيدوكس بن طاع الله بن على بن القاسم بن عبد الواد

[ 76 ]

{ الخبر عن تلمسان وما تأدى الينا من أحوالها من الفتح إلى أن تأثل بها سلطان بنى عبد الواد ودولتهم } هذه المدينة قاعدة المغرب الاوسط وأم بلاد زناتة اختطها بنو يفرن بما كانت في مواطنهم ولم نقف على أخبارها فيما قبل ذلك وما يزعم بعض العامة من ساكنها أنها أزلية البناء وأن الجدار الذى ذكر في القرآن في قصة الخضر وموسى عليهما السلام هو بناحية اكادير منها فأمر بعيد عن التحصيل لان موسى عليه السلام لم يفارق المشرق إلى المغرب وبنو اسرائيل لم يلغ ملكهم لافريقية فضلا عما وراءها وانما هي من مقالات التشيع المجبول عليه أهل العالم في تفضيل ما ينسب إليه أو ينسبون إليه من بلد أو أرض أو علم أو صناعة ولم أقف لها على خبر أقدم من خبر ابن الرقيق بأن أبا المهاجر الذى ولى افريقية بين ولايتى عقبة بن نافع الاولى والثانية توغل في ديار المغرب ووصل إلى تلمسان وبه سميت عيون أبى المهاجر قريبا منها وذكرها الطبري عند ذكر أبى قرة واجلائه مع إبى حاتم والخوارج على عمر بن حفص ثم قال فأفرجوا عنه وانصرف أبو قرة إلى مواطنه بنواحي تلمسان وذكرها ابن الرقيق أيضا في أخبار ابراهيم بن الاغلب قبل استبداده بافريقية وانه توغل في غزوه إلى المغرب ونزلها واسمها في لغة زناتة مركب من كلمتين تلم سان ومعناهما تجمع اثنين يعنون البر والبحر (ولما خلص) ادريس الاكبر بن عبد الله بن الحسن إلى المغرب الاقصى واستولى عليه نهض إلى المغرب الاوسط سنة أربع وسبعين ومائة فتلقاه محمد بن خزر بن صولات أمير زناتة وتلمسان فدخل في طاعته وحمل عليها مغراوة وبنى يفرن وأمكنه من تلمسان فملكها واختط مسجدها وصعد منبره وأقام بها أشهر أو انكفأ راجعا إلى المغرب وجاء على اثره من المشرق أخوه سليمان بن عبد الله فنزلها وولاه أمرها ثم هلك ادريس وضعف أمرهم ولما بويع لابنه ادريس من بعده واجتمع إليه برابرة المغرب نهض إلى تلمسان سنة تسع وتسعين ومائة فجدد مسجدها وأصلح منبرها وإقام بها ثلاث سنين دوخ فيها بلاد زناتة واستوسقت له طاعتهم وعقد عليها لبنى محمد ابن عمه سليمان (ولما هلك ادريس) الاصغر واقتسم بنوه أعمال المغربين باشاره أمه كنزة كانت تلمسان في سهمان عيسى بن ادريس بن محمد بن سليمان وأعمالها لبنى أبيه محمد بن سليمان فلما انقرضت دولد الادارسة من المغرب وولى أمره موسى بن أبى العافية بدعوة الشيعة نهض إلى تلمسان سنة تسع عشرة وغلب عليها أميرها لذلك العهد الحسن بن أبى العيش بن عيسى بن ادريس بن محمد بن سليمان ففر عنها إلى مليلة وبنى حصنا لامتناعه بناحية نكور فحاصره مدة ثم عقد له سلما على حصنه ولما تغلب الشيعة على

[ 77 ]

المغرب الاوسط أخرجوا أعقاب محمد بن سليمان من سائر أعمال تلمسان فأخذوا بدعوة بنى أمية من وراء البحر وأجازوا إليهم وتغلب يعلى بن محمد اليفرنى على بلاد زناتة والمغرب الاوسط فعقد له الناصر الاموى عليها وعلى تلمسان أعوام أربعين وثلثمائة ولما هلك يعلى وأقام بأمر زناتة بعده محمد بن الخير بن محمد بن خزر داعية الحكم المستنصر بتلمسان أعوام ستين وهلك في حروب صنهاجة وغلبوهم على بلادهم وانجلوا إلى المغرب الاقصى ودخلت تلمسان في عمالة صنهاجة إلى أن انقسمت دولتهم وافترق أمرهم واستقل بامارة زناتة وولاية المغرب زيرى بن عطية وطرده المنصور عن المغرب أعوام فصار إلى بلاد صنهاجة وأجلب عليها ونازل معاقلهم وأمصارهم مثل تلمسان وهراة وتنس واشير المسيلة ثم عقد المظفر بعد حين لابنه المعز بن زيرى على أعمال المغرب سنة ست وتسعين فاستعمل على تلمسان ابنه يعلى بن زيرى واستقرت ولايتها في عقبه إلى إن انقرض أمرهم على يد لمتونة وعقد يوسف بن تاشفين عليها لمحمد بن تينعمر المستوفى وأخيه تاشفين من بعده واستحكمت الفتنة بينه وبين المنصور ابن الناصر صاحب القلعة من ملوك بنى حماد ونهض إلى تلمسان وأخذ بمخنقها وكاد أن يغلب عليها كما ذكرنا ذلك كله في مواضعه (ولما غلب) عبد المؤمن لمتونة وقتل تاشفين ابن على بوهران خربها وخرب تلمسان بعد أن قتل الموحدون عامة أهلها وذلك أعوام أربعين من المائة السادسة ثم راجع رأيه فيها وندب الناس إلى عمرانها وجمع الايدى على رم ما تثلم من أسوارها وعقد عليها لسليمان بن واندين من مشايخ هنتاتة وأخاير الموحدين وسبب هذا الحى من بنى عبد الواد بما أبلى من طاعتهم وانحياشهم ثم عقد عليها لابنه السيد أبى حفص ولم يزل آل عبد المؤمن بعد ذلك يستعملون عليها من قرابتهم وأهل بيتهم ويرجعون إليه أمر الغرب كله وزناتة أجمع اهتماما بأمرها واستعظاما لعملها وكان هؤلاء الاحياء من زناتة بنو عبد الواد وبنو توجين وبنو راشد غلبوا على ضواحي تلمسان والمغرب الاوسط وملكوها وتقلبوا في بسائطها واحتازوا باقطاع الدولة الكثير من أرضها والطيب من بلادها والوافر للجباية من قبائلها فإذا خرجوا إلى مشاتيهم بالصحراء خلفوا أتباعهم وحاشيتهم بالتلول لاعتمار أرضهم وازدراع فدنهم وجباية الخراج من رعاياهم وكان بنو عبد الواد من ذلك فيها بين البطحاء وملوية ساحله وريغة وصحراوة وصرف ولاة الموحدين بتلمسان من السادة نظرهم واهتمامهم بشأنها إلى تحصينها وتشييد أسوارها وحشد الناس إلى عمرانها والتناغى في عمرانها واتخاذ الصروح والقصور بها والاحتفال في مقاصد الملك واتساع خطة الدور وكان من أعظمهم اهتماما بذلك وأوسعهم فيه نظرا السيد أبو عمران موسى

[ 78 ]

ابن أمير المؤمنين يوسف ووليها سنة ست وخمسين على عهد أبيه يوسف بن عبد المؤمن واتصلت أيام ولايته فيها فشيد بناءها وأوسع خطتها وأدار سياج الاسوار عليها ووليها من بعد السيد أبو الحسن بن السيد أبى حفص بن عبد المؤمن وتقبل فيها مذهبه (وما كان) من أمر ابن غانية وخروجه من ميورقة سنة احدى وثمانين ما قدمناه وكبسوا بجاية فملكوها وتخطوا إلى الجزائر ومليانة فغلبوا عليها تلافى السيد أبو الحسن أمره بانعام النظر في تشييد أسوارها والاستبلاغ في تحصينها وسد فرجها واعماق الحفائر نطاقا عليها حتى صيرها من أعز معاقل المغرب وأحصن أمصاره وتقبل ولاتها هذا المذهب من بعده في المعتصم بها (واتفق من الغرائب) أن أخاه السيد أبا زيد هو الذى دفع لحرب بنى غانية فكان لها في رقع الخرق والمدافعة عن الدولة آثار وكان ابن غانية قد اجتمع إليه ذوبان العرب من الهلاليين بافريقية وخالفتهم زغبة احدى بطونهم إلى الموحدين وتحزوا إلى زناتة المغرب الاوسط وكان مفزعهم جميعا ومرجع نقضهم وإبرامهم إلى العامل بتلمسان من السادة أبى مثواهم وحامى حقيقتهم وكان ابن غانية كثيرا ما يجلب على ضواحي تلمسان وبلاد زناتة ويطرقها معه من ناعق الفتنة إلى ان خرب كثيرا من أمصارها مثل تاهرت وغيرها فأصبحت تلمسان قاعدة المغرب الاوسط وأم هؤلاء الاحياء من زناتة والمغرب الكافية لهم المهيئة في حجرها مها دنومهم لما خربت المدينتان اللتان كانتا من قبل قواعد في الدول السالفة والعصور الماضية وهما أرشكول بسيف البحر وتاهرت فيما بين الريف والصحراء من قبلة البطحاء وكان خراب هاتين المدينتين فيما خرب من أمصار المغرب الاوسط فتنة ابن غانية وباجلاب هؤلاء الاحياء من زناتة وطلوعهم على أهلها بسوم الخسف والعيث والنهب وتخطف الناس من السابلة وتخريب العمران ومغالبتهم حاميتها من عساكر الموحدين مثل قصر عجيسة وزرفة والخضراء وشلب ومتيجة وحمزة ومرسي الدجاج الجعبات ولم يزل عمران تلمسان يتزايد وخطتها تتسع الصروح بها بالآجر والفهر تعلى وتشاد إلى أن نزلها آل زيان واخذوها دارا لملكهم وكرسيا لسلطانهم فاختطوا بها القصور المونقة والمنازل الجاملة واغترسوا الرياض والبساتين وأجروا خلالها المياه فأصبحت أعظم أمصار المغرب ورحل إليها الناس من القاصية ونفقت بها أسواق العلوم والصنائع فنشأ بها العلماء واشتهر فيها الاعلام وضاهت أمصار الدول الاسلامية والقواعد الخلافية والله وارث الارض ومن عليها { الخبر عن استقلال يغمراسن بن زيان بالملك والدولة بتلمسان وما إليها وكيف مهد الامر لقومه وأصاره تراثا لبنيه }

[ 79 ]

كان يغمراسن بن زيان بن ثابت بن محمد من أشد هذا الحى بأسا وأعظمهم في النفوس مهابة واجلالا وأعرفهم بمصالح قبيلة وأقواهم كاهلا على حمل الملك واضطلاعا بالتدبير والرياسة شهدت له بذلك آثاره قبل الملك وبعده وكان مرموقا بعين التجلة مؤملا للامر عند المشيخة وتعظمه من أمره الخاصة وتفزع إليه في نوائبها العامة فلا ولى هذا الامر بعد أخيه أبى عزة زكراز بن زيان سنة ثلاث وثلاثين قام به أحسن قيام واضطلع باعبائه وظهر على بنى مطهر وبنى راشد الخارجين على أخيه وأصارهم في جملته وتحت سلطانه وأحسن السيرة في الرعية واستمال عشيرته وقومه واحلافهم من زغبة بحسن السياسة والاصطناع وكرم الجوار واتخذ الآلة ورتب الجنود والمسالح واستلحق العساكر من الروم والغز وناشئه وفرض العطاء واتخذ الوزراء والكتاب وبعث في الاعمال ولبس شارة الملك والسلطان واقتعد الكرسي ومحا آثار الدولة المؤمنية وعطل من الامر والنهى دستها ولم يترك من رسوم دولتهم وألقاب ملكهم الا الدعاء على منابره للخليفة بمراكش وتقلد العهد من يده تأنيسا للكافة ومرضاة للاكفاء من قومه ووفد عليه لاول دولته ابن وضاح اثر الموحدين أجاز البحر مع جالية المسلمين من شرق الاندلس فآثره وقرب مجلسه وأكرم نزله وأحله من الخلة والشورى بمكان اصطفاه له ووفد في جملته أبو بكر بن خطاب المبايع لاخيه بمرسية وكان مرسلا بليغا وكاتبا مجيدا وشاعرا محسنا فاستكتبه وصدر عنه من الرسائل في خطاب خلفاء الموحدين بمراكش وتونس في عهود بيعاتهم ما تنوقل وحفظ ولم يزل يغمر اسن محاميا عن غيله محاربا لعدوه وكانت له مع ملوك الموحدين من آل عبد المؤمن ومديلتهم آل أبى حفص مواطن في التحرس به ومنازلة بلده نحن ذاكروها كذلك وبينه وبين أقتاله بنى مرين قبل ملكهم المغرب وبعد ملكه وقائع متعددة وله على زناتة الشرف من توجين ومغراوة في فل جموعهم وانتساف بلادهم وتخريب أوطانهم وأيام مذكورة وآثار معروفة نشير إلى جميعها ان شاء الله تعالى * (الخبر عن استيلاء الامير أبى زكريا على تلمسان ودخول يغمراسن في دعوته) * لما استقل يغمراسن بن زيان بأمر تلمسان والمغرب الاوسط وظفر بالسلطان وعلا كعبه على سائر أحياء زناتة نفسوا عليه ما آتاه الله من العز وكرمه به من الملك فنابذوه العهد وشاقوه الطاعة وركبوا له ظهر الخلاف والعداوة فشمر لحربهم ونازلهم في ديارهم وأحجرهم في أمصارهم ومعتصماتهم من شواهق الجبال وممتنع الامصار وكانت له عليهم أيام مشهورة ووقائع معروفة وكان متولى كبر هذه المشاقة عبد القوى ابن عباس شيخ بنى توجين أقتالهم من بنى يادين والعباس بن منديل بن عبد الرحمن واخوته أمراء

[ 80 ]

مغراوة وكان المولى الامير أبو زكريا بن أبى حفص منذ استقل بأمر افريقية واقتطعها من الايالة المؤمنية سنة خمس وعشرين كما ذكرناه متطاولا إلى احتياز المغرب والاستيلاء على كرسى الدعوة بمراكش وكان يرى أن بمظاهرة زناتة له على شأنه يتم له ما يسموا إليه من ذلك فكان يداخل أمراء زناتة فيرغبهم ويراسلهم بذلك على الاحيان من بنى مرين وبنى عبد الواد وتوجين ومغراوة وكان يغمر اسن منذ تقلد طاعة بنى عبد المؤمن أقام دعوتهم بعمله متحيزا إليهم سلما لوليهم وحربا على عدوهم وكان الرشيد قد ضاعف له البر والخلوص وخطب منه مزيد الولاية والمصافاة وعاوده الاتحاف بأنواع الالطاف والهدايا عام سبع وثلاثين تقمنا لمسراته وميلا إليه عن جانب أقتال بنى مرين المجلبين على المغرب والدولة وأحفظ الامير أبا زكريا بن عبد الواحد صاحب افريقية ما كان من اتصال يغمراسن بالرشيد وهو من جواره بالمحل القريب واستكره ذلك وبينما هو على ذلك إذ وفد عليه عبد القوى بن عباس وولد منديل بن محمد صريخين على يغمراسن وسهلوا له أمره وسولوا له الاستيلاء على تلمسان وجمع كلمة زناتة واعتدا ذلك ركابا لما يرومه من امتطاء ملك الموحدين وانتظامه في أمره وسلما لارتفاء ما يسمو إليه من مكله وبابا للولوج على أهله فحركه املاؤهم وهزه إلى النعرة صريخهم وأهب بالموحدين وسائر الاولياء والعساكر على الحركة على تلمسان واستنفر لذلك سائر البدو من الاعراب الذين في عمله من بنى سليم ورياح بظعنهم لداغية ونهض سنة تسع وثلاثين في عساكر ضخمة وجيوش وافرة وسرح أمام حركته عبد القوى ابن العباس وأولاد منديل بن محمد لحشد من بأوطانهم من أحياء زناتة وأتباعهم وذوبان قبائلهم وأحياء زغبة احلافهم من العرب وضرب معهم لموافاتهم في تخوم بلادهم ولما نزل زاغر قبلة تيطرى منتهى مجالات رياح وبنى سليم في المغرب وافته هنالك أحياء زغبة من بنى عامر وسويد وارتحلوا معه حتى نازل تلمسان بجمع عساكر الموحدين وحشد زناتة وظعن المغرب بعد أن قدم إلى يغمراسن الرسل من مليانة والاعذار والبراءة والدعاء والطاعة فرجعهم بالخيبة (ولما حلت) عساكر الموحدين بساحة البلد وبرز يغمراسن وجموعه نضحتهم ناشبة السلطان بالنبل فانكشفوا ولاذوا بالجدران وعجزوا عن حماية الاسوار فاستمكنت المقاتلة من الصعود ورأى يغمراسن ان قد أخيط بالبلد فقصد باب العقبة من أبواب تلمسان ملتفا على ذويه وخاصته واعترضه عساكر الموحدين فصمد نحوهم وجدل بعض أبطالهم فافرجوا له ولحق بالصحراء وانسلت الجيوش إلى البلد من كل حدب فاقتحموه وعابوا فيه بقتل النساء والصبيان واكتساح الاموال ولما تجلى عشاء تلك الهيعة وحسر تيار

[ 81 ]

الصدمة وخمدت نار الحرب راجع الموحدون بصائرهم وأمعن الامير نظره فيمن يقلده أمر تلمسان والمغرب الاوسط وينزله بثغرها لاقامة دعوته الدائلة من بنى عبد المؤمن والمدافعة عنها واستكبر ذلك أشرافهم وتدافعوه وتبرأ أمراء زناتة منه ضعفا عن مقاومة يغمراسن وعلما بأنه الفحل الذى لا يجدع أنفه ولا يطرق غيله ولا يصد عن فريسته وسرح يغمراسن الغارات في نواحى العسكر فاختطفوا الناس من حوله وأطلوا من المراقب عليه وخاطب يغمراسن خلال ذلك الامير أبا زكريا راغبا في القيام بدعوته بتلمسان فراجعه بالاسعاف واتصال اليد على صاحب مراكش وسوغه على ذلك جباية اقتطعها له وأطلق أيدى العمال ليغمراسن على جبايتها ووفدت أمه سوط النساء للاشتراط والقبول فأكرم موصلها وأسنى جائزتها وأحسن وفادتها ومنقلبها وارتحل إلى حضرته لسبع عشرة ليلة من نزوله في أثناء ريقه ووسوس إليه بعض الحاشية باستبداد يغمراسن عليه وأشاروا باقامة منافسيه من زناتة فأجابهم وقلد عبد القوى بن عطية التوجينى والعباس بن منديل المغراوى وعلى بن منصور الملكيشى على قومهم ووطنهم وعهد إليهم بذلك وأن لهم في اتخاذ الآلة والمراسم السلطانية على سنن يغمراسن قريعهم فاتخذوها بحضرته وبمشهد من ملك الموحدين وأقاموا مراسمها ببابه وأعد السير لتونس قرير العين بامتداد الملك وبلوغ وطره والاشراف على اذعان المغرب لطاعته وانقياده وحكمه وادالة عبد المؤمن فيه بدعوته ودخل يغمراسن بن زيان ووفى للامير أبى زكريا بعهده وأقام بها الدعوة له على سائر منابره وصرف إلى مشاقيه من زناتة وجوه عزائمه فأذاق عبد القوى وأولاد عباس وأولاد منديل نكال الحرب وسامهم سوء العذاب والفتنة وجاس خلال ديارهم وتوغل في بلادهم وغلبهم على الكثير من ممالكهم وشرد عن الامصار والقواعد ولاتهم وأشياعهم ودعاتهم ورفع عن الرعية ما نالهم من عدوانهم وسوء ملكتهم وثقيل عسفهم ولم يزل على تلك الحال إلى أن كان من حركة صاحب مراكش يغمراسن بالدولة الحفصية ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن نهوض السعيد صاحب مراكش ومنازلته يغمراسن بجبل تامزردكت ومهلكه هنالك } لما انقضت دولة بنى عبد المؤمن وانتزى الثوار والدعاة بقاصية أعمالهم وقطعوها عن ممالكهم فاقتطع ابن هود ما وراء البحر من جزيرة الاندلس واستبد بها وروى بالدعاء للمستنصر بن الظاهر خليفة بغداد من العباسيين لعهده ودعا الامير أبو زكريا بن أبى حفص بافريقية لنفسه وسما إلى جمع كلمة زناتة والتغلب على كرسى الدعوة بمراكش

[ 82 ]

فنازل تلمسان وغلب عليها سنة أربعين وقارن ذلك ولاية السعيد على بن المأمون ادريس بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وكان شهما حازما يقظا بعيد الهمة فنظر في اعطاف دولته وفاض الملا في تثقيف أطرافها وتقويم مائلها وأثار حفائظهم ما وقع من بنى مرين في ضواحي المغرب ثم في أمصاره واستيلائهم على مكناسة وقامتهم الدعوة الحفصية فيها كما نذكره فجهز الملوك والعساكر وأزاح عللهم واستنفر عرب المغرب وما يليه واحتشد كافة المصامدة ونهض يمن مراكش آخر سنة خمس وأربعين يريد القاصية ويشرد بنى مرين عن الامصار الدانية والحشود بوادي بهت وأعد السير إلى تازى فوصلته هناك طاعة بنى مرين كما نذكره ونفر معه عسكر منهم ونهض إلى تلمسان وما وراءها ونجا يغمراسن بن زيان وبنو عبد الواد بأهليهم وأولادهم إلى قلعة تامزردكت قبلة وجدة فاعتصموا بها ووفد على السعيد الفقيه عبدون وزير يغمراسن مؤديا للطاعة في مذاهب الخدمة ومتوليا من حاجات الخليفة بتلمسان ما يدعوه إليه ويصرفه في سبيله ومعتذرا عن وصول يغمراسن فلج الخليفة في شأنه ولم يعذره وأبى الا مباشرة طاعته بنفسه وساعده في ذلك كانون بن جرمون السفياني صاحب الشورى بمجلسه ومن حضر من الملا ورجعوا عبدونا لاستقدامه فتثاقل خشية على نفسه واعتمد السعيد الجبل في عساكره وأناخ بها في ساحة وأخذ بمخنقهم ثلاثا ولرابعها ركب مهجرا على حين غفلة من الناس في قائلة ليتطوف على المعتصم ويتقرى مكامنه فبصر به فارس من القوم يعرف بيوسف بن عبد المؤمن الشيطان كان أسف الجبل للاحتراس وقريبا منه يغمراسن ابن زيان وابن عمه يعقوب بن جابر فانقضوا عليه من بعض الشعاب وطعنه يوسف فأكبه عن فرسه وقتل يعقوب بن جابر وزيره يحيى بن عطوش ثم استلحموا لوقتهم مواليه ناصحا من العلوج وعنبرا من الخصيان وقائد جند النصارى أخو العمط ووليدا يافعا من ولد السعيد (ويقال) انما كان ذلك يوم عبى العساكر وصعد الجبل للقتال وتقدم امام الناس فاقتطعه بعض الشعاب المتوعرة في طريقه فتواثب به هولاء الفرسان وكان ما ذكرناه وذلك في صفر سنة ست وأربعين ووقعت النفرة في العساكر لطائر الخير فأجفلوا وبادر يغمراسن إلى السعيد وهو صريع بالارض فنزل إليه وحياه وفداه واقسم له على البرء من هلكته والخليفة واجم بمصرعه يجود بنفسه إلى ان فاض وانتهب المعسكر بجملته وأخذ بنو عبد الواد ما كان به من الاخبية والعازات واختص يغمراسن بفسطاط السلطان فكان له خالصة دون قومه واستولى على الذخيرة التى كانت فيه منها مصحف عثمان بن عفان يزعمون أنه أخذ المصاحف التى انتسخت لعهد خلافته

[ 83 ]

وانه كان في خزائن قرطبة عند ولد عبد الرحمن الداخل ثم صار في ذخائر لمتونة فيما صار إليهم من ذخائر ملوك الطوائف بالاندلس ثم إلى خزائن الموحدين من خزائن لمتونة وهو لهذا العهد في خزائن بنى مرين فيما استولوا عليه من ذخيرة ال زيان حين غلبهم اياهم على تلمسان واقتحامها عنوة على ملكها منهم عبد الرحمن بن موسى بن عثمان بن يغمراسن فريسة السلطان أبى الحسن مقتحمها غلابا سنة سبع وثلاثين كما نذكره ومنها العقد المنتظم من خرزات الياقوت الفاخرة والدرر المشتمل على مئين متعددة من حصبائه يسمى بالثعبان وصار في خزائن بنى مرين بعد ذلك الغلاب فيما اشتملوا عليه من ذخيرتهم إلى أن تلف في البحر عند غزو الاسطول بالسلطان أبى الحسن بمرسى بجابة مرجعه من تونس حسبما نذكره بعد إلى ذخائر من أمثاله وطرف من أشباهه مما يستخلصه الملوك لخزائنهم ويعنون به من ذخائرهم ولما سكنت النفرة وركد عاصف تلك الهيعة نظر يغمراسن في شأن مواراة الخليفة فجهز ورفع على الاعواد إلى مدفنه بالعباد بمقبرة الشيخ أبى مدين عفا الله عنه ثم نظر في شأن حرمه وأخته تاعزونت الشهيرة الذكر بعد أن جاءها واعتذر إليها مما وقع وأصحبهن جملة من مشيخة بنى عبد الواد إلى مأمنهن والحقوهن بدرعة من تخوم طاعتهم فكان له بذلك حديث جميل في الابقاء على الحرم ورعى حقوق الملك ورجع إلى تلمسان وقد خضدت شوكة بنى عبد المؤمن وأمنهم على سلطانه والله أعلم * (الخبر عما كان بينه وبين بنى مرين من الاحداث سائر أيامه) * قد ذكرنا ما كان بين هذين الحيين من المناغاة والمنافسة منذ الآماد المتطاولة بما كانت مجالات الفريقين بالصحراء متجاورة وكان التخم بين الفريقين واديا صار إلى فيجيج وكان بنو عبد المؤمن عند فشل الدولة وتغلب بنى مرين على ضاحية المغرب يستجيشون بنى عبد الواد مع عساكر الموحدين على بنى مرين فيجوسون خلال المغرب ما بين تازى إلى فاس إلى القصر في سبيل المظاهرة للموحدين والطاعة لهم وسنذكر في أخبار بنى مرين كثيرا من ذلك فلما هلك السعيد وأسف بنو مرين إلى ملك المغرب سما ليغمراسن أمل في مزاحمتهم وكان أهل فاس وقد تغلب أبو يحيى بن عبد الحق عليهم قد نقموا على قومه سوء السيرة وتمشت رجالاتهم في اللياذ بطاعة الخليفة المرتضى ففعلوا فعلتهم في الفتك بعامل أبى يحيى بن عبد الحق والرجوع إلى طاعة الخليفة وأعد أبو يحيى المسير إلى منازلتهم فحاصرهم شهورا وفى أثناء هذا الحصار اتصلت المخاطبة بين الخليفة المرتضى ويغمراسن بن زيان في الاخذ بحجزة أبى يحيى بن عبد الحق بفاس فأجاب يغمراسن داعيه واستنفر لها اخوانه من زناتة فنفر معه عبد القوى بن عطية بقومه من

[ 84 ]

توجين وكافة القبائل من زناتة والمغرب ونهضوا إلى وبلغ خبرهم إلى أبى يحيى بن عبد الحق بمكانه من حصار فاس فجهز كتائبه عليها ونهض للقائهم في بقية العساكر والتفى الجمعان بايسلى من ناحية وجدة وكانت هناك الواقعة المشهورة بذلك المكان انكشف فيها جموع يغمراسن وغيره ورجعوا في فلهم إلى تلمسان واتصلت بعد ذلك بينهم الحروب والفنات سائر أيامه وربما تخللتها الهدنات قليلا وكان بينه وبين يعقوب بن عبد الحق ذمة مواصلة أوجب له رعيها وكثيرا ماكان يثنى عليه أخوه أبو يحيى من أجلها ونهض أبو يحيى بن عبد الحق سنة خمس وخمسين إلى قتاله وبرز إليه يغمراسن وتزاحفت جموعهم بأبى سليط فانهزم يغمراسن واعتزم أبو يحيى على اتباعه فرده أخوه يعقوب بن عبد الحق (ولما) قفل إلى المغرب صمد يغمراسن إلى سجلماسة لمداخلة كانت بينه وبين النبات من عرب المعقل أهل مجالاتها وذئاب فلاتها حدثته نفسه باهتبال الغرة في سجلماسسة من أجلها وكانت قد صارت إلى ايالة أبى يحيى ابن عبد الحق منذ ثلاث كما ذكرناه في أخبارهم ونذر بذلك أبو يحيى فسابق إليها يغمراسن بمن حضره من قومه فثقفها ووصل يغمراسن عقيب ذلك بعساكره وأناخ بها وامتنعت عليه فأفرج عنها قافلا إلى تلمسان وهلك أبو يحيى بن عبد الحق اثر ذلك منقلبه إلى فاس فاستنفر يغمراسن أولياءه من زناتة وأحياء زغبة ونهض إلى المغرب سنة سبع وخمسين وانتهى إلى كلدامان ولقيه يعقوب بن عبد الحق في قومه فأوقع به وولى يغمراسن منهزما ومر في طريقه بتافرسيت فانتسفها وعاث في نواحيها ثم تداعوا للسلم ووضع أوزار الحرب وبعث يعقوب بن عبد الحق ابنه أبا مالك بذلك فتولى عقده وإبرامه ثم كان التقاؤهما سنة تسع وخمسين بواجر قبالة بنى يرناس واستحكم عقد الوفاق بينهما بذلك واتصلت المهادنة إلى ان كان بينهما ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن كائنة النصارى وايقاع يغمراسن بهم) * كان يغمراسن بن زيان بعد مهلك السعيد وانفضاض عساكر الموحدين قد استخدم طائفة من جند النصارى الذين كانوا في جملته مستكثرا بهم معتدا بمكانهم مباهيا بهم في المواقف والمشاهد وناولهم طرفا من حبل عنايته فاعتزوا به واستفحل أمرهم بتلمسان حتى إذا كان سنة ثنتين بعد مرجعه من بلاد توجين في احدى حركاته إليها كانت قصة غدرهم الشقاء التى أحسن الله في دفاعها عن المسلمين وذلك أنه ركب في بعض أيامه لاعتراض الجنود بباب القرمادين من أبواب تلمسان وبينما هو واقف في موكبه عند قائلة الضحا عدا عليه قائدهم وبادر النصارى إلى محمد بن زيان أخى يغمراسن فقتلوه وأشار له بالنجوى فبرز من الصف لاسراره وأمكنه من أذنه فتنكبه النصراني وقد

[ 85 ]

خالطه روعة أحس منها يغمراسن بمكره فانحاص منه وركض النصراني امامه يطلب النجاة وتبين الغدر وثارت بهم الدهماء من الحامية والرعايا فأحيط بهم من كل جانب وتناولتهم أيدى الهلاك بكل مهلك قعصا بالرماح وهبرا بالسيوف وشدخا بالعصى والحجارة حتى استلحموا وكان يوما مشهودا ولم يستخدم من بعدها جند النصارى بتلمسان حذرا من غائلتهم ويقال ان محمد بن زيان هو الذى داخل القائد في الفتك بأخيه يغمراسن وانه انما قتله عند ما لم يتم لهم الامر تبرأ من مداخلته فلم يمهله غاشى الهيعة للتثبت في شأنها والله أعلم * (الخبر عن تغلب يغمراسن على سجلماسة ثم مصيرها بعد إلى ايالة بنى مرين) * وكان عرب المعقل منذ دخول العرب الهلاليين إلى صحراء المغرب الاقصى احلافا وشيعا لزناتة وأكثر انحياشهم إلى بنى مرين الا ذوي عبيد الله منهم لما كانت مجالاتهم لصق مجالات بنى عبد الواد ومشاركة لها ولما استفحل شأن بنى عبد الواد بين يدى ملكهم زحموهم عنها بالمناكب ونبذوا إليهم العهد واستلحقوا دونهم المنبات من ذوى منصور اقتالهم فكانوا حلفاء وشيعة ليغمراسن ولقومه وكانت سجلماسة في مجالاتهم ومنقلب رحلتهم وكانت قد صارت إلى ملك بنى مرين ثم استبد بها القطراني ثم ثاروا به ورجعوا إلى طاعة المرتضى وتولى كبر ذلك على بن عمر كما ذكرناه في أخبار بنى مرين ثم تغلب المنبات على سجلماسة وقتلوا عاملها على بن عمر سنة ثنتين وستين وآثروا يغمراسن بملكها ودخل أهل البلد في القيام بدعوته وحملوهم عليها وحاجنوا يغمراسن فنهض إليها في قومه وأمكنوه من قيادها فضبطها وعقد عليها لولده يحيى وأنزل معه ابن أخته حنينة واسمه عبد الملك بن محمد بن على بن قاسم بن درم من ولد محمد وأنزل معهما يغمراسن بن حمامة فيمن معهم من عشائرهم وحشمهم فأقام ابنه يحيى أميرا عليها إلى أن غلب يعقوب بن عبد الحق الموحدين على دار خلافتهم واطاعته طنجة وعامة بلاد المغرب فوجه عزمه إلى انتزاع سجلماسة من طاعة يغمراسن وزحف إليها في العساكر والحشود من زناتة والعرب والبربر ونصب عليها آلات الحصار إلى أن سقط جانب من سورها فاقتحموها منه عنوة في صفر سنة ثلاث وسبعين واستباحوها وقتل القائدان عبد الملك بن حنينة ويغمراسن بن حمامة ومن معهم من بنى عبد الواد أمراء المنبات وصارت إلى طاعة بنى مرين آخر الايام والملك بيد الله يؤتيه من يشاء * (الخبر عن حروب يغمراسن مع يعقوب بن عبد الحق) * قد ذكرنا ما كان من شان بنى عبد المؤمن عند فشل دولتهم واستطالة بنى مرين عليهم في الاستظهار ببنى عبد الواد واتصال اليد بهم في الاخذ بحجزة عدوهم من بنى مرين عليهم

[ 86 ]

ولما هلك المرتضى وولى أبو دبوس سنة خمس وستين وحمى وطيس فتنته مع يعقوب بن عبد الحق فراسل يغمراسن في مدافعته وأكد العهد واسنى الهدية وأجلب إليه يغمراسن وشن الغارات على ثغور المغرب وأضرمها نارا وكان يعقوب بن عبد الحق محاصرا لمراكش فأفرج عنها ورجع إلى المغرب واحتشد جموعه ونهض إلى لقائه وتزاحف الفريقان بوادي تلاغ وقد استكمل كل تعبيته وكانت الوقيعة على يغرماسن استبيحت فيها حرمه واستلحم قومه وهلك ابنه أبو حفص عمرا عز ولده عليه في اتراب له من عشيرته مثل ابن أخته عبد الملك بن حنينة وابن يحيى بن مكى وعمر بن ابراهيم بن هشام ورجع عنه يعقوب بن عبد الحق إلى مراكش حتى انقضى شأنه في التغلب عليها ومحى أثر بنى عبد المؤمن منها ونزع لمحاربة بنى عبد الواد وحشد كافة أهل المغرب من المصامدة والجموع والقبائل ونهض إلى بنى عبد الواد سنة سبعين فبرز إليه يغمراسن في قومه وأوليائه من مغراوة والعرب وتزاحفوا بايسلى من نواحى وجدة فكانت الدبرة على يغمراسن وانكشف جموعه وقتل ابنه فارس ونجا بأهله بعد ان أضرم معسكره نارا تفاديا من معرة اكتساحه ونجا إلى تلمسان فانحجر بها وهدم يعقوب بن عبد الحق وجدة ثم نازله بتلمسان واجتمع إليه هنالك بنو توجين مع أميرهم محمد ابن عبد القوى وصلى يده بيد السلطان على يغمراسن وقومه وحاصروا تلمسان أياما فامتنعت عليهم وأفرجوا عنها وولى كل إلى عمله ومكان ملكه حسبما نذكره في أخبارهم وانعقدت بينهما المهادنة من بعد ذلك وفرغ يعقوب بن عبد الحق للجهاد ويغمراسن لمغالبة توجين ومغراوة على بلادهم إلى أن كان من شأنهم ما نذكره والله أعلم (الخبر عن شأن يغمراسن مع مغراوة وبنى توجين وما كان بينهم من الاحداث) كانت مغراوة في مواطنهم الاولى من نواحى شلب قد سالمتهم الدل عند تلاشى ملكهم وساموهم الجباية فرضوا بها مثل بنى ورسفين وبنى يلنث وبنى ورتزمير وكان فيهم سلطان لبنى منديل بن عبد الرحمن من أعقاب آل خزر ملوكهم الاولى منذ عهد الفتح وما بعده على ما ذكرناه في خبرهم فلما انتثر عقد الخلافة بمراكش وتشظت عصاها وكثر الثوار والخوارج بالجهات استقل منديل بن عبد الرحمن وبنوه بتلك الناحية وملكوا مليانة وتنس وشرشال وما إليها وتطاولوا إلى متيجة فتغلبوا عليها ثم مدوا أيديهم إلى جبل وانشريس وما إليه فتناولوا الكثير من بلاده ثم أزاحهم عنها بنو عطية الحبو وقومه من بنى توجين المجاورون لهم في مواطنهم بأعالى شلب شرقي أرض السوس وكان ذلك لاول دخول أحياء زناتة الناجعة بأرض القبلة إلى التلول فتغلب بنو عبد الواد على نواحى تلمسان إلى وادى صا وتغلب بنو توجين على ما بين الصحراء والتل من بلد المرية

[ 87 ]

إلى جبل وانشريس إلى مرات الجعبات وصار التخم لملك بنى عبد الواد سك والبطحاء فمن قبليها مواطن بنى توجين ومن شرقيها مواطن مغراوة وكانت الفتنة بين بنى عبد الواد وبين هذين الحيين من أول دخولهم إلى التلول (وكان المولى) الامير أبو زكريا بن أبى حفص يستظهر بهذين الحيين على بنى عبد الواد ويراغمهم بهم حتى كان من فتح تلمسان ما قدمناه وألبس جميعهم شارة الملك على ما ذكرناه ونذكره في أخبارهم فزاحموا يغمراسن بعدها بالمناكب وصرف هو إليهم وجه النقمة والحروب ولم يزل الشأن ذلك حتى انقرض ملك هذه الحيين لعهد ابنه عثمان بن يغمراسن وعلى يده ثم على يد بنى مرين من بعدهم كما يأتي ذكره (ولما رجع) يغمراسن بن زيان من لقاء بنى مرين بايسلى من نواحى وجدة وهلك مرجعه منها أنفذ يغمراسن العهد لابنه محمد الامير بعده وزحف إلى بلاده فجاس خلالها ونازل حصونها فامتنعت عليه وأحسن محمد بن عبد القوى في دفاعه ثم زحف ثانية سنة خمسين إليهم فنازل حصن تافر كينت من حصونهم وكان به على بن أبى زيان حافد محمد بن عبد القوى فامتنع به في طائفة من قومه ورجل يغمراسن كظيما ولم يزل يغمراسن بعدها يثير الغارات على بلادهم ويجمع الكتائب على حصونهم وكان بتافركينت صنيعة من صنائع بنى عبد القوى ونسبه في صنهاجة أهل ضاحية بجاية اختص بهذا الحصن ورسخت قدمه فيه واعتز بكثرة ماله وولده فأحسن الدفاع عنه وكان له مع يغمراسن في الامتناع عليه أخبار مذكورة حتى سطا به بنو محمد بن عبد القوى حين شرهوا إلى نقمته وأنفوا من استبداده فأتلفوا نفسه وتخطفوا نعمته فكان حتف ذلك الحصن في حتفه كما يأتي ذكره (وعند) ما شبت نار الفتنة بين يغمراسن ومحمد بن عبد القوى وصل محمد يده بيعقوب بن عبد الحق فلما نازل يعقوب تلمسان سنة سبعين بعد أن هدم وجدة وهزم يغمراسن بايسلى جاءه محمد بن عبد القوى بقومه من بنى توجين وأقام معه على حصارها ورحلوا بعد الامتناع عليهم فرجع محمد إلى مكانه ثم عاود يعقوب بن عبد الحق منازلة تلمسان سنة ثمانين وستمائة بعد ايقاعه بيغمراسن في خرزوزة فلقيه محمد بن عبد القوى بالقصبات واتصلت أيديهم على تخريب بلاد يغمراسن مليا ونازلوا تلمسان أياما ثم افترقوا ورجع كل إلى بلده (ولما) خلص يغمراسن بن زيان من حصاره زحف إلى بلادهم وأوطأ عسكره أرضهم فغلب على الضاحية وخرب عمرانها إلى أن تملكها بعده ابنه عثمان كما نذكره (وأما) خبره مع مغراوة فكان عماد رأيه فيهم التغريب بين بنى منديل بن عبد الرحمن للمنافسة التى كانت بينهم في رياسة قومهم ولما رجع من واقعة تلاغ سنة ست وستين وهى الواقعة التى هلك فيها ولده عمر زحف بعدها إلى بلاد مغراوة فتوغل فيها وتجاوزها إلى من

[ 88 ]

وراءهم من مليكش والثعالبة وأمكنه عمر من مليانة سنة ثمان وستين على شرط الموازرة والمظاهرة على اخوته فملكها يغمراسن يومئذ وصار الكثير من مغراوة إلى ولايته وزحفوا معه إلى المغرب سنة سبعين ثم زحف بعدها إلى بلادهم سنة ثنتين وسبعين فتجافى له ثابت بن منديل عن تنس بعد ان أثخن في بلادهم ورجع عنها فاسترجعها ثابت ثم نزل له عنها ثانيا سنة احدى وثمانين بين يدى مهلكه عندما تم له الغلب عليهم والاثخان في بلادهم إلى أن كان الاستيلاء عليها لابنه عثمان على ما نذكره ان شاء الله * (الخبر عن انتزاء الزعيم بن مكن ببلده مستغانم) * كان بنو مكن هؤلاء من علية القرابة من بنى زيان يشاركونهم في محمد بن زكراز بن يندوكس بن طاع الله وكان لمحمد هذا أربعة من الولد كبيرهم يوسف ومن ولده جابر بن يوسف أول ملوكهم وثابت بن محمد ومن ولده زيان بن ثابت أبو الملوك من بنى عبد الواد ودرع بن محمد ومن ولده عبد الملك بن محمد بن على بنى قاسم بن درع المشتهر بأمه حنينة أخت يغمراسن بن زيان ومكن بن محمد وكان له من الولد يحيى وعمرس وكان من ولد يحيى الزعيم وعلى وكان يغمراسن بن زيان كثيرا ما يستعمل قرابته في الممالك ويوليهم على العمالات وكان قد استوحش من يحيى بن مكن وابنه الزعيم وغربهما إلى الاندلس فأجازا من هنالك إلى يعقوب بن عبد الحق إلى تلمسان عامئذ وهما في جملته فأدركتهما النغرة على قومهما وآثرا مفارقة السلطان إليهم فأذن لهم في الانطلاق ولحقا بيغمراسن ابن زيان حتى إذا كانت الواقعة عليه بخرزوزة سنة ثمانين كما قدمناه وزحف بعدها إلى بلاد مغراوة وتجافى له ثابت بن منديل عن مليانة وانكف راجعا إلى تلمسان استعمل على ثغر مستغانم الزعيم بن يحيى بن مكن فلما وصل إلى تلمسان انتقض عليه ودعا إلى الخلاف ومالا عدوه من مغراوة على المظاهرة عليه فصمد إليه يغمراسن وحجزه بها حتى لاذ منه بالسلم على شرط الاجازة إلى العدوة فعقد له وأجازه ثم أجاز على أثره أباه يحيى واستقر بالاندلس إلى أن هلك يحيى سنة ثنتين وتسعين ووفد الزعيم بعد ذلك على يوسف ابن يعقوب وسخطه لبعض النزغات فاعتقله وفر من محبسه ولم يزل الاغتراب مطوحا به إلى أن هلك والبقاء لله وحده ونشأ ابنه الناصر بالاندلس فكانت مثواه وموقف جهاده إلى أن هلك (وأما) أخوه على بن يحيى فأقام بتلمسان وكان من ولده داود بن على كبير مشيخة بنى عبد الواد وصاحب شوراهم وكان منهم أيضا ابراهيم بن على عقد له أبو حمو الاوسط على ابنته فكان منها ولد ذكر وكان لداود ابن اسمه يحيى بن داود استعمله أبو سعيد ابن عبد الرحمن في دولتهم الثانية على وزارتهم فكان من شأنه ما نذكره في أخبارهم والامر لله

[ 89 ]

{ الخبر عن شأن يغمراسن في معاقدته مع ابن الاحمر والطاغية على فتنة يعقوب بن عبد الحق والاخذ بحجزته } كان يعقوب بن عبد الحق لما أجاز إلى الجهاد وأوقع بالعدو وخرب حصونهم ونازل اشبيلية وقرطبة وزلزل قواعد كفرهم ثم أجاز ثانية وتوغل في دار الحرب وأثخن فيها وتخلى له ابن اشقيلولة عن مالقة فملكها وكان السلطان الاندلسي يومئذ الامير محمد المدعو بالفقيه ثانى ملوك بنى الاحمر ملكهم هو الذى استدعى يعقوب بن عبد الحق للجهاد لما عهد له أبو الشيخ بذلك فلما استفحل أمر يعقوب بالاندلس وتعاقب الثوار إلى اللياذ به خشيه ابن الاحمر على نفسه وتوقع منه مثل فعل يوسف بن تاشفين بابن عباد فاعتمل في أسباب الخلاص مما توهم وداخل الطاغية في اتصال اليد والمظاهرة عليه وكان بمالقة ابن على استعمله عليها يعقوب بن عبد الحق حين ملكها من يد اشقيلولة فاستماله ابن الاحمر وعده واديا له بشلوبانية من مالقة طعمة له خالصة فتخلى عن مالقة إليها وأرسل الطاغية أساطيله في البحر لمنع الزقاق من اجازة السلطان وعساكره وراسلوا يغمراسن من وراء البحر في الاخذ بحجزة يعقوب وشن الغارات على ثغوره ليكون ذلك شاغلا له عنهم فبادر يغمراسن باجابتهم وترددت الرسل إليه من الطاغية ومنه إلى الطاغية كما نذكره وبث السرايا والبعوث في نواحى المغرب فشغل يعقوب عن شأن الجهاد حتى لقد ساله المهادنة وان يفرغ لجهاد العدو فأبى عليه وكان ذلك مما دعا يعقوب إلى الصمود إليه ومواقعته بخرزوزة كما ذكرناه ولم يزل شأنهم ذلك مع يعقوب بن عبد الحق وأيديهم متصلة عليه من كل جهة وهو ينتهز الفرص في كل واحد منهم متى أمكنه حتى هلك وهلكوا والله وارث الارض ومن عليها سبحانه { الخبر عن شأن يغمراسن مع الخلفاء من بنى أبى حفص الذى كان يقيم بتلمسان دعوتهم ويأخذ قومه بطاعتهم } كان زناتة يدينون بطاعة خلفاء الموحدين من بنى عبد المؤمن أيام كونهم بالقفار وبعد دخولهم إلى التلول فلما فشل أمر بنى عبد المؤمن ودعا الامير أبو زكريا بن أبى حفص بافريقية لنفسه ونصب كرسيى الخلاف للموحدين بتونس انصرفت إليه الوجوه من سائر الآفاق بالعدوتين وأملوه الكرة وأوفد زناتة عليه رسلهم من كل حى بالطاعة ولاذ مغراوة وبنو توجين بظل دعوته ودخلوا في طاعته واستنهضوه لتلمسان فنهض إليها وافتتحها سنة أربعين ورجع إليها يغمراسن واستعمله عليها وعلى سائر ممالكها فلم يزل مقيما لدعوته واتبع أثره بنومرين في اقامة الدعوة له فيما غلبوا عليه من بلاد المغرب وبعثوا إليه ببيعه مكناسة وتازى والقصر كما نذكره في أخبارهم إلى ما دانوا به

[ 90 ]

ولابنه المستنصر من بعده من خطاب التمويل والاشارة بالطاعة والانقياد حتى غلبوا على مراكش وخطبوا باسم المستنصر على منابرها حينا من الدهر ثم تبين لهم بعد تناول تلك القاصية عليه فعطلوا منابرهم من أسماء أولئك وأقطعوهم جانب الوداد والموالاة ثم سموا إلى اللقب والتفنن في الشارة الملوكية كما تقتضيه طبيعة الدول وأما يغمراسن وبنوه فلم يزالوا آخذين بدعوتهم واحدا بعد واحد متجافين عن اللقب إدبا معهم مجددين البيعة لكل من يتجدد قيامه بالخلافة منهم يوفدون بها كبار أبائهم وأولى الرأى من قومهم ولم يزل الشأن ذلك ولما هلك الامير أبو زكريا وقام ابنه محمد المستنصر بالامر من بعده وخرج عليه أخوه الامير أبو اسحق في احياء الزواودة من رياح ثم غلبهم المستنصر جميعا ولحق الامير أو اسحق بتلمسان في أهله فأكرم يغمراسن نزلهم وأجاز إلى الاندلس للمرابطة بها والجهاد حتى إذا هلك المستنصر سنة سبع وسبعين واتصل به خبر مهلكه ورأى انه أحق بالامر فأجاز البحر من حينه ونزل بمرسى هنى سنة سبع وسبعين ولقاه يغمراسن مبرة وتوقيرا واحتفل لقدومه وأركب الناس لتلقيه وأتاه ببيعته على عادته مع سلفه ووعده النصرة على عدوه والموازرة على أمره وأصر إليه يغمراسن في احدى بناته المقصورات في خيام الخلافة بابنه عثمان ولى عهده وأسعفه وأجمل في ذلك وعده وانتقض محمد بن أبى هلال عامل بجاية على الواثق وخلع طاعته ودعا للامير أبى اسحق واستحثه للقدوم فأغذ إليه السبر من تلمسان وكان من شأنه ما قدمناه في أخباره فلما كانت سند احدى وثمانين وزحف يغمراسن إلى بلاد مغراوة وغلبهم على الضواحى والامصار بعث من هنالك ابنه ابراهيم وتسميه زناتة برهوم ويكنى أبا عامر أوفده في رجال من قومه على الخليفة أبى اسحق لاحكام الصهر بينهما فنزلوا منه على خير نزل من اسناء الجراية ومضاعفة الكرامة والمبرة وظهر من آثاره في حروب ابن أبى عمارة ما مد الاعناق إليه وقصر الشيم الزناتية على بيته ثم انقلب آخرا بظعينته محبوا محبورا وابتنى بها عثمان لحين وصولها وأصبحت عقيلة قصره فكان ذلك مفخر لدولته وذكرا له ولقومه ولحق الامير أبو زكريا ابن الامير أبى اسحق بتلمسان بعد خلوصه من مهلك قومه في واقعة الدعى بن أبى عمارة عليهم بمرماجنة سنة ثنتين وثمانين فنزل من عثمان بن يغمراسن صهره خير نزل برا واحتفاء وتكريما وملاطفة وسربت إليه أخته من القصر أنوا التحف والانس ولحق به أولياؤهم من صنائع دولتهم وكبيرهم أبو الحسن محمد بن الفقيه المحدث أبى بكر ابن سيد الناس اليعمرى فتفيؤا من كرامة الدولة بهم ظلا وارفا واستنهضوه إلى تراث ملكه وفاوض أبا مثواه عثمان بن يغمراسن في ذلك فناكره لما كان قد أخذه بدعوة

[ 91 ]

الحضرة واوفد عليه رجال دولته بالبيعة على العادة في ذلك فحدث الامير أبو زكريا نفسه بالفرار عنه ولحق بداود بن هلال بن عطاف أمير البدو من بنى عامر احدى بطون زغبة فأجاره وأبلغه ما منه فحيا الزواودة أمراء البدو بعمل الموحدين ونزل منهم على عطية بن سليمان بن سباع كما قدمناه واستولى على بجاية سنة أربع وثمانين بعد خطوب ذكرناها وقطعها عن ملك عمه صاحب الدولة بتونس أبى حفص ووفى لداود ابن عطاف وأقطعه بوطن بجاية عملا كبيرا افرد لجبايته كان فيه من وادى بجاية واشتغل الامير أبو زكريا بمملكة بونة وقسنطينة وبجاية والجزائر والزاب وما وراءه وكان هذا الصهر وصلة له مع عثمان بن يغمراسن وبنيه (ولما نازل) يوسف بن يعقوب تلمسان سنة ثمان وتسعين بعث الامير أبو زكريا المدد من جيوشه إلى عثمان بن يغمراسن وبلغ الخبر بذلك إلى يوسف بن يعقوب فبعث أخاه أبا يحيى في العساكر لاعتراضهم والتقوا بجبل الزاب فكانت الدبرة على عسكر الموحدين واستلحموا هناك وتسمى المعركة لهذا العهد بمرسى الرؤس واستحكمت من أجل ذلك صاغية الخليفة بتونس إلى بنى مرين وأوفد عليهم مشيخة من الموحدين يدعوهم إلى حصار بجاية وبعث معهم الهدية الفاخرة وبلغ خبرهم إلى عثمان بن يغمراسن من وراء جدره فتنكر لها وأسقط ذكر الخليفة من منابره ومحاه من عمله فنسى لهذا العهد والله مالك الامر سبحانه { الخبر عن مهلك يغمراسن بن زيان وولاية ابنه عثمان وما كان في دولته من الاحداث } كان السلطان يغمراسن قد خرج من تلمسان احدث وثمانين واستعمل عليها ابنه عثمان وتوغل في بلاد مغراوة وملك ضواحيهم ونزل له ثابت بن منديل عن مدينة تنس فتناولها من يده ثم بلغه الخبر باقبال ابنه أبى عامر برهوم من تونس بابنة السلطان أبى اسحق عرس ابنه عثمان فتلوم هنالك إلى أن لحقه بظاهر مليانة فارتحل إلى تلمسان وأصابه الوجع في طريقه وعندما أحل سريره اشتد به وجعه فهلك هنالك آخر ذى القعدة من سنته والبقاء لله وحده فحمله ابنه أبو عامر على أعواد وواراه في حدر موريا لمرضه إلى أن تجاوز بلاد مغراوة إلى سك ثم أغذ السير إلى تلمسان فلقبه أخوه عثمان بن يغمراسن ولى عهد أبيه في قومه فبايعه الناس وأعطوه صفقة أيمانهم ثم دخل تلمسان فبايعه العامة والخاصة وخاطب لحينه الخليفة بتونس أبا اسحق وبعث إليه ببيعته فراجعه بالقبول وعقد له على عمله على الرسم ثم خاطب يعقوب بن عبد الحق يخطب منه السلم لما كان أبوه يغمراسن أوصاه به (حدثنا) شيخنا العلامة أبو عبد الله محمد بن

[ 92 ]

ابراهيم الايلى قال سمعت من السلطان أبى حمو موسى بن عثمان وكان قهرمانا بداره قال أوصى دادا يغمراسن لدادا عثمان ودادا حرف كنايه عن غاية التعظيم بلغتهم فقال له يا بنى ان بنى مرين بعد استفحال ملكهم واستيلائهم على الاعمال الغريبة وعلى حضرة الخلافة بمراكش لا طاقة لنا بلقائهم إذا جمعوا لوفور مددهم ولا يمكننى أنا القعود عن لقائهم لمعرة النكوص عن القرب التى أنت بعيد عنها فاياك واعتماد لقائهم وعليك باللياذ بالجدران متى دلفوا اليك وحاول ماا ستطعت الاستيلاء على ما جاورك عن عمالات الموحدين وممالكهم يستفحل به ملكك وتكاف حشد العدو بحشدك ولعلك تصير بعض الثغور الشرقية معقلا لذخيرتك فعلقت وصية الشيخ بقلبه وعقد عليها ضمائره وجنح إلى السلام مع بنى مرين ليفرغ عزمه لذلك وأوفد أخاه محمد بن يغمراسن على يعقوب بن عبد الحق بمكانه من العدوة الاندلسية في اجازته الرابعة إليها فخاض إليه البحر ووصله باركش فلقاه برا وكرامة وعقد له على السلم ما أحب وانكف راجعا إلى أخيه فطابت نفسه وفرغ لافتتاح البلاد الشرقية كما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن شأن عثمان بن يغمراسن مع مغراوة وبنى توجين وغلبه على معاقلهم والكثير من أعمالهم } لما عقد عثمان بن يغمراسن السلم مع يعقوب بن عبد الحق صرف وجهه إلى الاعمال الشرقية من بلاد توجين ومغراوة وما وراءها من أعمال الموحدين فتغلب أولا على ضواحي بنى توجين ومغراوة وما وراءها ودوخ قاصيتها وسار إلى بلاد مغراوة كذلك ثم إلى متيجة فانتسف نعمها وحطم زرعها ثم تجاوزها إلى بجاية فحاصرها كما نذكره بعد وامتنعت عليه فانكف راجعا ومر في طريقه بمازونة فحاصرها وأطاعته وذلك سنة ست وثمانين ونزل له ثابت بن منديل أمير مغراوة عن تنس فاستولى عليها وانتظم سائر بلاد مغراوة في ايالته ثم عطف في سنته على بلاد توجين فاكتسح حبوبها واحتكرها بمازونة استعدادا لما يتوقع من حصار مغراوة اياها ثم دلف إلى تافر كينت فحاصرها وأخذ بمخنقها وداخل قائدها غالبا الخصى من موالى بنى محمد بن عبد القوى كان مولى سيد الناس منهم فنزل له غالب عنها وانكفأ إلى تلمسان ثم نهض إلى بنى توجين سنة سبع وثمانين فغلبهم على وانشريس مثوى ملكهم ومنبت عزهم وفر أمامه أميرهم مولى بنى زرارة من ولد محمد بن عبد القوى وأخذ الحلف منهم فلحق بضواحي المرية في الاعشار وأولاد عزيز من قومه واتبع عثمان بن يغمراسن آثارهم وشردهم من تلك القاصية وهلك مولى زرارة في مغرة وكان عثمان قبل ذلك قد دوخ بلاد بنى يدللتن من بنى توجين ونازل رؤساءهم أولاد سلامة بالقلعة المنسوبة إليهم مرات فامتنعوا عليه ثم أعطوه

[ 93 ]

أيديهم على لطاعة ومفارقة قومهم بنى توجين إلى سلطان بنى يغمراسن فنبذوا العهد إلى بنى محمد بن عبد القوى أمرائهم منذ العهد الاول ووصلوا أيديهم بعثمان وألزموا رعاياهم وعمالهم المغارم له إلى أن ملك وانشريس من بعدها كما نذكر ذلك في أخبارهم وصارت بلاد توجين كلها من عمله واستعمل الحشم بجبل وانشريس ثم نهض بعدها إلى المزية وبها أولاد عزيز من توجين فنازلها وقام بدعوته فيها قبائل من صنهاجة يعرفون بلدية واليهم ينسب فأمكنوه منها سنة ثمان وثمانين وبقيت في ايالته سبعة أشهر ثم انتقضت عليه ورجعت إلى ولاية أولاد عزيز وصالحوه عليها وأعطوه من الطاعة ما كانوا يعطونه محمد بن عبد القوى وبنيه فاستقام أمره في بنى توجين ودانت له سائر أعمالهم ثم خرج سنة تسع وثمانين إلى بلاد مغراوة لما كانوا عليه لبنى مرين في احدى حركاتهم على تلمسان فدوخها وأنزل ابنه أبا حمو بشلب مركز عملهم فأقام به وقفل هو إلى الحضرة وتحيز فل مغراوة إلى نواحى متيجة وعليهم ثابت بن منديل أميرهم فلم يزالوا به ونهض عثمان إليهم سنة ثلاث وتسعين بعدها فانحجزوا المدينة يرشك وحاصرهم بها أربعين يوما ثم افتتحها وخاض ثابت البحر إلى المغرب فنزل على يوسف ابن يعقوب كما نذكره واستولى عثمان على سائر عمل مغراوة كما استولى على عمل بنى توجين فانتظم بلاد المغرب الاوسط كلها وبلاد زناتة الاولى ثم اشتغل بفتنة بنى مرين كما نذكر بعد ان شاء الله تعالى * (الخبر عن منازلة بجاية وما دعا إليها) * قد ذكرنا ان المولى أبا زكريا الاوسط بن المولى أبى اسحق بن أبى حفص لحق بتلمسان عند فراره من بجاية أمام شيعة الدعى بن أبى عمارة ونزل على عثمان بن يغمراسن خير نزل ثم هلك الدعى ابن أبى عمارة واستقل عمه الامير أبو حفص بالخلافة وبعث إليه عثمان ابن يغمراسن بطاعته على العادة وأوفد عليه وجوه قومه ودس الكثير من أهل بجاية إلى الامير أبى زكريا يستحثونه للقدوم ويعدونه اسلام البلد إليه وفاوض عثمان بن يغمراسن في ذلك فأبى عليه وفاء بحق البيعة لعمه الخليفة بالحضرة فطى عنه الخبر وتردد في النقض أياما ثم لحق باحياء زغبة في مجالاتهم بالقفر ونزل على داود بن هلال بن عطاف وطلب عثمان بن يغمراسن اسلامه فأبى عليه وارتحل معه إلى أعمال بجاية ونزلوا على أحياء الزواودة كما قدمناه ثم استولى المولى أبو زكريا بعد ذلك على بجاية في خبر طويل ذكرناه في أخباره واستحكمت القطيعة بينه وبين عثمان وكانت سببا لاستحكام الموالاة بين عثمان وبين الخليفة بتونس فلما زحف إليه عثمان سنة ست وثمانين وتوغل في قاصية الشرق أعمل إلى عمل بجاية ودوخ سائر أقطارها ثم نازلها بعد

[ 94 ]

ذلك يروم كيدها بالاعتمال في مرضاة خليفته بتونس ويسر بذلك حسوا في ارتقاء فأناخ عليها بعساكره سبعا ثم أفرج عنها منقلبا إلى المغرب الاوسط فكان من فتح تافركينت ومازونة ما قدمناه * (الخبر عن معاودة الفتنة مع بنى مرين وشأن تلمسان في الحصار الطويل) * لما هلك يعقوب بن عبد الحق سلطان بنى مرين على السلم المنعقد بينه وبين بنى عبد الواد لشغله بالجهاد وقام بالامر من بعده في قومه ابنه يوسف كبير ولده على شأن الجهاد واستتم يغمراسن وابنه بممالاة الطاغية وابن الاحمر فعقد يوسف بن يعقوب السلم مع الطاغية لحينه ونزل لابن الاحمر عن ثغور الاندلس التى كانت لهم وفرغ لحرب بنى عبد الواد واستتب له ذلك لاربع من مهلك أبيه دلف إلى تلمسان سنة تسع وثمانين ولاذ منه عثمان بالاسوار فنازلها صباحا وقطع شجرها ونصب عليها المجانيق والآلات ثم أحس بامتناعها فأرج عنها وانكفأ راجعا وتقبل عثمان بن يغمراسن مذهب أبيه في مداخلة ابن الاحمر والطغية وأوفد رسله عليها فلم يغن ذلك عنه شيأ وكان مغراوة قد لحقوا بيوسف بن يعقوب بتلمسان فنالوا منه أعظم النيل فلما أفرجوا عن تلمسان نهض عثمان إلى بلادهم فدوخها وغلبهم عليها وأنزل ابنه أبا حمو بها كما قدمناه فلما كانت سنة خمس وتسعين نهض يوسف بن يعقوب إلى حركته الثانية فنازل ندرومة ثم ارتحل عنها إلى ناحية وهران وأطاعه أهل جبل كيدره وتاسكدلت رباط عبد الحميد بن الفقيه أبى زيد اليرناسى ثم كر راجعا إلى المغرب وخرج عثمان بن يغمراسن فأثخن في تلك الجبال لطاعتهم عدوه واعتراضهم جنه واستباح رباط تاسكدلت ثم أغزاه يعقوب بن يوسف ثالثة سنة ست وتسعين ثم رجع إلى المغرب ثم أغزاه رابعة سنة سبع وتسعين فتأثل تلمسان وأحاط بها معسكره وشرعوا في البناء ثم أفرج عنها لثلاثة أشهر ومر في طريقه بوجدة فأمر بتجديد بنائها وجمع الفعلة عليها واستعمل أخاه أبا يحيى بن يعقوب على ذلك وأقام لشأنه ولحق يوسف بالمغرب وكان بنو توجين قد نازلوا تلسمان مع يوسف بن يعقوب وتولى كبر ذلك منهم أولاد سلامة أمراء بنى يد للتن وأصحاب القلعة المنسوبة إليهم فلما أفرج عنها خرج إليهم عثمان بن يغمراسن فدوخ بلادهم وحاصرهم بالقلعة ونال منها أضعاف ما نالوا منه وطال مغيبه في بلادهم فخالفه أبو يحيى بن يعقوب إلى ندرومة فاقتحمها عنوة بعسكره بمداخلة من قائدها زكريا بن يخلف بن المطغرى صاحب توقت فاستولى بنو مرين على ندرومة وتوقت وجاء يوسف بن يعقوب على أثرها فوافاهم ودلفوا جميعا إلى تلمسان وبلغ الخبر إلى عثمان بمكانه من حصار القلعة فطوى المراحل إلى تلمسان فسبق إليها يوسف بن يعقوب بعض يوم ثم أشرفت طلائع

[ 95 ]

بنى مرين عشى ذلك اليوم فأناخوا بها في شعبان سنة ثمان وتسعين وأحاط العسكر بها من جميع جهاتها وضرب يوسف بن يعقوب عليها سياجا من الاسوار محيطا بها وفتح فيه أبوابا مداخل لحربها واختط لنزله إلى جانب الاسوار مدينة سماها المنصورة وأقام على ذلك سنين يغاديها القتال ويراوحها وسرح عسكره لافتتاح المغرب الاوسط وثغوره فملك بلاد مغراوة وبلاد توجين كما ذكرناه في أخباره وجثم هو بمكانه من حصار تلمسان لا يعدوها كالاسد الضارى على فريسته إلى أن هلك عثمان وهلك هو من بعده كما نذكره والى الله المصير سبحانه وتعالى لا رب غيره { الخبر عن ملك عثمان بن يغمراسن وولاية ابنه أبى زيان وانتهاء الحصار من بعده إلى غايته } لما أناخ يوسف بن يعقوب بعساكره على تلمسان انحجز بها عثمان وقومه واستسلموا والحصار آخذ بمخنقهم وهلك عثمان لخامسة السنين من حصارهم سنة ثلاث وسبعمائة وقام بالامر من بعده ابنه أبو زيان محمد (أخبرني) شيخنا العلامة محمد بن ابراهيم الايلى وكان في صباه قهرمان دارهم قالا هلك عثمان بن يغمراسن بالديماس وكان قد أعد لشربه لبنا فلما أخذ منه وعطش دعا بالقدح فشرب اللبن وقام فلم يكن بأوشك ان فاضت نفسه وكنا نرى معشر الصنائع انه داف فيه السم تفاديا من معرة غلب عدوهم اياهم قال وجاء الخادم إلى قعيدة بيته زوجه بنت السلطان أبى أسحق بن الامير أبى زكريا بن عبد الواحد بن أبى حفص صاحب تونس وخبرها الخبر فجاءت ووقعت عليه واسترجعت وخيمت على الابواب بسدادها ثم بعثت إلى ابيه محمد أبى زيان وموسى أبى حمو فعزتهما عن أبيهما وأحضرا مشيخة بنى عبد الواد وعرضوا لهم بمرض السلطان فقال أحدهم مستفهما عن الشأن ومترجما عن القوم السلطان معنا آنفا ولم يمتد الزمن لوقوع المرض فان يكن هلك فخبرونا فقال له أبو حمو وإذا هلك فما أنت صانع فقال انما نخشى من مخالفتك والا فسلطاننا أخوك الاكبر أبو زيان فقام أبو حمو من مكانه وأكب على يد أخيه يقبلها وأعطاه صفقة يمينه واقتدى به المشيخة فانعقدت بيعته لوقته واشتمل بنو عبد الواد على سلطانهم واجتمعوا إليه وبرزوا إلى قتال عدوهم على العادة فكان عثمان لم يمت (وبلغ الخبر) إلى يوسف بن يعقوب بمكانه من حصارهم فتفجع له وعجب من صرامة قومه من بعده واستمر حصاره اياهم إلى ثمانية سنين وثلاثة أشهر من يوم نزوله نالهم فيها من الجهد ما لم ينله أمة من الامم واضطروا إلى أكل الجيف والقطوط والفيران حتى انهم زعموا انه أكلوا فيها اشلاء الموتى من الناس وخربوا السقف للوقود وغلت اسعار الاقوات

[ 96 ]

والحبوب وسائر المرافق بما تجاوز حدود العوائد وعجز وجدهم عنه فكان ثمن مكيال القمح الذى يسمونه البرشالة ويتبايعون به مقداره اثنا عشر رطلا ونصف مثقالين ونصفا من الذهب العين وثمن الشخص الواحد من القر ستين مثقالا ومن الضان سبعة مثاقيل ونصفا واثمان اللحم من الجيف الرطل من لحم البغال والحمر بثمن المثقال ومن الخيل بعشرة دراهم صغار من سكتهم تكون عشر المثقال والرطل من الجلد البقرى ميتة أو مذكى بثلاثين درهما والهر الداجن بمثقال ونصف والكلب بمثله والفار بعشرد دراهم والحية بمثله والدجاجة بثلاثين درهما والبيض واحدة بستة دراهم والعصافير كذلك والاوقية من الزيت باثنى عشر درهما ومن السمن بمثلها ومن الشحم بعشرين ومن الفول بمثلها ومن الملح بعشرة ومن الحطب كذلك والاصل الواحد من الكرنب بثلاثة أثمان المثقال ومن الخس بعشرين درهما ومن اللفت بخمسة عشر درهما والواحد من القثاء والفقوس بأربعين درهما والخيار بثلاثة أثمان الدينار والبطيخ بثلاثين درهما والحبة من التين والاجاص بدرهمين واستهلك الناس أموالهم وموجودهم وضاقت أحوالهم واستفحل ملك يوسف بن يعقوب بمكانه من حصارها واتسعت خطة مدينة المنصورة المشيدة عليها ورحل إليها التجار بالبضائع من الآفاق واستبحرت في العمران بما لم تبلغه مدينة وخطب الملوك سلمه ووده ووفدت عليه رسل الموحدين وهداياهم من تونس وبجاية وكذل رسل صاحب مصر والشام وهديته واعتز اعتزاز الاكفاء له كما يأتي في أخباره وهلك الجند حامية بنى يغمراسن وقبيلتهم وأشرفوا على الهلاك فاعتزموا على الالقاء باليد والخروج بهم للاستماتة فكيف الله لهم الصنيع الغريب ونفس عن مخنقهم بمهلك السلطان يوسف بن يعقوب على يد خصى من العبيد فأسخطته بعض النزغات الملوكية فاعتمده في كسر بيته ومخدع نومه وطعنه بخنجر قطع أمعاءه وأدرك فسيق إلى وزرائه فمزقوه اشلاء ولم يبق شئ من بقايا عهدهم كما ذكرناه والامر لله وحده وأذهب الله العناء عن آل زيان وقومهم وساكني مدينتهم كانما نشروا من اجداث وكتبوا لها في سكتهم ما أقرب فرج الله استغرابا لحادثتها (وحدثني) شيخنا محمد بن ابراهيم الايلى قال جلس السلطان أبو زيان صبيحة يوم الفرج وهو يوم الاربعاء في خلوة زوايا قصره واستدعى ابن حجاف خازن الزرع فسأله كم بقى من الاهراء والمطامير المختومة فقال له انما بقى عولة اليوم وغد فاستوصاه بكتمانها وبينما هم في ذلك دخل عليه أخوه أبو حمو فأخبروه فوجم لها وجلسوا سكوتا لا ينطقون وإذا بالخادم دعد قهرمانة القصر من وصائف بيت السلطان أبى اسحق وحظية أبيهم خرجت من القصر إليهم وحيتهم تحيتها وقالت تقول لكم حظايا قصركم

[ 97 ]

وبنات زيان حرمكم مالنا وللبقاء وقد أحيط بكم واسف عدوكم لاتهامكم ولم يبق الافواق بكية لمصارعكم فأريحونا من معرة السبى وأريحوا فينا أنفسكم وقربوا إلى مهالكنا فالحياة في الذل عذاب والوجود بعدكم عدم فالتفت أبو حمو إلى أخيه وكان من الشفقة بمكان وقال قد صدقتك الخبر فما تنظر بهن فقال يا موسى أرجئني ثلاثا لعل الله يجعل بعد عسر يسرا ولا تشاورني بعدها فيهن بل سرح اليهود والنصارى إلى قتلهن وتعال إلى نخرج مع قومنا إلى عدونا فنستميت ويقضى الله ما يشاء فغضب أبو حمو وأنكر الارجاء في ذلك وقال انما نحن والله نتربص المعرة بهن وبأنفسنا وقام عنه مغضبا وجهش السلطان أبو زيان بالبكاء قال ابن حجاف وانا بمكانى بين يديه لا أملك متأخرا ولا متقدما إلى أن غلب عليه النوم فما راعني الا حرسي الباب يشير إلى أن اذن السلطان بمكان رسول من معسكر بنى مرين لسيدة القصر فلم أطق رجع جوابه الا باشارة وانتبه السلطان من خفيف اشارتنا فزعا فأذنته واستدعاه فلما وقف بين يديه قال له ان يوسف بن يعقوب هلك الساعة وانا رسول حافده أبى ثابت اليكم فاستبشر السلطان واستدعى أخاه وقومه حتى أبلغ الرسول رسالته بمسمع منهم وكانت احدى المغربا ت في الايام (وكان من خبر هذه الرسالة) ان يعقوب بن يوسف لما هلك تطاول للامر الاعياص من اخوته وولده وحفدته وتحيز أبو ثابت حافده إلى بنى ورتاجن لخولة كانت له فيهم فاستجاش بهم واعصوصبوا عليه وبعث إلى أولاد عثمان بن يغمراسن أن يعطوه الآلة ويكونوا مفزعا له ومأمنا ان أخفق مسعاه على انه ان تم أمره قوض عنهم معسكر بنى مرين فعاقدوه عليها ووفى لهم لما تم أمره ونزل لهم عن جميع الاعمال التى كان يوسف بن يعقوب استولى عليها من بلادهم وجاء بجميع الكتائب التى أنزلها في ثغورهم وقفلوا إلى أعمالهم بالمغرب الاوسط كلها إلى أن كان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن السلطان أبى زيان بعد الحصار إلى حين ملكه) * كان من أول ما افتتح به السلطان أبو زيان أمره بعد الخروج من هون الحصار وتناوله الاعمال من يد بنى مرين أن نهض من تلمسان ومعه أخوه أبو حمو آخر ذى الحجة من سنة ست وسبعمائة فقصد بلاد مغراوة وشرد من كان هنالك منهم في طاعة بنى مرين واحتاز الثغور من يد عمالهم ودوخ قاصيتها ثم عقد عليها المسامح مولاه ورجع عنها فنهض إلى السرسو وكان العرب قد تملكوه أيام الحصار وغلبوا زناتة عليه من سويد والديالم ومن إليهم من بنى يعقوب بن عافى فأجفلوا أمامه واتبعوا آثارهم إلى أن أوقع بهم وانكف راجعا ومر ببلاد بنى توجين فاقتضى طاعة من كان بقى بالجبل من

[ 98 ]

بنى عبد القوى وقفل إلى تلمسان لتسعة أشهر من خروجه وقد ثقف أطراف ملكه ومسح أعطاف دولته فنظر في اصلاح قصوره ورياضة ورم ما تثلم من بلده وأصابه المرض خلال ذلك فاشتد وجعه سبعا ثم هلك أخريات شوال من سنة سبع والبقاء لله وحده * (الخبر عن محو الدعوة الحفصية من منابر تلمسان) * كانت الدعوة الحفصية بافريقية قد انقسمت بين أعياصهم في تونس وبجاية وأعمالها وكان التخم بينهما بلد عجيشة ووشتاتة وكان الخليفة بتونس الامير أبو حفص ابن الامير أبى زكريا الاولى منهم وله الشفوف على صاحب بجاية والتغور الغربية بالحضرة فكانت بيعة بنى زيان له والدعاء على منابرهم باسمه وكانت لهم مع المولى الامير أبى زكريا الاوسط صاحب بجاية وصلة لمكان الصهر بينهم وبينه وكانت الوحشة قد اعترضت ذلك عندما نزل عثمان بجاية كما قدمناه ثم تراجعوا إلى وصلتهم واستمروا عليها إلى أن نازل يوسف بن يعقوب تلمسان والبيعة يومئذ للخليفة بتونس السلطان أبى عصيدة بن الواثق والدعوة على منابر تلمسان باسمه وهو حاقد عليهم ولايتهم للامير أبى زكريا الاوسط صاحب الثغر فلما نزل يوسف بن يعقوب بأعلى تلمسان وبعث عساكره في قاصية الشرق استجاش عثمان بن يغمراسن بصاحب بجاية فسرح عسكرا من الموحدين لمدافعتهم عن تلك القاصية والتقوا معهم بجبل الزاب فانكشف الموحدون بعد معترك صعب واستلحمهم بنومرين ويسمى المعترك لهذا العهد بمرسى الرؤس لكثرة ما تساقط في ذلك المجال من الرؤس واستحكمت المنافرة بين يوسف بن يعقوب وصاحب بجاية فأوفد الخليفة بتونس على يوسف بن يعقوب مشيخة من الموحدين تجديد الوصلة سلفهم مع سلفه واغراء بصاحب بجاية وعمله فجاء موقع ذلك من عثمان بن يغمراسن وأحفظه ممالاة خليفته لعدوه فعطل منابره من ذكره وأخرج قومه وايالته عن دعوته وكان ذلك آخر المائة السابعة والله تعالى أعلم * (الخبر عن دولة أبى حمو الاوسط وما كان فيها من الاحداث) * لما هلك الامير أبو زيان قام بالامر بعده أخوه أبو حمو في أخريات سنة سبع كما قدمناه وكان صارما يقظا حازما داهية قوى الشكيمة صعب العريكة شرس الاخلاق مفرط الدهاء والحدة وهو أول ملوك زناتة رتب مراسم الملك وهذب قواعده وأرهف في ذلك لاهل ملكه حده وقلب لهم مجن بأسه حتى ذلوا لعز ملكه وتأدبوا بآداب السلطان (سمعت) عريف بن يحيى أمير سويد من زغبة وشيخ المجالس الملوكية يقول ويعلينه موسى بن عثمان هو معلم السياسة الملوكية لزناتة وانما كانوا رؤساء بادية حتى قام فيهم موسى بن عثمان فحد حدودها وهذب مراسمها ونقل عنه ذلك امثاله وانظاره فتقبلوا

[ 99 ]

مذهبه واقتعدوا بتعليمه انتهى كلامه (ولما استقل) بالامر افتتح شأنه بعقد السلم مع سلطان بنى مرين لاول دولته فأوفد كبراء دولته على السلطان أبى ثابت وعقد له السلم كما رضى ثم صرف وجهه إلى بنى توجين ومغراوة فردد إليهم العساكر حتى دوخ بلادهم وذلل صعابهم وشرد محمد بن عطية الاصم عن نواحى وانشريس وراشد بن محمد عن نواحى شلب وكان قد لحق بها بعد مهلك يوسف بن يعقوب فأزاحه عنها واستولى على العملين واستعمل عليهما وقفل إلى تلمسان ثم خرج سنة عشر في عساكره إلى بلاد بنى توجين ونزل تافركينث وسط بلادهم فشرد من أعقاب محمد بن عبد القوى عن وانشريس واحتاز رياستهم في بنى توجين دونهم وأدام منهم بالحشم وبنى تيغزين وعقد لكبيرهم يحيى بن عطية على رياسة قومه في جبل وانشريس وعقد ليوسف بن حسن من أولاد عزيز على وأعمالها وعقد لسعد من بنى سلامة على قومه من بنى يدللتن احدى بطون بنى توجين وأهل الناحية الغربية من عملهم وأخذ من سائر بطون بنى توجين الرهن على الطاعة والجباية واستعمل عليهم جميعا من صنائعه قائده يوسف بن حيون الهوارى وأذن له في اتخاذ الآلة وعقد لمولاه مسامح على بلاد مغراوة واذن له أيضا في اتخاذ الآله وعقد لمحمد بن عمه يوسف على مليانة وأنزله بها وقفل إلى تلمسان والله أعلم * (الخبر عن استنزال زيرم بن حماد من ثغر برشك وما كان قبله) * كان هذا الغمر من مشيخة هذا القصر لوفور عشيرته من مكلاته داخله وخارجه واسمه زيرى بالياء فتصرفت فيه العامة وصار زيرم بالميم ولما غلب يغمراسن على بلاد مغراوة دخل أهل هذا القصر في طاعته حتى إذا هلك حدثت هذا الغمر نفسه بالانتزاء والاستبداد بملك برشك ما بين مغراوة وبنى عبد الواد ومدافعة بعضهم ببعض فاعتزم على ذلك وأمضاه وضبط برشك لنفسه سنة ثلاث وثمانين ونهض إليه عثمان بن يغمراسن سنة أربع بعدها ونازله فامتنع ثم زحف سنة ثلاث وتسعين إلى مغراوة فلجأ ثابت بن منديل إلى برشك وحاصره عثمان بها أربعين يوما ثم ركب البحر إلى المغرب كما قلناه وأخذ زيرى بعدها بطاعة عثمان بن يغمراسن دافعه بها وانتقض عليه مرجعه إلى تلمسان وشغل بنو زيان بعدها بما دهمهم من شأن الحصار فاستبد زيرى هذا ببرشك واستفحل شأنه بها واتقى بنى مرين عند غلبهم على بلاد مغراوة وتردد عساكرهم فيها باخلاص الطاعة والانقياد فلما انقشع ايالة بنى مرين بمهلك يوسف بن يعقوب وخرج بنو يغمراسن من الحصار رجع إلى ديدنه من التمريض في الطاعة ومناولة طرفها على البعد حتى إذا غلب أبو حمو على بلاد مغراوة وتجاوزت طاعته هذا المصر إلى ما وراءه

[ 100 ]

خشيه زيرى على نفسه وخطب منه الامان على أن ينزل له عن المصر فبعث إليه رئيس الفتيا بدولته أبا زيد عبد الرحمن بن محمد الامام كان أبوه من أهل برشك وكان زيرى قد قتله لاول ثورته غيلة وفر ابنه عبد الرحمن هذا وأخوه عيسى ولحقا بتونس فقرابها ورجعا إلى الجزائر فأوطناها ثم انتقلا إلى مليانة واستعملهما بنو مرين في خطة القضاء بمليانة ثم وفدا بعد مهلك يوسف بن يعقوب على أبى زيان وأبى حمو مع عمال بنى مرين وقوادهم بمليانة وكان فيهم منديل بن محمد الكنانى صاحب أشغالهم المذكور في أخبارهم وكانا يقرآن ولده محمدا فاشادا عند أبى زيان وأبى حو بمكانهما من العلم ووقع ذلك من أبى حمو أبلغ المواقع حتى إذا استقل بالامر ابتنى المدرسة بناحية المطهر من تلمسان لطلبة العلم وابتنى لهما دارين على جانبيها وجعل لهما التدريس فيها في ايوانين معدين لذلك واختصهما بالفتيا والشورى فكانت لهما في دولته قدم عالية فملا خطب زيرى هذا الامان من أبى حمو وان يبعث إليه من يأمن معه في الوصول إلى بابه بعث إليه أبا زيد عبد الرحمن الاكبر منهما فنهض لذلك بعد أن استأذنه في أن يثأر منه بأبيه ان قدر عليه فأذن له فلما احتل ببرشك أقام بها أياما يغاديه فيها زيرى ويراوحه بمكان نزله وهو يعمل الحيلة في اغتياله حتى إذا أمكنته فقتله في بعض تلك الايام سنة ثمان وسبعمائة وصار أمر برشك إلى السلطان أبى حمو وانمحى منه أثر المشيخة والاستبداد والامور بيد الله سبحانه * (الخبر عن طاعة الجزائر واستنزال ابن علان منها وذكر أوليته) * كانت مدينة الجزائر هذه من أعمال صنهاجة ومختطها بلكين بن زيرى ونزلها بنوه من بعده ثم صارت للموحدين وانتظمها بنو عبد المؤمن في أمصار المغربين وافريقية ولما استبد بنو أبى حفص بأمر الموحدين وبلغت دولتهم بلاد زناتة وكانت تلمسان ثغرا لهم واستعملوا عليها يغمراسن وبنيه من بعده وعلى ضواحي مغراوة بنى منديل بن عبد الرحمن وعلى وانشريس وما إليها من عمل توجين محمد بن عبد القوى وبنيه وبقى ما وراء هذه العمال إلى الحضرة لولاية الموحدين أهل دولته فكان العامل على الجزائر من الموحدين أهل الحضرة وفى سنة أربع وستين انتقضوا على المستنصر ومكثوا في ذلك الانتقاض سبعا ثم أوعز إلى أبى هلال صاحب بجاية بالنهوض إليها في سنة احدى وسبعين فحاصرها أشهرا وأفرج عنها ثم عاودها بالحصار سنة أربع وسبعين أبو الحسن ابن ياسين بعساكر الموحدين فاقتحمها عليهم عنوة واستباحها وتقبض على مشيختها فلم يزالوا معتقلين إلى أن هلك المستنصر ولما انقسم أمر بنى حفص واستقل الامير أبو زكريا الاسوط بالثغور الغربية وأبوه بعثوا إليه بالبيعة وولى عليهم ابن اكمازير وكانت

