الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تاريخ ابن خلدون - ابن خلدون ج 6

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون ج 6


[ 1 ]

تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر، وديوان المبتداء والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر لوحيد عصره العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المغربي المتوفى سنة 808 هجرية الجزء السادس 1391 ه‍. - 1971 م. منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت لبنان ص. ب. 7120

[ 2 ]

* (بسم الله الرحمن الرحيم) * { الطبقة الرابعة من العرب المستعجمة أهل الجيل الناشئ لهذا العهد من بقية أهل الدولة الاسلامية من العرب } لما استقلت مضر وفرسانها وأنصارها من اليمن بالدولة الاسلامية فيمن تبع دينهم من اخوانهم ربيعة ومن وافقهم من الاحياء اليمنية وغلبوا الملل والامم على أمورهم والتزعوا الامصار من أيديهم وانقلبت أحوالهم من خشونة البداوة وسذاجة الخلافة إلى عز الملك وترف الحضارة ففارقوا الحلل وافترقوا على الثغور البعيدة والاقطار البائنة عن ممالك الاسلام فنزلوا بها حامية ومرابطين عصبا وفرادى وتناقل الملك من عنصر إلى عنصر ومن بيت إلى بيت واستفحل ملكهم في دولة بنى أمية وبنى العباس من بعدهم بالعراق ثم دولة بنى أمية الاخرى بالاندلس وبلغوا من الترف والبذخ ما لم تبلغه دولة من دول العرب والعجم من قبلهم فانقسموا في الدنيا ونبتت أجيالهم في ماء النعيم واستأثروا مهاد الدعة واستطابوا خفض العيش وطال نومهم في ظل الغرف والسلم حتى ألفوا الحضارة ونسوا عهد البادية وانفلتت من أيديهم الملكة التى نالوا بها الملك وغلبوا الامم من خشونة الدين وبداوة الاخلاق ومضاء

[ 3 ]

المضرب فاستوت الحامية والرعية لولا الثقافة وشابة الجند والحضر الا في الشدة وأبوا السلطان من المساهمة في المجد والمشاركة في النسب فجدعوا أنوف المتطاولين إليه من أعاصيهم وعشائرهم ووجوه قبائلهم وغضوا من عنان طموحهم واتخذوا البطانة مقرهم من موالى الاعجام وصنائع الدولة حتى كثروا بهم قبيلتهم من العرب الذين أقاموا الدولة ونصروا الملة ودعموا الخلافة وأذاقوهم وبال الخلابة من القهر وساموهم خطة الخسف والذل فأنسوهم ذكر المجد وحلاوة العز وسلبوهم نصرة العصبية حتى صاروا أجزاء على وخولا لمن استعبدهم من الخلاصة وأوزاعا متفرقين بين الامة وصيروا لغيرهم الحل والعقد والابرام والنقض من الموالى والصنائع فداخلتهم أريحية العز وحدثوا أنفسهم بالملك فجحدوا الخلفاء وقعدوا بدست الامر والنهى واندرج العرب أهل الحماية في القهر واختلطوا بالهمج ولم يراجعوا أحوال البداوة لبعدها ولا تذكروا عهد الانساب لدروسها فدثروا وتلاشوا شأن من قبلهم وبعدهم سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (وكان المولدون) لتمهيد قواعد الامر وبناء أساسه من أول الاسلام والدين والخلافة من بعده والملك قبائل من العرب موفورة العدد عزيزة الاحياء فنصروا الايمان والملة ووطدوا أكناف الخلافة وفتحوا الامصار والاقاليم وغلبوا عليها الامم والدول أما من مضر فقريش وكنانة وخزاعة وبنو أسد وهذيل وتميم وغطفان وسليم وهوازن وبطونها من ثقيف وسعد بن بكر وعامر ابن صعصعة ومن إليهم من الشعوب والبطون والافخاذ والعشائر والخلفاء والموالي وأما من ربيعة فبنو ثعلب بن وائل وبنو بكر بن وائل وكافة شعوبهم من بنى شكر وبنى حنيفة وبنى عجل وبنى ذهل وبنى شيبان وتيم الله ثم بنو النمر من قاسط ثم عبد القيس ومن إليهم وأما من اليمنية ثم من كهلان بن سبا منهم فأنصار الله الخزرج والاوس ابنا قيلة من شعوب غسان وسائر قبائل الازد ثم همدان وخثعم وبجيلة ثم مذحج وكافة بطونها من عبس ومراد وزبيد والنخع والاشعريين وبنى الحرث بن كعب ثم لحى وبطونها ولخم وبطونها ثم كندة وملوكها وأما من حمير بن سبا فقضاعة وجميع بطونها ومن إلى هذه القبائل والافخاذ والعشائر والاحلاف هؤلاء كلهم أنفقتهم الدولة الاسلامية العربية فنبا منهم الثغور القصية وأكلتهم الاقطار المتباعدة واستلحمتهم الوقائع المذكورة فلم يبق منهم حى يطرف ولا حلة تنجع ولا عشير يعرف ولا قليل يذكر ولا عاقلة تحمل جناية ولا عصابة بصريخ الاسمع من ذكر أسمائهم في أنساب أعقاب متفرقين في الامصار التى ألخموها بجملتهم فتقطعوا في البلاد ودخلوا بين الناس فامتهنوا واستهينوا وأصبحوا خولا للامر وريبا للواسد وعالة على الحرب

[ 4 ]

وقام بالاسلام والملة غيرهم وصار الملك والامر في أيدى سواهم وجابت بضائع العلوم والصنائع إلى غير سوقهم فغلب أعاجم المشرق من الديلم وانسلخوا فيه والاكراد والعرب والترك على ملكه ودولته فلم يزل مناقلة فيهم إلى هذا العهد وغلب أعاجم المغرب من زناتة والبربر على أمره أيضا فلم تزل الدول تتناقل فيهم على ما نذكره بعد إلى هذا العهد وغلب أعاجم المغرب والبربر على أمره وانقرض أكثر الشعوب الذين كان لهم الملك من هؤلاء فلم يبق لهم ذكر وانتبذ بقية هذه الشعوب من هذه الطبقة بالقفار وأقاموا أحياء با دين لم يفارقوا الحلل ولا تركوا البداوة والخشونة فلم يتورطوا في مهلكة الترف ولا غرقوا في بحر النعيم ولا فقدوا في غيابات الامصار والحضارة ولهذا أنشد شاعرهم فمن ترك الحضارة أعجبته * بأى رجال بادية ترانا وقال المتنبي يمدح سيف الدولة ويعرض يذكر العرب الذين أوقع بهم لما كثر عيثهم وفسادهم وكانوا يروعون الملوك بأن بدوا * وأن نبتت في الماء نبت الغلافق (1) فهاجوك أهدى في الفلا من نجومه * وأبدى بيوتا من أداحى النقانق (2) (وأقامت) هذه الاحياء في صحارى الجنوب من المغرب والمشرق بافريقية ومصر والشأم والحجاز والعراق وكرمان كما كان سلفهم من ربيعة ومضر وكهلان في الجاهلية وعتوا وكثروا وانقرض الملك العربي الاسلامي وطرق الدول الهرم الذى هو شأنها واعتز بعض أهل هذا الجيل غربا وشرقا فاستعملتهم الدول وولوهم الامارة على أحيائهم وأقطعوهم في الضاحية والامصار والتلول وأصبحوا جيلا لعالم ناشئا كثروا سائر أهله من العجم ولهم في تلك الامارة دول فاستحقوا أن تذكر أخبارهم وتلحق بالاحياء من العرب وقع به الاعجاز ونزل به القرآن فثوى فيهم وتبدل اعرابه فمالوا إلى العجمة وان كانت واستحقوا أن يوصفوا بالعجمة من أجل الاعراب فلذلك قلنا فيهم العرب المستعجمة (فلنذكر الآن) بقية هؤلاء لشعوب من هذه الطبقة في المغرب والمشرق ونخص منهم أهل الاحياء الناجعة والاقدار النابهة ونلغي المندرجين في غيرهم ثم نرجع إلى ذكر المنتقلين من هذه الطبقة إلى افريقية والمغرب فنستوعب أخبارهم لان العرب لم يكن المغرب لهم في الايام السابقة بوطن وانما انتقل إليه في أواسط المائة الخامسة أفاريق من بنى هلال وسليم اختلطوا في الدول هنالك فكانت أخبارهم من أخبارها فلذلك استوعبتاها وأما آخر مواطن العرب فكانت

[ 5 ]

برقة وكان فيها بنو قرة بن هلال بن عامر وكان لهم في دول العبيديين أخبار وحكايتهم في الشورة أيام الحاكم والبيعة لابي ركوة من بنى أمية في الاندلس معروفة وقد أشرنا إليها في دولة العبيديين ولما أجاز بنى هلال وسليم إلى المغرب خالطوهم في تلك المواطن ثم ارتحلوا معهم إلى المغرب كما نذكره في دخول العرب إلى افريقية والمغرب وبقى في مواطنهم ببرقة لهذا العهد أحياء بنى جعفر وكان شيخهم أوسط هذه المائة الثامنة أبو ذئب وأخوه حامد بن حميد (1) وهم ينسبون في المغرب تارة في العزة ويزعمون أنهم من بنى كعب بن سليم وتارة في سيب كذلك وتارة في فزارة والصحيح في نسبهم أنهم من سراته احدى بطون هوارة سمعته من كثير من نسابتهم وبعدهم فيما بين برقة والعقبة الكبيرة أولاد سلام وما بين العقبة الكبيرة والاسكندرية أولاد مقدم وهم بطنان أولاد التركية واولاد قائد ومقدم وسلام معا ينسبون إلى لبيد فبعضهم يقول لييد بن لعتة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر وبعضهم يقول في مقدم مقدم بن عزاز بن كعب بن سليم (وذكر لى سلام) شيخ أولاد التركية أن أولاد مقدم من ربيعة بن نزار ومع هؤلاء الاحياء حى محارب ينتمون بآل جعفر ويقال انهم من جعفر بن كلاب وهى رواحة ينتمون بآل زبيد ويقال ابن جعفر أيضا والناجعة من هؤلاء الاحياء كلهم ينتمون في شأنهم إلى الواحات من بلاد القبلة (وقال ابن سعيد) ومن غطفان في رقة مهيب ورواحة وفزارة فجعل هؤلاء من غطفان والله أعلم بصحة ذلك (وفيما بين الاسكندرية ومصر) قبائل رحالة ينتقلون في نواحى البحيرة هنالك ويعمرون أرضها بالسكنى والفلح ويخرجون في المشاتى إلى نواحى العقبة وبرقة من مراية وحوارة وزنارة احدى بطون لواته وعليهم مغارم الفلح ويندرج فيهم أخلاط من العرب والبربر لا يحصون كثرة وبنوا حى الصغير قبائل من العرب من بنى هلال وبنى كلاب من ربيعة أحياء كثيرة ويركبون الخيل ويحملون السلاح ويعمرون الارض بالفلاحة ويقومون بالخراج للسلطان وبينهم مع ذلك من الحروب والفتن ما ليس يكون بين أحياء القفر (وبالصعيد) الاعلى من اسوان وما وراءها إلى أرض النوبة إلى بلاد الحبشة قبائل متعددة وأحياء متفرقة كلهم من جهينة احدى بطون قضاعة ملؤا تلك القفار وغلبوا النوبة على مواطنهم وملكهم وزاحموا الحبشة في بلادهم وشاركوهم في أطرافها والذين يلون اسوان هم يعرفون بأولاد الكنز كان جدهم كنز الدولة وله مقامات مع الدول مذكورة ونزل معهم في تلك المواطن من اسوان إلى قوص بنو جعفر بن أبى طالب حين غليهم بنو الحسن على نواحى المدينة وأخرجوهم منها فهم يعرفون بينهم بالشرفاء الجعافرة ويحترفون

[ 6 ]

في غالب أحوالهم بالتجارة (وبنوا حى مصر) من جهة القبلة إلى عقبة أيلة أحياء جمهورهم من العائد وعليهم درك السابلة بتلك الناحية ولهم على ذلك الاقطاع والعوائد من جهة الشرق بالكرد ونواحيها أحياء بنى عقبة من جذام أيضا ورحالة ناجعة تنتهى وعليهم درك السابلة فيما يليهم وفيما وراء عقبة ايلة إلى القلزم قبائل من قضاعة ومن القلزم إلى الينبع قبائل من جهينة ومن الينبع بدر ونواحيه من زبيد احدى بطون مذحج ولهم مع الامراء بمكة من بنى حسن حلف ومواخاة وفيما بين مكة والمهج مما يلى اليمن قبائل بنى شعبة من كنانة وفيما بين الكرد وغزة شرقا قبائل جذام من قضاعة في جموع وافرة ولهم أمراء أعزة يقطعهم السلطان على العسكر وحفظ السابلة وينجعون في المشاتى إلى معان وما يليها من أسافل نجد مما يلى تيماء وبعدهم في أرض الشأم بنو حارثة بن سنبس وآل مراء من ربيعة اخوال فضل الملوك على العرب في برية الشأم والعراق ونجد وأخبرني بعض أمراء حارثة بن سنبس عن بطون فلنذكر الآن خبر أولاد فضل أمراء الشأم والعراق من طيئ فنبين أعراب الشأم جميعا * (خبر آل فضل وبنى مهنا منهم ودولتهم بالشأم والعراق) * هذا الحى من العرب يعرفون بآل فضل وهم رحالة ما بين الشأم والجزيرة وبرية نجد من أرض الحجاز ينتقلون هكذا بينها في الرحلتين وينتهون في طيئ ومعهم أحياء من زبيد وكلب وهريم ومذحج أحلاف لهم باين بعضهم في الغلب والعدد آل مراء ويزعمون أن فضلا ومراء آل ربيعة ويزعمون أيضا أن فضلا ينقسم ولده بين آل مهنا وآل على وأن آل فضل كلهم كانوا بأرض حوران فغلبهم عليها آل مراء وأخرجوهم منها فنزلوا حمص ونواحيها وأقامت زبيد من أحلافهم بحوران فهم بها حتى الآن لا يفارقونها قالوا ثم اتصل آل فضل باللد من السلطنة وولوهم على أحياء العرب وأقطعوهم على اصلاح السابلة بين الشأم والعراق فاستظهروا برياستهم على آل مراء وغلبوهم على المشاتى فصار عامة رحلتهم في حدود الشأم قريبا من التلول والقرى لا ينجعون إلى البرية الا في الاقل وكانت معهم أحياء من أفاريق الاعراب يندرجون في لفيفهم وحلفهم من مذحج وعامر وزبيد كما كان لآل فضل الا أن أكثر من كان من آل مراء أولئك الاحياء وأوفرهم عددا بنو حارثة من احدى سنى بطون طيئ هكذا ذكر الثقة عنهم من رجالاتهم وحارثة هؤلاء متغلبون لهذا العهد في تلول الشأم لا يجاوزونها إلى القفار ومواطن طيئ بنجد قد اتسعت وكانوا أول خروجهم من اليمن نزلوا جبلى أجاوسلمى وغلبوا عليهما بنى أسد وجاوروهم مكان لهم من

[ 7 ]

المواطن سميراء وميدمن منازل الحاج ثم انقرض بنو أسد وورثت طيئ بلادهم فيما وراء الكرخ من أرض غفر وكذلك ورثوا منازل تميم بأرض نجد فيما بين البصرة والكوفة واليمامة وكذلك ورثوا غطفان ببطن مما يلى وادى القرى هكذا قال ابن سعيد وقال أشهر الحجازيين منهم الآن بنو لام وبنو نبهان والصولة بالحجاز لبنى لام بين المدينة والعراق ولهم حلف مع بنى الحسين أمراء المدينة قال وبنو صخر منهم في جهة تيماء بين الشأم وخيبر قال وغربة من طيئ بنو غربة بن أفلت بن معبد بن معن بن عمر بن عنبس بن سلامان ومن بعد بلادهم حى الانمر والاساور ورثوها من عنزة ومنازلهم لهذا العهد في مصايفهم بالكيبات وفى مشاتيهم مع بنى لام من طيئ وهم أهل غارة وصولة بين الشأم والعراق ومن بطونهم الاجود والبطنين واخوانهم زبيد نازلون بالموصل فقد جعل ابن سعيد هؤلاء من بطون طيئ ولم يجعلهم من مذحج ووياسة آل فضل في هذا العهد في بنى مهنا وينسبونه هكذا كنا بن مايع بن مدسة بن عصية بن فضل بن بدر بن على بن مفرج بن بدر بن سالم بن قصية بن بدر بن سميع ويقفون عند سميع ويقول زعماؤهم ان سميعا هذا هو الذى ولدته العباسة أخت الرشيد من جعفر بن يحيى البرمكى وحاشا لله من هذه المقالة في الرشيد وأخته وفى بنات كبراء العرب من طيئ إلى موالى العجم من بنى برمك وأمثالهم ثم ان الموجود تميل رياسته مثل هؤلاء على هذا الحى إذا لم يكونوا من نسبهم وقد تقدم مثل ذلك في مقدمات الكتاب (وكان مبدأ رياستهم) من أول دولة بنى يعقوب قال العماد الاصبهاني نزل العادل بمرج دمشق ومعه عيسى بن محمد بن ربيعة شيخ الاعراب في جموع كثيرة وكانت الرياسة فيهم لعهد الفاطميين لبنى جراح من طيئ وكان كبيرهم مفرج بن دغفل بن جراح وكان من أقطاعه التى معه وهو الذى قبض على اسكى مولى بنى بويه لما انهزم مع مولاه بختيار بالعراق وجاء إلى الشأم سنة أربع وستين وثلثمائة وملك دمشق وزحف مع القرامطة لقتال العزيز بن المعز لدين الله صاحب مصر فهزمهم العزيز وهرب افتكين فلقيه مفرج بن دغفل وجاء به إلى العزيز فأكرمه ورقاه في دولته ولم يزل شأن مفرج هذا وتوفى سنة أريع وأربعمائة وكان من ولده حسان ومحمود وعلى وجرار وولى حسان بعده وعظم صيته وكان بينه وبين خلفاء الفاطميين معزة واستقامة وهو الذى هزم الرملة وهزم قائدهم باروق التركي وقتله وسبى نساءه وهو الذى مدحه التهامى ويذكر المسمى وغيره أن موطئ دولة العبيديين في قرابة حسان بن مفرج هذا فضل بن ربيعة بن حازم وأخوه بدر بن ربيعة وابنا بدر ولعل فضلا هذا هو جد آل فضل (قال ابن الاثير) ان فضل بن ربيعة بن حازم كان آباؤه أصحاب السقاء والبيت المقدس وكان

[ 8 ]

الفضل تارة مع الفرع وتارة مع خلفاء مصر ونكره لذلك طغركين أتابك دمشق وكافل بنى نبتى فطرده من الشأم فنزل على صدقة بن وتر بالملة وحالفه ووصله صدقة بتسعة آلاف دينار فلما خالف صدقة بن مزيد على السلطان محمد بن ملسكاب سنة خمسمائة وما بعدها ووقعت بينهما الفتنة اجتمع له فضل هذا وقرواس بن شرف الدولة من قريص صاحب الموصل وبعض أمراء التركمان كانوا كلهم أولياء صدقة فصار في الطلائع بين يدى الحرب وهربوا إلى السلطان فأكرمهم وخلع عليهم وأنزل فضل بن ربيعة بدار صدقة بن مزيد ببغداد حتى إذا سار السلطان لقتال صدقة واستأذنه فضل في الخروج إلى البرية ليأخذ بحجزة صدقة فأذن له وعبر إلى الانبار فلم يراجع السلطان بعدها اه‍ كلام ابن الاثير ويظهر من كلامه وكلام المسيحي أن فضلا هذا وبدرا من آل جراح بلا شك ويظهر من سياقة هولاء نسبهم أن فضلا هذا هو جدهم لانهم ينسبونه فضل بن ربيعة بن الجراح فلعل هؤلاء نسبوا ربيعة إلى مفرج الذى هو كبير بنى الجراح لبعد العهد وقلة المحافظة على مثل هذا من البادية القفر وأما نسبة هذا الحى من آل فضل بن ربيعة بن فلاح من مفرج في طيئ فبعضهم يقول ان الرياسة في طيئ كانت لاياس بن قبيصة من بنى سبا بن عمر بن الغوث من طيئ واياس هو الذى ملكه كسرى على الحرة بعد آل المنذر لما قتل النعمان بن المنذر وهو الذى صالح خالد بن الوليد عن الحرة على الجزية ولم تزل الرياسة على طيئ إلى بنى قبيصة هؤلاء صدرا من دولة الاسلام فلعل بنى الجراح وآل فضل هؤلاء من أعقابهم وان كان انقرض أعقابهم فهم من أقرب الحى إليهم لان الرياسة على الاحياء والشعوب انما تتصل في أهل العصبية والنسب كما مر أول الكتاب (وقال ابن حزم) عندما ذكر أنساب طيئ وأنهم لما خرجوا من اليمن مع بنى أسد نزلوا جبلى أجا وسلمى وأوطنوهما وما بينهما ونزل بنو آمد ما بينهم وبين العراق وفضل كثير منهم وهم بنو حارثة نسبة إلى أمهم وتيم الله وحبيش والاسعد اخوتهم رحلو على الميلين في حرب الفساد فلحقوا بحلب وحاصر طيئ وأوطنوا تلك البلاد الا بنى رومان بن جندب بن خارجة بن سعد فانهم أقاموا بالجبلين فكانوا جبليين ولاهل حلب وحاصر طيئ من بنى خارجة السهيليون اه‍ فلعل هذه الاحياء الذين بالشأم من بنى الجراح وآل فضل من بنى خارجة هؤلاء الذين ذكر ابن حزم انهم انتقلوا إلى حلب وحاصر طيئ لان هذا الموطن أقرب إلى مواطنهم لهذا العهد من مواطن بنى الجراح بفلسطين من جبلى أجا وسلمى اللذين هو موضع الآخرين فالله أعلم أي ذلك يصح من انسابهم وتحت خفارى بنوا حى الفرات ابن كلاب بن ربيعة بن عامر دخلوا مع قبائل عامر بن صعصعة بن نجد إلى الجزيرة ولما افترق بنو عامر على الممالك الاسلامية اختص هؤلاء بنواحي حلب

[ 9 ]

وملكها منهم بنو صالح بن مرداس من بنى عمر بن كلاب ثم تلاشى ملكهم ورجعوا عنها إلى الاحياء وأقاموا بالفرات تحت خفارة هؤلاء الامراء من طيئ (وأما ترتيب رياستهم) على العرب بالشأم والعراق منذ دولة بنى أيوب العادل والى هذا العهد وهو آخر ست وتسعين وسبعمائة فقد ذكرنا ذلك في دولة الترك ملوك مصر والشأم وذكرناهم واحدا بعد واحد على ترتيبهم وسنذكرهم ههنا على ذلك الترتيب فنقول كان الامير لعهد بنى أيوب عيسى بن محمد بن ربيعة أيام العادل كما كان بعده حسام الدين مانع بن حارثة بمصر والشأم * وفى سنة ثلاثين وستمائة ولى عليهم بعده ابنه مهنأ ولما ارتجع قطز بن عصية بن فضل أحد ملوك الترك بمصر الشأم من أيدى التتر وهزمهم بعين جالوت أقطع سلمية لمهنا بن مانع وانتزعها من عمل المنصور بن قطفر بن شالعشاه صاحب حماة ولم أقف على تاريخ وفاة مهنا ثم ولى الظاهر على احياء العرب بالشأم عند ما استفحل ملك الترك وسار إلى دمشق لتشييع الخليفة الحاكم عم المستعصم إلى بغداد عيسى بن مهنا بن مانع وجزله الاقطاعات على حفظ السابلة وحبس ابن عمه زامل بن على بن ربيعة من آل فضل على سعايته واغرامه ولم يزل بغير على أحياء العرب وصلحوا في أيامه لانه خالف أباه في الشدة عليهم وهرب إليه سنقر الاسفر سنة تسع وسبعين وكاتبوا أنفا واستحثوه لملك الشأم وتوفى عيسى بن مهنا سنة اربع وثمانين فولى المنصور قلاون من بعده ابنه مهنا ثم سار الاشرف بن قلاون إلى الشأم ونزل حمص ووفد عليه مهنأ بن عيسى في جماعة من قومه فقبض عليه وعلى ابنه موسى واخوته محمد وفضل ابني مهنا وبعث بهم إلى مصر فحبسوا بها حتى أفرج عنهم العادل كنعا عند ما جلس على التخت سنة أربع وتسعين ورجع إلى امارته وكان له في أيام الناصر نصرة واستقامة وميلة إلى ملوك التتر بالعراق ولم يحضر شيأ من وقائع غازال ولما فر اسفر واقوش الافرم وأصحابهما سنة عشر وسبعمائة لحقوا به وساروا من عنده إلى خرشد واستوحش هو من السلطان وأقام في أحيائه منقبضا عن الوفادة ووفد أخوه فضل سنة ثنتى عشرة فرعا له حق وفادته وولاه على العرب مكان أخيه مهنا وبقى مهنأ مشردا ثم لحق سنة ست عشرة بخرشد ملك التتر فأكرمه وأقطعه بالعراق وهلك خرشد في تلك السنة فرجع مهنأ إلى أحيائه ووفد ابنه أحمد وموسى وأخوه محمد بن عيسى مستعتبين على الناصر ومتطارحين عليه فاكرم وفادتهم وأنزلهم بالقصر الابلق وشملهم بالاحسان وأعتب مهنأ ورده إلى امارته واقطاعه وذلك سنة سبع عشرة وحج هذه السنة ابنه عيسى وأخوه محمد وجماعة من آل فضل في اثنى عشر ألف راحلة ثم رجع مهنأ إلى دينه في ممالاة التتر والاجلاء على الشأم واتصل ذلك

[ 10 ]

منه فنقم السلطان عليه وسخط عليه قومه أجمع وتقدم إلى أبواب الشأم سنة عشرين بعد مرجعه من الحج فطرد آل فضل عن البلاد وأدال منهم مالكا على عدالته بينهم وولى منهم على أحياء العرب محمد بن وصرف أقطاع مهنا وولده إلى محمد وولده فاقام مهنا على ذلك مدة ثم وفد سنة احدى وثلاثين مع الافضل ابن المؤيد صاحب حماة متوسلا به ومتطارحا على السلطان فأقبل عليه ورد عليه أقطاعه وامارته (وذكر لى) بعض أمراء الكبراء بمصر فيمن أدرك وفادته أو حدث بها انه تجافى في هذه الوفادة من قبول شئ من السلطان حتى انه ساق عنده النياق الحلوبة والعراب وانه لم يغش باب احد من ارباب الدولة ولا سأل منهم شيأ من حاجاته ثم رجع إلى أحيائه وتوفى سنة اربع وثلاثين فولى ابنه مظفر الدين موسى وتوفى سنة ثنتين واربعين عقب مهلك الناصر وولى مكانه اخوه سليمان ثم هلك سليمان سنة ثلاث وأربعين فولى مكانه شرف الدين عيسى ابن عمه فضل بن عيسى ثم توفى سنة اربع وأربعين بالفرس ودفن عند قبر خالد بن الوليد وولى مكانه اخوه سيف بن فضل ثم عزله السلطان بمصر الكامل ابن الناصر سنة ست وأربعين وولى مكانه أحمد بن مهنا بن عيسى ثم جمع سيف بن فضل ولقيه فياض بن مهنا بن عيسى وانهزم سيف ثم ولى السلطان حسن الناصر في دولته الاولى وهو في كفالة سعاروس أحمد بن مهنا فسكنت الفتنه بينهم ثم توفى سنة سبع وأربعين فولى مكانه أخوه فياض وهلك سنة تسع وأربعين وولى مكانه أخوه حدار بن مهنا وولاه حسن الناصر في دولته الثانية ثم انتقض سنة خمس وستين واقام سنتين بالقصر عاصيا إلى أن تشيع فيه نائب حماة فأعيد إلى امارته ثم انتقض سنة سبعين فولى السلطان الاشرف مكانه ابن عمه زامل بن موسى بن عيسى وجاء إلى نواحى حلب واجتمع إليه بنو كلاب وغيرهم وعاثوا في البلاد وعلى حلب يومئذ قشتمر المنصوري فبرز إليهم وانتهى إلى خيمهم واستاق نعمهم وتخطى إلى الخيام فاستجاشوا بها وهزموا وقتل قشتمر ابنه في المعركة تولى هو قتله بيده وذهب إلى القفر منفضا فولى الاشرف مكانه ابن عمه معيقل بن فضل بن عيسى ثم بعث ابن معيقل صاحبه سنة احدى وسبعين يستأ من بجبار فامنه ثم وفد جبار بن مهنا سنة خمس وسبعين فرضى عنه السلطان وأعاده إلى امارته ثم توفى سنة سبع وسبعين فولى أخوه مالك إلى أن هلك سنة احدى وثمانين فولى مكانه معيقل بن موسى بن عيسى وابن مهنا شريكين في امارتهما ثم عزلا لسنة وولى بعير بن جابر بن مهنا واسمه محمد وهو لهذا العهد أمير على آل فضل وجميع أحياء طيئ بالشأم والسلطان الظاهر لعهده يزاحمه بحجر بن محمد ابن قارى حتى سخطه ثم وصل انتقاضه على السلطان وخلافه وظاهر السلطان على

[ 11 ]

مولاه ثم محمد بن قارى فسخطه وولى مكانهما ابن عمهما محمد بن كوكتين ابن عمه موسى ابن عساف بن مهنا فقام بامر العرب وبقى بعير منتبذا بالقفر وعجز عن الميرة لقلة ما بيده واختلت أحواله وهو على ذلك لهذا العهد والله ولى الامور لارب سواه موسى بن عساف بن مهنا - بن عيسى بن مهنا بن مانع بن حديثة بن عصية بن فضل محمد بن قارى فياض موسى زامل زامل بن على أحمد سفيان بن فضل عيسى (ولنرجع) إلى ما بقى من شعوب هذه الطبقة فنقول كان بنو عامر بن صعصعة كلهم بنجد وبنو كلاب في خناصرة والربذة من جهات المدينية وكعب بن ربيعة فيما بين تهامة والمدينة وأرض الشأم وبنو هلال بن عامر في بسائط الطائف ما بينه وبين جبل غزوان ونمير بن حامد معهم وجشم محسوبون منهم بنجد وانتقلوا كلهم في الاسلام إلى الجزيرة الفراتية مسلك نهر حران ونواحيها وأقام بنو هلال بالشأم إلى أن ظعنوا إلى المغرب كما نذكر في أخبارهم وبقى منهم بقية بجبل بنى هلال المشهور بهم قبلى قلعة صرخد وأكثرهم اليوم يتعاطون الفلح وبنو كلاب بن ربيعة ملكوا أرض حلب ومدينتها كما ذكرناه وبنو كعب بن ربيعة دخلت إلى الشأم منهم قبائل عقيل وقسر وحريش وجعدة فانقرض الثلاثة في دولة الاسلام ولم يبق الا بنو عقيل (وذكر) ابن حزم أن عددهم يفى عدد جميع مضر فملك منهم الموصل بنو مالك بعد بنى حمدان وتغلب واستولوا عليها وعلى نواحيها وعلى حلب معها ثم انقرض ملكهم ورجعوا للبادية وورثوا مواطن العرب في كل جهة فمنهم بنو المنتفق بن عامر بن عقيل وكان بنو مالك بن عقيل في أرض تيماء من نجد وهم الآن بجهات البصرة في الآجام التى بينها وبين الكوفة المعروفة بالبطائح والامارة منهم في بنى معروف وبالمغرب من بنى المنتفق أحياء دخلوا مع هلال بن عامر يعرفون بالخلط ومواطنهم بالمغرب الاقصى ما بين فاس ومراكش (وقال الجرجاني) ان بنى المنتفق كلهم يعرفون بالخلط ويليهم في جنوب البصرة اخوتهم بنو عامر بن عوف بن مالك بن عوف بن عامر وعوف أخو المنتفق قد غلبوا على البحرين وغمارة وملكوها من يدى أبى الحسن الاصغر بن ثعلب وكانت هذه

[ 12 ]

المواطن للازد وبنى تميم وعبد القيس فورث هؤلاء أرضهم فيها وديارهم (قال ابن سعيد) وملكوا أيضا أرض اليمامة من بنى كلاب وكان ملوكهم فيها العهد الخمسين والستمائة بنى عصفور وكان من بنى عقيل خفاجة بن عمر بن عقيل كان انتقالهم إلى العراق فأقاموا به وملكوا ضواحيه وكانت لهم مقامات وذكر وهم أصحاب صولة وكثرة وهم الآن ما بين دجلة والفرات ومن عقيل هؤلاء بنو عبادة بن عقيل ومنهم الاجافل لان عبادة كان يعرف بالاجفل وهم لهذا العهد بالعراق مع بنى المنتفق وفى البطائح التى بين البصرة والكوفة وواسط والامارة فيهم على ما يبلغنا لرجل اسمه ميان بن صالح وهو في عدد ومنعة وما أدرى أهو في بنى معروف أمراء البطائح بنى المنتفق أو من عبادة الاجافل هذه أحوال بنى عامر بن صعصعة واستيلائهم على مواطن العرب من كهلان وربيعة ومضر (فأما بنو كهلان) فلم يبق لهم أحياء فيما يسمع (وأما ربيعة) فأجازوا بلاد فارس وكرمان فهم ينتجعون هنا لك ما بين كرمان وخراسان وبقيت بالعراق منهم طائفة ينزلون البطائح والسيب إلى الكوفة منهم بنو صباح ومعهم لفائف من الاوس والخزرج فأمير ربيعة اسمه الشيخ ولى وعلى الاوس والخزرج طاهر بن خضر منهم هذه شعوب الطبقة الثالثة من العرب لهذا العهد في ديار المشرق بما أدى إليه الامكان (ونحن الآن نذكر شعوبهم الذين انتقلوا إلى المغرب) فان أمة العرب لم يكن لهم المام قط بالمغرب لا في جاهلية ولا في اسلام لان أمة البربر الذين كانوا به كانوا يمانعون عليه الامم وقد غزاه افريقش بن ضبيع الذى سميت به افريقية من ملوك التبابعة وملكها ثم رجع عنها وترك كتامة وصنهاجة من قبائل حمير فاستحالت طبيعتهم إلى البربر واندرجوا في أعدادهم وذهب ملك العرب منهم ثم جاءت الملة الاسلامية وظهر العرب على سائر الامم بظهور الدين فسارت في المغرب وافتتحوا سائر أمصاره ومدنه وعايينوا من حروب البربر شدة وقد تقدم لنا ما ذكره ابن أبى زيد من انهم ارتدوا اثنتى عشرة مرة ثم رسخ فيهم الاسلام ولم يسكنوا بأجيالهم في الخيام ولا نزلوا أحياء لان الملك الذى حصل لهم يمنعهم من سكنى الضاحية ويعدل بهم إلى المدن والامصار فلهذا قلنا ان العرب لم يوطنوا بلاد المغرب ثم انهم دخلوا إليه في منتصف المائة الخامسة وأوطنوه وافترقوا بأحيائهم في جهاته كما نذكر الآن ونستوعب أسبابه { الخبر عن دخول العرب من بنى هلال وسليم المغرب من الطبقة الرابعة وأخبارهم هنا لك } كانت بطون هلال وسليم من مضر لم يزالوا بادين الدولة العباسية

[ 13 ]

وكانوا أحياء ناجعة محلاتهم من بعد الحجاز بنجد فبنو سليم مما يلى المدينة وبنو هلال في جبل غزوان عند الطائف وربما كانوا يطوفون رحلة الصيف والشتاء اطراف العراق والشأم فيغيرون على الضواحى ويفسدون السابلة ويقطعون على الرفاق وربما أغار بنو سليم على الحاج أيام الموسم بمكة وأيام الزيارة بالمدينة وما زالت البعوث تجهز والكتائب تكتب من باب الخلافة ببغداد للايقاع بهم وصون الحاج عن مضرات هجومهم ثم تحيز بنو سليم والكثير من ربيعة بن عامر إلى القرامطة عند ظهورهم وصاروا جندا بالبحرين وعمان ولما تغلب شيعة ابن عبيد الله المهدى على مصر والشأم وكان القرامطة قد تغلبوا على أمصار الشأم فانتزعها العزيز منهم وغلبهم عليها وردهم على أعقابهم إلى قرارهم بالبحرين ونقل أشياعهم من العرب من بنى هلال وسليم فانزلهم بالصعيد وفى العدوة الشرقية من بحر النيل فاقاموا هناك وكان لهم اضرار بالبلاد ولما انساق ملك صنهاجة بالقيروان إلى المعز بن باديس بن المنصور سنة ثمان وأربعمائة قلده الظاهر لدين الله على بن الحاكم بأمر الله منصور بن العزير لدين الله أمر افريقية على عادة آبائه كما نذكره لك بعد وكان لعهد ولايته غلاما يفعة ابن ثمان سنين فلم يكن مجربا للامور ولا بصيرا بالسياسة ولا كانت فيه عزة وأنفة ثم هلك الظاهر سنة سبع وعشرين وولى المنتصر بالله معز الطويل أمر الخلافة بما لم ينله أحد من خلفاء الاسلام يقال ولى خمسا وسبعين وقيل خمسا وتسعين والصحيح ثلاث وسبعون لآن مهلكه كان على رأس المائة الخامسة وكانت أذن المعز بن باديس صاغية إلى مذاهب أهل السنة وربما كانت شواهدها تظهر عليه وكبابه فرسه في أول ولايته لبعض مذاهبه فنادى مستغيثا بالشيخين أبى بكر وعمر وسمعته العامة فثاروا بالرافضة وقتلوهم وأعلنوا بالمعتقد الحق ونادوا بشعار الايمان وقطعوا من الاذان حى على خير العمل وأغضى عنه الظاهر من ذلك وابنه معز المنتصر من بعده واعتذر بالعامة فقبل واستمر على اقامة الدعوة والمهاداة وهو في أثناء ذلك يكاتب وزيرهما وحاجب دولتهما المضطلع بأمورهما أبا القاسم أحمد بن على الجرجاني ويستميله يعرض ببنى عبيد وشيعتهم وكان الجرجاني يلقب بالاقطع بما كان أقطعه الحاكم بجناية ظهرت عليه في الاعمال وانتهضته السيدة بنت الملك عمة المنتصر فلما ماتت استبد بالدولة سنة أربع عشرة وأربعمائة إلى أن هلك سنة ست وثلاثين وولى الوزارة بعده أبو محمد الحسن بن على الياروزى أصله من قرى فلسطين وكان أبوه ملاحا بها فلما ولى الوزارة خاطبه أهل الجهات ولم يولوه بالف من ذلك فعظم عليه وحنق عليه ثمال بن صالح صاحب حلب والمعز بن باديس صاحب افريقية وانحرفوا عنه وحلف

[ 14 ]

المعز لينقضن طاعتهم وليحولن الدعوة إلى بنى عباس ويمحون اسم بنى عبيد من مناره ولج في ذلك وقطع أسماءهم من الطراز والرايات وبايع القائم أنا جعفر بن القادر من خلفاء بنى العباس وخاطبه ودعا له على منابره سنة سبع وثلاثين وبعث بالبيعة إلى بغداد ووصله أبو الفضل البغدادي وحظي من الخليفة بالتقليد والخلع وقرئ كتابه بجامع القيروان ونشرت الرايات السود وهدمت دار الاسماعيلية وبلغ الخبر إلى المستنصر معز الخليفة بالقاهرة والى الشيعة الرافضة من كتامة وصنائع الدولة فوجموا وطلع عليهم المقيم المقعد من ذلك وارتبكوا في أمرهم وكان أحياء هلال هؤلاء الاحياء من جشم والاثير وزغبة ورياح وربيعة وعدى في محلاتهم بالصعيد كما قدمناه وقد عم ضررهم وأحرق البلاد والدولة شررهم فأشار الوزير أبو محمد الحسن بن على الياروزى باصطناعهم والتقدم لمشايخهم وتوليتهم أعمال افريقية وتقليدهم أمرها و صنهاجة ليكونوا عند نصر الشيعة والسبب في الدفاع عن الدولة فان صدقت المخيلة في ظفرهم بالمعز وصنهاجة كانوا أولياء للدعوة وعمالا بتلك القاصية وارتفع عدوانهم من ساحة الخلافة وان كانت الاخرى فلها ما بعدها وأمر العرب البادية أسهل من أمر صنهاجة الملوك فتغلبوا على هدية وثورانه وقيل ان الذى أشار بذلك وفعله وأدخل العرب إلى افريقية انما هو أبو القاسم الجرجاني وليس ذلك بصحيح فبعث المستنصر وزيره على هؤلاء الاحياء سنة احدى وأربعين وأرضخ لامرائهم في العطاء ووصل عامتهم بعيرا ودينارا لكل واحد منهم وأباح لهم اجازة النيل وقال لهم قد أعطيتكم المغرب وملك المعز بن بلكين الصنهاجى العبد الآبق فلا تفتقرون وكتب الباروزى إلى المغرب اما بعد فقد أنفذنا اليكم خيولا فحولا وأرسلنا عليها رجالا كهولا ليقضى الله أمرا كان مفعولا فطمعت العرب إذ ذاك وأجازوا النيل إلى برقة ونزلوا بها وافتتحوا أمصارها واستباحوها وكتبوا لاخوانهم شرقي النيل يرغبونهم في البلاد فاجازوا إليهم بعد أن أعطوا لكل رأس دينارين فأخذ منهم أضعاف ما أخذوه وتقارعوا على البلاد فحصل لسليم الشرق ولهلال الغرب وخربوا المدينة الحمراء وأجد ابية واسمرا وسرت وأقامت لهب من سليم وأحلافها رواحة وناصرة وعمرة بأرض برقة وسارت قبائل دياب وعرف وزغب وجميع بطون هلال إلى افريقية كالجراد المنتشر لا يمرون بشئ الا أتوا عليه حتى وصلوا إلى افريقية سنة ثلاث وأربعين وكان أول من وصل إليهم أمير رياح موسى بن يحيى الصنبرى فاستماله المعز واستدعاه واستخلصه لنفسه وأصهر إليه وقاومه في استدعاء العرب من قاصية وطنه للاستغلاظ على نواحى بنى عمه فاستنفر القرى وأتى عليهم فاستدعاهم فعاثوا في البلاد

[ 15 ]

وأظهروا الفساد في الارض ونادوا بشعار الخليفة المستنصر وسرح إليهم من صنهاجة الاولياء فاوقعوا بها فتمخط المعز لكبره وأشاط بغضبه وتقبض على أخى موسى وعسكر بظاهر القيروان وبعث بالصريخ إلى ابن عمه صاحب القلعة القائد بن حامد بن بلكين فكتب إليه كتيبة من ألف فارس سرحهم إليه واستفرزوا عن زناتة فوصل إليه المستنصر بن حزور المغراوى في ألف فارس من قومه وكان بالبدو من افريقية مع النازعة من زنانة وهو من أعظم ساداتهم وارتحل المقرف في أولئك النفر ومن لف لفهم من الاتباع والحشم والاولياء ومن في ايالتهم من بقايا عرب الفتح وحشد زناتة والبربر وصمد نحوهم في أمم لا تحصى وحاصر عددهم فيما يذكر ثلاثون ألفا وكانت رياح وزغبة وعدى حيدران من جهة فاس ولما تزاحف الفريقان انخذل بقية عرب الفتح وتميزوا إلى الهلاليين للعصبية القديمة وخانته زناتة وصنهاجة وكانت الهزيمة على المعز وفر بنفسه وخاصته إلى القيروان وانتهبت العرب جميع محله من المال والمتاع والذخيرة والفساطيط والرايات وقتلوا فيها من البشر ما لا يحصى يقال ان القتلى من صنهاجة بلغوا ثلاثة آلاف وثلثمائة وفى ذلك يقول على بن رزق الرياحي كلمته ويقال انها لابن شداد وأولها لقد زارو هنا من أميم خيال * وأيدي المطايا بالزميل عجال وان ابن باديس لافضل مالك * لعمري ولكن ما لديه رجال ثلاثون ألفا منهم قد هزمتهم * ثلاثة آلاف وذاك ضلال ثم نازلوه بالقيروان وطال عليه أمر الحصار وهلكت الضواحى والقرى بافساد العرب وعيثهم وانتقام السلطان منهم بانتمائهم في ولاية العرب ولجأ الناس إلى القيروان وأكثروا النهب واشتد الحصار وفر أهل القيروان إلى تونس النهب في البلاد والعيث في البلاد ودخلت تلك الارض سنة خمس وأربعين وأحاطت زغبة ورياح بالقيروان ونزل موسى قريبا من ساحة البلد وفر القرابة والاعياص من آل زير فولاهم موسى قابس وغيرها ثم ملكوا بلاد قسطينة كلها وغزا عامل بن أبى هم زناتة ومغراوة فاستباحهم ورجع واقتسمت العرب بلاد افريقية سنة ست وأربعين وكان لزغبة طرابلس وما يليها ولمرداس بن رياح باجة وما يليها ثم اقتسموا البلاد ثانية فكان لهلال من تونس إلى الغرب وهم رياح وزغبة والمعقل وجشم وقرة والاثيج والخلط وسفيان وتصرم الملك من يد المعر وتغلب عائذ بن أبى الغيث على مدينة تونس وسلبها وملك أبو مسعود من شيوخهم مومه صلحا وعامل المعز على خلاص نفسه وصاهره ببناته ثلاثة

[ 16 ]

من أمراء العرب فارس بن أبى الغيث وأخاه عائذا والفضل بن أبى على المرادى وقدم ابنه تميم إلى المهدية سنة ثمان وأربعين ولسنة تسع بعدها بعث إلى اصهاره من العرب وترحم بهم ولحق بهم بالقيروان واتبعوه فركب البحر والساحل وأصلح أهل القيروان فأخبرهم ابنه المنصور بخبر أبيه فساروا بالسودان والمنصور وجاء العرب فدخلوا البلد واستباحوه واكتسحوا المكاسب وخربوا المباني وعاثوا في محاسنها وطمسوا من الحسن والرونق معالمها واستصفوا ما كان لآل بلكين في قصورها وشملوا بالعيث والنهب سائر حريمها وتفرق أهلها في الاقطار فعظمت الرزية وانتشر الداء وأعضل المطب ثم ارتحلوا إلى المهدية فنزلوها وضيقوا عليها بمنع المرافق وافساد السابلة ثم حاربوا زناتة من بعد صنهاجة وغلبوهم على الضواحى واتصلت الفتنة بينهم وأغزاهم صاحب تلمسان من اعقاب محمد بن خزر وجيوشه مع وزيره أبى سعدى خليفة اليمرنى فهزموه وقتلوه بعد حروب طويلة واضطرب أمر افريقية وخرب عمرانها وفسدت سابلتها وكانت رياسة الضواحى من زناتة والبربر لبنى يفرق ومغراوة وبنى ماند وبنى تلومان ولم يزل هذا دأب العرب وزناتة حتى غلبوا صنهاجة وزناتة على ضواحي افريقية والزاب وغلبوا عليها صنهاجة ونهروا من بها من البربر وأصاروهم عبيدا وخدما بباجة وكان في هؤلاء العرب لعهد دخولهم افريقية رجالات مذكورون وكان من أشرفهم حسن بن سرحان وأخوه بدر وفضل بن ناهض وينسبون هؤلاء في دريد بن الاثبج وماضي بن مقرب ونيونه بن قرة وسلامة بن رزق في بنى كبير من بطون كرفة بن الاثبج وشاقة بن الاحيمر وأخوه صلصيل ونسبوهم في بنى عطية من كرفه ودياب ابن غانم وينسبونه في بنى ثور وموسى بن يحيى وينسبونه في مرداس رياح لا مرداس سليم فاحذر من الغلط في هذا وهو من بنى صغير بطن مرداس رياح وزيد بن زيدان وينسبونه في الضحاك ومليحان بن عباس وينسبونه في حمير وزيد العجاج بن فاضل ويزعمون أنه مات بالحجاز قبيل دخولهم إلى افريقية وفارس بن أبى الغيث وعامر أخوه والفضل بن أبى على ونسبهم أهل الاخبار منهم في مرداس المقهى كل هؤلاء يذكرون في أشعارهم وكان زياد بن عامر رائدهم في دخول افريقية ويسمونه بذلك أبا مخيبر وشعوبهم لذلك العهد كما نقلناهم زغبة ورياح والاثيج وقرة وكلهم من هلال بن عامر وربما ذكر فيهم بنو عدى ولم نقف على أخبارهم وليس لهم لهذا العهد حى معروف فلعلهم دثروا وتلاشوا وافترقوا في القبائل وكذلك ذكر فيهم ربيعة ولم نعرفهم لهذا العهد الا أن يكونوا هم المعقد كما تراه في نسبهم وكان فيهم من غير هلال كثير من فزارة وأشجع من بطون غطفان وجشم بن معاوية بن بكر بن هوازن وسلول بن مرة بن

[ 17 ]

صعصعة بن معاوية والمعقل من بطون اليمنية وعمرة بن أسد بن ربيعة بن نزار وبنى تور ابن معاوية بن عبادة بن ربيعة البكاء بن عامر بن صعصعة وعدوان بن عمرو بن قيس ابن عيلان وطرود بطن من فهم بن قيس الا أنهم كلهم مندرجون في هلال وفى الاثبج منهم خصوصا الآن الرياسة كانت عند دخولهم للاثبج وهلال فأدخلوا فيهم وصاروا مندرجين في جملتهم وفرقة من هؤلاء الهلاليين لم يكونوا من الذين أجازوا القيل العهد البازورى أو الجرجاني وانما كانوا من قبل ذلك ببرقة أيام الحاكم العبيدي ولهم فيها اخبار مع الصنهاجيين ببرقة ضرخطوب ونسبهم إلى عبد مناف بن هلال كما ذكر شاعرهم في قوله طلبنا القرب منهم وجزيل منهم * بلا عيب من عرب سحاح جمودها وبيت عرت أمره منا وبينها * طرود انكاد اللى يكودها ماتت ثلاث آلاف مره واربعه * بحرمه منا تداوى كبودها وقال الآخر منهم أيا رب جير الخلق من نائج البلا * الا القليل انجار ما لا يجيرها وخص بها قرة مناف وعينها * ديما لارياد البوادى تشيرها فذكر نسبهم في مناف وليس في هلال مناف هكذا منفردا انما هو عبد مناف والله تعالى أعلم وكان شيخهم أيام الحاكم مختار بن القاسم ولما بعث الحاكم يحيى بن على الاندلسي لصرخ فلغور بن سعيد بن خزروق بطرابلس على صنهاجة كما نذكره في اخبار بنى خزروق أوغر لهم في السير معه فوصلوا إلى طرابلس وجروا الهزيمة على يحيى بن على ورجعوا إلى برقة وبعث عنهم فامتنعوا ثم بعث لهم بالامان ووصل وفدهم إلى الاسكندرية فقتلوا عن آخرهم سنة أربع وتسعين وثلثمائة وكان عندهم معلم للقرآن اسمه الوليد بن هشام ينسب إلى المغيرة بن عبد الرحمن من بنى أمية وكان يزعم ان لديه اثارة من علم في اختيار ملك آبائه وقبل ذلك منه البرابرة من مرامة وزناتة ولواتة وتحدثوا بشأنه فنصبه بنو قرة وما بعده بالخلافة سنة خمس وتسعين وتغلبوا على مدينة برقة وزحف إليهم جيوش الحاكم فهزموهم وقتل الوليد بن هشام وقائدها من الترك ثم رجعوا به إلى مصر فانهزموا ولحق الوليد بأرض ألحا من بلاد السودان ثم أخفرت ذمته وسيق إلى مصر وقتل وهدرت لبنى قرة جنايتهم هذه وعفا عنهم ولما كانت سنة ثنتين وأربعمائة اعترضوا هدية باديس بن المنصور ملك صنهاجة من افريقية إلى مصر فأخذوها وزحفوا إلى برقة فغلبوا العامل عليها ومر في البحر واستولوا على برقة ولم يزل هذا شأنهم ببرقة فلما زحف اخوانهم الهلاليون من زغبة

[ 18 ]

ورياح والاثبج واتباعهم إلى افريقية كانوا ممن زحف معهم وكان من شيوخهم ماضى ابن مقرب المذكور في اخبار هلال ولهؤلاء الهلاليين في الحكاية عن دخولهم إلى افريقية طرق في الخبر يزعمون ان الشريف بن هاشم كان صاحب الحجاز ويسمونه شكر بن أبى الفتوح وأنه أصهر إلى الحسن بن سرحان في أخته الجازية فانكحه اياها وولدت منه ولدا واسمه محمد وأنه حدث بينهم وبين الشريف مغاضبة وفتنة وأجمعوا الرحلة عن نجد إلى افريقية وتحيلوا عليه في استرجاع هذه الجازية فطلبته في زيارة أبويها فأزارها اياهم وخرج بها إلى حللهم فارتحلوا به وبها وكتموا رحلتها عنه وموهوا عليه بانهم يباكرون به للصيد والقنص ويروحون به إلى بيوتهم بعد بنائها فلم يشعر بالرحلة إلى ان فارق موضع ملكه وصار إلى حيث لا يملك أمرها عليهم ففارقوه فرجع إلى مكانه من مكة وبين جوانحه من حبها داء دخيل وانها من بعد ذلك كلفت به مثل كلفه إلى ان ماتت من حبه ويتناقلون من اخبارها في ذلك ما يعفى عن خبر قيس وكثير ويروون كثيرا من اسغارها محكمة المباني متفقة الاطراف وفيها المطبوع والمنتحل والمصنوع لم يفقد فيها من البلاغة شئ وانما فقط ولا مدخل له في البلاغة كما قررناه لك في الكتاب الاول من كتابنا هذا الا ان الخاصة من أهل العلم بالمدن يزهدون في روايتها ويستنكفون عنها لما فيها من خلل الاعراب ويحسبون ان الاعراب هو أصل البلاغة وليس كذلك وفى هذه الاشعار كثير أدخلته الصنعة وفقدت فيه صحة الرواية فلذلك لا يوثق به ولو صحت روايته لكانت فيه شواهد بآياتهم ووقائعهم مع زناتة وحر وبهم وضبط لاسماء رجالاتهم وكثير من أحوالهم لكنا لا نشق بروايتها وربما يشعر البصير بالبلاغة بالمصنوع منها ويتهمه وهذا اقصاري الامر فيه وهم متفقون على الخبر عن حال هذه الجازية والشريف خلفا عن سلف وجيلا عن جيل ويكاد القادح فيها والمستريب أمرها أن يرمى عندهم بالجنون والخلل المفرط لتواترها بينهم وهذا الشريف الذى يشيرون إليه هو من الهواشم وهو شكر بن أبى الفتوح الحسن بن أبى جعفر بن هاشم محمد بن موسى بن عبد الله أبى الكرام بن موسى الجون بن عبد الله بن ادريس وأبو الفتوح هو الذى خطب لنفسه بمكة أيام الحاكم العبيدي وبايع له بنو الجراح امراء طيئ بالشام وبعثوا عنه فوصل إلى احيائهم وبايع له كافة العرب ثم غلبتهم عساكر الحاكم العبيدي ورجع إلى مكة وهلك سنة ثلاثين وأربعمائة فولى بعده ابنه شكر هذا وهلك سنة ثلاث وخمسين وولى ابنه محمد الذى يزعم هؤلاء الهلاليون أنه من الجازية هذه وتقدم ذلك في اخبار العلوية هكذا نسبه ابن حزم (وقال ابن سعيد) هو من السليمانيين من ولد

[ 19 ]

محمد بن سليمان بن داود بن حسن بن الحسن السبط الذى بايع له أبو الزاب الشيباني بعد ابن طباطبا ويسمى الناهض ولحق بالمدينة فاستولى على الحجاز واستقرت امارة ملكه في بنيه إلى ان غلبهم عليها هؤلاء الهواشم جدا قريبا من الحسن والحسين واما هاشم الاعلى فمشترك بين سائر الشرفاء فلا يكون مميزا لبعضهم عن بعض واخبرني من أثق به من الهلاليين لهذا العهد انه وقف على بلاد الشريف شكر وانها بقعة من أرض نجد مما يلى الفرات وان ولده بها لهذا العهد والله أعلم ومن مزاعمهم ان الجازية لما صارت إلى افريقية وفارقت الشريف خلفه عليها منهم ماض بن مقرب من رجالات دريد وكان المستنصر لما بعثهم إلى افريقية عقد لرجالاتهم على امصارها وثغورها وقلدهم أعمالها فعقد لموسى بن يحيى المرداسى على القيروان وباجة وعقد لزغبة على طرابلس وقابس وعقد لحسن بن سرحان على قسنطينة فلما غلبوا صنهاجة على الامصار وملك كل ما عقد له سميت الرعايا بالامصار عسفهم وعيثهم باختلاف الايدى إذ الوازع مفقود من أهل هذا الجيل العربي مذ كانوا فشاروا بهم وأخرجوهم من الامصار وصاروا إلى ملك الضواحى والتغلب عليها وسوم الرعايا بالخسف في النهب والعيث وافساد السابلة هكذا إلى هلم ولما غلبوا صنهاجة اجتهد زناتة في مدافعتهم بما كانوا أملك للبأس والنجدة بالبداوة فحاربوهم ورجعوا إليهم من افريقية والمغرب الاوسط وجهز صاحب تلمسان من بنى خزر قائده أبا سعدى الفترى فكانت بينهم وبينه حروب إلى ان قتلوه بنواحي الزاب وتغلبوا على الضواحى في كل وجه وعجزت زناتة عن مدافعتهم بافريقية والزاب وصار الملتحم بينهم في الضواحى بجبل راشد ومصاب من بلاد المغرب الاوسط فلما استقر لهم الغلب وضعت الحرب أوزارها وصالحهم الصنهاجيون على خطة خسف في انفرادهم بملك الضواحى دونهم وصاروا إلى التفريق بينهم وظاهر الاثبج على رياح وزغبة وحشد القاصر بن علناس صاحب القلعة لمظاهرتهم وجمع زناتة وكان فيهم المعز بن زيرى صاحب فاس من مغراوة ونزلوا الارس جميعا ولقيهم رياح وزغبة بسببه ومكر المعز بن زيرى المغراوى بالقاصر وصنهاجة بدسيسة زعموا من تميم بن تميم ومن المعز بن باديس صاحب القيروان فجر عليهم الهزيمة واستباحت العرب وزناتة هذا من القاصر ومضاربه وقتل أخوه القاسم ونجا إلى قسنطينة ورياح في اتباعه ثم لحق بالقلعة فنازلوها وخربوا جنباتها واحبطوا عروشها وعاجوا على ما هنالك من الامصار ثم طبنة والمسيلة فحربوها وأزعجوا ساكنيها وعطفوا على المنازل والقرى والضياع والمدن فتركوها قاعا صفصفا أقفر من بلاد الجن وأوحش من جوف العير وغوروا المياه واحتبطوا الشجر

[ 20 ]

وأظهروا في الارض الفساد وهجروا ملوك افريقية والمغرب من صنهاجة وولاة أعمالها في الامصار وملكوا عليهم الضواحى يتحينون جوانبهم ويقعدون لهم بالمراصد ويأخذون لهم الاتاوة على التصرف في أوطانهم ولم يزل هذا دأبهم حتى لقد هجر القاصر بن علناس سكنى القلعة واختط بالساحل مدينة بجاية ونقل إليها ذخيرته وأعدها لنزله ونزلها المنصور ابنه من بعده فرارا من ضيم هذا الجيل وفسادهم بالضواحي إلى منعة الجبال وتوعر مسالكها على رواحلهم واستقروا بها بعد وتركوا القلعة وكانوا يختصون الاثبج من هؤلاء الاحياء بالرياسة سائر أيامهم ثم افترق جمع الاثبج وذهبت بذهاب صنهاجة دولتهم ولما غلب الموحدون سائر الدول بالمغرب في سنى احدى وأربعين وخمسمائة وزحف شيخ الموحدين عبد المؤمن إلى افريقية وفد عليه بالجزائر أميران منهم لذلك العهد أبو الجليل بن شاكر أمير الاثبج وحباس بن مسيفر من رجالات جشم فتلقاهما بالمبرة وعقد لهما على قومهما ومضى لوجهه وفتح بجاية سنة تسع وخمسين ثم انتقض العرب الهلاليون على دعوة صنهاجة وكان أمير رياح فيهم محرز بن زناد بن بادخ احدى بطون بنى على بن رياح فلقيهم جيوش الموحدين سطيف وعليهم عبد الله بن عبد المؤمن فتوافقوا علقوا فيهما رواحلهم وأثبتوا في مستنقع الموت أقدامهم ثم انتقض في الرابعة جمعهم واستلحقهم الموحدون وغلبوا عليهم وغنموا أموالهم وأسروا رجالهم وسبوا نساءهم واتبعوا أدبارهم إلى محصن سبتة ثم راجعوا من بعد ذلك بصائرهم واستكانوا العز الموحدين وغلبهم فدخلوا في دعوتهم وتمسكوا بطاعتهم وأطلق عبد المؤمن اسراءهم ولم يزالوا على استقامتهم ولم يزل الموحدون يستفزونهم في جهادهم الاندلس وربما بعثوا إليهم في ذلك المخاطبات الشعرية فأجازوا مع عبد المؤمن ويوسف ابنه كما هو في اخبار دولتهم ولم يزالوا في استقامتهم إلى ان خرج عن الدولة بنو غانية المسوفيون أمراء ميورقة أجازوا البحر في أساطيلهم إلى بجاية فكسبوها سنة احدى وثمانين وخمسمائة لاول دولة المنصور وكشفوا القناع في نقض طاعة الموحدين ودعوا العرب بها فعادت هيف إلى أديانها وكانت قبائل جشم ورياح وجمهور الاثبج من هؤلاء الهلاليين أسرع اجابة إليها ولما تحركت جيوش الموحدين إلى افريقية لكف عدوانهم تحيزت قبائل زغبة إليهم وكانوا في جملتهم ولحق بنو غانية بفاس ومعهم كافة جشم ورياح ولحق بهم جل قومهم من مسوفة واخوانهم لمتونة من اطراف البقاع واستمسكوا بالدعوة العباسية التى كان أمراؤهم بنو تاشفين بالمغرب يتمسكون بها فأقاموها فيمن إليهم من القبائل والمسالك وتزلوا بفاس وطلبوا من الخليفة ببغداد المستنصر تجديد العهد لهم بذلك

[ 21 ]

وأوفدوا عليه كاتبهم عبد البر بن فرسان فعقد لابن غانية وأذن له في حرب الموحدين واجتمعت الينه قبائل بنى سليم بن منصور وكانوا جاؤا على اثر الهلاليين عند اجازتهم إلى افريقية وظاهره على أمره ذلك قراقوش الارمني ونذكر أخباره في أخبار الميروقى فاجتمع لعلى بن غانية من الملهين والعرب والعجم عساكر جمة وغلب الضواحى وافتتح بلاد الجريد وملك قفصة ونورر ونفطة ونهض إليه المنصور من مراكش يجر أمم المغرب من زناتة والمصامدة وزغبة من الهلاليين وجمهور الاثبج فأوقعوا بمقدمته بفحص عمرة من جهات قفصة ثم زحف إليهم من تونس فكانت الكرة عليهم وفل جمعهم واتبع آثارهم إلى ان شردهم إلى صحارى برقة وانتزع بلاد قسطينة وناسى وقفصة من أيديهم وراجعت قبائل جشم ورياح من الهلاليين طاعته ولاذوا بدعوته فنفاهم إلى المغرب الاقصى وأنزل جشم ببلاد تامسنا ورياحا ببلاد الهبط وأزغار مما يلى سواحل طنجة إلى سلا وكانت لحوم بلاد تاتة منذ غلبهم الهلاليون على افريقية وضواحيها أرض مصاب ما بين صحراء افريقية وصحراء المعرب الاوسط وبها قصور جددها فسميت باسم من ولى خطتها من شعوبهم وكان بنو يادين وزناتة وهم بنو عبد الواد وتوجين ومصاب وبقوز ودال وبنوراش شيعة الموحدين منذ اول دولتهم فكانوا أقرب إليهم من أمثالهم بنو مرين وأنظارهم كما يأتي وكانوا يتولون من رياف المغرب الاوسط وتلو له ما ليس يليه أحد من زناتة ويجوسون خلاله في رحلة الصيف بما لم يؤذن لاحد ممن سواهم في مسه حتى كأنهم من جملة عساكر الموحدين وحاميتهم وأمرهم إذ ذاك راجع إلى صاحب تلمسان من سادة القرابة ونزل هذا الحى من زغبة مع بنى يادين هؤلاء لما اعتزلوا اخوانهم الهلاليين وتميز إلى فئتهم وصاروا جميعا قبلة المغرب الاوسط من مصاب إلى جبل راشد بعد ان كانت قسمتهم الاولى بقابس وطرابلس وكانت لهم حروب مع أولاد حزروق أصحاب طرابلس وقتلوا سعيد بن عزرون فصاروا إلى هذا الوطن الآخر بمشة بن غانية وانحرافهم عنه إلى الموحدين وانعقد ما بينهم وبين بنى بادين حلف على الجوار والذب عن الاوطان وحمايتها من معرة العدو في احتيال غرتها وانتهاز الفرصة فيها فتعاقدوا على ذلك واجتوروا وأقامت زغبة في القفار وبنو يادين بالتلول والضواحي ثم فر مسعود بن سلطان بن زمام أمير الرياحيين من بلاد الهبط ولحق ببلاد طرابلس ونرل على زغب وذئاب من قبائل بنى سليم ووصل إلى مرافش بن رياح أخص معه طرابلس حين افتتحها وهلك هنالك وقام إلى الميرونى ولحق ولفيه بالجملة فهزمه وقتل الكثير من قومه وانهزمت طائفة من قوم محمد بن مسعود منهم ابنه عبد الله وابن عمه حركات بن أبى الشيخ بن عساكر بن سلطان وشيخ من شيوخ قرة فضرب

[ 22 ]

أعناقهم وفر يحيى بن غانية إلى مسقطه من الصحراء واستمرت على ذلك أحوال هذه القبائل من هلال وسليم واتباعها ونحن الآن نذكر أخبارهم ومصائر أمورهم ونعددهم فرقة فرقة ونخص منهم بالذكر من كان لهذا العهد بحيه وناجعته ونطوى ذكر من انقرض منهم ونبدأ بذكر الاثبج لتقدم رياستهم أيام صنهاجة كما ذكرناه ثم نقفى بذكر جشم لانهم معدودون فيهم ثم نذكر رياحا وزغبة ثم المعقل لانهم من أعداء هلال ثم نأتى بعدهم بذكر سليم لانهم جاؤا من بعدهم ولله الخلق القديم * (الخبر عن الاثبج وبطونهم من هلال بن عامر من هذه الطبقة الرابعة) * كان هؤلاء الاثبج من الهلاليين أوفر عددا وأكثر بطونا وكان التقدم لهم في جملتهم وكان منهم الضحاك وعياض ومقدم والعاصم والطيف ودريد وكرفة وغيرهم حسبما يظهر في نسبهم وفى دريد بطنان وعنز ويقولون بزعمهم ان أثبج هو ابن أبى ربيعة ابن نهنيك بن هلال فكرفة هو ابن الاثبج وكان لهم جمع وقوة وكانوا أحياء غزيرة من جملة الهلاليين الداخلين لافريقية وكانت مواطنهم حيال جبل أوراس من سرقية ولما استقر أمر الاثبج بافريقية على غلب صنهاجة على الضواحى ووقعت الفتنة بينهم وذلك ان حسن ابن سرحان وهو من دريد قتل شبانة بن الاحيمر من كرفة غيلة فطوت كرفة له على الهائم ثم ان أخته الجازية غاضبت زوجها ماضى بن مقرب بن قرة ولحقت بأخيها فمنعها منه فاجتمعت قرة وكرفة على فتنة حسن وقومه وظاهرتهم عياض ولم تزل الفتنة إلى ان قتل حسن بن سرحان قتله أولاد شبانة بن الاحيمر وثأروا منه بأبيهم ثم كان الغلب بعده لدريد على كرفة وعياض وقرة واستمرت الفتنة بين هولاء الامالح وافترق أمرهم وجاءت دولة الموحدين وهم على ذلك الشتات والفتنة وكانت لبطونهم ولاية لصنهاجة فلما ملك الموحدون افريقية نقلوا منهم إلى المغرب العاصم ومقدما وقرة وتوابع لهم من جشم وأنزلوا جميعهم بالمغرب كما نذكر واعتزت رياح بعدهم بافريقية وملكوا ضواحي قسطينة ورجع إليهم شيخهم مسعود بن زمام من المغرب فاعتز الزواودة على الامراء والدول وساء أثرهم فيها وغلبوا بقايا الاثابج فنزلوا قرى الزاب وقعدوا عن الطعن وأوطنوا بالقرى والآطام ولما نبذ بنو أبى حفص العهد للزواودة كما يأتي في أخبارهم واستجاش عليهم بنو سليم وأنزلوهم القيروان اصطنعوا كرفة من بطون الاثابج فكانوا حر بالرياح وشيعة للسلطان وأقطعتهم الدولة لذلك جباية الجانب الشرقي من جبل أوراس وكثيرا من بلاد الزاب الشرقية حيث كانت محلاتهم الشموية حتى إذا اختل ريح الدولة وأخلقت جدتها واعتزت رياح عليها وملكوا

[ 23 ]

المجالات على من يطعن فيها نزل كرفة هؤلاء بجبل أوراس حيث اقطاعاتهم وسكنوه مللا متفرقة واتخذوه وطنا وربما يظعن بعضهم إلى تخوم الزاب كما نذكر عن بطونهم وهم بطون كثيرة فأولهم بنو محمد بن كرفة ويعرفون بالكلية وأولاد سهيب بن محمد بن كليب ويعرفون بالشبه وأولاد صبيح بن فاضل بن محمد بن كليب ويعرفون بالصحة وأولاد سرحان بن فاضل أيضا ويعرفون بالسرحانية وهؤلاء هم المودعات وهم موطنون بجبل أوراس مما يلى زاب تهودا ثم أولاد نافت بن فاضل وهم أهل الرياسة في كرفة ولهم اقطاعات السلطان التى ذكرناها وهم ثلاثة أفخاذ أولاد مساعد وأولاد ظافر وأولاد قطيعة والرياسة أخص بأولاد مساعد في أولاد على بن جابر بن فتاح بن مساعد بن نابت وأما بنو محمد والمروانة فهم ظواعن جائلة في القفار تلقاء مواطن أولاد نابت ويكتالون الحبوب لا قواتهم من زروع أهل الجبل وأولاد نابت وربما يستعملهم صاحب الزاب في تصاريف أمره من عسكر وأخبار وغير ذلك من اغراضه وأما دريد فكانوا أعز الاثبج وأعلاهم كعبا بما كانت الرياسة على الاثبج كلهم عند دخولهم إلى افريقية لحسن بن سرحان بن وبرة احدى بطونهم وكانت مواطنهم ما بين ولد العناب إلى قسنطينة إلى طارف مصقلة وما يحاذيها من القفر وكانت بينهم وبين كرفة الفتنة التى هلك فيها حسن بن سرحان كما ذكرناه وقبره هنالك وكانوا بطونا كثيرة منهم أولاد عطية بن دريد وأولاد سرو بن دريد وأولاد جار الله من ولد عبد الله بن دريد وتوبة من ولد عبد الله أيضا وهو توبة بن عطاف بن جبر ابن عطاف بن عبد الله وكانت لهم بين هلال رياسة كثيرة ومدحهم شعراؤهم فمن ذلك قول بعض شعرائهم دريد ذات سراة البدو للجود منقع * كما كل أرض منقع الماء خيارها تحن إلى أوطان مرة يا فتى لكن معها * جملة دريد كان موارها وهم عربوا الاعراب حتى تعربت * بنوف المعالى ما ينفى قصارها وتركوا طريق النار برهة وقد * كان ما تقوى المطايا حجارها فأما أولاد عطية فكانت رياستهم في أولاد بنى مبارك بن حباس وكانت لهم تلة بن حلوف من أرض قسطينة ثم دثروا وتلاشوا وغلبتهم توبة على تلة بن حلوف زحفوا إليها من مواطنهم بطارق مصقلة بملوكها وما إليها ثم عجزوا عن رحلة القفر وتركوا الابل واتخذوا الشاء والبقر وصاروا في عداد القبائل الغارمة وربما طالبهم السلطان بالعسكرة معه فيعينون له جندا منهم ورياستهم في أولاد وشاح بن عطوة بن عطية بن كمون بن فرج بن توبة وفى أولاد مبارك بن عابر بن عطية بن عطوة

[ 24 ]

وهم على ذلك العهد ويجاورهم أولاد سرور وأولاد جار الله على سننهم في ذلك فأما أولاد وشاح فرياستهم لهذا العهد منقسمة بين سجم بن كثير بن جماعة بن وشاح وبين أحمد بن خليفة بن رشاش بن وشاح وأما أولاد مبارك بن عابر فرياستهم أيضا منقسمة بين ماح بن محمد بن منصور وأما أولاد جار الله فرياستهم في ولد عنان بن سلام منهم وأما العاصم ومقدم والضحاك وعياض فهم أولاد مشرف بن أثلج ولطيف وهو ابن سرح بن شرف وكان لهم عدد وقوة بين الاثابج وكان العاصم ومقدم انحرفوا عن طاعة الموحدين إلى ابن غانية فأشخصهم يعقوب المنصور إلى المغرب وأنزلهم تامسنا مع جشم ويأتى خبرهم وبقيت عياض والضحاك بمواطنهم بافريقية فعياض نزلوا بجبل القلعة قلعة بنى حماد وملكوا قبائله وغلبوهم على أمرهم وصاروا يتولون جبايتهم ولما غلبت عليهم الدولة بمظاهرة رياح صاروا إلى المدافعة عن تلك الرعايا وجبايتهم للسلطان وسكنوا ذلك الجبل فطوله من المشرق إلى المغرب ما بين ثنية غنية والقصاب إلى وطن بنى يزيد بن زغبة فأولهم مما يلى غنية للمهاية ورياستهم في أولادد يفل ومعهم بطن منهم يقال لهم الزبر وبعدهم المرتفع والخراج من بطونهم فأما المرتفع فثلاثة بطون أولاد تبار ورياستهم في أولاد محمد بن موسى وأولاد حناش ورياستهم في بنى عبد السلام وأولاد عبدوس ورياستهم في بنى صالح ويرعى أولاد حناش وأولاد تبار جميعا أولاد حناش وأما الخراج فرياستهم لاولاد زائدة بنى عباس ابن خصى ويجاور الخراج من جانب الغرب أولاد صخر وأولاد رحمة من بطون عياض وهم مجاورون لبنى يزيد بن زغبة في آخر وطن الاثابج من الهلاليين وأما الضحاك فكانوا بطونا كثيرة وكانت رياستهم مفترقة بين أميرين منهم وهما أبو عطية وكلب بن منيع وغلب كلب أبا عطية على رياسة قبيلتهما الاول دولة الموحدين فارتحل فيما زعموا إلى المغرب وسكن صخر سجلماسة وكانت له فيها آثار حتى قتله الموحدون أو غربوه إلى الاندلس هكذا ينقل أصحاب أخبارهم وبقى نجعهم بالزاب حتى غلب مسعود بن زمام والزواودة عليهم وأصاروهم في جملتهم ثم عجزوا عن الطعن ونزلوا بلاد الزاب واتخذوا بها المدن فهم عن ذلك لهذا العهد وأما لطيف فهم بطون كثيرة منهم الينى وهم أولاد كسلان بن خليفة بن لطيف ببرذوى مطرف وذوى أبى الحليل وذوى حلال بن معافى ومنهم اللقامنة أولاد لقمان بن خليفة بن لطيف ومنهم أولاد جرير بن علوان بن محمد بن لقمان ونزار بن معن بن عيا واليه يرجع نسب بنى مرى الولاة بالزاب لهذا العهد وكانت لهؤلاء كثرة ونجعة ثم عجزوا عن الطعن وغلبهم على الضواحى الزواودة من بعدهم لما قل جمعهم وافترق ملوكهم وصار إلى المغرب من صار

[ 25 ]

منهم من جمهور الاثبج فاهتضموا وعليهم رياح والزواودة فنزلوا بلاد الزاب واتخذوا بها الآطام والمدن مثل الدرسن وعرسدا ونهدوه ونقموه وبادس وهم لهذا العهد من جملة الرعايا الغارمة لامير الزاب ولهم عجمة منذ رياستهم القديمة لم يفارقوها وهم على ذلك لهذا العهد وبينهم في قصورهم بالزاب فتن متصلة بين المتجاورين منهم وحروب وفية وعامل الزاب يدرأ بعضا ببعض ويستوفى جبايته منهم جميعا والله خير الوارثين ويلحق بهؤلاء الاثبج القمور وغلب على الظن أنهم من ولد عمرو بن عبد مناف وليسوا من ولد عمر بن أبى ربيعة بن نهيك بن هلال لان رياحا وزغبة والاثبج بن أبى ربيعة ولا نجد بينهم انتماء بالجملة ونجد بينهم وبين قرة وغيرهم من بطون هلال الانتماء فدل على أنهم لعمرو بن عبد مناف أو يكونون من عمر بن روينة بن عبد الله بن هلال وكلهم معروف ذكره ابن الكلبى والله أعلم بذلك وهم بطنان قرة وعبد الله وليس لهم رياسة على أحد من هلال ولا ناجعة تطعن لقلتهم وافتراق ملئهم انما هم ساكنون بالضواحي والجبال وفيهم الفرسان وأكثرهم رجالة وموطنهم ما بين جبل أوراس شرقا إلى جبل راشد وكان كل ذلك من ناحية المصنة والصحراء وأما التلول فهم مرفوعون عنها بقلتهم وحومهم من حامية الدول فتجدهم أقرب إلى موطن القفر والجدب (فأما بنو قرة) منهم فبطن متسع الانهم مفترقون في القبائل والمدن وحدانا وبنو عبد الله منهم على رياسة فيهم وهم عبد الله بن على وبنوه محمد وماضي بطنان وولد محمد عنان وعزيز بطنان وولد عنان شكر وفارس بطنان من ولد شكر أولاد يحيى بن سعيد بن بسيط بن شكر بطن أيضا فأما أولاد فارس وأولاد عزيز وأولاد ماضى فموطنهم بسفح جبل أوراس المطل على بسكرة قاعدة الزاب متصلين كذلك غربا إلى مواطن غمرة وهم في جوار رياح وتحت أيديهم وخول لاولاده وخصوصا من الزواودة المتولين موطنهم بالمجال ولصاحب الزاب عليهم طاعة لقرب جواره وحاجتهم إلى سلطانه فيصرفهم لذلك في حاجته متى عنت من أخبار العير ومقارفة مدن الزاب مع رجله وغير ذلك (وأما أولاد شكر) وهم أكبر رياسة فيهم فنزلوا جبل راشد وكانوا فريقين فنزلوا واحتربوا أولاد ذكرى ودفعوهم عن جبل راشد فصاروا إلى جبل كسال محاذيه من ناحية الغرب وأوطنوه واتصلت فتنتهم معهم على طول الايام وافتتحهم رجال زغبة باقسام المواطن فصار أولاد يحيى أهل جبل راشد في ايالة سوبر بن زغبة واحلافا لهم وأولاد ذكرى أهل جبل كسال في ايالة بنى عامر واحلافا لهم وربما يقتحمون بادية زغبة مع أهل المصر احلافا لهم في فتنتهم كما نذكر في اخبار زغبة وكان شيخهم من أولاد يحيى فيما قرب من عهدنا عامر بن أبى يحيى بن يحيى وكان له فيهم ذكر وشهرة وكان ينتحل العبادة وحج

[ 26 ]

ولقى بمصر شيخ الصوفية لعصره يوسف الكوراني وأخذ عنه ولقى طرف هداية ورجع إلى قومه وعاهدهم على طريقته ونحلته وكان شيخ أولاد ذكرى يعمور بن موسى بن بوزير بن ذكرى وكان يساوى عامرا ويناهضه في شرفه الا ان عامرا كان اسود منه بنحلة العبادة والله مصرف الامور والخلق اه‍

[ 27 ]

هؤلاء الاحياء بالمغرب لهذا العهد فيهم بطون من قرة والعاصم ومقدم والاثبج وجشم والخلط وغلب عليهم جميعا اسم جشم فعرفوا به وهم جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن وكان أصل دخولهم إلى المغرب ان الموحدين لما غلبوا على افريقية وأذعنت لهم هؤلاء القبائل من العرب كانت فتنة ابن غانية فاجلبوا فيها وانحرفوا عن الموحدين وراجعوا الطاعة لعهد المنصور فنقل جشم هؤلاء الذين غلب اسمهم على من معهم من الاحياء وأنزلهم تامسنا ونقل رياح وأنزلهم السبط فنزل جشم بتامسنا البيط الافيح ما بين سلا ومراكش أوسط بلاد المغرب الاقصى وأبعدها عن الثنايا المفضية إلى القفار لاحاطة جبل درن بها وشموخه بأنفه حذاءها ووشوج اعراقه حجزا عليها فلم يتمموا بعدها قفرا ولا ابعدوا رحلة وأقاموا بها أحياء حلولا وافترقت جيوشهم بالمغرب إلى الخلط وسفيان وبنى جابر وكانت الرياسة لسفيان من بينهم في أولاد جرمون سائر أيام الموحدين ولما وهن أمر بنى عبد المؤمن وفشلوا وذهبت ريحهم استكثروا بجموعهم فكانت لهم سورة غلب واسر على الدولة بكثرتهم وقرب عهدهم بالبداوة وخربوا ما بين الاعياض وظاهروا الخلافة وأكثروا الفساد وسائر آثارهم باقية ولما اقتحم بنو مرين بلاد المغرب على الموحدين وملكوا فاس وقريتها لم تكن فيه حامية أشد منهم بأسا ومن رياح لقرب العهد بالبداوة فكانت لهم معهم وقائع وحروب استلحمهم فيها بنو مرين إلى ان حق الغلب واستكانوا لعز بنى مرين وصولتهم وأعطوهم صفقة الطاعة وأصهر بنو مرين منهم إلى الخلط في بنت بنى مهلهل فكان في جملة بنى مرين وكانت لهم الجولة للملك واستقرت رياسة جشم وكثرهم في الخلط منهم في بنت مهلهل بعد ان كانت على عهد الموحدين في سفيان ثم ضربت الايام ضربانها وأخلقت حدتهم وفشلوا وذهبت ريحهم ونسوا عهد البداوة والناجعة وصاروا في عداد القبائل الغارمة للجباية والعسكرة مع السلطان (ولنذكر الآن) فرقهم الاربع واحياء كل واحدة منها ونحق الكلام في أنسابهم فليست راجعة إلى جشم على ما يتبين ولكن الشهرة بهذا النسب متصلة والله أعلم بحقائق الامور هذه قبائل معدودة في جشم وجشم المعهود هو جشم بن معاوية بن بكر بن هوان أو لعله جشم آخر من غيرها وكان شيخهم المشهور لعهد المأمون وبنيه جرمون بن عيسى ونسبه فيما يزعم بعض المؤرخين أيام الموحدين في بنى قرة وكانت بينهم وبين الخلط شيعة للمأمون وبنيه فصار سفيان لذلك شيعة يحيى بن الناصر منازعه في الخلافة بمراكش ثم قتل الرشيد مسعود بن حميدان شيخ الخلط كما نذكر بعد فصاروا إلى يحيى ابن القاص وصار سفيان إلى الرشيد ثم ظهر بنو مرين بالمغرب واتصلت حروبهم مع

[ 28 ]

الموحدين ونزع جرمون سنة ثمان وثلاثين عن الرشيد ولحق بمحمد بن عبد الحق أمير بنى مرين حياء مما وقع له معه وذلك سنة ثمان وثلاثين وذلك انه نادمه ذات ليلة حتى سكر وحمل عليه وهو سكران يرقص طربا ثم أفاق فندم وفر إلى محمد بن عبد الحق وذلك سنة ثمان وثلاثين وستمائة وهلك سنة تسع وثلاثين بعدها وعلا كعب كانون ابنه من بعده عند السعيد وخالف عليه عند نهوضه إلى بنى مرين سنة ثلاث وأربعين ورجع إلى دازمور فملكها وقت ذلك في عقد السعيد فرجع عن حركته وقصد كانون بن جرمون ففر أمامه وحضر حركته إلى تامزركت وقتل قبل مهلكه بيوم قتله الخلط في فتنة وقعت بينهم في محلته السعيدة وهى التى جرت عليها تلك الواقعة وأقام بأمر سفيان من بعده أخوه يعقوب بن جرمون وقتل محمد ابن أخيه كانون وقام بأمر سفيان وحضر مع المرتضى حركة أمان ايملولين سنة تسع وأربعين فرحل عن السلطان واختل عسكره فرجع فاتبعه بنو مرين وكانت الهزيمة ثم رجع المرتضى وعفا له عنها ثم قتله سنة تسع وخمسين مسعود وعلى ابناء أخيه كانون بثأر ابيهما ولحقا بيعقوب بن عبد الحق سلطان بنى مرين وقدم المرتضى ابنه عبد الرحمن فعجز عن القيام بأمره فقدم عمه عبيد الله بن جرمون فعجز فقدم مسعود بن كانون ولحق عبد الرحمن ببنى مرين ثم نهض المرتضى على يعقوب بن قيطون شيخ بنى جابر وقدم عوضا منه يعقوب بن كانون السفياني ثم راجع عبد الرحمن بن يعقوب سنة أربع وخمسين فتقبض عليه واغتل وأقام مسعود بن كانون شيخا على سفيان وكان لبنى عمه معه وعيسى ابناء يعقوب بن جرمون ونزع مسعود عن يعقوب مقامه إلى ان هلك سنة ست وستين ابن عبد الحق ولحق بمسكورة وشب نار الفتنة والحرب وأقيم الحطوحطو ابن يعقوب مقامه إلى ان هلك سنة تسع وستين فولى مكانه أخوه عيسى وهلك مسعود بمسكورة سنة ثمانين ولحق ابنه منصور بن مسعود بالسكسيوى إلى أن راجع الخدمة أيام يوسف بن يعقوب ووفد عليه بعسكره من حصار تلمسان سنة ست وسبعمائة فتقبله واتصلت الرياسة على سفيان في بنى جرمون هؤلاء إلى عهدنا وأدركت شيخا لعهد السلطان أبى عنان يعقوب بن على بن منصور بن عيسى بن يعقوب بن جرمون ابن عيسى وكان سفيان هؤلاء حيا حلولا باطراف تامسنا مما يلى أسفى وملك بسائطها الفسيحة عليهم الخلط وبقى من أحيائهم الحرث والكلابة ينتجعون أرض السوس وقفاره ويطلبون ضواحي بلاد جاجة من المصامدة فبقيت فيهم لذلك شدة وبأس ورماتهم في أولاد مطاوع من الحرث وطال عيثهم في ضواحي مراكش وافسادهم فلما استبد سلطان مراكش الامير عبد الرحمن بن أبى فلفوس على ابن السلطان أبى على

[ 29 ]

سنة ست وسبعين وسبعمائة كما نذكر استخلصهم ورفع منزلتهم واستقدمهم بعض أيامه للعرض بفرسانهم ورجلهم على العادة وشيخهم منصور بن يعيش من أولاد مطاع وتقبض عليهم أجمعين وقتل من قتل منهم وأودع الآخرين سجونه فذهبوا مثلا في الايام وحصدت شوكتهم والله قادر على ما يشاء * (الخلة من جشم) * هذا القبيل يعرف بالخلط وهم في عداد جشم هؤلاء لكن المعروف أن الخلط بنو المشفق من بنى عامر بن عقيل بن كعب كلهم شيعة للقرامطة بالبحرين ولما ضعف أمر القرامطة استولى بنو سليم على البحرين بدعوة الشيعة ثم غلبهم عليها بنو أبى الحسين من بطون تغلب بالدعوة العباسية فارتحل بنو سليم وبنو المشفق من هولاء المسمون بالخلط إلى افريقية وبقى سائر بنى عقيل بنواحي البحرين إلى أن غلب منهم على التغلبيين بنو عامر بن عوف بن مالك بن عوف بن مالك بن عوف بن عامر بن عقيل اخوة الخلط هؤلاء لانهم في المغرب منسوبون إلى جشم تخليطا في النسب ممن يحققه من العوام ولما أدخلهم المنصور إلى المغرب كما قلناه استقروا ببسائط تامسنا فكانوا أولى عدد وقوة وكان شيخهم هلال بن حميدان بن مقدم بن محمد بن هبيرة بن عواج لا نعرف من نسبه أكثر من هذا فلما ولى العادل بن منصور خالفوا عليه وهزموا عساكره وبعث هلال ببيعته إلى المأمون سنة خمس وعشرين واتبعه الموحدون في ذلك وجاء المأمون وظاهروه على أمره وتحيز اعداؤهم سفيان إلى يحيى بن القاص منازعة ولم يزل هلال مع المأمون إلى أن هلك في حركته سنته وبايع بعده لابنه الرشيد وجاء به إلى مراكش وهزم سفيان واستباحهم ثم هلك هلال وولى أخوه مسعود وخالف على الرشيد عمر بن أوقاريط شيخ العساكرة من الموحدين وكان صديقا لمسعود ابن حميدان فأغراه بالخلاف على اكسز السلطان فخالف وحاول عليه الرشيد حتى قدم عليه بمراكش وقتله في جماعة من قومه سنة ثنتين وثلاثين وولى أمر الخلط بعده يحيى ابن أخيه هلال ومر بقومه إلى يحيى بن القاص وحصروا مراكش ومعهم ابن أو قاريط وخرج الرشيد إلى سجلماسة واستولوا على مراكش وعاثوا فيها ثم جاء الرشيد سنة ثلاث وثلاثين وغلبهم عليها ولحق ابن أوقاريط بالاندلس وأبدى على بن هود بيعة الخلط وعلموا أنها حيلة من ابن أوقاريط وأنه تخلص من الورطة فطردوا عنهم يحيى بن القاص إلى معقل وراجعوا الرشيد فتقبض على على ووشاح ابني هلال وسجنهم بأزمور سنة خمس وثلاثين ثم أطلقهم ثم غدر بعد ذلك بمشيختهم بعد الاستدعاء والتأنيس وقتلهم جميعا مع عمر بن أوقاريط كان أهل اشبيلية بعثوا به إليه ثم حضروا مع السعيد

[ 30 ]

في حركته إلى بنى عبد الواحد وجدوا عليه الواقعة حتى قتل فيها بفتنتهم مع سفيان يومئذ فلم يزل المرتضى يعمل الحيلة فيهم إلى ان تقبض على أشياخهم سنة ثنتين وخمسين وقتلهم ولحق عواج بن هلال ببنى مرين وقدم المرتضى عليهم على بن أبى على من بيت الرياسة فيهم ثم رجع عواج سنة أربع وخمسين واغزاه على بن أبى على فقتل في غزاته ثم كانت واقعة أم الرجلين على المرتضى سنة ستين فرجع على بن أبى على إلى بنى مرين ثم صار الخلط كلهم إلى بنى مرين وكانت الرياسة فيهم بأول السلطان لبنى مرين لمهلهل بن يحيى من مقدم وأصهر إليه يعقوب بن عبد الحق فأنكحه ابنته التى كان منها ابنه السلطان أبو سعيد ولم يزل مهلهل عليهم إلى ان هلك سنة خمس وتسعين ثم ابنه عطية وكان لعهد السلطان أبى سعيد وابنه أبو الحسن وبعثه سفيرا إلى سلطان مصر الملك الناصر ولما هلك قام بأمره أخوه عيسى بن عطية ثم ابن أخيهما زمام بن ابراهيم بن عطية وبلغ إلى المبالغ من العز والترف والدالة على السلطان والقرب من مجلسه إلى ان هلك فولى أمره ابنه أحمد بن ابراهيم ثم أخوه سليمان بن ابراهيم ثم أخوهما مبارك على مثل حالهم أيام السلطان أبى عنان ومن بعده إلى ان كانت الفتنة بالمغرب بعد مهلك السلطان أبى سالم واستولى على المغرب أخوه عبد العزيز وأقطع ابنه أبا الفضل ناحية مراكش فكان مبارك هذا معه ولما تقبض على أبى الفضل تقبض على مبارك وأودع السجن إلى ان غلب السلطان عبد العزيز على عامر بن محمد وقتله فقتل معه مبارك هذا لما كان يعرف به من صحابته ومداخلته في الفتن كما يذكر في أخبار بنى مرين وولى ابنه محمد على قبيل الخلط الا ان الخلط اليوم دثرت كان لم تكن بما أصابهم من الخصب والترف منذ مائتين من السنين بذلك البسيط الافيح زيادة للعز والدعة فأكلتهم السنون وذهب بهم الترف والله غالب على أمره * (بنو جابر بن جشم) * بنو جابر هؤلاء من عداد جشم بالمغرب وربما يقال انهم من سدراتة احدى فرق زناتة أو لواتة والله أعلم بذلك وكان لهم أثر في فتنة يحيى بن الناصر بما كانوا معه من احزابه ولما هلك يحيى بن الناصر سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بعث الرشيد بقتل شيخهم قائد بن عامر وأخيه قائد وولى بعده يعقوب بن محمد بن قيطون ثم اعتقله يغلو قائد الموحدين بعثه المرتضى لذلك وقدم يعقوب بن جرموق وولى مشيخة بنى جابر اسمعيل بن يعقوب بن قيطون ثم تحيز بنو جابر هؤلاء من أحياء جشم إلى سفح الجبل بتادلاوما إليها يجاورون هناك صناكة السالكين بقشة وهضابة من البربر فيسهلون إلى السبط تارة ويأوون إلى الجبل في حلف البربر وجوارهم أخرى إذا دهمتهم مخافة

[ 31 ]

من السلطان أوذى غلبة والرياسة فيهم لهذه العصور في ورديقة من بطونهم أدركت شيخا عليهم لعهد السلطان أبى عنان حسين بن على الورديقى ثم هلك وأقيم مقامه الناصر ابنه ولحق بهم الوزير الحسن بن عمر عند نزوعه عن السلطان إلى سالم سنة ستين وسبعمائة ونهضت إليهم عساكر السلطان فأمكنوا منه ثم لحق بهم أبو الفضل بن السلطان أبى سالم عند فراره عن مراكش سنة ثمان وستين ونازله السلطان عبد العزيز واحتط به فلحق برابرة وصناكة من قومه ثم أمكنوا منه على مال حمل إليهم ولحق بهم اثناء هذه الفتن الامير عبد الرحمن يغلو سن على عهد الوزير عمر بن عبد الله المتغلب على المغرب وطلبه عمر فأخرجوه عنهم وطال بذلك مراس الناصر هذا للفتنة فنكرته الدولة وتقبض عليه وأودع السجن فمكث فيه سنين وتجافت الدول عنه من بعد ذلك وأطلق عقالهم ثم رجع من المشرق فتقبض عليه الوزير أبو بكر بن غازى المستبد بالمغرب على ابن السلطان عبد العزيز وأودعه السجن ونقلوا الرياسة عن بنى على هؤلاء والله يقلب الليل والنهار وقد يزعم كثير من الناس ان ورديقة من بنى جابر ليسوا من جشم وانهم بطن من بطون سدراتة احدى شعوب لواتة من البربر ويستدلون على ذلك بمواطنهم وجوارهم للبربر والله أعلم بحقيقة ذلك * (العاصم ومقدم من الاثبج) * هؤلاء الاحياء من الاثبج كما ذكرنا في أنسابهم ونزلوا تامسنا معهم وكانت لهم عزة وعلياء الا ان جشم أعز منهم لمكان الكثرة وكان موطنهم بسيط تامسنا وكانت للسلطان عليهم عسكرة وجباية كان اخوانهم من جشم وكان شيخ العاصم لعهد الموحدين ثم عهد المأمون منهم حسن بن زيد وكان له أثر في فتنة يحيى بن الناصر ولما هلك سنة ثلاث وثلاثين أمر الرشيد بقتل حسن بن زيد مع قائد وقائدا بنى عامر شيوخ بنى جابر فقتلوا جميعا ثم صارت الرياسة لابي عياد وبنيه وكان بينهم لعهد بنى مرين عياد بن أبى عياد وكان له تغلب في النفرة والاستقامة فر إلى تلمسان ورجع منها أعوام تسعين وستمائة وفر إلى السوس ورجع منه سنة سبع وسبعمائة ولم يزل دأبه هذا وكانت له ولاية مع يعقوب بن عبد الحق من قبل ذلك ومقاماته في الجهاد مذكورة وبقيت رياسته في بنيه إلى ان انقرض أمرهم وأمر مقدم ودثروا وتلاشوا والله خير الوارثين * (الخبر عن رياح وبطونهم من هلال بن عامر من هذه الطبقة الرابعة) * كان هذا القبيل من أعز قبائل هلال وأكثرهم جمعا عند دخولهم افريقية وهم فيما ذكره ابن الكلبى رياح بن أبى ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر وكانت رياستهم حينئذ

[ 32 ]

لموسى بن يحيى الضنبرى من بطون مرداس بن رياح وكان من رجالاتهم لذلك العهد الفضل بن على مذكور في حروبهم مع صنهاجة وكانت بطونهسم عمر ومرداس وعلى كلهم بنو رياح وسعيد بن رياح وخضر بن عامر بن رياح وهم الا خضر ولمرداس بطون كثيرة داود بن مرداس وضنبر بن حواز بن عقيد بن مرداس واخوتهم مسلم بن عقيل ومن أولاده عامر بن يزيد بن مرداس بطن أخرى منهم بنو موسى بن عامر وجابر بن عامر وقد يقال انهم من لطيف كما قدمناه وسودان ومشهور وبنو محمد بن عامر من بطون ثلاثة اسم وسودان وعلى بن محمد وقد يقال أيضا ان المشاهرة وهم بنو مشهور بن هلال ابن عامر من نمير رياح والله أعلم والرياسة على رياح في هذه البطون كلها لمرداس وكانت عند دخولهم افريقية في ضنبر منهم ثم صارت للزواودة أبناء داود بن مرداس بن رياح ويزعم بنو عمر بن رياح ان أباهم كفله ورباه وكان رئيسهم لعهد الموحدين مسعود ابن سلطان بن زمام بن ورديقى بن داود وكان يلقب البلط لشدته وصلابته ولما نقل المنصور رياحا إلى المغرب تخلف عساكر أخو مسعود في جماعات منهم لما بلاه السلطان من طاعته وانحياشه وأنزل مسعودا وقومه لبلاد الهبط ما بين قصور كتامة المعروف بالقصر الكبير إلى ازغار البسيط الفيح هناك إلى ساحل البحر الاخضر واستقروا هنالك وفر مسعود بن زمام من بينهم في لمة من قومه سنى تسعين وخمسمائة ولحق بافريقية واجتمع إليه بنو عساكر أخيه ولحقوا بطرابلس ونزلوا على زغب وذئاب يتقلبون بينهم ثم نزع إلى خدمة قراقش وحضر معه بقومه فتح طرابلس كما نذكره في أخبار قراقش ثم رجع إلى ابن غانية الميروقى ولم يزل في خلافة ذلك إلى ان هلك وقام بأمره من بعده ابنه محمد وكانت له رياسة وغناء في فتنة الميروقى مع الموحدين ولما غلب أبو محمد بن أبى حفص يحيى الميروقى مع الموحدين سنة ثمانى عشرة على الحمة من بلاد الجريد وقتل من العرب من قتل كان فيمن قتله ذلك اليوم عبد الله بن محمد هذا وابن عمه أبو الشيخ بن حركات بن عساكر ولما هلك الشيخ أبو محمد رجع محمد بن مسعود إلى افريقية وغلب عليها واجتمع إليه حلف الاثبج ظواعن من الضحاك ولطيف فكاثروه واعتزوا به على قتالهم من دريد وكرفة إلى ان عجزت ظواعن الضحاك ولطيف عن الرحلة وافترقوا في قرى الزاب وصدرة وبقى محمد بن مسعود يتغلب في رحلته وصارت رياسة البدو في ضواحي افريقية ما بين قصطيلة والزاب والقيروان والمسيلة له ولقومه ولما هلك يحيى بن غانية من العرب من بنى سليم والرياح سنة احدى وثلاثين كما نذكره انقطع ملكهم واستغلظ سلطان أبى حفص واستقل منهم الامير يحيى بن عبد الواحد بخطبة الخلافة عندما فسد كرما بمراكش وافترق اتباع يحيى بن غانية من العرب من بنى سليم

[ 33 ]

والرياح فنكره آل أبى حفص هؤلاء الزواودة ومكانهم من الوطن مما سلف من عنادهم ومشايعتهم لابن غانية في أخبارهم واصطنعوهم لمشايعة الدولة وضربوا بينهم وبين قبائل رياح وأنزلوهم بالقيروان وبلاد قصطيلة وكان آية لمحمد بن مسعود ووفد عليه في بعض السنين وفد مرداس يطلبون المكيل وينزلون عليهم فشرهوا إلى نعمتهم وقاتلوهم عليها وقتلوا رزق بن سلطان عم محمد بن مسعود فكانت بينهم وبين رياح أيام وحروب حتى رحلوهم جانب المشرق من افريقية وأصاروهم إلى جانبها الغربي وملك الكعوب ومرداس من بنى سليم ضواحي الجانب الشرقي كلها من قابس إلى بونة ومعطة وامتاز الزواودة بملك ضواحي قسنطينة وبجاية من التلول ومجالات الزاب وريغ وواركلا وما وراءها من القفار في بلاد القبلة وهلك محمد بن مسعود فولى رياسته موسى بن محمد وكان له صيت وغناء في قومه واعتزاز على الدولة (ولما هلك يحيى) بن عبد الواحد بوبع ابنه محمد المنتصر الطائر الذكر المصنوع له في الشهرة وخرج عليه أخوه ابراهيم فلحق بالزواودة هؤلاء فبايعوه بجهات قسنطينة واتفقوا على تقديمه ونهض إليه المنتصر سنة ست وستين وستمائة ففروا أمامه وافترق جمعهم وتميز إليه بنو عساكر ابن سلطان منهم ورياستهم يومئذ لولد مهدى بن عساكر ونبذوا العهد إلى ابراهيم بن يحيى ولحقوا بتلمسان وأجاز البحر إلى الاندلس وأقام بها في جوار الشيخ ابن الاحمر ثم هلك موسى بن محمد وولى رياسته ابنه شبل بن موسى واستطال على الدولة وكثر عينهم فنبذ المنتصر عهدهم ونهض إليه بعساكره وجموعه من الموحدين والعرب من بنى سليم وأولاد عساكر اخوانهم وعلى مقدمته الشيخ أبو هلال عياد بن محمد الهنتاتى وكان يومئذ أميرا ببجاية وحاول عليهم فاستقدم رؤساؤهم شبل بن موسى بن محمد بن مسعود ومعهم دريد بن تازير شيخ أولاد نابت من كرفة فتقبض عليهم لحين قدومهم وضرب أعناقهم في سريح واخذ ابن راية حيث بايعوا أبا اسحق أخاه والقاسم بن بوزير بن أبى حفص القازع إليهم لطلب الخروج على الدولة وافترقت ظواعنهم وفروا امامه واتبعهم إلى آخر الزاب وترك شبل بن موسى سباعا ابنه طفلا صغيرا فكفله عمه مولاهم ابن موسى ولم تزل الرياسة بهم وترك سباع ابنه يحيى ايضا طفلا فكفله عمه طلحة ابن يحيى ولحق جلهم بملوك زناتة المغرب وأولاد محمد لحقوا بيعقوب بن عبد الحق بفاس وأولاد سباع بن يحيى لحقوا بيغمراسن بن زيان بتلمسان فكسوهم وحملوهم فارتاشوا وقاتلوا واحتالوا وزحفوا إلى مواطنهم فتغلبوا على اطراف الزاب من واركلا وقصور ريغ وصيروها سهاما بينهم وانتزعوها للموحدين فكان آخر عهدهم بملكها ثم تقدموا إلى بلاد الزاب وجمع لهم عاملها أبو سعيد عثمان بن محمد بن عثمان ويعرف

[ 34 ]

بابن عتوا من رؤساء الموحدين وكان منزله بمقرة فزحف إليهم بمكانهم من الزاب وأوقعوا به وقتلوه بقلطاوة وغلبوا على الزاب وضواحيه لهذا العهد ثم تقدموا إلى جبل أوراس فغلبوا على من به من القبائل ثم تقدموا إلى التل وجمع لهم من كان به من أولاد عساكر وغلبهم موسى بن ماضى بن مهدى بن عساكر فجمع قومه ومن في حلفهم من عياض وغيرهم وتزاحفوا فغلبهم أولاد مسعود وقتلوا شيخهم موسى بن ماضى وتولوا الوطن بما فيه ثم تلافت الدولة أمرهم بالاصطناع والاستمالة وأقطعوهم ما غلبوا عليه من البلاد بجبل أوراس والزاب ثم الامصار التى بالبسيط الغربي من جبل أوراس المسمى عندهم بالحصنة وهى نفاوس ومقرة والمسيلة واختص أقطاع المسيلة بسباع بن شبل بن يحيى حتى صارت لعلى بن سباع بن يحيى من بعد ذلك فهى في قسم بنيه وسهامهم واختص أقطاع مقرة بأحمد بن عمر بن محمد وهو ابن عم شبل ابن موسى بن سباع ونقاوس بأولاد عساكر ثم هلك سباع بن شبل وقام بامرهم ابنه عثمان ويعرف بالعاكر فنازعه الرياسة بنو عمه على بن أحمد بن عمر بن محمد بن مسعود وسليمان بن على بن سباع بن يحيى ولم يزالوا كذلك لهذا العهد ولهم تغلب على ضواحي بجاية وقسنطينة ومن بها من سرديكش وعياص وأمثالهم ورياسة أولاد محمد الآن ليعقوب بن على بن أحمد وهو كبير الزواودة بمكانه وسنه وله شهرة وذكر ومحل من السلطان متوارث ورياسة أولاد سباع في أولاد على بن سباع وأولاد على أشرف منهم وأعز بالكثرة والعدد ورياستهم في ولد يوسف بن سليمان بن على بن سباع وترادفهم أولاد يحيى بن على بن سباع واختص أولاد محمد بنواحي قسنطينة وأقطعتهم الدول كثيرا من أريافها واختص أولاد سباع بنواحي بجاية واقطاعهم فيها قليل لمنعة بجاية وضواحيها عن ضيم العرب ولغلبهم بالجبال المطيبة بها وتوعر مسالكها على رواحل الناجعة وأما ريغ وواركلا فقسمة بينهم منذ عهد سلغهم كما قلنا وأما الزاب فالجانب الغربي منه وقاعدته طواقة لاولاد محمد وأولاد سباع بن يحيى وكانت لابي بكر بن مسعود فلما ضعف بنوه ودثروا اشتراها منهم على بن أحمد شيخ أولاد عمر وسليمان بن على شيخ أولاد سباع واتصلت بينهم بسببها الفتنة وصارت في مجالات أولاد سباع بن يحيى فسار غلب سليمان وبنيه عليها أكثروا لجانب الوسط وقاعدته بسكرة لاولاد محمد وفى مجالاتهم وليعقوب بن على على عامله بسبب ذلك سلطان وعزة وله به تمسك واليه انحياش في منعته من الدولة واستبداده بوطنه وحماية ضواحيه من غيث الاعراب وفسادهم غالب الاوقات وأما الجانب الشرقي من الزاب وقاعدته بادس وتنومة فهو لاولاد نابت رؤساء كرمسة بما هو من مجالاتهم وليس هو من مجالات رياح الا ان

[ 35 ]

عمال الزاب تأخذ منه في الاكثر جباية غير مسستوفاة بعسكر لها بنادية رياح باذن من كبيرهم ويعقوب وانزاله في الامر وبطون رياح كلها تبع لهؤلاء الزواودة ومقتسمون عليهم وملتمسون مما في أيديهم وليس لهم في البلاد ملك يستولون عليه وأشدهم قوة وأكثرهم جمعا بطون سعيد ومسلم والاخضر يبعدون النجعة في القفار والرمال ويسخرون الزواودة في فتنة بعضهم مع بعض ويختصون بالحلف فريقا دون آخر فسعيد احلاف لاولاد محمد سائر أيامهم الا قليلا من الاحيان ينابذونهم ثم يراجعونهم ومسلم والاخضر احلاف لاولاد سباع وكذلك لابي حاييز (فأما سعيد) فرياستهم لاولاد يوسف ابن زيد منهم في ولد ميمون بن يعقوب بن عريف بن يعقوب بن يوسف واردا فهم أولاد عيسى بن رحاب بن يوسف وهم ينتسبون بزعمهم إلى بنى سليم في أولاد القرس من سليم والصحيح من نسبهم انهم من رياح بالحلف والموطن ومع أولاد يوسف هؤلاء لفائف من العرب يعرفون بالمخادمة والعيوث والفجور فأما المخادمة والعيوث من ابناء مخدم فمن ولد مشرف بن أثبج وأما الفجور فمنهم من البرابر لواتة وزناتة احدى بطونهم وفيهم من بغاث فأما بغاث فمن بطون حرام وسيأتى ذكرهم (وأما زناتة) فهم من طور لواتة كما ذكرناه في بنى جابر وبتاد لا كثير منهم إلى العدوة لعهد بنى الاحمر سلطان الزنادى وكانت له في الجهاد آثار وذكروا أن منهم بأرض مصر والصعيد كثيرا وأما احلاف أولاد محمد من الزواودة فبطن من رقاب بن سودات بن عامر بن صعصعة اندرجوا في أعداد رياح ولهم معهم ظعن ونجعة ولهم مكان من حلفهم ومظاهرتهم وأما احلاف أولاد سباع من مسلم والاخضر فقد قدمنا ان مسلما من أولاد عقيل بن مرداس بن رياح ومرداس بن رياح بعضهم ينتسب إلى الزبير بن العوام وهو خلط ويقول بعض من ينكر عليهم انما هو نسب إلى الزبير بن المهاية الذين هم من بطون عياض كما ذكرناه ورياسته في أولاد جماعة بن مسلم بن حماد بن مسلم بين أولاد تساكر بن حامد بن كسلان ابن غيل بن رحال بن جماعة وبين أولاد زواوة بن موسى بن قطران بن جماعة وأما الاخضر فيقولون انهم من ولد خضر بن عامر وليس عامر بن صعصعة فان أبناء عامر ابن صعصعة معروفون كلهم عند النسابين وانما هو والله أعلم عامر آخر من أولاد رياح ولعله عامر بن زيد بن مرداس المذكور في بطونهم أولهم من الخضر الذين هم ولد مالك ابن طريف بن مالك بن حفصة بن قيس عيلان ذكرهم صاحب الاغانى وقال انما سموا الخضر لسوادهم والعرب تسمى الاسود أخضر قال وكان مالك شديد السمرة فأشبهه ولده ورياستهم في أولاد تامر بن على بن تمام بن عمار بن خضر بن عامر بن رياح واختصت مرين بأولاد تأمري ولد عامر بن صالح بن عامر بن عطية بن تامر وفيهم بطن

[ 36 ]

آخر لزيادة بن تمام بن عمار وفى رياح أيضا بطن من عمرة بن أسد بن ربيعة من نزار ويظعنون مع ناديهم (وأما من نزل من رياح) ببلاد الهبط حيث أنزلهم المنصور فأقاموا هنالك بعد رحلة رئيسهم مسعود بن زمام بتلك المواطن إلى ان انقرضت دولة الموحدين وكان عثمان بن نصر رئيسهم أيام المأمون وقتله سنة ثلاثين وستمائة ولما تغلب بنو مرين على ضواحي المغرب ضرب الموحدون على رياح هؤلاء البعث مع عساكرهم فقاموا بحماية ضواحيهم وتحيز لهم بنو عسكر بن محمد بن محمد من بنى مرين حين كانوا حربا لاخوانهم بنى حمامة بن محمد سلف الملوك منهم لهذا العهد فكانت بين الفريقين جولة قتل فيها عبد الحق بن مجيد بن أبى بكر بن جماعة أبو الملك وابنه ادريس فأوجدوا السبيل لبنى مرين على أنفسهم في طلب الترة والدماء فأثخنوا فيهم واستلحموهم قتلا وسبيا مرة بعد أخرى وكان آخر من أوقع بهم السلطان أبو ثابت عامر بن يوسف بن يعقوب سنة سبع وسبعمائة تتبعهم بالقتل إلى ان لحقوا برؤس الهضاب وأسنمة الربا المتوسطة في المرج المستبحر بازغار فصاروا إلى عدد قليل ولحقوا بالقبائل القادمة ثم دثروا وتلاشوا شأن كل أمة والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين لا رب غيره ولا معبود سواه وهو نعم المولى ونعم النصير عليه توكلنا واليه أنبنا واليه المصير نسأله سبحانه وتعالى من فيض فضله العميم ونتوسل إليه بجاه نبيه الكريم أن يرزقنا ايمانا دائما وقلبا خاشعا وعلما نافعا ويقينا صادقا ودينا قيما والعافية من كل بلية وتمام العافية ودوام العافية والشكر على العافية والغنى عن الناس وان يحسن عاقبتنا في الامور كلها وان يجيرنا من خزى الدنيا وعذاب الآخرة وان يرزقنا من فضله وكرمه ايمانا لا يرتد ونعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع ومرافقة نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى جنان الخلد بمنه وكرمه انه على ما يشاء قدير وبالاجابة جدير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين

[ 38 ]

* (الخبر عن سعادة العالم بالسنة في رياح ومآل أمره وتصاريف أحواله) * كان هذا الرجل من مسلم احدى شعوب رياح ثم من رحمان منهم وكانت أمه تدعى خصيبة وكانت في أعلى مقامات العبادة والورع ونشأ هو منتحلا للعبادة والزهد وارتحل إلى المغرب ولقى شيخ الصالحين والفقهاء لذلك العهد بنواحي تازة أبا اسحق التسولى وأخذ عنه ولزمه وتفقه عليه ورجع إلى وطن رياح بفقه صحيح وورع وافر ونزل طولة من بلاد الزاب وأخذ بنفسه في تغيير المنكر على أقاربه وعشيرته ومن عرفه أو صحبه فاشتهر بذلك وكثرت غاشيته لذلك من قومه وغيرهم ولزم صحابته منهم اعلام عاهدوه على التزام طريقته كان من أشهرهم أبو يحيى بن أحمد بن شيخ بنى محمد بن مسعود من الزواودة وعطية بن سليمان بن سباع شيخ أولاد سباع بن يحيى منهم وعيسى بن يحيى بن ادريس شيخ أولاد ادريس وأولاد عساكر منهم محسن بن سلامة شيخ أولاد طلحة بن يحيى بن دريد بن مسعود منهم وهجرس بن على من أولاد يزيد بن زغبة ورجالات من العطاف من زغبة في كثير من اتباعهم والمستضعفين من قومهم فكثر بذلك تابعه واستظهر بهم على شأنه في اقامة السنة وتغيير المنكر على من جاء به واشتد على قاطع الطريق من شرار البوادى ثم تخطى ذلك إلى العمار فطلب عامل الزاب يومئذ منصور بن فضل بن مزنى باعفاء الرعايا من المكوس والظلامات فامتنع من ذلك واعتزم على الايقاع به فحال دونه عشائر أصحابه وبايعوه على اقامة السنة والموت دونه في ذلك وأذنهم ابن مزنى في الحرب ودعا لذلك أمثالهم ونظراءهم من قومهم وكان لذلك العهد على بن أحمد بن عمر بن محمد قد قام برياسة أولاد محمد وسليمان بن على بن سباع قد قام برياسة أولاد يحيى واقتسموا رياسة الزواودة فظاهروا ابن مزنى على مدافعة سعادة وأصحابه المرابطين من اخوانهم وكان أمر ابن مرنى والزاب يومئذ راجعا إلى صاحب بجاية من بنى أبى حفص وهو الامير خالد ابن الامير أبى زكريا والقائم بدولته أبو عبد الرحمن بن عمرو بعث إليه ابن مزنى في المدد فأمده بالعساكر والجيوش وأوعز إلى أهل طولقة بالقبض على سعادة فخرج منها وابتنى بأنحائها زاوية ونزل بها هو وأصحابه ثم جمع أصاحبه المرابطين وكان يسميهم لسقية وزحفوا إلى بسكرة وحاصروا ابن مزنى سنة ثلاث وسبعمائة وقطعوا نخيلها وامتنعت عليهم فرحلوا عنها ثم أعادوا حصارها سنة أربع وسبعمائة وامتنعت ثم انحدر أصحاب سعادة من الزواودة إلى مشاتيهم سنة خمس وسبعمائة وأقام المرابط سعادة بزاويته من زاب طولقة وجمع من كان إليه من المربطين المتخلفين عن الناجعة وعن امليلى وحاصرها أياما وبعثوا ابي الصريخ إلى ابن مزنى والعسكر السلطاني مقيم عندهم ببسكرة فأركبهم ليلا مع أولاد

[ 39 ]

حرب من الزواودة وصبحوا سعادة وأصحابه على مليلى فكانت بينهم جولة قتل فيها سعادة واستحلهم الكثير من أصحابه وحمل رأسه إلى ابن مزنى وبلغ الخبر إلى أصحابه بمشاتيهم فظهروا إلى الزاب ورؤساؤهم أبو يحيى بن أحمد بن عمر شيخ أولاد محرز وعطية ابن سليمان شيخ أولاد سباع وعيسى بن يحيى شيخ أولاد عساكر ومحمد بن حسن شيخ أولاد عطية ورياستهم جميعا راجعة لابي يحيى بن أحمد ونازلوا بسكرة وقطعوا نخيلها وتقبضوا على عمال ابن مزنى فأحرقوهم في النار واتسع الخرق بينهم وبينه ونادى ابن مزنى في أوليائه من الزواودة واجتمع إليه على بن أحمد شيخ أولاد محمد وسليمان بن على شيخ أولاد سباع وهما يومئذ اجلاء الزواودة وخرج ابنه على بينهم بعساكر السلطان وتزاحفوا بالصحراء سنة ثلاث عشرة فغلبهم المرابطون وقتل على بن مزنى وتقبض على على بن أحمد فقادوه أسيرا ثم أطلقه عيسى بن أحمد رعيا لاخيه أبى يحيى بن أحمد واستفحل أمر هؤلاء السنية ما شاء الله أن يستفحل ثم هلك أبو يحيى بن أحمد وعيسى بن يحيى وخلت أحياء أولاد محرز من هؤلاء السنية وتفاوض السنية فيمن يقيمونه بينهم في الفتيا في الاحكام والعبادات فوقع نظرهم على الفقيه أبى عبد الله محمد بن الازرق من فقهاء مقرة وكان أخذ العلم ببجاية على أبى محمد الزواوى من كبار مشيختها فقصدوه بذلك وأجابهم وارتحل معهم ونزل على حسن بن سلامة شيخ أولاد طلحة واجتمع إليه السنية واستفحل بهم جانب أولاد سباع واجتمعوا على الزاب وحاربوا على بن أحمد طويلا وكان السلطان أبو تاشفين حين كان يجلب على أوطان الموحدين ويخبب عليهم أولياءهم من العرب يبعث إلى هؤلاء السنية بالجوائز يستدعى بذلك ولايتهم ويبعت معهم للفقيه أبى الازرق بجائزة معلومة في كل سنة ولم يزل ابن الازرق مقيما لرسمهم إلى ان غلبهم على أمرهم ذلك على بن أحمد شيخ أولاد محمد وهلك حسن بن سلامة وانقرض أمر السنية من رياح ونزل ابن الازرق بسكرة فاستدعاه يوسف بن مزنى لقضائها تفريقا لامر السنية فأجابه ونزل عنده فولاه القضاء ببسكرة إلى ان هلك سنة ثم قام على بن أحمد بهذه السنية بعد حين ودعا إليها وجمع لابن مزنى سنة أربعين وسبعمائة ونزل بسكرة وجاءه مدد أهل ريغ وأقام محاصرا لها أشهرا وامتنعت عليه فأقلع عنها وراجع يوسف بن مزنى وصاروا إلى الولاية إلى ان هلك على ابن أحمد وبقى من عقب سعادة في زاويته بنون وحفدة يوجب لهم اين مزنى الرعاية وتعرف لهم اعراب الفلاة من رياح حقا في اجازة من يجيزونه من أهل السابلة وبقى هؤلاء الزواودة ينزع بعضهم احيانا إلى اقامة هذه الدعوة فيأخذون بها أنفسهم غير متصفين من الدين والتعمق في الورع بما يناسبها ويقضى حقها بل يجعلونها ذريعة

[ 40 ]

لاخذ الزكوات من الرعايا ويتظاهرون بتغيير المنكر يسرون بذلك خسرا في ارتقاء فينحل أمرهم بذلك وتخفق مساعيهم ويتنازعون على ما تحصل بأيديهم ويعترفون على غير شئ والله متولى الامور لا اله الا هو سبحانه يحيى ويميت * (الخبر عن زغبة وبطونهم من هلال بن عامر من هذه الطبقة الرابعة) * هذه القبيلة اخوة رياح ذكر ابن الكلبى ان زغبة ورياحا أبناء أبى ربيعة بن نهيك بن هلال ابن عامر هكذا نسبهم وهم لهذا العهد مما يزعمون ان عبد الله يجمعهم بكسر دال عبد ولم يذكر ابن الكلبى ذلك وذكر عبد الله في ولد هلال فلعل انتسابهم إليه بما كفلهم واشتهر دونهم وكثيرا ما يقع مثل هذا في انساب العرب أعنى انتساب الابناء لعمهم أو كافلهم والله أعلم وكانت لهم عزة وكثرة عند دخولهم افريقية وتغلبوا على نواحى طرابلس وقابس وقتلوا سعيد بن خزرون من ملوك مغراوة بطرابلس ولم يزالوا بتلك الحال إلى ان غلب الموحدون على افريقية وثار بها ابن غانية وتحيزت إليه أفاريق هلال ابن رياح وجشم فنزعت زغبة إلى الموحدين وانحرفوا عن ابن غانية نزعوا له حق نزوعهم وصاروا يدا واحدة مع بنى بادس من زناتة في حماية المغرب الاوسط من ابن غانية واتباعه واتصلت مجالاتهم ما بين المسيلة وقبلة تلمسان في القفار وملك بنو يادين وزناتة عليهم التلول (ولما سلكت زناتة) بلاد المغرب الاوسط ونزلوا بأمصاره دخل زغبة هؤلاء التلول وتغلبوا فيها ووضعوا الاثارة على الكثير من أهلها بما جمعهم وزناتة من البداوة وعصبية الحلف وخلا نفرهم وحمايتهم فطرأت عرب المعقل المجاورون لهم من جانب المغرب وغلبوا على من وجدوا من مخلف زغبة هؤلاء بتلك القفار وجعلوا عليهم خفارة يأخذونها من ابلهم ويختارون عليهم البكرات منها وأنفوا بذلك وتآمروا وتعاقدوا على دفع هذه الهضمة وتولى كبرها من بطونهم ثوابة بن جوثة من سديد كما نذكره بعد فدفعوهم عن أوطانهم من ذلك القفر ثم استفحلت دولة زناتة وهيجوا العرب عن وطن تلولهم لما انتشأ عنهم من العيث والفساد فرجعوا إلى صحرائهم وملكت الدولة عليهم التلول والحبوب واستصعب المير وهزل الكراع وتلاشت أحوالهم وضربت عليهم البعوث واعطوا الاتاوة والصدقة حتى إذا فشل ريح زناتة وداخل الهرم دولتهم وانتزى الخوارج من قرابة الملك بالعاصبية وجدوا السبيل بالفتن إلى طروق التلول ثم إلى الغلب فيها ثم غالبوا زناتة عليها فغلبوهم في أكثر الاحايين وأقطعتهم الدولة الكثير من نواحى المغرب الاوسط وأمصاره في سبيل الاستظهار بهم فتمشت ظعونهم فيه وملكوه من كل جانب كما نذكره وبطون زغبة هؤلاء يتعددون من يزيد وحصين ومالك وعامر وعروة وقد اقتسموا بلاد المغرب الاوسط كما نذكر في أخبارهم

[ 41 ]

* (بنو يزيد بن زغبة) * كان لبنى يزيد هؤلاء محل من زغبة بالكثرة والشرف وكان للدول به عناية فكانوا لذلك أول من اقتطعه الدول من العرب التلول والضواحي أقطعهم الموحدون في أرض حمزة من أوطان بجاية مما يلى بلاد رياح والاثابج فنزلوا هنالك ولحق تلك الثنايا المفضية إلى تلول حمزة والدهوس وأرض بنى حسن وتلولها ويفا وصحراء وصار للدولة استظهار بهم على بجاية تلك الدعاية من صنهاجة وزواوة فلما عجزت عساكر بجاية من جبايتهم دفعوهم للقاء فأحسنوا في اقتضائها وزادت الدول بهم تكرمة وعناية بذلك واقتطعهم الكثير من تلك الاوطان ثم غلب زناتة الموحدون على تلك الاوطان فاقتطعوه عن أوطان بجاية وأصاروها عن ممالكهم فلما فشل ريح زناتة وجاش بحر فتقهم مع العرب استبد بنو يزيد هؤلاء بملكة تلك الاوطان وغلبوا عليها من جميع جوانبها وفرقوا بجايتها واقتضاء مغارمتها وهم على ذلك لهذا العهد وهم بطون كثيرة فمنهم حميان بن عقبة بن يزيد وجواب وبنو كرز وبنو موسى والمرابعة والخشنة وهم جميعا بنو يزيد بن عيسى بن زغبة واخوانهم عكرمة بن عيسى من ظعونهم وكانت الرياسة في بنى يزيد لاولاد لاحق ثم لاولاد معافى ثم صارت في بيت سعد بن مالك بن عبد القوى ابن عبد الله بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن مهدى بن يزيد بن عيسى بن زغبة وهم يزعمون أنه مهدى بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق نسب تأباه رياستهم على غير عصبتهم وقد مر ذلك قبل وربما نسبهم آخرون إلى سلول وهم بنو مرة بن صعصعة أخى عامر بن صعصعة وليس بصحيح لما قلناه وقد يقال ان سلولا وبنى يزيد اخوة ويقال لهم جميعا أولاد فاطمة وبنو سعد هؤلاء ثلاثة بطون بنو ماض بن رزق بن سعد وبنو منصور بن سعد وبنوزغلى بن رزق بن سعد واخصت الرياسة على الظعون والحلول ببنى زغلى وكانت لريان بن زغلى فيما علمناه ثم من بعده لاخيه ديفل ثم لاخيهما أبى بكر ثم لابنه ساسى بن أبى بكر ثم لابنه معتوق بن أبى بكر ثم لموسى بن عمهم أبى الفضل بن زغلى ثم لاخيه أحمد بن أبى الفضل ثم لاخيهما على بن أبى الفضل ثم لابي الليل بن أبى موسى ابن أبى الفضل وهو رئيسهم لهذا العهد وتوفى سنة احدى وتسعين وخلفه في قومه ابنه وكان من أحلافهم فيما تقدم بنو عامر بن زغبة يظعنون معهم في مجالاتهم ويظاهرونهم في حروبهم وكانت بين رياح وزغبة فتنة طويلة لعهد موسى بن محمد بن مسعود وابنه شبل أيام المستنصر بن أبى حفص فكان بنو يزيد هؤلاء يتولون كبرها لمكان الجوار وكان بنو عامر احلافهم فيها وظهراءهم وكان لهم على مظاهرتهم وضيعة من الزرع تسمى القرارة وهى ألف غرارة من الزرع وكان سببها فيما يزعمون

[ 42 ]

ان أبا بكر بن زغلى غلبته رياح على الدهوس من وطن حمزة ازمان فتنته معهم فاستنصر بنى عامر فجاءه أولاد شافع وعليهم صالح بن بالغ وبنو يعقوب وعليهم داود بن عطاف وحميد وعليهم يعقوب بن معروف واسترجع وطنه وفرض لهم على وطنه ألف غرارة من الزرع واستمرت بنو عامر فلما ملك يغمراسن بن زيان تلمسان ونواحيها ودخلت زناتة إلى التلول والارياف كثر عيث المعقل وفسادهم في وطنها فجاء يغمراسن ببنى عامر هؤلاء من محلاتهم بصحراء بنى يزيد وأنزلهم في جواره بصحراء تلمسان كيادا للمعقل ومزاحمة لهم بأقيالهم فنزلوا هنالك وتبعتهم حميان من بطون بنى يزيد بما كانو بطونا وناجعة ولم يكونوا حلولا فصاروا في عداد بنى عامر لهذا العهد وتولت بنو يزيد بلاد الريف وخصبه فأوطن فيه أكثرهم وقال أهل الناجعة منهم الافاريق من عكرمة وبعض بطون عيسى يظعنون مع أولاد زغلى في قفرهم وأقصروا عن الظعن في القفر الا في القليل ومع احلافهم من ظعون رياح أو زعبة وهم على ذلك لهذا العهد ومن بطون بنى يزيد بن عيسى زغبة هؤلاء بنو خشين وبنو موسى وبنو معافى وبنو لاحق وكانت الرياسة لهم ولبنى معافى قبل بنى سعد بن مالك وبنو جواب وبنو كرز وبنو مربع وهم المرابعة وهؤلاء كلهم بطن حمزة لهذا العهد ومن المرابعة حى ينجعون بضواحي تونس لهذا العهد وغلب عليهم بسبب زغبة والله الخلاق العليم أبو الفضل بن موسى بن زغلى بن رزق بن سعد بن مالك بن عبد القوى بن عبد الله بن سعيد بن محمد بن عبد الله ابن مهرى أولاد زيان الوزانية بن حميدان بن عقبة كرز جواب لاحول ذوى حسن السندان معافى موسى حشين مربع عكرمة بن يزيد بن عيسى بن رغبة

[ 43 ]

* (حصين بن زغبة) * وأما أولاد حصين بن زغبة فكانت مواطنهم بجوار بنى يزيد إلى المغرب عنهم كانوا حيا حلوا هنا لك وكان الريف الحامى لهم من تيطرى ونواحى المدينة مواطن للثعالبة من بطون البعوث ويأخذون منهم الاتاوات والصدقات حتى إذا ذهب سلطان بنى توجين من أرض المدينة وغلبهم عليهم بنو عبد الواد ساموا حصينا هؤلاء خطة الخسف والذل وألزموهم الوضائع والمغارم واستلحموهم بالقتل وهضموهم بالتكاليف وصيروهم في عداد القبائل بالمقاومة ومآثر ذلك كان تغلب بنى مرين على جميع زناتة كما نذكره فكانوا لهم أطوع ولدولتهم أذل فلما عاد بنو عبد الواد إلى ملكهم لعهد أبى حمو موسى بن يوسف بعد مهلك السلطان أبى عنان هبت ريح العز للعرب وفشل ريح زناتة ولحق دولتهم ما يلحق الدول من الهرم ونزل حصين هؤلاء بتيطرى وهو جبل أشير وملكوه وتحصنوا به وكان أبو زيان ابن عم السلطان أبى حمو لما ملك من قبله لحق بتونس مقتطعا حبالة بنى مرين وخرج طالبا لملك ابيه ومنازلا لابن عمه هذا ونزل في خبر طويل نذكره بقبائل حصين هؤلاء اعوج ما كانوا لمثلها لما راموه من خلع ما كان بأعناقهم من الدول وطرق الاهتضام والعسف فتلقوه بما يجب له ونزل منهم بأكرم قول وأحسن مثوى وبايعوه وراسلوا اخوانهم وكبراءهم من رؤساء زغبة بنى سويد وبنى عامر فأصفقوا عليه وترددت عساكر السلطان أبى حمو وبنى عبد الواد إليهم فتحصنوا بجبل تيطرى وأوقعوا بهم ونهض إليهم السلطان أبو حمو بعساكره فقتلوه ونالوا منه ونالت زغبة بذلك ما أرادوه من الاعتزاز على الدولة آخر الايام وتملكوا البلاد اقطاعات وسهمانا ورجع أبو زيان إلى رياح فنزل بهم على سلم عقده مع ابن عمه وبقى لحصين أثر الاعتزاز من حرات واقطعتهم الدولة ما ولوه من نواحى المدينة وبلاد صنهاجة لحصين ولهؤلاء بطنان عظيمان جندل وخراش فمن جندل أولاد سعد خنفر بن مبارك بن فيصل بن سنان ابن سباع بن موسى بن كمام بن على بن جندل ورياستهم في بنى خليفة بن سعد لعلى وسيدهم أولاد خشعة بن جندل وكانت رياستهم على جندل قبل أولاد خليفة من رئيسهم الآن على بنى صالح بن دياب بن مبارك بن يحيى بن مهلهل ابن شكر بن عامر بن محمد بن خشعة ومن خراش أولاد مسعود بن مظفر بن محمد الكامل ابن خراش ورياستهم لهذا العهد في ولد رحاب بن عيسى بن أبى بكر بن زمام بن مسعود وأولاد فرج بن مظفر ورياستهم في بنى خليفة بن عثمان بن موسى بن فرج وأولاد طريف بن معبد بن خراش ويعرفون بالمعابدة ورياستهم في أولاد عريف وربما انتسب أولاد مظفر من خراش إلى بنى سليم ويزعمون ان مظفر بن محمد الكامل جاء من بنى سلم ونزل بهم والله أعلم بحقيقة ذلك

[ 44 ]

على بن صالح بن دياب بن مبارك بن مهلهل بن شكر بن عامر بن محمد بن خشعة على ابن خليفة بن سعد بن خنفر بن مبارك بن فيصل بن سنان بن سباع بن موسى بن كمام بن على بن خدل - بن حصين بن زغبة سبدم رحاب بن عيسى بن ابى بكر بن زمام بن مسعود > بن مظفر بن محمد الكامل - بن خراش بن معبد ابن يزيد بن مسعود بن معرف - بن عريف بن طريف سباد بن عبد الله بن كثير * (بنو مالك بن زغبة) * وأما بنو مالك بن زغبة فهم بطون ثلاثة سويد بن عامر بن مالك وهم بطنان العطاف ابن ولد عطاف بن روى بن حارث والديالم من ولد ديلم بن حسن بن ابراهيم بن روى مابل

[ 45 ]

سويد فكانوا احلافا لبنى يادين قبل الدولة وكان لهم اختصاص ببنى عبد الواد وكانت لهم لهذا العهد اتاوات على بلد سراة والبطحاء وهوارة ولما ملك بنو يادين تلول المغرب الاوسط وامصاره كان قسم بنى توجين منه شياخ التلول القفلى وما بين قلعة سعيدة في الغرب إلى المدينة في الشرق فكان لهم قلعة بن سلامة ومنداس وأنشريس وورنية وما بينهما فاتصل جوارهم لبنى مالك هؤلاء في القفر والتل ولما ملك بنو عبد الواد تلمسان ونزلوا بساحتها وضواحيها كان سويد هؤلاء أخص بحلفهم وولايتهم من سائر زغبة وكانت لسويد هؤلاء بطون مذكورون من فلمة وشبابة ومجاهر وجوئة كلهم من بنى سويد والحساسة بطن من شبابة إلى حسان بن شبابة وغفير وشافع ومالف لهم بنو سليمة بن مجاهر وبو رحمة وبو كامل وحمدان بنو مقرر بن مجاهر ويزعم بعض نسابتهم ان مقررا ليس بجد لهم وانما وضع ذلك أولا بو كامل وكانت رياستهم لعهدهم ويغمر اسن وما قبله في أولاد عيسى بن عبد القوى بن حمدان وكانوا ثلاثة مهدى وعطية وطراد واختص مهدى بالرياسة عليهم ثم ابنه يوسف بن مهدى ثم أخوه عمر بن مهدى واقطع يغمراس يوسف بن مهدى ببلاد البطحاء وسيرات وأقطع عنتر بن طراد بن عيسى مرارى البطحاء وكان يقتصون اتاوتهم على الرعايا ولا يناكرهم فيها وربما خرج في بعض خروجه واستخلف عمر بن مهدى على تلمسان وما إليها من ناحية المشرق وفى خلال ذلك خلت مجالاتهم بالقفر من ظعونهم وناجعتهم الاحياء من بطونهم قليلى العدد من الجوثة وفلية ومالف وغفير وشافع وأمثالهم فغلب عليهم هنا لك المعقل وفرضوا عليهم اتاوة من الابل يعطونها ويختارونها عليهم من البكرات وكان المتولي لاخذها منهم من شيوخ المعقل ابن الريشر بن نهار بن عثمان بن عبيد الله وقيل على بن عثمان أخو نهار وقيل ان البكرات انما فرضها للمعقل على قومه عامر بن جميل لاجل مظاهرة له على عدوه وبقيت للمعقل عادة إلى ان تمشت رجالات من زغبة في نقض ذلك وغدروا برجال المعقل ومنعوا تلك البكرات (اخبرني يوسف) بن على ثم غانم عن شيوخ قومه من المعقل ان سبب البكرات وفرضها على زعمه كما ذكرناه وأما سبب رفعها فهو ان المعقل كانوا يقولون غرامتها ادالة بينهم فلما دالت لعبيد الله الدولة في غرامتها جمع ثوابه في جوثة قومه وحرضهم على منعها فاختلفوا واختبروا مع عبيد الله ودفعوهم إلى جانب الشرق وحالوا بينهم وبين أحيائهم وبلادهم وطالت الحرب ومات فيها بنو جوثة وابن مريح من رجالاتهم وكتب بنو عبد الله إلى قومهم من قصيدة بنى معقل ان لم يصرخونا على العدو * فلا يذلكم تذكر ماطرا لنا

[ 46 ]

قتلنا ابن جوثه والهمام مربح * على الوجه مكتوب وذا من فعالنا فاجتمعوا وجاؤا إلى قومهم وفرت أحياء زغبة واجتمع بنو عبيد الله واخوانهم من ذوى منصور وذوى حسان وارتفع أمر البكرات من زغبة لهذا العهد ثم حدث بين يغمراسن وبينهم فتنة هلك فيها عمر بن مهدى وابن حلوا وانزلوهم عن التلول والارياف من بلاد عبد الواد إلى القفر المحاذي لاوطان بنى توجين على المهادنة والمصاهرة فصاروا لهم حلفاء على بنى عبد الواد ومن عجز منهم عن الظعن نزل ببسائط البطحاء وسارت بطونهم كلها من شبابة ومجاهر وغفير وشافع ومالف وبو رحمة وبو كامل ونزل محيسن ابن عمارة وأخوه سويد بضواحي وهران فوضعت عليهم الاتاوات والمغارم وصاروا من عداد الرعايا أهل الجباية وولى عثمان بن عمر أمر الطاغين من سويد ثم هلك وقام بأمره ابنه ميمون وغلب عليه اخوه سعيد واستند وكان بين سويد وبين بنى عامر بن زغبة فتنة اتصلت على الايام وثقلت وطأة الدولة الزيانية عليهم وزحف يوسف بن يعقوب إلى منازلة تلمسان وطال مقامه عليها فوفد عليه سعيد بن عثمان بن عمر بن مهدى شيخهم لعهده فأتى مجلسه وكرم وفادته ثم أجمع قتله فقر ولحق بقومه وأجلب على اطراف التلول وملك السرسو قبلة بلاد توجين ونزعت إليه طائفة من عكرمة بنى يزيد وعجزوا عن الظعن وأنزلهم بجبل كريكرة قبلة السرسو ووضع عليهم الاتاوة ولم يزل كذلك إلى ان هلك يوسف بن يعقوب واتصل سلطان آل يغمراسن ولما ولى أبو تاشفين بن موسى بن عثمان بن يغمراسن استخلص عريف بن يحيى لديه صحابة كانت له معه قبل الملك ثم آسفه ببعض النزغات الملوكية وكان هلال مولاه المستولي عليه يغص بما كان عريف منه فنزع عريف بن يحيى إلى بنى مرين ملوك المغرب الاقصى ونزل على السلطان أبى سعيد منهم سنة عشرين وسبعمائة واعتقل أبو تاشفين عمه سعيد بن عثمان إلى ان هلك في محبسه قبيل فتح تلمسان ولحق أخوه ميمون بن عثمان وولده بملك المغرب وأنزل عريف بن يحيى من سلطان بنى مرين أكرم نزل وأدنى مجلسه وأكرم مثواه ثم اتخذه ابته السلطان أبو الحسن من بعده بطانة لشوراه ونجيا لخلواته ولم يزل يحرضهم على آل زيان بتلمسان ونفس ميمون بن عثمان وولده عريف رتبته عند السلطان أبى الحسن فنزعوا إلى أخيه أبى على بتافيلات فلم يزالوا بها إلى ان هلك ميمون ثم السلطان أبو الحسن على أخيه أبى على وصار أولاد ميمون في جملته وزحف السلطان أبو الحسن إلى تلمسان يجر أمم المغرب وأجحر إلى زيان بتلمسان ثم اقتحمها عليهم عنوة وأبترهم ملكهم وقتل السلطان أبا تاشفين عند شدونة وبعث كلمته في أقطار المغرب الاقصى والادنى إلى تخوم الموحدين من اندلس وبعث وجمع كلمة زناتة واستتبعهم تخت لواتة وفر بنو عامر

[ 47 ]

من زغبة أولياء بنى عبد الواد إلى القفر كما نذكره ورفع السلطان أبو الحسن قوم عريف بن يحيى بمحلته على كل عربي في ايالته من زغبة والمعقل وكان عقد سمعون بن سعيد على الناجعة من سويد وهلك أيام نزول السلطان بتاسالة سنة ثنتين وثلاثين قبل فتح تلمسان وولى من بعده أخوه عطية وهلك لاشهر من ولايته بعد فتح تلمسان فعقد السلطان لوزمار بن عريف على سويد وسائر بنى مالك وجعل رياسة البدو حيث كان من أعماله وأخذ الصدقات منهم والاتاوات فعكفت على هيئة أمم البدو واقتدى بشوراه رؤساؤهم وابن عمه المسعود بن سعيد ولحق ببنى عامر وأجلبوا على السلطان بدعاء صرارشة ابنه أبى عبد الرحمن فجمع لهم وزمار وهزمهم كما نذكره وسفر عريف بين السلطان أبى الحسن وبين الملوك لعهده من الموحدين بافريقية وبنى الاحمر بالاندلس والترك بالقاهرة ولم يزل على ذلك إلى ان هلك السلطان أبو الحسن (ولما تغلب) السلطان أبو عنان على تلمسان كما سنذكره رعى لسويد ذمة الانقطاع إليه فرفع وزمار بن عريف على سائر رؤسا البدو من زغبة وأقطعه السرسو وقلعة ابن سلامة وكثيرا من بلاد توجين وهلك أبو عريف بن يحيى فاستقدمه من البدو وأجلسه بمكان أبيه من مجلسه جوار اركينة ولم يزل على ذلك وعقد لاخيه عيسى على البدو من قومه ثم بنى عبد الواد بعد ملك السلطان أبى عنان عادت لهم الدولة بأبى حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن أبى يغمراسن من أعياص ملوكهم وتولى كبر ذلك صغير ابن عامر وقومه لما لهم مع آل زيان من الولاية وما كان لبنى مرين فيهم من النعمات فملكوا تلمسان ونواحيها وعقدوا على سويد لميمون ابن سعيد بن عثمان وتاب وزمار بن عريف ورأى الترهب والخروج عن الرياسة فبنى حصنا بوادي ملوية من تخوم بنى مرين ونزل به وأقام هنالك لهذا العهد وملوك بنى مرين يرعون له ذمة اختصاصه سلفهم فيؤثرونه بالشورى والمداخلة في الاحوال الخاصة مع الملوك والرؤساء من سائر النواحى فتوجهت إليه بسبب ذلك وجوه أهل الجهات من الملوك وشيوخ العرب ورؤساء الاقطار ولحق أخواه أبو بكر ومحمد بقومهم فمكروا بالميمون ودسوا عليه من قتله غيلة من ذويهم وحاشيتهم واستبدوا برياسة البدو ثم لما نصب بنو حصين بن زيان ابن عم السلطان أبى حمو للملك كما نذكره ورشحوه للمنازعة سنة سبع وستين وسبعمائة هبت من يومئذ ريح العرب وجاش مرجلهم على زناتة ووطؤا من تلول بلادهم بالمغرب الاوسط فأعجزوا عن حمايته وولجوا من فروجها ما قصرو عن سده ودبوا فيها دبيب الظلال في الفيوء فتملكت زغبة سائر البلاد بالاقطاع من السلطان طوعا وكرها رعيا لخدمته وترغيبا فيها وعدة وتمكينا لقوته حتى

[ 48 ]

أفرجت لهم زناتة عن كثيرها ولجؤا إلى سيف البحر وحصل كل منهم في الفلول على ما يلى موطنه من بلاد القفر فاستولى بنو يزيد على بلاد حمزة وبنى حسن كما كانوا من قبل ومنعوا المغارم واستولى بنو حسين على ضواحي المدينة اقطاعا والعطاف على نواحى مليمانة والديالم على وزنية وسويد على بلاد بنى توجين كلها ما عدا جبل ونشريس لتوعره بقيت فيه لمة من توجيز رياستهم لاولاد عمر بن عثمان من الجشم بنى تيفرين كما نذكره وبنى عامر على تاسالة وميلانة إلى صيرور إلى كيدزة الجبل المشرف على وهران وتماسك السلطان بالامصار وأقطع منها كلميتو لابي بكر بن عريف ومازونة لمحمد بن عريف ونزلوا لهم عن سائر الضواحى فاستولوا عليها كافة وأوشك بهم أن يستولوا على الامصار وكل أول فالى آخر ولكل أجل كتاب وهم على ذلك لهذا العهد ومن بطون سويد هؤلاء بطن بنواحي البطحاء يعرفون بهبرة ينسبهم الناس إلى مجاهد بن سويد وهم يزعمون انهم من قوم المقداد بن الاسود وهم بهذا من قضاعة ومنهم من يزعم أنهم من تجيب احدى بطون كندة والله أعلم ومن ظواعن سويد هؤلاء ناجعة يعرفون بصبيح ونسبهم إلى صبيح بن علاج بن مالك ولهم عدد وقوة وهم يظعنون وبد ويقيمون بمقامهم (وأما الحرث بن مالك) وهم العطاف والديالم فموطن العطاف قبلة مليانة ورياسة ظعونهم لولد يعقوب بن نصر بن عروة من منصور بن أبى الذئب بن حسن ابن عياض بن عطاف بن زيان بن يعقوب وابن أخيه على بن أحمد وبنيهم ومعهم طائفة من براز احدى بطون الاثبج وأقطعهم السلطان مغارم جبل دراك وما إليه من وادى شلب وحال بينهم وبين موطن سويد ونشريس ولهم بلاد وزنية في قبلة الجبل رياستهم في ولد ابراهيم بن زروق بن رعاية من مزروع بن صالح بن ديلم والسعد بن العباس بن ابراهيم منهم لهذا العهد وكانت من قبل لعمه أبى يحيى بن ابراهيم وتقبض عليه السلطان أبو عثمان باشره عريف بن يحيى وأغرى به وهلك في محبسه (وفيهم بطون كثيرة) منهم بنو زيادة بن ابراهيم بن روى والدها بقة أولاد هلال بن حسن وبنو نوال بن حسن أيضا وكلهم اخوة ديلم بن حسن وابن عكرمة من مزروع بن صالح ويعرفون بالعكارمة وهؤلاء العطاف والديالم أقل عددا من سويد وأولياؤهم م في فتتتهم مع بنى عامر لمكان العطية من نسب مالك ولسويد عليهم اعتزاز بالكثرة والديالم أبعد مجالا منهم في القفر ويحاذيهم في مواطنهم من جانب التلول بطن من بطون الحرث يعرفون بغريب نسبهم إلى غريب بن حارث حى حلول مالك المواطن يطلبهم السلطان في العسكرة ويأخذ منهم المغارم وهم أهل شاء وبقر ورياستهم في أبناء مزروع بن خليفة بن خلوف بن يوسف بن بكرة بن منهاب بن مكتوب بن منيع بن مغيث بن محمد الغريب وهو جدهم بن حارث

[ 49 ]

وترادفهم في رياستهم على غريب أولاد يوسف وهم جميعا أولاد بنى منيع وسائر غريب من الاحلاف شيوخهم أولاد كامل والله مالك الخلق والامر

[ 51 ]

* (بنو عامر بن زغبة) * وأما بنو عامر بن زغبة فمواطنهم في آخر مواطن زغبة من المغرب الاوسط قبلة تلمسن مما يلى المعقل وكانت مواطنهم من قبل ذلك في آخرها مما يلى المشرق وكانوا مع في يزيد حيا جميعا وكانوا يغلبون غيرهم في مواطن حمزة والدهوس وبنى حسن ميرة اقواتهم في المصيف ولهم على وطن بنى يزيد ضريبة من الزرع متعارفة بين أهله لهذا العهد يقال انها كانت لهم أزمان تغلبهم في ذلك الوطن وقيل ان أبا بكر بن زغبي في فتنته مع رياح غلبوه على الدهوس من وطنه فاستصرخ بنى عامر فجاؤا لصريخه وعلى بنى يعقوب داود بن عطاف وعلى بنى حميد يعقوب بن معروف وعلى شافع بن صالح ابن بالغ وغلبوا رياحا بعز كان وفرض لهم على وطن بنى يزيد ألف غرارة واستمرت لهم عادة عليهم ولما نقلهم يغمراسن إلى مواطنهم هذه لمحاذاة تلمسان ليكونوا حجزا بين المعقل وبين وطنها استقروا هنالك يتقلبون في قعارها في المشاتى ويظهرون إلى التلول في المرابع والمصايف وكان فيهم ثلاثة بطون بنو يعقوب بن عامر وبنو حميد ابن عامر وبنو شافع بن عامر وهم بنو شقارة وبنو مطرف ولكل واحد من البطنين الآخرين أفخاذ وعمائر ولبنى حميد فصائل أخرى فمنهم بنو حميد ومن عبيد الحجر وهم بنو حجاز بن عبيد وكان له من الولد حجرش وهجيش ابني حجاز وحجوش حامد ومحمد ورياب ومن محمد الولالدة بنو ولاد بن محمد ومن رياب بنو رياب وهم معروفون لهذا العهد ومن عبيد أيضا العقلة بنو عقيل بن عبيد والمحارزة بنو محرز بن حمزة بن عبيد وكانت الرياسة على حميد لعلاق من هؤلاء المحارزة وهم الذين قبل حجوش جد بنى رياب وكانت الرياسة على بنى عامر كافة لبنى يعقوب على عهد يغمراسن وابنه لداود بن هلال بن عطاف بن رداد بن ركيش بن عياد بن منيع بن يعقوب منهم وكان بنو حميد أيضا بريشهم وشيخهم الا انه رديف لشيخ بن يعقوب منهم وكانت رياسة حميد لاولاد رياب بن حامد بن جوش بن حجاز بن عبيد بن حميد ويسمون الحجز وعلى عهد يغمراسن لمعرف بن سعيد بن رياب منهم وهو رديف لداود كما قلناه ووقعت بين عثمان وبين داود بن عطاف مغاضبة وسخطه عثمان لما أجاز الامير أبا زكريا ابن السلطان أبى اسحق من آل أبى حفص حين فر من تلمسان طالب الخروج على الخليفة بتونس وكان عثمان بن يغمراسن في بيعته فاعتزم على رجعه فأبى داود من اخفار ذمته في ذلك ورحل معه حتى لحق بعطية بن سليمان من شيوخ الزواودة وتغلب على بجاية وقسنطينة كما يذكر في أخباره وأقطع داود بن هلال رعيا لفعلته وطنا من بلاد حمزة يسمى كدارة وأقام داود هنالك في مجالاتهم الاولى إلى ان نازل يوسف بن يعقوب تلمسان

[ 52 ]

وطال حصاره لها فوفد عليه داود مؤملا صلاح حاله لديه وحمله صاحب بجاية رسالة إلى يوسف بن يعقوب فاستراب به من أجلها فلما قفل من وفادته بعث في اثره خيالة من زناتة بيتوه ببنى يبقى في سد وقتلوه وقام بأمره في قومه ابنه سعيد ونفس مخنق الحصار عن تلمسان وكان قبل بنى مرين وسيلة رعاها لهم بنو عثمان بن يغمراسن فرجعوهم إلى مواطنهم ومع قومهم وقد اغتر أولاد معرف بن سعيد في غيبتهم تلك يساجلونهم في رياسة بنى عامر وعض كل واحد بمكان صاحبه واختص بنو معرف باقبال الدولة عليهم لسلامتهم من الحزازة والخلاف ونزع سعيد بن داود لاجل هذه الغيرة إلى بنى مرين ووفد على السلطان أبى ثابت من ملوكهم يؤمل به الكرة فلم يصادف لها محلا ورجع إلى قومه وكانوا مع ذلك حيا جميعا ولم تزل السعاية بينهم تدب حتى عدا ابراهيم ابن يعقوب بن معرف على سعيد بن داود فقتله وتناول قتله ماضى بن ردان من أولاد معرف بن عامر بمجالاته وتعصب عليه أولاد رياب كافة فافترق أمر بنى عامر وصاروا حيين بنو يعقوب وبنو حميد وذلك لعهد أبى حمو موسى بن عثمان من آل زيان وقام بأمر بنى يعقوب بعد سعيد ابنه عثمان ثم هلك بعد حين ابراهيم بن يعقوب شيخ بنى حميد وقام مقامه من قومه ابنه عامر بن ابراهيم وكان شهما حازما وله ذكر ونزل المغرب قبل عريف بن يحيى ونزل على السلطان أبى سعيد وأصهر إليه ابنته فأنكحه عامر اياها وزفها إليه ووصله بمال له خطر فلم يزل عثمان يحاول أن يثأر منه تارة والصلح والاجتماع أخرى حتى غدره في بيته وقتله فيه الشنعاء التى تنكرها العرب فتقاطع الفريقان لذلك آخر الدهر وصارت بنو يعقوب احلافا لسويد في فتنتهم مع بنى حميد هؤلاء ثم تلاحقت ظواعن سويد بعريف ابن يحيى في مكانه عند بنى مرين واستطال ولد عامر بن ابراهيم بقومهم على بنى يعقوب فلحقوا بالمغرب ولم يزالوا به إلى ان جاؤا في عساكر السلطان ابى الحسن وهلك شيخهم عثمان قتله أولاد عريف بن سعيد بثار عامر بن ابراهيم وولى بعده ابن عمه هجر بن غانم بن هلال فكان رديفا له في حياته ثم هلك وقام بأمرهم بعده عمه سليمان بن داود ولما تغلب السلطان أبو الحسن على تلمسان فر بنو عامر بن ابراهيم إلى الصحراء وكان شيخهم لذلك العهد صغير ابنه واستأنف السلطان على يد عريف بن يحيى سائر بطون حميد وأولاد رياب فحالف صغيرا اخوانه إلى السلطان وولى عليهم شيخا من بنى عمهم عريف بن سعيد وهو يعقوب بن العباس بن ميمون بن عريف ووفد بعد ذلك عمر بن ابراهيم عم صغير فولاه عليهم واستخدمهم ولحق بنو عامر بن ابراهيم بالزواودة ونزلوا على يعقوب بن على ولم يزالوا هناك حتى شبوا نار الفتنة بالدعى بن هيدور الملبس بشبه أبى عبد الرحمن

[ 53 ]

ابن السلطان أبى الحسن وأعانه على ذلك أهل الحقوق على الدولة والاضغان من الديالم وأولاد ميمون بن غنم بن سويد نقموا على الدولة مكان عريف وابنه ونرمار منها فاجتمعا وبايعا لهذا الداعي وأوعز السلطان إلى ونرمار بحربهم فنهض عليهم بالعرب كافة وأوقع بهم وفضهم ومزق جموعهم وطال مفر مقير بن عامر واخوته في القفار وأبعدوا في الهرب قطعوا لعرق الرمل الذى هو سياج على مجالات العرب ونزل قليعة والذوا وطنها ووفد من بعد ذلك على السلطان أبى الحسن منذ نمى به فقبل واستوهن أخاه أبا بكر وصحب السلطان إلى افريقية وحضر معه واقعة القيروان ثم رجع إلى قومه وعادوا جميعا إلى لواتة بنى يغمراسن واستخدموا قبائلهم لابي سعيد عثمان ابن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن الدائل بتلمسان بعد واقعة القيروان أعوام خمسين وسبعمائة فكان له ولقومه فيها مكان ولحق سويد وبنو يعقوب بالمغرب حتى جاؤا في مقدمة السلطان أبى عنان ولما هلك بنو عبد الواد وافترق جمعهم فر صغير إلى الصحراء على عادته وأقام بالقفر يترقب الخوارج ولحق به أكثر قومه من بنى معرف بن سعيد فأجلب بهم على كل ناحية وخالف أولاد حسين بالمعقل على السلطان أبى عنان أعوام خمسة خمسين وما بعدها ونازلوا سجلماسة فكاثرهم وكان معهم وأوقعت بهم عساكر بنى مرين في بعض سنى خلائهم وهم بنكور يمتارون فاكتسحوا عامة أموالهم وأثخنوا فيهم قتلا وأسرا ولم يزالوا كذلك شريدا في الصحراء وسويد وبنو يعقوب بمكانهم من المجالات وفى حظهم عند السلطان حتى هلك السلطان أبو عنان وجاء أبو حمو موسى بن يوسف اخو السلطان أبى سعيد عثمان بن عبد الرحمن لطلب ملك قومه بتلمسان وكان مستقرا بتونس منذ غلبهم أبو على على أمرهم فرحل مقير إلى وطن الزواودة ونزل على يعقوب بن على ازمان خلافه على السلطان أبى عنان وداخله في استخلاص أبى حمو هذا من ايالة الموحدين للاجلاب على وطن تلمسان وبنى مرين الذين به فأرسلوا معه الآلة ومضى به مقير وصولة بن يعقوب بن على وزيان بن عثمان ابن سباع وشبل بن أخيه ملوك بنى عثمان ومن بادية رياح دعار بن عيسى بن رحاب بقومه من سعيد وبلغوا معهم إلى تخوم بلادهم فرجع عنهم رياح دعار بن عيسى وشبل ابن ملوك ومضوا لوجههم ولقيتهم جموع سويد وكان الغلب لبنى عامر وقتل يومئذ شيخ سويد بن عيسى بن عريف واسراخوه أبو بكر ثم من عليه على بن عمر بن ابراهيم وأطلقه ولم يتصل الخبر بفاس الا والناس منصرفون من جنازة السلطان أبى عنان ثم أجلب أبو حمو بالمغرب على تلمسان فأخذوها وغلب عساكر بنى مرين عليها واستوسق ملكه بها ثم هلك مقير لسنتين أو نحوهما حمل نفسه في جولة فتنة في الحى يروم تسكينها

[ 54 ]

على بعض الفرسان فاعترضه سنان رمح على غير قصد فأنفذه وهلك لوقته وولى رياستهم من بعده أخوه خالد بن عامر يرادفه عبد الله ابن أخيه مقير وخلصت زغبة كلها للسلطان أبى حمو فأساء بنى مرين لما كان بينهم من الفتنة واستخدمهم جميعا على مضاربهم وعوائدهم من سويد وبنى يعقوب والديالم والعطاف حتى إذا كانت فتنة أبى زيان بن السلطان أبى سعيد عم أبى حمو كما نذكره في خبرهم جاش مرجل الفتنة من زغبسة واختلفوا على أبى حمو وتقبض على محمد بن عريف أمير سويد لاتهامه اياه بالادهان في أمره فنزع أخوه أبو بكر وقومه إلى صاحب المغرب عبد العزيز ابن السلطان أبى الحسن سنة سبعين وسبعمائة وجاؤا في قومته واستولى على مواطنهم ولحق بنو عامر وأبو حمو بالصحراء وطال ترددهم فيها وسعى عند أبى حمو في خالد من عمومته وأقاربه عبد الله بن عسكر بن معرف بن يعقوب ومعرف هو أخو ابراهيم بن يعقوب وكان عبد الله حذاء بطانة للسلطان وعينا فاستفسد بذلك قلب خالد وتغير ونبذ إليه عهده ونزع عنه إلى السلطان عبد العزيز وجاءت به عساكر بنى مرين فأوقع بالسلطان أبى حمو ومن معه من العرب وهلك عبد العزيز سنة أربع وسبعين فارتحل إلى المغرب هو وعبد الله ابن أخيه مقير ولحقهم ساسى بن سليم بن داود شيخ بنى يعقوب كان قومه بنى يعقوب قتلوا أبناء محمد بن عريف فحدثت بينهم فتنة ولحق ساسى هذا وقومه بالمغرب وصحب خالدا يؤمل به الكرة ويئسوا من صريخ بنى مرين لما بينهم من الفتنة فرجعوا إلى أوطانهم سنة سبع وسبعين وأضرموا نار الفتنة وخرجت إليهم عساكر السلطان أبى حمو مع ابنه أبى تاشفين وزحف معه سويد والديالم والعطاف فأوقعوا بهم على وادى مينا قبلة القلعة وقتل عبد الله بن مقير وأخوه ملوك في قرابة لهم آخرين وسار فلهم شريدا إلى الصحراء ولحقوا بالديالم والعطاف واجتمعوا جميعا إلى سالم بن ابراهيم كبير الثعالبة وصاحب وطن تيجه وكان يتوحش لابي حمو لحنقه فاتفقوا على الخلاف وبعثوا إلى الامير أبى زيان بمكان من وطن رياح فجاءهم وتابعوه وأمكنه سالم من الجزائر ثم هلك خالد في بعض تلك الايام فافترق أمرهم وولى على بنى عامر المسعود بن مقير وزحف إليهم أبو حمو في سويد وأوليائه من بنى عامر واستخدم سالم بن ابراهيم وخرج أبو زيان إلى مكانه من وطن رياح ولحق المسعود بن عامر وقومه بالقفر ولحق ساسى بن سليم بيعقوب بن على وقومه من الزواودة ثم راجعوا جميعا خدمة السلطان وأوفدوا عليه فأمنهم وقدموا عليه وأظهروا البر والرحب بالمسعود وساسى وطوى لهم على السوء ثم داخل بطانة من بنى عامر وسويد في نكبتهم فأجابوه ومكر بهم وبعث ابنه أبا تاشفين لقبض الصدقات من قومهم حتى

[ 55 ]

اجتمع له ما أراد من الجموع فتقبض على المسعود وعشرة من اخوانه بنى عامر بن ابراهيم ونهض أبو تاشفين والعرب جميعا إلى أحياء بنى يعقوب وكانوا سراة وقد أرصد لهم سويد بوادي مينا فصبحهم بنو عامر بمكانهم واكتسحوهم وصار فلهم إلى الصحراء فاعترضهم أبو تاشفين ببنى راشد فلم يبق لهم باقية ونجا ساسى بن سليم إلى الصحراء في فل قليل من قومه ونزل على النضر بن عروة واستبد برياسة بنى عامر سليمان بن ابراهيم بن يعقوب عم مقير ورديفه عبد الله بن عسكر بن معرف بن يعقوب وهو أقرب مكانا من السلطان وخلعه ثم بعث صاحب المغرب السلطان أبو العباس أحمد بن الولى أبا سالم بالشفاعة في المسعود واخوانه بوسيلة من ونرمار بن عريف بعد ان كان مداخلا لابي حمو ولاخوانه في نكبتهم فأطلقهم أبو حمو بتلك الشفاعة فعادوا إلى الخلاف وخرجوا إلى الصحراء واجتمع إليهم الكثير من أولاد ابراهيم بن يعقوب واجتمع أيضا فل بنى يعقوب من مصداحهم إلى شيخهم ساسى بن سليم ونزلوا جميعا مع عروة وأوفد اخوانه على السلطان أبى العباس صاحب افريقية لهذا العهد منتدبا به وصريخا على عدوه فتلقاه من البر والاحسان ما يناسبه وأفاض في وفده العطاء وصرفه بالوعد الجميل وشعر بذلك أبو حمو فبعث من عيونه من اغتاله ووفد بعدها على السلطان أبى العباس صاحب افريقية على بن عمر بن ابراهيم وهو ابن عم خالد بن محمد وكبير النفر المخالفين من بنى عامر على أبى حمو ووفد معه سليمان بن شعيب بن عامر فوفدوا عليه بتونس يطلبون صريخه فأجابهم ووعدهم واحسب الاحسان والمبرة أمامهم ورجعوا إلى قومهم ثم راجع على بن عمر خدمة أبى حمو وقدمه على بنى عامر وأدال به من سليمان بن ابراهيم بن عامر فخرج سليمان إلى أهل بيته من ولد عامر بن ابراهيم الذين بالصحراء ونزلوا مع بنى يعقوب بأحياء أبى بكر بن عريف وهو على ذلك لهذا العهد والله مقدر الليل والنهار اه‍

[ 56 ]

ساسى بن سليم > بن داود بن هلال بن عطاف بن رداد بن كريش بن عياد بن منيع بن يعقوب عنان بن سعيد عبد الله بن عسكر بن معرف يعقوب بن العباس بن ميمون بن عريف مقير - بن عامر - بن ابراهيم - بن يعقوب بن معرف - بن سعيد - بن رياب بن حامد - بن جحرش - بن حجاز - بن عبيد - بن حميد - بن عامر مسعود مقراد السجادة السعادلة خالد سليمان عريف بن زيان على بن عثمان بن سلطان بن وانود بن عبد الله عمر بن زبان بن مسعود بن شداد بن محمد أحمد هجيش علاق بن المحاوزة - بن حمزة عجزه الغقله الدوقه ذوى عيسى شقارة - بن شافع مطرد

[ 57 ]

* (عروة بن زغبة) * وأما عروة بن زغبة فهم بطنان النضر بن عروة وخميس بن عروة وبطون خميس ثلاثة عبيد الله وفرغ ويقظان من بطون فرغ بنو قائل احلاف أولاد يحيى من المعمور القاطنين بجبل راشد وبنو يقظان وعبيد الله احلاف لسويد يظعنون لظعنهم ويقيمون لاقامتهم ورياستهم لاولاد عابد من بطن راشد وأما النضر بن عروة فمنتبذون بالقفر ينتجعون في رماله ويصعدون إلى اطراف التلول في ايالة الديالم والعطاف وحصين وتخوم أوطانهم وليس لهم ملك ولا اقطاع لعجزهم عن دخول التلول بلغتهم وممانعة بطون زغبة الآخرين عنها الا ما تغلبوا عليه في أذناب الوطن بجبل المستند مما يلى وطن رياح يسكنه قوم من عمرة وزناتة استمر عليهم غلب العرب منذ سنين فوضع النضر هؤلاء عليهم الاتاوة وأصاروهم خولا ورعية وربما نزل منهم مع هؤلاء البرابر من عجز عن الظعن في بيوتهم ولهم بطون مذكورة أولاد خليفة والخماننة وشريعة والسحاوى وذوى زيان وأولاد سليمان ورياستهم جميعا في أولاد خليفة بن النضر بن عروة وهى لهذا العهد لمحمد بن زيان بن عسكر بن خليفة ورديفه سمعون بن أبى يحيى بن خليفة بن عسكر وأكثر الصحارى موطنون بجبل المستند الذى ذكرناه ورياستهم في أولاد وناجعة هؤلاء النضر أحلاف لزغبة دائما فتارة للحرب وحصين جيرانهم في المواطن وتارة لبنى عامر في فتنتهم مع سويد وندبتهم مع بنى عامر فيما يزعمون بأبى قحافة وسمعت من مشايخهم انه ليس بأب لهم وانما هو اسم واد كان به حلفهم قديما وربما سودوا على بنى عامر الا أنه في الاقل والندرة وهم إلى حلف بنى عامر أقرب وأسرع لما ذكرناه وربما ظاهروا رياحا بعض المرات في فتنتهم لجوار الوطن الا أنه قليل أيضا وفى النادر ويتناولون في الاكثر مع البادية من رياح مثل مسلم وسعيد وربما وقعت بينهم حروب في القفر يصيب فيها بعض من دماء بعض هذه بطون زغبة وما تأدى الينا من أخبارهم ولله الخلق والامر وهو رب العالمين

[ 58 ]

سمعون بن يحيى بن خليفة < بن عسكر بن خليفة - بن النضر - بن عروة بن زغبة شيوخ ذوى سليم شريعة محمد بن زيان السحاوى خمامنة ذوى زيان أولاد عابد بن يقظان - بن خميس - سليم عبد الله بنو نائل - بن فرغ بنو جابر (الخبر عن المعقل من بطون هذه الطبقة الرابعة وانسابهم وتصاريف أحوالهم) هذا القبيل لهذا العهد من أوفر قبائل العرب ومواطنهم بقفار المغرب الاقصى مجاورون لبنى عامر من زغبة في مواطنهم بقبلة تلمسان وينتهون إلى البحر المحيط من جانب الغرب وهم ثلاثة بطون ذوى عبيد الله وذوى منصور وذوى حسان فذوي عبيد الله منهم هم المجاورون لبنى عامر ومواطنهم بين تلمسان وتاوريرت في التل وما يواجهها من القبلة ومواطن ذوى منصور من تاوريرت إلى بلاد درعة فيستولون على ملوية كلها إلى سلجماسة وعلى درعة وعلى ما يحاذيها من التل مثل تازى وعساسا ومكناسة وفاس وبلاد تادلا والمقدر ومواطن ذوى حسان من درعة إلى البحر المحيط وينزل شيوخهم

[ 59 ]

بلاد قول قاعدة السوس فيستولون على السوس الاقصى وما إليه وينتجعون كلهم في الرمال إلى مواطن الملثمين من كدالة ومسوفة ولمتونة وكان دخولهم إلى المغرب مع الهلاليين في عدد قليل يقال انهم لم يبلغوا المائتين واعترضهم بنو سليم فأعجزوهم وتحيزوا إلى الهلاليين منذ عهد قديم ونزلوا بآخر مواطنهم مما يلى ملوية ورمال تافيلالت وجاوروا زناتة في القفار والقريبة فعفوا وكثروا وأسروا في صحارى المغرب الاقصى فعمروا رماله وتغلبوا في فيافيه وكانوا هناك احلا فالزناتة أيامهم وبقى منهم بافريقية جمع قليل اندرجوا في جملة بنى كعب بن سليم وداخلوهم حتى كانوا وزراء لهم في الاستخدام للسلطان واستئلاف العرب فلما ملكت زناتة بلاد المغرب ودخلوا إلى الامصار والمدن قام هؤلاء المعقل في القفار وتفردوا في البيداء فنموا نموا لا كفاء له وملكوا قصور الصحراء التى اختطها زناتة بالقفر مثل قصور السوس غربا ثم توات ثم جودة ثم تامنطيت ثم واركلان ثم تاسبيبت ثم تبكورارين شرقا وكل واحد من هذه وطن منفرد يشتمل على قصور عديدة ذات نخيل وانهار وأكثر سكانها من زناتة وبينهم فتن وحروب على رياستها فجاز عرب المعقل هؤلاء الاوطان في مجالاتهم ووضعوا عليها الاتاوات والضرائب وصارت لهم جباية يعتدون فيها ملكا وكانوا من تلك السالفة يعطون الصدقات لملوك زناتة ويأخذونهم بالدماء والصوائل ويسمونها جمل الرحيل وكان لهم الخيار في تعيينها ولم يكن هؤلاء العرب يستحمون من أطراف المغرب وحلوله حمى ولا يعرضون لسابلة سلجماسة ولا غيرها من بلاد السودان باذية ولا مكروه لما كان بالمغرب من اعتزاز الدين وسد الثغور وكثرة الحامية أيام الموحدين وزناتة بعدهم وكان لهم بازاء ذلك أقطاع من الدول يمدون إلى أخذه إليه السفلى وفيهم من مسلم سعيد بن رياح والعمور من الاثبج وعددهم كما قلنا قليل وانما كثروا بمن اجتمع إليهم من القبائل من غير نسبهم فان فيهم من فزارة ومن أشجع أحياء كبيرة وفيهم الشظة من كرفة والمهاية من عياض والشعراء من حصين والصباح من الاخضر ومن بنى سليم وغيرهم (وأما انسابهم عند الجمهور) فخضية ومجهولة وسلافة العرب من هلال يعدونهم من بطون هلال وهو غير صحيح وهم يزعمون أن نسبهم في أهل البيت إلى جعفر بن أبى طالب وليس ذلك أيضا بصحيح لان الطالبيين والهاشميين لم يكونوا أهل بادية ونجعة والصحيح والله أعلم من أمرهم انهم من عرب اليمن فان فيهم بطنين يسمى كل واحد منهما بالمعقل ذكرهما ابن الكلبى وغيره فأحدهما من قضاعة بن مالك بن حمير وهو معقل بن كعب بن غليم بن خباب بن بن عبد الله بن كناتة بن بكر ابن عوف بن عذرة بن زيد بن اللات بن رفيدة بن ثور بن كعب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان

[ 60 ]

ابن عمران بن الحاف بن قضاعة والاخر من بنى الحرث بن كعب بن عمرو بن علة بن جلد بن مذحج واسمه مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زير بن كهلان وهو معقل واسمه ربيعة بن كعب بن ربيعة بن كعب بن الحرث والانسب أن يكونوا من هذا البطن الآخر الذى من مذحج كان اسمه ربيعة وقد عده الاخباريون في بطون هلال الداخلين إلى افريقية لان مواطن بنى الحرث بن كعب قريب من البحرين حيث كان هؤلاء العرب مع العراقة قبل دخولهم إلى افريقية ويؤيده ان ابن سعيد لما ذكر مذحج وأنهم بجهات الجبال من اليمن وذكر من بطونهم زبيد ومراد ثم قال وبافريقية منهم فرقة وبرية ترتحل وتنزل وهؤلاء الذين ذكر انما هو المعقل الذين هم بافريقية وهم فرقة من هؤلاء الذين بالمغرب الاقصى (ومن املاء نسابتهم) أن معقل جدهم له من الولد سحير ومحمد فولد سحير عبيد الله وثعلب فمن عبيد الله ذوى عبيد الله البطن الكبير منهم ومن ثعلب الثعالبة الذين كانوا ببسيط متيجة من نواحى الجزائر وولد محمد مختار ومنصور وجلال وسالم وعثمان فولد مختار بن محمد حسان وشبانة فمن حسان ذوى حسان البطن المذكور أهل السوس الاقصى ومن شبانة الشبانات جيرانهم هنا لك ومن جلال وسالم وعثمان الرقيطات بادية لذوى حسان ينتجعون معهم وولد منصور بن محمد حسين وأبو الحسين وعمران وشب يقال لهم جميعا ذوى منصور وهو أحد بطونهم الثلاثة المذكورة والله سبحانه وتعالى اعلم بغيبه وأحكم حسان ب‍ - ن مختار ب‍ - ن محمد ب‍ - بن معقل شبانة روح محمد بن عثمان على جلال ثعلب بن سجير عبيد الله حسين ب‍ - ن منصور مبنا أبو الخير عمران سالم

[ 61 ]

* (ذوى عبيد الله) * فأما ذوى عبيد الله فهم المجاورون لبنى عامر بن زغبة من سلطان بنى عبد الواد من زناتة فمواطنهم من بين تلمسان إلى وجدة إلى منصب وادى ملوية في البحر ومنبعث وادى صامن القبلة وتنتهى رحلتهم في القفار إلى قصور توات وتمنطيت وربما عاجوا إلى ذات الشمال إلى تاسايت وتوكرارين وهذه كلها رقاب القفر إلى بلد السودان وبينهم وبين بنى عامر فتن وحروب موصولة وكان لهم مع بنى عبد الواد مثلها قبل السلطان والدولة فما كانوا أحلافا لبنى مرين وكان المنبات من ذوى منصور أحلافا لبنى عبد الواد فكان يغمراسن يوقع بهم أكثر أوقاته وينال منهم إلى أن صحبوا بسبب الجوار واعتزت عليهم الدولة فأعطوا الصدقة والطوائل وعسكروا مع السلطان في حروبه ولم يزل ذلك إلى ان لحق الدولة الهرم الذى يلحق مثلها فوطنوا التلول وتملكوا وجدة وندرومة وبنى يزناس ومديونة وبنى سنوس اقطاعا من السلطان إلى ما كان لهم عليها قبل من الاتاوات والوضائع فصار معظم جبايتها لهم وضربوا على بلد هنين بالساحل ضريبة الاجازة منها إلى تلمسان فلا يسير ما بينهما مسافر أيام حلولهم بساحتها الا باجازتهم وعلى ضريبة يؤديها إليهم وهم بطنان الهراج والخراج فالخراج من ولد فراج بن مطرف بن عبيد الله ورياستهم في أولاد عبد الملك وفرج بن على بن أبى الريش بن نهار بن عثمان بن خراج لاولاد عيسى بن عبد الملك ويعقوب بن عبد الملك ويغمور بن عبد الملك وكان يعقوب بن يغمور شيخهم لعهد السلطان أبى الحسن ولما تغلب على تلمسان استخدم له عبيد الله هؤلاء وكان يحيى بن العز من رجالة بنى يرناس أهل الجبل المطل على وجدة وكان له قدم في خدمة الدول فاتصل بالسلطان أبى الحسن ورغبه في ملك قصور هذه الصحراء فبعثه مع هؤلاء العرب في عسكر ودخل معهم إلى الصحراء وملك تلك القصور واستولى عليها وأسف عبيد الله بانتزاع أملاكهم وسوء المعاملة لهم فوثبوا به وقتلوه في خبائه وانتهبوا عسكر السلطان الذين معه ونقضوا الطاعة وفر يعقوب بن يغمور فلم يزل شريدا بالصحراء سائر أيامه ورجع بعد ذلك ثم عادت دولة بنى عبد الواد فصدوا في ولايتها فلم يزل على ذلك وخلفه ابنه طلحة وكان أيام خلاف يعقوب وانتقاضه رأس على الخراج من أهل بيته منصور بن يعقوب بن عبد الملك وابنه رحوا من بعده وجاء أبو حمراء فكان له في خدمته ومخالطته قدم فقدمه شيخا عليهم فرياستهم لهذا العهد منقسمة بين رحو بن منصور بن يعقوب بن عبد الملك وبين طلحة بن يعقوب المذكور آنفا وربما نازعه ولهم بطون كثيرة فمنهم الجعاونة من جعوان بن خراج والغسل من غاسل بن خراج والمطارفة من مطرف بن

[ 62 ]

خراح والمهايا من عثمان بن خراج وفيهم رياستهم كما قلناه ومعه الناجعة يسمون بالمهايا ينسبون تارة إلى المهايا بن عياض وقدمنا ذكرهم وتارة انى مهايا بن مطرف وأما الهراج فمن ولد الهراج بن مهدى بن محمد بن عبيد الله ومواطنهم في ناحية المغرب عن الخراج فيحاورون بنى منصور ولهم تاوريرت وملؤها وخدمتهم في الغالب لبنى مرين واقطاعاتهم من أيديهم ومواطنهم تحتهم ورجوعهم إلى عبد الواد في الاقل وفى بعض الاحايين ورياستهم في ولد يعقوب بن هبا بن هراج لاولاد مرين بن يعقوب وأولاد مناد ابن رزق الله بن يعقوب وأولاد فكرون بن محمد بن عبد الرحمن بن يعقوب من ولد حريز ابن يحيى الصغير بن موسى بن يوسف بن حريز كان شيخا عليهم أيام السلطان عبد العزيز وهلك عقبه ورأس عليهم ابنه ومن ولد متاد أبو يحيى الكبير بن مناد كان شيخا قبل أبى يحيى الصغير وبالاضافة إليه وصف بالصغير ومنهم أبو حميدة محمد بن عيسى بن مناد وهو لهذا العصر رديف لشيخهم من ولد ابى يحيى الصغير وهو كثير التقلب في القفار والغزو للقاصية ولاهل الرمال والملثمين والله مللك الملوك لا رب غيره ولا معبود سواه وهو نعم المولى ونعم النصير

[ 64 ]

* (الثعالبة) * وأما الثعالبة اخوتهم من ولد ثعلب بن على بن بكر بن صغير أخى عبيد الله بن صغير فهو المنهى لهذا العهد بمتيجة من بسيط الجزائر وكانوا قبلها يتطيرون ومواطن حصين لهذا العهد نزلوها منذ عصور قديمة وأقاموا بها حيا حلولا ويظهر أن نزولهم لها حين كان ذوى عبيد الله في مواطن بنى عامر لهذا العهد وكان بنو عامر في مواطن بنى سويد فكانت مواطنهم لذلك العهد متصلة بالتلول الشرقية فدخلوا من ناحية كزول وتدرجوا في المواطن إلى ضواحي المدينة ونزلوا جبل تيطرى وهو جبل اشير الذى كانت فيه المدينة الكبيرة فلما بلغت بنو برحين على التلول وملكوا وانشريس زحف محمد بن عبد القوى إلى المدينة فملكها وكانت بينهم وبينه حروب وسلم إلى أن وفدت عليه مشيختهم فتقبض عليهم وأغزى من وراءهم من بقية الثعالبة واستلحمهم واكتسح أموالهم وغلبهم بعدها على تيطرى وأزاحهم عنها إلى متيجة وأنزل قبائل حصين تيطرى وكانوا معه في عداد الرعايا يؤدون إليه المغارم والوظائف ويأخذهم بالعسكرة معه ودخل الثعالبة هؤلاء في ايالة ملكيش من صنهاجة ببسيط متيجة وأوطنوا تحت ملكتهم وكان لهم عليهم سلطان كما نذكره حتى إذا غلب بنو مرين على المغرب الاوسط واذهبوا ملك ملكيش منها استبد الثعالبة هؤلاء بذلك البسيط وملكوه وكانت رياستهم في ولد سباع بن ثعلب بن على بن مكر بن صغير ويزعمون ان سباعا هذا كان إذا وفد على الموحدين يجعلون من فوق عمامته دينارا يزن عددا من الدنانير سابقة في تكرمته وترفيعه (وسمعت) من بعض مشيختنا ان ذلك لما كان من كرامته للامام المهدى حين أجاز بهم فانه مر بهم ساعيا فحملوه واستقرت الرياسة في ولد سباع هذا في بنى يعقوب بن سباع أولا فكانت لهم مددا ثم في عقب حنيش منهم ثم غلب السلطان أبو الحسن على ممالك بنى عبد الواد ونقلهم إلى المغرب وصارت الولاية لهم لابي الحملات ابن عائد بن ثابت وهو ابن عم حنيش وهلك في الطاعون الجارف أواسط هذه المائة الثامنة لعهد نزول السلطان أبى الحسن بالجزائر من تونس فولى عليهم ابراهيم بن نصر ولم تزل رياستهم إليه إلى أن هلك بعد استيلاء السلطان أبى عنان عن المغربين كما نذكره في أخباره وقام برياستهم ابنه سالم وكانوا أهل مغارم ووضيعة للبكش ومن بعدهم من ولاة الجزائر حتى إذا هبت ربح العرب أيام خروج أبى زيان وحصين على أبى حمو أعوام ستين وسبعمائة كما ذكرناه وكان شيخهم لذلك العهد سالم بن ابراهيم بن نصر بن حنيش بن أبى حميد بن ثابت بن محمد بن سباع فأخبت في تلك الفتنة وأوضع وعاقد أبو حمو وانتقض عليه مرارا وغلب بنو مرين على تلمسان فتحيز إليهم وكانت رسله ووفده

[ 65 ]

تقدموا إليهم بالمغرب ثم هلك السلطان عبد العزيز ورجع أبو حمو إلى ملكه ونزلت الغوائل فخشيه سالم واستدعى أبا زيان ونصبه بالجزائر وزحف إليه أبو حمو سنة تسع وسبعين فقض جمعه وراجع سالم خدمته وفارق أبا زيان كما نذكره في أخباره ثم زحف إليه أبو حمو وحاصره بجبال متيجة أيام قلائل واستنزله على عهده ثم أخفره وتقبض عليه وقاده إلى تلمسان أسيرا وقتله قعصا بالرماح وذهب أثره وما كان له من الرياسة التى لم تكن الثعالبة لها بأهل ثم تتبع اخوانه وعشيره وقبيلة بالقتل والسبي والنهب إلى ان دثروا والله يخلق ما يشاء

[ 66 ]

* (ذوى منصور) * وأما أولاد منصور بن محمد فهم معظم هؤلاء المعقل وجمهورهم ومواطنهم تخوم المغرب الاقصى من قبلته ما بين ملوية ودرعة وبطونهم أربعه أولاد حسين وأولاد أبى الحسين وهما شقيقان والعمارية أولاد عمران والمنيات أولاد منبا وهما شقيقان أيضا ويقال لهذين البطنين جميعا الاحلاف فأما أولاد أبى الحسن فعجزوا عن الظعن ونزلوا قصورا اتخذوها بالقفر ما بين تافييلات وتيكورارين وأما أولاد حسين فهم جمهور ذوى منصور ولهم العزة عليهم ورياستهم أيام بنى مرين في أولاد خالد بن جرمون ابن حرار بن عرفة بن فارس بن على بن عبد الواحد بن يحيى ثم لاخيه زكريا ثم لابن عمه أحمد بن رحو بن غانم ثم لاخيه يعيش ثم لابن عمه يوسف بن على بن غانم لهذا العهد وكانت لبنى مرين فيهم وقائع أيام يعقوب بن عبد الحق وابنه يوسف وسيأتى في أخبار بنى مرين غزوة يوسف بن يعقوب من مراكش إليهم وكيف أوقع بهم بصحراء درعة ولما أقام بالشرق على تلمسان محاصرا لها أحلف هؤلاء العرب من المعقل على أطراف المغرب ما بين درعة وملوية إلى تاوريرت وكان العامل يومئذ بدرعة عبد الوهاب بن صاعد من صنائع الدولة وكبار ولاتها فكانت بينه وبينه حروب قتل في بعضها ثم هلك يوسف بن يعقوب ورجع بنو مرين إلى المغرب فأخذوا منهم بالثأر حتى استقاموا على الطاعة وكانوا يعطون الصدقة أطوع ما يكون إلى أن فشل ريح الدولة واعتزت العرب فصاروا يمنعون الصدقة الا في الاقل يغلبهم السلطان على اعطائها ولما استولى السلطان أبو عنان على تلمسان أعوام خمسين وسبعمائة وفر صغير بن عامر إلى الصحراء ونزل عليهم واستجار بهم فأجاروه ونزل السلطان عليهم ذلك فأجمعوا نقض طاعته وأقاموا معه بالصحراء وصغير متولى كبر ذلك الخلاف حتى إذا هلك أبو عنان وكان من سلطان أبى حمو بتلمسان ما نحن ذاكروه وزحف بنو مرين إلى تلمسان ففر منها أبو حمو وصغير ونزلوا عليهم فأوقعوا بعسكر بنى مرين بنواحي تلمسان واتسع الخرق بينهم وبين بنى مرين فانحازوا إلى أبى حمو وسلطانه واقطعهم بضواحيه ثم رجعوا إلى أوطانهم بعد مهلك السلطان أبى سالم أعوام ثلاث وستين على حين اضطراب المغرب بفتنة أولاد السلطان أبى على ونزولهم بسجلماسة فكان لهم في ذلك الفتنة آثار إلى أن انقشعت ثم كان لاحمر بن رحو مع أبى حمو جولة وأجلب عليه بأبى زيان حافد أبى تاشفين فقتل في تلك الفتنة كما نذكره ثم اعتدوا على الدولة من بعد ذلك وأكثر مغارم درعة لهذا العهد وأقطع ببلاد تادلا والمعرر من تلك البنايا التى منها دخولهم إلى المغرب للمربع والمصيف ولميرات الاقوات وسجلماسة من مواطن اخوانهم الاحلاف كما نذكره وليست من

[ 67 ]

مواطنهم فأما درعة فهى من بلاد القبلة موضوعة حفا في الوادي الاعظم المنحدر من جبل درن من بوهة يخرج منها وادى أم ربيع ويتساهل إلى البسائط والتلول ووادى دريعة ينحدر إلى القبلة مغربا إلى أن يصب في الرمل ببلاد السوس وعليه قصور درعة وواد آخر كبير أيضا ينحدر إلى القبلة مشرقا بعض الشئ إلى ان يصب في الرمل دون تيكو رارين وفى قبلتها وعليه من جهة المغرب قصور توات ثم بعدها تمنطيت ثم بعدها وركلان وعندها يصب في الرمل وفى الشمال عن ركان قصور تسابيت وفى الشمال عنها إلى الشرق قصور يتكورارين والكل وراء عرب الرمل وجبال درن هي الجبال العظيمة الجاثمة سياجا على المغرب الاقصى من آسفى إلى تازى وفى قبلتها جبل نكيسة لصنهاجة وآخره جبل ابن حميدي من طرف هسكورة ثم ينعطف من هنا لك جبال أخرى متوازية حتى تنتهى إلى ساحل بادس من البحر الرومي وصار المغرب لذلك الجزيرة أحاطت الجبال به من القبلة والشرق والبحر ومن المغرب والجوف واعتمر هذه الجبال والبسائط التى بينها أمم من البربر لا يحصيهم الا خالقهم والمسالك بين هذه الجبال إلى المغرب منحصرة ثم معدودة وبازاء القبائل المعتمرين لها كاظة ومصب وادى درعة هذا إلى الصحراء والرمال ما بين سجلماسة وبلاد السوس ويمتد إلى أن يصب في البحر ما بين نون ووادان وحفا فيه قصور لا تحصى شجرتها النخل وقاعدتها بلد تادنست بلد كبير يقصده التجر للسلم في النيلج وانتظار خروجه بالصناعة ولاولاد حسين هؤلاء استيلاء على هذا الوطن ومن بازائه في فسيح جبلة من قبائل البربر صناكة وغيرهم ولهم عليهم ضرائب وخفرات ووضائع ولهم في مجابى السلطان اقطاعات ويجاورهم الشبانات من أولاد حسان من ناحية الغرب فلهم بسبب ذلك على درعة بعض الاتاوات (وأما الاحلاف) من ذوى منصور وهم العمارية والمنبات فمواطنهم مجاورة لاولاد حسين من ناحية الشرق وفى مجالاتهم بالقفر تافيلات وصحراؤها وبالتل ملوية وقصور وطاط وتازى وبطوية وعساسة لهم على ذلك كله الاتاوات والوضائع وفيها الاقطاعات السلطانية وبينهم وبين أولاد حسين فتنة ويجمعهم العصبية في فتنة من سواهم ورياسة العمارية في أولاد مظفر بن ثابت بن مخلف بن عمران وكان شيخهم لعهد السلطان أبى عنان طلحة بن مظفر وابنه الزبير ولهذا العهد محمد بن الزبير وأخوه موسى ويراد فهم في رياستهم أولاد عمارة بن قلان بن مخلف فكان منهم محمد العائد ومنهم لهذا العهد سليمان بن ناجى بن عمارة ينتجع في القفر ويكثر الغزو إلى اعتراض العير وقصور الصحراء ورياسة المنبات لهذا العهد لمحمد بن عبد بن حسين بن يوسف بن فرج بن منبا وكانت أيام السلطان أبى عنان لاخيه على من قبله

[ 68 ]

وترادفهم في رياستهم ابن عمهم عبد الله بن الحاج عامر بن أبى البركات بن منبا والمنبات والعمارية اليوم إذا اجتمعوا جميعا يكثر أولاد حسين وكان للمنبات كثرة لاول دولة بنى مرين وكان خلفهم مع بنى عبد الواد وكان مقدمه يغمراسن بن زيان في افتتاح سجلماسة وتملكها من أيدى الموحدين ثم تغلب بنو مرين عليها وقتلوا من حاربها من مشيختهم مع بنى عبد الواد ثم أوقعوا بالمنبات من بعد ذلك في مجالاتهم بالقفر واستلحموهم فنقص عددهم لذلك آخر الايام والله مالك الامور لا رب سواه

[ 69 ]

* (ذوى حسان عرب السوس) * وأما بنو مختار بن محمد فهم كما قدمناه ذوى حسان والشبانات والرقيطات ومنهم أيضا الجياهنة وأولاد أبو ريه وكانت مواطنهم بنواحي ملوية إلى مصية في البحر مع اخوانهم ذوى منصور وعبيد الله إلى أن استصرخهم على بن يدر الزكندرى صاحب السوس من بعد الموحدين ونسبه ابن عمه في عرب الفتح وكانت بينه وبين كزولة الظواعن ببسائط السوس وجباله فتنة طويلة استصرخ لها بنى مختار هؤلاء فصارخوه وارتحلوا إليه بظعونهم وحمدوا مواطن السوس لعدم المزاحم من الظواعن فيها فأوطنوها وصارت مجالاتهم بقفرها وغلبوا كزولة وأصاروهم في جملتهم ومن ظعونهم وغلبوا على القصور التى بتلك المواطن في سوس ونول ووضعوا عليها الاتاوات مثل تارودانت من سوس وهى ضفة وادى سوس حيث يهبط من الجبل وبين مصبه ومصب وادى ماسة حيث الرباط المشهور مرحلة الى القبلة ومن هناك إلى زوايا أولاد بنى نعمان مرحله أخرى في القبلة على سائر البحر وتواصت على وادى نول حيث يدفع من جبل نكيسة غربا وبينها وبين ايفرى مرحلة والعرب لا يغلبونها وانما يغلبون على البسائط في نواحيها وكانت هذه المواطن لعهد الموحدين من جملة ممالكهم وأوسع عمالاتهم فلما انقرض أمر الموحدين حجبت عن ظل الدولة وخرجت عن ايالة السلطان الا ما كان بها لبنى يدر هؤلاء الذين قدمنا ذكرهم وكان على ابن يدر مالكا لقصورها وكان له من الجند نحو ألف فارس وولى من بعده عبد الرحمن بن الحسن بن بدر وبعده أخوه على بن الحسن وكان لعبد الرحمن معهم حروب وفتن بعد استظهاره بهم وهزموه مرات متتابعة أعوام خمس وسبعمائة وما بعده وغدر هو بمشيختهم وقتلهم بتارودانت سنة ثمان من بعد ذلك وكان لبنى مرين على هؤلاء المعقل السوس وقائع وأيام وظهر يعقوب بن عبد الحق ببنى مرين في بعضها الشبانات على بنى حسان واستلحم منهم عددا وحاصرهم يوسف بن يعقوب بعدها فأمسكوها وأغرمهم ثمانية عشر ألفا وأثخن فيهم يوسف بن يعقوب ثانية سنة ست وثمانين وحاربتهم جيوشه أيضا أياما لحق بهم بنو كمى من بنى عبد الواد وخالفوا على السلطان فترددت إليهم العساكر واتصلت الحروب كما نذكر في أخباره (ولما استفحل) أمر زناتة بالمغرب وملك أبو على ابن السلطان أبى سعيد سجلماسة واقتطعها عن ملك أبيه بصلح وقع على ذلك انضوى إليه هؤلاء الاعراب أهل السوس من الشبانات وبنى حسان ورغبوه في ملك هذه القصور فأغزاها من تخوم وطنه بدرعة ودخل القرى عنوة وفر على بن الحسن وأمه إلى جبال نكيسة عند صنهاجة ثم رجع ثم غلب السلطان أبو الحسن

[ 70 ]

واستولى على المغرب كله ورغبه العرب في مثلها من قصور السوس فبعث معهم عساكره وقائده حسون بن ابراهيم بن عيسى من بنى يرنيان فملكها وجبى بلاد السوس وأقطع فيه للحرب وساسهم في الجباية فاستقامت حاله مدة ثم انقرض أمر السلطان أبى الحسن فانقرض ذلك ورجع السوس إلى حاله وهو اليوم ضاح من ظل الدولة والعرب يقتسمون جبايته ورعاياه من قبائل المصامدة وصنهاجه قبائل الجباية والظواعن منهم يقتسمونهم خولا للعسكرة مثل كزولة مع بنى حسان وزكرز ولخس من لمطة مع الشبانات هذه حالهم لهذا العهد ورياسة ذوى حسان في أولاد أبى الخليل بن عمر بن عفير بن حسن بن موسى بن حامد بن سعيد بن حسان بن مختار لمخلوف بن أبى بكر بن سليمان بن الحسن بن زيان بن الخليل ولاخواته ولا أدرى رياسة الشبانات لمن هي منهم الا أنهم حرب لبنى حسان آخر الايام والرقيطات في غالب أحوالهم أحلاف للشبانات وهم أقرب إلى بلاد المصامدة وجبال درن وذوى حسان أبعد في القفر والله تعالى يخلق ما يشاء لا اله الا هو

[ 71 ]

{ الخبر عن بنى سليم بن منصور من هذه الطبقة الرابعة وتعديد بطونهم وذكر أنسابهم وأولية أمرهم وتصاريف أحوالهم } ونبدأ أولا بذكر بنى كعب وأخبارهم وأما بنى سليم هؤلاء فبطن متسع من اوسع بطون

[ 72 ]

مضر وأكثرهم جموعا وكانت منازلهم بنجد وهم بنو سليم بن منصور بن عكرمة ابن خضفة بن قيس وفيهم شعوب كثيرة ورياستهم في الجاهلية لبنى الشريد بن رياح لبنى ثعلبة بن عطية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهنة بن سليم وعمر بن الشريد عظيم مضر وأبناؤه صخر ومعاوية فصخر أبو الخنساء وزوجها العباس بن مرداس صحابي حضرت معه القادسية (ومن بطون سليم) عطية ورعل وذكوان الذان دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتكوا باصحابه فحمد ذكرهم وكان بنو سليم لعهد الخلافة العباسية شوكة بغى وفتنة حتى لقد أوصى بعض خلفائهم ابنه أن لا يتزوج فيهم وكانوا يغيرون على المدينة وتخرح الكتائب من بغداد إليهم وتوقع بهم وهم منتبذون بالقفر ولما كانت فتنة القرامطة صاروا حلفاء لابي الطاهر وبنيه أمراء البحرين من القرامطة مع بنى عقيل بن كعب ثم لما انقرض أمر القرامطة غلب بنو سليم على البحرين بدعوة الشيعة لما أن القرامطة كانوا على دعوتهم ثم غاب بنو الاصفر بن تغلب على البحرين بدعوة العباسية أيام بنى بويه وطردوا عنها بنى سليم فلحقوا بصعيد مصر وأجازهم المستنصر على يد الاروزى وزيره إلى افريقية لحرب المعز بن باديس عند خلافته عليهم كما ذكرنا ذلك أولا فأجازوا مع الهلاليين وأقاموا ببرقة وجهات طرابلس زمانا ثم صاروا إلى افريقية كما يذكر في الخبر عنهم وبافريقية وما إليها من هذا العهد من بطونهم أربعة بطون زغب وذياب وهبيب وعوف * فاما زغب فقال ابن الكلبى في نسبته زغب بن نصر بن خفاف بن امرئ القيس بن بهنة بن سليم وقال أبو محمد التجانى من مشيخة التونسيين في رحامة انه زغب بن ناصر بن خفاف بن جرير ابن ملاك بن خفاف وزعم أنه أبو ذياب وزغب الاصغر الذين هم الآن من أحياء بنى سليم بافريقية وقال أبو الحسن بن سعيد هو زغب بن مالك بن بهنة بن سليم كانوا بين الحرمين وهم الآن بافريقية مع اخوانهم ونسب ذياب بن مالك بن بهنة فالله أعلم بالصحيح من ذلك ونسب ابن سعيد والتجانى لهولاء قريب بعضه من بعض ولعله واحد وسقط لابن سعيد جد * وأما هبيب فهو ابن بهنة بن سليم ومواطنهم من أول أرض برقة مما يلى افريقية إلى العقبة الصغيرة من جهة الاسكندرية أقاموا هنا لك بعد دخول اخوانهم إلى افريقية وأول ما يلى الغرب منهم بنو حميد لهم اجرابية وجهاتها وهم عديد يرهبهم الحاج ويرجعون إلى شماخ لها عدد ولهم العز في هيت لكونها صارت خصب برقة الذى منه المرج وفى شرقيهم إلى العقبة الكبيرة شمال ومحارب والرياسة في هاتين القبيلتين لبنى عزازوهم المعروفون بالعزة وجميع بطون هبيب هذه استولت على اقليم طويل خربوا مدنه ولم يبق فيه مملكة ولا ولاية الا لاشياخهم وفى خدمتهم بربر ويهود يحترفون

[ 73 ]

بالفلاحة والتجر ومعهم من رواحة وفزارة أمم واشتهر لهذا العهد يبرقة من شيوخ اعرابها أبو ذؤيب ولا أدرى نسبه فيمن هو وهم يقولون من العزة وقوم يقولون من بنى احمد وقوم يجعلونه من فزارة هنا لك قليل عددهم والغلب لهيب فكيف تكون الرياسة لغيرهم * وأما عوف فهو ابن بهنة بن سليم ومواطنهم من وادى قابس إلى أرض بونة ولهم حرمان عظيمان بمرداس وعلاق يطنان بنو يحيى وحصن وفى أشعار هؤلاء المتأخرين منهم مثل حمزة بن عمر شيخ الكعوب وغيره أن يحيى وعلاقا أخوان ولبنى يحيى ثلاثة بطون حمير ودلاج ولحمير بطنان ترحم وكردم ومن ترحم الكعوب بنو كعب ابن أحمد بن ترحم ولحصن بطنان بنو على وحكيم ونحن نأتى على الحكاية عن جميعهم بطنا بطنا وكانوا عند اجازتهم على اثر الهلاليين مقيمين ببرقة كما ذكرناه وهنا لك نزل عليهم القاضى أبو بكر بن العربي وأبوه حين غرقت سفينتهم ونجوا إلى الساحل فوجدوا هنا لك بنى كعب فنزل عليهم فأكرمه شيخهم كما ذكر في رحلته ولما كانت فتنة ابن غانية وقراقش الغزق بجهات طرابلس وقابس وضواحيها كما نذكر في أخبارهم كان بنو سليم هؤلاء فيمن تجمع إليهم من حوبان العرب وأوثاب القبائل فاعصو صبوا عليهم وكان لهم معهم حروب وقتل قراقش ثمانين من الكعوب وهربوا إلى برقة واستصرخوا برياح من بطون سليم ودبكل من حمير فصارخوهم إلى أن تجلب عليابة تلك الفتنة بمهلك قراقش وابن غانية من بعده وكان رسوخ الدولة الحفصية بافريقية ولما هلك قراقش واتصلت فتنة ابن نمانية مع أبى محمد بن أبى حفص ورجع بنو سليم إلى أبى محمد صاحب افريقية وكان ابن غانية الزواودة من رياح وشيخهم مسعود البلط فر من المغرب ولحق به فكان معه هو وبنوه وبنو عوف هؤلاء من سليم مع الشيخ أبى محمد فلما استبد ابنه الامير أبو زكريا بملك افريقية رجعوا جميعا إليه واشفوف للزواودة فلما انقطع دابر ابن غانية صرف عزمه إلى اخراج رياح من افريقية لما كانوا عليه من العبث بها والفساد فجاء بمرداس وعلاق وهما بنو عوف بن سليم هؤلاء من بطونهم بنواحي السواحل وقابس واصطنعهم ورياسة مرداس يومئذ في أولاد جامع وبعده لابنه يوسف وبعده هنان بن جابر بن جامع ورياسة علاق في الكعوب لاولاد شيخه ابن يعقوب بن كعب وكانت رياسة علاق عند دخولهم افريقية لعهد هذا المعز وبنيه لرافع بن حماد وعنده راية جده التى حضر بها مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو جد بنى كعب فيما يزعمون فاستظهر بهم السلطان على شأنه وأنزلهم بساح القيروان وأجزل لهم الصلات والعوائد وزاحموا الزواودة من رياح بمنكب بعد أن كان لهم استطالة على جميع بلاد افريقية وكانت لهم آية اقطاع لمحمد بن مسعود بن سلطان أيام الشيخ أبى محمد بن أبى حفص فأقبل إليه

[ 74 ]

مرداس في بعض السنين غيرهم للكيد ونزلوا به فرأ وانعمة الزواودة في تلولهم تلك فشرهوا إليها وأجمعوا طلبها فحاربوهم فغلبوهم وقتلوا رزق بن سلطان واتصلت الفتنة فلما حضرهم الامير أبو زكريا صادف عندهم القبول لتحريضه فاعصو صبوا جميعا على فتنة الزواودة وتأهبوا لها وتكررت بينهم وبين رياح الحروب والوقائع حتى أزاحوهم عن افريقية إلى مواطنهم لهذا العهد بتلول قسنطينة وبجاية إلى الزاب وما إليه ثم وضعوا أوزار الحرب وأوطن كل حيث قسمت له قومه وملك بنو عوف سائر ضواحي افريقية وتغلبوا عليه واصطنعهم السلطان وأثبتهم في ديوان العطاء ولم يقطع شيأ من البلاد واختص بالولاية منهم أولاد جامع وقومه فكانوا له خالصة وثم تدبيره في غلب الزواودة ورياح في ضواحي افريقية وازعاجهم عنها إلى ضواحي الزاب وبجاية وقسنطينة وطال بالدولة واختلف حالهم في الاستقامة معها والنفرة وضرب السلطان بينهم ابن علاق فنشأت الفتنة وسخط عنان بن جابر شيخ مرداس من أولاد جامع مكانه من الدولة فذهب مغاضبا عنها وأقام بناجعته من مرداس ومن إليهم بنواحي المغرب في بلاد رياح من زاعز إلى ما يقاربها وخاطبه أبو عبد الله بن أبى الحسن خالصة السلطان أبى زكريا صاحب افريقية يومئذ يؤنبه على فعلته في مراجعة السلطان بقصيدة منها قوله وهى طويلة قدوا المهامه بالممرية القود * واطو وافلاة بتصويب وتصعيد وبقوله سلواد منة بين الغضى والسواحر * هل استن فيها واكفات المواطر فأجاب عن هذه عنان بقوله خليلي عوجا بين سلع وحاجر * بهوج عنا ببج نواج ضوامر يقيم عروة في النزوع عنهم السلطان بعض الشئ كما نذكره في أخبار الدولة الحفيصة ثم لحق بمراكش بالخليفة السعيد من بنى عبد المؤمن محرضا له على افريقية وآل أبى حفص وهلك في سبيله وقبر بسلا ولم يزل حال مرداس بين النفرة والاصحاب إلى أن هلك الامير أبو زكريا واستفحل ملك ابنه المستنصر من بعده وعلا الكعوب بذمة قومه من السلطان وكان شيخهم لعهده عبد الله بن شيخة فسعى عند السلطان في مرداس وكان أبو جامع مبلغا سعايته واعصوصبت عليه سائر علاق فحاربوا المرداسيين هؤلاء وغلبوهم على الاوطان والحظ من السلطان وأخرجوهم عن افريقية وصاروا إلى القفر وهم اليوم به من جهة يادية الاعراب أهل الفلاة ينزعون إلى الرسل ويمتارون من أطراف التلول تحت

[ 75 ]

أحكام سليم أو رياح ويختصون بالتغلب على ضواحي قسنطينة أيام مرابع الكعوب ومصاجهم بالتلول فإذا انحدروا إلى مشاتيهم بالقفر أجفلت احياء مرداس إلى القفر البعيد أو يخالطونهم على حلف ولهم على توزر ونفطة وبلاد قصطيله اتاوة يؤدونها إليهم بما هي مواطنهم ومجالاتهم وتصرفهم ولانها في الكثير من أعراضهم وصاروا لهذا العهد إلى تملك القفار بها فاصطفوا منه كثيرا واصبح منه عمران قسطينة لهم مرتابا واستقام أمر بنى كعب من علاق في رياسة عوف وسائر بطونهم من مرداس وحصين ورياح ودلاج ومن بطون رياح وعلا شأنهم عند الدولة واعتزوا على سائر بنى سليم ابن منصور واستقرت رياستهم في ولد يعقوب بن كعب وهم بنو شيخة وبنو طاهر وبنو على وكان التقدم لبنى شيخة بن يعقوب لعبد الله أولا ثم لابراهيم أخيه ثم لعبد الرحمن ثالثهما على ما يأتي وكان بنو على يرادفونهم في الرياسة وكان منهم بنو كثير بن يزيد ابن على وكان كعب هذا يعرف بينهم بالحاج لما كان قضى فرضه وكانت له صحابة مع أبى سعيد العود الرطب شيخ الموحدين لعهد السلطان المنتصر أفادته جاها وثروة وأقطع له السلطان أربعا من القرى أصارها لولده كان منها بناحية صفاقس وبافريقية وبناحية الجريد وكان له من الولد سبعة أربعة لام وهم اجر وماضي وعلى ومحمد وثلاثة لام وهم بريد وبركات وعبد الغنى فنازع أحمد أولاد شيخة في رياستهم على الكعوب واتصل بالسلطان أبى اسحق وأحفظهم ذلك فلحقوا بالدعى عند ظهوره وكان من شأنه ما قدمنا وهلك أحمد واستقرت الرياسة في ولده وكان له من الولد جماعة فمن عرفة احدى نساء بنى قاسم أبو الليل وأبو الفضل ومن الحكمية قائد وعبيد ومنديل وعبد الكريم السرى كليب وعساكر وجهد الملك وعبد العزيز ولما هلك أحمد قام بأمرهم بعده ابنه أبو الفضل ثم من بعده أخوه أبو الليل بن أحمد وغلب رياسة بنى أحمد هؤلاء على قومهم وتألفوا ولد اخوتهم جميعا وعرفوا ما بين أحيائهم بالاعشاش إلى هذا العهد ولما كان شأن الدعى بن أبى عمارة ويئس الفضل بن يحيى المخلوع وأوقع بالسلطان ابى اسحق وقتله وأكثر منه كما نذكره في موضعه لحق أبو حفص أخوه الاصغر بقلعة سنان من حصون افريقية وكان لابي الليل بن أحمد في نجاته ثم في القيام بأمره اثر وقع منه أحسن المواقع فاصطنعه به وشيد من رياسته على قومه عندما أدال الله به من الدعى فاصطنع أبو الليل هذا بأمرهم وزاحم أولاد شيخة بمنكب قوى ولحق آخرهم عبد الرحمن بن شيخة ببجاية عندما اقتطعها الامير أبو زكريا بن سلطان أبى اسحق على ملك عمه السلطان أبى حفص فوفد عليه مستجيشا به ومرغبا له في ملك تونس يرجو بذلك كثرة رياسته فهلك دون مرامه وقبر ببجاية وانقرضت رياسة أولاد شيخة بمهلكه

[ 76 ]

واستبد أبو الليل بالرياسة في الكعوب ووقع بينه وبين السلطان أبى حفص وحشة فقدم على الكعوب مكانه محمد بن عبد الرحمن بن شيخة وزاحمه به أياما حتى استقام على الطاعة ولما هلك قام بأمرهم ابنه أحمد واتصل أمر رياسته ونكبه السلطان أبو عصيدة فهلك في سجنه وولى بعده أخوه عمر بن أبى الليل وزاحمه هراج ابن عبيد بن أحمد بن كعب إلى أن هلك هراج كما نذكر ولما هلك عمر قام بأمره في قومه أخوه محمد بن أبى الليل وكفل مولاهم وحمزة ابن أخيه عمر وكان عمر مضعفا عاجزا فنازعه أولاد مهلهل ابن عمه قاسم وهم محمد ومسكيا ومرغم وطالب وعون في آخرين لم يحضرني أسماؤهم فترشحوا للاستبداد على قومهم ومجاذبة محمد ابن عمهم أبا الليل جبل اياعة فيهم ولم يزالوا على ذلك سائر أيامهم ولما ظهر هراج بن عبيد بن أحمد بن ؟ ؟ ؟ وعظم ضغائنه وعتوه وافساد الاعراب من احيائه السابلة وساء أثره في ذلك وأسس السلطان بالاعنراز عليه والاستراط في ماله وتوغلت له صدور الغوغاء والعامة فوفد على تونس عام خمسة وسبعمائة ودخل المسجد يوم الجمعة لابسا خفيه ونكر الناس عليه وطأه بيت الله عجف لم ينزعه وربما قال له في ذلك بعض المصلين إلى جنبه فقال انى أدخل بها بساط السلطان فكيف الجامع فاستعظم الناس كلمته وثاروا به لحينه فقتلوه في المسجد وارضوا الدولة بفعلهم وكان أمره مذكورا وقتل السلطان بعد ذلك آخاه كيسان وابن عمه شبل بن منديل بن أحمد وقام بامر الكعوب مريد محمد ابن أبى ليلى وهراج بن عبيد مولاهم وحمزة أبناء عمر واستبد برياسة البدو ومن سليم بافريقية على مزاحمة من بنى عمهم مهلهل بن قاسم وأمثالهم وفحول سواهم وانتقض أحمد بن أبى الليل وابن أخيه مولاهم ابن عمر على السلطان سنة سبع وسبعمائة واستدعى عثمان بن أبى دبوس من مكانه بوطن ذباب فجاءه واجلب له على تونس ونزل كدية الصعتر بظاهرها وبرز إليهم الوزير أبو عبد الله بن برزيكن فهزمهم واستخدم أحمد بن أبى الليل ثم تقبض عليه واعتقل بتونس إلى أن هلك ووفد بعد ذلك مولاهم ابن عمر سنة ثمان فاعتقل معه ولحق أخوه حمزة بالامير أبى البقا خالد ابن الامير زكريا صاحب الثغر الغربي من افريقية بين يدى مهلب السلطان أبى عصيدة ومعه أبو على ابن كثير ويعقوب بن الفرس وشيوخ بنى سليم هؤلاء مورد الامير أبا البقاء في ملك الحضرة وجاز في صحبته وأطلق أخاه مولاهم من الاعتقال منذ دخول السلطان تونس سنة عشر وسبعمائة كما نذكر في خبره ثم لحق حمزة بالسلطان أبى يحيى زكريا ابن اللحيانى واتصلت به يده فرفعه على سائر العرب حتى لقد نفس ذلك عليه أخوه مولاهم و ؟ ع إلى السلطان أدر ؟ ؟ الطويل أمر الخلافة ولى سبعا ببجاية وثلاثين

[ 77 ]

بعد استيلائه على الحضرة وسائر بلاد افريقية فاستخلصه السلطان لدولته ونابذه حمزة فأجلب عليه بالقرابة واحدا بعد واحد كما نذكره وداهن أخوه مولاهم في مناصحة السلطان ومالا حمزة على شأنه وربما نمى عنه الغدر فتقبض عليه السلطان وعلى ابنه منصور وعلى ربيبه زغدان ومغرار بن محمد بن أبى الليل وكان الساعي بهم إلى السلطان ابن عمهم عون بن عبد الله بن أحمد وأحمد بن عبد الواحد أبو عبيد وأبو هلال بن محمود ابن فائد وناجى بن أبى على بن كثير ومحمد بن مسكين وأبو زيد بن عمر بن يعقوب ومن هوارة فيصل بن زعزاع فقتلوا لحينهم سنة ثنتين وعشرين وبعث اشلاؤهم إلى حمزة فاشتد حنقه ولحق صريخا بأبى تاشفين بعساكر تلمسان لعهده من آل يغمراسن ومعه محمد ابن السلطان اللحيانى المعروف بأبى ضربة قد نصبه للملك وأمدهم أبو تاشفين بعساكر زناتة وزحفوا إلى افريقية فخرج إليهم السلطان وهزمهم برغيش ولم يزل حمزة من بعدها مجلبا على السلطان أبى يحيى بالمرشحين من أعياص البيت الحفصى وأبو تاشفين صاحب تلمسان يمدهم بعساكره وتكررت بينهم الوقائع والايام سجالا كما نذكره في مواضعه حتى إذا استولى السلطان أبو الحسن وقومه من بنى مرين على تلمسان والغرب الاوسط سنة سبع وثلاثين وسبعمائة واستتبعوا بنى عبد الواد وسائر زناتة قصى حمزة من فتنته وانقطع حبلها في يده ولحق بالسلطان أبى الحسن مستشفعا به فتقبل السلطان أبو يحيى شفاعته وعفا له عن جرائمه وأحله محل الاصفاء والخلوص فشمر عن نصحه واجتهاده وظاهر قائده محمد بن الحكيم على تدريج افريقية وظهر البدو من الاعراب فاستقام أمر الدولة وتوثر مهادها وهلك حمزة سنة أربعين وسبعمائة بيد أبى عون نصر بن أبى على عبد السلام من ولد كثير بن زيد المتقدم الذكر في بنى على من بطون بنى كعب طعنه في بعض الحروب فأشواه وكان فيها مهلكه وقام بأمرهم من بعده ابنه عمر بمظاهرة شقيقه قتيبة ولكن أبا الليل تغلب على سائر الاخوة وللقرابة واستبد برياسة بنى كعب وسائر بنى يحيى وأقتاله بنو مهلهل ينافسونه ويرتقبون الادالة منه وكان مساهمه في أمره معن بن مطاعن من فزارة وزير أبيه وخرجوا على السلطان بعد مهلك حمزة أبيهم واتهموا ان قتل أبى عون اياهم انما كان بممالاة الدولة فنازلوا تونس وجمعوا لمحاصرتها أولاد مهلهل أمثالهم ثم اختلفوا ورحلوا عن البلد وانخذل طالب بن مهلهل وقومه إلى السلطان ونهض في أثرهم فأوقع بهم في القيروان ووفدت مشيختهم على ابنه الامير أبى العباس بقصره يداخلونه في الخروج على ابنه وكان فيهم معن بن مطاعن وزيرهم فتقبض عليه وقتله وأفلت الباقون وراجعوا الطاعة وأعطو الرهن (ولما هلك) السلطان أبو يحيى وقام بالامر ابنه عمر انحرفوا عنه وظاهروا أخاه أبا

[ 78 ]

العباس صاحب الجريد وولى العهد وزحفوا معه بظواعنهم إلى تونس فدخلها وقتله أخوه عمر كما نذكره في موضعه وقتل معه أخاهم أبا الهول بن حمزة فأسعفهم بذلك ووفد خالد على صاحب المغرب السلطان أبى الحسن فيمن وفد عليه من وجوه الدولة وكافة المشيخة من افريقية وجاء في جملته حتى إذا استولى على البلاد قبض أيديهم عما كانت تمتد إليه من افساد السابلة وأخذ الاتاوة وانتزع الامصار التى كانت مقتطعة بأيديهم وألحقهم بأمثالهم من اعراب بلاد المغرب الاقصى من المعقل وزغبة فثقلت وطأته عليهم وتنكروا له وساء ظنه بهم وفشت فارات المفسدين من بداويهم بالاطراف فنسب ذلك إليهم ووفد عليه بتونس من رجالاتهم خالد بن حمزة وأخوه أحمد وخليفة بن عبد الله بن مسكين وخليفة بن أبى زيد من شيوخ حليم فسعى بهم عنده انهم داخلوا بعض الاعياص من أولاد اللحيانى من بنى أبى حفص كما في رحلته كما نذكره في موضعه فتقبض عليهم وبلغ خبرهم إلى الحى فناشبوا بقشطيلة والبريد فظفروا بزنابى من بقية آل عبد المؤمن من عقب أبى العباس ادريس الملقب بأبى ادريس آخر خلفائهم بمراكش واستيلاؤه على المغرب وهو أحمد بن عثمان بن ادريس فنصبوه وبايعوه واجتمعوا عليه وناشبت معهم بنو عمهم مهلهل أقتالهم وكان طالب هلك وقام مكانه فيهم ابنه محمد فصرخهم بقومه واصفقوا جميعا على حرب زناتة ونهض إليهم السلطان أبو الحسن من تونس فاتح تسع وأربعين فأجفلوا امامه حتى نزل القيروان ثم ناجزوه ففضوا جموعه وملؤا حقائبهم باسلابه واسلابهم وخضدوا من شوكة السلطان وألانوا من حد الملك وخفضوا من أمر زناتة وغلبهم الامم وكان يوم له ما بعده في اعتزاز العرب على الدول آخر الايام وهلك أبو الليل بن حمزة فعجز عمر عن مقامة اخوته واستبد بالرياسة عليه أخوه خالد ثم من بعده أخوهما منصور واعتز على السلطان أبى اسحق ابن السلطان أبى يحيى صاحب تونس لعهد اعتزار الاكفاء له وانبسطت أيدى العرب على الضاحية وأقطعتهم الدولة حتى غلبوا على الضاحية وقاسموهم في جبايات الامصار بالاقطاع ريفا وصحراء وتلولا وجريدا ويحرضون بين اعياص الدولة ويجلبون بهم على الحضرة لما يعطونه طعمة من الدولة ويرميهم السلطان باقتالهم أولاد مهلهل بن قاسم بن أحمد يديل به منهم حتى احفظوها ويحرش بينهم بقضاء أوطارها حتى إذا أراد الله انقاذ الامة من هوة الخسف وتخليصهم من مكاره الجوع والخوف وادالتهم من ظلمات الموت بنور الاستقامة بعث همة السلطان أمير المؤمنين أبى العباس أحمد ايده الله لطلب ارثه من الخلافة فبعث من بالحضرة فانبعث لها من مكان امارنه بالثغر العربي ونزل إليه أمير البدو

[ 79 ]

ومنصور ابن حمزة هذا وذلك سنة احدى وسبعين وسبعمائة على حسين مهلك السلطان أبى اسحق مقتعد كرسى الحضرة وصاحب عصا الخلافة والجماعة وقام ابنه خالد بالامر من بعده فنهض إلى افريقية ودخل تونس عنوة واستولى على الحضرة سنة ثنتين بعدها وارهف حده للعرب في الاعتزاز عليهم وقبض أيديهم عن المفاسد وذويهم فحدثت لمنصور نفرة عن الدولة ونصب الامير أبو يحيى زكريا ابن السلطان ابن أبى يحيى جدهم الاكبر كان في احياء العرب منذ سنين كما نذكر ذلك كله في اخبار الدولة وأجلب به على تونس سنة ثلاث وسبعين فامتنعت عليهم ولم يظفروا بشئ وراجع منصور حاله عند السلطان وكشف عن وجه المناصحة وكان عشيرته قد ملوا منه حسدا ومنافة بسوء ملكته عليهم فغدا عليه محمد ابن أخيه أبى الليل وطعنه فاشواه وهلك ليومه سنة خمس وسبعين وافترق جمعهم وقام بأمرهم من بعده صولة ابن أخيه خالد بن حمزة ويرادفه أولاد مولاهم ابن عمر فجهد بعض الشئ في خدمة السلطان ومناصحته ثم رجع إلى العصيان وكشف القناع في الخلاف واتصل حاله على ذلك ثلاثا وادال السلطان منه ومن قومه باقتالهم أولاد مهلهل ورياستهم لمحمد بن طالب فرجع إليهم رياسة البدو وجعل لهم المنع والاعطاء فيهم ورفع رتبهم على العرب وتحيز إليه معهم أولاد مولاهم ابن عمر بن أبى الليل ونقلت أولاد حمزة سائر هذه الايام في الحلاف ونهض السلطان سنة ثمانين إلى بلاد الجريد لتقديم رؤسائها عن المراوغة وحملهم على جادة الطاعة فتعرضوا لمدافعته عنها باملاء هذه الرؤساء ومشارطتهم لهم على ذلك وبعد ارجعوا له الجموع من دومان العرب الاعراب وذياب البدو فغلبهم عليها جميعا وازاحهم عن ضواحيها وظفر بفرائسة من أولئك الرؤساء وأصبحوا بين معتقل ومشرد واستولى على قصورهم وذخائرهم وأبعد أولاد حمزة وأحلافهم من حكيم المفر وجاوزوا تخوم بلادهم من جهة المغرب واعتزت بعد الفساد وانفتحت أبو اب الرحمة على العباد وقد كان اعتزاز هؤلاء العرب على السلطان والدولة لا ينتهى إليه اعتزاز ولهم عنجهية واباية وخلق في التكبر الذى هو غريزة لما انهم لم يعرفوا عهد الاول ولا يسامون باعطاء الصدقات لهذا العهد الاول اما في دولة بنى أمية فللعصبية التى كانت للعرب بعضها مع بعض يشهد بذلك اخبار الردة والحلفاء معهم مع أمثالهم مع أن الصدقة كانت لذلك العهد تتحرى الحق بجانب الاعتزاز والغلظة فليس في اعطائها كثير غمط ولا مذلة واما أيام بنى العباس حين استفحال الملك وحدوث الغلظة على أهل العصابة فلابعادهم بالقفر من بلاد نجد وتهامة وما وراءهما وأما أيام العبيديين فكانت الحاجة تدعو الدولة إلى استمالتهم للفتنة التى كانت بينهم وبين بنى العباس واما حين خرجوا بعد ذلك إلى فضاء برقة

[ 80 ]

وافريقية فكانوا ضاحين من ظل الملك ولما اصطنعهم بنو أبى حفص كانوا معهم بمكان من الذل وسوم الخسف حتى كانت واقعتهم بالسلطان أبى الحسن وقومه من زناتة بالقيروان فنهجوا سبيل الاعتزاز لغيرهم من العرب على الدول بالمغرب فتحامل المعقل وزغبة على ملوك زنانة واستطالوا في طلابهم بعد ان كانوا مكبوحين بحكمة الغلب عن التطاول إلى مثلها والله مالك الامور صولة بن خالد بن حمرة بن عمر بن أبى الليل بن احمد بن كعب بن على بن يعقوب بن كعب بن احمد بن ترحم بن حميد بن يحيى بن علان بن عوف بن امرئ القيس بن بهسثه بن سليم - عمر - منصور - خالد بن على مولاهم - سليمان بن عبد الله بن احمد - زعلان يحيى بن مسكيابن مهلهل بن قاسم - عون - أبو الفضل - عبيد - فائد - محمد بن طالب مرغه - محمد - عبد الغنى - ماضى - اجر - الحاج - بنو عون بن نصر بن ابى على عبد السلام بن كثير بن يزيد - كردم - حبيب بن رياخ - دلاج - حصن - منصور قتيبة - احمد - منديل - مغرار بن محمد - منديل - عساكر - كليب - عبد العزيز عبد الملك - بريد - بركات - محمد - على - عبد الله بن شيخة - عبد الرحمن - ابراهيم

[ 81 ]

{ الخبر عن قاسم بن مرا من الكعوب القائم بالسنة في سليم ومآل أمره وتصاريف أحواله } كان هذا الرجل من الكعوب من أولاد أحمد بن كعب منهم وهو قاسم بن مر ابن أحمد نشأ بينهم ناسكا منتحلا للعبادة ولقى بالقيروان شيخ الصلحاء بعصره أبا يوسف الدهانى وأخذ عنه ولزمه ثم خرج إلى قومه مقتفيا طريقة شيخه في التزام الورع والاخذ بالسنة ما استطاع ورأى ما العرب عليه من افساد السابلة والخروج عن الجادة فأخذ نفسه بتغيير المنكر فيهم واقامة السنة لهم ودعا إلى ذلك عشيره من أولاد أحمد وان يقاتلوا معه على ذلك فأشار عليه أولاد ابى الليل منهم وكانوا عيبة له تنصح له أن ينكف عن طلب ذلك من قومه مخافة ان يلحوا في عداوته فيفسد أمره ودفعوه إلى مطالبة غيرهم من سليم وسائر الناس بذلك وانهم منعة له ممن يرومه خاصة فجمع إليه أوباشا من البادية تبعوه على شأنه والتزموا طريقته والمرابطة معه وكانه يسمون بالجنادة وبدا بالدعاء إلى اصلاح السابلة بالقيروان وما إليها من بلاد الساحل وتتبع المحاربين بقتل من يعثر عليه منهم بالطرق وغزو المشاهير منهم في بيوتهم واستباحة أموالهم ودمائهم حتى شردهم كل مشرد وعلت بذلك كلمته على آل حصن وصلحت السابلة بافريقية ما بين تونس والقيروان وبلاد الجريد وطار له ذكر نفسه عليه قومه وأجمع عداوته واغتياله بنو مهلهل قاسم بن أحمد وتنصحوا ببعض ذلك للسلطان بتونس الامير ابن حفص وأن دعوة هذا الرجل قادحة في أمر الجماعة والدولة فأغضي لهم عن ذلك وتركهم وشأنهم فخرجوا من عنده مجمعين قتله ودعوه في بعض أيامهم إلى المشاورة في شؤنهم معه على عادة العرب ووقفوا معه بساحة حيهم ثم خلصوا معه نجيا وطعنه من خلفه محمد بن مهلهل الملقب بأبى عذبتين فخر صريعا لليدين والفم وامتعض له أولاد أبى الليل وطلبوا بدمه فافترقت أحياء بنى كعب من يومئذ بعد ان كانت جميعا وقام بامره من بعده ابنه رافع على مثل طريقته إلى ان هلك في طلب الامر على يد بعض رجالات آل حصن سنة ست وسبعمائة ولم يزل بنو أبى الليل على الطلب بثار قاسم بن مرا إلى ان ظهر فيهم حمزة ومولاهم ابنا عمر بن أبى الليل وصارت إليهم الرياسة على أحيائهم واتفق في بعض الايام اجتماع أولاد مهلهل بن قاسم في سيدى حمزة ومولاهم في مشاتيهم بالقفر فاجمع اغتيالهم وقتلهم عن آخرهم شاق ابن عمهم قاسم بن مرا ولم يفلت منهم الا طالب بن مهلهل لم يحضر معهم وعظمت الفتنة من يومئذ بين هذين الحيين وانقسمت عليهم أحياء بنى سليم وصاروا يتعاقبون في الخلاف والطاعة على الدولة وهم على ذلك لهذا العهد والرياسة في بنى مهلهل اليوم لمحمد بن طالب بن مهلهل وأخيه يحيى والله وارث الارض

[ 82 ]

ومن عليها وهو خير الوارثين (بنو حصن بن علاق) بنو حصن هؤلاء من بطون علاق وحصن أخو يحيى بن علاق كما مر فهم بطنان أيضا بنو على وحكيم وقد يقال ان حكيما ليس لحصن وانما ربى في حجره فانتمى إليه واما حكيم فلهم بطون منهم بنو ظريف بن حكيم وهم أولاد عائر والشراعبة ونعير وجرين لمقدام ابن ظريف وزياد بن ظريف ومنهم بنو وائل بن حكيم ومنهم بنو طرود بن حكيم وقد يقال ان طرودا ليس لسليم وانهم من منبس احدى بطون هلال بن عامر ويقال ان منهم زيد العجاج بن فاصل المذكور في رجالات هلال والصحيح في طرود انهم من بنى فهم ابن عمر بن قيس بن عيلان بن عدوان وفى تعدادهم وكانت طرود أحلاف الدلاج ثم قاطعوهم وحالفوا آل ملاعب ومن بطون حكيم آل حين ونوال ومقعد والجميعات ولا أدرى كيف يتصل نسبهم ومنهم بنو نمير بن حكيم ولنمير بطنان ملاعب وأحمد فمن أحمد بنو محمد والبطين ومن ملاعب بنو هيكل بن ملاعب وهم أولاد زمام والفزيات وأولاد مياس وأولاد فائد ومن أولاد فائد الصرح والمدافعة وأولاد يعقوب بن عبد الله بن كثير بن حرقوص بن فائد واليهم رياسة حكيم وسائر بطونهم ومواطن حكيم هؤلاء لهدا العهد ما بين سوسة والاجم والناجعة منهم احلاف لبنى كعب تارة لاولاد ابى الليل وتارة لا قتالهم أولاد مهلهل ورياستهم في بنى يعقوب بن عبد السلام بن يعقوب شيخا عليهم وانتقض أيام اللحيانى ووفد على السلطان أبى يحيى بالثغر الغربي من افريقية في بجاية وقسنطينة وجاء في حملته فلما ملك ملك تونس عقد له على قومه ورفعه على أنظاره وغص به بنو كعب فحرض عليه حمزة من الاعشاش محمد بن حامد بن يزيد فقتله في موقف شوارهم وولى إلى الرياسة فهم من بعده ابن عمه محمد ابن مسكين بن عامر بن يعقوب بن القوس وانتهت إليه رياستهم وكان يرادفه أو ينازعه جماعة من بنى عمه فمنهم سحيم بن سليمان بن يعقوب وحضر واقعة طريف مع السلطان أبى الحسن وكان له فيها ذكر ومنهم أبو الهول وأبو القاسم ابنا يعقوب ابن عبد السلام وكان لابي الهول مناصحة للسلطان أبى الحسن حين احلف عليه بنو سليم بالقيروان وأدخله مع أولاد مهلهل في الخروج على القيروان فخرج معهم جميعا إلى سوسة ومنهم بنو يزيد بن عمر بن يعقوب وابنه خليفة ولم يزل محمد بن مسكين على رياسته أيام السلطان أبى يحيى كلها وكان مخالطا له ومتهالكا في نصيحته والانحياش إليه ولما هلك خلفه في رياسته ابن أخيه خليفة بن عبد الله بن

[ 83 ]

مسكين وهو أحد الاشياخ الذين تقبض عليهم السلطان أبو الحسن بتونس بدعاء واقعة القيروان ثم أطلقه وهو محصور بالقيروان فكان له به اختصاص من بعد ذلك ولما تغلب العرب على النواحى بعد واقعة القيروان تغلب بنو مسكين هؤلاء على سوسة فأقطعها السلطان خليفة هذا وبقيت في ملكته وهلك خليفة فقام برياستهم في حكيم ابن عمه عامر ابن محمد بن مسكين ثم قتله محمد بن بثيثة بن حامد من بنى كعب قتله يعقوب بن عبد السلام ثم قتله محمد هذا غدرا بجهاد الجريد سنة خمس وخمسين وسبعمائة ثم افترق أمرهم واستقرت رياستهم لهذا العهد بين أحمد بن محمد بن عبد الله بن مسكين وتلقب أبا معنونة وهو ابن أخى خليفة المذكور وعبد الله بن محمد بن يعقوب وهو ابن أخى أبى الهول المذكور ولما تغلب السلطان أبو العباس على تونس وملكها انتزع سوس من أيديهم فامتعض أحمد لذلك وصار إلى ولاية صولة بن خالد بن حمزة من أولاد أبى الليل وسلكوا سبيل الخلاف والفتنة وأبعدوا في شأوها وهم لهذا العهد مشردون عن الضواحى والارياف منزاحون إلى القفر واما عبد الله بن محمد ويلقب الرواى فتحيز إلى السلطان وأكد حلفه مع أولاد مهلهل على ولايته ومظاهرته فعظمت رياسته في قومه وهو على ذلك لهذا العهد ثم راجع أبو معنونة خدمة السلطان وانقسمت رياسة حكيم بينهما وهم على ذلك لهذا العهد واما بنو على اخوة حكيم فلهم بطون أولاد صورة ويجمعهما معا عوف بن محمد بن على حصن ثم أولاد غى والبدرانة وأولاد أم أحمد والحضرة أو الرجلان وهو مقعد والجميعات والحمر والمسابهة آل حسين وحجرى وقد يقال ان حجري ليسوا لسليم وانهم من بطون كندة صاروا معهم بالحلف فانتسبوا بنسبهم ورياسة بن على في أولاد صورة وشيخهم لهذا العهد أبو الليل بن أحمد بن سالم بن عقبة بن شبل بن صورة بن مرعى بن حسن بن عوف ويراد فهم المراعية من أهل نسبهم أولاد مرعى ابن حسن بن عوف ومواطنهم ما بين الاجم والمباركة من نواحى قابس وناجعتهم أحلاف الكعوب اما لاولاد أبى الليل أو لاولاد مهلهل وغالب أحوالهم أولاد مهلهل والله مقدر الامور لا رب سواه

[ 84 ]

(ذباب بن سليم) قد ذكرنا الخلاف في نسبهم من انهم من ذباب بن ربيعة بن زعب الاكبر وان ربيعة أخو زعب الاصغر وضبط هذه اللفظة لهذا العهد بضم الزاى وقد ضبطها الاجل

[ 85 ]

أبى والرشاطى بكسر الزاى كذا نقل أبو محمد التجانى في رحلته ومواطنهم ما بين قابس وطرابلس إلى برقة ولهم بطون فمنهم أولاد أحمد بن ذباب ومواطنهم غربي قابس وطرابلس إلى برقة عيون رجال مجاورون لحصن ومن عيون رجال بلاد زعب من بطور ذباب بنو يزيد مشاركون لاولاد أحمد في هذه المواطن وليس هذا أبا لهم ولا اسم رجل وانما هو اسم حلفهم انتسبوا به إلى مدلول الزيادة كذا قال التجانى وهم بطون أربعة الصهب بسكون الهاء بنو صهب بن جابر بن فائد بن رافع بن ذباب واخوتهم الحمادية بنو حمدان بن جابر والخرجة بسكون الراء بطن من آل سليمان منهم أخرجهم آل سليمان من مواطنهم بمسلالة فحالفوا هؤلاء ونزلوا معهم والاصابعة نسبة إلى رجل ذى اصبع زائدة ولم يذكر التجانى في أي بطن من ذباب ينتسبون ومنهم النوائل بنو نائل بن عامر بن جابر واخوتهم أولاد سنان بن عامر واخوتهم أولاد وشاح بن عامر وفيهم رياسة هذا القبيل من ذباب كلهم وهم بطنان عظيمان المحاميد بنو محمود بن طوب بن بقية بن وشاح ومواطنهم ما بين قابس ونفوسة وما إلى ذلك من الضواحى والجبال ورياستهم لهذا العهد في بنى رحاب ابن محمود لاولاد سباع بن يعقوب بن عطية بن رحاب والبطن الآخر الجوارى بنو حميد بن جارية بن وشاح ومواطنهم طرابلس وما إليها مثل تاجورا وهزاعة وز نزور وما إليها من ذلك لهذا العهد ورياستهم لهذا العهد في بنى مرغم بن صابر بن عسكر بن على بن مرغم ومن أولاد وشاح بطنان آخران صغيران مندرجان مع الجوارى والمحامد وهما الجواربة بنو جراب بن وشاح والعمور بنو عمر بن وشاح هكذا زعم التجانى في العمور هؤلاء وفى هلال بن عامر بطن العمور كما ذكرناه وهم يزعمون ان عمور ذباب هؤلاء منهم وانهم انما جمعهم مع ذباب الموطن خاصة وليسوا من سليم والله أعلم بحقيقة ذلك وكان من أولاد وشاح بنو حريز بن تميم بن عمر بن وشاح كان منهم فائد بن حريز من فرسان العرب المشاهير وله شعر متداول بينهم لهذا العهد سمرا وفكاهة المجالس ويقال انه من المحاميد فائد بن حريز بن حربى ابن محمود بن طوب وكان بنو ذباب هؤلاء شيعة لقراقش الغزى وابن غانية ولهما فيه أثر وقتل قراقش مشيخة الجوارى في بعض أيامه ثم صاروا بعد مهلك ابن غانية إلى خدمة الامير أبى زكريا وأهل بيته من بعده وهم الذين أقاموا أمر الداعي بن أبى عمارة وعليهم كان تلبسه لان يصير أميرا بدل المخلوع وكان فر إليهم بعد مهلك مولاه وبنيه ونزل عليهم حتى إذا مر بهم ابن أبى عمارة فعرفه الخبر فاتفقوا على التلبيس وزينوا ذلك لهؤلاء العرب فقبلوه وتولى كبر ذلك مرغم بن صابر وتبعه قومه وداخلهم في الامر أبو مروان عبد الملك بن مكى رئيس قابس فكان من قدر

[ 86 ]

الله ما كان من تمام أمره وتلويث كرسى الخلافة بدمه حسبما يذكر في أخبار الدولة الحفصية وكان السلطان أبو حفص يعتمد عليهم ف‍ $ ؟ ابهم في دعوة عمارة فخالفوا عليه وسرح لحربهم قائده أبا عبد الله الغزارى واستصرخوا بالامير أبى زكريا ابن أخيه وهو يومئذ صاحب بجاية والثغر الغربي من افريقية ووفد عليه منهم عبد الملك بن رحاب ابن محمود فنهض لصريخه سنة سبع وثمانين وستمائة وحاربوا أهل قابس وهزموهم وأثخنوا فيهم ثم غلبهم الفزارى ومانعهم عن وطن افريقية ورجع الامير أبو زكريا إلى القرة وكان مرغم بن صابر بن عسكر شيخ الجوارى قد أسره أهل صقلية من سواحل طرابلس سنة ثنتين وثمانين وباعوه لاهل برشلونة فاشتراه ملكهم وبقى أسيرا عندهم إلى ان زعم إليه عثمان بن ادريس الملقب بأبى دبوس بقية الخلفاء من بنى عبد المؤمن وأراد الاجازة إلى افريقية لطلب حقه في الدعوة الموحدية فعقد الملك ملك برشلونة بينه وبين مرغم حلفا وبعثهما ونزول بساحل طرابلس وأقام مرغم الدعوة لابن دبوس وحمل عليها قومه وحاصر طرابلس سنة ثمان وثمانين أياما ثم تركوا عسكرا لحصارها وارتحلوا لجباية الوطن فاستفرغوه وكان ذلك غاية أمرهم وبقى أبو دبوس يتقلب في أوطانهم مدة واستدعاه الكعوب لاول المائة الثامنة وأجلبوا به على تونس أيام السلطان أبى عصيدة من الحفصيين وحاصروها أياما فلم يظفروا ورجع إلى نواحى طرابلس وقام بها مدة ثم ارتحل إلى مصر وأقام بها إلى أن هلك كما يأتي ذكره في خبر ابنه مع السلطان أبى الحسن بالقيروان ولم يزل هذا شأن الجوارى والمحاميد إلى ان تقاص ظل الدولة عن أوطان قابس وطرابلس فاستبد برياسة ضواحيها واستعبدوا سائر الرعاية المعتمرة في جبالها وبسائطها واستبد أهل الامصار برياسة أمصارهم بنو مكي بقابس وبنو ثابت بطرابلس على ما يذكر في أخبارهم وانقسمت رياسة أولاد وشاح بانقسام المصرين فتولى الجوارى طرابلس وضواحيها وزنزور وغريان ومغر وتولى المحاميد بلد قابس وبلاد نفوسة وحرب وفى ذباب هؤلاء بطون أخرى ناجعة في القفر ومواطنهم منزاحة إلى جانب الشرق عن مواطن هؤلاء الوشاحين فمنهم آل سليمان بن هبيب بن رابع بن ذباب ومواطنهم قبلة مغر وغريان ورياستهم في ولد نصر بن زائد بن سليمان وهى لهذا العهد لهائل بن حماد بن نصر وبينه وبين البطن الآخر إلى سالم بن وهب أخى سليمان ومواطنهم بلد مسراتة إلى لهد ومسلاتة وشعوب آل سالم هؤلاء الا حامد والعمائم والعلاونة وأولاد مرزوق ورياستهم في أولاد ولد مرزوق وهو ابن معلى بن معراق بن قليتة بن قماص بن سالم وكانت في أول هذه المائة الثامنة لغلبون بن مرزوق واستقرت في بنيه وهى اليوم لحميد بن سنان بن عثمان

[ 87 ]

ابن غلبون والعلاونة منهم مجاورون للعدة من عرب برقة والمشابنة من هوارة المقيمين وتجاذب ذباب هؤلاء في مواطنهم من جهة القبلة ناصرة وهم من بطون ناصرة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهتة بن سليم فان كان زعب أبو ذباب لملك بن خفاف كما زعم التجانى فهم اخوة ناصرة ويبعد أن يسمى قوم باسم اخوانهم وان كانوا لناصرة كما زعم ابن الكلبى وهو أقرب فيكون هؤلاء اختصوا باسم ناصرة دون ذباب وغيرهم من بنيه وهذا كثير من بطون الغيايا والله أعلم ومواطنهم بلاد فزان وودان هذه اخبار ذباب هؤلاء وأما لغرة جيرانهم في الشرق الذين منا ذكرهم بهم برقة خلفاء لاستيلاء الخراب على أمصارها وقرارها من دولة صنهاجة تمرنت بمرانها بادية العرب وناجعتهم فتجيعوا غارة ونهبا إلى ان فسدت فيها مذاهب المعاش وانتقض العمران فخربت وصار معاش الاكثر من هؤلاء العرب الموطنين بها لهذا العهد من الملح يثيرون له الارض بالعوامل من الجمال والحمير وبالنساء إذا ضاق كسبهم عن العوامل وارتكبوا ضرورة المعاش وينجعون إلى بلاد النخل في جهة القبلة منهم من اجلة وسنترية الواحات وما وراء ذلك من الرمال والقفر إلى بلد السودان المجاورين لهم وهم كانوا قسمي بلادهم يرنق وشيخ هؤلاء العرب ببرقة يعرف لهذا العهد بأبى ذئب من بنى جعفر وركاب الحج من المغرب يحمدون مساطتهم في مرهم وحسن نيتهم في التجافي عن جامع بيت الله وارفادهم بجلب الاقوات لسربهم وحسن الظن بهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره وأما نسبهم فما أدرى فيمن هو من العرب وحدثني الثقة من ذباب عن خريص بن شيخهم أبى ذباب أنهم من بقايا الكعوب ببرقة وتزعم نسابة الهلاليين انهم لربيعة بن عامر اخوة هلال بن عامر وقد مر الكلام في ذلك في أول ذكر بنى سليم ويزعم بعض النسابة أنهم والكعوب من العزة وان العزة من هيث وان رياسة العزة لاولاد أحمد وشيخهم أبو ذئب وان المسانية جيرانهم من هوارة وذكر لى سلام بن ال‍ ؟ $ ركية شيخ أولاد مقدم جيرتهم بالعقبة انهم من بطون مسراتة من بقية هوارة وهو الذى رأيت النسابة المحققين عليه بعد ان دخلت مصر ولقيت كثيرا من المترددين إليها من أهل برقة وهذا آخر الطبقة الرابعة من العرب وبانقضائه انقضى الكتاب الثاني في العرب وأجيالهم منذ بدء الخليفة فلنرجع إلى أحوال البربر في الكتاب الثالث والله ولى العون اه‍

[ 89 ]

* (بسم الله الرحمن الرحيم) * وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم { الكتاب الثالث في أخبار البربر والامة الثانية من أهل المغرب وذكر أوليتهم وأجيالهم ودولتهم منذ بدء الخليقة لهذا العهد ونقل الخلاف الواقع بين الناس في أنسابهم } هذا الجيل من الآدميين هم سكان المغرب القديم ملؤا البسائط والجبال من تلوله واريافه وضواحيه وأمصاره يتخذون البيوت من الحجارة والطين ومن الخوص والشجر ومن الشعر والوبر ويظعن أهل العز منهم والغلبة لانتجاع المراعى فيما قرب من الرحلة لا يجاوزون فيها الريف إلى الصحراء والقفار الاملس ومكاسبهم الشاء والبقر والخيل في الغالب للركوب والنتاج وربما كانت الابل من مكاسب أهل النجعة منهم شان العرب ومعاش المستضعفين منهم بالفلح ودواجن السائمة ومعاش المعتزين أهل الانتجاع والاظعان في نتاج الابل وظلال الرماح وقطع السابلة ولباسهم وأكثر أثاثهم من الصوف يشتملون الصماء بالاكسية المعلمة ويفرغون عليها البرانس الكحل ورؤسهم في الغالب حاسرة وربما يتعاهدونها بالحلق ولغتهم من الرطانة الاعجمية متميزة بنوعها وهى التى اختصوا من أجلها بهذا الاسم يقال ان افريقش ابن قيس بن صيفي من ملوك التبابعة لما غزا المغرب وافريقية وقتل الملك جرجيس وبنى المدن والامصار وباسمه زعموا سميت افريقية لما رأى هذا الجيل من الاعاجم وسمع رطانتهم ووعى اختلافها وتنوعها تعجب من ذلك وقال ما أكثر بربرتكم فسموا بالبربر والبربرة بلسان العرب هي اختلاط الاصوات غير المفهومة ومنه يقال بربر الاسد إذا زأر بأصوات غير مفهومة * وأما شعوب هذا الجيل وبطونهم فان علماء النسب متفقون على أنهم يجمعهم جذمان عظيمان وهما برنس وماد غيس ويلقب ماد غيس بالابتر فلذلك يقال لشعوبه البتر ويقال لشعوب برنس البرانس وهما معا ابنا برو بين النسابين خلاف هل هما لاب واحد فذكر ابن حزم عن أيوب بن أبى يزيد صاحب الحمار أنهما لاب واحد على ما حدته عنه يوسف الوراق وقال سالم بن سليم المطماطى وصابى بن مسرور الكومى وكهلان بن أبى لووهم نسابة البربر ان البرانس بتروهم من نسل مازيغ بن كنعان والبتر بنو بر بن قيس بن عيلان وربما نقل ذلك عن ايوب بن أبى يزيد الا ان رواية ابن حزم أصح لانه أوثق (وأما) شعوب البرانس فعند النسابين انهم يجمعهم سبعة اجذام وهى ازداجة ومصمودة وأورية وعجيسة

[ 90 ]

وكتامة وصنهاجة وأوريغة وزاد سابق بن سليم وأصحابه لمطة وهسكورة وكزولة وقال أبو محمد بن حزم يقال ان صنهاج ولمط انما هما ابنا امرأة يقال لها بصكي ولا يعرف لهما أب تزوجها أوريغ فولدت له هو ارفلا يعرف لهما أكثر من انهما اخوان لهوار من أمه قال وزعم قوم من اوريغ أنه ابن المثنى بن السكاك من كندة وذلك باطل وقال الكلبى ان كتامة وصنهاجة ليستا من قبائل البربر وانما هما من شعوب اليمانية تركهما افريقش بن صيفي بافريقية مع من نزل بها من الحامية هذه جماع مذاهب أهل التحقيق في شأنهم فمن ازداجة مسطاطه ومن مصمودة غمارة بنو غمار بن مصطاف بن مليل بن مصمود ومن أوريغة هوارة وملك ومغد وقلدن فمن هوار بن أوريغ مليلة وبنو كهلان ومن ملك بن أوريغ صطط وورفل واسيل ومسراتة ويقال لجميعهم لهانة بنو لهان بن ملك ويقال ان مليلة منهم ومن مغد بن أوريغ ماواس وزمور وكبا ومصراى ومن قلدن بن أوريغ ممصاتة وورسطيف وبيانة وفل مليلة * (وأما شعوب البتر) * وهم بنو مادغيس الابتر فيجمعهم أربعة جذام اداسة ونفوسة وضربة وبنو لو الاكبر وكلهم بنو زحيك بن مادغيس فأما اداسة بنو اداس بن

[ 91 ]

زحيك فبطونهم كلها في هوارة لان كل اداس تزوجها بعد زحيك ابن أوريغ ابن عمه برنس والدهوارة فكان اداس أخا لهوارة ودخل نسب بنيه كلهم في هوارة وهم وسفارة واندارة وهنزولة وضرية وهداغة واوطيطة وترهتة هؤلاء كلهم بنو اداس بن زحيك بن باذغيس وهم اليوم في هوارة وأما لو الاكبر فمنه بطنان عظيمان وهما نفزاوة بنو نفزاو بن لو الاكبر ولواتة بنو لو الاصغر ومن لواتة سرداتة بنو نيطط بن لو الاصغر ودخل نسب سرداتة في مغراوة قال أبو محمد بن حزم كان مغراوة تزوج أم سرداتة فسار سرداتة أخا بنى مغراوة لامهم واختلط نسبه بهم ومن نفزاوة أيضا بطون كثيرة وهم ولهاصة وغساسة وزهلة وسوماتة وورسيف ومرنيزة وزاتيمة ووركول ومرسينة وورد غروس ووردن كلهم بنو تطوفت من نفزاو وزاد ابن سابق وأصحابه مجر ومكلاتة وقال ويقال ان مكلاتة ليس من البربر وانه من حمير وقع إلى تطوفت صغيرا فتبناه وهو مكلاتن رعان بن كلاع حاتم بن سعد بن حمير ولو لهاصة من نفزاوة بطون كثيرة من بيزغاش ودحية ابني ولهاص فمن بزغاش بطون ورمجوسة وهم رحال وطو وبورغيش ووانجذ وكرطيط وما انجول سينتت بنو ومجوح بن بيزغاش بن ولهاص بن تطوفت بن نغزا وقال ابن سابق واصحابه وبنو بيزغاش من لواتة كلهم بجبال اوراس ومن دحية ورترين وتر يروور تبونت ومكرا ولقوس بنو دحية بن ولهاص بن تطوفت بن نفزاو واما ضرية وهم بنو ضرى بن زحيك بن مادغيس الابتر فيجمعهم جذمان عظيمان بنو تمصيت بن ضرى وبنو يحيى بن ضرى وقال سابق وأصحابه ان بطون تميصت اختصوا بنسب ضرية دون بطون يحيى فمن بطون تمصيت مطماطة وصطفورة وهم لحومية ولماية ومطغرة ومرينة ومغيلة ومعزوزة وكشاتة ودوتة ومديونة كلهم بنو فاتن ابن تمصيت بن ضرى ومن بطون يحيى زنانة كلهم وسمكان وورصطف فمن ورصطف مكناسة وأوكنة وورتناج بنو ورصطف بن يحيى فمن مكناسة ورثيفة ووربر ومن معليت قنصارة وموالات وحراب ورفلابس ومن ملزلولالين ولرتر ويصلتن وجرير وفرغان ومن ورتناج مكنسة ومطاسة وكرسطة وسردجة وهناطة وفولال بنو ورتناج بن ورصطف ومن سمكان زواغة وزواوة بنو سمكان بن يحيى وابن حزم يعد زواوة التى بالواو في بطونها وهو أظهر ويشهد له الوطن فالغالب ان زواوة بنو سمكان بن يحيى وعير ابن حزم بعد زواوة التى بالواو في بطون كتامة والتى تعد في سمكان هي التى بالزاى وهى قبيلة معروفة ومن زواغة بنو ماجر وبنو واطيل وسمكين وسيأتى الكلام فيهم مستوفى عند ذكرهم ان شاء الله تعالى هذا آخر الكلام في شعوب هذا الجيل مجملا ولابد من تفصيل فيه عند تفصيل أخبارهم اه‍

[ 93 ]

* (وأما) * إلى من يرجع نسبهم من الامم الماضية فقد اختلف النسابون في ذلك اختلافا كثيرا ومجثوا فيه طويلا فقال بعضهم انهم من ولد ابراهيم عليه السلام من نقشان ابنه وقد تقدم ذكره عند ذكر ابراهيم عليه السلام وقال آخرون البربر يمنيون وقالوا اوزاع من اليمن وقال المسعودي من غسان وغيرهم تفرقوا عند ما كان من سيل العرم وقيل تخلفهم ابرهة ذو الهار بالمغرب وقيل من لخم وجذام كانت منازلهم بفلسطين وأخرجهم منها بعض ملوك فارس فلما وصلوا إلى مصر منعتهم ملوك مصر النزول فعبروا النيل وانتشروا في البلاد وقال أبو عمر بن عبد البرادعت طوائف من البربر أنهم من ولد النعمان بن حميد بن سبا قال ورأيت في كتاب الاسعيداد الحكيم ابن النعمان بن حمير بن سبا كان ملك زمانه في الفترة وأنه استدعى ابناءه وقال لهم أريد أن أبعث منكم للمغرب من يعمره فراجعوه في ذلك وزعم عليهم وأنه بعث منهم لمت أبا لمتونة ومسفوا بامسوفة ومرطا أبا هسكورة وأصناك أبا صنهاجة ولمط أبا لمطة وايلان ابا هيلانه فنزل بعضهم بجبل دون وبعضهم بالسوس وبعضهم بدرعه ونزل لمط عند كزول وتزوج ابنته ونزل جانا وهو أبو زناتة بوادي شلف ونزل بنو ورتجين ومغراو باطراف افريقية من جهة المغرب ونزل مقرونك بمقربة من طنجة والحكاية أنكرها أبو عمرو بن عبد البر وأبو محمد بن حزم وقال آخرون انهم كلهم من قوم جالوت وقال على بن عبد العزيز الجرجاني النسابة في كتاب الانساب له لا أعلم قولا يؤدى إلى الصحة الا قول من قال انهم من ولد جالوت ولم ينسب جالوت ممن هو وعند ابن قتيبة انه ونور بن هربيل ابن حديلان بن جالود بن رديلان بن حظى بن زياد بن زحيك بن مادغيس الابتر ونقل عنه أيضا أنه جالوت بن هريال بن جالود بن دنيال بن قحطان بن فارس قال وفارس مشهور وسفك أبو البربر كلهم قالوا والبربر قبائل كثيرة وشعوب جمة وهى هوارة وزناتة وضرية ومغيلة وزيحوحة ونفزة وكتامة ولواتة وغمارة ومصمودة وصدينه ويزدران ردنجين وصنهاجة ومجكسة وواركلان وغيرهم وذكر اخرون منهم الطبري وغيره ان البربر أخلاط من كنعان والعماليق فلما قتل جالوت تفرقوا في البلاد وأغزى افريقش المغرب ونقلهم من سواحل الشأم وأسكنهم افريقية وسماهم بربر وقيل ان البربر من ولد حام بن نوح بن بربر بن تملا بن مازيغ بن كنعان بن حام وقال الصولى هم من ولد بربر بن كسلاجيم بن مسراييم بن حام وقيل من العمالقة من بربر بن تملا ابن مارب بن قاران بن عمر بن عملاق بن ولاد بن ارم بن سام وعلى هذا القول فهم عمالقة وقال مالك بن المرحل البربر قبائل شتى من حمير ومضر والقبط والعمالقة وكنعان وقريش تلاقوا بالشأم ولغطوا فسماهم افريقش البربر لكثرة كلامهم وسبب

[ 94 ]

خروجهم عند المسعودي والطبري والسهيلى ان افريقش استجاشهم لفتح افريقية وسماهم البربر وينشدون من شعره بربرت كنعان لما سقتها * من أراضي الضنك للعيش الخصيب وقال ابن الكلبى اختلف الناس فيمن أخرج البربر من الشأم فقيل داود بالوحى قيل باداود أخرج البربر من الشأم فانهم جذام الارض وقيل يوشع بن نون وقيل افريقش وقيل بعض الملوك التبابعة وعند البكري ان بنى اسرائيل أخرجوهم عند قتل جالوت وللمسعودي والبكرى انهم فروا بعد موت جالوت إلى المغرب وأرادوا مصر فأجلتهم القبط فسكنوا برقة وافريقية والمغرب على حرب الافرنج والافارقة وأجازوهم على صقلية وسردانية وميورقة والاندلس ثم اصطلحوا على ان المدن للافرنجة وسكنوا القفار عصورا في الخيام وانتجاع الامصار من الاسكندرية إلى البحر إلى طنجة والسوس حتى جاء الاسلام وكان منهم من تهود ومن تنصر واخرون مجوسا يعبدون الشمس والقمر والاصنام ولهم ملوك ورؤساء وكان بينهم وبين المسلمين حروب مذكورة وقال الصولى البكري ان الشيطان نزغ بين بنى حام وبنى سام فانجلى بنو حام إلى المغرب ونسلوا به وقال أيضا ان حام لما اسود يدعوة أبيه فر إلى المغرب حياء واتبعه بنوه وهلك عن اربعمائة سنة وكان من ولده بربر بن كسلاجيم فنسل بنوه بالمغرب قال وانضاف إلى البربر حيان من المغرب يمنيان عند خروجهم من مارب كنامة وصنهاجة قال وهوارة ولمطة ولواتة بنو حمير بن سبا وقال هانئ بن بكور الضريسى وسابق بن سليمان المطماطى وكهلان بن أبى لؤى وأيوب بن أبى يزيد وغيرهم من نسابة البربر فرقتان كما قدمناه وهما البرانس والبتر من ولد بر بن قيس بن عيلان والبرانس بنو بربر سحو بن ابزج بن جمواح بن ويل بن شراط بن ناح بن دويم بن داح بن ماريغ بن كنعان بن حام وهذا هو الذى يعتمده نسابة البربر قال الطبري خرج بربر بن قيس ينشد ضالة بأحياء البربر وهى جارية وتزوجها فولدت وعند غيره من نسابة البربر انه خرج فارا من أخيه عمر بن قيس وفى ذلك تقول تماض وهى أخته لتبكى كل باكية أخاها * كما أبكى على بر بن قيس تحمل عن عشيرته فأضحى * ودون لقائه انضاء عيس ومما ينسب إلى تماض أيضا وشطت ببر داره عن بلادنا * وطوح بر نفسه حيث يمما وازرت ببر لكنة أعجمية * وما كان بر في الحجاز باعجما كأنا وبرا لم نقف بحيادنا * بنجد ولم نقسم نهابا ومغنما

[ 95 ]

وأنشد علماء البربر لعبيدة بن قيس العقيلى الا أيها الساعي بعرفة بيننا * توقف هداك الله سبل الاطايب فاقسم انا والبرابر اخوة * مماتا وهاجد كريم المناصب ابونا أبوهم قيس عيلان في الورى * وفى حومه يشفى غليل المحارب فنحن وهم ركن منيع واخوة * على رغم أعداء لئام المناقب فان لبر ما بقى الناس ناصرا * وبر لنا ركن منيع المناكب تعد لمن عادى شواذق حمرا * وبيضا تقص الهام يوم التضارب وبر بن قيس عصبة مضرية * وفى الفرع من أحسابها والذوائب وقيس قوام الدين في كل بلدة * وخير معد عند حفظ المناسب وقيس لها المجد الذى يقتدى به * وقيس لها سيف حديد المضارب وينشد أيضا أبيات ليزيد بن خالد يمدح البربر أيها السائل عنا اصلنا * قيس عيلان بنو العز الاول نحن ما نحن بنو بر القوى * عرف المجد وفى المجد دخل وابتنى المجد فاورى زنده * وكفانا كل خطب ذى جلل ان قيسا يعتزى بر لها * ولبر يعتزى قيس الاجل ولنا الفخر بقيس انه * جدنا الاكبر فكاك الكبل ان قيسا قيس عيلان هم * معدن الحق على الخير دلل حسبك البربر قومي انهم * ملكوا الارض باطراف الاسل وبيض تضرب الهام بها * هام من كان عن الحق نكل أبلغوا البربر عنى مدحا * حيك من جوهر حيك منتحل وعند نسابة البربر وحكاه البكري وغيره انه كان لمضر ولدان الياس وعيلان أمهما الرباب بنت جبدة بن عمر بن معد بن عدنان فولد عيلان بن مضر قيسا ودهمان اما دهمان فولده قليل وهم أهل بيت من قيس يقال لهم بنو امامة وكانت لهم بنت تسمى البهاء بنت دهمان وأما قيس بن عيلان فولد له أربعة بنين وهم سعد وعمرو أمهما مزنة بنت أسد بن ربيعة بن زنار وبر وتماص وأمهما تمريغ بنت مجدل ومجدل بن عمار بن مصمود وكانت قبائل البربر يومئذ يسكنون الشام ويجاورون العرب في المساكن ويشاركونهم في المياه والمراعى والمسارح ويصهرون إليهم فتزوج بر بن قيس بنت عمه وهى البهاء بنت همان وحسده اخوته في ذلك وكانت أمه تمريغ من دهاة النساء فحشيت منهم عليه وبعثت بذلك إلى أخوالها سرا ورحلت معهم يولدها وزوجته إلى

[ 96 ]

أرض البربر وهم إذ داك ساكنون بفلسطين واكناف الشام فولدت البهاء لبر ابن قيس ولدين علوان وما دغيس فمات علوان صغيرا وبقى مادغيس فكان يلقب الابتر وهو أبو التر من البربر ومن ولده جميع زناتة قالوا وتزوج مادغيس بن بر وهو الابتر باحال بنت واطاس بن محمد بن مجدل بن عمار فولدت له زحيك بن مادغيس وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد في الانساب اختلف الناس في انساب البربر اختلافا كثيرا وأنسب ما قيل فيهم أنهم من ولد قبط بن حام لما نزل مصر خرج ابنه يريد المغرب فسكنوا عن اخر عمالة مصر وذلك ما وراء برقة إلى البحر الاخضر مع بحر الاندلس إلى منقطع الرمل متصلين بالسودان فمنهم لواتة بأرض طرابلس ونزل قوم بقربها وهم نفزة ثم امتدت بهم الطرق إلى القيروان وما وراءها إلى تاهرت إلى طنجة وسجلماسة إلى السوس الاقصى وه‍ طوائف صنهاجة وكتامة وركالة وركلاوة وفطواكة ومرطاوة وذكر بعض أهل الاثار ان الشيطان نزغ بين بنى حام وبنى سم فوقعت بينهم مناوشات كانت الدبرة فيها لسام وبنيه وخرج سام إلى المغرب وقدم مصر وتفرق بنوه ومضى على وجهه يؤم المغرب حتى بلغ السوس الاقصى وخرج بنوه في اثره يطلبونه فكل طائفة من ولده بلغت موضعا وانقطع عنهم خبره فأقاموا بذلك الموضع وتناسلوا فيه ووصلت إليهم طائفة فأقاموا معهم وتناسلوا هنا لك وكان عمر حام أربعمائة وثلاثا وأربعين سنة فيما ذكره البكري وقال آخرون كان عمره خمسمائة واحدى وثلاثين سنة وقال السهيلي يمن هو يعرب بن قحطان قال وهو الذى أجلى سام إلى المغرب بعد ان كان الجرمى من ولد قوط بن يافث هذا اخر الخلاف في انساب البربر * واعلم أن هذه المذاهب كلها مرجوحة وبعيدة من الصواب فأما القول بأنهم من ولد ابراهيم فبعيد لان داود الذى قتل جالوت وكان البربر معاصر پن له ليس بينه وبين اسحق بن ابراهيم أخى نعشان الذى زعموا أنه الا نحو عشرة آباء ذكرناهم أول الكتاب ويبعد أن تشعب النسل فيهم مثل التشعب وأما القول بانهم من ولد جالوت أو العماليق وأنهم نقلوا من ديار الشام وانتقلوا فقول ساقط يكاد يكون من أحاديث خرافة إذ مثل هذه الامة المشتملة على أمم وعوالم ملات جانب الارض لا تكون منتقلة من جانب آخر وقطر محصور والبربر معروفون في بلادهم وأقاليمهم متحيزون بشعارهم من الامم منذ الاحقاب المتطاولة قبل الاسلام فما الذى يحوجنا إلى التعلق بهذه الترهات في شأن أوليتهم ويحتاج إلى مثل في كل جيل وأمة من العجم والعرب وافريقش الذى يزعمون انه نقلهم قد ذكروا انه وجدهم بها وانه تعجب من كثرتهم وعجمتهم وقال ما أكثر بربرتكم فكيف يكون هو الذى نقلهم وليس بينه وبين ذى المغار من يتشعبون فيه إلى

[ 97 ]

مثل ذلك ان قالوا انه الذى نقلهم وأما القول أيضا بأنهم من حمير من ولد النعمان أو من مضر من ولد قيس بن عيلان فمنكر من القول وقد أبطله امام النسابين والعلماء أبو محمد ابن حزم وقال في كتاب الجمهرة ادعت طوائف من البربر أنهم من اليمن ومن حمير وبعضهم ينسب إلى بربر بن قيس وهذا كله باطل لا شك فيه وما علم النسابون لقيس بن عيلان ابنا اسمه بر أصلا وما كان لحمير طريق إلى بلاد البربر الا في تكاذيب مؤرخي اليمن وأما ما ذهب إليه ابن قتيبة أنهم من ولد جالوت وان جالوت من ولد قيس بن عيلان فابعد عن الصواب فان قيس عيلان من ولد معد وقد قدمنا أن معدا كان معاصر البختنصر وان أرمياء النبي خلص به إلى الشام حذرا عليه من بختنصر حين سلط على العرب وبختنصر هو الذى خرب بيت المقدس بعد بناء داود وسليمان اياه بأربعمائة وخمسين سنة ونحوها فيكون معد بعد داود بمثل هذا الامد فكيف يكون ابنه قيس أبا لجالوت المعاصر لداود هذا في غاية البعد وأظنها غفلة من ابن قتيبة ووهما والحق الذى لا ينبغى التعويل على غيره في شأنهم أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح كما تقدم في انساب الخليقة وان اسم أبيهم مازيغ واخوتهم اركيش وفلسطين (1) اخوانهم بنو كسلوحيم بن مصرايم بن حام وملكهم جالوت سمة معروفة له وكانت بين فلسطين هؤلاء وبين بنى اسرائيل بالشام حروب مذكورة وكان بنو كنعان وواكريكيش شيعا لفلسطين فلا يقعن في وهمك غير هذا فهو الصحيح الذين لا يعدل عنه ولا خلاف بين نسابة العرب أن شعوب البربر الذى قدمنا ذكرهم كلهم من البربر الاصنهاجة وكتامة فان بين نسابة العرب خلافا والمشهور أنهم من اليمنية وان أفريقش لما غزا افريقية أنزلهم بها وأما نسابة البربر فيزعمون في بعض شعوبهم أنهم من العرب مثل لواتة يزعمون أنه من حمير ومثل هوارة يزعمون أنهم من كندة من السكاسك ومثل زناتة تزعم نسابهم أنهم من العمالقة فروا أما بنى اسرائيل وربما يزعمون فيهم أنهم من بقايا التبابعة ومثل عمارة أيضا وزواوة ومكلاتة يزعم في هؤلاء كلهم نسابتهم أنهم من حمير حسبما نذكره عند تفصيل شعوبهم في كل فرقة منهم وهذه كلها مزاعم والحق الذى شهد به المواطن والعجمة أنهم بمعزل عن العرب الا ما تزعمه نسابة العرب في صنهاجة وكتامة وعندي أنهم من اخوانهم والله أعلم وقد انتهى بنا الكلام إلى أنسابهم وأوليتهم فلنرجع إلى تفصيل شعوبهم وذكرهم أمة بعد أمة ونقتصر على ذكر من كانت له منهم دولة ملك أو سالف شهرة أو تشعب نسل في العالم وعدد لهذا العهد وما قبله من صنفي البرانس والبتر منهم وترتيهم شعبا شعبا حسبما تأدى الينا من ذلك واشتمل عليه محفوظنا والله المستعان

[ 98 ]

* (الفصل الثاني في ذكر مواطن هؤلاء البربر بافريقية والمغرب) * اعلم أن لفظ المغرب في أصل وضعه اسم اضافي يدل على مكان من الامكنة باضافته إلى جهة المشرق ومشرق بالاضافة إلى جهة المغرب لان العرف قد يخصص هذه الاسماء بجهات معينة وأقطار مخصوصة وعرف أهل الجغرافيا المعتنين بمعرفة هيئة الارض وقسمتها باقاليمها ومعمورها وخرابها وجبالها وبحارها ومساكن أهلها مثل بطليموس ورجاوز وصاحب صقلية المنسوب له الكتاب المشهور بين الناس لهذا العهد في هيئة الارض والبلدان وأمثالهم أن المغرب قطر واحد مميز بين الاقطار فحده من جهة المغرب بحر المحيط وهو عنصر الماء وسمى محيطا لاحاطته بما انكشف من الارمن كما قدمنا أول الكتاب ويسمى أيضا البحر الاخضر لتلونه غالبا بالخضرة ويسمى بحر الظلمات لما أنه تقل فيه الاضواء من الاشعة المنعكسة على سطح الارض من الشمس لبعده عن الارض فيكون مظلما ولفقدان الاضواء نقل الحرارة المحللة للابخرة فلا تزال السحب والعيوم متكاثفة على سطحه منعقدة هنا لك متراكمة وتسميه الاعاجم بحر اوقيانوس يعنون به والله أعلم ما نعنى نحن بالعنصر ويسمونه أيضا بحر البلاية بتفخيم اللام الثانية وهو بحر كبير غير منحصر لا تبعد فيه السفن عن مرأى العين من السواحل للجهل بسموت الرياح هنا لك ولنهايتها إذ لا غابة من العمران وراءه والبحار المنحصرة انما جرت فيها السفن بالرياح المعروفة الهوائية بكثرة تجاربهم فتبعث الريح من الاماكن وغاية مهبها في سمتها فكل ريح عندهم معروفة الغاية فإذا علم ان جريته بالريح المنبعثة من مكان كذا وبما خرج من ريح إلى ريح بحسب مقصوده وجهته وهذا مفقود في البحر الكبير لانه منحصر ومنبعث الريح وان كان معروفا فيه فغايته غير معروفة لفقدان العمران وراءه فتضل السفن إذا جرت به وتذهب فتهلك وأيضا فإذا أوغل فيه فربما وقع في المتكائف من الغيوم والابخرة كما قلناه فيهلك فلهذا كان راكبه على غرر وخطر فحد الغرب من جهة المغرب البحر المحيط كما قلناه وعليه كثير من مدنه مثل طنجة وسلا وأزمور وانفى واسفي وهى من مدن الغرب وحواضره وعليه أيضا مسجد ماسة وبلدتا كاوصت ونول من بلاد السوس وهى كلها من مساكن البربر وحواضرهم وتنتهى المراكب إلى وراء ساحل نول ولا تجاوزه الا على خطر كما قلناه وأما حده من جهة الشمال فالبحر الرومي والمتفرع من هذا البحر المحيط يخرج في خليج متضايق بين طنجة من بلاد المغرب وطريف من بلاد الاندلس ويسى هذا الخليج الزقاق وعرضه ثمانية أميال فما فوقها وكانت عليه قنطرة ركها ماء البحر ثم تذهب هذا البحر الرومي في سمت الشرق إلى أن ينتهى إلى

[ 99 ]

سواحل الشأم وثغوره وما إليها مثن انطاكية والعلايا وطرسوس والمصيصة وطرابلس وصوريا والاسكندرية ولذلك سمى البحر الشامي وهو إذا خرج من الخليج ينفسح في ذهابه عرضا وأكثر انفساحه إلى جهة الشمال ولا يزال انفساحه ذلك متصاعدا إلى الشمال إلى أن ينتهى إلى غايته وطوله فيما يقال خمسة آلاف ميل وستة وفيه جزائر ميورقة وميرقة وياسة وصقلية واقريطش وسردانية وقبرس وأما عرضه من جهة الجنوب فانه يخرج عن سمت واحد ثم يختلف في ذهابه فتارة يبعد في الجنوب وتارة يرجع إلى الشمال واعترض ذلك بعروض البلدان التى بساحله وذلك أن عرض البلد هو ارتفاع قطبه الشمال على أفقه وهو أيضا بعد ما بين سمت رؤس أهله ودائرة معدل النهار والسبب في ذلك أن الارض كرية الشكل والسماء من فوقها مثلها وأفق البلد هو فرق بين ما يرى وبين ما لا يرى من السماء ومن الارض والفلك ذو قطبين إذا ارتفع أحدهما على رؤس معمور انخفض الآخر بقدره عنهم والعمارة في الارض كلها هي إلى الحانب الشمال أكثر وليس في الجنوب عمران لما تقرر في موضعه فلهذا ارتفع الفطب الشمالي على أهل العمران دون الجنوب والمار على سطح الكرة كلما أبعد في جهة ظهر له من سطح الكرة ومن السماء المقابل لها ما لم يكن يظهر فيزيد بعد القطب على الافق كما أبعد في الشمال وينقص كلما رجع إلى الجنوب فعرض سبتة وطنجة التى هي على زقاق هذا البحر وخليجه (له) ودقائق ثم يتصاعد البحر إلى الجنوب فيكون عرض تلمسان (بد) ونصف فتزيد في الجنوب فيكون عرض وهران (لب) أبعد من فاس بيسير لان عرض فاس (لج) ودقائق ولهذا كان العمران في المغرب الاقصى أعرض في الشمال من عمران المغرب الاوسط بقدر ما بين فاس وسبتة وصار ذلك القطر كالجزيرة بين البحار لانعطاف البحر الرومي إلى الجنوب ثم يرجع البحر بعد وهران عن سمته ذلك فيكون عرض تونس والجزائر (له) على مثل سمته الاول عند منبعثة من الزقاق ثم يزيد في الشمال فيكون عرض بجاية وتونس يوم على مثل سمت غرناطة ومرية ومالقة ثم يرجع إلى الجنوب فيكون عرض طرابلس وقابس (له) على مثل السمت الاول بطنجة وسبتة ثم يزيد في الجنوب فيكون عرض برقة (لج) على مثل سمت فاس وتوزر فيكون عرض الاسكندرية (لا) على مثل مراكش واغمات ثم يذهب في الشمال إلى القطافة إلى منتهى سمته بسواحل الشأم وهكذا اختلافه في هذه العدوة الجنوبية ولسنا على علم من حاله في العدوة الشمالية وينتهى بسواحل عرض هذا البحر في انفساحه إلى سبعمائة ميل أو نحوها ما بين سواحل افريقية وجنوة من العدوة الشمالية والبلاد الساحلية من المغرب الاقصى والاوسط وافريقية من

[ 100 ]

لدن الخليج حيث منبعثه كلها عليه مثل طنجة وسبتة وبادس وعساسة وهنين ووهران والجزائر وبجاية وبونة وتونس وسوسة والمهدية وصفاقس وقابس وطرابلس وسواحل برقة والاسكندرية هذا وصف هذا البحر الرومي الذى هو حد المغرب من جهة الشمال واما حده من جهة القبلة والجنوب فالجبال المتهيلة المائلة حجزاء بين بلاد السودان وبلاد البربر وتعرف عند العرب الرحالة البادية بالعرق وهذا العرق سياج على المغرب من جهة الجنوب مبتدئ من البحر المحيط وذاهب في جهة الشرق على سمت واحد إلى أن يعترضه النيل الهابط من الجنوب إلى مصر فهنا لك ينقطع وعرضه ثلاثة مراحل وأزيد ويعترضه في جهة المغرب الاوسط أرض محجرة تسمى عند العرب الحمادة من دوتر إلى بلاد ريغ ووراءه من جهة الجنوب وبعض بلاد الجزيرة ذات نخيل وأنهار معدودة في جملة بلاد المغرب مثل بلاد بودة وتمنطيت في قبلة المغرب الاقصى وتسايبت وتيكورارين في قبلة المغرب الاوسط وغذامس وفزان وودان في قبلة طرابلس كل واحد من هذه اقليم يشتمل على بلدان عامرة ذات قرى ونخيل وأنهار ينتهى عدد كل واحد منها إلى المائة فاكثرو إلى هذه العدوة الجنوبية من هذا العرق ينتهى في بعض السنين مجالات أهل الشأم من صنهاجة ومتقلبهم الجائلون هناك إلى بلاد السودان وفى العدوة الشمالية منه مجالات البادية من الاعراب الظواعن بالمغرب وكانت قبلهم مجالات للبربر كما نذكره بعد هذا حد المغرب من جهة الجنوب ومن دون هذا العرق سياج آخر على المغرب مما يلى التلول منه وهى الجبال التى هي تخوم تلك التلول ممتدة من لدن البحر المحيط في القرب إلى برنيق من بلاد برقة وهنا لك تنقطع هذه الجبال ويسمى مبدؤها من المغرب جبال درن وما بين هذه الجبال المحيطة بالتلول وبين العرق الذى وصفناه آنفا بسائط وقفار أكثر نباتها الشجر وفيما يلى التلول منها ويقاربها بلاد الجريد ذات نخل وأنهار ففى أرض السوس قبلة مراكش ترودانت والقرى قويان وغيرهما بلاد ذات نخل وأنهار ومزارع متعددة عامرة وفى قبلة فاس سجلماسة وقراها بلد معروف ودرعة أيضا وهى معروفة وفى قبله تلمسان قصور متعددة ذات نخل وأنهار وفى قبلة تاهرت القصور أيضا بلاد متتالية على سطر من المشرق إلى المغرب أقرب ما إليها جبل راشد وهى ذات نخل ومزارع وأنهار ثم قصور معبنات تناهز المائة وأكثر قبلة الجزائر ذات نخل وأنهار ثم بلد واركلى قبلة بجاية بلد واحد سستجر العمران كثير النخل وفى سمته إلى جهة التلول بلاد ريغ تناهز الثلثمائة منتظمة على حفافي واد ينحدر من المغرب إلى المشرق يناهز مائة من البلاد فاكثر قاعدتها بسكرة من كبار الامصار بالمغرب وتشتمل كلها على النخل والانهار والفدن

[ 101 ]

والقرى والمزارع ثم بلاد الجريد قبلة تونس وهى نقطة وتوزر وقفصة وبلاد نقزاوة وتسمى كلها بلاد قسطيلة مستبحرة العمران مستحكمة الحضارة مشتملة على النخل والانهار ثم قابس قبلة سوسة وهى حاضرة البحر من أعظم أمصار افريقية وكانت دار ملك لابن غانية كما نذكره بعد وتشتمل على النخل والانهار والمزارع ثم فزان وودان قبلة طرابلس قصور متعددة ذات نخل وأنهار وهى أول ما افتتح المسلمون من أرض افريقية لما أغزاها عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص ثم الواحات قبلة برقة ذكرها المسعودي في كتابه وما وراء هذه كلها في جهة الجنوب فقفار ورمال لا تنبت زرعا ولا مرعى إلى أن تنتهى إلى العرق الذى ذكرناه ومن ورائه مجالات المتلثمين كما قلناه مفاوز معطشة إلى بلاد السودان وما بين بلاد هذه والجبال التى هي سياج التلول بسائط متلون مزاجها تارة بمزاج التلول وتارة بمزاج الصحراء بهوائها ومياهها ومنابتها وفيها القيروان وجبل أوراس معترض وسطها وبلاد الحضنة حيث كانت طبنة ما بين الزاب والتل وفيها مغرة والمسيلة وفيها السرسو قبلة تلمسان حيث تاهرت فيها جبل دير وقبلة فاس معترض في تلك البسائط هذا حد المغرب من جهة القبلة والجنوب وأما من جهة الشرق فيختلف باختلاف اصطلاحات فعرف أهل الجغرافيا انه بحر أهل القلزم المنفجر من بحر اليمن هابط على سمت الشمال وباغراب يسير إلى المغرب حتى ينتهى إلى القلزم والسويس ويبقى بينهم من هنا لك وبين سمته من البحر الرومي مسيرة يومين وينقطع عند السويس والقلزم وبعده عن مصر في جهة الشرق ثلاثة أيام هذا آخر المغرب عندهم ويدخل فيه اقليم مصر وبرقة وكان المغرب عندهم جزيرة أحاطت بها البحار من ثلاث جهاتها كما تراه وأما العرف الجارى لهذا العهد بين سكان هذه الاقاليم فلا يدخل فيه اقليم مصر ولا برقة وانما يختص بطرابلس وما وراءها إلى جهة المغرب في هذا العرف لهذا العهد وهذا الذى كان في القديم ديار البربر ومواطنهم فأما المغرب الاقصى منه وهو ما بين وادى ملوية من جهة الشرق إلى اسفى حاضرة البحر المحيط وجبال درن من جهة الغرب فهى في الاغلب ديار المصامدة من أهل درن وبرغواطة وغمارة وآخر غمارة بطوية مما يلى غساسة ومعهم عوالم من صنهاجة ومضغره وأوربة وغيرهم يحيط به البحر الكبير من غربيه والرومى من شماليه والجبال الصاعدة المتكاثفة مثل درن وجانب القبلة وجبال تازا من جهة الشرق لان الجبال أكثر ما هي وأكنف قرب البحار بما اقتضاه التكوين من ممانعة البحار بها فكانت جبال المعرب لذلك أكثر ساكنها من المصامدة في الاغلب وقيل من صنهاجة وبقيت البسائط من الغرب مثل ازغاو وتامسنا وتادلاود كالة واعتمرها الظواعن من البربر الطارئين

[ 102 ]

عليه من جشم ورياح بعض المغرب ساكنه من الامم لا يحصيهم الا خالقهم وصار كانه جزيرة وبلد واحد أحاطت به الجبال والبحار وقاعدته لهذا العهد فاس وهى دار ملكه ويمر فيه النهر العظيم المعروف بوادي أم ربيع وهو نهر عظيم يمتنع عبوره أيام الامطار لاتساعه ويعظم مده إلى البحر فينتهى إلى سبعين ميلا أو ما يقاربها ومصبه في البحر الكبير عند أزبور ومنبعه من جبال درن من فوهة كبيرة ينبع منها هذا النهر ويتساهل إلى بسيط المغرب وينبع منها أيضا نهر آخر وينحدر إلى القبلة ويمر ببلاد درعة ذات النخل المخصوصة بنبات النيلج وصناعة استخراجه من شجره وهى قصور ذات نخل موضوعة في سفح جبل درن من آخره وبها يسمى هذا النهر ويجاورها إلى أن يغوص في الرمل قبلة بلاد السوس وأما نهر ملوية آخر المغرب الاقصى فهو نهر عظيم منبعه من فوهة في جبال قبلة زازى ويصب في البحر الرومي عند غاسة وعليه كانت ديار مكناسة المعروفة بهم في القديم ويسكنها لهذا العهد أمم أخرى من زناتة في قصور منتظمة إلى أعلى النهر يعرفون بوطاط ويجاورهم هنا لك وفى سائر نواحيه أمم من البربر أشهر من فيهم بطالسة أخوة مكناسة وينبع مع هذا النهر من فوهته نهر كبير ينحدر ذاهبا إلى القبلة مشرقا بعض الشئ ويقطع العرق على سمته إلى أن ينتهى إلى البردة ثم بعدها إلى تميطت ويسمى لهذا العهد كبيرا وعليه قصورها ثم يمر إلى أن يصب في القفار ويروغ في قفارها ويغور في رمالها وهو موضع مقامه قصور ذات نخل تسمى وركلان وفى شرق بوده مما وراء العرق قصور تسايبت من قصور الصحراء وفى شرقي تسايبت إلى ما يلى الجنوب قصور تيكورارين تنتهى إلى ثلثمائة أو أكثر في واد واحد فينحدر من المغرب إلى المشرق وفيها أمم من قبائل زناتة وأما المغرب الاوسط فهو في الاغلب ديار زناتة كان لمغراوة وبنى يفرن وكان معهم مديونة ومغيلة ركومية ومطغرة ومطماطة ثم صار من بعدهم لبنى وماتوا وبنى يلومى ثم صار لبنى عبد الواد وتوجين من بنى ما دين وقاعدته لهذا العهد تلمسان وهى دار ملكه ويجاوره من جهة المشرق بلاد صنهاجة من الجزائر ومتيحة والمرية وما يليها إلى بجاية وقبائله كلهم لهذا العهد مغلوبون للعربل من زغبة ويمر في وادى شلف بنى واطيل النهر الاعظم منبعه من بلد راشد في بلاد الصحراء ويدخل إلى التل من بلاد حصين لهذا العهد ثم يمر مغربا ويجتمع نيه سائر أودية المغرب الاوسط مثل مينا وغيره إلى أن يصب في البحر الرومي ما بين كلمتين ومستغانم وينبع من فوهته نهر آخر يذهب مشرقا من جبل راشد ويمر بالزاب إلى ان يصب في شيخة ما بين توزر ونفزاوة معروفة هنا لك ويسمى هذا النهر وادى شدى وأما بلاد بجاية وقسنطينة فهى دار زواوة وكتامة ومحيسة وهوارة وهى اليوم ديار

[ 103 ]

للعرب الجبال وفيها بقاياهم وأما افريقية كلها إلى طرابلس فبسائط فتح كانت ديارا لنفزاوة وبنى يفرن ونفوسة ومن لا يحصى من قبائل البربر وكانت قاعدتها القيروان وهى لهذا العهد مجالات للعرب من سليم وبنى يفرن وهوارة مغلوبون تحت أيديهم وقد تبدوا معهم ونسوا رطانة الاعاجم وتكلموا بلغات العرب وتحلوا بشعارهم في جميع أحوالهم وقاعدتها لهذا العهد تونس وهى دار ملكها ويمر فيها النهر الاعظم المعروف بوادي مجرد يجتمع فيه سائر الاودية بها ويصب في البحر الرومي على مرحلة من غربي تونس بموضع يعرف ببنزرت وأما برقة فدرست وخربت أمصارها وانقرض أمرها وعادت مجالات للعرب بعد أن كانت دار اللواتة وهوارة وغيرهم من البربر وكانت بها الامصار المستجرة مثل لبدة وزويلة وبرقة وقصر حسان وامثالها فعادت يبابا ومفاوز كان لم تكن والله أعلم { الفصل الثالث في ذكر ما كان لهذا الجيل قديما وحديثا من الفضائل الانسانية } { والخصائص الشريفة الراقية بهم إلى مراقى العز ومعارج السلطان والملك } قد ذكرنا ما كان من أمر هذا الجيل من البربر ووفور عدده وكثرة قبائلهم وأجيالهم وما سواه من مغالبة الملوك ومزاحمة الدول عدة آلاف من السنين من لدن حروبهم مع بنى اسرائيل بالشأم وخروجهم عنه إلى افريقية والمغرب وما كان منهم لاول الفتح في محاربة الطوالع من المسلمين أولا ثم في مشايعتهم ومظاهرتهم على عدوهم ثانيا من المقامات الحميدة والآثار الجميلة وما كان لوهيا الكاهنة وقومها بجبل أوراس من الملك والعز والكثرة قبل الاسلام وبعده حتى تغلب عليهم العرب وما كان لمكناسة من مشايعة المسلمين أولا ثم ردتهم ثانيا وتحيزهم إلى المغرب الاقصى وفرارهم أمام عقبة بن نافع ثم غلبهم بعد ذلك طوالع هشام بارض المغرب (قال ابن أبى زيد) ان البربر ارتدوا بافريقية المغرب اثنتى عشرة مره وزحفوا في كلها للمسلمين ولم يثبت اسلامهم الا في أيام موسى بن نصير وقيل بعدها وتقدم ذكر ما كان لهم في الصحراء والقفر من البلاد وما شيدوا من الحصون والآطام والامصار من سجلماسة وقصور توات وتجورارين وفيجيج ومصاب وواركل وبلاد ريغة والزاب ونقزاوة والحمة وغذامس ثم ما كان لهم من الايام والوقائع والدول والممالك ثم ما كان بينهم وبين طوالع العرب من بنى هلال في المائة الخامسة بافريقية وما كان لهم مع دولة آل حماد بالقلعة ومع لمتونة بتلمسان وتاهرت من الموالاة والانحراف وما استولى عليه بنو يادين آخر ابا سهام الموحدين واقطاعهم من بلاد المغرب وما كان لبنى مرين في الاجلاب على عير عبد المؤمن من الآثار وما تشهد أخباره كلها بانه جيل عزيز على الايام وأنهم

[ 104 ]

قوم مرهوب جانبهم شديد بأسهم كثير جمعهم مظاهرون لامم العالم واجياله من العرب والفرس ويونان والروم لكنهم لما أصابهم الفناء وتلاشت عصابتهم بما حصل لهم من ترف الملك والدول التى تكررت فيهم قلت جموعهم وفنيت عصابتهم وعشائرهم وأصبحوا خولا للدول وعبيد اللجباية واستنكف كثير من الناس عن النسب فيهم لاجل ذلك والا فقد كانت أوربة أميرهم كسيلة عند الفتح كما سمعت وزناتة أيضا حتى أسر أميرهم وزمار بن مولات وحمل إلى المدينة إلى عثمان بن عفان ومن بعد ذلك هوارة وصنهاجة وبعدهم كتامة وما أقاموا من الدولة التى ملكوا بها المغرب والمشرق وزاحموا بنى العباس في ديارهم وغير ذلك منهم كثير وأما تخلقهم بالفضائل الانسانية وتنافسهم في الخلال الحميدة وما جبلوا عليه من الخلق الكريم مرقاة الشرف والرفعة بين الامم ومراعاة المدح والثناء من الخلق من عز الجوار وحماية النزيل ورعى الاذمة والوسائل والوفاء بالقول والعهد والصبر على المكارم والثبات في الشدائد وحسن الملكة والاغضاء عن العيوب والتجافى عن الانتقام ورحمة المسكين وبر الكبير وتوقير أهل العلم وحمل الكل وكسب المعدوم وقرى الضيف والاعانة على النوائب وعلو الهمة واباية الضيم ومشاقة الدول ومقارعة الخطوب وغلاب الملك وبيع النفوس من الله في نصر دينه فلهم في ذلك آثار نقلها الخلف عن السلف لو كانت سسطورة لحفظ منها ما يكون اسوة لمتبعيه من الامم وحسبك ما اكتسبوه من حميدها واتصفوا به من شريفها أن قادتهم إلى مراقى العز وأوفت بهم على ثنايا الملك حتى علت على الايدى أيديهم ومضت في الخلق بالقبض والبسط أحكامهم وكان مشاهيرهم بذلك من أهل الطبقة الاولى فلكين بن زيرى الصنهاجى عامل افريقية للعبيديين ومحمد من خزر والخير ابنه وعروبة بن يوسف الكتامى القائم بدعوة عبد الله الشيعي ويوسف بن تاشفين ملك لمتونة بالمغرب وعبد المؤمن بن على شيخ الموحدين وصاحب الامام المهدى وكان عظماؤهم من أهل الطبقة الثانية السابقون إلى الراية بين دولهم والمعاهدون لملكهم بالمغرب الاقصى والاوسط كبيرهم يعقوب بن عبد الحق سلطان بنى مرين ويغمراسن بن زيان سلطان بنى عبد الواد ومحمد بن عبد القوى ووزمار كبير بنى توجين وثابت بن منديل أمير مغراوة أهل شلف ووزمار بن ابراهيم زعيم بنى راشد المتعارضين في ازمانهم المتناغين في تاثيل عزهم والتمهيد لقومهم على شاكلته بقوة جمعه فكانوا من أرسخهم في تلك الخلال قدما وأطولهم فيها يدا وأكثرهم لها جمعا طارت عنهم في ذلك قبل الملك وبعده أخبار عنى بنقلها الاثبات من البربر وغيرهم وبلغت في الصحة والشهرة منتهى التواتر وأما اقامتهم لمراسم الشريعة وأخذهم باحكام الملة ونصرهم

[ 105 ]

لدين الله فقد نقل عنهم من اتخاذ المعلمين كتاب الله لصبيانهم والاستفتاء في فروض أعيانهم واقتفاء الائمة للصلوات في بواديهم وتدارس القرآن بين احيائهم وتحكيم حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم وصاغيتهم إلى أهل الخير والدين من أهل مصرهم للبركة في آثارهم وسؤال الاعداد عن صالحيهم واغشائهم البحر أفضل المرابطة والجهاد وبيعهم النفوس من الله في سبيله وجهاد عدوه ما يدل على رسوخ ايمانهم وصحة معتقداتهم ومنين ديانتهم التى كانت ملاكا لعزهم ومقادا إلى سلطانهم وملكهم وكان المبرز منهم في هذا المنتحل يوسف بن تاشفين وعبد المؤمن بن على وبنوهم ثم يعقوب ابن عبد الحق من بعدهم وبنوه فقد كان لهم في الاهتمام بالعلم والجهاد وتشييد المدارس واختطاط الزوايا والربط وسد الثغور وبذل النفس في ذات الله وانفاق الاموال في سبيل الخيرات ثم مخالطة اهل العلم وترفيع مكانهم في مجالستهم ومفاوضتهم في الاقتداء بالشريعة والانقياد لاشاراتهم في الوقائع والاحكامن ومطالعة سير الانبياء وأخبار الاولياء وقراءتها بين أيديهم من دواوين ملكهم ومجالس أحكامهم وقصور عزهم والتعرض بالمعاقل لسماع شكوى المتظلمين وانصاف الرعايا من العمال والضرب على يد أهل الجور واتخاذ المساجد بصحن دورهم وشدة خلافهم وملكهم يعمرونها بالصلوات والتسبيحات والقراء المرتبين لتلاوة كتاب الله احزابا بالعشى والاشراق على الايام وتحصين ثغور المسلمين بالبنيان المشيد والكتائب المجهزة وانفاق الاموال العريضة شهدت لهم بذلك آثار تخلفوها بعدهم وأما وقوع الخوارق فيهم وظهور الكاملين في النوع الانساني من أشخاصهم فقد كان فيهم من الاولياء المحدثين أهل النفوس القدسية والعلوم الموهوبة ومن حملة العلم عن التابعين ومن بعدهم من الائمة والكهان المفطورين على المطلع للاسرار المغيبة ومن الغرائب ابلتى خرقت العادة وأوضحت أدلة القدرة ما يدل على عظيم عناية الله بذلك الجيل وكرامته لهم بما آتاهم من جماع الخير وآثرهم به من مذاهب الكمال وجمع لهم من متفرق خواص الانسان ينقل ذلك في أخبار توهم عجائب فكان من مشاهير حملة العلم فيهم سعيد بن واسول جد بنى مدرار ملوك سجلماسة أدرك التابعين واخذ عن عكرمة مولى العباس ذكره عريب بن حميد في تاريخه ومنهم أبو يزيد مخلد بن كيداد اليفرنى صاحب الحمار الخارج على الشيعة سنة ثنتين وثلثمائة الدائن بدين الخارجية أخذ العلم بتوزر عن مشيختها ورأس في الفتيا وقرأ مذاهب الاضافية من الخوارج وصدق فيه ثم لقى عمارا الاعمى الصفرى النكار فتلقن عنه من مذاهبهم ما انسلخ من آية السعادة بانتحاله وهو مع ذلك من الشهرة في هذا الجيل بحيث لا يغفل ومنهم منذر بن سعيد قاضى الجماعة بقرطبة من ظواعن

[ 106 ]

ولهاصة ثم من سوماتة منهم مولده عام عشرة ووفاته عام ثلاثة وثمانين وثلثمائة كان من البتر من ولد مادغيس هلك على عهد عبد الرحمن الناصر ومنهم أيضا أبو محمد بن أبى زيد علم الملة وهو من قفزة أيضا ومنهم علماء بالنسب والتاريخ وغير ذلك من فنون العلوم ومن مشاهير زناتة أيضا موسى بن صالح الغمرى معروف عند كافتهم معرفة وضوح وشهرة وقد ذكرناه عند ذكر غمرة من شعوب زناتة وهو وان لم توقفنا الاخبار الصحيحة على الجلى من أمره في دينه فهو من محاسن هذا الجيل الشاهدة بوجود الخواص الانسانية فيهم من ولاية وكهانة وعلم وسحر وكان نوعا من آثار الخليقة ولقد تحدث أهل هذا الجيل فيما يتحدثون به ان أخت يعلى بن محمد اليفرنى جاءت بولد من غير أب سموه كلمام ويذكر له أخبار في الشجاعة خرقت العوائد ودلت على انه موهبة من الله استأثره بها لم يشاركه فيها غيره من أهل جلدته وربما ضاقت حوامل الخواص منهم عن ملتقط هذه الكائنة ويجهلون ما يتسع لها ولامثالها من نطاق القدرة وينقلون أن حملها كان اثر استحمامها في عين حامية هنا لك غب ما صدر عنها بعض السباع كانت ترد فيها على الناس ويردون عليها ويرون أنها علقت من فضل ولوغه ويسمون ذلك المولود ابن الاسد لظهور خلعة الشجاعة فيه وكثير من أمثال هذه الاخبار التى لو انصرفت إليها عناية الناقلين لملات الدواوين ولم يزل هذا دأبهم وحالهم إلى أن مهدوا من الدول وأثلوا من الملك ما نحن في سبيل ذكره { الفصل الرابع في ذكر أخبارهم على الجملة من قبل الفتح الاسلامي ومن بعده إلى ولاية بنى الاغلب } هؤلاء البربر جيل وشعوب وقبائل أكثر من أن تحصى حسبما هو معروف في تاريخ الفتح بافريقية والمغرب وفى أخبار ردتهم وحروبهم فيها نقل ابن أبى الرقيق أن موسى ابن نصير لما فتح سقوما كتب إلى الوليد بن عبد الملك انه صار لك من سبى سقوما مائة ألف رأس فكتب إليه الوليد بن عبد الملك ويحك انى أظنها من بعض كذباتك فان كنت صادقا فهذا محشر الامة ولم تزل بلاد المغرب إلى طرابلس بل والى الاسكندرية عامرة بهذا الجيل ما بين البحر الرومي وبلاد السودان منذ أزمنة لا يعرف أولها ولا ما قبلها وكان دينهم دين المجوسية شأن الاعاجم كلهم بالمشرق والمغرب الا في بعض الاحابين يدينون بدين من غلب عليهم من الامم فان الامم اهل الدول العظيمة كانوا يتغلبون عليهم فقد غزتهم ملوك اليمن من قرارهم مرارا على ما ذكر مؤرخوهم فاستكانوا لغلبهم ودانوا بدينهم ذكر ابن الكلبى أن حميرا بالقبائل اليمانية ملك المغرب مائة سنة وانه الذى ابتنى مدائنه مثل افريقية وصقلية واتفق المؤرخون على غزو افريقش صيفي من التبابعة

[ 107 ]

إلى المغرب كما ذكرنا في أخبار الروم واختطوا بسبب البحر وما يليه من الارياف مدنا عظيمة الخطة ويتمة المباني شهيرة الذكر باقية المعالم والآثار لهذا العهد مثل سبطلة وجلولاء ومرناق وطاقة وزناتة وغيرها من المدن التى خربها المسلمون من العرب لاول الفتح عند استيلائهم عليها وقد كانوا دانوا لعهدهم بما تعبدوهم به من دين النصرانية وأعطوهم المهادنة وأدوا إليهم الجباية طواعية وكان للبربر في الضواحى وراء ملك الامصار المرهوبة الحامية ما شاء من قوة وعدة وعدد وملوك ورؤساء واقيال وأمراؤها لا يرامون بذل ولا ينالهم الروم والافرنج في ضواحيهم تلك بمسخطة الاساءة وقد صبحهم الاسلام وهم في مملكة قد استولوا على رومة وكانوا يؤدون الجباية لهرقل ملك القسطنطينية كما كان المقوقس صاحب الاسكندرية وبرقة ومصر يؤدون الجباية له وكما كان صاحب طرابلس ولبدة وصبرة وصاحب صقلية وصاحب الاندلس من الغوط لما كان الروم غلبوا على هؤلاء الامم اجمع وعنهم كلهم أخذوا دين النصرانية فكان الفرنجة هم الذين ولوا أمر افريقية ولم يكن للروم فيها شئ من ولاية وانما كان كل من كان منهم بها جند اللافرنج ومن حشودهم وما يسمع في كتب الفتح من ذكر الروم في فتح افريقية فمن باب التغليب لان العرب يومئذ لم يكونوا يعرفون الفرنج وما قاتلوا في الشام الا الروم فظنوا انهم هم الغالبون على أمم النصرانية فان هرقل هو ملك النصرانية كلها فغلبوا اسم الروم على جميع أمم النصرانية ونقلت الاخبار عن العرب كما هب فجرجير المقتول عند الفتح من الفرنج وليس من الروم وكذا الامة الذين كانوا بافريقية غالبين على البربر ونازلين بمدنها وحصونها انما كانوا من الفرنجة وكذلك ربما كان بعض هؤلاء البربر دانوا بدين اليهودية أخذوه عن بنى اسرائيل عند استفحال ملكهم لقرب الشأم وسلطانه منهم كما كان جراءة أهل جبل أوراس قبيلة الكاهنة مقتولة العرب لاول الفتح وكما كانت نفوسة من برابر افريقية وفندلاوقة ومديونة وبهلولة وغياتة وبنو بازاز من برابرة المغرب الاقصى حتى محا ادريس الاكبر الناجم بالمغرب من بنى حسن ابن الحسن جميع ما كان في نواحيه من بقايا الاديان والملل فكان البربر بافريقية والمغرب قبل الاسلام تحت ملك الفرنج وعلى دين النصرانية الذى اجتمعوا عليه مع الروم كما ذكرناه حتى إذا كان الفتح وزحف المسلمون إلى افريقية زمان عمر رضى الله عنه سنة تسع وعشرين وغلبهم عبد الله بن سعد بن أبى سرح من بنى عامر بن لؤى فجمع لهم جرير ملك الفرنجة يومئذ بافريقية من كان بامصارها من الفرنج والروم ومن بضواحيها من جموع البربر وملوكهم وكان ملك ما بين طرابلس وطنجة وكنت دار ملكه سبيطلة فلقوا المسلمين في زهاء مائة وعشرين ألفا والمسلمون يومئذ في عشرين

[ 108 ]

ألفا فكان من هزيمة العرب لهم وفتحهم لسبيطلة وتخريبهم اياها وقتلهم جرجير ملكهم وما نفلهم الله من أموالهم وبناتهم التى اختصت منهن ابنته بقاتله عبد الله بن الزبير لعهد المسلمين له بذلك بعد الهزيمة رخلوصه بخبر الفتح والملا من المسلمين بالمدينة ما هو كله مذكور مشهور ثم أرزئ الفرنجة ومن معهم من الروم بعد الهزيمة وخلوصه بخبر الفتح إلى حصون افريقية وانساح المسلمون في البسائط بالغارات ووقع بينهم وبين البربر أهل الضواحى زحوف وقتل وسبى حتى لقد حصل في أسرهم يومئذ من ملوكهم وزمار بن صقلاب جد بنى حزر وهو يومئذ أمير مغوارة وسائر زنانة ورفعوه إلى عثمان بن عفان فأسلم على يده ومن عليه وأطلقه وعقد له على قومه ويقال انما وصله وافدا وحصن المسلمين عليهم ولاذ الفرنج بالسلم وشرطوا لابن أبى سرح ثلثمائة قنطار من الذهب على أن يرحل عنهم بالعرب ويخرج بهم من بلادهم ففعل ورجع المسلمون إلى المشرق وشغلوا بما كان من الفتن الاسلامية ثم كان الاجتماع والاتفاق على معاوية بن أبى سفيان وبعث معاوية بن خديج السكرنى من مصر لافتتاح افريقية سنة خمس وأربعين وبعث ملك الروم من القسطنطينية عساكره لمدافعتهم في البحر فلم تغن شيأ وهزمهم العرب بسائر أجم وحاصروا جلولاء وفتحوها وقفل معاوية بن خديج إلى مصر فولى معاوية بن أبى سفيان على افريقية بعده عقبة بن نافع فاختط القيروان وافترق أمر الفرنجة وصاروا إلى الحصون وبقى البربر بضواحيهم إلى أن ولى يزيد ابن معاوية وولى على افربقية أبا المهاجر مولى وكانت رياسة البربر يومئذ في أوربة لكسيلة بن لمزم وهو رأس البرانس ومرادفه سكرديد بن رومى بن ما زرت من أوربة وكان على دين النصرانية فأسلما لاول الفتح ثم ارتدا عند ولاية أبى المهاجر واجتمع اليهما البرانس وزحف إليهم أبو المهاجر حتى نزل عيون تلمسان فهزمهم وظفر بكسيلة فأسلم واستبقاه ثم جاء عقبة بعد أبى المهاجر فنكبه غيظا على صحابته لابي المهاجر ثم استفتح حصون الفرنجة مثل ماغانة ولميس ولقيه ملوك البربر بالزاب وتاهرت فغضهم جمعا بعد جمع ودخل المغرب الاقصى واطاعته غمارة وأميرهم يومئذ بليان ثم أجاز إلى ولى ثم إلى جبال درن وقتل المصامدة وكانت بينهم وبينه حروب وحاصروه بجبال درن ونهضت إليهم جموع زناتة وكانوا خالصة للمسلمين منذ اسلام مغراوة فافرجت المصامدة عن عقبة وأثخن فيهم حتى حملهم على طاعة الاسلام ودوخ بلادهم ثم أجاز إلى بلاد السوس لقتال من بها من صنهاجة أهل اللثام وهم يومئذ على دين المجوسية ولم يدينوا بالنصرانية فأثخن فيهم وانتهى إلى تارود انت وهزم جموع البربر وقاتل مسوفة من وراء السوس وساسهم وقفل راجعا وكسبلة اثناء هذا كله في اعتقاله بجمعه معه

[ 109 ]

في عسكر مسائر غزاوته فلما قفل من السوس سرح العساكر إلى القيروان حتى بقى في خف من الجنود وتراسل كسيلة وقومه فأرسلوا له شهودا وانتهزوا الفرصة فيه وقتلوه ومن معه وملك كسيلة افريقية خمس سنين ونزل القيروان واعطى الامان لمن بقى بها ممن تخلف من العرب أهل الذرارى والاثقال وعظم سلطانه على البربر وزحف قيس بن زهير البلوى في ولاية عبد الملك للثأر بدم عقبة سنة سبع وستين وجمع له كسيلة سائر البربر ولقيه بجيش من نواحى القيروان فاشتد القتال بين الفريقين ثم انهزم البربر وقتل كسيلة ومن لا يحصى منهم وأتبعهم العرب إلى محنة إلى ملوية وفى هذه الواقعة دل البربر وفنيت فرسانهم ورجالهم وخضدت شوكتهم واضمحل أمر الفرنجة فلم يعد وخاف البربر من زهير ومن العرب خوفا شديدا فلجؤا إلى القلاع والحصون ثم ترهب زهير بعدها وقفل إلى المشرق فاستشهد ببرقة كما ذكرناه واضطرمت افريقية نارا وافترق أمر البربر وتعدد سلطانهم في رؤسائهم وكان من أعظمهم شأنا يومئذ الكاهنة دهيا بنت ماتية بن تيفان ملكة جبل أوراس وقومها من جراوة ملوك البتروز وعمائهم فبعث عبد الملك إلى حسان بن النعمان الغساني عامله على مصر ان يخرج إلى جهاد افريقية وبعث إليه بالمدد فزحف إليها سنة تسع وسبعين ودخل القيروان وغزا قرطاجنة وافتتحها عنوة وذهب من كان بقى بها من الافرنجة إلى صقلية والى الاندلس ثم سأل عن أعظم ملوك البربر فدلوه على الكاهنة وقومها جراوة فمضى إليها حتى نزل وادى مسكيانة وزحفت إليه فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير وأسر خالد بن يزيد القيسي ولم تزل الكاهنة والبربر في اتباع حسان والعرب حتى أخرجوهم من عمل قابس ولحق حسان بعمل طرابلس ولقيه كتاب عبد الملك بالمقام فأقام وبنى قصوره وتعرف لهذا العهد ثم رجعت الكاهنة إلى مكانها واتخذت عهدا عند أسيرها خالد بالرضاع مع ابنتها وأقامت في سلطان افريقية والبربر خمس سنين ثم بعث عبد الملك إلى حسان بالمدد فرجع إلى افريقية سنة أربع وسبعين وخربت الكاهنة جميع المدن والضياع وكانت من طرابلس إلى طنجة ظلا واحدا في قرى متصلة وشق ذلك على البربر فاستأمنوا لحسان فأمنهم ووجد السبيل إلى تفريق أمرها وزحف إليها وهى في جموعها من البربر فانهزموا وقتلت الكاهنة بمكان السر المعروف بها لهذا العهد بجبل أوراس واستأمن إليه البربر على الاسلام والطاعة وعلى أن يكون منهم اثنا عشر ألفا مجاهدين معه فأجابوا وأسلموا وحسن اسلامهم وعقد للاكبر من ولد الكاهنة على قومهم من جراوة وعلى جبل أوراس فقالوا لزمنا الطاعة له سبقناها إليها وبايعناه عليها وأشارت عليهم بذلك لاثارة من علم كانت لديها بذلك من

[ 110 ]

شياطينها وانصرف حسان إلى القيروان فدون الدواوين وصالح من الفئ بيده إلى البربر على الخراج وكتب الخراج على عجم افريقية ومن أقام معهم على النصرانية من البربر والبرانس واختلفت أيدى البربر فيما بينهم على افريقية والمغرب فخلت أكثر البلاد وقدم موسى بن نصير إلى القيروان واليا على افريقية ورأى ما فيها من الخلاف وكان ينقل العجم من الاقاصى إلى الاداني وأثخن في البربر ودوخ المغرب وأدى إليه البربر الطاعة وولى على طنجة طار وبن زياد وأنزل معه سبعة وعشرين ألفا من العرب واثنى عشر ألفا من البربر وأمرهم أن يعلموا البربر القرآن والفقه ثم أسلم بقية البربر على يد اسمعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر سنة احدى ومائة * وذكر أبو محمد بن أبى زيدان البربر ارتدوا اثنتى عشرة مرة من طرابلس إلى طنجة ولم يستقر اسلامهم حتى أجاز طارق وموسى بن نصير إلى الاندلس بعد ان دوخ المغرب وأجاز معه كثير من رجالات البربر وامرهم برسم الجهاد فاستقروا هنا لك من لدن الفتح فحينئذ استقر الاسلام بالمغرب وأذعن البربر لحكمه ورسخت فيهم وكلمة الاسلام وتناسلوا الردة ثم نبضت فيهم عروق الخارجية فدانوا بها ولقنوها من العرب الناقلة ممن سمعها بالعراق وتعددت طوائفهم وتشعبت طرقها من الاباضية والصفرية كما ذكرنا في أخبار الخوارج وفشت هذه البدعة وعقدها رؤس النفاق من العرب وجرت إليهم الفتنة من البربر ذريعة الانتزاء على الامر فاختلوا في كل جهة ودعوا إلى قائدهم طغام البربر تتلون عليهم مذاهب كفرها ويلبسون الحق بالباطل فيها إلى ان رسخت فيهم عروق من غرائسها ثم تطاول البربر إلى الفتك بأمر العرب فقتلوا يزيد بن أبى مسلم سنة ثنتين ومائة لما نقموا عليه في بعض الفعلات ثم انتقض البربر بعد ذلك سنة ثنتين وعشرين ومائة في ولاية عبد الله بن الحجاب أيام هشام بن عبد الملك لما أوطأ عساكره بلاد السوس وأثخن في البربر وسبى وغنم وانتهى إلى مسوفة فقتل وسبى وداخل البربر منه رعب وبلغه أن البربر احسوا بانهم فئ للمسلمين فانتقضوا عليه وثار ميسرة المطغتى بطنجة على عمرو بن عبد الله فقتله وبايع لعبد الاعلى بن جريج الافريقى رومى الاصل ومولى العرب كان مقدم الصفرية من الخوارج في انتحال مذهبهم فقام بأمرهم مدة وبايع ميسرة لنفسه بالخلافة داعيا إلى نحلته من الخارجية على مذهب الصفرية ثم ساءت سيرته فنقم عليه البربر ما جاء به فقتلوه وقدموا على أنفسهم خالد بن حميد الزناتى (قال ابن عبد الحكم) هو من هتورة احدى بطون زناتة فقام بامرهم وزحف إلى العرب وسرح إليهم عبد الله بن الحجاب العساكر في مقدمته ومعهم خالد بن أبى حبيب فالتقوا بوادي شلف وانهزم العرب وقتل خالد بن أبى حبيب ومن معه وسميت وقعة

[ 111 ]

الاسراب وانتقضت البلاد ومرج أمر الناس وبلغ الخبر هشام بن عبد الملك فعزل ابن حجاب وولى كلثوم بن عياض القشيرى سنة ثلاث وعشرين وسرحه في اثنى عشر ألفا من أهل الشأم وكتب إلى ثغور مصر وبرقة وطرابلس أن يمدوه فخرج إلى افريقية والمغرب حتى بلغ وادى طنجة وهو وادى سبسر فزحف إليه خالد بن حميد الزناتى فيمن معه من البربر وكانوا خلقا لا تحصى ولقوا كلثوم بن عياض من بعد أن هزموا مقدمته فاشتد القتال بينهم وقتل كلثوم وأضرمت العساكر فمضى أهل الشأم إلى الاندلس مع فلح بن بشير القشيرى ومضى أهل مصر وافريقية إلى القيروان وبلغ الخبر إلى هشام بن عبد الملك فبعث حنظلة بن سفيان الكلبى فقدم القيروان سنة أربع وعشرين وأربعمائة وهوارة يومئذ خوارج على الدولة منهم عكاشة بن أيوب وعبد الواحد بن يزيد في قومهما فثارت هوارة ومن تبعهم من البربر فهزمهم حنظلة بن المعز وظاهر القيروان بعد قتال شديد وقتل عبد الواحد الهوارى وأخذ عكاشة أسيرا وأحصيت القتلى في هذه الوقيعة فكانوا مائة وثمانين ألفا وكتب بذلك حنظلة إلى هشام وسمعها الليث بن سعد فقال ما غزوة كنت أحب ان أشهدها بعد غزوة بدر أحب إلى من غزوة القرن والاصنام ثم خفت الخلافة بالمشرق والتاب أمرها لما كان من بنى أمية من الفتنة وما كان من أمر الشيعة والخوارج مع مروان وأفضى الامر إلى الادالة ببنى العباس من بنى أمية وأجاز الفخر عبد الرحمن بن حبيب من الاندلس إلى افريقية فملكها وغلب حنظلة عليها سنة ست وعشرين ومائة فعادت لفيف إلى أديانها واستشرى داء البربر وأعضل أمر الخارجية ورؤسها فانتقضوا من أطراف البقاع وتواثبوا على الامر بكل ما كان داعين إلى بدعتهم وتولى كبر ذلك يومئذ صنهاجة وتغلب أميرهم ثابت ابن وريدون وقومه على باجة وثار معه عبد الله بن سكرديد من أمرائهم فيمن تبعه وثار بطرابلس عبد الجبار والحرث من هوارة وكانا يدينان برأى الاباضية فقتلوا عامل طرابلس بكر بن عيسى القيسي لما خرج إليهم يدعوهم إلى الصلح وبقى الامر على ذلك مدة وثار اسمعيل بن زياد في قتل البربر وأثخن فيهم وزحف إلى تلمسان سنة خمس وثلاثين فظفر بها ودوخ المغرب واذل من كان فيه من البربر ثم كانت بعد ذلك فتنة وربجومة وسائر قبائل نفزاوة سنة أربعين ومائة وذلك لما انحرف عبد الرحمن بن حبيب عن طاعة أبى جعفر وقتله أخواه الياس وعبد الوارث فولى مكانه ابنه حبيب عن طاعة أبى جعفر وقتله أخواه الياس وعبد الوارث فولى ومكانه ابنه حبيب وطالبهما بثار أبيه فقتل الياس ولحق عبد الوارث وربجومة فأجاره أميرهم عاصم بن جميل وتبعه على شأنه يزيد بن سكوم أمير ولهامة واجتمعت لهم كلمة نفزاوة ودعوا لابي جعفر المنصور وزحفوا إلى القيروان ودخلوها عنوة وفر حبيب بن قابس

[ 112 ]

فأتبعه عاصم في نفزاوة وقبائلهم وولى على القيروان عبد الملك بن أبى الجعد وجموع نفزاوة الذين كانوا بالقيروان وقتلوه واستولت وربجومة على القيروان وسائر افريقية وقتلوا من كان بها من قريش وربطوا دوابهم بالمسجد الجامع واشتد البلاء على أهل القيروان وأنكرت ذلك من فعل وربجومة ومن إليهم من نفزاوة برابرة طرابلس الاباضية من هوارة وزنانة فخرجوا واجتمعوا إلى أبى الخطاب عليها واجتمع إليه سائر البربر الذين كانوا هنا لك من زناتة وهوارة وزحف بهم إلى القيروان فقتل عبد الملك بن أبى الجعد وسائر وربحومة ونفزاوة واستولى على القيروان سنة احدى وأربعين ثم ولى على القيروان عبد الرحمن بن رسين وهو من أبناء رستم أمير فارس بالقادسية كان من موالى العرب ومن رؤس هذه البدعة ورحيم أبو الخطاب إلى طرابلس واضطرم المغرب نارا وانتزى خوارج البربر على الجهات فملكوها واجتمعت الصفرية من مكناسة بناحية المغرب منه أربعين ومائة وقدموا عليهم عيسى بن يزيد الاسود واسسوا مدينة سجلماسة ونزلوها وقدم محمد بن الاشعث واليا على افريقية من أبى جعفر المنصور فزحفها إليه أبو الخطاب ولقيه بسرت فهزموا ابن الاشعث وقتل البربر ببلاد ريفا وفر عبد الرحمن بن رستم من القيروان إلى تاهرت بالمغرب الاوسط واجتمعت إليه طوائف البربر الاباضية من لماية ولواتة ورجالة ونفزاوة فنزل بها واختط مدينتها سنة أربع وأربعين وضبط ابن الاشعث افريقية وخاف البربر ثم انتقل بنو يفرن من زناتة ومغيلة من البربر بنواحي تلمسان وقدموا على أنفسهم أبا قرة من بنى يفرن ويقال انه من مغيلة وهو الاصحح في شأنه وبويع له بالخلافة سنة ثمان وأربعين ومائة وزحف إليه الاغلب بن سود التميمي عامل طبنة فلما قرب منه هرب أبو قرة فنزل الاغلب الزاب ثم اعتزم على تلمسان ثم طنجة ورجع إليه الجند فرجع ثم انتقض البربر من بعد ذلك أيام عمرو بن حفص من ولد قبيصة بن أبى صفرة أعنى المهلب وكان تغلب هوارة منذ سنة احدى وخمسين واجتمعوا بطرابلس وقدموا عليهم أبا حاتم يعقوب بن حبيب بن مرين بن يسطوفت من أمراء مغيلة ويسمى أبا قادم ورجفت بجنود عمر بطبنة في اثنى عشر عسكرا وكان منهم أبو قرة في أربعين ألفا من الصفرية وعبد الرحمن بن رستم في ستة آلاف من الاباضية المسور بن هانئ في عشرة آلاف كذلك وجرير بن مسعود فيمن تبعه من مديونة وعبد الملك بن سكرديد الصنهاجى في ألفين منهم من الصفرية واشتد الحصار على عمر بن حفص فاعمل الحيلة في الخلاف وأعطى ابنه في اتمام ذلك أربعة آلاف وافترقوا وارتحلوا عن طبنة ثم بعث بعثا إلى ابن رستم فهزمه ودخل تاهرت مفلولا وزحف عمر بن حفص إلى أبى حاتم والبربر الاياضية الذين معه ونهضوا إليه

[ 113 ]

فحالفهم إلى الفبروان وشحنها بالاقوات والرجال ثم لقى أبا حاتم والبربر وهزموه ورجع إلى القيروان وحاصروه وكانوا في ثلثمائة وخمسين ألفا الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا وكانوا كلهم أبا ضية وطال الحصار وقتل عمر بن حفص في بعض أيامه سنة أربع وخمسين ومائة وصالح أهل القيروان أبا حاتم على ما أحب وارتحل وقدم يزيد بن قبيصة بن المهلب سنة أربع وخمسين ومائة واليا على افريقية فزحف إليه أبو حاتم بعد أن خالف عليه عمر بن عثمان الفهرى وافترق أمرهم فلقيه يزيد بن حاتم بطرابلس فقتل أبو حاتم وانهزم البربر ولحق عبد الرحمن بن حبيب بن عبد الرحمن من أصحاب أبى حاتم بكتامة وبعث المخارق بن غفار الطائى فحاصره ثمانية أشهر ثم غلب عليه فقتله ومن كان معه من البربر وهربوا إلى كل ناحية وكانت حروبهم مع الجند من لدن قتل عمر بن حفص بطبنه إلى الفضاء ثلثمائة وخمسة وسبعين حربا وقدم يزيد افريقية فزال فسادها ورتب القيروان ولم تزل البلاد هادئة وانتقض ورفجومة سنة سبع وخمسين وولوا عليهم رجلا منهم اسمه أبو زرجونة فسرح إليهم يزيد من عشيرة ابن محراة المهلبى فهزموه واستأذنه ابنه المهلب وكان على الزاب وطبنة وكتامة في الزحف إلى ورفجومة فأذن له وأمده بالعلاء بن سعيد بن مروان المهلبى من عشيرتهم أيضا فأوقع بهم وقتلهم أبرح قتل وانتقض نفزاوة من بعد ذلك في سلطنة ابنه داود من بعد مهلكه سنة احدى وستين ومائة وولوا عليهم صالح بن نصير السفرى ودعوا إلى رأيهم رأى الاباضية فسرح إليهم ابن عمه سليمان بن الصحة في عشرة آلاف فهزمهم وقتل البربر أبرح قتل ثم تحيز إلى صالح بن نصير ولم يشهد الاولى من البربر الاباضية واجتمعوا بشغنبارية فهزمهم إليها سليمان ثانية وانصرف إلى القيروان وركدت ريح الخوارج من البربر من افريقية وتداعت بدعتهم إلى الاضمحلال ورغب عبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت سنة احدى وسبعين في موادعة صاحب القيروان روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب فوادعه وانحصدت شوكة البربر واستكانوا للغلب وأطاعوا للدين فضرب الاسلام بجرانه وألقت الدولة الضريبة على البربر بكلكلها وتقلد ابراهيم بن الاغلب التميمي أمر افريقية والمغرب من قبل الرشيد هرون سنة خمس وثمانين ومائة فاضطلع بأمر هذه الولاية وأحسن السرة وقوم القتاد ورآب الصدع وجمع الكلمة ورضيت الكافة واستقل بولايتها غير منازع ولا متشوه وتوارثها بنوه خالفا عن سالف وكانت لهم بافريقية المغرب الدولة التى ذكرناها من قبل إلى ان انقرض أمر العرب بافريقية على زيادة الله عاقبتهم الفار إلى المشرق أمام كتامة سنة ست وتسعين ومائتين كما نذكره وخرج كتامة على بنى الاغلب بدعوة الرافضية قام فيهم أبو عبد الله المحتسب

[ 114 ]

الشيعي داعية عبيد الله المهدى فكان ذلك آخر عهد العرب بالملك والدولة بافريقية واستقل كتامة بالامر من يومئذ ثم من بعدهم من برابرة المغرب وذهبت ريح العرب ودولتهم من المغرب وافريقية فلم يكن لهم بعد دولة إلى هذا العهد وصار الملك للبربر وقبائلهم يتداولونه طائفة بعد أخرى وجيلا بعد آخر تارة يدعون إلى الامويين الخلفاء بالاندلس وتارة إلى الهاشميين من بنى العباس وبنى الحسن ثم استقلوا بالدعوة لانفسهم آخرا حسبما نذكر ذلك كله مفصلا عندما يعرض لنا من ذكر دول زناتة والبربر الذين نحن في سياقة أخبارها { الخبر عن البرابرة البتر وشعوبهم ونبدأ منهم أولا بذكر نفوسة وتصاريف أحوالهم } كان مادغيس الابتر جد البرابرة البتر وكان ابنه زحيك ومنه تشعبت بطونهم فكان له من الولد فيما يذكر نسابة البربر أربعة نفوس واداس وضرا ولوا فاما اداس فصار في هوارة لما يقال ان هوارة خلف أبا ه زحيك على أمه قبل فصاله فانتسب إليه واختلط بولده واندرجت بطون اداس في هوارة كما ذكرناه وأما ضرا ولوا فسنأتي بذكر بطونهم واحدا واحدا وأما نفوس فهم بطن واحد تنسب إليه نفوسة كلها وكانوا من أوسع قبائل البربر فيهم شعوب كثيرة مثل بنى زمور وبنى مكسور وماطوسة وكانت مواطن جمهورهم بجهات طرابلس وما إليها وهناك الجبل المعروف بهم وهم على ثلاثه مراحل من قبلة طرابلس يسكنه اليوم بقاياهم وكانت مدينة صبرة قبل الفتح في مواطنهم وتعزى إليهم وهى كانت باكورة الفتح لاول الاسلام وخرب المغرب بعد استيلائهم عليها فلم يبق مههم الا الاطلال ورسوم خافية وكان من رجالاتهم اسمعيل ابن زياد المتغلب على قابس سنة ثنتين وثلاثين ومائة لاول الدولة العباسية ومنهم لهذا العهد أوزاع متفرقون في الاقطار بعمالات مصر والمغرب والله وارث الارض ومن عليها وأمالوا فمن ولده نفزاوة ولو انه كما نذكر (الخبر عن نفزاوة وبطونهم وتصاريف أحوالهم) وهم بنو تطوفت بن نفزا وبن لوا الاكبر بن زحيك وبطونهم كثيرة مثل غساسة ومرنيسة وزهيلة وسومانة وزاتيمة وولهاصة ومجره وورسيف ومن بطونهم مكلانة ويقال ان مكلاتة من عرب اليمن وقع إلى توطفت صغيرا فتبناه وليس من البربر ولمكانة بطون متعددة مثل بنى ورياغل وكزناية وبنى يصلتن وبنى ديمان ورمحوق وبنى يزناسن ويقال ان غساسة منهم هكذا عند نسابة البربر مثل سابق المطماطى

[ 115 ]