[ 101 ]

ولايتها من قبل فلم يزل هو واليا عليها إلى أن أسن وهرم كان ابن علان من مشيخة الجزائر مختصا به ومتصبا في أوامره ونواهيه ومصدرا لامارته وحصل له بذلك الرياسة على أهل الجزائر سائر أيامه فلما هلك ابن اكمازير حدثته نفسه بالاستبداد والانتزاء بمدينته فبعث عن أهل الشوكة من نظائره ليله هلاك أميره وضرب أعناقهم وأصبح مناديا بالاستبداد واتخذ الآلة واستركب واستلحق من الغرباء والثعالبة عرب متيجة واستكثر من الرجل والرماة ونازلته عساكر بجاية مرارا فامتنع عليهم وغلب مليكش على حماية الكثير من بلاد متيجة ونازله أبو يحيى بن يعقوب بعساكر بنى مرين عند استيلائهم على البلاد الشرقية وتوغلهم في القاصية فأخذ بمخنقها وضيق عليها ومر بابن علان القاضى أبو العباس الغمارى رسول الامير خالد إلى يوسف بن يعقوب فأودعه الطاعة للسلطان والضراعة إليه في الابقاء فأبلغ ذلك عنه وشفع له فأوعز إلى أبيه يحيى بمسالمته ثم نازله الامير خالد بعد ذلك فامتنع عليه وأقام على ذلك أربع عشرة سنة وعيون الخطوب تحدده والايام تستجمع لرحبه فلما غلب السلطان أبو حمو على بلاد توجين واستعمل يوسف بن حيون الهوارى على وانشريس ومولاه مسامحا على بلاد مغراوة ورجع إلى تلمسان ثم نهض سنة ثنتى عشرة إلى بلاد شلب فنزل بها وقدم مولاه مسامحا في العساكر فدوخ متيجة من سائر نواحيها وترس بالجزائر وضيق حصارها حتى مسهم الجهد وسأل ابن علان النزول على أن يشترط لنفسه فتقبل السلطان اشتراطه وملك السلطان أبو حمو الجزائر وانتظمها في اعماله وارتحل ابن علان في جملة مسامح ولحقوا بالسلطان بمكانه من شلب فانكفأ إلى تلمسان وابن علان في ركابه فأسكنه هنالك ووفى له بشرطه إلى أن هلك والبقاء لله سبحانه * (الخبر عن حركة صاحب المغرب إلى تلمسان وأولية ذلك) * لما خرج عبد الحق بن عثمان من أعياص الملك على السلطان أبى الربيع بفاس وبايع له الحسن بن على بن أبى الطلاق صاحب بنى مرين بمداخلة الوزير رحوا بن يعقوب كما قدمناه في أخبارهم وملكوا تازى زحف إليهم السلطان أبو الربيع فبعثوا وفدهم إلى السلطان أبى حمو صريخا ثم أعجلهم أبو الربيع وأجهضهم على تازى فلحقوا بالسلطان أبى حمو ودعوه إلى المظاهرة على المغرب ليكونوا ردأ له دون قومهم وهلك السلطان أبو الربيع خلال ذلك واستقل بملك المغرب أبو سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق فطالب السلطان أبا حمو باسلام أولئك النازعين إليه فأبى من اسلامهم واخفار ذمته وأجازهم إلى البحر إلى العدوة فأغضي له السلطان أبو سعيد عنها وعقد

[ 102 ]

له السلم ثم استراب يعيش بن يعقوب بن عبد الحق بمكانه عند أخيه السلطان أبى سعيد لما سعى فيه عنده فنزع عنه إلى تلمسان وأجاره السلطان أبو حمو على أخيه فأحفظه ذلك ونهض إلى تلمسان سنة أربع عشرة وعقد لابنه الامير أبى على وبعثه في مقدمته وسار هو في الساقة ودخل أعمال تلمسان على هذه التعبية فاكتسح بسائطها ونازل وجدة فقاتلها وضيق عليها ثم تخطاها إلى تلمسان فنزل بساحتها وانحجر موسى بن عثمان من وراء أسوارها وغلب على ضواحيها ورعاياها وسار السلطان أبو سعيد في عساكره يتقرى شعارها وبلادها بالحطم والانتساف والعيث فلما أحيط به وثقلت وطأة السلطان عليه وحذر المغبة منه ألطف الحيلة في خطاب الوزراء الذين كان يسرب أمواله فيهم ويخادعهم من نصائح سلطانهم حتى اقتضى مراجعتهم في جاره يعيش بن يعقوب وادالته من أخيه ثم بعث خطوطهم بذلك إلى السلطان أبى سعيد فامتلا قلبه منها خشية ورهبة واستراب بالخاصة والاولياء ونهض إلى المغرب على تعبيته ثم كان خروج ابنه عمر عليه بعد مرجعه وشغلوا عن تلمسان وأهلها برهة من الدهر حتى جاء أمر الله في ذلك عند وقته والله تعالى أعلم * (الخبر عن مبدا حصار بجاية وشرح الداعية إليه) * لما رجع السلطان أبو سعيد إلى المغرب وشغل عن تلمسان فزع أبو حمو لاهل القاصية من عمله وكان راشد بن محمد بن ثابت بن منديل قد جاء من بلاد زواوة أثناء هذه الغمرة فاحتل بوطن شلب واجتمع إليه أو شاب قومه وحين تجلت الغمرة عن السلطان أبى حمو نهض إليه بعد أن استعمل ابنه أبا تاشفين على تلمسان وجمع له الجموع ففر أمامه ناجيا إلى مثوى اغترابه ببجاية وأقام بنو سعيد بمعاقلهم من جبال شلب على دعوته فاحتل السلطان أبو حمو بوادي تمل فخيم به وجمع أهل أعماله الحصار بنى أبى سعيد شيعة راشد بن محمد واتخذ هنالك قصره المعروف باسمه وسرح العساكر لتدويخ القاصية ولحق به هنالك الحاجب بن أبى حين مرجعه من الحج سنة احدى عشرة وسبعمائة فأغراه بملك بجاية ورغبه فيه وكان قد ثاب له طمع منذ رسالة السلطان مولانا ابى يحيى إليه وذلك انه لما انتقض على اخيه خالد ودعا لنفسه بقسنطينة ونهض إلى بجاية فانهزم عنها كما قدمناه في أخباره وأوفد على السلطان أبى حمو بعض رجال دولته مغريا له بابن خلوف وبجاية ثم بعث إليه ابن خلوف أيضا يسأله المظاهرة والمدد فأطمعه ذلك في ملك بجاية (ولما هلك) ابن خلوف كما قدمناه لحق به كاتبه عبد الله بن هلال فأغراه واستحثه وشغله عن ذلك شأن الجزائر فلما استولى على الجزائر بعث مولاه مسامحا في عسكر مع ابن أبى حى فبلغوا إلى جبل الزاب وهلك ابن أبى حى ورجع مسامح ثم شغله

[ 103 ]

عن شأنها زحف وفزع من أمر عدوه ونزل بلد شلب كما ذكرناه آنفا ولحق به عثمان بن سباع بن يحيى بن سباع بن سهل أمير الزواودة يستحثه لملك الثغور الغربية من عمل الموحدين فاهتز لذلك وجمع الجموع وعقد لمسعود بن عمه أبى عامر برهوم على عسكر وأمره بحصار بجاية وعقد لمحمد ابن عمه يوسف قائد مليانة على عسكر ولمولاه مسامح على عسكر آخر وسرحهم إلى بجاية وما وراءها لتدويخ البلاد وعقد لموسى بن على الكردى على عسكر ضخم وسرحه مع العرب من الزواودة وزغبة على طريق الصحراء فانطلقوا إلى وجههم ذلك وفعلوا الافاعيل كل فيما يليه وتوغلوا في البلاد الشرقية حتى انتهوا إلى بلاد بونة ثم انقلبوا من هنالك ومروا في طريقهم بقسنطينة ونازلوها أياما وصعدوا جبل ابن ثابت المطل عليها فاستباحوه ثم مروا ببنى باورار فاستباحوها وأضرموها واكتسحوا سائر ما مروا عليه وحدثت بينهم المناكرة حسدا ومنافسة فافترقوا ولحقوا بالسلطان ولحق مسعود بن برهوم محاصر البجاية وبنى حصنا باصفون لمقامه وكان يسرح الجيوش لقتالها فتحول في ساحتها ثم تراجع إلى الحصن ولم يزل كذلك حتى بلغه خبر خروج محمد بن يوسف فأجفل عنها على ما نذكره الآن فلم يرجعوا لحصارها الا بعد مدة والله تعالى أعلم * (الخبر عن خروج محمد بن يوسف ببلاد بنى توجين وحروب السلطان معه) * لما رجع محمد بن يوسف من قاصية الشرق كما قدمناه وسابقه إلى السلطان موسى بن على الكردى وجوانحه تلتهب غيظا حقدا عليه وسعى به عند السلطان فعزله عن مليانة فوجم لها وسأله زيارة ابنه الامير أبى تاشفين بتلمسان وهو ابن أخته فأذن له وأوعز إلى ابنه بالقبض عليه فأبى من ذلك وأراد هو الرجوع إلى معسكر السلطان فخلى سبيله ولما وصل إليه تنكر له وحجبه فاستراب وملا قلبه الرعب وفر من المعسكر ولحق بالمرية ونزل على يوسف بن حسن بن عزيز عاملها للسلطان أبى حمو به من نزاعته فأخذ له البيعة على قومه ومن إليهم من العرب وزحفوا إلى السلطان بمعسكره من مهل فلقيهم في عساكره فكانت الدبرة على السلطان ولحق بتلمسان وغلب محمد بن يوسف على بنى توجين ومغراوة ونزل مليانة وخرج السلطان من تلمسان لايام من دخولها وقد جمع الجموع وازاح العلل وأوعز إلى مسعود بن برهوم بمكانه من حصار بجاية بالوصول إليه بالعساكر ليأخذ بحجزتهم من ورائهم وخرج محمد بن يوسف على مليانة لاعتراضه واستعمل على مليانة يوسف بن حسن بن عزيز فلقيه ببلاد مليكش وانهزم محمد بن يوسف ولجأ إلى جبل مرصالة وحاصره مسعود بن برهوم أياما ثم أفرج عنه ولحق بالسلطان فنازلوا جميعا مليانة وافتتحها السلطان عنوة وجئ بيوسف

[ 104 ]

ابن حسن أسيرا من مكمنه ببعض المسارب فعفا عنه وأطلقه ثم زحف إلى المرية فلكها وأخذ الرهن من أهل تلك النواحى وقفل إلى تلمسان واستطال محمد بن يوسف على النواحى ففشت دعوته في تلك القاصية وخاطب مولانا السلطان أبا يحيى بالطاعة فبعث إليه بالهدية والآلة وسوغه سهام يغمراسن بن زيان بافريقية ووعده بالمظاهرة وغلب سائر بلاد بنى توجين وبايع له بنو تيغرين أهل جبل وانشريس فاستولى عليه ثم نهض السلطان إلى الشرق سنة سبع عشرة وملك المرية واستعمل عليها يوسف ابن حسن لمدافعة محمد بن يوسف واستبلغ في أخذ الرهن منه ومن أهل العمالات وقبائل زناتة والعرب حتى من قومه بنى عبد الواد ورجع إلى تلمسان وأنزلهم بالقصبة وهى الغور الفسيح الخطة تماثل بعض الامصار العظيمة اتخذها للرهن وكان في ذلك حتى يأخذ الرهن المتعددة من البطن الواحد والفخذ الواحد والرهط وتجاوز ذلك إلى أهل الامصار والثغور والمشيخة والسوقة فملا تلك القصبة من أبنائهم واخوانهم وشحنها بالاامم بعد الامم وأذن لهم في ابتناء المنازل واتخاذ النساء واختط لهم المساجد فجمعوا بها لصلاة الجمعة ونفقت بها الاسواق والصنائع وكان حال هذه البنية من أغرب ما حكى في العصور عن سجن ولم يزل محمد بن يوسف بمكان خروجه من بلاد توجين إلى أن هلك السلطان والبقاء لله * (الخبر عن مقتل السلطان أبى حمو وولاية ابنه أبى تاشفين من بعده) * كان السلطان أبو حمو قد اصطفى ابن عمه برهوم وتبناه من بين عشيرته وأولى قرباه لمكان صرامته ودهائه واختصاص أبيه برهوم المكنى أبا عامر بعثمان بن يغمراسن شقيقه من بين اخوته فكان يؤثره على بنيه ويفاوضه في شؤونه ويصله إلى خلوته وكان دفع إلى ابنه عبد الرحمن أبا تاشفين اترابا له من العلوجين يقومون في بخدمته في مرباه ومنتشئه كان منهم هلال المعروف بالقطانى ومسامح المسمى بالصغير وفرج بن عبد الله وظافر ومهدى وعلى بن تاكدرت وفرج الملقب شقورة وكان ألصقهم وأعلقهم بنفسه تلادله منهم يسمى هلالا وكان أبو حمو أبوه كثيرا ما يقرعه ويوبخه ارهاقا في اكتساب الخلال وربما يقرع في تفريعه لما كان عفا الله عنه فحاشا فيحفظه لذلك وكان مع ذلك شديد السطوة متجاوزا بالغقاب وحدوده في الزجر والادب فكان أولئك العلوجين تحت رهب وكانوا يوعزون لذلك مولاهم أبا تاشفين بأبيه ويبعثون غيرته لما يذكرون له من اصطفاء ابن أبى عامر دونه وقارن ذلك أن مسعود بن أبى عامر أبلى في لقاء محمد بن يوسف الخارج على أبى حمو البلاء الحسن عندما رجع من حصار بجاية فاستحمد له السلطان ذلك وعير ابنه عبد الرحمن بمكن ابن عمه هذا من النجابة والصرامة يستجد

[ 105 ]

له بذلك خلالا ويغريه بالكمال وكان عمه أبو عامر ابراهيم بن يغمراسن ثرى بما نال من جوائز الملوك في وفاداته وما أقطع له أبوه وأخوه سائر أيامهما ولما هلك سنة ست وتسعين أوصى أخاه عثمان بولده فضمهم إليه ووضع تراثهم بموضع ماله حتى يأنس منهم الرشد في أحوالهم حتى إذا كانت غزاة ابنه أبى سرحان هذه وعلا فيها ذكره وبعد صيته رأى السلطان أبو حمو أن يدفع إليه تراث أبيه لاستجماع حلاله فاحتمل إليه من المودع ونمى الخبر إلى ولده أبى تاشفين وباطنته السوء من العلوجين فحسبوه مال الدولة قد حمل إليه لبعد عهدهم بما وقع في تراث أبى عامر أبيه واتهموا السلطان بايثاره بولاية العهد دون ابنه فأغروا أبا تاشفين بالوثب على الامر وحملوه على الفتك بمشنويه مسعود بن أبى عامر واعتقال السلطان أبى حمو ليتم له الاستبداد وتحينوا لذلك قائلة الهاجرة عند ما انصرف السلطان من مجلسه وقد اجتمع إليه ببعض حجر القصر خاصته من البطانة وفيهم مسعود بن أبى عامر والوزراء من بنى الملاح وكان بنو الملاح هؤلاء قد استخصهم السلطان بحجابته سائر أيامه وكان مسمى الحجابة عنده قهرمة الدار والنظر في الدخل والخرج وهم أهل بيت من قرطبة كانوا يحترفون فيها بسكة الدنانير والدراهم وربما دفعوا إلى النظر في ذلك ثقة باماناتهم نزل أولهم بتلمسان مع جالية قرطبة فاحترفوا بحرفتهم الاولى وزادوا إليها الفلاحة وتحلوا بخدمة عثمان بن يغمراسن وابنه وكان لهم في دولة أبى حمو مزيد حظوة وعناية فولى على حجابته منهم لاول دولته محمد بن ميمون ابن الملاح ثم بنه محمد الاشقر من بعده ثم ابنه ابراهيم بن محمد من بعدهما واشترك معه من قرابته على بن عبد الله بن الملاح فكانا يتوليان مهمه بداره ويحضران خلوته مع خاصته فحضروا يومئذ مع السلطان بعد انفضاض مجلسه كما قلناه ومعه من القرابة مسعود القتيل وحماموش بن عبد الملك بن حنيفة ومن الموالى معروف الكبير ابن أبى الفتوح بن عشر من ولد نصر بن على أمير بنى يزيد بن توجين وكان السلطان قد استوزره (فلما علم) أبو تاشفين باجتماعهم هجم ببطانته عليهم وغلبوا الحاجب على بابه حتى ولجوه متسايلين بعد أن استمسكوا من اغلاقه حتى إذا توسطوا الدار اعتوروا السلطان بأسيافهم فقتلوه وحام أبو تاشفين عنها فلم يفرجوا عليه ولاذ أبو سرحان منهم ببعض زوايا الدار واستمكن من غلقها دونهم فكسروا الباب وقتلوه واستلحموا من كان هنالك من البطانة فلم يفلت الا الاقل وهلك الوزراء بنو الملاح واستبيحت منازلهم وطاف الهاتاف بسكك المدينة بأن أبا سرحان غدر بالسلطان وابن ابنه أبا تاشفين ثأر منه فلم يخف على الناس الشأن وكان موسى بن على الكردى قائد العساكر قد سمع الصيحة فركب إلى القصر فوجد مغلقا دونه

[ 106 ]

فظن الظنون فخشى استيلاء مسعود على الامر فبعث إلى العباس بن يغمراسن كبير القرابة فأحضره عند باب القصر حتى إذا مر بهم الهاتف واستيقن مهلك أبى سرحان رد العباس على عقبه إلى منزله ودخل إلى السلطان أبى تاشفين وقد أدركه الدهش من المواقعة فثبته ونشطه فحفه وأجلسه بمجلس أبيه وتولى لهعقد البيعة على قومه خاصة وعلى الناس عامة وذلك آخر جمادى الاولى من تلك السنة وجهز السلطان إلى مدفنه بمقبرة سلفه من القصر القديم وأصبح مثلا في الآخرين والبقاء لله وأشخص السلطان لاول ولايته سائر القرابة الذين كانوا بتلمسان من ولد يغمراسن وأجازهم إلى العدوة حذار من مغبة ترشيحهم وما يتوقع من الفتن على الدولة من قبلهم وقلد حجابته مولاه هلالا فاضطلع باعبائها واستبد بالعقد والحل والابرام والنقض صدرا من دولته إلى أن نكبه حسبما نذكره وعقد ليحيى بن موسى السنوسى من صنائع دولتهم على شلب وسائر أعمال مغراوة وعقد لمحمد بن سلامد بن على على عمله من بلاد بنى يدللتن من توجين وعزل أخاه سعدا فلحق بالمغرب وعقد لموسى بن على الكردى على قاصية المشرق وجعل إليه حصار بجاية وأغرى دولته بتشييد القصور واتخاذ الرياض والبساتين فاستكمل ما شرع فيه أبوه من ذلك وأتى عليه فاحتفلت القصور والمصانع في الحسن ما شاءت واستعت أخباره على ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن نهوض السلطان أبى تاشفين لمحمد بن يوسف بجبل وانشريس واستيلاؤه عليه } كان محمد بن يوسف بعد مرجع السلطان أبى حمو كما ذكرناه قد تغلب على جبل وانشريس ونواحيه واجتمع إليه الفل من مغراوة فاستفحل أمره واشتدت في تلك النواحى شوكته وأهم أبا تاشفين أمره فاعتزم على النهوض إليه وجمع لذلك وأزاح العلل وأناخ على وانشريس وقد اجتمع به بنو توجين ومغراوة مع محمد بن يوسف وكان يتغرين من بنى توجين بطانة ابن عبد القوى يرجعون في رياستهم إلى عمر بن عثمان حسبما نذكره وكان قد استخلص سواه من بنى توجين دونه فأسفه بذلك وداخل السلطان أبا تاشفين وواعده أن يتحرك عنه فاقتحم السلطان عليهم الجبل وانحجزوا جميعا إلى حصن توكال فخالفهم عمر بن عثمان في قومه إلى السلطان بعد أن حاصرهم ثمانيا فتخرم الجمع واختل الامر وانفض الناس فاقتحم الحصن وتقبض على محمد بن يوسف وجئ به إلى السلطان أسيرا وهو في مركبه فعدد عليه ثم وخزه برمحه وتناوله الموالى برماحهم فأقعصوه وحمل رأسه على القناة إلى تلمسان فنصب بشرافات البلد وعقد لعمر بن عثمان على جبل وانشريس وأعمال بنى عبد القوى ولسعيد العربي من مواليه على عمل المرية

[ 107 ]

وزحف إلى الشرق فأغار على أحياء رياح وهم بوادي الجنان حيث الثنية المفضية من بلاد حمزة إلى القبلة وصبح أحياءهم فاكتسح أموالهم ومضى في وجهه إلى بجاية فعرس بساحتها ثلاثا وبها يومئذ الحاجب يعقوب بن عمر فامتنعت عليه فظهر له وجه المعذرة لاوليائهم في استحصانها وقفل إلى تلمسان إلى ان كان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى. { الخبر عن حصار بجاية والفتنة الطويلة مع الموحدين التى كان فيها حتفه وذهاب سلطانه وانقراض الامر عن قومه برهة من الدهر } لما رجع السلطان أبو تاشفين من حصار بجاية سنة تسع وعشرين اعتمل في ترديد البعوث إلى قاصية الشرق والالحاح بالغزو إلى بلاد الموحدين فأغزاها جيوشه سنة عشرين فدوخوا ضواحي بجاية وقفلوا ثم غزاهم ثانية سنة احدى وعشرين وعليهم موسى بن على الكردى فانتهى إلى قسنطينة وحاصرها فامتنعت عليه فأفرج عنها وابتنى حصن بكر لاول مضيق الوادي وادى بجاية وأنزل به العساكر لنظر يحيى بن موسى قائد شلب وقفل إلى تلمسان ثم نهض موسى بن على ثالثة صسنة ثنتين وعشرين فدوخ نواحى بجاية ونازلها أياما وامتنعت عليه فأفرج عنها ووفد سنة ثلاث وعشرين على السلطان حمزة بن عمر بن أبى أليل كبير البدو بافريقية صريخا على صاحب افريقية مولانا السلطان أبى يحيى فبعث معهم العساكر من زناتة وعامتهم من بنى توجين وبنى راشد وأمر عليهم القواد وجعلهم لنظر قائده موسى بن على الكردى ففصلوا إلى افريقية وخرج السلطان للقائهم فانهزموا بنواحي مرماجنة وتخطفتهم الايدى فاستلحموا وقتل مسامح مولاه ورجع موسى بن على فاتهمه السلطان بالادهان وكان من نكبته ما نذكره في أخباره وسرح العساكر سنة أربع وعشرين فدوخت نواحى بجاية ولقيهم ابن سيد الناس فهزموهم ونجا إلى البلد ووفد على السلطان سنة خمس وعشرين مشيخة سليم حمزة بن عمر بن أبى اليل وطالب بن مهلهل العجلان المتزاحمان في رياسة الكعوب ومحمد بن مسكين من بنى القوس كبراء حكيم فاستحثوه للحركة واستصرخوه على افريقية وبعث معهم العساكر لنظر قائده موسى بن على ونصب لهم ابراهيم بن أبى بكر الشهيد من أعياص الحفصيين وخرج مولانا السلطان أبو يحيى من تونس للقائهم وخشيهم على قسنطينة فسابقهم إليها فأقام موسى بن على بعساكره على قسنطينة وتقدم ابراهيم بن أبى بكر الشهيد في أحياء سليم إلى تونس فملكها كما ذكرناه في أخبارهم وامتنعت قسنطينة على موسى بن على فأقلع منها لخمس عشرة ليلة من حصارها وعاد إلى تلمسان ثم أغزاه السلطان سنة ست وعشرين

[ 108 ]

في الجيوش وعهد إليه بتدويخ الضاحية ومحاصرة الثغور فنازل قسنطينة وأفسد نواحيها ثم رجع إلى بجاية فحاصرها ثم عزم على الاقلاع ورأى أن حصن بكر غير صالح لتجهيز الكتائب إليها لبعده وارتاد للبناء عليها ما هو أقرب منه فاختط بمكان سوق الخميس بوادي بجاية مدينة لتجهيز الكتائب لها على بجاية وجمع الايدى على بنائها من الفعلة والعساكر فتمت لاربعين يوما وسموها تامزيزدكت باسم الحصن القديم الذى كان لبنى عبد الواد قبل الملك بالجبل قبلة وجدة وأنزل بها عساكر تناهز ثلاثة آلاف وأوعز السلطان إلى جميع عماله ببلاد المغرب الاوسط بنقل الحبوب إليها حيث كانت والادم وسائر المرافق حتى الملح وأخذ الرهن من سائر القبائل على الطاعة واستوفوا جبايتهم فثقلت وطأتهم على بجاية واشتد حصارها وغلت أسعارها (وبعث) مولانا السلطان أبو يحيى جيوشه وقواده سنة سبع وعشرين فسلكوا إلى بجاية على جبل بنى عبد الجبار وخرج بهم قائدها أبو عبد الله بن سيد الناس إلى ذلك الحصن وقد كان موسى بن على عند بلوغ خبرهم إليه أستنفر الجنود من ورائه وبعث إلى القواد قبله بالبدار فالتقى الجمعان بضاحية تامريزدكت فانكشف ابن سيد الناس ومات ظافر الكبير مقدم الموالى من العلوجين بباب السلطان واستبيح معسكرهم ولما سخط السلطان قائده موسى بنعلى ونكبه كما نذكره في أخباره أغزى يحيى بن موسى السنوسى في العساكر إلى افريقية ومعه القواد فعاثوا في نواحى قسنطينة وانتهوا إلى بلد بونة ورجعوا وفى سنة تسع وعشرين بعدها وفد حمزة بن عمر على السلطان أبى تاشفين صريخا ووفد معه أو بعده عبد الحق بن عثمان فحل الشول من بنى مرين وكان قد نزل على مولانا السلطان أبى يحيى منذ سنين فسخط بعض أحواله ولحق بتلمسان فبعث السلطان معهم جميع قواده بجيوشه لنظر يحيى بن موسى ونصب عليهم محمد بن أبى بكر بن عمران من أعياص الحفصيين ولقيهم مولانا السلطان أبيو يحيى بالدياس من نواحى بلاد هوارة وانخزل عنه أحياء العرب من أولاة مهلهل الذين كانوا معه وانكشفت جموعه واستولى على ظعائنه بما فيها من الحرم وعلى ولديه احمد وعمر فبعثوا بهم إلى تلمسان ولحق مولانا المنصور أبو يحيى بقسنطينة وقد أصحابه بعض الجراحة في حومة الحرب وسار يحيى بن موسى وابن أبى عمران إلى تونس واستولوا عليها ورجع يحيى بن موسى عنهم بجموع زناتة لاربعين يوما من دخولها فقفل إلى تلمسان وبلغ الخبر إلى مولانا السلطان أبى يحيى بقفول زناتة عنهم فنهض إلى تونس وأجهض عنها ابن أبى عمران بعد ان كان أوفد من بجاية ابنه أبا زكريا يحيى ومعه محمد بن تافراكين من مشيخة الموحدين صريخا على ابى تاشفين فكان ذلك داعية إلى انتقاض ملكه كما نذكره

[ 109 ]

بعد وداخل السلطان أبا تاشفين بعض أهل بجاية ودلوه على عورتها واستقدموه فنهض إليها وحذر بذلك الحاجب ابن سيد الناس فسابقه إليها ودخل يوم نزوله عليها وقتل من اتهم بالمداخلة فانحسم الداء وأقلع السلطان أبو تاشفين عنها وولى عيسى بن مزروع من مشيخة بنى عبد الواد على الجيش الذى بتامزيزدكت وأوعز إليه ببناء حصن أقرب إلى بجاية من تامزيزدكت فبناه بالياقوتة من أعلى واد قبالة بجاية فأخذ بمخنقها واشتد الحصار إلى أن أخذ السلطان أبو الحسن بحجزتهم فأجفلوا جميعا إلى تلمسان ونفس مخنص الحصار عن بجاية ونهض مولانا السلطان أبو يحيى بجيوشه من تونس إلى تامزيزدكت سنة ثنتين وثلاثين فخربها في ساعة من نهار كان لم تغن بالامس حسبما ذكرنا ذلك في أخباره والله تعالى أعلم { الخبر عن معاودة الفتنة بين بنى مرين وحصارهم تلمسان ومقتل السلطان أبى تاشفين ومصائر ذلك } كان السلطان أبو تاشفين قد عقد السلم الاول دولته مع السلطان أبى سعيد ملك المغرب فلما انتقض عليه ابنه أبو على سنة ثنتين وعشرين بعد المهادنة الطويلة من لدن استبداده بسجلماسة بعث ابنه القعقاع إلى ابى تاشفين في الاخذ بحجزة أبيه عنه ونهض هو إلى مراكش فدخلها وزحف إليه السلطان أبو سعيد فبعث أبو تاشفين قائده موسى ابن على في العساكر إلى نواحى تازى فاستباح عمل كارث واكتسح زروعه وقفل واعتدها عليه السلطان أبو سعيد وبعث أبو تاشفين وزيره داود بن على بن مكن رسولا إلى السلطان أبى على بسجلماسة فرجع عنه مغاضبا وجنح أبو تاشفين بعدها إلى التمسك بسلم السلطان أبى سعيد فعقد لهم ذلك وأقاموا عليها مدة فلما نفر ابن مولانا السلطان أبى يحيى على السلطان أبى سعيد ملك المغرب وانعقد الصهر بينهم كما ذكرناه في أخبارهم وهلك السلطان أبو سعيد نهض السلطان أبو الحسن إلى تلمسان بعد أن قدم رسله إلى السلطان أبى تاشفين في أن يقلع بجيوشه عن حصار بجاية ويتجافى للموحدين عن عمل تنس فأبى وأساء الرد وأسمع الرسل بمجلسه هجر القول وأفزع لهم الموالى في الشتم لمرسلهم بمسمع من أبى تاشفين فأحفظ ذلك السلطان أبو الحسن ونهض في جيوشه سنة ثنتين وثلاثين إلى تلمسان فتخطاها إلى تاسالت وضرب بها معسكره وأطال المقام وبعث المدد إلى بجاية مع الحسن البطوى من صنائعه وركبوا في أساطيله من سواحل وهران ووافاهم موانا السلطان أبو يحيى ببجاية وقد جمع لحرب بنى عبد الواد وهدم تامز يزدكت وجاء لموعد السلطان أبى الحسن معه أن يجتمعا بعساكرهما لحصار تلمسان فنهض من بجاية إلى تامزيزدكت وقد أجفل منها عساكر بنى عبد الواد

[ 110 ]

وتركوها قفرا ولحقت عساكر الموحدين فعاثوا فيها تخريبا ونهبا وألصقت جدرانها بالارض وتنفس مخنق بجاية من الحصار وانكمش بنو عبد الواد إلى ما وراء تخومهم وفى خلال ذلك انتقض أبو على ابن السلطان أبى سعيد على أخيه وصمد من مقره بسجلماسة إلى درعة وفتك بالعامل وأقام فيها دعوته كما نذكر ذلك بعد وطار الخبر إلى السلطان أبى الحسن بمحلته بتاسالت فنهض راجعا إلى المغرب لحسم دائه وراجع السلطان أبو تاشفين عزه وانبسطت عساكره في ضواحي عمله وكتب الكتائب وبعث بها مددا للسلطان أبى على ثم استنفر قبائل زناتة وزحف إلى تخوم المغرب سنة ثلاث وثلاثين ليأخذ بحجزة السلطان أبى الحسن عن أخيه وانتهى إلى الثغر من تاوريدت ولقيه هناك تاشفين ابن السلطان أبى الحسن في كتيبة جهزها أبوه معه هنالك لسد الثغور ومعه منديل بن حماسة شيخ بنى تيريفن من بنى مرين في قومه فلما برزوا إليه انكشف ورجع إلى تلمسان ولما تغلب السلطان أبو الحسن على أخيه وقتله سنة أربع وثلاثين جمع لغزو تلمسان وحصارها ونهض إليها سنة خمس وقد استنفذ وسعه في الاحتفال لذلك واضطربت بها عساكره وضرب عليها سياج الاسوار وسرادقات الحفائر أطيفت عليهم حتى لا يكاد الطيف يخلص منهم ولا إليهم وسرح كتائبه إلى القاصية من كل جهة فتغلب على الضواحى وافتتح الامصار جميعا وخرب وجدة كما يأتي ذكر ذلك كله وألح عليها بالقتال يغديها ويراوحها ونصب المجانيق وانحجز بها مع السلطان أبى تاشفين زعماء زناتة من بنى توجين وبنى عبد الواد وكان عليهم في بعض أيامها اليوم المشهور الذى استلحمت فيه أبطالهم وهلك أمراؤهم وذلك أن السلطان أبا الحسن كان يباكرهم في الاسحار فيطوف من وراء أسواره التى ضربها عليهم شوطا يرتب المقاتلة ويثقف الاطراف ويسد الفروج ويصلح الخلل وأبو تاشفين يبعث العيون في ارتصاد فرصة فيه وأطاف في بعض الايام منتبذا عن الجملة فكمنوا له حتى إذا سلك ما بين الجبل والبلد انقضوا عليه يحسبونها فرصة قد وجدوها وضايقوه حتى كاد السرعان من الناس أن يصلوا إليه وأحس أهل المعسكر بذلك فركبوا زرافات ووحدانا وركب ابناه الاميران أبو عبد الرحمن وأبو مالك جناحا عسكره وعقابا حجافله وتهاوت إليهم صقور بنى مرين من كل جو فانكشفت عساكر البلد ورجعوا القهقرى ثم ولوا الادبار منهزمين لا يلوى احد منهم على أحد واعترضهم مهوى الخندق فتطارحوا فيه وتهافتوا على ردمه فكان الهالك يومئذ بالردم أكثر من الهالك بالقتل وهلك من بنى توجين يومئذ كبير الحشم وعامل جبل وانشريس ومحمد بن سلامة بن على أمير بنى يدللتن وصاحب القلعة تاوغزوت وما إليها من عملهم وهما ما هما في زناتة إلى أشباه لهما وأمثال استلحموا في هذه

[ 111 ]

الوقعة فحط في هذا اليوم جناح الدولة وحطم منها واستمرت منازلة السلطان أبى الحسن اياها إلى آخر رمضان من سنة سبع وثلاثين فاقتحمها يوم السابع والعشرين منه غلابا ولجأ السلطان أبو تاشفين إلى باب قصره في لمة من أصحابه ومعه ولداه عثمان ومسعود ووزيره موسى بن على وعبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق من أعياص بنى مرين وهو الذى لحق بهم من تونس كما ذكرناه وسيأتى ذكره وخبره ومعه يومئذ ابنا أخيه أبو زيان وأبو ثابت فمانعوا دون القصر مستميتين إلى أن استلحموا ورفعت رؤسهم على عصى الرماح فطيف بها وغصت سكك البلد من خارجها وداخلها بالعساكر وكصت أبوابها بالزحام حتى لقد كب الناس على أذقانهم وتواقعوا فوطئوا بالحوافر وتراكمت أشلاؤهم ما بين البابين حتى ضاق المذهب ما بين السقف ومسلك الباب وانطلقت الايدى على المنازل نهبا واكتساحا وخلص السلطان إلى المسجد الجامع واستدعى رؤساء الفتيا والشورى أبا زيد عبد الرحمن وأبا موسى عيسى ابني الامام قدمهما من أعماله لمكان معتقده في أهل العلم فحضروه ورفعوا إليه أمر الناس وما نالهم من معرة العسكر ووعظوه فأناب ونادى مناديه برفع الايدى عن ذلك فسكن الاضطراب وأقصر العيث وانتظم السلطان أبو الحسن أمصار المغرب الاوسط وعمله إلى سائر أعماله وتاخم الموحخدين بثغوره وطمسس رسم الملك لآل زيان ومعالمه واستتبع زناتة عصبا تحت لوائه من بنى عبد الواد وتوجين ومغراوة وأقطعهم ببلاد المغرب سهاما أدالهم بها من تراثهم من أعمال تلمسان فانقرض ملك آل يغمراسن برهة من الدهر إلى أن أعاده منهم أعياص سموا إليه بعد حين عند نكبة السلطان ابن الحسن بالقيروان كما نذكره فأومض بارقة وهبت ريحه والله يؤتى ملكه من يشاء { الخبر عن رجال دولته وهم موسى بن على ويحيى بن موسى مولاه هلال وأوليتهم ومصاير أمورهم واختصاصهم بالذكر لما صار من شهرتهم وارتفاع صيتهم } فأما موسى بن على الحاجب الهالك فأصله من قبيلة الكرد من أعاجم المشرق وقد أشرنا إلى الخلاف في نسبهم بين الامم وذكر المسعودي منهم أصنافا سماهم في كتابه من الشاهجان والبرسان والكيكان إلى آخرين منهم وان مواطنهم ببلاد أذربيجان والشام والموصل وأن منهم نصارى على رأى اليعقوبية وخوارج على رأى البراءة من عثمان وعلى انتهى كلامه (وكان) منهم طوائف بجبل شهرزور من عراق العجم وعامتهم يتقلبون في الرحلة وينتجعون لسائمتهم مواقع الغيث ويتخذون الخيام لسكناهم من اللبود وجل مكاسبهم الشاء والبقر من الانعام وكانت لهم عزة وامتناع بالكثرة وريامات ببغداد أيام تغلب الاعاجم على الدولة واستبدادهم بالرياسة ولما طمس ملك

[ 112 ]

بنى العباس وغلب التتر على بغداد سنة ست وخمسين وستمائة وقتل ملكهم هلاون آخر خلفاء العباسيين وهو المستعصم ثم ساروا في ممالك العراق وأعماله فاستولوا عليها وعبر الكثير من الكرد نهر الفرات فرارا أمام التتر لما كانوا يدينون بدين المجوسية وصاروا في ايالة الترك فاستنكف أشرافهم وبيوتاتهم من المقام تحت سلطانهم وجاز منهم إلى المغرب عشيرتان تعرفان ببنى لوبن وبنى بابير فيمن إليهم من الاتباع ودخلوا المغرب لآخر دولة الموحدين ونزلوا على المرتضى بمراكش فأحسن تلقيهم وأكرم مثواهم وأسنى لهم الجراية والاقطاع وأحلهم بالمحل الرفيع من الدولة (ولما انتقض) أمر الموحدين بحدثان وصولهم صاروا إلى ملكة بنى مرين ولحق بعضهم بيغمراسن بن زيان ونزع المستنصر إلى افريقية يومئذ بيت من بنى بابيرلا أعرفهم كان منهم محمد بن عبد العزيز المعروف بالمزوار صاحب مولانا السلطان أبى يحيى وآخرون غيرهم منهم ركان من اشهر من بقى في ايالة بنى مرين منهم ثم من بنى بابير على بن حسن بن صاف وأخوه سلمان ومن بنى لوين الخصر بن محمد وكان تكون الفتنة بينهم كما كانت في مواطنهم الاولى فإذا اتعدوا للحرب توافت إليهم أشياعهم من تلمسان وكان نضالهم بالسهام وكانت القسى سلاحهم وكان من أشهر الوقائع بينهم وقيعه بفاس سنة أربع وسبعين وستمائة جمع لها خضر رئيس بنى لوين وسلمان وعلى رئيسا بنى بابير واقتتلوا خارج باب الفتوح وتركهم يعقوب بن عبد الحق لشأنهم من الفتنة حياء منهم فلم يعرض لهم وكان مهلك سلمان منهم بعد ذلك مرابطا بثغر طريف عام تسعين وستمائة وكان لعلى بن حسن ابنه موسى اصطفاه السلطان يوسف بن يعقوب وكشف له الحجاب عن داره وربى بين حرمه فتمكنت له دالة سخط بسببها بعض الاحوال مما لم يرضه فذهب مغاضبا ودخل إلى تلمسان أيام كان يوسف بن يعقوب محاصرا لها فتلقاه عثمان بن يغمراسن من التكرمة والترحيب بما يناسب محله من قومه ومنزلته من اصطناع السلطان وأشار يوسف بن يعقوب على ابنة باستمالته فلقيه في حومة القتال وحادثه واعتذر له بكرامة القوم اياه فحضه على الوفاء لهم ورجع إلى السلطان فخبره الخبر فلم ينكر عليه وأقام هو بتلمسان وهلك أبوه على بالمغرب سنة سبع وسبعمائة ولما هلك عثمان بن يغمراسن بن زيان زاده بنوه اصطناعا ومداخلة وخلطوه بأنفسهم وعقدوا له على العساكر لمحاربة أعدائهم وولوه الاعمال الجليلة والرتب الرفيعة من الوزارة والحجابة ولما هلك السلطان أبو حمو وقام بأمره ابنه أبو تاشفين وكان هو الذى تولى له أخذ البيعة على الناس وغص بمكانه مولاه هلال فلما استبد عليه وكان كثيرا ما ينافس موسى بن على ويناقشه فخشيه على نفسه وأجمع على اجازة البحر للمرابطة بالاندلس فبادره هلال وتقبض عليه وغربه

[ 113 ]

إلى العدوة ونزل بغرناطة وانتظم في الغزاة المجاهدين وأمسك عن جراية السلطان فلم يمد إليها يدا أيام مقامه وكانت من أنزه ما جاء به وتحدث به الناس فأغربوا واتقدت لها جوانح هلال حسدا وعداوة فأغرى سلطانه فخاطب ابن الاحمر في استقدامه فأسلمه إليه واستعمله السلطان في حروبه على قاصيته حتى كان من نهوضه بالعساكر إلى افريقية للقاء مولانا السلطان أبى يحيى سنة سبع وعشرين وكانت الدبرة عليه واستلحمت زناتة ورجع في الفل فأغرى هلال السلطان وألقى في نفسه التهمة به ونمى ذلك إليه فلحق بالعرب الزواودة وعقد مكانه على محاصرة بجاية ليحيى بن موسى صاحب شلب ونزل هو على سليمان ويحيى بن على بن سباع بن يحيى من أمراء الزواودة في أحيائهم فلقوه مبرة وتعظيما وأقام بين أحيائهم مدة ثم استقدمه السلطان ورجع إلى محله من مجلسه ثم تقبض عليه لاشهر وأشخصه إلى الجزائر فاعتقله بها وضيق محبسه ذهابا مع أغراض منافسة هلال حتى إذا سخط هلالا استدعاه من محبسه أضيق ما كان فانطلق إليه فلما تقبض على هلال قلد موسى بن على حجابته فلم يزل مقيما لرسمها إلى يوم اقتحم السلطان أبو الحسن تلمسان فهلك مع أبى تاشفين وبنيه في ساحة قصرهم كما قلناه وانقضى أمره والبقاء لله وانتظم بنوه بعد مهلكه في جملة السلطان أبى الحسن وكان كبيرهم سعيد قد خلص من بين القتلى في تلك الملحمة بباب القصر بعد هدو من الليل مثخنا بالجراح وكانت حياته بعدها تعد من الغرائب ودخل في عفو السلطان إلى أن عادت دولة بنى عبد الواد فكان له في سوقها نفاق حسبما نذكره والله غالب على أمره (وأما يحيى بن موسى) فاصله من بنى سنوس احدى بطون كومية ولهم ولاء في بنى كمين بالاصطناع والتربية ولما فصل بنو كمين إلى المغرب قعدوا عنهم واتصلوا ببنى يغمراسن واصطنعوهم ونشأ يحيى بن موسى في خدمة عثمان وبنيه واصطناعهم (ولما كان) الحصار ولاه أبو حمو مهمه من التطواف بالليل على الحرس بمقاعدهم من الاسوار وقسم القوت على المقاتلة بالمقدار وضبط الابواب والتقدم في حومة الميدان وكان له أعوان على ذلك من خدامه قد لزموا الكون معه في البكر والآصال والليل والنهار وكان يحيى هذا منهم فعرفوا له خدمته وذهبوا إلى اصطناعه وكان من أول ترشيحه ترديد أبى يوسف بن يعقوب بمكانه من حصارهم فيما يدور بينهم من المضاربة فكان يجلى في ذلك ويوفى من عرض مرسله ولما خرجوا من الحصار أربوا به على رتب الاصطناع والتنويه (ولما ملك أبو تاشفين) استعمله بشلب مستبدا بها وأذن له في اتخاذ الآلة لما عزل موسى بن على عن حرب الموحدين وقاصية الشرق عزله به وكانت المرية وتنس من عمله فلما نازل السلطان أبو الحسن تلمسان راسله بالطاعة والكون معه فتقبله وجاء به من

[ 114 ]

مكان عمله فقدم عليه بمخيمه على تلمسان فاختصه باقباله ورفع مجلسه من بساطه ولم يزل عنده بتلك الحال إلى أن هلك بعد افتتاح تلمسان والله مصرف الاقدار (وأما هلال) فأصله من سبى النصارى القطلولين أهداه السلطان ابن الاحمر إلى عثمان وصار إلى السلطان أبى حمو فأعطاه إلى ولده أبى تاشفين فيما أعطاه من الموالى العلوجين ونشأ عنده وتربى وكان مختصا عنده بالراحلة والدالة وتولى كبر تلك الفعلة التى فعلوا بالسلطان أبى حمو ولما ولى بعده ابنه أبو تاشفين ولاه على حجابته وكان مهيبا فظا غليظا فقعد مقعد الفصل ببابه وأرهف للناس سطوه وزحزح المرشحين عن رتب المماثلة إلى التعلق باهدابه فاستولى على الامر واستبد على السلطان ثم حذر مغبة الملك وسوء العواقب فاستأذن السلطان في الحج وركب إليه من هنيز بعض السفن اشتراها بماله وشحنها بالعديد والعدة والاقوات والمقاتلة وأقام كاتبه الحاج محمد بن حواتة بباب السلطان على رسم النيابة عنه وأقلع سنة أربع وعشرين فنزل بالاسكندرية وصحب الحاج من مصرفي جملة الامير عليهم ولقى في طريقه سلطان السودان من آل منسى موسى واستحكمت بينهما المودة ثم رجع بعد قضاء فرضه إلى تلمسان فلم يجد مكانه من السلطان ولم يزل من بعد ذلك يتنكر له وهو يسايسه بالمداراة والاستجداء إلى أن سخطه فتقبض عليه سنة تسع وعشرين وأودعه سجنه فلم يزل معتقلا إلى أن هلك من وجع أصابه قبيل فخ تلمسان ومهلك السلطان بأيام فكانت آية عجبا في تقارب مهلكهما واقتراب سعادتهما ونحوستهما وقد كان السلطان أبو الحسن يتبع الموالى الذين شهدوا مقتل السلطان أبى حمو وأفلت هلال هذا من عقابه بموته والله بالغ حكمه { الخبر عن انتزاء عثمان بن جرار على ملك تلمسان بعد نكبة السلطان أبى الحسن بالقيروان وعود الملك بذلك لبنى زيان } كان بنو جرار هؤلاء من فضائل يندوكس بن طاع الله وهم بنو جرار بن يعلى بن يندوكس وكان بنو محمد بن زكراز يفضون إليهم من أول الامر حتى صار الملك إليهم واستبدوا به فجروا على جميع الفصائل من عشائرهم ذيل الاحتقار ونشأ عثمان بن يحيى ابن محمد بن جرار هذا من بينهم مرموقا بعين التجلة والرياسة وسعى عند السلطان أبى تاشفين بان في نفسه تطاولا للرياسة فاعتقله مدة وفر من محبسه فلحق بملك المغرب السلطان سعيد فآثر محله وأكرم منزله واستقر بمثواه فنسك وزهد واستأذن السلطان عند تغلبه على تلمسان في الحج بالناس فأذن له وكان قائد الركب من المغرب إلى مكة سائر أيامه حتى استولى السلطان أبو الحسن على اعمال الموحدين وحشد أهل المغرب من زناتة والعرب لدخول افريقية اندرج عثمان هذا في جملته واستأذنه قبيل القيروان في الرجوع إلى

[ 115 ]

المغرب فأذن له ولحق بتلمسان فنزل على أميرها من ولد الامير أبى عنان كان قد عقد له على عملها ورشحه لولاية العهد بولايتها فازدلف إليه من الخبر عن أبيه وتلطف فيما أودع سمعه من تورط أبيه في مهالك افريقية واياسه من خلاصه ووعده بمصير الامر إليه على ألسنة الخبراء والكهان وكان يظن فيه أن لديه من ذلك علما وعلى تفيئة ذلك كانت نكبة السلطان أبى الحسن بالقيروان وظهر مصداق ظنه واصابة قياسه فأغراه بالتوثب على ملك أبيه والبدار إلى فاس لغلب منصور بن أخيه أبى مالك عليها كان استعمله جده أبو الحسن هنالك وأراه آية سلطانه وشواهد ملكه وتحيل عليه في اشاعة مهلك السلطان أبى الحسن والقائه على الالسنة حتى أوهم صدقه وتصدى الامير أبو عنان للامر وتسايل إليه الفل من عساكر بنى مرين فاستلحق وبث العطاء واعلن بابالدعاء لنفسه في ربيع سنة تسع وأربعين وعسكر خارج تلمسان للنهوض إلى المغرب كما نذكره في أخبارهم ولما فصل دعا عثمان لنفسه وانتزى على كرسيه واتخذ الآلة وأعاد من ملك بنى عبد الواد رسما لم يكن لآل جرار واستبد أشهرا قلائل إلى أن خلص إليه من آل زيان من ولد عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن من طمس معالمه وخسف به وبداره وأعاد امر بنى عبد الواد في نصابه حسبما نذكره والله أعلم * (الخبر عن دولة أبى سعيد وأبى ثابت من آل يغمراسن وما فيها من الاحداث) * كان الامير أبو يحيى جدهام من أكبر ولد يغمراسن بن زيان وكان ولى عهده بعد مهلك أخيه عمز الاكبر ولما تغلب يغمراسن على سجلماسة سنة احدى وستين وستمائة استعمله عليها فاقام بها حولا وولد له هناك ابنه عبد الرحمن ثم رجع إلى تلمسان فهلك بها ونشأ عبد الرحمن بسجلماسة ولحق بتلمسان بعد أمه فأقام مع بنى أبيه إلى أن غص السلطان بمكانه وغربه إلى الاندلس فمكث بها حينا وهلك في مرابطته بثغر قرمونة في بعض أيام الجهاد وكان له بنون أربعة يوسف وعثمان والزعيم وابراهيم فرجعوا إلى تلمسان وأوطنوها أعواما حتى إذا استولى السلطان أبو الحسن على ملكهم وأضاف إلى دولته دولتهم نقلهم من تلمسان إلى المغرب في جملة أعياصهم ثم سألوا اذنه في المرابطة بثغور الاندلس التى في عمله فأذن لهم وفرض لهم العطاء وأنزلهم بالجزيرة فكانت لهم بالجهاد مواقف مذكورة ومواطن معروفة ولما استنفر السلطان أبو الحسن زناتة لغزو افريقية سنة ثمان وأربعين كانوا في جملته مع قومهم بنى عبد الواد وفى رايتهم ومكانهم معلوم بينهم فلما اضطرب أمر السلطان أبى الحسن وتألب عليه الكعوب من بنى سليم أعراب افريقية وواضعوه الحرب بالقيروان كان بنو عبد الواد أول النازعين عنه إليهم فكانت النكبة وانحجز بالقيروان وانطلقت ايدى

[ 116 ]

الاعراب على الضواحى وانتقض المغرب من سائر أعماله أذنوا لبنى عبد الواد في اللحاق بقطرهم ومكان عملهم فمروا بتونس وأقاموا بها أياما وخلص الملا منهم نجيا في شأن أمرهم ومن يقدمون عليهم فأصفقوا بعد الشورى على عثمان بن عبد الرحمن واجتمعوا إليه لعهدهم يومئذ وقد خرجوا به إلى الصحراء وأجلسوه بباب مصلى العبد من تونس على درقة ثم ازدحموا عليه بحيث توارى شخصه عن الناس يسلمون عليه بالامارة ويعطونه الصفقة إلى الطاعة والبيعة حتى استهلوا جميعا ثم انطلقوا به إلى رحالهم واجتمع مغراوة أيضا إلى أميرهم على بن راشد بن محمد بن ثابت بن منديل الذى ذكرناه من قبل وتعاهدوا على الصحابة إلى أعمالهم والمهادنة آخر الايام واستئثار كل بسلطانه وتراث سلفه وارتحلوا على تفيئة ذلك إلى المغرب وشنت البوادى عليهم الغارات في كل وجه فلم يظفروا منهم بقلامة ظفر مثل ونيفن ونونة وأهل جبل بنى ثابت ولما مروا ببجاية وكان بها فل من مغراوة وتوجين نزلوا بها منذ غلبوا على اعمالهم وصاروا في جند السلطان فارتحلوا معهم واعترضهم بجبل الزاب برابرة زواوة فأوقعوا بهم وظهر من نجدتهم وبلائهم في الحروب ما هو معروف لاوليهم ثم لحقوا بشلب فتلقتهم قبائل مغراوة وبايعوا لسلطانهم على بن راشد فاستوسق ملكه وانصرف بنو عبد الواد والاميران أبو سعيد وأبو ثابت بعد ان أحكموا العقد وأبرموا الوثاق مع على بن راشد وقومه وكان في طريقهم بالبطحاء أحياء سويد ومن معهم من احلافهم قد نزلوا هناك مع شيخهم وترمار بن عريف منهزمهم من تاسالت أمام جيوش السلطان أبى عنان فأجفلوا من هنالك ونزل بنو عبد الواد مكانهم وكان في جملتهم جماعة من بنى جرار بن يندوكس كبيرهم عمران بن موسى ففر ابن عثمان بن يحيى بن جرار إلى تلمسان فعقد له على حرب أبى سعيد وأصحابه فنزل الجند الذين خرجوا معه إلى السلطان أبى سعيد وانقلب هو إلى تلمسان والقوم في أثره فأدرك بطريقه وقتل ومر السلطان إلى البلد فثارت العامة بعثمان بن جرار فستأمن لنفسه من السلطان فأمنه ودخل إلى قصر الملك آخر جمادى الاخيرة من سنة تسع وأربعين فاقتعد أريكته وأصدر أوامره واستوزر واستكتب وعقد لاخيه أبى ثابت الزعيم على ما وراء بابه من متون ملكهما وعلى القبيل والحروب واقتصر هو على ألقاب الملك واسمائه ولزم الدعة وتقبض لاول دخوله على عثمان بن يحيى بن جرار فأودعه المطبق إلى أن مات في رمضان من سنته ويقال قتيلا وكان من أول غزوات السلطان أبى ثابت غزاته إلى كومية وذلك أن كبيرهم ابراهيم بن عبد الملك كان شيخا عليهم منذ حين من الدهر وكان ينتسب في بنى عابد وهم قوم عبد المؤمن بن على من بطون كومية فلما وقع الهرج بتلمسان حسب أنه لا ينجلى

[ 117 ]

غمامه وحدثته نفسه بالانتزاء فدعا لنفسه وأضرم بلاد كومية وما إليها من السواحل نارا وفتنة فجمع له السلطان أبو ثابت ونهض إلى كومية فاستباحهم قتلا وسبيا واقتحم هنين ثم ندرومة بعدها وتقبض على ابراهيم بن عبد الملك الخارج فجاء به معتقلا إلى تلمسان وأودعه السجن فلم يزل به إلى أن قتل بعد أشهر وكانت أمصار المغرب الاوسط وثغوره لم تزل على طاعة السلطان أبى الحسن والقيام بدعوته وبها حاميته وعماله وأقر بها إلى تلمسان مدينة وهران كان بها القائد عبد بن سعيد بن جانا من صنائع بنى مرين قد ضبطها ولقبها وملاها أقواتا ورجلا وسلاحا وملا مرساها أساطيل فكان اول ما قدموه من أعمالهم النهوض إليه فنهض السلطان أبو ثابت بعد ان جمع قبائل زناتة والعرب ونزل على وهران وحاصرها أياما وكان في قلوب بنى راشد احلافهم مرض فداخلوا قائد البلد في الانقضاض على السلطان أبى ثابت ووعدوه الوفاء بذلك عند المناجزة فبرز وناجزهم الحرب فانهزم بنو راشد وجروا الهزيمة على من معهم وقتل محمد ابن يوسف بن عنان بن فارس أخى يغمراسن بن زيان من أكابر القرابة وانتهب المعسكر ونجا السلطان أبو ثابت إلى تلمسان إلى ان كان ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن لقاء أبى ثابت مع الناصر ابن السلطان أبى الحسن وفتح وهران بعدها) * كان السلطان أبو الحسن بعد وقعة القيروان قد لحق بتونس فأقام بها والعرب محاصرون له ينصبون الاعياص من الموحدين لطلب تونس واحدا بعد آخر كما ذكرناه في أخبارهم وبينما هو مؤمل الكرة ووصول المدد من الغرب الاقصى إذ بلغه الخبر بانتثار السكك أجمع وبانتقاض ابنه وحافده ثم استيلاء بنى عنان على المغرب كله ورجوع بنى عبد الواد ومغراوة وتوجين إلى ملكهم بالمغرب الاوسط للدعوة التى كانت قائمة له بأمصاره في الجزائر ووهران وجبل وانشريس وكان به نصر بن عمر بن عثمان بن عطية قائما بدعوته وأن يكون عريف بن يحيى في جملة الناصر لمكانه من السلطان ومكان قومه من الولاية وكان ذلك من عريف تفاديا من المقام بتونس فأجاب إليه السلطان وبعثهم جميعا ولحق الناصر ببلاد حصين فأعطوه الطاعة وارتحلوا معه ولقيه العطاف والديالم وسويد فاجتمعوا إليه وتألبوا معه وارتحلوا يريدون منداس وبينما الامير أبو ثابت يريد معاودة الغزو إلى وهران إذ فجأه الخبر بذلك فطير به إلى السلطان أبى عنان وجاءه العسكر من بنى مرين مددا صحبة أبى زيان ابن أخيه أبى سعيد كان مستقرا بالمغرب منذ نهوضهم إلى القيروان وبعث عنه أبوه فجاء مع المدد من العساكر والمال ونهض أبو ثابت من تلمسان أول المحرم سنة خمس وبعث إلى مغراوة بالخبر فقعدوا عن مناصرته ولحق ببلاد العطاف فلقيه الناصر هنالك في جموعه بوادي ورك آخر شهر

[ 118 ]

ربيع الاول فانكشفت جموع العرب وانهزموا ولحق الناصر بالزاب فنزل على أبى مزنى ببسكرة إلى أن أصحبه من رجالات سليم من أوصله إلى أبيه بتونس ولحق عريف ابن يحيى بالمغرب الاقصى واحتل عند السلطان أبى عنان بمكانه من مجلسهم فحصل على البغية ورجع العرب كلهم إلى طاعة أبى ثابت وخدمته واستراب بصغير بن عامر بن ابراهيم فتقبض عليه وأشخصه معتقلا مع البريد إلى تلمسان فاعتقل بها إلى أن أطلق بعد حين وقفل أبو ثابت إلى تلمسان فتلوم بها أياما ثم نهض إلى وهران في جمادى من سنته فحاصرها أياما ثم افتتحها عنوة وعفا عن على بن جانا القائم بعد مهلك أخيه عبوا وعمن معه وأطلق سبيلهم واستولى على ضواحي وهران وما إليها ورجع إلى تلمسان وقد استحكمت العداوة بينه وبين مغراوة وكان قد استجرها ما قدمناه من قعودهم عن نصره فنهض إليهم في شوال من سنته والتقوا عدوة وادى زهير فاقتتلوا مليا ثم انكشفت مغراوة ولحقوا بمعاقلهم واستولى أبو ثابت على معسكرهم وملك نازونة وبعث ببيعتها إلى أخيه السلطان أبى سعيد وكان على اثر ذلك وصول السلطان أبى الحسن من تونس كما نذكره ان شاء الله تعالى والله أعلم { الخبر عن وصول السلطان أبى الحسن من تونس ونزوله بالجزائر وما دار بينه وبين أبى ثابت من الحروب ولحوقه بعد الهزيمة بالمغرب } كان السلطان أبو الحسن بعد واقعة القيروان طال مقامه بتونس وحصار العرب اياه واستدعاه أهل المغرب الاقصى وانتقض عليه أهل الجريد وبايعوا للفضل بن مولانا السلطان أبى يحيى فأجمع الرحلة إلى المغرب وركب السفن من تونس أيام الفطر من سنة خمسين فعصفت به الريح وأدركه الغرق فغرق أسطوله على ساحل بجاية ونجا بذمائه على بعض الجزائر هنالك حتى لحقه أسطول من أساطيله فنجا فيه إلى الجزائر وبها حمو ابن يحياتى العسرى قائده وصنيعة أبيه فنزل عليه وبادر إليه أهل ضاحيتها من مليكش والثعالبة فاستخدمهم وبث فيهم العطاء واتصل خبره بونزمار بن عريف وهو في أحياء سويد فوفد عليه في مشيخة من قومه ووفد معه نصر بن عمر بن عثمان صاحب جبل وانشريس من بنى يتعرين وعدى بن يوسف بن زيان بن محمد بن عبد القوى الثائر بنواحي المرية من ولد عبد القوى فأعطوه الطاعة واستحثوه للخروج معهم فردهم للحشد فجمعوا من إليهم من قبائل العرب وزناتة وبينما الامير أبو ثابت ببلاد مغراوة محاصرا لهم في معاقلهم إذ بلغه الخبر بذلك في ربيع سنة احدى وخمسين فعقد السلم معهم ورجع إلى قتال هؤلاء فأخذ على منداس وخرج إلى السرسوا قبلة وانشريس وأجفل أمامه ونزمار وجموع العرب الذين معه ولحق به هنالك مدد السلطان أبى

[ 119 ]

عنان قائدهم يحيى بن رحو بن تاشفين بن معطى فاتبع آثار العرب وشردهم ولحقت حياء حصين بمعاقلهم من جبل تيطرى ثم عطف على المرية ففتحها وعقد عليها لعمر بن موسى الجلولى من صنائعهم ثم نهض إلى حصين فاقتحم عليها الجبل فلاذوا بالطاعة وأعطوا أبناءهم رهنا عليها فتجاوزهم إلى وطاء حمزة فدوخها واستخدم قبائلها من العرب والبربر والسلطان أثناء ذلك مقيم بالجزائر ثم قفل أبو ثابت إلى تلمسان وقد كان استراب بيحيى بن رحوا وعسكره من بنى مرين وأنهم داخلوا السلطان أبا الحسن وبعث فيه إلى السلطان أبى عنان فأداله بعيسى بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد ابن يعقوب فبعثه قائدا على الحصة المرينية فتقبض على يحيى بن رحوا ولحقوا مع أبى ثابت بتلمسان ثم أجاز إلى المغرب وأوعز السلطان أبو الحسن إلى ابنه الناصر مع أوليائه من زناتة والعرب فاستولى على المرية وقتل عثمان بن موسى الجلولى ثم تقدم إلى مليانة فملكها والى تيمروغت كذلك وجاء على اثره السلطان أبو الحسن كذلك أبوه وقد اجتمعت إليه الجموع من زغبة ومن زناتة ومن عرب افريقية سليم ورياح مثل محمد بن طالب بن مهلهل ورجال من عشيرته وعمر بن على بن أحمد الذوادى وأخيه أبى دينار ورجالات من قومهما وزحف على هذه التعبية وابنه الناصر أمامه فأجفل على بن راشد وقومه مغراوة عن بلادهم إلى البطحاء وطير الخبر إلى أبى ثابت فوافاه في قومه وحشوده وزحفوا جميعا إلى السلطان أبى الحسن وقومه فالتقى الجمعان بتيمغزين من شلب وصابروا مليا ثم انكشف السلطان أبو الحسن وقومه وطعن ولده الناصر بعض فرسان مغراوة وهلك آخر يومه وقتل محمد بن على بن العربي قائد أساطيله وابن البواق والقبائلي كاتباه واستبيح معسكره وما فيه من متاع وحر وخلص بناته إلى وانشريس وبعث بهن أبو ثابت إلى السلطان أبى عنان بعد استيلائه على الجبل وخلص السلطان أبو الحسن إلى أحياء سويد إلى الصحراء فنجا به نزمار بن عريف إلى سجلماسة كما يأتي في أخباره ودوخ أبو ثابت بلاد بنى توجين وقفل إلى تلمسان والله تعالى أعلم { الخبر عن حروبهم مع مغراوة واستيلاء أبى ثابت على بلادهم ثم على الجزائر ومقتل على بن راشد بتنس على اثر ذلك } كان بين هذين الحيين من عبد الواد ومغراوة فتن قديمة سائر أيامهم قد ذكرنا الكثير منها في أخبارهم وكان بنو عبد الواد قد غلبوهم على أوطانهم حتى قتل راشد بن محمد في جلائه أمامهم بين زواوة ولما اجتمعوا بعد نكبة القيروان على أميرهم على بن راشد وجاؤه من افريقية إلى أوطانهم مع بنى عبد الواد ولم يطيعوهم حينئذ أن يغلبوهم رجعوا حينئذ إلى توثيق العهد وتاكيد العقد فأبرموه وقاموا على الموادعة

[ 120 ]

والتظاهر على عدوهم وعروق الفتنة تنبسط من كل منهم ولما جاء النصر من افريقية وزحف إليه أبو ثابت قعد عنه على بن راشد وقومه فاعتدها عليهم وأسرها في نفسه ثم اجتمع بعد ذلك للقاء السلطان أبى الحسن حتى انهزم ومضى إلى المغرب فلما رأى أبو ثابت أنه قد كفى عدوه الاكبر وفرغ إلى عدوه الاصغر نظر في الانتقاض عليهم فبينما هو يروم أسباب ذلك إذ بلغه الخبر أن بعض رجالات بنى كمين من مغراوة جاء إلى تلمسان فاغتالوه فحمى له أنفة وأجمع لحربهم وخرج من تلمسان فاتحة ثنتين وخمسين وبعث في أحياء زغبة من بنى عامر وسويد فجاؤه بفارسهم وراجلهم وظعائنهم وزحف إلى مغراوة فخافوا من لقائه وتحصنوا بالجبل المطل على تنس فحاصرهم فيه أياما اتصلت فيها الحروب وتعددت الوقائع ثم ارتحل عنهم فجال في نواحى البلد ودوخ أقطارها وأطاعته مليانة والمرية وبرشك وشرشال ثم تقدم بجموعه إلى الجزائر فأحاط بها وبها فل بنى مرين وعبد الله بن السلطان أبى الحسن تركه هناك صغيرا في كفالة على بن سعيد ابن جانا فغلبهم على البلد وأشخصهم في البحر إلى المغرب وأطاعته الثعالبة ومليكش وقبائل حصين وعقد على الجزائر لسعيد بن موسى بن على الكردى ورجع إلى مغراوة فحاصرهم بمعقلهم الاول بعد أن انصرفت العرب إلى مشاتيها فاشتد الحصار على مغراوة وأصاب مواشيهم العطش فانحطت دفعة واحدة من الجبل تطلب المورد فأصابهم الدهش ونجا ساعتئذ على بن راشد إلى تنس فأحاط به أبو ثابت أياما ثم اقتحمها عليه غلايا منتصف شعبان من سنته فاستعجل المنية وتحامل على نفسه فذبح نفسه وافترقت مغراوة من بعده وصارت أوزاعا في القبائل وقفل أبو ثابت إلى تلمسان إلى أن كان من حركة السلطان أبى عنان ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن استيلاء السلطان ابى عنان على تلمسان وانقراض أمر بنى عبد الواد ثانية } لما لحق السلطان أبو الحسن بالمغرب وكان من شأنه مع ابنه أبى عثمان إلى أن هلك بجبل هنتاتة على ما نذكره في أخبارهم فاستوسق ملك المغرب للسلطان أبى عنان وفرغ لعدوه وسما لاسترجاع الممالك التى ابتزها أبوه وانتزعها ممن توثب عليه وكان قد بعث إليه على ابن راشد من كان امتناعه من جبل تنس يسأل منه الشفاعة فرد أبو ثابت شفاعته وأحفظه ذلك وبلغه مقتل على بن راشد فاجمع غزو تلمسان ونذر بذلك أبو سعيد وأخوه فخرج أبو ثابت وحشد القبائل من زناتة والعرب منتصف ذى القعدة ونزل بوادي شلب واجتمع الناس إليه وواصلته هناك بيعة تدلس في ربيع من سنة ثلاث غلب عليها الموحدون جانا الخراساني من صنائعه وبلغه من مكانه ذلك لزحف السلطان أبى

[ 121 ]

عنان فرجع إلى تلمسان ثم خرج إلى المغرب وجاء على اثره أخوه السلطان أبو سعيد في العساكر من زناتة ومعه بنو عامر من زغبة والفل من سويد إذ كان جمهورهم قد لحقوا بالمغرب لمكان عريف بن يحيى وابنه من ولاية بنى مرين فزحفوا على هذه التعبية وزحف السلطان أبو عنان في أمم المغرب والعرب المعقل والمصامدة وسائر طبقات الجنود والحشد وانتهوا جميعا إلى انكاد من بسيط وجدة فكان اللقاء هنالك آخر ربيع الثاني من سنة ثلاث وخمسين واجتمع بنو عبد الواد على صدمة العساكر وقت القائلة وبعد ضرب الابنية وسقاء الركاب وافتراق أهل المعسكر في حاجاتهم فاعجلوهم عن ترتيب المصاف وركب السلطان أبو الحسن لتلافي الامر فاجتمع إليه أو شاب من الناس وانفض سائر المعسكر ثم زحف إليهم فيمن حضره وصدقوهم القتال فاختل مصافهم ومنحوا اكتافهم وخاضوا بحر الظلماء واتبع بنو مرين آثارهم وتقبض على أبى سعيد ليلتئذ مقيدا أسير إلى السلطان أبى عنان بمشهد الملا ووبخه ثم نقل إلى محبسه وقتل لتاسعة من ليالى اعتقاله وارتحل السلطان أبو عنان إلى تلمسان ونجا الزعيم أبو ثابت بمن معه من فل بنى عبد الواد ومن خلص إليه منهم ذاهبا إلى بجاية ليجد في ايالة الموحدين وليجة من عدوه فبيته زواوة في طريقه وألد عن أصحابه وأرجل عن فرسه وذهب راجلا عاريا ومعه رفقاء من قومه منهم أبو زيان محمد ابن أخيه السلطان أبو سعيد وأبو حمو وموسى ابن أخيهم يوسف ابن أخيه ووزيرهم يحيى بن داود بن فكن وكان السلطان أبو عنان أوعز إلى صاحب بجاية يومئذ المولى أبى عبيد الله حافد مولانا السلطان أبى بكر بأن يأخذ عليهم الطرق ويذكى في طلبهم العيون فعثر عليهم بساحة البلد وتقبض على الامير أبى ثابت الزعيم وابن أخيه محمد بن أبى سعيد ووزيرهم يحيى ابن داود وأدخلوا إلى بجاية ثم خرج صاحبها الامير أبو عبد الله إلى لقاء السلطان أبى عنان واقتادهم في قبضة أسره فلقيه بمعسكره من ظاهر المرية فأكرم وفادته وشكر صنيعه وانكفأ راجعا إلى تلمسان فدخلها في يوم مسعود وحمل يومئذ أبو ثابت ووزيره يحيى على جملين يتهاديان بهما بين سماطى ذلك المحمل فكان شأننهما عجبا ثم سيقا ثانى يومهما إلى مصرعهما بصحراء البلد فقتلا قعصا بالرماح وانقرض ملك آل زيان وذهب ما أعاده لهم بنو عبد الرحمن هؤلاء من الدولة بتلمسان إلى أن كانت لهم الكرة الثالثة على يد أبى حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن المتوليها لهذا العهد على ما سنذكره ونستوفى من أخباره ان شاء الله تعالى

[ 122 ]

{ الخبر عن دولة السلطان أبى حمو الاخير مديل الدولة بتلمسان في الكرة الثالثة لقومه وشرح ما كان فيها من الاحداث لهذا العهد } كان يوسف بن عبد الرحمن هذا في ايالة أخيه السلطان أبى سعيد بتلمسان هو وأخوه أبو حمو موسى وكان متكاسلا عن طلب الظهور متجافيا عن التهالك في طلب العز جانحا إلى السكون ومذاهب أهل الخير حتى إذا عصفت بدولتهم رياح بنى مرين وتغلب السلطان أبو عنان عليهم وابتزهم ماكان بيدهم من الملك وخلص ابنه أبو حمو موسى مع عمه أبى ثابت إلى الشرق وقذفت النوى بيوسف مع أشراف قومه إلى المغرب فاستقربه ولما تقبض على أبى ثابت على وطن بجاية أغفل أمر أبى حمو من بينهم ونبت عنه العيون فنجا إلى تونس ونزل بها على الحاجب أبى محمد تافراكين فأكرم نزله وأحله بمكان أعياص الملك من مجلس سلطانه ووفر جرايته ونظم معه آخرين من فل قومه وأوعز السلطان أبو عنان إليه بازعاجهم عن قرارهم في دولته فحمى لها انفه وأبى عن الهضيمة لسلطانه فأغرى ذلك أبا عنان بمطالبته وكانت حركته إلى بلاد افريقية ومنابذة العرب من رياح وسليم لعهده ونقضهم لطاعته كما نستوفي أخباره ولما كانت سنة تسع وخمسين قبل مهلكه اجتمع أمر الزواودة من رياح إلى الحاجب أبى محمد بن تافراكين ورغبوه في لحاق أبى حمو موسى بن يوسف بالعرب من زغبة وانهم ركابه لذلك ليجلب على نواحى تلمسان ويجعل السلطان أبى عنان شغلا عنهم وسألوه أن يجهز عليه بعض آلة السلطان ووافق ذلك رغبة صغير بن عامر أمير زغبة في هذا الشأن وكان يومئذ في أحياء يعقوب بن على وجواره فأصلح الموحدون شأنه بما قدروا عليه ودفعوه إلى مصاحبة صغير وقومه من بنى عامر وارتحل معهم من الزواودة عثمان بن سباع ومن احلافهم بنو سعيد دعار بن عيسى بن رحاب وقومه ونهضوا بجموعهم يريدون تلمسان وأخذوا على القفر ولقيهم أثناء طريقهم الخبر عن مهلك السلطان أبى عنان فقويت عزائمهم على ارتجاع ملكهم ورجع عنهم صولة بن يعقوب وأغذ السير إلى تلمسان وبها الكتائب المجمهرة من بنى مرين واتصل خبر ابى حمو بالوزير الحسن بن عمر القائم بالدولة من بعد مهلك السلطان أبى عنان والمتغلب على ولده السعيد من بعده فجهز المدد إلى تلمسان من الحامية والاموال ونهض أولياء الدولة من أولاد عريف بن يحيى أمراء البدو من المغرب في قومهم من سويد ومن إليهم من العرب لموافقة السلطان أبي حمو وأشياعه فانفض جمعهم وغلبوا على تلك المواطن واحتل السلطان أبو حمو وجموعه بساحة تلمسان وأناخوا ركابهم عليها ونازلوها ثلاثا ثم اقتحموها في صبيحة الرابع وخرج ابن السلطان أبى عنان الذى كان أميرا عليها في لمة من قومه فنزل على

[ 123 ]

صغير بن عامر أمير القوم فأحسن تجلته وأصحبه من عشيرته إلى حضرة أخيه ودخل السلطان أبو حمو تلمسان لثمان خلون من الربيع الاول سنة ستين واحتل منها بقصر ملكه واقتعد أريكته وبويع بيعة الخلافة ورجع إلى النظر في تمهيد قواعد ملكه واخراج بنى مرين من أمصار مملكته والله أعلم * (الخبر عن اجفال أبى حمو عن تلمسان أمام عساكر المغرب ثم عوده إليها) * كان القائم بامر المغرب من بعد السلطان ابى عنان وزيره الحسن بن عمر كافل ابنه السعيد الذى أخذ له البيعة على الناس فاستبد عليه وملك أمره وجرى على سياسة السلطان الهالك واقتفى أثره في الممالك الدانية والقاصية في الحماية والنظر لهم وعليهم ولما اتصل به خبر تلمسان وتغلب أبى حمو عليها قام في ركائبه وشاور الملا في النهوض إليه فأشاروا عليه بالقعود وتسريح الجنود والعساكر فسرح لها ابن عمه مسعود بن رحو بن على بن عيسى بن ماساى بن فودود وحكمه في اختيار الرجال واستجادة السلاح وبذلك الاموال واتخاذ الآلة فزحف إلى تلمسان واتصل الخبر بالسلطان أبى حمو وأشياعه من بنى عامر فأفرج عنها ولحق بالصحراء ودخل الوزير مسعود بن رحو تلمسان وخالفه السلطان أبى حمو إلى المغرب فنزل بسيط انكاد وسرح إليهم الوزير مسعود بن رحو ابن عمه عامر بن عبد بن ماساى في عسكر من كتائبه ووجوه قومه فأوقع بهم العرب وأبو حمو ومن معهم واستباحوهم وطار الخبر إلى تلمسان واختلفت أهواء من كان بها من بنى مرين وبدا ما كان في قلوبهم من المرض لتغلب الحسن بن عمر على سلطانهم ودولتهم فتحيزوا زرافات لمبايعة بعض الاعياص من آل عبد الحق وفطن الوزير مسعود بن رحو لما دبروه وكان في قلبه مرض من ذلك فاغتنمها وبايع لمنصور ابن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق كبير الاعياص المنفرد بالتجلة وارتحل به وبقومه من بنى مرين إلى المغرب وتجافى عن تلمسان وشأنها واعترضه عرب المعقل في طريقهم إلى المغرب فأوقع بهم بنو مرين وصمموا لصليهم ورجع السلطان أبو حمو إلى تلمسان واستقر بحضرته ودار ملكه ولحق به عبد الله بن مسلم فاستوزره وأسام إليه فاشتد به أزره وغلب على دولته كما نذكره إلى أن هلك والبقاء لله وحده { الخبر عن مقدم عبد الله بن مسلم من مكان عمله بدرعة ونزوله من ايالة بنى مرين إلى أبى حمو وتقليده اياه الوزارة وذكر أوليته ومصاير أموره } كان عبد الله بن مسلم من وجوه بنى زردال من بنى بادين اخوة بنى عبد الواد وتوجين ومصاب الا أن بنى زردال اندرجوا في بنى عبد الواد لقلتهم واختلطوا بنسبهم ونشأ عبد الله

[ 124 ]

ابن مسلم في كفالة موسى بن على لعهد السلطان أبى تاشفين مشهورا بالبسالة والاقدام طار له بها ذكر وحس بلاؤه في حصار تلمسان ولما تغلب السلطان أبو الحسن على بنى عبد الواد وابتزهم ملكهم استخدمهم وكان ينتقى أولى الشجاعة والاقدام منهم فرمى بهم ثغور المغرب ولما اعترض بنو عبد الواد ومر به عبد الله هذا ذكر له شأنه ونعت ببأسه فبعثه إلى درعة واستوصى عامله به فكان له عنه غناء في مواقفه مع خوارج العرب وبلاء حسن جذب ذلك بضبعه ورقى عند السلطان منزلته وعرفه على قومه ولما كانت نكبة السلطان أبى الحسن بالقيروان ومرج أمر المغرب وتوثب أبو عنان على الامر وبويع بتلمسان واستجمع حافده منصور بن أبى مالك عبد الواحد لمدافعته وحشد حامية الثغور للقائه وانفضت جموعه بتازى وخلص إلى البلد الجديد ونازله وكان عبد الله بن مسلم في جملته ولما نازله السلطان أبو عنان واتصلت الحرب بينهم أياما كان له فيها ذكر ولما رآى انه أحيط بهم سابق الناس إلى السلطان أبى عنان فرأى سابقيته وقلده عمل درعة فاضطلع بها مدة خلافته وتأكدت له أيام ولايته مع عرب المعقل وصلة وعهد ضرب بهما في مواخاتهم بسهم وكان السلطان أبو عنان عند خروج أخيه أبى الفضل عليه لحقه بجبل ابن حميدي من معاقل درعة أوعز إليه بأن يعمل الحيلة في القبض عليه فداخل ابن حميدي ونعده وبذل له فأجاب وأسلمه وقاده عبد الله بن مسلم أسيرا إلى أخيه السلطان أبى عنان فقتله ولما استولى السلطان أبو سالم رفيق أبى الفضل في مثوى اغترابهما بالاندلس على بلاد المغرب من بعد مهلك السلطان أبى عنان وما كان من اثر من الخطوب وذلك آخر سنة ستين خشيه ابن مسلم على نفسه ففارق ولايته ومكان عمله وداخل أولاد حسين أمراء المعقل في النجاة به إلى تلمسان فأجابوه ولحق بالسلطان أبى حمو في ثروة من المال وعصبة من العشيرة وأولياء من العرب فسر بمقدمه وقلده لحينه وزارته وشد به أواخى سلطانه وفوض إليه تدبير ملكه فاستقام أمره وجمع القلوب على طاعته وجاء بالمعقل من مواطنهم الغريبة فاقبلوا عليه وعكفوا على خدمته وأقطعهم مواطن تلمسان وآخى بينهم وبين زغبة فعلا كعبه واستفحل أمره واستقامت رياسته إلى أن كان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى والله تعالى أعلم { الخبر عن استيلاء السلطان أبى سالم على تلمسان ورجوعه إلى المغرب بعد أن ولى عليها أبو زيان حافد السلطان أبى تاشفين وما آل أمره } لما استوسق للسلطان أبى سالم ملك المغرب ومحا أثر الخوارج على الدولة سما إلى امتداد ظله إلى أقصى تخوم زناتة كما كان لابيه وأخيه وحركه إلى ذلك ما كان من قرار عبد الله بن مسلم إلى تلمسان بحيالة عمله فأجمع أمره على النهوض إلى تلمسان وعسكر

[ 125 ]

بظاهر فاس منتصف احدى وستين وبعث في الحشود فتوافت ببابه واكتملت ثم ارتحل إليها وبلغ الخبر إلى السلطان أبى حمو ووزيره عبد الله بن مسلم فنادوا في العرب من زغبة والمعقل كافة فأجابوهم الا شرذمة قليلة من الاحلاف وخرجوا بهم إلى الصحراء ونازل حللهم بعسكره ولما دخل السلطان أبو سالم وبنو مرين تلمسان خالفوهم إلى المغرب فنازلوا وطاط وبلاد ملوية وكرسف وحطموا زروعها وانتسفوا أقواتها وخربوا عمرانها وبلغ السلطان أبا سالم ما كان من صنيعهم فأهمه أمر المغرب واجلاب المفسدين عليه وكان في جملته من آل يغمراسن محمد بن عثمان ابن السلطان أبى تاشفين ويكنى بأبى زيان ويعرف بالفنز ومعناه العظيم الرأس فدفعه للامر وأعطاه الآلة وكتب له كتيبة من توجين ومغراوة كانوا في جملته ودفع إليه أعطياتهم وأنزله بقصر أبيه بتلمسان وانكفأ راجعا إلى حضرته فأجفلت العرب والسلطان أبو حمو أمامه وخالفوه إلى تلمسان فأجفل عنها أبو زيان وتحيز إلى بنى مرين بأمصار الشرق من البطحاء ومليانة ووهران وأوليائهم من بنى توجين وسويد من قبائل زغبة ودخل السلطان أبو حمو ووزيره عبد الله بن مسلم إلى تملسان وكان مقير بن عامر هلك في مذهبهم ذلك ثم خرجوا فيمن إليهم من كافة عرب المعقل وزغبة في اتباع أبى زيان ونازلوه بجبل وانشريس فيمن معه إلى أن غلبوا عليه وانفض جمعه ولحق بمكانه من ايالة بنى مرين بفاس ورجع السلطان أبو حمو إلى معاقل وطنه يستنقذها من ملكة بنى مرين فافتتح كثيرها وغلب على مليانة والبطحاء ثم نهض إلى وهران ونازلها أياما واقتحمها غلابا واستلحم بها من بنى مرين عددا ثم غلب على المرية والجزائر وأزعج عنها بنى مرين فلحقوا بأوطانهم وبعث رسله إلى السلطان أبى سالم فعقد معه المهادنة ووضعوا أوزار الحرب ثم كان مهلك السلطان أبى سالم سنة ثنتين وستين وقام بالامر من بعده عمر بن عبد الله بن على من أبناء وزرائهم مبايعا لولد السلطان أبى الحسن واحدا بعد آخر كما نذكره عند ذكر أخبارهم ان شاء الله تعالى { الخبر عن قدوم أبى زيان ابن السلطان أبى سعيد من المغرب لطلب ملكه وما كان من أحواله } كان أبو زيان هذا هو محمد ابن السلطان أبى سعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن لما تقبض عليه مع عمه أبى ثابت ووزيرهم يحيى بن داود ببجاية من أعمال الموحدين وسبقوا إلى السلطان ابن عنان فقتل أبا ثابت ووزيره واستبقى محمدا هذا وأودعه السجن سائر أيامه إذا هلك واستوسق أمر المغرب لاخيه أبى سالم من بعد خطوب وأهوال ياتي ذكرها امتن عليه السلطان أبو سالم وأطلقه من الاعتقال

[ 126 ]

ونظمه بمجلس ملكه في مراتب الاعياص وأعده لمزاحمة ابن عمه وجرت بينه وبين السلطان أبى حمو سنة ثنتين وستين بين يدى مهلكه ذكرى بعد مرجعه من تلمسان ومرجع أبى زيان حافد السلطان أبى تاشفين من بعده تحقق السعي فيما نصبه له فسما له أمل في أبى زيان هذا أن يستأثر بملك أبيه ورأى أن يحسن الصنيع فيه فيكون فئة له فأعطاه الآلة ونصبه للملك وبعثه إلى وطن تلمسان وأتى إلى تازى ولحقه هنالك الخبر بمهلك السلطان أبى سالم ثم كانت فتن واحداث نذكرها في محلها وأجلب عبد الحليم ابن السلطان ابى على ابن السلطان أبى سعيد بن يعقوب بن عبد الحق على فاس واجتمع إليه بنو مرين ونازلوا البلد الجديد ثم انفض جمعهم ولحق عبد الحليم بتازى كما نذكره في موضعه ان شاء الله تعالى ورجا من السلطان أبى حمو المظاهرة على أمره فراسله في ذلك واشترط عليه ابن عمه أبى زيان فاعتقله مرضاة له ثم ارتحل إلى سجلماسة كما نذكره بعد ونازله في طريقه أولاد حسين من المعقل بحللهم واحيائهم فاستغفل أبو زيان ذات يوم الموكلين به ووثب على فرس قائم حذاءه وركضه من معسكر عبد الحليم إلى حلة أولاد حسين مستنجدا بهم فأجاروه ولحق ببنى عامر على حين غفلة وجفوة كانت بين السلطان أبى حمو وبين خالد بن عامر أميرهم ذهب لها مغاضبا فأجلب به على تلمسان وسرح إليهم السلطان أبو حمو عسكرا فشردهم عن تلمسان ثم بذلك المال لخالد بن عامر على أن يقصيه إلى بلاد رياح ففعل وأوصله إلى الزواودة فأقام فيهم ثم دعاه أبو الليل بن موسى شيخ بنى يزيد وصاحب وطن حمزة وبنى حسن وما إليه ونصبه للامر مشاقة وعنادا للسلطان أبى حمو ونهض إليه الوزير عبد الله بن مسلم في عساكر بنى عبد الواد وحشود العرب وزناتة فأيقن أبو الليل بالغلب وبذل له الوزير المال وشرط له التجافي عن وطنه على أن يرجع عن طاعة أبى زيان ففعل وانصرف إلى بجاية ونزل بها على المولى أبى اسحق ابن مولانا السلطان أبى يحيى أكرم نزل ثم وقعت المراسلة بينه وبين السلطان أبى حمو وتمت المهادنة وانعقد السلم على اقصاء أبى زيان عن بجاية المتاخمة لوطنه فارتحل إلى حضرة تونس وتلقاه الحاجب أبو محمد بن تافراكين قيوم دولة الحفصين لذلك العهد من المبرة والترحيب واسناء الجراية له وترفيع المنزلة بما لم يعهد لمثله من الاعياص ثم لم تزل حاله على ذلك إلى أن كان من أمر ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن قدوم أبى زيان حافد السلطان أبى تاشفين ثانية من المغرب إلى تلمسان لطلب ملكها وما كان من أحواله } كان العرب من سويد احدى بطون زغبة فئة لبنى مرين وشيعة من عهد عريف بن يحيى مع السلطان أبى الحسن وابنه أبى عنان فكانوا عند بنى عبد الواد في عداد

[ 127 ]

عدوهم من بنى مرين مع طاغية الدولة لبنى عامر أقتالهم فكانوا منابذين لبنى عبد الواد آخر الايام وكان كبيرهم وتزمار بن عريف أوطن كرسف في جوار بنى مرين مذ مهلك السلطان أبى عنان وكان مرموقا بعين التجلة يرجعون إلى رأيه ويستمعون إلى قوله وأهمه شأن اخوانه في وطنهم ومع اقتالهم بنى عامر فاعتزم على نقض الدولة من قواعدها وحمل صاحب المغرب عمر بن عبد الله على أن يسرح محمد بن عثمان حافد أبى تاشفين لمعاودة الطلب لملكه ووافق ذلك نفرة استحكمت بين السلطان أبى حمو وأحمد بن رحو بن غانم كبير أولاد حسن من المعقل بعد ان كانوا فئة له ولوزيره عبد الله ابن مسلم فاغتنمها عمر بن عبد الله وخرج أبو زيان محمد بن عثمان سنة خمس وستين فنزل في حلل المعقل بملوية ثم نهضوا به إلى وطن تلمسان وارتاب السلطان أبو حمو بخالد ابن عمر أمير بنى عامر فتقبض عليه وأودعه المطبق ثم سرح وزيره عبد الله بن مسلم في عساكر بنى عبد الواد والعرب فأحسن دفاعهم وانفضت جموعهم ورحلهم إلى ناحية السرو وهو في اتباعهم إلى أن نزلوا المسيلة من وطن رياح وصاروا في جوار الزواودة ثم نزل بالوزير عبد الله بن مسلم داء الطاعون الذى عاود أهل العمران عامئذ من بعدما أهلكهم سنة تسع وأربعين قبلها فانكفأ به ولده وعشيرته راجعين وهلك في طريقه وأرسلوا شلوه إلى تلمسان فدفن بها وخرج السلطان أبو حمو إلى مدافعة عدوه وقدفت مهلك عبد الله في عضده ولما انتهى إلى البطحاء وعسكر بها ناجزته جموع السلطان أبى زيان الحرب وأطلت راياته على المعسكر فداخلهم الرعب وانفضوا وأعجلهم الامر عن ابنيتهم وأزوادهم فتركوها وانفضوا وتسلل أبو حمو يبغى النجاة إلى تلمسان واضطرب أبو زيان فسطاطه بمكان مسعكره وساقه أحمد بن رحو أمير المعقل إلى منجاته فلحقه بسك وكر إليه السلطان أبو حمو فيمن معه من خاصيته وصدقوه الدفاع فكبابه فرسه وقطع رأسه ولحق السلطان أبو حمو بحضرته وارتحل أبو زيان والعرب في اتباعه إلى أن نازلوه بتلمسان أياما وحدثت المنافسة بين أهل المعقل وزغبة واسف زغبة استبداد المعقل عليهم وانفراد أولاد حسين برأى السلطان دونهم فاغتنمها أبو حمو وأطلق أميرهم عامر بن خالد من محبسه وأخذ عليه الموثق من الله ليخذلن الناس عنه ما استطاع وليرجعن بقومه عن طاعة أبى زيان وليفرقن جموعه فوفى له بذلك العهد ونفس عليه المخنق وتفرقت احزابهم ورجع أبو زيان إلى مكانه من ايالة بنى مرين واستقام أمر السلطان أبى حمو وصلحت دولته بعد الالتياث إلى ان كان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن حركة السلطان أبى حمو على ثغور المغرب) *

[ 128 ]

كان وتزمار بن عريف متولى كبر هذه الفتن على أبى حمو وبعث الاعياص عليه واحدا بعد واحد لما كان بينهم من العداوة المتصلة كما قدمناه وكان منزله كرسيف من ثغور المغرب وكان جاره محمد بن زكراز كبير بنى على من بنى ولكاس الموطنين بجبل دبدو وكانت أيديهما عليه واحدة فلما سكن الثوار عنه وأزاحهم عن وطنه إلى المغرب وانعقد سلمه معهم رأى أن يعتور هذين الاميرين في ثغورهما فاعتمل الحركة إلى المغرب فاتح سنة ست وستين وانتهى إلى دبدو وكرسيف واجفل وتزمار وامتنع بمعاقل الجبال فانتهب أبو حمو الزروع وشمل بالتخريب والعيث سائر النواحى وقصد محمد بن زكراز أيضا في معقل دبدو فامتنع بحصنه الذى اتخذه هناك وعاج عليه أبو حمو بركابه وجاس خلال وطنه وشمل بالتخريب والعيث نواحى بلده وانكفأ راجعا إلى حضرته وقد عظمت في تخوم بنى مرين وثغورهم نكايته وثقلت عليهم وطأته وانعقدت بينهما بعد بدء المهادنة والسلام فاصرفت عزائمه إلى بلاد افريقية فكانت حركته إلى بجاية من العام المقبل ونكبته عليها كما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن حركة السلطان أبى حمو إلى بجاية ونكبته عليها) * كان صاحب بجاية المولى الامير أبو عبد الله لما استولى عليها وعادت إليه العودة الثانية سنة خمس وستين كما ذكرناه في أخباره زحف إلى تدلس فغلب عليها بنى عبد الواد وأنزل بها عامله وحاميته ثم أظلم الجو بينه وبين صاحب قسنطينة السلطان أبى العباس ابن عمه الامير أبى عبد الله لما جرته بينهما المتاخمة في العمالات فنشأت بينهما فتن وحروب وشغل بها عن حماية تدلس وألحت عليها عساكر بنى عبد الواد بالحصار وأحيط بها فأوفد رسله على السلطان أبى حمو صاحب تلمسان في المهادنة على النزول له عن تدلس فتسلمها أبو حمو وأنزل بها حاميته وعقد معه السلم وأصهر إليه في ابنته فأجابه وزفها إليه فتلقاها قبلة زواوة بآخر عملهم من حدود بجاية وفرغ صاحب بجاية لشأنه وكان أثناء الفتنة معه قد بعث إلى تونس عن أبى زيان ابن عمه السلطان أبى سعيد لينزله بتدلس ويشغل به السلطان أبا حمو عن فتنته وكان من خبر أبى زيان هذا انه أقام بتونس بعد مهلك الحاجب أبى محمد بن تافراكين كما ذكرناه إلى أن دس إليه مرضى القلوب من مشيخة بنى عبد الواد بتلمسان بالاجلاب على السلطان أبى حمو ووعدوه عن أنفسهم الجنوح معه فصغى إليها واعتدها وارتحل يريد تخوم تلمسان وعمل بجاية ومر بقسنطينة فتجافى عن الدخول إليها وتنكر لصاحبها وبلغ خبره السلطان أبا العباس صاحبها يومئذ فأجمع أمره على صده عن وجهه وحبسه بقسنطينة

[ 129 ]

واتصلت الفتنة بينه وبين ابن عمه صاحب بجاية وكان شديد الوطأة على أهل بلده مرهف الحد لهم بالعقاب الشديد حتى لقد ضرب أعناق خمسين منهم قبل أن يبلغ سنتين في ملكه فاستحكمت النفرة وساءت الملكة وعضل الداء وفزع أهل البلد إلى مداخلة السلطان أبى العباس باستنقاذهم من ملكه العسف والهلاك بما كان أتيح له من الظهور على أميرهم فنهض إليها آخر سنة سبع وستين وبرز الامير أبو عبد الله للقائه وعسكر بنا مروا الجبل المطل على تاكردت وصبحه السلطان أبو العباس بمعسكره هنالك فاستولى عليه وركض هو فرسه ناجيا بنفسه ومرت الخيل تعادى في أثره حتى أدركوه فأحاطوا به وقتلوه قصعا بالرماح عفا الله عنه وأجاز السلطان أبو العباس إلى البلد فدخلها منتصف يوم العشرين من شعبان ولاذ الناس به من دهش الواقعة وتمسكوا بدعوته وآبوه طاعتهم فانجلت القيامة واستقام الامر وبلغ الخبر إلى السلطان أبى حمو فأظهر الامتعاض لمهلكه والقيام بثاره وسير من ذلك حشوذه في ارتقاء ونهض يجر الامم إلى بجاية من العرب وزناتة والحشد حتى أناخ بها وملات مخيماته الجهات بساحتها وجنح السلطان إلى مبارزته فتمهد به أهل البلد ولاذوا بمقامه فأسعفهم وطير البريد إلى قسنطينة فأطلق أبا زيان من الاعتقال وسوغه الملابس والمراكب والآلة وزحف به مولاه بشير في عسكر إلى أن نزل حذاء معسكر أبى حمو واضطربوا محلهم بسفح جبل بنى عبد الجبار وشنوا الغارات على معسكر أبى حمو صباحا ومساء لما كان نمى إليهم من مرض قلب جنده والعرب الذين معه وبدا للسلطان أبى حمو ما لم يحتسب من امتناعها وكان تقدم إليه بعض سماسرة الفتن بوعد على لسان المشيخة من أهل البلد أطمعه فيها ووثق بأن ذلك يغنيه عن الاستعداد فاستبق إليها وأغفل الحزم فيما دونها فلما امتنعت عليه انطبق الجو على معسكره وفسدت السابلة على العير للميرة واستجم الزبون في احياء معسكره بظهور العدو المساهم في الملك وتفادت رجالات العرب من سوء المغبة وسطوة السلطان فتمشوا بينهم في الانفضاض وتحينوا لذلك وقت المناوشة وكان السلطان لما كذبه وعد المشيخة أجمع قتالهم واضطرب الفساطيط مضايقة للاسوار متسنمة وعرا من الجبل لم يرضه أهل الرأى وخرج رجل الجبل على حين غفلة فجاولوا من كان بتلك الاخبية من المقاتلة فانهزموا أمامهم وتركوها بأيديهم فمزقوها بالسيوف وعاين العرب على البعد انتهاب الفساطيط فأجفلوا وانفض المعسكر بأجمعه وحمل السلطان أبو حمو أثقاله للرحلة فأجهضوه عنها فتركها وانتهب مخلفه أجمع وتصايح الناس بهم من كل حدب وضاقت المسالك من ورائهم وأمامهم وركضت بزحامهم وتواقعوا لجنوبهم فهلك الكثير منهم

[ 130 ]

وكانت من غرائب الواقعات تحدث الناس بها زمانا وسيقت حظاياه إلى بجاية واستأثر الامير أبو زيان منهن بخطيته الشهيرة ابنة يحيى الزابى ينسب إلى عبد المؤمن بن على وكان أصهر فيها إلى أبيها أيام تقلبه في سبيل الاغتراب ببلاد الموحدين كما سبق وكانت أعلق بقلبه من سواها فخرجت في مغانم الامير أبى زيان وتحرج عن مواقعتها حتى أوجده أهل الفتيا السبيل إلى ذلك الحنث زعموا وقع من السلطان أبى حمو في نسائه وخلص السلطان أبو حمو من هوة ذلك العصب بعد غصة الريق ونجا إلى الجزائر لا يكاد يرد النفس من شناعة ذلك الهول ثم خرج مها ولحق بتلمسان واقتعد سرير ملكه واشتدت شوكة أبى زيان ابن عمه وتغلب على القاصية واجتمعت إليه العرب وكثر تابعه وزاحم السلطان أبو حمو بتلك الناحية الشرقية سنين تباعا نذكر الآن أخبارها ان شاء الله تعالى { الخبر عن خروج أبى زيان بالقاصية الشرقية من بلاد حصين وتغلبه على المرية والجزائر ومليانة وما كان من الحروب معه } لما انهزم السلطان أبو حمو بساحة بجاية عشى يومه من أوائل ذى الحجة خاتم سنة سبع وستين قرع الامير أبو زيان طبوله واتبع أثره وانتهى إلى بلاد حصين من زغبة وكانوا سائمين من الهضيمة والعسف إذ كانت الدول تجريهم مجرى الرعايا المعبدة في المغرم وتعدل بهم عن سبيل اخانهم من زغبة أمامهم ووراءهم لبغية الغزو فبايعوه على الموت الاحمر ووقفوا بمعتصم من جبل تيطرى إلى أن دهمتهم عساكر السلطان ثم أجلبوا على المرية وكان بها عسكر ضخم للسلطان أبى حمو لنظر وزرائه عمران بن موسى بن يوسف وموسى بن عوت وواد فل بن عبو بن حماد ونازلوهم أياما ثم غلبوهم على البلد وملكها الامير أبو زيان ومن على الوزراء ومشيخة بنى عبد الواد وترك سبيلهم إلى سلطانهم وسلك سبيلهم الثعالبة في النجافى عن ذل المغرم فأعطو يد الطاعة والانقياد للامير أبى زيان وكانت في نفوس أهل الجزائر نفرة من جور العمال عليهم فاستمالهم بها سالم بن ابراهيم بن نصر أمير الثعالبية إلى طاعة الامير أبى زيان ثم دعا أبو زيان أهل مليانة إلى مثلها فأجابوه واعتمل السلطان أبو حمو نظره في الحركة الحاسمة لدائهم فبعث في العرب وبذل المال وأقطع البلاد على اشطاط منهم في الطلب وتحرك إلى بلاد توجين ونزل قلعة بنى سلامة سنة ثمان وستين يحاول طاعة أبى بكر بن عريف أمير سويد فلم يلبث عنه خالد بن عامر ولحق بأبى بكر بن عريف واجتمعا على الخلاف عليه ونقض طاعته وشنوا الغارة على معسكره فاضطرب وأجفلوا وانتهبت محلاته وأثقاله ورجع إلى تلمسان ثم نهض إلى مليانة فافتتحها وبعث إلى رياح على حين صاغية إليه من يعقوب بن على بن أحمد وعثمان

[ 131 ]

ابن يوسف بن سليمان بن على أميرى الزواودة لما كان وقع بينهما وبين السلطان مولانا أبى العباس من النفرة فاستنظره للحركة على الامير أبى زيان وبعدها إلى بجاية وضمنوا له طاعة البدو من رياح وبعثوا إليه رهنهم على ذلك فردها وثوقا بهم ونهض من تلمسان وقد اجتمع إليه الكثير من عرب زغبة ولم يزل أولاد عريف بن يحيى وخالد بن عامر في احيائهما منحرفين عنه بالصحراء وصمم إليهم فاجفلوا أمامه وقصد المخالفين من حصين والامير أبا زيان إلى معتصمهم بجبل تيطرى وأغذ إليه السير يعقوب بن على وعثمان بن يوسف بمن معهم من جموع رياح حتى نزلوا بالقلعة حذاءهم وبدر أولاد عريف وخالد بن عامر إلى الزواودة ليشردوهم عن البلاد قبل أن يد السلطان بيدهم فصبحوهم يوم الخميس أخريات ذى القعدة من سنة تسع وستين ودارت بينهم حرب شديدة وأجفلت الزواودة أولا ثم كان الظهور لهم آخرا وقتل في المعركة من زغبة عدد ويئسوا من صدهم عما جاؤا إليه فانعطفوا إلى حصين والامير أبى زيان وصعدوا إليهم بناجعتهم وصاروا والهم مددا على السلطان أبى حمو وشنوا الغارة على معسكره فصمدوا نحوه وصدقوه القتال فاختل مصافه وانهزمت عساكره ونجا بنفسه إلى تلمسان على طريق الصحراء وأجفل الزواودة إلى وطنهم وتحيز كافة العرب من زغبة إلى الامير أبى زيان واتبع آثار المنهزمين ونزل بسيرات وخرج السلطان أبو حمو في قومه ومن بقى معه من بنى عامر وتقدم خالد إلى مصادمته ففله السلطان وأجفل القوم من ورائه ثم تلطف في مراسلته وبذل المال له وأوسع له في الاشتراط إليه والتبس بخدمته ورجع الامير أبو زيان إلى أوليائه من حصين متمسكا بولاية أولاد عريف ثم نزع محمد بن عريف إلى طاعة السلطان وضمن له العدول بأخيه عن مذاهب الخلاف عليه وطال سعيه في ذلك فاتهمه السلطان وحمله خالد بن عامر عدوه على نكبته فتقبض عليه وأودعه السجن واستحكمت نفرة أخيه أبى بكر ونهض السلطان بقومه وكافة بنى عامر إليه سنة سبعين واستغلظ أمر أبى بكر فجمع الحرب بن أبى مالك ومن وراءهم من حصين واعتصموا بالجبال من دراك وتيطرى ونزل السلطان بجموعه لعود بلاد الديالمة من الحرث فانتسفها والتهمها وحطم زروعها ونهب مداثرها وامتنع عليه أبو بكر ومن معه من الحرث وحصين والامير أبى زيان بينهم فارتحل عنهم وعطف على بلاد أولاد عريف وقومهم من سويد فلاها عيثا وخرب قلعة ابن سلامة لما كانت أحسن أوطانهم ورجع عليهم إلى تلمسان وهو يرى أن قد شفا نفسه في أولاد عريف وغلبهم على أوطانهم ورجع عليهم منزلة عدوهم فكان من لحاق أبى بكر بالمغرب وحركة بنى مرين ما نذكره

[ 132 ]

{ الخبر عن حركة السلطان عبد العزيز على تلمسان واستيلائه عليها ونكبة أبى حمو وبنى عامر بالدوس من بلاد الزاب وخروج أبى زيان من تيطرى إلى أحياء رياح } لما تقبض أبو حمو على محمد بن عريف وفرق شمل قومه سويد وعاث في بلادهم أجمع رأى أخيه الاكبر على الصريخ بملك المغرب فارتحل إليه بناجعته من بنى مالك أجمع من أحياء سويد والديالم والعطاف حتى احتل بسائط ملوية من تخوم المغرب وسار إلى أخيه الاكبر وترمار بمقره من قصره مرادة الذى اختطه بارجاع وادى ملوية في ظل دولة بنى مرين وتحت جوارهم لما كان ملاك أمرهم بيده ومصادرهم عن آرائه خطة ورثها عن أبيه عريف بن يحيى مع السلطان أبى سعيد وابنه أبى الحسن وابنه أبى عنان فتقبل ملوك المغرب مذاهب سلفهم فيه وتيمنوا برأيه واستأمنوا إلى نصيحته فلما قدم عليه أخوه أبو بكر مستحفيا بملك المغرب وأخبر باعتقال أخيه الآخر محمد قدح عزائمه وأوفد أخاه أبا بكر ومشيخة قومهم من بنى مالك على السلطان عبد العزيز ابن السلطان أبى الحسن منصرفه من افتتاح جبل هنتاتة وظفر بعامر بن محمد ابن على النازع إلى الشقاق في معتصمه فلقوه في طريقه ولقاهم مبرة وتكريما واستصرخوه لا ستنقاذ أخيهم فأجاب صريخهم ورغبوه في ملك تلمسان وما وراءها فوافق صاغيته لذلك بما كان في نفسه من الموجدة على السلطان أبى حمو لقبوله كل من ينزع إليه من عربان المعقل أشياع الدولة وبدوها وما كان بعث إليه في ذلك وعن استماعه فاعتزم على الحركة إلى تلمسان وألقى زمامه بيد وترمار وعسكر بساحة فاس وبعث الحاشدين في الثغور والنواحى من المغرب فتواقف الحاشدون ببابه وارتحل بعد قضاء النسك من الاضحى سنة احدى وسبعين واتصل الخبر بالسلطان أبى حمو وكان معسكرا بالبطحاء فانكفأ راجعا إلى تلمسان وبعث في أوليائه عبيد الله والاحلاف من عرب المعقل فصموا عن اجابته ونزعوا إلى ملك المغرب فأجمع رأيه إلى التحيز إلى بنى عامر وأجفل غرة المحرم سنة ثنتين وسبعين واحتل السلطان عبد العزيز تلمسان في يوم عاشوراء بعدها وأشار وترمار بن عريف بتسريح العساكر في اتباعه فسرح السلطان وزيره أبا بكر بن غازى بن السكاء حتى انتهى إلى البطحاء ثم لحق به هنالك وترمار وقد حشد العرب كافة وأوغذ السير في اتباع السلطان أبى حمو وبنى عامر وكانوا قد أبعدوا المذهب ونزلوا على الزواودة وسرح إليهم السلطان يومئذ عبد العزيز يحملهم على طاعته والعدوى بهم عن صحابة بنى عامر وسلطانهم وسرح فرج بن عيسى بن عريف إلى حصين لاقتضاء طاعتهم واستدعاء أبى زيان إلى حضرته ونبذهم عهده وانتهيا جميعا إلى أبى زيان مقدمة أوليائه ولحق بأولاد يحيى بن على بن سباع من الزواودة وانتهيت أنا إليهم فخفضت عليهم

[ 133 ]

الشأن في جواره لما كانت مرضاة السلطان وحذرتهم شأن أبى حمو وبنى عامر وأوفدت مشيختهم على وترمار والوزير أبى بكر بن غازى فدلوهما على طريقه فأغذوا السير وبيتوهم بمنزلهم على الدوس آخر عمل الزاب من جانب المغرب ففضوا جموعهم وانتهبوا جميع معسكر السلطان أبى حمو بأموالهم وأمتعته وظهره ولحق فلهم بمصاب ورجعت العساكر من هنالك فسلكت على قصور بنى عامر بالصحراء قبلة جبل راشد التى رباولون ساعون إليها فانتهبوها وخربوها وعاثوا فيها وانكفؤا راجعين إلى تلمسان وفرق السلطان عماله في بلاد المغرب الاوسط من وهران ومليانة والجزائر والمرية وجبل وانشريس واستوسق به ملكه ونزع عنه عده ولم يبق به يومئذ الاصرمة من نار الفتنة ببلاد مغراوة من ولد على بن راشد سخط خالد في الديوان ولحق بجبل بنى سعيد واعتصم به فجهز السلطان الكتائب لحصاره وسرح وزيره عمر بن مسعود لذلك كما ذكرنا في أخبار مغراوة واحتقر شأنه وأوفدت أنا عليه يومئذ مشيخة الزواودة فأوسعهم حباء وكرامة وصدروا مملوءة حقائبهم خالصة قلوبهم منطلقة بالشكر ألسنتهم واستمر الحال إلى أن كان ما نذكره ان شاء الله تعالى والله تعالى أعلم { الخبر عن اضطراب المغرب الاوسط ورجوع أبى زيان إلى تيطرى واجلاب أبى حمو على تلمسان ثم انهزامهما وتشريدهما على سائر النواحى } كان بنو عامر من زغبة شيعة خالصة لبنى عبد الواد من أول أمرهم وخلص سويد لبنى مرين كما قدمناه فكان من شأن عريف وبنيه عند السلطان أبى الحسن وبنيه ما هو معروف فلما استبيحت أحياؤهم بالدوس مع أبى حمو ذهبوا في القفر اشفاقا ويأسا من قبول بنى مرين عليهم لما كان وترمار بن عريف واخوانه من الدولة فحدبوا على سلطانهم أبى حمو يتقلبون معه في القفار ثم نزع إليهم رحو بن منصور فيمن أطاعه من قومه عبيد الله من المعقل وأجلبوا على وجدة فاضطرم النفاق على الدولة نارا وخشى حصين مغبة أمرهم من السلطان بما اتسموا به من الشقاق والعناد فمدوا أيديهم إلى سلطانهم أبى زيان وأفدوا مشيختهم لاستدعائه من حلة أولاد يحيى بن على فاحتل بينهم وأجلبوا به على المرية فملكوا نواحيها وامتنع عليهم مصرها واستمر الحال على ذلك واضطرب المغرب الاوسط على السلطان وانتقضت به طاعته وسرح الجيوش والعساكر إلى قتال مغراوة وحصين فأجمع أبو حمو وبنو عامر على قصده بتلمسان حتى إذا احتلوا قريبا منها دس السلطان عبد العزيز بعض شيعته إلى خالد بن عامر وزغبة في المال منه وكان أبو حمو قد آسفه بمخالطة بعض عشيره وتعقب رأيه برأيه ممن لم يسم إلى خطته ولم يرتض كفاءته فجنح إلى ملك المغرب ونزع يده من عهد أبى حمو وسرح السلطان

[ 134 ]

عبد العزيز عسكره إلى خالد فأوقع بأبى حمو ومن كان من العرب عبيد الله وبنى عامر وانتهب معسكره وأمواله واحتقبت حرمه وحظاياه إلى قصر السلطان وتقبض على مولاه عطية فمن عليه السلطان وأصاره في حاشيته ووزرائه وأصفقت زغبة على خدمة ملك المغرب وافق هذا الفتح عند السلطان فتح بلاد مغراوة وتغلب وزيره أبو بكر بن غازى على جبل بنى سعيد وتقبض على حمزة بن على بن راشد في لمة من أصحابه فضرب أعناقهم وبعث بها إلى سدة السلطان وصلب أشلاءهم بساحة مليانة فعظم الفتح واكتمل الظهور وأوعز السلطان إلى وزيره أبى بكر بن غازى بالنهوض إلى حصين فنهض إليهم وخاطبني وأنا مقيم ببسكرة في دعايته بأن احتشد أولياءه من الزواودة ورياح والتقى الوزير والعساكر على حصن تيطرى فنازلناه أشهرا ثم انقض جمعهم وفروا من حصنهم وتمزقوا كل ممزق وذهب أبو زيان على وجهه فلحق ببلد واركلا قبلة الزاب لبعدها عن منال الجيوش والعساكر فأجاروه وأكرموا نزله وضرب الوزير على قبائل حصين والثعالبة المغارم الثقيلة فأعطوها عن يد وجهضهم باقتضائها ودوخ قاصية الثغور ورجع إلى تلمسان عالى الكعب عزيز السلطان ظاهر اليد وقعد له السلطان بمجلسه يوم وصوله قعودا فخما وصل فيه إليه وأوصل من صحبه من وفود العرب والقبائل فقسم فيهم بره وعنايته وقبوله على شاكلته واقتضى من أمراء العرب زغبة أبناءهم الاعزة رهنا على الطاعة وسرحهم لغزو أبى حمو بمنتبذه من تيكورارين فانطلقوا لذلك وهلك السلطان عبد العزيز لليال قلائل من مقدم وزيره وعساكره أواخر شهر ربيع الآخر من سنة أربع وسبعين لمرض مزمن كان يتفادى بالكتمان والصبر من ظهوره وانكفأ بنو مرين راجعين إلى ممالكهم بالمغرب بعد أن بايعوا لولده دراجا حماسيا ولقبوه بالسعيد وجعلوا أمره إلى الوزير أبى بكر بن غازى فملك أمرهم عليهم واستمرت حاله كما نذكره في أخباره ان شاء الله تعالى { الخبر عن عود السلطان أبى حمو الاخير إلى تلمسان الكرة الثالثة لبنى عبد الواد في الملك } لما هلك السلطان عبد العزيز ورجع بنو مرين إلى المغرب نصبوا من أعياص بنى يغمراسن لمدافعة أبى حمو من بعدهم عن تلمسان ابراهيم بن السلطان أبى تاشفين كان ناشئا بدولتهم مذهلك أبوه وتسلل من جملتهم عطية بن موسى مولى السلطان أبى حمو وخالفهم إلى البلد غداة رحيلهم فقام بدعوة مولاه ودافع ابراهيم بن تاشفين عن مرامه وبلغ الخبر أولياء السلطان أبى حمو من عرب المعقل أولاد يغمور ابن عبيد الله فطيروا إليه النجيب على حين غلب عليه الناس وأجمع الرحلة إلى بلاد

[ 135 ]

السودان لما بلغه من اجتماع العرب للحركة عليه كما قلناه فأغذ السير من مطرح اغترابه وسابقه ابنه ولى عهده في قومه عبد الرحمن أبو تاشفين مع ظهيرهم عبد الله بن صغير فدخلوا البلد وتلاهم السلطان لرابعة دخولهم وعاود سلطانه واقتعد أريكته وكانت احدى الغرائب وتقبض ساعتئذ على وزرائه اتهمهم بمداخلة خالد بن عامر فيما نقض من عهده وظاهر عليه عدوه فأودعهم السجن ليومهم حنقا عليهم واستحكم لها نفرة خالد وعشيرته وحصلت ولاية أولاد عريف بن يحيى لمنافرة بنى عامر اياه واقتال السلطان عبد العزيز عليه ووثق بمكان وترمار كبيرهم في تسكين عادية ملوك المغرب عليه ورجع إلى تمهيد وطنه وكان بنو مرين عند انفضاضهم إلى مغربهم قد نصبوا من اقتال مغراوة ثم بنى منديل على بن هرون بن ثابت بن منديل وبعثوه إلى مزاحمة للسلطان أبى حمو ونقضا لاطراف ملكه وأجلب أبو زيان بن عمه على بلاد حصين فكان من خبره معهما ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن رجوع أبى زيان بن السلطان أبى سعيد إلى بلاد حصين ثم خروجه عنها) * كان الامير أبو زيان بن السلطان أبى سعيد لما هلك السلطان عبد العزيز وبلغه الخبر بمنجاته من واركلا نهض منها إلى التلول واسف إلى الناحية التى كان منتزيا بها ومسماها لابي حمو فيها فاقتطعت لدعوته كما كانت ورجع أهلها إلى ما عرفوا من طاعته فنهض السلطان أبو حمو لتمهيد نواحيه وتثقيف أطراف ملكه ودفع الخوارج عن ممالكه وظاهره على ذلك أمير البدو من زغبة أبو بكر ومحمد ابنا عريف بن يحيى دس اليهما بذلك كبيرهما وترمار وأخذهما بمناصحة السلطان ومخالصته فركبا من ذلك أوضح طريق وأسهل مركب ونبذ السلطان العهد إلى خالد وعشيره فضاقت عليهم الارض ولحقوا بالمغرب لسابقة نزوعهم إلى السلطان عبد العزيز وابتدأ السلطان بما يليه فأزعج بمظاهرتهما على بن هرون عن أرض شلف سنة خمس وسبعين بعد حروب هلك في بعضها اخوه رحمون بن هرون وخلص إلى بجاية فركب منها السفن إلى المغرب ثم تخطى السلطان أبو حمو إلى ما وراء شلف وسفر محمد بن عريف بينه وبين ابن عمه بعد أن نزع إليه الكثير من أوليائه حصين والثعالبة بما بذل لهم من الاموال وبما سئموا من طول الفتنة فشارطه على الخروج من وطنه إلى جيرانهم من رياح على أتاوة تحمل إليه فقبل ووضع أوزار الحرب وفارق مكان ثورته وكان لمحمد بن عريف فيها أثر محمود واستألف سالم بن ابراهيم كبير الثعالبة المتغلب على بسيط متيجة وبلد الجزائر بعد أن كان خب في الفتنة وأوضع فاقتضى له من السلطان عهده من الامان والولاية على قومه وعمله وقلد السلطان أبناءه ثغور أعماله فأنزل ابنه بالجزائر لنظر سالم بن ابراهيم

[ 136 ]

من تحت استبداده وابنه أبا زيان بما لديه وانقلب السلطان إلى حضرته بتلمسان بعد أن دوخ قاصيته وثقف أطراف عمله وأصلح قلوب أوليائه واستألف شيعة عدوه فكان فتحا لاكفاء له من بعد ما خلع من ربقة الملك ونزع من شرع السلطان وانتبذ من قومه وممالكه إلى قاصية الارض في جوار من لا ينفذ أمره ولا يقوم بطاعته والله مالك الملك يؤتى الملك من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء { الخبر عن اجلاب عبد الله بن صغير وانتقاض أبى بكر بن عريف وبيعتهما للامير أبى زيان ورجوع أبى بكر إلى الطاعة } كان خالد بن عامر وابن أخيه عبد الله بن صغير وسائر اخوانهم من ولد عامر بن ابراهيم قد لحقوا بالمغرب صرخي ببنى مرين لما وقع بينهم وبين أبى حمو من الفعلة التى فعل خالد معه ويئس عبد الله بن صغير من صريخهم بما عقد وترمار بن عريف من السلم بين صاحب المغرب وصاحب تلمسان فخاض القفر بمن معه من قومه ولحق بوطن زغبة وأجلب على جبل راشدويه العمور احلاف سويد من بنى هلال فاعترضتهم سويد ودارت بينهم حرب شديدة كان الظهور فيها لسويد عليهم وفى خلال ذلك فسد ما بين السلطان وبين أبى بكر بن عريف بسبب صاحب جبل وانشريس يوسف بن عمر ابن عثمان أراده السلطان عن النزول عن عمله فغضب له أبو بكر لقديم الصداقة بين سلفهما ووصل يده بعبد الله بن صغير بعد الواقعة ودعاه إلى بيعة أبى زيان فأجابه وأوفدوا رجالاتهم عليه بمكانه من مجالات رياح فوصلوه معهم وننصبوه للامر وتحيز محمد بن عريف إلى السلطان في جموع سويد ونهض السلطان من تلمسان سنة سبع وسبعين فيمن معه من قبائل بنى عبد الواد وعرب المعقل وزغبة ودس إلى أولياء أبى زيان يرغبهم وحكم أبا بكر في الاشتراط عليه ففاء إلى الطاعة والمخالصة ورجع أبو زيان إلى مكانه من حلل الزواودة وأغذ السلطان السير إلى حضرته فتملى أريكته وحدث بعد ذلك ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن وصول خالد بن عامر من المغرب والحرب التى دارت بينه وبين سويد وأبى تاشفين هلك فيها عبد الله بن صغير واخوانه } لما بلغ خالد بن عامر بمكانه من المغرب خبر عبد الله ابن أخيه صغير قفل من الغرب يئسا من مظاهرة بنى مرين فخفق السسعى في صريخه بهم لما كانوا عليه من افتراق الامر كما ذكرناه قبل ووصل معه ساسى بن سليم في قومه بنى يعقوب وتظاهر الحيان على العيث في بلاد أبى حمو واجتمع إليهم أبناء الفتنة من كل أوب فأجلبوا على الاطراف وشنوا الغارة في البلاد وجمع أولاد عريف لحربهم قومهم من سويد واحلافهم من العطاف

[ 137 ]

وبعثوا بالصريخ إلى السلطان فسير لحرب عدوه وعدوهم ابنه أبا تاشفين ولى عهده في قومه وبرز لذلك في العساكر والجنود ولما انتهى إلى بلاد هوارة واضطرب عسكره بها أعجله صريخ أوليائه عن مناخ الركاب فاستعجل الراحة ولحق بأوليائه أولاد عريف ومن معهم من أشياع الدولة من زغبة وأغذوا السير إلى واد هناك شرقي القلعة فتلاقى الجمعان وتواقفوا اللقاء سائر يومهم واستضاؤا باضرام النيران مخافة البيات وأصبحوا على التعبية وتمشت الرجالات في مواضعة الحرب فأعجبهم مناشبة القوم وتزاحفت الصفوف وأعلم الكماة وكشفت الحرب عن ساقها وحمى الوطيس وهبت الريح المبشرة فخفقت لها رايات الامير وهدرت طبوله ودارت رحى الحرب وصمدت إليها كتائب العرب فبرئ فيها الابطال منهم وانكشفوا وأجلت المعركة عن عبد الله بن صغير صريعا فأمر أبو تاشفين فاحتز رأسه وطير به البريد إلى أبيه ثم عثرت المراكب بأخيه ملوك بن صغير مع العباس ابن عمه موسى بن عامر ومحمد بن زيان من وجوه عشيرتهم متواقعين بجنودهم متضاجعين في مراقدهم كانما أقعدوا للردى فوطأتهم سنابك الخيل وغشيهم قتام المراكب وأطلقت العساكر أعنتها في اتباع القوم فاستاقوا نعمهم وأموالهم وكثرت يومئذ الانفال وغشيهم الليل فتستروا بجناحه ولحقهم فلهم بجبل راشد وأطرب أبو تاشفين أباه بمشتهى ظهوره وأملاه السرور بما صنع الله على يده وما كان له ولقومه من الاثر في مظاهرة أوليائه وطار له بها ذكر على الايام ورجع إلى أبيه بالحضرة مملوء الحقائب بالانفال والجوانح بالسرور والايام بالذكر عنه وعن قومه ومضى خالد لوجهه في فل من قومه ولحق بجبل راشد إلى أن كان من أمره ما نذكره ان شاء الله والله تعالى أعلم { الخبر عن انتقاض سالم بن ابراهيم ومظاهرته خالد بن عامر على الخلاف وبيعتهما للامير أبى زيان ثم مهلك خالد ومراجعة سالم الطاعة وخروج أبى زيان إلى بلاد الجريد } كان سالم بن ابراهيم هذا كبير الثعالبة المتغلبين على حصن متيجة منذ انقراض مليكش وكانت الرياسة فيهم لاهل بيته حسبما ذكرناه في أخبارهم عند ذكر المعقل ولما كانت فتنة أبى زيان بعد نكبة أبى حمو على بجاية وهبت ريح العرب واستغلظ أمرهم وكان سالم هذا أول من غمس يده في تلك الفتنة ومكر بعلى بن غالب من بيوتات الجزائر كان مغربا عنها منذ تغلب بنى مرين على المغرب الاوسط أيام بنى عثمان ولحق بها عندما أظلم الجو بالفتنة واستحكمت نفرة أهل الجزائر عن أبى حموا فأظهر بها الاستبداد واجتمع بها ليه الاوشاب والطغام سالم من الضاحية

[ 138 ]

أطمعه في الاستيلاء على الجزائر فداخل في شأنه الملا من أهل المدينة وحذرهم منه أنه يروم الدعوة للسلطان أبى حمو فاستشاطوا نفرة وثاروا به حتى إذا رأى أنه قد أحيط به خلصه من أيديهم وأخرجه إلى حيه وأبلغه هنالك وحول دعوة الجزائر إلى الامير أبى زيان تحت استبداده حتى إذا كان من أمر بنى مرين وحلول السلطان عبد العزيز بتلمسان كما قدمناه أقام دعوتهم في الجزائر إلى حين مهلكه ورجوع أبى حمو إلى تلمسان وأقبل جيش أبى زيان إلى تيطرى فأقام سالم هذا دعوته في احيائه وفى بلد الجزائر أمر ابن عمه ولما كان من خروج أبى زيان إلى أحياء رياح على يد محمد بن عريف ما قدمناه واقتضى سالم عهده من السلطان وولى سالم على الجزائر أقام سالم على أمره من الاستبداد بتلك الاعمال واستضافة جبايتها لنفسه وأوعز السلطان إلى سائر عماله باستيفاء جبايتها فاستراب وبقى في أمره على المداهنة وحدثت اثر ذلك فتنة خالد بن عامر فتربص دوائرها رجاء أن يكون الغلب له فيشغل السلطان عنه ثم بدا له ما لم يحتسب وكان الغلب للسلطان ولاوليائه وكان قد حدثت بينه وبين بنى عريف عداوة وخشى أن يحمل السلطان على النهوض إليه فبادر إلى انتقاض على أبى حمو استقام الامير أبو زيان وجاجا بخالد بن عامر من المخالفين معه من الغرب فوصلوا إليه أول سنة ثمان وسبعين وعقد بينهم حلفا مؤكدا وأقام الدعوة للامير أبى زيان بالجزائر ثم زحفوا إلى حصار مليانة وبها حامية السلطان فامتنعت عليهم ورجعوا إلى الجزائر فهلك خالد بن عامر على فراشه ودفن بها وولى أمر قومه من بعده المسعود ابن أخيه صغير ونهض إليهم السلطان أبو حمو من تلمسان في قومه وأوليائه من العرب فامتنعوا بجبال حصين وناوشهم جيوش السلطان القتال بأسافل الجبل فغلبوهم عليها وانقضت الناجعة عنهم من الديالم والعطاف وبنى عامر فلحقوا بالقفر ورأى سالم أصحابه أن قد أحيط بهم فلاذ بالطاعة وحمل عليها أصحابه وعقد لهم السلطان من ذلك ما أرادوه على أن يفارقوا الامير أبا زيان ففعلوا وارتحل عنهم فلحق ببلاد المغرب ريع ثم أجازها إلى نقطة من بلاد الجريد ثم إلى توزر فنزل على مقدمها يحيى بن يملول فأكرم نزله وأوسع قراره إلى أن كان من أمره ما نذكر ورجع السلطان أبو حمو إلى تلمسان وفى نفسه من سالم حرارة لكثرة اضطرابه ومراجعته الفتن حتى توسط فصل الشتاء وأبعدت العرب في مشاتيها فنهض من تلمسان في جيوش زناتة وأغذ السير فصبح بحصن متيجة بالغارة الشعواء وأجفلت الثعالبة فلحقوا برؤس الجبال وامتنع سالم بجبل بنى خليل وبعثوا ابنه وأولياءه إلى الجزائر فامتنعوا بها وحصاروه أياما ثم غلبوه على مكامنه فانتقل إلى بنى ميسرة من جبال صنهاجة وخلف أهله ومتاعه وصار الكثير من الثعالبة إلى الطاعة

[ 139 ]

وابتهلوا بامان السلطان وعهده إلى متيجة وبعث هو أخاه ثانيا إلى السلطان بانتقاضه العهد ونزل من رأس ذلك الشاهق إلى ابنه أبى تاشفين فأوصله إلى السلطان أحدى ليالى العشر الاواخر من رمضان فأخفر عهده وذمة ابنه وتقبض عليه صبيحة ليلته وبعث قائده إلى الجزائر فاستولى عليها واقام دعوته بها وأوفد عليه مشيختها فتقبض عليهم وعقد على الجزائر لوزيره موسى بن مرعوت ورجع إلى تلمسان فقضى بها عيد النحر ثم أخرج سالم بن ابراهيم من محبسه إلى خارج البلد وقتل قعصا بالرماح ونصب شلوه وأصبح مثلا للآخرين ولله البقاء وعهد السلطان لابنه المنتصر على مليانة واعمالها ولابنه أبى زيان على وهران وراسله ابن يملول صاحب توزر وصهره ابن قرى صاحب بسكرة وأولياؤهما من الكعوب والزواودة لما أهمهم أمر السلطان أبى العباس وخافوه على أمصارهم فراسلوا أبا حمو يضمنون له مسالمة أبى زيان على أن يوفى لهم بما اشترط له من المال وعلى أن يشب نار الفتنة من قبله على بلاد الموحدين ليشغل السلطان أبا العباس عنهم على حين عجزه وضعف الدولة عنه فأوهمهم من نفسه القدرة وأطمعهم في ذلك وما زال يراجعهم ويراجعونه بالمقاربة والوعد إلى أن أحيط بابن يملول واستولى السلطان على بلده فلحق ببسكرة وهلك بها لسنة من خروجه آخر سنة احدى وثمانين وبقى ابن مزنى من بعده متعللا بتلك الامانى الكاذبة إلى أن ظهر أمره وتبين عجزه فراجع طاعة السلطان أبى العباس واستقام على الموادعة ولحق الامير أبو زيان بحضرة السلطان بتونس فنزل بها أكرم نزل مؤملا منه المظاهرة على عدوه والحال بالمغرب الاوسط لهذا العهد على ما شرحناه مرارا من تغلب العرب على الضواحى والكثير من الامصار وتقلص ظل الدولة عن القاصية وارتدادها على عقبها إلى مراكزها بسيف البحر وتضاؤل قدرتها على قدرتهم واعطاء اليد في مغالبتهم ببلد زغائب الاموال واقطاع البلاد والنزول عن الكثير من الامصار والقنوع بالتغريب بينهم واغراء بعضهم ببعض والله ولى الامور * (قسمة السلطان للاعمال بين ولده وما حدث بينهم من التنافس) * كان لهذا السلطان أبى حمو جماعة من الولد كبيرهم أبو تاشفين عبد الرحمن ثم بعده أربعة لام واحدة كان تزوجها محله من اعمال قسنطينة أيام جولته في بلاد الموحدين كبيرهم المنتصر ثم أبو زيان محمد ثم عمرو يلقب عميرا ثم بعد ولد كثيرون ابنا محلات وكان أبو تاشفين ولى عهده وقد رفعه على الباقين وأشركه في رأيه وأوجب له الحق على وزراء دولته فكان لذلك رديفه ومظهر سلطانه وكان مع ذلك يتعاهد أولئك الاخوة الاشقاء بحنوه ويقسم لهم من ترشيحه والنجاء في خلوته فتنقض أبو تاشفين منهم فلما استفحل أمر

[ 140 ]

السلطان وانمحت من دولته آثار الخوارج أعمل نظره في قسمة الاعمال بين ولد وترشيحهم للامارة والبعد بهم عن أخيهم أبى تاشفين أن يصيبهم بمكروه عند ايناس الغيرة منهم فولى المنتصر كبيرهم على مليانة واعمالها وأنفذه إليها ومعه أخوه عمر الاصغرة في كفالته وولى أخاهما الاوسط أبا زيان على المرية وما إليها من بلاد حصين وولى ابنه يوسف ابن الزابية على تدلس وما إليها من آخر اعماله واستقر أمرهم على ذلك ثم كان من انتقاض سالم الثعلبي بالجزائر ما قدمناه فنمى إلى السلطان أن ابنه أبا زيان داخله في الخلاف فلما فرغ من أمر سالم كما مر وطرد أبا زيان ابن عمه عن أعماله إلى الجريد أعمل نظره في نقل ابنه أبى زيان من المربة إلى ولاية وهران وأعمالها بعدا له عن العرب المجلبين في الفتن وأنزل معه بعض وزرائه عينا عليه وأقام واليا عليها والله اعلم * (وشة أبى تاشفين بيحيى بن خلدون كاتب أبيه) * كان أول شئ حدث من منافسة أبى تاشفين لاخوته ابن السلطان لما ولى ابنه أبا زيان على وهران وأعمالها طلبه أبو تاشفين في ولايتها لنفسه فأسعفه ظاهرا وعهد إلى كاتبه يحيى بن خلدون بمماطلته في كتابها حتى يرى المخلص من ذلك فأقام الكاتب يطاوله وكان في الدولة لئيم من سفلة الشرط يدعى بموسى بن يخلف صحبهم أيام الاغتراب بتيكورارين أيام ملك تلمسان عليهم السلطان عبد العزيز بن السلطان أبى الحسن كما مر وخلا له وجه السلطان أبى حمو وابنه فتقرب إليه بخدمته ورعاها له فلما رجع السلطان إلى تلمسان بعد مهلك عبد العزيز قدمه وآثره واستخلصه فكان من أخلص بطانته وكان أبو تاشفين أيضا استخلصه وجعله عينا على أبيه وكان هو أيضا يغص بابن خلدون كاتب السلطان ويغار من تقدمه عنده ويغرى به أبا تاشفين جهده فدس إليه أثناء هذه المطاولة أن الكاتب ابن خلدون انما مطله بالكتاب خدمة لابي زيان أخيه رايثارا له عليه فاستشاطله أبو تاشفين وترصد له منصرفه من القصر إلى بيته بعد التراويح في احدى ليالى رمضان سنة ثمانين في رهط من الاوغاد كان يطوف بهم في سكك المدينة ويطرق معهم بيوت أهل السر والحشمة في سبيل الفساد فعرضوا له وطعنوه بالخناجر حتس سقط عن دابته ميتا وغدا الخبر على السلطان صبيحة تلك الليلة فقام في ركائبه وبث الطلب عن أولئك الرهط في جوانب المدينة ثم بلغه أن ابنه أبا تاشفين صاحب الفعلة فأغضي وطوى عليها جوانحه وأقطع أبا تاشفين مدينة وهران كما وعده وبعث ابنه أبا زيان على بلاد حصين والمرية كما كان ثم طلب أبو تاشفين من ابيه أن تكون الجزائر خالصة له فأقطعه اياها وأنزل بها من اخوته يوسف بن الزابية بما كان شيعة له من بينهم وفئة في صحبته ومخالصته فأقام واليا عليها والله أعلم

[ 141 ]

{ حركة آبى حمو على ثغور المغرب الاوسط ودخول ابنه أبى تاشفين إلى جهات مكناسة } كان أبو العباس بن السلطان أبى سالم ملك بنى مرين بالمغرب الاقصى قد نهض في عساكره سنة ثلاث وثمانين إلى مراكش وبها الامير عبد الرحمن بن يفلوس بن السلطان أبى على مقاسمه في نسبه وملكه وكان قد سوغ له مراكش وأعمالها عند ما أجلب معه على البلد الجريد سنة خمس وسبعين كما في أخبارهم واستقر الامير عبد الرحمن بمراكش ثم حدثت الفتنة بينه وبين السلطان أحمد ونهض إليه من فاس فحاصره أولا وثانيا يفرج فيهما عنه ثم نهض إليه سنة أربع وثمانين فحاصره وأخذ بمخنقه وأطال حصاره وكان يوسف بن على بن غانم أمير المعقل من العرب منتقضا على السلطان وقد بعث السلطان العساكر إلى احيائه فهزموه وخربوا بيوته وبساتينه بسجلماسه ورجعوا وأقام هو بصحرائه منتقضا فلما جهد الحصار الامير عبد الرحمن بمراكش بعث أبا العشائر ابن عمه منصور بن السلطان أبى على إلى يوسف بن على بن غانم ليجلب به على فاس وبلاد المغرب فيأخذ بحجزة السلطان عنه وينفس من مخنقه فسار يوسف بن على مع أبى العشائر إلى السلطان أبى حمو بتلمسان يستنجده على هذا الغرض لقدرته عليه دون العرب بماله من العساكر والابهة فأنجده على ذلك وقدم ابنه أبا تاشفين معهم وخرج هو في أثرهم فساروا إلى المغرب ونزل يوسف بن على بقومه قريبا من مكناسة ومعه الامير ان أبو العشائر وأبو تاشفين وجاء أبو حمو من خلفهم فحصر تازى سبعا وخرب قصر تازروت المعد هنالك لنزل السلطان وكان السلطان قد استخلف على فاس في مغيبه على بن مهدى العسكري من عمال دولته ووجوه قبيله وكان هنالك عرب المنبأة من المعقل قد أخذوا الميرة فأهاب بهم وترمار بن عريف ولى الدولة من عرب سويد وهو نازل بقصر مرادة من جوار تازى فاستألفهم لمدافعة أبى حمو ابنه وخرج بهم على بن مهدى ثم وصل الخبر باستيلاء السلطان على مراكش منتصف خمس وثمانين فأجفل أبو تاشفين وأبو العشائر ومن معهما من العرب واتبعهم على بن مهدى بمن معه من المنباة وأجفل أبو حمو على تازى ومر بمرادة على قصر وترمار فهدمه وعاث فيه وانكف راجعا إلى تلمسان وفارق ابنه أبو تاشفين أصحابه أبا العشائر والعرب ولحق بأبيه إلى أن كان ما نذكره ان شاء الله تعالى { نهوض السلطان أبى العباس صاحب المغرب إلى تلمسان واستيلاؤه عليها واعتصام أبى حمو بجبل تاحجموت } لما استولى السلطان أبو العباس على مراكش كما قلناه رجع إلى دار ملكه بفاس

[ 142 ]

وقد آسفه السلطان أبو حمو باجلابه على وطنه هو وابنه أبو تاشفين مع العرب أيام مغيبه بمراكش فأجمع الرحلة إلى تلمسان وخرج في عساكره وراجع يوسف بن على الطاعة ورحل معه في جموعه وبلغ الخبر إلى السلطان أبى حمو فتردد بين الحصار بتلمسان أو مفارقتها وكان بينه وبين ابن الاحمر صاحب الاندلس مواصلة ولابن الاحمر دالة على السلطان أبى العباس كما فكان يحفظ له الشأن في قصد تلمسان ويلبثه عنها فيعطيه المقادة في ذلك فيعلل هو السلطان أبا حمو بأن السلطان أبا العباس لا يصل إليه ثم أجمع السلطان أبو العباس أمره ونهض على حين غفلة معدا إلى تلمسان وتقدم الخبر إلى أبى حمو فأجمع مفارقة تلمسان بعد أن أظهر لاوليائه وأهل دولته أنه على الحصار ثم خرج حين عشية إلى معسكره بالصعيف وافتقده أهل بلده من صبيحتهم فتبادر أكثرهم إليه متعلقين بأذياله خوفا من معرة العدو ثم ارتحل يطوى المراحل إلى البطحاء ودخل السلطان أبو العباس تلمسان واستولى عليها وجهز العساكر لاتباع أبى حمو وقومه فأجفل من البطحاء ولحق بتاحجموت فاعتصم بمعلقها ولحق به ابنه المنتصر من مليانة بما كان معه من الذخيرة فاستمد بها وأقام هناك عازما على الامتناع والله تعالى أعلم { رجوع السلطان أبى العباس إلى المغرب واختلال دولته ورجوع السلطان أبى حمو إلى ملكه بتلمسان } كان السلطان أبو العباس لما استولى على مملكة تلمسان طير كتبه ورسله بفتحها إلى ابن الاحمر صاحب الاندلس ويعتذر إليه من مخالفة رأيه في الحركة إليها وقد كان ابن الاحمر آسفه ذلك إلى ما انتظم إليه من النزغات الملوكية التى يؤسف بها بعضهم بعضا وهو بطوى جوانحه عليها واطلع على فساد طاقة السلطان أبى العباس في أهل دولته وفقد ضمائرهم له فأزعج لوقته موسى ابن السلطان أبى عنان من أعياص ملكهم كان عنده بالاندلس وجهزه بما يحتاج إليه وبعث في خدمته مسعود بن رحو بن ما سالى وزيرهم المشهور وأركبه السفن إلى سبتة فنزلوا بساحتها أول ربيع سنة ست وثمانين واستولوا عليها ثم تقدموا إلى فاس فنازلوا دار الملك أياما وبها محمد بن حسن كاتب محمد ابن عنان القائم بدولة السلطان أبى العباس والمستبد عليه واشتدوا في حصارها وتوافت إليهم الامداد والحشود فداخله الخور وألقى بيده وداخل السلطان موسى إلى دار الملك تاسع عشر ربيع الاول من السنة وجلس على أريكته وآتاه الناس طاعتهم وطار الخبر إلى السلطان أبى العباس بتلمسان وقد تجهز لاتباع أبى حمو ونزل على مرحلة من تلمسان بعد أن أغراه وترمار بن عريف أمير سويد بتخريب قصور الملك بتلمسان

[ 143 ]

وكانت لا يعبر عن حسنها اختطها السلطان أبو حمو الاول وابنه أبو تاشفين واستدعى لها الصناع والفعلة من الاندلس لحضارتها وبداوة دولتهم يومئذ بتلمسان فبعث اليهما السلطان أبو الوليد صاحب الاندلس بالمهرة والحذاق من أهل صناعة البناء بالاندلس فاستجادوا لهم القصور والمنازل والبساتين بما أعيا على الناس بعدهم أن يأتوا بمثله فأشار وترمار على السلطان أبى العباس بتخريب هذه القصور وأسوار تلمسان انتقاما بزعمه من أبى حمو وأخذا بالنار منه فيما اعتمده من تخريب قصر الملك بتازى وتخريب قصره هو بمرادة فأتى عليها الخراب أسرع من لمح البصر وبينما هو في ذلك وهو يروم السفر لاتباع أبى حمو إذ جاءه الخبر بأن السلطان موسى بن عمه السلطان أبى عنان قد استولى على دار ملكهم بفاس واقتعد أريكتهم فكر راجعا إلى المغرب لا يلوى على شئ وترك تلمسان لشأنها وكان من أمره ما يأتي ذكره في أخبارهم وطار الخبر إلى السلطان أبى حمو بمكانه من تاحجموت فاغذ السير إلى تلمسان ودخلها وعاد إلى ملكه بها وتفجع لتلك القصور بما ذهب من رونق حسنا وراجع دولته بنى عبد الواد وسلطانهم بتلمسان والله سبحانه وتعالى أعلم * (تجدد المنافسة بين أولاد السلطان أبى حمو ومجاهرة أبى تاشفين بذلك لهم ولابيه) * كان التنافس بين هؤلاء الاولاد خفيا على الناس بما كان السلطان أبوهم يؤامل بينهم ويدارى بعضهم عن بعض فلما خرجوا أمام بنى مرين وعادوا إلى تلمسان صار تنافسهم إلى العداوة واتهم أبو تاشفين أباه بممالاة اخوته عليه فشمر لعقوقه وعداوته وشعر السلطان بذلك فأعمل الحركة إلى ناحية البطحاء موريا باصلاح العرب ومعتزما على لقاء ابنه المنتصر بمليانة جناحه ويتخطى إلى الجزائر فيجعلها دار ملكه بعد أن استخلف بتلمسان ابنه أبا تاشفين وحالفه على المناصحة واطلع موسى بن يخلف على خبيئة السلطان بذلك فدس بها إلى أبى تاشفين على عادته فطار به الاسف كل مطار وأغذ السير من تلمسان فيمن معه من العسكر وصبح أباه بأسافل البطحاء قبل أن يتصل وبالمنتصر وكشف القناع عن التكبر والتسخط على ما بلغه فحلف له السلطان على ذلك وأرضاه بالرجوع معه إلى تلمسان فرجعا جميعا * (خلع السلطان أبى حمو واستبداد ابنه أبى تاشفين بالملك واعتقاله اياه) * ولما رجع السلطان من البطحاء وبطل ما كان يؤمله من الاتصال بالمنتصر دس إليه مع خالصة من أهل دولته يعرف بعلى بن عبد الرحمن بن الكليب بأحمال من المال يودعها إلى أن يجد السبيل لحاجة نفسه وكتب له بولاية الجزائر ليقيم بها حتى يخلص إليه واطلع موسى على ذلك فأطلع أبا تاشفين على الخبر فبعث في أثره من حاشيته من اغتال ابن

[ 144 ]

الكلب وجاء إليه بالمال والكتب فاطلع منها على حقيقة أمرهم وأنهم متربصون به فاستشاط وجاهر أباه وغدا عليه بالقصر فأوقفه على الكتاب وبالغ في عذله وتحيز موسى ابن يخلف إلى أبى تاشفين وهجر باب السلطان وأغرى به ابنه ففدا على أبيه بالقصر بعد أيام وخلعه وأسكنه بعض حجر القصر ووكل به واستخلص ما كان معه من الاموال والذخيرة ثم بعث به إلى قصبة وهران فاعتقله بها واعتقل من حضر بتلمسان من اخوته وذلك آخر ثمان وثمانين وبلغ الخبر إلى المنتصر بمليانة وأبى زيان وعمير فلحقوا بقبائل حصين واستذموا بهم فأذموهم وأنزلوهم عندهم بجبل تيطرى وجمع أبو تاشفين العساكر واستألف العرب من سويد وبنى عامر وخرج في طلب المنتصر واخوته ومر بمليانة فملكها ثم تقدم إلى جبل تيطرى وأقام في حصارهم به وهم ممتنعون عليه والله تعالى أعلم * (خروج السلطان أبى حمو من الاعتقال ثم القبض عليه وتغريبه إلى المشرق) * لما طال مقام أبى تاشفين على تيطرى لحصار اخوته ارتاب بأمر أبيه وطول مغيبه عنه وشاور أصحابه في شأنه فأشاروا بقتله واتفقوا على ذلك فبعث أبو تاشفين ابنه أبا زيان في لمة من حاشيته فيهم ابن الوزير عمران بن موسى وعبد الله بن الخراساني فقتلوا من كان معتقلا بتلمسان من أبناء السلطان وتقدموا إلى وهران وسمع أبو حمو بقدومهم فأوجس الخيفة منهم واطلع من جدران القصبة ينادى بالصريخ في أهل البلد فتبادروا إليه من كل جهة وتدلى لهم بحبل وصله من عمامته التى كان معتما بها فشالوه حتى استقر بالارض واجتمعوا إليه وكان الرهط الذين جاؤا لقتله بباب القصر وقد أغلقه دونهم فلما سمعوا الهيمنة واستيقنوا الامر طلبوا النجاة بذمائهم واجتمع أهل البلد على السلطان وتولى كبر ذلك خطيبهم وجددوا له البيعة وارتحل من حينه إلى تلمسان فدخلها أوائل تسع وثمانين وهى يومئذ عورة بما كان بنو مرين هدموا من أسوارها وأزالوا حصنها وبعث فيمن كان مخلفا بأحياء بنى عامر من أكابرهم ووجوههم فقدموا عليه وطار الخبر إلى أبى تاشفين بمكانه من حصار تيطرى فانكفأ راجعا إلى تلمسان فيمن معه من العساكر والعرب وبادره قبل أن يستكمل أمره فأحيط به ونجا إلى مأذنة الجامع فاعتصم بها ودخل أبو تاشفين القصر وبعث في طلبه وأخبر بمكانه فجاء إليه بنفسه واستنزله من المأذنة وأدركته الرقة فجهش بالبكاء وقبل يده وغدا به إلى القصر واعتقله ببعض الحجر هنالك ورغب إليه أبوه في تسريحه إلى المشرق لقضاء فرضه بعض تجار النصارى المترددين إلى تلمسان من القيطلان على حمله إلى الاسكندرية وأركبه السفن معهم بأهله من مرصة وهران ذاهبا لطيبة موكلا به وأقبل أبو تاشفين

[ 145 ]

على القيام بدولته والله تعالى أعلم { نزول السلطان أبى حمو ببجاية من السفين واستيلاؤه على تلمسان ولحاق أبى تاشفين بالمغرب } لما ركب السلطان أبو حمو السفين ذاهبا إلى الاسكندرية وفارق أعمال تلمسان وحاذى بجاية داخل صاحب السفينة في أن ينزله ببجاية فأسعفه بذلك فخرج من الطارمة التى كان بها معتقلا وصار الموكلون به في طاعته وبعث إلى محمد بن أبى مهدى قائد الاسطول ببجاية المستبد على أميرها من ولد السطان أبى العباس بن أبى حفص وكان محمد خالصة المستنصر بن أبى حمو من ناحية دولتهم قد خلص إلى بجاية من تيطرى بعد ما تنفس الحصار عنهم فبعثه ابن أبى مهدى إلى السلطان أبى حمو بالاجابة إلى ما سأل وأنزله ببجاية آخر تسع وثمانين وأسكنه بستان الملك المسمى بالرفيع وطير بالخبر إلى السلطان بتونس فشكر له ما آتاه من ذلك وأمره بالاستبلاغ في تكريمه وأن يخرج عساكر بجاية في خدمته إلى حدود عمله متى احتاج إليها ثم خرج السلطان أبو حمو من بجاية ونزل متيجة واستنفر طوائف العرب من كل ناحية فاجتمعوا إليه ونهض يريد تلمسان واعصوصب قومه بنو عبد الواد على أبى تاشفين بما بذل فيهم من العطاء وقسم من الاموال فنابذوا السلطان أبا حمو واستصعب أمرهم وخرج إلى الصحراء وخلف ابنه أبا زيان في جبال شلف مقيما لدعوته وبلغ إلى تاسة من ناحية المغرب وبلغ الخبر إلى أبى تاشفين فبعث عسكرا إلى شلف مع ابنه أبى زيان ووزيره محمد بن عبد الله بن مسلم فتواقفوا مع أبى زيان بن السلطان أبى حمو فهزمهم وقتل أبو زيان بن أبى تاشفين ووزيره بن مسلم وجماعة من بنى عبد الواد وكان أبو تاشفين لما بلغه وصول أبيه إلى تاسة سار إليه من تلمسان في جموعه فأجفل أبو حمو إلى وادى صاو استجاش بالاحلاف من عرب المعقل هنالك فجاؤا لنصره ورعوا زمامه فنزلها وأقام أبو تاشفين قبالته وبلغه هنالك هزيمة ابنه ومقتله فولى منهزما إلى تلمسان وأبو حمو في اتباعه ثم سرح أبو تاشفين مولاه سعادة في طائفة من العسكر لمجاولة العرب في التخلي عن أبى حمو فانتهز فيه الفرصة وهزمه وقبض عليه وبلغ الخبر إلى أبى تاشفين بتلمسان وكان يؤمل النجاح عند سعادة فيما توجه فيه فأخفق سعيه وانفض عنه بنو عبد الواد والعرب الذين معه وخرج هاربا من تلمسان مع أوليائه من سويد إلى مشاتيهم بالصحراء ودخل السلطان أبو حمو تلمسان في رجب سنة تسعين وقدم عليه أبناؤه فأقاموا معه بتلمسان فطرق المنتصر ابنه المرض فهلك بها لايام من دخوله تلمسان واستقر الامر على ذلك والله أعلم

[ 146 ]

* (نهوض أبى تاشفين بعساكر بنى مرين ومقتل السلطان أبى حمو) * لما خرج أبو تاشفين من تلمسان أمام أبيه واتصل بأحياء سويد أجمعوا رأيهم على الاستنجاد بصاحب المغرب فوفد أبو تاشفين ومعه محمد بن عريف شيخ سويد على السلطان أبى العباس صاحب فاس وسلطان بنى مرين صريخين على شأنهما فقبل وفادتهما ووعدهما بالنصر من عدوهما وأقام أبو تاشفين عنده ينتظر انجاز وعده وكان بين أبى حمو وابن الاحمر صاحب الاندلس وشيجة ود وعقيدة وصلة ولابن الاحمر دالة وتحكم في دولة ابى العباس صاحب المغرب بما سلف من مظاهرته على أمره مذ اول دولته فبعث أبو حمو في الدفاع عنه من اجازة أبى تاشفين من المغرب إليه فلم يجبه صاحب المغرب وفاء بذمته وعلله بالقعود عن نصره وألح عليه ابن الاحمر في ذلك فتعلل بالمعاذير وكان أبو تاشفين قد عقد لاول قدومه مع وزير الدولة محمد بن يوسف بن علال حلفا اعتقد الوفاء به فكان هواه في انجاده ونصره من عدوه فلم يزل يفتل لسلطانه في الذروة والغارب ويلوى عن ابن الاحمر المواعيد حتى أجابه السلطان إلى غرضه وسرح ابنه الامير أبا فارس والوزير محمد بن يوسف بن علال في العساكر لمصارخة أبى تاشفين وفصلوا عن فاس أواخر احدى وتسعين وانتهوا إلى تازى وبلغ خبرهم إلى السلطان أبى حمو فخرج من تلمسان وجمع أشياعه من بنى عامر والحراج بن عبيد الله وقطع جبل بنى ورنيد المطل على تلمسان وأقام بالغيران من جهاته وبلغ الخبر إلى أبى تاشفين فقدم إلى تلمسان مجدد المكر والخديعة وشيطان الفتنة والشر موسى بن يخلف فاستولى عليها وأقام دعوة أبى تاشفين فيها فطير الخبر إلى أبى حمو ابنه عمير فصحبه بها لليلة من مسيرة فأسلمه أهل البلد وتقبض عليه وجاء به أسيرا إلى أبيه بمكانه من الغيران فوبخه أبو حمو على فعاله ثم أذاقه أليم عقابه ونكاله وأمر به فقتل أشنع قتلة وجاء العيون إلى أبى فارس بن صاحب المغرب ووزيره ابن علال بمكان أبى حمو واغرابه بالغيران فنهض الوزير ابن علال في عساكر بنى مرين لغزوه وسار أمامهم سليمان بن ناجى من الاحلاف احدى بطون المعقل يدل بهم طريق القفر حتى صبحوه ومن معه من احياء الحراج في مكان مقامتهم بالغيران وناوشوهم القتال فلم يطيقوهم لكثرتهم وولوا منهزمين وكبا بالسلطان أبى حمو فرسه فسقط وأدركه بعض فرسانهم وعرفه فقتله قعصا بالرماح وجاؤا براسه إلى الوزير بن علال وأبى تاشفين وجئ بابنه عمير أسير وهم أبو تاشفين أخوه بقتله فمنعوه أياما ثم أمكنوه منه فقتله ودخل أبو تاشفين تلمسان أواخر احدى وتسعين وخيم الوزير وعساكر بنى مرين بظاهر البلد حتى دفع إليهم ما شارطهم عليه من المال ثم قفلوا إلى المغرب وأقام هو بتلمسان يقيم دعوة السلطان أبى العباس صاحب المغرب

[ 147 ]

ويخطب له على منابره ويبعث إليه بالضريبة كل سنة كما اشترط على نفسه إلى أن كان ما نذكره ان شاء الله تعالى * (مسير أبى زيان بن أبى حمو لحصار تلمسان ثم اجفاله عنها ولحاقه بصاحب المغرب) * كان السلطان أبو حمو قد ولى على الجزائر ابنه أبا زيان لما عاد إلى ملكه بتلمسان وأخرچ منها أبا تاشفين فلما قتل أبو حمو بالغيران كما قلناه خرج أبو زيان من الجزائر ناجينا إلى أحياء حصين يؤمل الكرة بهم والاخذ بثار أبيه وأخيه فاشتملوا عليه وأجابوا صريخه ثم وفد عليه أمراء بنى عامر من زغبة يدعونه لملكه فسار إليهم وقام بدعوته وطاعته شيخهم المسعود بن صغير ونهضوا جميعا إلى تلمسان في رجب سنة ثنتين وتسعين فحاصروها أياما وسرب أبو تاشفين المال في العرب فافترقوا على أبى زيان وخرج إليه أبو تاشفين فهزمه في شعبان من السنة ولحق بالصحراء واستألف أحياء المعقل وعاود حصار تلمسان في شوال وبعث أبو تاشفين ابنه صريخا إلى المغرب فجاءه بمدد من العسكر ولما انتهى إلى تاوريرت أفرج أبو زيان عن تلمسان وأجفل إلى الصحراء ثم أجمع رأيه على الوفادة إلى صاحب المغرب فوفد عليه صريخا فتلقاه وبر مقدمه ووعده النصر من عدوه وأقام عنده إلى حين مهلك أبى تاشفين والله تعالى أعلم * (وفاة أبى تاشفين واستيلاء صاحب المغرب على تلمسان) * لم يزل هذا الامير أبو تاشفين مملكا على تلمسان ومقيما فيها لدعوة صاحب المغرب أبى العباس بن السلطان أبى سالم ومؤديا للضريبة التى فرضها عليه منذ أول ملكه وأخوه الامير أبو زيان مقيم عند صاحب المغرب ينتظر وعده في النصر عليه حتى تغير السلطان أبو العباس على أبى تاشفين في بعض النزغات الملوكية فأجاب داعى أبى زيان وجهزه بالعساكر لملك تلمسان فسابر لذلك منتصف سنة خمس وتسعين وانتهى إلى تازى وكان أبو تاشفين قد طرقه مرض أزمن به ثم هلك منه في رمضان من السنة وكان القائم بدولته أحمد بن العز من صنائعهم وكان يمت إليه بخؤلة فولى بعده مكانه صبيا من ابنائه وقام بكفالته وكان يوسف بن أبى حمو وهو بن الزابية واليا على الجزائر من قبل ابى تاشفين فلما بلغه الخبر أغذ السير مع العرب ودخل تلمسان فقتل أحمد بن العز والصبى المكفول ابن أخيه تاشفين فلما بلغ الخبر إلى السلطان أبى العباس صاحب المغرب خرج إلى تازى وبعث من هناك ابنه أبا فارس في العساكر ورد أبا زيان بن أبى حمو إلى فاس ووكل به وسار ابنه أبو فارس إلى تلمسان فملكها وأقام فيها دعوة أبيه وتقدم وزير أبيه صالح بن حمو إلى مليانة فملكها وما بعدها من الجزائر وتدلس إلى حدود بجاية واعتصم يوسف بن الزابية بحصن تاحجموت وأقام الوزير صالح يحاصره وانقرضت دعوة بنى عبد

[ 148 ]

الواد من المغرب الاوسط والله غالب على أمره { وفاة أبى العباس صاحب المغرب واستيلاء أبى زيان بن أبى حمو على تلمسان والمغرب الاوسط } كان السلطان أبو العباس بن أبى سالم لما وصل إلى تازى وبعث ابنه أبا فارس إلى تلمسان فملكها وأقام هو بتازى يشارف أحوال ابنه ووزيره صالح الذى تقدم لفتح البلاد الشرقية وكان يوسف بن على بن غانم أمير أولاد حسين من المعقل قد حج سنة ثلاث وتسعين واتصل بملك مصر من الترك الملك الظاهر برقوق وتقدمت إلى السلطان فئة واخبرته بمحله من قومه فأكرم تلقيه وحمله بعد قضاء حجة هدية إلى صاحب المغرب يطرفه فيها بتحف من بضائع بلده على عادة الملوك فلما قدم بها يوسف على السلطان أبى العباس عظم موقعها وجلس في مجلس جعله لعرضها والمباهاة بها وشرع في المكافأة عنها بمتخير الجياد والبضائع والثياب حتى استكمل من ذلك ما رضيه واعتزم على انفاذها مع يوسف بن على حاملها الاول وانه يرسله من تازى أيام مقامته هناك فطرقه هنالك مرض كان فيه حتفه في محرم سنة ست وتسعين واستدعوا ابنه أبا فارس من تلمسان فبايعوه بتازى وولوه مكانه ورجعوا به إلى فاس وأطلقوا أبا زيان بن أبى حمو من الاعتقال وبعثوا به إلى تلمسان أميرا عليها وقائما بعد السلطان أبى فارس فيها فسار إليها وملكها وكان أخوه يوسف بن الزابية قد اتصل بأحياء بنى عامر يروم ملك تلمسان والاجلاب عليها فبعث إليهم أبو زيان عندما بلغه ذلك وبذلك لهم عطاء جزيلا على أن يبعثوا به إليه فأجابوه إلى ذلك وأسلموه إلى ثقات أبى زيان وساروا به فاعترضهم بعض أحياء العرب ليستنقذوه منهم فبادروا بقتله وحملوا رأسه إلى أخيه أبى زيان فسكنت أحواله وذهبت الفتنة بذهابه واستقامت أمور دولته وهم على ذلك لهذا العهد والله غالب على أمره وقد انتهى بناء القول في دولة بنى عبد الواد من زناتة الثانية (وبقى) علينا خبر الرهط الذين تحيزوا منهم إلى بنى مرين منذ أول الدولة وهم بنوكى من فصائل على ابن القاسم اخوة طاع الله بن على وخبر بنى كندوز أمرائهم بمراكش فلترجع إلى ذكر أخبارهم وبها نستوفي الكلام في أخبار بنى عبد الواد والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين

[ 149 ]

أبو تاشفين عمر أبو زيان محمد بن عثمان أبو ثابت أبو تاشفين بن أبى حمو موسى بن عثمان أبو زيان فارس زكرار عثمان الحسن بن جابر بن يوسف عبد الملك بن محمد بن قاسم بن درع عثمان بن يحيى بن محمد بن أحمد بن يعلى المنتصر أبو زيان أبو عامر برهوم عبد الله بن أبى حفص عمر يحيى بن داوين مكى يوسف بن محمد عمر بن عموش يعيش بن راشد بن الزعيم الناصر يوسف بن السلطان أبى حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان بن ثابت بن محمد بن زكرار بن بندوكس بن طاع الله

[ 150 ]

{ الخبر عن بنى كمى احد بطون بنى القاسم بن عبد الواد وكيف نزعوا إلى بنى مرين وما صار لهم بنواحي مراكش وأرض السوس من الرياسة } قد تقدم لنا أول الكلام في بنى عبد الواد أن بنى كمى هؤلاء من شعوب القاسم وأنهم بنو كمى بن يمل بن يزكن بن القاسم اخوة طاع الله وبنى دلول وبنى معطى دلول وبنى معطى بن جوهر بن على وذكرنا ما كان بين طاع الله وبين اخوانهم بنى كمى من الفتنة وكيف قتل كندوز بن عبد الله كبير بن كمى زيان بن ثابت بن محمد كبير بنى طاع الله وأن جابر بن يوسف بن محمد القائم بالامر من بعده ثار منهم بزيان وقتل كندوز اغيلة أو حربا وبعث برأسه إلى يغمراسن بن زيان فنصب عليها أهل البيت القدور شفاية لنفوسهم واستمر الغلب بعدها على بنى كمى فلحقوا بحضرة تونس وكبيرهم إذ ذاك عبد الله ابن كندوز ونزلوا على الامير أبى زكريا حتى كان من استيلائه على تلمسان ما قدمنا ذكره وطمع عبد الله في الاستبداد بتلمسان فلم يتفق ذلك ولما هلك مولانا الامير أبو زكريا وولى ابنه المنتصر أقام عبد الله صدرا من دولته ثم ارتحل هو وقومه إلى المغرب ونزل على يعقوب بن عبد الحق قبل فتح مراكش فاهتز يعقوب لقدومه وأحله بالمكان الرفيع من دولته وأنزل قومه بجهات مراكش وأقطعهم البلاد التى كفتهم مهماتهم وجعل السلطان انتجاع ابله وراحلته في أحيائهم وقدم على رعايتها حسان ابن أبى سعيد الصبيحى وأخاه موسى وصلا في لفيفه من بلاد المشرق وكانا عارفين برعاية الابل والقيام عليها وأقاموا يتقلبون في تلك البلاد ويتعدون في نجعتها إلى أرض السوس وأوفد يعقوب بن عبد الحق عبد الله بن كندوز هذا على المنتصر صاحب افريقية سنة خمس وستين مع عامر بن أخيه ادريس كما قدمناه والنحم بنو كمى ببنى مرين وأصبحوا احدى بطونهم وهلك عبد الله بن كندوز وصارت رياستهم من بعده لابنه عمر بن عبد الله فلما نهض يوسف بن يعقوب بن عبد الحق إلى المغرب الاوسط وشغل بحصار تلمسان وتحدث الناس بما نزل بعبد الواد من بنى مرين أخذت بنى كمى الحمية وامتعضوا لقومهم وأجمعوا الخلاف والخروج على السلطان ولحقوا بحاجة سنة ثلاث وسبعمائة واستولوا على بلاد السوس فخرج إليهم أخو السلطان الامير بمراكش يعيش بن يعقوب فناجزوه الحرب بتادارت وغلبوه واستمروا على خلافهم ثم عاود محاربتهم بتامطولت سنة أربع بعدها فهزمهم الهزيمة الكبرى التى قصت جناحهم وقتل عمر بن عبد الله وجماعة من كبرائهم وفروا أمامه إلى الصحراء ولحقوا بتلمسان وهدم بعيس بن يعقوب تارودنت قاعدة أرض السوس وأقام بنو كندوز

[ 151 ]

بعدها بتلمسان نحوا من ستة أشهر ثم توجسوا الغدر من ولد عثمان بن يغمراسن فرجعوا إلى مراكش واتبعهم عساكر السلطان وأبلى منهم في القتال عنهم محمد بن أبى بكر بن حمامة بن كندوز وخلصوا إلى منجاتهم مشردين بصحراء السوس إلى أن هلك السلطان يوسف بن يعقوب وراجعوا طاعة الملوك بالمغرب فعفوا لهم عما سلف من هذه الجزيرة وأعادوهم إلى مكانهم من الولاية فأمحضوا النصيحة والمخالصة وكان أميرهم من بعد عمر ابنه محمد وأقام في امارتهم سنين ثم ابنه موسى بن محمد من بعده كذلك واستخلصه السلطان أبو الحسن أيام الفتنة بينه وبين أخيه أبى على لعهد أبيهما السلطان أبى سعيد ومن بعده فكانت له في المدافعة عن نواحى مراكش آثار وأيام ثم هلك موسى بن محمد فولى السلطان أبو الحسن مكانه ابنه يعقوب بن موسى ولما غلب على تلمسان وأصار بنى عبد الواد في خوله وجنوده تمشت رجالاتهم وساموا أشجانهم حتى إذا كانت واقعة الغيران وتواقف السلطان وبنى سليم داخلهم يعقوب بن موسى في أن ينخذل عن السلطان إليهم ببنى عبد الواد ومن إليهم من مغراوة وتوجين وأوعدهم لذلك ثم مشى في قومه وكافة بنى عبد الواد فأجابوه إلى ذلك ولحقوا جميعا ببنى سليم فجروا بذلك الهزيمة على السلطان بالغيران المشهورة ولحقوا بعدها بتلمسان وولوا أمرهم في بنى يغمراسن وهلك يعقوب بن موسى بافريقية ولحق أخوه رحو بالمغرب وكان السلطان أبو عنان قد استعمل على جماعتهم وعملهم عبو بن يوسف بن محمد وهو ابن عمهم دينا فأقام فيهم كذلك حتى هلك فولى من بعده ابنه محمد بن عبوا وهم على ذلك لهذا العهد يعسكرون للامير بمراكش ويتولون من خدمة السلطان مالهم فيه الغناء والكفاية فكأنهم بمعزل عن بنى عبد الواد لاحتكام العداوة بمقتل زيان بن ثابت والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين لارب غيره ولا معبود سواه