وغيره ومن بطون ولمهاصة ورتدين بن داحية بن ولهاصة وورفجومة بن نيرغاس بن ولهاص ومن بطون ورفجومة زكوله رجالة لذكاك بن ورفجوم إلى بطون أخرى كثيرة وكان ورفجومة هؤلاء أوسم بطون نفزاوه وأشدهم بأسا وقوة ولما انحرف عبد الرحمن بن حبيب عن طاعة أبى جعفر المنصور وقتله اخواه عبد الوارث والباس وطالبهما ابنه حبيب بالثار فلحق عبد الوارث بورفجومة ونزل على أميرهم عاصم بن جميل بأوراس وكان كاهنا فأجاره وقام بدعوة أبى جعفر المنصور واجتمعت إليه نفزاوة وكان من رجالاتهم عبد الملك بن أبى الجعد ويزيد بن سكوم وكانوا يدينون بدين الاباضية من الخوارج وزحفوا إلى القيروان سنة أربعين ومائة وفر عنها حبيب بن عبد الرحمن ودخلها عبد الملك بن أبى الجعد وقتل حبيبا واستولت نفزاوة على القيروان وقتلوا من كان بها من قريش وسائر العرب وربطوا دوابهم بالمسجد وعظمت حوادثهم ونكر ذلك عليهم الاباضية من برابرة طرابلس وتولى كبرها زناتة وهوارة فاجتمعوا إلى الخطاب بن السمح ورجالات العرب واستولوا على طرابلس ثم عن القيروان سنة احدى وأربعين وقتلوا عبد الملك بن أبى الجعد وأثخنوا في قومه من نفزاوة وورفجومة ورجعوا إلى طرابلس بعد ان استعمل أبو الخطاب على القيروان عبد الرحمن بن رستم واضطرم المغرب نارا وعظمت فتنة ورفجومة هولاء إلى ان قدم محمد بن الاشعث سنة ست وأربعين من قبل المنصور فأثخن في البربر وأطفأ نار هذه الفتنة كما قدمناه ولما اختط عمر بن حفص مدينة طبنة سنة احدى وخمسين أنزل ورفجومة هؤلاء بها بما كانوا شيعا له وعظم غناؤهم فيها عند ما حاصره بها ابن رستم وبنو يفرن ثم انتقضوا بعد مهلك عمر على يزيد بن حاتم عند قدومه على افريقية سنة سبع وخمسين وولوا عليهم أبا زرجونة منهم وسرح إليهم يزيد العساكر مع ابنه وقومه فأثخنوا فيهم ثم انتقضت نفزاوه على أبيه داود ودعوا إلى دين الاباضية وولوا عليهم صالح بن نصر منهم فرجعت العساكر إليهم متراسلة وقتلوهم أبرح قتل وعليها كان ركود ريح الخوارج بافريقية واذعار البربر وافترق بنو ورفجوم بعد ذلك وانقرض أمرهم وصاروا أوزاعا في القبائل وكان رجالة منهم بطنا متسعا وكان منهم رجالات مذكورون في أول العبيديين وبنى أمية بالاندلس منهم الرحالى أحد الكتاب بقرطبة وبقى منهم لهذا العهد فرق بمرماجة وهناك قرية ببسيطها تنسب إليهم وأما سائر ولهاصة من ورفجومة وغيرهم فهم لهذا العهد أوزاع لذلك أشهرهم قبيلة بساحل تلمسان اندرجوا في كومية وعدوا منهم بالنسب والخلط وكان منهم في أواسط هذه المائة الثامنة ابن عبد المكاف استقل برياستهم وتملك بدعوى السلطان بعد استيلاء بنى عبد الواد على تلمسان

[ 116 ]

ونواحيها ونغلب على سلطانهم لذلك العهد كما نذكره عثمان بن عبد الرحمن وسجنه بالمطبق بتلمسان ثم قتله ومن أشهر قبائل ولهاصة أيضا قبيلة أخرى ببسيط بونة يركبون الخيل ويأخذون بمذاهب العرب في زيهم ولغتهم وسائر شعارهم كما هو شأن هوارة وهم في عداد القبائل الغارمة ورياستهم في بنى عريف منهم وهى لهذا العهد في ولد حازم ابن شداد بن حزام بن نصر بن مالك بن عريف وكانت قبلهم لعسكر بن بطنان منهم هذه أخبار ولهاصة فيما علماه (وأما نهاية بطون نفزاوة) فمنهم زاتيمة وبقية منهم لهذا العهد بساحل برسك ومنهم غساسة وبقية منهم لهذا العهد بساحل بوطة حيث القرية التى هناك حاضرة البحر ومرسي لاساطيل المغرب وهى مشهورة باسمهم وأما زهيلة فبقيتهم لهذا العهد بنواحي بادس مندرجون في غمارة وكان منهم لعهد مشيختنا أبو يعقوب البادسى أكبر الاولياء وآخرهم بالمغرب وأما مرنيسة فلا يعلم لهم موطن ومن أعقابهم أوزاع بين أحياء العرب بافريقية وأما سوماتة فمنهم بقية من نواحى القيروان كان منهم منذر بن سعيد القاضى بقرطبة لعهد الناصر والله أعلم وأما بقايا بطون نفزاوة فلا يعرف لهم لهذا العهد حى ولا موطن الا القرى الظاهرة المقدرة السير المنسوبة إليهم ببلاد قسطينة وبها معاهدون من الفرنجة أوطنوهم على الجزية واعتقاد الذمة عند عهد الفتح وأعقابهم بها لهذا العهد وقد نزل معهم كثير من بنى سليم من الشريد وزغبة وأوطنوها وتملكوا بها القفار والضياع وكان أمر هذه القرى راجعا إلى عامل توزر أيام استبداد الخلافة فلما تقلص ظل الدولة عنهم وحدثت العصبة في الامصار استبدت كل قرية بأمرها وصار مقدم توز ريحاول دخولهم في ايالته فمنهم من يعطيه ذلك ومنهم من يأباه حتى أظلتهم دولة مولانا السلطان أبى العباس وأدرجوا كلهم في طاعته واندرجوا في حبله والله ولى الامور لا رب غيره اه‍ (الخبر عن لوانة من البرابرة البتر وتصاريف أحوالهم وهو بطن عظيم متسع من بطون البربر البتر ينتسبون إلى لوا الاصغر بن لوا الاكبر ابن زحيك ولوا الاصغر هو نفزا وكما قلناه ولوا اسم أبيهم والبربر إذا أرادوا العموم في الجمع زادوا الالف والتاء فصار لوات فلما عربته العرب حملوه على الافراد وألحقوا به هاء الجمع وذكر ابن حزم أن نسابة البربر يزعمون ان سدراتة ولواتة ومزاته من القبط وليس ذلك بصحيح وابن حزم لم يطلع على كتب علماء البربر في ذلك وفى لواتة بطون كثيرة وفيهم قبائل كثيرة مثل سدراتة بن نيطط بن لوا ومثل عرورة بن ما صلت بن لوا وعد سابق وأصحابه في بنى ما صلت بطونا أخرى غير عروزة وهم أكررة وجرمانه ونقاعة مثل بنى زائد بن لوا وأكثر بطونهم مزاتة ونسائه البربر يعدون في مزاتة

[ 117 ]

بطونا كثيرة مثل ملايان ومرنه ومحيحه ودكمه وحمره ومدونه وكان لواتة هؤلاء ظواعن في مواطنهم بنواحي برقة كما ذكر المسعودي وكان لهم في فتنة أبى يزيد آثار وكان منهم بجبل أوراس أمة عظيمة ظاهروا أبا يزيد مع بنى كملان على أمره ولم يزالوا بأوراس لهذا العهد مع من به من قبائل هوارة وكتامة ويدهم العالية عليهم تناهز خيالتهم الفا وتجاوز رجالاتهم العدة وتستكفى بهم الدولة في جباية من تحت أيديهم بجبل أوراس من القبائل الغارمة فيحسنون الغناء والكفا وكان البعوث مضروبة عليهم ينفرون بها في معسكر السلطان فلما تقلص ظل الدولة عنهم صار بنو سعادة منهم في أقطاع أولاد محمد من الزواودة فاستعملوهم في مثل ما كانت الدولة تستعملهم فيه فاصاروهم خولا للجباية وعسكر الاستنفاق وأصبحوا من جملة رعاياهم وقد كان بقى جانب منهم لم تستوفه الاقطاعات وهم بنو زنجان وبنو باديس فاستضافهم منصور بن مزنى إلى عمله فلما استبد مزنى عن الدولة واستقلوا بالزاب صاروا يبعدونهم بالجبلية بعض السنين ويعسكرون عليهم لذلك بأفاريق الاعراب وهم لهذا العهد معتصمون بجبلهم لا يجاوزونه إلى البسيط خوفا من عادية الاعراب ولبنى باديس منهم اتاوات على بلد نقاوس المحيطة في فسيح الجبل بما تغلبوا عن ضواحيها فإذا انحدر الاعراب إلى مشاتيهم اقتضوا منها اتاواتهم وخفارتهم وإذا أقبلوا إلى مصايفهم رجع لواتة إلى معاقلهم الممتنعة على الاعراب وكان من لواتة هؤلاء أمة عظيمة بضواحي تاهرت إلى ناحية القبلة وكانوا ظواعن هنا لك على وادى ميناس ما بين جبل يعود من جهة الشرق والى وان حلف من جهة الغرب يقال ان بعض أمراء القيروان نقلهم معه في غزوة وأنزلهم هنا لك وكان كبيرهم أورغ بن على بن هشام قائدا لعبد الله الشيعي ولما انتقض حميد بن مصل صاحب ترهوت على المنصور ثالث خلفاء الشيعة ظاهروه على خلافه وجاوروه في مذاهب ضلاله إلى ان غلبه المنصور وأجاز حميد إلى الاندلس سنة ست وثلاثين وزحف المنصور يريد لواتة فهربوا أمامه إلى الرمال وهرب عنهم ونزل إلى وادى ميناس ثم انصرف إلى القيروان (وذكر) ابن الرقيق ان المنصور وقف هنا لك على أثر من اثار الاقدميز بالقصور التى على الجبال الثلاثة مبنية بالحجر المنحوت يبدو للناظر على البعد كأنها أسنمة قبور ورأى كتابا في حجر فسره له أبو سليمان السرد غرس خالف أهل هذا البلد على الملك فأخرجني إليهم ففتح لى عليهم وبنيت هذا البناء لاذكر به هكذا ذكر ابن الرقيق وكان بنو وجد يجى من قبائر زناتة بمواطنهم من منداس جيرانا للواتة هؤلاء والعجم بينهما وادى ميناس وتاهرت وحدثت بينهما فتنة بسبب امرأة أنكحها بنو وجد يجى في لواتة فعيروا بالقفر فكتبت بذلك إلى قومها

[ 118 ]

ورئيسهم يومئذ غسان فتدامروا واستمدوا من وراءهم من زناتة فامدوهم بعلى بن محمد اليفرنى وزحفت مطماطة من الجانب الآخر في مظاهرتهم وعليهم عزانة أميرهم وزحفوا جميعا إلى لواتة فكانت بينهم وقائع وحروب هلك في بعضها علاق وأزاحوا عن الجانب الغربي السرسو والجؤهم إلى الجبل الذى في قبلة تاهرت المسمى لهذا العهد دارك وانتشرت عمائرها بتلوله وما وراءه إلى الجبال المطلة على متيجة وهم لهذا العهد في عداد القبائل الغارمة وجبل دارك في أقطاع ولد يعقوب بن موسى مشيخة العطاف من ورغة ولواتة أيضا بطون بالجبل المعروفة بهم قبلة قابس وصفاقس ومنهم بنو مكى رؤساء قابس لهذا العهد ومنهم أيضا لواحات مصر فيما ذكره المسعودي أمة عظيمة بالجيزة التى بينها وبين مصر وكان لما قرب من هذه القصور شيخهم هنا لك بدر بن سالم وانتقض على الترك وسرحوا إليه العساكر فاستلحموا كثيرا من قومه وفر إلى ناحية برقة وهو الآن في جوار العرب بها ومن زناتة هؤلاء أحياء بنواحي تادلا قرب مراكش من الغرب الاقصى ولهم هنا لك كثرة ويزعم كثير من الناس انهم بنواحي جابر من عرب جسم واختلطوا بهم وصاروا في عدادهم ومنهم أوزاع مفترقون بمصر وقرى الصعيد شاوية وفلاحين ومنهم أيضا بضواحي بجاية قبيلة يعرفون بلواتة ينزلون بسيط تاكرارت من أعمالها ويعتمرونها فدنا لمرارعهم ومسارح لانعامهم ومشيختهم لهذا العهد في ولد راجح بن صواب منهم وعليهم للسلطان جباية مفروضة وبعث مضروب هؤلاء المعروفون من بطون لواتة ولهم شعوب أخرى كثيرة اندرجوا في البطون وتوزعوا بين القبائل والله وارث الارض ومن عليها { الخبر عن بنى فاتن من ضريسة احدى بطون البرابرة البتر وتصاريف أحوالهم } وهم بطون مضغرة ولماية وصدينة وكرمية ومديونة ومغيلة ومطماطة وملزوزة ومكناسة ودونة وكلهم من ولد فاتن بن ممصيب بن حريس بن زحيك بن مادغيس الابتر ولهم ظهور من البرابر واخبار نسردها بطنا بطنا إلى آخرها مصغرة وهم من أوفر هذه الشعوب وكانوا خصاصين آهلين وكان جمهورهم بالمغرب منذ عهد الاسلام نشبوا في نشر الردة وضروبها وكان لهم فيها مقامات ولما استوسق الاسلام في البربر أجازوا إلى فتح الاندلس وأجازت منهم أمم واستقروا هنا لك ولما سرى دين الخارجية في البربر أخذ مضغرة هولاء برأى الصفرية وكان شيخهم ميسرة ويعرف بالجفير مقدما فيه ولما ولى عبيد الله بن الحجاب على افريقية من قبل هشام بن عبد الملك وأمره أن يمضى إليها من مصر فقدمها سنة اربع عشرة واستعمل عمر بن عبد الله المرادى على

[ 119 ]

طنجة والمغرب الاقصى وابنه اسمعيل على السوس وما وراءه واتصل أمر ولائهم وسار سيرتهم في البربر نقموا عنهم أحوالهم وما كانوا يطالبونهم به من الوظائف البربريات والاردية العسلية الالوان وأنواع طرف المغرب فكانوا يتغالون في جمعهم ذلك وانتحاله حتى كانت الصرمة من الغنم تهلك بالذبح لاتخاذ الجلود العسلية من سخالها ولا يوجد فيها مع ذلك الا الواحد وما قرب منه فكثر عيثهم بذلك في اموال البربر وجورهم عليهم وامتعض لذلك ميسرة الحسن زعيم مضغرة الحسن وحمل البرابرة على الفتك بعمر بن عبد الله عامل طنجة فقتلوه سنة خمس وعشرين وولى ميسرة مكانه عبد الاعلى من خديم الافريقى الرومي الاصل كان من موالى العرب واصل خارجيتهم وكان يرى رأى الصفرية فولاه ميسرة على طنجة وتقدم إلى السوس فقتله عامله اسمعيل ابن عبد الله واضطرم المغرب نارا وانتقض أمره على خلفاء المشرق فلم يراجع طاعتهم بعد وزحف بعض الحجاب إليه من القيروان في العساكر على مقدمة خالد بن أبى حبيب الفهرى فلقيهم ميسرة في جموع البرابرة فهزم المقدمة واستلحمهم وقتل خالد وتسامع البربر بالاندلس بهذا الخبر فشاروا بعاملهم عقبة بن الحاج السلولى وعزلوه وولوا عبد الملك بن قطر الفهرى وبلغ الخبر بذلك إلى هشام بن عبد الملك فسرح كلثوم بن عياض المرى في اثنى عشر الفا من جنود الشام وولاه على افريقية وأدال به من عبيد الله بن الحجابى وزحف كلثوم إلى البرابرة سنة ثلاث وعشرين حتى انتهت مقدمته إلى اسبو من أعمال طنجة فلقيه البرابرة هنا لك مع ميسرة وقد فحصوا عن أوساط رؤسهم وقادوا امعاد الخارجية فهزموا مقدمته ثم هزموه وقتلوه وكان كيدهم في لقائهم اياه وملؤا الشنان بالحجارة وربطوها بأذناب الخيل يفادى بها فتقعقع الحجارة في شنانها وسربت بمصاف العساكر من العرب فنفرت خيولهم واختل مصافهم وانحزب عليهم المرية فافترقوا وذهب ملح مع الطلائع من أهل الشام إلى سبتة كما ذكرناه في أخبارهم ورجع إلى القيروان أهل مصر وافريقية وظهرت الخوارج في كل جهة واقتطع المغرب عن طاعة الخلفاء إلى ان هلك ميسرة وقام برياسة مضغرة من بعده يحيى بن حارث منهم وكان خلفا لمحمد بن خزر ومغراوة ثم كان من بعد ذلك ظهور ادريس بالمغرب فقدم بها البرابرة وتولى كبرها واربه منهم كما ذكرناه وكان على مضغرة يومئذ شيخهم بهلول بن عبد الواحد فانحرف مالك عن ادريس إلى طاعة هرون الرشيد بمداخله ابراهيم بن الاغلب عامل القيروان فصالحه ادريس وأنبأه بالسلم ثم ركد ريح مضغرة من بعد ذلك وافترق جمعهم وجرت الدول عليهم اذيالها واندرجوا في عمال البربر الغارمين لهذا العهد بتلول المغرب وصحرائه فمنهم ما بين فاس وتلمسان أمم

[ 120 ]

يتصلون بكومية ويدخلون حلفهم واندرجوا من لدن الدعوة الموحدية منهم ورياستهم لولد خليفة كان شيخهم على عهد الموحدين وبنى لهم حصنا بمواطنهم على ساحل البحر سمى تاونت ولما انصرفت دولة بنى عبد المؤمن واستولى بنو مرين على المعرب قام يعرون بن موسى بن خليفة بدعوة يعقوب بن عبد الحق سلطانهم وتغلب على ندرومة وزحف إليه يغمراسن بن زيان فاسترجع ندرومة من يده وغلبه على ما رتب ثم زحف يعقوب بن عبد الحق إليهم وأخذها من أيديهم وشحنها بالاقوات واستعمل يعرون ورجع إلى المغرب محمد بن هرون نفسه بالاستبداد فدعا لنفسه معتصما بذلك الحصن خمس سنين ثم صاهره يغمراسن وأسدله على صلح سنة ثنتين وسبعين وستمائة ولحق هرون بيعقوب بن عبد الحق ثم أجاز إلى الجهاد فأذنه واستشهد هنا لك وقام بأمر مضغرة من بعده أخوه تاشفين إلى ان هلك سنة ثلاث وسبعمائة واتصلت رياستهم على عقبه لهذا العهد ومن قبائل مضغرة أمة بجبل قبلة فاس معروف بهم ومنهم أيضا قبائل كثيرون بنواحي سلجماسة وأكثر أهلها منهم وربما حدثت بها عصبية من جراهم ومن قبائل مضغرة أيضا بصحراء المغرب كثيرون نزلوا بقصورها واغترسوا شجرة النخل على طريقة العرب فمنهم بتوات قبلة سجلماسة إلى تمنطيت اخر عملها قوم كثيرون موطنون مع غيرهم من أصناف البربر ومنهم في قبلة تلمسان وعلى ستة مراحل منها وهى قصور متقاربة بعضها من بعض ائتلف منها مصر كبير مستبحر بالعمران البدوى معدود في آحاد الامصار بالصحراء ضاح من ظل الملك والدول لبعده في القفر ورياسته في بنى سيد الملك منهم وفى شرقيها وعلى مراحل منها قرى أخرى متتابعة على سمتها متصاعدة قليلا إلى الجوف آخرها على مرحلة من قبلة جبل راشد وهى في مجالات بنى عامر من زغبة وأوطانهم من القفر وقد تملكوها لحظ أبنائهم وقضاء حاجاتهم حتى نسبت إليهم في الشهرة وفى جهة الشرق على هذه القصور وعلى خمس مراحل منها دامعة متوغلة في القفر تعرف بقليعة والى يعتمرها رهط من مضغرة هؤلاء وينتهى إليها المنتهى من أهل الصحراء بعض السنين إذا لفحهم الهجير يستبردون في تلولها لتوغلها في ناحيتهم ومن مضغرة هؤلاء اوزاع في أعمال المغرب الاوسط وافريقية ولله الخلق جميعا * (لماية) * وهم بطون كما ذكرناه أخوه مضغرة ولهم بطون كثيرة عد منها سابق وأصحابه هو زكرمار مزيزة ومليزة بنو مدنيين كلهم من لماية وكانوا ظواعن بافريقية والمغرب وكان جمهورهم بالمغرب الاوسط موطنين بسحومة مما يلى الصحراء ولما سرى دين الخارجية في البربر أخذوا برأى الاباضية ودانوا به وانتحلوه

[ 121 ]

وانتحله جيرانهم من مواطنهم تلك من لواتة وهوارة وكانوا بارض السرسو قبلة منداس وزواغة الغرب عنهم وكانت مطماطة ومكناسة وزناتة جميعا في ناحية الجوف والشرق فكانوا جميعا على ناحية الخارجية وعلى رأى الاباضية منهم وكان عبد الرحمن بن رستم من مسلمة الفتح وهو من ولد رستم أمير الفرس بالقادسية وقدم إلى افريقية مع طوالع الفتح فكان بها وأخذ بدين الخارجية والاباضية منهم وكان صنيعة للمتة وحليفا لهم ولما تحزب الاباضية بناحية طرابلس منكرين على ورفجومة فعلهم في القيروان كما مر واجتمعوا إلى ابن الخطاب عبد الاعلى بن السمح المغافرى امام الاباضية فملكوا طرابلس ثم ملكوا القيروان وقتل واليها مرون بحومة عبد الملك بن أبى الجعد وأثخنوا في ورفجومة وسائر مغراوة سنة احدى وأربعين ورجع أبو الخطاب والاباضية الذين معه من زناتة وهوارة وغيرهم بعد ان استخلف على القيروان عبد الرحمن بن رستم وبلغ الخبر بفتنة ورفجومة هذه واضطراب الخوارج من البربر بافريقية والمغرب وتسلقهم على الكرسي للامارة بالقيروان إلى المنصور أبى جعفر فسرح محمد بن الاشعث الخزاعى في العساكر إلى افريقية وقلده حرب الخوارج بها فقدمها سنة أربع وأربعين ولقيهم أبو الخطاب في جموعه قريبا من طرابلس فأوقع به ابن الاشعث وبقومه وقتل أبو الخطاب وطار الخبر بذلك إلى عبد الرحمن بن رستم بمكان امارته في القيروان فاحتمل أهله وولده ولحق باباضية المغرب الاوسط من البرابرة الذين ذكرناهم ونزل على لماية لقديم حلف بينه وبينهم فاجتمعوا إليه وبايعوا له بالخلافة واسفروا في مدينة منصور بها كرسى لامارتهم فشرعوا في بناء مدينة تاهرت في سفح جبل كزول السياح على تلول منداس واختطوها على وادى ميناس النابعة منه عيون بالقبلة وتمر بها وبالبطحاء إلى أن تصب في وادى شلف فأسسها عبد الرحمن بن رستم واختطها سنة أربع وأربعين ومائة فمدنت واتسعت خطتها إلى أن هلك عبد الرحمن وولى ابنه عبد الوهاب من بعده وكان رأس الاباضية وزحف سنة ست وسبعين مع هوارة إلى طرابلس وبها عبد الله بن ابراهيم بن الاغلب من قبل أبيه فحاصره في جموع الاباضية من البربر إلى أن هلك ابراهيم بن الاغلب واستقدم عبد الله بن الاغلب لامارته بالقيروان فصالح عبد الوهاب على أن تكون الصباحية لهم وانصرف إلى مقوسة ولحق عبد الله بالقيروان وولى عبد الوهاب ابنه ميمونا وكان رأس الاباضية والصفرية والواصلية وانصرف إلى مقوسة والصفرية والواصلية وكان يسلم عليه بالخلافة وكان أتباعه من الواصلية وحدهم ثلاثين ألفا ظواعن ساكنين بالخيام ولم يزل الملك في بنى رستم هؤلاء بتاهرت وحازتهم جيرانهم من

[ 122 ]

مغراوة وبنى يفرن على الدخول في طاعة الادارسة لما ملكوا تلمسان وأخذت بها زناتة من لدن ثلاث وسبعين ومائة فامتنعوا عليهم سائر أيامهم إلى ان كان الاستيلاء إلى عبد الله الشيعي على افريقية والمغرب سنة ست وسبعين فغلبهم على مدينة تاهرت وأسرهم ملكهم بها وبث دعوة عبد الله في أقطار المغربين فانقرض أمرهم بظهور هذه الدولة وعهد عروبة بن يوسف الكتامى فاتح المغرب للشيعة على تاهرت لابي حميد دراس بن صولان الهيصى فغدا إلى المغرب سنة ثمان وتسعين فأمحي في مؤامرتها الاباضية من لماية وازداجة ولواية ومكناسة ومطماطة وحملهم على دين الرافضة وشيخ بها دين الخارجية حتى استحكم في عقائدهم ثم وليها أيام اسمعيل المنصور بن صلاص بن حبوس ثم نزع إلى دعوة الاموية وراء البحر ولحق بالخير بن محمد بن حزر صاحب دعوتهم في زناتة واستعمل المنصور بعده على تاهرت ميسور الحصنى مولاه أحمد بن الرحالى من صنائعه فزحف إليها حميد والخير وانهزم ميسور واقتحموا تاهرت عنده وتعصبوا على أحمد الرحالى وميسور إلى ان أطلقوهما بعد حين ولم تزل تاهرت هذه بعد لاعمال الشيعة وصنهاجة سائر أيامهم وتغلب عليها زناتة مرارا ونازلها عسكر بنى أمية راجعة في اثر زيرى بن عطية أمير المغرب من مغراوة أيام أجاز المظفر بن أبى عامر من العدوة إلى حربه ولم يزل الشأن هذا إلى أن انقرض أمر تلك الدول وصار أمر المغرب إلى لمتونة ثم صار إلى دولة الموحدين من بعدهم وملكوا الفرس وخرج عليهم بنو غانية بناحية قابس ولم يزل يجئ منهم جلب على ثغور الموحدين وشن الغارات على بسائط افريقية والمغرب الاوسط وتكرر دخوله إليها عنوة مرة بعد أخرى إلى أن احتمل سكانها وخلا جوها وعفا رسمها لما تناهى عشرون من المائة السابعة والارض لله (وأما قبائل لماية) فانقرضوا وهلكوا بهلاك مصرهم الذى اختطوه وحازوه وملكوه سنة الله في عباده وبقيت فرق منهم اوزاعا في القبائل ومنهم جربة الذين سميت بهم الجزيرة البحرية تجاه ساحل قابس وهم بها لهذا العهد وقد كان النصرانية من أهل صقلية ملكوها على من بها من المسلمين وهى قبائل لماية وكتامة مثل جربة وسدويكس ووضعوا عليهم الجزبة وشيدوا على ساحل البحر بها معقلا كافيا سموه القشتيل وطال تمرس العساكر به من حضرة الدولة الحفصية حتى كان افتتاحها أعوام ثمان وثلاثين من المائة الثامنة في دولة مولانا السلطان أبى بكر وعلى يد مخلوف بن الكماد من صنائعه واستقرت بها الدعوة الاسلامية إلى هذا العهد الا أن القبائل الذين بها من البربر لم يزالوا يدينون بدين الخارجية ويتدارسون مذاهبهم مجلدات تشتمل على تآليف لانهم في توعر ديانتهم وأصول عقائدهم وفروع مذاهبهم يناقلونها

[ 123 ]

وبعكفون على دراستها وقراءتها والله خلقكم وما تعملون (مطماطة) وهم اخوة مضغرة ولماية من ولد فارس تمطيت الذين مر ذكرهم وهم شعوب كثيرة وعن سابق المطماطى وأصحابه من النسابة أن اسم مطماط مصكاب ومطماط أقتاله وأن شعوبهم من لو امن مطماطة وانه كان له ولد آخر اسمه واونشيط ولم يذكروا له عقبا قالوا وكان للوا أربعة من الولد ورماس وميلاغر ووريكول ويليص ولم يعقب يليص واعقب الثلاثة الباقون ومنهم افترقت شعوب مطماطة كلها فأما ورماس فمنه مصمود ويونس ونفرين وأما وريكول فكان له من الولد كلدام وسيده وقيدر ولم يعقب سيده ولا قيدر وكان لكلدام عصفراص وسليايان سافحان ووريقى ووصدى وقطسايان عمر ويقال لهؤلاء الخمسة بنو سمو بأمهم وكان لعصفراص زهاص ونهراص فمن عصفراص ورهل وحامد وسكوم ويقال لهم بنو تليكشان سموا بأمهم وكان من زهاص بلست وبصلاتين فمن بلست ورسقلاسن وسكر ومحمد ومكريل ودكوال ومريصلاسن بان يولى وسمساسن ومسامر وملوسن ويحمد ونافع وعبد الله وعردابين واما يلاعب بن لوابن مطماط فكان له من الولد دحيا وتاينة فمن تاينة ما حرسكن وريغ وعجلان ومقام وقرة وكان لدحيا ورتجى ومحديل فمن ورتجى مغرين وبور ورسيكم وممجيس ومن محديل ماكور وأشول وكفلان ومذكور وفطارة وأبورة هذه شعوب مطماطة كما ذكر نساية البربر سابق وأصحابه وهم مفرقون في المواطن فمنهم من نواحى من قبلتها في جبل هنا لك معروف بهم ما بين فاس وصفرو ومنهم بجهات قابس والبلد المختط على العين الحامية من جهة غربها منسوب إليهم ولهذا العهد يقال حمه مطماطة ويأتى ذكرها في الدولة الحفصية وممالك افريقية وبقاياهم أوزاع من القبائل وكانت مواطن جمهورهم بتلول منداس عند جبل وانشريس وجبل كزول من نواحى تاهرت ولهم بتلك المواطن عزم بدولة صنهاجة استفحل وصولة وفى فتنة حماد بن بلكن مع باديس المنصور مقامات وآيات وكان كبيرهم يومئذ عزانة وكان له مع البرابرة المجاورين له من لواتة وغيرهم حروب وأيام (ولما هلك) عزانة قام بأمره في مطماطة ابنه زيرى فمكث فيهم أياما ثم غلبت صنهاجة على أمره فأجاز البحر إلى العدوة ونزل على المنصور بن أبى عامر فاصطنعه ونظمه في طبقة الامراء من البربر الذين كانوا في جملته واستظهره على أمره فكان من أوجه رجالهم عنده وأعظمهم قدرا لديه إلى أن هلك واجراه ابنه المظفر من بعده وأخوه عبد الرحمن الناصر سيداها في ترفيع مكانه واخلاص ولايته وكان عند ثورة محمد بن هشام بن عبد الجبار غائبا مع أبى عامر

[ 124 ]

في أعراب النعمان مع من كان معه من أمراء البربر وعرفائهم فلما رأوا انتقاض أمره وسوء تدبيره لحقوا بمحمد بن هشام المهدى فكانوا معه إلى أن كانت الفتنة البربرية بالاندلس إلى ان هلك هنا لك ولا أدرى أي السنين كان مهلكه وأجاز إلى الاندلس أيضا من فصالهم بهلا بهلا من أبى لواى يصلاص ونزل على الناصر وهو من أهل العلم بانساب البربر (وكان من مشاهيرهم) أيضا النسابة سابق بن سليمان بن حراث بن مولات بن دوياسر وهو كبير نسابة البربر ممن علمناه (وكان منهم) أيضا عبد الله بن ادريس كاتب الخراج لعبيدالله المهدى في آخرين يطول ذكرهم اه‍ بان يولى بن يصلاس بن يرهاص بن عصفراس بن كلتام بن وريكول بن لو بن مطماط عرادي - عبد الله - نافع - مسامر - محديل - ناركسن بن ثابت - ورسملاسن واسكرى بن يحيلى بن دهيا بن يلاعف - كفلان - ماكور - باخرسن بن نابتة - سعدم فرب - قيدك - ولبخ - عجلان - مذكور - وابوره - بطاره - عجيس بن ورتجن - سكيم مفرين - لور - ورحيد - فلوس - تماس - دكران - سلف - محه - سالجان بن سليايان لسد مصصكوره - عمود - ريغى - نطسايان - وزدى - سليط - بلسيمسر - ورماكسن

[ 125 ]

وهذا ما تلقيناه من أخبار مطماطة (وأما موطن منداس) فزعم بعض الاخباريين من البربر ووقفت على كتابه في ذلك انه سمى بمنداس بن مغر بن أوريغ بن لهرر بن المساو وهو هوارة وكانه والله أعلم بشير إلى اداس بن زحيك الذى يقال انه ربيب هوار كما يأتي في ذكرهم الا أنه اختلط عليه الامر وكان لمنداس من الولد شرارة وكلتوم وتبكم قال ولما استفحل أمر مطماطة وكان شيخهم لهذا العهد ارهاص بن عصفراص فأخرج منداس من الوطن وغلبه على أمره واعتمر بنوه موطن منداس ولم يزالوا به اه‍ كلامه ولقيه هؤلاء القوم لهذا العهد بجبل أو تبتيش لحقوا به لما غلبهم بنو توجين من زناتة على منداس وصاروا في عداد قبائل الغارمة والله وارث الارض ومن عليها * (مغيلة) * وهم اخوة مطماطة ولماية كما قلناه واخوتهم ملزورة معدودون منهم وكذلك دونة وكشانة ولهم افتراق في الوطن وكان منهم جمهوران أحدهما بالمغرب الاوسط عند مصب شلف في البحر من صوادر ما دونه المصر لهذا العهد ومن ساحلهم أجاز عبد الرحمن الداخل إلى الاندلس ونزل بالمنكب فكان منهم أبو قرة المغيلى الدائن بدين الصفرية من الخوارج ملك أربعين سنة وكانت بينه وبين امراء العرب بالقيروان لاول دولة بنى العباس حروب ونازل طبنة وقد قيل ان ابا قرة هذا من بنى مطماطة وهذا عندي صحيح فلذلك أخرت ذكر أخباره إلى أخبار بنى يفرن من زناتة (وكان) منهم أيضا أبو حسان ثار بافريقية لاول الاسلام وأبو حاتم يعقوب بن لبيب بن مرين ابن يطوفت من مازوز الثائر مع أبى قرة سنة خمسين ومائة وتغلب على القيروان فيما ذكر خالد بن خراش وخليفة بن خياط من علمائهم وذكروا من رؤسائهم أيضا موسى ابن خليد ومليح بن علوان وحسان بن زروال الداخل مع عبد الرحمن وكان منهم أيضا دلول بن حماد أميرا عليهم في سلطان يعلى بن محمد اليفرنى وهو الذى اختط تلك ايكرى على اثنى عشر ميلا من البحر وهى لهذا العهد خراب لم يبق منها الا الاطلال ماثلة ولم يبق من مغيلة بذلك الوطن جمع ولا حى وكان جمهورهم الآخر بالمغرب الاقصى وهم الذين تلوا مع أورية وصدينة القيام بدعوة ادريس بن عبد الله لما لحق بالمغرب واجازه وحملوا قبائل البربر على طاعته والدخول في أمره ولم يزالوا على ذلك إلى أن اضمحلت دولة الادارسة وبقاياهم لهذا العهد بمواطنهم ما بين فاس وصفرون ومكناسة والله وارث الارض ومن عليها * (مديونه) * وهم من اخوة مغيلة ومطماطة من ولد فاس كما قلناه وكانت مواطن جمهورهم بنواحي تلمسان ما بين جبل بنى راشد لهذا العهد إلى الجبل المعروف بهم قبلة وجدة يتقلبون بظواعنهم في ضواحيه وجهاته وكان بنو يلومى وبنو يفرن من قبلهم يحاورونهم من ناحية المشرق ومكناسة من ناحية

[ 126 ]

المغرب وكومية وولهاصة من جهة الساحل (وكان) من رجالاتهم المذكورين جرير بن مسعود كان أميرا عليهم وكان مع أبى حاتم وأبى قرة في فتنتهم وأجاز إلى الاندلس في طوالع الفتح كثير منهم فكان لهم هنا لك استفحال وخرج هلال بن ابزبا منهم يشتد به على عبد الرحمن الداخل مسعاسعا المكناسى في خروجه ثم راجع الطاعة فقتله وكتب له على قومه فكان بشرق الاندلس وسنتمرية ثم خلفه بها من قومه نابتة بن عامر ولما تغلب بنو توجين وبنو راشد من زناتة على ضواحي المغرب الاوسط وكان مديونة هؤلاء قد قل عددهم وفل حدهم فداخلتهم زناتة على الضواحى من مواطنهم وتملكوها وصارت مديونة إلى الحصون من بلاده بجبل ما ساله وجد وجده المعروف بهم وبنواحي ما بينها وبين صفروى قبيلة منهم مجاورة لمغيلة والله يرث الارض ومن عليها * (كومية) * وهم المعروفون قديما بصطفورة أحد مطاية ومضغرة وهم من ولد فاتن كما قدمنا ولهم ثلاث بطون منها تفرعت شعوبهم وقبائلهم وهى ندرومة ومغارة وبنو يلول فمن ندرومة مفوطة وحرسة ومردة ومصمانة ومراتة ومن بنى يلول مسيقة ورتيوة وهنشبة وهيوارة ووالغة ومن مغارة ملتيلة وبنو حباسة وكان منهم النسابة المشهور مانى بن مصدور بن مريس بن يعوط هذا هو المعروف في كتبهم وكانت مواطن أكدمية بالمغرب الاوسط سيف البحر من ناحية ارسكول وتلمسان وكان لهم كثرة موفوة وشوكة مرهوبة وصاروا من أعظم قبائل الموحدين لما ظاهروا المصامدة على أمر المهدى وكلمه لوجده وربما كانوا رهط عبد المؤمن صاحبه وخليفته فانه كان من بنى عابد احد بيوتاتهم وهم عبد المؤمن بن على بن مخلوف بن يعلى بن مروان بن نصر بن على بن عامر بن الاسر بن موسى بن عبد الله بن يحيى بن وريغ من صطفور هكذا نسبه مؤرخو دولة الموحدين إلى صطفور ثم يقولون صطفور بن يقور بن مطماط بن هودج بن قيس عيلان بن مضر ويذكر بعضهم أن في خط أبى عبد الواحد المخلوع ابن يوسف بن عبد المؤمن ما يدل على أنه مصنوع إذ هذه الاسماء ليست من أسماء البربر وانما هي كما تراه كلها عربية والقوم كانوا من البرابرة معروفون بينهم وانتساب مطفور إلى مطماط تخليط أيضا فانهما أخوان عند نسابة البربر أجمع وعبد المؤمن بلا شك منهم والله أعلم بما سوى ذلك وكان عبد المؤمن هذا من بيوتاتهم وأشرافهم وموطنهم بتاكرارت وهو حصن في الجبل المطل على هنين من ناحية الشرق ولما نحج عبد المؤمن منهم وثب وارتحل في طلب العلم فنزل بتلمسان وأخذ عن مشيختها مثل ابن صاحب الصلاة وعبد السلام البرنسى وكان فقيها يعد في فنونه وكان شيخ عصره في الفقه

[ 127 ]

والكلام يعطش التلميذ بعده إلى القراءة ومنهم الفقيه محمد بن تومرت المهدى ووصل إلى بجاية وكان يعرف إذ ذاك بالفقيه السوسى ونسبته إلى السوس ولم يكن لقب المهدى وضع عليه بعد وكان في ارتحاله من المشرق إلى المغرب قد أخذ نفسه مع تغيير المنكر الذى شانه وطريقته نشر العلم وتبيين الفتاوى وتدريس الفقه والكلام وكان له في طريقته الاشعرية امامة وقدم راسخة وهو الذى أدخلها إلى المغرب كما ذكرناه وتشوق طلبة العلم بتلمسان إلى الاخذ عنه وتفاوضوا في ذلك وندب بعضهم بعضا إلى الرحلة إليه لاستجلابه وأن يكون له السبق باتحاف القطر بعلومه فانتدب لها عبد المؤمن بن على فكأنه من صغر السن بنشاطة للسفر لبداوته فارتحل إلى بجاية للقائه وترغيبه في نزوله تلمسان فلقيه بملالة وقد استحكمت بينه وبين العزيز النفرة وبنو ورياكل متعصبون على اجارته منهم ومنعه من اذايته والوصول إليه فألقى إليه عبد المؤمن ما عنده من الترغيب وأدى إليه رسالة طلبة العلم بتلمسان وشأنه غير شأنهم وعكف عبد المؤمن على التعليم والاخذ عنه في ظعنه ومقامه وارتحل إلى المغرب في صحابته وصدق في العلم وآثره الامام بمزيد الخصوصية والقرب بما خصه الله به من الفهم والرعى للتعليم حتى كانه خالصة الامام وكنز صحابته وكان مؤمله لخلافته لما ظهر عليه من الشواهد المدونة بذلك ولما اجتازوا في طريقهم إلى المغرب بالثعالبة من موطن الغرب الذين ذكرناهم قبل في نواحى المدينة قربوا إليه حمارا فارها يتخذه له عطية لمركوبه فكان يؤثر به عبد المؤمن ويقول لاصحابه اركبوه الحمار يركبكم الخيول المسومة ولما بويع له هرغة سنة خمس عشرة وخمسمائة واتفقت على دعوته كلمة المصامدة وحاربوا لمتونة نازلوا مراكش وكانت بينهم في بعض أيام منازلتها حرب شديدة هلك فيها من الموحدين الالف فقيل للامام ان الموحدين قد هلكوا فقال لهم ما فعل عبد المؤمن قالوا هو على جواده الادهم قد أحسن البلاء فقال ما بقى عبد المؤمن فلم يهلك أحد ولما احتضر الامام سنة ثنتين وعشرين عهد بخلافته في أمره لعبد المؤمن واستراب من العصبية بين المصامدة فكتم موت المهدى وأرجى أمره حتى صرح الشيخ أبو حفص أمير هنتانة وكبير المصامدة لمصاهرته وأمضى عهد الامام فيه فقام بالامر واستبد شياخة الموحدين وخلافة المسلمين ونهض سنة سبع وثلاثين إلى فتح المغرب فدانت له غمارة ثم ارتحل منها إلى الريف ثم إلى بطوية ثم إلى مطالة ثم إلى بنى يزناسين ثم إلى مديونة ثم إلى كومية وجيرانهم ولهاصة وكانوا يلونهم في الكثرة فاشتد عضده بقومه ودخلوا في أمره وشايعوه على تمكين سلطانه بين الموحدين وخلافته ولما رجع إلى

[ 128 ]

المغرب وافتتح امصاره واستولى على مراكش استدعى قومه للرحلة إليها والعسكرة عليه بحب جمهورهم إلى المغرب واستوطن مراكش لحمل سرير الخلافة والقيام بأمر الدعوة والذب عن ثغورهم والمدافعة فاعتضد بهم عبد المؤمن وبنوه سائر الدولة وكانوا بمكانتهم فاتحة الكتاب وتداركه الجماعة وتقدموا في الفتوح والعساكر وأكلتهم الاقطار في تجهز الكتائب وتوزع الممالك فانقرضوا وبقى بمواطنهم الاولى بقايا منهم بنو عابد وهم في عداد القبائل القارمة قد انقلب زمانهم فأمهلهم فحملوا المغرم وألفوا نهوضهم بالتكاليف ونظموا مع جيرانهم ولهاصة في سوم الخسف والذل واقتضاء الخراج بالنكال والعذاب والله مبدل الامر ومالك الملك سبحانه { الخبر عن زواوة وزواغة من بطون ضرسة من البرابر البتر والالمام ببعض أحوالهم } هؤلاء البطون من بطون البرابرة البتر من ولد سمكان بن يحيى بن ضرى بن زحيك بن مادغيس الابتر وأقرب ما إليهم من البرابر زناته لان أباهم جاقا هو أخو سمكان ابن أبيه فلذلك كانوا ذوى قربى لهم * (زواوة) * فأما زواوة فهم من بطونهم وقد يقال ان زواوة من قبائل كتامة ذكر ذلك ابن حزم ونسابة البربر انما يعدونهم من ولد سمكان كما قلناه والصحيح عندي ما ذكره ابن حزم ويشهد له الموطن ونحلة الشيع مع كتامة لعبد الله وعد نسابة البربر ولهم بطون كثيرة بنو مجسطة وبنو مليكش من صنهاجة والله أعلم ومن قبائلهم المشهورة لهذا العهد بنو بحرو وبنو ما بكلات وبنو مترون وبنو مانى وبنو بو عردان وبنو تورغ وبنو بو يوسف وبنو عبسى وبنو بو شعيب وبنو صدقة وبنو غبرين وبنو كشطولة ومواطن زواوة بنواحي بجاية ما بين مواطن كتامة وصنهاجة أوطنوا عنها جبالا شاهقة متوعرة تنذعر منها الابصار ويضل في غمرها السالك مثل بنى غبرين بجبل زيرى وفيه شعراء من شجر الزان يشعر بها لهذا العهد ومثل بنى فرلوسن وبنى سراو جبلهم ما بين بجاية وتدلس وهو أعظم معاقلهم وأمنع حصونهم فلهم به الاعتزاز على الدول والخيار عليها في اعطاء المغرم مع أن كلهم لهذا العهد قد امتنع لساهمه واعتز على السلطان في ابناء طاعته وقانون مزاجه وكانت لهم في دولة صنهاجة مقامات مذكورة في السلم والحرب بما كانوا أولياء لكتامة وظهر أولهم على أمرهم من أول الدولة وقتل بادس بن المنصور في احدى وقائعه بهم وشيخهم رمرى ابن اجانا لاتهامه أباه عامر حماداتهم واختط بنو حماد بعد ذلك بجاية وتمرسوا بهم فانقادوا واذعنوا لهم إلى آخر الدولة واتصل اذعانهم إلى هذا العهد أيضا ويحملهم عليه الموثقون بمنعه خبالهم وكانت رياسة بنى يراين منهم في بنى عبد الصمد من بيوتاتهم

[ 129 ]

وكاتب عبد ثعلب السلطان أبو الحسن على المغرب الاوسط شيخة عليهم من بنى عبد الصمد هؤلاء اسمها شمسي وكان لها عشرة من الولد فاستفحل شأنها بهم وملكت عليهم أمرهم ولما تقبض السلطان أبو الحسن على ابنه يعقوب المكنى بأبى عبد الرحمن عندما فر من معسكره بمخنقه سنة ثمان أو سبع وثلاثين وسرح في أثره الخيالة فرجعوه واعتقله ثم قتله من بعد ذلك حسبما يذكر في أخبارهم لحق حينئذ بنى يراتن هؤلاء خازن من بطحة فموه عليهم باسمه وسند سمتاله ودعا إلى الخروج على ابنه بزعمه فشمرت شمسي هذه عزائمها في اجازته وحملت قومها على طاعته وسرب السلطان أبو الحسن أمواله في قومها وهما على السلامة فأبته ثم نمى إليها الخبر بمكره وتمويهه فنبذت إليه عهده وخرج عنها إلى بلاد العرب كما نذكر بعض ذلك في أخبارهم وقدمت على السلطان أبى الحسن في وفد من قومها وبعض بنيها فاستبلغ السلطان من تكريمها وأحسن صلتها وأجاز الوفد ورجعت بهم إلى موطنها ولم تزل الرياسة في هذا البيت * (زواغة) * وأما زواغه فلم يتأد الينا من أخبارهم وتصاريف أحوالهم ما نعمل فيه الاقلام ولهم ثلاثة بطون وهى دمر بن زواغ وهراوطيل بن زحيك بن زواغ وبنو ماخر تبغون من زواغة ومن دمرس سمكان وهم أوزاع في القبائل ومنهم بنواحي طرابلس مفترقون في براريها ولهم هالك الجبل المعروف بدمر وفى جهات قسنطينة أيضا رهط من زواغة وكذلك بجبال شلف هراوطيل منهم وبنواحي فاس آخرون ولله الخلق والامر { الخبر عن مكناسة وسائر بطون بنى ورصطف وما كان لمكناسة من الدول بالمغرب وأولية ذلك وتصاريفه } كان لورصطف بن يحيى وهو أخو جانا بن يحيى وسمكان بن يحيى ثلاثة من البطون وهم مكناسة وورتناجة واوكته ويقال مكنه وبنو ورتناجة أربعة بطون سدرجة ومكسه ومطاسة وكرسطه وزاد سابق وأصحابه في بطونهم هناطة وفولالة وكذلك عدوا في بطون مكنه بنى درطين وبنى فولالين وبنى يزين وبنى جرين وبنى بو عال ولمكناسة عندهم أيضا بطون كثيرة منها وصولات وبوحاب وبنو ورفلاس وبنو وردنوس وقيصاره ونبعه وورقطنة وبطون ورصطف كلهم مندرجون في بطون مكناسة وكانت مواطنهم على وادى ملوية من ولدن أعلاه سجلماسة إلى مصبه في البحر وما بين ذلك من نواحى تازا وتسول وكانت رياستهم جميعا في بنى ابا يرون واسمه مجدول بن ناقريس بن فراديس ابن ونيف بن مكناس وأجاز منهم إلى العدوة عضد الصلح أمم وكانت لهم بالاندلس رياسة وكثرة وخرج منهم على عبد الرحمن الداخل شعيا بن عبد الواحد سنة احدى وخمسين واعتصم يستم به ودعا لنفسه منتسبا إلى الحسن بن على ويسمى عبد الله بن محمد

[ 130 ]

يلقب الشيعة ومصاله بن حبوس من منازل اتصل بعبيد الله الشيعي وكان من آعظم فواده وأوليائه رولاه بالغرب وافتتح له المغرب وفاس وسجلماسة ولما هلك أقام أخاه برصلتين بن حبوس مقامه في ولاية تاهرت والمغرب ثم هلك وأقام ابنه حميدا مقامه فانحرف عن الشيعة ودعا لعبد الرحمن الناصر واجتمع مع بنى حرزا من أحرازه على ولايته المروانية ثم أجاز إلى الاندلس وولى الولايات أيام الناصر وابنه الحكم وولى في بعضها تلمسان بدعوتهم ثم هلك وأقام ابنه لرصل بن حميد وأخوه يباطن ابن برصلتين وعلى ابن عمه من ماله في ظل الدولة الاموية إلى أن أجاز المظفر بن أبى عامر إلى المغرب فولى يصل بن حميد سجلماسة كما نذكر ثم رياسة مكناسة بالعدوة انقسمت في بنى أبى نزول وانقسمت مسايل مكناسة بانقسامها وصارت رياسة مكناسة في مواطن سجلماسة وما إليها من بنى واسول بن مصلان بن أبى نزول ورياسة مكناسة بجهات تازا وتوسول وملوية ومليله لبنى أبى العافية بن أبى نائل بن أبى الضحاك بن أبى نزول ولكل واحد من هذين الفريقين في الاسلام دولة ولمطان صاروا به في عداد الملوك كما نذكره * (الخبر عن دولة بنى واسول ملوك سجلماسة وأعمالها من مكناسة) * كان أهل مواطن سجلماسة من مكناسة يدينون لاول الاسلام بدين الصفرية من الخوارج لقنوه عن أئمتهم ورؤسهم من المغرب لما لحقوا من المغرب وأسروا على الامتناع وماجت أقطار المغرب لفتنة ميسرة فلما اجتمع على هذا المذهب زهاء أربعين من رجالاتهم نقضوا طاعة الحفاد وولوا عليهم عيسى بن يزيد الاسود من موالى العرب ورؤس الخوارج واختطوا مدينة سجلماسة لاربعين ومائة من الهجرة ودخل سائر مكناسة من أهل تلك الناحية في دينهم ثم سخطوا أميرهم عيسى ونقموا عليه كثيرا من أحواله فشدوه كفاحا ووضعوه على قنة جبل إلى أن هلك سنة خمس وخمسين واجتمعوا بعده على كبيرهم أبى القاسم سمكو بن واسول بن مصلان بن أبى نزول كان أبو ه يتحقق من حملة العلم ارتحل إلى المدينة فادرك التابعين وأخذ عن عكرمة مولى بن عباس ذكره عريب بن حميد في تاريخه وكان صاحب ماشية وهو الذى بايع لعيسى ابن يزيد وحمل قومه على طاعته فبايعوه من بعده وقاموا بأمره إلى أن هلك سنة سبع وستين ومائة لمنتهى عشر سنين من ولايته وكان أباضيا صفريا وخطب في عمله للمنصور والمهدى من بنى العباس ولما هلك ولوا عليهم ابنه الياس وكان يدعى بالوزير ثم انتقضوا عليه سنة أربع وتسعين فخلعوه وولوا مكانه أخاه اليسع بن أبى القاسم وكسه بن منصور فلم يزل أميرا عليهم وبنى سور سجلماسة لاربع وثلاثين سنة من ولايته وكان صفريا وعلى عهده استفحل ملكهم بسجلماسة وهو الذى أتم بناءها وتشييدها واختط بها

[ 131 ]

المصانع والقصور وانتقل إليها آخر المائة الثانية ودوخ بلاد الصغرا وأخذ اقلمس من معادن درعة وأصهر لعبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت بابنه مدرار في ابنته أروى فانكحه اياها ولما هلك سنة ثمان ومائتين ولى بعده ابنه مدرار ولقبه المنتصر وطال أمر ولايته وكان له ولدان اسم كل واحد منهما ميمون أحدهما لا روى بنت عبد الرحمن بن رستم وقيل ان اسمه أيضا عبد الرحمن والآخر لبغى وتنازع في الاستبداد على أبيه ودامت الحرب بينهما ثلاث سنين وكانت لابيهما مدرار صاغية إلى أن اردى فجال معه حتى غلب فاخذه وأخرجه عن سجلماسة ولم يلبث أن خلع أباه واستبد بأمره ثم ساءت سيرته في قومه ومدينته فخلعوه وصار إلى درعة وأعادوا مدرارا إلى أمره ثم حدث نفسه باعادة ابنه ميمون بن الرستمية إلى امارته بصاغية إليه فخلعوه ورجعوا ابنه ميمونا من البغى وكان يعرف بالامير ومات مدرار اثر ذلك سنة ثلاث وخمسين لخمس وأربعين من ملكه وأقام ابنه ميمون في استبداده إلى أن هلك سنة ثلاث وستين وولى ابنه محمد وكان أباضيا وتوفى سنة سبعين فولى اليسع بن المنتصر وقام بأمره ولحق عبيد الله الشيعي وابنه وأبو القاسم بسجلماسة لعهده وأوعد المعتضد إليه في شأنهما وكان على طاعته فاستراب بهما وحبسهما إلى أن غلب الشيعي بنى الاغلب وملك رقاده فزحف إليه لاستخرج عبيد الله وابنه من محبسه وخرج إليه اليسع في قومه مكناسة فهزمه أبو عبد الله الشيعي واقتحم عليه سجلماسة وقتله سنة ست وتسعين واستخرج عبيد الله وابنه من محبسهما وبيع لهما وولى عبيد الله المهدى على سجلماسة ابراهيم بن غالب المراسى من رجالات كتامة وانصرف إلى افريقية ثم انتقض أمراء سجلماسة على واليهم ابراهيم فقتلوه ومن كان معه من كتامة سنة ثمان وتسعين وبايعوا الفتح بن ميمون الامير ابن مدرار ولقبه واسول وميمون ليس هو ابن البغى الذى تقدم ذكره وكان أباضيا وهلك قريبا من ولايته لرأس المائة الثالثة فولى أخوه أحمد واستقام أمره إلى أن زحف مصالة بن حبوس في جموع كتامة ومكناسة إلى المغرب سنة تسع وثلثمائة فدوخ المغرب وأخذهم بدعوة صاحبه عبيد الله المهدى وافتتح سجلماسة وتقبض على صاحبها أحمد بن ميمون بن مدرار وولى عليها ابن عمه المعتز بن محمد ابن ساور بن مدرار فلم يلبث ان استبد وبلغها المعتز وهلك سنة احدى وعشرين قبيل ملك المهدى وولى من بعده ابنه أبو المنتصر محمد بن المعتز فمكث عشرا ثم هلك وولى من بعده ابنه المنتصر سمكو شهرين وكانت جدته تدبر أمره لصغره ثم ثار عليه ابن عمه محمد ابن الفتح بن ميمون الامير وتغلب عليه وشغب عليه بنو عبيد الله لفتنة ابن أبى العافية وتاهرت ثم نقلته إلى أبى يزيد بعدهما فدعا محمد بن الفتح لنفسه بحواعا بالدعوة لبنى

[ 132 ]

العباس وأخذ بمذاهب أهل السنة ورفض الخارجية ولقب الشاكر بالله واتخذ السكة باسمه ولقبه وكانت تسمى الدراهم الشاكرية كذا ذكره ابن حزم وقال فيه وكان غاية العدل حتى إذا فزع له بنو عبيد وحمت الفتنة زحف جوهر الكاتب أيام المعز لدين الله في جموع كتامة وصنهاجة وأوليائهم إلى المغرب سنة سبع وأربعين فغلب على سجلماسة وملكها وفر محمد بن الفتح إلى حصن تاسكرات على أميال من سجلماسة وأقام به ثم دخل سجلماسة متنكرا فعرفه رجل من مضغرة وأنذر به فتقبض عليه جوهر وقاده أسيرا إلى القيروان مع أحمد بن بكر صاحب فاس كما نذكره وقفل إلى القيروان فلما انتقض المغرب على الشيعة وفشت بدعة الامية وأخذ زناتة بطاعة الحكم المنتصر ثار بسجلماسة فاتم من ولد الشاكر وباهى المنتصر بالله ثم وثب عليه أخوه أبو محمد سنة ثنتين وخمسين فقتله وقام بالامر مكانه وبلغها المعتز بالله وأقام على ذلك مدة وأمر مكناسة يومئذ قد تداعى إلى الانحلال وأمر زناتة قد استفحل بالمغرب عليهم إلى أن زحف حرزون بن فلفول من ملوك مغراوة إلى سجلماسة سنة ست وستين وأبرز إليه أبو محمد المعتز فهزمه حرزون وقتله واستولى على بلده وذخيرته وبعث برأسه إلى قرطبة مع كتاب الفتح وكان ذلك لاول حجابة المنصور بن أبى عامر فنسب إليه واحتسب له لحدا بقبة وعقد لحرزون على سجلماسة فأقام دعوة هشام بأنحائها فكانت أول دعوة أقيمت لهم بالامصار في المغرب الاقصى وانقرض أمر بنى مدرار ومكناسة من المغرب أجمع وأدال منهم بمغراوة وبنى يفرن حسبما يأتي ذكرهم في دولتهم والامر لله وحده وله البقاء سبحانه وتعالى

[ 134 ]

{ الخبر عن دولة بنى أبى العافية ملوك تسول من مكناسة وأولية أمرهم وتصاريف أحوالهم } كان مكناسة من أهل مواطن ملوية وكرسيف ومليلة وما إليها من التلول بنواحي تازا وتسول والكل يرجعون في رياستهم إلى بنى أبى باسل بن أبى الضحاك بن أبى نزول وهم الذين اختطوا بلد كرسيف ورباط تازا ولم يزالوا على ذلك من أول الفتح وكانت رياستهم في المائة الثلالثة لمصالة بن حبوس وموسى بن أبى العافية بن أبى باسل واستفحل أمرهم في أيامه وعظم سلطانهم وتغلبوا على قبائل البربر بأنحاء تازا إلى الكاى وكانت بينهم وبين الادارسة ملوك المغرب لذلك العهد فتن وحروب وكانوا يقتلونهم على كثير من ضواحيها لما كان نزل بدولتهم من الهرم ولما استولى عبيد الله على المغرب واستفحل أمره كانوا من أعظم أوليائه وشيعه وكان مصالة بن حبوس من أكبر قواده لانحياشه إليه وولاه على مدينة تاهرت والمغرب الاوسط ولما زحف مصالة إلى المغرب الاقصى سنة خمس وثلثمائة واستولى على فاس وعلى سجلماسة وفرغ من شأن المغرب واستنزل يحيى بن ادريس من امارته بفاس إلى طاعة عبيد الله وأبقاه أميرا على فاس عقد حينئذ لابن عمه موسى بن أبى العافية آمير مكناسه على سائر ضواحي المغرب وأمصاره مضافة إلى عمله من قبل تسول وتازا وكرسيف وقبل مصالة إلى القيروان وقام موسى بن أبى العافية بأمر المغرب وناقضه يحيى بن ادريس صاحب فاس لما يظعن له من المظاهرة عليه فلما عاود مصالة غرق المغرب سنة تسع أنزل ابن أبى العافية يحيى بن ادريس فتقبض عليه واستصفاه وطرده عن عمله فلحق ببنى عمه بالبصرة والريف وولى مصالة على فاس ريحان الكتامى وقفل إلى القيروان فهلك وعظم ملك ابن أبى العافية بالمغرب ثم ثار بفاس سنة ثلاث عشرة الحسن بن محمد بن القاسم بن ادريس وكان مقداما شجاعا وتلفت لطعنه في المحاجر دخل فاس على حين غفلة من أهلها وقتل ريحان واليها واجتمع الناس على بيعته ثم خرج لقتاله ابن أبى العافية فتزاحفوا لحفص بفحص إذا ماد بين تازا وفاس ويعرف لهذا العهد بوادي المطاحن واشتدت الحرب بينهم وهلك منهال بن موسى بن أبى العافية في الفتن من مكناسة ثم كانت العاقبة لهم وانفض عسكر الحسن ورجع مفلولا إلى فاس فغدر به عامله على عدوة القرويين حامد ابن حمدان الهمداني واستمكن من عاقله واستحث ابن أبى العافية للقدوم وأمكنه من البلد وزحف إلى عدوة الاندلس فملكها وقتل عاملها عبد الله بن ثعلة بن محارب ابن محمود وولى مكانه أخاه محمدا وطالب حامدا بصاحبه الحسن فدس إليه حامد بالفرار تجافيا عن دعاء أهل البيت وتدلى الحسن من السور فسقط وانكسر ساقه

[ 135 ]

ومات مستخفيا بعدوة الاندلس لثلاث ليال منها وحذر حامد من سطوة أبى العافية فلحق بالمهدية واستولى ابن أبى العافية على فاس والمغرب أجمع وأجلى الادارسة عنهم وألجأهم إلى حصنهم بقلعة حجر النسر مما يلى البصرة وحاصرهم بها مرارا ثم خرجت العساكر وخلف فيهم قائده أبا الفتح فحاصرهم ونهض إلى تلمسان سنة تسع عشرة بعد ان استخلف على المعرب الاقصى ابنه مدين وأنزله بعدوة القرويين واستعمل على عدوة الاندلس طول بن أبى يزيد وعزل بن محمد بن ثعلبة وزحف إلى تلمسان فملكها وغلب عليها صاحب الحسن بن أبى العيش بن عيسى بن ادريس بن محمد ابن سليمان من عقب سليمان بن عبد الله أخى ادريس الاكبر الداخل إلى المغرب بعده فغلب موسى بن أبى العافية الحسن على تلمسان وأرعجه عنها إلى مليلة من جزائر ملوية ورجع إلى فاس وقد كان الخليفة الناصر لما فشت دعوته بالمغرب خاطبه بالمقاربة والوعد فسارع إلى اجابته ونقض طاعة الشيعة وخطب للناصر على منابر عمله فسرح إليه عبد الله المهدى قائده ابن أخى مصالة وهو حميد بن يصلت المكناسى قائد تاهرت فزحف في العساكر إلى حرمه سنة احدى وعشرين ولقيه موسى بن أبى العافية بفحص مسون فتزاحفوا أياما ثم لقيه حميد فهزمه ولحق ابن أبى العافية بتسول فامتنع بها وأفرج قائده أبو الفتح عن حصن الادارسة فاتبعوه وهزموه ونهبوا معسكره ثم نهض حميد إلى فاس ففر عنها أعزل بن موسى إلى ابنه واستعمل عليها حامد بن حمدان كان في جملته وقفل حميد إلى افريقية وقد دوخ المغرب ثم انتقض أهل المغرب على الشيعة بعد مهلك عبيد الله وثار أحمد بن بكر بن عبد الرحمن بن سهل الجذامي على حامد بن حمدان فقتله وبعث برأسه إلى ابن أبى العافية فأرسله إلى الناصر بقرطبة واستولى على المغرب وزحف ميسور الخصى قائد أبى القاسم الشيعي إلى المغرب سنة ثلاث وعشرين وخام ابن أبى العافية عن لقائه واعتصم بحصن الكاى ونهض ميسور إلى فاس فحاصرها واستنزل أحمد بن بكر عاملها ثم تقبض عليه وأشخصه إلى المهدية وبدر أهل فاس بغدره فامتنعوا وقدموا على أنفسهم حسن بن قاسم اللواتى وحاصرهم ميسور مدة حتى رغبوا إلى السلم واشترطوا على أنفسهم الطاعة والاتاوة فتقبل ميسور ورضى وأقر حسن بن قاسم على ولايته بفاس وانحل إلى حرب بن أبى العافية فكانت بينهما حروب إلى أن غلبه ميسور فتقبض على ابنه الغورى وغربه إلى المهدية وأجلى موسى بن أبى العافية عن أعمال المغرب إلى نواحى ملوية ووطاط وما وراءها من بلاد الصحراء وقفل إلى القيروان ولما مر بارشكول خرج إليه صاحبها ملاطفا له بالتحف وهو ادريس بن ابراهيم من ولد سليمان بن عبد الله أخى ادريس الاكبر فتقبض عليه واصطلم نعمته

[ 136 ]

وولى مكانه أبا العيش بن عيسى منهم وأغذ السير لى القيروان سنة أربع وعشرين ورجع موسى بن أبى العافية من الصحراء إلى أعماله بالمغرب فملكها وولى على الاندلس أبا يوسف بن محارب الازدي وهو الذى مدن عدوة لاندلس وكانت حصونا وأجمل موسى بن أبى العافية قلعة كرماط وخاطب الناصر فبعث إليه مددا من أسطوله وزحف إلى تلمسان ففر عنها أبو العيش واعتصم بارشكول عبارله وغلبه عليها سنة خمس وعشرين ولحق أبو العيش بتكور واعتصم بالقلعة التى بناها هنا لك لنفسه ثم زحف ابن أبى العافية إلى مدينة تنكور فحاصرها مدة ثم تغلب عليها وقتل صاحب عبد البديع بن صالح وخرب مدينتهم ثم سرح ابنه مدين في العساكر فحاصر أبا العباس بالقلعة حتى عقد له السلم عليها واستفحل أمر ابن أبى العافية في المغرب الاقصى واتصل عمله بعمل محمد بن خزر ملك مغراوة وصاحب المغرب الاوسط وبثوا دعوة الاموية في أعمالها وبعث ابنه مدين بأمره في قومه وعقد له الناصر على أعمال ابنه بالمغرب واتصلت يده بيد الخير بن محمد كما كان بين آبائهما ثم فسد ما بينهما وتزاحفا للحرب وبعث الناصر قاضيه مقدر بن سعد لمشارفة أحوالهما واصلاح ما بينهما فتم ذلك كما أراده ولحق به سنة خمس وثلاثين أخوه البورى فارا من عسكر المنصور مع أحمد بن بكر الجذامي عامل فاس بعد أن لحق بالبريد فسار أحمد بن أبى بكر إلى فاس وأقام بها متنكرا إلى ان وثب بعاملها حسن بن قاسم اللواتى وتخلى له عن العمل وصار البورى إلى أخيه مدين واقتسم أعمال ابنه معه ومع ابنه الآخر منقذ فكانوا ثلاث الاثافي وأثار الثوري إلى الناصر سنة خمس وأربعين فعقد الناصر لابنه منصور على عمله وكانت وفاته وهو محاصر لاخيه مدين بفاس وأجاز ابناه أبو العيش ومنصور إلى الناصر فاجزل لهما الكرامة على سنن أبيها ثم هلك مدين فعقد الناصر لاخيه أبى منقذ على عمله سنة ثم غلب مغراوة على فاس وأعمالها واستفحل أمرهم بالمغرب وأزاحوا مكناسة عن ضواحيه وأعماله وساروا إلى مواطنهم وأجاز اسمعيل بن الثوري ومحمد بن عبد الله بن مرين إلى الاندلس فنزلوا بها إلى أن جازوا مع واضح أيام المنصور كما مر عندما نهض زيرى بن عطية طاغيتهم سنة ست وثمانين فملك واضح المغرب ورجعهم إلى أعمالهم وتغلب ملكين بن زيرى على المغرب الاوسط وغلب عليه ملوكة بن خزر من مغراوة فاتصلت يد مكناسة ولم يزالوا في طاعة بنى مزيدى ومظاهرتهم وهلك اسمعيل بن الثوري في حروب حماد مع باديس بشلف سنة خمس وأربعمائة وتوارث ملكهم في اعقاب موسى إلى أن ظهرت دولة المرابطين وغلب يوسف بن تاشفين على أعمال المغرب فزحف إليهم القاسم بن محمد بن عبد الرحمن

[ 137 ]

ابن ابراهيم بن موسى بن أبى العافية فاستدعى أهل فاس وصريخ زناتة بعد مهلك معنصرة المغراوى فلقى عساكر المرابطين بوادي صفر فهزمهم وزحف إليه يوسف ابن تاشفين من مكانه فحاصر قلعة فازاز فهزم القاسم بن محمد وجموع مكناسة وزناتة ودخل فاس عنوة كما ذكرناه في أخباره ثم زحف إلى أعمال مكناسة فاقتحم الحصن وقتل القاسم وفى بعض تواريخ المغرب أن مهلك ابراهيم بن موسى كان سنة خمس وأربعمائة وولى ابنه عبد الله أبو عبد الرحمن وهلك سنة ثلاثين وولى ابنه محمد وهلك سنة ست وأربعين وولى ابنه القاسم وهلك سول عند اقتحام لمتونة عليه سنة ثلاث وستين وانفض ملك مكناسة من المغرب بانقراض ملك مغراوة والامر لله وحده وهى من قبائل مكناسة لهذا العهد بهذه المواطن افاريق في جبال تازا بعد ما شرست بهم الدول وأناخت بساحتهم الامم وهم موصوفون بوفور الحمالية وقوة الشكيمة ولهم عناء في مظاهرة الدولة وحقوق عند الحشد والعسكرة وفيهم ميدان من الحمالية ومن مكناسة غير هؤلاء أوزاع في القبائل لهذا العهد مفرقون في نواحى افريقية والمغرب الاوسط ان يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز وهذا آخر الكلام في بنى ورصطيف فلنرجع إلى من بقى علينا من البربر وهم زناتة والله ولى العون وبه المستعان

[ 139 ]

{ أخبار البرانس من البربر ولنبدأ أولا بالخبر عن هوارة من شعوبهم وذكر بطونهم وتصاريف أحوالهم وافتراق شعوبهم في عمالات افريقية والمغرب } وهوارة هؤلاء من بطون البرانس باتفاق من نسابة العرب والبربر ولد هوارة بن أوريغ ابن برنس الا ما يزعم بعضهم أنهم من عرب اليمن تارة يقولون من عاملة احدى بطون قضاعة وتارة يقولون من ولد المسور بن السكاسك بن وابل بن حمير وإذا تحروا الصواب المسور بن السكاسك بن أشريس بن كندة وينسبونه هكذا هوار بن أوريغ بن جنون بن المثنى بن المسور وعند هؤلاء هوارة وصنهاجة ولمطة وكزولة وهسكورة يعرف جميعهم بنى ينهل وان المسور جدهم جميعا وانه وقع إلى البتر ونزل على بنى زحيك ابن مادغيس الابتر وكانوا أربعة اخوة لوا وضرا واداس ونفوس وانهم زوجوه أختهم بصكي العرجاء بنت زحيك فولدت منه المثنى أبا هوارة وتزوجها بعد المسور بن عافيل ابن زعزاع أبو صنهاجة ولمطة وكزولة وهسكورة كما يأتي فيما بعد أنهم اخوة المثنى لامه وبها عرف جميعهم قالوا وولد المثنى بن المسور خبوز وولد خبوز بن المثنى ريغ الذى يقال فيه أوريغ بن برنس ومنه عرفت قبائل هوارة قالوا انما سميت هوارة لان المسور لما جال البلاد ووقع في المغرب قال لقد تهورنا هكذا عند بعض نسابة البربر وعندي والله أعلم ان هذا الخبر مصنوع وان أثر الصنعة باد عليه ويعضد ذلك ان المحققين ونسابتهم مثل سابق وأصحابة قالوا ان بطون اداس بن زحيك دخلت كلها في هوارة من أجل ان هوار خلف زحيك على أم اداس فربى اداس في حجره وزحيك على ما في الخبر الاول هو جد هوار لآن المثنى جده الاعلى هو ابن بصكي وهى بنت زحيك فهو الخامس من زحيك فكيف يخلفه على امرأته هذا بعيد والخبر الثاني أصلح عند نسابتهم من الاول * (وأما بطون) * هوارة فكثير وأكثرهم بنو نبه وأوريغ أشهر والنسبة لشهرته وكبر سنه من بينهم فانتسبوا جميعا إليه وكان لاوريغ أربعة من الولد هوار وهو أكبرهم ومغر وقلدن ومندر ولكل واحد منهم بطون كثيرة وكلهم ينسبون إلى هوار فمن بطون مغرماوس وزمور وكياد وسواى ذكر هذه البطون الاربعة إلى حزم وزاد سابق المطماطى وأصحابه ورجين ومنداسة وكركوده من بطون قلدن خماصه وورصطيف وبيانة وبل ذكر هذه الاربعة ابن حزم وسابق ومن بطون مار مليلة وسطط وروفل واسيل ومسراتة ذكرها ابن حزم وقال جميعهم بنو لهال بن ملك وكذا عند سابق ويقال ان ورنيفن أيضا من نهانه ومن بطون هوارة بنو كهلان ويقال ان مليلة من بطونهم وعند نسابة البربر من بطونهم عريان وورغة وزكارة ومسلاتة ومجريس ويقال ان ونيفن منهم ومجريس لهذا العهد ينتسبون إلى ونيفن وعند سابق وأصحابه

[ 140 ]

أن بنى كهلان وورجين احدى بطون مغروآن من بطون بنى كهلان بنى كسى ورتاكط ولشوه وهيوار وأما بطون اداس بن زحيك بن مادغيس الامراء الذين دخلوا في هوارة فكثير فمنهم هراعة وترهوتة وشتاتة وانداوة وهيزونة وأوطيعة وضيرة هؤلاء باتفاق من ابن حزم وسابق وأصحابه

[ 141 ]

وكانت مواطن الجمهور من هوارة هؤلاء ومن دخل في نسبهم من اخوانهم البرانس والصمغر لاول الفتح بنواحي طرابلس وما يليها من برقة كما ذكره المسعودي والبكرى وكانوا ظواعن واهلين ومنهم من قطع الرمل إلى بلاد القفر وجاوز والمطة من قبائل الملثمين فيما يلى بلاد كوكو من السودان تجاه افريقية ويعرفون بنسبهم هكارة قلبت العجمة واوه كافا أعجمية تخرج بين الكاف العربية والقاف وكان لهم في الردة وحروبها آثار ومقامات ثم كان لهم في الخارجية والقيام بها ذكر وخصوصا بالاباضية منها وخرج على حنظلة منهم عبد الواحد بن يزيد مع عكاشة الفزارى فكانت بينهما وبين حنظلة حروب شديدة ثم هزمهما وقتلهما وذلك سنة أربع وعشرين ومائة أيام هشام بن عبد الملك وخرج على يزيد بن حاتم سنة ست وخمسين ومائة يحيى بن فوناس منهم واجتمع إليه كثير من قومه وغيرهم وزحف إليه قائد طرابلس عبد الله بن السمط الكندل على شاطئ البحر بسواريه من سواحلهم فانهزم وقتل عامة هوارة وكان منهم مع عبد الرحمن بن حبيب مجاهد بن مسلم من قواده ثم أجاز منهم إلى الاندلس مع طارق رجالات مذكورون واستقروا هنا لك وكان من خلفهم بنو عامر بن وهب أمير ولده أيام لمتونة وبنوذى النون الذين ملكوها من أيديهم واستضافوا معها طليطلة وبنو رزين أصحاب السهلة ثم ثارت هوارة من بعد ذلك على ابراهيم بن الاغلب سنة ست وتسعين ومائة وحاصروا طرابلس وافتتحوها فخربوها وتولى كبر ذلك منهم عياض ووهب وسرح ابراهيم إليهم ابنه أبا العباس فهزمهم وقتلهم وبنى طرابلس وحاجا هوارة بعبد الوهاب بن رستم من مكان امارتهم بتاهرت فجلاهم واجمعوا إليه ومعهم قبائل نفوسة وحاصروا أبا العباس بن الاغلب بطرابلس إلى أن هلك أبو ه ابراهيم بالقيروان وقد عهد إليه فصالحهم على أن يكون الصحراء لهم وانصرف عبد الوهاب إلى نفوسة ثم أصبحوا بعد ذلك وغزوا مع الجيوش صقلية وشهد فتحها منهم زواوة من يعم الحلفاء ثم كان لهم مع أبى يزيد النكارلى وفى حروبه مقامات مذكورة اجتمعوا إليه من مواطنهم بجبل أوراس ومر ماجنه لما غلب عليه وأخذ أهلها بدعوته فانحاش إلى ولايته وفعلوا الافاعيل وكان من أظهرهم في تلك الفتنة بنو كهلان ولما هلك أبو يزيد كما نذكره سطا اسمعيل المنصور بهم وأثخن فيهم وانقطع ذكر بنى كهلان ثم جرت الدول عليهم اذيالها وأناخت بكلاكلها وأصبحوا في عداد القبائل الغارمة من كل ناحية فمنهم لهذا العهد بمصر أوزاع متفرقون أوطنوها أكرة وعباره وشاوية وآخرون موطنون ما بين برقة والاسكندرية يعرفون بالمثانية ويظعنون مع الحرة من بطون لهث من سليم بأرض التلول من افريقية ما بين تبسة إلى مزماحة إلى باجة ظواعن صاروا في عداد الناجعة

[ 142 ]

عرب بنى سليم في اللغة والزى وسكنى الخيام وركوب الخيل وكسب الابل وممارسة الحروب وايلاف الرحلتين في الشتاء والصيف في تلولهم قد نسوا رطانة البربر واستبدلوا منها بفصاحة العرب فلا يكاد يفترق بينهم فأولهم مما يلى تبسة قبيله وينفن ورياستهم لهذا العهد في ولد يفرن بن حناش لاولاد دحمان بن فلان بعده وكانت الرياسة قبلهم سارية من بطون وينفن ومواطنهم ببسائط مزماحة وتبسة وما اليهما وبينهم قبيلة أخرى في الجانب الشرقي منهم يعرفون بقيصرون ورياستهم في بيت بنى مر من ما بين ولد زعازع وولد حركات ومواطنهم بفحص آبه وما إليها من نواحى الارنس وتليهم إلى جانب الشرق قبيلة أخرى منهم يعرفون بنصورة ورياستهم في بيت الرمامنة لولد سليمان بن جامع منهم ويراد بهم في رياسة نصرة قبيلة وربهامة ومواطنهم ما بين تبسة إلى صامتة إلى جبل الزنجار إلى اطار على ساحل تونس وبسائطها ويجاورهم متساحلين إلى ضواحي باجة قبيلة أخرى من هوار يعرفون ببنى سليم ومعهم بطن من عرب نصر من هذيل من مدركة بن الياس جاؤا من مواطنهم بالحجاز مع العرب الهلاليين غد دخولهم إلى المغرب وأوطنوا بهذه الناحية من افريقية واختلطوا بهوارة وحملوا في عدادهم ومعهم أيضا بطن آخر من بطون رياح من هلال ينتمون إلى عتبة بن مالك ابن رياح صاروا في عدادهم وجروا على مجراهم والظعن والمغرم ومعم أيضا بطن من مرداس بنى سليم يعرفون ببنى حبيب ويقولون هو حبيب بن مالك وهم غارمة مثل سائر هوارة وضواحي افريقية من هذا العهد معهودة لهؤلاء الظواعن ومعظمهم من هوارة وهم أهل بقروشاء وركوب للخيل وللسلطان بافريقية عليهم وظائف من الجباية وضعها عليهم دهاقين العمال بديوان الخراج قوانين مقررة وتضرب عليهم مع ذلك البعث في غزوات السلطان بعسكر مفروض يحضر بمعسكر السلطان متى استنفروا لذلك ولرؤسائهم آراء ذلك قاطعات ومكان في الدول بين رجالات البدو ويربطون هوارة بمواطنهم الاولى من نواحى طرابلس ظواعن وآهلين توزعتهم العرب من دبان فيما توزعوه من الرعايا وغلبوهم على أمرهم منذ ضحا عملهم من ظل الدولة فتملكوهم تملك العبيد للجبابة منهم والاستكثار منهم في الانتجاع والحرب مثل برهونه وورقلة الظواعن ومجريس الموطنين بزر نزور من ونيفن وهى قرية من قرى طرابلس ومن هوارة هؤلاء بآخر عمل طرابلس مما يلى بلد سرت وبرقة قبيلة يعرفون بمسراتة لهم كثرة واعتزار ووضائع العرب عليهم قليلة ويعطونها من عزة وكثيرا ما ينقلون في سبيل التجارة ببلاد مصر والاسكندرية وفى بلاد الجريد من افريقية وبأرض السودان إلى هذا العهد (واعلم) ان في قبلة قابس وطرابلس جبالا متصلا بعضها ببعض من المغرب

[ 143 ]

إلى المشرق فأولها من جانب الغرب جبل دمر يسكنه أمم من لواتة ويتصلون في بسطه إلى فاس وصفاقس من جانب الغرب وأمم أخرى من نفوسة من جانب الشرق وفى طوله سبع مراحل ويتصل به شرقا جبل نفوسة تسكنه أمة كبيرة من نفوسة ومغراوة وسدراته وهو قبلة طرابلس على ثلاث مراحل عنها وفى طوله سبع مراحل ويتصل به من جانب الشرق جبل مسلاتة ويعتمره قبائل هوارة إلى بلد مسراتة وبرقة وهو آخر جبال طرابلس وكانت هذه الجبال من مواطن هوارة ونفوسة ولواتة وكانت هنا لك مدينة صغيرة بلد نفوسة قبل الفتح وكانت برقة من مواطن هوارة هؤلاء ومنهم مكان بنى خطاب ملوك زويلة احدى أمصار برقة كانت قاعدة ملكهم حتى عرفت بهم فكان يقال زويلة بن خطاب ولما خربت انتقلوا منها إلى فزان من بلاد الصحراء وأوطنوها وكان لهم بها ملك ودولة حتى إذا جاء قراموش الغزى الناصري مملوك تقى الدين ابن أخى صلاح الدين كما نذكر في مكانه عند ذكر الغورى بن مسوفة وأخباره وافتتح ولدوا وجله افتتح فزان بعدها وتقبض على عاملها محمد بن خطاب بن يصلتن بن عبد الله بن صنفل بن خطاب آخر ملوكهم وامتحنه وطالبه بالاموال وبسط عليه العذاب إلى ان هلك وانقرض أمر بنى خطاب هؤلاء الهواريين سارى بن سليم بن عبد الواحد بن عسكر - بن بعرة بن حناس بن ونيفن بن لهاتة بن هوار بعرة بن وامون عدى بن زيتون بن محمد شارن بن سرن بن دحمان

[ 144 ]

(ومن قبائل) هوارة هؤلاء بالمغرب أمم كثيرة في مواطن من أعمال تعرف بهم وظواعن شاوية تنتجع لمسرحها في نواحيها وقد صاروا عبيدا للمغارم في كل ناحية وذهب ما كان لهم من الاعتزاز والمنعة أيام الفتوحات بسبب الكثرة وصاروا إلى الافتراق في الاودية بسبب القلة والله مالك الامور ومن أشهرهم بالمغرب الاوسط أهل الجبل المطل على البطحاء وهو مشهور باسم هوارة وفيه من مسراتة وغيرهم من بطونهم ويعرف رؤساؤهم من بنى اسحق وكان الجبل من قبلهم فيما زعموا لبنى يلومين فلما انقرضوا صار إليه هوارة وأوطنوه وكانت رياستهم في بنى عبد العزيز منهم ثم ظهر من بنى عمهم رجل اسمه اسحق واستعمله ملوك القلعة وصارت رياستهم في عقبه بنى اسحق وحفظ كبيرهم محمد بن اسحق القلعة المنسوبة إليهم وورث رياسته فيهم أخوه حيول وصارت في عقبه واتصلوا بالسلطان أيام ملك بنى عبد الواد على المغرب الاوسط وانتظموا في شرائعهم واستعمل أبو تاشفين من ملوكهم يعقوب بن يوسف بن حيون قائدا على بنى توجين عندما غلبهم على أمرهم وفرض المغارم عليهم فقام بها أحسن قيام ودوخ بلادهم واذل من عزهم وبعد أن غلب بنو مرين بنى عبد الواد على المغرب الاوسط استعمل السلطان أبو الحسن عبد الرحمن بن يعقوب على قبيلة هؤلاء ثم استعمل بعده عمه عبد الرحمن ثم ابنه محمد ابن عبد الرحمن بن يوسف ثم تلاشى حال هذا القبيل وخف ساكن الجبل بما اضطرم بهم دولة بنى عبد الواد وأصبحت لهم في الظلامات وانقرض نبت بنى اسحق والامر على ذلك لهذا العهد والله وارث الارض ومن عليها * (الخبر عن ازداجة ومسطاسه وعجيسة من بطون البرانس ووصف أحوالهم) * اما ازداجة ويعرفون أيضا وزداجة فمن بطون البرانس وكثير من نسابة البربر يعدونهم في بطون زناتة وقد يقال ان ازداجة من زناتة ووزداجة من هوارة وانهما بطنان مفترقان وكان لهم وفور وكثرة وكانت مواطنهم بالمغرب الاوسط بناحية وهران وكان لهم اعتزاز وآثار في الفتن والحروب ومسطاسة مندرجون معهم فيقال انهم من عداد بطونهم ويقال انهم اخوة مسطاس اخى وزداج والله أعلم وكان من رجالتهم المذكورين شجرة بن عبد الكريم المسطاسى وأبو دليم بن خطاب وأجاز أبو دليم إلى الاندلس من ساحل تلمسان وكان لبنيه بها ذكروا في معها قرطبة وكان من بطون ازداجة بنو مشقق وكانا يجاوران مهران ونزل مرس وهران من رجال الدولة الاموية محمد بن أبى عون ومحمد بن عبدون فداخلوا بنى مسكن وملكوا وهران سبع سنين مقيمين فيها للدعوة الاموية فلما ظهرت دعوة الشيعة وملك عبيد الله المهدى تاهرت وولى عليها دواس بن مولاة للقيط من كتامة وأخذت البرابرة بدعوتهم أوعزدواس بحصار

[ 145 ]

وهران فرجعوا إليها سنة سبع وتسعين وأدخلوا بنى مسكن في ذلك فأجابوهم وفر محمد بن أبى عون فلحق بدواس وصولات والسحب ومعراق وأضرمت نارا ثم حدد بناءها دواس وأعاد محمد بن أبى عون إلى ولايتها فعادت أحسن ما كانت وأمراء تلمسان لذلك العهد ثم ولى على تاهرت أيام أبى القاسم بن عبد الله أيا ملك يغمراسن بن أبى سحمة وانتقض عليه البربر فحاصروه عند زحف ابن أبى العافية إلى المغرب الاوسط بدعوة المروانية وكان ممن أخذ بها محمد بن أبى عون صاحب وهران وأبو القاسم ميسور فولاه إلى المغرب وراجع طاعته إلى المروانية ثم كان شأن أبى يزيد وانتقاض سائر البرابرة على العبيديين واستفحل أمر زناتة وأخذ بدعوة المروانيين وكان الناصر عقد ليعلى بن أبى محمد النفزى على المغرب فخاطبه بمراوغة محمد بن ابن عون وقبائل ازداجة في الطاعة للعداوة بين القبيلتين بالمجاورة وزحف إلى ازداجة فحصرهم بجبل كيدرة ثم تغلب عليهم واستأصلهم وفرق جماعتهم وذلك لسنة ثلاث وأربعين وثلثمائة ثم زحف إلى وهران ونازلها ثم افتتحها عنوة وأضرمها نارا واستلحم ازداجة ولحق رياستهم بالاندلس فكانوا بها وكان منهم حزرون بن محمد من كبار أصحاب المنصور بن أبى عامر وابنه المظفر وأجاز إلى المغرب وبقى ازداجة بعد ذلك على حال من الهضيمة والمذلة وانتظموا في عداد الغارم من القبائل (وأما العجيسة) وهم من بطون البرانس من ولد عجيسة من برنس ومدلول هذا الاسم البطن فان البربر يسمون البطن بلغتهم عدس بالدال المشددة فلما عربتها العرب قلبت دالها جيما مخففة وكان لهم بين البربر كثرة وظهور وكانوا مجاورين في بطونهم لصنهاجة وبقاياهم لهذا العهد في ضواحي تونس والجبال المطلة على المسيلة وكانت منهم يسكنون جبل القلعة وكان لهم في فتنة أبى يزيد ولما هزمهم المنصور لجأ إليهم واعتصم بقلعة كتامة من حصونهم حتى اقتحم عليه ثم بادر حماد بن بلكين من بعد ذلك مكانا لبناء مدينة فاختطها بينهم ونزلها ووسع خطتها واستبحر عمرانها وكانت حاضرة لملك آل حماد فاخلفت هذه المدينة من مدة عجيسة لما تمرست بهم وخضدت من شوكتهم وراموا كيد القلعة مرارا وأجلبوا على ملوكها بالاعياص منهم فاستلحمهم السيف ثم هلكوا وهلكت القلعة من بعدهم وورثت مواطنهم بذلك الجبل عياض من أفاريق العرب الهلاليين وسعى الحمل منهم وفى القبائل بالمغرب كثير من عجيسة هؤلاء مفترقون فيهم والله أعلم { الخبر عن أوربة من بطون البرانس وما كان لهم من الردة والثورة وما صار لهم من الدعاء لادريس الاكبر }

[ 146 ]

كانت البطون التى فيها الكثرة والغلب من هؤلاء البربر البتر كلهم لعهد الفتح أوربة وهوارة وصنهاجة من البرانس ونفوسة وزناتة ومطغرة ونفزاوة من البتر وكان التقدم لعهد الفتح لاورية هؤلاء بما كانوا أكثر عددا وأشد بأسا وقوة وهم من ولد أورب بن برنس وهم بطون كثيرة فمنهم بجاية ونفاسة ونجد وزهكوجة ومزياتة ورغيوتة وديقوسه وكان أميرهم بين يدى الفتح ستردير بن رومى بن بارزت بن بزريات ولى عليهم مدة ثلاث وسبعين سنة وأدرك الفتح الاسلامي ومات سنة احد وسبعين وولى عليهم من بعده كسيلة بن لزم الاوربي فكان أميرا على البرانس كلهم ولما نزل ابن المهاجر تلمسان سنة خمس وخمسين كان كسيلة بن لزم مرتادا بالمغرب الاقصى في جموعه من أوربة وغيرهم فظفر به أبو المهاجر وعرض عليه الاسلام فأسلم واستنقذه وأحسن إليه وصحبه وقدم عقبة في الولاية الثانية أيام يريد سنة ثنتين وستين فاضطغن عليه صحابته لابي المهاجر وتقدم أبو المهاجر في اصطناعه فلم يقبل وزحف إلى المغرب وعلى مقدمته زهير بن قيس البلوى فدوخه ولقيه ملوك البربر ومن انضم إليه من الفرنجة بالزاب وتاهرت فهزمهم واستباحهم وأذعن له بليان أمير غمارة ولاطفه وهاداه ودله على عوارات البرابرة وردأه بوليلة والسوس وما والاهما من مجالات الملثمين فغنم وسبى وانتهى إلى ساحل البحر وقفل ظافرا وكان في غزاتة تلك يستهين كسيلة ويستخف به وهو في اعتقاله وأمره يوما بسلخ شاة بين يديه فدفعها إلى غلماته وأراده عقبة على أن يتولاها بنفسه وانتهره فقام إليها كسيلة مغضبا وجعل كل ما دس يده في الشاة مسح بلحيته والعرب يقولون ما هذا يا بربرى فيقول هو أجير فيقول لهم شيخ منهم ان البربري يتوعدكم وبلغ ذلك أبا المهاجر فنهى عقبة عنه وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستألف جبابرة العرب وأنت تعمد إلى رجل جبار في قومه بدار عزه قريب عهد بالشرك متفسد وأشار عليه بأن يوثق منه وخوفه فتكه فتهاون عقبة بقوله فلما قفل عن غزاته وانتهى إلى طبنة صرف العساكر إلى القيروان أفواجا ثقة بمادوخ من البلاد وأذل من البربر حتى بقى في القليل وسار إلى تهودة لينزل بها الحامية فلما نظر إليه الفرنجة طمعوا فيه وراسلوا كسيلة بن لزم ودلوه على الفرصة فيه فانتهزها وراسل بنى عمه ومن تبعهم من البربر واتبعوا عقبة وأصحابه رضى الله عنه حتى إذا غشوه بتهودة ترجل القوم وكسروا أجفان سيوفهم ونزل الصبر واستلحم عقبة وأصحابه رضى الله عنهم ولم يفلت منهم أحد وكانوا زهاء ثلثمائة من كبار الصحابة والتابعين استشهدوا في مصرع واحد وفيهم أبو المهاجر كان أصحابه في اعتقاله فأبلى رضى الله عنه في ذلك اليوم البلاء الحسن وأجداث الصحابة رضى الله عنهم أولئك الشهداء عقبة وأصحابه

[ 147 ]

بمكانهم ذلك من أرض الزاب لهذا العهد وقد جعل على قبر عقبة اسنمة ثم جصص واتخذ عليه مسجد عرف باسمه وهو في عداد المزارات ومطان البركة بل هو أشرف مزور من الاجداث في بقاع الارض لما توفر فيه من عدد الشهداء من الصحابة والتابعين الذين لا يبلغ أحد مد احدهم ولا نصيفه وأسر من الصحابة يومئذ محمد بن أوس الانصاري ويزيد بن خلف العبسى ونفر معهم ففداهم ابن مصاد صاحب قفصة وكان زهير بن قيس البلوى بالقيروان وبلغه الخبر فخرج هاربا وارتحل بالمسلمين ونزل برقة وأقام بها ينتظر المدد من الخلفاء واجتمع إلى كسيلة جميع أهل المغرب من البربر والفرنجة وزحف إلى القيروان فخرج العرب منها ولحق بزهير بن قيس ولحق بها أصحاب الذرارى والاثقال فامنهم وداخل القيروان وأقام أميرا على افريقية ومن بقى بها من العرب خمس سنين وقارن ذلك مهلك يزيد بن معاوية وفتنة الضحاك بن قيس مع المروانية بمرج راهط وحروب آل الزبير فاضطرب أمر الخلافة بعض الشئ واضطرم المغرب نارا وفشت الردة في زناتة والبرانس ثم استقل عبد الملك بن مروان من بعد ذلك وأذهب بالمشرق آثار الفتنة وكان زهير بن قيس مقيما منذ مهلك السلطان عقبة فبعث إليه بالمدد وولاه حرب الجبابرة والثأر بدم عقبة فزحف إليها في آلاف من العرب سنة سبع وستين وجمع كسيلة البرانس وسائر البربر ولقيه بجيش من نواحى القيروان واشتد القتال بين الفريقين ثم انهزم البربر وقتل كسيلة ومن لا يحصى منهم واتبعهم العرب إلى مرماجنة ثم إلى ملوية وذال البربر ولجأوا إلى القلاع والحصون وحدت شوكة أوربة من بينهم واستقر جمهورهم بديار المغرب الاقصى فلم يكن بعدها لهم ذكر واستولوا على مدينة وليلى بالمغرب كانت ما بين موضع فاس ومكناسة بجانب جبل زرهون وأقاموا على ذلك والجيوش من القيروان تدوخ المغرب مرة بعد أخرى إلى أن خرج محمد بن عبد الله ابن حسن بن الحسن بن على أيام المنصور وقتل بالمدينة سنة خمس وأربعين ثم خرج بعده ابن عمه حسين بن على بن حسن المثلث ابن حسن المثنى ابن حسن السبط أيام الهادى وقتل بفخ على ثلاثة أميال من مكة سنة تسع وستين ومائة واستلحم كثير من أهل بيته وفرادريس بن عبد الله إلى المغرب ونزل على أوربة سنة ثنتين وسبعين وأميرهم يومئذ بو ليلى اسحق بن محمد بن عبد الحميد منهم فاجاره وجمع البرابر على دعوته واجتمعت عليه زوغة ولواتة وسراتة وغمات ونفزة ومكناسة وغمارة وكافة برابرة المغرب فبايعوه وائتمروا بأمره وتم له الملك والسلطان بالمغرب وكانت له الدولة التى ورثها أعقابه إلى حين انقراضها كما ذكرنا في دولة الفاطميين والله تعالى اعلم

[ 148 ]

{ الخبر عن كتامة من بطون البرانس وما كان لهم من العز والظهور على القبائل وكيف تناولوا الملك من أيدى الاغالبة بدعوة الشيعة } هذا القبيل من قبائل البربر بالمغرب وأشدهم بأسا وقوة وأطولهم باعا في الملك عند نسابة البربر من ولد كتام بن برنس ويقال كتم ونسابة العرب يقولون إنهم من حمير ذكر ذلك ابن الكلبى والطبري وأول ملوكهم فريقش بن صيفي من ملوك التبابعة وهو الذى افتتح افريقية وبه سميت وقتل ملكها جرجير وسمى البربر بهذا الاسم كما ذكرناه يقال أقام في البربر من حمير صنهاجة وكتامة فهم إلى اليوم فيهم وتشعبوا في المغرب وانبثوا في نواحيه الا أن جمهورهم كانوا لاول الملة بعد تهييج الردة وطفئت تلك الفتن موطنين بارياف قسنطينة إلى تخوم بجاية غربا إلى جبل أوراس من ناحية القبلة وكانت بتلك المواطن بلاد مذكورة أكبرها لهم وبين ديارهم ومجالات ثقلهم مثل ابكجان وسطيف وباغاية وبفاس وتلزمه ويتكست وميلة وقسنطينة والسيكرة والقل وجيجل من حدود جبل أوراس إلى سيف البحر ما بين بجاية وبونة وكانت بطونهم كثيرة يجمعها كلها غرسن ويسوده بن كتم بن يوسف من يسودة فالسبد ودنهاجة ومتوسة ورسين كلهم بنو يسودة بن كتم والى دنهاجة ينسب قصور كتامة بالمغرب لهذا العهد ومن غرسن مصالة وقلان وما وطن ومعاذ بنو غرسن بن كتم ولهيفه وجيملة ومسالته وبنو يناوة بن غرسن وملوسة من ايان ولطاية واجانة وغسمان وأوباست بنو تيطاسن بن غرسن وملوسة من ايان غرسن بن غرسن ومن ملوسة هؤلاء بنو زيدوى أهل الجبل المطل على قسنطينة لهذا العهد وبعد البرابرة من كتامة بنو يستيتن وهشتيوة ومصالة وبنى قنسيلة وعد ابن حزم منهم زواوة بجميع بطونهم وهو الحق على ما تقدم وكان من البطون بالمغرب الاقصى كثير منتبذون عن مواطنهم وهم بها إلى اليوم ولم يزالوا بهذه المواطن وعلى هذه الحالة من لدن ظهور الملة وملك المغرب إلى دولة الاغالبة ولم تكن الدولة تسومهم بهضيمة ولا ينالهم تعسف لاعتزازهم بكثرة جموعهم كما ذكره ابن الرقيق في تاريخه الا أن كان من قيامهم في دعوة الشيعة ما ذكرناه في دولتهم عند ذكر دولة الفاطميين إثر دولة بنى العباس فانظره هنا لك وتصفحه تجد تفصيله ولما صار لهم الملك بالمغرب زحفوا إلى المشرق فملكوا الاسكندرية ومصر والشام واختطوا القاهرة أعظم الامصار بمصر وارتحل المعز رابع خلفائهم فنزلها وارتحل معه كتامة على قبائلهم واستفحلت الدولة هنا لك وهلكوا في ترفها وبذخها وبقى في مواطنهم الاولى بجبل أوراس وجوانبه من البسائط بقايا من قبائلهم على أسمائها والقابها والآخرون بغير لقبهم وكلهم رعايا معبدون للمغارم الا من اعتصم

[ 149 ]

بقنة الجبل مثل بنى زيدوى بجبلهم وأهل جبال جيجل وزواوة أيضا في جبالهم وأما البسائط فاشهر من فيها منهم سدويكش ورياستهم في أولاد سواد ولا أدرى إلى من يرجعون في قبائل كتامة المسمين بهذه الاسم الا أنهم منهم باتفاق من أهل الاخبار ونحن الآن ذاكرون ما عرفناه من أخبارهم المتأخرة بعد دولة كتامة والله تعالى ولى العون * (الخبر عن سدويكش ومن إليهم من بقايا كتامة في مواطنهم) * هذا الحى لهذا العهد وما قبله من العصور يعرفون سدويكش وديارهم في مواطن كتامة ما بين قسنطينة وبجاية في البسائط منها ولهم بطون كثيرة مثل سيلين وطرسون وطرغيان وموليت وبنى فتنة وبنى لماى وكايارة وبنى زغلان والنورة وبنى مزوان ووار مسكن وسكوال وبنى عيار وفيهم من لماته ومكلاتة وريغة والرياسة على جميعهم في بطن منهم يعرفون أولاد سواد لهم جمع وقوة وعدد وعدة وكان جميع هذه البطون وعيالهم غارمة فيمتطون الخيل ويسكنون الخيام ويظعنون على الابل والبقر ولهم مع الدول في ذلك الوطن استقامة وهذا شأن القبائل الاعراب من العرب لهذا العهد وهم ينتفون من نسب كتامة ويفرون منه لما وقع منذ أربعمائة سنة من النكير على كتامة بانتحال الرافضة وعداوة الدول بعدهم فيتفادون بالانتساب إليهم وربما انتسبوا في سليم من قبائل مضر وليس ذلك بصحيح وانما هم من بطون كتامة وقد ذكرهم مؤرخو صنهاجة بهذا النسب ويشهد لذلك الموطن الذى استوطنوه من افريقية ويذكر نسابتهم ومؤرخوهم أن موطن أولاد سواق منهم كان في قلاع بنى بوخصرة من نواحى قسنطينه ومنه انتقلوا وانتشروا في سائر تلك الجهات وأولاد سواق بطنا وهم أولاد علاوة بن سواق من أولاد يوسف بن حمو بن سواق فاما أولاد علاوة فكانت الرياسة على قبائل سدويكش لهم فيما سمعناه من مشيختنا وان ذلك كان لعهد دولة الموحدين وكان بيتهم على بن علاوة وبعده ابنه طلحة بن على وبعده أخوه يحيى بن على وبعده أخوهما منديل ابن على وعرالت زين ابن أخيه طلحة ولما بويع السلطان أبو يحيى بقسنطينه سنة عشر من هذه المائة وقع من تازير انحراف على طاعته واعتلوا بطاعة ابن الخلوف ببجاية فقدم عوضا منه عمه منديل ثم استبدل منهم أجمعين بأولاد يوسف فشمروا في طاعته وأبلوا وغلب السلطان على بجاية وقتل ابن الخلوف فظهر أولاد يوسف وزحموا أولاد علاوة وأخرجوهم من الوطن فصاروا إلى عياض من أفاريق هلال وسكنوا في جوارهم بجبلهم الذى أوطنوه المطل على المسيلة واتصلت الرياسة على سدويكش في أولاد يوسف وهم لهذا العهد أربع قبائل بنو محمد بن يوسف وبنو المهدى وبنو ابراهيم بن يوسف والعزيزيون وهم بنو منديل وظافر وجرى وسير الملوك والعباس وعيسى والستة أولاد

[ 150 ]

يوسف وهم اشقاء وأمهم تاعزيزت فنسبوا إليها أولاد محمد والعزيزيون يوطنون بنواحي بجاية وأولاد المهدى وابراهيم بنواحي قسنطينة وما زالت الرياسة في هذه القبائل الاربع تجتمع تارة في بعضهم وتفترق أخرى إلى هذا العهد وكانت الاخرى دولة مولانا السلطان أبى يحيى اجتمعت رياستهم لعبد الكريم بن منديل بن عيسى بن العدرين ثم افترقت واستقلت كل بطن من هؤلاء الاربعة برياسة وأولاد علاوة في خلال هذا كله بجبل عياض ولما تغلب بنو مرين على افريقية نكر السلطان أبو عنان أولاد يوسف ورماهم بالميل إلى الموحدين وصرف الرياسة على سدويكش إلى مهنى من تازير بن طلحة من أولاد علاوة فلم يتم له ذلك وقبله أولاد يوسف ورجع أولاد علاوة إلى مكانهم من جبل عياض وكان رئيسهم لهذه العصور عدوان بن عبد العزيز بن زروق بن على بن علاوة وهلك ولم تجتمع رياستهم بعده لاحد وفى بطون سدويكش هؤلاء بطن مرادف أولاد سواق في الرياسة على بعض أحيائهم وهم بنو سكين ومواطنهم في السلطان أبو يحيى بالرياسة على قومه وكان له مقامات في خدمته ثم عرف بعده في الوفاء ابنه الامير أبو حفص فلم يزل معه إلى أن وقع به بنو مرين بناحية قابس وحاربه مع السرى الوقيعة فقطعه السلطان أبو الحسن من خلاف وهلك بعد ذلك وقام برياسته ابنه عبد الله وكان له فيها وفى خدمة السلطان ببجاية شأن إلى أن هلك لاعوام ثمانين وولى ابنه محمد من بعده والله وارث الارض ومن عليها * (الخبر عن بنى ثابت أهل الجبل المطل على فسنطينة من بقايا كتامة) * ومن بطون كتامة وقبائلهم أهل الجبل المطل على القل ما بينه وبين قسنطينة المعروف

[ 151 ]

برياسة أولاد ثابت بن حسن بن أبى بكر من بنى تليلان ويقال ان أبا بكر هذا الجد هو الذى فرض المغرم على أهل هذا الجبل لايام الموحدين ولم يكن قبل ذلك عليه مغرم فلما انقرض ملك صنهاجة وغلب الموحدون على افريقية وفر أبو بكر هذا على الخليفة بمراكش لاول دولته وفى عنيته لابن عمر لدولة طرابلس أعوام أحدى عشر وسبعمائة كما نذكره فلما تملك السلطان بجاية وقتل ابن خلوف ورجع ابن عمر من تونس إلى حجابته وجد حسن بن ثابت معسكرا بفرحيرة لانقضاء مغارم الوطن فبعث إليه من قبله وكان آخر رياسته بجبل على أدرك دولة بنى مرين بافريقية وولى بعده ابن عبد الرحمن ووفد على السلطان أبى عنان بفاس ولما استجد مولانا السلطان أبو العباس دولته بافريقية استولى عليهم ومحا أثر مشيختهم ورياستهم وصيرهم من عداد جنده وحاشيته واستعمل في الجبل عماله وهو جبل مطاوع وجبايته مؤداة لسولته وجواره للعسكر بقسنطينة ومن بقايا كتامة أيضا قبائل أخرى بناحية تدلس في هضابة مكتنهة وهم في عداد القبائل الغارمة وبالمغرب الاقصى منهم قبيلة من بنى سنس بجبل قبلة جبل يزناسن وقبيلة اخرى بناحية الهبط مجاورون لنصر بن عبد الكريم وقبائل أخرى بناحية مراكش نزلوا مع صنهاجة هنا لك ونسب كتامة لهذا العهد بين القبائل المثل السائر في الدولة لما نكرتهم الدول من بعدهم أربعمائة سنة بانتحالهم الرافضة ومذاهبها الكفرية حتى صار كبيرهم من أهل نسبهم يفرون منه وينتسبون فيمن سواهم من القبائل فرارا من هجنته والعزة لله وحده سلطان حسن عبد الرحمن بن على حسن ابن ابراهيم عبد الله * (الالمام بذكر زوارة من بطون كتامة) * هذا البطن من أكبر بطون البربر ومواطنهم متصلة بمواطن كتامة هؤلاء وأكثر الناس جاهلون بنسبهم وعامة نسابة البربر على أنهم من بنى سمكان يحيى بن ضريس وأنهم اخوة زواغة والمحققون من النسابة مثل ابن حزم وانظاره انما يعدونهم في بطون كتامة وهو الاصوب والمواطن أوضح دليل عليه وإلافان مواطن زواغة وهى طرابلس بالمغرب

[ 152 ]

الاقصى من مواطن كتامة وانما حمل على الغلط في نسبهم إلى كتامة تصحيف اسم زوازه بالزاى بعد الواو وهم اخوة زواغة بلا شك فصحف هذا القارى الزاى بالواو فعد زواوة اخوان زواغة ثم استمر التصحيف وجميعا في نسب سمكان والله أعلم وقد مر ذكرهم هنا لك مع ذكر زواغة وتعديد بطونهم { الخبر عن صنهاجة من بطون البرانس وما كان لهم من الظهور والدول في بلاد المغرب والاندلس } هذا القبيل من أوفر قبائل البربر وهو أكثر أهل الغرب لهذا العهد وما بعده لا يكاد قطر من أقطاره يخلو من بطن من بطونهم في جبل أو بسيط حتى لقد زعم كثير من الناس أنهم الثلث من أول البربر وكان لهم في الردة ذكر وفى الخروج على الامراء شان تقدم منه في صدر ذكر البرابر ونذكر منه هنا ما تيسر وأما ذكر نسبهم فانهم من ولد صنهاج وهو صناك بالصاد المشمة بالزاى والكاف القريبة من الجيم الا أن العرب عربته وزادت فيه الهاء بين النون والالف فصار صنهاج وهو عند نسابة البربر من بطون البرانس من ولد برنس بن بر وذكر ابن الكلبى والطبري انهم وكتامة جميعا من حمير كما تقدم في كتامة وفيما نقل الطبري في تاريخه أنهم صنهاج بن بر بن صوكان بن منصور بن الفند بن افريقش بن قيس وبعض النسابة يزعم أنه صنهاج بن المثنى بن المنصور بن مصباح ابن يحصاب بن مالك بن عامر بن حمير الاصغر من سبأ كذا نقل ابن النحوي من مؤرخي دولتهم وجعله ليحصب وقد مر ذكره في أنساب حمير وليس كما ذكر والله اعلم واما المحققون من نسابة البربر فيقولون هو صنهاج بن عاميل بن زعزاع بن قيمتا بن سدور بن مولان بن مصلين بن يبرين بن مكسيلة بن دقيوس بن حلحال بن شرو بن مصرايم بن حام ويزعمون أن جزول واللمط وهسكور اخوة صنهاج وان أمهم الاربعة بصكي وبها يعرفون وهى بنت زحيك بن مادغيس ويقال لها العرجاء فهذه القبائل الاربعة من القبائل أخوة لام والله أعلم وأما بطون صنهاجة فكثيرة فمنهم بلكانة وأنجفه وسرطة والامتوته ومسوقة وكدالة ومندلسة وبنو وارت وبنو يتين ومن بطون أنجفة بنو مزوات وبنو تثليب وفشتالة وملواقة هكذا يكاد نقل بعض نسابة البربر في كتبهم وذكر آخرون من مؤرخي البربر أن بطونهم تنتهى إلى سبعين بطنا وذكر ابن الكلبى والطبري أن بلادهم بالصحراء مسيرة ستة أشهر وكان أعظم قبائل صنهاجة بلكانة وفيهم كان الملك الاول وكانت مواطنهم ما بين المغرب الاوسط وافريقية وهم أهل مدر ومواطن مسوقة والامتونة وكدالة وسرطة بالصحراء وهم أهل وبر وأما أنجفة فبطونهم مفترقة وهم أكثر بطون صنهاجة ولصنهاجة ولاية لعلى بن أبى طالب كما ان

[ 153 ]

لمغراوة ولاية لعثمان بن عفان رضى الله تعالى عنهما الا أنا لا نعرف سبب هذه الولاية ولا أصلها وكان من مشاهيرهم في الدولة الاسلامية بالفاق ورمون ثار بافريقية أيام السفاح عند انقراض الاموية وعبد الله بن سكرد بر لك وعباد بن صادق من قواد حماد بن بلكين وسليمان بن مطعمان بن غيلان امام باديس ابن بلكين وبنى حمدون وورا بنى حماد وهو حمدون بن سليمان بن محمد بن على بن علم منهم ميمون بن جبل بن أخت طارق مولى عثمان بن عفان صاحب فتح الاندلس في آخرين يطول ذكرهم وكان الملك في صنهاجة في طبقتين الطبقة الاولى لملكانة ملوك افريقية والاندلس والثانية مسوقة ولمتونة من الملثمين ملوك المغرب المسمون بالمرابطين ويأتى ذكرهم كلهم ان شاء الله تعالى والله أعلم * (الطبقة الاولى من صنهاجة وما كان لهم من الملك) * كان أهل هذه الطبقة بنو لمكان بن كرت وكانت مواطنهم بالمسيلة إلى حمرة إلى الجزائر مليوية ومليناتة من مواطن بنى يزيد وحصين والعطاف من زغبة ومواطن الثعالبة لهذا العهد وكان معهم بطون كثيرة من صنهاجة أعقابهم هنالك من متنان وانوغة وبنو مزغنة وبنو جعد وملكانة ويطوية وبنو يفرن وبنو خليل وبعض أعقاب ملكانة بجهات بجاية ونواحيها وكان التقدم منهم جميعا لبلكانة وكان أكثرهم لعهد الاغالبة مناد بن منقوش بن صنهاج الاصغر وهو صناك بن واسفاق بن جريل ابن يزيد بن واسلى بن سمليل بن جعفر بن الياس بن عثمان بن سكاد بن ملكان ابن كرت ابن صنهاج الاكبر هكذا نسبه ابن النحوي وزعم أن مناد بن منقوش ملك جانبى افريقية والمغرب الاوسط مقيما لدعوة ابن العباس وراجعا إلى أمر الاغالبة وأقام أمره من بعده ابنه زيرى بن مناد وكان من أعظم ملوك البربر وكانت بينه وبين مغراوة من زناتة المجاورين له من جهة المغرب الاوسط كما نذكر حروب وفتن طويلة ولما استوسق الملك للشيعة بافريقية تحثوا إليهم للولاية التى لعلى رضى الله عنه فيهم وكان من أعظم أوليائهم واستطال بهم على عدوه من مغراوة فكانوا ظهرا له عليهم وانحرفت لذلك مغراوة وسائر زناتة عن الشيعة سائر أيامهم وتحيزوا عن المروايين ملوك العدوة بالاندلس فأقاموا دعوتهم بالمغرب الاوسط والاقصى كما نذكره بعد ان شاء الله تعالى ولما كانت فتنة أبى يزيد والتاث أمر العبيديين بالقيروان والمهدية كان لزيرى بن مناد منافرة إلى الخوارج أصحاب أبى يزيد وأعقابهم وشريف بالحشود إلى مناصرة العبيديين بالقيروان كما ستراه وأحفظ مدينة واشين للتحصن بها سفح الجبل المسمى تيطرا لهذا العهد حيث مواطن حصن وحصنا بأمر المنصور وكانت من أعظم

[ 154 ]

مدن المغرب واتسعت بعد ذلك خطتها واستبحر عمرانها ورحل إليها العلماء والتجار من القاصية وحين نازل اسمعيل المنصور أبا يزيد لقلعة كتامة جاءه زيرى في قومه ومن انضم إليه من حشود البربر وعظمت نكايته في العدو وكان الفتح وصحبة المنصور إلى أن انصرف من المغرب ووصله صلات سنية وعقد له على قومه وأذن له في اتخاد القصور والمنازل والحمامات بمدينة أشير وعقد له على تاهرت وأعمالها ثم اختصت ابنه بلكين بأمره وعلى عهده مدينة الجزائر المنسوبة لبنى مزغد بساحل لبحر ومدينة ملينة بالعدوة الشرقية من شلف ومدينة لمدونة وهم بطن من بطون صنهاجة وهذه المدن لهذا العهد من أعظم مدن المغرب الاوسط ولم يزل زيرى على ذلك قائما بدعوة العبيديين منابذ المغراوة واتصلت الفتنة فيهم ولما نهض جوهر الكاتب إلى المغرب الاقصى أيام معد المعز لدين الله أمره أن يستصحب زيرى بن مناد فصحبه إلى المغرب وظاهره على أمره ولما ظهر يعلى بن محمد النفزى اتهمه زناتة بالممالاة عليه ولما نزل جوهر فاس وبها أحمد بن بكر الجذامي وطال حصاره اياها كان لزيرى في حصارها أعظم العياء وكان فتحها على يده سهر ذات ليلة وصعد سورها فكان الفتح ولما استمرت الفتنة بين زيرى ابن مناد ومغراوة ووصلوا أيديهم بالحاكم المستنصر وأقاموا دعوة المروانية بالمغرب الاوسط وشمر محمد بن الخير بن محمد بن خزر لذلك رماه معد لقريعة زيرى في قومه واحتشد أهل وطنه وقد جمع له محمد بن الخير وزناتة فسرح إليهم ولده بلكين في مقدمة وعارضهم قبل استكمالهم التعبية فدارت بينهم حرب شديدة بعد العهد بمثلها يومئذ واختل مصاف مغراوة وزناتة ولما أيقن محمد بن الخير بالمهلكة وعلم انه أحيط به مال إلى ناحية من العسكر وتحامل على سيفه فذبح نفسه وانفض جموع زناتة واستمرت الهزيمة عليهم سائر يومهم فاستلحموا ومكثت عظامهم ماثلة بمصارعهم عصورا وهلك فيما زعموا بضعة عشر أميرا منهم وبعث زيرى برؤوسهم إلى المعز بالقيروان فعظم سروره وهش لها الحكم المستنصر صاحب الدعوة بما أوهنوا من أمره واستطال زيرى وصنهاجة على بوادي المغرب وغلب يده على جعفر بن على صاحب المسيلة والزاب وسما به في الرتب عند الخلافة وتاخمه في العمالة واستدعى معد جعفر بن على من المسيلة لتولية افريقية حين اعتزم على الرحيل إلى القاهرة فاستراب مما كانت السعاية كبرت فيه وبعث معد المعز بعض مواليه فخافه جعفر على نفسه وهرب من المسيلة ولحق بمغراوة فاشتملوا عليه وألقوا بيده زمام أمرهم وقام فيهم بدعوة الحكم المستنصر وكانوا أقدم لها اجابة وفاوضهم زيرى الحرب قبل استفحالهم فزحف إليهم واقتتلوا قتالا شديدا وكانت على زيرى الدبرة وكبابه فرسه وأجلت الهزيمة عن مصرعه

[ 155 ]

ومصارع حاميته من قومه فخروا رأسه وبعثوا به إلى الحكم لمستنصر بقرطبة في وفد أوفدوه عليه من أمرائهم يؤدون الطاعة ويؤكدون البيعة ويجمعون لقومهم النصرة وكان مقدم وفدهم يحيى بن أخو جعفر هذا كما ذكرناه وهلك زيرى هذا سنة ستين وثلثمائة لست وعشرين سنة من ولايته ولما وصل خبره إلى ابنه بلكين وهو باشير نهض إلى زناتة ودارت بينهم حرب شديدة فانهزمت زناتة وثأر بلكين بابيه وقومه واتصل ذلك بالسلطان محمد اثره وعقد له على عمل ابيه باشير وتيهرت وسائر أعمال المغرب وضم إليه المسيلة والزاب وسائر عمل جعفر فاستعتب واستفحل أمره واتسعت ولايته وأثخن في البربر أهل الخصوص من احرابه وهوارة ونفزة وتوغل في المغرب في طلب زناتة فأثخن فيهم ثم رجع واستقدمه السلطان لولاية افريقية فقدم سنة احدى وستين واستبلغ السلطان في تكريمه ونفس ذلك عليه كتامة ثم نهض السلطان إلى القاهرة واستخلفه كما نذكره وكان ذلك أول دولة آل زيرى بافريقية والله تعالى أعلم { الخبر عن دولة آل زيرى بن مناد ولاة العبيديين من هذه الطبقة بافريقية وتصاريف أحوالهم } لما أخذ المعز في الرحلة إلى المشرق وصرف اهتمامه إلى ما يتخلف وراء ظهره من الممالك والعمالات ونظر فيمن يوليه أمر افريقية والمغرب ممن له الغناء والاضطلاع وبه الوثوق من صدق التشييع ورسوخ القدم في دراية الدولة فعثر اختياره على بسكين بن زيرى بن مناد ولى الدولة منذ عهد أخذه ما بيده من أيدى زناتة وأموالها في سبيل الاباء على الدولة والمظاهرة للدولة * (دولة بلكين بن زيرى) * فبعث خلف بلكين بن زيرى وكان متوغلا في المغرب في حروب زناتة وولاه أمر افريقية ما عدا أصهلية كانت لبنى أبى الحسين الكلبى وطرابلس لعبد الله بن يخلف الكتامى وسماه يوسف بدلا من بلكين وكناه أبا الفتوح ولقبه سيف الدولة ووصله بالخلع والاكسية الفاخرة وحمله على مقرباته بالمراكب وانتقله وأنفذ أمره في الجيش والمال وأطلق يده في الاعمال وأوصاه بثلاث أن لا يرفع السيف عن البربر ولا يرفع الجباية عن أهل البادية ولا يولى أحدا من أهل بيته وعهد إليه أن يفتح أمره بغزو المغرب لحسم دائه وقطع علائق الاموية منه وارتحل يريد القاهرة سنة ثنتين وستين ورجع عنه لمكين من نواحى صفاقس فنزل نصر معه بالقيروان واضطلع بالولاية وأجمع غزو المغرب

[ 156 ]

فغزاه في جموع صماحة وتخلف كتابه وارتحل إلى المغرب وفر امامه ابن خزر صاحب المغرب الاوسط إلى سجلماسة وبلغه خلاف أهل تاهرت واخراج عامله فرحل إليها وخربها ثم بلغه أن زناتة اجتمعوا إلى تلمسان فرحل إليهم فهربوا أمامه ونزل على تلمسان فحاصرها حتى نزل أهلها على حكمه ونقلهم إلى أشير وبلغه كتاب معد ينهاه عن التوغل في المغرب فرجع ولما كان سنة سبعين وستين رغب بلكين من الخليفة نزار بن المعز أن يضيف إليه عمل طرابلس وسرت واجد إليه فأجابه إلى ذلك وعقد له عليها ورحل عنها عبد الله بن يخلف الكتامى وولى بلكين عليه من قبله ثم ارتحل بلكين إلى المغرب وفرت أمامه زناتة فملك فاس وسجلماسة وأرض الهبط وطرد منها عمال بنى أمية ثم غزا جموع زناتة بسجلماسة وأوقع بهم وتقبض على ابن خزر أمير مغراوة فقتله وجعل ملوكهم أمامه مثل بنى يعلى بن محمد النفزى وبنى عطية بن عبد الله ابن خزر وبنى فلفول بن خزر ويحيى بن على بن حمدون صاحب البصرة وبرزوا جميعا بقياطينهم إلى سبتة وبعثوا الصريخ إلى المنصور بن أبى عامر فخرج بعساكره إلى الجزيرة الخضراء وأمرهم بمن كان في حضرته من ملوك زناتة ورؤسائهم النازعين إلى خلفاء الاموية بالاندلس بقرطبة بالمقام في سبيل الطاعة واغتنام فضل الرباط بثغور المسلمين في ايالة الخلفاء واجتمعت منهم وراء البحر أمم مع ما انضم إليهم من العساكر والحشود وأجازهم البحر لقصر جعفر بن على بن حمدون صاحب المسيلة وعقد له على حرب بلكين وأمده بمائة حمل من المال فتعاقد ملوك زناتة واجتمعوا إليه وضربوا مصاف القتال بظاهر سبتة وهرع إليهم المدد من الجزيرة من عساكر المنصور وكادوا يخوضون البحر من فرائض الزقاق إلى مظاهرة أوليائهم من زناتة ووصل بلكين إلى تيطاوير وتسنم هضابها وقطع شعوبها لنهج المسالك والطرق بعسكره حتى أطل على معسكرهم بظاهر سبتة فرأى ما هاله واستيقن امتناعهم ويقال انه لما عاين سبتة من سنسرمة ورأى اتصال المدد من العدوة إلى معسكرهم بها قال هذه أفعى فغرت الينا فاها وكر راجعا على عقبه وكان موقفه ذلك أقصى اثره ورجع إلى البصرة فهدمها وكانت دار تلك بن الاندلس وبها عمارة عظيمة ثم انفتح له باب في جهاد برغواطة فارتحل إليهم وشغل بجهادهم وقتل ملكهم عيسى بن أبى الانصار كما نذكره وأرسل بالسبي إلى القيروان وأذهب دعوة بنى أمية من نواحى المغرب وزناتة مشردون بالصحراء إلى ان هلك سنة ثلاث وسبعين بواركش ما بين سجلماسة وتلمسان منصرفا من هذه الغارة الطويلة * (دولة منصور بن بلكين) *

[ 157 ]

ولما توفى بلكين بعث مولاه أبو زغبل بالخبر إلى ابنه والى المنصور وكان واليا باشير وصاحب عهد أبيه فقام بأمر صنهاجة من بعده ونزل صره وقلده العزيز نزار بن معد أمر افريقية والمغرب وكان على سنن أبيه وعقد لاخيه أبى البهار على تاهرت ولاخيه يطوفت على أشير وسرحه بالعساكر إلى المغرب الاقصى سنة أربع وسبعين يسترجعه من أيدى زناتة وقد بلغه انهم ملكوا سجلماسة وفاس فلقيه زيرى بن عطية المغراوى الملقب بالقرطاس أمير فاس فهزمه ورجع إلى أشير واقصى المنصور بعدها عن غزو المغرب وزناتة واستقبل به ابن عطية وابن خزرون وبدر بن يعلى كما نذكر بعد ثم رحل بلكين إلى رقاده وفتك بعبدالله بن الكاتب عامله وعامل ابيه على القيروان لهنات كانت منه وسعايات انجحت فيه فهلك سنة تسع وسبعين وولى مكانه يوسف ابن أبى محمد وكثر التواتر بكتابه فقتلهم وأثخن فيهم حتى أذعنوا وأخرج إليهم العمال وعقد لاخيه حماد على اشير وطالت الفتنة مع زناتة ونزل إليه منهم سعيد بن خزرون ولم يزل سعيد يطيعه إلى ان هلك سنة احدى وثمانين ولى ابنه فلفول بن سعيد وخالف أبو البهار بن زيرى سنة تسع وسبعين فزحف إليه المنصور وفر بين يديه إلى المغرب وأمد المنصور أهل تاهرت ومضى في اتباع أبى البهار حتى نفد عسكره وأشير عليه بالرجوع فرجع وبعث أبو البهار إلى أبى عامر صاحب الاندلس في المظاهرة والمدد واسسترهن ابنه في ذلك فكتب زيرى بن عطية صاحب دعوة الاموية من زناتة بفاس أن يكون معه يدا واحدة فظاهره زيرى واتفق رأيهما مدة وحاربهما بدر بن يعلى فهزماه وملكا فاس وما حولها ثم اختلفت ذات بينهما سنة ثنتين وثمانين ورجع أبو البهار إلى قومه ووفد على المنصور سنة ثنتين وثمانين بالقيروان فأكرمه ووصله وأنزله أحسن نزل وعقد له على تاهرت ثم هلك المنصور سنة خمس وثمانين * (دولة باديس بن المنصور) * ولما هلك المنصور قام بأمره ابنه باديس وعقد لعمه يطوفت على تاهرت وسرح عساكره لحرب زناتة مع عميه يطوفت وحماد فولوا منهزمين امام زناتة إلى أشير ونهض بنفسه سنة تسع وثمانين لحرب زيرى بن عطية راجعا إلى المغرب فولى باديس أخاه يطوفت على تاهرت وأشير وخالف عليه عمومته ملكس وزاوى وحلال ومعتز وعزم واستباحوا عسكر يطوفت وأفلت منهم ووصل أبو البهار متبرئا من شأنهم وشغل السلطان باديس بحرب فلفول بن سعيد كما نذكره في أخبار بنى خزرون وسرح عمه حمادا لحرب بنى زيرى اخوته ووصل بنو زيرى أيديهم بفلفول ثم رجعوا إلى حماد فهزمهم وتقبض على ماكس منهم فاطمة الكلاب وقتل أولاد الحسن وباديس كذا ذكر ابن

[ 158 ]

حزم وتجافلهم إلى جبل سنوه فنازلهم حماد آياما وعقد لهم السلم على ان يحارب الاندلس فلحقوا إلى عامر سنة احدى وتسعين وثلثمائة وهلك زيرى بن عطية المغراوى لتسع أيام من مهلك ماكس وأقفل باديس عمه حمادا على حضرته ليستعين به في حروب فلفول فاضطرب المغرب لقفوله وأظهرت زناتة الفساد وأضروا بالسابلة وحاصروا المسيلة واشير فسرح إليهم باديس عمه حماد اخرج على اثره سنة خمس وتسعين متحسب ودوخ حماد المغرب وأثخن في زناتة واختط مدينة القلعة ثم طلب منه باديس أن ينزل على عمل يتجس وقسنطينة واختيار النغاغية فأبى وأظهر الخلاف وبعث إليه أخاه ابراهيم فأقام معه وزحف إليهم باديس ثم رحل في طلبه إلى شلف ونزع إليه بعض العساكر ودخل في طاعته بنو توجين وحازوا في مدده ووصل أميرهم عطية بن دافلين وبدر بن أغمان بن المعتز فوصلها وكان حماد قبل دافلين ثم نزل باديس نهر واصل وانثنى حماد راجعا إلى القلعة واتبعه باديس ونازله بها وهلك بمعسكره عليها سنة ست وأربعمائة فجأة وهو نائم بين أصحابه بمصرية فارتحلوا راجعين واحتملوا باديس على أعواده * (دولة المعز بن باديس) * ولما بلغ الخبر بمهلك باديس بويع ابنه المعز لثمان سنين ووصل العسكر فبايعوه البيعة العامة ودخل حماد المسيلة واشير واستعد للحرب وحاصر باعانة وبلغ الخبر بذلك فزحف المعز إليه وأفرج عن باعانة ولقيه فانهزم حماد وأسلم معسكره وتقبض على أخيه ابراهيم ونجا إلى القلعة ورغب في الصلح فاستجيب على أن يبعث ولده وانتهى المعز إلى سطيف وقصر الطين وقفل إلى حضرته ووصل إليه القائد بن حماد بعمل المسيلة وطبنة والزاب واشير وتاهت وما يفتح من بلاد المغرب وعقد للقائد بن محمد على طبنة والمسيلة مقره ومرسي الدجاج وسوق حمزة وزواوة وانقلب بهدية ضخمة ورفعت أوزارها من يومئذ واقتسموا المظلة والتحموا بالاصهار وافترق ملك صنهاجة إلى دولتين دولة إلى المنصور بن بلكين أصحاب القيروان ودولة إلى حماد بن بلكين أصحاب القلعة ونهض المعز إلى حماد سنة ثنتين وثلاثين فحاصره بالقلعة مدة سنين ثم أقلع عنها وانكفأ راجعا ولم يعاود فتنة بعد ووصل راوي بن زيرى من الاندلس سنة عشر وأربعمائة كما ذكرناه في خبره فتلقاه المعز أعظم لقاء وسلم عليه راجلا وفرشت القصور لنزله ووصله بأعظم الصلات وأرفعها واستمر ملك المعز بافريقية والقيروان وكان أضخم ملك عرف للبربر بافريقية وأترفه وأبذخه نقل ابن الرقيق من أحوالهم في الولائم والهدايا والخبائز والاعطيات ما يشهد بذلك مثل ما ذكر ان عطية

[ 159 ]

صندل عامل باعانة مائة حمل من المال وان بعض توابيت الكبراء منهم كان العود الهندي بمسامير لذهب وان باديس أعطى فلفول بن مسعود الزناتى ثلاثين حملا من المال وثمانين تختا وان أعشار بعض أعمال الساحل بناحية صفاقس كان خمسين ألف قفيز وغير ذلك من أخبارهم وكانت بينه وبين زناتة حروب ووقائع كان له الغلب في جميعها كل هو مذكور وكان المعز منحرفا عن مذاهب الرافضة ومنتحلا للسنة فأعلن بمذهبه لاول ولايته ولعن الرافضة ثم صار إلى قتل من وجد منهم وكبابه فرسه ذات يوم فنادى مستغيثا باسم أبى بكر وعمر فسمعته العامة فثاروا لحينهم بالشيعة وقتلوهم أبرح قتل وقتل دعاة الرافضة يومئذ وامتعض لذلك خلفاء الشيعة بالقاهرة وخاطبه وزيرهم أبو القاسم الجرجاني محذرا وهو يراجعه بالتعريض لخلفائه والمزج فيهم حتى أظل الجو بينه وبينهم إلى أن انقطع الدعاء لهم سنة أربعين وأربعمائة على عهد المستنصر من خلفائهم وأحرق بنوده ومحا اسمه من الطرر والسكة ودعا للقائم بن القادر من خلفاء بغداد وجاءه خطاب القائم وكتاب عهده صحبة داعيته أبى الفضل بن عبد الواحد التميمي فرماه المستنصر خليفة العبيديين بالمغرب من هلال الذين كانوا مع القرامطة وهم رياح وزغبة والاثيج وذلك بمشاركة من وزيره أبى محمد الحسن بن على البازورى كما ذكرنا في أخبار العرب ودخولهم إلى افريقية وتقدموا إلى البلاد وأفسدوا السابلة والقرى وسرح إليهم المعز جيوشه فهزموهم فنهض إليهم ولفيهم بجبل حيدران فهزموه واعتصم بالقيروان فحاصروه وتمرسوا به وطال عينهم في البلاد واضطرارهم بالرعايا إلى ان خربت افريقية وخرج ابن المعز من القيروان سنة تسع وأربعين مع خفيره منهم وهو مؤنس بن يحيى الصرى أمير رياح فلحق في خفارته بالمهدية بعد ان أصهر إليه في ابنته فأنكحه اياها ونزل بالمهدية وقد كان قدم إليها ابنه تميما فنزل عليه ودخل العرب القيروان وانتهبوها وأقام المعز بالمهدية وانتزى البوار في البلاد فغلب حمد بن مليل البرغواطى على مدينة صفاقس وملكها سنة احدى وخمسين وخالفت سوسة وصار أهلها إلى الشورى في أمرهم وصارت تونس آخرا إلى ولاية الناصر بن علناس ابن حماد صاحب القلعة وولى عليهم عبد الحق بن خراسان فاستبد بها واستقرت في ملكه وملك بنيه وتغلب موسى بن يحيى على قابس وصار عاملها المعز بن محمد الصنهاجى إلى ولايته وأخوه ابراهيم من بعده كما يأتي ذكره والثالث ملك آل يدرس وانقسم في الثوار كما نذكر في أخبارهم بعد مهلك المعز سنة أربع وخمسين والله أعلم * (دولة تميم بن المعز) * ولما هلك المعز قام بأمره ابنه تميم وغلبه العرب على افريقية فلم يكن له الا ما ضمه السور

[ 160 ]

خلا انه كان يخالف بينهم ويسلط بعضهم على بعض وزحف إليه حمو بن مليل البرغواطى صاحب صفاقس فخرج تميم للقائه وانقسمت العرب عليها فانهزم حمو وأصحابه وذلك سنة خمس وسار منها إلى سوسة فافتتحها ثم بعث عساكره إلى تونس فحاصروا ابن خراسان حتى استقام على الطاعة لتميم ثم بعث عساكره أيضا إلى القيروان وكان بها قائد بن ميمون الصنهاجى من قبل المعز فأقام ثلاثا ثم غلبته عليها هواد وخرج إلى المهدية فبعث تميم إليه العساكر فلحق بالناصر وأسلم القيروان ثم رجع بعد ست إلى حمو بن مليل البرغواطى بصفاقس وابتاع له القيروان من مهنى بن على أمير زغبة فولاه عليها وحصنها سنة سبعين وكان بين تميم والناصر صاحب القلعة أثناء ذلك فتن كان سما بها العرب يجأجؤن بالناصر من قلعته ويطؤن عساكره ببلاد افريقية وربما ملك بعض أمصارها ثم يردونه على عقبه إلى داره إلى ان اصطلحا سنة سبعين وأصهر إليه تميم بابنته ونهض تميم سنة أربع وسبعين إلى قابس وبها ماضى بن محمد الصنهاجى وليها بعد أخيه ابراهيم فحاصرها ثم أفرج عنها ونازلته العرب سنة ست وسبعين بالمهدية ثم أفرجوا عنه وهزمهم فقصدوا القيروان ودخلوها فأخرجهم عنها وفى أيامه كان بعلها نصرى جنده على المهدية سنة ثمانين نزلوها في ثلثمائة مركب وثلاثين ألف مقاتل واستولوا عليها وعلى زويلة فبذل لهم تميم في النزول عنها مائة ألف دينار بعد ان انتهبوا جميع ما كان بها فاستخلصها من أيديهم ورجع إليها ثم استولى على قابس سنة تسع وثمانين من يد أخيه عمر بن المعز بايع له أهلها بعد موت قاص بن ابراهيم ثم استولى بعدها على صفاقس سنة ثلاث وتسعين وخرج منها حمو بن مليل إلى قابس فأجاره لكى ابن كامل الدهمانى إلى ان مات بها وكانت رياح قد تغلبت على رغبة وعلى افريقية من لدن سبع وستين وأخرجوه منها وفى هذه المائة الخامسة غلب الاخضر من بطون رياح على مدينة باجة وملكوها وهلك تميم اثر ذلك سنة احدى وخمسمائة * (دولة يحيى بن تميم) * ولما هلك تميم بن المعز ولى ابنه يحيى وافتتح أمره بافتتاح امكيسة وغلب عليها ابن محفوظ الثائر بها وثار أهل صفاقس على ابنه أبى الفتوح فلطف الحيلة في تفريق كلمتهم وراجع طاعة العبيديين ووصلته المخاطبات والهدايا وكان قد صرف همه إلى غزو النصارى والاساطيل البحرية فاستكثر منها واستبلغ في اقتنائها وردد البعوث إلى دار الحرب فيها حتى لقبته أمم النصرانية بالجرى من وراء البحر من بلاد افريقية وجنوة وسردانية وكان له في ذلك آثار ظاهرة عزيزة وهلك فجأة في قصره سنة تسع وخمسمائة والله أعلم

[ 161 ]

* (دولة على بن يحيى) * ولما هلك يحيى بن تميم ولى على ابنه استقدم لها من صفاقس فقدم أبى بكر ابى جابر عن عسكر ونظرائه من أمراء العرب وكان أعظم أمراء عساكر صنهاجة محاض بن لقط الاحم فاجتمعوا إليه وتمت بيعته ونهض إلى حصار تونس حتى استقام أحمد بن خرايان على الطاعة وفتح جبل وسلات وكان ممتنعا على من سلف من قومه فجرد إليه عسكرا مع ميمون بن زياد الصخرى المعادي من أمراء العرب فافتتحوه وقتلوا من كان به ووصل رسول الخليفة من مصر بالمخاطبات والهدايا على العادة ثم نهض إلى معصار رافع بن مكن بفاس سنة احدى عشرة وخمسمائة ودون لها قبائل بادغ من بنى على احدى بطون رياح كما نذكره في أخبار رافع ثم حدثت الفتنة بين رجار صاحب صقلية بمحلات رجار الرافع بن كامل عليه وامداده اياه بأسطوله بغير على ساحل على بن يحيى ويرصد أساطيله فاستخدم على بن يحيى الاساطيل وأخذ في الاهبة للحرب وهلك سنة خمس عشرة وخمسمائة والله اعلم * (دولة الحسن بن على) * ولما هلك على بن يحيى بن تميم ولى بعده ابنه الحسن بن على غلاما يفعة ابن ثنتى عشرة سنة وقام بأمره مولاه صندل ثم مات صندل وقام بأمره مولاه موفق وكان أبوه أصدر المكاتبة إلى رجار عند الوحشة يهدده بالمرابطين ملوك المغرب ولما كان بينهما وبينهم المكاتبسة واتفق أن غزا أحمد بن ميمون قائد اسطول المرابطين صقلية وافتتح قرية منها فسباها وقتل أهلها سنة ست عشرة فلم يشك رجار أن ذلك باملاء الحسن فنزلت أساطيله إلى المهدية وعليهم عبد الرحمن بن عبد العزيز وجرجى بن محاييل الانطاكي وكان جرجى هذا نصرانيا هاجر من المشرق وقد تعلم اللسان وبرع في الحساب وتهذب في الشأم بانطاكية وغيرها فاصطنعه تميم واستولى عليه وكان يحيى يشاوره فلما هلك تميم أعمل جريحي الحيلة في اللحاق برجار فلحق به وحظي عنده واستعمله على اسطوله فلما استعجم على حصار المهدية بعثه لذلك فزحف في ثلثمائة مركب وبها عدد كثير من النصرانية فيهم ألف فارس وكان الحسن قد استعد لحربهم فافتتح جزيرة قوصرة وقصدوا إلى المهدية ونزلوا إلى الساحل وضربوا الابنية وملكوا قصر الدهانين وجزيرة الاملس وتكرر القتال فيهم إلى أن غلبهم المسلمون وأقلعوا راجعين إلى صقلية بعد ان استمر القتل فيهم ووصل بألاثر ذلك محمد بن ميمون قائد المرابطين باسطوله فعاث في نواحى صقلية واعتزم رجار على اعادة الغزو إلى المهدية ثم وصل اسطول يحيى بن العزيز صاحب بجاية لحصار المهدية ووصلت عساكره في البر مع قائده مطرف بن على بن

[ 162 ]

حمدون الفقيه فصالح الحسن صاحب صقلية ووصل بدونه واستمد منه أسطوله واستمد الحسن اسطول رجار فأمده وارتحل مطرف إلى بلده وأقام الحسن مملكا بالمهدية وانتقض عليه رجار وعاد إلى الفتنة معه ولم يزل يردد إليه الغز والى ان استولى على المهدية قائد اسطوله جرجى بن مناسل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ووصلها باسطوله في تلثمائة مركب وخاذلهم بأنهم انما جاؤا مددا له وكان عسكر الحسن قد توجه صريخا لمحرز بن زياد الفادعى صاحب على بن خراسان صاحب تونس فلم يجد صريخا فجلا عن المهدية ورحل واتبعه الناس ودخل العدو إلى المدينة وتملكوها دون دفاع ووجد جرجى القصر كما هو لم يرفع منه الحسن الا ما خف وترك الذخائر الملوكية فأمن الناس وأبقاهم تحت إيالته ورد الفارين منه إلى أماكنهم وبعث اسطولا إلى صفاقس فملكها وأخذ إلى سوسه فملكها ايضا وأخذ إلى طرابلس كذلك واستولى رجار صاحب صقلية على بلاد الساحل كلها ووضع على أهلها الجزى وولى عليهم كما نذكره إلى ان استنقذهم من ملكة الكفر عبد المؤمن شيخ الموحدين وخليفة امامهم المهدى ولحق الحسن بن يحيى بعد استيلاء النصارى على المهدية بالعرب من رياح وكبيرهم محرز بن زياد الفادعى صاحب القلعة فلم يجد لديهم مصرخا وأراد الرحيل إلى مصر للحافظ عبد المجيد فأرصد له جرجى فارتحل إلى المغرب وأجاز إلى بونة وبها الحارث بن منصور وأخوه العزيز ثم توجه إلى قسنطينة وبها سبع بن العزيز أخو يحيى صاحب بجاية فبعث إليه من أجازه إلى الجزائر ونزل على ابن العزيز فأحسن نزله وجاوره إلى ان فتح الموحدون الجزائر سنة سبع وأربعين بعد تملكهم المغرب والاندلس فخرج إلى عبد المؤمن فلقاه تكرمة وقبولا ولحق به وصحبه إلى افريقية في غزاته الاولى ثم الثانية سنة سبع وخمسين فنازل المهدية وحاصرها أشهرا ثم افتتحها سنة خمس وخمسين وأسكن بها الحسن وأقطعه وحيش فأقام هنالك ثمانى سنين ثم استدعاه يوسف بن عبد المؤمن فارتحل بأهله يريد مراكش وهلك بتامسنا من طريقه باباررلو سنة ست وثلاثين والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين ورب الخلائق أجمعين

[ 163 ]

{ الخبر عن بنى خراسان من صنهاجة الثوار بتونس على آل باديس عند اضطراب افريقية بالعرب ومبدأ أمرهم ومصاير أحوالهم } لما تغلب العرب على القيروان وأسلم المعز وتحول إلى المهدية اضطرمت افريقية نارا واقتسمت العرب البلاد عمالات وامتنع كثير من البلاد على ملوك آل باديس مثل أهل سوسة وصفاقس وقابس وصارت صاغية أهل افريقية إلى بنى حماد ملوك القلعة كما تقدم وانقطعت تونس عن ملك المعز ووفد مشيختها على الناصر بن علناس فولى عليهم عبد الحق بن عبد العزيز بن خراسان يقال انه من أهل تونس والاظهر انه من قبائل صنهاجة فقام بأمرهم وشاركهم في أمرهم وتردد إليهم وأحسن السيرة فيهم وصالح

[ 164 ]

العرب أهل الضاحية على اتاوة معلومة لكف عاديتهم وزحف تميم بالمغرب من المهدية إلى سنة ثمان وخمسين في جموعه ومعه يبقى بن على أمير زغبة فحاصر تونس أربعة أشهر إلى أن صالحه ابن خراسان واستقام على طاعته فأفرج عنه ولم يزل قائما بأمره ابنه أحمد ابن عبد العزيز بن عبد الحق فضل عمه اسمعيل بن عبد الحق لمكان رسمه وقرابته أبو بكر إلى أن ببزرت فأقام بها خوفا على نفسه ونزع أحمد إلى التحلق بسير الملك والخروج عن سيرة المشيخة واشتدت وطأته وكان من مشاهير رؤساء بنى خراسان هؤلاء فاستبد بتونس لاول المائة السادسة وضبطها وبنى اسوارها وعامل العرب على اصلاح سابلتها فصلحت حاله وبنى قصور بنى خراساب وكان مجالسا للعلماء محبا فيهم ونازله على بن يحيى بن العزيز بن تميم سنة عشر وخمسمائة وضيق عليه ودافعه باسعاف غرضه فأفرج عنه ثم نازله عساكر العزيز بن منصور صاحب بجاية فعاد إلى طاعته سنة أربعة عشر ولم يزل واليا على تونس إلى ان نهض سنة ثنتين وعشرين مطرف بن على بن حمدون قائد يحيى ابن العزيز من بجاية في العساكر إلى افريقية وملك عامة امصارها فتغلب على تونس وأخرج أحمد بن عبد العزيز صاحبها ونقله إلى بجاية بأهله وولده وولى على تونس كرامة ابن المنصور عم يحيى بن العزيز فبقى واليا عليها إلى ان مات وولى عليها بعدها أخوه أبو الفتوح بن المنصور إلى ان مات وولى مكانه ابن ابنه محمد وساءت سيرته فعزل وولى مكانه عمه معد بن المنصور إلى ان استولى النصارى على المهدية وسواحلها ما بين سوسة وصفاقس وطرابلس سنة ثلاث وأربعين وصارت لصاحب صقلية وأخرج الحسن بن على كما هو مذكور فأخذ أهل تونس في الاستعداد والحذر واستأسدوا لذلك على واليهم وانتشر بغاتهم وربما ثاروا بعض الايام عليه فقتلوا عبيده بمرأى منه واعتدوا عليه في خاصته فبعث عنه أخوه يحيى من بجاية فركب البحر في الاسطول وترك نائبه العزيز بن دامال من وجوه صنهاجة فأقام بينهم وهم مستبدون عليه وكان بالمعلقة جوارهم محرز ابن زياد أمير بنى على من بطون رياح وقد تغلب عليها وكانت الحرب بينه وبين أهل تونس سجالا والتحم بينهما المصف وكان محرز يستمد عساكر صاحب المهدية على أهل تونس فتأتيه إلى ان غلب النصر على المهدية وحدثت الفتنة بينهم بالبلد فكان المصاف بين أهل باب السويقة وأهل باب الجزيرة وكانوا يرجعون في أمورهم إلى القاضى عبد المنعم ابن الامام أبى الحسن ولما غلب عبد المؤمن على بجاية وقسنطينة وهم العرب صدف ورجع إلى مراكش انتهت إليه شكوى الرعايا بافريقية مما نزل بهم من العرب فبعث ابنه عبد الله من بجاية إلى افريقية في عساكر الموحدين فنازل تونس سنة ثنتين وخمسين وامتنعت عليه ودخل معهم محرز بن زياد وقومه من العرب واجتمع جندهم وبرزوا

[ 165 ]

للموحدين فأوقعوا بهم وأفرجوا عن تونس وهلك أميرها عبد الله بن خراسان خلال ذلك وولى مكانه على بن أحمد بن عبد العزيز خمسة أشهر وزحف عبد المؤمن إلى تونس وهو أميرها فانقادوا لطاعته كما نذكره في أخبار الموحدين ورحل على بن أحمد بن خراسان إلى مراكش بأهله وولده وهلك في طريقه سنة أربع وخمسين وأفرج محرز بن زياد عن المعلقة واجتمعت إليه قومه وبدا من العرب عن مدافعة الموحدين واجتمعوا بالقيروان وبلغ الخبر إلى عبد المؤمن وهو منصرف من غزاته إلى المغرب فبعث إليهم العساكر وأدركوهم بالقيروان فأوقعوا بهم واستلحموهم قتلا وسبيا وتقبض على محرز ابن زياد أميرهم فقتل وصلب شلوه بالقيروان والله يحكم ما يشاء لا معقب لحكمه وهو على كل شئ قدير { الخبر عن بنى الرند ملوك قفصة الثائرين بها عند التياث ملك آل باديس بالقيروان واضطرابه بفتنة العرب ومبدأ دولتهم ومصاير أمورهم } لما تغلب العرب على افريقية وانحل نظام الدولة الصنهاجية وارتحل المعز من القيروان إلى المهدبة وكان بقفصة عاملا لصنهاجة عبد الله بن محمد بن الرند وأصله من حرمة من بنى صدغيان وكان ابن نحيل هو من بنى مرين من مغراوة وكان مسكنهم بالجوليين من نفزاوة فضبط قفصة وقطع عنها عادية الفساد وصالح العرب على الاتاوة فصلحت

[ 166 ]

السابلة واستقام الحال ثم استبد بأمره وخلع الامتثال من عنقه سنة خمس واربعين واستمر على ذلك وبايعته توزر وقفصة وسوس والحامة ونفزاوة وسائر أعمال قسنطينة فاستفحل أمره وعظم سلطانه ورفد عليه الشعراء والقصاد وكان معظما لاهل الدين إلى ان هلك سنة خمس وستين وولى من بعده ابنه المعتز وكنيته أبو عمر وانقاد إليه الناس فضبط الامور وجبى الاموال واصطنع الرجال وتغلب على نموده وجبل هوارة وسائر بلاد قصطبيلة وما إليها وحسنت سيرته إلى ان عمى وهلك في حياته ابنه تميم فعهد لابنه يحيى بن تميم وقام بالامر واستبد على حده ولم يزالوا بخير حال إلى ان نازلهم عبد المؤمن سنة أربع وخمسين فمنعهم من الامر ونقلهم إلى بجاية فمات المعتز بها سنة سبع وخمسين لمائة وأربع عشرة من عمره وقيل لسبعين ومات بعده بيسير حافده يحيى بن تميم وولى عبد المؤمن على قفصة نعمان بن عبد الحق المنتاتى ثم عزله بعد سلان بميمون ابن أجانا الكنسيفى ثم عزله بعمران بن موسى الصنهاجى وأساء الرعية فبعثوا عن على بن العزيز ابن المعتز من بجاية وكان بها في مضيعة يحترف بالخياطة فقدم عليهم وثاروا بعمران ابن موسى عامل الموحدين فقتلوه وقدموا على بن العزيز فساس ملكه وحاط رعيته وأغزاه يوسف بن عبد المؤمن سنة ثلاث وستين أخاه السيد أبا زكريا فحاصره وضيق عليه وأخذه وأشخصه إلى مراكش بأهله وماله واستعمله على الاشغال بمدينة سلا إلى أن هلك وفنيت دولة بنى الرند والبقاء لله وحده اه‍ { الخبر عن جامع الهلاليين امراء قابس لعهد الصنهاجيين وما كان لتميم بها من الملك والدولة وذلك عند فتنة العرب بافريقية } ولما دخلت العرب إلى افريقية وغلبوا المعز على الضواحى ونازلوه بالقيروان وكان الوالى بفاس المعز بن محمد ولموية الصنهاجى وكان أخوه ابراهيم وماضي بالقيروان قائدين للمعز على جيوشه فعزلهما ولحقا مغاضبين بمؤنس بن يحيى وكان ذلك أول تملك العرب ثم أقام ابراهيم منهم واليا بقابس ولحق المعز بن محمد بمؤنس فكان معه إلى ان هلك ابراهيم وولى مكانه أخوه ماضى وكان سيئ السيرة فقتله أهل قابس وذلك لعهد عيم بن المعز بن باديس وبعثوا إلى عمر أخى السلطان إلى طاعة العرب فوليها بكر بن كامل بن جامع أمير المناقشة من دهمان من بنى على احدى بطون رياح فقام بأمرها واستبد على

[ 167 ]

صنهاجة ولحق به مثنى بن تميم بن المعز نازعا عن أبيه فأجابه ونازل معه المهدية حتى امتنعت عليه واطلع على قبائح شتى فأفرج عنها ولم يزل كذا على حاله في اجابة قابس وامارة قومه دهمان إلى أن هلك وقام بأمره بعده رافع واستفحل بها ملكه وهو الذى اختط بحر العروسيين من مصانع الملك بها واسمه مكتوب لهذا العهد في جدرانها ولما ولى على بن يحيى على اسطول النصارى ثم ذوى قبائل العرب والاساطيل وزحف إلى قابس سنة احدى عشر وأربعمائة قال ابن أبى الصلت دول الثلاثة الاخماس من قبائل العرب الذين هم سعيد ومحمد ولحسة واضاف إليهم من الخمس الرابع أكابر بنى مقدم فامن كان منهم بفحص القيروان وفر رافع إلى القيروان وامتنع عليه أهلها ثم امتنع شيوخ دهمان واقتسموا البلاد وعينوا القيروان لرافع وأمكنوه وبعث على بن يحيى عساكره والعرب المدونة على منازلة رافع بالقيروان وخرج إلى محاربتهم فهلك بالطريق في بعض حروبه مع أشياع رافع ثم أن ميمون بن زياد الصخرى حمل رافع بن مكن على مسالمة السلطان وسعى في اصلاح ذات بينهما فانصلح وارتفعت بينهما الفتنة وقام بقابس من ذلك رشيد بن كامل قال ابن بجيل وهو الذى اختط قصر العروسيين وضرب السكة الرشيدية وولى بعده ابنه محمد بن رشيد وغلب عليه مولاه يوسف ثم خرج محمد في بعض وجوهه وترك ابنه مع يوسف فطرده يوسف واستبد وانتهى إلى طاعة رجار فثار به أهل قابس ودفعوه عنهم فخرج إلى أخيه ولحق أخوه عيسى بن رشيد وأخبره الخبر فحاصرهم رجار بسبب ذلك مدة من الايام وكان آخر من ملكها من بنى جامع أخوه مدافع بن رشيد بن كامل ولما استولى عبد المؤمن على المهدية وصفاقس وطرابلس بعث ابنه عبد الله بعسكر إلى قابس ففر مدافع بن رشيد عن قابس وأسلمها للموحدين ولحق بعرب طرابلس من عرب فأجاروه سنتين ثم لحق بعبد المؤمن بقابس فأكرمه ورضى عنه وانقرض من بنى جامع من يؤانس والبقاء لله وحده اه‍

[ 168 ]

{ الخبر عن ثورة رافع بن مكن بن مطروح بطرابلس والعرامي بصفاقس على النصارى واخراجهم واستبدادهم بأمر يلدهم في آخر دولة بنى باديس } أما طرابلس فكان رجار صاحب صقلية لعنه الله قد استولى عليها سنة أربعين وخمسمائة على يد قائده جرجى بن مخاييل الانطاكي وأبقى المسلمين بها واستعمل عليهم وبقيت في مملكة النصارى أياسا ثم ان أبا يحيى بن مطروح من أعيان البلد مشى في وجوه الناس وأعيانهم وداخلهم في الفتك بالنصارى فاجتمعوا لذلك وثاروا بهم وأحرقوهم بالنار ولما وصل عبد المؤمن إلى المهدية وافتتحها سنة خمس وخمسين وفد عليه أبو يحيى بن مطروح ووجوه أهل طرابلس فأوسعهم برا وتكرمة وقدم ابن مطروح المذكور وردهم إلى بلدهم فلم يزل عليهم إلى ان هرم وعجز بعد يوسف بن عبد المؤمن وطلب الحج فسرحه السيد أبو زيرى بن أبى حفص محمد بن عبد المؤمن عامل تونس فارتحل في البحر سنة ست وثمانين واستقر بالاسكندرية وأما صفاقس فكانت ولاتها أيام بنى باديس من صنهاجة قبيلهم إلى أن ولى المعز بن باديس عليها منصور البرغواطى من صنائعه وكان فارسا مقداما فحدث نفسه بالثورة أيام تغلب العرب على افريقية وخروج المعز إلى المهدية ففتك به ابن عمه حمو بن مليل البرغواطى وقتله في الحمام غدرا وامتعض له حلفاؤه من العرب وحاصروا حمو حتى بذل لهم من المال ما رضوا به واستبد حمو بن مليل بأمر صفاقس حتى إذا هلك المعز حدثته نفسه بالتغلب على المهدية فزحف إليها في جموعه من العرب ولقيه تميم فانهزم حمو وأصحابه سنة خمس وخمسين ثم بعث ابنه يحيى مع العرب لحصار صفاقس فحاصرها مدة وأقلع عنها وزحف إليه تميم بن المعز سنة ثلاث

[ 169 ]

وتسعين فغلبه عليها ولحق حمو لمكن بن كامل أمير قابس فأجاره وصارت صفاقس إلى ملكة تميم ووليها ابنه ولما تغلب النصارى على المهدية وملكها جرجى بن ميخاييل قائد رجار سنة ثلاث وأربعين فغلبوا بعدها على صفاقس وأنفوا أهلها واستعملوا عمر بن ابى الحسسن القربانى لمكانه فيهم وحملوا أباه أبا الحسن معهم إلى صقلية رهنا وكان ذلك مذهب رجار ودينه فيما ملك من سواحل افريقية يبقيهم ويستعمل عليهم منهم ويذهب إلى العدل فيهم فبقى عمر بن أبى الحسن عاملا لهم في أهل بلده وأبوه عندهم ثم ان النصارى الساكنين بصفاقس امتدت أيديهم إلى المسلمين ولحقوا بالضرر وبلغ الخبر أبا الحسن وهو بمكانه من صقلية فكتب إلى ابنه عمر وأمره بانتهاز الفرصة فيهم والاستسلام إلى الله في حق المسلمين فثار بهم عمر لوقته سنة احدى وخمسين وقتلهم وقتل النصارى أباه أبا الحسن وانتقضت عليهم بسبب ذلك سائر السواحل ولما افتتح عبد المؤمن المهدية من يد رجار وصل إليه عمر وأدى طاعته فولاه صفاقس ولم يزل واليا عليها وابنه عبد الرحمن من بعده إلى ان تغلب يحيى بن غانية فرغبه في الحج فسرحه ولم بعد { الخبر عما كان بافريقية من الثوار عن صنهاجة عند اضطرابها بفتنة العرب إلى ان محا أثرهم الموحدون } لما كان أبو رجاء اللخمى عند اضطرام نار الفتنة بالعرب وتقويض المعز عن القيروان إلى المهدية وتغلبهم عليها قد ضم إليه جماعة من الدعار وكان ساكنا بقلعة قرسبنة من جبل شعيب فكان يضرب على النواحى بجهة بنزرت فريقان احدهما من لخم وهو قوم الورد وبقوا فوضى واختلف أمرهم فبعثوا إلى الورد في أن يقوم بأمرهم فوصل إلى بلدهم فاجتمعوا عليه وأدخلوه حصن بنزرت وقدموه على أنفسهم فحاطهم من العرب ودفع عن نواحيهم وكان بنو مقدم من الاثبج ودهمان من بنى احدى بطون رياح هم المتغلبون على ضاحيتهم فهادنهم على الاتاوة وكف بها عاديتهم واستفحل أمرهم وسمى بالامير وشيد المصانع والمباني وكثر عمران سدون إلى أن هلك فقام بأمره ابنه طراد وكان شهما وكانت العرب تهابه وهلك فولى من بعده ابنه محمد بن طراد وقتله أخوه مقرن لشهر من ولايته في مسامرة وقام بأمر بنزرت وسمى بالامير وحمى حوزته من العرب واصطنع الرجال وعظم سلطانه وقصده الشعراء وامتدحوه فوصلهم وهلك فولى من بعده ابنه عبد العزيز عشر سنين وجرى فيها على سنن أبيه وجده ثم ولى من بعده أخوه موسى على سننهم أربع سنين ثم من بعده أخوهما عيسى واقتفى أثرهم ولما نازل عبد الله بن عبد المؤمن تونس وأفرج عنه مر به في طريقه فاستفرغ جهده في قراه وتجمع بطاعته وطلب منه الحافظ بلده فأسعفه وولى

[ 170 ]

عليهم أبا الحسن الهرغى فلما قدم عبد المؤمن على افريقية سنة أربع وخمسين راعى له ذلك وأقطعه واندرج في جملة الناس وكان بقلعة ورغة بدوكس بن أبى على الصنهاجى من أولياء العزيز المنصور صاحب بجاية والقلعة قد شادها وحصنها وكان مبدا أمره ان العزيز تغير عليه في حروب وقعت بينه وبين العرب نسب فيها إلى نفسه الاقدام والى السلطان العجز فخافه على نفسه ولحق ببجاية فأكرمه شيخها محمود بن نزال الريغى وآواه وترافع إلى محمود أهل ورغة من عمله وكانوا فئتين مختلفتين من زاتيمه احدى قبائل البربر وهما أولاد مدنى وأولاد لاحق فبعث عليهم عد وسكن بن أبى على لينظر في أحوالهم وأقام معهم بالقلعة ثم استجلب بعض الدعار كانوا بناحيتها وأنزلهم بالقلعة معهم واصطنعهم وظاهر أولاد مدنى وظاهرهم على أولاد لاحق وأخرجهم من القلعة واستبد بها وقصدته الرجال من كل جانب إلى ان اجتمعت له خمسمائة فارس وأثخن في نواحيه وحارب بنى الورد ببنزرت وابن علان بطبربة وقتل محمد بن سباع أمير بنى سعيد من رياح وغصت القلعة بالساكن فاتخذ لها ربضا وجهز إليه العزيز عسكره من بجاية فبارز قائد العسكر وفتك به واسمه غيلاس وهلك بعد مدة وقام بأمره ابنه منيع ونازله بنو سباع وسعيد طالبين بثار أخيهما محمد وتمادى به الحصار وضاقت أحواله فاقتحموا عليه القلعة واستلحم هو وأهل بيته قتلا وسبيا والله مالك الامور وكان أيضا بطبربة مدافع بن علان القيسي شيخ من شيوخها فلما اضطربت افريقية عند دخول العرب إليها امتنع بطبربة وحصن قلعتها واستبد بها في جملة من ولده وبنى عمه وجماعته إلى أن ثار عليه ابن بيزون اللخمى في البحرين على واد بحرده بازاء الرياحين وطالت بينهما الفتنة والحرب وكان قهرون بن مخنوس بمنزل دحمون قد بنى حصنه وشيده وجمع إليه جيشا من أوباش القبائل وذلك لما أخرجه أهل تونس بعد ان ولاه العامة عليهم ثم صرفوه عن ولايتهم لسوء سيرته فخرج من البلد ونزل دحمون وبنى حصنا بنفسه مع الحنايا وردد الغارة على تونس وعاث في جهاتها فرغبوا من محرز بن زياد أن يظاهرهم عليه ففعل وبلغ خبره ابن علان صاحب طبرية فوصل ابن علال يده بصهر منه ونقله إلى بعض الحصون ببلده وهى قلعة عنوش وتظافروا على الافساد وخلفهما بنوهما من بعدهما إلى أن وصل عبد المؤمن إلى افريقية سنة أربع وخمسين فمحا آثار الفساد من جانب افريقية وكان أيضا حماد بن خليفة اللخمى بمنزل رقطون من اقليم زغوان على مثل حال ابن علال مر بن غنوش وابن يبزون وخلفه ولده في مثل ذلك إلى ان انقطع ذلك على يد عبد المؤمن وكب عماد بن نصر الله الكلاعى بقلعة شغضبارية قد صار إليه جند من أهل الدعارة وأوباش القبائفل فحلها من العرب واستغاث به ابن قليه شيخ الاريس

[ 171 ]