[ 152 ]

رحو محمد بن أبى بكر بن حمامة محمد بن عبو بن يوسف يعقوب بن موسى بن محمد بن عمر بن عبد الله بن كندوز * (الخبر عن بنى راشد بن محمد بن يادين وذكر أوليتهم وتصاريف أحوالهم) * وانما قد منا ذكرهم قبل استتمام بنى يادين لانهم لم يزالوا أحلا فالبنى عبد الواد ومن جملتهم فكانت أخبارهم من أخبارهم وأما راشد أبوهم فهو أخو يادين واختص بنوه كما قلنا ببنى عبد الواد وكانت مواطنهم بالصحراء بالجبل المعروف براشد اسم أبيهم وكانت مواطن مديونة من قبائل البربر قبلة تاسالت وبنو ورنيد من بطون دمر قبلة تلمسان إلى قصر سعيد وكان جبل هوارة موطنا لبنى يلوما الذين كان لهم الملك كما قدمنا ولما اضمحل أمر بنى يلوما وذهبت دولتهم زحف بنو راشد هؤلاء من بطونهم بجبل راشد إلى بسائط مديونة وبنى ورنيد فشنوا عليهم الغارات وطالت بينهم الحرب إلى أن غلبوهم على مواطنهم وألجؤهم إلى الاوعار فاستوه لن بنو ورنيد الجبل المطل على تلمسان واستوطن مديونة جبل تاسالت وملك بنو راشد بسائطهم ثم استوطنوا جبلهم المعروف بهم لهذا العهد وهو بلد بنى يفرن الذين كانوا ملوك تلمسان لاول الاسلام وكان منهم أبو قرة الصفرى كما قدمناه وكان منهم بعد ذلك يعلى بن محمد الامير الذى قتله جوهر الصقلى قائد الشيعة كما ذكرناه في أخبارهم ويعلى هو الذى اختط بهذا الجبل مدينة ايفكان الذى هدمها جوهر يوم قتله فلما ملك بنو راشد هذا الجبل استوطنوه وصار حصنا لهم ومجالاتهم في ساحة القبلة لى أن غلبهم العرب عليها لهذا العهد وألجؤهم إلى الجبل وكان غلب بنى راشد على هذه الاوطان بين دخول بنى عبد الواد إلى المغرب الاوسط وكانوا شيعة لهم وأحلافا في فتنتهم مع بنى توجين وبنى

[ 153 ]

مرين وكانت رياستهم في بيت منهم يعرفون ببنى عمران وكان القائم بها لاول دخولهم ابراهيم بن عمران واستبد عليه اخوه وترمار وقام بأمرهم إلى أن هلك فولى ابنه مقاتل بن وترمار وقتل عمه ابراهيم وافترقت رياسة بنى عمران من يومئذ بين بنى ابراهيم وبنى وترمار الا أن رياسة بنى ابراهيم أظهر فولى بعد ابراهيم بن عمران ابنه وترمار وكان معاصرا ليغمراسن بن زيان وطال عمره ولما هلك لتسعين من المائة السابعة ولى أمرهم غانم ابن أخيه محمد بن ابراهيم ثم كان فيهم من بعده موسى بن يحيى بن وترمار لا أدرى معاقبا لغانم أو توسطهما أحد ولما زحف بنو مرين إلى تلمسان آخر زحفهم صار بنو راشد هؤلاء إلى طاعة السلطان أبى السحن وشيخهم لذلك العهد أبو يحيى موسى بن عبد الرحمن بن وترمار بن ابراهيم وانحصر بتلمسان بنو عمه كرجون بن وترمار وانقرض أمر بنى عبد الواد وأشياعهم ونقل بنو مرين رؤس زناتة أجمع إلى المغرب الاقصى فكان بنو وترمار هؤلاء ممن صار إلى المغرب وأوطنوه إلى أن صار الامر لبنى عبد الواد الكرة الثالثة على يد أبى حمو الاخير موسى بن يوسف وكان شيخ بنى راشد لعهده ابن أبى يحيى بن موسى المذكور أقبل إليهم من المغرب من ايالة بنى مرين فاتهمه أبو حمو بمداخلتهم فتقبض عليه واعتقله مدة بوهران وفر من معتقله فلحق بالمغرب وارتحل بين أحيائهم مدة ثم رجع إلى الطاعة واقتضى العهد من السلطان أبى حمو وولاه على قومه ثم على قومه ثم تقبض عليه واعتقله إلى أن قتله بمحبسه سنة ثمان وستين وسبعمائة وانقرض أمر بنى وترمار بن ابراهيم وأما بنو وترمار بن عمران فقام بأمرهم بعد مقاتل ابن وترمار أخوه أبو زركن بن وترمار ثم ابنه يوسف بن أبى زركن ثم آخرون من بعدهم لم تحضرني أسماؤهم إلى أن غلب عليهم بنو وترمار بن ابراهيم وقد ذهبت لهذا العهد رياسة أولاد عمران جميعا وصار بنو راشد هؤلاء خولا للسلطان وبقيتهم بجبلهم على الحال التى ذكرناها والله وارث الارض ومن عليها

[ 154 ]

موسى بن يحيى كرجون يوسف بن زركن بن وترمار مقاتل غانم بن محمد زيان بن أبى يحيى بن موسى بن عبد الرحمن بن وترمار بن ابراهيم بن عمران { الخبر عن بنى توجين من شعوب بنى يادين من أهل هذه الطبقة الثالثة من زناتة وما كان لهم من الدولة والسلطان بالمغرب الاوسط وأولية ذلك ومصايره } كان هذا الحى من أعظم أحياء بنى يادين وأوقرهم عددا وكانت مواطنهم حفافى وادى شلف قبلة جبل وانشريس من أرض السرسو وهو المسمى لهذا العهد نهرصا وكان بأرض السرسو بجهة الغرب منه بطون من لواتة وغلبهم عليها بنو وجديجن ومطماطة ثم صارت أرض السرسو لبنى توجين هؤلاء واستضافوها إلى مواطنهم لاولى وصارت مواطنهم ما بين موطن بنى راشد وجبل دراك في جانب القبلة وكانت لهم رياسة أيام صنهاجة لعطية بن دافلتن وابن عمه لقمان بن المعتز كما ذكره ابن الرقيق ولما كانت فتنة حماد بن بلكين مع عمه باديس ونهض إليه باديس من القيروان حتى احتل بوادي شلف تحيز إليه بنو توجين هؤلاء وكان لهم في حروب حماد آثار مذكورة وكان لقمان بن المعتز أظهر من عطية بن دافلتن وكان قومهم يومئذ زهاء ثلاثة آلاف وأوفد لقمان ابنه بدرا على باديس قبل اللقاء طاعة له وانحياشا فلما انهزم حماد رعى لهم باديس انحياشهم إليه وسوغ لهم ما غنموه وعقد للقمان على قومه ومواطنه وعلى ما يفتحه من البلاد بدعوته ثم انفرد برياستهم بعد حين بنودا فلتن ويقال انه دافلتن بن أبى بكر بن الغلب وكانت رياستهم لعهد الموحدين لعطية بن مناد بن العباس بن دافلتن وكان يلقب

[ 155 ]

عطية الحيو وكانت بينهم لعهده وبين بنى عبد الواد حروب وكان متولى كبرها من بنى عبد الواد شيخهم لذلك العهد اعدوى بن يكنيجن بن القاسم فلم تزل تلك الفتنة بينهم إلى أن غلبهم بنو عبد الواد آخرا على مواطنهم كما نذكره ولما هلك عطية الحيو قام بأمرهم أبو العباس وكانت له آثار في الاجلاب على ضواحي المغرب الاوسط ونقض طاعة الموحدين إلى أن هلك سنة سبع وستمائة دس عامل تلمسان يومئذ أبو زيد بن لوحان من اغتاله فقتله وقام بأمرهم من بعده ابنه عبد القوى فانفرد برياستهم وتوارثها عقبه من بعده كما نذكره وكان من أشهر بطون بنى توجين هؤلاء يومئذ بنو يدللتن وبنو قمرى وبنو ما دون وبنو زنداك وبنو وسيل وبنو قاضى وبنو مامت ويجمع هؤلاء الستة بنومدن ثم بنو تيغرين وبنو يرناتن وبنو منكوش ويجمع هؤلاء الثلاثة بنو سرغين ونسب بنى زنداك دخيل فيهم وانما هم من بطون مغراوة وبنو منكوش هؤلاء منهمعبد القوى بن العباس بن عطية الحيو هكذا رايت نسبه لبعض مؤرخي زناتة المنكوشى وكانت رياسة بنى توجين جميعا عند انقراض أمر بنى عبد المؤمن لعبد القوى بن العباس بن عطية الحيو واحياؤهم جميعا بتلك المجالات القبلية فلما وهن أمر بنى عبد المؤمن وتغلب مغراوة على بسائط متيجة ثم على جبل وانشريس نازعهم عبد القوى هذا وقومه أمر وانشريس وغالبوهم إلى أن غلبوهم عليه واستقر في ملكهم وأوطنه بنو تيغرين وبنو منكوش من أحيائهم ثم تغلبوا على منداس وأوطنها أحياء بنى مدن جميعا وكان الظهور منهم لبنى يدللتن ورياسة بنى يدللتن لبنى سلامة وبقى بنو يرناتن من بطونهم بمواطنهم الاولى قبلة وانشريس وكان من أحلاف بنى عطية الحيو بنو تيغرين منهم خاصة وأولاد عزيز بن يعقوب ويعرفون جميعا بالوزراء ولما تغلبوا على الاوطان والتلول وأزاحوا مغراوة عن لمدية ووانشريس وتافركينت واستأثروا بملكها وملك الاوطان عن غربيها مثل منداس والجعبات وتاوغزوت ورئيسهم لذلك العهد عبد القوى بن العباس والكل لامره فصار له ملك بدوى ولم يفارق فيه سكنى الخيام ولا ابعاد النجعة ولا ائتلاف الرحلتين بنتابون في مشاتيهم إلى مصاب والزاب وينزلون في المصايف بلادهم هذه من التل ولم يزل هذا شأن عبدالقوى وابنه محمد إلى إن تنازع بنوه الامر من بعده وقتل بعضهم بعضا وتغلب بنو عبد الواد على عامة أوطانهم وأحيائهم واستبد عليهم بنو يرناتن وبنو يدللتن فصاروا إلى بنى عبد الواد وبقى أعقابهم بجبل وانشريس إلى أن انقرضوا على ما نذكره بعد وكان عبد القوى لما غلب مغراوة على جبل وانشريس اختط حصن مرات بعد أن كان منديل المغراوى شرع في اختطاطه فبنى منه القصبة ولم يكمله فاكمله محمد بن عبد القوى من بعده ولما استبد بنو أبى حفص بأمر افريقية وصارت لهم

[ 156 ]

خلافة الموحدين نهض الامير أبو زكريا إلى المغرب الاوسط ودخلت في طاعته قبائل صنهاجة وفرت زناتة أمامه وردد إليهم الغزو فأصاب منهم وتقبض في بعض غزواته على عبد القوى بن العباس أمير بنى توجين فاعتقله بالحضرة ثم من عليه وأطلقه على أن يستألف له قومه فصاروا شيعة له ولقومه آخر الدهر ونهض الامير أبو زكريا بعدها إلى تلمسان فكان عبد القوى وقومه في جملته حتى إذا ملك تلمسان ورجع إلى الحضرة عقد لعبد القوى هذا على قومه ووطنه وأذن له في اتخاذ الآلة فكانت أول مراسم الملك لبنى توجين هؤلاء وكانت حالهم مع بنى عبد الواد تختلف في السلم والحروب ولما هلك السعيد على يد يغمراسن وقومه كما ذكرناه استنفر يغمراسن سائر أحياء زناتة لغزو المغرب ومسابقة بنى مرين إليه فنفر معه عبد القوى في قومه سنة سبع وأربعين وانتهوا إلى تازى واعترضهم أبو يحيى بن عبد الحق أمير بنى مرين في قومه فنكصوا واتبعهم إلى انكاد فكان اللقاء وانكشفت جموع بنى يادين وكانت الهزيمة التى ذكرناها في أخبار بنى عبد الواد وهلك عبد القوى مرجعه منها في سنته بالموضع المعروف باحمون من مواطنهم وتصدى للقيام بعده بامرهم ابنه يوسف فمكث في تلك الامارة اسبوعا ثم قتله على جدث أبيه أخوه محمد بن عبد القوى ولى عهد أبيه سابع مواراته وفر ابنه صالح بن يوسف إلى بلاد صنهاجة بجبال لمدية فأقام بها هو وبنوه واستقل محمد برياسة بنى توجين واستغلظ ملكه وكان الفحل الذى لا يقرع أنفه ونازعه يغمراسن أمره ونهض إلى حربه سنة تسع وأربعين وعمد إلى حصن تافركينت فنازله وبه يومئذ حافده على بن زيان بن محمد في عصابة من قومه فحاصره أياما وامتنعت عليه فارتحل عنها ثم تواضعوا أوزار الحرب ودعاه يغمراسن إلى مثل ما دعا إليه أباه من غزو بنى مرين في بلادهم فأجاب ونهضوا سنة سبع وخمسين ومعهم مغراوة فانتهوا إلى كلدمان ما بين تازى وأرض الريف ولقيهم يعقوب بن عبد الحق في جموعه فانكشفوا ورجعوا منهزمين إلى بلادهم كما ذكرناه وكانت بينه وبين يغمراسن بعد ذلك فتن وحروب فنازله فيها بجبل وانشريس مرات وجاس خلال وطنه ولم يقع بعدها بينهما مراجعة لاستبداد يغمراسن بالملك وسموه إلى التغلب على زناتة أجمع وبلادهم وكانوا جميعا منحاشين إلى الدولة الحفصية وكان محمد بن عبد القوى كثير الطاعة للسلطان المستنصر (ولما نزل) النصارى الافرنجة بساحل تونس سنة ثمان وستين وطمعوا في ملك الحضرة بعث المستنصر إلى ملوك زناتة بالصريخ فصرفوا وجوههم إليه وخف من بينهم محمد بن عبد القوى في قومه ومن احتشد من أهل وطنه ونزل على السلطان بتونس وأبلى في جهاد العدو أحسن البلاء وكانت له في أيامه معهم مقامات مذكورة ومواقف

[ 157 ]

مشهورة وعند الله محتسبة معدودة ولما ارتحل العدو عن الحضرة وأخذ محمد بن عبد القوى في الانصراف إلى وطنه أسنى السلطان جائزته وعم بالاحسان وجوه قومه وعساكره وأقطعه بلاد مغراوة وأوماش من وطن الزاب وأحسن متقلبه ولم يزل بعد ذلك معتقلا بطاعته مستظهرا على عدوه بالانحياش إليه ولما استغلظ بنو مرين على يغمراسن بعد استيلائهم على أمصار المغرب واستبدادهم بملكه وصل محمد يده بهم في الاستظهار على يغمراسن وأوفد ابنه زيان بن محمد عليهم ولما نهض يعقوب بن عبد الحق إلى تلمسان سنة سبعين وأوقع بيغمراسن في الوقيعة التى هلك فيها ابنه فارس نهض محمد بن عبد القوى للقائه ومر في طريقه بالبطحاء وهى يومئذ ثغر لاعمال يغمراسن فهدمها ولقى يعقوب بن عبد الحق في ساحة تلمسان مباهيا بآلته فأكرم يعقوب وفادته وبر مقدمه ونازلوها أياما فامتنعت عليهم وأجمعوا على الافراج وتأنى لهم يعقوب بن عبد الحق متلوما عليها إلى أن يلحق محمد وقومه بلادهم حذرا عليهم من غائلة يغمراسن ففعل وملا حقائبهم باتحافه وجنب لهم مائة من الجياد العتاق بالمراكب الثقيلة وأراح عليهم ألف ناقة حلوب وعمهم بالصلات والخلع الفاخرة واستكثر لهم من السلاح والفازات والاخبية والعملان وارتحلوا ولحق محمد بن عبد القوى بمكانه من جبل وانشريس واتصلت حروبه مع يغمراسن وكثر اجلابه على وطنه وعيثه في بلاده وهو مع ذلك مقيم على موالاة يعقوب واتحافه بالعتاق من الخيل والمستجاد من الطرف حتى ان يعقوب إذا اشترط على يغمراسن في مهادنته جعل سلمهم من سلمه وحربهم من حربه وبسببهم كان نهوض يعقوب بن عبد الحق سنة ثمانين لما اشترط عليه ذلك ولج في قبوله فنهض إليه واوقع به بخرزوزة ثم أناخ عليه بتلمسان ووافاه هنالك محمد بن عبد القوى فلقيه بالقصاب وعاثوا في نواحى تلمسان نهبا وتخريبا ثم أذن يعقوب لمحمد وقومه في الانطلاق إلى بلادهم وتلوم هو بمكانه من ضواحي تلمسان مدة منجاتهم إلى مكانهم من وانشريس حذرا عليهم من اعتراض يغمراسن ولم يزل شأنهما ذلك إلى أن هلك يغمراسن بسدلونة من بلاد مغراوة خاتمة احدى وثمانين وفى خلال ذلك استغاظ بنو مرين على بنى عبد الواد واستوسق لمحمد هذا ملكه فتغلب على أوطان صنهاجة بجبال لمدية وأخرج الثعالبة من جبل تيطرى بعد أن غدر بمشيختهم وقتلهم فانزاحوا عنه إلى بسائط متيجة وأوطنوها واستولى محمد على حصن لمدية وهو المسمى بأهله لمدية بفتح اللام والميم وكسر الدال وتشديد الياء بعدها وهاء النسب في آخرها وهم بطن من بطون صنهاجة وكان المختط لها بلكين بن زيرى ولما استولى محمد عليها وعلى ضواحيها انزل أولاد عزيز بن يعقوب من حشمه بها وجعلها لهم موطنا وولاية وفر بنو صالح بن

[ 158 ]

أخيه يوسف بن عبد القوى من مكانهم بين صنهاجة منذ مقتل أبيه يوسف كما ذكرناه ولحقوا ببلاد الموحدين بافريقية فلقوهم مبرة وتكريما وقطعوا لهم بضواحي قسنطينة في ايالة الملوك من آل أبى حفص يعسكرون معهم في غزاوتهم ويبلون في حروبهم ويقومون بوظائف خدمتهم وكان الموالى من أولاد عزيز على لمدية حسن بن يعقوب وبنوه من بعده يوسف وعلى وكانت مواطنهم ما بين لمدية وموطنهم الاول ماخنون وكان بنو يدللتن أيضا من بنى توجين قد استولوا على حصن الجعبات وقلعة تاوغزوت ونزل القلعة كبيرهم سلامة بن على مقيما على طاعة محمد بن عبد القوى وقومه فاتصل ملك محمد بن عبد القوى في ضواحي المغرب الاوسط ما بين مواطن بنى راشد إلى جبال صنهاجة بنواحي لمدية وما في قبلة ذلك من بلاد السرسو ووجبا له إلى أرض الزاب وكان يبعد الرحلة في مشتاه فينزل الروسن ومغرة والمسيلة ولم يزل دأبه ذلك ولما هلك يغمراسن سنة احدى وثمانين كما ذكرناه استجدت الفتنة بين عثمان ابنه وبين محمد بن عبد القوى على اثر ذلك سنة أربع وثمانين وولى من بعده ابنه سيد الناس فلم تطل مدة ملكه وقتله أخوه موسى لسنة أو نحوها من بعد مهلك أبيه وقام موسى بن محمد في امارة بنى توجين نحوا من عامين وكان أهل مرات من أشد أهل وطنه شوكة وأقواهم غائلة فحدثته نفسه أن يستلحم مشيختهم ويريح نفسه من محاذرتهم فأجمع لذلك ونزلها ونذروا بشأنه ورأيه فيهم فاستماتوا جميعا وثاروا به فقاتلهم ثم انهزم مثخنا بالجراحة وألجؤه إلى مهاول الحصن فتردى منها وهلك وولى من بعده عمر بن اخيه اسمعيل بن محمد مدة اربعة أعوام ثم غدر به أولاد عمه زيان بن محمد فقتلوه وولوا كبيرهم ابراهيم بن زيان وكان حسن الولاية عليهم يقال ما ولى بعد محمد فيهم مثله وفى خلال هذه الولايات استغلظ عليهم بنو عبد الواد واشتدت وطأة عثمان بن يغمراسن عليهم بعد مهلك أبيهم محمد فنهض إليهم سنة ست وثمانين وحاصرهم بجبل وانشريس وعاث في أوطانهم ونقل زروعها إلى مازونة حين غلب عليها مغراوة ثم نازل حصن تافركينت وملكها بمداخلة القائد بها غالب الخصى مولى سيد الناس بن محمد وقفل إلى تلمسان ثم نهض إلى أولاد سلامة بقلعة تاوغزوت وامتنعوا عليه مرارا ثم أعطوه اليد على الطاعة ومفارقة بنى محمد بن عبد القوى فنبذوا لهم العهد وصاروا إلى ايالة عثمان بن يغمراسن وفرضوا لهم المغارم على بنى يدللتن وسلك عثمان بن يغمراسن مسلك التضريب بين قبائل بنى توجين وتحريضهم على ابراهيم بن زيان أميرهم فعدا عليه زكرار بن أعجمى شيخ بنى ما دون وقتله بالبطحاء في احدى غزواته لسبعة أشهر من ملكه وولى بعده موسى بن زرارة بن محمد بن عبد القوى بايع له بنو تيغرين واختلف سائر بنى توجين فأقام بعض سنة

[ 159 ]

وعثمان بن يغمراسن في خلال هذا يستألف بنى توجين شبعا فشعبا إلى أن نهض إلى جبل وانشريس فملكه وفر أمامه موسى بن زرارة إلى نواحى لمدية وهلك في سفره ذلك ثم نهض عثمان إلى لمدية سنة ثمان وثمانين بعدها فملكها بمداخلة لمدية من قبائل صنهاجة غدروا بأولاد عزيز وأمكنوه منها ثم انتقضوا عليه لسبعة أشهر ورجعوا إلى ايالة أولاد عزيز فصالحوا عثمان بن يوسف على الاتاوة والطاعة كما كانوا مع محمد بن عبد القوى وبنيه فملك عثمان بن يغمراسن عامة بلاد توجين ثم شغل بما دهمه من مطالبة بنى مرين أيام يوسف بن يعقوب فولى على بنى توجين من بنى محمد بن عبد القوى أبو بكر بن ابراهيم بن محمد مدة عامين أخاف فيها الناس وأساء السيرة ثم هلك فنصب بنو تيغرين بعده أخاه عطية المعروف بالاصم وخالفهم أولاد عزيز وجميع قبائل توجين فبايعوا ليوسف ابن زيان بن محمد وزحفوا إلى جبل وانشريس فحاصروا به عطية وبنى تيغرين عاما أو يزيد وكان يحيى بن عطية كبير بنى تيغرين هو الذى تولى البيعة لعطية الاصم فلما اشتد بهم الحصار واستفحل ملك يوسف بن يعقوب بمكانه من حصار تلمسان ورغبه في ملك جبل وانشريس فبعث معه الجيوش لنظر أخيه أبى سرحان ثم أخيه أبى يحيى وكان نهوض أبى يحيى سنة احدى وسبعمائة فتوغل في ناحية الشرق ولما رجع صمد إلى جبل وانشريس فهدم حصونه وقفل ونهض ثانية إلى بلاد بنى توجين فشردهم عنها وأطاعه أهل تافركينت ثم انتهى إلى لمدية فافتتحها صلحا واختط قصبتها ورجع إلى أخيه يوسف بن يعقوب فانتقض أهل تافركينت بعد صدوره عنهم ثم راجع بنو عبد القوى بصائرهم في التمسك بالطاعة ووفدوا على يوسف بن يعقوب فتقبل طاعتهم وأعادهم إلى بلادهم وأقطعهم وولى عليهم على بن الناصر بن عبد القوى وجعل وزارته ليحيى بن عطية فغلبه على دولته واستقام ملكه وهلك خلال ذلك فعقد يوسف بن يعقوب مكانه لمحمد بن عطية الاصم واستقام على طاعته وقتا ثم انتقض بين يدى مهلكه سنة ست وحمل قومه على الخلاف ولما هلك يوسف بن يعقوب وتجافى بنو مرين من بعدها لبنى يغمراسن عن جميع الامصار التى تملكوها بالمغرب الاوسط استمكن بنو يغمراسن منها ودفعوا المتغلبين عنها ولحق الفل من أولاد عبد القوى ببلاد الموحدين فحلوا من دولتهم محل الايثار والتكرمة وكان للعباس بن محمد بن عبد القوى مع الملوك من آل أبى حفص مقام الخلة والمصافاة إلى أن هلك وبقى عقبه في جند السلطان ولما خلا الجو من هؤلاء المرشحين تغلب على جبل وانشريس من بعدهم كبير بنى تيغرين أحمد بن محمد من أعقاب يعلى بن محمد سلطان بنى يفرن فأقام يحيى بن عطية هذا في رياستهم أياما ثم هلك وقام بأمره من بعده أخوه عثمان بن عطية ثم هلك وولى من بعده ابنه عمر بن عثمان واستقل مع قومه بجبل

[ 160 ]

وانشريس واستقل أولاد عزيز بلمدية ونواحيها ورياستهم ليوسف وعلى ابني حسن ابن يعقوب والكل في طاعة أبى حمو سلطان بنى عبد الواد لما غلبهم على أمرهم وانتزع الرياسة من بنى عبد القوى أمرائهم إلى أن خرج على السلطان أبى حمو ابن عمه يوسف ابن يغمراسن ولحق بأولاد عزيز فبايعوه وداخلوا في كشانة عمر بن عثمان كبير بنى تيغرين وصاحب جبل وانشريس فأجابهم وأصفق معهم سائر الاعشار ويكوشة وبنو يرناتن وزحفوا مع محمد بو يوسف إلى السلطان أبى حمو في عسكره بتهل ففضوه وكان من شأن فتنته معهم ما ذكرناه في أخبار بنى عبد الواد إلى ان هلك السلطان أبو حمو وولى ابنه أبو تاشفين فنهض إليهم في العساكر وكان عمر بن عثمان قد لحقته الغيرة من مخالصة محمد بن يوسف لاولاد عزيز دون قومه فداخل السلطان أبا تاشفين في الانحراف عنه فلما نزل بالجبل ولحق محمد بن يوسف بحصن توكال ليمتنع به نزع عنه عمر ابن عثمان ولحق بأبى تاشفين ودله على مكامن الحصن فدلف إليه أبو تاشفين وأخذ بمخنقه وافترق عن محمد بن يوسف أولياؤه وأشياعه فتقبض عليه وقيد أسيرا إلى السلطان أبى تاشفين فقتل بين يديه قعصا بالرماح سنة تسع عشرة وبعث برأسه إلى تلمسان وصلب شلوه بالحصن الذى امتنع فيه أيام انتزائه ورجع أمر وانشريس إلى عمر بن عثمان هذا وحصلت ولايته لابي تاشفين إلى أن هلك بتلمسان في بعض أيامهم مع بنى مرين أعوام نازلها السلطان أبو الحسن كما ذكرنا في أخبار الحصار ثم لما تغلب بنو مرين على المغرب الاوسط استعمل السلطان أبو الحسن ابنه نصر بن عمر على الجبل وكان خير وال وفاء بالمة والطاعة وخلوصا في الولاية وصدقا في الانحياش واحسانا للمملكة وتوفيرا للجباية ولما كانت نكبة السلطان أبى الحسن بالقيروان وتطاول الاعياص من زناتة إلى استرجاع ملكهم انتزى بضواحي لمدية من آل عبد القوى عدى بن يوسف بن زيان ابن محمد بن عبد القوى وناغى الخوارج في دعوتهم واشتمل عليه بنو عزيز هؤلاء وبنو يرناتن جيرانهم وزحف إلى جبل وانشريس لينال مع الحشم من يلى أمرهم والمداخلين لعدوهم في قطع دابرهم وكبيرهم يومئذ نصر بن عمر بن عثمان وبايع نصر المسعود بن أبى زيد بن خالد بن محمد بن عبد القوى من أعقابهم ثم خلص إليهم من جملة عدى بن يوسف حذرا على نفسه من أصحابه وقاتلهم عدى وقومه فامتنعوا عليه ودارت بينهم حروب كانت العاقبة فيها والظهور لنصر بن عمر وقومه ثم دخل عدى في جملة السلطان أبى الحسن لما خلص من تونس إلى الجزائر وبقى مسعود بينهم وملكه أبو سعيد بن عبد الرحمن لما ملك تلمسان هو وقومه فلم يزل هنالك إلى أن غلبهم السلطان أبو عنان فسار في جملته بعد أن فر إلى زواوة واستنزله منها ونقله إلى فاس وانقضى

[ 161 ]

ملكهم ودولتهم وانقطع أثر بنى محمد بن عبد القوى وأقام نصر بن عمر في ولاية جبل وانشريس وعقد له السلطان أبو عنان عليه سائر دولته ولم يزل قائما بدعوة بنى مرين من بعده إلى أن غلبهم السلطان أبو حمو الاخير وهو ابن موسى بن يوسف على الامر فأعطاه نصر الطاعة ثم اضطرمت نار الفتنة بين العرب وبين بنى عبد الواد أعوام سبعين وسبعمائة وقاموا بدعوة بنى زيان بن السلطان أبى سعيد عم أبى حمو فانحاش نصر بن عمر إليهم وأخذ بدعوة الامير أبى زيان حينا ثم هلك أيام تلك الفتنة وقام بأمرهم من بعده أخوه يوسف بن عمر متقبلا مذاهبه وهو لهذا العهد وهو سنة ثلاث وثمانين صاحب جبل وانشريس وحاله مع أبى حمو مختلف في الطاعة والخلاف والله مالك الامور لارب غيره ولا معبود سواه.

[ 162 ]

مسعود بن بو زيد بن خالد محمد بن عطية بن ابراهيم أبو زكريا سيد الناس موسى يحيى بن صالح بن عمر بن يوسف نجتين زيان بن يوسف بن موسى ابراهيم موسى بن زرارة عمر بن اسمعيل عدى بن يوسف بن زيان بن محمد بن عبد القوى بن العباس بن عطية الحيو بن مناد بن العباس بن دافلتن بن أبى بكر بن الغلب قالوا محمد بن عيسى بن موسى بن محمد عمر

[ 163 ]

{ الخبر عن بنى سلامة أصحاب قلعة تاوغزوت رؤساء بنى يدللتن من بطون توجين من هذه الطبقة الثانية وأوليتهم ومصايرهم } كان بنو يدللتن هؤلاء من شعوب بنى توجين وأشدهم شوكة وأوفرهم عددا وكان لهم ظهور من بين سائر تلك البطون وكان بنو عبد القوى ملوك بنى توجين يعرفون لهم ذلك ويوجبون لهم حقه ولما دخل إلى التلول بعد انقراض بنى يلومى وبنى وماتوا بنو قاضى وبنو ما دون بأرض منداس فأوطنوها وجاء بنو يدللتن على اثرهم فأوطنوا الجعبات وتاوغزوت ورياستهم يومئذ لنصر بن سلطان بن عيسى ثم هلك فقام بأمرهم ابنه مناد بن نصر ثم أخوه على بن نصر ثم ابنه ابراهيم بن على من بعده ثم هلك وقام بأمرهم أخوه سلامة بن على على حين استفحل ملك عبد القوى وبنيه فاستفحل أمره هو في قومه واختط القلعة بتاوغزوت المنسوبة إليه والى بنيه وكانت من قبل رباطا لبعض المنقطعين من عرب سويد ويزعم بنو سلامة هؤلاء أنهم دخلاء في نسب توجين وأنهم من العرب من بنى سليم بن منصور وجاء جدهم عيسى أو سلطان نازعا عن قومه لدم أصابه فيهم فخلطه شيخ بنى يدللتن من بنى توجين بنسبه وكفل بنيه من بعده ولما هلك سلامة بن على قام بأمرهم من بعده ابنه يغمراسن بن سلامة على حين استغلظ بنو عبد الواد على بنى توجين من بعد مهلك محمد بن عبد القوى سلطانهم الاكبر فكان عثمان بن يغمراسن يتردد إلى بلادهم بالغزو ويطيل فيها العيث ونازل في بعض غزواته قلعتهم هذه وبها يغمراسن فامتنع عليه وخالفه يوسف بن يعقوب وبنو مرين إلى تلمسان فأجفل على القلعة وسابق بنى مرين إلى دار ملكه واتبعه يغمراسن بن سلامة مغيرا في أعقابه فكر عليه بالمكان المعروف بتليوان ودارت بينهم هناك حروب هلك فيها يغمراسن بن سلامة وقام بالامر من بعده أخوه محمد بن سلامة فأذعن لطاعته عثمان بن يغمراسن وخالف بنو عبد القوى وجعل الاتاوة على قومه ووطنه لملوك بنى عبد الواد فلم تزل عليهم لملوك تلمسان ولحق أخوه سعد بالمغرب وجاء في جملة السلطان يوسف بن يعقوب في غزوته التى حاصر فيها تلمسان حصاره الطويل فرعى لسعد بن سلامة هجرته إليه وولاه على بنى يدللتن والقلعة وفر أخوه محمد بن سلامة فلحق بجبل راشد وأقام هنالك إلى أن هلك يوسف بن يعقوب ورجع أمر المغرب الاوسط لبنى عبد الواد فوضعوا الاتاوة على بنى توجين وأصاروهم إلى الجباية ولم يزل سعد على ولايته إلى أن هلك أبو حمو وولى أبو تاشفين فسخط سعدا وبعث عن أخيه محمد بن جبل راشد فولاه مكانه ولحق سعد بالمغرب وجاء في جملة السلطان أبى الحسن ودخل أخوه محمد مع أبى تاشفين فانحصر بتلمسان وولى سعد بن سلامة مكانه ثم هلك محمد في بعض أيام الحصار وحروبه ولما انقرض أمر بنى عبد

[ 164 ]

الواد رغب سعد من السلطان تخلية سبيله لقضاء فرضه فحج وهلك مرجعه من الحج في طريقه وعهد إلى السلطان أبى الحسن واستوصاه ببنيه على لسان وليه عريف بن يحيى كبير بنى سويد فولى السلطان أبو الحسن ابنه سليمان بن سعد على بنى يدللتن والقلعة وانتقض أمر السلطان أبى الحسن وعاد الامر إلى أبى سعيد وأبى ثابت ابني عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن فكانت بينه وبينهم ولاية وانحراف وكان أولياؤهم من العرب بنى سويد من زغبة لما كانوا جيرانهم في مواطنهم من ناحية القبلة فطمع وترمارين عريف شيخهم في التغلب على وطن بنى يدللتن ومانعه دونه سليمان هذا وبالغ في دفاعه إلى أن ملك السلطان أبو عنان بلاد المغرب الاوسط ورعى لوترمار وابنه عريف حق انحياشهم إليه وهجرتهم إلى قومه فأقطع وترمار بن عريف القلعة وما إليها وجباية بنى يدللتن أجمع وألحق سليمان بن سعد بن سلامة في جنده ووجوه عسكره إلى أن هلك السلطان وعاد الامر لبنى عبد الواد على يد أبى حمو الاخير فولى سليمان على القلعة وعلى قومه واستغلظ أمر العرب عليه فاستراب سليمان هذا ونذر بالشر منه فلحق باولاد عريف ثم راجع الطاعة فتقبض عليه واغتاله وذهب دمه هدرا ثم غلبه العرب على عامة المغرب الاوسط وأقطع القلعة وبنى يدللتن لاولاد عريف استئلافا لهم ثم أقطعهم بنى ما دون ثم منداس فأصبحت بطون بنى توجين كلها خولا لسويد وعبدا لجبايتهم الا جبل وانشريس فانه لم يزل لبنى تيغرين والوالى عليهم يوسف بن عمر منهم كما قلناه ونظم أبو حمو أولاد سلامة في جنده وأثبتهم في ديوانه وأقطعهم القصبات من نواحى تلمسان في عطائهم وهم على ذلك لهذا العهد ولله الخلق والامر لارب سواه ولا معبود الا اياه له الحكم واليه ترجعون وهو نعم المولى ونعم النصير وهو على كل شئ قدير ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم يغمراسن يغمراسن الحسن محمد ابراهيم مناد سليمان بن سعد بن سلامة بن على بن نصر بن سلطان بن عيسى

[ 165 ]

{ الخبر عن بنى يرناتن احدى بطون توجين من هذه الطبقة الثانية وما كان لهم من التقلب والامارة وذكر أوليتهم ومصايره } كان بنو يرناتن هؤلاء أوفر قبائل بنى توجين وأعزهم جانبا وأكبرهم صيتا ولما دخل بنو توجين إلى تلول المغرب الاوسط أقاموا بمواطنهم الاولى ما بين ما حون وزمتة ثم يعود من القبلة يجولون جانبى نهر واصل من أعلى وادى شلف وكانت رياستهم في نصر بن على بن تميم بن يوسف بن بونوال وكان شيخهم مهيب بن نصر منهم وكان عبد القوى بن العباس وابنه محمد أمراء بنى توجين يختصونهم بالاثرة والتجلة لمكانهم من قومهم وما يؤنسون من عظيم غنائهم وكان محمد بن عبد القوى في سلطانه يؤثر عليهم من أولاد عزيز وكان واليهم لعهده وعهد بنيه عبو بن حسن بن عزيز وقد كان أصهر مهيب بن نصر إلى عبد القوى في ابنته فأنكحه اياها وولدت له نصر بن مهيب فشرفت خؤلته لمحمد بن عبد القوى وعلا كعبه في امارته ثم ولى بعده ابنه على بن نصر وكان له من الولد نصر وعشر وآخرون يعرفون بأمهم واسمها تاسرغيفت وولى بعده ابنه نصر بن على فطال أمد امارته في قومه واختلف بنو عبد القوى وغلب بنو عبد الواد على ما بأيديهم فصرفت ملوك زناتة وجه العناية إليه فبعد صيته وعرف بنوه من بعده بشهرته وكان ولودا فيقال انه خلف ثلاثة عشر من البنين ما منهم الا صاحب حرب أو مقنب ومن مشاهيرهم عمر الذى قتله السلطان أبو الحسن بمرات حين سعى به أنه داخل في اغتياله ففر وأدرك فقتل بمرات ومنهم منديل الذى قتله بنو تيغرين أيام ولوا على بن الناصر وقتلوا معه عبو بن حسن بن عزيز ومنهم عنان ومات قتيلا في حصار تلمسان أيام أبى تاشفين ومنهم مسعود ومهيب وسعد وداود وموسى ويعقوب والعباس ويوسف في آخرين معروفين عندهم هذا شأن أولاد نصر بن على بن نصر بن مهيب وأما ولد عشر أخيه فكان منهم أبو الفتوح بن عشر ثم من ولده عيسى بن أبى الفتوح فكان رئيسا على بنى أبيه وكانت احدى وصائفهم سقطت بدار عثمان بن يغمراسن وادعت الحمل من سيدها أبى الفتوح وجاءت بأخ لعيسى يسمى معروفا ربى بدارهم واستوزره أبو حمو وابنه من بعده وبلغ المبالغ في دولتهم وكان يدعى معروفا الكبير ولحق به أيام رياسته في دولة أبى حمو الاول أخوه عيسى بن أبى الفتوح مغاضبا لقومه فسعى له في الولاية على بنى راشد وجباية أوطانهم وأنزله بلد سعيدة فكانت له بها امارة وكان له من الولد أبو بكر وعبو وطاهر ووترمار وعندما بلغ بنو مرين على بنى عبد الواد ولاهم السلطان أبو الحسن على بن يرناتن متداولين وأما ولد تاسرغينت من بنى على بن نصر بن مهيب فلم يكن لهم ذكر في رياسة قومهم الا أن بعض وصائفهم سقطت أيضا إلى دار أبى

[ 166 ]

تاشفين فولدت غلاما يعرف بعطية بن موسى نشأ في دارهم بنسب إلى بنى تاسرغينت هؤلاء وتناولته النجابة في خدمتهم فولوه الاعمال النبيهة وهو لهذا العهد عامل أبى حمو الاخير على شلف وما إليها وقد غلب العرب لهذا العهد على وطن بنى يرناتن وملكوا عليهم بعود وماحون وبقيت ضبابتهم بجبل ورنيد وعليهم لهذا العهد سعيد بن عمر من ولد نصر بن على بن نصر بن مهيب يعطونه المغرم للسلطان ويصانعون العرب بالاتاوة وبيد الله تصاريف الامور سبحانه لارب غيره عنان مهيب يعقوب موسى عيسى بن ابى الفتوح بن عشر معروف الكبير منديل مسعود سعيد العباس عطية بن موسى بن تاسرغينت سعيد بن عمر بن نصر بن على بن نصر بن على بن تميم بن يوسف بن بنو نوال بن نوال { الخبر عن بنى مرين وأنسابهم وشعوبهم وما تأثلوا بالمغرب من السلطان والدولة التى استعملت سائر زناتة وانتظمت كراسي الملك بالعدوتين وأولية ذلك ومصايره } قد ذكرنا أن بنى مرين هولاء من شعوب بنى واسين وذكرنا نسب واسين في زناتة وذكرنا أنهم بنو مرين بن ورتاجن بن ماخوخ بن جديج بن فاتن بن يدر بن يخفت بن عبد الله بن ورتنيص بن المعز بن ابراهيم بن سجيك بن واسين وأنهم اخوة بنى يلومى ومديونة وربما

[ 167 ]

وعقد له على ذلك الثغر وضم الاعمال إليه وبلغ الخبر بذلك إلى المرتضى فأهمه الشأن وأحضر الملا من الموحدين وفاوضهم واعتزم على حرب بنى مرين وسرح العساكر سنة خمسين فأحاطت بسلا فافتتحوها وعادت إلى طاعة المرتضى وعقد عليها لابي عبد الله بن أبى يعلوا من مشيخة الموحدين وكان المرتضى قد صمد بنفسه سنة تسع وأربعين إلى محاربة بنى مرين في جموع الموحدين وعساكر الدولة وصمد بنو مرين للقائه والتقى الجمعان بايميلواين ففضوا جموعه وكانت الدبرة عليه والظهور لهم ثم كان بعد فتح سلا وغلب الموحدين عليها وأجمع المرتضى بعدها على احتشاد أهل سلطانه ومعاودة الخروج بنفسه إلى غزوهم لما خشى من امتداد أمرهم وتقلص ملك الموحدين فعسكر خارج حضرته سنة ثلاث وخمسين وبعث الحاشد في الجهات فاجتمع إليه أمم الموحدين والعرب والمصامدة وأغذ السير تلقاءهم حتى إذا انتهوا إلى جبال بهلولة من نواحى فاس وصمد إليه الامير أبو يحيى في عساكر بنى مرين ومن اجتمع إليهم من ذويهم والتقى الجمعان هنالك وصدقهم بنو مرين القتال فاختل مصاف السلطان وانهزمت عساكره وأسلمه قومه ورجع إلى مراكش مغلولا واستولى القوم على معسكره واستباحوا سرادقه وفساطيطه وانتهبوا جميع ما وجدوا بها من المال والذخيرة واستاقوا سائر الكراع والظهر وامتلات أيديهم من الغنائم واعتز أمرهم وانبسط سلطانهم وكان يوما له ما بعده واغزي اثر هذه الحركة ببنى مرين تادلا واستباح بنى جابر حاميتها من جشم ببلد ابني نفيس واستلحم ابطالهم ولا أن من حدهم وخضد من شوكتهم وفى أثناء هذه الحروب كان مقتل على بن عثمان بن عبد الحق وهو ابن أخى الامير أبى يحيى شعر منه بفساد الدخلة والاجماع للتوثب به فدس لابنه أبى حديد مفتاح بقتله فقتله في جهات مكناسة سنة احدى وخمسين والله تعالى أعلم * (الخبر عن فتح سلجماسة وبلاد القبلة وما كان في ذلك من الاحداث) * لما يئس بنو عبد المؤمن من غلبهم بنى مرين على ما صار في أيديهم من بلاد المغرب وعادوا إلى مدافعتهم عن صمامة الدولة التى تحملت اياها شفافههم لو أطاقوا المدافعة عنها وملك بنو مرين عامة بلاد التلول اعتزم الامير أبو يحيى بعدها على الحركة إلى بلاد القبلة ففتح سجلماسة ودرعة وما إليها سنة ثلاث وخمسين وافتتحها بمداخلة من ابن القطراني غدر بعامل الموحدين فتقبض عليه وأمكن منها الامير أبا يحيى فملكها وما إليها من درعة وسائر بلاد القبلة وعقد لابنه أبى حديد وبلغ الخبر إلى المرتضى فسرح العساكر سنة أربع وخمسين لاستنقاذها وعقد عليهم لابن عطوش ففر راجعا إلى مراكش ثم نهض سنة خمس وخمسين إلى محاربة يغمراسن وبنيه بأبى سليط فأوقع بهم

[ 168 ]

منصور بن منديل بن عثمان بن الاعذر بن عسكر لبكوم المخصب ابويكى بنو تنابعت عمر بن عثمان بن يوسف بن اسمعيل بن عيسى بن يحيى بن وسنان ابن عباد بن يحيى فروت وراغ سكيمان سنكيان عمرسكم تير بيعين سليمان على عبد الحق عبد الحق بن محيوابن أبى بكر بن حمامة بن محمد بن ورزير بن فكوس بن كرماط بن مرين بن ورتاجن بن ماخوخ بن جديج بن فاتن بن يدر بن يخفت

[ 169 ]

{ الخبر عن امارة عبد الحق بن محيو المستقرة في بنيه وامارة ابنه عثمان بعده ثم أخيه محمد بن عبد الحق بعدهما وما كان فيها من الاحداث } لما هلك محيو بن أبى بكر بن حمامة من جراحته كما قلناه وكان له من الولد عبد الحق ومساي ويحياتن وكان عبد الحق أكبرهم فقام بأمر بنى مرين وكان خير أمير عليهم قياما بمصالحهم وتعففا عما في أيديهم وتقويما لهم على الجادة ونظرا في العواقب واستمرت أيامهم ولما هلك الناصر رابع خلفاء الموحدين بالمغرب سنة عشر وستمائة مرجعه من غزاة العقاب وقام بأمر الموحدين بعده ابنه يوسف المستنصر نصبه الموحدون غلاما لم يبلغ الحلم وشغلته أحوال الصبا وجنونه عن القيام بالسياسة وتدبير الملك فأضاع الحزم وأغفل الامور وتواكل الموحدون بما أرخى لهم من طيل الدالة عليه ونفس عن مخنقهم من قبضة الاستبداد والقهر فضاعت الثغور وضعفت الحامية وتهاونوا بأمرهم وفشلت ريحهم وكان هذا الحى لذلك العهد بمجالات القفار من فيكيك إلى صاوملوية كما قدمناه من شأنهم وكانوا يطرقون في صعودهم إلى التلول والارياف منذ أول دولة الموحدين وما قبلها جهات كرسيف إلى وطاط ويأنسون بمن هناك من بقايا زناتة الاولى مثل مكناسة بجبال تازى وبنى يدنيان ومغراوة الموطنين قصور طاط من أعالي ملوية يتقلبون بتلك الجهات عامة المربع والمصيف وينحدرون إلى مشاتيهم بما يتمارونه من الحبوب لاقواتهم فلما رأوا من اختلال بلاد المغرب ما رأوا انتهزوا فيها الفرصة وتخلصوا إليه من القفر ودخلوا من ثناياه وتفرقوا في جهاته وأوجفوا بخيلهم وركابهم على ساكنيه واكتسحوا بالغارة والنهب سائر بسائطه ولجأت الرعايا إلى معتصماتهم ومعاقلهم وكثر شاكيهم وأظلم الجو بينهم وبين السلطان والدولة فاذنوهم بالحرب وأجمعوا لغزوهم وقطع دابرهم وأغزى الخليفة المستنصر عظيم الموحدين أبا على بن وانودين بجميع العساكر والحشود من مراكش وسرحه إلى السيد أبى ابراهيم أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن بمكانه من امارة فاس وأوعز إليه أن يخرج بهم لغزو بنى مرين وأمره أن يثخن ولا يستبقى واتصل الخبر ببنى مرين وهم في جهات الريف وبلاد بطوية فتركوا أثقالهم بحصن تاروطا وصمدوا إليهم فالتقى الجمعان بوادي بكور فكان الظهور لبنى مرين والدبرة على الموحدين وامتلات الايدى من اسلابهم وأمتعتهم ورجعوا إلى فاس يخصفون عليهم من ورق النبات المعروف عند أهل المغرب بالمشعلة لكثرة الخصب حينئذ واعتمار الفدن بالزرع وأصناف الباقلا حتى لقد سميت الواقعة يومئذ بعام الشعلة وصمد بنو مرين بعدها إلى تازى ففلوا حاميتها أخرى ثم اختلفت بنو محمد رؤساؤهم وانتبذ عنهم من عشائرهم بنو

[ 170 ]

عسكر بن محمد لمنافسة وجدوها في أنفسهم من استقلال بنى عمهم حمامة بن محمد بالرياسة دونهم بعد أن كان أومض عندهم منها في عسكر وابنه المخضب ايماض أخاف بارقه فحالفوا عبد الحق أميرهم وقومه إلى مظاهرة أولياء الموحدين وحامية المغرب من قبائل رياح الموطنين بالهبط وازغار الحديث عهدهم بالتحرش والعز منذ انزال المنصور اياهم بذلك المنظر من افريقية فتحيزوا إليهم وكاثرهم على قومهم وصمدوا اجمعون إلى لقاء بنى مرين سنة أربع عشرة ودارت بينهم حرب تولى الصبر مقامها وهلك فيها أميرهم عبد الحق وكبير بنيه ادريس وقد أمر لمهلكها بنو مرين وجلا في تلك الحومة حمامة بن يصلتن من بنى عسكر وطيرا بن محيو بن السكمى فانكشف رياح آخرا وقتل منهم ابطال وولى بنو مرين عليهم بعد مهلك عبد الحق ابنه عثمان تلو ادريس وشهرته بينهم ادرغال ومعناه برطانتهم الاعور وكان لعبد الحق من الولد عشرة تسعة ذكور وأختهم ورتطليم فادريس وعبد الحق ورحولا مرأة من بنى على اسمها سوط النساء وعثمان ومحمد لامرأة من بنى ونكاس تسمى السوار بنت تصاليت وأبو بكر لامرأة من بنى تنالفت وهى تاغزونت بنت أبى بكر بن حفص وزيان لامرأة من بنى ورتاجن وأبو عياد لامرأة من بنى وللواحدي بطون عبد الواد اسمها أم الفرح ويعقوب لام اليمن بنت على من بطوية وكان أكبرهم ادريس الهالك مع أبيه عبد الحق فقام بأمر بنى مرين من بعد عبد الحق ابنه عثمان بايعه لوقته حمامة بن يصلتن وطير بن محيو ومن اليهما من مشيخة قومهما واتبعوا منهزمة رياح وأثخنوا فيهم وثأر عثمان بأبيه وأخيه حتى شفى نفسه منهم ولاذوا بالسلم فسالموهم على اتاوة يؤدونها إليه ولقومه كل سنة ثم استشرى من بعد ذلك داء بنى مرين وأعضل خطبهم وكثر الثوار بالمغرب وامتنع عامة الرعايا عن المغرب وفسدت السابلة واعتصم الامراء والعمال من السلطان فمن دونه بالامصار والمدن وغلبوا أولئك على الضاحية وتقلص ظل الحكام عن البد وجملة وافتقدوا بنو مرين الحامية دون الوطن والرباع فمدوا للبلاد يدا وسار بهم أميرهم أبو سعيد عثمان بن عبد الحق في نواحى المغرب يتقرى مسالكه وشعوبه ويضع المغارم على أهله حتى دخل أكثرهم في أمره فبايعوه من الضواحى عن الشاوية والقبائل الآهلة هوارة وزكارة ثم تسول ومكناسة ثم بطوية وفشتالة ثم صدراته وبهلولة ومديونة ففرض عليهم الخراج وألزمهم المغارم وفرق فيهم العمال ثم فرض على أمصار المغرب مثل فاس وتازى ومكناسة وقصر كتامة ضريبة معلومة يؤدونها على رأس كل حول على أن يكف الغارة عنهم ويصلح سابلتهم ثم أغزى ضواعن زناتة سنة عشرين وأثخن فيهم حتى أذعنوا وقبض ايديهم عما امتدت إليه من الفساد والنهب وعطف

[ 171 ]

بعدها على رياح أهل ازغار والهبط وآثار باببه فأثخن فيهم ولم يزل دأبه ذلك إلى أن هلك باغتيال علجه سنة سبع وثلاثين وقام بامر بنى مرين بعده أخوه عبد الحق فتقبل سنن أخيه في تدويخ بلاد المغرب وأخذ الضريبة من أمصاره وجباية المغارم والوصال مع ضواعنه وبدوه وسائر رعاياه وبعث الرشيد أبا محمد بن واندين لحربهم وعقد له على مكناسة وأجحف بأهلها في المغارم ثم نزل بنو مرين وغير من نواحيها فنادى في عسكره وخرج إليهم فدارت بينهم حرب شديدة هلك فيها خلق من الجانبين وبارز محمد بن ادريس بن عبد الحق قائدا من الروم واختلفا ضربتين هلك العلج باحداهما واندرج محمد واندمل جرحه فصار أثرا في وجهه لقب من أجله باضربة ثم شد بنو مرين على الموحدين فانكشفوا ورجع ابن واندين إلى مكناسة مغلولا وبقى بنو عبد المؤمن أثناء ذلك في مرض من الايام وتثاقل عن الحماية ثم أومضت دولتهم ايماضة الخمود وذلك أنه لما هلك الرشيد بن المأمون سنة أربعين وستمائة وولى أخوه على وتلقب بالسعيد وبايعته أهل المغرب انصرفت عزائمه إلى غزو بنى مرين وقطع أطماعهم عما سمت إليه من تلك المواطن فأغرى عساكر الموحدين بقتالهم ومعهم قبائل العرب والمصامدة وجموع الروم فنهضوا سنة ثنتين وأربعين في جيش كثيف يناهز عشرين ألفا فيما زعموا وزحف ليهم بنو مرين بوادي ما عاش وصبر الفريقان وهلك الامير محمد بن عبد الحق في الجولة بيد زعيم من زعماء الروم وانكشفت بنو مرين وأتبعهم الموحدون ودخلو تحت الليل فلحقوا بجبال عياثة من نواحى تازى واعتصموا بها أياما ثم خرجوا إلى بلاد الصحراء وولوا عليهم أبا يحيى بن عبد الحق فقام بأمرهم على ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن دولة الامير أبى يحيى بن عبد الحق مديل الامر لقومه بنى مرين وفاتح الامصار ومقيم الرسوم الملوكية من الآلة وغيرها لمن بعده من أمرائهم } لما ولى أبو يحيى بن عبد الحق أمر بنى مرين سنة ثنتين وأربعين كان من أول ما ذهب إليه ورآه من النظر لقومه ان قسم بلاد المغرب وقبائل جبايته بين بنى مرين وأنزل كلا منهم بناحية سوغها سائر الايام طعمة فاستركبوا الرجل اتباعهم واستلحقوا من غاشيتهم وتوفرت عساكرهم ثم نار المنافسة بين أحيائهم وخالف بنو عسكر جماعتهم وصاروا إلى الموحدين فحرضوهم على أبى يحيى بن عبد الحق وبنى حمامة وأغروهم بهم وبعثوا الصريخ إلى يغمراسن بن زيان فوصل في قومه إلى فاس فاجتمعوا جميعا إلى قائد الموحدين وأعطوا الرهن على صدق اللقاء في الامير أبى يحيى وأشياعه وصمدوا إليه حتى انتهوا إلى ورغة ثم إلى كرت وأعجزهم فانكفؤا راجعين

[ 172 ]

إلى فاس ونذر يغمراسن بقدر الموحدين فخرج في قومه مع أوليائه بنى عسكر وعارضهم الامير أبو يحيى بوادي سبوا فلم يطق حربهم ورجع عنهم عسكر الموحدين لما صرخ في معسكرهم من موت الخليفة السعيد ثم بعثوا إليه لملاطفتهم في الفيئة إلى الطاعة ومذاهب الخدمة القائد عنبر الخصى مولى الخليفة في حصة من الروم والناشبة فتقبض عليهم بنو عسكر وتمسكوا بهم في رهنهم وقتلوا كافة النصارى فأطلق أبناءهم ولحق يغمراسن وقومه بتلمسان ثم رجع بنو عسكر إلى ولاية أميرهم أبى يحيى واجتمع بنو مرين لشأنهم وتملكوا الاعمال ثم مدوا عيونهم إلى تلك الامصار فنزل أبو يحيى بجملته جبل زرهون ودعا أهل مكناسة إلى بيعة الامير أبى زكريا بن حفص صاحب افريقية لما انه كان يومئذ على دعوته وفى ولايته وحاصرها وضيق عليها بمنع المرافق وترديد الغارات ومقادات الحرب إلى أن أذعنوا لطاعته فاقتحمها صلحا بمداخلة أخيه يعقوب بن عبد الحق لزعيمها أبى الحسن بن أبى العافية وبعثوا بيعتهم إلى الامير أبى زكريا وكانت من انشاء أبى المطرف بن عميرة كان قاضيا فيهم يومئذ فأقطع السلطان ليعقوب ثلث جبايتها ثم أحس الامير أبو يحيى بن عبد الحق من نفسه الاستبداد ومن قبيله الاستيلاء فاتخذ الآلة وبلغ الخبر إلى السعيد بتغلبه على مكناسة وصرفها لابن أبى حفص فوجم لها وفاوض الملا من أهل دولته في أمره وأراهم كيف اقتطع الامر عنهم شيأ فشيأ فابن أبى حفص أقتطع افريقية ثم يغمراسن بن زيان وبنو عبد الواد اقتطعوا تلمسان والمغرب الاوسط وأقاموا فيها دعوة ابن أبى حفص وأطمعوه في الحركة إلى مراكش بمظاهرتهم وابن هود اقتطع عدوة الاندلس وأقام فيها دعوة بنى العباس وابن الاحمر بالجانب الآخر مقيم لدعوة ابن أبى حفص وهؤلاء بنو مرين تغلبوا على ضواحي المغرب ثم سموا إلى تملك أمصاره ثم افتتح أبو يحيى أميرهم مكناسة وأظهر فيها دعوة ابن أبى حفص وجاهر بالاستبداد ويوشك ان رضينا بهذه الدنية وأغضينا عن هذه الواقعات أن يختل الامر وتنقرض الدعوة فتدامروا وامتعضوا وتداعوا للصمود إليهم فجهز السعيد عساكر واحتشد عرب المغرب وقبائله واستنفر الموحدين والمصامدة ونهض من مراكش سنة خمس وأربعين يريد مكناسة وبنى مرين أولا ثم تلمسان ويغمراسن ثانيا ثم افريقية وابن أبى حفص آخرا واعترض العساكر والحشود بوادي بهت ووصل الامير أبو يحيى بمعسكره متواريا عنهم عينا لقومه حتى صدقهم كنه الخبر وعلم أن لا طاقة له بهم فأفرج عن البلاد وتناذر بنو مرين بذلك من أماكنهم فتلاحقوا واجتمعوا إليه بتازوطا من بلاد الريف ونزل السعيد مكناسة ولاذ أهلها بالطاعة وسألوا العفو عن الجزيرة واستشفعوا بالمصاحف برز بها الاولاد على رؤسهم وانتظموا مع النساء

[ 173 ]

في صعيد حاسرات منكسرات الطرف من الخشوع ووجوم الذنب والتوسل فعفا عنهم وتقبل فيئتهم وارتحل إلى تازى في اتباع بنى مرين وأجمع بنو واطاس الفتك بأبى يحيى بن عبد الحق غيرة ومنافسة ودس إليه بذلك مهيب من مشيختهم فترحل إلى بنى يرناسن ابن نزول بعين الصفا ثم راجع نظره في مسالمة الموحدين والفيئة إلى أمرهم ومظاهرتهم على عدوهم يغمراسن وقومه من بنى عبد الواد ليكون فيه شفاء نفسه منهم فأوفد مشيخة قومه عليه بتازى فأدوا طاعته وفيئته فتقبلها وصفح لهم عن الجرائر التى أتوها وسألوه أن يستكفى بالامير أبى يحيى في أمر تلمسان ويغمراسن على أن يمده بالعساكر رامحة وناشبة فاتهمهم الموحدون وحذروا منهم غائلة العصبية فأمرهم السعيد بالعسكرة معه فأمده الامير أبو يحيى بخمسمائة من قبائل بنى مرين وعقد عليهم لابن عمه أبى عياد بن أبى يحيى بن حمامة وخرجوا تحت رايات السلطان ونهض من تازى يريد تلمسان وما وراءها وكان من خبر مهلكه على جبل تامزردكت بنى عبد الواد كما ذكرناه في أخبارهم ولما هلك وانفضت عساكره متسابقين إلى مراكش وجمهورهم مجتمعون إلى عبد الله ابن الخليفة السعيد ولى عهده وتحت رايات أبيه وطار الخبر بذلك إلى الامير أبى يحيى بن عبد الحق وهو بجهات بنى يرناسن وقد خلص إليه هنالك ابن عمه أبو عياد وبعث بنى مرين من تيار تلك الصدمة فانتهز الفرصة وأرصد لعساكر الموحدون وفلهم بكرسف فأوقع بهم وامتلات أيدى بنى مرين من اسلابهم وانتزعوا الآلة من أيديهم وأصار إليه كثيبة الروم والناشبة من الغزو واتخذ المركب الملوكى وهلك الامير عبد الله بن السعيد في جوانب تلك الملحقة وللموحدين بعدها من الكرة فنهض الامير أبو يحيى وقومه إلى بلاد المغرب مسابقين إليه يغمراسن بن زيان بما كان ملوك الموحدين أوجبوهم السبيل إلى ذلك باشنجاشته على بنى مرين أيام فتنتهم معهم فكانوا يبيحونه حرم المغرب ويوطونه عساكر قومه ما بين تازى إلى فاس إلى القصر مع عساكر الموحدين فكان ليغمراسن وقومه بذلك طمع فيها لولا مكافحتهم بأس بنى مرين وجدعهم من أنوفهم وكان أول ما بدا به أبو يحيى بن عبد الحق أعمال وطاط فافتتح حصونهم بملوية ودوخ جيلهم ثم رجع إلى فاس وقد أجمع أمره على انتزاعها من ملكة بنى عبد المؤمن واقامة الدعوة لابن أبى حفص بها وبسائر نواحيها والعامل بها يومئذ السيد أبو العباس بن فأناخ عليها بركابه وتلطف في مداخلة أهلها وضمن لهم جميل النظر وحميد السيرة وكف الاذى عنهم والحماية الكفيلة لهم بحسن المغبة وصالح العائدة فأجابوه ووثقوا بعهده وغنائه واووا إلى ظله وركنوا إلى طاعتهم وانتحال الدعوة الحفصية بأمره ونبذوا طاعة بنى عبد المؤمن يأسا من صريخهم وحضر

[ 174 ]

أبو محمد الفشتالى وأنشده الله على الوفاء بما اشترط على نفسه من النظر لهم والذب عنهم وحسن الملك والكفالة وتقبل مذاهب العدل فيهم فكان حضوره ملاك تلك العقدة والبركة التى يعرف أثرها خلفهم في تلك البيعة وكانت البيعة بالرابطة خارج باب الفتوح ودخل قصبة فاس لشهرين اثنين من مهلك السعيد فاتح ست وأربعين وخرج السيد أبو العباس من القصبة وأخرج معه سبعين فارسا أجازوه أم الربيع ورجعوا ثم نهض إلى منازلة تازى وبها السيد أبو على بن فنازلها أربعة أشهر ثم نزلوا على حكمه فقتلهم ومن على آخرين منهم وسد ثغرها وثقف أطرافها وأقطع رباط تازى وحصون ملوية لاخيه يعقوب بن عبد الحق ورجع إلى فاس فوفد عليه بها مشيخة أهل مكناسة وجددوا بيعتهم وعاودوا طاعتهم ولحق بهم على أثرهم أهل سلا ورباط الفتح فتملك الامير أبو يحيى هذه البلاد الاربعة أمهات أمصار المغرب واستولى على نواحيها إلى وادى ربيع وأقام فيها دعوة ابن أبى حفص وبعث إليه واستبد بنو مرين بملك المغرب الاقصى وبنو عبد الواد بملك المغرب الاوسط وبنو أبى حفص بافريقية وخمدت ذبال عبد المؤمن وركدت ريحهم وأذنت بالانقراض دولتهم وأشرف على الفناء أمرهم والى الله عاقبة الامور سبحانه ما أعظم شأنه لا اله غيره لما ملك الامير أبو يحيى بن عبد الحق مدينة فاس سنة ست وأربعين واستولى على بلاد المغرب بعد مهلك السعيد وقام بأمر الموحدين بمراكش أبو حفص عمر المرتضى بن السيد ابراهيم بن اسحق الذى كان قائد عسكر الموحدين في حربهم مع بنى مرين عام الشعلة بن أمير المؤمنين أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن كان السعيد تركه واليابقصبة رباط الفتح من سلا فاستدعاه الموحدون وبايعوه وقام بأمرهم فلما تغلب الامير أبو يحيى على بلاد المغرب وملك مدينة فاس كما ذكرناه وخرج إلى بلاد فازاز والعدن لفتح بلاد زناتة وتدويخ نواحيها واستعمل على فاس مولاه المسعود بن خرباش من جماعة الحشم أحلاف بنى مرين وصنائعهم وكان الامير أبو يحيى استبقى من كان فيها من عسكر الموحدين من غير عيصهم في السبيل التى كانوا عليها من الخدمة وكان فيهم طائفة من الروم استخدمهم لنظر قائدهم فكانوا من حصة المسعود هنالك ووقعت بينهم وبين شيع الموحدين من أهل البلد مداخلة وفتكوا بالمسعود عاملهم وقلبوا الدعوة للمرتضى الخليفة بمراكش ومحلف المصار وكان المتولي لكبر تلك الثورة ابن حشار المشرف وأخوه ابن أبى طاهر وابنه اجتمعوا إلى القاضى أبى عبد الرحمن المغياى زعيم فئة الثوري بينهم يومئذ وتآمروا فيها وأوعزوا قائد الروم فقتل

[ 175 ]

المسعود وعدوا عليه بمقعد حكمه من القصبة وهاجوه ببعض المحاورات فغضب ووثب عليه الرومي فقتله وطار برأسه الهاتف بسكك المدينة في شوال سنة سبع وأربعين وانتهبت داره واستبيحت حرمه ونصبوا قائد الروم لضبط البلد وبعتوا بيعتهم إلى المرتضى واتصل الخبر بالامير أبى يحيى وهو منازل بلاد فازاز فأفرج عنها وأغذ السير إلى فاس فأناخ بعساكره عليها وشمر لحصارها وقطع السابلة عنها وبعثوا إلى المرتضى بالصريخ فلم يرجع إليهم قولا ولاملك لهم ضرا ولا نفعا ولا وجد لما نزل بهم وجها غير انه استجاش بالامير أبى يحيى يغمراسن بن زيان على أمره وأغراه بعدوه وأمله لكشف هذه النازلة عمن انحاش إلى طاعته وتعلقت أطماع يغراسن بطروق بلاد المغرب فاحتشد لحركته ونهض من تلمسان للاخذ بحجزة الامير أبى يحيى عن فاس وأجاب صريخ الخليفة لذلك وبلغ الامير أبا يحيى خبر نهوضه إليه لتسعة أشهر من منازلة البلد فجمر الكتائب عليها وصمد إليه قبل فصوله عن تخوم بلاده والتقى الجمعان باسيلى من بسائط وجدة فتزاحف القوم وأبلوا وكانت ملحمة عظيمة هلك فيها عبد الحق بن محمد بن عبد الحق بيد ابراهيم بن هشام من بنى بعد الواد ثم انكشف بنو عبد الواد وهلك يغمراسن بن تاشفين من أكابر مشيختهم ونجا يغمراسن بن زيان إلى تلمسان وانكف الامير أبو يحيى بعسكره للاخذ بمخنق فاس فسقط في أيدى أهلها ولم يجدوا وليجة من دون طاعته فسألوه الامان فبذله لهم على غرم ما تلف له من المال بداره يوم الثورة وقدره مائة ألف دينار فتحملوها وأمكنوه من قياد البلد فدخلها في جمادى من سنة ثمان وأربعين وطالبهم بالمال فعجزوا ونقضوا شرطه فحق عليهم القول وتقبض على القاضى أبى عبد الرحمن وابن أبى طاطوا وابنه وابن حشار وأخيه المتولي كبر الفعلة فقتلهم ورفع على الشرفات رؤسهم وأخذ الباقين بغرم المال طوعا أو كرها فكان ذلك مما عبد رعية فاس وقادهم لاحكام بنى مرين وضرب الرهب على قلوبهم لهذا العهد فخشعت منهم الاصوات وانقادت الهمم ولم يحدثوا بعدها أنفسهم بغمس يد في فتنة والله مالك الارض ومن عليها سبحانه { الخبر عن تغلب الامير أبى يحيى على مدينة سلا وارتجاعها من يده وهزيمة المرتضى بعدها } لما كمل للامير أبى يحيى فتح مدينة فاس واستوسق أمر بنى مرين بها رجع إلى ما كان فيه من منازلة بلاد فازاز فافتتحها ودوخ أوطان زناتة واقتضى مغارمهم وحسم علل الثائرين فيها ثم تخطى إلى مدينة سلا ورباط الفتح سنة تسع وأربعين فملكها وتاخم الموحدين بثغرها واستعمل عليها ابن أخيه يعقوب بن عبد الله بن عبد الحق

[ 176 ]

يشهد بذلك جوار مواطنهم قبل الملك ما بين صاو ملوية وذكرنا كيف اقتسموا الضاحية والقفر مع اخوانهم بنى يادين بن محمد وكيف اتصلت فتنتهم معهم سائر أيامهم وكان الغلب أولا لبنى يادين بن محمد لكثرة عددهم فانهم كما ذكرنا خمسة بطون بنو عبد الواد وتوجين ومصاب وبنو زردال واخوانهم بنو راشد بن محمد وكانوا أهل تلول المغرب الاوسط دونهم وبقى هذا الحى من بنى مرين بمجالات القفر من فيكيك إلى سجلماسة إلى ملوية وربما يخطون في ظعنهم إلى بلاد الزاب ويذكر نسابتهم أن الرياسة فيهم قبل تلك العصور وكانت لمحمد بن ورزير بن فكوس بن كرماط بن مرين وأنه كان لمحمد اخوة آخرون يعرفون بأمهم تنابعت وكان بنو عمه ونكاس بن فكوس وكان لمحمد سبعة من الولد شقيقان وهما حمامة وعسكر وابناء علات أمهات أولادهم سنكيان وسكيمان وسكم ووراغ وفروت ويسمى هؤلاء الخمسة في لسانهم تير بيعين ومعناه عندهم الجماعة يزعمون أن محمدا لما هلك قام بأمره في قومه ابنه حمامة وكن الاكبر ثم من بعده أخوه عسكر وكان له من الولد ثلاثة لكوم وأبو يكى ويلقب المخضب وعلى ويلقب الاعذر ولما هلك قام برياسته فيهم ابنه المخضب فلم يزل أميرا عليهم إلى أن كان أمر الموحدين وزحف عبد المؤمن إلى تاشفين بن على فحاصره بتلمسان وسرح أبا حفص في العساكر لحرب زناتة بالمغرب الاوسط وجمع له بنو يادين كلهم بنو يادين كلهم وبنو يلومى وبنو مرين ومغراوة ففض الموحرون جموعهم واستلحموا أكثرهم ثم راجع بنو يلومى وبنو يادين طاعتهم وأخلص بنو عبد الواد في خدمتهم ونصيحتهم ولحق بنو مرين بالقفر فلما غلب عبد المؤمن بن على على وهران واستولى على أموال لمتونة وذخيرتهم بعث بتلك الغنائم إلى جبل تيمال حيث كانت داره ومن أين كان منبعث الدعوة وبلغ الخبر إلى بنى مرين بمكانهم بالزاب وشيخهم يومئذ المخضب بن عسكر فاجمع اعتراضها بقومه ولحق العير بوادي تلاغ فاحتازوها من أيدى الموحدين واستنفر عبد المؤمن لاستنقاذها أولياءه من زناتة وسرحهم مع الموحدين لذلك فأبلى بنو عبد الواد فيها بلاء حسنا وكان اللقاء في فحص حسون وانكشف بنو مرين وقتل المخضب بن عسكر واكتسح بنو عبد الواد حللهم وذلك سنة أربعين وخمسمائة فلحق بنو مرين بعدها بصحرائهم ومجالات قفرهم وقام بأمرهم من بعد المخضب ابن عمه حمامة بن محمد إلى أن هلك فقام بأمرهم ابنه محيو ولم يزل مطاعا فيهم إلى أن استنفرهم المنصور لغزاة الارك فشهدوها وأبلوا فيها البلاء الحسن وأصابت محيو يومئذ جراحة هلك منها بصحراء الزاب سنة احدى وتسعين وخمسمائة وكان من رياسة عبد الحق ابنه من بعده وبقائها في عقبه ما نذكره ان شاء الله سبحانه وتعالى

[ 177 ]

واعتزم على اتباعه فثناه عن رأيه في ذلك أخوه يعقوب بن عبد الحق لعهد تأكد بينه وبين يغمراسن فرجع ولما انتهى إلى المقر مدة هذه بلغه أن يغمراسن قصد سجلماسة ودرعة لمداخلة من بعض أهلها أطمعته في ملكها فأغذ اليهما السير بجموعه ودخلها ولصبيحة دخوله وصل يغمراسن لشأنه فلما علم بمكان أبى يحيى من البلد سقط في يده ويئس من غلا به ودارت بينهم حرب تكافؤا فيها وهلك سليمان بن عثمان بن عبد الحق ابن أخى الامير أبى يحيى وانقلب يغمراسن إلى بلده وعقد الامير أبو يحيى على سجلماسة ودرعة وسائر بلاد القبلة ليوسف بن يزكاسن واستعمل على الجباية عبد السلام الاوربي وداود بن يوسف وانكفأ راجعا إلى فاس والله تعالى أعلم { الخبر عن مهلك أبى يحيى وما كان اثر ذلك من الاحداث التى تمحضت عن استبداد أخيه يعقوب بن عبد الحق بالامر } لما رجع الامير أبو يحيى من حرب يغمراسن بسجلماسة أقام أياما بفاس ثم نهض إلى سجلماسة متفقدا لثغورها فانقلب منها عليلا وهلك حتف أنفه على سرير ملكه في رجب سنة ست وخمسين أمضى ما كان عزما وأطول إلى تناول الملك يد اختطفته المنون عن شأنه ودفن بمقبرة باب الفتوح من فاس ضجيعا للولى أبى محمد الفشتالى كما عهد لاهل بيته وتصدى للقيام بأمره ابنه عمر واشتمل عليه عامة قومه ومالت المشيخة وأهل الحل والعقد إلى عمه يعقوب بن عبد الحق وكان غائبا عن مهلك أخيه بتازى فلما بلغه الخبر أسرع اللحاق بفاس وتوجهت إليه وجوه الاكابر وأحس عمر بصاغية الناس إليه وحرضه أتباعه على الفتك بعمه فاعتصم بالقصبة وسعى الناس في اصلاح ذات بينهما فتفادى يعقوب عن الامر ودفعه لابن أخيه على أن تكون له بلاد تازى وبطوية وملوية ولما لحق بتازى واجتمع إليه كافة بنى مرين عذلوه فيما كان منه فاستلام وحملوه على العودة في الامر ووعدوه من أنفسهم المظاهرة والموازرة فأجاب وبايعوه وصمد إلى فاس وبرز عمر للقائه فانتهى إلى ولما تراءى الجمعان خذله جنوده وأسلموه فرجع إلى فاس مغلولا ووجه الرغبة إلى عمه أن يقطعه مكناسة وينزل له عن الامر فأجابه إلى ذلك ودخل السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق مدينة فاس فملكها سنة سبع وخمسين وتمشت طاعته في بلاد المغرب ما بين ملوية وأم الربيع وسجلماسة وقصر كتامة واقتصر عمر على امارة مكناسة فتولاها أياما ثم اغتاله من عشيره عمر وابراهيم ابنا عمه عثمان بن عبد الحق والعباس بن عمه محمد بن عبد الحق فقتلوه وثأروا منه بدم كانوا يعتدونه عليه وهلك لعام أو بعد عام من امارته فكفى يعقوب شأنه واستقام سلطانه وذهب التنازع والمشاق عن أمره وكان يغمراسن بعد مهلك قرنه

[ 178 ]

الامير أبى يحيى سما له أمل في الاجلاب على المغرب فجمع ذلك قومه واستجاش بنى توجين ومغراوة وأظمعهم في غبل الاسد ونهض إلى المغرب حتى انتهوا إلى كلدامان وصمد السلطان يعقوب بن عبد الحق إلى لقائهم فغلبهم ورجعوا إلى تفيئته ومر يغمراسن ببلاد بطوية فأحرق وانتسف واستباح وأعظم فيها لنكاية ورجع السلطان إلى فاس وتقبل مذاهب أخيه الامير أبى يحيى في فتح أمصار المغرب وتدويخ أقطاره وكان مما أكرمه الله به أن فتح أمره باستنقاذ مدينة سلا من أيدى النصارى فكان له بها أثر جميل وذكر خالد على ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن فجأة العدو مدينة سلام واستنقاذها من أيديهم) * كان يعقوب بن عبد الله قد استعمله عمه الامير أبو يحيى على مدينة سلا لما ملكها كما ذكرناه ولما استرجعها الموحدون من يده أقام بتغلب في جهاتها مراصدا لاهلها وحاميتها ولما بويع عمه يعقوب بن عبد الحق اسفته بعض الاحوال فذهب مغاضبا حتى نزل غبولة وألطف الحيلة في تملك رباط الفتح وسلا ليعتدها ذريعة لما أسر في نفسه فتمت له الحيلة وركب عاملها ابن يعلو البحر فارا إلى أزمور وخلف أمواله وحرمه فتملك يعقوب بن عبد الله البلد وجاهر بالخلع وصرف إلى منازعة عمه السلطان أبى يوسف وجوه العزم وداخل تجار الحرب في الامداد بالسلاح فتماروا في ذلك وكثر سفر المترددين بينهم حتى كثروا أهلها وأسملوا فيها غرة عيد الفطر من سنة ثمان وخمسين عند شغل الناس بعيدهم وثاروا بسلا وسبوا الحرم وانتهبوا الاموال وضبطوا البلد وامتنع يعقوب بن عبد الله برباط الفتح وطار الصريخ إلى السلطان أبى يوسف وكان بتازى مستشرفا لاحوال يغمراسن فنادى في قومه وطار بأجنحة الخيول ووصلها اليوم وليلة وتلاحقت به امداد المسلمين من أهل الديوان والمطوعة ونازلها أربع عشرة ليلة ثم اقتحمها عليهم عنوة وأثخن فيهم بالقتل ثم رم بالبناء ماكان متثلما بسورها الغربي حيث أمكنت منه الفرصة في البلد وتناول البناء فيه بيده والله لا يضيع عمل عامل وخشى يعقوب بن عبد الله بادرة السلطان فخرج من رباط الفتح وأسلمه فضبطه السلطان وثقفه ثم نهض إلى بلاد تامسنا وأنفى فملكها وضبطها ولحق يعقوب ابن عبد الله بحصن علودان من حبال غمارة فامتنع به وسرح السلطان ابنه أبا مالك عبد الواحد وعلى بن زيان لمنازلته وسار إلى لقاء يغمراسن لقاء المهادنة فلقيه بجو حرمان وافترقا على السلم ووضع أوزار الحرب ورجع السلطان إلى المغرب فخرج عليه أبناء أخيه أولاد ادريس ولحقوا بقصر كتامة وتابعوا يعقوب ابن عمهم عبد الله على رأيه واجتمعوا إلى اكبيرهم محمد بن ادريس فبمن إليهم من العشير والصنائع فنهض

[ 179 ]

إليهم واعتصموا بجبال غمارة ثم استنزلهم واسترضاهم وعقد لعامر بن ادريس سنة ستين على عسكر من ثلاثة آلاف فارس أو يزيدون من المطوعة من بنى مرين وأغزاهم إلى العدوة لجهاد العدو وحملهم وفرض لهم وشفع بها عمله في واقعة سلا وهو أول جيش أجاز من بنى مرين فكان لهم في الجهاد والمرابطة مقامات محمودة وكذر خالد تقبل سلفهم فيها خلفهم من بعدهم حسبما نذكره وأقام يعقوب بن عبد الله خارجا بالنواحي مثقلا في الجهات إلى أن قتله طلحة بن على بساقية غبولة من ناحية سلا سنة ثمان وستين فكفى السلطان شأنه وكان المرتضى مذ توالت عليهم الوقائع واستمر الظهور لبنى مرين انحجر في جدرانه وتوارى بالاسوار عن عدوه فلم يسم إلى لقاء زحف ولاحدث نفسه بشهود حرب واستأنيد بنو مرين على الدولة وشرهوا إلى التهام وأسفوا إلى منازلة مراكش دار الخلافة كما نذكره ان شاء الله تعالى والله أعلم { الخبر عن منازلة السلطان أبى يوسف حضرة مراكش دار الخلافة وعنصر الدولة وما كان اثر ذلك من نزوع أبى دبوس إليه وكيف نصبه للامر وكان مهلك المرتضى على يده ثم انتقض عليه } لما فرغ السلطان من شأن الخوارج عليه من عشيره استجمع لمنازلة المرتضى والموحدين في دارهم ورأى أنه أوهن لدولتهم وأقوى لامره عليهم وبعث قومه واحتشد أهل ممالكه واستكمل تعبيته وسار حتى انتهى إلى ايكليز واعتزم على ذلك سنة ستين وشارف دار الخلافة ثم نزل بقعرها وأخذ بمخنقها وعقد المرتضى لحربهم للسيد أبى العلاء ادريس لمكنى بأبى دبوس ابن السيد أبى عبد الله ابن السيد أبى حفص بن عبد المؤمن فعبى كتائبه ورتب مصافه وبرز لمدافعتهم ظاهرا نصرة فكانت بينهم حروب بعد العهد بمثلها استشهد فيها الامير عبد الله بن يعقوب بن عبد الحق وكانوا يسمونه برطانتهم العجوب ففت مهلكه في عضدهم وارتحلوا عنها إلى أعمالهم د واعترضهم عساكر الموحدين بوادي أم الربيع وعليهم يحيى بن عبد الله بن وانودين فاقتتلوا في بطن الوادي وانهزمت عساكر الموحدين وكان في مسيل الواد كدى تحسر عنها غمر الماء تبدو كأنها أرجل فسميت الواقعة بها أم الرجلين ثم سعى سماسرة الفتن عند الخليفة المرتضى في ابن عمه وقائد حربه السيد أبى دبوس بطلبه الامر لنفسه وشعر بالسعاية فخشى بادرة المرتضى ولحق بالسلطان أبى يوسف مدخله إلى فاس من منازلته آخر سنة احدى وستين نازعا إليه فأقام عنده مليا ثم سأل منه الاعانة على أمره بعسكر يمده وآلة يتخذها لملكه ومال يصرفه في ضروراته على أن يشركه في القسمة والفتح والسلطان فامده بخمسة آلاف من بنى مرين وبالكفاية من المال والمستجاد من الآلة وأهاب له بالعرب والقبائل من أهل