من العرب وسوء ملكتهم فزحف إليهم وأخرجهم من الاريس وفرض عليهم مالا يؤدونه إليه إلى ان مات وولى ابنه من بعده فجرى على سننه إلى ان دخل في طاعة عبد المؤمن سنة أربع وخمسين وخمسمائه والله مالك الملك لا رب غيره سبحانه اه‍ { الخبر عن دولة آل حماد بالقلعة من ملوك صنهاجة الداعين لخلافة العبيديين وما كان لهم من الملك والسلطان بافريقية والمغرب الاوسط إلى حين انقراضه بالموحدين } هذه الدولة شعبة من دولة آل زيرى وكان المنصور بلكين قد عقد لاخيه حماد على أشيرو المسيلة وكان يتداولها مع أخيه يطوفت وعمه أبى البهار ثم استقل بها سنة سبع وثمانين أيام باديس من أخيه المنصور ودفعه لحرب زناتة سنة خمس وتسعين بالمغرب الاوسط من مغرواة وبنى يفرن وشرط له ولاية أشير والمغرب الاوسط وكل بلد يفتحه وأن لا يستقدمه فعظم عناؤه فيها وأثخن في زناتة وكان مظفرا عليهم واختط مدينة القلعة بجبل كتامة سنة ثمان وتسعين وهو جبل عجيسة وبه لهذا العهد قبائل عياض من عرب هلال ونقل إليها أهل المسيلة وأهل حمزة وخربهما ونقل جراوة من المغرب وأنزلهم بها وتم بناؤها وتمصرها على رأس المائة الرابعة وشيد من بنيانها واسوارها واستكثر فيها من المساجد والفنادق فاستبحرت في العمارة واتسعت في التمدن ورحل إليها من الثغور والقاصية والبلدء البعيد طلاب العلوم وأرباب الصنائع لنفاق اسواق المعارف والحرف والصنائع بها ولم يزل حماد أيام باديس هذا أميرا على الزاب والمغرب الاوسط ومتوليا حروب زناتة وكان نزوله ببلد أشير والقلعة مناقما لملوك زناتة واجيالهم البادية بضواحي تلمسان وتاهرت وحاربه بنو زيرى عند خروجهم على باديس سنى تسعين وثلثمائة وهم راوي وماسكن واخوانهما فقتل ما سكن وابناه وألجأ راوي واخوته إلى جبل شنوه وأجازهم البحر إلى الاندلس ثم ان بطانة باديس ومن إليه من الاعجام والقرابة نفسوا على حماد رتبته وسعوا في مكانه من باديس إلى ان فسد ذات بينهما وطلب باديس أن يسلم عمل يتحست وقسنطينة لولده المعز لما قلده الحاكم ولاية عهد ابنه فأبى حماد وخالف دعوة باديس وقتل الرافضة وأظهر السنة ورضى عن الشيخين ونبذ طاعة العبيديين جملة وراجع دعوة آل العباس وذلك سنة خمس وأربعمائة وزحف إلى باجة فدخلها بالسيف ودس إلى أهل تونس الثورة على المشارقة والرافضة فبادوا لهم فناصبه باديس الحرب وعبى عساكره من القيروان وخرج الفيئة فنزع عن حماد أكثر أصحابه مثل بنى أبى واليل أصحاب معرة من زنانه وبنى حسن كبار صنهاجة وبنى يطوفت من زناتة وبنى عمرة أيضا منهم وفر حماد وملك باديس

[ 172 ]

أشير ولحق حماد بشلف بنى واليل وباديس في اتباعه حتى نزل مواطين فحصر السرسوا من بلاد زناتة ونزل إليه عطية بن داقلتن في قومه من بنى توين لما كان حماد قتل أباه وجاء على أثره ابن عمه بدر بن لقمان من المعتز فوصلهما باديس واستظهر بهما على حماد ثم أجاز إليه باديس وادى شلف وناجزه الحرب ونزع إليه عامة اهل معسكره فانهزم وأغذ السير إلى القلعة وباديس في أثره حتى نزل فحاصر المسيلة وانحجر حماد في القلعة وحاصره ثم هلك بمعسكره من ذلك الحصار فجأة بصرية وهو نائم بين أصحابه آخر ست وأربعمائة فباعت صنهاجة لابنه المعز صبيا ابن ثمان سنين وتلاقوا من أشير وبعثوا كرامة بن منصور لسدها فلم يقدر واقتحمها عليه حماد واحتملوا باديس على أعواده إلى مدفنهم بالقيروان وبايعوا المعز بالبيعة التامة وزحف إلى حماد بناحية قفصة وأشفق حماد فبعث ابنه القائد لاحكام الصلح بينه وبين المعز فوصل إلى القيروان سنة ثمان وأربعمائة بهدية جليلة وأمضى له المعز ما سأله من الصلح ورجع إلى ابيه وهلك حماد سنة تسعة عشر وأربعمائة فقام بأمره ابنه القائد وكان حمارا فاختار أخوه يوسف على المغرب وريعلان على حمزة بلدا حيطة حمزة بن ادريس وزحف إليه حمامة بن زيرى بن عطية ملك قفاس من مغراوة سنة ثلاثين فخرج إليه القائد وسرب الاموال في زناتة وأحس بذلك حمامة فصالحه ودخل في طاعته ورجع إلى فاس وزحف إليه المعز من القيروان سنة أربع وثلاثين وحاصره مدة طويلة ثم صالحه القائد وانصرف إلى أشير فحاصرها ثم أقلع عنها وانكفأ راجعا وراجع القائد طاعة العبيديين لما نقم عليه المعز ولقبوه شرف الدولة وهلك سنة ست وأربعين وولى ابنه محسن وكان جبارا وخرج عليه عمه يوسف ولحق بالمغرب فقتل سائر أولاد حماد وبعث محسن في طلبه بلكين ابن عمه محمد بن حماد وأصحبه من العرب خليفة بن بكير وعطية الشريف وأمرهما بقتل بلكين في طريقهما فأخبرا بلكين بذلك وتعاهدوا جميعا على قتل محسن ونذر بهم ففر إلى القلعة وأدركوه فقتله بلكين لتسعة أشهر من ولايته وولى الامر سنة سبع وثلاثين وكان شهما قرما حازما سفاكا للدماء وقتل وزير محسن الذى تولى قتله وفى أيامه قتل جعفر بن أبى رماز مقدم بسكرة لما أحس بنكثه فحالف أهل بسكرة باثر ذلك حسبما نذكره ثم مات أخوه مقاتل بن محمد فاتهم به زوجته ناميرت بنت عمه علناس بن حماد فقتلها وأحفظ ذلك أخاها الناصر وطوى على التبييت وكان بلكين كثيرا ما يردد الغزو إلى المغرب وبلغه استيلاء يوسف بن تاشفين والمرابطين على المصامدة فنهض نحوهم سنة أربع وخمسين وفر المرابطون إلى الصحراء وتوغل بلكين في ديار المغرب ونزل بفاس واحتمل من أكابر أهلها وأشرافهم رهنا على الطاعة وانكفأ

[ 173 ]

راجعا إلى القلعة فانتهز منه الناصر ابن عمه الفرصة في الثار بأخته ومالاه قومه من صنهاجة لما لحقهم من تكلف المشقة بابعاد الغزو والتوغل في أرض العدو فقتله بتسالة سنة أربع وخمسين وقام بالامر من بعده واستوزر أبا بكر بن أبى الفتوح وعقد على المغرب لاخيه كباب وأنزله بلبا وعلى حمزة لاخيه ورمان وعلى تعارس لاخيه خزر وكان المعز قد هدم سورها فأصلحه الناصر وعقد على قسنطينة لاخيه بلباز وعلى الجزائر وسوس الدحاج لابنه عبد الله وعلى أشير لابنه يوسف وكتب إليه حمو بن مليل البرغواطى من صفاقس بالطاعة وبعث إليه بالهدية ووفد عليه أهل قسنطينة ومقدمهم يحيى بن واطاس فاعلنوا بطاعته وأجزل صلتهم وردهم إلى أماكنهم وعقد عليها اليوسف ابن خلوف من صنهاجة ودخل أهل القيروان أيضا في طاعته وكذلك أهل تونس وكان أهل بسكرة لما قتل بلكين مقدمهم جعفر بن أبى رماز خلعوا طاعة آل حماد واستبدوا بأمر بلدهم وعليهم بنو جعفر فسرح الناصر إليهم خلف بن حيدرة وزيره ووزير بلكين قبله فنازلها وافتتحها عنوة واحتمل بنى جعفر في جماعة من رؤسائها إلى القلعة فقتلهم الناصر وصلبهم ثم قتل خلف بن أبى حيدرة بسعاية رجالات صنهاجة فيه انه لما بلغه خبر بلكين أراد تولية أخيه معمر وشاورهم فيذلك فقتله الناصر وولى مكانه أحمد بن جعفر ابن أفلح ثم خرج الناصر ليتفقد المغرب فوثب على بن ركان على تافر بوست دار ملكهم وكان لما قتل بلكين هرب إلى اخوانه من عجيسة واهتبوا الغرة في تافر بوست لغيبة الناصر فطرقوها ليلا وملكها على فرجع الناصر من المسيلة وعاجلهم فسقط في أيديهم وافتتحها عليهم عنوة وذبح على بن ركان نفسه بيده ثم وقعت بين العرب الهلاليين فتن وحروب ووفد عليه رجالات الاثبج صريخا به على رياح فأجابهم ونهض إلى مظاهرتهم في جموعه من صنهاجة وزناتة حتى نزل للاريس وتواقعوا بسببه فغدرت بهم زناتة وجروا عليه وعلى قومه الهزيمة بدسيسة ابن المعز بن زيرى بن عطية وإغراء تميم ابن المعز فانهرم الناصر واستباحوا حرابته ومضاربه وقتل أخوه القاسم وكاتبه ونجا إلى قسنطينة في اتباعه ثم لحق بالقلعة في فل وعسكره لم يبلغوا كاس وبعث وزيره ابن أبى الفتوح للاصلاح فعقد بينهم وبينه صلحا وتممه الناصر ثم وفد عليه رسول تميم وسعى عنده بالوزير بن أبى الفتوح وانه مائل إلى تميم فنكسه وقتله وكان المستنصر بن حزرون الزناتى خرج في أيام الفتنة بين الترك والمغاربة بمصر ووصل إلى طرابلس فوجد بنى عدى بها قد أخرجهم الاثبج وزغبة من افريقية كما ذكرناه فرغبهم في بلاد المغرب وسار بهم حتى نزل المسيلة ودخلوا أشير وخرج إليه الناصر ففر إلى الصحراء ورجع فرجع إلى مكانه من الافساد فراسله الناصر في الصلح فأسعفه وأقطعه ضواحي الزاب وريغه

[ 174 ]

واوعز إلى عروس بن هندي رئيس بسكرة لعهده وولى دولته أن يمكر به فوصل المنتصر إلى بسكرة وخرج إليه عروس بن هندي وأحمد نزله وأشار على حشمه عند انكباب المنتصر وذوبه على الطعام فبادروا مكبين لطعنه وفر اتباعه وأخذوا رأسه وبعث به إلى الناصر فنصبه ببجاية وصلب شلوه بالقلعة وجعلوه عظة لغيره وقتل كثير من رؤساء زناتة فمن مغراوة أبى الفتوح بن حنوش أمير بنى يستجلس وكانت له بلد المهدية والمرية قبيل من بطون صنهاجة سميت البلد بهم وقتل معنصر بن حماد منهم أيضا وكان يناحية شلف فأجلب على عامل مليانه وقتل شيوخ بنى وريسفان من مغراوة فكاتبهم السلطان لما كان مشتغلا عنهم بشأن العرب فزحفوا إلى معنصر وقتلوه وبعثوا برأسه إلى الناصر فنصبه مع رأس المنتصر وبعث إليه أهل الزاب أن عمر ومغراوة ظاهروا الاثبج من العرب على بلادهم فبعث ابنه المنصور في العساكر ونرل وعلان بلد المنتصر بن خريرون وهدمها وبعث سراياه وجيوشه إلى بلد واركلا وولى عليها وقفل بالغنائم والسبي وبلغه عن بنى توجين من زناتة انهم ظاهروا بنى عدى من العرب على الفساد وقطع السبيل وأميرهم إذ ذاك مناد بن عبد الله فبعث ابنه المنصور إليهم بالعسكر وتقبض على أمير بنى توجين وأخيه زيرى وعمهما الاغلب وحمامة وأحضرهم فوبخهم وقدر عليهم فغلبه في اجارتهم من أولاد القاسم رؤساء بنى عبد الواد وقتلهم جميعا على الخلاف وفى سنة ستين افتتح جبل بجاية وكان له قبيل من البربر يسمون بهذا الاسم الا أن الكاف فيهم بلغتهم ليست كافا بل هي بين الجيم والكاف وعلى هذا القبيل من صنهاجة يأتون لهذا العهد أوزاعا في البربر فلما افتتح هذا الجبل اختط به المدينة وسماها الناصرية وتسمى عند الناس باسم وهى بجاية وبنى بها قصر اللؤلؤة وكان من أعجب قصور الدنيا ونقل إليها الناس وأسقط الخراج عن ساكنيها وانتقل إليها سنة احدى وستين وفى أيام الناصر هذا كان استفحال ملكهم وشفوفه على ملك بنى باديس اخوانهم بالمهدية ولما أصرع منه الدهر بفتنة العرب الهلاليين حتى اضطرب عليهم أمرهم وكثر الثوار عليهم والمنازعون من أهل دولتهم فاعتز آل حماد هؤلاء أيام الناصر هذا وعظم شأن ايامهم فبنى المباني العجيبة المؤنقة وشيد المدائن العظيمة وردد الغزو إلى المغرب وتوغل فيهم ثم هلك سنة احدى وثمانين وقام بالامر من بعده ابنه المنصور بن الناصر ونزل بجاية سنة ثلاث وثمانين وأوطنها بعساكر وخاصة بعراعر منازل الغرب وما كانوا يسومونهم بالقلعة من حصة الخسف وسوء العذاب بوطئ ساحتها والعيث في نواحيها وتخطف الناس من حولها لسهولة طرقها على رواحلهم وصعوبة المسالك عليها في الطريق إلى بجاية لمكان الاوعار فاتخذ بجاية هذه معقلا وصيرها دار الملكه وجدد قصورها وشيد

[ 175 ]

جامعها وكان المنصور هذا جماعة مولعا بالنساء وهو الذى حضر ملك بنى حماد وتأنق في اختطاط المباني وتشييد المصانع واتخاذ القصور واجراء المياه في الرياض والبساتين فبنى في القلعة قصر الملك والمنار والكوكب وقصر الشأم وفى بجاية قصر اللؤلؤة وقصر أميميون وكان أخوه يلباز على قسنطينة منذ عهد الناصر إليها وهم بالاستبداد لاول ولاية المنصور فسرح إليه أبا يكنى بن محصن بن العابد في العساكر وعقد له على قسنطينة وبونة فتقبض على بلباز وأشخصه إلى القلعة وأقام واليا على قسنطينة سنة سبع وثمانين وبعث أخاه ابن موتة إلى تميم بن المعز بالمهدية واستدعاه لولاية بونة فبعث معه ابنه أبا الفتوح بن تميم ونزل بونة مع ريغلان وكاتبوا المرابطين بالمغرب الاقصى وجمعوا العرب على أمرهم وسرح المنصور فاعتقله بالقلعة ثم نازلت عساكره قسنطينة واضطرب أحوال ابن أبى يكنى فخرج إلى قلعة بجبل أو رأس وتحصن بها ونزل بقسنطينة صليصل بن الاحمر من رجالات الاثبج وداخل صليصل المنصور في أريكته من قسنطينة على مال يبذله ففعل واستولى عليها المنصور وأقام أبو يكنى بحصنه من أوراس وردد الغارة على قسنطينة فتوجهت إليه العساكر وحاصروه بقلعته ثم اقتحموها عليه وقتلوه وكان بنور مانو من زناتة حيا جميعا وقوما أعزه وكانت إليهم رياسة زناتة وكان رئيسهم لعهده ماخوخ وكان بينهم وبين آل حماد صهر فكانت احدى بناتهم زوجة للناصر وكانت أخرى عند المنصور ولما تجددت الفتنة بينه وبين قومهما أغزاهم المنصور بنفسه في جموع صنهاجة وحشوده وجمع له ماخوخ ولقيه في زناتة فانهزم المنصور إلى بجاية فقتل أخت ماخوخ التى كانت تحته واستحكمت النفرة بين ماخوخ وبينه وصار إلى ولاية امراء تلمسان من لمتونة وحرضهم على بلاد صنهاجة فكان ذلك مما دعا المنصور إلى النهوض إلى تلمسان وذلك أن يوسف بن تاشفين لما ملك المغرب واستفحل به أمره سما إلى ملك تلمسان فغلب عليها أولاد يعلى سنة أربع وسبعين على ما يأتي ذكره وأنزلها محمد بن سعمر المسولى وصيرها لعز الملك فاصطنع بأمرها ونازل بلاد صنهاجة وثغورهم فزحف إليه المنصور وأخرب ثغوره وحصون ماخوخ وضيق عليه فبعث إليه يوسف بن تاشفين وصالحه وقبض أيدى المرابطين عن بلاد صنهاجة ثم يلاوذ المرابطين إلى شأنهم في بلاده فبعث ابنه الامير عبد الله وسمع به المرابطون فانقبضوا عن بلاده وزحفوا إلى مراكش واحتل هو بالمغرب الاوسط فشن الغارة في بلاد بنى ومابو وحاصر الجعبات وفتحوها ثم قراب كذلك وعفا عن أهلها ورجع إلى أبيه ثم وقعت الفتنة بينه وبين ماخوخ وقتل أخوه ولحق ابن ماخوخ بتلمسان وظاهره ابن سعمر صاحب تلمسان على أمره واجتلبوا

[ 176 ]

على الجزائر فنازلوها يومين فاعقبهما محمد بن سعمر صاحب تلمسان وولى يوسف بن تاشفين مكان أخيه تاشفين بن سعمر فنهض إلى أشيروا فتتحها فقام المنصور في ركائبه ومعه كافة صنهاجة ومن العرب أحياء الاثبج وزغبة وربيعة وهم العقل من زناتة أمما كثيرة ونهض إلى غزو تلمسان سنة ست وسبعين في نحو عشرين ألفا ولقى اسطقسه وبعث العسكر في مقدمته وجاء على أثرهم وكان تاشفين قد أفرج من تلمسان وخرج إلى تسأله ولقيته عساكر المنصور فهزموه ولجأ إلى جبل الصخرة وعاثت عساكر المنصور في تلمسان فخرجت إليه وأكرم بوصلتها وأفرج عنهم صبيحة يومه وانكفا راجعا إلى حضرته بالقلعة وأثحن بعدها في زناتة وشردهم بنواحي الزاب والمغرب الاوسط ورجع إلى بجاية وأثخن في نواحيها ودوخت عساكره قبائلها فساروا في جبالها المنيعة مثل بنى عمران وبنى تازروت والمنصورية والصهريج والناظور وحجر المعرق وقد كان اسلافه يرمون كثيرا عنها فتمتنع عليهم فاستقام أمره واستفحل ملكه وقدم عليه معز الدولة ابن صمارح من المرية فارا أمام المرابطين لما ملكوا الاندلس فنزل على المنصور وأقطعه بداس وأنزله بها وهلك سنة ثمان وتسعين فولى من بعده ابنه باديس فكان شديد البأس عظيم النظر فنكب عبد الكريم بن سليمان وزير أبيه لاول ولايته وخرج من القلعة إلى بجاية فنكب سهاما عامل بجاية وهلك قبل أن يستكمل سنة وولى من بعده أخوه العزيز وقد كان عزله عن الجزائر وغربه إلى حتحل فبعث عنه القائد على بن حمدون فوصل وبايعوه وصالح زناتة وأصهر إلى ماخوخ فأنكحه ابنته وطال أمر ملكه وكانت أيامه هدنة وأمنا وكان العلماء يتناظرون في مجلسه ونازلت أساطيله جربة فنزلوا على حكمه وأخذوا بطاعته ونازل تونس وصالحه صاحبها أحمد بن عبد العزيز وأخذ بطاعته وكبس العرب في أيامه القلعة وهم غارون فاكتسحوا جميع ما وجدوه بظواهرها وعظم عيثهم وقاتلتهم الحامية فغلبوهم وأخرجوهم من البلد ثم ارتحل العرب وبلغ الخبر إلى العزيز فبعث ابنه يحيى وقائده على بن حمدون من بجاية في عسكر وتعبية فصل إلى القلعة وسكن الاحوال وقد أمن العرب واستعتبوا فأعتبوا والكفا يحيى راجعا إلى بجاية في عسكره على عهد العزيز وهكذا كان وصول مهدى الموحدين إلى بجاية فافلا إلى المشرق سنة ثنتى عشرة وغير بها المنكر فسعى به عند العزيز وائتمر به فحرج إلى بنى وريا كل من صنهاجة كانوا ساكنين بوادي بجاية فأجاروه ونزل عليهم بملالة وأقام بها يدرس العلم وطلبه العزيز فمنعوه وقاتلوا دونه إلى أن رحل عنهم إلى المغرب وهلك العزيز سنة خمس عشرة وأربعمائة فولى من بعده ابنه يحيى وطالت أيامه مستضعفا مغلبا للنساء مولعا بالصيد على حين انقراض الدولة وذهاب الايام بقبائل صنهاجة

[ 177 ]

واستحدث السكة ولم يحدثها أحد من قومه أدبا مع خلفائهم العبيديين وبعث ابن حماد وان سكته في الدينار كانت ثلاثة سطور ودائرة في كل وجه فدائرة الوجه الواحد واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون والسطور لا اله الا الله محمد رسول الله يعتصم بحبل الله يحيى بن العزيز بالله الامير المنصور ودائرة الوجه الآخر بسم الله الرحمن الرحيم ضرب هذا الدينار بالناصرية سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وفى سطوره الامام أبو عبد الله المقتفى لامر الله أمير المؤمنين العباسي ووصل سنة ثلاث وأربعين إلى القلعة لافتقادها ونقل ما بقى بها وانتقض عليه بنو زر ابن مروان فجهز إليه الفقيه مطرف بن على بن حمدون في العساكر فافتتحها عنوة وتقبض على ابن مروان وأوصله إليه فسجنه بالجزائر إلى أن هلك في معتقله وقيل قتله وبعث مطرف بابنه إلى تونس فافتتحها ونازل في وجهته هذه المهدية فامتنعت عليه ورجع إلى بجاية وتغلب النصارى على المهدية وقصده الحسن صاحبها فأجازه إلى الجزائر وأنزله بها مع أخيه القائد حتى إذا زحف الموحدون إلى بجاية وفر القائد من الجزائر وأسلمها قدموا الحسن على أنفسهم ولى عبد المؤمن فأمنهم وأخزج يحيى بن العزيز أخاه سبع للقاء الموحدين فانهزم وملك الموحدون بجاية وركب يحيى البحر إلى صقلية يروم الاجازة منها إلى بغداد ثم عدل إلى بونة فنزل على أخيه الحارث ونكر عليه سوء صنيعه واخراجه عن البلاد فارتحل عنه إلى قسنطينة فنزل على أخيه الحسن فتخلى له عن الامر وفى خلال ذلك دخل الموحدون القلعة عنوة ودخل حوشن بن العزيز وابن الدحامس من الاثبج معه وخربت القلعة ثم بايع يحيى لعبد المؤمن سنة سبع وأربعين ونزل عن قسنطينة واشترط لنفسه فوفى له ونقله إلى مراكش فسكنها ثم انتقل إلى سلا سنة ثمان وخمسين فسكن قصر بنى عشيرة إلى ان هلك في سنته وأما الحارث صاحب بونة ففر إلى صقلية واستصرخ صاحبها فصارخه على أمره ورجع إلى بونة وملكها ثم غلب عليها الموحدون وقتلوه صبرا وانقرض ملك بنى حماد والبقاء لله وحده ولم يبق من قبائل ماكسن إلا أوزاع بوادي بجاية ينسبون إليهم وهم لهذا العهد في عداد الجند ولهم أقطاع بنواحي البلد على العسكرة في جملة السلطنة مع قواده والله وارث الارض ومن عليها اه‍

[ 179 ]

{ الخبر عن ملوك بنى حيوس بن ماكسن من بنى زيرى من صنهاجة من غرناطة من عدوة الاندلس وأولية ذلك ومصايره } لما استبد باديس بن المنصور بن بلكين بن زيرى بن مناد بن هاد بولاية افريقية سنة خمس وثمانين ولى عمومته وقرابته ثغور عمله فأنزل حمادا بأشيرو أخاه يطوفت بتاهرت وزحف زيرى بن عطية صاحب فاس من مغراوة بدعوة المؤيد هشام خليفة قرطبة إلى عمل صنهاجة في جموع زناتة ونزل تاهرت وسرح باديس عساكره لنظر محمد بن أبى العون فالتقوا على تاهرت وانهزم صنهاجة فزحف باديس بنفسه للقائهم وخالف عليه فلفول ابن سعيد بن حزرون صاحب طنبة ثم أجفل زيرى بن عطية امامه ورجع إلى المغرب فرجع بادبس إلى وترك عمومته أولاد زيرى بأشير مع حماد وأخيه يطوفت وهم زاوى وحلال وعرم ومعنين وأجمعوا على الخلاف والخروج على باديس سنة سبع وثمانين فأسلموا حمادا برمته واستولوا على جميع ما معه واتصل الخبر بأبى البهار بن زيرى وهم مع باديس فخشيه على نفسه ولحق بهم واجتمعوا في الخلاف واشتغل باديس عنهم بحرب فلفول بن يانس مولى الحاكم القادم على طرابلس من قبله وانفسح مجالهم في الفساد والعيث ووصلوا أيديهم بفلفول وعاقدوه ثم رجع أبو البهار عنهم إلى باديس فتقبله وصالح له ثم رجعوا إلى حماد سنة احدى وتسعين ولقيهم فهزمهم وقتل ماكسن وابنه ولحق زاوى بجبل شنوق من ساحل مليانة وأجاز البحر إلى الاندلس في بنيه وبنى أخيه وحاشيته ونزل على المنصور بن أبى عامر صاحب الدولة وكافل الخلافة الاموية فأحسن نزلهم وأكرم وفادتهم واصطنعهم لنفسه واتخذهم بطانة لدولته وأوليائه على ما يرومه من قهر الدولة والتغلب على الخلافة ونظمهم في طبقات زناتة وسائر رجالات البربر الذين أدال بجموعهم من جنود السلطان وعساكر الاموية وقبائل العرب واستغلظ أمر صنهاجة بالاندلس واستخلق امارتهم وحملوا دولة المنصور بن أبى عامر وولديه المظفر والناصر من بعده على كاهلهم ولما انقرض أمرهم واضمحلت دولتهم ونشأت الفتنة بالاندلس بين البرابرة وأهلها فكان زاوى ملث تلك الوقائع ومحش حروبها وتمرس بقرطبه هو وقومه صنهاجة وكافة زناتة والبربر حتى أثبتوا قدم خليفتهم المستعين سليمان بن الحكم بن سليمان بن الناصر الذى أتوه ببيعتهم واعطوه على الطاعة صفقتهم كما ذكرناه في أخبارهم ثم اقتحموا به قرطبة عنوة واصطلموا عامة أهلها وأنزلوا المعرات بذوى الصون منها وبيوتات الستر من خواصها فحدث الناس في ذلك بأخبار وتوصل زاوى عند استباحة قرطبة إلى رأس أبيه زيرى بن مناد المتصور بجدران قصر قرطبة فأزاله وأصاره إلى قومه ليدفن في جدثه ثم كان شأن بنى حمود من

[ 180 ]

العلوية وافترق أمر البرابرة واضطرمت الاندلس نارا وامتلات جوانبها فتنة وأسرى الرؤساء من البرابرة ورجالات الدولة على النواحى والامصار فملكوها وتحيزت صنهاجة إلى ناحية السرة فكانت ضواحيها لهم وحصل عليها استيلاؤهم وزاوى يومئذ عضد البرابرة فنزل غرناطة واتخذها دارا لملكته ومعتصما لقومه ثم وقع في نفسه سوء ثأر البربر بالاندلس أيام الفتنة وحذر مغبة الفعلة واستعاصت الدولة فاعتزم على الرحلة وآوى إلى سلطان قومه بالقيروان سنة عشر واربعمائة بعد مغيبه عشرين سنة وأنزل على المعز بن باديس حافد أخيه بلكين اجل ما كانت دولتهم بأمر افريقية وأترف وأوسع ملكا وأوفر عددا فلقيه المعز باحسن أحوال البر والتجلة وأنزله أرفع المنازل من الدولة وقدمه على الاعمام والقرابة وأسكنه بقصره وأبرز الحرم للقائه فيقال انه لقيه من ذوات محارمه ألف امرأة لا تحل له واحدة منهن ووارى ابراهيم مع شلوه بجدثه وكان استخلف على عمله ابنه ونافظعن لاهل غرناطة فانتقضوا عليه وبعثوا عن حيوس ابن عمه ماكسن بن زيرى مكانه ببعض حصون عمله فبادر إليهم ونزل بغرناطة فانتقضوا عليه وبايعوه واستحدث بها ملكا وكان من أعظم ملوك الطوائف بالاندلس إلى أن هلك سنة تسع وعشرين وولى من بعده ابنه باديس بن حيوس ويلقب بالمظفر ولم يزل مقيما لدعوة آل حمود امراء مالقة بعد تخلفهم عن قرطبة سائر أيامه وزحف إليها العامري صاحب المرية سنة تسع وعشرين فلقيه باديس بظاهر غرناطة فهزمه وقتله وطالت أيامه ومد ملوك الطوائف أيديهم جميعا إلى مدده فكان ممن استمده محمد بن عبد الله البرزالى لما حاصره اسمعيل بن القاضى بن عباد بعساكر أبيه فأمده باديس بنفسه وقومه وصار إلى صريخه مع ابن بقية قائد ادريس بن حمود صاحب المالقة سنة احدى وثلاثين ورجعوا من طريقهم وطمع اسمعيل بن القاضى بن عباد مع صريخه فيهم فاتبعهم ولحق بباديس في قومه فاقتتلوا وفر عسكر اسمعيل وأسلموه فقتله صنهاجة وحمل رأسه إلى ابن حمود وكان القادر بن ذى النون صاحب طليلة أيضا يستدفع به وبقومه استطالة ابن عباد واعوانه وباديس هذا هو الذى مصر غرناطة واختط قصبتها وشاد قصورها وشيد حصونها وآثاره في مبانيها ومصانعها باقية لهذا العهد واستولى على مالقة عند انقراض بنى حمود سنة تسع وأربعين وأضافها إلى عمله وهلك سنة سبع وستين وظهر أمر المرابطين بالمغرب واستفحل ملك يوسف بن تاشفين فولى من بعده حافده عبد الله بن بلكين بن باديس وتغلب المظفر وعقد لاخيه تميم على مالقة فاستقام أمرها إلى أن جاز يوسف بن تاشفين الى العدوة اجاز له المعروفة كما نذكره في أخباره ونزل بغرناطة سنة ثلاث وثمانين فتقبض على عبد الله بن بلكين واستصفى

[ 181 ]

أمواله وذخيرته وألحق به أخاه تميما من مالقة واستصحبهما إلى العدوة فأنزل عبد الله وتميما بالسوس الاقصى وأقطع لهما إلى ان هلكوا في ايالته ويزعم بنو الماكسن من بيوتات طنجة لهذا العهد انهم من أعقابهم فاضمحل ملك بلكانة من صنهاجة ومن افريقية والاندلس اجمع والبقاء لله وحده اه‍ عبد الله بن بلكين بن باديس بن حيوس بن ماكسن - بن زيرى بن مناد ملوك غرناطة بعد الفتنة ملان بن زاوى { الطبقة الثانية من صنهاجة وهم الملثمون وما كان لهم بالمغرب من الملك والدولة } هذه الطبقة من صنهاجة هم الملثمون الموطنون بالقفر وراء الرمال الصحراوية بالجنوب أبعدوا في المجالات هنا لك منذ دهور قبل الفنح لا يعرف أولها فأصحروا عن الارياف ووجدوا بها المراد وهجروا التلول وجفوها واعتاضوا منها بالبان الانعام ولحومها انتباذا عن العمران واستئناسا بالانفراد وتوحشا بالعز عن الغلبة والقهر فنزلوا من ريف الحبشة جوارا وصاروا ما بين بلاد البربر وبلاد السودان حجزا واتخذوا اللشام خطاما تميزوا بشعاره بين الامم وعفوا في تلك البلاد وكثروا وتعددت قبائلهم من كذالة فلمتونه فمسوقة فوتريكة فنا وكافزغاوة ثم لمطة اخوة صنهاجة كلهم ما بين البحر المحيط بالمغرب إلى غدامس من قبلة طرابلس وبرقة وللمتونة فيهم بطون كثيرة منهم بنو ورتنطق وبنو زمال وبنو صولان وبنو ناسجة وكان موطنهم من بلاد الصحراء يعرف كأكرم وكان دينهم جميعا المجوسية شان برابرة المغرب ولم يزالوا مستقرين بتلك المجالات حتى كان اسلامهم بعد فتح الاندلس وكانت الرياسة فيهم للمتونة واستوسق لهم ملك ضخم مذ دولة عبد الرحمن بن معاوية الداخل توارثه ملوك منهم تلاكاكين وورتكا أو راكن بن ورتنطق جد ابى بكر بن عمر أمير لمتونة في مبندا دولتهم وطالت أعمارهم فيها إلى الثمانين ونحوها ودوخوا تلك البلاد الصحراوية وجاهدوا من بها من أمم السودان وحملوهم على الاسلام فدان به كثيرهم واتقاهم آخرون بالجزية فقبلوها منهم وملك عليهم بعد تلاكاكين المذكور ثبولوثان (قال) ابن أبى زرع أول من ملك الصحراء من لمتونة ثبولوثان فدوخ بلاد الصحراء واقتضى مغارم السودان وكان يركب في مائة ألف

[ 182 ]

نجيب وتوفى سنة ثنتين وعشرين ومائتين وملك بعده يلتان وقام بأمرهم وتوفى سنة سبع وثمانين ومائتين وقام بأمرهم بعده ابنه تميم لى سنة ست وثلثمائة وقتله صنهاجة وفترق أمرهم اه‍ كلام ابن أبى زرع وقال غيره كان من أشهرهم تيزا وابن وانشق بن بيزا وقيل يرويان ابن واستولى ابن يزار ملك الصحراء بأسرها على عهد عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المنتصر في المائة الرابعة وفى عهد عبيد الله وابنه أبى القاسم من خلفاء الشيعة كان يركب في مائة ألف نجيب وعمله مسيرة شهرين في مثلها ودان له عشرون ملكا من ملوك السودان يعطونه الجزى وملك من بعده بنوه ثم افترق أمرهم من بعد ذلك وصار ملكهم طوائف ورياستهم شيعا قال ابن أبى زرع افترق أمرهم بعد تميم بن يلتان مائة وعشرون سنة إلى ان قام فيهم أبو عبيد الله بن تيفاوت المعروف بناشرت اللمتونى فاجتمعوا عليه وأحبوه وكان من أهل الدين والصلاح وحج وهلك لثلاثة أعوام من رياسته في بعض غزواته وقام بأمرهم صهره يحيى بن ابراهيم الكندالى وبعده يحيى بن عمر بن تلاكاكين اه‍ كلامه وكان لهذه الطبقة ملك ضخم بالمغرب والاندلس أولا وبافريقية بعده فندكره الآن على نسقه { الخبر عن دولة المرابطين من لمتونة وما كان لهم بالعدوتين من الملك وأولية ذلك ومصايره } كان هولاء الملثمون في صحاريهم كما قلناه وكانوا على دين المجوسية إلى أن ظهر فيهم الاسلام لعهد المائة الثالثة كما ذكرناه وجاهدوا جيرانهم من السودان عليه فدانوا لهم واستوسق لهم الملك ثم افترقوا وكانت رياسة كل بطن منهم في بيت مخصوص فكانت رياسة لمتونه في بنى ورتانطق بن منصور بن مصالحة بن المنصور بن مزالت بن أميت بن رتمال بن ثلميت وهو لمتونة ولما أفضت الرياسة إلى يحيى بن ابراهيم الكندالى وكان له صهر في بنى ورتانطق هؤلاء وتظاهروا على امرهم وخرج يحيى بن ابراهيم لقضائه فرصة في رؤساء من قومه في سنى أربعين وأربعمائة فلقوا في منصرفهم بالقيروان شيخ المذاهب المالكى أبو عمران الفاسى واغتنموا ما متعوا به من عهده وما شافههم به من فروض أعيانهم من فتاويه ورياسة الامير يحيى ويصحبهم من تلميذه من يرجعون إليه في نوازلهم وقضايا بينهم فندب تلميذه إلى ذلك حرصا على ايصال الخير إليهم لما رأى من رغبتهم فيه فاستوعروا مسغبة بلادهم وكتب لهم الفقيه أبو عمران إلى الفقيه محمد وكاك ابن رلو اللمطى بسجلماسة من الآخذين عنه وعهد إليه أن يلتمس لهم من يثق بدينه وفقهه ويرونس نفسه على مسغمة أرضهم في معاشه فبعث معهم عبد الله بن ياسين بن بك الجزولى ووصل معهم بعلمهم القرآن ويقيم لهم الدين ثم هلك يحيى بن ابراهيم وافترق

[ 183 ]

أمرهم واطرحوا عبد الله بن ياسين واستصعبوا علمه وتركوا الاخذ عنه لما تجشموا فيه من مشاق التكليف فأعرض عنهم وترهب وتنسك معه يحيى بن عمر بن تلاكاكين من رؤساء لمتونة وأخذه أبو بكر فنبذوا عن الناس في ربوة يحيط بحر النيل من جهاتها ضحضاحا في المصيف وغمرا في الشتاء فتعود جزرا منقطعة فدخلوا في غياضها منفردين للعبادة وتسامع بهم من في قلبه مثقال حبة من خير فتسايلوا إليهم ودخلوا في دينهم وغيضتهم ولما كمل معهم ألف من الرجالات قال لهم شيخهم عبد الله بن ياسين ان ألفا لن تغلب من قلة وقد تعين علينا القيام بالحق والدعاء إليه وحمل الكافة عليه فاخرجوا بنا لذلك فخرجوا وقتلوا من استعصى عليهم من قبائل لمتونة وكثالة ومهمومة حتى أنابوا إلى الحق واستقاموا على الطريقة وأذن لهم في أخذ الصدقات من أموال المسلمين وسماهم بالمرابطين وجعل أمرهم في العرب إلى الامير يحيى بن عمر فتخطوا الرمال الصحراوية إلى بلاد درعة وسجلماسة فأعطوهم صدقاتهم وانقلبوا ثم كتب إليهم وكاك اللمطى بما نال المسلمين فيما إليه من العسف والجور من بنى وانودين امراء سجلماسة من مغراوة وحرضهم على تغيير أمرهم فخرجوا من الصحراء سنة خمس وأربعين وأربعمائة في عدد ضخم ركبانا على المهارى أكثرهم وعمدوا إلى درعة لابل كانت هنا لك بالحمى وكانت تناهز خمسين ألفا ونحوها ونهض إليهم مسعود بن وانودين أمير مغراوة وصاحب سجلماسة ودرعة لمدافعتهم عنها وعن بلاده فتواقعوا وانهزم ابن وانودين وقتل واستلحم عسكره مع اموالهم واستلحمهم ودوابهم وابل الحمى التى كانت ببلد درعة وقصدوا سجلماسة فدخلوها غلابا وقتلوا من كان بها من أهل مغراوة وأصلحوا من أحوالها وغيروا المنكرات وأسقطوا المغارم والمكوس واقتضوا الصدقات واستعملوا عليها منهم وعادوا إلى صحرائهم فهلك يحيى بن عمر سنة سبع وأربعين وقدم مكانه أخاه أبا بكر وندب المرابطين إلى فتح المغرب فغزا بلاد السوس سنة ثمان وأربعين وافتتح ماسة وتارودانت سنة تسع وأربعين وفر أميرها لقوط بن يوسف بن على المغراوى إلى تادلا واستضاف إلى بنى يفرن ملوكها وقتل معهم لقوط بن يوسف المغراوى صاحب غمات وتزوج امرأته زينب بنت اسحق النفزاوية وكانت مشهورة بالجمال والرياسة وكانت قبل لقوط عند يوسف بن على بن عبد الرحمن بن وطاس وكان شيخا على وريكة وهى زوجة هيلانة في دولة امغارن في بلاد المصامدة وهم الشيوخ وتغلب بنو يفرن على وريكة وملكوا غمات فتزوج لقوط زينب هذه ثم تزوجها بعده أبو بكر بن عمر كما ذكرنا ثم دعا المرابطين إلى جهاد برغواطة بعضها سنة خمسين وقد أم المرابطين بعده سليمان ابن حروا ليرجعوا إليه في قضايا دينهم واستمر أبو بكر بن عمر في امارة قومه على جهادهم

[ 184 ]

ثم استاصل شأفتهم ومحا أثر دعوتهم من المغرب وهلك في جهادهم سليمان بن عروا سنة احدى وخمسين لسنة من وفاة عبد الله بن ياسين ثم نازل أبو بكر مدينة لواتة وافتتحها عنوة وقتل من كان بها من زناتة سنة ثنتين وخمسين وبلغه وهو لم يستتم فتح المغرب بعد ما وقع من الخلاف بين لمتونة ومسوفة ببلاد الصحراء حيث أصل أعياصهم ووشايج أعراقهم ومنيع عددهم فخشى افتراق الكلمة وانقطاع الوصلة وتلافي أمره بالرحلة وأكد ذلك وزحف بلكين بن محمد بن حماد صاحب القلعة إلى المغرب سنة ثلاث وخمسين لقتالهم فارتحل أبو بكر إلى الصحراء واستعمل على المغرب ابن عمه يوسف بن تاشفين ونزل له عن زوجه زياب بنت اسحق ولحق بقومه ورفع ما كان بينهم من حرق الفتنة وفتح بابا من جهاد السودان فاستولى على نحو تسعين رحلة من بلادهم وأقام يوسف بن تاشفين باطراف المغرب ونزل بلكين صاحب القلعة فاس وأخذ رهنها على الطاعة وانكف راجعا فحينئذ سار يوسف بن تاشفين في عسكره من المرابطين ودوخ أقطار المغرب ثم رجع أبو بكر إلى المغرب فوجد يوسف بن تاشفين قد استبد عليه وأشارت عليه زينب أن يريه الاستبداد في أحواله وأن يعد له متاع الصحراء وما عونها ففطن لذلك الامير أبو بكر وتجافى عن المنازعة وسلم له الامر ورجع إلى أرضه فهلك لمرجعه سنة ثمانين وأربعمائة واختط يوسف مدينة مراكش سنة أربع وخمسين ونزلها بالخيام وأدار سورها على مسجد وقصبة صغيرة لاختزان أمواله وسلاحه وكمل تشييدها وأسوارها على ابنه من بعده سنة ست وعشرين وخمسمائة وجعل يوسف مدينة مراكش لنزله لعسكره وللتمرس بقبائل المصامدة المصيفة بمواطنهم بها في جبل دون فلم يكن في قبائل المغرب أشد منهم ولا أكثر جمعا ثم صرف عزمه إلى مطالبة مغراوة وبنى يفرن وقبائل زناتة بالمغرب وجذب الخيل من أيديهم وكشف ما نزل بالرعايا من جورهم وعسفهم فقد كانوا من ذلك على ألم (حدث المؤرخون في أخبار مدينة فاس ودولتهم فيها بكثير منه) فنازل أولا قلعة فازاز وبها مهدى بن توالى من بنى يحفش قال صاحب نظم الجواهر وهم بطن من زناتة وكان أبو تولى صاحب تلك القلعة ووليها هو من بعده فنازله يوسف بن تاشفين ثم استجاش به على فاس مهدى بن يوسف الكرنامى صاحب مكناسة بما كان عدو المعنصر المغراوى صاحب فاس فزحف في عساكر المرابطين إلى فاس وجمع إليه معنصر ففض جموعه وارتحل يوسف إلى فاس وتقري منازلها وافتتح جميع الحصون المحيطة بها وأقام عليها أياما قلائل وظفر بعاملها بكار بن ابراهيم فقتله ثم نهض إلى مغراوة افتتحها وقتل من كان بها من أولاد وانودين المغراوى ورجع إلى فاس فافتتحها صلحا سنة خمس وخمسين ثم رجع إلى

[ 185 ]

غمارة ونازلهم وفتح كثيرا من بلادهم وأشرف على طنجة وبها سكوت البرغواطى الحاجب صاحب سبتة وبقية الامراء من موالى الحمودية وأهل دعوتها ثم رجع إلى منازلة قلعة فازاز وخالفه معنصر إلى فاس فاستولى عليها وقتل عاملها واستدعى يوسف ابن تاشفين مهدى بن يوسف صاحب مكناسة ليستجيش به على فاس فاستعرضه معنصر في طريقه قبل أن تتصل بأيديهما وناجزه الحرب ففض جموعه وفتله وبعث برأسه إلى وليه ومساهمه في شدته الحاجب سكوت البرغواطى واستصرخ أهل مكناسة بالامير يوسف بن تاشفين فسرح عساكر لمتونة إلى حصار فاس فأخذوا بمخنقها وقطعوا المرافق عنها وألحوا بالقتال عليها فمسهم الجهد وبرز معنصر إلى مناجزة عدوه لاحدى الراحتين فكانت الدائرة عليه وهلك واجتمع زناتة من بعده على القاسم بن محمد بن عبد الرحمن من ولد موسى بن أبى العافية كانوا ملو كابتازا وتسول فزحفوا إلى عساكر المرابطين والتقوا بوادي سيمير فكان الظهور لزناتة واستلحم كثير من المرابطين واتصل خبرهم بيوسف بن تاشفين وهو محاصر لقلعة مهدى بلاد فازاز فارتحل سنة ست وخمسين ونزل عليها عسكر من المرابطين وصار يتنقل في بلاد المغرب فافتتح بنى مراسن ثم قبولاوة ثم بلاد ورغة سنة ثمان وخمسين ثم افتتح بلاد غمارة سنة ستين وفى سنة ثنتين وستين نازل فاس فحاصرها مدة ثم افتتحها عنوة وقتل بمفازتها ثلاثة آلاف من مغراوة وبنى يفرن ومكناسة وقبائل زناتة حتى أعوزت مدافنهم فرادى فاتخذت لهم الاخاديد وقبروا جماعات منهم وخلص من نجا منهم من القتل إلى بلاد تلمسان وأمر بهدم لاسوار التى كانت فاصلة بين القرويين والاندلسيين من عدوتيها وصيرها مصرا واحدا وأدار عليها الاسوار وحمل أهلها على الاستكثار من المساجد ورتب بناءها وارتحل سنة ثلاث وستين إلى وادى ملوية فافتتح بلادها وحصون وطال من نواحيها ثم نهض سنة خمس وستين إلى مدينة الدمنة فافتتحها عنوة ثم افتتح حصن علودان من حصون غمارة ثم نهض سنة سبع وستين إلى جبال غياثة وبنى مكود من أحواز تازا فافتتحها ودوخها ثم اقتسم المغرب عمالات على بنيه وأمراء قومه وذويه ثم استدعاه المعتمد بن عباد إلى الجهاد فاعتذر له بمكان الحاجب سكوت البرغواطى وقومه من أولياء الدولة الحمودية بسبتة فأعاد إليه ابن عباد الرسل بالمشايعة إليهم فجهز إليهم قائده صالح بن عمران في عساكر لمتونة فلقيه سكوت الحاجب بظاهر طنجة في قومه ومعه ابنه ضياء الدولة فانكشف وقتل الحاجب سكوت ولحق ابنه العزيز ضياء الدولة وكتب صالح بن عمران بالفتح إلى يوسف بن تاشفين ثم أغزى الامير يوسف بن تاشفين إلى المغرب الاوسط سنة ثنتين وسبعين قائده مزدلى بن تيلكان بن محمد بن وركوت من عشيرة في عساكر لمتونة

[ 186 ]

لمحاربة مغراوة ملوك تلمسان وبها يومئذ الامير العباس بن بختى من ولد يعلى بن محمد ابن الخير بن محمد بن خزر فدوخوا المغرب الاوسط وصاروا في بلاد زناتة وظفروا بيعلى ابن الامير العباسي فقتلوه وانكفوا راجعين من غزاتهم ثم نهض يوسف بن تاشفين سنة ثلاث بعدها إلى الريف وافتتح كرسف ومليلة وسائر بلاد الريف برقاس ثم افتتح مدينة تلمسان واستلحم من كان بها من مغراوة وقتل العباس بن بختى أمير تلمسان وأنزل محمد ابن تيغمر المستوفى بها في عساكر المرابطين فصارت ثغرا لملكه ونزل بعساكره واختط بها مدينة تاكرارت بمكان محلته وهو اسم المحلة بلسان البربر ثم افتتح مدينة تنس ووهران وجبل وانشريس إلى الجزائر وانكف راجعا إلى المغرب قافلا مراكش سنة خمس وسبعين ولم يزل محمد بن تيغمر واليا بتلمسان إلى أن هلك وولى بعده اخوه تاشفين ثم ان الطاغية تكالب على بلاد المسلمين وراء البحر وانتهز الفرصة فيها بما كان من الفرقة بين ملوك الطوائف فحاصر طليطلة وبها القادر بن يحيى بن ذى النون حتى نالهم الجهد وتسلمها منه صلحا سنة ثمان وسبعين على أن يملكه بلنسية فبعث معه عسكرا من النصرانية فدخل يلنسية وتملكها على حين مهلك صاحبها أبى بكر بن العزيز بين يدى حصار طليطلة وسار الطاغية في بلاد الاندلس حتى وقف بفرضة المجاز من صريف وأعيا أمره أهل الاندلس واقتضى منهم الجزيه فأعطوها ثم نازل سرقسطة وضيق على ابن هودبها وطال مقامه وامتد امله إلى تملكها فخاطب المعتمد بن عباد أمير المسلمين يوسف بن تاشفين منتجزا وعده في صريخ الاسلام بالعدوة وجهاد الطاغية وكاتبه أهل الاندلس كافة من العلماء والخاصة فاهتز للجهاد وبعث ابنه المعز في عساكر المرابطين إلى سبتة فرضة المجاز فنازلها برا وأحاطت بها أساطيل ابن عباد بحرا فاقتحموها عنوة في ربيع الآخر سنة ست وسبعين وتقبض على ضيا الدولة وقيد إلى المغرب فقتله صبرا وكتب إلى أبيه بالفتح ثم أجاز ابن عباد البحر في جماعته والمرابطين ولقيه بفاس مستنفرا للجهاد وأنزل له ابنه الراضي عن الجزيرة الخضراء لتكون رباطا لجهاده فأجاز البحر في عساكر المرابطين وقبائل المغرب ونزل الجزيرة سنة تسع وثمانين واربعمائة ولقيه المعتمد بن عباد وابن الافطس صاحب بطليوس وجمع ابن أدفونس ملك الجلالقة أمم النصرانية لقتاله ولقى المرابطين بالزلاقة من نواحى بطليوس فكان للمسلمين عليه اليوم المشهور سنة احدى وثمانين ثم رجع إلى مراكش وخلف عسكرا بالاشبيلية لنظر محمد ومجون بن سيمونن بن محمد بن وركوت من عشيرة ويعرف أبوه بالحاج وكان محمد من بطانته وأعاظم قواد تكاليب الطاغية على شرق الاندلس ولم يغن فيه أمراء الطوائف شيئا فزحف إليه من سبتة ابن الحاج قائد يوسف بن تاشفين

[ 187 ]

في عساكر المرابطين فهزموا جميع النصارى هزيمة شنيعه وخلع ابن رشيق صاحب مرسية وتمادى إلى دانية ففر على بن مجاهد أمامه إلى بجاية ونزل على الناصر بن علناس فأكرمه ووصل ابن جحاف قاضى بلنسية إلى محمد بن الحاج مغريا بالقادر بن ذى النون فأنفذ معه عسكرا وملك بلنسية وقتل ابن ذى النون وذلك سنة خمس وثمانين وانتهى الخبر إلى الطاغية فنزل بلنسية واتصل حصاره اياها إلى أن ملكها سنة خمس وثمانين ثم استخلصتها عساكر المرابطين وولى عليها يوسف بن تاشفين الامير مزدلى واجاز يوسف ابن تاشفين ثانية سنة ست وثمانين وتثاقل امراء الطوائف عن لقائه لما أحسوا من نكيره عليهم لما يسمون به عليهم من الظلامات والمكوس وتلاحق المغارم فوجد عليهم وعهد برفع المكوس وتحرى المعدلة فلما أجاز انقبضوا عنه الا ابن عباد فانه بادر إلى لقائه وأغراه بالكثير منهم فتقبض على ابن رشيق فأمكن ابن عباد منه العداوة التى بينهما وبعث جيشا إلى المرية ففر عنها ابن صمادح ونزل على المنصور بن الناصر ببجاية وتوافق ملوك الطوائف على قطع المدد عن عساكره ومحلاته فساء نظره وأفتاه الفقهاء وأهل الشورى من المغرب والاندلس بخلعهم وانتزاع الامر من أيديهم وصارت إليه بذلك فتاوى أهل الشرق الاعلام مثل الغزالي والطرطوشي فعهد إلى غرناطه واستنزل صاحبها عبيد الله بن بلكين بن باديس وأخاه تميما من مالقة بعد ان كان منهما مداخلة الطاغية في عداوة يوسف بن تاشفين وبعث بهما إلى المغرب فخاف ابن عباد عند ذلك منه وانقبض عن لقائه وفشت السعايات بينهما ونهض يوسف بن تاشفين إلى سبتة فاستقر بها وعقد للامير سير بن أبى بكر بن محمد وركوت على الاندلس وأجازه فقدم عليها وقعد ابن عباد عن تلقيه وميرته فأحفظه ذلك وطالبه بالطاعة للامير يوسف والنزول عن الامر ففسد ذات بينهما وغلبه على جميع عمله واستنزل أولاد المأمون من قرطبة ويزيد الراضي من رندة وقرمونة واستولى عن جميعهما وقتلهم وصمد إلى اشبيلية فحاصر المعتمد بها وضيق عليه واستنجد الطاغية فعمد إلى استنقاذه من هذا الحصار فلم يغن عنه شيئا وكان دفاع لمتونة مما فت في عضده واقتحم المرابطون اشبيلية عليه عنوة سنة أربع وثمانين وتقبض على المعتمد وقاده أسيرا إلى مراكش فلم يزل في اعتقال يوسف بن تاشفين إلى أن هلك في محبسه بأغمات سنة سبعين وأربعمائة ثم عمد إلى بطليوس وتقبض على صاحبها عمر بن الافطس فقتله وابنيه يوم الاضحى سنة تسع وثمانين بما صح عنده من مداخلتهم الطاغية وان يملكوه مدينة بطليوس ثم اجاز يوسف بن تاشفين الجواز الثالث سنة تسعين وزحف إليه الطاغية فبعث عساكر المرابطين لنظر محمد بن الحاج فانهزم النصارى امامه وكان الظهور للمسلمين ثم أجاز الامير يحيى بن أبى بكر بن يوسف

[ 188 ]

ابن تاشفين سنة ثلاث وتسعين وانضم إليه محمد بن الحاج سير بن أبى بكر واقتحموا عامة الاندلس من أيدى ملوك الطوائف ولم يبق منها الا سرقسطة في يد المستعين بن هود معتصما بالنصارى وغزا الامير مزدلى صاحب بلنسية إلى بلد برشلونة فأثخن بها وبلغ إلى حيث لم يبلغ أحد قبله ورجع وانتظمت بلاد الاندلس في ملكة يوسف بن تاشفين وانقرض ملك الطوائف منها أجمع كان لم يكن واستولى على العدوتين واتصلت هزائم المرابطين مرارا وتسمى بأمير المسلمين وخاطب المستنصر العباسي الخليفة لعهده ببغداد وبعث إليه عبد الله بن محمد بن العرب المعامى الاشبيلى وولده القاضى أبا بكر فتلطفا في القول وأحسنا في الابلاغ وطلبا من الخليفة أن يعقد له على المغرب والاندلس فعقد له وتضمن ذلك مكتوب الخليفة بذلك منقولا في أيدى الناس وانقلبا إليه بتقليد الخليفة وعهده على ما إلى نظره من الاقطار والاقاليم وخاطبه الامام الغزالي والقاضى أبو بكر الطرطوشى يحضانه على العدل والتمسك بالخير ويفتيانه في شأن ملوك الطوائف بحكم الله ثم أجاز يوسف بن تاشفين الجواز الرابع إلى الاندلس سنة سبع وتسعين وقد كان ما قدمناه في أخبار بنى حماد من زحف المنصور بن الناصر إلى تلمسان سنة سبع وتسعين للفتنة التى وقعت بينه وبين تاشفين بن يتنعمر وافتتاحه أكثر بلادهم فصالحه يوسف بن ناشفين واسترضاه بعدول تاشفين عن تلمسان سنة سبع وتسعين وبعث اليهما مزدلى من بلنسية وولى بلنسية عوضا منه أبا محمد بن فاطمة وكثرت غزواته في بلاد النصرانية وهلك يوسف على رأس المائة الخامسة وقام بالامر من بعده ابنه على بن يوسف فكان خير ملك وكانت ايامه صدرا منها وداعة ودولته على الكفر وصلة وظهورا وعزة وأجاز إلى العدوة فأثخن في بلاد العدو وقتلا وسبيا وولى على الاندلس الامير تميم بن وجمع الطاغية للامير تميم فهزمه تميم ثم أجاز على بن يوسف سنة ثلاث ونازل طليطلة وأثخن في بلاد النصارى ورجع وعلى اثر ذلك قصد ابن ردمير سرقسطة وخرج ابن هود للقائه فانهزم المسلمون ومات ابن هود شهيدا وحاصر ابن ردمير البلد حتى نزلوا على حكمه ثم كان سنة تسع شأن برقة وتغلب أهل جنوة عليها وأخلوها ثم رجع العمران إليها على يد مرتانا فرطست من قواد المرابطين كما مر في ذكرها عند ذكرها عند ذكر الطوائف ثم استمرت حال على بن يوسف في ملكه وعظم شأنه وعقد لولده تاشفين على غرب الاندلس سنة ست وعشرين وانزله قرطبة واشبيلية وأجاز معه الزبير بن عمر وحشد قومه وعقد لابي بكر ابن ابراهيم المسوقى على شرق الاندلس وأنزله بلنسية وهو ممدوح ابن خفاجة ومخدوم أبى بكر بن ماجه الحكيم المعروف بابن الصائغ وعقد لابن غانية المسوقى على الجزائر الشرقية دانية وميورقة واستقامت أيامه ولاربع عشرة سنة من دولته كان ظهور

[ 189 ]

الامام المهدى صاحب دعوة الموحدين فقيها منتحلا للمعلم والفتيا والتدريس آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر متعرضا بذلك للمكروه في نفسه ونالته ببجاية وتلمسان وكناسة اذايات من الفسقة ومن الظالمين وأحضره الامير على بن يوسف للمناظرة ففلج على خصومه من الفقهاء بمجلسه ولحق بقومه هرغة من المصامدة واستدرك على بن يوسف رأيه فتفقده وطالب هرغة بأحضاه فأبوا عليه فشرد إليهم البعث فأوقعوا به وتقاسم معهم هنتاتة وتينملل على اجارته والوفاء بما عاهدهم عليه من القيام بالحق والدعاء إليه حسبما يذكر ذلك كله بعد دولتهم وهلك المهدى في سنة أربع وعشرين وقام بأمرهم عبد المؤمن بن على الكومى كبير أصحابه بعهده إليه وانتظمت كلمة المصامدة وأغزوا مراكش مرارا وفشل ريح لمتونة بالعدوة الاندلسية وظهر أمر الموحدين وفشت كلمتهم في برابر المغرب وهلك على بن يوسف سنة سبع وثلاثين وقام بالامر من بعده ولده تاشفين وولى عهده وأخذ بطاعته وبيعته أهل العدوتين كما كانوا على حين استغلظ أمر الموحدين واستفحل شانهم وألحوا في طلبه وغزا عبد المؤمن غزوته الكبرى إلى جبال المغرب ونهض تاشفين بعساكره بالبسائط إلى أن نزل تلمسان ونازله عبد المؤمن والموحدون بكهف الضحاك بين الصخرتين من جبل تيطرى المطل عليها ووصله هنا لك مدد صنهاجة من قبل يحيى بن عبد العزيز صاحب بجاية مع قائده طاهر بن كباب وشرهوا إلى مدافعة الموحدين فغلبوهم وهلك طاهر واستلحم الصنهاجيون وفرتاشفين إلى وهران في موادعة لب بن ميمون قائد البحر بأساطيله واتبعه الموحدون واقتحموا عليه البلد فهلك يقال سنة احدى وأربعين واستولى الموحدون على المغرب الاوسط واستلحموا لمتونة ثم بويع بمراكش ابنه ابراهيم وألقوه مضعفا عاجزا فخلع وبويع عمه اسحق بن على بن يوسف بن تاشفين وعلى هيئة ذلك وصل الموحدون إليها وقد ملكوا جميع بلاد المغرب عليه فخرج إليهم في خاصته فقتلهم الموحدون واجاز عبد المؤمن والموحدون إلى الاندلس سنة احدى وخمسين وملكوا واستلحموا أمراء لمتونة وكافتهم وفروا في كل وجه ولحق فلهم بالجزائر الشرقية ميورقة ومن ورقة وبابسة إلى أن جددوا من بعده للملك بناحية افريقية والله غالب على أمره { الخبر عن دولته ابن غانية من بقية المرابطين وما كان له من الملك والسلطان بناحية قابس وطرابلس واجلابه على الموحدين ومظاهرة قراقش الغزى له على أمره وأولية ذلك ومصايره } كان أمر المرابطين من أوله في كدالة من قبائل الملثمين حتى هلك يحيى بن ابراهيم

[ 190 ]

فاختلفوا على عبد الله بن ياسين امامهم وتحول عنهم إلى لمتونة وأقصر عن دعوته وتنسك وترهب كما قلناه حتى إذا أجاب داعية يحيى بن عمر وأبى بكر بن عمر من بنى ورتانطو بيت رياسة لمتونة واتبعهم الكثير من قومهم وجاهدوا معه سائر قبائل الملثمين وكان مسوقة قد دخل في دعوة المرابطين كثير منهم فكان لهم بذلك في تلك الدولة حظ من الرياسة والظهور وكان يحيى المسوقى من رجالاتهم وشجعانهم وكان مقدما عند يوسف بن تاشفين لمكانه في قومه واتفق أنه قتل بعض رجالات لمتونة في ملاحاة وقعت بينهما فتثاور الحيان وفرهو إلى الصحراء ففدى يوسف بن تاشفين القتيل ووداه واسترجع عليا من مفره لسنين من مغيبه وأنكحه امرأة من أهل بيته تسمى غانية بعهد ابيها إليه في ذلك فولدت منه محمدا ويحيى تحت ابن تاشفين وحجر كفالته ورعى لهما على بن يوسف ذمام هذه الامور وعقد ليحيى على غرب الاندلس وأنزله قرطبة وعقد لمحمد على الجزاير الشرقية ميورقة ومن ورقة ويابسة سنة عشرين وخمسمائة وانقرض بعد ذلك أمر المرابطين وتقدم وفد الاندلس إلى عبد المؤمن وبعث معهم أبا اسحق براق بن محمد المصمودى من رجالات الموحدين وعقد له على حرب لمتونة كما يذكر في أخبارهم فملك اشبيلية واقتضى طاعة يحيى بن على بن غانية واستنزله عن قرطبة إلى حمال والقليعة فسار منها إلى غرناطة يستنرل من بها من لمتونة ويحملهم على طاعة الموحدين فهلك هنا لك سنة ثلاث وأربعين ودفن بقصر باديس وأما محمد بن على فلم يزل واليا إلى أن هلك وقام بأمره بعده ابنه عبد الله ثم هلك وقام بالامر أخوه اسحق بن محمد بن على وقيل ان اسحق ولى بعد ابنه محمد وأنه قتله غيرة من أخيه عبد الله لمكان أبيه منه فقتلهما معا واستبد بأمره إلى أن هلك سنة ثمانين وخمسمائة وخلف ثمانية من الولد وهم محمد وعلى ويحيى وعبد الله والغاني وسير والمنصور وجبارة فقام بالامر ابنه محمد ولما أجاز يوسف بن عبد المؤمن بن على إلى ابن الربرتير لاختبار طاعتهم وأحسن وصوله نكر ذلك اخوته وتقبضوا عليه واعتقلوه وقام بالامر أخوه على بن محمد بن على وتلوموا في رد ابن الربرتير إلى مرسله وحالوا بينه وبين الاسطول حين بلغهم أن الخليفة يوسف القسرى استشهد في الجهاد باركش من العدوة وقام بالامر ابنه يعقوب واعتقلوا ابن الربرتير وركبوا البحر في ثنتين وثلاثين قطعة من أساطيلهم واسطوله وركب معه اخوته يحيى وعبد الله والغاني وولى على ميورقة عمه أبا الزبير وأقلعوا إلى بجاية فطرقوها على حين غفلة من أهلها وعليها السيد أبو الربيع بن عبد الله بن عبد المؤمن وكان بايميلول من خارجها في بعض مذاهبه فلم تمانعه أهل البلد واستولوا عليها في صفر سنة احدى وثمانين واعتقلوا بها السيد أبا موسى بن عبد المؤمن كان قافلا من افريقية يؤم المغرب

[ 191 ]

واستجروا ما كان بدار السادة والموحدين وكان ولى القلعة فاصدا مراكش وهو يستخبر خبر بجاية فرجع وظاهر السيد ابا الربيع وزحف اليهما على بن غانية فهزمهما واستولى على أموالهما وأسريا ولحقا بتلمسان فنزلا بها على السيد أبى الحسن بن أبى حفص بن عبد المؤمن وأخذ في تحصين تلمسان ورم اسوارها وأقاما عند السيد يرومان الكرة من صاحب تلمسان وغار على بن محمد بن غانية في الاموال وفرقها في ذؤبان العرب ومن انضاف إليهم ورحل إلى الجزائر فافتتحها وولى عليها يحيى بن أبى طلحة ثم افتتح مازونة وانتهى إلى مليانة فافتتحها وولى عليها بدر بن عائشة ثم نهض إلى القلعة فحاصرها ثلاثا ودخلها عنوة وكانت له في المغرب خطة مشهورة ثم قصد قسنطينة فامتنعت عليه واجتمعت إليه وفود العرب فاستنجدهم وجاؤا باحلافهم ولما اتصل الخبر بالمنصور وهو بسبتة مرجعه من الغزو سرح العساكر في البر لنظر السيد أبى زيد بن أبى حفص بن عبد المؤمن وعقد له على المغرب الاوسط وبعث الاساطيل إلى البحر وقائدها أحمد الصقلى وعقد عليها لابي محمد بن ابراهيم بن جامع وزحفت العساكر من كل جهة فثار أهل الجزائر على يحيى بن أبى طلحة ومن معه وأمكنوا منهم السيد أبا يزيد فقتلهم على شلف وعفا عن يحيى لنجدة عمه طلحة وكان بدر بن عائشة اسرى من مليانة واتبعه الجيش فلحقوه أمام العدو فتقبضوا عليه بعد قتال مع البرابرة حين أرادوا اجارته وقادوه إلى السيد أبى يزيد فقتله وسبق الاسطول الي بجاية فثار بيحيى بن غانية وفر إلى أخيه على لمكانه من حصار قسنطينة بعد ان كان أخذ بمخنقها ونزل السيد أبو زيد بعساكره بتكلات من ظاهر بجاية وأطلق السيد أبا موسى من معتقله ثم رحل في طلب العدو فأفرج عن قسنطينة بعد ان كان أخذوه مضى شديدا في الصحراء والموحدون في اتباعه حتى انتهوا إلى مغرة ونغارس ثم نقلوا إلى بجاية واستنفر السيد أبا زيد بها وقصد على بن غانية في قفصة فملكها ونازل بورق وقصطيلة فامتنعت وارتحل إلى طرابلس وفيها قراقش الغزى المطغرى وكان من خبره على ما نقل أبو محمد التيجاني في كتاب رحلته ان صلاح الدين صاحب مصر بعث تقى الدين ابن أخيه شاه إلى المغرب لافتتاح ما أمكنه من مدينة تكون له معقلا يتحصن فيه من مطالبة نور الدين محمود بن زنكى صاحب الشأم الذى كان صلاح الدين عمه من وزرائه واستعجلوا النصر فخشوا عاديته ثم رجع تقى الدين من طريقه لامر عرض له بعد قراقش الارمني بطائفة من جنوده وفر ابراهيم بن فراتسكين سلاح دار المعظم لسيده الملك المعظم صاحب الدولة ابن أيوب أخى صلاح الدين فأما قراقش فلحق ششرية وافتتحها وذلك سنة ست وثمانين وخطب فيها الصلاح الدين ولاستاذه تقى الدين وكتب لهما بفتح زويلة وغلبه ذى خطاب الهوارى

[ 192 ]

على فلك فزار وكانت ملكا لعمه محمد بن الخطاب بن يصلتن بن عبد الله بن صنعل بن خطاب وهو آخر ملوكهم وكانت قاعدة ملكة زوبلة وتعرف زويلة ابن خطاب فتقبض عليه وغلبه على المال حتى هلك ولم يزل يفتح البلاد إلى أن وصل طرابلس واجتمع عليه عرب ذياب بن سليم ونهض بهم إلى جبل نفوسة فملكه واستخلص أموال العرب واتصل به مسعود بن زمام شيخ الزواودة من رياح عند مفره من المغرب كما ذكرناه واجتمعت أيديهم على طرابلس وافتتحها واجتمع إليه ذؤبان العرب من هلال وسليم وفرض لهم العطاء واستبد بملك طرابلس وما وراءها وكان قراقش من الارمن وكان يقال له المعظمى والناصري لانه يخطب للناصر صلاح الدين وكان يكتب في ظهائره ولى امير المؤمنين بسكون الميم ويكتب علامة الظهيرة بخطه وثقت بالله وحده أسفل الكتاب وأما ابراهيم بن قراقش صاحبه فانه سار مع العرب إلى قفصة فملك جميع منازلها واساء ذى المريد واساء قفصة فأمكنوه من البلد لانحرافهم عن بنى عبد المؤمن فدخلها وخطب للعباسي ولصلاح الدين إلى أن قتله المنصور عند فتح قفصة كما نذكره في أخبار الموحدين * (رجع الخبر إلى ابن غانية) * ولما وصل على ابن غانية إلى طرابلس ولقى قراقش اتفقا على المظاهرة على الموحدين واستمال ابن غانية كافة بنى سليم من العرب وما جاورهم من غلاتهم مسوقة وخالطوه في ولايتهم واجتمع إليه من كان منحرفا عن طاعة الموحدين من قبائل هلال مثل جشم ورياح والابثج وخالفتهم زغبة إلى الموحدين فاحتفلوا بطاعتهم سائر أيامهم ولحق بابن غانية فل قومه من لمتونة ومنونة من أطراف البقاع فانعقد أمره وتجدد بذلك القطر سلطان قومه وجدد رسوم الملك واتخذ الآلة وافتتح كثيرا من بلاد الجريد وأقام فيها الدعوة العباسية ثم بعث ولده وكاتبه عبد المؤمن من فرسان الاندلس إلى الخليفة الناصر بن المستضئ ببغداد مجددا ما سلف لقومه من المرابطين بالمغرب من البيعة والطاعة وطلب المدد والاعانة فعقد له كما كان لقومه وكتب الكتاب من ديوان الخليفة إلى ملك مصر والشام النائب عن الخليفة بها صلاح الدين يوسف بن أيوب فجاء إلى مصر فكتب له صلاح الدين إلى قراقش واتصل أمرهما في اقامة الدعوة العباسية وظاهره ابن غانية على حصاروا شرفا فتتحها قراقش من يد سعيد بن ابن الحسن وولى عليها مولاه وجعل فيها ذخائره ثم اتصل بها إلى أن وصل قفصة خلعوا طاعة ابن غانية فظاهره قراقش عليها فافتتحها عنوة ثم رحل إلى توزر وقراقش في مظاهرته فافتتحها أيضا ولما اتصل بالمنصور ما نزل بافريقية من اجلاب ابن غانية وقراقش على بلاد الجريد

[ 193 ]

نهض من مراكش سنة ثمان وثمانين لحسم هذا الداء واستنقاذ ما غلبوا عليه ووصل إلى تونس فأراح بها وسرح في مقدمته السيد أبا يوسف يعقوب بن أبى حفص عمر بن عبد المؤمن ومعه عمر بن أبى زيد من أعيان الموحدين فلقيهم ابن غانية في جموعه بعهده فانهزم الموحدون وقتل ابن أبى زيد وجماعة منهم وأسر على بن الربرتير في آخرين وامتلات أملاك العدو من اسلابهم ومتاعهم ووصل سرعان الناس إلى تونس وصمد المنصور إليهم فأوقع بهم بظاهر الحامة في شعبان من سنته وأفلت ابن غانية وقراقش بحومة الوفر وبادر أهل قابس وكانت خالصة لقراقش دون ابن غانية فأتوا طاعتهم وأسلموا من كان عندهم من أصحابه وذويه فأحملوا إلى مراكش وقصد المنصور إلى توزر فحاصرها فأسلموا إليه من كان فيها من أصحاب ابن غانية وبادر أهلها بالطاعة ثم رجع إلى قفصة فحاصرها حتى نزلوا على حكمه وقتل من كان بها من الحشود وقتل ابراهيم ابن فراتكين وامتن على سائر الاعوان وخلى سبيلهم وأمن أهل البلد في أنفسهم وجعل املاكهم بأيديهم على حكم المساقاة تم غزا العرب واستباح عليهم واحتازهم حتى استقاموا على طاعته وفر ذو المراس كثير الخلاف والفتنة منهم إلى المغرب قبل جشم ورياح والعاصم كما قدمناه وقفل إلى المغرب سنة أربع وثمانين ورجع ابن غانية وقراقش إلى حالهما من الاجلاب على بلاد الجريد إلى أن هلك على في بعض حروبها مع أهل نفزاوة سنة أربع وثمانين أصابه سهم غرب كان فيه هلاكه فدفن هنا لك وعفى على قبره وحمل شلوه إلى ميورقة فدفن بها وقام بالامر أخوه يحيى بن اسحق ابن محمد بن غانية وجرى في مظاهرة قراقش وموالاته على سنن أخيه على ثم نزع قراقش إلى طاعة الموحدين سنة ست وثمانين فهاجر إليهم بتونس وتقبله السيد أبو زيد بن أبى حفص بن عبد المؤمن وأقام معه أياما ثم فر ووصل إلى قابس فدخلها مخادعة وقتل جماعة منهم واستبد على أشياخ ذباب والكعوب من بنى سليم فقتل سبعين منهم بقصر العروسيين كان منهم محمود بن طرق أبو المحاميد وحميد بن جارية أبو الجوارى ونهض إلى طرابلس فافتتحها ورجع إلى بلاد الجريد فاستولى على أكثرها ثم فسد ما بينه وبين يحيى بن غانية وسار إليه يحيى فانتهز قراقش ولحق بالجبال وتوغل فيها ثم فر إلى الصحراء ونزل ودان ولم يزل بها إلى أن حاصره ابن غانية من بعد ذلك بمدة وجمع عليه أهل الثار من ذباب واقتحمها عليه عنوة وقتله وابنه بالموحدين ولم يزل بالحضرة إلى أيام المستنصر ثم فر إلى ودان وأجلب في الفتنة فبعث إليه ملك كام من قتله لسنة ست وخمسين وخمسمائة (رجع الخبر) واستولى ابن غانية على الجريد واستنزل ياقوت فولى قراقش من طرده كذا ذكره التجانى في رحلته ولحق ياقوت بطرابلس ونازله ابن

[ 194 ]

غاية بها وطال أمر حصاره وبالغ ياقوت في المدافعة وبعث يحيى عن أسطول ميورقة فأمده أخوه عبد الله بقطعتين منه فاستولى على طرابلس وأشخص ياقوت إلى ميورقة واعتقل بها إلى أن أخذها الموحدون وكان من خبر ميورقة ان على بن غانية لما نهض إلى فتح بجاية ترك أخاه محمدا وعلى بن الربيرتير في معتقلهما فلما خلا الجو من أولاد غانية وكثير من الحامية دخل في الربرتير نفر من معقل أهل الجزيرة وثاروا بدعوة محمد وحاصروا لقصيبة إلى ان صالحهم أهلها على اطلاق محمد بن اسحق فأطلق من معتقله وصار الامر له فدخل في دعوة الموحدين ووفد مع على بن الربيرتير على يعقوب المنصور وخالفهم إلى ميورقة عبد الله بن اسحق ركب البحر من افريقية إلى صقلية وأمدوه بأسطول ووصلا إلى ميورقة عند وفادة أخيه على المنصور فملكها ولم يزل بها واليا وبعث إلى أخيه على بالمدد إلى طرابلس كما ذكرناه وبعثوا إليه ياقوت فاعتقله عنوة إلى أن غلب عليه الموحدون سنة تسع وتسعين فقتل ومضى ياقوت إلى مراكش وبهامات (رجع الخبر) ولما فرغ ابن غانية من أمر طرابلس ولى عليها تاشفين ابن عمه الغانى وقصد قابس فوجد بها عامل الموحدين ابن عمر تافراكين بعثه إليهم صاحب تونس الشيخ أبو سعيد ابن أبى حفص فاستدعاه أهلها لما فر عنهم نائب قراقش أخذ ابن غانية لطرابلس فنازل قابس وضيق عليها حتى سألوه الامان على أن يخلى سبيل بن بافراس فعقد لهم ذلك وأمكنوه من البلد فملكها سنة احدى وتسعين وأغرمهم ستين ألف دينار وقصد المهدية سنة سبع وتسعين فاستولى عليها وقتل الثائر بها محمد بن عبد الكريم الكرابى (وكان من خبره) أنه نشأ بالمهدية وصار من جندها المرتدين وهو كوفى الاصل وكانت له شجاعة معروفة فجمع لنفسه خيلا ورجالا وصار يغير على المفسدين من الاعراب بالاطراف فداخلهم هيبة وبعد ذلك ملته وأمده الناس بالدعاء وقدم أبو سعيد بن أبى حفص على افريقية من قبل المنصور لاول ولايته وولى على المهدية أخاه يونس وطالب محمد بن عبد الكريم بالسهمان في المغانم وامتنع فانزل به النكال وعاقبه بالسجن فدبوا إلى ابن عبد الكريم الثورة وداخل فيها بطانته وتقبض على يونس سنة خمس وتسعين واعتقله إلى ان فداه أبو سعيد بخمسمائة دينار من الذهب العتيق واستبدل ابن عبد الكريم بالمهدية ودعا لنفسه وبلغت المتوكل على الله ثم وصل السيد أبو زيد بن أبى حفص عمر بن عبد المؤمن واليا على افريقية فنازل ابن عبد الكريم بتونس سنة ست وتسعين واضطرب معسكره بحلق الوادي وبرز إليه جيوش الموحدين فهزموهم وطال حصاره لهم ثم سألوه الافراج عنهم فأجاب لذلك وارتحل عنهم إلى حصار يحيى بن غانية بفاس فنازله مدة ثما ارتحل إلى قفصة وخرج ابن غانية في اتباعه فانهزم ابن عبد الكريم

[ 195 ]

امامه ولحق بالمهدية وحاصره ابن غانية برياسة سنة سبع وتسعين وأمده السيد أبو زيد بقطعتين من الغزاة حتى سأل ابن عبد الكريم النزول على حكمه وخرج إليه فقبض عليه ابن غانية وهلك في اعتقاله واستولى على المهدية واستضافها إلى ما كان بيده من طرابلس وقابس وصفاقس والجريد ثم نهض إلى الجانب الغربي من افريقية فنازل باجة ونصب عليها المجانيق وافتتحها عنوة وخربها وقتل عاملها عمر بن غاب ولحق شريدها بالاربع وشقنبا رية وتركها خالية على عروشها وبعد مدة تراجع إليها ساكنها بأمن السيد أبى زيد فزحف إليها ابن غانية ونازلها وزحف إليه السيد أبو الحسن أخو السيد أبى زيد فلقيه بقسنطينة وانهزم الموحدون واستولى على معسكرهم ثم نهض إلى بسكرة واستولى عليها وقطع أيدى أهلها وتقبض على حافظها أبى الحسن ابن أبى يعلى وتملك بعدها بلنسية والقيروان وبايعه أهل بونة ورجع إلى المهدية وقد استفحل ملكه فأزمع على حصار تونس وارتحل إليها سنة تسع وتسعين واستعمل على المهدية على بن الغانى ويعرف بالكافي بن عبد الله بن محمد بن على بن غانية ونزل بالجبل الاحمر من ظاهر تونس ونزل أخوه بحلق الوادي ثم ضايقوه بمعسكرهم وردموا خندقها ونصبوا المجانيق والآلات واقتحموها لاربعة أشهر من حصارها في ختام المائة السادسة وقبض على السيد أبى زيد وابنه ومن كان معه من الموحدين وأخذ أهل تونس بغرم مائة ألف دينار وولى بقبضها منهم كاتبه ابن عصفور وأبا بكر بن عبد العزيز ابن اسكالك فأرهبوا الناس بالطلب حتى لاذ معظمهم بالموت واستعملوا القتل فيما نقل أن اسمعيل بن عبد الرفيع من لؤمائها القى بنفسه في بئر فهلك فرجع الطلب بنفيها عنهم وارتحل إلى نفوسة والسيد أبو زيد معتقل في معسكره ففعل بهم مثل ذلك وأغرمهم ألف ألف مرتين من الدنانير وكثر عيثه واضراره بالرعية وعظم طغيانه وعتوة واتصل بالناصر بمراكش مادهم أهل افريقية منه ومن ابن عبد الكريم قبله فامتعض لذلك ورحل إليها سنة ستمائة وبلغ يحيى بن غانية خبر مرجعه إليه فخرج من تونس إلى القيروان ثم إلى قفصة واجتمع إليه العرب وأعطوه الرهن على المظاهرة والدفاع ونازل طرة من حصون مغراوة واستمالها وانتقل إلى حامة مطماطة ونزل الناصر تونس ثم قفصة ثم قابس وتحصن منه ابن غانية في جبل دمر فرجع عنه إلى المهدية وعسكر عليها واتخذ الآلة لحصارها وسرح الشيخ أبا محمد عبد الواحد بن أبى حفص لقتال ابن غانية في أربعة آلاف من الموحدين سنة ثنتين وستمائة فلقيه بجبل تاجورا من نواحى قابس وأوقع به وقتل أخاه جبارة بن اسحق واستنقذ السيد أبا زيد من معتقله ثم افتتح الناصر المهدية ودخل إليها على بن الغانى في دعوته فتقبله ورفع مكانه ووصله بهدية وافق

[ 196 ]

وصولها برسمه إليه على يد واصل مولاه وكان بها ثوبان منسوجان بالجواهر فوصله بذلك كله ولم يزل معه إلى أن استشهد مجاهدا وولى الناصر على المهدية محمد بن يعمور من الموحدين ورجع إلى تونس ثم نظر فيمن يوليه أمر افريقية لسد فرجها والذب عنها ومدافعة ابن غانية وجموعه دونها فوقع اختياره على الشيخ أبى محمد بن أبى حفص فعقد له على ذلك سنة ثلاث كما ذكرناه في أخباره ورجع الناصر إلى المغرب وأجمع ابن غانية النهوض لقتال الموحدين بتونس وجمع ذؤيان العرب من الزواودة وغيرهم وأوفد الزواودة يومئذ محمد بن مسعود بن سلطف بخبر بنى عوف بن سليم إلى الموحدين والتقوا بشبور من نواحى بلسة فانهزمت جموع ابن غانية ولجأ إلى جهة طرابلس ثم نهض إلى المغرب في جموعه من العرب والملثمين فانتهى إلى سجلماسة وامتلات أيدى اتباعه من النهاب وخرقوا الارض بالعيث والفساد وانتهى إلى المغرب الاوسط وداخله المفسدون من زناتة واعرف أن صاحب تلمسان السيد أبا عمران موسى بن يوسف بن عبد المؤمن فلقيه بتاهرت فهزمه ابن غانية وقتله وأسر وافده وكر راجعا إلى افريقية فاعترضه الشيخ أبو محمد صاحب افريقية في جموع الموحدين واستنقذ الغنائم من أيديهم ولجأ ابن غاية إلى جبال طرابلس وهاجر أخوه سير بن اسحق إلى مراكش فقبله الناصر وأكرمه ثم اجتمع إلى ابن غانية طوائف العرب من رياح وعوف وهيث ومن معهم من قبائل البربر وعزم على دخول افريقية ونهض إليهم الشيخ أبو محمد سنة ست ولقيهم بجبل نفوسة ففل عسكرهم واستلحم أمرهم وغنم ما كان معهم من الظهر والكراع والاسلحة وقتل يومئذ محمد بن الغانى وجوارين ويفرن وقتل معه ابن عمه من كتاب ابن أبى الشيخ ابن عساكر بن سلطان وهلك يومئذ من العرب الهلاليين أمير قرة سماد بن نخيل (حكى) ابن نخيل ان مغانم الموحدين يومئذ من عساكر الملثمين كانت ثمانية عشر ألفا من الظهر فكان ذلك مما أوهن من شدته وطامن من بأسه وتارت قبائل نفوسة بكبت ابن عصفور فقتلوا ولديه وكان ابن غانية يبعثه عليهم للمغرم وسار أبو محمد في نواحى افريقية ودفع سلبهم واستتار أشياخهم بأهلهم وأسكنهم بتونس حسما لفسادهم وصلحت أحوال افريقية إلى أن هلك الشيخ أبو محمد سنة ثمان عشرة وولى أبو محمد السيد أبو العلا ادريس بن يونس بن عبد المؤمن ويقال بل وليها قبيل مهلك الشيخ أبى محمد فاستطار بعد مهلكه سور بن عبابة ولخم فعابه رعيته ونهض إليه السيد أبو العلا ونزل قابس وأقام بقصر العروسيين وسرح ولده السيد أبا زيد بعسكر من الموحدين إلى درج وغدامس وسرح عسكرا آخر إلى ودان لحصار ابن غانية فأرجف بهم العرب ونهضوا وهم بهم السيد أبو العلا وفر ابن غانية إلى الزاب واتبعه السيد أبو زيد فنازل

[ 197 ]

بسكرة واقتحمها عليه ونجا ابن غانية وجمع أوباشا من العرب والبربر واتبعه السيد أبو زيد في الموحدين وقبائل هوارة وتزاحفوا بظاهر تونس سنة احدى وعشرين فانهزم ابن غانية وجموعه وقتل كثير من الملثمين وامتلات أيدى الموحدين من الغنائم وكان طرأ له يومئذ حماس من بعد ما سعى في هذا الزحف أثر مذكور وبلاء حسن وبلغ السيد أبا زيد إثر هذه الوقيعة خبر مهلك أبيه بتونس فانكف راجعا وأعيد بنو أبى حفص إلى مكان أبيهم الشيخ أبى محمد بن أثال بافريقية واستقل الامير أبو زكريا منهم بأمرها واقتلعها عن ملكه إلى عبد المؤمن وتناولها من يد أخيه أبى محمد عبد وهذا الامير أبو زكريا هو جد الخلفاء الحفصيين وماهد أمرهم بافريقية فأحسن دفاع ابن غانية عنها وشرده في أقطارها ورفع يده شيئا فشيئا عن النيل من أهلها ورواياها ولم يزل شريدا مع العرب بالقفار فبلغ سجلماسة من أقصى المغرب والعقبة الكبرى من تخوم الديار المصرية واستولى على ابن مذكور صاحب السريقة من تخوم برقة وأوقع بمغراوة لواجد ماهولجة ومليانة وقتل أميرهم منديل بن عبد الرحمن وصلب شلوه بسور الجزائر وكان يستخدم الجند فإذا سئموا الخدمة تركهم لسبيلهم إلى أن هلك لخمسين سنة من امارته سنة احدى وثلاثين وقيل ثلاث وثلاثين ودفن وعفى أثر مدفنه يقال بوادي الرجوان قتله الاريس ونقل بجهة مليانة من وادى شلف ويقال بصحراء باديس ومديد من بلاد الزاب وانقرض أمر الملثمين من مسوقة ولمتونة ومن جميع بلاد افريقية والمغرب والاندلس بمهلكه وذهب ملك صنهاجة من الارض بذهاب ملكه وانقطاع أمره وقد خلف بنات بعثهن زعموا إلى الامير أبى زكريا لعهده بذلك إلى علجه جابر فوضعن في يده وبلغه وفاة أبيهن وحسن ظنه في كفالته اياهن فأحسن الامير أبو زكريا كفالتهن وبنى لهن بحضرته دارا لصونهن معروفة لهذا العهد بقصر البنات وأقمن تحت حراسته وفى سعة من رزقه موصولات لوصاة أبيهن بذلك منهن وحفظهن لوصاته ولقد يقال ان ابن عم لهن خطب احداهن فبعث إليها الامير أبو زكريا فقال لها هذا ابن عمك وأحق بك فقالت لو كان ابن عمنا ما كفلنا الاجانب إلى أن هلكن عوانس بعد ان متعن من العمر مجظ (أخبرني والدى رحمه الله) أنه أدرك واحدة منهن أيام حياته في سنى العشر والسبعمائة تناهز التسعين من السنين (قال) ولقيتها وكانت من أشرف النساء نفسا وأسراهن خلقا وأزكاهن حالا والله وارث الارض ومن عليها ومضى هؤلاء الملثمون وقبائلهم لهذا العهد بمجالاتهم من جواز السواد ان حجزا بينهم وبين الرمال التى هي تخوم بلاد البربر من المقدس وافريقية وهم لهذا العهد متصلون من ساحل البحر المحيط في المغرب إلى ساحل النيل بالمشرق وهلك

[ 198 ]

من قام بالملك منهم بالعدوتين وهم قفل من مسوفة ولمتونة كما ذكرناه أكلتهم الدولة وابتلعتهم الآفاق والاقطار وأفناهم الرق واستلحمهم أمراء الموحدين وبقى من أقام بالصحراء منهم على حالهم الاول من افتراق الكلمة واختلاف البين وهم الآن يعطون طاعة لملوك السودان يجبون إليهم خراجهم وينفرون في معسكرهم واتصل بنيانهم على بلاد السودان إلى المشرق مناظر السلع العرب على بلاد المغربين وافريقية فكدالة منهم في مقابلة ذوى حسان بن المعقل غرب السوس الاقصى ولمتونة وتريكة ذوى منصور وذوى عبد الله بن المعقل أيضا عرب المغرب الاقصى ومسوفة في مقابلة زغبة عرب المغرب الاوسط ولمطة في مقابله رياح عرب الزاب وبجاية وقسنطينة وتاوكا في مقابلة سليم عرب افريقية وأكثر ما عندهم من المواشى الابل لمعاشهم وحمل أثقالهم وركوبهم والخيل قليلة لديهم أو معدومة ويركبون من الابل الفارهة ويسمونها النجيب ويقاتلون عليها إذا كانت بينهم حرب وسيرها هملجة وتكاد تلحق بالركض وربما يغزوهم أهل القيض من العرب وخصوصا بنو سعيد من بادية رياح فهم أكثر العرب غزوا إلى بلادهم وهو يستبيحون من صحبوه منهم يرمونه في بطون مغاير فإذا اتصل السياح بأحيائهم وركبوا في اتباعهم واعترضوهم على المياه قبل فصولهم من تلك البلاد فلا يكادون يخلصون ويشتد الحرب بينهم فلا يخلص العرب من غوائلهم الا بعد جهد وقد يهلك بعضهم ولله الخلق والامر واذ عرض لنا ملوك السودان فلنذكر ملوكهم لهذا العهد المجاورين لملوك المغرب { الخبر عن ملوك السودان المجاورين للمغرب من وراء هؤلاء الملثمين ووصف أحوالهم والالمام بما اتصل بنا من دولتهم } هذه الامم السودان من الادميين هم أهل الاقليم التالى وراءه إلى آخر الاول بل والى آخر المعمور متصلون ما بين المغرب والمشرق ويجاورون بلاد البربر بالمغرب وافريقية وبلاد اليمن والحجاز في الوسط والبصرة وما وراءها من بلاد الهند بالمشرق وهم أصناف وشعوب وقبائل أشهرهم بالمشرق الزنج والحبشة والنوبة وأما أهل المغرب منهم فنحن ذاكروهم بعد ما ننسبهم فبنو حام بن نوح بالحبش من ولد حبش بن كوش بن حام والنوبة من ولد نوبة بن كوش بن كنعان بن حام فيما قاله المسعودي وقال ابن عبد البر إنهم من ولد نوب بن قوط بن مصر بن حام والزنج من ولد زنجى بن كوش وأما سائر السودان فمن ولد قوط بن حام فيما قاله ابن عبد البر ويقال هو قبط بن حام وعد ابن سعيد من قبائلهم وأممهم سبعة عشر أمة فمنهم في المشرق الزنج على بحر الهند لهم مدينة فنقية وهم مجوس وهم الذين غلب رقيقهم بالنصر على ساداتهم مع دعى الزنج في خلافة المعتمد قال ويليهم

[ 199 ]

بربرا وهم الذين ذكرهم امرؤ القيس في شعره والاسلام لهذا العهد فاش فيهم ولهم يومئذ مقاشن على البحر الهندي يعمرها تجار المسلمين ومن غربيهم وحولهم الدمادم وهم حفاة عراة قال وخرجوا إلى بلاد الحبشة وهم أعظم امم السودان وهم مجاورون لليمن على شاطئ البحر الغربي ومنه غزو ملك اليمن ذى نواس وكانت دار مملكتهم كفرة وكانوا على دين النصرانية وأخذ بالاسلام واحد منهم زمن الهجرة على ما ثبت في الصحيح والذى أسلم منهم لعهد النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إليه الصحابة قبل الهجرة إلى المدينة فآواهم ومنعهم وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم عند ما نعى إليه كان اسمه النجاشي وهو بلسانهم انكاش بالكاف المشمة بالجيم عربتها العرب جيما محضة وألحقتها ياء النسب شأنها في الاسماء الاعجمية إذا تصرفت فيها وليس هذا الاسم سمة لكل من تملك منهم كما يزعم كثير من الناس ممن لا علم له بهذا ولو كان كذلك لشهروا اسمه إلى اليوم لان ملكهم لم يتحول منهم وملكهم لهذا العهد اسمه الخطى اسم السلطان نفسه أو اسم العشيرة الذين فيهم الملك وفى غزبيه مدينة بها ملك من أعاظمهم وله ملك ضخم وفى شماليه ملك آخر منهم اسمه حق الدين محمد بن على ابن واصمع في مدينة أسلم أولوه في تواريخ مجهولة وكان جده واصمع مطيعا لملك دامرن وأدركت الخطى الغيرة من ذلك فغزاه واستولى على بلاده ثم اتصلت الفتنة وضعف أمر الخطى فاسترجع بنو واصمع بلادهم من الخطى وبنيه واستولوا على وفات وخربوها وبلغنا أن حق الدين هلك وملك بعده أخوه سعد الدين وهم مسلمون ويعطون الطاعة للخطى احيانا وينابذونه أخرى والله مالك الملك (قال ابن سعيد) ويليهم البجاوة وهم نصارى ومسلمون ولهم جزيرة بسواكن في بحر السوس ويليهم النوبة اخوة الزنج والحبشة ولهم مدينة دنقله غرب النبل وأكثرهم مجاورون للديار المصرية ومنهم رقيق ويليهم زغاوة وهم مسلمون ومن شعوبهم تاجرة ويليهم الكانم وهم خلق عظيم والاسلام غالب عليهم ومدينتهم حميمي ولهم التغلب على بلاد الصحراء إلى فزان وكانت لهم مهادنة مع الدولة الحفصية مذ أولها ويليهم من غربهم كوكو وبعدهم نغاله والتكرور ولمى وتميم وجاى وكورى وأفكزار ويتصلون بالبحر المحيط إلى غانية في الغرب اه‍ كلام ابن سعيد ولما فتحت افريقية المغرب دخل التجار بلاد المغرب فلم يجدوا فيهم أعظم من ملوك غانية كانوا مجاورين للبحر المحيط من جانب الغرب وكانوا أعظم أمة ولهم أضخم ملك وحاضرة ملكهم غانية مدينتان على حافتى النيل من أعظم مدائن العالم وأكثرها معتمرا ذكرها مؤلف كتاب رجار وصاحب المسالك والممالك وكانت تجاورهم من جانب الشرق أمة أخرى فيما زعم الناقلون تعرف صوصو بصادين مضمومتين

[ 200 ]

أو سينين مهملتين ثم بعدها أمة أخرى تعرف مالى ثم بعدها أمة أخرى تعرف كوكو ويقال ثاغو ثم بعدها أمه أخرى تعرف بالتكرور (وأخبرني) الشيخ عثمان فقيه أهل غانية وكبيرهم علما ودينا وشهرة قدم مصر سنة تسع وتسعين حاجا بأهله وولده ولقيته بها فقال انهم يسمون التكر ورزغاى ومالى انكاويه اه‍ ثم ان أهل غانية ضعف ملكهم وتلاشى أمرهم واستفحل أمر الملثمين المجاورين لهم من جانب الشمال مما يلى البربر كما ذكرناه وعبروا على السودان واستباحوا حماهم وبلادهم واقتضوا منهم الاتاوات والجزى وحملوا كثيرا منهم على الاسلام فدانوا به ثم اضمحل ملك أصحاب غانية وتغلب عليهم أهل صوصو المجاورون لهم من أمم السودان واستعبدوهم وأصاروهم في جملتهم ثم ان أهل مالى كثروا أمم السودان في نواحيهم تلك واستطالوا على الامم المجاورين لهم فغلبوا على صوصوا وملكوا جميع ما بأيديهم من ملكهم القديم وملك أهل غانية إلى ارن من ناحية الغرب وكانوا مسلمين يذكرون ان أول من أسلم منهم ملك اسمه برمندان ضبطه الشيخ عثمان وحج هذا الملك واقتفى سننه في الحجج ملوكهم من بعده وكان ملكهم الاعظم الذى تغلب على صوصو وافتتح بلادهم وانتزع الملك من أيديهم اسمه مارى جاطة ومعنى مارى عندهم الامير الذى يكون من نسل السلطان وجاطة الاسد واسم الحافد عندهم تلز ولم يتصل بنا نسب هذا الملك وملك عليهم خمسا وعشرين سنة فيما ذكروه ولما هلك ولى عليهم من بعده مولى من مواليهم تغلب على ملكهم اسمه ساكورة وقال الشيخ عثمان ضبطه بلسانهم أهل غانية سيكرة وحج أيام الملك الناصر وقتل عند مرجعه بتاجورا وكانت دولته ضخمة اتسع فيها نطاق ملكهم وتغلبوا على الامم المجاورة لهم وافتتح بلاد كوكو وأصارها في ملكة أهل مالى واتصل ملكهم من البحر المحيط وغانة بالمغرب إلى بلاد التكرور في المشرق واعتز سلطانهم وهابتهم أمم السودان وارتحل إلى بلادهم التجار من بلاد المغرب وافريقية وقال الحاج يونس ويمال التكرورى ان الذى فتح كوكو هو سقمنجه من قواد منسا موسى وولى من بعده ساكورة وهدانو ابن السلطان مارى جاطة ثم من بعده ابنه محمد بن قوثم انتقل ملكهم من ولد السلطان مارى جاطة إلى ولد أخيه أبى بكر فولى عليهم منسا موسى بن أبى بكر وكان رجلا صالحا وملكا عظيما له في العدل أخبار تؤثر عنه وحج سنة أربع وعشرين وسبعمائة لقيه في الموسم شاعر الاندلس أبو اسحق ابراهيم الساحلي المعروف بالطونجق وصحبه إلى بلاده وكان له اختصاص وعناية ورثها من بعده إلى الآن وأوطنوا الاثر من تخوم بلادهم من ناحية المغرب ولقيه في منصرفه صاحبنا المعمر أبو عبد الله بن خديجة الكومى من ولد عبد المؤمن كان داعية بالزاب للفاطمي

[ 201 ]

المنتظر وأجلب عليهم بعصائب من العرب فمكر به واركلا واعتقله ثم خلى سبيله بعد حين فخاض إلى السلطان منسا موسى مستجيشا به عليهم وقد كان بلغه توجهه للحج فأقام في انتظاره ببلد غدامس يرجو نصرا على عدوه ومعونة على أمره لما كان عليه منسا موسى من استفحال ملكه بالصحراء الموالية لبلد واركلا وقوة سلطانه فلقى منه مبرة وترحبا ووعده بالمظاهرة والقيام بثاره واستصحبه إلى بلدة اخرى وهو الثقة (قال كنا نواكبه أنا وأبو اسحق الطونجق ذون وزرائه ووجوه قومه نأخذ بأطراف الاحاديث نتمتع وكان متحفا في كل منزل بطرف المآكل والحلاوات قال والذى تحمل آلته وحربته من الوصائف خاصة اثنا عشر ألفا لابسات أقبية الديباج والحرير اليماني (قال الحاج يونس ترجمان هذه الامة بمصر) جاء هذا الملك منسا موسى من بلده بثمانين حملا من التبر كل حمل ثلاثة قناطير قال وانما يحملون على الوصائف والرجال في أوطانهم فقط وأما السفر البعيد كالحج فعلى المطايا (قال أبو خديجة) ورجعنا معه إلى حضرة ملكه فأراد أن يتخذ بيتا بمقعد سلطانه محكم البناء مجللا لغرابته بأرضهم فأطرافه أبو اسحق الطونجق ببناء قبة مربعة الشكل استفرغ فيها اجادته وكان صناع اليدين واصفى عليها من الكاس ووالى عليها بالاصباغ المشبعة فجاءت من أتقن المباني ووقعت من السلطان موقع الاستغراب لفقدان صنعة البناء بأرضهم ووصله باثنى عشر ألفا من مثاقيل التبر مثوبة عليها إلى ما كان له من الاثرة والميل إليه والصلات السنية وكان بين هذا السلطان منسا موسى وبين ملك المغرب لعهد من بنى مرين السلطان أبى الحسن مواصلة ومهاداة سفرت بينهما فيها الاعلام من رجال الدولتين واستجاد صاحب المغرب من متاع وطنه وتحت ممالكه مما تحدث عنه الناس على ما نذكره عند موضعه بعث بها مع على بن غانم المغفل واعيان من رجال دولته وتوارثت تلك الوصلة أعقابهما كما سيأتي واتصلت أيام منسا موسى هذا خمسا وعشرين سنة ولما هلك ولى أمر مالى من بعده ابنه منسا مغاومغا عندهم محمد وهلك لاربع سنين من ولايته وولى أمرهم من بعده منسا سليمان بن أبى بكر وهو أخو موسى واتصلت أيامه أربعا وعشرين سنة ثم هلك فولى بعده ابنه منسا بن سليمان وهلك لنسعة من ولايته فولى عليهم من بعده مارى جاطه بن منسا مغا بن منسا موسى واتصلت أيامه أربعة عشر عاما وكان أشر وال عليهم بما سامهم من النكال والعسف وافساد الحرم وأتحف ملك المغرب لعهد السلطان أبا سالم بن السلطان أبى الحسن بالمهدية المذكورة سنة ثنتين وستين وكان فيها الحيوان العظيم الهيكل المستغرب بأرض المغرب المعروف بالزرافة تحدث الناس بما اجتمع فيه من مفترق الحلى والشبه في جثمانه ونعوته دهرا (وأخبرني القاضى الثقة أبو عبد الله

[ 202 ]

محمد بن وانسول من أهل سجلماسة وكان أوطن بأرض كوكو من بلادهم واستعملوه في خطة القضا بمالقية منذ سنة ست وسبعين وسبعمائة فأخبرني عن ملوكهم بالكثير مما كتبته وذكر لى عن هذا السلطان جاطه انه أفسد ملكهم وأتلف ذخيرتهم وكاد أن ينتقض شأن سلطانهم (قال) ولقد انتهى الحال به في سرفه وتبذيره ان باع حجر الذهب الذى كان في جملة الذخبرة عن أبيهم وهو حجر يزن عشرين قنطارا منقولا من المعدن من غير علاج بالصناعة ولا تصفية بالنار كانوا يرونه من أنفس الذحائر والغرائب لندور مثله في المعدن فعرضه جاطه هذا الملك المسرف على تجار مصر المترددين إلى بلده وابتاعوه منه بأنجس ثمن إذ استهلك من ذخائر ملوكهم سرفا وتبذيرا في سبيل الفسوق والتخلف (قال) وأصابته علة النوم وهو مرض كثيرا ما يطرق أهل ذلك الاقليم وخصوصا الرؤساء منهم يعتاده غشى النوم عامة ازمانه حتى يكاد أن لا يفيق ولا يستيقظ الا في القليل من أوقاته ويضر صاحبه ويتصل سقمه إلى أن يهلك (قال) ودامت هذه العلة بخلطه مدة عامين اثنين وهلك سنة خمس وسبعين وولوا من بعده ابنه موسى فأقبل على مذاهب العدل والنظر لهم ونكب عن طرق أبيه جملة وهو الآن مرجو الهداية ويغلب على دولته وزيره مارى جاطه ومعنى مارى عندهم الوزير وجاطه تقدم وهو الآن قد حجر السلطان واستبد بالامر عليه ونظر في تجهيز العساكر وتجهيز الكتائب ودوخ اقطار الشرق من بلادهم وتجاوز تخوم كوكو وجهز إلى منازلة نكرت بما وراءها من بلاد الملثمين كتائب نازلتها لاول الدولة وأخذت بمخنقها ثم أفرجت عنها وحاطهم الآن هدنة وتكرت هذه على سبعين مرحلة من بلد واركلا في الجانب القبلى الغربي وفيها من الملثمين يعرف بالسلطان وعليهم طريق الحاج من السودان وبينه وبين أمير الزاب ووركلا مهاداة ومراسلة (قال) وحاضرة الملك لاهل مالى هو بلد بنى بلد متسع الخطة معين على الزرع مستبحر العمارة نافق الاسواق وهو الآن محط لركاب البحر من المغرب وافريقية ومصر والبضائع مجلوبة إليها من كل قطر ثم بلغنا لهذا العهد ان منسا موسى توفى سنة تسع وثمانين وولى بعده أخوه منسا مغا ثم قتل لسنة أو نحوها وولى بعده صندكى زوج أم موسى صندكى الوزير ووثب عليه بعد أشهر من بيت مارى جاطة ثم خرج من بلاد الكفرة وراءهم وجاءهم رجل اسمه محمود ينسب إلى منساقو بن منسا ولى بن مارى جاطه الاكبر فتغلب على الدولة وملك أمرهم سنة ثنتين وتسعين ولقبه منسامغا والخلق والامر لله وحده

[ 203 ]

{ الخبر عن لمطة وكزولة وهسكورة بنى يصكى وهم اخوة هوارة وصنهاجة } هؤلاء القبائل النلاثة قد تقدم لنا أنهم اخوة لصنهاجة وأن أم الثلاثة بصكي العرجاء بنت زحيك بن مادغيس فأما صنهاجة فمن ولد عاميل بن زعزاع واما هوارة لمن وليد أوريغ وهو ابنها ابن برنس وأما الآخرون فلا تحقيق في نسبهم (قال ابن حزم) ان صنهاجة ولمطة لا يعرف لهما أب وهذه الامم الثلاثة موطنون بالسوس وما يليه من بلاد الصحراء وجبال دون تلو بسائطه وجباله (فأما لمطة) فأكثرهم مجاورون الثلثين من صنهاجة ولهم شعوب كثيرة وأكثرهم ظواعن أهل وبر ومنهم بالسوس مسلنازكن ولخس صاروا في عداد ذوى حسان من معقل وبقايا لمطة بالصحراء مع الملثمين ومعظمهم قبيلة بين تلمسان وافريقية وكان منهم الفقيه وكاك بن زيرك صاحب أبى عمران الفاسى وكان نزل سجلماسة ومن تلميذه كان عبد الله بن ياسين صاحب الدولة اللمتونية على ما مر (وأما كزولة) فبطونهم كثيرة ومعظمهم بالسوس ويجاورون لمطة ويحاربونهم ومنهم الآن ظواعن بأرض السوس وكان لهم مع المعقل حروب قبل أن يدخلوا السوس فلما دخلوه تغلب عليهم وهم الآن من خولهم وأحلافهم ورعاياهم (وأما هسكورة) وهم لهذا العهد في عداد المصامدة وينسبون إلى دعوة الموحدين وهم أمم كثيرة وبطون واسعة ومواطنهم بجبالهم متصلة من درن إلى تادلا من جانب الشرق إلى درعة من جانب القبلة وكان دخول بعضهم في دعوة المهدى قبل فتح مراكش ولم يستكملوا الدخول في الدعوة الا من بعده فلذلك لا يعدهم كثير من الناس في الموحدين وان عدوا فليسوا من أهل السابقة منهم لمخالفتهم الامام أول الامر وما كان من حروبهم معه ومع أوليائه وشيعته وكانوا ينادون بخلافهم وعداوتهم ويجهرون بلعنهم فتقول خطباؤهم في مجامع صلواتهم لعن الله هنتاتة وتينملل وهرنة وهرزجة فاستقامتهم على الدعوة كان بعد فتح مراكش وبطون هسكورة هؤلاء متعددون فمنهم مصطاوة وعجرامة وزمراوة وانتيفت وبنو نفال وبنو رسكونت إلى آخرين لم يحضرني أسماؤهم وكانت الرياسة عليهم آخر دولة الموحدين لعمر بن وقاريط المنتسب وذكره في أخبار المأمون والرشيد من بنى عبد المؤمن خلاف الموحدين بمراكش ثم كان من بعده مسعود بن كلداسن وهو القائم بأمر دبوس والمظاهر له على شأنه وأظنه جد بنى مسعود الرؤفاء عليهم لهذا العهد من فطواكة المعروفين ببنى خطاب لاتصال الرياسة في هذا البيت ولما انقرض أمر الموحدين استعصوا على بنى مرين مدة واختلف حالهم معهم في الاستقامة والنفرة وكانوا ملجأ النازعين عن الطاعة من عرب جشم ومأوى للثائرين منهم ثم استقاموا

[ 204 ]

وادعنوا لاداء الضرايب والمغارم وجبايتها من قومهم والخفوف إلى العسكر إلى السلطان متى دعوا إليها شأن غيرهم من سائر المصامدة (وأما انتيفت فكانت رياستهم في أولاد هنوا وكان يوسف بن كنون منهم اتخذ لنفسه حصن تاقيوت وامتنع به ولم يزل ولده على ومخلوف يشيدانه من بعده وهلك يوسف وقام بأمره ابنه مخلوف وجاهر بالنفاق سنة ثنتين وسبعمائة ثم راجع الطاعة وهو الذى تقبض على يوسف بن أبى عياد المتعدى على مراكش أيام أبى ثابت سنة سبع وسبعمائة كما نذكر في أخباره لما أحيط به فتقبض عليه مخلوف وأمكن منه وكانت وسيلته من الطاعة وكان من بعده ابنه هلال ابن مخلوف والرياسة فيهم متصلة لهذا العهد (وأما بنو نفال) فكانت رياسته لاولاد تروميت وكان منهم لعهد السلطان أبى سعيد وابنه أبى الحسن كبيرهم على بن محمد وكان له في الخلاف والامتناع ذكر واستنزله السلطان أبو الحسن من محله لاول ولايته بعد حصاره بمكانه وأصاره في جملته تحت عنايته وامرائه إلى ان هلك بتونس بعد واقعة القيروان في الطاعون الجارف وولى بنوه من بعده أمر قومهم إلى ان انقرضوا والرياسة لهذا العهد في أهل بيتهم ولاهل عمومتهم (واما فطواكة) وهم أوسع بطونهم وأعظمهم رياسة فيهم وأقربهم اختصاصا لصاحب الملك واستعمالا في خدمته وكان بنو خطاب منذ انقراض أمر الموحدين قد جنحوا إلى بنى عبد الحق وأعطوهم المقادة واختصوا شيوخهم في بنى خطاب بالولاية عليهم وكان شيخهم لعهد السلطان يوسف بن يعقوب محمد ابن مسعود وابنه عمر من بعده وهلك عمر سنة أربع وسبعمائة بمكانه من محله وولى بعده عمه موسى بن مسعود وسخطه السلطان لتوقع خلافه فاعتقله وكان خلاصه من الاعتقال سنة ست وسبعمائة وقام بأمر هسكورة من بعده محمد بن عمر بن محمد بن مسعود ولما استفحل ملك بنى مرين وذهب أثر الملك من المصامدة وبعد عهدهم صار بنو مرين إلى استعمال رؤسائهم في جباية مغارمهم لكونهم من جلدتهم ولم يكن فيهم أكبر رياسة من أولاد تونس في هنتاتة وبنى خطاب هؤلاء في هسكورة فداولوا بينهم ولاية الاعمال المراكشية وليها محمد بن عمر هذا من بعد موسى بن على وأخيه محمد شيوخ هنتاتة فلم يزل واليا منها إلى ان هلك قبيل نكبة السلطان أبى الحسن بالقيروان ولحق ابنه ابراهيم بتلمسان ذاهبا إلى السلطان أبى الحسن فلما دعا أبو عنان إلى نفسه رجع عنه إلى محله وتمسك بما كان عليه من طاعة أبيه ورعاه أبو عنان لعمه عبد الحق وقلده الاعمال المراكشية فلم بغن في منازعه إلى أن لحق السلطان أبو الحسن بمراكش فكان من أعظم دعاته وأبلى في مظاهرته فلما هلك السلطان أبو الحسن اعتقله أبو عنان وأودعه السجن ثم قتله بين يدى نهوضه إلى تلمسان سنة ثلاث وخمسين وقام بأمره من بعده أخو

[ 205 ]

منصور بن محمد إلى أن ملك الامير عبد الرحمن بن أبى بقلس مراكش سنة ست وسبعين فاستقدمه وتقبض عليه واعتقله بدار ابن عمه نحوا من العام ابن مسعود بن خطاب كان من جملته وكان هو وأبوه نازعا إلى بنى مرين خوفا على أنفسهم من أولاد محمد بن عمر لنرشحهم للامر فلما استمكن منه بداره معتقلا وثب عليه ففتله واستلحم بنيه معه وسخطه السلطان لها فاعتقله قليلا ثم أطلقه واستقل برياسة هكورة لهذا العهد والله قادر على ما يشاء * (الطبقة الثالثة من صنهاجة) * وهذه الطبقة ليس فيثها ملك وهم لهذا العهد أوفر قبائل المغرب فمنهم الموطنون بالجانب الشرقي من جبال درن ما بين تازى وتادلا ومعدن بنى فازان حيث الثنية المفضية إلى آكرسلومن من بلاد النخل ومقصد تلك الثنية من بلادهم وبلاد المصامدة في المغرب من جبال درن ثم اعتم والسن تلك الجبال وشواهقها وتنعطف مواطنهم في تلك الثنية إلى ناحية القبلة إلى أن ينتهى إلى آكرسلومن ثم يرجع معدله من آكرسلومن إلى درعه إلى ضواحي السوس الاقصى وامصاره من تارودانت وأيفرى ان قوتان وغيرها ويعرف هؤلاء كلهم باسم صناكة حرفت إليها من اسم صنهاجة وأشموا صاده زايا وأبدلوا الجيم بالكاف المتوسطة المخرج عند العرب لهذا العهد بين الكاف والقاف أو بين الكاف والجيم وهى معربة النطق ولصنهاجة هؤلاء بين قبائل الغرب أوفر عدد وشدة بأس ومنعة وأعزهم جانبا أهل الجبال المطلة على تادلا ورياستهم لهذا العهد في ولد عمران الصناكى ولهم اعتز زعن الدولة ومنعة عن الهضمة والانقياد المعرى وتتصل بهم

[ 206 ]

قبائل خباتة منهم ظواعن يسكنون الخط وينتجعون مواقع القطر في نواحى بلادهم بتيغانيمين من قبيلة مكناسة إلى وادى أم ربيع من تامسنا في الجانب الشمالي من جانبى جبل درن ورياستهم في ولد هيدى من مشاهيرهم ولهم اعتياد بالغر مروروم على الذل وتتصل بهم قبائل دكالة في وسط المغرب من عدوة أم ربيع إلى مراكش ويتصل بهم من جهة المغرب على ساحل البحر المحيط قبيلة بناحية آزمور وأخرى وافرة العدد مندرجة في عداد المصامدة وطنا ونحلة وجباية وعمالة ورياستهم لهذا العهد في دولة عزيز بن يبروك ورئيسهم لاول دولة زناتة ويأتى ذكره ويعرف عقله الآن ببنى بطال ومن بجبال تازى وما والاها مثل بطوية وبخاصة وبنى وارتين إلى جبل لداى من جبال المغرب معروف ببنى بكك احدى قبائلهم يعطون المغرم على عدة وبطوية منهم ثلاثة بطون بطوية على تازى وبنى ورياغل على ولد المزمة وأولاد على بتافرسيت وكان لاولاد على ذمة مع بنى عبد الحق ملوك بنى مرين وكانت أم يعقوب بن عبد الحق منهم فاستوزرهم وكان منه طلحة بن على وأخوه عمر على ما يأتي ذكره في دولتهم ويتصل ببسيط بالمغرب ما بين جبال درن وجبال الريف من ساحل البحر الرومي حيث مساكن حماد الآتى ذكرهم قبائل أخرى من صنهاجة موطنون في هضاب وأودية وبسائط يسكنون بيوت الحجارة والطين مثل فشتالة وسطه وبنو ورياكل وبنو حميد وبنو مزجلدة وبنو عمران وبنو دركول وورتزر وملوانة وبنى وامرد ومواطن هؤلاء كلهم بورغة وامركو يحترفون بالحياكة والحراثة ويعرفون لذلك صنهاجة البز وهم في عداد القبائل المغارمة ولغتهم في الاكثر عربية لهذا العهد وهم مجاورون بجبال غمارة ويتصل بجبال غمارة من ناحيتهم جبل سريف موطن بنى زروال من صنهاجة وبنى مغالة لا يحترفون بمعاش ويسمون صنهاجة العز لما اقتضنه منعة جبالهم ويقولون لصنهاجة آزمور الذين قدمنا ذكرهم صنهاجة الذل لما هم عليه من الذل والمغرم والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين وقد يقال في بعض مزاعم البربر ان بنى وديد من صنهاجة وبنو يزناسن وباطويه هم اخوال واصل بن ياسين أجناسن ومعناه بلغة الغرب الجالس على الارض { الخبر عن المصامدة من قبائل البربر وما كان لهم من الدولة والسلطان بالمغرب ومبدأ ذلك وتصاريفه } وأما المصامدة وهم من ولد مصمود بن يونس بربر فهم أكثر قبائل البربر وأوفرهم من بطونهم برغواطة وغمارة وأهل جبل درن ولم تزل مواطنهم بالمغرب الاقصى منذ الاحقاب المتطاولة وكان المتقدم فيهم قبيل الاسلام وصدره برغواطة ثم صار التقدم بعد ذلك لمصامدة جبال درن إلى هذا العهد وكان لبرغواطة في عصرهم دولة ولاهل درن

[ 207 ]

منهم دولة أخرى ودول حسبما نذكر فلنذكر هذه الشعوب وما كان فيها من الدول بحسب ما بدا الينا من ذلك { الخبر عن برغواطة من بطون المصامدة ودولتهم ومبدا أمرهم وتصاريف أحوالهم } وهم الجيل الاول منهم كان لهم في صدر الاسلام التقدم والكثرة وكانوا شيخا وشيعا مفترقين وكانت مواطنهم خصوصا من بين المصامدة في بسائط تامسنا وريف البحر المحيط من سلا وازمور وأنقى وأسفى وكان كبيرهم لاول المائة الثانية من الهجرة طريف أبو صبيح وكان من قواد ميسرة الخفير طريف المضفرى القائم بدعوة الصفرية ومعها معزوز بن طالوت ثم انقرض أمر ميسرة والصفرية وبقى طريف قائما بأمرهم بتامسنا ويقال أيضا انه تنبأ وشرع لهم الشرائع ثم هلك وولى مكانه ابنه صالح وقد كان حضر مع أبيه حروب ميسرة وكان من أهل العلم والخير فيهم ثم انسلخ من آيات الله وانتحل دعوى النبوة وشرع لهم الديانة التى كانوا عليها من بعده وهى معروفة في كتب المؤرخين وأدعى انه نزل عليه قرآن كان يتلو عليهم سورا منه يسمى منها سورة الديك وسورة الحمر وسورة الفيل وسورة آدم وسورة نوح وكثير من الانبياء وسورة هاروت وماروت وابليس وسورة غرائب الدنيا وفيها العلم العظيم بزعمهم حرم فيها وحلل وشرع وقصر وكانوا يقرؤنه في صلواتهم وكانوا يسمونه صالح المؤمنين كما حكاه البكري عن زمور بن صالح بن هاشم بن وراد الوافد منهم على الحاكم المستنصر الخليفة بقرطبة من قبل ملكهم أبى عيسى بن أبى الانصاري سنة ثنتين وخمسين وثلثمائة وكان يترجم عنه بجميع خبره داود بن عمر المسطاسى قال وكان ظهور صالح هذا في خلافة هشام بن عبد الملك من سنة سبع وعشرين من المائة الثانية من الهجرة وقد قيل ان ظهوره كان لاول الهجرة وانه انما انتحل ذلك عنادا ومحاكاة لما بلغه شأن النبي صلى الله عليه وسلم والاول أصح ثم زعم انه المهدى الاكبر الذى يخرج في آخر الزمان وان عيسى يكون صاحبه ويصلى خلفه وان اسمه في العرب صالح وفى السريان مالك وفى الاعجمي عالم وفى العبراني روبيا وفى البربري وربا ومعناه الذى ليس بعده نبى وخرج إلى المشرق بعد ان ملك أمرهم سبعا وأربعين سنة ووعدهم أنه يرجع إليهم في دولة السابع منهم وأوصى بدينه إلى ابنه الياس وعهد إليه بموالاة صاحب الاندلس من بنى أمية وباظهار دينه إذا قوى أمرهم وقام بأمره بعده ابنه الياس ولم يزل مظهرا للاسلام مسرا لما أوصاه به أبوه من كلمة كفرهم وكان طاهرا عفيفا زاهدا وهلك لخمسين سنة من ملكه وولى أمرهم من بعده ابنه يونس فأظهر دينهم ودعا إلى كفرهم وقتل من لم يدخل في أمره حتى حرق مدائن تامسنا

[ 208 ]

وما والاها يقال انه حرق ثلثمائة وثمانين مدينة واستلحم آهلها بالسيف لمخافتهم اياه وقتل منهم بموضع يقال له تاملوكاف وهو حجر عال نابت وسط الطريق فقتل سبعة آلاف وسبعمائة وسبعين (قال رمون) ورحل يونس إلى المشرق وحج ولم يحج احد من أهل بيته قبله ولا بعده وهلك لاربع وأربعين سنة من ملكه وانتقل الامر عن بنيه وولى أمرهم أبو غفير محمد بن معاد بن اليسع بن صالح بن طريف فاستولى على ملك برغواطة وأخذ بدين آبائه واشتدت شوكته وعظم أمره وكانت له في البربر وقائع مشههورة وأيام مذكورة أشار إليها سعيد بن هشام المصمودى في قوله قفى قبل التفرق واخبرينا * وقولى واخبرى خبرا يقينا وهذى أمة هلكوا وضلوا * وغاروا لا سقوا ماء معينا يقولون التبى أبو غفير * فأخزى الله أم الكاذبينا ألم تسمع ولم ترلؤم بيت * على آثار خيلهم ربينا وهن الباكيات فملكواكى * وعادمة ومسقطة جنينا ستعلم أهل تامسنا إذا ما * أتوا يوم القيامة سقطعينا هنا لك يونس وبنو أبيه * يقودون البرابر حائرينا إذا زرياور طافت عليهم * جبهتهم بأيدى المنكرينا فليس اليوم يومكم ولكن * ليالى كنتم متيسرينا واتخذ أبو غفير من الزوجات أربعا وأربعين وكان له من الولد مثلها وأكثر وهلك أخريات المائة الثالثة لتسع وعشرين سنة من ملكه وولى بعده ابنه أبو الانصار عبد الله فاعتفى سننه وكان كثير الدعوة مهابا عند ملوك عصره يهادونه ويدافعونه بالمواصلة وكان يلبس الملحفة والسراويل ويلبس المخيط ولا يعتم أحد في بلاده الا الغرباء وكان حافظا للجاروفيا بالعهد وتوفى سنة احدى وأربعين من المائة الرابعة لاربع وأربعين سنة من ملكه ودفن باسلاخت وبها قبره وولى بعده ابنه أبو منصور عيسى ابن اثنتين وعشرين سنة فسار سير آبائه وادعى النبوة والكهانة واستد أمره وعلا سلطانه ودانت له قبائل المغرب (قال رمون) وكان عسكره يناهز الثلاثة آلاف من برغواملة وعشرة آلاف من سواهم مثل جراوة وزواغة والبرانس ومجاصة ومضغرة ودمر ومطماطة وبنو وارنكيت وكان أيضا بنو يفرى وآحدة وركامة وايزمن ورصافة ورنمصرارة على دمهم ولم تسجد ملوكهم الا له منذ كانوا اه‍ كلام رمون وكان لملوك العدوتين في غزو برغواطة هؤلاء وجهادهم اساسوا بعده آثار عظيمة من الادارسة والاموية والشيعة ولما أجاز جعفر بن على من الاندلس إلى المغرب وقلده

[ 209 ]

المنصور بن أبى عامر عمله سنة ست وستين وثلثمائة فنزل البصرة ثم اختلف ذات بينه وبين أخيه يحيى واستمال عليه وجوه الهند وأمر أن يأتيه فيما قاله جعفر عن العمل وصرف وجهه إلى جهاد برغواطة معتده من صالح عمله وزحف إليهم في أهل المغرب وكافة الجند الاندلسيين فلقوه ببسيط بلادهم وكانت عليه الدبرة ونجا بنفسه في فل من جنده ولحق بأخيه بالبصرة ثم أجاز بعدها إلى المنصور باستدعائه وترك أخاه يحيى على عمل المغرب ثم حاربتهم أيضا صنهاجة لما غزا بلكين بن زيرى المغرب سنة ثمان وستين بعدها وأجفلت زناتة امامه وانزووا إلى حائط سبتة وامتنعوا منه بأعوادها فانصرف عنهم إلى جهاد برغواطة وزحف إليهم فلقيه أبو منصور عيسى بن أبى الانصار في قومه وكانت عليهم الهزيمة وقتل أبو منصور وأثخن فيهم بلكين بالقتل وبعث سبيهم إلى القيروان ولم أقف على من ملك أمرهم بعد أبى منصور ثم حاربتهم أيضا جنود المنصور ابن أبى عامر لما عقد عبد الملك بن المنصور لمولاه واضح إمرة برغواطة هؤلاء فيمن قبله من الاجناد وامراء النواحى وأهل الولاية فعظم الاثر فيهم بالقتل والسبي ثم حاربهم أيضا بنو يفرن لما استقل أبو يعلى بن محمد اليفرنى من بعد ذلك بناحية سلا من بلاد المغرب واقتطعوهم من عمل زيرى بن عطية المغراوى بعدما كان بينهما من الحروب وانتساب أولاد يعلى هؤلاء إلى تميم بن زيرى بن يعلى في أول المائة الخامسة وكان موطنا بمدينة سلا ومجاورا لبرغواطة فكان له أثر كبير في جهادهم وذلك في سنى عشرين وأربعمائة فغلبهم على تامسنا وولى عليها من قبله بعد ان أثخن فيهم سببا وقتلا ثم تراجعوا من بعده إلى أن ساءت دولة لمتونة وخرجوا من مواطنهم بالصحراء إلى بلاد المغرب وافتتحوا الكثير من معاقل السوس الاقصى وجبال المصامدة ثم بدالهم جهاد برغواطة بتامسنا وما إليها من الريف الغربي فزحف إليهم أبو بكر بن عمر أمير لمتونة في المرابطين من قومه وكانت له فيهم وقائع استشهد في بعضها صاحب الدعوة عبد الله ابن ياسين الكبروى سنة خمسين وأربعمائة واستمر أبو بكر وقومه من بعده على جهادهم حتى استأصلوا شأفتهم ومحوا من الارض آثارهم وكان صاحب أمرهم لعهد انقراض دولتهم أبو حفص عبد الله من أعقاب أبى منصور عيسى بن أبى الانصار عبد الله بن أبى غفير محمد بن معاد بن اليسع بن صالح بن طريف فهلك في حروبهم وعليه كان انقراض أمرهم وقطع دابرهم على يد هؤلاء المرابطين والحمد لله رب العالمين وقد نقل بعض الناس في نسب برغواطة فبعضهم يعده في قبائل زناتة وآخرون يقولون في صالح انه يهودى من ولد شمعون بن يعقوب نشأ ببرباط ورحل إلى المشرق وقرأ على عبد الله المغربي واشتغل بالسحر وجمع فنونا وقدم المغرب ونزل تامسنا فوجد بها قبائل جهالا

[ 210 ]

من البربر فأظهر لهم الزهد وسحرهم بلسانه وموه عليهم فقصدوه واتبعوه فادعى النبوة وقيل له برباطى نسبة إلى الموطن الذى نشأ به وهو برباط واد بحصن شريش من بلاد الاندلس فعربت العرب هذا الاسم وقالوا برغواط ذكر ذلك كله صاحب كتاب الجوهر وشئ من بساتين البر وهو من الاغاليط البينة وليس القوم من زناته ويشهد لذلك موطنهم وجوارهم لاخوانهم المصامدة وأما صالح بن طريف فمعروف منهم وليس من غيرهم ولا يتم الملك والتغلب على النواحى والقبائل لمنقطع جذمه دخيل في نسبه سنة الله في عباده وانما نسب الرجل برغواطة ولهم في شعوب المصامدة شعب معروف كما ذكرناه والله ولى المتقين { الخبر عن غمارة من بطون المصامدة وما كان فيهم من الدول وتصاريف أحوالهم } هذا القبيل من بطون المصامدة من ولد غمار بن مصمود وقيل غمار بن أصياد من مصيمولان ويقول بعض العامة انهم عرب فروا إلى تلك الجبال فسموا غمارة وهو مذهب عامى وهم شعوب وقبائل أكثر من أن تحصر والبطون المشهورة منهم بنو حمير ومثيوه وبنو مال وأعضاوه وبنو وزروال ومحكسة وهم آخر مواطنهم يعتمرون رحاب الريف بساحل بحر الدر من غير عين ببسائط المغرب من لدن عساسة فتكرر فبادس فبنكيليس فبتطاوير فسبتة فالقصر إلى طنجة خمس مراحل أو أزيد أوطنوا لها جبالا شاهقة اتصل بعضها ببعض سياجا بعد سياج خمس مراحل أخرى من العرض إلى أن يتخطى بسائط قصر كتامة ووادى ورغة من بسائط المغرب ترتد عنها الانصار وتنزل في حافاتها الطيور والهام وينفسح في رؤسها وسربها الفجاج سبل السفر ومراتع السائمة وفدن المزرعة وادواح الرياض ويبين لك انهم من المصامدة يبادر النسب المحيط سمو البعض شعوبهم يعرفون يمصمودة ساكنين ما بين سيتة وطنحة واليهم

[ 211 ]

ينسب قصر المجاز الذى يعبر منه الخليج البحري إلى بلد طريف ويعضده أيضا اتصال مواطنهم بمواطن برغواطة من شعوب المصامدة بريف البحر الغربي وهو المحيط إذ ذاك بنو حسان منهم موطنين بذلك الساحل من لدن آزغر وأصيلا الا أن أنفى من هنا لك تتصل بهم مواطن برغواطة ودوكالة إلى قبائل درن من المصامدة فما وراءها من بلاد القبلة فالمصامدة هم أهل الجبال بالمغرب الاقصى الا قليلا منهاع وغيرهم في البسائط ولم تزل غمارة هؤلاء بمواطنهم هذه من لدن الفتح ولم يعلم ما قبل ذلك وللمسلمين فيهم أزمان الفتح وقائع الملاحم وأعظمها لموسى بن نصير وهو الذى حملهم على الاسلام واسترهن أبناءهم وأنزل منهم عسكرا مع خلوف بطنجة وكان أميرهم لذلك العهد بليان وهو الذى وفد عليه موسى بن نصير وأعانه في غزو الاندلس وكان منزله سبتة كما نذكره وذلك قبل استحواء تاتكور وكانت في غمارة هؤلاء بعد الاسلام دول قاموا بها لغيرهم وكان فيهم متنبئوون ولم تزل الخوارج تقصد جبالهم للمنعة فيها كما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن سبتة ودولة بنى عصام بها) * كانت سبتة هذه من الامصار القديمة قبل الاسلام وكانت يومئذ منزل بليان ملك غمارة ولما زحف إليه موسى بن نصير صانعه بالهدايا وأذعن للجزية فأقره عليها واسترهن ابنه وأبناء قومه وأنزل طارق بن زياد بطنجة للجزية وضرب عليهم العسكر للنزول معه ثم كانت اجازة طارق إلى الاندلس فضرب عليهم البعوث وكان الفتح لاكفاء له كما مر في موضعه ولما هلك بليان استولى العرب على مدينة سبتة صلحا من أيدى قومه فعمروها ثم كانت فتنة ميسرة الخفير وما دعا إليه من ضلالة الخارجية وأخذ بها الكثير من البرابر من غمارة وغيرهم فزحف من امرة طنجة إلى سبتة وأخرجوا العرب منها وسبوها وخربوها فبقيت خلاء ثم نزل بها ماحكس من رجالاتهم ووجوه قبائلهم وبه سميت محكسة فبناها ورجع إليها الناس وأسلم وسمع من أهل زمانه إلى أن مات فقام بأمره ابنه عصام ووليها دهرا ولما هلك قام بأمره ابنه مجير فلم يزل واليا عليها إلى أن هلك ووليها أخوه الرضى ويقال انه ابنه وكانوا يعطون لبنى ادريس طاعة مضعفة كما نذكره ولما سما للناصر أمل في ملك المغرب ويتناوله حيلة من أيدى بنى ادريس المالكين ببلاد الهبط وغمارة حين أجهضتهم كتامة وزناتة عن ملكهم بفاس وقام بدعوة الناصر وبثوها في أعمالهم نزلوا حينئذ للناصر عن سبتة وأشاروا له إلى تناولها من بنى عاصم فسرح إليها عساكره وأساطيله مع قائده نجاح بن غفير فكان فتحها سنة تسع عشرة وثلثمائة ونزل له الرضى بن عصام عنها وآتاه طاعته وانقرض أمر بنى عصام وصارت سبتة إلى الناصر حتى استولى عليها بعد حين بنو حماد واستحدثوا بعدها دولة

[ 212 ]

أخرى كما نذكره لما استولى المسلمون أيام الفتح على بلاد المغرب وعمالاتها واقتسموها وأمدهم الخلفاء بالبعوث إلى جهاد البربر وكان فيهم من كل القبائل من العرب وكان صالح بن منصور الحميدى من عرب اليمن في البعث الاول وكان يعرف بالعبد الصالح فاستخلص نكور لنفسه واقطعه البها الوليد بن عبد الملك في أعوام احدى وتسعين من الهجرة قاله صاحب المقباس وبلد نكور ينتهى من المشرق إلى زواغة وجراوة بن أبى الحفيظ مسافة خمسة أيام وتجاورها من هنا لك مطماطة وأهل كدالة ومن نبسة وغساسة أهل جبل مزك وقلدع جاره التى لبنى ورتندى ولميد وزناتة وينتهى من المغرب إلى مروان من غمارة بنى حميد إلى مسطاسة وصنهاجة ومن ورائهم أوربة حزب فرحون وبنى ولميد وزناتة وبنى يونيان وبنى واسن حزب قاسم صاحب والبحر جومى تكون على خمسة أميال فأقام صالح هنا لك لما اقتطع أرضها وكثر نسله واجتمع إليه قبائل غمارة وصنهاجة وأسلموا على يده وقاموا بأمره وملك تكسامان وانتشر الاسلام فيهم ثم ثقلت عليهم الشرائع والتكاليف وارتدوا وأخرجوا صالحا وولوا عليهم رجلا من نفزة يعرف بالرندى ثم تابوا وراجعوا الاسلام وراجعوا صالحا فأقام فيهم إلى أن هلك بتلمسان سنة ثنتين وثلاثين ومائة وولى أمره من بعده ابنه المعتصم بن صالح وكان شهما شريف النفس كثير العبادة وكان يلى الصلاة والخطبة لهم بنفسه ثم هلك لايام يسيرة وولى من بعده أخوه ادريس فاختط مدينة نكور في عدوة الوادي ولم يكملها وهلك سنى ثلاث وأربعين وولى من بعده ابنه سعيد واستفحل أمره وكان ينزل مدينة تكسامان ثم اختط مدينة نكور لاول ولايته ونزلها وهى التى تسمى لهذا العهد المدة بين نهرين أحدهما نكور مخرجه كزنارية ومخرجه من مخرج وادى ورغة واحد والثانى غيس ومخرجه من بلد بنى ورياغيل يجتمع النهران في آكال ثم يفترقان إلى البحر ويقال نكور من عدوة الاندلس بزليانة وغزا المجوس نكور هذه في أساطيلهم سنة أربع وأربعين فغلبوا عليها واستباحوها ثانيا ثم اجتمع إلى سعيد البرانس وأخرجوهم عنها وانتقضت غمارة بعدها على سعيد فخلعوه وولوا عليهم رجلا منهم اسمه مسكن وتراجعوا فاظهر الله عليهم وفرق جماعتهم وقتل مقدمهم واستوسق أمره إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين لسبع وثلاثين من أيامه وقام بأمره ابنه صالح بن سعيد فتقبل مذهب سلفه في الاستقامة والاقتداء وكان له مع البربر حروب ووقائع إلى أن هلك سنة خمسين ومائتين لاثنتين وسبعين سنة من ملكه وقام من بعده ابنه سعيد بن صالح وكان أصغر ولده فخرج إليه أخوه عبد الله وعمه الرضى وظفر بهما بعد حروب كثيرة فغرب أخاه إلى

[ 213 ]

المشرق ومات بملكه وأبقى على عمه الرضى لمادة صهر بينهما وقتل سائر من ظفر به من عمومته وقرابته وأنهض لهما سعادة الله بن هرون منهم ولحق ببنى يصليتن أهل جبل أبى الحسن ودلهم على عورته وبيتوا معسكره واستولوا عليه وأخذوا الالة وقتل منهم خلق ونجا سعادة الله بتلمسان وتقبض على أخيه ميمون فضرب عنقه ثم سار سعادة الله إلى طلب الصلح فاسعفه وأنزله معه مدينة نكور ثم غزا سعيد بقومه وأهل ايالته من غمارة بلاد بطوية ومن يتصو وقلوع جلده وبنى وديدى وأصهر بأخيه إلى أحمد بن ادريس بن محمد بن سليمان صاحبه وأنزله مدينة نكور معه وتوطأ الامر لسعيد في تلك النواحى إلى أن خاطبه عبد الله المهدى يدعوه إلى أمره وفى أسفل كتابه لهم وان تستقيموا أستقم بصلاحكم * وان تعدلوا عنى أرى قتلكم عدلا وأعلو بسيفي قاهرا لسيوفكم * وأدخلها عفوا واملؤها قتلا فكتب إليه شاعره الاحمس الطليطلى بأمر يوسف بن صالح أخى الامير سعيد كذبت وبيت الله ما تحسن العدلا * ولا علم الرحمن من قولك الفصلا وما أنت الا جاهل ومنافق * تمثل للجهال في السنة المثلى وهمتنا العليا لدين محمد * وقد جعل الرحمن همتك السفلى فكتب عبد الله إلى مصالة بن حيوس صاحب تاهرت وأغزى إليه فغزاه سنة أربع وثلثمائة لاربع وخمسين من دولته فغلبهم سعيد وقومه أياما ثم غلبهم مصالة وقتلهم وبعث برؤوسهم إلى رقادة فطيف بها وركب بقيتهم البحر إلى مالقة فتوسع الناصر في انزالهم وأجازهم واستبلغ في تكريمهم وأقام مصالة بمدينة نكور ستة أشهر ثم قفل إلى تاهرت وولى عليها دلول من كتامة فانفض العسكر من حوله وبلغ الخبر إلى بنى سعيد بن صالح وقومهم بمالقة وهم ادريس والمعتصم وصالح فركبوا السفن إليها وسبق صالح إليها منهم فاجتمع البربر بمرسى تكسامان وبايعوه سنة خمس وثلثمائة ولقبوه القيم لصغره وزحفوا إلى دلول فظفروا به وبمن معه وقتلوهم وكتب صالح بالفتح إلى الناصر وأقام دعوته باعماله وبعث إليه الناصر بالهدايا والتحف والآلة ووصل إليه اخوته وسائر قومه واتوه طاعة ولم يزل على هدى أوليه من الاقتداء إلى أن هلك سنة خمس عشرة فحاصره وتغلب عليه فقتله واستباح المدينة وخربها سنة سبع عشرة ثم راجع إليها وقام بأمرهم أبو نور اسمعيل بن عبد الملك بن عبد الرحمن بن سعيد بن ادريس بن صالح ابن منصور وأعاد المدينة التى بناها صالح بن منصور وعمرها وسكنها ثلاثا ثم أغزى ميسور مولى أبى القاسم بن عبد الله صندلا مولاه عندما أناخ على فاس فبعث عسكرا مع صندل هذا فحاصر جراوة ثم عطف على نكور وتحصن منه اسمعيل بن عبد الملك

[ 214 ]

بقلعة آيرى وبعث إليه صندل رسله من طريقه فقتلهم فأغذ السير وقاتله ثمانية أيام ثم ظفر به فقتله واستباح القلعة وسباها واستخلف عليها من كتامة رجلا اسمه مرمازو ووصل صندل إلى فاس فترافع أهل نكور وبايعوا لموسى بن المعتصم بن صالح بن منصور وكان عند أبى الحسن عند يصليتن وكان يعرف بابن رومى وقال صاحب المقباس هو موسى بن رومى بن عبد السميع بن رومى بن ادريس بن صالح بن ادريس بن صالح بن منصور وأخذ مرمازو ومن معه وضرب أعناقهم وبعث برؤوسهم إلى الناصر ثم ثار عليه من اعياص بيته عبد السميع بن جرثم بن ادريس بن صالح بن منصور فخلعه وأخرجه عن نكور سنة تسع وعشرين ولحق موسى بالاندلس ومعه أهله وولده وأخوه هارون بن رومى وكثير من عمومته وأهل بيته فمنهم من نزل معه المرية ومنهم من نزل مالقة ثم انتقض أهل نكور على عبد السميع وقتلوه واستدعوا من مالقة جريج بن أحمد بن زيادة الله بن سعيد بن ادريس بن صالح بن منصور فبادر إليهم وبايعوه سنة ست وثلاثين فاستقامت له الامور وكان على مذهب سلفه في الاقتداء والعمل بمذهب مالك إلى أن مات آخر سنة ستين لخمس وعشرين سنة من ملكه واتصلت الولاية في بنيه إلى أن غلب عليهم ازداجة المتغلبين على وهران وزحف أميرهم يعلى بن أبى الفتوح الازداجى سنة ست وأربعمائة وقتل سنة عشر فغلبهم على فكور وخربها وانقرض ملكهم بعد ثلثمائه سنة وأربعة عشر سنة من لدن ولاية صالح وبقيت في بنى يعلى بن أبى الفتوح وأزداجة إلى أعوام ستين وأربعمائة والله مالك الامور لا اله الا هو اه‍

[ 216 ]

* (الخبر عن حاميم المتنبي من غمارة) * كان غمارة هؤلاء عريقين في الجاهلية بل الجهالة والبعد عن الشرائع بالبداوة والانتباذ عن مواطن الخير وتنبأ فيهم من محكسة حاميم بن من الله بن جربر عمر بن زحفوا ابن آزوال بن محكسة يكنى أبا محمد وأبوه ابا خلف تنبأ سنة ثلاث عشرة وثلثمائة بجبل حاميم المشتهر به قريبا من تطوان واجتمع إليه كثير منهم وأقروا بنبوته وشرع لهم الشرائع والديانات من العبادات والاحكام وصنع لهم قرآنا كان يتلوه عليهم بلسانه فمن كلامه يا من يخلى البصر ينظر في الدنيا خلنى من الدنيا يأمن أخرج موسى من البحر امتن بحاميم وبأبيه أبى خلف من الله وآمن رأسي وعقلي وما يكنه صدري وما أحاط به دمى ولحمي وآمنت نبا بقيت عمة حاميم أخت أبى خلف من الله وكانت كاهنة ساحرة إلى غير هذا وكان يلقب المفترى وكانت أخته دبو ساحرة كاهنة وكانوا يستغيثون بها في الحروب والقحوط وقتل في حروب مصمودة باحواز طنجة سنة خمسة عشر وثلثمائة وكان لابنه عيسى من بعده قدر جليل في غمارة ووفد على الناصر ورهطهم بنو زحفوا موطنون وادى لاو ووادى واشرقرب تطوان وكذلك تنبأ منهم بعد ذلك عاصم بن جميل البزدعوى وله أخبار مأثورة وما زالوا يفعلون السحر لهذا العهد وأخبرني المشيخة من أهل المغرب ان أكثر منتحلى السحر منهم النساء العواتق قال ولهم علم استجلاب روحانية ما يشاؤنه من الكواكب فإذا استولوا عليه وتكنفوا بتلك الروحانية تصرفوا منها في الاكوان بما شاؤا والله علم * (الخبر عن دولة الادارسة وهى غمارة وتصاريف أحوالهم) * كان عمر بن ادريس قد قاسم محمد بن ادريس أعمال المغرب بين اخوته برأى جدته كثيرة أم ادريس اختص منها بتكيباس وترغه وبلاد صنهاجة وعمارة واختص القاسم بطنجة وسبتة والبصرة وما إلى ذلك من بلاد غمارة ثم غلب عمر عليها عندما تنكر له أخوه محمد واستضافها إلى عمله كما ذكرنا في أخبارهم ثم تراجع بنو محمد بن القاسم من بعد ذلك إلى عملهم الاول فملكوه واختص منهم محمد بن ابراهيم بن محمد بن القاسم قلعة حجر النسر الدانية وسبتة معقلا لهم وثغرا لعملهم وبقيت الامارة بفاس وأعمال المغرب في ولد محمد بن ادريس ثم أدالوا منهم بولد عمر بن ادريس وكان آخرهم يحيى بن ادريس بن عمر وهو الذى بايع لعبيد الله الشيعي على يد مصالة بن حبوس قائده وعقد له على فاس ثم نكبه سنة تسع وخرج عليها سنة ثلاث عشرة من بنى القاسم الحسن ابن محمد بن القاسم بن ادريس وتلقب الحجام لطعنه في المحاجم وكان مقداما شحاعا وثار أهل فاس بريحان وملكوا الحسن وزحف إليه موسى ففله ومات

[ 217 ]

واستولى ابن أبى العافية على فاس وأعمال المغرب وأجلى الادارسة وأجذمهم بحصنهم حجر النسر ويحترف إلى جبال غمارة وبلاد الريف وكان لغمارة في التمسك بدعوتهم اياد ومقامات واستجدوا بتلك الناحية ملكا توزعوه قطعا كان أعظمها لبنى محمد هؤلاء ولبنى عمر بتيكيسان ونكور وبلاد الريف ثم سما الناصر عبد الرحمن إلى ملك العدوة ومدافعة الشيعة فنزل له بنو محمد عن سبتة سنة تسع وتناولها من يد الرضى بن عصام رئيس محكسة وكان يقيم فيها دعوة الادارسة فأفرجوا له عنها ودانوا بطاعته وأخذها من يده ولما غزا أبو القاسم ميسور إلى المغرب لمحاربة ابن أبى العافية بفاس نقض طاعتهم ودعا للمروانية وجد بنو محمد السبيل إلى الانتصار والانتقام منه بمظاهرة ميسور عليه ووالاهم على ذلك بنو عمر صاحب نكور ولما استقل ابن أبى العافية من نكسته ورجع من الصحراء سنة خمس وعشرين منصرف ميسور من المغرب نازل بنى محمد وبنى عمر وهلك بعد ذلك وأجاز الناصر وزيره قاسم بن محمد بن طملس سنة ثلاث وثلاثين لحربهم وكتب إلى ملوك مغراوة محمد بن حزر وابنه بمظاهرة عساكره مع ابن أبى العيش عليهم فتسارع أبو العيش بن ادريس بن عمر المعروف بابن شالة إلى الطاعة وأوفد رسله إلى الناصر فعقد له الامان وأوفد ابنه محمد بن أبى العيش مؤكدا للطاعة فاحتفل لقدومه وأكد له العقد ونصل سائر الادارسة من بنى محمد مذهبهم وسألوا مثل سؤالهم فعقد لجميع بنى محمد أيضا وكان وفد منهم محمد بن عيسى بن أحمد بن محمد والحسن بن القاسم بن ابراهيم بن محمد وكان بنو ادريس يرجعون في رياستهم إلى بنى محمد هؤلاء منذ استبد بها آخرهم الحسن بن محمد الملقب بالحجام في ثورته على ابن أبى العافية فقدموا على أنفسهم القاسم بن محمد الملقب بكنون بعد فرار موسى بن أبى العافية وملك بلاد المغرب ما عدا فاس مقيما لدعوة الشيعة إلى ان هلك بقلعة حجر النسر سنة سبع وثلاثين وقام بأمرهم من بعده أبو العيش أحمد بن القاسم كنون وكان فقيها عالما بالايام والاخبار شجاعا ويعرف بأحمد الفاضل وكان منه ميل للمروانية فدعا للناصر وخطب له على منابر عمله ونقض طاعة الشيعة وبايعه أهل المغرب كافة إلى سجلماسة ولما بايعه أهل فاس استعمل عليهم محمد بن الحسن ووفد محمد بن أبى العيش بن ادريس بن عمر بن شالة على الناصر عن أبيه سنة ثمان وثلاثين فاتصل به وفاة أبيه وهو بالحضرة فعقد له الناصر على عمله وسرحه وهجم عيسى ابن عمه أبى العيش أحمد بن القاسم كنون على عمله بتيكيسان في غيبة محمد فهبطها واحتوى على مال ابن شالة ولما أقبل محمد من الحضرة زحف برابرة غمارة إلى عيسى المذكور ابن كنون ففظعوا به وأثخنوه جراحة وقتلوا أصحابه ببلاد غمارة وأجاز الناصر قواده إلى المغرب وكان أول من أجاز إلى بنى محمد هؤلاء سنة ثمان

[ 218 ]

وثلاثين أحمد بن يعلى من طبقة القواد في العساكر ودعاهم إلى هدم تطوان فامتنعوا ثم انقادوا وتنصلوا وأجابوا إلى هدمها ورجع عنهم فانتقضوا فسرح إليهم حميد بن يصل المكناسى في العساكر سنة تسع وثلاثين وزحفوا إليه بوادي لاو فأوقع بهم فأذعنوا بعدها وتغلب الناصر على طنجة من يد أبى العيش أمير بنى محمد وبقى باصيلا على بيعة الناصر ثم تخطت عساكر الناصر إلى بسائط المغرب فاذعن له أهله وأخذ بدعوته فيه امراء زناتة من مغراوة وبنى يفرن ومكناسة كما ذكرناه فضعف أمر بنى محمد واستأذنه أميرهم أبو العيش في الجهاد فأذن له وأمر ببناء القصور له في كل مرحلة من الجزيرة إلى الثغر فكانت ثلاثين مرحلة فأجاز أبو العيش واستخلف على عمله أخاه الحسن به كنون وتلقاه الناصر بالميرة وأجرى له ألف دينار في كل يوم وهلك شهيدا في مواقف الجهاد سنة ثلاث وأربعين وأخذ معه قائده جوهرا ولما قفل من المغرب راجع الحسن الطاعة للناصر إلى ان هلك سنة خمسين فأشحذ الحكم عزمه في سد ثغور المغرب وإحكام دعوتهم فيه وشحذ لها عزائم أوليائهم من ملوك زناتة فكان بينهم وبين زيرى وبلكين ما ذكرناه ثم أغزى معه بلكين بن زيرى المغرب سنة ثنتين وستين أولى غزواته فأثخن في زناتة وأوغل في ديار المغرب وقام الحسن بن كنون بدعوة الشيعة ونقض طاعة المروانية فلما انصرف بلكين أجاز الحكم إلى العدوة مع وزيره محمد بن قاسم بن طملس وخلف كثيرا من عسكره وأوليائه ودخل فلهم إلى سبتة واستصرخوا الحكم فبعث غالبا مولاه البعيد الصيت المعروف بالشهامة وأمده بما يعينه على ذلك من الاموال والجنود وأمره باستنزال الادارسة وأجاز بهم إليه وقال سر يا غالب مسير من لا اذن له في الرجوع الا حيا منصورا أو ميتا معذورا واتصل خبره بالحسن بن كنون فأفرج عن مدينة البصرة واحتمل منها أمواله وحرمه وذخيرته إلى حجر النسر معقلهم القريب من سبتة ونازله غالب ببعض مصمودة فاتصلت الحرب بينهم أياما ثم بث غالب المال في رؤساء البربر من غمارة ومن معه من الجنود وفروا وأسلموه والحجر بقلعة جبل النسر ونازله غالب وأمده الحكم بعرب الدولة ورجال الثغور وأجازهم مع وزيره صاحب الثغر الاعلى يحيى بن محمد بن ابراهيم التجينسى فيمن معه من أهل بيته وحشمه سنة ثلاث وستين فاجتمع مع غالب على القلعة واشتد الحصار على الحسن وطلب من غالب الامان فعقد له وتسلم الحصن من يده ثم عطف على من بقى من الادارسة ببلاد الريف فأزعجهم وسيرهم شردا واستنزل جميع الادارسة من معاقلهم وسار إلى فاس فملكها واستعمل عليها محمد بن على بن قشوش في عدوة القرويين وعبد الكريم بن ثعلبة الجذامي في عدوة الاندلس وانصرف غالب إلى قرطبة ومعه الحسن بن كنون وسائر

[ 219 ]

ملوك الادارسة وقد مهد المغرب وحاله وقطع الشيعة وذلك سنة أربع وستين وتلقاهم الحكم وأركب الناس للقديم وكان يوم دخولهم إلى قرطبة احفل أيام الدولة وعفا عن الحسن بن كنون ووفى له بالعهد وأجزل له ولرجاله العطاء والخلع والجعالات وأوسع عليهم الجراية وأسنى لهم الارزاق ورتب من حاشيتهم في الديوان سبعمائة من أنجاد المغاربة وتجنى عليه بعد ثلاث سنين بسؤاله من الحسن قطعة عنبر عظيمة تأدت عليه من بعض سواحل عمله بالمغرب أيام ملكه فاتخذ منها أريكة يرتفقها ويتوسدها فسأله حملها إليه على أن يحكمه في رضاه فأبى عليه مع سعاية بنى عمه فيه عند الخليفة وسوء خلق الحسن ولجاجته فنكبه واستصفى ما لديه من قطعة العنبر وسواها واستقام المغرب للحكم وتظافر امراؤه على مدافعة بلكين وعقد الوزير المنصوري لجعفر بن على على المغرب واسترجع يحيى بن محمد بن هاشم وغرب الحسن بن كنون الادارسة جميعا إلى المشرق استثقالا لنفقاتهم وشرط عليهم أن لا يعودوا فعبروا البحر من المرية سنة خمس وستين ونزلوا من جوار العزيز معد بالقاهرة خير نزل وبالغ في الكرامة ووعد بالنصرة والترة ثم بعث الحسن بن كنون إلى المغرب وكتب له إلى آل زيرى بن مناد بالقيروان بالمظاهرة فلحق بالمغرب ودعا لنفسه وبعث المنصور بن أبى عامر العساكر لمدافعته فغلبوه وتقبضوا عليه وأشخصوه إلى الاندلس فقتل في طريقه كما ذكرناه في أخبارهم وانقرض ملك الادارسة من المغرب أجمع إلى ان كان رجوع الامر لبنى حمود منهم ببلاد عمارة وسبتة وطنجة كما نذكره ان شاء الله تعالى

[ 221 ]

{ الخبر عن دولة حمود ومواليهم بسبتة وطنجة وتصاريف أحوالهم وأحوال غمارة من بعدهم } كان الادارسة لما أجلاهم الحكم عن العدوة إلى المشرق ومحا آثارهم من سائر بلاد المغرب واستقامت غمارة على طاعة المروانية وأذعنوا لجند الاندلسبين ورجع الحسن ابن كنون لطلب أمرهم فهلك على يد المنصور بن أبى عامر فانقرض أمرهم وافترقت الادارسة في القبائل ولاذوا بالاختفاء إلى أن خلعو اشارة ذلك النسب واستحالت صبغتهم منه إلى البداوة ولحق بالاندلس في جملة البرابرة من ولد عمر بن ادريس رجلان منهم وهم على والقاسم ابنا حمود بن ميمون بن أحمد بن على بن عبيد الله بن عمر بن ادريس فطار لهما ذكر في الشجاعة والاقدام ولما كانت الفتنة البربرية بالاندلس بعد انقراض الدولة العامرية ونصب البرابرة سليمان بن الحكم ولقبوه المستعين اختص بنى حمود هذين وأحسنوا العناء في ولايته حتى إذا استولى على ملكه بقرطبة وعقد للمغاربة الولايات عقد لعلى بن محمود هذا على طنجة وأعمال غمارة فنزلها وراجع عهده معهم فيها ثم انتقض ودعا لنفسه وأجاز إلى الاندلس وولى الخلافة بقرطبة كما ذكرناه فعقد على عمله بطنجة لابنه يحيى ثم أجاز يحيى إلى الاندلس بعد مهلك أبيه على منازعا لعمه القاسم واستقل أخوه ادريس من بعده بولاية طنجة وسائر أعمال ابيه بل بالعدوة من مواطن غمارة ثم أجاز بعد مهلك أخيه يحيى بمالقة فاستدعى رجال دولتهم وعقد لحسن ابن أخيه يحيى على عملهم بسبتة وطنجة وانفذ نجا الخادم معه ليكون تحت نظره واستبداده ولما هلك ادريس واعتزم ابن بقية على الاستبداد بمالقة أجاز نجا الخادم لحسن بن يحيى من طنجة فملك مالقة ورتب أمره في خلافته ورجع إلى سبتة وعقد لحسن على عملهم في مواطن غمارة حتى إذا هلك حسن أجاز نجا إلى الاندلس يروم الاستبداد واستخلف على العمل من وثق به من الموالى الصقلبية فلم يزل إلى نظرهم واحدا بعد آخر إلى ان استقل بسبتة وطنجة من موالى بنى حمود هؤلاء الحاجب سكوت البرغواطى كان عبد ا للشيخ حداد من مواليهم اشتراه من سبى برغواطه في بعض أيام جهله ثم صار إلى على بن حمود فأخذ النجابة بطبعه إلى ان استقل بأمرهم واقتعد كرسى عملهم بطنجة وسبتة وأطاعته قبائل غمارة واتصلت أيام ولايته إلى ان كانت دولة المرابطين وتغلب ابن تاشفين سنة احدى وسبعين ودعى الحاجب سكوت إلى مظاهرته على مغرواة بفاس ونجا إلى بلاد الدمنة من آخر بسيط المغرب مما يلى بلاد غمارة ونازلهم يوسف بن تاشفين سنة احدى وسبعين ودعا الحاجب سكوت إلى مظاهرته عليهم فهم بالايجاش ومظاهرته على عدوه ثم ثناه عن ذلك ابنه الفائل الرأى

[ 222 ]

فلما فرغ يوسف بن تاشفين من أهل الدمنة وأوقع بهم وافتتح حصن علودان من حصون غمارة من ورائه وانقاد المغرب لحربه صرف وجهه إلى سكوت فجهز إليه العساكر وعقد عليها للقائد صالح بن عمران من رجال لمتونة فتباشرت الرعايا بمقدمهم وانثالوا عليهم وبلغ الخبر إلى الحاجب سكوت فأقسم أن لا يسمع أحدا من رعيته هدير طبولهم ولحق هو بمدينة طنجة ثغر عمله وقد كان عليه من قبله ابنه ضياء الدولة المعز وبرز للقائهم فالتقى الجمعان بظاهر طنجة وانكشفت عساكر سكوت وطنت رحى المرابطين وسالت نفسه على ظباهم ودخلوا طنجة واستولوا عليها ولحق ضياء الدولة بسبتة ولما تكالب الطاغية على بلاد الاندلس وبعث ابن عباد صريخه إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين مستنجزا وعده في جهاد الطاغية والذب عن المسلمين وكاتبه أهل الاندلس كافة بالتحريض إلى الجهاد وبعث ابنه المعز سنة ست وسبعين في عسكر المرابطين إلى سبتة فرضة المجاز فنازلها برا وأحاطت بها أساطيل ابن عباد بحرا واقتحموها عنوة وتقبض على ضياء الدولة ونبذ إلى المعز فطالبه بالمال لانحائه فأساء فقتله لوقته وعثر على ذخائره وفيها خاتم يحيى بن على بن حمود وكتب إلى أبيه بالفتح وانقرضت دولة بنى حمود وانمحى آثارهم وسلطانهم من بنى غمارة وأقاموا في طاعة لمتونة سائر أيامهم * ولما نجم المهدى بالمغرب واستفحل أمر الموحدين بعد مهلكه تنقل خليفته عبد المؤمن في بلادهم في غزاته الكبرى ففتح المغرب سنة سبع وثلاثين وما بعدها لما قبل استيلائه على مراكش كما نذكره في أخبارهم واتبعوا أثره ونازلوا سبتة في عساكره وامتنعت عليهم وتولى كبر امتناعها قائدهم عياض الطائر الذكر رئيسهم لذلك العهد بدينه وأبوته وعمله ومنصبه ثم افتتحت بعد فتح مراكش سنة احدى وأربعين فكانت هؤلاء للسابقة التى رعيت لهم سائر أيام الدولة ولما فشل أمر بنى عبد المؤمن وذهب ريحه وكثر الثوار بالقاصية ثار فيهم ابن محمد الكتامى سنة خمس وعشرين كان أبوه من قصر كتامة منقبضا عن الناس وكان ينتحل الكيميا وتلقنه عنه ابنه محمد هذا وكان يلقب أبا الطواحن فارتحل إلى سبتة ونزل على بنى سعيد وادعى صناعة الكيميا فاتبعه الغوغاء ثم ادعى النبوة وشرع شرائع وأظهر أنواعا من الشعبذة فكثر تابعه ثم اطلعوا على خبثه ونبذوا إليه عهده وزحفت عساكر سبتة إليه ففر عنها وقتله بعض البرابرة غيلة ثم غلب بنو مرين على بسائط المغرب وامصاره سنة أربعين وستمائة واستولوا على كرسى الامر بمراكش سنة ثمان وستين فامتنع قبائل عمارة من طاعتهم واستعصوا عليهم وأقاموا بمنحاة من الطاعة وعلى ثبج من الخلاف وامتنعت سبتة من ورائهم على ملوك بنى مرين بسبب امتناعهم وصار أمرها إلى الشورى واستبد بها الفقيه أبو القاسم العزفى

[ 223 ]

من مشيختها كما سنذكر ذلك كله إلى ان وقع بين قبائل غمارة ورؤسائهم فتن وحروب ونزعت احدى الطائفتين إلى طاعة السلطان بالمغرب من بنى مرين فأتوها طواعية وأدخل الآخرون في الطاعة ملاهم طوعا أو كرها فملك بنو مرين أمرهم واستعملوا عليهم وتخطوا إلى سبتة من ورائهم فملكو امر العزفيين سنة سبع وعشرين وسبعمائة على ما نذكره بعد عند ذكر دولتهم وهم الآن على أحسن أحوالهم من الاعتزاز والكثرة يؤتون طاعتهم وجبايتهم عند استقلال الدولة ويمرضون فيها عند التياثها بفشل واشتغال بمحاربها فتجهز البعوث إليهم من الحضرة حتى يستقيموا على الطاعة ولهم بوعوره جبالهم عز ومنعة وجوار لمن لحق بهم من أعياص الملك الخوارج إلى هذا العهد من بينهم الحظ الوافر من ذلك لاشراف جبلهم على سائرها وسموه بقلاعه إلى مجارى السحب دونها وتوعر مسالكه بهبوب الرياح فيها وهذا الجبل مطل على سبتة من غربيها وصاحب أمره يوسف بن عمرو بنوه ولهم فيه عزة وثروة قد اتخذوا به المصانع والغروس وفرض لهم السلطان بديوان سبتة العطاء وأقطعهم ببسيط طنجة الضياع استئلافا لهم وحسما سائر غمارة بابناس طاعتهم ولله الخلق والامر بيده ملكوت السموات والارض { الخبر عن أهل جبال درن بالمغرب الاقصى من بطون المصامدة وما كان لهم من الظهور والاحوال ومبادي أمورهم وتصاريفها } هذه الجبال بقاصية المغرب من أعظم جبال المعمور بما أعرق في الثرى أصلها وذهبت في السماء فروعها ومدت في الجوهيا كلها ومثلث سياجا على ريف المغرب سطورها تبتدئ من ساحل البحر المحيط عند أسفى وما إليها وتذهب في المشرق إلى غير نهاية ويقال انها تنتهى إلى قبلة برنيق من أرض برقة وهى في الجانب مما يلى مراكش قد ركب بعضها بعضا متتالية على نسق من الصحراء إلى التل يسير الراكب فيه متعرضا من نامسنا وسواحل مراكش إلى بلاد السوس ودرعه من القبلة ثمان مراحل وأزيد تفجرت فيها الانهار وجلل الارض حمراء الشعراء وتطابقت بينها ظلال الادواح وزكت فيها مواد الزرع والضرع وانفسحت مسارح الحيوان ومراتع الصيد وطابت منابت الشجر ودرت أفاويق الجباية يعمرها من قبائل المصامدة أمم لا يحصيهم الا خالقهم قد اتخذوا المعاقل والحصون وشيدوا المباني والقصور واستغنوا بقطرهم عن سائر أقطار العالم فرحل إليهم التجر من الآفاق واختلفت إليهم أهل النواحى والامصار ولم يزالوا مذ أول الاسلام وما قبله معتمرين بتلك الجبال قد أوطنوا منها أقاليم تعددت

[ 224 ]

فيها الممالك والعمالات بتعدد شعوبهم وقبائلهم وافترقت أسماؤها بافتراق أجيالهم تنتهى ديارهم من هذه الجبال إلى بنية المعروفة ببنى فازان حيث تبتدئ مواطن صنهاجة ويحفون بهم كذلك من ناحية القبلة إلى بلاد السوس وقبائل هؤلاء المصامدة بهذه المواطن كثيرة فمنهم هرعة وهنتاتة وتينملل وكيد موية وكنفيسة ووريكله وهزيمرة ودكالة وصاحة وأمادين وازكيت وبنو ماكروايلنة ويقال هيلانة ويقال أيضا ان ايلان هو ابن براصهر المصامدة فكانوا حلفاء لهم ومن بطون أمادين مصفاوة وماغوس ومن مصفاوة دغاغة وبوطابان ويقال إن غمارة ورهون وأمل من أمادين والله أعلم ويقال إن من بطون صاحة زكرو لحقيس الظواعن الآن بأرض السوس أحلافا لذوى حسان المتغلبين عليها من عرب المعقل ومن بطون كنفيسة أيضا قبيلة سكسباوة الموطنون بأمنع المعاقل بهذه الجبال المطل جبلهم على بسيط السوس من القبلة وعلى ساحل البحر المحيط من المغرب ولهم بمنعة ومعقلهم ذلك اعتزاز على أهل جلدتهم حسبما يذكر بعد وكان لهؤلاء المصامدة صدر الاسلام بهذه الجبال عدد وقوة وطاعة للدين ومخالفة لاخوانهم برغواطة في نحلة كفرهم وكان من مشاهيرهم كثير ابن وسلاس بن شملال بن امادة وهو يحيى بن يحيى راوي الموطأ عن مالك دخل الاندلس وشهد الفتح مع طارق وفى آخرين من مشاهيرهم استقروا بالاندلس وكان لاعقابهم بها ذكر في الدولة الاموية كان منهم قبل الاسلام ملوك وامراء ولهم مع لمتونة ملوك المغرب حروب وفتن سائر أيامهم حتى كان اجتماعهم على المهدى وقيامهم بدعوته فكانت لهم دولة عظيمة أدالت من لمتونة العدوتين ومن صنهاجة بافريقية حسبما هو مشهور ويأتى الآن نذكره ان شاء الله وبالله التوفيق لا رب سواه ولا معبود الا اياه

[ 225 ]

{ الخبر عن مبدا أمر المهدى ودعوته وما كان للموحدين القائمين بها على يدى بنى عبد المؤمن من السلطان والدولة بالعدوتين وافريقية وبداية ذلك وتصاريفه } لم يزل أمر هؤلاء المصامدة بجبال درن عظيما وجماعتهم موفورة وبأسهم قويا وفى أخبار الفتح من حروبهم مع عقبة بن نافع وموسى بن نصير حتى استقاموا على الاسلام ما هو معروف مذكور إلى ان أظلتهم دولة لمتونة فكان أمرهم فيها مستفحلا وشأنهم على أهل السلطان والدولة مهما حتى لما اختطوا مدينة مراكش أنزلهم جوار مواطنهم من درن ليتميزوا عمن سواهم ويذللوا من صعابهم وفى عنفوان تلك الدولة على عهد على بن يوسف منها نجم امامهم العالم الشهير محمد بن تومرت صاحب دولة الموحدين المشتهر بالمهدي أصله من هرغة من بطون المصامدة الذين عددناهم يسمى أبوه عبد الله وتومرت وكان يلقب في صغره أيضا امغار وهو محمد بن عبد الله بن وجليه ابن بامصال بن حمزة بن عيسى فيما ذكر ابن رشيق وحققه ابن القطان وذكر بعض مؤرخي المغرب انه محمد بن تومرت بن نيطاوس بن ساو لابن سفيون بن الكلديس بن خالد

[ 226 ]

وزعم كثير من المؤرخين ان نسبه في أهل البيت وانه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن هود بن خالد بن تمام بن عدنان بن سفيان بن عفوان بن جابر بن عطا بن رباح بن محمد من ولد سليمان بن عبد الله بن الحسن بن على بن أبى طالب أخى ادريس الاكبر الواقع نسب الكثير من بيته في المصامدة وأهل السوس كذا ذكر ابن نحيل في سليمان هذا وانه لحق بالمغرب ابن أخيه ادريس ونزل تلمسان وافترق ولده في المغرب قال فمن ولده كل طالبي بالسوس وقيل بل هو من قرابة ادريس اللاحقين به إلى المغرب وان رباحا الذى في عمود هذا النسب انما هو ابن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن وعلى الامرين فان نسبة الطالبى وقع في هرغة من قبائل المصامدة ورسخت عروقه فيهم والتحم بعصبيتهم فلبس جلدتهم وانتسب بنسبتهم وصار في عددهم وكان أهل بيته أهل نسك ورباط وشب محمد هذا قارئا محبا للعلم وكان يسمى أسافو ومعناه الضياء لكثرة ما كان يسرج القناديل بالمساجد لملازمتها وارتحل في طلب العلم إلى المشرق على راس المائة الخامسة ومر بالاندلس ودخل قرطبة وهى إذ ذاك دار علم ثم أجاز إلى الاسكندرية وحج ودخل العراق ولقى جملة من العلماء يومئذ وفحول النظار وأفاد علما واسعا وكان يحدث نفسه بالدولة لقومه على يده لما كان الكهان والحزاء يتحينون ظهور دولة يومئذ بالمغرب ولقى فيما زعموا أبا حامد الغزالي وفاوضه بذات صدره بذلك فاراده عليه لما كان فيه الاسلام يومئذ باقطار الارض من اختلال الدولة وتقويض أركان السلطان الجامع الامة المقيم للمله بعد ان ساء له عمن له من العصابة والقبائل التى يكون بها الاعتزاز والمنعة ونشأ بها يتم أمر الله في درك البغية وظهور الدعوة وانطوى هذا الامام راجعا إلى المغرب بحرا متفجرا من العلم وشهابا واريا من الدين وكان قد لقى بالمشرق ائمة الاشعرية من أهل السنة وأخذ عنهم واستحسن طريقهم في الانتصار للعقائد السلفية والدب عنها بالحجج العقلية الدافعة في صدر أهل البدعة وذهب إلى رأيهم في تأويل المتشابه من الآى والاحاديث بعد ان كان أهل المغرب بمعزل عن اتباعهم في التأويل والاخذ برأيهم فيه اقتداء بالسلف في ترك التأويل واقرار المتشابهات كما جاءت ففطن أهل المغرب في ذلك وحملهم على القول بالتأويل والاخذ بمذاهب الاشعرية في كافة العقائد وأعلن بامامتهم ووجوب تقليدهم وألف العقائد على رأيهم مثل المرشدة في التوحيد وكان من رأيه القول بعصمة الامام على رأى الامامية من الشيعة وألف في ذلك كتابه في الامامية الذى افتتحه بقوله اعز ما يطلب وصار هذا المفتتح لقبا على ذلك الكتاب وأحل بطرابلس أول بلاد المغرب معنيا بمذهبه ذلك مظهر النكير على علماء المغرب في عدولهم عنه آخذا نفسه بتدريس العلم والامر

[ 227 ]

بالمعروف والنهى عن المنكر ما استطاع حتى لقى بسبب ذلك اذيات في نفسه احتسبها من صالح عمله ولما دخل بجاية وبها يومئذ العزيز بن المنصور بن الناصر بن علناس بن حمار من أمراء صنهاجة وكان من المقترفين فاغلظ له ولاتباعه بالنكير وتعرض يوما لتغيير بعض المنكرات في الطرق فوقعت بسببها هيعة نكرها السلطان والخاصة وائتمروا به فخرج منها حائفا ولحق بملاله على رسخ منها وبها يومئذ بنو ورياعل من قبائل صنهاجة وكان لهم اعتزاز ومنعة فآووه وأجاروه وطلبهم السلطان صاحب بجاية باسلامه إليه فأبوا وأسخطوه وأقام بينهم يدرس العلم أياما وكان يجلس إذا فرغ على صخرة بقارعة الطريق قريبا من ديار ملاله وهى لهذا العهد معروفة وهناك لقيه كبير صحابته عبد المؤمن بن على حاجا مع عمه فأعجب بعلمه وانتهى عزمه عن وجهه ذلك واختص به وتشمر للاخذ عنه وارتحل المهدى إلى المغرب وهو في جملته ولحق بوانشريش صحبه منها البشير من جملة أصحابه ثم لحق بتلمسان وقد تسامع الناس بخبره فأحضره القاضى بها بن صاحب الصلاة ووبخه على منتحله ذلك وخلافه لاهل قطره وظن أن من العدل نزعه عن ذلك فصم عن قوله واستمر على طريقه إلى فاس ثم إلى مكناسة ونهى بها عن بعض المناكير فأوقع به الشر من الغوغا فأوجعوه ضربا ولحق بمراكش وأقام بها آخذا في شأنه ولقى على بن يوسف بالمسجد الجامع في صلاة الجمعة فوعظه وأغلظ له القول ولقى ذات يوم الصورة أخت على بن يوسف حاسرة قناعها على عادة قومها الملثمين في زى نسائهم فوبخها ودخلت على أخيها باكية لما نالها من تقريعه ففاوض الفقهاء في شأنه بما وصل إليه من شهرته وكانوا ملئوا منه حسدا وحفيظة لما كان ينتحل مذهب الاشعرية في تأويل المتشابه وينكر عليهم جمودهم على مذهب السلف في إقراره كما جاء ويرى ان الجمهور لقنوه تجسيما ويذهب إلى تكفيرهم بذلك أحد قولى الاشعرية في التكفير فمال إلى الرأى فأغروا الامير به فأحضره للمناظرة معهم فكان له الفلج والظهور عليهم وخرج من مجلسه ونذر بالشر منهم فلحق من يومه بأغمات وغير المناكير على عادته وأغرى به أهلها على بن يوسف وطيروا إليه بخبره فخرج منها هو وتلميذه الذين كانوا في صحابته ودعا اسمعيل بن أبكيك من أصحابه وهو من انجاد قومه وخرج به إلى منحاة من جبال المصامدة لحق أولا بمسفيوه ثم بهنتاتة ولقيه من أشياخهم عمر بن يحيى بن محمد بن وانودين بن على وهو أبو حفص ويعرف بيته ابن هنتاتة ببنى فاصكات وتقول نسابتهم ان فاصكات هو جد وانودين ويقال لهنتاتة بلسانهم هننى فلذلك كان يعرف عمر بهنتى وسيأتى الكلام في تحقيق نسبهم عند ذكر دولتهم ثم ارتحل المهدى عغنهم إلى ايكيلين من بلاد هرغة فنزل على قومه وذلك سنة خمس عشرة وخمسمائة وبنى رابطة للعبادة

[ 228 ]

اجتمعت إليه الطلبة والقبائل يعلمهم المرشدة في التوحيد باللسان البربري وشاع أمره في محجته واستدرك فقيه العلمية بمجلس الامير على بن يوسف وهو مالك بن وهيب أغراه به وكان حزاء ينظر في النجوم وكان الكهان يتحدثون بان ملكا كائنا بالمغرب بأمة من المغرب ويتغير فيه شكل السمكة لقران بين الكوكبين العلويين والسيارة تقتضي ذلك في أحكامهم وكان الامير يتوقعها فقال احتفظوا بالدولة من الرجل فانه صاحب القران والدرهم المربع في كلام سفساف بسجع سوقى يتناقلها الناس نصه * وهو اجعل على رجله كبلا * لئلا يسمعك طبلا * وأظنه صاحب الدرهم المربع فطلبه على بن يوسف ففقده وسرح الخيالة في طلبه ففاتهم وداخل عامل السوس وهو أبو محمد اللمتونى بعض سرعة في قتله ونذر بهم اخوانهم فنقلوا إلى معقل أشياعهم وقتلوا من داخل في أمرهم ودعوا المصامدة إلى بيعته على التوحيد وقتال المجسمين دونه سنة خمسة عشر وخمسمائة فتقدم إليها رجالاتهم من العشرة وغيرها وكان فيهم من هنتاتة أبو حفص عمر بن يحيى وأبو يحيى بن يكبت ويونس بن وانودين وابن يغمور ومن تينملل أبو حفص عمر بن على الصناكى ومحمد بن سليمان وعمرو بن تافراتكين وعبد الله بن ملويات وأهب قبيلة هرغة فدخلوا في أمره كلهم ثم دخل معهم كيدموية وكنفيسة ولما كملت بيعته لقبوه بالمهدي وكان لقبه قبلها الامام وكان يسمى أصحابه الطلبة وأهل دعوته الموحدين ولما تم له خمسون من أصحابه سماهم ايت الخمسين وزحف إليهم عامل السوس أبو بكر بن محمد اللمتونى بمكانهم من هرغة فاستجاشوا باخوانهم من هنتاتة وتينملل فاجتمعوا إليه وأوقعوا بعسكر لمنونة فكانت هزمة الفتح وكان الامام يعدهم بذلك فاستبصروا في أمره وتسابق كافتهم إلى الدخول في دعوته وترددت عساكر لمتونة إليهم مرة بعد أخرى ففضوهم وانتقل لثلاث سنين من بيعته إلى حبل تينملل فأوطنه وبنى داره ومسجده بينهم وحو إلى منبع وادى نفيس وقاتل من تخلف عن بيعته من المصامدة حتى استقاموا فقاتل أولاد هزرجة وأوقع بهم مرارا ودانوا بالطاعة ثم قاتل هسكورة ومعهم أبو دوقة اللمتونى فغلبهم وقفل فاتبعه بنو واسكيت فأوقع بهم الموحدون وأثخنوا فيهم قتلا وأسرا ثم غزا بلد غجرامة وكان قد افتتحه وترك فيه الشيخ أبا محمد عطية من أصحابه فغدروا به وقتلوه فغزاهم واستباحهم ورجع إلى تينملل وأقام بها إلى ان كان شأن البشير وميز الموحد من المنافق وكانوا يسمون لمتونة الحشم فاعتزم على غزوهم وجمع كافة أهل دعوته من المصامدة وزحف إليهم فلقوه بكبكب وهزمهم لموحدون واتبعوهم إلى أغمات فلقيهم هنا لك زحوف لمتونة مع بكر بن على بن يوسف وابراهيم بن تاعماشت فهزمهم الموحدون وقفل ابراهيم واتبعوهم إلى مراكش فنزلوا البحيرة في زهاء أربعين

[ 229 ]

ألفا كلهم راجلين الا أربعمائة فارس واحتفل على بن يوسف الاحتشاد وبرز إليهم لاربعين من نزولهم خرج عليهم من باب ايلان فهزمهم وأثخن فيهم قتلا وسبيا وفقد البشير من أصحابه واستحر القتل في هيلانة وأبلى عبد المؤمن في ذلك اليوم أحسن البلاء وكانت وفاة المهدى لاربعة أشهر بعدها وكان يسمى أصحابه بالموحدين تعريضا بلمتونة في أخذهم بالعدول عن التأويل وميلهم إلى التجسيم وكان حصورا لا يأتي النساء وكان يلبس العباءة المرقعة وله قدم في التقشف والعبادة ولم تحفظ عنه فلتة في البدعة الا ما كان من وفاقه الامامية من الشيعة في القول بالامام المعصوم والله تعالى أعلم { الخبر عن دولة عبد المؤمن خليفة المهدى والخلفاء الاربعة من بنيه ووصف أحوالهم ومصاير أمورهم } لما هلك المهدى سنة ثنتين وعشرين كما ذكرناه وقد عهد بأمره من بعده لكبير صحابته عبد المؤمن بن على الكومى المتقدم ذكره ونسبه عند ذكر قومه فقبره بمسجده لصق داره من تينملل وخشى أصحابه من افتراق الكلمة وما يتوقع من سخط المصامدة ولاية عبد المؤمن بن على لكونه من غير جلدتهم فارجأوا الامر إلى أن يخالط بشاش الدعوة قلوبهم وكتموا موته زعموا ثلاث سنين يموهون عرضه ويقيمون سنته في الصلاة والحزب الراتب يدخل أصحابه إلى البيت كأنه اختصهم بعبادته فيجلسون حوالى قبره ويتفاوضون في شؤونهم ثم يخرجون لانفاذ ما رموه ويتولاه عبد المؤمن بتلقينهم حتى إذا استحكم أمرهم وتمكنت الدعوة من نفوس كافتهم كشفوا جسد القناع عن حالهم وتمالا من بقى من العشرة على تقديم عبد المؤمن وتولى كبر ذلك الشيخ أبو حفص وأراد هنتاته وسائر المصامدة غلبه فأظهروا للناس موت المهدى وعهده لصاحبه وانقياد بقية أصحابه لذلك وروى يحيى بن يعمور انه كان يقول في دعائه اثر صلواته اللهم بارك في الصاحب الافضل فرضى الكافة وانقادوا وأجمعوا على بيعته بمدينة تينملل سنة أربع وعشرين فقام بأمر الموحدين وأبعد في الغزوات فصبح نادلا وأقام بها وأصاب منهم ثم غزا درعه واستولى عليها سنة ست وعشرين ثم غزا تاسعون وافتتحها وقتل واليها أبا بكر بن مازرو ومن كان معه من قومه غمارة بنى وزار وبنى مرزع ثم تسابق الناس إلى دعوتهم أفواجا وانتقض البرابر في سائر أقطار المغرب على لمتونة فسرح على بن يوسف ابنه تاشفين لقتالهم سنة ثلاث وستين فجاءهم من ناحية أرض السوس وأحشد معه قبائل كزولة وجعلهم في مقدمته فلقيهم الموحدون بأوائل حفلهم وهزموهم ورجع تاشفين ولم يلق حربا ودحل كزولة من بعدها في دولة الموحدين وأجمع عبد المومن على غزو بلاد المغرب فغزا غزاته الطويلة منذ سنة أربع وثلاثين إلى سنة احدى وأربعين

[ 230 ]

ولم يراجع فيها تينملل حتى إذا انقضت بالفتح والاستيلاء على المغربين خرج إليها من تينملل وخرج تاشفين بعساكره يحاذيه في البسائط والناس يفرون منه إلى عبد المؤمن وهو ينقل في الجبال في سعة من الفواكه للاكل والحطب للدف ء إلى أن وصل إلى جبل غمارة واشتعلت نار الفتنة والغلا بالمعرب واقشعت الرعايا من المغرب وألح الطاغية على المسلمين بالعدوة وهلك خلال ذلك على بن يوسف أمير لمتونة ملك العدوتين سنة سبع وثلاثين وخمسمائة وولى أمرهم تاشفين ابنه وهو في غزاته هذه وقد أحيط به وحزن بعد أبيه على فتنة بنى لمتونة ومسوقة ففزع أمراء مسوقة مثل بدران بن محمد ويحيى بن ناكصتن ويحيى بن اسحق المعروف بانكار وكان والى تلمسان ولحقوا بعبد المؤمن إليهم من الجملة ودخلوا في دعوته ونبذ إليهم لمتونة العهد والى سائر مسوقة واستمر عبد المؤمن على حاله فنازل سبتة وامتنعت عليه وتولى كبر دفاعه عنها القاضى عياض الشهير الذكر كان رئيسها يومئذ بدينه وأبوته ومنصبه ولذلك سخطته الدولة آخر الايام حتى مات مغربا عن سبتة بتادلا مستعملا في خطة القضاء بالبادية وتمادى عبد المؤمن في غزاته إلى جبال غياثه وبطوية فافتتحها ثم نزل ملوية فافتتح حصونها ثم تخطى إلى بلاد زناتة فاطاعته قبائل مديونة وكان بعث إليهم عساكر من الموحدين إلى نظر يوسف بن وانودين وابن مومو فخرج إليهم محمد بن يحيى بن فانو عامل تلمسان فيمن معه من عساكر لمتونة وزناتة فهزمهم الموحدون وقتل ابن فانو وانقض عسكر زناتة ورجعوا إلى بلادهم وولى ابن تاشفين على تلمسان أبا بكر بن مزدلى ووصل إلى عبد المؤمن بمكانه من الريف أبو بكر بن ماخوخ ويوسف بن بدر أمراء بنى مانو فبعث معهم ابن يغمور وابن وانودين في عسكر من الموحدين فأثخنوا في بلاد عبد الواد وبنى باجدى سبيا وأسرا وأمدهم عساكر لمتونة ومعهم الربرتير قائد الروم ونزلوا منداماس واجتمعت عليهم زناتة في بنى بلومي وبنى عبد الواد وشيخهم حمامة بن مطهر وبنى نيكياس وبنى ورسفان وبنى توجين فأوقعوا في بنى مانو واستنقذوا غنائمهم وقتل أبو بكر بن ماخوخ في ستمائة من قومه وتحصن الموحدون وابن وانودين بجبال سيرات ولحق تاشفين بن ماخوخ بعبد المؤمن صريحا على لمتونة وزناتة فارتحل معه إلى تلمسان ثم أجاز إلى سيرات وقصد محلة لتونة وزناتة فأوقع بهم ورجع إلى تلمسان فنزل ما بين الصخرتين من جبل بنى ورتيك ونزل كاشفين باصطفصف ووصل مدد صنهاجة من قبل يحيى بن عبد العزيز صاحب بجاية ينظر طاهر بن كباب من قواده أمدوا به تاشفين وقومه لعصبية الصنهاجية وفى يوم وصوله أشرف على معسكر الموحدين وكان يدل بأقوام فورا بلمتونة وأميرهم يتعودهم لمناجزة الموحدين وقال انما جئتكم أؤمنكم من صاحبكم عبد المؤمن

[ 231 ]

هذا وأرجع إلى قومي فامتعض تاشفين لكلمته وأذن له في المناجزة فحمل على القوم فركبوا وصموا للقائه فكان آخر العهد به وبعسكره وكان تاشفين بعث من قبل ذلك قائده على الروم الروبرتير في عسكر ضخم كما قلناه فاغار على بنى سندم وزناتة الذين كانوا في بسيطهم ورجع بالغنائم فاعترضه الموحدون من عسكر عبد المؤمن فقتلوهم وقتل الروبرتير ثم بعث بعثا آخر إلى بلاد بنى نوما فلقيهم تاشفين بن ماخوخ ومن كان معه من الموحدين واعترضوا عسكر بجاية عند رجوعهم فنالوا منهم أعظم النيل وتوالت هذه الوقائع على تاشفين فأجمع الرحلة إلى وهران وبعث ابنه ابراهيم ولى عهده إلى مراكش في جماعة من لمتونة وبعث كاتبا معه أحمد بن عطية ورحل هو إلى وهران سنة تسع وثلاثين فأقام عليها شهرا ينتظر قائد اسطوله محمد بن ميمون إلى أن وصله من المرية بعشرة أساطيل فأرسى قريبا من معسكره وزحف عبد المؤمن من تلمسان وبعث في مقدمته الشيخ أبا حفص عمر بن يحيى وبنى مانو من زناتة فتقدموا إلى بلاد بنى يلومى وبنى عبد الواد وبنى ورسيفين وبنى توجين وأثخنوا فيهم حتى دخلوا في دعوتهم ووفد على عبد المومن برؤوسائهم وكان منهم سيد الناس بن أمير الناس شيخ بنى يلومى فتلقاهم بالقبول وسار بهم في حموع الموحدين إلى وهران ففتحوا لمتونة بمعسكرهم ففضوهم ولجأ تاشفين إلى رابية هناك فأحدقوا بها وأضرموا النيران حولها حتى غشيهم الليل فخرج تاشفين من الحصن راكبا على فرسه فتردى من بعض حافات الجبل وهلك لسبع وعشرين من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة وبعث برأسه إلى تينملل ونجافل العسكر إلى وهران فانحصروا مع أهلها حتى جهدهم العطش ونزلوا جميعا على حكم عبد المؤمن يوم الفطر من تلك السنة وبلغ خبر مقتل تاشفين إلى تلمسان مع فل لمتونة وفيهم أبو بكر بن ولحف وسير بن الحاج وعلى بن ميلوفى آخرين من أعيانهم ففر معهم من كان بها من لمتونة وقدم عبد المؤمن فقتل من وجد بتاكرارت بعد ان كانوا بعثوا ستين من وجوههم فلقيهم يصليتن من مشيخة بنى عبد الواد فقتلهم أجمعين ولما وصل عبد المؤمن إلى تلمسان استباح أهل تاكرارت لما كان أكثرهم من الحشم وعفا عن أهل تلمسان ورحل عنها لسبعة أشهر من فتحها بعد ان ولى عليها سليمان بن محمد بن وانودين وقيل يوسف بن وانودين وفيما نقل بعض المؤرخين انه لم يزل محاصرا تلمسان والفتوح ترد عليه وهنا لك وصلته بيعة سجلماسة ثم اعتزم على الرحيل إلى المغرب وترك ابراهيم بن جامع محاصر التلمسان فقصد فاس سنة احدى وأربعين وقد تحصن بها يحيى الصحراوي من فل تاشفين من تلمسان فنازلهلم عبد المؤمن وبعث عسكرا لحصار مكناسة ثم رحل في اتباعه وترك عسكرا من الموحدين على فاس وعليهم الشيخ

[ 232 ]

أبو حفص وأبو ابراهيم وصحابة المهدى العشرة فحاصروه سبعة أشهر ثم داخلهم ابن الجيانى فسرب البلد وأدخل الموحدين ليلا وفر الصحراوي إلى طنجة واجاز منها إلى ابن غانية بالاندلس وبلغ خبر فاس إلى عبد المؤمن وهو بمكانه من حصار مكناسة فرجع إليها وولى عليها ابراهيم بن جامع لما فتح تلمسان ارتحل إلى عبد المؤمن وهو محاصر لفاس فاعترضه في طريقه المخضب بن عسر امير بنى مرين ونالوا منه ومن رفقته فكتب عبد المؤمن إلى يوسف وانودين عامل تلمسان أن يجهز إليهم العساكر فبعثا صحبة عبد الحق ابن منقاد شيخ ببنى عبد الواد فأوقعوا ببنى مرين وقتل المخضب أميرهم ولما ارتحل عبد المؤمن من فاس إلى مراكش وصلته في طريقه بيعة أهل سبتة فولى عليهم يوسف ابن مخلوف من مشيخة هنتاتة ومر على سلا فافتتحها بعد مواقعة قليلة ونزل منها بدار ابن عشرة ثم تمادى إلى مراكش وسرح الشيخ أبا حفص لغزو برغواطة فأنحن فيهم ورجع ولقيه في طريقه ووصلوا جميعا إلى مراكش وقد ضموا إليها جموع لمطة فأوقع بهم الموحدون وأثخنوا فيهم قتلا واكتسحوا اموالهم وظعائنهم وأقاموا على مراكش تسعة أشهر وأميرهم اسحق بن على بن يوسف بايعوه صبيا صغيرا عند بلوغ خبر أبيه ولما طال عليهم الحصار وجهدهم الجوع برزوا إلى مدافعة الموحدين فانهزموا وتتبعهم الموحدون بالقتل واقتحموا عليهم المدينة في اخريات شوال سنة احدى وأربعين وقتل عامة الملثمين ونجا اسحق في جملته واعيان قومه إلى القصبة حتى نزلوا على حكم الموحدين وأحضر اسحق بين يدى عبد المؤمن فقتله الموحدون بأيديهم وتولى كبر ذلك أبو حفص بن واكاك منهم وانمحى أثر الملثمين واستولى الموحدون على جميع البلاد ثم خرج عليهم بناحية السوس ثائر ن سوقة سلا يعرف محمد بن عبد الله بن هود وتلقب بالهادي وظهر في رباط ماسة فأقبل إليه الشراد من كل جانب وانصرفت إليه وجوه الاغمار من أهل الآفاق وأخذ بدعوته أهل سجلماسة ودرعة وقبائل دكالة وركراكة وقبائل تامسنا وهوارة وفشت ضلالته في جميع العرب فسرح إليه عبد المؤمن عسكرا من الموحدين لنظر يحيى انكمارا للمتونى النازع إليه من ايالة تاشفين بن على ولقى هذا الثائر الماسى ورجع مهزوما إلى عبد المؤمن فسرح الشيخ أبا حفص عمر بن يحيى وأشياخ الموحدين واحتفل في الاستعداد فنهضو الرابطة ماسة وبرز إليهم الثائر في نحو ستين ألفا من الرجال وسبعمائة من الفرسان فهزمهم الموحدون وقتل داعيتهم في المعركة مع كثرة اتباعه وذلك في ذى الحجة سنة احدى وأربعين وكتب الشيخ أبو حفص بالفتح إلى عبد المؤمن من انشاء أبى حفص بن عطية الشهير الذكر كان أبوه أبو أحمد كاتبا لعلى بن يوسف وابنه تاشفين وتحصل في قضة الموحدين فعفا عنه عند

[ 233 ]

المؤمن ولما نزل على فاس اعتزم أبو حفص هذا على الفرار فتقبض عليه في طريقه واعتذر فلم يقبل عذره وقتل وكان ابنه أحمد كاتبا لاسحق بن على بمراكش فشمله عفو السلطان فيمن شمله من ذلك الغل وخرج في جملة الشيخ أبى حفص في وجهته هذه وطلبه للكتاب في ذلك فاجابه واستحسن كتابه عبد المؤمن لما وقف عليه فاستكتبه أولا ثم ارتفع عنده مكانه فاستوزروه وبعد في الدولة صيته وقاد العساكر وجمع الاموال وبذلها ونال من الرتبة عند السلطان ما لم ينله أحد في دولته إلى ان دبت السعاية إلى جهاده الوثير فكان فيها حتفه ونكبه الخليفة سنة ثلاث وخمسين وقتله بمحبسه حسبما هو مشهور ولما انصرف الشيخ أبو حفص من غزاة ماسة راح بمراكش أياما ثم خرج غازيا إلى القائمين بدعوة الماسى بجبال درن فأوقع باهل نفيس وهيلانة وأثخن فيهم بالقتل والسبي حتى أذعنوا بالطاعة ورجع ثم خرج إلى هسكورة وأوقع بهم وافتتح معاقلهم وحصونهم ثم نهض إلى سجلماسة فاستولى عليها ورجع إلى مراكش ثم خرج ثالثة إلى برغواطة فحاربوه مرة ثم هزموه واضطرمت نار الفتنة بالمغرب وانتقض أهل سبتة وأخرجوا يوسف بن مخلوف التينمللى وقتلوه ومن كان معه من الموحدين وأجاز القاضى عياض البحر إلى يحيى بن على بن غانية المسوقى الوالى بالاندلس فلقيه وطلب منه واليا إلى سبتة فبعث معه يحيى بن أبى بكر الصحراوي الذى كان بفاس منذ منازلة عبد المؤمن لها وذكر انه لحق بطنجة فأجاز البحر إلى الاندلس ولحق بابن غانية بقرطبة وصار في جملته وبعثه ابن غانية إلى سبتة مع القاضى عياض كما ذكرناه وقام بأمرها ووصل يده بالقبائل الناكثة لطاعة الموحدين من برغواطة ودكالة على حين هزيمتهم للموحدين كما ذكرناه ولحق بهم من مكانه لسبتة وخرج إليهم عبد المؤمن بن على سنة ثنتين وأربعين فدوخ بلادهم واستأصل شأفتهم حتى انقادوا للطاعة وتبرؤا من يحيى الصحراوي ولمتونة ورجع إلى مراكش لستة أشهر من خروجه ووصلته المرعبة من مشيخة القبائل في يحيى الصحراوي فعفا عنه وصلحت أحوال المغرب وراجع أهل سبتة طاعتهم فتقبل منهم وكذلك أهل سلا فصفح لهم وأمر بهدم سورهم والله أعلم * (فتح الاندلس وشؤونها) * ثم صرف عبد المؤمن من قصره إلى الاندلس وكان من خبرها انه اتصل بالملثمين مقتل تاشفين ابن على ومنازلة الموحدين مدينة فاس وكان على بن عيسى بن ميمون قائد اسطولهم قد نزع طاعة لمتونة وامترى بجزيرة قادس فلحق بعبد المؤمن بمكانه من حصار فاس ودخل في دعوته وخطب له بجامع فاس أول خطبة خطبت لهم بالاندلس عام أربعين وخمسمائة وبعث أحمد بن قسى صاحب مرتلة ومقيم الدعوة بالاندلس أبا بكر بن حبيس

[ 234 ]

رسولا إلى عبد المؤمن فلقيه على تلمسان وأدى كتاب صاحبه فأنكر ما تضمنه من النعت بالمهدي ولم يجاوب وكان سدراتى بن وزير صاحب بطليوس وباجة وغرب الاندلس قد تغلب على أحمد بن قيسى هذا وغلبه على مرتلة فأجاز أحمد بن قيسى البحر إلى عبد المؤمن من بعد فتح مراكش لمداخلة على بن عيسى بن ميمون ونزل بسبتة فجهره يوسف ابن مخلوف ولحق بعبد المؤمن ورغبه في ملك الاندلس وأغراه بالملثمين فبعث معه عساكر الموحدين لنظر برار بن محمد المسوقى الناظر إلى عبد المؤمن من جملة تاشفين وعقد له على حروب من بها من لمتونة والثوار وأمده بعسكر آخر لنظر موسى بن سعيد وبعده بعسكر آخر لنظر عمر بن صالح الصنهاجى ولما أجازوا إلى الاندلس نزلوا بالغمر بن عزرون من الثوار بشريش وكانت له مع ولده ثم قصدوا لبلة وبها من الثوار يوسف ابن أحمد البطروجى فأعطاهم الطاعة ثم قصدوا مرتلة وهى تحت الطاعة لتوحيد صاحبها أحمد بن قيسى ثم قصدوا شلب ففتحوها وامكنوا منها ابن قيسى ثم نهضوا إلى باجة وبطليوس فأطاعهم صاحب سدراتى بن وزير ثم بران في عسكر الموحدين إلى مرتلة حتى انصرم فصل الشتاء فخرج إلى منازلة اشبيلية فأطاعه أهل طليطلة وحصن القصر واجتمع إليه سائر الثوار وحاصروا اشبيلية برا وبحرا إلى أن افتتحوها في شعبان من سنة احدى وأربعين وفر الملثمون بها إلى قرمونة وقتل من ادرك منهم وأتى القتل على عبد الله بن القاضى أبى بكر بن العربي في هيعة تلك الدخلة من غير قصد وكتبوا بالفتح إلى عبد المؤمن بن على وقدم عليه وفودهم بمراكش يقدمهم القاضى أبو بكر فتقبل طاعتهم وانصرفوا بالجوائر والاقطاعات لجميع الوفد سنة ثنتين وأربعين وخمسمائة وهلك القاضى أبو بكر في طريقه ودفن بمقبرة فاس وكان عبد العزيز وعيسى أخو المهدى من مشيخة العسكر باشبيلية ساء أثرهما بالبلد واستطالت أيديهما على أهله واستباحوا الدماء والاموال ثم اعتز ما على الفتك بيوسف البطروجى صاحب لبلة فلحق ببلده وأخرج الموحدين الذين بها وحول الدعوة عنهم وبعث إلى طليطلة وحصن القصر ووصل يده بالملثمين الذين كانوا بالدعوة وارتد ابن قيسى في مدينة شلف وعلى بن عيسى بن ميمون بجزيرة قادس ومحمد بن الحجام بمدينة بطليوس وثبت أبو الغمر بن عزرون على طاعة الموحدين بشريش ورندة وجهاتهما وتغلب ابن غانية على الجزيرة الخضراء وانتقض أهل سبتة كما ذكرناه وضاقت أحوال الموحدين باشبيلية فخرج منها عيسى وعبد العزيز أخو المهدى وابن عمهما يصليتن بمن كان معهم ولحقوا بجبال بستر وجاءهم أبو الغمر بن عزرون واتصلت أيديهم على حصار الجزيرة حتى افتتحوها وقتلوا من كان بها من لمتونة ولحق أخو المهدى بمراكش وبعث عبد المؤمن على اشبيلية يوسف بن

[ 235 ]

سليمان في عسكر من الموحدين وأبقى بران بن محمد على الجباية فخرج يوسف ودوخ اعمال البطروجى بلبلة وطليطلة وعمل ابن قيسى بشلب ثم أغار على جبيرة وأطاعه عيسى بن ميمون صاحب شنتمرية وغزا معهم وأرسل محمد بن على بن الحاج صاحب بطليوس بهداياه فتقبلت ورعيت له ورجع يوسف إلى اشبيلية وفى اثناء ذلك استغلظ الطاغية على يحيى بن على بن غانية بقرطبة والح على جهاته حتى نزل له عن ماسة ورندة وتغلب على الاشبونة وطرطوشة ولاردة وافراغه وشنتمرية وغيرها من حصون الاندلس وطالب ابن غانية بالزيادة في بيته أو الافراج له عن قرطبة فأرسل ابن غانية بران بن محمد واجتمعا باستجة وضمن له بران امداد الخليفة على ان يتخلى عن قرطبة وقرمونة فغدر باقماطه واقتلعهم بقلعة ابن سعيد وأفرج الطاغية عن جيان ولحق هو بغرناطة وبها ميمون بن بدر اللمتونى في جماعة من المرابطين قصده ابن غانية ليحمله على مثل حاله مع الموحدين فكان مهلكه بها في شعبان سنة ثلاث وأربعين وقبره بها معروف لهذا العهد وانتهز الطاغية فرصة في قرطبة فزحف إليها ودفع الموحدون باشبيلية أبا المغمر بن عزرون لحمايتها ووصل إليه مدد يوسف البطروجى من لبلة وبلغ الخبر عبد المؤمن فبعث إليها عسكرا من الموحدين لنظر يحيى بن يغمور ولما دخلها أفرج عنها الطاغية لايام من مدخله وبادر الثوار إلى يحيى بن يغمور في طلب الامان من عبد المؤمن ثم تلاحقوا به بمراكش فتقبلهم وصفح لهم ونهض إلى مدينة سلا سنة خمس وأربعين واستدعى منها أهل الاندلس فوفدوا عليه وبايعوه جميعا وبايعه الرؤساء من الثوار على الانخلاع من الامر مثل سدراتى بن وزير صاحب باجة وباثورة والبطروجى صاحب لبلة وابن عزرون صاحب شريش ورندة وابن الحجام صاحب بطليوس وعامل بن مهيب صاحب طلبيرة وتخلف ابن قيسى وأهل شلب عن هذا الجمع فكان سببا لقتله من بعده ورجع عبد المؤمن إلى مراكش وانصرف أهل الاندلس إلى بلادهم واستصحب الثوار فلم يزالوا بحضرته والله تعالى أعلم * (فتح افريقية وشؤونها) * ثم بلغ عبد المؤمن ماهيج افريقية عليه من اختلاف الامراء واستطالة العرب عليها بالعيث والفساد وانهم حاصروا مدينة القيروان وان موسى بن يحيى الرياحي المرداسى دخل مدينة باجة وملكها فأجمع الرحلة إلى غزو افريقية بعد أن شاور الشيخ أبا حفص وابا ابراهيم وغيرهما من المشيخة فوافقوه وخرج من مراكش في أواخر سنة ست وأربعين موريا بالجهاد حتى انتهى إلى سبتة واستوضح أحوال أهل الاندلس ثم رحل عن سبتة موريا بمراكش وأغذ السير إلى باجة فدخل الجزائر على حين غفلة وخرج إليه الحسن

[ 236 ]

ابن على صاحب المهدية فصحبه واعترضه جيوش صنهاجة بأم العلو فهزمهم وصبح بجاية من الغد فدخلها وركب يحيى بن العزيز البحر في اسطولين كان أعدهما لذلك واحتمل فيهما ذخائره وأمواله ولحق بقسنطينة إلى أن نزل بعد ذلك منها على أمان عبد المؤمن واستقر بمراكش تحت الجراية والعناية إلى أن هلك رحمه الله ثم سرح عبد المؤمن عساكر الموحدين وعليهم ابنه عبد الله إلى القلعة وبها جوش بن عبد العزير في جموع صنهاجة فاقتحمها واستلحم من كان بها منهم وأضرم النار في مساكنها وقتل جوش ويقال ان القتلى بها كانوا ثمانية عشر ألفا وامتلات أيدى الموحدين من الغنائم والسبي وبلغ الخبر إلى العرب بافريقية من الاثبج وزغبة ورياح وقسرة فعسكروا بظاهر باجة وتئامروا على الدفاع عن ملكهم يحيى بن العزيز وارتحلوا إلى سطيف وزحف إليهم عبد الله بن عبد المؤمن في الموحدين الذين معه وكان عبد المؤمن قد قفل إلى المغرب ونزل متيحة فلما بلغه الخبر بعث المدد لابنه عبد الله والتقى الفريقان بسطيف واقتتلوا ثم انفضت جموع العرب واستلحموا وسبيت نساؤهم واكتسحت أموالهم وأسر أبناؤهم ورجع عبد المؤمن إلى مراكش سنة سبع وأربعين ووفد عليه كبراء العرب من أهل افريقية طائعين فوصلهم ورجعوا إلى قومهم وعقد على فاس لابنه السيد أبى الحسن واستوزر له يوسف بن سليمان وعقد على تلمسان لابنه السيد أبى حفص واستوزر له أبا محمد بن وانودين وعلى سبتة لابنه السيد ابى سعيد واستوزر له محمد بن سليمان وعلى بجاية للسيد أبى محمد عبد الله واستوزر له يخلف بن الحسين واختص ابنه أبا عبد الله بولاية عهده وتغير بذلك كله ضمائر عبد العزيز وعيسى أخوى المهدى فلحقا بمراكش مضمرين للغدر وأدخلوا بعض الاوغاد في شأنهم فوثبوا بعمر بن تافراكين وقتلوه بمكانه من القصبة ووصل على اثرهما الوزير أبو حفص بن عطية وعبد المؤمن على اثره فطفا آثار تلك الثورة وقتل أخو المهدى ومن داخلهم فيها والله أعلم * (فتح بقية الاندلس) * وبلغه بمراكش سنة تسع وأربعين أن يحيى بن يغمور صاحب اشبيلية قتل أهل لبلة بما كان من غدر الوهنى لها وتقبل معذرتهم في ذلك فسخط يحيى بن يغمور وعزله عن اشبيلية بأبى محمد عبد الله بن أبى حفص بن على التينمللى وعن قرطبة بأبى زيد بن بكيت وبعث عبد الله بن سليمان فجاء بابن يغمور معتقلا إلى الحضرة وألزمه منزله إلى ان بعثه مع ابنه السيد أبى حفص إلى تلمسان واستقام أمر الاندلس وخرج ميمون بن بدر اللمتونى عن غرناطة للموحدين فملكوها وأجاز إليها السيد أبا سعيد صاحب سبتة بعهد ابنه عبد المؤمن إليه بذلك ولحق الملثمون بمراكش ونازل السيد أبو سعيد مدينة المرية

[ 237 ]

حتى نزل من كان بها من النصارى على الامان وحضر لذلك الوزير أبو حفص بن عطية بعد ان أمدهم ابن مودهشى الثائر بشرق الاندلس والطاغية معه وعجزوا جميعا عن المدافعة ثم وفد أشياخ اشبيلية سنة احدى وخمسين ورغبوا من عبد المؤمن ولاية بعض أبنائه عليهم فعقد لابنه السيد أبى يعقوب عليها وافتتح أمره بمنازلة على الوسينى الثائر بطلبيرة ومعه الوزير أبو حفص بن عطية حتى استقام على الطاعة ثم استولى على عمل ابن وزير وابن قيسى واستنرل تاشفين اللمتونى من تلة سنة ثنتين وخمسين وكان الذى أمكن الملثمين منها ابن قيسى واستتم الفتح ورجع السيد إلى اشبيلية وانصرف أبو حفص بن عطية إلى مراكش فكانت فيها نكبته ومقتله واستوزر عبد المؤمن من بعده عبد السلام الكومى كان يمت إليه بذمة صهر فلم يزل على وزارته والله أعلم * (بقية فتح افريقية) * لما بلغ عبد المؤمن سنة ثلاث وخمسين ما كان من ايقاع الطاغية بابنه السيد أبى يعقوب بظاهر اشبيلية ومن استشهد من أشياخ الموحدين وحفاظهم ومن الثوار مثل ابن عزرون وابن الحجام نهض يريد الجهاد واحتل بسلا فبلغه انتقاض افريقية وأهمه شأن النصارى بالمهدية فلما توافت العساكر بسلا استخلف الشيخ أبا حفص على المغرب وعقد ليوسف بن سليمان على مدينة فاس ونهض يغذ السير حتى نزل المهدية وبها من نصارى أهل صقلية فافتتحها صلحا سنة خمس وخمسين واستنقذ جميع البلاد الساحلية مثل صفاقس وطرابلس من أيدى العدو وبعث ابنه عبد الله من مكان حصاره للمهدية إلى قابس فاستخلصها من يد بنى كامل المتغلبين عليها من دهمان بعض بطون رياح واستخلص قفصة من يد بنى الورد وورغة من يد بنى بروكسن وطبرية من يد ابن علال وجبل زغوان من يد بنى حماد بن خلفة وسقتبارية من يد بنى عباد ومدينة الاربع من يد من ملكها من العرب حسبما بلغه أن الاعراب وهؤلاء الثوار في دولة صنهاجة ولما استكمل الفتح وثنى عنانة إلى المغرب وخمسين بلغه أن الاعراب بافريقيه انتقضوا عليه فرجع إليهم عسكر من الموحدين فنهضوا إلى القيروان وأوقعوا بالعرب وقتل كبيرهم عزر بن زياد الفارغى من بنى على أحد بطون رياح والله تعالى أعلم * (أخبار ابن مردنيش الثائر بشرق الاندلس) * كان بلغ عبد المؤمن وهو بافريقية أن محمد بن مردنيش الثائر بشرق الاندلس خرج من مرسية ونزل جيان وأطاعه واليها محمد بن على الكومى ثم نازل بعدها قرطبة ورحل نها وغدر بقرمونة وملكها ثم رجع إلى قرطبة وخرج ابن بكيت لحربه فهزمه وقتله

[ 238 ]

فكتب إلى عماله بالاندلس بفتح افريقية وانه واصل إليهم وعبر إلى جبل الفتح واجتمع إليه أهل الاندلس ومن بها من الموحدين ثم رجع وكان السيد أبو يعقوب صاحب اشبيلية وأبو سعيد صاحب غرناطة ارتحلا لزيارة الخليفة بمراكش فخالف ابن همشك إلى مدينة غرناطة وعلا ليلا بمداخلة من بعض أهلها واستولى عليها وانحصر الموحدون بقصبتها وخرج عبد المؤمن من مراكش لاستنقاذهم فوصل إلى سلا وقدم السيد أبو سعيد فأجاز البحر ولقيه عامل اشبيلية عبد الله بن أبى حفص بن على ونهضوا جميعا إلى غرناطة فنهض إليهم ابن همشك وهزمهم ورجع السيد أبو سعيد إلى مالقة وردأة عبد المؤمن بأخيه السيد أبى يعقوب في عساكر الموحدين ونهضوا إلى غرناطة وكان قد وصلها ابن مردنيش في جموع من النصارى مددا لابن همشك فلقيهم الموحدون بفحص غرناطة وهزموهم وفر ابن مردنيش إلى مكانه في المشرق ولحق ابن همشك بجيان فنازله الموحدون وأقبل السيدان إلى قرطبة فأقاما بها إلى أن استدعى السيد أبو يعقوب بمراكش سنة ثمان وخمسين لولاية العهد والادالة به من أخيه محمد فلحق بمراكش وخرج في ركاب أخيه الخليفة عبد المؤمن لما نهض للجهاد وأدركته المنية بسلا في جمادى الاخيرة من هذه السنة ودفن بتينمللى إلى جانب المهدى والله أعلم * (دولة الخليفة يوسف بن عبد المؤمن) * لما هلك عبد المؤمن أخذ البيعة على الناس السيد أبو حفص لاخيه أبى يعقوب باتفاق من الموحدين كافة ورضا من الشيخ أبى حفص خاصة واستقل في رتبة وزارته ورجعوا إلى مراكش وكان السيد أبو حفص هذا وزيرا لاخيه عبد المؤمن واستوزره عند نكبة عبد السلام الكومى فرجعه من افريقية سنة خمس وخمسين وكان أبو على ابن جامع متصرفا بين يديه في رسم الوزارة إلى أن هلك عبد المؤمن فأخذ أبو حفص البيعة لاخيه أبى يعقوب ثم هلك اثر وفاة عبد المؤمن ابنه السيد أبو الحسن صاحب فاس والسيد أبو محمد صاحب بجاية في طريقه إلى الحضرة ثم استقدم أبو يعقوب السيد أبا سعيد من غرناطة سنة ستين فقدم ولقيه السيد أبو حفص بسبتة ثم صرح الخليفة أبو يعقوب معه أخاه السيد أبا حفص إلى الاندلس في عسكر الموحدين لما بلغه ان الحاج بن مردنيش علا قرطبة بعد ان احتشد معه قبائل العرب رغبة ورياح والاثبج فاجاز البحر وقصد ابن مردنيش وقد جمع جمعه وأولياءه من النصارى ولقبهم عساكر الموحدين بفحص مرسية فانهزم ابن مردنيش وأصحابه وفر إلى مرسية من سبتة ونازله الموحدون بها ودوخوا نواحيه وانصرف السيد أبو حفص وأخوه أبو سعيد سنة احدى وستين إلى مراكش وخمدت نار الفتنة من ابن مردنيش وعقد

[ 239 ]

الخليفة على بجاية لاخيه السيد أبى زكريا وعلى اشبيلية للشيخ أبى عبد الله بن ابراهيم ثم أدال عنه بأخيه السيد أبى ابراهيم واقر الشيخ أبا عبد الله على وزارته وعقد على قرطبة لاخيه السيد أبى اسحق واقر السيد أبا سعيد على غرناطة ثم نظر الموحدون في موضع العلامات في المكتوبات بخط الخليفة فاختاروا الحمد لله وحده لما وقفوا عليها بخط الامام المهدى في بعض مخاطبانه فكانت علامتهم إلى آخر دولتهم والله تعالى أعلم * (فتنة غمارة) * وفى سنة ثنتين وستين تحرك الامير أبو يعقوب إلى جبال غمارة لما كان ظهر بها من الفتنة التى تولى كبرها سبع بن منغفاد ونازعهم في الفتنة صنهاجة جيرانهم فبعث الامير أبو يعقوب عساكر الموحدين لنظر الشيخ أبى حفص ثم تعاظمت فتنة غمارة وصنهاجة فخرج إليهم بنفسه وأوقع بهم واستأصلهم وقتل سبع بن منغفاد وانحسم داؤهم وعقد لاخيه السيد أبى على الحسن على سبتة وسائر بلادهم وفى سنة ثلاث وستين اجتمع الموحدون على تجديد البيعة واللقب بأمير المؤمنين وخاطب العرب بافريقية يستدعيهم إلى الغزو ويحرضهم وكتب إليهم في ذلك قصيدة ورسالة مشهورة بين الناس وكان من أحافلهم ووفودهم عليه ما هو معروف لما استوسق الامر للخليفة أبى يعقوب بالعدوة وصرف نظره إلى الاندلس والجهاد واتصل به ما كان من غدر العدو دمره الله بمدينة ترحالة ثم مدينة يابدة ثم حصن شبرمة ثم حصن جلمانيه ازاء بطليوس ثم مدينة بطليوس فسرح الشيخ أبا حفص في عساكر من الموحدين احتفل في انبعاثهم وخرج سنة أربع وستين لاستنقاذ بطليوس من هذا الحصار فلما وصل إلى اشبيلية بلغه أن الموحدين وبطليوس هزموا ابن الزمك الذى كان يحاصرهم باعانة ابن ادفونش وان ابن الزمك تحصل في قبضتهم أسيرا وفر جواندة الحليفى إلى حصنه فقصد الشيخ أبو حفص مدينة قرطبة وبعث إليهم ابراهيم بن همشك من جيان بطاعته وتوحيده ومفارقته صاحبه ابن مردنيش لما حدث بينهما من الشحناء والفتنة فألح عليه ابن مردنيش بالحرب وردد إليه الغزو فبعث إلى الشيخ أبى حفص بطاعته وكان الشيخ أبو حفص في عساكر الموحدين فنهض من مراكش سنة خمس وستين وفى جملته السيد أبو سعيد أخوه فوصل إلى اشبيلية وبعث أخاه أبا سعيد إلى بطليوس فعقد الصلح مع الطاغية وانصرف ونهضوا جميعا إلى مرسية ومعهم ابن همشك فحاصروا ابن مردنيش وثار أهل لورقة بدعوة الموحدين فملكها السيد أبو حفص ثم افتتح مدينة بسطة وطاع ابن عمه محمد بن مردنيش صاحب المرية فحص بذلك جناحه واتصل الخبر

[ 240 ]

بالخليفة بمراكش وقد توافت عنده جموع العرب من افريقية صحبة أبى زكريا صاحب بجاية والسيد أبى عمران صاحب تلمسان وكان يوم قدومهم عليه يوما مشهودا فاعترضهم وسائر عساكرهم ونهض إلى الاندلس واستخلف على مراكش السيد أبا عمران أخاه فاحتل بقرطبة سنة سبع وستين ثم ارتحل بعدها إلى اشبيلية ولقيه السيد أبو حفص هنا لك منصرفا من غزاته وكان ابن مردنيش لما طال عليه الحصار ارتاب ففتك بهم وباد أخوه أبو الحجاج وهلك هو في رجب من هذه السنة ودخل ابنه هلال في الطاعة وبادر السيد أبو حفص إلى مرسية فدخلها وخرج هلال في جملته وبعثه إلى الخليفة باشبيلية ثم ارتحل الخليفة غازيا إلى العدو فنازل رندة أياما وارتحل عنها إلى مرسية ثم رجع إلى اشبيلية سنة ثمان وستين واستصحب هلال بن مردنيش وصهر له في ابنته وولى عمه يوسف على بانسية وعقد لاخيه السيد أبى سعيد على غرناطة ثم بلغه خروج العدو إلى أرض المسلمين مع القومس الاحدب فخرج للقائهم وأوقع بهم بناحية قلعة رياح وأثخن فيهم ورجع إلى اشبيلية وأمر ببناء حصن القلعة ليحصن جهاتها وقد كان خرابا منذ فتنة ابى حجاج فيه مع كريت ابن خلدون بمدة ازمان المنذر بن محمد وأخيه عبد الله من امراء بنى أمية ثم انتقض ابن ادفونيش وأغار على بلاد المسلمين فاحتشد الخليفة وسرح السيد أبا حفص إليه فغزاه بعقر داره وافتتح قنصرة بالسيف وهزم جموعه في كل جهة ثم ارتحل الخليفة من اشبيلية راجعا إلى مراكش سنة احدى وسبعين لخمس سنين من اجازته إلى الاندلس وعقد على قرطبة لاخيه الحسن وعلى اشبيلية لاخيه على وأصاب مراكش الطاعون فهلك من السادات أبو عمران وأبو سعيد وأبو زكريا وقدم الشيخ أبو حفص من قرطبة فهلك في طريقه ودفن بسلا واستدعى الخليفة أخويه السيدين أبا على وأبا الحسن فعقد لابي على على سجلماسة ورجع أبو الحسن إلى قرطبة وعقد لابنى أخيه السيد أبى حفص لابي زيد منهما على غرناطة ولابي محمد عبد الله على مالقة وفى سنة ثلاث وسبعين سطا بذرية بنى جامع وغربهم إلى ماردة وفى سنة خمس وسبعين عقد لقائم بن محمد ابن مردنيش على اسطوله واغزاه مدينة الاشبونة فغنم ورجع وفيه كانت وفاة أخيه السيد الوزير ابى حفص بعدما أبلى في الجهاد وبالغ في نكاية العدو وقدم ابناه من الاندلس وأخبر الخليفة بانتقاض الطاغية واعتزم على الجهاد وأخذ في استدعاء العرب من افريقية والله تعالى أعلم * (الخبر عن انتقاض قفوصة واسترجاعها) * كان على بن المعز ويعرف بالطويل من أعقاب بنى الرند ملوك قفصة قد ثار سنة خمس وسبعين كما ذكرناه في أخبارهم وبلغ الخليفة خبره فنهض إليها من مراكش وسار إلى

[ 241 ]

بجاية وبقى عنده يعلى بن المنتصر الذى كان عبد المؤمن استتزله من ففوصة أنه يواصل قريبه الثائر بها ويخاطب العرب فتقبض عليه ووجدت المخاطبات عنده شاهدة بتلك السعاية واستصفى ما كان بيده وارتحل إلى قفصة ونزلها ووفدت عليه مشيخة العرب من رياح بالطاعة فقتلهم ولم يزل محاصرا لقفصة إلى ان نزل على بن المعز وانكف راجعا إلى تونس وأنفذ عساكر العرب وعقد على افريقية والزاب للسيد أبى على أخيه وعلى بجاية للسيد أبى موسى وقفل إلى الحضرة والله تعالى أعلم * (معاودة الجهاد) * لما قفل من فتح قفصة سنة سبع وسبعين وفد عليه أخوه السيد أبو اسحق من اشبيلية والسيد أبو عبد الرحمن يعقوب من مرسية وكافة الموحدين ورؤساء الاندلس يهنونه بالاياب فأكرم موصلهم وانصرفوا إلى بلادهم واتصل به أن محمد بن يوسف بر وانودين تحدر بالموحدين من اشبيلية إلى أرض العدو فنازل مدينة بابورة وغنم ما حولها وافتتح بعض حصونها ورجع إلى اشبيلية التقوا بأسطول أهل اشبونه في البحر فهزموهم وأخذوا عشرين من قطائعهم مع السبى والغنائم ثم بلغ الخبر بان أدفوش ابن شانجة نازل قرطبة وشن الغارات على جهات مالقة ورندة وغرناطة ثم نزل استجة وتغلب على حصن شقيلة وأسكن بها النصارى وانصرف فاستنفر السيد أبو اسحق سائر الناس للغزو ونازل الحصن نحوا من أربعين يوما ثم بلغه خرج ادفونش من طليضلة بمدده فانكف راجعا وخرج محمد بن يوسف بن وانودين من اشبيلية في جموع الوحدين ونازل طلبيرة وبرز إليه أهلها فأوقع بهم وانصرف بالغنائم اعتزم الخليفة أبو يعقوب على معاودة الجهاد وولى على الاندلس أمناءه وقدمهم للاحتشاد فعقد لابنه السيد أبى زيد الحصرصانى على غرناطة ولابنه السيد أبى عبد الله على مرسية ونهض سنة تسع وسبعين إلى سلا ووافاه بها أبو محمد بن أبى اسحق بن جامع من افريقية بحشود العرب وسار إلى فاس وبعث في مقدمته هنتاتة وتينملل وحشود العرب وأجاز البحر من سبتة في صفر من سنة ثمانين فاحتل بجبل الفتح وصار إلى اشبيلية فوافته بها حشود الاندلس وسخط محمد بن وانودين وغربه إلى حصن غافق ورحل غازيا إلى شنتمرين فحاصرها أياما ثم أقلع عنها واستمر الناس يوم اقلاعه وخرج النصارى من الحصن فوجدوا الخليفة في غير أهبة ولا استعداد فأب في الجهاد هو ومن حضره وانصرفوا بعد جولة شديدة وهلك في ذلك اليوم الخليفة يقال من عنهم اصابه في حومة القتال وقيل من مرض طرقه عفى الله عنه ولما هلك الخليفة أبو يعقوب على حصن شنتمرين سنة ثمانين بويع ابنه يعقوب ورجع بالناس إلى اشبيلية فاستكمل البيعة واستوزر الشيخ أبا محمد عبد الواحد بر

[ 242 ]

أبى حفص واستفر الناس للغزو مع أخيه السيد يحيى فأخذ بعض الحصون وأثخن في بلاد الكفار ثم أجاز البحر إلى الحضرة ولقيه بقصر مصمودة السيد أبو زكريا ابن السيد أبى حفص قادما من تلمسان مع مشيخة زغبة ومضى إلى مراكش فغير المناكير وبسط العدل ونشر الاحكام وكان من أول الاحداث في دولة شأن بن غانية * (الخبر عن شأن ابن غانية) * كان على بن يوسف بن تاشفين لما تغلب العدو على جزيرة ميورقة وهلك واليها من موالى مجاهد وهو مبشر وبقى أهلها فوضى وكان مبشر بعث إليه بالصريخ والعدو محاصر له فلما أخدها العدو وغنم وأحرق وأقلع وبعث على بن يوسف واليا عليها وانور بن أبى بكر من رجالات لمتونة وبعث معه خمسمائة فارس من معسكره فأرهب لهم حده وارادهم على بناء مدينه أخرى بعيدة من البحر فامتنعوا وقتل مقدمهم فناروا به وحبسوه ومضوا إلى على بن يوسف فأسفاهم منه وولى عليهم محمد بن على بن يحيى المسوقى المعروف بابن غانية وكان أخوه يحيى على غرب الاندلس وكان نزله باشبيلية واستعمل أخاه على قرطبة فكتب إليه على بن يوسف يأمره بصرف محمد أخيه إلى ولاية ميورقة فارتحل إليها من قرطبة ومعه أولاده عبد الله واسحق وعلى والزبير وابراهيم وطلحة وكان عبد الله واسحق في تربية عمهما يحيى وكفالته فتبناهما ولما وصل محمد بن على ابن غانية إلى ميورقة قبض على وانور وبعثه مصفدا إلى مراكش وأقام على ذلك عشرا وهلك يحيى بن غانية وقد ولى عبد الله بن أخيه محمد على غرناطة وأخاه اسحق بن محمد على قرمونة ثم هلك على وضعف أمر لمتونة وظهر عليهم الموحدون فبعث محمد عن ابنيه عبد الله واسحق فوصلا إليه في الاسطول وانفض ملك لمتونة ثم عهد محمد إلى ابنه عبد الله فنافسه أخوه اسحق وداخل جماعة من لمتونة في قتله فقتلوه وقتلوا أبا ه محمدا ثم اجمعوا الفتك به فارتاب بهم وداخل لب بن ميمون قائد البحر في أمرهم لكبسهم في منازلهم وقتلهم سنة ست وأربعين وخمسمائة وبقى أمير الميورقة واشتغل أول أمره بالبناء والغراسة وضجر منه الناس لسوء ملكته وفر عنه لب بن ميمون إلى لموحدين ثم رجع أخيرا إلى الغزو وكان يبعث الاسارى والعلوج للخليفة أبى يعقوب لى أن هلك قبيل مهلكه سنة ثمانين وخلف من الولد محمدا وعليا ويحيى وعبد الله سير والمنصور وجبارة وتاشفين وطلحة وعمر ويوسف والحسن فولى ابنه محمد وبعث إلى لخليفة أبى يعقوب بطاعته فبعث هو على ابن الروبرتير لاختبار ذلك منه وأحس بذلك خوته فمنكروه وتقبضوا عليه وقدموا عليا منهم وبلغهم مهلك الخليفة وولاية ابنه

[ 243 ]

المنصور فاعتقلوا ابن الروبرتير وركبوا البحر في أسطولهم إلى بجاية وولى على ميورقة أخاه طلحة وطرق بجاية في اسطوله على حين غفلة وعليها السيد أبو ربيع بن عبد الله بن عبد المؤمن وكان خارجها في بعض مذاهبه فاستولوا عليه سنة احدى وثمانين وتقبضوا على السيد أبى ربيع والسيد أبى موسى عمران بن عبد المؤمن صاحب افريقية وكان بها مجازا واستعمل أخاه يحيى على بجاية ومضى إلى الجزائر فافتتحها وولى عليها يحيى ابن أخيه طلحة ثم إلى مليانة فولى عليها بدر بن عائشة ونهض إلى القلعة ثم إلى قسنطينة فنازلها واتصل الخبر بالمنصور وهو بسبته مرجعه من الغزو فسرح السيد أبا زيد بن عمه السيد أبى حفص وعقد له على حرب ابن غانية وعقد لمحمد بن أبى اسحق بن جامع على الاساطيل والى نظره أبو محمد بن عطوش وأحمد الصقلى وانتهى السيد أبو زيد إلى تلمسان وأخوه يومئذ السيد أبو الحسن كان واليا وقد أمعن النظر في تحصينها ثم ارتحل بعساكره من تلمسان ونادى بالعفو في الرعية فثار أهل مليانة على ابن عائشة فأخرجوه وسبقت الاساطيل إلى الجزائر فملكوها وقبضوا على يحيى بن طلحة وسيق بدر بن عائشة من أم العلو فقتلوا جميعا بثلف وتقدم القائد أحمد الصقلى بأسطوله إلى بجاية فملكها ولحق يحيى بن غانية بأخيه على بمكانه من حصار قسنطينة فأقلع عنها ونزل السيد أبو ريد للهكلات وخرج السيد أبو موسى من اعتقاله فلقيه هنا لك ثم ارتحل في طلب العدو فأفرج عن قسنطينة وخرج إلى الصحراء واتبعه الموحدون إلى مقره بفاس ثم قفلوا إلى بجاية واستقر السيد أبو زيد بها وقصد على بن غانية قفصة فملكها ونازل توزر فامتنعت عليه ولحق بطرابلس وخرج غزى الصنهاجى من جموع ابن غانيه في بعض احياء العرب فتغلب على أشير وسرح إليهم السيد أبو زيد ابنه أبا حفص عمر ومعه غانم بن مردنيش فأوقعوا بهم واستولى على حللهم وقتل غزى وسيق رأسه إلى بجاية ونصب بها وألحق به عبد الله أخوه وغزا بنو حمدون من بجاية إلى سلا لاتهامهم بالدخول في أمرا بن غانية واستقدم الخليفة السيد أبا زيد من مكانه ببجاية وقدم مكانه أخاه السيد أبا عبد الله وانصرف إلى الحضرة وبلغ الخبر اثناء ذلك باستيلاء على بن الروبرتير على ميورقة وكان من خبره ان الامير يوسف بن عبد المؤمن بعثه إلى ميورقة لدعاء بنى غانية إلى أمره لما كان أخوهم محمد خاطبه بذلك فلما وصل ابن الروبرتير إليهم نكروا شأنه على أخيهم محمد واجتمعوا دونه وتقبضوا عليه وعلى ابن الروبرتير في أمره وداخل مواليهم من العلوج في تخلية سبيله من معتقله على أن يخلى سبيلهم بأهليهم وولدهم إلى أرضهم فتم له مرادهم منه وصار بالقصبة واستنقذ محمد ابن أبى اسحق من مكان اعتقاله ولحقوا جميعا بالحضرة وبلغ الخبر على بن غانية بمكانه من طرابلس فبعث أخاه عبد الله

[ 244 ]

إلى صقلية وركب منها إلى ميورقة ونزل في بعض قراها وأعمل الحيلة في تملك البلد فاستولى عليه وأضرم نار الفتنة بافريقية ونازل على بن غانية بلاد الجريد وتغلب على الكثير منها وبلغ الخبر باستيلائه على نفصة فخرج المنصور إليه من مراكش سنة ثنتين وثمانين ووصل فاس فأراح بها وسار إلى رباط تازا ثم سار إلى التعبية إلى تونس وجمع ابن غانية من إليه من الملثمين مين والاعراب وجاء معه قرقش الغزى صاحب طرابلس فسرح إليهم المنصور عساكره لنظر السيد أبى يوسف بن السيد أبى حفص ولقيهم بغمرة فانفض جموع الموحدين وأفلت المعركة عن قتل على بن الروبرتير وأبى على بن يغمور وفقد الوزير عمر بن أبى زيد ولحق فلهم بقفصة فأثخنوا فيهم قتلا ونجا الباقون إلى تونس وخرج المنصور متلافيا خبر الواقع في هذا الحال ونزل القيروان وأغذ السير إلى الحامة فتشاور الفريقان وتزاحفوا فكانت الدبرة على ابن غانية وأحزابه وأفلت من المعركة بذماء نفسه ومعه خليله قراقش وأتى القتل على كثيرهم فصبح المنصور قابس فافتتحها ونقل من كان بها من حرم ابن غانية وذويه في البحر إلى تونس وثنى العنان إلى تونس فافتتحها وقتل من وجد بها ثم إلى قفصة فنازلها أياما حتى نزلوا على حكمه وأمن أهل البلد والاغراب أصحاب قراقش وقتل سائر الملثمين ومن كان معهم من الحشود وهدم أسوارها وانكف راجعا إلى تونس فعقد على افريقية للسيد أبى زيد وقفل إلى المغرب سنة أربع وثمانين ومر بالمهدية واستجر على طريق تاهرت والعباس بن عطية أمير بنى توجين دليله إلى تلمسان فنكب بها عمه السيد أبا اسحق لشئ بلغه عنه وأحفظه ثم ارتحل إلى مراكش ورفع إليه ان أخاه السيد أبا حفص والى مرسية الملقب بالرشيد وعمه السيد أبا الربيع والى تادلا عندما بلغهم خبر الوقيعة بغمرة حدثوا أنفسهم بالتوثب على الخلافة فلما قدما عليه للتهنئة أمر باعتقالهما برباط الفتح خلال ما استملى امرهما ثم قتلهما وعقد للسيد أبى الحسن بن السيد أبى حفص على بجاية وقصد يحيى بن غاية قسنطينة فزحف إليه السيد أبو الحسن من بجاية فهزمه ودخل قسنطينة ودخل ابن غانية إلى نسيا كره فقطع نخلها وفتتحها عنوة ثم حاصر قسنطينة فامتنعت عليه فارتحل إلى بجاية وحاصرها وكثر عيثه بافريقية إلى ان كان من خبره ما يذكر ان شاء الله تعالى والله أعلم * (اخباره في الجهاد) * بلغه تغلب العدو على قاعدة شلب وانه أوقع بعسكر اشبيلية وترددت سراياهم على واحيها واقتحم كثيرا من حصونها وخاطبه السيد أبو يوسف بن حفص صاحب

[ 245 ]

اشبيلية بذلك استنفر الياس للجهاد وخرج سنة ست وثمانين إلى قصر مصمودة فأرح به ثم أجاز إلى طريف وأغذ السير منها إلى شلب ووافته بها حشود الاندلس فتركهم لحصارها وزحف إلى حصن طرش فافتتحه ورجع إلى اشبيلية ثم رجع إلى منازلة شلب سنة سبع وثمانين فافتتحه وقدم عليه ابن وزير بعد ان كان افتتح في طريقه إليه حصونا أخرى ثم قفل إلى حضرته بعد استكماله غزانه وكتب بعهده لابنه الناصر وقدم عليه سنة ثمان وثمانين السيد أبو زيد صاحب افريقية ومعه مشيخة العرب من هلال وسليم فتلقاهم مبرة وتكريما وانقلب وفدهم إلى بلادهم ثم بلغه سنة تسعين استفحال ابن غانية بافريقية وكثرة العيث والفساد بها فاعتزم على النهوض إليها ووصل إلى مكناسة فبلغه من أمر الاندلس ما أهمه فصرف وجهه إليها ووصل قرطبة سنة احدى وتسعين فأراح بها ثلاثا وامداد الحشود تتلاحق به من كل ناحية ثم ارتحل للقاء العدو ونزل بالارك من نواحى بطليوس وزحف إليه العدو من النصارى وأمراؤهم يومئذ ثلاثة ابن ادفونش وابن الرند والبيوح وكان اللقاء يوم كذا سنة احدى وتسعين وأبو محمد ابن ابى حفص يومئذ على المطوعة وأخوه أبو يحيى على العساكر والموحدين فكانت الهزية المشهورة على النصارى واستلحم منهم ثلاثين ألفا بالسيف واعتصم فلهم بحصن الارك وكانوا خمسة آلاف من زعمائهم فاستنزلهم المنصور على حكمه وفودي بهم عددهم من المسلمين واستشهد في هذا اليوم أبو يحيى بن الشيخ أبى حفص بعد ان أبلى بلاء حسنا وعرف بنوه بعدها ببنى الشهيد وانكف المنصور راجعا إلى اشبيلبة ثم خرج منها سنة ثنتين وتسعين غازيا إلى بلاد الجوف فافتتح حصونا ومدنا وخربها كان منها برحالة وطلبيرة واطل على نواحى طيليطلة فخرب بسائطها واكتسح مسارحها وقفل إلى اشبيلية سنة ثلاث وتسعين فرفع إليه في القاضى أبى الوليد بن رشد مقالات فيها إلى المرض في دينه وعقده وربما لقى بعضها بخطه فحبس ثم أطلق وأشخص إلى الحضرة وبها كانت وفاته ثم خرج المنصور من اشبيلية غازيا إلى بلاد ابن ادفونش حتى احتل بساحة طليطلة وبلغه ان صاحب برشلونة أمد ابن أدفونش بعساكره وانهم جميعا بحصن مجريط فنهص إليهم ولما أطل عليهم انفضت جموع ابن ادفونش من قبل القتال ثم انكف المنصور راجعا إلى اشبيلية ثم رغب إليه ملوك النصرانية في السلم فبذله لهم وعقد على اشبيلية للسيد أبى زيد ابن الخليفة وعلى مدينة بطليوس للسيد أبى الربيع بن السيد أبى حفص وعلى المغرب للسيد أبى عبد الله بن السيد أبى حفص وأجاز إلى حضرته سنة أربع وتسعين فطرقه المرض الذى كان منه حنفه وأوصى وصيته التى تناقلها الناس وحضر لوصيته عيسى ابن الشيخ أبى حفص وهلك رحمه الله سنة خمس

[ 246 ]

وتسعين في آخر ربيعها والله تعالى أعلم * (الخبر عن وصول ابن منقذ بالهدية من قبل صاحب الديار المصرية) * كان الفرنج قد ملكوا سواحل الشأم في آخر الدولة العبيدية منذ تسعين سنة وملكوا بيت المقدس فلما استولى صلاح الدين بن أيوب على ديار مصر والشأم اعتزم على جهادهم وصار يفتتح حصونها واحدا بعد واحد حتى أتى على جميعها وافتتح بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وهدم الكنيسة التى بنواحيها وانقضت أمم النصرانية من كل جهة واعترضوا أسطول صلاح الدين في البحر فبعث صريخه إلى المنصور سنة خمس وثمانين يطلب اعانته بالاساطيل لمنازلة عكا وصور وطرابلس ووفد عليه أبو الحرث عبد الرحمن بن منقذ بقية أمراء شيزر من حصون الشأم كانوا أشروا به عند اختلال الدولة العبيدية فلما استقام الامر على يد صلاح الدين وانتظم ملك مصر والشأم واستنزل بنى منقذ هؤلاء ورعى لهم سابقتهم وبعثه في هذه إلى المنصور بالمغرب بهدية تشتمل على مصحفين كريمين منسوبين ومائة درهم من دهن البلسان وعشرين رطلا من العود وستمائة مثقال من المسك والعنبر وخمسين قوسا عربية باوتارها وعشرين من النصول الهندية وسروج عدة ثقيلة ووصل إلى المغرب ووجد المنصور بالاندلس فانتظره بفاس إلى حين وصوله فلقيه وأدى الرساله فاعتذر له عن الاسطول وانصرف ويقال انه جهز له بعد ذلك مائة وثمانين أسطولا ومنع النصارى من سواحل الشأم والله تعالى أعلم * (دولة الناصر بن المنصور) * لما هلك المنصور وأمر ابنه محمد ولى عهده وتلقب النصار لدين الله واستوزر أبا زيد ابن يوخلين وهو ابن أخى الشيخ أبى حفص ثم استوزر أبا محمد بن الشيخ أبى حفص وعقد للسيد أبى الحسن بن السيد أبى حفص على بجاية وفوض إليه في شؤنها وبلغه سنة ست وتسعين اجحاف العدو بافريقية وفساد الاعراب في نواحيها ورجوع السيد أبى الحسن من قسنطينة منهزما أمام ابن غانية فأنفذ السيد أبا زيد بن أبى حفص إلى تونس في عسكر من الموحدين لسد ثغورها وأنفذ أبا سعد بن الشيخ أبى حفص فتغلب ابن غانية خلال ذلك على حصن المهدية وثار بالسوس سنة ثمان وتسعين ثائر من كزولة يعرف بأبى قفصة فسرح الناصر إليه عساكر الموحدين فقصدوا جموعه وقتل وفى أيامه كان فتح ميورقة على ما نتلوا من خبرها * (فتح افريقية) *

[ 247 ]

وكان من خبرها ان محمد بن اسحق لما فصل اخوته على ويحيى إلى افريقية وولى على ميورقة أخاهم طلحة داخل محمد بعض الحاشية وخرج من الاعتقال هو وابن الروبرتير وقام بدعوة المنصور وبعث بها مع ابن الروبرتير فبعث المنصور أسطوله مع أبى العلا بن جامع لتملك ميورقة فابى محمد من ذلك وأرسل طاغية برشلونة في المدد بجند من النصارى يستخدمهم فأجابه وانتقض عليه أهل ميورقة لذلك وخشوا عادية المنصور فطردوا محمد بن اسحق وولوا عليهم أخاه تاشفين وبلغ ذلك عليا وهو على قسنطينة فبعث اخوته عبد الله والغاني فداخلوا بعض أهل البلد وعزلوا تاشفين وولوا عبد الله وبعث المنصور أسطوله مرارا مع أبى العلا بن جامع ثم مع يحيى ابن الشيخ ابراهيم الهزرجى فامتنعوا عليهم وقتلوا منهم خلقا وقوى أمره وذلك سنة ثلاث وثمانين ثم لما هلك المنصور بعث الناصر أسطوله مع عمه السيد أبى العلا والشيخ أبى سعيد بن أبى حفص فنازلوه وانخدل عنه أخوه تاشفين بالناس ودخل البلد عنوة واستفتحت وقتل وانصرف السيد إلى مراكش وولى عليها عبد الله بن طاع الله الكومى ثم ولى الناصر عليها عمه السيد أبا زيد وجعل ابن طاع الله على قيادة البحر وبعد السيد أبى زيد وليها السيد أبو عبد الله بن أبى حفص بن عبد المؤمن ثم أبو يحيى على بن أبى عمران التينمللى ومن يده أخذها النصارى سنة سبع وعشرين وستمائة والله تعالى أعلم * (خبر افريقية وتغلب ابن غانية عليها ولاية أبى محمد بن أبى الشيخ أبى حفص) * لما هلك المنصور قوى أمر ابن غانية بافريقية وولى الناصر السيد أبا ريد والشيخ أبا سعيد بن أبى حفص ويقال ان المنصور ولاهما وكثر الهرج بافريقية وثار بالمهدية محمد بن عبد الكريم الرجراجى ودعا لنفسه ونازع ابن غانية والموحدين الامر ويسمى صاحب قبة الاديم محمد بن عبد الكريم الركراكى ونزل تونس وعاث في قراها سنة ست وتسعين ونازل ابن غانية بفاس فامتنع عليه وكان محمد بن مسعود البلطى شيخ رياح من أشياعه فانتقض عليه وراجع ابن غانية فاتيح له الظهور على محمد بن عبد الكريم وقصده وهو على قفصة فهزمه واتبعه إلى المهدية فنازله بها وبعث إلى صاحب تونس في المدد بأسطوله قائده فضاقت حال ابن عبد الكريم فسأل الامان من ابن غانية فأمنه وخرج إليه فتقبض عليه واستولى على المهدية سنة تسع وتسعين وبعث الناصر اسطوله في البحر مع عمه أبى العلا وعساكر الموحدين مع السيد أبى الحسن بن أبى حفص ابن عبد المؤمن ونازلوا ابن عبد الكريم قبل استيلاء ابن غانية عليها فادعى ابن عبد الكريم بانه حافظ للحسن من العدو لا يمكنه الا لثقة الخليفة وانصرف السيد أبو الحسن إلى بجاية موضع عمله وقسم العسكر بينه وبين أخيه السيد أبى زيد صاحب

[ 248 ]

تونس وصلحت الاحوال ثم ان ابن غانية لما تغلب على المهدية وعلى قراقش الغزى صاحب طرابلس وقد مرت اخباره في أخبار ابن غانية ثم تغلب على بلاد الجريد ثم نزل تونس سنة تسع وتسعين وافتتحها عنوة وتقبض وطالب أهل تونس بالنفقة التى أنفق وبسط عليهم العذاب وتولى ذلك فيهم كاتبه ابن عصفور حتى هلك في الامتحان كثير من بيوتاتهم ثم دخل في دعوته أهل موته وتسررت وسعارمة والارض والقيروان وسبتة وصفانس وقابس وطرابلس وانتظمت له أعمال افريقية وفرق العمال وخطب للعباسي كما ذكرناه في أخباره ثم ولى على تونس أخاه الغازى ونهض إلى جبال طرابلس فأغرمهم ألف ألف دينار مكررة مرتين ورجع إلى تونس واتصل بالناصر كثرة الهرج بافريقية واستيلاء ابن غانية عليها وحصول السيد في قبضته فشاور الموحدين في أمره فأشاروا بمسالمة ابن غانية وأشار أبو محمد بن الشيخ أبى حفص بالنهوض إليها والمدافعة عنها فعمل على رأيه ونهض من مراكش سنة احدى وستمائة وبعث الاسطول في البحر لنظر أبى يحيى بن أبى زكريا الهزرجى فبعث ابن غانية ذخيرته وحرمه إلى المهدية مع على بن الغانى ابن محمد بن على وانتقض أهل طرابلس على ابن غانية وأخرجوا عاملهم تالمفين بن الغانى ابن محمد بن على بن غانية وقصدهم ابن غانيه فافتتحها وخربها ووصل أسطول الناصر إلى تونس فدخلوها وقتلوا من كان بها من اتباع ابن غانية ونهض الناصر في اتباع ابن غانية فأعجزه ونازل المهدية وبعث أبا محمد بن الشيخ أبى حفص للقاء ابن غانية فلقيه بتاجرا فأوقع به وقتل جبارة وكاتبه ابن اللمطى وعامله الفتح بن محمد قال ابن نحيل وكانت الغنائم من عسكره يومئذ ثمانية عشر ألفا من أحمال المال والمتاع والخرثي ولآلة ونجا بآهله وولده فاطلق السيد ابا زيد من الاعتقال بعد ان هم حرسه بقتله عند الهزيمة ثم تسلم الناصر للمهدية من يد على بن الغازى المعروف بالحاج الكافر على أن يلحق بابن عمه فقبل شرطه ومضى لوجهه ثم رجع من طريقه واختار التوحيد فناله من لكرامة والتقريب مالا فوقه وهلك في يوم العقاب الآتى ذكره ثم فرض الناصر على المهدية واستعمل عليها محمد يغمور الهرغى وعلى طرابلس عبد الله بن ابراهيم بن جامع ورجع إلى تونس فأقام إلى سنة ثلاث وستمائة وسرح أخاه السيد أبا اسحق في عسكر من الموحدين لاتباع العدو فدوخوا ما وراء طرابلس واستأصلوا بنى دمر ومطماطة وجبال نفوسة وتجاوزوها إلى سويقة بنى مذكور وقفل السيد أبو اسحق بهم إلى أخيه الناصر بتونس وقد كمل الفتح ثم اعتزم على الرحيل إلى المغرب وأجمع راى على تولية أبى محمد ابن الشيخ أبى حفص وكان شيخ دولته وصاحب رأيه فامتنع إلى ان بعث إليه الناصر في ذلك بابنه يوسف فأكبر مجيئه وأناب لذلك على أن يقيم بافريقية

[ 249 ]

ثلاث سنين خاصة خلاف ما يستحكم صلاحها وأن يحكم فيمن يقيم معه من العسكر فتقبل شرطه ورجع الناصر إلى مراكش فدخلها في ربيع سنة أربع وستمائة وقدم عبد العزيز بن أبى زيد اللهثانى على الاشغال بالعدوتين وكان على الوزارة أبو سعيد بن جامع وكان صديقا لابن عبد العزيز وعند مرجعه من افريقية توفى السيد أبو الربيع بن عبد الله بن عبد المؤمن صاحب بجاية وقد كان أبو الربيع هذا ولى بجاية من قبل وهو الذى جدد للربيع وكان بنو حماد شيدوها من قبل فأصابها الحريق وجددها السيد أبو الربيع وفى سنة خمس بعدها عقد للسيد أبى عمران بن يوسف بن عبد المؤمن على تلمسان أدال به من السيد أبى الحسن فوصل إلى تلمسان في عساكر الموحدين وتطوف أقطارها وزحف إليه ابن غانية هنا لك فانفض الموحدون وقتل السيد أبو عمران وارتاع باهل تلمسان وأسرع السيد أبو زكريا من فاس إليها فسكن نفوسهم خلال ما عقد الناصر لابي زيد بن يوجان على تلمسان وسرحه في العساكر فنزل بها وفر ابن غانية إلى مكانه من قاصية افريقية ومعه محمد بن مسعود البلط شيخ الزواودة من رياح وغيره من اعراب رياح وسلم واعترضهم أبو محمد بن أبى حفص فانكشفوا واستولى الموحدون على محلاتهم وما بأيديهم ولحقوا بجهات طرابلس ورجع عنهم سيربن اسحق آخذا بدعوة الموحدين وفى هذه السنة عقد الناصر على جزيرة ميورقة لابي يحيى بن أبى الحسين بن أبى عمران أدال به من السيد أبى عبد الله بن أبى حفص وعقد على بلنسية وعلى مرسية لابي عمران بن ياسين الهنتاتى أدال به من أبى الحسن بن زكاك وعقد للسيد أبى زيد على كورة جيان أدال به من أبى موسى بن أبى حفص وعقد للسيد أبى ابراهيم بن يوسف على أشبيلية ولابي عبد الله بن أبى يحيى بن الشيخ أبى حفص على غرناطة إلى ان كان ما يذكر ان شاء الله تعالى * (أخباره في الجهاد) * لما بلغ الناصر تغلب العدو على كثير من حصون بلنسية أهمه ذلك وأقلقه وكتب إلى الشيخ أبى محمد بن أبى حفص يستشيره في الغزو فأبى عليه فخالفه وخرج من مراكش سنة تسع ووصل اشبيلية واستقر بها واستعد للغزو ثم رجع من اشبيلية وقصد بلاد ابن اذفونش فافتتح قلعة شلبطرة والبخ في طريقه ونازل الطاغية قلعة رياح وبها يوسف ابن قادس وأخذ بمخنقه فصالحه على النزول ووصل إلى الناصر فقتله وصار على التعبية إلى الموضع المعروف بالعقاب وقد استعد له الطاغية وجاءه طاغية برشلونة مددا بنفسه فكانت الدبرة على المسلمين فانكشفوا في بوم بلاء وتمحيص أواخر صفر سنة تسع وستمائة وانكف راجعا إلى مراكش فهلك في شعبان من السنة بعدها وكان ابن

[ 250 ]

اذفونش قد ناظر ابن عمه اليهوج صاحب لون في ان يوالى الناصر ويجر الهزيمة على المسلمين ففعل ذلك ثم رجعوا إلى الاندلس بعد الكائنة للاغارة على بلاد المسلمين فلقيهم السيد أبو زكريا بن أبى حفص بن عبد المؤمن قريبا من اشبيلية فهزمهم وانتعش المسلمون بها واتصلت الحال على ذلك والله أعلم * (ثورة ابن الفرس) * كان عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الفرس من طبقة العلماء بالاندلس ويعرف بالمهر وحضر مجلس المنصور في بعض الايام وتكلم بما خشى عاقبته في عقده وخرج من المجلس فاختفى مدة ثم بعد مهلك المنصور ظهر في بلاد كزولة وانتحل الامامة وادعى أنه القحطاني المراد في قوله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يقود الناس بعصاه يملؤه عدلا كما ملئت جورا إلى آخر الحديث وكان مما ينسب إليه من الشعر قولوا لابناء عبد المؤمن بن على * تأهبوا لوقوع الحادث الجلل قد جاء سيد قحطان وعالمها * ومنتهى القول والغلاب للدول والناس طوعا عصاه وهو سائقهم * بالامر والنهى بحر العلم والعمل وبادروا أمره فالله ناصره * والله خاذل أهل الزيغ والميل فبعث الناصر إليه الجيوش فهزموه وقتل وسيق رأسه إلى مراكش فنصب بها والله أعلم * (دولة المستنصر بن الناصر) * لما هلك محمد بن الناصر بن المنصور بويع ابنه يوسف سنة احدى عشرة وهو ابن ست عشرة سنة ولقب المستنصر بالله وغلب عليه ابن جامع ومشيخة الموحدين فقاموا بأمره وتأخرت بيعة أبى محمد ابن الشيخ أبى حفص من افريقية لصغر سن المستنصر ثم وقعت المحاولة من الوزير ابن جامع وصاحبها لاشتغال عبد العزيز بن أبى زيد فوصلت بيعته واشتغل المستنصر عن التدبير بما يقتضيه الشباب وعقد للسادة على عمالات ملكه فعقد للسيد أبى ابراهيم أخى المنصور وتلقب بالظاهر على فاس وهو أبو المرتضى وعقد على اشبيلية لعمه السيد أبى اسحق الاحول واستولى الفنش على المعاقل التى أخذها الموحدون وهزم حامية الاندلس وفر رسوله إلى الفجار فحاوله ابن جامع في السلم فعقده ثم صرف ابن جامع عن الوزارة بعد مهلك ابن أبى زيد بن يوجان واستوزر أبا يحيى الهزوجى وولى على الاشغال أبا على بن أشرف ثم رضى عن ابن جامع وأعاده وعزل أبا زيد بن يوجان من ولاية تلمسان بابى سعيد بن المنصور وبعثه إلى مرسية فاعتقل

[ 251 ]

بها واستمرت أيام المنصور في هدنة وموادعة إلى ان ظهر بنو مرين بجهات فاس سنة ثلاث عشرة فخرج إليهم واليها السيد أبو ابراهيم في جموع الموحدين فهزموه وأسروه ثم عرفوه وأطلقوه ثم وصل الخبر بمهلك أبى محمد بن أبى حفص صاحب افريقية فولى عليها أبا العلى اخا المنصور وكان واليا باشبيلية فعزل وولى على افريقية سعاية بن مثتى خاصة السلطان فتوجه إليها كما يذكر في أخبار بنى أبى حفص وخرج بناحية فاس رجل من العبيديين انتسب للعاضد وتسمى بالمهدي فبعث السيد أبو ابراهيم أخو المنصور إلى فاس إلى شيعته وبذل لهم المال فنقضوا عليه وساقوه إليه فقتل وفى سنة تسع عشرة عقد المستنصر لعمه أبى محمد المعروف بالعادل على مرسية وعزله عن غرناطة وهلك سنة عشرين وقد التاثت الامور فكان ما يذكر والله تعالى أعلم * (الخبر عن دولة المخلوع أخى المنصور) * لما هلك المستنصر في الاضحى من سنة عشرين اجتمع ابن جامع والموحدون وبايعوا للسيد أبى محمد عبد الواحد أخى المنصور فقام بالامر وأمر بمطالبة ابن أشرفى بالمال وكتب أخوه لابي العلا بتجديد الولاية على افريقية بعد ان كان المستنصر أوعز بعزله فأدركته الولاية ميتا فاستبد بها ابنه أبو زيد المشمر كما نذكره في أخبار افريقية ونفذ المخلوع أمره باطلاق ابن يوجان فأطلق ثم صده ابن جامع عن ذلك وأنفذ أخاه أبا اسحق في الاسطول ليغربه إلى ميورقة كما كان المستنصر أنفذه قبل وفانه وكان الوالى بمرسية أبو محمد عبد الله بن المنصور وأغراه ابن يوجان بالتوثب على الامر وشهد له أنه سمع من المنصور العهد له بالخلافة من بعد الناصر وكان الناس على كره ابن جامع وولاة الاندلس كلهم بنو منصور فأصغى إليه وكان مترددا في بيعة عمه فدعا لنفسه وتسمى بالعادل وكان اخوته أبو العلى صاحب قرطبة وأبو الحسن صاحب غرناطة وأبو موسى صاحب مالقة فبايعوه سرا وكان أبو محمد بن أبى حفص بن عبد المؤمن المعروف بالبياسى صاحب جيان وعزله المخلوع بعمه أبى الربيع بن أبى حفص فانتقض وبايع للعادل وزحف مع أبى العلى صاحب قرطبة وهو أخو العادل إلى اشبيلية وبها عبد العزيز أخو المنصور والمخلوع فدخل في دعوتهم وامتنع السيد أبو زيد بن أبى عبد الله أخى البياسى عن بيعة العادل وتمسك بطاعة المخلوع وخرج العادل من مرسية إلى اشبيلية فدخلها مع أبى زيد بن يوجان وبلغ الخبر إلى مراكش فاختلف الموحدون على المخلوع وبادروا بعزل ابن جامع وتغريبه إلى هسكورة وقام بأمر هنتاتة أبو زكريا يحيى بن أبى يحيى السيد ابن أبى حفص وبأمر تينملل يوسف بن على وبعث على اسطول البحر أبا اسحق بن جامع وأنفذه لمنع الجواز من الزقاق وكان أسر إلى ابن جامع حين خرج إلى هسكورة أن

[ 252 ]

يحاول عليه من هنا لك فلم يتم أمره وقتل بمكان خفى في ربيع سنة احدى وعشرين وبعث الموحدون ببيعتهم إلى العادل والله أعلم * (الخبر عن دولة العادل بن المنصور) * لما بلغت بيعة الموحدين للعادل وكتاب ابن زكريا بن الشهيد بقصة المخلوع قارن ذلك تغييره للبياسى فانتقض عليه ودعا لنفسه وتلقب الظافر وشغل بشأنه وبعث أخاه ابا العلى لحصاره فامتنع عليه وبعث بعده ابنه أبا سعيد ابن الشيخ أبى حفص فامتنع عليه أيضا واختلت الاحوال بالاندلس على العادل وكثرت غارة النصارى على اشبيلية ومرسية وهو مقيم بها وانهزمت جيوش الموحدين على طليطلة وأغراه خاصته بابن يوجان فأخذ إلى سبتة وعظم أمر البياسى بالاندلس وظاهر النصارى على شأنه فأجاز العادل إلى العدوة وولى اخاه أبا العلى على الاندلس ولما كان بقطر الحجاز دخل عليه عبو ابن أبى محمد بن الشيخ أبى حفص فقال له كيف حالك فأنشده حال متى علم ابن منصور بها * جاء الزمان إليه منها تأسا فاستحسن ذلك وولاه افريقية وكتب للسيد أبى زيد ابن عمه بالقدوم ووصل إلى سلا فأقام بها وبعث عن شيوخ جشم وكان لابن يوجان عناية واختصاص بهلال بن حمدان ابن مقدم أمير الخلط فتشاقل ابن جرمون أمير سفيان عن الوصول وأقبل الخلط وسفيان وبادر العادل إلى مراكش فدخلها واستوزر أبا زيد بن أبى محمد بن الشيخ أبى حفص وتغير لابن يوجان ففسد باطنه وتغلب على الدولة ابن الشهيد ويوسف بن على شيخا هنتاتة وتينملل ثم خالفت هسكورة والخلط وعاثوا في نواحى مراكش وخرج إليهم ابن يوجان فلم يغن شيئا فخربوا بلاد دكالة فأنفذ إليهم العادل عسكرا من الموحدين لنظر ابراهيم بن اسمعيل بن الشيخ أبى حفص وهو الذى كان نازع أولاد الشيخ أبى محمد بافريقية كما نذكره فانهزم وقتل وخرج ابن السيد ويوسف بن على إلى قبائلها للحشد ومدافعة هسكورة فاتفقا على خلع العادل والبيعة ليحيى بن الناصر وقصدوا مراكش فاقتحموا عليه القصر ونهبوه وقتل العادل خنقا أيام الفطر من سنة أربع وعشرين والله تعالى أعلم * (الخبر عن دولة المأمون بن المنصور ومزاحمة يحيى بن الناصر له) * كان المأمون لما بلغه انتقاض الموحدين والعرب على أخيه وتلاشى أمره لنفسه باشبيلية فبويع وأجابه أكثر الاندلس وبايع السيد أبو زيد صاحب بلنسية وشرق الاندلس ثم كان ما قدمناه من انتقاض الموحدين على العادل وقتله بالقصر وبيعتهم

[ 253 ]

ليحيى ابن أخيه الناصر ابن يوجان سرا وعمل على افساد الدولة فداخلهم هسكورة والعرب في الغارة على مراكش وهزم عساكر الموحدين وفظن الشهيد لتدبير ابن يوجان فقتله بداره وخرج يحيى بن الناصر إلى معتصمه كما ذكرناه فخلع الموحدون العادل وبعتوا بيعتهم إلى المأمون وتولى كبر ذلك الحسن أبو عبد الله العريقى والسيد أبو حفص بن أبى حفص فبلغ خبرهم إلى يحيى بن الناصر وابن الشهيد فنزلوا إلى مراكش سنة ست وعشرين وقتلوهم وبايع للمأمون صاحب فاس وصاحب تلمسان محمد بن أبى زيد بن يوجان وصاحب سبتة أبو موسى بن المنصور وصاحب بجاية ابن أخته ابن الاطامى وامتنع صاحب افريقية وكان ذلك سببا لاستبداد الامير أبى زكريا على ما يذكر ولم يبق على دعوة يحيى بن الناصر الا افريقية وسجلماسة وزحف البياسى إلى قرطبة فملكها ثم زحف إلى اشبيلية فنازل بها المأمون والطاغية بعد أن نزل له عن مخاطة وغيرها من حصون المسلمين فهزمهم المأمون بنواحي اشبيلية ثم ثار محمد بن يوسف بن هود وملك مرسية واستولى على الكثير من شرق الاندلس كما ذكرناه في أخباره وزحف إليه المأمون وحاصره وامتنع عليه فرجع إلى اشبيلية ثم خرج سنة ست وتسعين إلى مراكش لما استدعاه أهل المغرب وبعثوا إليه ببيعاتهم وبعث إليه هلال بن حميدان أمير الخلط يستدعيه واستمد الطاغية عسكرا من النصارى وأمره على شروط يقبلها منه المأمون وأجاز إلى العدوة وبادر أهل اشبيلية بالبيعة لابن هود واعترضه يحيى بن الناصر فهزمه المأمون واستلحم من كان معه من الموحدين والعرب ولحق يحيى بجبل هنتاتة ثم دخل المأمون الحضرة وأحضر مشيخة الموحدين وعدد عليهم قولاتهم وتقبض على مائة من أعيانهم فقتلهم وأحدر كتابه إلى البلدان بمحو اسم المهدى من السكة والخطبة والنعى عليه في النداء للصلاة باللغة البربرية وزيادة النداء لطلوع الفجر وهو أصبح ولله الحمد وغير ذلك من السنن التى اختص بها المهدى المعصوم وأعاد في ذلك وأبدى وأذن للنصارى القادمين معه في بناء الكنيسة بمراكش على شرطهم فضربوا بها نواقيسهم واستولى ابن هود بعده على الاندلس وأخرج منها سائر الموحدين وقتلهم العامة في كل محل وقتل السيد أبو الربيع بن أخى المنصور وكان المأمون تركه واليا بقرطبة واستبد الامير أبو زكريا بن أبى محمد بن الشيخ أبى حفص بافريقية وخلع طاعته سنة سبع وعشرين فعقد للسيد أبى عمران ابن عمه محمد الخرصان على بجاية مع أبى عبد الله اللحيانى أخى الامير أبى زكريا وزحف إليه يحيى بن الناصر فانهزم ثم ثانية كذلك واستلحم من كان معه ونصبت رؤسهم باسوار الحضرة ولحق يحيى ابن الناصر ببلاد درعة وسجلماسة ثم انتقض على المأمون أخوه موسى ودعا لنفسه

[ 254 ]

بسبتة وتسمى بالمؤيد فخرج المأمون من مراكش وبلغه في طريقه أن قبائل بنى فازان ومكلاتة حاصروا بمكناسة وعاثوا في نواحيها فساروا إليها وحسم عاملها واستمر إلى سبتة فحاصرها ثلاثة أشهر واستمد أخوه أبو موسى صاحب الاندلس لابن هود فأمده بأساطيله وخالف يحيى بن الناصر المأمون إلى الحضرة فافتحمها مع عرب سفيان وشيخهم جرمون ابن عيسى ومعهم أبو سعيد بن وانودين شيخ هنتاتة وعاثوا فيها فأقلع المأمون عن سبتة يريد الحضرة وهلك في طريقه بوادي أم الربيع مفتتح سنة ثلاثين وحين اقلاعه دخل أخوه السيد أبو موسى في طاعة ابن هود وأمكنه من سبتة فأداله منها والله تعالى أعلم * (الخبر عن دولة الرشيد بن المأمون) * لما هلك المأمون بويع ابنه عبد الواحد ولقب الرشيد وكتموا موت أبيه وأغذوا السير إلى مراكش ولقيهم يحيى بن الناصر في طريقهم بعد ان استخلف بمراكش أبا سعيد ابن وانودين فهزموه وقتل أكثر من معه وصبح الرشيد مراكش فامتنعوا عليه باشياعهم ثم خرجوا إليه واستقاموا على بيعته وكان وصل في صحبته عمه السيد أبو محمد سعد فحل من الدولة بمكان وكان إليه التدبير والحل والعقد وبعد استقرار الرشيد بالحضرة وصل إليه عمر بن وقاريط كبير الهساكرة بمن كان عنده من أولاد المأمون السيد واخوته جاؤا من اشبيلية عند ثورة أهلها بهم واستقروا بسبتة عند عمهم أبى موسى ومنها إلى الحضرة عند استيلاء ابن هود على سبتة ومروا بهسكورة وكان ابن وفاريط حذرا من المأمون ومعتقده أن لا يعود إليه فتذمم بصحبة هؤلاء الاولاد وقدم على الرشيد فتقبله وأعلق بوصله من السيد أبى محمد سعد وصحبه لمسعود بن حمدان كبير الخلط ولما هلك السيد أبو محمد لحق ابن وقاريط بقومه ومعتصمه وكشف وجه الخلاف وأخذ بدعوة يحيى بن الناصر واستنفر له قبائل الموحدين ونهض إليهم الرشيد سنة احدى وثلاثين واستخلف على الحضرة صهره أبا العلى ادريس وصعد إليهم الجبل فأوقع بيحيى وجموعه بمكانهم من هزوجة واستولى على معسكرهم ولحق يحيى ببلاد سجلماسة وانكف الرشيد راجعا إلى حضرته واستأمن له كثير من الموحدين الذين كانوا مع يحيى بن الناصر فأمنهم ولحقوا بحضرته وكان كبيرهم أبو عثمان سعيد بن زكريا الكدميوى وجاء الباقون على أثره ولسعيه بعد ان شرطوا عليه اعادة ما كان ازاله المأمون من رسوم المهدى فأعيدت وقدم فيهم أبو بكر بن يعزى التنمللى رسولا عن يوسف ابن على بن يوسف شيخ تينملل ومحمد بن يوزيكن الهنتاتى رسولا عن أبى على بن عزوز ورجعا إلى مرسليهما بالقبول فقدما على الحضرة وقدم معهم موسى بن الناصر أخو يحيى وكبيره وجاء على أثرهم أبو محمد بن أبى زكريا وأنسوا لاعادة رسوم الدعوة المهدية

[ 255 ]

وكان مسعود بن حمدان الخلطى قد اغراه عمر بن وقاريط بالخلاف لصحابة بينهما وكان مولى ببأسة وكثرت جموعه يقال ان الخلط كانوا يومئذ يناهزون اثنى عشر ألفا سوى الرجل والاتباع والحشود فمرض في الطاعة وتثاقل عن الوفادة ولما علم بعقد الموحدين اجتمع اعتراضهم وقبلهم للفرقة والشتات في الدولة فأعمل الرشيد في استدعائه وصرف عساكره إلى باجة لنظر وزيره السيد أبى محمد حتى خلا لابن حمدان الجو وذهب عنه الريب واستقدمه فأسرع اللحاق بالحضرة وقذم معه معاوية عم عمر بن وقاريط فتقبض عليه وقتل لحينه واستدعى مسعود بن حمدان إلى المجلس الخلافى للحديث فتقبض عليه وعلى أصحابه وقتلوا ساعتئذ بعد جولة وهيعة وقضى الرشيد حاجة نفسه فيهم واستقدم وزيره وعساكره من باجة فقدموا ولما بلغ خبر مقتلهم إلى قومهم قدموا عليهم يحيى بن هلال بن حمدان وأجلبوا على سائر النواحى وأخذوا بدعوة يحيى واستقدموه من مكانه بقاصية الصحراء وداخلهم في ذلك عمرو بن وقاريط وزحفوا لحصار الحضرة وخرجت العساكر لقتالهم ومعهم عبد الصمد بن يلولان فدفع ابن وقاريط في جموعه من العساكر فانهزموا وأحيط بجند النصارى فقتلوا وتفاقم الامر بالحضرة وعدمت الاقوات واعتزم الرشيد على الخروج إلى جبال الموحدين فخرج إليها وسار منها إلى سجلماسة فملكها واشتد الحصار على مراكش وافتتحها يحيى بن الناصر وقومه من هسكورة والخلط وسار أمرهم فيها وتغيرت أحوال الخلافة وتغلب على السلطان السيد أبو ابراهيم بن أبى حفص الملقب بابى حافة وفى سنة ثلاث وثلاثين خرج الرشيد من سجلماسة بقصد مراكش وخاطب جرمون بن عيسى وقومه من سفيان فأجازوا وادى الربيع وبرز إليه يحيى في جموعه والتقى الفريقان فانهزمت جموع يحيى واستحر القتل فيهم ودخل الرشيد إلى الحضرة ظافرا وأشار يحيى بن وقاريط على الخلط بالاستصراخ بابن هود صاحب الاندلس والاخذ بدعوته فنكثوا بيعة يحيى وبعثوا وفدهم إلى ابن هود صحبة عمر بن وقاريط على الخلط بالاستصراخ فاستقر هنا لك وخرح الرشيد من مراكش وفر الخلط أمامه وسار إلى فاس وسرح وزيره السيد أبا محمد إلى غمارة وفازاز لجباية أموالها وكان يحيى بن الناصر لما نكث الخلط بيعته لحق بعرب المعقل فأجاروه ووعدوه النصرة واشتطوا عليه المطالب وأسف بعضهم بالمنع فاغتاله في جهة تازى وسيق رأسه إلى الرشيد بفاس فبعثه إلى مراكش وأوغر إلى نائبه بها أبى على بن عبد العزيز لقتال العرب الذين كانوا في اعتقاله وهو حسن بن زيد شيخ العاصم وقائد اتباعا من شيخها أبى ابر فقتلهم وانكف الرشيد راجعا إلى حضرته سنة أربع وثلاثين وبلغه استيلاء صاحب درعه أبى محمد بن وانود بن على سجلماسة وذلك أن

[ 256 ]

الرشيد لما فصل من سجلماسة استخلف عليها يوسف بن على التنمللى فاستعمل ابن خالته من بنى مردنيش وهو يحيى بن أرقم بن محمد بن مردنيش فثار عليه ثائر من صنهاجة وقتله في حبائله وقدم ابنه أرقم يطلب الثار وبلغ منه ما أراد ثم حدثته نفسه بالانتقاض خوفا من عزل الرشيد اياه فانتقض ونهض إليه الرشيد سنة ثنتين وثلاثين فلم يزل أبو محمد بن وانودين يعمل الحيلة في استخلاصها حتى تمكن منها وعفا عن أرقم وكان ابن وقاريط لما فصل إلى ابن هود سنة أربع وثلاثين ركب البحر في اسطول ابن هود وقصد اسلا وبها السيد أبو العلى صهر الرشيد فكاد ان يغلب عليها وفى سنة خمس وثلاثين بايع أهل اشبيلية للرشيد ونقضوا طاعة ابن هود وتولى كبر ذلك أبو عمر بن الجد واستخف بنو حجاج إلى سبتة ووصل وفدهم إلى الحضرة ومروا في طريقهم بسبتة فاقتدى أهلها بهم في بيعة الرشيد وخلعوا أميرهم اليانشى الثائر بها على ابن هود وقدموا على الحضرة وولى عليهم الرشيد أبا على بن خلاص منهم ولايام من مقدمهم فأمكنهم من ابن وقاريط وبعث إلى الرشيد في وفد من رسله فاعتقل بأزمور وقتل وصلب برباط هسكورة بعد ان طيف به على جمل وانصرف وفد اشبيلية وسبتة واستقدم الرشيد رؤساء الخلط فقبض عليهم وبعث عساكره فاستباحوا حللهم واحياءهم ثم أمر بقتل مشيختهم وقتل معهم ابن وقاريط وقطع دابرهم وفى سنة ست وثلاثين وصلت بيعة محمد بن يوسف بن نصر بن الاحمر الثائر بالاندلس على ابن هود وفى سنة سبع وثلاثين اشتدت الشوكة بالمغرب وانتشر بنو مرين وزحف إليهم فهزموه ثم زحف ثانية وثالثة فهزموه وأقام في محاربتهم سنتين ورجع إلى الحضرة واشتد عدوان بنى مرين بالمغرب وألحوا على مكناسة حتى أعطوا الاتاوة لبنى حمامة منهم فاستنفوا بنى عسكر بذلك واتصل عليهم في نواحيها وفى سنة سبع وثلاثين قتل الرشيد كاتبه ابن الموميانى لمداخلة له مع بعض السادة وهو عمر بن عبد العزيز أخى المنصور وقف على كتابه إليه بخطه وغلط الرسول بها فدفعها بدار الخليفة وفى سنة أربعين بعدها كانت وفاة الرشيد غريقا في بعض جواري القصر ويقال انه أخرج من الماء وحم لوقته وكانه فيها مهلكه والله تعالى أعلم * (الخبر عن دولة السعيد بن المأمون) * لما هلك الرشيد بويع أخوه أبو الحسن السعيد بتعيين أبى محمد بن وانودين وتلقب المقتدر بالله واستوزر السيد أبا اسحق بن السيد أبى ابراهيم ويحيى بن عطوش وتقبض على جملة من مشيخة الموحدين واستصفى أموالهم واستخلف لنفسه رؤساء العرب من جشم واستظهر بجموعهم على أمره وكان شيخ سفيان كانون بن جرمون كبير محكسة ولاول بيعته انتقض عليه أبو على بن الخلاص البلنسى صاحب سبتة وكذلك أهل

[ 257 ]

اشبيلية وبايعوا جيمعا للامير ابى زكريا صاحب افريقية ثم انتقض عليه بسجلماسة عبد الله بن زكريا الهزوجى صاحب تلمسان فنهض الامير أبو زكريا صاحب افريقية بسبب ذلك إلى تلمسان واستولى عليها ثم عقد عليها بغمراسن حسبما يذكر في أخباره وخرج السعيد من مراكش لتمهيد بلاد المغرب سنة ثنتين وأربعين وتغير لسعيد بن زكريا الكدميوى فتقبض عليه من معسكره بنانسفت وفر أخوه أبو زيد ومعه أبو سعيد العود الرطب ولحقوا بسجلماسة فاستصفى أموالهم بمراكش وارتحل بقصد سبجلماسة وأخذ واليها عبد الله الهزوجى في اسباب الامتناع فغدر به أبو زيد بن زكريا الكدميوى وداخل أهل سجلماسة في الثورة عليه وملك البلد واستدعى السيد لها فوصل وقتل الهزرجى وفر أبو سعيد العود الرطب إلى تونس ثم رجع السعيد إلى المغرب وقتل سعيد بن زكريا ونزل العغرقدة من احواز فاس وعقذ المهادنة مع بنى مرين وقفل إلى مراكش فتقبض على أبى محمد بن وانودين واعتقله بأزمور واعتقل معه يحيى بن مزاحم ويحيى بن عطوش لنظر ابن ماكس فأعمل الحيلة في الفرار من معتقله وخلص ليلا إلى كانون بن جرمون فأركبه وبعث معه من عرب سفيان من أوصله إلى قومه هنتاتة وراسله السعيد على أثرها وسكنه واعتذر له وأسعفه بسكنى تاقيوت من حصون عمله بأهله وولده ثم انتقض على السعيد كانون بن جرمون وسفيان وخالفهم إليه بنو جابر والخلط وخرج من مراكش واستوزر السيد أبا اسحق بن السيد أبى ابراهيم اسحق أخى المنصور واستخلف أخاه أبا زيد على مراكش وأخاهما أبا حفص عمر على سلا وفصل من مراكش سنة وجمع له أبو يحيى بن عبد الحق جموع بنى راشد وبنى ورار سفيان حتى إذا تراآى الفريقان للقاء خالف كانون بن جرمون الموحدين إلى ازمور واستولى عليها ورجع السعيد ادراجه في اتباعه ففر كانون واعترضه السعيد فأوقع به واستلحم كثيرا من سفيان قومه واستولى على ماله من مال وماشية ولحق كانون في فل بنى مرين ورجع السعيد إلى الحضرة وفى سنة ثلاث وأربعين ثارت العامة بمكناسة على واليها من قبل السعيد فقتلوه وحذر مشيختها من سطوته فحولو الدولة إلى الامير أبى زكريا بن أبى حفص صاحب افريقية وبعثوا إليه ببيعتهم وكان من الثنا أبى مطرف بن عميرة وذلك بمداخلة أبى يحيى بن عبد الحق أمير بنى مرين ووفاقه له على ذلك وشارطوا أبا يحيى بن عبد الحق بمال دفعوه إليه على الحماية ثم راجعوا أمره وأوفدوا صلحاءهم لبيعتهم فرضى عنهم السعيد ورضوا عنه وفى هذه السنة بعث أهل اشبيلية وأهل سبتة بطاعتهم للامير أبى زكريا صاحب افريقية وبعث ابن خلاص بهديته مع ابنه في اسطول أنشأه لذلك فغرق عند اقلاعه من المرسى وفى سنة ست

[ 258 ]

وأربعين كان استيلاء الطاغية على اشبيلية لسبع وعشرين من رمضان ولما بلغ السيد بيعة أهل اشبيلية وسبتة للامير أبى زكريا إلى ما كان من تغلبه على تلمسان وأمر يغمراسن بدعوته ثم ما كان من بيعة أهل مكناسة وأهل سجلماسة أعمل نظره في الحركة إلى تلمسان ثم إلى افريقية وخرج إلى مراكش في ذى الحجة من سنة خمس وأربعين ووافاه كانون بن جرمون فعاوده الطاعة واستحشد سفيان وجاء في جملة السعيد مع سائر القبائل من جشم ولما احتل السعيد بتازى وافاه وفد بنى مرين عن أميرهم أبى يحيى بن عبد الحق فاعطوه الطاعة وبعثوا معه عسكرا من قومهم مددا له ثم ثار السعيد إلى تلمسان فكان مهلكه بتامزردكت على يد بنى عبد الواد في صفر سنة ست وأربعين حسبما يشرح في أخبارهم ويقال ان ذلك كان بمداخلة من الخلط فاستولوا على المحلة وقتلوا عدوهم كانون وانفض العسكر إلى المغرب وقد اجتمعوا إلى عبد الله بن السعيد واعترضهم بنو مرين بجهات تازى فقتلوا عبد الله بن السعيد ولحق الفل بمراكش فبايعوا المرتضى كما يذكر ان شاء الله تعالى * (الخبر عن دولة المرتضى ابن أخى المنصور) * لما هلك لحق فل العسكر بعد مهلك السعيد بمراكش اجتمع الموحدون على بيعة السيد أبى حفص عمر بن السيد أبى ابراهيم اسحق وأخى المنصور واستقدموه لها من سلا فلقيه وافدهم بتامسنا من طريقه ومعه أشياخ العرب فبايعوه وتلقب المرتضى وعقد ليعقوب بن كانون على بنى جابر ولعمه يعقوب بن جرمون على عرب سفيان بعد ان كان قومه قدموه عليهم ودخل الحضرة فاستوزر أبا محمد بن يونس وتقبض على حاشية السعيد ثم وصل أخوه السيد أبو اسحق من الفل آخذا على طريق سجلماسة فاستوزره واستند عليه واستولى أبو يحيى بن عبد الحق وبنو مرين أن هلك السعيد على رباط تازى من يد السيد ابى على أخى أبى دبوس وأخرجوه فلحق بمراكش ثم استولوا بعدها على مدينة فاس سنة سبع وأربعين كما يذكر في أخبارهم بعد وفى هذه السنة ثار بسبتة أبو القاسم العز في وأخرج ابن الشهيد الوالى على سبتة من قرابة الامير أبى زكريا صاحب افريقية حول الدعوة للرتضى حسبما يذكر في أخبار الدولة الحفصية وأخبار بنى العزفى وفى سنة تسع وأربعين وفد على المرتضى موسى بن زيان الونكاسى وأخوه على من قبائل بنى مرين أغروه بقتال بنى عبد الحق فخرج إليهم ولما انتهى إلى أمان ايملولى أشاع يعقوب بن مون قضية الصلح بينهما فأصبحوا راحلين وقد استولى الجزع على قلوبهم فانفضوا وقعت الهزيمة من غير قتال ووصل المرتضى إلى الحضرة فعزل أبا محمد بن يونس عن وزارة لشيئ بلغه عنه وأسكنه بحملته مع حاشيته وفر من حملته على بن بدر إلى السوس سنة

[ 259 ]

احدى وخمسين وجاهر بالعناد وسرح إليه السلطان عسكرا من الجند فرجعوا عنه ولم يظفروا به وتفاقم أمره سنة ثنتين وخمسين وجمع اعراب الشبانات وبنى حسان وحل أموال ونازل تارودانت فحاصر من كان بها وسرح المرتضى إليه عسكرا من الموحدين فأفرج عنها ثم رجع بعد قفولهم إلى حاله وعثر المرتضى على خطابه لقريبه ابن يونس إليه بخطه فاعتقل هو وأولاده ثم قتل وفى هذه السنة استدعى مشيخة الخلط إلى الحضرة وقتلوا لما كان منهم في مهلك السعيد وفيها خرج أبو الحسن بن يعلو في عسكر من الموحدين إلى تامسنا ليكشف أحوال العرب ومعه يعقوب بن جرمون وعهد إليه المرتضى بالقبض على يعقوب بن محمد بن قيطون شيخ بنى جابر فتقبض عليه وعلى وزيره ابن مسلم وطير بهما إلى الحضرة معتقلين وفى سنة ثلاث وخمسين خرج المرتضى من مراكش لاسترجاع فاس ونواحيها من يد بنى مرين المتغلبين عليها فوصل إلى بنى بهلول وزحف إليه بنو مرين وأميرهم أبو بحيى فكانت الهزيمة على الموحدين بذلك الموضع ورجع المرتضى مفلولا إلى مراكش ورعى بنى مرين من بعد ذلك سائر أيامه واستبد العزفى بسبتة وابن الامير بطنجة كما نذكره في أخبارهم وفى سنة خمس وخمسين بعث المرتضى إلى السوس عسكرا من الموحدين لنظر أبى محمد بن فلقيهم على ابن بدر وهزمهم واستبد بأمره في السوس وفى هذه السنة استولى أبو يحيى بن عبد الحق على سجلماسة وتقبض على واليها عبد الحق بن أصكو بمداخلة من خديم له يعرف بمحمد القطراني بنواحي سلا فصرف عبد الحق ابنه محمدا هذا في وقر به من بين أهل خدمته وحدثته نفسه بالثورة استمال عرب المعقل أولا بالمشاركة في حاجاتهم عند مخدومه والاحسان إليهم حتى اشتملوا عليه ثم داخل أبا يحيى بن عبد الحق فقاده وسرحه إلى مراكش وكان القطراني شرط على أبى بحيى أن يكون والى سجلماسة فأمضى له شرطه وأنزل معه بها من رجالات بنى مرين حتى إذا هلك أبو يحيى بن عبد الحق أخرجهم محمد القطراني واستبد بأمر سجلماسة وراجع دعوة المرتضى واعتذر إليه واشترط عليه الاستبداد فأمضى له شرطه الا في أحكام الشريعة وبعث أبا عمر بن حجاج قاضيا من الحضرة وبعض السادات للنظر في القضية وقائدا من النصارى بعسكر للحماية فأعمل ابن الحجاج الحيلة في قتل القطراني وتولاه قائد النصارى واستبد السيد بأمر سجلماسة بدعوة المرتضى واستفحل أمر بنى مرين اثناء ذلك ونزل يعقوب بن عبد الحق بسائط تامسنا فسرح إليهم المرتضى عساكر الموحدين لنظر يحيى بن وانودين فاجفلوا إلى وادى أم ربيع فاتبعهم الموحدون فرجعوا إليهم وغدرهم بنو جابر فانهزم الموحدون بأمر الرجلين ولحق شيخ الخلط عيسى بن على ببنى مرين وارتحلوا إلى

[ 260 ]

أوطانهم وكان المرتضى قدم يعقوب بن جرمون على قبائل سفيان وكان محمد ابن أخيه كانون يناهضه في رياسة قومه وغص به فقتله وثار به أخواه مسعود وعلى بفدفد فقتلاه وولى المرتضى مكانه ابنه عبد الرحمن فاستوزر يوسف بن وازرك ويعقوب بن علوان وشغل بلذاته وتصدى لقطع السابلة ثم نكث الطاعة ولحق ببنى مرين فولى مكانه عمه عبد الله بن جرمون بأبى زمام وعقد له المرتضى ثم أدال منه بأخيه مسعود لعجزه ووفد على المرتضى عواج بن هلال من امراء الخلط نازعا إلى طاعته ومفارقا لبنى مرين فأنزل معه أصحابه بمراكش وجاء على أثره عبد الرحمن بن يعقوب بن جرمون فتقبض على عواج ودفعه إلى على بن أبى على فقتله وكان تقبض معه على عبد الرحمن بن يعقوب ووزيره فقتلوا جميعا واستبد برياسة سفيان مسعود بن كانون وبرياسة بنى جابر اسمعيل بن يعقوب بن قيطون وفى سنة ستين عند رجوع يحيى بن وانودين من واقعة أم الرجلين خرج عسكر من الموحدين إلى السوس لنظر محمد بن على الزلماط ولقيه على بن بدر فهزم جموعه وقتله وعقد المرتضى من بعده على حرب على بن بدر للوزير أبى زيد بن زكنت وسرح معه عسكرا من الجند وكان فيهم دنلب من زعماء النصرانية فدارت الحرب بين الفريقين ولم يكن للموحدين فيها ظهور على كثرتهم وقوة جلدهم وحسن بلائهم فسلبهم عن ذلك تكاسل دنلب وخروجه عن طاعة الوزير وكتب بذلك للمرتضى فاستقدمه وأمر أبو زيد بن يحيى الكدميوى باعتراضه في طريقه وقتله وفى سنة ثنتين وستين أقبل يعقوب بن عبد الحق في جموع بنى مرين فنازلوا مراكش واتصلت الحرب بينهم وبين الموحدين بظاهرها أياما هلك فيها عبد الله انعجون ابن يعقوب فبعث المرتضى إلى أبيه بالتعزية ولاطفه وضرب له اتاوة يبعث بها إليه في كل عام فرضى ارتحل عنهم والله أعلم { الخبر عن انتقاض أبى دبوس وتغلبه على مراكش ومهلك المرتضى وما كان في دولته من الاحداث } لما ارتحل بنو مرين عن مراكش بعد مهلك انعجون فر من الحضرة قائد حروبه السيد أبو العلى الملقب بأبى دبوس ابن السيد أبى عبد الله محمد بن السيد أبى حفص بن عبد المؤمن لسعاية تمكنت فيه عند المرتضى وصحبه ابن عمه السيد أبو موسى عمران بن عبد الله بن الخليفة فلحقا بمسعود بن كلداسن كبير هسكورة فأجاره ثم لحق بيعقوب بن عبد الحق بفاس صريخا به على شأنه واشترط له المقاسمة في العمالة والذخيرة فأمده بالمال يقال خمسة آلاف دينار عشرية وأوعز إلى ابن أبى على الخلطى بمظاهرته واعطائه آلات ورجع إلى على بن أبى على الخلطى فأمده بقومه ثم سار إلى هسكورة ونزل على

[ 261 ]

صاحبه مسعود بن كلداسن فأطاعه قبائل هسكورة وهزوجة وبعثوا إليه عزوز بن بيورك كبير صنهاجة في ناحية ازمور وكان منحرفا عن طاعة المرتضى إلى حملة يعقوب ابن عبد الحق ووفد عليه جماعه من السادة والموحدين والجند والنصارى وارتاب المرتضى بمسعود بن كانون شيخ سفيان وبإسمعيل بن قيطون شيخ بنى جابر فتقبض عليهما واعتقلهما وسار الكثير من قومهما إلى أبى دبوس وقتل اسمعيل بن يقطون معتقله فانتقض أخوه ثائرا ولحق بهم وحذر علوش بن كانون مثلها على أخيه فاتبعهم وزحف أبو العلى إلى مراكش ولما بلغ اغمات وجد بها الوزير أبا يزيد بن بكيت في عساكر حمايتها فناجزه الحرب فانهزم ابن بكيت وقتل عامة أصحابه وسار أبو دبوس إلى مراكش وأغار علوش بن كانون على باب الشريعة والناس في صلاة الجمعة وركز رمحه بمصراعه ودخلت سنة خمس وستين والمرتضى بمراكش غافر عن شأن أبى دبوس والاسوار خالية من الحراس والحامية وقصد أبو دبوس باب اغمات فتسور البلد من هنا لك ودخلها على حين غفلة وقصد القصبة فدخلها من باب الطبول وفر المرتضى ومعه الوزير أبو زيد بن يعلو الكومى وأبو موسى بن عزوز الهنتاتى فلحقوا بهنتاتة وألفوهم فأذعنوا بطاعتهم فرحل إلى كدميوة ومر في طريقه بعلى بن زكدان الونكاسى كان نزع إليه عن قومه ولم يفد عليه بعد فنزل به المرتضى ورحل معه إلى كدميوة وكان فيها وزيره أبو زيد عبد الرحمن ابن عبد الكريم فأراد النزول عليه فمنعه ابن سعد الله وسار إلى شفشاوة ووجد بها عددا من الظهر فمنحها على بن زكدان وكتب إلى ابن وانودين بمعسكره من خاصته والى ابن عطوش بمعسكره من ركراكة باللحاق به فأقلعا إلى الحضرة وخاطب أبو دبوس على بن زكدان يرغبه في القدوم عليه فارتاب المرتضى لذلك ولحق بازمور قتقبض عليه واليها ابن عطوش وكذا صهره واعتقله وطير بالخبر إلى ابى دبوس فأمر وزيره السيد أبا موسى ان يكاتبه كيف اماكن الذخيرة فأجابه بانكار ان يكون ذخر شيأ عندهم والحلف على ذلك وسألهم بالرحم فعطف أبو دبوس عليه وجنح إلى الاهل وبعث وزيره السيد أبا موسى ومسعود بن كانون في ازعاجه إليه ثم بدا له في استحيائه باشارة بعض السادة فكتب خطه إلى السيد أبى موسى بقتله فقتله واستقل أبو دبوس بالامر وتلقب الواثق بالله والمعتمد على الله واستوزر السيد أبا موسى وأخاه السيد أبا زيد وبذل العطاء ونظر في الولايات ورفع المكوس عن الرعية وحدث بينه وبين مسعود بن كلداسن وحشة فارتحل إليه لازالتها وقدم عبد العزيز بن عطوش سفيرا إليه في ذلك وبلغه أن يعقوب ابن عبد الحق نزل تامسنا فأوفد عليه حميد بن مخلوف الهسكورى بهدية فقبلها وأكد بينهما العهد وانكف راجعا إلى وطنه ورجع حميد إلى الواثق ووافق وصول عبد العزيز

[ 262 ]

ابن عطوش بطاعة مسعود بن كلداسن فرجع أبو دبوس إلى مراكش بعد ان عقد لابي موسى بن عزوز على بلاد حاجة وبلغه في طريقه عن عبد العزيز بن السعيد انه حدث نفسه بالملك وان ابن مكيث وابن كلداسن داخلوه بالولاية فصروا منهم الشكوة وأصاروهم في الحملة والله وارث الارض ومن عليها * (وأما هسكورة) * وهم أكثر قبائل المصامدة وفيهم بطون كثيرة أوسعها بطن هسكورة وأما سواهم من بطون كنفيسة فأنفقتهم الدولة بما تولوا من مشايعتها وإبرام عقدتها فهلك رجالاتهم في انفاقها سبل الامم قبلهم في دولهم وأما هسكورة فكان لهم بين الموحدين مكان واعتزاز بكثرتهم وغلبهم الا أنهم كانوا أهل بدو ولم يخالطوهم في ترفهم ولا انغمسوا في نعيمهم وكان جبلهم الذى أوطنوه من حاله دون القنة منها والذروة واعتصموا منه بالآفاق الفدد واليفاع الاشم والطود الشاهق قد لمس الافلاك بيده ونظم النجوم في مفرقه وتلفع بالسحاب في مروطه وآوى الرياح العواصف الدجوة وألقى إلى خبر السماء باذنه وأظل على البحر الاخضر بشماريخه واستدبر القفر من بلاد السوس بظهره وأقام سائر جبال درن في حجره ولما انقرض أمر الموحدين وتغلب بنو مرين على المصامدة أجمع وساموهم خطة الخسف في وضع الضرائب والمغارم عليهم فاستكانوا لعزهم وأعطوهم يد الطواعية واعتصم هسكورة هؤلاء بمعقلهم واعتزوا فيه بمنعتهم فلم يغمسوا في خدمتهم يدا ولا أعطوهم مقادا ولا رفعوا بدعوتهم راية انما هي منابذة لامرهم وامتناع عليهم سائر الايام فإذا زحفت الحشود وتمرست بهم العساكر دافعوهم بطاعة معروفة واتاوة غير ملتزمة ورئيسهم مع ذلك يستخلص جبايتهم لنفسه ويدفعهم في المضايق لحمايته وربما تخطاهم إلى بعض قبائل الجبل ومن قاربه من أهل بسائط السوس يعسكر بذلك للرجل من قومه هكسورة وكنفيسة وبالحشد من العرب الموطنين بأرض السوس وسفيان وهم بطن الحارث ومن المعقل وهم بطن الثبانات وكان رئيسهم في ذكرنا بعد انقراض عبد المؤمن بن يوسف وحرروا لسان الاعجمين هو عبد الواحد وكان له في الاستبداد والصرامة ذكر وهلك سنة ثمانين وستمائة وكان منتحلا للعلم واعية له جماعة لكتبه ودواوينه حافظا لفروع الفقه يقال ان المدونة كانت من محفوظاته محبا في الفلسفة مطالعا لكتبها حريصا على نتائجها من علم الكيمياء والسيمياء والسحر والشعوذة مطلعا على الشرائع القديمة والكتب المنزلة بكتب التورية ويجالس احبار اليهود حتى لقد اتهم في عقده ورمى بالرغبة عن دينه ثم ولى من بعده ابنه عبد الله وكان مقتفيا سنن أبيه في ذلك وخصوصا في انتحال السحر

[ 263 ]

والاستشراف إلى صنعة الكيمياء ولما فرغ السلطان أبو الحسن من شأن أخيه عمر وسكن فتنة المغرب ودوخ أقطاره وحل معتصمه بالعساكر وأوطأ ساحاته الكتائب رجاله دون من يمده من اعراب السوس من ورائه بما كان من تغلبه على بلادهم واقتضائه بطاعتهم وانزال عماله بالعساكر بينهم فلاذ منه عبد الله السكسيوى بطاعة معروفة رهن فيها ابنه واشترط للسلطان الهدية والضيافة فتقبل منه ومنحه جانب الرضى ولما كانت نكبة السلطان بالقيروان واضطرب المغرب فتنة وخلا جو البلاد المراكشية من المشايخ اجتمع رأى الملا من المصامدة على النزول إلى مراكش وأحكموا عقد الاتفاق بينهم واجمعوا تخريبها بما كانت دارا للامرة ولمقامة الكتائب المجمرة وزعم عبد الله السكسيوى هذا بانفاذ ذلك فيها وضمن هو تخريب المساجد لتجافهم عنها فكانت مذكورة على الايام ثم انحل عزمهم وافترقت جماعتهم وكلمتهم بما كانت من استقامة الدولة بفاس واجتماع بنى مرين على السلطان أبى عنان كما يذكر بعد فانحجر كل منهم بوجاره ولما فرغ أبو عنان من شأن أبيه واستولى على المغرب الاوسط وغلب عليه بنو عبد الواد ولحق أخوه أبو الفضل بن مطرح اغترابه في الاندلس بالطاعة يروم الاجازة إلى المغرب لطلب حقه فأركبه السفير إلى مراحل السوس فنزل به ولحق بعبدالله السكسيوى فأواه وظاهره على أمره فجرد أبو عنان العزائم إليهم وعقد لوزيره فارس ابن ميمون بن وادرار على حربهم واستخرج جيوش المغرب وأناخ بساحته سنة أربع وخمسين واختط بسفح الجبل مدينة لحصاره سماها القاهرة وأخذت بمخنقه وزاحمت بمناكبها اركان معقله حتى لاذت للسلم واشترط ان ينبذ العهد إلى أبى الفضل المصرى عنده يذهب حيث يشاء فتقبل منه وعقد له سلما على عادته وأفرج عنه وخرج على عبد الله السكسيوى لايام السلطان أبى سالم ابنه محمد المعروف في لغتهم ايزم ومعناه الاسد فغلبه على أمره ولحق عبد الله بعامر بن محمد الهنتاتى كبير المصامدة لعهده وعامل السلطان عليهم فاستجاش به ووعده عامر النصرة وأمهله عاما ونصفه حتى وفد على السلطان واستوهب في ذلك ثم أجمع على نصره من عدوه فجمع له الناس وخاطب أهل ولايته أن يكون معه يدا وزحف عبد الله حتى نزل بالقاهرة وأخذ بمخنق أبيه وأشياعه ثم داخله بعض بطانته ودله على بعض العورات اقتحم منها الجبل وثاروا بابنه يزم فصاح به عبد الله وقوم وفر محمد أمامهم فأدرك بتلاسف من نواحى الجبل وقتل واسترجع عبد الله ملكه واستقلت قدمه إلى أن مكر به ابن عمه يحيى بن سليمان حين بلغ استبداد الوزير عمر بن عبد الله على سلطان المغرب واستبداد عامر بن محمد بولاية مراكش وثأر منه يحيى هذا بأبيه سليمان وهو عم عبد الله كان قتله أيام امارته الاولى

[ 264 ]

وأقام مملكا على سكسيوة إلى سنى خمس وسبعين فثار عليه أبو بكر بن عمر بن خرو فقتله بأخيه عبد الله واستقل بأمر سكسيوة ومن إليهم ثم خرج عليهم لاعوام من استقلاله ابن عم له من أهل بيته لم ينقل لى من تعريفه الا أن اسمه عبد الرحمن لان ثورته كانت بعد رحلتي الثانية من المغرب سنة ست وسبعين فأخبرني الثقة بأمره وانه ظفر بأبى بكر بن عمر وقتله واستبد بأمر الجبل إلى هذا العهد فيما زعم وهو سنة تسع وسبعين ثم بلغني سنة ثمان وثمانين أن عبد الرحمن هذا ويعرف بأبى زيد بن مخلوف بن عمر آجليد قتله يحيى بن عبد الله بن عمر واستبد بأمر هذا الجبل وهو الآن مالكه وهو أخو ايزم بن عبد الله والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين (وأما بقية قبائل المصامدة) من سوى هؤلاء السبع مثل هيلانة وحاجة ودكالة وغيرهم ممن أوطن هضاب الجبل أو ساحته فهم أمم لا تنحصر ودكالة منهم في ساحة الجبل من جانب الجوف مما يلى مراكش إلى البحر من جانب الغرب وهناك رباط آسفى المعروف ببنى ماكر من بطونهم وبين الناس اختلاف في انتسابهم في المصامدة أو صنهاجة وتجاورهم من جانب الغرب في بسيط ينعطف ما بين ساحل البحر وجبل درن في بسيط هناك يفضى إلى السوس يعمره من حاجة هؤلاء خلق أكثرهم في حمراء الشعراء من الشجر المعروف بارجان يتحصنون بملتفها وأدواحها ويعتصرون الزيف لادامهم من ثمارها وهو زيت شريف طيب اللون والرائحة والطعم يبعث منه العمال إلى دار الملك في هداياهم فيطرفون به وبآخر مواطنهم مما يلى أرض السوس وفى القبلة عن جبل درن بلدتا دنست وبها معظم هذه الشعرا ينزلها رؤساؤهم ورياستهم في بطن منهم يعرفون بمغراوة وكان شيخهم لعهد السلطان أبى عنان ابراهيم بن حسين بن حماد بن حسين وبعده ابنه محمد بن ابراهيم بن حسين وبعده ابن عمهم خالد بن عيسى بن حماد واستمرت رياسته عليهم إلى اعوام ست وسبعين وسبعمائة أيام استيلاء السلطان عبد الرحمن بن بطوسن على مراكش فقتله شيخ بنى مرين على بن عمر الورتاجى من بنى ويغلان منهم وما أدرى لمن صارت رياستهم من بعده وهم ودكالة جميعا أهل مغرم واسع وجباية موفورة فيما علمناه ولله الخلق والامر وهو خير الوارثين داخلة في ذلك وسائل عن ذلك السيد أبا زيد ابن السيد أبى عمران خليفته وأخبره بما سمع وأمره بالقبض عليه وقتله فانفذ ذلك ثم ارتحل إلى السوس لتمهيده وحسم هلال بن بدر فيه وقدم يحيى بن وانودين لاستنفار قبائل السوس من كزولة ولمطة وكنفيسة وصناكة وغيرهم وسار يتعدى المنازل

[ 265 ]

ويستنفر القبائل وهو بتادورنت فوجدها قفرا خلاء الا قليلا من الدور بخارجها ونزل على حميدين صهر على بن بدر وقريبه بحصن تيسخت على وادى السوس كان لصنهاجة فغلبهم عليه ابن بدر وملكه فنازله أبو دبوس وحاصره أياما وهزم فيها جموعه وداخل محمد ابن على بن زكدان في افراج أبى دبوس على سبعين ألف دينار يؤديها إليه فأعجله الفتح من ذلك ونجا بذمائه إلى بيته وطولب بالمال وبقى معتقلا عند ابن زكدان وامتنع على ابن بدر بحصنه ثم أطاع ووصلت رسله بطاعته فانصرف الواثق إلى حضرته ودخلها سنة خمس وستين وبلغه الخبر بانتقاض يعقوب بن عبد الحق وأنهى إليه فبعث بمرتبه إلى تلمسان صحبة أبى الحسن بن قطرال وابن أبى عثمان رسول يغمراسن خرج إليهم من مراكش ابن أبى مديون الونكاسى دليلا وسلك بهم على الثغر إلى سجلماسة وبها يحيى ابن يغمراسن فبعثهم مع بعض المعقل إلى أبيه وألفوه بجهة مليانة فأقام ابن قطرال بتلمسان ينتظره وكان يعقوب بن عبد الحق لما بلغه ذلك نهض إلى مراكش بجيوش بنى مرين ونزل بضواحي مراكش وأطاعه أهل النواحى ونهض إليه أبو دبوس بعساكر الموحدين فاستجره يعقوب إلى وادى أعفر ثم ناجزه الحرب فاختل مصافه وفر عسكره وانهزم يريد مراكش والقوم في اتباعه فأدرك وقتل وبادر يعقوب بن عبد الحق فدخل مراكش في المحرم فاتح سنة ثمان وستين وفر بقية المشيخة من الموحدين إلى معاقلهم بعد ان كانوا بايعوا عبد الحق احد بنى أبى دبوس وسموه المعتصم مدة من خمسة أيام وخرج في جملتهم وانقرض أمر بنى عبد المؤمن والبقاء لله وحده اه‍

[ 266 ]

{ الخبر عن بقايا قبائل الموحدين من المصامدة بجبال درن بعد انقراض دولتهم بمراكش وتصاريف أحوالهم } هذا العهد لما دعا المهدى إلى أمره في قومه من المصامدة بجبال درن وكان أصل دعوته نفى التجسيم الذى آل إليه مذهب أهل المغرب باعتمادهم وترك التأويل في المتشابه من الشريعة وصرح بتكفير من أبى ذلك أخذا بمذهب التكفير بالمآل فسمى لذلك دعوته بدعوة التوحيد وأتباعه بالموحدين نعيا على الملثمين فان مذاهبهم إلى اعتقاد الجسمية وخص بالمزية من دخل في دعوته قبل تمكنها وجعل علامة تمكنها فتح مراكش فكان انما اختص بهذا اللقب أهل السابقة قبل ذلك الفتح وكان أهل تلك السابقة قبل فتح مراكش ثمانى قبائل سبعة من المصامدة هرغة وهم قبيلة الامام المهدى وهنتاتة

[ 267 ]

وتينملل وهم الذين بايعوه مع هرغة على الحرابة والحماية وكنفيسة وهزوجة وكدميوة وريكة ونامنة قبائل الموحدين كومية قبيلة عبد المؤمن كبير صحابته دخلوا إلى دعوته قبل الفتح فكانت لهم المزية عند عبد المؤمن بسابقتهم فاختص هؤلاء القبائل بمزية هذه السابقة واسمها وأقاموا بالامر وحملوا سريره فاتفقوا في مذاهبه وممالكه في سائر الاقطار على نسبة قويم من أصحاب الامر وبعدهم وبقى من بقى منهم بمحالهم ومعاقلهم تقية حتوف وجرت عليهم قبل زناتة من بعد الملك اذيال الغلب والقهر حتى أبقوهم بالاتاوات وانتظموا في عدد الغارمين من الرعايا وصاروا يولون عليهم من زناتة تارة ومن رجالاتهم أخرى وفى ذلك عبرة وذكرى لاولى الالباب والملك لله يورثه من يشاء * (هرغة) * فأما هرغة وهم قبيل الامام المهدى قد دثروا وتلاشوا وانتفقوا في الفاصية من كل وجه لما كان أمرهم إلى غيرهم من رجالات المصامدة لا يملكون عليهم منه شيئا * (تينملل) * وكذا تينملل اخوتهم في التعصب على دعوة المهدى والاشتمال عليه والقيام بأمره حتى تحيز إليهم وبنى داره ومسجده بينهم فكان يعطيهم من الفئ بقدر عظمهم من الابتلاء وأبعدوا في ممالك الدولة وعمالاتها فانقرض رجالاتهم وملك غيرهم من المصامدة أمرهم عليهم وقبر الامام بينهم بهذا العهد على حاله من التجلة والتعظيم وقراءة القرآن عليه احزابا بالغدو والعشي وتعاهده بالزيارة وقام بالحجاب دون الزائرين من الغرباء تسهيل الاذن واستشعار الابهة وتقديم الصدقات بين يدى زناتة على الرسم المعروف في احتفال الدولة وهم مصممون مع كافة المصامدة ان الامر سيعود وان الدولة ستظهر على أهل المشرق والمغرب وتملا الارض كما وعدهم المهدى لا يشكون في ذلك ولا يستريبون فيه * (هنتاتة) * وأما هنتاتة وهم تلو القبيلتين في الامر وكل من بعدهم فانما جاؤا على أثرهم وتبعا لهم لما كانوا عليه من الكثرة والبأس ومكان شيخهم أبى حفص عمر بن يحيى من صحابة الامام والاعتزاز على المصامدة وكانت لهم بافريقية دولة كما نذكرهم فاتفقت الدولتان منهم عوالم في سبيل الاستظهار وبقى بموطنهم المعروف بهم من جبال درن وهو الجبل المتاخم لمراكش على توسط من الاستبداد والخضوع ولهم في قومهم مكان

[ 268 ]

بامتناع معقلهم واطلاله على مراكش ولما تغلب بنو مرين على المصامدة وقطعوا عنهم أسباب الدعوة كان لرؤسائهم أولاد يونس انحياش إليهم بما كانوا مسخوطين في آخر دولة بنى عبد المؤمن فاختصوهم بالاثرة والمخالطة وكان على بن محمد كبيرهم لعهد السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق خالصة له من بين قومه وهلك سنة سبعين على يد ابن المليانى الكاتب بكتاب لبس فيه وأنفذه على السلطان لابنه أمير مراكش فقتل رهط من مشيخة المصامدة في اعتقاله كان منهم على بن محمد فقام السلطان لها في ركائبه وندم على ما فرط من أمره في أفلات ابن المليانى على ما يذكر من أمر هذه الواقعة في أخبار السلطان يوسف بن يعقوب ولما ولى السلطان أبو سعيد وانقطع عن المصامدة ما كان لهم من أثر الملك والسلطان وانقادوا للدولة رجع بنو مرين إلى التولية عليهم من رجالاتهم ودالوا بينهم في ذلك وأخبار السلطان بعد صدر من دولة موسى بن على ابن محمد للولاية على المصامدة وجبايتهم فعقد له وأنزله مراكش فاضطلع بهذه الولاية سنين ورسخت فيها قدمه وأورثها أهل بيته وصار لهم بها في الدولة مكان انتظموا له في الولاية وترشحوا للوزارة ولما هلك موسى عقد السلان من بعده لاخيه محمد وأجراه على سننه إلى أن هلك فاستعمل السلطان بنيه في وجوه خدمته وعقد لعامر منهم على قومه ولما ارتحل السلطان أبو الحسن إلى افريقية صحبه عامر فيمن صحبه من أمراء المصامدة وكافة الوجوه حتى إذا كانت نكبة القيروان سنة تسع واربعين وسبعمائة عقد له على الشرطة بتونس على رسم الموحدين من بيوت الخطة وسعة الرزق وأسام إليه فيها فكفاه همها ولما فصل من تونس ركب الكثير من حرمه وخطاياه السفن لنظر عامر هذا حتى إذا غرق الاسطول بالسلطان أبى الحسن بما أصابهم من عاصف الريح رمى الموج بالسفينة التى كانوا بها إلى المرية من ثغور الاندلس فأنزل بها كرا ثم السلطان لنظره وبعث عنهن ابنه أبو عنان المستبد على أبيه بملك المغرپ فامتنع من اسلامهن إليه وفاء بأمانته في خدمتهم وخلص السلطان أبو الحسن بعد النكبة البحرية إلى الجزيرة سنة خمسين وزحف إلى بنى عبد الواد ففلوه ونهض إلى المغرب وسلك إليه القفر حتى نزل سجلماسة فقصده أبو عنان فخرج منها إلى مراكش وقام بدعوته المصامدة وعرب جشم فاحتشد ولفى ابنه بأغمات بجهات أم ربيع فكانت الدبرة عليه ونجا إلى جبل هنتاتة وكان عبد العزيز بن محمد شيخا عليهم منذ مغيب عامر وكان في جملته وخاص معه فأنزله عبسد العزيز بداره وتآمر هو وقومه على اجارته والموت أشهرا حتى هلك السلطان أبو الحسن كما نذكره بعد فحملوه على الاعواد ونزلوا على حكم ابى عنان فأكرمهم ورعى لهم وسلة هذا الوفاء وعقد لعبد العزيز على امارته واستقدم

[ 269 ]

عامرا كبيرهم من مكانه بالمرية فقام بهن لامانته من خطايا السلطان وحرمه فلقاه السلطانة مبرة وتكريما وأناله من اعتنائه حظا وتخلى له أخوه عبد العزيز عن الامر فأقره نائبا ثم عقد السلطان لعامر سنة أربع وخمسين على سائر المصامدة واستعمله لجبايتهم فقام بها مضطلعا وكفاه هم الاعمال المراكشية حتى عرف غناءه فيها وشكر له جبايته وهلك السلطان أبو عنان واستبد على ابنه السعيد ووزيره الحسن بن عمر المودودى وكان ينفس عليه ما كان له من الترشيح للرتبة وبينهما في ذلك شحناء فخشى بادرته وخرج من مراكش إلى معقله من جبل هنتاتة وحمل معه ابن السلطان أبى عنان الملقب بالمعتمد وكان أبوه عقد له يافعا قبيل وفاته على مراكش لنظر عامر فخلص به إلى الجبل حتى إذا استوت قدم السلطان أبى سالم في الامر واستقل بملك المغرب سنة ستين وفد عليه عامر بن محمد مع رسله إليه وأوفد ابن أخيه محمد المعتمد فتقبل السلطان وفادته وشكر وفاءه وأقام ببابه مدة ثم عقد له على قومه ثم استنفره معه إلى تلمسان ولم يزل مقيما ببابه إلى قبل وفاته فأنفذه لمكان امارته ولما هلك السلطان أبو سالم واستبد بالمغرب بعده عمر بن عبد الله بن عمر على ما نذكره وكانت بينه وبين عامر السلطان صداقة وملاطفة وصل يده بيده وأكد العهد معه على سد تلك الفرجة وحول عليه في حوط البلاد المراكشية وأن لا يولى من قبله وكان زعيما بذلك وعقد له على الاعمال المراكشية وما إليها إلى وادى أم ربيع وفوض إليه أمر تلك الناحية واقتسما المغرب شق الابلمة وخاص إليه الاعياص من ولد السلطان أبى سعيد أبو الفضل بن السلطان أبى سالم وعبد المؤمن بن السلطان أبى على فاعتقل عبد المؤمن وامكن أبا الفضل من امارته على ما يذكر بعد وساءت الحال بينه وبين عمر ونهض إليه من فاس بجموع بنى مرين وكافة العساكر واعتصم بجيله وقومه واستبد على الامر من بعده ووصل عبد المؤمن من معتفله يجاجى به بنو مرين لما كانوا يوملون من ولايته واستبداده لما آسفهم من حجر الوزراء لملوكهم فلما رأوا استبداد عامر عليه أعرضوا عنه وانعقد السلم بينه وبين عمر ابن عبد الله على ما كان عليه من مقاسمته اياه في أعمال المغرب ورجع واستقل عامر بناحية مراكش وأعمالها حتى إذا هلك عمر بن عبد الله بيد عبد العزيز بن السلطان أبى الحسن كما نذكره حدثت أبا الفضل بن السلطان أبى سالم نفسه بالفتك بعامر بن محمد كما فتك عمه بعمر بن عبد الله ونذر بذلك فاحتمل كرائمه وصعد إلى داره بالجبل ففتك أبو الفضل بعبد المؤمن ابن عمه لانه كان معتقلا بمراكش واستحكمت لذلك النقرة بينه وبين عامر بن محمد وبعث إلى السلطان عبد العزيز فنهض من فاس في جموعه سنة تسع وستين وفر أبو الفضل فلحق بتادلا وتقبض عليه عمه السلطان عبد العزيز وقتله كما يذكر

[ 270 ]

في أخباره وطلب عامرا في الوفادة فخشيه على نفسه واعتصم بمعقله فرجع إلى حضرته واستجمع عزائمه وعقد على مراكش وأعمالها لعلى بن أجانا من صنائع دولتهم وأوعز إليه بمنازلة عامر وقومه من معتصمه وأوقع به وتقبض على طائفة من بنى مرين وصنائع السلطان في المعركة أودعهم نتيجته فحرك بها عزائم السلطان إليه في قومه من بنى مرين وعساكر المغرب وأحاط به ونازله حولا ثم تغلب عليه سنة احدى وسبعين وانفضت جموعه وتقبض عليه عند اقتحام الجبل فسيق أسيرا إلى السلطان فقيده وقفل به إلى الحضرة ولما قضى نسك الفطر من سنته أحضره ووبخه ثم أمر به فتل إلى مصرعه واثخن جلدا بالسياط وضربا بالمقارع حتى فاض عفا الله عنه وعقد السلطان على قومه لفارس ابن أخيه عبد العزيز كان نزع إليه بين يدى مهلك عمه وعفا عن ابنه أبى يحيى بسابقته إلى الطاعة قبيل اقتحام الجبل عليهم أشار عليه بذلك أبوه نظرا له فظفر بالسلامة والحظ وأصاره السلطان في جملته ثم هلك بعد ذلك فارس بن عبد العزيز واضطرم المغرب فتنة بعد مهلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين وصارت أعمال مراكش في ايالة السلطان عبد الرحمن بن على الملقب بأبى تعلوس ابن السلطان أبى على ونزع إليه أبو يحيى بن عامر فعقد له على قومه ثم أتهمه باحتمال الاموال منذ عهد ابنه وميزه إلى استصفائه ونذر به ابن عامر فلحق ببعض قبائل المصامدة سراتهم بأطراف السوس ونزل عليهم وكان مهلكه فيهم أعوام ثمانين وسبعمائه والله وارث الارض ومن عليها * (كدميوة) * وأما كدميوة وكانوا تبعا لهنتاتة وتينملل في الامر وجبلهم بصدف جبل هنتاتة وكان رؤساءهم لعهد الموحدين بنو سعد الله ولما تغلب بنو مرين على المصامدة ووضعوا عليهم الضرائب امتنع يحيى بن سعد الله وبعض الشئ يحصن تافرجا وتيسخنت من جبلهم وخالفه عبد الكريم بن عيسى وقومه إلى طاعة بنى مرين واختلف إليهم العساكر إلى أن هلك يحيى بن سعد الله سنة أربع وتسعين وستمائة وعساكر يوسف بن يعقوب مجمرة على حصاره فهدموا حصونه وأذلوا من قومه واستخلص السلطان يوسف بن يعقوب عبد الكريم بن عيسى منذ عهد أبيه فعقد له عليهم ثم تقبض على أمراء المصامدة وعقله فيمن اعتقل منهم حتى إذا فعل ابن المليانى فعلته في استهلاكهم لعداوة عمه بما لبس الكتاب على لسان السلطان لابيه على أمير مراكش فقتل عبد الكريم فيمن قتل منهم وقتل معه بنو عيسى وعلى ومنصور وابن أخيه عبد العزيز ابن محمد وامتعض السلطان لذلك وأفلت ابن الملبانى من معسكره لحصار تلمسان فدخلها

[ 271 ]

ثم قام بأمر كدميوة عبد الحق المليانى سعد الله أيام السلطان أبى الحسن وابنه أبى عنان وكانت بينه وبين عامر بن محمد فتنة جرها منصب العمالة شأن المجاورين من القبائل وقديم العداوة بين السلف فلما استفحل أمر عامر بالولاية على مراكش وسائر المصامدة نبذ إلى عبد الحق العهد ونحلة الخلاف والمداخلة للسكسيوى شيخ الفتنة المستعصى منذ أول الدولة فصمد إليه سنة سبع وخمسين وسبعمائة في قومه ومشايخ السلطان التى كانت بمراكش لنظره فاقتحم عليه معقله عنوة وقتله واستولى على كدميوة ولحق بنو سعد الله بفاس فأقاموا بها حتى إذا خاض السلطان أبو سالم البحر إلى ملكه بعد أخيه أبى عنان ونزل بغمارة نزل إليه يوسف بن سعد الله واعتقد منه ذمة سابقيته تلك فلما استولى على البلد الجديد واستقل سلطانه عقد له على قومه رعيا لوسيلته فأقام في ولايته مدة السلطان أبى سالم وكان عامل مراكش محمد بن أبى العلى من حاشية السلطان وبيوت الولاة بالمغرب معولا على أعمال مراكش ليستظهر وطير إليه الكتاب بذلك ونزل إلى مراكش وقتل بها يوسف بن سعد الله ونكث ابن أبى العلى ثم قتله والحقه بابنه عبد الحق وذهبت الرياسة من كدميوة برهة من الدهر ثم رجعت إليهم في بنى سعد الله والله تعالى قادر على ما يشاء وبيده تصاريف الامور لا رب سواه ولا معبود الا اياه * (واما وريكه) * وهم مجاورون لهنتاتة وبينهم فتنة قديمة وحروب متصلة ودماء مطلولة كانت بينهم سجالا وهلك فيها من الفريقين أمم إلى ان غلبهم هنتاتة باعتزازهم بالولاية والله تعالى أعلم بغيبه وهو على كل شئ قدير

[ 272 ]

{ الخبر عن بنى يدر امراء السوس من الموحدين بعد انقراض بنى عبد المؤمن وتصاريف أحوالهم } كان أبو محمد بن يونس من جملة وزراء الموحدين من هنتاتة وكان المرتضى قد استوزره ثم سخطه وعزله سنة خمسين وستمائة وألزمه داره بتا مصلحت وفر عنه قومه وحاشيته وكان من أهل قرابته على بن يدر من بنى باداسن ففر إلى السوس وجاهر بالخلاف سنة احدى وخمسين ونزل بحصن تانصاحت بسفح الجبل حيث يدفع وادى السوس سن درن وشيده وحصنه وتغلب على حصن تيسخت من أيدى صنهاجة وشيده وأنزل فيه

[ 273 ]

ابن عمه بوحمدين ثم تغلب على بسيط السوس وجاجأ بنى حسان من اعراب المعقل من مواطنهم بنواحي ملوية إلى بلاد الريف فارتحلوا إليه وعاث بهم في نواحى السوس وأطاع له كثير من قبائله فاستوفى جبايتهم وأجلب على عامل الموحدين بتار ودانت وضيق عليه المسالك وتفاقم أمره واتهم الوزير أبو محمد بن يونس بمداخلته وعثر على كتابه إلى على بن يدر فأمر المرتضى باعتقاله وقتله سنة ثنتين وخمسين وأغزى أبا محمد بن اصال إلى بلاد السوس في عسكر الموحدين والجند وعقد له عليها فنزل تارودانت وتحصن على بن يدر في تيونودين وزحف إليه ابن أصناك في عسكره فهزمه ابن يدر وقتل كثيرا منهم ورجع إلى مراكش مفلولا وأقام على بن يدر على حاله من الخلاف وأغزاه المرتضى محمد بن على ازلماط في عسكر من الموحدين سنة ستين فهزمهم وقتل ابن ازلماط فعقد المرتضى من بعده على السوس لوزيره أبى زيد بن بكيت فزحف إليه ودارت الحرب بينهما مليا وانقلب من غير ظفر واستفحل ابن يدر ببلاد السوس واستخدم الاعراب من الشبانات وذوى حسان واطاعته القبائل من بنيه وبنى كزولة وكانت لهم فتن وحروب يستظهر في اكثرها بذوى حسان ولما استولى أبو دبوس على مراكش سنة خمس وستين وفرغ من تمهيد ملكه بها اعتزم على الحركة إلى السوس ورحل من مراكش وقدم بين يديه يحيى بن وانودين لاحتشاد القبائل ومن بالجبل ثم أسهل من تامسكروط إلى بسيط السوس ونزل على بنى باداس وقبيلة ابن يدر على فرسخين من تيو نودين وقصد تيزخت بنارودنت وعاين اثار الخراب الذى بها من عيث ابن يدر ولما بلغ حصن تيزخت خيم بساحته وحشد أمما من القبائل لحصاره وكان بو حمدين ابن عم على بن يدر فحاصره أياما ولما اشتد عليه الحصار داخل على بن زكدان من مشيخة بنى مرين كان في جملة أبى دبوس فداخله في الطاعة وتقبل السلطان طاعته على النزول عن حصنه ثم أعجله الحرب واقتحم عليهم الجلب ولجؤا إلى الحصن وفر حمدين إلى بيت على بن زكدان وأمره السلطان باعتقاله واستولى السلطان على الحصن وأنزل به بعض السادة لولايته وارتحل أبو دبوس إلى محاصرة على ابن يدر فحاصره أياما ونصب عليه المجانيق ولما اشتد عليه الحصار رغب في الاقالة ومعاودة الطاعة فتقبل وأقلع السلطان عن حصاره وقفل إلى حضرته ولما استولى بنو مرين على مراكش سنة ثمان وستين استبد على بن يدر وتملك سوس واستولى على تارودنت والقرى وسائر امصاره وقواعده ومعاقله وأرهف حده للاعراب فزحفوا عليه وكانت عليه الدبرة وقتل سنة ثمان وستين وقام بأمره على ابن أخيه عبد الرحمن ابن الحسن مدة ثم هلك وقام بأمرهم على بن الحسن بن بدر ولما صار أبو على بن السلطان

[ 274 ]

أبى سعيد إلى ملك سجلماسة يصلح عقده مع أبيه كما يذكر في أخبارهم فنزلها وشيد ملكه بها واستخدم كافة عرب المعقل فرغبوه في ملك السوس وأطمعوه في أموال ابن يدر فغزاه من سجلماسة وفر ابن يدر امامه إلى جبال نكيسة واستولى السلطان أبو على على حصنه بانصاصت وسائر امصار السوس واستصفى ذخيرته وأمواله ورجع إلى سجلماسة ثم استولى السلطان أبو الحسن من بعد ذلك عليه وانقرض ملك بنى يدر ولحق به عبد الرحمن ابن على بن الحسن وصار في جملته وأنزل السلطان بأرض السوس مسعود بن ابراهيم ابن عيسى البريتانى من طبقة وزرائه وعقد له على تلك العمالة إلى أن هلك وعقد لاخيه حسون من بعده إلى ان كانت نكبة القيروان وهلك حسون وانفض العسكر من هنا لك وتغلب عليه العرب من بنى حسان والشبانات ووضعوا على قبائله الاتاوات والضرائب ولما استبد أبو عنان بملك المغرب من بعد أبيه أغزى عساكره السوس لنظر وزيره فارس بن ودرار سنة ست وخمسين فملكه واستخدم القبائل والعرب من أهله ورتب المشايخ بامصاره وقفر إلى مكان وزارته فانفضت المشايخ ولحقت به وبقى عمل السوس ضاحيا من ظل الملك لهذا العهد وهو وطن كبير في مثل عرض البلاد الجريدية وهوائها المتصل من لدن البحر المحيط إلى نيل مصر الهابط من وراء خط الاستواء في القبلة إلى الاسكندرية وهذا الوطن قبلة جبال درن ذو عمائر وقرى ومزارع ومدن وامصار وجبال وحصون ويحدق به وادى السوس ينصب من باطن الجبل إلى ما بين كلاوة وسيكسيوة ويدفع إلى بسيطه ثم يمر مغربا إلى أن ينصب في البحر المحيط والعمائر متصلة حفا في هذا الوادي ذات المدن والمزارع وأهلها يتخذون فيها قصب السكر وعند مصب هذا الوادي من الجبل في البسيط مدينة تارودنت وبين مصب هذا الوادي في البحر ومصب وادى آش مرحلتان إلى ناحية الجنوب على ساحل البحر وهناك رباط ماسة الشهير المعروف بتردد الاولياء وعبادتهم وتزعم العامة ان خروج الفاطمي منهم ومنه أيضا إلى زوايا أولاد بو نعمان مرحلتان في الجنوب كذلك على ساحل البحر وبعدها على مراحل عصب الساقية الحمراء وهى منتهى مجالات المعقل في مشاتيهم وفى رأس وادى السوس جبل زكنون قبلة جبل الكلاوى وفى قبلة جبال درن جبال نكيسة تنتهى إلى جبال درعه ويعرف الآخر منها في الشرق بابن حميدي ويصب من جبال نكيسة وادى نول ويمر مغربا إلى ان يصب في البحر وعلى هذا الوادي بلدتا كاوصت محط الرفاق والبضائع بالقبلة وبها سوق في يوم واحد يقصده التجار من الآفاق وهو من الشهرة لهذا العهد بمكان وبلد ايفرى بسفح جبال نكيسة وبينها وبين تاكوصت مرحلتان وأرض السوس مجالات لنزول لمطة فلمطه منهم مما يلى

[ 275 ]