[ 180 ]

مملكته ومن سواهم أن يكونوا يدا معه وسار في الكتائب حتى شارف الحضرة ودس إلى أشياعه ومن يداخله من الموحدين في أمره فثاروا بالمرتضى وأخفضوه عنها فلحق بازمور مستجيشا بصهره ابن عطوش ودخل أبو دبوس الحضرة في المحرم فاتح خمس وستين وتقبض ابن عطوش عامل أزمور على المرتضى واقتاده أسيرا إلى أبى دبوس فبعث مولاه مزاحما فاحتز رأسه في طريقه واستقل بالخلافة وصبا به آل عبد المؤمن ثم بعث إليه السلطان في الوفاء بالمشارطة فاستنكف وعتا ونقض العهد وأساء الخطاب فنهض إليه في جموع بنى مرين وعساكر المغرب فخام عن اللقاء وانحجز بمراكش ونازله السلطان أياما تباعا ثم سار في الجهات والنواحى يحطم الزرع وينسف الاقوات وعجز أبو دبوس عن دفاعه فاستجاش عليه بيغمراسن بن زيان ليفت في عضده ويشغله عما وراءه ويأخذ بحجزته عن التهامه على ما نذكر لو أمهلته الايام وانفسح له الاجل { الخبر عن وقيعة تلاغ بين السلطان يعقوب بن عبد الحق ويغمراسن بن زيان باغراء أبى دبوس وتضريبه } لما نازل السلطان أبو يوسف حضرة مراكش وقعد على ترائبه للتوثب عليها لم يجد أبو دبوس وليجة من دون قصد الاستجاشة بيعمراسن وقومه عليه ليأخذوا بحجزته عنه ويشغلوه من ورائه فبعث إليه الصريخ في كشف بلواه ومدافعة عدوه وأكد العهد وأسنى الهدية فشمر يغمراسن لاستنقاذه وجذب عدوه من ورائه وشن الغارات على ثغور المغرب وأضرم نارا فأهاج عليه وعلى قومه من السلطان يعقوب لثا عاديا وأرهف منه عزما ماضيا وأفرج يعقوب على مراكش بعزم النهوض إلى تلمسان ونزل بفاس فتلوم بها اياما حتى أخذ أهبة الحرب وأكمل استعدادها ورحل فاتح ست وستين وسلك على كرسيف ثم على تافرطا وتزاحف الفريقان بوادي تلاغ وعبى كل منهم كتائبه وزحف مصافه وبرز النساء مسافرات الوجوه على سبيل التحريش لحسن وسعد بن ويرغين ولما فاء الفئ ومال النهار وكثرت حشود المغرب وجموع بنى عبد الواد ومن إليهم انكشفوا ومنحوا العدو أكتافهم وهلك أبو حفص عمر كبير ولد يغمراسن وولى عهده في جماعة من عشيره ذكرناهم في أخباره وأخذ يغمراسن بأعقاب قومه فكان لهم ردأ إلى أن خلصوا من المعترك ووصلوا إلى بلادهم في جمادى من سنتهم وعاد السلطان أبو يوسف إلى مكانه من حصار مراكش والله أعلم { الخبر عن السفارة والمهاداة التى وقعت بين السلطان يعقوب ابن عبد الحق وبين المنتصر الخليفة بتونس من آل أبى حفص } كان الامير أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبى حفص منذ دعا لنفسه بتونس سنة خمس

[ 181 ]

وعشرين طموحا إلى ملك مراكش مقر الدعوة ومنبعث الدعوة وأصل الخلافة وكان يؤمل لذلك زناتة من خضد شوكة آل عبد المؤمن وتقليم أظافر بأسهم وردهم على أعقابهم أن يخلصوا إليه وتغلب على تلمسان سنة أربعين ودخل يغمراسن بن زيان في دعوته وصار فئة له وشيعة على عدوه كما ذكرناه فوصل به جناحه للمدافعة وناغاه بنو مرين في مراسلة ابن أبى حفص ومخاطبته والتخفيض عليه فيما يهمه من شأن عدوه وحمل ما يفتحون من بلاد المغرب على البيعة له والطاعة مثل فاس ومكناسة والقصر وكان هو يلاطفهم بالتحف والهدياا ويريهم البر في الكتاب والخطاب والمعاملة والتكريم للوفد غير سبيل آل عبد المؤمن فكانوا يجنحون بذلك إلى مراسلته وايفاد قرابتهم عليه وولى ابنه المستنصر بعده سنة سبع وأربعين فتقبل مذاهب أبيه وأوفى عليه بالايعاز إليهم بمنازلة مراكش وضمان الانفاق عليهم فيها فكان يبعث لذلك أحمالا من المال والسلاح وأعدادا وافرة من الخيل بمراكبها للحملان ولم يزل ذلك دأبه معهم ولما فعل أبو دبوس فعلته في نقض العهد واستجمع السطان لمنازلته قدم بين يدى عمله مراسلة الخليفة المستنصر يخبره الخبر ويتلطف له في استنزال المدد فأوفد عليه ابن أخيه عامر بن ادريس بن عبد الحق وأصحبه عبد الله بن كندور لعبد الواد كبير بنى كمى وقريع يغمراسن الذى ثأر يغمراسن من أبيه كندور بأبيه زيان كما ذكرناه في أخبارهم وكان خلص إليه من حضرة المستنصر فلقاه مبرة وتكريما وأوفد معهم الكاتب أبا عبد الله محمد الكنانى من صنائع دولة آل عبد المؤمن كان نزع إلى أخيه الامير أبى يحيى لما رأى من اختلال الدولة وأنزله مكناسة وآثره بالصحبة والخلة فجمع له يعقوب بن عبد الحق في هذا الوفد من الاشراف من يحسن الرياسة ويعرب عما في ضمائر الناس ويدله على شرف مرسله فوفدوا على المستنصر سنة خمس وستين وأدوا رسالتهم وحركوا له جوار المظاهرة على صاحب مراكش عنانه فحن واهتز سرورا من أعواده ولقاهم مبرة التكريم واسحان النزل ورد الامير عامر بن ادريس وعبد الله بن كندور لوقتهما وتمسك بالكناني من بينهم لمصاحبة وفده فطال مقامه عنده إلى أن كان من فتح مراكش ما نذكره ثم أوفد المستنصر على السلطان يعقوب بن عبد الحق آخر سنة سبع وثمانين بعدها شيخ الجماعة من الموحدين لعهده أبا زكريا يحيى بن صالح الهنتائى مع جماعة من مشيخة الموحدين في مرافقة محمد الكنانى وبعث معهم إلى السلطان هدية سنية يلاطفه بها ويتاحفه انتخب فيها من الجياد والسلاح وأصناف الثياب الغريبة العمل ما انتقاه ووفق رضاه وهمته على الاستكثار منه فحسن موقعها وتحدث وانقلب وفده أحسن منقلب بعد أن تلطف محمد الكنانى في ذكر الخليفة المستنصر على منبر مراكش فتم له

[ 182 ]

وشهد له وفد الموحدين فعظم سرورهم وانقلبوا محبورين مسرورين واتصلت بعد ذلك مهاداة المستنصر ليعقوب بن عبد الحق إلى أن هلك وحذا ابنه الواثق من بعده على سننه فبعث إليه سنة سبع وستين هدية حافلة بعث بها القاضى أبا العباس الغمارى قاضى بجاية فعظم موقعها وكان لابي العباس الغمارى بالمغرب ذكر تحدث به الناس والله أعلم * (الخبر عن فتح مراكش ومهلك أبى دبوس وانقراض دولة الموحدين من المغرب) * لما رجع السلطان أبو يوسف من حرب يغمراسن ورأى أن قد كفى عدوه وكف غربه ورد من كيده وكيد أبى دبوس صريخه صرف حينئذ عزائمه إلى غزو مراكش والعود إلى مضايقتها كما كان لاول أمره ونهض لغزاته من فاس في شعبان من سنته ولما جاوزوا أم الربيع بث السرايا وسرح الغارات وأطلق الايدى والاعنة لنهب والعبث فحطموا رزوعها وانتسفوا آثارها وتقري نواحيها كذلك بقية عامه ثم غزا عرب الخلط من جشم بتادلا فأثخن فيهم واستباحهم ثم نزل وادى العبيد ثم غزا بلاد صنهاجة ولم يزل ينقل ركابه بأنحاء البلاد المراكشية واحوازها حتى حضرت صدور بنى عب دالمؤمن وقومه وأغزاهم أولياء الدوة من عرب جشم بنهوض الخليفة لمدافعة عدوه فجمع لذلك وبرز في جيوش صخمة وجموع وافرة واستجره أبو يوسف بالفرار أمامه ليبعد عن مدد الصريخ فيستمكن منه حتى نزل عفو ثم كر إليه والتحم القتال فاختل مصافه وخر صريعا لليدين وللفم واجتز رأسه وهلك بمهلكه وزيره عمران وكاتبه على بن عبد الله المغيلى وارتحل السلطان أبو يوسف إلى مراكش وفر من كان بها من الموحدين فلحقوا بجبل تيمال وبايعوا اسحق أخا المرتضى فبقى ذبالة هنالك سنين ثم تقبض عليه سنة أربع وسبعين وسيق إلى السلطان هو وأبو سعيد ابن عمه السيد أبى الربيع والقبائلي وأولاده فقتلوا جميعا وانقرض أمر بنى عبد المؤمن والله وارث الارض ومن عليها وخرج الملا وأهل الشورى من الحضرة إلى السلطان فأمنهم ووصلهم ودخل مراكش في بروز فخم فاتح سنة ثمان وستين وورث ملك آل عبد المؤمن وتمالاه واستوسق أمره بالمغرب وتطامن الناس لباسه وسكنوا الظل سلطانه وقام بمراكش إلى رمضان من سنته وأغزى ابنه الامير أبا مالك إلى بلاد السوس فافتتحها وأوغل في ديارها ودوخ أقطارها ثم خرج بنفسه إلى بلاد درعة فأوقع بهم الوقيعة المشهورة التى خضدت من شوكتهم ورجع لشهرين من غزاته ثم أجمع الرحلة إلى داره بفاس فعقد على مراكش وأعمالها لمحمد بن على بن يحيى من كبار أوليائهم ومن أهل خولته وكان من طبقة الوزراء حسبما يأتي التعريف به وبعشيرته وأنزله بقصبة مراكش وجلع المسالح في أعمالها لنظره وعهد إليه بتدويخ الاقطار ومحو آثار بنى

[ 183 ]

عبد المؤمن وفصل إلى حضرته في شوال وأراح بسلا فكان من خبر عهده لابنه ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن عهد السلطان لابنه أبى مالك وما كان عقب ذلك من خروج القرابة عليها أولاد أخيه ادريس واجازتهم إلى الاندلس } لما تلوم السلطان بسلا منصرفه من رباط الفتح وأراح بها ركائبه عرض له طائف من المرض ووعك وعكا شديدا فلما أقفل جمع قومه وعهد لابنه فيهم أبى مالك عبد الواحد كبير ولده لما علم من أهليته لذلك وأخذ له البيعة عليهم فأعطوها طواعية وأسف لقرابة من ولد أخويه عبد الله وادريس لامهما سوط النساء ووجدوا في أنفسهم لما يرون أن عبد الله وادريس أكابر ولد عبد الحق ولهما التقدم على من بعدهما من ولده وأنهما أحق بالامر فرجعت هنت إلى أذنا بها ونفسوا عن ابن السلطان لما أخذ له من البيعة والعهد ونزعوا عنه إلى جبل علودان من جبال غمارة عش خلافهم ومدرج فتنتهم وذلك سنة تسع وستين ورياستهم يومئذ لمحمد بن ادريس وموسى بن رحو بن عبد الله وخرج معهم ولد أبى عياد بن عبد الحق وأغزاهم السلطان ولده أبا يعقوب يوسف في خمسة آلاف من عسكره فأحاط بهم وأخذ بمخنقهم ولحق به أخوه أبو مالك في عسكره ومعه مسعود بن كانون شيخ بسفيان ثم خرج في أثرهم السلطان إبو يوسف واجتمع معسكرهم بتافركا ونازلوهم ثلاثا وهلك في حروبهم منديل بن ورتطليم ولما رأوا ان أحيط بهم سألوا الامان فبذله وأنزلهم واستل سخائمهم ومسح ما في ارتكبوه فأذن لهم وأجازوا البحر إلى الاندلس وخالفهم عامر بن ادريس لما أنس من صاغية السلطان إليه فتخلف عنهم بتلمسان حتى توثق لنفسه بالعهد وعاد إلى قومه بعد منازلة السلطان بتلمسان كما نذكره الآن واحتل بنو ادريس وعبد الله وابن عمهم أبو عياد باندلس على حين أقفر من الحامية جوها واستأسد العدو على ثغرها وغلبت شفاههم فاحتلوها أسودا ضارية وسيوفا ماضية معودين لقاء الابطال وقراع الحتوف والنزال مستغلظين بخشونة البداوة وصرامة العز وبسالة التوحش فعظمت نكايتهم في العدو واعترضوا شجى في صدره دون الوطن الذى كان طعمة له في ظنه وارتدوه على عقبه ونشطوا من همم المسلمين المستضعفين وراء البحر وبسطوا من أمالهم لمدافعة طاغيتهم وزاحموا أمير الاندلس في رياستها بمنكب فتجافى لهم عن خطة الحرب ورياسة الغزاة من أهل العدوة من أعياصهم وقبائلهم ومن سواهم من أمم البرابرة وتناقلوه وساهموه في الجباية لفرط العطاء والديوان فبذله لهم واستمدوا على العدو وحسن أثرهم

[ 184 ]

فيها كما نذكره بعد في أخبار القرابة ثم أعمل السلطان نطره في غزو تلمسان على ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن حركه السلطان أبى يوسف إلى تلمسان وواقعيته على يغمراسن وقومه بايسيلى } لما غلب السلطان أبو يوسف على بنى عبد المومن وفتح مراكش واستولى على ملكهم سنة ثمان وستين وعاد إلى فاس كما ذكرناه تحرك ما كان في نفسه من ضغائن يغمراسن وبنى عبد الواد وما أسفوا به من تخذيل عزائمه ومجادلته عن قصده ورأى أن واقعة تلاغ لم تشف صدره ولا أطفأت نار موجدته فأجمع أمره على غزوهم واقتدر بما صار إليه من الملك والسلطان على حشد أهل المغرب لحربهم وقطع دابرهم فعسكر بفاس وسرح ولده وولى عهده أبا مالك إلى مراكش في خواصه ووزرائه حاشدين في مدائنها وضواحيها وقبائل العرب والمصامدة وبنى ورا وغمرة وصنهاجة وبقايا عساكر الموحدين بالحضرة وحامية الانصار من جند الروم وناشبة العز فاستكثر من أعدادهم واستوفى حشدهم واحتفل السلطان بحركته وارتحل عن فاس سنة سبعين وستمائة وتلوم بملوية إلى أن لحقته الحشود وتوافت إليه أمداد العرب من قبائل جشم أهل تامسنا الذين هم سفيان والخلط والعاصم وبنو جابر ومن معهم من الاثبج وقبائل ذوى حسان والشبانات من المعقل أهل السوس الاقصى وقبائل رياح أهل ازغار والهبط فاعترض هنالك عساكره وعبى مواكبه فيقال بلغت ثلاثين ألفا وأرتحل يريد تلمسان ولما انتهى إلى انكاد وافته رسل ابن الاحمر هنالك ووفد المسلمين بالاندلس صريخا على العدو يستجيشون باخوانهم المسلمين ويسألونم الاعانة فتحركت همته للجهاد ونصر المسلمين من عدوهم ونظر في صرف الشواغل عن ذلك وجنح إلى السلم مع يغمراسن وصوب الملا في ذلك رأيه لما كانوا عليه من ايثار الجهاد وانتدب جماعة من المشيخة إلى السعي في صلاح ذات بينهما وانكفا من غرب عدوتهما وساروا الى يغمراسن فوافوه بظاهر تلمسان وقد أخذ أهبته واستعد للقاء واحتشد زناتة أهل ممالكه بالشرق من بنى عبد الواد وبنى راشد ومغراوة وأحلافهم من العرب زغبة فلج في لك واستكبر وصم عن اسعافهم وزحف في جموعه والتقى الجمعان بوادي ايسيلى من بسائط وجدوة السلطان أبو يوسف قد عبى كتائبه ورتب مصافه وجعل ولديه الاميرين أبا مالك وأبا يعقوب في الجناحين وسار في القلب فدارت بينهم حرب شديدة أجلت عن هلاك فارس بن يغمراسن وجماعة من بنى عبد الواد وكاثرهم حشود المغرب الاقصى وقبائله وعساكر الموحدين والبلاد المراكشية فولوا الادبار وهلك عامة عسكر الروم

[ 185 ]

لثباتهم بثبات السلطان فطحنتهم رحى الحرب وتقبض على قائدهم بيرنيس ونجا يغمراسن بن زيان في فله مدافعا دونه إلى تلمسان ومر بفساطيطه فأضرمها نارا وانتهب معسكره واستبيحت حرمه وأقام السلطان أبو يوسف على وجدة حتى خربها وأصرع بالتراب أسوارها وألصق بالرغام جدرانها ثم نهض إلى تلمسان فحاصرها أياما وأطلق الايدى في ساحتها بالنهب والعيث وشن الغارات على البسائط فاكتسحها سبيا ونسفها نسفا وهلك في طريقه إلى تلمسان وزيره عيسى بن ماساى وكان من علية وزرائه وحماة ميدانه له في ذلك أخباره مذكورة وكان مهلكه في شوال من هذه السنة ووصله بمثواه من حصارها محمد بن عبد القوى أمير بنى توجين ومستصرخه على بنى عبد الواد لما نال منه يغمراسن من طبخ القهر وذل الغلب والنحيف في كافة قبيله مباهيا بآلته فأكرم السطان أبو يوسف وفادته واستركب الناس للقائه وبرور مقدمه واتخاذ رتبة السلاح لمباهاته وأقام محاصر التلمسان معه أياما حتى وقع اليأس وامتنع البلد واشتد شوكة حاميته ثم أجمع السلطان أبو يوسف على الافراج عنها وأشار على الامير محمد بن عبد القوى وقومه بالقفول قبل قفوله وأن يغذوا السير إلى بلادهم وملا حقائبهم باتحافه وجنب لهم من المائة من المقربات بمراكبها وأراح عليهم ألف ناقة حلوب وعمهم بالخلع مع الصلات والخلع الفاخرة واستكثر لهم من السلاح والفازات والفساطيط وحملهم على الظهر وارتحلوا وتلوم السلطان أياما لمنجاتهم إلى مقرهم من جبل وانشريس حذرا من غائلة يغمراسن من انتهاز الفرصة فيهم ثم دخل إلى فاس ودخلها مفتتح احدى وسبعين وهلك ولده الامير أبو مالك ولى عهده لايام من مقدمه فأسف لمهلكه ثم تعزى بالصبر الجميل عن فقده ورجع إلى حاله في افتتاح بلاد المغرب وكان في غزوته هذه ملك حصن تاوتت وهو معقل مطغرة وشحنه بالاقوات لما رآه ثغرا مجاورا لعدوه وأسلمه لنظر هرون بن شيخ مطغرة ثم ملك حصن مليلة بساحل الريف مرجعه من غزاته هذه وأقام هرون بحصن تاونت ودعا لنفسه ولم يزل يغمراسن يردد الغزو إليه حتى فر من الحصن واستلمه سنة خمس وسبعين ولحق بالسلطان أبى يوسف كما ذكرناه في أخباره عند ذكر قبيلة مطغرة وكان من شأنه ما ذكرناه { الخبر عن افتتاح مدينة طنجة وطاعة أهل سبتة وفرض الاتاوة عليهم وما قارن ذلك من الاحداث } كانت هاتان المدينتان سبته وطنجة من أول دولة الموحدين من أعظم عمالاتهم وأكبر ممالكهم بما كانت ثغر العدوة ومرفا الاساطيل ودار الانشاء الآلات التجرية وفرضة الجواز إلى الجهاد فكانت ولايتها مختصة بالقرابة من السادة بنى عبد المؤمن وقد ذكرنا

[ 186 ]

أن الرشيد كان عقد على أعمالها لابي على بن الخلاص من أهل بلنسية وأنه بعد استفحال الامير أبى زكريا بافريقية ومهلك الرشيد صرف الدولة إليه سنة أربعين وبعث إليه بالمال والبيعة مع ابنه أبى القاسم وولى على طنجة يوسف بن محمد بن عبد الله بن أحمد الهمداني المعروف بابن الامير قائدا على الرجل الاندلسيين وضابطا للقصبة وعقد الامير أبو زكريا على سبتة لابي يحيى بن أبى زكريا ابن عمه أبى يحيى السيد بن الشيخ أبى حفص فنزل بها واستراب أبو على بن خلاص من العواقب عند مهلك ابنه الوافد على السلطان غريقا في البحر فرحل بجملته إلى تونس في السفن وأراح ببجاية فكان فيها هلاكه سنة ست وأربعين ويقال هلك في سفينته ودفن ببجاية ولما هلك الامير أبو زكريا سنة سبع بعدها انتقض أهل سبتة على ابنه المنتصر وطردوا ابن الشهيد وقتلوا العمال الذين كانوا معه وصرفوا الدعوة للمرتضى وتولى ذلك حجفون الرنداحى بمداخلة أبى القاسم الغرفى كبير المشيخة بسبتة وأعظمهم تجلة نشأ في حجر أبيه الفقيه الصالح أبى العباس أحمد مكنوفا بالجلالة مغذوا بالعلم والدين لما كان له فيها قدم إلى أن هلك فاوجب أهل البلد لابنه ما عرفوه من حقه وحق أبيه من قبله وكانوا يفزعون إليه في المهمات ويسلمون له في الشورى فأغرى الرنداحى بهذه الفعلة ففعلها وعقد المرتضى لابي القاسم الغرفى على سبتة مستقلا من غير اشراف أحد من السادة ولا من الموحدين واكتفى بغنائه في ذلك الثغر وعقد لحجفون الرنداحى على قيادة الاساطيل بالمغرب فورثها عنه بنوه إلى أن زاحمهم الغرفى بمناكب رياسته فقوضوا عن سبتة فمنهم من نزل بمالقة على ابن الاحمر ومنهم من نزل ببجاية على أبى حفص ولهم في الدولتين آثار تشهد برياستهم واستقل الفقيه أبو القاسم الغرفى برياسة سبتة وأورثها بنيه من بعده على ما نذكره بعد وكانت طنجة تالية سبتة في سائر الاحوال وتبعا لها فاتبع ابن الامير صاحبها امارة الفقيه أبى القاسم ثم انتقض عليه لسنة واستبد وخطب لابن أبى حفص ثم للعباسي ثم لنفسه وسلك فيها مسلك الغرفى في سبتة ولبثوا كذلك ما شاء الله حتى إذا ملك بنو مرين الغرب وابثوا في شعابه ومدوا اليد في ممالكه فتناولوها ونزلوا معاقله وحصونه فافتتحوها وهلك الامير أبو يحيى عبد الحق وابنه عمر من بعده وتحيز بنوه في ذويهم واتباعهم وحشمهم إلى ناحية طنجة وأصيلا فأوطنوا ضاحيتها وأفسدوا سابلتها وضيقوا على ساكنها واكتسحوا ما حواليها وشارطهم ابن الامير على خراج معلوم على أن يكفوا الاذية ويحموا الحوزة ويصلحوا السابلة فاتصلت يده بيدهم وترددوا إلى البلد لاقتضاء حاجاتهم ثم مكروا وأضمروا الغدر ودخلوا في بعض أيامهم متأبطين السلاح وفتكوا بابن الامير غيله فثارت بهم العامة لحينهم واستلحموا في مصرع واحد

[ 187 ]

سنة خمس وستين واجتمعوا إلى ولده وبقيت في ملكته خمسة أشهر ثم استولى عليها الغرفى فنهض بعساكره من الرجل برا وبحرا واستولى عليها وفر ابن الامير ولحق بتونس ونزل على المستنصر واستقرت طنجة في ايالة الغرفى فضبطها وقام بأمرها وولى عليها من قبله وأشرك الملا من أشرافها في الشورى ونازلها الامير أبو مالك سنة ست وستين فامتنعت عليه وأقامت على ذلك حتى إذا انتظم السلطان أبو يوسف ببلاد المغرب في مملكته واستولى على حضرة مراكش ومحا دولة بنى عبد المؤمن وفرغ من أمر عدوة يغمراسن وهم بتلك الناحية واستضافة عملها فأجمع الحركة إليها ونازل طنجة مفتتح سنة ثنتين وسبعين بما كانت في البسيط من دون سبتة وأقام عليها أياما ثم اعتزم على الافراج عنها فقذف الله في قلوبهم الرعب وافترق بينهم وتنادى في بعض الناشية من السور بشعاب بنى مرين فبادر سرعان أناس إلى تسور حيطانها فملكوها عليهم وقاتلوا أهل البلد ظلام ليلتهم ثم دخلوا البلد من صبيحتها عنوة ونادى منادى السلطان في الناس بالامان والعفو عن أهل البلد فسكن روعهم ومهد وفرغ من شأن طنجة ثم بعث ولده الامير أبا يعقوب في عساكر ضخمة لمنازلة الغرفى في سبتة وارغامه عن الطاعة فنازلها أياما ثم لاذ بالطاعة على المنعة واشترط على نفسه خراجا يؤديه كل سنة فتقبل السلطان منه وأفرجت عساكره عنهم وقفل إلى حضرته وصرف نظره إلى فتح سجلماسة وازعاج بنى عبد الواد المتغلبين عليها كما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن فتح سجلماسة ودخولها عنوة على بنى عبد الواد والمنبات من عرب المعقل } قد ذكرنا ما كان من تغلب الامير أبى يحيى بن عبد الحق على سجلماسة وبلاد درعة وأنه عقد عليها وعلى سائر بلاد القبلة ليوسف بن يزكاسن وأنزل معه ابنه مفتاحا المكنى بأبى حديد في مشيخته لحياطتها وأن المرتضى سرح وزيره ابن عطوش سنة أربع وخمسين في العساكر لارتجاعها فنهض الامير أبو يحيى إليه وشرده عنها ورجعه على عقبه وأن يغمراسن بن زيان من بعد واقعة أبى سليط سنة خمس وخمسين قصدها لعورة دل عليها وغرة أمل اصابتها فسابقه إليها الامير أبو يحيى وما لقه من دونها ورجع عنها خائب المسعى مفلول الحامية وكان الامر أبو يحيى من بعد أن عقد عليها ليوسف ابن يزكاسن عقد عليها من بعده لسنة ونصف من ولايته ليحيى بن أبى منديل كبير بنى عسكرا قتالهم ومقاسميهم نسب محمد بن وطيص ثم عقد عليها لشهرين لمحمد بن عمران ابن عبلة من بنى يرسان صنائع دولتهم واستعمل معه على الجباية أبا طالب الحبشى وجعل مسلحة الجند بها لنظر أبى يحيى القطراني وملكه قيادتهم وأقاموا على ذلك

[ 188 ]

سنة ثنتين ولما هلك الامير أبو يحيى وشغل السلطان أبو يوسف بحرب يغمراسن ومنازلة مراكش سما للقطراني أمل في الاستبداد بها وداخل في ذلك بعض أهل الفتن وظاهره يوسف بن الغزى وفتكوا بعمار الورند غزاني شيخ الجماعة بالبلد وائتمروا بمحمد بن عمران بن عبلة فخرج ولحق بالسلطان واستبد القطراني بها ثم ثار بهأهل البلد سنة ثمان وخمسين لسنة ونصف من لدن استبداده وقتلوه وصرفوا بيعتهم إلى الخليفة المرتضى بمراكش وتولى كبر ذلك القاضى بن حجاج وعلى بن عمر فعقد له المرتضى عليها وأقام بها أميرا ونازلهم عساكر بنى مرين والسلطان أبو يوسف سنة ستين ونصب عليها آلات الحصار فأحرقوها وامتنعوا وأفرج عنهم وأقام على بن عمر في سلطانه ذلك ثلاث سنين ثم هلك وكان الامير يغمراسن بن زيان منذ غلب الموحدين على تلمسان والمغرب الاوسط وصار في ملكته تحيز إليه من عرب المعقل قبيل المنبات من ذوى منصور بما كانت مجالات المعقل مجاورة لمجالات بنى يادين في القفر وانما ارتحلوا عنها من بعد ما جأجأ يغمراسن من بنى عامر بمجالاتهم من مصاب ببلاد بنى يزيد فزاحموا المعقل بالمناكب عن مجالاتهم ببلاد فيكيك وصاروا حولهم إلى ملوية وما وراءها من بلاد سجلماسة فملكوا تلك المجالات ونبذ يغمراسن العهد إلى ذوى عبيد الله منهم واستخلص المنبات هؤلاء فكانوا له حلفاء وشيعة ولقومه ودعوته خالصة وكانت سجلماسة في مجالاتهم ومتقلب ظعنهم وناجعتهم ولهم فيها طاعة معروفة فلما هلك على بن عمر آثروا يغمراسن بملكها فحملوا أهل البلد على القيام بطاعته وخاطبوه وجأجؤا به فغشيها بعساكره وملكها وضبطها وعقد عليها لعبد الملك بن محمد بن على بن قاسم بن درع من ولد محمد بن زكراز بن يندوكس ويعرف بابن حنينة نسبة إلى أم أبيه أخت يغمراسن ومعه يغمراسن بن حمامة وأنزل معهما ولده الامير يحيى لاقامة الرسم الملوكى ثم أداله بأخيه من السنة الاخرى وكذا كان شأنه في كل سنة ولما فتح السلطان أبو يوسف بلاد المغرب وانتظم أمصاره ومعاقله في طاعته وغلب بنى عبد المؤمن على دار خلافتهم ومحا رسمهم وافتتح طنجة وطوع سبتة مرفأ الجواز إلى العدوة وثغر المغرب سما أمله إلى بلاد القبلة فوجه عزمه إلى افتتاح سجلماسة من أيدى بنى عبد الواد المتغلبين عليها وادالة دعوته فيها من دعوتهم فنهض إليها في العساكر والحشود في رجب من سنة ثنتين وسبعين فنازلها وقد حشد إليها أهل المغرب أجمع من زناتة والعرب والبربر وكافة الجنود والعساكر ونصب عليها آلات الحصار من المجانيق والعرادات وهندام الغفط القاذف بحصى الحديد ينبعث من حربة النار الموقدة في البارود بطبيعة غريبة ترد الافعال إلى قدرة باريها فأقام عليها حولا كريتا يغاديها القتال ويراوحها إلى أن سقطت

[ 189 ]

ذات يوم على حين غفلة طائفة من سورها بالحاح الحجارة من المنجنيق عليها فبادروا إلى اقتحام البلد فدخلوها عنوة من تلك الفرجة في صفر من سنة ثلاث وسبعين فقتلوا المقاتلة والحامية وسبوا الذرية وقتل القائدان عبد الملك بن حنينة ويغمراسن بن حمامة ومن كان معهم من بنى عبد الواد وأسراء المنباة وكمل فتح بلاد المعرب للسلطان أبى يوسف وتمشت طاعته في أقطاره فلم يبق فيه معقل يدين بغير دعوته ولا جماعة تتحيز إلى غير فئته ولا امل ينصرف إلى سواه ولما كملت له نعم الله في استيساق ملكه وتمهيد أمره انصرف أمله إلى الغزو وايثار طاعة الله بجهاد أعدائه واستنقاذ المستضعفين من وراء البحر من عباده على ما نذكره ان شاء الله تعالى ولما انكفأ راجعا من سجلماسة قصد مراكش من حيث جاء ثم وقف إلى سلا فأراح بها أياما ونظر في شؤنها وسد ثغورها وبلغه الخبر بوفادة أبى طالب صاحب سبتة الفقيه أبى القاسم الغرفى على فاس فأغذ السير إلى حضرته وأكرم وفادته وأحسن منقلبه إلى أبيه مملوء الحقائب ببره رطب اللسان بشكره ثم شرع في اجازة ولده كما نذكره الآن ان شاء الله تعالى { الخبر عن شأن الجهاد وظهور السلطان أبى يوسف على النصارى وقتل زعيمهم ذننة وما قارن ذلك } كانت عدوة الاندلس منذ أول الفتح ثغرا للمسلمين فيه جهادهم ورباطهم ومدارج شهادتهم وسبيل سعادتهم وكانت مواطنهم فيه على مثل الرضف وبين الظفر والناب من أسود الكفر لتوفر أممهم جوارها واحاطهم بها من جميع جهاتها وحجز البحر بينهم وبين اخوانهم المسلمين منها لانقطاعهم عن قومهم وأهل دينهم وبعدهم عن الصريخ وشاور في ذلك كبار التابعين وأشراف العرب فرأوه رأيا واعتزم عليه لولا ما عاقه من المنية وعلى ذلك فكان للاسلام فيه اعتزاز على من جاورهم من أهل الكفر بطول دولة العرب من قريش ومضر واليمن وكانت نهاية عزهم وسورة غلبهم أيام بنى أمية بها الطائرة الذكر الباسطة جناحها على العدوتين منذ ثلاث مئين من السنين أو ما يقاربها حتى انتثر سلكها بعد المائة الرابعة من الهجرة وافترقت الجماعة طوائف وفشلت ريح المسلمين وراء البحر بفناء دولة العرب واعتز البربر بالمغرب واستفحل شأنهم وجاءت دولة المرابطين فجمعت ما كان مفترقا بالمغرب من كلمة الاسلام وتمسكوا بالسنة وتشوفوا إلى الجهاد واستدعاهم اخوانهم من وراء البحر للمدافعة عنهم فأجازوا إليهم وأبلوا في الجهاد العد وأحسن البلاء وأوقعوا بالطاغية بن أدفوش يوم الزلاقة وغيرها وفتحوا حصونا واسترجعوا أخرى واستنزلوا الثوار ملوك الطوائف وجمعوا الكلمة بالعدوتين وجاء على اثرهم الموحدون سالكين أحسن مذاهبهم فكان لهم في الجهاد آثار وعلى

[ 190 ]

الطاغية أيام منها يوم الارد ليعقوب بن المنصور وغيره من الايام حتى إذا فشلت ريح الموحدين وافترقت كلمتهم وتنازع الامر سادة بنى عبد المؤمن الامراء بالاندلس وتحاربوا على الخلافة واستجاشوا بالطاغية وأمكنوه من كثير من حصون المسلمين طعمة على الاستظهار فخشى أهل الاندلس على أنفسهم وثاروا بالموحدين وأخرجوهم وتولى ذلك ابن هود بمرسية وشرق الاندلس وعم بدعوته سائر أقطارها وأقام الدعوة فيها للعباسيين وخاطبهم ببغداد كما ذكرناه في أخبارهم واستوفينا كلا بما وضعناه في مكانه ثم انحجز ابن هود على الغريبة لبعدها عنه وفقده للعصابة المتناولة لها وانه لم تكن صنعته في الملك مستحكمة وتكالب الطاغية على الاندلس من كل جهة وكثر اختلاف المسلمين منهم وشغل بنو عبد المؤمن بما دهمهم من المغرب من شأن بنى مرين من زناتة فتكافى محمد بن يوسف بن الاحمر أمر الغربية وثار بحصنه أرجولة وكان شجاعا قرما ثبتا في الحروب فتلقف الكرة من يد ابن هود يجاذبه الحبل ويقارعه على عمالات الاندلس واحدة بعد أخرى إلى أن هلك ابن هود سنة خمس وثلاثين وتكالب العدو خلال ذلك على جزيرة الاندلس من كل جانب ووفر له ابن هود الجزية وبلغ بها أربعمائة ألف من الدنانير في كل سنة ونزل له على ثنتين من حصون المسلمين وخشى ابن الاحمر أن يستغلظ عليه بالطاغية فجنح هو إليه وتمسك بعروته ونفر في جملته إلى منازلة اشبيلية نكاية لاهلها ولماهلك الامير أبو زكريا نبذ الدعوة الحفصية واستبد لنفسه وتسمى بأمير المسلمين ونازعه بالشرق أعقاب ابن هود وبنى مردنيش ودعاه الامر إلى النزول للطاغية من بلاد الفرنتيرة فنزل عليها بأسرها وكانت هذه المدة من سنة سبعين فترة ضاعت فيها ثغور المسلمين واستبيح حماهم والتهم العدو بلادهم وأموالهم نهبا في الحروب ووضيعة ومداراة في السلم واستولى طواغيت الكفر على أمصارها وقواعدها فملك ابن أدفوش قرطبة سنة ست وأربعين وتملك قط برشلونة مدينة بلنسية سنة سبع وثلاثين إلى ما بينهما من الحصون والمعاقل التى لا تعد ولا تحصى وانقرض أمر الثوار بالشرق وتفرد ابن الاحمر بغرب الاندلس وضاق نطاقه عن الممانعة دون البسائط الفيح من الفرنتيرة وما قاربها ورأى أن التمسك بها مع قلة العدد وضعف الشوكة مما يوهن أمره ويطمع فيه عدوه فعقد السلم مع الطاغية على النزول عنها أجمع ولجأ بالمسلمين إلى سيف البحر معتصمين بأوعاره من عدوهم واختار لنزله مدينة غرناطة وابتنى بها لسكانه حصن الحمراء حسبما شرحنا ذلك كله في مواضعه وفى أثناء هذا كله لم يزل صريخه ينادى بالمسلمين من وراء البحر والملا من أهل الاندلس يفسدون على أمير المسلمين أبى يوسف للاعانة ونصر الملة واستنقاذ الحرم والولد ان من أنياب العدو فلا يجد مفزعا إلى

[ 191 ]

ذلك بما كان فيه من مجاذبة الحبل مع الموحدين ثم مع يغمراسن ثم شغله بفتح بلاد المغرب وتدويخ أقطاره إلى أن هلك السلطان أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الاحمر المعروف بالشيخ وأبى دبوس لقبين كانا له على حين استكمال أمير المسلمين فتح المغرب وفراغه من شأن عدوه سنة احدى وسبعين على أن بنى مرين كانوا يؤثرون الجهاد ويسمون إليه وفى نفوسهم جنوح إليه وصاغية ولما استوحش بنو ادريس بن عبد الحق فخرجوا سنة احدى وستين على السلطان يعقوب بن عبد الحق واسترضاهم واستصلحهم انتدب الكثير منهم للغزو واجازة البحر لصريخ المسلمين بالاندلس واجتمع إليهم من مطوعة بنى مرين عسكر ضخم من الغزاة ثلاثة آلاف أو يزيدون وعقد السلطان على ذلك العسكر لعامر بن ادريس فوصلوا إلى الاندلس فكان لهم فيها ذكر ونكاية في العدو وكان الشيخ ابن الاحمر عهد إلى ولده القائم بالامر بعده محمد الشهير بالفقيه لانتحاله طلب العلم أيام أبيه وأوصاه أن يتمسك بعروة أمير المسلمين ويخطب نصره ويدر أبه ويقدمه عن نفسه وعن المسلمين تكالب الطاغية فبادر لذلك لحين مواراة أبيه وأوفد مشيخة الاندلس كافة عليه ولقيه وفدهم منصرفا من فتح سجلماسة خاتم الفتوح بالثغور المغربية وملاذ العز ومقاد الملك وتبادروا للاسلام وألقوا إليه كنه الخبر عن كلب العدو على المسلمين وثقل وطأته فحيا وفدهم ورؤساءهم وبادر لاجابة داعى الله واستئثار الجنة وكان أمير المسلمين منذ أول أمره مؤثرا أعمال الجهاد كلفا به مختارا له حتى أعطى الخيار سائر آماله حتى لقد كان اعتزم على الغزو إلى الاندلس أيام أخيه الامير أبى يحيى وطلب اذنه في ذلك عندما ملكوا مكناسة سنة ثلاث وأربعين فلم يأذن له وفصل إلى الغزو في حشمه وذويه ومن أطاعه من عشيرته وأوعز الامير أبو يحيى لصاحب الامر بسبتة لذلك العهد أبى على بن خلاص بأن يمنعه الاجازة ويقطع عنه أسبابها ولما انتهى إلى قصر الجواز ثنى عزمه عن ذلك الولى يعقوب بن هرون الخبرى ووعده بالجهاد أمير امستنفر للمسلمين ظاهرا على العدو فكان في نفسه من ذلك شغل واليه صاغية فلما قدم عليه هذا الوفد نبهوا عزائمه وذكروا همته فأعمل في الاحتشاد وبعث في النفير ونهض من فاس شهر شوال من سنة ثلاث وسبعين إلى فرصة المجاز من طنجة وجهز خمسة آلاف من قومه أزاح عللهم واستوفى أعطياتهم وعقد عليهم لابنه منديل وأعطاه الراية واستدعى من الغد في صاحب سبتة السفن لاجازتهم فوافاه بقصر الجواز عشرون من الاساطيل فأجازوا العسكر ونزل بطريف وأراح ثلاثا ودخل دار الحرب وتوغل فيها وأجلب على ثغورها وبسائطها وامتلات أيديهم من المغانم واثخنوا بالقتل والاسر وتخريب العمران ونسف الآثار حتى نزل بساحة شريس فحام حاميتها عن اللقاء

[ 192 ]

وانحجزوا في البلاد وقفل عنها إلى الجزيرة وقد امتلات أيديهم من الاموال وحقائبهم من السبى وركائبهم من الكراع والسلاح ورأى أهل الاندلس قد ثاروا بعام العقاب حتى جاءت بعدها الطاعة الكبرى على أهل الكفر واتصل الخبر بأمير المسلمين فاعتزم على الغزو بنفسه وخشى على ثغور بلاده من عادية يغمراسن في الفتنة فبعث حافده تاشفين بن عبد الواحد في وفد من بنى مرين لعقد السلم مع يغمراسن والرجوع للاتفاق والموادعة ووضع أوزار الحرب بين المسلمين للقيام بوظيفة الجهاد فأكرم موصله وموصل قومه وبادر إلى الاجابة والالفة وأوفد مشيخة بنى عبد الواد على السلطان لعقد السلم وبعث معهم الرسل وأسنى الهدية وجمع الله كلمة الاسلام وعظم موقع هذا السلم من أمير المسلمين لما كان في نفسه من الصاغية إلى الجهاد وايثاره مبرورات الاعمال وبث الصدقات يشكر الله على ما منحه من التفرغ لذلك ثم استنفر الكافة واحتشد القبائل والجموع ودعا المسلمين إلى الجهاد وخاطب في ذلك كافة أهل المغرب من زناتة والعرب والموحدين والمصامدة وصنهاجة وغمارة وأوربة ومكناسة وجميع قبائل البرابرة وأهل المغرب من المرتزقة والمطوعة وأهاب بهم وشرع في اجازة البحر فأجازه من فرضة طنجة لصفر من سنة أربع وسبعين واحتل بساحة طريف وكان لما استصرخه السلطان ابن الاحمر وأوفد عليه مشايخ الاندلس اشترط عليه النزول عن بعض الثغور بساحل الفرضة لاحتلال عساكره فتجافى له عن رندة وطريف ولما احتل بطنجة بادر إليه ابن هشام السائر بالجزيرة الخضراء وأجاز البحر إليه ولقيه بظاهر طنجة فأدى له طاعته وأمكنه من قياد بلده وكان الرئيس أبو محمد بن اشقيلولة وأخوه أبو اسحق صهر السلطان ابن الاحمر تبعا له في أمره وموازرا له على شأنه كله وأبوهما أبو الحسن هو الذى تولى كبر الثورة على ابن هود ومداخلة أهل اشبيلية في الفتك بابن الباجى فلما استوت قدمه في ملكه وغلب الثوار على أمره فسد ما بينهما بعد أن كان ولى أبا محمد على مقاله وأبا اسحق على وادى آش فامتنع أبو محمد بن اشقيلولة بمالقة واستأثر بها ونفر بيتها دونه ومع ذلك فكانوا على الصاغية فئة ولحمة ولما أحس أبو محمد باجازة السلطان يعقوب بن عبد الحق قدم إليه الوفد من أهل ما لقة ببيعتهم وصريخهم وانحاش إلى جانب السلطان وولايته وأمحضه المخالصة والنصيحة فلما احتل السلطان بناحية طريف ملات كتائبه ساحة الارض ما بينهما وبين الجزيرة وتسابق السلطان ابن الاحمر وهو الفقيه أبو محمد بن الشيخ أبى دبوس صاحب غرناطة والرئيس أبو محمد بن اشقيلولة صاحب ما لقة والغربية إلى لقاء السلطان وتنازعوا في برور مقدمه والاذعان له ففاوضهما في أمور الجهاد وأرجعهما لحينه إلى بلديهما وانصرف ابن الاحمر مغاضبا لبعض النزغات

[ 193 ]

أحفظته وأغذ السير إلى الفرتيرة وعقد لولده الامير أبى يعقوب على خمسة آلاف من عسكره وسرح كتائبه في البسائط وخلال المعاقل تنسف الزرع وتحطم الغروس وتخرب العمران وتنتهب الاموال وتكتسح السرح وتقتل المقاتلة وتسبى النساء والذرية حتى انتهى إلى المدور وتالسة وأبده وأقتحم حصن بلمة عنوة وأتى على سائر الحصون في طريقه فطمس معالمها واكتسح أموالها وقفل والارض تموج سبيا إلى أن عرس باستجة من تخوم دار الحرب وجاء النذير باتباع العدو آثارهم لاستنقاذه أسراهم وارتجاع أموالهم وان زعيم الروم وعظيمهم ذننه خرج في طلبهم بأمم بلاد النصرانية من المحتلم فما فوقه فقدم السلطان الغنائم بين يديه وسرح ألفا من الفرسان أمامها وسار يقتفيها حتى إذا طلت رايات العدو من ورائهم كان الزحف ورتب المصاف وجرد وذكر وراجعت زناتة بصائرها وعزائمها وتحركت هممها وأبلت في طاعة ربها والذب عن دينها وجاءت بما يعرف من بأسها وبلائها في مقاماتها ومواقفها ولم يكن الا كلا ولا حتى هبت ريح النصر وظهر أمر الله وانكشفت جموع النصرانية وقتل الزعيم ذننه والكثير من جموع الكفر ومنح الله المسلمين اكتافهم واستمر القتل فيهم واحصى القتلى في المعركة فكانوا ستة آلاف واستشهد من المسلمين ما يناهز الثلاثين أكرمهم الله بالشهادة وآثرهم بما عنده ونصر الله حزبه وأعز أولياءه ونصر دينه وبدا للعدو ما لم يحتسبه بمحاماة هذه العصابة عن الملة وقيامها بنصر الكلمة وبعث أمير المسلمين برأس الزعيم ذننه إلى ابن الاحمر فرده زعموا سرا إلى قومه بعد أن طيبه وأكرمه ولاية أخلصها لهم مداراة وانحرافا عن أمير المسلمين ظهرت شواهده عليه بعد حين كما نذكره وقفل أمير المسلمين من غزاته إلى الجزيرة منتصف ربيع من سنته فقسم في المجاهدين الغنائم وما نفلوه من أموال عدوهم وسباياهم وأسراهم وكراعهم بعد الاستئثار بالخمس لبيت المال على موجب الكتاب والسنة ليصرفه في مصارفه ويقال كان مبلغ الغنائم في هذه الغزاة مائة ألف من البقر وأربعة وعشرين ألفا ومن الاسارى سبعة آلاف وثمان مائة وثلاثين ومن الكراع أربعة عشر ألفا وستمائة وأما الغنم فاتسعت عن الحصر كثرة حتى لقد زعموا بيع الشاة في الجزيرة بدرهم واحد وكذلك السلاح وأقام أمير المسلمين بالجزيرة أياما ثم خرج غازيا إلى أشبيلية فجاس خلالها وتقري نواحيها وأقطارها وأثخن بالقتل والنهب في مجهاتها وعمرانها وارتحل إلى شريش فأذاقها وبال العيث والاكتساح ورجع إلى الجزيرة لشهرين من غزاته ونظر في اختطاط مدينة بفرضة المجاز من العدوة لنزل عسكره منتبذا عن الرعية لما يلحقهم من ضرر العسكر وجفائهم وتحيز لها مكانا لصق الجزيرة فأوغر ببناء المدينة المشهورة بالبنية وجعل ذلك لنظر من يثق به من

[ 194 ]

ذويه ثم أجاز البحر إلى المغرب في رجب من سنة أربع وسبعين فكان مغيبه وراء البحر ستة أشهر واحتل بقصر مصمودة وأمر ببناء السور على بادس مرفأ الجواز ببلاد غمارة وتولى ذلك ابراهيم بن عيسى كبير بنى وسناف بن محيو ثم رحل إلى فاس فدخلها في شعبان وصرف النظر إلى أحوال دولته واختطاط البلد الجديد لنزله ونزل حاشيته واستنزال الثوار عليه بالمغرب على ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن اختطاط البلد الجديد بفاس وما كان على بقية ذلك من الاحداث) * لما قفل السلطان أمير المسلمين من غزاته الجهادية وتم صنع الله لديه في ظهور الاسلام على يديه واعتزاز أهل الاندلس بفيئته راح بالمغرب إلى نعمة أخرى من ظهور أوليائه وحسم أدواء الفساد في دولته شفعت مواهب السعادة وأجملت عوائد الصنع وذلك ان صبابة بنى عبد المؤمن وفلهم لما فروا من مراكش عند الفتح لحقوا بجبل تينمال جرثومة أمرهم ومنبعث دعوتهم وملاحد خلفائهم وحضرة سلفهم ودار امامهم ومسجد مهديهم كانوا يعكفون عليه متيمنين بطيره ملتمسين بركة زيارته ويقدمون ذلك أمام غزاوتهم قرية بين يدى أعمالهم يعتدونها من صالح مسايهم فلما خلص الغل إليه اعتصموا بمعقله وآووا إلى ركونه ونصبوا للقيام بأمرهم عيصا من أعياص خلفاء بنى عبد المؤمن ضعيف المنبه خاسر الصفقة من مواهب الحظ وهو اسحق أخو المرتضى وبايعوه سنة تسع وستين يرجون منه رجع الكرة وادالة الدولة وكان المتولي لكبر ذلك وزير دولتهم ابن عطوش ولما عقد السلطان يعقوب بن عبد الحق لمحمد بن على بن محلى على أعمال مراكش لم يقدم عملا على محاربتهم وتخذيل الناس عنهم واستمالة أشياعهم وجمعوا له سنة أربع وسبعين على غرة ظنوها فأوقع بهم وفل من غربهم ثم صمد إلى الجبل لشهر ربيع من سنته فافتض عذرته وفض ختامه واقتحمه عليهم عنوة بعد مطاولة النزال والحرب وهلك الوزير ابن عطوش في جوانب الملحمة وتقبض على خليفته المستضعف وابن عمه أبى سعيد بن السيد أبى الربيع ومن معهما من الاولياء وجنبوا إلى مصارعهم بباب الشريعة بمراكش فضربت أعناقهم وصلبت اشلاؤهم وكان فيمن قتل منهم كاتبه القبائلي وأولاده وعاثت العساكر في جبل تينمال وآ ؟ ؟ سحت أمواله وقبور الخلفاء بنى عبد المؤمن واستخرج يوسف وابنه يعقوب المنصور رؤسهم وتولى كبر ذلك أبو على المليانى النازع إلى السلطان أبى يوسف من مليانة عش غوانيه ومواطن انتزائه كما قدمناه وكان السلطان أقطعه بلاد اغوات اكراما لوفادته فحضر هذه الغزاة في جملة العساكر ورأى أن قد شفى نفسه باخراج هؤلاء الخلائق من أرماسهم والعيث باشلائهم لما نقم منه الموحدون

[ 195 ]

وعثمان بن يغمراسن في خلال هذا يستألف بنى توجين شعبا فشعبا إلى أن نهض إلى جبل وانشريس فملكه وفر أمامه موسى بن زرارة إلى نواحى لمدية وهلك في سفره ذلك ثم نهض عثمان إلى لمدية سنة ثمان وثمانين بعدها فملكها بمداخلة لمدية من قبائل صنهاجة غدروا بأولاد عزيز وأمكنوه منها ثم انتقضوا عليه لسبعة أشهر ورجعوا إلى ايالة أولاد عزيز فصالحوا عثمان بن يوسف على الاتاوة والطاعة كما كانوا مع محمد بن عبد القوى وبنيه فملك عثمان بن يغمراسن عامة بلاد توجين ثم شغل بمادهمه من مطالبة بنى مرين أيام يوسف بن يعقوب فولى على بنى توجين من بنى محمد بن عبد القوى أبو بكر بن ابراهيم بن محمد مدة عامين أخاف فيها الناس وأساء السيرة ثم هلك فنصب بنو تيغرين بعده أخاه عطية المعروف بالاصم وخالفهم أولاد عزيز وجميع قبائل توجين فبايعوا ليوسف ابن زيان بن محمد وزحفوا إلى جبل وانشريس فحاصروا به عطية وبنى تيغرين عاما أو يزيد وكان يحيى بن عطية كبير بنى تيغرين هو الذى تولى البيعة لعطية الاصم فلما اشتد بهم الحصار واستفحل ملك يوسف بن يعقوب بمكانه من حصار تلمسان ورغبه في ملك جبل وانشريس فبعث معه الجيوش لنظر أخيه أبى سرحان ثم أخيه أبى يحيى وكان نهوض أبى يحيى سنة احدى وسبعمائة فتوغل في ناحية الشرق ولما رجع صمد إلى جبل وانشريس فهدم حصونه وقفل ونهض ثانية إلى بلاد بنى توجين فشردهم عنها وأطاعه أهل تافركينت ثم انتهى إلى لمدية فافتتحها صلحا واختط قصبتها ورجع إلى أخيه يوسف بن يعقوب فانتقض أهل تافركينت بعد صدوره عنهم ثم راجع بنو عبد القوى بصائرهم في التمسك بالطاعة ووفدوا على يوسف بن يعقوب فتقبل طاعتهم وأعادهم إلى بلادهم وأقطعهم وولى عليهم على بن الناصر بن عبد القوى وجعل وزارته ليحيى بن عطية فغلبه على دولته واستقام ملكه وهلك خلال ذلك فعقد يوسف بن يعقوب مكانه لمحمد بن عطية الاصم واستقام على طاعته وقتا ثم انتقض بين يدى مهلكه سنة ست وحمل قومه على الخلاف ولما هلك يوسف بن يعقوب وتجافي بنو مرين من بعدها لبنى يغمراسن عن جميع الامصار التى تملكوها بالمغرب الاوسط استمكن بنو يغمراسن منها ودفعوا المتغلبين عنها ولحق الفل من أولاد عبد القوى ببلاد الموحدين فحلوا من دولتهم محل الايثار والتكرمة وكان للعباس بن محمد بن عبد القوى مع الملوك من آل أبى حفص مقام الخلة والمصافاة إلى أن هلك وبقى عقبه في جند السلطان ولما خلا الجو من هؤلاء المرشحين تغلب على جبل وانشريس من بعدهم كبير بنى تيغرين أحمد بن محمد من أعقاب يعلى بن محمد سلطان بنى يفرن فأقام يحيى بن عطية هذا في رياستهم أياما ثم هلك وقام بأمره من بعده أخوه عثمان بن عطية ثم هلك وولى من بعده ابنه عمر بن عثمان واستقل مع قومه بجبل

[ 196 ]

في العساكر فجاس خلاله ثم انكفأ راجعا وخطب قبائل المغرب كافة بالنفير فتباطؤا واستمر على تحريضهم ونهض إلى رباط الفتح وتلوم بها في انتظار الغزاة فتثبطوا فخف في خاصته وحاشيته واحتل بالفرضة من قصر المجاز وتلاحق به الناس فأجازوا البحر واحتل بظريف أخر محرم ثم ارتحل إلى الجزيرة ثم إلى رندة ووافاه هنالك الرئيسان أبو اسحق بن اشقيلولة صاحب قارش وأبو محمد صاحب مالقة للغزو معه وارتحلوا إلى منازلة اشبيلية فعرسوا عليها يوم المولد النبوى وكان بها ملك الجلالقة بن ادفونش فخام عن اللقاء وبرز إلى ساحة البلد محاميا عن أهله ورتب أمير المسلمين مصافه وجعل ولده الامير أبا يعقوب في المقدمة وزحف في التعبية فأحجروا العدو في البلد واقتحموا اثرهم الوادي وأثخنوا فيهم وباتت العساكر ليلتهم يجادون في متون الخيل وقد أضرموا النيران بساحتها وارتحل من الغد إلى أرض الشرق وبث السرايا والغوازي في سائر النواحى وأناخ بجمهور العسكر عليها فلم يزل يتقرى تلك الجهات حتى أباد عمرانها وطمس معالمها ودخل حصن قطيانة وحصن جليانة وحصن القليعة عنوة وأثخن في القتل والسبي ثم ارتحل بالغنائم والاثقال إلى الجزيرة لسرار شهره فأراح وقسم الغنائم في المجاهدين ثم خرج غازيا إلى شريش منتصف ربيع الآخر فنازلها وأذاقها نكال الحرب وأقفر نواحيها وقطع أشجارها وأباد خضراءها وحرق ديارها ونسف آثارها وأثخن فيها بالقتل والاسر وبعث ولده الامير أبا يعقوب في سرية من معسكره للغوار على اشبيلية وحصون الواد فبالغ في النكاية واكتسح حصن روطة وشلوقة وغليانة والقناطير ثم صبح اشبيلية بمقاره فاكتسحها وانكفأ إلى أمير المسلمين فقفلوا جميعا إلى الجزيرة وأراح وقسم في المجاهدين غنائمهم ثم ندب إلى غزو قرطبة ورغبهم في عمرانها وثروة ساكنها وخصب بلادها فانعطفوا إلى اجابته وخاطب ابن الاحمر يستنفره وخرج لاول جمادى من الجزيرة ووافاهم ابن الاحمر بناحية أرشدونه فأكرم وصوله وشكر حفوفه إلى الجهاد وبداره ونازلوا حصن بنى بشير فدخله عنوة وقتلت المقاتلة وسبيت النساء ونفلت الاموال وخرب الحصن ثم بث السرايا والغارات في البسائط فاكتسحها وامتلات الايدى وأثرى العسكر وتقروا المنازل والعمران في طريقهم حتى احتلوا بساحة قرطبة فنازلوها وانحجرت حامية العدو من وراء الاسوار وانبثت بعوث المسلمين وسراياه في نواحيها فنسفوا آثارها وخربوا عمرانها واكتسحوا قراها وضياعها وترددوا على جهاتها ودخل حصن بركونة عنوة ثم ارجونة كذلك وقدم بعثا إلى حيانة قاسمها حظها من الخسف والدمار وخام الطاغية عن اللقاء وأيقن بخراب عمرانها واتلاف بلده فجنح إلى السلم وخطبه من أمير المسلمين فدفعه إلى

[ 197 ]

ابن الاحمر وجعل الامر في ذلك إليه تكرمة لمشهده ووفاء بحقه وأجابهم ابن الاحمر إليه بعد عرضه على أمير المسلمين والتماس اذنه فيه لما فيه من المصلحة وجنوح أهل الاندلس إليه منذ المدد الطويلة فانعقد السلم وقفل أمير المسلمين من غزاته وجعل طريقه على غرناطة احتفاء بالسلطان ابن الاحمر وخرج له عن الغنائم كلها فاحتوى عليها ودخل أمير المسلمين إلى الجزيرة في أول رجب من عامئذ فأراح ونظر في ترتيب المسالح على الثغور وتملك مالقة كما نذكره * (الخبر عن تملك السلطان مدينة مالقة من يد ابن اشقيلولة) * كان بنو اشقيلولة هؤلاء من روساء الاندلس المؤملين لمدافعة العدو وكانوا نظراء لابن الاحمر في الرياسة وهما أبو محمد عبد الله وأبو اسحق ابراهيم ابنا أبى الحسن بن اشقيلولة وكان أبو محمد منهم صهرا له على ابنته فكانوا له بذلك خاصة فأشركهم في أمره واعتضد بعصابتهم وبابيهم من قبل على مقاومة بن هود وسائر الثوار حتى إذا استمكن من فرصته واستوى على كرسيه استبد دونهم وأنزلهم إلى مقامات الوزراء وعقد لابي محمد صهره على ابنته على مدينة مالقة والغربية وعقد لابي الحسن صهره على أخته على وادى آش وما إليها وعقد لابنه أبى اسحق ابراهيم بن على على قمارش وما إلى ذلك ووجدوا في أنفسهم واستمر الحال على ذلك ولما هلك الشيخ ابن الاحمر سنة احدى وسبعين وولى ابنه الفقيه محمد سموا إلى منازعته وأوفد أبو محمد صاحب مالقة ابنه أبا سعيد على السلطان يعقوب بن عبد الحق وهو منازل طنجة ووفد معه أبو محمد إلى السلطان بطاعته وبيعته أهل مالقة سنة ثلاث وسبعين وعقد له عليها ونزع ابنه أبو سعيد فرج إلى دار الحرب ثم رجع لسنته فقتل بمالقة ولما أجاز السلطان إلى الاندلس اجازته الاولى سنة أربع وسبعين تلقاه أبو محمد بالجزيرة مع ابن الاحمر وفاوضهما السلطان في أمر الجهاد وردهما إلى أعمالهما ولما أجاز اجازته الثانية سنة ست وسبعين لقيه بالجزيرة الرئيسان ابنا اشقيلولة أبو محمد صاحب مالقة واخوه اسحق صاحب وادى آش وقمارش فشهدا معه الغزاة ولما قفل اعتل أبو محمد صاحب مالقة ثم هلك غرة جمادى من سنته فلحق به ابنه محمد بالسلطان آخر شهر رمضان وهو متلوم بالجزيرة منصرفه من الغزو كما ذكرناه فنزل له عن البلد ودعاه إلى احتيازها فعقد عليها لابنه أبى زيان منديل فسار إليها فبعث وكان ابن اشقيلولة لحين فصوله إلى لقاء السلطان أمر ابن عمه محمد الازرق بن أبى الحجاج يوسف بن الزرقاء باخلاء منازل السلطان بالقصبة واعدادها فتم ذلك لثلاث ليال واضطرب الامير أبو زيان معسكره بخارجها وأنفذ محمد بن عمران بن عيلة في رهط من رجال بنى مرين إلى قصبة فنزلها وملك أمر البلد وكان السلطان بن الاحمر لما بلغه

[ 198 ]

وفاة أبى محمد بن اشقيلولة سما أمله إلى استيلائه على مالقة وان ابن أخته شيعة له وبعث لذلك وزيرة أبا سلطان عزيز الدانى فوافى معسكر الامير أبى زيان بساحتها ورجا أن يتجافى عنها السلطان فأعرض عن ذلك وتجهم له ودخل إليها لثلاث بقين من رمضان وانقلب الدانى عنها بخفى حنين ولما قضى السلطان بالجزيرة صومه ونسكه خرج إلى مالقة فوافاها سادس شوال وبرز إليه أهلها في يوم مشهود واحتفلوا له احتفال أيام الزينة سرورا بمقدم السلطان ودخولهم في ايالته وأقام فيهم إلى خاتم سنته ثم عقد عليها لعمر بن يحيى بن محلى من صنائع دولتهم وأنزل معه المسالح وزيان بن أبى عياد بن عبد الحق في طائفة لنظره من ابطال بنى مرين واستوصاه بمحمد بن اشقيلولة وارتحل إلى الجزيرة ثم أجاز إلى المغرب سنة سبع وسبعين وقد اهتزت الدنيا لقدومه وامتلات القلوب سرورا بما كيفه الله من نصر المسلمين بالعدوة وعلو راية السلطان على كل راية وعظمت لذلك موجدة ابن الاحمر ونشأت الفتنة كما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن تظاهر ابن الاحمر والطاغية على منع السلطان أبى يوسف من اجازة ابن الاحمر واصفاق يغمراسن بن زيان معهم من وراء البحر على الاخذ بحجزته عنهم وواقعة السلطان على يغمراسن بخرزوزة } لما أجاز أمير المسلمين إلى العدوة اجازته الاولى ولقى العدو باستجه وقتل الله ذننه بإيدى عسكره وصنع له من الظهور والعز مالا كفاء له ارتاب ابن الاحمر بمكانه فبدا له ما لم يكن يحتسب وظن بأمير المسلمين الظنون واعترض ذكره شأن يوسف بن تاشفين والمرابطين مع ابن عباد سلطان الاندلس وأكد ذلك عنده جنوح الرؤساء من بنى اشقيلولة وغيرهم إليه وانقيادهم لامره فشرق بمكانه وحذر غوائله وتكدر الجو بينهما واجاز الاجازة الثانية فانقبض ابن الاحمر عن لقائه ودارت بينهما مخاطبات شعرية في معنى العتاب على السنة كتابهما نسردها الآن (فمن ذلك) قصيدة كتبها إليه ابن الاحمر سنة أربع وسبعين بعد واقعة ذننه واعتزامه على الرجوع إلى المغرب فخاطبه بها ليلة الاقامة بالجزيرة حذرا من غائلة العدو وينحو فيها منحى الاستعطاف وهى من نظم كاتبه أبى عمر بن المرابط هل من معينى في الهوى أو منجدى * من متهم في الارض أو من منجد هذا الهوى داع فهل من مسعف * باجابة وانابة أو مسعد هذا سبيل الرشد قد وضحت فهل * بالعدوتين من امرئ مسترشد يرجو النجاة بجنة الفردوس أو * يخشى المصير إلى الجحيم الموقد يا آمل النصر العزيز على العدا * أجب الهدى تسعد به وتؤيد

[ 199 ]

سر النجاة إلى النجاة مشمرا * ان الهدى لهو النجاة لمن هدى يامن يقول غدا أتوب ولا غد * الديك علم أن تعيش إلى غد لا تغترر بنسيئة الاجل الذى * ان لم يحن لك نقده فكان قد سفر عليك طويلة أيامه * لم تستعدا لطوله فاستعدد أوما علمت بأنه لا بد من * زاد لكل مسافر فتزود هذا الجهاد رئيس أعمال التقا * خذ منه زادك لارتحالك تسعد هذا الرباط بأرض اندلس فرح * منه لما يرضى الهك واغتد سودت وجهك بالمعاصى فالتمس * وجها للقيا الله غير مسود وامح الخطايا بالذنوب فربما * محت الدموع خطيئة المتعمد من ذا يتوب لربه من ذنبه * أو يقتدى بنبيه أو يهتدى من ذا يطهر نفسه بعزيمة * مشحوذة في نصر دين محمد أتعز من أرض العدو مدائن * والله في أقطارها لم يعبد وتذل أرض المسلمين وتبتلي * بمثلثين سطوا بكل موحد كم جامع فيها أعيد كنيسة * فاهلك عليه أسى ولا تتجلد القس والناقوس فوق مناره * والخمر والخنزير وسط المسجد أسفا عليها أقفرت صلواتها * من قانتين وراكعين وسجد وتعوضت منهم بكل معاند * مستكبر قد كان لم يتشهد كم من أسير عندهم وأسيرة * فكلاهما يبغى الفداء فما فدى كم من عقيلة معشر معقولة * فيهم تود لو انها في ملحد كم من وليد بينهم قد ود من * ولداه ودا أنه لم يولد كم من تقى في السلاسل موثق * يبكى لآخر في الكبول مقيد وشهيد معترك توزعه الردى * مابين حدى ذابل ومهند ضجت ملائكة السماء لحالهم * ورثى لهم من قلبه كالجلمد أفلا تذوب قلوبكم اخواننا * مما دهانا من ردى أو من ردى أفلا تراعون الاذمة بيننا * من حرمة ومحبة وتودد أكذا يعيث الروم في اخوانكم * وسيوفكم للثار لم تتقلد يا حسرتى لحمية الاسلام قد * خمدت وكانت قبل ذا تتوقد أين العزائم ما لها لا تقتضي * هل يقطع الهندي غير مجرد أبنى مرين أنتم جيراننا * وأحق من في صرخة بهم ابتدى

[ 200 ]

فالجار كان به يوصى المصطفى * جبريل حقا في الصحيح المسند ابني مرين والقبائل كلها * في المغرب الادنى لنا والابعد كتب الجهاد عليكم فتبادروا * منه إلى الفرض الاحق الاوكد وارضوا باحدى الحسنين وأقرضوا * حسنا تفوزوا بالحسان الخرد هذى الجنان تفتحت أبوابها * والحور قاعدة لكم بالمرصد هل من بايع من ربه من مشتر * منه الحصول على النعيم السرمد لله في نصر الخليفة موعد * صدق فثوروا لانتجاز الموعد هذى الثغور بكم اليكم تشتكى * شكوى العديم إلى الغنى الاوجد ما بال شمل المسلمين مبدد * فيها وشمل الكفر غير مبدد إنتم جيوش الله مل ء فضائه * تأسون للدين الغريب المفرد ماذا اعتذاركم غدا لنبيكم * وطريق هذا العذر غير ممهد ان قال لم فرطتم في أمتى * وتركتموهم للعدو المعتدى تالله لو أن العقوبة لم تخف * لكفى الحياء من وجه ذاك السيد اخواننا صلوا عليه وسلموا * وسلوا الشفاعة منه يوم المشهد واسعوا لنصرة دينه يسقيكم * من حوضه في الحشر أعذب مورد وصدر جوابها من نظم عبد العزيز شاعر السلطان يعقوب بن عبد الحق بما نصه لبيك لا تخش اعتداء المعتدى الخ وكذلك أجاب عنها أيضا مالك بن المرحل بقوله شهد الاله وأنت يا أرض اشهدي الخ فأجابهما أبو عمرو بن المرابط كاتب ابن الاحمر بقوله قل للبغاة وللعداة الحسد الخ ولما أجاز السلطان يعقوب بن عبد الحق الاجازة الثانية سنة ست وسبعين كما نذكره صار ابن الاحمر إلى الاستعتاب والرضا ولقى يعقوب بن عبد الحق فأنشد كاتبه أبو عمرو بن المرابط يوم اجتماعهما قوله * بشرى لحزب الله والايمان الخ ولما انقضى المجلس امر السلطان شاعره عبد العزيز بمساجلة قصيدته وأنشدها ثانى المجلس بحضرة ابن الاحمر ونصها * اليوم كن في غبطة وأمان * الخ ثم كان أثناء ذلك ما وقع من استيلاء السلطان يعقوب بن عبد الحق على مدينة مالقة والغربية جل عمله بعد مهلك صاحبها أبى عبد الله بن اشقيلولة فبرم لذلك وخيل عليه ففزع إلى مداخلة الطاغية في شأنه واتصال يده بيده وان يعود إلى مكان أبيه من ولايته ليدافع به السلطان وقومه على أرضه ويأمن معه من زوال سلطانه لما كانت كلمة الاسلام حجرا دونه فاهتبل الطاغية غرتها ونكث عهد أمير المسلمين ونقض السلم ونبذ إليه العهد واغزي أساطيله الجزيرة الخضراء حيث مسالح السلطان وعساكره وأرست بالزقاق حيث فراض الجواز

[ 201 ]

وانقطع المسلمون من جنود السلطان وقومه وراء البحر ويئسوا من صريخه وانتبذ عمر ابن يحيى بن محلى عن قومه بمكان امارته مالقة وكان بنو محلى هؤلاء من كبار قومهم بطوية وكانوا حلفاء لبنى حمامة بن محمد منذ دخولهم المغرب وأصهر عبد الحق أبو الاملاك إلى أبيهم محلى في ابنته أم اليمن فكان من ولدها السلطان يعقوب بن عبد الحق وكانت امرأة صالحة خرجت إلى الحج سنة ثلاث وأربعين فقضت فريضة الله عليها وعادت إلى المغرب رابعة من السنين سنة سبع وأربعين ثم خرجت ثانية سنة ثنتين وخمسين فتطوعت بحجة أخرى وهلكت بمصر منصرفها من تلك السنة سنة ثلاث وخمسين فكان لبنى محلى أبيها مكان من الدولة والة على السلطان لخولتهم وغنائهم في قومهم ولما استولى السلطان على حضرة الموحدين مراكش عقد لمحمد بن على بن محلى على جميع أعمالها فكانت له بالاصطناع بها مقاما محمودة واتصلت ولايته عليها من لدن سنة ثمان وستين إلى سنة سبع وثمانين ثم كان مهلكه أيام يوسف بن يعقوب كما نذكر ولما نازع محمد ابن اشقيلولة إلى السلطان بالجزيرة سنة ست وسبعين متجافيا له عن ولاية مالقة بعد وفاة أبيه الرئيس أبى محمد واستولى السلطان عليها واعتزم على الاجازة كما قدمناه وعقد على مالقة والغربية وسائر ثغورها وأعمالها لعمر بن يحيى بن محلى وكان أخوه طلحة بن يحيى ذا بأس وصرامة وقوة شكيمة واعتزاز على السلطان بمكان الخولة وهو الذى قتل يعقوب بن عبد الحق سنة ثمان وستين كما قلناه وظاهر فتح الله الهدراى مولى السلطان ووزيره على قتال أبى العلاء بن أبى طلحة بن أبى قريس عامر المغرب بكدية العرايس بظاهر فاس سنة ثنتين وستين ونزع سنة أربع وسبعين إلى جبل آزروا عند مرجع السلطان من أمر مالقة وأجاز البحر إلى بلاد الريف ثم رجع إلى القبلة وأقام بين بنى توجين ثم أجاز إلى الاندلس سنة سبع وسبعين عندما أضرم نار هذه الفتنة بين هذا السلطان وبين ابن الاحمر والطاغية واحتل أسطول النصارى بالزقاق وانقطعت عساكر السلطان وراء البحر وأحس أخوه عمر صاحب مالقة باظلام الجو بينه وبين السلطان بما كان من أمر أخيه طلحة من قبل فلاطفه ابن الاحمر عند استقراره بغرناطة في مداخلة أخيه عمر في النزول على مالقة والاعتياض عنها بشلوبانية والمكب طعمة وخاطبه في ذلك أخوه طلحة فأجاب وخرج ابن الاحمر بعساكره إلى مالقة وتقبض عمر بن محلى على زيان بن بو عياد قائد بنى مرين ومحمد بن اشقيلولة وأمكن ابن الاحمر من البلد فداخلها آخر رمضان من سنته وأنزل ابن محلى بشلوبانية واحتمل ذخيرته وما كان السلطان ائتمنه عليه من المال والعدد الجهادية واتصلت يد ابن الاحمر بيد الطاغية على منع أمير المسلمين من الاجازة وراسلوا يغمراسن بن زيان من وراء البحر وراسلهم في

[ 202 ]

مشاقة السلطان وافساد ثغوره وانزال العوائق به المانعة من حركته والاخذ باذياله عن النهوض إلى وأسنوا فيما بينهما الاتحاف والمهاداة وجنب يغمراسن إلى ابن الاحمر ثلاثين من عتاق الخيل مع ثياب من عمل الصوف وبعث إليه بان الاحمر صحبة ابن مروان التجانى كف ء ذلك عشرة آلاف دينار فلم يرض بالمال في هديته وردها وأصففت أيديهم جميعا على السلطان ورأوا أن قد بلغوا في احكام أمرهم وسد مذاهبه إليهم واتصل الخبر بأمير المسلمين وهو بمراكش كان صمد إليها مرجعه من الغزو في شهر المحرم فاتح سبع وسبعين لما كان من عيث العرب شجم بتامسنا وافسادهم السابلة فنقف أطرافها وحسم أدواءها ولما بلغه خبر ابن محلى ومالقة ومنازلة الطاغية للجزيرة نهض لثالثة من شوال يريد طنجة ولما انتهى إلى تامسنا وافاه الخبر بنزول الطاغية على الجزيرة واحاطة عساكره بها بعد ان كانت أساطيله منازلتها منذ ربيع وانه مشرف على التهامها وبعثوا إليه يستعدونه فاعتزم على الرحيل ثم اتصل به الخبر بخروج مسعود بن كانون أمير سفيان من جشم ببلاد نفيس من المصامدة خامس ذى القعدة وان الناس اجتمعوا إليه من قومه وغيرهم فكر إليه راجعا وقدم بين يديه حافده تاشفين بن أبى مالك ووزيره يحيى حازم وجاء على ساقتهم وفروا أمام جيوشه وانتهب معسكرهم وحللهم واستباح عرب الحرث بن سفيان ولحق مسعود بمعقل الكسيوى ونازله السلطان بعساكره أياما وسرح ابنه الامير أبا زيان منديل إلى بلاد السوس لتمهيدها وتدويخ أقطارها فأوغل في ديارها وقف إلى أبيه خامس سنته واتصل بالسلطان ما نال أهل الجزيرة من ضيق الحصار وشدة القتال واعواز الاقوات وانهم قتلوا الاصاغر من أولادهم خشية عليهم من معرة الكفر فأهمه ذلك وأعمل النظر فيه وعقد لولى عهده ابنه الامير أبى يعقوب من مراكش على الغزو إليها وأعزى الاساطيل في البحر إلى جهاد عدوهم فوصل إلى طنجة لصفر من سنة ثمان وتسعين وأوعز إلى البلاد البحرية لاعداد الاساطيل بسبتة وطنجة وسلا وقسم الاعطاآت وتوفرت همم المسلمين على الجهاد وصدقت عزائمهم على الموت وأبلى الفقيه أبو حاتم العزفى صاحب سبتة لما بلغه خطاب أمير المسلمين في ذلك البلاء الحسن وقام فيه المقام المحمود واستقر كافة أهل بلده فركبوا البحر أجمعين من المحتلم فما فوقه ورأى ابن الاحمر ما نزل بالمسلمين في الجزيرة وأشراف الطاغية على أخذها فندم في ممالاته ونبذ عهده وأعد أساطيل سواحله من والمرية ومالقة مدد للمسلمين واجتمعت الاساطيل بمرفا سبتة تناهز السبعين قد أخذت بطرفي الزقاق في أحفل زى وأحسن قوة وأكمل كل عدة وأوفر عدد وعقد عليهم الامير أبو يعقوب رايته وأقلعوا

[ 203 ]

عن طنجة ثامن ربيع الاولى وانتشرت قلوعهم في البحر فأجازوه وباتوا ليلة المولد الكريم بمرفا الجبل وصبحوا العدو وأساطيلهم تناهز أربعمائة فتظاهروا في دروعهم وأسبغوا من شكتهم وأخلصوا لله عزائمهم وصدقوا مع الله نياتهم وتنادوا بالجنة شعارهم ووعظ وذكر خطباؤهم والتحم القتال ونزل الصبر ولم يكن الا كلا ولا حتى نضحوا العدو بالنبل فانكشفوا وتساقطوا في العباب فاستلحمهم السيف وغشيهم اليم وملك المسلمون أساطيلهم ودخلوا مرفا الجزيرة وفرضتها عنوة فاختل معسكر الطاغية وداخلهم الرعب من اجازة الامير أبى يعقوب ومن معه من الحامية فأفرج لحينه عن البلد وانتشرت النساء والصبيان بساحته وغلبت المقاتلة كثيرا من العسكر على مخلفهم فغنموا من الحنطة والادام والفواكه ما ملا أسواق لبلد أياما حتى وصلتها الميرة من النواحى وأجاز الامير أبو يعقوب من حينه فأرهب العدو في كل ناحية وصده عن الغزو شأن الفتنة مع ابن الاحمر فرأى أن يعقد مع الطاغية سلما ويصل به لمنازلة غرناطة يدا وأجابه إلى ذلك الطاغية رهبة من بأسه وموجدة على ابن الاحمر في مدد أهل الجزيرة وبعث أساقفته لعقد ذلك فأجازهم الامير أبو يعقوب إلى أبيه أمير المسلمين فغضب لها ونكر على ابنه وزوى عنه وجه رضاه ورجعهم إلى طاغيتهم مخفقي السعي وأجاز إبو يعقوب بن السلطان إلى أبيه ومعه وفد أهل الجزيرة فلقوا السلطان بمكانهم من السوس وولى عليهم ابنه أبا زيان فنزل بالجزيرة وأحكم العقدة مع الطاغية ونازل المربلة من طاعة ابن الاحمر برا وبحرا فامتنعت عليه وانضوى إليه أهل الحصون الغربية بطاعتهم حذرا من الطاغية فتقبلهم ثم جاءه المدد من المغرب ونازل رقدة فامتنعت والطاغية أثناء ذلك يجوس خلال الاندلس ونازل ابن الاحمر بغرناطة مع بنى اشقيلولة وابن الدليل ثم راجع ابن الاحمر مسالمة بنى مرين وبعث لابي زيان بن السلطان بالصلح واجتمع معه باحواز مريلة كما نذكر بعد ولما ارتحل السلطان من معسكره على جبل السكسيوى يريد السوس ثم أغزى العساكر ورجع من طريقه إلى مراكش حتى إذا انقضت غزاة البربر رجع إلى فاس وبعث خطابه إلى الآفاق مستنفرا في الجهاد وفصل في رجب من سنة ثمان وسبعين حتى انتهى إلى طنجة وعاين ما اختل من أحوال المسلمين في تلك الفترة وما جرت إليه فتنة ابن الاحمر من اعتزاز الطاغية وما حدثته نفسه من التهام الجزيرة الاندلسية ومن فيها وظاهره على ابن الاحمر منافسوه في رياسته ببنى اشقيلولة فاستجره الرئيس أبو الحسن بن أبى اسحاق صاحب وادى آش ونازل معه غرناطة سنة تسع وسبعين خمسة عشر يوما ثم أفرجوا ولقيهم عساكر غرناطة من زناتة بعد ذلك من سنتهم وغلبهم طلحة بن محلى وتاشفين بن معطى كبير

[ 204 ]

يتر بيعين بحصن المسلى فأظهرهم الله عليهم وهلك من النصارى ما يناهز سبعمائة من فرسانهم واستشهد فيها من أعياص بنى مرين عثمان بن محمد بن عبد الحق واستجر لطاغية بعدها الرئيس أبو محمد عبد الله أخو صاحب وادى آش إلى منازلة غرناطة فنازلها الطاغية وأقام عليها أياما ثم ارتحل وقد اعتز عليهم وأشفق السلطان على المسلمين وعلى ما نال ابن الاحمر من خسف الطاغية فراسله في الموادعة واتفاق الكلمة وشرط عليه النزول عن مالقة فرجع السلطان إلى ازالة العوائق عن شأنه من الجهاد وكان من أعظمها فتنة يغمراسن واستيقن ما دار بينه وبين ابن الاحمر والطاغية بن أخى أدفونش من الاتصال والاصفاق في تجديد الصلح والاتفاق فلج وكشف الوجه في العناد وأعلن بما وقع بينه وبين أهل العدوة مسلمهم وكافرهم من الوصلة وانه معتزم على طى بلاد المغرب فصرف أمير المسلمين عزمه إلى غزو يغمراسن وقفل إلى فاس لثلاثة أشهر من نزوله طنجة فدخلها آخر شوال وأعاد الرسل إلى يغمراسن لاقامة الحجة عليه والتجأ بمسالمة بنى توجين والتجافي عنهم لموالاتهم أمر المسلمين فقام يغمراسن في ركائبه وقعد ولج في طغيانه وارتحل أمير المسلمين من فاس سنة تسع وقدم ابنه أبا يعقوب في العساكر وأدركه بتازى ولما انتهى إلى ملوية تلوم في انتظار العساكر ثم ارتحل إلى تاسة ثم تاقيا وصمد إليه يغمراسن بحشود زناتة والعرب بحللهم وكافة ناجعتهم والتقت عيون القوم فكانت بينهما حرب وركب على آثارهما العسكران والتحم القتال وكان الزحف بخرزوزة من ملعب سبعى ورتب أمير المسلمين مصافه وجعل كتيبته وكتيبة ابنه الامير أبى يعقوب جناحين للعسكر واشتد القتال سائر النهار وانكشف بنو عبد الواد عندما أراح القوم وانتهب جميع مخلفهم وما كان في معسكرهم من المتاع والكراع والسلاح والفساطيط وبات عسكر أمير المسلمين ليلتهم في صهوات خيلهم واتبعوا من الغد آثار عدوهم واكتسحت أموال العرب الناجعة الذين كانوا مع يغمراسن وامتلات أيدى بنى مرين من نعمهم وشأنهم ودخلوا بلاد يغمراسن وزناتة ووافاه هنالك محمد بن عبد القوى أمر بنى توجين لقيه بناحية القصبات وعاثوا جميعا في بلاده نهبا وتخريبا ثم أذن لبنى توجين في اللحاق ببلادهم وأخذ هو بمخنق تلمسان متلوما لوصول محمد بن عبد القوى وقومه إلى منجاتهم من جبل وانشريس حذرا عليهم من غائلة يغمراسن ثم أفرج عنها وقفل إلى المغرب ودخل فاس شهر رمضان من سنة ثمانين ثم نهض إلى مراكش فاحتل بها احدى وثمانين بعدها وسرح ابنه الامير أبا يعقوب إلى السوس لتدويخ أقطاره ووافاه بمراكش صريخ الطاغية على ابنه شانجة الخارج عليه فاغتنم الفرصة في فساد بينهم