درن وكزولة مما يلى الرمل والقفر ولما تغلب المعقل على بسائطه اقتسموها مواطن فكان الشبانات أقرب إلى جبال درن وصارت قبائل لمط من أحلافهم وصارت كزولة من احلاف ذوى حسان والامر على ذلك لهذا العهد وبيد الله تصاريف الامور لا رب سواه ولا معبود الا اياه على عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الرحمن بن بدر من بنى باداسن { الخبر عن دولة بنى حفص ملوك افريقية من الموحدين ومبدا أمرهم وتصاريف أحوالهم } قد قدمنا أن قبائل المصامدة بجبل درن وما حوله كثير مثل هنتاتة وتينملل وهرغه وكنفيسة وسكسيوة وكدميوة وهزوجة ووريكة وهزميرة وركراكة وحاحة وكلاوة وغيرهم ممن لا يحصى وكان منهم قبل الاسلام وبعده رؤساء وملوك وهنتاتة هؤلاء من أعظم قبائلهم وأكثرها جمعا وأشدها قوة وهم السابقون للقيام يدعوة المهدى والممهدون لامره وأمر عبد المؤمن من بعده كما ذكرنا في أخباره بلسان المصامدة حتى كان كبيرهم لعهد الامام المهدى الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى ونقل البيدق ان اسمه بلسانهم فارصكات وهنتاتة لهذا العهد تقول انه اسم جدهم وكان عظيما فيهم غير مدافع وهو أول من تابع الامام المهدى من قومه فجاء يوسف بن وانودين وأبو يحيى بن بكيت وابن يغمور وغيرهم منهم على أثره واختص بصحابة المهدى فانتظم في العشرة السابقين إلى دعوته وكان تلو عبد المؤمن فيهم ولم تكن مزية عبد المؤمن عليه الا من حيث صحابة المهدى وأما في المصامدة فكان كبيرهم غير مدافع وكان يسمى بين الموحدين بالشيخ كما كان المهدى يسمى بالامام وعبد المؤمن بن يحيى بن محمد بن وانودين ابن على بن أحمد بن والال بن ادريس بن خالد بن اليسع بن الياس بن عمر بن وافتق بن محمد ابن نجية بن كعب بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب هكذا نسبه ابن نخيل وغيره من من الموحدين ويظهر منه ان هذا النسب الفرشى وقع في المصامدة والتحم بهم واشتملت عليه عصبيته شأن الانساب التى تقع من قوم إلى قوم وتلتحم بهم كما قلناه أول الكتاب ولما هلك الامام وعهد بأمره إلى عبد المؤمن وكان بعيدا عن عصبية المصامدة الا ما كان له من أثرة المهدى واختصاصه فكتم موت المهدى وعهد عبد المومن ابتلا لطاعة المصامدة وتوقف عبد المؤمن عن ذلك ثلاث سنين ثم قال له أبو حفص نقدمك كما كان الامام يقدمك فعلم ان أمره منعقد ثم أعلن ببيعته

[ 276 ]

وأمضى عهد الامام بتقديمه وحمل المصامدة على طاعته فلم يختلف عليه اثنان وكان الحل والعقد في المهمات إليه سائر أيام عبد المؤمن وابنه يوسف واستكفوا به نوائب الدعوة فكفاهم همها وكان عبد المؤمن يقدمه في المواقف قبلى فيها وبعثه على مقدمته حين زحف إلى المغرب الاوسط قبل فتح مراكش سنة سبع وثلاثين وزناتة كلهم مجتمعون بمنداس لحرب الموحدين مثل بنى ومانو وبنى عبد الواد وبنى ورسيعان وبنى توحين وغيرهم فحمل زناتة على الدعوة بعد ان أثخن فيهم لاول دخول عبد المؤمن لمراكش خرج عليه الثائر بماسة وانصرفت إليه وجوه الغوغا وانتشرت ضلالته في النواحى وتفاقم أمره فدفع لحربه الشيخ أبا حفص فحسم داءه ومحا أثر غوايته ولما اعتزم عبد المؤمن على الرحلة إلى افريقية حركته الاولى لم يقدم شيئا على استشارة أبى حفص ولما رجع منها وعهد إلى ابنه محمد خالفه الموحدون ونكروا ولاية ابنه فاستدعى أبا حفص من مكانه بالاندلس وحمل الموحدين على البيعة له وأشار بقتل الهرغى رأس المخالفين في شأنه فقتله وتم أمر العهد لابنه محمد ولما اعتزم عبد المؤمن على الرحلة إلى افريقية سنة أربع وخمسين حركته الثانية لفتح المهدية استخلف الشيخ أبا حفص على المغرب وينقل من وصاة عبد المؤمن على الرحلة إلى افريقية لبنيه انه لم يبق من أصحاب الامام الا عمر بن يحيى ويوسف بن سليمان فأما عمر فانه من أوليائكم وأما يوسف فجهزه بعسكره إلى الاندلس تسترح منه وكذلك فافعل بكل من تكرهه من المصامدة وأما ابن مردنيش فاتركه ما تركك وتربص به ريب المنون وأخل افريقية من العرب وأجلهم إلى بلاد المغرب وادخرهم لحرب ابن مردنيش ان احتجت إلى ذلك ولما ولى يوسف بن عبد المؤمن تخلف الشيخ أبو حفص عن بيعته ووجم الموحدون لتخلفه حتى استبد غرضه في حكم امضاه بمقعد سلطانه وأعجب بفضله واعطاه صفقة يمينه وأعلن بالرضا بخلافته فكانت عند يوسف وقومه من أعظم البشائر وتسمى بأمير المؤمنين سنة ثلاث وستين ولما ولى يوسف بن عبد المؤمن وتحركت الفتنة بجبال غمارة وصنهاجة التى تولى كبرها سبع بن منقفاد سنة ثنتين وستين عقد للشيخ أبى حفص على حربهم فجلى في ذلك ثم خرج بنفسه فأثخن فيهم وكمل الفتح كما ذكرناه ولما بلغه سنة أربع وستين تكالب الطاغية على الاندلس وغدره بمدينة بطليوس واعتزم على الاجازة لحمايتها قدم عساكر الموحدين إليها لنظر الشيخ أبى حفص ونزل قرطبة وأمر من كان بالاندلس من السادة أن يرجعوا إلى رأيه فاستنقذ بطليوس من هذا الحصار وكانت له في الجهاد هنا لك مقامات مشهورة ولما انصرف من قرطبة إلى الحضرة سنة احدى وسبعين هلك عفا الله عنه في طريقه بسلا قربها وكان ابناؤه

[ 277 ]

من بعده يتداولون الامارة بالاندلس والمغرب وافريقية مع السادة من بنى عبد المؤمن فولى المنصور ابنه أبا سعيد على افريقية لاول ولايته وكان من خبره مع عبد الكريم المنتزى بالمهدية ما ذكرناه في أخباره واستوزر أبا يحيى بن أبى محمد بن عبد الواحد وكان في مقدمته يوم المعركة سنة احدى وتسعين فجلى عن المسلمين وكان له في ذلك الموقف من النصرة والثبات ما طار له به ذكر واستشهد في ذلك الموقف وعرف أعقابه ببنى الشهيد آخر الدهر وهم لهذا العهد بتونس ولما نهض الناصر إلى افريقية سنة احدى وستمائة لما بلغه من تغلب ابن غانية على تونس فاسترجعها ثم نازل المهدية فتعاونت عليه ذئاب الاعراب وجمعهم ابن غانية ونزل قابس فسرح الناصر إليهم أبا محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبى حفص في عسكر من الموحدين فأوقع بابن غانية بتاجرا من نواحى قابس سنة ستين وستمائة وقتل جبارة أخو ابن غانية وأثخن فيهم قتلا وسبيا واستبعد منهم السيد أبا زيد بن يوسف بن عبد المؤمن الوالى كان بتونس وأسره ابن غانية ورجع إلى النصار بمكانه من حصار المهدية فكان سببا في فتحها وكان ذلك مما حمل الناصر على ولاية الشيخ أبى محمد بافريقية حسبما يذكر ان شاء الله تعالى لما تكالب ابن غانية واتباعه على افريقية واستولى على امصارها وحاصر تونس وملكها وأسر السيد أبا زيد أميرها ونهض الناصر من المغرب سنة احدى وستمائة كما ذكرناه فاسترجعها من أيديهم وشردهم عن نواحيها وخيم على المهدية يحاصرها وقد أنزل ابن غانية ذخيرته وولده بها وأجلب في جموعه خلال ذلك على قابس فسرح الناصر إليه الشيخ أبا محمد هذا في عساكر الموحدين وزحف إليهم بتاجرا من جهات قابس فهزمهم واستولى على معسكرهم وما كان بأيديهم وأثخن فيهم بالقتل والسبي واستنقذ السيد أبا زيد من أسرهم ورجع إلى الناصر بمعسكره من حصار المهدية ظافرا ظاهرا وعاين أهل المدينة يوم هزمه بالغنائم والاسرى فبهتوا وسقط في ايديهم وسألوا النزول على الامان وكمل فتح المهدية ورجع الناصر إلى تونس فأقام بها حولا إلى منتصف سنة ثلاث وستمائه وسرح أثناء ذلك أخاه السيد أبا اسحق يتبع المفسدين ويمحو مواقع عينهم فدوخ ما وراء طرابلس وأثخن في بنى دمر ومطماطة ونفوسه وشارف أرض سرت وبرقة وانتهى إلى سويقة ابن مذكور وفر ابن غانية إلى صحراء برقة وانقطع خبره وانكف السيد راجعا إلى تونس واعتزم الناصر على الرحلة إلى المغرب وقد أفاء على افريقية ظل الرضى وضرب عليهم سرادق الحماية وبدا له ان ابن غانية سيخالفه إليها وان مراكش بعيدة عن الصريخ وأنه لا بد من رجل يسد فيها مسد الخلافة ويقيم

[ 278 ]

بها شؤن الملك فوقع اختياره على أبى محمد بن الشيخ أبى حفص ولم يكن ليعدوه لما كان عليه هو وأبو ه في دولتهم من الجلالة وأن أمر بنى عبد المؤمن انما تم بوفاق الشيخ أبى حفص ومظاهرته وان أبا ه المنصور كان قد أوصى الشيخ أبا محمد به وباخوته وكان يوليه صلاة الصبح إذا حضره شغل وأمثال ذلك وسار الخبر بذلك إلى أبى محمد فامتنع وشافهه الناصر به فاعتذر فبعث إليه ابنه يوسف فأكرم موصله وأجاب على شريطة اللحاق بالمغرب بعد قضاء مهمات افريقية في ثلاث سنين وأن يختار عليهم من رجالات الوحدين وأن لا يتعقب عليه في توليته ولا عزله فقبل شرطه ونودى في الناس بولايته ورفعت بين الموحدين رايته وارتحل الناصر إلى المغرب ورجع عنه الشيخ أبو محمد من بجاية فقعد مقعد الامارة بقصبة تونس في السبت العاشر من شوال سنة ثلاث وستمائة وأنفذ أوامره واستكتب أبا عبد الله محمد بن أحمد بن نخيل ورجع ابن غانية إلى نواحى طرابلس فجمع أحزابه واتباعه من العرب من سليم وهلال وكان فيهم محمد بن مسعود في قومه من الزواودة وعاودوا عيثهم وخرج إليهم أبو محمد سنة أربع وستمائة في عساكر الموحدين وتحيز إليه بنو عوف من سليم وهم مرداس وعلاق فلقيهم بشير فتواقعوا واحتربوا عامة يومهم ونزل النصر ثم انفض عسكر ابن غانية آخر النهار واتبعهم الموحدون والعرب واكتسحوا أموالهم وأفات ابن غانية جريحا إلى أقصامبرة ورجع أبو محمد إلى تونس بالظفر والغنيمة وخاطب الناصر بالفتح واستنجاز وعده في التحول عن الولاية فخاطبه بالتنكر والعذر بمهمات المغرب عن ادالته وأنه يستانف النظر في ذلك وبعث إليه بالمال والخيل والكسى للانفاق والعطاء كان مبلغها مائة ألف ألف دينار ثنتان وألف وثمانمائة كسوة وثلثمائة سيف ومائة فرس غير ما كان أنفذ إليه من سبتة وبجاية ووعده بالزيادة وكان تاريخ الكتب سنة خمس فاستمر أبو محمد على شاته وترادفت الوقائع بينه وبين يحيى الميورقى كما نذكره ان شاء الله تعالى * (وقيعة تاهرت وما كان من أبى محمد في تلافيها واستنقاذ غنائمها) * كان يحيى بن غانية لما أفلت من وقيعة أشير بدا له ليقصدن بلاد زناتة بنواحي تلمسان وقارن ذلك وصول الشيخ أبى عمران بن موسى بن يوسف بن عبد المؤمن واليا عليها من مراكش وخروجه إلى بلاد زناتة لتمهيد انحائه وجباية مغارمهم وكتب إليه الشيخ أبو محمد نذيرا بشأنه وأن لا يعرض له وانه في اتباعه فابى من ذلك وارتحل إلى تاهرت وصبحه بها ابن غانية فانغض معسكره وقرب زناتة إلى حصن بها وقتل السيد أبو عمران واستبيحت تاهرت فكان آخر العهد بعمرانها وامتلات أيديهم من الغنائم والسبي وانقلبوا إلى افريقية فاعترضه الشيخ أبو محمد في موضع

[ 279 ]

فأوقع بهم واستنقذ الاسرى من أيديهم واكتسح سائر مغانمهم وقتل فيها كثير من الملثمين ولحق فلهم بناحية طرابلس إلى ان كان من أمرهم ما نذكره ان شاء الله تعالى كان ابن غانية بعد واقعة أشير واستنقاذ أبى محمد تاهرت من يده خلص إلى جهة طرابلس وتلاحق به فل الملثمين وأولياؤه من العرب وكان المجلى معه في مواقف الزواودة من رياح وكبيرهم محمد بن مسعود فتوامروا واعتزموا على معاودة الحرب وتعاقدوا على الثبات والصبر وانطلقوا يستألفون الاعرباب من كل ناحية حتى اجتمع إليهم من ذلك أمم كان فيهم رياح وزغب والشريد وعوف وذباب ونعات واحتفلوا في الاحتشاد وأجمعوا دخول افريقية فبادرهم أبو محمد قبل وصولهم إليه وخرج من تونس سنة ست وأغذ السير إليهم وتزاحفوا عند جبل نفوسة واشتدت الحرب ولما حمى الوطيس ضرب أبو محمد أبنيته وفسطاطه وتحيز إليه بعض الفرق من بنى عوف بن سليم واختل مصاف ابن غانية واتبعه الموحدون إلى أن دخل في غيابات الليل وامتلات أيديهم بالاسرى والغنائم وسيقت ظعائن العرب وقد كانوا قدموها بين ايديهم للحفيظة افذاذا في الكر والفر فأصبحت مغنما للموحدين وربات خدورها سببا وهلك في المعركة خلق من الملثمين وزناتة والعرب وكان فيهم إليه بن محمد بن مسعود البلط بن سلطان شيخ الزواودة وابن عمه حركات بن الشيخ بن عساكر ابن السلطان وشيخ بنى قرة وجراز بن ويفرن كبير مغراوة ومحمد بن العارى بن غانية في آخرين من أمثالهم وانصرف ابن غانية مهيض الجناح مفلول الحد عفوفا بالياس من جميع جهاته وانقلب أبو محمد والموحدون أعزة ظاهرين واستفحل أمر أبى محمد بافريقية وحسم عامة الغساد واستوفى جبايتها وطالت مواقف حروبه ولم تهزم له راية وهلك الناصر وولى ابنه يوسف المنتصر واستبد عليه المشيخة لمكان صغره وشغلوا بفتنة بنى مرين وظهورهم بالمغرب فاستكفي بالشيخ أبى محمد في افريقية وعول على غنائه فيها وضبطه لاحوالها وقيامه بملكها فأبقاه على أعمالها وسرب إليه الاموال لنفقاتها وأعطياتها ولم يزل بها إلى أن هلك سنة ثمان عشرة والله أعلم * (الخبر عن مهلك الشيخ ابى محمد بن الشيخ أبى حفص وولاية عبد الرحمن ابنه) * كانت وفاة الشيخ أبى محمد فاتح سنة ثمان عشرة ولما هلك انباع الناس لمهلكه وافترق أمر الموحدين في الشورى فريقين ابنه عبد الرحمن بن الشيخ أبى محمد وابراهيم ابن عمه اسمعيل ابن الشيخ أبى حفص فتردد وامليا ثم اتفقوا على الامير أبى زيد عبد الرحمن ابنه وأعطوه صفقة ايمانهم وأقعدوه بمجلس أبيه في الامارة فسكن الثائرة وشمر للقيام

[ 280 ]

بالامر عزائمه وأفاض العطا وأجاز الشعراء واستكتب أبا عبد الله ابن أبى الحسن وخاطب المستنصر بالشأن وخرج في عساكره لتمهيد النواحى وحماية الجوانب إلى ان وصل كتاب المستنصر بعزله لثلاثة أشهر من ولايته حسبما نذكره فارتحل الثورة حجبون الرنداحى لمداخلة أبى القاسم العزفى واتفق الملا على ولاية العزفى وحولوا الدعوة للمرتضى وذلك سنة سبع وأربعين وتبعهم أهل طنجة في الدعوة واستبد بها ابن الامير وهو يوسف بن محمد بن عبد الله بن أحمد الهمداني كان واليا عليها من قبل أبى على بن اخلاص فلما وصل الامر للعزفى والقائد حجبون الرنداحى حالفهم هو إلى الدعوة الحفصية واستبد عليهم ثم خطب للعباسي وأشرك نفسه معه في الدعاء إلى ان قتله بنو مرين غدرا كما نذكره وانتقل بنوه إلى تونس ومعهم صهرهم القاضى أبو الصنم عبد الرحمن بن يعقوب ابن خالته ساطبه انتقل هو وقومه إلى طنجة أيام الجلا فنزلوا بها وأصهر إليهم بنو الامين وارتحلوا معهم إلى تونس وعرف دين القاضى أبو القاسم وفضله ومعرفته بالاحكام والوثائق واستعمل في خطة القضاء بالحضرة أيام السلطان وكان له فيها ذكر ولما بلغ الخبر بمهلك الامير أبى زكريا إلى صقلية أيضا وكان المسلمون بها في مدينة بلرم قد عقد لهم السلطان مع صاحب الجزيرة على الاشتراك في البلد والضاحية فتساكنوا حتى إذا بلغهم مهلك السلطان بادر النصارى إلى العيث فيهم فلجأوا إلى الحصن والاوعار ونصبوا عليهم ثائرا من بنى عباس وحاصر طاغية صقلية من الجبل وأحاط بهم حتى استنزلهم فأجازهم البحر إلى دعوته وأنزلهم لو جاره من عمائرها ثم نفد إلى جزيرة مالطه فأخرج وألحقهم باخوانهم واستولى الطاغية على صقلية وجزائرها ومحا منها كلمة الاسلام بكلمة كفره والله غالب على أمره { الخبر عن بيعة السلطان أبى عبد الله المستنصر وما كان في أيامه من الاحداث } لما هلك السلطان أبو زكريا بظاهر بونه سنة سبع وأربعين كما قدمناه اجتمع الناس على ابنه الامير أبى عبد الله وأخذ له البيعة عمه محمد اللحيانى على الخاصة وسائر أهل العسكر وأرتحل إلى تونس فدخل الحضرة ثالث رجب من سنته وجدد بيعته يوم وصوله وتلقب المستنصر بالله ثم جدد البيعة بعد حين واختار لوضع علامته الحمد لله والشكر لله وقام باعباء ملكه وتقبض على خاصة أبيه الخصى كافور كان قهرمان داره فأشخصه إلى المهدية وأوعز إلى الجهات بأخذ البيعة على أهل العمالات فترادفت من كل جانب واستوزر أبا عبد الله بن أبى يهدى واستعمل على القضاء أبا زيد التوزرى وكان معلم ولد عمه محمد اللحيانى كما نذكره والله تعالى أعلم

[ 281 ]

كان للامير أبى زكريا من الاخوة اثنان محمد وكان أسن منه ويعرف باللحيانى لطول لحيته والآخر أبو ابراهيم وكان بينهم من المخالصة والمصافاة مالا يعبر عنه ولما هلك الامير أبو زكريا وقام بالامر ابنه أبو عبد الله المستنصر واستوزر محمد بن أبى يهدى الهنتاتى وكان عظيما في قومه فأمل ان يستبد عليه لمكان صغره إذ كان في سن العشرين ونحوها واستصعب عليه حجر السلطان بما كان له من الموالى العلوج والصنائع من بيوت الاندلس فقد كان أبو ه اصطنع منهم رجالا ورتب جندا غلبوا الموحدين وزاحموهم في مراكزهم من الدولة فداخل ابن أبى يهدى اخوى السلطان وبث عندهما الاسف على ما فاتهما من الامر فلم يجد عندهما ما أمل من ذلك فرجع إلى ابن محمد اللحيانى فاجابه إلى ذلك وبايعه ابن أبى يهدى سرا ووعده المظاهرة وغى الخبر بذلك إلى السلطان من عمه محمد اللحيانى وحذره من غائلة ابنه وأبلغه ذلك أيضا القاضى أبو زيد التوزرى منتصحا وباكر ابن أبى يهدى مقعده للوزارة بباب السلطان لعشرين من جمادى سنة ثمان وأربعين وتقبض على الوزير أبى زيد بن جامع وخرج ومشيخة الموحدين معه فبايعوا لابن محمد اللحيانى بداره واستركب السلطان أولياءه وعقد للقائد ظافر على حربهم فخرج في الجند والاولياء ولحق الموحدين بالمصلى خارج البلد ففل جمعهم وقتل ابن أبى يهدى وابن وازكتدن وسار ظافر موسى السلطان إلى دار اللحيانى عم السلطان فقتله وابنه صاحب البيعة وحمل رؤسهما إلى السلطان وقتل في طريقه أخاه أبا ابراهيم وابنه وانتهب منازل الموحدين وخربت ثم سكنت الفتنة وهدأت الثائرة وعطف السلطان على الجند والاولياء وأهل الاصطناع فادر ارزاقهم ووصل تفقدهم وأعاد عبد الله بن أبى الحسين إلى مكانه بعد ان كان هجره أول الدولة وتزحزح لابن أبى يهدى عن رتبته وتضاءل لاستطالته فرجع إلى حاله واستقامت الامور على ذلك ثم سعى عند السلطان بمولاه ظافر وقمعوا عنوة ما أتاه من الافتيات في قتل عمه من غير جرم ونذر بذلك فخشى البادرة ولحق بالزواودة وكان المتولي لكبر هذه السعاية هلال مولاه فعقد له لمكانه واستقر في جوار العرب طريدا إلى ان كان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن الآثار التى أظهرها السلطان في أيامة) * فمنها شروعه في اختطاط المصانع الملوكية وأولها المصيد بناحية بنزرت اتخذه للصيد سنة خمسين فأدار سياجا على بسيط من الارض قد خرج نطاقه عن التحديد بحيث لا يراع فيه سرب الوحش فإذا ركب للصيد تخطى ذلك السياج إلى قورا في لمة من مواليه

[ 282 ]

المختصين وأصحاب يبرزون بما معهم من الجوارح بازات وصقورا وكلابا سلوقية وفهودا فيرسلونها على الوحش في تلك القورا وقد وثقوا باعتراض البناء لها من امام فيقضى وطرا من ذلك القنص سائر يومه فكان ذلك من أفخم ما عمل في مثلها ثم وصل ما بين قصوره ورياض رأس الطالبية بحائطين ممتدين يجوزان عرض العشرة أذرع أو نحوها طريقا سالكا ما بينهما وعلى ارتفاع عشرة أذرع يتحجب الحرم في خروجهن إلى تلك البساتين عن أن تقع العيون عليهم فكان ذلك مصنعا فخما وأثرا على أيام الدولة خالدا ثم بنى بعد ذلك الصرح العالي بفناء داره ويعرف بقية اساراك باللسان المصعمودى هو القورا الفسيحة وهذا الصرح هو ايوان مرتفع السماك متباعد الاقطار متسع الارجاء يشرع منه إلى الغرب وجانبيه ثلاثة أبو اب لكل باب منها مصراعان من الخشب مؤنق الصنعة ينوء كل مصراع منها في فتحه وغلقه بالعصبة أولى القوة ويفضى بابها الاعظم المقابل لسمت الغرب إلى معارج قد نصبت للظهور عليها عريضة ما بين الجوف إلى القبلة بعرض الايوان يناهز عددها الخمسين أو نحوها ويفضى البابان عن جانبيه إلى طريقين تنتهيان إلى حائط القورا ثم تنعطفان إلى ساحة القورا يجلس السلطان فيها على اريكته مقابل الداخل أيام العرض والوفود ومشاهد الاعياد فجاءت من أفخم الاواوين واحفل المصانع التى تشهد بأبهة الملك وجلالة الدولة واتخذ ايضا بخارج حضرته البستان الطائر الذكر المعروف بأبى فهر يشتمل على جنات معروشات وغير معروشات اغترس فيها من شجره كل فاكهة من أغصان التين والزيتون والرمان والنخيل والاعناب وسائر الفواكه وأصناف الشجر ونضد كل صنف منها في دوحة حتى لقد اغترس من السرو والطلح والشجر البرى وسمى دوح هذه بالشعراء واتخذ وسطها البساتين والرياضات بالمصانع والجرار وشجر النور والنزهة من الليم والنارنج والسدر والريحان وشجر الياسمين والخيرى والنيلوفر وأمثاله وجعل وسط هذه الرياض روضا فسيح الساحة وصنع فيه للماء حاجزا من اعواد الحور جلب إليه الماء في القناة القديمة كانت ما بين عيون زغوان وقرطاجنة تسلك بطن الارض في أماكن وتركب البناء العالي ذالهيا كل الهائلة والقسى القائمة على الارجل الضخمة في أخرى فعطف هذه القناة من أقرب الثمرات إلى هذا البستان وامطاها حائطا وصل ما بينهما حتى ينبعث من فوهة عظيمة إلى جب عميق المهوى رصيف البناء متباعد الاقطار مربع الفناء مجلل بالكلس إلى أن يعمه الماء فيرسله في قناة أخرى قريبة الغاية فينبعث في الصهريج إلى أن يعبق حوضه وتضطرب أمواجه ويترفه الحظايا عن السعي بشاطئه لبعد مداه فيركبن في الجوارى المنشآت فيبارى بهن لما استقل

[ 283 ]

ابن جميل زيان بن أبى الحمالات مدافع بن أبى الحجاج بن سعد بن مردنيش بملك بلنسية وغلب عليها السيد أبو زيد وأبو حفص وذلك عند خمود ريح عبد المؤمن بالاندلس وخروج ابن هود وثورة ابن الاحمر بأرجونة واضطراب الاندلس بالفتنة وأسف الطاغية إلى ثغور الاندلس من كل جانب وزحف ملك أرغون إلى بلنسية فحاصرها وكانت للعدو سنة ثلاث وثلاثين سبع محلات لحصار المسلمين اثنان منها على بلنسية وجزيرة شقر وشاطبة ومحلة بجيان ومحلة بلطسيرة ومحلة بمرسية ومحلة بليلة وأهل جنوة من وراء ذلك على سبتة ثم تملك طاغية قشتا له مدينة قرطبة وظفر طاغية ارغون بكثير من حصون بلنسية والجزيرة وبنى حصن أنيسة لحصار بلنسية وأنزل بها عسكره وانصرف فاعتزم زيان ابن مردنيش على غزو من بقى بها من عسكره وانتفر أهل شاطبة وشمر وزحف إليهم فانكشف المسلمون وأصيب أكثرهم واستشهد أبو الربيع بن سالم شيخ المحدثين بالاندلس وكان يوما عظيما وعنوانا على أخذ بلنسية ثم ترددت عليها سرايا العدو ثم زحف إليها طاغية ارغون في رمضان سنة خمس وثلاثين فحاصرها واستبلغ في نكايتها وكان عبد المؤمن بمراكش قد فشل ريحهم وظهر أمر بنى أبى حفص بافريقية فأمل ابن مردنيش وأهل شرق الاندلس الامير أبا زكريا للكرة وبعثوا إليه بيعتهم وأوفد عليه ابن مردنيش كاتبه الفقيه أبا عبد الله بن الابار صريخا فوفد وأدى بيعتهم في يوم مشهود بالحضرة وأنشد في ذلك المحفل قصيدته على روى السين يستصرخه فيها للمسلمين وهى هذه أدرك بخيلك خيل الله أندلسا * ان الشهيد إلى منحاتها درسا وهب لنا من عزيز النصر ما التمست * فلم يزل منك عز النصر ملتمسا وحاش ممن تعانيه حشاشتها * فطال ما ذاقت البلوى صباح ما يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا * للنائبات وأمسى جدها تسعا في كل شارقة امام بائقة * يعود مأتمها عند العدا عرسا وكل غاربة اجحاف نائبة * تثنى الامان حذارا والسرور أسا تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم * ولا عقائلهم المحجوية الانسا وفى بلنسية منها وقرطبة * ما يذهب النفس أو ما ينزف النفسا مدائن حلها الاشراك مبتسما * جولان وارتحل الاسلام منبئسا وصيرتها العوادى الحادثات بها * يستوحش الصرف منها ضعف ما أنسا يا للمسا جدعادت للعدا بيعا * وللنداء يرى انباؤها جرسا لهفا عليها إلى استرجاع فائتها * مدارسا للمثاني أصبحت درسا

[ 284 ]

وأربعا نهلت أيدى الربيع بها * ما شئت من خلع موشية وكسا كانت مدائن للاحداق مونقة * فسرح النظر من أدواحها وعسى وحال ما حولها من منظر عجب * يستوقف الركب أو يستركب الجلسا سرغانما عاد جيش الكفر محتربا * بعث الربا في مغانيها الذى كبسا وابتز بزتها تخيف حائف الاس‍ * - د الضاريات بها لكل ما افترسا فأين عيش جنيناه بها سمرا * وأين غصن جنيناه بها سلسا محا محاسنها طاغ أتيح لها * ما نام عن هضمها حينا ولا نعسا وريح ارجائها لما أحاط بها * فغادر الشم من أعلامها خنسا خلا له الجو فامتدت يداه إلى * ادراك ما لم تنل رجلاه مختلسا وأكثر الزعم بالتثليث منفردا * ولو رأى زائد التوحيد ما نبسا صل حبلها أيها المولى الرحيل فما * ابقى المراسى لها حبلا ولا مرسا وأحى ما طمست منها العداة كما * أحييت من دعوة المهدى ما طمسا أيام صرت لنصر الحق مستبقا * وبت من نور ذاك الهدى مقتبسا وقت فيها لامر الله منتصرا * كالصارم اهتز أو كالعارض انجسا تمحو الذى كتب التجسيم من ظلم * والصبح ماحية أتواره الغلسا هذى رسائلها تدعوك من كتب * وأنت أفضل مرجو لمن يئسا وافتك جارية بالنحج راجية * منك الامير الرضا والسيد الرئسا خاضت خضارة يعلوها ويخفضها * عبا به فتعاني اللين والشرسا وربما سمحت والريح عاتية * كما طلبت بأقصى شدة الفرسا تؤم يحيى بن عبد الواحد بن أبى * حفص مقبلة من تربه القدسا ملك تقلدت الاملاك طاعته * دينا ودنيا فغشاها الرضا يئسا من كل غاد على يمناه ملتثما * وكل صاد إلى نعماه ملتمسا مؤيد نورها نجما لاثبته * ولو دعا آبقا ولى وما احتبسا امارة تحمل الاقدار رايتها * ودولة عزها يستعصب القعسا يبدى النهار بها من ضوئه شنبا * و يطلع الليل من ظلمائه لعسا كأنه البدر والعلياء هالته * تحف من حوله شهب القنا حرسا له الثرا والثريا خطتان فلا * أعز من خطتيه ماسما ورسا يا أيها الملك المنصور أنت لها * عليا توسع اعداء الهدى تعسا وقد تواترت الانباء انك من * يحيى تقبل ملوك الصغر أندلسا

[ 285 ]

طهر بلادك منهم انهم نجس * ولا طهارة ما لم تغسل النجسا وأوطئ الفيلق الجزار أرضهم * حتى يطاطئ رأسا كل من رأسا وانصر عبيدا باقصى شرقها شرق * عيونهم أدمعا تهمى زكا وخسا هم شيعة الامر وهى الدار قد نهكت * داء متى لم تباشر جسمه انتكسا املا هنيأ لك التمكين ساحتها * جردا سلاهب أو خطية دغسا واضرب لها موعدا للفتح نرقبه * لعل يوم الاعادي قد أتى وعسى فأجاب الامير أبو زكريا داعيتهم وبعث إليهم اسطوله مشحونا بمدد الطعام والاسلحة والمال مع أبى يحيى بن يحيى بن الشهيد بن اسحق بن أبى حفص وكانت قيمة ذلك مائة ألف دينار وجاءهم الاسطول بالمدد وهم في هوة الحصار فنزل بمرسى دانية واستفرغ المدد بها ورجع بالناض إذ لم يخلص إليه من قبل ابن مردنيش من يتسلمه واشتد الحصار على أهل بلنسية وعدمت الاقوات وكثر الهلاك من الجوع فوقعت المراودة على تسليم البلد فتسلمها جانبه ملك ارغون في صفر سنة ست وثلاثين وخرج عنها ابن مردنيش إلى جزيرة شقر فأخذ البيعة على أهلها للامير أبى زكريا ورجع ابن الابار إلى تونس فنزل على السلطان وصار في جملته وألح العدو على حصار ابن مردنيش بجزيرة شقر وأزعجه عنها إلى دانية فدخلها في رجب من سنته وأخذ عليهم البيعة للامير أبى زكريا ثم داخل أهل مرسية وقد كان بويع بها أبو بكر عزيز بن عبد الملك بن خطاب في مفتتح السنة فاقتحمها عليه في رمضان من سنته فقتله وبعث بيعتهم إلى الامير أبى زكريا وانتظمت البلاد الشرقية في طاعته وانقلب وفد ابن مردنيش إليه من تونس بولايته على عمله سنة سبع وثلاثين ولم يزل بها إلى أن غلبه ابن هود على مرسية وخرج عنها إلى لمنت الحصون سنة ثمان وثلاثين إلى أن أخذها طاغية برشلونة من يده سنة أربع وأربعين وأجاز إلى تونس والبقاء لله وحده * (الخبر عن الجوهرى وأوليته ومآل أمره) * اسم هذا الرجل محمد بن محمد الجوهرى وكان مشتهرا بخدمة ابن اكمازير الهنتاتى والى سبتة وغمارة من اعمال الغرب وكان حسن الضبط متراميا إلى الرياسة ولما ورد على تونس وتعلق باعتمال السلطان نظر فيما يزلفه ويرفع من شأنه فوجد جباية أهل الخيام بافريقية من البرابرة الموطنين من الاعراب غير منظبطة ولا محصية في ديوان فنبسه على انها مأكلة للعمال ونهبة للولاة فدفع إليها فأنهى جبايتها وصارت عملا منفردا يسمى عمل العمود وصار له بذلك بين العمال ذكر جذب له السلطان أبو زكريا بضبعه وعول على نصيحته وآثره باختصاصه ووافق ذلك موت أبى الربيع الكنفيسى المعروف بابن

[ 286 ]

القرقير صاحب الاشغال بالحضرة فاستعمل مكانه وكان لا يلى تلك الخطة الا كبير من مشيخة الموحدين فرشحه السلطان لها لكفايته وغنائه فظفر منها بحاجة نفسه واعتدها ذريعة إلى امنيته فاتخذ شارة أرباب السيوف وارتبط الخيل واتخذ الآلة في حروبه مع أهل البادية إذا احتاج إليها واسف اثناء ذلك أبا على بن النعمان وأبا عبيد الله ابن الحسين بعدم الخضوع لهما فنصبا له وأغريا به السلطان وحذراه غائلة عصيانه وكان فيه اقدام أوجد به السبيل على نفسه ويحكى أن السلطان استشاره ذات يوم في تقديم بعض أهل الخلاف والعصيان فقال له عندي ببابك آلاف من الجنود ارم بها من تشاء من امثالهم فأعرض عنه السلطان واعتدها عليه ووجد لها مصداقا لما نمى عنه ولما قدم عنه عبد الحق بن يوسف بن ياسين على الاشغال ببجاية مع زكريا ابن السلطان أظهر له الجوهرى ان ذلك له بسعايته وعهد إليه بالوقوف عند أمره والعمل بكتابه فألقى عبد الحق ذلك إلى الامير زكريا فقام لها وقعد وأنف من استبداد الجوهرى عليه ولم تزل هذه وأمثالها تعد عليه حتى حق عليه القول فسطا به الامير أبو زكريا وتقبض عليه سنة تسع وثمانين ووكل امتحانه إلى اعدائه ابن لمان والندومى فتجلد على العذاب وأصبح في بعض أيامه ميتا في محبسه ويقال خنق نفسه وألقى شلوه بقارعة الطريق فتفنن على أهل الشماتة في العبث به والى الله المصير كان الامير أبو زكريا منذ استقل بأمر افريقية واقتطعها من بنى عبد المؤمن كما ذكرنا متطاولا إلى ملك الحضرة بمراكش والاستيلاء على كرسى الدعوة وكان يرى أن بمظاهرة زناتة له في شأنه يتم له ما يسمو إليه من ذلك فكان يداخل امراء زناتة فيه ويرغبهم ويراسلهم بذلك على الاحياء من بنى مرين وبنى عبد الواد وتوجين ومغراوة وكان يغمراسن منذ تقلد طاعة آل عبد المؤمن أقام دعوتهم بعمله متحيزا إليهم سلما لوليهم وحربا على عدوهم وكان الرشيد منهم قد ضاعف له البر والخلوص وخطب منه مزيد الولاية والمصافاة وعاوده الاتحاف بأنواع الالطاف والهدايا تيمما لمسراته وميلا إليه من جانب أمثاله بنى مرين المجلبين على المغرب والدولة فاستنكر السلطان أبو زكريا اتصال الرشيد هذا بيغمراسن وألزمهم من جواره بالمحل القريب وبينما هو على ذلك إذ وفد إليه عبد القوى أمير بنى توجين وبعض وفد بنى منديل بن عبد الرحمن امراء مغراوة صريخا على يغمراسن فسهلوا له أمره وسولوا له الاستبداد على تلمسان وجمع كلمة زناتة واعتداد ذلك ركابا لما يرومه من امتطاء ملك الموحدين بمراكش وانتظامه في أمره وسلما لارتقاء ما سموا إليه من ملكه وبابا لولوج المغرب على أصله فحركه املاؤهم وهزه إلى النفرة صريخهم وأهب الموحدين وسائر الاولياء والعساكر إلى الحركة على تلمسان واستنفر

[ 287 ]

لذلك سائر البدو من الاعراب الذين في طاعته من بنى سليم ورياح بظعنهم فاهبطوا الحامية ونهض سنة تسع وثلاثين في عسكر ضخم وجيوش وافرة وسرح امام حركته عبد القوى بن العباس وأولاد منديل بن محمد لحشد من وافى بأوطانهم وذوبان قبائلهم وأحياء زغبة أحلافهم والعرب وضرب لهم موعدا لموافاتهم في تخوم بلادهم ولما نزل صحراء زامز قبلة تيطخ منتهى مجالات رياح وبنى سليم بالمغرب تثاقل العرب عن الرحلة بظعنهم في ركاب السلطان وتلووا بالمعاذير فالطف الامير أبو زكريا الحيلة في استنهاضهم وتنبيه عزائمهم وارتحلوا معه حتى نازل تلمسان بجميع عساكر الموحدين بساحة البلد وبرز يغمراسن وجموعه للقاء بصحبتهم ناشبة السلطان بالنبل فانكشفوا ولاذوا بالجدران وعجزوا عن حماية الاسوار فاستمكنت المقاتلة من الصعود ورأى يغمراسن ان قد أحيط بالبلد فقصد باب العقبة من أبو اب تلمسان ملتفا في ذويه وخاصته واعترضته عساكر الموحدين فصمم نحوهم وجدل بعض أبطالهم فأفرجوا له ولحق بالصحراء وتسللت الجيوش إلى البلد من كل حرف فاقتحموه وعاثوا فيه بقتل النساء والصبيان واكتساح الاموال ولما تجلى غشى تلك الهيعة وحسر مثار الصدمة وخمدت نار الحرب راجع الموحدون بصائرهم وامعن الامير أبو زكريا نظره فيمن يقلده أمر تلمسان والمغرب الاوسط وينزله بثغرها لاقامة دعوة الدائلة من دعوة بنى عبد المؤمن والمدافعة عنها واستكبر ذلك أشرافهم وتدافعوه وتشرد له امراء زناتة ضعفا عن مقاومة يغمراسن وعلما بأنه الفحل الذى لا يقرع انفه ولا يطرق غيله ولا يصد عن فريسته وسرح يغمراسن الغارة في نواحى المعسكر واختطفوا الناس من حوله واطلعوا من المراقب عليه ثم بعث وفده متطار حين على السلطان في الملائمة والاتفاق واتصال اليد على صاحب مراكش طالبا الوتر في تلمسان وافريقية وأن يفرده بالدعوة المحمدية فأجابه إلى ذلك ووفدت أمه سوط النساء للاشتراط والقبول فأكرم موصلها واسنى جائزتها وأحسن وفادتها ومنقلبها وسوغ ليغمراسن في شرطه بعض الاعمال بافريقية وأطلق أيدى عماله على جبايته وارتحل إلى حضرته لسبع عشرة ليلة من نزوله وفى اثناء طريقه وسوس إليه الموحدون باشتداد يغمراسن عليه وأشاروا باقامة منافسيه من زناتة وامراء المغرب الاوسط شجا في صدره ومعترضا عن مرامه والبسهم ما لبس من شارة السلطان وزيه فأجابهم وقلد كلا من عبد القوى ابن عطية التوجينى والعباس بن منديل المغراوى ومنصور الملكيشى أمر قومه ووطنه وعهد إليهم في ذلك وأذن لهم في اتخاذ الآلة والمراسم السلطانية على سنن يغمراسن قريعهم فاتخذوها بحضرته وبمشهد ملا من الموحدين وأقاموا مراسمها ببابه

[ 288 ]

واتخذ السير إلى تونس قرير العين بامتداد ملكه وبلوغ وطره والاشراف على اذعان المغرب لطاعته وانقياده لحكمه وادالة دعوة بنى عبد المؤمن فيه بدعوته فدخل الحضرة واقتعد أريكته وأنشده الشعراء بالفتح وأسنى جوائزهم وتطاولت إليه أعناق الآفاق كما نذكره والله أعلم { الخبر عن دخول أهل الاندلس في الدعوة الحفصية ووصول بيعة اشبيلية وكثير من امصارها } كان باشبيلية أبو مروان أحمد الباجى من أعقاب أبى الوليد وأبو عمرو بن الجد من أعقاب الحافظ أبى بكر الطائر الذكر ورثوا التجلة عن جدهم وأجراهم الخلفاء على سننهم وكانا مسمتين متبوعين من أهل بلدهما ومطاعين وجاء أبو القاسم في جملة الامير زكريا وأوصى به ابنه إلى ان حدثته نفسه بالتوثب والخروج وخامره الرعب من اشاعة تناقلها الدهماء سببها أن السلطان استحدث احداث الفلوس من التحاس مقدرة على سكته من الفضة حاكى بها سكة الفلوس بالمشرق تسهيلا على الناس في المعاملات باسواقهم وتيسير الاقتضاء حاجاتهم ولما كان لحق سكة الفضة من غش اليهود المتناولين لصرفها وصوغها وسمى سكته التى استحدثها بالحندوس ثم أفسدها الناس بالتدليس وضربها أهل الرتب ناقصة من الوزن وفشا فيها الفساد واشتد السلطان في العقوبة عليها فقطع وقتل وصارت ريبة لمن تناولها وأعلن الناس بالنكير في شأنها وتنادوا بالسلطان في قطعها وكثر الخوض في ذلك وتوقعت الفتنة وأشيع من طريق الحدثان الذى تكلف به العامة ان الخارج الذى يثير الفتنة هو قاسم بن أبى زيد فأزال السلطان تلك السكة وعفا عنها وهمه شأن أبى القاسم ابن عمه وبلغه الخبر فخامره الرعب إلى ما كان يحدث نفسه بالخروج ففر من الحضرة سنة احدى وستين ولحق برياح ونزل على أميرهم شبل بن موسى بن محمد رئيس الزواودة فتابع له زمام أمره ثم بلغه اعتزام السلطان على النهوض إليه فخشى بادرته واضطرب أمر العرب من قبيله ولما أحس أبو القاسم باضطرابهم وخشى أن يسلموه إذا أرادهم السلطان عليها تحول عنها ولحق بتلمسان وأجاز البحر منها إلى الاندلس وصحب الامير أبا اسحق ابن عمه في مثوى اعتزامهما بالاندلس ثم ساءت أفعاله وعظم استئثاره وفشا النكر عليه من الدولة فلحق بالمغرب وأقام بتينملل مدة ثم رجع إلى تلمسان وبهامات وقام الامير أبو اسحق بمكانه من جوار ابن الاحمر إلى ان كان من امره ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن خروج السلطان إلى المسيلة) * لما اتصل بالسلطان شأن قاسم ابن عمه أبى زيد وفصاله من رياح إلى المغرب بعد عقدهم

[ 289 ]

بيعته واجلابهم على البلاد معه خرج من تونس سنة أربع وستين في عساكر الموحدين وطبقات الجنود لتمهيد الوطن ومحو آثار الفساد منه وتقديم العرب على الطاغية وتنقل في الجهات إلى ان وصل بلاد رياح فدوخها ومهد ارجاءها وفر شبل بن موسى وقومه الزواودة إلى القفر واحتل السلطان بالمسيلة آخر وطن رياح ووافاه هنا لك محمد ابن عبد القوى أمير بنى توجين من زناتة فجدد الطاعة متبركا بزيارته فتلقاه بالبر تلقى امثاله وأثقل كاهله بالجهاز والجوائز وجنب له الجياد والمقربات بالمراكب المثقلة بالذهب واللجوم المحملات وضرب الفساطيط الفسيحة الارجاء من ثياب الكتان وجيد القطن إلى ما يتبع ذلك من المال والظهر والكراع والاسلحة وأقطع له مدينة مقره وبلدا وماش من عمل الزاب وانقلب إلى وطنه ورجع السلطان إلى تونس وفى نفسه من رياح ضغن إلى أن صرف إليهم وجه تدبيره كما نذكره ولثانية احتلاله في الحضرة كان مهلك مولاه هلال ويعرف بالقائد وكان له في الدولة مكان بمكان تلاد للسلطان وكان شجاعا جوادا خيرا محببا سهلا مقبلا على أهل العلم وذوى الحاجات وله في سبل الخير آثار منقولة طار له بها ذكر فارتمض السلطان لمهلكه والله أعلم كان شبل بن موسى وقومه من الزواودة فعلوا الافاعيل في اضطراب الطاغية ونصب من لحق بهم من أهل هذا البيت للملك فتابعوا أولا للامير أبى اسحق كما ذكرناه ثم بعده لابي القاسم ابن عمه أبى زيد وخرج إليهم السلطان سنة أربع وستين ودوخ أوطانهم ولحقوا بالصحراء ودافعوه على البعد بطاعة ممرضة فتقبلها وطوى لهم على البت ورجع إلى تونس فأوعز إلى أبى هلال عباد عامل بجاية من مشيخة الموحدين باصطناعهم واستئلافهم لتكون وفادتهم عليه من غير عهد وجمع السلطان احلافه من كعوب بنى سليم وذياب أفاريق بنى هلال وخرج من تونس سنة ستين في عساكر الموحدين وطبقات الجند ووافاه بنو عساكر ابن السلطان اخوة بنى مسعود ابن السلطان من الزواودة فعقد لمهد بن عساكر عن امارة قومه وغيرهم من رياح وفر بنو مسعود ابن السلطان مصحرين والسلطان في اثرهم حتى نزل نقاوس وعسكروا بثنايا الزاب ورسلهم تختلف إلى أبى هلال ايناسا للمراجعة على يده للدخلة في الساحة فأشار عليهم بالوفادة على السلطان وفاء بقصده من ذلك فتقبلوا اشارته ووفد أميرهم شبل بن موسى بن محمد بن مسعود وأخوه فتقبض عليهم لحينهم وعلى دريد ابن تازير من شيوخ كرفة وانتهبت اسلابهم وضربت اعناقهم ونصبت اشلاؤهم بزوايا من جهات نقاوس حيث كانت بيعتهم لابي القاسم بن أبى زيد وبعث برؤوسهم إلى بسكرة فنصبها بها وأغذ السير غازيا إلى أحيائهم وأحلهم بمكانها من ثنايا الزاب

[ 290 ]

وصحبهم هنا لك فأجفلوا وتركوا الظهر والكراع والابنية فامتلات أيدى وسدريكش منها ونجوا بالعيال والولد على الاقتاب والعساكر في اتباعهم إلى ان أجازوا وادى شدى قبلة الزاب وهو الوادي الذى يخرج أصله من جبل راشد قبلة المغرب الاوسط ويمر إلى ناحية الشرق مجتازا بالزاب إلى أن يصب في سبخة نفزاوة من بلاد الجريد فلما جاز فلهم الوادي أصحروا إلى المفازة المعطشة والارض الحرة السوداء المستحجرة المسماة بالحمادة فرجعت العساكر عنهم وانقلب السلطان من غزاته ظافرا ظاهرا وانشده الشعراء في التهنئة ولحق فل الزواودة بملوك زناتة فنزل بنو يحيى بن دريد على يغمراسن بن زيان وبنو محمد بن مسعود على يعقوب بن عبد الحق فأجازوهم واوسعوهم حباء وملؤا ايديهم بالصلات ومرابطهم بالخيل واحياءهم بالابل ورجعوا إلى مواطنهم فتغلبوا على واركلة وقصور ريغة واقتطعوها من ايالة السلطان ثم انحرفوا إلى الزاب فجمع لهم عامله ابن عتو وكان موطنا بمقرة ولقيهم على حدود ارض الزاب فهزموه واتبعوه إلى بطاوة فقتلوه عندها واستطالوا على الزاب وجبل أوراس وبلاد الحصنة إلى ان اقتطعتهم الدول اياها من بعد ذلك فصارت ملكا لهم والله تعالى أعلم * (الخبر عن طاغية الافرنجة ومنازلته تونس في أهل نصرانيته) * هذه الامة المعروفة بالافرنجة وتسميها العامة بالافرانسيس نسبة إلى بلد من أمهات أعمالهم تسمى افرانسة ونسبهم إلى بافت بن نوح وهم بالعدوة الشمالية من عدوتى هذا البحر الرومي الغربي ما بين جزيرة الاندلس وخليج القسنطينة مجاورون الروم من جانب الشرق والجلالقة من جانب الغرب وكانوا قد أخذوا بدين النصرانية مع الروم ومنهم لقنوا دينها واستفحل ملكهم عند تراجع ملك الروم وأجازوا البحر إلى افريقية مع الروم فملكوها ونزلوا امصارها العظيمة مثل سبيطلة وجلولا وقرطاجنة ومرناق وباغاية ولمس وغيرها من الامصار وغلبوا على من كان بها من البربر حتى اتبعوهم في دينهم وأعطوهم طاعة الانقياد ثم جاء الاسلام وكان الفتح بانتزاع الاعراب من أيديهم سائر امصار افريقية والعدوة الشرقية والجزر البحرية مثل اقريطش ومالطة وصقلية وميورقة ورجوعهم إلى عدوتهم ثم أجازوا خليج طنجة وغلبوا القوط والجلالقة والبشكنس وملكوا جزيرة الاندلس وخرجوا من ثناياها ودورها إلى بسائط هؤلاء الافرنجة فدوخها وعاثوا فيها ولم تزل الصوائف تتردد إليها صدرا من دولة بنى أمية بالاندلس وكان ولاة افريقية من الاغالبة ومن قبلهم أيضا يرددون عساكر المسلمين وأساطيلهم من العدوة حتى غلبوهم على الجزر البحرية ونازلوهم في بسائط عدوتهم فلم تزل في نفوسهم من ذلك ضغائن فكان يخالجها الطمع في ارتجاع ما غلبوا عليه منها وكان الربع أقرب

[ 291 ]

إلى سواحل الشام وطمع فيها فلما وصل أمر الروم بالقسطنطينة ورومة واستفحل ملك الفرنجة هؤلاء وكان ذلك على هيئة سمو الخلافة بالمشرق فسموا حينئذ إلى التغلب على معاقل الشأم وثغوره وزحفوا إليها وملكوا الكثير منها واستولوا على المسجد الاقصى وبنوا فيه الكنيسة العظمى بدل المسجد ونازلوا مصر والقاهرة مرارا حتى جاد الله للاسلام من صلاح الدين أبى أيوب الكردى صاحب مصر والشأم في أواسط المائة السادسة جنة واقية وعذابا على أهل الكفر مصبوبا فابلى في جهادهم وارتجع ما ملكوه وظهر المسجد الاقصى من افكهم وكفرهم وهلك على حين عمل من الغزو والجهاد ثم عاودوا الكرة ونازعوا مصر في المائة السابعة على عهد الملك الصالح صاحب مصر والشأم وأيام الامير أبى زكريا بتونس فضربوا أبنيتهم بدمياط وافتتحوها وتغلبوا في قرى مصر وهلك الملك الصالح خلال ذلك وولى ابنه المعظم وأمكنت المسلمين في الغزو فرصة أيام فيض النيل ففتحوا الغياض وأزالوا مدد الماء فأحاط بمعسكرهم وهلك منهم عالم وقيد سلطانهم أسيرا من المعركة إلى السلطان فاعتقله بالاسكندرية حتى مر عليه بعد حين من الدهر وأطلقه على أن يمكنوا المسلمين من دمياط فوفوا له ثم على شرط المسالمة فيما بعد فنقضه لمدة قريبة واعتزم على الحركة إلى تونس متجنيا عليهم فيما زعموا بمال ادعياء تجار أرضهم وأنهم أقرضوا الليانى فلما نكبه السلطان طالبوه بذلك المال وهو نحو ثلثمائة دينار بغير موجب يستندون إليه فغضبوا لذلك واشتكوا إلى طاغيتهم فامتعض لهم ورغبوه في غزو تونس لما كان فيها من المجاعة والموتان فأرسل الفرنسيس طاغية الافرنج واسمه سنلويس بن يونس وتلقب بلغة الافرنج ريد افرنس ومعناه ملك افرنس فأرسل إلى ملوك النصارى يستنفرهم إلى غزوها وأرسل إلى القائد خليفة المسيح بزعمهم فأوعز إلى ملوك النصرانية بمظاهرته وأطلق يده في أموال الكنائس مددا له وشاع خبر استعداد النصارى للغزو في سائر بلادهم وكان الذين أجابوه للغزو ببلاد المسلمين من ملوك النصرانية ملك الانكشار وملك اسكوسنا وملك نزول وملك برشلونة واسمه ريدراكون وجماعة آخرون من ملوك الافرنج هكذا ذكر ابن الاثير وأهم المسلمين بكل نغر شأنهم وأمر السلطان في سائر عمالاته بالاستكثار من العدة وأرسل في الثغور لذلك باصلاح الاسوار واختزان الحبوب وانقبض تجار النصارى عن تعاهد بلاد المسلمين وأوفد السلطان رسله إلى الفرنسيس لاختبار حاله ومشارطته على ما يكف عزمه وحملوا ثمانين ألفا من الذهب لاستتمام شروطهم فيما زعموا فأخذ المال من أيديهم وأخبرهم أن غزوه إلى ارضهم فلما طلبوا المال اعتل عليهم بأنه لم يباشر قبضه ووافق شأنهم معه وصول رسول عن صاحب مصر فأحضر عند الفرنسيس واستجلس فأبى

[ 292 ]

وأنشده قائلا من قول أبى مطروح شاعر السلطان بمصر قل للفرنسيس إذا جئته * مقال صدق من وزير نصيح آجرك الله على ما جرى * من قتل عباد نصارى المسيح أتيت مصرا تبتغى ملكها * تحسب ان الزمر بالطبل ريح فساقك الحين إلى أدهم * ضاق به عن ناظريك الفسيح وكل أصحابك أودعتهم * بسوء تدبيرك بطن الضريح سبعون ألفا لا يرى منهم * الا قتيل أو أسير جريح ألهمك الله إلى مثلها * لعل عيسى منكم يستريح ان كان باباكم بذا راضيا * فرب غش قد أتى من نصيح فاتخذوه كاهنا انه * أنضح من شق لكم أو سطيح وقل لهم ان أزمعوا عودة * لاخذ ثار أو لشغل قبيح دار ابن لقمان على حالها * والقيد باق والطواشي صبيح يعنى بدار ابن لقمان موضع اعتقاله بالاسكندرية والطواشي في عرف أهل مصر هو الخصى فلما استكمل انشاده لم يزد ذلك الطاغية الا عتوا واستكبارا واعتذر عن نقض العهد في غزو تونس بما يسمع عنهم من المخالفات عذرا دافعهم به وصرف الرسل من سائر الآفاق ليومه فوصل رسل السلطان منذرين بشأنهم وجمع الطاغية حشده وركب أساطيله إلى تونس آخر ذى القعدة سنة ثمان وستين فاجتمعوا بسردانية وقيل بصقلية ثم واعدهم بمرسى تونس وأقلعوا ونادى السلطان في الناس بالنذير بالعدو والاستعداد له والنفير إلى أقرب المدائن وبعث الشوانى لاستطلاع الخبر واستفهم أياما ثم توالت الاساطيل بمرسى قرطاجنة ونفاوض السلطان مع أهل الشورى من الاندلس والموحدين في تخليتهم وشأنهم من النزول بالساحل أو صدهم عنه فأشار بعضهم بصدهم حتى تنفد ذخيرتهم من الزاد والماء فيضطرون إلى الاقلاع وقال آخرون إذا أقلعوا من مرسى الحضرة ذات الحامية والعدد صبحوا بعض الثغور سواها فملكوه واستباحوه واستصعبت مغالبتهم عليه فوافق السلطان على هذا وخلوا وشأنهم من النزول فنزلوا بساحل قرطاجنة بعد ان ملئت سواحل رودس بالمرابطة بجند الاندلس والمطوعة زهاء أربعة آلاف فارس لنظر محمد بن الحسين رئيس الدولة ولما نزل النصارى بالساحل وكانوا زهاء ستة آلاف فارس وثلاثين ألفا من الرجالة فيما حدثنى أبى عن أبيه رحمهما الله قال وكان أساطيلهم ثلثمائة بين كبار وصغار وكانوا سبعة يعاسيب كان فيهم الفرنسيس واخوة جرون صاحب صقلية وصاحب الجزر والعلجة زوج

[ 293 ]

الطاغية تسمى الرينة وصاحب البر الكبير وتسميهم العامة من أهل الاخبار ملوكا ويعنون انهم متباينون ظاهروا على غزو تونس وليس كذلك وانما كان واحدا وهو طاغية الفرنجة واخوته وبطارقته عد كل واحد منهم ملكا لفضل قوته وشدة بأسه فأنزلوا عساكرهم في المدينة القديمة من قرطاجنة وكانت مائلة الجدران اضطرم المعسكر بداخلها ووصلوا ما فصله الخراب من أسوارها بألواح الخشب ونضدوا شرفاتها وأداروا على السور خندقا بعيد المهوى وتحصنوا وندم السلطان على اضاعة الحزم في تخريبها أو دفاعهم عن نزلها وأقام ملك الفرنجة وقومه متمرسين بتونس ستة أشهر والمدد ياتيه في أساطيله من البحر من صقلية والعدوة بالرجل والاسلحة والاقوات وسلك بعض المسلمين طريقا في البحيرة واتبعه العرب فأصابوا غرة في العدو فظفروا وغنموا وشعروا بمكانهم فكلفوا بحراسة البحيرة وبعثوا فيها الشوانى بالرماة ومنعوا الطريق إليهم وبعث السلطان في ممالكه حاشدا فوافته الامداد من كل ناحية ووصل أبو هلال صاحب بجاية وجاءت جموع العرب وسد ويكش وولهاصة وهوارة حتى أمده ملوك المغرب من زناتة وسرح إليه محمد بن عبد القوى عسكر بنى توجين لنظر ابنه زيان وأخرج السلطان ابنيته وعقد لسبعة من الموحدين على سائر الجند من المرتزقة والمطوعة وهم اسمعيل بن أبى كلداسن وعيسى بن داود ويحيى بن أبى بكر ويحيى بن صالح وأبو هلال عياد صاحب بجاية ومحمد بن عبو وأمرهم كلهم راجع ليحيى بن صالح ويحيى ابن أبى بكر منهم واجتمع من المسلمين عدد لا يحصى وخرج الصلحاء والفقهاء والمرابطون لمباشرة الجهاد بأنفسهم والتزم السلطان القعود بايوانه مع بطانته وأهل اختصاصه وهم الشيخ أبو سعيد المعروف بالعود وابن أبى الحسين وقاضيه أبو القاسم بن البراء وأخو العيش واتصلت الحرب والتقوا في منتصف محرم سنة تسع بالمنصف فزحف يومئذ يحيى بن صالح وجرون فمات من الفريقين خلق وهجموا على المعسكر بعد العشاء وتدامر المسلمون عنده ثم غلبوا عليه بعد ان قتل من النصارى زهاء خمسمائة فأصبحت ابنيته مضروبة كما كانت وأمر بالخندق على المعسكر فتعاورته الايدى واحتفر فيه الشيخ أبو سعيد بنفسه وابتلى المسلمون بتونس وظنوا الظنون واتهم السلطان بالتحول عن تونس إلى القيروان ثم ان الله أهلك عدوهم وأصبح ملك الفرنجة ميتا يقال حتف أنفه ويقال أصابه سهم غرب في بعض المواقف فأبته ويقال أصابه مرض الوباء ويقال وهو بعيد ان السلطان بعث إليه مع ابن جرام الدلاصى بسيف مسموم وكان فيه مهلكه ولما هلك اجتمع النصارى على ابنه دمياط سمى بذلك لميلاده بها فبايعوه واعتزموا على الاقلاع وكان أمرهم راجعا إلى العلجة فراسلت المستنصر أن يبذل لها ما خسروه

[ 294 ]

في مؤنة حركتهم وترجع بقومها فاسعفها السلطان لما كان العرب اعتزموا على الانصراف إلى مشاتيهم وبعث مشيخة الفقهاء لعقد الصلح في ربيع الاول سنة تسع وستين فتولى عقده وكتابه القاضى ابن زيتون لخمسة عشر عاما وحضر أبو الحسن على بن عمرو وأحمد بن الغماز وزيان بن محمد بن عبد القوى أمير بنى توجين واختص جرون صاحب صقلية بسلم عقده على جزيرته وأقلع النصارى باساطيلهم وأصابهم عاصف من الريح أشرفوا منه على العطب وهلك الكثير منهم واغرم السلطان الرعايا ما أعطى العدو من المال فأعطوه طواعية يقال انه عشرة أحمال من المال وترك النصارى بقرطاجنة تسعين منجنيقا وخاطب السلطان صاحب المغرب وملوك النواحى بالخبر ودفاعه عن المسلمين وما عقده من الصلح وأمر بتخريب قرطاجنة وأن يؤتى بنيانها من القواعد فصير ابنيتها طامسة ورجع الفرنجة إلى دعوتهم فكان آخر عهدهم بالظهور والاستفحال ولم يزالوا في تناقص وضعف إلى أن افترق ملكهم عمالات واستبد صاحب صقلية لنفسه وكذا صاحب نايل وحنوة وسردانية وبقى بيت ملكهم الاقدم لهذا العهد على غاية من الفشل والوهن والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين أصل هذا الرجل من بنى سعيد رؤسا القلعة المجاورة لغرناطة وكان كثير منهم قد استعملوا أيام الموحدين بالعدوتين وكان جده أبو الحسن سعيد صاحب الاشغال بالقيروان ونشأ حافده محمد هذا في كفالته ولما عزل وقفل إلى المغرب هلك ببونة سنة أربع وستمائة ورجع حافده محمد إلى تونس والشيخ أبو محمد بن أبى حفص صاحب افريقية لذلك العهد فاعتلق بخدمة ابنه أبى زيد ولما ولى الامر بعد وفاة أبيه غلب محمد هذا على هواه ثم جاء السيد أبو على من مراكش وعلى افريقية محمد بن أبى الحسين في جملته إلى أن هلك في حصار هسكورة بمراكش كما قدمناه ورجع ابن أبى الحسين إلى تونس واتصل بالامير أبى زكريا لاول استبداده فغلب على هواه وكان منحتا في صحابة الملوك ولما ولى المستنصر اجراه على سنته برهة ثم تنكر له اثر كائنة اللحيانى وعظمت سعاية اعدائه من الباطنية وأشاعوا مداخلته لابي القاسم بن عزومة أبى زيد ابن الشيخ أبى محمد فنكبه السلطان واعتقله بداره تسعة أشهر ثم سرحه واعاده إلى مكانه وثأر من اعدائه واستولى على أمور السلطان إلى أن هلك سنة احدى وتسعين وكلف ابن عمه سعيد بن يوسف بن أبى الحسن اشغال الحضرة وكان قد اقتنى مالا جسيما ونال من الحضرة منالا عظيما وكان الرئيس أبو عبد الله متفننا في العلوم مجيدا في اللغة والشعر ينظم فيجيد وينتر فيحسن وله من التآليف كتاب ترتيب المحكم لابن سيده على نسق

[ 295 ]

الصحاح للجوهري واختصاره وكان في رياسته صليب الرأى قوى الشكيمة عالى الهمة شديد المراقبة والحزم في الخدمة وله شعر نقل منه التيجاني وغيره ومن أشهره ما نقل له يخاطب عنان بن جابر عن الامير أبى زكريا لما خالف واتبع ابن غانية وهى على روى الراء وكان قبلها أخرى على روى الدال وكان له ولد اسمه سعيد وتوفى في حياة أبيه في المراتب السلطانية ثم اغتبط دون غايته وفى ثالث مهلكه كان مهلك الشيخ أبى سعيد عثمان بن محمد الهنتاتى المعروف بالعود الرطب ويعرف أهل بيته بالمغرب ببنى أبى زيد وكان منهم عبد العزيز المعروف بصاحب الاشغال كان فر من المغرب أيام السعيد بجفوة ثالثة ولحق بسجلماسة سنة احدى وأربعين وقد كان انتزى بها عبد الله الهزوجى وبايع للامير أبى زكريا فأجازه عبد الله إلى تونس ونزل على الامير أبى زكريا ونظمه في طبقات مشيخة الموحدين وأهل مجلسه ثم حظى عند ابنه المستنصر بعد نكبة بنى النعمان حظوة لا كفاء لها واستولى على الرأى والتدبير إلى أن هلك سنة ثلاث وسبعين فشيع طيب الذكر ملحقا بالرضوان من الخاصة والعامة والله مالك الامور * (الخبر عن انتقاض أهل الجزائر وفتحها) * كان أهل الجزائر لما رأوا تقلص ظل الدولة عن زناتة وأهل المغرب الاوسط حدثوا أنفسهم بالاستبداد والقيام على أمرهم وخلع ربقة الطاعة من أعناقهم فجاهروا بالخلعان وسرح السلطان إليهم العساكر سنة تسع وستين وأوعز إلى صاحب القفر صاحبه وهو أبو هلال عياد بن سعيد الهنتاتى فقدم إليها في عساكر الموحدين سنة احدى وسبعين ونازلها مدة حول وامتنعت عليه فأقلع عنها ورجع إلى بجاية وهلك بمعسكر ببنى ورا سنة ثلاث وسبعين ثم ان السلطان صرف عزمه إلى منازلتهم سنة أربع وسبعين وسرح إليهم العساكر في البر وأنفذ الاساطيل في البحر وعقل على عسكر تونس لابي الحسن بن ياسين وأوعز إلى عامل بجاية بانفاذ عسكر آخر فانفذه لنظر أبى العباس بن أبى الاعلام ونهضت هذه العساكر برا وبحرا إلى أن نازلتها وأحاطت بها من كل جانب واشتد حصارها ثم افتتحها عنوة وأثخن فيهم القتل وانتهبت المنازل وافتضح الكرائم في ابكارهن وتقبض على مشيخة البلد فنقلوا إلى تونس مصفدين واعتقلوا بالقصبة إلى ان سرحهم الواثق بعد مهلك السلطان والله تعالى أعلم كان السلطان بعد فتح الجزائر قد خرج من تونس للصيد وتفقد العمالات فأصابه في سفره مرض ورجع إلى داره واشتدت علته وكثر الارجاف بموته وخرج يوم الاضحى سنة خمس وخمسين يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الارض وجلس للناس

[ 296 ]

على منبر منجلدا ثم دخل بيته وهلك لليلته تلك رضوان الله عليه وكان شأن هذا السلطان في ملوك ال حفص عظيما وشهرته طائرة الذكر بما انفسح من أمر سلطانه ومدت إليه ثغور القاصية من العدوتين يد الاعتصام به وما اجتمع بحضرته من أعلام الناس الوافدين على ابنه وخصوصا الاندلس من شاعر مفلق وكاتب بليغ وعالم نحرير وملك أورع وشجاع أهيش متفيئين ظل ملكة متناغين في البادية لطموس معالم الخلافة شرقا وغربا على عهده وخفوق صوت الملك الا في ايوانه فقد كان الطاغية التهم قواعد الملك بشرق الاندلس وغربها فأخذت قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وبلنسية سنة ست بعدها واشبيلية سنة ست وأربعين واستولى على بعداد دار خلافة العرب بالمشرق وحاضرة الاسلام سنة ست وخمسين وانتزع بنو مرين ملك بنى عبد المؤمن واشتملوا على حضرة مراكش دار خلافة الموحدين سنة ثمان وستين كل ذلك على عهده وعهد أبيه ودولتهم أشد ما كانت قوة وأعظم رفاهية وجباية وأوفر قبيلا وعصابة واكثر عساكر وجندا فامله أهل العلم للكرة وأجفلوا إلى الامساك بحقويه وكان له في الابهة والجلال أخبار وفى الحروب والفتوح آثار مشهودة وفى أيامه عظمت حضارة تونس وكثر ترف ساكنها وتأنق الناس في المراكب والملابس والمباني والماعون والآنية فاستجادوها وتناغوا في اتخاذها وافشائها إلى أن بلغت غايتها ثم رجعت من بعده ادراجها والله مالك الامور ومصرفها كيف يشاء * (الخبر عن بيعة الواثق يحيى بن المستنصر وهو المشهور بالمخلوع وذكر أحواله) * لما هلك السلطان المستنصر سنة خمس وسبعين كما قدمناه اجتمع الموحدون وسائر الناس على طبقاتهم إلى ابنه يحيى فبايعوه ليلة مهلك أبيه وفى غدها وتلقب الواثق وافتتح أمره برفع المظالم وتسريح أهل السجون وافاضة العطاء في الجند وأهل الديوان واصلاح المساجد وازالة كثير من الوظائف عن الناس وامتدحه الشعراء فأسنى جوائزهم وأطلق عيسى بن داود من اعتقاله ورده إلى حاله وكان المتولي لاخذ البيعة عن الناس والقائم بأمره سعيد بن يوسف بن أبى الحسين لمكانه من الدولة ورسوخه في الشهرة فقام بالامر ولم يزل على ذلك إلى ان نكبه وأدال منه بالخير والله أعلم هذ الرجل اسمه يحيى بن عبد الملك الغافقي وكنيته أبو الحسن أندلسيا من أعمال مرسية وفد مع الجالية من شرق الاندلس أيام استيلاء العدو وكان يحسن الكتابة ولم يكن له من الخلال سواها فصرف في الاعمال ثم ارتقى إلى خدمة أبى الحسن فاستكتبه ثم رقاه إلى ولاية الديوان فعظمت حالته وكانت له اثناء ذلك مداخلة للواثق ابن السلطان واعتدها

[ 297 ]

له سابقة فلما استوثق الامر للواثق رفع منزلته واختصه بالشورى وقلده كتاب علامته وكان سعيد بن ابى الحسين مزاحما له منافسا لما كان أسف من تقديمه فأغرى به السلطان ورغبه في ماله فتقبض على أبى سعيد بن أبى الحسين لستة أشهر من الدولة سنة وسبعين واعتقل بالقصبة واستقل على معلة ابن ياسين وابن صياد الرجالة وغيرهم وقدم على الاشغال مدافعا في الموالى المعلوجين ووكل أبا زيد بن أبى الاعلام من الموحدين بمصادرة ابن أبى الحسين على المال وامتحانه ولم يزل يستخرج منه حتى ادعى الاملاق واستحلف فخلف ثم ضرب فادعى مؤتمنا من ماله عند قوم استكشفوا عنه فأدوه نم دل بعض مواليه على ذخيرة بداره دفينة فاستخرج منه زهاء ستمائة آلاف من الدنانير فلم يقبل بعدها مقاله وبسط عليه العذاب إلى أن هلك في ذى الحجة من سنته ودفن شلوه بحيث لم يعرف مدفنه واستبد أبو الحسن الخير على الدولة والسلطان وبعث أخاه أبا العلاء واليا على بجاية وأسف المشيخة والبطانة بعتوه واستبداده وما يتجشمونه من مكابرة بابه إلى ان عاد وبال ذلك على الدولة كما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن اجازة السلطان أبى اسحق من الاندلس ودخول أهل بجاية في طاعته) * كان السلطان المستنصر قد عقد على بجاية سنة ستين لابي هلال عياد بن سعيد الهنتاتى وادال به من أخيه الامير أبى حفص فأقام واليا عليها إلى أن هلك ببنى ورا سنة ثلاث وسبعين كما قدمنا وعقد عليها من بعده لابنه محمد وكان له غناء في ولايته واضطلاع بأمره إلى أن هلك المستنصر وولى ابنه الواثق فبادر إلى انقياد طاعته وبعث وفد بجاية ببيعتهم ثم قلد أبو الحسن القائم بالدولة أخاه ادريس ولاية الاشغال ببجاية فقام بها وأفنى الاموال وتحكم في المشيخة وأنف محمد بن أبى هلال من استبداده عليه فهم ادريس بنكبته فخشى محمد بن أبى هلال بادرته وداخل بعض بطانته في قتله وفاوض الملا فيه فعدوا عليه لاول ذى القعدة سنة سبع وسبعين بمقعده من باب السلطان فقتلوه ورموا برأسه إلى الغوغاء والزعانف فبعثوا به ووافق ذلك حلول السلطان أبى اسحق بتلمسان وكان عند بلوغ الخبر إليه بمهلك أخيه المستنصر أجمع أمره على الاجازة لطلب حقه بعدما تردد برهة ثم اعتزم وعاد إلى تلمسان ونزل على يغمراسن بن زيان فقام لمورده واحتفل في مبرته وفعل أهل بجاية وابن أبى هلال فعلتهم وخشوا بوادر السلطان بالحضرة فخاطب السلطان أبا اسحق واتوه ببيعتهم وبعثوا وفدهم يستحثونه للملك فأجابهم ودخل إليها آخر ذى القعدة من سنته فبايعه الموحدون والملا من أهل بجاية وقام بأمره محمد بن هلال ثم زحف في عساكره إلى قسنطينة فنازلها وبها عبد العزيز ابن عيسى بن داود فامتنعت عليه فأقلع عنها إلى ان كان من أمره ما نذكره

[ 298 ]

لما بلغ الخبر إلى الواثق ووزيره المستبد عليه ابن المبر بدخول السلطان أبى اسحق بجاية شيع العساكر إلى حربه وعقد عليها لعمه أبى حفص واستوزر له أبا زيد بن جامع فخرج من تونس واضطرب معسكره ببجاية وعقد الواثق على قسنطينة لعبد العزيز بن عيسى ابن داود لذمة صهر كانت له من ابن الجيد فتقدم إلى قسنطينة ومانع عنها الامير أبا اسحق كما ذكرناه ثم اضطرب رأى ابن الجيد في خروج الامير أبى حفص وأراد انقباض عسكره فكتب الواثق إلى أبى حفص ووزيره ابن جامع يغرى كل واحد منهما بصاحبه فتفاوضا واتفقا على الدعاء للامير أبى اسحق وبعثوا إليه بذلك واتصل الخبر بالواثق وهو بتونس منتبذا عن الحامية والبطانة فاستيقن ذهاب ملكه وأشهد الملا وانخلع عن الامر لعمه السلطان أبى اسحق غرة ربيع الاول من سنة ثمان وسبعين وتحول عن قصور الملك بالقصبة إلى دار الاقورى وانقرضت دولته وأمره والبقاء لله وحده * (الخبر عن استيلاء السلطان أبى اسحق على الحضرة) * لما بلغ السلطان أبا اسحق كتاب أخيه الامير أبى حفص وابن جامع من بجاية بادر مغذا إليهم ثم وافاه خبر انخلاع الواثق ابن أخيه بتونس فارتحلوا جميعا وسائر أهل الحضرة على طبقاتهم إلى لقائه وآتوا طاعتهم ودخل الحضرة منتصف الحجة آخر سنة ثمان وسبعين ومحمد بن هلال شيخ دولته وعقد على حجابته لابي القاسم بن الشيخ كاتب أبى الحسن وعلى خطة الاشغال لابن أبى بكر بن الحسن بن خلدون كان وفد مع ابنه الحسن على الامير أبى زكريا من اشبيلية لدمة رعاها لهم لما كانت أم ولده أم الخلائف من هدايا ابن المحتسب أبى زكريا محلهم ورحل الحسن إلى المشرق ومات هنا لك وبقى ابنه أبو بكر بالحضرة فاستعمله الامير أبو اسحق لاول دخوله في خطة الاشغال ولم يكن يليها الا الموحدون كما قلناه وعقد لفضل بن على بن مرى على الزاب ولم يكن أيضا يليه الا الموحدون لكن رعى لفضل بن مرى ذمة اغترابه معه إلى الاندلس فعقد له على الزاب ولاخيه عبد الواحد على بلاد قصطيلة ثم تقبض على أبى الخير وأمر باعتقاله ودفعه إلى موسى بن محمد بن ياسين للمصادرة والامتحان ووجد مكان التمائم عليه طوابع وطلسمات مختلفة الاشكال والصور وتسحر بها فيما زعموا مخدومه فجاوبه وكان شأنه الامتحان والاستحلاف والهلاك شأن سعيد أبى الحسن أيام صولته إلى أن هلك في شهر جمادى الاولى من سنته والله لا يظلم مثقال ذرة ولما اعتقد السلطان أبو اسحق كرسى ملكه واستوثق عرى خلافته تقبض على محمد بن أبى هلال وقتله بجرنكبته سنة ست وسبعين لما كان يتوقع منه من المكروه في الدولة وما عرف

[ 299 ]

به من المساعى في الفتنة والله أعلم لما انخلع الواثق عن الامر وتحول إلى دار الاقورى فأقام بها أياما وكان له ثلاثة من الولد أصاغر الفضل والطاهر والطيب فكانوا معه ثم نمى عنه للسلطان أبى اسحق انه يروم الثورة وانه داخل في ذلك بعض رؤساء النصارى من الجند فأقلق مكان ترشيحه واعتقله بمكان اعتقال بنيه وهو من القصبة أيام أخيه المستنصر ثم بعث إليهم ليلتهم فذبحوا جميعا في شهر صفر سنة تسع وسبعين واستوثق له الامر وأطلق من عنان الامارة لولده إلى ان كان من شأنهم ما يذكر ان شاء الله تعالى { الخبر عن ولاية الامير أبى فارس ابن السلطان أبى اسحق على بجاية بعهد أبيه والسبب في ذلك } كان للسلطان أبى اسحق من الابناء خمس أبو فارس عبد العزيز وكان أكبرهم وأبو محمد عبد الواحد وأبو زكريا يحيى وخالد وعمر وكان السلطان المستنصر قد حبسهم عند فرار أبيهم إلى رياح في أيامه ببعض حجر القصر وأجرى عليهم رزقا فنشؤا في ظل كفالته وجميم رزقه إلى ان استولى أبو هم السلطان أبو اسحق على الملك فطلعوا بآفاقه وطالت فروعهم في دوحه واشتملوا على العز واصطنعوا أهل الوابق من الرجال وأرخى السلطان لهم ظلهم في ذلك وكان المجلى فيها كبيرهم أبو فارس لما كان مرشحا لولاية العهد وكان ممن اصطنعه وألقى عليه رداء محبته في الناس وعنايته أحمد بن أبى بكر بن سيد الناس اليعمرى وأخوه أبو الحسين لسابقة رعاها لهما وذلك أن أبا هما أبا بكر بن سيد الناس كان من بيوت اشبيلية حافظا للحديث راوية ظاهريا في فقهه على مذهب داود وأصحابه وكانت لاهل اشبيلية خصوصا من بين الناس الاندلس فلما تكالب الطاغية على الدولة والتهم ثغورها واكتسح بسائطها وأشف إلى قواعدها وامصارها أجاز الاعلام وأهل البيوت إلى أرض المغربين وافريقية وكان قصدهم إلى تونس أكثر لاستفحال الدولة الحفصية فلما رأى الحافظ أبو بكر اختلال أحوال الاندلس وقبح مصايرها وخفة ساكنها أجمع الرحلة عنها إلى ما كان بتونس من سابقته عند هؤلاء الخلفاء فأجازو البحر ونزل بتونس فلقاه السلطان تكرمة وجعل إليه تدريس العلم بالمدرسة عند حمام الهواء التى أنشأتها أمه أم الخلائف ونشأ بنوه أحمد وأبو الحسن في جو الدولة وحجر كفالتها للاختصاص الذى كان لابيهم بها وعدلوا عن طلب العلم إلى طلب الدنيا وتشوفوا إلى مراتب السلطان واتصلوا بأبناء السلطان أبى اسحق بمكانهم من حجر القصر حيث أنزلهم عمهم بعد ذهاب أبيهم فخالطوهم واستخدموا

[ 300 ]

لهم ولما استولى السلطان على الامر ورشح ابنه أبا فارس للعهد وأجراه على سنين الوزارة فاصطنع أحمد بن سيد الناس ونوه باسمه وخلع عليه ملبوس كرامته واختصه بلقب حجابته وأخوه أبو الحسين يناهضه في ذلك عنوة ونفس ذلك عليهما البطانة فأغروا السلطان أبا اسحق ثانية وخوفوه شأنه وان أحمد بن سيد الناس داخله في التوثب بالدولة وتولى كبر هذه السعاية عبد الوهاب بن قائد الكلاعى من علية الكتاب ووجوههم كان يكتب للعامة يومئذ فسطا السلطان بابن سيد الناس سنة تسع وستين آخر ربيع استدعى إلى باب القصر فتعاورته السيوف هبرا ووورى شلوه ببعض الحفر وبلغ الخبر إلى الامير أبى فارس فركب إلى أبيه في لبوس الحزن فعزاه أبوه عن ذلك بأنه ظهر لابن سيد الناس على المكر والخديعة بالدولة واماط سواده بيده ونجا أبو الحسين من هذه المهلكة واعتقل في لمة من رجال الامير أبى فارس بعد ان توارى أياما إلى أن أطلق من محبسه وكان من أمره ما نذكره بعد واستبلغ السلطان في تأنيس ابنه ومسح الضغينة عن صدره فعقد له على بجاية وأعمالها وأنفذه إليها أميرا مستقلا وأنفذ معه في رسم الحجابة جدى محمد ابن صاحب اشغاله أبى بكر بن الحسن بن خلدون فخرج إليها سنة تسع وستين وقام بأمرها ولم يزل أميرا بها إلى آخر دولته كما نذكر والله أعلم اسم هذا الرجل أبو بكر بن موسى بن عيسى ونسبته في كوميه من بيوت الموحدين كان مستخدما لابن كلداني الوالى بقسنطينة فكان له غناء وصداقة وولاه السلطان أبو اسحق حافظا على قسنطينة واتصلت ولايته وهلك المستنصر واضطربت الاحوال ثم ولاه الواثق ثم السلطان أبو اسحق وكان ابن وزير هذا طموعا جموعا لاموال الناس لا يمل وعلم أن قسنطينة معقل ذلك النصر وحصنه فحدثته نفسه بالامتناع بها والاستبداد على الدولة وساء أثره في أهلها فرفعوا أمرهم إلى السلطان أبى اسحق واستعدوه فلم يعدهم لما رأى من مخايل الحرابة من الطاغية وكتب هو بالاعتذار والنكير لما جاء به فتقبله وأعطى له من هنياته ولما مر به الامير أبو فارس إلى محل امارته من بجاية سنة تسع وسبعين قعد عن لقائه وأوفد إليه جمعا من الصلحاء بالمعاذير والاستعطاف فمنحه من ذلك كفاء مرضاته حتى إذا أبعد الامير أبو فارس إلى بجاية اعتزم على الانتزاء كاتب ملك ارغون في جيش من النصارى يكون معهم في ثغره يردد بهم الغزو على أن يكون فيما زعموا داعية له فأجابه ووعده ببعث الاسطول إليه فجاهر بالخلعان وانتزى بثغر قسنطينة داعيا لنفسه آخر سنته وزحف إليه الامير أبو فارس من بجاية في عساكره واحتشد الاعراب وفرسان القبائل إلى أن احتل بميلة ووفد عليه من

[ 301 ]

أهل قسنطينة جمع من الرعية بعثهم ابن وزير فأعرض عنهم وقصد قسنطينة في أول ربيع سنة احدى وثمانين فثار بها وجمع الايدى على حصارها ونصب المجانيق وقرر قواعد الرماة وقاتلها يوما أو بعض يوم وتسور عليهم المعقل من بعض جهاته وكان المتولي لتسوره صاحبه محمد بن أبى بكر بن خلدون وابان بن وزير عند الصدمة حتى أحيط به قتل هو وأخوه وأشياعهما ونصبت رؤسهم بسور البلد وتمشى الامير في سكك البلد مسكنا ومؤنسا وأمر برم ما تثلم من الاسوار وباصلاح القناطر ودخل إلى القصر وبعث بالفتح إلى أبيه بالحضرة وجاء اسطول النصارى إلى مرسى الفل في مواعدة ابن وزير فأخفق مسعاهم وارتحل الامير أبو فارس ثالثة الفتح إلى بجاية فدخلها آخر ربيع من سنته والله أعلم * (الخبر عن قيادة ابن السلطان العساكر إلى الجهاد) * كان السلطان يؤثر ابناءه بمراتب ملكه ويوليهم خطط سلطانه شغفا بهم وترشيحا لهم فعقد في رجب سنة احدى وثمانين لابنه الامير زكريا على عسكر من الموحدين والجند وبعثه إلى قفصة للاشراف على جهاتها وضم جبايتها فخرج إليهم وقضى شأنه من حركته وانصرف إلى تونس في رمضان من سنته ثم عقد لابنه الآخر أبى محمد عبد الواحد على عسكره وأنفذه إلى وطن هوارة لانقضاء مغارمهم وجباية ضرائبهم وفرائضهم وبعث معه عبد الوهاب بن قائد الكلاعى مباشرا لذلك وواسطة بينه وبين الناس فانتهى إلى القيروان وبلغه شأن الدعى وظهوره في ذباب بنواحي طرابلس فطير بالخبر إلى السلطان وأقبل على شأنه ثم انتشر أمر الدعى وانكفأ راجعا إلى تونس والله تعالى أعلم كان السلطان لما أجاز البحر من الاندلس لطلب ملكه ونزل على يغمراسن بن زيان بتلمسان فاحتفل لقدومه وأركب الناس للقائه وأتاه ببيعته على عادته مع سلفه لما علم انه أحق بالامر ووعده النصرة من عدوه والموازرة على أمره وأصهر إليه في احدى بناته المقصورات في خيام الخلافة بابنه عثمان تشريفا خطبه منه فأولاه اسعافا به ولما استولى السلطان على حضرته واستبد بأحوال ملكه بعث يغمراسن ابنه ابراهيم المكنى بأبى عامر في وفد من قومه لاتمام ذلك العقد فاعتمد السلطان مبرتهم وأسعف طلبتهم وأقاموا بالحضرة أياما وظهر من اقدامهم في فتن الدعى مقامات وانصرفوا بظعينتهم سنة احدى وثمانين محبوين وابتنى بها عثمان لحين وصولها فكانت من عقائل قصورهم ومفاخر دولتهم وذكرا لهم ولقومهم إلى آخر الايام

[ 302 ]

{ الخبر عن ظهور الدعى أبى عمارة وما وقع من الغريب في أمره } كان أحمد بن مرزوق أبو عمارة من بيوتات بجاية الطارئين عليها من المسيله نشأ ببجاية وسيما محترفا بصناعة الخياطة غمرا وكان يحدث نفسه بالملك لما كان يزعم أن العارفين يخبرونه بذلك وكان هو يخط فيريه خطه ذلك ثم اغترب عن بلده ولحق بصحراء سجلماسة واختلط بعرب المعقل وانتمى إلى أهل البيت وادعى أنه الفاطمي المنتظر عند الاغمار وانه يحيل المعادن إلى الذهب بالصناعة فاشتملوا عليه وحدثوا بشأنه أياما أخبرني طلحة ابن مظفر من شيوخ العمارية احدى بطون المعقل انه رآه أيام ظهوره بالمعقل ملتبسا بتلك الدعوى حتى فضحه العجز ثم لما زهدوا فيه لعجز مدعاه ذهب يتقلب في الارض حتى وصل إلى جهات طرابلس ونزل على ذياب وصحب منهم الفتى نصيرا مولى الواثق بن المستنصر ويلقب برى ولما رآه تبين فيه شبها من الفضل ابن مولاه فطفق يبكى ويقبل قدميه فقال له ابن أبى عمارة ما شأنك فقص عليه الخبر فقام صدقتني في هذه الدعوى وأنا أثئرك من قاتلهم وأقبل نصير على أمراء العرب مناديا بالسرور بابن مولاه حتى خيل عليهم ثم نزل بادس إلى ابن أبى عمارة من محاورات وقعت بين العرب وبين الواثق قصها عليهم بن أبى عمارة نفيا للريب بأمره فصدقوا واطمأنوا وأتوه ببيعتهم وقام بأمره صرغم ابن صابر بن عسكر أمير ذباب وجمع له العرب ونازلوا طرابلس وبها يومئذ محمد بن عيسى الهنتاتى وشهر بعنق الفضة فامتنعت عليهم ورحلوا إلى بحر بين الموطنين بزيزور وجهاتها من هوارة فأوقعوا بهم ثم سار في تلك النواحى واستوفى جباية لماية وزواوة وأغرم نفوسة وغريان ونفزة من بطون هوارة وضائع ألزمها اياهم واستوفاها ثم زحف إلى قابس فبايع له عبد الملك بن مكى في رجب سنة احدى وثمانين وأعطاه صفقته طواعية وفاء بحق آبائه فيما طوقوه وذريعة إلى الاستقلال الذى كان يؤمله وأعلن بخلافته ونادى بقومه واستخدم له بنى كعب بن سليم ورياستهم في بنى شيخه لعبد الرحمن ابن فأجابوا داعيه وأنابوا إلى خدمته وتوافت إليه بيعة أهل حزبه والحامية وقرى نفزاوة ثم زحف إلى توزر وبلاد قصطيلة فأطاعوه ثم رجع إلى قفصة فبايع له أهلها وعظم أمره وعلا صيته فجهز إليه السلطان أبو اسحق العساكر من تونس كما نذكره والله تعالى أعلم لما تفاقم أمر الدعى بنواحي طرابلس ودخل الكثير من أهل الانصار في طاعته جهز السلطان عساكره وعقد لابنه الامير أبى زكريا على حربه فخرج من تونس ونازل القيروان واقتضى منها غرائم ووضائع استأثر منها بأموال ثم ارتحل إلى لقاء الدعى

[ 303 ]

وانتهى إلى نموده وبلغه هنا لك ما كان من استيلاء الدعى على قفصة فارجف به العسكر وانفضوا من حوله ورجع إلى تونس فدخلها آخر يوم من رمضان من سنته وارتحل الدعى على أثره من قفصة واحتل باليقيروان فبايع له أهلها واقتدى به أهل المهدية وصفاقس وسوسة فبايعوا له وكثر الارجاف بتونس فاضطرب السلطان وأخرج معسكره بظاهر البلد في وسط شوال وضرب الغزو على الناس واستكثر من العدد وخرج إلى معسكره بظاهر البلد وتلوم بها لازاحة العلل وارتحل الدعى من القيروان زاحفا إليه فتسربت إليه طبقات الجنود ومشيخة الموحدين رضى عنهم بمكانه وطاغية بنى المستنصر خليفتهم الطويل أمد الولاية عليهم رحمة لما نازل الواثق وأبناءه من عملهم ثم انفض عن السلطان كبير الدولة موسى بن ياسين في معظم من الموحدين ولحق الدعى بطريقه فاحتل من السلطان وانتقضت عرى ملكه وفر إلى بجاية كما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن لحاق السلطان أبى اسحق بجاية ودخول الدعى بن أبى عمارة إلى تونس وما كان من أمره بها } لما انفض معسكر السلطان أبى اسحق آخر شوال من سنة احدى وثمانين ركب في خاصته وبعض جنوده ذاهبا إلى بجاية ومر بتونس فوقف عندها ثم احتمل أهله وولده وسار في كلب البرد فكان يعانى من قلة الاقوات وتعاور المطر والثلج شدة وكان يصانع القبائل في طريقه سلما له ثم مر بقسنطينة فمنعه عاملها عبد الله بن توفيان الهرغى من دخولها وقرب إليه بعض القرى من الاقوات وارتحل إلى بجاية وكان من أمره ما يذكر ودخل الدعى بن أبى عمارة إلى الحضرة وقلد موسى بن ياسين وزارته وأبا القاسم أحمد بن الشيخ حجابته وتقبض على صاحب الاشغال أبى بكر بن الحسين بن خلدون فاستصفاه وصادره على مال امتحنه عليه ثم قتله خنقا وصرف خطة بجاية إلى عبد الملك بن مكى رئيس قابس واستكمل القاب الملك وقسم الخطط بين رجال الدولة وصرف همه إلى غزو بجاية والله تعالى أعلم لما وصل السلطان أبو اسحق إلى بجاية في شهر ذى القعدة من سنته طريدا عن ملكه غافلا عن كرسى سلطانه انتضى عليه ابنه الامير أبو فارس ومنعه من الدخول إلى قصره فنزل بروض الرفيع وأراده على الخلع فانخلع له وأشهد الملا من الموحدين ومشيخة بجاية بذلك وأنزله قصر الكوكب ودعا الناس إلى بيعته آخر ذى القعدة فبايعوه وبلغت المعتمد على الله ونادى في أوليائه من رياح وسدويكش وخرج من

[ 304 ]

بجاية زاحفا إلى الدعى واستخلف عليه أخاه الامير أبا زكريا وخرج معه الامير أبو حفص وأخواه فكان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن زحف الامير أبى فارس للقاء الدعى ثم انهزامه امامه واستلحامه واخوته في المعركة وما كان اثر ذلك من مهلك أبيهم السلطان أبى اسحق وفرار أخيهم الامير أبى زكريا إلى تلمسان } لما بلغ الخبر إلى الدعى باستبداد الامير أبى فارس على أبيه واستعداده للقائه تقبض على أهل البيت الحفصى فاعتقلهم بعد ان هم بقتلهم وخرج من تونس في عساكر من الموحدين وطبقاتهم الجند في صفر سنة ثنتين وثمانين فانتهى إلى مرماجنة وتراءى الجمعان ثالث ربيع الاول فاقتتلوا عامة يومهم ثم اختل مصاف الامير أبى فارس وتخاذل انصاره فقتل في المعركة وانتهب معسكره وقتل اخوته صبرا عبد الواحد قتله الدعى بيده وعمر وخالد وأبو محمد بن عبد الواحد وبعث برؤوسهم إلى تونس فطيف بها على الرماح ونصبت باسوار البلد وتخلص عمه الامير أبو حفص من الواقعة إلى ان كان من أمره ما نذكر وبلغ خبر الواقعة إلى بجاية فاضطرب أهلها وماج بعضهم في بعض وخرج السلطان أبو اسحق وابنه الامير أبو زكريا إلى تلمسان فقدم أهل بجاية عليهم محمد ابن السيد قائما فيهم بطاعة الدعى وخرج في اثناء السلطان فأدركه بجبل بنى غبرين من زواوة فتقبض عليه ونجا الامير أبو زكريا إلى تلمسان وبقى السلطان أبو اسحق ببجاية معتقلا ريثما بلغ الخبر إلى تونس وأرسل الدعى محمد بن عيسى بن داود فقتله آخر ربيع الاول سنة ثنتين وانفض أمره ولله عاقبة الامور لا رب غيره ولا معبود سواه قد ذكرنا أن الامير أبا حفص حضر واقعة بنى أخيه مع الدعى بمرماجنة فخلص من المعركة راجلا ونجا إلى قلعة سنان معقل هوارة القريب من مكان الملحمة ولاذ به في ذهابه إلى منجاته ثلاثة من صنائعهم أبو الحسن بن أبى بكر بن سيد الناس الفازازى ومحمد بن أبى بكر بن خلدون وهو جد المؤلف الاقرب وربما كانوا يتناقلونه على ظهورهم إذا أصابه الكلال ولما نجا إلى قلعة سنان تحدث به الناس وشاع خبر منجاته إليها وكان الدعى قد أشف العرب وثقلت وطأته عليهم بما كان يسئ والملكة فيهم فليوم دخوله شكا إليه الناس عيثهم فتقبض على ثلاثة منهم وقتلهم وصلبهم ثم سرح شيخ الموحدين عبد الحق ابن تافراكين لحسم عللهم واوعز إليه بالاثخان فيهم فاستلحم من لقى منهم ثم تقبض على مشايخ بنى علال وأودع سجونه منهم نحوا من الثمانين فساء أثره فيهم وتطلبوا أعياص

[ 305 ]

لبيت وتسامعوا بخبر الامير أبى حفص بمكانه من قلعة سنان فرحلوا إليه وأتوه ببيعتهم في ربيع سنة ثلاث وثمانين وجمعوا له شيأ من الآلة والاخبية وقام بأمره أبو ليل بن أحمد أميرهم وبلغ الخبر إلى الدعى فداخلته الظنة في أهل دولته وتقبض على أبى عمران ابن ياسين شيخ دولته وعلى أبى الحسن بن ياسين وابن وانودين وعلى الحسن بن عبد الرحمن يعسوب زناتة فامتحنهم واستصفى أموالهم ثم قتلهم آخرا وتوجع لهم الناس واضطرب أمر الدعى إلى ان كان ما نذكره انتهى { الخبر عن خروج الدعى ورجوعه واستيلاء السلطان أبى حفص على ملكه وغلبه ومهلكه } لما ظهر السلطان أبو حفص وبايعه العرب تسامع به أهل الحضرة واجتمع إليه الناس وأوقع الدعى بأهل الدولة فمقتوه وخرج من تونس يريد قتاله فأرجف به أهل العسكر ورجع منهزما ودخلت البلاد في طاعة السلطان أبى حفص ونهض إلى تونس فنزل بسحوم قريبا منها وعسكر الدعى بظاهر البلد تجاهه وطالت بينهما الحرب أياما والناس كل يوم يستوضحون خب ء الدعى ومكره إلى ان تبرؤا منه وأسلموه ورحل من مكان معسكره ولاذ بالاختفاء ودخل السالمطان البلد في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين واستولى على سرير ملكه وطهر من الدنس قاصيه ودانيه واختفى الدعى بتونس وغاص في لجة ساكنيها وأحاط به البحث فعثر عليه لليال من مدخل السلطان بدور بعض السوقة يعرف بأبى قاسم القرمادى فهدمت لحينها ونزل إلى السلطان فأحضر له الملا ووبخه وساء له فاعترف بادعائه في نسبهم فأمر بامتحانه وقتله وذهب في غير سبيل مرحمة وطيف بشلوه ونصب رأسه وكان عبد الله بن يغمور المباشر لقتله وكان خبره من المثلات واستبد السلطان بملكه وتلقب المستنصر بالله وبادر الناس إلى الدخول في طاعته وبعث أهل القاصية ببيعتهم من طرابلس وتلمسان وما بينهما وعقد للشيخ أبى عبد الله الفازازى على عساكره على الحروب والضاحية وأقطع البلاد والمغارم للقرب رعيا لذمة قيامهم بأمره ولم يكن لهم قبلها اقطاع وكان الخلفاء قبله يتحامون عن ذلك لا يفتحون فيه على أنفسهم بابا وأقام متمتعا في ماله وفى حضرته إلى ان كان ما نذكر ان شاء الله تعالى كان من أعظم الحوادث تكالب العدو في أيام هذا السلطان على الجزر البحرية فاستوت أساطيلهم على جزيرة جربة في رجب من سنة ثمان وثمانين ورياستها يومئذ من محمد بن مهو من شيخ الوهبية ويخلف بن امغار شيخ النكازة وهما فرقنا الخوارج وزحف إليها المراكيا صاحب صقلية نائبا عن العدريك بن البريدا كون ملك برشلونة

[ 306 ]

شاطئة البحر وكانوا فيما قيل سبعين اسطولا من غربان وشوانى وضايقهم مرارا ثم تغلبوا عليها فانتهبوا أموالها وحملوا أهلها أسرا وسبيا فقيل انهم بلغوا ثمانية آلاف بعد أن رموا بالرضف في الجبوب فكانت هذه الواقعة من أشجى الوقائع للمسلمين ثم بنوا بساحلها حصنا واعتمروه وشحنوه حامية وسلاحا وفرض عليهم المقرب مائة ألف دينار كل سنة وأقام على ذلك المراكيا إلى رأس المائة وبقيت الجزيرة في ملك النصارى إلى أن عادوا إلى مالقة أواخر الاربعين والسبعمائة كما نذكره وفى سنة خمس وثمانين ظفر العدو بجزيرة ميورقة ركب إليها طاغية برشلونة اساطيله في عشرين ألفا من الرجال المقاتلة ومروا بميورقة كأنهم بحر من البحار وطلبوا من أبى عمر بن حكيم ورديسا النزول للاستسقاء فأذن لهم فلما تساحلوا آذنوا أهلها بالحرب فتزاحفوا ثلاثا يثخن فيهم المسلمون في كلها قتلا وجراحة بما يناهز آلافا والطاغية في بطارقته فانحدر عن الزحف فلما كان اليوم الثالث واستولت الهزيمة على قومه زحف الطاغية في العسكر فانهزم المسلمون ولجؤا إلى قلعتهم فانحصروا بكعابها وعقدوا لابن حكم ذمة في أهله وحاشيته فخرجوا إلى سبتة ونزل الباقون على حكم العدو وسار إلى ميورقة واستولى على ما فيها من الذخيرة والعدة والامر بيد الله وحده وفى سنة ست وثمانين بعدها غدر النصارى بمرسى الخزور فاقتحموها بعد أن ثلموا أسوارها واكتسحوا ما فيها واحتملوا أهلها اسرى وأضرموا بيوتها ثم مروا بمرسى تونس وانصرفوا إلى بلادهم وفيها أو في سنة تسع بعدها نازل اسطول العدو مدينة المهدية وكان فيها الفرسان لقتالها فزحفوا إليها ثلاثا ظفر بهم المسلمون في كلها ثم جاء مدد أهل الاجم فانهزم العدو حتى اقتحموا عليه الاسطول وانقلبوا خائبين وتمت النعمة { الخبر عن استيلاء الامير أبى بكر زكريا على الثغر المغربي بجاية والجزائر وقسنطينة وأولية ذلك ومصايره } كان للامير أبى بكر زكريا ابن السلطان من الترشيح للامر بهديه وشرف همته وحسن ملكته ومخالطته أهل العلم ما يشهد له بحسن حاله وهو الذى اختط المدرسة للعلم بازاء دار الاقورى حيث كان سكناه بتونس ولما لحق بتلمسان بعد منجاته من مهلك أبيه ببجاية نزل على صهره عثمان بن يغمراسن بتلمسان وجاء في أثره أبو الحسن بن أبى بكر بن سيد الناس صنيعة أبيه وأخيه بعد ان خلص مع السلطان أبى حفص من الواقعة التى من ماجنة فلما بايع له العرب وبدت مخايل الملك رأى أبو الحسن ايثار السلطان للفازازى عليهم فنكب عنه ولحق بالامير أبى زكريا بتلمسان واستحثه لطلب ملكه واستقرض من تجار بجاية مالا أنفقه في اقامة ابهة الملك له وجمع الرجال واصطنع

[ 307 ]

الاولياء وفشا الخبر بما يرومه من ذلك فصده عثمان بن يغمراسن عنه بما كان تقلد من طاعة السلطان أبى حفص على سننهم مع الخلفاء بالحضرة قبله فاعتزم الامير أبو زكريا على شأنه وحرج من تلمسان موريا بالصيد الذى كان ينتحله أيام قيامه بينهم ولحق بداود بن هلال بن عطاف أمير بنى يعقوب وكافة بنى عامر من زغبة وأوعز عثمان بن يغمراسن إلى داود وبرده إليه فابى من اخفار ذمته وارتحل معه بقومه إلى آخر بلاد زغبة ونزلوا على عطية بن سليمان بن سباع من رؤساء الزواودة فتلقاه بالطاعة وارتحلوا جميعا إلى ضواحي قسنطينة فدخل العرب وسوريكش في طاعته ونازل البلد سنة ثلاث وثمانين وعاملها يومئذ أبو نوفيان من مشيخة الموحدين وكان صاحب بجاية بها أبو الحسن بن طفيل كان له من العامل صهر فداخل الامير أبا زكريا في شأن البلد وشرط لنفسه وصهره فأمضى السلطان شريطتهم وأمكنوه من البلد وأقاموا بها دعوته وارتحل إلى بجاية وكان قد حدث فيها اضطراب بين أهلها أدى إلى الخلاف والتباين واستحثوا الامير أبا زكريا فأغذ السير إليهم ودخلها سنة أربع وثمانين ويقال ان ملكه ببجاية كان سابقا على ملكه بقسنطينة وهو الاصح فيما سمعناه من شيوخنا وبعث إليهم أهل الجزائر بطاعتهم فاستولى على هذه الثغور القريبة وتلغب المنتخب لاحياء دين الله وأغفل ذكر أمير المؤمنين أدبا مع عمه الخليفة بالحضرة حيث مالا الموحدين أهل الحل والعقد من الجماعة ونصب للحجابة أبا الحسن بن سيد الناس فقام بها ورسخ ملكه وملك بنيه بهذه الناحية الغربية وانقسمت به الدولة إلى أن خلص الامر للملوك من عقبه واستولوا على الحضرة كما نذكره ان شاء الله تعالى والله ولى التوفيق لما استولى الامير أبو زكريا على الناحية الغربية واقتطعا من أعمال الحضرة اعتمد في الحركة على تونس فنهض إليها في عساكره سنة خمس وثمانين ووفد عليه عبد الله بن رحاب بن محمود من مشيخة ذياب ومانعه الفازازى عن احواز تونس فنازل قابس وحاصرها وكان له في قتالها أثر واستولت الهزيمة على مقاتلتها ذات يوم فأثخن فيهم قتلا وأسرا وهدم ربضها وأحرق المنازل والنخل وارتحل إلى مسراته وكان من خبره أن الامير أبا زكريا لما فصل من تلمسان لطلب ملكه على كره منه وامتنع جاره وداود ابن عطاف من رده وامتلا له عداوة وحقدا جدد البيعة لصاحب تونس واوفد بها على بن محمد الخراساني من صنائعه وكان له اثناء ذلك ظهور على ابن توجين ومغراوة بالمغرب الاوسط وضاق ذرع أهل الحضرة بمكان الامير أبى زكريا من مطالبتهم

[ 308 ]

وتدويخه لفاصيتهم فداخلوا عثمان بن يغمراسن في منازلة معقله بعد بجاية ليردوه على عقبه عنهم فزحف إلى بجاية سنة ست وثمانين ونازلها أياما وامتنع عليه سائر ضواحيها فلم يظفر بأكثر من الاطلال عليها وانكفأ الامير أبو زكريا راجعا إلى بجاية سنة ست وثمانين إلى ان كان من أمره ما سنذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن فاتحة استبداد أهل الجزيرة) * كان بعض الايام بين سداده وكثومه من عمل تقويس فتنة قتل فيها ابن شيخ سداده وأقسم لينارن فيه بشيخ كثومة نفسه وكان عامل توزر محمد بن أبى بكر التينملل من مشيخة الموحدين فتذمم شيخ كثومة وبذل له مالا على نصره من عدوه فكاتب الحضرة وأعلن بالخلاف أهل اسواد واحتشد لهم أهل نفطة وتقيوس وخرج في حشد أهل توزر وغزاهم في بلدهم ولاذ باعطاء الرهن وبذل المال فلم يقبل فامدهم أهل نفزاوة وزحفوا إليه فانهزمت جموعه وأنحنوا فيهم قتلا وأسرا إلى توزر وذلك سنة ست وثمانين ثم عاود غزوهم عقب ذلك ففتحوا عليه ثم عقد لهم سلما على الوفاء بمغارمهم واشترطوا أن لا حكم عليهم في سواها وان رؤساء نفزاوة منهم فأمضى شرطهم وكان أول استبداد أهل الجريد كما نذكره ان شاء الله تعالى كان أبو دبوس آخر خلفاء بنى عبد المؤمن بمراكش لما قتل سنة ثمان وخمسين وستمائة وافترق بنوه وتقلبوا في الارض لحق منهم عثمان بشرق الاندلس ونزل على طاغية برشلونة فأحسن تكريمه ووجد هنا لك أعقاب عمه السيد أبى زيد المنتصر أخى أبى دبوس في مثواهم من ايالة العدو وكان لهم هنا لك مكان وجاه لنزوع أبيهم السيد أبى زيد عن دينه إلى دينهم فاستبلغوا في مساهمة قريبهم هذا الوافد وخطبوا له عن الطاعة خطبا ووافق ذلك حصول مرغم بن صابر بن عسكر شيخ الجوارى من بنى ذياب في قبضة أسره وكان قد أسره الغزى من أهل صقلية بنواحي طرابلس سنة ثنتين وثمانين وباعوه من أهل برشلونة فاشتراه الطاغية وقام عنده أسيرا إلى ان نزع إليه عثمان بن أبى دبوس هذا كما ذكرناه وشهر بطلب حق الدعوة الموحدية وأمل الظفر في القاصية لبعدها عن الحامية فعبر البحر إلى طرابلس وكان من حظوظ كرامته عند الطاغية ان أطلق له مرغم بن صابر وعقد له حلفا معه على مظاهرته وجهز له أساطيل وشحنها بالمدد من المقاتلة والاقوات على مال شرطوه فنزلوا على طرابلس سنة ثمان وثمانين واحتشد مرغم قومه وحملهم على طاعة ابن أبى دبوس ونازلوا البلد معه ومع جنده من النصرانية فحاصروهم ثلاثا وساء أثرهم فيها ثم رحل النصارى باسطولهم ورسوا بأقرب السواحل

[ 309 ]

إلى البلد وتنقل ابن أبى دبوس ومرغم في نواحى طرابلس بعد أن أنزلوا عليها عسكرا للحصار فاستوفوا من جباية المغارم والوضائع مالا دفعوه للنصارى في شرطهم وانقلبوا في اسطولهم وأقام ابن أبى دبوس يتقلب مع العرب واستدعاه ابن مكى من بعد ذلك لان يشتد به في استبداده فلم يتم أمره إلى أن هلك بحربة والله وارث الارض ومن عليها { الخبر عن مهلك أبى الحسن بن سيد الناس حاجب بجاية وولاية ابن أبى حى مكانه } قد قدمنا سلف هذا الرجل وأوليته وانه لحق بالامير أبى زكريا بتلمسان وأبلى في خدمته فلما استولى الامير أبو زكريا على الثغر الغربي واقتطعه عن اعمال الحضرة ونزل ببجاية وظاهر بها تونس عقد لابي الحسن بن سيد الناس على حجابته وفوض إليه فيما وراء بابه وأجراه في رياسته على سنن أبى الحسن الرئيس قبله في دولة المستنصر الذى كانوا ينقلون طرقه وينزعون إلى مراميه بل كانت رياسة هذا في حجابته أبلغ من رياسة ابن أبى الحسن لجلاء جو الدولة ببجاية من مشيخة الموحدين الذين يزاحمونه كما كان ابن أبى الحسن من احمائهم فاستولى أبو الحسن بن سيد الناس على الدولة ببجاية وقام بأمر مخدومه أحسن قيام وصار إلى الحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وتمكن في يده الزمام إلى أن هلك سنة تسعين أعظم ما كان رياسة وأقرب من صاحبه مكانا وشرفا فأقام الامير أبو زكريا مكانه كاتبه أبا القاسم بن أبى حى ولا أدرى من أوليته أكثر من أنه من جالية الاندلس ورد على الدولة وتصرف في اعمالها واتصل بأبى الحسن بن سيد الناس فاستكتبه ثم رقاه واستخلصه لنفسه وأجره رسنه وتناول زمام الدولة من يد سيد الناس فقادها في يد مظفر خدمته حتى اجتمعت عليه الوجوه وأمله الخاصة واطلع السلطان على اضطلاعه وكفايته في أمور مخدومه وهلك أبو الحسن بن سيد الناس فرشحه السلطان بخطته فقام بها سائر أيامه وصدرا من أيام ابنه الامير أبى البقاء حتى كان من أمره ما نذكره بعد ان شاء الله تعالى من أمره { الخبر عن خروج الزاب عن طاعة الامير أبى حفص إلى طاعة الامير أبى زكريا وانتظام بسكرة في جماعته } كان السلطان أبو اسحق قد عقد على الزاب لفضل بن على بن مزنى من مشيخة بسكرة كما قدمناه ققام بأمره ولما هلك السلطان عدا عليه بعض أفاريق العرب الموطنين قرى الزاب بمداخلة قوم من أعدائه وقتلوه سنة ثلاث وثمانين كما نذكره وأملوا الاستبداد بالبلد فدفعهم عنها المشيخة من بنى زيان واستقلوا بأمر بلدهم وبايعوا للامير أبى

[ 310 ]

حفص صاحب الحضرة ودانوا بطاعته على السنن وتواقعوا دانية منصور بن فضل بن مزنى وكان لحق بالحضرة عند مهلك ابنه بكرفة من أحياء هلال بن عامر وهم العرب المتولون أمر جبل أوراس ونزل على الشبه بأفاريقهم فاركبوه وكسبوه ولحق ببجاية سنة ثنتين وسبعين فنزل بباب السلطان ورغبه في ملك الزاب وصانع الحاجب ابن أبى حى بأنواع التحف وضمن له تحويل الدعوة بالزاب للسلطان الامير أبو زكريا وتسريب جبايته إليه فاستماله بذلك وعقد له على الزاب وامده بالعسكر ونازل بسكرة فامتنعت عليه ورأى مشيختها بنو دمار بعدهم عن ضريح تونس والحاح عدوهم منصور ابن فضل فأعلنوا بطاعة الامير أبى زكريا وبعثوا إليه ببيعتهم ووفدهم ودفع عادية ابن مزنى عنهم فأرجعهم بما أملوه من القبول وأن تسكون أحكامهم إلى قائد عسكره ونظر ابن مزنى مصروفا إلى بجاية ولما وصل الوفد إلى بسكرة خرجوا إلى القائد ومنصور بن مزنى فأدخلوه البلد ودانوا بالطاعة وتصرفت الامور على ذلك إلى أن كان من أمر منصور بن مزنى ما نذكره في اخباره ولم يزل الزاب في دعوة الامير أبى زكريا وبنيه إلى ان استولى على الحضرة وبنوه لهذا العهد كما تراه في الاخبار بعد ان شاء الله تعالى { الخبر عن مهلك عبد الله الفازازى شيخ الموحدين والحاجب أبى القاسم بن الشيخ رؤساء الدولة } كان أبو عبد الله الفازازى من مشيخة الموحدين وكان خالصة للسلطان أبى حفص وعقد له على العساكر كما قدمناه ودفعه إلى الحروب وتمهيد النواحى فقام في ذلك المقام المحمود ودوخ الجهات واستنزل الثوار ودفعهم وجبى الخراج وكانت له في ذلك آثار مذكورة وفى بلاد الجريد ومشيختها تصاريف وأحوال وهو الذى امتحن أحمد بن بهلول بسعاية المشيخة من أهل توزر وكج عنانه من مراميه إلى الرياسة عليهم وهلك آخر حركاته إلى بلاد الجريد على مرحلتين من تونس سنة ثلاث وتسعين ولسنة منها كان مهلك الحاجب أبى القاسم بن الشيخ وكان من خبر أوليته انه قدم من بلده دانية إلى بجاية سنة ست وعشرين واتصل بعاملها محمد بن ياسين فاستكتبه وغلب عليه واستدعى ابن ياسين إلى الحضرة وابن الشيخ في جملته والتمس السلطان من يرشحه لكتابته ويخف عليه فاطنب ابن ياسين في وصف كاتبه أبى القاسم بن الشيخ وحلاه وابتلاه السلطان فلم يرضه وصرفه ثم راجع رأيه فيه واستحسنه ورسمه في خدمته وأمر ابن أبى الحسن بتلقينه الآداب وتصريفه في وجوه الخدمة ومذاهبها فكان له في ذلك غناء وخفة على مخدومه إلى ان هلك ابن أبى الحسن وكان الخراج بدار السلطان موقوفا على نظره من جملة ما إليه وكان قلمه عاملا فيه فأفرد ابن الشيخ بذلك بعد مهلكه إلى آخر أيام

[ 311 ]

السلطان المنتصر ولما ولى السلطان الواثق استبد ابن أبى الحسن عليه كما قلناه فأبقاه على خطته واختصه لنفسه ودرجه في جملته ثم جاءت دولة السلطان أبى اسحق فأقامه في رسمه وزاحمه بأبى بكر بن خلدون صاحب اشغاله وكانت الرياسة الكبرى على عهده لبنيه أبى فارس ثم أبى زكريا عبد المؤمن من بعده ثم كانت قضية الدعى فاستولى على ملكهم فاستخلص أبا القاسم بن الشيخ واستضاف له إلى خطة الشفير كتاب العلامة في فواتح السجلات فلما ارتجع للسلطان أبى حفص ملكه وقتل الدعى خافه ابن الشيخ لما كان من رتبته عند الدعى فلاذ بالصلحاء لامارة من الخير والعبادة وصلت بينهم وبينه فشفعوا له وتقبلها السلطان وأظهر لهم ذات نفسه في الحاجة إلى استعماله وقلده حجابته مجموعة إلى تنفيذ كتاب العلامة في فواتح السجلاث فلما ارتجع السلطان أبو حفص ملكه وقتل الخارج وصرف العلامة إلى غيره من طبقة الدولة فلم يزل على ذلك إلى أن هلك سنة أربع وتسعين وبقى اسم الحجابة من بعده في هذه الخطط الثلاثة وأمر التدبير والحرب ورياستهما راجع إلى مشيخة الوحدين إلى أن تصرمت الاحوال واديل بعضها من بعض كما يأتيك أثناء الاخبار وقلد السلطان من بعد ابن الشيخ حجابته لابي عبد الله المحبى من طبقة الخير فقام بها إلى آخر الدولة والله وارث الارض ومن عليها * (الخبر عن مهلك السلطان أبى حفص وعهده بالامر من بعده) * لم يزل السلطان أبو حفص على أكمل حالات الظهور والدعة إلى أن استوفى مدنه وأصابه وجع أول ذى الحجة من سنة أربع وتسعين ثم اشتد به الوجع وأهمه أمر المسلمين وما قلده من عدتهم فعهد لابنه عبد الله بالخلافة ثانى أيام التشريق ونكره الموحدون لتخلفه عن المراتب لصغره وانه لم يحتلم وتحدثوا في ذلك وأفضى الخبر إلى السلطان فأسخطه وعدل عنهم إلى الشورى مع الولى أبى محمد المرجاني وكان رأيه فيه جميلا وظنه به صالحا وكان الواثق بن المستنصر لما قتل هو وبنوه بمحبسهم فرت احدى جواريه وقد اشتملت على حمل منه إلى رباط هذا الولى فوضعته في بيته فسماه الشيخ محمدا وعق عليه وأطعم الفقراء يومئذ عصيدة الحنطة فلقب بأبى عصيدة إلى آخر الدهر ثم صار بعد الاختفاء ودواعيه إلى قصورهم ونشأ في ظل الخلفاء من قومه حيث شب وبقيت له مع الولى أبى محمد ذمة يثابر كل منها على الوفاء بها فلما فاوضه السلطان أبو حفص في شأن العهد وقص نكير الموحدين لولده أشار عليه الشيخ بصرف العهد إلى محمد بن الواثق فتقبل اشارته وعلم ترشيحه وأنفذ بذلك عهده بمحضر الملا ومشيخة الموحدين وهلك آخر ذى الحجة سنة أربع وتسعين والى الله المصير اه‍

[ 312 ]

* (الخبر عن دولة السلطان أبى عصيدة وما كان على أثرها من الاحوال) * لما هلك السلطان أبو حفص اجتمع الملا من الموحدين والاولياء والجند والكافة إلى القصبة فبايعوا بيعة عامة لولى عهده السلطان أبى عبد الله محمد ويلقب كما ذكرناه بأبى عصيدة ابن السلطان الواثق في الرابع والعشرين لذى الحجة سنة أربع وتسعين فانشرحت ببيعته الصدور ورضيته الكافة وتلقب المستنصر بالله وافتتح أمره بقتل عبد الله ابن السلطان أبى حفص لمكان ترشيحه وقلد وزارته محمد بن يرزيكش من مشيخة الموحدين وأبقى محمدا الشخشى على خطة الحجابة وصرف التدبير والعساكر ورياسة الموحدين إلى أبى يحيى زكريا بن أحمد بن محمد اللحيانى فقام بما دفع إليه من ذلك وضايقه فيه عبد الحق بن سليمان رئيس الموحدين قبله حتى إذا نكب وهلك استبد هو على الدولة واستقل الشخشى بحجابته وكان محمد بن ابراهيم بن الدباغ رديفا له فيها وكان من خبر ابن الدباغ هذا ان ابراهيم أبا ه وفد على تونس في جالية اشبيلية سنة ست وأربعين فولد هو بتونس ونشأ بها واستفاد صناعة الديوان وحسبانه من المبرزين فيه كابى الحسن وأبى الحكم بن مجاهد وأصهر اليهما في ابنة أبى الحسن فانكحاه ورشحاه للامانة على ديوان الاعمال ولما استقل أبو عبد الله الفازازى بالرياسة استكتبه وكان طياشا مستعصيا على الخليفة فكان كاتبه محمد بن الدباغ يروضه لاغراض الخليفة إذ دسها إليه الحاجب ابن الشيخ فيقع ذلك من الخليفة أحسن الموقع ولما ولى السلطان أبو عصيدة وكانت له عنوة سابقة رعاها وكان حاجبه الشخشى بهمة غفلا عن أدوات الكتاب فاستكتب السلطان ابن الدباغ ثم رقاه إلى كتابة علامته سنة خمس وتسعين وكان يتصرف فيها فأصبح رديفا للشخشى في حجابته وجرت أمور الدولة على ذلك إلى أن هلك الشخشى سنة تسع وتسعين فقلده السلطان حجابته فاستقل بها على ما قدمناه من ان التدبير والحرب مصروف إلى مشيخة الموحدين * (الخبر عن نكبة عبد الحق بن سليمان وخبر بنيه من بعده) * كان أبو محمد عبد الحق بن سليمان رئيس الموحدين لعهد السلطان أبى حفص وأصله من تينملل الموطنين بتيرس مذ أول الدولة كانت له ولسلفة الرياسة عليهم وصارت إليه رياسة الموحدين كافة بالحضرة أيام هذا السلطان وكان له خالصة وشيعة وكان حريصا على ولاية ابنه عبد الله للعهد وكان يدافع نكير الموحدين في ذلك فاسره بماله السلطان أبو عصيدة ولما استوثق له الامر وقتل عبد الله بمحبسه تقبض على أبى محمد محمد بن سليمان واعتقله في صفر سنة خمس وتسعين ولم يزل معتقلا إلى أن قتل بمحبسه على رأس المائة وفر عند نكبته ابناه محمد وعبد الله فأما عبد الله فلحق بالامير أبى زكريا وصار

[ 313 ]

في جملته إلى ان دخل تونس مع ابنه السلطان ابى البقاء خالد وأما محمد فأبعد المفر ولحق بالمغرب الاقصى ونزل على يوسف بن يعقوب سلطان بنى مرين من معسكر من حصار تلمسان فاستبلغ في تكريمه وأقام عنده مدة ثم عاود وطنه ونزل عن طريقه إلى النسك ولبس الصوف وصحب الصالحين وقضى فريضة الحج وامتد عمره وحسنت فيه ظنون الكافة واعتقدوا فيه وفى دعائه وكثرت غاشيته لالتماس البركة منه وأوجب الخلفاء ازاء ذلك تجلة أخرى وأوفدوه على ملوك زناتة مرة بعد مرة في مذاهب الرد وقصود الخير وحضر في بعض الجهاد بجبل الفتح عندما ازلته عساكر السلطان أبى الحسن ولم يزل هذا دأبه إلى ان هلك في الطاعون الجارف في منتصف المائة الثامنة والله تعالى أعلم * (الخبر عن مراسلة يوسف بن يعقوب سلطان بنى مرين ومهاداته) * كان السلطان أبو عصيدة لما استفحل أمره واستوسق ملكه حدث نفسه يغزو الناحية الغربية وارتجاع ثغورها من يد الامير أبى زكريا وكان الامير أبو زكريا قد انتقض عليه أهل الجزائر بعد مهلك عاملها عليها من الموحدين من بنى الحمارير وانتزى بها بعده محمد ابن علان من مشيختها واستفحل أمر عثمان بن يغمراسن وبنى عبد الواد من ورائه وتغلبوا على توجين ومغراوة وبلكين وكان سعيه لصاحب الحضرة بما كان متمسكا بدعوتهم ومتقبلا مذهب أبيه في بيعتهم فقويت عزائم السلطان أبى عصيدة لذلك ونهض من الحضرة سنة خمس وتسعين وتجاوز تخوم عمله إلى أعمال قسنطينة وأجفلت امامه الرعايا والقبائل وانتهى إلى ميلة وفيها كان منقلبه إلى حضرته في رمضان من سنته ولما ضايق عمل بجاية بغزوه أعمل الامير أبو زكريا نظره في تسكين الناحية الغربية ليتفرغ عنها إلى مدافعة السلطان صاحب الحضرة فوصل يده بعثمان بن يغمراسن وأكد معه قديم الصهر بحادث الود والمواصلة وفى خلال ذلك زحف يوسف بن يعقوب سلطان بنى مرين إلى تلمسان وألقى عليها بكلكله واستجاش عثمان بن يغمراسن بالامير أبى زكريا فأمده بعسكر من الموحدين لقيهم عسكر من بنى مرين فهزموهم وأثخنوا فيهم قتلا ورجع فلهم إلى بجاية وسرح يوسف بن يعقوب عساكر بنى مرين إلى بجاية وعقد عليها لاخيه أبى يحيى بعد ان كان عثمان بن سباع وفد عيها نازعا عن صاحب بجاية إليه ومرغبا له في ملكها فأوسع له في الحباء والكرامة ما شاء وبعث معه هذا العسكر فانتهوا إلى بجاية وضايقوها ثم جاوزوها إلى تاكرارت وبلاد سدونكش وعاثوا في تلك الجهات ودوخوها وانقلبوا راجعين إلى السلطان يوسف بن يعقوب بمعسكره من تلمسان وكان السلطان أبى عصيدة صاحب الحضرة لما علم بامداد الامير أبى زكريا لعثمان بن

[ 314 ]

يغمراسن بعث إلى يوسف بن يعقوب عدوهم وحرضه على بجاية ونواحيها وسفر له في ذلك رئيس الموحدين أبا عبد الله بن الكجار من اولى سفارته ثم سفر ثانية سنة ثلاث وسبعمائة بهدية ضخمة فأغرب فيها بسرج وسيف ومهماز من الذهب من صنعة الحلى الفاخر من حصى الياقوت والجوهر ورافقه في هذه السفارة الثانية وزير الدولة أبو عبد الله بن يرزكين ورجع بهدية ضخمة من يوسف بن يعقوب كان من جملتها ثلثمائة من البغال واتصلت المخاطبات والسفارات والهدايا والملاطفات وكان يوسف ابن يعقوب يكاتب السلطان في تلك الشؤن تعريضات ويكاتب رئيس الموحدين ابا يحيى اللحيانى وتردد عساكر بنى مرين إلى نواحى بجاية إلى أن هلك يوسف بن يعقوب كما يأتي في أخباره ان شاء الله تعالى { الخبر عن مقتل هداج وفتنة الكعوب وبيعتهم لابن أبى دبوس وما كان بعد ذلك من نكبتهم } كان هؤلاء الكعوب قد عظمت ثروتهم واصطناعهم منذ قيامهم بأمر الامير أبى حفص فعمروا ونموا وبطروا النعمة وكثر عينهم وفسادهم وطال اضرارهم بالسابلة وحطمهم للجنات وانتهابهم الزرع فاضطغن لهم العامة وحقدوا عليهم سوء آثارهم ودخل رئيسهم هداج بن عبيد سنة خمس وسبعمائة إلى البلد فحضرته العيون وهمت به العامة وحضر المسجد لصلاة الجمعة فتجنوا عليه بأنه وطئ المسجد بخفيه وقال لم أنكر على ذلك انى أدخل مجلس السلطان بهما فنادوا به عقب الصلاة وقتلوه وجروا شلوه في سكك المدينة فزاد عينهم واجلابهم على السلطان واستقدم أحمد بن أبى الليل شيخ الكعوب لذلك العهد عثمان بن أبى دبوس من مكانه نواحى طرابلس ونصبه للامر وأجلب بعد على الحضرة فلم يزالا وخرج إليهم الوزير أبو عبد الله بن يرزكين في العساكر فهزمهم وسار بالعسكر لتمهيد الجهات وتسكين ثائرة العرب فوفد عليه أحمد بن أبى الليل ومعه سليمان من رجالات هوارة بعد ان راجع الطاعة وصرف ابن أبى دبوس إلى مكانه فتقبض عليهما وبعث بهما إلى الحضرة فلم يزالا معتقلين إلى ان هلك أحمد بمحبسه سنة ثمان وقام بأمر الكعوب محمد بن أبى الليل ومعه حمزة ومولاهم ابن أخيه عمر رديفين لهم خرج الوزير بعساكره سنة سبع واستوفد مولاهم ابن عمرو تقبض عليه وبعث به إلى الحضرة فاعتقل معه عمه أحمد وجاهر أخوه حمزة بالخلاف واتبعه عليه قومه فكثر عينهم وأضروا الرعايا وكثرت الشكاية من العامة ولغطوا بها في الاسواق وتصايحوا ثم نفر إلى باب يريدون الثورة فسد الباب دونهم فرموا بالحجارة وهم في ذلك يعتدون ما نزل بهم عند الحاجب ابن الدباغ ويطلبون شفاء صدورهم بقتله ورفع أمرهم الحاجب واستلحمهم

[ 315 ]

جميعا فأبى من ذلك السلطان وأمره بملاطفتهم إلى ان مكنت بيعتهم ثم تتبع بالعقاب من تولى كبر ذلك منهم وانحسم الداء وكان ذلك في رمضان من سنة ثمان واستمر العرب في غلوائهم إلى أن هلك السلطان فكان ما يأتي ذكره ان شاء الله تعالى والله أعلم * (الخبر عن انتقاض أهل الجزائر واستبداد ابن علان بها) * قد قدمنا ما كان من انتقاض الجزائر أيام المستنصر ودخول عساكر الموحدين عليهم عنوة واعتقال مشيخته بتونس حتى أطلقوا بتونس بعد مهلكه ولما استقل الامير أبو زكريا الاوسط بملك الثغور الغربية من بجاية وقسنطينة وكان الوالى على الجزائر ابن الحكم زمن الموحدين فبادر إلى طاعته باتفاق من مشيخة الجزائر ووفد عليه وكتب ابن الكجار بولايتها فلم يزل واليا عليهم إلى ان نشأت بنو مرين وزحفوا إلى بجاية وكان ابن الجكمار قد أسن وهرم فأدركته الوفاة خلال ذلك وكان ابن علان من مشيخة الجزائر مختصا به ومنتصرا بأوامره ونواهيه ومصدرا لامارته حصلت له بذلك الرياسة على أهل الجزائر سائر أيامه ويقال كان له معه صهر فلما وصل ابن الكجار حدثته نفسه بالاستبداد والانتزاء بالجزائر فبعث عن أهل الشوكة من بطوانة ليلة هلاك أميره وضرب أعناقهم وأصبح مناديا بالاستبداد والامير أبو زكريا عنده لما كان من منازلة بنى مرين ببجاية إلى ان هلك وبقيت في انتقاضبها على الموحدين آخر الدهر إلى ان تملكها بنو عبد الواد كما يذكر ان شاء الله تعالى * (الخبر عن مهلك الامير أبى زكريا وبيعة ابنه الامير أبى البقاء خالد) * كان الامير أبو زكريا قد استولى على الثغور الغربية كما قلنا واقتطعها من أعمال الحضرة وقسم الدعوة الحفصية بدولتين وكان على غاية من الحزم والتيقط والصرامة لم يبلغها سواه وكان كثير الاشراف على وطنه والمباشرة لاعماله بنفسه وسد خلله ولم يزل على ذلك إلى أن هلك على رأس المائة السابعة وكان قد عهد بالامر لابنه الامير أبى البقاء خالد سنة ثمان وتسعين وعقد له على قسنطينة وأنزله بها فلما هلك الامير أبو زكريا جمع الحاجب أبو القاسم بن أبى حى مشيخة الموحدين وطبقات الجند وأخذ بيعتهم للامير أبى البقاء وطير له بالخبر واستقدمه فقدم وبويع البيعة العامة وأبقى ابن أبى حى على حمايته واستوزر يحيى بن أبى الاعلام وقدم على صنهاجة أبا عبد الرحمن بن يعقوب بن حلوب منهم ويسمى المزدار وقلد رياسة الموحدين أبا زكريا يحيى بن زكريا من أهل البيت الحفصى واستمر الامر على ذلك إلى ان كان ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن سفارة القاضى الغيرينى ومقتله) *

[ 316 ]

قد قدمنا ما كان من زحف بنى مرين إلى بجاية بمداخلة صاحب تونس ولما تولى السلطان أبو البقاء اعتزم على المواصلة مع صاحب تونس قطعا للزبون عنه وعين للسفارة في ذلك شيخ القرابة المائة أبا زكريا يحيى بن زكريا الحفصى ليحكم شأن المواصلة بينهما وبعث معه القاضى أبا العباس الغيرينى كبير بجاية وصاحب شوراها فأدى رسالتهم انقلبوا إلى بجاية ووجد بطانة السلطان السبيل في الغيرينى فأغروه به وأشاعوا أنه داخل صاحب الحضرة في التوثب بالسلطان وتولى كبر ذلك ظافر الكبير وذكر بحديثه وما كان منه في شأن السلطان أبى اسحق وانه أغرى بنى غبرين به فاستوحش منه السلطان وتقبض عليه سنة أربع وسبعمائة ثم أغروه بقتله فقتل بمحبسه في سنة ثلاث وتولى قتله منصور التركي والله غالب على أمره { الخبر عن سفارة الحاجب بن أبى حى إلى تونس وتنكر السلطان له بعدها وعزله } ولما ولى السلطان أبو البقاء كانت عساكر بنى مرين مترددين إلى أعمال بجاية بمداخلة صاحب تونس كما ذكرناه فدوخوا نواحيها وكان ابن أبى حى مستبدا على الدولة في حجابته فضاق ذرعه بشأنهم وأهمته حال الدولة معهم ورأى ان اتصال اليد بصاحب الحضرة مما يكف عن عزمهم فعزم على مباشرة ذلك بنفسه لوثوقه من سلطانه فخرج من بجاية سنة خمس وسبعمائة وقدم إلى الحضرة رسولا على سلطانه فاهتزت له الدولة ولقى بما يجب له ولمرسله من البر وأنزله شيخ الموحدين ومدبر الدولة أبو يحيى زكريا بن اللحيانى بداره استبلاغا في تكريمه وقضى من أمر تلك الرسالة حاجة صدره وكانت بطانة الامير أبى البقاء لما خلا لهم وجه سلطانهم منه تهافتوا على النصح إليه والسعاية بابن أبى حى عنده وشمر لذلك يعقوب بن عمر وجلا منه وتابعه عليه عبد الله الرخامى من كاتب ابن أبى حى وصديقه بما كان ابن طفيل قريبه يسخط عليه الناس ويوغر له صدورهم ببأوه وتمغيره بهم فالح له العداوة في كل جانحة وأسخطه على عبد الله الرخامى وكان صديقه ومداخله فتولى من السعاية فيه مع يعقوب بن عمر كبرها وألقى إلى السلطان أن ابن أبى حى داخل صاحب الحضرة في تمكينه بثغور قسنطينة بما كان على الامير العامل بقسنطينة صهرا لابن أبى حى وهو الذى ولاه عليها فاستراب السلطان به وتنكر له بعد عوده من تونس وخشى كل منهما بادرة صاحبه ثم رغب ابن أبى حى في قضاء فرضه وتخلية سبيله إليه فأسعف وخرج من بجاية ذاهبا إلى الحج ولحق بالقبائل من ضواحي قسنطينة وبجاية فنزل عليهم وأقام بينهم مدة ثم لحق بتونس وأقام بها إلى حين مهلك السلطان أبى عصيدة وبيعة أبى بكر الشهيد وحضر دخول الامير أبى البقاء عليه بتونس وخلص

[ 317 ]

من تيار تلك الصدمة فلحق بالمشرق وقضى فرضه ثم عاد إلى المغرب وفر بافريقية ولحق بتلمسان وأغرى أبو حمو بالحركة على بجاية فكان ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن حجابة أبى عبد الرحمن بن عمر ومصاير أمره) * هو يعقوب بن أبى بكر بن محمد بن عمر السلمى وكنيته أبو عبد الرحمن كان جده محمد فيما حدثنى أهل بيتهم قاضيا بشاطبة وخرج مع الجالية أيام العدو إلى تونس ونزل بالربع الجوفى أيام السلطان أبى عصيدة وانتقل ابناه أبو بكر ومحمد إلى قسنطينة ونزلا على ابن أوقتان العامل عليها من مشيخة الموحدين لعهد الامير أبى زكريا الاوسط فأوسعهما عناية وتكريما وولى أبا بكر على الديوان واستخلصه لنفسه وكان يتردد إلى الحضرة ببجاية في شؤنه فاتصل بمرجان الخصى من موالى الامير أبى زكريا وخواص داره واستخدم على يد الامير خالد وأمه من كرائم السلطان فحظى عندهم وتزوج ابنه يعقوب من بنات القصر وخوله ونشأ في جو تلك العناية وأعلقوا بصحبة الحاج فضل قهرمان دار السلطان وخاصته فاستخدم له سائر أيامه إلى ان هلك وكان الحاج فضل كثيرا ما يتردد إلى الاندلس لاستجادة الثياب منها وبعثه السلطان آخر امره إلى الاندلس فاستصحب ابن عمر وهلك الحاج فضل هنا لك فعدل السلطان عن خطاب ابنه محمد إلى خطاب ابن عمر فأمره باتمام ذلك العمل والقدوم به فقدم هو وابن الحاج فضل وساء لهما السلطان عن عملهما فكان ابن عمر أوعى من صاحبه فحلى بعينه وخف عليه واعتلق بذمة من خدمته أحظته عند السلطان ورقته فاستعمل في الجباية ثم قلد أعمال الاشغال وزاحم ابن أبى حى وعبد الله الرخامى وغصوا به فأغروا السلطان بنكبته فنكبه وأشخصه إلى الاندلس فأقام هنا لك واستعطف السلطان أبا البقاء بعد مهلك أبيه وتشفع بوسائل خدمته فاستقدمه وقدم على على وحسين ابني الرنداحى وركب معهما البحر إلى بجاية في مغيب ابن أبى حى كما ذكرناه فقلد السلطان حجابته ليعقوب بن عمر وقدم على الاشغال عبد الله الرخامى وكان ناهضا في أمور الحجابة لمباشرتها مع مخدومه فأصبح رديفا لابن عمر وغص بمكانه فأغرى به السلطان ودله على مكان تثريبه وعلى عداوته فنكب وصودر وامتحن وغرب إلى ميورقة حتى افتداه يوسف بن يعقوب سلطان بنى مرين من أسره واستقدمه ليقلده أشغاله عن تنكره لعبد الله بن أبى مدين كما نذكره في اخباره فهلك يوسف بن يعقوب دون ما أمل من ذلك وأقام الرخامى بتلمسان وبها كان مهلكه واستقل يعقوب بن عمر بأعباء خطته واضطلع بها وفوض إليه السلطان في الابرام والنقض فحول المراتب بنظره وأجرى الامور على غرضه وكان أول ما أتاه صرعته لمرجان مصطنعه ملا صدر السلطان عليه وحذره مغبته فتقبض

[ 318 ]

عليه وألقى في البحر فالتقمه الحوت فخلا وجه السلطان لابن عمر وتفرد بالعقد والحل إلى أن استولى السلطان أبو البقا على الحضرة وكان من أمره ما يذكر ان شاء الله تعالى { الخبر عن ثورة ابن الامير بقسنطينة وبيعة السلطان أبى عصيدة ثم فتح السلطان أبى البقاء خالد لها وقتله } كان يوسف بن الامير الهمداني بعد ان قتله بطنجة أبناء أبى يحيى من بنى مرين كما يأتي في أخبارهم انتقل بنوه إلى تونس أيام المستنصر ورعى لهم السلطان وسيلة قيامهم بالدعوة الحفصية أيام على ابن خلاص بسبتة وبعدها إلى أن غلبهم عليها العزفى كما نذكره في أخبارهم فلقاهم مبرة وتكريما ونزلوا من الحضرة حين نزل تحت جارية ونعمة وعناية وكان كبيرهم متحمقا متعاظما فربما لقى من الدولة لذلك شغبا الا أن الابقاء عليهم صار مانعا من اضطهادهم ونشأ بنوهم في ظل ذلك النعيم ثم هلك السلطان واضطربت الامور وضرب الدهر ضرباته ولحق على منهم بالثغر الغربي وتأكدت له مع ابن أبى حى لحمة نسب وذمة صهر ووشجت بينهما عروقها فلما استقل ابن أبى حى بحجابة الامير أبى زكريا لم يأل جهدا في مشاركة على ابن الامير وترقيته المنازل إلى أن ولاه ثغر قسنطينة مستقلا بها وحاجبا للسلطان أبى بكر بن الامير أبى زكريا وأنزله معه فقام بحجابته وأظهر فيها غناءه وحزمه حتى إذا سخط السلطان ابن أبى حى وصرفه عن حجابته تنكر أبو الحسن بن الامير وخشى بوادر السلطان فحول الدعوة إلى صاحب الحضرة وطير إليه بالبيعة واستدعى المدد والنائب فوصله رئيس الموحدين والدولة أبو يحيى زكريا بن أحمد بن محمد اللحيانى وعقد البيعة لسلطانه سنة أربع وسبعمائة وبلغ الخبر إلى السلطان أبى البقاء ببجاية فنهض إليه بالعساكر آخر سنة أربع وسبعمائة ونازله أياما فامتنع عليه وهم بالافراج عنه ثم داخل رجل من بطانة ابن الامير يعرف بابن نوزة أبا الحسن بن عثمان من مشيخة الموحدين وكان معسكره بباب الوادي فناجزهم الحرب من هنا لك حتى انتهى إلى السور فتسنمه المقاتلة باغضاء ابن موزة لهم عنه وركب السلطان في العساكر عند الصدمة ووقف على باب البلد وقد استكمن أولياؤه منه فخرج إليه بنو المعتمد وبنو باديس ومشيخة البلد فاقتحم البلد عنوة ومضى أبو محمد الرخامى واستنزله ثم حمله في رجال السلطان إلى دار ابن الامير فغشيه بها وقد انفض عنه الناس واستخفى بغرفة من غرف داره واستمار فلاطفه الرخامى واستنزله ثم حمله على برذون مستدبرا وأحضره بين يدى السلطان فقتل ونصب شلوه وأصبح آية للمعتبرين والله أعلم * (الخبر عن حركة السلطان أبى البقاء إلى الجزائر) *

[ 319 ]

قد قدمنا ما كان من انتفاض الجزائر على الامير أبى زكريا واستبداد ابن علان بها فلما استولى السلطان أبو البقاء على الامر وتمهدت له الاحوال وأقلع بنو مرين بعد مهلك يوسف بن يعقوب عن تلمسان أعمل السلطان نظره في الحركة إليها فخرج إليهم سنة سبع أو ست وانتهى إلى منيجه ودخل في طاعته منصور بن محمد شيخ ملكين وجمع قومه ولجأ إليه راشد بن محمد بن ثابت بن منديل أمير مغراوة هاربا امام بنى عبد الواد فاواه إلى ظله وألقى عليه جناح حمايته واحتشد جميع من في تلك النواحى من القبائل وزحف إلى الجزائر وأقام عليها أياما فامتنعت عليه وأنكفأ راجعا إلى حضرته ببجاية ومطاولته الجزائر بالقتال إلى ان كان من أمرها وتغلب بنو عبد الواد عليها كما نذكره في أخبارهم وجاء معه راشد بن محمد إلى بجاية متذمما لخدمته إلى أن قتله عبد الرحمن بن خلوف كما يذكر في موضعه ان شاء الله تعالى * (الخبر عن السلف وشروطه بين صاحب تونس وصاحب بجاية) * لما افتتح السلطان أبو البقاء خالد قسنطينة وقتل ابن الامير وفرغ من ذلك الشأن أدرك أهل الحضرة الندم على ما استدبر وأمن مهادنة صاحب الثغر وقارن ذلك مهلك يوسف ابن يعقوب الذى كانوا يرجونه شاغلا له فجنحوا إلى السلم وبعثوا وفدهم في ذلك إليه فأسدوا وألحمموا وشرط عليهم السلطان أبو البقا ان من هلك منهما قبل صاحبه فالامر من بعده للآخر والبيعة له فتقرر الشرط وحضر الملا والمشيخة من الموحدين ببجاية ثم بتونس فأشهدوا به على أنفسهم وربط ذلك العهد وأحكمت أو أخيه إلى أن نقضها أهل الحضرة عند مهلك السلطان أبى عصيدة كما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن سفر شيخ الدولة بتونس ابن اللحيانى لحصار جربة ومضيه منها إلى الحج) * لما انعقد أمر هذا الصلح واستتم راجع رئيس الدولة أبو يحيى زكريا بن اللحيانى نظره لنفسه وأعمل فكره في الخلاص ممن استوطنه وكان يؤمل رجوع الوفد المقربين بالهدية من أمراء الديار المصرية إلى يوسف بن يعقوب فيصحبهم لقضاء فرضه وأبطأ عليه شأنهم فاعتزم على قصده وورى بحركة آل جزيرة جربة لاسترجاعها من أيدى النصارى والرجوع عنها ففر بعد ذلك إلى الجريد لتمهيد أحواله وتناول الرأى في الظاهر من أمره مع السلطان فأذن له وسرح معه العساكر فخرج من تونس في جمادى سنة ست غازيا آل جربة ولم يزل يغذ السير حتى انتهى إلى محازها ثم عبر عنه إلى الجزيرة وكانت النصارى لما تغلبوا عليها سنة ثمان وثمانين شيدوا بها حصنا لاعتصام الحامية بالقشتيل فنزلت العساكر عليه وأبعد الشيخ أبو يحيى عماله ببجاية وأقام في منازلته

[ 320 ]

شهرين وانقطعت الاقوات واستعصى الحصن الا بالمطاومة فرجع إلى قابس ثم ارتحل إلى بلاد الجريد وانتهى إلى توزر ونزلها وأعمل في خدمته أجمع محمد بن بهلول من مشيختها فاستولى جباية الجريد وعاد إلى قابس وأنزله عبد الملك بن عثمان بن مكى بداره وصرح بما ورى عنه من حجه وصرف العساكر إلى الحضرة وولى بعده رياسة الموحدين وتدبير الدولة أبو يعقوب بن يزدوتن وتحول عن قابس إلى بعض جبالها تجافيا عن هوائها الوخم وأقام في انتظار الركب الحجازى وكان مريضا فتحول إلى طرابلس فأقام بها عاما ونصفه إلى ان وصل وفد الترك من الغرب الاقصى آخر سنة ثمان فخرج معهم حاجا ثم قضى فرضه وعاد فكان من شأنه واستيلائه على منصب الخلافة ما يأتي ذكره ووصل من النصرانية إلى قشتيل سنة ثمان بعد منصرف العساكر عنهم وفيهم مدرك ابن الطاغية صاحب صقلية فقاتلهم أهل الجزيرة من المكارية بنظر أبى عبد الله بن الحسين من مشيخة الموحدين ومعه ابن أومغار في قومه من أهل جربة فأظفره الله بهم ولم يزل شأن هذه الجزيرة من المكان مع العدو كذلك منذ نشأت دولة صنهاجة وربما وقعت الفتنة بين المكارية فتصل احدى الطائفين يدها بالنصارى إلى ان كان ارتجاعها في هذه النوبة سنة وأربعين لعهد مولانا السلطان أبى يحيى كما نذكره في اخباره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن مهلك السلطان أبى عصيدة وخبر أبى بكر الشهيد) * كان السلطان أبو عصيدة بعد تهيؤ سلطانه وتمهيد ملكه طرقه مرض الاستسقاء فأزمن به ثم مات على فراشه في ربيع الآخر سنة تسع ولم يخلف ابنا وكان بقصرهم سبط من أعقاب الامير أبى زكريا جدهم من ولد أبى بكر ابنه الذى ذكرنا وفاته في خبر شقيقه أبى حفص في فتح مليانة أيام السلطان المستنصر فلم يزل بنوه في قصورهم وفى ظل ملكهم ونشأ منهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبى بكر في ايالة السلطان أبى عصيدة وربى في جميع نعمته فلما هلك السلطان أبو عصيدة ولم يعقب وكان السلطان أبو البقاء خالد قد نزع إليه حمزة بن عمر عند الايالة من خروج أخيه من محبسه فرغبه في ملك الحضرة واستحثه عليها ثم وصل أبو عبد الله بن يرزكين السلطان أبا عصيدة واستنهض السلطان أبا البقاء من ملك تونس فنهض كما نذكر واستراب الموحدون بتونس في شأن حركته فخافوه على أنفسهم فبايعوا لهذا الامير أبى بكر الذى عرف بالشهيد بما كان من قبله لسبع عشرة ليلة من بيعته وأبقى أبا عبد الله بن يرزكين على وزارته وزحزح محمد بن الدباغ عن رتبة الحجابة فتوعده لما كان يحقد عليه من التقصير به أيام سلطانه فكان عونا عليه إلى ان هلك عند استيلاء السلطان أبى البقاء كما نذكره ان شاء الله تعالى

[ 321 ]

* (الخبر عن استيلاء السلطان أبى البقاء على الحضرة وانفراده بالدعوة الحفصية) * لما بلغ السلطان أبا البقاء بمكانه من بجاية وأعمالها الخبر بمرض السلطان أبى عصيدة مع ما كان من العقد بينهما بأن من مات قبل صاحبه جمع الامر بعده للآخر داخلته الظنة أن ينتقض أهل الحضرة في هذا الشرط واعتزم على النهوض لمشارفة الحضرة ووصل إليه حمزة بن عمر نازغا عنهم فرغبه واستحثه وخرج من بجاية في عساكره وورى بالحركة إلى الجزائر لما كان من انتقاضهم على أبيه واستبداد ابن علان بها ثم ارتحل إلى قصر جابر وعند بلوغه إليه ورد الخبر بمهلك السلطان أبى عصيدة وبيعة الموحدين بعده لابي بكر بن عبد الرحمن بن أبى بكر ابن الامير أبى زكريا فاضطغنها على الموحدين وأغذ السير وانحاش إليه كافة أولاد أبى اليل واجتمع أمثالهم أولاد مهلهل إلى صاحب تونس وخرج معهم شيخ الدولة أبو يعقوب بن يزدرتن والوزير أبو زنكن أبو عبد الله بن تبكن في العساكر للقاء ووقوا سلطانهم بأنفسهم فلما زحف إليهم السلطان أبو البقاء اختل مصافهم وانهزموا وانتهب المعسكر وقتل الوزير أبو زنكن وأجفلت أحياء العرب إلى القفر ودخل العسكر إلى البلد واضطرب الامر وخرج الامير أبو بكر بن عبد الرحمن فوقف بساحة البلد قليلا ثم تفرق عنه العسكر وتسايلوا إلى السلطان أبى البقاء وفر أبو بكر ثم ادرك ببعض الجهات فمثل إلى السلطان فاعتقله وغزا بالسلطان أهل الحضرة من المشيخة والموحدين والفقهاء والكافة فعقدوا بيعته وقتل الامير فسمى الشهيد آخر الدهر وباشر قتله ابن عمه أبو زكريا يحيى بن زكريا شيخ الموحدين ودخل السلطان من الغد إلى الحضرة واستقل بالخلافة وتلقب بالناصر لدين الله المنصور ثم استضاف إلى لقبه المتوكل وأبقى ابا يعقوب بن يزدرتن في رياسته على الموحدين مشاركا لابي زكريا يحيى بن ابى الاعلام الذى كان رئيسا عنده قبلها واستمر على خطة الحجابة أبو عبد الرحمن يعقوب بن عمر وولى على الاشغال بالحضرة منصور بن فضل بن مزنى وجرت الحال على ذلك إلى أن كان ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن بيعة ابن مزنى يحيى بن خالد ومصاير أموره) * كان يحيى بن خالد ابن السلطان أبى اسحق في جملة السلطان أبى البقاء خالد وتنكرت له الدولة لبعض النزغات فخشى البدار وفر فلحق بمنصور بن مزنى وكان منصور قد استوحش من ابن عمر فدعاه إلى القيام بأمره فأجاب وعقد له على حجابته وجمع له العرب وأجمع على قسنطينة أياما وبها يومئذ ابن طفيل وكانت قد اجتمعت ليحيى بن خالد زعنفة من الاوغاد اشتملوا عليه واشتمل عليهم وأغروه بابن مزنى فوعدهم إلى حين ظفره واطلع ابن مزنى على سوء دغلته فنفض يده من طاعته وانصرف عنه إلى بلده فانفضت جموعه

[ 322 ]

وراجع ابن مزنى طاعة السلطان أبى البقاء ومخالصة بطانته وحاجه فتقبلوه ولحق يحيى بن خالد بتلمسان مستجيشا ونزل على أميرها أبى زيان محمد بن عثمان بن يغمراسن فهلك لايام من قدومه وولى بعده أبو حمو موسى بن عثمان فأمده وزحف إلى محاربة قسنطينة فامتنعت عليه ثم استدعاه ابن مزنى إلى بسكرة فأقام عنده وأسنى له الجراية ورتب عليه الحرس وكان السلطان ابن اللحيانى يبعث إليه من تونس بالجائزة مصانعة له في شأنه حتى لقد أقطع له بتونس من قرى الضاحية ما كان للسلطان وابنه فلم يزل في اسهامه واسهام بنيه من بعده إلى أن هلك يحيى بن خالد بمكان عنده سنة احدى وعشرين والله تعالى أعلم * (الخبر عن بيعة السلطان أبى بكر بقسنطينة على يد الحاجب ابن عمر وأولية ذلك) * لما نهض السلطان أبو البقاء إلى الحضرة عقد على بجاية لعبد الرحمن بن يعقوب بن مخلوف مضافا إلى رياسته في قومه كما كانوا يستخلفون أبا ه عليها عند سفرهم عنها وكان يلقب المزوار وجعله حاجبا لاخيه الامير أبى بكر على قسنطينة فانتقل إليها وعكف السلطان أبو البقاء في تونس وعظم بطشه فقتل عدوان بن المهدى من رجالات سدونكش ودعار بن حريز من رجالات ابن امانج فتفاوض رجال الدولة في شأنه وخشوا غدرته وأعمل الحاجب ابن عمر وصاحبه منصور بن فضل عامل الزاب الحيلة في التخلص من ايالته واستعصب راشد بن محمد أمير مغراوة كان نزع إليهم عند استيلاء بنى عبد الواد على وطنهم فتلقوه من الكرامة بما يناسبه واستقر في جملتهم وعليه وعلى قومه تدور رحى حروبهم واستصحب السلطان أبو البقاء خالد إلى الحضرة الامير على زناتة فدفع بعضهم حشمه إلى الحاجب في مقعد حكمه وقد استعدى عليه بعض الخدم فأمر بقتله لحينه وأحفظ ذلك الامير راشد بن محمد فرتب لها عزائمه وقوض خيامه لحينه مغاضبا فوجد الحاجب بذلك سبيلا إلى قصده وتمت حيلته وحيلة صاحبه وأهم السلطان شأن بجاية ونواحيها وخشى عليها من راشد بما كان صديقا ملاطفا لعبد الرحمن بن مخلوف وفاوضهما فيمن بدفعه إليها فأشار عليه الحاجب بمنصور بن مزنى وأشار منصور بالحاجب وتدافعاها أياما حتى دفعاها جميعا إليه وطلب ابن عمر من السلطان العقد لاخيه أبى بكر على قسنطينة فعقد له وولى عليا ابن عمه الحجابة بتونس نائبا عنه وفصل من الحضرة ولحق بقسنطينة وصرف منصور بن فضل إلى عمله بالزاب فكان من خلافه ما يذكر وقام ابن عمر بخدمة السلطان أبى بكر بتصرف في حجابته ثم داخله في الانتقاض على أخيه وبدت مخايل ذلك عليهم فارتاب لهم السلطان أبو البقاء وأحس على بن الغمر بارتيابه فلحق بقسنطينة وجهز السلطان أبو البقاء عسكرا وعقد

[ 323 ]

عليه لظافر مولاه المعروف بالكبير وسرحه إلى قسنطينة فانتهى إلى باجة وأناخ بها إلى أن كان من أمره ما يذكر وبادر ابن عمر إلى المجاهدة ودعا مولانا السلطان أبا بكر إليه فأجابه وأخذله البيعة على الناس فتمت سنة احدى عشرة وسبعمائة وتلقب بالمتوكل وعسكر بظاهر قسنطينة إلى أن بلغه مجاهرة ابن مخلوف بخلافهم فكان ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن استيلاء السلطان على بجاية ومقتل ابن مخلوف وما كان من الادارة في ذلك } كان يعقوب بن مخلوف ويكنى أبا عبد الرحمن كبير صنهاجة من جند السلطان الموطنين بنواحي بجاية وكان له مكان في الدولة وغناء في حروبهم ودفاع عدوهم ولما نزلت عساكر بنى مرين على بجاية مع أبى يحيى بن يعقوب بن عبد الحق سنة ثلاث وسبعمائة كان له في حروبهم مقامات مذكورة وآثار معروفة وكان الامير أبو زكريا وابنه يستخلفونه بجاية ازمان سفرهم عنها وكان يلقب بالمزوار ولما هلك خلفه في سبيله تلك ابنه عبد الرحمن واستخلفه السلطان أبو البقاء خالد على بجاية عندما نهض إلى تونس سنة تسع وأنزله بها وكان طموعا لجوجا مدلا ببأسه وقدمه ومكانه من الدولة فلما دعا السلطان أبو بكر لنفسه وخلع طاعه أخيه وأخذله أبو عبد الرحمن بن عمر البيعة على الناس وخاطبوه بأخذ البيعة له على من يليه ببجاية وأعمالها فأبى منها وتمسك بدعوة صاحبه ونفس على ابن عمر ما تحصل له من ذلك من الحظ فجاهر بخلافهم وجمع واحتشد وتقبض على صاحب الاشغال عبد الواحد بن القاضى أبى العباس الغمارى وعلى صاحب الديوان محمد بن يحيى القالون مصطنع الحاجب بن عمر من أهل المرية كان اسدي إليه عند اجتيازه به معروفا ورحل إليه عندما استولى على لرتبة ببجاية فكافأه عن معروفه واصطنعه وألقى عليه محبته ورقاه إلى الرتب وصرفه في أعمال الجباية وقلده ديوان بجاية فتقبض عبد الرحمن بن مخلوف عليه وعلى صاحبه وجمع الناس وأعلن بالدعوة للسلطان أبى البقاء خالد وارتحل السلطان أبو بكر من معسكره بظاهر قسنطينة وأغذ السير إلى بجاية ونزل مطلا عليه وأمهل الناس عامه يومهم وشرط ابن مخلوف على السلطان عزل ابن عمر وترددت الرسل بينهم في ذلك وكان الوزير أبو زكريا بن أبى الاعلام من الساعين في هذا الاصلاح بما كان له من الصهر على ابن مخلوف وحين رجع إليه بامتناع السلطان عن شرطه ومنعه من الرجوع إليهم وحبسه عنده وزحف أهل المعسكر بالسلطان وخاموا عن لقاء صنهاجة ومن معهم من مغراوة أهل الشوكة والعصبية والعدد والقوة وأجفل السلطان من معسكره فانتهب وأحدث

[ 324 ]

إليه وسلب من كان من المعسكر وأخلاط الناس ودخل السلطان إلى قسنطينة في فل من عسكره وبعث ابن مخلوف عسكرا في اتباعه فوصلوا إلى ميله فدخلوها عنوة ثم وصلوا إلى قسنطينة فقاتلوها أياما ثم رجعوا إلى بجاية وأقام السلطان واضطرب أمره وتوقع زحف ظافر إليه من باجة واتصل به أن أبا يحيى زكريا بن أحمد اللحيانى قفل من المشرق وانه لما انتهى طرابلس دعا لنفسه لما وجد بافريقية من الاضطراب فبويع وتوافت إليه العرب من كل جهة فرأى السلطان من مذاهب الحزم أن يبعث إليه بالحاجب ابن أبى عبد الرحمن بن عمر ليشيد من سلطانه ويشتغل أهل الحضرة عنه فورى بالفرار عن السلطان وتواطأ معه على المكر بابن مخلوف في ذلك ولحق ابن عمر باللحيانى واستحثه لملك تونس وهون عليه الامر وغدا السلطان عند فصول ابن عمر على منازله فكبسها وسطا بحاشيته وولى حجابته حسن بن ابراهيم بن أبى بكر بن ثابت رئيس أهل الجبل المطل على قسنطينة والقل من كتامة ويعرف قومه ببنى نهلان وكان قد اصطنعه من قبل وارتحل بالعساكر إلى بجاية سنة ثنتى عشرة واستخلف على قسنطينة عبد الله بن ثابت أخا الحاجب وأشيع بالجهات أن السلطان تنكر لابن عمر وسخطه وأنه ذهب إلى ابن اللحيانى واستجاشه على الحضرة وبلغ ذلك ابن مخلوف واستيقن اضطراب حال السلطان خالد بتونس فطمع في حجابة السلطان أبى بكر وتوثق لنفسه منه بالعهد بمداخلة عثمان ابن سل بن عثمان بن سباع بن يحيى من رجالات الزواودة والولى يعقوب الملاذى من نواحى قسنطينة وأغذ السير من بجاية ولقى السلطان ببرجيوه من بلاد مدونكش فلقاه مبرة ورحبا ثم استدعاه من جوف الليل على رواقه إلى شرب مع مواليه فعاقرهم الخمر إلى أن ثمل واستغضبوه ببعض النزعات فغضب وأفزع فتناولوه طعنا بالخناجر إلى أن قتلوه وجر واشلوه فطرحوه بين الفساطيط وتقبض على سائر قومه وحاشيته وفر كاتبه عبد الله بن هلال فلحق بالمغرب وارتحل السلطان مغذا إلى بجاية فدخلها وظفر بها وتملك بها حتى ريا ملكه وعلا وكان دخوله إلى بجاية على حين غفلة من أهلها واستولى السلطان على سائر المملكة التى كانت تحت ايالة أبيه بالجهة المعروفة بالناحية الغربية وتكمل واستوسق له أمرها وأقام في انتظار صاحبه ابن عمر إلى أن كان من الامر ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن مهلك السلطان أبى البقاء خالد واستيلاء السلطان أبى يحيى بن اللحيانى على الحضرة } كان السلطان أبو البقاء خالد بعد بيعة السلطان أبى بكر بقسنطينة قد اضطربت أحواله وجهز إليه العساكر لمنازلة قسنطينة وعقد عليها لمولاه ظافر المعروف بالكبير فعسكر

[ 325 ]

ببجاية وأراح ينتظر أمر السلطان وكان أبو يحيى زكريا بن أحمد بن محمد بن اللحيانى ابن أبى محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبى حفص قد بويع بطرابلس لما قفل من المشرق ورأى اضطراب الاحوال ووفد عليه هنا لك الحاجب أبو عبد الرحمن بن عمر بهدية من السلطان أبى بكر وانه يمده ويظاهره على شأنه فأحكم ذلك من عقدتي وشد من أمره وتوافت إليه رجالات الكعوب أولاد أبى اليل ومعهم شيخ دولته أبو عبد الله محمد بن محمد المزدورى فأغذوا السير إلى الحضرة وبعث السلطان إلى مولاه ظافر بمكانه من باجة مستجيشا به فاعترضوه قبل وصوله وأوقعوا به واعتقلوا ظافرا وصبحوا تونس ثامن جمادى سنة احدى عشرة ووقفوا بساحتها فكانت هيعة بالبلد قتل فيها شيخ الدولة أبو زكريا الحفصى وغدا القاضى أبو اسحق بن عبد الرفيع على السلطان وكان متبوعا صارما قوى الشكيمة فأغراه بمدافعة العدو فخام عن لقائه واعتذر بالمرض واشهد بالانخلاع عن الامر وحل البيعة ودخل أبو عبد الله المزدورى القصر فاستمكن من اعتقاله ثم جاء السلطان أبو يحيى اللحيانى على أثره بلا تأخر فبويع البيعة العامة بظاهرها ودخل إلى البلد واستولى عليها وولى على حجابته كاتبه أبا زكريا يحيى ابن على بن يعقوب على الاشغال بالحضرة بحضرة ابن عمه محمد بن يعقوب وبنو يعقوب هؤلاء أهل بيت بشاطبة من بيوت العلم والقضاء وقدموا إلى الحضرة امام بجاية وكان منهم أبو القاسم عبد الرحمن بن يعقوب وفد مع ابن الامين صاحب طنجة كما قدمناه وتصرف في القضاء بافريقية وولاه السلطان المنتصر قضاء الحضرة وسافر عنه إلى ملوك مصر وكان بنو على هؤلاء عبد الواحد ويحيى ومحمد من أقاربه فكان لهم ظهور في دولة السلطان أبى حفص وبعدها وكان عبد الواحد منهم صاحب جباية الجريد وهلك بنو زر سنة ثنتين وسبعمائة وكان السلطان أبو يحيى بن اللحيانى قد استكتب أخاه أبا زكريا يحيى ايام رياسته على الموحدين فحظى عنده واختصه ولازمه وحج معه فلما ولى الخلافة أحطاه وولاه حجابته ولما استقر بتونس واستوسق له الامر أعاد الحاجب أبا عبد الرحمن بن عمر إلى مرسله السلطان ابن بكر بعد أن وثق معه العهد إلى أبى يحيى على المعاهدة وضمن له ابن عمر فأقام عنده مكرما متسع الجراية والاسهام إلى أن كان من الامر ما نذكره ان شاء الله تعالى والله أعلم * (الخبر عن قدوم ابن عمر على السلطان ببجاية ونكبة ابن ثابت وظافر الكبير) * لما قدم ابن عمر على بجاية استبد بمحاربته وكفالته كما كان وليوم وصوله من عبد الله ابن هلال كاتبه ابن مخلوف ولحق بتلمسان وشمر ابن عمر عزائمه للاطلاع بأمره ودفع حسن بن ابراهيم بن ثابت عن الرتبة فلم يتزحزج يوما وخرج لجباية الوطن ثم أغرى به

[ 326 ]

السلطان وحذره من استبداده بقسنطينة لمكان معقله المجاور لها وسعايات تنصح بها حتى صادفت القفول بمكانه والوثوق بنصائحه وخرج السلطان في العساكر من بجاية إلى قسنطينة سنة ثلاث عشرة للنظر في أحوالها فلما انتهى إلى برجيوه لقيه عبد الله بن ثابت فتقبض عليه وعلى أخيه حسن بن الحاجب سنة ثلاث عشرة بعد أن استصفى أموالهما ويقال انه بعد خروج حسن بن ثابت إلى عمل قسنطينة بعث في أثره بعض مواليه وأوعز معهم إلى عمل عبد الكريم بن منديل ورجالات سدونكش فقتلوه بوادي القطن وأن السلطان لم يباشر نكبته وكان ظافر الكبير بعد انهزامه وحصوله في أسر العرب كما قدمناه انعموا عليه وأطلقوه ولحق بالسلطان أبى بكر فآثره واستخلصه كما كان لاخيه وولاه على قسنطينة عند نكبة بن ثابت واستكتب أبا القاسم ابن عبد العزيز لخلوه من الولايات فأقام ظافرا واليا بقسنطينة ثم استقدمه السلطان إلى بجاية وقد غص ابن عمر بمكانه فأغرى به السلطان فتقبض عليه وأشخصه في السعية إلى الاندلس والله أعلم * (الخبر عن منازلة عساكر بنى عبد الواد ببجاية وما كان في ذلك من الاحداث) * كان السلطان أبو يحيى بعد انهزام جنده عن بجاية سنة عشر بعث سعيد بن بشر بن يخلف عن مواليه إلى أبى حمو موسى بن عثمان بن يغمراسن وكان قد أتيح له في زناتة المغرب الاوسط ظفر واعتزاز فملك أمصارهم من أيدى بنى مرين من بعد مهلك يوسف بن يعقوب على تلمسان ودوخ جهاته واستولى على أعمال مغراوة وتوجين وملك الجزائر واستنزل منها ابن علان الثائر بها وملك تدلس من يد ابن مخلوف فطمع لذلك موسى بن عثمان في ملك بجاية ثم بلغه مهلك ابن مخلوف فبعث إليه السلطان في المواصلة واستيلاء السلطان على ثغره فاستمر على المطالبة وادعى أن بجاية له في شرطه وقارن ذلك لحاق صنهاجة إليه عند مهلك صاحبهم فرغبوا في ملك بجاية وضغنوا له ثم قدم عثمان بن سباع ابن يحيى مغاضبا للسلطان بما كان من اساءته عليه في ابن مخلوف واخفار ذمته وعهده فيه واستقر عنده ابن أبى يحيى بعد منصرفه عن الحجابة ورجوعه من الحج فرغبوا في ذلك واستحثوه لطلب بجاية فسرح العساكر إليها لنظر محمد ابن عمه يوسف بن يغمراسن ومسعود بن عمه أبى عامر ابراهيم ومولاه مسامح وبعث معهما أبا القاسم بن أبى يحيى الحاجب ففصلوا عنه بدار مقامه بشلف فأغذوا السير وهلك ابن أبى يحيى في طريقه بجبل ونازلوا البلد ثم جاوزوها إلى الجهات الشرقية فأثخنوا فيها ودخلو خيل ابن ثابت واستولوا عليه واستباحوه سنة ثلاث عشرة ونالت منهم الحامية في المدافعة بالقتل والجراحات أعظم النيل وقفلوا راجعين فشيدوا حصنا باوصفون فخرب وانتهبت

[ 327 ]

أقواته وعدده وسرح أبو حمو عساكرا آخر لحصار بجاية عقد عليه لمسعود بن عمر بن عامر بن ابراهيم بن يغمراسن فنازلوها سنة خمس عشرة واتصل بهم خروج محمد بن يوسف بن يغمراسن وبنو توجين معه على أبى حمو وانهم أوقعوا به وهزموه واستولوا على معسكره فأجفل مسعود بن أبى عامر وعسكره وأفرجوا عن بجاية ووصل على أثرها خطاب محمد بن يوسف بالطاعة والانحياش فبعث السلطان إليه صنيعته محمد ابن الحاج فضل بالهدية والآلة ووعده بالمظاهرة وتسويغ السهام التى كانت ليغمراسن بافريقية وشغل ابن عبد الواد عن بجاية وخرج السلطان في عساكره للاشراف على وطنه إلى أن كان ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن استبداد ابن عمر ببجاية) * لم يزل ابن عمر مستبدا على السلطان في حجابته يرى أن زمامه بيده وأمره متوقف على انفاذه وصار يغريه ببطانته فيقتلهم ويغرمهم وربما كان السلطان يأنف من استبداده عليه وداخله بعض أهل قسنطينة سنة ثلاث عشرة لما أهمهم من حصارها واتصلت حاله معه على ذلك النحو من الاستبداد إلى أن بلغ السلطان الشوة وأرهف حده وسطا محمد بن فضل فقتلهم في خلوة مع قربه من غير مؤامرة الحاجب وباكر ابن عمر مقعده بباب دار السلطان فوجد شلوه ملقى في الطريق مدرجا في ثيابه وأخبر أن السلطان سطا به فداخله الريب من استبداد السلطان وارهاف حده وخشى بوادره وتوقع سعاية البطانة وأهل الخلوة فتحيل في بعده عنه واستبداده بالثغر دونه فاغراهم بطلب افريقية من يد ابن اللحيانى وجهزهم بما يصلح من الآلة والفساطيط والعساكر والخدام ورتب له المراتب وارتحل السلطان إلى قسنطينة سنة خمس عشرة ثم تقدم غازيا إلى بلاد هوارة وأجفل عنها ظافرا بهم وكان قائدها من مواليهم فاستوفى جباية هوارة وقفل إلى قسنطينة سنة ست عشرة واستبد ابن عمر ببجاية ومدافعة العدو من زناتة عنها واستخلف على حجابة السلطان محمد بن قانون قرة عينه بما كان يؤمل من استبداده إلى أن كان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن سفر السلطان أبى يحيى اللحيانى إلى قابس وتجافيه عن الخلافة) * كان هذا السلطان أبو يحيى اللحيانى قد طعن في السن وكان بصيرا بالسياسة مجربا للامور وكان يرى من نفسه العجز عن الخلافة واستحقاقها مع أبناء الامسير أبى زكريا الاكبر استفحال صاحب الثغور الغريبة الامير أبى زكريا واستغلاظ أمره بمن انتظم في ديوان جنده من أعياص زناتة وفحول شولهم من توجين مغراوة وبنى عبد الواد وبنى مرين كانوا

[ 328 ]

يفزعون إليه مع الامام من ملوكهم خشية على أنفسهم لما فاسموهم في النسب وساهموهم في يعسوبية القبيل وفحولية الشول ومنهم من غلبوا على مواطنهم فملكوها عليهم مثل مغراوة وبنى توجين وملكيش فاستكنف بذلك جند السلطان وكثرت جموعه وهابه الملوك ونهض سنة ست عشرة إلى افريقية وجال في بلاد هوارة وأخذ جبايتها كما ذكرنا فتوقع السلطان ابن اللحيانى زحفه إليه بتونس وكانت افريقية مضطربة عليه وكان تعويله في الحامية والمدافعة على أوليائه من العرب ولى منهم حمزة بن عمر بن أبى ليل فحكمه الشركة في سلطانه وأفرده برياسة العرب وأجره الرسن وسرب إليه الاموال وكثر بذلك زبون العرب واخلافهم عليه فاجتمع على التقويض عن افريقية ونفض من الخلافة فجمع الاموال والذخيرة وباع ما كان بمودعاتهم من الآنية والفرش والخرثي والماعون والمتاع حتى الكتب التى كان الامير أبو زكريا الاكبر جمعها واستجاد أصولها ودواوينها أخرجت للوراقين فبيعت بدكاكين سوقهم فجمع من ذلك زعموا قناطير من الذهب تجاوز العشرين قنطارا وجوالقين من حصى الدر والياقوت وخرج من تونس إلى قابس موريا بمشارفة عملها فاتح سنة سبع عشرة بعد ان رتب الحامية والحضرة وباجة والحمامات واستخلف بالحضرة وخرج من تونس إلى قابس وانتهى إلى قابس فأقام بها وصرف المال في جهاتها إلى أن كان من بيعة ولده من تونس كما نذكره بعد ان شاء الله تعالى * (الخبر عن نهوض السلطان أبى بكر إلى الحضرة ورجوعه إلى قسنطينة) * لما رجع السلطان من هوارة إلى قسنطينة سنة ست عشرة كما قدمناه استبلغ في جهاد حركة أخرى إلى تونس فاحتشد وقسم العطاء وأزاح العلل واعترض الجنود على طبقاتهم من زناتة والعرب وسدونكش واستخلف على قسنطينة الحاجب محمد بن القانون وبعث إلى حاجبه الاعظم أبى عبد الرحمن بن عمر بمكانه من امارة بجاية في مدد المال للنفقات والاعطيات فبعث إليه منصور بن فضل موزنى عامل الزاب وكان ابن عمر لما رأى من كفايته وانه جماعة للمال استضاف له عمل جبل أوراس والحصنة وسدونكش وعياص وسائر اعمال الضاحية فكانت اعمال الجباية كلها بنظره واموالها في حساب دخله وخرجه فبعثه ابن عمر ليقيم انفاق السلطان واستخلفه على خطة حجابته وارتحل السلطان من قسنطينة في جمادى سنة سبع عشرة يطوى المراحل ولقيه في طريقه وفود العرب وانتهى إلى باجة مستغيثا حاميتها إلى تونس وكان السلطان أبو يحيى اللحيانى قد خرج عنها إلى قابس كما قدمناه واستخلف عليها أبا الحسن بن وانودين وبعث إليه بنهوض السلطان أبى بكر إلى تونس وانه محتاج

[ 329 ]

إلى المدافعة فاعتذر لهم اللحيانى بما قبله من الاموال وأطلق يدهم في الجيش والمال فركبوا واستلحقوا رئيس الديوان وأخرجوا ابنه محمدا ويكنى أبا ضربة فأطلقوه من اعتقاله ولقيهم الخبر باشراف السلطان أبى بكر إلى باجة فخرجوا جميعا من تونس وخالفهم إلى السلطان مولاهم ابن عمر بن أبى اليل كان مضطغنا على الدولة متربصا بها كما كان اللحيانى يؤثر عليه أخاه حمزة فلقى السلطان دوين باجة فأعطاه صفقته واستحثه ووصل إلى تونس فنزل روض السنافرة من رياض السلطان في شعبان من سنة سبع عشرة وخرج إليه الملا وترددوا في البيعة بعض الشئ انتظار الشأن أبى ضربة وأصحابه وكان من خبرهم ان السلطان لما أغذ السير من باجة بادر حمزة بن عمر إلى بطانة اللحيانى وأوليائه بتونس فلقيهم وقد خرجوا عنها فأشار عليهم ببيعة أبى ضربة ابن السلطان اللحيانى ومزاحفة القوم به فبايعوه وزحفوا إلى لقاء السلطان ودس حمزة إلى أخيه مولاهم أن يزحف بالمعسكر فأجفل السلطان عن مقامته بروض السنافرة سبعة أيام من احتلاله قبل أن يستكمل البيعة وارتحل إلى قسنطينة ورجع عنه مولاهم من تخوم وطنة وسرح منصور بن مزنى إلى ابن عمر بباجة ودخل أبو ضربة بن اللحيانى والموحدون إلى تونس منتصف شعبان من سنته وبويع بالحضرة البيعة العامة وتلقب المنتصر وأراد أهل تونس على ادارة سور بالارباض فيكون سياجا عليها فأجابوه إلى ذلك وشرع فيه وأوهنه العرب في مطالبهم واشتطوا عليه في شروطهم إلى أن عاود مولانا السلطان حركته كما نذكر ان شاء الله تعالى { الخبر عن استيلاء السلطان أبى بكر على الحضرة وايقاعه بأبى ضربة وفرار أبيه من طرابلس إلى المشرق } لما قفل السلطان من تونس إلى قسنطينة بعث قائده محمد بن سيد الناس بين يديه إلى بجاية فارتاب لذلك ابن عمر بوصول أمره وتنكر له ولعر السلطان بذلك وأغضى له وطالبه في المدد فاحتفل في الحشد والآلة والابنية وبعث إليه سبعة من رجال الدولة بسبعة عساكر وهم محمد بن سيد الناس ومحمد بن الحكم وظفر السنان وأخوه من موالى الامير أبى زكريا الاوسط ومحمد المديوني ومحمد المحرسى ومحمد البطوى وبعث له من فحول زناتة وعظمائهم عبد الحق بن عثمان من أعياص بنى مرين كان ارتحل إليه من الاندلس كما نذكر في خبره وأبا رشيد بن محمد بن يوسف من أعياص بنى عبد الواد فيمن كان معهم من قومهم وحاشيتهم وتراموا بعساكرهم عند السلطان بقسنطينة فاعتزم على معاودة الزحف إلى تونس وكان قد اختبر أحوال افريقية وأحسن في ارتياضها فخرج في صفر من سنة ثمانى عشرة واستعمل على حجابته أبا عبد الله

[ 330 ]

ابن القالون ويرادفه أبو الحسن بن عمرو وافاه بالاندلس وفد هوارة وكبيرهم سليمان بن جامع وأخبروه بأن أبا ضربة بن اللحيانى انتقل من باجة بعد أن نازلها معتزما على اللقاء فارتحل مولانا السلطان مغذا ولقيه مولاهم ابن عمر فراجع الطاعة وارتحلوا في اتباع أبى ضربة وجموعه حتى شارفوا القيروان فخرج إليه عاملها ومشيختها فألقوا إليه باليد وأعطوا الطاعة وارتحل السلطان راجعا عن اتباع عدوه إلى الحضرة وقد نزل بها أبو ضربة بن اللحيانى من بطانة محمد بن الفلاق لتمانع ذويها فأخرج الرماة إلى ساحتها وقفل العساكر ساعة من نهار ثم اقتحموها عليه واستبيح عامة أرباضها وقتل ابن الفلاق ودخل السلطان إلى الحضرة في ربيع من سنته فأقام خلالا انعقدت بين العامة وقدم على الشرطة ميمون بن أبى زيد واستخلفه على البلد ورحل في اتباع أبى ضربة بن اللحيانى وجموعه فأوقع بهم بمصبوح من جهات بلاد هوارة وقتل من مشيخة الموحدين أبا عبد الله بن الشهيد من أهل البيت الحفصى وأبا عبد الله بن ياسين ومن ضبة كتاب أبى الفضل البجائى وتقبض على شيخ الدولة أبى محمد عبد الله بن يعمور وقيد إلى السلطان فعفا عنه وقومه ليومه ثم أعاده إلى خطته بعد ذلك ورجع السلطان إلى تونس من سنته وكان السلطان أبو عيسى بن اللحيانى لما بلغه الخبر بنهوض السلطان إلى تونس حركته الثانية سنة سبع عشرة وما كان من بيعة الموحدين والعرب لابنه أبى ضربة وارتحل من مقامه بقابس إلى نواحى طرابلس ثم بلغه رجوع السلطان إلى قسنطينة فأوطن طرابلس أبا عبد الله بن يعقوب قريب حاجبه ومعه هجرس بن مرغم كبير الجوازى من ذئاب فدوخ البلاد وفتح المعاقل وجبى الاموال وانتهى إلى برقة واستخدم آل سالم وآل سليمان من حزب ذئاب ورجع إلى سلطانه بطرابلس ووافاه الجند بانهزام أبى ضربة ابنه فبعث حاجبه أبا زكريا ابن يعقوب ووزيره أبا عبد الله بن ياسين بالاموال لاحتشاد العرب ففرقوها في علان وذئاب وزحف أبو ضربة إلى القيروان وبلغ خبره إلى السلطان أبى بكر فخرج من تونس آخر شعبان من سنة ثمان عشرة فأجفلوا عن القيروان ثم تذامروا وعقلوا رواحلهم مستميتين بزعمهم حتى أطلت عليهم العساكر بمكان فج النعام فانفضت جموعهم وشردت رواحلهم وارتحلوا منهزمين والقتل والنهب يأخذ منهم مأخذه ولجأ أبو ضربة في فله إلى المهدية وكانوا مقيمين على دعوة أبيه فامتنع منها إلى أن كان من شأنه ما نذكره وبلغ خبره إلى أبيه بمكانه من طرابلس فاضطرب معسكره وبعث إلى النصارى في اسطول بحمله إلى الاسكندرية فوافده ستة أساطيل فاحتمل أهله وولده وركب البحر ومعه حاجيه أبو زكريا بن يعقوب إلى الاسكندرية واستخلف على طرابلس أبا عبد الله بن أبى

[ 331 ]

عمران من ذوى قرابته وصهره فلم يزل بها إلى أن استدعاه الكعوب ونصبوه للامر وأجلبوا به على السلطان مرارا كما نذكره بعد وركب السلطان أبو يحيى بن اللحيانى البحر إلى الاسكندرية فنزل بها على السلطان محمد بن قلاون من ملوك الترك بمصر والشام واستقدمه إلى مصر فعظم من مقدمه واهتز للقائه ونوه من مجلسه وأسنى من جرايته واقطاعه إلى أن هلك سنة ثمان وعشرين ورجع السلطان أبو بكر إلى تونس بعد الواقعة على أبى ضربة وقومه بفج النعام فدخلها في شوال من سنته واستقامت افريقية على طاعته وانتظمت أمصارها وثغورها في دعوته إلى المهدية وطرابلس كما ذكرناه إلى أن كان ما يأتي ذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن مهلك الحاجب بن عمر ببجاية وولاية الحاجب محمد بن القالون عليها ثم الادالة منه بابن سيد الناس } كان الحاجب بن عمر لما استبد ببجاية سنة خمس عشرة انتقل السلطان إلى قسنطينة ولم يراجعها بعد ثم لما رجع من تونس ثانية حركته سنة سبع عشرة صرف إليه منصور ابن فضل وبعث في أثره قائده أبا عبد الله محمد ابن حاجب أبيه محمد بن سيد الناس يهيئ له قصوره ببجاية للتحول إليها فرده ابن عمر وتنكر له وطالبه السلطان في المدد فبادر به فأقطعه جانب الرضا وعقد له على بجاية وقسنطينة كما ذكرنا ذلك كله قبل فاستبد ابن عمر بالثغر وما إليه من الاعمال مقتصرا على ذكر السلطان في الخطبة واسمه في السكة وأقام على ذلك إلى أن ملك السلطان تونس واستولى على جهاتها وبعث إليه بابن عمه على بن محمد بن عمر فعقد له أبو عبد الرحمن الحاجب على قسنطينة فمضى إليها وهو في خلال ذلك كله يدافع عساكر زناتة عن بجاية وقد كان أبو حمو صاحب تلمسان بعد ظهوره على محمد بن يوسف واسترجاعه بلاد مغراوة وتوجين من يده كما قدمناه يسرب العساكر لحصارها وابتنى بالوادي على مرحلتين منها قلعة بكر يجهز بها الكتائب لحصارها ثم هلك أبو حمو وولى ابنه أبو تاشفين من بعده سنة ثمان عشرة فتنفس مخنق الحصار عن بجاية ريثما كانت حركة السلطان إلى تونس وفتحها ثم خرج أبو تاشفين من تلمسان لتمهيد أعماله وقتل محمد بن يوسف بمعقله من جبل وانشريس كما نذكره في أخبارهم فارتحل من هنا لك راجعا إلى تلمسان وأصاب ابن عمر مرض فبعث عن على ابن عمه بمكان عمله بقسنطينة وعهد إليه بأمره والقيام بولاية بجاية إلى أن يصل أمر السلطان وهلك لايام على فراشه في شوال من سنة تسع عشرة وقام على بن عمر بأمر بجاية واتصل الخبر بالسلطان فأهمه شأن الثغر وطير ابن سيد الناس إليه مع قهرمانة داره لتحصيل خرينته والبحث عن ذخيرته فاستوفى من ذلك فوق الكثرة من الصامت والذخيرة وقدم معه

[ 332 ]

على بن غمر فأولاه السلطان من رضاه ما أحسب أمله وأقام بالحضرة إلى أن كان منه خلاف مع ابن أبى عمران ثم راجع الطاعة وقد أحفظ السلطان بولاية عدوه فلما عاد إلى تونس أوعز إلى مولاه نجاح وحملال بقتله فاغتالوه خارجا من بستانه فأشووه وهلك من جراحته والله اعلم { الخبر عن امارة الامير أبى عبد الله على قسنطينة وأخيه الامير أبى زكريا على بجاية وتولية ابن القالون على حجابتها } لما هلك ابن عمر أهم السلطان شأن بجاية لما كانت عليه من حال الحصار ومطالبة بنى عبد الواد فرأى أن يكشف الحامية بالثغور القريبة وينزل بها ابناءه للمدافعة والحماية وعقد على قسنطينة لابنه الامير أبى عبد الله وعقد على بجاية لابنه الآخر الامير أبى زكريا وجعل حجابتها لابي عبد الله بن القالون مستبدا عليها لمكان صغرهما وأكثف له الجند وأمره بالمقام ببجاية للممانعة من العدو الملح على حصارها وارتحلوا من تونس فاتح سنة عشرين في احتفال من العسكر والاصحاب والابهة وابقى خطة الحجابة خلوا ممن يقوم بها ابقاء على ابن القالون وبقى للتصرف في الامور من رجالات السلطان أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الكردى الملقب بالمزوار وكان مقدما على بطانة السلطان المعروف بالدخلة وعلى الاشغال الكاتب أبو القاسم بن عبد العزيز وسنذكر أوليتهما بعد وانصرف إلى بجاية رافلا في حلل العز والتنويه إلى أن كان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى والله أعلم { الخبر عن استقدام ابن القالون والادالة منه بابن سيد الناس في بجاية وبظافر الكبير في قسنطينة } لما انصرف أبو عبد الله بن يحيى بن قالون إلى بجاية وخلا وجه السلطان فيه لبطانته عند ولايته ببجاية بثوا فيه السعايات ونصبوا له الغوائل وتولى كبر ذلك المزوار بن عبد العزيز بمداخلة أبى القاسم بن عبد العزيز صاحب الاشغال وعظمت السعاية فيه عند السلطان حتى داخلته فيه الظنة وعقد لمحمد بن سيد الناس على بجاية وقام بأمر حصارها وحجابة أميرها إلى أن استقدم للحجابة وكان من أمره ما نذكره ومر ابن قالون بقسنطينة في طريقه إلى الحضرة فحدثته نفسه بالامتناع بها وداخل مشيختها في ذلك فأبوا عليه فأشخصهم إلى الحضرة نكالا بهم ونمى الخبر بذلك إلى السلطان فاسرها لابن فالون وعزم على استضافة الحجابة بقسنطينة لابن سيد الناس فاستعفي مشيختها وأروه ان الامين قريبه وابن أخيه وذكروه ثروة أبيه فأقصر عن ذلك وصرف اعتزامه إلى مولاه ظافر الكبير وذلك عند قدومه من المغرب وكان من خبره انه كان من موالى الامير

[ 333 ]

أبى زكريا وكان له في دولة ابنه السلطان أبى البقاء ظهور وزحف هو بالعساكر عند ما استراب السلطان أبو بكر فأقام بباجة وجاء المزدورى والعرب إلى تونس في مقدمة ابن اللحيانى فزحف إليهم ففضوه وتقبضوا عليه كما ذكرنا ذلك كله ثم لحق بعدها بمولانا السلطان أبى يحيى وأعاده إلى مكانه من الدولة وولاه قسنطينة عند مهلك ابن ثابت سنة ثلاث عشرة ثم غص به ابن عمرو أغرى به السلطان فأشخصه في السفين إلى الاندلس وجاز إلى المغرب ونزل على السلطان أبى سعيد إلى أن بلغه الخبر بمهلك ابن عمر فكر راجعا إلى تونس ولقاه السلطان مبرة وتكريما ووافق ذلك وصول الحاجب ابن قالون من بجاية فعقد السلطان لظافر هذا على حجابة ابنه بقسنطينة الامير أبى عبد الله فقدمها وقام بأمرها واستعمل ذويه وحاشيته في وجوه خدمتها وصرف من كان هنا لك من الخدام أهل الحضرة إلى بلدهم وكان بها أبو العباس بن ياسين متصرفا بين يدى الامير أبى عبد الله والكاتب أبو زكريا بن الدباغ على أشغال الجباية وكانا قدما من الحضرة في ركاب الامير أبى عبد الله فصرفهما القائد ظافر لحين وصوله واشتغل بأمره إلى أن كان ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن ظهور ابن أبى عمران وفرار ابن قالون إليه على عينه) * كان محمد بن أبى عمران هذا من أعقاب أبى عمران موسى بن ابراهيم ابن الشيخ أبى حفص وهو الذى ولى افريقية نائبا عن أبى محمد عبد الله ابن عمه الشيخ أبى محمد عبد الواحد كتب له بها من مراكش لاول ولايته فأقام واليا عليها ثمانية أشهر إلى أن قدم آخر سنة ثلاث وعشرين وستمائة وأقام أبو عمران هذا في جملتهم إلى أن هلك ونشأ بنوه في ظل دولتهم إلى أن كان من عقبه أبو بكر والد محمد هذا فكان له صيت وذكر وكان السلطان أبو يحيى زكريا بن اللحيانى قد رعى له ذمة قرابته ووصله بصهر عقده لابنه محمد على ابنته واستخلفه على تونس عند خروجه عنها ثم استخلفه على طرابلس عند ركوبه السفينة إلى الاسكندرية وكان أبو ضربة بعد انهزامه وافتراق جموعه اعتصم بالمهدية ونازله بها السلطان أبو بكر فامتنعت عليه وأقلع عنها على سلم عقده لابي ضربة وأقام حمزة ابن عمر في سبيل خلافه على السلطان يتقلب في نواحى افريقية حتى عظم زبونه على السلطان ونزع إليه الكثير من الاعراب وكثرت جموعه فاستقدم محمد بن أبى عمران من مكان ولايته لثغر طرابلس وزحف إلى تونس مفاوضا إلى السلطان وكمال تعبيته فخرج السلطان أبو بكر عن تونس في رمضان من سنة احدى وعشرين ولحق بقسنطينة وصحبه إليها مولاهم ابن عمرو كان الحاجب محمد بن يحيى بن قالون قد غصته البطانة والحاشية بالمعاية فيه عند السلطان وتبين له انحرافه عنه وكان معن بن مطاع الفزارى وزير

[ 334 ]

حمزة بن عمرو صاحب شواره صديقا لابن قالون ومخالصا له فداخله في الاجلاب بابن أبى عمران فلما خرج السلطان أمام زحفهم تخلف ابن قالون بتونس وركب من الغد في البلد مناديا بدعوة ابن أبى عمران ودخل ابن أبى عمران ثانية خروج السلطان واستولى على الحضرة وأقام بها بقية سنته وصدرا من أخرى ولحق السلطان بقسنطينة فجمع عساكره واحتشد جموعه وأزاح العلل واستكمل التعبية وزحف منها في صفر سنة ثنتين وعشرين وخرج ابن أبى عمران للقائه مع حمزة بن عمر في جموع ولقيهم السلطان أولى وثانية بالرحلة وأوقع بهم وقتل شيخ الموحدين أبا عبد الله بن أبى بكر وكان على مقدمتهم محمد بن أبى منصور بن مزنى وغيره وأثخن العساكر فيهم قتلا وأسرا وكان للسلطان فيها ظهور لا كفاء له ثم تقبض على مولاهم ابن عمر فكان من خبره ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن مقتل مولاهم ابن عمرو أصحابه من الكعوب) * لما أتيح للسلطان من الظهور على ابن أبى عمران واتباعه والظفر بهم ما أتيح وصنع لهم فيه رغم أنف مولاهم ابن عمرو ظهرت من أصحابه كلمات أنبأت بفاسد دخلتهم ثم نمى للسلطان أن مولاهم داخل في الفتك به ابنه منصورا وربيبه جعدان ومعدان ابن عبد الله ابن أحمد بن كعب وسليمان بن جامع من شيوخ هوارة وثنى بذلك عنهم ابن عمهم عون ابن عبد الله بن أحمد بعد أن داخلوه فيها فتنصح بها للسلطان فلما عدوا على السلطان تقبض عليهم وبعثهم إلى تونس فاعتقلوا بها ورجع هو إلى الحضرة فدخلها في جمادى من سنته وجدد البيعة على الناس وزحفت العرب في اتباعه حتى نزلوا بظاهر البلد وشارطوا عليه اطلاق مولاهم وأصحابه فأنفذ السلطان قتلهم فقتلوا بمحبسهم وبعث باشلائهم إلى حمزة فعظم عنده موقع هذا الحزن وصرخ في قومه وتآمروا أن ينأروا بصاحبهم وأغذ السير إلى الحضرة وابن أبى عمران معهم على حين افتراق وازاحة السلطان وظنوا أنهم ينتهزون الفرصة وخرج السلطان عن تونس لاربعين يوما من دخولهم ولحق بقسنطينة ودخل ابن أبى عمران إلى تونس فأقام بها ستة أشهر خلال ما احتشد السلطان جموعه واستكمل تعبيته ونهض من قسنطينة وزحف إليه ابن أبى عمران وهزمه ابن عمر في جموعه فأوقع السلطان بهم وأثخن فيهم وشردهم في النواحى وعاد إلى تونس فدخلها في صفر سنة ثلاث وعشرين ومضى حمزة لوجهه إلى أن كان من امره ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن واقعة رغيس مع ابن اللحيانى وزناتة وواقعة الشقة مع ابن أبى عمران) * لما انهزم حمزة بن عمرو بن أبى عمران عن تونس مرة بعد أخرى ورأى حمزة ابن أبى عمران غير مغن عنه صرفه إلى مكان عمله بطرابلس وبعث إلى أبى ضربة ابن السلطان

[ 335 ]

اللحيانى بمكانه من المهدية فداخله في الصريخ بزناتة والوفود على سلطان بنى عبد الواد فرحل معه أبو ضربة ووفدوا على أبى تاشفين صاحب تلمسان ورغبوه في الظفر ببجاية وأن يشغل صاحب تونس عن مددها بترديد البعوث وتجهيز العساكر إليه فسرح معهم السلطان آلافا من العسكر وعقد عليها لموسى بن على الكردى صاحب الثغر بتيمرزدكت وكثير الحاشية والرجالات وارتحلوا من تلمسان يغذون السير وبلغ السلطان خبر فصولهم بتلمسان فبرز للقائهم من تونس في عساكره حتى انتهى إلى رغيس بين بونة وقسنطينة ولما أطلت عساكر زناتة والعرب اختل مصاف السلطان وانهزمت المجنبات وثبت في القلب وصدق العزيمة واللقاء فاختل مصافهم وانهزموا في شعبان سنة ثلاث وعشرين وامتلات أيدى العساكر من اسلابهم والسبايا من نساء زناتة ومر عليهم السلطان وأطلقهن ورجع أبو ضربة وموسى بن على الكردى في فلهم إلى تلمسان وعاد السلطان إلى حضرته لايام من هزيمتهم ولقيه الخبر في طريقه باجتماع العرب بنواحي القيروان فتخطى الحضرة إليهم ولقيهم بالشقة وأوقع بهم ورجع إلى تونس في شوال من سنة أربع وعشرين فاتبعه حمزة ومن معه إلى تونس عند ما افترقت العساكر ومعه ابراهيم بن الشهيد الحفصى وسبق إليه بخبرهم عامر أبو على ابن كثير فخرج للقائهم من يومه في خف من الجنود بعد أن بعث عن عسكر باجة وقائدها عبد الله العاقل مولاه فصبحه العرب بنواحي شاذلة فقاتلوه صدرها وحمى الوطيس ووصل عبد الله العاقل والناس متواقفون واشتدت الحرب ثم كانت الهزيمة على العرب واستبيحت حرماتهم وافترقت جموعهم ورجع السلطان إلى البلد واستقر بالحضرة والله تعالى أعلم * (الخبر عن اجلاب حمزة بابراهيم بن الشهيد وتغلبه على الحضرة) * لما انهزم أبو ضربة بن اللحيانى وحمزة بن عمرو عساكر بنى عبد الواد لحق أبو ضربة بتلمسان فهلك بها ولقى حمزة بعده من الحروب مع السلطان ما لقى ويئس الكعوب من غلابه وتدامر والفتنته والاجلاب عليه فوفد حمزة ابن عمر على ابن تاشفين صريخا ومعه طالب بن مهلهل قرنه في قومه ومحمد بن مسكين شيخ بنى حكيم من أولاد القوس وكلهم من سليم ومعهم الحاجب ابن قالون فاستحثوا عساكره لصريخهم فكتب لهم السلطان كتيبة عقد عليها لموسى بن على الكردى وأعاده معهم ونصب لهم لملك تونس من أعياص أبى حفص ابراهيم بن الشهيد منهم وأبوه الشهيد هو أبو بكر بن أبى الخطاب عبد الرحمن الذى نصب للامر عند مهلك السلطان ابى عصيدة وقتله السلطان أبو البقاء خالد كما ذكرناه وكان أبو هم هذا قد لحق بالعرب ونصبوه للامر وأجلبوا به

[ 336 ]

على تونس اثر واقعة رغيس وبرزت إليهم العساكر فانهزموا كما ذكرناه ولحق بتلمسان وجاء هذا الوفد على اثره فنصبه السلطان أبو تاشفين لهم واستعمل على حجابته محمد بن يحيى بن القالون وبعث معهم العساكر لنظر موسى بن على الكردى وزحفوا إلى افريقية وخرج السلطان أبو بكر من تونس لمدافعتهم في ذى القعدة من سنة أربع وعشرين وانتهى إلى قسنطينة وعاجلوه قبل استكمال التعبية فنزل بساحتها وأقام موسى بن على على منازلتها بعساكر بنى عبد الواد وتقدم ابراهيم بن الشهيد وحمزة بن عمر إلى تونس فدخلها في رجب سنة خمس وعشرين واستمكن منها وعقد على باجة لمحمد بن داود من مشيخة الموحدين وثار عليه في بعض ليالى رمضان بعض بطانة السلطان كانوا بالبلد في غيابات الاختفاء وكان منهم يوسف بن عامر بن عثمان وهو ابن أخى عبد الحق بن عثمان من اعياص بنى مرين وفيهم القائد بسلاط من وجوه الترك المرتدفة بالحضرة وابن حسان نقيب الشرفاء فاتعدوا واجتمعوا من وجوه الليل وهتفوا بدعوة السلطان وطافوا بالقصبة فامتنعت عليهم فعمدوا إلى دار كشلى من الترك المرتدفة وكان بطانة لابن القالون فقاتلوها وامتنعت عليهم ثم أعجلهم الصباح عن مرامهم وتتبعوا بالقتل وفرغ من شأن هم وكان موسى بن على ومن معه من العساكر لما تخلف عن ابن الشهيد لحصار قسنطينة أقام عليها أياما ثم أقلع عنها لخمس عشرة ليلة من منازلته ورجع إلى صاحبه بتلمسان وخرج السلطان من قسنطينة فاستكمل الحشد والتعبية ونهض إلى تونس فأجفل منها ابن الشهيد وابن القالون ودخلها السلطان في شوال سنة خمس وعشرين واستولى على دار ملكه وأقام بها إلى أن كان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن حصار بجاية وبناء تيمرزدكت وانهزام عساكر السلطان عنها) * كان أبو تاشفين منذ خلا له الجو وتمكن في الامر من القوم يلح على بجاية بترديد البعوث ومطاولة الحصار والسلطان أبو بكر يدفع لحمايتها والممانعة دونها من رجالات دولته وعظماء وزرائه الاول فالاول من أهل الكفاية والاضطلاع بما يدفع إليه من ذلك وسرب إليهم المدد من الاموال والاسلحة والجنود وتعهد إليهم بالصبر والثبات في المواطن ونظراؤه من وراء ذلك وكان أبو تاشفين كلما أحس من السلطان أبى بكر بنهوضه إلى المدافعة عنها أو عزم على غزو كتائبه المجهزة عليها رماه بشاغل يوهن من عزمه ويسكن عنان بطشه وكانت فتنة ابن عمر من أدهى الشواغل في ذلك بما كان يجنب العرب عن الطاعة ويجمع الاعراب للاجلاب على الحضرة وينصب الاعياص يطمعهم فيما ليس لهم من نيل الخلاف كان ذلك ديدنا متصلا أزمان تلك المدة ولما سرح

[ 337 ]

أبو تاشفين العساكر سنة خمس وعشرين إلى ابراهيم بن الشهيد وحمزة بن عمر وأوليائهم من أهل افريقية وعقد عليها لموسى بن على من رجالاته نازل قسنطينة ثم أقلع عنها وعاود حصارها سنة ثمان وعشرين وشن النارة في نواحيها واكتسح الاموال ورجع إلى وادى بجاية فاختط مدينة بسكلات على مرحلة منها وعلى قارعة الطريق الشارع من الغرب إلى الشرق بما كانت بجاية رائغة عنه إلى البحر فاختطوا تلك المدينة وشيدوها وجمعوا الايدى عليها وقسموها مسافات على جيوشهم فاستتمت لاربعين يوما وسموها بتيمرزدكت باسم حصنهم الاقدم بالجبل قبالة وجدة حيث امتنع يغمراسن على السعيد ونازله وهلك عليه كما ذكرناه في أخباره وشحنوا هذه المدينة بالاقوات والعدد وعمروها بالمقاتلة من الرجل والفرسان والقبائل وأخذت بمخنق البلد وقلق السلطان بمكانها فاوعز إلى قواد عساكره وأصحاب عمالاته من مواليه وصنائعه أن يفروا بعساكرهم إلى صاحب الثغر محمد بن سيد الناس ويزحفوا معه إلى هذا البلد المخروب ويستميتوا دون تخريبه فنهض ظافر الكبير من قسنطينة وعبد الله العاقل من هوارة وظافر السنان من بونة وتوافوا ببجاية سنة سبع وعشرين وبلغ موسى بن على خبرهم فاستنفر من عساكر بنى عبد الواد وخرجت العساكر جميعا من بجاية تحت لواء ابن سيد الناس وزحف إلى العدو بمحلهم من بسكلات فكانت الدبرة عليه وعلى أصحابه وقتل ظافر الكبير ورجع فلهم إلى بجاية وداخلت ابن سيد الناس فيهم الظنة كما تداخل موسى بن على ابن زبون كل واحد منهما بصاحبه على سلطانه فمنعهم من دخول البلد ليلتئذ وأسحروا قافلين إلى أعمالهم وعقد السلطان على قسنطينة لابي القاسم بن عبد العزيز أياما ثم استقدمه إلى الحضرة ليستعين به محمد بن عبد العزيز المزوار في خطة حجابته بما كان غفلا من الادوات التى تحتاج إليها الحجابة وعقد على حجابة الامير أبى عبد الله بقسنطينة لمولاه ظافر السنان إلى ان كان من تحويل شأنه ما نذكره اه‍ * (الخبر عن مهلك الحاجب المزوار وولاية ابن سيد الناس مكانه ومقتل ابن القالون) * هذا الرجل محمد بن القالون المعروف بالمزوار لا أدرى من أوليته أكثر من أنه كردى من الاكراد الذين وفد رؤساؤهم على ملوك المغرب أيام اجلاهم التتر عن أوطانهم بشهر زور عند تغلبهم على بغداد سنة ست وخمسين وستمائة فمنهم من أقام بتونس ومنهم تقدم إلى المغرب فنزلوا على المرتضى بمراكش فأحسن جوارهم وصار قوم منهم إلى بنى مرين واخرون إلى بنى عبد الواد حسبما يذكر في أخبارهم ومن المقميين بالحضرة كان سلف ابن عبد العزيز هذا إلى أن نشأ هو في دولة الامير أبى زكريا الاوسط صاحب الثغور الغربية تحت كنف من اصطناعه واختلط بأبنائه وقدم في جملة ابنه السلطان أبى

[ 338 ]

بكر إلى تونس مقدما في بطانته ورئيسا على الحاشية المتسمين بالدخلة وكان يعرف بذلك بالمزوار وكان شهما وقورا متدينا وله في الدولة حظ من الظهور وهو الذى تولى كبر السعاية في الحاجب بن القالون حتى ارتاب بمكانه ووفد إلى أبى عمران سنة احدى وعشرين كما قدمناه وولاه السلطان الحجابة مكانه فقام بها مستعينا بالكاتب أبى القاسم بن عبد العزيز لخلوه هو من الادوات وانما كان شجاعا ذا همة ولم يزل على ذلك إلى أن هلك في شعبان سنة سبع وعشرين وأراد السلطان على الحجابة محمد بن خلدون جدنا الاقرب فأبى ورغب في الاقالة فأجيب جنوحا لما كان بسبيله منذ سنين من الصاغية في السكون والفرار من الرتب وأشار على السلطان بصاحب الثغر محمد بن أبى الحسين بن سيد الناس لتقدمة سلفه مع سلف السلطان وكثرة تابعه وحاشيته وقوة شكيمته في الاضطلاع بما يدفع إليه أخبرني بهذا الخبر أبى رحمه الله وصاحبنا محمد بن منصور بن مزنى قال لى حضرت لاستدعاء جدكم إلى معسكر السلطان بباجة يوم مهلك المزوار وأدخله السلطان إلى رواقه وغاب مليا ثم خرج وقد استفاض بين البطانة والحاشية أنه دعى إلى الخطة فاستكره وأقام السلطان يومئذ في خطة الحجابة الكاتب أبا القاسم بن عبد العزيز يقيم الرسم واستقدم خالصته محمد ابن حاجب أبيه أبى الحسين ابن سيد الناس فقدم في محرم فاتح ثمان وعشرين وولاه حجابته فاضطلع بها وجدد له العقد على بجاية وحجابة ابنه بها فدفع إليها للنيابة عنه في الحجابة صنيعته محمد بن فرحون ومعه كاتبه أبو القاسم بن المريد وجرى الحال على ذلك ببجاية وعساكر زنانة تجوس خلالها ومعاقلهم تأخذ بمخنقها وقدم ابن القالون دوين مقدم ابن سيد الناس بشفاعة من نزيله على بن أحمد سيد الزواودة وطمع في عوده إلى الخطة وكان من خبره أنه لما تخلف عن السلطان بتونس في خدمة ابن أبى عمران رأى ركوب السفن إلى الاندلس فأعجلهم السلطان عن ذلك وخرج مع ابن أبى عمران فأجلب معه على الحضرة مرارا ولحق بتلمسان ثم جاء مع ابن الشهيد وفعل الافاعيل ثم انحل أمر ابن الشهيد ولحق هو بالزواودة من رياح ونزل على على بن أحمد رئيسهم لذلك العهد فأجاره وأنزله بطولقة من بلاد الزاب وخاطب السلطان في شأنه واقتضى له الامان حتى أسعف ووفد على الحضرة مع أخيه موسى بن أحمد وفى نفس ابن القالون طمع في الخطة وسبقه ابن سيد الناس إلى السلطان فأشغل بها وجاء ابن القالون من بعده فأوصله السلطان إلى نفسه واعتذر إليه ووعده وعقد له على قفصة فسار إليها وصحب موالى السلطان من المعلوجين بشهير وفارح وأوعز ابن سيد الناس إلى مشيخة قفصة يتقبضون على حاميته ليتمكن الموالى منه فلما نزل بساحة البلد قتل في سككها فكانت لقتله هيعة تسامع الناس بعظمها من خارج

[ 339 ]

البلد وبرز ابن القالون من فسطاطه وقد كر فتقدم إليه الموالى الذين جاؤا معه وتناولوه طعنا بالخناجر إلى أن هلك والله وارث الارض ومن عليها * (الخبر عن ولاية الفضل على بونة) * كان السلطان عقد على بونة منذ أول دولته لمولاه مسرور المعلوجى فقام بأمرها فاضطلع بولايتها وكان من القبضة ومراسي الحروب بمكان وكان مع ذلك غشوما جبارا وخرج إلى ولهاصة سنة فاضطرهم ونهضوا إلى مدافعته عن أموالهم فحاربهم وبلغ خبر مهلكه إلى السلطان فعقد على بونة لابنه أبى العباس الفضل وبعثه إليها وولى على حجابته وقيادة عسكره ظافر السنان من مواليه المعلوجين فقام بما دفع إليه من ذلك أحسن قيام إلى أن كان من أمرهم ما نذكره * (الخبر عن واقعة الرياس وما كان قبلها من مقتل الامير أبى فارس أخى السلطان) * كان السلطان أبو بكر لما قدم إلى تونس قدم معه اخوته الثلاثة محمد وعبد العزيز وعبد الرحمن وهلك عبد الرحمن منهم وبقى الآخران وكانا في ظل ظليل من النعمة وحظ كبير من المساهمة في الجاه وكان في نفس الامير أبى فارس تشوف إلى نيل الرتبة وتربص بالدولة وكان عبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق من فحول بنى مرين وأعياص ملكهم قدم على الحضرة نازعا إليها من الاندلس فنزل على ابن عمر ببجاية قبيل مهلكه سنة ثمان عشرة ثم لحق بالسلطان فلقاه مبرة ورحبا ووفر حظه وحظ حاشيته من الجرايات والاقطاع وجعل له أن يستركب ويستلحق وكان يستظهر به في مواقف حروبه ويتجمل في المشاهد بحركاته بما كان سيدا في قومه وكان قد انعقدت له بيعة على أهل وطنه وكانت فيه غلظة وأنفة واباء وغدا في بعض أيامه على الحاجب بن سيد الناس فتلقاه الاذن بالعذر فذهب مغاضبا ومر بدار الامير أبى فارس فحمله على ذات صدره من الخروج والثورة وخرجا من يومهما في ربيع سنة سبع وعشرين ومرا ببعض أحياء العرب فاعترضهما أمير الحى فعرض عليهما النزول فأما عبد الحق فأبى وذهب لوجهه إلى أن لحق بتلمسان وأما الامير أبو فارس فأجاب ونزل وطيروا بالخبر إلى السلطان فسرح لوقته محمد بن الحكيم من صنائعه وقواد دولته في طائفة من العسكر والنصارى فصبحوه في الحى وأحاطوا ببيت نزله باليد ودافع عن نفسه مستميتا فقتلوه قعصا بالرماح وجاؤا بشلوه إلى الحضرة فدفن بها ونزل عبد الحق بن عثمان على أبى تاشفين حين نزل ورغبه فيما كان بسبيله من مطالبة الدولة الحفصية وتدويخ ممالكها ووفد على أثره حمزة بن عمر ورجالات سليم صريخا على عادتهم فأجاب أبو تاشفين صريخهم ونصب لهم محمد بن عمران وكان من خبره أنه تركه السلطان اللحيانى عاملا على طرابلس فلما

[ 340 ]

انهزم أبو ضربة وانحل أمره استقدمه العرب وأجلبوا به على الحضرة سنة احدى وعشرين فملكها ستة أشهر ثم أجفل عنها عند رجوع السلطان إليها ولحق بطرابلس إلى أن انتقض عليه أهلها سنة أربع وعشرين وثاروا به وأخرجوه فلحق بالعرب وأجلبوا به على السلطان مرارا ينهزمون عنه في كلها ثم لحق بتلمسان واستقر بها عند أبى تاشفين في خير جوار وكرامة وجراية إلى أن وصل هذا الوفد إليه سنة تسع وعشرين فنصبه للامر بافريقية وامدهم بالعساكر من زناتة عليهم ليحيى بن موسى من بطانته وصنائع أبيه ورجع معهم عبد الحق بن عثمان بمن في جملته من بنيه وعشيرته ومواليه وحاشيته وكانوا أحلاس حرب وفتيان كريهة فنهضوا جميعا إلى تونس فزحف السلطان للقائهم وتراءى الجمعان بالرياس من نواحى هوارة آخر سنة تسع وعشرين فدارت الحرب واختل مصاف السلطان وفلت جموعه وأحيط به فأفلت بعد عصب الريق واصابته في حومة الحرب جراحة وهن لها وقتل كثير من بطانته وحاشيته كان من أشهرهم محمد المديوني وانتهب المعسكر وتقبض على أحمد وعمر ابني السلطان فاحتملا إلى تونس حتى أطلقهما أبو تاشفين بعد ذلك في مراسلة وقعت بينه وبين السلطان فاتحه فيها أبو تاشفين وجنح إلى السلم وأطلق الابنين ولم يتم شأن الصلح من بعد ذلك وتقدم ابن أبى عمران بعد الواقعة إلى تونس فدخلها في صفر سنة ثلاثين واستبد عليه يحيى بن موسى قائد بنى عبد الواد وحجب التصرف في شئ من أمره ثم عاد يحيى بن موسى إلى سلطانه أبى بكر من قسنطينة إلى تونس بعد أن استكمل الحشد والتعبية فأحفل ابن عمران عنها ودخل إليها السلطان في رجب من سنته إلى أن كان ما نذكره { الخبر عن مراسلة ملك الغرب في الاستجاشة على بنى عبد الواد وما يتبع ذلك من المصاهرة } كان السلطان أبو بكر لما خلص من واقعة الرياس نجا إلى بونة وركب منها البحر إلى بجاية وقد ضاق ذرعه بالحاح بنى عبد الواد على ممالكه وتجهيز الكتائب على ثغره وترديد البعوث إلى وطنه فأعمل نظره في الوفادة على ملك المغرب السلطان أبى سعيد ليذكره ما بين سلفه وسلفهم من السابقة وما لهم عند بنى عبد الواد فيأخذ بحجزتهم عند ثم عين للوفادة عليه ابنه الامير أبا زكريا وبعث معه أبا محمد عبد الله بن تافرا كين من مشيخة الموحدين لسان الخطابة ونجيا لشوراه وركبوا البحر من بجاية فنزلوا بمرسى غساسة واهتز صاحب المغرب لقدومه وأكرم وفادته واستبلغ في القرى والاجازة وأجاب دعاءهم إلى محاربة عدوهم وعدوه على شريطة اجتماع اليد عليها وموافاة السلطان أبى سعيد والسلطان أبى يحيى بعساكرهما تلمسان لموعد ضربوه لذلك وكان السلطان أبو

[ 341 ]

سعيد بعث سنة احدى وعشرين يحيى الرنداحى قائد الاسطول بسبتة إلى مولانا السلطان أبى بكر في الاصهار على احدى كرائمه وشغل عن ذلك ما وقع من شأن ابن أبى عمران فلما وفد عليه ابن السلطان وأولياؤه أعاد الحديث في ذلك وعين للنيابة عنه في الخطبة من السلطان ابراهيم بن أبى حاتم العزفى وصرفه مع الوفد فوافوا السلطان بتونس آخر سنة ثلاثين وقد أطرد عدوه وشفى نفسه فجاءه شقة الامير أبى زكريا بالسفر إليهم وزفها إليه في أساطيله سنة احدى وثلاثين وانفذ لزفافها من مشيخة الموحدين أبا القاسم بن عتو ومحمد بن سليمان الناسك وقد مر ذكره فنزلت على وثير من الغبطة والعز وكان الشأن في مهرها وزفافها ومشاهد أعراسها وولائمها وجهازها كله من المفاخر للدولتين ولم يزل مذكورا على الايام * (الخبر عن حركة السلطان إلى المغرب وفرار بنى عبد الواد وتخريب تيمرز دكت) * مات السلطان أبو سعيد على تفيئة ما قدمناه من الاخبار آخر سنة احدى وثلاثين وولى السلطان أبو الحسن من بعده فبعث إلى أبى تاشفين يخاطبه في القبض على عنان عيثه ببلاد الموحدين وطغيانه عليها فلج واستكبر وأساء الرد فنهض إليه على سبيل الصريخ لهم سنة ثنتين وثلاثين وطوى البلاد طيا إلى تلمسان وأفرجت عساكرهم عن بجاية إلى سلطانهم وتقدم السلطان أبو الحسن عن تلمسان لمشارفة أحوال بجاية والاخذ بحجزة العدو لمحاصرتها وبعث عسكرا من قومه مددا لهم عقد عليهم لمحمد البطوى وأركبهم أساطيله من سواحل وهران فدخلوا إليها وقوبلوا بما يناسبهم من الكرامة والجراية واستنهض السلطان أبو الحسن أبا بكر لحصار تلمسان معه كما كان الشرط بين أبيه وبين ابنه الامير أبى زكريا فشرع السلطان في جهاز حركته وازاحة علله وأقام السلطان أبو الحسن في تاسالة في انتظاره شهرا حتى انصرف فصل الشتاء وبلغه بمعسكره من تاسالة أن أخاه السلطان أبا على صاحب سجلماسة انتقض عليه وخرج إلى درعة فقتل عامله عليها بعد أن كان داخله وعقد له على المهادنة والتجا في عنه بمكانه من سجلماسة فلما بلغه هذا الخبر كر راجعا إلى المغرب لاصلاح شأنه وكان السلطان أبو بكر قد خرج من تونس واحتفل في الحشد والتعبية فانتهى إلى بجاية وبعث مقدماته إلى ثغور بنى عبد الواد المحيطة ببجاية فهزموا كتائبها ثم زحف بجملته إلى تيمر زدكت وفرت عنها الكتائب المجهزة بها فأناخ عليها حتى خربها وانتهب أموالها وأسلحتها ونسف آثارها وقفل عنها إلى بلد المسيلة أختها في الغى وموطن أولاد سباع من الزواودة كانت مشيختهم سليمان ويحيى ابناء على بن سباع وعثمان بن سباع عمهم وابنه سعيد قد تمسكوا بطاعة أبى تاشفين وحملوا عليها قومهم ونهجوا لعساكره السبيل إلى وطئ بلاد

[ 342 ]

الموحدين والعيث فيها ومجاذبة حبلها وأقطعهم أبو تاشفين بلاد المسيلة وجبال مشنان ووانوغة وجبل عياض فأصاروها من أعماله فلما شرد السلطان عساكرهم عن بجاية وهدم ثغرهم عليها واسترجع أعمال بجاية إليها سار بجموعه إلى هذا الوطن ليسترجع أعماله ويجدد به دعوته وزاد في اغرائه بذلك على ابن أحمد كبير أولاد محمد لقتال أولاد سباع هؤلاء ونظرائهم وأهل أوتارهم ودخولهم فارتحل غازيا إلى المسيلة حتى نزلها واصطلم نعمها وخرب أسوارها وبلغه بمكانه منها شأن عبد الواحد ابن السلطان اللحيانى واجلابه على تونس وكان من خبره أنه قدم من المشرق بعد مهلك أبيه السلطان أبى يحيى زكريا سنة تسع وعشرين فنزل على ذباب وبايع له عبد الملك بن مكى رئيس المشيخة بقابس وتسامع به الناس وافريقية شاغرة من الحامية والعساكر لنهوضهم مع السلطان فاغتنم حمزة بن عمر الفرصة واستقدمه فبايع له ورحل به إلى الحضرة فنزل بساحتها ودخل عبد الواحد بن اللحيانى بصحابة ابن مكى إلى البلد فأقاموا بها ريثما بلغ الخبر إلى السلطان فقفل من الحضرة وبعث في مقدمته محمد بن البطوى من بطانته في عسكر اختارهم لذلك فأجفل ابن اللحيانى وجموعه عن تونس لخمس عشرة ليلة من نزوله ودخل البطوى إليها وجاء السلطان على أثره أيام عيد الفطر سنة ثنتين وثلاثين { الخبر عن نكبة الحاجب ابن سيد الناس وولاية ابن عبد العزيز وابن عبد الحكم من بعده } قد قدمنا أولية هذا الرجل وان أبا ه أبا الحسن كان حاجبا للامير أبى زكريا ببجاية ولما هلك سنة تسعين وستمائة خلف ابنه محمدا هذا في كفالة السلطان ومرعى نعمته فاشتمل كرسيهم عليه وآواه إلى حجره وأرضهم مع الكثير من بنيه ونشأ في كنفه وكان الحجاب للدولة من بعد أبيه مثل ابن أبى حى والرخامى صنائع لابيه فكانوا يعرفون حقه ويؤثرونه على أنفسهم في التجلة ولم يدرأ في سن الرجولية والسعى في المجد الا أيام ابن عمر آخرهم فكان له منه مكان حتى إذا ارتحل السلطان أبو يحيى إلى قسنطينة لطلب تونس وجهز له ابن عمر الآلات والعساكر وأقام له الحجاب والوزراء والقواد كان فيمن سرح معه محمد بن سيد الناس قائدا على عسكر من عساكره وكان سفيرا للسلطان فكانت له عنده أثرة واختصاص وعقد له من بعد مهلك ابن عمر على بجاية لما عزل عنها ابن القالون كما قدمنا فاستبد بها على السلطان وحماها دون عساكر زناتة ودفع في صدورهم عنها وكان له في ذلك كله مقامات مذكورة وكانت بينه وبين قائد زناتة موسى بن على بن زبون مداخلة كل واحد منهما في مكان صاحبه على سلطانه وفطن لامرهما وقلده حجابته سنة سبع وعشرين كما قدمناه واستخلف على مكانه ببجاية صنيعته محمد بن فرحون

[ 343 ]

وأحمد بن مزيد للقيام بما كان يتولاه من مدافعة العدو وكفالة الامير أبى زكريا ابن السلطان وقدم هو على السلطان وأسكنه بقصور ملكه وفوض إليه أمور سلطانه تفويض الاستقلال فجرى في طلق الاستبداد عليه وأرخى له السلطان حبل الامهال واعتد عليه فلتات الدالة على ما كانت الظنون ترجم فيه بالمداهنة في شأن العدو والزبون على مولاه باستغلاظهم وأمهله السلطان لمكانه من حماية ثغر بجاية والاشتغال به دونه حتى إذا تجلت غمامتهم وأطل أبو الحسن عليهم من مرقبه ونهض السلطان أبو بكر إلى بجاية وخرب تيمر زدكت فأغراه البطانة حينئذ بالحاجب محمد بن سيد الناس وتنبه له السلطان فأحفظ له استبداده وتقبض عليه مرجعه من هذه الحركة في ربيع سنة ثلاث وثلاثين واعتقله ثم امتحنه بأنواع العذاب لاستخراج المال منه فلم ينبس بقطرة وما زال يستغيث ويتوسل بسوابقه من الرضاع والمربى وسوابق أبيه عند سلفه حتى لدغه العذاب فأفحش ونازل من السلطان وانخدع فقتل شدخا بالعصا وجرشلوه فأحرق خارج الحضرة وعفا رسمه كان لم يكن والى الله عاقبة الامور ولما تقبض السلطان على ابن سيد الناس ومحا أثر استبداده قلد حجابته الكاتب أبا القاسم بن عبد العزيز وقد كان قدم من الحج عند مبايعة ابن مكى لعبد الواحد بن اللحيانى فلحق بالسلطان في طريقه إلى تيمر زدكت فلم يزل معه إلى أن دخل حضرته وتقبض على ابن سيد الناس فولاه الحجابة وكان مضعفا لا يقوم بالحرب فعقد السلطان على الحرب والتدبير لصنيعته وكبير بطانته يومئذ محمد بن الحكيم وفوض له فيما وراء الحضرة وهو محمد بن على بن محمد بن حمزة بن ابراهيم بن أحمد اللخمى ونسبه في بنى العز في الرؤساء بسبتة وجده أحمد هو أبو العباس المذكور بالعلم والدين والرأى ابن القاسم المستقل برياسة سبتة من بعد الموحدين وكان من خبر أوليته فيما حدثنى به محمد بن يحيى بن أبى طالب العز في آخر رؤساء العزفيين بسبتة والمنقضى أمرهم بها بانقضاء رياسته وحدثني أيضا بها حسين ابن عمه عبد الرحمن بن أبى طالب وحدثني بها أيضا الثقة عن ابراهيم ابن عمهما أبى حاتم قالوا جميعا ان أبا القاسم العزفى كان له أخ يسمى ابراهيم وكان مسرفا على نفسه وأصاب دما في سبتة وحلف أخوه أبو القاسم ليقتادن منه ففر ولحق بديار المشرق هذا آخر خبرهم وأن محمدا هذا من بنيه وبقية الخبر عن أهل هذا البيت من سراتهم أن ابراهيم أنجب محمدا وأنجب محمد حمزة ثم أنجب حمزة عليا فكلف بالقراءة واستظهر علم الطب في ايالة السلطان أبى بكر بالثغور الغريبة وأصاب السلطان وجع في بعض أزمانه وأعياه دواؤه فجمع له الاطباء وكان فيهم على هذا فحدس على المرض وأحسن المداواة فوقع من السلطان أحسن المواقع واستخلصه لنفسه وخلطه بخاصته وأهل

[ 344 ]

خلوته وصار له من الدولة مكان لا يجاريه أحد فيه وكان يدعى في الدولة بالحكيم وبه عرف ابنه من بعده وأصهر إلى احد بيوت قسنطينة فزوجوه وخلط أهله بحرم السلطان وولد له محمد ابنه بقصره ورضع مع الامير أبى بكر ابنه ونشأ في حجر الدولة وكفالتها على أحسن الوجوه من تربيتها ولما بلغ الحد وصرف إليه رئيس الدولة يعقوب بن عمر وجه اقباله واختصاصه فكان له منه مكان اكسبه ترشيحا للرياسة فيما بعد من بين خواص السلطان وخلصائه ولما نهض السلطان إلى افريقية قلده قيادة بعض العساكر ثم عقد له بعد مهلك ابن عمر على عمل باجة حين رقى ابن سيد الناس عنها إلى بجاية وكان عمل باجة من أعظم الولاية في الدولة فأضطلع به ثم لما آمر السلطان بطانته في نكبة ابن سيد الناس دفعه لذلك فولى القبض عليه وكبله في عصبة من البطانه في بعض الحجر من رياض رأس الطابية واستدعى ابن سيد الناس إلى السلطان ومر بمكانهم فلما انتهى إليهم توثبوا به وشدوه كتافا وتلوه إلى محبسه بالبرج المعد لعقاب أمثاله بالقصبة وتولى ابن الحكيم من امتحانه وعذابه ما ذكرناه إلى أن هلك وعقد له السلطان مكانه على الحرب والتدبير من خططه وفوض إليه فيما وراء الحضرة كما قلناه وجعل تنفيذ الاموال والكتب على الاوامر لابن عبد العزيز فكان عدله في حمل الدولة الا أن ابن عبد الحكيم كان أشف فيه لما كان إليه من التدبير في الحرب والرياسة على الكتابة لرياسة السيف على القلم فاضطلع برياسته وأحسن الغناء والولاية إلى أن كان من خبره وخبر الدولة ما نذكر * (الخبر عن فتح قفصة وولاية الامير أبى العباس عليها) * كان أهل الجريد منذ تقلص عنهم ظل الدولة عند انقسام الملك بين الثغور الغربية والحضرة وما إليها وصار أمرهم إلى الشورى من المشيخة الا في الاحايين يؤملون الاستبداد كما كانوا عليه من قبل الموحدين فقدم عبد المؤمن إلى افريقية وبنى الدند على قفصة وقسنطينة وابن واطاس على توزر وابن مطروح على طرابلس فأملوا فتكها وشغل مولانا السلطان أبو بكر عنهم بعد استقلاله بالامر وانفراده بالدعوة الحفصية شأن الفتنة مع آل يغمراسن بن زيان واجلاب عساكرهم مع حمزة بن عمر على أوطانه حتى إذا أخذ السلطان أبو الحسن بحجزتهم وأطل عليهم من مراقبه فعادوا إلى أوكارهم بعد أن استبدوا وتنفس مخنق الثغور الغربية من حصارهم وزال عن كاهل الدولة اصرها فاهتم وسكن اضطراب الخوارج على الدولة وخفت أصوات المرجفين في مهالكها وصرف السلطان نظره إلى اعطاف الذئاب الغاوية والكلاب العاوية زعماء أمصارها واعراب فلاتها فنهض إلى قفصة سنة خمس وثلاثين وقد كان استبد

[ 345 ]

بشوارها يحيى بن محمد بن على بن عبد الجليل بن العابد الشريدى من بيوتاتها فنازلها أياما والعساكر تلج عليها بأنواع القتال ونصب عليها المجانيق فامتنعوا ثم جمع حتى قطع تحيلهم وامتناع صرائحهم فنادوا بالامان فأمنهم وخرج إليه ابن عبد الجليل رئيسهم الآخر من سنته فأشخصه إلى الحضرة وأنزله بها ورجالات من قومه بنى العابد وفر سائرهم إلى قابس فنزل في جوار ابن مكى ودخل أهل البلد في حكمه وتفيؤا بعد أن كانوا ضاحين من الملك ظله فأحسن التجاوز عنهم وبسط المعدلة فيهم وأحسن أمل ذوى الحاجات منهم بالاسهام والاقطاع وتجديد ما بأيديهم من المكتوبات السلطانية ثم آثرهم بسكنى بلده المخصوص بعديد لعهد الامير أبى العباس وأنزله بين ظهرانيهم وأوطأه بهم وعقد له على قسنطينة وما إليها وجعل معه على حجابته أبا القاسم ابن عتو من مشيخة الموحدين وقفل إلى حضرته فدخلها في رمضان من سنته والله أعلم { الخبر عن ولاية الاميرين أبى فارس عزوز وأبى البقاء خالد على سوسة ثم اضافة المهدية اليهما } لما نكب السلطان حاجبه ابن سيد الناس وولى محمد بن فرحون على حجابة ابنه الامير أبى زكريا وقرب ذلك ما نزل بآل يغمراسن من عدوهم تفرغ السلطان للنظر في ملكه وتمهيد أحواله وأن يرسى قواعد أعماله بنجباء أبنائه فعقد على سوسة والبلاد الساحلية لولديه الاميرين عزوز وخالد شريكين في الامر وأنزلهما بسوسة وأنزل معهما محمد بن طاهر من صنائع الدولة ومن بيوت أهل الاندلس القادمين في الجالية ورياسة سلفهم بمرسية معروفة في أخبار الطوائف وكان أخوه أبو القاسم صاحب الاشغال بالحضرة فأقاما كذلك ثم هلك محمد بن طاهر فاستقدم السلطان محمد بن فرحون من بجاية معه باستبداد اليد وأن يولى من شاء على حجابته وأنزل ابن فرحون مع هذين الاميرين لصغرهما سنة خمس وثلاثين ثم استدعاه الامير أبو زكريا فرجع إليه وأقام هذان الاميران بسوسة حتى إذا نكب السلطان قائده محمد بن الحكيم واستنزل قريبه محمد بن الزكزاك من المهدية كان أنزله بها ابن الحكيم لما افتتحها من يد المتغلب عليها من أهل رجيس ويعرف بابن عبد الغفار سنة واتخذها حصنا لنفسه وأنزل بها قريبه هذا وشحنها بالعدد والاقوات فلم يغن عنه ولما هلك استنزل ابن الزكزاك وبعث السلطان عليهما ابنه الامير أبا البقاء وأفرد الامير أبا فارس بولاية سوسة فأقاما كذلك إلى ان كان من خبر مهلكهما ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن ولاية الامير أبى عبد الله صاحب قسنطينة من الابناء وولاية بنيه من بعده }

[ 346 ]

كان الامير أبو عبد الله مخصوصا من أبيه من بين ولده بالاثرة والعناية قد صرف إليه اقباله وأوقع عليه محبته لما كان يتوسم في شواهده من الترشيح وما تحلى به من خلال الملك وكان الناس يعرفون له حق ذلك وذلك ان ابن عمر كان مستبدا بالثغور الغربية بجاية وقسنطينة ومدافعا عنها العدو من زناتة المطالبين لها فلما هلك ابن عمر سنة تسع عشرة كما قدمناه صرف السلطان نظره إلى ثفوره فعقد على بجاية لابنه الامير أبى زكريا وعقد على حجابته لابن القالون وسرحه معه لمدافعة العدو وعقد على قسنطينة للامير أبى عبد الله ومعه أحمد بن ياسين وخرجوا جميعا من تونس سنة عشرين ونزل كل بعمله وقدم ظافر الكبير من الغرب فولاه السلطان حجابة ابنه بقسنطينة وأنزله بها إلى أن هلك سنة سبع وعشرين على تيمرزدكت كما ذكرناه فجاء لحجابته من تونس أبو القاسم بن عبد العزيز الكاتب فأقام أربعين يوما ثم رجع إلى الحضرة وأضاف السلطان حجابة قسنطينة لابن سيد الناس إلى حجابة بجاية وبعث إليها نائبا عنه مولاه هلالا النازع إليه عن موسى بن على قائد بنى عبد الواد فقام بخدمة الامير أبى عبد الله إلى ان كانت نكبة ابن سيد الناس عند ما بلغ الامير أبا عبد الله اثره وجرى في طلق استبداده ففوض له في عمله السلطان وأطلق من عنانه وكان يؤامره في شأنه ويناجيه في خلوته وأنزل معه بقسنطينة نبيلا من المعلوجين يقيم له رسم الحجابة ثم استدعى ظافر السنان من تونس سنة أربع وثلاثين لقيادة الاعبية والحرب فقدم لذلك وأقام سنة ونصفها ثم رجع وقام نبيل لحجابته كما كان ودفع يعيش من صنائع الدولة لقيادة العساكر وحماية الاوطان فقاسمه لذلك مراسم الخدمة ورتب الدولة واستمرت حال الامير أبى عبد الله على ذلك والايام تزيده ظهورا ومساعيه الملوكية تكسبه جلالا وترشجا إلى أن أسقط دون غايته واغتاله الاجل عن مداه فهلك رضوان الله عليه آخر سبع وثلاثين وقام بأمره من بعده كبير بنيه الامير أبو زيد عبد الرحمن فعقد له السلطان أبو بكر على عمل أبيه لنظر نبيل مولاهم لمكان صغره واستمرت حالهم على ذلك إلى آخر الدولة وكان من أمره ما نذكر بعد والله تعالى أعلم { الخبر عن شأن العرب ومهلك حمزة ثم اجلاب بنيه على الحضرة وانهزامهم ومقتل معزوز بن همرو ما قارن ذلك من الاحداث لما ملك السلطان أبو الحسن تلمسان وأعمالها وقطع دابر آل زيان واجتث أصلهم وجمع كلمة زناتة على طاعته واستتبعهم عصابة تحت لوائه ودانت القبائل بالانقياد له ورجفت القلوب لرعبه ووفد عليه حمزة بن عمر يرغبه في ممالك افريقية ويستحثه

[ 347 ]

لها ديدنه مع أبى تاشفين من قبله فكف بالياس من غلوائه وزجره عن خلافه على السلطان وشقاقه ونهج له بالشفاعة سبيلا إلى معاودة طاعته والعمل بمرضاته فرجع حمزة إلى السلطان عائذا بحمله متوسلا بشفاعة صاحبه راغبا باذعانه وقلعه مواد الخلاف من العرب باستقامته فتلقاه السلطان بالقبول واسعاف الرغبة على المناصحة والمخالصة ولم يزل حمزة بن عمر من لدن رضى مولانا السلطان عنه صحيح الطاعة خالص الطوية متأدبا بمؤامرة محمد بن الحكيم قائد عسكره دولته على تدويخ افريقية وتدويخ أعمالها وحسم أدواء الفساد منها وأخذ الصدقة من جميع ظواعن البد والنازعة في أقطارها وجمع الطوائف المتعاصين بالثغور على القاء اليد للطاعة والكف عن أموال الجباية فكانت لهذا القائد آثار لذلك مهدت من الدولة وأرغمت أنوف المتعاصين بالاستبداد في القاصية حتى استقام الامر وانمحت آثار الشقاق فاستولى على المهدية سنة سبع وتلاثين وغلب عليها ابن عبد الغفار المنتزى عليها من أهل رحيس واستولى على سمعة وتقبض على صاحبها محمد بن عبدون من مشيختها وأودعه سجن المهدية إلى أن أطلق بعد نكبته ونازل توزر من بعد ذلك حتى استقام ابن بهلول على طاعته للعصبية واسترهن ولده ونازل بسكرة غير مرة يدافعه يوسف بن منصور من بنى مزنى بذمة يدعيها من السلطان أبى بكر وسلفه يعطيه الجباية بدفع ما كان من الاعتلاق بخدمة السلطان أبى الحسن فتجافى عنه ابن الحكيم لذلك بعد استيفاء مغارمه وزحف إلى بلاد ريغة فافتتح قاعدتها تغرت واستولى على أموالها وذخيرتها وسار إلى جبل أوراس فافتتح الكثير من معاقله وعصفت ريح الدولة بأهل الخلاف من كل جانب وجاست عساكر السلطان خلال كل أرض وفى أثناء ذلك هلك حمزة بن عمر سنة ثنتين وأربعين على يد ابن عون بن أبى على من بنى كثير أحد بطون بنى كعب بطعنة طعنه غيلة فأشواه وقام بأمره من بعده بنوه وكبيرهم يومئذ عمر وداخلتهم الظنة بأن قتله باملاء الدولة فاعصو صبوا وتآمروا واستجاشوا بأقتالهم أولاد مهلهل فجيشوا معهم وزحف ابن الحكيم في عساكر السلطان من زناتة والجند ففلوه واستلحموا كثيرا من وجوههم ورجع إلى الحضرة ففحص بها واتبعوه فنزل بساحتها وقاتلوا العساكر سبع ليال ثم اختلفوا ونزل طالب بن مهلهل إلى طاعة السلطان فأجفلوا وخرج السلطان في جمادى من سنته في عساكره واحزابه من عرب هوارة فأوقع بهم برقادة من ضواحي القيروان ورجع إلى حضرته آخر رمضان من سنته وذهبوا مفلولين إلى القفر ومروا في طريقهم بالامير أبى العباس بقفصة فرغبوه بالخلاف على أبيهم وان يجلبوا به على الحضرة فاملى لهم في ذلك حتى

[ 348 ]

ظفر بالمعز بن مطاع وزير حمزة وكان رأس النفاق والفرية فتقبض عليه وقتله وبعث برأسه إلى الحضرة ونصب بها ووقع ذلك من مولانا السلطان أحسن المواقع ووفد بعدها على الحضرة فبايع لها بالعهد في آخر سنته في محفل شهده الملا من الخاصة والكافة بايوان ملكه ن وكايو ما مشهودا قرئ فيه العهد على الكافة وانفصلوا منه داعين للسلطان وراجع بنو حمزة الطاعة بعدها واستقاموا عليها إلى أن كان من أمرهم ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن مهلك الحاجب ابن عبد العزيز وولاية أبى محمد بن تافراكين من بعد وما كان على تفيئة ذلك من نكبة ابن الحكيم } هذا الرجل اسمه أحمد بن اسمعيل بن عبد العزيز الغساني وكنيته أبو القاسم وأصل سلفه من الاندلس انتقلوا إلى مراكش واستخدموا بها للموحدين واستقر أبوه اسمعيل بتونس ونشأ أبو القاسم بها واستكتبه الحاجب ابن الدباغ ولما دخل السلطان أبو البقاء خالد إلى تونس ونكب ابن الدباغ لجأ ابن عبد العزيز إلى الحاجب ابن عمر وخرج من تونس إلى قسنطينة واستقر ظافر الكبير هنا لك فاستخدمه إلى أن غرب إلى الاندلس كما قدمناه واستعمله ابن عمر على الاشغال بقسنطينة سنة ثلاث عشرة فقام بها وتعلق بخدمة ابن القالون واستعمله على أشغال تونس ثم كانت سعايته في ابن القالون مع المزوار بن عبد العزيز إلى أن فر ابن القالون سنة احدى وعشرين وولى الحجابة المزوار بن عبد العزيز وكان أبو القاسم بن عبد العزيز هذا رديفه لضعف ادواته ولما هلك ابنه عبد العزير المزوار بقى أبو القاسم بن عبد العزيز يقيم الرسم إلى أن قدم سيد الناس من بجاية وتقلد الحجابة كما قدمناه فغص بمكان ابن عبد العزيز هذا وأشخصه عن الحضرة وولاه أعمال الحامة ثم استقدم منها عندما ظهر عبد الواحد اللحيانى بجهات قابس فلحق بالسلطان في حركته إلى تيمرزدكت وأقام في جملة السلطان إلى أن نكب ابن سيد الناس وولى الحجابة بالحضرة كما ذكرت ذلك كله من قبل إلى أن هلك فاتح سنة أربع وأربعين فعقد السلطان على حجابته لشيخ الموحدين أبى محمد بن عبد الله بن تافراكين وكان بنو تافراكين هؤلاء من بيوت الموحدين في تيخلال ومن ايت الخميس وولى عبد المؤمن كبيرهم عمر بن تافراكين على قابس أول ما ملكها الموحدون سنة أربعين وخمسمائة إلى أن فتحوا مراكش فكان عبد المؤمن يستخلفه عليها أيام مغيبه عنها على الامارة والصلاة ولما ثار بمراكش عبد العزيز وعيسى ابنا أوامغر اخو الامام المهدى سنة احدى وخمسين كان مغيبه عنها على أول ثورتهم ان اعترضوا عمر بن تافراكين عند ندائه بالصلاة فقتلوه وفضحهم الصبح فاستلحمهم العامة ثم كان ابنه عبد

[ 349 ]

الله بن عمر من بعده من رجالات الموحدين ومشيختهم ولما عقد الخليفة يوسف بن عبد المؤمن على قرطبة لاخيه السيد أبى اسحق انزله معه عبد الله بن عمر بن تافراكين للمشورة مع جماعة من الموحدين كان منهم يوسف بن وانودين وكان عبد الله المقدم فيهم وجاء ابنه عمر من بعده مشتغلا بمذهبه مرموقا بتجلته ولما ولى السيد أبو سعيد بن عمر بن عبد المؤمن على افريقية ولاه قابس وأعمالها إلى أن استنزله عنها يحيى من عامه سنة ثنتين وتسعين وخمسمائة ثم كان منهم بعد ذلك عظماء في الدولة وكبراء من المشيخة آخرهم عبد العزيز بن تافراكين حليف الموحدين بمراكش لما نقضوا بيعة المأمون فاغتاله في طريقه إلى المسجد عند الاذان للصبح لما كان محافظا على شهود الجماعات ورعاها له المأمون في أخيه عبد الحق وبنيه احمد ومحمد وعمر فلما استلحم الموحدون وعمهم الجزع ارتحل عبد الحق موريا بالحج ونزل على السلطان المستنصر فانزله بمكان من الحضرة وسرحه بعض الاحايين إلى الحامة لحسم الداء فيها وقد كان توقع الخلاف من مشيختها فحسن غناؤه فيها وقتل أهل الخلاف وحسم العلل وولاه السلطان أبو اسحق على بجاية بعد مقتل محمد بن أبى هلال فاضطلع بها ولما ولى ادعى ابن عمارة انه سرحه في عسكر من الموحدين لقهر العرب وكف عداوتهم فأثخن فيهم ما شاء ولم يزل معروفا بالرياسة مرموقا بالتجلة إلى أن هلك وكان بنو اخيه عبد العزيز وهم أحمد ومحمد وعمر جاؤا على أثره من المغرب فنزلوا بالحضرة خير منزل وغذوا بلبان النعمة والجاه فيها وكان أحمد كبيرهم وولاه السلطان أبو حفص على قفصه ثم على المهدية ثم استعفى من الولاية فعوفى وكان السلطان أبو عصيدة يستخلفه على الحضرة إذا خرج منها على ما كان لاوله إلى أن هلك لاول المائة الثامنة سنة ثلاث ونشأ ابناه أبو محمد عبد الله وأبو العباس احمد في حجر الدولة وجو عنايتها وأصهر عبد الله منهما إلى أبى يعقوب بن رذوتين شيخ الدولة في ابنته فعقد له عليها وأصهر من بعده أخوه أحمد بن أبى محمد بن يعمور في ابنته فعقد له أيضا عليها واستخلص أبو ضربة بن اللحيانى كبيرها أبا محمد عبد الله وآثره بصحبته فلم يزل معه إلى أن كانت الواقعة عليه بمصوح وتقبض على كثير من الموحدين فكان في جملتهم ومن عليه السلطان أبو بكر ورقاه في رتب عنايته إلى أن ولاه الوزارة بعد الشيخ أبى محمد بن القاسم ثم قدمه شيخا على الموحدين بعد مهلك شيخهم أبى عمر بن عثمان سنة ثنتين وأربعين وبعثه إلى ملك المغرب مع ابنه الامير أبى زكريا صاحب بجاية صريخا على بنى عبد الواد فحل في خدمة السلطان وعرض سفارته وتوجه للانبار بعدها إليه واختص بالسفارة إلى ملك المغرب سائر أيامه وغص الحاجب ابن سيد الناس بمكانه وهم بمكروهه فكفح السلطان عنانه

[ 350 ]

عنه ويقال انه أفضى إليه بذات صدره من نكبته ولما انقسمت خطط الدولة من الحرب والتدبير ومخالصة السلطان وتنفيذ أوامره بين ابن عبد العزيز الحاجب وابن الحكيم القائد كان له هو القدح المعلى في المشورة والتدبير وكانوا يرجعون إليه ويعولون على رأيه وكان ثالث أنا فيهم ومصقلة آرائهم ولما ذهب الحاجب ابن عبد العزيز إلى السلطان زعموا بين يدى مهلكه بالتحذير من ابن الحكيم وسوء دخلته وأنه فاوضه أيام نزول العرب عليه بساح تونس سنة ثنتين وأربعين كما قدمناه في الادالة من السلطان ببعض من بنى أبى دبوس كانوا معتقلين بالحضرة ألقاها الغدر على لسانه ضجوا من قعود السلطان عن الخروج بنفسه إلى العرب وسآمة ما هو فيه من الحصار واعتدها عليه ابن عبد العزيز حتى ألقاها إلى السلطان عند موته وبرئ منها إليه فأودعها اذنا واعية وكان حتف ابن الحكيم ولما هلك وولى شيخ الموحدين أبو محمد بن تافراكين فاوضه في نكبة ابن الحكيم وكان يتربص به لما كان بينهما من المنافسة وكان ابن الحكيم غائبا عن الحضرة في تدويخ القاصية وقد نازل جبل أوراس فاقتحمه واقتضى مغارمه وتوغل في أرض الزاب واستوفى جبايته من عامله يوسف بن منصور وتقدم إلى ريغة ونازل تغرت واقتحمها وامتلات أيدى العساكر من مكاسبهم وخيلهم واتصل به خبر مهلك ابن عبد العزيز وولاية أبى محمد بن تافراكين الحجابة فنكر ذلك لما كان يظن أن السلطان لا يعدل بها عنه وكان يرشح له كاتبه أبا القاسم وازار ويرى أن ابن عبد العزيز قبله لم يتميز بها ايثارا عليه فبداله ما لم يحتسبه فظن الظنون وجمع أصحابه وأغذ السير إلى الحضرة وقد آمر السلطان أبا محمد بن تافراكين في نكبته وأعد البطانة للقبض عليه وقدم على الحضرة منتصف ربيع من سنة أربع وأربعين وجلس له السلطان جلوسا فخما فعرض عليه هديته من المقربات والرقيق والانعام حتى إذا انفض المجلس وشيع السلطان وزراؤه وانتهى إلى بابه أشار إلى البطانة فلحقوا به ونقلوه إلى محبسه وبسط عليه العذاب لاستخراج الاموال فأخرجها من مكان احتجابها وحصل منها في مودع السلطان أربعمائة ألف من الذهب العين أو مثالها أو ما يقاربها قيمة من الجوهر إلى أن استصفى ولما افتك عظمه ونفد ماله حنق بمحبسه في رجب من سنته وذهب مثلا في الايام وغرب ولده مع أمه إلى المشرق وطوح بهم الاغتراب إلى أن هلك منهم من هلك ورجع الحضرة على عبيد منهم في آخرين من أصاغرهم بعد أيام وأحوال والله يحكم لا معقب لحكمه * (الخبر عن شان الجريد واستكمال فتحه وولاية أحمد بن مكى على جزيرة جربة) * كان أمر الجريد قد صار إلى الشورى منذ شغلت الدولة بمطالبة زناتة بنى عبد الواد

[ 351 ]

وما نالها لذلك من الاضطراب واستبد مشيخة كل بلد بأمره ثم انفرد واحد منهم بالرياسة وكان محمد بن بهلول من مشيخة توزر هو القائم فيها والمستبد بامرها كما سنذكره ولما نزعت الدولة إلى الاستبداد وأرهف السلطان حده للثوار وعفى على آثار المشيخة بقفصة وعقد لابنه الامير أبى العباس على بلاد قصطيلة وأنزل بقفصة فأقام بها ممهدا لامارته ومرددا بعوثه إلى البلاد اختبارا لما يظهرون من طاعته وزحف حاجبه أبو القاسم من عتو سنة بالعساكر إلى نفطة ابتلاء لطاعة رؤسائها بنى مدافع المعروفين ببنى الخلف وكانوا اخوة أربعة استبدوا برياستها في شغل الدولة عنهم فسامهم سوء العذاب ولاذوا منه بجدران الحصون التى ظنوا أنها مانعتهم وتبرأت منهم الرعايا فادركهم الدهش وسألوا النزول على حكم السلطان فجذبوا إلى مصارعهم وصلبوا على جذوعهم آية للمعتبرين وأفلت السيف عليا صغيرهم لنزوعه إلى العسكر قبل الحادثة فكانت له ذمة وافية من الهالكة فانتظم الامير أبو العباس بلد نفطة في مملكته وجدد له العقد عليها أبوه وتملك الكثير من نفزاوة ولما استبحث نفطة ونفزاوة سمت همته إلى ملك توزر جرثومة الشقاق وعش الخلاف والنفاق وخشى مقدمها محمد بن بهلول عيث حاله فذهب إلى مصانعة قائد الدولة محمد بن الحكيم بذات صدره فتجافى عنه إلى أن كان مهلكهما في سنة واحدة واضطرب أمر توزر وتواثب بنوه واخوته وقتل بعضهم بعضا وكان أخوه أبو بكر معتقلا بالحضرة فأطلقه السلطان من محبسه بعد ان أخذ عليه المواثيق بالطاعة والجباية ومضى إلى توزر فملكها وطالبه الامير أبو العباس صاحب قفصة وبلاد قصطيلة بالانقياد الذى عاهد عليه فنازعه ما كان في نفسه من الاستبداد وصارت توزرشجى معترضا في صدر امارته فخاطب أبا ه السلطان أبا بكر وأغراه به فنهض إليه سنة خمس وأربعين والتقى به ففر عنه وانتهى إلى قفصة وصار الخبر إلى أبى بكر بن بهلول رئيسها يومئذ فادركه الدهش وانفض من حوله الاولياء وجاهر بطاعة السلطان ولقائه ففر عنه كاتبه وكاتب أبيه المستولي على أمره على بن محمد المعمودى المعروف الشهرة ولحق ببسكرة في جوار يوسف بن مزنى وأغذ السلطان السير إلى توزر فخرج إليه أبو بكر بن بهلول وألقى إليه يده وخلط نفسه بجملته ثم ندم على ما فرط من أمره وأحس بالنكير من الدولة وانذر بالهلكة فلحق بالزاب ونزل على يوسف بن منصور ببسكرة فتلقاه من الترحيب والقرى بما تحدث به الناس ولما استولى السلطان على توزر وانتظمها في أعماله عقد عليها لابنه الامير أبى العباس وأنزله بها وأمكنه من رقبتها ورجع السلطان إلى الحضرة ظافرا عزيزا واتصلت أيام ملكه إلى ان هلك على فراشه

[ 352 ]

كما يذكر واتصلت ممالك الامير أبى العباس في بلاد الجريد وثاور أبو بكر بن بهلول توزر مرارا تفلت في كلها من الهلكة إلى ان مات ببسكرة سنة سبع وأربعين قبيل مهلك الناس كما يذكر وأقام أبو العباس بمحل امارته ولم يزل يمهد الاحوال ويستنزل الثوار وكان أبو مكى قد امتنع عليه بقابس وكان من خبره انه لما رجع عبد الملك من تونس مع عبد الواحد بن اللحيانى الذى كان حاجبا له وذهب ابن اللحيانى إلى المغرب وأقام هو بقابس ثم استراب بمكان أمره مع السلطان حين ذهب ملك آل زيان فأوفد أخاه أحمد بن مكى على السلطان أبى الحسن متنصلا من ذنوبه متذمما بشفاعته منه إلى السلطان أبى بكر فشفع له وأعاده السلطان إلى مكان رياسته واستقام هو على الطاعة ونكب عن سنن العصيان والفتنة وكان لاحمد بن مكى حظ من المال والادوات ونفس مشغوفة بالرياسة والشرف وكان يقرض الشعر فكان يجيد ويرسل فيحسن وكان خط كتابته أنيقا ينحو به منحى الخط الشرقي شأن أهل الجريد فيمتع ما شاء فكانت لذلك كله في نفس الامير أبى العباس صاغية إليه وكان هو مستريبا بالمخالطة لما شاء من آثاره السالفة ولم يزل الامير أبو العباس يفتل له في الذروة والغارب إلى ان جلبه إلى مجلس السيدة أمه الواحدة أخت مولانا السلطان قافلة من حجها فمسح ما كان بصدره وأحكم له عقد مخالصته واصطنعه لنفسه فحل من امارته بمكان غبطة واعتزاز وعقد له السلطان على جزيرة جربة واستضافها إلى عمله وأنزل عنها مخلوف بن الكماد من صنائعه كان افتتحها سنة ثمان وثمانين وعقد له السلطان عليها فنزلها أحمد بن مكى واستقل عبد الملك أخوه برياسة قابس فقاما على ذلك وجردا عزائمهما في ولاية أبى العباس صاحب أعمال الجريد فلم يزالوا كذلك إلى أن كان من أمر الجميع ما نذكر ان شاء الله تعالى * (الخبر عن مهلك الوزير أبى العباس بن تافراكين) * كان السلطان أبو بكر عند نكبة القائد بن الحكيم استعمل على حجابته شيخ الموحدين أبا محمد بن تافراكين كما ذكرناه وفوض إليه فيما وراء بابه وعقد على الوزارة لاخيه أبى العباس أحمد وكان أبو محمد جليس الباب لمكان الحجابة فرفع إلى الحرب وفود العساكر وامارة الضاحية أخاه أبا العباس فقام بما دفع إليه من ذلك وكان بنو سليم بعد مهلك حمزة بن عمر نقموا ما كان عليه من الاذعان وسموا إلى الخلاف والعناد فكان من أنباء حمزة في ذلك من الاجلاب على الحضرة ما ذكرناه وكان سحيم بن من أولاد القوس بن حكيم ببنه وبينهم غدر وخلاف وعناد وكان السلطان قد ولى على حجابة ابنه الامير أبى العباس في أعمال الجريد ابا القاسم بن عتو من مشيخة

[ 353 ]

الموحدين وكان يناهض بنى تافراكين بزعمه في الشرف وينفس عليهم ما آتاهم الله من الرتبة والحظ فلما ولى أبو محمد الحجابة ملئ منه حسدا وحقدا وداخل فيما زعموا سحيما هذا القرى في النيل من أبى العباس بن تافراكين صاحب العساكر وشارطه على ذلك بمنا أداه إليه وتكاتموا أمرهم وخرج أبو العباس بن تافراكين فاتح سنة سبع في العساكر لجباية هوارة فوفد عليه سحيم هذا وقومه وضايقوه في الطلب ثم انتهزوا الفرصة بعض الايام وأجلبوا عليه فانفض معسكره وكبابه فرسه فقتل وحمل شلوه إلى الحضرة فدفن بها وجاهر سحيم بالخلاف وخرج إلى الرمال فلم يزل كذلك إلى مهلك السلطان كما نذكر ذلك ان شاء الله تعالى { الخبر عن مهلك الامير أبى زكريا صاحب بجاية من الانباء وما كان بعد ذلك من ثورة أهل بجاية بأخيه الامير أبى حفص وولاية ابنه الامير أبى عبد الله } كان السلطان أبو بكر لما هلك الحاجب بن عمر عقد على بجاية لابنه الامير أبى زكريا كبير ولده وأنفذه إليها مع حاجبه محمد بن القالون كما ذكرناه وجعل أموره تحت نظره ثم رجع القالون إلى تونس فأنزل معه ابن سيد الناس فلما استبد سيد الناس بحجابة الحضرة جعل على حجابته أبا عبد الله بن فرحون ثم لما تقبض على ابن سيد الناس وعلى ابن فرحون وقد استبد الامير أبو زكريا بأمره وقام على نفسه فوض إليه السلطان الامر في بجاية وبعث إليه ظافرا السنان مولى أبيه الامير أبى زكريا الاوسط قائدا على عسكره والكاتب أبا اسحق بن علاق متصرفا في حجابته فأقاما ببابه مدة ثم صرفهما إلى الحضرة وقدم لحجابته أبا العباس أحمد بن أبى زكريا الرندى كان أبوه من العل وكان ينتحل مذهب الصوفية العلات ويطالع كتب عبد الحق بن سبعين ونشأ أحمد هذا ببجاية واتصل بخدمة السلطان وترقى في الرتب إلى أن استعمله الامير أبو زكريا كما قلناه ثم هلك وقد أنف السلطان أبو بكر من الامراء هؤلاء على حجابة ابنه فأنفذ لها من حضرته كبير الموحدين يومئذ وصاحب السفارة أبا محمد ابن تافراكين سنى أربعين وسبعمائة فأقام أحوال ملكه وعظم أبهة سلطانه وجهز العساكر لسفره وأخرجه إلى أعماله فطاف عليها وتفقدها وانتهى إلى تخومها من المسيلة ومقرة ولم يستكمل الحول حتى سخطه المشيخة من أهل بجاية لما نكروا من الابهة والحجاب حتى استغلظ عليهم باب السلطان وتولى كبر ذلك القاضى ابن يوسف تعسا وملالا واستعفى هو من ذلك فأعفي وعاد إلى مكانه بالحضرة ثم استقدم الامير أبو زكريا حاجبه الاول بعهد ابن سيد الناس وهو أبو عبد الله محمد بن فرحون وقد كان

[ 354 ]

السلطان بعثه في غرض الرسالة إلى ملك المغرب في الامطول الذى بعثه مددا للمسلمين عند اجازة السلطان أبى الحسن إلى طريف وكان أخوه زيد بن فرحون قائد ذلك الاسطول بما كان قائده ببحر بجاية فلما رجع أبو عبد الله بن فرحون من سفارته تلك أذن له في المقام عند الامير أبى زكريا واستعمله على حجابته إلى أن هلك فولى من بعده في تلك الخطة ابن القشاش من صنائع دولته ثم عزله وولى عليها أبا القاسم بن علناس من طبقة الكتاب واتصل بدار هذا الامير وترقى في ديوانه إلى أن ولاه خطة الحجابة ثم عزله وولى يحيى بن محمد بن المنت الحضرمي كان أبو ه وعمه قدما على جالية الاندلس وكانا ينتحلان القراآت وأخذ أهل بجاية عن عمه أبى الحسن علم القراآت وكان خطيبا بجامع السلطان ونشأ على ابن أخيه واستعمل في الديوان وكان طموحا للرياسه واتصل بحظية كانت للمولى أبى زكريا تسمى أم الحكم قد غلبت على هواه فرسمت على ابن المنت هذا بخطة الحجابة واستعمله فيها فقام بها وأصلح معونات السلطان وأحوال مقاماته في سفره وجهز له العساكر وجال في نواحى أعماله وهلك هذا الامير في احدى سفراته وهو على حجابته بتاكرارت من أعمال بجاية من مرض كان أزمن به في ربيع الاول سنة سبع وأربعين وكان ابنه الامير أبو عبد الله في حجر مولاه فارح بن معلوجى بن سيد الناس وكان اصطنعه فألفاه قابلا للترشيخ فأقام مع ابن مولاه ينتظر أمر الخليفة وبادر حاجبه الاول أبو القاسم بن علناس إلى الحضرة وأنهى الخبر إلى الخليفة فعقد على بجاية لابنه الامير أبى حفص كان معه باحضرة وهو من أصاغر ولده وأنفذه إليها مع رجاله واولى اختصاصه وخرج معه أبو القاسم بن علناس فوصل إلى بجاية ودخلها على حين غفلة وحمله الاوغاد من البطانة على ارهاف الحد واظهار السطو فخشى الناس البوادر وائتمروا ثم كانت في بعض الايام هيعة تمالا فيها الكافة على التوثب بالامير القادم فطافوا بالقصبة في سلاحهم ونادوا بامارة ابن مولاهم ثم تسوروا جدرانها واقتحموا داره وملكوا أمره وأخرجوه برمته بعد أن انتهبوا جميع موجودهم وتسايلوا إلى دار الامير أبى عبد الله محمد بن أميرهم ومولاهم بعد أن كان معتزما على التقويض عنهم واللحاق بالخليفة جده وأذن له في ذلك عمه القادم فبايعوه بداره من البلد ثم نقلوه من الغد إلى قصر بالقصبة وملكوه أمرهم وقام بأمره مولاه فارح ولقبه باسم الحجابة واستمر حالهم على ذلك ولحق الامير أبو حفص بالحضرة آخر جمادى الاولى من سنته لشهر من يوم ولايته إلى أن كان من شأنه بعد مهلك مولانا السلطان ما نذكره وتدارك السلطان أمر بجاية وبعث إليهم أبا عبد الله بن سليمان من كبار الصالحين ومشيخة الموحدين يسكنهم ويؤنسهم وبعث معه كتاب العقد عليها لحافده الامير أبى زكريا طالبا

[ 355 ]

مرضاتهم فسكنت نفوسهم وأنسوا بولاية ابن مولاهم وجاءت الامور إلى مصابرها كما نذكره بعد ان شاء الله تعالى والله ولى التوفيق * (الخبر عن مهلك مولانا السلطان أبى بكر وولاية ابنه الامير أبى حفص) * بينما الناس في غفلة من الدهر وظل ظليل من العيش وأمن من الخطوب وتحت سرادق من العز وذمة وافية من العدل اذريع بالسرف وتكدر الشرق وتقلصت ظلال العز والامن وتعطل فناء الملك ونعى السلطان أبو بكر بتونس فجأة من جوف الليل ليلة الاربعاء ثانى رجب من سنة سبع وأربعين وسبعمائة فهب الناس من مضاجعهم متسايلين إلى القصر يستمعون نبالات النعى وأطافوا به سائر ليلتهم تراهم سكارى وما هم بسكارى وبادر الامير أبو حفص عمر من داره إلى القصر فملكه وضبط أبوابه واستدعى الحاجب أبا محمد بن تافراكين من داره ودعوا المشيخة من الموحدين والموالي وطبقات الجند وأخذ الحاجب عليهم البيعة للامير أبى حفص ثم جلس من الغد جلوسا فخما على الترتيب المعروف في الدولة أحكمه الحاجب أبو محمد لمعرفته لعوائدها وقوانين ترتيبها تلقنه عن أشياخه وانفض المجلس وقد انعقدت بيعته وأحكمت خلافته وكان الامير خالد ابن مولانا السلطان مقيما بالحضرة قدمها رائدا منذ أشهر وأقام متهنأ من الزيارة فلما سمع النعى فر من ليلته وتقبض عليه أولاد منديل من الكعوب وردوه إلى الحضرة فاعتقل بها وقام أبوه محمد بن تافراكين بخطة الحجابة كما كان وزيادة تفويض واستبداد إلى أن كان بطانة السلطان يكثرون السعاية فيه ويوغرون صدره عليه يذكرون منافساته ومنافسة سابقة بين الحاجب والامير أبا م أبيه واتصل ذلك منهم حطا لمكانه وانذر الحاجب بذلك منهم فأعمل الحيلة في الخلاص من صحابتهم كما يذكر بعد اه‍ والله تعالى أعلم { الخبر عن زحف الامير أبى العباس ولى العهد من مكان امارته بالجريد إلى الحضرة وما كان من مقتله مقتل أخويه الاميرين أبى فارس عزوز وأبى البقاء خالد } كان السلطان أبو بكر قد عهد إلى ابنه الامير أبى العباس صاحب أعمال الجريد كما ذكرناه سنة ثلاث وأربعين فلما بلغه خبر مهلك أبيه وما كان من بيعة أخيه حقد على أهل الحضرة ما جاؤا به من نقض عهده ودعا العرب إلى مظاهرة أمره فأجابوه ونزعوا جميعا إلى طاعته عن طاعة أخيه بما كان مرهفا لحذه في الاستبداد والضرب على أيدى أهل الدولة من العرب وسواهم وزحف إلى الحضرة ولقيه أخوه أبو فارس صاحب عمل

[ 356 ]

سوسة بالقيروان فآتاه طاعته وصار في جملته وجمع السلطان أبو حفص عمر جموعه واستركب واستلحق وأزاح العلل وخرج غرة شعبان وارتحل عن تونس وحاجبه أبو محمد بن تافراكين قد انذر منه بالهلكة واعتمل في أسباب النجاة حتى إذا تراءى الجمعان رجع الحاجب إلى تونس في بعض الشغل وركب الليل ناجيا إلى المغرب وبلغ خبر مفره إلى السلطان فأجفل واختل مصافه وأطلق أخاه أبا البقاء من معتقله ثم دخل إلى قصره لسبع ليال من ملكه وصبحه الامير أبو حفص في ثامنها فاقتحم عليه البلد لضاغنة كانت له في قلوب الغوغاء من غشيانه نساءهم وطروقه منازلهم أيام جنون الشباب وقضاء لذاته في مرباه وفتك بأخيه الامير أبى العباس ولسرعان ما نصب رأسه على القناة وداست شلوه هنا لك العسكر وأصبح آية للمعتبرين وثارت العامة بمن كان بالبلد من وجوه العرب ورجالاتهم فقتلوا في تلك الهيعة من كتب عليه القتل وتلوا كثيرا منهم إلى السلطان فاعتقلهم وقتل أبا الهون بن حمزة بن عمر من بينهم وتقبض على أخويه خالد وعزوز فأمر بقطعهم من خلاف فقطعوا وكان فيه مهلكهم واستوسق ملكه بالحضرة واستعمل على حجابتها أبا العباس أحمد بن على بن زين من طبقة الكتاب وكان كاتبا للضحشى الحاجب وبعد للقائد ظافر الكبير واتصل السلطان أبو بكر لاول ملكه بالحضرة فأسف على ابن عمر بولاية ابن القالون الحاجب فخاطب السلطان فيه ونكبه ثم أطلق من محبسه ومضى إلى المغرب ونزل على السلطان ابن سعيد فأجمل نزله ثم رجع إلى الحضرة ولم يزل مشردا أيام السلطان كلها واستكتب الامير أبو حفص ولده محمدا وكانت له به وصلة فلما استوسق له الملك بعد مفر أبى محمد بن تافراكين كما ذكرناه وولى أبا ه أبا العباس هذا على حجابته وعقد على حربه وعساكره لظافر مولى أبيه وجده المعروف بالسنان واستخلص لنجواه وسره كاتبه أبا عبد الله محمد بن الفضل ابن نوار من طبقة الفقهاء والقضاة من أهل البيوت النابهة بتونس كان له بها سلف مذكور واتصل بدار السلطان وارتسم بها مكتبا لولده وقرأ عليه هذا الامير أبو حفص فيمن قرأ عليه منهم فكانت له من أجل ذلك يد ومزيد عناية ولما استبد بأمره كان هو مستبدا بشوراه وجرت الحال على ذلك إلى أن كان من أمره ما نذكر ان شاء الله تعالى والله تعالى أعلم { الخبر عن استيلاء السلطان أبى الحسن على افريقية ومهلك الامير أبى حفص وانتقال الابناء من بجاية وقسنطينة إلى المغرب وما تخلل ذلك من الاحداث } كان السلطان أبو الحسن يحدث نفسه منذ ملك تلمسان وقبلها بملك افريقية ويتربص بالسلطان أبى بكر ويسر له حسدا في ارتقاء فلما لحق به حاجبه أبو محمد بن تافراكين بعد

[ 357 ]

مهلكه رغبه في سلطانها واستحثه بالقدوم عليها وجدد له الجوار فتنبهت لذلك عزائمه ثم وصل الخبر بمهلك ولى العهد وأخويه وخبر الواقعة فأحفظه لذلك بما كان من رضاه بعهده وخطه بالوفاق على ذلك بيده في سجله وذلك أن حاجب الامير أبى العباس وهو أبو القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين كان سفر عن السلطان لآه خر أيامه إلى السلطان ابى الحسن بهدية وحمل سجل العهد فوقف عليه أبا السلطان الحسن وسأل منه امضاءه لمولاه وكتب ذلك بخطه في سجله فخطه بيمينه وأحكم له عقده فلما بلغه مهلك ولى العهد تعلل بأن النقض أتى على ما أحكمه فأجمع غزو افريقية ومن بها فعسكر بظاهر تلمسان وفرق الاعطيات وأزاح العلل ثم رحل في صفر من سنة ثمان وأربعين يجر الدنيا بما حملت وأوفد عليه ابناء حمزة بن عمر أمراء البدو بافريقية ورجالات الكعوب أخاهم خالدا يستصرخه لثأر أخيهم أبى الحول الهالك يوم الواقعة فأجابهم ونزع إليهم أيضا أهل القاصية من افريقية بطاعتهم فجاؤا في وفد واحد مع ابن مكى صاحب قابس وابن نملول صاحب توزر وابن العابد صاحب قفصة ومولاهم ابن أبى عنان صاحب الحامة وابن الخلف صاحب نفطة فلقوه بوهران وآتوه بيعتهم رغبة ورهبة وأدوا بيعة ابن ثابت صاحب طرابلس ولم يتخلف عنهم الا من بعد داره ثم جاء من بعدهم وعلى أثرهم صاحب الزاب يوسف بن منصور بن مزنى ومعه مشيخة الموحدين الزواودة وكبيرهم يعقوب بن على فلقيه بنو حسن من أعمال بجاية فأوسع النيل حبا وتكرمة وأسنى الصلات والجوائز وعقد لكل منهم على بلده وعمله وبعث مع أهل الجزائر الولاة للجباية لنظر مسعود بن ابراهيم اليرساوى من طبقة وزرائه وأغد السير إلى بجاية فلما أطلت عساكره عليها توافر أهلها في الامتناع ثم أنابوا وخرج أميرها أبو عبد الله محمد ابن الامير أبى زكريا فآتاه طاعته وصرفه إلى المغرب مع اخوانه وأنزله ببلد ندرومة وأقطع له الكفاية من جبايتها وبعث على جباية عماله وخلفائه وسار إلى قسنطينة فخرج إليه ابناء الامير ابى عبد الله يقدمهم كبيرهم أبو زيد وآتوه طاعتهم وأقبل عليهم وصرفهم إلى المغرب وأنزلهم بوجدة وأقطعهم جبايتها وأنزل بقسنطينة خلفاءه وعماله وأطلق القرابة من مكان اعتقالهم بها وفيهم أبو عبد الله محمد أخو السلطان أبى بكر وبنوه ومحمد ابن الامير خالد واخوانه وبنوه وأصارهم في جملته حتى صرفهم إلى المغرب من الحضرة من بعد ذلك ووفد عليه هنا لك بنو حمزة بن عمرو مشايخ قومهم الكعوب فأخبروه باجفال المولى أبى حفص من تونس مع ظواعن أولاد مهلهل واستحثوه باعتراضهم قبل لحاقهم بالقفر وسرح معهم العساكر في طلبه لنظر حمو العسرى من مواليه وسرح عسكرا آخر إلى تونس لنظر يحيى بن سليمان من بنى عسكر ومعه

[ 358 ]

أبو العباس بن مكى وسارت العساكر لطلب الامير أبى حفص فأدركوه بأرض الحامة من جهات قابس وصبحوهم فدافعوا عن أنفسهم بعض الشئ ثم انفضوا وكبا بالامير أبى حفص جواده في بعض نافقاء اليرابيع وانجلت الغيابات عنه وعن مولاه ظافر راجلين فتقبض عليهما وأوثقهما قائد الكتائب بيده حتى إذا جن الليل وتوقع أن يفلتهما العرب من اساره قبل أن يصل بهما إلى مولاه فذبحهما وبعث برؤسهما إلى السلطان أبى الحسن فوصلا إليه بباجة وخلص الفل من الواقعة إلى قابس فتقبض عبد الملك بن مكى على رجالات من أهل الدولة كان فيهم أبو القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين وصخر بن موسى من رجالات سدويكش وغيرهما من أعيان الدولة فبعث بهم ابن مكى إلى السلطان فأما ابن عتو وصخر بن موسى وعلى بن منصور فقطعهم من خلاف واعتقل الباقي وسبقت العساكر إلى تونس ثم جاء السلطان على أثرهم ودخل الحضرة في الزى والاحتفال في جمادى الاخيرة من سنته وخفتت الاصوات وسكنت الدهماء وانقبضت أيدى أهل الفساد وانقرض أمر الموحدين الا أذيالا في بونة فانه عقد عليها للمولى الفضل ابن مولانا أبى بكر لمكان صهره ووفادته عليه بين يدى مهلك أبيه ثم ارتحل السلطان إلى القيروان ثم إلى سوسة والمهدية وتطوف على المعالم التى بها ووقف على آثار ملوك الشيعة وصنهاجة في مصانعها ومبانيها والتمس البركة في زيارة القبور التى تذكر للصحابة والسلف من التابعين والاولياء في ساحتها وقفل إلى تونس فدخلها آخر شعبان والله تعالى أعلم * (الخبر عن ولاية الامير أبى العباس الفضل على بونة وأولية ذلك ومصايره) * كان السلطان أبو الحسن قد أصهر إلى السلطان أبى بكر قبيل مهلكه في احدى كرائمه وأوفد عليه في ذلك عريف بن يحيى كبير بنى سويد من زغبة وصاحب شواره وخالصة سره مع وفد من رجالات دولته في طبقات الفقهاء والكتاب والموالي كان فيهم صاحب الفتيا بمجلسه أبو عبد الله السطى وكاتب دولته أبو الفضل عبد الله بن أبى مدين وأمير الحرم عنبر الخصى فاسعفه السلطان وعقد له على حظيته عزونة بتقة ابنة الفضل وزفها إليه بين يدى مهلكه مع أخيها الفضل ومعه أبو محمد عبد الواحد بن الجماز من مشيخة الموحدين وأدركهم الخبر بمهلك السلطان في طريقهم فلما قدموا على السلطان أبى الحسن تقبلهم بقبول حسن ورفع مجلس الفضل واستتب له ملكها فأعرض عن ذكر ذلك الا أنه رعى له ذمة الصهر وسابقة الوعد فأسعفه بالعقد على بونة مكان عمله منذ أيام أبيه وأنزله بها عندما رحل عنها إلى تونس وانقمع المولى الفضل من ذلك حقدا لما يرجوه من تجافيهم له عن ملك آبائه لحق وفادته وصهره وأقام بمكان عمله منها يؤمل الكر

[ 359 ]

إلى ان كان من أمره ما نذكر والله أعلم { الخبر عن بيعة العرب لابن أبى دبوس وواقعتهم مع السلطان ابى الحسن بالقيروان وما قارن ذلك كله من الاحداث } كان السلطان أبو الحسن لما استوسق له ملك افريقية اسف العرب بمنعهم من الامصار إلى ملوكها بالاقطاعات والضرب على أيديهم في الاتاوات فوجموا لذلك واستكانوا لغلبته وتربصوا الدوائر وربما كان بعض البادية يشن الغارات في الاطراف فيعتدها السلطان على كبارهم وأغاروا بعض الايام في ضواحي تونس فاستاقوا الظهر الذى كان في مرعاها وأظلم الجو بينهم وبينه وخشوا عاديته وتوقعوا بأسه ووفد عليه أيام الفطر من رجالاتهم خالد بن حمزة وأخوه أحمد من بنى كعب وخليفة بن عبد الله من بنى مسكين وخليفة بن بوزيد من رجالات حكيم وساءت طنونهم في السلطان لسوء أفعالهم فداخلوا عبد الواحد بن اللحيانى في الخروج على السلطان وكان من خبر عبد الواحد هذا أنه بعد اجفاء من تونس سنة ثنتين وثلاثين كنا ذكرناه لحق بأبى تاشفين فأقام عنده في مبرة وتكرمة ولما أخذ السلطان أبو الحسن بمخنق تلمسان واشتد حصارها سأل عبد الواحد بن أبى تاشفين تخليته للخروج فودعه وخرج إلى السلطان أبى الحسن فنزل عليه ولم يزل في جملته إلى أن احتل بافريقية فلما خشن ما بينه وبين الكعوب والتمسوا الاعياص من بنى أبى حفص فيصطفونهم للامر رجوا أن يظفروا من عبد المؤمن هذا بالبغية فداخلوه وارتاب لذلك وخشى بادرة السلطان فرفع إليه الخبر فتقبض السلطان عليهم وأحضرهم معه فأنكروا وبهتوا ثم وبخهم واعتقلهم وعسكر بساحة الحضرة لغزوهم وتلوم لبث الاعطيات وأزاح العلل وبلغ الخبر إلى أحيائهم فقطع اليأس أسباب رجائهم وأنطلقوا يحزبون الاحزاب ويلمون للملك الاعياص وكان أولاد مهلهل أقيالهم وعديلة حملهم قد أيأسهم السلطان من القبول والرضا بما بالغوا في نصيحة المولى أبى حفص ومظاهرته فلحقوا بالقفر ودخلوا الرمال فركب إليهم قتيبة بن حمزة وأمه ومعهم ظعائن أبنائهما متذممين لاولاد مهلهل بالعصبية والقرابة فأجابوهم واجتمعوا بقصطيلة وتحاثوا التراب والدماء وتذامروا بما شملهم من رهب السلطان وتوقع بأسه وتفقدوا من أعياص الموحدين من ينصبونه للامر وكان بتوزر أحمد بن عثمان بن أبى دبوس آخر خلفاء بنى عبد المؤمن بمراكش وقد ذكرنا خبره وخروجه يجهات طرابلس واجلابه مع العرب على تونس أيام السلطان أبى عصيدة ثم انفضوا وبقى عثمان بجهات قابس وطرابلس إلى أن هلك بجزيرة جربة واستقر بنو أبيه

[ 360 ]

عبد السلام بالحضرة بعد حين فاعتقلوا بها أيام السلطان أبى بكر ثم غربهم إلى الاسكندرية مع أولاد ابن الحكيم عند نكبته كما ذكرنا ذلك كله فنزلوا بالاسكندرية وأقبلوا على الحرف لمعاشهم ورجع أحمد هذا من بينهم إلى المغرب واستقر بتوزر واحترف بالخياطة ولما تفقد العرب الاعياص دلهم على نكرته بعض أهل عرفانه فانطلقوا إليه وجاؤا به وجمعوا إليه الآلة ونصبوه للامر وتبايعوا على الاستماتة ورجع إليهم السلطان في عساكره من تونس أيام الحج من سنة ثمان ولقيهم بالثنية دون القيروان فغلبهم وأجفلوا أمامه إلى القيروان ثم تذامروا ورجعوا مستميتين ثانى محرم سنة تسع فاختل مصافه ودخل القيروان وانتهبوا معسكره بما اشتمل عليه وأخذوا بمخنقه إلى أن اختلفوا فأفرجوا عنه وخلص إلى تونس كما نذكر والله تعالى أعلم * (الخبر عن حصار القصبة بتونس ثم الافراج عن القيروان وعنها وما تخلل ذلك) * كان الشيخ أبو محمد بن تافراكين أيام حجابة السلطان أبى بكر مستبدا بأمره مفوضا إليه في سائر شؤنه فلما استوزره السلطان أبو الحسن لم يجره على مألوفه لما كان قائما على أمره وليس التفويض للوزراء من شأنه وكان يظن أن السلطان أبا الحسن سيكل إليه أمر افريقية وينصب معه أفضل للملك وربما زعموا أنه عاهده على ذلك فكان في قلبه من الدولة مرض وكان العرب يفاوضونه بذات صدورهم من الخلاف والاجلاب فلما حصلوا على البغية من الظهور على السلطان أبى الحسن وعساكره وأحاطوا به في القيروان تحيل ابن تافراكين في الخروج على السلطان لما تبين فيه من النكر منه ومن قومه وبعث العرب في لقائه وأن يحملوه حديث بيعتهم إلى الطاعة فأذن له وخرج إليهم وقلدوه حجابة سلطانهم ثم سرحوه إلى حصار القصبة وكان عند رحيله من تونس خلف بها الكثير من أبنائه ووجوه قومه واستخلف عليها عسكر السلطان على أنفسهم فلجأ من كان معهم من تونس إلى قصبتها وأحاط بهم الغوغاء فامتنعت عليهم واتخذوا الآلة وفرقوا الاموال في الرجال وعظم فيها غناء بشير من المعلوجين الموالى فطار له ذكر وكان الامير أبو سالم ابن السلطان أبى الحسن قد جاء من المغرب فوافاه الخبر دوين القيروان فانفض معسكره ورجع إلى تونس فكان معهم بالقصبة ولما فرج عن ابن تافراكين من هوة الحصار بالقيروان طمعوا في الاستيلاء على قصبة تونس وفض ختامها فدفعوه إلى ذلك ثم لحق به سلطانه ابن أبى دبوس وعانى من ذلك ابن تافراكين صعبا لكثرة الرجل الذين كانوا بها ونصب المجانيق عليها فلم يغن شيأ وهو أثناء ذلك يحاول النجاء بنفسه لاضطراب الامور واختلال الرسوم إلى أن بلغه خلوص السلطان من القيروان إلى سوسة وكان من خبره أن العرب بعد

[ 361 ]

ايقاعهم بعساكره أحاطوا بالقيروان واشتدوا في حصارها وداخل السلطان وأولاد مهلهل من الكعوب وحكيما من بنى سليم في الافراج عنه واشترط لهم على ذلك الاموال واختلف رأى العرب لذلك ودخل عليه قتيبة بن حمزة بمكانه من القيروان زعما بالطاعة فتقبله وأطلق اخويه خالدا وأحمد ولم يثق إليهم ثم جاء إليه محمد بن طالب من أولاد مهلهل وخليفة بن أبى زيد وأبو الهول بن يعقوب من أولاد القوس وأسرى معهم بعسكره إلى سوسة فصبحها وركب منها في أساطيله إلى تونس وسبق الخبر إلى ابن تافراكين بتونس فتسلل من أصحابه وركب السفينة إلى الاسكندرية في ربيع سنة تسع وأربعين وأصبحوا وقد فقدوه فاضطربوا وأجفلوا عن تونس وخرج أهل القصبة من أولياء السلطان فملكوها وخربوا منازل الحاشية فيها ونزل السلطان بها من أسطوله في ربيع الاخير فاستقلت قدمه من العثار ورجا الكرة لولا ما قطع أسبابها عنه مما كان من انتزاء أبنائه بالمغرب على ما نذكره في أخبارهم وأجلب العرب وابن أبى دبوس معهم على الحضرة ونازلوا بها السلطان فامتنعت عليهم فرجعوا إلى مهادنتهم فعقد لهما السلم ودخل حمزة بن عمر إليه وافدا فحبسه إلى أن تقبض على ابن أبى دبوس وأمكنه منه فلم يزل في محبسه إلى أن رحل إلى المغرب ولحق هو بالاندلس كما نذكره في أخباره وأقام السلطان بتونس ووفد عليه أحمد بن مكى فعقد لعبد الواحد بن اللحيانى على الثغور الشرقية طرابلس وقابس وصفاقس وجربة وسرحه مع ابن مكى فهلك عند وصوله إليه في الطاعون الجارف وعقد لابي القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين وهو الذى كان قطعه باغراء أبى محمد بن تافراكين فلما ظهر خلافه أعاد ابن عتوالى مكانه وعقد له على بلاد قسطيلة وسرحه إليها وأقام هو بتونس إلى أن كان ما نذكره ان شاء الله تعالى { الخبر عن استيلاء الامير الفضل على قسنطينة وبجاية ثم استيلاء أمرائهما بتمهيد الملك } كان سنن السلطان أبى الحسن في دولته بالمغرب وفود العمال عليه آخر كل سنة لايراد جبايتهم والمحاسبة على أعمالهم فوفدوا عليه عامهم ذلك من قاصية المغرب ووافاهم خبر الواقعة بقسنطينة وكان معهم ابن مزنى عامل الزاب وفد أيضا بجبايته وهديته وكان معهم ابن عمه تاشفين ابن السلطان أبى الحسن كان أسيرا من يوم واقعة طريف ووقعت المهادنة بين الطاغية وبين أبيه فأطلقه وأوفد معه جمعا من بطارقته وقدموا معه على أبيه ووفد معه أخوه عبد الله من المغرب وان أيضا معهم وفد السودان من أهل مالى في غرض السفارة واجتمعوا كلهم بقسنطينة فلما اتصل بهم خبر الواقعة على السلطان كثر الاضطراب وتطلبت السفهاء من الغوغاء إلى ما بأيديهم

[ 362 ]

وخشى الملا من أهل البلد على أنفسهم فاستدعوا أبا العباس الفضل من عمله ببونة ولما أطل على قسنطينة ثارت العامة بمن كان هنا لك من الوفد والعمال وانتهبوا أموالهم واستلحموا منهم وخلص ابناء السلطان مع وفود السلطان والجلالقة إلى بسكرة مع ابن مزنى وفى خفارة يعقوب بن على أمير الزواودة فأوسع ابن مزنى قرى وتكرمة إلى ان لحقوا بالسلطان أبى الحسن بتونس في رجب من سنة تسع ودخل المولى الفضل إلى قسنطينة واعاد ما ذهب من سلطان قومه وشمل الناس بعدله واحسانه وسوغ الاقطاع والجوائز ورحل إلى بجاية لما آنس من صاغية أهلها إلى الدعوة الحفصية فلما أطل عليها ثار أهلها بالعمال الذين كان السلطان أنزلهم بها واستباحوهم وأفلتوا من أيدى نكبتهم بحريفة الرفل ودخل الفضل إلى بجاية واستولى على كرسى ملكها ونظمها مع قسنطينة وبونة في ملكه وأعاد القاب الخلافة ورسومها وشتاتها كما كانت واعتزم على الرحيل إلى الحضرة وبينما هو يحدث نفسه بذلك إذ وصل الخبر بقدوم أمراء بجاية وقسنطينة من المغرب وكان من خبرها ان الامير أبا عنان لما بلغه خبر الواقعة بأبيه وانتزاء منصور ابن أخيه إلى ملكه بالبلد الجديد دار ملكهم وأحس بخلاص أبيه من هوة الحصار بالقيروان وثب على الامر ودعا لنفسه ورحل إلى المغرب كما نذكره في أخباره وسرح الامير ابا عبد الله محمد ابن الامير أبى زكريا صاحب بجاية والانباء إلى عمله وأمده بالاموال وأخذ عليه المواثيق ليكونن له ردأ دون أبيه وليحولن بينه وبين الخلوص متى مر به وانطلق أبو عبد الله إلى بجاية وقد سبقه إليها عمه الفضل واستولى عليها فنازله بها وطال حصارها ولحق بمكانه من منازلتها نبيل المولى ابن المعلوجى مولى الامير أبى عبد الله وكافل بنيه من بعده وتقدم إلى قسنطينة وبها عامل من قبل الفضل فثار به الناس لحينه ودخل نبيل وملك البلد وأقام فيها دعوة الامير أبى زيد ابن الامير أبى عبد الله وكان الامير أبو عنان استصحبه واخوانه إلى المغرب وبعد احتلاله بفاس سرحهم إلى مكان امارتهم بقسنطينة بعد أن أخذ عليهم الموثق في شأن ابيه بمثل موثق ابن عمهم فجاؤا على اثر نبيل مولاهم ودخلوا البلد واحتل أبو زيد منها بمكان امارته وسلطان قدمه كما قبل رحلتهم إلى المغرب ولم يزل الامير أبو عبد الله ينازل بجاية إلى أن بيتها بعض ليالى رمضان من سنته بمداخلة بعض الاشياع من رجالها داخلهم مولاه وكافله فارح في ذلك فسرب فيهم الاموال وواعدوه للبيات وفتحوا له باب البر من أبو ابها واقتحمه وفاجأهم هدير الطبول فهب السلطان من نومه وخرج من قصره فتسنم الجبل المطل عليها وتسرب في شعابه إلى ان وضح الصباح وظهر عليه فجئ به إلى ابن أخيه فمن عليه واستبقاه وأركبه السفينة إلى بلد بونة في شوال من سنة

[ 363 ]

تسع وأربعين ووجد بعض الاعياص من قرابته قد ثاروا بها وهو محمد بن عبد الواحد من ولد أبى بكر ابن الامير أبى زكريا الاكبر كان هو وأخوه عمر بالحضرة وكان لعمر منها النظر على القرابة فلما كان هذا الاضطراب لحقوا بالفضل وتركهم ببونة عند سفره إلى بجاية فحدثتهم أنفسهم بالانتزاء فلم يتم لهم أمر وثارت بهم الحاشية والعامة فقتلوا لوقتهم ووافى الفضل إلى بونة وقد انجلت غيمتهم ومحيت آثارهم فدخل إلى قصره وألقى عصا تسياره واستقل الامير أبو عبد الله ابن الامير أبى زكريا ببجاية محل امارة أبيه الامير أبى زيد ابن الامير أبى عبد الله بقسنطينة محل امارة أبيه والامير أبو العباس الفضل ببونة محل امارته منذ عهد الامر والسلطان أبو الحسن بتونس إلى ان كان من أمرهم ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن حركة الفضل إلى تونس بعد رحيل السلطان أبى الحسن إلى المغرب) * كان العرب بعد ما قدمنا من طاعتهم واسلامهم سلطانهم إلى أبى دبوس قد انفضوا عن السلطان أبى الحسن وأجلبوا عليه ثانية وتولى كبر ذلك قتيبة بن حمزة وخالف إلى السلطان أخوه خالد مع أولاد مهلهل وافترق أمرهم وخرج كبيرهم عمر بن حمزة حاجا فاستقدم قتيبة وأصحابه الامير الفضل من مكان امارته ببونة لطلب حقه واسترجاع ملك آبائه فأجابهم ووصل إلى أحيائهم آخر سنة تسع فنازلوا تونس وأجلبوا عليها ثم أفرجوا عن منازلتها أول سنة خمسين وأفرجوا عنها آخر المصيف واستدعاهم أبو القاسم بن عتو صاحب الجريد من مكان عمله بتوزر فدخل في طاعة الفضل وحمل أهل الجريد كلهم عليها واتبعه في ذلك بنو مكى وانقضت افريقية عن السلطان أبى الحسن من أطرافها فركب أساطيله إلى المغرب أيام الفطر من سنة خمسين ومضى المولى الفضل إلى تونس وبها أبو الفضل ابن السلطان أبى الحسن كان أبوه قد عقد له عليها عند رحيله إلى المغرب تفاديا عن ثورات الغوغاء ومضرة هيعتهم وامن عليه بما كان عقد له من الصهر مع عمر بن حمزة في ابنته فلما أطلت رايات المولى الفضل على تونس أيام الحج نبضت عروق التشييع للدعوة الحفصية وأحاطت الغوغاء بالقصر ورجموه بالحجارة وأرسل أبو الفضل إلى بنى حمزة متذمما بصهرهم فدخل عليه أبو الليل وأخرجه ومن معه إلى الحى واستركب له من رجالات بنى كعب من أبلغه مأمنه وهداه السبيل إلى وطنه ودخل الفضل إلى الحضرة وقعد بمجلس آبائه من الخلافة وجدد ما طمسسته بنو مرين من معالم الدولة واستمر أمره على ذلك إلى أن كان من أمره ما نذكر ان شاء الله تعالى { الخبر عن مهلك الفضل وبيعة أخيه المولى أبى اسحق في كفالة أبى محمد بن تافراكين وتحت استبداده }

[ 364 ]

لما دخل أبو العباس الفضل إلى الحضرة واستبد بملكها عقد على حجابته لاحمد بن محمد ابن عتو نائبا عن عمه أبى القاسم ريثما يفئ من الجريد وعقد على جيشه وحربه لمحمد بن الشواش بطانته وكان وليه المطارد به أبو الليل قتيبة بن حمزة مستبدا عليه في سائر أحواله منتشطا في طلباته وأنف له بطانته من ذلك فحملوه على التنكر له وأن يديل منه بولاية خالد أخيه وبعث عن أبى القاسم بن عتو وقد قلده في حجابته وفوض إليه أمره وجعل مقاد الدولة بيده فركب إليه البحر من سوسة واستألف له خالد بن حمزة ظهيرا على أخيه بعد أن نبذ إليه عهده وفاوضهم أبو الليل بن حمزة قبل استحكام أمورهم فغلب على السلطان وحمله على عزله قائده محمد بن الشواش فدفعه إلى بونة على عساكرها واضطربت نار الفتنة بين أبى الليل بن حمزة وبين أخيه خالد وكاد شملهم ان يتصدع وبينما هم يجيشون نار الحرب ويجمعون الجموع والاحزاب إذ قدم كبيرهم عمر وأبو محمد عبد الله بن تافراكين من حجهم وكا ابن تافراكين لما احتل بالاسكندرية بعث السلطان فيه إلى أهل المشرق وخاطبه ملوك مصر في التحكيم فيه فأجاره عليه الامير المستبد على الدولة يومئذ سقاروس وخرج من مصر لقضاء فرضه وخرج عمر بن حمزة لقضاء فرضه أيضا فاجتمعا في مشاهد الحاج آخر سنة خمسين وتعاقدا على الرجوع إلى افريقية والتظاهر على أمرهما وقفلا فألفيا خالدا وقتيبة على الصفير فأشار عمر بن داية فاجتمعا وتواقفا ومسح الاحن من صدورهما وتواطؤا جميعا على المكر بالسلطان وبعث إليه وليه قتيبة بالمراجعة فقبله واتفقوا على ان يقلد حجابته أبا محمد ابن تافراكين صاحب أبيه وكبير دولتهم ويديل به من ابن عتو فأبى ثم أصبحت ونزلت أحياؤهم ظاهر البلد واستحثوا السلطان للخروج إليهم ليكملوا عقد ذلك ووقف بساحة البلد إلى ان أحاطوا به ثم اقتادوه إلى بيوتهم وأدنوا لابن تافراكين في دخول البلد فدخلها لاحدى عشرة من جمادى الاولى سنة احدى وخمسين وعمد إلى دار المولى أبى اسحق ابراهيم ابن مولانا السلطان أبى بكر فاستخرجه بعد أن بذل من العهد لامه والمواثيق ما رضيتها وجاء به إلى القصر وأقعده على كرسى الخلافة وبايع له الناس خاصة وعامة وهو يومئذ غلام مناهز فانعقدت بيعته ودخل بنو كعب فأتوه طاعتهم وسيق إليه أخوه الفضل ليلتئذ فاعتقل وغط من جوف الليل بمحبسه حتى فاض ولاذ حاجبه أبو القاسم بن عتو بالاختفاء في غيابات البلد وعثر عليه لليال فاعتقل وامتحن وهلك في امتحانه وخوطب العمال في الجهات باخذ البيعة على من قبلهم فبعثوا بها واستقام ابن بهلول صاحب توزر على الطاعة وبعث بالجباية والهدية واتبعه صاحب نفطة وصاحب قفصة وخالفهم ابن مكى وذهب إلى الاجلاب على ابن

[ 365 ]

تافراكين لما كان قد كفل السلطان وحجزه عن التصرف في أمره واستبد عليه إلى أن كان من أمره ما نذكر ان شاء الله تعالى والله تعالى أعلم { الخبر عن حركة صاحب قسنطينة وما كان من حجابة أبى العباس بن مكى وتصاريف ذلك } لما استولى أبو محمد بن تافراكين على تونس وبايع للمولى أبى اسحق بالخلافة واستبد عليه نقم عليه الامراء شأن استبداده ونقمه ابن مكى للسعى عليه لمنافسة كانت بينهما قديمة من لدن أيام السلطان أبى بكر واستعان على ذلك باولاد مهلهل مقاسمى أولاد أبى الليل في رياسة الكعوب ومجاذبيهم حبل الامارة فلما رأوا صاغية ابن تافراكين إلى أولاد أبى الليل أقتالهم أجمعوا له ولهم وحالفوا بنى حكيم من قبائل علان وأجلبوا على الضواحى وشنوا الغارات ثم وفد على الامير أبى زيد صاحب قسنطينة وأعمالها يستحثهم للنهوض إلى افريقية واستخلاص ملك آبائه ممن استبد عليه واحتازه دونهم فسرح معهم عسكرين لنظر ميمون ومنصور الجاهل من مواليه وموالى أبيه وارتحلوا من قسنطينة وارتحل معهم يعقوب بن على كبير الزواودة بمن معه من قومه وسرح أبو محمد بن تافراكين من الحضرة للقاسم عسكرا مع أبى الليل وقتل يومئذ أبو الليل قتيبة بن حمزة بيد يعقوب ابن سحيم من اولاد القوس شيوخ بنى حكيم ورجع فلهم إلى تونس وامتدت أيدى أولاد مهلهل وعساكر قسنطينة في البلاد وجبوا الاموال من أوطان هوارة وانتهوا إلى ابدة ثم قفلوا راحلين إلى قسنطينة وولى على أولاد أبى الليل مكان قتيبة أخوه خالد بن حمزة وقام بأمرهم وكان أبو العباس بن مكى أثناء ذلك يكاتب المولى أبا زيد صاحب قسنطينة من مكان ولايته بفاس ويعده من نفسه الوفادة والمدد بالمال والاحزاب والقيام باعطيات العرب حتى إذا انصرم فصل الشتاء ووفد عليه مع أولاد مهلهل لقاه مبرة وتكريما وعقد له على حجابته وجمع عساكره وجهز آلاته وأزاح علل تابعه ورحل من قسنطينة سنة ثلاثى وخمسين في صفر وجهز أبو محمد بن تافراكين سلطانه أبا اسحق لما يحتاج إليه من العساكر والآلة وجعل على حربه ابنه أبا عبد الله محمد بن نزار من طبقة الفقهاء ومشيخة الكتاب كان يعلم أبناء السلطان الكتاب ويقرئهم القرآن كما قدمناه وفصل من تونس في التعبية حتى إذا تراءى الجمعان كر محمد وتزاحفوا فاختل مصاف السلطان أبى اسحق وافترقت جموعه وولوا منهزمين واتبعهم القوم عشية يومهم ولحق السلطان بصاحبه أبى محمد بن تافراكين بتونس وجاؤا على اثره فنازلوا تونس أياما وطالت عليهم الحرب ثم امتنعت عليهم وارتحلوا إلى القيروان ثم إلى قفصة وبلغهم أن ملك المغرب

[ 366 ]

الاقصى السلطان أبا عبد الله قد خالفهم إلى قسنطيتة بمداخلة أبى محمد بن تافراكين واستجاشته ونازل جهات قسنطينة وانتهب زروعها وشن الغارات عليها وفى بسائطها فبلغهم أنه رجع إلى بجاية منكمشا من زحف بنى مرين واعتزم الامير أبو زيد على مبادرة ثغره ودار امارته يعنى قسنطينة ورغب إليه أبو العباس بن مكى وأولاد مهلهل أن يخلف بينهم من اخوانه من يجتمعون إليه ويزاحفون به فولى عليهم أخاه العباس فبايعوه وأقام فيهم هو وشقيقه أبو يحيى زكريا إلى أن كان من شأنه ما نذكر وانصرف الامير أبو زيد عند ذلك من قفصة يغذ السير إلى قسنطينة واحتل بها في جمادى من سنته والله تعالى أعلم { الخبر عن وفادة صاحب بجاية على ابى عنان واستيلائه عليه وعلى بلده ومطلبه قسنطينة } كان بين الامير أبى عبد الله صاحب بجاية وبين الامير أبى عنان أيام امارته بتلمسان ونزول الاعياص الحفصيين بندرومة ووجدة أيام أبيه كما ذكرناه اتصال ومخالصة أحكمها بينهما نشب الشباب والملك وسابقة الصهر فكان الامير أبو عبد الله من أجل ذلك صاغية إلى بنى مرين أوجد بها السبيل على ملكه ولما مر السلطان أبو الحسن في اسطوله عند ارتحاله من تونس كما قدمناه أمر أهل سواحله بمنعه الماء والاقوات من سائر جهاتها رعيا للذمة التى اعتقدها مع الامير أبى عنان في شأنه وجنوحا إلى تشييع سلطانه ولما أوقع السلطان أبو عنان ببنى عبد الواد سنة ثلاث وخمسين واستولى على المغرب الاوسط ونجافلهم إلى بجاية أوعز إلى الامير أبى عبد الله باعتراضهم في جهاته والتقبض عليهم فأجابه إلى ذلك وبعث العيون بالمراصد في ضواحي بجاية على محمد ابن سلطانهم أبى سعيد عثمان بن عبد الرحمن وعلى أخيه أبى ثابت الزعيم بن عبد الرحمن وعلى وزيرهم يحيى بن داود بن سليمان فاوثقوهم اعتقالا وبعث بهم إلى السلطان أبى عنان ثم جاء على اثرهم فتلقاه بالقبول والتكرمة وأنزله بأحسن نزل ثم دس إليه من اغراه بالنزول له عن بجاية رغبة فيما عند السلطان ازاء ذلك من التجلة والادالة عنها بمكناسة المغرب والراحلة من زبون الجند والبطانة واخفافا مما سواه ان لم يعتمده فأجاب إليه على اليأس والكره وشهد مجلس السلطان والملا من بنى مرين بالرغبة في ذلك فأسعف وانيفت جائزته واقتطعت له مكناسة من أعمال المغرب ثم انتزعها لايام قلائل ونقله في جملته إلى المغرب وبعث الامير أبو عنان مولاه فارحا المستبد عليه ليأتيه بأهله وولده وعقد أبو عنان على بجاية لعمر بن على ابن الوزير من بنى واطاس وهم ينتسبون بزعمهم إلى على بن يوسف أمير لمتونة فاختصه أبو عنان بولايتها لمتانة هذا النسب

[ 367 ]

الصنهاجى بينه وبين أهل وطنها منهم وانصرفوا جميعا من المرية ولما احتلوا بجاية تآمر أولياء الدعوة الحفصية ومن بها من صنهاجة والموالي وهجست رجالاتهم في قتل عمر بن على الوزير وأشياع بنى مرين وتصدى لذلك زعيم صنهاجة منصور بن ابراهيم بن الحاج في رجالات من قومه باملاء فارح زعموا وغدوا عليه في داره من القصبة فأكب عليه منصور يناجيه فطعنه وطعن آخر منهم القاضى ابن مر كان بما كان شيعة لبنى مرين ثم أجهزوا على عمر بن على ومضى القاضى إلى داره فمات واتصلت الهيعة بفارح فركب إليه وهتف الهاتف بدعوة صاحب قسنطينة المولى أبى زيد وطيروا إليه بالخبر واستحثوه للقدوم وأقاموا على ذلك أياما ثم تآمر الملا من أهل بجاية في التمسك بدعوة صاحب المغرب خوفا من بوادره فثاروا بفارح وقتلوه أيام التشريق من سنة ثلاث وخمسين وبعثوا برأسه إلى السلطان بتلمسان وتولى كبر ذلك هلال صاحبه من موالى ابن سيد الناس ومحمد بن الحاجب أبى عبد الله بن سيد الناس ومشيخة واستقدموا العامل حواس من بنى مرين وهو يحيى بن عمر بن عبد المؤمن من بنى ونكاس فبادر إليهم وسرح السلطان أبو عنان إليها حاجبه أبا عبد الله محمد بن أبى عمر في الكتائب فدخلها فاتح أربع وخمسين وذهبت صنهاجة في كل وجه ولحق كبارهم وذوو الفعلة منه بتونس وتقبض على أعمال مولى ابن سيد الناس لما داخلته فيه من الظنة وعلى القاضى محمد بن عمر لما كان شيعة لفارح وعلى زعماء الغوغاء من أهل المدينة وأشخصهم معتقلين إلى المغرب وصرف نظره إلى تمهيد الوطن واستدعى كبراء العرب وأهل النواحى من أعمال بجاية وقسنطينة ووفد عليه يوسف بن مرى صاحب الزاب ومشيخة الزواودة فاسترهن ابناءهم على الطاعة وقفل بهم إلى المغرب واستعمل أبو عنان على بجاية موسى بن ابراهيم اليرنيانى من طبقة الوزراء وبعث إليها ولما وفدوا على السلطان جلس جلوسا فخما ووصلوا إليه ولقاهم تكرمة ومبرة وأوسعهم حباء واقطاعا وأنقذ لهم الصكوك والسجلات وأخذ على طاعتهم العهود والمواثيق والرهن وانقلبوا إلى أهلهم وعقد لحاجبه ابن أبى عمر وعلى بجاية وأعمالها وعلى حرب قسنطينة من ورائها ورجعه إليها فدخلها في رجب من سنته وأوعز السلطان إلى موسى بن ابراهيم بالولاية على سدويكش والنزول ببنى ياورار في كتيبة جهزها هنا لك لمضايقة قسنطينة وجباية وطنها وكل ذلك لنظر الحاجب ببجاية وكان بقسنطينة أبو عمر تاشفين ابن السلطان أبى الحسن معتقلا من لدن واقعة بنى مرين وكان موسوسا في عقله معروفا بالجنون عند قومه وكان الامراء بقسنطينة قد أسنوا جرايته في اعتقاله وأولوه من المبرة والكفاية كفاء نسبه فلما زحف كتائب بنى مرين إلى بنى ياورار آخر عمل بجاية

[ 368 ]

ودانوا قسنطينة ومن بها من الحروب والحصار نصب المولى أبو زيد هذا الموسوس أبا عمر ليجأجئ به رجالات بنى مرين أهل العسكر ببجاية وبنى ياورار وجهز له الآلة وتسامعوا بذلك ففزع إليهم الكبير منهم وخرج نبيل حاجب الامير أبى زيد إلى أهل صنهاجة من بونة ومن كان على دعوته من سدويكش والزواودة فجمعهم وزحفوا جميعا إلى وطن بجاية واتصل الخبر بالحاجب ببجاية فبعث في الزواودة من مشاتيهم بالصحراء فأقبلوا إليه حتى نزلوا التلول ووفد عليه أبو دينار بن على بن أحمد واستحثه للحركة على قسنطينة فاعترض عساكره وأزاح عللهم وخرج من بجاية في ربيع من سنة خمسين فكر أبو عمر ومن معه راجعين إلى قسنطينة وزحف الحاجب فيمن معه من بنى مرين والزواودة وسدويكش ولقيهم نبيل الحاجب بمن معه فكانت عليه الدبرة واكتسحت أموال بونة ورجع ابن أبى عمر بعساكره إلى قسنطينة فأناخ عليها سبعا ثم ارتحل عنها إلى ميلة وعقد يعقوب بن على بين الفريقين صلحا على أن يمكنوه من أبى عمر الموسوس فبعثوا به إلى أخيه السلطان أبى عنان فأنزله ببعض الحجر ورتب عليه الحرس وسار الحاجب في نواحى أعماله وانتهى إلى المسيلة واقتضى مغارمها ثم انكفأ راجعا إلى بجاية وملكها فاتح سنة ست وخمسين وزحف إلى قسنطينة فحاصرها وامتنعت عليه فرجع إلى بجاية ثم زحف من العام المقبل سنة سبع وخمسين كذلك ونصب عليها المجانيق فامتنعت عليه وأرجف في عسكره بموت السلطان فانفضوا وأحرق بمجانيقه ورجع إلى بجاية وعمر الكتائب ببنى ياورار لنظر موسى بن ابراهيم اليرنيانى عامل سدويكش إلى أن كان من الايقاع به وبعسكره ما نذكر ان شاء الله تعالى والله أعلم * (الخبر عن حادثة طرابلس واستيلاء النصارى عليها ثم رجوعها إلى ابن مكى) * كانت طرابلس هذه ثغرا منذ الدول القديمة وكان لهم عناية بحمايتها لما كان وضعها في البسيط وكان ضواحيها قفرا من القبائل فكان النصارى أهل صقلية كثيرا ما يحدثون أنفسهم بملكها وكان ميخاييل الانطاكي صاحب أسطول زجار قد تملكها من أيدى بنى حزروق من مغراوة آخر دولتهم ودولة صنهاجة كما ذكرنا ثم رجعها ابن مطروح ودخلت في دعوة الموحدين ومرت عليها الايام إلى أن استبد بها ابن ثابت ووليها من بعده ابنه في أعوام خمسين وسبعمائة منقطعا عن الحضرة ومقيما رسم الدعوة وكان تجار الجوينيين يترددون إليها فاطلعوا على عوراتها وائتمروا في غزوها واتعدوا لمرساها فوافوه سنة خمس وخمسين وانتشروا بالبلد في حاجاتهم ثم بيتوها ذات ليلة فصعدوا أسوارها وملكوها عليهم وهتف هاتفهم بالحرب وقد لبسوا السلاح فارتاعوا وهبوا من مضاجعهم فلما رأوهم بالاسوار لم يكن همهم الا النحاة

[ 369 ]

بأنفسهم ونجا ثابت بن محمد مقدمهم إلى حلة الجوار في اعراب وطنها من ذئاب احدى بطون بنى سليم فقتل لدم كان أصابه منهم ولحق أخويه بالاسكندرية واستباحها النصارى واحتملوا في سفنهم ما وجدوا بها من الخرثى والمتاع والعقائل والاسرى وأقاموا بها وداخلهم أبو العباس بن مكى صاحب قابس في فدائها فاشترطوا عليه خمسين ألفا من الذهب العين فبعث فيهم لملك المغرب السلطان أبى عنان يطرفه بمثوبتها ثم تعجلوا عليه فجمع ما عنده واستوهب ما بقى من أهل قابس والجامه وبلاد الجريد فجمعوها له حسبة ورغبة في الخير وأمكنه النصارى من طرابلس فملكها واستولى عليها وأزال ما دنسها من وضر الكفر وبعث السلطان أبو عنان بالمال إليه وأن يرد على الناس ما أعطوه وينفرد بمثوبتها وذكرها فامتنعوا الا قليلا منهم ووضع المال عند ابن مكى لذلك ولم يزل ابن مكى أميرا عليها إلى ان هلك كما نذكره في أخبارهم ان شاء الله تعالى { الخبر عن بيعة السلطان أبى العباس أمير المؤمنين ومفتتح أمره السعيد بقسنطينة } كان الامير أبو زيد قد ولى الامر من بعد أبيه الامير أبى عبد الله بولاية جده الخليفة أبى بكر وكان اخوته جميعا في جملته ومنهم السلطان أبو العباس أمير المؤمنين لهذا العهد والمنفرد بالدعوة الحفصية من لدن مهلك ابيهم يرون أن الوراثة لهم وأن الامر فيهم حتى لقد يحكى عن شيخ وقته الولى أبى هادى المشهور الذكر وكان من أهل المكاشفة أنه قال ذات يوم وقد جاؤا لزيارته بأجمعهم على طريقهم وسنن أسلافهم في التبرك بالاولياء فدعا لهم الشيخ ما شاء الله ثم قال البركة ان شاء الله في هذا العش وأشار إلى الاخوة مجتمعين وكان الحذاق والمنجمون أيضا يخبرون بمثلها ويحومون بوطنهم على أبى العباس منهم لما يتفرسون فيه من الشواهد والمخايل فلما كان من منازلة أخيه أبى زيد بتونس سنة ثلاث وخمسين ما قدمناه ثم ارتحل عنها إلى نفطة وأراد الرجوع إلى قسنطينة للارجاف يسائل السلطان أبا عثمان وانه زحف إلى آخر عمله من تخوم بجاية رغب إليه حينئذ أولاد مهلهل أولياؤه من العرب وشيعته وصاحبه أبو العباس بن مكى صاحب عمل قابس وحرمه أن يستعمل عليهم من اخوته من يقيم معهم لمعاودة تونس بالحصار فسرح أخاه مولانا العباس فتخلف معهم لذلك وفى جملته شقيقه أبو يحيى فأقاما بقابس وكان صاحب طرابلس محمد بن ثابت قد بعث اسطوله لحصار جربة فدخل الامير أبو العباس بمن معه الجزيرة وخاضوا إليها البحر فأجفل عسكر ابن ثابت وأفرجوا عن الحصن ثم رجع السلطان إلى قابس وزحف العرب أولاد مهلهل إلى تونس وحاصروها أياما فامتنعت عليهم ورجع إلى أعمال الجريد وأوفد أخاه أبا يحيى زكريا على السلطان

[ 370 ]

صريخا سنة خمس وخمسين فلقاه مبرة ورحبا وأسنى جائزته وأحسن وعده وانكفأ راجعا عنه إلى وطنه ومر بالحاجب أبى عمر عند افراجه عن قسنطينة ولحق بأخيه بمكانه من قاصية افريقية واتصلت أيديهما على طلب حقهما وفى خلال ذلك فسد ما بين أبى محمد بن تافراكين صاحب الامر بتونس وبين خالد بن حمزة كبير أولاد أبى الليل فعدل عنه إلى أقتاله وأولاد مهلهل واستدعاهم للمظاهرة فأقبلوا إليه وتحيز خالد إلى السلطان أبى العباس وزحفوا معه إلى تونس فنازلوها سنة ست وخمسين وامتنعت عليهم وأفرجوا عنها واستقدمه أخوه أبو زيد اثر ذلك لينصره من عساكر بنى مرين عند ما تكاتبوا عليه وضاق به الحصار فأجابه وقدم عليه بخالد وقومه وخرج الامير أبو زيد مع خالد إلى منازلة تونس واستخلف على قسنطينة أخاه أبا العباس فدخلها ونزل بقصور الملك منها وأقام بها مدة وعساكر بنى مرين قد ملات عليه الضاحية فدعاه الاول إلى الاستبداد وأنه أبلغ في المدافعة والحماية لما كانوا يتوقعون من زحف العساكر إليهم من بجاية فأجاب وبويع شهر من سنة ست وخمسين وانعقد أمره وزحف عبد الله بن على صاحب بجاية إلى قسنطينة من سنته وفى سنة سبع بعدها فحاصره ونصب المجانيق ثم أجفل آخر الارجاف كما ذكرناه وتنفس مخنق الحصار عن قسنطينة وكان الامير أبو زيد أخوه لما ذهب مع خالد إلى تونس ونازلها امتنعت عليه ورجع وقد استبد أخوه بأمر قسنطينة فعدل إلى بونة وأرسل أبا محمد بن تافراكين في سكنى الحضرة والنزول لهم عن بونة فأجابه ونزل عنها الامير أبو زيد لعمه السلطان أبى اسحق وتحول إلى تونس فأوسعوا له المنازل وأسنوا الجرايات والجوائز وأقام في كفالة عمه إلى ان كان من أمره ما نذكره والله أعلم { الخبر عن واقعة موسى بن ابراهيم واستيلاء أبى عنان بعد على قسنطينة وما تخلل ذلك من الاحداث } لما استبد السلطان أبو العباس بالامر وزحفت إليه عساكر بجاية وبنى مرين فأحسن دفاعها عن بلده وتبين لاهل الضاحية مخايل الظهور فيه فداخله رجالات من سدويكش من أولاد المهدى بن يوسف في غزو موسى بن ابراهيم وكتائبه المجمرة ببنى ياورار ودعوا إلى ذلك ميمون بن على بن أحمد وكان منحرفا عن أخيه يعقوب ظهير بنى مرين ومناصحهم فأجاب وسرح السلطان أخاه أبا يحيى زكريا بينهم عن في جملته من العساكر وصبحوهم في غارة شعواء فلما شارفوهم ركبوا إليهم فتقدموا ثم أحجموا واختل مصافهم وأحيط بهم وأثخن قائد العسكر موسى بن ابراهيم بالجراحة واستلحم بنوه زيان وأبو القاسم ومن إليهم وكانوا أسود هياج وفرسان ملحمة في آخرين من أمثالها

[ 371 ]

وتتبعوا بالقتل والنهب إلى أن استبيحوا ونجافلهم إلى بجاية ولحقوا بالسلطان أبى عنان ولما بلغه الخبر قام في ركائبه وعقد وفتح ديوان العطاء وبعث وزراءه للحشد في الجهات وأعد من الجنود وأزاح العلل وشكاله موسى بن ابراهيم قعود عبد الله ابن على صاحب بجاية عن قصده فسخطه ونكبه وعقد مكانه ليحيى بن ميمون بن مصمود وتلوم بعده أشهرا في تجهيز العساكر وبعث السلطان أبو العباس أخاه أبا يحيى إلى تونس صريخا لعمه السلطان أبى اسحق فأعجله الامر عن الاياب إليه وارتحل أبو عنان في عساكره ثم بعث في مقدمته وزيره فارس بن ميمون بن ودرار وزحف على أثره في ربيع سنة ثمان وخمسين وأغذ السير إلى قسنطينة وقد نازلها وزيره ابن ودرار قبله فلما نزل بساحتها وقد طبقوا الارض الفضاء بجيوشه وعساكره وجم أهل البلد وأدركهم الدهش فانفضوا وتسللوا إليه وتحيز السلطان أبو العباس إلى القصبة فامتنع بها حتى توثق لنفسه بالعهد ثم نزل إليه فلقاه تكرمة ورحبا واسنى له الفساطيط في جواره ثم بداله لايام قلائل فنقض عهده وأركبه السفن إلى المغرب وأنزله بسبتة ورتب عليه الحرس وبعث خلال ذلك إلى بونة فدخلت في طاعته وفر عنها عمال الحضرة ولما استولى عقد على قسنطينة لمنصور بن مخلوف شيخ بنى بابان من قبيل بنى مرين ثم بعث رسله إلى أبى محمد بن تافراكين في الاخذ بطاعته والنزول عن تونس فردهم وأخرج سلطانه المولى أبا اسحق مع أولاد أبى الليل ومن إليهم من العرب بعد أن جهز إليه العساكر وما يصلح من الآلة والجند وأقام هو بتونس وأجمع أبو عنان النهوض إليه ووفد عليه أولاد مهلهل يستحثونه لذلك فسرح معهم عسكرا في البر لنظر يحيى بن رحو بن تاشفين معطى حشود بنى تيربيعين من قبائل بنى مرين وصاحب الشورى في مجلسه وسرح عسكرا آخر في الاسطول لنظر محمد بن يوسف المعروف بالابكم من بنى الاحمر بنى الملوك بالاندلس لهذا العهد فسبق الاسطول وصبحوا تونس وقاتلوها يوما أو بعض يوم وأتيح لهم الظهور فخرج عنها أبو محمد بن تافراكين ولحق بالمهدية واستولت عساكر بنى مرين على تونس في رمضان سنة ثمان وخمسين وحق لهم الظهور فخرج عنها أبو محمد بن تافراكين ولحق يحيى بن رحو بعسكره فدخل البلد وأمضى فيها أوامر السلطان ثم دعاه أولاد مهلهل إلى الخروج لمباغتة أولاد أبى الليل وسلطانهم فخرج معهم لذلك وأقام ابن الاحمر وأهل الاسطول بالبلد في خلال ذلك جاهر يعقوب بن على بالخلاف لما تبين من نكر السلطان أبى عنان وارهاف حده للعرب ومطالبتهم بالرهن وقبض أيديهم عن الاتاوات ومسح اعطافه بالمداراة فلم يقبلها فلحق يعقوب بالرمل واتبعه السلطان فأعجزه فعدا على قصوره ومنازله بالبلد والصحراء فخربها وانتسفها ثم رجع إلى قسنطينة وارتحل منها يريد

[ 372 ]

افريقية وقد نهض المولى أبو اسحق بمن معه من العرب للقائه وانتهوا إلى حصن سبتة ثم تمشت رجالات بنى مرين وائتمروا في الرجوع عنه حذرا أن يصيبهم بافريقية ما أصابهم من قبل فانفضوا متسللين إلى المغرب ولما خف المعسكر من أهله أقصر عن القدوم إلى افريقية فرجع إلى المغرب بمن بقى معه واتبع العرب آثاره وبلغ الخبر إلى أبى محمد بن تافراكين بمكان منجاته من المهدية فسار إلى تونس ولما أطال عليها ثار أهل البلد بمن كان عندهم من عسكر بنى مرين وعمالهم فنجوا إلى الاسطول ودخل أبو محمد ابن تافراكين إلى الحضرة وأعاد ما طمس من الدولة ولحق به السلطان أبو اسحق بعد أن تقدم الامير أبو زيد في عسكر الجنود والعرب لاتباع آثار بنى مرين ومنازلة قسنطينة فاتبعهم إلى تخوم عملهم ورجع أبو زيد إلى قسنطينة وقاتلها أياما فامتنعت عليه فانكفأ راجعا إلى الحضرة ولم يزل مقيما بها إلى أن هلك عفا الله عنه وعنا آمين سنة وكان أخوه يحيى بن زكريا قد لحق بتونس من قبل صريخا كما قلناه فلما بلغهم أن قسنطينة قد أحيط بها تمسكوا به فلحق به الفل من مواليهم وصنائعهم فكانوا معه إلى أن يسر الله أسباب الخير والسعادة للمسلمين وأعاد السلطان أبا العباس إلى الامر من بعد مهلك أبى عنان كما يذكر ومر ايالته على الخلع فطلع على الرعايا بالعدل والامان وشمول العافية والاحسان وكف أيدى العدوان ورفع الناس والدولة في ظل ظليل ومرعى جميل كما نذكر ان شاء الله { الخبر عن انتقاض الامير أبى يحيى زكريا بالمهدية ودخوله في دولة أبى عنان ثم نزوله عنها إلى الطاعة وتصاريف ذلك } كان الحاجب أبو محمد عند رجوعه إلى الحضرة صرف عنايته إلى تحصين المهدية يعدها للدولة وزرا من حادث ما يتوقعه من المغرب وأهله فشيد من أسوارها وشحن بالاقوات والاسلحة مخازنها وكان أحمد بن خلف من أوليائه وذويه مستبدا عليه فأقام على ذلك حولا أو بعضه ثم ضجر الامير أبو يحيى زكريا من الاستبداد عليه واستنكف من حجره في سلطانه فوثب به أحمد بن خلف فقتله وبعث عن أبى العباس أحمد بن مكى صاحب جربة وقابس ليقيم له رسم الحجابة لما كان مناويا لابي محمد بن تافراكين كافله فوصل إليه وطيروا بالخبر إلى السلطان أبى عنان صاحب المغرب وبعثوا إليه ببيعتهم واستحثوه لصريخهم واضطراب أمرهم وسرح أبو محمد ابن تافراكين إليها العسكر فأجفلوا أمامه ولحق المولى أبو يحيى زكريا بقابس وولى عليها أبو محمد بن تافراكين محمد بن الحكجاك من قرابة ابن ثابت اصطنعه عندما وقعت الحادثة على طرابلس ولحق به فاستعمله على المهدية ولما وصل الخبر إلى أبى عنان بشأن

[ 373 ]

المهدية جهز إليها الاسطول وشحنه بالمقاتلة والرجال وعين الموالى والخاصة فألفوها وقد رجعت إلى ايالة الحضرة ووصل إليها ابن الحكجاك وأقام بها وحسن غناؤه فيها إلى أن كان من أمره ما نذكر وأقام الامير زكريا بقابس وأجلب به أبو العباس بن مكى على تونس ثم بعثوه بالزواودة ونزل على يعقوب بن على وأصهر إليه في ابنة أخيه سعيد فعقد له عليها ولما استولى أخوه أبو اسحق على بجاية استعمله على سدويكش والله تعالى أعلم * (الخبر عن استيلاء السلطان أبى اسحق على بجاية واعادة الدعوة الحفصية إليها) * لما رجع السلطان أبو عنان من قسنطينة إلى المغرب أراح بسبتة وسرح عساكره من العام المقبل إلى افريقية لنظر وزيره سليمان بن داود فسار في نواحى قسنطينة ومعه ميمون بن على بن احمد اديل به من يعقوب على قومه من الزواودة وعثمان بن يوسف ابن سليمان شيخ أولاد سباع منهم وحضر معهم يوسف بن مرى عامل الزاب اوعز إليه السلطان بذلك فدوخ الجهات وانتهى إلى آخر وطن بونة واقتضى المغارم ثم انكفأ راجعا إلى المغرب وهلك السلطان أبو عنان اثر قفوله سنة تسع وخمسين واضطرب المغرب ثم استقام على طاعة أخيه السلطان أبى سالم كما نذكره وكان أهل بجاية قد نقموا على عاملهم يحيى بن ميمون من بطانة السلطان أبى عنان سوء ملكته وشدة سطوته وعسفه فداخلوا أبا محمد بن تافراكين على البعد في التوثب به فجهز إليهم السلطان أبو اسحق ما يحتاج إليه من العساكر وتلقاهم يعقوب بن على وظاهرهم على امرهم وسار أخوه أبو دينار في جملتهم ولما أطلق على بجاية ثارت الغوغاء بيحيى بن ميمون العامل كان عليهم منذ عهد السلطان أبى عنان فألقى بيده وتقبض عليه وعلى من كان من قومه وأركبوا السفين إلى الحضرة وأودعهم أبو محمد بن تافراكين سجونه تحت كرامة وجراية إلى أن من عليهم من بعد ذلك وأطلقهم إلى المغرب ودخل السلطان أبو اسحق إلى بجاية سنة احدى وستين واستبد بها بعض الاستبداد وحاجبه وكافله أبو محمد يدبر أمره من الحضرة ثم استقدم ابنه ونصب لوزارة السلطان أبى محمد عبد الواحد بن محمد بن اكما قرى من مشيخة الموحدين فكان يقيم له رسم الحجابة وقام بأمر الرجل بالبلد من الفوغاء على بن صالح من زعانفة بجاية واوغادها التفت عليه الثوار والدعار واصبحت له بهم شوكة كان له بها تغلب على الدولة إلى أن كان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى والله اعلم * (الخبر عن فتح جربة ودخولها في دعوة السلطان ابى اسحق صاحب الحضرة) * هذه الجزيرة من جزر هذا البحر الذى هو قريب من قابس إلى الشرق عنها قليلا