[ 205 ]

لقضاء أربه من الجهاد وارتحل مبادرا بالاجازة إلى الاندلس والله تعالى أعلم { الخبر عن اجازة السلطان أبى يوسف صريخا للطاغية لخروج ابنه شانجة عليه وافتراق كلمة النصرانية وما كان في هذه الاخبار من الغزوات } لما رجع السلطان من غزاة تلمسان إلى فاس وارتحل إلى مراكش وافاه بها وفد الطاغية من بطارقته وزعماء دولته وقواميس ملته صريخا على ابنه شانجة خرج عليه في طائفة من النصارى وغلبوه على أمره فانتصر أمير المسلمين ودعاه لحربهم وأمله لاسترجاع ملكه من أيديهم فأجاب أمير المسلمين داعيه رجاء للكرة بافتراقهم وارتحل حتى انتهى إلى قصر المجاز وأوعز إلى الناس بالنفير إلى الجهاد وأجاز إلى الخضراء فاحتل بها لربيع الثاني من سنة احدى وثمانين واجتمعت عليه مسالح الثغور بالاندلس وسار حتى نزل صخرة عباد فوافاه بها الطاغية ذليلا لعز الاسلام مؤملا صريخ السلطان فأكبر وفادته وأكرم موصله وعظم قدره وأمده لنفقاته بمائة ألف من مال المسلمين استرهن فيها التاج الذخيرة عند سلفه وبقى بدارهم فخرا للاعقاب لهذا العهد ودخل معه دار الحرب غازيا حتى ينازل قرطبة وبها شانجة بن الطاغية الخارج عليه مع طائفة فقاتلها أياما ثم أفرج عنها وتنقل في جهاتها ونواحيها وارتحل إلى طليطلة فعاث في جهاتها وخرب عمرانها حتى انتهى إلى حصن مجريط من أقصى الثغر فامتلات أيدى المسلمين وضاق معسكرهم بالغنائم التى استاقوها وقفل إلى الجزيرة فاحتل بها لشعبان من سنته وكان عمر بن محلى نزع إلى طاعة السلطان فهم به ابن الاحمر ونبذ إليه عهده وارتجع المنكب من يده ونازله بعساكره فاتح هذه السنة فجهز السلطان إليه لوصوله الجزيرة اسطوله وأفرج ابن الاحمر فبادر إلى السلطان بطاعته ووصل بيعة شلوبانية فأبقاه فيها بدعوته ثم راجع طاعة ابن الاحمر في شوال من سنته فتقبل فيئته وأعاضه عنها بالمنكب إلى أن كان ما نذكره ان شاء الله تعالى والله أعلم { الخبر عن شأن السلم مع ابن الاحمر وتجافى السلطان له عن مالقة ثم تجدد الغزو بعد ذلك } لما اتصلت يد السلطان بيد الطاغية خشى ابن الاحمر غائلته فجنح إلى موالاة مشانجة الخارج عن أبيه ووصل يده بيده وأكد له العقد وأضرمت له الاندلس نارا وفتنة ولم تغن شانجة عن ابن الاحمر شيأ ورجع السلطان من غزائه مع الطاغية وقد ظهر على ابنه فأجمع على منازلة ما لقة ونهض إليها من الجزيرة فاتح ثنتين وثمانين فتغلب على الحصون الغربية كلها ثم أسعف إلى مالقة فأناخ عليها بعساكره وضاق النطاق على ابن الاحمر وبدا له سوء المغبة في شأن مالقة ومداخلة ابن محلى في الغدر بها وأعمل نظره في الخلاص

[ 206 ]

من ورطتها ولم ير لها الاولى عهد السلطان ابنه أبا يوسف فخاطبه بمكانه من المغرب مستصرخا لرقع هذا الخرق وجمع كلمة المسلمين على عدوهم فأجابه واغتنم المثوبة في مسعاه وأجاز لشهر صفر فوافى في أمير المسلمين بمعسكره على مالقة ورغب منه السلم لابن الاحمر عن شأن مالقة والتجافي له عنها فأسعف رغبة ابنه لما يؤمل في ذلك من رضا الله في جهاد عدوه واعلاء كلمته وانعقد السلم وانبسط أمل ابن الاحمر وتجدت عزائم المسلمين وقفل السلطان إلى الجزيرة وبث السرايا في دار الحرب فأوغلوا وأثخنوا ثم استأنف الغزو بنفسه إلى طليطلة فخرج من الجزيرة غازيا غرة ربيع الثاني من سنة ثنتين وثمانين حتى انتهى إلى قرطبة فأثخن وغنم وخرب العمران وافتتح الحصون ثم ارتحل نحو البرت وخلف معسكره بظاهر ساسة وأغد السير في أرض قفر لليلتين انتهى إلى البرت من نواحى طليطلة فسرح الخيل في البسائط حتى تقرى جميع ما فيها ولم ينته إلى طليطلة لتثاقل الناس بكثرة الغنائم وأثخن في القتل وقفل على غير طريقه فأثخن وخرب وانتهى إلى ووقف بساحتها والعدو متحجزون ثم رجع إلى معسكره بساسة وأراح ثلاثا ينسف آثارها ويقتلع أشجارها وقفل إلى الجزيرة فاحتل بها شهر رجب وقسم الغنائم ونفل من الخمس وولى على الجزيرة حافده عيسى بن الامير أبى مالك ابنه فهلك شهيدا بالمعرى لشهرين من ولايته وأجاز السلطان غرة شعبان إلى المغرب ومعه ابنه أبو زيان منديل وأراح بطنجة ثلاثا وأغذ السير إلى فاس فاحتل بها آخر شعبان ولما قضى صيامه ونسكه ارتحل إلى مراكش لتمهيدها وتفقد أحوالها وقسم من نظره لنواحي سلا وازدرد فأقام برباط الفتح شهرين اثنين واحتل مراكش فاتح ثلاث وثمانين وبلغه مهلك الطاغية ابن أدفونش واجتماع النصرانية على ابنه شانجة الخارج عليه فتحركت إلى الجهاد عزائمه وسرح الامير أبا يعقوب ولى عهده بالعسكر إلى بلاد السوس لغزو العرب وكف عاديتهم ومحو آثار الخوارج المنتزين على الدولة فأجفلوا أمامه واتبع آثارهم إلى الساقية الحمراء آخر العمران من بلاد السوس فهلك أكثر العرب في تلك القفار مسغبة وعطشا وقفل لما بلغه من اعتلال أمير المؤمنين ووصل إلى مراكش وقد أبل وقد اعتزم على الجهاد والغزو شكر الله كما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن اجازة السلطان أبى يوسف الرابعة ومحاصرة شريش وما تخلل ذلك من الغزوات } لما اعتزم أمير المسلمين على الاجازة واعترض جنوده وحاشيته وأزاح عللهم وبعث في قبائل المغرب بالنفير ونهض من مراكش في جمادى الآخرة لثلاث وثمانين

[ 207 ]

واحتل رباط الفتح منتصف شعبان فقضى به صومه ونسكه ثم ارتحل إلى قصر مصمودة وشرع في اجازة العساكر والحشود من المرتزقة والمطوعة خاتم سنته ثم أجاز البحر بنفسه غرة صفر من سنة أربع بعدها واحتل بظاهرها ثم سار من الخضراء وأراح أياما ثم خرج غازيا حتى انتهى إلى وادلك وسرح الخيول في بلاد العدو وبسائطها يحرق وينسف فلما خرب بلاد النصرانية ودمر أرضهم قصد مدينة شريش فنزل بساحتها وأناخ عليها وبث السرايا والغارات في جميع نواحيها وبعث عن المسالح التى كانت بالثغور فتوافت لديه ولحقه حافده عمر بن أبى مالك بجمع وافر من المجاهدين من أهل المغرب فرسانا ورجالا ووافته حصة العزفى من سبتة غزاة ناشبة تناهز خمسمائة وأوعز إلى ولى عهده الامير أبى يعقوب باستنفار من بقى من العدوة واعطاء الراية وسرحه لغزو اشبيلية لآخر صفر من سنته فغنموا ومروا بقرمونة في منصرفهم فاستباحوها وأثخنوا بالقتل والاسر ورجعوا وقد امتلات أيديهم من الغنائم وبعث وزيره محمد بن عطوا ومحمد بن عمران بن عبلة عيونا فوافوا حصن القناطر وروضه واستكشفوا ضعف الحامية واختلال الثغور فعقد ثانية لحافده عمر بن عبد الواحد على مثلها من الفرسان لثالثة من ربيع وأعطاه الراية وسرحه إلى بسائط وادلك فرجعوا من الغنائم بما ملا العساكر بعد أن أثخنوا فيها بالقتل والتخريب وتحريق الزروع واقتلاع الثمار وأبادوا عمرانها ثم سرح ثامن ربيع عسكرا للاغارة على حصن أركش ووافوه على غرة فاكتسحوا أموالهم ثم عقد تاسع ربيع لابنه أبى معروف على ألف من الفرسان وسرحه لغزو اشبيلية فساروا حتى عليها وانحجرت منه حاميتها فخرب عمرانها وقطع شجرها وامتلات أيدى عسكره سبيا وأموالا ورجع إلى معسكر السلطان مملوء الحقائب ثم عقد ثالثة لحافده عمر منتصف ربيع لغزو حصن كان بالقرب من معسكره وسرح الرجل من الناشبة والفعلة بالآلات وأمده بالرجل من المصامدة وغزاه سنته فاقتحموه عنوة على أهله وقتلوا المقاتلة وسبوا النساء والذرية وأرغموا خده بالتراب ولسبعة عشر من الشهر ركب السلطان إلى حصن سقوط قريبا من معسكره فخربه وحرقه بالنار واستباحه وقتل المقاتلة وسبى أهله ولعشرين من شهره وصل ولى عهده الامير أبو يعقوب من العدوة بنفير أهل المغرب وكافة القبائل في جيوش ضخمة وعساكر موفورة وركب أمير المسلمين للقائهم وبرور مقدمهم واعترض العساكر الموافية يومئذ فكانت ثلاثة عشر ألفا من المصامدة وثمانية آلاف من برابرة المغرب متطوعون كلهم بالجهاد فعقد السلطان له على خمسة آلاف من المرتزقة وألفين من المتطوعة وثلاثة عشر ألفا من الرجلين وألفين من الناشبة وسرحه

[ 208 ]

لغزو اشبيلية والاثخان في نواحيها فعبى كتائبه ونهض لوجهه وبث الغارات بين يديه فأثخوا وسبوا وقتلوا واقتحموا الحصون واكتسحوا الاموال وعاج على الشرق والغابة من بسيط اشبيلية فنسف قراها واقتحم من حصونها وقفل إلى معسكره أمير المسلمين فعقد له غداة وصوله وأمده بعسكر آخر وأغزاه قرمونة والوادى الكبير فأغار على قرمونة وطمعت حاميتها في المدافعة فبرزوا له وصدقهم القتال فانكشفوا حتى أحجزوهم في البلد ثم أحاطوا ببرج كان قريبا من البلد فقاتلوه ساعة من نهار واقتحموه عنوة ولم يزل يتقرى المنازل والعمران حتى وقف بساحة اشبيلية فأغار واقتحم برجا كان هنالك الينا على المسلمين وأضرمه نارا وامتلات أيدى عساكره وقفل إلى معسكر أمير المسلمين ولثلاث عشرة من ربيع الثاني عقد للامير أبى يعقوب لمنازلة جزيرة كيوثر فصمد إليها وقاتلها واقتحمها عنوة وفى ثانى جمادى عقد لطلحة بن يحيى بن محلى وكان بعد مداخلته أخاه عمر في شأن مالقة سنة خمس وسبعين خرج إلى الحج فقضى فرضه ورجع ومر في طريقه بتونس واتهمه الدعى بن أبى عمارة كان بها يومئذ فاعتقله سنة ثنتين وثمانين ثم سرحه ولحق بقومه بالمغرب ثم أجاز الاندلس غازيا في ركاب السلطان فعقد له في هذه الغزاة على مائتين من الفرسان وسرحه إلى اشبيلية ليكون رتبة للمعسكر وبعث معه لذلك عيونا من اليهود والمعاهدين من النصارى يتعرفون له أخبار الطاغية شانجة وأمير المسلمين أثناء ذلك يغادى شريش ويراوحها بالقتال والتخريب ونسف الآثار وبث السرايا كل يوم وليلة في بلاد العدو فلا يخلو يوما عن تجهيز عسكر أو اغزاء جيش أو عقد راية أو بعث سرية حتى انتسف العمران في جميع بلاد النصرانية وخرب بسائط اشبيلية وليلة وقرمونة واستجة وجبال الشرق وجميع بسائط القرنتيرة وأبلى في هذه الغزوات عباد العاصمى من شيوخ جشم وخضر الغزى أمير الاكراد بلاء عظيما وكان لهم فيها ذكر وكذلك غزاة سبتة وسائر المجاهدين والعرب من جشم وغيرهم فلما دمرها تدميرا ونسفها تخريبا واكتسحها غارة ونهبا وزحم فصل الشتاء وانقطعت الميرة عن العسكر اعتزم على القفول وأفرج عن شريش لآخر رجب ووافه مدد غرناطة من عساكر الغزاة وقائدهم يعلى بن أبى عياد بن عبد الحق بوادي بردة فلقاهم مبرة وتكريما وانقلبوا إلى أهلهم واتصل به أن العدو اوعز إلى اساطيله باحتيال الزقاق والاعتراض دون الفراض فأوعز أمير المسلمين إلى جميع سواحله من سبتة وطنجة والمنكب وجزيرة وطيف وبلاد الريف ورباط الفتح واستدعى أساطيله فتوافت منها ستة وثلاثون أسطولا متكاملة في عدتها فأحجمت أساطيل العدو عنها وارتدت على أعقابها واحتل بالجزيرة غرة رمضان واستيقن الطاغية شانجة وأهل ملته أن بلادهم

[ 209 ]

قد فنيت وأرضهم خربت وتبينوا العجز عن المدافعة والحماية فجنحوا إلى السلم وضرعوا إلى أمير المسلمين في كف عاديته عنهم على ما يذكر ووصل إلى السلطان بمكانه من منازلة شريش عمر بن أبى يحيى بن محلى نازعا إلى طاعته فاتهمه لما سبق من تلاعبه وأمر أخاه طلحة فنكبه واحتمل إلى طريف فاعتقل بها وسار طلحة إلى المنكب فاستصفى أموال أخيه عمر وذخائره وسار إلى السلطان وأخاه موسى على عمله بالمنكب وأمده بعسكر من الرجل ثم أطلق عمر لليال من اعتقاله وأجاز طلحة وعمر في ركاب السلطان ونزع منصور بن أبى مالك حافد السلطان إلى غرناطة ثم لحق منها بالمنكب وأقام مع موسى بن يحيى بن محلى فأقره السلطان ورضى بمقامه والله تعالى أعلم * (الخبر عن وفادة الطاغية شانجة وانعقاد السلم ومهلك السلطان على تفيئة ذلك) * لما نزل ببلاد النصرانية بلاد ابن أدفونش من أمير المسلمين ما نزل من تدمير قراهم واكتساح أموالهم وسبى نسائهم وابادة مقاتلتهم وتخريب معاقلهم وانتساف عمرانهم زاغت منهم الابصار وبلغت القلوب الحناجر واستيقنوا أن لا عاصم من أمير المسلمين فاجتمعوا إلى طاغيتهم شانجة خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة متوجعين مما أذاقهم جنود الله من سوء العذاب وأليم النكال وحملوه على الضراعة لامير المسلمين في السلم وايفاد الملا من كبار النصرانية عليه في ذلك والافلا تزال تصيبهم منه قارعة وتحل قريبا من دارهم فأجاب إلى ما دعوه إليه من الخسف والهضيمة لدينه وأوفد على أمير المسلمين وفدا من بطارقتهم وشمامستهم وأساقفتهم يخطبون السلم ويضرعون في المهادنة والابقاء ووضع أوزار الحرب فردهم أمير المسلمين اعتزازا عليهم ثم أعادهم الطاغية بترديد الرغبة على أن يشترط ما شاء من عز دينه وقومه فأسعفهم أمير المسلمين وجنح إلى السلم لما تيقن من صاغيتهم إليه وذلهم لعز الاسلام وأجابهم إلى ما سألوه واشترط عليهم ما تقبلوه من مسالمة المسلمين كافة من قومه وغير قومه والوقوف عند مرضاته في ولاية جيرانه من الملوك أو عداوتهم ورفع الضريبة عن تجار المسلمين بدار الحرب من بلاده وترك التضريب بين ملوك المسلمين والدخول بينهم في فتنة وبعث لعمه عبد الحق بن الترجمان باشتراط ذلك واحكام عقده فاستبلغ وأكد في الوفاء ووفدت رسل ابن الاحمر على الطاغية وهو عنده لعقد السلم معه دون أمير المسلمين على قومه ومدافعته عنهم فأحضرهم بمشهد ابن الترجمان وأسمعهم ما عقد أمير المسلمين على قومه وأهل ملته وقال لهم انما أنتم عبيد آبائى فلستم معى في مقام السلم والحرب وهذا أمير المسلمين ولست أطيق مقاومته ولا دفاعه عنكم فانصرفوا ولما رأى عبد الحق صاغيته إلى مرضاة السلطان وسوس إليه بالوفادة لتتمكن الالفة وتستحكم العقدة وأراه مغبة ذلك في هل

[ 210 ]

السخيمة وتسكين الحفيظة وتمكين الالفة فصغى إلى وفاقه وسأل لقى الامير أبى يعقوب ولى عهده من قبل ليطمئن عليه فوصل إليه ولقيه على فراسخ من شريش وباتا بمعسكر المسلمين هنالك ثم ارتحلا من الغد للقاء أمير المسلمين وقد أمر الناس بالاحتفال للقاء الطاغية وقومه واظهار شعار الاسلام وأهبته فاحتفلوا وتأهبوا وأظهروا عز الملة وشدة الشوكة ووفور الحامية ولقيه أمير المسلمين بأحسن مبرة وأتم كرامة يلقى بها مثله من عظماء الملل وقدم الطاغية بين يديه هدية أتحف بها أمير المسلمين وابنه من ظرف بلاده كان فيها زوج من الحيوان الوحشى المسمى بالفيل وحمارة من حمر الوحش إلى غير ذلك من الظرف فقبلها السلطان وابنه وقابلوه بكفائها ومضاعفتها وكمل عقد السلم وتقبل الطاغية سائر الشروط ورضى بعز الاسلام عنه وانقلب إلى قومه بمل ء صدره من الرضا والمسرة وسأل منه أمير المسلمين أن يبعث من كتب العلم التى بأيدى النصارى منذ استيلائهم على مدن الاسلام فاستكثر من أصنافها في ثلاثة عشر حملا بعث بها إليه فوقفها السلطان بالمدرسة التى أسسها بفاس لطلب العلم وقفل أمير المسلمين الجزيرة لليلتين بقيتا لرمضان فقضى صومه ونسكه وجعل من قيام ليله جزأ لمحاضرة أهل العلم وأعد الشعراء كلمات أنشدوها يوم الفطر بمشهد الملا في مجلس أمير المسلمين وكان من أسبقهم في ذلك الميدان شاعر الدولة عزوز المكناسى ذكر فيها سير أمير المسلمين وغزواته على نسق ثم أعمل أمير المسلمين نظره في الثغور فرتب بها المسالح وعقد عليها لابنه الامير أبى زيان منديل وأنزله بركوان مقربة مالقة واستوصاه بأن لا يحدث في بلاد ابن الاحمر حدثا وعقد لعياد بن أبى عياض العاصمى على مسلمة أخرى وأنزله باطبونة وأجاز ابنه الامير أبا يعقوب لتفقد أحوال المغرب ومباشرة أموره فأجاز في أسطول القائد محمد بن القاسم الرنداحى قائد سبتة وأوعز إليه بالبناء عى قبر أبيه أبى الملوك عبد الحق ولقيه ادريس بتافرطست اختط هنالك رباطا وبنى على قبورهم أسنمة من الرخام ونقشها بالكتابة ورتب عليها قراء لتلاوة القرآن ووقف على ذلك ضياعا وفدنا وهلك خلال ذلك وزيره يحيى بن أبى منديل العسكري لمنتصف رمضان ثم اعتل بعد ذلك أمير المسلمين لشهر ذى الحجة واشتد وجعه وهلك لآخر محرم سنة خمس وثمانين وستمائة والله أعلم * (الخبر عن دولة السلطان وما كان فيها من الاحداث وشأن الخوارج لاول دولته) * لما اعتل أمير المسلمين أبو يوسف بالجزيرة مرضه نساؤه وطيرن الخبر إلى ولى العهد الامير أبى يعقوب وهو بمكانه من المغرب فأغذ السير وقضى على أمير المسلمين قبل وصوله فأخذ له البيعة على الناس وزراء أبيه وعظماء قومه وأجاز إليهم البحر فجددوا بيعته غرة

[ 211 ]

صفر سنة خمس وثمانين وأخذوها على الكافة وانعقد أمر السلطان يومئذ ففرق الاموال وأجزل الصلات وسرح السجون ورفع عن الناس الاخذ بزكاة الفطر ووكلهم فيها إلى أمانتهم وقبض أيدى العمال عن الظلم والاعتداء والجور على الرعايا ورفع المكوس ومحا رسم الرتب وصرف اعتناءه إلى اصلاح السابلة وكان أول شئ أحدث من أمره إلى ان بعث ابن الاحمر وضرب موعدا للقائه فبدر إليه ولقيه بظاهر مربالة الاول ربيع ولقاه مبرة وتكريما وتجافى له عن جميع الثغور الاندلسية التى كانت لمملكته ما عدا الجزيرة وطريف وتفرقا من مكانهما على أكمل حالات المصافاة والوصلة ورجع السلطان إلى الجزيرة ووافاه بها وفد الطاغية شانجة مجددين عقد السلم الذى عقد له أمير المسلمين عفا الله عنه فأجابهم ولما تمهد أمر الاندلس ومر عن النظر فيها عهد لاخيه ابى عطية العباس على الثغور الغربية والامارة عليها وعقد لعلى بن يوسف بن على مسالحها وأمده بثلاثة آلاف منن عساكره وأجاز إلى المغرب فاحتل بقصر مصمودة سابع ربيع الثاني ثم ارتحل إلى فاس واحتل بها لثنتى عشرة خلت من جمادى ولحين استقراره بدار ملكه خرج عليه محمد بن ادريس ابن عبد الحق في اخوته وبنيه وذويهم ولحق بجبل ورغة ودعا لنفسه وسرح إليه السلطان أخاه أبا معروف فبدا له في النزوع إليهم ولحق بهم فأغزاهم السلطان عساكره وردد إليهم البعوث والكتائب وتلطف في استنزال أخيه فنزل عن الخلاف وعاد إلى أحسن طاعته وفر أولاد ادريس إلى تلمسان وتقبض عليهم أثناء طريقهم وسرح السلطان أخاه أبا زيان إلى تازى وأوعز إليه بقتلهم خارج تازى لرجب من سنة خمس وثمانين ورهب الاعياص عند ذلك من بادرة السلطان ففرقوا ولحق بغرناطة أولاد أبى العلاء ادريس بن عبد الحق وأولاد يحيى بن عبد الحق وأولاد عثمان ابن بزول ورجع أولاد أبى يحيى إلى السلطان بعد اقتضاء عهده وامانه وهلك أخوه محمد بن يعقوب بن عبد الحق لشعبان من سنته وهلك عمر بن أخيه أبى مالك بطنجة ثم خرج على السلطان عمر بن عثمان بن يوسف العسكري بقلعة قندلاوة ونبذ الطاعة وأذن بالحرب وأوعز السلطان إلى بنى عسكر ومن إليهم من القبائل المجاورين لها فاحتشدوا له ونازلوه ثم نهض بركابه وعساكره إلى منازلته واحتل بسدورة وخافه عمر على نفسه وأيقن أنه أحيط به فسأل الامان وبذله السلطان على شريطة اللحاق بتلمسان فبعث من يوثق به من الخيرة فنزل فوفى له السلطان بعهده ولحق بتلمسان بأهله وولده ثم ارتحل السلطان في رمضان من سنته إلى مراكش لتمهيد انحائها وتثقيف أطرافها واحتل بها في شوال واعتمل النظر في مصالحها ونزع خلال ذلك طلحة بن محلى البطوى إلى بنى حسان من

[ 212 ]

المعقل وخرج على السلطان ودعا لنفسه وعقد السلطان لمنصور بن أخيه أبى مالك على العساكر وعهد له بولاية السوس وسرحه لاستنزال الخوارج ومحو آثار الفساد وارتاب بمكان أخيه عمر فغربه إلى غرناطة فقتله أولاد أبى العلاء يوم وصوله إليها فسار الامير منصور في الجيوش والكتائب وغزا عرب المعقل وأثخن فيهم وقتل طلحة بن محلى في بعض حروبهم لثلاثة عشر في جمادى سنة ست وثمانين وبعث براسه إلى سدة السلطان فعلق بتازى ثم نهض في رمضان لغزو المعقل بصحراء درعة لما أضروا العمران وأفسدوا السابلة وسار إليهم في اثنى عشر ألفا من الفرسان ومر على بلاد هسكورة معترضا جبل درن وأدركهم بالقفز نواجع فأثخن فيهم بالقتل والسبي واستكثر من رؤسهم فعلقت بشرافات مراكش وسجلماسة وفاس وعاد من غزوه إلى مراكش آخر شوال فنكب محمد بن على بن محلى عاملها القديم الولاية عليها من لدن غلب الموحدين لما وقع من الارتياب بأولاد محلى لما آتاهم كبيرهم طلحة فنكب غرة المحرم من سنة سبعين وهلك في محبسه لشهر صفر بعده وهلك على ذلك المزوار قاسم بن عتو وعقد السلطان على مراكش وأعمالها لمحمد بن عطو الجاناتى من موالى دولتهم ولاء الحلف وترك معه ابنه أبا عامر ثم ارتحل إلى حضرة فاس فاحتل بها منتصف ربيع ووافته بها عرسه بنت موسى بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق من غرناطة في وفد من وزراء ابن الاحمر وأهل دولته فأعرس بها وكان بعث إلى أبيها من قبل في الاصهار بها ووافت معها رسل ابن الاحمر يسألونه التجافي عن وادى آش فأسعفهم بها كما نذكره ان شاء الله تعالى والله أعلم * (الخبر عن دخول وادى آش في طاعة السلطان ثم رجوعها إلى طاعة ابن الاحمر) * كان أبو الحسن اشقيلولة ظهير السلطان بن الاحمر على ملكه ومعينه على شأنه وكان له في الدولة بذلك مكان ولما هلك خلف من الولد أبا محمد عبد الله وأبا اسحق ابراهيم فعقد ابن الاحمر لابي محمد على مالقة ولابي اسحق على قمارش ووادى آش ولما هلك السلطان ابن الاحمر حدثت مغاضبات ومنافسات بينهما وبينه وتأدى ذلك إلى الفتنة كما نقلناه ودخل أبو محمد في طاعة السلطان أبى يوسف ثم هلك فلحق ابنه محمد بالسلطان ونزل له عن البلد سنة ست وسبعين ثم هلك أبو اسحق سنة ثنتين وثمانين وغلب ابن الاحمر على حصن قمارش وصار إليه وكان الرئيس أبو اسحق قد عقد لابنه أبى الحسن على وادى آش وحصونها واتصلت الفتنة بينه وبين ابن الاحمر وظاهر أبو الحسن عليه الطاغية وأجلب أخوه أبو محمد معه على غرناطة هو وابن الدليل وطال أمر الفتنة بينهما وبين ابن الاحمر ثم انعقد السلم بين المسلمين والنصارى وخشى أبو محمد بن اشقيلولة على نفسه عادية

[ 213 ]

ابن الاحمر فتذمم بطاعة صاحب المغرب وأقام دعوته بوادي آش سنة ست وثمانين فلم يعرض لها ابن الاحمر حتى إذا وقعت المواصلة بينه وبين ابن السلطان أبى يعقوب وكان شأن هذا الصهر على يده بعث رسله إلى السلطان يسأله التجافي عن وادى آش فتجافى له عنها وبعث إلى أبى الحسن بن اشقيلولة بذلك فتركها وارتحل إليه سنة سبع وثمانين ولقيه بسلا فأعطاه القصر الكبير وأعماله طعمة سوغه اياها ثم لم تزل البنية آخر دولتهم واستمكن ابن الاحمر من وادى آش وحصونها ولم يبق له بالاندلس منازع من قرابته والله أعلم * (الخبر عن خروج الامير أبى عامر ونزوعه إلى مراكش ثم فيئته إلى الطاعة) * لما احتل السلطان بفاس وأقام بها خرج عليه ابنه أبو عامر ولحق بمراكش ودعا لنفسه اخريات شوال من سنة سبع وثمانين وساعده على الخلاف والانتزاء عاملها محمد بن عطوا وخرج السلطان في أثره إلى مراكش فبرز إلى لقائه فكانت الدائرة عليهم وحاصرهم السلطان بمراكش أياما ثم خلص أبو عامر إلى بيت المال فاستصفى ما فيه وقتل المشرف بن أبى البركات ولحق بجبال المصامدة ودخل السلطان من عده إلى البلد يوم عرفة فعفا وسكن ونهض منصور ابن أخيه الامير أبو مالك من السوس إلى حاحة فدوخ انحاءها ثم سرح إليه المدد من مراكش فأوقعوا بركنة من برابرة السوس وقتل منهم ما يناهز أربعين من سرواتهم وكان فيمن قتل منهم شيخهم حيون بن ابراهيم ثم ان ابنه أبا عامر ضاق ذرعه بسخط أبيه واجلا به في الخلاف فلحق بتلمسان ومعه وزيره ابن عطوا فاتح سنة ثمان وثمانين فآواهم عثمان بن يغمراسن ومهد لهم المكان ولبثوا عنده أياما ثم عطفت السلطان على ابنه رحم كما عطفت ابنه عليه فرضى عنه وأعاده إلى مكانه وطالب عثمان بن يغمراسن أن يسلم إليه ابن عطوا الناجم في النفاق مع ابنه فأبى من اضاعة جواره واخفار ذمته وأغلظ له الرسول في القول فسطا به واعتقله فثارت من السلطان الحفائظ الكامنة وتحركت الاحن القديمة والنزلات المتوارثة واعتزم على غزو تلمسان والله أعلم { الخبر عن تجدد الفتنة مع عثمان بن يغمراسن وغزو السلطان مدينة تلمسان ومنازلته اياها } كانت الفتنة بين هذين الحيين قديمة من لدن مجالاتهم بالقفر من حمراء ملوية إلى صا إلى فيكيك ولما انتقلوا إلى التلول وتغلبوا على الضواحى بالمغرب الاقصى والاوسط لم تزل فتنتهم متصلة وأيام حروبهم فيها مذكورة وكانت دولة الموحدين عند اختلالها والتياثها تستنصر منهم بالتضريب بينهم والفتنة فتكاءدت لذلك أحوالها واتصلت

[ 214 ]

أيامها وكان بين يغمراسن بن زيان وأبى يحيى بن عبد الحق فيها وقائع ومشاهد نقلنا بعضها من كل واستظهر الموحدون بيغمراسن عليه في بعضها وكان الغلب أكثر ما يكون لابي يحيى عبد الحق لوفور قبيله الا أن يغمراسن كان يتصدى لمقاومته في سائر وقائعه ولما طمس أثر بنى عبد المؤمن واستولى يعقوب بن عبد الحق على ملكهم وصارت جملته عساكرهم وتضاعف عليه وأسف على ملك يغمراسن ملكه وجمع له فأوقع به في تلاغ الواقعة المعروفة ثم أوقع به ثانية وثالثة ولما استوت قدم يعقوب بن عبد الحق في ملكه واستكمل فتح المغرب وسائر أمصاره وكبح يغمراسن عن التطاول إلى مقاومته ووهن قواه بفل جموعه ومنازلته في داره ومظاهرة أقتاله من زناتة بنى توجين ومغراوة عليه فانصرف بعد ذلك إلى الجهاد فكان له فيه شغل عما سواه كما نقلناه في أخباره ولما انصرف ارتاب بن الاحمر بمكان السلطان يعقوب بن عبد الحق من الاندلس وحذره على مكله وتظاهر مع الطاغية على منعه من الاجازة إلى عدوتهم ثم خشوا أن لا يستقلوا بمدافعته فراسلوا يغمراسن في الاخذ بحجزته وأجابهم إليها وجرد عزائمه لها واتصلت أيديهم في التظاهر عليه ثم فسد ما بين ابن الاحمر والطاغية ولم يكن له بد من ولاية يعقوب بن عبد الحق فتولى بواسطة ابنه يوسف بن يعقوب كما ذكرناه وأطلعوه على خب ء يغمراسن في مظاهرتهم فأغزاه سنة تسع وسبعين وهزمه بخرزونة ونازله بتلمسان ووطأ عدوه من بنى توجين بساحته كما ذكرناه ثم انصرف إلى شأنه من الجهاد وهلك يغمراسن بن زيان على تفيئة ذلك سنة احدى وثمانين وأوصى ابنه عثمان ولى عهده زعموا أن لا يحدث نفسه بمقاومة بنى مرين ومساماتهم في الغلب وأن لا يبرز إلى لقائهم بالصحراء وان يلوذ منهم بالجدران متى سموا إليه وألقى إليه زعموا أن بنى مرين بعد تغلبهم على مراكش وانضياف سلطان الموحدين إلى سلطانهم ازدادت قوتهم وتضاعف غلبهم وقال له زعموا فيما أوصاه ولا يغرنك انى رجعت إليهم بعدها وبرزت إلى لقائهم فانى أنفت ان أرجع عن مقاومتهم بعد اعتيادها وأترك مبارزتهم وقد عرفها الناس وأنت لا يضرك العجز عن مبارزتهم والنكول عن لقائهم فليس لك في ذلك مقام معلوم ولا عادة سالفة واجهد جهدك في التغلب على افريقية وراءك فان فعلت كانت المناهضة وهذه الوصاة زعموا هي التى حملت عثمان وبنيه من بعده على طلب ملك افريقية ومنازلة بجاية وحربهم مع الموحدين ولما هلك يغمراسن ذهب ابنه إلى مسالمة بنى مرين فبعث أخاه محمد إلى السلطان يعقوب بن عبد الحق وأجاز البحر إليه بالاندسل ووافاه بأركش في اجازته الرابعة سنة أربع وثمانين فعقد له ما جاء إليه من السلم والمهادنة ورجعه إلى أخيه وقومه ممتلئا كرامة وسرورا وهلك

[ 215 ]

يعقوب بن عبد الحق اثر ذلك سنة خمس وثمانين وقام بالامر ابنه يوسف بن يعقوب وانتزى الخوارج عليه بكل جهة فشمر لهم واستنزلهم وحسم أدواءهم ثم خرج عليه ابنه آخرا كما ذكرناه بممالاة وزير السلطان محمد بن عطوا ثم فاء إلى طاعة أبيه ورضى عنه وأعاده إلى مكانه من حضرته وطالب عثمان بن يغمراسن كما ذكرناه في ابن عطوا المنتزى عليه مع ابنه فأبى عثمان من تسليمه وتحركت حفيظة السلطان واعتزم على غزوهم فارتحل من مراكش لصفر من سنة سبع وثمانين وعقد عليها لابنه الامير أبى عبد الرحمن ثم نهض لغزاته من فاس آخر ربيع من سنته في عساكره وجنوده وحشد القبائل وكافة أهل المغرب وسار حتى نزل تلمسان فانحجز عثمان وقومه بها ولاذوا منه بجدرانها فسار في نواحيها ينسف الآثار ويخرب العمران ويحطم الزرع ثم نزل بذراع الصابون بساحتها ثم انتقل منه إلى تامة وحاصرها أربعين يوما وقطع أشجارها وأباد خضراءها ولما امتنعت عليه أفرج عنها وانكفأ راجعا إلى المغرب وقضى نسك الفطر بعين الصفا من بلاد بنى يرناتن ونسك الاضحى وقربانه بتازى وتلبث بها ومنها كان فصوله للغزو عند انتقاض الطاغية كما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن انتقاض الطاغية واجازة السلطان لغزوه) * لما رجع السلطان من غزو تلمسان وافاه الخبر بأن الطاغية شانجة انتقض ونبذ العهد وتجاوز التخوم وأغار على الثغور فأوعز إلى قائد المسالح على بن يوسف بن يرناسن بالدخول إلى دار الحرب ومنازلة شريش وشن الغارات على بلاد الطاغية فنهض لذلك في ربيع الآخر من سنة تسعين وجاس خلالها وتوغل في أقطارها وأبلغ في النكاية وفصل السلطان من تازى غازيا على اثره في جمادى واحتل قصر مصمودة واستنفر أهل المغرب وقبائله ونفروا وشرع في اجازتهم البحر وبعث الطاغية اساطيله إلى الزقاق حجرا دون الاجازة فأوعز السلطان إلى قواد اساطيله بالسواحل فاغزاهم والتقت الاساطيل ببحر الزقاق في شعبان فاقتتلوا وانكشف المسلمون ومحصهم الله ثم أغزاهم ثانية وخامت أساطيل العدو عن اللقاء وصاعدوا عن الزقاق وملكته أساطيل السلطان فأجاز أخريات رمضان واحتل بطرين ثم دخل دار الحرب غازيا فنازل حصن بجير ثلاثة أشهر وضيق عليهم وبث السرايا في أرض العدو وردد الغارات على شريش واشبيلية ونواحيها إلى أن بلغ في النكاية والاثخان وقضى من الجهاد وطرا وزاحمه فصل الشتاء وانقطاع الميرة عن العسكر فأفرج عن الحصن ورجع إلى الجزيرة ثم أجاز إلى المغرب فاتح احدى وتسعين فتظاهر ابن الاحمر والطاغية على منعه كما نذكره ان شاء الله تعالى والله أعلم

[ 216 ]

* (الخبر عن انتقاض ابن الاحمر ومظاهرته للطاغية على طريف اعادها الله للمسلمين) * لما قفل السلطان من غزاته فاتح احدى وتسعين كما ذكرناه وقد أبلغ في نكاية العدو وأثخن في بلاده فأهم الطاغية أمره وثقلت عليه وطأته والتمس الوليجة من دونه وحذر ابن الاحمر غائلته ورأى أن مغبة حاله الاستيلاء على الاندلس وغلبه على أمره ففاوض الطاغية وخلصوا نجيا وتحدثوا أن استمكانه من الاجازة إليهم انما هو لقرب مسافة بحر الزقاق وانتظام ثغور المسلمين حفا فيه لتصرف شوانيهم وسفنهم متى أرادوا فضلا عن الاساطيل وان أم تلك الثغور طريف وأنهم إذا استمكنوا منها كانت ربيئة لهم على بحر الزقاق وكان اسطولهم بمرفاها بمرصد الاساطيل صاحب المغرب الخائضين لجة ذلك البحر فاعتزم الطاغية على منازلة طريف وزعم له ابن الاحمر بمظاهرته على ذلك وشرط له المدد والميرة لاقوات العسكر ايام منازلتها على ان تكون له ان خلصت وتعاونوا على ذلك واناخ الطاغية بعساكر النصرانية على طريق والح عليها بالقتال ونصب الآلات وانقطع عنا المدد والميرة واحتلت أساطيله ببحر الزقاق فحالوا دون الصريخ من السلطان واخوانهم المسلمين واضطر ابن الاحمر معسكره بمالقة قريبا منه وسر إليه المدد من السلاح والرال والميرة من الاقوات وبعث عسكر المنازلة حصن اصطيونة وتغلب عليه بعد مده من الحصار واتصلت هذه الحال أربعة أشهر حتى أصاب أهل طريف الجهد ونال منهم الحصار فراسلوا الطاغية في الصلح والنزول عن البلد فصالحهم واستنزلهم سنة احدى وتسعين ووفى لهم بعهده واستشرف ابن الاحمر إلى تجافى الطاغية عنها لما عقدوا عليه فأعرض عن ذلك واستأثر بها بعد ان كان نزل له عن ستة من الحصون عوضا منها ففسد ذات بينهما ورجع ابن الاحمر إلى تمسكه بالسلطان واستعانته به لاهل ملته على الطاغية وأوفد ابن عمه الرئيس أبا سعيد فرج بن اسمعيل ابن يوسف ووزيره أبا سلطان عزيز الدانى في وفد من أهل حضرته لتجديد العهد وتأكيد المودة وتقرير المعذرة عن شأن طريف فوافوه بمكانه من منازلة تازوطا كما يذكر بعد فأبرموا العقد وأحكموا الصلح وانصرفوا إلى ابن الاحمر سنة ثنتين وتسعين باسعاف غرضه من المواخاة واتصال اليد وهلك خلال ذلك قائد المسالح بالاندلس على بن يزكاسن في ربيع الاولى سنة ثنتين وتسعين وعقد السلطان لابنه ولى عهده الامير أبى عامر على ثغور الاندلس التى في طاعته وعهد له بالنظر في مصالحها وأنفذه إلى قصر المجاز بعساكر فوافاه هنالك السلطان ابن الاحمر كما يذكر ان شاء الله تعالى والله أعلم * (الخبر عن وفادة ابن الاحمر على السلطان والتقائهما بطنجة) *

[ 217 ]

لما رجعت الرسل إلى ابن الاحمر وقد كرمت وفادتهم وقضيت حاجتهم وأحكمت في المواخاة مقاصدهم وقع ذلك من ابن الاحمر أجمل موقع وطار سرورا من اعواده وأجمع الرحلة إلى السلطان لاحكام الود والاستبلاغ في العذر عن واقعة طريف وشأنها واستعدادهم لاغاثة المسلمين ونصرهم من عدوهم فاعتزم على ذلك وأجاز البحر ذا القعدة سنة ثنتين وتسعين واحتل ببنيونش من ساحة سبتة ثم ارتحل إلى طنجة وقدم بين يدى نجواه هدية أتحف بها السلطان كان من أحفلها وأحسنها موقعا لديه فيما زعموا المصحف الكبير أحد مصاحف عثمان بن عفان أحد الاربعة المنبعثة إلى الافاق المختص هذا منها بالمغرب كما نقله السلف كان بنو أمية يتوارثونه بقرطبة فتلقاه الامير أبو عامر هنالك وأخوه الامير أبو عبد الرحمن ابنا السلطان واحتفلا في مبرته ثم جاء السلطان على اثرهما من حضرته لتلقيه وبرور مقدمه ووافاه بطنجة وبلغ في تكرمته وبر وفادته ما يكرم به مثله وبسط ابن الاحمر العذر عن شأن طريف فتجافى السلطان عن العذل وأعرض عنه وقبل منه وبروا حفى ووصل وأجزل ونزله له ابن الاحمر عن الجزيرة ورندة والغربية وعشرين حصنا من ثغور الاندلس كانت من قبل لطاعة صاحب المغرب ونزل عساكره وعاد ابن الاحمر إلى الاندلس خاتم ثنتين وتسعين محبوا محبورا وأجازت عساكر السلطان معه لحصار طريف وعقد على حربها ومنازلتها لوزيره الطائر الذكر عمر بن السعود بن الخرباش الجشمى فنازلها مدة وامتنعت فأفرج عنها وصرف السلطان همته إلى غزو تلمسان وحصارها كما يذكر ان شاء الله تعالى { الخبر عن انتزاء الوزير الوساطى بحصن تازوطا من جهات الريف واستنزال السلطان اياه } كان بنو الوزير هؤلاء رؤساء بنى واطاس ن قبل بنى مرين ويرون ان نسبهم دخيل في بنى مرين وأنهم من أعقاب على بن يوسف بن تاشفين لحقوا بالبدو ونزلوا على بنى واطاس ورسخت فيهم عروقهم حتى لبسوا جلدتهم ولم يزل السرو متربعا بين أعينهم لذلك والرياسة شامخة بأنوفهم وكانوا يرون الفتك بالامراء من أولاد عبد الحق فلم يطيقوه ولما احتل السعيد بتازى غازيا إلى تلمسان كما ذكرناه ولحق ببلدهم الامير أبو يحيى بن عبد الحق ائتمروا في الفتك به ونذر بشأنهم فارتحل ففروا إلى غبولة وعين الصفا من بلاد بنى يرناسن وهنالك بلغه خبر مهلك السعيد وكانت بلاد الريف لبنى واطاس من لدن دخول بنى مرين المغرب واقتسامهم لاعماله فكانت ضواحيها لنزلهم وأمصارها ورعاياها لجبايتهم وكان حصن تازوطا بها من أمنع المعاقل بالمغرب وكان الملوك من أولاد عبد الحق يعتنون بشأنه وينزلونه من أوليائهم من يثقون بغنائه

[ 218 ]

واطلاعه ليكون آخذا بناصية هؤلاء الرهط وشجا في صدورهم عمايسيمون إليه وكان السلطان قد عقد عليه لمنصور ابن أخيه الامير أبى مالك بعد مهلك ابنه أمير المسلمين يعقوب بن عبد الحق وكان عمر بن يحيى بن الوزير وأخوه عامر رئيسين على واطاس لذلك العهد فاستهونوا أمر السلطان بعد مهلك أبيه وحدثوا أنفسهم بالانتزاء بتازوطا والاستبداد بتلك الناحية فوثب عمر منهم بمنصور ابن أخى السلطان شهر شوال من سنة احدى وتسعين وفتك برجاله وذويه وأزعجه عنها وغلبه على مال الجباية الذى كان بقصره فاستصفاه وتأثر به واستبد وشحن الحصن برجاله وحاشيته ووجوه قومه ووصل منصور إلى السلطان وهلك لليال من منجاته أسفا لما أصابه وسرح السلطان وزيره الطائر الذكر عمر بن السعود بن خرباش بالعساكر لنازلته فأناخ عليه ثم نهض السلطان على أثره ووافاه واضطرب معسكره بساحته وخالف عامر أخه عمر إلى السلطان بقومه حذرا من مغبة الامر وأشفق عمر لشدة الحصار ويئس من الخلاص وظن أن قد أحيط به ودس إلى أخيه عامر فاستأذن السلطان في مداخلته في الدخول على الحصن فأذن له واحتمل ذخيرته وفر إلى تلمسان وبدا لعامر في رأيه عندما خلص إلى الحصن وخلاله من أخيه عمر الجو وحذر غائلة السلطان وخشى أن يثأر منه بابن أخيه فامتنع بالحصن ثم ندم وسقط في يده وفى خلال ذلك كان وصول وفد الاندلس وأرسوا أساطيلهم بمرسى عساسة فبعث إليهم عامر أن يشفعوا له عند السلطان لوجاهتهم لديه فتقبلت شفاعتهم على شريطة اجازته إلى الاندلس وكره ذلك وقدم بين يديه بعض حاسيته إلى الاسطول مكرا بهم وخاض الليل إلى تلمسان وتقبض السلطان على ولده وقتا واسلم أهل الاسطول من كان من حاشيته لديهم وتجافوا عن اجازتهم على السطان لما مكر بهم عامر فامر فاستلحموا مع من كان بالحصن من أتباعهم وقرابتهم وذرياتهم وتملك السلطان حصن تازوطا وأنزل به عماله ومسلحته وقفل إلى حضرته بفاس آخر جمادى من سنة ثنتين وتسعين والله تعالى أعلم * (الخبر عن نزوع أبى عامر ابن السلطان إلى بلاد الريف وجهات غمارة) * كان الامير أبو عامر بعد اجازة ابن الاحمر إلى السلطان أبيه ورضاه عنه وتأكيد مواخاته واغراء وزيره بمنازلة طريف واستنزاله أولاد الوزير المنتزين بحصن تازوطا رجع من قصر مصمودة إلى بلاد الريف بايعاز أبيه إليه بتسكين أحوالها وكان أولاد الامير أبى يحيى بن عبد الحق قد نزعوا إلى تلمسان لسعاية فيهم وقرت في صدر السلطان فأقاموا بها أياما ثم استعطفوا السلطان واسترضوه فرضى وأذن لهم في الرجوع إلى محلهم من قومهم ودولتهم وبلغ الخبر الامير أبا عامر وهو بمعسكره من الريف فأجمع على

[ 219 ]

اغتيالهم في طريقهم فظن أنه يرضى بذلك أباه واعترضهم بوادي القطف من ملوية سنة خمس وتسعين فاستلحمهم وانتهى الخبر إلى السلطان فقام في ركائبه وقعد وتبرأ إلى ابنه من اخفار ذمته ومن صنيع ابنه وسخطه وأقصاه فذهب مغاضبا ولحق ببلاد الريف ثم صاعد إلى جبل غمارة فلم يزل طريدا بينهم ونازلته عساكر أبيه لنظر ميمون بن وردار الجشمى ثم لنظر يرزيكن بن الولاة تاميمونت وأوقع بهم مرارا آخرها بيرزيكن سنة سبع وتسعين وذكر الربيحى مؤرخ دولتهم أن خروجه بجبل غمارة كان سنة أربع وتسعين وقتله لاولاد الامير أبى يحيى كان سنة خمس وتسعين بعدها أغزاهم من مثوى انتزائه وقتلهم كما ذكرناه والله أعلم ولم يزل هذا دأبه إلى أن هلك ببنى سعيد من جبال غمارة سنة ثمان وتسعين ونقل شلوه إلى فاس فوورى بباب الفتوح ملحد قومهم هنالك وأعقب ولدين نقلهما السلطان جدهما فكانا الخليفتين من بعده ملى ما نذكره ان شاء الله تعالى والله أعلم * (الخبر عن حصار تلمسان الكبير وما تخلل ذلك من الاحداث) * كان عثمان بن يغمراسن بعد افراج السلطان سنة تسع وثمانين وانتقاض الطاغية وابن الاحمر عليه كما قلناه صرف إلى ولايتهما وجه تدبيره وأوفد على الطاغية ابن بربدى من صنائع دولته سنة ثنتين وتسعين ووجهه الطاغية مع الريك ريكس رسول من كبار قومه ثم عاد إليه الحاج مسعود من حاشيته ووصل يده بيده يظن ذلك دافعا عنه واعتدها السلطان عليه وطوى له على الغث حتى إذا فرغ من شأن الاندلس وهلك الطاغية شانجة سنة ثلاث وتسعين لاحدى عشرة من سنى ملكه وارتحل السلطان إلى طنجة لمشارفة أحوال الاندلس سنة أربع وتسعين فأجاز إليه السلطان ابن الاحمر ولقيه بطنجة وأحكم معه المواخاة ولما استيقن سكون أحوالها نزل لابن الاحمر عن جميع الثغور التى بها الطاغية وأجمع غزو تلمسان ولحق به بين يدى ذلك ثابت بن منديل المغراوى صريخا على ابن يغمراسن ومستجيشا بقومه فتقبله وأجاره وكان أصاب الناس أعوام ثنتين وتسعين قحط ونالتهم سنة وهنوالها ثم ان الله رحم خلقه وأدر نعمته وأعاد الناس إلى ما عهدوه من سبوغ نعمهم وخصب عيشهم ووفد عليه سنة أربع وتسعين ثابت بن منديل أمير مغراوة مستصرخا به من عثمان بن يغمراسن فبعث من كبار قومه موسى بن أبى حمو إلى تلمسان شفيعا في ثابت بن منديل فرده عثمان أقبح ردوأساء في اجابته فعاود الرسالة إليهم في شأنه فلم يزدهم الا اصرارا فاعتزم على غزو بلادهم واستعد لذلك ونهض سنة أربع وتسعين حتى انتهى إلى بلاد تاوريرت وكانت تخما لعمل بنى مرين وبنى عبد الواد في جانبها عامل السلطان أبى يعقوب وفى جانبها

[ 220 ]

الآخر عامل عثمان بن يغمراسن فطرد السلطان عامل ابن يغمراسن واختط الحصن الذى هنالك لهذا العهد تولاه بنفسه يغادى الفعلة ويراوحهم وأكمل بناءه في شهر رمضان من سنته واتخذه ثغرا لملكه وأنزل بنى عسكر لحياطته وسد فروجه وعقد عليهم لاخيه أبى يحيى بن يعقوب وانكفأ راجعا إلى الحضرة ثم خرج من فاس سنة خمس وتسعين غازيا إلى تلمسان ومر بوجدة فهدم أسوارها وتغلب على مسيفة والزغاوة وانتهى إلى ندرومة ونازلها أربعين يوما ورماها بالمنجنيق وضيق عليها وامتنعت عليه فأفرج عنها ثانى الفطر ثم أغزى تلمسان سنة ست وتسعين وبرز لمدافعته عثمان بن يغمراسن فهزمه وحجزه بتلمسان ونزل بساحتها وقتل خلقا من أهلها ونازلها أياما ثم أقلع عنها وقفل إلى المغرب وقضى منسك الاضحى من سنته بتازى فأعرس هنالك لحافدة أبى ثابت بن منديل كان أصهر فيها إلى جدها قبل مهلكه سنة ست وتسعين قتيلا ببحيرة الزيتون من ظاهر فاس قتله بعض بنى ورتاجن في دم كان لهم في قومه فثأر السلطان به من قاتله وأعرس بحافدته وأوعز ببناء القصر بتازى وقفل إلى فاس فاتح سنة سبع وتسعين ثم ارتحل إلى مكناسة وانكفأ إلى فاس ثم نهض في جمادى غازيا تلمسان ومر بوجدة فأوعز ببنائها وتحصين أسوارها واتخذ بها قصبة ودارا لسكناه ومسجدا وأوعز إلى تلمسان ونزل بساحتها وأحاطت عساكره احاطة الهالة بها ونصب عليها القوس البعيدة النزع العظيمة الهيكل المسماة بقوسس الزيار ازدلف إليه الصناع والمهندسون فعملها وكانت توقر على احد عشر بغلا ثم لما امتنعت عليه تلمسان أفرج عنها فاتح سنة ثمان ومر بوجدة فأنزل بها الكتائب من بنى عسكر لنظر أخيه أبى يحيى بن يعقوب كما كانوا بتاوريرت وأوعز إليهم بترديد الغزاة على أعمال يغمراسن وافساد سابلتها وضاقت أحوالهم ويئسوا من صريخ صاحبهم فأوفدوا على الامير أبى يحيى وفدا منهم يسألون الامان بمن وراءهم من قومهم على أن يمكنوه من قياد بلدهم ويدينوا بطاعة السلطان فبذل لهم من ذلك ما أرضاهم ودخل البلد بعساكره واتبعهم أهل تاوونت وأوفد مشيختهم جميعا على السلطان آخر جمادى فقدموا عليه لحضرته وأدوا طاعتهم فقبلها ورغبوا إليه في الحركة إلى بلادهم ليريحهم من ملكة عدوه وعدوهم ابن يغمراسن ووصفوا من عسفه وجوره وضعفه عن الحماية ما استنهض السلطان لذلك على ما يذكر ان شاء الله تعالى والله أعلم * (الخبر عن الحصار الكبير لتلمسان وما تخلل ذلك من الاحداث) * لما توفرت عزائم السلطان عن النهوض إلى تلمسان ومطاولة حصارها إلى أن يظفر بها ويقومها واستيقن أنه لا مدافع له عن ذلك نهض من فاس شهر رجب من سنة ثمان

[ 221 ]

وتسعين بعد ان استكمل حشده ونادى في قومه واعترض عساكره وأجزل أعطياتهم وأزاح عللهم وارتحل في التعبية واحتل بساحة تلمسان ثانى شعبان وأناخ عليها واضطرب معسكره بفنائها وحجز عثمان بن يغمراسن وحاميتها من قومه وأدار الاسوار سياجا على عمرانها كله ومن ورائها نطاق الحفير البعيد المهوى ورتب المسالح على أبوابها وفروجها وسرح عساكره لمحاصرتها فاقتحموها وآتوا طاعتهم وأوفد مشيختهم وسط شعبان ثم سرح عساكره لمحاصرة وهران وتقري البسائط ومنازلة الامصار فأخذت مازونة في جمادى الآخرة من سنة تسع وتسعين وتنس في شعبان بعده وتالموت والقصبات وتامزردكت في رمضان منه وفيه كان فتح مدينة وهران وسارت عساكره في الجهات إلى أن بلغت بجاية كما نذكره وأخذ الرعب بقلوب الامم بالنواحي وتغلب على ضواحي مغراوة وتوجين وسارت فيها عساكره ودوختها كتائبه واقتحمت أمصارها مثل مليانة ومستغانم وشرشال والبطحاء ووانشريس والمرية وتافركينت وأطاعه زيرى المنتزى ببرشك وأتى بيعته وابن علان المنتزى بالجزائر وأزعج الناكثين منهم عن طاعته واستألف أهل الطاعة كما نذكره وحذره الموحدون من ورائهم بافريقية ملوك بجاية وملوك تونس فمدوا إليه يد المواصلة ولاطفوه بالمتاحفة والمهاداة كما نذكره وخاطب صاحب الديار المصرية ملك الترك وهاداه وراجعه كما نذكره ووفد عليه شرفاء مكة بنى نمى كما نذكر وهو في خلال ذلك مستجمع للمطاولة بالحصار والتضييق متجاف عن القتال الا في بعض الايام ولم تبلغ أربعة أو خمسة ينزل شديد العقاب والسطوة بمن يميرها ويأخذ بالمرصاد على من يتسلل بالاقوات إليها قد جعل سرداق الاسوار المحيطة ملاكا لامره في ذلك فلا يخلص إليهم الطيف ولا يكاد يصل إليهم العيث مدة مقامه عليها إلى أن هلك بعد مائة شهر كما نذكره واختط بمكان فسطاط المعسكر قصرا لسكناه واتخذ به مسجد الصلاة وأدار عليها السور وأمر الناس بالبناء فبنوا الدور الواسعة والمنازل الرحيبة والقصور الانيقة واتخذوا البساتين وأجروا المياه ثم أمر بادارة السور سياجا على ذلك سنة ثنتين وسبعمائة وصيرها مصرا فكانت من أعظم الامصار والمدن وأحفلها اتساع خطة وكثرة عمران ونفاق أسواق واحتفال بناء وتشييد منعة وأمر باتخاذ الحمامات والمارستان وابتنى مسجدا جامعا وشيد له مأذنة رفيعة فكان من أحفل مساجد الامصار وأعظمها وسماها المنصورة واستبحر عمرانها ونفقت أسواقها ورحل إليها التجر بالبضائع من الآفاق فكانت احدى مدائن المغرب وخربها آل يغمراسن عند مهلكه وارتحال كتائبه بعد أن كان بنو عبد الواد أشرفوا على الهلاك وأذنوا بالانقراض كما نذكره فتداركهم من

[ 222 ]

لطف الله ما شأنه أن يتدارك المتورطين في المهالك والله غالب على أمره (الخبر عن افتتاح بلاد مغراوة وما تخلل ذلك من الاحداث) لما أناخ السلطان على تلمسان وتغلب على ضواحي بنى عبد الواد وافتتح أمصارهم سما إلى التغلب على ممالك مغراوة وبنى توجين وكان ثابت بن منديل قد وفد على السلطان بمقر ملكه من فاس سنة أربع وتسعين وأصهر إليه في حافدته فعقد له عليها وهلك ثابت بمكان وفادته من دولتهم وأعرس السلطان بحافدته سنة ست وتسعين كما ذكرنا ذلك من قبل فلما تغلب السلطان على مال بنى عبد الواد جهز عساكره إلى بلاد مغراوة وعقد عليها لعلى بن محمد من عظماء بنى ورتاجن فتغلبوا على الضواحى وشردوا مغراوة إلى رؤس المعاقل واعتصم راشد بن محمد بن ثابت بن منديل صهر السلطان بمليانة فنازلوه بها ثم استنزلوه على الامان سنة تسع وتسعين فأوفدوه على السلطان فلقاه مبرة وتكرمة وخلطه بجملة صهره معه ثم افتتحوا مدينة تدلس ومازونة وشرشال وأعطى زيرى بن حماد المنتزى على برشك من بلادهم يد الطاعة واوفد على السلطان البيعة واستولوا على ضواحي شلف كلها ولاذت مغراوة بطاعة السلطان وعقد عليهم وعلى جميع بلادهم لعمر بن ويفرن بن منديل فأسف ذلك راشد بن محمد لما كان يراه لنفسه من الاختصاص ولما كانت أخته حظية السلطان وكريمته ونافس عمر بن ويفرن في امارة قومه فلحق بجبال متيجة وأجلب على من هنالك من عمال السلطان وعساكره وانحاش إليه مرضى القلوب من قومه فاعصوصبوا عليه وداخلوا أهل مازونة فانتقضوا على السلطان وملكوه أمرهم في ربيع من المائة السابعة ثم بيت عمر بن ويفرن بمعسكره من أزمور فقتله واستباح العسكر وبلغ الخبر إلى السلطان فسرح العساكر من بنى مرين وعقد لعلى بن الحسن بن أبى الطلاق على قومه من بنى عسكر ولعلى بن محمد الخيرى على قومه من بنى ورتاجن وجعل الامر شورى بينهما وأشرك معهما عليا الحساني من صنائع دولته وأبا بكر بن ابراهيم بن عبد القوى من أعياص بنى توجين وعقد على مغراوة لمحمد ابن عمر بن منديل واشركه معهم وزحفوا إلى راشد ولما أحس بالعساكر لجأ إلى معقل بنى بو سعيد فيمن معه من شيعة مغراوة وأنزل بمازونة عليا وحمو ابني عمه يحيى بن ثابت واستوصاهم بضبط البلد وأنه مشرف عليهم من الجبل وجاءت عساكر السلطان إلى بلاد مغراوة فتغلبوا على البسائط وأناخوا بمازونة واضطربوا بمعسكرهم بساحتها وأخذوا بمخنقها واهتبل على وقومه غرة معسكر بنى مرين فبيتهم سنة احدى وسبعمائة وانفض المعسكر وتقبض على على بن محمد الخيرى ثم امتنعوا عليه وعاد المعسكر إلى مكانهم من حصارهم وجهدهم حالهم فنزل إليهم حمو بن يحيى على حكم السلطان وأنفذوه إليه

[ 223 ]

فتقبض عليه ثم نزل على ثانية من غير عهد فاشخصوه إلى السلطان فلقاه مبرة وتكريما تأنيسا لراشد المنتزى بمعقله واقتحمت على أهلها عنوة سنة ثلاث فمات منهم عالم واحتملت رؤسهم إلى سدة السلطان فرميت في حفائر البلد المحصورارها بالهم وتخذيلا ولما عقد السلطان لاخيه أبى يحيى على بلاد الشرق وسرحه لتدويخ التخوم نازل راشد بمعقله من بنى بو سعيد فبيت راشد معسكرهم احدى لياليه فانفضوا وقتل طائفة من بنى مرين ووجد السلطان لها فأمر بقتل على وحمو ابني عمه يحيى ومن كان معتقلا معهما من قومهما ورفعوا على الجذوع وأثبتوهم بالسهام ونزل راشد بعدها عن معقله ولحق بمتيجة وانحاش إليه منيف بن ثابت وأوشاب من مغراوة وتحز الآخرون إلى أميرهم محمد بن عمر منديل الذى عقد له السلطان عليهم ثم ناشبت على راشد ومنيف خوارج الثعالبة ومليكش وصمد إليهم الامير أبو يحيى في عساكره ثانية ونازلهم بمعاقلهم ورغبوا في السلم فبذله السلطان لهم وأجاز منيف بن ثابت إلى الاندلس فيمن إليه من بنيه وعشيره فاستقروا بها آخر الايام ولحق راشد ببلاد الموحدين ووفد محمد بن عمر بن منديل سنة خمس على السلطان فأوسعه حبا وتكريما وتمهدت بلاد مغراوة واستبد بملكها السلطان وصرف إليها العمال ولم يزل كذلك إلى أن هلك سنة ست والله تعالى أعلم * (الخبر عن افتتاح بلاد توجين وما تخلل ذلك) * لما نازل يوسف بن يعقوب تلمسان وأحاط بها وتغلب على بنى عبد الواد وسما إلى تملك بلاد توجين وكان عثمان بن يغمراسن قد غلبهم على مواطنهم وملك جبل وانشريس وتصرف في بنى عبد القوى بالولاية والعزل وأخذ الاتاوة سنة احدى وسبعمائة وأوعز إليه السلطان ببناء البطحاء التى هدمها محمد بن عبد القوى فبناها وتوغل في قاصية المشرق ثم انكفأ راجعا إلى حضرة أخيه وعطف على بلاد بنى توجين سنة ثنتين وفر بنو عبد القوى إلى ضواحيهم بالقفر ودخل إلى جبل وانشريس وهدم حصونهم به ورجع إلى الحضرة ثم بادر أهل تافركينت سنة ثلاث بايتاء طاعتهم وانتقضوا وراجع بنو عبد القوى بعد ذلك بصائرهم فدخلوا في طاعة السلطان ووفدوا عليه بمكانه من المنصورة مدينته المحيطة على تلمسان سنة ثلاث فتقبل طاعتهم ورعى سابقتهم وأعادهم إلى بلادهم وأقطعهم وولى عليهم على بن الناصر بن عبد القوى وأوعز ببناء قصبة المرية سنة أربع وكملت سنة خمس وهلك على بن الناصر خلال ذلك فعقد عليهم لمحمد بن عطية الاصم كما ذكرناه فاستمر على الطاعة ثم انتقض سنة ست وحمل قومه على الخلاف وانتبذوا عن الوطن إلى أن هلك يوسف بن يعقوب كما نذكره ان شاء الله تعالى والله تعالى أعلم

[ 224 ]

* (الخبر عن مراسلة ملوك افريقية بتونس وبجاية لزناتة وأحوالهم معهم) * كان لبنى أبى حفص ملوك افريقية مع زناتة هؤلاء أهل المغرب من بنى مرين وبنى عبد الواد سوابق مذكورة فكان لهم على يغمراسن وبنيه طاعة معروفة يؤدون بيعتها ويخطبون على منابرهم بدعوتها من تغلب الامير أبى زكريا بن عبد الواحد على تلمسان وعقده عليها ليغمراسن واستمر حالهم على ذلك وكانت لهم أيضا مع بنى مرين ولاية وسابقة بما كان بنو مرين مذاول أمرهم يخاطبون الامير أبا زكريا ويبعثون له بيعة البلاد التى يتغلبون عليها مثل مكناسة والقصر ومراكش آخرا ثم صارت مخالصته من لدن عهد المستنصر ويعقوب بن عبد الحق وكانوا يتحفونهم بالمال والهدايا في سبيل المدد على صاحب مراكش وقد ذكرنا السفارة التى وقعت بينهما سنة خمس وستين وأن يعقوب أوفد عامر بن ادريس وعبد الله بن كندوز ومحمد الكنانى وأوفد عليه المستنصر سنة سبع بعدها كبير الموحدين يحيى بن صالح الهنتاتى في وفد من مشيخة الموحدين ومعهم هدية سنية ثم أوفد الواثق ابنه سنة تسع وسبعين قاضى بجاية المذكور أبا العباس أحمد القمارى وأسنى الهدية معه ولم يزل الشأن بينهم هذا إلى أن افترق أمر آل أبى حفص وطار الامير أبو زكريا بن الامير أبى اسحق بن يحيى بن عبد الواحد من عشه تلمسان في وكر عثمان بن يغمراسن وأسف إلى بجاية فاستولى عليها سنة ثلاث وثمانين واستضاف إليها قسنطينة وبونة وصيرهما عملا لملكه ونصب لهما كرسيا لامره وأسف عثمان بن يغمراسن لفراره من بلده لما كان عليه من التمسك بدعوة عمه أبى حفص صاحب تونس فشق ذلك عليه ونكره واستمرت الحال على ذلك ولما نزل السلطان يوسف بن يعقوب بمخنق تلمسان وأرسى قواعد ملكه بساحتها وسرح عساكره لالتهام الامصار والجهات وتوجس الموحدون الخيفة منه على أوطانهم وكان الامير أبو زكريا في جهات تدلس محاميا عن حوزنه وعمله ووصله هنالك راشد بن محمد نازعا عن السلطان أبى يعقوب ثم طلعت العساكر على تلك الجهات في اتباعه فزحف إليه عسكر الموحدين سنة تسع وتسعين بناحية جبل الزاب ففضوا جمعه وأوقعوا به واستلحموا جنوده واستمر القتل فيهم وبقيت عظامهم مثلة بمصارعهم سنين ورجع الامير أبو زكريا إلى بجاية فانحصر بها وهلك على تفيئة ذلك على رأس المائة السابعة وقارن ذلك مغاضبة بينه وبين أمير الزواودة لعهده عثمان بن سباع بن يحيى بن دريد بن مسعود البلط فوفد على السلطان أخريات احدى وسبعمائة ورغبه في ملك بجاية واستمده للسير إليها فأوعز إلى أخيه الامير أبى يحيى بمكانه من منازلة مغراوة ومليكش والثعالبة بأن ينهض إلى أعمال الموحدين وسار عثمان بن سباع وقومه بين يدى العساكر يتقصون الطريق إلى

[ 225 ]

أن تجاوز الامير أبو يحيى بعساكره بجاية واحتل بتاكرارت من أوطان سدويكش من أعمال بجاية وأطل على بلاد سدويكش وانكفأ راجعا فأوطأ عساكره ساحة بجاية وبها الامير خالد بن يحيى وناشبهم القتال بعض أيام جلا فيها أولياء السلطان أبى البقاء عن أنفسهم وسلطانهم وأمر بروض السلطان المسمى بالبديع فحربه وكان من آنق الرياض وأحفلها وقفل إلى مكانه من تدويخ البلاد وأعرض عن اعمال الموحدين وكان صاحب تونس لذلك العهد محمد بن المستنصر الملقب بابى عصيدة بن يحيى الواثق فأوفد على السلطان شيخ الموحدين بدولته محمد بن اكمازير عاقد أسباب الولاية ومحكما مذاهب الوصلة ومقررا سوابق السلف فوفد في مشيخة من قومه لشعبان سنة ثلاث وناغاه الامير أبو البقاء خالد صاحب بجاية وأوفد مشيخة من أهل دولته كذلك وبر السلطان وفادتهم وأحسن منقلبهم ثم عاد ابن اكمازير سنة أربع وسبعمائة ومعه شيخ الموحدين وصاحب السلطان أبو عبد الله بن يزريكن في وفد من عظماء الموحدين وأوفد صاحب بجاية حاجبه أبا محمد الرخامى وشيخ الموحدين بدولته عياد بن سعيد بن عثيمن ووفدوا جميعا على السلطان ثالث جمادى فأحسن السلطان في تكرمتهم ما شاء ووصلهم إلى نفسه بمساكن داره وأراهم أريكة ملكه وأطافهم قصوره ورياضة بعد أن فرشت ونمقت فملا قلوبهم جلالا وعظمة ثم بعثهم إلى المغرب ليطوفوا على قصور الملك بفاس ومراكش ويشاهدوا آثار سلفهم وأوعز إلى عمال المغرب بالاستبلاغ في تكرمتهم واتحافهم فانتهوا من ذلك إلى الغاية وانقلبوا إلى حضرته آخر جمادى وانصرفوا إلى ملكهم بالحديث عن شأن رسالتهم وكرامة وفدهم ثم أعاد ملوكهم مراسلة السلطان سنة خمس بعدها فوفد أبو عبد الله بن اكمازير من تونس وعياد بن سعيد من بجاية وأوفد السلطان على صاحب تونس مع رسوله صاحب الفتيا بحضرته الفقيه أبا الحسن التونسى وعلى بن يحيى البركشى رسولين يسألان المدد بأسطوله فقضوا رسالتهم وانقلبوا سنة خمس ووصل بخبرها أبو عبد الله المزدورى من مشيخة الموحدين واقترن بذلك وصول حسون بن محمد بن حسون المكناسى من صنائع السلطان كما أوفده مع ابن عثيمن على مراسلة الامير أبى البقاء خالد صاحب بجاية في طلب الاسطول أيضا فرجعوه بالمعاذير وأوفدوا معه عبد الله بن عبد الحق بن سليمان فتلقاهم السلطان بالمبرة وأوعز إلى عامله بوهران أن يستبلغ في تكريم عمرة الاسطول فجرى في ذلك على مذهبه وانقلبوا جميعا أحسن منقلب وغنى السلطان عن أسطولهم لفوات وقت الحاجة إليه من منازلة بلاد السواحل إذ كان قد تملكها أيام ممالطتهم ببعثه واتصل الخبر بصاحب تلمسان الامير أبى زيان بن عثمان المبايع أيام الحصار عند مهلك أبيه عثمان

[ 226 ]

ابن يغمراسن آخر سنة ثلاث فبلغه صنيع الموحدين في موالاة عدوه السلطان يوسف ابن يعقوب ومظاهرته بأساطيلهم عليه فأسفهم ذلك وأخرسوا منابرهم عما كانت تنطق به من الدعاء من عهد يغمراسن فلم يراجعوا دعوتهم من بعد وهلك السلطان على تفيئة ذلك والبقاء لله وحده { الخبر عن مراسلة ملوك المشرق الاقصى ومهاداتهم ووفادة أمراء الترك على السلطان وما تخلل ذلك } لما استولى السلطان على المغرب الاوسط بممالكه وأعماله وهنأته ملوك الاقطار واعراب الضواحى والقفار وصلحت السابلة ومشت الرفاق إلى الآفاق واستجد أهل المغرب عزما في قضاء فرضهم ورغبوا من السلطان اذنه لركب الحاج في السفر إلى مكة فقد كان عهدهم بمثلها لفساد السابلة واستهجان الدول فبينما السلطان في ذلك آمل إذ داخله لحرم الله وروضة نبيه صلى الله عليه وسلم شوق فأمر بانتساخ مصحف رائق الصنعة كتبه ونمقه أحمد بن الحسن الكاتب المحسن واستوسع في جرمه وعمل غشاءه من بديع الصنعة واستكثر فيه من معالق الذهب المنظم بخرزات الدر والياقوت وجعلت منها حصاة وسط المعلق تفوق الحصيات مقدارا وشكلا وحسنا واستكثر من الاصونة عليه ووقفه على الحرم الشريف وبعث به مع الحاج سنة ثلاث وعنى بشأن هذا الركب فسرح معهم حامية من زناتة تناهز خمسمائة من الابطال وقلد القضاء عليهم محمد بن رغبوش من أعلام أهل المغرب وخاطب الديار المصرية واستوصاه بحاج المغرب من أهل مملكته وأتحفه بهدية من طرف بلاده استكثر فيها من الخيل العراب والمطايا الفارهة يقال المطايا كانت منها أربعمائة حدثنى بذلك من لقيته إلى ما يناسب ذلك من طرف المغرب وماعونه ونهج بها السبيل للحاج من أهل المغرب فأجمعوا الحج سنة أربع بعدها وعقد السلطان على دلالتهم لابي زيد الغفاري وفصلوا من تلمسان لشهر ربيع الاول وفى شهر ربيع الآخر بعده كان مقدم الحاج الاولين حملة المصحف ووفد معهم على السلطان الشريف لبيدة بن أبى نمى نازعا عن سلطان الترك لما كان تقبض على اخويه حميضة ورميثة اثر مهلك أبيهم أبى نمى صاحب مكة سنة احدى وسبعمائة فاستبلغ السلطان في تكريمه وسرحه إلى المغرب ليجول في أقطاره ويطوف على معالم الملك وقصوره وأوعز إلى العمال بتكريمه واتحافه على شاكلته ورجع إلى حضرة السلطان سنة خمس وفصل منها إلى المشرق وصحبه من أعلام المغرب أبو عبد الله مورى حاجا ولشعبان من سنة خمس وصل أبو زيد الغفاري دليل ركب الحاج الآخرين ومعه بيعة الشرفاء أهل مكة للسلطان لما اسفهم صاحب مصر بالتقبض على

[ 227 ]

اخوانهم وكان شأنهم ذلك متى غاظهم السلطان فقد سبق في أخبار المستنصر بن أبى حفص مثلها وأهدوا إلى السلطان ثوبا من كسوة البيت شغف به واتخذ منه ثوبا للباسه في الجمع والاعياد يستبطنه بين ثيابه تبركا به ولما وصلت هدية السلطان إلى صاحب مصر لعهده الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي حسن موقعها لديه وذهب إلى المكافأة فجمع من طرف بلاده من الثياب والحيوان ما يستغرب جنسه وشكله من نوع الفيل والزرافة وأوفد بها من عظماء دولته الامير اليليلى وفصل من القاهرة أخريات سنة خمس ووصلت إلى تونس في ربيع من سنة ست بعدها ثم كان وصولها إلى سدة السلطان بالمنصورة من البلد الجديد في جمادى الآخرة واهتز السلطان لقدومها وأركب الناس إلى لقائها واحتفل للقاء هذا الامير اليليلى ومن معه من أمراء الترك وبرد وفادتهم واستبلغ في تكريمهم نزلا وقرى وبعثهم إلى المغرب على العادة في مبرة أمثالهم وهلك السلطان خلال ذلك وتقبل أبو ثابت سنة من بعده في تكريمهم فأحسن منقلبهم وملاء حقائبهم صلة وفصلوا من المغرب لذى الحجة سنة سبع ولما انتهوا إلى بلاد بنى حسن في ربيع من سنة ثمان اعترضهم الاعراب بالقفر فانتهبوهم وخلصوا إلى مصر الزمن فلم يعاودوا بعدها إلى المغرب سفرا ولا لفتوا إليه وجها وطالما أوفد عليهم ملوك المغرب بعدها من رجال دولتهم من يؤبه له ويهادونهم ويكافئون ولا يزيدون في ذلك كله إلى الخطاب شيأ وكان الناس لعهدهم ذلك يتهمون ان الذين نهبوهم اعراب حصين بدسيسة من صاحب تلمسان أبى حمو لعهدهم منافسة لصاحب المغرب لما بينهم من العداوات والاحن القديمة (أخبرني) شيخنا محمد ابن ابراهيم الابلى قال حضرت بين يدى السلطان وقد وصله بعض الحاج من أهل بلده مستصحبا كتاب الملك الناصر بالعتاب عن شأن هؤلاء الامراء وما أصابهم في طريقهم من بلاده وأهدى له مع ذلك كوبين من دهن البلسان المختص ببلدهم وخمسة مماليك من الترك رماة بخمسة أقواس من قسى الغز المؤنقة الصنعة من العرى والعقب فاستقل السلطان هديته تلك بالنسبة إلى ما أهدوا إلى ملك المغرب ثم استدعى القاضى محمد بن هدية وكان يكتب عنه فقال له اكتب الآن إلى الملك الناصر كما أقول لك ولا تحرف كلمة عن موضعها الا ما تقتضية صناعة الاعراب وقل له أما عتابك عن شأن الرسل وما أصابهم في طريقهم فقد حضروا عندي لهم الاستعجال حذرا مما أصابهم وأريتهم مخاوف بلادنا وما فيها من غوائل لاعراب فكان جوابهم انا جئنا من عند ملك المغرب فكيف نخاف مغترين بشأنهم يحسبون أن أمره نافذ في اعراب فلاتنا وأما الهدية فترد عليك أما دهن البلسان فنحن قوم بادية لا نعرف الا الزيت

[ 228 ]

وحسبنا به دهنا وأما المماليك الرماة فقد افتتحنا بهم اشبيلية وصرفناهم اليك لتستفتح بهم بغداد والسلام قال لى شيخنا وكان الناس إذ ذاك لا يشكون ان انتهابهم كان باذن منه وكان هذا الكتب دليلا على ما في نفسه وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون { الخبر عن انتقاض ابن الاحمر واستيلاء الرئيس سعيد على سبتة وخروج عثمان بن العلاء في غمارة } لما أحكم السلطان عقد المهادنة والولاية مع السلطان بن الاحمر المعروف بالفقيه عند اجازته إليه بطنجة سنة ثنتين وتسعين كما ذكرناه وفرغ لعدوه تمسك ابن الاحمر بولايته تلك إلى أن هلك سنة احدى وسبعمائة في شهر شعبان منه وقام بالامر الاندلسي من بعده ابنه محمد المعروف بالمخلوع واستبد عليه كاتبه أبو عبد الله بن الحكيم من مشايخ رندة كان اصطفاه لكتابته أيام أبيه فاضطلع بأموره وغلب عليه وكان هذا السلطان المخلوع ضرير البصر ويقال انه ابن الحكيم فغلب عليه واستبد إلى أن قتلهما أخوه أبو الجيوش نصر سنة ثمان كما نذكره وكان من أول آرئه عند استيلائه على الامر من بعد أبيه المبادرة إلى احكام ولاية السلطان واتصال يده بيده فأوفد إليه لحين ولايته وزير أبيه السلطان أبى عزيز الدانى ووزيره الكاتب أبا عبد الله بن الحكيم فوصلا إلى السلطان بمعسكره من حصار تلمسان وتلقاهما بالقبول والمبرة وجددت له أحكام الود والولاية وانقلبا إلى مرسلهما خير منقلب وتقدم السلطان إليهم في المدد برجل الاندلس وناشبتهم المعودين منازلة الحصون والمناغرة بالرباط فتبادروا إلى اسعافه وبعثوا حصتهم لحين مرجعهم إلى سلطانهم فوصلت سنة ثنتين وسبعمائة وكانت لهم نكاية في العدو وأثر في البلد المخروب ثم بدا لمحمد بن الاحمر الخلوع في ولاية السلطان لمنافسات جرت إلى ذلك وبعث إلى ادفونش هراندة بن شانجة وأحكم له عقد السلم ولاطفه في الولايد فانعقد ذلك بينهما سنة ثلاث واتصل خبره بالسلطان فسخطه ورجع إليهم حصتهم آخر سنة ثلاث واتصل خبره بالسلطان لسنة من مقدمهم بعد أن أبلوا وأثخنوا وطوى لهم عن البث واعتمل ابن الاحمر وشيعته في الاستعداد لمدافعة السلطان والارصاد لسطوته بهم وأوعز إلى صاحب مالقة ابن عمه الرئيس أبى سعيد فرج بن اسمعيل بن محمد ابن نصر وليه من دون القرابة بما كان له من الصهر على أخته والمضطلع له بثغر الغربية فأوعز إليه بمداخلة أهل سبتة في خلع طاعة السلطان والقبض على ابن العزفي والرجوع إلى ولاية ابن الاحمر وكان أهل سبتة منذ ابراهيم الفقيه أبو القاسم العزفى سنة سبع وسبعين قام بأمرهم ولده أبو حاتم وكان أبو طالب رديفا له في الامر الا أنه استبد عليه بصاغيته إلى الرياسة وايثار أبى حاتم للخمول مع ايجابه حق أخيه الاكبر واجابته الداعي

[ 229 ]

من دون دفع إليه فاستقام أمرهما مدة وكان من سياستهما من أول أمرهما الاخذ بدعوة السلطان فيما لنظرهما والعمل بطاعته والتجافى عن السكنى بقصور الملك والتحرج من أبهة السلطان امكانهم فأنزلوا بالقصبة عبد الله بن مخلص قائدا من البيوتات اصطنعوه وجعلوا إليه أحكام البلد وضبط الحامية له فاضطلع بذلك سنين ثم اسفه يحيى بن أبى طالب ببعض النزغات الرياسية وحجر عليه الاحكام في ذويه ثم أغرى به أباه وطالبه بحساب الخرج لعطاء الحامية وغفلوا عما وراءها من التظنن فيه والريبة به ثقة بمكانه واستنامة إليه وهم مع ذلك على أولهم في موالاة السلطان والاخذ بدعوته والوفود عليه في أوقاته ولما فسدت ولاية ابن الاحمر للسلطان وعقد على محاولة سبتة وجد السبيل إلى ذلك بما طوى صاحب الاحكام بالقصبة على البث فداخله الرئيس أبو سعيد صاحب الثغر بمالقة جاره بسبتة ووعده الغدر ببنى العزفى وأن يصحبهم في أساطيله فشرع الرئيس أبو سعيد في انشاء الاساطيل البحرية واستنفار الناس للمثاغرة وان العدو لمالقة بالمرصاد وشحنها بالفرسان والرجل والناشبة والاقوات وأخفى وجه قصده عن الناس حتى إذا أقلعت أساطيله بيت سبتة لسبع وعشرين من شوال سنة خمس وأرسى بساحتها لموعد صاحب القصبة فأدخله إلى حصنه فملكه ونشر راياته باسوارها وسرب جيوشه إلى البلد فتسايلوا وركب إلى دور بنى العزفى فتقبض عليهم وعلى والدهم وحاشيتهم وطير الخبر إلى السلطان بغرناطة فوصل الوزير أبو عبد الله بن الحكيم ونادى في الناس بالامان وبسط المعدلة وأركب ابن العزفى السفن إلى مالقة ثم أجازوا غرناطة وقدموا على ابن الاحمر فأجل قدومهم وأركب الناس إلى لقائهم وجلس لهم جلوسا فخما حتى أدوا بيعتهم وقضوا وفادتهم وأنزلوا بالقصور وأجريت عليهم سنية الارزاق واستقروا بالاندلس إلى أن صاروا بعد إلى المغرب كما نذكره واستبد الرئيس أبو سعيد بأمر سبتة وثقف أطرافها وسد ثغورها وأقام دعوة ابن عمه صاحب الاندلس بانحائها وكان عثمان بن أبى العلا بن عبد الله بن عبد الحق من أعياص الملك المرينى أجاز معه البحر إليها أميرا على الغزاة بمالقة وقائدا لعصبتهم تحت ولائه فموه بنصبه للملك بالمغرب وخاطب قبائل غمارة في ذلك فوقفوا بين الاقدام والاحجام واتصل ذلك كله بالسلطان وهو بمعسكره من حصار تلمسان فاستشاط لها غيظا وحمى أنفه نفرة واستنفره الصريخ فبعث ابنه الامير أبا سالم لسد تلك الفرجة وجمع إليه العساكر وتقدم إليه باحتشاد قبائل الريف وبلاد تازى فأغذ السير إليها وأحاطت عساكره بها فحاصرها مدة ثم بيته عثمان بن أبى العلاء فاختل معسكره وأفرج عنها منهزما فسخطه السلطان وذوى عنه وجه رضاه وسار عثمان بن أبى العلاء في نواحى سبتة وبلاد غمارة وتغلب على

[ 230 ]

تكيساس وانتهى إلى قصر ابن عبد الكريم في آخر سنة ست لسنة من استيلائهم على سبتة مقيما رسم السلطان مناديا بالدعاء لنفسه فاعتزم السلطان عند النهوض إليه من أمر تلمسان لما كانت على شفا ملكه ومحاينة انفضاض لولا عوائق الاقدار بمهلكه كما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن انتقاض بنى كمى من بنى عبد الواد وخروجهم بأرض السوس) * كان هؤلاء الرهط من بنى عبد الواد من بطون بنى على من شعب ايت القاسم وكانوا يرجعون في رياستهم إلى كندوز بن بن كمى ولما استقل زيان برياسة أولاد على بن ثابت بن محمد من أولاد طاع الله ونفس عليه كندوز هذا ما آتاه الله من الرياسة وجاذبه حبلها واحتقر زيان شأنه فلم يحفل به ثم تأشب عليه اخلاط من قومه وواضعه الحرب وهلك زيان بيد كندوز وقام بأمر أولاد على جابر بن يوسف بن محمد ثم تناقلت الرياسة فيهم إلى أن عادت لولد ثابت بن محمد واستقل بها أبو عزة زكرار بن زيان ولم تطل أيامه والتحم بين أولاد كمى وبين أولاد طاع الله وتناسوا الاحن وصارت رياسة طاع الله لولد يغمراسن بن زيان واستتبعوا قبائل عبد الواد كافة واعتمل يغمراسن في الثأر بأبيه زيان من قاتله كندوز فاغتاله ببيته دعاه لمأدبة جمع بنى أبيه حتى إذا اطمأن المجلس تعاوروه باسيافهم واحتزوا رأسه وبعثوا به إلى أمهم فنصبت عليه القدر ثالث أثافيها تشفيا منه وحفيظة وطالب يغمراسن بقية بنى كندوز ففروا أمام مطالبته وأبعدوا المذهب ولحقوا بالامير أبى زكريا بن عبد الواحد بن أبى حفص فأقاموا بسدته أحوالا وكانوا يرجعون في رياستهم لعبد الله بن كندوز ثم تذكروا عهد البداوة وحنوا إلى عشير زناتة فراجعوا المغرب ولحقوا ببنى مرين اقتالهم ونزل عبد الله بن كندوز على يعقوب بن عبد الحق خير نزل فلقاه من البر والترحيب بما ملا صدره وأكد غبطته وأقطعه بناحية مراكش الكفاية له ولقومه وأنزلهم هنالك وجعل انتجاع ابله وراحلته لحسان بن أبى سعيد الصبيحى وأخيه موسيى من ذويهم وحاشيتهم وألطف منزلة عبد الله ورفع مكانه بمجلسه واكتفى به في كثير من أموره وأوفده على المستنصر صاحب افريقية سنة خمس وستين مع عامر بن أخيه ادريس كما قدمناه واستقر بنو كندوز هؤلاء بالمغرب الاقصى واستمرت الايام على ذلك وصاروا من جملة قبائل بنى مرين وعدادهم وهلك عبد الله بن كندوز وصارت رياستهم لعمر ابنه من بعده ولما لفت السلطان يوسف بن يعقوب عزائمه إلى بنى عبد الواد ونازل تلمسان وطاول حصارها واستطال بنو مرين وذووهم على بنى عبد الواد وأحسوا بهم أخذتهم العزة بالاثم وأدركتهم النعرة فأجمع بنو كندوز هؤلاء الخلاف والخروج على السلطان

[ 231 ]

ولحقوا بحاحة سنة ثلاث وسبعمائة واحتفل الامير بمراكش يعيش بن يعقوب لغزوهم سنة أربع وسبعمائة فناجزوه الحرب بتادرت واستمروا على خلافهم ثم قاتلهم يعيش وعساكره ثانية بتامطريت سنة أربع فهزمهم الهزيمة الكبرى التى قصت جناحهم وأوهت من رياستهم وقتل جماعة من بنى عبد الواد بازعاروتا كما وأثخن يعيش بن يعقوب في بلاد السوس وهدم تارودانت قاعدة أرضها وأم قراها كان بها عبد الرحمن ابن الحسن بن يدر بقية الامراء على السوس من قبل عبد المؤمن وقد مر ذكرهم وكانت بينه وبين عرب المعقل من الشبانات وبنى حسان منذ انقرضت دولة الموحدين حرب سجال هلك في بعضها عمه على بن يدر سنة ثمان وستين وصارت امارته بعد حين إلى عبد الرحمن هذا ولم يزالوا في حربه إلى أن تملك السوس يعيش بن يعقوب وهدم تارودانت قاعدة أرضها ثم راجع عبد الرحمن أمره وبنى بلده تارودانت هذه سنة ست بعدها ويزعم بنو يدر هؤلاء انهم مستقرون بذلك القصر من لدن عهد الطوالع من العرب وانهم لم يزالوا أمراء به تعقد لهم ولايته كابرا عن كابر ولقد أدركت على عهد السلطان أبى عنان وأخيه أبى سالم من بعده شيخا كبيرا من ولد عبد الرحمن فحدثني بمثل ذلك وانهم من ولد أبى بكر الصديق رضى الله عنه والله أعلم ولم يزل بنو كندوز مشردين بصحراء السوس إلى أن هلك السلطان وراجعوا طاعة الملوك من بنى مرين من بعده وعفوا لهم عما سلف من هذه الجريمة وأعادوهم إلى مكانهم من الولاية فامحضوا النصيحة والمخالصة إلى هذا العهد كما سنذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن مهلك المشيخة من المصامدة بتلبيس أبى المليانى) * فقد ذكرنا شأن أبى على المليانى وأوليته في أخبار مغراوة الثانية وما كان من ثورته بمليانة وانتزائه عليها ثم ازعاج العسكر اياه منها ولحاقه بيعقوب بن عبد الحق سلطان بنى مرين وما أحله من مراتب التكرمة والمبرة وأقطعه بلد أغمات طعمة فاستقر بها وما كان منه في العبث باشلاء الموحدين ونبش أجداثهم وموجدة السلطان والناس عليه وأرصد له المصامدة الغوائل لما كان منه في ذلك ولما هلك يعقوب بن عبد الحق استعمله يوسف بن يعقوب على جباية المصامدة فلم يضطلع بها وسعى به مشيختهم عند السلطان انه احتجر المال لنفسه وحاسبوه فصدقوه السعاية فاعتقله السلطان وأقصاه وهلك سنة ست وثمانين واصطنع السلطان أحمد ابن أخيه واستعمله في كتابته واقام على ذلك ببابه في جملته وكان السلطان سخط على مشيخة المصامدة على بن محمد كبير هنتاتة وعبد الكريم بن عيسى كبير كرمتة وأوعز إلى ابنه الامير على بمراكش باعتقالهما فاعتقلهما فيمن لهما من الولد والحاشية وأحس بذلك أحمد بن المليانى فاستعجل الثار وكانت

[ 232 ]

العلامة السلطانية على الكتاب في الدولة لم تختص بكاتب واحد بل كل منهم يضع العلامة بخطه على كتابه إذا أكمله لما كانوا كلهم ثقاتا امناء وكانوا عند السلطان كاسنان المشط فكتب أحمد بن المليانى إلى ابن السلطان الامير بمراكش سنة سبع وتسعين كتابا عن أمر أبيه يأمره فيه بقتل مشيخة المصامدة ولا يمهلهم طرفة عين ووضع عليها العلامة التى تنفذ بها الاوامر وختم الكتاب وبعث به مع البريد ونجا بنفسه إلى البلد الجديد وعجب الناس بشأنه ولما وصل الكتاب إلى ابن السلطان بمراكش أخرج أولئك الرهط المعتقلين من المصامدة إلى مصارعهم وقتل على بن محمد وولده وعبد الكريم بن عيسى وولده عيسى وعلى ومنصور وابن أخيه عبد العزيز وطير الامير وزيره إلى أبيه بالخبر فقتله لحينه حنقا عليه وأنفذ البريد باعتقال ابنه وجرد على ابن المليانى ففقد ولحق بتلمسان ونزل على آل زيان ثم لحق من بعدها بالاندلس عند افراج السلطان عنها في تلك السنة كما ذكرناه وبها هلك واقتصر السلطان من يومئذ في علامته على من يختاره من صنائعه ويثق بأمانته وجعلها لذلك العهد لعبد الله بن أبى مدين خالصته المضطلع بأمر مملكته فاختصت من بعده لهذا العهد والله تعالى أعلم كان السلطان يعقوب في صباه مؤثرا للذاته ومستترا بها عن أبيه يعقوب بن عبد الحق لمكانه من الدين والوقار وكان يشرب الخمر ويعاقر بها الندمان وكان خليفة بن وقاصة من اليهود المعاهدين بفاس قهرمانا لداره على عادة الامراء في مثله من المعاهدين فكان يزدلف إليه بوجوه الخدم ومذاهبها فاستعمله هذا الامير في اعتصارها والقيام على شؤنها فكانت له بذلك خلوة منه أوجبت له الحظ عنده حتى إذا هلك يعقوب بن عبد الحق واستقل ابنه يوسف باعباء ملكه واتصلت خلواته في معاقرة الندمان وانفرد ابن وقاصة بخلوته لذلك مع ماكان من القهرمة عظمت رياسته وعلا كعبه في الدولة وتلقى الخاصة الاوامر منه فصار له الوجه بينهم وعظم قدره بعظم الدولة (أخبرني) شيخي الابلى قال وكان للخليفة هذا أخ يسمى ابراهيم وابن عم يسمى خليفة لقبوه بالصغير لمكانه هو من هذا الاسم وكان له صهر يعرفون ببنى السبتى كبيرهم موسى وكان رديفه في قهرمته فلم يفق السلطان من نشوة صباه وملهاه حتى وجدهم على حال استتبعوا فيها الغيلة من القبيل والوزراء والشرفاء والعلماء فأهمه ذلك وترصد بهم وتفطن بمذهبه فيهم خالصته عبد الله بن أبى مدين فسعى عنده فيهم وأوجده السبيل عليهم فسطا بهم سطوة واحدة واعتقلوا في شعبان من سنة احدى وسبعمائة بمعسكره من حصار تلمسان وقتل خليفة الكبير وأخوه ابراهيم وموسى بن السبتى واخوته بعد أن امتحنوا ومثل

[ 233 ]

بهم وأتت النكبة على حاشيتهم وذويهم وأقاربهم فلم تبق منهم باقية واستبقى منهم خليفة الاصغر احتقارا لشأنه حتى كان من قتله بعد ما نذكر وعبث بسائرهم وطهرت الدولة من رجسهم وأزيل منها معرة رياستهم والامور بيد الله سبحانه * (الخبر عن مهلك السلطان أبى يعقوب) * كان في جملة السلطان وحاشيته مولى من العبيد الخصيان من موالى أبى المليانى يسمى سعادة صار إلى السلطان من لدن استعماله اياه بمراكش وكان شيخا من الجهل والغباوة بمكان وكان السلطان يخلط الخصيان بأهله ويكشف لهم الحجاب عن ذوات محارمه ولما كانت واقعة العز مولاه واتهم بمداخلة بعض الحرم وقتل بالظنة واستراب السلطان بكثير من حاشيته الملابسين لداره اعتقل جملة من الخصيان كان فيهم عنبر الكبير عريفهم وحجب سائرهم فارتاعوا لذلك وسولت لهذا الخصى الخبيث نفسه الشيطانية الفتك بالسلطان فعمد إليه وهو في بعض الحجر من قصره وآذنه فأذن له فألفاه مستلقيا على فراشه مختضبا بالحناء فوثب عليه وطعنه طعنات قطع بها امعاءه وخرج هاربا وانطلق بعض الاولياء في اثره فأدرك من العشى بناحية تاسلة فتقبض عليه وسيق إلى القصر فقتله العبيد والحاشية وصابر السلطان ميتته إلى آخر النهار ثم قضى رحمه الله يوم الاربعاء سابع ذى القعدة من سنة ست وقبر هنالك ثم نقل بعدما سكنت الهيعة إلى مقبرتهم بشالة فدفن بها مع سلفه والبقاء لله وحده * (الخبر عن ولاية السلطان أبى ثابت) * كان الامير أبو عامر بن السلطان أبى يعقوب وولى عهده لما هلك طريدا ببلاد بنى سعيد بغمارة والريف سنة ثمان وتسعين كما ذكرنا خلف ولديه عامرا وسليمان في كفالة السلطان جدهما فكان لهما بعينه حلاوة وفى قلبه لوطة لمكان حبه فيهما واغترابه عنه فحدب عليهما وآثرهما من نفسه بمكان وكان الامير أبو ثابت عامر أصغر قومه اقداما وشجاعة وجراءة وكانت له في بنى ورتاجن خؤلة فلحين مهلك السلطان عرضوا له ودعوه للبيعة فبايعوه وحضر لها الامير أبو يحيى بن يعقوب عم أبيه عز بمجتمعهم اتفاقا وحملوه على الطاعة وكان أقرب للامر منه لو حضره رجال فأعطى القياد في المساعدة وطوى على البث وبادر الحاشية والوزراء بالبلد الجديد عند مهلك السلطان فبايعوا ابنه الامير أبا سالم وكاد أمر بنى مرين أن يفترق وكلمتهم أن تفسد فبعث الامير أبو ثابت لحينه إلى تلمسان للامير أبى زيان وأبى حمو ابني عثمان بن يغمراسن وعقد لهما حلفا على الافراج عنهم ثم أمره أن يمده بالآلة ويرفعا له كسر البيت ان كان غير ما أمل وحضر للعقد أبو حمو فأحكمه ومال أكثر بنى مرين وأهل الحل والعقد إلى الامير أبى ثابت وتفرد

[ 234 ]

ببيعة أبى سالم البطانة والوزراء والحاشية والاجناد ومن لافهم أو كان بالبلد الجديد مسكنه وأشاروا عليه بالمناجزة فخرج وقد عبى كتائبه فوقف وتهيب وخام عن اللقاء ووعدهم الاقدام بالغداة وكر راجعا إلى قصره فيئسوا منه وتسللوا لواذ إلى الامير أبى ثابت وهو بمرقب من الجبل مطل عليهم حتى إذا انحجر أبو سالم بالبلد انحاش إليه الجملة دفعة واحدة فلما استوفت القبائل والعساكر لديه زحف إلى البلد الجديد مثوى السلطان وسياج قصوره ومختط عزمه وانتهى إلى ساحتها مغتنما الفرصة وخرج إليه أبو يزيد يخلف بن عمران الفودودى فأرجل عن فرسه يأمر أبى يحيى وقتل بين يديه قعصا بالرماح وكان قريب عهد بالوزارة استوزره السلطان قبيل مهلكه في شعبان من سنة ست وفر أبو سالم إلى جهة المغرب وصحبه من عشيره من أولاد رحو ابن عبد الله بن عبد الحق العباس وعيسى وعلى ابنا رحو وابن أخيهم جمال الدين بن موسى وأتبعهم الامير أبو ثابت شرذمة من عسكره أدركوهم بندرومة فتقبضوا عليهم ونفذ أمر السلطان بقتل أبى سالم وجمال الدين واستبقى الآخرين وأمر باحراق باب البلد ليفتحها العسكر فأطل عليهم قهرمان دارهم عبد الله بن أبى مدين الكاتب وأخبره بفرار أبى سالم وباتفاق الناس على طاعته ورغب إليه في المسالمة ليلتهم حتى ينفجر الصباح خشية على دارهم من معرة العساكر وهجومها ففعل وأمره الامير أبو يحيى باعتقال أبى الحجاج ابن شقيلولة فاعتقله لقديم من العداوة كان بينهما ثم أمر بقتله وانفاذ رأسه فقتل وأمر السلطان ليلتئذ باضرام النيران حتى إذا أضاء الظلام وبات راكبا ودخل القصر لصبحه فوارى جسده بعد أن صلى عليه وغص بمكان الامير أبى يحيى لما تعدد فيه الترشيح وفاوض في شأنه كبير القرابة يومئذ عبد الحق بن عثمان بن الامير أبى يفرن محمد بن عبد الحق ومن حضره من الوزراء مثل ابراهيم بن عبد الجليل الونكاسى وابراهيم بن عيسى البرنيانى وغيرهما من الخاصة فأشاروا بقتله ونميت عنه كلمات في معنى التربص بالسلطان ودولته وابتغاء العصابة لامره وركب الامير أبو يحيى إلى القصر ثالث البيعة فأخذ السلطان بيده ودخل معه إلى الحرم لعزائهن عن أخيه السلطان ثم خرج على الخاصة وتخلف عنه السلطان وقد دس إلى عبد الحق بن عثمان أن يتقبض عليه ففعل ثم برز السلطان إليهم وهو موثوق فأمر بالاجهاز عليه ولم يمهله والحق به يومئذ وزيره عيسى بن موسى الفودودى وفشا الخبر بمهلك هؤلاء الرهط فرهب منه القرابة وفر يعيش بن يعقوب أخو السلطان وابنه عثمان المعروف بأمه قضينت ومسعود بن الامير أبى مالك والعباس بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق ولحقوا جميعا بعثمان بن أبى العلاء بمكانه من غمارة وخلا الجو من المرشحين

[ 235 ]

واستبد السلطان بملك قومه وأمن قوائل المنازعين ولما تم له الامر واستوسق أمر الملك وفى لبنى عثمان بن يغمراسن بالافراج عنهم ونزل لهم عن جميع البلاد التى صارت إلى طاعته من بلاد المغرب الاوسط من أعمالهم وأعمال بنى توجين ومغراوة ودعاه إلى بدار المغرب ما كان من اختلال عثمان بن أبى العلاء بن عبد الله بن عبد الحق بسبتة ودعائه لنفسه بين يدى مهلك السلطان وخروجه إلى بلاد غمارة واستيلائه على قصر كتامة فاعتزم على الرحلة إلى المغرب وفوض الامر في الرحلة بأهل المدينة الجديدة للوزير ابراهيم بن عبد السلام لما كانت حينئذ غاصة بالساكن مستبحرة في الاعتمار ممتلئة من الخرثى والآلة فأحسن السياسة في أمرهم وضرب لهم الآجال والمواعيد إلى أن استوقوا الرحلة وتركوها قواء خربها بنو عثمان بن يغمراسن عند رحلة بنى مرين إلى المغرب وتحينوا لذلك فترات الفتن فطمسوا معالمها طمسا ونسفوها نسفا وقدم السلطان بين يديه من قرابته الحسن بن عامر بن عبد الحق العجون في العساكر والجنود وعقد له على حرب ابن أبى العلاء وتلوم بالبلد الجديد لموافاة المسالح التى كانت بثغور المشرق ولما نزل عنها جميعا لبنى عثمان بن يغمراسن ارتحل غرة ذى الحجة ودخل فاس فاتح سبع وسبعمائة والله أعلم لما فصل أبو ثابت عن معسكرهم بتلمسان إلى المغرب قدم بين يديه من قرابته الحسن ابن عامر بن عبد الحق العجون ابن السلطان في العساكر والجنود وعقد له على حرب عثمان بن أبى العلاء كما ذكرناه وعقد على بلاد مراكش ونواحيها لابن عمه الآخر يوسف بن محمد بن أبى عياد بن عبد الحق وعهد له بالنظر في أحوالها فصمد إليها واحتل بها ثم حدثته نفسه بالانتزاء فقتل الوالى بمراكش واستركب واستلحق واتخذ الآلة وجاهر بالخلعان وتقبض على والى البلد فقتله بالسوط في جمادى سنة سبع وسبعمائة ودعا لنفسه واتصل الخبر بالسلطان لاول قدومه فسرح إليه وزيره يوسف ابن عيسى بن السعود الجشمى ويعقوب بن اصناك في خمسة آلاف من عساكره ودفعهم إلى حربه وخرج في اثرهم بكتائبه وبرز يوسف بن أبى عياد وأجازوا أمام الربيع فانهزم أمام الوزير وعساكره واتبعه الوزير ففر إلى اغمات ثم فر إلى جبال عسكورة ولحق به موسى بن سعيد الصبيحى من أغمات تدلى من سورها ودخل الوزير يوسف إلى مراكش ثم خرج اثره ولحقه فكانت بينهما جولة وقتل منهم خلق ولحق بهسكورة ودخل السلطان أبو ثابت مراكش منتصف رجب من سنة سبع وأمر بقتل أوربة المداخلة كانوا له في انتزائه فاستلحموا ولما لحق يوسف بن أبى عياد بجبال

[ 236 ]

هسكورة ونزل على مخلوف بن هنوا وتذمم بجواره فلم يجره على السلطان وتقبض عليه واقتاده إلى مراكش مع ثمانية من أصحابه تولوا كبر ذلك الامر فقتلوا في مصرع واحد بعد ان مثل بهم السلطان بالسياط وبعث برأس يوسف إلى فاس فنصب بسورها وأثخن القتل فيمن سواهم ممن داخله في الانتزاء فاستلحم منهم أمم بمراكش وأغمات وسخط خلال ذلك وزيره ابراهيم بن عبد الجليل فاعتقله واعتقل عشيره من بنى دولين ومن بنى ومكاسن وقتل الحسن بن دولين منهم ثم عفا عنهم وخرج منتصف شعبان إلى منازلة السكسيوى وتدويخ جهات مراكش فتلقاه السكسيوى بطاعته المعروفة واسنى الهدية فتقبل طاعته وخدمته ثم سرح قائده يعقوب بن آصناد في اتباع زكنة حتى توغل في بلاد السوس ففروا أمامه إلى الرمال وانقطع أثرهم ورجع إلى معسكر السلطان وانكفأ السلطان بعساكره إلى مراكش فاحتل بها غرة رمضان ثم قفل إلى فاس بعد أن قتل جماعة من بنى ورا وجعل طريقه في بلاد صنهاجة وسار في بلاد تامسنا وتلقاه عرب جشم من قبائل الخلط وسفيان وبنى جابر والعاصم فاستصحبهم إلى آنفا وتقبض على ستين من أشياخهم فاستلحم منهم عشرين ممن نمى عنه افساد السابلة ودخل رباط الفتح أخريات رمضان فقتل هنالك من الاعراب أمة ممن تؤثر عنه الحرابة ثم ارتحل منتصف شوال لغزو رياح أهل آزغار والهبط واثار بالاحن القدية فأثخن فيهم بالقتل والسبي وقفل إلى فاس فاحتل بها منتصف ذى القعدة وفجأ الخبر بهزيمة عبد الحق بن عثمان واستلحام الروم من عساكره ومهلك عبد الواحد الفودودى من رجالات دولته وأن عثمان بن أبى العلاء قد استفحل أمره بجهات غمارة فأجمع لغزوه والله أعلم { الخبر عن غزاة السلطان لمدافعة عثمان بن أبى العلاء ببلاد الهبط ومهلكه بطنجة بعد ظهوره } لما ملك الرئيس أبو سعيد فرج بن اسمعيل بن يوسف بن نصر سبتة سنة خمس وسبعمائة وأقام بها الدعوة لابن عمه المخلوع محمد بن محمد الفقيه ابن محمد الشيخ بن يوسف بن نصر كما ذكرناه وأجاز معه رئيس الغزاة المجاهدين بمعجل امارته من مالقة عثمان بن أبى العلاء ادريس بن عبد الله بن عبد الحق من أعياص هذا البيت كان مرشحا للملك فيهم واستقدمه معه ليفرق به الكلمة في المغرب بفتنة الدولة مدافعة عن سبتة لما كان هاج السلطان قومه فأخذها واستقام ملكها وطمع عثمان في ملك المغرب بامدادهم ومظاهرتم وسولت له نفسه ذلك فخرج من سبتة وولى على جيش الغزاة بعده عمر ابن عمه رحو بن عبد الله ونجم هو ببلاد غمارة فدعا لنفسه واجابته القبائل

[ 237 ]

منهم واحتل بحصن علو دان من أمنع معاقلهم وبايعوه على الموت ثم نهض إلى أصيلا والعريش فغلب عليها واتصل ذلك كله بالسلطان الهالك أبى يعقوب فلم يحركه استهانة بأمرهم وبعث ابنه أبا سالم بالعساكر فنازل سبتة أياما ثم أقلع عنها وبعث بعده اخاه يعيش بن يعقوب وأنزله طنجة وجمر معه الكتائب وجعلها ثغر أو زحف إليه عثمان بن أبى العلاء فتأخر عن طنجة إلى القصر ثم اتبعه فخرج إليه أهل القصر فرسانا ورجالا ورماة مع يعيش فوصلوا إلى وادى وراء ثم انهزموا إلى البلد ومات عمر بن ياسين ونزل عثمان عليهم القصر أياما ثم دخله من غده ثم كان مهلك السلطان وفر يعيش بن يعقوب خيفة من أبى ثابت فلحق بعثمان بن أبى العلاء واستقام أمره بتلك الجهات برهة وكان السلطان أبو ثابت لما احتل بالمغرب شغله ما كان من انتزاء يوسف بن ابى عياد بمراكش كما قدمناه فعقد على حرب عثمان بن أبى العلاء مكان عمه يعيش بن يعقوب لعبد الحق ابن عثمان بن محمد بن عبد الحق من رجال بيته فزحف إليه ونهض عثمان إلى لقائه منتصف ذى الحجة سنة سبع فهزمه واستلحم من كان معه من جند الروم وهلك في تلك الوقعة عبد الواحد الفودودى من رجالات السلطان المرشحين رد فاء الوزارة وسار عثمان إلى قصر كتامة فنزله واستولى على جهاته وعلى تفيئة ذلك كان رجوع السلطان من غزاة مراكش وقد حسم الداء ومحا أثر النفاق فاعتزم على الحركة إلى بلاد غمارة يمحو منها أثر دعوة بن أبى العلاء التى كادت تلج عليه ممالكه بالمغرب ويرده على عقبه ويستخلص سبتة من يد ابن الاحمر لما صارت ركابا لمن يروم الانتزاء والخروج من القرابة والاعياض المستقرين وراء البحر غزاة في سبيل الله فنهض من فاس منتصف ذى الحجة من سنة سبع ولما انتهى إلى قصر كتامة تلوم به ثلاثا حتى توافت عساكره وحشوده وكمل اعتراضها وفر عثمان بن أبى العلاء أمامه وارتحل السلطان في اتباعه فنازل حصن علودان واقتحمه عنوة واستلحم به زهاء أربعمائة ثم نازل بلد الدمنة واقتحمها وأثخن فيها قتلا وسبيا لتمسكهم بطاعة ابن أبى العلاء ومظاهرتهم له ثم كبس القصر واستباحه ثم ارتحل إلى طنجة واحتل بها غرة ثمان وانحجر ابن أبى العلاء بسبتة مع أوليائه وسرح السلطان عساكره فتغرقت نواحى سبتة بالاكتساح والغارة وأمر باختطاط بلد تيطاوين لنزول معسكره والاخذ بمغنق سبتة وأوفد كبير الفقهاء بمجلسه أبا يحيى بن أبى الصبر إليهم في شأن النزول له عن البلد وفى الخلال ذلك اعتل السلطان فمرض وقضى أياما قلائل وهلك في ثامن صفر من سنته ودفن بظاهر طنجة ثم حمل شلوه بعد أيام إلى مدفن آبائه بشالة فوورى هناك رحمة الله عليه وعليهم * (الخبر من دولة السلطان أبى الربيع وما كان فيها من الاحداث) *

[ 238 ]

لما هلك السلطان أبو ثابت تصدى للقيام بالامر عمه على بن السلطان أبى يعقوب المعروف بأمه رزيكة وخلص الملا من بنى مرين أهل الحل والعقد إلى أخيه الربيع فبايعوه وتقبض على عمه على بن رزيكة المستام للامرة فاعتقله بطنجة إلى أن هلك بها سنة عشر لجمادى وبث العطاء في الناس وأجزل وارتحل نحو فاس واتبعه عثمان بن أبى العلاء في جيش كثيف وبيته وقد نذر به العسكر فأيقظوا ليلتهم ووافاهم على الظهر بساحة علودان فناجزهم الحرب وكانت الدائرة على عثمان وقومه وتقبض على ولده وكثير من عساكره وأثخن أولياء السلطان فيهم بالقتل والسبي وكان الظهور الذى لا كفاء له ووصل أبو يحيى بن أبى الصبر إلى الاندلس وقد أحكم عقدة الصلح وقد كان ابن الاجر جاء للقاء السلطان أبى ثابت ووصل إلى الجزيرة الخضراء فأدركه خبر مهلكه فتوقف عن الجواز وأجاز ابن أبى الصبر باحكام الموافاة واجتاز عثمان بن أبى العلاء إلى العدوة فيمن معه من القرابة فلحق بغرناطة وأغذ السلطان السير إلى حضرته فدخل فاس آخر ربيع من سنة ثمان واستقامت الامور وتمهد المهلك وعقد السلم مع صاحب تلمسان موسى بن عثمان بن يغمراسن واقام وادعا بحضرته وكانت أيامه خير أيام هدنة وسكونا وتر فالاهل الدولة وفى أيامه تغالى الناس في أثمان العقار فبلغت قيمتها فوق المعتاد حتى لقد بيع كثير من الدور بفاس بألف دينار من الذهب العين وتنافس الناس في البناء فعالوا الصروح واتخذوا القصور المشيدة بالصخر والرخام وزخرفوها بالزليج والنقوش وتناغوا في لبس الحرير وركوب الفاره وأكل الطيب واقتناء الحلى من الذهب والفضة واستبحر العمران وظهرت الزينة والترف والسلطان وادع بداره متملى أريكته إلى أن هلك كما نذكره ان شاء الله تعالى والله أعلم كان أبو شعيب بين مخلوف من بنى أبى عثمان من قبائل كتامة المجاورين للقصر الكبير وكان منتحلا للدين ومشتهر ابه ولما أجلب بنو مرين على المغرب وبالوا في بسائطه وتغلبوا على ضواحيه صحب البر منهم البر والفاجر من أهله مثله وكان بنو عبد الحق قد تحيز والابى شعيب هذا فيمن تحيزوه للصحابة من أهل الدين فكان امام صلاتهم وكان يعقوب بن عبد الحق أشدهم صحابة له وأوفاهم به ذماما فاتصل به حبله واتصلت صحابته وعظم في الدولة قدره وانبسط بين الناس جاه ولده وأقاربه وحاشيته وربى بنو شعيب هذا عبد الله ومحمد المعروف بالحاج وأبو القاسم ومن بعدهم من اخوتهم بقصر كتامة في جوذ لك الجاه وهلك السلطان يعقوب بن عبد الحق فاستخلصهم يوسف بن عبد الحق لخدمته واستعملهم على مختصاته ثم ترقى بهم في رتبة خدمته وأخصائه درجة بعد

[ 239 ]

أخرى إلى أن هلك أبوهم أبو مدين شعيب سنة سبع وتسعين وكان المقدم منهم عند السلطان عبد الله فاربى على ثنيات العزو الوزارة والحلة والولاية وتقدم لحظوته في مجلسه كل حظوة واختصه بوضع علامته على الرسائل والاوامر الصادرة عنه وجعل إليه حسبان الخراج والضرب على أيدى العمال وتنفيذ الاوامر بالقبض والبسط فيهم واستخلصه لمناجاة الخلوات والافضاء بذات الصدور فوقف به الاشراف من الخاصة والقبيل والقرابة والولد وسودوه وخطبوا نائله وكان غمرا واستعمل مع ذلك أخاه محمدا على جباية المصامدة بمراكش وهنأ أبا القاسم الدعة بفاس فأقام بها متمليا راحته عريضا جاهه طاعما كاسيا تتسرب إليه أموال العمال في سبيل الاتحاف وتقف ببابه صدور الركائب إلى أن هلك السلطان أبو يوسف ويقال ان له خائنة في دمه مع سعاية المليانى ولما ولى السلطان أبو ثابت ضاعف رتبته وشفع لديه حظه ورفع على الاقدار قدره ثم ولى من بعده أخوه أبو الربيع فتقبل فيه مذاهب سلفه وكان بنو وقاصة اليهودي حين نكبوا باشر نكبتهم لمكانه من اصدار الاوامر ويزعمون ان له فيهم سعاية وكان خليفة الاصغر منهم قد استبقى كما ذكرناه فلما أفضى الامر إلى السلطان أبى الربيع استعمل خليفة بداره في بعض المهن وباشر الخدم حتى اتصل بمباشرة السلطان فجعل غايته السعاية بعبد البه بن أبى مدين وكان يؤثر عن السلطان أبى الربيع بأنه لا تؤمن بوائقه مع حرم ذويه وتعريف خليفة ذلك من مقالات الناس فدس إلى السلطان أن عبد الله بن أبى مدين يعرض باتهام السلطان في ابنته وان صدره وغل بذلك وأنه مترصد بالدولة وكان يخشى الغائلة بما كان عليه من مداخلة القبيل ولما كان داعيته من دواعى آل يعقوب فتعجل السلطان دفع غائلته وساتدعاه صبيحة زفاف بنته زعموا عن زوجها فاستحثه قائد الروم بمقبرة ابى يحيى بن العربي فطعنه القائد هنا لك من ورائه طعنة أكبته على ذقنه واحتز رأسه وألقاه بين يدى السلطان ودخل الوزير سليمان بن يرزيكن فوجده بين يديه فذهبت نفسه عليه وعلى مكانه من الدولة حسرة واسفا وأيقظ السلطان لمكر اليهودي فوقفه على براءة كان ابن أبى مدين بعثها للسلطان معه بالتنصل والحلف فتيقظ وعلم مكر اليهودي به فندم وقتل لحينه بخليفة بن وقاصة وذويه من اليهود المتصدين للخدمة وسطابهم سطوة الهلكة فاصبحوا مثلا للآخرين والله أعلم * (الخبر عن ثورة أهل سبتة بالاندلسيين ومراجعهم طاعة السلطان) * لما قفل السلطان أبو الربيع من غزاة سبتة بعد أن شرد عثمان بن أبى العلاء وأحجره بسبتة وأجاز منها إلى العدوة ومن كان معه من القرابة كما قلناه بلغه الخبر بضجر

[ 240 ]

أهل سبتة ومرض قلوبهم من ولاية الاندلسيين وسوء ملكتهم ودس إليه بعض أشياعه بالبلد بمثل ذلك فأغزى صنيعته تاشفين بن يعقوب الوطاسى أخا وزيره في عساكر ضخمة من بنى مرين وسائر الطبقات من الجند وأوعز إليه بالتقدم إلى سبتة ومنازلتها فأغذ إليها السير ونزول بساحتها ولما أحس به أهل البلد تمشت وتنادوا بشعارهم وثاروا على من كان بينهم من قواد ابن الاحمر وعماله وأخرجوا منها حاميته وجنوده واقتحمها العساكر واحتل بها تاشفين بن يعقوب عاشر صفر من سنة تسع وطير بالخبر إلى السلطان فعم السرور وعظم الفرح وتقبض على قائد القصبة أبى زكريا يحيى بن مليلة وعلى قائد البحر أبى السحن بن كماشة وعلى قائد الحروب بها من الاعياص عمر بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق كان صاحب الاندلس عقد له مكان ابن عمه عثمان بن أبى العلاء عند اجازته البحر إلى الجهاد كما ذكرناه وكتب إلى السلطان بالفتح وأوفد عليه الملا من مشيخة أهل سبتة وأهل الشورى وبلغ الخبر إلى ابن الاحمر فارتاع لذلك وخشى عادية السلطان وجيوش المغرب حين انتهوا إلى الفرضة وقد كان الطاغية في تلك الايام نازل الجزيرة الخضراء وأقلع عنها على الصلح بعد أن أذاقها من الحصار شدة وبعد أن نازل جبل الفتح فتغلب عليه وانهزم زعيم من زعمائه يعرف بالفنش بيرس هزمه أبو يحيى بن عبد الله بن أبى العلاء صاحب الجيش بمالقة لقيه وهو يجوس خلال البلاد بعد تملك الجبل فهزم النصارى وقتل أبرح وأهم المسلمين شأن الجبل فبادر السلطان أبو الجيوش بانفاذ رسله راغبين في السلم خاطبين للولاية وتبرع بالنزول عن الجزيرة ورندة وحصونها ترغيبا للسلطان في الجهاد فتقبل منه السلطان وعقد له الصلح على ما رغب وأصهر إليه في أخته فأنكحه اياها وبعث بالمدد للجهاد أموالا وخيولا جنائب مع عثمان بن عيسى البرنيانى واتصلت بينهما الولاية إلى مهلك السلطان والبقاء لله وحده { الخبر عن بيعة عبد الحق بن عثمان بممالاة الوزير والمشيخة وظهور السلطان عليهم ثم مهلكه باثر ذلك } كانت رسل ابن الاحمر خلال هذه المهادنة والمكاتبات تختلف إلى باب السلطان ووصل منهم في بعض أحيانها خلف من مترفيهم فجاهر بالكبائر فكشف ضفحة وجهه في معاقرة الخمر والادمان عليه وكان السلطان منذ شهر جمادى الاولى سنة تسع قد عزل القاضى بفاس أبا غالب المغيلى وعهد باحكام القضاء لشيخ الفتيا المذكور بها أبى الحسن الملقب بالصغير وكان على نهج من تغيير المنكرات والتعسف فيها حتى لقد كان مطاوعا في ذلك وسواس النسك الاعجمي ومتجاوزا به الحدود المتعارفة بين أهل الشريعة

[ 241 ]

في سائر الامصار وأحضر عنده ذات يوم هذا الرسول بملا وحضر العدول فاستروحوه ثم أمضى حكم الله فيه وأقام عليه الحد وأضرمته هذه الموجدة فاضطرم غيظا وتعرض للوزير رحوبن يعقوب الوطاسى منصرفه من دار السلطان في موكبه وكشف عن ظهره بوريه السياط وينعى عليهم سوء هذا المرتكب مع الرسل فبرم لذلك الوزير وأدركته الحفيظة وسرح وزعته وحشمه في احضار القاضى على أسوا الحالات من التنكيل والتل لذقنه فمضو التلك الوجهة واعتصم القاضى بالمسجد الجامع ونادى المسلمين فثارت العامة فيهم ومرج أمر الناس واتصل الخبر بالسلطان فتلافاه بالبعث في أولئك النفر من وزعة الوزير وضرب أعناقهم وجعلهم عظة لمن وراءهم فأسرها الوزير في نفسه وداخل الحسن بن على بن أبى الطلاق من بنى عسكر بن محمد شيخ بنى مرين والمسلم له في شوراهم وقائد الروم عنصالة المنفرد برياسة العسكر وشوكته وكان لهم بالوزير اختصاص آثروه له على سلطانه فدعالهم لبيعة عبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق كبير القرابة وأسد الاعياض وخلع طاعة السلطان فأجابوه وبايعوا له وتم أمرهم نجيا ثم خرج عاشر جمادى من سنة عشر إلى ظاهر البلد الجديد بمكان وجاهروا بالخلعان وأقاموا الآلة وبايعوا سلطانهم عبد الحق على عيون الملا وعسكروا بالعدوة القصوى من سوا تازى وخرج السلطان في اثرهم فعسكر بسبوا وتلوم لاعتراض العساكر وازاحة العلل واحتل القوم برباط تازى وأوفدوا على موسى ابن عثمان بن يغمر اسن سلطان بنى عبد الواد يدعونه إلى المظاهرة واتصال اليد والمدد بالعساكر والاموال جنوحا إلى التى هي آثر لديه من تفريق كلمة عدوه فتثاقل عن ذلك لمكان السلم الذى عقد له السلطان مذاول الدولة وتستبين سبيل القوم وقدم السلطان بين يديه يوسف بن عيسى الجشمى وعمر بن موسى الفودودى في جموع كتيبة من بنى مرين وسار في ساقتهم فانكشف القوم عن تازى ولحقوا بتلمسان صرخا وحمد السلطان مغبة تثاقله عن نصرهم ووجد بها الحجة عليهم إذ غاية مظاهرته اياهم أن يملكهم تازى وقد انكشفوا عنها فيئسوا من صريخه وأجاز عبد الحق بن عثمان ورحو بن يعقوب إلى الاندلس فأقام رحوبها إلى أن قتله أولاد ابن أبى العلاء ورجع الحسن بن على إلى مكانه من مجلس السلطان بعد أن اقتضى عهده بالامان على ذلك ولما احتل السلطان بتازى حسم الداء ومحا أثر الشقاق وأثخن في حاشية الخوراج وذويهم بالقتل والسبي ثم اعتل أثناء ذلك وهلك لليال من اعتلا له سلخ جمادى الاخيرة من سنة عشر وورى بصحن الجامع الاعظم من تازى وبويع السلطان أبو سعيد كما نذكره ان شاء الله * (الخبر عن دولة السلطان أبى سعيد وما كان فيها من الاحداث) *

[ 242 ]

لما هلك السلطان أبو الربيع بتازى تطاول للامر عمه عثمان بن السلطان أبى يعقوب المعروف بأمة قضنيت واستام المنصب وأسدى في ذلك وألحم وحضر الوزراء والمشيخة بالقصر بعد هدء من الليل واسثاروا شيخ القرابة يومئذ وكبى الاعياص المرشحين وسربت إليهم الاموال وجاءهم عثمان بن السلطان أبى يعقوب مستا مافزجروه واستدعوا السلطان أبا سعيد فحضرو بايعوه ليلتئذ وأنفذ كتبه إلى النواحى والجهات باقتضاء البيعة وسرح ابنه الاكبر الامير أبا الحسن إلى فاس فدخلها غرة رجب من سنة عشر ودخل القصر واطلع على أمواله وذخيرته وفى غدليلته أخذت البيعة للسلطان بظاهر تازى على بنى مرين وسائر زناتة والعرب والقبائل والعساكر والحاشية والموالي والصنائع والعلماء والصلحاء ونقباء الناس وعرفائهم والخاصة والدهماء فقام بالامر واستوسق له الملك وفرق الاعطيات وأسنى الجوائز وتفقد الدواوين ورفع الظلامات وحط المغارم والمكوس وسرح السجون ورفع عن أهل فاس وظيفة الرباع وارتحل لعشرين من رجب إلى حضرته فاحتل بفاس وقدم عليه وفود التهنئة من جميع بلاد مغرب ثم خرج لذى القعدة بعدها إلى رباط الفتح لتفقد الاحوال والنظر في أحوال الرعايا واهتم بالجهاد وأنشأ الاساطيل للغزو في سبيل الله ولما قضى منسك الاصحى بعده رجع إلى حضرته بفاس ثم عقد سنة احدى عشرة لاخيه الامير أبى البقاء يعيش على ثغور الاندلس الجزيرة ورندة وما إليها من الحصون ثم نهض من الحصون سنة ثلاث عشرة إلى مراكش لما كان بها من اختلال الاحوال وخروج عدى بن هند الهسكورى ونقضه للطاعة فنازله وحاصره مدة واقتحم حصنه عنوة عليه وحمله إلى دار ملكه عنوة فأودعه المطبق ثم رجع إلى غزو تلمسان والله أعلم * (الخبر عن حركة السلطان أبى سعيد إلى تلمسان أولى حركاته إليها) * لما خرج عبد الحق بن عثمان على السلطان ابى الربيع وتغلب على تازي بمظاهرة الحسن ابن على بن أبى الطلاق كبير بنى عسكر واختلف رسلهم إلى أبى حمو موسى بن عثمان سلطان بنى عبد الواد اسف ذلك بنى مرين وحرك من احنهم ولما لحق الخارجون على الدولة بالسلطان أبى حموو أقبل عليهم أضرم ذلك حقد بنى مرين وولى السلطان أبو سعيد الامرو في أنفسهم من بنى عبد الواد غصة فلما استوسق أمر السلطان ودوخ الجهات المراكشية وعقد على البلاد الاندلسية وفرغ من شأن المغرب اعتزم على غزو تلمسان فنهض إليه سنة أربع عشرة ولما انتهى إلى وادى ملوية قدم ابنيه أبا الحسن وأبا على في عسكرين عظيمين في الجناحين وسار في ساقتهما ودخل بلاد بنى عبد الواد على هذه التعبية فاكتسح نواحيها واصطلم نعمها ونازل وجدة فقاتلها قتالا شديد أو امتنعت

[ 243 ]

عليه ثم نهض إلى تلمسان فنزل بالملعب من ساحتها وانحجر موسى بن عثمان من وراء أسوارها وغلب على معاقلها ورعاياها وسائر ضواحيها فحطمها حطماونسف جهاتها نسفا ودوخ جبال بنى يرناسن وفتح معاقلها وأثخن فيها وانتهى إلى وجدة وكان معه في معسكره أخوه يعيش بن يعقوب وقد أدركته بعض استرابة بأمره ففر إلى تلمسان ونزل على أبى حمو ورجع السلطان على تعبيته إلى تازى فأقام بها وبعث ابنه الامير أبا على إلى فاس فكان من خروجه على ابيه ما نذكر ان شاء الله تعالى * (الخبر عن انتقاض الامير أبى على وما كان بينه وبين أبيه من الواقعات) * كان للسلطان أبى سعيد اثنان من الولد أكبرهما لامته الحبشية وهو على الاصغر لمملوكة من سبى النصارى وهو عمر وكان هذا الاصغر آثر هما لديه وأعلقهما بقلبه منذ نشأ فكان عليه حدبا وبه مشغوفا ولما استولى على ملك المغرب رشحه بولاية عهده وهو شاب لم يطر شاربه ووضع له ألقاب الامارة وصير معه الجلساء والخاصة والكتائب وأمره باتخاذ العلامة في كتبه وعقد على وزارته لابراهيم بن عيسى اليرنيانى من صنائع دولتهم وكبار المرشحين بها ولما رآه أخوه الاكبر أبو الحسن صاغية أبيه إليه وكان شديد البرور بوالديه انحاش إليه وصار في جملته وخلط نفسه بحاشيته طاعة لابيه واستمرت حال الامير أبى على على هذا وخاطبه الملوك من النواحى وخاطبهم وهادوه وعقد الرايات وأثبت في الديوان ومحا وزاد في العطاء ونقص وكاد أن يستبد ولما قفل السلطان أبو سعيد من غزاته إلى تلمسان سنة أربع عشرة أقام بتازى وبعث ولديه إلى فاس فلما استقر الامير أبو على بفاس حدثته نفسه بالاستبداد على أبيه وخلعه وراوضه المداخلون له في المكر بالسلطان حتى يتقبض عليه فأبى وركب الخلاف وجاهر بالخلعان ودعا لنفسه فأطاعه الناس لما كان السلطان جعل إليه من أمرهم وعسكر بساحة البلد الجديد يريد غزو السلطان فبرز من تازى بعسكره يقدم رجلا ويؤخر أخرى ثم بدا الامير أبى على في شأن وزيره وحدثته نفسه بالتقبض عليه استرابة به لما كان بلغه من المكاتبة بينه وبين السلطان فبعث لذلك عمر بن يخلف الفردودى وتفطن الوزير لما حاوله من المكر فتقبض عليه ونزع إلى السلطان أبى سعيد فتقبله ورضى عنه وارتحل إلى لقاء ابنه ولما تراءى الجمعان بالقرمدة ما بين فاس وتازى واختل مصاف السلطان وانهزم عسكره وأفلت بعد ان أصابته جراحة في يده وهن لها ولحق بتازى فليلا جريحا ولحق به ابنه الامير أبو الحسن نازعا إليه من جملة أخيه أبى على بعد المحنة وفاء لحق أبيه فاستبشر السلطان بالظهور والفتح وحمد المغبة وأناخ الامير أبى على بعساكره على تازى وسعى الخواص بين السلطان وابنه في الصلح على أن يخرج له السلطان عن الامر

[ 244 ]

ويقتصر على تازى وجهاتها فتم ذلك بينهما وانعقد وشهد الملا من مشيخة العرب وزناتة وأهل الامصار واستحكم عقده وانكفأ الامير أبو على إلى حضرة فاس مملكا وتوافت إليه بيعات الامصار بالمغرب ووفودهم واستوسق أمره ثم اعتل على اثر ذلك واشتد وجعه وصار إلى حال الفوت وخشى الناس على أنفسهم تلاشى الامر بمهلكه فسايلوا إلى السلطان بتازى ثم نزع على الامير أبى على وزيره أبو بكر بن النوار وكاتبه منديل بن محمد الكتاني وسائر خواصه ولحقوا بالسلطان وحملوه على تلافى الامر فنهض من تازى واجتمع إليه كافة بنى مرين والجند وعسكر على البلد الجديد وأقام محاصرا لهاوا بتنى دارا لسكناه وجعل لابنه الامير أبى الحسن ماكان لاخيه أبى على من ولاية العهد وتفويض الامر وفرد أبو على بطائفة من النصارى المستخدمين بدولتهم كان قائدهم يمت إليه بخؤ ولة وضبط البلد مدة مرضه حتى إذا أفاق وتبين اختلال أمره بعث إلى أبيه في الصلح ويحتمل من المال والذخيرة من دراهم فأجابه لذلك وانعقد بينهما سنة خمس عشرة وخرج الامير أبو على بخاصته وحشمه وعسكر بالزيتون من ظاهر البلد ووفى له السلطان بما اشترط وارتحل إلى سجلماسة ودخل السلطان إلى البلد الجديد ونزل بقصره وأصلح شؤن ملكه وأنزل ابنه الامير أبا الحسن بالدار البيضاء من قصوره وفوض إليه في سلطانه تفويض الاستقلال وأذن له في اتخاذ الوزراء والكتاب ووضع العلامة على كتبه وسائر ما كان لاخيه ووفدت إليه بيعات الامصار بالمغرب ورجعوا إلى طاعته ونزل الامير أبو على لسجلماسة فأقام بها ملكا ودون الدواوين واستلحق واستركب وفرض العطاء واستخدم ظواعن العرب من المعقل وافتتح معاقل الصحراء وقصور تاورت وتيكورارين وتمنطيت وغزا بلاد السوس فافتتحها وتغلب على ضواحيها وأثخن في اعرابها من ذوى حسان والسفانات وزكنة حق التقاموا على طاعته وبيت عبد الرحمن بن يدرأ أمير الانصار بالسوس في تارودانت مقره فافتتحها عليه عنوة وقتله واصطلم نعمته وأباد سلطانه وأقام ابني مرين في بلاد القبلة ملكا وسلطانا وانتقض على السلطان سنة عشرين وتغلب على درعة وسما إلى طلب مراكش فعقد السلطان على حربه لاخيه الامير أبى الحسن وجعله إليه وأغزاه ونهض على اثره واعتل بمراكش وثقف أطرافها وحسم عللها وعقد عليها الكندو زبن عثمان من صنائع دولتهم وقفل بعساكره إلى الحضرة ثم نهض الامير أبو على سنة ثنتين وعشرين بجموعه من سجلماسة وأغذ السير إلى مراكش فاختلف عساكره بها قبل أن يجتمع لكندوز أمره فتقبض عليه وضرب عنقه ورفعه على القناة وملك مراكش وسائر ضواحيها وبلغ الخبر إلى السلطان فخرج من حضرته في عساكره بعد أن احتشد وأزاح العلل

[ 245 ]

واستوفى في الاعطيات وقدم بين يديه ابنه الامير أبا الحسن ولى عهده الغالب على أمره في عساكره وجموعه وجاء في ساقته وسار على هذه التعبية ولما انتهى إلى بويو من وادى ملوية تذروا بالبيات من أبى على وجنوده فحذروهم وأيقظوا ليلتهم وبيتهم بمعسكرهم ذلك فكانت الدبرة عليه وفل عسكره وارتحلوا من الغد في اثره وسلك على جبال درن وافترقت جنوده في أو عاره ولحقهم من معراتها شناعات حتى ترجل الامير أبو على عن فرسه وسعى على قدميه وخلص من ورطة ذلك الجبل بعد عصب الريق ولحق بسجلماسة ومهد السلطان نواحى مراكش وعقد عليها لموسى بن على الهنتانى فعظم غناؤه في ذلك وضلاعه وامتدت أيام ولايته وارتحل السلطان إلى سجلماسة فدافعه الامير أبو على بالخضوع في الصفح والرضا والعودة إلى السلم فأجابه السلطان لما كان شفقه من حبه فقد كان يؤثر عنه من ذلك غرائب ورجع إلى الحضرة وأقام الامير أبو على بمكانه من ملك القبلة إلى أن هلك السلطان وتغلب عليه أخوه السلطان أبو الحسن كما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن نكبة منديل الكتاني ومقتله) * كان أبوه محمد بن محمد الكتاني من عليه الكتاب بدولة الموحدين ونزع من مراكش عند ما انحل نظام بنى عبد المؤمن وانفض جمعهم إلى مكناسة فأوطنها في ايالة بنى مرين واتصل بالسلطان يعقوب بن عبد الحق فصحبه فيمن كان يثائر على صحابته من أعلام المغرب وسفر عنه إلى الملوك كما ذكرناه في مفارته إلى المستنصر سنة خمس وستين وهلك السلطان يعقوب بن عبد الحق فازداد الكتاني عند ابنه يوسف بن يعقوب خطوة ومكانة إلى أن سخطه ونكبه سنة سبع وستين وأقصاه من يومئذ وهلك في حل سخطته وبقى من بعده ابنه منديل هذا في جملة السلطان أبى يعقوب منبر ما بمقام عبد الله بن أبى مدين المستولي على قهرمة دار السلطان ومخالصته في خلواته مغضيا لذلك متوقعا النكبة في أكثر أيامه مضطرمة له بالحسد جوانحه مع ما كان عليه من القيام على حسبان الديوان عرف فيه بسبقه وتشابه صديقه وعدوة ولما تغلب السلطان على ضواحي شلف ومغراوة واستعمل على حسبان الجباية وجعل إليه ديوان العسكر هنا لك والى نظره اعتراضهم وتمحيصهم فنزل على مليانة مع من كان هنالك من الامراء مثل على بن محمد الخيرى والحسن بن على بن أبى الطلاق العسكري إلى أن هلك السلطان أبو يعقوب ورجع أبو ثابت البلاد إلى أبى زيان وأخيه أبى حمو فحلف عليهما وحلا بعيونهما واستبلغا في تكريمه وانصرف إلى مغربه وكان معسكر السلطان يوسف بن يعقوب على تلمسان قد صحب أخاه أبا سعيد عثمان بن يعقوب في حال خموله وتأكدت بينهما الخلة

[ 246 ]

التى رعاها له السلطان أبو سعيد فلما ولى أمر المغرب مت بذلك إليه فعرفه له واختصه وخالصه وجعل إليه وضع علامته وحسبان جبايته ومستخلص أحواله والمفاوضة بذات صدره ورفع مجلسه في بسائطه وقدمة على خاصته وكان كثير الطاعة للامير أبى على ابنه المتغلب على أبيه قبل أول أمره ولما استبد وخلع أباه انحاش منديل هذا إليه ثم نزع عنه حين تبين اختلال أمره وكان الامير أبو الحسن يحقد عليه ولاية أخيه أبى على لما كان بينهما من المنافسة وكان كثيرا ما يوغر صدره بايجاب حق عمر عليه وامتهانه في خدمته وطوى له على البث حتى إذا انفرد بمجلس أبيه وفصل عمر إلى سجلماسة أحكم السعاية فيه والحاح في الهلكة التى أحكم السلطان عليها أذنا واعية حتى أذن الله باهلاكه وكان منديل هذا كثيرا ما يغضب السلطان في المحاورة والخطاب دالة عليه وكبرا فاعتد عليه من ذلك كلمات وأحوالا وسخطه سنة ثمان عشرة واذن لابنه الامير أبى الحسن في نكبته فاعتقله واستصفى أمواله وطوى ديوانه وامتحنه أياما ثم قتله بمحبسه خنقا ويقال جوعا وذهب مثلا في الغابرين والله خير الوارثين { الخبر عن انتقاض العز في بسبتة ومنازلته ثم مصيرها إلى طاعة السلطان بعد مهلكه } كان بنوا العز في لما تغلب عليهم الرئيس أبو سعيد ونقلهم إلى غرناطة سنة خمس استقروا بها في ايالة المخلوع ثالث ملوك بنى الاحمر حتى إذا استولى السلطان أبو الربيع على سبتة سنة تسع أذنوه في الاجازة إلى المغرب فأجازوا إلى فاس فاستقروا بها وكان يحيى وعبد الرحمن ابنا أبى طالب من سراتهم وكبارهم وكانوا يغشون مجالس أهل العلم لما كانوا عليه من انتحال الطلب وكان السلطان أبو سعيد أيام امارة بنى أبيه يجلس بالمسجد جامع القرويين شيخ الفتيا أبا الحسن الصغير وكان يحيى بن أبى طالب يلازمه فاتصل به وصارت له وسيلة يحتسبها عنده فلما ولى الامر واستقل به رعى لهم زمام صحابتهم ووفى لهم مقاصدهم وعقد ليحيى على سبتة ورجعهم إلى مقر امارتهم منها ومحل رياستهم فارتحلوا إليها سنة عشر وأقاموا دعوة السلطان أبى سعيد والتزموا طاعته ثم ثغلب الامير أبو على على أمر أبيه واستبد عليه فعقد على سبتة لابي زكريا حيون بن ابى العلاء القرشى وعزل يحيى بن أبى طالب عنها واستقدمه إلى فاس فقدمها هو وأبوه أبو طالب وعمه حاتم واستقروا في جملة السلطان وهلك أبو طالب بفاس خلال ذلك حتى إذا كان من خروج الامير أبى على على أبيه ما قدمناه لحق يحيى بن أبى طالب وأخوه بالسلطان نازعين من جملة الامير أبى على فلما اعتل بالبلد الجديد ونازله السلطان بها فحينئذ عقد السلطان ليحيى بن أبى طالب على سبتة وبعثه إليها ليقيم دعوته بتلك الجهات

[ 247 ]

وتمسك بابنه محمد رهنا على طاعته فاستقل بامارتها وأقام دعوة السلطان وطاعته بها وأخذ بيعته على الناس واتصل ذلك سنتين وهلك عمه أبو حاتم هنالك بعد مرجعه معه من المغرب سنة ست عشرة ثم انتقض على طاعة السلطان ونبذ طاعة الامراء ورجع إلى حال سلفه من أمر الشورى في البلد واستقدم من الاندلس عبد الحق بن عثمان فقدم عليه وعقد له الحرب ليفرق الكلمة به ويوهن ببأسه عزائم السلطان في مطالبته وجهز السلطان إليه العساكر من بنى مرين وعقد على حربه للوزير ابراهيم بن عيسى فزحف إليه وحاصره وتعلل عليهم بطلب ابنه فبعث به السلطان إلى وزيره ابراهيم ليعطى طاعته فيسلمه وجاءه الخبر من عيون كانت بالعسكر وان ابنه كائن بفسطاط الوزير بساحة البحر بحيث تتأتى الفرصة في أخذه فبيت المعسكر وهجم عبد الحق بن عثمان بحشمه وذويه على فسطاط الوزير فاحتمله إلى أبيه وركبت العساكر للهيعة فلم يقفوا على خبر حتى تفقد الوزير بن العز في واتهموا قائدهم ابراهيم بن عيسى الوزير بممالاة العدو على ذلك فاجتمعت مشيختهم وتقبضوا عليه وحملوه إلى السلطان ابتلاء للطاعة واستبصارا في نصح السلطان فشكر لهم وأطلق وزيره لابتلاء نصيحته ورغب يحيى بن العز في بعدها في رضا السلطان وولايته ونهض السلطان سنة تسع عشرة إلى طنجة لاختبار طاعته فعقد له على سبتة واشترط هو على نفسه لجباية السلطان وأسنى هديته في كل سنة واستمرت الحال على ذلك إلى أن هلك يحيى العز في سنة عشرين وقام بالامر بعده ابنه محمد إلى نظر عمه محمد ابن على بن الفقيه أبى القاسم شيخ قرابتهم وكان قائد الاساطيل بسبتة وولى النظر فيها بعد أن نزع القائد يحيى الرنداحى إلى الاندلس واختلف الغوغاء بسبتة وانتهز السلطان الفرصة فاجمع على النهوض إليها سنة ثمان وعشرين وبادروا بايتاء طاعتهم وعجز محمد ابن يحيى عن المناهضة وظنها محمد بن عيسى من نفسه فتعرض للامر في أوغاد من اللفيف فاجتمعوا إليه ودافعهم الملاعن ذلك وحملوهم على الطاعة واقتاد وابنى العز في إلى السلطان فانقادوا واحتل السلطان بقصبة سبتة وثقف جهاتها ورم منثلمها وأصلح خللها واستعمل كبار رجالاته وخواص مجلسه في أعمالها فعقد لحاجبه عامر بن فتح الله الصدراتى على حاميتها وعقد لابي القاسم بن أبى مدين على جبايتها والنظر في مبانيها واخراج الاموال للنفقات فيها وأسنى جوائز الملا من مشيختها ووفرا قطاعاتهم وجراياتهم وأوعز ببناء البلد المسمى افراك على سبتة فشرعوا في بنائها سنة تسع وعشرين وانكفأ راجعا إلى حضرته والله تعالى أعلم * (الخبر عن استقدام عبد المهيمن للكتابة والعلامة) * كان بنو عبد المهيمن من بيوتات سبتة ونسبهم في حضر موت وكانوا أهل تجلة ووقار

[ 248 ]

منتحلين للعلم وكان أبو محمد قاضيا بسبتة أيام أبى طالب وأبى حاتم وكان له معهم صهرو ونشأ ابنه عبد المهيمن هذا في حجر الطلب والجلالة وقرأ صناعة العربية على الاستاذ الغافقي وحذق فيها ولما نزلت بهم نكبة الرئيس أبى سعيد سنة خمس واحتملوا إلى غرناطة احتمل فيهم القاضى محمد بن عبد المهيمن وابنه وقرأ عبد المهيمن بغرناطة على مشيختها وازداد علما وبصرا باللسان والحديث واستكتب بدار السلطان محمد المخلوع واختص بوزيره المتغلب على دولته محمد بن الحكيم الرندى فيمن اختص به من رؤساء بنى العز في ثم رجع بعد نكبة ابن الحكيم إلى سبتة وكتب عن قائدها يحيى بن مسلمة مدة ولما استخلص بنو مرين سبتة سنة تسع اقتصر على الكتابة وأقام منتحلا مذاهب سلفه في انتحال العلم ونزول المروءة ولما استولى السلطان أبو سعيد على المغرب واستقل بولاية العهد وتغلب على الامر ابنه أبو على وكان محبا للعلم مولعا بأهله منتحلا لفنونه وكانت دولته خلوا من صناعة التراسل مذ عهد الموحدين للبداوة الموجودة في أولهم وحصل للامير أبى على بعض البصر بالبلاغة واللسان تفطن به لشأن ذلك وخلو دولتهم من الكتاب المرسلين وأنهم انما يحكمون الخط الذى حذقوا فيه ورأى الاصابع تشير إلى عبد المهيمن في رياسة تلك الصناعة فولع به وكان كثير الوفادة مع أهل بلده أوقات وفادتهم فيختصه الامير أبو على بمزيد بره وكرامته ويرفع مجلسه ويخطبه للكتابة وهو يمتنع عليه حتى إذا أمضى عزيمته في ذلك أو عز إلى عامله بسبتة سنة ثنتى عشرة أن يشخصه إلى بابهم فقلده كتابته وعلامته حتى إذا خرج أبو على على أبيه تحيز عبد المهيمن إلى الامير أبى الحسن فلما صولح أبو على على النزول عن البلد الجديد وكتب شرطه على السلطان كان من جملتها كون عبد المهيمن معه وأمضى له السلطان ذلك وأنف الامير أبو الحسن منها فأقسم ليقتلنه ان عمل بذلك فرفع عبد المهيمن أمره إلى السلطان ولاذ به وألقى نفسه بين يديه فرق لشكواه وأمره باعتزالهما معا والرجوع إلى خدمته وأنزله بمعسكره وأقام على ذلك واختصه منديل الكتاني كبير الدولة وزعيم الخاصة وأنكحه ابنته ولما نكب منديل جعل السلطان علامته لابي القاسم بن أبى مدين وكان غفلا خلوا من الآداب فكان يرجع إلى عبد المهيمن في قراءة الكتب واصلاحها وانشائها حتى عرف السلطان له ذلك فاقتصر عليه وجعل وضع العلامة إليه سنة ثمان عشرة فاضطلع بها ورسخت قدمه في مجلس السلطان وارتفع صيته واستمر على ذلك أيام السلطان وابنه أبى الحسن من بعده إلى أن هلك بتونس في الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين والله سبحانه وتعالى خير الوارثين * (الخبر عن صريخ أهل الاندلس ومهلك بطرة على غرناطة) *

[ 249 ]

كان الطاغية شانجة بن ادفونش قد تكالب على أهل الاندلس من بعد أبيه هراندة الهالك سنة ثنتين وثمانين منذ غلب على طريف شغل السلطان يوسف بن يعقوب بعده ببنى يغمراسن ثم تشاغل حفدته من بعده بأمرهم وتقاصرت مددهم وهلك شانجة سنة ثلاث وسبعين وولى ابنه هراندة ونازل الجزيرة الخضراء فرضة الجهاد لبنى مرين حولا كاملا ونازلت أساطيله جبل الفتح واشتد الحصار على المسلمين وراسل هراندة بن ادفونش صاحب برشلونه أن يشغل أهل الاندلس من ورائهم ويأخذ بحجزتهم فنازل المرية وحاصرها الحصار المشهور سنة تسع ونصب عليها الآلات وكان منها برج العود المشهور بطول الاسوار بمقدار ثلاث قامات وتحمل المسلمون على احراقه فأحرق وحفر العدو تحت الارض مسربا مقدار ما يسير فيه عشرون راكبا وتفطن المسلمون واحتفر قبالتهم مثله إلى أن نفذ بعضهم لبعض واقتتلوا من تجت الارض وعقد ابن الاحمر لعثمان بن أبى العلاء زعيم الاعياص على عسكر بعثه مددا لاهل المرية فلقيه جمع من النصارى كان الطاغية بعثهم لحصار مرشانه فهزمهم عثمان واستلحمهم ونزل قريبا من معسكر الطاغية خلال ذلك على جبل الفتح وأقامت عساكره على سماتة واسطبونة وزحف العباس بن رحوبن عبد الله وعثمان بن أبى العلاء في العساكر لاغاثة البلدين فاوقع عثمان بعسكر اسطبونة وقتل قائدهم الفنش بيرش في نحو ثلاثة آلاف فارس واستلحموا ثم زحف عثمان لاغاثة العباس وكان دخل عوجين فحاصرته جموع النصارى به فانفضوا الخبر زحفه وبلغ الخبر إلى الطاغية بمكانه من ظاهر الجزيرة بفتكة عثمان في قومه فسرح جموع النصرانية إليه ولقيهم عثمان فأوقع بهم وقتل زعماءهم وارتحل الطاغية يريد لقاءهم فخالف أهل البلد إلى معسكره وانتهبوا محلاته وفساطيطه وأتيحت للمسلمين عليهم الكرة وامتلات الايدى من غنائمهم واسراهم ثم هلك الطاغية اثر هذه الهزائم سنة ثنتى عشرة وهو هراندة بن شانجة وولى بعده ابنه الهنشة طفلا صغيرا جعلوه لنظر عمه دون بطرة بن شانجة وزعيم النصرانية جوان فكفلاه واستقام أمرهم على ذلك وشغل السلطان أبو سعيد ملك المغرب بشأن ابنه وخروجه فاهتبل النصرانية الغرة في الاندلس وزحفوا إلى غرناطة سنة ثمان عشرة وأناخوا عليها بعسكرهم وأممهم وبعث أهل الاندلس صريخهم إلى السلطان واعتذر لهم بمكان أبى العلاء من دولتهم ومحله من رياستهم وأنه مرشح للامر في قومه بنى مرين يخشى معه تفريق الكلمة وشرط عليهم أن يدفعوه إليه برمته حتى يتم الجهاد ويعيده إليهم حوطة على المسلمين ولم يمكنهم ذلك لمكان عثمان بن أبى العلاء لصرامته وعصابته من قومه فأخفق سعيهم واستلحموا وأطالت أمم النصرانية

[ 250 ]

بغرناطة وطمعوا في التهامها ثم ان الله نفس مخنقهم ودافع بيد قدرته عنهم وكيف لعثمان بن إبى العلاء وعصبته واقعة كانت أغرب الوقائع صمموا إلى موقف الطاغية بجملتهم وكانوا زهاء مائتين أو أكثر وصابروهم حتى خالطوهم في مراكزهم فصرعوا بطرة وجوان وولوهم الادبار واعترضتهم من ورائهم مسارب الماء للشرب من شقيل فتطارحوا فيها وهلك أكثرهم واكتسحت أموالهم وأعز الله دينه وأهلك عدوه ونصب رأس بطرة بسور البلد عبرة لمن يذكر وهو باق هنالك لهذا العهد والله تعالى أعلم * (الخبر عن صهر الموحدين والحركة إلى تلمسان على اثره وما تخلل ذلك من الاحداث) * لما انفرج الحصار عن ولد يغمراسن بن زيان أحد ملوك بنى عبد الواد سنة ست وتجا في أبو ثابت عن بلادهم ونزل لهم عما كان بنو مرين ملكوه منها بسيوفهم واستقل أبو حمو بملك بنى عبد الواد على رأس الحول منها صرف نظره واهتمامه إلى بلاد المشرق فتغلب على بلاد مغراوة ثم على بلاد بنى توجين ومحامنها أثر سلطانهم ولحق أعياصهم من ولد عبد القوى بن عطية ولد منديل بن عبد الرحمن بالموحدين بنى أبى حفص مع من تبعهم من رؤس قبائلهم وصاروا في جملة عساكرهم واستلحق مولانا السلطان أبو يحيى وحاجبه يعقوب بن عمر منهم جندا كثيفا أثبتهم في الديوان وغالب بهم الخوارج والمنازعين للدولة ثم زحف أبو حمو إلى الجزائر وغلب بن علان عليها سنة ونقله إلى تلمسان ووفى له وفر بنو منصور أمراء مليكش أهل بسيط متيجة من صنهاجة فلحقوا بالموحدين واصطنعوهم وتملك قاصية المغرب الاوسط وتاخم عمل الموحدين بعمله ثم تغلب على تدلس سنة ثنتى عشرة وتحنى على مولانا السلطان أبى يحيى بما وقع بينهم من المراسلة أيام انتزى ابن مخلوف ببجاية كما ذكرناه في أخباره فحث عزائمه لمنزلتها وطلب بلاد الموحدين وأوطأ عساكره أرضهم ونازل أمصارهم بجاية وقسنطينة واختص بجاية بشوكته من ذلك وجهز العساكر مع مسعود ابن عمه أبى عامر ابراهيم بمضايقتها وكان خلال ذلك ما قدمناه من خروج محمد بن يوسف بن يغمراسن عنه سنة وقيام بنى توجين بأمره واقتطاع جبل وانشريس من عمالة ملكه واستمرت الحال على ذلك حتى هلك السلطان أبو حمو سنة ثمان عشرة وقام بأمرهم ابنه أبو تاشفين عبد الرحمن فصنع له في ابن عمه محمد بن يوسف ونهض إليه بعساكر بنى عبد الواد حتى نازلة بمعتصمه من جبل وانشريس وداخله عمر بن عثمان كبير بنى تيغرين في المكربه فتقبض عليه وقتله سنة تسع عشرة وارتحل إلى بجاية حتى احتل بساحتها وامتنع

[ 251 ]

عليه الحاجب ابن عمر فأقام يوما أبو بعضه ثم انكفأ راجعا إلى تلمسان وردد البعوث إلى أوطان بجاية وابتنى الحصون لتجمير الكتائب فابتنى بوادي بجاية من أعلاه حصن بكر ثم حصن تامزيزدكت ثم اختط بتيكلات على مرحلة منها بلدا اسماها تامزيزدكت على اسم المعقل الذى كان لاوليهم بالجبل قبالة وجدة وامتنع يغمراسن به على السعيد كما قدمناه فاختط بلد تيكلات هذه وشحنها بالاقوات والعساكر وصيرها ثغر الملكه وأنزل بها جنده وعقد عليها لموسى بن على الكردى كبير دولته ودولة أبيه واستحثه أمراء الكعوب من بنى سليم لملك افريقية حين مغاضبتهم لمولانا السلطان أبى يحيى اللحيانى وأبى عبد الله محمد بن أبى بكر بن أبى عمران وأبى اسحق بن أبى يحيى الشهيد مرة بعد أخرى كما ذكرناه في أخبارهم جميعا وكانت حروبهم سجالا إلى أن كان بين جيوش زنانة والموحدين الزحف المشهور بالرياش من نواحى مرماجنة سنة تسع وعشرين زحفت فيه إلى السلطان أبى يحيى عساكر زناتة مع حمزة بن عمر أمير بنى كعب ومن إليه من البدو وعليهم يحيى بن موسى من صنائع دولة آل يغمراسن وقد نصبوا الملك محمد بن أبى عمران ابن أبى حفص ومعهم عبد الحق بن عثمان من أعياص بنى عبد الحق في بنيه وذويه كان نزع إليهم من عند الموحدين كما ذكرناه فاختل مصاف مولانا السلطان أبى يحيى وانهزم واستولوا على فساطيطه بما فيها من الذخيرة والحرم وانتهبوا معسكره وتقبضوا على ولديه الموليين أحمد وعمر وأشخصوهما إلى تلمسان وأصيب السلطان في بدنه بجراحات أوهنته وخلص إلى بونة ناجيا برمقه وركب السفين منه إلى بجاية فأقام يدامل جراحه واستولت زناتة على تونس ودخلها محمد بن أبى عمران وسموه باسم السلطان ومقادته في يد يحيى بن موسى أمير زناتة واعتزم مولانا السلطان أبو يحيى على الوفادة على ملك المغرب السلطان أبى سعيد صريخا على آل يغمراس وأشار حاجبه محمد بن سيد الناس بانفاذ ابنه الامير أبى زكريا صاحب الثغر استنكافا له عن مثلها فتقبل اشارته وأركب ابنه البحر لذلك وبعث إليه معه أبا محمد عبد الله بن تاشفين من مشيخة الموحدين نافضا امامه طرف المقاصد والمحاورات ونزلوا بقساسة من سواحل المغرب وقدموا على السلطان أبى سعيد بحضرته وأبلغوه صريخ مولانا السلطان أبى يحيى فأهتز لذلك هو وابنه الامير أبو الحسن وقال لابنه الامير في ذلك المحفل يا بنى لقد قصدك أكبر أقوامنا وموصلك ووالله لابذلن في مظاهرتكم مالى وقومي ونفسي ولاسيرن بعساكرى إلى تلمسان فأنزلها مع أبيك فانصرفوا إلى منازلهم مسرورين وكان فيما شرطه عليهم السلطان أبو سعيد مسير مولانا السلطان أبى يحيى بعساكره إلى منازلة تلمسان معه فقبلوا ونهض السلطان أبو سعيد إلى تلمسان سنة ثلاثين ولما انتهوا الى وادى ملوية

[ 252 ]

وعسكر بصره جاءهم الخبر اليقين باستيلاء السلطان أبى يحيى على حضرة تونس واجهاضه زناتة وسلطانهم عنها فاستدعى مولانا السلطان الامير أبا زكريا يحيى ابنه ووزيره أبا محمد عبد الله بن تافراكين وأمرهم بالانصراف إلى صاحبهم واسنى جوائزهم وحاجاتهم وركبوا أساطيلهم من غساسة وأرسل معهم لخطبة الصهر ابراهيم ابن أبى حاتم العزفي والقاضى بحضرته أبى عبد الله بن عبد الرزاق وانكفأ على عقبه راجعا إلى حضرته ولما انعقد الصهر بين الامير أبى الحسن والسلطان أبى يحيى في ابنته شقيقة الامير يحيى زفها إليهم في أساطيله مع مشيخة من الموحدين كبيرهم أبو القاسم بن عبو ووصلوا بها إلى مرسى غساسة سنة احدى وثمانين بين يدى مهلك السلطان أبى سعيد فقاموا لها على أقدام البر والتكرمة وبعثوا الظهر إلى غساسة لركوبها وحمل أثقالها وصيغت حكمات الذهب والفضة ومدت ولايا الحرير المغشاة بالذهب واحتفل لوافدها واعراسها غاية الاحتفال بما لم يسمع مثله في دولتهم وتولت قهارمة الدار من عجز النساء ما يتولاه مثلهم من ذلك فطم الصنيع وتحدث الناس به وهلك السلطان أبو سيعد بين يدى موصلها والبقاء لله وحده { الخبر عن مهلك السلطان أبى سعيد عفا الله عنه وولاية السلطان أبى الحسن وما تخلل ذلك من الاحداث } كان السلطان لما بلغه وصول العروس بنت مولانا السلطان أبى يحيى سنة احدى وثلاثين واهتزت الدولة لقدومها عليهم تعظيما لحق أبيها وقومها واحتفاء بها ارتحل السلطان أبو سعيد إلى تازى ليشارف أحوالها بنفسه احتفاء في تكرمتها وسرورا بعرس ابنه واعتل هنالك ومرض حتى إذا أشقى على الهلكة ارتحل به ولى العهد الامير أبو الحسن إلى الحضرة وحمله في فراشه على اكتاد الحاشية والخيول حتى نزل بسبو ثم أدخله كذلك ليلا إلى داره وأدركته المنية في طريقه فقضى رحمة الله عليه فوضعوه بمكانه من البيت واستدعى الصالحين لمواراته فوورى لشهر ذى الحجة سنة احدى وثلاثين والبقاء لله وحده وكل شئ هالك الا وجهه ولما هلك السلطان أبو سعيد اجتمع الخاصة من المشيخة ورجالات الدولة لولى عهده الامير أبى الحسن وعقدوا له على أنفسهم وآتوه طاعتهم وبيعتهم وأمر بنقل معسكره من سبو واضطرب بالزيتون من ساحة فاس ولما وورى السلطان خرج إلى معسكره بالتعبية واجتمع إليه الناس على طبقاتهم لاداء البيعة وتولى بفسطاطه وتولى أخذ البيعة له يومئذ على الناس المزوار عبو بن قاسم رئيس الوزعة والمتصرفين وحاجب الباب القديم الولاية بذلك في دارهم منذ عهد السلطان يوسف بن يعقوب وزفت إليه يومئذ عروسه بنت السلطان أبى يحيى فأعرس بها

[ 253 ]

بمكانة من المعسكر وأجمع أمره على الانتقام لابيها من عدوة وبدا باستكشاف حال أخيه أبى على وكان السلطان أبوهما يستوصيه به لما كان له بقبله من العلاقة وكان ولى العهد هذا مؤثرا رضاه جهده فاعتزم على الحركة إلى سجلماسة لمشارفة أحواله والله تعالى أعلم { الخبر عن حركة السلطان أبى الحسن إلى سجلماسة وانكفائه عنها إلى تلمسان بعد الصلح مع أخيه والاتفاق } لما هلك السلطان أبو سعيد وكملت بيعة السلطان ابى الحسن وكان كثيرا ما يستوصيه بأخيه أبى على لما كان كلفابه شفوقا عليه فأراد مشارفة أحواله قبل النهوض إلى تلمسان فارتحل من معسكره بالزيتون قاصدا سلجماسة وتلقته في طريقه وفود الامير أبى على أخيه مؤديا حقه موجبا مبرته مهنئا له بما آتاه الله من الملك متجافيا عن المنازعة فيه قانعا من تراث أبيه بما حصل في يده طالبا العقد له لذلك من أخيه فأجابه السلطان أبو الحسن إلى ما سأل وعقد له على سجلماسة وما إليها من بلاد القبلة كما كان لعهد أبيهما وشهد الملا من القبيل وسائر زناتة والعرب وانكفأ راجعا إلى تلمسان لاجابة صريخ الموحدين وأغذ السير إليها ولما انتهى إلى تلمسان تنكب عنها متجاوزا إلى جهة المشرق لوعد مولانا السلطان أبى يحيى بالنزول معه على تلمسان كما كان عليه وفاقهم ومشارطتهم مع الامير أبى زكريا الرسول إليهم فاحتل بتاسالت في شعبان من من سنة ثنتين وثلاثين وتلوم بها وأوعز إلى أساطيله بمراسى المغرب فأغزاها إلى سواحل تلمسان وجهز لمولانا السلطان أبى يحيى مددا من عسكره أركبهم الاساطيل من سواحل وهران وعقد عليهم لمحمد البطوى من صنائع دولته ونزلوا بجاية ووافوا بها مولانا السلطان أبا يحيى فصاروا في جملته ونهضوا معه إلى تيكلات ثغر بنى عبد الواد المجمرة بها الكتائب لحصار بجاية وبها يومئذ بن هزرع من قوادهم وأجفل من كان بها من العسكر قبل وصوله إليهم فلحقوا بآخر عملهم من المغرب الاوسط وأناخ مولانا السلطان أبو يحيى عليها بعساكر من الموحدين والعرب والبربر وسائر الحشود فحربوا عمرانها وانتهبوا ما كان من الاقوات مختزنا بها وكان بحر الا يدرك ساحله لما كان السلطان أبو حمو من لدن اختطها قد أو عز إلى العمال بسائر البلاد الشرقية منذ عمل البطحاء أن ينقلوا أعشار الحبوب إليها وسائر الاقوات وتقبل ابنه السلطان أبو تاشفين مذهبه في ذلك ولم يزل دأبهم إلى حين حلت بها هذه الفاقرة فانتهب الناس من تلك الاقوات مالا كفاءله وأضرعوا مختطها بالارض فنسفوها نسفا وذروها قاعا صفصفا والسلطان أبو الحسن خلال ذلك متشوف لاحوالهم منتظر قدوم مولانا

[ 254 ]

السلطان أبى يحيى عليه لمنازلة تلمسان حتى وافاه الخبر بانتقاض أخيه كما نذكره فانكفأ راجعا واتصل الخبر بمولانا السلطان أبى يحيى فقفل إلى حضرته وجل البطوى معه واسنى جائزته وجوائز عسكره وانصرفوا إلى السلطان مرسلهم من ساعتها وانقبض عنان السلطان أبى تاشفين عن غزو بلاد الموحدين إلى أن انقرض أمره والبقاء الله وحده * (الخبر عن انتفاض الامير أبى على ونهوض السلطان أبى الحسن إليه وظفره به) * لما توغل السلطان أبو الحسن في غزاة تلمسان وتجاوزها إلى تاسالت لوعد مولانا السلطان أبى يحيى دس أبو تاشفين إلى الامير أبى على في اتصال اليد والاتفاق على السلطان أبى الحسن وأن يأخذ كل واحد منهما بحجزته عن صاحبه حتى ذمم به وانعقد بينهما على ذلك وانتقض الامير أبو على على أخيه السلطان أبى الحسن ونهض من سجلماسة إلى درعة فقتل بها عامل السلطان واستعمل عليه من ذويه وسرح العسكر إلى بلاد مراكش واتصل الخبر بالسلطان وهو بمعسكره بتاسالت فأحفظه شأنه وأجمع على الانتقام منه فانكفأ راجعا إلى الحضرة وأنزل بثغر تاور يرت تخم عمله معسكر أو عقد عليه لابنه تاشفين وجعله إلى نظر وزيره منديل بن حمامة بن تيربيعين وأغذ السير إلى سجلماسة فنزل عليها وأحاطت عساكره بها وأخذ بمخنقها وحشد الفعلة والصناع لعمل الآلات لحصارها والبناء بساحتها وأقام يغاديها القتال ويراوحها حولا كريتا ونهض أبو تاشفين في عساكره وقومه إلى ثغر المغرب ليوطئه عساكره وبعث في نواحيه يجاذب السلطان عن مكانه من حصاره ولما انتهى إلى تاوريرت برز إليه ابن السلطان في وزرائه وعساكره وزحفوا إليه في التعبية فاختل مصافه وانهزم ولم يلق أحد أو عاد إلى منحجره وبادر إلى امداد الامير أبى على بعسكره فعقد على حصة من جنده وبعث بهم إليه فتسربوا إلى البلد زرافات ووحدانا حتى استكملوا عنده وطاولهم السلطان الحصار وأنزل بهم أنواع الحرب والنكال حتى تغلب عليهم واقتحم البلد عنوة وتقبض على الامير أبى على عند باب قصره وسيق إلى السلطان فأمهله واعتقله واستولى على ملكه وعقد على سجلماسة واستعمل عليها ورحل منكفئا إلى الحضرة فاحتل بها سنة ثلاث وثلاثين واعتقل أخاه في احدى حجر القصر إلى أن قتله لاشهر من اعتقاله خنقا بمحبسه وعدد له هذا الفتح بفتح الجبل واسترجاعه من يد العدود مره الله بأيدى عسكره وتحت راية ابنه أبى مالك كما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن منازلة جبل الفتح واستئثار الامير أبى مالك والمسلمين به) *

[ 255 ]

لما هلك السلطان أبو الوليد ابن الرئيس أبى سعيد المتغلب على ملك الاندلس من يد ابن عمه أبى الجيوش قام بالامر بعده ابنه محمد طفلا صغير النظر وزيره محمد بن المحروق من بيوت الاندلس وصنائع الدولة واستبد عليه فلما شب وناهز أنف من الاستبداد عليه وأغراه المعلوجى من حشمه بالوزير فاغتاله وقتله سنة تسع وعشرين وشمر للاستبداد وشد أواخى الملك وكان الطاغية قد أخذ جبل الفتح سنة تسع وجاورت النصرانية به ثغور الفرضة وكان شجا في صدرها وأهم المسلمين شأنه وشغل عنهم صاحب المغرب بما كان فيه من فتنة ابنه فرجعوا الجزيرة وحصونها إلى ابن الاحمر منذ سنة ثنتى عشرة لاول المائة الثامنة واستغلظ الطاغية عليهم بعد ذلك فرجعوا الجزيرة إلى صاحب المغرب سنة تسع وعشرين وولى عليها السلطان أبو سعيد من أهل دولته سلطان بن مهلهل من عرب الخلط أخواله وأسف الطاغية إلى حصونها عند مهلك السلطان أبى سعيد فلك أكثرها ومنع البحر من الاجازة وقارن ذلك استبداد صاحب الاندلس وقتله لوزيره ابن المحروق وأهمه شأن الطاغية فبادر لاجازة البحر ووفد على السلطان أبى الحسن بدار ملكه من فاس سنة ثنتين وثلاثين فأكبر موصله وأركب الناس للقائه وأنزله بروض المصارة لصق داره واستبلغ في تكريمه وفاوضه ابن الاحمر في شأن المسلمين وراء البحر وما أهمهم من عدوهم وشكا إليه حال الجبل واعتراضه شجا في صدر الثغور فأشكاه السلطان وعامل الله في أسباب الجهاد وكان مشغوفا به متقبلا مذهب جده يعقوب فيه وعقد لابنه الامير أبى مالك على خمسة آلاف من بنى مرين وأنفذه مع السلطان محمد بن اسمعيل لمنازلة الجبل فاحتل بالجزيرة وتتابع إليه الاسطول بالمدد وأرسل ابن الاحمر حاشرين في الاندلس فتسايلوا إليه واضطرب معسكر هم جميعا بساحة الجبل وأبلوا في حربه ومنازلته البلاء الحسن إلى أن تغلبوا عليه سنة ثلاث وثلاثين واقتحمه المسلمون عنوة ونفلهم الله من كان به من النصرانية بما معهم ورافاه الطاغية بأمم الكفر لثالثة فتحه وقد شحنه المسلمون بالاقوات نقلوها من الجزيرة على خيولهم وباشر نقلها الامير أبو مالك وابن الاحمر فنقلها الناس عامة وتحيز الامير أبو مالك إلى الجزيرة وترك بالجبل يحيى بن طلحة بن محلى من وزراء أبيه ووصل الطاغية بعد ثلاث فأناخ عليه وبرز أبو مالك بعساكره فنزل بحذائه وبعث إلى الامير أبى عبد الله صاحب الاندلس فوصل بحشد المسلمين بعد أن دوخ أرض النصرانية وخرج فنزل بازاء عسكر الطاغية وتحصن العدو في محلتهم وقاموا كذلك عادية لقرب العهد بارتجاعه وخفة ما به من الحامية والسلاح فبادر السلطان ابن الاحمر إلى لقاء الطاغية وسبق الناس إلى فسطاطه عجلا بائعا نفسه من الله في رضا المسلمين وسد فرجتهم فتلقاه الطاغية راجلا

[ 256 ]

حاسرا اعظاما لموصله وآجابه إلى ماسال من الافراج عن هذا المعقل وأتحفه بذخائر مما لديه وارتحل بفوره وأخذ الامير أبو مالك في تثقيف أطراف الثغر وسد فروجه وأنزل الحامية به ونقل الاقوات إليه وكان فتحا طوق دولة السلطان أبى الحسن قلادة الفخز إلى آخر الايام ثم رجع بعدها إلى شأنه من منازلة تلمسان والله تعالى أعلم { الخبر عن حصار تلمسان وتغلب السلطان أبى الحسن عليها وانقراض أمر بنى عبد الواد بمهلك أبى تاشفين } لما تغلب السلطان على أخيه وحسم علة انتزائه ومنازعته وسد ثغور المغرب وعظمت لديه نعمة الله بظهور عسكره على النصرانية وارتجاع جبل الفتح من أيديهم بعد أن أقام في ملكة الطاغية نحوا من عشرين سنة فرغ لعدوه وأجمع لتلمسان ووفد عليه الامير السلطان أبى يحيى في سبيل التهنئة بالفتح والاخذ بحجزة أبى تاشفين على الثغور وأوفد السلطان إلى أبى تاشفين شفعاء في أن يتخلى عن عمل الموحدين جملة ويتراجع لهم عن تدلس ويرجع إلى تخوم عمله منذ أول الامر ولو عامئذ ليعلم الناس جاه السلطان عند الملوك ويقدروه حق قدره واستنكف أبو تاشفين مع ذلك وأغلظ للرسل في القول وأفحش بمجلسه بعض السفهاء من العبيد في الرد عليهم والنيل من مرسلهم فانقلبوا إليه بما أحفظه فانبعثت عزائم السلطان للصمود إليهم وعسكر بساحة البلد الجديد وبعث وزراءه إلى قاصية البلاد المراكشية لحشد القبائل والعساكر ثم تعجل فاعترض جنوده وأزاح، للهم وعبى مواكبه وسار في التعبية وفصل بمعسكره من فاس أواسط خمس وثلاثين وسار يجر الشوك والمدر من أمم المغرب وجنوده ومربو جدة فجمر الكاتب لحصارها ثم مر بتدرومة فقاتلها بعض يوم واقتحمها فقتل حاميتها واستولى عليها آخر سنة خمس ثم سار على تعبيته حتى أناخ على تلمسان وبلغه الخبر بتغلب عساكره على وجدة سنة ست وثلاثين فأوعز إليه بتخريب أسوارها فأضرعوها بالارض وتوافت امداد النواحى وجهاتها وحشودها وربض على فريسته ووفدت إليه قبائل مغراوة وبنى توجين فأتوه طاعتهم ثم سرح عساكره إلى الجهات فتغلب على وهران وهنين ثم على مليانة وتنس والجزائر كذلك سنة ست وثلاثين ونزع إليه يحيى بن موسى صاحب القاصية الشرقية من عمله والمتاخم كان لعمل الموحدين والقائم بحاصر بجاية بعد نكبة موسى بن على فلقاه مبرة وتكريما ورفع بساطه ونظمه في طبقات وزرائه وجلسائه وعقد على فتح البلاد الشرقية ليحيى ابن سليمان العسكري كبير بنى عسكر بن محمد وشيخ بنى مرين وصاحب شوراهم بمجلس السلطان والمخصوص بصهر من السلطان عقد له على ابنته فسار في الولاية والجنود

[ 257 ]

وطوع ضاحية الشرق وقبائله وافتتح أمصاره حتى انتهى إلى المرية ونظم البلاد في طاعة السلطان واحتشد مقاتلتها إلى معسكره فلحقوا به وكاثروا جنوده واستعمل السلطان على وانشر يس وعمل الجشم من بنى توجين وعقد لسعد بن سلامة ابن على على بنى يد للتن وجعل الوالى بالقلعة إلى نظره وكان خلص إليه بالمغرب قبل فصوله نازعا عن أبى تاشفين لمكان أخيه قريعه محمد من الدولة واستعمل السلطان أيضا على شلف وسائر أعمال المغرب الاوسط واختط السلطان بغربي تلمسان البلد الجديد لسكناه نزل عساكره وسماه المنصورية وأدار على البلد المخروب سياجا من السور ونطاقا من الخندق ونصب المجانيق والآلات من وراء خندقه ينضح رماته بالنبل رماتهم ويشغلونهم بأنفسهم حتى شيد برجا آخر أقرب منه وترتفع شرفاته فوق خندقهم ويماصع المقاتلة بالسيوف من أعاليها ورتب المجانيق إلى رجمها ود كها فنالت من ذلك فوق الغاية واشتد الحرب وضاق نطاق الحصار وكان السلطان يصحبهم كل يوم بالبكور والتطواف على البلد من جميع جهاته لتفقد المقاتلة في مراكزهم وربما ينفرد في طوافه بعض الايام عن حاشيته فاهتبلوا الامر يحسبونه غرة وصفوا جيوشهم من وراء السور مما يلى الجبل المطل على البلد حتى إذا حاذاء السلطان في تطوافه فتحوا أبوابهم وأرسلوا عليه عقبان جنودهم واضطروه إلى سفح الجبل حتى لحق بأوعاره وكاد أن ينزل عن فرسه هوو وليه عريف بن يحيى أمير سويد ووصل الصائح إلى المعسكر من كل جانب فشمر جنود بنى عبد الواد إلى مراكزهم ثم دفعوهم عنها وحملوهم على هوة الخندق فتطارحوا فيه وترادفوا هلك بالكظيظ أكثر ممن هلك بالقتل واستلحم في ذلك اليوم زعماء ملئهم مثل عمر بن عثمان كبير الحشم من بنى توجين ومحمد بن سلامة بن على كبير بنى يد للتن منهم أيضا وغيرهم وكان يوماله ما بعده واعتز بنو مرين عليهم من يومئذ ونذر بنو عبد الواد بالتغلب عليهم واتصلت الحرب مدة عامين ثم اقتحمها السلطان غلا بالسبع وعشرين من رمضان سنة سبع وثلاثين ووقف أبو تاشفين بساحة قصره مع خاصته وقاتل هنا لك حتى قتل ابناه عثمان ومسعود ووزيره موسى بن على ووليه عبد الحق ابن عثمان من أعياص عبد الحق نزع إليه من جملة الموحدين كما أشرنا إليه واستوفى خبره فهلك هو وابنه وابن أخيه وأثخنت السلطان أبا تاشفين الجراحة ووهن لها فتقبض عليه واختبنه بعض الفرسان إلى السلطان فلقيه الامير أبو عبد الرحمن تلك الحروب وأورد غمرتها بنفسه فاعترضه وقد غض الطرف بموكبه فأمر به في الحين فقتل واحتز رأسه وسخط ذلك السلطان من فعله لحرصه على توبيخه وتقريعه وذهب مثلا في الغابرين واقتحم السلطان البلد بكافة عساكره وتواقع الناس

[ 258 ]

بباب كشوط لجنوبهم من كغليظ الزحام فهلك منهم أمم وانطلقت أيدى النهب على البلد فلحقت الكثير من أهله معرات في أموالهم وحرمهم وخلص السلطان إلى المسجد الجامع مع لمة من خواصه وحاشيته واستدعى شيوخ الفتيا بالبلد أبو زيد وأبو موسى ابنا الامام وفاء بحق العلم وأهله فخلصوا إليه بعد الجهد ووعظوه وذكروه بمانال الناس من النهب فركب لذلك بنفسه وسكن وأوزع جنوده وأشياعه من الرعية وقبض أيديهم عن الفساد وعاد إلى معسكره بالبلد الجديد وقد كمل الفتح وعز النصر وشهد ذلك اليوم أبو محمد بن تافراكين وافاه رسولا عن مولانا السلطان أبى يحيى ومجدد العهد فأعجله السلطان إلى مرسلة بالخبر وسابق السابقين ودخل تونس اسبع عشرة ليلة من نوبة الفتح فعظم السرور عند السلطان أبى يحيى بمهلك عدوه والانتقام منه بثأره واعتدها بمساعيه ورفع السلطان أبو الحسن القتل عن بنى عبد الواد أعدائهم وشفى نفسه بقتل سلطانهم وعفا عنهم وأثبتهم في الديوان وفرض لهم العطاء واستتبعهم على راياتهم ومراكزهم وجمع كلمة بنى واسين من بنى مرين وبنى عبد الواد وتوجين وسائر زناتة وأنزلهم ببلاد المغرب وسد بكل طائفة منهم ثغرا من أعماله وساروا عصبا تحت لوائه فأنزل منهم بقاصية السوس وبلاد غمارة وأجاز منهم إلى ثغور عمله بالاندلس حامية ومرابطين واندرجوا في جملته واتسع نطاق ملكه وأصبح ملك زناتة بعد أن كان ملك بنى مرين وسلطان العدوتين بعد أن كان سلطان المغرب والارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين * (الخبر عن نكبة الامير عبد الرحمن بمتيجة وتقبض السلطان عليه ثم مهلكه اخرا) * قد قدمنا ما كان من اشتراط السلطان أبى سعيد على الموحدين منازلتهم تلمسان مع عساكره وتلوم السلطان أبى الحسن بتا سالت لانتظار مولانا السلطان أبى يحيى ولما نازل تلمسان بعساكره المرة الثانية لم يطالبهم بذلك وكان أبو محمد بن تافراكين يتردد إليه وهو بمعسكره من حصار تلمسان مؤديا حقه مستخبرا مآل عدوهم فلما تغلب على تلمسان أسر إليه سفيره أبو محمد بن تافراكين بأن سلطانه قادم عليه للقائه وتهنئته بالظفر بعدوه وتشوف السلطان أبو الحسن إليها لما كان يحب الفخر ويعنى به وارتحل من تلمسان سنة ثلاث وثلاثين وعسكر بمتيجة منتظرا وفادة مولانا السلطان أبى يحيى عليه وتكاسل السلطان عنها لما أراه المتحكم في دولته محمد بن الحكيم من حذر مغبتها وقال له ان لقاء سلطانين لا يتفق الا في يوم على أحدهما فكره ذلك السلطان وتقاعد عنه وطال مقام السلطان أبى الحسن في انتظار الموعد الذى ألقى إليه أبو محمد بن تافرا كين واعتل لاشهر من لقائه ومرض بفسطاطه وتحدث أهل المعسكر بمهلكه وكان ابناه

[ 259 ]

الامير أبو عبد الرحمن وأبو مالك متناغيين في ولاية عهده منذ أيام جدهما أبى سعيد وكان السلطان قد جعل لهما من أول دولته ألقاب الامارة وأحوالها من اتخاذ الوزراء والكتاب ووضع العلامة وتدوين الدواوين واثبات العطاء واستلحاق الفرسان والانفراد بالعساكر فكانا من ذلك على نهج وجعل لهما مع ذلك الجلوس لمقعد فصله مناوبة لتنفيذ الاوامر السلطانية فكانا لذلك رديفين له في سلطانه ولما اشتد وجع السلطان تمشت سماسرة الفتن بين هذين الاميرين وحزب أهل المعسكر لهما أحزابا وبث كل واحد منهما المال وحمل على المقربات وصارت شيعا وانقسموا فرقا وهم الامير أبو عبد الرحمن بالتوثب على الامر قبل أن يتبين حال السلطان باغراء وزرائه وبطانته بذلك وتفطن خاصة السلطان لها فأخبروه الخبر وحضوه على الخروج إلى الناس قبل أن يتفاقم الامر ويتسع الخرق فبرز إلى فسطاط جلوسه وتسامع أهل المعسكر به فازدحموا على مجلسه وتقبيل يده وتقبض على أهل الظنة من العساكر وتسامع أهل المعسكر فأودعهم السجن وسخط على الاميرين ورحل الناس من معسكرهما فردهما إلى معسكره ثم رجع إلى فسطاطه فارتاب الاميران لذلك ووجما وطفئت نار فتنتهما وسكن سعى المفسدين وانتبذ الناس عنهما فاشتدت روعة الامير أبى عبد الرحمن وركب من فساطيطه وخاض الليل وأصبح بحلة أولاد على أمراء زغبة الموطنين بأرض حمزة فتقبض عليه أميرهم موسى بن أبى الفضل ورده إلى أبيه فاعتقله بوجدة ورتب العيون لحراسته من حشمه إلى أن قتل بعد ذلك سنة ثنتين وأربعين وثب بالسجان فقتله وأنفذ السلطان حاجبه علان بن محمد فقضى عليه ولحق وزيره زيان بن عمر الوطاسى بالموحدين فأجاروه ورضى السلطان صبيحة نزوع أبى عبد الرحمن عن أخيه أبى مالك وعقد له على ثغور عمله بالاندلس وصرفه إليها وانكفأ إلى تلمسان والله أعلم * (الخبر عن خروج ابن هيدور وتلبسيه بابى عبد الرحمن) * لما تقبض السلطان على ابنه عبد الرحمن وأودعه السجن تفرق حرمه وحشمه وانذعروا في الجهات وهمل جازر من مطبخه كان يعرف بابن هيدور كان شبيها له في الصورة فلحق ببنى عامر من زغبة وكانوا لذلك العهد منحرفين عن الطاعة خوارج على الدولة لما كان السلطان وأبوه اختصا عريف بن يحيى أمير سويد أقتالهم منذ نزع إليهم عن أبى تاشفين فركبوا سنن الخلاف ولبسوا جلدة النفاق وانتبذوا بالقفار ورياستهم لذلك العهد لصغير بن عامر واخوته وعقد السلطان على حربهم لوترمار ابن وليه عريف وكان سيد البدو يومئذ فجمع لهم وشمر لطلبهم وأبعدوا أمامه في المذاهب وأوقع بهم مرارا ولحق بهم هذا الجازر وانتسب لهم إلى السلطان أبى الحسن وأنه أبو عبد الرحمن ابنه النازع

[ 260 ]

عنه فشبه لهم وبايعوه وأجلبوا على نواحى المرية وبرز إليهم قائدها مجاهد بن من صنائع الدولة ففضوا جمعه وانهزم أمامهم ثم جمع لهم وترمار وفروا عن تلك النواحى وافترق جمعهم ونبذوا لذلك الجازر عهده فلحق ببنى يرناتن من زواوة ونزل على سيدتهم شمسي فقامت بأمره وحمل بنوها من بنى عبد الصمد قومهم على طاعته وشاع في الناس خبره فمن مصدق ومن مكذب حتى تبينت ووقفوا على كذبه في انتسابه فنبذوا عهده ولحق بالزواودة أمراء رياح ونزل على سيدهم يعقوب بن على وانتسب له في مثل ذلك فأجاره ان صدق نسبه وأوعز السلطان إلى السلطان أبى يحيى صاحب افريقية في شأنه فبعث إلى يعقوب وأشخصه إلى السلطان مع ذويه فلحق به بمكانه من سبتة فامتحنه السلطان وقطعه من خلاف وانحسم داؤه وبقى بالمغرب تحت جراية من الدولة إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين والله تعالى أعلم لما فرغ السلطان من أمر عدوه وما تبع من ذلك الاحوال صرف اعتزامه إلى الجهاد لما كان كلفابه وكان الطاغية منذ شغل بنى مرين عن الجهاد منذ عهد يعقوب بن عبد الحق قد اعتزوا على المسلمين بالعدوة ونازلوا معاقلهم وتغلبوا على الكثير منها وارتجعوا الجبل ونازلوا السلطان أبا الوليد في عقر داره بغرناطة ووضعوا عليه الجزية فتقبلها وأسفوا إلى التهام المسلمين بالاندلس فلما فرغ السلطان أبو الحسن من شأن عدوه وعلت على الايدى يده وانفسح نطاق ملكه دعته نفسه إلى الجهاد وأوعز إلى ابنه الامير أبى مالك أمير الثغور من عمله بالعدوة سنة أربعين بالدخول إلى دار الحرب وجهز إليه العساكر من حضرته وأنفذ إليه الوزراء فشخص غازيا في الحفل وتوغل في بلاد الطاغية واكتسحها وخرج بالسبي والغنائم إلى أدنى صدره من أرضهم وأناخ بها واتصل به الخبر بأن النصارى جمعوا له وأغذوا السير في اتباعه واشار عليه الملا بالخروج من أرضهم واجازة الوادي الذى كان تخما بين أرض الاسلام ودار الحرب وأن يصير إلى مدن المسلمين فيمتنع بها فلج في ابايته وصمم على التعريس وكان قرما ثبتا الا أنه غير بصير بالحروب لمكان سنة فصبحهم عساكر النصرانية في مضاجعهم قبل أن يركبوا وخاطبوهم في ابايتهم وأدرك الامير أبو مالك بالارض قبل أن يستوى على فرسه فجدلوه واستلحموا الكثير من قومه واحتووا على المعسكر بما فيه من أموال المسلمين وأموالهم ورجعوا على أعقابهم واتصل الخبر بالسلطان فتفجع لهلاك ابنه واسترحم له واحتسب عند الله أجره وفى سبيله قتله وشرع في اجازة العساكر للجهاد وتجهيز الاساطيل

[ 261 ]

لما بلغ الخبر إلى السلطان باستشهاد ابنه أخرج وزارءه إلى السواحل لتجهيز الاساطيل وفتح ديوان العطاء واعترض الجنود وأزاح عللهم واستنفر أهل المغرب وارتحل إلى سبتة ليباشر أحوال الجهاد وتسامعت أمم النصرانية بذلك فاستعدوا للدفاع وأخرج الطاغية أسطوله إلى الزقاق ليمنع السلطان من الاجازة واستحث السلطان أساطيل المسلمين من مراسي العدوة وبعث إلى الموحدين بتجهيز أسطولهم إليه فعقدوا عليه لزيد بن فرحون قائد أسطول بجاية من صنائع دولتهم ووافى سبتة في ستة عشر من أساطيل افريقية كان فيها من طرابلس وقابس وجربة وتونس وبونة وبجاية وتوافت أساطيل المغربين بمرسى سبتة تناهز المائة وعقد السلطان عليها لمحمد بن على العزفي الذى كان صاحب سبتة يوم فتحها وأمره بمناجزة أسطول النصارى بالزقاق وقد اكتمل عديدهم وعدتهم فاستلاموا وتظاهروا في السلاح وزحفوا إلى أسطول النصارى وتواقفوا مليا ثم قربوا الاساطيل بعضها إلى بعض وقرنوها للمصاف فلم يمض الا كلا ولا حتى هبت ريح النصر وأظفر الله المسلمين بعدوهم وخالطوهم في أساطيلهم واستلحموهم هبرا بالسيوف وطعنا بالرماح وألقوا أشلاءهم في اليم وقتلوا قائدهم الملند واستاقوا أساطيلهم مجنوبة إلى مرسى سبتة فبرز الناس لمشاهدتها وطيف بكثير من رؤسهم في جوانب البلد ونظمت أصفاد الاسرى بدار الانشاء وعظم الفتح وجلس السلطان للتهنئة وأنشدت الشعراء بين يديه وكان يوما من أعز الايام والمنة لله * (الخبر عن واقعة طريف وتمحيص المسلمين) * لما ظفر المسلمون باسطول النصارى وخضدوا شوكتهم عن ممانعة الجواز شرع السلطان في اجازة العساكر الغزاة من المطوعة والمرتزقة وانتظمت الاساطيل سلسلة واحدة من العدوة إلى العدة ولما استكمل اجازة العساكر أجاز هو في أسطوله مع خاصته وحشمه آخر سنة أربعين ونزل بساحة طريف وأناخ بعساكره عليها واضطرب معسكره بفنائها وبدأ بمنازلتها ووافاه سلطان الاندلس أبو الحجاج ابن السلطان أبى الوليد بعسكر الاندلس من غزاة زناتة وحامية الثغور ورجل البدو فعسكروا حذاء معسكره وأحاطوا بطريف نطاقا واحدا وأنزلوا بهم أنواع القتال ونصبوا عليها الآلات وجهز الطاغية اسطولا آخر اعترض به الزقاق لقطع المرافق عن المعسكر وطال ثواؤهم بمكانهم من حصار البلد ففنيت أزودتهم وافتقدوا العلوفات فوهن الظفر واختلت أحوال المعسكر واحتشد الطاغية أمم النصرانية وظاهره البرتقال صاحب اشبونة وغرب الاندلس فجاء معه في قومه وزحف إليهم لستة أشهر من نزولهم ولما قرب معسكرهم سرب إلى طريف جيشا من النصارى أكمنه بها فدخلوه ليلا على حين غفلة من العسس الذى أرصد لهم

[ 262 ]

وأحسوا بهم آخر ليلتهم فثاروا بهم من مراصدهم وأدركوا أعقابهم قبل دخول البلد فقتلوا منهم عددا ولبسوا على السلطان بأنه لم يدخل البلد سواهم حذرا من سطوته وزحف الطاغية من الغد في جموعه وعبى السلطان مواكب المسلمين صفوفا وتزاحفوا ولما نشب الحرب برز الجيش الكمين من البلد وخالفوهم إلى المعسكر وعمدوا إلى قسطاط السلطان ودافعهم عنه الناشبة الذين أعدوا لحراسته فاستلحموهم ثم دافعهم النساء عن أنفسهم فقتلوهن وخلصوا إلى حظايا السلطان عائشة بنت عمه أبى يحيى ابن يعقوب وفاطمة بنت مولانا السلطان أبى يحيى ملك افريقية وغيرهما من حظاياه فقتلوهن واستلبوهن وانتهبوا سائر الفسطاط وأضرموا المعسكر نارا وأحس المسلمون بما وراء هم في معسكرهم فاختل مصافهم وارتدوا على أعقابهم بعد أن كان ابن السلطان ضمم في طائفة من قومه وذويه حتى خالطهم في صفوفهم فأحاطوا به وتقبضوا عليه وولى السلطان متحيزا إلى فئة المسلمين واستشهد كثير من العزاة ووصل الطاغية إلى فسطاط السلطان من المحلة وأنكر قتل النساء والولدان ووقف منه لمنتهى أثره وانكفأ راجعا إلى بلاده ولحق ابن الاحمر بغرناطة وخلص السلطان إلى الجزيرة ثم إلى الجبل ثم ركب السفين إلى سبتة في ليله ومحص الله المسلمين وأجزل ثوابهم لما رجع الطاغية من طريف استأسد على المسلمين بالاندلس وطمع في التهامهم وجمع عساكر النصرانية ونازل قلعة بنى سعيد ثغر غزناطة وعلى مرحلة منها وجمع الآلات والايدى على حصارها واشتد مخنقها وأصابهم الجهد من العطش فنزلوا على حكمه سنة ثنتين وأربعين وأدال الله الطيب منها بالخبيث وانصرف إلى بلده وكان السلطان أبو الحسن لما أجاز إلى سبتة أخذ نفسه بالعودة إلى الجهاد لرجع الكرة وبعث في الامصار للاستنفار وأخرج قواده إلى سواحل البحر لتجهيز الاساطيل حتى اكتمل له منها عدد ثم ارتحل إلى سبتة لمشارفتها وقدم عساكره إلى العدوة مع وزيره عسكر بن تاحضريت وبعث على الجزيرة محمد بن العباس بن تاحضريت من قرابة الوزير وبعث إليها مددا من العسكر مع موسى بن ابراهيم اليرنيانى من المرشحين للوزارة نيابة وبلغ الطاغية خبره فجهز أسطوله وأجراه إلى بحر الزقاق لمدافعته وتلاقت الاساطيل ومحص الله المسلمين واستشهد منهم أعداد وتغلب أسطول الطاغية على بحر الزقاق وملكوه دون المسلمين وأقبل الطاغية من اشبيلية في عساكر النصرانية حتى أناخ بها على الجزيرة الخضراء مرفا أساطيل المسلمين وفرضة المجاز وأمل أن ينظمها في مملكته مع جارتها طريف وحشر الفعلة والصناع للآلات وجمع الايدى عليها وطاولها الحصار واتخذ

[ 263 ]

أهل المعسكر بيوتا من الخشب للمطاولة وجاء السلطان أبو الحجاج بعساكر الاندلس فنزل قبالة الطاغية بظاهر جبل الفخ في سبيل الممانعة وأقام السلطان أبو الحسن بمكانه من سبتة ليسرب عليها المدد من الفرسان والمال والزرع في الفعلة من أساطيلهم وتحت جناح الليل فلم يغنهم ذلك واشتد عليهم الحصار وأصابهم الجهد وأجاز إليه السلطان أبو الحجاج يفاوضه في شأن السلم مع الطاغية بعد اذن الطاغية له في الاجازة مكرابه وترصد له بعض الاساطيل في طريقه فصدقهم المسلمون القتال وخلصوا إلى الساحل بعد غص الريق وضاق أحوال الجزيرة ومن كان بها من عساكر السلطان وسألوا من الطاغية الامان على أن ينزلوا عن البلد فبذله وخرجوا فوفي لهم وأجازوا إلى المغرب سنة ثلاث وأربعين فأنزلهم السلطان ببلاده على خير نزل ولقاهم من المبرة والكرامة ما أعاضهم بما فاتهم وخلع عليهم وحملهم وأجازهم بما تحدث به الناس وتقبض على وزيره عسكر بن تاحضريت عقوبة على تقصيره في المدافعة مع تمكنه منها من العساكر وانكفأ السلطان إلى حضرته موقنا بظهور أمر الله وانجاز وعده في رجوع الكرة وعلو الدين والله متم نوره ولو كره الكافرون كان عثمان بن أبى العلاء من أعياص آل عبد الحق شيخ الغزاة المجاهدين من زناتة والبربر بالاندلس وكان له فيها مقام معلوم في حماية الثغور ومدافعة العدو وغزو دار الحرب ومساهمة صاحب الاندلس الجهاد كما نستوفي أخباره وكان السلطان أبو سعيد لما استصرخ بأهل الاندلس اعتذر بمكانه بينهم واشترط عليهم أن يمكنوه من قياده حتى يقضى نوبة الجهاد فلم يسعفوه بذلك ولما هلك عثمان بن أبى العلاء قام بالامر من بعده في مراسم الجهاد بنوه وكانوا يرجعون في رياستهم إلى كبيرهم أبى ثابت عامر وقويت عصابتهم بالموالى والابناء وغلبت على يد السلطان واستبدوا عليه في أكثر الاحوال واستنكف لها وكان ذلك مما دعاه إلى القدوم على السلطان أبى الحسن وارتاب بنو أبى العلاء في اجازته إليه واتهموه على أنفسهم وأسعدهم إلى منازلة جبل الفتح على كره فلما تغلب المسلمون عليه وقضى ابن الاحمر من مدافعة لطاغية منه بالرغبة ما قضى كما ذكرناه واعتزم على القفول إلى حضرته أجمعوا الفتك به في طريقه وداخلوا في ذلك مولاه ابن المعلوجى لما أسفهم به من ارهاف حده والتضييق عليهم في جاههم فرموا وأوطؤا على البث حتى إذا وجدوا من أبى العلاء صاغية إلى ذلك خفوا إلى اجابتها ونذر بهم محمد ابن الاحمر فبعث عن السفن تعرضه في طريقه وساحل إليهم وتسابقوا لشأنهم قبل فوته فأدركوه دون حصن اصطبونة وعتبوه فاستعتب واغلظوا له في القول وقتلوا

[ 264 ]

مولاه عاصما صاحب ديوان العطاء تجنيا عليه ونكر ذلك السلطان فتناولوه بالرماح قعصا وطعنا حتى أقعصوه ورجعو إلى المعسكر فاستدعوا من كان داخلهم من الموالى وجاؤا بأخيه أبى الحجاج يوسف بن أبى الوليد فبايعوا له وأصفقوا على تقديمه وسرح لحينه قائده ابن عزون فاستولى له على دار ملكه وتم أمره وحجبه رضوان مولى أبيهم واستبد عليه وسكن بين جنبيه من بنى أبى العلاء وقتلهم لاخيه داء دخيل حتى إذا سما السلطان أبو الحسن إلى الجهاد وأجاز المدد إلى ثغور عمله بالاندلس وعقد لابنه الامير أبى مالك أسر إليهم في شأن بنى أبى العلاء بما كان أبوه السلطان أبو سعيد اشترط عليهم في مثلها ووافق منه داعية لذلك فتقبض عليهم أبو الحجاج وأودعهم المطبق أجمع ثم أشخصهم في السفين إلى مراسي افريقية فنزلوا بتونس على مولانا السلطان أبى يحيى وبعث فيهم السلطان أبو الحسن إليه فاعتقله ثم أو عز إليه مع عريف الوزعة ببابه ميمون ابن بكرون في اشخاصهم إلى حضرته فتوقف عنها وأبى من أخفار ذمتهم ووسوس إليه وزيره أبو محمد بن تافراكين بأن مقصد السلطان فيهم غير ما ظنوا به من الشر ورغب ببعثهم إليه والمبالغة في الشفاعة فيهم علما بأن شفاعته لا ترد فأجابه لذلك وجنبوهم إليه مع بكرون واتبعهم أبو محمد بن تافراكين بكتاب الشفاعة فيهم من السلطان وقدموا على السلطان أبى الحسن مرجعه من الجهاد سنة ثنتين وأربعين فتلقاهم بالبر والترحيب اكراما لشفيعهم وأنزلهم بمعسكره وجنب لهم المقربات بالمراكب الثقيلة وضرب لهم الفساطيط وأسنى لهم الخلع والجوائز وفرض لهم أعلى رتب العطاء وصاروا في جملته ولما احتل بسبتة لمشارفة أحوال الجزيرة سعى عنده فيهم بأن كثيرا من المفسدين يداخلونهم في الخروج والتوثب على الملك فتقبض عليهم وأودعهم في السجن بمكناسة إلى أن كان من خبرهم مع ابنه أبى عنان ما نذكره ان شاء الله تعالى والله أعلم { الخبر عن هدية السلطان إلى المشرق وبعثه بنسخ المصحف من خطه إلى الحرمين والقدس } كان للسلطان أبى الحسن مذهب في ولاية ملوك المشرق والكلف بالمعاهد الشريفة تقبله من سلفه وضاعفه لديه متن ديانته ولما قضى من أمر تلمسان ما قضى وتغلب على المغرب الاوسط وصار أهل النواحى تحت رتبة منه واستطال بجناح لمطانه خاطب لحينه صاحب مصر والشأم محمد بن قلاوون الملك الناصر وعرفه بالفتح وارتفاع العوائق عن الحاج في سابلتهم وكان في ذلك فارس بن ميمون بن وردار وعاد بجواب الكتاب وتقرير المودة بين السلف وأجمع السلطان على كتب نسخة عتيقة من المصحف الكريم بخط يده ليوقفها بالحرم الشريف قربة إلى الله تعالى وابتغاء

[ 265 ]

للمثوبة فانتسخها وجمع الوراقين لمعاناة تذهيبها وتنميقها والقراء لضبطها وتهذيبها حتى اكتمل شأنها وصنع لها وعاء مؤلفا من خشب الابنوس والعاج والصندل فائق الصنعة وغشى بصفائح الذهب ونظم بالجوهر والياقوت واتخذ له اصونة الجلد المحكمة الصنعة المرقوم أديمها بخطوط الذهب من فوقها غلاف الحرير والديباج وأغشية الكتان وأخرج من خزائنه أموالا عينها الشراء الضياع بالمشرق لتكون وقفا على القراء فيها وأوفد على الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر والشام خواص مجلسه وكبار أهل دولته مثل عريف بن يحيى أمير زغبة والسابق المقدم في بساطه على كل خالصة عطية بن مهلهل بن يحيى كبير الخولة وبعث كاتبه أبا الفضل بن محمد ابن أبى مدين وعريف الوزعة ببابه وصاحب دولته عبو بن قاسم المزوار واحتفل في الهدية للمزوار للسلطان صاحب مصر احتفالا تحدث الناس به دهرا ووقفت على برنامج الهدية بخط أبى الفضل بن أبى مدين هذا الرسول ووعيته وأنسيته وذكر لى بعض قهارمه الدار أنه كان فيها خمسمائة من عتاق الخيل المقربات بسروج الذهب والفضة ولجمها خالصا ومغشى ومموها وخمسمائة حمل من متاع المغرب وماعونه وأسلحته ومن نسج الصوف المحكم ثيابا وأكسية وبرانس وعمائم وازرا معلمة وغير معلمة ومن نسج الحرير الفائق المعلم بالذهب ملونا وغير ملون وساذجا ومنمقا ومن الدرق المجلوبة من بلاد الصحراء المحكمة بالدباغ المعارف وتنسب إلى اللمط ومن خرثى المغرب وماعونه وما يستظرف صناعته بالمشرق حتى لقد كان فيها مكيل من حصى الجوهر والياقوت واعتزمت حظية من خطايا أبيه على الحج في ركابه ذلك فأذن لها واستبلغ في تكريمها واستوصى بها وافده وسلطان مصرفي كتابه وفصلوا من تلمسان سنة وأدوا رسالتهم إلى الملك الناصر وهديتهم فتقبلها وحسن لديه موقعها وكان يوم وفادتهم عليه بمصر يوما مشهودا تحدث به الناس دهرا ولقاهم في طريقهم أنواع البر والتكرمة حتى قضوا فرضهم ووضعوا المصحف الكريم حيث أمرهم صاحبهم واسنى هدية السلطان من فساطيطهم الغريبة الشكل والصنعة بالمغرب ومن ثياب الاسكندرية البديعة النسج المرقومة بالذهب ورجعهم بها إلى مرسلهم وقد استبلغ في تكريمهم ووصلتهم وبقى حديث هذه الهدية مذكورا بين الناس لهذا العهد ثم انتسخ السلطان نسخة أخرى من المصحف الكريم على القانون الاول ووقفها على القراءة بالمدينة وبعث بها من تخيره لذلك العهد من أهل دولته سنة واتصلت الولاية بينه وبين الملك الناصر إلى أن هلك سنة احدى وأربعين وولى الامر من بعده ابنه أبو الفداء اسمعيل فخاطبه السلطان وأتحفه وعزاه

[ 266 ]

عن أبيه وأوفد عليه كاتبه وصاحب ديوان الخراج أبا الفضل بن عبد الله بن أبى مدين فقضى من وفادته ما حمل وكان شأنه عجبا في اظهار ابهة سلطانه والانفاق على المستضعفين من الحاج في طريقه واتحاف رجال الدولة التركية بذات يده والتعفف عما في أيديهم ثم شرع بعد استيلائه على افريقية كما نذكره في كتاب نسخة أخرى من المصحف الكريم ليوقنها ببيت المقدس فلم يقدر اتمامها وهلك قبل فراغه من نسخها كما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن هدية السلطان إلى ملك مالى من السودان المجاورين للمغرب) * كان للسلطان أبى الحسن مذهب في الفخر يتطاول به إلى مناغات الملوك الاعاظم واقتفاء سننهم في مهاداة الاقتال والامصار وايفاد الرسل على ملوك النواحى القاصية والتخوم البعيدة وكان ملك مالى أعظم ملوك السودان لعهده ومجاور الملكه بالمغرب عى مائة مرحلة في القفر من ثغور ممالكه القبلية ولما غلب بنى عبد الواد على تلمسان وابتزهم ملكهم واستولى على ممالك المغرب الاوسط وتحدث الناس بشأن أبى تاشفين وحصاره ومقتله وما كان للسلطان في ذلك من سورة التغلب وآية العز وشاعت أخبار ذلك في الآفاق وسما سلطان مالى منسا موسى المتقدم ذكره في أخبارهم إلى مخاطبته فأوفد عليه فرافقيس من أهل مملكته مع ترجمان من الملثمين المجاورين لممالكهم من صنهاجة فوفدوا على السلطان في التهنئة بالغلب والظفر فأكرم وفادتهم وأحسن مثواهم ومنقلبهم ونزع إلى طريقته في الفخر فأتحف طرفا من مناع المغرب وماعونه من ذخيرة داره واسناها وعين رجالا من أهل دولته كان فيهم كاتب ديوان أبو طالب بن محمد بن أبى مدين ومولاه عنبر الخصى وأوفدهم بها على ملك مالى منسا سليمان بمهلك أبيه قبل مرجع وفده وأوعز إلى اعراب الفلاة من المعقل بالسير معهم ذاهبين وجاءين فشمر لذلك على بن غانم أمير أولاد جار الله من المعقل وصحبهم في طريقهم امتثالا لامر السلطان وتوغل ذلك الركاب في القفر إلى بلد مالى بعد الجهد وطول الشقة فأحسن مبرتهم وأعظم موصلهم وأكرم وفادتهم ومنقلبهم وعادوا الى مرسلهم في وفد من كبار مالى يعظمون سلطانه ويوجبون حقه ويؤدون طاعته من خضوع مرسلهم وقيامه بحق السلطان واعتماله في مرضاته ما استوصاهم به فأدوا رسالتهم وبلغ السلطان أربا من اعتزازه على الملوك وخضوعهم لسلطانه وقضاء حق الشكر لله في صنعه * (الخبر عن اصهار السلطان إلى صاحب تونس) * لما هلكت ابنة السلطان أبى يحيى بطريف فيمن هلك من حظايا السلطان أبى الحسن فساطيطة بقى في نفسه منها شئ حنينا إلى ما شغفته به من خلالها وعزة سلطانها وقيامها

[ 267 ]

على بيتها وظفرها في تصريفها والاستمتاع بأصول الترف ولذاذة العيش في عشيرتها فسما أمله إلى الاعتياض عنها ببعض أخواتها وأوفد في خطبتها وليه عريف بن يحيى أمير زغبة وكاتب الجباية والعساكر بدولته أبا الفضل بن عبد الله بن أبى مدين وفقيه الفتوى بمجلسه أبا عبد الله بن محمد بن سليمان السطى ومولاه عنبر الخصى فوفدوا يوم من سنة ست وأربعين وأنزلوا منزل البر واستبلغ في تكريمهم ودس الحاجب أبو عبد الله ابن تافراكين إلى سلطانه غرض وقادتهم فأبى من ذلك صونا لحرمه عن جولة الاقطار وتحكم الرجال واستعظاما لمثل هذا العرس ولم يزل حاجبه ابن تافراكين يخفض عليه الشأن ويعظم عليه حق السلطان أبى الحسن في رد خطبته مع الاذمة السابقة بينهما من الصهر والمخالصة إلى أن أجاب وأسعف وجعل ذلك إليه فانعقد الصهر بينهما وأخذ الحاجب في شوار العروس وتأنق فيه واحتفل واستكثر وطال ثواء الرسل إلى أن استكمل وارتحلوا من تونس لربيع من سنة تسع وأوعز مولانا السلطان أبو يحيى إلى ابنه الفضل صاحب بونة وشقيق هذا العروس أن يزفها على السلطان أبى الحسن قياما بحقه وبعث من بابه مشيخة من الموحدين مقدمهم عبد الواحد بن محمد ابن كمازير صحبوا ركابها إليه ووفدوا جميعا على السلطان واتصل الخبر أثناء طريقهم بمهلك مولانا السلطان أبى يحيى عفا الله عنه فعزاهم السلطان أبو الحسن عنه عند ما وصلوا إليه واستبلغ في تكريمهم وأجمل موعد أخيها الفضل بسلطانه ومظاهرته على تراث أبيه فأطمأنت به الدار إلى أن سار في جملة السلطان وتحت ألويته إلى افريقية كما نذكر ان شاء الله تعالى * (الخبر عن حركة السلطان إلى افريقية واستيلائه عليها) * كان السلطان أبو الحسن قد امتدت عينه إلى ملك افريقية لولا مكان السلطان أبى يحيى من ولايته وصهره وأقام يتجين لها الاوقات ولما بعث إليه في الصهر وأشيع بتلمسان أن الموحدين ردوا خطبته نهض من المنصورة بتلمسان وأغذ السير إلى فاس ففتح ديوان العطاء وأزاح علل العسكر وعقد على المغرب الاقصى لحافده منصور بن الامير أبى مالك وفوض إلى الحسن بن سليمان بن ترزكين في أحكام الشرطة وعقد له على الضاحية وارتحل إلى تلمسان مضمرا الحركة إلى افريقية حتى إذا جاء الخبر اليقين بالاسعاف والزفاف سكن عزمه وهدأ طائره فلما هلك السلطان أبو يحيى في رجب من سنة سبع وأربعين وكان من قيام ابنه عمر بالامر ونزوع الحاجب أبى محمد بن تافراكين في رمضان منها ما ذكرناه تحركت عزائم السلطان لذلك ورغبه ابن تافراكين في ملك الموحدين فرغب وجاء على أثره الخبر بما كان من قبل عمر لاخيه أحمد ولى العهد

[ 268 ]

وكان يستظهر على عهده بكتاب أبيه وما أودعه السلطان بحاشيته من الوفاق على ذلك بخطه واقتضاه منه حاجبه أبو القاسم بن عتوفى سفارته إليه فامتعض السلطان لما أضاع عمر من عهد أبيه وهدر من دم أخيه وارتكب مذاهب العقوق فيهم وخرق السياج الذى فرضه بخطه عليهم فأجمع الحركة إلى افريقية ولحق به خالد بن حمزة بن عمر نازعا إليه ومستعدا مسيره ففتح ديوان العطاء ونادى في الناس بالمسير إلى افريقية وأزاح عللهم وكان صاحب بجاية المولى أبو عبد الله حافد مولانا الامير أبى يحيى وفد على السلطان أبى الحسن اثر مهلك جده بقرب المآب بسفارة أبيه إليه ويطلب الاقرار على عمله فلما استيأس منه واستيقن حركته بنفسه إلى افريقية طلب الرجوع إلى مكانه فأسعف وفصل إلى بجاية ولما قضى السلطان منسك الاضحى من سنة تسع وأربعين عقد لابنه الامير أبى عنان على المغرب الاوسط وعهد إليه بالنظر في أموره كافة وجعل إليه جبايته وارتحل يريد افريقية وسار في جملته هو وخالد بن حمزة أمير البدو ولما أحتل بوهران ووافاه هنالك وفد قسطيلة وبلاد الجريد يقدمهم أحمد بن مكى أمير حربه ورديف أخيه عبد الملك في امارته ويحيى بن محمد بن يملول أمير توزر سقط إليها بعد خروج الامير أبى عمر العباس ولى العهد عنها ومهلكه بتونس وأحمد بن عامر بن العابد رئيس نفطة رجعا اليهما كذلك بعد مهلك ولى العهد فلقيه هؤلاء الرؤساء بوهران في ملا من وجوه بلادهم فأتوه بيعتهم وقضوا حق طاعته محمد ابن ثابت أمير طرابلس عن اللحاق به فبعث بيعته معهم فأكرم وفدهم وعقد لهم على أمصارهم وصرفهم إلى أعمالهم وتمسك بأحمد بن مكى لصحابة ركابه وفى جملته وأغذ السير ولما احتل ببنى حسن من أعمال بجاية وفاه بها منصور بن فضل بن مزنى أمير بسكرة وبلاد الزاب في وفد من أهل وطنه ويعقوب بن على بن أحمد سيد الزواودة وأمير البدو بضاحية بجاية وقسنطينة فتلقاهم بالمبرة والاحتفاء وألزمهم ساقته وسرح بين يديه قائده حمو بن يحيى العسكري من صنائع أبيه فلما عسكر بساحة بجاية أبى أبو عبد الله وأبى عليه أهل البلد رهبة من السلطان ورغبة فيه وانفضوا من حوله ولحقت مشيختهم من القضاء وأهل الفتيا والشورى بمجلس السلطان وسابقهم إليه حاجبه فارح بن سيد الناس فأدى طاعته ورجعه إليه للخروج للقاء ركابه وارتحل حتى إذا أطلت راياته على البلد بادر المولى أبو عبد الله ولقيه بساحة البلد واعتذر عن تخلفه فتقبل عذره وأحله من البرور والتكرمة محل الولد العزيز وأقطعه عمل كومية من نواحى سنين واسنى جرايته بتلمسان وأصحبه إلى ابنه أبى عنان صاحب المغرب الاوسط واستوصاه به ودخل بجاية فرفع عنهم الظلامات وحط عنهم الربع من المغارم ونظر في أحوال ثغورها

[ 269 ]

فثقفها وسد فروجها وعقد عليها لمحمد بن النوار من طبقة الوزراء والمرشحين لها وأنزل معه حامية من بنى مرين وكاتب الخراج ببابه بركات بن حسون بن البواق وارتحل معذ السيره حتى أحتل بقسنطينة وتلقاه أميرها أبو زيد حافد مولانا السلطان أبى يحيى وأخواه أبو العباس أحمد وأبو يحيى زكريا وسائر اخوتهم فأتوه ببيعتهم ونزلوا له عن عملهم وادالهم السلطان منه بندرومة من عمل تلمسان عقد للمولى أبى زيد على امارتها وجعل له اسوة اخوته في اقطاع جبايتها ودخل البلد وعقد عليها لمحمد بن العباس وانزل معه العباس بن عمر في قومه من بنى عسكر وأمضى اقطاعات الزواودة ووافاه هنالك عمر بن حمزة سيد الكعوب لعهده وأمير البدو مستحثا لركابه وأخبره برحيل السلطان عمر ابن مولانا السلطان أبى يحيى من تونس فيمن اجتمع إليه من أولاد مهلهل اقتالهم من الكعوب موجها إلى ناحية قابس وأشار على السلطان بتسريح العساكر لاعتراضه قبل أن يخلص إلى طرابلس فسرح معه حمو بن يحيى العسكري قائده في عسكر من بنى مرين والجند وارتحلوا في اتباع السلطان أبى حفص وتلوم السلطان أبو الحسن بقسنطينة واعترض عساكره بسطح الجعاب منها وصرف يوسف ابن مزنى إلى عمله بالزاب بعد أن خلع عيه وحمله ثم عقد للمولى الفضل ابن مولانا السلطان أبى يحيى على مكان عمله ببونة وملا حقائبه جائزة وخلعا نفيسة وسرحه ثم ارتحل على أثرهم وأوعز حمو بن يحيى مع الناجعة من أولاد أبى الليل ولحقوا بالامير أبى حفص لمباركة من ناحية قابس فأوقعوا به وتردى عن فرسه في حومة القتال هو ومولاه ظافر السنان القائم بدولته من المعلوجى فتقبض عليهما وسيقا إلى أبى حمو فاعتقلهما إلى الليل ثم ذبحهما وأنفذ برؤسهما إلى السلطان ولحق الفل بقابس فتقبض عبد الملك بن مكى على أبى القاسم بن عتو صاحب الامير أبى حفص وشيخ الموحدين وعلى صخر بن موسى بن شيخ بنى سكين من سد ويكش فيمن تقبض عليه من ذلك الفل وأشخصهم مقرنين في الاصفاد إلى السلطان وسرح السلطان عساكره إلى تونس وعقد عليهم ليحيى بن سليمان صهره من بنى عسكر على ابنته وأنفذ معه أحمد بن مكى فاحتلوا بتونس واستولوا عليها وانطلق ابن مكى إلى مكان عمله من هنالك لما عقد له السلطان عليه وسرحه إليه بعد أن خلع عليه وعلى حاشيته وحملهم ونزل السلطان بناحية فوافاه هنالك البريد برأس الامير أبى حفص وعظم الفتح ثم ارتحل إلى تونس واحتل بها يوم الاربعاء الثامن لجمادى الآخرة من سنة ثمان وتلقاه وفد تونس وملؤها من شيوخ الشورى وأرباب الفتيا فأتوا طاعتهم وانقلبوا مسرورين لمكتهم ثم عبى يوم السبت إلى دخولها مواكبه وصف جنوده سماطين من معسكره

[ 270 ]

بسيجوم إلى باب البلد يناهز ثلاثة أميال أو أربعة وركب بنومرين إلى مراكزهم في جموعهم وتحت راياتهم وركب السلطان من فسطاطه وراكبه من على يمينه وليه عريف بن يحيى أمير زغبة ويليه أبو محمد عبد الله بن تافراكين ومن على يساره الامير أبو عبد الله محمد أخو مولانا السلطان أبى يحيى ويليه الامير أبو عبد الله ابن أخيه خالد كانا معتقلين بقسنطينه مع ولدهما منذ خروج أخيه الامير ابى فارس فأطلقهم السلطان أبو الحسن وصحبوه إلى تونس فكانوا طرازا في ذلك الموكب فيمن لا يحصى من أعياص بنى مرين وكبرائهم وهدرت طبوله وخفقت راياته وكانت يومئذ مائه وجاءوا لمواكب تجتمع عليه صفا صفا إلى أن وصل إلى البلد وقد ماجت الارض بالجيوش وكان يوما لم ير مثله فيما عقلناه ودخل السلطان إلى القصر وخلع على أبى محمد ابن تافراكين كسوته وقرب إليه فرسه بسرجه ولجامه وطعم الناس بين يديه وانتشروا ودخل السلطان مع أبى محمد بن تافراكين إلى حجر القصر ومساكن الخلفاء فطاف عليها ودخل منه إلى الرياض المتصلة به المدعوة برأس الطابية فطاف على بساتينه وأفضى منه إلى معسكره وأنزل يحيى بن سليمان بقصبة تونس في عسكر لحمايتها ووصل إليه فل الامير أبى حفص والاسرى بقابس مقرنين في أصفادهم فأودعهم السجن بعد ان قطع أبا القاسم بن عتو وصخر بن موسى من خلاف لفتيا الفقهاء بحرابتهم وارتحل من الغد إلى القيروان فجال في نواحيها ووقف على آثار الاولين ومصانع الاقدمين والطلول الماثلة لصنهاجة والعبيديين وزار اجداث العلماء والصالحين ثم سار إلى المهدية ووقف على ساحل البحر ونظر في عاقبة الذين كانوا من قبل أشد قوة وآثارا في الارض واعتبر بأحوالهم ومر في طريقة بقصر الاجم ورباط المنستير وانكفأ راجعا إلى تونس واحتل بها غرة رمضان وأنزل المسالج على ثغور افريقية وأقطع بنى مرين البلاد والضواحي وأمضى اقطاعات الموحدين للعرب واستعمل على الجهات وسكن القصر وقد عظم الفتح وعظمت في الاستيلاء على الممالك والدول المنة واتصلت ممالكه ما بين مسراته والسوس الاقصى من هذه العدوة والى رندة من عدوة الاندلس والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده والعاقبة للمتيقن * ودفع إليه الشعراء بتونس يهنؤنه بالفتح وكان سابقهم في تلك النوبة أبو القاسم الرحوى من ناشئة أهل الادب فرفع إليه قوله أجابك شرق إذ دعوت ومغرب * فمكة هشت للقاء ويثرب وناداك مصرو العراق وشامه * بدارا فصدع الدين عندك يشعب وحيتك أو كادت تحيى منابر * عليها دعاء الحق باسمك تخطب

[ 271 ]

فسارع منا كل دان وساسع * إلى طاعة من طاعة الله تحسب وتاقت لك الارواح حبا ورغبة * وأنت على الآمال تنأى وتقرب ففى البلدة البيضاء لباك معشر * وأنت بأفق الناصرية ترقب ووافتك من ذات النخيل وفودها * فلقاهم أهل لديك ومرحب ولم تتلكأ عن اباء بجاية * ولكن تراض الصعب ثم وتركت تأبت فلما ان أطلت عساكر * ترى الشهب منها تستباح وتنهب تبادر منهم مذ عن ومسلم * وأذعن منهم شاغب ومؤلب وما تونس الا بمصر مروع * وفى حرم أمست لديك تسرب وما أهلها الابغاث لصائد * وبالعز منها استنسروا وتعقبوا وقد كنت قبل اليوم كهف زعيمهم * فها أنت كهف للجميع ومهرب فكان يرى أن الزمان أداله * بكم فأجاب العيش والعيش مخصب كذلك إبن طائع وان اعتلت * به السن أحوالا وأنت له أب وما ذاك الا أن عدلك ينتمى * إلى الخلفاء الراشدين وينسب تساميت في ملك ونسك بحظه * حذياك محراب لديها ومركب إذا الذ للاملاك خمر مدامة * فلذلك القرآن يتلى ويكتب وان أد من القوم الصبوح فانما * على ركعات بالضحى أنت تدأب وان حمدوا الشرب الغبوق فانما * شرابك بالامساء ذكر مرتب وان خشنت أخلاقهم وتحجبوا * فما أنت فظ بل ولا متحجب لقد كرمت منك السجايا فأصبحت * إذا ما أمر الدهر تحلو وتعذب كما شيدت بيتا ذؤابة معشر * يزيدهم قحطان فخر أو يعرب هم التاركو قلب القساور خضعا * وعن شأوهم كفت عبيد وأغلب هم الناس والاملاك تحت جوارهم * هم العظم والارض العظيمة مغرب هم المالكوا لملك العظيم فبيتهم * على كاهل السبع الشداد مطنب لقد أصبحت بغداد تحسد باسهم * وحلة ودت أن تكون مناسب تجلت ببيت المجد منهم كواكب * لقد حل منها شارق ومغرب فلله منهم ثلة بغريبة * يروم بناها الاعجمي فيعرب لقد قام عبد الحق للحق طالبا * فما فاته منه الذى قام يطلب وأعقب يعقو بايؤم سبيله * فلم يخطه وهو السبيل المنجب وخلف عثمانا فالله صارم * به بان للاسلام شرع ومذهب

[ 272 ]

فكم في سبيل الله شن اغارة * لما شاد أهل الكفر أمست تخرب ولما أراد الله اتمام منه * تقلدها منا مطيع ومذنب أبى لك للدين الحنيفى آية * تعرى بها عن لامع الحق غيهب فجئت بما يرضى به الله سالكا * سبيلا إلى رضوانه بك يذهب وقمت بأمر الله حق قيامه * يناضل عنه منك تضل مدرب وأصبح أهل الله أهلا وشيعة * لكم ولهم منكم مكان ومنصب وحل بأهل الفتك ماحل عزمهم * وقام لديهم واعظ مترقب وجاهدت في الرحمن حق جهاده * فراهب أهل الكفر بأسك يرهب وأنقذت من أيدى الاغارة أمة * وأولى جهاد كان بل هو أوجب فأصبحت الدنيا عروسا يزفها * لامرك من جارى المقادير مغرب فلا مصر الاقد تمناك أهله * ولا أرض الاباد كارك تخصب وما الارض الا منزل أنت ربه * وما حلها الا الودود المرجب تملكت شطر الارض كسبا وشطرها * وراثا فطاب الكل ارثا ومكسب بجيش على الالواح والماء يمتطى * وجيش على الضمر السوابق يركب وجيش من الاحسان والعدل والتقى * وذلك لعمر الله أغلى وأغلب فلا مركب الايزين راكبا * ولا راكب الا به ازدان مركب ولا رمح الا وهو أهيف خاطر * ولا سيف الا وهو أبيض قأضب فكم كاتب خطيه ودواته * ولم يقر خطا يغتدى وهو يكتب يمر على الابطال وهو كانه * هزبر وابطال الفوارس ربرب وكم كاتب لا ينكر الطعن رمحه * خبير بأيام الا عارب معرب. له من عجيب السحر بالقول أضرب * وفى همامة القوم المضارب مضرب فها هو في الاقوال واش محبر * وها هو في الامثال ثا ومجرب ومن ساحب بردا من العلم والتقى * عليه ذيول الداودية تسحب له صبغة في العلم جاءت بأصبغ * وشهبان فهم لم يشمهن أشهب فيا عسكر قد ضم أعلام عالم * به طاب في الدنيا لنا متقلب هم الفئة العلياء والمعشر الذى * إذا حل شعبا فهو للحق مشعب لك الفضل في الدنيا على كل قاطن * ومرتحل أنى يجئ ويذهب ويا مالكا عدلا رضا متورعا * مناقبه العلياء تتلى وتكتب شرعت من الاحسان فينا شريعة * تساوى بهاناء ومن يتقرب

[ 273 ]

وأسميت أهل النسك إذ كنت منهم * فمنك أخو التقوى قريب مقرب وأعليت قدر العلم إذ كنت عالما * ففيه وفى طلابه لك مأرب فمدحك محتوم على كل قائل * ومن ذا الذى يحصى الرمال ويحسب فلله كم تعطى وتمطى وتجتبى * فللبحر من كفيك قد صح منسب فلا برحت كفاك في الارض مزنة * يطيب بها للخلق مرعى ومشرب ولازلت في علياء مجدك راقيا * وشانئك المدحوض ينكى وينكب توافي على أقصى أمانيك آمنا * فلا بر يستعصى ولا يتعصب { الخبر عن واقعة مع السلطان أبى الحسن بالقيروان وما تخللها من الاحداث } كان هؤلاء الكعوب من بنى سليم رؤساء البدو بافريقية وكان لهم اعتزاز على الدولة لا يعرفون غيره مذاولها بل وما قبله إذ كان سليم هؤلاء منذ تغلب العرب من مضر على الدول والممالك أول الاسلام انتبذوا إلى الضواحى والقفار وأعطوا من صدقاتهم عن عزة وارتاب الخلفاء بهم لذلك حتى لقد أوصى المنصور ابنه المهدى أن لا يستعين بأحد منهم كما ذكر الطبري فلما انثالت الدولة العباسية واستبدا لمولى من الحجم عليهم اعتز بنو سليم هؤلاء بالقفر من أرض نجد وأجلبوا على الحاج بالحرمين ونالتهم منهم معرات ولما انقسم ملك الاسلام بين العباسية والشيعة واختطوا القاهرة نفقت لهم أسواق الفتنة والتعزز وساموا الدولتين بالهضيمة وقطع السابلة ثم أغراهم العبيديون بالمغرب وأجازوا إلى برقة على اثر الهلاليين فخرجوا عمرانها وأجروا في خلائها حتى إذا خرج ابن غانية على الموحدين وانتزى بالثغور الشرقية طرابلس وقابس واجتمع معه قراقش الغزى مولى بنى أيوب ملوك مصرو الشام وانضاف إليهم أفاريق العرب من بنى سليم هؤلاء وغيرهم أجلبوا معه على الضواحى والامصار وصاروا في جملتهم من ناعق فتنتهم ولما هلك قراقش وابن غانية واستبدال أبى حفص بافريقية وأعز الزواودة على الامير أبى زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبى حفص استظهر عليهم بنى سليم هؤلاء وزاحمهم بظوا عنهم وأقطعهم بافريقية ونقلهم عن مجالاتهم باطرابلس وأنزلهم بالقيروان فكان لهم من الدولة مكان وعليها اعتزاز ولما افترق سلطان بنى أبى حفص واستبد الكعوب برياسة البدو وضربوا بين أعياصها وسعوا في شقاقها وأصابت منهم وأصابوا منها وكان بين مولانا الامير أبى يحيى وبين حمزة بن عمر أخى الامير منازعة وفتن وحرب سجال اعانه عليها ما كان من رغب بنى عبد الواد إلى افريقية وطمعهم في تملك ثغورها فكان يستجر جيوشهم لذلك وينصب الاعياص من بنى أبى

[ 274 ]

حفص يزاحم ثم غلبه مولانا السلطان أبو بكر آخراو استجره إلى الطاعة ما كان من قطع الزبون عن مولانا السلطان أبى يحيى وهلاك عدوه من ال يغمراسن بسيف وليه وظهيره السلطان أبى الحسن فأذعن وسكن غرب اعتزازه وحمل بنى سليم على اعطاء صدقاتهم فأعطوها باكراهه ثم هلك باغتيال الدولة له فيما يزعمون وقام بالامر بنوه ولم يعرفوا عواقب الامور ولا أبلوا باعتساف الدولة ولم يعهدوا ولا سمعوا لسلفهم غير الاعتزاز فحدثتهم أنفسهم بالفتنة والاعتزاز على قائد الدولة وحاربوه فغلبوه وأجلبوا على السلطان في ملكه ونازلوه بعقر داره سنة ثنتين وأربعين ولما سامهم الامير ابن مولانا السلطان أبى يحيى الهضيمة بعد مهلك أبيه نزعوا إلى أخيه ولى العهد فجاء إلى تونس وملكها بيعا ثم اقتحم عليه أخوه الامير أبو حفص فقتله وتقبض يوم اقتحامه البلد على أبى الهول بن حمزة أخيهم فقتله صبرا بباب داره بالقصبة فأسفهم بها ونزعوا إلى السلطان أبى الحسن ورغبوه في ملك افريقية واستعدوه إليها ولما تغلب السلطان على الوطن وكانت حاله في الاعتزاز على من في طاعته غير حال الموحدين وملكته للبدو غير ملكتهم وحين رأى اعتزازهم على الدولة وكثرة ما أقطعتهم من الضواحى والامصار نكره وأدالهم من الامصار التى أقطعهم الموحدون بأعطيات فرضا لهم في الديوان واستكثر جبايتهم فنقصهم الكثير منها وشكا إليه الرعبة من البدو وما ينالونهم به من الظلامات والجور بفرض الاتاوة التى يسمونها الخفارة فقبض أيديهم عنها وأوعز الى الرعايا بمنعهم منها فارتابوا لذلك وفسدت نياتهم وثقلت وطأة الدولة عليهم فترصدوا لها وتسامع ذوبانهم وبواديهم بذلك فأغاروا على قياطين بنى مرين ومسالحهم بثغور افريقية وفروجها واستاقوا أموالهم وكثر شاكيهم وأظلم الجو منهم بينهم وبين السلطان والدولة ووفد عليه بتونس بعد مرجعه من المهدية وفد من مشيختهم كان فيهم خالد بن حمزة مستحبة إلى افريقية وأخوه أحمد وخليفة بن عبد الله بن مسكين وابن عمه خليفة بن بوزيد من أولاد القوس فأنزلهم السلطان وأكرمهم ثم رفع إليه الامير عبد الرحمن ابن السلطان أبى يحيى زكريا بن اللحيانى كان في جملته وكان من خبره انه رجع من المشرق بعد مهلك أبيه بمصر كما قدمناه سنة ثنتين وثلاثين فدعا لنفسه بجهات طرابلس وتابعه اعراب ذباب وبايع له عبد الملك بن مكى صاحب قابس ونهض معه إلى تونس في غيبة السلطان لتخريب تامزيزد كت كما ذكرناه فملكها أياما وأحس بمرجع السلطان فأجفل عنها ولحق عبد الواحد بن اللحيانى إلى تلمسان إلى أن دلف إليها السلطان أبو الحسن بعساكره ففارقهم وخرج إليه فأحله محل التكرمة والمبرة واستقر في جملته إلى أن ملك تونس ورفع إليه عن مقدم هذا الوفد

[ 275 ]

انهم دسوا إليه مع بعض حشمه وطلبوه في الخروج معهم لينصبوه للامر بافريقية وتبرأ إلى السلطان من ذلك فأحضروا بالقصرو وبخهم الحاجب علال بن محمد بن المصمود وأمر بهم فسحبوا إلى السجن وفتح السلطان ديوان العطاء وعسكر بسيجوم من ساحة البلد بعد قضائه منسك الفطر من سنته وبعث في المسالح والعساكر فتوافت إليه واتصل الخبر بأولاد أبى الليل وأولاد القوس باعتقال وفدهم وعسكرة السلطان لهم فضاقت عليهم الارض بما رحبت وتعاقدوا على الموت وبعثوا إلى اقتالهم أولاد مهلهل بن قاسم بن أحمد وكانوا بعد مهلك سلطانهم أبى حفص قد لحقوا بالقفر وانتبذوا عن افريقية فرارا من مطالبة السلطان بما كانوا شيعة لعدوهم فأغذ السير إليهم أبو الليل بن حمزة متطارحا عليهم بنفسه في الاجتماع على الخروج على السلطان فأجابوه وارتحلوا معه وتوافت احياء بنى كعب وحكيم جميعا بتوز من بلاد الجريد فهدروا الدماء بينهم وتدامروا وتبايعوا على الموت والتمسوا من أعياص الملك من ينصبونه للامر فدلهم بعض سماسرة الفتن على رجل من أعقاب أبى دبوس فريسة بنى مرين من خلفاء بنى عبد المؤمن بمراكش عند ما استولى عليها وكان من خبره ان أباه عثمان بن ادريس بن أبى دبوس لحق بمهلك أبيه بالاندلس وصحب هنالك مرغم بن صابر شيخ بنى ذباب ببر شلونة فلما انطلق من أسره صحبه إلى وطن ذباب بعد أن عقد قمص برشلونة بينهما حلفا وأمدهما باسطول على مال التزماه ونزل بضواحي طرابلس وجبال البربر بها ودعا لنفسه هنالك وقام بدعوته كافة العرب من ذباب وقاتل طرابلس فامتنعت عليه ثم بايعه أحمد بن ابى الليل شيخ الكعوب بافريقية وأجلب به على تونس فلم يتم أمره لرسوخ دعوة الحفصيين بافريقية وانقطاع أمر بنى عبد المؤمن منها وآثارهم منذ الاحوال العديدة والآماد المتقادمة فنسى أمرهم وهلك عثمان بن ادريس هذا بجربة ثم ابنه عبد السلام بعده وترك من الولد ثلاثة أصغرهم أحمد وكان صناع اليدين ولحقوا بتونس بعد ما طوحت بهم طوائح الاغتراب وظنوا ان قد تنوسى شأن أبيهم فتقبض عليهم مولانا السلطان أبو يحيى وأودعهم السجن إلى أن غربهم إلى الاسكندرية سنة أربع وأربعين ورجع أحمد إلى افريقية واحتل بتوزر محترفا بالخياطة يتعيش فاستدعاه بنو كعب هؤلاء حين اتفقت أهواؤهم ومن اتبعهم من احلافهم أولاد القوس وسائر شعوب علاق وخرج إليهم من توزر فنصبوه للامر وجمعوا له شيأ من الفساطيط والآلة والكسوة الفاخرة والمقربات وأقاموا له رسم السلطان وعسكروا عليه بحللهم وقياطينهم وارتحلوا لمناجزة السلطان ولما قضى منسك الاضحى من سنة ثمان وأربعين ارتحل من ساحة تونس يريدهم فوافاهم في الفرح بين بسيط تونس وبسيط

[ 276 ]

القيروان المسمى بالثنية فأجفلوا أمامه وصدقوه القتال منهزمين وهو في اتباعهم إلى أن حصل بالقيروان ورأوا أن لا ملجأ منه فتدامروا واتفقوا على الا ستمائة ودس إليهم من عسكر السلطان بنو عبد الواد ومغراوة وبنو توجين فغلبوا بنى مرين ووعدوهم بالمناجزة صبيحة يومهم ليتحيزوا إليهم براياتهم وصبحوا معسكر السلطان وركب إليهم في الآلة والتعبية فاختل المصاف وتحيز إليهم الكثير ونجا السلطان إلى القيروان فدخلها في الفل من عساكره ثامن المحرم سنة تسع وأربعين وتدافعت ساقات العرب في اثره وتسابقوا إلى المسكر فانتهبوه ودخلوا فسطاط السلطان فاستولوا على ذخيرته والكثير من حرمه وأحاطوا بالقيروان واحاطت حللهم بها سياجا وتعاوت ذئابهم بأطراف البقاع وأجلب ناعق الفتنة من كل مكان وبلغ الخبر إلى تونس فاستحصن بالقصبة أولياء السلطان وحرمه ونزع ابن تافراكين من جملهة السلطان بالقيروان إليهم فعقدوا له على حجامة سلطانهم أحمد بن أبى دبوس ودفعوه إلى محاربة من كان بالقصبة بتونس وأغذ إليها السيرو اجتمع إليه أشياخ الموحدين وزعانف الغوغاء والجند وأحاطوا بالقصبة وعاودها القتال ونصب المنجنيق لحصارها ووصل سلطانه أحمد على اثره فامتنعت عليهم ولم يغنوا فيها غناء وافترق أمر الكعوب وخالف بعضهم بعضا إلى السلطان وتساقطوا إليه فتنفس مخنق الحصار عن القيروان واختلفت إليه رسل أولاد مهلهل وأحسن بهم أولاد أبى الليل بن حمزة بنفسه وعاهد السلطان على الافراج ولم يفوا بعهده وداخل السلطان أولاد مهلهل في الخروج معهم إلى سوسة فعاهدوه على ذلك وأعز اسطوله بمرساها وخرج معهم ليلا على تعبية فلحق بسوسة وبلغ الخبر إلى ابن تافراكين بمكانه من حصار القصبة فركب السفين ليلا إلى الاسكندرية وارتاب سلطانهم ابن أبى دبوس لما وقف على خبره فانفض جمعهم وأفرجوا عن القصبة وركب السلطان أسطوله من سوسة ونزل بتونس آخر جمادى واعتمل في اصلاح اسوارها وادارة الخندق عليها وأقام لها من الامتناع والتحصين رسما ثبت له من بعده ودفع به في نحر عدوه واستقل من نكبة القيروان وعثرتها وخلص من هوتها والله يفعل ما يشاء ولحق أولاد أبى الليل وسلطانهم أحمد بن أبى دبوس بتونس فأحاطوا بالسلطان واستبلغوا في حصاره وخلصت ولاية أولاد مهلهل للسلطان فعول عليهم ثم راجع بنو حمزة رأيهم في طاعة السلطان فدخل كبيرهم عمر إليه في شعبان وتقبضوا على سلطانهم أحمد بن أبى دبوس وقادوه إلى السلطان استبلاغا في الطاعة وامحاضا للولاية فتقبل فيئتهم وأودع ابن أبى دبوس السجن وأصهر إلى عمر بابنه أبى الفضل فعقد له على بنته واختلفت أحوالهم في الطاعة والانحراف إلى أن كان ما نذكرو الله غالب

[ 277 ]

على امره * (الخبر عن انتقاض الثغور الغربية ورجوعها إلى دعوة الموحدين) * كان المولى الفضل بن مولانا السلطان أبى يحيى لما قدم على السلطان أبى الحسن بتلمسان في زفاف شقيقته سنة سبع وأربعين بعد ما اتصل به في طريقه مهلك أبيه أوسع له السلطان كنفه ومهد له جانب كرامته وبره وعمر له بوعد في المظاهرة على ملك أبيه تعزى به عن فقده وارتحل السلطان إلى افريقية والمولى الفضل يرجو أن يجعل سلطانها إليه حتى إذا استولى السلطان على الثغرين بجاية وقسنطينة وارتحل إلى تونس عقد له على مكان امارته أيام أبيه ببونة فصرفه إليه فانقطع أمله وفسد ضميره وطوى على البث حتى إذا كانت نكبة القيروان سما إلى التوثب على ملك سلفه وكان أهل قسنطينة وبجاية قدرموا من الدولة واستنقلوا وطأة الايالة لما اعتادوا من الملك الرفيق فاشرأبوا إلى الثورة عند ما بلغهم خبر النكبة وقد كان توافي بقسنطينة ركاب من المغرب في طوائف من الوفود والعساكر وكان فيهم ابن صغير من أبناء السلطان عقد له على عسكر من أهل المغرب وأو عز إليه باللحاق بتونس وفيهم أعمال المغرب قدموا عند رأس الحول بجبايتهم وحسبانهم وفيهم أيضا وفد من زعماء النصارى بعثهم الطاغية بن أدفونش مع تاشفين ابن السلطان لما أطلقه من الاسر بعدما عقد السلم والمهادنة وكان أسيرا عندهم من لدن واقعة طريف كما ذكرناه وكان أصابه مس من الجنون فلما خلصت الولاية بين السلطان والطاغية وعظم عنده الاتحاف والمهاداة وبلغه خبر السلطان وتملكه افريقية أطلق ابنه تاشفين وبعث معه هؤلاء الزعماء للتهنئة وفيهم أيضا وفد من أهل مالى ملوك السودان بالمغرب أوفدهم ملكهم منسا سليمان للتهنئة بسلطان افريقية وكان معهم أيضا يوسف بن مزتى عامل الزاب وأميره قدم بجباية عمله واتصل به خبر الركاب بقسنطينة فلحق مؤثر اصحابتهم إلى سدة السلطان وتوافت هؤلاء الوفود جميعا بقسنطينة واعصو صبوا على ولد السلطان فلما وصل خبر النكبة اشرأب الغوغاء من أهل البلد إلى الثورة وتحلبت شفاههم إلى ما بأيديهم من اموال الجباية وأحوال الثورة فنقموا عليهم سوء الملكة ودس مشيختهم إلى المولى الفضل ابن مولانا السلطان أبى يحيى بمكانه من بونة وقد كشف القناع في الانتزاء على عمله والدعاء لنفسه فخطبوه للامر واستحثوه للقدوم فأغذ السير وتسامع بخبره أولياء السلطان فخشى ابن مزنى على نفسه وخرج إلى معسكره بحلة أولاد يعقوب ابن على أمير الزواودة ولجأ ابن السلطان وأولياؤه إلى القصبة ومكربهم أهل البلد في الدفاع دونهم حتى إذا أطلت رايات المولى الفضل وثبوابهم وحجزوهم إلى القصبة

[ 278 ]

وأحاطوا بها حتى استزلوهم على أمان عقدوه لهم ولحقوا بحلة يعقوب فعسكروا بها بعد أن نقض أهل البلاد عهدهم في ذات يدهم فاستصفوه وأشار عليهم ابن مزنى باللحاق ببسكرة لتكون ركابهم إلى السلطان فارتحلوا جميعا في جوار يعقوب لماله في تلك الضواحى حتى لحقوا ببسكرة ونزلوا منها على ابن مزنى خير نزل وكفاهم كل شئ يهمهم على طبقاتهم ومقاماتهم وعناية السلطان بمن كان وافدا منهم حتى سار بهم يعقوب بن على إلى السلطان وأوفدهم عليه في رجب من سنته واتصل الخبر بأهل بجاية بالفعلة التى فعل اهل قسنطينة فساجلوهم في الثورة وكنسوا منازل أولياء السلطان وعماله فاستباحوها واستلبوهم وأخرجوهم من بين ظهر انيهم عراة فلحقوا بالمغرب وطيروا الخبر إلى المولى الفضل واستحثوه للقدوم فقدم عليهم وعقد على قسنطينة وبونة لمن استكفى به من خاصته ورجالات دولته واحتل ببجاية لشهر ربيع من سنته وأعاد ملك سفله واستوسق أمره بهذه الثغور إلى أن كان من خبره مع السلطان بعد خروجه من بجاية ما نذكره ان شاء الله { الخبر عن انتزاء أولاد السلطان بالمغرب الاوسط والاقصى ثم استقلال أبى عنان بملك المغرب } لما اتصل خبر النكبة بالقيروان بالامير أبى عنان ابن السلطان وكان صاحب تلمسان والمغرب الاوسط وتساقط إليه الفل من عسكر أبيه عراة زرافات ووحدانا وأرجف الناس بمهلك السلطان بالقيروان فتطاول الامير أبو عنان للاستئثار بسلطان أبيه دون الابناء لما كان له من الايثار عند أبيه لصيانته وعفافه واستظهاره القرآن فكان بعين أبيه لامثالها وكان عثمان بن يحيى بن جرار من مشيخة بنى عبد الوادو أولاد يندوكس ابن طاع الله منهم وكان له محل من الدولة كما ذكرناه عند أخباره وكان السلطان أذن له في الرجوع إلى المغرب فرجع من معسكره بالمهدية ونزل بزاوية العباد من تلمسان وكان مسمتا وقورا جهينة خبر ممنعا في حديثه وكان مرجما فيه الوقوف على الحدثان وكان الامير أبو عنان متشوفا إلى خبر أبيه ففزع إلى عثمان بن جرار في تعرفها واستدعاه وأنس به وكان في قلبه مرض من السلطان فأودع اذن الامير أبى عنان ما أراد من الامانى بتورط السلطان في المهلكة وبشره بمصير الامر إليه فصادف منه اذنا واعية واشتمل عليه ابن جرار من بعدها ورد الخبر بنكبة السلطان فأغراه ابن جرار بالتوثب على الملك وسول له الاستئثار به من دون اخوانه يقينا بمهلك السلطان ثم أوهمه الصدق بارجاف الناس بموت السلطان فاعتزم وشحذ عزيمته في ذلك ما اتصل به من حافد السلطان منصور ابن الامير أبى مالك صاحب فاس وأعمال المغرب من الانتزاء على

[ 279 ]

عمله وأنه فتح ديوان العطاء واستلحق واستركب لغيبة بنى مرين عن بلادهم وخلاء جوه من عساكرهم وأظهر العسكر والحشد لاستنقاذ السلطان من هوة القيروان يسد منها حسوا في ارتقاء وتفطن لشأنه الحسن بن سليمان بن يرزيكن عامل القصبة بفاس وصاحب الشرطة بالضواحي فاستأذنه باللحاق بالسلطان فأذن له راحة من مكانه وأصحبه عمال المصامدة ونواحى مراكش ليستقدمهم على السلطان بجباياتهم فلحق بالامير أبى عنان على حين أمضى عزيمته على التوثب والدعاء لنفسه فقبض أموالهم وأخرج ماكان بموضع السلطان بالمنصورة من المال والذخيرة وجاهر بالدعاء لنفسه وجلس للبيعة بمجلس السلطان من قصره في ربيع من سنة تسع فبايعه الملا وقرأ كتاب بيعتهم على الاشهاد ثم بايعه العامة وانفض المجلس وقد عقد سلطانه ورست قواعد ملكه وركب في التعبية والآلة حتى نزل بقبة الملعب وطعم الناس وانتشروا وعقد على وزارته للحسن بن يرزيكن ثم لفارس بن ميمون بن وردار وجعله دريفا له وتبعا ورفع مكان ابن حدار عليهم واختص لولايته ومناجاة خلوته كاتبه أبا عبد الله محمد بن محمد بن أبى عمرو سنذكر خبره ثم فتح الديوان واستركب من تساقط إليه من فل أبيه وخلع عليهم ودفع إليهم أعطياتهم وأزاح عللهم وبينما هو يريد الرحلة إلى المغرب بلغه أن وتر ماربن عريف ولى السلطان وخالصته عريف بن يحيى وكان أمير زغبة لعهده ومقدما على سائر البدو أنه قد جمع له يريد حربه وغلبه على ما صار إليه من الانتزاء والثورة على أبيه وانه قصد تلمسان بجموعه من العرب وزناتة المغرب الاوسط فعقد للحسن بن سليمان وزيره على حربه وأعطاه الآلة وسرحه للقائه وسرح معه من حضر من بنى عامر اقتال سويد وارتحل في عسكره حتى احتل تسالة وناجزه وترمار الحرب ففلت جموعه ومنحوا اكتافهم واتبع الوزير عسكرهم واكتسح أموالهم وحللهم وعاد إلى سلطانه بالفتح والغنائم وارتحل الامير أبو عنان إلى المغرب وعقد على تلمسان لعثمان بن جرار وأنزله بالقصر القديم منها حتى كان من أمره مع عثمان بن عبد الرحمن ما ذكرناه في أخبارهم ولما انتهى إلى وادى الزيتون وشى إليه بالوزير الحسن بن سليمان انه مضمر الفتك به بتازى تز