[ 374 ]

طولها من المغرب إلى المشرق ستون ميلا وعرضها من ناحية الغرب عشرون ميلا ومن ناحية الشرق خمسة عشر ميلا وبين فرضتيها في ناحية الغرب ستون ميلا وشجرها التين والنخل والزيتون والعنب واختصت بالنسيج وعمل الصوف للباسهم فيتخذون منه الاكسية المعلمة للاشتمال وغير المعلمة للباس ويجلب منها إلى الاقطار فتنتقيه الناس للباسهم وأهلها من البربر من كتامة وفيهم إلى الآن سدويكش وصدغيان من بطونهم وفيهم أيضا من بعده وهوارة وسائر شعوب البربر وكانوا قديما على رأى الخوارج وبقى بها الآن فريقان منهم الوهبية وهم بالناحية الغربية ورياستهم لبنى سمرمن والنكارة وهم بالناحية الشرقية وجربة فاصلة بينهما والظهور والرياسة على الكل لبنى النجار من الانصار من جند مضر ولاه معاوية على طرابلس سنة ست وأربعين فقدم افريقية وفتح جربة سنة سبع بعدها وشهد الفتح حسين بن عبد الله الصنعانى ورجع إلى برقة فمات بها ولما تزل في ملكة المسلمين إلى أن دخل دين الخوارج إلى البربر فأخذوا به ولما كان شأن أبى زيد سنة احدى وثلاثين وثلثمائة فأخطوا بدعوته بعد أن دخلها عنوة وقتل مقدمها يومئذ ابن كلوس وصلبه ثم استردها المنصور بن اسمعيل وقتل أصحاب أبى زيد ولما غلبت العرب صنهاجة على الضواحى وصارت لهم أخذ أهل جربة في انشاء الاساطيل وغزوا الساحل ثم غزاهم على بن يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس سنة تسع وخمسمائة باساطيله إلى أن انقادوا وضمنوا قطع الفساد وصلح الحال ثم تغلب النصارى عليها سنة تسع وعشرين وخمسمائة عند تغلبهم على سواحل افريقية ثم ثار أهلها عليهم وأخرجوهم سنة ثمان وأربعين ثم غلبوا عليها ثانية وسبوا أهلها واستعملوا على الرعية وأهل العلم ثم عادت للمسلمين ولم تزل مترددة بين المسلمين والنصارى إلى أن غلب عليها أيام عبد المؤمن بن على واستقام أمرها إلى أن استبد أمراء بنى حفص بافريقية ثم افترق أمرهم بعد حين واستبد المولى أبو زكريا بن السلطان أبى اسحق بالناحية الغربية وشغل صاحب الحضرة بشأنه كما قدمناه فتغلب على هذه الجزيرة أهل صقلية سنة ثمان وثمانين وستمائة وبنوا بها حصن القشتيل مربع الشكل في كل ركن منه برج وبين كل ركنين برج ويجاوره حفير وسوران وأهم المسلمين شأنها ولم تزل عساكر الحضرة تتردد إليها كما تقدم إلى أن كان فتحها أيام السلطان أبى بكر على يد مخلوف بن الكماد من بطانته سنة ثمان وثلاثين واستضافها ابن مكى صاحب قابس إلى عمله فأضافها إليه وعقد له عليها فصارت من عمله سائر أيام السلطان ومن بعده واتصلت الفتنة بين أبى محمد بن تافراكين وبين ابن مكى وبعث الحاجب أبو محمد ابن تافراكين عن أبيه أبى عبد الله وكان في جملة السلطان ببجاية كما قلناه ولما وصل

[ 375 ]

إليه سرحه في العساكر لحصار جربة وكان أهلها قد نقموا على ابن مكى سيرته فيهم ودسوا إلى أبى محمد بن تافراكين بذلك فسرح إليه ابنه في العساكر سنة ثلاث وستين وكان أحمد بن مكى غائبا بطرابلس قد نزلها منذ ملكها من أيدى النصارى وجعلها دارا لامارته فنهض العسكر من الحضرة لنظر أبى عبد الله بن الحاجب أبى محمد ونزلوا في الاسطول فطلعوا بالجزيرة وضايقوا القشتيل بالحصار إلى ان غلبوا عليه وملكوه وأقاموا به الحضرة واستعمل عليه أبو عبد الله ابن تافراكين كاتبه محمد بن أبى القاسم بن أبى العيون كان من صنائع الدولة منذ العهد الاول وكانت لابيه قرابة من أبى عبد العزيز الحاجب ترقى بها إلى ولاية الاشغال بتونس مناهضا لابي القاسم بن طاهر الذى كان يتولاها يومئذ فكان رديفه عليها إلى ان هلك ابن طاهر فاستبد هو بها منذ أيام الحاجب أبى محمد واتصل ابنه محمد هذا بخدمة ابن الحاجب واختص بكاتبه إلى ان استعمله على جربة عند استيلائه عليها هذه السنة وانكفأ راجعا إلى الحضرة فلم يزل محمد بن أبى العيون واليا عليها ثم استبد بها على السلطان بعد مهلك الحاجب وقرار يده على السلطان إلى ان غلبه عليها السلطان أبو العباس سنة أربع وسبعين كما نذكره ان شاء الله * (الخبر عن دعوة الامراء من المغرب واستيلاء السلطان أبى العباس على قسنطينة) * لما هلك السلطان أبو عنان قام بأمره من بعده وزيره الحسن بن عمر ونصب ابنه محمد السعيد للامر كما نذكره في أخباره وكان يضطغن للامير أبى عبد الله صاحب بجاية فقبض عليه لاول أمره واعتقله حذرا من وثوبه على عمله فيما زعموا وكان السلطان أبو العباس بسبتة منذ أنزله السلطان أبو عنان بها ورتب عليه الحرس كما ذكرنا فلما انتزى على الملك المنصور بن سليمان من أعياص ملكهم ونازل البلد الجديد دار الملك ودخل في طاعته سائر الممالك والاعمال بعث في السلطان أبى العباس واستدعاه من سبتة فنهض إليه وانتهى في طريقه إلى طنجة ووافق في ذلك اجازة السلطان أبى سالم من الاندلس لطلب ملكه وكان أول ما استولى عليه من أعمال المغرب طنجة وسبتة فاتصل به السلطان أبو العباس وظاهره على أمره إلى أن نزع إليه قبيلة بنى مرين عن منصور بن سليمان المنتزى على ملكهم فاستوسق أمره واستثبت سلطانه ودخل فاس وسرح الامير أبا عبد الله من اعتقال الحسن بن عمر كما قدمناه ورعى للسلطان أبى العباس ذمة سوابقه القديمة والحادثة فرفع مجلسه وأسنى جرايته ووعده بالمظاهرة على امره

[ 376 ]

واستقروا جميعا إلى ايالته إلى أن كان من تغلب السلطان أبى سالم على تلمسان والمغرب الاوسط ما نذكره في أخبارهم واتصل به ثورة أهل بجاية بعاملهم يحيى بن ميمون ورجالات قبيلهم فامتعض لذلك وحين قفل إلى المغرب نفض يده من الاعمال الشرقية ونزل للسلطان أبى العباس عن قسنطينة دار امارته ومثوى عزه ومنبت ملكه فأوعز إلى عاملها منصور بن مخلوف بالنزول له عنها وسرحه إليها وسرح معه الامير أبا عبد الله ابن عمه لطلب حقه في بجاية والاجلاب على عمه السلطان عبد الحق جزاء بما نال من بنى مرين عند افتتاحها من المعرة وارتحلوا من تلمسان في جمادى من سنة احدى وستين واقتعد سرير ملكه منها وتباشرت بعودته مقاصر قصورها فكانت مبدأ سلطانه ومظهر السعادة ومطلعا لدولته على ما نذكر بعد وأما الامير أبو عبد الله صاحب بجاية فلحق بأول وطنها واجتمع إليه أولاد سباع أهل ضاحيتها وقفرها من الزواودة ثم زحف إليها فنازلها أياما وامتنعت عليه فرحل عنها إلى بنى ياورار واستخدم أولاد محمد بن يوسف والعزيز بين أهل ضاحيتها من سدويكش ثم نزعوا عنه إلى خدمة عمه ببجاية فخرج إلى القفر مع الزواودة إلى ان كان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن وصول الامير أبى يحيى زكريا من تونس وافتتاحه بونة واستيلائه عليها) * كان الامير أبو يحيى زكريا منذ بعثه أخوه أبو العباس إلى عمهما السلطان أبى اسحق صريخا لم يزل مقيما بتونس وبلغه استيلاء السلطان أبى عنان على قسنطينة وهو بتونس ثم لما كانت عودة مولانا أبى العباس من المغرب واستيلاؤه على قسنطينة فخشى الحاجب أبو محمد بن تافراكين بادرته وتوقع رجفه إليها وغلبه اياه على الامر ورأى أن يخفض جناحه في أخيه ويتوثق به فاعتقله بالقصبة تحت كرامه ورعى وبعث فيه السلطان أبو الحسن بعد مراوضة في السلم فأطلقه وانعقد بينهما السلم ولما وصل الامير أبو يحيى ابن أخيه بقسنطينة عقد له عن العساكر وأصاروها نجما لعمله واستمرت حالها على ذلك إلى أن كان من أمرها ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن استيلاء الامير أبى عبد الله على بجاية ثم على تدلس بعدها) * لما قدم السلطان أبو عبد الله من المغرب ونزل بجاية فامتنعت عليه خرج إلى أحياء العرب كما قدمناه ولزم صحابته أولاد يحيى بن على بن سباع بعد توالى الوفاد بها وأقام بين ظهرانيهم وفى حللهم ومتعهدا في طلب بجاية برحلة الشتاء والصيف نفقة عياله ومؤنة حشمه وأنزلوه بتلك المسيلة من أوطانهم وطالبوا له عن جبايتها وأقام على ذلك سنين خمسا ينازل بجاية في كل سنة منها مرارا وتحول في السنة الخامسة عنهم إلى أولاد

[ 377 ]

على بن أحمد ونزل على يعقوب بن على فأسكنه بمقره من بلاده إلى أن بدا لعمه المولى أبى اسحق رأيه في اللحاق بتونس لما توقع من مهلك صاحبه وكافله أبى محمد بن تافراكين أسره إليه بعض الجند فحذره مغبته ووقع من ذلك في نفوس أهل بجاية انحراف عنه وحرج أمره وراسلوا أميرهم الاقدم أبا عبد الله من مكانه بمقره وظاهره على ذلك يعقوب بن على وأخذله العهد على رجالات سدويكش أهل الضاحية وارتحلوا معه إلى بجاية ونازلها أياما ثم استيقن الغوغاء اعتزام سلطانهم على التقويض عنهم وسئموا ملكة على بن صالح الذى كان عريفا عليهم فثاروا به ونبذوا عهده وانفضوا من حوله إلى الامير أبى عبد الله بالحرسة من ساحة البلد ثم قاد إليه عمه أبا اسحق فمر عليه وخلى سبيله إلى حضرته فلحق بها واستولى أبو عبد الله على بجاية محل امارته في رمضان سنة خمس وستين وتقبض على على بن أبى صالح ومن معه من عرفاء الغوغاء أهل الفتنة فاستصفى أموالهم ثم امضى حكم الله في قتلهم ثم نهض إلى تدلس لشهرين من مملكة بجاية فغلب عليها عمر بن موسى عامل بنى عبد الواد ومن اعتاص قبلهم وتملكها في آخر سنة خمسين وبعث عنى من الاندلس وكنت مقيما بها نزيلا عند السلطان أبى عبد الله بن أبى الحاج بن الاحمر في سبيل اغتراب ومطاوعة تغلب منذ مملك السلطان أبى سالم الجاذب بضبعى إلى تقويمه والترقى في خطط كتابته من ترسيل وتوقيع ونظر في المظالم وغيرها فلما استدعاني هذا الامير أبو عبد الله بادرت إلى امتثاله ولو شاء ربك ما فعلوه ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير فاجزت البحر شهر جمادى من سنة ست وقلدنى حجابته ودفع إلى أمور مملكته وقمت في ذلك المقام المحمود إلى أن يأذن الله بانقراض أمره وانقطاع دولته ولله الخلق والامر وبيده تصاريف الامور * (الخبر عن مهلك الحاجب أبى محمد بن تافراكين واستبداد سلطانه من بعده) * كان السلطان أبو اسحق آخر دولته ببجاية قد تجبر ملك حاجبه المستبد عليه أبى محمد بن تافراكين لما كان أهل صنهاجة أهل التنجيم يحدثونه بذلك فأجمع الرحلة إليها وانفض عنه أهل بجاية إلى ابن أخيه كما قدمناه واستولى عليه ثم أطلقه إلى حضرته فلحق بها في رمضان سنة خمس وستين وتلقاه أبو محمد بن تافراكين ورآه مرثف الحد للاستبداد الذى ألفه ببجاية فكايله بصاع الوفاق وصارفه نقد المصانعة وازدلف بأنواع القربات وقاد إليه النجائب ومنحه الذخائر والاموال وتجافى له عن النظر في الجباية ثم أصهر إليه السلطان في كريمته فعقد له عليها وأعرس السلطان بها ثم كان مهلكه عقب ذلك فاتح ست وستين فوجم السلطان لنعيمه وشهد جنازته حتى وضع في لحده من المدرسة التى اختطها لقراءة العلم ازاء داره جوفى المدينة وقام على قبره باكيا وحاشيته يتناولون

[ 378 ]

التراب جثما على جدثه فقرن في الوفاء معه ما تحدث به الناس واستبد من بعده بأمره وأقام سلطانه لنفسه وكان أبو عبد الله الحاجب غائبا عن الحضرة وخرج منها بالعسكر للجباية والتمهيد فلما بلغه خبر مهلك أبيه داخلته الظنة وأوجس الخيفة فصرف العسكر إلى الحضرة وارتفع مع حكيم من بنى سليم وعرض نفسه على معاقل افريقية التى كان يظن أنها خالصة لهم فصده محمد بن أبى العيون كاتبه عن عزمه فحمد الحكيم صنيعه وطاف بهم على المهدية وبعث إليه السلطان بما رضيه من الامان فاستصحب بعد النفور وبادر إلى الحضرة فتلقاه السلطان بالبر والترحيب وقلده حجابته وأنزله على مراتب العز والشرف ونكر هو مباشرة السلطان للناس من رفعه للحجاب ولم يزل يريضه لما ألف من الاستبدا منذ عهد أبيه فأظلم الجو بينه وبين السلطان ودبت عقارب السعاية لمهاده الوثير فتنكر وخرج من تونس ولحق بقسنطينة ونزل بها على السلطان أبى العباس مرغبا له في ملك تونس ومستحثا فأنزله خير نزل ووعده بالنهوض معه إلى افريقية بعد الفراغ من أمر بجاية لما كان بينه وبين ابن عمه صاحبها من الفتنة كما نذكرها بعد واستبد السلطان أبو اسحق بعد مفر ابن تافراكين عنه ونظر في أعطاف ملكه وعقد على حجابته لاحمد بن ابراهيم المالقى مصطنع الحاجب أبى محمد من طبقة العمال وعلى العساكر والحرب لمولاه منصور سريحة والمعلوجى ورفع الحجاب بينه وبين رجال دولته وصنائع ملكه حتى باشر جبايات الخراج وعرفاء الحشم وأوصلهم إلى نفسه وألغى الوسايط بينهم وبينه إلى حين مهلكه كما نذكر ذلك ان شاء الله تعالى والله تعالى أعلم * (الخبر عن استيلاء السلطان أبى العباس على بجاية وملك صاحبها ابن عمه) * لما ملك الامير أبو عبد الله بجاية واستقل بامارتها تنكر للرعية وساءت سيرته فيهم بارهاف الحد للكافة واسخاط الخاصة فنغلت الصدور ومرضت القلوب واستحكمت النفرة وتوجهت الصاغية إلى ابن عمه السلطان ابى العباس بقسنطينة لما كان استفسد منه وأعلن بلذاته وأقوم على سلطانه وكانت بينهما فتنة وحروب جرتها المنافسة في تخوم العمالتين منذ عهد الآباء وكان السلطان أبو العباس أيام نزوله على السلطان أبى سالم محمود السيرة والخلال مستقيم الطريقة في مثوى اغترابه وربما كان ينقم على ابن عمه هذا بعض النزغات المعرضة لصاحبها للملامة فاستقل بصحبته وشغل بذلك ضميره فلما استولى على بجاية علا آلى الفتنة فتنبه وشمر عزائمه لها فكان مغلبا فيها واعتلق منه يعقوب بن على بذمه في المظاهرة على السلطان أبى العباس فلم يغن عنه وراجع يعقوب سلطانه ثم جهز هو العساكر من بجاية لمزاحمة تخوم قسنطينة وفيها مولانا

[ 379 ]

أبو العباس فنهض إليه ثانية بنفسه في العساكر وتراجع العرب من أولاد سباع بن يحيى وجمع هو أولاد محمد وزحف فيهم وفى عسكر من زناتة والتقى الفريقان بناحية سطيف فاختل مصاف أهل بجاية وانهزموا واتبعهم السلطان أبو العباس إلى تاكرارت وجال في عمله ووطئ نواحى وطنه وقفل إلى بلده ودخل الامير أبو عبد الله إلى بجاية وقد استحكمت النفرة بينه وبين أهل بلده فدسوا إلى السلطان أبى العباس بقسنطينة بالقدوم عليهم فوعدهم من العام القابل وزحف سنة سبع وستين في عساكره وشيعته من الزواودة أولاد محمد وانضوى إليه أولاد سباع بشيعة بجاية بالجوار والسابقة القديمة لما نكروا من أحوال سلطانهم وعسكر الامير أبو عبد الله بليزوا في جمع قليل من الاولياء واقام بها يرجو مدافعة ابن عمه بالصلح فبيته السلطان بمعسكره من ليزوا وصبحه في غارة شعواء فانفض جمعه واحيط به وانتهب المعسكر وفر إلى بجاية فأدرك في بعض الطريق وتقبض عليه وقتل قعصا بالرماح وأغذ السلطان أبو العباس السير إلى بجاية فأدرك بها صلاة الجمعة تاسع عشر شعبان من سنة سبع وستين وكنت بالبلد مقيما فخرجت في الملا وتلقاني بالمبرة والتنويه وأشار إلى بالاصطناع واستوسق له ملك جده الامير أبى زكريا الاوسط في الثغور النبوية وأقمت في خدمته بعض شهر ثم توخمت الحنقة في نفسي واذنته في الانطلاق فأذن لى تكرما وفضلا وسعة صدر ورحمة ونزلت على يعقوب بن على ثم تحولت عنه إلى بسكرة ونزلت على ابن موسى إلى أن صفا الجو واستقبلت من أمرى ما استدبرت واستأذنته لثلاث عشرة سنة من انطلاقي عنه في خبر طويل نقصه من شأني فأذن لى وقدمت عليه فقابلتني وجوه عنايته وأشرقت على أشعة نجعته كما نذكر ذلك من بعد ان شاء الله تعالى { الخبر عن زحف حمو وبنى عبد الواد إلى بجاية ونكبتهم عليها وفتح تدلس من أيديهم بعدها } كان الامير أبو عبد الله صاحب بجاية لما اشتدت الفتنة بينه وبين عمه السلطان أبى العباس مع ما كان بينه وبين بنى عبد الواد من الفتنة عند غلبه اياهم على تدلس يكابد حمل العداوة من الجانبين وصغا إلى مهادنة بنى عبد الواد فنزل لهم عن تدلس وأمكن منها قائد العسكر المحاصر لها وأوفد رسله على سلطانهم أبى حمو بتلمسان وأصهر إليه أبو حمو في ابنته فعقد له عليها وزفها إليه بجهاز أمثالها فلما غلبه السلطان أبو العباس على بجاية وهلك في مجال حربه أشاع أبو حمو الامتعاض له لمكان الصهر وجعلها ذريعة إلى الحركة على بجاية وزحف من تلمسان يجر الشوك والمدر في آلاف من قومه وطبقات العساكر والجند وتراجع العرب حتى انتهى إلى وطن حمزة فأجفل أمامه أبو الليل

[ 380 ]

موسى بن زغلى في قومه بنى يزيد وتحصنوا في جبال زواوة المطلة على وطن حمزة وبعث إليه رسله لاقتضاء طاعته فاوثقهم كتافا وكان فيهم يحيى حافد أبى محمد صالح نزع عن السلطان أبى العباس إلى أبى حمو وكان عينا على غزاة أبى الليل هذا لما بينهما من الولاء والجوار والوطن وجاء في وفد الوفادة عن أبى حمو فتقبض عليهم وعليه فقتله وبعث برأسه إلى بجاية وامتنع على أبى حمو وعساكره فأجلبوا إلى بجاية ونزل معسكره بساحتها وقاتلها أياما وجمع الفعلة على الآلات في الحصار وكان السلطان أبو العباس بالبلد وعسكره مع مولاه بشير بتكرارت ومعهم أبو زيان بن عثمان بن عبد الرحمن وهو عم أبى حمو من أعياص بيتهم وكان من خبره أنه كان خرج من المغرب كما نذكره في أخباره ونزل على السلطان أبى اسحق بالحضرة ورعى له أبو محمد الحاجب حق بعثه فأوسع في كرامته ولما غلب الامير أبو عبد الله على تدلس بعث إليه من تونس ليوليه عليها وتكون ردأ بينه وبين حمو ويتفرغ هو للاجلاب على وطن قسنطينة فبادر إلى الاجابة وخرج من تونس ومر السلطان أبو العباس بمكانه من قسنطينة فصدر على سبيله واعتقاله عنده مكرما فلما غلب على بجاية وبلغه الخبر بزحف أبى حمو أطلقه من اعتقاله ذلك واستبلغ في تكرمته وحبائه ونصبه للملك وجهز له بعض الآلة وخرج في معسكره مولاه بشير ليجأجئ به بنى عبد الواد عن ابن عمه أبى حمو لما سئموا من ملكه وعنفه وكان زغبة عرب المغرب الاوسط في معسكره أبى حمو وكان على حذر من مغبة أمره معهم فراسلوا أبا زيان وائتمروا بينهم في الارجاف بالمعسكر ثم تحينوا لذلك ان شب الحرب بين أهل البلد وأهل المعسكر فأجفلوا خامس ذى الحجة وانفض بالمعسكر وانتحوا إلى مضايق الطرقات بساح البلد فكظت بزحامهم وتراكموا عليها فهلك الكثير منهم وخلفوا من الاثقال والعيال والسلاح والكراع مالا يحيط به الوصف وأسلم أبو حمو عياله وأمواله فصارت نهبا واجتلبت حظاياه إلى السلطان فوهبها لابن عمه ونجا أبو حمو بنفسه بعد أن طاح في كظيظ الزحام فؤاده فنزل له وزيره عمران بن موسى عن مركوبه فكان نجاؤه عليه ونزل بالجزائر ولحق بمنها بتلمسان واتبع أبو زيان اثره واضطرب المغرب الاوسط كما نذكره في اخباره وخرج السلطان أبو العباس من بجاية على اثر هذه الواقعة فنازل تدلس وافتتحها وغلب عليها من كان بها من عمال بنى عبد الواد وانتظمت الثغور الغربية كلها في ملكه كما كانت في ملك جده الامير ابى زكريا الاوسط حين قسم الدعوة الحفصية بها إلى ان كان ما نذكره بعده ان شاء الله تعالى * (الخبر عن زحف العساكر إلى تونس) *

[ 381 ]

كان أبو عبد الله بن الحاجب ابى محمد بن تافراكين لما نزع عن السلطان ابى اسحق صاحب الحضرة لحق بحلل أولاد مهلهل من العرب ووفدوا جميعا على السلطان أبى العباس فاتح سنة سبع وستين يستحثونه إلى الحضرة ويرغبونه في ملكها فاعتذر لهم لما كان عليه من الفتنة مع ابن عمه صاحب بجاية وزحف إليها في حركة الفتح وصاروا في جملته فلما استكمل فتح بجاية سرح معهم أخاه المولى أبا يحيى زكريا في العساكر فساروا معه إلى الحضرة وابن تافراكين في جملته فنازلوها أياما وامتنعت عليهم وأقلعوا على سلم ومهادنة انعقدت بين صاحب الحضرة وبينهم وقفل المولى أبو يحيى بعسكره إلى مكان عمله ولحق ابن تافراكين بالسلطان فلم يزل في جملته إلى أن كان من فتح تونس ما نذكره والله تعالى أعلم * (الخبر عن مهلك السلطان أبى اسحق صاحب الحضرة وولاية ابنه خالد من بعده) * لما نزل السلطان أبو اسحق بالحضرة على ما ذكرناه وتخلف عن المهادنة مع السلطان أبى العباس طورا بطور واستخلص لدولتهم منصور بن حمزة أمير بنى كعب يستظهر به على أمره ويستدفع برأيه وشوكته فخلص له سائر أيامه وعقد سنة تسع وستين لابنه خالد على عسكر لنظر محمد بن رافع من طبقات الجنود من مغراوة مستبدا على ابنه وسرحه مع منصور بن حمزة وقومه وأوعز إليهم بتدويخ ضواحي بونة واكتساح نعمها وجباية ضواحيها فساروا إليها وسرح الامير أبو يحيى زكريا صاحب بونة عسكره مع أهل الضاحية فأغنوا في مدافعتهم وانقلبوا على أعقابهم فكان آخر العهد بظهورهم ولما رجعوا إلى الحضرة تنكر السلطان لمحمد بن رافع قائد العسكر فخرج من الحضرة ولحق معاوية بمكانهم من لحقه من أعمال تونس واستقدمه السلطان بعد أن استعتب له فلما قدم تقبض عليه وأودعه السجن وعلى اثر ذلك كان مهلك السلطان ليلة من سنة سبعين بعد أن قضى وطرا من محادثة السمر وغلبه النوم آخر ليله فنام ولما أيقظه الخادم وجده ميتا فاستحال السرور وعظم الاسف وغلب على البطانة الدهش ثم راجعوا بصائرهم ورفعوا الدهش عن أنفسهم وتلافوا أمرهم بالبيعة لابنه الامير أبى البقاء خالد فأخذها له على الناس مولاه منصور سريحة من المعلوجين وحاجبه أحمد ابن ابراهيم اليالقى على هذا الامير المنصوب للامر فلم يكن له تحكم عليها وكان أول ما افتتحا به امرهما ان تقبضا على القاضى محمد بن خلف الله من طبقة الفقهاء كان نزع إلى السلطان من بلده نفطة مغاضبا لمقدمها عبد الله بن على بن الخلف فرعى له نزوعه إليه واستعمله بخطة القضاء بتونس عند مهلك أبى على عمر بن عبد الرفيع ثم ولاه قود العساكر إلى بلاد الجريد وحربهم فكان له منها عناء واستدفعوه مرات بجبايتهم يبعثون

[ 382 ]

بها إلى السلطان ومرات بمصانعة العرب على الارجاف بمعسكره وكان ابن اليالقى بغص بمكانه عند السلطان فلما اشتد على ابنه أعظم فيه السعاية وتقبض عليه وأودعه السجن مع محمد بن على بن رافع ثم بعث عليهما من داخلهما في الفرار من الاعتقال حتى دبروه معه وظهر على أمرهما فقتلهما في محبسهما خنقا والله متولى الجزاء منه وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ثم أظهر ابن اليالقى من سوء سيرته في الناس وجوره عليهم وعسفه بهم وانتزاع أموالهم واهانة سبال الاشراف منهم ما نقموه وضرعوا إلى الله في انقاذهم من ملكته فكان ذلك على يد مولانا السلطان أبى العباس كما نذكر ان شاء الله تعالى { الخبر عن فتح تونس واستيلاء السلطان عليها واستبداده بالدعوة الحفصية في سائر عمالات افريقية وممالكها } لما هلك السلطان أبو اسحق صاحب الحضرة سنة سبعين كما قدمنا وقام بالامر مولاه منصور سريحة وصاحبه اليالقى ونصبوا ابنه الامير خالدا للامر صبيا لم يناهز الحلم غرا فلم يحسنوا تدبير أمره ولا سياسة سلطانه واستخلصوا لوقتهم منصور بن حمزة أمير بنى كعب المتغلبين على الضاحية ثم أطمعوه بسوء تدبيرهم في شركته لهم في الامر ثم قلبوا له ظهر المجن فسخطهم ولحق بالسلطان أبى العباس وهو مطل عليهم برقبة من الثغور الغربية مستجمع للتوثب بهم فاستحثه لملكهم وحرضه على تلافى أمرهم ورم ما تثلم من سياج دولتهم وكان الاحق بالامر لشرف نفسه وجلالته واستفحال ملكه وسلطانه وشياع الحديث على عدله ورفعته وجميل سيرته ولما أن أهل مملكته نظروا لعقب نظره فيهم واستبداد سواه عليهم فأجاب صريخه وشمر للنهوض عزمه وكان أهل قسنطينة قد بعثوا بمثل ذلك فسرح إليهم أبا عبد الله بن الحاجب أبى محمد بن تافراكين لاستخبار طاعتهم وابتلاء دخلتهم فسار إليهم واقتضى سمعهم وطاعتهم وسارع إليها يحيى ابن يملول مقدم توزر والخلف بن الخلف مقدم نفطة فآتوها طواعية وانقلب عنهم وقد أخذوا بدعوة السلطان وأقاموها في أمصارهم ثم خرج السلطان من بجاية في العساكر وأغذ السير إلى المسيلة وكان بها ابراهيم ابن الامير أبى زكريا الاخير فأجابه أولاد سليمان بن على من الزواودة من مثوى اغترابه بتلمسان ونصبوه لطلب حقه في بجاية من بعد أخيه الامير أبى عبد الله وكان ذلك بمداخلة من أبى حمو صاحب تلمسان ومواعيد بالمظاهرة مختلفة فلما انتهى السلطان إلى المسيلة نبذوا إلى ابراهيم عهده وتبرؤا منه ورجعوا من حيث جاؤا وانكفأ السلطان راجعا إلى بجاية ثم نهض منها إلى الحضرة وتلقته وفود افريقية جميعا بالطاعة وانتهى إلى البلد فخيم بساحتها

[ 383 ]

أياما يغاديها القتال ويراوحها ثم كشف عن مصدوقته وزحف إلى أسوارها وقد ترجل أخوه والكثير من بطانته وأوليائه فلم يقم لهم حتى تسنموا الاسوار برياض رأس الطابية فنزل عنها المقاتلة وفروا إلى داخل البلد وخامر الناس الدهش وتبرأ بعضهم من بعض وأهل الدولة في مركبهم وقوف بباب الغدر من أبو اب القصبة فلما رأوا أنهم أحيط بهم ولوا الاعقاب وقصدوا باب الجزيرة فكبروا قباله وثار أهل البلد جميعا بهم فحاصروا بساحتهم من البلد بعد عصب الريق ومضى الجند في اتباعهم فأدرك أحمد بن البالقى فقتل وسيق رأسه إلى السلطان وتقبض على الامير خالد واعتقل ونجا العلج منصور سريحة برأس طمرة وخام وذهل عن القتال دون الاحبة ودخل السلطان القصر واقتعد أريكته وانطلقت أيدى العيث في ديار أهل الدولة فاكتسحت ما كان الناس يضطغنون عليهم تحاملهم على الرعية واغتصاب أموالهم واضطرمت نار العيث في دورهم ومخلفهم فلم تكد أن تنطفئ ولحق بعض أهل العافية معرات من ذلك لعموم النهب وشموله حتى أطفأه الله ببركات السلطان وجميل نيته وسعادة أمره ولاذ الناس منه بالملك الرحيم والسلطان العادل وتهافتوا عليه تهافت الفراش على الذبال يلثمون أطرافه ويجدون بالدعاء له ويتنافسون في انتفاس مجيده إلى أن غشيهم الليل ودخل السلطان قصوره وخلا بما ظفر من ملك آبائه وبعث بالامير خالد في الاسطول إلى قسنطينة فعصفت به الريح وانخرقت السفينة وترادفت الامواج إلى أن هلك واستبد السلطان بأمره وعقد لاخيه الامير أبى يحيى على حجابته ورعى لابن تافراكين حق انحياشه إليه ونزوعه فجعله رديفا لاخيه واستمر الامر على ذلك إلى أن كان من أمره ما نذكر ان شاء الله تعالى { الخبر عن انتقاض منصور بن حمزة واجلابه بالعم أبى يحيى زكريا على الحضرة وما كان عقب ذلك من نكبة ابن تافراكين } كان منصور بن حمزة هذا أمير البلد من بنى سليم بما كان بنى كعب وكان السلطان أبو يحيى يؤثره بمزيد العناية ويجعل له على قومه المزية وكان بنو حمزة هؤلاء منذ غلبوا على السلطان أبى الحسن على افريقية وأزعجوه منها قد استطالت أيديهم عليها وتقسموها أوزاعا وأقطعهم أمراء الحضرة السهمان في جبايتها زيادة لما غلبوا عليه من ضواحيها وأمصارها استئلافا لهم على المصاهرة واقامة الدعوة والحماية من أهل الثغور الغريبة فملكوا الاكثر منها وضعف سهمان السلطان بينهم فيها فلما استولى هذا السلطان أبو العباس على الحضرة واستبد بالدعوة الحفصية كبح أعنتهم عن التغلب والاستبداد وانتزع ما بأيديهم من الامصار والعمالات التى كانت من قبل

[ 384 ]

خالصة السلطان وبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبونه فاحفظهم ذلك وأهمهم شأنه وتنكر منصور بن حمزة وقلب ظهر المجن ونزع يده من الطاعة وغمسها في الخلاف وتابعه على خروجه على السلطان أبو معنونة أحمد بن محمد بن عبد الله بن مسكين شيخ حكيم وارتحل باحيائه إلى الزواودة صريخا مستجيشا بالامير أبى يحيى بن السلطان أبى بكر القيم بين ظهرانيهم من لدن قفلته من المهدية وانتزائه بها على أخيه المولى أبى اسحق كما ذكرناه فنصب للامر وبايعوه وارتحل معهم وأغذوا السير إلى تونس ولقيهم منصور بن حمزة في احياء بيته فبايعوا له وأوفدوا مشيختهم على يحيى بن علول شيطى الغواية المراد على الخلاف يستحثونه للطاعة والمدد بمداخلة كانت بينهم في ذلك سول لهم فيها بالمواعيد وأملى لهم حتى إذا غمسوا أيديهم في النفاق والاختلاف سوفهم عن مواعيد حمايته بماله فأسرها منصور في نفسه واعتزم من يومئذ على الرجوع إلى الطاعة ثم رحلوا للاجلاب على الحضرة وسرح السلطان أبو العباس أخاه الامير أبا يحيى زكريا للقيهم في العساكر وتزاحفوا فأثيح لمنصور وقومه ظهور على عساكر السلطان وأوليائه ثم يستكمله وأجلبوا على البلاد أياما ونمى إلى السلطان أن حاجبه ابا عبد الله بن تافراكين داخلهم في تبييت البلد فتقبض عليه وأشخصه في البحر إلى قسنطينة فلم يزل بها معتقلا إلى أن هلك سنة ثمان وسبعين ثم سرب السلطان أمواله في العرب فانتقض على المنصور قومه وخشى معه حاله وسوغه السلطان جائزته فعاود الطاعة ورهن ابنه ونبد إلى السلطان زكريا العم عهده ورجعه على عقبه إلى الزواودة والتزم طاعة السلطان والاستقامة على المظاهرة إلى أن هلك سنة ست وسبعين قتله محمد بن أخيه قتيبة في مشاجرة كانت بينهما طعنه بها فاشواه ورجع جريحا إلى بيته وهلك دونها أواخر يومه وقام بأمر بنى كعب بعده صولة بن أخيه خالد وعقد له مولانا السلطان على أمرهم واستمرت الحال إلى أن كان من أمره ما نذكر ان شاء الله تعالى * (الخبر عن فتح سوسة والمهدية) * كانت سوسة منذ واقعة بنى مرين بالقيروان تغلب العرب على العمالات فأقطعها السلطان أبو الحسن لخليفة بن عبد الله بن مسكين فيما سوغ للعرب من الامصار والاقطاعات مما لم يكن لهم فاستولى عليها خليفة هذا ونزلها واستقل بجبايتها وأحكامها واستبد بها على السلطان ولم يزل كذلك إلى أن هلك وقام بأمره في قومه عامر بن عمه محمد ابن مسكين أيام استبداد أبى محمد بن تافراكين فسوغها له كذلك مفضلا مرهبا من قتله ثم قتله بنو كعب وأقام بأمر حكيم من بعده أحمد الملقب أبو صعنونة بن محمد أخى خليفة بن عبد الله بن مسكين فاستبد بسوسة على السلطان واقتعدها دار امارته وربما

[ 385 ]

كان ينتقض على صاحب الحضرة فيجلب عليها من سوسة ويشن الغارات في نواحيها حتى لقد أوقع في بعض أيامه بمنصور سريحة مولى السلطان أبى اسحق وقائد عسكره فتقبض عليه واعتقله بسوسة أياما ثم من عليه وأطلقه وعاود الطاعة معه ولم يزل هذا دأبهم وكانت لهم في الرعايا آثار قبيحة وملكات سيئة ولم يزالوا يضرعون إلى الله في انقاذهم من أيدى جورهم وعسفهم إلى أن تأذن الله لاهل افريقية وهبت ريح العز على المغرب في جميع النواحى فتنكر أهل سوسة لعاملهم أبى صعنونة هذا وأحس بتنكراتهم فخرج عنهم وتجافى للسلطان على البلد وثارت عامتها بعماله وجهضوهم ونزل عمال السلطان بها ثم كانت من بعد ذلك حركة المولى أبى يحيى إلى نواحى طرابلس ودوخ جهاتها واستوفى جباية أعمالها وكان بالمهدية محمد بن الجكجاك استعمله عليها الحاجب أبو محمد بن تافراكين أيام ارتجاعه اياها من أيدى أبى العباس بن مكى والامير أبى يحيى زكريا المنتزى بها ابن مولانا السلطان أبى بكر كما مر وأقام ابن الجكجاك أميرا عليها بعد موت الحاجب فلما وخزته شوكة الاستطالة من الدولة وطلع نحوه قتام العساكر فرق من الاستيلاء عليه وركب أسطوله إلى طرابلس ونزل على صاحبها أبى بكر بن ثابت لذمة صهر قديم كان بينهما وبادر مولانا السلطان إلى تسليم المهدية وبعث عليها عماله وانتظمت في ملكيته واطردت أحوال الظهور والنحج وكان بعد ذلك ما نذكر ان شاء الله تعالى * (الخبر عن فتح جربة وانتظامها في ملك السلطان) * كان محمد بن أبى القاسم بن أبى العيون منذ ولاه أبو عبد الله محمد بن تافراكين على هذه الجزيرة قد تقبل مذاهب جيرانها من أهل قابس وطرابلس وسائر الجريد في الامتناع على السلطان ومصارفة الاستبداد وانتحاله مذاهب الامارة وطرقها ولبوس شؤنها وقد ذكرنا سلفه من قبل وان والده كان صاحب الاشغال بالحضرة أيام الحاجب أبى محمد تافراكين وانه اعتلق بكتابة ابنه أبى عبد الله مولاه على جربة عند افتتاحه اياها سنة وانه قصده عند مفره عن المولى أبى اسحق لينزل جربة معولا على قديم اصطناعه اياه قمنعه ثم داخل شيوخ الجزيرة من بنى في الامتناع على السلطان والاستبداد بأمرهم فأجابوه وأقام ممتنعا سائر دولة مولانا السلطان وابنه من بعده ولما استولى مولانا السلطان أبو العباس على تونس داخله الروع والوحشة وصار إلى مكاثرة رؤساء الجريد في التظافر على المدافعة بزعمهم فأجرى في ذلك شأوا بعيدا مع تخلفه في مضماره بقديمه وحديثه وصارف السلطان سوء الامتثال واتيان الطاعة ومنع الخيانة فاحفظ ذلك ولما افتتح أمصار الساحل

[ 386 ]

وثغوره سرح ابنه الامير أبا بكر في العساكر إلى جربة ومعه خالصة الدولة محمد بن على ابن ابرهيم من ولد أبى هلال شيخ الموحدين وصاحب بجاية لعهد المستنصر وقد تقدم ذكره وأمده في الاسطول في البحر لحصارها ونزل الامير بعسكره على مجازها ووصل الاسطول إلى حراسها فأطاف بحصن القشتيل وقد لاذ ابن أبى العيون بجدرانه وافترق عنه شيوخ الجزيرة من البربر وانحاش معه بطانته من الجند المستخدمين معه بها ولما رأوا ما لا طاقة لهم به وان عساكر السلطان قد أحاطت بهم برا وبحرا نزلوا إلى الاسطول واستولوا على داره وولوا على الجزيرة وارتحلوا قافلين إلى السلطان ووصل محمد بن أبى العيون إلى الحضرة ونزل بالديوان فأركب القصبة على جمل وطيف به على أسواق البلد اظهار العقوبة الله النازلة به وأحضره السلطان فوبخه على مرتكبه في العناد ومداخلته أهل الغواية من امراء الجريد في الانحراف عنه ثم تجافى عن دمه وأودعه السجن إلى أن هلك سنة تسع وسبعين * (الخبر عن استقلال الامراء من الابناء بولاية الثغور الغربية) * كان السلطان عندما استجمع الرحلة إلى افريقية باستحثاث أهلها لذلك ووفادة منصور ابن حمزة شيخ الكعوب مرغبا فيها أهمه لذلك شأن الثغور الغربية وأحال اختياره في بنيه بسبر أحوالهم ويعيش على الاكفاء لهذه الثغور منهم فوقع نظره أولا على كبير ولده المخصوص بعناية الله في القاء محبته عليه الامير أبى عبد الله فعقد له على بجاية وأعمالها وأنزله بقصور الملك منها وأطلق يده في مال الجباية وديوان الجند واستعمل على قسنطينة وضواحيها مولاه القائد بشير سيف دولته وعنان حربه وناشئ قصده وتلاد مرباه وكانت لهذا الرجل نخوة من الصرامة والبأس ودالة بالقديم والحادث وخلال لقيها أيام التغلب في أواوين الملك وكان ملازما ركاب مولاه في مطراح اعتزامه وأيام تمحيصه وربما لقى عند الورود على قسنطينة من المحنة والاعتقال الطويل ما أعاضه الله عنه بجميل السرور وعود العز والملك إلى مولاه على أحسن الاحوال فظفر من ذلك بالبغية وحصل من الرتبة على الامنية وكان السلطان يثق بنظره في العسكر ويبعثه في مقدمة الحروب وكان عند استيلائه على بجاية وصرف العناية إليها ولاه أمر قسنطينة وأنزله بها وأنزل معه ابنه الامير أبا اسحق وجعل إليه كفالته لصغره ثم استنفره بالعساكر عند النهوض إلى افريقية فنهض في جملته وشهد معه الفتح ثم رجعه إلى عمله بقسنطينة بمزيد التفويض والاستقلال فلم يزل قائما بما دفع إليه من ذلك إلى أن هلك وكان السلطان قد أوفد ابنه أبا اسحق على ملك بن مقرب والسلطان عبد العزيز عندما استولى على تلمسان مهنئا بالظفر ملقحا غراس

[ 387 ]

الود وأنفذ معه شيخ الموحدين ساسة أبا اسحق بن أبى هلال وقد مر من قبل ذكر أخيه فتلقاهما ملك بن مقرب بوجوه المبرة والاحتفاء ورجعهما بالحديث الجميل عنه سنة ثلاث وسبعين ونزل الامير أبو اسحق بقسنطينة دار امارته وعقد له السلطان عليها وألقاب الملك ورسومه مصروفة إليه والقائد بشير مولى أبيه مستبد عليه لمكان صغره إلى أن هلك بشير سنة ثمان وسبعين عندما استكمل الامير أبو اسحق الحال واستجمع الامارة فجدد له السلطان عهده عليها وفوض إليه في امارتها فقام بما دفع إليه من ذلك أحسن قيام وأحواله تصدق الظنون وتومى إليه وشهادة المخاليل التى دلت عليه فاستقل هذان الاميران بعهد بجاية وقسنطينة وأعمالها مفوضا اليهما الامارة مأذونا لهما في اتخاذ الآلة واقامة الرسوم الملوكية والشارة وكان الامير أبو يحيى زكريا الاخ الكريم مستقلا أيضا ببونة وعملها منذ استيلائه عليها سنة قد أضافها السلطان وأصارها في سهمانه فلما ارتحلوا إلى افريقية عام الفتح وتيقن الاخ أبو يحيى طول مغيبه واغتباط السلطان أخاه لكونه معه عقد عليها لابنه الامير أبى عبد الله محمد وأنزله بقصره منها وفوض إليه في امارته لما استجمع من خلال التشريع والذكر الصالح في الدين واستمر الحال على ذلك لهذا العهد وهو سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة والله مدبر الامور سبحانه * (الخبر عن فتح قفصة وتوزر وانتظام أعمال قسنطينة في طاعة السلطان) * كان أمر هذا الجريد قد صار شورى بين رؤساء أمصاره فيما قبل دولة السلطان أبى بكر لاعتقال الدولة حينئذ بانقسامها كما مر فلما استبد السلطان أبو بكر بالدعوة الحفصية وفرغ عن الشواغل صرف إليهم نظره وأوطأهم عساكره ثم نهض بنفسه فجاء اثر الشورى منها وعقد لابنه أبى العباس عليها كما قلناه فلما كان بعد مهلكه من اضطراب افريقية وتغلب الاعراب على نواحيها ما كان منذ هزيمة السلطان أبى الحسن وتنازع رؤسائهم بعد أن كانوا سوقة في انتحال مذاهب الملك ومساربه يقتعدون الارائك ويتفقدون في المشى بين السكك المراكب ويهيئون في ايوانهم سبال الاشراف ويتخذون الآلة أيام المشاهد آية للمعتبرين في تقلب الايام وأضحوا كاهل الشامات حتى لقد حدثتهم أنفسهم بالقاب الخلافة وأقاموا على ذلك أحوالا والدولة في التياتها فلما استبد السلطان أبو العباس بافريقية وعمالاتها وأتيح منه بالحضرة البازى المطل من مرقبه والاسد الخادر في عرينه وأصحاب الخلاف والنفاق يفتلون بذلك في عزائمه وأرخى هو لهم حبل الامهال وفسح لهم مجال الايناس بالمعاونة والوعد رجاء الفيئة إلى الطاعة المعروفة والاستقامة على الجادة فأصروا وازدادوا عنادا ونفاقا فشمر لهم عن

[ 388 ]

عزائمه ونبذ إليهم عهدهم على سواء ونهض من الحضرة سنة سبع وسبعين في عساكره من الموحدين وطبقات الجند والموالي وقبائل زناتة من استألف إليه من العرب أولاد مهلهل وحكيم وأصهار أولاد أبى الليل على المدافعة عن أهل الجريد ووافقوا السلطان أياما ثم أجفلوا أمامه وغلبهم السلطان على رعاياهم من تحيزه وكانوا من بقايا بنى يفرن عمروا ضواحي افريقية مع ظواعن هوارة ونفوسة ومغراوة وكان للسلطان عليهم مغارم وجبايات وافرة فلما تغلب المغرب على بسائط افريقية وتنافسوا في الاقطاعات كانت ظواعن من تحيز هؤلاء في اقطاع أولاد حمزة فكانت جبايتهم بهم موفورة ومالهم داثرا بما صاروا مددا لهم بالمال والكراع والدروع والادم وبالفرسان منهم يستظهرون بهم في حروبهم مع السلطان ومع قومهم فاستولى السلطان عليهم في هذه السنة واكتسح أموالهم وبعث رجالهم اسرى إلى سجون الحضرة وقطع بها عنهم أعظم مادة كانت تمدهم فخمد ذلك من عتوهم وقص من جناحهم إلى آخر الدهر ووهنوا له ثم عاد السلطان إلى حضرته وافترق أشياعه ونزع عنهم أبو صعنونة فتألف على أولاد أبى الليل وزحفوا إلى الحضرة فاحتلوا بساحتها اياما وشنوا الغارات عليها ثم انفضوا عنها وخرج على اثرهم لاول فصل الشتاء وتساحل إلى سوسة والمهدية فاقتضى مغارم الاوطان التى كانت لابي صعنونة ثم رجع إلى القيروان وارتحل منها يريد قفصة وجمع أولاد أبى الليل للمدافعة عنها وسرب فيهم صاحب توزر الاموال فلم تغن عنه وزحف السلطان إلى قفصة فنازلها ثلاثا ولجوا في عصيانهم وقاتلوه بجمع الايدى على قطع نخيلهم وتسايلت إليه الرعية من أماكنهم وأسلموا أحمد بن القائد مقدمهم وابنه محمد المستبد عليه لكبره ودخوله فخرج إلى السلطان واشترط له ما شاء من الطاعة والخراج ورجع إلى البلد وقد ماج أهلها بعضهم في بعض وهموا بالخروج فسابقهم ابنه أحمد المستبد على ابيه وكان السلطان سرح أخاه أبا يحيى في الخاصة والاولياء إلى البلد فلقيه محمد بنواحي ساحتها فبعث به إلى السلطان ودخل هو إلى القصبة وتملك البلد وتقبض السلطان على محمد بن القائد لوقته وسيق إليه أبوه أحمد من البلد فجعل معه واستولى على داره وذخائره واجتمع المدد والكافة من أهل البلد عند السلطان وآتوه بيعتهم وعقد عليها لابنه أبى بكر وارتحل بعد السير إلى توزر وقد سار الخبر بفتح قفصة إلى ابن يملول فركب لحينه واحتمل أهله وما خف من ذخائره ولحق بالزاب وطير أهل توزر بالخبر إلى السلطان فلقيه أثناء طريقه وتقدم إلى البلد فملكها واستولى على ذخيرتها ابن يملول ونزع بقصوره فوجد بها من الماعون والمتاع والسلاح وآنية الذهب والفضة ما لا يعد لاعظم ملك من ملوك الارض وأحضر بعض الناس

[ 389 ]

ودائع كانت لهم عنده من نفيس الجواهر والحلى والثياب وبرؤا منها إلى السلطان وعقد السلطان على توزر لابنه المنتصر وأنزله قصور ابن يملول وجعل إليه امارتها واستقدم السلطان الخلف بن الخلف صاحب نفطة فقدم عليه وآتاه طاعته وعقد له على بلده ولاية حجابة ابنه بتوزر وأنزله معه وقفل إلى حضرته وقد كان أهل الخلاف من العرب عند تغلبه على أمصار الجريد إلى التلول فلما قصد حضرته اعترضوه دونها فأوقع بهم وفل من عزمهم وأجفلوا إلى الجهات الغربية يؤملون منها ظفرا لما كان ابن يملول قد جأجأ بهم إلى خدمة صاحب تلمسان والاستجاشة به فوفد عليه بتلمسان منصور بن خالد منهم ونصر ابن عمه منصور صريخين به على عادة صريخهم بابى تاشفين سلفه فدافعهم بالمواعدة وتبينوا منها عجزه وأنكفوا راجعين ووفد صولة على السلطان بعد أن توثق لنفسه فاشترط له على قومه ما شاء ورجع إليهم فلم يرضوا بشرطه ونهض السلطان من الحضرة في العساكر والاولياء من العرب وأجفلوا أمامهم فأتبعهم وأوقع بهم ثلاث مرات وافقوه فيها ثم أجفلوا ولحقوا بالقيروان وقدم وفدهم على السلطان والاشتراط له كما يشاء فتقبل ووسعهم عفوه وصاروا إلى الانقياد والاعتمال في مذاهب السلطان ومرضاته وهم على ذلك لهذا العهد * (الخبر عن ثورة أهل قفصة ومهلك ابن الخلف) * لما استقل الخلف بن على بن الخلف بحجابة المنتصر ابن السلطان وعقد له مع ذلك على عمله بنفطة فاستخلف عليها عامله ونزل بتوزر مع المنتصر ثم سعى به أنه يداخل ابن يملول ويراسله فبث عليه العيون والارصاد وعثر على كتابه بخط كاتبه المعروف إلى ابن يملول والى يعقوب بن على أمير الزواودة يحرضهما على الفتنة فتقبض عليه وأودعه السجن وبعث عماله إلى نفطة واستولى على أمواله وذخائره وخاطب أبا ه في شأنه فأمهله بعد أن تبين نقضه الطاعة وسعيه في الخلاف وكان السلطان قبل فتح نفطة قد نزع إليه من بيوتاتها أحمد بن أبى يريد وسار في ركابه إليها فلما استولى على البلد رعى له ذمة نزوعه إليه وأوصى به ابنه أبا بكر فاستولى على مشورته وحله وعقده وطوى على البيت ثم حدثته نفسه بالاستبداد وتحين له المواقيت واتفق أن سار الامير أبو بكر من نفطة لزيارة أخيه المنتصر بتوزر وخلف بالبلد عبد الله الترمكى من مواليهم وكان السلطان أنزله معه وولاه حجابته فلما توارى الامير عن البلد داخل ابن أبى يزيد عنفة من الاوغاد وطاف في سكك المدينة والمهاتفة معه ينادى بالثورة ونقض الطاعة وتقدم إلى القصبة فأغلقها القائد عبد الله دونه وحاربها فامتنعت عليه وقرع عبد الله الطبل بالقصبة واجتمع إليه أهل القرى فأدخلهم من باب كان بالقصبة يفضى إلى الغابة فكثروا ومنع

[ 390 ]

ابن أبى يزيد وتسلل عنه الناس فلاذ بالاختفاء وخرج القائد من القصبة فتقبض على كثير من أهل الثورة وأودعهم السجن واستولى على البلد وسكن الهيعة وطار الخبر إلى المولى أبى بكر فأغذ السير منقلبا إلى قفصة ولحين دخوله ضرب أعناق المعتقلين من أهل الثورة وأمر الهاتف ينادى في الناس بالبراءة من ابن أبى يزيد وأخيه ولايام من دخوله عثر بهما الحرس في مقاعدهم بالباب مستترين بزى النساء فتقبضوا عليهما وتلوهما إلى الامير فضرب أعناقهما وصلبهما في جذوع النخل وكانا من المترفين فأصبحا مثلا في الايام وقد خسرا دينهما ودنياهما ذلك هو الخسران المبين وارتاب المنتصر صاحب توزر حينئذ بابن الخلف وحذر مغبة حاله فقتله بمحبسه وذهب في غير سبيل مرحمة وانتظم السلطان أمصار الجريد كلها في طاعته واتصل ظهوره إلى أن كان ما نذكره ان شاء الله تعالى * (الخبر عن فتح قابس وانتظامها في ملكة السلطان) * هذه البلد لم تزل في هذه الدولة الحفصية لبنى مكى المشهور ذكره في هذه العصور وما إليها وسيأتى ذكر أخبارهم ونسبهم وأوليتهم في فصل نفرده لهم فيما بعد وكان أصل رياستهم فيها اتصالهم بخدمة الامير أبى زكريا لاول أيام ولاية قابس سنة ثلاث وعشرين وستمائة فاختصوا به وداخلهم في الانتقاض على أخينا أبى محمد عبد الله عندما استجمع لذلك فأجابوه وتابعوه فرعى لهم هذه الوسائل عندما استبد بافريقية وأفردهم برياسة الشورى في بلدهم ثم سموا إلى الاستبداد عندما فشل الدولة عن العاصية بما حدث من افتن وانفراد الثغور الغربية بالملك ولم يزالوا جانحين إلى هذا الاستبداد ورامقين إليه بنظر العين والانتقاض على السلطان ومداخلة الثوار والاجلاب بهم على الحضرة والدولة أثناء ذلك في شغل عنهم وعن سواهم من أهل الجريد منذ أحقاب متطاولة بما كان من انقسام الدولة والحاح صاحب الثغور الغربية على مطالبة الحضرة ثم استبد مولانا السلطان أبو بكر بالدعوة الحفصية في سائر عمالات افريقية وشغله عن شاغل الفتنة مع صاحب تلمسان ومنازلتهم ثغر بجاية وتسريبه جيوش بنى عبد الواد مرة بعد أخرى مع الاعياص من بنى أبى حفص والعرب إلى افريقية وكان المتولي الرياسة بقابس يومئذ عبد الملك بن مكى بن أحمد بن عبد الملك ورديفه فيها أخوه أحمد وكانا يداخلان أبا تاشفين صاحب تلمسان في الاجلاب على الحضرة مع جيوشه والثوار القادمين معهم وربما خالفوا السلطان إلى الحضرة أزمان مغيبه عنها كما وقع لهم مع عبد الواحد بن اللحيانى وقد مر ذكر ذلك فلما استولى السلطان أبو الحسن على تلمسان وانمحى أثر بنى زيان فزع السلطان أبو بكر لهؤلاء الثوار الرؤساء

[ 391 ]

بالشريد الدائنين بالانتقاض سائر أيامهم وزحف إلى قفصة فملكها فذعروا ولحق أحمد ابن مكى بالسلطان أبى الحسن متذمما بشفاعته بعد أن كان الركب الحجازى من المغرب مر بقابس وبه بعض كرائم السلطان فأوسعوا حباءهم وسائر الركب قرى وحباء وقدموا ذلك وسيلة بين يدى وفادته فقبل السلطان وسيلتهم وكتب إلى مولانا السلطان أبى بكر شافعا فيهم لذمة السلطان والصهر فتقبل شفاعته وتجاوز عن الانتقام منهم بما اكتسبوه ثم هلك مولانا السلطان أبو بكر وماج بحر الفتنة وعادت الدولة إلى حالها من الانقسام وانسدت على صاحب الحضرة وجوه الانتصاف منهم فعاد بنو مكى وسواهم من رؤساء الجريد إلى حالهم من الاستبداد على الدولة وقطع أسباب الطاعة ومنع المغارم والجباية ومشايعة صاحب الغربية ركونا على صاحب الحضرة فلما استبد مولانا السلطان أبو العباس بالدعوة الحفصية وجمع الكلمة واستولى على كثير من الثغور المنتقضة تراسل أهل هذه العصور الجريدية وتحدثوا بما دهمهم وطلبوا وجه الخلاص منه والامتناع عليه وكان عبد الملك بن مكى أقعدهم بذلك لطول مراسلة الفتن وانحياشه إلى الثوار وكان أحمد أخوه ورديفه قد هلك سنة خمس وستين وانفرد هو برياسة قابس فراسلوه وراسلهم في الشأن وأجمعوا جميعا على تجييش العرب على السلطان وتسريب الاموال ومشايعة صاحب تلمسان بالترغيب في ملك افريقية فانتدبوا لذلك من كل ناحية وبعثوا البريد إلى صاحب تلمسان فأطمعهم من نفسه وعللهم بالمواعيد الكاذبة والسلطان أبو العباس مقبل على شأنه يفتل لهم في الذروة والغارب حتى غلب أولاد أبى الليل الذين كانوا يغزونهم بالمدافعة عنهم وافتتح قفصة وتوزر ونفطة وتبين لهم عجز صاحب تلمسان عن صريخهم فحينئذ بادر عبد الملك إلى مراسلة السلطان يعده من نفسه الطاعة والوفاء بالجباية ويستدعى لاقتضاء ذلك منه بعض حاشيته فأجابه إلى ذلك وبعث أمره إليه ورجع إلى الحضرة في انتظاره فطاوله ابن مكى في العرض ورده بالوعد ثم اضطرب أمره وانتقض عليه أهل ضاحيته بنو أحمد احدى بطون ذياب وركبوا إليه فحاصروه وضيقوا عليه واستدعوا المدد لذلك من الامير أبى بكر صاحب قفصة فأمدهم بعسكر وقائد فنازلوه واشتد الحصار واتهم ابن مكى بعض أهل البلد بمداخلتهم فكبسهم في منازلهم وقتلهم وتنكرت له الرعية وساءت حاله ودس إلى بعض المفسدين من العرب من بنى على في تبييت العسكر المحاصرين له واشترط لهم على ذلك ما رضوه من المال فجمعوا لهم وبيتوهم فانفضوا ونالوا منهم وبلغ السلطان خبرهم فاحفظه وأجمع الحركة على قابس وعسكر بظاهر الحضرة في رجب سنة احدى وثمانين وتلوم أياما حتى استوفى العطاء واعترض العساكر وتوافت أحياء أوليائه من أولاد مهلهل وحلفائهم من سائر

[ 392 ]

سليم ثم ارتحل إلى القيروان وارتحل منها يريد قابس وقد استكمل التعبية وبادر إلى لقيه والاخذ بطاعته مشيخة ذياب أعراب من بنى سلم ووفد منهم خالد بن سباع بن يعقوب شيخ المحاميد وابن عمه على بن راشد فيمن إليهم يستحثونه إلى منازلة قابس فأغذ السير إليها وقدم رسله بين يديه بالاعذار لابن مكى وانتهوا إليه فرجعهم بالانابة والانقياد إلى الطاعة ثم احتمل رواحله وعبى ذخائره وخرج من البلد ونزل على أحياء ذياب هو وابنه يحيى وحافده عبد الوهاب ابن ابنه مكى مالك لها منذ سنين من قبل واتصل الخبر بالسلطان فبادر إلى البلد ودخلها في ذى القعدة من سنته واستولى على منازل ابن مكى وقصوره ولا ذاهل البلد بطاعته وولى عليها من حاشيته وكان أبو بكر بن ثابت صاحب طرابلس قد بعث إلى السلطان بالطاعة والانحياش ووافته رسله دون قابس فلما استكمل فتحها بعث إليه من حاشيته لاقتضاء ذلك فرجعهم بالطاعة وأقام عبد الملك بن مكى بعد خروجه من قابس بين أحياء العرب ليالى قلائل ثم بغته الموت فهلك ولحق ابنه وحافده بطرابلس فمنعهم ابن ثابت الدخول إليه فنزلوا بزنزور من قراها في كفالة الجوارى من بطون ذياب ولما استكمل السلطان الفتح وشؤونه انكفأ راجعا إلى الحضرة فدخلها فاتح ثنتين وثمانين ولحق إليه رسوله من طرابلس بهدية ابن ثابت من الرقيق والمتاع بما فيه الوفاء بمغارمه بزعمه ووفد عليه بعد استقراره بالحضرة رسل أولاد أبى الليل متطارحين في العفو عنهم والقبول عليهم فأجابهم إلى ذلك ووفد صولة بن خالد شيخهم وقبله أبو صعنونة شيخ حكيم ورهنوا ابناءهم على الوفاء واستقاموا على الطاعة واتصل النجح والظهور والامر على ذلك لهذا العهد وهو فاتح ثلاث وثمانين وسبعمائة والله مالك الامور لا رب غيره * (الخبر عن استقامة ابن مزنى وانقياده وما اكتنف ذلك من الاحوال) * كان هؤلاء الرؤساء المستبدون بالجريد بالزاب منذ فرغ السلطان لهم من الشواغل واسترابوا لمغبة حالهم معه ومراوغتهم له بالطاعة يرون استحداث الشواغل ويؤملون لها سلطان تلمسان لعهدهم أبا حمو الاخير وأنه ياخذ بحجزته عنهم ان وصلوا به أيديهم واستحثوه لذلك لايلافهم مثلها من سلف قومه وأبى حمو بن تاشفين من قبله قياسا متورطا في الغلط بعيدا من الاصابة لما نزل بسلطان بنى عبد الواد في هذه العصور من الضعف والزمانة وما أصاب قومهم من الشتات بأيديهم وأيدي عدوهم وتقدمهم في هذا الشأن أحمد بن مزنى صاحب بسكرة لقرب جواره واشتهار مثلها من سلفه فاتبعوه وقلدوه وغطى هواهم جميعا على بصيرتهم وقارن ذلك نزول الامير أبى زيان ابن السلطان أبى سعيد عم أبى حمو على ابن يملول بتوزر عند منادمة سالم

[ 393 ]

ابن ابراهيم الثعلبي اياه وكان طارد به أياما ثم راجع أبو حمو وصرفه سنة ثمان وسبعين فخرج من أعمال تلمسان وأبعد المذهب عنهم ونزل على ابن يملول بتوزر وطير الخبر إلى امامه في تلك الفتنة أحمد بن مزنى واغتبطوا بمكان أبى زيان وأن تمسكهم به ذريعة إلى اعتمال أبى حمو في مرضاتهم واجابته إلى داعيهم وركض بريدهم إلى تلمسان في ذلك ذاهبا وجائيا حتى أعيت الرسل وانتهبت المذاهب ولم يحصلوا على غير المقاربة والوعد لكن على شرط التوثق من أبى زيان وبينما هم في ذلك إذ هجم السلطان على الجريد وشرد عنه أولاد أبى الليل الذين تكفل الرؤساء به بالمدافعة وافتتح قفصة وتوزر ونفطة ولحق يحيى بن يملول ببسكرة واستصحب الامير أبا زيان فنزل على ابن مزنى وهلك لايام قلائل كما ذكرناه واستحكمت عندها استرابة يعقوب بن على شيخ رياح بأمره مع السلطان لما سلف منه من مداخلة هؤلاء الرهط وتمسكهم بحقويه والمبالغة في العذر عنهم ثم غدرته أنصاره من مشيخة الزواودة وانحاشوا إلى السلطان فأفاض عليهم عطاءه واختصهم بولايته فحدث لذلك منه نفرة واضطراب وارتحل إلى السلطان أبى العباس ليتمسك بذلك طرق التوثب من أبى زيان وربما دس لهم بمشارطة اعتقاله والقائه في غيابات السجون وفى مغيب يعقوب هذا طرق السلطان طائف من المرض أرجف له المفسدون بالجريد ودس لشيع ابن يملول بتحيزه إلى صبى من أبناء يحيى مخلف ببسكرة فذهل ابن المزني عن النسب لها ذهابا مع صاغية الولد وأوليائه وجهزهم لانتهاز الفرصة في توزر مع العرب المشارطين في مثلها بالمال وأغذوا السير إلى توزر على حين غفلتهم من الدهر وخف من الجند فجلى المنتصر وأولياؤه في الامتناع وصدق الدفاع وتمحضت بهذه الانالة طاعة أهل توزر ومخالصتهم وانصرف ابن يملول باخفاق من السعي واليم من الندم وتملك للمكاره ووافق ببسكرة قدوم يعقوب بن على فرجعه من المغرب فبالغ في تغييبهم بالملامة على ما أحدثوا بعده من هذا الخرق المتسع الغنى عن الراقع وكان السلطان لاول بلوغ الخبر باجلابهم علي توزر وممالاة ابن مزنى على ابنه وأوليائه أجمع النهوص إلى بسكرة وعسكر بظاهر الحضرة وفتح ديوان العطاء وجهز آلات الحصار وسرى الخب بذلك إليهم فخلصوا نجيا ونقضوا عنه آراءهم فتمحض لهم اعتقال أبى زيان الكفيل لهم بصريخ أبى حمو على زعمه فتعللوا عليه ببعض النزغات وتورطوا في اخفار ذمته وطيروا بالصريخ إلى أبى حمو وانتظروا فما راعهم الا وافده بالعذر عن صريخهم والاعاضة بالمال فتبينوا عجزه ونبذوا عهده وبادروا عليه السبيل لابي زيان والغدر به لما كان السلطان نكر عليهم من أمرهم فارتحل عنهم ولحق بقسنطينة وحملهم يعقوب بن على على اللباد بالطاعة وأوفد ابن عمه متطارحا وشافعا فتقبل السلطان منه

[ 394 ]

وسيلته وأغضى لابن مزنى عن هناته وأسعفهم بكبير دولته وخالصة سره أبى عبد الله ابن أبى هلال ليتناول منه المخالصة ويمكن له الالفة ويمسح عنه هو اجس الارتياب والمخافة وكان قد انتهى إليهم من الجباة ففصل عن الحضرة وارتحل السلطان في ذى القعدة آخر سنة ثنتين وثمانين لتفقد عماله وابتلاء الطاعة من أهل أوطانه ولما وصل وافد السلطان إلى أبى مزنى ألقى زمامه إليه وحكمه في ذات يده وقبله ومحا أثر المراوغة واستجد لبؤس الانحياش والطاعة وبادر إلى استجادة المقربات وانتقاء صنوف النحف وبعث بذلك في ركاب الوافد فدفع الذى عليه من الضريبة المعروفة محملا أكباد جياده وظهور مطاياه ووصلوا إلى معسكر السلطان بساح تبسة فاتح سنة ثلاث وثمانين فجلس لهم السلطان جلوسا فخما ولقاهم قبولا وكرامة فعرضوا الهدية وأعربوا عن الانحياش والطاعة وحسن موقع ذلك من السلطان وشملهم احسان السلطان في مقامتهم وجوائزه على الطبقات في انصرافهم وانقلبوا بما ملا صدورهم احسانا ونعمة وظفروا برضا السلطان وغبطته وحسبهم بها أمنية وبيد الله تصاريف الامور ومظاهر الغيوب * (الخبر عن انتقاض أولاد أبى الليل ثم مراجعتهم الطاعة) * قد ذكرنا ما كان من رجوع أولاد أبى الليل هؤلاء إلى بل طاعة السلطان اثر منصرفه من فتح قابس وانهم وفدوا عليه بالحضرة فتقبلهم وعفا عن كبائرهم واسترهن على الطاعة أبناءهم واقتضى بالوفاء على ذلك أيمانهم وخرج الاخ الكريم أبو يحيى زكريا في العساكر لاقتضاء المغارم من هوارة التى استأثروا بها في مدة هذه الفتن وارتحل معه أولاد أبى الليل واحلافهم من حكيم حتى استوفى جبايته وجال في أقطار عمله ثم انكفأ راجعا إلى الحضرة ووفدوا معه على السلطان يتوسلون به في أفعالهم بالعسكر إلى بلاد الجريد لاقتضاء مغارمهم على العادة واستيفاء اقطاعاتهم فسرح السلطان معهم لذلك ابنه أبا فارس وارتحلوا معه بأحيائهم وكان ابن مزنى وابن يملول من قبله ويعقوب بن على كثيرا ما يراسلونهم ويستدعونهم لمثل ما كانوا فيه من الانحراف ومشايعة صاحب تلمسان ولما اعتقلوا أبا زيان ببسكرة كما ذكرناه وتوفى بصريخ أبى حمو ومظاهرته فنبضت عروق الخلاف في أولاد ابن أبى الليل وفزعوا إلى العلاق بيعقوب ابن على رجاء فيما توهموه من استغلاظ أمرهم بصاحب تلمسان ويأسا من معاودة التغلب الذى كان لهم على ضواحي افريقية ففارقوا الامير أبا فارس بعد أن بلغوه مأمنه من قفصة وساروا بأحيائهم إلى الزاب فلم يقعوا على الغرض ولا ظفروا بالبغية

[ 395 ]

ووافوا يعقوب وابن مزنى وقد جاءهم وافد ابى حمو بالقعود عن نصرتهم والامير أبو زيان قد انطلق لسبيله عنهم فسقط في أيديهم وعاودهم الندم على ما استدبروا من أمرهم وحملهم يعقوب على مراجعة السلطان وأوفد ابنه محمدا في ذلك مع وافد العز بن أبى عبد الله محمد بن أبى جلال فتقلبهم وأحسن التجاوز عنهم وبعث أبا يحيى أخاه لاستقدامهم أمانا لهم وتأنيسا وبذل لهم فوق ما أملوه من مذاهب الرضا والقبول واتصل النجح والظهور والحمد لله * (تغلب ابن ابن يملول على توزر وارتجاعها منه) * قد كان تقدم لنا أن يحيى بن يملول لما هلك ببسكرة خلف صبيا اسمه أبو يحيى وذكرنا كيف اجلب على توزر سنة ثنتين وثمانين مع لفيف الاعراب ورياح مرداس فلما كان سنة ثلاث وثمانين بعدها وقعت مغاضبة بين السلطان وبين أولاد مهلهل من الكعوب وانحدروا إلى مشاتيهم بالصحراء فبعث أميرهم يحيى بن طالب عن هذا الصبى أبى يحيى من بسكرة فنزل بأحيائه بساح توزر ودفع الصبى إلى حصارها واجتمع عليه شيعته من نواحى البلد وأشراف من أعراب الصحراء وأجلبوا على البلد وناوشوا أهلها القتال وكان بها المنتصر ناجيا بنفسه إلى بيت يحيى بن طالب واستذم به فأجاره وأبلغه إلى مأمنه بقفصة وبها عاملها عبد الله التريكى واستولى ابن ابن يملول على توزر واستنفد ما معه وما استخرجه من ذخائر توزر في عطيات العرب وزادهم جباية السنة من البلد بكمالها ولم يحصل على رضاهم وبلغ الخبر إلى السلطان بتونس فشمر عزائمه وعسكر بظاهر البلد واعترض الجند وأزاح عللهم وارتحل إلى ناحية الاربص وهو يستألف الاعراب ويجمع لقتال أولاد مهلهل أمثارهم وأعداءهم أولاد أبى الليل وأولياءهم وأحلافهم يستكثر بهم حتى نزل على محصن بسبتة فأراح بهم أياما حتى توافت أمداده من كل ناحية ونهض يريد توزر ولما احتل بقفصة قدم أخاه الامير أبا يحيى وابنه الامير المنتصر في العساكر ومعهما صولة بن خالد بقومه أولاد أبى الليل وسار على اثرهم في التعبية ولما انتهى أخوه وابنه إلى توزر حاصروها وضيقوا عليها أياما ثم وصل السلطان فزحف إليها العساكر من جوانبها وقاتلوها يوما إلى المساء ثم تباكروها بالقتال فخذل ابن ابن يملول أصحابه وأفردوه فذهب ناجيا بنفسه إلى حلل العرب ودخل السلطان البلد واستولى عليه وأعاد ابنه إلى محل امارته منه وانكفأ راجعا إلى قفصة ثم إلى تونس منتصف أربع وثمانين * (ولاية الامير زكريا ابن السلطان على توزر) *

[ 396 ]

ثم عاد ابن يملول إلى الاجلاب على توزر من السنة القابلة وخرج السلطان في عساكره فكر راجعا إلى الزاب ونزل السلطان قفصة ووافاه هنا لك ابنه المنتصر وتظلم أهل توزر من أبى القاسم الشهرزورى الذى كان حاجبا للمنتصر فسمع شكواهم وأبلغ إليه الخاصة سوء دخلته وقبيح أفعاله فتقبض عليه بقفصة واحتمله مقيدا إلى تونس وغضب لذلك المنتصر وأقسم لا يلى على توزر وسار مع السلطان إلى تونس وولى السلطان على توزر الامير زكريا من ولده الاصاغر لما كان يتوسم فيه من النجابة فصدقت فراسته فيه وقام بأمرها وأحسن المدافعة عنها وقام باستئلاف الشارد من أحياء العرب وأمرائهم حتى تم أمره وحسنت ولايته والله متولى الامور بحكمته لا اله الا هو * (وفاة الامير أبى عبد الله صاحب بجاية) * كان السلطان لما سار إلى فتح تونس وولى على بجاية ابنه محمدا كما مر وأقام له حاجبا وأوصاه بالرجوع إلى محمد بن أبى مهدى زعيم البلد وقائد الاسطول المتقدم على أهل الشطارة والرجولية من رجل البلد ورماتهم فقام هذا الامير أبو عبد الله في منتصف الملك ببجاية أحس قيام واصطنع ابن مهدى أحسن اصطناع فكان يجرى في قصوره واغراضه ويكفيه مهمه في سلطانه ويراقب مرضاة السلطان في أحواله والامير يعرف له ذلك ويوفيه حقه إلى أن أدركته المنية أوائل خمس وثمانين فتوفى على فراشه آنس ما كان شربا وآمن ذرعا مشيعا من رضا ابيه ورعيته بما يفتح له أبواب الرضا من ربه وبلغ نعيه إلى أبيه بتونس فبادر بانفاذ العهد لابنه أبى العباس أحمد بولاية بجاية مكان ابنه وجعل كفالة أمره لابن أبى مهدى مستبدا عليه واستقامت الامور على ذلك * (حركة السلطان إلى الزاب) * كنت أنهيت بتأليف الكتاب إلى ارتجاع توزر من أيدى ابن يملول وأنا يومئذ مقيم بتونس ثم ركبت البحر منتصف أربع وثمانين إلى بلاد المشرق لقضاء الفرض ونزلت بالاسكندرية ثم بمصر ثم صارت أخبار المغرب تبلغنا على ألسنة الواردين فمن أول ما بلغنا وفاة هذا الامير ابن السلطان ببجاية سنة خمس وثمانين ثم بلغنا بعدها حركة السلطان إلى الزاب سنه ست وثمانين وذلك أن أحمد بن مزنى صاحب بسكرة والزاب لعهده كان مضطرب الطاعة متحيزا على السلطان وكان يمنع في أكثر السنين المغارم معولا على مدافعة العرب الذين هلكوا بضواحي الزاب والتلول دونه وأكثر وثوقه في ذلك بيعقوب بن على وقومه الزواودة وقد مر طرف من أخباره مثبوتا في أخبار الدولة

[ 397 ]

وكان ابن يملول قد أوى إلى بلده واتخذ وكرا في جوه وأجلب على توزر مرارا برأيه ومعونته فاحفظ على ذلك السلطان ونبه له عزائمه ثم نهض سنة ست وثمانين يريد الزاب بعد أن جمع الجموع واحتشد الجنود واستألف العرب من بنى سليم فساروا معه وأوعبوا ومر على فحص تبسه ثم خرج من طرف جبل أوراس إلى بلد بهودا من أعمال الزاب واعصوصب الزواودة ومن معهم من قبائل رياح على المدافعة دون بسكرة والزاب غيرة من بنى سليم أن يطرقوا أوطانهم أو يردوا مراعيهم الا بنى سباع من شبل من الزواودة فانهم تحيزوا إلى السلطان وانتفر ابن مزنى حماة وطنه ورجالة قومه من الاثبج فغصت بسكرة بجموعهم وتواقف الفريقان وأنا لهم السلطان القتال أياما وهو يراسل يعقوب بن على ويستحثه لما كان يطمعه به من المظاهرة على ابن مزنى ويعقوب يخادعه بانحراف قومه عنه وائتلافهم على ابن مزنى ويرغبه في قبول طاعته ووضع أوزار الحرب مع رياح حتى يتمكن له فرصة حرب فتقبل السلطان نصيحته في ذلك واغضى لابن مزنى ولرياح عنها وقبل طاعته وضريبته المعلومة وانكفأ راجعا ومر بجبل أوراس ثم إلى قسنطينة فأراح بها ثم ارتحل إلى تونس فوصل إليها منتصف سنة ثمانين اه‍ * (حركة السلطان إلى قابس) * كان السلطان قد فتح مدينة قابس سنة احدى وثمانين وانتظمها في أعماله وشرد عنها بنى مكى فذهب إلى نواحى طرابلس وهلك كبيرهم عبد الملك وعبد الرحمن ابن أخيه أحمد وذهب ابنه يحيى إلى الحج وأقام عبد الوهاب في توزر ثم رجع إلى جبال قابس يحاول على ملكها واستتب له ذلك بوثوب جماعة من أهل البلد بعاملها يوسف بن الابار من صنائع السلطان بقبح ايالته وسوء سيرته فداخلوا جماعة من شيعة ابن مكى في ضواحي قابس وقراها وواعدوهم فجاؤا لميعادهم وعبد الوهاب معهم واقتحموا باب البلد وقتلوا البواب وقصدوا ابن الابار فقتلوه في مسكنه سنة ثنتين وثمانين وملك عبد الوهاب البلد واستقل بها كما كان سلفه وجاء أخوه يحيى من المشرق فأجلب عليه مرارا يروم ملك البلد منه فلم يتهيأ له ذلك ونزل على صاحب الحامة وأقام عنده يحاول أمر البلد منها فبعث عبد الوهاب إلى صاحب الحامة وبذل له المال على أن يمكنه منه فبعث به إليه فاعتقله بعض العروسيين وأقام يراوغ السلطان على الطاعة ويبذل ماله في أعراب الضاحية من ذئاب وغيرهم للمدافعة عنه ومنع الضريبة التى كانوا يؤدونها للسلطان أيام طاعتهم والسلطان مشغول عنهم بهمه فلما فرغ من شواغله بافريقية والزاب نهض إليه سنة تسع وثمانين بعد أن اعترض عساكره واستألف من العرب

[ 398 ]

أولياءه وسرب فيهم عطاء ونزل على قابس وقد استعد لها وجمع الآلات لحصارها فاكتسح نواحيها وجثم عليها بعساكره يقاتلها ويقطع نخيلها حتى أعاد الكثير من ألفافها براحا وموج الهوى في ساحته فصح إذ كانوا يستوخمونه لاختفائه بين الشجر في مكاثف الطلال وما يلحقه في ذلك من التعفن فذهب عنها ما كان يعهد فيها من ذلك الوخم رحمة من الله أصابتهم من عذاب هذا السلطان * وربما صحت الاجسام بالعلل * ولما اشتد بهم الحصار وضاق المخنق وظن ابن مكى أنه قد أحيط به استعتب للسلطان واستأمن فأعتبه وأمنه ورهن ابنه على الطاعة وايتاء الضريبة وأفرج عنه السلطان وانكفأ راجعا إلى تونس واستقام ابن مكى حتى كان من تغلب عمه يحيى عليه ما نذكره * (رجوع المنتصر إلى ولايته بتوزر وولاية أخيه زكريا على نفطة ونفزاوة) * كان العرب أيام ولاية المنتصر بتوزر قد حمدوا سيرته واصفقوا على محبته والتشيع له فلما رجع السلطان على قابس وقفوا إليه في طريقه إلى أن تولى المنتصر على بلاد الجريد كما كان ورده إلى عمله بتوزر وتولى ذلك بنو مهلهل وأركبوا نساءهم الظعن في الهوادج واعترضوا بهن السلطان سافرات مولولات دخلاء عليه في اعادة المنتصر إلى توزر مما لهم فيه من المصالح فقبل السلطان وسيلتهن وأعاده إلى توزر ونقل ابنه زكريا إلى نفطة وأضاف إليها عمل نفزاوة فسار إليها واستعمل بعمله وأظهر من الكفاية والاضطلاع ما تحدث به الناس عنه وكان ولايته أول سنة تسعين { فتنة الامير ابراهيم صاحب قسنطينة مع الزواودة ووفاة يعقوب بن على ثم وفاة الامير ابراهيم مثلها } كان للزواودة بقسنطينة عطاء معلوم مرتب على مراتبهم زيادة لما بأيديهم من البلاد في التلول والزاب بانقطاع السلطان وضاق نطاق الدولة لهذه العصور فضاقت الجباية وصارت العرب يزرعون الاراضي في بلادهم بالمسيل ولا يحتسبون بمغارمها فضيق الدخل يمنعهم العطاء من أجل ذلك فتفسد طاعتهم وتنطلق بالعيث والنهب أيديهم ولما رجع الامير ابراهيم من حركته في ركاب أبيه إلى قابس وكان منذ أعوام بنقص من عطائهم لذلك ويعللهم بالمواعيد فلما قفل من قابس اجتمعوا إليه وطلبوا منه عطاءهم فتعالى عليهم وجاءه ابن على مرجعه من الحج وأشار عليه بانصاف العرب من مطالبهم فاعرض عنه وارتحل لبعض مذاهبه وتركه ونادى في العرب بالفتنة معه يروم استئلاف أعدائه فأجابه الكثير من أولاد سباع بن سبيل وأولاد سباع بن يحيى

[ 399 ]

وباديتهم من ذوبان ورياح وخرج يعقوب من التل فنزل على نقاوس فأقام بها وانطلقت أيدى قومه على تلول قسنطينة بالنهب وانتساف الزرع حتى اكتسحوا عامتها ولحقوا به مالئى اليد مثقلى الظهر ثم طرقه المرض فهلك سنة تسعين ونقلوا شلوه إلى بسكرة فدفنوه بها وقام مكانه في قومه ابنه محمد واستمر على العصيان وصعد إلى التل في منتصف احدى وتسعين واستألف الامير ابراهيم أعداءه من الزواودة وزحف إليه أبو ستة بن عمر أخو يعقوب بن على بما معه من أولاد عائشة أم عمر وخالفه أخوه صميت إلى محمد بن يعقوب وتحاربوا مع الامير ابراهيم فهزموه وقتل أبو ستة ثم جمع السلطان لحربهم ودفع عن التلول ومنعهم من المصيف عامهم ذلك وانحدروا إلى مشاتيهم وعجزوا بعدها عن الصعود إلى التلول وقضوا مصيفهم عامهم ذلك بالزاب وانحدروا منه إلى المشاتى فلما رجعوا من مشاتيهم وقد فقدوا الميرة انطلقت أيديهم على نواحى الزاب فانتسفوا زروعه وكاد أن يفسد ما بينهم وبين ابن مزنى مظاهرهم على تلك الفتنة ثم ارتحلوا صاعدين إلى التلول وقد جمع الامير ابراهيم لدفاعهم عنه وبينما هو في ذلك ألم به طائف من المرض فتوفى سنة ثنتين وتسعين وافترقت جموعه وأغذ محمد بن يعقوب السير إلى نواحى قسنطينة فاحتل بها مظهرا للطاعة متبرئا من الخلاف ونادى في أهل البلاد بالامان والامارة فصلحت أحوال الرعايا والسابلة وبعثوا إلى السلطان بتونس مستأمنين مستعتبين فأمنهم وأعتبهم وأقام بقسنطينة مكان ابراهيم ابنه وبعث من حضرته محمد ابن مولاه بشير لكفالته والقيام بدولته فقام بأمرها وصلحت الاحوال والله بيده تصاريف الامور * (منازلة نصارى الافرنج المهدية) * كانت أمة الفرنج وراء البحر الرومي في الشمال قد صار لهم تغلب ودولة بعد انقراض دولة الروم فملكوا جزائره وسردانية وميورقة وصقلية وملات أساطيلهم فضاءه وتخطوا إلى سواحل الشأم وبيت المقدس فملكوها وعادت لهم سورة الغلب في هذا البحر بعد أن كانت سورة المسلمين فيه لا تقاوم إلى آخر دولة الموحدين بكثرة أساطيله ومراكبه فغلبهم الفرنج وعادت السورة لهم وزاحتهم أساطيل المغرب أياما ثم فشل ريح الفرنجة واختل مركز دولتهم بافرنسة وافترقت طوائف في أهل برشلونة وجنوة والبنادقة وغيرهم من أمم الفرنجة النصرانية وأصبحوا دولا متعددة فتمت عزائم كثيرة من المسلمين بسواحل افريقية لغزو بلادهم وشرع في ذلك أهل بجاية منذ ثلاثين سنة فيجتمع النفير والطائفة من غزاة البحر ويصطنعون الاسطول ويتخبرون له أبطال الرجال ثم يركبونه إلى سواحل الفرنجة وجزائرهم على حين غفلة

[ 400 ]

فيتخطفون منها ما قدروا عليه ويصادمون ما يلقون من أساطيل الكفرة فيظفرون بها غلبا ويعودون بالغنائم والسبي والاسرى حتى امتلات سواحل الثعور الغربية من بجاية بأسراهم تضبح طرق البلاد بضجة السلاسل والاغلال عندما ينتشرون في حاجاتهم ويغالون في فدائهم بما يتعذر منه أو يكاد فشق ذلك على أمم الفرنجة وملا قلوبهم ذلا وحسرة وعجزوا عن الثارة به وصرخوا على البعد بالشكوى إلى السلطان بافريقية فصم عن سماعها وتطارحوا سهمهم ونكلهم فيما بينهم وتداعوا لنزول المسلمين والاخذ بالثار منهم وبلغ خبر استعدادهم إلى السلطان فسرح ابنه الامير أبا فارس يستنفر أهل النواحى ويكون رصدا للاسطول هنا لك واجتمعت أساطيل جنوة وبرشلونة ومن وراءهم ويجاورهم من أمم النصرانية واقلعوا من جنوة فحطوا بمرسى المهدية منتصف ثنتين وتسعين وطرقوها على حين غفلة وهو على طرف البر داخل في البحر كانه لسان دالع فأرسوا عندها وضربوا عند أول الطرق سورا من الخشب بينه وبين البر حتى صار المعقل في حكمهم وعالوا عليه بالابراج وشحنوها بالمقاتلة ليتمكنوا من قتال البلد ومن يأتيهم من بلد المسلمين وصنعوا برجا من الخشب من جهة البرج يشرف على أسوار المعقل ليعظم نكايتهم وتحصن أهل البلد وقاتلوهم صابرين محتسبين وتوافت إليهم الامداد من نواحى البلد فحال بينهم الفرنجة وبلغ الخبر إلى السلطان فأهمه أمرها وسرح العساكر تترا إلى مظاهرتهم ثم خرج أخوه الامير أبو يحيى زكريا وسائر بنيه فيمن حضره من العساكر فانطلقوا بجهاد هذا العدو واستنفر المقاتلة من الاعراب وغيرهم فاجتمعت بساحتها بينهم وبين المسلمين جولة جلا فيها أبناء السلطان وكاد الامير أبو فارس منهم أن يتورط لولا حماية الله التى وقته ثم تداركت عليهم الحجارة والسهام والنفط من أسوار البلد فاحترق البرح المطل عليها من جهة البحر فوجموا لحريقه ثم ركبوا من الغد أسطولهم وأقلعوا إلى بلادهم وخرج أهل المهدية يتباشرون بالنجاة ويتنادون بشكر الامراء على ما اعتمدوه في نصرهم ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وأمر الامير أبو يحيى برم ما تثلم من أسوارها ولم ما تشعث منها وقفل إلى تونس وقد أنجح الله قصدهم وأظهرهم على عدوه وعدوهم والله تعالى ينصر من يشاء وهو القوى العزيز * (انتقاض قفصة وحصارها) * كان السلطان أبو العباس قد ولى على قفصة عندما ملكها ابنه الامير أبا بكر وأقام في خدمته من رجال دولتهم عبد الله التريكى من موالى جدهم السلطان أبى يحيى

[ 401 ]

فانتظم به أمره وأقام بها حولا ثم يجافى عن امارتها ولحق بأبيه بتونس سنة ثنتين وثمانين فجعل السلطان أمر قفصة لعبد الله التريكى وولاه عليها ثقة بغنائه واضطلاعه ولم يزل بها واليا إلى أن هلك سنة أربع وتسعين وولى السلطان مكانه محمدا ابنه وكان له اخوة اعزاء معقلا فلم تطرقه النكبة كما طرقت قومه وأبقاه السلطان بالبليد فأغرى هؤلاء الاخوة بأخيهم ووثبوا به فاعتقلوه وأظهروا العصيان ثم حمله أعيان البلد على البراءة من بنى عبد الله التريكى استرابة بهم أن يراجعوا طاعة السلطان فتوثب بهم وأخرجهم واستصفاهم واستقل برياسة البلد كما كان قومه والسلطان في خلال ذلك يرعد ويبرق ويواصل الاعذار والانذار وهم قد لجوا في طغيانهم ثم جمع جنوده واحتشد واستألف الاعراب ووفر الاعطيات ونهض إليها حتى نزل بساحتها منتصف خمس وتسعين وقد استعدوا و تصنوا فألح عليهم القتال وأذاقهم النكال وقطع عنهم الميرة فضيق مخنقهم ثم عدا على نخلهم يقطعها حتى صرع جذوعها وفسح المجال وضاق عليهم المخنق فخرج شيخهم الدنيدن إلى السلطان يعقد معه صلحا على بلده وقومه فغدر به وحبسه رجاء أن يملك بذلك البلد وكان بعض بنى العابد واسمه عمرو بن الحسن قد انتبذ عن قفصة أيام نكبتهم وأبعد في المغرب ثم رجع ونزل بأطراف الزاب ولما استقل الدنيدن بقفصة قدم عليه فأقام معه أياما ثم استراب به وتقبض عليه وحبسه فلما غدر به السلطان اجتمعت عليه المشيخة وعقدوا له الامرة وبعثوا إلى العرب يسترحمونهم ويعطفونهم على ذخيرتهم فيهم وسربوا إليهم الاموال فتصدى إلى الدفاع عنهم صولة ابن خالد بن حمزة أمير أولاد أبى الليل وزحف إلى السلطان بمعسكره من ظاهر البلد وكان أولياؤه من العرب قد أبعدوا عنه في الجهات لانتجاع ابلهم فما راعه الا اطلاق صولة برايته في قومه فأجفل واتبعوه وما زال يكر عليهم في بنيه وخواصه حتى ردهم على أعقابهم وأغذ السير إلى تونس وهم في اتباعه ولم يظفروا منه بعقال الا ما كان من طعن القنا ووقع السيوف حتى وصل إلى حضرته ثم ندم صولة على ما كان منه وراسل السلطان بطاعته فلم يقبله وانحدر إلى مشاتيه سنة ست وتسعين واستدعى ابن يملول إلى صولة فأغراه بحصار توزر وأنزل معه عليها قومه فجلى الامير المنتصر ابن السلطان في دفاعهم والامتناع عليهم حتى يئسوا واضطربت آراؤهم وأفرجوا عنها مفترقين وصعد صولة إلى التلال للمصيف وعاود الرغبة من السلطان في قبول طاعته وكان محمد الدنيدن لما أجفل السلطان عن قفصة تركه بتلك الناحية فلما وصل إلى تونس أرسل أهل قفصة في الرجوع إليهم فأجابه بعض أشياعه ودخل البلد فبدر به عمر بن العابد وكبسه بمكانه الذى نزل به وقتله واستبد بمشيخة قفصة وخشى أهل قفصة من

[ 402 ]

غائلة السلطان وسوء مغبة العصيان فبعثوا إلى السلطان بطاعتهم وشرط عليهم نزول عامله عندهم وهذا آخر ما بلغنا عنهم والله مصرف الامور بحكمته * (ولاية عمر ابن السلطان على سفاقس واستيلاؤه منها على قابس وجزيرة جربة) * هذا الامير عمر ابن السلطان هو شقيق ابراهيم الذى كان أميرا بقسنطينة وكان في كفالة أخيه ابراهيم فلما توفى كما مر لحق بالسلطان ابنه وأقام عنده ولما كان من وفاة أبى بكر ابن ثابت شيخ طرابلس ما قدمناه واضطرب قومه من بعده ونزع قائدهم ورئيسهم ابن خلف إلى السلطان فبعث معه ابنه عمر هذا سنة ثنتين وتسعين لحصار طرابلس وأقام عليها حولا كريتا يحاصرها ويمنع الاقوات عنها حتى ضجروا وضجر من طول المقامة فدافعوه بالضريبة وانكفأ راجعا إلى أبيه سنة خمس وتسعين ووافاه حائما على قفصة عندما انتقضوا عليه وقد مر في طريقه على جربة وأراد الدخول إليها فمنعه عامل أبيه بها من الموالى المعلوجين فأنف من ذلك وشكاه إلى أبيه فولاه على سفاقس ووعده بولاية جربة فسار هو إلى سفاقس وأجاز البحر إلى جزيرة جربة وانضم إليه جميع من بها من القبائل وامتنع منصور العامل بحصنها المسمى بالقشتيل بلسان الفرنج حتى كاتب السلطان فأمره بتمكين ابنه من الحصن والافراج له عن الجزيرة أجمع فاستبد بها ثم ان الامير عمر سما إلى ملك قابس فداخل أهل الحامة في ذلك فأجابوه وساروا معه بجموعهم سنة ست وتسعين فبيتها وملكها وقبض على رئيسها يحيى بن عبد الملك مكى فضرب عنقه وانقرض أمر بنى مكى من قابس واستقل بها الامير عمر مضافة إلى ما كان بيده والله وارث الامور * (وفاة السلطان أبى العباس وولاية ابنه أبى فارس عزوز) * كان السلطان أبو العباس أزمن به وجع النقرس حتى كان في غالب أسفاره يحمل على البغال في المحفة ثم اشتد به آخر عمره وأشرف في سنة ست وتسعين على الهلكة وكان أخوه زكريا رديفه في الملك والمرشح بعده للامر وابنه محمد واليا على بونة فوضع امارته من قبل وكان للسلطان أولاد كثيرون يتطاولون على أبيهم ويغصون بعمهم زكريا ويخشون غائلته بعد أبيهم فلما قارب السلطان منيته اشتد جزعهم واشفاقهم من عمهم وبعث السلطان كبيرهم أبا بكر بعهده على قسنطينة فسار إليهم بين يدى موته واعصوصب الباقون على كبيرهم بعده إلى أبى فارس عزوز فقبضوا على عمهم زكريا وقد دخل يعود أخاه وأودعوه في بعض الحجر ووكلوا به وهلك السلطان لثلاث بعدها فبايعوا أخاهم أبا فارس رابع شعبان سنة ست وثمانين وجاء أهل البلد إلى بيعته

[ 403 ]

أفواجا من الاعيان والكافة فتمت بيعته وأمر بنقل ما في بيوت عمه من الاموال والذخيرة إلى قصره حتى استوعبها وضيق عليه في محبسه وقام بتدبير ملكه وسياسة سلطانه وولى بعض اخوته على منابر عمله بافريقية على سوسة على المهدية وردف أخاه اسمعيل في ملكه بتونس وأحل الباقين محل الشورى والمفاوضة وبلغ الخبر إلى أخيه المنتصر بتوزر فاضطرب أمره ولحق بالحامة فأقام بها وكذلك أخوه زكريا بنفطة فلحق بالجبال بنفزاوة وكان أخوه أبو بكر لما سار إلى قسنطينة لولاية أبيه قبيل وفاته ومر ببونة فلقيه صاحبها الامير محمد ابن عمه زكريا بما شاء من أنواع الكرامة والمبرة ووافى قسنطينة فطلب منه القائمون بها كتاب السلطان بعهده عليها فأقرأهم اياه وفتحوا له الابواب فدخل واستولى على أمرها وكان خالصة السلطان أبى فارس عبد العزيز المتولي بالمغرب بعد وفاة أبيه السلطان أبى العباس ابن سالم في صفر من شهور السنة وحمله من الهدايا والتحف ما يليق بامثالهما فسار فلما انتهى إلى ميلة بلغه الخبر بوفاة السلطان مرسله وأوعز إليه الامير أبو بكر من قسنطينة بالرجوع إليه فرجع بهديته واستقر عنده هنا لك (هذا آخر ما بلغنا) الا من خبار الصحيحة عنهم لهذه السنين وحالهم على ذلك لهذا العهد والملك بيد الله يؤتيه من يشاء لا رب سواه ولا معبود الا اياه وهو على كل شئ قدير

[ 404 ]

أبو فارس عزوز السلطان أبو العباس بن أحمد - بن محمد بن السلطان أبى بكر - بن ابراهيم - بن عبد الواحد - بن أبى حفص الامير عمر الامير زكريا بن قابس بونه خالد بن ابراهيم أبو البقاء خالد ابن يحيى أبو فارس أبو حفص عمر ابن عبد الرحمن مزاحم السلطان أبى بكر ابراهيم بن أبى بكر الشبيه أبو محمد عبد الله أبو بكر الشهيد يهار الامير أحمد بن محمد الامير أبو بكر الامير أبو زيد عبد الرحمن أبو فارس عبد العزيز محمد أبو عبيدة بن المخلوع يحيى بن المنتصر محمد المدعو الشبيه بالفضل ولى العهد زكريا محمد بن ضربه بن زكريا أبو الحسن بن أبى زيد محمد بن أبى بكر بن عمران موسى بن ابراهيم مزاحم السلطان أبى بكر

[ 405 ]

* (الخبر عن بنى مزنى أمراء بسكرة وما إليها من الزاب) * هذا البلد بسكرة هو قاعدة وطئ الزاب لهذا العهد وحده من لدن قصر الدوسن بالمغرب إلى قصور هولة وبادس في المشرق يفصل بينه وبين البسيط الذى يسمونه الحصنة جبل حاتم من المغرب إلى قبلة برقة ويعتمر بعض ذلك الجبل محاذاة الزاب من غربيه مقبلا عمرت من زناتة ويتصل من شرقيه بجبل أوراس المطل على بسكرة المعترض في ذلك البسيط من القبلة إلى الجوف وهو جبل مشهور الذكر يأتي الخبر عن بعض ساكنيه وهذا الزاب وطن كبير يشتمل على قرى متعددة متجاورة جمعا جمعا يعرف كل واحد منها بالزاب وأولها زاب الدوسن ثم زاب طلوقة ثم زاب مليان وزاب بسكرة وزاب لميودة وزاب بادس وبسكرة أم هذه القرى كلها وكانت مشيختها في القديم بعد الاغالبة والشيعة لعقد صنهاجة ملوك القلعة من بنى رسان من أهلها بما كثروا بساكنها وملكوا ضياعها كان يعفر بن أبى رسان منهم له صيت وشهرة وربما نقضوا الطاعة لعهد بلكين بن محمد بن حماد صاحب القلعة في سنى خمسين وأربعمائة وضبطوا البلد وامتنعوا وتولى كبر ذلك جعفر بن أبى رمانة ونازلهم جيوش صنهاجة إلى نظر خلف بن أبى حديدة من صنائع الدولة فاقتحمها عليهم واحتملهم إلى القلعة فقتلهم بلكين جميعا وجعلهم عظة لمن بعدهم وأصار الشورى لبنى سندى من أهلها وكان لعروس منهم بعد ذلك خلوص في الطاعة وانحياش إلى الدولة على حين تقلص ظلها وفشل ريحها وألوى الهرم بشبابها وهو الذى فتك بالمنتصر بن خزور الزناتى بعد وصوله من المشرق واجتلابه على السلطان بقومه من مغراوة أغرى بالاثبج وبنى عدى وبنى هلال فمكر به السلطان وأقطعه ضواحي الزاب وريقة أطمعه ودس إلى عروس في الفتك به ففعل كما قدمنا ذكره في أخبار آل حماد وانقرضت رياسة بنى سندى بانقراض امراء صنهاجة من افريقية وجاءت دولة الموحدين والذكرة والبيت لبنى زيان وكان بنو مزنى من لفائف الاعراب وصلوا إلى افريقية أحلافا لطوالع بنى هلال بن عامر في المائة الخامسة كما قدمنا ونسبهم بزعمهم في زيان من فزارة والصحيح أنهم في لطيف من الاثبج ثم من بنى جزى بن علوان بن محمد بن لقمان بن خليفة بن لطيف واسم أبيهم مزنة بن دنفل بن محيا بن جزى هكذا تلقيته من بعض الهلاليين وشهد لذلك الموطئ فان أهل الزاب كلهم من أفاريق الاثبج عجزوا عن الظعن ونزلوا قراه على من كان بها قبلهم من زناتة وطوالع الفتح وانما ينزعون عن هذا النسب إلى فزارة لما صار إليه اهل الاثبج بالزاب من المغرم والوضائع فيستنكفون لذلك وينتسبون إلى غرائب الانساب وكان أول نزولهم بقرية من قرى بسكرة وكان تعرف بقرية حناس

[ 406 ]

ثم كثروا وتسايلوا وأخذوا مع أهل بسكرة بحظ وافر من ملك القفار والمياه ثم انتقلوا إلى البلد واستمتعوا منها بالمنزل والظلال وقاسموا أهلها في الحلو والمر وانتظم كبارهم في أرباب الشورى من المشيخة ثم استنكف بنو زيان من انتظامهم معهم وحسدوهم على ما آتاهم الله من فضله وحذروهم من أنفسهم فاضطرمت بينهم نار العداوة والاحن وكان أولها الكلام والترافع إلى سدة السلطان بتونس على حين استقلال أبى حفص بافريقية ولعهد الامير أبى زكريا وابنه السلطان المنتصر ثم تناجزوا الحرب وتواقعوا بسكك المدينة وكانت صاغية الدولة مع بنى زيان لقيهم في البلد ولما خرج الامير أبو اسحق على أخيه محمد المنتصر لاول بيعته ولحق بالزواودة من العرب وبايع له موسى بن محمد بن مسعود البلط أمير البدو يومئذ واعتمر به بسكرة وبلاد الزاب وأناخ عليها بكلكه كما قدمناه قام يومئذ فضل بن على بن أحمد بن الحسن بن على بن مزنى بدعوته وأعلن من أهل البلد بطاعته واتبعوه على كثرة ثم عاجلتهم عساكر السلطان وأجهضهم على الزاب فاعتلق فضل بن على واستمسك بذيله وصحبه في طريقه إلى الاندلس وبدار غربته منها إلى ان هلك المنتصر أخوه وهيأ الله له من أمر الخلافة ما هيأ حسبما ذكرناه ولما تم أمره واقتعد بتونس كرسى خلافته عقد لفضل بن على على الزاب ولاخيه عبد الواحد على بلاد الجريد رعيا لا ذمة خدمتهما وذكرا لايلافهما في المنزل الخشن وصحبتهما فقدم راعيا على الزاب ودخل بسكرة واستكان بنو زيان لصولته وانقادوا في مرضاة الدولة إلى أمره فلم ينبسوا بكلمه في شأنه واضطلع بتلك الولاية ما شاء الله ثم كان شأن الداعي بن أبى عمارة وتلبسه وهلك السلطان أبو اسحق على يده ثم ثأر منه السلطان أبو حفص بأخيه واسترجع ما ضاع من ملكهم وكان يثق بعنايته ويعول في أمر الزاب على كفايته وسما أعداؤه بنو زيان أيام ولايته فداخلوا أولاد حر من لطيف احدى بطون الاثابج كانوا نزلوا بقرية باشاش لضيق المدينة حين عجزوا عن الظعن وخالطوا أهل البلد في أحوالهم وامتزجوا معهم بالنسب والصهر فأغروهم بفضل بن على أن يكون التقدم لهم في الفتك به وتتأول الامر من يده وان يخربوا بيوتهم من قرية باشاش ليسكنوا إليهم ويطمئنوا إلى ولايتهم حلفا عقدوه على المكر بهم ولما أوقعوا به بظاهر البلد في بعض أيام ركوبه سنة ثلاث وثمانين وتولوا من أمر الزاب ما كان يتولاه تنكر لهم بنو زيان لحولين من ذلك الحلف ونابذوهم العهد فخرجوا عن البلد وفقدوا مالهم بها من قريب وتفرقوا في بلاد ريغة واستبد بنو زيان بشورى بسكرة والزاب منتقض عليهم وعلى السلطان والزواودة قد تغلبوا عليه وعلى بلاد الحضينة من ورائه نقلوس ومقرة والمسيلة وكان منصور بن فضل بن على عند مهلك

[ 407 ]

ابيه بالحضرة في بعض شؤنه فلما هلك أبوه واستبد بنو زيان بعده بنوا السعايات فيه إلى السلطان بالحضرة وانجحت وتقبض عليه واعتقل أيام السلطان أبى حفص ولما تغلب المولى أبو زكريا يحيى ابن الامير أبى اسحق على بجاية وشطيت وبونة واستقل بأمرها وانقسمت دولة آل أبى حفص وفر منصور بن فضل بن على من محبسه من تونس ولحق ببجاية بعد مهلك الحاجب القائم بالامر أبى الحسين بن سيد الناس وتولية السلطان أبى زكريا مكانه كاتبه أبو القاسم بن أبى يحيى سنة احدى وتسعين وستمائة فلازم خدمته وخف عليه وصانعه بوجوه النحف وتضمن له تحويل الدعوة بالزاب لسلطانه وشريف أمواله وجبايته إليه واستماله بذلك فعقد له على الزاب وأمده بالعسكر فنازل بسكرة ووفد أهلها بنو زيان على السلطان ببجاية ببيعتهم فرجعهم على الاعقاب إلى عاملهم منصور وكتب إليه بقبول بيعتهم ودخل البلد سنة ثلاث وتسعين وكادهم في بناء القصر لشيعته وتحصن العسكر بسوره ثم نابذهم العهد وثار بهم فأحلاهم عن البلد واستمكن فيها ورسخت قدم امارته فيها واستدر جباية السلطان واتسع له نطاق العمالة فاستضاف إلى عمل الزاب جبل أوراس وقرى ريغه وبلد واركلى وقرى الحصنة مقرة ونقاوس والمسيلة فعقد له السلطان على جميعها ودفعه إلى مزاحمة العرب في جبايتها وانتهاش لحومها إذ كانوا قد غلبوا على سائر الضواحى فساهمهم في جبايتها حتى كاد يغليهم عليها ووفر أموال الدولة وأنهى الخراج وصانع رجال السلطان فألقوا عليه بالمحبة وجذبوا بضبعه إلى أقصى مراتب الاصطناع فأثرى واحتجز الاموال ورسخت عروق رياسته ببسكرة ورسخت منابت عزه وهلك المولى أبو زكريا الاوسط على رأس المائة السابعة وولوا مكانه ابنه الامير أبا البقاء خالدا كما قدمناه وقام بأمره صاحبه أبو عبد الرحمن بن عمرو وكان المنصور بن فضل هذا اختاص به واعتلاق بيد حاجبه فاستنام إليه وعول في سائر الضواحى من ممالك السلطان على نظره وعقد له على بلاد التل من أرض سدويكش وعياض فاستضافها إلى عمله وجرد عن ساعد كفايته في جبايتها فلقح عقيمها وتفجرت ينابيعها ثم حدثت بينه وبين الدولة منافرة وأجلب على قسنطينة بيحيى بن خالد ابن السلطان أبى اسحق حاجبه من تلمسان وبابع له واستألف الزواودة لمشايعته ونازل به قسنطينة ثم اطلع على مكامن عدوه فيه وما طوى عليه من التربص به فحل عقدته ولحق ببسكرة وراجع الطاعة ولحق يحيى بن خالد واعتقله إلى ان هلك سنة عشرين وكانت بينه وبين المرابطين أهل السنة من العرب أتباع سعادة المشهور الذكر فتن وحروب وطالبوه بترك المغارم والمكس تخفيفا على الرعية وعملا بالسنة التى كانوا ملتزمين لطريقها ونازلوه من أجل ذلك ببسكرة مرارا ثم هلك سعادة في بعض حروبه

[ 408 ]

على مليل كما في ذكره سنة خمس وسبعمائة وجمع منصور بن مزنى للمرابطين وبعث عسكره يقوده ابنه على بن منصور مع على بن أحمد شيخ الزواودة وعلى المرابط أبو يحيى بن ادريس شيخ أولاد عساكر وعطية بن سليمان بن سباع وحسن بن سالمة شيخ أولاد طلحة فهزموا عسكر ابن مزنى وقتلوا ابنه عليا وتقبضوا على على بن أحمد ثم منوا عليه وأطلقوه ورجعوا إلى بسكرة فنازلوها وقطعوا نخيلها ثم عاودوه ثانية وثالثة ولم يزل بينه وبين هؤلاء المرابطين فتن سائر أيامه وكان الحاجب ابن عمر قد استخلصه لنفسه وأحله محل الثقة بحلته واستقامه إلى صنائعه ولما نهض السلطان أبو البقاء إلى تونس صاحبه الحاجب في جملته حتى إذا أعمل المكيدة في الانصراف على السلطان شاركه في تدبيرها إلى ان تمت كما قدمناه ورجع الحاجب إلى قسنطينة ورده إلى مكان عمله من الزاب وكان يتردد إليه ببجاية للزيارة والمطالعة في أعماله إلى ان غدر به العرب في بعض طرقه إليها وتقبض من امراء الزواودة على أحمد بن عمر بن محمد بن مسعود وسليمان بن على بن سباع بن يحيى بن مسعود على حين اجتد بالامارة من يد عثمان بن سباع بن سيل بن موسى بن محمد واقتسما رياسة الزواودة قومهما فاستمسكنا من هذا العامل منصور بن فضل في مرجعه من عمله بلاد سدويكش وأوثقوه اعتقالا وهموا بقتله فافتدى منهم بخمسة قناطير من الذهب وصرفوا في وجوه رياستهم ألفا منها وقبض منصور بن فضل عنانه عن السفر بعدها وولى في الاحايين بعد أخذ الرهن من العرب إلى ان كانت حركة مولانا السلطان أبى يحيى إلى تونس سنة سبع عشرة أول حركاته إليها وطالب صاحبه يعقوب ابن عمر وهو بثغر بجاية بالاموال للنفقات والاعطيات فبعث إليه بمنصور بن فضل وأشار بعقده له على ججابته ليقوم بامره ويكفيه مهمات شؤنه واعتدها منصور على ابن عمر فساء ظنه وتنكر له ابن عمر وحالت صبغة وده وانكفأ السلطان من حركته تلك مخفف السعي بعد أن نزل ظاهر تونس بعساكره كما قدمناه ولما احتل بقسنطينة بدت له من يعقوب بن عمر صاحب الثغر مخايل الامتناع فأقصر عن اللحاق به وترددت بينهما الرسل وبعث ابن عمر في منصور بن فضل ونذر منه بالشر فأجاب داعيه وصحب قائد السلطان يومئذ محمد بن أبى الحسن بن سيد الناس إليه حتى إذا كان ببعض الطريق عدل إلى بلده وهم به القائد فأجاره أولياؤه من العرب عثمان بن الناصر شيخ أولاد حرب ويعقوب بن ادريس شيخ أولاد خنفر ومن معهم من ذويهم ولحق ببسكرة وبلغ الخبر إلى ابن عمر فقرع سن الندم عليه وشايع منصور بن مزنى عدوهم صاحب تلمسان أبا تاشفين ودخل في دعوته وأوفد ابنه يوسف عليه بالطاعة والهدية وملك السلطان خلال ذلك تونس وسائر بلاد افريقية وهلك ابن عمر سنة تسع عشرة ولم يزل منصور بن مزنى

[ 409 ]

ممتنعا سائر أيامه على الدولة والعاسكر من بجاية تتردد لمنازلته إلى ان هلك سنة خمس وعشرين وسبعمائة وقام بأمره من بعده ابنه عبد الواحد فعقد له السلطان على عمل أبيه بالزاب واستضاف إليه ما وراءه من البلاد الصحراوية قرى ريغة وواركلى وكان السلطان قد عقد على الثغر بعد مهلك ابن عمر لمحمد بن أبى الحسين بن سيد الناس وجعل له كفالة ابنه يحيى ودفعه إليه فتجددت الوحشة بين عبد الواحد هذا وبين صاحب الثغر في سبيل المنافسة في المرتبة عند السلطان بما كانوا جميعا صنائع وبطانة للحاجب ابن عمر وبعث العساكر لحربه ومنازلة حصنه وناول عبد الواحد هذا لآل زيان الحائفين الدولة طرفا من حبل طاعته فقبل فيها مذهب ابنه آخر عمره وصار يحرض الجيوش به إلى ان استجن منه عبد الواحد بصهر عقده له على ابنته واشترط المهادنة وتسليم الجباية وتودع أمره إلى ان اغتاله أخوه يوسف سنة تسع وعشرين بمداخلة بطانتهم من بنى سماط وبنى أبى كواية ولما أحكم مداخلتهم في شأنه آذنه عشاء للشورى معه في بعض المهمات وطعنه بخنجره فأشواه وهلك لحينه واستقل يوسف بن منصور بامارة الزاب ووصله مرسوم السلطان بالتقليد والخلع على العادة واجري الرسم في الدعاء له على منابر عمله وكان السلطان قد استدعى محمد بن سيد الناس من الثغر ببجاية وفوض له أمور ملكه فهاجت نار العداوة والاحن القديمة بما بينه وبين يوسف بن منصور عامل الزاب وهم به لولا ما أخذ بحجزته من الشغل الشاغل للدولة بتحيف آل زيان وهلك الحاجب سنة ثنتين وثلاثين في نكبة السلطان اياه كما ذكرناه وعقد لمحمد بن الحكيم على القيادة وجعل بيده زمام العساكر وفوض له في سائر القرى والضواحي فاجرى رياسه وحكمه في دولته وتغلب على أمره على حين فرغ السلطان من الشغل بمدافعة عدوه وحط ما كان من أمرهم على كاهل دولته ونهض السلطان أبو الحسن إلى آل يغمراسن فقلم اظفار اعتدائهم وقد شبا عزائمهم كما شرحنا قبل فأذكى القائد محمد بن الحكين مع يوسف ابن منصور نار العداوة وأثار له من السلطان كامن الحفيظة وصرف وجوه العزائم إلى حمله على الجادة وتقويمه عن المراوغة في الطاعة وناهضه بالعساكر مرات ثلاثا يدافعه في كلها بتسليم الجباية إليه ثم كانت بينه وبين على بن أحمد كبير الزواودة فتن وحروب دعا إليها منافسة على في استئثاره على الجباية دونه فواضعه الحرب ودعا العرب في منازلته مموها بالدعاء على السنة وحشد أهل ريغة لذلك ونازله وانحرف عنه ابنه يعقوب ودخل إلى بسكره فاصهر له ابن مزنى في أخته بنت منصور ابن فضل وعقد له عليها فحسن دفاعه عنه وبعث ابن مزنى عن سليمان بن على كبير أولاد سباع وقريع على بن أحمد في شؤنه فكان عنده ببسكرة يغاديه القتال

[ 410 ]

ويراوحه إلى ان امتنع ابن مزنى ورحل على بن أحمد على بسكرة وصار مع ابن مزنى إلى الاتفاق والمهادنة أعوام الاربعين من المائة الثامنة ثم كانت غزاة القائد بن الحكيم إليه نهض من افريقية بعد أن نازل بلاد الجريد واقتضى طاعتهم ومغارمهم واسترهن ولد ابن يملول ثم ارتحل إلى الزاب في جنوده ومعه العرب من سليم فأجفل بالزاب ونزل بلد أو ماش من قراه وفرت العرب من الزواودة وسائر رياح أمامه ودافعه يوسف بن مزنى بهدية دفعها إليه وهو بمكانه من أو ماش وارتحل عنه إلى بلاد ريغة فافتتح معقلهم واستباحها ودوخ سائر اعمالها ورجع إلى تونس ونكب السلطان قائده محمد بن الحكيم هذا سنة أربع وأربعين وولى ابنه أبا حفص عمر وخشى الحاجب أبو محمد بن تافراكين بادرته وسعاية بطانته فلحق بملك المغرب المرهوب الشبا المطل على الممالك يعسوب القبائل والعشائر أبى الحسن وأغراه بملك افريقية واستجره إليها فنهض في الامم العريضة سنة ثمان وأربعين كما ذكرنا ذلك كله من قبل ووفد عليه يوسف بن منصور أمير الزاب بمعسكره من بنى حسن فلقاه برا وترحيبا واستتبعه في جملته إلى قسنطينة ثم عقد له على الزاب وما وراءه من قرى ريغة وواركلى وصرفه إلى عمالته واستقبل تونس وأمره برفع الجباية إليه مع العمال القادمين من أقصى المغرب على رأس العدل فاستعد لذلك حتى إذا سمع بوصولهم من المغرب لحقهم بقسنطينة وفجأهم هنا لك جميعا الخبر بنكبة السلطان على القيروان كما ذكرناه ونذكره فاعتزم على اللحاق ببلده واعصوصب عليه يعقوب بن على بن أحمد أمير البدو بالناحية الغربية من افريقية لادمة صهر كانت بينهما ومخالصة وتحيز إليهم من كان بقسنطينة من أولياء السلطان وحاشيته وعماله ورسل الطاغية والسودان الوافدين مع ابنه عبد الله من أصاغر بنيه وآواهم يوسف بن منصور جميعا إليه وأنزلهم ببلده وكفاهم مهماتهم شهورا من الدهر حتى خلص السلطان من القيروان إلى تونس ولحقوا به مع يعقوب بن على فكانت تلك يدا اتخذها يوسف بن منصور عند السلطان أبى الحسن ولقيه باقى الايام ثم اتبع ذلك بمخالفة رؤساء النواحى من افريقية جميعا في الانتقاض عليه وأقام مستمسكا بطاعته يسرب الاموال إليه بتونس وبالجزائر عند خلوصه إليها من النكبة البحرية كما سنذكره ويدعو له على منابره بعد تفويضه على الجزائر إلى المغرب الاقصى لاسترجاع ملكه إلى أن هلك السلطان أبو الحسن بجبل هنتاتة من أقصى المغرب سنة ثنتين وخمسين واستقام أمر الدولة المرينية لابنه السلطان أبى عنان الحية الذكر ولما استضاف إلى ملكه ملك تلمسان ومحاما جدده بنو عبد الواد بها من رسوم ملكهم وجمع كلمة زناتة وأطل على البلاد الشرقية سنة ثلاث وخمسين بادر يوسف بن

[ 411 ]

منصور بطاعته فأتاها طواعية وأوفد على السلطان رسله بكتاب بيعته ثم وفد عليه ثانيا مع حاجبه الكاتب أبى عبد الله محمد بن أبى عمر وبعنه بالعساكر لتدويخ افريقية وتمهيد ملكه ببجاية كما سنذكره ووفد عليه امراء القبائل والبدو ورؤساء النواحى سنة أربع وخمسين ووفد في جملتهم يوسف بن منصور أمير الزاب ويعقوب بن على أمير البدو وسائر رؤساء الزواودة فلقاهم السلطان تكرمة ورعيا لا ذمة خلوصهم لابيه وقومه من بين أهل افريقية وأسنى جوائزهم وعقد ليوسف بن مزنى على الزاب وما وراءه من بلاد ريغه وواركلى على عادتهم وانقلب محبرا محبوا وقد ثبت له من ولاية السلطان ومخالصته حظ ورفع له ببساطه مجلس ولما نهض السلطان إلى افريقية لافتتاح قسنطينة سنة ثمان وخمسين كما سنذكره تلقاه يوسف بن منصور على قسنطينة فخلطه بأوليائه ونظمه في طبقات وزرائه واستوحش يعقوب بن على يومئذ من مطالبته بالرهن له ولقومه وانتقض فأجفلت احياؤه إلى بلاد الزاب وما وراءها من الصحراء وارتحل السلطان بعساكره في طلبهم إلى ان احتل ببلاد الزاب وخرب بلاد يعقوب بن على بالزاب والتل بقطع أشجارها وتغوير مياهها وهدم بنائها ونسف آثارها ودخل يعقوب باحيائه الرمل وعجزوا السلطان فانكفأ راجعا واحتل بظاهر بسكرة فتلوم بها ثلاثا لاراحة العساكر وازاحة عللهم من وعثاء السفر وشعث الصحراء ففرق يوسف بن منصور في قرى عساكره أيام مقامه يشملهم فيها من العلوفة والحنطة واللحمان والادم بما أرغد عيشهم وكفاهم همهم وتحدثت بها الناس دهرا ورفع إليه جبايته لعامه قناطير من الذهب بعثه بيت المال بقفصة القهارمة من ثقاته وأجزل السلطان مثوبته وأسنى عطيته واختصه بكسوة ثيابه وعياله من كسا حرمه وثياب قصره وانكفأ راجعا إلى حضرته ثم أوفد موسى بن منصور ابنه أحمد على السلطان بسدته من فاس عند منصرف وزيره سليمان بن داود من حركة افريقية سنة تسع وخمسين وأصحبه هدية من عتاق الخيل وفاره الرقيق وأقام أياما في نزل كريم ومحل من المجلس رفيع إلى أن هلك السلطان خاتمة تسع وخمسين فأرغد القائم بالدولة من بعده جائزته وأسنى صلته وصرفه إلى عمله واستوصى به امراء النواحى والثغور في طريقه ولم ينشب ان شبت نار الفتنة وانتزى الخوارج بالجهات بعد مهلك السلطان فخلص إلى ابنه بعد عنائه وعلى يأس من النجاة بعد ان حصل في قبضة أبى حمو سلطان بنى عبد الواد عند استيلائه على تلمسان وهو بها مع بنى مرين وقد مر بهم مجتازا إلى وطنه فأجازه عليه صغير بن عامر من زغبة رعيا لا ذمة ابنه يوسف صاحب الزاب وتأميلا للعرب فيه وفى أعماله وبعد ان بذل له من ذات يده ومن طرف ما وصله به بنو مرين من ذخائرهم

[ 412 ]

بعث معه صغير وفادا من قومه أبلغوه مأمنه فكانت احدى الغرائب في نجاته واسترجع الموحدون ثغورهم بجاية وقسنطينة من يد بنى مرين وأزعجوا عنها العساكر المجمرة بها من قبائلهم كما قدمناه فراجع يوسف بن منصور طاعته المعروفة لهم إلى أن هلك سنة سبع وستين يوم عاشوراء وقام بأمره ابنه أحمد وجرى على سننه وهو لهذا العهد أمير على الزاب بمحل أبيه من امارته متنقل في مذهبه وطريقه الا أن خلق أبيه كان سجية وخلق هذا تقليد لما فيه من النحذلق وربك يخلق ما يشاء ويختار وله أولاد كبيرهم أبو يحيى من بنت محمد بن يملول أخت يحيى وهو لهذا العهد مرشح بمكانة ولما حلت بأهل الجريد الفاقرة ونزل به يحيى بن يملول الشؤم على وطنه توجس الخيفة من السلطان وتوقع المطالبة بطاعة من طاعته المعروفة فسرب الاموال في العرب ومد يده إلى جبل صاحب تلمسان ليستمسك به فوجده قاصرا عنه وأقام يقدم في أمره رجلا ويؤخر أخرى ثم قرب إليه نور الهداية في قلبه وأراه سند رشده وبادر إلى الاستقامة في الطاعة والعدول عن المراوغة ووصله فأوفد السلطان أبو العباس شيخ الموحدين أبا العباس ابن أبى هلال وكشف له قناع المخالصة والانحياش وبعث معه وفده بهديته واستقامته وتقبله السلطان وأعاده إلى أحسن الاحوال ورضى عنه والله متولى الامور سبحانه لا رب سواه ولا معبود الا اياه أبو يحيى بن أحمد بن يوسف بن منصور بن فضل بن على بن أحمد بن الحسين بن على بن مزنى عبد الواحد على بن عبد الواحد على الجريد * (الخبر عن رياسة بنى يملول بتوزر وبنى الخلف بنفطة وبنى أبى المنيع بالحامة) * زعيم هؤلاء الرؤساء ابن يملول صاحب توزر لاتساع بلده وتمدن مصره واحتلاله منها بأم القرى من قطره وهو يحيى بن محمد بن أحمد بن محمد بن يملول ونسبهم بزعمهم في طوالع العرب من تنوخ استقرار ولده بهذا الصقع منذ أول الفتح وتأثلوا ووشجت به عروقهم

[ 413 ]

نسبا وصهرا حتى انتظموا في بيوتات الشورى المتقدمين للوفادة على الملوك وتلقى العمال القادمين من دار الخلافة والنظر في مصالح الكافة أيام آل حماد بالقلعة وآل عبد المؤمن بمراكش وآل أبى حفص بتونس مثل بنى واطاس وبنى فرقان وبنى مارة وبنى عوض وكان التقدم فيهم أيام عبد الله الشيعي لابن فرقان وهو الذى أخرج أبا يزيد حين شعر به انه يريد القيام على أبى القاسم القائم وأيام آل حماد ليحيى بن واطاس وهو النازع بطاعة أهل قسنطينة إليهم عن آل بلكين ملوك القيروان حين انقسمت دولة آل زيرى وافترق أمرهم ثم عادت الرياسة لبنى مروان لاول دولة الموحدين ومنهم كان الذى لقى عبد المؤمن وآتاه الطاعة عن نفسه وعن أهل بلده توزر فتقبله ووصله وصار الامر للموحدين فمحوا منها آثار المشيخة والاستبداد ونشأ أحمد هذا الجد متراميا إلى الرياسة بهذا القطر يدافع عنها بالراح ويزاحم بالمناكب من وجوه البلد واشراف الوطن وسعى به إلى شيخ الموحدين وقائد العسكر أيام السلطان أبى حفص محمد الفازارى فنكبه وصادره على مال امتحنه عليه كانت أول نكباته التى أورت من زناده وأوقدت من جمره وتخلص إلى الحضرة يؤمل اعتقال مطيته وثبوت مركزه من دار الخلافة فأوطنها اياما يباكر أبو اب الوزراء والخاصة ويلثم أطراف الاولياء والحاشية وينزل كرائم ماله فيما يزلفه لديهم ويؤثره بعنايتهم حتى استعمل بديوان البحر فقعد العمال بمرفا السفن لجباية الاعشار من تجار دار الحرب ثم استضاف بما كان من عنائه فيها واضطلاعه سائر أعمال الحضرة فتقلدها زعيما بامضاء الجرايات وادرار الجباية واستمرت على ذلك حاله وتضاعفت فائدته فأثرى واحتجن المال واستخرج الذخيرة قاطعا لالسنة السعاية بالمصانعة والاتحاف بطرف ما يجلبه الروم من بضائعهم حتى أبطره الغنى ودلت على مكانته الثورة ورفع أمره إلى الحاجب فخرج التوقيع بالقبض عليه واستصفاء ماله لعهد السلطان أبى يحيى اللحيانى فنكب الثانية وصودر على مئين من آلاف الدنانير وامتحن لها وباع فيها كسوته حين قرأ الكتاب وخلص من النكبة مسلوب الامانة ممزق الاديم إلى ما يستنكفون عنه من خدمة العمال ومباكره أبو ابهم والامتحان في ضروراتهم وأنجده في ذلك بخت جذب بضبعه وكان في خلال ذلك شغل الحضرة شأن الثغور الغربية وامرائها فتقلص ظل الدولة عن هؤلاء بعض الشئ وحملت الرعايا بالبلاد الجريدية وصار أمرها إلى الشورى التى كانت عليها قبل فلما أدرك أحمد هذه الشورى التى كان يسمو لها سمو حباب الماء ثلج صدره وأنجح سعيه واستبد بمشيخة توزر وهلك في أعوام ثمان عشرة فخلفه من بعده في سبيله تلك ولده يحيى طموحا إلى المرتبة منافسا في الاستقلال ومزاحما بيوتات المصر بمناكب استوطأها بسائر

[ 414 ]

عمره من الدعار والاغاد بمعاقرة الخمر والمجاراة في فنون الشباب لسير أمره والاستعلاء على نظائره حتى تطارحوا في هوة الهلاك بين فتيل ومغرب ونحيب العمران لم يعطفه عليه عواطف الرحم ولا زجره وازع التقوى والسلطان حتى خلا له الجو واستوسق الامر واستقل من أمر البلد والحل والعقد بأوفى من استبداد أبيه وكان مهلكه قريبا من استبداده لخمس سنين متلقيا الكرة من يده أخوه محمد تربه في الرياسة ومجاريه في مضمارها فأجرى إلى الغاية واقتعد كرسى الرياسة وعفى على آثار المشيخة واستظهر على أمره بمصانعة امراء البدو وأولاد أبى الليل والمتات إليهم بصهر كان عقده أبوه أحمد لابي الليل جدهم على أخته أو عمته فكانوا ردأ له من الدولة فنفذ صيته وعظم استيلاؤه وامتدت أيامه وعنى الملوك بخطابه واسناد الامور في تلك البلاد إليه خلال ما توعد الكرة وتهب ريح الدولة وزحف إليه القائد محمد بن الحكيم وتقبل طاعته من عذره استنامة لما ابتلاه من خلوصه وأقام على ذلك إلى أن هلك لعام أربع وأربعين من المائة الثامنة وتصدى ولده عبد الله للقيام بالامر فوثب عليه عمه أبو زيد بن أحمد فقتله على جدث أبيه فلم يوارثه بعد ان كان الرضا به والتسليم فثارت به العامة لحينه وكان مصرا على سفك الدماء واستباحة الحرم واغتصاب الاموال حتى كان ينسب إلى الجنون مرة والى الكفر أخرى فمرج أمرهم واستولى الضجر على نفوسهم وكان أخوه أبو بكر معتقلا بالحضرة فراسله أهل توزرسرا وأطلقه السلطان من محبسه بعد ان أخذت عليه المواثيق بالطاعة والوفاء بالجباية فصمد إليها بمن في لفه من الاعراب وحشد نفزاوة والمجاورين لها في القرى الظاهرة المقدرة السير وأجلب عليهم ثم بيتها فاقتحمها وبادر الناس إلى القبض على يملول أخيه وأمكنوه منه فاعتقله بداره وتبرأ من دمه وأصبح لثالثة اعتقاله ميتا بمحبسه وكانت قفصة من قبل ذلك لما صار امر الجريد إلى الشورى قد استبد بها يحيى بن محمد بن على بن عبد الجليل بن العابد من بيوتها ونسبهم بزعمهم في بلى ولهم حلف بزعمهم في الشريد من بطون سليم والله أعلم بأولية نزولهم بقفصة حتى التحموا بأهلها وانتظموا أمر بيوتاتها وكانت البيوت بها بيت بنى أبى حفص لعهد الامير أبى زكريا الاعلى كان يستعمله على جباية أموال الجريد ثم سعى به أنه أصاب منها فنكبه وصودر على آلاف من المال فأعطاها وأقامت رياستهم متفرقة في هذه البيوتات ولما حدثت العصبية بالبلد أيام صار امر الجريد إلى الشورى كان بنو العابد هؤلاء أقوى عصبية من سائرهم واستبد بها كبيرهم يحيى بن على فلما فرغ السلطان من شغله بزناتة وخيم السلطان أبو الحسن على تلمسان فحاصرها وأقبل السلطان على النظر في تمهيد ملكه واصلاح ثغوره وافتتح أمره بغزو قفصة ونهض إليها

[ 415 ]

سنة خمس وثلاثين في عساكر من الموحدين وطبقات الجند والاولياء من العرب فحاصرها شهرا أو نحوه وقطع نخيلها فضاق مخنقهم بالحصار وتلاوموا في الطاعة واستبقوا بها إلى السلطان وفر الكثير من بنى العابد فلحقوا بقابس في جوار ابن مكى ونزل أهل البلد على حكم السلطان فتقبل طاعتهم وأحسن التجاوز عنهم بسط المعدلة فيهم وأحسن أمل ذوى الحاجات منهم وانكفأ راجعا إلى حضرته بعد ان آثرهم بسكنى ولده المخصوص بولاية عهده الامير أبى العباس وأنزله من ظهرانيهم وعقد له على بلاد الجريد واحتمل مقدم روضة يحيى بن على إلى الحضرة فلم يزل بها إلى ان هلك سنة أربع وأربعين واستبد الامير أبو العباس بأمر الجريد واستولى على نفطة كما قدمناه وقيل لبنى الخلف وهم مدافع وأبو بكر عبد الله ومحمد وابنه أحمد بن محمد اخوة أربعة وابن أخيهم بنو الخلف من مدافع ونسبهم في غسان من طوالع العرب انتقل جدهم من بعض قرى نفزاوة إلى نفطة وتأثل بها وكان لبنيه بها بيت واستبد هؤلاء الاخوة الاربعة ازمان الشورى كما قدمناه ولما استولى السلطان أبو بكر على الجريد وأنزل انبه أبا العباس بقفصة وعقد له على سائر امصاره وأمضى طاعتهم وامتنعوا فسرح إليهم وزيره أبا القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين وجهزت له العساكر من الحضرة ونازلها وقطع نخلها ولاد أهلها بالطاعة وأسلموا بنى مدافع المتغلبين فضرب أعناقهم وصلبهم في جذوع النخل آية للمعتبرين وأفلت السيف منهم عليا صغيرهم لذمة اعتقدها له أبو القاسم بن عتو لنزوعه إليه قبل الحادثة فكانت واقيته من الهلكة واستولى الامير أبو العباس على نفطة واستضافها إلى عمله ثم مرض أبو بكر بن يملول في طاعته فنهض إليه السلطان أبو بكر من تونس سنة خمس وأربعين وكان الفتح كما قدمنا ولحق أبو بكر بن يملول ببسكرة فلم يزل بها إلى ان أجلب على توزر فنبذ إليه يوسف بن مزنى عهده وانتقل إلى حصون وادى ابن يملول المجاورة لتوزر وهلك سنة ست وأربعين ثم كان مهلك السلطان وابنه أبو العباس صاحب الاعمال الجريدية اثر ذلك سنة سبع وأربعين ورجع إلى كل مصر من الجريد مقدموه فرجع أحمد بن عمر ابن العابد إلى قفصة من مكانه في جوار ابن مكى واستولى على بلده في مكان ابن عمه يحيى ابن على ورجع على بن الخلف إلى نفطة واستبد بها ورجع يحيى بن محمد بن أحمد بن يملول إلى توزر من مثوى اغترابه ببسكرة ارتحل إليها مع عمه أبى بكر طفلا فلما خلا الجريد من الامارة ودرج يحيى هذا من عشه في جوار يوسف بن منصور بن مزنى وأطلقه مع أولاد مهلهل من الكعوب بعد أن وصلهم وشاركهم واسترهن فيه ابناءهم فأوصلوه إلى محل رياسته بتوزر ونصبه شيعته وأولياء أبيه وقاموا بأمره ورجع أمر الجريد كله إلى

[ 416 ]

رياسة مقدمه كما كان ثم وفدوا على السلطان أبى الحسن عند رجعته إلى افريقية ولقوه بوهران فلقاهم مبرة وتكرمة ورجع كل إلى بلده وحمل رياسته بعد ان امتحن الجزيرة ووفر الاسهام والاقطاع وأنفذ الصكوك والكتب فرجع إلى توزر يحيى بن محمد ابن أحمد بن يملول صبيا مغتلما والى نفطة على بن الخلف والى قفصة أحمد ابن عمه ابن العابد ونزل كل واحد من هذه الامصار عاملا وحامية وعقد على الجريد كله لمسعود بن ابراهيم ابن عيسى اليرنانى من طبقة وزرائه واستوصى بهؤلاء الرؤساء خيرا في جواره حتى إذا كانت نكبة السلطان بالقيروان سنة تسع وأربعين وارتحل عامل الجريد مسعود بن ابراهيم ونزل المغرب بمن معه من العمال والحامية ونمى خبره إلى الاعراب من كرفة فصبحوه في بعض مراحل سفره دون أرض الزاب فاستلحموه ومن كان معه من الحامية واستولوا على أفنيتهم وذخيرتهم وكراعهم واستبد رؤساء تلك البلاد بامصارهم وعادوا إلى دينهم من التمريض وآذنوا بالدعاء لصاحب الحضرة بمنابرهم واستمروا على ذلك فأما يحيى بن محمد بن يملول فنزع إلى مناغاة الملوك في الشارة والحجاب واتخاذ الآلة والبيت المعمور للصلاة واقتعاد الاريكة وخطاب السمر بل وفسح للمجون والعكوف على اللذات مجالا يرى ان جماع السياسة والملك في ادارة الكاس وافتراش الآس والحجبة عن الناس والتاله على الندمان والجلاس وفتح مع ذلك على رعيته وأهل ايالته باب العسف والجور ورعى بيت المشاهير منهم غيلة فأتلفت نفوسهم وامتد أمره في ذلك إلى أن استولى السلطان أبو العباس على افريقية وكان من أمره ما نذكر وأما جاره الجنب على بن الخلف فلم يلبث لما استبد برياسته أن حج سنة أربع وستين والتزم مذاهب الخير وطرق الرضا والعدالة وهلك سنة خمس بعد وولى مكانه ابنه محمد جاريا على سننه ثم هلك لسنة من ولايته وقام بأمره أخوه عبد الله بن على فاذكى سياسته وأوقع حزمه وأرهف للناس حده فنقموا عليه سيرته وتسنموا عنقه واستمكن مناهضهم في الشرف ومجاذبهم في رياسة البلد القاضى محمد بن خلف الله من صاحب الحضرة بذمة كانت له في خدمته قديما واستعمله لرعيها في خطة القضاء بحضرته وآثره بالمكان منه والصحبة فسعى بعبد الله هذا عند الخليفة ودله على مكامن هلكته وبصره بعورات بلده واقتياد عساكر السلطان إليه في زمامه ولما احتل بظاهر البلد وعبد الله رئيسها أشد ما كان قوة وأكثر جمعا وأمضى عزما استألف أخوه الخلف بن على بن الخلف جماعة المشيخة دونه وحرضهم عليه وداخل القاضى بتبييتها وأنه بالمرصاد في اقتحامها حتى إذا كانت البيعة دس إلى بعض الاوغاد في قتل أخيه عبد الله ومكر بالقاضي والعسكر وامتنع عليهم واعتصم دونهم واستقل برياسة بلده وأقام على ذلك يناغى ابن يملول في سيره

[ 417 ]

ويطارحه الكثير من مذاهبه ويجرى في الثناء الذى بلغ إلى غايته وأولى على بنيته وأما أحمد بن عمر بن العابد فلم يزل من لدن استبداده ببلده قفصة سالكا مسالك الخمول منحطا عن رتبة التكبر منتحلا مذاهب أهل الخير والعدلة في شارته وزيه ومركبه جانحا إلى التقلل فلما أوفى على شرف من العمر استبد عليه ابنه محمد وترفع عن حال أبيه بعض الشئ إلى مناغاه هؤلاء الرؤساء المترفين فبينما هؤلاء المتقدمون في هذه الحالة من الاستبداد على السلطان انتحلوا باخلاق الملوك والتثاقل عن الرعايا بالعسف والجور واستحداث المكوس والضرائب إذ طالما خصهم السلطان أبو العباس بالحضرة مستبدين بدعوته صار فاسهم عزائمه فوجموا وتوجسوا الخيفة منه وائتمروا في المظاهرة واتصال اليد بعد ان كانوا يستحثونه إلى الحضرة ويبعثون إليه بالانحياش على البعد زلوقا على صاحب الحضرة ونزوعا على مصدوقية الطاعة فلما استبد السلطان أبو العباس بالدعوة استرابوا في أمرهم وسربوا أموالهم في الاعراب المخالفين على السلطان من الكعوب يؤملون مدافعتهم عنهم فشمر لها أولاد أبى الليل بما كان وقع بينهم وبين السلطان من النفرة ونهض إليهم السلطان فغلبهم على ضواحي افريقية على الظواعن التى كانت جبايتها لهم منذ حين كما قلناه واستحلم فأوهن ذلك من قوتهم ثم زحف الثانية إلى أمصار الجريد فلاذوا بالامتناع وأناخ السلطان بعساكره وأوليائه من العرب أولاد مهلهل على قفصة فقابلها يوما أو بعض يوم وعدا في ثانية على نخيلهم يقطعها فكأنما يقطع بذلك أمعاءهم فتبرؤا من مقدمهم وشعر بذلك فبادر إلى السلطان ونزل على حكمه فتقبض عليه وعلى ابنه شهر ذى القعدة من سنة ثمانين وتملك البلد واستولى على ديار ابن العابد بما فيها وكان استيلاء لا يعبر عنه لطول أيامه في الولاية وكثر احتجانه للاموال وعقد السلطان على قفصة لابنه أبى بكر وارتحل يريد توزر فقوض عنها بأهله ونزل على أحياء مرداس وسرب فيهم المال فرحلوا معه إلى الزاب ولحق ببسكرة مأوى نكباته ومنتهى مقره فنزل بها على أحمد بن يوسف بن مزنى واقام هنا لك على بلغة من توقع مطالبة السلطان له ولجاره ابن مزنى من خسارة أموالهم في لفوف العرب وسوء المغبة إلى ان هلك لسنة أو نحوها بعد تقويضه عنهم بعثوا إلى السلطان فلقيه في أثناء طريقه وتقدم إلى البلد فنزل بقصور يملول واستولى على ذخيرته وتبرأ إليه أهل البلد من ودائع كانت له عندهم من خالص الذخيرة فدفعوها إلى السلطان وعقد لابنه المنتصر على توزر واستقدم الخلف بن الخلف من نفطة وكان يخالف أصحابه إلى الطاعة حتى نقضوها على ابن يملول وسالفه من العداوة ينقلها فلما أحيطبهم أدركه الدهش وبادر إلى السلطان بطاعته فأتاهم

[ 418 ]

وقدم عليه فتقبل السلطان ظاهره وأعطى له عن غيرها طمعا في استصلاحه وعقد عن حجابة ابنه المنتصر وأنزله معه بتوزر وأمره باستخلافه بلدة نفطة وعقد له على ولايتها وانكفأ راجعا إلى حضرته وقدم ابن الخلف على أمره ورأى انه قد تورط في الهلكة فراسل ابن يملول بمكانه من توزر وعثر أولياء السلطان عن كتابه إلى يعقوب بن على شيخ رياح ومدره حروبهم يحرضه على صريخ ابن يملول ومعونته فعلموا نكثه ومداجاته وبادروا إلى القبض عليه وولوا على نفطة من قبله وخاطبوا السلطان بالثأر وأقام في ارتحاله إلى ان كانت حادثة قفصة فبادر الامير المنتصر إلى قتله وكان من خبر قفصة أن ابن أبى زيد من مشيختها كان ينزع إلى السلطان قبل فتحها هو وأخوه لمنافسة بينهما وبين ابني العابد وهما محمد وأحمد بن عبد العزيز وابن عبد الله بن أحمد بن على ابن عبد الله بن على بن عمر بن أبى زيد وقد ذكر أوليتهم واستعمال سلفهم أيام الامير زكريا الاعلى في جبايته الجريد فلما استولى السلطان على البلاد رعى لهما تشيعهما وبدوهما إلى طاعته مع قومهما فأمر لهما مع ابنه بقفصة وكبيرها رديف لحاجبه عبد الله من الموالى الاتراك ومدبر لامور البلد في طاعة السلطان ثم نزغ الشيطان في صدره وحدثته نفسه بالاستبداد وأقام يتحين به وذهب الامير أبو بكر إلى زيارة أخيه بتوزر فكاده بالتخلف عنه وجمع أوباشا من الغوغاء والزعانف وتقدم بهم إلى القصبة وبعث بالصريخ للفتك بعبد الله التركي ونذر بذلك فأغلق أبواب القصبة وبعث الصريخ في أهل القرى وقاتلهم ساعة من نهار حتى وافى إليه المدد فلما استغلظ بمدده أدركهم الدهش وانفض الاشرار من حوله ونجوا إلى الاختفاء في بيوت البلد وتقبضوا على الكثير ممن داخلهم في الثورة ووصل الخبر إلى الامير أبى بكر بتوزر فبادر إلى مكانه وقد سكن جأشه واستلحم جميع من تقبض عليه حاجبه ونادى في الناس بالبراءة من ابن أبى زيد فتبرؤا منه وعثر الحرس عليه وعلى أخيه خارجين من أبواب البلد في زى النساء فقادوهما إليه فقتلهما بعد ان مثل بهما واستبد السلطان بالجريد ومحا منه آثار المساءة عليهما وانتظمه في عمالات السلطان وأما بلد الحامة وهى من عمالة قصطيلة وتعرف بحامة قابس وحامة مطماطة نسبة إلى أهلها الموطنين كانوا بها من البربر وهم فيما يقال الذين اختطوها ففيها الآن ثلاث قبائل من توجر وبنى ورثاجن وهم في العصبية فرقتان أولاد يوسف ورياستهم في أولاد أبى منيع وأولاد حجاف ورياستهم في أولاد وشاح ولا أدرى كيف سبب الفرقتين فأما أبو منيع فالحديث في رياستهم في قومهم أن جدهم رجاء بن يوسف كان له ثلاثة من الولد وهم بوشباك وأبو محمد وملالة وان

[ 419 ]

رياسته بعده كانت لابنه بوشباك ثم ابنه أبى منيع من بعده ثم لابنه حسن بن أبى منيع ثم لابنه محمد بن حسن ثم أخيه موسى بن حسن ثم لاخيهما أبى عنان إلى ان كان ما نذكر وأما أولاد حجاف فكات أول رياستهم لمحمد بن أحمد بن وشاح وقبله خاله القاضى محمد بن كلمى وكان العمال من الحضرة يتعاقبون فيهم إلى ان أسقط السلطان عنهم الخراج والمغارم بأسرها وكان مقدمهم لاول دولة السلطان أبى بكر من أولاد أبى منيع وهو موسى بن حسن وكان المديوني ولد السلطان واليا عليهم وارتاب بهم بعض الايام وأحبوا الثورة به فدس بها إلى السلطان في بعض حركاته وغزاهم بنفسه ففروا وأدركوا سبعة من أولاد يوسف هؤلاء وتقبض عليهم فقتلوا ثم رجع الامير وولى موسى بن حسن ولما هلك تولى بعده أخوه أبو عنان وطال أمد ولايته عليهم وكان منسوبا إلى الخير والعفاف وهلك سنة ثنتين وأربعين وولى بعده ابنه الآخر أبو زيان ثم بعدهما ابن عمهما مولاهم ابن محمد ووفد على السلطان أبى الحسن مع وفد أهل الجريد كما مر ثم هلك فولى بعده من بنى عمهم حسان بن هجرس وثار به محمد بن أحمد بن وشاح من أولاد حجاف المذكور فعزله وأقام في ولايته إلى سنة ثمان وسبعين فثار به على الحامة وقتلوا عمر بن كلبى العاصى وولوا عليهم حسان بن هجرس وثار به يوسف واعتقله وهو يوسف بن عبد الملك بن حجاج بن يوسف بن وشاح وهو يقدمهما يعطى طاعة معروفة ويستدعى العامل ببجاية ويراوغ عن المصدوقية والغلب والاستيلاء قد أحاط به من كل جهة وأملى على بعض نسابتهم أن مشيخة أهل الحامة في بنى بوشباك ثم في بنى تأمل من بوشباك وان تأمل رأس عليهم وان وشاحا من ولد تأمل على فرقتين بنو حسن وبنو يوسف وحسان بن هجرس ومولاهم وعمر أبو علان كلهم من بنى حسن ومحمد بن أحمد بن وشاح من بنى يوسف وهذا مخالف للاول والله أعلم بالصحيح في أمرهم وأما نفزاوة وأعمال قصطيلة فتنسب لهذا العهد إلى توزر وهى القرى العديدة المعروفة السير يعترض بينها وبين توزر إلى القبلة عنها التماسيح المشهورة المبالغة في الاعتساف ولها معالم قائمة من الخشب يهتدى بها السالك وربما يضل فتبتلعه ويسكن هذه القرى قوم من بقايا نفزاوة من البرابرة الذين بقوا هنا لك بعد انقراض جمهورهم ولحق العرب بسائر بطون البربر ومعهم معاهدون من الفرنجة ينسبون إلى سردانية نزلوا على الذمة والجزية وبها الآن أعقابهم ثم نزل عليهم من اعراب الشريد وزغب من بنى سليم كل من عجز عن الطعن وملكوا بها القفار والمياه وكثرت نفزاوة وهم لهذا العهد عامة أهلها وليس في نفزاوة هذه رياسة لمقرها ورجوعها في الغالب إلى اعمال توزر ورياستها هذا حال المتقدمين ببلاد الجريد في الدولة الحفصية أوردنا أخبارهم فيها

[ 420 ]

لانهم من صنائعها وفى عداد ولاتها ومواليها والله متولى الامور اه‍ أحمد بن يحيى بن محمد بن أبى على بن عبد الجليل بن العابد * (الخبر عن بنى مكى رؤساء قابس وأعمالها) * كانت قابس هذه من ثغور افريقية ومنتظمة في عمالتها وكان ولاتها من القيروان

[ 421 ]

أيام الاغالبة والعبيديين وصنهاجة من لدن الفتح ولما دخل الهلاليون افريقية واضطربت أمورها واقتسمت دولة صنهاجة الطوائف انتزى بقابس وصنهاجة المعز ابن محمد الصنهاجى وأدال منه يونس بن يحيى الصنبرى من مرداس رياح باخيه ابراهيم إلى أن هلك وولى أخوه القاضى ابن ابراهيم ثم نازله أهل قابس فقتلوه أيام تميم بن المعز بن باديس فبايعوا لعمر بن المعز بن باديس كان مخالفا على أخيه وذلك سنة تسع وثمانين وأربعمائة ثم غلبه عليها أخوه تميم وكام معتلقا للعرب وكانت قابس وضواحيها في قسم زغبة من عرب هلال ثم غلبتهم رياح عليها ونزل دكن بن كامل بن جامع من بنى دهمان وأخوه مادع وهما معا من بنى على احدى بطون رياح فاستحدث بها ملكا لقومه بنى جامع وأورثه بنيه إلى ان استولى الموحدون على افريقية وبعث عبد المؤمن عساكره إلى قابس ففر عنها مدافع بن رشيد آخرهم وانتظمها كما ذكرناه في أخبارهم وملكها وانقرض ملك بنى جامع وصارت قابس وأعمالها للموحدين وكان ولاة افريقية من السادة يولون عليها من الموحدين إلى أن تغلب بنو غالبة وقراقش على طرابلس وقابس وأعمالها وكان ما ذكرناه في أخبارهم ثم غلب الموحدون يحيى بن غانية عليها وأنزلو بها عمالهم ولما دعا بنو أبى حفص إلى افريقية المرة الثانية بعد مهلك الشيخ أبى محمد عبد الواحد وعقد العاقل على افريقية لابنه أبى محمد عبد الله عقد معه على قابس للامير أبى زكريا أخيه فنزلها أميرا ثم كان من شأن استبداده وخلعه لاخيه ولطاعة بنى عبد المؤمن ما ذكرناه وكان مشيخة قابس لذلك العهد في بيت من بيوتانها وهم بنو مسلم لم يحضرني ممن نسبهم وبنو مكى ونسبهم في لواتة وهو مكى بن فرح بن زيادة الله ابن أبى الحسن بن محمد بن زيادة الله بن الحسين اللواتى وكان بنو مكى هؤلاء خالصة للامير أبى زكريا ولما اعتزم على الاستبداد دخل أبو القاسم عثمان بن أبى القاسم بن مكى وتولى له أخذ البيعة على الناس وكان له ولقومه بذلك مكان من المولى أبى زكريا رعى لهم ذمتها ورفع من شأنهم بسببها ورموا بنى سليم نظراءهم في رياسة البلد بضغائنهم إلى ابن غانية فأخمدوا مالهم بماله ومحوا آثاهم واستقلوا بشورى بلدهم وأقاموا على ذلك أيام المولى أبى زكريا الاول وابنه المستنصر ثم كان ما قدمناه من مهلك الواثق بن المستنصر وبنيه على يد عمهم السلطان أبى اسحق وكان من أمر الداعي بن أبى عمارة وكيف شبه على الناس بالفضل بن المخلوع بحيلة من مولاه نصير رام أن ينأر بها من قاتلهم فتمت مكيدته في ذلك لما أراده الله ولما أظهر نصير أمره وتسايلت العرب إلى بيعته خطب لاول أمره رئيس قابس لذلك العهد من بنى مكى عبد المالك بن عثمان بن مكى فسارع إلى طاعته وحمل الناس عليها وكانت له بذلك قدم في الدولة معروف

[ 422 ]

رسوخها ولما ألقى الداعي بن أبى عمارة جسدا على كرسى الخلافة سنة احدى وثمانين قلده خطة الجباية بالحضرة مستقلا فيها بالولاية والعزل والفرض والتقدير والحسبان بعد ان أجزل من بيت المال عطاءه وجرايته وأسنى رزقه وأهدى الجوارى من القصر إليه ولما هلك الداعي واستقلت قدم الخلافة من عثارها كما قدمناه سنة ثلاث وثمانين لحق عبد الحق بن مكى ببلده وامتنع بها على حين ركود ريح الدولة وفشلها ومرض في طاعته ودافع أهل الدولة بالدعاء للخليفة على منابره ثم حاهر بالخلعان سنة ثلاث وتسعين وبعث بطاعته إلى صاحب الثغور المولى أبى زكريا الاوسط وهلك ابنه أحمد ولى عهده سنة سبع وتسعين ثم هلك هو من بعده على رأس المائة السابعة وتخلف حافده تكما قبصوه للملك بعقبه وكفله ابن عمه يوسف بن حسن وقام بالامر مستبدا عليه إلى أن هلك وخلفه في كفالة أحمد بن ليدان من بيوت أهل قابس واصبهان وبنى مكى وأثاب أمرهم بمهلك يوسف فنقب لهم السلطان الآن اللحيانى إلى الحضرة وأقاموا بها أياما ثم ردهم إلى بلدهم أيام مجافاته عن تونس وخروجه إلى ناحية قابس ثم هلك خلال ذلك مكى وخلف صبيين يافعين عبد الملك وأحمد فكفليما ابن ليدان إلى ان شباوا كتهلا ولهما من الامتناع على الدولة والاستبداد بأمر القطر والاقتصار على الدعاء للخليفة مثل ما كان لابيهما وأكثر لتقلص ظل الملك عن قطرهم وشغل السلطان بمدافعة يغمراسن وعساكرهم عن الثغور الغربية واجلائهم بالاعز واعتاص من أهل البيت على الحضرة ولما هلك السلطان أبو يحيى اللحيانى بمصر قفل ابنه عبد الواحد إلى المغرب يحاول أسباب الملك ونزل بساحتهم على ما كان من صنائع أبيه إليهم فذكروا العهد وأوجبوا الحق وآتوا بيعتهم كبيرهم عبد الملك بأمره ودعا الناس إلى طاعته وخالف السلطان أبا يحيى عند نهوضه إلى الثغور لحماية سنة ثلاث وثلاثين كما قدمناه فدخل الحضرة ولبث بها أياما لم تبلغ نصف شهر وبلغ خبرهم إلى السلطان فانكفأ راجعا وفروا إلى مكانهم من قابس والدولة بنظرهم الشزر ويتربص بهم الدوائر إلى ان غلب السلطان أبو الحسن على تلمسان ومحا دولة آل يغمراسن وفرغت الدولة من شأنهم إلى ومد عمر يده إلى صفاقس فتناولها وتغلب عليها سنة سبع وخمسين وهلك السلطان أبو عنان وقد شرق صدر ابن تافراكين الغالب على الحضرة بعداوتهما فردد عليهما برا وبحرا إلى أن تخلص جزيرة جربة من أيديهما أعوام أربعة وستين وعقد عليهما

[ 423 ]

لولده محمد فاستخلف بها كاتبه محمد بن أبى القاسم بن أبى العيون من صنائع الدولة كما ذكرناه وهلك أحمد بن مكى سنة ست وستين على قفيئة مهلك الحاجب بن تافراكين بالحضرة فكأنهما ضربا موعد اللهلكة توافياه وتخلف ابنه عبد الرحمن بطرابلس في كفالة مولاه ظافر العلج وهلك ظافر اثر مهلكه فاستبد عبد الرحمن بطرابلس وساءت سيرته فيها إلى أن نازله أبو بكر بن محمد بن ثابت في اسطوله كما نذكر سنة ثنتين وسبعين وأجلب عليه بالبرابرة والعرب من أهل الوطن فاستنقض عليه أهل البلد وثاروا به وبادر أبو بكر بن ثابت لاقتحامها عليه وأسلموه إلى أمير من أمراء ذئاب فأجاره إلى أن أبلغه مأمنه من محلة قومه وايالة عمه عبد الملك بقابس إلى أن هلك سنة تسع وسبعين ولم يزل عبد الملك لهذا العهد وهو سنة احدى وثمانين واليا على عمله بقابس وابنه يحيى مستبد بوزارته وحافده عبد الوهاب لابنه مكى رديف له وقد تراجعت أحوالهم عما كانت وخرجت من أيديهم الاعمال التى كانت في عمالته لعهد أخيه أحمد مثل طرابلس وجزيرة جربة وصفاقس وما إلى ذلك من العمالات حتى كان التخت انما كان لاخيه واليمن انما استقر لجنابه وسيرتهما جميعا من العدالة وتحرى مذاهب الخير والسمت والاتسام بسمات أهل الدين حملة الفقه معروفة حتى كان كل واحد منهم انما يدعى بالفقيه علما بين أهل عصره حرصا على الانغماس في مذاهب الخير وطرقه وكان لاحمد حظ من الادب وكان يغرس من الشعر فيجيد عفا الله عنه وله في الترسيل حظ ووساع بلاغة وينحو في كتابه منحى أهل المشرق في أوضاع حروفهم وأشكال رسومهم ولاخيه عبد الملك حظ من ذلك شارك به جهابذة أهل عصره ولما انتظم السلطان أبو العباس أمصار افريقية في ملكه واستبد بالدعوة الحفصية على قومه داخل أهل الجريد منه الروع وفزعوا إليه للمعارضة في الامتناع فداخلهم في ذلك وأشاروا إلى صاحب تلمسان بالترغيب في افريقية فعجز عنهم والحوا عليه فخام عن العداوة وزحف مولانا السلطان خلال ذلك إلى الجريد فملك قفصة وتوزر ونفطة فبادر ابن مكى إلى التلبس للاستقامة وبعث إليه بالطاعة ثم رجع السلطان إلى الحضرة فرجع هو عن المصدوقة وأتاهم أهل البلد بالحيل إلى السلطان فتقبض بعضهم ومر آخرون وانتقض عليه بنو أحمد اهل ضواحيه من ذئاب فنازلوه وبعثوا إلى الامير الاكبر بقفصة في العسكر لمنازلته فبعث إليهم وأحاطوا به ثم انتهر الفرصة ودخل بعض العرب من بنى على في تبييت المعسكر وبذل لهم في ذلك المال فبيتوه وانفض وبلغ الخبر إلى السلطان فخرج من حضرته سنة احدى وثمانين ونزل القيروان وتوافت الفئتان وبعث رسله للاعذار بين يديه فردهم ابن مكى بالطاعة

[ 424 ]

ثم احتمل رواحله ونزل باحياء العرب وأغذ السلطان السير إلى البلد فدخلها واستولى على قصورها ولاذ أهل البلد بالبيعة فآتوها واستعمل عليهم من بطانته وانكفأ راجعا إلى تونس وهلك عبد الملك لايام قلائل بين أجيال العرب وهلك ابنه عبد الرحمن وابن أخيه أحمد الذى كان صاحب طرابلس بعد أبيه ولحق ابنه يحيى وحفيده عبد الوهاب بطرابلس فمنعهم ابن ثابت من النزول ببلده لما كان متمسكا بطاعة السلطان فنزلوا بزنزور من بلاد ذئاب التى بضواحيها وأقاموا هنا لك واستقامت النواحى الشرقية على طاعة السلطان وانتظمت في دعوته والله مالك الملك ثم ذهب يحيى بن عبد الملك إلى المشرق لقضاء فرضه وأقام عبد الوهاب بين أحياء البرانس بالجبال هنا لك وكان الوالى الذى تركه السلطان بقابس قد ساء أثره في أهلها فدس شيعتهم إلى عبد الوهاب بذلك وجاء ثم احتمل رواحله ونزل باحياء العرب وأغذ السلطان السير إلى البلد فدخلها واستولى على قصورها ولاذ أهل البلد بالبيعة فآتوها واستعمل عليهم من بطانته وانكفأ راجعا إلى تونس وهلك عبد الملك لايام قلائل بين أجيال العرب وهلك ابنه عبد الرحمن وابن أخيه أحمد الذى كان صاحب طرابلس بعد أبيه ولحق ابنه يحيى وحفيده عبد الوهاب بطرابلس فمنعهم ابن ثابت من النزول ببلده لما كان متمسكا بطاعة السلطان فنزلوا بزنزور من بلاد ذئاب التى بضواحيها وأقاموا هنا لك واستقامت النواحى الشرقية على طاعة السلطان وانتظمت في دعوته والله مالك الملك ثم ذهب يحيى بن عبد الملك إلى المشرق لقضاء فرضه وأقام عبد الوهاب بين أحياء البرانس بالجبال هنا لك وكان الوالى الذى تركه السلطان بقابس قد ساء أثره في أهلها فدس شيعتهم إلى عبد الوهاب بذلك وجاء إلى البلد فبيتها وثاروا بالوالى فقتلوه سنة ثلاث وثمانين وملك عبد الوهاب قابس وجاء أخوه يحيى من المشرق بعد قضاء فرضه فأجلب عليه مرارا يروم ملكها وأوثقه كتافا وبعث به إليه واعتقله بقصر العد وسنين فمكث في السجن أعواما ثم فر من محبسه ولحق بالحامة على مرحلة من قابس مستنجدا ابن وشاح صاحبها فأنجده وما زال يجلب على نواحى قابس إلى أن ملكها وتقبض على عبد الوهاب ابن أخيه مكى فقتله أعوام تسعين وسبعمائة ولم يزل مستبدا ببلده إلى سنة ست وتسعين وكان عمر ابن السلطان أبى العباس قد بعثه أبوه لحصار طرابلس فخربها هؤلاء كما نذكره حتى استقام أهلها على الطاعة وأعطوا الضريبة فأفرج عنها ورجع إلى أبيه فولاه على صفاقس وأعمالها فاستقل بها ثم دخل أهل الحامة في ملك قابس فأجابوه وساروا معه فبيتها ودخلها وقبض على يحيى بن عبد الملك فضرب عنقه وانقرض أمر ابن مكى من قابس ولله الامر من قبل ومن بعد وهو خير الوارثين * (تم طبع الجزء السادس ويليه الجزء السابع أوله الخبر عن زناتة من قبائل البربر) *

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية