الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 تاريخ ابن خلدون - ابن خلدون ج 5

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون ج 5


[ 1 ]

تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر، وديوان المبتدإ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر لوحيد عصره العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المغربي المتوفى سنة 808 هجرية الجزء الخامس 1391 ه‍. - 1971 م. منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب. 7120

[ 2 ]

(بسم الله الرحمن الرحيم) الخبر عن دولة السلجوقية من الترك المستولين على ممالك الاسلام ودوله بالمشرق كلها إلى حدود مصر مستبدين على الخليفة ببغداد من خلافة القائم إلى هذا الزمان وما كان لهم من الملك والسلطان في أقطار العالم وكيف فعلوا بالعلماء وحجروهم وما تفرع عن دولتهم من الدول قد تقدم لنا ذكر أنساب الامم والكلام في أنساب الترك وأنهم من ولد كومر بن يافث أحد السبعة المذكورين من بنى يافث في التوراة وهم ماواق وماذاى وماغوغ وقطوبال وماشخ وطيراش وعدا بن اسحق منهم ستة ولم يذكر ماذاى وفي التوراة أيضا ان ولد كومر ثلاثة توغرما واشكان وريعات ووقع في الاسرائيليات أن الافرنج من ريعات والصقالبة من اشكان والخزر من توغرما والصحيح عند نسابة الاسرائيلين ان الخزر هم التركمان وشعوب الترك كلهم من ولد كومر ولم يذكر من أي ولده الثلاثة والظاهر أنهم من توغرما وزعم بعض النسابة أنهم من طيراش بن يافث ونسبهم ابن سعيد إلى ترك بن غامور بن سويل والظاهر أنه غلط وأن غامور تصحيف كما مر

[ 3 ]

واما سويل فلم يذكر أحد أنه من بني يافث وقد مر ذكر ذلك كله (والترك أجناس) كثيرة وشعوب فمنهم الروس والاعلان ويقال ابلان والخفشاخ وهم القفجق والهياطلة والخلج والغز الذين منهم السلجوقية والخطا وكانوا بأرض طمعاج ويمك والقوروتزكس واركس والططر ويقال الطغر غروانكر وهم مجاورون للروم واعلم أن هؤلاء الترك أعظم أمم العالم وليس في أجناس البشر أكتر منهم ومن العرب في جنوب المعمور وهؤلاء في شمله قد ملكوا عامة الاقاليم الثلاثة من الخامس والسادس والسابع في نصف طوله مما يلى المشرق فأول مواطنهم من الشرق على البحر بلاد الصين وما فوقها جنوبا إلى الهنك وما تحتها شمالا إلى سد يأجوج ومأجوج وقد قيل انهم من شعوب الترك وآحر مواطنهم من جهة الغرب بلاد الصقالبة المجاورين للافرنج مما يلى رومة إلى خليج القسطنطينية وأول مواطنهم من جهة الجنوب بلاد القور المجاورة للنهر ثم خراسان واذربيجان وخليج القسطنطينية وآخرها من الشمال بلاد مرغانة والشاش وما وراءها من البلاد الشمالية المجهولة لبعدها وما بين هذه الحدود من بلاد غزنة ونهر جيحون وما بحفافيه من البلاد وخوارزم ومفاوز الصين وبلاد القفچق والروس حفافى خليج القسطنطينية من جهة الشمال الغربي قد اعتمر لهذه البسائط منهم أمم لا يحصيهم الا خالقهم رحالة متنقلون فيها مستنجعين مساقط الغيث في نواحيه يسكنون الخيام المتخذة من اللبود لشدة البرد في بلادهم فقروا عليها * ومر بديار بكر وخرج إليه صاحبها نصر بن مروان وحمل مائة الف دينار لنفقته فلما سمع أنه قبضها من الرعايا ردها عليه ثم مر بنا هرو وأمنها واطف على السور وجعل يمسحه بيده ويمر بها على خدوده تبركا بثغر المسلمين ثم مر بالرها وحاصرها فامتنعت عليه ثم سار إلى حلب فبعث إليه صاحبها محمود ريعول القائد الذى عنده يخبر بطاعته وخطبته ويستعفيه من الخروج إليه منكرا منه الاذى وبحى على خير العمل فقال لابد من خروجه واشتد الحصار فخرج محمود ليلا مع أمه بنت وثاى الهنى متطارحا على السلطان فأكرم مقدمها وخلع عليه واعاده إلى بلده * (غزاة السلطان البارسلان إلى خلاط واسر ملك الروم) * كان ملك الروم بالقسطنطينية لهذا العهد اسمه ارمانوس وكان كثيرا ما يخيف تغور المسلمين وتوجه في سنة ثنتين وستين في عساكر كثيرة إلى الشأم ونزل على مدينة منبج واستباحها وجمع له محمود بن صالح بن مرداس الكلابي وابن حسان الطائى قومهما ومن إليهم من العرب فهزمتهم الروم ثم رجع ارمانوس إلى القسطنطينية واحتشد الروم والفرنج والروس والكرخ ومن يليهم من العرب والطوائف وخرج إلى بلاد كرد من

[ 4 ]

أعمال خلاط وكان السلطان البارسلان بمدينة حوف من اذربيجان منقلبا من حلب فبعث بأهله وأثقاله إلى همدان مع وزيره نظام الملك وسار هو في خمسة عشر ألف مقاتل وتوجه نحوهم متهيأ ولقيت مقدمته الروس فهزموهم وجاؤا بملكهم أسيرا إلى السلطان فجدعه وبعث اسلابهم إلى نظام الملك ثم توجه إلى سمرقند ففارقها التكير وأرسل في الصلح ويعتذر عن تومق فصالحه ملك شاه وأقطع بلخ وطخارستان لاخيه شهاب الدين مكين إلى خراسان ثم إلى الري * (فتنة قاروت بك صاحب كرمان ومقتله) * كان بكرمان قاروت بك اخو السلطان البارسلان أميرا عليها فلما بلغه وفاة أخيه سار إلى الزي لطلب الملك فسبقه إليها السلطان ملك شاه ونظام الملك ومعهما مسلم بن قريش ومنصور بن دبيس وأمراء الاكراد والتقوا على نهر مان فانهزم قاروت بك وجئ به إلى أمام سعد الدولة كوهراس فقتله خنقا وأمر كرمان بسير بنيه وبعث إليهم بالخلع وأقطع العرب والاكراد مجازاة لما ابلوا في الحرب وقد كان السلطان البارسلان شافعا فيه على الخليفة فلقيهم خبر وفاة البارسلان في طريقهم فمروا إلى ملك شاه وسبق إليه مسلم بطاعته واما بهاء الدولة منصور بن دبيس فان أباه أرسله بالمال إلى ملك شاه فلقيه سائرا للحرب فشهدها معه ثم توفى اياز أخو السلطان ملك شاه ببلخ سنة خمس وستين فكفله ابنه ملك شاه إلى سنة سبع وستين وتوفى القائم منتصف شعبان منها لخمس وأربعين سنة من خلافته ولم يكن له يومئذ ولد وانما كان له حافد وهو المقتدى عبد الله ابن محمد وكان أبوه محمد بن القائم ولى عهده وكان يلقب ذخيرة الدين ويكنى ابا العباس وتوفى سنة وعهد القائم لحافده فلما توفى اجتمع اهل الدولة وحضر مؤيد الملك بن نظام الملك والوزير فخر الدولة بن جهيز وابنه عميد الدولة والشيخ ابو اسحق الشيرازي ونقيب النقباء طراد وقاضي االقضاة الدامغاني فبايعوه بالخلافة لعهد جده إليه بذلك وأقر فخر الدولة بن جهير على الوزارة وبعث ابنه عميد الدولة إلى السلطان ملك شاه لاخذ بيعته والله الموفق للصواب استيلاء السلجوقية على دمشق وحصارهم مصر ثم استيلاء تتش ابن السلطان البارسلان على دمشق قد تقدم لنا ملك انسز الرملة وبيت المقدس وحصاره دمشق سنة احدى وستين ثم عاد عنها وجعل يتعاهد نواحيها بالعيث والافساد كل سنة ثم سار إليها في رمضان سنة سبع وستين وحاصرها ثم عاد عنها وهرب منها أميرها من قبل المستنصر العلوى صاحب

[ 5 ]

مصر المعلى بن حيدوه لانه كثر عسفه بالجند والرعية وظلمه فثاروا به فهرب إلى ياساس ثم إلى صور ثم إلى مصر فحبس ومات بها محبوسا واجتمعت المصامدة بدمشق وولى عليهم انصار بن يحيى المصمودى ويلقب نصير الدولة وغلت الاقوات عندهم واضطربوا فعاد إليها انسز في شعبان سنة ثمان وستين فاستأمنوا إليه وعوض انتصارا منها بقلعة بانياس ومدينة يافان الساحل ودخلها في ذى القعدة وخطب بها للمقتدى ومنع من النداء بحى على خير العمل وتغلب على كثير من مدن الشأم ثم سار سنة تسع وستين إلى مصر وحاصرها وضيق عليها واستنجد المنتصر بالبوادي من نواحيها فوعدوه بالنصر وخرج بدر الجمالى في العساكر التى كانت بالقاهرة وجاء أهل البلاد لميعادهم فانهزم انسز وعساكره ونجا إلى بيت المقدس فوجدهم قد بمخلفه فتحصنوا منه بالمعاقل فافتتحها عنوة واستباحها حتى قتلهم في المسجد وقد تقدم ضبط هذا الاسم وأنه عند أهل الشأم انسيس والصحيح انسز وهو اسم تركي ثم ان السلطان ملك شاه اقطع اخاه تتش بن البارسلان بلاد الشأم وما يفتحه من تلك النواحى سنة سبعين وأربعمائة فقصد حلب أولا وحاصرها ومعه جموع من التركمان وكان بدر الجمالى المستولي على مصر قد بعث العساكر لحصار دمشق وبها انسز فبعث إلى تتش وهو على حلب يستنجده فسار إليه وأخرت عساكر مصر عنه منهزمين ولما وصل إلى دمشق قعد انسز على لقائه وانتظر قدومه فلقيه عند السور وعاتبه على ذلك فتساهل في العذر فقتله لوقته وملك البلد واستولى على الشأم أجمع كما سيأتي وكان يلقب تاج الدولة ثم سار في سنة ثنتين وسبعين إلى حلب فحاصرها أياما وأفرج عنها وملك مراغة والبيرة وعاد إلى دمشق وخالفه مسلم بن قريش إلى حلب فملكها كما تقدم في أخباره وضمنها للسلطان ملك شاه فولاه اياها وسار مسلم بن قريش فحاصرها آخر سنة أربع وسبعين ثم أفرج عنها فخرج تتش وقصد طرسوس من الساحل فافتتحها ورجع ثم حاصرها مسلم ثانية سنة تسع وسبعين وبلغه أن تاج الدولة تتش سار إلى بلاد الروم غازيا فخالفه إلى دمشق وحاصرها معه العرب والاكراد وبعث إليه العلوى صاحب مصر بعده بالمدد وبلغ الخبر إلى تتش فكر راجعا وسبقه إلى دمشق فحاصرها أياما ثم خرج إليه تتش في جموعه فهزمه واضطرب أمره ووصله الخبر بانتقاض أهل حران فرحل من مرج الصفر راجعا إلى بلاده ثم سار أمير الجيوش من مصر في العساكر إلى دمشق سنة ثمان وسبعين وحاصرها فامتنعت عليه ورجع فلحقوا بأخيه تكش في فقوى به وأظهر العصيان واستولى على مرو الروذ ومرو الساهجان وغيرهما وسار الى نيسابور طامعا في ملك خراسان وبلغ الخبر إلى السلطان

[ 6 ]

فسبقه إلى نيسابور فرجع تتش وتحصن بترمذ وحاصره السلطان حتى سأل الصلح وأطلق من كان في أسره من عسكر السلطان ونزل عن ترمذ وخرج إليه فأكرمه ثم عاود العصيان سنة سبع وسبعين وملك مرو الروذ ووصل قريبا من سرخس وحاصر قلعة هناك لمسعود ابن الامير فاخر وتحيل أبو الفتوح الطوسى صاحب نظام وهو بنيسابور على ملطفة وضعوها على شبه خط نظام الملك يخاطب فيها صاحب القلعة بأنه واصل في ركاب السلطان ملك شاه وأنه مصالح للقلعة وتعرض حاملها لاهل المعسكر حتى أخذوا كتابه بعد الضرب والعرض على القتل وحدثهم بمثل ما في الصحيفة وان السلطان وعساكره في الرى فأجفلوا لوقتهم إلى قلعة ربح وخرج أهل الحصن فأخذوا ما في العسكر وجاء السلطان بعد ثلاثة أشهر فحاصره في قلعته حتى افتتحها وحده ودفعه إلى ابنه أحمد فتسلمه وحبسه فخرجا من يمينه معه * (سفارة الشيخ أبى اسحق الشيرازي عن الخليفة) * كان الخليفة المقتدى وكان عميد العراق أبو الفتح بن أبى الليث يسئ معاملة الخليفة فبعث المقتدى الشيخ أبا اسحق الشيرازي إلى السلطان ملك شاه ووزيره نظام الملك باصفهان شاكيا من العميد فسار الشيخ لذلك ومعه الامام أبو بكر الشاشى وغيره من الاعيان ورأى الناس عجبا في البلاد التى يمر بها من اقبال الخلق عليه وازدحامهم على محفته يتمسحون بها ويلثمون أذيالها وينشرون موجودهم عليها من الدراهم والدنانير لاهلها والمصنوعات لاهل الصنائع والبضائع للتجار والشيخ في ذلك يبكى وينتحب ولما حضر عند السلطان أظهر المحرمة وأجابه إلى جميع ما طلبه ورفعت بدا لعميد عن كل ما يتعلق بالخليفة وحضر الشيخ مجلس نظام الملك فجرت بينه وبين امام الحرمين مناظرة خبرها معروف * (اتصال بنى جهير بالسلطان ملك شاه ومسير فخر الدولة لفتح ديار بكر) * كان فخر الدولة أبو نصر بن جهير وزير المقتدى قد عزل سنة احدى وسبعين على يد نظام الملك ولحق به ابنه عميد الدولة واسترضاه فرضى نظام الملك وشفع إلى الخليفة فاعتمد عميد الدولة دون أبيه كما تقدم في أخبار الخلفاء ثم أرسل المقتدى سنة أربع وسبعين فخر الدولة إلى ملك شاه يخطب له ابنته فسار إلى اصبهان وعقد له نكاحها على خمسين ألف دينار معجلة وعاد إلى بغداد ثم عزل المقتدى ابنه عميد الدولة عن الوزارة سنة ست وسبعين وكانوا قد علقوا بخطة من نظام الملك فبعث عن نفسه وعن ملك شاه يطلب حضور بنى جهير عندهم فساروا بأهليهم فعظمت حظوظهم عند السلطان وعقد لفخر الدولة

[ 7 ]

على ديار بكر وبعث معه العساكر لفتحها من يد بنى مروان وأذن له في اتخاذ الآلة وان يخطب لنفسه ويكتب اسمه على السكة فسار في العساكر السلطانية * (استيلاء ابن جهير على الموصل) * ولما سار فخر الدولة ابن جهير لفتح ديار بكر استنجد ابن مروان مسلم بن قريش وشرط له أمرا وتحلفا على ذلك واجتمعا لحرب ابن جهير وبعث السطان الامير ارتق بن أكسك في العساكر مددا لابن جهير فجنح ابن جهير إلى الصلح وبادر ارتق إلى القتال فهزم العرب والاكراد وغنم معسكرهم ونجا مسلم بن قريش إلى آمد وأحاطت به العسكر فلما اشتد مخنقه راسل الامير ارتق في الخروج على مال بذله له فقبله وكانت له حراسة الطريق فخرج إلى الرقة وسار ابن جهير إلى ميافارقين وفارقه منصور بن مزيد وابنه صدقة فعاد منها إلى خلاط ولما بلغ السلطان انحصار مسلم في آمد بعث عميد الدولة في جيش كثيف إلى الموصل ومعه آقسنقر قسيم الدولة الذى أقطعه بعد ذلك حلب وساروا إلى الموصل فلقيهم أرتق ورجع معهم ولما نزلوا على الموصل بعث عميد الدولة إلى أهلها بالترغيب والترهيب فأذعنوا واستولى عليها وجاء السلطان في عساكره إلى بلاد مسلم بن قريش وقد خلص من الحصار وهو مقيم قبالة الرحبة فبعث إليه مؤيد الكتاب ولاطف السلطان واسترضاه ووفد إليه بالقوارح ورده السلطان إلى اعماله وعاد لحرب أخيه تتش الذى ذكرناه آنفا فتح سليمان بن قطلمش انطاكية والخبر عن مقتله ومقتل مسلم ابن قريش واستيلاء تتش على حلب كان سليمان بن قطلمش بن اسرائيل بن سلجوق قد ملك قرسة واقتصرا وأعمالها من بلاد الروم إلى الشأم وكانت انطاكية بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلثمائة وكان ملكها لعهده الفردروس فأساء السيرة إلى جنده ورعاياه وتنكر لابنه وحبسه فداخل الشحنة في تمكين سليمان من البلد فاستدعوه سنة سبع وسبعين فركب إليها البحر وخرج إلى البر في أقرب السواحل إليها في ثلثمائة ألف فارس ورجل كثير وسار في جبال وأوعار فلما انتهى إلى السور وأمكنه الشحنة من تسليم السور دخل البلد وقاتل أهلها فهزمهم وقتل كثيرا منهم ثم عفا عنهم وملك القلعة وغنم من أموالهم ما لا يحصى وأحسن إلى أهلها وأمر لهم بعمارة ما خرب وأرسل إلى السلطان ملك شاه بالفتح ثم بعث إليه مسلم بن قريش يطلب منه ما كان يحمل إليه الفردروس ملك انطاكية من المال ويخوفه معصية السلطان فأجابه بتقرير الطاعة للسلطان

[ 8 ]

وبان الجزية لا يعطيها مسلم فسار مسلم ونهب نواحى انطاكية فنهب سليمان نواحى حلب ثم جمع سليمان العرب والتركمان وسار لنواحي انطاكية ومعه جماهير التركمان وجمع سليمان كذلك والتقيا آخر صفر سنة ثمان وسبعين وانحاز جق إلى سليمان فانهزمت العرب وقتل مسلم وسار سليمان بن قطلمش إلى حلب وحاصرها فامتنعت عليه وارسل إليه ابن الحثيثى العباسي كبير حلب بالاموال وطالبه أن يمهل حتى يكاتب السلطان ملك شاه ودس إلى تاج الدولة تتش صاحب دمشق يستدعيه لملكها فجاء لذلك ومعه ارسوس اكسك وكان خائفا على نفسه من السلطان ملك شاه لفعلته في امر فاستجار بتتش وأقطعه المورس وسار معه لهذه الحرب وبادر سليمان بن قطلمش إلى اعتراضهم وهم على تعبية وابلى أرتق في هذه الحروب وانهزم سليمان وطعن نفسه بخنجر فمات وغنم تتش معسكره وبعث إلى ابن الحثيثى العباسي فيما استدعاه إليه فاستمهله إلى مشورة السلطان ملك شاه واغلظ في القول فغضب تتش وداخله بعض اهل البلد فتسورها وملكها واستجار ابن الحثيثى بالامير ارتق فأجاره وسمع له * (استيلاء ابن جهير على ديار بكر) * ثم بعث ابن جهير سنة ثمان وسبعين ابنه زعيم الرؤساء ابا القاسم إلى حصار آمد ومعه جناح الدولة اسلار فحاصرها واقتلع شجرها وضيق عليها حتى جهدهم الجوع وغدر بعض العامة في ناحية من سورها ونادى بشعار السلطان واجتمع إليه العامة لما كانوا يلقون من عسف العمال النصارى فبادر زعيم الرؤساء إلى البلد وملكها وذلك في المحرم وكان ابوه فخر الدولة محاصر الميافارقين ووصل إليه سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد بمدد العساكر فاشتد الحصار وسقطت من السور ثلمة في سادس جمادى فنادوا بشعار السلطان ومنعوا ابن جهير من البلد واستولى على أموال بنى مروان وبعثها مع ابنه زعيم الرؤساء إلى السلطان فسار مع كوهراس إلى بغداد ثم فارقه إلى السلطان باصبهان ولما انقضى أمر ميافارقين بعث فخر الدولة جيشا إلى جزيرة ابن عمر فحاصرها وقام بعض أهلها بدعوة السلطان وفتحوا مما يليهم بابا قريبا دخل منه العسكر فملكوا البلد وانقرضت دولة بنى مروان من ديار بكر والبقاء لله ثم أخذ السلطان ديار بكر من فخر الدولة بن جهير وسار إلى الموصل فأقام بها إلى أن توفى سنة ثلاث وثمانين * (استيلاء السلطان ملك شاه على حلب وولاية اقسنقر عليها) * لما ملك تاج الدولة تتش مدينة حلب وكان بها سالم بن ملك بن مران ابن عم مسلم بن قريش وامتنع بالقلعة وحاصره تتش سبعة عشر يوما حتى وصل الخبر بمقدم أخيه

[ 9 ]

السلطان ملك شاه وقد كان ابن الحثيثى كتب إليه يستدعيه لما خاف من تتش فسار من اصبهان منتصف تسع وسبعين وفي مقدمته برثق وبدران وغير هما من الامراء ومر بالموصل في رجب ثم سار إلى هراة وبها ابن الشاطى فملكها وأقطعها لمحمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش وأقطعه معها مدينة الرحبة وأعمالها حران وسروج والرقة وخابور وزوجه أخته زليخا خاتون ثم سار إلى الرها وافتتحها من الروم وكانوا اشتروها من ابن عطية كما مر وسار إلى قلعة جعفر فملكها وقتل من كان بها من بنى قشير وكان صاحبها جعفر أعمى وكان يخيف السابلة هو وولده فأزال ضررهم ثم ملك منبج وعيسر الفرات إلى حلب فأجفل تتش عن المدينة ودخل ومعه الامير ارتق ورجع إلى دمشق فلما وصل السلطان إلى حلب ملكها ثم إلى القلعة فملكها من سالم بن ملك على أن يعليه قلعة جعفر فلم تزل بيد عقبه إلى أن ملكها منهم نور الدين الشهيد ثم بعث إليه نصر بن علي بن منقذ الكنانى بالطاعة فأقره على شيراز وتسلم منه اللاذقية وبعرطاف وجامية ورجع ثم رجع السلطان بعد أن ولى على حلب قسيم الدولة اقسنقر ورغب إليه أهل حلب أن يعفيهم من ابن الحثيثى فأخرجه عنهم إلى ديار بكر وتوفى بها ثم رجع السلطان إلى بغداد فدخلها في ذى الحجة من سنته ونزل بدار المملكة وأهدى للخليفة هدايا كثيرة واجتمع بالخليفة ليلا ثم دخل إليه في مجلسه نهارا وأفيضت عليه الخلع وسلم أمراء السلجوقية على الخليفة ونظام الملك قائم يقربهم واحدا واحدا ويعرف بهم ثم صرح المقتدى للسلطان ملك شاه بالتفويض وأوصاه بالعدل فقبل يده ووضعها على عينيه وخلع الخليفة على نظام الملك وجاء إلى مدرسته التى فيها الحديث وأملى * (خبر الزفاف) * قد قدمنا أن السلطان ملك شاه زوج ابنته من الخليفة المقتدى سنة أربع وسبعين بخطبة الوزير بن جهير فلما كان سنة ثمانين في المحرم نقل جهازها للزفاف إلى دار الخلافة على مائة وثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي أكثرها ذهب وفضة ومعه ثلاث عماريات ومعها أربع وسبعون بغلا مجللة بأنواع الديباج المكى وقلائدها الذهب وعلى ستة منها اثنا عشر صندوقا من فضة مملوأة بالحلى والجواهر ومهد عظيم من ذهب وسار بين يدى الجهاز سعد الدولة كوهراس والامير ارتق وغيرهما من الامراء والناس يسترون عليهم الدنانير والثياب وبعث الخليفة وزيره أبا شجاع إلى زوجة السلطان تركمان خاتون ومعه خادمه ظفر بمحفة لم ير مثلها ومعهم ثلثمائة من الشمع الموكف ومثلها مشاعل واوقدت الشموع في دكاكين الحريم الخلافى وقال الوزير لخاتون سيدنا أمير المومنين يقول ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وقد أذن في نقل

[ 10 ]

الوديعة إلى داره فقالت سمعا وطاعة ومشى بين يديها أعيان الدولة مع كل واحد لشمع والمشاعل يحملها الفرسان ثم جاءت المأمون من بعدهم في محفة مجللة عليها من الذهب والجواهر ما لا يحد ويحيط بالمحفة مائتا جارية من الاتراك على مراكب رائعة وأولم الخليفة وليمة لم يسمع بمثلها ثم أطلع للناس من الغد سماط مائدة عليها أربعون ألفا من السكر وخلع على أعيان العسكر وعلى جميع الحواشى * (استيلاء السلطان ملك شاه على ما وراء النهر) * كان صاحب سمرقند لهذا العهد من الخانية أحمد خان بن خضر خان أخى شمس الملك الذى كان أميرا عليها وعمته خاتون زوجة ملك شاه وكان ردئ السيرة فبعثوا إلى السلطان يسألونه الرجوع إلى ايالته وجاء بذلك مفتى سمرقند أبو طاهر الشافعي قدم حاجا وأسر ذلك إلى السلطان فسار من اصبهان سنة ثنتين وثمانين ومعه رسول الروم بالخراج المقدر عليهم فاستعجم وأحضر للفتح ولما انتهى إلى خراسان جمع العساكر وعبر النهر بجيوش لا تحصى وأخذ ما في طريقه من البلاد ثم انتهى إلى بخارى فملكها وما جاورها ثم سار إلى سمرقند فحاصرها وأخذ بهجتها ثم رماها بالمنجنيق وثلم سورها ودخل من الثلمة وملك البلد واختفى أحمد خان ثم جئ به أسيرا فأطلقه وبعث به إلى اصبهان وولى على سمرقند أبا طاهر عميد خوارزم وسار الى كاشقر فبلغ إلى نور وكمن وبعث إلى كاشقر بالخطبة وضرب السكة فأطاع وحضر عند السلطان فأكرمه وخلع عليه وأعاده إلى بلده ورجع السلطان إلى خراسان وكان بسمرقند عساكر يعرفون بالحكلية فأرادوا الوثوب بالعميد نائب السلطان فلاطفهم ولحق ببلده خوارزم (عصيان سمرقند وفتحها ثانيا) * كان مقدم الحكلية بسمرقند اسمه عين الدولة وخاف السلطان لهذه الحادثة فكاتب يعقوب نكين أخا ملك كاشقر وكانت مملكته تعرف بارياسى فاستحضره وملكه ثم شكر له يعقوب وحمل أعداءه من الرعية على طلب الثأر منه وقتله بفتاوى الفقهاء واستبد بسمرقند وسار السلطان ملك شاه إليها سنة ثنتين وثمانين فلما انتهى إلى بخارى هرب يعقوب إلى فرغانة ولحق بولايته وجاء بعسكره مستأمنين إلى السلطان فلقوه بالطواويس من قرى بخارى ووصل السلطان إلى سمرقند وولى عليها الامبرانز وأرسل العساكر في طلب يعقوب وأرسل إلى ملك كاشقر بالجد في طلبه وشعب على يعقوب عساكره وتهيؤا خزائنه ودخل على أخيه كاشقر مستجيرا به وبعث السلطان في طلبه منه فتردد بين المخافة والانفة ثم غلب عليه الخوف فقبض على أحيه يعقوب وبعثه مع ابنه وأصحابه إلى السلطان وأمرهم أن يسملوه في طريقه فان قنع السلطان بذلك والا أسلموه إليه فلما قربوا على السلطان وعزموا على حمله

[ 11 ]

بلغهم الخبر بأن طغرل بن نيال أسرى من ثمانين فرسخا بعساكر لا تحصى فكبس ملك كاشقر وأسره فأطلقوا يعقوب ثم خشى السلطان شأن طغرل بن نيال وكثرة عساكره فرجع على البلد ودس تاج الملك في استصلاح يعقوب فشفع له ورد إلى كاشقر ورد الطغرل ورجع هو إلى خراسان ثم قدم إلى بغداد سنة أربع وثمانين العزمة الثانية ووجد عليه أخوه تاج الدولة تتش صاحب الشأم وقسيم الدولة اقسنقر صاحب حلب وبوران صاحب الرها وعمال الاطراف وأقام صنيع الميلاد ببغداد وتأنق بما لم يعهد مثله وأمر وزيره نظام الملك وأمراءه ببناء الدور ببغداد لنزلهم ورجع إلى اصبهان * (استيلاء تتش على حمص وغيرها من سواحل الشأم) * لما قدم السلطان سنة أربع وثمانين وفد عليه أمراء الشأم كما قدمنا فلما انصرفوا من عنده أمر أخاه تاج الدولة تتش أن يذهب دولة العلويين من ساحل الشأم ويفتح بلادهم وأمر اقسنقر وبوران أن يسيرا لانجاده فلما رجعوا إلى دمشق سار إلى حمص وبها صاحبها ابن ملاعب وقد عظم ضرره وضرر ولده على الناس فحاصرها وملكها ثم سار إلى قلعة عرفة فملكها عنوة ثم إلى قلعة أماسية فائتا من إليه خادم كان بها فأرسل إلى أمراء تتش في اصلاح حاله فسدوا عليه المذاهب فأرسل إلى وزير اقسنقر يسعى له عند صاحبه وعمل له على ثلاثين ألف دينار ومثلها عروضا فجنح إلى مصالحته واختلف مع تتش على ذلك وأغلظ كل منهما لصاحبه في القول فرحل اقسنقر مغاضبا واضطر الباقون إلى الرحيل وانتقض أمرهم * (ملك اليمن) * كان فيمن حضر عند السلطان ببغداد كما قدمناه عثمان چق أمير التركمان صاحب قرمسيس وغيرها فأمره السلطان أن يسير في جموع التركمان للحجاز واليمن فيظهر أمرهم هناك وفوض إلى سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد فولى عليهم أميرا اسمه ترشك وسار إلى الحجاز فاستولى عليه وأساء السيرة فيه حتى جاء أمير الحجاز محمد بن هاشم مستغيثا منهم ثم ساروا سنة خمس وثمانين إلى اليمن وعاثوا في نواحيه وملكوا عدن وأساؤا السيرة في أهلها وأهلكوا برشك سابع دخولها وأعاده أصحابه إلى بغداد فدفنوه بها * (مقتل الوزير نظام الملك) * ثم ارتحل السلطان ملك شاه إلى بغداد سنه خمس وثمانين فانتهى إلى اصبهان في رمضان وخرج نظام الملك من بيته بعد الافطار عامدا إلى خيمته فاعترضه بعض الباطنية

[ 12 ]

في صورة متظلم فلما استدناه لسماع شكواه طعنه بخنجر فأشواه وعثر الباطني في أطناب الخيام ودخل نظام الملك الخيمة فمات لثلاثين سنة من وزارته واهتاج عسكره فركب إليه السلطان وسكن الناس ويقال ان السلطان ملك شاه وضع الباطني على قتله لما وقع منه ومن بنيه من الدالة والتحكم في الدولة وقد كان السلطان دس على ابنه جمال الدين من قتله سنة خمس وسبعين كان بعض حواشى السلطان سعى به فسطابه جمال الدين وقتله فأحقد السلطان بذلك وأخذ عميد خراسان فقتله خنقا فدس لخادم من خدم جمال الدين بذلك وأنهم إذا تولوا قتله بأنفسهم كان أحفظ لنعمتهم فسقاه الخادم سما ومات وجاء السلطان إلى نظام الملك وأغراه به وما زال بطانة السلطان يغضون منه ويحاولون السعاية إلى أن ولى حافده عثمان بن جمال الملك على مرو وبعث السلطان إليها كردن من أكابر المماليك والامراء شحنة ووقعت بينه وبين عثمان منازعة قى بعض الايام فأهانه وحبسه ثم أطلقه وجاء إلى السلطان شاكيا فاستشاط غضبا وبعث فخر الملك البارسلان إلى نظام الملك وأغراه به ومازل يقول ان كنت تابعا فقف عند حدك وان كنت شريكي في سلطاني فافعل ما بدالك وقرر عليه فعل حافده وسائر بنيه في ولايتهم وأرسل معه نكبرذ من خواصه ثقة على ما يؤديه من القول ويجيبه الآخر فانبسط لسان نظام الملك يعدد الوسائل منه والمدافعة عن السلطان وجمع الكلمة وفتح الامصار في كلام طويل حملته عليه الدالة وقال في آخره ان شاء فله مؤيد مرو آتى ومتى أطعت هذه زالت تلك فليأخذ حذره ثم زاد في انبساطه وقال قولوا عنى ما أردتم فان توبيخكم نتأفى عضدي ومضى نكبرذ فصدق السلطان الخبر وجاء الآخرون وحاولوا الكتمان فلم يسعهم لما وشى نكبرذ بجلية القول فصدقوه كما صدقه ومات نظام الملك بعدها بقليل ومات السلطان بعده بنحو شهر وكان أصل نظام الملك من طوس من أبناء الدهاقين اسمه أبو على الحسن بن على بن اسحق ذهبت نعمة آبائه وماتوا فنشأ يتيما ثم تعلم وحذق في العلوم والصنائع وعلق بالخدم السلطانية في بلاد خراسان وغزنة وبلخ ثم لازم خدمة أبى على بن شاذان وزير البارسلان ومات ابن شاذان فاوصي به السلطان البارسلان وعرفه كفايته فاستخدمه فقام بالامور أحسن قيام فاستوزره ثم هلك السلطان البارسلان وهو في وزارته ثم استوزره ملك شاه بعد أبيه وكان عالما جوادا صفوحا مكرما للعلماء وأهل الدين ملازما لهم في مجلسه شيد المدارس وأجرى فيها الجرايات الكثيرة وكان يملى الحديث وكان ملازما للصلوات محافظا على أوقاتها وأسقط في أيامه كثيرا من المكوس والضرائب وأزال لعن الاشعرية من المنابر بعد أن فعله الكندوى من قبله وحمل عليه السلطان طغرلبك وأجراهم مجرى الرافضة

[ 13 ]

وفارق امام الحرمين وأبو القاسم القشيرى البلاد من أجل ذلك فلما ولى البارسلان حمله نظام الملك على ازالة ذلك ورجع العلماء إلى أوطانهم ومناقبه كثيرة وحسبك من عكوف العلماء على مجلسه وتدوينهم الدواوين باسمه فعل ذلك امام الحرمين وأشباهه وأما مدارسه فقد بنى النظامية ببغداد وناهيك بها ورتب الشيخ أبا اسحق الشيرازي للتدريس بها وتوفى سنة ست وسبعين فرتب ابنه مؤيد الملك مكانه أبا سعيد المتولي فلم يرضه نظام الملك وولى فيها الامام أبا نصر الصباغ صاحب الشاهل ومات أبو نصر في شعبان من تلك السنة فولى أبو سعيد من سنة ثمان وسبعين ومات فدرس بعده الشريف العلوى أبو القاسم الدبوسي وتوفى سنة ثنتين وثمانين وولى تدريسه بعدها أبو عبد الله الطبري والقاضى عبد الوهاب الشيرازي بالنوبة يوما ببوم ثم ولى تدريسها الامام أبو حامد الغزالي سنة أربع وثمانين واتصل حكمها على ذلك وفي أيامه عكف الناس على العلم واعتنوا به لما كان من حسن أثره في ذلك والله أعلم * (وفاة السلطان ملك شاه وولاية ابنه محمود) * ثم لما سار السلطان بعد مقتل نظام الملك إلى بغداد ودخلها آخر رمضان وكان معه في الدولة أبو الفضل الهروستمانى وزير زوجته الخاتون الجلالية من الملوك الخانية فيما وراء النهر وكان من أشد الناس سعاية في نظام الملك وعزم السلطان أن يستوزره لاول دخوله بغداد فعاقت الميتة عن ذلك وطرقه المرض ثالث الفطر وهلك منتصف شوال سنة خمس وثمانين وكانت زوجته تركمان خاتون الجلالية عنده في بغداد وابنها محمود غائبا في اصبهان فسلمت موته وسارت بشلوه إلى اصبهان وتاج الملك في خدمتها وقدمت بين يديها قوام الدين كربوقا الذى ولى الموصل من بعد وأرسلته بخاتم السلطان إلى مستحفظ القلعة فملكها وجاءت على اثره وقد أفاضت الاموال في الامراء والعساكر ودعتهم إلى بيعة ولدها محمود وهو ابن أربع سنين فأجابوا إلى ذلك وبايعوه وارسلت إلى المقتدر في الخطبة له فأجابها على أن يكون الامير أنز قائما بتدبير الملك ومجد الملك مشيرا وله النظر في الاعمال والجباية فنكرت ذلك أمه خاتون وكان السفير أبا حامد الغزالي فقال لها ان الشرع لا يجيز ولاية ابنك فقبلت الشرط وخطب له آخر شوال سنة خمس وثلاثين وأرسلت تركمان خاتون إلى اصبهان في القبض على بركيارق فحبس باصبهان وكان السلطان ملك شاه من أعظم ملوك السلجوقية ملك من الصين إلى الشأم ومن أقصى الشأم إلى اليمن وحمل لطيه ملوك الروم الجزية ومناقبه عظيمة مشهورة * (منازعة بركيارق لاخيه محمود وانتظام سلطانه) *

[ 14 ]

كان بركيارق أكبر أولاد السلطان ملك شاه وكانت أمه زبيدة بنت ياقوتي بن داود وياقوتي عم ملك شاه ولما حبس بركيارق وخافت عليه أمه زبيدة دست لمماليك نظام الملك فتعصبوا له وكانت خاتون غائبة ببغداد مع ابنها محمود لفقد سلطانه فوثب المماليك النظامية على سلاح لنظام الملك باصبهان وأخرجوا بركيارق من محبسه وخطبوا له وبلغ الخبر إلى خاتون فسارت من بغداد وطلب العسكر تاج الملك في عطائهم فهرب إلى قلعة بوجين لينزل منها الاموال وامتنع فيها ونهب العسكر خزائنه وساروا إلى اصبهان وقد سار بركيارق والنظامية إلى الرى فأطاعه أرغش النظامي في عساكره وفتحوا قلعة طغرل عنوة وبعثت خاتون العساكر لقتال بركيارق فنزع إليه سبكرد وكمستكن الجاندار وغيرهما من أمراء عساكره ولقيهم بركيارق فهزمهم وسار في اثرهم إلى أصفهان فحاصرهم بها وكان عز الملك بن نظام الملك باصبهان وكان واليا على خوارزم فحضر عند السلطان قبل مقتل أبيه وبقى هناك بعد وفاة السلطان فخرح إلى بركيارق ومعه جماعة من اخوانه فاستوزره بركيارق وفوض إليه الامور كما كان أبوه * (مقتل تاج الملك) * وهو أبو الغنائم المرزبان بن خسرو فيروز كان وزيرا لخاتون وابنها ولما هرب إلى قلعة بوجين خوفا من العسكر كما قدمنا وملكت خاتون اصبهان عاد إليها واعتذر بأن صاحب القلعة حبسه فقبلت عذره وبعثته مع العساكر لقتال بركيارق فلما انهزموا حمل أسيرا عنده وكان يعرف كفاءته فأراد أن يستوزره وكان النظامية ينافرونه ويتهمونه بقتل نظام الملك وبذل فيهم أموالا فلم يغنه ووشوا به فقتلوه في المحرم سنة ست وثمانين وكان كثير الفضائل جم المناقب وانما غطى على محاسنه ممالاته على قتل نظام الملك وهو الذى بنى تربة الشيخ أبى اسحق الشيرازي والمدرسة بازائها ورتب بها أبا بكر الشاشى مدرسا * (مهلك محمود) * ثم هلك السلطان محمود وهو محاصر باصبهان لسنة من ولايته واستقل بركيارق بالملك * (منازعة تتش بن البارسلان وأخباره إلى حين انهزامه) * كان تاج الدولة تتش أخو السلطان ملك شاه صاحب الشأم وسار إلى لقاء أخيه ملك شاه ببغداد قبيل موته فلقيه خبر موته بهيت فاستولى عليها وعاد إلى دمشق فجمع العساكر وبذل الاموال وأخذ في طلب الملك فبدأ بحلب ورأى صاحبها قسيم الدولة اقسنقر اختلاف ولد ملك شاه وحقرهم فأطاع تاج الدولة تتش وتبعه في طاعته وبعث إلى باعى يسار صاحب انطاكية وإلى مران صاحب الرها وحران يشير عليهما بمثل ذلك فأجابا وخطبوا لتاج الدولة تتش في بلادهم وساروا معه إلى الرحبة فملكها ثم إلى نصيبين

[ 15 ]

فملكها واستباحها وسلمها لمحمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش وساروا إلى الموصل وقدم عليه الكافي بن فخر الدولة بن جهير من جزيرة ابن عمر فاستوزره وكانت الموصل قد ملكها علي بن شرف الدولة مسلم بن قريش وأمه صفية عمة ملك شاه وأطلقت تركمان خاتون عمه ابراهيم فجاء وملك الموصل من يده كما تقدم في أخبار بنى المقلد فبعث إليه تتش في الخطبة وأن يهىء له الطريق إلى بغداد فامتنع وزحف لحربه فانهزم العرب وسيق ابراهيم أسيرا إلى تتش في جماعة من أمراء العرب فقتلوا صبرا ونهبت أموالهم واستولى تتش على الموصل وغيرها واستناب عليها على بن مسلم وهو ابن صفية عمة أبيه وبعث إلى بغداد في الخطبة ووافقه كوهراس الشحنة وحرر الجواب بانتظار الرسل من العسكر فسار تتش إلى ديار بكر فملكها ثم سار إلى اذربيجان وزحف بركيارق يعتذر من سعيه مع تتش فعزله بركيارق بسعاية كمستكن الجاندار بقسيم الدولة وأقام عوضه شحنة ببغداد الامير مكرد وأعطاه أقطاعه وسار إلى بغداد ثم رده من دقوفا لكلام بلغه عنه وقتله وولى على شحنة بغداد فتكين حب * (مقتل اسمعيل بن ياقوتي) * كان اسمعيل بن ياقوتي بن داود بن عم ملك شاه وخال بركيارق أميرا على أذربيجان فبعثت تركمان خاتون إليه فأطمعته في الملك وأنها تتزوج به فجمع جموعا من التركمان وغيرهم وسار لحرب بركيارق فلقيه عند كرخ ونزع عنه مكرد إلى بركيارق فانهزم اسمعيل إلى اصبهان فخطبت له خاتون وضربت اسمه على الدنانير بعد ابنها محمود وأرادت العقد معه فمنعها الامير أنز مدبر الدولة وصاحب العسكر وخوفهم وفارقهم ثم أرسل أخته زبيدة أم بركيارق فأصلحت حاله مع ابنها وقدم عليه فأكرمه واجتمع به رجال الدولة كمستكن الجاندار واقسنقر وبوران وكشفوا سره في طلب الملك ثم قتلوه وأعلموا بركيارق أهدر دمه * (مهلك توران شاه بن قاروت بك) * كان توران شاه بن قاروت بك صاحب فارس وأرسلت خاتون الجلالية الامير انز لفتح فارس سنة سبع وثمانين فهزمه أولا ثم أساه السيرة مع الجند فلحقوا بتوران شاه وزحف إلى انز فهزمه واسترد البلد من يده وأصاب توران شاه في المعركة بسهم هلك منه بعد شهرين * (وفاة المقتدى وخلافة المستظهر وخطبته لبركيارق) * ثم توفى المقتدى منتصف محرم سنة سبع وثمانين وكان بركيارق قد قدم بغداد بعد هزيمة عمه تتش فخطب له وحملت إليه الخلع فلبسها وعرض التقليد على المقتدى فيه وتوفى فجأة وبويع لابنه المستظهر بالخلافة فأرسل الخلع والتقليد إلى بركيارق وأخذت عليه البيعة

[ 16 ]

للمستظهر * (استيلاء تتش على البلاد بعد مقتل أقسنقر ثم هزيمة بركيارق) * لما عاد تتش منهزما من أذربيجان جمع العساكر واحتشد الامم وسار من دمشق إلى حلب سنة سبع وثمانين واجتمع قسيم الدولة أقسنقر وبوران وجاء كربوقا مددا من عند بركيارق وساروا لحرب تتش ولقوه على ستة فراسخ من حلب فهزمهم وأخذ أقسنقر أسيرا فقتله ولحق كربوقا وبوران بحلب واتبعهما تتش فحاصرهما وملك حلب وأخذهما أسيرين وبعث إلى والرها في الطاعة فامتنعوا فبعث إليهم برأس بوران وملك البلدين وبعث بكربوقا إلى حمص فحبسه بها وسار إلى الجزيرة فملكها ثم إلى ديار بكر وخلاط فملكها ثم إلى أذربيجان ثم سار إلى همدان ووجد بها فخر الدولة ابن نظام الملك جاء من خراسان إلى بركيارق فلقيه الامير قماج من عسكر محمود باصبهان فنهب ماله ونجا إلى همذان فصادف بها تتش فأراد قتله وشفع فيه باغى يسار وأشار بوزارته لميل الناس إلى بيته واستوزره وكان بركيارق قد سار إلى قسيس فخالفه تتش إلى أذربيجان وهمذان فسار بركيارق من نصيبين وعبر دجلة من فوق الموصل إلى اربل فلما تقارب العسكران أشرف الامير يعقوب بن أنق من عسكر تتش فكبس بركيارق وهزمه ونهب سواده ولم يبق معه الا برسد وكمستكن الجاندار والبارق من أكابر الامراء فلجؤا إلى أصبهان وكانت خاتون أم محمود قد ماتت فمنعه محمود وأصحابه من الدخول ثم خرج إليه محمود وأدخله إلى اصبهان واحتاطوا عليه وأرادوا أن يسلموه فمرض محمود فأبقوه * (مقتل تتش واستقلال بركيارق بالسلطان) * ثم مات محمود منسلخ شوال سنة سبع وثمانين واستولى بركيارق على اصبهان وجاء مؤيد الملك بن نظام الملك فاستوزره عوض أخيه عز الملك وكان توفى بنصيبين فكاتب مؤيد الملك الامراء واستمالهم فرجعوا إلى بركيارق وكشف جمعه وبعث تاج الملك تتش بعد هزيمة بركيارق يوسف بن انق التركماني شحنة إلى بغداد في جمع من التركمان فمنع من دخول بغداد وزحف إليه صدقة بن مريد صاحب الحلة فقاتله في يعقوب وانهزم صدقة إلى الحلة ودخل يوسف بن انق بغداد وأقام بها وكان تتش لما هزم بركيارق سار إلى همذان وقد تحصن بها بعض الامراء فاستأمن إليه واستولى على همذان وسار في نواحى اصبهان وإلى مرو وراسل الامراء باصبهان يستميلهم فأجابوه بالمقاربة والوعد وبركيارق مريض فلما أفاق من مرضه خرج إلى جرباذقان واجتمع إليه من

[ 17 ]

العسكر ثلاثون ألفا ولقيه تتش فهزمه بركيارق وقتله بعض أصحاب اقسنقر بثار صاحبه وكان فخر الملك بن نظام الملك أسيرا عنده فانطلق عند هزيمته واستقامت أمور بركيارق وبلغ الخبر إلى يوسف * (استيلاء كربوقا على الموصل) * قد كنا قدمنا أن تاج الدولة تتش أسر قوام الدولة أبا سعيد كربوقا وحبسه بعدما قتل اقسنقر بوران فأقام محبوسا بحلب إلى أن قتل تتش واستولى رضوان ابنه على حلب فأمره السلطان بركيارق باطلاقه لانه كان من جهة الامير انز فأطلقه رضوان وأطلق أخاه التوسطاش فاجتمعت عليهما العساكر وكان بالموصل على بن شرف الدولة مسلم منذ ولاه عليها تتش بعد وقعة المضيع وكان بنصيبين أخوه محمد بن مسلم ومعه مروان ابن وهب وأبو الهيجاء الكردى وهو يريد الزحف إلى الموصل فكاتب كربوقا واستدعاه للنصرة ولقيه على مرحلتين من نصيبين فقبض عليه كربوقا وسار إلى نصيبين وحاصرها أربعين يوما وملكها ثم سار إلى الموصل فامتنعت عليه فتحول عنها إلى وقتل بها محمد بن شرف الدولة تغريقا وعاد إلى حصار الموصل ونزل منها على فرسخ واستنجد علي بن مسلم بالامير مكرس صاحب جزيرة ابن عمر فجاء لانجاده واعترضه التوسطاش فهزمه ثم سار إلى طاعة كربوقا وأعانه على حصار الموصل ولما اشتد بصاحبه على بن مسلم الحصار بعد تسعة أشهر هرب عنها ولحق بصدقة بن مزيد ودخل كربوقا إلى الموصل وعاث التوسطاش في أهل البلد ومصادرتهم واستطال على كربوقا فأمر بقتله ثالثة دخوله سنة تسع وثمانين وسار كربوقا إلى الرحبة فملكها وعاد فأحسن السيرة في أهل الموصل ورضوا عنه واستقامت اموره * (استيلاء أرسلان أرغون أخى السلطان ملك شاه على خراسان ومقتله) * كان ارسلان أرغون مقيما عند أخيه السلطان ملك شاه ببغداد فلما مات وبويع ابنه محمود سار إلى خراسان في سبعة من مواليه واجتمعت عليه جماعة وقصد نيسابور فامتنعت عليه فعاد إلى مرو وكان بها شحنة الامير قودر من موالى السلطان ملك شاه وكان أحد الساعين في قتل نظام الملك فمال إلى طاعة أرغون وملكه البلد وسار إلى بلخ وكان بها فخر الدين بن نظام الملك ففر عنها ووصل إلى همدان ووزر لتاج الدولة تتش كما مر وملك ارسلان أرعون بلخ وترمذ ونيسابور وسائر خراسان وأرسل إلى السلطان بركيارق وزيره مؤيد الملك في تقرير خراسان عليه بالضمان كما كانت لجده داود ماعو نيسابور فاعرض عنه بركيارق لاشتغاله بأخيه محمود وعمه تتش ثم عزل بركيارق

[ 18 ]

مؤيد الملك عن الوزارة بأخيه فخر الملك واستولى فخر الملك البارسلان على الامور فقطع ارسلان مراسلة بركيارق فبعث حينئذ عمه بورسوس في العساكر لقتاله فانهزم ارسلان إلى بلخ وأقام بورسوس بهراة وسار ارسلان إلى مرو وفتحها عنوة وخربها واستباحها وسار إليه بورسوس من هراة سنة ثمان وثمانين وكان معه مسعود بن تأخر الذى كان أبوه مقدم عساكر داود ومعه ملك شاه من أعاظم الامراء فبعث إليه ارسلان واستماله فمال إليه ووثب لمسعود بن تأخر وابنه فقتلهما في خيمته فضعف أمر بورسوس وانفض الناس عنه وجئ به أسيرا إلى أخيه ارسلان أرغون فحبسه بترمذ ثم قتله في محبسه بعد سنة وقتل أكابر خراسان وخرب أسوارها مثل سودان ومرو الشاهجان وقلعة سرخس ونهاوند ونيسابور وصادر وزيره عماد الملك بن نظام الملك على ثلئمائة ألف دينار ثم قتله واستبد بخراسان وكان مرهف الحد كثير العقوبة لمواليه وأنكر على بعضهم يوما بعض فعلاته وهو في خلوة وضربه فطعنه الغلام بخنجر معه فقتله وذلك في المحرم من سنة تسعين * (ولاية سنجر على خراسان) * ولما قتل ارسلان أرغون ملك أصحابه من بعده صبيا صغيرا من ولده وكان السلطان بركيارق قد جهز العساكر لخراسان للقتال ومعه الاتابك قماج ووزيره على بن الحسن الطغرائي وانتهى إليه مقتل ارسلان بالدامغان فأقاموا حتى لحقهم السلطان بركيارق وساروا إلى نيسابور فملكها في جمادى سنة تسعين وأربعمائة وملك سائر خراسان وسار إلى بلخ وكان أصحاب ارسلان قد هربوا بابنه الذى نصبوه للملك إلى جبل طخارستان وبعثوا يستأمنون له ولهم فأمنهم السلطان وجاؤا بالصبى في آلاف من العساكر فأكرمه السلطان وأقطعه ما كان لابيه أيام ملك شاه وانفض عنه العسكر الذين كانوا معه وافترقوا على أمراء السلطان وأفردوه فضمته أم السلطان إليها وأقامت من يتولى رتبته وسار السلطان إلى ترمذ فملكها وخطب له بسمرقند ودانت له البلاد وأقام على بلخ سبعة أشهر ثم رجع وترك أخاه سنجر نائبا بخراسان * (ظهور المخالفين بخراسان) * لما كان السلطان بخراسان خالف عليه محمود بن سليمان من قرابته ويعرف بأمير أميران وسار إلى بلخ واستمد صاحب غزنة من بنى سبكتكين فأمده بالعساكر والغيول على أن يخطب له فيما يفتحه من خراسان فقويت شوكته فسار إليه الملك سنجر وكبسه فانهزم وجئ به أسيرا فسمله ولما انصرف السلطان عن خراسان سار نائب خوارزم

[ 19 ]

واسمه اكنجى في اتباعه وسبق إلى مرو فتشاغل بلذاته وكان بها الامير تورد قد تشاغل عن السلطان واعتذر بالمرض فداخل بارقطاش من الامراء في قتل اكنجى صاحب خوارزم فكبسه في طائفة من أصحابه وقتلوه وساروا إلى خوارزم فملكوها مظهرين ان السلطان ولاهما عليها وبلغ الخبر إلى السلطان وكان قد بلغه في طريقه خروج الامير انز بفارس عن طاعته فمضى إلى العراق وأعاد داود الحبشى بن التونطاق في العساكر لقتالهما فسار إلى العراق من هراة وأقام في انتظار العسكر فعاجلاه فهرب أمامهما وهرب جيحون وتقدم بارقطاش قبل تودن وقاتله فهزمه داود وأسره وبلغ الخبر إلى تودن فثار به عسكره ونهبوا أثقاله ولحق بسنجار فقبض عليه صاحبها ثم أطلقه فلحق بالملك سنجر ببلخ فقتله سنجر وأفرغ هو طاعته في نظمه وجمع العساكر على طاعته ثم مات قريبا وبقى بارقطاش أسيرا عند داود إلى أن قتل * (بداية دولة بنى خوارزم شاه) * كان أبو شكين مملوكا لبعض أمراء السلجوقية واشتراه من بعض أهل غرشتان فدعى أبا شكين غرشه ونشأ على حال مرضية وكان مقدما وولد له ابنه محمد فأحسن تأديبه وتقدم هو بنفسه ولما سار الامير داود الحبشى إلى خراسان كما مر سار محمد في جملته فلما مهد خراسان وأزال الخوارج نظر فيمن يوليه خوارزم وكان نائبها اكنجى قد قتله كما مر فوقع اختياره على محمد بن أبى شكين فولاه ولقبه خوارزم شاه فحسنت سيرته وارتفع محله وأقره السلطان سنجر وزاده عناية بقدر كفايته واضطلاعه وغاب في بعض الايام عن خوارزم فقصدها بعض ملوك الاتراك وكان طغرلتكين محمد الذى كان أبوه اكنجى نائبا بخوارزم وبادر محمد بن أبى شكين إلى خوارزم بعد أن استمد السلطان سنجر وسار بالعساكر مددا له وتقدم محمد بن أبى شكين فتأخر الاتراك إلى منقشلاع ورحل طغرلتكين إلى جرجان وازداد محمد بذلك عناية عند سنجر ولما توفى ولى ابنه بعده أقسز وأحسن السيرة وكان قد قاد الجيوش أيام أبيه وباشر الحروب فملك مدينة منقشلاع ولما توفي اختصه السلطان سنجر وكان يصاحبه في أسفاره وحروبه واتصل الملك في بنى محمد بن أبى شكين خوارزم وكانت لهم الدولة وتمت دولة بنى ملك شاه وعليها كان ظهور الططر بعد المائة السادسة ومنهم أخذوا الملك كما سيأتي في أخبارهم * (استيلاء لافرنج على انطاكية وغيرها من سواحل الشأم) * كان الافرنج قد ظهر أمرهم في هذه السنين وتغلبوا على صقلية واعتزموا على قصد الشأم وملك بيت المقدس وأرادوا المسير إليها في البر فراسلوا ملك الروم بالقسطنطينية

[ 20 ]

أن يسهل لهم الطريق إلى الشأم فأجابهم على أن يعطوه انطاكية فعبروا خليج القسطنطينية سنة تسعين وأربعمائة وسار ارسلان بن سليمان بن قطلمش صاحب مرقيه وبلاد الروم لمدافعتهم فهزموه ثم مروا ببلاد ابن لبون الارمني ووصلوا إلى انطاكية فحاصروها تسعة أشهر وصاحبها يومئذ باغى سيان فأحسن الدفاع عنها ثم تبوؤا البلد بمداخلة بعض الحامية أصعدهم السور بعد أن رغبوه بالاموال والاقطاع وجاؤا إلى السور فدلهم على بعض المخادع ودخلوا منه ونفخوا لبوق فخرج باغى سيان هاربا حتى إذا كان على أربعة فراسخ راجع نفسه وندم فسقط مغشيا عليه ومر به أرمنى فحمل رأسه إلى انطاكية وذلك سنة احدى وتسعين وأربعمائة واجتمعت عساكر المسلمين وزحفوا إلى انطاكية من كل ناحية ليرتجعوها من الافرنج وجاء قوام الدين كربوقا إلى الشأم واجتمعت عليه العساكر بمرج دابق فكان معه دقاق بن تتش وطغرلتكين أتابك وجناح الدولة صاحب حمص وارسلان تاش صاحب سنجار وسقمان بن أرتق وغيرهم وساروا إلى انطاكية فنازلوها واستوحش الامراء من كربوقا وأنفوا من ترفعه عليهم وضاق الحصار بالافرنج لعدم الاقوات لان المسلمين عاجلوهم عن الاستعداد فاستأمنوا كربوقا فمنعهم الامان وكان معهم من الملوك بردويل وصخبل وكمدمرى والقمط صاحب الرها وسمند صاحب انطاكية وهو مقدم العساكر فخرجوا مستأمنين وضربوا مصاف وتخاذل الناس لما كان قلوبهم من الاضغان لكربوقا فتمت الهزيمة عليهم وآخر من انهزم سقمان بن أرتق واستشهد منهم العرب وغنم العدو سوادهم بمنافيه وساروا إلى معرة النعمان فملكوها وأفحشوا في استباحتها ثم ساروا إلى غزة فحاصروها أربعة أشهر وامتنعت عليهم وصالحهم ابن منقذ على بلده شيراز وحاصروا حمص فصالحهم صاحبها جناح الدولة ثم ساروا إلى عكا فامتنعت عليهم وكان هذا بداية الافرنج بسواحل الشأم ويقال ان من خلفاء العميد بن نصر لما خشوا من السلجوقية عند استيلائهم على الشأم إلى غزة وزحف الاقسيس من أمرائهم إلى مصر وحاصرها فراسلوا إلى الافرنج واستدعوهم لملك الشأم لينشلوهم عن أنفسهم ويحولوا بينهم وبين مصر والله سبحانه وتعالى أعلم * (انتقاض الامير انز وقتله) * لما سار السلطان بركيارق إلى خراسان ولى على بلاد فاس الامير انز وكانت قد تغلبت الشوانكار واستظهروا بايران شاه بن قاروت بك صاحب كرمان فلما سار إليهم انز قاتلوه فهزموه ورجع إلى اصبهان فاستأذن السلطان فأمره بالمقام هناك وولاه امارة العراق وكانت العساكر في جواره بطاعته وجاءه مؤيد الملك بن نظام الملك من بغداد على

[ 21 ]

الحلة فأغراه بالخلاف وخوفه غائلة بركيارق وأشار عليه بمكاتبة محمد بن شاه وهو في كنجه وشاع عنه ذلك فازداد خوفه وجمع العساكر وسار من اصبهان إلى الرى وجاهر السلطان بالخلاف وطلب منه أن يسلم إليه فخر الملك البارسلان وبينما هو في ذلك إذ هجم عليه ثلاثة نفر من الاتراك المولدين بخوارزم من جنده فطعنوه فقتلوه واهتاج عسكره فنهبوا خزائنه وحمل شلوه إلى اصبهان فدفن بها وأشهر خبر قتله إلى السلطان في أحواز الرى وهو سائر لقتاله فسر بذلك هو وفخر الملك البارسلان وذلك في سنة ثنتين وتسعين وكان محمود المذاهب كبير المناقب ولما قتل هرب اصهنر صبار إلى دمشق فأقام بها مدة ثم قدم على السلطان محمد سنة احدى وخمسمائة فأكرمه وأقطعه رحبة مالك بن طوق * (استيلاء الافرنج على بيت المقدس) * كان بيت المقدس لتاج الدولة تتش وأقطعه الامير سقمان بن أرتق التركماني وكان تتش ملكه من يد العلويين أهل مصر فلما وهن الاتراك بواقعة انطاكية طمع المصريون في ارتجاعه وسار صاحب دولتهم الافضل بن بدر الجمالى وحاصر الامير سقمان وأخاه ابلغارى وابن أخيهما ياقوتي وابن عمهما سونح ونصب المجانيق فثلموا سوره ثم ملكوه بالامان لاربعين يوما من حصاره في شعبان سنة تسع وثمانين وأحسن الافضل إلى سقمان وابلغارى ومن معهما وأطلقهم فأقام سقمان ببلد الرها وسار ابلغارى إلى العراق وولى الافضل على بيت المقدس افتخار الدولة من أمرائهم ورجع إلى مصر فلما رجع الافرنج من عكا جاؤا إلى بيت المقدس فحاصروه أربعين يوما واقتحموه من جهة الشمال آخر شعبان من سنة ثنتين وتسعين وعاثوا في أهله واعتصم فلهم بمحراب داود عليه السلام ثلاثا حتى استأمنوا وخرجوا ليلا إلى عسقلان وقتل بالمسجد سبعون ألفا أو يزيدون من المجاورين فيهم العلماء والزهاد والعباد وأخذوا نيفا وأربعين قنديلا من الفضة زنة كل واحد ثلاثة آلاف وستمائة درهم ومائة وخمسين قنديلا من الصغار وتنورا من الفضة زنته أربعون رطلا بالشامى وغير ذلك مما لا يحصى ووصل الصريخ إلى بغداد مستغيثين فأمر المقتدى أن يسير إلى السلطان بركيارق أبو محمد الدامغاني وأبو بكر الشاشى وأبو القاسم الزنجانى وأبو الوفاء بن عقيد وأبو سعد الحلواني وأبو الحسين بن السماك فساروا إلى بركيارق يستصرخونه للمسلمين فانتهوا إلى حلوان وبلغهم مقتل نجد الملك البارسلان وفتنة بركيارق مع أخيه محمد فرجعوا وتمكن الافرنج من البلاد ونحن عازمون على افراد أخبارهم بالشأم وما كان لهم فيه من الدولة على حكم أخبار الدول في كتابنا

[ 22 ]

* (ظهور السلطان محمد بن ملك شاه والخطبة له ببغداد وحروبه مع أخيه بركيارق) * كان محمد وسنجر شقيقين وكان بركيارق استعمل سنجر على خراسان ثم لحق به محمد باصبهان وهو يحاصرها سنة ثمان وثمانين فأقطعه كنجة وأعمالها وأنزل معه الامير قطلغ تكين أتابك وكانت كنجة من أعمال اران وكانت لقطون فانتزعها ملك ساه وأقطعه استراباذ وولى على اران سرهناسا وتكين الخادم ثم ضمن قطون بلاده وأعيد إليها فلما قوى رجع إلى العصيان فسرح إليه ملك شاه الامير بوزان فغلبه على البلاد وأسره ومات ببغداد سنة أربع وثمانين وأقطع ملك شاه بلاد اران لاصحاب باغى سيان صاحب انطاكية ولما مات باغى سيان رجع ابنه إلى ولاية أبيه ثم أقطع السلطان بركيارق كنجة وأعمالها لمحمد كما قلناه سنة ست وثمانين ولما اشتدو استفحل قتل اتابك قطلغ تكين واستولى على بلاد اران كلها ولحق مؤيد الملك عبد الله بن نظام الملك بعد مقتل صاحبه انز فاستخلصه وقربه وأشار عليه مؤيد الملك فطلب الامر لنفسه فخطب له بأعماله واستوزر مؤيد الملك وقارن ذلك مقتل مجد الملك الباسلانى المتغلب في دولة بركيارق فاستوحش أصحابه لذلك ونزعوا إلى محمد وساروا جميعا وكان بركيارق قد سبقهم إليها واجتمع إليه الامير نيال بن أبى شكين الحامى من أكابر الامراء وعز الملك بن نظام الملك ولما بلغه مسير أخيه محمد إليه رجع إلى اصبهان فمنعوه من الدخول فسار إلى خوزستان وملك محمد الرى في ذى القعدة سنة ثنتين وتسعين ووجد بها زبيدة أم بركيارق قد تخلفت عن ابنها فحبسها مؤيد الملك وصادرها ثم قتلها خنقا بعد ان تنصح له أصحابه في شأنها فلم يقبل وكان سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد قد استوحش من بركيارق فاتفق هو وكربوقا صاحب الموصل وجكرمس صاحب جزيرة ابن عمر وسرخاب بن بدر صاحب كنكسون وساروا إلى السلطان محمد بقم فخلع عليهم ورد كوهراس إلى بغداد في شأن الخطبة فخطب له بالخليفة ولقبه حياة الدين والدنيا وسار كربوقا وجكرمس مع السلطان محمد إلى اصبهان والله سبحانه وتعالى أعلم * (مقتل الباسلانى) * كان أبو الفضل سعد الباسلانى ويلقب مجد الملك متحكما عند السلطان بركيارق ومتحكما في دولته ولما فشا القتل في أمرائه من الباطنية استوحشوا ونسبوا ذلك للباسلانى وكان من أعظم من قتل منهم الامير برسق فاتهم ابنه زنكى وأقبورنى الباسلانى في قتله ونزعوا عن بركيارق إلى السلطان محمد فاجتمع الامراء ومقدمهم أمير الحيرة لكابك وطغابرك من الروز وبعثوا إلى بنى برسق يستدعونهم للطلب بثار أبيهم فجاؤا

[ 23 ]

واجتمعوا قريبا من همدان ووافقهم العسكر جميعا على ذلك وبعثوا إلى بركيارق يطلبون الباسلانى فامتنع وأشار عليه الباسلانى باجابتهم لئلا يفعلوا ذلك بغير رأى السلطان فيكون وهنا على الدولة فاستحلفهم السلطان فدفعه إليهم فقتله الغلمان قبل أن يتصل بهم وسكنت الفتنة وحمل رأسه إلى مؤيد الملك واستوحش الامراء لذلك من بركيارق وأشاروا عليه بالعود إلى الرى ويكفونه قتال أخيه محمد فعاد متشاغلا ونهبوا سرادقه وساروا إلى أخيه محمد ولحق بركيارق باصبهان ثم لحق رستاق كما تقدم * (اعادة الخطبة ببغداد لبركيارق) * ولما سار بركيارق إلى خوزستان ومعه نيال بن أبى شكين الحسامى مع عسكره سار من هنالك إلى واسط ولقيه صدقة بن مزيد صاحب الحلة ثم سار إلى بغداد وكان سعد الدولة كوهراس الشحنة على طاعة محمد فخرج عن بغداد ومعه أبو الغازى بن ارتق وغيره وخطب لبركيارق ببغداد منتصف صفر سنة ثلاث وتسعين بعد ان فارقها كوهراس وأصحابه وبعثوا إلى السلطان محمد ومؤيد الملك يستحثونهما فأرسلا إليهم كربوقا صاحب الموصل وجكرمس صاحب جزيرة ابن عمر يستكثرون بهم في المدافعة وطلب جكرمس من كوهراس السير لبلده خشية عليها فأذن له ثم يئس كوهراس وأصحابه من محمد فبعثوا إلى بركيارق بطاعتهم فخرج إليهم واسترضاهم ورجع إلى بغداد وقبض على عميد الدولة بن جهير وزير الخليفة وطالبه بما أخذ هو وأبوه من الموصل وديار بكر أيام ولايتهم عليها فصادرهم على مائة وستين ألف دينار واستوزر الاغر أبا المحاسن عبد الجليل بن على بن محمد الرهستانى وخلع الخليفة على بركيارق (المصاف الاول بين بركيارق ومحمد ومقتل كوهراس وهزيمة بركيارق والخطبة لمحمد) ثم سار بركيارق من بغداد لحرب أخيه محمد ومر بشهر زور فاجتمع إليه عسكر كثير من التركمان وكاتب رئيس همدان يستحثه فركب وسار للقاء أخيه على فراسخ من همدان في أول رجب من سنة ثلاث وتسعين وفي ميمنته كوهراس وعز الدولة بن صدقة بن مزيد وسرحاب بن بدر وفي ميسرته كربوقا وفى ميمنته محمد بن اضر وابنه ايار وفى ميسرته مؤيد الملك والنظامية ومعه في القلب أمير سرخو شحنة اصبهان فحمل كوهراس من الميمنة على مؤيد الملك والنظامية فهزمهم وانتهى إلى خيامهم فنهبها وحملت ميمنة محمد على ميسرة بركيارق فانهزموا وحمل محمد على بركيارق فهزمه ووقف محمد مكانه وعاد كوهراس من طلب المنهزمين فكبابه فرسه فقتل وجئ بالاغر أبى المحاسن يوسف وزير بركيارق أسيرا فأكرمه مؤيد الملك ونصب له خيمة وبعثه إلى بغداد في الخطبة لمحمد

[ 24 ]

فخطب له منتصف رجب من السنة وكانت أولية سعد الدولة كوهراس انه كان خادما للملك ابى كلنجار بن بويه وجعله في خدمة ابنه أبى نصر ولما حبسه طغر لبك مضى معه إلى قلعة طغرل فلما مات انتقل إلى خدمة السلطان البارسلان وترقى عنده وأقطعه واسط وجعله شحنة بغداد وحضر يوم قتله فوقاه بنفسه ثم أرسله ملك شاه إلى بغداد في الخطبة وجاء بالخلع والتقليد وحصل له من نفوذ الامر واتباع الناس ما لم يحصل لغيره إلى أن قتل في هذه المعركة وولى شحنة بغداد بعده ابلغارى بن ارتق مسير بركيارق إلى خراسان وانهزامه من أخيه سنجر ومقتل الامير داود حبشي أمير خراسان لما انهزم بركيارق من أخيه محمد خلص في الفل إلى الرى واجتمع له جموع من شيعته فسار إلى خراسان وانتهى إلى اسفراين وكتب الامير داود حبشي إلى النونطاق يستدعيه من الدامغان وكان أميرا على معظم خراسان وعلى طبرستان وجرجان فأشار عليه بالمقام بنيسابور فقصدها وقبض على عميدها أبى محمد وأبى القاسم بن امام الحرمين ومات أبو القاسم في محبسه مسموما ثم زحف سنجر إلى الامير داود فبعث إلى بركيارق يستدعيه لنجدته فسار إليه والتقى الفريقان بظاهر بوشنج وفي ميمنة سنجر الامير برغش وفي ميسرته الامير كوكر ومعه في القلب الامير رستم فحمل بركيارق على رستم فقتله وانقض الناس على سنجر وكاد ينهزم وأخذ بركيارق أم سنجر أسيرة وشغل أصحاب بركيارق بالنهب فحمل عليهم برغش وكوكر فانهزموا واستمرت الهزيمة على بركيارق وهرب الامير داود فجئ به إلى برغش أسيرا فقتله وسار بركيارق إلى جرجان ثم إلى الدامغان ودخل البرية ثم استدعاه أهل اصبهان وجاءه جماعة من الامراء منهم جاول سقاد وسبقه محمد إلى اصبهان فعدل عنها إلى عسكر مكرم المصاف الثاني بين بركيارق ومحمد وهزيمة محمد وقتل وزيره مؤيد الملك والخطبة لبركيارق لما انهزم بركيارق أمام سنجر سنة ثلاث وتسعين وسار إلى اصبهان فوجد أخاه محمدا قد سبقه إليها فعدل عنها إلى خوزستان ونزل إلى عسكر مكرم وقدم عليه هناك الاميران زنكى والبكى ابنا برسق سنة أربع وتسعين وساروا معه إلى همدان وهرب إليه الامير أبرز في خمسة آلاف من عسكر محمد لان صاحب امير اضر مات في تلك الايام وظنوا أن مؤيد الملك دس عليه وزيره فسمه وكان ابرز في جملة أمير اضر فقتل الوزير المتهم ولحق بركيارق ثم وصل إليه سرحاب بن كنجر وصاحباه فاجتمع له نحو من خمسين ألف فارس ولقيه محمد في خمسة عشر ألفا واستأمن أكثرهم إلى بركيارق يوم المصاف أول

[ 25 ]

جمادى الاخيرة سنة أربع وتسعين واستولت الهزيمة على محمد وجئ بمؤيد الملك أسيرا فوبخه ثم قتله بيده لانه كان سيء السيرة مع الامراء كثير الحيل في تدبير الملك ثم بعث الاغر أبو المحاسن وزير بركيارق أبا ابراهيم الاستراباذى لاستقصاء أموال مؤيد الملك وذخائره ببغداد فحمل منها ما لا يسعه الوصف يقال انه وجد في ذخائره ببلاد العجم قطعة بلخش زنتها أربعون مثقالا واستوزر محمد بعده خطيب الملك أبا منصور محمد بن الحسين ثم سار السلطان بركيارق إلى الرى ووفد عليه هنالك كربوقا صاحب الموصل ودبيس ابن صدقة وأبوه يومئذ صاحب الحلة وسار السلطان قافلا إلى جرجان وبعث إلى أخيه سنجر يستجديه فبعث إليه ما أقامه ثم طلبه في المدد فسار إليه سنجر من خراسان ثم سارا جميعا إلى الدامغان فخرباها وسار إلى الرى واجتمعت عليه النظامية وغيرهم فكثرت جموعهم وكان بركيارق بعد الظفر قد فرق عساكره لضيق الميرة ورجع دبيس بن صدقة إلى أبيه وخرج باذربيجان داود بن اسمعيل بن ياقوتي فبعث لقتاله قوام الدولة كربوقا في عشرة آلاف واستأذنه اياز في المسير إلى ولايته بهمدان ويعود بعد الفطر فبقى في قلة من العساكر فلما بلغه قريب أخيه محمد وسنجر اضطرب حاله وسار إلى همدان ليجتمع مع اياز فبلغه انه قد راسل أخاه محمدا وأطاعه فعاد إلى خورستان ولما انتهى إلى تستر استدعى ابن برسق وكان من جملة اياز فلم يحضر وتأخر فأمنه فسار نحو العراق فلما بلغ حلوان لحق به اياز وكان راسل محمدا فلم يقبله وبعث عساكره إلى همدان فلحق بهمدان اياز وأخذ محمد محلة اياز بهمدان وكانت كثيرا من كل صنف وصودر أصحابه ور بهمدان بمائة ألف دينار وسار بركيارق واياز إلى بغداد فدخلها منتصف ذى القعدة من سنة أربع وتسعين وطلب من الخليفة المال للنفقة فبعث إليه بعد المراجعة بخمسين ألف دينار وعاث أصحاب بركيارق في أموال الناس وضجر وامنه ووفد عليه أبو محمد عبد الله بن منصور المعروف بابن المصلحية قاضى جبلة من سواحل الشأم منهزما من الافرنج باموال جليلة المقدار فأخذها بركيارق منه وقد تقدم خبر ابن المصلحية في دولة العباسيين ثم بعث وزير بركيارق الاغر بالمحاسن إلى صدقة بن مزيد صاحب الحلة في ألف ألف دينار يزعم أنها تخلفت عنده من ضمان البلاد وتهدده عليها فخرج عن طاعة بركيارق وخطب لمحمد أخيه وبعث إليه بر كيارق في الحضور والتجاوز عن ذلك وضمن له اياز جميع مطالبه فأبى الا ان يدفع الوزير واستمر على عصيانه وطرد عامل بركيارق عن الكوفة واستضافها إليه * (مسير بركيارق عن بغداد ودخول محمد وسنجر إليها) * ولما استولى السلطان محمد وأخوه سنجر على همدان سار في اتباع بركيارق إلى حلوان

[ 26 ]

فقدم عليه هنالك أبو الغازى ابن ارتق في عساكره وخدمه وكثرة جموعه فسار إلى بغداد وبركيارق عليل بها فاصطرب أصحابه وعبروا به إلى الجانب الغربي ووصل محمد إلى بغداد آخر سنة أربع وتسعين وتراءى الجمعان بشاطئ دجلة وجرت بينهم المراماة والنشاب وكان عسكر محمد ينادون عسكر بركيارق يا باطنية ثم سار بركيارق إلى واسط ونهب عسكره جميع ما مروا عليه ودخل محمد إلى دار المملكة ببغداد وجاءه توقيع المستظهر بالاستبشار بقدومه وخطب له ونزل الملك سنجر بدار كوهراس ووفد على السلطان محمد ببغداد صدقة صاحب الحلة في محرم سنة خمس وسبعين * (مقتل بركيارق الباطنية) * كان هؤلاء الباطنية قد ظهروا بالعراق وفارس وخراسان وهم القرامطة والدعوة بعينها دعوتهم الا أنهم سموا في هذه الاجيال بالباطنية والاسماعيلية والملاحدة والفداوية وكل اسم منها باعتبار فالباطنية لانهم يبطنون دعوتهم والاسماعيلية لانتساب دعوتهم في أصلها لاسمعيل الامام بن جعفر الصادق والملاحدة لان بدعتهم كلها الحاد والفداوية لانهم يفادون أنفسهم بالمال على قتل من يسلطون والقرامطة نسبة إلى قرمط منشئ دعوتهم وكان أصلهم من البحرين في المائة الثالثة وما بعدها ثم نشأ هؤلاء بالمشرق أيام ملك شاه فأول ما ظهروا باصبهان واشتد في حصار بركيارق وأخيه محمود وأمه خاتون فيها ثم ثارت عامة اصبهان بهم باشارة القضاة وأهل الفتيا فقتلوهم في كل جهة وحرقوهم بالنار ثم انتشروا واستولوا على القلاع ببلاد العجم كما تقدم في أخبارهم ثم أخذ بمذهبهم ثيران شاه بن بدران شاه بن قارت بك صاحب كرمان حمله عليه كاتب من أهل خورستان يسمى أبا زرعة وكان بكرمان فقيه من الحنفية يسمى أحمد بن الحسين البلخى مطاع في الناس فخشى من نكيره فقتله فهرب عنه صاحب جيشه وكان شحنة البلد ولحق بالسلطان محمد ومؤيد الملك باصبهان وثار الجنا بعده بثيران شاه إلى مدينة كرمان فمنعه أهلها ونهبوه فقصد قلعة سهدم واستجار بصاحيها محمد بهستون وبعث أرسلان شاة عساكر لحصارها فطرده بهستون وبعث مقدم العساكر في طلبه فجئ به أسيرا وبأبى زرعة الكاتب معه فقتلهما أرسلان شاه واستولى على بلاد كرمان وكان بركيارق كثيرا ما يسلطهم على من يريد قتله من الامراء مثل انز شحنة اصبهان وأرغش وغيرهم فامنوا جانبه وانتشروا في عسكره واغروا الناس ببدعتهم وتجاوزوا إلى التهديد عليها حتى خافهم اعيان العسكر وصار بركيارق يصرفهم على أعدائه والناس يتهمونه بالميل إليهم فاجتمع أهل الدولة وعذلوا بركيارق في ذلك فقبل نصيحتهم وأمر بقتل الباطنية حيث كانوا فقتلوا وشردوا كل مشرد

[ 27 ]

وبعث إلى بغداد بقتل ابى ابراهيم الاستراباذى الذى بعثه أبو الاغر لاستقصاء اموال مؤيد الملك وكان يتهم بمذهبهم فقتل وقتل بالعسكر الامير محمد بن ولد علاء الدين بن كاكوبه وهو صاحب مدينة تيرد وكان يتهم بمذهبهم وسعى بالكيا الهراسى مدرس النظامية انه باطني فأمر السلطان محمد بالقبض عليه حتى شهد المستظهر ببراءته وعلو درجته في العلم فاطلقه وحسمت علة الباطنية بين الجمهور وبقى امرهم في القلاع التى ملكوها إلى ان انقرضوا كما تقدم في اخبارهم مستوفى * (المصاف الثالث بين بركيارق ومحمد والصلح بينهما) * ولما رحل بركيارق عن بغداد إلى واسط ودخل إليها السلطان محمد اقام بها إلى منتصف المحرم من سنة خمس وتسعين ثم رحل إلى همدان وصحبه السلطان سنجر لقصد خراسان موضع امارته وجاءت الاخبار إلى المستظهر باعتزام بركيارق على المسير إلى بغداد ونقل له عنه قبائح من أقواله وأفعاله فاستدعى السلطان محمدا من همدان وقال أنا أسير معك لقتاله فقال محمد أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين ورجع ورتب ببغداد أبا المعالى شحنة وكان بركيارق لما سار من بغداد إلى واسط هرب أهلها منه إلى الزبيدية ونزل هو بواسط عليلا فلما أفاق أراد لعبور إلى الجانب الشرقي فلم يجد سفنا ولا نواتية وجاءه القاضى أبو على الفارسى إلى العسكر واجتمع بالامير اياز والوزير فاستعطفهما لاهل واسط وطلب اقامة الشحنة بينهم فبعثاه وطلبا من القاضى من يعبر فأحضر لهم رجالا عبروا بهم فلما صاروا في الجانب الشرقي نهب العسكر البلد فجاء القاضى واستعطفهم فمنعوا النهب واستأمن إليهم عسكر واسط فأمنوهم وسار بركيارق إلى بلاد بخ برسق في الاهواز وساروا معه ثم بلغه مسير أخيه محمد عن بغداد فسار في اتباعه على نهاوند إلى أن أدركه وتصافوا ولم يقتتلوا لشدة البرد ثم عاودوا في اليوم الثاني كذلك وكان الرجل يخرج لقريبه من الصف الآخر فيتصافحان ويتساءلان ويفترقان ثم جاء الامير بكراج وعبر من عسكر محمد إلى الامير اياز والوزير الاغر فاجتمعوا وعقدوا الصلح بين الفريقين على ان السلطان بركيارق والملك محمد ويضرب له ثلاث نوب ويكون له من البلاد حرة وأعمالها وأذربيجان وديار بكر والجزيرة والموصل ويمده بركيارق بالعساكر على من يمتنع عليه منها وتحالفا على ذلك وافترقا وكان العقد في ربيع الاول سنة خمس وتسعين وسار بركيارق إلى ساوة ومحمد إلى استراباذ وكل أمير على أقطاعه والله سبحانه وتعالى أعلم * (انتقاض الصلح والمصاف الرابع بين السلطانين وحصار محمد باصبهان) * لما انصرف السلطان محمد إلى استراباذ وكان اتهم الامراء الدين سعوا في الصلح بالخديعة فسار إلى قزوين ودس إلى رئيسها لان يصنع صنيعا ويدعوه إليه مع الامراء ففعل وجاء

[ 28 ]

السلطان إلى الدعوة وقد تقدم إلى أصحابه بحمل السلاح ومعه يشمك وافتكيز من أمرائه فقبض عليهما وقتل يشمك وسمل افتكين وورد عليه الامير نيال بن أنشوكس الحسامى نازعا عن أخيه بركيارق ولما التقى الفريقان حمل سرحاب بن كشمر الديلمى صاحب ساوة على نيال الحسامى فهزمه واتبعه عامة العسكر واستولت الهزيمة على عسكر محمد ومضى بعضهم إلى طبرستان وبعضهم إلى قزوين وذلك في جمادى من سنة خمس وتسعين لاربعة أشهر من المصاف قبله ولحق محمد في الفل باصبهان ومعه نيال الحسامى واصبهان في حكمه فحصنها وسد ما ثلم من سورها وأعمق الخندق وفرق الامراء في الاسوار وعلى الابواب ونصب المجانيق وجاء بركيارق في خمسة عشر ألف مقاتل فأقام محاصرا للبلد حتى اشتد الحصار وعدمت الاقوات واستقرض محمد المال للجند من أعيان البلدة مرة بعد أخرى فلما جهده الحصار خرج من البلد ومعه الامير نيال وترك باقى الامراء وبعث بركيارق الامير اياز في عسكر لطلبه فلم يدركه وقيل بل أدركه وذكره لعهد فرجع عنه بعد ان أخذ رايته وجشره وثلاثة أحمال من المال ولما خرج محمد عن اصبهان طمع المفسدون والسودية في نهبها فاجتمع منهم ما يزيد على مائة ألف وزحفوا بالسلالم والذبابات وطموا الخندق وصعدوا في السلالم باشارة أهل البلد وحدوا في دفاعهم وعادوا خائبين ورحل بركيارق آخر ذى القعدة من سنة خمس وتسعين واستخلف على البلاد القديم الذى يقال له شهرستان مرشد الهراس في ألف فارس مع ابنه ملك شاه وسار إلى همدان وفى هذا الحصار قتل وزير بركيارق الاغر أبو المحاسن عبد الجليل الدهستانى عرض له يوما بعض الباطنية عندما ركب من خيمته لباب السلطان طعنه طعنات وتركه بآخر رمق وقتل غلام من غلمان بعض المكوس للوزير ثار فيه بمولاه وكان كريما واسع الصدر وولى الوزارة على حين فساد القوانين وقلة الجباية فكان يضطر لاخذ أموال الناس بالاخافة فنفرت الصفوة منه ولما مات استوزر بركيارق بعده الخطير أبا منصور البذى كان وزيرا لمحمد وقد وكله في الحصار ببعض الابواب فبعث إليه محمد نيال بن أبى شكين يطالبه بالاموال لاقامة العسكر فخرج من الباب ليلا ولحق ببلده وامتنع بقلعتها فارسل السلطان بركيارق إليها عساكر وحاصروها حتى استأمن وجاء عند قتل وزيره الاغر فاستوزره بركيارق مكانه والله تعالى أعلم بغيبه * (مسير صاحب البصرة إلى واسط) * كان صاحب البصرة لهذا العهد اسمعيل بن ارسلان حين كان السلطان ملك شاه شحنة بالرى وولاه عليها عندما اضطر أهلها وعجزا لولاة عنهم فحسنت كفايته وأثخن فيهم

[ 29 ]

وأصلح أمورها ثم عزل عنها وأقطع السلطان بركيارق البصرة للامير قماج وكان ممن لا يفارقه فاختار اسمعيل لولاية البصرة ثم نزع قماج عن بركيارق وانتقل إلى خراسان فحدثت اسمعيل نفسه بالاستبداد بالبصرة وانتقض وزحف إليه مهذب الدولة بن أبى الخير من البطيحة ومعقل بن صدقة بن منصور بن الحسين الاسدي من الجزيرة في العساكر والسفن فقاتلوه في مطارى وقتل معقل بسهم أصابة فعاد ابن أبى الخير إلى البطيحة فأخذ اسمعيل السفن وذلك سنة احدى وتسعين وأسرهما واستفحل أمره بالبصرة وبنى قلعة بالايلة وقلعة بالشاطئ قبالة مطارى وأسقط كثيرا من المكوس واتسعت امارته لشغل السلاطين بالفتنة وملك المسبار وأضافها إلى ما بيده ولما كان سنة خمس وتسعين طمع في واسط وداخل بعض أهلها وركب إليها السفن إلى نعما جار وخيم عليها بالجانب الشرقي أياما ودافعوه فارتحل راجعا حتى ظن خلاء البلد من الحامية فدس إليها من يضرم النار بها ليرجعوا فرجع عنهم فلما دخل أصحابه البلد فتك اهل البلد فيهم وعاد إلى البصرة منهزما فوجد الامير أبا سعيد محمد بن نصر بن محمود صاحب الاعمال لعمان وجنايا وشيراز وجزيرة بنى نفيس محاصر اللبصرة وكان أبو سعيد قد استبد بهذه الاعمال منذ سنين وطمع اسمعيل في الاستيلاء على أعماله وبعث إليها السفن في البحر فرجعوا خائبين فبعث أبو سعيد خمسين من سفنه في البحر فظفروا بأصحاب اسمعيل معهم إلى الصلح ولم يقع منه وفاء به فسار أبو سعيد بنفسه في مائة سفينة وأرسى بفوهة نهر الابلة ووافق دخول اسمعيل من واسط فتزاحفوا برا وبحرا فلما رأى اسمعيل عجزه عن المقاومة كتب إلى ديوان الخليفة بضمان البلد ثم تصالحا ووقعت بينهما المهاداة وأقام اسمعيل مستبدا بالبصرة إلى أن ملكها من يده صدقة بن مزيد في المائة الخامسة كما مر في اخباره وهلك برامهرز وفاة كربوقا صاحب الموصل واستيلاء جكرمس عليها واستيلاء سقمان بن ارتق على حصن كبيعا كان السلطان بركيارق أرسل كربوقا إلى اذربيجان لقتال مودود بن اسمعيل بن ياقوتي الخارج بها سنة أربع وتسعين فاستولى على أكثر اذربيجان من يده ثم توفى منتصف ذى القعدة سنة خمس وتسعين وكان معه أصهر صباوة بن خمار تكين وسنقرجه من بعده وأوصى الترك بطاعته فسار سنقرجه إلى الموصل واستولى عليها وكان أهل الموصل لما بلغهم وفاة كربوقا قد استدعوا موسى التركماني من موضع نيابته عن كربوقا بحصن كبيعا للولاية عليهم فبادر إليهم وخرج سنقرجه للقائه فظن انه جاء إليه وجرت بينهما محاورات ورد سنقرجه الامر إلى السلطان فآل الامر بينهما إلى المطاعنة

[ 30 ]

وكان مع موسى منصور بن مروان بقية أمراء ديار بكر وضرب سنقرجه فأبان رأسه وملك موسى البلد ثم زحف جكرمس صاحب جزيرة ابن عمر إلى نصيبين فملكها وخالفه موسى إلى الجزيرة فبادر إليه جكرمس وهزمه واتبعه إلى الموصل فحاصره بها فبعث موسى إلى سقمان بن ارتق بديار بكر يستنجده على أن يعطيه حصن كبيعا فسار سقمان إليه وأفرج عنه جكرمس وخرج موسى للقاء سقمان فقتله مواليه ورجع سقمان إلى كبيعا وجاء جكرمس إلى الموصل فحاصرها وملكها صلحا واستلحم قتلة موسى ثم استولى بعد ذلك على الخابور وأطاعه العرب والاكراد وأما سقمان بن ارتق فسار بعد مقتل موسى إلى حصن كبيعا واستمر بيده قال ابن الاثير وصاحبها الآن في سنة خمس وعشرين وستمائة محمود بن محمد بن الفراء ارسلان بن داود بن سقمان بن ارتق والله تعالى أعلم * (أخبار نيال بالعراق) * كان نيال بن أبى شتكين الحسامى مع السلطان محمد باصبهان لما حاصرها بركيارق بعد المصاف الرابع سنة خمس وتسعين فلما خرج محمد من الحصار إلى ومعه نيال استأذنه في قصد الرى ليقيم بها دعوتهم وسار هو وأخوه على وعسف بأهل الرى وصادرهم وبعث السلطان بركيارق الامير برسق بن برسق في ربيع من سنة ست وتسعين فقاتله وهزمه واستولى برسق على الرى وأعاده على ولاية بقزوين وسلك نيال على الجبال وهلك كثير من أصحابه وخلص إلى بغداد فأكرمه المستظهر وأظهر طاعة السلطان محمد وتحالف هو وأبو الغازى وسقمان بن ارتق على مناصحة السلطان محمد وساروا إلى صدقة بن مزيد بالحلة فاستخلفوه على ذلك ثم ان نيال بن أبى شتكين عسف بأهل بغداد وتسلط عليهم وصادر العمال فاجتمع الناس إلى أبى الغازى بن ارتق وكان نيال صهره على أخته التى كانت زوجا لتتش وطلبوا منه أن يشفع لهم عنده وبعث المستظهر إليه قاضى القضاة أبا الحسن الدامغاني بالنهي عما يرتكبه فأجاب وحلف ثم نكث فأرسل المستظهر إلى صدقة بن مزيد يستدعيه فوصل في شوال من السنة واتفق مع نيال على الرحيل من بغداد ورجع إلى حلته وترك ولده دبيسا يزعج نيال للخروج فسار نيال إلى وعاث في السابلة وأقطع القرى لاصحابه وبعث إلى صدقة فأرسل إليه العساكر وخرج فيها أبو الغازى بن ارتق وأصحاب المستظهر فسار نيال إلى اذربيجان ورجعوا عنه * (ولاية كمستكين النصيرى شحنة بغداد وفتنته مع أبى الغازى وحربه) * كان أبو الغازى بن ارتق شحنة بغداد ولاه عليها السلطان محمد عند مقتل كوهراس ولما طهر الآن بركيارق على محمد وحاصره باصبهان ونزل بركيارق همدان وأرسل إلى بغداد كمستكين النصيرى في ربيع سنة ست وتسعين وسمع أبو الغازى بمقدمه فاستدعى

[ 31 ]

أخاه سقمان بن ارتق من حصن كبيعا يستنجده وسار إلى صدقة بن مزيد فحالفه على النصرة والمدافعة ورجع إلى بغداد ووصل إليه أخوه سقمان بعد أن نهب في طريقه ووصل كمستكين إلى قرقيسيا ولقيه شيعة بركيارق وخرج أبو الغازى وسقمان عن بغداد ونهب قرى دجيل واتبعتهما العساكر ثم رفعت عنهما وأرسل كمستكين إلى صدقة صاحب الحلة فامتنع من طاعة بركيارق وسار من الحلة إلى صرصر وقطع خطبة بركيارق وعبر بغداد واقتصر على الدعاء للخليفة وبعث صدقة إلى أبى الغازى وسقمان يعرفهما بوصوله وهما بالحرنى وجاء إلى دجيل ونهب القرى واشتد فسادهم وأضر ذلك بحال بغداد في غلاء الاسعار وجاء أبو الغازى وسقمان ومعهما دبيس بن صدقة فخيموا بالرملة وقاتلهم العامة ففتكوا فيهم وبعث المستظهر قاضى القضاة أبا الحسن الدامغاني وتاج الرؤساء بن الرحلات إلى صدقة بن مزيد بمراجعة الطاعة فشرط خروج كمستكين عن بغداد فأخرجه المستظهر إلى النهروان وعاد صدقة إلى الحلة وأعيدت خطبة السلطان محمد ببغداد ثم سار كمستكين النصيرى إلى واسط وخطب فيها لبركيارق ونهب عسكره سوادها فسار صدقة وأبو الغازى إليه وأخرجاه من واسط وتحصن بدجلة فقصده صدقة فانفض عنه أصحابه ورجع إلى صدقة بالامان فأكرمه وعاد إلى بركيارق وأعيدت خطبة السلطان محمد بواسط وبعده لصدقة وأبى الغازى وولى كل واحد فيها ولده وعاد أبو الغازى إلى بغداد وعاد صدقة إلى الحلة وبعث ابنه منصورا مع أبى الغازى يطلب الرضا من المستظهر لانه كان سخطه من أجل هذه الحادثة * (المصاف الخامس بين بركيارق ومحمد) * كان السلطان محمد لما سار عن كنجة وبلاد اران استخلف بها الامير غرغلى وأقام بها في طائفة من عسكره مقيما خطبة السلطان محمد في جميع أعماله إلى زنجان من آخر اذربيجان فلما انحصر محمد باصبهان سار غرغلى لانجاده ومعه منصور بن نظام الملك ومحمد بن أخيه مؤيد الملك فانتهوا إلى الرى وملكوها آخر خمس وتسعين ولقوا السلطان محمدا بهمدان عندما خرج من أصبهان ومعه نيال بن أبى شتكين وأخوه على وأقاموا معه بهمدان ثم جاء الخبر بمسير بركيارق إليهم فتوجه السلطان محمد قاصدا شروان وانتهى إلى اذربيجان فبعث إليه مودود بن اسمعيل بن ياقوتي الذى كان بركيارق قتل أباه اسمعيل وكانت أخت مودود هذا تحت محمد وكان له طائفة من أعمال اذربيجان فاستدعى محمدا ليظاهره على بركيارق فسار إليه وانتهى إلى سقمان وتوفى مودود في ربيع سنة ست وتسعين واجتمع عساكره على السلطان محمد وفيهم سقمان القطى ومحمد بن باغى

[ 32 ]

بركيارق وقاتلهم على خراسان وسار اياز من عسكر بركيارق وجاء من خلف السلطان محمد فانهزم محمد وأصحابه ولحق بارقيش من أعمال خلاط ولقيه الامير على صاحب ارزن الرومي فمضى إلى اصبهان وصاحبها منوجهر أخو فظون الروادى ثم سار إلى هرمز وأما محمد بن مؤيد الملك بن نظام الملك من الوقعة إلى ديار بكر ثم إلى جزيرة ابن عمر ثم إلى بغداد وكان أيام أبيه مقيما ببغداد في جوار المدرسة النظامية فشكى إلى أبيه وخاطب كوهراس بالقبض عليه فاستجار بدار الخلافة ولحق سنة ثنتين وتسعين بمجد الملك البارسلانى وأبوه بكنجة عند السلطان محمد فلما خطب السلطان محمد لنفسه واستوزر أباه مؤيد الملك لحق محمد هذا بأبيه ثم قتل أبوه وبقى في جملة السلطان محمد * (استيلاء ملك بن بهرام على مدينة غانة) * كان ملك بن بهرام بن ارتق بن أخى ابى الغازى بن ارتق مالكا مدينة سروج فملكها الفرنج من يده فسار عنها إلى غانة وغلب عليها بنى العيش بن عيسى بن خلاط كانت لهم فقصدوا صدقة بن مزيد مستنجدين به فأنجدهم وجاء معهم فرحل ملك بن بهرام والتركمان عنها ودخلها بنو العيش وأخذ صدقة رهائنهم وعاد إلى الحلة فرجع ملك إليها في ألفى رجل من التركمان وحاربها قليلا ثم عبر المخاضة وملكها واستباح أهلها ومضى إلى هيت ورجع عنها * (الصلح بين السلطانين بركيارق ومحمد) * ثم استقر الامر آخرا بالسلطان بركيارق في الرى وكان له الجبال وطبرستان وخورستان وفارس وديار بكر والجزيرة والحرمين ولمحمد اذربيجان وبلاد اران وارمينية واصبهان والعراق جميعا غير تكريت والبطائح بعضها وبعضها والبصرة لهما جميعا وخراسان لسنجر من جرجان إلى ما وراء النهر يخطب فيها لاخيه محمد وله من بعده والعساكر كلهم يتحكمون عليهم بسبب الفتنة بينهما وقد تطاول الفساد وعم الضرر واختلفت قواعد الملك فأرسل بركيارق إلى أخيه محمد في الصلح مع فقيهين من أماثل الناس ورغباه في ذلك وأعاد معهما رسلا آخرين وتقرر الامر بينهما أن يستقر محمد على ما بيده سلطانا ولا يعارضه بركيارق في الطول ولا يذكر اسمه في أعمال محمد وأن المكاتبة تكون بين الوزيرين والعساكر بالخيار في خدمة من شاؤا منهما ويكون للسلطان محمد من النهر المعروف باسترد إلى باب الابواب وديار بكر والجزيرة والموصل والشأم والعراق بلاد صدقة بن مزيد وبقية الممالك الاسلامية لبركيارق وتحالفا على ذلك وانتظم الامر وأرسل السلطان محمد إلى أصحابه باصبهان بالخروج عنها لاخيه بركيارق واستدعاهم إليه فأبوا وجنحوا إلى خدمة بركيارق وساروا إليه بحريم السلطان محمد الذى كانوا معهم فأكرمهم بركيارق ودلهم

[ 33 ]

إلى صاحبهم وحضر أبو الغازى بالديوان ببغداد وسار المستظهر في الخطبة لبركيارق فخطب له سنة سبع وتسعين وكذلك بواسط وكان أبو الغازى قبل ذلك في طاعة محمد فأرسل صدقة إلى المستظهر يعذله في شأنه ويخبره بالمسير لاخراجه من بغداد ثم سار صدقة ونزل عند الفجاج وخرج أبو الغازى إلى عقربا وبعث لصدقة بأنه انما عدل عن طاعة محمد للصلح الوقع بينه وبين أخيه وأنهما تراضيا على أن بغداد لبركيارق وانا شحنة بها واقطاعى حلوان فلا يمكننى التحول عن طاعة بركيارق فقبل منه ورجع إلى الحلة وبعث المستظهر في ذى القعدة سنة سبع وتسعين بالخلع للسلطان بركيارق والامير اياز والوزير الخطير واستخلفهم جميعا وعاد إلى بغداد والله سبحانه ولى التوفيق * (حرب سقمان وجكرمس الافرنج) * قد تقدم لنا استيلاء الافرنج على معظم بلاد الشأم وشغل الناس عنهم بالفتنة وكانت حران لقراجا من مماليك ملك شاه وكان غشوما فخرج منها لبعض مذاهبه وولى عليها الاصبهاني من أصحابه فعصى فيها وطرد أصحاب قراجا منها ما عدا غلاما تركيا اسمه جاولى جعله مقدم العسكر وأنس به فقرره وتركه وملك حران وسار الافرنج إليها وحاصروها وكان بين جكرمس صاحب جزيرة ابن عمر وسقمان صاحب كبيعا حروب وسقمان يطالبه بقتل ابن أخيه فانتد بالنصر المسلمين واجتمعا على الخابور وتحالفا وسار سقمان في سبعة آلاف من التركمان وجكرمس في ثلاثة آلاف من الترك والعرب والاكراد والتقوا بالافرنج على نهر بلخ فاستطرد لهم المسلمون نحو فرسخين ثم كروا عليهم فغنموا فيهم وقتلوا سوادهم وأخذ القمص بردويل صاحب الرها أسره تركماني من أصحاب سقمان في نهر بلخ وكان سمند صاحب انطاكية من الافرنج ونيكرى صاحب الساحل منهم قد كمنا وراء الجبل ليأتيا المسلمين من ورائهم عند المعركة فلما عاينوا الهزيمة كمنوا بقية يومهم ثم هربوا فأتبعهم المسلمون واستلحموهم وأسروا منهم كثيرا وفلت سمند ونيكرى بدماء أنفسهم ولما حصل الظفر للمسلمين عصى أصحاب جكرمس باختصاص سقمان بالقمص وحملوه على أخذه لنفسه فأخذه جكرمس من خيام سقمان وشق ذلك عليه وأراد أصحابه فأبى حذرا من افتراق المسلمين ورحل وفتح في طريقه عدة حصون وسار جكرمس إلى حران ففتحها ثم سار إلى الرها فحاصرها خمس عشرة ليلة وعاد إلى الموصل وقاد من القمص بخمسة وثلاثين ألف دينارا ومائة وستين أسيرا من المسلمين. * (وفاة بركيارق وولاية ابنه ملك شاه) * ثم توفى السلطان بركيارق بن ملك شاه بنرد جرد في أوائل ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين لاثنتى عشرة سنة ونصف من ملكه جاء إليها

[ 34 ]

عليلا من اصبهان واشتد مرضه بنردجرد فولى عهده لابنه ملك شاه وعمره نحو من خمس سنين وخلع عليه وجعل الامير اياز كافله وأوصى أهل الدولة بالطاعة والمساعدة وبعثهم إلى بغداد فأدركهم خبر وفاته بالطريق ورجع اياز حتى دفنه باصبهان وجمع السرادقات والخيام والجثر والسمسمة لابنه ملك شاه وكان بركيارق قد لقى في ملكه من الرخاء والشدة والسلم ما لم يلقه أحد فلما استقر واستقامت سعادته أدركته المنية ولما توفى خطب لابنه ملك شاه ببغداد وكان أبو الغازى قد سار من بغداد إليه وهو باصبهان يستحثه إلى بغداد وجاء معه فلما مات سار مع ابنه ملك شاه والامير اياز إلى بغداد وركب الوزير أبو القاسم على بن جهير فلقيهم به مالى وحضر أبو الغازى والامير طغلبرك بالديوان وطلبا الخطبة لملك شاه فخطب له ولقب بألقاب جده ملك شاه * (حصار السلطان محمد الموصل) * لما انعقد الصلح بين بركيارق ومحمد واختص كل منهما اعماله وكانت اذربيجان في قسمة محمد رجع محمد إلى أذربيجان ولحق به سعد الملك أبو المحاسن الذى كان نائبا باصبهان بعد أن أبلى المدافعة عنها ثم سلمها بعد الصلح إلى نواب بركيارق واستوزره فأقام محمد إلى صفر من سنة ثمان وتسعين ثم سار يريد الموصل على طريق مراغة ورحل وبلغ الخبر إلى جكرمس فاستعد للحصار وأدخل أهل الضاحية إلى البلد وحاصره محمد ثم بعث له يذكره ما استقر عليه بينه وبين أخيه وأن الموصل والجزيرة له وعرض عليه خط بركيارق بذلك وبايمانه عليه ووعده أن يقرها في عمالته فقال له جكرمس ان السلطان كتب إلى بعد الصلح بخلاف ذلك فاشتد في حصاره واشتد أهل البلد في المدافعة ونفس الله عنهم برخص الاسعار وكان عسكر جكرمس مجتمعين قريبا من الموصل وكانوا يغزون على أطراف العسكر ويمنعون عنهم الميرة ثم وصل الخبر عاشر جمادى الاولى بوفاة السلطان بركيارق فاستشار جكرمس أهل البلد فردوا النظر إليه واستشار الجند فأشاروا بطاعة السلطان محمد فأرسل إليه بذلك واستدعى وزيره سعد الملك فدخل عليه وأشار عليه بلقاء السلطان فخرج إليه على كره من أهل البلد فتلقاه السلطان بالكرامة وأعاده سريعا إلى البلد ليطمئن الناس * (استيلاء السلطان محمد على بغداد وخلع ملك شاه بن أخيه ومقتل اياز) * قد كنا قدمنا صلح بركيارق وأخيه من أنه يستقل بركيارق بالسلطنة وينفرد محمد بالاعمال التى ذكرنا وموت بركيارق اثر ذلك وتقديم ابنه ملك شاه ببغداد فوصل الخبر

[ 35 ]

بذلك إلى محمد وهو يحاصر الموصل فأطاعه جكرمس وسار محمد إلى بغداد ومعه جكرمس وسقمان القطبى مولى قطب الدولة اسمعيل بن ياقوتي بن داود وياقوتي عم ملك شاه ومحمد وغيرهما من الامراء وجمع صدقة صاحب الحلة العساكر وبعث ابنه بدران ودبيسا إلى محمد يستحثانه وجا السلطان محمد إلى بغداد فاعتزم الامير اياز أتابك ملك شاه على دفاعه وخيم خارج بغداد وأشار عليه بذلك أصحابه وخالفهم وزيره أبو المحاسن الضبعى وأبلغ في النصيحة له بطاعة السلطان فأقام مترددا ونزل محمد بالجانب الغربي وخطب له هنالك منفردا ولهما معا في بعض الجوامع واقتصر على سلطان العالم في بعضها ورجع اياز إلى استحلاف الامراء ثانيا فوقف بعضهم وقال لا فائدة في اعادة اليمين وارتاب اياز عندها وبعث وزيره الضبعى أبا المحاسن لعقد الصلح مع السلطان واستحلافه فقرأ على وزيره سعد الملك أبى المحاسن سعد بن محمد فدخل معه إلى السلطان وأجابه إلى ما طلب وجاء معه من الغد قاضى القضاة والمفتيان واستحلفاه لاياز وللامراء فحلف الا أن ينال الحسامى و وقال أما ملك شاه فهو ابني وأنا أبوه وجاء اياز من الغد وقارن وصول صدقة بن مزيد فانزلهما واحتفى بهما وذلك آخر جمادى الاولى من سنة ثمان وتسعين ثم احتفل اياز بعدها في عمل صنيع للسلطان في بيته وهى دار كوهراس وأهدى إليه تحفا من جملتها حبل البلخش الذى أخذه من تركة نظام الملك بن مؤيد الملك واتفق ان اياز تقدم لمواليه بلبس السلاح ليعرضهم على السلطان وكان عندهم مصفعان فألبسوه درعا تحت ثيابه وتناولوه بالنخس فهرب عنهم ودخل في حاشية السلطان مذعورا فلمسوه فإذا الدرع تحت ثيابه فارتابوا ونهض السلطان إلى داره ثم دعا الامراء بعد دلك بأيام فاستشارهم في بعث يبعثهم إلى ديار بكر ان ارسلان بن سليمان بن قطلمش قصدها فاتفقوا على الاشارة بمسير اياز وطلب هو أن يكون معه صدقة بن مزيد فالمعه السلطان بذلك واستدعاهما لانفاذ ذلك وقد أرصد في بعض المخادع بطريقهم جماعة لقتل اياز فلما مر بهم تعاورته سيوفهم وقطع رأسه وهرب صدقة وأغمى على الوزير وهرب عسكر اياز فنهبوا داره وأرسل السلطان من دفعهم عنها وسار السلطان من بغداد إلى اصبهان وهذا اياز من موالى السلطان ملك شاه ثم سار في جملة ملك آخر فساء وأما الضبعى وزير اياز فاختفى أشهرا ثم حمل إلى الوزير سعد الملك في رمضان فلما وصل كان ذلك سبب رياسته بهمدان * (استيلاء سقمان بن ارتق على ماردين وموته) * كان هذا الحصن في ديار بكر أقطعه السلطان بركيارق لمغن كان عنده وكان حواليها خلق كثير من الاكراد يغيرون عليها ويخيفون سابلتها واتفق ان كربوقا خرج من

[ 36 ]

الموصل لحصار آمد وكانت لبعض التركمان فاستنجد بسقمان فسار لانجاده ولقيه كربوقا ومعه زنكى بن اقسنقر وأصحابه وأبلوا ذلك اليوم بلاء شديدا فانهزم وأسر ابن أخيه ياقوتي بن ارتق فحبسه بقلعة ماردين عند المغنى فبقى مدة محبوسا وكثر خروج الاكراد بنواحي ماردين فبعث ياقوتي إلى المغنى يسأله أن يطلقه ويقيم عنده بالريف لدفاع الاكراد ففعل وصار يغير عليهم في سائر النواحى إلى خلاط وصار بعض أجناد القلعة يخرجون للاغارة فلا يهيجهم ثم حدثته نفسه بالتوثب على القلعة فقبض عليهم بعض الايام بعد مرجعه من الاغارة ودنا من القلعة وعرضهم للقتل ان لم يفتحها أهلوهم ففتحوها وملكها وجمع الجموع وسار إلى نصيبين وإلى جزيرة ابن عمر وهى بجركمس فكبسه جكرمس وأصحابه وأصابه في الحرب سهم فقتله وبكاه جكرمس وكانت تحت ياقوتي بنت عمه سقمان فمضت إلى أبيها وجمعت التركمان وجاء بهم إلى نصيبين لطلب الثار فبعث إليه جكرمس ما أرضاه من المال في ديته فرجع وأقام بماردين بعد ياقوتي أخوه على طاعة جكرمس وخرج منها لبعض المذاهب وكتب نائبه بها إلى عمه سقمان بأنه تملك ماردين على جكرمس فبادر إليها سقمان واستولى عليها وعوض عنها ابن أخيه جبل جور وأقامت ماردين في حكمه مع حصن كبيعا واستضاف إليها نصيبين ثم بعث إليها فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس يستنجده على الافرنج وكان استبد بها على الخلفاء العبيديين أهل مصر وثار له الافرنج عندما ملكوا سواحل الشأم فبعث بالصريخ إلى سقمان بن ارتق سنة ثمان وتسعين فأجابه وبينما هو يتجهز للمسير وافاه كتاب طغتكين صاحب دمشق المستبد بها من موالى بنى تتش يستدعيه لحضور وفاته خوفا على دمشق من الفرنج فأسرع السير معتزما على قصد طرابلس وبعدها دمشق فانتهى إلى القريتين وندم طغتكين على استدعائه وجعل يدبر الرأى مع أصحابه في صرفه ومات هو بالقريتين فكفاهم الله تعالى أمره وقد كان أصحابه عندما أيقن بالموت أشاروا عليه بالعود إلى كبيعا فامتنع وقال هذا جهاد وان مت كان لى ثواب شهيد * (خروج منكبرس على السلطان محمد ونكبته) * كان منكبرس بن يورس بن البارسلان مقيما باصبهان وانقطعت عنه المواد من السلطان فخرج إلى نهاوند ودعا لنفسه وكاتب الامراء بنى برسق بخورستان يدعوهم إلى طاعته وكان أخوهم زنكين عند السلطان محمد فقبض عليه وكاتب اخوته في التدبير على منكبرس فأرسلوا إليه بالطاعة حتى جاءهم فقبضوا عليه بخورستان وبعثوا به إلى اصبهان فاعتقل مع ابن عمه تتش وأطلق زنكين بن برسق وأعيد إلى مرتبته وكانت اقطاع بنى برسق الاسير وسابور وخورستان وغيرها ما بين الاهواز وهمدان فعوضهم عنها بالدينور وأخرجهم من تلك الناحية والله تعالى أعلم

[ 37 ]

* (مقتل فخر الملك بن نظام الملك) * قد ذكرنا قبل ان فخر الملك بن نظام الملك كان وزيرا لتتش ثم حبسه ولما هزمه بركيارق ووجده في محبسه اطلقه وكان أخوه مؤيد الملك وزيرا له فمال إليه فخر الدولة بسعاية مجد الملك البارسلانى واستوزره سنة ثمان وثمانين ثم فارق وزارته ولحق بسنجر بن ملك شاه بخراسان فاستوزره فلما كان في آخر المائة الخامسة جاء باطني يتظلم إلى باب داره فأدخله يسمع شكواه فطعنه بخنجر فقتله وأمر السلطان سنجر بضربه فأقر على جماعة من الناس وقتل * (ولابة جاولى سكاور على الموصل وموت جكرمس) * كان جاولى سكاور قد استولى على ما بين خورستان وفارس فعمر قلاعها وحصنها وأساء السيرة في أهلها فلما استقل السلطان محمد بالملك خافه جاولى وأرسل السلطان إليه الامير مودود بن أنوتكين فتحصن منه جاولى وحاصره مودود ثمانية أشهر ودس جاولى إلى السلطان بطلب غيره فأرسل إليه خاتمه مع أمير آخر فسار إليه باصبهان وجهزه في العساكر لجهاد الافرنج بالشأم واسترجاع البلاد منهم وكان جكرمس صاحب الموصل قد قطع الحمل فأقطع السلطان الموصل وديار بكر والجزيرة لجاولى فسار إلى الموصل وجعل طريقه على بغداد على البواريح فاستباحها أياما ثم سار إلى اربل وكان صاحبها أبو الهيجاء بن برشك الكردى الهربانى إلى جكرمس يستحثه فسار في عسكر الموصل والقوا قريبا من اريل فانهزم أصحاب جكرمس وكان يحمل في المحفة فقاتل عنده غلمانه وأحمد بن قاروت بك فخرج وانهزم إلى الموصل ومات وجئ بجكرمس فحبسه ووصل من الغد إلى الموصل فولوا ازنكين بن جكرمس وأقام بالجزيرة وقام بأمره غرغلى مولى أبيه وفرق الاموال والخيول وكتب إلى فليح ارسلان صاحب بلاد الروم ميتا وكان قد شيد الموصل وبنى أسوارها وحصنها بالخندق وبينما هو كذلك سار إليه فليح ارسلان من بلاد الروم باستدعاء غرغلى كما تقدم وانتهى إلى نصيبين فرحل جاولى عن الموصل ثم جاء البريقى شحنة بغداد ونزل عن الموصل وخاطبهم فلم يجيبوه فرجع من يومه وسار فليح ارسلان من نصيبين إلى الموصل وتأخر عنها جاولى إلى سنجار واجتمع ابن الغازى بن ارتق وجماعة من عسكر جكرمس وجاء جريح رضوان بن تتش من الشأم على الافرنج فسار إلى الرحبة وبعث أهل الموصل وعسكر جكرمس إلى فليح ارسلان بنصيبين واستحلفوه فحلف وجاء إلى الموصل فملكها في منتصف ختام المائة الخامسة وخلع على ابن جكرمس وخطب لنفسه بعد الخليفة وقطع خطبة السلطان محمد إلى العسكر وأخذ القلعة من غرغلى فولى جكرمس وأقر القاضى أبا محمد عبد الله بن القاسم الشهرزورى على القضاء وجعل

[ 38 ]

الرياسة لابي البركات محمد بن محمد بن خميس وكان في جملة فلهم ارسلان ابراهيم بن نيال التركماني صاحب آمد ومحمد بن حموا صاحب خرتبرت كان ابراهيم ابن نيال ولاه تتش على آمد فبقيت بيده وكان ابن حموا ملك خرتبرت من يد القلادروس ترجمان الروم كانت له الرها وانطاكية فملك سليمان قطلمش انطاكية وبقيت له الرها وخرتبرت وأسلم القلادروس على القيام بأعماله فملك محمد بن حموا خرتبرت وأسلم القلادروس فلما ولى فخر الدولة بن جهير ديار بكر ضعف القلادروس عن الرها على يد ملك شاه وأمره عليها ولما سار جاولى إليه الرحبة قاصدا صريخ رضوان بن تتش نزل عليها آخر رمضان من السنة وحاصرها وبها محمد بن السباق من بنى شيبان ولاه عليها دقاق فاستبد بها وخطب لفليح ارسلان فحاصره جاولى وكتب إلى رضوان يستدعيه ويعده بالمسير معه لدفاع فجاء رضوان وحاصر معه الرحبة ثم دس إلى جاولى جماعة من حامية الاسوار فوثبوا بها وأدخلوا وملك البلد وأبقى على محمد الشيباني وسار معه ثم ان فليح ارسلان لما فرغ من أمر الموصل ولى عليها ابنه ملك شاه في عسكر ومعه أمير بدبره وسار إلى قتال جاولى ورجع عنه ابراهيم بن نيال إلى بلده آمد من الخابور فبعث إلى بلده في الحشد فعاجله جاولى بالحرب والتقوا في آخر ذى القعدة من السنة وانهزم أصحاب فليح ارسلان على دفاعه وأعاد الخطبة للسلطان واستصفى أصحاب جكرمس ثم سار إلى الجزيرة وبها حبيش بن جكرمس ومعه غرغلى من موالى أبيه فحاصره مدة ثم صالحه على ستة آلاف دينار ورجع إلى الموصل وأرسل ملك شاه من فليح ارسلان إلى السلطان محمد والله سبحانه وتعالى أعلم * (مقتل صدقة بن مزيد) * ولما استوحش صدقة بن مزيد صاحب الحلة من السلطان محمد سار إليه السلطان وملك أعماله ولقيه صدقة فهزمه السلطان وقتل في المعركة كما ذكرنا ذلك في أخبار صدقة في دولة ملوك الحلة والله سبحانه وتعالى أعلم * (قدوم ابن عمار صاحب طرابلس على السلطان محمد) * كان فخر الدولة أبو على بن عمار صاحب طرابلس استبد بها على العبيديين فلما ملك الافرنج سواحل الشأم رددوا عليها الحصار فضاقت أحوالها فلما انتظم الامر للسلطان محمد واستقام ملكه قصده فخر الملك بن عمار صريخا للمسلمين بعد أن استخلف على طرابلس ابن عمه ذا المناقب وفرق في الجند عطاءهم لستة أشهر ورتب الجامكية في مقاعدهم للقتال وسار إلى دمشق فلقيه طغتكين أتابك وخيم بظاهرها أياما ورحل إلى بغداد فأركب السلطان الامراء لتلقيه ولم يدخر عنه يراولا عرامة وكذلك الخليفة وأتحف السلطان بهدايا وذخائر

[ 39 ]

نفيسة وطلب النجدة وضمن النفقة على العسكر فوعده بالنصر وأقام ثم لفى الامير حسين بن أتابك طغتكين ليسير بالعساكر إلى الموصل مع الامير مودود لقتال صدقة جاولى ثم يسير حسين معه إلى الشأم ثم رحل السلطان عن بغداد سنة احدى وخمسمائة لقتال صدقة واستدعى ابن عمار وهو بالنهروان فودعه وسار معه الامير حسين إلى دمشق وكان ابن عمار لما سار عن طرابلس استخلف عليها ابن عمه ذا المناقب فانتقض واجتمع مع أهل طرابلس على اعادة الدولة العلوية وبعثوا إلى الافضل بن أمير الجيوش المستبد على الدولة بمصر بطاعتهم ويسألون الميرة فبعث إليهم شرف الدولة بن أبى الطيب واليا ومعه الزاد من الاقوات والسلام فدخل البلد وقبض على أهل ابن عمار وأصحابه واستصفى ذخائر وحمل الجميع إلى مصر في البحر * (استيلاء مودود بن أبى شتكين على الموصل من يد جاولى) * قد تقدم لنا استيلاء جاولى على الموصل من يد فليح بن ارسلان وابن جكرمس وهلاكهما على يده واستفحل ملكه بالموصل وجعل السلطان محمد بن الية ولاية ما يفتحه من البلاد له فقطع الحمل عن السلطان واستنفره لحرب صدقة فلم بنفر معه وداخل صدقة بأنه معه فلما فرغ السلطان من أمر صدقة بعث مودود بن أبى شتكين في العساكر وولاه الموصل وبعث معه الامراء ابن برسق وسقمان القطبى واقسنقر البرسقى ونصر بن مهلهل بن أبى الشوك الكردى وأبو الهيجاء صاحب أرجل مددا فوصلوا الموصل وخيموا عليها فوجدوا جاولى قد استعد للحصار وحبس الاعيان وخرج عن البلد وترك بها زوجته هي وابنة برسق في ألف وخمسمائة مقاتل فأحسن في مصادرة الناس واشتد عليهم الحصار فلما كان المحرم سنة ثنتين خرج بعض الحامية من فرجة من السور وأدخلوا منها مودود والعساكر وأقامت زوجة جاولى بالقلعة ثمانية أيام ثم استأمنت وخرجت إلى أخيها يوسف بن برسق بأموالها واستولى مودود على الموصل وأعمالها وأما جاولى فلما سار عن الموصل حمل معه القمص الذى كان أسره بنعمان وأخذه منه جكرمس وسار به إلى نصيبين وسأل من صاحبها أبو الغازى بن ارتق المظاهرة على السلطان فلم يجبه إلى ذلك ورحل عن نصيبين إلى ماردين بعد ان ترك ابنه مقيما مع الحامية فتبعه جاولى ودخل عليه وحده بالقلعة متطارحا عليه فأجابه وسار معه إلى نصيبين ثم إلى سنجار وحاصراها فامتنعت عليهما ثم هرب أبو الغازى ليلا إلى نصيبين وتركه فسار جاولى إلى الرحبة وأطلق القمص بردويل لخمس سنين من الصرة على مال قرره عليه وأسرى من المسلمين يطلقهم وعلى النصرة مهما طلبه وأرسله إلى سالم بن مالك بقلعة جعفر حتى جاء ابن خالته جوسكر صاحب تل ناشز من زعماء الفرنج وكان أسر

[ 40 ]

مع القمص فافتدى بعشرين ألف دينار وأقام جوسكر رهينة وسار القمص إلى انطاكية ثم أطلق جاولى جوسكر وأخذ رهنا عنه صهره وصهر القمص وبعثه في اتمام ما ضمن ولما وصل إلى انطاكية أعطاه شكرى صاحبها ثلاثين ألف دينار وخيلا وسلاحا وغير ذلك وكانت الرها وسروج بيد القمص ولما أسر ملك جكرمس الرها من أصحابه طلبها منه الآن فلم يجبه فخرج القمص مغاضبا له ولحق بتل ناشز وقدم عليه جوسكر عندما أطلقه جاولى ثم سار اليهما شكرى بعاجلهما قبل اجتماع أمرهما فحاصرهما أياما ورجع القمص وجوسكر على حصون شكرى صاحب انطاكية واستمد أبو سيل الارمني صاحب رعيان وكيسوم والقلاع شمالى حلب فأنجدهم بألف فارس وسار إليهم شكرى وحضر البترك وشهد جماعة من القسيسين والبطارقة أن أسمند خال شكرى قال له عند ما ركب البحر إلى بلاده أعد الرها إلى القمص إذا خلص من الاسر فحكم البترك باعادتها فأعادها تاسع صفر من السنة وعبر القمص الفرات ليرفع إلى جاولى المال والاسرى كما شرط له وكان جاولى لما أطلق القمص سار إلى الرحبة ولقيه أبو النجم بدران وأبو كامل منصور وكانا مقيمين بعد قتل أبيهما عند سالم بن مالك فاستنجداه ووعداه أن يسير معهما إلى الحلة واتفقوا على تقديم ابى الغازى تكين ثم قدم عليهم اصهبر صباور وقد أقطعه السلطان الرحبة فأشار على جاولى بقصد الشأم لخلوها عن العساكر والتجنب عن العراق وطريق السلطان فقبل اشارته وأحصر على الرحبة ثم وفد عليه صريخ سالم ابن مالك صاحب جعفر بستغيث به من بنى نمير وكان حيوش البصري قد نزل على بن سالم بالرقة وملكها وسار إليه رضوان من حلب فصالحه بنو نمير بالمال ورجع عليهم فاستنجد سالم الآن جاولى فجاء وحاصر بنى نمير بالرقة سبعين يوما فأعطوه مالا وخيلا ورحل عنهم واعتذر لسالم ثم وصل جاولى إلى الامير حسين بن أتابك قطلغ تكين كان أبوه أتابك السلطان محمد بكنجة فقتله وتقدم ولده هذا عند السلطان وبعثه مع ابن عمار ليصلح أمر جاولى وتسير العساكر كلها إلى الجهاد مع ابن عمار فأجاب جاولى لذلك وقال لحسين سر إلى الموصل ورحل العساكر عنها وأنا أعطيك ولدى رهينة وتكون الجباية لوال من قبل السلطان فجاء حسين إلى العساكر قبل أن يفتحوها فكلهم أجاب الا الامير مردود فانه امتنع من الرحيل الا باذن من السلطان وأقام محاصرا لها حتى افتتحها وعاد ابن قطلغ إلى السلطان فأحسن الاعتذار عن جاولى وسار جاولى إلى بالس فملكها من أصحاب رضوان بن تتش وقتل جماعة من أهلها فيهم القاضى محمد بن عبد العزير بن الياس وكان فقيها صالحا ثم سار رضوان بن دقاق لحرب جاولى واستمد شكرى صاحب انطاكية فأمده بنفسه وبعث جاولى إلى القمص بالرها يستمده وترك له مال المفاداة فباء

[ 41 ]

إليه بنفسه ولحقه بمنيح وجاء الخبر إلى جاولى باستيلاء مودود وعساكر السلطان على الموصل وعلى خزائنه فاضطرب أمره وانفض عنه كثير من أصحابه منهم زنكى بن اقسنقر وبكتاش وبقى معه اصبهد صباوو وبدروان بن صدقة وابن جكرمس وانضم إليه كثير من المتطوعة ونزل تل ناشر وأتى عسكر رضوان وسكرى وكادان يهزمهم لو لا أن أصحابه ساروا عنه وسار في اتباعهم فأبوا عليه فمضى منهزما وقصد اصبهد الشأم وبدروان بن صدقة قلعة جعفر وابن جكرمس جزيرة ابن عمر وقتل من المسلمين خلق ونهب صاحب انطاكية سوادهم وهرب القمص وجوسكر إلى تل ناشر وكان المنهزمون من المسلمين يمرون بهم فيكرمونهم ويجيزونهم إلى بلادهم ولحق جاولى بالرحبة فلقى بها سرايا مودود صاحب الموصل وخفى عنهم فارتاب في أمره ولم ير الخير له من قصد السلطان محمد ثقة بما ألقى إليه حسين بن قطلغ تكين في شأنه فأوغر في السير ولحق بالسلطان قريبا من اصبهان ونزل حسين بن قطلغ فدخل به إلى السلطان فأكرمه وطلب منه بكتاش بن عمه تتش واعتقله باصبهان * (متقل مودود بن توتكين صاحب الموصل في حرب الافرنج وولاية البرسقى مكانه) * كان السلطان محمد قد أمر مودودا صاحب الموصل سنة خمس وخمسمائة بالمسير لقتال الافرنج وأمده بسقمان القطبى صاحب ديار بكر وأرمينية واياكى وزتكى ابني برسق أمراء همدان وما جاورها والامير أحمد بك أمير مراغة وأبو الهيجاء صاحب اربل والامير أبو الغازى صاحب ماردين وبعث إليه اياز مكانه فسار إلى سنجار وفتحوا حصونا للافرنج وحاصروا مدينة الرها فامتنعت عليهم وأقام الافرنج على الفرات بعد أن طرقوا أعمال حلب فعاثوا فيها ثم حاصر العساكر الاسلامية قلعة ناشر فامتنعت ودخلوا إلى حلب فامتنع رضوان من لقائهم فعادوا ومات سقمان القبطى في دلاس فحمله أصحابه في تابوت إلى بلاده واعترضهم أبو الغازى بن ارتق ليأخذهم فهزموه ثم افترقت العساكر بمرض ابن برسق ومسير أحمد بن صاحب مراغة إلى السلطان لطلب بلاد سققان القبطى واجتمع قطلغتكين صاحب دمشق بمودود ونزل معه على نهر القاضى وسمع الافرنج بافتراق العساكر فساروا إلى ماميا وجاء السلطان ابن منقذ صاحب شيراز إلى مودود وقطلغتكين وحصرهما على الجهاد ونزلوا جميعا على شيراز ونزل الفرنج قبالتهم ثم رأوا قوة المسلمين فعادوا إلى فامية ثم سار مودود سنة ست إلى الرها وسروج فعاث في نواحيها فكبسه جوسكر صاحب تل ناشر في الافرنج ونال منه ثم اجتمع المسلمون سنة سبع للجهاد باستنجاد قطلغتكين صاحب دمشق لمودود فاجتمع معه بمنزل صاحب سنجار واياز بن أبى الغازى وعبروا الفرات إلى قطلغتكين وقصدوا

[ 42 ]

القدس فسار إليهم صاحبها بقزوين ومعه جوسكر ومعه تل ناشر على جيشه ونزلوا الاردن واقتتلوا قريبا من طبرية فانهزم الافرنج وقتل كثير منهم وغرق كثير في بحيرة طبرية ونهر الاردن وغنم المسلمون سوادهم ثم لقيهم عسكر طرابلس وانطاكية من الفرنج فاستعانوا بهم وعاودوا الحرب ونزلوا في جبل طبرية فحاصرهم فيه المسلمون ثم ساروا فعاثوا في بلاد الافرنج ما بين عكا إلى القدس ثم نزلوا دمشق وفرق مودود عساكره ووعدهم العود من قابل للجهاد ودخل دمشق ليستريح عند قطلغتكين فصلى الجمعة في الجامع فطعنه باطني فأثواه وهلك لآخر يومه واتهم قطلغتكين به وقتل الباطني من يومه ولما بلغ الخبر السلطان بقتل مودود ولى على الموصل وأعمالها اقسنقر البرسقى سنة ثمان وخمسمائة وبعث معه ابنه الملك مسعود في جيش كثيف وأمره بجهاد الافرنج وكتب إلى الامراء بطاعته فوصل إلى الموصل واجتمعت إليه عساكر النواحى فيهم عماد الدين زنكى بن اقسنقر ونمير صاحب سنجار وسار البرسقى إلى جزيرة ابن عمر فأطاعه نائب مودود بها ثم سار إلى ماردين فأطاعه أبو الغازى صاحبها وبعث معه ابنه اياز فسار إلى الرها فحاصرها شهرين ثم ضاقت الميرة على عسكره ثم رحل إلى شميشاط بعد ان خرب نواحى الرها وسروج وشميشاط وكانت مرعش للافرنج هي وكسوم ورعيان وكان صاحبها كراسك واتفقت وفاته وملكت زوجته بعده فراسلت البرسقى بالطاعة وبعث إليها رسوله فأكرمته ورجعته إلى البرسقى بالهدايا والطاعة وفرعنها كثير من الافرنج إلى انطاكية ثم قبض البرسقى على اياز بن أبى الغازى لاتهامه اياه في الطاعة فسار إليه أبو الغازى في العساكر وهزمه واستنقذ ابنه اياز من أسره كما ترى في أخبار دولة أبى الغازى وبنيه وبعث السلطان يهدده فوصل يده بقطلغتكين صاحب دمشق والفرنج وتحالفوا على التظاهر ورجع أبو الغازى إلى ديار بكر فسار إليه قزجان بن مراجا صاحب حمص وقد تفرق عنه أصحابه فظفر به وأسره وجاء قطلغتكين في عساكره وبعث إلى قزجان في اطلاقه فامتنع وهم بقتله فعاد عنه قطلغتكين إلى دمشق وكان قزجان قد بعث إلى السلطان بخبره وانتظر من يصل في قتله فأبطأ عليه فأطلق أبا الغازى بعد ان توثق منه بالحلف وأعطاه ابنه اياز رهينة ولما خرج سار إلى حلب وجمع التركمان وحاصر فزجان في طلب ابنه إلى أن جاءت عساكر السلطان * (مسير العساكر لقتال أبى الغازى وقطلغتكين والجهاد بعدهما) * ولما كان ما ذكرناه من عصيان أبى الغازى وقطلغتكين على السلطان محمد وقوة الفرنج على المسلمين جهز السلطان جيشا كثيرا مقدمهم الامير برسق صاحب همدان ومعه

[ 43 ]

الامير حيوس بك والامير كشغرة وعساكر الموصل والجزيرة وأمرهم يقتال آبى الغازى وقطلغتكين فإذا فرغوا منهما ساروا إلى الفرنج فارتجعوا البلاد من أيديهم فساروا لذلك في رمضان من سنة ثمان وعبروا الفرات عند الرقة وجاؤا إلى حلب وطلبوا من صاحبها لؤلؤ الخادم ومن مقدم العسكر المعروف بشمس الخواص تسليم حلب بكتاب السلطان في ذلك فتعلل عليهم وبعث إلى أبى الغازى وقطلغتكين بالخبر واستنجدهما فسارا إليه في ألفين وامتنعت حلب على عساكر السلطان فسار برسق بالعساكر إلى حماة وهى لقطلغتكين فملكها عنوة وسلمها إلى قزجان صاحب حمص بعهد السلطان له بذلك في كل ما يفتحونه من البلاد فثقل ذلك على الامراء وتخاذلوا وتسلم قزجان حماة برسق وأعطاء ابن أبى الغازى ابنه رهينة عنده ثم سار أبو الغازى وقطلغتكين وشمس الخواص إلى انطاكية مستنجدين بصاحبها بردويل وجاءهم بعد ذلك بعدوس صاحب القدس وصاحب طرابلس وغيرهما من الافرنج واتفقوا على تأخير الحرب إلى انصرام الشتاء واجتمعوا بقلعة أفامية وأقاموا شهرين وانصرم الشتاء والمسلمون مقيمون فوهنت عزائم الافرنج وعادوا إلى بلادهم وعاد أبو الغازى إلى ماردين وقطلغتكين إلى دمشق وسار المسلمون إلى كفر طاب من بلاد الافرنج فحاصروه وملكوه عنوة وأسروا صاحبه واستلحموا من فيه ثم ساروا إلى قلعة افامية فامتنعت عليهم فعادوا إلى المعرة وفارقهم حيوس بك إلى مراغة فملكه وسارت العساكر من المعرة إلى حلب وقدموا أثقالهم وخيامهم فصادفهم بردويل صاحب انطاكية في خمسمائة فارس وألفى راجل صريخا لاهل كغر طاب وصادف مخيم العسكر ففتك فيهم وفعل الافاعيل وهم متلاحقون وجاء الامير برسق وعاين مصارعهم وأشار عليه اخوته بالنجاء بنفسه فنجا بنفسه واتبعهم الافرنج ورجعوا عنهم على فرسخ وعاثوا في المسلمين في كل ناحية وقتل اياز بن أبى الغازى قتله الموكلون به وجاء أهل حلب وغيرها من بلاد المسلمين ما لم يحتسبوه ويئسوا من النصرة ورجعت العساكر منهزمة إلى بلادها وتوفى برسق زنكى سنة عشر بعدها * (ولاية حيوس بك ومسعود بن السلطان محمد على الموصل) * ثم أقطع السلطان الموصل وما كان بيد اقسنقر البرسقى للامير حيوس بك وبعث معه ابنه مسعودا وأقام البرسقى بالرحبة وهى اقطاعه إلى أن توفى السلطان محمد * (ولاية جاولى سكاو على فارس وأخباره فيها ووفاته) * كان جاولى سكاو لما رجع إلى السلطان محمد ورضى عنه ولاه فارسا وأعمالها وبعث معه ابنه جعفرى بك طفلا كما فصل من الرضاع وعهد إليه باصلاحها فسار إليها ومر

[ 44 ]

بالامير بلداجي في بلاده كليل وسرماة قلعة اصطخر وكان من مماليك السلطان ملك شاه فاستدعاه للقاء جعفرى بك وتقدم إليه بأن يأمر بالقبض عليه فقبض عليه ونهبت أمواله وكان أهله وذخائره في قلعة اصطخر وقد استناب فيها وزيره الخيمى ولم يمكنه الا من بعض أهله فلما وصل جاولى إلى فارس ملكها منه وجعل فيها ذخائره ثم أرسل إلى خسرو وهو الحسين بن مبارز صاحب نسا وأمير الشوامكار من الاكراد فاستدعاه للقاء جعفرى بك من السلطان خشية مما وقع لبلداجى فأعرض عنه وأظهر الرجوع إلى السلطان ومضى رسول خبره فبشر بانصافه عن فارس فما أدى إليه الخبر الا وجاولى قد خالطهم رجع من طريقه وأوغر في السير إليهم ثم هرب خسرو إلى عمدالج وفتك جاولى في أصحابه وماله ثم سار جاولى إلى مدينة نسا فملكها ونهب جهرم وغيرها وسار إلى خسرو فامتنع عليه بحصنه فرجع إلى شيراز وأقام بها ثم سار إلى كازرون فملكها وحاصر أبا سعيد بن محمد في قلعته مدة عامين وراسله في الصلح فقتل الرسل مرتين ثم اشتد عليه الحصار واستأمن فأمنه وملك الحصن ثم استوحش من جاولى فهرب وقبض على ولده وجئ به أسيرا فقتل ثم سار جاولى إلى دار بكرد فهرب صاحبها ابراهيم إلى كرمان وصاحبها ارسلان شاه بن كرمان شاه ابن ارسلان بك بن قاروت بك فسار جاولى إلى حصار درابكرد فامتنعت عليه فخرج إلى البرية ثم جاءهم من طريق كرمان كأنه مدد لهم من صاحب كرمان فأدخلوه فملك البلد واستلحم أهله ثم سار إلى كرمان وبعث إلى خسرو مقدم الشوذكان يستدعيه للمسير معه فلم يجد بدا من موافقته وجاء وصاحبه إلى كرمان وبعث إلى ملك كرمان باعادة الشواذ كان الذين عنده فبعث بالشفاعة فيهم فاستخلص السلطان الرسول بالاحسان وحثه على صاحبه ووعده بأن يرد العساكر عن وجهه ويخذلهم عنه ما استطاع وانقلب عنه إلى صاحبها فقى عساكر كرمان مع وزيره بالسيرجان فتراءى لهم أن جاولى عازم على مواصلتهم وانه مستوحش من اجتماع العساكر بالسيرجان وأشار عليه بالرجوع فرجعوا وسار جاولى في أثر الرسول وحاصر حصنا بطرف كرمان فارتاب ملك كرمان بخبر الرسول ثم اطلع عليه من غير جامعة فقتله ونهب أمواله وبعث العساكر لقتاله واجتمع معهم صاحب الحصن المحاصر وسلك بهم غير الجادة وسمع جاولى بخبرهم فأرسل بعض الامراء ليأتيه بالخبر فلم يجد بالجادة أحدا فرجع وأخبره أن عسكر كرمان قد رجع فاطمأن ولم يكن الا قليل حتى بيتته عساكر كرمان في شوال سنة ثمان وخمسمائة فانهزم وفتكوا فيه قتلا وأسرا وأدركه خسرو بن أبى سعد الذى كان قتل أباه فلما رآهما خاف منهما فأنساه وأبلغاه إلى مأمنه بمدينة نسا ولحقته عساكره وأطلق

[ 45 ]

ملك كرمان الاسرى وجهزهم إليه وبينما هو يجهز العساكر لكرمان لاخذ ثاره توفى جعفرى بك ابن السلطان في ذى الحجة من سنة تسع لخمس سنين عمره فقطعه ذلك عن معاداة كرمان ثم بعث ملك كرمان إلى السلطان ببغداد في منع جاولى عنه فقال له لا بد أن تسلم الحصن إلى حاصره جاولى في حد كرمان وانهزم عليه وهو حصن فرح ثم توفى جاولى في ربيع سنة عشر فامنوا اعادنه والله سبحانه وتعالى أعلم * (وفاة السلطان محمد وملك ابنه محمود) * ثم توفى السلطان محمد بن ملك شاه آخر ذى الحجة سنة اثنتى عشرة من ملكه بعد ان أجلس ولده محمودا على الكرسي قبل وفاته بعشر ليال وفوض إليه أمور الملك فلما توفى نفذت وصيتة لابنه محمود فأمره فيها بالعدل والاحسان وخطب له ببغداد وكان مناهز الحلم وكان السلطان محمد شجاعا عادلا حسن السيرة وله آثار جميلة في قتال الباطنية قد مر ذكرها أخبارهم ولما ولى قام بتدبير دولته الوزير أبو منصور وأرسل إلى المستظهر في طلب الخطبة ببغداد له في منتصف المحرم من سنة ثنتى عشرة وأقر طهرون شحنة على بغداد وقد كان السلطان محمد ولاه عليها سنة ثنتين وخمسمائة ثم عاد البرسقى وقاتله وانهزم إلى عسكر السلطان محمود على الحلة دبيس بن صدقة وقد كان عند السلطان محمد منذ قتل أبوه صدقة وأحسن إليه وأقطعه وولى على الحلة سعيد ابن حميد العمرى صاحب جيش صدقة فلما توفى رغب من ابنه السلطان محمود العود إلى الحلة فأعاده واجتمع عليه العرب والاكراد * (وفاة المستظهر وخلافة ابنه المسترشد) * ثم توفى المستظهر بن المقتدى سنة ثنتى عشرة وخمسمائة منتصف ربيع الآخر ونصب للخلافة ابنه المسترشد واسمه الفضل وقد تقدم ذلك في أخبار الخلفاء * (خروج مسعود بن السلطان محمد على أخيه محمود) * تقدم لنا أن السلطان ولى على الموصل ابنه مسعودا ومعه حيوس بك وان السلطان محمودا ودبيس بن صدقة سارا إلى الحلة فلما توفى السلطان محمد وولى ابنه محمود سار مسعود من الموصل مع اتابك حيوس بك ووزيره فخر الملك على بن عمار وقسيم الدولة وزنكى بن اقسنقر صاحب سنجار وأبى الهيجاء صاحب اربل وكربارى بن خراسان صاحب المواريح وقصدوا الحلة فدافعهم دبيس فرجعوا إلى بغداد وسار البرسقى إلى قتالهم فبعث إليه حيوس بك بأنهم انما جاؤا لطلب الصريخ على دبيس صاحب

[ 46 ]

الحلة فاتفقوا وتعاهدوا ونزل مسعود بدار الملك ببغداد وجاء الخبر يوصول عماد الدين منكبرس الشحنة وقد كان البرسقى هزم ابنه حسينا كما مر فسار بالعساكر إلى البرسقى فلما علم بدخول مسعود إلى بغداد عبر دجلة من النعمانية إلى دبيس بن صدقة فاستنجده وخرج مسعود وحيوس بك والبرسقى ومن معهم للقائهم وانتهوا إلى المدائن فأتتهم الاخبار بكثرة جموع منكبرس ودبيس فرجعوا وأجازوا نهر صرصر ونهبوا السواد من كل ناحية وبعث المسترشد إلى مسعود والبرسقى والحث على الموادعة والصلح وجاءهم الخبر بأن منكبرس ودبيس بعثا مع منصور أخى دبيس وحسين بن ارز وبنى منكبرس عسكرا لحماية بغداد فرجع البرسقى إلى بغداد ليلا ومعه زنكى بن أقسنقر وترك ابنه عز الدين مسعودا على العسكر بصرصر فالتقى ومنع عسكر منكبرس من العبور وأقام يومين ثم وافاه كتاب ابنه بأن الصلح تم بين الفريقين بعده ففشل وعبر إلى الجانب الغربي ومنصور وحسين في أثره ونزلا عند جامس السلطان وخيم البرسقى عند القنطرة القبلية وخيم مسعود وحيوس بك عند المارستان ودبيس ومنكبرس تحت الرقة وعز الدين مسعود بن البرسقى عند منكبرس منفردا عن أبيه وكان سبب انعقاد الصلح ان حيوس بك أرسل إلى السلطان محمود يطلب الزيادة له وللملك مسعود فأقطعهما اذربيجان ثم وصل الخبر بمسيرهما إلى بغداد فاستشعر منهما العصيان وجهز العساكر إلى الموصل فكتب إليه رسوله بذلك ووقع الكتاب بيد منكبرس الشحنة فبعث إليه وضمن له اصلاح الحال له وللسلطان مسعود وكان منكبرس متزوجا بأم السلطان مسعود واسمها سرجهان فكان يؤثر مصلحته فاستقر الصلح واتفقوا على اخراج البرسقى من بغداد إلى الملك وأقام عنده واستقر منكبرس شحنة بغداد وساء أثره في الرعية وتعرض لاموال الناس وحرمهم وبلغ الخبر إلى السلطان محمود فاستدعاه إليه فبقى يدافع ثم سار خوفا من عامة بغداد والله سبحانه وتعالى أعلم * (خروج الملك طغرك على أخيه السلطان محمود) * كان الملك طغرك بن السلطان محمد عند وفاة أبيه مقيما بقلعة سرجهان وكان أبوه أقطعه سنة أربع سماوة وآوة وزنجان وجعل اتابك الامير شيركبر الذى حاصر قلاع الاسماعيلية كما مر في أخبارهم وكان عمره يومئذ عشرا فأرسل السلطان محمد الامير كسعدي أتابك له وأعجله إليه وكان كسعدي حاقدا عليه فحمل طغرك على العصيان ومنعه من المجئ إلى أخيه وانتهى ذلك إلى محمود فأرسل إلى أخيه بتحف وخلع وثلاثين ألف دينار ومواعد جميلة فلم يصيخوا إليها وأجابه كسعدي اننا في الطاعة ومعترضون لمراسم الملك فسار إليهم السلطان معدا ليكبسهم وبسهل طريقه على قلعة شهران التى فيها ذخائر طغرك

[ 47 ]

وأمواله ونما الخبر إلى طغرك وكسعدي فخرجا من العسكر في خفية قاصدين شهران وأخلى الطريق عنها لما سبق من اللطف فوقعا على قلعة سرجهان وجاء السلطان إلى العسكر فأخذ خزائن أخيه طغرك وفيها ثلثمائة ألف دينار ثم أقام بزنجان أياما ولحق منها بالرى ولحق طغرك وكسعدي بكنجة واجتمع إليه أصحابه وتمكنت الوحشة بينه وبين أخيه * (فتنة السلطان محمود مع عمه سنجر) * ولما توفى السلطان محمود وبلغ الخبر إلى أخيه سنجر بخراسان أظهر من الجزع والحزن ما لم يسمع بمثله حتى جلس للعزاء على الرماد وأغلق بابه سبعا ثم سمع بولاية ابنه محمود فنكر ذلك وعزم على قصد بلاد الجبل والعراق وطلب السلطنة لنفسه مكان أخيه وكان قد سار إلى غزنة سنة ثمان وخمسين وفتحها وتنكر لوزيره أبى جعفر محمد بن فخر الملك أبى المظفر ابن نظام الملك لما بلغه أنه أخذ عليه الرشوة من صاحب غزنة ليثنيه عن قصده إليه وفعل مثل ذلك بما وراء النهر وامتحن أهل غزنة بعد فتحها وأخذ منها أموالا عظيمة وشكا إليه الامراء اهانته اياهم فلما عاد إلى بلخ قبض عليه وقتله واستصفى أمواله وكانت لا يعبر عنها كان فيها من العين وحده ألف ألف دينار مرتين واستوزر بعده شهاب الاسلام عبد الرزاق بن أخى نظام الملك وكان يعرف بابن الفقير فلما مات أخوه السلطان محمد عزم على طلب الامر لنفسه وعاوده الندم على قتل وزيره أبى جعفر لما يعلم من اضطجاعه بمثلها ثم ان السلطان محمودا بعث إليه يصطنعه بالهدايا والتحف وضمن له ما يزيد عن مائتي ألف دينار كل سنة وبعث في ذلك شرف الدين أنوشروان بن خالد وفخر الدين طغرك فقال لهما سنجران ابن أخى صغير وقد تحكم عليه وزيره وعلى ابن عمر الحاجب فلا بد من المسير وبعث في مقدمته الامير انز وسار السلطان محمود وبعث في مقدمته الحاجب على بن محمد وكان حاجب أبيه قبله فلما تقاربت المقدمتان بعث الحاجب على بن عمر إلى الامير أنز وهو بجرجان بالعتاب ونوع من الوعيد فتأخر عن جرجان فلحقته بعض العساكر ونالوا منه ورجع الحاجب إلى السلطان محمود بالرى فشكر له فعله وأقاموا بالرى ثم ساروا إلى كرمان وجاءته الامداد من العراق مع منكبرس ومنصور بن صدقة أخى دبيس وأمراء فسار إلى همدان وتوفى وزيره الربيب فاستوزر ابا طالب الشهيرى ثم سار السلطان في عشرين ألفا وثمانية عشر فيلا ومعه ابن الامير أبى الفضل صاحب سجستان وخوارزم شاه محمد والامير انز والامير قماج وكرشاسف بن صرام بن كاكويه صاحب برد وهو صهره على أخته وكان خصيصا بالسلطان محمد فاستدعاه بعد موته سنجر وتأخر عنه وأقطع بلده لقراجا

[ 48 ]

السامر فبادر إليه وتراجعوا بقرب ساوة في جمادى ثالث عشر فسبقت عساكر السلطان محمود إلى الماء من أجل المسافة التى بين ساوة وخراسان وكانت عساكر السلطان ثلاثين ألفا ومعه الحاجب على بن عمر ومنكبرس وأتابك غرغلى وبنو برسق واقسنقر البحارى وقراجا السانى ومعه سبعمائة حمل من السلاح فعندما اصطفوا إلى الحرب انهزم عساكر السلطان سنجر ميمنة وميسرة وثبت هو في القلب والسلطان محمود قبالته وحمل السلطان سنجر في الفيلة فانهزمت عساكر السلطان محمود واسر أتابك غرغلى وكان يكاتب السلطان سنجر بأنه يحمل إليه ابن أخيه فعاتبه على ذلك ثم قتله ونزل سنجر في خيام محمود واجتمع إليه أصحابه ونجا محمود من الواقعة وأرسل دبيس ابن صدقة للمسترشد في الخطبة لسنجر فخطب له أواخر جمادى الاولى من السنة وقطعت خطبة محمود ثم ان السلطان سنجر رأى قلة أصحابه وكثرة أصحاب محمود فراسله في الصلح وكانت تحضه على ذلك فامتنع ولحق البرسقى بسنجر وكان عند الملك مسعود باذربيجان من يوم خروجه من بغداد فسار سنجر من همدان إلى الكرخ وأعاد مراسلة السلطان محمود في الصلح ووعده بولاية عهده فأجاب وتحالفا على ذلك وسار محمود إلى عمه سنجر في شعبان بهدية حافلة ونزل على جدته فتقبل منه سنجر وقدم له خمسة افراس عربية وكتب لعماله بالخطبة لمحمود بعده في جميع ولايته وإلى بغداد بمئل ذلك وأعاد عليه جميع ما أخذه من بلاده سوى الرى وصار محمود في طاعة عمه سنجر ثم سار منكبرس عن السلطان محمود إلى بغداد وبعث دبيس بن صدقة من منعه من دخولها فعاد ووجه الصلح بين الملكين قد أسفر فقصد السلطان سنجر مستجيرا به من الاستبداد عليه ومسيره لشحنة بغداد من غير اذنه ثم ان الحاجب على بن عمر ارتفعت منزلته في دولته وكثرت سعاية الامراء فيه فأضمر السلطان نكبته فاستوحش وهرب إلى قلعة له كان ينزل بها أهله وأمواله وسار منها إلى خوزستان وكانت بنو برسق اسورى وابن أخويه ارغوى ابن ملتكى وهدد بن زنكى بعثوا عسكرا يصدونه عن بلادهم ولقوه قريبا من تستر فهزموه وجاؤا به أسيرا وكاتبوا السلطان محمودا بأمره فأمرهم بقتله وحمل رأسه إليه ثم أمر السلطان سنجر باعادة مجاهد الذين تهددوا إلى شحنة بغداد فعاد إليها وعزل نائب دبيس بن صدقة * (استبداد على بن سكمان بالبصرة) * كان السلطان محمد قد أقطع البصرة للامير اقسنقر البحارى واستخلف عليها سنقر الشامي فأحسن السيرة فلما توفى السلطان محمد وثب عليه غرغلى مقدم الاتراك الاسماعيلية وكان يحج بالناس منذ سنين وسنقر ألبا وملكا البصرة من يده وحبساه

[ 49 ]

وذلك سنة احدى عشرة وهم سنقرالب بقتله فعارضه غرغلى فلم يرجع وقتله فقتله غرغلى به وسكن الناس وكان بالبلد أمير اسمه على بن سكمان حج بالناس وغاب عن هذه الواقعة فغص به غرغلى لتمام الحج على يده وخشى أن يثأر منهم بسنقرالب لتقدمه عليهم فأوغر إلى عرب البرية فنهب الحاج (1) وانثنى على بن سكمان في الدفاع عنهم إلى أن قارب البصرة والعرب يقاتلونه فبعث إليه غرغلى بالمنع من البصرة فقصد القرى أسفل دجلة وصدق الحملة على العرب فهزمهم ثم سار إليه غرغلى وقاتله فأصابه سهم فمات وسار على بن سكمان إلى البصرة وملكها وكاتبه اقسنقر البحارى صاحب عمان بالطاعة وأقر نوابه على أعماله وكان عند السلطان وطلبه أن يوليه البصرة فأبى وبقى ابن سكمان مستبدا بالبصرة إلى أن بعث السلطان اقسنقر البحارى إلى البصرة سنة أربع عشرة فملكها من على بن سكمان * (استيلاء الكرج على تفليس) * كان الكرج قديما يغيرون على اذربيجان وبلاد اران قال ابن الاثير والكرج هم الخزر وقد بينا الصحيح من ذلك عند ذكر الانساب وان الخزر هم التركمان (2) الا أن يكون الكرج من بعض شعوبهم فيمكن ولما استفحل ملك السلجوقية امسكوا عن الاغارة على البلاد المجاورة لهم فلما توفى السلطان محمد رجعوا إلى الغارة فكانت سراياهم وسرايا القفجاق تغير على البلاد ثم اجتمعوا وكانت بلد الملك طغرك وهى اران ونقجوان إلى أوس مجاورة لهم فكانوا يغيرون عليها إلى العراق لملك بغداد ونزل على دبيس ابن صدقة فسار هو وأتابك كبعرى ودبيس بن صدقة وأبى الغازى ابن ارتق وسار في ثلاثين ألفا إلى الكرج والقفجاق فاضطرب المسلمون وانهزموا وقتل منهم خلق وتبعهم الكفار عشرة فراسخ وعادوا عنهم وحاصروا مدينة تفليس وأقاموا عليها سنة وملكوها عنوة سنة خمس عشرة (3) ووصل صريخهم سنة ست عشرة إلى السلطان محمود بهمدان فسار لصريخهم وأقام بمدينة تبريز وانفذ عساكره إلى الكرج فكان من أمرها ما يذكر ان شاء الله تعالى * (الحرب بين السلطان محمود وأخيه مسعود) * قد تقدم لنا مسير مسعود إلى العراق وموت أبيه السلطان محمد وما تقرر بينهما من الصلح ورجوعه إلى الموصل بلده وان السلطان محمودا زاده اذربيجان ولحق به قسيم الدولة البرسقى عندما طرده عن شحنة بغداد فأقطعه مسعود مراغة مضافة إلى الرحبة وكاتب دبيس حيوس بك أتابك مسعود يحرضه على نكبة البرسقى وانه يباطن السلطان محمودا ووعده على ذلك بالاموال وحرضهم على طلب الامر لمسعود ليقع الاختلاف فيحصل له

[ 50 ]

اعلو الكلمة كما حصل لابيه فتنة بركيارق ومحمد وشعر البرسقى بسعاية دبيس فحشى على نفسه ولحق بالسلطان محمود فقبله واعلى محله ثم اتصل بالملك مسعود الاستاذ أبو اسمعيل الحسين بن على الاصبهاني الطغرائي (1) وكان ابنه أبو الوليد محمد بن أبى اسمعيل يكتب الطغرى للملك مسعود فلما وصل أبوه استوزره مسعود وعزل أبا على بن عمار صاحب طرابلس سنة ثلاث عشرة فأغرى مسعودا بالخلاف على أخيه لسلطان محمود فكتب إليهم السلطان بالترغيب والترهيب فاظهروا أمرهم وخاطبوا الملك مسعودا بالسلطان وضربوا له النوب الخمس وأغروا إليه السير وهو في خف من العسكر فسار إليهم في خمسة عشر ألفا وفي مقدمته البرسقى ولقيهم بعقبة استراباذ منتصف ربيع الاول سنة أربع عشرة فانهزم الملك مسعود وأصحابه وأسر جماعة من أعيانهم منهم الاستاذ أبو اسمعيل الطغرائي وزير الملك مسعود فأمر السلطان محمود بقتله وقال ثبت عندي فساد عقيدته وكان قتله لسنة من وزارته وكان كاتبا شاعر يميل إلى صناعة الكيمياء وله فيها تصانيف معروفة ولما انهزم الملك مسعود لحق ببعض الجبال على اثنى عشر فرسخا من المعركة فاختفى فيه مع غلمان صغار وبعث يستأمن إلى أخيه فأرسل إليه اقسنقر البرسقى يؤمنه ويحئ به إليه وخالفه إليه بعض الامراء فحرضه على اللحاق بالموصل واذربيجان ومكاتبة دبيس ومعاودة الحرب فسار معه لذلك وجاء البرسقى إلى مكانه الاول فلم يجده فاتبعه إلى أن أدركه على ثلاثين فرسخا وأعلمه حال أخيه من الرضا عنه وأعاده فرجع ولقيه العساكر بأمر السلطان محمود وأنزله عند أمه ثم أحضره وهش له وبكى وخلطه بنفسه وذلك لثمانية وعشرين يوما من الخطبة باذربيجان وأما حيوس بك الاتابك فافترق من السلطان من المعركة وسار إلى الموصل وجمع الغلال من سوادها واجتمعت إليه العساكر وبلغه فعل السلطان مع أخيه فسار إلى الزاب موريا بالصيد ثم أجد السير إلى السلطان بهمدان فأمنه وأحسن إليه وبلغ الخبر بالهزيمة إلى ديس وهو بالعراق فنهب البلاد وأحربها وبعث إليه السلطان فلم يصغ لى كتابه * (ولاية اقسنقر البرسقى على الموصل ثم على واسط وشحنة العراق) * ولما وصل حيوس بك إلى السلطان محمود بعثه إلى أخيه طغرل وأتابك كبغرى فسار إلى كنجة وبقى أهل الموصل فوضى من غير وال وكان اقسنقر البرسقى قد أبلى في خدمة السلطان محمود ورد إليه أخاه مسعودا يوم الهزيمة فعرف له حق نصحه وحسن أثره فأقطعه الموصل وأعمالها وما يضاف إليها كسنجار والجزيرة فسار إليها سنة خمس عشرة وتقدم إلى سائر الامراء بطاعته وأمره بمجاهدة الافرنج واسترجاع البلاد منهم فوصل إلى الموصل وقام بتدبيرها واصلاح أحوالها ثم أقطعه سنة ست عشرة بعدها

[ 51 ]

مدينة واسط وأعمالها مضافة إلى الموصل وجعله شحنة بالعراق فاستحلف عماد الدين رنكى بن اقسنقر وبعثه إليها فسار إليها في شعبان من السنة * (مقتل حيوس بك والوزير الشهيرمى) * ثم ان السلطان بعد وصول حيوس بك بعثه لحرب أخيه طغرل كما قلناه وأقطعه اذربيجان فتنكر له الامراء وأغروا به السلطان فقتله على باب هرمز في رمضان سنة عشر وأصله تركي من موالى السلطان محمد وكان عادلا حسن السيرة ولما ولى الموصل والجزيرة وكان الاكراد بتلك الاعمال انتشروا وكثرت قلاعهم وعظم فسادهم فقصدهم وفتح كثيرا من قلاعهم كبلد البكارية وبلد الزوزن وبلد النكوسة وبلد التحشيبة وهربوا منه في الجبال والشعاب والمضايق وصلحت السابلة وأمن الناس وأما الوزير الكمال أبو طالب الشهيرمى فانه برز مع السلطان دبيس إلى همدان وخرج في موكبه وضاق الطريق فتقدم الموكب بين يديه فوثب عليه باطني وطعنه بسكين فأنفذه واتبعه الغلمان فوثب عليه آخر فجذبه عن سرجه وطعنه طعنات وشردهم الناس عنه فوثب آخر فجذبه وذلك لاربع سنين من وزارته وكان سبى السيرة ظلوما غشوما كثير المصادر ولما قتل رفع لسلطان ما كان أحدث من المكوس * (رجوع طغرل إلى طاعة أخيه السلطان محمود) * قد ذكرنا عصيان طغرل على أخيه السلطان محمود بالرى سنة ثلاث عشرة وأن لسلطان محمود سار إليه وكبسه فلحق برجهان ثم لحق منها بكنجة وبلاد أران ومعه أتابك كبغرى فاشتدت شوكته وقصد التغلب على بلاد اذربيجان وهلك كبغرى في شوال سنة خمس عشرة ولحق باقسنقر الارمني صاحب مراغة ليقيم له الاتابكية وحرضه على قتال السلطان محمود فسار معه إلى مراغة ومروا باردبيل فامتنعت عليهم فساروا إلى هرمز وجاءهم الخبر هنالك بأن السلطان محمود بعث الامير حيوس بك إلى أذربيجان وأقطعه البلاد وأنه وصل إلى مراغة في عسكر كثيف فساروا عن هرمز إلى وانتقض عليهم وراسلوا الامير بشركين الذى كان أتابك طغرل أيام أبيه يستنجد به وكان كبغرى الاتابك قبض عليه بعد السلطان محمد ثم أطلقه السلطان سنجر وعاد إلى أبهر وزنجان وكانت أقطاعه فأجاب داعيهم وسار أمامهم إلى أبهر ولم يتم أمرهم فراسلوا السلطان في الطاعة وعاد طغرل إلى أخيه وانتظم أمرهم * (مقتل وزير السلطان محمود) * كان وزير السلطان محمود شمس الملك بن نظام الملك وكان حظيا عنده فكثرت سعاية

[ 52 ]

أصحابه فيه وكان ابن عمه الشهاب أبو المحاسن وزير السلطان سنجر فتوفى واستوزر سنجر بعده أبا طاهر القمر عدوا لبنى نظام الملك فأغرى السلطان سنجر حتى أمر السلطان محمود بنكبته فقبض عليه ودفعه إلى طغرل فحبسه بقلعة جلجلال ثم قتله بعد ذلك وكان أخوه نظام الدين أحمد قد استوزره المسترشد وعزل به جلال الدين أبا على ابن فلما بلغه نكبة شمس الملك ومقتله عزل أخاه نظام الدين وأعاد بن إلى وزارته والله سبحانه وتعالى أعلم * (ظفر السلطان بالكرج) * ثم وفد سنة سبع عشرة على السلطان محمود جماعة من أهل وشروان يستصرخونه على الكرج ويشكون ما يلقون منهم فسار لصريخهم ولما تقارب الفئتان هم السلطان بالرجوع وأشار به وزيره شمس وتطارح عليه أهل شروان فأقام وباتوا على وجل ثم وقع الاختلاف بين الكرج وقفجاق واقتتلوا ليلتهم ورحلوا منهزمين وعاد السلطان إلى همدان والله تعالى اعلم * (عزل البرسقى عن شحنة العراق وولاية برتقش الزكوى) * كان الخليفة المسترشد قد وقعت بينه وبين دبيس بن صدقة حروب شديدة بنواحي المباركة من أطراف غانة وكان البرسقى معه وانهزم دبيس فيها هزيمة شنيعة كما مر في أخباره وقصد غزنة صريخا فلم يصرخوه فقصد المقتفق وسار بهم إلى البصرة فدخلوها واستباحوها وقتلوا سلمان نائبها فأرسل الخليفة لى البرسقى بالنكير على اهمال أمر دبيس حتى فتك في البصرة فسار البرسقى إليه وهرب دبيس فلحق بالافرنج وجاء معهم لحصار حلب فامتنعت فلحق بطغرل بن السلطان محمد يستحثه لقصد العراق كما مر ذلك في أخبار دبيس وبقيت في نفس المسترشد عليه ولحق بها أمثالها فتنكر له وبعث إلى السلطان محمود في عزله فعزله وأمره بالعود إلى الموصل لجهاد الافرنج ووصل نائب برتقش إلى بغداد وأقام بها الشحنة وبعث السلطان ابنا له صغيرا ليكون معه على الموصل وسار البرسقى به ووصل الموصل وقام بولايتها * (بداية أمر بنى اقسنقر وولاية عماد الدين زنكى على البصرة) * كان عماد الدين زنكى فيه جملة البرسقى ولما أقطعه السلطان واسط بعث عليها زنكى فأقام فيها أياما ثم كان مسير البرسقى إلى البصرة في أتباع دبيس فلما هرب دبيس عنها بعث البرسقى إليها عماد الدين زنكى فأقام بحمايتها ودفع العرب عنها ثم استدعاه البرسقى عندما سار إلى الموصل فضجر من تلون الاحوال عليه واختار اللجاق باصبهان

[ 53 ]

فقدم عليه باصبهان فأكرمه السلطان وأقطعه البصرة وعاد إليها سنة ثمان عشرة والله تعالى اعلم * (استيلاء البرسقى على حلب) * لما سار دبيس إلى الافرنج حرضه على حلب وان ينوب فيها عنهم ووجدهم قد ملكوا مدينة صور وطمعوا في بلاد المسلمين وساروا مع دبيس إلى حلب فحاصروها حتى جهد أهلها الحصار وبها يومئذ تاس بن ابن ارتق فاستنجد بالبرسقى صاحب الموصل وشرط عليهم ان يمكنوه من القلعة ويسلموها إلى نوابه وسار إلى انجادهم فاجفل عنهم الافرنج ودخل إلى حلب فأصلح أمورها ثم سار إلى كفر طاب فملكها من الافرنج ثم سار إلى قلعة عزار من أعمال حلب وصاحبها حوسكين فحاصرها وسارت إليه عساكر الافرنج فانهزم وعاد إلى حلب فخلف فيها ابنه مسعودا وعبر الفرات إلى الموصل * (مسير طغرل ودبيس إلى العراق) * ولما ارتحل الافرنج عن حلب فارقهم دبيس ولحق بالملك طغرل فتلقاه بالكرامة والميرة وأغراه بالعراق وضمن له ملكه فساروا لذلك سنة تسع عشرة وانتهوا إلى دقوقا فكتب مجاهد الدين بهرام بن نكريت إلى المسترشد بخبرهم فتجهز للقائهم وأمر برتقش الزكوى ان يتجهز معه خامس صفر وانتهى إلى الخالص وعدل طغرل ودبيس إلى طريق خراسان ثم نزلوا رباط جلولاء ونزل الخليفة بالدسكرة وفي مقدمته الوزير جلال الدين بن صدقة وسار دبيس إلى جسر النهروان لحفظ المقابر وقد كان رأيه مع طغرل أن يسير طغرل إلى بغداد فيملكها وتقدم دبيس في انتظاره فقعد به المرض عن لحاقه وغشيتهم أمطار أثقلتهم عن الحركات وجاء دبيس إلى النهروان طريحا من التعب والبرد والجوع واعترضوا ثلاثين حملا للخليفة جاءت من بغداد بالملبوس والمأكول فطعموا وأكلوا وناموا في دف ء الشمس وإذا بالمسترشد قد طلع عليهم في عساكره بلغه الخبر بأن دبيسا وطغرل خالفوه إلى بغداد فاضطرب عسكره واجفلوا راجعين إلى بغداد فلقوا في طريقهم دبيسا كما ذكرنا على دبال غرب النهروان ووقف الخليفة عليه فقبل دبيس الارض واستعطف حتى هم الخليفة بالعفو عنه ثم وصل الوزير ابن صدقة فثناه عن رأيه ووقف دبيس مع برتقش الزكوى يحادثه ثم شغل الوزير بمد الجسر للعبور فتسلل دبيس ولحق بطغرل وعاد المسترشد إلى بغداد ولحق طغرل ودبيس بهمدان فعاثوا في أعمالها وصادروا أهلها وخرج إليهم السلطان محمود فانهزموا بين يديه ولحقوا بالسلطان سنجر بخراسان شاكين من المسترشد وبرتقش

[ 54 ]

الشحنة والله أعلم بغيبه وأحكم * (مقتل البرسقى وولاية بنه عز الدين على الموصل) * ثم ان المسترشد تنكر للشحنة برتقش وتهدده فلحق بالسلطان محمود في رجب سنة عشرين فأغراه بالمسترشد وخوفه غائلته وانه تعود الحروب وركب العيث ويوشك أن يمتنع عنك ويستصعب عليك فاعتزم السلطان على قصد العراق وبعث إليه الخليفة يلاطفه في الرد لغلاء البلاد وخرابها ويؤخره إلى حين صلاحها فصدق عنده حديث الزكوى وسار مجدا فعبر المسترشد بأهله وولده وأولاد الخلفاء إلى الجانب الغربي في ذى القعدة راحلا عن بغداد والناس باكون لفراقه وبلغ ذلك إلى السلطان فشق عليه وأرسل يستعطفه في العود إلى دار فشرط عليه الرجوع عن العراق في القوت كما شرط أولا فغضب السلطان وسار نحو بغداد والخليفة بالجانب الغربي ثم أرسل خادمه عفيفا لى واسط يمنع عنها نواب السلطان فسار إليه عماد الدين زنكى من البصرة وهزمه وفتك في عسكره قتلا وأسرا وجمع المسترشد السفن إليه وسد أبواب قصره ووكل حاجب الباب ابن الصاحب بدار الخلافة ووصل السلطان إلى بغداد في عشرى ذى الحجة ونزل باب الشماسية وأرسل المسترشد في العود والصلح وهو يمتنع وجرت بين العسكرين مناوشة ودخل جماعة من عسكر السلطان إلى دار الخليفة ونهبوا التاج أول المحرم سنة احدى وعشرين وخمسمائة فضج العامة لذلك ونادوا بالجهاد وخرج المسترشد من سرادقه ينتمى بأعلى صوته وضربت الطبول ونفخت البوقات ونصب الجسر وعبر الناس دفعة وعسكر السلطان مشتغلون بالنهب في دور الخلافة والامراء وكان في دار الخلافة ألف رجل كامنون في السرداب فخرجوا عند ذلك ونالوا من عسكر السلطان وأسروا جماعة من أمرائه ونهب العامة دور وزير السلطان وأمرائه وحاشيته ومثل منهم خلق وعبر المسترشد إلى الجانب الشرقي في ثلاثين ألف مقاتل من أهل بغداد والسواد ودفع السلطان وعسكره عن بغداد وحفر عليها الخنادق واعتزموا على كبس السلطان فأخافهم أبو الهيجاء الكردى صاحب اربل ركب للقتال فلحق بالسلطان ووصل عماد الدين زنكى من البصرة في جيش عظيم في البر والبحر أذهل الناس برؤيته فحام المسترشد عن اللقاء وتردد الرسل بينهما أجاب إلى الصلح وعفا السلطان عن أهل بغداد وأقام بها إلى عاشر ربيع الاخر وأهدى إليه المسترشد سلاحا وخيلا وأموالا ورحل إلى همدان وولى زنكى بن اقسنقر شحنة بغداد ثقة بكفايته واستقامت أحواله مع الخليفة واشار به أصحابه ورأوا أنه يرقع الخرق ويصلح الامر فولاه على ذلك مضافا إلى ما بيده من البصرة وواسط وسار إلى همدان وقبض في طريقه على وزيره أبى

[ 55 ]

القاسم على بن الناصر الشادبي اتهمه بممالاة المسترشد لكثرة تعينه في الصلح فقبض عليه واستدعى شرف الدولة أنوشروان بن خالد من بغداد ملحقة باصبهان في شعبان واستوزره عشره أشهر تم عزله ورجع إلى بغداد وبقى أبو القاسم محبوسا إلى أن جاء السلطان سنجر إلى الرى قأطلقه وأعاده إلى وازرة السلطان محمود آخر ثنتين وعشرين [ وفاة عز الدين بن البرسقى وولاية عماد الدين زنكى على الموصل وأعمالها ثم استيلاؤه على حلب ] ولما استولى عز الدين على الموصل وأعمالها واستفحل أمره طمحت همته إلى الشأم فاستاذن السلطان في المسير إليه وسار إلى دمشق ومر بالرحبة فحاصرها وملكها ثم مات اثر ذلك وهو عليها وافترقت عساكره وشغلوا عن دفنه ثم دفن بعد ذلك ورجعت العساكر إلى الموصل وقام بالامر مملوكه جاولى ونصب أخاه الاصغر وأرسل إلى السلطان يطلب تقرير الولاية له وكان الرسول في ذلك القاضى بهاء الدين أبو الحسن عسلى الشهرزوى وصلاح الدين محمد الباغسيانى أمير حاجب البرسقى واجتمعا بنصير الدين جعفر مولى عماد الدين زنكى وكان بينه وبين صلاح الدين سر فخوفهما جعفر ابن جاولى وحملهما على طلب عماد الدين زنكى وضمن لهما عنه الولايات والاقطاع فأجابوه وجاء بهما إلى الوزير شرف الدين أنوشروان ابن خالد فقالا له ان الجزيرة والشأم قد تمكن منهما الافرنج من حدود ماردين إلى عريش مصر وكان البرسقى يكفهم وقد قتل وولده صغير ولا بد للبلد ممن يضطلع بأمرها ويدفع عنها وقد خرجنا عن النصيحة اليكم فبلغ الوزير مقالتهما إلى السلطان فأحضرهما واستشارهما فذكرا جماعة منهم عماد الدين زنكى وبذلا عنه مقربا إلى خزانة السلطان مالا جزيلا فولاه السلطان لما يعلم من كفايته وولى مكانه شحنة العراق مجاهد الدين بهروز صاحب تكريت وسار عماد الدين زنكى فبدأ بالبواريح وملكها ثم سار إلى الموصل وتلقاه جاولى مطيعا وعد إلى الموصل في خدمته فدخلها في رمضان وأقطع جاولى الرحبة وبعثه إليها وولى نصير الدين جعفرا قلعة الموصل وسائر القلاع وجعل صلاح الدين محمد الباغسيانى أمير صاحب وولى بهاء الدين الشهرزورى قضاء بلاده جميعا وزاده أملاكا وأقطاعا وشركه في رأيه ثم سار إلى جزيرة ابن عمر وقد امتنع بها مماليك البرسقى فجد في قتالهم وكانت دجلة تحول بينه وبين البلد فعبر بعسكره الماء سبحا واستولى على المسافة التى بين دجلة والبلد وهزم من كان فيها من الحامية حتى أحجزهم بالبلد وضيق حصارهم فاستأمنوا وأمنهم ثم سار إلى نصيبين وهى لحسام الدين تمرتاش ابن أبى الغازى صاحب ماردين فحاصرها واستنجد حسام الدين بن عمه ركن الدولة

[ 56 ]

داود بن سكمان ابن ارتق صاحب كبيعا فأنجده بنفسه وأخذ في جمع العساكر وبعث تمرتاش ماردين إلى نصيبين يعرف العساكر بالخبر وأن العساكر واصلة إليهم عن خمسة أيام وكتبه في رقعة وعلقها في جناح طائر فاعترضه عسكر زنجى وصادوه وقرأ زنكى الرقعة وعوض الخمسة أيام بعشرين يوما وأطلق الطائر بها إلى البلد فقرؤا الكتاب وسقط في أيديهم واستطالوا العشرين واستأمنوا لعماد الدين زنكى فأمنهم وملك نصيبين وسار عنها إلى سنجار فملكها صلحا وبعث العساكر إلى الخابور فملكها ثم سار إلى حران وخرج إليه أهل البلد بطاعتهم وكانت الرها وسروج والميرة ونواحيها للافرنج وعليها جرسكين صاحب الرها فكاتب زنكى وهادنه ليتفرغ للجهاد بعد ثم عبر الفرات إلى حلب في المحرم سنة ثنتين وعشرين وقد كان عز الدين مسعود بن اقسنقر البرسقى لما سار عنها إلى الموصل بعد قتل أبيه استخلفت عليها فرمان من امرائه ثم عزله بآخر اسمه قطلغ ايه وكتب له إلى قرمان فمنعه الا أن يرى العلامة التى بينه وبين عز الدين ابن البرسقى فعاد قطلغ إلى مسعود ليجئ بالعلامة فوجده قد مات بالرحبة فعاد إلى حلب وأطاعه رئيسها فضائل بن بديع والمقدمون بها واستنزلوا قزمان من القلعة على ألف دينار أعطوه اياها وملك قطلغ القلعة منتصف احدى وعشرين ثم ساءت سيرته وظهر ظلمه وجوره وكان بالمدينة بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن ارتق وكان ملكها قبل وخلع عنها فدعاه الناس إلى البيعة وثاروا بقطلغ فامتنع بالقلعة فحاصروه وجاء مهيار صاحب منبج وحسن صاحب مراغة لاصلاح أمرهم فلم يتفق وطمع الافرنج في ملكها وتقدم جوسكين بعسكره إليها فدافعوه بالمال ثم وصل صاحب انطاكية فحاصرهم إلى آخر السنة وهم محاصرون القلعة فلما ملك عماد الدين زنكى الموصل والجزيرة والشأم فأطاعوا وسار عبد الجبار وقطلغ إلى عماد الدين بالموصل وأقام أحد الاميرين بحلب حتى بعث عماد الدين زنكى صاحبه صلاح الدين محمد الباغسيانى في عسكر فملك القلعة ورتب الامور وولى عليها وجاء عماد الدين بعساكره في أثره وملك في طريقه منبج ومراغة ثم دخل حلب وأقطع أعمالها الاجناد والامراء وقبض على قطلغ ايه وسلمه لابن بديع فكحله فمات واستوحش ابن بديع فهرب إلى قلعة جعفر وأقام عماد الدين مكانه في رياسة حلب أبا الحسن على بن عبد الرزاق * (قدوم السلطان سنجر إلى الري ثم قدوم السلطان محمود إلى بغداد) * الموصل طغرل ودبيس إلى السلطان سنجر بخراسان حرضه دبيس على العراق والسلطان محمود قد اتفقا على الامتناع منه فسار سنجر وأخبر السلطان محمود باستدعائه فوافاه لاقرب وقت وأمر العساكر بتلقيه وأجلسه معه على التخت وأقام السلطان محمود

[ 57 ]

عنده إلى آخر ثنتين وعشرين ثم رجع سنجر إلى خراسان بعد أن أوصى محمود بدبيس وأعاده إلى بلده ورجع محمود إلى همذان ثم سار إلى العراق وخرج الوزير للقائه ودخل بغداد في تاسوعاء سنة ثلاث وعشرين ثم لحقه دبيس بمائة ألف دينار في ولاية الموصل وسمع بذلك زنكى وجاء إلى السلطان وحمل المائة ألف مع هدايا جليلة فخلع عليه وأعاده وسار منتصف السنة عن بغداد إلى همذان بعد أن ولى الحلة مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد * (وفاة السلطان محمود وملك ابنه داود) * ثم توفى السلطان محمود بهمذان في شوال سنة خمس وعشرين لثلاث عشرة سنة من ملكه بعد أن كان قبض على جماعة من امرائه وأعيان دولته منهم عزيز الدولة أبو نصر أحمد بن حامد المستوفى وأبو شتكين المعروف بشيركين بن حاجب وابنه عمر فخافهم الوزير أبو القاسم الشابادى فاغرى بهم السلطان فنكبهم وقتلهم ولما توفى اجتمع الوزير أبو القاسم والاتابك اقسنقر الاحمر يلى وبايعوا لابنه داود وخطبوا له في جميع بلاد الجبل وأذربيجان ووقعت الفتنة بهمذان وسائر بلاد الجبل ثم سكنت وهرب الوزير إلى الرى مستجيرا بالسلطان فأمر بها * (منازعة السلطان مسعود لداود ابن أخيه واستيلاؤه على السلطان بهمذان) * لما هلك السلطان محمود سار أخوه مسعود من جرجان إلى تبريز فملكها فسار داود من همذان في ذى القعدة سنة خمس وعشرين وحاصره بتبريز في محرم سنة ست وعشرين ثم اصطلحوا وتأخر داود عن الامر لعمه مسعود فسار مسعود من تبريز إلى همذان وكاتب عماد الدين زنكى صاحب الموصل يستنجده فوعده بالنصر وأرسل إلى المسترشد في طلب الخطبة ببغداد وكان داود قد أرسل في ذلك قبله ورد المسترشد الامر في الخطبة إلى السلطان سنجر ودس إليه أن لا يأذن لواحد منهما وان تكون الخطبة له فقط وحسن موقع ذلك عنده وسار السلطان مسعود إلى بغداد وسبقه إليها أخوه سلجوق شاه مع اتابك قراجا الساقى صاحب فارس وخوزستان ونزل في دار السلطان واستخلفه الخليفة لنفسه ولما سار السلطان مسعود أوعز إلى عماد الدين زنكى أن يسير إلى بغداد فسار من الموصل إليها وانتهى السلطان مسعود إلى عباسة الخالص وبرزت إليه عساكر المسترشد وسلجوق شاه وسار قراجا الساقى إلى مدافعة زنكى فدافعه على المعشوق فهزمه وأسر كثيرا من أصحابه ومر منهزما إلى تكريت وبها يومئذ نجم الدين أيوب أبو الاملاك الايوبية فهيأ له المعابر وعبر دجلة إلى بلاده وسار السلطان مسعود من العباسة وقاتلت طلائعه طلائع أخيه سلجوق وبعث سلجوق يستحث قراجا

[ 58 ]

بعد انهزام زنكى فعاد سريعا وتأخر السلطان مسعود بعد هزيمة زنكى وأرسل إلى المسترشد بأن عمه سنجر وصل إلى الرى عازما على بغداد ويشير بمدافعته عن العراق وتكون العراق لوكيل الخليفة ثم تراسل القوم واتفقوا على ذلك وتحالفوا عليه وان يكون مسعود السلطان ولى العهد ودخلوا إلى بغداد فنزل مسعود ديار السلطان وسلجوق دار الشحنة والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق * (هزيمة السلطان مسعود وملك طغرل أخيه) * لما توفى السلطان محمود سار السلطان سنجر من خراسان إلى بلاد الجبال ومعه طغرل ابن أخيه محمد وانتهى إلى الرى ثم سار إلى همذان فسار مسعود لقتاله ومعه قراجا الساقى وسلجوق شاه وقد كان الخليفة عزم أن لا يتجهز معهم فأبطأ فبعثوا إليه قراجا فسار إلى خانقين وأقام وقطعت خطبة سنجر من العراق وخالفهم والى بغداد دبيس وزنكى وقد سمى اقطاعه لسنجر الحلة وزنكى ولاه شحنة بغداد فرجع المسترشد إلى بغداد لموافقتهما وسار السلطان وأخوه سلجوق شاه للقاء سنجر ثم سمعا بكثرة عساكره فتأخرا فسار في طلبهم يوما وليلة ثم تراجعوا عند الدينور وكان مسعود يماطل باللقاء انتظارا للمسترشد فلم يجد بدا من اللقاء فالتقوا على النقيبة وحمل قراجا عليهم وتورط في المعركة وأصيب بجراحات ثم التفوا عليه وأسروه وانهزم من أصحاب مسعود قزل وقد كان واطأهم على الهزيمة فانهزم السلطان مسعود عند ذلك منتصف ستة وعشرين وقتل كثير من أكابر الامراء ونزل سنجر في خيامهم وأحضر قراجا فقتله وجئ إليه بالسلطان مسعود فأكرمه وأعاده إلى كنجة وخطب للملك طغرل ابن أخيه في السلطنة وخطب له في جميع البلاد واستوزر له أبا القاسم الساباذى وزير السلطان محمود وعاد إلى نيسابور آخر رمضان سنة ست وعشرين وخمسمائة * (هزيمة السلطان داود واستيلاء طغرل بن محمد على الملك) * لما ولى طغرل همذان وولى عند السلطان سنجر إلى خراسان وبلغه أن صاحب ما وراء النهر المرخان قد انتقض عليه فسار لاصلاحه وشغل بذلك فقام الملك داود باذربيجان وبلاد كنجة وطلب الامر لنفسه وجمع العساكر وسار إلى همذان ومعه برتقش الزكوى واتابك اقسنقر الاحمر يلى ومعه طغرل بن برسق ونزل وقد استقر ثم اضطرب عسكر داود وأحسوا من برتقش الزكوى بالفشل فنهب التركمان خيامه وهرب اقسنقر اتابك وانهزم في رمضان سنة ست وعشرين ثم قدم بغداد في ذى القعدة ومعه اتابك اقسنقر فأكرمه الخليفة وأنزله بدار السلطان

[ 59 ]

* (عود السلطان مسعود إلى الملك وهزيمة طغرل) * قد تقدم لنا هزيمة السلطان مسعود من عمه سنجر وعوده إلى كنجة وولاية طغرل السلطان ثم محاربة داود ابن أخيه له وانهزام داود ثم رجوع داود إلى بغداد فلما بلغ الخبر إلى مسعود جاء إلى بغداد ولقيه داود قريبا منها وترجل له عن فرسه ودخلا بغداد في صفر سنة سبع وعشرين ونزل مسعود بدار السلطان وخطب له ولداود بعده وطلبا من السلطان عسكرا ليسير معهما إلى اذربيجان فبعث معهما العساكر إلى اذربيجان ولقيهم اقسنقر الاحمر يلى في مراغة بالاقامة والاموال وملك مسعود بلاد اذربيجان وهرب بين يديه من كان بها من الامراء وامتنعوا بمدينة اذربيجان فحاصرهم بها وملكها عليهم وقتل منهم جماعة وهرب الباقون ثم سار إلى همذان لمحاربة أخيه طغرل فهزمه وملك همذان في شعبان من السنة ولحق طغرل بالرى وعاد إلى اصبهان ثم قتل اقسنقر الاحمر يلى بهمذان غيلة ويقال ان السلطان مسعودا دس عليه من قتله ثم سار إلى حصار طغرل باصبهان ففارقها طغرل إلى فارس وملكها مسعود وسار في اثر طغرل إلى البيضاء فاستأمن إليه بعض أمراء طغرل فأمنه وخشى طغرل أن يستأمنوا إليه فقصد الرى وقتل في طريقه ووزيره أبا القاسم الساباذى في شوال من السنة ومثل به غلمان الامير شيركين الذى سعى في قتله كما مر ثم سار الامير مسعود يتبعه إلى أن تراجعا ودارت بينهما حرب شديدة وانهزم طغرل وأسر من أمرائه الحاجب تنكى وأتى بقرا وأطلقهما السلطان مسعود وعاد إلى همذان والله تعالى أعلم * (عود الملك طغرل إلى الجبل وهزيمة السلطان مسعود) * ولما عاد مسعود من حرب أخيه طغرل بلغه انتقاض داود ابن أخيه محمود باذربيجان فسار إليه وحاصره بقلعة فحصر جمع طغرل العساكر وتغلب على بلاده وسار إليه واستعمل بعض قواده فسار مسعود للقائه ولقيه عند قزوين وفارق مسعود الامراء الذين استمالهم طغرل ولحقوا به فانهزم مسعود في رمضان سنة ثمان وعشرين وبعث إلى المسترشد يستأذنه في دخول بغداد فأذن له وكان أخوه سلجوق باصبهان مع نائبه فيها البقش السلاحى فلما سمع بانهزامه سبقه إلى بغداد وأنزله المسترشد بدار السلطان وأحسن إليه بالاموال ووصل مسعود وأكثر أصحابه رجلا فوسع عليه الخليفة بالانفاق والمراكب والظهر واللباس والآلة ودخل دار السلطان منتصف شوال وأقام طغرل بهمذان * (وفاة طغرل واستيلاء مسعود على الملك) * ولما وصل مسعود إلى بغداد حمل إليه المسترشد ما يحتاج إليه وأمره بالمسير إلى همذان لدافعة طغرل ووعده بالمسير معه

[ 60 ]

بنفسه فتباطأ مسعود عن المسير واتصل جماعة من أمرائه بخدمة الخليفة ثم اطلع على مداخلة بعضهم لطغرل فقبض عليه ونهب ماله وارتاب الآخرون فهربوا عن السلطان مسعود وبعث المسترشد في اعادتهم إليه فدافعه ووقعت لذلك بينهما وحشة فقعد المسترشد عن نصره بنفسه وبينما هم في ذلك وصل الخبر بوفاة أخيه طغرل في المحرم سنة تسع وعشرين فسار مسعود إلى همذان واستوزر شرف الدين أنوشروان بن خالد حمله من بغداد وأقبلت إليه العساكر فاستولى على همذان وبلاد الجبل اه‍ * (فتنة المسترشد مع السلطان مسعود ومقتله وخلافة ابنه الراشد) * قد تقدم لنا ان الوحشة وقعت عندما كان ببغداد بسبب أمرائه الذين اتصلوا بخدمة المسترشد ثم هربوا عنه إلى السلطان مسعود فلما سار السلطان مسعود إلى همذان بعد أخيه طغرل وملكها استوحش منه جماعة من أعيان أمرائه منهم برتقش وقزل وقرا سنقر الخمارتكين والى همذان وعبد الرحمن بن طغرلبك ودبيس بن صدقة وساروا إلى خوزستان ووافقهم صاحبها برسق بن برسق واستأمنوا إلى الخليفة فارتاب من دبيس وبعث إلى الآخرين بالامان مع سديد الدولة بن الانباري وارتاب دبيس منهم أن يقبضوا عليه فرجع إلى السلطان مسعود وسار الآخرون إلى بغداد فاستحثوا المسترشد للمسير إلى قتال مسعود فأجابهم وبالغ في تكرمتهم وبرز آخر رجب من سنة تسع وعشرين وهرب صاحب البصرة إليها وبعث إليه بالامان فأبى فتكاسل عن المسير فاستحثوه وسهلوا له الامر فسار في شعبان ولحق به برسق بن برسق وبلغ عدة عسكره سبعة آلاف وتخلف بالعراق مع خادمه اقبال ثلاثة آلاف وكاتبه أصحاب الاطراف بالطاعة وأبطأ في مسيره فاستعجلهم مسعود وزحفوا إليه فكان عسكره خمسة عشر ألفا وتسلل عن المسترشد جماعة من عسكره وأرسل إليه داود بن محمود من اذربيجان يشير بقصد الدينور والمقام بها حتى يصل في عسكره فأبى واستمر في مسيره وبعث زنكى من الموصل عسكرا فلم يصل حتى تواقعوا وسار السلطان محمود إليهم مجدا فوافاهم عاشر رمضان ومالت ميسرة المسترشد إليه وانهزمت ميمنته وهو ثابت لم يتحرك حتى أخذ أسيرا ومعه الوزير والقاضى وصاحب المحرر وابن الانباري والخطباء والفقهاء والشهود فأنزل في خيمة ونهب مخيمه وحمل الجماعة أصحابه إلى قلعة ترجمعان ورجع بقية الناس إلى بغداد ورجع السلطان إلى همذان وبعث الامير بك ايه إلى بغداد شحنة فوصلها سلخ رمضان ومعه عميد وقبضوا أملاك المسترشد وغلاتها وكانت بينهم وبين العامة فتنة قتل فيها خلق من العامة وسار السلطان في شوال إلى مراغة وقد ترددت الرسل بينهما في الصلح على مال يؤديه المسترشد وأن لا يجمع العساكر ولا يخرج

[ 61 ]

من داره لحرب ما عاش وأجابه السلطان وأذن له في الركوب وحمل الغاشية وفارق المسترشد بعض الموكلين به فهجم عليه جماعة من الباطنية فألحموه جراحا وقتلوه ومثلوا به جدعا وصلبا وتركوه سليبا في نفر من أصحابه قتلوهم معه وتبع الباطنية فقتلوا وكان ذلك منتصف ذى القعدة سنة ست وعشرين لثمان عشرة سنة من خلافته وكان كاتبا بليغا شجاعا قرما ولما قتل بمراغة كتب السلطان مسعود إلى بك ايه شحنة بغداد بأن يبايع لابنه فبويع ابنه الراشد أبو جعفر منصور بعهده إليه لثمانية أيام من مقتله وحضر بيعته جماعة من أولاد الخلفاء وأبو النجيب الواعظ وأما اقبال خادم المسترشد فلما بلغه خبر الواقعة وكان مقيما ببغداد كما قدمناه عبر إلى الجانب الغربي ولحق بتكريت ونزل على مجاهد الدين بهروز * (فتنة الراشد مع السلطان مسعود) * لما بويع الراشد بعث إليه السلطان مسعود برتقش الزكوى يطالبه بما استقر عليه الصلح مع أبيه المسترشد وهو أربعمائة ألف دينار فأنكر الراشد أن يكون له مال وانما مال الخلافة كان مع المسترشد فنهب ثم جمع الراشد العساكر وقدم عليهم كجراية وشرع في عمارة السور واتفق برتقش مع بك ايه على هجوم دار الخلافة وركبوا لذلك في العساكر فقاتلهم عساكر الراشد والعامة وأخرجوهم عن البلد إلى طريق خراسان وسار بك ايه إلى واسط وبرتقش إلى سرخس ولما علم داود بن محمود فتنة عمه مسعود مع الراشد سار من اذربيجان إلى بغداد في صفر سنة ثلاثين ونزل بدار السلطان ووصل بعده عماد الدين زنكى من الموصل وصدقة بن دبيس من الحلة ومعه عش بن أبى العسكر يدبر أمره ويديره وكان أبوه دبيس قد قتل بعد مقتل المسترشد باذربيجان وملك هو الحلة ثم وصل جماعة من أمراء مسعود منهم برتقش بازدار صاحب فروق والبقش الكبير صاحب اصبهان وابن برسق وابن الاحمر يلى وخرج للقائهم كجراية والطرنطاى وكان اقبال خادم المسترشد قد قدم من تكريت فقبض عليه الراشد وعلى ناصر الدولة أبى عبد الله الحسن بن جهير فاستوحش أهل الدولة وركب الوزير جلال الدين بن صدقة إلى لقاء عماد الدين زنكى فأقام عنده مستجيرا حتى أصلح حاله مع الراشد واستجار به قاضى القضاة الزينبي ولم يزل معه إلى الموصل وشفع في اقبال فأطلق وسار إليه ثم جد الراشد في عمارة السور وسار الملك داود لقتال مسعود استخلفه الراشد واستخلفه عماد الدين زنكى وقطعت خطبة مسعود من بغداد وولى داود شحنة بغداد برتقش بازدار ثم وصل الخبر بأن سلجوق شاه أخا الامير مسعود ملك واسط وقبض على الامير بك ايه فسار الامير زنكى لدفاعه فصالحه ورجع وعبر إلى طريق خراسان

[ 62 ]

للحاق داود واحتشد العساكر ثم سار السلطان مسعود لقتالهم وفارق زنكى داود ليسير إلى مراغة ويخالف السلطان مسعود إلى همذان وبرز الراشد من بغداد أول رمضان وسار إلى طريق خراسان وعاد بعد ثلاث وعزم على الحصار ببغداد واستدعى داود الامراء ليكونوا معه عنده فجاؤا لذلك ووصلت رسل السلطان مسعود بطاعة الراشد والتعريض بالوعيد للامراء المجتمعين عنده فلم يقبل طاعة من أجلهم والله سبحانه وتعالى أعلم * (حصار بغداد ومسير الراشد إلى الموصل وخلعه وخلافة المقتفى) * ثم ان السلطان مسعودا أجمع المسير إلى بغداد وانتهى إلى الملكية فسار زين الدين على من أصحاب زنكى حتى شارف معسكره وقاتلهم ورجع ونزل السلطان على بغداد والعيارون فأفسدوا سائر المحال ببغداد وانطلقت أيديهم وأيدي العساكر في النهب ودام الحصار نيفا وخمسين يوما وتأخر السلطان مسعود إلى النهروان عازما على العود إلى اصبهان فوصله طرنطاى صاحب واسط في سفن كثيرة فركب إلى غربي بغداد فاضطرب الامراء وافترقوا وعادوا إلى اذربيجان وكان زنكى بالجانب الغربي فعبر إليه الراشد وسار معه إلى الموصل ودخل السلطان مسعود بغداد منتصف ذى القعدة فسكن الناس وجمع القضاة والفقهاء وأوقفهم على يمين الراشد التى كتبها بخطه انى متى جمعت أو خرجت أو لقيت أحدا من أصحاب السلطان بالسيف فقد خلعت نفسي من الامر فأفتوا بخلعه واتفق أرباب الدولة ممن كان ببغداد ومن أسر مع المسترشد وبقى عند السلطان مسعود كلهم على ذمه وعدم أهليته على ما مر في أخباره بين أخبار الخلفاء وبويع محمد بن المستظهر ولقب المقتفى وقد قدمت هذه الاخبار بأوسع من ذلك ثم بعث السلطان العساكر مع قراسنقر لطلب داود فأدركته عند مراغة وقاتله فهزمه وملك اذربيجان ومضى داود إلى خوزستان واجتمع عليه عساكر من التركمان وغيرهم فحاصر تستر وكان عمه سلجوق بواسط فسار إليه بعد ان أمره أخوه مسعود بالعساكر ولقى داود على تستر فهزمه داود ثم عزل السلطان وزيره شرف الدين أنوشروان بن خالد واستوزر كمال الدين أبا البركات بن سلامة من أهل خراسان ثم بلغه ان الراشد قد فارق الموصل فأذن للعساكر التى عنده ببغداد في العود إلى بلادهم وصرف فيهم صدقة بن دبيس صاحب الحلة بعد ان أصهر إليه في ابنته وقدم عليه جماعة من الامراء الذين كانوا مع داود منهم البقش السلامى وبرسق بن برسق وصاحب تستر وسنقر الخمار تكين شحنة همذان فرضى عنهم وأقامتهم وعاد إلى همذان سنة احدى وثلاثين * (الفتنة بين السلطان مسعود وبين داود والراشد وهزيمة مسعود ومقتل الراشد) *

[ 63 ]

كان الامير بوزابة صاحب خوزستان والامير عبد الرحمن طغرل بك صاحب خلخال والملك داود ابن السلطان محمود خائفين من السلطان فاجتمعوا عند الامير منكبرس صاحب فارس وبلغهم مسير الراشد من الموصل إلى مراغة فراسلوه في أن يجتمعوا عليه ويردوه إلى خلافته فأجابهم وبلغ الخبر إلى السلطان مسعود فسار إليهم في شعبان سنة ثنتين وثلاثين وأوقع بهم وأخذ منكبرس أسيرا فقتله وافترقت عساكره للنهب فانفرد بوزابة وطغرل بك وصدقا الحملة عليه فانهزم وقبض على جماعة من الامراء مثل صدقة بن دبيس صاحب الحلة وكافله نمبتر بن أبى العساكر وابن أتابك قرا سنقر صاحب اذربيجان وحبسهم بوزابة حتى تحقق قتل منكبرس ولحق السلطان مسعود باذربيجان منهزما وسار داود إلى همذان فملكها ووصل إليه الراشد هنالك وأشار بوزابة وكان كبير القوم بالمسير إلى فارس فساروا معه واستولى عليها وملكها ولما علم سلجوق شاه وهو بواسط ان أخاه السلطان مسعودا مضى إلى اذربيجان سار هو إلى بغداد ليملكها ودافعه البقش الثحت ونظم الخادم أمير الحاج وثار العيارون بالبلدان وأفحشوا في النهب فلما رجع الشحنة استأصل شأفتهم وأخذ المستورين بجنايتهم فجلا الناس عن بغداد إلى الموصل وغيرها ولما قتل صدقة بن دبيس أقر السلطان مسعود أخاه محمدا على الحلة ومعه مهلهل بن أبى العساكر أخو عش المقتول كما مر في أخباره ثم لما ملك بوزابة فارس رجع مع الراشد والملك داود ومعهما خوارزم شاه إلى خوزستان وخربوا الجزيرة فسار إليهم مسعود ليمنعهم عن العراق فعاد الملك داود إلى فارس وخوارزم شاه إلى بلده وسار الراشد إلى اصبهان فثار به نفر من الخراسانية كانوا في خدمته فقتلوه عند القائلة في خامس عشر رمضان من السنة ودفن بظاهر اصبهان ثم قبض السلطان آخر السنة على وزيره أبى البركات بن سلامة الدركرينى واستوزر بعده كمال الدين محمد بن الخازن وكان نبيها حسن السيرة فرفع المظالم وأزال المكوس وأقام وظائف السلطان وجمع له الاموال وضرب على أيدى العمال وكشف خيانتهم فثقل عليهم وأوقعوا بينه وبين الامراء فبالغوا في السعاية فيه عند السلطان وتولى كبرها قرا سنقر صاحب اذربيجان فانه بعث إلى السلطان يتهدده بالخروج عن طاعته فأشار على السلطان خواصه بقتله خشية الفتنة فقتله على كره وبعث برأسه إلى قرا سنقر فرضى وكان قتله سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة لسسعة أشهر من وزارته واستوزر بعده أبا العز ظاهر بن محمد اليزدجردى وزير قرا سنقر ولقب عز الملك وضاقت الامور على السلطان وأقطع البلاد للامراء ثم قتل السلطان البقش السلاحى الشحنة بما ظهر منه من الظلم والعسف فقبض عليه وحبسه بتكريت عند مجاهد الدين بهروز ثم أمر

[ 64 ]

بقتله فلما قرب للقتل ألقى نفسه في دجلة فمات وبعث برأسه إلى السلطان فقدم مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد فحسن أثره ثم عزله السلطان سنة ست وثلاثين وولى فيها قرلى أميرا آخر من موالى السلطان محمود وكانت له يزدجرد والبصرة فأضيف له اليهما والله سبحانه وتعالى أعلم بغيبه * (فتنة السلطان سنجر مع خوارزم شاه) * وهو أول بداية بنى خوارزم قد تقدم لنا ذكر أولية محمد خوارزم شاه وهو محمد بن أبى شنتكين وان خوارزم شاه لقب له وان الامير داود حبشي لما ولاه بركيارق خراسان وقتله اكنجى ولى محمد بن أبى شنتكين وولى بعده ابنه أتسز فظهرت كفاءته وقربه السلطان سنجر واستخلصه واستظهر به في حروبه فزاده ذلك تقدما ورفعة واستفحل ملكه في خوارزم ونمى للسلطان سنجر انه يريد الاستبداد فسار إليه سنة ثلاث وثلاثين وبرز أتسز ولقيه في التعبية فلم يثبت وانهزم وقتل من عسكره خلق وقتل له ابن فحزن عليه حزنا شديدا وملك سنجر خوارزم وأقطعها غياث الدين سليمان شاه ابن أخيه محمد ورتب له وزيرا وأتابك وحاجبا وعاد إلى مرو منتصف السنة فخالفه أتسز إلى خوارزم وهرب سليمان شاه ومن معه إلى سنجر واستولى أتسز على خوارزم وكان من أمره ما يذكر بعد ان شاء الله تعالى * (استيلاء قرا سنقر صاحب اذربيجان على بلاد فارس) * ثم جمع أتابك قراسنقر صاحب اذربيجان وبرز طالبا ثأر أبيه الذى قتله بوزابة في المصاف كما مر وأرسل السلطان مسعود في قتل وزيره الكمال فقتله كما مر فانصرف عنه إلى بلاد فارس وتحصن عنه بوزابة في القلعة البيضاء ووطئ قرا سنقر البلاد وملكها ولم يمكنه مقام فسلمها لسلجوق شاه ابن السلطان محمود وهو أخو السلطان مسعود وعاد إلى اذربيجان فنزل بوزابة من القلعة سنة أربع وثلاثين وهزم سلجوق شاه وأسره وحبسه ببعض قلاعه واستولى على البلاد ثم هلك قرا سنقر صاحب اذربيجان واران بمدينة اردبيل وكان من مماليك طغرل وولى مكانه جاولى الطغرلى والله سبحانه ولى التوفيق * (مسير جهان دانكى إلى فارس) * ثم أمر السلطان سنة خمس وثلاثين الامير اسمعيل جهان دانكى فسار إليها ومنعها مجاهد الدين بهروز من الوصول واستعد لذلك بخسف المعابر وتغريقها فقصد الحلة فمنعها أيضا فقصد واسط فقاتله طرنطاى وانهزم ودخل واسط ونهبها ونهب النعمانية وما إليها واتبعهم طرنطاى إلى البطيحة ثم فارقه عسكره إلى طرنطاى فلحق بتستر وكتب اسمعيل إلى السلطان فعفا عنه * (هزيمة السلطان سنجر امام الخطا واستيلاؤهم على ما وراء النهر) *

[ 65 ]

وتلخيص هذا الخبر من كتاب ابن الاثير ان أتسز بن محمد ملك خوارزم واستقر بها فبعث إلى الخطا وهم أعظم الترك فيما وراء النهر وأغراهم بمملكة السلطان سنجر واستحثهم لها فساروا في ثلثمائة ألف فارس وسار سنجر في جميع عساكره وعبر إليهم النهر ولقيهم سنة ست وثلاثين واقتتلوا أشد قتال ثم إنهزم سنجر وعساكره وقتل منهم مائة ألف فيهم أربعة آلاف امرأة وأسرت زوجة السلطان سنجر ولحق سنجر بترمذ وسار منها إلى بلخ وقصد أتسز مدينة مرو فدخلها مراغما للسلطان وفتك فيها وقبض على جماعة من الفقهاء والاعيان وبعث السلطان سنجر إلى السلطان مسعود يأذن له في النصر وفي الرى ليدعوه ان احتاج إليه فجاء عباس صاحب الرى بذلك إلى بغداد وسار السلطان مسعود إلى الرى امتثالا لامر عمه سنجر قال ابن الاثير وقيل ان بلاد تركستان وهى كاشغر وبلاد سامسون وجبى (1) وطراز وغيرها مما وراء النهر كانت بيد الخانية وهم مسلمون من نسل مراسيان ملك الترك المعروف خبره مع ملوك الكينية وأسلم جدهم الاول سبق قراخان لانه رأى في منامه ان رجلا نزل من السماء وقال له بالتركية ما معناه أسلم تسلم في الدنيا والآخرة وأسلم في منامه ثم أسلم في يقظته ولما مات ملك مكانه موسى بن سبق ولم يزل الملك في عقبه إلى ارسلان خان بن سليمان بن داود بن بقرخان بن ابراهيم طغاج خان بن ايلك نصر بن ارسلان بن على بن موسى بن سبق فخرج عليه قردخان وانتزع الملك منه ثم نصر سنجر وقتل قردخان وخرج بعد ذلك خوارزم ونصره السلطان سنجر منهم وأعاده إلى ملكه وكان في جنده نوع من الاتراك يقال لهم القارغلية والاتراك الغربة الذين نهبوا خراسان على ما نذكره بعد وهم صنفان صنف يقال لهم چق وأميرهم طوطى بن داديك وصنف يقال لهم برق وأميرهم برغوث ابن عبد الحميد وكان لارسلان نصر خان شريف يصحبه من أهل سمرقند وهو الاشرف ابن محمد بن أبى شجاع العلوى فحمل ابن ارسلان نصر خان وطلبوا انتزاع الملك منه فاستصرخ السلطان سنجر فعبر إليه في عساكره سنة أربع وعشرين وخمسمائة وانتهى إلى سمرقند فهرب القار غلية أمامه وعاد إلى سمرقند فقبض على ارسلان خان وحبسه ببلخ فمات بها وولى على سمرقند مكانه قلج طمقاج أبا المعالى الحسن بن على بن عبد المؤمن ويعرف بحسن تكر من أعيان بيت الخانية الا أن ارسلان خان اطرحه فولاه سنجر ولم تطل أيامه فولى بعده محمود بن ارسلان خان وأبوه هو الذى ملك سمرقند من يده وهو ابن أخت سنجر وكان في سنة ثنتين وعشرين وخمسمائة قد خرج كوهرخان من الصين إلى حدود كاشغر في جموع عظيمة وكوهر الاعظم بلسانهم وخان السلطان فمعناه أعظم ملك ولقيه صاحب كاشغر أحمد بن الحسن الخان فهزمه وقد كان خرج قبله من الصين

[ 66 ]

اتراك الخطا وكانوا في خدمة الخانية أصحاب تركسان وكان ارسلان خان محمد ابن سليمان ينزلهم على الدروب بينه وبين الصين مسالح ولهم على ذلك جرايات واقطاعات وسخط عليهم بعض السنين وعاقبهم بما عظم عليهم فطلبوا فسيحا من البلاد يأمنون فيه من ارسلان خان لكثرة ما كان يغزوهم ووصفت لهم بلاد سامسون فساروا إليها ولما خرج كونان من الصين ساروا إليه واجتمعوا عليه ثم ساروا جميعا إلى بلاد ما وراء النهر ولقيهم الخان محمود بن ارسلان خان محمد في حدود بلاده في رمضان سنة احدى وثلاثين فهزموه وعاد إلى سمرقند وعظم الخطب على أهلها وأهل بخارى واستمد محمود السلطان سنجر وذكر ما لقى السلطان من العنت واجتمع عنده ملوك خراسان وملك سجستان من بنى خلف وملك غزنة من الغوريين وملك مازندران وعبر النهر للقاء الترك في أكثر من مائة ألف وذلك لآخر خمس وثلاثين وخمسمائة وشكا إليه محمود خان من القارغلية فقصدهم واستجاروا بكوخان ملك الصين فكتب إلى سنجر بالشفاعة فيهم فلم يشفعه وكتب إليه يدعوه للاسلام ويتهدده بكثرة العساكر فأهان الرسول وزحف للقاء سنجر والتقى الجمعان بموضع يسمى قطران خامس صفر سنة ست وثلاثين وأبلى القارغلية من الترك وصاحب سجستان من المسلمين ثم انهزم المسلمون فقتل كثير منهم وأسر صاحب سجستان والامير قماج وزوجة السلطان سنجر فأطلقهم كوخان ومضى السلطان سنجر منهزما وملك الترك الكفار والخطا بلاد ما وراء النهر إلى أن مات كوخان ملكهم سنة سبع وثلاثين ووليت بعده ابنته ثم ماتت قريبا وملكت أمها من بعدها وهى زوجة كوخان وابنه محمد وصار ما وراء النهر بيد الخطا إلى أن غلبهم عليه عماد الدين محمد خوارزم شاه سنة ثنتى عشرة وستمائة * (أخبار خوارزم شاه بخراسان وصلحه مع سنجر) * ولما عاد السلطان منهزما سار خوارزم شاه إلى سرخس في ربيع سنة ست وثلاثين فأطاعته ثم إلى مرو الشاهجان فشفع فيهم الامام أحمد الباخرزى ونزل بظاهرها وبينما هو قد استدعى أبا الفضل الكرماني وأعيان أهلها للشورى ثار عامة البلد وقتلوا من كان عندهم من جنده وامتنعوا فطاولها ودخلها عنوة وقتل كثيرا من علمائها ثم رجع في شوال من السنة إلى نيسابور وخرج إليه علماؤها وزهادها يسألون معافاتهم مما نزل بأهل مرو فأعفاهم واستصفى أصحاب السلطان وقطع خطبة سنجر وبعث عسكرا إلى أعمال صغد فقاتلوهم أياما ولم يطق سنجر مقاومته لمكان الخطا وحوارهم له ثم سار السلطان سنجر سنة ثمان وثلاثين لقتال خوارزم وحاصرها أياما وكاد يملكها واقتحمها بعض أمرائه يوما فدافعه أتسز بعد حروب شديدة ثم أرسل

[ 67 ]

أتسز إلى سنجر بالطاعة والعود إلى ما كان عليه فقبله وعاد سنة ثمان وثلاثين * (صلح زنكى مع السلطان مسعود) * ثم وصل السلطان مسعود سنة ثمان وثلاثين إلى بغداد عادته فتجهز لقصد الموصل وكان يحمل لزنكى جميع ما وقع من الفتن فبعث إليه زنكى يستعطفه مع أبى عبد الله بن الانباري وحمل معه عشرين ألف دينار وضمن مائة ألف على أن يرجع عنه فرجع وانعقد الصلح بينهما وكان مما رغب السلطان في صلحه أن ابنه غازى بن زنكى هرب من عند السلطان خوفا من أبيه فرده إلى السلطان ولم يجتمع به فوقع ذلك من السلطان أحسن موقع والله تعالى أعلم * (انتقاض صاحب فارس وصاحب الرى) * كان بوزابة صاحب فارس وخورستان كما قدمنا فاستوحش من السلطان مسعود فانتقض سنة أربعين وخمسمائة وبايع لمحمد ابن محمود وهو ابن أخى السلطان مسعود وسار إلى مامشون واجتمع بالامير عباس صاحب الرى ووافقه على شأنه واتصل به سليمان شاه أخو السلطان مسعود وتغلبوا على كثير من بلاده فسار إليهم من بغداد في رمضان من السنة ومعه الامير طغابرك حاجبه وكان له التحكم في الدولة والميل إلى القوم واستخلفه على بغداد الامير مهلهل ونصير أمير الحاج وجماعة من غلمان بهروز وسار فلما تقاربوا للحرب نزع السلطان شاه عنهم إلى أخيه مسعود وسعى عبد الرحمن في الصلح فانعقد بينهما على ما أحبه القوم وأضيف إلى عبد الرحمن ولاية اذربيجان واران إلى خلخال عوضا من جاولى الطغرلى واستوزر أبا الفتح بن دراست وزير بوزابة وقد كان السلطان سنة تسع وثلاثين قبض على وزيره اليزدجردى واستوزر مكانه المرزبان بن عبد الله بن نصر الاصبهاني وسلم إليه اليزدجردى واستصفى أمواله فلما كان هذه السنة وفعل بوزابة في صلح القوم ما فعل اعتضد بهم على مقامه عند السلطان وتحكم عليه وعزل وزيره واستوزر له أبا الفتح هذا * (مقتل طغابرك وعباس) * قد قدمنا ان طغابرك وعبد الرحمن تحكما على السلطان واستبدا عليه ثم آل أمره إلى أن منعا بك ارسلان المعروف بابن خاص بك بن النكرى من مباشرة السلطان وكان تربيته وخاصا به ونجى خلوته وتجهز طغابرك لبعض الوجوه فحمله في جملته فأسر السلطان إلى ارسلان الفتك بطغابرك وداخل رجال العسكر في ذلك فأجاب منهم زنكى جاندار ان يباشر قتله بيده ووافق بك ارسلان جماعة من الامراء واعترضوا له في موكبه فضربه الجاندار فصرعه عن فرسه وأجهز عليه ابن خاص بك ووقف الامراء

[ 68 ]

الذين واطؤه على ذلك دون الجاندار فمنعوه وكان ذلك بظاهر صهوة وبلغ الخبر إلى السلطان مسعود ببغداد ومعه عباس صاحب الرى في جيش كثيف فامتعض لذلك ونكره فداراه السلطان حتى سكن وداخل بعض الامراء في قتله فأجابوه وتولى كبر ذلك البقش حروسوس اللحف وأحضر السلطان عباسا وأدخله في داره وهذان الاميران عنده وقد أكمنوا له في بعض المخادع رجالا وعدلوا به إلى مكانهم فقتلوه ونهبت خيامه وأصاخت البلاد لذلك ثم سكنت وكان عباس من موالى السلطان محمود وكان عادلا حسن السيرة وله مقامات حسان في جهاد الباطنية وقتل في ذى القعدة سنة احدى وأربعين ثم حبس السلطان أخاه سليمان شاه في قلعة تكريت وسار عن بغداد إلى اصبهان والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق * (مقتل بوزابة صاحب فارس) * قد تقدم لنا ان طغابرك كان مستظهرا على السلطان بعباس صاحب الرى وبوزابة صاحب فارس وخورستان فلما قتل طغابرك وامتعض له عباس قتل اثره وانتهى الخبر إلى بوزابة فجمع العساكر وسار إلى اصبهان سنة ثنتين وأربعين فحاصرها وبعث عسكرا آخر لحصار همذان وآخر إلى قلعة الماهكى من بلاد اللحف وكان بلاد اللحف من قلاع البقش كوز حر فسار إليها ودفعهم عنها ثم سار بوزابة عن اصبهان لطلب السلطان مسعود فامتنع وتراجفا بمرج مراتكن واشتد القتال بينهما وكبا الفرس ببوزابة وسيق إلى السلطان فقتل بين يديه وقيل أصابه سهم فسقط ميتا وانهزمت عساكره وكان هذا الحرب من أعظم الحروب بين السلجوقية * (انتقاض الامراء على السلطان) * ولما قتل طغابرك وعباس وبوزابة اختص بالسلطان ابن خاص بك لميله إليه واطرح بقية الامراء فاستوحشوا وارتابوا بأنفسهم أن يقع بهم ما وقع بالآخرين ففارقوه وساروا نحو العراق أبو ركن المسعودي صاحب كنجة واران والبقش كوزحر صاحب الجبل والحاجب خريطاى المحمودى شحنة واسط وابن طغابرك والركن وقرقوب ومعهم ابن أخى السلطان وهو محمد بن محمود وانتهوا إلى حران فاضطرب الناس ببغداد وغلت الاسعار وبعث إليهم المقتفى بالرجوع فلم يرجعوا ووصلوا إلى بغداد في ربيع الآخر من سنة ثلاث وأربعين ونزلوا بالجانب الشرقي وهرب أجناد مسعود شحنة بغداد إلى تكريت ووصل إليهم على ابن دبيس صاحب الجبلة ونزل بالجانب الغربي وجمع الخليفة العساكر ثم قاتل العامة عساكر الامراء فاستطردوا لهم ثم كروا عليهم فملؤا الارض بالقتلى ثم جست خيولهم خلال الديار فنهبوا وسبوا ثم جاؤا مقايل التاج يعتذرون ورددوا الرسل إلى

[ 69 ]

الخليفة سائر يومهم ثم ارنحلوا من الغد إلى النهروان فعانوا فيها وعاد مسعود من بلاد تكريت إلى بغداد ثم افترق الامراء وفارقوا العراق ثم عاد البقش كوزحر والطرنطاى وابن دبيس سنة أربع وأربعين ومعهم ملك شاه بن محمود وهو ابن أخى السلطان وطلبوا من الخليفة الخطبة لملك شاه فأبى وجمع العساكر وشغل بما كان فيه من أمرعم السلطان سنجر وذلك أن السلطان سنجر بعث إليه يلومه في تقديم ابن خاص بك ويأمره بابعاده وتهدده فغالطه ولم يفعل فسار إلى الرى فبادر إليه مسعود وترضاه فرضى عنه ولما علم البقش كوزحر مراسلة المقتفى لمسعود نهب النهروان وقبض على على بن دبيس وسار السلطان بعد لقاء عمه إلى بغداد فوصلها منتصف شوال سنة أربع وأربعين فهرب الطرنطاى إلى النعمانية ورحل البقش إلى النهروان بعد أن أطلق على بن دبيس فجاء إلى السلطان واعتذر فرضى عنه * (وفاة السلطان مسعود وولاية ملك شاه بن أخيه محمود ثم أخيه محمد من بعده) * ثم توفى السلطان مسعود بهمذان في رجب منتصف سبع وأربعين لثنتين وعشرين سنة من طلبه الملك وبه كمل استفحال ملك السلجوقية وركب الخمول دولتهم بعده وكان عهد إلى ملك شاه بن أخيه محمود فلما توفى بايع له الامير بن خاص بك وأطاعه العسكر وانتهى خبر موته إلى بغداد فهرب الشحنة بلاك إلى تكريت وأمر المقتفى بالحوطة على داره ودور اصحاب السلطان مسعود ثم بعث السلطان ملك شاه عسكرا إلى الجبلة مع سلاد كرد من أمرائه فملكها وسار إليه بلاك الشحنة فخادعه حتى استمكن منه فقبض عليه وغرقه واستبد بلاك الشحنة بالجبلة وجهز المقتفى العساكر مع الوزير عون الدين ابن عبيرة إلى الجبلة وبعث عساكرا إلى الكوفة وواسط فملكهما ووصلت عساكر السلطان ملك شاه فملكوها وسار إليها الخليفة بنفسه فارتجعها منهم وسار منها إلى الجبلة ثم إلى بغداد آخر ذى القعدة من السنة ثم ان ابن خاص بك طمع في الانفراد بالامر فاستدعى محمد بن محمود من خوزستان فأطمعه في الملك ليقبض عليه وعلى أخيه ملك شاه فقبض على ملك شاه أولا لستة أشهر من ولايته ووصل محمد في صفر من سنة ثمان وأربعين فأجلسه على التخت وخطب له بالسلطنة وحمل إليه الهدايا وقد سعى للسلطان محمد بما انطوى عليه ابن خاص بك فلما باكره صبيحة وصوله فتك به وقتله وقتل معه زنكى الجاندار فاتل طغابرك وأخذ من أموال ابن خاص بك كثيرا وكان صببا كما بينا اتصل بالسلطان مسعود وتنصح له فقدمه على سائر العساكر والامراء وكان أنوغرى لتركي المعروف بشملة في جملة ابن خاص بك ومن أصحابه ونهاه عن الدخول إلى السلطان محمد فلما قتل ابن خاص بك نجا شملة إلى خوزستان وكان له بها بعد ذلك ملك والله أعلم

[ 70 ]

بغيبه وأحكم * (تغلب الغز على خراسان وهزيمة السلطان سنجر وأسره) * كان هؤلاء الغز فيما وراء النهر وهم شعب من شعوب الترك ومنهم كان السلجوقية أصحاب هذه الدولة وبقوا هنالك بعد عبورهم وكانوا مسلمين فلما استولى الخطا على ملك الصين وعلى ما وراء النهر حجر هؤلاء الغز إلى خراسان وأقاموا بنواحي بلخ وكان لهم من الامراء محمود ودينار وبختيار وطوطى وارسلان ومعر وكان صاحب بلخ الامير قماج فتقدم إليهم أن يبعدوا عن بلخ فصانعوه فتركهم وكانوا يعطون الزكاة ويؤمنون السابلة ثم عاد إليهم في الانتقال فامتنعوا وجمعوا فخرج إليهم في العساكر وبذلوا له مالا فلم يقبل وقاتلوه فهزموه وقتلوا العسكر والرعايا والفقهاء وسبوا العيال ونجا قماج إلى مرو وبها السلطان سنجر فبعث إليهم يتهددهم ويأمرهم بمفارقة بلاده فلاصفوه وبذلوا له فلم يقبل وسار إليهم في مائة ألف فهزموه وأثخنوا في عسكره وقتل علاء الدين قماج وأسروا السلطان سنجر ومعه جماعة من الامراء فقتلوا الامراء واستبقوا السلطان سنجر وبايعوه ودخلوا معه إلى مرو فطلب منه بختيار اقطاعها فقال هي كرسى خراسان فسخروا منه ثم دخل سنجر خانقاه فقسط على الناس واطرهم وعسفهم وعلق في الاسواق ثلاث غرائر وطالبهم بملئها ذهبا فقتله العامة ودخل الغز نيسابور ودمروها تدميرا وقتلوا الكبار والصغار وأحرقوها وقتلوا القضاة والعلماء في كل بلد ولم يسلم من خراسان غير هراة وسبستان لحصانتهما وقال ابن الاثير عن بعض مؤرخي العجم ان هؤلاء الغز انتقلوا من نواحى التغرغر من أقاصى الترك إلى ما وراء النهر أيام المقتفى وأسلموا واستظهر بهم المقنع الكندى على مخارقه وشعوذته حتى تم أمره فلما سارت إليه العساكر خذلوه وأسلموه وفعلوا مثل ذلك مع الملوك الخانية ثم طردهم الاتراك القارغلية عن اقطاعهم فاستدعاهم الامير زنكى بن خليفة الشيباني المستولي على حدود طخارستان وأنزلهم بلاده واستظهر بهم على قماج صاحب بلخ وسار بهم لمحاربته فخذلوه لان قماج كان استمالهم فانهزم زنكى وأسر هو وابنه وقتلهما قماج وأقطع الغز في بلاده فلما سار الحسين بن الحسين الغورى إلى بلخ برز إليه قماج ومعه هؤلاء الغز فخذلوه ونزعوا عنه إلى الغورى حتى ملك بلخ فسار السلطان سنجر إلى بلخ وهزم الغورى واستردها وبقى الغز بنواحي طخارستان وفي نفس قماج حقد عليهم فأمرهم بالانتقال عن بلاده فتألفوا وتجمعوا في طوائف من الترك وقدموا عليهم ارسلان بوقاء التركي ولقيهم قماج فهزموه وأسروه وابنه أبا بكر وقتلوهما واستولوا على نواحى بلخ وعاثوا فيها وجمع السلطان سنجر وفي مقدمته محمد بن أبى بكر بن قماج المقتول

[ 71 ]

والمؤيد ابنه في محرم سنة ثمان وأربعين وجاء السلطان سنجر على أثرهم وبعثوا إليه بالطاعة والاموال فلم يقبل منهم وقاتلهم فهزموه إلى بلخ ثم عاود قتالهم فهزموه إلى مرو واتبعوه فهرب هو وعسكره من مرو رعبا منهم ودخلوا البلد وأفحشوا فيه قتلا ونهبا وقتلوا القضاة والائمة والعلماء ولما خرج سنجر من مرو وأسروه أجلسوه على التخت على عادته وآتوه طاعتهم ثم عاودوا الغارة على مرو فمنعهم أهلها وقاتلوهم ثم عجزوا واستسلموا فاستباحوها أعظم من الاولى ولما أسر سنجر فارقه جميع أمراء خراسان ووزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك ووصلوا إلى نيسابور واستدعوا سليمان شاه بن السلطان محمود وخطبوا له بالسلطان في منتصف السنة واجتمعت عليه عساكر خراسان وساروا لطلب الغز فبارزوهم على مرو وانهزمت العساكر رعبا منهم وقصدوا نيسابور والغز في اتباعهم ومروا بطوس فاستباحوها وقتلوا حتى العلماء والزهاد وخربوا حتى المساجد ثم ساروا إلى نيسابور في شوال سنة تسع وأربعين ففعلوا فيها أفحش من طوس حتى ملؤا البلاد من القتلى وتحصن طائفة بالجامع الاعظم من العلماء والصالحين فقتلوهم عن آخرهم وأحرقوا خزائن الكتب وفعلوا مثل ذلك في حوين واسفراين فحاصروهما واقتحموهما مثل ما فعلوا في البلاد الاخرى وكانت أفعال الغز في هذه البلاد أعظم وأقبح من أفعال الغز في غيرها ثم ان السلطان سليمان شاه توفى وزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك في شوال سنة ثمان وأربعين فاستوزر ابنه نظام الملك وانحل أمره وعجز عن القيام بالملك فعاد إلى جرجان في صفر سنة تسع وأربعين فاجتمع الامراء وخطبوا للخان محمود بن محمد بن بقرا خان وهو ابن أخت سنجر واستدعوه فملكوه في شوال من السنة وساروا معه لقتال الغز وهم محاصرون هراة فكانت حروبه معهم سجالا وأكثر الظفر للغز ثم رحلوا عن هراة إلى مرو منتصف خمسين وأعادوا مصادرة أهلها وسار الخان محمد إلى نيسابور وقد غلب عليها المؤيد كما يذكر فراسل الغز في الصلح فصالحوه في رجب * (استيلاء المؤيد على نيسابور وغيرها) * هذا المؤيد من موالى سنجر واسمه وكان من أكابر أوليائه ومطاعا فيهم ولما كانت هذه الفتنة وافترق أمر الناس بخراسان تقدم فاستولى على نيسابور وطوس ونسا وان ورد وشهرستان والدامغان وحصنها ودافع الغز عنها ودانت له الرعية لحسن سيرته فعظم شأنه وكثرت جموعه واستبد بهذه الناحية وطالبه الخان محمود عندما ملكوه بالحضور عنده وتسليم البلاد فامتنع وترددت الرسل بينهما على مال يحمله للخان محمود فضمنه المؤيد وكف عنه محمود واستقر الحال على ذلك

[ 72 ]

والله سبحانه وتعالى أعلم * (استيلاء ايتاخ على الرى) * كان ايتاخ من موالى السلطان سنجر وكانت الرى أيضا من أعمال سنجر فلما كانت فتنة الغز لحق بالرى واستولى عليها وصانع السلطان محمد شاه ابن محمود صاحب همذان واصبهان وغيرهما وبذل له الطاعة فأقره فلما مات السلطان محمد مد يده إلى أعمال تجاوزته وملكها فعظم أمره وبلغت عساكره عشرة آلاف فلما ملك سليمان شاه همذان على ما نذكره وقد كان أنس به عند ولاية سليمان على خراسان سار إليه وقام بخدمته وبقى مستبدا بتلك البلاد والله سبحانه وتعالى أعلم * (الخبر عن سليمان شاه وحبسه بالموصل) * كان سليمان شاه بن السلطان محمد بن ملك شاه عند عمه السلطان سنجر وجعله ولى عهده وخطب له على منابر خراسان فلما وقعت فتنة الغز أسر سنجر قدمه أمراء خراسان على أنفسهم ثم عجر ومضى إلى خوارزم شاه فزوجه ابنة أخيه ثم سعى به عنده أخرجه من بلده وجاء إلى اصبهان فمنعه الشحنة من الدخول فمضى إلى قاشان فبعث السلطان محمد شاه بن أخيه محمود عسكرا ليدفعه عنها فسار إلى خوزستان فمنعه ملك شاه منها فقصد اللحف ونزل وأرسل المقتفى في أثره فطلبه في زوجته رهينة ببغداد فبعث بها مع جواريها وأتباعها فأكرمهم المقتفى وأذن له في القدوم وخرج الوزير بن هبيرة وقاضي القضاة والفتيان لتلقيه وخلع عليه المقتفى وأقام ببغداد حتى إذا دخلت سنة احدى وخمسين أحضر بدار الخلافة وحضر قاضى القضاة والاعيان واستحلف على الطاعة والتجافى للخليفة عن العراق وخطب له ببغداد ولقب ألقاب أبيه وأمد بثلاثة آلاف من العسكر وجعل معه الامير دوران أمير حاجب صاحب الجبلة وسار الى بلاد الجبل في ربيع الاول من السنة وسار المقتفى إلى حلوان وبعث إلى ملك شاه بن السلطان محمود يدعوه إلى موافقة عمه سليمان شاه وان يكون ولى عهده فقدم في ألفى فارس وتحالفا وأمدهما المقتفى بالمال والاسلحة واجتمع معهم ايلدكز صاحب كنجة وارانية وساروا لقتال السلطان محمد فلما بلغه خبرهم أرسل إلى قطب الدين مودود بن زنكى ونائبه زين الدين على كوجك في المساعدة والارتفاق فأجاباه وسار اللقاء عمه سليمان شاه ومن معه واقتتلوا في جمادى الاولى فهزمهما السلطان محمد وافترقوا وتوجه سليمان شاه إلى بغداد على شهرزور وكانت لصاحب الموصل وبها الامير بوران من جهة على كوجك نائب الموصل فاعترضه هنالك كوجك وبوران فاحتمله كوجك إلى الموصل فحبسه بها وبعث إلى السلطان محمد بالخبر وانه على الطاعة والمساعدة فقبل منه وشكر له

[ 73 ]

* (فرار سنجر من أسر الغز) * قد تقدم لنا ما كان من أسر السلطان سنجر بيد الغز وافتراق خراسان واجتماع الامراء بنيسابور وما إليها على الخان محمود بن محمد وامتنعوا من الغز وامتنع أتسز ابن محمد أنوشكين بخوارزم وانقسمت خراسان ببنهم وكانت الحرب بين الغز وبينهما سحالا ثم هرب سنجر من أسر الغز وجماعة من الامراء كانوا معه في رمضان سنة احدى وخمسين ولحق بترمذ ثم عبر جيحون إلى دار ملكه بمرو فكانت مدة أسره من جمادى سنة ثمان وأربعين ثلاث سنين وأربعة أشهر ولم يتفق فراره من الاسر الا بعد موت على بك مقدم القارغلية لانه كان أشد شئ عليه فلما توفى انقطعت القارغلية إليه وغيرهم ووجد فسحة في أمره والله سبحانه وتعالى أعلم * (حصار السلطان محمد بغداد) * كان السلطان محمد بن محمود لاول ولايته الملك بعد عمه مسعود بعث إلى المقتفى في الخطبة له ببغداد والعراق على عادتهم فمنعه لما رجا من ذهاب دولتهم استفحالهم واستبدادهم فسار السلطان من همذان في العساكر نحو العراق ووعده صاحب الموصل ونائبه بمدد العساكر فقدم آخر احدى وخمسين وبعث المقتفى في الحشد فجاء خطا وفرس في عسكر واسط وخالفهم مهلهل إلى الجبلة فملكها واهتم المقتفى وابن هبيرة بالحصار وقطع الجسر وجمع السفن تحت التاج ونودى في الجانب الغربي بالعبور فعبروا في محرم سنة ثنتين وخمسين وخرب المقتفى ما وراء الخرسة صلاحا في استبداده وكذلك السلطان محمد من الجهة الاخرى ونصبت المنجنيقات والرعادات وفرق المقتفى السلاح على الجند والعامة وجاء زين الدين كجك في عسكر الموصل ولقى السلطان على أوانا واتصلت الحرب واشتد الحصار وفقدت الاقوات وانقطعت المواد عن أهل بغداد وفتر كجك وعسكره في القتال أدبا مع المقتفى وقيل أوصاه بذلك نور الدين محمود بن زنكى أخو قطب الدين الاكبر ثم جاء الخبر بأن ملك شاه أخا السلطان محمد وايلدكز صاحب اران وربيبه ارسلان بن طغرل قصدوا همذان فسار عن بغداد مسرعا إلى همذان آخر ربيع الاول وعاد زين الدين إلى الموصل ولما وصل ملك شاه وايلدكز وربيبه ارسلان إلى همذان أقاموا بها قليلا وسمعوا بمجئ السلطان فاجفلوا وساروا إلى الرى فقاتلهم الشحنة انبانج فهزموه وحاصروه وأمده السلطان محمد بعسكر بن سقمس بن قماز فوجدهم قد أفرجوا عنه وقصدوا بغداد فقاتلهم فهزموه ونهبوا عسكره فسار السلطان محمد ليسابقهم إلى بغداد فلما انتهى إلى حلوان بلغه أن ايلدكز بالدينور ثم وافاه رسول انبانج بأنه ملك همذان وخطب له فيها وان شملة صاحب خراسان هرب عن ايلدكز وملك شاه إلى بلاده

[ 74 ]

فعاد إلى اران ورجع السلطان إلى همذان قاصدا للتجهز إلى بلاد ايلدكز باران * (وفاة سنجر) * ثم توفى السلطان سنجر صاحب خراسان في ربيع سنة ثنتين وخمسين وقد كان ولى خراسان منذ أيام أخيه بركيارق وعهد له أخوه محمد فلما مات محمد خوطب بالسلطنة وكان الملوك كلهم بعدها في طاعته نحو أربعين سنة وخطب له قبلها بالملك عشرين سنة وأسره الغز ثلاث سنين ونصف ومات بعد خلاصه من الاسر وقطعت خطبته ببغداد والعراق ولما احتضر استخلف على خراسان ابن أخته محمد بن محمود بن بقرا خان فأقام بجرجان وملك الغزمر وخراسان وملك به المؤيد نيسابور وناحيته من خراسان وبقى الامر على هذا الخلاف سنة أربع وخمسين وبعث الغز إلى محمود الخان ليحضر عندهم فيملكوه فخافهم على نفسه وبعث ابنه إليهم فاطاعوه مدة ثم لحق هو بهم كما نذكر بعد * (منازعة ايتاق للمؤيد) * كان ايتاق هذا من موالى السلطان سنجر فلما كانت الفتنة وافترق الشمل ومات السلطان سنجر وملك المؤيد نيسابور وحصل له التقدم بذلك على عساكر خراسان حسده جماعة من الامراء وانحرف عنه ايتاق هذا فتارة يكون معه وتارة يكون في مازندان فلما كان سنة ثنتين وخمسين سار من مازندان في عشرة آلاف فارس من المنحرفين عن المؤيد وقصد نسا وابيورد وأقام بها المؤيد ايتاق فسار إليه وكبسه وغنم معسكره ومضى ايتاق منهزما إلى مازندان وكان بين ملكها رستم وبين أخيه على منازعة فتقرب ايتاق إلى رستم بقتال أخيه على فوجد لذلك غلبة ودفعه عنه وسار يتردد في نواحى خراسان بالعيث والفساد والح على اسفراين فخربها وراسله السلطان محمود الخان والمؤيد في الطاعة والاستقامة فامتنع فساروا إليه في العساكر في صفر سنة ثلاث وخمسين فهرب إلى طبرستان وبعث رستم شاه مازندان إلى محمود والمؤيد بطاعته وبأموال جليلة وهدية فقبلوا منه وبعث ايتاق ابنه رهنا على الطاعة فرجعوا عنه واستقر بجرجان ودستان وأعمالها * (منازعة سنقر العزيزي للمؤيد ومقتله) * كان سنقر العزيزي من أمراء السلطان سنجر وكان في نفسه من المؤيد ما عند الباقين فلما شغل المؤيد بحرب ايتاق سار سنقر من عسكر السلطان محمود بن محمد إلى هراة فملكها واشترط عليه أن يستظهر بملك الغورية الحسين فأبى وطمع في الاستبداد لما رأى من استبداد الامراء على السلطان محمود بن محمد فحاصره المؤيد بهراة واستمال

[ 75 ]

الاتراك الذين كانوا معه فأطاعوه وقتلوا سنقر العزيزي غيلة وملك السلطان محمد هراة ولحق الفل من عسكر سنقر بايتاق وتسلطوا على طوس وقراها واستولى الخراب على البلاد والله تعالى أعلم * (فتنة الغز الثانية بخراسان وخراب نيسابور على يد المؤيد) * كان الغز بعد فتنتهم الاولى أوطنوا بلخ ونزعوا عن النهب والقتل بخراسان واتفقت الكلمة بها على طاعة السلطان محمود بن محمد الخان وكان القائم بدولته المؤيد أبو ايه فلما كان سنة ثلاث وخمسين في شعبان سار الغز إلى مرو فزحف المؤيد إليهم وأوقع طائفة منهم وتبعهم إلى مرو وعاد إلى سرخس وخرج معه الخان محمود لحربهم فالتفوا خامس شوال وتواقعوا مرارا ثلاثا انهزم فيها الغز على مرو وأحسنوا السيرة وأكرموا العلماء والائمة ثم أغاروا على سرخس وطوس واستباحوهما وخربوهما وعادوا إلى مرو وأما الخان محمود بن محمد فسار الى جرجان ينتظر مآل أمرهم وبعثوا إليه الغز سنة أربع وخمسين يستدعونه ليملكوه فاعتذر لهم خشية على نفسه فطلبوا منه جلال الدين عمر فتوثق منهم بالحلف وبعثه إليهم فعظموه وملكوه في ربيع الآخر من سنة أربع ثم سار أبوه محمود إلى خراسان وتخلف عنه المؤيد ابوايه وانتهى إلى حدود نسا وابيورد فولى عليهم الامير عمر بن حمزة النسوي فقام في حمايتها المقام المحمود بظاهر نسا ثم سار الغز من نيسابور إلى طوس لامتناع أهلها من طاعتهم فملكوها واستباحوها وعادوا إلى نيسابور فساروا مع جلال الدين عمر بن محمود الخان إلى حصار سارورا وبها النقيب عماد الدين محمد بن يحيى العلوى الحسينى فحاصروه وامتنعت عليهم فرجعوا إلى نسا وابيورد للقاء الخان محمود بجرجان كما قدمناه فخرج منها سائرا إلى خراسان واعترضه الغز ببعض القرى في طريقه فهرب منه وأسر بعضهم ثم هرب منه ولحق بنيسابور فلما جاء الخان محمود إليها مع الغز فارقها منتصف شعبان ودخلها الغي وأحسنوا السيرة وساروا إلى سرخس ومرو فعاد المؤيد في عساكره إلى نيسابور وامتنع أهلها عليه فحاصرها وافتتحها عنوة وخربها ورحل عنها إلى سبق في شوال سنة أربع وخمسين * (استيلاء ملك شاه بن محمود على خورستان) * ولما رجع السلطان ملك شاه محمد بن محمود من حصار بغداد وامتنع الخليفة من الخطبة له أقام بهمذان عليلا وسار أخوه ملك شاه إلى قم وقاشان فافحش في نهبها ومصادرة أهلها وراسله أخوه السلطان محمد في الكف عن ذلك فلم يفعل وسار إلى اصبهان وبعث إلى ابن الجمقرى وأعيان البلد في طاعته فاعتذروا بطاعة أخيه فعاث في قراها ونواحيها فسار السلطان إليه من

[ 76 ]

همذان وفي مقدمته كرجان الخادم فافترقت جموع ملك شاه ولحق ببغداد فلما انتهى إلى قوس لقيه موبران وسنقر الهمذانى فأشارا عليه بقصد خوزستان من بغداد فسار إلى واسط ونزل بالجانب الشرقي وساء أثر عسكره في النواحى ففتحوا عليهم البثوق وغرق كثير منهم ورجع ملك شاه إلى خوزستان فمنعه شملة من العبور فطلب الجوار في بلده إلى أخيه السلطان فمنعه فنزل على الاكراد الذين هنالك فاجتمعوا عليه من الجبال والبسائط وحارب شملة ومع ملك شاه سنقر الهمذانى وموبدان وغيرهما من الامراء فانهزم شملة وقتل عامة أصحابه واستولى ملك شاه على البلاد وسار إلى فارس والله هو المؤيد بنصره * (وفاة السلطان محمد وولاية عمه سليمان شاه) * ثم توفى السلطان محمد بن محمود بن محمد بن ملك شاه آخر سنة أربع وخمسين وهو الذى حاصر بغداد يطلب الخطبة له من الخليفة ومنعه فتوفى آخر هذه السنة لسبع سنين ونصف من ولايته وكان له ولد صغير فسلمه إلى سنقر الاحمر يلى وقال هو وديعة عندك فأوصل به إلى بلادك فان العساكر لا تطيعه فوصل به إلى مراغة واتفق معظم الجند على البيعة لعمه سليمان شاه وبعث أكابر الامراء بهمذان إلى أتابك زين الدين مودود أتابك ووزير مودود وزيره فأطلقه مودود وجهزه بما يحتاج إليه في سلطانه وسار معه زين الدين على كجك في عساكر الموصل فلما انتهى إلى بلاد الجبل وأقبلت العساكر للقاء سليمان شاه ذكر معاملتهم مع السلطان ودالتهم عليه فخشى على نفسه وعاد إلى الموصل ودخل سليمان شاه همذان وبايعوا له والله سبحانه وتعالى أعلم * (وفاة المقتفى وخلافة المستنجد) * ثم توفى المقتفى لامر الله في ربيع الاول سنة خمس وخمسين لاربع وعشرين سنة من خلافته وقد كان استبد في خلافته وخرج من حجر السلجوقية عند افتراق أمرهم بعد السلطان مسعود كما ذكرناه في أخبار الخلفاء ولما توفى بويع بعده بالخلافة ابنه المستنجد فجرى على سنن أبيه في الاستبداد واستولى على بلاد الماهلى ونزل اللحف وولى عليها من قبله كما كانت لابيه وقد تقدم ذكر ذلك في أخبارهما انتهى * (اتفاق المؤيد مع محمود الخان) * قد كنا قدمنا أن الغز لما تغلبوا استدعوا محمود الخان ليملكوه فبعث إليهم بابنه عمر فملكوه ثم سار محمود من جرجان نسا وجاء الغز فساروا به إلى نيسابور فهرب عنها المؤيد ودخلها محمود والغز ثم ساروا عنها فعاد إليها المؤيد فحاصرها وملكها عنوة وخربها في شوال سنة أربع وخمسين ورحل عنها إلى سرخس فعاد إليها المؤبد فحاصرها وملكها عنوة ورحل عنها إلى بيهق ثم رجع إليها سنة خمس

[ 77 ]

وخمسين وعمر خرابها وبالغ في الاحسان إليها ثم سار لاصلاح أعمالها ومحو آثار المفسدين والثوار من نواحيها ففتح حصن اشقيل وقتل الثوار الزيدية وخربه وفتح حصن خسروجور من أعمال بيهق وهو من بناء كنجر وملك الفرس أيام حربه مع جراسياق وملكه ورتب فيه الحامية وعاد إلى نيسابور ثم قصد مدينة كندر من أعمال طرسا وفيها متغلب اسمه خرسده يفسد السابلة ويخرب الاعمال ويكثر الفتك وكان البلاء به عظيما في خراسان فحاصره ثم ملك عليه الحصن عنوة وقتله وأراح البلاد منه ثم قصد في رمضان من السنة مدينة بيهق وكانوا قد عصوا عليه فراجعوا الطاعة وقبلهم واستفحل أمره فأرسل إليه الخان محمود بن محمد وهو مع الغز بالولاية على نيسابور وطوس وما إليها فاتصلت يده به واستحكم الصلح بينه وبين الغز وذهبت الفتن كان هؤلا الاتراك البرزية من شعوب الترك بخراسان وأميرهم بقرا خان بن داود فأغار عليهم جمع من عساكر خوارزم شاه وأوقعوا بهم وفتكوا فيهم ونجا بقرا خان في الفل منهم إلى السلطان محمود بخراسان ومن معه من الغز مستصرخا بهم وهو يظن أن ايتاق هو الذى هيج عليهم فسار الغز معه على طريق نسا وابيورد وقصدوا ايتاق فلم يكن له بهم قوة فاستنصر شاه مازندان فسار لنصره واحتشد في أعماله من الاكراد والديلم والتركمان وقاتلوا الغز والبرزية بنواحي دهستان فهزمهم خمسا وكان ايتاق في ميمنة شاه مازندان وأفحش الغز في قتل عسكرهم ولحق شاه مازندان بسارية وايتاق شهروز خوارزم ثم ساروا إلى دهستان فنهبوها وخربوها سنة ست وخمسين وخربوا جرجان كذلك وافترق أهلها في البلاد ثم سار ايتاق إلى بقراتكن المتغلب على اعمال قزوين فانهزم من بين يديه ولحق بالمؤيد وصار في جملته واكتسح ايتاق سائر أعماله ونهب أمواله فقوى بها قد قدمنا ان ملك شاه بن محمود سار بعد أخيه السلطان محمد بن خورستان إلى أصبهان ومعه شملة التركماني ودكلا صاحب فارس فأطاعه ابن الخجندى رئيس اصبهان وسائر أهلها وجمع له الاموال وأرسل ملك شاه إلى أهل الدولة باصبهان يدعوهم إلى طاعته وكان هواهم مع عمه سليمان فلم يجيبوه إلى ذلك وبعثوا عن سليمان من الموصل وملكوه وانفرد ملك شاه بأصبهان واستفحل أمره وبعث إلى المستنجد في الخطبة له ببغداد مكان عمه سليمان شاه وان تعاد الامور إلى ما كانت ويتهددهم فوعد الوزير عميد الدين بن هبيرة جارية اعلها على سمه فسمته في الطعام وفطن المطبب بأنه مسموم وأخبر بذلك شملة ودكلا فاحضروا الجارية وأقرت ومات ملك شاه وأخرج أهل

[ 78 ]

اصبهان صحابه وخطبوا لسليمان شاه وعاد شملة إلى خراسان فارتجع ما كان ملك شاه تغلب عليه منها كان سليمان لما ملك أقبل على اللهو ومعاقرة الخمر حتى في نهار رمضان وكان يعاشر الصفاعين والمساخر وعكف على ذلك مع ما كان فيه من الخرق والتهور فقعد الامراء عن غشيان بابه وشكوا إلى شرف الدين كودبازه الخادم وكان مدبر مملكته وكان حسن التربية والدين فدخل عليه يوما يعذله على شأنه وهو مع ندمائه بظاهر همذان فأشار إليهم أن يعبثوا بكردبازه فخرج مغضبا واعتذر إليه عندما صحا فأظهر له القبول وقعد عن غشيان مجلسه وكتب سليمان شاه إلى انبانج صاحب الرى يدعوه إلى الحضور فوعده بذلك إذا أفاق من مرضه وزاد كردبازه استيحاشا فاستحلف الامراء على خلع سليمان وبدأ بقتل جميع الصفاعين الذين كانوا ينادمونه وقال انما فعلته صونا لملكك ثم عمل دعوة في داره فحضر سليمان شاه والامراء وقبض على سليمان شاه ووزيره أبى القاسم محمود بن عبد الغزيز الحاقدى وعلى خواصه وذلك في شوال سنة خمس وخمسين وقتل وزيره وخواصه وحبس سليمان شاه قليلا ثم قتله ثم أرسل إلى ايلدكز صاحب اران وأذربيجان يستقدم ربيبه أرسلان بن طغرل ليبايع له بالسلطنة وبلغ الخبر إلى انبانج صاحب الرى فسار إلى همذان ولقيه كردبازه وخطب له بالسلطنة بجميع تلك البلاد وكان ايلدكز قد تزوج بأم أرسلان وولدت له ابنه البهلوان محمد ومزد ارسلان عثمان فكان ايلدكز أتابك وابنه البهلوان حاجبا وهو أخو أرسلان لامه وايلدكز هذا من موالى السلطان مسعود ولما ملك أقطعه اران وبعض اذربيجان وحدثت الفتن والحروب فاعتصم هو باران ولم يحضر عند أحد من ملوكهم وجاء إليه ارسلان شاه من تلك الفتن فأقام عنده إلى أن ملك ولما خطب له بهمذان بعث ايلدكز اتابك إلى انبانج صاحب الرى ولاطفه وصاهره في ابنته لابنه البهلوان وتحالفا على الاتفاق وبعث إلى المستنجد بطلب الخطبة لارسلان في العراق واعادة الامور إلى عادتها أيام السلطان مسعود فطرد رسوله بعد الاهانة ثم أرسل ايلدكز إلى اقسنقر الاحمريلى يدعوه إلى طاعة السلطان ارسلان فامتنع وكان عنده ابن السلطان شاه بن محمود المدنى أسلمه إليه عند موته فتهدده بالبيعة له وكان الوزير ابن هبيرة يكاتبه من بغداد ويقمعه في الخطبة لذلك الصبى قصدا للنصر من بينهم فجهز ايلدكز العساكر مع البهلوان إلى اقسنقر واستمد اقسنقر شاهر بن سقمان القطيبى صاحب خلاط وواصله فمده بالعساكر وسار نحو البهلوان وقاتله فظفر به ورجع البهلوان إلى همذان مهزوما والله تعالى أعلم

[ 79 ]

لما مات ملك شاه بن محمود باصبهان كما قلناه لحق طائفة من أصحابه ببلاد فارس ومعهم ابنه محمود فانتزعه منهم صاحب فارس زنكى بن دكلا السلقدى وأنزله في قلعة اصطخر فلما ملك ايلدكز السلطان ارسلان وطلب الخطبة ببغداد وأخذ الوزير ابن هبيرة في استفساد الاطراف عليهم وبعث لابن اقسنقر في الخطبة لابن السلطان محمد شاه الذى عنده وكاتب صاحب فارس أيضا يشير عليه بالبيعة للسلطان محمد بن السلطان ملك شاه الذى عنده ويعده بالخطبة له ان ظفر بايلدكز فبايع له ابن دكلا وخطب له بفارس وضرب النوب الخمس على بابه وجمع العساكر وبلغ إلى ايلدكز فجمع وسار في أربعين ألفا إلى اصبهان يريد فارس فأرسل إلى زنكى في الخطبة لارسلان شاه فأبى فقال له ايلدكز ان المستنجد اقطعني بلادك وأنا سائر إليها وتقدمت طائفة إلى نواحى ارجان فلقيتها سرية لارسلان بوقا صاحب ارجان فأوقعوا بطائفته وقتلوا منهم وبعثوا بالخبر إلى انبانج فنزل من الرى في عشرة آلاف وأمده اقسنقر الاحمريلى بخمسة آلاف فقصد وهرب صاحب ابن البازدان وابن طغايرك وغيرهما من أولياء ايلدكز للقاء انبانج ورد عسكر المدافعة زنكى عن شهبرم وغيرها من البلاد فهزمهم زنكى بن دكلا ورجعوا إليه فاستدعى عساكره من اذربيجان وجاء هبيس بن مزد ارسلان واستمد انبانج وقتل أصحابه ونهب سواده ودخل الرى وتحصن في قلعة طبرك ثم ترددت الرسل بينه وبين ايلدكز في الصلح وأقطعه حربادفان وغيرها وعاد ايلدكز إلى همذان والله سبحانه وتعالى أعلم وفي ربيع سنة ست وخمسين قبض المؤيد على أحياء نيسابور وحبسهم وفيهم نقيب العلويين أبو القاسم زيد بن الحسن الحسنى وآخذهم على ما فعله آباوهم بأهل البلد من أهل البلد من النهب والاعتداء على الناس في أموالهم وحرصهم فأخذ هؤلاء الاعيان ينهونهم كأنهم لم يضربوا على أيديهم وقتل جماعة من أهل الفساد فخرب البلد وامتدت الايدى إلى المساجد والمدارس وخزائن الكتب وأحرق بعضها ونهب بعضها وانتقل المؤيد إلى الشاد باخ فأصلح سوره وسدثله وسكنه وخرب نيسابور بالكلية وكان الذى اختط هذا الشادباخ عبد الله بن طاهر أيام ولايته على خراسان ينفرد بسكناه هو وحشمه عن البلد تجافيا عن مزاحمتهم ثم خربت وجددها البارسلان ثم خربت فجددها الآن المؤيد وخربت نيسابور بالكلية ثم زحف الغز والخان محمود معهم وهو ملك خراسان لذلك العهد فحاصروا المؤيد بالشادباخ شهرين ثم هرب الخان عنهم إلى شهرستان كأنه يريد الحمام وأقام بها وبقى الغز إلى آخر شوال ثم رجعوا فنهبوا البلاد

[ 80 ]

ونهبوا طوس ولما دخل الخان إلى نيسابور أمهله المؤيد إلى رمضان سنة سبع وخمسين ثم قبض عليه وسمله وأخذ ما كان معه الذخائر وحبسه وحبس معه جلال محمد فماتا في محبسهما وخطب المؤيد لنفسه بعد المستنجد ثم زحف المؤيد إلى شهرستان وقرب نيسابور فحاصرها حتى نزلوا على حكمه في شعبان سنة تسع وخمسين ونهبها عسكره ثم رفع الايدى عنهم واستقامت في ملكه والله أعلم ثم زحف المؤيد إلى قلعة معسكره من طوس وكان بها أبو بكر جاندار ممتنعا فحاصره بها شهرا وأعانه أهل طوس لسوء سيرته فيهم ثم جهده الحصار فاستأمن ونزل فحبسه وسار إلى كرمان فأطاعوه وبعث عسكرا إلى اسفراين فتحصن بها رئيسها عبد الرحمن بن محمد بالقلعة فحاصره واستنزله وحمله مقيدا إلى الشاد باخ فحبس ثم قتل في ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين ثم ملك المؤيد قهندر ونيسابور واستفحل ملكه وعاد إلى ما كان عليه وعمر الشادباخ وخرب المدينة العتيقة ثم بعث عسكرا إلى بوشنج وهراة وهى في ولاية محمد بن الحسين ملك الغور فحاصرها وبعث الملك محمد عسكرا لمدافعته فافرجوا عنها وصفت ولاية هراة للغورية كان الكرج قد ملكوا مدينة انى من بلاد اران في شعبان سنة ست وخمسين واستباحوها قتلا وأسرا وجمع لهم شاه ارمن بن ابراهيم بن سكمان صاحب خلاط جموعا من الجند والمتطوعة وسار إليهم فقاتلوه وهزموه وأسر كثير من المسلمين ثم جمع الكرج في شعبان سنة سبع وخمسين ثلاثين ألف مقاتل وملكوا دوس من اذربيجان والجبل واصبهان فسار إليهم ايلدكز وسار معه شاه ارمن بن ابراهيم بن سكمان صاحب خلاط واقسنقر صاحب مراغة في خمسين ألفا ودخلوا بلاد الكرج في صفر سنة ثمان وخمسين فاستباحوها وأسروا الرجال وسبوا النساء والولدان وأسلم بعض أمراء الكرج ودخل مع المسلمين وكمن بهم في بعض الشعاب حتى زحف الكرج وقاتلوا المسلمين شهرا أو نحوه ثم خرج الكمين من ورائهم فانهزموا واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون وعادوا ظافرين ثم سار المؤيد إلى ايه صاحب نيسابور إلى بلاد قومس فملك بسطام ودامغان وولى بسطام مولاه تنكز فجرى بينه وبين شاه مازندان اختلاف أدى إلى الحرب واقتتلوا في ذى الحجة سنة ثمان وخمسين ولما ملك المؤيد قومس بعث إليه السلطان ارسلان بن طغرل بالخلع والاولية لما كان بين المؤيد وايلدكز من المودة وأذن له في ولاية ما يفتحه من

[ 81 ]

خراسان ويخطب له فيها فخطب له في أعمال قومس وطوس وسائر أعمال نيسابور ويخطب لفنسه بعد ارسلان وكانت الخطب في جرجان ودهستان لخوارزم شاه ارسلان بن اتسز وبعده للامير اتياق والخطبة في مرو وبلخ وسرخس وهى بيد الغز وهراة وهى بيد الامير اتيكين وهو مسالم للغز للسلطان سنجر يقولون اللهم اغفر للسلطان السعيد سنجر وبعده لامير تلك المدينة والله تعالى ولى التوفيق كان خان خاقان الصينى ولى على سمرقند وبخاري الخان جغرا بن حسين تكين وهو من بيت قديم في الملك ثم بعث إليه سنة سبعة وخمسين باجلاء القارغلية من أعماله إلى كاشغرا ويشتغلو في بلمعاش من الزراعة وغيرها فامتنعوا فألح عليهم فاجتمعوا وساروا إلى بخارى فدس أهل بخارى إلى جغراخان وهو بسمرقند ووعدوا القارغلية بالمصانعة وطاوعوهم إلى أن صبحهم جغر في عساكره فأوقع بهم وقطع دابرهم والله تعالى أعلم وفي سنة تسع وخمسين استولى الامير صلاح الدين سنقر من موالى السلطان سنجر على بلاد الطالقات وأغار على عرشتان حتى ملكها وصارت في حكمه بحصونها وقلاعها وصالح أمراء الغز وحمل لهم الاتاوة كان صاحب هراة الامير اتبكين وبينه وبين الغز مهادنة فلما قتل الغز ملك الغور محمد ابن الحسين كما مر في أخباره طمع اتيكين في بلاده فجمع جموعه وسار إليها في رمضان سنة تسع وخمسين وتوغل في بلاد الغور فقاتله أهلها وهزموه وقتل في المعركة وقصد الغز هراة وقد اجتمع أهلها على أثير الدين منهم فاتهموه بالميل للغز وقتلوه واجتمعوا على أبى الفتوح بن على بن فضل الله الطغرائي ثم بعثوا إلى المؤيد بطاعتهم فبعث إليهم مملوكه سيف الدين تنكز فقام بأمرهم وبعث جيشا إلى سرخس ومرو وأغاروا على دواب الغز فأفرجوا عن هراة ورجعوا لطاعته والله تعالى أعلم قد ذكرنا استيلاء المؤيد على قومس وبسطام وولاية مولاه تنكز عليها ثم ان شاه مازندان وهو رستم بن على بن هربار بن قاروت جهز إليها عسكرا مع سابق الدين القزويني من أمرائه فملك دامغان وسار إليه تنكز فيمن معه من العسكر فكبسهم القزويني وهزمهم واستولى على البلاد وعاد تنكز إلى المؤيد بنيسابور وجعل يغير على بسطام قومس ثم توفى شاه مازندان في ربيع سنة ستين فكتم ابنه علاء الدين موته حتى استولى على حصونه وبلاده ثم أظهره وملك مكانه ونازعه اتياق صاحب جرجان ودهستان ولم يرع ما كان بينه وبين أبيه فلم يظفر بشئ والله سبحانه وتعالى أعلم

[ 82 ]

ثم بعث المؤيد عساكره في جمادى سنة ستين لحصار مدينة نسا فبعث خوارزم شاه بك ارسلان بن اتسز في عساكره إليها فأجفلت عنها عساكر المؤيد ورجعوا إلى نيسابور وصارت نسا في طاعة خوارزم شاه وخطب له فيها سار عسكر خوارزم إلى دهستان وغلبوه عليها وأقام فيها بطاعته والله أعلم ثم بعث اقسنقر الاحمريلى صاحب مراغة سنة ثلاث وستين إلى بغداد في الخطبة للملك الذى عنده وهو ابن السلطان محمد شاه على أن يتجافى عن العراق ولا يطلب الخطبة منه الا إذا أسعف بها فاجيب بالوعد الجميل وبلغ الخبر إلى ابلدكز صاحب فبعث ابنه البهلوان في العساكر لحرب اقسنقر فحاربه وهزمه وتحصن بمراغة فنازله البهلوان وضيق عليه وتردد بينهما الرسل واصطلحوا وعاد البهلوان إلى أبيه بهمذان كان زنكى بن دكلا قد أساء السيرة في جنده فأرسلوا إلى شملة صاحب خورستان واستدعوه ليملكوه فسار ولقى زنكى وهزمه ونجا إلى الاكراد الشوابكار وملك شملة بلاد فارس فأساء السيرة في أهلها ونهب ابن أخيه حرسنكا البلاد فنفر أهل فارس عنه ولحق بزنكى بعض عساكره فزحف إلى فارس وفارقها شملة إلى بلاده خوزستان وذلك كله سنة أربع وستين وخمسمائة كان انبانج قد استولى على الرى واستقر فيها بعد حروبه مع ابلدكز على جزية يؤديها إليه ثم منع الضريبة واعتذر بنفقات الجند فسار إليه ابلدكز سنة أربع وستين وحاربه انبانج فهزمه ابلدكز وحاصره بقلعة طبرك وراسل بعض مماليكه ورغبهم فغدروا به وقتلوه واستولى ابلدكز على طبرك وعلى الرى وولى عليها على بن عمر باغ ورجع إلى همذان وشكر لموالى انبانج الذين قتلوه ولم يف لهم بالوعد فافترقوا عنه وسار الذى تولى قتله إلى خوارزم شاه فصلبه لما كان بينه وبين انبانج من الوصلة والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق بمنه وكرمه ثم توفى سنة خمس وستين الملك طغرل بن قاروت بك صاحب كرمان وولى ابنه ارسلان شاه مكانه ونازعه أخوه الاصغر بهرام شاه فحاربه ارسلان وهزمه فلحق بالمؤيد في نيسابور فأنجده بالعساكر وسار إلى أخيه ارسلان فهزمه وملك كرمان ولحق ارسلان باصبهان مستنجد ابا بلدكز فأنجده بالعساكر وارتجع كرمان ولحق بهرام بالمؤيد وأقام عنده ثم هلك ارسلان فسار بهرام إلى كرمان وملكها ثم توفى المستنجد وولى ابنه المستضئ ولم نترجم لوفاة الخلفاء ههنا لانها مذكورة في أخبارهم وانما ذكرناها قبل هؤلاء لانهم كانوا في كفالة السلجوقية وبنى بويه قبلهم فوفاتهم من جملة أخبار الدولتين وهؤلاء من لدن المقتفى قد استبدوا بأمرهم وخلافتهم من بعد ضعف

[ 83 ]

السلجوقية بوفاة السلطان مسعود وافترقت دولتهم في نواحى المشرق والمغرب واستبد منهاء الخلفا ببغداد ونواحيها ونازعوا من قبلهم أنهم كانوا يخطبون لهم في أعمالهم ونازعهم فيها مع ذلك حرصا على الملك الذى سلبوه وأصبحوا في ملك منفرد عن أولئك المنفردين مضافا إلى الخلافة التى هي شعارهم وتداول أمرهم إلى أن انقرضوا بمهلك المستعصم على يد هلاكوا لما انهزم خوارزم شاه أرسلان امام الخطا رجع إلى خوارزم فمات سنة ثمان وستين وولى ابنه سلطان شاه فنازعه أخوه الاكبر علاء الدين تكش واستنجد بالخطا وسار إلى خوارزم فملكها ولحق سلطان شاه بالمؤيد صربخا فسار معه بجيوشه ولقيهم تكش فانهزم المؤيد وجئ به أسيرا إلى تكش فقتل بين يديه صبرا وعاد أصحابه إلى نيسابور فولوا ابنه طغان شاه أبو بكر بن المؤيد وكان من أخبار طغان شاه وتكش ما نذكره في أخبار دولتهم وفى كيفية قتله خبر آخر نذكره هنالك ثم سار خوارزم شاه سنة تسع وستين إلى نيسابور وحاصرها مرتين ثم هزم في الثانية طغان شاه بن المؤيد وأخذه أسيرا وحمله إلى خوارزم وملك نيسابور وأعمالها وجميع ما كان لبنى المؤيد بخراسان وانقرض أمرهم والبقاء لله وحده والله تعالى أعلم ثم توفى الاتابك شمس الدين ابلدكز أتابك ارسلان شاه ابن طغرل صاحب همذان واصبهان والرى واذربيجان وكان أصله مملوك الكمال الشهير ابن وزير السلطان محمود ولما قتل الكمال صار للسلطان وترقى في كتب الولاية فلما ولى السلطان مسعود ولاه أرانية فاستولى عليها وبقيت طاعته للملوك على البعد واستولى على أكثر اذربيجان ثم ملك همذان واصبهان والرى وخطب لربيبه ارسلان بن طغرل وبقى أتابك وبلغ عسكره خمسين ألفا واتسع ملكه من تفليس إلى مكران وكان متحكما على ارسلان وليس له من الدولة الاجراية تصل إليه ولما هلك ابلدكز قام بالامر بعده ابنه محمد البهلوان وهو أخو السلطان ارسلان لامه فسار أول ملكه لاصلاح اذربيجان وخالفه ابن سنكى وهو ابن أخى شملة صاحب خوزستان إلى بلد نهاوند فحاصرها ثم تأخر ابن سنكى من تستر وصحبهم من ناحية اذربيجان يوهمهم انه مدد البهلوان ففتحوا له البلد ودخل فطلب القاضى والاعيان ونصبهم وتوجه نحو ماسندان قاصدا العراق ورجع إلى خوزستان ثم سار شملة سنة سبعين وقصد بعض التركمان فاستنجدوا البهلوان بن ابلدكز فأنجدهم وقاتلوه فهزموه وأسر شملة جريحا وولده وابن أخيه وتوفى بعد يومين وهو من التركمان الاتسزية وملك ابنه من بعده وسار البهلوان سنة سبعين إلى مدينة تبريز وكان صاحبها اقسنقر الاحمر بلى قد هلك وعهد

[ 84 ]

بالملك بعده لابنه ملك الدين فسار إلى بلاده وحاصر مراغة وبعث أخاه فنزل وعاد عن مراغة إلى همذان والله سبحانه وتعالى أعلم ثم توفى السلطان ارسلان بن طغرل مكفول البهلوان بن ابلدكز وأخوه لامه بهمذان سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وخطب بعده لابنه طغرل ثم توفى البهلوان محمد بن ابلدكز أول سنة ثنتين وخمسمائة وكانت البلاد والرعايا في غاية الطمأنينة فوقع عقب موته باصبهان بين الحنفية والشافعية وبالرى بين أهل السنة والشيعة فتن وحروب آلت إلى الخراب وملك البلاد بعد البهلوان أخوه فنزل ارسلان واسمه عثمان وكان البهلوان كافلا للسلطان طغرل وحاكما عليه ولما هلك قزل لم يرص طغرل بتحكمه عليه وفارق همذان ولحق به جماعة من الامراء والجند وجرت بينه وبين قزل حروب ثم غلبه طغرل إلى الخليفة فأمره بعمارة دار السلطان فطرد رسوله وهدمت دار السلطنة وألحقت بالارض وبعث الخليفة سنة أربع وثمانين عسكرا مع وزيره جلال الدين عبيدالله بن يونس لانجاده قزل على طغرل قبل همذان وهزمهم ونهب جميع ما معهم وأسر الوزير ابن يونس قد تقدم لنا ما كان بين السلطان طغرل وبين قزل بن ابلدكز من الحروب ثم ان قزل غلبه واعتقله في بعض القلاع ودانت له البلاد وأطاعه ابن دكلا صاحب فارس وخوزستان وعاد إلى اصبهان والفتن بها متصلة فأخذ جماعة من أعيان الشافعية وصلبهم وعاد إلى همذان وخطب لنفسه بالسلطنة سنة سبعة وثمانين ثم قتل غلبة على فراشه ولم يعرف قاتله وأخذ جماعة من غلمانه بالظنة وكان كريما حليما يحب العدل ويؤثره ولما هلك ولى من بعده قتلغ بن أخيه البهلوان واستولى على الممالك التى كانت بيده ولما توفى قزل وولى قتلغ بن أخيه البهلوان كما قلناه اخرج السلطان طغرل من محبسه بالقلعة التى كان بها واجتمع إليه العساكر وسار إلى همذان فلقيه قتلغ بن البهلوان فانهزم بين يديه ولحق بالرى وبعث خوارزم شاه علاء الدين تتش ليستنجده فسار إليه سنة ثمان وثمانين وندم قتلغ على استدعائه فتحصن ببعض قلاعه وملك خوارزم شاه الرى وملك قلعة طبرك وصالح السلطان طغرل وولى على الرى وعاد إلى خوارزم سنة تسعين فأحدث أحدوثة السلطان شاه نذكره في أخبارهم وسار السلطان طغرل إلى الرى فأغار عليها وفر منه قتلغ بن البهلوان وبعث إلى خوارزم شاه يستنجده ووافق ذلك وصول منشور من الخليفة إليه باقطاعه البلاد فسار من نيسابور إلى الرى وأطاعه قتلغ وسار معه إلى همذان وخرج طغرل للقائهم قبل أن يجمع العساكر ولقيهم قريبا من الرى في ربيع الاول فحمل عليهم وتورط بينهم فصرع عن فرسه وقتل وملك خوارزم شاه

[ 85 ]

همذان وتلك البلاد جميعا وانقرضت مملكة بنى ملك شاه وولى خوارزم شاه على همذان وملك الاعمال فبلغ انبانج بن البهلوان وأقطع كثيرا منها مماليكه وقدم عليهم مساحق منهم ثم استولى وزير الخليفة ابن العطاف على همذان واصبهان والرى من يد مواليه وانتزعها منهم خوارزم كما ذكرناه في أخبار الخلفاء وجاءت العساكر من قبل الخليفة إلى همذان مع أبى الهيجاء الشمس من أمراء الايوبية وكان أميرا على القدس فعزلوه عنها وسار إلى بغداد فبعثه الناصر سنة ثلاث وتسعين بالعساكر إلى همذان ولقى عندها ازبك بن البهلوان مطيعا فقبض عليه وأنكر الخليفة ذلك وبعث باطلاقه وخلع عليه وعاد إلى بلاد أذربيجان كان ازبك بن البهلوان قد استولى على اذربيجان بعد موته وكان مشغولا بلذاته فسار الكرج إلى مدينة دوير وحاصروها وبعث أهلها إليه بالصريخ فلم يصرخهم حتى ملكها الكرج عنوة واستباحوها والله تعالى أعلم كان كوجة من موالى البهلوان قد تغلب على الرى وهمذان وبلاد الجبل واصطنع صاحبه ايدغمش ووثق به فنازعه الامر وحاربه فقتله واستولى ايدغمش على البلاد وبقى ازبك بن البهلوان مغلبا ليس له من الحكم شئ قد ذكرنا أن ازبك كان مشغولا بلذاته مهملا لملكه ثم حدثت بينه وبين صاحب اربل وهو مظفر الدين كوكبرى سنة اثنتين وستمائة فتنة حملت مظفر الدين على قصده فسار إلى مراغة واستنجد صاحبها علاء الدين بن قراسنقر الاحمريلى فسار معه لحصار تبريز وبعث ازبك الصريخ إلى ابد دغمش بمكانه من بلاد الجبل فسار إليه وأرسل مظفر الدين بالفتن والتهديد فعاد إلى بلده وعاد علاء الدين بن قرا سنقر بلاد مراغة فسار ايدغمش وازبك وحاصروه بمراغة حتى سلم قلعة من قلاعه ورجعوا عنه والله تعالى أعلم ثم توفى حسام الدين اردشير صاحب مازندان وولى ابنه الاكبر وأخرج أخاه الاوسط عن البلاد فلحق بجرجان وبها على شاه برتكش نائبا عن أخيه خوارزم فاستنجده على شرط الطاعة له وأمره أخوه تكش بالمسير معه فساروا من جرجان وبلغهم في طريقهم مهلك صاحب مازندان المتولي بعد أبيه وان أخاه الاصغر استولى على الكراع والاموال فساروا إليه وملكوا البلاد ونهبوها مثل سارية وآمد وغيرها وخطب لخوارزم شاه فيها وعاد على شاه إلى خراسان وأقام ابن صاحب مازندان وهو الاوسط الذى استصرخ به وقد امتنع أخوه الاصغر بقلعة كورى ومعه الاموال والذخائر وأخوه الاوسط فراسله واستعطف وقد ملك البلاد جميعا والله ولى التوفيق

[ 86 ]

ثم توفى سنة أربع وستمائة علاء الدين بن قراسنقر الاحمريلى صاحب مراغة وأقام بأمرها من بعده خادمه ونصب ابنه طفلا صغيرا وعصى عليه بعض الامراء وبعث العسكر لقتاله فانهزموا أولا ثم استقر ملك الطفل ثم توفى سنة خمس وستمائة وانقرض أهل بيته فسار ازبك بن البهلوان من تبريز إلى مراغة واستولى على مملكة آل قرا سنقر ما عدا القلعة التى اعتصم بها الخادم وعنده الخزائن والذخائر لما تمكن ايدغمش في بلاد الجبل بهمذان واصبهان والرى وما إليها عظم شأنه حتى طلب الامر لنفسه وسار لحصار ازبك ابن مولاه الذى نصبه للامر وكان باذربيجان فخرج عليه مولى من موالى البهلوان اسمه سنكلى وكثر جمعه واستولى على البلاد وقدم ايدغمش إلى بغداد واحتفل الخليفة لقدومه وتلقاه وذلك سنة ثمان وأقام بها كان ايدغمش قد وفد سنة ثمان وستمائة إلى بغداد وشرفه الخليفة بالخلع والالوية وولاه على ما كان بيده ورجع إلى همذان ووعده الخليفة بمسير العساكر فأقام ينتظرها عند سليمان بن مرحم أمير الايوانية من التركمان فدس إلى سنكلى بخبره ثم قتل ايدغمش وحمل أصحابه إلى سنكلى وافترق أصحابه واستولى سنكلى وبعث إليه الخليفة بالنكير فلم يلتفت إليه فبعث إلى مولاه ازبك بن البهلوان صاحب اذربيجان يحرضه عليه والى جلال الدين الاسماعيلي صاحب قلعة الموت لمساعدته على أن يكون للخليفة بعض البلاد ولازبك بعضها ولجلال الدين بعضها وبعث الخليفة العساكر مع مولاه سنقر ووجه السبع وأمره بطاعة مظفر الدين كوكبرى بن زين الدين على كجك صاحب اربل وشهرزور وهو مقدم العساكر جميعا فسار لدلك وهرب سنكلى وتعلق بالجبل ونزلوا بسفحه قريبا من كوج فناوشهم الحرب فانهزم ازبك ثم عاد فعاد ثم أسرى من ليلتة منهزما وأصبحوا فاقتسموا البلاد على الشريطة وولى أزبك فيما أخذ منها مولى أخيه فاستولى عليها ومضى سنكلى إلى ساو وبها شحنة له فقتله وبعث برأسه إلى ازبك واستقر في بلاد الجبل حتى قتله الباطنية سنة أربع عشرة وستمائة وجاء خوارزم شاه فملكه كما نذكر في أخباره ودخل ازبك بن البهلوان صاحب اذربيجان واران في طاعته وخطب له على منابر أعماله وانقرض أمر بنى ملك شاه ومواليهم من العراقين وخراسان وفارس وجميع ممالك المشرق وبقى ازبك ببلاد اذربيجان ثم استولى التتر على أعمال محمد بن تكش فيما وراء النهر وخراسان وعراق العجم سنة ثمانى عشرة وستمائة وموالى الهند وسار جنكزخان فاطاعه ازبك بن البهلوان سنة احدى وعشرين وأمره بقتل من عنده من الخوارزمية ففعل ورجع عنه إلى خراسان ثم جاء جلال الدين ابن

[ 87 ]

محمد بن تكش من الهند سنة اثنتين وعشرين فاستولى على عراق العجم وفارس وسار إلى أذربيجان قملكها ومر ازبك إلى كنجة من بلاد اران ثم ملك كنجة وبلاد أران ومد ازبك إلى بعض القلاع هنالك ثم هلك وملك جلال الدين على جميع البلاد وانقرض أمر بنى ازبك واستولى التتر على البلاد وقتلوا جلال الدين سنة ثمان وعشرين كما يأتي في أخبارهم جميعا وانتهى الكلام في دولة السلجوقية فلنرجع إلى أخبار الدول المتشعبة عنها واحدة بعد واحدة والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين

[ 89 ]

كان أنوشتكين جدهم تركيا مملوكا لرجل من غرشتان ولذلك يقال له أنوشتكين غرشه ثم صار لرجل من أمراء السلجوقية وعظمائهم اسمه ملكابك وكان مقدما عنده لنجابته وشجاعته ونشأ ابنه محمد على مثل حاله من النجابة والشجاعة وتحلى بالادب والمعارف واختلط بأمراء السلجوقية وولى لهم الاعمال واشتهر فيهم بالكفاية وحسن التدبير ولما ولى بركيارق ابن السلطان ملك شاه وانتقض عليه عمه ارسلان أرغون واستولى على خراسان بعث إليه العساكر سنة تسعين وأربعمائة مع أخيه سنجر وسار في اثره ولقيهم في طريقهم خبر مقتل أرغون عمهم وان بعض مواليه خلفه فعدا عليه فقتله كما مر قبل فسار بركيارق في نواحى خراسان وما وراء النهر حتى دوخها وولى عليها أخاه سنجر وانتقض عليه أمير ميران من قرابته اسمه محمد بن سليمان فسار إليه سنجر وظفر به وسمله وعاد بركيارق إلى العراق بعد ان ولى على خوارزم اكنجى شاه ومعنى شاه بلسانهم السلطان فأضيف إلى خوارزم على عادتهم في تقديم المضاف إليه على المضاف ولما انصرف بركيارق إلى العراق تأخر من أمرائه قودز وبارقطاش وانتقضا على السلطان ووثبا بالامير اكنجى صاحب خوارزم وهو بمرو ذاهبا إلى السلطان شاه فقتلاه وبلغ الخبر إلى السلطان وقد انتقض عليه بالعراق الامير انز ومؤيد الملك بن نظام الملك فمضى لحربهما وأعاد الامير داود حبشي بن ايتاق في عسكر إلى خراسان لقتالهما فسار إلى هراة وعاجلاه قبل اجتماع عساكر فعبر جيحون وسبق إليه بارقطاش فهزمه داود وأسره وبلغ الخبر إلى قودر فثار به عسكره وفر إلى بخارى فقبض عليه نائبها ثم أطلقه ولحق بالملك سنجر فقبله وأقام برقطاش أسيرا عند الامير داود وصفت خراسان من الفتنة والثوار واستقام أمرها للامير داود حبشي فاختار لولاية خوارزم محمد بن أنوشتكين فولاه وظهرت كفايته وكان محبا لاهل الدين والعلم مقربا لهم عادلا في رعيته فحسن ذكره وارتفع محله ثم استولى الملك سنجر على خراسان فاقر محمد بن أنوشتكين وزاده تقديما وجمع بعض ملوك الترك وقصد خوارزم وكان محمد غائبا عنها ولحق بالترك محمد بن اكنجى الذى كان أبوه أميرا على خوارزم واسمه طغرل تكين محمد فحرض الترك على خوارزم وبلغ الخبر إلى محمد بن أنوشتكين فبعث إلى سنجر بنيسابور يستمده وسبق إلى خوارزم فافترق الترك وطغرل تكين محمد وسار كل منهما إلى ناحية ودخل محمد بن أنوشتكين إلى خوارزم فازداد بذلك عند سنجر ظهورا والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق لارب سواه ثم هلك محمد بن أنوشتكين خوارزم وولى بعده ابنه اتسز وسار بسيرة أبيه وكان قد قاد الجيوش أيام أبيه وحارب الاعداء فلما ولى افتتح أمره بالاستيلاء على مدينة مقشلاع

[ 90 ]

وظهرت كفايته في شأنها فاستدعاه السلطان سنجر فاختصه وكان يصاحبه في أسفاره وحروبه وكلما مر يزيد تقدما عنده والله تعالى أعلم بغيبه وأحكم ثم كثرت السعاية عند السلطان سنجر في اتسز خوارزم شاه وانه يحدث نفسه بالامتناع فسار سنجر إليه لينتزع خوارزم من يده فتجهز انسز للقائه واقتتلوا فانهزم انسز وقتل ابنه وخلق كثير من أصحابه واستولى سنجر على خوارزم وأقطعها غياث الدين سليمان شاه ابن أخيه محمدا ورتب له وزيرا وأتابك وحاجبا وعاد إلى مرو منتصف ثلاث وثلاثين وكان أهل خوارزم يستغيثون لانسز فعاد إليهم بعد سنجر فأدخلوه البلد ورجع سليمان شاه إلى عمه سنجر واستبد انسز بخوارزم والله أعلم ثم سار سنجر سنة ست وثلاثين لقتال الخطا من الترك فيما وراء النهر لما رجعوا لملك تلك البلاد فيقال ان انسز أغراهم بذلك ليشغل السلطان سنجر عن بلده وأعماله ويقال ان محمود بن محمد بن سليمان بن داود بقراخان ملك الخانية في كاشغر وتركستان وهو ابن أخت سنجر زحفت إليه أمم الخطا من الترك ليتملكوا بلاده فسار إليهم وقاتلهم فهزموه وعاد إلى سمرقند وبعث بالصريخ إلى خاله سنجر فعبر النهر إليه في عساكر المسلمين وملوك خراسان والتقوا في أول صفر سنة ست وثلاثين فانهزم سنجر والمسلمون وفشا القتل فيهم يقال كان القتلى مائة ألف رجل وأربعة آلاف امرأة وأسرت زوجة السلطان سنجر وعاد منهزما وملك الخطا ما وراء النهر وخرجت عن ملك الاسلام وقد تقدم ذكر هذه الواقعة مستوفى في أخبار السلطان سنجر ولما انهزم السلطان سنجر قصد انسز خوارزم شاه خراسان فملك سرخس ولقى الامام أبا محمد الزيادي وكان يجمع بين العلم والزهد فأكرمه وقبل قوله ثم قصد مرو الشاهجان فخرج إليه الامام أحمد الباخورى وشفع في أهل مرو وأن لا يدخل لهم أحد من العسكر فشفعه وأقام بظاهر البلد فثار عامة مرو وأخرجوا أصحابه وقتلوا بعضهم وامتنعوا فقاتلهم انسز وملكها عليهم غلابا أول ربيع من سنة ست وثلاثين وقتل الكثير من أهلها وكان فيهم جماعة من أكابر العلماء وأخرج كثيرا من علمائها إلى خوارزم منهم أبو بكر الكرماني ثم سار في شوال إلى نيسابور وخرج إليه جماعة من العلماء والفقهاء متطارحين أن يعفيهم مما وقع بأهل مرو فأعفاهم واستصفى أموال أصحاب السلطان وقطع الخطبة لسنجر وخطب لنفسه ولما صرح باسمه على المنبر هم أهل نيسابور بالثورة ثم ردهم خوف العواقب فاقصروا وبعث جيشا إلى أعمال بيهق فحاصرها خمسا ثم ساروا في البلاد ينهبون ويكتسحون والسلطان سنجر خلال ذلك متغافل عنه فيما يفعله في خراسان لما وراءه من مدد الخطا وقوتهم ثم أوقع الغز سنة ثمان وأربعين بالسلطان سنجر واستولوا على خراسان وكان هؤلاء الغز

[ 91 ]

مقيمين بما وراء النهر منذ فارقهم ملوك السلجوقية وكانوا يدينون بالاسلام فلما استولى الخطا على ما وراء النهر أخرجوهم منها فأقاموا بنواحي بلخ وأكثروا فيها العيث والفساد وجمع لهم سنجر وقاتلهم فظفروا به وهزموه وأسروه وانتثر سلك دولته فلم بعد انتظامه وافترقت أعماله على جماعة من مواليه واستقل حينئذ انسز بملك خوارزم وأعمالها وأورثها بنيه ثم استولوا على خراسان والعراق عندما ركدت ريح السلجوقية وكانت لهم بعد ذلك دولة عظيمة نذكر أخبارها مفصلة عند دول أهلها والله تعالى ولى التوفيق بمنه وكرمه ثم توفى انسز بن محمد بن أنوشتكين في منتصف احدى وخمسين وخمسمائة لستين سنة من ولايته وكان عادلا في رعيته حسن السيرة فيهم ولما توفى ملك بعده ارسلان بن انسز فقتل جماعة من عماله وسمل أخاه ثم بعث بطاعته للسلطان سنجر عندما هرب من أسر الغز فكتب له بولاية خوارزم وقصد الخطا خوارزم وجمع ارسلان للقائهم وسار غير بعيد ثم طرق المرض فرجع وأرسل الجيوش لنظر أمير من أمرائه فقاتله الخطا وهزموه وأسروه ورجع إلى ما وراء النهر والله سبحانه وتعالى أعلم ثم توفى خوارزم شاه ارسلان بن انسز من مرضه الذى فعد به عن لقاء الخطا وملك بعده ابنه الاصغر سلطان شاه محمود في تدبير أمه وكان ابنه الاكبر علاء الدين تكش مقيما في اقطاعه بالجند فاستنكف من ولاية أخيه الاصغر وسار إلى ملك الخطا مستنجدا ورغبه في أموال خوارزم وذخائرها فأنجده بجيش كثيف وجاء إلى خوارزم ولحق سلطان شاه وأمه بالمؤيد آيه صاحب نيسابور والمتغلب عليها بعد سنجر وأهدى له ورغبه في الاموال والذخائر فجمع وسار معه حتى إذا كان على عشرين فرسخا من خوارزم سار إليه تكش وهزمه وجئ بالمؤيد أسرا إلى تكش فأمر بقتله وقتل بين يديه صبرا ولحق أخوه سلطان شاه بدهستان وتبعه تكش فملكها عنوة وهرب سلطان شاه وأخذت أمه فقتلها تكش وعاد إلى خوارزم ولحق سلطان شاه بنيسابور وقد ملكوا طغان شاه أبا بكر بن ملكهم المؤيد ثم سار سلطان شاه من عنده إلى غياث الدين ملك الغورية فأقام عنده وعظم تحكم الخطا على علاء الدين تكش صاحب خوارزم واشتطوا عليه وبعثوا يطلبونه في المال فأنزلهم متفرقين على أهل خوارزم ودس إليهم فبيتوهم ولم ينج منهم أحد ونبذ إلى ملك الخطا عهده وسمع ذلك أخوه سلطان شاه فسار من غزنة إلى ملك الخطا يستنجده على أخيه تكش وادعى أن أهل خوارزم يميلون إليه فبعث معه جيشا كثيفا من الخطا وحاصروا خوارزم فامتنعت وأمر تكش باجراء ماء النهر عليهم فكادوا يغرقون وأفرجوا عن

[ 92 ]

البلاد ولاموا سلطان شاه فيما غرهم فقال لقائدهم ابعث معى الجيش لمرو لانتزعها من دينار الغزى الذى استولى عليها من حين فتنتهم مع سنجر فبعث معه الجيش وسار إلى سرخس واقتحمها على الغز الذين بها وأفحش في قتلهم واستباحهم ولجأ دينار إلى القلعة فتحصن بها ثم سار سلطان شاه إلى مرو وملكها وأقام بها ورجع الخطا إلى ما وراء النهر وأقام سلطان شاه بخراسان يقاتل الغز فيصيب منهم كثيرا وعجز دينار ملك الغز عن سرخس فسلمها الطغان شاه بن المؤيد صاحب نيسابور فولى عليها مراموش من أمرائه ولحق دينار بنيسابور فحاصر دينار سلطان شاه وعاد إلى نيسابور ولحق به مراموش وترك قلعة سرخس ثم ملك نطوش والتم وضاقت الامور على طغان شاه بنيسابور إلى أن مات في محرم سنة ثنتين وثمانين وملك ابنه سنجر شاه واستبد عليه منكلى تكين مملوك جده المؤيد وأنف أهل الدولة من استبداده وتحكمه فلحق أكثرهم بسلطان شاه في سرخس وسار الملك دينار من نيسابور في جموع الغز إلى كرمان فملكها ثم أساء منلكى تكين السيرة بنيسابور في الرعية بالظلم وفي أهل الدولة بالقتل فسار إليه خوارزم شاه علاء الدين تكش في ربيع سنة ثنتين وثمانين فحاصره بنيسابور شهرين فامتنعت عليه فعاد إلى خوارزم ثم رجع سنة ثلاث وثمانين فحاصرها وملكها على الامان وقتل منكلى تكين وحمل سنجر شاه إلى خوارزم فأنزله بها وأكرمه ثم بلغه أنه يكاتب أهل نيسابور فسمله وبقى عنده إلى أن مات سنة خمس وتسعين قال ابن الاثير ذكر هذا أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقى في كتاب مسارب التجارب وذكر غيره أن تكش بن ارسلان لما أخرج أخاه سلطان شاه من خوارزم وقصد سلطان شاه إلى مرو فملكها من يد الغز ثم ارتجعوها منه ونالوا من عساكره فعبر إلى الخطا واستنجدهم وضمن لهم المال وجاء بجيوشهم فملك مرو وسرخس ونسا وابيورد من يد الغزو صرف الخطا فعادوا إلى بلادهم ثم كاتب غياث الدين الغورى وله هراة وبوشنج وباذغيس وأعمالها من خراسان يطلب الخطبة له ويتوعده فأجابه غياث الدين بطلب الخطبة منه بمرو وسرخس وما ملكه من بلاد خراسان ثم ساءت سيرة سلطان شاه في خراسان وصادر رعاياها فجهز غياث الدين العساكر مع صاحب سجستان وأمر ابن أخته بهاء الدين صاحب باميان بالمسير معه فساروا إلى هراة وخاف سلطان شاه من لقائهم فرجع من هراة إلى مرو حتى انصرم فصل الشتاء ثم أعاد مراسلة غياث الدين فامتعض وكتب إلى أخيه شهاب الدين بالخبر وكان بالهند فرجع مسرعا إليه وساروا إلى خراسان واجتمعوا بعسكرهم الاول على الطالقات وجمع سلطان شاه جموعه من الغز وأهل الفساد ونزل بجموع الطالقان وتواقفوا كذلك شهرين وترددت الرسل بين

[ 93 ]

سلطان شاه وغياث الدين حتى جنح غياث الدين إلى النزول له عن بوشنج وباذغيس وشهاب الدين ابن أخته وصاحب سجستان يجنحان إلى الحرب وغياث الدين يكفهم حتى حضر رسول سلطان شاه عند غياث الدين لاتمام العقد والملوك جميعا حاضرون فقام الدين العلوى الهودى وكان غياث الدين يختصه وهو يدل عليه فوقف في وسط المجمع ونادى بفساد الصلح وصرخ ومزق ثيابه وحتى التراب على رأسه وأفحش الرسول سلطان شاه وأقبل على غياث الدين وقال كيف تعمد إلى ما ملكناه بأسيافنا من الغز والاتراك والسنجرية فتعطيه هذا الطريد إذ لا يقنع منا أخوه وهو الملك بخوارزم ولا بغزنة والهند فأطرق غياث الدين ساكتا فنادى في عسكره بالحرب والتقدم إلى مرو الروذ وتواقع الفريقان فانهزم سلطان شاه وأخذ أكثر أصحابه أسرى ودخل إلى مرو في عشرين فارسا ولحق الفل من عسكره وبلغ الخبر إلى أخيه تكش فسار من خوارزم لاعتراضه وقدم العساكر إلى جيحون يمنعون إلى الخطا وسمع أخوه سلطان شاه بذلك فرجع عن جيحون وقصد غياث الدين ولما قدم عليه أمر بتلقيه وأنزله معه في بيته وأنزل أصحابه عند نظرائهم من أهل دولته وأقام إلى انصرام الشتاء وكتب أخوه علاء الدين خوارزم إلى غياث الدين في رده إليه ويعدد فعلاته في بلاده وكتب مع ذلك إلى نائب غياث الدين بهراة يتهدده فامتعض غياث الدين لذلك وكتب إلى خوارزم شاه بأنه مجير له وشفيع في التجافي عن بلاده وانصافه من وراثة أبيه ويطلب مع ذلك الخطبة له بخوارزم والصهر مع أخيه شهاب الدين فامتعض خوارزم شاه وكتب إليه يتهدده ببعض بلاده فجهز غياث الدين إليه العساكر مع ابن اخته أبو غازى إلى بهاء الدين سامى صاحب سجستان وبعثهما مع سلطان شاه إلى خوارزم وكتب إلى المؤيد أبيه صاحب نيسابور يستنجده وكانت ابنته تحت غياث الدين فجمع المؤيد عساكره وخيم بظاهر نيسابور وكان خوارزم شاه عزم على لقاء أخيه والغورية وسار عن خوارزم فلما سمع خبر المؤيد عاد إلى خوارزم واحتمل أمواله وذخائره وعبر جيحون إلى الخطا وترك خوارزم وسار أمانها إلى أخيه سلطان شاه والبو غازى ابن اخت غياث الدين فآتوا طاعتهم وطلبوا الوالى عليهم وتوفى سلطان شاه منسلخ رمضان سنة تسع وعاد البو غازى إلى خاله غياث الدين ومعه أصحاب سلطان شاه فاستخدمهم غياث الدين وأقطعهم وبلغ وفاة سلطان شاه إلى أخيه خوارزم تكش فعاد إلى خوازرم وعاد الشحنة إلى بلاد سرخس ومرو فجهز إليهم نائب الغورية بمرو عمر المرغنى عسكرا ومنعهم منها حتى يستأذن غياث الدين وأرسل خوارزم شاه إلى غياث الدين في الصلح والصهر في وفد من فقهاء خراسان والعلوية يعظمونه ويستجيرون

[ 94 ]

به من خوارزم شاه أن يجيز إليهم الخطا ويستحثهم ولا يحسم ذلك الا صلحه أو سكناه بمرو فأجابهم إلى الصلح وعقدوه ورد على خوارزم تكش بلاد أخيه وطمع الغز فيها فعاثوا في نواحيها وجاء خوارزم شاه إليها ودخل مرو وسرخس فسار البورد وتطرق إلى طوس وهى للمؤيد ابنه فجمع وسار إليها وعاد خوارزم شاه إلى بلده وأفسد الماء في طريقه واتبعه المؤيد فلم يجد ماء ثم كر عليه خوارزم شاه وقد جهد عسكره العطش فأوقع بهم وجئ إليه بالمؤيد أسيرا فقتله وعاد إلى خوارزم وقام بنيسابور بعد المؤيد ابنه طغان شاه ورجع إليه خوارزم شاه من قابل فحاصره بنيسابور وبرزاليه فأسره وملك نيسابور واحتمل طغان شاه وعياله وقرابته فأنزلهم بخوارزم قال ابن الاثير هذه الرواية مخالفة للاولى وانما أوردتها ليتأمل الناظر ويستكشف أيهما أوضح فيعتمدها والله تعالى أعلم قد تقدم لنا في أخبار الدولة السلجوقية ولاية ارسلان شاه بن طغرل في كفالة ابلدكز وابنه محمد البهلوان من بعده ثم أخيه ازبك ارسلان بن ابلدكز وأنه اعتقل السلطان طغرل ثم توفى فولى مكانه قطلغ ابن أخيه البهلوان فخرج السلطان من محبسه وجمع لقتاله سنة ثمان وثمانين فهزمه ولحق قطلغ بالرى وبعث إلى خوارزم شاه علاء الدين تكش فسار إليه وندم قطلغ على استدعائه فتحصن منه ببعض قلاعه وملك خوارزم شاه الرى وقلعة طبرك ورتب فيها الحامية وعاد إلى خوارزم لما بلغه أن أخاه سلطان شاه خالفه إليها ولما كان ببعض الطريق لقيه الخبر بأن أهل خوارزم منعوا سلطان شاه وعادى خائبا فتمادى إلى خوارزم وأقام إلى انسلاخ فصل الشتاء ثم سار إلى أخيه سلطان شاه بمرو سنة تسع وثمانين وترددت الرسل بينهما في الصلح ثم استأمن إليه نائب أخيه بقلعة سرخس فسار إليها وملكها ومات أخوه سلطان شاه سنة تسع فسار خوارزم شاه إلى مرو وملكها وملك ابيورد ونسا وطوس وسائر مملكة أخيه واستولى على خزائنه وبعث على ابنه علاء الدين محمد فولاه مرو وولى ابنه الكبير ملك شاه نيسابور وذلك آخر تسع وثمانين ثم بلغه أن السلطان طغرل أغار على أصحابه بالرى قطلغ ابنانج فبعث إليه بابنه يستنجده ووصل إليه رسول الخليفة يشكو من طغرل وأقطعه أعماله فسار من نيسابور إلى الرى وتلقاه قطلغ ابنانج بطاعته وسار معه ولقيهم السلطان طغرل قبل استكمال تعبيته وحمل عليهم بنفسه وأحيط به فقتل في ربيع سنة تسعين وبعث خوارزم شاه برأسه إلى بغداد وملك همذان وبلاد الجبل أجمع وكان الوزير مؤيد الدين بن القصاب قد بعثه الخليفة الناصر مدد الخوارزم شاه في أمره فرحل إليه واستوحش بن القصاب فامتنع ببعض الجبال هنالك وعاد خوارزم شاه إلى همذان وسلمها وأعمالها

[ 95 ]

إلى قطلغ ابنانج وأقطع كثيرا منها ممالكيه وقدم عليهم مناجى وأنزل معه ابنه وعاد إلى خوارزم ثم اختلف مناجى وقطلغ ابنانج واقتتلوا سنة أحدى وتسعين فانهزم قطلغ وكان الوزير بن القصاب قد سار إلى خوزستان فملكها وكثيرا من بلاد فارس وقبض على بنى شملة أمرائها وبعث بهم إلى بغداد وأقام هو يمهد البلاد فلحق به قطلغ ابنانج هنالك مهزوما سليبا واستنجده على الرى فأزاح علله وسار معه إلى همذان فخرج مناجى وابن خوارزم شاه إلى الري وملك ابن القصاب همذان في سنة احدى وتسعين وسار إلى الرى فأجفل الخوارزميون أمامهم وبعث الوزير العساكر في اثرهم حتى لحقوهم بالدامغان وبسطام وجرجان ورجعوا عنهم واستولى الوزير على الرى ثم انتقض قطلغ ابنانج على الوزير وامتنع بالرى فحاصره الوزير وغلبه عليها ولحق ابنانج بمدينة ساوة ورحل الوزير في اتباعه حتى لحقه على دربند كرخ فهزمه ونجا ابنانج بنفسه وسار الوزير إلى همذان فأقام بظاهرها ثلاثة أشهر وبعث إليه خوارزم شاه بالنكير على ما فعل ويطلب اعادة البلاد فلم يجب إلى ذلك وسار خوارزم إليه وتوفى قبل وصوله فقاتل العساكر بعده في شعبان سنة ثنتين وتسعين فهزمهم وأثخن فيهم وأخرج الوزير من قبره فقطع رأسه وبعث به إلى خوارزم لانه كان قتل في المعركة واستولى على همذان وبعث عسكره إلى اصبهان فملكها وأنزل بها ابنه وعاد إلى خوارزم وجاءت عساكر الناصر اثر ذلك مع سيف الدين طغرل فقطع بلاد اللحف من العراق فاستدعاه أهل اصبهان فملكوا البلد ولحق عسكر خوارزم شاه بصاحبهم ثم اجتمع مماليك البهلوان وهم أصحاب قطلغ وقدموا على أنفسهم كركجة من أعيانهم وساروا إلى الرى فملكوها ثم إلى اصبهان كذلك وأرسل كركجة إلى الديوان ببغداد يطلب أن يكون الرى له مع جوار الرى وساوة وقم وقاشان وما ينضاف إليها وتكون اصبهان وهمذان وزنجان ومرو من الديوان فكتب له بذلك والله أعلم قد تقدم لنا أن خوارزم شاه تكش ولى ابنه ملك شاه على نيسابور سنة تسع وثمانين وأضاف إليه خراسان وجعله ولى عهده في الملك فأقام بها إلى سنة ثلاث وتسعين ثم هلك في ربيع منها وخلف ابنا اسمه هندوخان وولى خوارزم شاه على نيسابور ابنه الآخر فطلب الذى كان ولاه بمرو كان خوارزم شاه تكش لما ملك الرى وهمذان واصبهان وهزم ابن القصاب وعساكر الخليفة بعث إلى الناصر يطلب الخطبة ببغداد فامتعض الناصر لذلك وأرسل إلى غياث الدين ملك غزنة والغور فقصد يلاد خوارزم شاه فكتب إليه غياث الدين يتهدده بذلك فعبث خوارزم شاه إلى الخطا يستنجدهم على غياث الدين ويحذرهم

[ 96 ]

أن يملك البلاد كما ملك بلخ فسار الخطا في عساكرهم ووصلوا بلاد الغور وراسلوا بهاء الدين سام ملك باميان وهو ببلخ يأمرونه بالخروج عنها وعاثوا في البلاد وخوارزم شاه قد قصد هراة وانتهى إلى طوس واجتمع أمراء الغورية بخراسان مثل محمد بن بك مقطع الطالقان والحسين بن مرميل وحروس وجمعوا عساكرهم وكبسوا الخطا وهزموهم وألحقوهم بحيمون فتقسموا بين القتل والغرق وبعث ملك الخطا إلى خوارزم شاه يتجنى عليه في ذلك ويطلب الدية على القتلى من قومه ويجعله السبب في قتلهم فراجع غياث الدين واستعطفه ووافقه على طاعة الخليفة واعادة ما أخذه الخطا من بلاد الاسلام وأجاب ملك الخطا بأن قومه انما جاؤا لانتزاع بلخ من يد الغورية ولم يأتوا لنصرتي وأنا قد دخلت في طاعة غياث الدين فجهز ملك الخطا عساكره إليه وحاصروه فامتنع فرجعوا عنه بعد أن فنى أكثرهم بالقتل وسار في اثرهم وحاصر بخارى وأخذ بمخنقها حتى ملكها سنة أربع وتسعين فأقام بها مدة وعاد إلى خوارزم والله تعالى ولى التوفيق ثم سار خوارزم شاه تكين لارتجاع الرى وبلاد الجبل من يد مناجق والبهلوانية الذين انتفضوا عليه فهرب مناجق عن البلاد وتركها وملكها خوارزم شاه واستدعاه فامتنع من الحضور واتبعه فاستأمن أكثر أصحابه ورجعوا عنه ولحق هو بقلعة من أعمال مازندان فامتنع بها فبعث خوارزم شاه إلى الخليفة الناصر فبعث بالخلع له ولولده قطب الدين وكتب له تقليدا بالاعمال التى بيده ثم سار خوارزم شاه لقتال الملحدة فافتنح قلعة لهم قريبة من قزوين وانتقل إلى حصار قلعة الموت من قلاعهم فقتل عليها رئيس الشافعية بالرى صدر الدين محمد بن الوزان وكان مقدما عنده ولازمه ثم عاد إلى خوارزم فوثب الملحدة على وزيره نظام الملك مسعود بن على فقتلوه فجهز ابنه قطب الدين لقتالهم فسار إلى قلعة مرنسيس من قلاعهم فحاصرها حتى سألوه في الصلح على مائة ألف دينار يعطونها فامتنع أولا ثم بلغه مرض أبيه فأجابهم وأخذ منهم المال المذكور وعاد والله أعلم ثم توفى خوارزم شاه تكش بن البارسلان بن اتسز بن محمد أنوشتكين صاحب خوارزم بعد ان استولى على الكثير من خراسان وعلى الرى وهمذان وغيرها من بلاد الجبل وكان قد سار من خوارزم إلى نيسابور فمات في طريقه إليها في رمضان سنة ست وتسعين وخمسمائة وكان عندما اشتد مرضه بعث لابنه قطب الدين محمد يخبره بحاله ويستدعيه فوصل بعد موته فبايع له أصحابه بالملك ولقبوه علاء الدين لقب أبيه وحمل شلو أبيه إلى خوارزم فدفنه بالمدرسة التى بناها هنالك وكان تكش عادلا عارفا بالاصول

[ 97 ]

والفقه على مذهب أبى حنيفة ولما توفى ابنه علاء الدين محمد كان ولده الآخر على شاه باصبهان فاستدعاه أخوه محمد فسار إليه ونهب أهل اصبهان فخلعه وولاه أخوه على خراسان فقصد نيسابور وبها هندوخان ابن أخيهما ملك شاه منذ ولاه جده تكش عليها بعد أبيه ملك شاه وكان هندوخان يخاف عمه محمدا لعداوة بينه وبين أبيه ملك شاه ولما مات جده تكش نهب الكثير من خزائنه ولحق بمرو وبلغ وفات تكش إلى غياث الدين ملك غزنة فجلس للعزاء على ما بينهما من العداوة اعظاما لقدره ثم جمع هندوخان جموعا وسار إلى خراسان فبعث علاء الدين محمد بن تكش العساكر لدفاعه مع جنقر التركي فخام هندوخان عن لقائه ولحق بغياث الدين مستنجدا فأكرمه ووعده النصر ودخل جنقر مدينة مرو وبعث بام هندوخان وولده إلى خوارزم مكرمين فأرسل غياث الدين صاحب غزنة إلى محمد بن ضربك نائبه بالطالقان أن ينبذ إلى جنقر العهد ففعل وسار من الطالقان إلى مرو الروذ فملكها وبعث إلى جنقر يأمره بالخطبة في مرو لغياث الدين أو يفارقها فبعث إليه جنقر يتهدده ظاهر أو يسأله سرا أن يستأمن له غياث الدين فقوى طمعه في البلاد بذلك وأمر أخاه شهاب الدين بالمسير إلى خراسان والله أعلم [ استيلاء ملوك الغورية على أعمال خوارزم شاه محمد تكش بخراسان وارتجاعه اياها منهم ثم حصاره هراة من أعمالهم ] ولما استأمن جنقر نائب مرو إلى غياث الدين طمع في أعمال خوارزم شاه بخراسان كما قلناه واستدعاه أخوه شهاب الدين للمسير إليها فسار إلى غزنة واستشار غياث الدين نائبه بهراة عمر بن محمد المرغنى في المسير إلى خراسان فنهاه عن ذلك ووصل أخوه شهاب الدين في عساكر غزنة والغور وسجستان وساروا منتصف سبع وتسعين ووصل كتاب جنقر نائب مرو إلى شهاب الدين وهو بقرب الطالقان يحثه للوصول وأذن له غياث الدين فسار إلى مرو وقاتل العساكر الذين بها من الخوارزمية فغلبهم وأحجرهم بالبلد وسار بالفيلة إلى السور فاستأمن أهل البلد وأطاعوا وخرج جنقر إلى شهاب الدين ثم جاء غياث الدين بعد الفتح إلى هراة مكرما وسلم مرو إلى هندوخان بن ملك شاه كما وعده ثم سار إلى سرخس فملكها صلحا وولى عليها زنكى بن مسعود من بنى عمه وأقطعه معها نسا وابيورد ثم سار إلى طوس وحاصرها ثلاثا واستأمن إليه أهلها فملكها وبعث إلى على شاه علاء الدين محمد بن تكش بنيسابور في الطاعة فامتنع فسار إليه وقاتل نيسابور من جانب وأخوه شهاب الدين من الجانب الآخر إليه سقوطه ودخلوا نيسابور وملكوها ونادوا بالامان وجئ بعلى شاه من خوارزم

[ 98 ]

إلى غياث الدين فأمنه وأكرمه وبعثه بالامراء الخوارزمية إلى هراة وولى على خراسان ابن عمه وصهره على ابنته ضياء الدين محمد بن على الغورى ولقبه علاء الدين وأنزله نيسابور في جمع من وجوه الغورية وأحسن إلى أهل نيسابور وسلم على شاه إلى أخيه شهاب الدين ورحل إلى هراة ثم سار شهاب الدين إلى قهستان وقيل له عن قرية من قراها انهم اسماعيلية فأمر بقتلهم وسبى ذراريهم ونهب أموالهم وخرب القرية ثم سار إلى حصن من أعمال قهستان وهم اسماعيلية فملكه بالامان بعد الحصار وولى عليه بعض الغورية فأقام بها الصواب وشعار الاسلام وبعث صاحب قهستان إلى غياث الدين يشكو من أخيه شهاب الدين ويقول ان هذا نقض العهد الذى بيني وبينكم فما راعه الا نزول أخيه شهاب الدين على حصن آخر للاسماعيلية من أعمال دهستان فحاصره فبعث بعض ثقاته إلى شهاب الدين يأمره بالرحيل فامتنع فقطع أطناب سرادقه ورحل مراغما وقصد الهند مغاضبا لاخيه ولما انصل بعلاء الدين محمد بن تكش مسيرهما عن خراسان كتب إلى غياث الدين يعاتبه عن أخذه بلاده ويطلب اعادتها ويتوعده باستنجاد الخطا عليه فماطله بالجواب إلى خروج أخيه شهاب الدين من الهند لعجزه عن الحركة لاستيلاء مرض النقرس عليه فكتب خوارزم شاه إلى علاء الدين الغوري نائب غياث الدين بنيسابور يأمره بالخروج عنها فكتب بذلك إلى غياث الدين فأجابه يعده بالنصر وسار إليه خوارزم شاه محمد بن تكش آخر سنة وتسعين وخمسمائة فلما قرب أبيورد هرب هندو خان من موالى غياث الدين وملك محمد بن تكش مدينة مرو ونسا وأبيورد وسار إلى نيسابور وبها علاء الدين الغورى فحاصرها وأطال حصارها حتى استأمنوا إليه واستحلفوه وخرجوا إليه فأحسن إليهم وسأل من علاء الدين الغورى السعي في الاصلاح بينه وبين غياث الدين فضمن ذلك وسار الى هراة وبها أقطاعه وغضب على غياث الدين لقعوده عن انجاده فلم يسر إليه وبالغ محمد بن تكش في الاحسان إلى الحسن بن حرميل من أمراء الغورية ثم سار إلى سرخس وبها الامير زنكى من قرابة غياث الدين فحاصرها أربعين يوما وضيق مخنقها بالحرب وقطع الميرة ثم سأله زنكى الافراج ليخرج عن الامان فأفرج عنه قليلا ثم ملاء البلد من الميرة بما احتاج إليه وأخرج العاجزين عن الحصار وعاد إلى شأنه فندم محمد بن تكش ورحل عنها وجهز عسكرا لحصارها وجاء نائب الطالقان مددا لمحمد بن خربك داحس بعد ان أرسل إليه بأنه عساكر الخوارزمية المجمرة عليه وأشاع ذلك فأفرجوا عنه وجاء إليه زنكى من الطالقان فخرج معه ابن خربك إلى مرو الروذ وجبى خراجها وما يجاورها وبعث

[ 99 ]

إليه محمد بن تكش عسكرا نحوا من ثلاثة آلاف مع خاله فلقيهم محمد بن خربك في تسعمائة فارس فهزمهم وأثخن فيهم قتلا وأسرا وغنم سوادهم وعاد خوارزم شاه محمد بن تكش إلى خوارزم وأرسل إلى غياث الدين في الصلح فأجابه مع الحسن بن محمد المرغنى من كبراء الغورية وغالطه في القول ولما وصل الحسن المرغنى إلى خوارزم شاه واطلع على أمره قبض على الحسن وسار إلى هراة فحاصرها وكتب الحسن إلى أخيه عمر بن محمد المرغنى أمير هراة بالخبر فاستعد للمعصار وقد كان لحق بغياث الدين أخوان من حاشية سلطان شاه عم محمد بن تكش المتوفى في سرخس فأكرمهما غياث الدين وأنزلهما بهراة فكاتبا محمد بن تكش وداخلاه في تمليكه هراة فسار لذلك وحاصر البلد وأميرها عمر المرغنى مر إلى الاخوين وعندهما مفاتيح البلد واطلع أخوه الحسن في محبسه على شأن الاخوين في مداخلة محمد بن تكش فبعث إلى أخيه عمر بذلك فلم يسعفه فبعث إليه بخط أحدهما فقبض عليهما وعلى أصحابهما واعتقلهم وبعث محمد بن تكش عسكرا إلى الطالقان للغارة عليها فظفر بهم ابن خربك ولم يفلت منهم أحد ثم بعث غياث الدين ابن أخته البوغانى في عسكر من الغورية فنزلوا قريبا من عسكر خوارزم شاه محمد بن تكش وقطع عنهم الميرة ثم جاء غياث الدين في عسكر قليل لان أكثرها مع أخيه شهاب الدين بالهند وغزنة فنزل قريبا من هراة ولم يقدم على خوارزم فلما بلغ الحصار أربعين يوما وانهزم أصحاب خوارزم شاه بالطالقان ونزل غياث الدين وابن أخته البوغانى قريبا منه وبلغه وصول أخيه شهاب الدين من الهند إلى غزنة أجمع الرحيل عن هراة وصالح عمر المرغنى على مال حمله إليه وارتحل إلى مرو منتصف ثمان وتسعين وسار شهاب الدين من غزنة إلى بلخ ثم إلى باميان معتزما على محاربة خوارزم شاه والتقت طلائعهما فقتل بين الفريقين خلق ثم ارتحل خوارزم شاه عن مرو فجفلا إلى خوارزم وقتل الامير سنجر صاحب نيسابور لاتهامه بالمخادعة وسار شهاب الدين إلى طوس وأقام بها إلى انسلاخ الشتاء معتزما على السير لحصار خوارزم فأتاه الخبر بوفاة أخيه غياث الدين فرجع إلى هراة واستخلف بمرو محمد بن خربك فسار إليه جماعة من أمراء خوارزم شاه سنة تسعة وتسعين ابن خربك ولم ينج منهم الا القليل فبعث خوارزم شاه الجيوش مع منصور التركي لقتال ابن خربك ولقيهم على عشرة فراسخ من مرو وقاتلهم فهزموه ودخل مرو منهزما فحاصروه خمسة عشر يوما ثم استأمن إليهم وخرج فقتلوه وأسف ذلك شهاب الدين وترددت الرسل بينه وبين خوارزم شاه في الصلح فلم يتم وأراد العود إلى غزنة فاستعمل على هراة ابن أخته البوغانى وملك علاء الدين بن أبى على الغورى مدينة مرو وزكورة وبلد الغور واعمال

[ 100 ]

خراسان وفوض إليه في مملكته وعاد إلى غزنة سنة تسع وتسعين وخمسمائة ثم عاد خوارزم شاه إلى هراة منتصف سنة ستمائة وبها البوغانى ابن أخت شهاب الدين الغورى وكان شهاب الدين قد سار عن غزنة إلى لهاوون غازيا فحصر خوارزم شاه هراة إلى منسلخ شعبان وهلك في الحصار بين الفريقين خلق وكان الحسن بن حرميل مقيما بخوزستان وهى اقطاعه فأرسل إلى خوارزم شاه يخادعه ويطلب منه عسكرا يستلمون الفيلة وخزانة شهاب الدين فبعث إليه ألف فارس فاعترضهم هو والحسن بن محمد المرغنى فلم ينج منهم الا القليل فندم خوارزم شاه على انفاذ العسكر وبعث إلى البوغانى أن يظهر بعض طاعته ويفرج عنه الحصار فامتنع ثم أدركه المرض فخشى أن يشغله المرض عن حماية البلد فيملكها عليه خوارزم شاه فرجع إلى اجابته واستحلفه وأهدى وخرج له ليلقاه ويعطيه بعض الخدمة فمات في طريقه وارتحل خوارزم شاه عن البلد وأحرق المجانيق وسار إلى سرخس فأقام بها * (حصار شهاب الدين خوارزم شاه وانهزامه أمام الخطا) * ولما بلغ شهاب الدين بغزنة ما فعل خوارزم شاه بهراة وموت نائبه بها البوغانى ابن أخته وكان غازيا إلى الهند فانثنى عزمه وسار إلى خوارزم وكان خوارزم شاه قد سار من سرخس وأقام بظاهر مرو فلما بلغه خبر مسيره أجفل راجعا إلى خوارزم فسبق شهاب الدين إليها وأجرى الماء في السبخة حواليها وجاء شهاب الدين فأقام أربعين يوما يطرق المسالك حتى أمكنه الوصول ثم التقوا واقتتلوا وقتل بين الفريقين خلق كان منهم الحسن المرغنى من الغورية وأسر جماعة من الخوارزمية فقتلهم شهاب الدين صبرا وبعث خوارزم شاه إلى الخطا فيما وراء النهر يستنجدهم على شهاب الدين فجمعوا وساروا إلى بلاد الغور وبلغ ذلك شهاب الدين فسار إليهم فلقيهم بالمفازة فهزموه وحصروه في ايدحوى حتى صالحهم وخلص إلى الطالقان وقد كثر الارجاف بموته فتلقاه الحسن بن حرميل صاحب الطالقان وأزاح علله ثم سار إلى غزنة واحتمل ابن حرميل معه خشية من شدة جزعه أن يلحق بخوارزم شاه ويطيعه فولاه حجابته وسار معه ووجد الخلاف قد وقع بين أمرائه لما بلغهم من الارجاف بموته حسبما مر في أخبار الغورية فأصلح من غزنة ومن الهند وتأهب للرجوع لخوارزم شاه وقد وقع في خبر هزيمته أمام الخطا بالمفازة وجه آخر ذكرناه هنالك وهو أنه فرق عساكره في المفازة لقلة الماء فأوقع بهم الخطا منفردين وجاء في الساقة فقاتلهم أربعة أيام مصابرا وبعث إليه صاحب سمرقند من عسكر الخطا وكان مسلما وأشار عليه بالتهويل عليهم فبعث عسكرا من الليل وجاؤا من الغد متسايلين وخوفهم صاحب سمرقند بوصول المدد

[ 101 ]

لشهاب الدين فرجعوا إلى الصلح وخلص هو من تلك الواقعة وذلك سنة احدى وستمائة ومات شهاب الدين اثر ذلك * (استيلاء خوارزم شاه على بلاد الغورية بخراسان) * كان نائب الغورية بهراة من خراسان الحسن بن حرميل ولما قتل شهاب الدين الغورى في رمضان سنة ثنتين وستمائة قام بأمرهم غياث الدين محمود ابن أخيه غياث الدين واستولى على الغور من يد علاء الدين محمد بن أبى على سروركاه ولما بلغ وفاة شهاب الدين إلى الحسن بن حرميل نائب هراة جمع أعيان البلد وقاضيهم واستحلفهم على الامتناع من خوارزم شاه ظاهر اودس إلى خوارزم شاه بالطاعة ويطلب عسكرا يمتنع به من الغورية وبعث ابنه رهينة في ذلك فأنفذ إليه عسكرا من نيسابور وأمرهم بطاعة ابن حرميل وغياث الدين خلال ذلك يكاتب ابن حرميل ويطلبه في الطاعة فيراوغه بالمواعدة وبلغه خبره مع خوارزم شاه فاعتزم على النهوض إليه واستشار ابن حرميل بهراة أعيان البلد يختبر ما عندهم فقال له على بن عبد الخالق مدرس مية وناظر الاوقاف الرأى صدق الطاعة لغياث الدين فقال انما أخشاه فسر إليه وتوثق لى منه ففعل وسار إلى غياث الدين فأطلعه على الجلى من أمر ابن حرميل ووعده الثورة به وكتب غياث الدين إلى نائيه بمرو يستدعيه فتوقف وحمله أهل مرو على المسير فسار فخلع عليه غياث الدين وأقطعه واستدعى غياث الدين أيضا نائبه بالطالقان أميران قطر فتوقف فأقطع الطالقان سونج مملوك ابنه المعروف بأمير شكار وبعث إلى ابن حرميل مع ابن زياد بالخلع ووصل مع رسوله يستنجز خطبته له فمطله أياما حتى وصل عسكر خوارزم شاه من نيسابور ووصل في اثرهم خوارزم شاه وانتهى إلى بلخ على أربعة فراسخ فندم ابن حرميل عندما عاين مصدوقة الطاعة وعرف عسكر خوارزم شاه بأن صاحبهم قد صالح غياث الدين وترك له البلاد فانصرفوا إلى صاحبهم وبعث إليه معهم بالهدايا ولما سمع غياث الدين بوصول عسكر خوارزم شاه إلى هراة أخذ اقطاع بن حرميل وقبض على أصحابه واستصفى أمواله وما كان له من الذخيرة في حروبان وتبين ابن حرميل في أهل هراة الميل إلى غياث الدين والانحراف عنه وخشى من ثورتهم به فأظهر طاعة غياث الدين وجمع أهل البلد على مكاتبته بذلك فكتبوا جميعا وأخرج الرسول بالكتاب ودس إليه بأن يلحق عسكر خوارزم شاه فيردهم إليه فوصل الرسول بهم لرابع يومه ولقيهم ابن حرميل وأدخلهم البلد وسهل ابن زياد الفقيه وأخرج صاعدا القاضى وشيع الغورية فلحقوا بغياث الدين وسلم البلد لعسكر خوارزم شاه وبعث غياث الدين عسكره مع على بن أبى على وسار معه أميران صاحب الطالقان وكان منحرفا

[ 102 ]

عن غياث الدين بسبب عزله فدس إلى ابن حرميل بأن يكبسه وواعده الهزيمة وحلف له على ذلك فكبسه ابن حرميل فانهزم عسكر غياث الدين وأسر كثير من أمرائه وشن ابن حرميل الغارة على بلاد باذغيس وغيرها من البلاد واعتزم غياث الدين على المسير بنفسه إلى هراة ثم شغل عن ذلك بأمر غزنة ومسير صاحب باميان إلى الدوس فأقصر واستظهر خوارزم شاه إلى بلخ وقد كان عند مقتل شهاب الدين أطلق الغورية الذين كان أسرهم في المصاف على خوارزم وخيرهم في المقام عنده أو اللحاق بقومهم واستصفى من أكابرهم محمد بن بشير وأقطعه فلما قصد الآن بلخ قدم إليها أخوه على شاه في العساكر وبرز إليه عمر بن الحسن أميرها فدافعه عنها ونزل على أربعة فراسخ وأرسل إلى أخيه خوارزم شاه بذلك فسار إليه في ذى القعدة من السنة ونزل على بلخ وحاصرها وهم ينتظرون المدد من صاحبهم باميان بن بهاء الدين وقد شغلوا بغزنة فحاصرها خوارزم شاه أربعين يوما ولم يظفر فبعث محمد بن بشير الغورى إلى عماد الدين عمر بن الحسن نائبها يستنزله فامتنع فاعتزم خوارزم شاه على المسير إلى هراة ثم بلغه أن أولاد بهاء الدين أمراء باميان ساروا إلى غزنة وأسرهم تاج الدين الزر فاعاد محمد بن بشير إلى عمر بن الحسين فأجاب إلى طاعة خوارزم شاه والخطبة له وخرج إليه فأعاده إلى بلده وذلك في ربيع سنة ثلاث وستمائة ثم سار خوارزم شاه إلى جوزجان وبها على بن على فنزل له عنها وسلمها خوارزم شاه إلى ابن حرميل لانها كانت من أقطاعه وبعث إلى غياث الدين عمر بن الحسين من بلخ يستدعيه ثم قبض عليه وبعث به إلى خوارزم شاه وسار الى بلخ فاستولى عليها واستخلف عليها جغرى التركي وعاد إلى بلاده * (استيلاء خوارزم شاه على ترمذ وتسليمها للخطا) * ولما أخذ خوارزم شاه بلخ سار عنها إلى ترمذ وبها عماد الدين عمر بن الحسين الذى كان صاحب بلخ وقدم إليه محمد بن على بن بشير بالعذر عن شأن أبيه وانه انما بعثه لخوارزم مكرما وهو أعظم خواصه ويعده بالاطلاع فاتهم على صاحبها أمره واجتمع عليه خوارزم شاه والخطا من جميع جوانبه وأسر أصحابه ملوك باميان بغزنه فاستأمن إلى خوارزم شاه وملك منه البلد ثم سلمها إلى الخطا وهم على كفرهم ليسالموه حتى يملك وينتزعها منهم فكان كاقدره والله سبحانه وتعالى أعلم * (استيلاء خوارزم شاه على الطالقان) * ولما ملك خوارزم شاه ترمذ سار إلى الطالقان وبها سونج واستناب على الطالقان أمير شكار نائب غياث الدين محمود وبعث إليه يستميله ؟ فامتنع وبرز للحرب حتى ترا ؟

[ 103 ]

الجمعان فنزل عن فرسه ونبذ سلاحه وجاء متطارحا في العفو عنه فأغرض عنه وملك الطالقان واستولى على ما فيها وبعث إليه سونج واستناب على الطالقان بعض أصحابه وسار إلى قلاع كالومين ومهوار وبها حسام الدين على بن على فقاتله ودفعه على ناحيته وسار الى هراة وخيم بظاهرها وجاء رسول غياث الدين بالهدايا والتحف ثم جاء ابن حرميل في جمع من عساكر خوارزم شاه إلى اسفراين فملكها على الامان في صفر من السنة وبعث إلى صاحب سجستان وهو حرب بن محمد بن ابراهيم من عقب خلف الذى كان ملكها منذ عهد ابن سبكتكين في الطاعة لخوارزم والخطبة له فامتنع وقصد خوارزم شاه وهو على هراة القاضى صاعد بن الفضل الذى أخرجه ابن حرميل ولحق بغياث الدين فلما جاء إلى خوارزم شاه رماه ابن حرميل بالميل إلى العورية فحبسه بقلعة زوزن وولى القضاء بهراة الصفى أبا بكر بن محمد السرخسى وكان بنوب عن صاعد وابنه في القضاء * (استيلاء خوارزم شاه على مازندان وأعمالها) * ثم توفى صاحب مازندان حسام الدين ازدشير وولى مكانه ابنه الاكبر وطرد أخاه الاوسط فقصد جرجان وبها الملك على شاه ينوب عن أخيه خوارزم شاه محمد بن تكش واستنحده فاستأذن أخاه وسار معه من جرجان سنة ثلاث وستمائة ومات الاخ الذى ولى على مازندان وولى مكانه أخوهما الاصغر ووصل على شاه ومعه أخو صاحب مازندان فعاثوا في البلاد وامتنع الملك بالقلاع مثل سارية وآمد فملكوها من يده وخطب فيها لخوارزم شاه وعاد على شاه إلى جرجان وترك ابن صاحب مازندان الذى استجار به ملكا في تلك البلاد وأخوه بقلعة كوره * (استيلاء خوارزم شاه على ما وراء النهر وقتاله مع الخطا وأسره وخلاصه) * قد تقدم لنا كيف تغلب الخطا على ما وراء النهر منذ هزموا سنجر بن ملك شاه وكانوا أمة بادبة يسكنون الخيام التى يسمونها الخركاوات وهم على دين المجوسية كما كانوا وكانوا موطنين بنواحي أوز كنده وبلاد ساغون وكاشغر وكان سلطان سمرقند وبخاري من ملوك الخانية الاقدمين عريقا في الاسلام والبيت والملك ويلقب خان خاقان بمعنى سلطان السلاطين وكان الخطا وضعوا الجزية على بلاد المسلمين فيما وراء النهر وكثر عبثهم ؟ وثقلت وطأتهم فأنف صاحب بخارى من تحكمهم وبعث إلى خوارزم شاه يستصرخه لحادتهم على أن يحمل إليه ما يحملونه للخطا وتكون له الخطبة والسكة وبعث في ذلك وجوه بخارى وسمرقند فحلفوا له ووضعوا رهائنهم عنده فتجهز لذلك وولى أخاه

[ 104 ]

على شاه على طبرستان مع جرجان وولى على نيسابور الامير كزلك خان من أخواله وأعيان دولته وندب معه عسكرا وولى على قلعة زوزن أمين الدين أبا بكر وكان أصله حمالا فارتفع وترقى في الرتب إلى ملك كرمان وولى على مدينة الجام الامير جلدك وأقر على هراة الحسن بن حرميل وأنزل معه ألفا من المقاتلة واستناب في مرو وسرخس وغيرهما وصالح غياث الدين محمودا على ما بيده من بلاد الغور وكرمسين وجمع عساكر وسار إلى خوارزم فتجهز منها وعبر جيحون واجتمع بسلطان بخارى وسمرقند وزحف إليه الخطا فتواقعوا معه مرات وبقيت الحرب بينهم سجالا ثم انهزم المسلمون وأسر خوارزم شاه ورجعت العساكر إلى خوارزم معلولة وقد أرجف بموت السلطان وكان كزلك خان نائب نيسابور محاصر الهراة ومعه صاحب زوزن فرجعوا إلى بلادهما وأصلح كزلك خان سور نيسابور واستكثر من الجند والاقوات وحدثته نفسه بالاستبداد وبلغ خبر الارجاف إلى أخيه على شاه بطبرستان فدعا لنفسه وقطع خطبة أخيه وكان مع خوارزم شاه حين أسر أمير من أمرائه يعرف بابن مسعود فتحيل للسلطان بأن أظهر نفسه في صورته واتفقا على دعائه باسم السلطان وأوهما صاحبهما الذى أسرهما ان ابن مسعود هو السلطان وان خوارزم شاه خديمه فأوجب ذلك الخطائى حقه وعظمه لاعتقاده انه السلطان وطلب منه بعد أيام أن يبعث ذلك الخديم لاهله وهو خوارزم شاه في الحقيقة ليعرف أهله بخبره ويأتيه بالمال فيدفعه إليه فأذن له الخطائى في ذلك وأطلقه بكتابه ولحق بخوارزم ودخل إليها في يوم مشهود وعلم بما ؟ أخوه على شاه بطبرستان وكزلك خان بنيسابور وبلغهما خبر خلاصه فهرب كزلك خان إلى العراق ولحق على شاه بغياث الدين محمود فأكرمه وأنزله وسار خوارزم شاه إلى نيسابور فأصلح أمورها وولى عليها وسار إلى هراة فنزل عليها وعسكره محاصر دونها وذلك سنة أربع وستمائة والله أعلم * (مقتل ابن حرميل ثم استيلاء خوارزم شاه على هراة) * كان ابن حرميل قد تنكر لعسكر خوارزم شاه الذين كانوا عنده بهراة لسوء سيرتهم فلما عبر خوارزم شاه جيحون واشتغل بقتال الخطا قبض ابن حرميل على العسكر وحبسهم وبعث إلى خوارزم شاه يعتذر ويشكو من فعلهم فكتب إليه يستحسن فعله ويأمره بانفاذ ذلك العسكر إليه ينتفع بهم في قتال الخطا وكتب إلى جلدك بن طغرل صاحب الجام أن يسير إليه بهراة ثقة بفعله وحسن سريرته وأعلم ابن حرميل بذلك ودس إلى جلدك بالتحيل على ابن حرميل بكل وجه والقبض عليه فسار في ألفى مقاتل وكان يهوى ولاية هراة لان أباه طغرل كان واليا بها لسنجر فلما قارب هراة أمر ابن حرميل

[ 105 ]

الناس بالخروج لتلقيه وخرج هو في اثرهم بعد ان أشار عليه وزيره خواجا الصاحب فلم يقبل فلما التقى جلدك وابن حرميل ترجلا عن فرسيهما للسلام وأحاط أصحاب جلدك بابن حرميل وقبضوا عليه وانهزم أصحابه إلى ؟ فأغلق الوزير خواجا الابواب واستعد للحصار وأظهر دعوة غياث الدين محمود وجاء جلدك فناداه من الصور وتهدده بقتل ابن حرميل وجاء بابن حرميل حتى أمره بتسليم البلد لجلدك فأبى وأساء الرد عليه وعلى جلدك فقتل ابن حرميل وكتب إلى خوارزم شاه بالخبر فبعث خوارزم شاه إلى كزلك خان نائب نيسابور وإلى أمين الدين أبى بكر نائب زوزن بالمسير إلى جلدك وحصار هراة معه فسار لذلك في عشرة آلاف فارس وحاصروها فامتنعت وكان خلال ذلك ما قدمناه من انهزام خوارزم شاه أمام الخطا وأسرهم اياه ثم تخلص ولحق بخوارزم ثم جاء إلى نيسابور ولحق بالعساكر الذين يحاصرون هراة فأحسن إلى أمرائهم لصبرهم وبعث إلى الوزير خواجا في تسليم البلد لانه كان يعد عسكره بذلك حين وصوله فامتنع وأساء الرد فشد خوارزم في حصاره وضجر أهل المدينة وجهدهم الحصار وتحدثوا في الثورة فبعث جماعة من الجند للقبض عليه فثاروا بالبلد وشعر جماعة العسكر من خارج بذلك فرجعوا إلى السور واقتحموه وملك البلد ؟ وجئ بالوزير أسيرا إلى خوارزم شاه فأمر بقتله فقتل وكان ذلك سنة خمس وستمائة وولى على هراة خاله أمير ملك وعاد وقد استقر له أمر خراسان (1) * (استيلاء خوارزم شاه على بيروز كوه وسائر بلاد خراسان) * لما ملك خوارزم شاه هراة وولى عليها خاله أمير ملك وعاد إلى خوارزم بعث إلى أمير ملك يأمره بيروز كوه وكان بها غياث الدين محمود بن غياث الدين وقد لحق به أخوه على شاه وأقام عنده فسار أمير ملك وبعث إليه محمود بطاعته ونزل إليه فقبض عليه أمير ملك وعلى على شاه أخى خوارزم شاه وقتلهما جميعا سنة خمس وستمائة وصارت خراسان كلها لخوارزم شاه محمد بن تكش وانقرض أمر الغورية وكانت دولتهم من أعظم الدول وأحسنها والله تعالى ولى التوفيق * (هزيمة الخطا) * ولما استقر أمر خراسان لخوارزم شاه واستنفر وعبر نهر جيحون وسار إليه الخطا وقد احتفلوا للقائه وملكهم يومئذ طانيكوه ابن مائة سنة ونحوها وكان مظفرا مجربا بصيرا بالحرب واجتمع خوارزم شاه وصاحب سمرقند وبخاري وتراجعوا سنة ست وستمائة ووقعت بينهم حروب لم يعهد مثلها ثم انهزم الخطا وأخذ فيهم القتل كل مأخذ

[ 106 ]

وأسر ملكهم طانيكوه فأكرمه خوارزم شاه وأجلسه معه على سريره وبعث به إلى خوارزم وسار هو إلى ما وراء النهر وملكها مدينة مدينة إلى أوركند وأنزل نوابه فيها وعاد إلى خوارزم ومعه صاحب سمرقند فأصهر إليه خوارزم شاه بأخته ورده إلى سمرقند وبعث معه شحنة يكون بسمرقند على ما كان أيام الخطا والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء * (انتقاض صاحب سمرقند) * ولما عاد صاحب سمرقند إلى بلده أقام شحنة خوارزم شاه وعسكره معه نحوا من سنة ثم استقبح سيرتهم وتنكر لهم وأمر أهل البلاد فثاروا بهم وقتلوهم في كل مذهب وهم بقتل زوجته أخت خوارزم شاه فغلقت الابواب دونه واسترحمته فتركها وبعث إلى ملك الخطا بالطاعة وبلغ الخبر إلى خوارزم شاه فامتعض وهم بقتل من في بلده من أهل سمرقند ثم انثنى عن ذلك وأمر عساكره بالتوجه إلى ما وراء النهر فخرجوا أرسالا وهو في أثرهم وعبر بهم النهر ونزل على سمرقند وحاصرها ونصب عليها الآلات وملكها عنوة واستباحها ثلاثا قتل فيها نحوا من مأتى ألف واعتصم صاحبها بالقلعة ثم حاصرها وملكها عنوة وقتل صاحبها صبرا في جماعة من أقرانه ومحا آثار الخانية وأنزل في سائر البلاد وراء النهر نوابه وعاد إلى خوارزم والله تعالى ولى النصر بمنه وفضله * (استلحام الخطا) * قد تقدم لنا وصول طائفة من أمم الترك إلى بلاد تركستان وكاشغر وانتشارهم فيما وراء النهر واستخدموا للملوك الخانية أصحاب تركستان وكان ارسلان خان محمد بن سليمان ينزلهم مسالح على الريف فيما بينه وبين الصين ولهم على ذلك الاقطاعات والجرايات وكان يعاقبهم على ما يقع منهم من الفساد والعيث في البلاد ويوقع بهم ففروا من بلاده وابتغوا ؟ عنه فسيحا من الارض ونزلوا بلاد ساغون ثم خرج كوخان ملك الترك الاعظم من الصين سنة ثنتين وعشرين وخمسمائة فسارت إليه أمم الخطا ولقيهم الخان محمود بن محمد بن سليمان بن داود بقراخان وهو ابن أخت السلطان سنجر فهزموه وبعث بالصريخ إلى خاله سنجر فاستنفر ملوك خراسان وعساكر المسلمين وعبر جيحون للقائهم في صفر سنة ست وثلاثين ولقيه أمم الترك والخطا فهزموه وأثخنوا في المسلمين وأسرت زوجة السلطان سنجر ثم أطلقها كوخان بعد ذلك وملك الترك بلاد ما وراء النهر ثم مات كوخان ملكهم سنة سبع وثلاثين ووليت بعده ابنته وماتت قريبا وملكت من بعدها أمها زوجة كوخان وابنه محمد ثم انقرض ملكهم واستولى الخطا على ما وراء

[ 107 ]

النهر إلى أن غلبهم عليه خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش كما قدمنا وكانت قد خرجت قبل ذلك خارجة عظيمة من الترك يعرفون بالتتر ونزلوا في حدود الصين وراء تركستان وكان ملكهم كشلى خان ووقع بينه وبين الخطا من العداوة والحروب ما يقع بين الامم المتجاورة فلما بلغهم ما فعله خوارزم شاه بالخطا أرادوا الانتقام منهم وزحف كشلى في أمم التتر إلى الخطا لينتهز الفرصة فيهم فبعث الخطا إلى خوارزم شاه يتلطفون له ويسألونه النصر من عدوهم قبل أن يستحكم أمرهم وتضيق عنه قدرته وقدرتهم وبعث إليه كشلى يغريه بهم وأن يتركه واياهم ويحلف له على مسالمة بلاده فسار خوارزم شاه يوهم كل واحد من الفريقين انه له وأقام منتبذا عنهما حتى تواقعوا وانهزم الخطا فمال مع التتر عليهم واستلحموهم في كل وجه ولم ينج منهم الا القليل فتحصنوا بين جبال في نواحى تركستان وقليل آخرون لحقوا بخوارزم شاه كانوا معه وبعث خوارزم شاه إلى كشلى خان ملك التتر يعتد عليه بهزيمة الخطا وانها انما كانت بمظاهرته فأظهر له الاعتراف وشكره ثم نازعه في بلادهم وأملاكهم وسار لحربهم ثم علم انه لا طاقة له بهم فمكث يراوغهم على اللقاء وكشلى خان يعذله في ذلك وهو ؟ واستولى كشلى خان خلال ذلك على كاشغر وبلاد تركستان وساغون ثم عمد خوارزم شاه إلى الشاش وفرعانة واسحان وكاشان وما حولها من المدن التى لم يكن في بلاد الله انزه منها ولا أحسن عمارة فجلا أهلها إلى بلاد الاسلام وخرب جميعها خوفا أن يملكها التتر ثم اختلف التتر بعد ذلك وخرج على كشلى طائفة أخرى منهم يعرفون بالمغل وملكهم جنكزخان فشغل كشلى خان بحربهم عن خوارزم شاه فعبر النهر إلى خراسان وترك خوارزم شاه إلى أن كان من أمره ما نذكره والله تعالى أعلم * (استيلاء خوارزم شاه على كرمان ومكران والسند) * قد تقدم لنا أنه كان من جملة أمراء خوارزم شاه تكش تاج الدين أبو بكر وانه كان كريا للدواب ثم ترقت به الاحوال إلى أن صار سروان لتكش والسروان مقدم الجهاد ثم تقدم عنده لجلده واماتته وصار أميرا وولاه قلعة زوزن ثم تقدم عند علاء الدين محمد بن تكش واختصه فأشار عليه بطلب بلاد كرمان لما كانت مجاورة لوطنه فبعث معه عسكرا وسار إلى كرمان سنة ثنتى عشرة وصاحبها يومئذ محمد بن حرب أبى الفضل الذى كان صاحب سجستان أيام السلطان سنجر فغلبه على بلاده وملكها ثم سار إلى كرمان وملكها كلها إلى السند من نواحى كابل وسار إلى هرمز من مدن فارس بساحل البحر واسم صاحبها مكيك فأطاعه وخطب لخوارزم شاه وضمن ما لا يحمله وخطب له بقلعات وبعض عمان من وراء النهر لانهم كانوا يتقربون إلى

[ 108 ]

صاحب هرمز بالطاعة وتسير سفنهم بالتجار إلى هرمز لانه المرسى العظيم الذى تسا ؟ إليه التجار من الهند والصين وكان بين صاحب هرمز وصاحب كيش ومغاورات وفتن وكل واحد منهما ينهى مراكب بلاده أن ترسى ببلاد الآخر وكان خوارزم شاه يطيف بنواحي سمرقند خشية أن يقصد التتر أصحاب كشلى خان بلاده * (استيلاء خوارزم شاه ؟ لى غزنة وأعمالها) * ولما استولى خوارزم شاه محمد بن تكش على بلاد خراسان وملك باميان وغيرها وبعث تاج الدين المرز صاحب غزنة وقد تغلب عليها بعد ملوك الغورية وقد تقدم في أخبار دولتهم فبعث إليه في الخطبة له وأشار عليه كبير دولته قطلغ تكين مولى شهاب الدين الغورى وسائر أصحابه بالاجابة إلى ذلك فخطب له ونقش السكة باسمه وسار قنصيرا وترك قطلغ تكين بغزنة نائبا عنه فبعث قطلغ تكين لخوارزم شاه يستدعيه فأغذله السير وملك غزنة وقلعتها وقتل الغورية الذين وجدوا بها خصوصا الاتراك وبلغ الخبر المرز فهرب إلى أساون ثم أحضر خوارزم شاه قطلغ ووبخه على قلة وفائه لصاحبه وصادره على ثلاثين حملا من أصناف الاموال والامتعة وأربعمائة مملوك ثم قتله وعاد إلى خوارزم وذلك سنة ثلاث عشرة وستمائة وقيل سنة ثنتى عشرة بعد ان استخلف عليها ابنه جلال الدين منكبرس والله أعلم بغيبه وأحكم * (استيلاء خوارزم شاه على بلاد الجبل) * كان خوارزم شاه محمد بن تكش قد ملك الرها وهمذان وبلاد الجبل كلها أعوام تسعين وخمسمائة من يد قطلغ آبنايخ بقية أمراء السلجوقية ونازعه فيها ابن القصاب وزير الخليفة الناصر فغلبه خوارزم شاه وقتله كما مر في أخباره ثم شغل عنها تكش إلى أن توفى وذلك سنة سبع وتسعين وصار ملكه لابنه علاء الدين محمد بن تكش وتغلب موالى البهلوان على بلاد الجبل واحدا بعد واحد ونصبوا أزبك بن مولاهم البهلوان ثم انتقضوا عليه وخطبوا لخوارزم شاه وكان آخر من ولى منهم أغماش وأقام بها مدة يخطب لعلاء الدين محمد بن تكش خوارزم شاه ثم وثب عليه بعض الباطنية وطمع أزبك بن محمد البهلوان بقية الدولة السلجوقية باذربيجان واران في الاستيلاء على أعمال اصبهان والرى وهمذان وسائر بلاد الجبل وطمع سعد بن زنكى صاحب فارس ويقال سعد بن دكلا في الاستيلاء عليها أيضا كذلك وسار في العساكر فملك أزبك اصبهان بممالاة أهلها وملك سعد الرى وقزوين وسمنان وطار الخبر إلى خوارزم شاه باصبهان بسمرقند فسار في العساكر سنة أربع عشرة وستمائة في مائة ألف بعد ان جهز

[ 109 ]

العساكر فيما وراء النهر وبثغور الترك وانتهى إلى قومس ففارق العساكر وسار متجردا في اثنى عشر ألفا فلما ظفرت مقدمته بأهل الرى وسعد مخيم بظاهرها ركب للقتال بظن انه السلطان ثم تبين الآلة والمركب واستيقن انه السلطان فولت عساكره منهزمة وحصل في أسر السلطان وبلغ الخبر إلى أزبك باصبهان فسار إلى همذان ثم عدل عن الطريق في خواصه وركب الاوعار إلى اذربيجان وبعث وزيره أبا القاسم بن على بالاعتذار فبعث إليه في الطاعة فأجابه وحمله الضريبة فاعتذر بقتال الكرج وأما سعد صاحب فارس فبلغ الخبر بأسره إلى ابنه نصرة الدين أبى بكر فهاج بخلعان أبيه وأطلق السلطان سعدا على أن يعطيه قلعة اصطخر ويحمل إليه ثلث الخراج وزوجه بعض قرابته وبعث معه من رجال الدولة من يقبض اصطخر فلما وصل إلى شيراز وجد ابنه منتقضا فداخله بعض أمراء ابنه وفتح له باب شيراز ودخل على ابنه واستولى على ملكه وخطب لخوارزم شاه واستولى خوارزم شاه على شاورة وقزوين وجرجان وابهر وهمذان واصبهان وقم وقاشان وسائر بلاد الجبل واستولى عليها كلها من أصحابها واختص الامير طائيين بهمذان وولى ابنه ركن الدولة ياور شاه عليهم جميعا وجعل معه جمال الدين محمد بن سابق الشاوى وزيرا * (طلب الخطبة وامتناع الخليفة منها) * ثم بعد ذلك بعث خوارزم شاه محمد بن تكش إلى بغداد يطلب الخطبة بها من الخليفة كما كانت لبنى سلجوق وذلك سنة أربع عشرة وذلك لما رأى من استفحال أمره واتساع ملكه فامتنع الخليفة من ذلك وبعث في الاعتذار عنه الشيخ شهاب الدين السهروردى فأكبر السلطان مقدمه وقام لتلقيه وأول ما بدأ به الكلام على حديث وجلس على ركبتيه لاستماعه ثم تكلم وأطال وأجاد وعرض بالموعظة في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم في بنى العباس وغيرهم والتعرض لاذايتهم فقال السلطان حاش لله من ذلك وأنا ما آذيت أحدا منهم وأمير المؤمنين كان أولى منى بموعظة الشيخ فقد بلغني أن في محبسه جماعة من بنى العباس مخلدين بتناسلون فقال الشيخ الخليفة إذا حبس أحدا للاصلاح لا يعترض عليه فيه فما بويع الا للنظر في المصالح ثم ودعه السلطان ورجع إلى بغداد وكان ذلك قبل أن يسير إلى العراق فلما استولى على بلاد الجبل وفرغ من أمرها سار إلى بغداد وانتهى إلى عقبة سراباد وأصابه هنالك ثلج عظيم أهلك الحيوانات وعفن أيدى الرجال وأرجلهم حتى قطعوها ووصله هنالك شهاب الدين السهروردى ووعظه فندم ورجع عن قصده فدخل إلى خوارزم سنة خمس عشرة والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق

[ 110 ]

* (قسمة السلطان خوارزم شاه الملك بين ولده) * ولما استكمل السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش ملكه بالاستيلاء على الرى وبلاد الجبل قسم أعمال ملكه بين ولده فجعل خوارزم وخراسان ومازندان لولى عهده قطب الدين أولاغ شاه وانما كان ولى عهده دون ابنه الاكبر جلال الدين منكبرس لان أم قطب الدين وأم السلطان وهى تركمان خاتون من قبيلة واحدة وهم فياروت من شعوب يمك احدى بطون الخطا فكانت تركمان خاتون متحكمة في ابنها السلطان محمد ابن تكش وجعل غزنة وباميان والغور وبست ومكسامادوما من الهند لابنه جلال الدين منكبرس وكرمان وكيس ومكرمان لابنه غياث الدين يترشاه وبلاد الجبل لابنه ركن الدين غورشاه كما قدمناه وأذن لهم في ضرب النوب الخمس له وهى دبادب صغار تقرع عقب الصلوات الخمس واختص هو بنوبة سماها نوبة ذى القرنين سبع وعشرين دبدبة كانت مصنوعة من الذهب والفضة مرصعة بالجواهر هكذا ذكر الوزير محمد ابن أحمد السنوي المنشى كاتب جلال الدين منكبرس في أخباره وأخبار أبيه علاء الدين محمد بن تكش وعلى كتابه اعتمدت دون غيره لانه أعرف بأخبارهما وكانت كرمان ومكران وكيش لمؤيد الملك قوام الدين وهلك منصرف السلطان من العراق فأقطعها لابنه غياث الدين كما قلناه وكان الملك هذا سوقة فأصبح ملكا وأصل خبره ان أمه كانت داية في دار نصرة الدين محمد بن أبز صاحب زوزن ونشأ في بيته واستخدمه وسفر عنه للسلطان فسعى به أنه من الباطنية ثم رجع فخوفه من السلطان بذلك فانقطع نصرة الدين إلى الاسماعيلية وتحصن ببعض قلاع زوزن وكتب قوام الدين بذلك إلى السلطان فجعل إليه وزارة زوزن وولاية جبايتها ولم يزل يخادع صاحبه نصرة الدين إلى أن راجع فتمكن من السلطان وسمله ثم طمع قوام الدين في ملك كرمان وكان بها أمير من بقية الملك دينار وأمده السلطان بعسكر من خراسان فملك كرمان وحسن موقع ذلك من السلطان فلقبه مؤيد الملك وجعلها في أقطاعه ولما رجع السلطان من العراق وقد نفقت جماله بعث إليه بأربعة آلاف بختى وتوفى أثر ذلك فرد السلطان أعماله إلى ابنه غياث الدين كما قلناه وحمل من تركته إلى السلطان سبعون حملا من الذهب خلا الاصناف * (أخبار تركمان خاتون أم السلطان محمد بن تكش) * كانت تركمان خاتون أم السلطان محمد بن تكش من قبيلة بياروت من شعوب الترك يمك من الخطا وهى بنت خان حبكش من ملوكهم تزوجها السلطان خوارزم شاه تكش

[ 111 ]

فولدت له السلطان محمدا فلما ملك لحق بها طوائف يمك ومن جاورهم من الترك واستظهرت بهم وتحكمت في الدولة فلم يملك السلطان معها أمره وكانت تولى في النواحى من جهتها كما يولى السلطان وتحكم بين الناس وتنصف من الظلامات وتقدم على الفتك والقتل وتقيم معاهد الخير والصدقة في البلاد وكان لها سبعة من الموقعين يكتبون عنها وإذا عارض توقيعها لتوقيع السلطان عمل بالمتأخر منهما وكان لقبها خداوند جهان أي صاحبة العالم وتوقيعها في الكتاب عصمة الدنيا والدين اولاغ تركمان ملك نساء العالمين وعلامتها اعتصمت بالله وحده تكتبها بقلم غليظ وتجود كتابتها أن تزور عليها واستوزرت للسلطان وزيره نظام الملك وكان مستخدما لها فلما عزل السلطان وزيره أشارت عليه بوزارة نظام الملك هذا فوزر له على كره من السلطان وتحكم في الدولة بتحكمها ثم تنكر له السلطان لامور بلغته عنه وعزله فاستمر على وزارتها وكان شأنه في الدولة أكبر وشكاه إليه بعض الولاة بنواحي خوارزم أنه صادره فأمر بعض خواصه بقتله فمنعته تركمان من ذلك وبقى على حاله وعجز السلطان عن انفاذ أمره فيه والله يؤيد بنصره من يشاء * (خروج التتر وغلبهم على ما وراء النهر وفرار السلطان أمامهم من خراسان) * ولما عاد السلطان من العراق سنة خمس عشرة كما قدمناه واستقر بنيسابور وفدت عليه رسل جنكرخان بهدية من المعدنين ونوافج المسك وحجر البشم والثياب الطائية التى تنسج من وبر الابل البيض ويخبر أنه ملك الصين وما يليها من بلاد الترك ويسأل الموادعة والاذن للتجار من الجانبين في التردد في متاجرهم وكان في خطابه اطراء السلطان بأنه مثل أعز أولاده فاستنكف السلطان من ذلك واستدعى محمودا الخوارزمي من الرسل واصطنعه ليكون عينا له على جنكزخان واستخبره على ما قاله في كتابه من ملكه الصين واستيلائه على مدينة طوغاج فصدق ذلك ونكر عليه الخطاب بالولد وسأله عن مقدار العساكر فغشه وقللها وصرفهم السلطان بما طلبوه من الموادعة والاذن للتجار فوصل بعض التجار من بلادهم إلى انزار وبها نيال خان ابن خال السلطان في عشرين ألفا من العساكر فشره إلى أموالهم وخاطب السلطان بأنهم عيون وليسوا بتجار فأمره بالاحتياط عليهم فقتلهم خفية وأخذ أموالهم وفشا الخبر إلى جنكزخان فبعث بالنكير إلى السلطان في نقض العهد وان كان فعل نيال افتياتا فبعث إليه يتهدده على ذلك فقتل السلطان الرسل وبلغ الخبر إلى جنكزخان فسار في العساكر واعتزم السلطان أن يحصن سمرقند بالاسوار فجبى لذلك خراج سنتين وجبى ثالثة استخدم بها الفرسان وسار إلى احياء جنكزخان فكبسهم وهو غائب عنها في محاربة كشلى خان

[ 112 ]

فغنم ورجع واتبعهم ابن جنكزخان فكانت بينهم واقعة عظيمة هلك فيها كثير من الفريقين ولجأ خوارزم شاه إلى جيحون فأقام عليه ينتطر شأن التتر ثم عاجله جنكزخان فأجفل وتركها وفرق عساكره في مدن ما وراء النهر انزار وبخاري وسمرقند وترمذ وجند وأنزل آبنايخ من كبراء أمرائه وحجاب دولته في بخارى وجاء جنكزخان إلى انزار فحاصرها وملكها غلابا وأسر أميرها نيال خان الذى قتل التجار وأذاب الفضة في أذنيه وعينيه ثم حاصر بخارى وملكها على الامان وقاتلوا مع القلعة حتى ملكوها ثم عذر بهم وقتلهم وسلبهم وخربها ورحل جنكزخان إلى سمرقند ففعلوا فيها مثل ذلك سنة تسع عشرة وستمائة ثم كتب كتبا على لسان الامراء قرابة أم السلطان يستدعون جنكزخان ويعدها بزيادة خراسان إلى خوارزم وبعث من يستخلفه على ذلك وبعث الكتب مع من يتعرض بها للسلطان فلما قرأها ارتاب بأمه وبقرابتها * (اجفال السلطان خوارزم شاه إلى خراسان ثم إلى طبرستان ومهلكه) * ولما بلغ السلطان استيلاء جنكزخان على انزار وبخاري وسمرقند وجاءه نائب بخارى ناجيا في الفل أجفل حينئذ وعبر جيحون ورجع عنه طوائف الخطا الذين كانوا معه وعلاء الدين صاحب قيدر وتخاذل الناس وسرح جنكزخان العساكر في أثره نحوا من عشرين ألفا يسميهم التتر المغربة لسيرهم نحو غرب خراسان فتوغلوا في البلاد وانتهوا إلى بلاد بيجور واكتسحوا كل ما مروا عليه ووصل السلطان إلى نيسابور فلم يثبت بها ودخل إلى ناحية العراق بعد أن أودع أمواله قال المنشى في كتابه حدثنى الامير تاج الدين البسطامى قال لما انتهى خوارزم شاه في مسيره إلى العراق استحضرني وبين يديه عشرة صناديق مملوأة لآلئ لا تعرف قيمتها وقال في اثنين منها فيهما من الجواهر ما يساوى خراج الارض باسرها وأمرني بحملها إلى قلعة اردهز من أحصن قلاع الارض وأخذت خط يد الموالى بوصولها ثم أخذها التتر بعد ذلك حين ملكوا العراق انتهى ولما ارتحل خوارزم شاه من نيسابور قصد مازندان والتتر في أثره ثم انتهى إلى أعمال همذان فكبسوه هناك ونجا إلى بلاد الجبل وقتل وزيره عماد الملك محمد بن واقام هو بساحل البحر بقرية عند الفريضة يصلى ويقرأ ويعاهد الله على حسن السيرة ثم كبسه التتر أخرى فركب البحر وخاضوا في أثره فغلبهم الماء ورجعوا ووصلوا إلى جزيرة في بحر طبرستان فأقام بها وطرقه المرض فكان جماعة من أهل مازندان يمرضونه ويحمل إليه كثيرا من حاجته فيوقع لحاملها بالولايات والاقطاع وأمضى ابنه جلال الدين بعد ذلك جميعها ثم هلك سنة سبع عشرة وستمائة ودفن بتلك الجزيرة لاحدى وعشرين سنة من ملكه بعد أن عهد لابنه جلال الدين منكبرس وخلع ابنه الاصغر

[ 113 ]

قطب الدين أولاغ شاه ولما بلغ خبرا جفاله إلى أمه تركمان خاتون بخوارزم خرحت هاربة بعد أن قتلت نحوا من عشرين من الملوك والاكابر المحبوسين هنالك ولحقت بقلعة ايلان من قلاع مازندان فلما رجع التتر المغربة عن السلطان خوارزم شاه بعد ان خاض بحر طبرستان إلى الجزيرة التى مات بها فقصدوا مازندان وملكوا قلاعها على ما فيها من الامتناع ولقد كان فتحها تأخر إلى سنة تسعين أيام سليمان بن عبد الملك فملكوها واحدة واحدة وحاصروا تركمان خاتون في قلعة ايلان إلى أن ملكوا القلعة صلحا وأسروها وقال ابن الاثير انهم لقوها في طريقها إلى مازندان فأحاطوا بها وأسروها ومن كان معها من بنات السلطان وتزوجهن التتر وتزوج دوش خان بن جنكزخان باحداهن وبقيت تركمان خاتون أسيرة عندهن في خمول وذل وكانت تحضر سماط جنكزخان كاحداهن وتحمل قوتها منه وكان نظام الملك وزير السلطان مع أمه تركمان خاتون فحصل في قبضة جنكزخان وكان عندهم معظما لما بلغهم من تنكر السلطان له وكانوا يشاورونه في أمر الجباية فلما استولى دوش خان على خوارزم وجاء بحرم السلطان الذين كانوا بها وفيهن مغنيات فوهب احداهن لبعض خدمه فمنعت نفسها منه ولجأت للوزير نظام الملك فشكاه ذلك الخادم لجنكزخان ورماه بالجارية فأحضره جنكزخان وعدد عليه خيانة استاذه وقتله [ مسير التتر بعد مهلك خوارزم شاه من العراق إلى اذربيجان وما وراءها من البلاء هنالك ] ولما وصل التتر إلى الرى في طلب خوارزم شاه محمد بن تكش سنة سبع عشرة وستمائة ولم يجدوه عادوا إلى همذان واكتسحوا ما مروا عليه وأخرج إليهم أهل همذان ما حضرهم من الاموال والثياب والدواب فأتوهم ثم ساروا إلى زنجان ففعلوا كذلك ثم إلى قزوين فامتنعوا منهم فحاصروها وملكوها عنوة واستباحوها ويقال ان القتلى بقزوين زادوا على أربعين ألفا ثم هجم عليهم الشتاء فساروا إلى اذربيجان على شأنهم من القتل والاكتساح وصاحبها يومئذ أزبك بن البهلوان مقيم بتبريز عاكف على لذاته فراسلهم وصانعهم وانصرفوا إلى بوقان ليشتوا بالسواحل ومروا إلى بلاد الكرج فجمعوا لقتالهم فهزمهم التتر وأثخنوا فيهم فبعثوا إلى ازبك صاحب اذربيجان والى الاشرف بن العادل بن أيوب صاحب خلاط والجزيرة يطلبون اتصال أيديهم على مدافعة التتر وانضاف إلى التتر اقرش من موالى ازبك واليه جموع من التركمان والاكراد وسار مع التتر إلى الكرج واكتسحوا بلادهم وانتهوا إلى بلقين وسار إليهم الكرج فلقيهم اقرش أولا ثم لقيهم التتر فانهزم الكرج وقتل منهم ما لا يحصى

[ 114 ]

وذلك في ذى القعدة من سنة سبع عشرة ثم عاد التتر إلى مراغة ومروا بتبريز فصانعهم صاحبها كعادته وانتهوا إلى مراغة فقاتلوها أياما وبها امرأة تملكها ثم ملكوها في صفر سنة ثمانى عشرة واستباحوها ثم رحلوا عنها إلى مدينة اربل وبها مظفر الدين بن فاستمد بدر الدين صاحب الموصل فأمده بالعساكر ثم هم بالخروج لحفظ الدروب على بلاده فجاءت كتب الخليفة الناصر إليهم جميعا بالمسير إلى دقوقا ليقيموا بها مع عساكره ويدافع عن العراق وبعث معهم بشتمر كبير امرائه وجعل المقدم على الجميع مظفر الدين صاحب اربل فخاموا عن لقاء التتر وخام التتر عن لقائهم وساروا إلى همذان وكان لهم بها شحنة منذ ملكوها أولا فطالبوه بفرض المال على أهلها وكان رئيس همذان شريفا علويا قديم الرياسة بها فحضهم على ذلك فضجروا وأساؤا الرد عليه وأخرجوا الشحنة وقاتلوا التتر وغضب العلوى فتسلل عنهم إلى قلعة بقربها فامتنع وزحف التتر إلى البلد فملكوه عنوة واستباحوه واستلحموا أهله ثم عادوا إلى اذربيجان فملكوا ادربيل واستباحوها وخربوها وساروا إلى تبريز وقد فارقها ازبك بن البهلوان صاحب اذربيجان واران وقصد لقجوان وبعث بأهله وحرمه إلى حوى فرارا من التتر لعجزه وانهماكه فقام بأمر تبريز شمس الدين الطغرائي وجمع أهل البلد واستعد للحصار فأرسل إليه التتر في المصانعة فصانعهم وساروا إلى مدينة سوا فاستباحوها وخربوها وساروا إلى بيلقان فحاصروها وبعثوا إلى أهل البلد رجلا من أكابرهم يقرر معهم في المصانعة والصلح فقتلوه فأسرى التتر في حصارهم وملكوا البلد عنوة في رمضان سنة ثمان عشرة واستلحموا أهلها وأفحشوا في القتل والمثلة حتى بقروا البطون على الاجنة واستباحوا جميع الضاحية قتلا ونهبا وتخريبا ثم ساروا إلى قاعدة اران وهى كنجة ورأوا امتناعها فطلبوا المصانعة من أهلها فصانعوهم ولما فرغوا من أعمال اذربيحان واران ساروا إلى بلاد وكانوا قد جمعوا لهم واستعدوا ووقعوا في حدود بلادهم فقاتلهم التتر فهزموهم إلى بلقين قاعدة ملكهم فجمعوا هنالك ثم خاموا عن لقائهم لما رأوا من اقتحامهم المضائق والجبال فعادوا إلى بلقين واستولى التتر على نواحيها فخربوها كيف شاؤا ولم يقدروا على التوغل فيها لكثرة الاوعار والدوسرات فعادوا عنها ثم قصدوا درنبر شروان وحاصروا مدينة سماهى وفتكوا في أهلها ووصلوا إلى السور فعالوه باشلاء القتلى حتى ساموه واقتحموا البلد فأهلكوا كل من فيه ثم قصدوا الدرنبر فلم يطيقوا عبوره فأرسلوا إلى شروان في الصلح فبعث إليهم رجالا من أصحابه فقتلوا بعضهم واتخذوا الباقين أذلاء فسلكوا بهم درنبر شروان وخرجوا إلى الارض الفسيحة وبها أمم القفجاق واللان واللكن وطوائف من الترك

[ 115 ]

مسلمون وكفار فأوقعوا بتلك الطوائف واكتسحوا عامة البسائط وقاتلهم قفجاق واللان ودافعوهم ولم يطق التتر مغالبتهم ورجعوا وبعثوا إلى القفجاق وهم واثقون بمسالمتهم فأوقعوا بهم وجر من كان بعيدا منهم إلى بلاد الروس واعتصم آخرون بالجبال والغياض واستولى التتر على بلادهم وانتهوا إلى مدينتهم الكبرى سراى على بحر نيطش المتصل بخليج القسطنطينية وهى مادتهم وفيها تجارتهم فملكها التتر وافترق أهلها في الجبال وركب بعضهم إلى بلاد الروم في ايالة بني فليح ارسلان ثم سار التتر سنة عشر وستمائة من بلاد قفجاق إلى بلاد الروس المجاورة لها وهى بلاد فسيحة وأهلها يدينون بالنصرانية فساروا إلى مدافعتهم في تخوم بلادهم ومعهم جموع من القفجاق سافروا إليهم فاستطرد لهم التتر مراحل ثم كروا عليهم وهم غارون فطاردهم القفجاق والروم أياما ثم انهزموا وأثخن التتر فيهم قتلا وسبيا ونهبا وركبوا السفن هاربين إلى بلاد المسلمين وتركوا بلادهم فاكتسحها التتر ثم عادوا إليها وقصدوا بلغار أواخر السنة واجتمع أهلها وساروا للقائهم بعد أن أكمنوا لهم ثم استطردوا أمامهم وخرج عليهم الكمناء من خلفهم فلم ينج منهم الا القليل وارتحلوا عائدين إلى جنكزخان بأرض الطالقان ورحع القفجاق إلى بلادهم واستقروا فيها والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء * (أخبار خراسان بعد مهلك خوارزم شاه) * قد كنا قدمنا مهلك خوارزم شاه ومسير هؤلاء التتر المغربة في طلبه ثم انتهائهم بعد مهلكه إلى النواحى التى ذكرناها وكان جنكزخان بعد اجفال خوارزم شاه من جيحون وهو سمرقند قد بعث عسكرا إلى ترمذ فساروا منها إلى كلات من أحصن القلاع إلى جانب جيحون فاستولوا عليها وأوسعوها نهبا وسير عسكرا آخر إلى فرغانة وكذلك عسكرا آخر إلى خوارزم وعسكرا آخر إلى خوزستان فعبر عسكر خراسان إلى بلخ وملكوها على الامان سنة سبع وستمائة ولم يعرضوا لها بعيث وأنزلوا شحنتهم بها ثم ساروا إلى زوزن وميمنة وايدخوى وفارياب فملكوها وولوا عليها ولم يعرضوا لاهلها بأذى وانما استنفروهم لقتال البلد معهم ثم ساروا إلى الطالقان وهى ولاية متسعة فقصدوا قلعة صور كوه من أمنع بلادها فحاصروها ستة أشهر وامتنعت عليهم فسار إليهم جنكزخان بنفسه وحاصرها أربعة أشهر أخرى حتى إذا رأى امتناعها أمر بنقل الخشب والتراب حتى اجتمع منه تل مشرف على البلد واستيقن أهل البلد الهلكة واجتمعوا وفتحوا الباب وصدقوا الحملة فنجا الخيالة وتفرقوا في الجبال والشعاب وقتل الرجالة ودخل التتر البلد فاستباحوها ثم بعث جنكزخان صهره قفجاق قوين إلى خراسان ومرواسا وقاتلوها فامتنعت عليهم وقتل قفجاق قوين فاقاموا على حصارها

[ 116 ]

وملكوها عنوة واستباحوها وخربوها ويقال قتل فيها أزيد من سبعين ألفا وجمع فكان كالتلال العظيمة وكان رؤساؤها بنى حمزة بخوارزم منذ ملكها خوارزم شاه تكش فعاد إليها اختيار الدين جنكى بن عمر بن حمزة وبو عمه وضبطوها ثم بعث جنكزخان ابنه في العساكر إلى مدينة مرو واستنفر أهل البلاد التى ملكوها قبل مثل بلخ واخواتها وكان الناجون من هذه الوقائع كلها قد لحقوا بمرو واجتمع بها ما يزيد على مائتي ألف وعسكروا بطاهرها لا يشكون في الغلب فلما قاتلهم التتر صابروهم فوجدوا في مصابرتهم ما لم يحتسبوه فولوا منهزمين وأثخن التتر فيهم ثم حاصروا البلد خمسة أيام وبعثوا إلى أميرها يستميلونه للنزول عنها فاستأمن إليهم وخرج فأكرموه أولا ثم أمروا باحضار جنده للعرض حتى استكملوا وقبضوا عليهم ثم استكتبوه رؤساء البلد وتجاره وصناعه على طبقاتهم وخرج أهل البلد جميعا وجلس لهم جنكزخان على كرسى من ذهب فقتل الجند في صعبد واحد وقسم العامة رجالا وأطفالا ونساء بين الجند فاقتسموهم وأخذوا أموالهم وامتحنوهم في طلب المال ونبشوا القبور في طلبه ثم أحرقوا البلد وتربة السلطان سنجر ثم استلحم في اليوم الرابع أهل البلد جميعا يقال جميعا يقال كانوا سبعمائة ثم ساروا إلى نيسابور وحاصروها خمسا ثم اقتحموها عنوة وفعلوا فيها فعلهم في مرو أو أشد ثم بعثوا عسكرا إلى طوس وفعلوا فيها مثل ذلك وخربوها وخربوا مشهد علي بن موسى الرضا ثم ساروا إلى هراة وهى من أمنع البلاد فحاصروها عشرا وملكوها وأمنوا من بقى من أهلها وأنزلوا عندهم شحنة وساروا لقتال جلال الدين بن خوارزم شاه كما يذكر بعد فوثب أهل هراة على الشحنة وقتلوه فلما رجع التتر منهزمين اقتحموا البلد واستباحوه وخربوه وأحرقوه ونهبوا نواحيه اجمع وعادوا إلى جنكزخان بالطالقان وهو يرسل السرايا في نواحى خراسان حتى أتوا عليها تخريبا وكان ذلك كله سنة سبع عشرة وبقيت خراسان خرابا وتراجع أهلها بعض الشئ فكانوا فوضى واستبد آخرون في بعض مدنها كما نذكر ذلك في أماكنه والله أعلم [ أخبار السلطان جلال الدين منكبرس مع التتر بعد مهلك خوارزم شاه واستقراره بغزنة ] ولما توفى السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش بجزيرة بحر طبرستان ركب ولده البحر إلى خوارزم يقدمهم كبيرهم جلال الدين منكبرس وقد كان وثب بها بعد منصرف تركمان خاتون أم خوارزم شاه رجل من العيارين فضبطها وأساء السيرة وانطلقت إليها أيدى العيارين ووصل بعض نواب الديوان فأشاعوا موت السلطان ففر

[ 117 ]

العيارون ثم جاء جلال الدين واخوته واجتمع الناس إليهم فكانوا معهم سبعة آلاف من العساكر أكثرهم اليارونية قرابة أم خوارزم شاه فمالوا إلى أولاغ شاه وكان ابن أختهم كما مر وشاوروا في الوثوب بجلال الدين وخلعه ونمى الخبر إليه فسار إلى خراسان في ثلثمائة فارس وسلك المفازة إلى بلد نسا فلقى هنالك رصدا من التتر فهزمهم ولجأ فلهم إلى نسا وكان بها الاسير اختيار زنكى بن محمد بن عمر بن حمزة قد رجع إليها من خوارزم كما قدمناه وضبطها فاستلحم فل التتر وبلغ وبعث إلى جلال الدين بالمدد فسار إلى نيسابور ثم وصلت عساكر التتر إلى خوارزم بعد ثلاث من مسير جلال الدين فأجفل أولاغ واخوته وساروا في اتباعه ومروا بنسا فسار معهم اختيار الدين صاحبها واتبعتهم عساكر التتر فأدركوهم بنواحي خراسان وكبسوهم فقتل أولاغ شاه وأخوه انشاه واستولى التتر على ما كان معهم من الاموال والذخائر وافترقت في أيدى الجند والفلاحين فبيعت بأبخس الاثمان ورجع اختيار الدين زنكى إلى نسا فاستبد بها ولم يسم إلى مراسم الملك وكتب له جلال الدين بولايتها فراجع أحوال الملك ثم بلغ الخبر إلى جلال الدين بزحف التتر إلى نيسابور وأن جنكزخان بالطالقان نيسابور إلى بست واتبعه نائب هراة أمر ملك ابن خال السلطان خوارزم شاه في عشرة آلاف فارس هاربا أمام التتر وقصد سجستان فامتنعت عليه فرجع واستدعاه جلال الدين فسار إليه واجتمعوا فكبسوا التتر وهم محاصرون قلعة قندهار فاستلحموهم ولم يفلت منهم أحد فرجع جلال الدين إلى غزنة وكانت قد استولى عليها اختيار الدين قربوشت صاحب الغور عندما ساروا إليها عن جلال الدين صريخا عن أمس ملك سجستان فخالفه قربوشت إليها وملكها فثار به صلاح الدين النسائي وإلى قلعتها وقتله وملك غزنة رضا الملك شرف الدين بن أمور ففتك به رضا الملك واستبد بغزنة فلما ظفر جلال الدين بالتتر على قندهار رجع إلى غزنة فقتله وأوطنها وذلك سنة ثمان عشرة * (استيلاء التتر على مدينة خوارزم وتخريبها) * قد كنا قدمنا ان جنكزخان بعدما أجفل خوارزم شاه من جيحون بعث عساكره إلى النواحى وبعث إلى مدينة خوارزم عسكرا عظيما لعظمها لانها كرسى الملك وموضع العساكر فسارت عساكر التتر إليها مع ابنه جنطاى واركطاى فحاصروها خمسة أشهر ونصبوا عليها الآلات فامتنعت فاستمدوا عليها جنكزخان فأمدهم بالعساكر متلاحقة فزحفوا إليها وملكوا جانبا منها وما زالوا يملكونها ناحية ناحية إلى أن استوعبوها ثم فتحوا السد الذى يمنع ماء جيحون عنها فسار إليها جيحون فغرقها وانقسم أهلها بين

[ 118 ]

السيف والغرق هكذا قال ابن الاثير وقال النسائي الكاتب ان دوشن خان بن جنكزخان عرض عليهم الامان فخرجوا إليه فقتلهم أجمعين وذلك في محرم سنة سبع عشرة ولما فرغ التتر من خراسان وخوارزم رحعوا إلى ملكهم جنكزخان بالطالقان * (خبر آبنايخ نائب بخارى وتغلبه على خراسان فراره أمام التتر إلى الرى) * كان آبنايخ أمير الامراء والحجاب أيام خوارزم شاه وولاه نانيا بخارى فلما ملكها التتر عليه كما قلناه أجفل إلى المفازة وخرج منها إلى نواحى نسا وراسله اختيار الدين صاحبها يعرضها عليه للدخول عنده فأبى فوصله وأمده وكان رئيس بشخوان من قرى نسا أبو الفتح فداخل التتر فكتب إلى شحنة خوارزم بمكان آبنايخ فجرد إليهم عسكرا فهزمه آبنايخ وأثخن فيهم وساروا إلى بشخوان فحاصروها وملكوها عنوة وهلك أبو الفتح أيام الحصار ثم ارتحل آبنايخ إلى ابيورد وقد تغلب تاج الدين عمر بن مسعود على ابيورد وما بينها وبين مرو فجبى خراجها واجتمع عليه جماعة من أكابر الامراء وعاد إلى نسا وقد توفى نائبها اختيار الدين زنكى وملك بعده ابن عمه عمدة الدين حمزة بن محمد بن حمزة فطلب منه آبنايخ خراج سنة ثمان عشرة وسار إلى شروان وقد تغلب عليها ايكجى بهلوان فهزمه وانتزعها من يده ولحق بهلوان بجلال الدين في الهند واستولى آبنايخ خان على عامة خراسان وكان تكين بن بهلوان متغلبا بمرو فعبر جيحون وكبس شحنة التتر ببخارى فهزموه سنة سبع ورجع إلى شروان وهم باتباعه ولحقوا بآبنايخ خان على جرجان فهزموه ونجا إلى غياث الدين يترشاه بن خوارزم شاه بالرى فأقام عنده إلى أن هلك كما نذكر ان شاء الله تعالى * (خبر ركن الدين غور شاه صاحب العراق من ولد خوارزم شاه) * قد كان تقدم لنا أن السلطان لما قسم ممالكه بين أولاده جعل العراق في قسمة غورشاه منهم ولما أجفل السلطان إلى ناحية الرى لقيه ابنه غورشاه ثم سار من الرى إلى كرمان فملكها تسعة أشهر ثم بلغه أن جلال الدين محمد بن آيه القزويني وكان بهمذان أراد أن يملك العراق واجتمع إليه بعض الامراء وأن مسعود بن صاعد قاضى اصبهان مائل إليه فعاجله ركن الدولة واستولى على اصبهان وهرب القاضى إلى الاتابك سعد بن زنكى صاحب فارس فأجاره وبعث ركن الدين العساكر لقتال همذان فتخاذلوا ورجعوا دون قتال ثم مضى إلى الرى ووجد بها قوما من الاسماعيلية يحاولون اظهار دعوتهم ثم زحف التتر إلى ركن الدولة فحاصروه بقلعة رواند واقتحموها فقاتلوه واستأمن إليهم ابن آيه صاحب همذان فأمنوه ودخلوا همذان فولوا عليها علاء الدين الشريف

[ 119 ]

الحسينى عوضا من ابن آيه * (خبر غياث الدين يترشاه صاحب كرمان من ولد السلطان خوارزم شاه) * قد كنا قدمنا أن السلطان خوارزم شاه ولى ابنه غياث الدين يترشاه كرمان وكيش ولم ينفذ إليها أيام أبيه ولما كانت الكبسة على قزوين خلص إلى قلعة ماروت من نواحى اصبهان وأقام عند صاحبها ثم رجع إلى اصبهان ومر به التتر ذاهبين إلى اذربيجان فحاصروه وامتنع عليهم وأقام بها إلى آخر سنة عشرين وستمائة فلما جاء أخوه ركن الدين غورشاه من كرمان إلى اصبهان لقيه هنالك وحرضه غياث الدين على كرمان فنهض إليها وملكها فلما قتل ركن الدين كما قلناه سار غياث الدين إلى العراق وكان ركن الدين لما ولاه أبوه العراق جعل معه الامير بقاطابستى اتابكين فاستبد عليه فشكاه إلى أبيه وأذن له في حبسه فحبسه ركن الدين بقلعة سرجهان فلما قتل ركن الدين كما قلناه أطلقه نائب القلعة أسد الدين حولي فاجتمع عليه الناس وكثير من الامراء واستماله غياث الدين وأصهر إليه بأخته وماطله في الزفاف يستبرئ ذهاب الوحشة بينهما وكانت اصبهان بعد مقتل ركن الدين غلب عليها ازبك خان واجتمعت عليه العساكر وزحف إليه الامير بقاطابستى فاستنجد ازبك غياث الدين فانجده بعسكر مع الامير دولة ملك وعاجله بقاطابستى فهزمه بظاهر اصبهان وقتله وملكها ورجع دولة ملك إلى غياث الدين فزحف غياث الدين إلى اصبهان وأطاعه القاضى والرئيس صدر الدين وبادر بقاطابستى إلى طاعته ورضى عنه غياث الدين وزف إليه أخته واستولى غياث الدين على العراق ومازندان وخراسان وأقطع مازندان وأعمالها دولة ملك وبقاطابستى همذان وأعمالها ثم زحف غياث الدين إلى اذربيجان وشن الغارة على مراغة وترددت رسل صاحب اذربيجان ازبك بن البهلوان في المهادنة فهادنه وتزوج بأخته صاحب بقحوان وقويت شوكته وعظم فكان بقاطابستى في دولته وتحكم فيها ثم حدثته نفسه بالاستبداد وانتقض وقصد اذربيجان وبها مملوكان منتقضان على ازبك بن البهلوان فاجتمعا معه وزحف إليهم غياث الدين فهزمهم ورجعوا مغلوبين إلى اذربيجان ويقال ان الخليفة دس بذلك إلى بقاطابستى وأغراه بالخلاف على غياث الدين ثم لحق بغياث الدين آبنايخ خان نائب بخارى مفلتا من واقعته مع التتر بجرجان فأكرمه وقدمه ونافسه خال السلطان دولة ملك وأخوه وسعوا إليها فزجرهما عنه فذهبا مغاضبين ووقع دولة ملك في عساكر التتر بمرو وزنجان فقتل وهرب ابنه بركة خان إلى ازبك باذربيجان ثم أوقع عساكر التتر بقاطابستى وهزموه ونجا إلى الكرم وخلص الفل إلى غياث الدين وعاد التتر إلى ما وراء جيحون ثم تذكر صاحب فارس

[ 120 ]

سعد الدين بن زنكى وكاتبته أهل اصبهان حين كانوا منهزمين عنه فسار إليه وحاصره في قلعة اصطخر وملكها ثم سار إلى شيراز وملكها عليه عنوة ثم سار إلى قلعة حرة فحاصرها حتى استأمنوا وتوفى عليها آبنايخ خان ودفن هنالك بشعب سلمان وبعث عسكرا إلى كازرون فملكها عنوة واستباحها ثم سار إلى ناحية بغداد وجمع الناس الجموع من اربل وبلاد الجزيرة ثم راسل غياث الدين في الصلح فصالحه ورجع إلى العراق * (أخبار السلطان جلال الدين منكبرس وهزيمته أمام التتر ثم عوده إلى الهند) * قد كان تقدم لنا أن أباه خوارزم شاه لما قسم البلاد بين ولديه جعل في قسمه غزنة وباميان والغور وبست وهكياباد وما يليها من الهند واستناب عليها ملك وأنزله غزنة فلما انهزم السلطان خوارزم شاه أمام التتر زحف إليه حربوشة وإلى الغور فملكها من يده وكان من أمره ما قدمناه إلى أن استقر بها رضا الملك شرف الدين ولما أجفل جلال الدين من نيسابور إلى غزنة واستولى التتر على بلاد خراسان وهرب أمراؤها فلحقوا بجلال الدين فقتل نائب هراة أمين الملك خال السلطان وقد قدمنا محاصرته بسجستان ثم مراجعته طاعة السلطان جلال الدين ولحق به أيضا سيف الدين بقراق الخلخى وأعظم ملك من بلخ ومظهر ملك والحسن فزحف كل منهم في ثلاثين ألفا ومع جلال الدين من عسكره مثلها فاجتمعوا وكبسوا التتر المملوكة محاصرين قلعة قندهار كما قلناه واستلحموهم ولحق فلهم بجنكزخان فبعث ابنه طولى خان في العساكر فساروا إلى جلال الدين فلقيهم بشر وان وهزمهم وقتل طولى خان بن جنكز في المعركة وذهب التتر منهزمين واختلف عسكر السلطان جلال الدين على الغنائم وتنازع سيف الدين بقراق مع امين الملك نائب هراة وتحيز إلى العراق وأعظم ملك ومظفر ملك وقاتلوا أمين الملك فقتل أخ لبقراق وانصرف مغاضبا إلى الهند وتبعه أصحابه ولاطفهم جلال الدين ووعظهم فلم يرجعوا وبلغ خبر الهزيمة إلى جنكزخان فسار في أمم التتر وسار جلال الدين فلقى مقدمة عساكره فلم يفلت من التتر الا القليل ورجع فنزل على نهر السند وبعث بالصريخ إلى الامراء المنحرفين عنه وعاجله جنكزخان قبل رجوعه فهزمه بعد القتال والمصابرة ثلاثا وقتل أمين الملك قريب أبيه واعترض المنهزمين نهر السند فغرق أكثرهم وأسرا بن جلال الدين فقتل وهو ابن سبع سنين ولما وقف جلال الدين على النهر والتتر في اتباعه فقتل أهله وحرمه جميعا واقتحم النهر بفرسه فخلص إلى عدوته وتخلص من عسكره ثلثمائة فارس وأربعة آلاف راجل وبعض أمرائه ولقوه بعد ثلاث وتخلص بعض خواصه بمركب مشحون بالاقوات والملابس فسد من حاجتهم وتحصن

[ 121 ]

أعظم ملك ببعض القلاع وحاصره جنكزخان وملكها عنوة وقتله ومن معه ثم عاد التتر إلى غزنة فملكوها واستباحوها وأحرقوها وخربوها واكتسحوا سائر نواحيها وكان ذلك كله سنة تسع عشرة ولما سمع صاحب جبل جردي من بلاد الهند بجلال الدين جمع للقائه وخام جلال الدين وأصحابه عن اللقاء لما نهكتهم الحرب فرجعوا ادراجهم وأدركهم صاحب جلال الدين صوري فقاتلهم وهزموه وملكوا أمرهم وبعث إليهم نائب ملك الهند فلاطفهم وهاداهم والله تعالى ولى التوفيق * (أخبار جلال الدين بالهند) * كان جماعة من أصحاب جلال الدين وأهل عسكره لما عبروا إليهم حصلوا عند قباجة ملك الهند منهم بنت أمين الملك خلصت إلى مدينة ارجاء من عمله ومنهم شمس الملك وزير جلال الدين حياة أبيه ومنهم قزل خان بن أمين الملك خلص إلى مدينة كلور فقتله عاملها وقتل قباجة شمس الملك الوزير لخبر جلال الدين بأموره وبعث أمين الملك ولحق بجلال الدين جماعة من أمراء أخيه غياث الدين فقوى بهم وحاصر مدينة كلور وافتتحها وافتتح مدينة ترنوخ كذلك فجمع قباجة للقائه وسار إليه جلال الدين فخام عن اللقاء وهرب وترك معسكره فغنمه جلال الدين بما فيه وسار إلى لهاوون وفيها ابن قباجة ممتنعا عليه فصالحه على مال يحمله ورحل إلى تستشان وبها فخر الدين السلاوى نائب قباجة فتلقاه بالطاعة ثم سار إلى اوجا وحاصرها فصالحوه على المال ثم سار إلى جانس وهى لشمس الدين اليتمشى من ملوك الهند ومن موالى شهاب الدين الغورى فأطاعه أهلها وأقام بها وزحف إليه ايتش في ثلاثين ألف فارس ومائة ألف راجل وثلثمائة فيل وزحف جلال الدين في عساكره وفي مقدمته جرجان بهلوان ازبك واختلفت المقدمتان فلم يمكن اللقاء وبعث ايتش في الصلح فجنح إليه جلال الدين ثم اجتمع قباجة وايتش وسائر ملوك الهند فخام عن لقائهم ورجع لطلب العراق واستخلف جهان بهلوان الملك على ما ملك من الهند وعبر النهر إلى غزنة فولى عليها وعلى الغور الامير وفاملك واسمه الحسن فزلف وسار إلى العراق وذلك سنة احدى وعشرين بعد مقدمه لها بسنتين * (أحوال العراق وخراسان في ايالة غياث الدين) * كان غياث الدين بعد مسير جلال الدين إلى الهند اجتمع إليه شراد العساكر بكرمان وسار بهم إلى العراق فملك خراسان ومازندان كما تقدم وأقام منهمكا في لذاته واستبد الامراء بالنواحي فاستولى قائم الدين على نيسابور وتغلب يقز بن ايلجى بهلوان على شروان وتملك ينال خطابها تر ونظام الملك اسفراين ونصرة الدين بن محمد مستند

[ 122 ]

بنسا كما مر واستولى تاج الدين عمر بن مسعود التركماني على أبيورد وغياث الدين مع ذلك منهمك في لذاته وسارت إليه عساكر التتر فخرج لهم عن العراق إلى بلاد الجبل واكتسحوا سائر جهاته واشتط عليه الجند وزادهم في الاقطاع والاحسان فلم يشبعهم وأظهروا الفساد وعاثوا في الرعايا وتحكمت أم السلطان غياث الدين في الدولة لاغفاله أمرها واقتفت طريقة تركان خاتون أم السلطان خوارزم شاه وتلقبت بلقبها خداوند جهان إلى أن جاء السلطان جلال الدين فغلب عليه كما فلناه [ وصول جلال الدين من الهند إلى كرمان وأخباره بفارس والعراق مع أخيه غياث الدين ] ولما فارق جلال الدين الهند كما قلناه سنة احدى وعشرين وسار إلى المفازة وخلص منها إلى كرمان بعد أن لقى بها من المتاعب والمشاق ما لا يعبر عنه وخرج معه أربعة آلاف راكب على الحمير والبقر ووجد بكرمان براق الحاجب نائب أخيه غياث الدين وكان من خبر براق هذا أنه كان حاجبا لكو خان ملك الخطا وسفر عنه إلى خوارزم شاه فأقام عنده ثم ظفر خوارزم شاه بالخطا وولاه حجابته ثم صار إلى خدمة ابنه غياث الدين ترشه بمكران فأكرمه ولما سار جلال الدين إلى الهند ورجع عنه التتر سار غياث الدين لطلب العراق فاستناب براق في كرمان فلما جاء جلال الدين من الهند اتهمه وهم بالقبض عليه فنهاه عن ذلك وزيره شرف الملك فخر الدين على بن أبى القاسم الجندي خواجا جهان أن يستوحش الناس لذلك ثم سار جلال الدين إلى شيراز وأطاعه صاحبها برد الاتابك وأهدى له وكان أتابك فارس سعد بن زنكى قد استوحش من غياث الدين فاصطلحه جلال الدين وأصهر إليه في ابنته ثم سار إلى اصبهان فأطاعه القاضى ركن الدين مسعود ابن صاعد وبلغ خبره إلى أخيه غياث الدين وهو بالرى فجمع لحربه وبعث جلال الدين يستعطفه وأهدى له سلب طولى خان بن جنكر خان الذى قتل في حرب بزوان كما مر وفرسه وسيفه ودس إلى الامراء الذين معه بالاستمالة فمالوا إليه ووعدوه بالمظاهرة ونمى الخبر إلى غياث الدين فقبض على بعضهم ولحق الآخرون بجلال الدين فجاؤا به إلى المخيم قمال إليه أصحاب غياث الدين وعساكره واستولى على مخيمه وذخائره وأمه ولحق غياث الدين بقلعة سلوقان وعاتب جلال الدين أمه في فراره فاستدعته وأصلحت بينهما ووقف غياث الدين موقف الخدمة لاخيه السلطان جلال الدين وجاء المتغلبون بخراسان والعراق واذعنوا إلى الطاعة وكانوا من قبل مستبدين على غياث الدين فاختبر السلطان طاعتهم وعمل فيها على شاكلتها والله أعلم * (استيلاء ابن آبنايخ على نسا) *

[ 123 ]

كان نصرة الدين بن محمد قد استولى على نسا بعد ابن عمه اختيار الدين كما مر واستناب في أموره محمد بن أحمد النسبائى المنشى صاحب التاريخ المعتمد عليه في نقل أخبار خوارزم شاه وبنيه فأقام فيها تسع عشرة سنة مستندا على غياث الدين ثم انتقض عليه و قطع الخطبة له فسرح إليه غياث الدين العساكر مع طوطى بن آبنايخ وأنجده بارسلان وكاتب المتغلبين بمساعدته فراجع نصرة الدين محمد بن حمزة نفسه وبعث نائبه محمد بن أحمد المنشى إلى غياث الدين بمال صالحه عليه فبلغه الخبر في طريقه بوصول جلال الدين واستيلائه على غياث الدين فأقام باصبهان ينتظر صلاح السابلة وزوال الثلج ثم سار إلى همذان فوجد السلطان غائبا في غزو الاتابك بقطابستى وكان من خبره أنه صهر إلى غياث الدين على أخته كما قدمنا فهرب بعد خلعه إلى اذربيجان واتفق هو والاتابك سعد وسار اليهما جلال الدين فخالفه إلى همذان وسار إلى جلال الدين وكبسه هنالك فأخذه ثم أمنه وعاد إلى مخيمه ولقيه وافد نصرة الدين على بلاد نسا وما يتاخمها وبعث إلى ابن آبنايخ بالافراج عن نسا ثم بلغ الخبر بعد يومين بهلاك نصرة الدين واستيلاء ابن آبنايخ على نسا * (مسير السلطان جلال الدين إلى خوزستان ونواحى بغداد) * ولما استولى السلطان جلال الدين على أخيه غياث الدين واستقامت أموره سار إلى خوزستان شاتيا وحاصر قاعدتها وبها مظفر الدين وجه السبع مولى الخليفة الناصر وانتهت سراياه في الجهات إلى بادرايا إلى البصرة فأوقع بهم تلكين نائب البصرة وجاءت عساكر الناصر مع مولاه جلال الدين فشتمر وخاموا عن اللقاء وأوفد ضياء الملك علاء الدين محمد بن مودود السوى العارض على الخليفة ببغداد عاتبا وكان في مقدمته جهان بهلوان فلقى في طريقه جمعا من العرب وعساكر الخليفة فرجع وأوقع بهم ورجعوا إلى بغداد وجئ بأسرى منهم إلى السلطان فأطلقهم واستعد أهل بغداد للحصار وسار السلطان إلى يعقوبا على سبع فراسخ من بغداد ثم إلى دقوقا فملكها عنوة وخربها وقاتلت بعوثه عسكر تكريت وترددت الرسل بينه وبين مظفر الدين صاحب اربل حتى اصطلحوا واضطربت البلد بسبب ذلك وأفسد العرب السابلة وأقام ضياء الملك ببغداد إلى أن ملك السلطان مراغة والله تعالى أعلم * (أولية الوزير شرف الدين) * هذا الوزير هو فخر الدين علي بن القاسم خواجة جهان ويلقب شرف الملك أصله من وكان أول أمره ينوب عن صاحب الديوان بها وكان نجيب الدين

[ 124 ]

الشهرستاني وزير السلطان وابنه بهاء الملك وزير الجند وفخر الدين هذا يخدمه بها ثم تمكن من منصب الاسعاء وطمح إلى مغالبة نجيب الدين على الوزارة وسعى عند السلطان بأنه تناول من جبايتها مائنى ألف دينار فسامحه بها السلطان ولم يعرض له ثم سعى بفخر الدين ثانية فولى وزارة الجند وأقام بها أربع سنين حتى عبر السلطان إلى بخارى فكثرت به الشكايات فأمر بالقبض عليه فاختفى ولحق بالطالقان إلى أن اتصل بجلال الدين حين كان بغزنة بعد مهلك ابنه فرتبه في الحجابة إلى أن أجاز بحر السند وكان وزيره شهاب الدين الهروي فقتله قباجة ملك الهند كما مر واستوزر جلال الدين مكانة فخر الدين هذا ولقبه شرف الملك ورفع رتبته على الوزراء وموقفه وسائر آدابه وأحواله * (عود التتر إلى الرى وهمذان وبلاد الجبل) * وبعد رجوع التتر المغربة من اذربيجان وبلاد قفجاق وسروان كما قدمناه وخراسان يومئذ فوضى ليس بها ولاة الا متغلبون من بعض أهلها بعد الخراب الاول والنهب فعمروها فبعث جنكزخان عسكرا آخر من التتر إليها فنهبوها ثانيا وخربوها وفعلوا في ساوة وقاشان وقم مثل ذلك ولم يكن التتر أولا أصابوا منها ثم ساروا إلى همذان فاجفل أهلها وأوسعوها نهبا وتخريبا وساروا في اتباع أهلها إلى أذربيجان وكبسوهم في حدودها فأجفلوا وبعضهم قصد تبريز فسار التتر في اتباعهم وراسلوا صاحبها ازبك ابن البهلوان في اسلام من عنده فبعث بهم بعد ان قتل جماعة منهم وبعث برؤوسهم وصانعهم بما أرضاهم فرجعوا عن بلاده والله تعالى أعلم * (وقائع اذربيجان قبل مسير جلال الدين إليها) * لما رجع التتر من بلاد قفجاق والروس وكانت طائفة من قفجاق لما افترقوا وفروا أمام التتر ساروا إلى درنبر شروان واسم ملكه يومئذ رشيد وسألوه المقام في بلاده وأعطوه الرهن على الطاعة فلم يجبهم ريبة بهم فسألوه الميرة فأذن لهم فيها فكانوا يأتون إليها زرافات وتنصح له بعضهم بأنهم يرومون الغدر به وطلب منه الانجاد بعسكره وسار في أثرهم فأوقع بهم وهم باخعون بالطاعة فرجع ذلك القفجاقى بالعسكر ثم بلغه انهم رحلوا من مواضعهم فاتبعهم ثانيا بالعساكر حتى أوقع بهم ورجع إلى رشيد ومعه جماعة منهم مستأمنين وقد اختفى فيهم كبير من مقدميهم وتلاحق به جماعة منهم فاعتزموا على الوثوب فهرب خائفا ولحق ببلاد شروان واستولت طائفة القفجاق على القلعة وعلى مخلف رشيد فيها من المال والسلاح واستدعوا أصحابهم فلحقوا بهم

[ 125 ]

واعتزموا وقصدوا قلعة الكرج فحاصروها وخالفهم رشيد إلى القلعة فملكها وقتل من وجد بها منهم فعادوا من حصار تلك المدينة إلى درنبر وامتنعت عليهم القلعة فرجعوا إلى تلك المدينة فاكتسحوا نواحيها وساروا إلى كنجة من بلاد اران وفيها مولى لازبك صاحب اذربيجان فراسلوه بطاعة ازبك فلم يجبهم إليها وعدد عليهم في الغدر ونهب البلاد واعتذروا بأنهم انما غدروا شروان لانه منعهم الجواز إلى صاحب اذربيجان وعرضوا عليه الرهن فجاءهم بنفسه ولقوه في عدد قليل فعدا عن محال التهمة فبعث بطاعتهم إلى سلطانه وبعث بذلك إلى أزبك وجاء بهم إلى كنجة فأفاض فيهم الخلع والاموال وأصهر إليهم وأنزلهم بجبل كيكلون وجمع لهم الكرج فآواهم إلى كنجة ثم سار إليهم أمير من أمراء قفجاق ونال منهم فرجعوا إلى جبل كيكلون وسار القفجاق الذين كبسوهم إلى بلاد الكرج فاكتسحوها وعادوا فاتبعهم الكرج واستنقذوا الغنائم منهم وقتلوا ونهبوا فرحل القفجاق إلى بردعة وبعثوا إلى أمير كنجة في المدد على الكرج فلم يجبهم فطلبوا رهنهم فلم يعطهم فمدوا أيديهم في المسلمين واسترهنوا أضعاف رهنهم وثار بهم المسلمون من كل جانب فلحقوا بشر وان وتخطفهم المسلمون والكرج وغيرهم فافنوهم وبيع سبيهم وأسراهم بابخس ثمن وذلك كله سنة تسع عشرة وكانت مدينة فيلقان من بلاد اران فأخر بها التتر كما قدمناه وساروا عنها إلى بلاد قفجاق فعاد إليها أهلها وعمروها وسار الكرج في رمضان من هذه السنة إليها فملكوها وقتلوا أهلها وخربوها واستفحل الكرج ثم كانت بينهم وبين صاحب خلاط غازى بن العادل بن أيوب واقعة هزمهم فيها وأثخن فيهم كما يأتي في دولة بنى أيوب ثم انتقض على شروان شاه ابنه وملك البلاد من يده فسار إلى الكرج واستصرخ بهم وساروا معه فبرز ابنه إليهم فهزمهم واثخن فيهم فتشاءم الكرج بشر وان شاه فطردوه عن بلادهم واستقر ابنه في الملك واغنبط الناس بولايته وذلك سنه ثنتين وعشرين ثم سار الكرج من تفليس إلى اذربيجان وأتوها من الاوعار والمضائق يظنون صعوبتها على المسلمين فسار المسلمون وولجوا المضائق إليهم فركب بعضهم بعضا منهزمين ونال المسلمون منهم أعظم النيل وبينما هم يتجهزون لاخذهم الثار من المسلمين وصلهم الخبر بوصول جلال الدين إلى مراغة فرجعوا إلى مراسلة ازبك صاحب اذربيجان في الاتفاق على مدافعته وعاجلهم جلال الدين عن ذلك كما نذكره ان شاء الله تعالى * (استيلاء جلال الدين على اذربيجان وغزو الكرج) * قد تقدم لنا مسير جلال الدين في نواحى بغداد وما ملك منها وما وقع بينه وبين صاحب

[ 126 ]

اربل من الموافقة والصلح ولما فرغ من ذلك سار إلى اذربيجان سنة ثنتين وعشرين وقصد مراغة أولا فملكها وأقام بها وأخذ في عمارتها وكان بغان طابش خال أخيه غياث الدين مقيما باذربيجان كما مر فجمع عساكره ونهب البلد وسار إلى ساحل اران فشتى هنالك ولما عاث جلال الدين في نواحى بغداد كما قدمناه بعث الخليفة الناصر إلى بغان طابس وأغراه بجلال الدين وأمره بقصد همذان وأقطعه اياما وما يفتحه من البلاد فعاجله جلال الدين وصبحه بنواحي همذان على غرة وعاين الجند فسقط في يده وأرسل زوجته أخت السلطان جلال الدين فاستأمنت له فآمنه وجرد العساكر عنه وعاد إلى مراغة وكان ازبك بن البهلوان قد فارق تبريز كرسى ملكه إلى كنجة فأرسل جلال الدين إلى أهل تبريز يأمرهم بميرة عسكره فأجابوا إلى ذلك وترددت عساكره إليها فتجمع الناس وشكا أهل تبريز إلى جلال الدين ذلك فأرسل إليهم شحنة يقيم عندهم للنصفة بين الناس وكانت زوجة ازبك بنت السلطان طغرل بك بن ارسلان وقد تقدم ذكرها في أخبار سلفها مقيمة بتبريز حاكمة في دولة زوجها ازبك ثم ضجر أهل تبريز من الشحنة فسار جلال الدين إليها وحاصرها خمسا واشتد القتال وعابهم بما كان من اسلام أصحابه إلى التتر فاعتذروا بأن الامر في ذلك لغيرهم والذنب لهم ثم استأمنوا فآمنهم وأمر ببنت السلطان طغرل وأبقى لها مدينة طغرل إلى خوى كما كانت وجمع ما كان لها من المال والاقطاع وملك تبريز منتصف رجب سنة ثنتين وعشرين وبعث بنت السلطان طغرل إلى خوى مع خادميه فليح وهلال وولى على تبريز ربيبها نظام الدين ابن أخى شمس الدين الطغرائي وكان هو الذى داخله في فتحها وأفاض العدل في أهلها وأوصلهم إليها وبالغ في الاحسان إليهم ثم بلغه انآر الكرج في اذربيجان واران وأرمينية ودرنبر شروان وما فعلوه بالمسلمين فاعتزم على غزوهم وبلغه اجتماعهم برون فسار إليهم وعلى مقدمته جهان بهلوان الكجى فلما تراءى الجمعان وكان الكرج على جبل لم يستهلوه فتسنمت إليهم العساكر الاوعار فانهزموا وقتل منهم أربعة آلاف أو يزيدون وأسر بعض ملوكهم واعتصم ملك آخر منهم ببعض قلاعهم فجهز جلال الدين عليها عسكرا لحصارها وبعث عساكره في البلاد فعاثوا فيها واستباحوها * (فتح السلطان مدينة كنجة ونكاحه زوجة ازبك) * لما فرغ السلطان من أمر الكرج واستولى على بلادهم وكان قد ترك وزيره شرف الدين بتبريز للنظر في المصالح وولى عليها نظام الملك الطغرائي فقصد الوزير به وكتب إلى السلطان بأنه وعمه شمس الدين داخلوا أهل البلد في الانتقاض واعادة ازبك لشغل السلطان بالكرج فلما بلغ ذلك إلى السلطان أسره حتى فرغ من أمر الكرج وترك

[ 127 ]

أخاه غياث الدين نائبا ما ملك منها وآمره بتدويخ بلادهم وتخريبها وعاد إلى تبريز فقبض على نظام الملك الطغرائي وأصحابه فقتلهم وصادر شمس الدين على مائة ألف وحبسه بمراغة ففر منها إلى ازبك ثم لحق ببغداد وحج سنة خمس وعشرين وبلغ السلطان تنصله في المطاف ودعاؤه على نفسه ن كان فعل شيأ من ذلك فأعاده إلى تبريز ورد عليه أملاكه ثم بعثت إليه زوجة ازبك في الخطبة وان ازبك حنث فيها بالطلاق فحكم قاضى تبريز عز الدين القزويني بحلها للنكاح فتزوجها السلطان جلال الدين وسار إليها فدخل في خوى ومات ازبك لما لحقه من الغم بذلك ثم عاد السلطان إلى تبريز فأقام بها مدة ثم بعث العساكر مع ارخان إلى كنجة من أعمال نقجوان وكان بها ازبك ففارقها وترك بها جلال الدين القمى نائبا فملكها عليه ارخان واستولى على أعمالها مثل وشمكور وبردعة وشنة وانطلقت أيدى عساكره في النهب فشكا ازبك إلى جلال الدين فكتب إلى ارخان بالمنع من ذلك وكان مع ارخان نائب الوزير إلى السلطان فعزل ارخان وذهب مغاضبا إلى أن قتلته الاسماعيلية وفي آخر رمضان من سنة ثنتين وعشرين توفى الخليفة الناصر لسبع وأربعين سنة من خلافته واستخلف بعده ابنه الظاهر أبو نصر محمد بعهده إليه بذلك كما مر في أخبار الخلفاء * (استيلاء جلال الدين على تفليس من الكرج بعد هزيمته اياهم) * كان هؤلاء الكرج اخوة الارمن وقد تقدم نسبة الارمن إلى ابراهيم عليه السلام وكان لهم استطالة بعد الدولة السلجوقية وكانوا من أهل دين النصرانية فكان صاحب أرمن الروم يخشاهم وبدين لهم بعض الشئ حتى ان ملك الكرج كان يخلع عليه فيلبس خلعته وكان شروان صاحب الدرنبر يخشاهم وكذلك ملكوا مدينة أرجيش من بلاد ارمينية ومدينة فارس وغيرها وحاصروا مدينة خلاط قاعدتها فأسر بها مقدمهم ايواى وفادوه بالرحيل عنهم بعدان اشترطوا عليه متابعته لهم في قلعة خلاط فبنوها وكذلك هزموا ركن الدولة فليحا ارسلان صاحب بلاد الروم لما زحف لاخيه طغرل شاه بارزن الروم استنجدهم طغرل فأنجدوه وهزموا ركن الدين أعظم ما كان ملكا واستفحالا وكانوا يجوسون خلال اذربيجان ويعيثون في نواحيها وكان ثغر تفليس من أعظم الثغور طرزا على من يجاوره منذ عهد الفرس وملكه الكرج سنة خمس عشرة وخمسمائة أيام محمود بن محمود بن ملك شاه ودولة السلجوقية يومئذ أفحل ما كانت وأوسع ايالة وأعمالا فلم يطق ارتجاعه من أيديهم واستولى ابلدكز بعد ذلك وابنه البهلوان على بلاد الجبل والرى واذربيجان واران وارمينية وخلاط وجاورهم بكرسيه ومع ذلك لم يطلق ارتجاعه منهم فلما جاء السلطان جلال الدين إلى اذربيجان

[ 128 ]

وملكها زحف إلى الكرج وهزمهم سنة ثنتين وعشرين وعاد إلى تبريز في مهمه كما قدمناه فلما فرغ من مهمه ذلك وكان قد ترك العساكر ببلاد الكرج مع أخيه غياث الدين ووزيره شرف الدين فأغذ السير إليه غازيا من تبريز وقد جمع الكرج واحتشدوا وأمدهم القفجاق والكز وساروا للقاء فلما التقى الفريقان انهزم الكرج وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب ولم يبقوا على أحد حتى استلحموهم وافنوهم ثم قصد جلال الدين تفليس في ربيع الاول سنة ثلاث وعشرين ونزل قريبا منها وركب يوما لاستكشاف أحوالها وترتيب مقاعد القتال عليها وأكمن الكمائن حولها واطلع عليهم في خف من العسكر فطمعوا فيه وخرجوا فاستطرد لهم حتى تورطوا والتفت عليهم الكمائن فهربوا إلى البلد والقوم في اتباعهم ونادى المسلمون من داخلها بشعار الاسلام وهتفوا باسم جلال الدين فالقى الكرج بأيديهم وملك المسلمون البلد وقتلوا كل من فيها الا من اعتصم بالاسلام واستباحوا البلد وامتلات أيديهم بالغنائم والاسرى والسبايا وكان ذلك من أعظم الفتوحات هذه سياقة ابن الاثير في فتح تفليس وقال النسائي الكاتب ان السلطان جلال الدين سار نحو الكرج فلما وصل نهر ارس مرض واشتد الثلج ومر بتفليس فبرز أهلها للقتال فهزمهم العساكر وأعجلوهم عن دخولها فملكوها واستباحوها وقتلوا من كان فيها من الكرج والارمن واعتصم أهلها بالقلعة حتى صالحوا على أموال عظيمة فحملوها وتركوهم * (انتقاض صاحب كرمان ومسير السلطان إليه) * ولما اشتغل السلطان جلال الدين بشأن الكرج وتفليس طمع براق الحاجب في الانتقاض بكرمان والاستيلاء على البلاد وقد كنا قدمنا خبره وان غياث الدين استخلفه على كرمان عند مسيره إلى العراق وان جلال الدين لما رجع من الهند ارتاب به وهم بالقبض عليه ثم تركه وأقره على كرمان فلما انتقض الآن وبلغ خبره إلى السلطان وهو معتزم على قصد خلاط فتركها وأغذ السير إليه واستصحب أخاه غياث الدين ووعده بكرمان وترك مخلفه بكيكلون وترك وزيره شرف الدين بتفليس وأمره باكتساح بلاد الكرج وقدم إلى صاحب كرمان بالخلع والمقاربة والوعد فارتاب بذلك ولم يطمئن وقصد بعض قلاعه فاعتصم بها ورجع الرسول إلى جلال الدين فلما علم أن المكيدة لم تتم عليه أقام باصبهان وبعث إليه وأقره على ولايته وعاد وكان الوزير شرف الدين بتفليس كما قلناه وضاق الحال به من الكرج وأرجف عند الامراء بكيكلون أن الكرج حاصروه بتفليس فسار ارخان منهم في العساكر إلى تفليس ثم وصل البشير من نفجران

[ 129 ]

برجوع السلطان من العراق فأعطاه الوزير أربعة آلاف دينار ثم افترقت العساكر في بلاد الكرج وبها ايوانى مقدمهم مع بعض أعيانهم وبعث عسكرا آخر إلى مدينة فرس واشتد عليها الحصار ثم جمر العساكر عليها وعاد إلى تفليس * (مسير جلال الدين إلى حصار خلاط) * كانت خلاط في ولاية الاشرف بن العادل بن أيوب وكان نائبه بها حسام الدين على الموصلي وكان الوزير شرف الدين حين أقام بتفليس عند مسير جلال الدين إلى كرمان ضاقت على عساكره الميرة فبعث عسكرا منهم إلى أعمال أرزن الروم فاكتسحوا نواحيها ورجعوا فمروا بخلاط فخرج نائبها حسام الدين واعترضهم واستنقذ ما معهم من الغنائم وكتب الوزير شرف الدين بذلك إلى جلال الدين وهو بكرمان فلما عاد جلال الدين من كرمان وحاصر مدينة انى استقر حسام الدين نائب خلاط للامتناع منه فارتحل هو إلى بلاد انحاز ليأتيه على غرة ورحل جلال الدين من انحاز فسار إلى خلاط وحاصر مدينة ملان كرد في ذى القعدة من السنة وانتقل منها إلى مدينة خلاط وحاصرها وضيق مخنقها وقاتلها مرارا واشتد اهل البلد في مدافعته لما يعلمون من سيرة الخوارزمية الالوائية وكانوا متغلبين على الكثير من بسائط ارمينية واذربيجان فبلغه أنهم أفسدوا البلاد وقطعوا السابلة وأخذوا الضريبة من أهل خوى وخربوا سائر النواحى وكتب إليه بذلك نوابه وبنت السلطان طغرل زوجته فلما رحل عن خلاط قصدهم على غرة قبل أن يصعدوا إلى حصونهم بجبالهم الشاهقة فأحاطت بهم العساكر واستباحوهم واقتسموهم بين القتل والغنيمة وعاد إلى تبريز * (دخول الكرج مدينة تفليس واحراقها) * ولما عاد السلطان من خلاط وغز والتركمان فرق عساكره للمشتى وكان الامراء أساؤا السيرة إلى تفليس وهرب العسكر الذين بها واستلحموا بقيتهم وخربوا البلاد وحرقوها لعجزهم عن حمايتها من جلال الدين وذلك في ربيع سنة أربع وعشرين وستمائة وعند النسائي الكاتب ان استيلاء الفرنج على تفليس واحراقهم اياها كان والسلطان جلال الدين على خلاط وانه لما بلغه ذلك رجع وأغار على التركمان في طريقه لما بلغه من افسادهم فنهب أموالهم وساق مواشيهم إلى موقان وكان خمسها ثلاثين ألفا ثم سار إلى خوى لملاقاة بنت طغرل ثم سار إلى كنجة فبلغه الخبر بانصراف الكرج على تفليس بعد احراقها قال ولما وصل كنجة قدم عليه هنالك خاموش بن الاتابك ازبك ابن البهلوان مؤديا منطقة بلخش قدر الكف مصنوعا عليه منقوشا اسم كيكاوس

[ 130 ]

وجماعة من ملوك الفرس فغير السلطان صناعتها ونقشها على اسمه وكان يلبس تلك المنطقة في الاعياد وأخذها التتر يوم كبسوه وحملت إلى الخان الاعظم ابن جنكزخان بقرا قدوم وأقام خاموش في خدمة السلطان إلى أن صرعه الفقر ولحق بعلاء الملك ملك الاسماعيلية فتوفى عنده انتهى كلام النسائي * (أخبار السلطان جلال الدين مع الاسماعيلية) * كان السلطان جلال الدين بعد وصوله من الهند ولى ارخان على نيسابور واعمالها وكان وعده بذلك بالهند فاستخلف عليها وأقام مع السلطان وكان نائبه بها يتعرض لبلاد الاسماعيلية المتاخمة له بهستان وغيرها بالنهب والقتل فأوفدوا على السلطان وهو بخوى وقد أمنهم يشكون من نائب ارخان وأساء عليهم ارخان في المجاورة ولما عاد السلطان إلى كنجة وكان قد أقطعها وأعمالها لارخان فلما خيم بظاهرها وثب ثلاثة من الباطنية ويسمون الفداوية لانهم يقتلون من أمرهم أميرهم بقتله ويأخذون ديتهم منه وقد فرغوا عن أنفسهم فوثبوا به فقتلوه وقتلتهم العامة وكانت الاسماعيلية قد استولوا على الدامغان أيام الفتنة ووصل رسولهم بعد هذه الواقعة إلى السلطان وهو ببيلقان فطالبهم بالنزول على الدامغان فطلبوا ضمانها بثلاثين ألف دينار وقررت عليهم وكان الرسول الوافد في خدمة الوزير وهم راجعون إلى اذربيجان فاستخفه الطرب ليلة وأحضر له خمسة من الفداوية معه بالعسكر وبلغ خبرهم السلطان فأمره باحراقهم انتهى كلام النسائي وقال بن الاثير ان السلطان بعد مقتل ارخان سار في العساكر إلى بلاد الاسماعيلية من الموت إلى كردكوه فاكتسحها واخربها وانتقم منهم وكانوا بعد واقعته وقد طمعوا في بلاد الاسلام فكف عاديتهم وقطع اطماعهم وعاد فبلغه أن طائفة من التتر بلغوا الدامغان قريبا من الرى فسار إليهم وهزمهم وأثخن فيهم ثم جاء الخبر بأن جموع التتر متلاحقة لحربه فأقام في انتظارهم في الرى اتتهى * (استيلاء حسام الدين نائب خلاط على مدينة خوى) * قد تقدم لنا أن بنت السلطان طغرل زوجة ازبك بن البهلوان لما ملك السلطان جلال الدين تبريز من يدها أقطعها مدينة خوى ثم تزوجها بعد ذلك ما قدمناه وتركها لما هو فيه من أشغال ملكه فوجدت لذلك ما فقدته من العز والنحكم قال النسائي الكاتب وأضاف لها السلطان مدينتي سلماس وارمينية وعين رجلا لقبض أقطاعها فتنكر لها وأغرى بها الوزير فكاتب السلطان بأنها تداخل الاتابك ازبك وتكاتبه ثم وصل الوزير إلى خوى فنزل بدارها واستصفى وكانت مقيمة بقلعة طلع فحاصرها

[ 131 ]

وسألت المضى إلى السلطان فأبى الا نزولها على حكمه انتهى وكان أهل خوى مع ذلك قد ضجروا من ملكة جلال الدين وجوره وتسلط عساكره فاتفقت الملكة معهم وكاتبوا حسام الدين الحاجب النائب عن الاشرف بخلاط فسار إليهم في مغيب السلطان جلال الدين بالعراق واستولى على مدينة خوى وأعمالها ومدينة وكاتبه أهل نقجوان وسلموها له وعاد إلى خلاط واحتمل الملكة بنت طغرل زوجة جلال الدين إلى خلاط إلى ان كان ما نذكره * (واقعة السلطان مع التتر على اصبهان) * ثم بلغ الخبر إلى السلطان بأن التتر زحفوا من بلادهم فيما وراء النهر إلى العراق فسار من تبريز للقائهم وجرد أربعة آلاف فارس إلى الرى والدامغان طليعة فرجعوا وأخبروه بوصولهم إلى اصبهان فنهض للقائهم واستخلف العساكر على الاستماتة وأمر القاضى باصبهان باستنفار العامة وبعث التتر عسكرا إلى الرى فبعث السلطان عسكر الاعتراضهم فأوقعوا بالتتر فنالوا منهم ثم التقى الفريقان في رمضان سنة خمس وعشرين لرابعة وصولهم إلى اصبهان وانتقض عنه أخوه غياث الدين وجهان بهلوان الكجى في طائفة من العسكر وانهزمت مسيرة التتر والسلطان في اتباعهم وكانوا قد أكمنوا له فخرجوا من ورائه وثبت واستشهد جماعة من الامراء وأسر آخرون وفيهم علاء الدولة صاحب يزد ثم صدق السلطان عليهم الحملة فافرجوا له وسار على وجهه وانهزمت العساكر فبلغوا فارس وكرمان ورجعت ميمنة السلطان من قاشان فوجدوه قد انهزم فتفرقوا أشتاتا وفقد السلطان ثمانيا وكان بقاطى بستى مقيما باصبهان فاعتزم أهل اصبهان على بيعته ثم وصل السلطان فاقصروا عن ذلك وتراجع بعض العسكر وسار السلطان فيهم إلى الرى وكان التتر قد حاصروأ اصبهان بعد الهزيمة فلما وصل السلطان خرج معه أهل اصبهان فقاتلوا التتر وهزموهم وسار السلطان في اتباعهم إلى الرى وبعث العساكر وراءهم إلى خراسان وعند ابن الاثير أن صاحب بلاد فارس وهو ابن الاتابك سعد الذى ملك بعد أبيه حضر مع للسلطان في هده الواقعة وأن التتر انهزموا أولا فاتبعهم صاحب فارس حتى إذا أبعدوا انفرد عن العسكر ورجع عنهم فوجد جلال الدين قد انهزم لانحراف أخيه غياث الدين وأمرائه عنه ومضى إلى شهرم تلك الايام ثم عاد إلى اصبهان كما ذكرناه * (الوحشة بين السلطان جلال الدين وأخيه غياث الدين) * كان ابتداؤها ان الحسن بن حرميل نائب الغوية بهراة لما قتلته عساكر خوارزم شاه

[ 132 ]

محمد بن تتش وحاصروا وزيره الممتنع بها حتى اقتحموها عليه عنوة وقتلوه محمد بن الحسن بن حرميل إلى بلاد الهند فلما سار السلطان جلال الدين وحظي لديه وأقامه شحنة بأصبهان فلما سار السلطان إلى اصبهان للقاء التتر انحرف جماعة من غلمان غياث الدين عنه فصاروا إلى نصرة الدين بن حرميل واسترجعهم منه غياث الدين في بيته وطعنه فأشواه ومات لليال وأحفظ ذلك السلطان وأقام غياث الدين مستوحشا فلما كان يوم اللقاء انحرف عن أخيه ولحق بخوزستان وخاطب الخليفة فبعث إليه بثلاثين ألف دينار وسار من هنالك إلى قلعة الموت عند صلاح الدين شيخ الاسماعيلية فلما رجع السلطان من وقعة التتر إلى الرى سار إلى قلعة الموت وحاصرها فاستأمن علاء الدين إلى السلطان لغياث الدين فأمنه وبعث من يأتيه به فامتنع غياث الدين وفارق القلعة واعترضه عساكر السلطان بنواحي همذان وأوقعوا به وأسروا جماعة من أصحابه ونجا إلى براق الحاجب بكرمان فتزوج بأمه كرها ونمى إليه أنها تحاول سمه فقتلها وقتل معها جهان بهلوان الكجى وحبس غياث الدين ببعض القلاع ثم قتله بمحبسه ويقال بل هرب من محبسه ولحق باصبهان وقتل بأمر السلطان قال النسائي وقفت على كتاب براق الحاجب إلى الوزير شرف الملك والسلطان بتبريز وهو يعدد سوابقه فعد منها قتله أعدى عدو السلطان والله تعالى ولى التوفيق * (انتقاض البهلوانية) * لما ارتحل السلطان والوزير شرف الملك معه وانتهى إلى همذان بلغه أن الامراء البهلوانية اجتمعوا بظاهر تبريز يرومون الانتقاض واتبعه خاموش بن الاتابك ازبك من قلعة قوطور وكان مقيما بها فرجع السلطان إليهم وقدم بين يديه الوزير شرف الملك فلقيهم قريبا من تبريز وهزمهم وقبض على الذين تولوا اكبر الفتنة منهم ودخل تبريز افصبهم وقبض على القاضى المعزول فصادمه قوام الدين الحرادى ابن أخت الطغرائي وصادره وسار السلطان للقاء التتر وأقام الوزير نائبا للبلاد * (ايقاع نائب خلاط بالوزير) * ولما كان ما ذكرناه من مسير حسام الدين نائب خلاط إلى اذربيجان واحتماله زوجة السلطان جلال الدين إلى خلاط امتعض الوزير لذلك فسار إلى موقان من بلاد اران وجمع التركمان وفرق العمال للجباية وطلب الحمل من شروان شاه وهو خمسون ألف دينار فتوقف وأغار على بلاده فلم يظفر بشئ ورجع إلى اذربيجان وكانت بنت الاتابك بهلوان في بقجان فارقها مولانا ايدغمش وجاء إلى الوزير فأطمعه فيها وصار الوزير

[ 133 ]

مضمر الغدر بها وامتنعت عليه ونزل بالمرج فأكرمته وقربته ورحل إلى حورس من أعمالها وكانت للاشرف صاحب خلاط من أيام ازبك فانتشرت أيدى العسكر في تلك الضياع وقاتلها الوزير وجاء الحاجب صاحب خلاط في عساكره فانهزم الوزير وترك أثقاله وذلك سنة أربع وعشرين وكان مع الحاجب فخر الدين سام صاحب حلب وحسام الدين خضر صاحب تبريز برموكلن الوزير وتكاليفه فظهر الآن بمخلفه وخلص الوزير إلى اران وسار الحاجب على في اتباعه ثم عاد إلى تبريز ومر بخوى فنهبهائم وسار إلى بقجان فملكها ثم إلى تدمر كذلك وأقام الوزير بتبريز وكان بها الاتابك ازبك متنسكا منعه أهل تبريز من الدخول وحملوا إليه النفقة ثم جاء الخبر برجوع السلطان إلى اصبهان بعد الهزيمة كما مر فسار الوزير إلى اذربيجان ولقى ثلاثة من الامراء جاؤا مددا له من عند السلطان وأمره بحصار خوى فسار إليها وبها نائب الحاجب حسام الدين صاحب خلاط وهو بدر الدين بن صرهنك والحاجب حسام الدين على منوشهر فنهض إليه الوزير من خوى فتأخر إلى تركرى والتقيا هنالك فانهزم الحاجب ودخل تركرى فاعتصم بها وحاصره الوزير وطلب فلم يسعفه ورجع الامراء الذين كانوا معه بعساكرهم إلى اذربيجان وأفرج الوزير عن حصار تركرى ومر بخوى وقد فارقها ابن صرهنك إلى قلعة قوطور واستأمن للسلطان من بعد ذلك ودخل الوزير مدينة خوى وصادر أهلها وسار إلى ترمذ ونقجوان ففعل فيهما مثل ذلك انقطعت ايالة الحاجب صاحب خلاط والله أعلم * (فتوحات الوزير باذربيجان واران) * ولما تخلف الوزير عن السلطان صرف همته إلى تمهيد البلاد ومدافعة صاحب خلاط وارتجاع البلاد التى ملك من اذربيجان واران وفتح القلاع العاصية فكان بينه وبين الحاجب حسام الدين صاحب خلاط ما ذكرناه وهو خلال ذلك يستميل أصحاب القلاع ويفيض فيهم الاموال والخلع حتى أجاب أكثرهم ثم قبض على ناصر الدين محمد من أمراء البهلوانية وكان معتزلا عند نصرة الدين محمد بن سبكتكين فصادره على مال وتسلم من نائبه قلعة كانت بيده ثم مات نائب السلطان بكنجة اقسنقر الاتابكى فنهض إليها وقبض على نائبه شمس الدين كرشاسف وصادره وتسلم منه قلعة هردوجاربرد من أعمال اران ثم جمر العساكر لحصار قلعة زونين وبها زوجة السلطان خاموش فأطال حصارها وعرضت عليه نكاحها فأبى ولما رجع السلطان من العراق تزوجها وولى خادمه سعد الدين على القلعة فأساء إليها وانتزع أملاكها فأخرجوه وعادوا إلى الانتقاض ولما خلص الوزير من واقعته مع الحاجب نائب خلاط قصد أران فجبى الاموال وجمع واحتشد

[ 134 ]

وقصد قلعة مردانقين وكانت لصهر الوزير ركبة الدين فصانعه بأربعة آلاف دينار حملها إليه ثم سار إلى قلعة حاجين وبها جلال الدولة ابن أخت أبوانى أمير الكرج فصالحه على عشرين ألف دينار وسبعمائة أسير من المسلمين ثم كانت فتنة البهلوانية فسكنها وسرح الجند عنها وشرح الخبر عنها ان بعض مماليك اتابك ازبك كان قد أفحش في قتل الخوارزمية باذربيجان عند زحفهم إليها أيام فرارهم من التتر فلما ملك السلطان جلال الدين اذربيجان ومحا ملك البهلوانية منها لحق الامير مقدى هذا بالاشرف بن العادل بن أيوب صاحب الشأم وأقام عنده فلما بلغه انهزام الوزير شرف الملك أمام الحاجب حسام الدين نائب الاشرف بخلاط فر من الشأم إلى اذربيجان ليقيم مع الاتابكية ومر بالحاجب في خوى فاتبعه وعبر النهر وخاطب من عدوته معتذرا فرجع عنه ودخل مقدى بلاد قبار وفيها قلاع استولى عليها المنتقضون والعصاة فراسلهم في اقامة الدعوة الاتابكية والبيعة لابن خاموش بن ازبك يستدعونه من قلعة قوطور واتصل ذلك بالوزير فأقلقه ثم جاء خبر هزيمة السلطان بأصبهان فازداد قلقا وسار الامير مقدى إلى نصرة الدين محمد بن سبكتكين يدعوه لذلك فلاطفه في القول وكتب للوزير بالخبر فأجابه بأن يضمن لمقدى ما أحب في مراجعة الطاعة ففعل وجاء به إلى الوزير فأكرمه وخلع عليه وعلى من جاء معه وعاهده على العفو عن دماء الخوارزمية وجاء الخبر برجوع السلطان من اصبهان فارتحل الوزير للقائه ومعه الامير مقدى وابن سبكتكين واكرمهما السلطان * (أخبار الوزير بخراسان) * كان صفى الدين محمد الطغرائي وزيرا بخراسان وأصل خبره انه كان من قرية كلاجرد وأبوه رئيسها وكان هو حسن الخط ورتبة الاطوار ثم لحق بالسلطان في الهند وخدم الوزير شرف الملك فلما عادوا إلى العراق ولاه الطغرائي ولما ملك السلطان تفليس من يد الكرج ولى عليها اقسنقر مملوك الاتابك ازبك وأقام صفى الدين في وزارتها فلما حاصرها الكرج هرب اقسنقر وأقام صفى الدين فحاصروه أياما ثم أفرجوا ووقع ذلك من السلطان أحسن المواقع وولاه وزارة خراسان فأقام بها سنة وضجر منه أهلها فلما جاء السلطان إلى الرى وأقام بها كثرت به الشكايات ونكبه السلطان واستصفى أمواله وقبض على مواليه وحاشيته وقيدت خيله إلى مرابط السلطان وكانت ثلثمائة وخلص من مواليه على الكرماني إلى قلعة كان حصنها فامتنع بها واستوزر السلطان مكانه تاج الدين البلخى المستوفى وسلم إليه الصفى ليستصفيه ويقلع القلعة من مولاه وشدد في امتحانه وكان عدوه فلم يظفر منه بشئ وكان لما نكب طالبه خاتون السلطان

[ 135 ]

باحضار الجواهر وما ساقه لخدمة الوزير وغيره فاحضر أربعة آلاف دينار وسبعين فصامن ياقوت وبلخش واستأثر الخازن بها لظنه أنه مقتول ثم كاتب الصفى أرباب الدولة ووعدهم بالاموال فشفعوا فيه وخلصوه وكتب السلطان بخطه بسراحه فجاء واستخلص ماله من الخازن الا الفصوص فانه تعذر عليه ردها وولى السلطان على وزارة نسا محمد بن مودود النسوي العارض من بيت رياسة بها ورمت به الحادثة إلى غزنة فلما جاء السلطان من الهند ولاه الانشاء والحبس وعظم أمره وغص به الوزير شرف الملك فلما ورد أحمد بن محمد المنشى الكاتب رسولا عن نصرة الدين محمد بن حمزة صاحب نسا كما مر ولاه السلطان الانشاء فارتمض لذلك ضياء الدين وطلب وزارة نسا فولاه السلطان اباها وأقطع له عشرة آلاف دينار في السنة زيادة على أرزاق الوزارة وذهب إليها لاقامة وظيفته واستناب في ديوان العرض مجد الملك النيسابوري ثم قطع الحمل فعزله السلطان وولى مكانه الكاتب أحمد بن محمد المنشئ وتعرض للسعاية فيه فطرده السلطان وهلك في طرده * (خبر بلبان صاحب خلخال) * كان من أتابكية ازبك ولما كانت فتنة التتر وخلاء خراسان واستيلاء السلطان جلال الدين على اذربيجان لحق بمدينة خلخال فاستولى عليها وعلى قلاعها وشغل عنه السلطان بأمر العراق وصاحب خلاط فلما انصرف المسلمون من واقعة التتر بالعراق حاصروه بقلعة فيروز اباذ حتى استأمن وملكها السلطان وولى عليها حسام الدين بكتاش مولى سعد اتابك فارس ثم خلف السلطان أثقاله بمرقان وتجرد لخلاط وعاقه البرد بار جيش فنهب بعض قلاع وكان عز الدين الخلخالي في كفر طاب قريبا من أرجيش فلحق بخلاط وجهزه الحاجب إلى اذربيجان يشغلهم باثارة الفتنة فيها فلم يتم قصده من ذلك فلحق بجبال زنجان وأقام يخيف السابلة وكتب له السلطان بالامان ونزل إلى اصبهان فبعث نائبها شرف الدولة برأسه إلى السلطان ثم رجع السلطان من كفر طاب إلى خرت برت فنهبها وخربها ووصله خلال ذلك الخبر بوفاة الخليفة الظاهر منتصف ثلاث وعشرين وولاية ابنه المنتصر وجاءه كتابه بأخذ البيعة وأن يبعث إليه بالخلع والله تعالى ولى التوفيق لا رب غيره * (تنكر السلطان للوزير شرف الملك) * لما رجعت العساكر إلى موقان وأقام السلطان بخوى شكا إليه أهلها بكثرة مصادرة الوزير لهم واطلع على اساءته للملكة بنت طغرل واستصفائه مالها مع براءتها مما نسب إليها ثم جاء إلى تبريز فبلغه عنه أكثر من ذلك وهو بقرية كورتان من اعمالها

[ 136 ]

فافتقد رئيسها وكان يخدمه فقيل ان الوزير صادره على ألف دينار لمملوكين له فلما وصل إلى تبريز حبس من أخذها حتى ردها على صاحبها وأسقط عن أهل تبريز خراج ثلاث سنين وكتب لهم بذلك وكثرت الشناعات على الوزير بما فعله في مغيب السلطان هذا مع ما كان منه في محاربة الاسماعيلية بأن السلطان كاتبه من بغداد بأن يفتش فلول الشأم من أجل رسول من عند التتر بعثوه إلى الشأم وقصد بذلك معاتبة الخليفة ان عثر على الرسول فمر به فل الاسماعيلية فقتلهم واستولى على أموالهم فلما عاد السلطان إلى اذربيجان وصله رسول علاء الدين ملك الاسماعيلية يعاتبه على ذلك ويطلب المال فنكر السلطان على الوزير ما فعله ووكل به أميرين حتى رد ما أخذ من أموالهم وكانت ثلاثين ألف دينار وعشرة أفراس فانطوى السلطان للوزير من ذلك كله على سخط وأعرض عن خطابه وكان يكاتب فلا يجاب وعجزت تبريز عن علوفة السلطان فأمر بفتح اهراء الوزير والتصرف فيها ورجع السلطان إلى موقان فلم يغير عليه شيأ ووقع له بتناول عشر الخاص فكان يأخذ من عشر العراق سبعين ألف دينار في كل سنة والله أعلم * (وصول القفجاق لخدمة السلطان) * كان للقفجاق على قديم العهد هوى مع قوم هذا السلطان وأهل بيته وكانوا يصهرون إليهم غالبا ببناتهم ومن أجل ذلك استأصلهم جنكز خان واشتد في طلبهم فلما عاد السلطان من واقعة اصبهان وقد هاله أمر التتر رأى أن يستظهر عليهم بقبائل قفجاق وكان في جملته سبيرجنكش منهم فبعثه إليهم يدعوهم لذلك ويرغبهم فيه فأجابوا وجاءت قبائلهم ارسالا وركب البحر كوركان من ملوكهم في ثلثمائة من قرابته ووصل إلى الوزير بموقان فشتى بها ثم جاء السلطان فخلع عليه ورده بوعد جميل في فتح درنبد وهو باب الابواب ثم أرسل السلطان لصاحب درنبد وكان طفلا وأتابكه يلقب بالاسد يدبر أمره فقدم على السلطان فخلع عليه وأقطع له وملكه العمل على أن يفتح له الدرنبد وجهز عساكر وأمراء فلما فصلوا من عنده قبضوا على الاسد وشنوا الغارة على نواحى الباب وأعمل الاسد الحيلة وتخلص من أيديهم وتعذر عليهم ما أرادوه * (استيلاء السلطان على أعمال كستاسفى) * كان علم الوزير بشكر أن السلطان أراد أن ينتصح له ببعض مذاهب الخدمة فسار في العساكر وعبر تهرازس فاستولى على أعمال كستاسفى من يدشروان شاه فلما عاد السلطان إلى موقان أقطعها لجلال الدين سلطان شاه بن شروان شاه وكان أسيرا عند الكرج أسلمه أبوه إليهم على أن يزوجوه بنت الملك رسودان بنت تاماد فلما فتح

[ 137 ]

السلطان بلاد الكرج استخلصه من الاسر ورباه وبقى عنده وأقطعه الآن كستاسفى وكان أيضا عند الكرج ابن صاحب ارزن الروم وكان تنصر فزوجوه رسودان بنت تاماد فأخرجه السلطان لما فتح بلاد الكرج ثم رجع إلى ردنه ولحق بالكرج فوجد رسودان قد تزوجت * (قدوم شروان شاه) * كان السلطان ملك شاه بن البارسلان لما ملك اران أطلق الغارة على بلاد شروان فوفد عليه ملكها افريدون بن فر تبريز وضمن حمل مائة ألف دينار في السنة فلما ملك السلطان جلال الدين اران سنة ثنتين وعشرين وستمائة طلب شروان شاه افريدون بالحمل فاعتل بتغلب الكرج وضعف البلاد فأسقط عنه نصف الحمل فلما عاد الان قدم عليه شروان شاه وأهدى له خمسمائة فرس وللوزير خمسين فاستقلها وأشار على السلطان بحبسه فلم يقبل اشارته ورده بالخلع والتشريف وأسقط عنه من الحمل عشرين ألفا فبقى ثلاثون قال النسائي الكاتب وأعطاني في التوقيع ألف دينار والله تعالى أعلم * (مسير السلطان إلى بلاد الكرج وحصاره قلاع بهرام) * لما كان السلطان مقيما بموقان منصرفه من اذربيجان بعث عساكره مع ايلك خان فأغار على بلاد الكرج واكتسحها ومر ببحيرة بتاج فكبسه الكرج وأوقعوا به وفقد اريطانى وامتعض السلطان لما وقع بعسكره وارتحل لوقته وقد جمع له الكرج فهزمت مقدمته مقدمتهم وجئ بالاسرى منهم فقتلهم وسار في اتباعهم ونازل كورى وطالبهم باطلاق أسرى البحيرة فأطلقوهم وأخبر أن اريطانى خلص تلك الليلة إلى اذربيجان ثم وجده السلطان في نقجوان ثم سار إلى بهران الكرجى وقد كان أغار على نواحى كنجة فعاث في أعماله وحاصر قلعة سكان ففتحها عنوة وكذلك قلعة عليا ثم حاصر قلعة كاك وبعث الوزير لحصار كوزانى فحاصرها ثلاثة أشهر حتى طلبوا الصلح على مال حملوه فرحل عنهم إلى خلاط والله أعلم * (مسير السلطان إلى خلاط وحصارها) * ولما فرغ السلطان من شأن الكرج قدم أثقاله إلى خلاط على طريق قاقروان وسار هو إلى نقجوان وصبح الكرج واستاق مواشيهم ثم أقام اياما وقضى أشغال أهل خراسان والعراق ليفرغ لحصار خلاط قال النسائي الكاتب وحصال لى منهم تلك الايام ألف دينار ثم ارتحل إلى خلاط ولحق بعساكره ولقيه رسول من عز الدين انبك نائب الاشرف بخلاط وقد كان الاشرف بعثه وأمره بالقبض على نائبها حسام

[ 138 ]

الدين على ابن حماد فقبض عليه ثم قتله غيلة وبعث إلى السلطان يستخدم إليه بذلك وان سلطانه الاشرف أمره بطاعة السلطان جلال الدين وبالغ في الملاطفة فأبى السلطان الا امضاء ما عزم عليه وقال ان كان هذا حقا فابعث إلى بالحاجب فلما سمع هذا الجواب قتله وسار السلطان إلى خلاط ونزل عليها بعد عيد الفطر من سنة ست وعشرين وجاءه ركن جهان بن طغرل صاحب ارزن الروم فكان معه وحاصرها ونصب عليها المجانيق وأخذ بمخنقها حتى فر أهلها عنها من الجوع وتفرقوا في البلاد ثم داخله بعض أهلها في أن يمكنهم من بقيتها على أن يؤمنوه ويقطعوه في اذربيجان فأقطعه السلطان سلماس وعدة ضياغ هنالك وأصعد الرجال ليلا إلى الاسوار فقاتلوا الجند بالمدينة وهزموهم وملكوها وأسروا من كان بها وأسروا النصارى وأسد بن عبد الله وتحصن النائب عز الدين انبك بالقلعة فامنه وحبسه بقلعة درقان فلما وقعت المراسلة في الصلح قفل لئلا يشترط وقال ابن الاثير ان مولى من موالى حسام الدين كان هرب إلى السلطان فلما ملك خلاط طلب أن يثأر منه بمولاه فدفعه إليه وقتله ونهب البلد ثلاثا وسرح السلطان صاحب ارزن وهرب القمهرى من محبسه فقتل أسد بن عبد الله المهرانى بجزيرته وأقطع السلطان خلاط للامراء وعاد والله تعالى ولى التوفيق * (واقعة السلطان جلال الدين مع الاشرف وكيقياد وانهزامه أمامهما) * ولما استولى السلطان جلال الدين على خلاط تجهز الاشرف من دمشق وقد كان ملكها وسار لقتال السلطان جلال الدين في عساكر الجزيرة والشأم وذلك في سنة تسع وعشرين ولقيه علاء الدين كيقياد صاحب بلاد الروم على سيراس وكان كيقياد قد خشى من انصال جهان شاه ابن عمه طغرل صاحب ارزن الروم بالسلطان جلال الدين لما بينهما من العداوة فسار الاشرف وكيقياد من سراس وفي مقدمة الاشرف عز الدين عمر بن على من أمراء حلب من الاكراد الهكارية وله صيت في الشجاعة وجاء السلطان علاء الدين للقائهم فلما تراءى الجمعان حمل عز الدين صاحب المقدمة عليهم فهزمهم وعاد السلطان إلى خلاط وكان الوزير على ملاركرد يحاصرها فلحق به وارتحلوا جميعا إلى اذربيجان وأسر ركن الدين جهان شاه بن طغرل وجئ به إلى ابن عمه علاء الدين كيقياد فجاء به إلى ارزن فسلمها وسائر أعمالها ووصل الاشرف إلى خلاط فوجدها خاوية ولما رجع السلطان إلى اذربيجان ترك العساكر مع الوزير سكمان وأقام بخوى وخلص الترك في الهزيمة إلى موقان وتردد شمس الدين التكريتي رسول الاشرف بينه وبين السلطان جلال الدين في الصلح بينهم ودخل فيه علاء الدين

[ 139 ]

صاحب الروم وانعقد بينهم جميعا وسلم لهم السلطان سر من رأى مع خلاط والله تعالى أعلم * (الحوادت أيام حصار خلاط) * منها وفادة نصر الدين اصبهبد صاحب الجبل مع ارخا من امراء السلطان يصهره على أخيه فقبض السلطان عليه إلى أن عاد من بلاد الروم منهزما فأقطعه وأعاده إلى بلاده * ومنها رسالة أخت السلطان وكانت عند دوشى خان أخذها من العيال الذين جاؤا معه وتركمان خاتون من خوارزم وأولدها وكانت تكاتب أخاها بالاخبار فبعثت إليه الآن في الصلح مع خاقان والمصاهرة وأن يسلم له فيما وراء جيحون فلم يجبها * ومنها وفادة ركن الدين شاه ابن طغرل صاحب ارزن الروم وكان في طاعة الاشرف ومظاهرا للحاجب نائب خلاط على عداوة السلطان منافرة لابن عمه علاء الدين كيقياد ابن كنحسر صاحب الروم وكان قتل رسول السلطان منقلبا من الروم ومنع الميرة عن العسكر فلما طال حصار السلطان بخلاط استأمن وقدم عليه السلطان فاحتفل لقدومه واركب الوزير للقائه ثم خلع عليه ورده إلى بلاده واستدعى منه آلات الحصار فبعث بها ثم حضر بعد ذلك واقعة الاشرف مع السلطان كما مر * (ومنها وصول سعد الدين الحاجب برسالة الخليفة إلى السلطان بالخطبة في أعمالها وان لا يتعرض لمظفر الدين كوكبرون صاحب اربل ولا للولد صاحب الموصل ولا لشهاب الدين سليمان شاه ملك ولا لعماد الدين بهلوان بن هرارست ملك الجبال ويعدهم في أولياء الديوان فامتثل مراسله وبعث نائب العراق شرف الدين على بأن ملك العراق لا يتم الا بطاعة ملك الجبال عماد الدين بهلوان وملك سليمان شاه فبعث اليهما السلطان من لاطفهما حتى كانت طاعتهما اختيارا منهما وبعث السلطان الحاجب بدر الدين طوطو بن ابنايخ خان فأحسن في تأدية رسالته وجاء بهدية حافلة من عند الخليفة خلعتان للسلطان احداهما جبة وعمامة وسيف هندي مرصع الحلية والاخرى قنع وكمة وفرجية وسيف محلى بالذهب وقلادة مرصعة ثمينة وفرسان رائعان بعدتين كاملتين ونعال لكل واحدة من أربعمائة دينار وترس ذهب مرصع بالجوهر وفيه احد وأربعون فصا من الياقوت وبندخستانى في وسطه فيروزجة كبيرة وثلاثون فرسا عربية مجللة بالاطلس الرومي المبطن بالاطلس البغدادي بمقاود الحرير ونعال الذهب لكل واحدة منها ستون دينارا وعشرون مملوكا بالعدة والمركوب وعشرة فهود بجلال الاطلس وقلائد الذهب وعشرة صفور بالاكمام المكللة ومائة وخمسون بقجة في كل واحدة عشرة ثياب وخمس أكرمن العنبر مضلعة بالذهب

[ 140 ]

وشجرة من العود الهندي طولها خمسة أذرع وأربع عشرة خلعة نسوانية للخانات من خوالص الذهب وكنائس للخيل تفليسية وللامراء ثلثمائة خلعة لكل أمير خلعة قباء وكمة وللوزير عمامة سوداء وقباء وفرجية وسيف هندي واكرتان من العنبر وخمسون ثوبا وبغلة ولاصحاب الديوان عشرون خلعة في كل خلعة جبة وعمامة وعشرون ثوبا أكثرها اطلس رومى وبغدادي وعشرون بغلة شهباء ورفعت للسلطان خباء فدخلها ولبس الخلعتين وشفع الرسول في أهل خلاط فاعتذر له السلطان * ومنها وصول هدية من صاحب الروم ثلاثون بغلا مجللة بثياب الاطلس الخطائى وفرو القندسى والسمور وثلاثون مملوكا بالخيل والعدة ومائة فرس وخمسون بغلا ولما مروا باذربيجان اعترضهم ركن الدين جهان شاه بن طغرل صاحب ارزن وكان في طاعة الاشرف فأمسك الهدية عنده إلى أن وفد على السلطان بطاعته فأحضرها * ومنها اسار وزير المورخا خاء إلى الجبل المطل على قزوين لحصاد الحشيش على عادته وكان السلطان قد تغير على علاء الدين صاحبهم بسبب أخيه غياث الدين ولحاقه بهم في الموت فسار مقطع ساوة إلى ذلك الجبل وأكمن لهم وأسر الوزير وبعث به إلى السلطان وهو يحاصر خلاط فحبسه بقلعة رزمان وهلك لاشهر قلائل ثم بعث السلطان كاتبه محمد بن أحمد النسائي إلى علاء الدين صاحب قلعة الموت بطلب الخوارج وطلب الخطبة فامتنع منها أولا واحتج عليه بأن أباه جلال الدين الحسن خطب لخوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش والد السلطان فأنكر والتزم أن يبعث إلى الديوان مائة ألف في كل سنة * (وصول جهان بهلوان ازبك من الهند) * كان السلطان لما فصل من الهند بقصد العراق واستخلف على البلاد التى ملكها هنالك جهان بهلوان ازبك فأقام هنالك إلى أن قصده عسكر شمس الدين ايتماش صاحب لهاوون ففارق مكانه وسار إلى بلاد قشمير فزاحموه وطردوه عن البلاد فقصد العراق وتخلف عنه أصحابه وعادوا إلى ايتماش وفيهم الحسن برلق الملقب رجا ملك وكاتب جهان عليها ملك العراق بوصوله في سبعمائة فارس فأجاب الحسن رأى السلطان فيه وبعث إليه بعشرة آلاف دينار للنفقة ووصل توقيع السلطان بأن تحمل إليه عشرون ألفا وأن يشتى بالعراق يستريح بها من التعب فصادف عود السلطان من بلاد الروم وزحف السلطان إلى اذربيجان فحال قدر الله بينه وبين مرامه وقتل هناك سنة ثمان وعشرين * (وصول التتر إلى اذربيجان) * كان التتر عندما ملكوا ما وراء النهر وزحفوا إلى خراسان فضعضعوا ملك بنى

[ 141 ]

خوارزم شاه وانتهوا إلى قاصية البلاد وخربوا ما مروا عليه واكتسحوا ونهبوا وقتلوا ثم استقر ملكهم بما وراء النهر وعمروا تلك البلاد واختطوا قرب خوارزم مدينة عظيمة تعوض منها وبقيت خراسان خالية واستبد بالمدن فيها أمراء شبه الملوك يعطون الطاعة للسلطان جلال الدين لما جاء من الهند وانفرد جلال الدين بملك العراق وفارس وكرمان واذربيجان واران وما وراء ذلك وبقيت خراسان مجالات لغارات التتر وحروبهم ثم سارت طائفة منهم سنة خمس وعشرين فكان بينهم وبين جلال الدين لما جاء من الهند المواقعة على اصبهان كما مر ثم كان بين جلال الدين وبين الاشرف صاحب الشأم وعلاء الدين كيقياد صاحب الروم المواقعة سنة سبع وعشرين كما مر وأوهنت من جلال الدين وحلت عرى ملكه وكان علاء الدين مقدم الاسماعيلية في قلعة الموت فعادى جلال الدين لما أثخن في بلاده وقرر عليه وظائف الاموال فبعث إلى التتر يخبرهم بالهزيمة الكائنة عليه وانها أوهننه ويحثهم على قصده فساروا إلى أذربيجان أول سنة ثمان وعشرين وبلغ الخبر إلى السلطان بمسيرهم فبعث بوغر من أمرائه طليعة لاستكشاف خبرهم فلقى مقدمتهم فانهزم ولم ينج من أصحابه غيره وجاء بالخبر فرحل من تبريز إلى موقان وخلف عياله بتبريز لنظر الوزير وأعجله الحال عن أن يبعثهم إلى بعض الحصون ثم ورد كتاب من حدود زنجان بأن المقدمة التى لقيها بوغرباهرا قاموا بمرج الخان وانهم سبعمائة فارس فظن السلطان أنهم لا يجاوزونهما فسرى عنه ورحل إلى موقان فأقام بها وبعث في احشاد العساكر الاميرين بغان شحنة خراسان وأوسمان بهلوان شحنة مازندان وشغل بالصيد وبينما هو كذلك كبسه التتر بمكانه ونهبوا معسكره وخلص إلى نهراوس ثم ورى بقصد كنجة وعطف إلى اذربيجان فتنكر لماهان وكان عز الدين صاحب قلعة شاهن غاضبا منذ سنين لاغارة الوزير على بلده فلما نزل السلطان ماهان كان يخدمه بالميرة وباخبار التتر ثم أنذره آخر الشتاء بمسير التتر إليه من ارجان وأشار عليه بالعود إلى اران لكثرة ما فيها من العساكر وأجناد التركمان متحصنين بها فلما فارقها وكان الوزير فوق بيوت السلطان وخزائنه في قلاع حسام الدين منهم ارسلان كبير أمراء التركمان باران وكان قد عمر هنالك قلعة سنك سراخ من أحصن القلاع فأنزل عياله بها وكان مستوحشا من السلطان فجاهر بالعصيان وكانت وحشته من السلطان لامور منها تبذير أمواله في العطاء والنفقة ومنها أنه ظن أن السلطان مجفل إلى الهند فكاتب الاشرف صاحب الشأم وكيقياد صاحب الروم فوعدهم من نفسه الطاعة وهما عدوا السلطان ومنها أنه كاتب فليح ارسلان التركماني فأمره بحفظ حرم السلطان وخزائنه

[ 142 ]

ولا يسلمها إليه وبعث في الكتاب والكباس قبله ليغزو الروم فلما مر السلطان بقلعته بعث إليه يستدعيه فوصل وحمل كفنه في يده فلاطفه السلطان وكايده فظنها مخالصة فاطمأن والله تعالى ولى التوفيق * (استيلاء التتر على تبريز وكنجة) * ولما اجفل السلطان بعد الكبسة من موقان إلى اران بلغ الخبر إلى أهل تبريز فثاروا بالخوارزمية وأرادوا قتلهم ووافقهم بهاء الدين محمد بن بشير فاربك الوزير بعد الطغريانى وكان الطغريانى رئيس البلد كما مر فمنعهم من ذلك وعدوا على واحد من الخوارزمية وقتلوه فقتل به اثنين من العامة واجتهد في تحصين تبريز وحراستها وشحنها بالرجال ولم تنقطع كتبه عن السلطان ثم هلك فسلمها العوام إلى التتر ثم ثار أهل كنجة وسلموا بلدهم للتتر وكذا أهل ببلغازة والله أعلم * (نكبة الوزير ومقتله) * لما وصل السلطان إلى قلعة جاربرد بلغه استيحاش الوزير وخشى أن يفر إلى بعض الجهات فركب إلى القلعة موريا بالنظر في أحوالها والوزير معه وأسر إلى وإلى القلعة أن يمسك الوزير ويقيده هنالك ففعل ونزل السلطان فجمع مماليك الوزير وكبيرهم الناصر قشتمر وضمهم إلى أوتر خان ثم نمى إلى وإلى القلعة أن السلطان مستبدل منه فاستوحش وبعث بخاتم الوزير إلى قشتمر كبير المماليك يقول نحن وصاحبكم متوازرون فمن أحب خدمته فليأت القلعة فسقط في يد السلطان وكان ابن الوالى في جملته وحاشيته فأمره السلطان أن يكاتب أباه ويعاتبه ففعل وأجابه بالتنصل من ذلك فقال له السلطان فليبعث إلي برأس الوزير فبعث به وكان الوزير مكرما للعلماء والادباء مواصلا لهم كثيرا لخشية والبكاء متواضعا منبسطا في العطاء حتى استفرق أموال الديوان لو لا أن السلطان جذب من عنانه وكان فصيحا في لغة الترك وكانت عمالته على التواقيع السلطانية الحمد لله العظيم وعلى التواقيع الديوانية يعتمد ذلك وعلى تواقيعه إلى بلاده أبو المكارم على ابن ابى القاسم خالصة أمير المؤمنين * (ارتجاع السلطان كنجة) * لما ثار أهل كنجة بالخوارزمية كان القائم بأمرهم رجل منهم اسمه بندار وبعث السلطان إليهم رسوله يدعوهم إلى الطاعة فوصلوا قريبا منه وأقاموا وخرج إليهم الرئيس جمال الدين القمى بأولاده وامتنع الباقون ثم وصل السلطان وردد إليهم فلم تغن وبرزوا بعض الايام للقتال ورموا على خيمته فركب وحمل عليهم فانهزموا

[ 143 ]

وازدحموا في الباب فمنعهم الزحام من اغلاقه فاقتحم السلطان المدينة وقبض على ثلاثين من أهل الفتنة فقتلهم وجئ ببندار وكان بالغا في الفساد وكسر سرير الملك الذى نصبه بها محمد بن ملك شاه فمثل به وفصل أعضاءه بين يديه وأقام السلطان بكنجة نحوا من شهر ثم سار إلى خلاط مستمد اللاشرف فارتحل الاشرف إلى مصر وعلل بالمواعيد ووصل السلطان في وجهته إلى قلعة شمس وبها اراك بن ايوان الكرجى فخرج وقبل الارض على البعد ثم بعث إلى السلطان ما أمرى وبعث السلطان إلى جيرانه من الملوك مثل صاحب حلب وآمد وماردين يستنجدهم بعد يأسه من الاشرف وجرد عسكرا إلى خرت برت وملطية واذربيجان فأغاروا في تلك النواحى واستاقوا نعمها لما بين ملكها كيقياد وبين الاشرف من الموالاة فاستوحش جميعهم من ذلك وقعدوا عن نصرته والله تعالى ولى التوفيق * (واقعة التتر على السلطان بآمد ومهلكه) * كان السلطان بلغه وهو بخلاط أن التتر ساروا إليه فبعث السلطان الامير أوترخان في أربعة آلاف فارس طليعة فرجع وأخبر أن التتر رجعوا من حدود ملازكرد وكان الامراء أشاروا على السلطان الانتقال بديار بكر وينجرون إلى اصبهان ثم جاءه رسول صاحب آمد وزين له قصد بلاد الروم وأطمعه في الاستيلاء عليها ليتصل بالقفجاق ويستظهر بهم على التتر وأنه يمده بنفسه في أربعة آلاف فارس وكان صاحب آمد يروم الانتقام من صاحب الروم بما ملك من قلاعه فجنح السلطان إلى كلامه وعدل عن اصبهان إلى آمد فنزل بها وبعث إليه التركمان بالنذير وانهم رأوا نيران التتر بالمنزل الذى كانوا به أمس فاتهم خبرهم وصبحه التتر على آمد وأحاطوا بخيمته قبل أن يركب فحمل عليهم اوتر خان حتى كشفهم عن الحركات وركب السلطان وركض وأسلم زوجته بنت الاتابك سعد إلى أميرين يحملانها إلى حيث تنتهى الجفلة ثم رد اوتر خان والعساكر عنه ليتوارى بانفراده عن عين العدو وسار اوتر خان في أربعة آلاف فارس فخلص إلى اصبهان واستولى عليها إلى أن ملكها التتر عليه سنة تسع وثلاثين وذهب السلطان مستخفيا إلى باشورة آمد والناس يظنون أن عسكره غدروا به فوقفوا يردونهم فذهب إلى حدود الدربندات وقد ملئت المضايق بالمفسدين فأشار عليه أوتر خان بالرجوع فرجع وانتهى إلى قرية من قرى ميافارقين فنزل في بيدرها وفارقه أوتر خان لى شهاب الدين غازى صاحب حلب لمكاتبات كانت بينهما فحبسه ثم طلبه الكامل فبعث به إليه محبوسا ثم سقط من سطح فمات وهجم التتر على السلطان بالبيدر فهرب وقتل الذين كانوا معه وأخبر التتر أنه

[ 144 ]

السلطان فاتبعوه وأدركه اثنان منهم فقتلهما ويئس منه الباقون فرجعوا عنه وصعد جبل الاكراد فوجدهم مترصدين في الطرق للنهب فسلبوه وهموا بقتله وأسر إلى بعضهم أنه السلطان فمضى به إلى بيته ليخلصه إلى بعض النواحى ودخل البيت في غيبه بعض سفلتهم وبيده حربة وهو يطلب الثار من الخوارزمية بأخ له قتل بخلاط فقتله ولم يغن عنه البيت وكانت الوقعة منتصف شوال سنة ثمان وعشرين هذه سياقة الخبر من كتاب النسائي كاتب السلطان جلال الدين وأما ابن الاثير فذكر الواقعة وانه فقد فيها وبقوا أياما في انتظار خبره ولم يذكر مقتله وانتهى به التأليف ولم يزد على ذلك قال النسائي وكان السلطان جلال الدين أسمر قصيرا تركيا شجاعا حليما وقورا لا يضحك الا تبسما ولا يكثر الكلام مؤثرا للعدل الا أنه مغلوب من أجل الفتنة وكان يكتب للخليفة والوحشة قائمة بينهما كما كان أبوه يكتب خادمه المطواع فلان فلما بعث إليه بالخلع عن خلاط كما مر كتب إليه عبده فلان والخطاب بعد ذلك سيدنا ومولانا أمير المؤمنين وامام المسلمين وخليفة رب العالمين قدوة المشارق والمغارب المنيف على الذروة العليا ابن لؤى بن غالب ويكتب لملوك الروم ومصر والشأم السلطان فلان بن فلان ليس معها أخوه ولا محبه وعلامته على تواقيعه النصرة من الله وحده وعلامته لصاحب الموصل بأحسن خط وشق القلم شقين ليغلظ ولما وصل من الهند كاتبه الخليفة الجناب الرفيع الخاقانى فطلب الخطاب بالسلطان فأجيب بأنه لم تجربه عادة مع أكابر الملوك فألح في ذلك حين حملت له الخلع فخوطب بالجناب العالي الشاهستانى ثم انتشر التتر بعد هذه الواقعة في سواد آمد وأرزن وميافارقين وسائر ديار بكر فاكتسحوها وخربوها وملكوا مدينة اسعرد عنوة فاستباحوها بعد حصار خمسة أيام ومروا بماردين فامتنعت ثم وصلوا إلى نصيبين فاكتسحوا نواحيها ثم إلى سنجار وجبالها والخابور ثم ساروا إلى تدليس فأحرقوها ثم إلى أعمال خلاط فاستباحوا أباكرى وارتجيس وجاءت طائفة أخرى من اذربيجان إلى أعمال اربل ومروا في طريقهم بالتركمان الاموامية والاكراد الجوزقان فنهبوا وقتلوا وخرج مظفر الدين صاحب اربل بعد ان استمد صاحب الموصل فلم يدركهم وعادوا وبقيت البلاد قاعا صفصفا والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين وافترق عسكر جلال الدين منكبرس وساروا إلى كيقياد ملك الروم فأثبتهم في ديوانه واستخدمهم ثم هلك سنة أربع وثلاثين وولى ابنه غياث الدين كتحسرق فارتاب بهم وقبض على كبيرهم وفر الباقون واكتسحوا ما مروا به وأقاموا مستبدين بأطراف البلاد ثم استمالهم الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل وكان نائبا لابيه بالبلاد الشرقية حران وكيفا وآمد واستأذن أباه

[ 145 ]

في استخدامهم فأذن له كما يأتي في أخباره والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق بمنه وفضله [ الخبر عن دولة بنى تتش بن البارسلان ببلاد الشأم دمشق وحلب وأعمالهما وكيف تناوبوا فيها القيام بالدعوة العباسية والدعوة العلوية إلى حين انقراض أمرهم ] قد تقدم لنا استيلاء السلجوقية على الشأم لاول دولتهم وكيف سار أتسز بن أتق الخوارزمي من أمراء السلطان ملك شاه إلى فلسطين ففتح الرملة وبيت المقدس وأقام فيهما الدعوة العباسية ومحا الدعوة العلوية ثم حاصر دمشق وذلك سنة ثلاث وستين

[ 146 ]

وأربعمائة ثم أقام يردد الحصار على دمشق حتى ملكها سنة ثمان وستين وسار الى مصر سنة تسع وستين وحاصرها وعاد منها وولى السلطان ملك شاه بعد أبيه البارسلان سنة خمس وستين فأقطع أخاه تتش بلاد الشأم وما يفتحه من تلك النواحى سنة سبعين وأربعمائة فسار إلى حلب وحاصرها وكان أمير الجيوش بدر الجمالى قد بعث العساكر لحصار دمشق وبها أتسز فبعث بالصريخ إلى تاج الدولة تتش فسار لنصرته وأجفلت عساكر مصر وخرج أتسز لتلقيه فتعلل عليه ببطئه عن تلقيه وقتله واستولى على دمشق وقد تقدم ذلك كله ثم استولى سليمان بن قطلمش على انطاكية وقتل بن قريش وسار إلى حلب فملكها وسمع بذلك تتش فسار إليها واقتتلا سنة تسع وسبعين وقتل سليمان بن قطلمش في الحرب وسار السلطان ملك شاه إلى حلب فملكها وولى عليها قسيم الدولة اقسنقر جد نور الدين العادل ثم جاء السلطان إلى بغداد سنة أربع وثمانين وسار إليه أخوه تاج الدين تتش من دمشق وقسيم الدولة اقسنقر صاحب حلب وبوزان صاحب الرها وحضروا معه صنيع المولد النبوى ببغداد فلما وعدوه العود إلى بلادهم أمر قسيم الدولة وبوزان بأن يسيرا بعسكرهما مع تاج الدولة تتش لفتح البلاد بساحل الشأم وفتح مصر من يد المستنصر العلوى ومحوا الدولة العلوية منها فساروا لذلك وملك تتش حمص من يد ابن ملاعب وغزة عنوة وأماسية من يد خادم العلوى بالامان وحاصر طرابلس وبها جلال الدين بن عمار فداخل قسيم الدولة اقسنقر وصانعه بالمال في أن يشفع له عند تتش فلم يشفعه فرحل مغاضبا وأجفلوا إلى جبلة وانتقض أمرهم وهلك السلطان ملك شاه سنة خمس وثمانين ببغداد وقد كان سار إلى بغداد وسار تتش أخوه من دمشق للقائه وبلغه في طريقه خبر وفاته وتنازع ولده محمود وبركيارق الملك فاعتزم على طلب الامر لنفسه ورجع إلى دمشق فجمع العساكر وقسم العطاء وسار إلى حلب فأعطاه اقسنقر الطاعة لصغر أولاد ملك شاه والتنازع الذى بينهم وحمل صاحب انطاكية وبوزان صاحب الرها وحران على طاعته وساروا جميعا في محرم سنة ست وثمانين فحاصروا الرحبة وملكوها وخطب فيها تتش لنفسه ثم ملك نصيبين عنوة واستباحها وأقطعها لمحمد بن مسلم بن قريش ثم سار إلى الموصل وبها ابراهيم بن قريش بن بدران وبعث إليه في الخطبة على منابره فامتنع وبرز للقائه في ثلاثين ألفا وكان تتش في عشرة آلاف والتقوا بالمضيع من نواحى الموصل فانهزم ابراهيم وقتل واستبيحت أحياء العرب وقتل أمراؤهم وأرسل إلى بغداد في طلب الخطبة فلم يسعف الا بالوعد ثم سار إلى ديار بكر فملكها في ربيع الآخر وسار منها إلى اذربيجان وكان بركيارق بن ملك شاه قد استولى على الرى وهمذان وكثير من بلاد الجبل فسار في العساكر لمدافعته فلما تقاربا نزع

[ 147 ]

اقسنقر وبوزان إلى بركيارق وعاد تتش منهزما إلى الشام وجمع العساكر واستوعب في الحشد وسار إلى اقسنقر في حلب فبرز إليه ومعه بوزان صاحب الرها وكربوقا الذى ملك الموصل فيما بعد ولقيهم تتش على ستة فراسخ من حلب فانهزموا وجئ باقسنقر أسيرا فقتله صبرا ولحق كربوقا وبوزان بحلب فحاصرها تتش وملكها وأخذهما أسيرين وبعث إلى حران والرها في الطاعة فامتنعوا فقتل بوزان وملكهما وحبس كربوقا بحمص ثم سار إلى الجزيرة فملكها جميعا ثم إلى ديار بكر وخلاط ثم اذربيجان ثم همذان وبعث إلى بغداد في الخطبة وكان بركيارق يومئذ بنصيبين فعبر دجلة إلى اربل ثم منها إلى بلد سرحاب بن بدر وسار الامير يعقوب بن ارتق من عسكر تتش فكبسه وهزمه ونجا إلى اصبهان فكان من خبره ما تقدم وبعث تتش يوسف بن اتق التركماني شحنة إلى بغداد فمنع منها فعاث في نواحيها ثم بلغه مهلك تتش فعاد إلى حلب وهذه الاخبار كلها قد تقدمت في أول دولة السلجوقية وانما ذكرنا هاهنا توطئة لدولة بنى تتش بدمشق وحلب والله أعلم * (مقتل تتش) * ولما انهزم بركيارق أمام عمه تتش لحق باصبهان وبها محمود وأهل دولته فأدخلوه وتشاوروا في قتله ثم أبقوه إلى ابلال محمود من مرضه فقدر هلاك محمود وبايعوا لبركيارق فبادر إلى اصبهان وقدم أميرا آخر بين يديه لاعداد الزاد والعلوفة وسار هو إلى اصبهان ورجع تتش إلى الرى وأرسل إلى الامراء باصبهان يدعوهم ويرغبهم فأجابوه باستبراء أمر بركيارق ثم ابل بركيارق من مرضه وسار في العساكر إلى الرى فانهزم تتش وانهزم عسكره وثبت هو فقتله بعض أصحاب اقسنقر بثار صاحبه واستقام الامر لبركيارق والله تعالى أعلم * (استيلاء رضوان بن تتش على حلب) * كان تتش لما انفصل من حلب استخلف عليها أبا القاسم الحسن بن على الخوارزمي وأمكنه من القلعة ثم أوصى أصحابه قبل المصاف بطاعة ابنه رضوان وكتب إليه بالمسير إلى بغداد ونزول دار السلطنة فسار لذلك وسار معه أبو الغازى بن ارتق وكان أبوه تتش تركه عنده وسار معه ومعه محمد بن صالح بن مرداس وغيرهما وبلغه مقتل أبيه عند هيت فعاد إلى حلب ومعه الاميران الصغيران أبو طالب وبهرام وأمه وزوجها جناح الدولة الحسن بن افتكين لحق بهم من المعركة فلما انتهوا إلى حلب امتنع أبو القاسم بالقلعة ومعه جماعة من المغاربة وهم أكثر جندها فاستمالهم جناح

[ 148 ]

الدولة فثاروا بالقلعة من الليل ونادوا بشعار الملك رضوان واحتاطوا على أبى القاسم فبعث إليه رضوان بالامان وخطب له على منابر حلب وأعمالها وأقام بتدبير دولته جناح الدولة وأحسن السيرة وخالف عليهم الامير باغيسيان بن محمد بن ايه التركماني صاحب انطاكية ثم أطاع وأشار على رضوان بقصد ديار بكر وسار معه لذلك وجاءهم أمراء الاطراف الذين كان تتش رأسهم فيها وقصدوا سروج فسبقهم إليها سلمان بن ارتق وملكها فساروا إلى الرها وبها الفارقليط من الروم كان يضمن البلاد من بوزان فتحصن بالقلعة ودافعهم ثم غلبوه عليها وملكها رضوان وطلبها منه باغيسيان وخشى جناح الدولة على نفسه فلحق بحلب ورجع رضوان والامراء على أثره فسار باغيسيان فأقطعها له ثم سار إلى حران وأميرها قراجا فدس إليهم بعض أهلها بالطاعة واتهم قراجا بذلك ابن المعنى من أعيانها كان تتش يعتمد عليه في حفظ البلد فقتله وقتل بنى أخيه ثم فسد ما بين جناح الدولة وباغيسيان وخشى جناح الدولة على نفسه فلحق بحلب ورجع رضوان والامراء على أثره فسار باغيسيان إلى بلده انطاكية وسار معه أبو القاسم الخوارزمي ودخل رضوان إلى حلب دار ملكه وكان من أهل دولته يوسف ابن اتق الخوارزمي الذى بعثه تتش إلى بغداد شحنة وكان من الفتيان بحلب وكان قنوعا وكان يعادى يوسف بن اتق فجاء إلى جناح الدولة القائم بأمر رضوان ورمى يوسف بن اتق عنده بأنه يكاتب باغيسيان ويداخله في الثورة واستأذنه في قتله فأذن له وأمده بجماعة من الجند وكبس يوسف في داره فقتله ونهب فيها واستطال على الدولة وطمع في الاستبداد على رضوان ودس لجناح الدولة أن رضوان أمره بقتله فهرب إلى حمص وكانت اقطاعا له واستبد على رضوان ثم تنكر له رضوان سنة تسع وثمانين وأمر بالقبض عليه فاختفى ونهبت دوره وأمواله ودوابه ثم قبض عليه فامتحن وقتل هو وأولاده * (استيلاء دقاق بن تتش على دمشق) * كان تتش قد بعث ابنه دقاقا إلى أخيه السلطان ملك شاه ببغداد فاقام هنالك إلى أن توفى ملك شاه فسار معه ابنه محمود وأمه خاتون الجلالية إلى اصبهان ثم ذهب عنهم سرا إلى بركيارق ثم لحق بأبيه وحضر معه الواقعة التى قتل فيها ولما قتل تتش أبوه سار به مولاه تكين إلى حلب فأقام عند أخيه رضوان وكان بقلعة ساوتكين الخادم من موالى تتش ولاه عليها قبل موته فبعث إلى دقاق يستدعيه للملك فسار إليه وبعث رضوان في طلبه فلم يدركه ووصل دمشق وكتب إليه باغيسيان صاحب انطاكية يشير عليه بالاستبداد بدمشق على أخيه رضوان ووصل معتمد الدولة

[ 149 ]

طغتكين مع جماعة من خواص تتش وكان قد حضر المعركة وأسر فخلص الآن من الاسار وجاء إلى دمشق فلقيه دقاق ومال إليه وحكمه في أمره وداخله في مثل ساوتكين الخادم فقتلوه ووفد عليهم باغيسيان من انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي فأكرمهما واستوزر الخوارزمي وحكمه في دولته * (الفتنة بين دقاق وأخيه رضوان) * ثم سار رضوان إلى دمشق سنة تسعين وأربعمائة قاصدا انتزاعها من يد دقاق فامتنعت عليه فعاد إلى مالس وقصد الورس فامتنعت عليه فعاد إلى حلب وفارقه باغيسيان صاحب انطاكية إلى أخيه دقاق وحض على المسير إلى أخيه بحلب فسار لذلك واستنجد رضوان سكمان من سروج في أمم من التركمان ثم كان اللقاء بقنسرين فانهزمت عساكر دقاق ونهب سوادهم وعاد رضوان إلى حلب ثم سعى بينهما في الصلح على أن يخطب لرضوان بدمشق وانطاكية قبل دقاق فانعقد ذلك بينهما ثم لحق جناح الدولة بحمص عندما عظمت فيه سعاية المحركما ذكرناه وكان باغيسيان منافرا له فلما فصل من حلب جاء باغيسيان إلى رضوان وصالحه ثم بعث إلى رضوان المستعلى خليفة العلويين بمصر يعده بالامداد على أخيه على أن يخطب له على منابره وزين له بعض أصحابه صحة مذهبهم فخطب له في جميع أعماله سوى انطاكية والمعرة وقلعة حلب ثم وفد عليه بعد شهرين من هذه الخطبة سكمان بن ارتق صاحب سروج وباغيسيان صاحب انطاكية فلم يقم بها غير ثلاث حتى وصل الفرنج فحاصروه وغلبوه على انطاكية وقتلوه كما مر في خبره * (استيلاء دقاق على الرحبة) * كانت الرحبة بيد كربوقا صاحب الموصل فلما قتل كما مر في خبره استولى عليها قانمار من موالى السلطان البارسلان فسار دقاق بن تتش ملك دمشق وأتابكه طغركين إليها سنة خمس وتسعين وحاصروها فامتنعت عليهم فعادوا عنها وتوفى قانمار صاحبها في صفر سنة ست وتسعين وقام بأمرها حسن من موالى الاتراك فطمع في الاستبداد وقتل جماعة من أعيان البلد وحبس آخرين واستخدم جماعة من الجند وطرد آخرين وخطب لنفسه فسار دقاق إليه وحاصره في القلعة حتى استأمن وخرج إليه وأقطعه بالشأم اقطاعات كثيرة وملك الرحبة وأحسن إلى أهلها وولى عليهم ورجع إلى دمشق والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق لا رب غيره * (وفاة دقاق وولاية أخيه تلتاش ثم خلعه) *

[ 150 ]

ثم توفى دقاق صاحب دمشق سنة سبع وتسعين واستقل أتابكه طغركين بالملك وخطب لنفسه سنة ثم قطع خطبته وخطب لتلتاش أخى دقاق صبيا مراهقا وخوفته أمه من طغركين بزواجه أم دقاق وأنه يميل إلى ابن دقاق من أجل جدته فاستوحش وفارق دمشق إلى بعلبك في صفر سنة ثمان وتسعين ولحقه ايتكين الحلبي صاحب بصرى وكان ممن حسن له ذلك فعاث في نواحى خوارزم ولحق به أهل الفساد وراسلا هدويل ملك الفرنج فأجابهما بالوعد ولم يوف لهما فسار إلى الرحبة واستولى عليها تلتاش وقيل ان تلتاش لما استوحش منه طغركين من دخول البلد مضى إلى حصون له وأقام بها ونصب طغركين الطفل ابن دقاق وخطب واستبد عليه وأحسن إلى الناس واستقام أمره والله تعالى ولى التوفيق وهو نعم الرفيق * (الحرب بين طغركين والفرنج أشهرا) * كان قمص من قمامصة الفرنج على مرحلتين من دمشق فلج بالغارات على دمشق فجمع طغركين العساكر وسار إليه وجاء معرون ملك القدس وعكا من الفرنج بانجاد القمص فأظهر العينة عليه وعاد إلى عكا وقاتل طغركين القمص فهزمه وأحجزه بحصنه ثم حاصره حتى ملك الحصن عنوة وقتل أهله وأسر جماعته وعاد إلى دمشق ظافرا غانما ثم سار إلى حصن رمسة من حصون الشأم وقد ملكه الفرنج وبه ابن أخت سميل المقيم على طرابلس يحاصرها فحاصر طغركين حصن رمسة حتى ملكه وقتل أهله من الفرنج وخربه والله أعلم * (مسير رضوان صاحب حلب لحصار نصيبين) * ثم ان رضوان صاحب حلب اعتزم على غزو الفرنج واستدعى الامراء من النواحى لذلك فجاءه أبو الغازى بن ارتق الذى كان شحنة ببغداد وأصبهان وصباوو وألبى بن ارسلان ماش صاحب سنجر وهو صهر جكرمس صاحب الموصل وأشار أبو الغازى بالمسير إلى بلاد جكرمس للاستكثار بعسكرها وأموالها ووافقه البى وساروا إلى نصيبين في رمضان سنة تسع وتسعين وأربعمائة فحاصروها وفيها أميران من قبل جكرمس واشتد الحصار وجرح البى بن ارسلان بسهم أصابه فعاد إلى سنجر وأجفل أهل السواد إلى الموصل وعسكر جكرمس بظاهرها معتزما على الحرب ثم كاتب أعيان العسكر وحثهم على رضوان وأمر أصحابه بنصيبين باظهار طاعته وطلب الصلح معه وبعث إلى رضوان بذلك والامداد بما يشاؤه على أن يقبض على أبى الغازى فمال إلى ذلك واستدعى أبا الغازى فخبره أن المصلحة في صلح جكرمس ليستعينوا به في غزو

[ 151 ]

الفرنج وجمع شمل المسلمين فجاوبه أبو الغازى بالمنع من ذلك ثم قبض عليه وقيده فانتقض التركمان ولجؤا إلى سور المدينة وقاتلوا رضوان وبعث رضوان بأبى الغازى إلى نصيبين فخرجت منها العساكر لامداده فافترق منها التركمان ونهبوا ما قدروا عليه ورحل رضوان من وقته إلى حلب وانتهى الخبر إلى جكرمس بتل أعفر وهو قاصد حرب القوم فرحل عند ذلك إلى سنجار وبعث إليه رضوان في الوفاء بما وعده من النجدة فلم يف له ونازل صهره البى بن ارسلان بسنجر وهو جريح من السهم الذى أصابه على نصيبين فخرج إليه البى محمولا واعتذر إليه فأعتبه وأعاده إلى بلده فمات وامتنع أصحابه بسنجار رمضان وشوالا ثم خرج إليه عم البى وصالح جكرمس وعاد إلى الموصل والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق بمنه * (استيلاء الفرنج على افامية) * كان خلف بن ملاعب الكلابي في حمص وملكها تاج الدولة تتش فسار إلى مصر وأقام بها ثم بعث صاحب افامية من جهة رخوانين تتش بطاعته إلى صاحب مصر العلوى فبعث إليها ابن ملاعب وملكها وخلع طاعة العلوية وأقام يخيف السبيل كما كان في حمص فلما ملك الافرنج سرمير لحق به قاضيها وكان على مذهب الرافضة فكتب إلى ابن الطاهر الصانع من أكابر الغلاة ومن أصحاب رضوان وداخلهم في الفتك بابن ملاعب ونمى الخبر إليه من أولاده فحلف له القاضى بما اطمأن إليه وتحيل مع ابن الصانع في جند من قبلهم يستأمنون إلى ابن ملاعب ويعطونه خيلهم وسلاحهم ويقيمون للجهاد معه ففعلوا وأنزلهم بربض افامية ثم بيته القاضى ليلا بمن معه من أهل سرمير ورفع أولئك الجند من الربض بالحبال وقتلوا ابن ملاعب في بيته وقتلوا معه ابنه وفر الآخر إلى أبى الحسن بن منقذ صاحب شيرز وجاء الصانع من حلب إلى القاضى فطرده واستبد بافامية وكان بعض أولاد ابن ملاعب عند طغركين وولاه حماية بعض الحصون فعظم ضرره فطلب طغركين فهرب إلى الافرنج وأغراهم بافامية ودلهم على عورتها وعدم الاقوات فيها فحاصروها شهرا وملكوها عنوة وقتلوا القاضى والصانع وذلك سنة تسع وتسعين وقد ذكرنا قبل أن الصانع قتله ابن بديع وتتش صاحب حلب مهلك رضوان فالله أعلم أيهما الصحيح ثم ملك صاحب انطاكية من الافرنج حصن الامارة بعد حصار طويل فملكه عنوة واستلحم أهله وفعل في ذريته مثل ذلك ورحل أهل منبج وبالس وتركوهما خاويين وملكوا حيد بالامان وطلب الفرنج من أهل الحصون الاسلامية الجزية فأعطوهم ذلك على ضريبة فرضوها عليهم فكان على رضوان في حلب وأعمالها ثلاثون ألف دينار وعلى صور سبعة آلاف وعلى ابن منقذ في شيرز

[ 152 ]

أربعة آلاف وعلى حماة ألفا دينار وذلك سنة خمس وخمسمائة * (استيلاء طغركين على بصرى) * قد تقدم لنا سنة سبع وتسعين حال تلتاش بن تتش والخطبة له بعد أخيه دقاق وخروجه من دمشق واستنجاده الفرنج وان الذى تولى كبر ذلك كله اسكين الحملى صاحب بصرى فسار طغركين سنة المائة الخامسة إلى بصرى وحاصرها حتى أذعنوا وضربوا له أجلا للفرنج فعاد إلى دمشق حتى انقضى الاجل فأتوه طاعتهم وملك البلد وأحسن إليهم والله تعالى ولى التوفيق لا رب غيره * (غزو طغركين وهزيمته) * ثم سار طغركين سنة اثنتين وخمسمائة إلى طبرية ووصل إليها ابن أخت بقدوين ملك الفرس من الفرنج فاقتتلوا فانهزم المسلمون أولا فنزل طغركين ونادى بالمسلمين فكروا وانهزم الفرنج وأسر ابن أخت بقدوين وعرض طغركين عليه الاسلام فامتنع فقتله بيده وبعث بالاسرى إلى بغداد ثم انعقد الصلح بين طغركين وبقدوين بعد أربع سنين وسار بعدها طغركين إلى حصن غزة في شعبان من السنة وكان نيد مولى القاضى فخر الملك بن على بن عمار صاحب طرابلس فعصى عليه وحاصره الافرنج وانقطعت عنه الميرة فأرسل إلى طغركين صاحب دمشق أن يمكنه من الحصن فأرسل إليه اسرائيل من أصحابه فملك الحصن وقتل صاحبه مولى بن عمار غيلة ليستأثر بمخلفه فانتظر طغركين دخول الشتاء وسار إلى الحصن لينظر في أمره وكان اسردانى من الافرنج يحاصر طرابلس فلما سمع بوصول طغركين حصن الاكمة أغذ السير إليه فهزمه وغنم سواده ولحق طغركين بحمص ونازل أسردانى غرة فاستأمنوا إليه وملكها وقبض على اسرائيل فادى به أسيرا كان لهم بدمشق منذ سبع سنين ووصل طغركين إلى دمشق ثم قصد ملك الافرنج رمسة من أعماله دمشق فملكها وشحنها بالاقوات والحامية فقصدها طغركين بعد أن نمى إليه الخبر بضعف الحامية الذين بها فكبسها عنوة وأسر الافرنج الذين بها والله سبحانه وتعالى أعلم * (انتقاض طغركين على السلطان محمد) * كان السلطان محمد بن ملك شاه قد أمر مودود بن بوشكين صاحب الموصل بالمسير لغزو الافرنج لان ملك القدس تابع الغارات على دمشق سنة ست وخمسمائة واستصرخ طغركين بمودود فجمع العساكر وسار سنة تسع ولقيه طغركين بسهلة وقصدوا القدس وانتهوا إلى الانحوانة على الاردن وجاء بقدوين فنزل قبالتهما على النهر ومعه جوسكين

[ 153 ]

صاحب جيشه واقتتلوا منتصف محرم سنة عشر على بحيرة طبرية فانهزم الافرنج وقتل منهم كثير وغرق كثير في بحيرة طبرية ونهر الاردن ولقيتهم عساكر طرابلس وانطاكية فاشتدوا وأقاموا بجبل قرب طبرية وحاصرهم المسلمون فيه ثم يئسوا من الظفر به فساحوا في بلادهم واكتسحوها وخربوها ونزلوا مرج الصفر وأذن مودود للعساكر في العود والراحة ليتهيؤا للغزو سلخ الشتاء ودخل دمشق آخر ربيع من سنة ليقيم عند طغركين تلك المدة وصلى معه أول جمعة ووثب عليه باطني بعد الصلاة فطعنه ومات آخر يومه واتهم طغركين بقتله وولى السلطان مكانه على الموصل اقسنقر البرسقى فقبض على اياز بن أبى الغازى وأبيه صاحب حصن كيفا فسار بنو أرتق إلى البرسقى وهزموه وتخلص اياز من أسره فلحق أبو الغازى أبوه بطغركين صاحب دمشق وأقام عنده وكان مستوحشا من السلطان محمد لاتهامه بقتل مودود فبعث إلى صاحب انطاكية من الفرنج وتحالفوا على المظاهرة وقصد أبو الغازى ديار بكر فظفر به قيرجان ابن قراجا صاحب حمص وأسره وجاء طغركين لاستنقاذه فحلف قيرجان ليقتلنه ان لم يرجع طغركين إلى بلاده وانتظر وصول العساكر من بغداد تحمله فأبطأت فأجاب طغركين إلى اطلاقه ثم بعث السلطان محمد العساكر لجهاد الافرنج والبداءة بقتال طغركين وأبى الغازى فساروا في رمضان سنة ثمان وخمسمائة ومقدمهم برسق ابن برسق صاحب همذان وانتهوا إلى حلب وبعثوا إلى متوليها لؤلؤ الخادم ومقدم عسكرها شمس الخواص يأمرونهما بالنزول عنها وعرضوا عليهما كتب السلطان بذلك فدافعا بالوعد واستحثا طغركين وأبا الغازى في الوصول فوصلا في العساكر وامتنعت حلب على العساكر وأظهروا العصيان فسار برسق إلى حماة وهى لطغركين فملكها عنوة ونهبها ثلاثا وسألهما الامير قيرجان صاحب حمص وكان جميع ما يفتحه من البلاد له بأمر السلطان فانتقض الامراء من ذلك وكسلوا عن الغزو وسار أبو الغازى وطغركين وشمس الخواص إلى انطاكية يستنجدون صاحبها دجيل من الافرنج ثم توادعوا إلى انصرام الشتاء ورجع أبو الغازى إلى ماردين وطغركين إلى دمشق ثم كان في اثر ذلك هزيمة المسلمين واستشهد برسق وأخوه زنكى وقد تقدم خبر هذه الهزيمة في أخبار البرسقى ثم قدم السلطان محمد بغداد فوفد عليه اتابك طغركين صاحب دمشق في ذى القعدة من سنة تسع مستعينا فأعانه وأعاده إلى بلده والله سبحانه وتعالى أعلم * (وفاة رضوان بن تتش صاحب حلب وولاية ابنه البارسلان) * ثم توفى رضوان بن تتش صاحب حلب سنة تسع وخمسمائة وقد كان قتل أخويه

[ 154 ]

أبا طالب وبهرام وكان يستعين بالباطنية في أموره ويداخلهم ولما توفى بايع مولاه لؤلؤ الخادم لابنه البارسلان صبيا مغتلما وكانت في لسانه حبسة فكان يلقب الاخرس وكان لؤلؤ مستبدا عليه ولاول ملكه قتل أخويه وكل ملك شاه منهما شقيقه وكانت الباطنية كثيرا في حلب في أيام رضوان حتى خافهم ابن بديع وأعيانها فلما توفى أذن لهم البارسلان في الايقاع بهم فقبضوا على مقدمهم ابن طاهر الصابغ وجماعة من أصحابهم فقتلوهم وافترق الباقون [ مهلك لؤلؤ الخادم واستيلاء أبى الغازى ثم مقتل البارسلان وولاية أخيه السلطان شاه ] كان لؤلؤ الخادم قد استولى على قلعة حلب وولى أتابكية البارسلان ابن مولاه رضوان ثم تنكر له فقتله لؤلؤ ونصب في الملك أخاه سلطان شاه واستبد عليه فلما كان سنة احدى عشرة سار إلى قلعة جعفر للاجتماع بصاحبها سالم بن مالك فغدر به مماليكه الاتراك وقتلوه عند خرتبرت وأخذوا خزائنه واعترضهم أهل حلب فاستعادوا منهم ما أخذوه وولى أتابكية سلطان شاه بن رضوان شمس الخواص بارقياس وعزل لشهر وولى بعده أبو المعالى بن الملحى الدمشقي ثم عزل وصودر واضطربت الدولة وخاف أهل حلب من الافرنج فاستدعوا أبا الغازى بن أتق وحكموه على أنفسهم ولم يجد فيها مالا فصادر جماعة الخدم وصانع بمالهم الافرنج حتى صار إلى ماردين بنية العود إلى حمايتها واستخلف عليها ابنه حسام الدين مرتاش وانقرض ملك رضوان بن تتش من حلب والله سبحانه وتعالى أعلم * (هزيمة طغركين أمام الافرنج) * كان ملك الافرنج بقدوين صاحب القدس قد توفى سنة ثنتى عشرة وقام بملكهم بعده القمص صاحب الرها الذى كان أسره جكرمس وأطلقه جاولى كما تقدم في أخبارهم وبعث إلى طغركين في المهادنة وكان قد سار من دمشق لغزوهم فأبى من اجابته وسار إلى طبرية فنهبها واجتمع بقواد المصريين في عسقلان وقد أمرهم صاحبهم بالرجوع إلى رأى طغركين ثم عاد إلى دمشق وقصد الافرنج حصنا من أعماله فاستأمن إليهم أهله وملكوه ثم قصدوا أذرعات فبعث طغركين ابنه بورى لمدافعتهم فتنحوا عن أذرعات إلى جبل هناك وحاصرهم بورى وجاء إليه أبو طغركين فراسلوه ليفرج عنهم فأبى طمعا في أخذهم فاستماتوا وحملوا على المسلمين حملة صادقة فهزموهم ونالوا منهم ورجع الفل إلى دمشق وسار طغركين إلى أبى الغازى بحلب يستنجده فوعده بالنجدة وسار إلى

[ 155 ]

ماردين للحشد ورجع طغركين إلى دمشق كذلك وتواعدوا للجبال وسبقى الافرنج إلى حلب وكان بينه وبين أبى الغازى ما نذكره في موضعه من دولة بنى ارتق والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق لا رب غيره * (منازلة الافرنج دمشق) * ثم اجتمع الافرنج سنة عشرين وخمسمائة ملوكهم وقمامصتهم وساروا إلى دمشق ونزلوا مرج الصفر وبعث أتابك طغركين بالصريخ إلى تركمان بديار بكر وغيرها وخيم قبالة الافرنج واستخلف ابنه بورى على دمشق ثم ناجزهم الحرب آخر السنة فاشتد القتال وصرع طغركين عن فرسه فانهزم المسلمون وركب طغركين واتبعهم ومضت خيالة الافرنج في اتباعهم وبقى رجالة التركمان في المعركة فلما خلص إليهم رجالة الافرنج اجتمعوا واستماتوا وحملوا على رجالة الافرنج فقتلوهم ونهبوا معسكرهم وعادوا غانمين ظافرين إلى دمشق ورجعت خيالة الافرنج من اتباعهم منهزمين فوجدوا معسكرهم منهوبا ورجالتهم قتلى وكان ذلك من الصنع الغريب * (وفاة طغركين وولاية ابنه بورى) * ثم توفى أتابك طغركين صاحب دمشق في صفر سنة ثنتين وعشرين وكان من موالى تاج الدولة تتش وكان حسن السيرة مؤثرا للعدل محبا في الجهاد ولقبه ظهير الدين ولما توفى ملك بعده ابنه تاج الدولة بورى أكبر أولاده بعهده إليه بذلك واقر وزير أبيه ابى على طاهر بن سعد المزدغانى على وزارته وكان المزدغانى يرى رأى الرافضية الاسماعيلية وكان بهرام ابن أخى ابراهيم الاستراباذى لما قتل عمه ابراهيم ببغداد على هذا المذهب لحق بالشأم وملك قلعة بانياس ثم سار إلى دمشق وأقام بها خليفة يدعو إلى مذهبه ثم فارقها وملك القرموس وغيره من حصون الجبال وقابل البصرية والدرزة بوادي اليتم من أعمال بعلبك سنة ثنتين وعشرين وغلبهم الضحاك وقتل بهرام وكان المزدغانى قد أقام له خليفة بدمشق يسمى أبا الوفاء فكثر اتباعه وتحكم في البلد وجاء الخبر إلى بورى بأن وزيره المزدغانى والاسماعيلية قد راسلوا الافرنج بأن يملكوهم دمشق فجاء إليها وقتل المزدغانى ونادى بقتل الاسماعيلية وبلغ الخبر إلى الافرنج فاجتمع صاحب القدس وصاحب انطاكية وصاحب طرابلس وسائر ملوك الافرنج وساروا لحصار دمشق واستصرخ تاج الملك بالعرب والتركمان وجاء الافرنج في ذى الحجة من السنة وبثوا سراياهم للنهب والاغارة ومضت منها سرية إلى خوارزم فبعث تاج الدولة بورى سرية من المسلمين مع شمس الخواص من أمرائه لمدافعتهم فلقوهم وظفروا بهم واستلحموهم

[ 156 ]

وبلغ الخبر إلى الافرنج فأجفلوا منهزمين وأحرقوا مخلفه واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون والله تعالى ولى التوفيق * (أسر تاج الملك لدبيس بن صدقة وتمكين عماد الدين زنكى منه) * كان بصرخد من أرض الشأم أميرا عليها فتوفى سنة خمس وعشرين وخلف سريته واستولت على القلعة وعلمت أنه لا يتم لها استيلاؤها الا بتزويج رجل من أهل العصابة فوصف لها دبيس فكتبت إليه تستدعيه وهو على البصرة منابذا للسلطان عندما رجع من عند سنجر فاتخذ الادلاء وسار إلى صرخد فضل به الدليل بنواحي دمشق ونزل على قوم من بنى كلاب شرقي الغوطة فحملوه إلى تاج الملك فحبسه وبعث به إلى عماد الدين زنكى يستدعيه ويتهدده على منعه وأطلق سريج بن تاج الملوك والامراء الذين كانوا مأسورين معه فبعث تاج الملك بدبيس إليه وأشفق على نفسه فلما وصل إلى زنكى خالف ظنه وأحسن إليه وسد خلته وبسط أمله وبعث فيه المسترشد أيضا يطلبه وجاء فيه الانباري وسمع في طريقه باحسان زنكى إليه فرجع ثم أرسل المسترشد يشفع فيه فأطلق * (وفاة تاج الملوك بورى صاحب دمشق وولاية ابنه شمس الملوك اسمعيل) * كان تاج الملوك بورى قد ثار به جماعة من الباطنية سنة خمس وعشرين وطعنوه فأصابته جراحة واندملت ثم انتقضت عليه في رجب من سنة ست وعشرين لاربع سنين ونصف من امارته وولى بعده ابنه شمس الملوك اسمعيل بعهده إليه بذلك وكان عهد بمدينة بعلبك وأعمالها لابنه الآخر شمس الدولة وقام بتدبير أمره الحاجب يوسف ابن فيروز شحنة دمشق وأحسن إلى الرعية وبسط العدل فيهم والله سبحانه وتعالى أعلم * (استيلاء شمس الملوك على الحصون) * ولما تولى شمس الملوك اسمعيل وسار أخوه محمد إلى بعلبك خرج إليها وحاصر أخاه محمدا بها وملك البلد واعتصم محمد بالحصن وسأل الابقاء فأبقى عليه ورجع إلى دمشق ثم سار إلى باشاش وقد كان الافرنج الذين بها نقضوا الصلح وأخذوا جماعة من تجار دمشق في بيروت فسار إليها طاويا وجه مذهبه حتى وصلها في صفر سنة سبع وعشرين وقاتلها ونقب أسوارها وملكها عنوة ومثل بالافرنج الذين بها واعتصم فلهم بالقلعة حتى استأمنوا وملكها ورجع إلى دمشق ثم بلغه ان المسترشد زحف إلى الموصل فطمع هو في حماة وسار آخر رمضان وملكها يوم الفطر من غده فاستأمنوا إليه وملكها واستولى على ما فيها ثم سار إلى قلعة شيرز وبها صاحبها من بنى منقذ فحاصرها وصانعه

[ 157 ]

صاحبها بمال حمله إليه فأفرج عنه وسار إلى دمشق في ذى القعدة من السنة ثم سار في محرم سنة ثمان وعشرين إلى حصن شقيق في الجبل المطل على بيروت وصيدا وبه الضحاك بن جندل رئيس وادى اليتم قد تغلب عليه وامتنع به وتحاماه المسلمون والافرنج يحتمى من كل طائفة بالاخرى فسار إليه وملكه من وقته وعظم ذلك على الافرنج فساروا إلى حوران وعاثوا في نواحيها فاحتشد هو واستنجد بالتركمان وسار حتى نزل قبالتهم وجهز العسكر هنالك وخرج في البر وأناخ على طبرية وعكا فاكتسح نواحيها وامتلات أيدى عسكره بالغنائم والسبي وانتهى الخبر إلى الافرنج بمكانهم من بلاد حوران فأجفلوا إلى بلادهم وعاد هو إلى دمشق وراسله الافرنج في تجديد الهدنة فهادنهم * (مقتل شمس الملوك وولاية أخيه شهاب الدين محمود) * كان شمس الملوك سيئ السيرة كثير الظلم والعدوان على رعيته مرهف الحد لاهله وأصحابه حتى انه وثب عليه بعض مماليك جده سنة سبع وعشرين وعلاه بالسيف ليقتله فأخذ وضرب فأقر على جماعة داخلوه فقتلهم وقتل معهم أخاه سونج فتنكر الناس له وأشيع عنه بأنه كاتب عماد الدين زنكى ليملكه دمشق واستحثه في الوصول لئلا يسلم البلد إلى الافرنج فسار زنكى فصدق الناس الاشاعة وانتقض أصحاب أبيه لذلك وشكوا لامه فأشفقت ثم تقدمت إلى غلمانه بقتله فقتلوه في ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وقيل انه اتهم أمه بالحاجب يوسف بن فيروز فاعتزم على قتلها فهرب يوسف وقتلته أمه ولما قتل ولى أخوه شهاب الدين محمود من بعده ووصل أتابك زنكى بعد مقتله فحاصر دمشق من ميدان الحصار وجدوا في مدافعته والامتناع عليه وقام في ذلك معين الدين أنز مملوك جده طغراكين مقاما محمودا وجلا في المدافعة والحصار ثم وصل رسول المسترشد أبو بكر بن بهثر الجزرى إلى أتابك زنكى يأمره بمسالمة صاحب دمشق الملك البارسلان شهاب الدين محمود وصلحه معه فرحل عن دمشق منتصف السنة * (استيلاء شهاب الدين محمود على حمص) * كانت حمص لقيرجان بن قراجا ولولده من بعده والموالي بها من قبلهما وطالبهم عماد الدين زنكى في تسليمها وضايقهم في نواحيها فراسلوا شهاب الدين صاحب دمشق في أن يملكها ويعوضهم عنها بتدمر فأجاب واستولى على حمص وسار إليها سنة ثلاثين وأقطعها لمملوك جده معين الدين أنز وأنزل معه حامية من عسكره ورجع إلى

[ 158 ]

دمشق واستأذنه الحاجب يوسف بن فيروز في العود من تدمر إلى دمشق وقد كان هرب إليها كما قدمناه وكان جماعة من الموالى منحرفين عنه بسبب ما تقدم في مقتل سونج فنكروا ذلك فلاطفهم ابن فيروز واسترضاهم وحلف لهم انه لا يتولى شيأ من الامور ولما دخل رجع إلى حاله فوثبوا عليه وقتلوه وخيموا بظاهر دمشق واشتطوا في الطلب فلم يسعفوا بكلمة فلحقوا بشمس الدولة محمد بن تاج الملوك في بعلبك وبثوا السرايا إلى دمشق فعاثت في نواحيها حتى أسعفهم شهاب الدين بكل ما طلبوه فرجعوا إلى ظاهر دمشق وخرج لهم شهاب الدين وتحالفوا ودخلوا إلى البلد وولى مرواش كبيرهم على العساكر وجعل إليه الحل والعقد في دولته والله أعلم * (استيلاء عماد الدين زنكى على حمص وغيرها من أعمال دمشق) * ثم سار أتابك زنكى إلى حمص في شعبان سنة احدى وثلاثين وقدم إليه حاجبه صلاح الدين الباغيسيانى وهو أكبر أمرائه مخاطبا واليها معين الدين أنز في تسليمها فلم يفعل وحاصرها فامتنعت عليه فرحل عنها آخر شوال منه السنة ثم سار سنة ثنتين وثلاثين إلى نواحى بعلبك فملك حصن المحولى على الامان وهو لصاحب دمشق ثم سار إلى حمص وحاصرها وعاد ملك الروم إلى حلب فاستدعى الفرنج وملك كثيرا من الحصون مثل عين زربة وتل حمدون وحصر انطاكية ثم رجع وأفرج أتابك زنكى خلال ذلك عن حمص ثم عاود منازلتها بعد مسير الروم وبعث إلى شهاب الدين صاحب دمشق يخطب إليه امه مرد خاتون ابنة جاولى طمعا في الاستيلاء على دمشق فزوجها له ولم يظفر بما أمله من دمشق وسلموا له حمص وقلعتها وحملت إليه خاتون في رمضان من السنة والله أعلم * (مقتل شهاب الدين محمود وولاية أخيه محمد) * لما قتل شهاب الدين محمود في شوال سنة ثلاث وثلاثين اغتاله ثلاثة من مواليه في مضجعه بخلوته وهربوا فنجا واحد منهم وأصيب الآخران كتب معين الدين أنز إلى أخيه شمس الدين محمد بن بورى صاحب بعلبك بالخبر فسارع ودخل دمشق وتبعه الجند والاعيان وفوض أمر دولته إلى معين الدين أنز مملوك جده وأقطعه بعلبك واستقامت أموره * (استيلاء زنكى على بعلبك وحصاره دمشق) * ولما قتل شهاب الدين محمود وبلغ خبره إلى أمه خاتون زوجة أتابك زنكى بحلب عظم جزعها عليه وأرسلت إلى زنكى بالخبر وكان بالجزيرة وسألت منه الطلب بثار ابنها فسار

[ 159 ]

إلى دمشق واستعدوا للحصار فعدل إلى بعلبك وكانت لمعين الدين أنز كما قلناه وكان أتابك زنكى دس إليه الاموال ليمكنه من دمشق فلم يفعل فسار إلى بلده بعلبك وجد في حربها ونصب عليها المجانيق حتى استأمنوا إليه وملكها في ذى الحجة آخر سنة ثلاث وثلاثين واعتصم جماعة من الجند بقلعتها ثم استأمنوا فقتلهم وأرهب الناس بهم ثم سار إلى دمشق وبعث إلى صاحبها في تسليمها والنزول عنها على أن يعوضه عنها فلم يجب إلى ذلك فزحف إليها ونزل داريا منتصف ربيع الاول سنة أربع وثلاثين وبرزت إليه عساكر دمشق فظفر بهم وهزمهم ونزل المصلى وقاتلهم فهزمهم ثانيا ثم امسك عن قتالهم عشرة أيام وتابع الرسل إليه بأن يعوضه عن دمشق ببعلبك أو حمص أو ما يختاره فمنعه أصحابه فعاد زنكى إلى القتال واشتد في الحصار والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق * (وفاة جمال الدين محمد بن بورى وولاية ابنه مجير الدين أنز) * ثم توفى جمال الدين محمد بن بورى صاحب دمشق رابع شعبان سنة أربع وثلاثين وزنكى محاصر به وهو معه في مراوضة الصلح وجمع زنكى فيما عساه أن يقع بين الامراء من الخلاف فاشتد في الزحف فما وهنوا لذلك وولوا من بعد جمال الدين محمدا ابنه مجير الدين أنز وقام بتربيته وتدبير دولته معين الدين أنز مدبر دولته وأرسل إلى الافرنج يستنجدهم على مدافعة زنكى على أن يحاصر قاشاش فإذا فتحها أعطاهم اياها فأجابوا إلى ذلك حذرا من استطالة زنكى بملك دمشق فسار زنكى للقائهم قبل اتصالهم بعسكر دمشق ونزل حوران في رمضان من السنة فخام الافرنج عن لقائه وأقاموا ببلادهم فعاد زنكى إلى حصار دمشق في شوال من السنة ثم أحرق قرى المرج والغوطة ورحل عائدا إلى بلده ثم وصل الافرنج إلى دمشق بعد رحيله فسار معهم معين الدين أنز إلى قاشاش من ولاية زنكى ليفتحها ويعطيها للافرنج كما عاهدهم عليه وقد كان واليها أغار على مدينة صور ولقيه في طريقه صاحب انطاكية وهو قاصد إلى دمشق لانجاد صاحبها على زنكى فقتل الوالى ومن معه من العسكر ولجأ الباقون إلى قاشاش وجاء معين الدين أنز اثر ذلك في العساكر فملكها وسلمها للافرنج وبلغ الخبر إلى أتابك زنكى فسار إلى دمشق بعد ان فرق سراياه وبعوثه على حوران وأعمال دمشق وسار هو متجردا إليها فصبحها وخرج العسكر لقتاله فقاتلهم عامة يومه ثم تأخر إلى مرج راهط وانتظر بعوثه حتى وصلوا إليه وقد امتلات أيديهم بالغنائم ورحل عائدا إلى بلده * (مسير الافرنج لحصار دمشق) *

[ 160 ]

كان الافرنج منذ ملكوا سواحل الشأم ومدنه تسير إليهم أمم الافرنج من كل ناحية من بلادهم مددا لهم على المسلمين لما يرونه من تفرد هؤلاء بالشأم بين عدوهم وسار في سنة ثلاث وأربعين ملك الالمان من أمراء الافرنج من بلاده في جموع عظيمة قاصدا بلاد الاسلام لا يشك في الغلب والاستيلاء لكثرة عساكره وتوفر عدده وأمواله فلما وصل الشأم اجتمع عليه عساكر الافرنج الذين له ممتثلين أمره فأمرهم بالمسير معه إلى دمشق فساروا لذلك سنة ثلاث وأربعين وحاصروها فقام معين الدين أنز في مدافعتهم المقام المحمود ثم قاتلهم الافرنج سادس ربيع الاول من السنة فنالوا من المسلمين بعد الشدة والمصابرة واستشهد ذلك اليوم الفقيه حجة الدين يوسف العندلاوى المغربي وكان عالما زاهدا وسأله معين الدين يومئذ في الرجوع لضعفه وسنه فقال له قد بعت واشترى منى فلا أقيل ولا أستقيل يشير إلى آية الجهاد وتقدم حتى استشهد عند اسرت على نصف فرسخ من دمشق واستشهد معه خلق وقوى الافرنج ونزل ملك الالمان الميدان الاخضر وكان عماد الدين زنكى صاحب الموصل قد توفى سنة احدى وأربعين وولى ابنه سيف الدين غازى الموصل وابنه نور الدين محمود حلب فبعث معين الدين أنز إلى سيف الدين غازى صاحب الموصل يستنجده فجاء لانجاده ومعه أخوه نور الدين وانتهوا إلى مدينة حمص وبعث إلى الافرنج يتهددهم فاضطروا إلى قتاله وانقسمت مؤنتهم بين الفريقين وأرسل معين الدين إلى الالمان يتهددهم بتسليم البلد إلى ملك المشرق يعنى صاحب الموصل وأرسل إلى فرنج الشأم يحذرهم من استيلاء ملك الالمان على دمشق فانه لا يبقى لكم معه مقام في الشأم ووعدهم بحصن قاشاش فاجتمعوا إلى ملك الالمان وخوفوه من صاحب الموصل أن يملك دمشق فرحل عن البلد وأعطاهم معين الدين قلعة قاشاش وعاد ملك الالمان إلى بلاده على البحر المحيط في أقصى الشمال والمغرب ثم توفى معين الدين أنز مدبر دولة اتق والمتغلب عليه سنة أربع وأربعين لسنة من حصار ملك الالمان والله أعلم * (استيلاء نور الدين محمود العادل على دمشق وانقراض دولة بنى تتش من الشأم) * كان سيف الدين غازى بن زنكى صاحب الموصل قد توفى سنة أربع وأربعين وملك أخوه قطب الدين وانفرد أخوه الآخر نور الدين محمود بحلب وما يليها وتجرد لطلب دمشق ولجهاد الافرنج واتفق أن الافرنج سنة ثمان وأربعين ملكوا عسقلان من يد خلفاء العلوية لضعفهم كما مر في أخبار دولتهم ولم يجد نور الدين سبيلا إلى ارتجاعها منهم لاعتراض دمشق بينه وبينهم ثم طمعوا في ملك دمشق بعد عسقلان وكان أهل دمشق يؤدون إليهم الضريبة فيدخلون لقبضها ويتحكمون فيهم ويطلقون من

[ 161 ]

أسرى الافرنج الذين بها كل من أراد الرجوع إلى أهله فخشى نور الدين عليها من الافرنج ورأى انه ان قصدها استنصر صاحبها عليه بالافرنج فراسل صاحبها مجير الدين واستماله بالهدايا حتى وثق به فكان يغريه بأمرائه الذين يجد بهم القوة على المدافعة واحدا واحدا ويقول له ان فلانا كاتبني بتسليم دمشق فيقتله مجير الدين حتى كان آخرهم عطاء بن حافظ السلمى الخادم وكان شديدا في مدافعة نور الدين فأرسل إلى مجير الدين بمثلها فيه فقبض عليه وقتله فسار حينئذ نور الدين إلى دمشق بعد ان كاتب الاحداث الذين بها واستمالهم فوعدوه وأرسل مجير الدين إلى الافرنج من نور الدين على أن يعطيهم بعلبك فأجابوه وشرعوا في الحشد وسبقهم نور الدين إلى دمشق فثار الاحداث الذين كاتبهم وفتحوا له الباب الشرقي فدخل منه وملكها واعتصم مجير الدين بالقلعة فراسله في النزول عنها وعوضه مدينة حمص فسار إليها ثم عوضه عن حمص بالس فلم يرضها وسار إلى بغداد واختط بها دار اقرب النظامية وتوفى بها واستولى نور الدين على دمشق وأعمالها واستضافها إلى ملكه فجلب وانقرض ملك بنى تتش من الشأم والبلاد الفارسية أجمع والبقاء لله وحده والله مالك الملك لا رب غيره سبحانه وتعالى

[ 162 ]

[ الخبر عن دولة قطلمش وبنيه ملوك قونية وبلاد الروم من السجلوقية ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم ] كان قطلمش هذا من عظماء أهل هذا البيت ونسبه فيهم مختلف فقيل قطلمش بن بيقو وابن الاثير تارة يقول قطلمش ابن عم طغرلبك وتارة يقول قطلمش بن اسرائيل من سلجوق ولعله بيان ذلك الاجمال ولما انتشر السلجوقية في البلاد طالبين للملك دخل قطلمش هذا إلى بلاد الروم وملك قونية وأقصرا ونواحيها وبعثه السلطان طغرلبك بالعساكر مع قريش بن بدران صاحب الموصل في طلب دبيس بن مزيد عندما أظهر الدولة العلوية في الحلة وأعمالها فهزمهم دبيس والبساسيرى كما تقدم في أخبارهم ثم

[ 163 ]

عصى على السلطان البارسلان بعد طغرلبك وقصد الرى ليملكه وقاتله البارسلان سنة ست وخمسين فانهزم عسكر قطلمش ووجد بين القتلى فتجمع له البارسلان وقعد للعزاء فيه كما تقدم في أخبارهم وقام بأمره ابنه سليمان وملك قونية وأقصرا وغيرهما من الولاية التى كانت بيد أبيه وافتتح انطاكية من يد الروم سنة سبع وسبعين وأربعمائة وقد كانوا ملكوها منذ خمس وخمسين وأربعمائة فأخذها منهم وأضافها إلى ملكه وقد تقدم خبر ملكه اياها في دولتهم وكان لمسلم بن قريش صاحب الموصل ضريبة على الروم بانطاكية فطالب بها سليمان بن قطلمش فامتعض لذلك وأنف منه فجمع مسلم العرب والتركمان لحصار انطاكية ومعه جق أمير التركمان والتقيا سنة ثمان وسبعين وانحاز جق إلى سليمان فانهزم العرب وسار سليمان بن قطلمش لحصار حلب فامتنعت عليه وسألوه الامهال حتى يكاتب السلطان ملك شاه ودسوا إلى تاج الدولة تتش صاحب دمشق يستدعونه فأغذ السير واعترضه سليمان بن قطلمش على غير تعبية فانهزم وطعن نفسه بخنجر فمات وغنم تتش معسكره وملك بعده ابنه قليج ارسلان وأقام في سلطانه ولما زحف الافرنج إلى سواحل الشأم سنة تسعين وأربعمائة جعلوا طريقهم على القسطنطينية فمنعهم من ذلك ملك الروم حتى شرط عليهم أن يعطوه انطاكية إذا ملكوها فأجابوا لذلك وعبروا خليج القسطنطينية ومروا ببلاد قليج ارسلان بن سليمان ابن قطلمش فلقيهم في جموعه قريبا من قونية فهزموه وانتهوا إلى بلاد بن ليون الارمني فمروا منها إلى انطاكية وبها باغيسيان من أمراء السلجوقية فاستعد للحصار وأمر بحفر الخندق فعمل فيه المسلمون يوما ثم عمل فيه النصارى الذين كانوا بالبلد من الغد فلما جاؤا للدخول منعهم وقال أنا لكم في مخلفكم حتى ينصرف هؤلاء الافرنج وزحفوا إليه فحاصروه تسعة أشهر ثم عدا بعض الحامية من سور البلد عليهم فادخلوهم من بعض مسارب الوادي وأصبحوا في البلد فاستباحوه وركب باغيسيان للصلح فهرب ولقيه حطاب من الارمن فجاء برأسه إلى الافرنج وولى عليها بيمشد من زعماء الافرنج وكان صاحب حلب وصاحب دمشق قد عزما على النفير إلى انطاكية لمدافعتهم فبكاتبهم الافرنج بالمسالمة وانهم لا يعرضون لغير انطاكية فأوهن ذلك من عزائمهم وأقصروا عن انجاد باغيسيان وكان التركمان قد انتشروا في نواحى العراق وكان كمستكين بن طبلق المعروف أبوه بالوانشمند ومعناه المعلم عندهم قد ملك سيواس من بلاد الروم مما يلى انطاكية وكان بملطية مما يجاورها متغلب آخر من التركمان وبينه وبين الوانشمند حروب فاستنجد صاحب ملطية عليه الافرنج وجاء بيضل من انطاكية سنة ثلاث وتسعين في خمسة آلاف فلقيه ابن الوانشمند

[ 164 ]

وهزمه وأخذه أسيرا وجاء الافرنج لتخليصه فنازلوا قلعة انكورية وهى أنقرة فأخذوها عنوة ثم ساروا إلى أخرى فيها اسمعيل بن الوانشمند وحاصروها فجمع ابن الوانشمند وقاتلهم وأكمن لهم وكانوا في عدد كثير فلما قاتلهم استطرد لهم حتى خرج عليهم الكمين وكر عليهم فلم يفلت منهم أحد وسار إلى ملطية فملكها وأسر صاحبها وجاءه الافرنج من انطاكية فهزمهم * (استيلاء قليج ارسلان على الموصل) * كانت الموصل وديار بكر والجزيرة بيد جكرمس من قواد السلجوقية فمنع الحمل وهم بالانتقاض فأقطع السلطان الموصل وما معها لجاولى من سكاوو والكل من قوادهم وأمرهم بالمسير لقتال الافرنج فسار جاولى وبلغ الخبر لجكرمس فسار من الموصل إلى اربل وتعاقد مع أبى الهيجاء بن موسك الكردى الهدباى صاحب اربل وانتهى إلى البوازيح فعبر إليه جكرمس دجلة وقاتله فانهزمت عساكر جكرمس وبقى جكرمس واقفا لفالج كان به فأسره جاولى ولحق الفل بالموصل فنصبوا مكانه ابنه زنكى صبيا صغيرا وأقام بأمره غرغلى مولى أبيه وكانت القلعة بيده وفرق الاموال والخيول واستعد لمدافعة جاولى وكاتب صدقة بن مزيد والبرسقى شحنة بغداد وقليج ارسلان صاحب بلاد الروم يستنجدهم ويعد كلا منهم بملك الموصل إذا دافعوا عنه جاولى فأعرض صدقة عنه ولم يحتفل بذلك ثم سار جاولى إلى الموصل وحاصرها وعرض جكرمس للقتل أو يسلموا إليه البلد فامتنعوا وأصبح جكرمس في بعض أيام حصارها وسمع جاولى بأن ارسلان سار في عساكره إلى نصيبين فأفرج عن الموصل وسار إلى سنجار وسبق البرسقى إليها بعد رحيل جاولى وأرسل إلى أهلها فلم يجيبوه بشئ وعاد إلى بغداد واستدعى رضوان صاحب دمشق جاولى سكاوو لمدافعة الافرنج عنه فساروا إليه وخرج من الموصل عسكر جكرمس إلى قلبج ارسلان بنصيبين فتحالفوا معه وجاؤا به إلى الموصل فملكها آخر رجب من سنة خمسمائة وخرج إليه ابن جكرمس وأصحابه وملك القلعة من غرغلى وجلس على التخت وخطب لنفسه بعد الخليفة وأحسن إلى العسكر وسار في الناس بالعدل وكان في جملته ابراهيم ابن نيال التركماني صاحب آمد ومحمد بن جق التركماني صاحب حصن زياد وهوخرت برت وكان ابراهيم بن نيال قد ولى تتش على آمد حين ولى ديار بكر وكانت بيده وأما خرت برت فكانت بيد القلادروس ترجمان الروم والرها وانطاكية من أعماله فملك سليمان بن قطلمش انطاكية وملك فخر الدولة بن جهير

[ 165 ]

ديار بكر فضعف الفلادروس وملك جق خرت برت من يده وآسلم القلادروس على يد السلطان ملك شاه وأمره على الرها فأقام بها حتى مات وملكها جق هي وما جاورها من الحصون وأورثها ابنه محمدا بعد موته والله تعالى ولى التوفيق * (الحرب بين قليج ارسلان وبين الافرنج) * كان سمند صاحب انطاكية من الافرنج قد وقعت بينه وبين ملك الروم بالقسطنطينية وحشة واستحكمت وسارسمند فنهب بلاد الروم وعزم على قصد انطاكية فاستنجد ملك الروم بقليج ارسلان فأمده بعساكره وسار مع ذلك الروم فهزموا الافرنج وأسروهم ورجع الفل إلى بلادهم بالشأم فاعتزموا على قصد قليج ارسلان بالجزيرة فأتاهم خبر مقتله فأقصروا والله تعالى ولى التوفيق * (مقتل قليج ارسلان وولاية ابنه مسعود) * قد تقدم لنا استيلاء قليج ارسلان على الموصل وديار بكر وأعمالها وجلوسه على التخت وان جاولى سكاوو سار إلى سنجار ثم سار منها إلى الرحبة وكان قليج ارسلان خطب له بها صاحبها محمد بن السباق من بنى شيبان بعد مهلك دقاق وانتقاضه على أبيه فلما حاصرها جاولى بعث إليه رضوان بن تتش صاحب حلب في النجدة على الافرنج لما ساروا إلى بلاده فوعده لانقضاء الحصار وجاء رضوان فحضر عنده واشتد الحصار على أهل الرحبة وغدر بعضهم فأدخل أصحاب جاولى ليلا ونهبوها إلى الظهر وخرج إليه صاحبها محمد الشيباني فأطاعه ورجع عنه وبلغ الخبر إلى قليج ارسلان فسار من الموصل لحرب جاولى واستخلف عليها ابنه ملك شاه صبيا صغيرا مع أمير يدبره فلما انتهى إلى الخابور هرب عنه ابراهيم بن نيال صاحب آمد ولحق ببلده واعتزم قليج ارسلان على المطاولة واستدعى عسكره الذين أنجدهم ملك الروم على الافرنج فجاؤا إليه واغتنم جاولى قلة عسكره فلقيه آخر ذى القعدة من السنة واشتدت الحرب وحمل قليج ارسلان على جاولى بنفسه وصرح صاحب الراية وضرب جاولى بسيفه ثم حمل أصحاب جاولى عليه فهزموه وألقى نفسه في الخابور فغرق وسار جاولى إلى الموصل فملكها وأعاد خطبة السلطان محمد وبعث إليه ملك شاه بن قليج ارسلان وولى مكان قليج ارسلان في قونية وأقصرا وسائر بلاد الروم ابنه مسعود واستقام له ملكها * (استيلاء مسعود بن قليج ارسلان على ملطية وأعمالها) * كانت ملطية وأعمالها وسيواس لابن الوانشمند من التركمان كما مر وكانت بينه وبينهم حروب وهلك كمستكين بن الوانشمند وولى مكانه ابنه محمد واتصلت حروبه مع الافرنج

[ 166 ]

كما كان ابوه معهم ثم هلك سنة سبع وثلاثين فاستولى مسعود بن قليج ارسلان على الكثير منها وبقى الباقي بيد أخيه باغى ارسلان بن محمد * (وفاة مسعود بن قليج وولاية ابنه قليج ارسلان) * ثم توفى مسعود بن قليح ارسلان سنة احدى وخمسين وخمسمائة وملك مكانه ابنه قليح ارسلان فكانت بينه وبين باغى ارسلان ابن الوانشمند وصاحب ملطية وما جاورها من ملك الروم حروب بسبب ان قليج ارسلان تزوج بنت الملك طليق بن على بن أبى القاسم فزوجها إليه بجهاز عظيم وأغار عليه باغى ارسلان صاحب ملطية فأخذها بما معها وزوجها بابن أخيه ذى النون بن محمد بن الوانشمند بعد ان أشار عليها بالردة لينفسخ النكاح ثم عادت إلى الاسلام وزوجها بابن أخيه فجمع قليج ارسلان عساكره وسار إلى باغى ارسلان بن الوانشمند فهزمه باغى ارسلان واستنجد ملك الروم فأمده بعسكر وسار باغى ارسلان خلال ذلك وولى ابراهيم ابن أخيه محمد وملك قليج ارسلان بعض بلاده واستولى أخوه ذو النون بن محمد بن الوانشمند على قيسارية وانفرد شاه بن مسعود أخو قليج ارسلان بمدينة انكورية وهى انقرة واستقرت الحال على ذلك ثم وقعت الفتنة بين قليج ارسلان وبين نور الدين محمود بن زنكى وتراجعوا للحرب وكتب الصالح بن زربك المتغلب على العلوى بمصر إلى قليج ارسلان ينهاه عن ذلك ثم هلك ابراهيم بن محمد ابن الوانشمند وملك مكانه أخوه ذو النون وانتقض قليج ارسلان عليه وملك ملطية من يده والله تعالى أعلم * (مسير نور الدين العادل إلى بلاد قليج ارسلان) * ثم سار نور الدين محمود بن زنكى سنة ثمان وستين إلى ولاية قليج ارسلان بن مسعود ببلاد الروم وهى ملطية وسيواس وأقصرا فجاءه قليج ارسلان متنصلا معتذرا فأكرمه وثنى عزمه عن قصد بلاده ثم أرسل إليه شفيعا في ذى النون بن الوانشمند يرد عليه بلاده فلم بشفعه فسار إليه وملك مرعش ونهسنا وما بينهما في ذى القعدة من السنة وبعث عسكرا إلى سيواس فملكوها فمال قليج ارسلان إلى الصلح وبعث إلى نور الدين يستعطفه وقد بلغه عن الفرنج ما أزعجه فأجابه على أن يمده بالعساكر للغزو وعلى أن يبقى سيواس بيد نواب نور الدين وهى لذى النون بن الوانشمند ثم جاءه كتاب الخليفة باقطاع البلاد ومن جملتها بلاد قليج ارسلان وخلاط وديار بكر ولما مات نور الدين عادت سيواس لقليج ارسلان وطرد عنها نواب ذى النون * (مسير صلاح الدين لحرب قليج ارسلان) *

[ 167 ]

كان قليج ارسلان بن مسعود صاحب بلاد الروم قد زوج بنته من نور الدين محمود بن قليج ارسلان بن داود بن سقمان صاحب حصن كيفا وغيره من ديار بكر وأعطاه عدة حصون فلم يحسن عشرتها وتزوج عليها وهجر مضجعها وامتعض أبوها قليج ارسلان لذلك واعتزم على غزو نور الدين في ديار بكر وأخذ بلاده فاستجار نور الدين بصلاح الدين بن أيوب واستشفع به فلم يشفعه وتعلل بطلب البلاد التى أعطاه عند المصاهرة فامتعض صلاح الدين لذلك وكان يحارب الافرنج بالشأم فصالحهم وسار في عساكره إلى بلاد الروم وكان الصالح اسمعيل بن نور الدين محمود بالشأم فعدل عنه ومر على تل ناشز إلى زعبان ولقى بها نور الدين محمد صاحب كيفا وبعث إليه قليج ارسلان رسولا يقرر غدره بابنته فاغتاظ على الرسول وتوغده بأخذ بلادهم فتلطف له الرسول وخلص معه نجيا فقبح له ما ارتكبه من أجل هذه المرأة من ترك الغزو ومصالحة العدو وجمع العساكر وخساره وان بنت قليج ارسلان لو بعثت إليه بعد وفاة أبيها تسأل منه النصفة بينها وبين زوجها لكان أحق ما تقصده فامتنعت وعلم أن على نفسه الحق فأمر الرسول أن يصلح بينهم ويكون هو عونا له على ذلك فداخلهم ذلك الرسول في الصلح على أن يطلق هذه المرأة بعد سنة ويعقد بينهم ذلك ورجع كل إلى بلده ووفى نور الدين بما عقد على نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم * (قسمة قليج ارسلان أعماله بين ولده وتغلبهم عليه) * ثم قسم قليج ارسلان سنة سبع وثمانين اعماله بين ولده فاعطى قونية باعمالها لغياث الدين كسنجر واقصرا وسبواس لقطب الدين ودوقاط لركن الدين سليمان وانقرة وهى أنكوريه لمحيى الدين وملطية لعز الدين قيصر شاه ولمغيث الدين وقيسارية لنور الدين محمود وأعطى تكسار واما سالا بنى أخيه وتغلب عليه ابنه قطب الدين وحمله على انتزاع ملطية من يد قيصر شاه فانتزعها ولحق قيصر شاه بصلاح الدين بن أيوب مستشفعا به فأكرمه وزوجه ابنة أخيه العادل وشفع له عند أبيه وأخيه فشفعوه وردوا عليه ملطية ثم زاد تغلب ركن الدين وحجر عليه وقتل دائبة في مدينته وهو اختيار الدين حسن فخرج سائر بنيه عن طاعته وأخذ قطب الدين أباه وسار به إليه قيسارية ليملكها من أخيه فهرب قليج ارسلان ودخل قيسارية وعاد قطب الدين إلى قونية واقصرا فملكهما وبقى قليج ارسلان ينتقل بين ولده من واحد إلى آخر وهم معرضون عنه حتى استنجد بغياث الدين كسنجر صاحب منهم فأنجده وسار معه إلى قونية فملكها ثم سار إلى اقصرا وحاصرها ثم مرض قليج ارسلان وعاد إلى قونية فتوفى فيها وقيل انما اختلف ولده عليه لانه ندم على قسمة أعماله بينهم وأراد ايثار ابنه قطب الدين

[ 168 ]

بجميعها وانتقضوا عليه لذلك وخرجوا عن طاعته وبقى يتردد بينهم وقصد كسنجر وصاحب قونية فأطاعه وخرج معه بالعساكر لحصار محمود أخيه في قيسارية وتوفى قليج ارسلان وهو محاصر لقيسارية ورجع غياث الدين إلى قونية * (وفاة قليج ارسلان وولاية ابنه غياث الدين) * ثم توفى قليج ارسلان بمدينة قونية أو على قيسارية كما مر من الخلاف منتصف ثمان وثمانين لسبع وعشرين سنة من ملكه وكان مهيبا عادلا حسن السياسة كثبر الجهاد ولما توفى واستقل ابنه غياث الدين كسنجر بقونية وما إليها وكان قطب الدين أخوه صاحب اقصرا وسيواس وكان كلما سار من احداهما إلى الاخرى يجعل طريقه على قيسارية وبها أخوه نور الدين محمود يتلقاه بظاهرها حتى استنام إليه مدة فغدر به وقتله وامتنع أصحابه بقيسارية وكان كبيرهم حسن فقتله مع أخيه ثم أطاعوه وأمكنوه من البلد ومات قطب الدين اثر ذلك * (استيلاء ركن الدين سليمان على قونية وأكثر بلاد الروم وفرار غياث الدين) * ولما توفى قليج ارسلان وولى بعده في قونية ابنه غياث الدين كسنجر وبنوه يومئذ على حالتهم في ولايتهم التى قسمها بينهم أبوهم وملك قطب الدين منهم قيسارية بعد أن غدر بأخيه محمود صاحبها ومات قطب الدين اثر ذلك فسار ركن الدين سليمان صاحب دوقاط إلى التغلب على أعمال سلفه ببلاد الروم فسار إلى سيواس واقصرا وقيسارية أعمال قطب الدين فملكها ثم سار إلى قونية فحاصر بها غياث الدين وملكها ولحق غياث الدين بالشأم كما يأتي خبره ثم سار إلى نكساروا ماسا فملكهما وسار إلى ملطية سنة سبع وتسعين فملكها من يد معز الدين قيصر شاه ولحق معز الدين بالعادل أبى بكر بن أيوب ثم سار إلى أرزن الروم وكانت لولد الملك محمد بن حليق من بيت ملك قديم وخرج إليه صاحبها ليقرر معه صلحا فقبض عليه وملك البلد فاجتمع لركن الدين سائر أعمال اخوته ما عدا انقرة لحصانتها فجمر عليها الكتائب وحاصرها ثلاثا ثم دس من قتل أخاه وملك البلد سنة احدى وستمائة وتوفى هو عقب ذلك والله تعالى أعلم * (وفاة ركن الدين وولاية ابنه قليج ارسلان) * ثم توفى ركن الدين سليمان بن قليج ارسلان أوائل ذى القعدة من تمام سنة احدى وستمائة وولى بعده ابنه قليج ارسلان فلم تطل مدته وكان ركن الدين ملكا حازما شديدا على الاعداء الا أنه ينسب إلى التزين بالفلسفة والله تعالى أعلم * (استيلاء غياث الدين كسنجر على بلاد الروم من أخيه ركن الدين) *

[ 169 ]

كان غياث الدين كسنجر بن قليج ارسلان لما ملك أخوه ركن الدين قونية من يده لحق بحلب وفيها الظاهرى غازى بن صلاح الدين فلم يجد عنده قبولا فسار إلى القسطنطينية وأكرمه ملك الروم وأصهر إليه بعض البطارقة في ابنته وكانت له قرية حصينة في أعمال قسطنطينية فلما استولى الافرنج على القسطنطينية سنة ستمائة لحق غياث الدين بقلعة صهره البطريق وبلغ إليه خبر أخيه تلك السنة وبعث إليه بعض الامراء من قونية يستدعيه للملك فسار إليه واجتمعوا على حصار قونية وخرجت إليهم العساكر منها فهزموه ولحق ببعض البلاد فتحصن بها ثم قام أهل اقصرا بدعوته وطردوا واليهم وبلغ الخبر إلى أهل قونية فثاروا بقليج ارسلان بن ركن الدين وقبضوا عليه واستدعوا غياث الدين فملكوه وأمكنوه من ابن أخيه وكان أخوه قيصر شاه قد لحق بصهره العادل أبى بكر بن أيوب فاستنصر به على أخيه ركن الدين عندما ملك ملطية من يده فأمر له بالرها واستفحل ملك غياث الدين وقصده على بن يوسف صاحب شميشاط ونظام الدين بن أرسلان صاحب خرت برت وغيرهما وعظم شأنه إلى أن قتله أشكر صاحب قسطنطينية سنة سبع وستمائة والله تعالى ولى التوفيق * (مقتل غياث الدين كسنجر وولاية ابنه كيكاوس) * ولما قتل غياث الدين كسنجر وولى بعده ابنه كيكاوس ولقبوه الغالب بالله وكان عمه طغرك شاه بن قليج ارسلان صاحب ارزن الروم وطلب الامر لنفسه وسار إلى قتال كيكاوس ابن أخيه وحاصره في سيواس وقصد أخوه كيغباد بن كسنجر بلد انكورية من أعماله فاستولى عليها وبعث كيكاوس صريخه إلى الملك العادل صاحب دمشق فانفذ إليه العساكر وأفرج طغرك عن سيواس قبل وصولهم فسار كيكاوس إلى انكورية وملكها من يد أخيه كيغباد وحبسه وقتل امراءه وسار إلى عمه طغرك في ارزن الروم فظفر به سنة عشر وقتله وملك بلاده [ مسير كيكاوس إلى حلب واستيلاؤه على بعض أعمالها ثم هزيمته وارتجاع البلد من يده ] كان الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب قد توفى وملك بعده ابنه طفلا صغيرا وكان بعض أهل حلب قد لحق بكيكاوس فرارا من الظاهر وأغراه بملك حلب وهون عليه أمرها وملك ما بعدها ولما مات الظاهر قوى عزمه وطمعه في ذلك واستدعى الافضل بن صلاح الدين ابن شميشاط للمسير معه على أن تكون الخطبة لكيكاوس والولاية للافضل في جميع ما يفتحونه من حلب وأعمالها فإذا فتحوا بلاد الجزيرة مثل

[ 170 ]

حران والرها من يد الاشرف تكون ولايتها لكيكاوس وتعاقدوا على ذلك وساروا سنة خمس عشرة فملكوا قلعة رغبان وتسلمها الافضل على الشرط ثم ملكوا قلعة تل ناشر فاستأثر بها كيكاوس وارتاب الافضل ثم بعث ابن الظاهر صاحب حلب إلى الاشرف بن العادل صاحب الجزيرة وخلاط يستنجده على أن يخطب له بحلب وينقش اسمه على السكة فسار لانجاده ومعه احياء طيئ من العرب فنزل بظاهر حلب وسار كيكاوس والافضل إلى منبج ولقيت طليعتهم طليعة الظاهر فاقتتلوا وعاد عسكر كيكاوس منهزمين إليه فأجفل وسار الاشرف إلى رغبان وتل ناشر وبهما أصحاب كيكاوس فغلبهم عليهما وأطلقهم إلى صاحبهم فأحرقهم بالنار وسلم الاشرف الحصنين إلى شهاب الدين بن الظاهر صاحب حلب وبلغه الخبر بوفاة أبيه الملك العادل بمصر فرجع عن قصد بلاد الروم * (وفاة كيكاوس وملك أخيه كيغباد) * كان كيكاوس بعد الواقعة بينه وبين الاشرف قد اعتزم على قصد بلاد الاشرف بالجزيرة واتفق مع صاحب آمد وصاحب اربل على ذلك وكانا يخطبان له ثم سار إلى ملطية يشغل الاشرف عن الموصل حتى ينال منها صاحب اربل ومرض في طريقه فعاد ومات سنة ست عشرة وخلف بنيه صغارا وكان أخوه كيغباد محبوسا منذ أخذه من انكورية فأخرجه الجند من محبسه وملكوه وقيل بل أخرجه هو من محبسه وعهد إليه ولما ملك خالف عليه عمه صاحب ارزن الروم فوصل يده بالاشرف وعقد معد صلحا * (الفتنة بين كيغباد وصاحب آمد من بنى ارتق وفتح عدة من حصونه) * كانت الفتنة قد حدثت بين الاشرف صاحب الجزيرة والمعظم صاحب دمشق وجاء جلال الدين خوارزم من الهند سنة ثلاث وعشرين بعد هروبه أمام التتر فملك اذربيجان واعتضد به المعظم صاحب دمشق على الاشرف وظاهرهما الملك مسعود صاحب آمد من بنى ارتق فأرسل الاشرف إلى كيغباد ملك الروم يستنجده على صاحب آمد والاشرف يومئذ محاصر لماردين فسار كيغباد وأقام على ملطية وجهز العساكر من هناك إلى آمد ففتح حصونا عدة وعاد صاحب آمد إلى موافقة الاشرف فكتب إلى كيغباد أن يرد عليه ما أخذه فامتنع فبعث عساكره إلى صاحب آمد مددا على كيغباد وكان محاصرا لقلعة الكحنا فلقيهم وهزمهم وأثخن فيهم وعاد ففتح القلعة والله أعلم

[ 171 ]

* (استيلاء كيغباد على مدينة ارزنكان) * كان صاحب ارزنكان هذه بهرام شاه من بنى الاحدب بيت قديم في الملك وملكها ستين سنة ولم يزل في طاعة قليج ارسلان وولده وتوفى فملك بعده ابنه علاء الدين داود شاه وأرسل عنه كيغباد سنة خمس وعشرين ليعسكر معه فسار إليه وقبض عليه وملك مدينة ارزنكان وكان من حصونه كماح فامتنع نائبه فيه وتهدد داود شاه فبعث إلى نائبه فسلم له الحصن ثم قصد ارزن الروم وبها ابن عمر طغرك شاه بن قليج ارسلان فبعث ابن طغرك شاه بطاعته إلى الاشرف واستنجد نائبه بخلاط حسام الدين على فسار إليه فخام كيغباد عن لقائة وعاد من ارزنكان إلى بلاده فوجد العدو من الافرنج قد ملك قلعة منها تسمى صنوبا مطلة على بحر الخزر فحاصرها برا وبحرا وارتجعها المسلمون والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق * (فتنة كيغباد مع جلال الدين) * كان صاحب ارزن الروم وهو ابن عم كيغباد صار إلى طاعة جلال الدين خوارزم شاه وحاصر معه خلاط وفيها ايبك مولى الاشرف فملكها جلال الدين وقتل ايبك كما يأتي في أخباره فخافهما كيغباد صاحب الروم فاستنجد الملك الكامل وهو بحران فأمده بأخيه الاشرف من دمشق فجمع عساكر الجزيرة والشأم وسار إلى كيغباد فلقيه بسيواس واجتمعوا في خمسة وعشرين ألفا وساروا من سيواس إلى خلاط فلقيهم جلال الدين في نواحى ارزنكان فهاله منظرهم ومضى منهزما إلى خلاط ثم سار منها لى اذربيجان فنزلوا عند خوى وسار الاشرف إلى خلاط فوجد جلال الدين قد خربها فعادوا إلى بلادهم وترددت الرسل إلى الصلح فاصطلحوا * (مسير بنى أيوب إلى كيغباد وهزيمتهم) * كان علاء الدين كيغباد قد استفحل ملكه ببلاد الروم ومديده إلى ما يجاوره من البلاد فملك خلاط بعد أن دافع عنها مع الاشرف بن العادل جلال الدين خوارزم شاه فنازعه الاشرف في ذلك واستصرخ بأخيه الكامل فسار في العساكر من مصر سنة احدى وثلاثين وسار معه الملوك من أهل بيته وانتهى إلى النهر الازرق من تخوم الروم وبعث في مقدمته المظفر صاحب حماة من أهل بيته فلقيه كيغباد وهزمه وحصره في خرت برت وكانت لبنى ارتق ورجع الكامل بالعساكر إلى مصر سنة ثنتين وثلاثين وكيغباد في اتباعهم ثم سار إلى حران والرها فملكهما من يد نواب الكامل وولى عليهما من قبله وسار الكامل سنة ثلاث وثلاثين فارتجعهما

[ 172 ]

* (وفاة كيغباد وملك ابنه كنجسرو) * ثم توفى علاء الدين كيغباد سنة أربع وثلاثين وستمائة وملك بعده ابنه غياث الدين كنجسرو وقارن ذلك انقراض الدولة السلجوقية من ممالك الاسلام واختلال دولة بنى خوارزم شاه وخروج التتر من مفازة الترك وراء النهر واستيلاء جنكز خان سلطانهم على الممالك وانتزاعها من يد بنى خوارزم شاه وفر جلال الدين آخرهم إلى الهند ثم رجع واستولى على اذربيجان وعراق العجم وكان بنو أيوب يومئذ بممالك الشأم وأرمينية كما نذكر ذلك كله في أماكنه ان شاء الله تعالى وانتشر التتر في سائر النواحى وعاثوا فيها وتغلبوا عليها واستفحل ملكهم فسارت منهم طوائف إلى بلاد الروم سنة احدى وأربعين فبعث غياث الدين كنجسرو بالصريخ إلى بنى أيوب وغيرهم من الترك في جواره وجاء المدد من كل جانب فسار للقائهم ولقيتهم المقدمة على قشمير زنجان فانهزمت المقدمة ووصلوا إليه فانهزم ونجا بعياله وذخيرته إلى مدينة على مسيرة شهر من المعترك ونهبوا سواده ومخلفه وانتشروا في نواحى بلاد الروم وعاثوا فيها وتحصن غياث الدين بهذه المدينة واستولى التتر على خلاط وآمد ثم استأمن لهم غياث الدين ودخل في طاعتهم واستقامت أموره معهم إلى أن مات قريبا من رجوعه وملك التتر قيسارية والله أعلم * (وفاة غياث الدين وولاية ابنه كيغباد) * ثم توفى غياث الدين كنجسرو سنة أربع وخمسين وترك ثلاثا من الولد أكبرهم علاء الدين كيغباد وعز الدين كيكاوس وركن الدين قليج ارسلان وولى علاء الدين كيغباد بعهده إليه وكان يخطب لهم جميعا وأمرهم واحد وكان جنكزخان ملك التتر قد هلك وكان كرسى سلطانهم بقراقروم وولى مكانه ابنه طلوخان وجلس على كرسيه وهو الخان الاعظم عندهم وحكمه ماض في ملوك الشمال والعراق من أهل بيته وسائر عشيرته ثم هلك طلوخان وولى مكانه في كرسيه ابنه منكوخان فبعث أخاه هلاكو لفتح العراق وبلاد الاسماعيلية سنة خمسين وستمائة فسار لذلك وملك العراقين وبغداد ثم جرد الخان الأعظم منكوخان إلى بلاد الروم سنة أربع وخمسين أميرا من أمراء المغل اسمه بيكو في العساكر فسار إلى ارزن الروم وبها سنان الدين ياقوت موسى السلطان علاء الدين فحاصرها شهرين ونصب عليها المجانيق ثم ملكها عنوه وأسر ياقوت واستلحم الجند بأسرهم واستبقى الباعة والصناع ثم سار إلى بلاد الروم فملك قيسارية ومسيرة شهر معها ورجع ثم عاد سنة خمس وخمسين وعاث في البلاد واستولى على أكثر من الاولى والله تعالى أعلم

[ 173 ]

* (وفاة كيغباد وملك أخيه كيكاوس) * ولما كثر عيث التتر الذين مع بيكو في مملكة علاء الدين كيغباد واعتزم على المسير إلى الخان الاعظم منكو خان يؤكد الدخول في طاعته ويقتضى مراسمه إلى بيكو ومن معه من المغل بالكف عن البلاد سار من قونية سنة خمس وخمسين ومعه سيف الدين طرنطاى من موالى أبيه واحتمل معه الاموال والهدايا وسار ووثب أخوه عز الدين كيكاوس على أخيه الآخر قليج ارسلان فاعتقله بقونية واستولى على الملك وكتب في اثر أخيه إلى سيف الدين طرنطاى مع بعض الاكابر من أصحابه أن يمكنوه من الهدايا التى معهم يتوجه بها إلى الخان ويردوا علاء الدين فلم يدركوه حتى دخل بلاد الخان ونزل على بعض أمرائه فسعى ذلك الرسول في علاء الدين وطرنطاى بأن معهم سما فكبسهم الامير فوجد شيأ من المحمودة فعرض عليهم أكلها فامتنعوا فتخيل تحقيق السعاية فسألوه احضار الاطباء فأزالوا عنه الشك وبعث بهم إلى الخان ومات علاء الدين أثناء طريقه ولما اجتمعوا عند الخان اتفقوا على ولاية عز الدين كيكاوس وأنه أكبر وعقدوا له الصلح مع الخان فكتب له وخلع عليهم ثم كتب بيكو إلى الخان بأن أهل بلاد الروم قاتلوه ومنعوه العبور فأحضر الرسل وعرفهم الخبر فقالوا إذا بلغناهم كتاب السلطان اذعنوا فكتب الخان بتشريك الاميرين عز الدين كيكاوس وأخيه ركن الدين قليج ارسلان على أن تكون البلاد قسمة بينهما فمن سيواس إلى القسطنطينية غربا لعز الدين ومن سيواس إلى ارزن الروم شرقا المتصلة ببلاد التتر ركن الدين وعلى الطاعة وحمل الاتارة لمنكوخان ملكهم صاحب الكرسي بقراقروم ورجعوا إلى بلاد الروم وحملوا معه شلوكيغباد إلى أن دفنوه * (استيلاء التتر على قونية) * ثم سار بيكو في عساكر المغل إلى بلاد الروم ثالثة فبعث عز الدين كيكاوس العساكر للقائه مع ارسلان ايدغمش من أمرائه فهزمه بيكو وجاء في اتباعه إلى قونية فهرب عز الدين كيكاوس إلى العلايا بساحل البحر فنزل بيكو على قونية وحاصرها حتى استأمنوا إليه على يد خطيبهم ولما حضر إليه أكرمه ورفع منزلته وأسلمت امرأته على يده وأمن أهل البلد ثم سار هلاكو إلى بغداد سنة خمس وستين وبعث عن بيكو وعساكره من بلاد الروم بالحضور معه فاعتذر بالاكراد الذين في طريقه من الفراسلية والياروقية فبعث إليهم هلاكو العساكر فأجفلوا وانتهت العساكر إلى اذربيجان وقد أجفل أهلها أمام الاكراد فاستولوا عليها ورجعوا صحبة بيكو إلى هلاكو فحضر

[ 174 ]

معه فتح بغداد وقد مر خبرها في أخبار الخلفاء ويأتى في أخبار هلاكو ونيال أن بيكو لما بعث عنه هلاكو لم يحضر معه فتح بغداد واستمر على غدره فلما انقضى أمر بغداد بعث إليه هلاكو من سقاه السم فمات لانه اتهمه بالاستبداد ثم سار هلاكو بعد فتح بغداد إلى الشأم سنة ثمان وخمسين وحاصر حلب وبعث عن عز الدين كيكاوس وركن الدين قليج ارسلان وعن معين الدين سليمان البرنواه صاحب دولتهم وكان من خبره أن أباه مهذب الدين على كان من الديلم وطلب العلم ونبغ فيه ثم تعرص للوزير سعد الدين المستوفى أيام علاء الدين كيغباد يسأله اجراء رزقه وكان وصافا فاستحسنه وزوجه ابنته فولدت سليمان ونشأ في الدولة ومات سعد الدين المستوفى فرقى السلطان مهذب الدين إلى الوزارة وألقى إليه بالمقاليد وتوفى مهذب الدين وترقى ابنه سليمان مهذب الدولة وكان يلقب معين الدين وترقى في الرتب إلى أن ولى الحجابة وكان يدعى البر نواه ومعناه الحاجب بلغتهم وكان مختصا بركن الدين فلما حضر معهما عند هلاكو كما قلناه حلا بعينه وقال لركن الدين لا يأتيني في أموركم الا هذا فرقت حاله إلى أن ملك بلاد الروم أجمع [ الفتنة بين عز الدين كيكاوس وأخيه قليج ارسلان واستيلاء قليج ارسلان على الملك ] ثم وقعت الفتنة سنة تسع وخمسين بين عز الدين كيكاوس وأخيه ركن الدين قليج ارسلان وسار ركن الدين ومعه البر نواه إلى هلاكو يستمده على أخيه فأمده بالعساكر وحارب أخاه فهزمه عز الدين أولا ثم أمده هلاكو فانهزم عز الدين ولحق بالقسطنطينية واستولى ركن الدين على سائر الاعمال وهرب التركمان إلى أطراف الجبال والثغور والسواحل وبعثوا إلى هلاكو يطلبون الولاية منه على احيائهم فولاهم وأذن لهم في اتخاذ الآلة فصاروا ملوكا من حينئذ وكان محمد بك أميرهم وأخوه على بك رديفه فاستدعى على هلاكو محمدا بك فلم يأته فأمر قليج ارسلان وعساكر التتر الذين معه بقتاله فساروا وقاتلوه فانهزم ثم استأمن إلى السلطان ركن الدين فأمنه وجاء به إلى قونية فقتله واستقر على بك أميرا على التركمان وأورثها بنيه واستولى التتر على البلاد إلى * (خبر عز الدين كيكاوس) * ولما انهزم عز الدين كيكاوس ولحق بالقسطنطينية أحسن إليه مخاييل الشكرى صاحب قسطنطينية وأجرى عليه الرزق وكان معه جماعة من الروم أخواله فحدثتهم أنفسهم بالثورة وتملك القسطنطينية ونمى ذلك عنهم فقبض الشكرى عليه وعلى

[ 175 ]

من معه واعتقله ببعض القلاع ثم وقعت بين الشكرى وبين منكو تمر بن طغان ملك الشمال من بنى دوشى خان بن جنكز خان فتنة وغزا منكوتمر القسطنطينية وعاث في نواحيها فهرب إليه كيكاوس من محبسه فمضى معه إلى كرسيه بصراى فمات هنالك سنة سبع وسبعين وخلف ابنه مسعودا وخطب منكوتمر ملك صراى أمه فمنعها وهرب عنه ولحق بابق بن هلاكو ملك العراق فأحسن إليه وأقطعه سيواس وارزن الروم وارزنكان فاستقر بها * (مقتل ركن الدين قليج ارسلان وولاية ابنه كنجسرو) * كان معين الدين سليمان البرنواه قد استبد على ركن الدين قليج ارسلان ثم تنكر له ركن الدين البرنواه على مكان أخيه عز الدين كيكاوس بالقسطنطينية أن يحدث فيه أمرا فلما بلغه خبر كيكاوس واعتقاله بالقسطنطينية أحكم تدبيره في ركن الدولة فقتله غيلة ونصب للملك ابنه غياث الدين في كفالته وتحت حجره واستقل بملك بلاد الروم واستقامت أموره والله سبحانه وتعالى أعلم * (استيلاء الظاهر ملك مصر على قيسارية ومقتل البرنواه) * كان هلاكو قد زحف إلى الشأم سنة ثمان وخمسين مرارا وزحف ابنه ابقا كذلك وقاتلهم الملك الظاهر صاحب مصر والشأم وكان كثيرا ما يخالفهم إلى بلادهم فدخل سنة خمس وسبعين إلى بلاد الروم وأميرها يومئذ من التتر طغا وأمده ابقا بأميرين من التتر وهما كداون وترقو لحماية بلاد الروم من الظاهر فزحفوا إلى الشأم وسار إليهم الظاهر من مصر في مقدمته سقر الاسقر فلقيت مقدمته مقدمتهم على كوكصو فانهزم التتر وتبعهم الظاهر والتقى الجمعان على ابليش فانهزموا ثانية وأثخن فيهم الظاهر بالقتل والاسر إلى قيسارية فملكها وكان البرنواه قد دس إليه واستحثه للوصول إلى بلاده فأقام الظاهر على قيسارية ينتظره وبلغ ملك التتر ابقا خبر الواقعة فزحف في جموع المغل إلى قيسارية بعد منصرف الظاهر إلى بلاده فلما وقف على مصارع قومه وجد على البرنواه وصدقت عنه السعاية فيه وأنه الذى استحث الظاهر لانه لم ير في المعركة مصرع أحد من بلاد الروم ورجع إلى معسكره ومعه سليمان البرنواه واستبد بملكه والله تعالى ولى التوفيق وهو نعم الرفيق لا رب سواه ولا معبود الا اياه سبحانه * (خلع كنجسرو ثم مقتله وولاية مسعود ابن عمه كيكاوس) * كان قنطغرطاى بن هلاكو مقيما ببلاد الروم مع غياث الدين كنجسرو ملك بلاد الروم وصار أمير المغل بها منذ عهد ابقا ولما ولى أحمد تكرار بن هلاكو بعد أخيه ابقا

[ 176 ]

بعث عن أخيه قنطغرطاى فامتنع من الوصول إليه خشية على نفسه ثم حمله غياث الدين على اجابة أخيه وسار معه فقتل تكرار أخاه قنطغرطاى واتهم المغل غياث الدين بأنه علم برأى تكرار فيه واعتمد فلما ولى ارغون بن ابقا بعد تكرار عزل غياث الدين عن بلاد الروم وحبسه بارزنكاى وولى مكانه على المغل ببلاد الروم أولاكو وذلك سنة ثنتين وثمانين وأقام مسعود ملكا ببلاد الروم سنة ثمان عشرة وسبعمائة وأصابه الفقر وانحل أمره وبقى الملك بها للتتر ثم فشل أمرهم واضمحلت دولتهم لابقايا بسيواس من بنى ارثا مملوك دمرداش بن جومان واستولى التركمان على تلك البلاد أجمع وأصبح ملكها لهم والله غالب على أمره يؤتى الملك من يشاء وهو العزيز الحكيم

[ 177 ]

* (ملوك قونية من بلاد الروم وملكها من أيديهم التتر) *

[ 178 ]

[ الخبر عن بنى سكمان موالى السلجوقية ملوك خلاط وبلاد أرمينية ومصير الملك إلى مواليهم من بعدهم ومبادي أمرهم وتصاريف أموالهم ] كان صاحب مزيد من اذربيجان اسمعيل بن ياقوتي بن داود أخو البارسلان وداود أخو طغرلبك كما مر ولقب اسمعيل قطب الدولة وكان له مولى تركي اسمه سكمان بالكاف والقاف وكان ينسب إليه فيقال سكمان القطبى وكان شهما عادلا في أحكامه وكانت خلاط وارمينية لبنى مروان ملوك ديار بكر وكانوا في آخر دولتهم قد اشتد عسفهم وظلمهم وساء حال أهل البلد معهم فاجتمع أهل خلاط وكاتبوا سكمان واستدعوه ليملكوه عليهم فسار إليهم سنة ثتين وخمسمائة إلى ميافارقين من ديار بكر فحاصرها حتى استأمنوا إليه وملكها ثم أمر السلطان محمد شاه بن ملك شاه الامير مودود بن زيد بن صدقة صاحب الموصل بغز والافرنج وانتزاع البلاد من أيديهم وأمر أمراء الثغور بالمسير مع فسار معه برسق صاحب همذان وأحمد بك صاحب مراغة وأبو الهيجاء صاحب اربل وابو الغازى صاحب ماردين وسقمان القطبى صاحب ديار بكر فساروا لذلك وفتحوا عدة حصون وحاصروا الرها فامتنعت عليهم ثم تل ناشر كذلك واستدعاهم رضوان بن تتش صاحب حلب فلما ساروا إليه امتنع من لقائهم ومرض سكمان القطبى هنالك فرجع عنهم وتوفى في طريقه ببالس وافترقت العساكر وملك خلاط وبلاد ارمينية بعد مهلكه ابنه ظهير الدين ابراهيم وسار فيهم بسيرة أبيه إلى أن هلك سنة احدى وعشرين وملك بعده أخوه أحمد بن سكمان عشرة أشهر ثم توفى فنصب أصحابه للملك بارمينية وخلاط شاه أرمن سكمان ابن أخيه ابراهيم بن سكمان صبيا دارجا واستبدت عليه جدته أم ابراهيم ثم أزمعت قتله فقتلها أهل الدولة وعمد سنة ثمان وعشرين واستبد شاه أرمن وكانت بينه وبين الكرج وقائع وساروا سنة ست وخمسمائة إلى مدينة انى من اعمال اران فاستباحوها وسار إليهم في العساكر فهزموه ونالوا منه وكانت عنده أخت طليق بن على صاحب ارزن الروم ووقعت بينه وبين الكرج حرب فانهزم طليق وأسر وبعث شاه ارمن إلى ملك الكرج وفادى طليقا ورده إلى ملكه بارزن ثم استولى صلاح الدين بن أيوب على مصر والشأم واستفحل ملكه وكاتبه مظفر الدين كوكبرى وأغراه بملك الجزيرة ووعده بخمسين ألف دينار وسار صلاح الدين إلى سنجار فحاصرها وهو مجمع المسير إلى الموصل وبها يومئذ عز الدين مودود بن زنكى فاستنجد بشاه ارمن صاحب خلاط فبعث شاه ارمن مولاه مكتمر إلى صلاح الدين شفيعا في صاحب الموصل ووفد عليه وهو محاصر لسنجار ولم يشفعه صلاح الدين فرجع عنه مغاضبا وسار شاه ارمن

[ 179 ]

لقتاله واستدعى قطب الدين نجم الدين إلى صاحب ماردين وهو ابن أخيه وابن خال عز الدين وحضر معه دولة شاه بن طغرك شاه بن قليج ارسلان صاحب وسار سنة ثمان وسبعين وقد ملك صلاح الدين سنجار وافترقت العساكر فلما بلغه مسيرهم بعث عن تقى الدين ابن أخيه شاه من حماة فوافاه سريعا ورحل إلى رأس عين وافترقت جموعهم وسار صلاح الدين إلى ماردين فعاث في نواحيها ورجع ثم سار إلى الموصل آخر احدى وثلاثين وعبر إلى الجزيرة وانتهى إلى حران ولقيه مظفر الدين كوكبرى بن زين الدين ولم يف له بالخمسين ألفا التى وعده بها وأخذ منه حران والرها ثم أطلقه بما نفذه من مكاتبته وأعاد عليه بلدته وسار من حران فحضر عنده عساكر الحصن ودارا ولقيه سنجر شاه صاحب الجزيرة ابن أخى عز الدين مودود مفارقا لطاعة عمه وسار معه إلى الموصل ولما انتهى إلى مدينة بله بعث إليه عز الدين ابن عمه نور الدين محمود وجماعة من أعيان الدولة راغبين في الصلح فأكرمهم واستشار أصحابه من أعيان الدولة فأشار على بن أحمد المشطوب كبير الهكارية بالامتناع من ذلك فردهم صلاح الدين واعتذر وسار فنزل على فرسخين من الموصل واشتدوا في مدافعته فامتنعوا عليه فندم على عدم الصلح ورجع على على المشطوب ومن وافقه باللائمة وخاطبه القاضى الفاضل البيسانى من مصر وعزله في ذلك وجاء زين الدين يوسف بن زين الدين صاحب اربل وأخوه مظفر الدين كوكبرى فتلقاهما بالتكرمة وأنزلهما مع الحشود الوافدة بالجانب الشرقي وبعث على بن أحمد المشطوب الهكارى إلى قلعة الجزيرة من بلاد الهكارية فحاصرها واجتمع عليه الاكراد ولم يزل محاصرا لها حتى عاد صلاح الدين من الموصل وأقام صلاح الدين على حصارها مدة وبلغ عز الدين أن نائبه بالقلعة يكاتبه فمنعه من الصعود إليها وكان يقتدى برأى مجاهد الدين وبعثه في الصلح فسعى فيه إلى أن تحمله ووصل صلاح الدين إلى ميافارقين * (وفاة شاه ارمن سكمان وولاية مكتمر مولى أبيه) * ثم توفى شاه ارمن سقمان بن ابراهيم بن سكمان صاحب خلاط سنة ست وسبعين وكان مكتمر مولى أبيه بميافارقين فأسرع الوصول بمن معه من المماليك واستولى على كرسى بنى سكمان وولى على ميافارقين أسد الدين برتقش من موالى شاه ارمن وكان البهلوان ابن ايلدكز صاحب اذربيجان وهمذان مر بقائد ملوك السلجوقية وقد زوج ابنته من شاه ارمن طمعا في ملك خلاط فلما توفى شاه ارمن سار إليها في عساكره فكاتب أهل خلاط صلاح الدين بن أيوب ودافعوا كلا منهما بالآخر وسار صلاح الدين في مقدمته ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه ومظفر الدين بن زين الدين وغيرهما ونزلوا قريبا من خلاط

[ 180 ]

فتردد الرسل من صلاح الدين ومن شمس الدين البهلوان إلى أهل خلاط وهم يدافعون الفريقين وكان قد بلغه وفاة صاحبها قطب الدين وان برتقش نصب ابنه طفلا صغيرا واستبد عليه فسار صلاح الدين إليها وحاصرها حتى تسلمها على الامان وأقام مكتمر أميرا بخلاط وطالت مدته وجرت بينه وبين صلاح الدين فتن وحروب إلى أن توفى صلاح الدين سنة تسع وثمانين فأظهر الشماتة به ونسمى عبد العزيز وتلقب سيف الدين وتوفى اثر ذلك والله تعالى أعلم * (وفاة مكتمر وولاية اقسنقر) * كان مكتمر لاول ولايته قد اختص اقسنقر من موالى شاه ارمن وتلقب هزار ديناري وزوجه بنته وجعله اتابكه فأقام على ذلك مدة ثم استوحش من مكتمر وتربص به حتى إذا توفى صلاح الدين تجهز مكتمر من ميافارقين فأمكنته فيه الفرصة فقتله لعشر سنين من ولايته وذلك بعد وفاة صلاح الدين بشهرين واستبد بملك خلاط وارمينية واعتقل ابن مكتمر وأمه في بعض القلاع والله سبحانه وتعالى أعلم * (وفاة اقسنقر وولاية محمد بن مكتمر) * ثم هلك اقسنقر صاحب خلاط وارمينية سنة أربع وتسعين لخمس سنين من ملكه وقام بملك خلاط بعده حجر اشتد قطلغ الارمني ولم يرضه أهل خلاط فوثبوا به لسبعة أيام من ولايته وقتلوه واستدعوا محمد بن مكتمر من محبسه وملكوه ولقبوه الملك المنصور وقام بدولته شجاع الدين قطلغ القفجاقى دوادارشاه ارمن وأقام تحت استبداده إلى سنة ثلاث وستمائة ثم دبر على الدوادار وقبض عليه وكان حسن السيرة فاستوحش لذلك الجند والعامة وعكف بعد نكبة الدوادار على لذاته فاجتمع أهل خلاط والجند وكبيرهم بلبان مملوك شاه ارمن وكتبوا إلى ارتق بن أبى الغازى بن البى صاحب ماردين يستدعونه للملك بما كان ابن أخت شاه ارمن وجاهر بلبان بالعصيان إلى ملازكرد واجتمع الجند عليه * (نكبة ابن مكتمر واستيلاء بلبان على خلاط وأعمالها) * ولما ملك بلبان مدينة ملازكرد وأعمالها واجتمع عليه الجند وسار يريد خلاط ووصل ارتق بن أبى الغازى صاحب ماردين لموعدهم ونزل قريبا من خلاط فبعث إليه بلبان أن الجند والرعية اتهموني فيك فارجع وإذا ملكت البلد سلمته اليك فتنحى قليلا فبعث إليه يتوعده على مقالته وبطئه فعاد إلى ماردين وكان الاشرف موسى بن العادل

[ 181 ]

ابن أيوب صاحب الجزيرة وحران لما سمع بمسير ارتق إلى خلاط طمع فيها لنفسه وخشى أن يزداد بملكها قوة عليهم فخالفه إلى ماردين وأقام بتدليس وجبى ديار بكر حتى استوعبها وعاد إلى حران ثم جمع بلبان العساكر وسار إلى خلاط فحاصرها وبرز ابن مكتمر فيمن عنده فانهزم بلبان وعاد إلى ولايته بملاركرد وارجيش وغيرها ثم جمع ورجع إلى خلاط فحاصرها وضيق عليها وابن مكتمر عاكف على لذاته فلما جهدهم الحصار ثاروا به وقبضوه ومكنوا بلبان منه ودخل إلى خلاط واستولى عليها وعلى سائر أعمالها وحبس ابن مكتمر في قلعة هناك واستبد بملكها وكان الاوحد نجم الدين أيوب ابن العادل بن أيوب قد ولى على ميافارقين من قبل أبيه إلى خلاط سنة أربع وستمائة وقصد مدينة سوس وحاصرها وملك ما يجاورها وعجز بلبان عنه ثم ملك سوس وقصد خلاط فبرز له بلبان وهزمه فعاد إلى ميافارقين وجمع واستمد أباه العادل فأمده بالعساكر ونهض إلى خلاط فبرز له بلبان ثانية وهزمه الاوحد وحاصره في خلاط فبعث بلبان إلى طغرك يستنجده فانهزم الاوحد امامهما وسار بلبان مع طغرك إلى مراش فحاصراها وغدر به طغرك هناك وقتله وسار إلى خلاط فمنعه أهلها فسار إلى ملازكرد فمنعوه كذلك فعاد إلى ارزن وأرسل أهل خلاط بطاعتهم إلى الاوحد نجم الدين فجاء وملك خلاط واستولى على أعمالها وزحف الكرج فأغاروا على خلاط وعاثوا في نواحيها والاوحد مقيم بخلاط لم يفارقها وانتقض عليه جماعة من العسكر بحصن رام وساروا إلى مدينة ارجيش فملكوها واجتمع إليهم المفسدون وبعث نجم الدين إلى أبيه العادل يستنجده فأمده بابنه الآخر شرف الدين موسى فحاصر حصن رام حتى استأمن إليه من كان به من الجند ورجع الاشرف إلى عمله بحران والرها واستقر نجم الدين بخلاط ثم سار إلى ملازكرد ليطالع أمورها ويمهدها فثار أهل خلاط بعسكره فاخرجوهم وحصروا أصحاب نجم الدين بالقلعة ونادوا بشعار شاه ارمن وقومه فرجع الاوحد ولاقاه عسكر الجزيرة وحاصر خلاط ثم اختلف أهلها فدخلها عليهم عنوة واستباحها ونقل جماعة من أعيانها إلى ميافارقين وقتل كثيرا منهم هنالك واستكان أهل خلاط بعدها وانمحى منها حكم المماليك بعد أن كانوا متسحكمين فيها يولون ملوكها و يخلعونهم وانقرضت دولة بنى سكمان من خلاط وصارت لبنى أيوب والبقاء لله وحده والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين واليه المرجع

[ 182 ]

* (آخر دولة السلجوقية بخلاط وارمينية وملكها منهم بنو أيوب) * [ أخبار الافرنج فيما ملكوه من سواحل الشأم وثغوره وكيف تغلبوا عليه وبداية أمرهم في ذلك ومصايره ] قد تقدم لنا اول الكتاب الكلام في أنساب هده الامة عند ذكر أنساب الامم وانهم من ولد يافث بن نوح ثم من ولد ريفات بن كومر بن يافث اخوة الصقالبة والخزر والترك وقال هروشوش انهم من عصر ما بن غومر وأما مواطنهم من بلاد المعمورة فانهم في شمالي البحر الرومي من خليج رومة إلى ما وراء النهر غربا وشمالا وكانوا أولا يدينون لليونان والروم بالطاعة عند استفحال أمرهم فلما انقرضت دولة أولئك استقل هؤلاء

[ 183 ]

الافرنج بملكهم وافترقوا دولا مثل دولة القوط بالاندلس والجلالقة بعدهم وملك اللمانين بالتفخيم من جزيره انكلطره بالبحر المحيط الغربي الشمالي وما يحاذيه ويقابله من المعمور ومثل ملوك افرنسة وهو عندهم اسم افرنجة بعينه ينطقون بها سينا وهم ما وراء خليج رومة غربا إلى الثنايا المفضية إلى جزيرة الاندلس في الجبل المحيط بها من شرقيها وتسمى تلك الثنايا البردت وكانت دولة هؤلاء الافرنس منهم من أعظم دولهم واستفحل أمرهم بعد الروم وصدرا من دولة الاسلام العربية فسموا إلى ملك بلاد المشرق من ناحيتها وتغلبوا على جزر البحر الرومي في آخر المائة الخامسة وكان ملكهم لذلك العهد بردويل فبعث رجالا من ملوكهم إلى صقلية وملكها من يد المسلمين سنة ثمانين وأربعمائة ثم سموا إلى ملك ما وراء النهر من افريقية وبلاد الشأم والاستيلاء على بيت المقدس وطال ترددهم في ذلك ثم استحثهم وحرضهم عليه فيما يقال خلفاء العبيديين بمصر لما استفحل ملك السلجوقية وانتزعوا الشأم من أيديهم وحاصروهم في مصر فيقال ان المستنصر منهم دس إلى الافرنج بالخروج وتسهيل أمرهم عليه ليحولوا بين السلجوقية وبين مرامهم فتجهز الافرنج لذلك وجعلوا طريقهم في البر على القسطنطينية ومنعهم ملك الروم من العبور عليه من الخليج حتى شرط عليهم أن يسلموا له انطاكية لكون السملمين كانوا أخذوها من مماليكهم فقبلوا شرطه وسهل لهم العبور في خليجه فأجازوا سنة تسعين وأربعمائة في العدد والعدة وانتهوا إلى بلاد قليج ارسلان وجمع للقائهم فهزموه وفر بلاد ابن اليون الارمني ووصلوا انطاكية وبها باغيسيان من أمراء السلجوقية فحاصروه بها وخذلوا صاحب حلب ودمشق على صريخه بأن لا يقصدوا غير انطاكية فأسلموه حتى ضاق به الحصار وغدر به بعض الحامية فملك الافرنج البلاد وهرب باغيسيان فقتل وحمل إليهم رأسه وكان ملوكهم الحاضرون لذلك خمسة بردويل وصنجيل وكبريرى والقمص واسمند وهو مقدم العساكر فردوا إليه أمر انطاكية وبلغ الخبر إلى المسلمين فسافروا إليهم شرقا وغربا وسار قوام الدولة كربوقا صاحب الموصل وجمع عساكر الشأم وسار إلى دمشق فخرج إليهم دقاق بن تتش وطغتكين أتابك وجناج الدولة صاحب حمص وارسلان صاحب سنجر وسكمان ارتق وغيرهم من الامراء وزحفوا إلى انطاكية فحاصروها ثلاثة عشر يوما ووهن الافرنج واشتد عليهم الحصار لما جاءهم على غير استعداد وطلبوا الخروج على الامان فلم يسعفوا ثم اضطرب أمر عساكر المسلمين وأساء كربوقا السيرة فيهم وأزمعوا من استكثاره عليهم فخرج الافرنج إليهم واستماتوا فتخاذل المسلمون وانهزموا من

[ 184 ]

غير قتال حتى ظنها الافرنج مكيدة فتقاعدوا عن اتباعهم واستشهد من المسلمين ألوف والله تعالى أعلم * (استيلاء الافرنج على معرة النعمان ثم على بيت المقدس) * ولما حصلت للافرنج هذه النكاية في المسلمين طمعوا في البلاد وساروا إلى معرة النعمان وحاصروها واشتد القتال في أسوارها حتى داخل أهلها الجزع فتحصنوا بالدور وتركوا السور فملكه الافرنج ودخلوا عليهم فاستباحوها ثلاثا وأقاموا بها أربعين يوما ثم ساروا إلى غزة وحاصروها أربعة أشهر وامتنعت عليهم فصالحهم ابن منقذ عليها وساروا إلى حمص وحاصروها فصالحهم عليها جناح الدولة وساروا إلى عكا فامتنعت عليهم وكان بيت المقدس قد ملكه السلجوقية وصار لتاج الدولة تتش وأقطعه لسكمان بن ارتق من التركمان فلما كانت واقعة الافرنج بانطاكية طمع أهل مصر فيهم وسار الافضل بن بدر الجمالى المستولي على العلويين بمصر إلى بيت المقدس وبها سكمان وابو الغازى ابنا ارتق وابن عمهما سوع وابن أخيهما ياقوتي فحاصروه نيفا وأربعين يوما ونصبوا عليه ينفا وأربعين منجنيقا وملكوه بالامان سنة احدى وتسعين وأربعمائة وأحسن الافضل إلى سكمان وابى الغازى وأصحابهما وسرحهم إلى دمشق وعبروا الفرات وأقام سكمان بالرها وسار أبو الغازى إلى العراق واستناب الافضل عليها افتخار الدولة الذى كان بدمشق فقصده الافرنج بعد ان حاصروا عكا وامتنعت عليهم فحاصروه أربعين ليلة وافترقوا على جوانب البلد فملكوها من الجانب الشمالي آخر شعبان من السنة واستباحوها وأقاموا فيها أسبوعا واعتصم بعض المسلمين بمحراب داود وقاتلوا فيه ثلاثا حتى استأمنوا ولحقوا بعسقلان وأحصى القتلى من الائمة والعلماء والعباد والزهاد المجاورين بالمسجد فكانوا سبعين ألقا أو يزيدون وأخذ من المناور المعلقة عند الصخرة أربعون قنديلا من الفضة كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة وستون درهما من الفضة زنته أربعون رطلا بالشامى ومائة وخمسون قنديلا من الصغار وما لا يحصى من غير ذلك وجاء الصريخ إلى بغداد صحبة القاضى أبى سعيد الهروي ووصف في الديوان صورة الواقعة فكثر البكاء والاسف ووسم الخليفة بمسير جماعة من الاعيان والعلماء فيهم القاضى أبو محمد الدامغاني وأبو بكر الشاشى وأبو الوفاء بن عقيل إلى السلطان بركيارق يستصرخونه للاسلام فساروا إلى حلوان وبلغهم اضطراب الدولة السلجوقية وقتل محمد الملك البارسلان المتحكم في الدولة واختلاف السلاطين فعادوا وتمكن الافرنج من البلاد وولوا على بيت المقدس كندفرى من ملوكهم

[ 185 ]

* (مسير العساكر من مصر لحرب الافرنج) * لما بلغ خبر الواقعة إلى مصر جمع لافضل الجيوش والعساكر واحتشد وسار إلى عسقلان وأرسل إلى الافرنج بالنكير والتهديد فأعادوا الجواب ورحلوا مسرعين فكبسوه بعسقلان على غير أهبة فهزموه واستلحموا المسلمين ونهبوا سوادهم ودخل الافضل عسقلان وافترق المنهزمون واستبدوا بنحر الحمير ووصل الافضل من عسقلان إلى مصر ونازلها الافرنج حتى صانع أهلها الافرنج بعشرين ألف دينار وعادوا إلى القدس * (ايقاع ابن الدانشمند بالافرنج) * كان كمستكين بن الدانشمند من التركمان ويعرف بطابلوا ومعنى الدانشمند المعلم كان أبوه يعلم التركمان وتقلبت به الاحوال حتى ملك سيواس وغيرها وكان صاحب ملطية بعاديه فاستنجد عليه اسمند صاحب انطاكية فجاءه في خمسة الاف وسار إليه ابن الدانشمند وأسره ثم جاء الافرنج إلى قلعة أنكورية فملكوها وقتلوا من بها من المسلمين ثم حاصروا اسمعيل بن الدانشمند فلقيهم كمستكين وهزمهم واستلحمهم وكانوا ثلثمائة ألف ثم ساروا إلى ملطية فملكوها وأسروا صاحبها وزحف إليه اسمند من انطاكية في الافرنج فهم بهم ابن الدانشمند فأتاح الله للمسلمين على يده هذا الظهور في مدد منقاربة حتى خلص اسمند من الاسر وجاء إلى انطاكية والافرنج بها وبعث إلى قيس العواصم وما جاورها يطلب الامارة فامتعض المسلمون لذلك وقلدوه بعد العهد الذى التزمه * (حصار الافرنج قلعة جبلة) * كانت جبلة من أعمال طرابلس وكان الروم قد ملكوهاو ولوا على المسلمين بها ابن رئيسهم منصور بن صليحة يحكم بينهم فلما صارت للمسلمين رجع أمرها لجمال الملك أبى الحسن على بن عمار المستبد بطرابلس وبقى منصور بن صليحة على عادته فيها ثم توفى منصور فقام إليه أبو محمد عبد الله مقامه وأظهر الشماتة فارتاب به ابن عمار وأراد القبض عليه فعصى هو في جبلة وأقام بها الخطبة العباسية واستنجد عليه ابن عمار دقاق بن تتش فجاءه ومعه أتابك طغركين فامتنع عليهم ورجعوا ثم جاء الافرنج فحاصروها فامتنع عليهم أيضا وشاع أن بركيارق جاء إلى الشأم فرحلوا ثم عادوا وأظهروا ان المصريين جاؤا لانجاده فرحلوا ثم عادوا فتقدم للنصارى الذين عنده أن يداخلوا الافرنج في نقب البلد من بعض أسواره فجهزوا إليهم ثلثمائة من أعيانهم

[ 186 ]

فرفعهم بالحبال واحدا بعد واحد وهو فاعد على السور حتى قتلهم اجمعين فرحلوا عنه ثم عادوا إليه فهزمهم وأسر ملكهم كبرانيطل وفادى نفسه منه بمال عظيم ثم ابن صليحة وجهده الحصار فأرسل إلى طغركين صاحب دمشق وبعث ابن عمار في طلبه إلى الملك دقاق على أن يدفعه إليه بنفسه دون ماله ويعطيه ثلاثين ألف دينار فلم يفعل وسار ابن صليحة إلى بغداد فوعده إلى وصول رحله من الانبار فبعث الوزير من استولى عليها فوجد فيها ما لا يحصى من الملابس والعمائم والمتاع وانتزع ذلك كله ولما ملك تاج الملوك جبلة أساء فيها السيرة فراسلوا فخر الملك أبا على بن عمار صاحب طرابلس واستدعوه لملكها فعبث إليهم عسكرا وقاتلوا تاج الملك ومن معه فهزموه وأخذوه أسيرا وملكوا جبلة بدعوة ابن عمار وحملوا تاج الملك إلى ابن عمار فأحسن إليه وبعث إلى أبيه بدمشق واعتذر له بأنه خاف على جبلة من الافرنج * (استيلاء الافرنج على سروج وقيسارية وغيرهما) * ثم سار كبريرى ملك الافرنج من بيت المقدس سنة أربع وتسعين لحصارها فأصابه منهم سهم فقتله فسار أخو مبقدوين في خمسمائة فارس إلى القدس ونهض دقاق صاحب دمشق ومعه جناج الدولة صاحب حمص لاعتراضه فهزموا الافرنج وأثخنوا فيهم ثم كاتب أهل مدينة الافرنج وكان أكبرهم ودخل في طاعتهم وكان سقمان بن ارتو صاحب سروج جمع جموعه من التركمان وسار إلى الرها فلقيه الافرنج وهزموه في ربيع سنة أربع وتسعين وساروا إلى سروج فحاصروهم حتى ملكوها عنوة واستباحوها ثم ملكوا حصن كيفا بقرب عكا عنوة وملكوا ارسوف بالامان ثم ساروا في رحب إلى قيسارية فملكوها عنوة واستباحوها والله تعالى ولى التوفيق بمنه وكرمنا * (حصار الافرنج طرابلس وغيرها) * كان صنجيل من ملوك الافرنج المذكورين قبل قد لازم حصار طرابلس وزحف إليه قليج ارسلان صاحب بلاد الروم فظفر به وعاد صنجيل مهزوما فأرسل فخر الدولة بن عمار صاحب طرابلس إلى أمير آخر نائب جناح الدولة بحمص إلى دقاق بن تتش يدعوه إلى معالجته فجاء تاج الدولة بنفسه وجاء العسكر مددا من عند دقاق واجتمعوا على طرابلس وفرق صنجيل الفل الذين معه على قتالهم فانهزموا كلهم وفتك هو في أهل طرابلس وشد حصارها وأعانه أهل الجبل والنصارى من أهل سوادها ثم صالحوه على مال وخيل ورحل نهم إلى طرسوس من أعمال طرابلس فحاصرها وملكها عنوة واستباحها إلى حصن الطومار ومقدمه ابن العريض فامتنع عليهم وقاتلهم صنجيل

[ 187 ]

فهزموا عسكره وأسروا زعيما من زعماء الافرنج بدل صنجيل فيه عشرة آلاف دينار وألف أسير ولم يعاوده وذلك كله سنة خمس وتسعين وأربعمائة ثم سار صنجيل إلى حصن الاكراد وحاصره جناح الدولة لغزوه فوثب عليه باطني بالمسجد وقتله ويقال ان رضوان بن تتش وضعه عليه فسار صنجيل إلى حمص وحاصرها وملك أعمالها ثم نزل القمص على عكا في جمادى الاخيرة من السنة فنفر المسلمون من جميع السواحل لقتاله وهزموه وأحرقوا اهله والمنجنيقات التى نضبت للحرب ثم سار القمص صاحب الرها إلى سروت وحاصرها فامتنعت عليه وزحف عساكر مصر إلى عسقلان للمدافعة عن سواحلهم فزحف إليهم بردويل صاحب القدس فهزمه المسلمون ونجا إلى الرملة وهم في اتباعه فحاصروه وخلص إلى يافا وفشا القتل والاسر في الافرنج والله تعالى ولى التوفيق * (حصار الافرنج عسقلان وحروبهم مع عساكر مصر) * لما طمع الافرنج في عسقلان واستفحل أمرهم بالشأم حهز الافضل أمير الجيوش عساكره من مصر لحربهم سنة ست وتسعين مع سعد الدولة القواسى مولى أبيه وزحف بقدوين ملك الافرنج من القدس فلقيهم بين الرملة ويافا وهزمهم ومات سعد الدولة مترديا عن فرسه واستولى الافرنج على سواده وبعث الافضل بعده ابنه شرف المعالى فلقيهم في العساكر على بازور قرب الرملة فهزمهم ونال منهم ونجا كثير من أعيانهم إلى بعض الحصون هنالك فحاصرهم شرف المعالى خمس عشرة ليلة وملك الحصن فقتل وأسر ونجا بقدوين إلى يافا ثم إلى القدس فصادف وصول جمع كثير من الافرنج لزيارة القدس فندبهم للغزو فساروا إلى عسقلان وبها شرف المعالى فامتنعت ورجعوا وبعث شرف المعالى إلى أبيه فبعث العساكر في البر مع تاج العجم مولى أبيه والاسطول في البحر لحصار يافا مع القاضى ابن دقاوس فلما وصل الاسطول إلى يافا بعث عن تاج العجم ليأتيه بالعساكر فامتنع فأرسل الافضل من قبض عليه وولى على العساكر وعلى عسقلان جمال الملك من مواليهم فانصرمت السنة وبيد الافرنج بيت المقدس غير عسقلان ولهم أيضا من الشأم يافا وارسوف وقيسارية وصيفا وطبرية والاردن واللاذقية وانطاكية ولهم بالجزيرة الرها وسروج وصنجيل محاصر فخر الملك بن عمار بمدينة طرابلس وهو يرسل اسطوله للاغارة بلاد الافرنج في كل ناحية ثم دخلت سنة سبع وتسعين فخرج الافرنج الذين بالرها فأغاروا على الرقة وقلعة جعفر واكتسحوا نواحيها وكانت لسالم ابن مالك بن بدران بن المقلد منذ ملكه السلطان ملك شاه اياها سنة تسع وسبعين كما مر والله أعلم

[ 188 ]

* (استيلاء الافرنج على جبيل وعكا) * وفي سنة سبع وتسعين وصلت مراكب من بلاد الافرنج تحمل خلقا كثيرا من التجار والحجاج فاستعان بهم صنجيل على حصار طرابلس فحاصروها حتى يئسوا منها فارتحلوا الى جبيل وملكوها بالامان ثم غدروا بأهلها وأفحشوا في استباحتها ثم استنجدهم بقدوين ملك القدس على حصار عكا فحاصروها برا وبحرا وبها الدولة الجيوشى من قبل ملك الحيوش الافضل صاحب مصر فدافعهم حتى عجزوا وهرب عنها إلى دمشق وملك الافرنج عكا عنوة وأفحشوا في استباحتها والله تعالى أعلم * (عز وأمراء السلجوقية بالجزيرة الفرنج) * كان المسلمون أيام تغلب الافرنج على الشأم في فتنة واختلاف تمكن فيها الافرنج واستطالوا وكانت حران وحمص لمولى من موالى ملك شاه اسمه قراجا والموصل لجكرمس وحصن كيفا لسقمان بن ارتق وعصى في حران على قراجا باشه فيها فاغتاله جاولى مولى من موالى الترك وقتله فطمع الافرنج في حران وحاصروها وكان بين جكرمس وسقمان فتنة وحرب فوضعوا أوزارها لتلافي حران واجتمعا على الخابور وتحالفا ومع سقمان سبعة آلاف من قومه التركمان ومع جكرمس ثلاثة آلاف من قومه الترك ومن العرب والاكراد وسار إليهم الافرنج من حران فاقتتلوا واستطرد لهم المسلمون بعبدا ثم كروا عليهم فأثخنوا فيهم واستباحوا أموالهم وكان اسمند صاحب انطاكية وسكرى صاحب الساحل قد أكمنوا للمسلمين وراء الجبل فلم يظهر لهم انهم اصحابهم وأقاموا هنالك إلى الليل ثم هربوا وشعر بهم المسلمون فاتبعوهم وأثخنوا فيهم وأسر في تلك الواقعة القمص بردويل صاحب الرها أسره بعض التركمان من أصحاب سقمان فشق ذلك على أصحاب جكرمس لكثرة ما امتان التربن من الغنائم وحسنوا له أخذ القمص من سقمان فأخذه وأراد التركمان محاربة جكرمس وأصحابه عليه فمنعهم سقمان حذرا من اختلاف المسلمين وسار مفارقا لهم وكان يمر بحصون الافرنج فيخرجون إليه ظنا بنصر أصحابهم فملكها عليهم وسار جكرمس إلى حران فملكها وولى عليها من قبله ثم سار إلى الرها وحاصرها أياما وعاد إلى الموصل وفادى القمص بردويل بخمسة وثلاثين ألف دينار ومائة وستين اسيرا والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق بمنه وكرمه * (حرب الافرنج مع رضوان بن تتش صاحب حلب) * ثم سار سكرى صاحب انطاكية من الافرنج سنة ثمان وتسعين إلى حصن اريام من

[ 189 ]

حصون رضوان صاحب حلب فضاقت حالهم واستنجدوا برضوان فسار إليهم وخرج الافرنج للقائه ثم طلب الصلح من رضوان فمنعه اصبهبد صباوو من أمراء السلجوقية كان نزع إليه بعد قتل صاحبه اياز ولقيهم الافرنج فانهزموا أولا ثم استمالوا وكروا على المسلمين فهزموهم وأفحشوا في قتلهم وقتل الرجالة الذين دخلوا عسكرهم في الحلة الاولى ونجا رضوان وأصحابه إلى حلب ولحق صباوو بطغركين أتابك دمشق ورجع الافرنج الى حصار الحصن فهرب أهله إلى حلب وملكه الافرنج والله تعالى ولى التوفيق * (حرب الافرنج مع عساكر مصر) * كان الافضل صاحب مصر قد بعث سنة ثمان وتسعين ابنه شرف المعالى في العساكر إلى الرملة فملكها رقهر الافرنج ثم اختلف العسكر في ادعاء الظفر وكادوا يقتتلون وأغار عليهم الافرنج فعاد شرف المعالى إلى مصر فبعث الافضل ابنه الآخر سناء الملك حسينا مكانه في العساكر وخرج معه جمال الدين صاحب عسقلان واستمدوا طغركين أتابك دمشق فجهز إليهم أصبهبد صباوو من أمراء السلجوقية وقصدهم بقدوين صاحب القدس وعكا فاقتتلوا وكثرت بينهم القتلى واستشهد جمال الملك نائب عسقلان وتحاجزوا وعاد كل إلى بلده وكان مع الافرنج جماعة من المسلمين منهم بكياش بن تتش ذهب مغاضبا عن دمشق لما عدل عنه طغركين الاتابك بالملك إلى ابن أخيه دقاق وأقام عند الافرنج والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق بمنه * (حرب الافرنج مع طغركين) * كان قمص من قمامصة الافرنج بالقرب من دمشق وكان كثيرا ما يغير عليها ويحارب عساكرها فسار إليه طغركين في العساكر وجاء بقدوين ملك القدس لانجاده على المسلمين فرده ذلك القمص ثقة بكفائه فرجع إلى عكا وسار طغركين إلى الافرنج فقاتلهم وحجزهم في حصنهم ثم خرب الحصن وألقى حجارته في الوادي وأسر الحامية الذين به وقتل من سواهم من أهله وعاد إلى دمشق ظافرا ثم سار بعد أسبوع إلى وبه ابن أخت صنجيل فمسكه وقتل حاميته * (استيلاء الافرنج على حصن افامية) * كان خلف بن ملاعب الكلابي متغلبا على حمص وملكها منه تتش كما مر وانتقلت الاحوال إلى مصر ثم ان رضوان صاحب حلب انتقض عليه واليه بحصن افامية وكان من الرافضة فبعث بطاعته إلى صاحب مصر واستدعى منهم واليا فبعثوا خلف بن

[ 190 ]

ملاعب لايثاره الجهاد وأخذوا رهنه فعصى في افامية واستبدبها واجتمع عليه المفسدون ثم ملك الافرنج من اعمال حلب وأهله رافضة ولحق قاضيها بابن ملاعب في افامية ثم أعمل التدبير عليه وبعث إلى أبى طاهر الصائغ من اصحاب رضوان وأعيان الرافضة ودعاتهم وداخله في الفتك بابن ملاعب وتسليم الحصن إلى رضوان وشعر بذلك ابنا ابن ملاعب وحذرا أباهما من تدبير القاضى عليه وجاء القاضى فحلف له على كذبه وصدقه وعاد القاضى إلى مداخلة أبى طاهر ورضوان في ذلك التدبير وبعثوا جماعة من أهل سرمين بخيول وسلاح يقصدون الخدمة عند ابن ملاعب فأنزلهم بربض افامية حتى ثم التدبير وأصعدهم القاضى وأصحابه ليلا إلى القلعة فملكوها وقتلوا ابن ملاعب وهرب ابناه فلحق أحدهما بأبى الحسن بن منقذ صاحب شيرز وقتل الآخر وجاء أبو طاهر الصائغ إلى القاضى يعتقد ان الحصن له فلم يمكنه القاضى وأقام عنده وكان بعض بنى خلف بن ملاعب عند طغركين بدمشق مغاضبا لابيه فولاه حصنا من حصونه فأظهر الفساد والعيث فطلبه طغركين فهرب إلى الافرنج واستحثهم لملك افامية فحاصروه حتى جهد أهله الجوع وقتلوا القاضى المتغلب فيه والصائغ وذلك سنة تسع وتسعين وخمسمائة * (خبر الافرنج في حصار طرابلس) * كان صنجيل من ملوك الافرنج ملازما لحصار طرابلس وملك جبلة من يد ابن صليحة وبنى على طرابلس حصنا وأقام عليها ثم هلك وحمل إلى القدس ودفن بأمر ملك الروم أهل اللاذقية أن يحملوا الميرة إلى الافرنج المحاصرين طرابلس فحملوها في السفن وظفر أصحاب ابن عمار ببعضها فقتلوا وأسروا واستمر الحصن خمس سنين فعدمت الاقوات واستنفد أهل الثروة مكسو بهم في الانفاق وضاقت أحوالهم وجاءتهم سنة خمسمائة ميرة في البحر من جزيرة قبرص وانطاكية وجزائر البنادقة فحفظت أرماقهم ثم بلغ ابن عمار انتظام الامر للسلطان محمد بن ملك شاه بعد أخيه بركيارق فارتحل إليه صريخا واستخلف على طرابلس ابن عمه ذا المناقب في طرابلس وخيم ابن عمار على دمشق وأكرمه طغركين ثم سار إلى بغداد فأكرمه السلطان محمد وأمر بتبليغه والاحتفال لقدومه ووعده بالانجاد ولما رحل عن بغداد أحضره عنده بالنهروان وأمر الامير حسين بن أتابك قطلغتكين بالمسير معه وان يستصحب العساكر التى بعثها مع الامير مودود إلى الموصل لقتال جاولى بسكاوو وأمره باصلاح جاولى والمسير مع ابن عمار حسبما مر في أخبارهم ثم وقعت الحرب بين السلطان محمد وبين صدقة بن مزيد واصطلحوا وودعه ابن عمار بعدان خلع عليه وسار معه الامير حسين فلم يصل إلى قصده

[ 191 ]

من عساكر الموصل مودود وانتقاض فعاد فخر الدين بن عمار لى دمشق في محرم سنة ثنتين وخمسمائة وسار منها إلى فملكها وبعث أهل طرابلس لى الافضل أمير الجيوش بمصر يستمدونه ويسألون الوالى عليهم فبعث إليهم شرف الدولة بن أبى الطيب بالمدد والاقوات والسلاح وعدة الحصار واستولى على ذخائر ابن عمار وقبض على جماعة من أهله وحمل الجميع في البحر إلى مصر * (خبر القمص صاحب الرها مع جاولى ومع صاحب انطاكية) * كان جاولى قد ملك الموصل من يد أصحاب جكرمس ثم انتقض فبعث السلطان إليه مودود في العساكر فسار جاولى عن الموصل وحمل معه القمص بردويل صاحب الرها الذى كان أسره سقمان وأخذه منه جكرمس وأصحابه وترك الموصل ثم أطلق جاولى هذا القمص في سنة ثلاث وخمسمائة بعد خمس سنين من أسره على مال قرره عليه وأسرى من المسلمين عنده يطلقهم وعلى أن يمده بنفسه وعساكره وماله متى احتاج إلى ذلك ولما انبرم العقد بينهما بعث بوالى سالم بن مالك بقلعة جعفر حتى جاءه هناك ابن خاله جوسكين تل ناشر فأقام رهينة مكانه ثم أطلقه جاولى ورهن مكانه أخا زوجته وزوجة القمص فلما وصل جوسكين إلى فنج أغار عليها ونهبها وسبى حماعة من أصحاب جاولى إلى الغدر فاعتذر بأن هذه البلاد ليست لكم ولما أطلق القمص سار إلى انطاكية ليسترد الرها من يد سكرى لانه اخذها بعد أسره فلم يردها وأعطاه ثلاثين ألف دينار ثم سار القمص إلى تل ناشر وقدم عليه أخوه جوسكين الذى وضعه رهينة عند جاولى وسار سكرى صاحب انطاكية لحربهما قبل أن يستفحل أمرهما وينجدهما جاولى فقاتلوه ورجع إلى انطاكية وأطلق القمص مائة وستين من أسرى المسلمين ثم سار القمص وأخوه جوسكين وأغاروا على حصون انطاكية وأمدهم صاحب رعيان وكيسوم وغيرهما من القلاع شمال حلب وهو من الارمن بألف فارس وألفى راجل وخرج إليهم سكرى وتراجعوا للحرب ثم حملهم الترك على الصلح وحكم على سكرى برد الرها على القمص صاحبها بعد ان شهد عنده جماعة من البطارقة ولاساقفة بأن اسمند خال سكرى لما انصرف إلى بلاده أوصاه برد الرها على صاحبها إذا خلص من الاسر فردها سكرى على القمص في صفر سنة ثلاث ووفى القمص لحاولي بما كان بينهما ثم قصد جاولى الشأم ليملكه وتنقل في نواحيه كما مر في أخباره وكتب رضوان صاحب حلب إلى سكرى صاحب انطاكية يحذره من جاولى ويستنجده عليه فأجابه وبرز من انطاكية وبعث إليه رضوان بالعساكر واستنجد جاولى القمص صاحب الرها فأنجده بنفسه ولحق به على منبج وجاءه الخبر هنالك باستيلاء عسكر السلطان على بلده الموصل وعلى خزائنه بها

[ 192 ]

وفارقه كثير من أصحابه منهم زنكى بن اقسنقر فنزل جاولى تل ناشر وتزاحف مع سكرى هنالك واشتد القتال واستمر أصحاب انطاكية فتخاذل أصحاب جاولى وانهزموا وذهب الافرنج بسوادهم فجاء القمص وجوسكين إلى تل ناشر والله تعالى أعلم * (حروب الافرنج مع طغركين) * كان طغركين قد سار إلى طبرية سنة ثنتين وخمسمائة فسار إليه ابن أخت بقدوين ملك القدس واقتتلوا فانكشف المسلمون ثم استماتوا وهزموا الافرنج وأسروا ابن أخت الملك فقتله طغركين بيده بعد ان فادى نفسه بثلاثين ألف دينار وخمسمائة أمير فلم يقبل منه الا الاسلام أو القتل ثم اصطلح طغركين وبقدوين لمدة أربع سنين وكان حصن غربة من أعمال طرابلس بيد مولى ابن عمار فعصى عليه وانقطعت عنه الميرة بعبث الافرنج في نواحيه فارسل إلى طغركين بطاعته فبعث اسرائيل من أصحابه ليتملك الحصن ونزل منه مولى ابن عمار فرماه اسرائيل في الزحام بسهم فقتله حذرا أن يطلع الاتابك على مخلفه وقصد طغركين الحصن لمشارفة أحواله فمنعه نزول الثلج حتى إذا نقشع وانجلى سار في أربعة آلاف فارس وفتح حصونا للافرنج منها حصن الاكمة وكان السردانى من الافرنج يحاصر طرابلس فسار للقائه فلما أشرف عليه انهزم طغركين وأصحابه إلى حمص وملك السردانى حصن غربة بالامان ووصل طغركين إلى دمشق فبعث إليه بقدوين من القدس بالبقاء على الصلح وذلك في شعبان سنة اثنين * (استيلاء الافرنج على طرابلس وبيروت وصيدا وجبيل وباقياس) * ولما عادت طرابلس إلى صاحب مصر من يد ابن عمار وولى عليها نائبه والافرنج يحاصرونها وزعيمهم السردانى ابن أخت صنجيل فلما كانت سنة ثلاث وخمسمائة في شعبان ووصل القمص والد صنجيل وليس صنجيل الاول وانما هو قمص آخر بمراكب عديدة مشحونة بالرجال والسلاح والميرة وجرت بينه وبين السردانى فتنة واقتتلوا وجاء سكرى صاحب انطاكية مددا للسردانى ثم جاء بقدوين ملك لقدس وأصلح بينهم وحاصروا طرابلس ونصبوا عليها الابراج فاشتد بهم الحصار وعدموا القوت لتأحر الاسطول المصرى بالميرة ثم زحفوا إلى قتالها بالابراج وملكوها عنوة ثانى الاضحى واستباحوها وأثخنوا فيها وكان النائب بها قد استأمن إلى الافرنج قبل ذلك بليال وملكها بالامان ونزل على مدينة جبيل وبها فخر الملك بن عمار فاستأمنوا لى سكرى وملكها ولحق ابن عمار بشيرز فنزل على صاحبها سلطان بن على بن منقذ الكقانى ولحق منها بدمشق فأكرمه طغركين وأقطعه الزبدانى من أعمال دمشق

[ 193 ]

في محرم سنة أربع ووصل اسطول مصر بالميرة بعد أخذ طرابلس بثمانية أيام فارسي بساحل صور وفرقت الغلال في جهاتها في صور وصيدا وبيروت ثم استولى الافرنج على صيدا في ربيع الآخر سنة أربع وخمسمائة وذلك انه وصل اسطول للافرنج من ستين مركبا مشحونة بالرجال والذخائر وبها ملوكهم بقصد الحج والعزو فاجتمع مع القدوين صاحب القدس ونازلوا صيدا براوبحراو أسطول مصر يعجز عن انجادهم ثم زحفوا إلى الصور في ابراج الخشب المصفحة فضعفت نفوسهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل بيروت فاستأمنوا فأمنهم الافرنج في جمادى الاولى ولحقوا بدمشق بعد سبعة وأربعين يوما من الحصار وأقام بالبلد خلق كثير تحت الامان وعاد بقدوين إلى القدس * (استيلاء أهل مصر على عسقلان) * كانت عسقلان لخلفا العلوية بمصر وقد ذكرنا حروب الافرنج مع عساكرهم عليها وآخر من استشهد منهم جمال الملك نائبها كما مر آنفا وولى عليها شمس الخلافة فراسل بقدوين ملك القدس وهاداه ليمتنع به من الخليفة بمصر وبعث الافضل بن أمير الجيوش العساكر إليه سنة أربع وخمسمائة مع قائد من قوادهم موريا بالغزو وأسر إليه بالقبض على شمس الخلافة والولاية مكانه بعسقلان وشعر شمس الخلافة بذلك فجاهر بالعصيان فحشى أن يملكها الافرنج فراسله وأقره على عمله وعزل شمس الخلافة جند عسقلان واستنجد جماعة من الارمن فاستوحش منه أهل البلد ووثبوا به فقتلوه وبعثوا إلى الامير الافضل صاحب مصر المستولي عليها بطاعتهم فجاءهم الوالى من قبله واستقامت أمورهم * (استيلاء الافرنج على حصن الاقارب وغيره) * ثم جمع سكرى صاحب انطاكية واحتشد وسار إلى حصن الاقارب على ثلاثة فراسخ من حلب فحاصره وملكه عنوة وأثخن فيهم بالقتل والسبي ثم سار إلى حصن وزدناد ففعل فيه مثل ذلك وهرب أهله منه ومارس على بلديهما ثم سار عسكر من الافرنج إلى مدينة صيدا فملكوها على الامان وأشفق المسلمون من استيلاء الافرنج على الشأم وراسلوهم في الهدنة فامتنعوا الا على الضريبة فصالحهم رضوان صاحب حلب على اثنين وثلاثين ألف دينار وعدة من الخيول والثياب وصاحب صور على سبعة آلاف دينار وابن منقذ صاحب شيرز على أربعة آلاف دينار وعلى الكردى صاحب حماة على ألفى دينار ومدة الهدنة إلى حصاد الشعير ثم اعترضت مراكب الافرنج مراكب

[ 194 ]

التجار من مصر فأخذوها وأسروهم وسار جماعة من أهل حلب إلى بغداد للنفير فدخلوها مستغيثين ومعهم خلق من الفقهاء والغوغاء وقصدوا جامع السلطان يوم الجمعة فمنعوا الناس من الصلاة بضجيجهم وكسروا المنبر فوعدهم السلطان بانفاذ العساكر للجهاد وبعث من دار الخلافة منبرا للجامع ثم قصدوا في الجمعة الثانية جامع القصر في مثل جمعهم ومنعهم صاحب الباب فدفعوا ودخلوا الجامع وكسروا شبابيك المقصورة والمنبر وبطلت الجمعة وأرسل الخليفة إلى السلطان في رفع هذا الحزن فأمر الامراء بالتجهز للجهاد وأرسل ابنه الملك مسعودا مع الامير مودود صاحب الموصل ليلحق به الامراء ويسيروا جميعا إلى قتال الافرنج * (مسير الامراء السلجوقية إلى قتال الافرنج) * ولما سار مسعود ابن السلطان مع الامير مودود إلى الموصل اجتمع معهم الامراء سقمان القطبى صاحب ديار بكرو ابنا برسق ابلتكى وزنكى اصحاب همذان والامير أحمد بك صاحب مراغة وأبو الهيجاء صاحب اربل واياز بن أبى الغازى بعثه أخوه صاحب ماردين وساروا جميعا إلى سنجار وفتحوا عدة حصون للافرنج ونزلوا على مدينة الرها وحاصروا واجتمعوا مع الافرنج على الفرات وخام الطائفتان عن اللقاء وتأخر المسلمون إلى حران يستطردون للافرنج لعلهم يعبرون الفرات فخالفهم الافرنج إلى الرها وشحنوها أقواتا وعدة وأخرجوا الضعفاء منها ثم عبروا الفرات إلى نواحى حلب لان الملك رضوان صاحبها لما عبروا إلى الجزيرة ارتجع بعض الحصون التى كان الافرنج أخذوها بأعمال حلب فطرقوها الآن فاكتسحوا نواحيها وجاءت عساكر السلطان إلى الرها وقاتلوها فامتنعت عليهم فعبروا الفرات وحاصروا قلعة تل ناشر شهرا ونصفا فامتنعت فرحلوا إلى حلب فقعد الملك رضوان عن لقائهم ومرض هنالك سقمان القطبى ورجعوا فتوفى في بالس وحمل شلوه إلى بلده ونزلت العساكر السلطانية على معرة النعمان فخرج طغركين صاحب دمشق إلى مودود ونزل عليه ثم ارتاب لما رأى من الامراء في حقه فدس للافرنج بالمهادنة ثم افترقت العساكر كما ذكرنا في أخبارهم وبقى مودود مع طغركين على نهر العاصى وطمع الافرنج بافتراقهم فساروا إلى فامية وخرج سلطان بن منقذ صاحب شيرز إلى مودود وطغركين فرحل بهم إلى شيرز وهون عليهم أمر الافرنج وضاقت الميرة على الافرنج فرحلوا واتبعهم المسلمون يتخطفون من أعقابهم حتى أبعدوا والله تعالى أعلم * (حصار الافرنج مدينة صور) * ولما افترقت العساكر السلطانية خرج بقدوين ملك القدس وجمع الافرنج ونزلوا على

[ 195 ]

مدينة صور في جمادى الاولى من سنة خمس وهى للامير الافضل صاحب مصر ونائبه بها عز الملك الاغر ونصبوا عليها الابراج والمجانيق وانتدب بعض الشجعان من أهل طرابلس كان عندهم في ألف رجل وصدقوا الحملة حتى وصلوا البرج المتصل بالسور فأحرقوه ورموا الآخرين بالنفط فأحرقوهم واشتد القتال بينهم وبعث أهل صور إلى طغركين صاحب دمشق يستنجدونه على أن يمكنوه من البلد فجاء إلى بانياس وبعث إليهم بمائتي فرس واشتد القتال وبعث نائب البلد إلى طغركين بالاستحثاث للوصول ليمكنه من البلد وكان طغركين يغير على أعمال الافرنج في نواحيها وملك لهم حصنا من اعمال دمشق وقطع الميرة عنهم فساروا يحملونها في البحر ثم سار إلى صيدا وأغار عليها ونال منها ثم أزهت الثمرة وخشى الافرنج من طغركين على بلادهم فأفرجوا عن صور إلى عكا وجاء طغركين إلى صور فأعطى الاموال واشتغلوا باصلاح سورهم وخندقهم والله أعلم * (أخبار مودود مع الافرنج ومقتله ووفاة صاحب انطاكية) * ثم سار الأمير مودود صاحب الموصل سنة ست إلى سروج وعاث في نواحيها فخرج جكرمس صاحب تل ناشر وأغار على دوابهم فاستاقها من راعيها وقتل كثيرا من العسكر ورجع ثم توفى الامير الارمني صاحب الدورب ببلاد ابن كاور فسار سكرى صاحب انطاكية من الافرنج إلى بلاده ليملكها فمرض وعاد إلى انطاكية ومات منتصف سنة ست وملكها بعده ابن أخته سرجان واستقام أمره ثم جمع الامير مودود صاحب الموصل العساكر واحتشد وجاءه صاحب سنجار واياز بن أبى الغازى صاحب ماردين وطغركين صاحب دمشق ودخلوا في محرم سنة سبع إلى بلاد الافرنج وخرج بقدوين ملك القدس وجوسكين صاحب القدس يغير على دمشق فعبروا الفرات وقصدوا القدس ونزلوا على الاردن والافرنج عدوتهم واقتتلوا منتصف المحرم فانهزم الافرنج وهلك منهم كثير في بحيرة طبرية والاردن وغنم المسلمون سوادهم وساروا منهزمين فلقيهم عسكر طرابلس وانطاكية فشردوا معهم وأقاموا على جبل طبرية وحاصرهم المسلمون نحوا من شهر فلم يظفروا بهم فتركوهم وانساحوا في بلاد الافرنج ما بين عكا والقدس واكتسحوها ثم انقطعت المواد عنهم للبعد عن بلادهم فعادوا إلى مرج الصفر على نية العود للغزاة في فضل الربيع وأذنوا للعساكر في الانطلاق ودخل مودود إلى دمشق يقيم بها إلى أوان اجتماعهم فطعنه باطني في الجامع منصرفه من صلاة الجمعة اخر ربيع الاول من السنة ومات من يومه واتهم طغركين بقتله والله تعالى أعلم

[ 196 ]

* (أخبار البرسقى مع الافرنج) * ولما قتل مودود بعث السلطان محمد مكانه اقسنقر البرسقى ومعه ابنه السلطان مسعود في العساكر لقتال الافرنج وبعث إلى الامراء بطاعته فجاءه عماد الدين زنكى بن اقسنقر وغبرك صاحب سنجار وسار إلى جزيرة ابن عمر وملكها من يد نائب مودود ثم سار إلى ماردين فحاصرها إلى أن أذعن أبو الغازى صاحبها وبعث معه ابنه ايازا في العساكر فساروا إلى الرها وحاصروها في ذى الحجة سنة ثمان مدة سبعين يوما فامتنعت وضاقت الميرة على المسلمين فرحلوا إلى شمشاط وسروج وعاثوا في تلك النواحى وهلك في خلال ذلك تحواسل صاحب مرعش وكيسوم ورغيان من الافرنج وملكت زوجته بعده وامتنعت من الافرنج وأرسلت إلى البرسقى على الرها بطاعته فبعث إليها صاحب الخابور فردتة بالاموال والهدايا وبطاعتها فعاد من كان عندها من الافرنج إلى انطاكية والله أعلم * (الحرب بين العساكر السلطانية والفرنج) * كان السلطان محمد قد تنكر لطغركين صاحب دمشق لاتهامه اياه بقتل مودود فعصى وأظهر الخلاف وتابعه أبو الغازى صاحب ماردين لما كان بينه وبين البرسقى فاهم السلطان شأنهما وشأن الافرنج وقوتهم وجهز العساكر مع الامير برسق صاحب همذان وبعث معه الامير حيوس بك والامير كسقرى وعساكر الموصل والجزيرة وأمرهم بغزو الافرنج بعد الفراغ من شان أبى الغازى وطغركين فساروا في رمضان سنة ثمان وعبروا الفرات عند الرملة وجاؤا إلى حلب وبها لؤلؤ الخادم بعد رضوان ومقدم العساكر شمس الخواص وعرضوا عليهما كتب السلطان بتسليم البلد فدافعا بالجواب واستنجدا أبا الغازى وطغركين فوصلا اليهما في ألفى فارس وامتعا بها على العسكر فسار الامير برسق إلى حماة من أعمال طغركين فملكها عنوة ونهبها ثلاثا وسلمها للامير قرجان صاحب حمص بأمر السلطان بذلك في كل بلد يفتحونه فنفس عليه الامراء ذلك وفسدت ضمائرهم وكان أبو الغازى وطغركين وشمس الخواص قد ساروا إلى انطاكية مستنجدين بصاحبها روميل على مدافعتهم عن حماة فلغهم فتحها ووصل إليهم بانطاكية بقدوين ملك القدس وطرابلس وغيره من شياطين الافرنج واجتمعوا على افامية واتفقوا على مطاولة المسلمين إلى فصل الشتاء ليتفرقوا فلما أظل الشتاء والمسلمون مقيمون عاد أبو الغازى إلى ماردين وطغركين إلى دمشق والافرنج إلى بلادهم وقصد المسلمون كفر طاب وكانت هي وافامية للافرنج فملكوها عنوة وفتكوا بالافرنج فيها وأسروا صاحبها ثم ساروا إلى قلعة افامية فاستصعبت عليهم فعادوا إلى

[ 197 ]

المعرة وهى للافرنج وفارقهم الامير حيوس بك إلى وادى مراغة فملكه وسارت العساكر من المعرة إلى حلب وأثقالهم ودوابهم وهم متلاصقون فوصلت مقدمتهم إلى الشأم وخربوا الابنية وكان روميل صاحب انطاكية قد سار في خمسمائة فارس وألفى راجل للمدافعة عن كفر طاب وأظل على خيام المسلمين قبل وصولهم فقتل من وجد بها من السوقة والغلمان وأقام الافرنج بين الخيام يقتلون كل من لحق بها حتى وصل الامير برسق وأخوه زنكى فصعدا ربوة هناك وأحاط الفل من المسلمين به وعزم برسق على الاستماتة ثم غلبه اخوه زنكى على النجاة فنجا فيمن معه واتبعهم الافرنج فرسحا ورجعوا عنه وافترقت العساكر الاسلامية منهزمة إلى بلادها وأشفق أهل حلب وغيرها من بلاد الشأم من الافرنج بعد هذه الواقعة وسار الافرنج إلى رميلة من أعمال دمشق فملكوها وبالغوا في تحصينها واعتزم طغركين على تخريب بلاد الافرنج ثم بلغه الخبر عن خلو رميلة من الحامية فبادر إليها سنة تسع وملكها عنوة وقاتل وأسر وغنم وعاد إلى دمشق ولم تزل رميلة بين المسلمين إلى أن حاصرها الافرنج سنة عشرين وخمسمائة وملكوها والله أعلم * (وفاة ملك الافرنج وأخبارهم بعده مع المسلمين) * ثم توفى بقدوين ملك الافرنج بالقدس آخر سنة احدى عشرة وخمسمائة وكان قد زحف إلى ديار بكر طامعا في ملكها فانتهى إلى تنيس وشج في الليل فانتقض عليه جرحه وعاد إلى القدس فمات وعاد القمص صاحب الرها الذى كان أسره وأطلقه جاولى وكان حاضرا عنده لزيارة قمامة وكان أتابك طغركين قد سار لقتال الافرنج ونزل اليرموك فبعث إليه قمص في المهادنة فاشترط طغركين ترك المناصفة من جبل عردة إلى العور فلم يقبل القمص فسار طغركين إلى طبرية ونهب نواحيها وسار منها إلى عسقلان ولقى سبعة آلاف من عساكر مصر قد جاؤا في أثر بقدوين عندما ارتحل عن ديار بكر فاعلموا أن صاحبهم تقدم إليهم بالوقوف عند أمر طغركين فشكر لهم ذلك وعاد إلى دمشق وأتاه الخبر بأن الافرنج قصدوا أذرعات ونهبوها بعد ان ملكوا حصنا من أعماله فارسل إليهم تاج الملك بورى في أثرهم فحاصرهم في جبل هناك حتى يئسوا من أنفسهم وصدقوا الحملة عليهم فهزموهم وأفحشوا في القتل وعاد الفل إلى دمشق وسار طغركين إلى حلب يستنجد أبا الغازى فوعده بالمسير معه ثم جاء الخبر بأن الافرنج قصدوا أعمال دمشق فنهبوا حوران واكتسحوها فرجع طغركين إلى دمشق وأبو الغازى إلى ماردين إلى حشد العساكر وقصدوا الاجتماع على حرب الافرنج ثم سار الافرنج سنة ثلاثة عشر إلى نواحى حلب

[ 198 ]

فملكوا مراغة ونازلوا المدينة فصانعهم أهلها بمقاسمتهم أملاكهم وزحف أبو الغازى من ماردين في عشرين ألفا من العساكر والمتطوعة ومعه أسامة بن مالك بن شيرز الكنانى والامير طغان ارسلان بن افتكين بن جناح صاحب ارزن وسار الافرنج إلى صنبيل عرمس قرب الاثاوب فنزلوا به في موضع منقطع المسالك وعزموا على المطاولة فناجزهم أبو الغازى وسار إليهم ودخل عليهم في مجتمعهم وقاتلوه أشد القتال فلم يقاوموه وفتك فيهم فتكة شنعاء وقتل فيهم سرحان صاحب انطاكية وأسر سبعون من زعمائهم وذلك منتصف ربيع من السنة ثم اجتمع فل الافرنج وعاودوا الحرب فهزمهم أبو الغازى وملك عليهم حصن آلات رب وزدناد وجاء إلى حلب فأصلح أحوالها وعاد إلى ماردين ثم سار جوسكين صاحب تل ناشر في مائتين من الافرنج ليكبس حلة من احياء طيئ يعرفون ببنى خالد فأغار عليهم وغنم أموالهم ودلوه على بقية قومهم من بنى ربيعة فيما بين دمشق وطبرية فبعث أصحابه إليهم وسار هو من طريق آخر فضل عن الطريق ووصل أصحابه إليهم وأميرهم مر من ربيعة فقاتلهم وغلبهم وقتل منهم سبعين وأسر اثنى عشر ففاداهم بمال جزيل وأصناف عدتهم من الاسرى وبلغ إلى جوسكين في طريقه فعاد إلى طرابلس وجمع جمعا وأغار على عسقلان فهزمه المسلمون وعاد مفلولا والله أعلم * (ارتجاع الرها من الافرنج) * ثم سار بهرام أخو أبى الغازى إلى مدينة الرها وحاصرها مدة فلم يظفر بها فرحل عنها ولقيه النذير بأن جوسكين صاحب الرها وسرود قد سار لاعتراضه وقد تفرق عن مالك أصحابه فاستجاب لما وصل إليه الافرنج ودفعهم لارض سنجة فوصلت فيها خيولهم فلم يفلت منهم أحد وأسر جوسكين وخاط عليه جلد جمل وفادى نفسه بأموال جليلة فأبى مالك من فديته الا أن يسلم حصن الرها فلم يفعل وحبسه في خرت برت ومعه كلمام ابن خالته وكان من شياطينهم وجماعة من زعمائهم والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق * (استيلاء الافرنج على خرت برت وارتجاعها منهم) * كان مالك بن بهرام صاحب خرت برت وكان في جواره الافرنج في قلعة كركر فحاصرهم بها وسار بقدوين إليه في جموعه فلقيه في صفر سنة سبعة عشر فهزم الافرنج وأسر ملكهم وجماعة من زعمائهم وحبسهم مالك في قلعة خرت برت مع جوسكين صاحب الرها وأصحابه وسار مالك إلى حران في ربيع الاول وملكها ولما غاب من خرت برت تحيل الافرنج وخرجوا من محبسهم بمداخلة بعض الجند وسار بقدوين إلى بلده وملك

[ 199 ]

الآخرون القلعة فعاد مالك إليهم وحاصرها وارتجعها من أيديهم ورتب فيها الحامية والله تعالى ولى التوفيق * (استيلاء الافرنج على مدينة صور) * كانت مدينة صور لخلفاء العلوية بمصر وكان بها عز الملك من قبل الافضل بن أمير الجيوش المستبد على الامر بمصر وتجهز الافرنج لحصارها سنة ست فاستمدوا طغركين صاحب دمشق فأمدهم بعسكر ومال مع وال من قبله اسمه مسعود فجاء إليها ولم يغير دعوة العلوية بها في خطبة ولا سكة وكتب إلى الافضل بذلك وسأله تردد الاسطول إليه بالمدد فأجابه وشكره ثم قتل الافضل وجاء الاسطول إليها من مصر على عادته وقد أمر مقدمه أن يعمل الحيلة في القبض على مسعود الوالى بصور من قبل طغركين لشكوى أهل مصر منه فقبض عليه مقدم الاسطول وحمله إلى مصر وبعثوا به إلى دمشق وأقام الوالى من قبل أهل مصر في مدينة صور وكتب إلى طغركين بالعذر عن القبض على مسعود واليه وكان ذلك سنة ستة عشر ولما بلغ الافرنج انصراف مسعود عن صور قوى طمعهم فيها وتجهزوا لحصارها وبعث الوالى الامير بذلك وبعجزه عن مقاومة حصارهم لها وسار طغركين إلى بانياس ليكون قريبا من صريخها وبعث إلى أهل مصر يستنجدهم فراسل الافرنج في تسليم البلد وخروج من فيها فدخلها الافرنج آخر جمادى الاولى من السنة بعدان حمل أهلها ما أطاقوا وتركوا ما عجزوا عنه والله سبحانه وتعالى أعلم * (فتح البرسقى كفرطاب وانهزامه من الافرنج) * ثم جمع البرسقى عساكره وسار سنة تسعة عشر إلى كفرطاب وحاصرها فملكها من الافرنج ثم سار إلى قلعة غزر شمالى حلب وبها جوسكين فحاصرها واجتمع الافرنج وساروا لمدافعته فلقيهم وقاتلهم شديدا فمحص الله المسلمين وانهزموا وفتك النصارى فيهم ولحق البرسقى بحلب فاستخلف بها ابنه مسعودا وعبر الفرات إلى الموصل ليستمد العساكر ويعود لغزوهم فقضى الله بمقتله وولى ابنه عز الدين بعده قليلا ثم مات سنة احدى وعشرين وولى السلطان محمود عماد الدين زنكى بن اقسنقر مكانه على الموصل والجزيرة وديار بكر كما مر في أخبار دولة السلجوقية ثم استولى منها على الشأم وأورث ملكها بنيه فكانت لهم دولة عظيمة بهذه الاعمال نذكرها ان شاء الله تعالى ونشأت عن دولتهم دولة بنى أيوب وتفرعت منها كما نذكره ونحن الآن نترك من أخبار الافرنج هنا جميع ما يتعلق بدولة بنى زنكى وبنى أيوب حتى نوردها في أخبار تينك الدولتين لئلا

[ 200 ]

تتكرر الاخبار ونذكر في هذا الموضع من أخبار الافرنج ما ليس له تعلق بالدولتين فإذا طالعه المتأمل علم كيف يرد كل خبر إلى مكانه بجودة قريحته وحسن تأنيه * (الحرب بين طغركين والافرنج) * ثم اجتمعت الافرنج سنة عشرين وخمسمائة وساروا إلى دمشق ونزلوا مرج الصفر واستنجد طغركين صاحبها أمراء التركمان من ديار بكر وغيرها فجاؤا إليه وكان هو قد سار إلى جهة الافرنج آخر سنة عشرين وقاتلهم وسقط في المعترك فظن أصحابه انه قتل فانهزموا وركب فرسه وسار معهم منهزما والافرنج في اتباعهم وقد أثخنوا في رجالة التركمان فلما اتبعوا المنهزمين خالف الرجالة إلى معسكرهم فنهبوا سوادهم وقتلوا من وجدوا فيه ولحقوا بدمشق ورجع الافرنج عن المنهزمين فوجدوا خيامهم منهوبة فساروا منهزمين ثم كان سنة ثلاث وعشرين واقعة المزدغانى والاسماعيلية بدمشق بعد أن طمع الافرنج في ملكها فأسف ملوك الافرنج على قتله وسار صاحب القدس وصاحب انطاكية وصاحب طرابلس وغيرهم من القمامصة ومن وصل في البحر للتجارة أو الزيارة وساروا إلى دمشق في ألفى فارس ومن الرجال ما لا يحصى وجمع طغركين من العرب والتركمان ثمانية الاف فارس وجاء الافرنج آخر السنة ونازلوا دمشق وبثوا سراياهم للاغارة بالنواحي وجمع الميرة وسمع تاج الملك بسرية في حوران فبعث شمس الخواص من أمرائه ولقوا سرية الافرنج وظفروا بهم وغنموا ما معهم وجاؤا إلى دمشق وبلغ الخبر إلى الافرنج فأجفلوا عن دمشق بعد أن أحرقوا ما تعذر عليهم حمله وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ثم ان اسمند صاحب انطاكية سار إلى حصن القدموس وملكه والله تعالى يؤيد من يشاء * (هزيمة صاحب طرابلس) * ثم اجتمع سنة سبع وعشرين جمع كثير من تركمان الجزيرة وأغاروا على بلاد طرابلس وقتلوا وغنموا فخرج إليهم القمص صاحبها فاستطردوا له ثم كروا عليه فهزموه ونالو منه ونجا إلى قلعة بقوين فتحصن بها وحاصره التركمان فيها فخرج من القلعة ليلا في عشرين من أعيان أصحابه ونجا إلى طرابلس واستصرخ الافرنج من كل ناحية وسار بهم إلى بقوين لمدافعة التركمان فقاتلهم حتى أشرف الافرنج على الهزيمة ثم تحيزوا إلى ارمينية وتعذر على التركمان اتباعهم فرجعوا عنهم انتهى * (فتح صاحب دمشق بانياس) * كان بورى بن طغركين صاحب دمشق لما توفى سنة ست وعشرين وخمسمائة وولى

[ 201 ]

مكانه ابنه شمس الملوك اسمعيل فاستضعفه الافرنج وتعرضو النقض الهدنة ودخل بعض تجار المسلمين إلى سروب فأخذوا أموالهم وراسلهم شمس الملوك في ردها عليهم فلم يفعلوا فتجهز وسار إلى بانياس في صفر سنة سبع وعشرين فنازلها وسدد حصارها ونقب المسلمون سورها وملكوها عنوة واستلحموا الافرنج بها واعتصم فلهم بالقلعة حتى استأمنوا بعد يومين وكان الافرنج قد جمعوا لمدافعة شمس الملوك فجاءهم خبر فتحها فأقصروا * (استيلاء شمس الملوك على الشقيف) * ثم سار شمس الملوك اسمعيل صاحب دمشق إلى شقيف بيروت وهو في الجبل المطل على بيروت وصيدا وكان بيد الضحاك بن جندل رئيس وادى البتم وهو ممتنع به وقد تحاماه المسلمون والافرنج وهو يحتمى من كل منهما بالآخر فسار إليه شمس الملوك وملكه في المحرم سنة ثمان وعشرين وعظم ذلك على الافرنج وخافوا شمس الملوك فساروا إلى بلد حوران وعاثوا في جهاتها ونهض شمس الملوك ببعض عساكره وجمر الباقي قبالة الافرنج وقصد طبرية والناصرة وعكا فاكتسح نواحيها وجاء الخبر إلى الافرنج فأجفلوا إلى بلادهم وعظم عليهم خرابها وراسلوا شمس الملوك في تجديد الهدنة فجددها لهم انتهى والله أعلم * (استيلاء الافرنج على جزيرة جربة من افريقية) * كانت جزيرة جربة من أعمال افريقية ما بين طرابلس وقابس وكان أهلها من قبائل البربر قد استبدوا بجزيرتهم عندما دخل العرب الهلاليون افريقية ومزقوا ملك صنهاجة بها وقارن ذلك استفحال ملك الافرنج برومة وما إليها من البلاد الشمالية وتطاولوا إلى ملك بلاد المسلمين فسار ملكهم بردويل فيمن معه من زعمائهم وأقماصهم إلى الشأم فملكوا مدنه وحصونه كما ذكرناه آنفا وكان من ملوكهم القمص رجار ابن نيعر بن خميرة وكان كرسيه مدينة ميلكوا مقابل جزيرة صقلية ولما ضعف أمر المسلمين بها وانقرضت دولة بنى أبى الحسين الكلبى منها سمار جار هذا إلى ملكها وأغراه المتغلبون بها على بعض نواحيها فأجاز إليها عساكره في الاسطول في سبيل التضريب بينهم ثم ملكها من أيديهم معقلا معقلا إلى أن كان آخرها فتحاطر ابنة وما زرعة من يد عبد الله بن الجواس أحد الثوار بها فملكها من يده صلحا سنة أربع وستين وأربعمائة وانقطعت كلمة الاسلام بها ثم مات رجار سنة أربع وتسعين فولى ابنه رجار مكانه وطالت أيامه واستفحل ملكه وذلك عندما هبت ريح الافرنج بالشأم وجاسوا خلالها وصاروا

[ 202 ]

يتغلبون على ما يقدرون عليه من بلاد المسلمين وكان رجار بن رجار يتعاهد سواحل افريقية بالغزو فبعث سنة ثلاث وخمسين اسطول صقلية إلى جزيرة جربة وقد تقلص عنها ظل الدولة الصنهاجية فأحاطوا بها واشتد القتال ثم اقتحمو الجزيرة عليهم عنوة وغنموا وسبوا واستأمن الباقون وأقرهم الافرنج في جزيرتهم على جزية وملكوا عليهم أمرهم والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده * (فتح صاحب دمشق بعض حصون الافرنج) * ثم بعث شمس الملوك اسمعيل صاحب دمشق عساكره مع الامير خزواش سنة احدى وثلاثين إلى طرابلس الشأم ومعه جمع كثير من التركمان والمتطوعة وسار إليه القمص صاحب طرابلس فقاتلوه وهزموه وأثخنوا في عساكره وأحجزه بطرابلس وعاثوا في أعماله وفتحوا حصن وادى ابن الاحمر من حصونه عنوة واستباحوه واستلحموا من فيه من الافرنج ثم سار الافرنج سنة خمس وثلاثين إلى عسقلان وأغاروا في نواحيها وخرج إليهم عسكر مصر الذين بها فهزموا الافرنج وظفروا بهم وعادوا منهزمين وكفى الله شرهم بمنه وكرمه * (استيلاء الافرنج على طرابلس الغرب) * كان أهل طرابلس الغرب لما انحل نطام الدولة الصنهاجية بافريقية وتقلص ظلها عنهم قد استبدوا بأنفسهم وكان بالمهدية آخر الملوك من بنى باديس وهو الحسن بن على ابن يحيى بن تميم بن المعز فاستبد لعهده في طرابلس أبو يحيى بن مطروح ورفضوا دعوة الحسن وقومه وذلك عندما تكالب الافرنج على الجهات فطمع رجار في ملكها وبعث اسطوله في البحر فنازلها آخر سنة سبع وثلاثين وخمسمائة فنقبوا سورها واستنجد أهلها بالعرب فأنجدوهم وخرجوا إلى الافرنج فهزموهم وغنموا أسلحتهم ودوابهم ورجع الافرنج إلى صقلية فتجهزوا إلى المغرب وطرقوا جيجيل من سواحل بجاية وهرب أهلها إلى الجبل ودخلوها فنهبوها وخربوا القصر الذى بناه بها يحيى بن العزيز بن حماد ويسمى النزهة ورجعوا إلى بلادهم ثم بعث رجار اسطوله إلى طرابلس سنة احدى وأربعين فأرسى عليها ونزل المقاتلة وأحاطوا بها برا وبحرا وقاتلوها ثلاثا وكان أهل البلد قد اختلفوا قبل وصول الافرنج وأخرجوا بنى مطروح وولوا عليهم رجلا من أمراء لمتونة قام حاجا في قومه فولوه أمرهم فلما شغل أهل البلد بقتال الافرنج اجتمعت شيعة بنى مطروح وأدخلوهم للبلد ووقع بينهم القتال فلما شعر الافرنج بأمرهم بادروا إلى الاسوار فنصبوا عليها السلالم وتسنموها وفتحوا البلد عنوة وأفحشوا

[ 203 ]

في القتل والسبي والنهب ونجا كثير من أهلها إلى البربر والعرب في نواحيها ثم رفعوا السيف ونادوا بالامان فتراجع المسلمون إلى البلد وأقروهم على الجزية وأقاموا بها ستة أشهر حتى أصلحوا أسوارها وفنادقها وولوا عليها ابن مطروح وأخذوا رهنه على الطاعة ونادوا في صقلبة بالمسير إلى طرابلس فسار إليها الناس وحسنت عمارتها * (استيلاء الافرنج على المهدية) * كانت قابس عندما اختل نظام الدولة الصنهاجية واستبد بها ابن كامل بن جامع من قبائل رياح احدى بطون هلال الذين بعثهم الجرجرائى وزير المستنصر بمصر على المعز بن باديس وقومه فأضرعوا الدولة وأفسدوا نظامها وملكوا بعض أعمالها واستبد آخرون من أهل البلاد بمواضعهم فكانت قابس هذه في قسمة بنى دهمان هؤلاء وكان لهذا العهد رشيد أميرا بها كما ذكرنا ذلك في أخبار الدولة الصنهاجية من أخبار البربر وتوفى رشيد سنة ثنتين وأربعين وخمسمائة ونصب مولاه يوسف ابنه الصغير محمد بن رشيد وأخرج ابنه الكبير معمرا واستبد على محمد وتعرض لحرمه سرا وكان فيهن امرأة رشيد وساروا إلى التمحض بصاحب المهدية يشكون فعله وكاتبه الحسن في ذلك فلم يجبه وتهدده بادخال الافرنج إلى قابس فجهز إليه العساكر وبعث يوسف إلى رجار صاحب طرابلس بطاعته وأن يوليه على قابس كما ولى ابن مطروح على طرابلس وشعر أهل البلد بمداخلته للافرنج فلما وصل عساكر الحسن ثاروا به معهم وتحصن يوسف بالقصر فملكوه عنوة وأخذ يوسف أسيرا وملك معمر قابس مكان أخيه محمد وامتحن يوسف بأنواع العذاب إلى أن هلك وأخذ بنو قرة أختهم ولحق عيسى أخو يوسف وولد يوسف برجار صاحب صقلية واستجاروا به وكان الغلاء قد اشتد بافريقية سنة سبع وثلاثين ولحق أكثر أهلها بصقلية وأكل بعضهم بعضا وكثر الموتان فاغتنم رجار الفرصة ونقض الصلح الذى كان بينه وبين الحسن بن على صاحب المهدية لسنين وجهز أسطوله مائتين وخمسين من الشوانى وشحنها بالمقاتلة والسلاح ومقدم الاسطول جرجى بن ميخاييل أصله من المتنصرة وقد ذكرنا خبره في أخبار صنهاجة والموحدين فقصد قوصرة وصادف بها مركبا من المهدية فغنمه ووجد عندهم حمام البطاقة فبعث الخبر إلى المهدية على أجنحتها بأن أسطول الافرنج أقلع إلى القسطنطينية ثم أقلع فأصبح قريبا من المرسى في ثامن صفر سنة ثلاث وأربعين وقد بعث الله الريح فعاقتهم عن دخول المرسى ففاته غرضه وكتب إلى الحسن بأنه باق على الصلح وانما جاء طالبا بثار محمد بن رشيد ورده إلى بلده قابس فجمع

[ 204 ]

الحسن الناس واستشارهم فاشاروا بالقتال فخام عنه واعتذر بقلة الاقوات وارتحل من البلد وقد حمل ما خف حمله وخرج الناس بأهاليهم وما خف من أموالهم واختفى كثير من المسلمين في الكنائس ثم ساعد الريح أسطول الافرنج ووصلوا إلى المرسى ونزلوا إلى البلد من غير مدافع ودخل جرجى القصر فوجده على حاله مملوأ بالذخائر النفيسة التى يعز وجود مثلها وبعث بالامان إلى كل من شرد من أهلها فرجعوا وأقرهم على الجزية وسار الحسن بأهله وولده إلى المعلقة وبها محرز بن زياد من أمراء الهلاليين ولقبه في طريقه حسن بن ثعلب من أمراء الهلاليين بمال انكسر له في ديوانه فأخذ ابنه يحيى رهينة به ولما وصل محرز بن زياد أكرم لقاءه وبر مقدمه جزاء بما كان يؤثره على العرب ويرفع محله وأقام عنده شهرا ثم عزم على المسير إلى مصر وبها يومئذ الحافظ فأرصد له جرجى الشوانى في البحر فرجع عن ذلك واعتزم على قصد عبد المومن من ملوك الموحدين بالمغرب وفي طريقه يحيى بن عبد العزيز ببجاية من بنى عمه حماد فأرسل إليه أبناءه يحيى وتميما وعليا يستأذنه في الوصول فأذن له وبعث إليه من أوصله إلى جزائر بنى مذغنة ووكل به وبولده حتى ملك عبد المؤمن بجاية سنة أربع وأربعين وخبرهم مشروح هنالك ثم جهز جرجى اسطولا آخر إلى صفاقس وجاء العرب لانجادهم فلما توافوا للقتال استطرد لهم الافرنج غير بعيد فهزموهم ومضى العرب عنهم وملك الافرنج المدينة عنوة ثالث عشرى صفر وفتكوا فيها ثم أمنوهم وفادوا أسراءهم وأقروهم على الجزية وكذا أهل سوسة وكتب رجار صاحب صقلية إلى أهل سواحل افريقية بالامان والمواعد ثم سار جرجى إلى اقليبية من سواحل تونس واجتمع إليها العرب فقاتلوا الافرنج وهزموهم ورجعوا خائبين إلى المهدية وحدثت الفتنة بين رجار صاحب صقلية وبين ملك الروم بالقسطنطينية فشغل رجار بها عن افريقة وكان متولى كبرها جرحى بن ميخاييل صاحب المهدية ثم مات سنة ست وأربعين فسكنت تلك الفتنة ولم يقم لرجار بعده أحد يقامه والله تعالى أعلم * (استيلاء الافرنج على بونة ووفاة رجار صاحب صقلية وملك ابنه غليالم) * ثم سار اسطول رجار من صقلية سنة ثمان وأربعين إلى مدينة بونة وقائد الاسطول بها وفقات المهدوى فحاصرها واستعان عليها بالعرب فملكها واستباحها وأغضى عن جماعة من أهل العلم والدين فخرجوا بأموالهم وأهاليهم إلى القرى وأقام بها عشرا ورجع إلى المهدية ثم إلى صقلية فنكر عليه رجار رفقه بالمسلمين في بونة وحبسه ثم اتهم في دينة فاجتمع الاساقفة والقسوس وأحرقوه ومات رجار آخر هذه السنة لعشرين سنة من ملكه وولى ابنه غليالم مكانه وكان حسن السيرة واستوزر مائق البرقيانى

[ 205 ]

فأساء التدبير واختلفت عليه حصون من صقلية وبلاد قلورية وتعدى الامراء على افريقية على ما سيأتي ان شاء الله تعالى والله تعالى أعلم * (استيلاء الافرنج على عسقلان) * كانت عسقلان في طاعة الظافر العلوى ومن جملة ممالكه وكان الافرنج يتغاهدونها بالحصار مرة بعد مرة وكان الوزراء يمدونها بالاموال والرجال والاسلحة وكان لهم التحكم في الدولة على الخلفاء العلوية فلما قتل ابن السلار سنة ثمان وأربعين اضطرب الحال بمصر حتى ولى عباس الوزارة فسار الافرنج خلال ذلك من بلادهم بالشأم وحاصروا عسقلان وامتنعت عليهم ثم اختلف أهل البلد وآل أمرهم إلى القتال فاغتنم الافرنج الفرصة وملكوا البلد وعاثوا فيها والله يؤيد بنصره من يشاء من عباده * (ثورة المسلمين بسواحل افريقية على الافرنج المتغلبين فيها) * قد تقدم لنا وفاة رجار وملك ابنه غليالم وانه ساء تدبير وزيره فاختلف عليه الناس وبلغ ذلك المسلمين الذين تغلبوا عليهم بافريقية وكان رجار قد ولى على المسلمين بمدينة صفاقس لما تغلب عليها أبو الحسين الفريانى منهم وكان من أهل العلم والدين ثم عجز عن ذلك وطلب ولاية ابنه عمر فولاه رجار وحمل أبا الحسين إلى صقلية رهينة وأوصى ابنه عمر وقال يا بنى أنا كبير السن وقد قرب أجلى فمتى امكنتك الفرصة في انقاذ المسلمين من ملكة العدو فافعل ولا تخش علي واحسبني قدمت فلما اختل أمر غليالم دعا عمر أهل صفاقس إلى الثورة بالافرنج فثاروا بهم وقتلوهم سنة احدى وخمسين واتبعه أبو يحيى بن مطروح بطرابلس ومحمد بن رشيد بقابس وسار عسكر عبد المؤمن إلى بونة فملكها وذهب حكم الافرنج عن افريقية ما عدا المهدية وسوسة وارسل عمر الفريانى إلى زويلة قريبا من المهدية يغريهم بالوثوب على الافرنج الذين معهم فوثبوا وأعانهم أهل ضاحيتهم وقاتلوا الافرنج بالمهدية وقطعوا الميرة عنهم وبلغ الخبر إلى غليالم فبعث إلى عمر الفريانى بصفاقس وأعذر إليه في أبيه فأظهر للرسول جنازة ودفنها وقال هذا قد دفنته فلما رجع الرسول بذلك صلب أبا الحسين ومات شهيدا رحمه الله تعالى وسار أهل صفاقس والعرب إلى زويلة واجتمعوا مع أهلها على حصار المهدية وأمدهم غليالم بالاقوات والاسلحة وصانعوا العرب بالمال على أن يخذلوا أصحابهم ثم خرجوا للقتال فانهزم العرب وركب أهل صفاقس البحر إلى بلدهم أيضا وانبعهم الافرنج فعاجلوهم عن زويلة وقتلوهم ثم اقتحموا البلد فقتلوا مخلفهم بها

[ 206 ]

واستباحوهم * (ارتجاع عبد المؤمن المهدية من يد الافرنج) * ولما وقع بأهل زويلة من الافرنج ما وقع لحقوا بعبد المؤمن ملك المغرب يستصرخونه فأجاب صريخهم ووعدهم وأقاموا في نزله وكرامته وتجهز للمسير وتقدم إلى ولاته وعماله بتحصيل الغلات وحفر الآبار ثم سار في صفر سنة أربع وخمسين في مائة ألف مقاتل وفي مقدمته الحسن بن علي صاحب المهدية ونازل تونس منتصف السنة وبها صاحبها أحمد بن خراسان من بقية دولة صنهاجة وجاء أسطول عبد المؤمن فحاصرها من البحر ثم نزل إليه من سورها عشرة رجال من أعيانها في السلالم مستأمنين لاهل البلد ولانفسهم فأمنهم على مقاسمتهم في أموالهم وعلى أن يخرج إليه ابن خراسان فتم ذلك كله وسار عنها إلى المهدية وأسطوله محاذيه في البحر فوصلها منتصف رجب من السنة وبها أولاد الملوك والزعماء من الافرنج وقد أخلوا زويلة وهى على غلوة من المهدية فعمرها عبد المؤمن لوقتها وامتلا فضاء المهدية بالعساكر وحاصرها اياما وضاق موضع القتال من البر لاستدارة البحر عليها لانها صورة يد في البحر وذراعها في البر واحاط الاسطول بها في البحر وركب عبد المؤمن البحر في الشوانى ومعه الحسن بن على فرأى حصانتها في البحر وأخذ في المطاولة وجمع الاقوات حتى كانت في ساحة معسكره كالتلال وبعث إليه أهل صفاقس وطرابلس وجبال نفوسة بطاعتهم وبعث عسكرا إلى قابس فملكها عنوة وبعث ابنه عبد الله ففتح كثيرا من البلاد ثم وفد عليه يحيى بن تميم بن المقر بن الرند صاحب قفصة في جماعة من أعيانها فبذل طاعته ووصله عبد المؤمن بألف دينار ولما كان آخر شعبان وصل أسطول صقلية في مائة وخمسين من الشوانى غير الطرائد كان في جزيرة يابسة فاستباحها وبعث إليه صاحب صقلية بقصد المهدية فلما أشرفوا على المرسى قذفت إليهم أساطيل عبد المؤمن ووقف عسكره على جانب البر وعبد المؤمن ساجد يعفر وجهه بالتراب ويجأر بالدعاء فانهزم اسطول الافرنج وأقلعوا إلى بلادهم وعاد اسطول المسلمين ظافرا وأيس أهل المهدية من الانجاد ثم صابروا إلى آخر السنة حتى جهدهم الحصار ثم استأمنوا إلى عبد المؤمن فعرض عليهم الاسلام فأبوا ولم يزالوا يخضعون له بالقول حتى أمنهم وأعطاهم السفن فركبوا فيها وكان فصل شتاء فمال عليهم البحر وغرقوا ولم يفلت منهم الا الاقل ودخل عبد المؤمن المهدية في محرم سنة خمس وخمسين لثنتى عشرة سنة من ملك الافرنج وأقام بها عشرين يوما فأصلح أمورها وشحنها بالحامية والاقوات واستعمل عليها بعض أصحابه وأنزل معه الحسن بن على وأقطعه بأرضها له ولا ولاده وأمر الوالى أن يقتدى

[ 207 ]

برأيه ورجع إلى المغرب والله أعلم * (حصار الافرنج أسد الدين شيركوه في بلبيس) * كان أسد الدين شيركوه بن شادى عم صلاح الدين قد بعثه نور الدين العادل سنة تسع وخمسمائة منجد الشاور وزير العاضد صاحب مصر على قريعه الضرغام كما سيأتي في أخبارهم ان شاء الله تعالى وسار نور الدين من دمشق في عساكره إلى بلاد الافرنج ليشغلهم عن أسد الدين شيركوه وخرج ناصر الدين أخو الضرغام في عساكر مصر فهزمه أسد الدين على تنيس واتبعه إلى القاهرة ونزلها منتصف السنة وأعاد شاور إلى الوزارة ونقض ما بينه وبين أسد الدين وتأخر إلى تنيس وخشى منه ودس إلى الافرنج بغريهم به وبذل لهم المال فطمعوا بذلك في ملك الديار المصرية وسار ملك القدس في عساكر الافرنج واجتمعت معه عساكر المسلمين وساروا إلى أسد الدين فحاصروه في يلبيس ثلاثة ولم يظفروا منه بشئ ثم جاءهم الخبر بأن نور الدين العادل هزم أصحابهم على خارد وفتحها ثم سار إلى بانياس فسقط في أيديهم وطلبوا الصلح من أسد الدين ليعودوا إلى بلادهم لذلك وخرج من بلبيس سائرا إلى الشأم ثم عاد إلى مصر سنة ثنتين وستين وعبر النيل من اطفيح ونزل الجزيرة واستمد شاور الافرنج فساروا إليه بجموعهم وكان أسد الدين قد سار إلى الصعيد وانتهى إلى فسار الافرنج والعساكر المصرية في اثره فأدركوه منتصف السنة واستشار أصحابه فاتفقوا على القتال وأدركته عساكر الافرنج ومصر وهو على تعبيته وقد أقام مقامه في القلب راشد حذرا من حملة الافرنج وانحاز فيمن يثق به من شجعان أصحابه إلى الميمنة فحمل الافرنج على القلب فهزموهم واتبعوهم وخالفهم أسد الدين إلى من تركوا وراءهم من العساكر فهزمهم وأثخن فيهم ورجع الافرنج من اثناء القلب فانهزموا وانهزم أصحابهم ولحقوا بمصر ولحق أسد الدين بالاسكندرية فملكها صلحا وأنزل بها صلاح الدين ابن أخيه وحاصرته عساكر الافرنج ومصر وزحف إليهم عمه أسد الدين من الصعيد فبعثوا إليه في الصلح فأجابهم على خمسين ألف دينار يعطونها اياه ولا يقيم في البلد أحد من الافرنج ولا يملكون منها شيأ فقبلوا ذلك وعادوا إلى الشأم وملك أهل مصر الاسكندرية واستقر بينهم وبين الافرنج أن ينزلوا بالقاهرة شحنة وأن يكون أبوابها في غلقها وفتحها بأيديهم وان لهم من خراج مصر مائة ألف دينار في كل سنة ولم ذلك منه وعاد الافرنج إلى بلادهم بالسواحل الشامية والله تعالى أعلم * (حصار الافرنج القاهرة) *

[ 208 ]

ثم كان مسير اسد الدين إلى مصر وقتله شاه ور سنة أربع وستين باستدعاء العاضد لما رأى من تغلب الافرنج كما نذكر في أخبار أسد الدين وأرسل إلى الافرنج أصحابهم الذين بالقاهرة يستدعونهم لملكها ويهونونها عليهم وملك الافرنج يومئذ بالشأم مرى ولم يكن ظهر فيهم مثله شجاعة ورأيا فأشار بأن جبايتها لنا خير من ملكها وقد يضطرون فيملكون نور الدين منها وان ملكها قبلنا احتاج إلى مصانعتنا فأبوا عليه وقالوا انما نزداد بها قوة فرجع إلى رأيهم وساروا جميعا إلى مصر وانتهوا إلى تنيس في صفر سنة أربع وستين فملكوها عنوة واستباحوها ثم ساروا إلى القاهرة وحاصروها وأمر شاور باحراق مصر وانتقال أهلها إلى القاهرة فنهبت المدينة ونهب أموال أهلها وبغتهم قبل نزول الافرنج عليهم بيوم فلم تخمد النار مدة شهرين وبعث العاضد بالصريخ إلى نور الدين واشتد عليه الحصار وبعث شاور إلى ملك الافرنج يشير بالصلح على ألف ألف دينار مصرية ويهدده بعساكر نور الدين فأجابوا إلى ذلك ودفع إليهم مائة ألف دينار وتأخروا قريبا حتى يصل إليهم بقية المال وعجز عن تحصيله والافرنج يستحثونه فبعثوا خلال ذلك إلى نور الدين يستنجدونه على الافرنج بأن يرسل إليهم أسد الدين شيركوه في عسكر يقيمون عندهم على أن لنور الدين ثلث بلاد مصر ولاسد الدين اقطاعه وعطاء العساكر فاستدعى أسد الدين من حمص وكانت اقطاعه وأمره بالتجهز إلى مصر وأعطاه مائتي ألف دينار سوى الدواب والاسلحة وحكمه في العساكر والخزائن وما يحتاج إليه وسار في ستة آلاف وأزاح علل جنده وأعانهم أسد الدين بعشرين دينار الكل فارس وبعت معه جماعة من الامراء منهم خرديك مولاه وعز الدين قليج وشرف الدين بن بخش وعين الدولة الياروقى وقطب الدين نيال بن حسان وصلاح الدين يوسف ابن أخيه أيوب وسار إلى مصر فلما قاربها ارتحل الافرنج راجعين إلى بلادهم ودخل هو إليها منتصف السنة وخلع عليه العاضد وأجرى عليه وعلى عسكره الجرايات الوافرة ثم شرع شاور في مماطلة أسد الدين بما وقع اتفاقهم معه عليه وحدث نفسه بالقبض عليه واستخدام جنده لمدافعة الافرنج ولم يتم له ذلك وشعر به أسد الدين فاعترضه صلاح الدين ابن أخيه وعز الدين خرديك مولاه عند قبر الامام الشافعي رضى الله تعالى عنه وقتلاه وفوض العاضد أمور دولته إلى أسد الدين وتقاصر الافرنج عنها ومات أسد الدين واستولى صلاح الدين بعد ذلك على البلاد وارتجع البلاد الاسلامية من يد الافرنج كما نذكر في أخبار دولته والله أعلم * (حصار الافرنج دمياط) * ولما ملك أسد الدين شيركوه مصر خشيه الافرنج على ما بايديهم من مدن الشأم

[ 209 ]

وسواحله وكاتبوا أهل ملتهم ونسبهم بصقلية وافرنسة يستنجدونهم على مصر ليملكوها وبعثوا الاقسة والرهبان من بيت المقدس يستنفرونهم لحمايتها وواعدوهم بدمياط طمعا في أن يملكوها ويتخذوها ركابا للاستيلاء على مصر فاجتمعوا عليها وحاصروها لاول أيام صلاح الدين وأمدهم صلاح الدين بالعساكر والاموال وجاء بنفسه وبعث إلى نور الدين يستنجده ويخوفه على مصر فتابع إليه الامداد وسار بنفسه إلى بلاد الافرنج بالشأم واكتسحها وخربها فعاد الفرنج إلى دمياط بعد حصار خمسين يوما نفس الله عليهم ومن هذه القصة بقية أخبار الافرنج متعلقة بالدولتين دولة بنى زنكى بالشأم ودولة بنى أيوب بمصر فأخرت بقية أخبارهم إلى أن نسردها في الدولتين على مواقعها في مواضعها حسبما تراه ولم يبق الا استيلاؤهم على القسطنطينية من يد الروم فأوردناه ههنا * (استيلاء الافرنج على القسطنطينية) * كان هؤلاء الافرنج بعدما ملكوه من بلاد الشأم اختلفت أحوالهم في الفتنة والمهادنة مع الروم بالقسطنطينية لاستيلائهم على الثغور من بلاد المسلمين التى تجاور الروم التى كانت بأيديهم من قبل وظاهرهم الروم على المسلمين في بعض المرات ثم غلبوا عليهم آخرا وملكوا القسطنطينية من أيديهم فأقامت في أيديهم مدة ثم ارتجعها الروم على يد شكرى من بطارقتهم وكيفية الخبر عن ذلك أن ملوك الروم أصهروا إلى ملوك الافرنج وتزوجوا منهم بنتا لملك الروم فولدت ذكرا خاله الافرنسيس وثب عليه أخوه فانتزع الملك من يده وحبسه ولحق الولد بملك الافرنج خاله مستصرخا به فوصل إليه وقد تجهز الافرنج لاستنقاذ القدس من يد المسلمين وكان صلاح الدين قد ارتجعها منهم كما يأتي في أخباره ان شاء الله تعالى وانتدب لذلك ثلاثة من ملوكهم دموس البنادقة وهو صاحب الاسطول الذى ركبوا فيه وكان شيخا أعمى لا يركب ولا يمشى الا بقائد ومقدم الفرنسيس ويسمى المركيش والثالث يسمى كبداقليد وهو أكثرهم عددا فجعل الملك ابن أخته معهم وأوصاهم بمظاهرته على ملكه بالقسطنطينية ووصلوا إليها في ذى القعدة سنة تسع وتسعين وخمسمائة فخرج عم الصبى وقاتلهم واضرم شيعة الصبى النار في نواحى البلاد فاضطرب العكسر ورجعوا وفتح شيعة الصبى باب المدينة وأدخلوا الافرنج وخرج عمه هاربا ونصب الافرنج الصبى في الملك وأطلقوا أباه من السجن واستبدوا بالحكم وصادروا الناس وأخذوا مال البيع وما على الصلبان من الذهب وما على تماثيل المسيح والحواريين وما على الانجيل فعظم ذلك على الروم ووثبوا بالصبى فقتلوه وأخرجوا الافرنج من البلد وذلك منتصف سنة ستمائة وأقام الافرنج

[ 210 ]

بظاهرها محاصرين لهم وبعث الروم صريخا إلى صاحب قونية ركن الدين سليمان بن قليج ارسلان فلم ينهض لذلك وكان بالمدينة متخلفون من الافرنج يناهزون ثلاثين ألفا فثاروا بالبلد عند شغل الروم بقتال أصحابهم وأضرموا النار ثانيا فاقتحم الافرنج وأفحشوا في النهب والقتل ونجا كثير من الروم إلى الكنائس وأعظمها كنيسة سوميا فلم تغن عنهم وخرج القسيسون والاساقفة في أيديهم الانجيل والصلبان فقتلوهم ثم تنازع الملوك الثلاثة على الملك بها وتقارعوا فخرجت القرعة على كبداقليد فملكها على أن يكون لدموس البنادقة الجزائر البحرية اقريطش ورودس وغيرهما ويكون لمركيش الافرنسيس شرقي الخليج ولم يحصل أحد منهم شيأ الا ملك القسطنطينية كبد اقليد وتغلب على شرقي الخليج بطريق من بطارقة الروم اسمه شكرى فلم يزل بيده إلى أن مات ثم غلب بعد ذلك على القسطنطينية وملكها من يد الافرنج والله غالب على أمره [ الخبر عن دولة بنى ارتق وملكهم لماردين وديار بكر ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم ] كان ارتق بن اكسك ويقال اكست والاول أصح كلمة أولها همزة ثم كافان الاولى ساكنة بينهما سين من مماليك السلطان ملك شاه بن البارسلان ملك السلجوقية وله مقام محمود في دولتهم وكان على حلوان وما إليها من أعمال العراق ولما بعث السلطان ملك شاه عساكره إلى حصار الموصل مع فخر الدولة بن جهير سنة سبع وسبعين وأربعمائة أردفه بعسكر آخر مع أرتق فهزمه مسلم بن قريش فحاصره بآمد ثم داخله في الخروج من هذا الحصار على مال اشترطه ونجا إلى الرقة ثم خشى ارتق من فعلته تلك فلحق بتتش حتى سار إلى حلب طامعا في ملكها فلقيه تتش وهزمه وكان لارتق في تلك الواقعة المقام المحمود ثم سار تتش إلى حلب وملكها واستجار مقدمها ابن الحسين بارتق فأجاره من السلطان تتش ثم هلك ارتق سنة ثلاث وثمانين بالقدس وملكه من بعد ارتق ابناه أبو الغازى وسقمان وكان لهما معه الرها وسروج ولما ملك الافرنج انطاكية سنة احدى وتسعين وأربعمائة اجتمعت الامراء بالشأم والجزيرة وديار بكر وحاصروها وكان لسقمان في ذلك المقام المحمود ثم تخاذلوا وافترقوا وطمع أهل مصر في ارتجاع القدس منهم وسار إليها الملك الافضل المستولي على دولتهم فحاصرها أربعين يوما وملكها بالامان وخرج سقمان وأبو الغازى ابنا ارتق وابن أخيهما ياقوتي وابن عمهما سونج وأحسن إليهم الافضل وولى على بيت المقدس ورجع إلى مصر وجاء الافرنج فملكوها كما تقدم في أخبار الدولة السلجوقية ولحق أبو الغازى بالعراق فولى شحنة بغداد وسار

[ 211 ]

سقمان إلى الرها فأقام بها وكان بينه وبين كربوقا صاحب الموصل فتن وحروب أسر في بعضها ياقوتي ابن أخيه ثم توفى كربوقا سنة خمس وتسعين وولى الموصل بعده موسى التركماني وكان نائبا بحصن كبيفا فزحف إليه جكرمس صاحب حزيرة ابن عمر وحاصره بالموصل واستنجد موسى سقمان على أن يعطيه حصن كبيفا فأنجده وسار إليه وأفرج عنه جكرمس وخرج موسى للقاء سقمان فقتله مواليه غدرا ورجع سقمان إلى حصن كبيفا فملكه ثم كانت الفتنة بين أبى الغازى وكمستكين القيصري لما بعثه بركيارق شحنة على بغداد وكان هو شحنة من قبل السلطان محمد فمنع القيصري من الدخول واستنجد أخاه سقمان فجاء إليه من حصن كبيفا في عساكره ونهب تكريت وخرج إليه أبو الغازى واجتمع معهم صدقة بن مزيد صاحب الحلة وعاثوا في نواحى بغداد وفتكوا بنفر من أهل البلد وبعث إليهم الخليفة في الصلح على أن يسير القيصري إلى واسط فسار إليها ودخل أبو الغازى بغداد ورجع سقمان إلى بلده وقد مر ذلك في أخبارهم ثم استولى مالك بن بهرام أخى سقمان على عامة الخرمية سنة سبع وتسعين وكان له مدينة سروج فملكها منه الافرنج وسار إلى غانة فملكها من بنى يعيش بن عيسى بن خلاط واستصرخوا بصدقة بن مزيد وارتجعها لهم منه وعاد إلى الحلة فعاد مالك فملكها واستقرت في ملكه ثم اجتمع سقمان وجكرمس صاحب الموصل على جهاد الافرنج سنة سبع وتسعين وهم محاصرون حران فتركوا المنافسة بينهم وقصدوهم وسقمان في سبعة آلاف من التركمان فهزموا الافرنج وأسروا القمص بردويل صاحب الرها أسره أصحاب سقمان فتغلب عليهم أصحاب جكرمس وأخذوه وافترقوا بسبب ذلك وعادوا إلى ما كان بينهم من الفتن والله أعلم * (استيلاء سقمان بن ارتق على ماردين) * كان هذا الحصن ماردين من ديار بكر وأقطعه السلطان بركيارق بجميع أعماله لمغن كان عنده وكان في ولاية الموصل وكان ينجر إليه خلق كثير من الاكراد يفسدون السابلة واتفق ان كربوقا صاحب الموصل سار لحصار آمد وهى لبعض التركمان فاستنجد صاحبها بسقمان فسار لانجاده وقاتل كربوقا قتالا شديدا ثم هزمه وأسر ابن أخيه ياقوتي بن ارتق وحبسه بقلعة ماردين عند المغنى فبقى محبوسا مدة طويلة وكثر ضرر الاكراد فبعث ياقوتي إلى المغنى صاحب الحصن في أن يطلقه ويقيم عنده بالربض لدفاع الاكراد ففعل وصار يغير عليهم في سائر النواحى إلى خلاط وصار بعض أجناد القلعة يخرجون للاغارة معه فلا يهيجهم ثم حدثته نفسه بالتوثب على القلعة فقبض عليهم بعض الايام مرجعه من الاغارة ودنا من القلعة وعرضهم على القتل ان لم

[ 212 ]

يفتحوا له ففتحها أهلوهم وملكها وجمع الجموع وسار إلى نصيبين وأغار على جزيرة ابن عمر وهى لجكرمس فكبسه جكرمس وأصحابه في الحرب بينهم فقتله وبكاه جكرمس وكان تحت ياقوتي ابنة عمه سقمان فمضت إلى أبيها وجمعت التركمان وجاء سقمان بهم إلى نصيبين فترك طلب الثار فبعث إليه جكرمس ما أرضاه من المال في ديته ورجع وقدم بماردين بعد ياقوتي أخوه على بطاعة جكرمس وخرج منها لبعض المذاهب وكتب نائبه بها إلى عمه سقمان بأنه يملك ماردين لجكرمس فسار إليها سقمان وعوض عليا ابن أخته جبل جور وأقامت ماردين في ملكه مع حصن كبيفا واستضاف اليهما نصيبين والله أعلم * (وفاة سقمان بن ارتق وولاية أخيه أبى الغازى مكانه بماردين) * ثم بعث فخر الدين بن عمار صاحب طرابلس يستنجد سقمان بن ارتق على الافرنج وكان استبد بها على الخلفاء العلويين أهل مصر ونازله الافرنج عندما ملكوا سواحل الشأم فبعث بالصريخ إلى سقمان بن ارتق سنة ثمان وتسعين وأجابه وبينما هو يتجهز للمسير وافاه كتاب طغركين صاحب دمشق المستبد بها من موالى بنى تتش يستدعيه لحضور وفاته خوفا على دمشق من الافرنج فأسرع المسير إليه معتزما على قصد طرابلس وبعدها دمشق فانتهى إلى القريتين وندم طغركين على استدعانه وجعل يدبر الرأى مع أصحابه في صرفه ومات هو بالقدس فكفاهم الله أمره وقد كان أصحابه عندما أشفى على الموت أشاروا عليه بالرجوع إلى كبيفا فامتنع وقال هذا جهاد وان مت كان لى ثواب شهيد فلما مات حمله ابنه ابراهيم إلى حصن كبيفا فدفنه بها وكان أبو الغازى بن ارتق شحنة بغداد كما قدمناه ولاه السلطان محمد أيام الفتنة بينه وبين أخيه بركيارق فلما اصطلح بركيارق وأخوه سنة تسع وتسعين على أن تكون بغداد له وممالك أخرى من الممالك الاسلامية ومن جملتها حلوان وهى أقطاع أبى الغازى فبادر وخطب لبركيارق ببغداد فنكر عليه ذلك صدقة بن مزيد وكان من شيعة السلطان محمد فجاء إلى بغداد ليزعج أبا الغازى عنها ففارقها إلى يعقوب وبعث إلى صدقة يعتذر بأنه صار في ولاية بركيارق ويحكم الصلح في اقطاعه وولايته فلم يمكنه غير ذلك ومات بركيارق على اثر ذلك فخطب أبو الغازى لابنه ملك شاه فنكر ذلك السلطان محمد منه فلما استولى على الامر عزله عن شحنة بغداد فلحق بالشام وحمل رضوان بن تتش صاحب حلب على حصار نصيبين من بلاد جكرمس فحاصروها وبعث جكرمس إلى رضوان وأغراه بأبى الغازى ففسد ما بينهما ورحلوا مفترقين على نصيبين وسار أبو الغازى إلى ماردين وقد مات أخوه سقمان كما قلناه فاستولى عليها والله تعالى أعلم

[ 213 ]

* (اضطراب أبى الغازى في طاعته وأسره ثم خلاصه) * لما ولى السلطان محمد على الموصل والجزيرة وديار بكر سنة ثنتين وخمسمائة مودود بن افتكين مكان جاولى سكاوو الذى ملكها من يد جكرمس كما مر في أخبارهم فوصل مودود إلى الموصل وسار جاولى إلى نصيبين وهى يومئذ لابي الغازى وراسله في المظاهرة والانجاد فوصل إليه بماردين على حين غفلة مستنجدا به فلم يسعه الا اسعافه وسار معه إلى سنجار والرحبة وحاصرهما وشق عليهما فلما نزل الخابور هرب أبو الغازى راجعا إلى نصيبين ثم إلى بلده وبقى مضطربا ثم بعث السلطان محمد سنة خمس وخمسمائة إلى الامير مودود بالمسير إلى قتال الافرنج وأن يسير الامراء معه من كل جهة مثل سقمان القطبى صاحب ديار بكر وأحمد بك صاحب مراغة وأبى الهيجاء صاحب اربل وأبى الغازى صاحب ماردين فحضروا كلهم الا أبا الغازى فانه بعث ولده اياز في عسكر فسارت العساكر إلى الرها وحاصروها وامتنعت عليهم ثم ساروا سنة ست وخمسمائة إلى سروج كذلك ثم ساروا سنة سبع إلى بلاد الافرنج فهزموهم على طبرية ودوخوا بلادهم وعاد مودود إلى دمشق وافترقت العساكر ودخل دمشق ليشتى بها عند طغركين صاحبها فقتل غيلة بها واتهم طغركين في أمره وبعث السلطان مكانه على العساكر والموصل اقسنقر البرسقى وأمره بقصد الافرنج وقتالهم وكتب إلى الامراء بطاعته وبعث ابنه الملك مسعودا في عسكر كثيف ليكونوا معه فسار اقسنقر سنة ثمان وخمسمائة وفر أبو الغازى وحاصره بماردين حتى استقام وبعث معه ابنه اياز في عسكر فحاصروا الرها وعاثوا في نواحيها ثم سروج وشمشاط وأطاعه صاحب مرعش وكيسوم ورجع فقبض على اياز بن أبى الغازى ونهب سواد ماردين فسار أبو الغازى من وقته إلى ركن الدولة داود ابن أخيه سقمان وهو بحصن كبيفا مستنجدا به فأنجده ساروا إلى البرسقى آخر ثمان وخمسمائة فهزموهم وخلصوا ابنه اياز من الاسر وأرسل السلطان إلى أبى الغازى يتهدده فلحق بطغركين صاحب دمشق صريخا وكان طغركين مستوحشا لاتهامه بأمر مودود فاتفقا على الاستنجاد وبعثا بذلك إلى صاحب انطاكية فجاء اليهما قرب حمص وتحالفا وعاد إلى انطاكية وسار أبو الغازى إلى ديار بكر في خف من أصحابه فاعترضه قيرجان صاحب حمص فظفر به وأسره وبعث إلى السلطان بخبره وأبطأ عليه وصول جوابه فيه وجاء طغركين إلى حمص فدخل على قيرجان وألح عليه بقتل أبى الغازى ثم أطلقه قيرجان وأخذ عليا وسار أبو الغازى إلى حلب وبعث السلطان العساكر مع يوسف بن برسق صاحب همذان وغيره من الامراء لقتال أبى الغازى وقتال الافرنج بعده فساروا إلى حلب

[ 214 ]

وبها لؤلؤ الخادم مولى رضوان بن تتش كفل ابنه البارسلان بعد موته ومعه مقدم العساكر شمس الخواص فطالبوهما بتسليم حلب بكتاب السلطان اليهما في ذلك وبادر أبو الغازى وطغركين فدخلا اليهما فامتنعت عليهما فساروا إلى حماة من أعمال طغركين وبها ذخائره ففتحوها عنوة ونهبوها وسلموها إلى الامير قيرجان صاحب حمص فأعطاهم اياز بن أبى الغازى وكان أبو الغازى وطغركين وشمس الخواص ساروا إلى روجيل صاحب انطاكية يستنجدونه على حفظ حماة وجاءهم هنالك بقدوين صاحب القدس والقمص صاحب طرابلس وغيرهما واتفقوا على مطاولة العساكر ليتفرقوا عند هجوم الشتاء واجتمعوا عند قلعة افامية فلم تبرح العساكر مكانها فافترقوا وعاد طغركين إلى دمشق وأبو الغازى إلى ماردين والافرنج إلى بلادهم ثم كان اثر ذلك فتح كفر طاب على المسلمين واعتزموا على معاودة حلب فاعترضهم روجيل صاحب انطاكية وقد جاء في خمسمائة فارس مددا للافرنج في كفرطاب فانهزم المسلمون وكان تمحيصهم ورجع برسق أمير العساكر وأخوه منهزمين إلى بلادهم وكان اياز بن أبى الغارى أسيرا عندهم فقتله الموكلون به يوم المعركة سنة تسع وخمسمائة والله تعالى أعلم * (استيلاء أبى الغازى على حلب) * كان رضوان بن تتش صاحب حلب لما توفى سنة سبع وخمسمائة قام بأمر دولته لؤلؤ الخادم ونصب ابنه البارسلان في ملكه ثم استوحش منه ونصب مكانه أخاه سلطان شاه واستبد عليه ثم سار لؤلؤ الخادم إلى قلعة جعفر سنة احدى عشرة بينه وبين مالك بن سالم بن مالك بن بدران فغدر به مماليك الاتراك وقتلوه عند خرت برت واستولوا على خزائنه واعترضهم أهل حلب واستنقذوا منهم ما أخذوه وولى شمس الخواص أتابك مكان لؤلؤ ثم عزل لشهر وولى أبو المعالى بن الدمشقي ثم عزل وصودر واضطربت الدولة وخشى أهل حلب على بلدهم من الافرنج فاستدعوا أبا الغازي بن ارتق من ماردين وسلموا له البلد وانقرض ملك آل رضوان ابن تتش منها فلم يملكها بعد واحد منهم ولما ملكها لم يجد فيها مالا فصادر جماعة من الخدم وصانع الافرنج بمالهم ثم سار إلى ماردين بنية العود إلى حمايتها واستخلف عليها ابنه حسام الدين تمرتاش * (واقعة أبى الغازى مع الافرنج) * ولما استولى أبو الغازى على حلب وسار عنها طمع فيها الافرنج وساروا إليها فملكوا مراغة وغيرها من أعمالها وحاصروها فلم يكن لاهلها بد من مدافعتهم بقتال أو بمال

[ 215 ]

فقاسموهم أملاكهم التى بضاحيتها في سبيل المصانعة وبعثوا إلى بغداد يستغيثون فلم يغاثوا وجمع أبو الغازى من العساكر والمتطوعة نحوا من عشرين ألفا وسار بهم إلى الشأم سنة ثلاث عشرة ومعه أسامة بن مبارك بن منقذ الكنانى وطغان ارسلان ابن اسكين بن جناح صاحب ارزن الروم ونزل الافرنج قريبا من حصون الامارى في ثلاثة آلاف فارس وتسعة آلاف راجل ونزلوا في تل عفرين حيث كان مقتل مسلم بن قريش وتحصنوا بالجبال من كل جهة الا ثلاث مسارب فقصدهم أبو الغازى ودخل عليهم من تلك المسارب وهم غارون فركبوا وصدقوا الحملة فلقوا عساكر المسلمين متتابعة فولوا منهزمين وأخذهم السيف من كل جهة فلم يفلت الا القليل وأسر من زعمائهم سبعون فاداهم أهل حلب بثلثمائة ألف دينار وقتل سرجان صاحب انطاكية ونجا فلهم من المعركة فاجتمع جماعة من الافرنج وعاودوا اللقاء فهزمهم أبو الغازى وفتح حصن الاربات ورزدنا وعاد إلى حلب فأصلح أمورها وعبر الفرات إلى ماردين وولى على حلب ابنه سليمان ثم وصل دبيس بن صدقة إلى أبى الغازى مستجيرا به فكتب إليه المسترشد مع سرير الدولة عبد أبى الغازى بايعاد دبيس ثم وقع بينه وبين السلطان محمود الاتفاق ورهن ولده على الطاعة ورجع وسار أبو الغازى إلى الافرنج عقب ذلك سنة أربع عشرة فقاتلهم بأعمال حلب وظفر بهم ثم سار هو وطغركين صاحب دمشق فحاصروا الافرنج بالمثيرة وخشوا من استماتتهم فأفرج لهم أبو الغازى حق خرجوا من الحصن وكان لا يطيل المقام بدار الحرب لان أكثر الغزاة معه التركمان يأتون بجراب دقيق وقديد شاه فيستعجل العودان فنيت ازوادهم والله أعلم * (انتقاض سليمان بن أبى الغازى بحلب) * كان أبو الغازى قد ولى على حلب ابنه سليمان فحمله بطانته على الخلاف على أبيه وسار إليه أبوه تلقاه ابنه سليمان بالمعاذير فأمسك عنه وقبض على بطانته الذين داخلوه في ذلك وكان متولى كبرها أمير كان لقيطا لابيه ونشأ في بيته فسمله وقطع لسانه وكان منهم آخر من أهل حماه قدمه أبو الغازى على أهل حلب فقطعه وسمله فمات وأراد قتل ابنه ثم ثنته الشفقة عليه وهرب إلى دمشق وشفع فيه طغركين فلم يشفعه ثم استخلف على حلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار ولقبه بدر الدولة وعاد إلى ماردين وذلك سنة خمس عشرة ثم ابنه حسام الدين تمرتاش مع القاضى بهاء الدولة أبى الحسن الشهرزورى شافعا في دبيس وضامنا في طاعته فلم يتم ذلك فلما انصرف تمرتاش إلى أبيه أقطع السلطان أباه أبا الغازى مدينة ميافارقين وكانت لسقمان القطبى صاحب

[ 216 ]

خلاط فتسلمها أبو الغازى ولم تزل في يده إلى أن ملكها صلاح الدين بن أيوب سنة ثمانين وخمسمائة والله تعالى أعلم * (واقعة مالك بن بهرام مع جوسكين صاحب الرها) * قد تقدم لنا أن جوسكين من الافرنج كان صاحب الرها وسروج وأن مالك بن بهرام كان قد ملك مدينة غانة فسار سنة خمس عشرة إلى الرها وحاصرها أياما فامتنعت عليه وسار جوسكين في اتباعه بعد أن جمع الافرنج وقد تفرق عن مالك أصحابه ولم يبق معه الا اربعمائة فلحقوه في أرض رخوة قد نضب عنها الماء فوحلت فيها خيولهم ولم يقدروا على التخلص فظفر بهم أصحاب مالك وأسروهم وجعل جوسكين في اهاب جمل وخيط عليه وطلبوا منه تسليم الرها فلم يفعل وحبسه في خرت برت بعد أن بذل في فديته أموالا فلم يفادوه والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده * (وفاة أبى الغازى وملك بنيه من بعده) * ثم توفى أبو الغازى بن ارتق صاحب ماردين في رمضان سنة ست عشرة وخمسمائة فولى بعده بماردين ابنه حسام الدين تمرتاش وملك سليمان ميافارقين وكان بحلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار فاستولى عليها ثم سار مالك بن بهرام بن ارنق إلى مدينة حران فحاصرها وملكها وبلغه ان سليمان ابن عمه عبد الجبار صاحب حلب قد عجز عن مدافعة الافرنج وأعطاهم حصن الامارى فطمع في ملك بلاده وسار إليها في ربيع سنة ست عشرة وملكها من يده على الامان ثم سار سنة ثمان عشرة إلى منبج وحاصرها وملك المدينة وحبس صاحبها حسان التغلبي وامتنع أهلها بالقلعة فحاصرها وسمع الافرنج بذلك فساروا إليه فترك على القلعة من يحاصرها ونهض إليهم فهزمهم وأثخن فيهم وعاد إلى منبج فحاصرها وأصابه بعض الايام سهم غرب فقتله فاضطرب العسكر وافترقوا وخلص حسان من محبسه وكان تمرتاش بن أبى الغازى صاحب ماردين معه على منيج فلما قتل حمل شلوه إلى حلب ودفنه بها واستولى عليها ثم استخلف عليها وعاد إلى ماردين وجاء الافرنج إلى مدينة صور فملكوها وطمعوا في غيرها من بلاد المسلمين ولحق بهم دبيس بن صدقة ناجيا من واقعته مع المسترشد فأطمعهم في ملك حلب وساروا معه فحاصروها وبنوا عليها المساكن وطال الحصار وقلت الاقوات واضطرب أهل البلد وظهر لهم العجز من صاحبهم ولم يكن في الوقت أظهر من البرسقى صاحب الموصل ولا أكثر قوة وجمعا منه فاستدعوه ليدافع عنهم ويملكوه وشرط عليهم أن يمكنوه من القلعة قبل وصوله ونزل فيها بوابه وسار فلما أشرف على الافرنج ارتحلوا عائدين إلى

[ 217 ]

بلادهم وخرج أهل حلب فتلقوا البرسقى فدخل واستولى على حلب وأعمالها ولم تزل بيده إلى ان هلك وملكها ابنه عز الدين ثم هلك فولى السلطان محمود عليها اتابك زنكى حسبما يأتي في أخبار دولته ورجع تمرتاش إلى ماردين واستمر ملكه بها وكان مستوليا على كثير من قلاع ديار بكر ثم استولى سنة ثنتين وثلاثين على قلعة الساج من ديار بكر وكانت بيد بعض بنى مروان من بقايا ملوك الاولين وكان هذا آخرهم بهذه القلعة وكان ملك ميافارقين قد سار لحسام الدين تمرتاش وملكها من يد أخيه سليمان ولم يزل تمرتاش ملكا بماردين إلى أن هلك سنة سبع وأربعين وخمسمائة لاحدى وثلاثين سنة من ملكه والله تعالى ولى التوفيق * (وفاة تمرتاش وولاية ابنه البى بعده) * ثم توفى حسام الدين تمرتاش سنة سبع واربعين وخمسمائة كما قلناه فملك بعده ابنه بماردين البى بن تمرتاش وبقى ملكا عليها إلى أن مات وولى بعده ابنه أبو الغازى بن البى إلى أن مات ولم يذكر ابن الاثير تاريخ وفاتهما وقال مؤرخ حماة لم يقع إلى تاريخ وفاتهما * (ولاية حسام الدين بولق ارسلان بن أبى الغازى بن البى) * ولما توفى أبو الغازى بن البى قام بأمر ملكه نظام الملك النقش ونصب للملك مكانه ابنه بولق ارسلان طفلا واستبد عليه وكان النقش غالبا على هواه حيث صار أمر الطفل في يده ولم تزل حالهم على ذلك إلى أن هلك حسام الدين في سنة خمس وتسعين وخمسمائة على عهد بولق هذا وكناه ابن الاثير حسام الدين ناصر الملك قصد العادل أبو بكر ابن أيوب ماردين وخشيت ملوك الجزيرة ولم يقدروا على منعه ثم توفى العزيز بن صلاح الدين صاحب مصر وولى أخوه الافضل فاستنفر العادل أهل مصر ودمشق وأهل سنجار وبعثهم مع ابنه الكامل وحاصروا ماردين فبعث إليه النقش المستولي على بولق بالطاعة وتسليم القلعة لاجل معلوم على أن يدخل إليهم الاقوات ووضع العادل ابنه على بابها أن لا يدخلها زائد على القوت فصانعوا الولد بالمال وشحنوها بالاقوات وبينما هم في ذلك جاء نور الدين صاحب الموصل لانجادهم وقاتلهم فانهزم عساكر العادل وخرج أهل القلعة فأوقعوا بعسكر الكامل ابنه فرحلوا جميعا منهزمين ونزل حسام الدين بولق إلى نور الدين ولقيه وشكر وعاد ونزل نور الدين على دبيس ثم رحل عنها قاصدا حوران كما نذكره في أخبار دولته ان شاء الله تعالى والله أعلم * (وفاة بولو وولاية أخيه ارتق) * ولما هلك بولو ارسلان نصب لؤلؤ الخادم بعده للملك أخاه الاصغر ناصر الدين ارتق

[ 218 ]

ارسلان بن قطب الدين أبى الغازى ولم يذكر ابن الاثير خبر وفاته أيضا وبقى مملكا في كفالة النقش إلى سنة احدى وستمائة والله أعلم * (مقتل النقش واستبداد ارتق المنصور واتصال الملك في عقبه) * ثم استنكف ارتق من الححر ومرض النقش سنة احدى وستمائة فجاء ارتق لعيادته وقتل لؤلؤا خادمه في بعض زوايا بيته ورجع إلى النقش فقتله في فراشه واستقل بملك ماردين وتلقب المنصور وتوفى سنة ست وثلاثين وثلثمائة وملك بعده ابنه السعيد نجم الدين غازى بن ارتق وتوفى سنة ثمان أو ثلاث وخمسين وملك بعده أخوه المظفر قرا ارسلان بن ارتق فأقام سنة أو بعضها ثم هلك سنة ثلاث وتسعين وستمائة وملك بعده أخوه المنصور نجم الدين غازى بن قرا ارسلان إلى أن توفى سنة ثنتى عشرة وسبعمائة لاربع وخمسين سنة من ولايته وملك بعده ابنه المنصور أحمد إلى أن توفى سنة تسع وستين لثلاث سنين من ولايته ثم ملك بعده ابنه الصالح محمود أربعة أشهر وخلعه عمه المظفر فخر الدين داود بن المنصور أحمد إلى أن توفى سنة ثمان وسبعين وسبعمائة وملك بعده ابنه مجد الدين عيسى وهو السلطان بماردين لهذا العهد والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده (ولما) ملك هلاكو بن طلوخان بن جنكز خان مدينة بغداد وأعمالها أعطاه المظفر قرا ارسلان طاعته وخطب له في أعماله ولم يزالوا يدينون بطاعة بنيه إلى أن هلك أبو سعيد ابن خربهرا آخر ملوك التتر ببغداد سنة سبع وثلاثين فقطعوا الخطبة لهم واستبد أحمد المنصور منهم وهو الثاني عشر من لدن ابى الغازى جدهم الاول (وأما) داود بن سقمان فانه ملك حصن كيفا من بعد سقمان ابيه وابراهيم أخيه ولم أقف على خبر وفاته (وملك بعده) ابنه فخر الدين قرا ارسلان بن داود وملك أكثر ديار بكر مع حصن كيفا وتوفى سنة ثنتين وستين وخمسمائة (وملك بعده) ابنه نور الدين محمد بعهده إليه بذلك وكانت بينه وبين صلاح الدين مواصلة ومظاهرة ظاهر صلاح الدين على الموصل على أن يظاهره على آمد فظاهره صلاح الدين وحاصرها من صاحبها ابن سان سنة تسع وستين وصارت من أعمال نور الدين كما نذكر في دولة صلاح الدين ثم توفى نور الدين محمد سنة احدى وثمانين وخلف ولدين (فملك الاكبر) منهما قطب الدين سقمان وقام بتدبير دولته العوام ابن سماق الاسعد وزير أبيه وكان عماد الدين أخو نور الدين هو المرشح للامارة الا أنه سار في العساكر مددا لصلاح الدين على حصار الموصل فلما بلغه الخبر بوفاة أخيه سار لملك البلد لصغر أولاد أخيه نور الدين فلم يظفر واستولى على خرت برت فانتزعها منهم وملكها وأورثها بنيه فلما أفرج صلاح الدين عن الموصل لقيه قطب الدين سقمان

[ 219 ]

وأقره على ملك أبيه بكيفا وأبقى بيده آمد التى كان ملكها لابيه وشرط عليه مراجعته في أحواله والوقوف عند أوامره وأقام أميرا من أصحاب ابنه قرا ارسلان اسمه صلاح الدين فقام بأمور دولته واستقر ملكه بكيفا وآمد وما اليهما إلى أن توفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة تردى من جوسق له بحصن كيفا فمات وكان أخوه محمود مرشحا لمكانه الا أن قطب الدين سقمان كان شديد البغضاء له واشخصه إلى حصن منصور من آخر عملهم واصطفى مملوكه اياسا وزوجه باخته وجعله ولى عهده (ولما توفى) ملك بعده مملوكه وشخص أهل الدولة فدسوا إلى محمود فسار إلى آمد وسبقه اياس إليها ليدافعه فلم يطق وملك محمود آمد واستولى على البلد كلها وحبس اياسا إلى أن أطلقه بشفاعة صاحب بلاد الروم ولحق به وانتظم في امرائه واستقل محمود بملك كيفا وآمد وأعمالهما ولقب ناصر الدين وكان ظالما قبيح السيرة وكان ينتحل العلوم الفلسفية وتوفى سنة تسعة عشر وستمائة وولى مكانه المسعود وحدثت بينه وبين الافضل بن عادل فتنة واستنجد عليه أخاه الكامل فسار في العساكر من مصر ومعه داود صاحب الكرك والمظفر صاحب حماة فحاصروه بآمد إلى أن نزل عنها وجاء إلى الكامل فاعتقله فلم يزل عنده حبيسا إلى أن مات الكامل فذهب إلى التتر فمات عندهم (وأما) عماد الدين بن قرا ارسلان الذى ملك خرت برت من يد قطب الدين سقمان ابن أخيه نور الدين فلم تزل في يده إلى أن توفى سنة احدى وستمائة لعشرين سنة من ملكه اياها (وملكها بعده) ابنه نظام الدين أبو بكر وكانت بينه وبين ناصر الدين محمود ابن عمه نور الدين صاحب آمد وكيفا عداوة ودخل محمود في طاعة العادل بن أيوب وحضر مع ابنه الاشرف في حصار الموصل على أن يسير معه بعدها إلى خرت برت فيملكها له وكان نظام الدين مستنجدا الدين قليج ارسلان صاحب بلاد الروم فمات وسار الاشرف مع محمود بعساكره وحاصروا خرت برت في شعبان سنة احدى وستين وملكوا ربضها وبعثوا غياث الدين صاحب الروم إلى نظام الدين المدد بالعساكر مع الافضل بن صلاح الدين صاحب سميساط فلما انتهوا إلى ملطية أفرج الاشرف ومحمود عن خرت برت إلى بعض حصون نظام الدين بالصحراء ببحيرة سهنين وفتحت في ذى الحجة سنة احدى وستين فلما وصل الافضل بعساكر غياث الدين ووصل الاشرف عن البحيرة راجعا جاء نظام الدين بالعساكر إلى الحصن فامتنع عليه وبقى لصاحب آمد ثم ملك كيفباد صاحب الروم حصن خرت برت من أيديهم سنة احدى وثلاثين وانقرض منها ملك بنى سقمان والله وارث الارض ومن عليها واليه يرجعون

[ 221 ]

[ الخبر عن دولة بنى زنكى بن اقسنقر من موالى السلجوقية بالجزيرة والشأم ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم ] قد تقدم لنا ذكر اقسنقر مولى السلطان ملك شاه وأنه كان يلقب قسيم الدولة وأن السلطان ملك شاه لما بعث الوزير فخر الدولة بن جهير سنة سبع وسبعين وأربعمائة بفتح ديار بكر من يد ابن مروان واستنجد ابن مروان صاحب الموصل شرف الدولة مسلم بن عقيل وهزمته العساكر وانحصر بآمد فبعث السلطان عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير ليخالف شرف الدولة إلى السلطان فلقيه في الرحبة وأهدى له فرضى عنه ورده إلى بلده الموصل واستولى بنو جهير بعد ذلك على ديار بكر كما مر في موضعه من دولة بنى مروان ثم كان بعد ذلك شان حلب واستبد بها أهلها بعد انقراض دولة بنى صالح بن مرداس الكلابي وطمع فيها شرف الدولة مسلم بن قريش وسليمان بن قطلمش صاحب بلاد الروم وتتش ابن السلطان البارسلان وقتل سليمان بن قطلمش مسلم ابن قريش ثم قتل تتش سليمان بن قطلمش وجاء إلى حلب فملكها وامتنعت عليه القلعة فحاصرها وقد كانوا بعثوا إلى السلطان ملك شاه واستدعوه لملكها فوصل إليهم سنة تسع وسبعين ورحل تتش عن القلعة ودخل البرية واستولى السلطان على حلب وولى عليها قسيم الدولة اقسنقر وعاد إلى العراق فعمرها اقسنقر وأحسن السيرة فيها وسار معه تتش حين عهد له أخوه السلطان ملك شاه بفتح بلاد العلوية بمصر والشأم ففتح الكثير منها وهو معه كما مر وزحف قبل ذلك سنة ثمانين إلى بنى منقذ بشيرز فحاصره وضيق عليه ثم رجع عنه صلح وأقام بحلب ولم يزل واليا عليها إلى أن هلك السلطان سنة خمس وثمانين واختلف ولده من بعده وكان أخوه تتش قد استولى على الشأم منذ سنة احدى وسبعين فلما هلك أخوه طمع في ملك السلجوقية من بعده فجمع العساكر وسار لاقتضاء الطاعة من الامراء معه بالشأم وقصد حلب فأطاعه قسيم الدولة اقسنقر وحمل باغيسيان صاحب انطاكية وتيران صاحب الرها وحران على طاعته حتى يظهر مآل الامر في ولد سيدهم ملك شاه وساروا مع تتش إلى الرحبة فملكها وخطب لنفسه فيها ثم إلى نصيبين ففتحها عنوة ثم إلى الموصل فهزم صاحبها ابراهيم بن قريش بن بدران وتولى كبر هزيمته اقسنقر وقتل قريش بن ابراهيم وملك الموصل من يده وولى تتش عليها ابن عمته على بن مسلم بن قريش وسار إلى ديار بكر فملكها ثم إلى اذربيجان وكان بركيارق ابن ملك شاه قد استولى على الرى وهمذان وكثير من البلاد فسار لمدافعته وجنح قسيم الدولة اقسنقر وبوزان صاحب الرها إلى بركيارق ابن سيدهم فلحقوا به وتركوا تتش فانقلب عائدا إلى الشأم ساخطا على اقسنقر وبوزان ما فعلوه فجمع العساكر

[ 222 ]

وسار إلى حلب سنة سبع وثمانين لقتال قسيم الدولة وأمده بركيارق بالامير كربوقا في العساكر فبرزوا إلى لقائهم والتقوا على ست فراسخ من حلب ونزع بعض عساكر اقسنقر إلى تتش فاختل مصافه وتمت الهزيمة عليه وجئ أسيرا إلى تتش فقتله صبرا ولحق كربوقا وبوزان بحلب وتبعهما فحاصرهما وملكها وأخذهما أسيرين كما مر في أخبار الدولة وكان قسيم الدولة حسن السياسة كثير العدل وكانت بلاده آمنة ولما مات نشأ ولده في ظل الدولة السلجوقية وكان أكبرهم زنكى فنشأ مرموقا بعين التحلة ولما ولى كربوقا الموصل من قبل بركيارق أيام الفتنة بين بركيارق وأخيه محمد كان زنكى في جملته لانه كان صاحب أبيه وسار كربوقا أيام ولايته لحصار آمد وصاحبها يومئذ بعض أمراء التركمان وأنجده سقمان بن ارتق وكان زنكى بن اقسنقر يومئذ صبيا وهو في جملة رجال كربوقا ومعه جماعة من أصحاب أبيه فجلا في تلك الحرب وانهزم سقمان وظهر كربوقا وفى هذه الحرب أسر ابن ياقوتي ابن ارتق وسجنه كربوقا بقلعة ماردين فكان ذلك سببا لملك بنى ارتق فيها كما مر في أخبار دولتهم ثم تتابعت الولاة على الموصل فوليها جكرمس بعد كربوقا وبعده جاولى سكاوو وبعده مودود بن ايتكين وبعده اقسنقر البرسقى كما تقدم في أخبار السلجوقية وولاه السلطان محمد بن ملك شاه سنة ثمان وخمسين وبعث معه ابنه مسعودا وكتب إلى سائر الامراء هناك بطاعته ومنهم يومئذ عماد الدين زنكى بن اقسنقر فاختص به ولما ملك السلطان محمود بعد أبيه محمد سنة احدى عشرة كان أخوه مسعود بالموصل كما تقدم أتابكه حيوس بك ونقل البرسقى من الموصل إلى شحنة بغداد وانتقض دبيس ابن صدقة صاحب الحلة على المسترشد والسلطان محمود وجمع البرسقى العساكر وقصد الحلة فكاتب دبيس السلطان مسعود وأتابكه حيوس بك بالموصل وأغراهما بالمسير إلى بغداد فسار لذلك مع السلطان مسعود وزيره فخر الملك أبو على بن عمار صاحب طرابلس وزنكى بن قسيم الدولة اقسنقر وجماعة من أمراء الجزيرة ووصلوا إلى بغداد وصالحهم البرسقى وسار معهم ودخل مسعود إلى بغداد وجاء منكبرس إلى بغداد ونزع إليه دبيس بن صدقة ووقعت الحرب بينهما على بغداد كما تقدم في أخبار الدولة وأفام منكبرس ببغداد ثم كان له في خدمة السلطان محمود عند حربه مع أخيه مسعود مقامات جليلة وغلب السلطان أخاه مسعودا وأخذه عنده واستنزل اتابكه حيوس بك من الموصل وأعاد إليها البرسقى سنة خمسة عشر فعاد زنكى إلى الاختصاص به كما مر ثم أضاف إليه السلطان محمود شحنة بغداد وولاية واسط مضافة إلى ولاية الموصل سنة ستة عشر فولى عليها عماد الدين زنكى فحسن أثره في ولايتهما ولما كانت الحرب بين دبيس بن صدقة وبين الخليفة المسترشد وبرز المسترشد لقتاله من بغداد وحضر البرسقى من الموصل وعماد الدين زنكى فانهزم دبيس عماد الدين في ذلك المقام ثم

[ 223 ]

ذهب دبيس إلى البصرة وجمع السقق من بنى عقيل فدخلوا البصرة ونهبوها وقتلوا أميرها وبعث المسترشد إلى البرسقى فعذله في اهماله أمر دبيس حتى فعل في البصرة ما فعل فبادر إلى قصره وهرب دبيس واستولى على البصرة وولى عليها عماد الدين زنكى بن اقسنقر فأحسن حمايتها والدفاع عنها وكبس العرب في حللهم بضواحيها وأجفلوا ثم عزل البرسقى سنة ثمان عشرة عن شحنة بغداد وعاد إلى الموصل فاستدعى عماد الدين زنكى من البصرة فضجر من ذلك وقال كل يوم للموصل جديد يستنجدنا وسار إلى السلطان ليكون في جملته فلما قدم عليه باصبهان أقطعه البصرة وأعاده عليها من قبله ثم ملك البرسقى مدينة حلب سنة ثمان عشرة وقتل بها سنة تسع عشرة وكان ابنه عز الدين مسعود بحلب فبادر إلى الموصل وأقام ملك أبيه بها ووقع الخلاف بين المسترشد والسلطان محمود وبعث الخليفة عفيفا الخادم إلى واسط ليمنع عنها نواب السلطان محمود فسار إليه عماد الدين زنكى من البصرة وقاتله فهزمه ونمى عفيف إلى المسترشد وأقام عماد الدين في واسط وأمره أن يحضر بالعساكر في السفن وفي البر فجمع السفن من البصرة وشحنها بالمقاتلة شاكى السلاح وأصعد في البر وقدم على السلطان وقد تسلحت العساكر فهاله منظرهم ووهن المسترشد لما رأى فأجابه إلى الصلح * (ولاية زنكى شحنة بغداد والعراق) * ولما ظهر من عماد الدين زنكى من الكفاءة والغناء في ولاية البصرة وواسط ما ظهر ثم كان له المقام المحمود مع السلطان محمود على بغداد كما مر ولاه شحنة بغداد والعراق لما رأى انه يستقيم إليه في أمور الخليفة بعد أن شاور أصحابه فأشاروا به وذلك سنة احدى وعشرين وسار عن بغداد بعد ان ولاه على كرسى ملكه باصبهان والله تعالى أعلم * (ولاية عماد الدين زنكى على الموصل وأعمالها) * قد قدمنا ان عز الدين مسعود بن البرسقى لما قتل الباطنية أباه بالموصل وكان نائبه بحلب فبادر إلى الموصل وضبط أمورها وخاطب السلطان محمودا فولاه مكان أبيه وكان شجاعا قرما فطمع في ملك الشأم فسار وبدأ بالرحبة فحاصرها حتى استأمن إليه أهل القلعة وطرقه مرض فمات وتفرقت عساكره ونهب بعضهم بعضا حتى شغلوا عن دفنه وكان جاولى مولى أبيه مقدم العساكر عنده فنصب مكانه أخاه الاصغر وكاتب السلطان في تقرير ولايته وأرسل في ذلك الحاجب صلاح الدين محمد الباغيسيانى والقاضى أبا الحسن على بن القاسم الشهرزورى فأوصى صلاح الدين

[ 224 ]

صهره جقرى فيما جاء فيه وكان شيعة لعماد الدين زنكى فخوف الحاجب وحذره مغبة حاله معه وأشار عليه وعلى القاضى بطلب عماد الدين زنكى وضمن لهما عنده الولابات والاقطاع وركب القاضى مع الحاجب إلى الوزير شرف الدين أنوشروان ابن خالد وذكر له حال الجزيرة والشأم واستيلاء الافرنج على أكثرها من ماردين إلى العريش وأنها تحتاج إلى من يكف طغيانهم وابن البرسقى المنصوب بالموصل صغير لا يقوى على مدافعتهم وحماية البلاد منهم ونحن قد خرجنا عن العهدة وأنهينا الامر اليكم فرفع الوزير قولهما إلى السلطان فشكرهما واستدعاهما واستشارهما فيمن يصلح للولاية فذكرا جماعة وأدرجا فيهم عماد الدين زنكى وبذلا عنه مالا جزيلا لخزانة السلطان فأجابهما إليه لما يعلم من كيفياته وولاه البلاد كلها وكتب منشوره بها وشافهه بالولاية وسار إلى ولايته فبدأ بالفوارع وملكها ثم سار إلى الموصل وخرج جاولى والعساكر للقائه ودخل الموصل في رمضان سنة احدى وعشرين وبعث جاولى واليا على الرحبة وولى على القلعة نصير الدين جقرى وولى على حجابته صلاح الدين الباغيسيانى وعلى القضاء ببلاده جميعا بهاء الدين الشهرزورى وزاد في اقطاعه وكان لا يصدر الا عن رأيه ثم خرج إلى جزيرة ابن عمر وبها موالى البرسقى فامتنعوا عليه وحاصرهم وكان بينه وبين البلد دجلة فعبرها وبين دجلة والبلد فسيح من الارض فعبر دجلة وقاتلهم في ذلك الفسيح وهزمهم فتحصنوا بالاسوار ثم استأمنوا فدخل البلد وملكه وسار لنصيبين وكانت لحسام الدين تمرتاش بن أبى الغازى صاحب ماردين فاستنجد عليه ابن عمه ركن الدولة داود بن سقمان صاحب كيفا فوعده بالنجدة وبعث حسام الدين بذلك إلى أهل نصيبين يأمرهم بالمصابرة عشرين يوما إلى حين وصوله فسقط أيديهم لعجزهم عن ذلك واستأمنوا لعماد الدين فأمنهم وملكها وسار عنها لسنجار فامتنعوا عليه أولا ثم استأمنوا وملكها وبعث منها إلى الخابور فملك جميعه ثم سار إلى حران وكانت الرها وسروج البيرة في جوارها للافرنج وكانوا معهم في ضيقة فبادر أهل حران إلى طاعته وأرسل إلى جوسكين وهادنه حتى يتفرغ له فاستقر بينهما الصلح والله تعالى أعلم * (استيلاء الاتابك زنكى على مدينة حلب) * كان البرسقى قد ملك حلب وقلعتها سنة ثمانية عشر واستخلف عليها ابنه مسعودا ثم قتل الباطنية البرسقى بالموصل فبادر ابنه مسعود إلى الموصل واستخلف على حلب الامير قزمان ثم عزله وبعث بولايتها إلى الامير قطلغ آيه فمنعه قزمان وقال بينى وبينه علامة لم أرها في التوقيع فرجع إلى مسعود فوجده قد الرحبة فعاد إلى حلب

[ 225 ]

مسرعا ومال إليه أهل البلد ورئيسها مضايل بن ربيع وأدخلوه وملكوه واستنزلوا قزمان من القلعة وأعطوه ألف دينار وبلغوه مأمنه وملك قطلغ القلعة والبلد منتصف احدى وعشرين ثم ساءت سيرته وفحش ظلمه واشتمل عليه الاشرار فاستوحش الناس منه وثاروا به في عيد الفطر من السنة وقبضوا على أصحابه وولوا عليهم بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن ارتق الذى كان ملكها من قبل وحاصروا قطلغ بالقلعة ووصل حسان صاحب منبج وحسن صاحب مراغة لاصلاح الامر فلم يتم وزحف جوسكين صاحب الرها من الافرنج إلى حلب فصانعوه بالمال ورجع فزحف صاحب انطاكية وحاصر البلد وهم يحاصرون القلعة إلى منتصف ذى القعدة من آخر السنة وانتهى عماد الدين زنكى إلى صاحب حران كما ذكرناه فبعث إلى أهل حلب أميرين من أصحابه بتوقيع السلطان له بالموصل والجزيرة والشأم فبادروا إلى الطاعة وسار إليه بدر الدولة ابن عبد الجبار وقطلغ آيه وأقام أحد الاميرين بحلب ولما وصلا إلى عماد الدين أصلح بينهما وأقاما عنده وبعث الحاجب صلاح الدين محمدا الباغيسيانى في عسكر اليهما فملك القلعة ورتب الامور وولى ثم وصل عماد الدين بعده في محرم سنة ثنتين وعشرين وملك في طريقه منبج من يد حسان ومراغة من يد حسن وثلقاه أهل حلب فاستولى وأقطع أعمالها للامراء والاجناد ثم قبض على قطلغ آيه وأسلمه إلى ابن بديع فكحله ومات واستوحش ابن بديع فلحق بقلعة جعفر مستنجدا بصاحبها وأقام عماد الدين مكانه في رياسة حلب على بن عبد الرزاق وعاد إلى الموصل والله أعلم * (استيلاء الاتابك زنكى على مدينة حماة) * ثم سار عماد الدين زنكى لجهاد الافرنج وعبر الفرات إلى الشأم واستنجد تاج الملوك بورى بن طغركين صاحب دمشق فأنجده بعد التوثق باستحلافه وبعث عسكره من دمشق إلى ابنه سونج وأمره بالمسير إلى زنكى فلما وصلوا إليه أكرمهم ثم غدر بهم بعد أيام وقبض على سونج والامراء الذين معه فاعتقلهم بحلب ونهب خيامهم وبادر إلى حماة وهى خلو من الحامية فملكها وسار عنها إلى حمص وصاحبها قيرجان بن قراجا معه في عساكره وهو الذى أشار بحبس سونج وأصحابه فقبض عليه يظن أهل حمص يسلمون بلادهم إليه فامتنعوا وبعث إليهم قيرجان بذلك فلحق إليها فحاصرها مدة وامتنعت عليه فعاد إلى الموصل ومعه سونج بن بورى والله أعلم * (فتح عماد الدين حصن الاثارب وهزيمة الافرنج) * (1) ولما عاد عماد الدين إلى الموصل أراح عساكره أياما ثم تجهز سنة أربع وعشرين إلى الغزو

[ 226 ]

وعاد إلى الشأم فقصد حلب واعتزم على قصد حصن الاثارب وهو على ثلاثة فراسخ من حلب وكان الافرنج الذين به قد ضيقوا على حلب فسار إليه وحاصره وجاء الافرنج من انطاكية لدفاعه واستفرغوا فتبعهم وترك الحصن وسار إليهم واستماتت المسلمون فانهزم الافرنج وأسر كثير من زعمائهم وقتل كثير حتى بقيت عظامهم ماثلة بذلك الموضع أكثر من ستين سنة ثم عاد إلى حصن الاثارب فملكه عنوة وخربه وتقسم جميع من فيه بين القتل والاسر وسار إلى قلعة حارم (1) قرب انطاكية وهى للافرنج فحاصرها حتى صالحوه على نصف خراجها فرجع عنها وملئ الافرنج رعبا منه ومن استبداد المسلمين به وذهب ما كان عندهم من الطمع * (واقعة عماد الدين مع بنى ارتق) * ولما فرغ عماد الدين من غزو الافرنج وفتح الاثارب وقلعة حارم عاد إلى الجزيرة وحاصر مدينة سرخس وهى لصاحب ماردين بينها وبين نصيبين فاجتمع حسام الدين صاحب ماردين وركن الدولة صاحب آمد وهما لابي الغازى صاحب مارين بن حسام الدين تمرتاش بن أبى الغازى وصاحب كيفا ركن الدولة داود بن سقمان وتمرتاش بن ارتق وجمعوا من التركمان نحوا من عشرين ألفا وساروا لمدافعة زنكى فهزمهم وملك سرخس وسار ركن الدولة إلى الجزيرة ابن عمر لينهبها فاتبعه عماد الدين فرجع إلى بلده فعاد عنه لضيق مسالكه وملك من قلاعه همرد ورجع إلى الموصل إلى آخره * (حصول دبيس بن صدقة في أسر الاتابك زنكى) * قد تقدم لنا أن دبيس بن صدقة لما فارق البصرة سار إلى سرخد من قلاع الشأم سنة خمس وعشرين باستدعاء الجارية التى خلفها الحسن هنالك ليتزوج بها وأنه مر في الغوطة مجى من أحياء كلب فأسروه وحملوه إلى تاج الملوك صاحب دمشق وبلغ الخبر إلى الاتابك زنكى وكان عدوا له فبعث فيه إلى تاج الملوك بورى وفادى من ابنه سونج والامراء الذين معه عنده فأطلقهم وبعث بورى إليه بدبيس وهو مستيقن الهلاك فلما وصله أكرمه وأحسن إليه وأزاح علله وبعث المسترشد فيه إلى بورى ابن طغركين صاحب دمشق فوجده قد فات بتسلمه إلى زنكى فذم الرسل زنكى فيما فعله فأرصد لهم في طريقهم وسيقوا إليه وهم سديد الدولة بن الانباري وأبو بكر ابن نشر الجزرى فحبسهما حتى شفع فيهما المسترشد وبقى دبيس عنده حتى انحدر معه إلى العراق * (مسير الاتابك زنكى إلى العراق ولمظاهرة السلطان مسعود وانهزامه) *

[ 227 ]

ولما توفى السلطان محمود سنة خمس وعشرين واختلف ولده داود وأخوه مسعود وسار داود إلى مسعود وحاصره بتبريز في محرم سنة ست وعشرين ثم صالحه وخرج مسعود من تبريز واجتمعت عليه العساكر وسار إلى همذان وبعث يطلب الخطبة من المسترشد فمنعه وكتب الاتابك عماد الدين زنكى يستنجده وسار إلى بغداد فحاصرها وكان قد سبق إليها أخوه سلجوق شاه صاحب فارس وخوزستان مع أتابك قراجا الشامي في عسكر كثير وأنزله المسترشد بدار السلطان فلما جاء مسعود ونزل عباسة وبرز عسكر المسترشد وعسكر سلجوق شاه وقراجا الشامي لمحاربة مسعود فأتاهم الخبر بوصول عماد الدين زنكى من ورائهم وأنه وصل إلى المعشوب فرجع قراجا الشامي إلى محاربته وسار سلجوق شاه بالعساكر إلى محاربة أخيه مسعود وأغذ قراجا السير وصبح عماد الدين بعد يوم وليلة على المعشوب وقاتله وهزمه وأسر كثيرا من أصحابه وسار زنكى منهزما إلى والنائب بها نجم الدين أيوب بن شادى والد السلطان صلاح فتأخر ثم اصطلح مع الخليفة على أن يكون العراق له والسلطنة لمسعود وولاية العهد لسلجوق شاه وذلك منتصف سنة ست وعشرين * (مسير الاتابك عماد الدين إلى بغداد بابنه وانهزامه) * قد قدمنا ما كان بعد وفاة السلطان محمود من الخلاف بين ابنه داود وأخويه مسعود وسلجوق شاه ثم استقر مسعود في السلطنة وصلحه مع أخيه سلجوق على أن يكون ولى عهده ثم ان السلطان سنجر سار من خراسان يطلب السلطنة لطغرل ابن أخيه السلطان محمود وكان عنده مقيما فبلغ همذان وخرج السلطان مسعود وسلجوق شاه للقائه وساروا متباطئين ينتظرون لحاق المسترشد بهم وخرج المسترشد إلى فجاءته الاخبار بوصول الاتابك زنكى ودبيس بن صدقة إلى بغداد فذكر دبيس ان السلطان سنجر أقطعه الحلة وبعث يسترضى فلم يشفعه وذكر الاتابك زنكى ان السلطان سنجر ولاه شحنة بغداد واستمر السلطان مسعود وأخوه سلجوق على المسير للقاء سنجر وكانت الهزيمة على مسعود كما مر فعاد المسترشد إلى بغداد ونزل العباسة من الجانب الغربي ولقى الاتابك زنكى ودبيس على حصن البرامكة فهزمهما آخر رجب سنة ست وعشرين ولحق الاتابك بالموصل * (واقعة الافرنج على أهل حلب) * وفي غيبة الاتابك زنكى سار ملك الافرنج من القدس إلى حلب فخرج نائبها عن الاتابك زنكى وهو الامير اسوار وجمع التركمان مع عساكره وقاتل الافرنج عند

[ 228 ]

قنسرين وصابرهم ومحص الله المسلمين وانهزموا إلى حلب وسار ملك الافرنج في أعمال حلب ظافرا ثم سار بعض الافرنج من الرها للغارة في أعمال حلب فخرج إليهم الامير اسوار ومعه حسان التغلبي الذى كان صاحب منبج فأوقعوا بهم واستلحموهم وأسروا من بقى منهم وعادوا ظافرين * (حصار المسترشد الموصل) * ولما وقع ما قدمناه من وصول زنكى إلى بغداد وانهزامه أمام المسترشد حفد عليه المسترشد ذلك وأقام يتربص ثم كثر الخلاف بين سلاطين السلجوقية واعتزلهم جماعة من أمرائهم فرارا من الفتنة ولحقوا بالخليفة وأقاموا في ظله فأراد الخليفة المسترشد أن ينتصف بهم من الاتابك زنكى فقدم إليه بهاء الدين أبا الفتوح الاسفراينى الواعظ وحمله عتابا أغلظ فيه وزاده الواعظ غلظة حفظا على ناموس الخلافة في معتقده فامتعض الاتابك لما شافهه به وأهانه وحبسه وأرسل المسترشد إلى السلطان مسعود على قصد الموصل وحاصرها لما وقع من زنكى ثم سار في شعبان سنة سبع وعشرين إلى الموصل في ثلاثين ألف مقاتل فلما قارب الموصل فارقها الاتابك زنكى إلى سنجار وترك نائبه بها نصر الدين جقرى وجاء المسترشد فحاصرها والاتابك زنكى قد قطع الميرة عن معسكره فتعذرت الاقوات وضاقت عليهم الاحوال وأرادت جماعة من أهل البلد الوثوب بها وسعى بهم فأخذوا وصلبوا ودام الحصار ثلاثة أشهر وامتنعت عليه فأفرج عنها وعاد إلى بغداد وقيل ان مطرا الخادم جاءه من بغداد وأخبره أن السلطان مسعودا عازم على قصد العراق فعاد مسرعا * (ارتجاع صاحب دمشق مدينة حماة) * قد كنا قدمنا أن الاتابك زنكى تغلب على حماة من يد تاج الملوك بورى بن طغركين صاحب دمشق سنة ثلاث وعشرين وأقامت في ملكه أربع سنين وتوفى تاج الملوك بورى في رحب سنة ست وعشرين وولى بعده ابنه شمس الملوك اسمعيل وملك بانياس من الافرنج في صفر سنة سبع وعشرين ثم بلغه أن المسترشد بالله حاصر الموصل فسار هو إلى حماة وحاصرها وقاتلها يوم الفطر ويومين بعده فملكها عنوة واستأمنوا فأمنهم ثم حصر الوالى ومن معه بالقلعة فاستأمنوا أيضا واستولى على ما فيها من الذخائر والسلاح وسار منها إلى قلعة شيرز فحاصرها ابن منقذ فحمل إليه مالا صانعه به وعاد إلى دمشق في ذى الحجة من السنة

[ 229 ]

[ حصار الاتابك زنكى قلعة آمد واستيلاؤه على قلعة النسور ثم حصار قلاع الحميدية ] وفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة اجتمع الاتابك زنكى صاحب الموصل وصاحب ماردين على حصار آمد واستنجد صاحبها بداود بن سقمان صاحب كيفا فجمع العساكر وسار اليهما ليدافعهما عنه وقاتلاه فهزماه وقتل كثير من عسكره وأطالا حصار آمد وقطعا شجرها وكرومها وامتنعت عليهما فرحلا عنها وسار زنكى إلى قلعة النسور من ديار بكر فحاصرها وملكها منتصف رجب من السنة ووفد عليه ضياء الدين أبو سعيد ابن الكفرتونى فاستوزره الاتابك وكان حسن الطريقة عظيم الرياسة والكفاية محببا في الجند وتوفى سنة ست وثلاثين بعدها ثم استولى الاتابك على سائر قلاع الاكراد الحميدية مثل قلعة العقر وقلعة سوس وغيرهما وكان لما ملك الموصل أمر صاحب هذه القلاع الامير عيسى الحميرى على ولايتها فلما حاصر المسترشد الموصل قام في خدمته أحسن القيام وجمع له الاكراد فلما عاد المسترشد إلى بغداد من قتال الاتابك زنكى فحاصر قلاعهم وحاصرتها العساكر وقاتلوها قتالا شديدا حتى ملكوها في هذه السنة ورفع الله شرهم عن أهل السواد المحاربين لهم فقد كانوا منهم في ضيقة من كثرة عيثهم في البلاد وتخريبهم والله تعالى أعلم * (استيلاء الاتابك على قلاع الهكارية وقلعة كواشى) * حدث ابن الاثير عن الجنيبى أن الاتابك زنكى لما ملك قلاع الحميدية وأجلاهم عنها خاف أبو الهيجاء من عبد الله على قلعة أشب والجزيرة وكواشى فاستأمن الاتابك واستحلفه وحمل له مالا ثم وفد عليه بالموصل بعد أن اخرج ابنه أحمد من أشب خشية أن يغلب عليها وأعطاه قلعة كواشى وولى على أشب رجلا من الكرد واسمه باد الارمني وابنه أحمد هذا هو أبو على بن أحمد المشطوب من أمراء السلطان صلاح الدين ولما مات أبو الهيجاء واسمه موسى وسار أحمد إلى أشب ليملكها فامتنع عليه باد وأراد حفظها لعلى الصغير من بنى أبى الهيجاء فسار الاتابك زنكى في عساكره ونزل على اشب وبرز أهلها لقتاله واستجرهم حتى أبعد واثم كر عليهم فأفناهم قتلا وأسرا وملك القلعة في الحال وسيق إليه باد في جماعة من مقدمى الاكراد وقتلهم وعاد إلى الموصل ثم سار غازيا في بعض مذاهبه فبعث نائبه نصر الدين جقرى عسكرا وخلى كنجاورسى قلعة العمادية وحاصروا قلعة الشغبان وفرح وكواشى والزعفراني والغى وسرق وسفروه وهى حصون الهكارية فحصرها وملكها جميعا واستقام أمر الجبل والزوزان

[ 230 ]

وأمنت الرعية من الاكراد وأما باقى قلاع الهكارية وهى حل وصورا وهزور والملابسي ويامر ماومانرحا وباكرا ونسرفان قراجا صاحب العمادية فتحها بعد قتل زنكى بمدة طويلة كان أميرا على تلك الحصون الهكارية من قبل زين الدين على على ما قال ابن الاثير ولم أعلم تاريخ فتح هذه القلاع فلهذا ذكرته هنا قال وحدثني بخلاف هذا الحديث بعض فضلاء الاكراد أن أبا بكر زنكى لما فتح قلعة اسب وحرساني قلعة العمادية ولم يبق في الهكارية الا صاحب جبل صورا وصاحب هزور لم يكن لهما شوكة يخشى منهما ثم عاد إلى الموصل وخافه أهل القلاع الجليلة ثم توفى عبد الله بن عيسى ابن ابراهيم صاحب الريبة والغى وفرح وملكها بعده ابنه على وكانت أمه خديجة ابنة الحسن أخت ابراهيم وعيسى وهما من الامراء مع زنكى بالموصل فأرسلها ابنها على إلى أخويها المذكورين وهما خالاه ليستأمنا له من الاتابك فاستحلفاه وقدم عليه فأقره على قلاعه واستقل بفتح قلاع الهكارية وكان الشغبان هذا الامير من المهرانية اسمه الحسن بن عمر فأخذه منه وخربه لكبره وقلة أعماله وكان نصر الدين جقرى يكره عليا صاحب الريبة والغى وفرح فسعى عند الاتابك في حبسه فأمره بحبسه ثم ندم وكتب إليه أن يطلقه فوجده قد مات فاتهم نصر الدين بقتله ثم بعث العساكر إلى قلعة الرحبية فنازلوها بغتة وملكوها عنوة وأسروا ولد على واخوته ونجت أمه خديجة لمغيبها وجاء البشير إلى الاتابك بفتح الريبة فسره ذلك وبعث العساكر إلى ما بقى من قلاع على فابى الا أن يزيدوه قلعة كواشى فمضت خديجة أم على إلى صاحب كواشى من المهرانية واسمه جرك راهروا وسألته النزول عن كواشى لاطلاق اسراهم ففعل ذلك وتسلم زنكى القلاع وأطلق الاسرى واستقامت له جبال الاكراد والله تعالى أعلم * (حصار الاتابك زنكى مدينة دمشق) * كان شمس الملوك اسمعيل بن بورى قد انحل أمره وضعفت دولته واستطال عليه الافرنج وخشى عاقبة أمرهم فاستدعى الاتابك زنكى سرا ليملكه دمشق ويريح نفسه وشعر بذلك أهل دولته فشكوا إلى أمه فوعدتهم الراحة منه ثم اغتالته فقتلته وجاء الاتابك زنكى فقدم رسله من الفرات فألفوا شمس الملوك قد مات وولى مكانه أخوه محمود واشتمل أهل الدولة عليه ورجعوا الخبر إلى الاتابك فلم يحفل به وسار حتى نزل بظاهر دمشق واشتد أهل الدولة على مدافعته ومقدمهم معين الدين أبربوه أتابك طغركين ثم بعث المسترشد أبا بكر بن بشر الجزرى إلى الاتابك زنكى فأمره بصلح صاحب دمشق فصالحه ورحل عنه منتصف السنة والله سبحانه وتعالى أعلم

[ 231 ]

* (فتنة الراشد مع السلطان مسعود ومسيره إلى الموصل وخلعه) * كان كثير من أمراء السلجوقية قد اجتمعوا على الانتقاض على السلطان مسعود والخروج عليه ولحق داود ابن السلطان محمود من اذربيجان ببغداد في صفر سنة اثنين وثلاثين فأنزل بدار السلطنة وراسله أولئك الامراء وقدم عليه بعضهم مثل صاحب قزوين وصاحب اصبهان وصاحب الاهواز وصاحب الجبلة وصاحب الموصل الاتابك زنكى وخرجت إليهم العساكر من بغداد وولى داود شحنية بغداد وخرج موكب الخليفة مع الوزير جلال الدين الرضى وكان الخليفة قد تغير عليه وعلى قاضى القضاة الزينبي فسمع بهم الاتابك ثم وقعت العزيمة من الراشد والسلطان داود والاتابك زنكى وحلف كل منهم لصاحبه وبعث الراشد إلى الاتابك بمأتى ألف دينار ووصل سلجوق شاه إلى واسط وقبض على الامير بك آيه ونهب ماله فانحدر الاتابك زنكى لمدافعته فاصطلحا وعاد زنكى إلى بغداد ومر على جميع العساكر لقتال السلطان مسعود وخرج على طريق خراسان وبلغهم أن السلطان مسعود اسار إلى بغداد فعاد إليها ثم عاد الملك داود وجاء السلطان مسعود فنزل على بغداد وحاصرهم نيفا وخمسين يوما وارتحل إلى النهروان ثم قدم عليه طرنطاى صاحب واسط بالسفن فرجع إلى بغداد وعبر إلى الجانب الغربي ثم اختلف العسكر ببغداد ورجع الملك داود إلى ولايته باذربيجان وافترق الامراء الذين معه ولحق الراشد بالاتابك زنكى في نفر من أصحابه وهو بالجانب الغربي وسار معه إلى الموصل ودخل السلطان مسعود إلى بغداد منتصف ذى القعدة سنة ثلاثين واستقر بها وسكن الناس وجمع القضاة والفقهاء وعرض عليهم يمين الراشد بخطه بأنه متى جمع أو خرج لحرب السلطان فقد خلع نفسه فأفتوا بخلعه ثم وقعت الشهادات من أهل الدولة وغيرهم إلى الراشد بموجبات العزل وكتبت وأفتى الفقهاء عقبها باستحقاق العزل وحكم به القاضى المعين حينئذ لغيبة قاضى القضاة بالموصل مع الراشد ونصب للخلافة ابن المستظهر وجاء رسول الاتابك زنكى إلى بغداد وهو القاضى كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزورى وبايع بعد أن ثبت عنده الخلع وانصرف إلى الاتابك باقطاع من خاص الخليفة ولم يكن ذلك لاحد قبله وعاد كمال الدين إلى الاتابك وحمل كتب الخلع فحكم بها قاضى القضاة بالموصل وانصرف الراشد عن الموصل إلى اذربيجان كما مر في أخبار الخلفاء والسلجوقية والله تعالى ولى التوفيق * (غزاة العساكر حلب إلى الافرنج) * ثم اجتمعت عساكر حلب مع الامير اسوار نائب الاتابك زنكى بحلب

[ 232 ]

في شعبان سنة ثلاثين وساروا غازين إلى بلاد الافرنج وقصدوا اللاذقية على غرة فنالوا منها وانساحوا في بسائطها واكتسحوها وامتلات أيديهم من الغنائم وخربوا بلاد اللاذقية وما جاورها وخرجوا على شيرز وملؤا الشأم بالاتراك والظهر ووهن الافرنج لذلك والله سبحانه وتعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده [ حصار الاتابك زنكى مدينة حمص واستيلاؤه على بعدوين وهزيمة الافرنج واستيلاؤه على حمص ] ثم سار الاتابك في العساكر في شعبان سنة احدى وثلاثين إلى مدينة حمص وبها يومئذ معين الدين ابن القائم بدولة صاحب دمشق وحمص من أقطاعه فقدم إليه صاحبه صلاح الدين الباغيسيانى في تسليمها فاعتذر بأن ذلك ليس من الاصابة فحاصرها والرسل تردد بينهما وامتنعت عليه فرحل عنها إلى بعدوين من حصون الافرنج في شوال من السنة فجمع الافرنج وأوعبوا وزحفوا إليه واشتد القتال بينهم ثم هزم الله العدو ونجا المسلمين منهم ودخل ملوكهم إلى حصن بعدوين فامتنعوا به وشد الاتابك حصاره وذهب القسوس والرهبان إلى بلاد النصرانية من الروم والافرنج يستنجدونهم على المسلمين ويخوفونهم استيلاء الاتابك على قلعة بعدوين وما يخشى بعد ذلك من ارتجاعهم بيت المقدس وجد الاتابك بعد ذلك في حصارها والتضييق عليها حتى جهدهم الحصار ومنع عنهم الاخبار ثم استأمنوا على أن يحملوا إليه خمسين ألف دينار فأجابهم وملك القلعة ثم سمعوا بمسير الروم والافرنج لانجادهم وكان الاتابك خلال الحصار قد فتح المعرة وكفر طاب في الولايات التى بين حلب وحماة ووهن الافرنج ثم سار الاتابك زنكى في محرم سنة اثنين وثلاثين إلى بعلبك وملك حصن الممدل من أعمال صاحب دمشق وبعث إليه نائب باساس بالطاعة كذلك ثم كانت حادثة ملك الروم ومنازلته حلب كما نذكره فسار إلى سليمة ولما انجلت حادثة الروم رجع إلى حصار حمص وبعث إلى محمود صاحب دمشق في خطبة أمه مردخان بنت جاولى التى قتلت ابنها فتزوجها وملك حمص وقلعتها وحملت الخاتون إليه في رمضان وظن أنه يملك دمشق بزواجها فلم يحصل على شئ من ذلك والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده * (مسير الروم إلى الشأم وملكهم مراغة) * ولما استنجد الافرنج ببعدوين ملك أمم النصرانية كما مر جمع ملك الروم بالقسطنطينية وركب البحر سنة احدى وثلاثين ولحقته أساطيله وسار إلى مدينة قيقية فحاصرها وصالحوه بالمال وسار عنها إلى ادمة والمصيصة وهما لابن لميون الارمني

[ 233 ]

صاحب قلاع الدروب فحاصرهما وملكهما وسار إلى عين زربة فملكها عنوة وملك تل حمدون ونقل أهله إلى جزيرة قبرص ثم ملك مدينة انطاكية في ذى القعدة من السنة وبهار غيد من ملوك الافرنج فصالحه ورجع إلى بقراس ودخل منها بلاد ابن ليون فصالحه بالاموال ودخل في طاعته ثم خرج إلى الشأم أول سنة ثنتين وثلاثين وحاصر مراغة على ستة فراسخ من حلب وبعثوا بالصريخ إلى الاتابك زنكى فبعث بالعساكر إلى حلب لحمايتها وقاتل ملك الروم مراغة فملكها بالامان منتصف السنة ثم غدر بهم واستباحهم ورحل إلى حلب فنزل بريق ومعه الافرنج ورجعوا من الغد إلى حلب وحاصروها ثلاثا فامتنعت عليهم وقتل عليها بطريق كبير منهم ورحل عنها إلى قلعة الاتاود في شعبان من السنة فهرب عنها أهلها ووضع الروم بها الاسرى والسبي وأنزلو بها حامية وبعث إليهم أسوار نائب حلب عسكرا فقتلوا الحامية وخلصوا الاسرى والسبي ورحل الاتابك من حصن بعد فتحه إلى سليمة وقطع الفرات إلى الرقة واتبع الروم فقطع عنهم الميرة وقصد الروم قلعة شيزر وبها سلطان ابن على بن مقلد بن نصر بن منقذ الكنانى فحاصروها ونصبوا المجانيق عليها واستصرخ صاحبها بالاتابك زنكى فسار إليه ونزل نهر العاصى بين شيزر وحماة وبعث السرايا تختطف من حول معسكر الروم وبعث إلى الروم يدعوهم إلى المناجزة والنزول إلى البسيط فخاموا عن ذلك فرجع إلى التضريب بين الروم والافرنج يحذر أحد الفريقين من الآخر حتى استراب كل بصاحبه فرحل ملك الروم في رمضان من السنة بعد حصار شيزر أربعين يوما واتبعه الاتابك فلحقهم واستلحمهم واستباحهم ثم أرسل القاضى كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزورى إلى السلطان مسعود يستنجده على العدو ويحذره الروم واستيلاءهم على حلب وينحدرون من الفرات إلى بغداد فوضع القاضى كمال الدين في جامع القصر من ينادى بصريخ المسلمين والخطيب على المنبر وكذا في جامع السلطان فعظم الصراخ والبكاء وتسايلت العوام من كل جانب وجاؤا إلى دار السلطان في تلك الحالة وقد وقع العويل والصراخ فعظم الهول على السلطان مسعود وجهز عسكرا عظيما وخاف القاضى كمال الدين غائلته ثم وصل الخبر برحيل ملك الروم فاخبر القاضى السلطان مسعود بذلك ومن مسير العسكر والله تعالى أعلم * (استيلاء الاتابك زنكى على بعلبك) * ثم قتل محمود صاحب دمشق سنة ثلاث وثلاثين في شوال كما مر في أخبار دولتهم وكانت أمه زمردخان متزوجة بالاتابك كما مر فبعثت إليه وهو بالجزيرة تعرفه بالخبر وتطلب

[ 234 ]

منه أن يسير إلى دمشق ويثآر بولدها من أهل دولته فسار لذلك واستعد أهل دمشق للحصار ثم قصد الاتابك مدينة بعلبك ونزلها وكان ابن القائم بالدولة قد نصب كمال الدين محمد بن بورى بدمشق وتزوج أمه وبعث بجاريته إلى بعلبك فلما سار الاتابك إلى دمشق قدم رسله إلى انز في تسليم البلد على أن يبذل له ما يريد فأبى من ذلك وسار الاتابك إلى بعلبك فنازلها آخر ذى الحجة من السنة ونصب عليها المجانيق وشد حصارها حتى استأمنوا فملكها واعتصم الحامية بالقلعة حتى يئسوا من أنز فاستأمنوا إلى الاتابك فلما ملكها قبض عليهم وصلبهم وتزوج جارية انز ونقلها إلى حلب إلى أن بعثها ابنه نور الدين محمود إلى صاحبها بعد موت الاتابك والله تعالى أعلم * (حصار الاتابك زنكى مدينة دمشق) * ثم سار الاتابك زنكى إلى حصار دمشق في ربيع الاول من سنة أربع وثلاثين بعد الفراغ من بعلبك فنزل بالبقاع وأرسل إلى جمال الدين محمد صاحبها في أن يسلمها إليه ويعوضه عنها بما شاء فلم يجب إلى ذلك فزحف إليه ونزل داريا والتقت الطلائع فكان الظفر لاصحاب الاتابك ثم تقدم إلى المصلى فنزل بها وقاتله أهل دمشق بالغوطة فظفر بهم وأثخن فيهم ثم أمسك عن القتال عشر ايراود فيها صاحب دمشق وبذل له بعلبك وحمص وما يختاره من البلاد فجنح إلى ذلك ولم يوافقه أصحابه فعادت الحرب ثم توفى صاحب دمشق جمال الدين محمد في شعبان من السنة ونصب معين الدين انز مكانه ابنه محيى الدين أمو وقام بأمره وطمع زنكى في ملك البلد فامتنعت عليه وبعث معز الدين انز إلى الافرنج يستدعيهم إلى النصر على الاتابك ويبذل لهم ويخوفهم غائلته ويشترط لهم اعانتهم على بانياس حتى يملكوها فأجاب الافرنج لذلك وأجفل زنكى إلى حوران خامس رمضان من السنة معتزما على لقائهم فلم يصلوا فعاد إلى حصار دمشق وأحرق قراها وارتحل إلى بلاده ثم وصل الافرنج وارتحل معين الدين انز في عساكر دمشق إلى بانياس وهى للاتابك زنكى ليوفى للافرنج بشرطه لهم فيها وقد كان نائبها سار للاغارة مدينة صور ولقيه في طريقه صاحب انطاكية ذاهبا إلى دمشق منجدا فهزم عسكر بانياس وقتلوا ولحق فلهم بالبلد وقد وهنوا وحاصرهم معين الدين انز والافرنج وملكها عنوة وسلمها للافرنج وأحفظه ذلك وفرق العسكر في حوران وأعمال دمشق وسار هو فصابح دمشق ولم يعلموا بمكانه فبرزوا إليه وقاتلوه وقتل منهم جماعة ثم احجم عنهم لقلة من معه وارتحل إلى مرج راهط في انتظار عساكره فلما توافوا عنده عاد إلى بلاده * (استيلاء الاتابك على شهرزور وأعمالها) *

[ 235 ]

كان شهرزور بيد قفجاق بن ارسلان شاه أمير التركمان وصالحهم وكانت الملوك تتجافى عن أعماله لامتناعها ومضايقها فعظم شأنه واشتمل عليه التركمان وسار إليه الاتابك زنكى سنة أربع وثلاثين فجمع ولقيه فظفر به الاتابك واستباح معسكره وسار في اتباعه فحاصر قلاعه وحصونه وملك جميعها واستأمن إليه قفجاق فأمنه وسار في خدمته وخدمة بنيه بعده إلى آخر المائة ثم كان في سنة خمس وثلاثين بين الاتابك زنكى وبين داود بن سقمان صاحب كيفا فتنة وحروب وانهزم داود وملك الاتابك من بلاده قلعة همردوا دركه فعاد إلى الموصل ثم سار الاتابك إلى مدينة الحرمية فملكها سنة ست وثلاثين ونقل آل مهارش الذين كانوا بها إلى الموصل ورتب أصحابه مكانهم ثم خطب له صاحب آمد وصار في طاعته بعد أن كان مع داود عليه ثم بعث الاتابك لسنة سبع وثلاثين عسكرا إلى قلعة أشهب وهى أعظم من حصون الاكراد الهكارية وأمنعها وفيها أهلوهم وذخائرهم فحاصرها وملكها وأمره الاتابك بتخريبها وبنى قلعة العمادية عوضا عنها وكانت خربت قبل ذلك لاتساعها وعجزهم عن حمايتها فأعيدت الآن وكان نصير الدين نائب الموصل قد فتح أكثر القلاع الحربية والله تعالى أعلم * (صلح الاتابك مع السلطان مسعود واستيلاؤه على أكثر ديار بكر) * كان السلطان مسعود ملك السلجوقية قد حقد على الاتابك زنكى شان الخارجين على طاعته من أهل الاطراف وينسب ذلك إليه وكان يفعل ذلك مشغلة للسلطان عنه فلما فرغ السلطان مسعود من شواغله سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة سار إلى بغداد عازما على قصد الاتابك وحاصر الموصل فأرسل الاتابك يستعطفه ويستميله على أن يدفع إليه مائة ألف دينار ويعود عنه فشرع في ذلك وحمل منها عشرين ألفا ثم حدثت الفتنة على السلطان فاحتاج إلى مداراته وترك له الباقي وبالغ هو في مخالصة السلطان بحيث ان ابنه غازى كان عند السلطان فهرب إلى الموصل فبعث إلى نائبها نصير الدين جقرى يمنعه من دخولها وبعث إلى ابنه بالرجوع إلى خدمة السلطان وكتب إلى السلطان بان ابني هرب للخوف من تغيير السلطان عليه وقد أعدته إلى الخدمة ولم ألفه وأنا مملوكك والبلاد لك فوقع ذلك من السلطان أحسن المواقع ثم سار الاتابك إلى ديار بكر ففتح طره واسعرد وحران وحصن الرزق وحصن تطليت وحصن ياسنه وحصن دى القرنين وغير هذه وملك أيضا من بلاد ماردين الافرنج حملين والمودن وتل موزر وغيرها من بلاد حصون سجستان وأنزل بها الحامية وقصد أمد فحصرها وسير عسكرا إلى مدينة غانة من أعمال الفرات فملكها والله تعالى أعلم

[ 236 ]

* (فتح الرها وغيرها من أعمال الافرنج) * كان الافرنج بالرها وسروج والبيرة قد أضروا بالمسلمين جوارهم مثل آمد ونصيبين ورأس عين والرقة وكان زعيمهم ومقدمهم بتلك البلاد جوسكين الزعيم ورأى الاتابك أنه بورى عن قصدهم بغيره لئلا يجمعوا له فورى بغز وديار بكر كما قلناه و جوسكين وعبر الفرات من الرها إلى غزنة وجاء الخبر بذلك إلى الاتابك فارتحل منتصف جمادى الاخيرة سنة تسع وثلاثين وحرض المسلمين وحثهم على عدوهم ووصل إلى الرها وجوسكين غائب عنها فانحجز الافرنج بالبلد وحاصرهم شهرا وشد في حصارهم وقتالهم ولج في ذلك قبل اجتماع الافرنج ومسيرهم إليه ثم ضعف سورها فسقطت ثلمة منه وملك البلد عنوة ثم حاصر القلعة وملكها كذلك ثم رد على أهل البلد ما أخذ منهم وأنزل فيه حامية وسار إلى سروج وجميع البلاد التى بيد الافرنج شرقيا فملكها جميعا الا البيرة لامتناعها فأقام يحاصرها حتى امتنعت ورحل عنها والله سبحانه وتعالى أعلم [ مقتل نصير الدين جقرى نائب الموصل وولاية زين الدين على كجك مكانه بالقلعة ] كان استقر عند الاتابك زنكى بالموصل الملك البارسلان ابن السلطان محمد ويلقب الخمفاجى وكان شبيها به وتوهم السلطان ان البلاد له وأنه نائبه وينتظر وفاة السلطان مسعود فيخطب له ويملك البلد باسمه وكان يتردد له ويسعى في خدمته فداخله بعض المفسدين في غيبة الاتابك وزين له قتل نصير الدين النائب والاستيلاء على الموصل فلما دخل إليه أغرى به أجناد الاتابك ومواليه فوثبوا به وقتلوه في ذى القعدة سنة تسع وثلاثين ثم ألقوا برأسه إلى أصحابه يحسبون أنهم يفترقون فاعصوصبوا واقتحموا عليه الدار ودخل عليه القاضى تاج الدين يحيى ابن الشهرزورى فأوهمه بطاعته وأشار عليه بالصعود إلى القلعة ليستولي على المال والسلاح فركب وصعد معه وتقدم إلى حافظ القلعة وأشار عليه بأن يمكنه من الدخول ثم يقبض عليه فدخل ودخل معه الذين قتلوا نصير الدين فحبسهم وإلى القلعة وعاد القاضى إلى البلد وطار الخبر إلى الاتابك زنكى بحصار البيرة فخشى اختلاف البلد وعاد إلى الموصل وقدم زين الدين على ابن كجك وولاه القلعة مكان نصير الدين وأقام ينتظر الخبر وخاف الافرنج الذين بالبيرة من عودته إليهم فبعثوا إلى نجم الدين صاحب ماردين وسلموها له فملكها المسلمون

[ 237 ]

* (حصار زنكى حصن جعبر وفنك) * ثم سار الاتابك زنكى سنة احدى وأربعين في المحرم إلى حصن جعبر ويسمى دوس وهو مطل على الفرات وكان لسالم بن مالك العقيلى أقطعه السلطان ملك شاه لابيه حين أخذ منه حلب وبعث جيشا إلى قلعة فنك على فرسخين من جزيرة ابن عمر فحاصروهما وصاحبها يومئذ حسام الدين الكردى فحاصر قلعة جعبر حتى توسط الحال بينهما حسان المنجبى ورغبه ورهبه وقال في كلامه من يمنعك منه فقال الذى منعك أنت من مالك بن بهرام وقد حاصر حسان منبج فأصابه في بعض الايام سهم فقتله وأفرج عن حسان وقدر قتل الاتابك كذلك والله تعالى أعلم * (مقتل الاتابك عماد الدين زنكى) * كان الاتابك عماد الدين زنكى بن اقسنقر صاحب الموصل والشأم محاصر القلعة جعبر كما ذكرنا واجتمع جماعة من مواليه اغتالوه ليلا وقتلوه على فراشه ولحقوا بجعبر وأخبروا أهلها فنادوا من السور بقتله فدخل أصحابه إليه وألفوه يجود بنفسه وكان قتله لخمس من ربيع الآخر سنة احدى وأربعين عن ستين سنة من عمره ودفن بالرقة وكان يوم قتل أبوه ابن سبع سنين ولما قتل دفن بالرقة وكان حسن السياسة كثير العدل مهيبا عند جنده عمر البلاد وأمنها وأنصف المظلوم من الظالم وكان شجاعا شديد الغيرة كثير الجهاد ولما قتل رحل العسكر عن قلعة فنك وصاحبها غفار قال ابن الاثير سمعتهم يزعمون أن لهم فيها نحو ثلثمائة سنة وفيهم رفادة وعصبية ويجيرون كل من يلجأ إليهم والله أعلم * (استيلاء ابنه غازى على الموصل وابنه الآخر محمود على حلب) * ولما قتل الاتابك زنكى نزع ابنه نور الدين محمود خاتمه من يده وسار به إلى حلب فاستولى عليها وخرج الملك البارسلان ابن السلطان محمود واجتمعت عليه العساكر وطمع في الاستقلال بملك الموصل وحضر ابنه جمال الدين محمد بن على بن متولى الديوان وصلاح الدين محمد بن الباغيسيانى الحاجب وقد اتفقا فيما بينهما على حفظ الدولة لاصحابهما وحسنا للبارسلان ما هو فيه من الاشتغال بلذاته وأدخلاه الرقة فانغمس بها وهما يأخذان العهود على الامراء لسيف الدين غازى ويبعثانهم إلى الموصل وكان سيف الدين غازى في مدينة شهرزور وهى أقطاعه وبعث إليه زين الدين على كوجك نائب القلعة بالموصل يستدعيه ليحضر عنده وسار البارسلان إلى سنجار والحاجب وصاحبه معه ودسوا إلى نائبها بأن يعتذر للملك البارسلان بتأخره حتى يملك الموصل فساروا إلى الموصل ومروا بمدينة وقد وقف العسكر فأشاروا على البارسلان

[ 238 ]

بعبور دجلة إلى الشرق وبعثوا إلى سيف الدين غازى بخبره وقلة عسكره فأرسل إليه عسكرا فقبضوه وجاؤا به فحبسه بقلعة الموصل واستولى سيف الدين غازى على الموصل والجزيرة وأخوه نور الدين محمود على حلب ولحق به صلاح الدين الباغيسيانى فقام بدولته والله سبحانه وتعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده * (عصيان الرها) * ولما قتل الاتابك زنكى ملك الرها جوسكين كان جوسكين مقيما في ولايته بتل باشر وما جاورها فراسل أهل الرها وعامتهم من الارمن وحملهم على العصيان على المسلمين وتسليم البلد له فأجابوه وواعدوه ليوم عينوه فسار في عساكره وملك البلد وامتنعت القلعة وبلغ الخبر إلى نور الدين محمود وهو بحلب فأغذ السير إليها وأجفل جوسكين إلى بلده ونهب نور الدين المدينة وسبا أهلها وارتحلوا عنها وبعث سيف الدين غازى العساكر إليها فبلغهم في طريقهم ما فعله نور الدين فعادوا وذلك سنة احدى وأربعين ثم قصد صاحب دمشق بعد قتل الاتابك حصن بعلبك وبه نجم الدين أيوب بن شادى نائب الاتابك فابطأ عليه انجاد بنيه فصالح صاحب دمشق وسلم له بعلبك على اقطاع ومال أعطاه اياه وعشر قرى من بلاد دمشق وانتقل معه إلى دمشق فسكنها وأقام بها ثم سار نور الدين محمود سنة ثنتين وأربعين من حلب إلى الافرنج ففتح مدينة ارتاج عنوة وحاصر حصونا أخرى وكان الافرنج بعد قتل الاتابك يظنون أنهم يستردون ما أخذه منهم فبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون ولما قتل الاتابك زنكى طمع صاحب ماردين وصاحب كيفا أن يستردوا ما أخذ من بلادهم فلما تمكن سيف الدين غازى سار إلى أعمال ديار بكر فملك دارا وغيرها وتقدم إلى ماردين وحاصرها وعاث في نواحيها حتى ترحم صاحبها حسام الدين تمرتاش على الاتابك مع عداوته ثم أرسل إلى سيف الدين غازى وصالحه وزوجه بنته فعاد إلى الموصل وزفت إليه وهو مريض فهلك قبل زفافها وتزوجها أخوه قطب الدين من بعده والله أعلم * (مصاهرة سيف الدين غازى لصاحب دمشق وهزيمة نور الدين محمود للافرنج) * كان تقدم لنا في دولة بني طغركين موالى دقاق بن تتش أن ملك اللمان من الافرنج سار سنة ثلاث وأربعين وحاصر دمشق بجموع الافرنج وبها محيى الدين ارتق بن بورى بن محمد بن طغركين في كفالة معين الدين أنز مولى فبعث معين الدين إلى سيف الدين غازى بن أتابك زنكى بالموصل يدعوه إلى نصرة المسلمين فجمع عساكره وسار إلى الشأم واستدعى أخاه نور الدين من حلب ونزلوا على

[ 239 ]

حمص فأخذوا بحجزة الافرنج عن الحصار وقوى المسلمون بدمشق عليهم وبعث معين الدين إلى طائفتي الافرنج من سكان الشأم واللمان الواردين فلم يزل يضرب بينهم وجعل لافرنج الشأم حصن بانياس طعمة على أن يرحلوا بملك اللمانيين ففتلوا له في الذروة والغارب حتى رحل عن دمشق ورجع إلى بلاده وراء قسطنطينية بالشمال وحسن أمر سيف الدين غازى وأخيه في الدفاع عن المسلمين وكان مع ملك اللمان حين خرج إلى الشأم ابن ادفونش ملك الجلالقة بالاندلس وكان جده هو الذى ملك طرابلس الشأم من المسلمين حين خروج الافرنج إلى الشأم فلما جاء الآن مع ملك اللمان ملك حصن العريمة وأخذ في منازلة طرابلس ليملكها من القمص فأرسل القمص إلى نور الدين محمود ومعين الدين أنز وهما مجتمعان ببعلبك بعد رحيل ملك اللمانيين عن دمشق وأغراهما بابن ادفونش ملك الجلالقة واستخلاص حصن العريمة من يده فسارا لذلك سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وبعث إلى سيف الدين وهو بحمص فأمدهما بعسكر مع الامير عز الدين أبى بكر الديسى صاحب جزيرة ابن عمر وحاصروا حصن العريمة أياما ثم نقضوا سوره وملكوه على الافرنج وأسروا من كان به من الافرنج ومعهم ابن ادفونش وعاد إلى سيف الدين عسكره ثم بلغ نور الدين ان الافرنج تجمعوا في بيقو من أرض الشأم للاغارة على أعمال حلب فسار إليهم وقتلهم وهزمهم وأثخن فيهم قتلا وأسرا وبعث من غنائمهم وأسراهم إلى أخيه سيف الدين غازى والى المقتفى الخليفة انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم * (وفاة سيف الدين غازى وملك أخيه قطب الدين مودود) * ثم توفى سيف الدين غازى بن الاتابك زنكى صاحب الموصل منتصف أربع وأربعين وخمسمائة لثلاث سنين وشهرين من ولايته وخلف ولدا صغيرا ربى عند عمه نور الدين محمود وهلك صغيرا فانقرض عقبه وكان كريما شجاعا متسع المائدة يطعم بكرة وعشية مائة رأس من الغنم في كل نوبة وهو أول من حمل الصنجق على رأسه وأمر بتعليق السيوف بالمناطق وترك التوشح بها وحمل الدبوس في حلقة السرج وبنى المدارس للفقهاء والربط للفقراء ولما أنشده حيص بيص الشاعر يمدحه الام يراك المجد في زى شاعر * وقد نحلت شوقا اليك المنابر فوصله بألف مثقال سوى الخلع وغيرها ولما توفى سيف الدين غازى انتقض الوزير جمال الدين وأمير الجيوش زين الدين على وجاؤا بقطب الدين مودود وبادروا إلى تمليكه واستخلفوه وحلفوا له وركب إلى دار السلطنة وزين الدين في ركابه فبايعوا له

[ 240 ]

وأطاعه جميع من في أعمال أخيه بالموصل والجزيرة وتزوج الخاتون بنت حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين التى هلك أخوه قبل زفافها فكان ولده كلهم منها والله سبحانه وتعالى أعلم * (استيلاء السلطان محمود على سنجار) * ولما ملك قطب الدين مودود الموصل وكان أخوه نور الدين محمود بالشأم وكان أكبر منه وله حلب وحماة كاتبه جماعة من الامراء بعد أخيه غازى وفيمن كاتبه نائب سنجار المقدم عبد الملك فبادر إليه في سبعين فارسا من أمرائه وسبق أصحابه في يوم مطير إلى مساكن ودخل البلد ولم يعرفوا منه الا أنه أمير من جند التركمان ثم دخل على الشحنة بيته فقبل يده وأطاعه ولحق به أصحابه وساروا جميعا إلى سنجار وأغذ السير فقطع عنه أصحابه وتوصل إلى سنجار في فارسين ونزل بظاهر البلد وبعث إلى المقدم فوصله وكان قد سار إلى الموصل وترك ابنه شمس الدين محمدا بالقلعة فبعث في اثر أبيه وعاد من طريقه وسلم سنجار إلى نور الدين محمود فملكها واستدعى فخر الدين قرى ارسلان صاحب كبفالمودة بينهما فوصل في عساكره وبلغ الخبر إلى قطب الدين صاحب الموصل ووزيره جمال الدين وأمير جيشه زين الدين فساروا إلى سنجار للقاء نور الدين محمود وانتهوا إلى تل اعفر ثم خاموا عن لقائه وأشار الوزير جمال الدين بمصالحته وسار إليه بنفسه فعقد معه الصلح وأعاد سنجار على أخيه قطب الدين وسلم له أخوه مدينة حمص والرحبة والشأم فانفره بملك الشأم وانفرد أخوه قطب الدين بالجزيرة واتفقا وعاد نور الدين إلى حلب وحمل ما كان لابيهم الاتابك زنكى من الذخيرة لسنجار وكانت لا يعبر عنها والله تعالى أعلم * (غزو نور الدين إلى انطاكية وقتل صاحبها وفتح فاميا) * ثم غزا نور الدين سنة أربع وأربعين إلى انطاكية فعاث فيها وخرب كثيرا من حصونها وبينما هو يحاصر بعض الحصون اجتمع الافرنج وزحفوا إليه فلقيهم وحاربهم وأبلى في ذلك الموقف فهزم الافرنج وقتل البرلس صاحب انطاكية وكان من عتاة الافرنج وملك بعده ابنه سمند طفلا وتزوجت أمه برلس آخر بكفل ولدها ويدبر ملكها فغزاه نور الدين ولقوه فهزمهم وأسر ذلك البرلس الثاني وتمكن الطفل سمند من ملكه بانطاكية ثم سار نور الدين سنة خمس وأربعين إلى حصن فاميا بين شيزر وحماة وهو من أحسن القلاع فحاصره وملكه وشحنه حامية وسلاحا وأقواتا ولم يفرغ من أمره الا والافرنج الذى بالشام جمعوا وزحفوا إليه وبلغهم الخبر فخاموا عن اللقاء وصالحوه في المهادنة فعقد لهم انتهى

[ 241 ]

* (هزيمة نور الدين جوسكين وأسر جوسكين) * ثم جمع نور الدين بعد ذلك وسار غازيا إلى بلاد زعيم الافرنج وهى تل باشر وعنتاب وعذار وغيرها من حصون شمالى حلب فجمع جوسكين لمدافعته عنها ولقيه فاقتتلوا ومحص الله المسلمين واستشهد كثير منهم وأسر آخرون وفيهم صاحب صلاح نور الدين فبعثه جوسكين إلى الملك مسعود بن قليج ارسلان يعيره به لمكان صهره نور الدين على ابنته فعظم ذلك عليه وأعمل الحيلة في جوسكين وبذل المال لاحياء التركمان البادين بضواحيه أن يحتالوا في القبض عليه ففعلوا وظفر به بعضهم فشاركهم في اطلاقه على مال وبعث من يأتي به وشعر بذلك وإلى حلب أبو بكر بن الرامة فبعث عسكرا ليسوا من ذلك الحى جاؤا بجوسكين أسيرا إلى حلب وثار نور الدين إلى القلاع فملكها وهى تل باشر وعنتاب وعذار وتل خالد وقورص وداوندار ومرج الرصاص وحصن النادة وكفرشود وكفر لات ودلوكا ومرعش ونهر الجود وشحنها بالاقوات وزحف إليه الافرنج ليدافعوه فلقيهم على حصن جلدك وانهزم الافرنج وأثخن المسلمون فيهم بالقتل والاسر ورجع نور الدين إلى دلوكا ففتحها وتأخر فتح تل باشر منها إلى أن ملك نور الدين دمشق واستأمنوا إليه وبعث إليهم حسان المنبجى فتسلمها منهم وحصنها وذلك في سنة تسع وأربعين وخمسمائة والله سبحانه وتعالى أعلم * (استيلاء نور الدين على دمشق) * كان الافرنج سنة ثمان وأربعين قد ملكوا عسقلان من يد العلوية خلفاء مصر واعترضت دمشق بين نور الدين وبينهما فلم يجد سبيلا إلى المدافعة عنها واستطال الافرنج على دمشق بعد ملكهم عسقلان ووضعوا عليها الجزية واشترطوا عليهم تخيير الاسرى الذين بأيديهم في الرجوع إلى وطنهم وكان بها يومئذ مجير الدين انز بن محمد ابن بورى بن طغركين الاتابك واهن القوى مستضعف القوة فخشى نور الدين عليها من الافرنج وربما ضايق مجير الدين بعض الملوك من جيرانه فيفزع إلى الافرنج فيغلبون عليه وأمعن النظر في ذلك وبدأ أمره بمواصلة مجير الدين وملاطفته حتى استحكمت المودة بينهما حتى صار يداخله في أهل دولته ويرميهم عنده أنهم كاتبوه فيوقع الآخر بهم حتى هدم أركان دولته ولم يبق من أمرائه الا الخادم عطاء بن حفاظ وكان هو القائم بدولته فغص به نور الدين وحال بينه وبين دمشق فأغرى به صاحبه مجير الدين حتى نكبه وقتله وخلت دمشق من الحامية فسار حينئذ نور الدين مجاهرا بعداوة مجير الدولة ومتجنيا عليه واستنجد بالافرنج على أن يعطيهم الاموال ويسلم لهم بعلبك

[ 242 ]

فجمعوا واحتشدوا وفى خلال ذلك عمد نور الدين إلى دمشق سنة سبع وأربعين وكاتب جماعة من احداثها ووعدهم من أنفسهم فلما وصل ثاروا بمجير الدين ولجأ إلى القلعة وملك نور الدين المدينة وحاصره بالقلعة وبذل له اقطاعا منها مدينة حمص فسار إليها مجبر الدين وملك نور الدين القلعة ثم عوضه عن حمص ببالس فلم يرضها ولحق ببغداد وابتنى بها دارا وأقام بها إلى أن توفى والله سبحانه وتعالى أعلم * (استيلاء نور الدين على تل باشر وحصاره قلعة حارم) * ولما فرغ نور الدين من أمر دمشق بعث إليه الافرنج الذين في تل باشر في شمالى حلب واستأمنوا إليه ومكنوه من حصنهم فتسلمه حسان المنبجى من كبراء أمراء نور الدين سنة تسع وأربعين ثم سار سنة احدى وخمسين إلى قلعة بهرام بالقرب من انطاكية وهى لسمند أمير انطاكية من الافرنج فحاصرها واجتمع الافرنج لمدافعته ثم خاموا عن لقائه وصالحوه على نصف أعمال حارم فقبل صلحهم ورحل عنها والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق بمنه وكرمه * (استيلاء نور الدين على شيزر) * شيزر هذه حصن قريب من حماة على نصف مرحلة منها على جبل منيع عال لا يسلك إليه الا من طريق واحدة وكانت لبنى منقذ الكنانيين يتوارثون ذلك من أيام صالح ابن مرداس صاحب حلب من أعوام عشرين وأربعمائة إلى أن انتهى ملكه إلى المرهف نصر بن على بن نصير بن منقذ بعد أبيه أبى الحسن على فلما حضره الموت سنة تسعين وأربعمائة عهد لاخيه أبى سلمة بن مرشد وكان عالما بالقراآت والادب وولى مرشد أخاه الاصغر سلطان بن على وكان بينهما من الاتفاق والملاءمة ما لم يكن بين اثنين ونشأ لمرشد بنون كثيرون وفي السودد منهم عز الدولة أبو الحسن على ومؤيد الدولة أسامة وولده على وتعدد ولده ونافسوا بنى عمهم وفشت بينهم السعايات فتماسكوا لمكان مرشد والتئامه بأخيه فلما مات مرشد سنة احدى وثلاثين وخمسمائة تنكر اخوه سلطان لولده وأخرجهم من شيزر فتفرقوا وقصد بعضهم نور الدين فامتعض لهم وكان مشتغلا عنهم بالافرنج ثم توفى سلطان وقام بأمر شيزر أولاده وراسلوا الافرنج فحنق نور الدين عليهم لذلك ثم وقعت الزلازل بالشأم وخرب أكثر مدنه مثل حماة وحمص وكفر طاب والمعرة وافامية وحصن الاكراد وعرقة ولاذقية وطرابلس وانطاكية هذه سقطت جميعها وتهدمت سنة ثنتين وخمسين وما سقط بعضه وتهدمت أسواره فأكثر بلاد الشأم وخشى نور الدين عليها من الافرنج فوقف بعساكره

[ 243 ]

في أطراف البلاد حتى رم ما تثلم من أسوارها وكان بنو منقذ أمراء شيزر قد اجتمعوا عند صاحبها منهم في دعوة فأصابتهم الزلزلة مجتمعين فسقطت عليهم القلعة ولم ينج منهم أحد وكان بالقرب منها بعض أمراء نور الدين فبادر وصعد إليها وملكها منه نور الدين ورم ما تثلم من أسوارها وجدد بناءها فعادت كما كانت هكذا قال ابن الاثير وقال ابن خلكان وفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة استولى بنو منقذ على شيزر من يد الروم والذى تولى فتحها منهم على بن منقذ بن نصر بن سعد وكتب إلى بغداد بشرح الحال ما نصه كتابي من حصن شيزر حماه الله وقد رزقني الله من الاستيلاء على هذا المعقل العظيم ما لم يتأت لمخلوق في هذا الزمان وإذا عرف الامر على حقيقته علم أنى هزبر هذه الامة وسليمان الجن والمردة وأنا أفرق بين المرء وزوجه وأستنزل القمر من محله أنا أبو النجم وشعرى شعرى نظرت إلى هذا الحصن فرأيت أمرا يذهل الالباب يسع ثلاثة آلاف رجل بالاهل والمال وتمسكه خمس نسوة فعمدت إلى تل بينه وبين حصن الروم يعرف بالحواص ويسمى هذا التل بالحصن فعمرته حصنا وجمعت فيه أهلى وعشيرتي ونفرت نفرة على حصن الحواص فأخذته بالسيف من الروم ومع ذلك فلما أخذت من به من الروم أحسنت إليهم وأكرمتهم ومزجتهم بأهلى وعشيرتي وخلطت خنازيرهم بغنمي ونواقيسهم بصوت الاذان ورأى أهل شيزر فعلى ذلك فأنسوا بى ووصل إلي منهم قريب من نصفهم فبالغت في اكرامهم ووصل إليهم مسلم بن قريش العقيلى فقتل من أهل شيزر نحو عشرين رجلا فلما انصرف مسلم عنهم سلموا إلي الحصن انتهى كتاب على بن منقذ وبين هذا الذى ذكره ابن خلكان والذى ذكره ابن الاثير نحو خمسين سنة وما ذكره ابن الاثير أولى لان الافرنج لم يملكوا من الشأم شيأ في أوائل المائة الخامسة والله سبحانه وتعالى أعلم * (استيلاء نور الدين على بعلبك) * كانت بعلبك في يد الضحاك البقاعي نسبة إلى بقاعة والآن عليها صاحب دمشق فلما ملك نور الدين دمشق امتنع ضحاك ببعلبك وشغل نور الدين عنه بالافرنج فلما كانت سنة ثنتين وخمسين استنزله نور الدين عنها وملكها والله أعلم * (استيلاء أخى نور الدين على حران ثم ارتجاعها) * كان نور الدين سنة أربع وخمسين وخمسمائة بحلب ومعه أخوه الاصغر أمير أميران فمرض نور الدين بالقلعة واشتد مرضه فجمع أخوه وحاصر قلعة حلب وكان شيركوه ابن شادى أكبر أمرائه بحمص فلما بلغه الازحاف سار إلى دمشق ليملكها وعليها

[ 244 ]

أخوه نجم الدين أيوب فنكر عليه وأمره بالمسير إلى حلب حتى يتبين حياة نور الدين من موته فأغذ السير الى حلب وصعد القلعة وأظهر نور الدين للناس من سطح مشرف فافترقوا عن أخيه أمير أميران فسار إلى حران فملكها فلما أفاق نور الدين سلمها إلى زين الدين على كچك نائب أخيه قطب الدين بالموصل وسار إلى الرقة فحاصرها والله تعالى ولى التوفيق * (خبر سليمان شاه وحبسه بالموصل ثم مسيره منها إلى السلطنة بهمذان) * كان الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد بن ملك شاه عند عمه السلطان سنجر بخراسان وقد عهد له بملكه وخطب باسمه على منابر خراسان فلما حصل سنجر في أسر العدو سنة ثمان وأربعين وخمسمائة كما مر في أخبار دولتهم واجتمعت العساكر على سليمان شاه هذا وقدموه فلم يطق مقاومة العدو فمضى إلى خوارزم شاه وزوجه ابنة أخيه ثم بلغه عنه ما ارتاب له فأخرجه من خوارزم وقصد اصبهان فمنعه الشحنة من الدخول فقصد قاشان فبعث إليه محمد شاه ابن أخيه محمود عسكرا دافعوه عنها فسار إلى خراسان فمنعه ملك شاه منها فقصد النجف ونزل وأرسل للخليفة المستنصر وبعث أهله وولده رهنا بالطاعة واستأذن في دخول بغداد فأكرمهم الخليفة وأذن له وخرج ابن الوزير ابن هبيرة لتلقيه في الموكب وفيه قاضى القضاة والتقيا ودخل بغداد وخلع عليه آخر سنة خمسين وبعد أيام أحضر بالقصر واستخلف بحضرة قاضى القضاة والاعيان وخطب له ببغداد ولقب ألقاب أبيه وأمر بثلاثة آلاف فارس وسار نحو بلاد الجبل في ربيع سنة احدى وخمسين ونزل الخليفة حلوان واستنفر له ابن أخيه ملك شاه صاحب همذان فقدم إليه في ألفى فارس وجعله سليمان شاه ولى عهده وأمدهما الخليفة بالمال والسلاح ولحق بهما ابلدكز صاحب الرى فكثرت جموعهم وبعث السلطان محمد إلى قطب الدين مودود صاحب الموصل وزين الدين كچك على نائبه في المظاهرة والانجاد وسار إلى لقاء سليمان شاه فانهزم وتمزق عسكره وفارقه ابلدكز فذهب إلى بغداد على طريق شهرزور وبلغ خبر الهزيمة إلى زين الدين على كچك فخرج في جماعة من عسكر الموصل وقعد له بشهرزور ومعه الامير ايراق حتى مر بهم سليمان شاه فقبض عليه زين الدين وحمله إلى الموصل فحبسه بها مكرما وطير إلى السلطان محمود بالخبر فلما هلك السلطان محمود بن محمد سنة خمس وخمسين أرسل أكابر الامراء من همذان إلى قطب الدين اتابك وزيره وزيرا له وتعاهدوا على ذلك وجهزه قطب الدين جهاز الملك وسار معه زين الدين على كچك في عسكر الموصل إلى همذان فلما قاربوا بلاد الجبل تتابعت العساكر والامداد للقائهم ارسالا واجتمعوا على سليمان

[ 245 ]

شاه وجروا معه على مذاهب الدولة فخشيهم زين الدين على نفسه وفارقهم إلى الموصل وسار سليمان شاه إلى همذان فكان من أمرهم ما تقدم في أخبار الدولة السلجوقية * (حصار قلعة حارم وانهزام نور الدين امام الافرنج ثم هزيمتهم وفتحها) * ثم جمع نور الدين محمود عساكر حلب وحاصر الافرنج بقلعة حارم وجمعوا لمدافعته ثم خاموا عن لقائه ولم يناجزوه وطال عليه أمرها فعاد عنها ثم جمع عساكره وسار سنة ثمان وخمسين معتزما على غزو طرابلس وانتهى إلى البقيعة تحت حصن الاكراد فكبسهم الافرنج هنالك وأثخنوا فيهم ونجا نور الدين في الفل إلى بحيرة مرس قريبا من حمص ولحق به المنهزمون وبعث إلى دمشق وحلب في الاموال والخيام والظهر وأزاح علل العسكر وعلم الافرنج بمكان نور الدين من حمص فنكبوا عن قصدها وسألوه الصلح فامتنع فأنزلوا حاميتهم بحصن الاكراد ورجعوا وفى هذه الغزاة عزل نور الدين رجلا يعرف بابن نصرى تنصح له بكثرة خرجه بصلاته وصدقاته على الفقراء والفقهاء والصوفية والقراء إلى مصارف الجهاد فغضب وقال والله لا أرجو النصر الا بأولئك فانهم يقاتلون عنى بسهام الدعاء في الليل وكيف أصرفها عنهم وهى من حقوقهم في بيت المال ذلك شئ لا يحل لى ثم أخذ في الاستعداد للاخذ بثاره من الافرنج وسار بعضهم إلى ملك مصر فأراد ان يخالفهم إلى بلادهم فبعث إلى أخيه قطب الدين مودود صاحب الموصل وإلى فخر الدين قرا ارسلان صاحب كيفا وإلى نجم الدين والى صاحب ماردين بالنجدة فسار من بينهم أخوه قطب الدين وفي مقدمته زين الدين على كچك صاحب جيشه ثم تبعه صاحب كيفا وبعث نجم الدين عسكره فلما توافت الامداد سار نور الدين نحو حارم سنة تسع وخمسين فحاصرها ونصب عليها المجانيق واجتمع من بقى بالساحل من ملوك الافرنج ومقدمهم البرنس سمند صاحب انطاكية والقمص صاحب طرابلس وابن جوسكين واستنفر لهم أمم النصرانية وقصدوه فأفرج عن حارم إلى ارتاج ثم خاموا عن لقائه وعادوا إلى حصن حارم وسار في اتباعهم وناوشهم الحرب فحملوا على عساكر حلب وصاحب كيفا في ميمنة المسلمين فهزموها ومروا في اتباعهم وحمل زين الدين في عساكر الموصل على الصف فلقيه الرجل فأثخن فيهم واستلحمهم وعاد الافرنج من اتباع الميمنة فسقط في أيديهم ودارت رحا الحرب على الافرنج فانهزموا ورجع المسلمون من القتل إلى الاسر فأسروا منهم أمما فيهم سمند صاحب انطاكية والقمص صاحب طرابلس وبعث السرايا في تلك الاعمال بقصد انطاكية لخلوها من الحامية فأبى وفال أخشى أن يسلمها أصحابها لملك الروم فان سمند ابن أخته ومجاورته أحق إلي من مجاورة ملك الروم ثم عاج على قلعة حارم فحاصرها وافتتحها ورجع مظفرا والله

[ 246 ]

يؤيد بنصره من يشاء من عباده * (فتح نور الدين قلعة بانياس) * ولما افتتح نور الدين قلعة حارم أذن لعسكر الموصل وحصن كيفا بالانطلاق إلى بلادهم وعزم على منازلة بانياس وكانت بيد الافرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ثم ورى عنها بقصد طبرية فصرف الافرنج همتهم إلى حمايتها وخالف هو إلى بانياس لقلة حاميتها فحاصرها وضيق عليها في ذى الحجة من سنة تسع وخمسين وكان معه أخوه نصير الدين أمير أميران فأصيب بسهم في احدى عينيه وأخذ الافرنج في الجمع لمدافعته فلم يستكملوا أمرهم حتى فتحها وشحن قلعتها بالمقاتلة والسلاح وخافه الافرنج فشاطروه في أعمال طبرية وضرب عليهم الجزية في الباقي ووصل الخبر بفتح حارم وبانياس إلى ملوكهم الذين ساروا إلى مصر فسبقهم بالفتح وعاد إلى دمشق ثم سار سنة احدى وستين متجردا إلى حصن المنيطرة فنازلهم على غرة وملكه عنوة ولم يجتمع الافرنج الا وقد ملكه فافترقوا ويئسوا من ارتجاعه والله تعالى أعلم [ وفادة شاور وزير العاضد بمصر على نور الدين العادل صريخا وانجاده بالعسكر مع أسد الدين شيركوه ] كانت دولة العلويين بمصر قد أخذت في التلاشى وصارت إلى استبداد وزرائها على خلفائها وكان من آخر المسلمين بها شاور السعدى استعمله الصالح بن زربك على قوص وندم فلما هلك الصالح بن زربك وكان مستبدا على الدولة قام ابنه زربك مقامه فعزل شاور عن قوص فم يرض بعزله وجمع وزحف إلى القاهرة فملكها وقتل زربك واستبد على العاضد ولقبه أمير الجيوش وكانت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ثم نازعه الضرغام وكان صاحب الباب ومقدم البرقية فثار عليه لسبعة أشهر من وزارتا وأخرجه من القاهرة فلحق بالشأم وقصد نور الدين محمود بن زنكى مستنجدا به على أن يكون له ثلث الجباية بمصر ويقيم عسكر نور الدين بها مددا له فاختار من أمرائه لذلك أسد الدين شيركوه بن شادى الكردى وكان بحمص وجهزه بالعساكر فسار لذلك في جمادى سنة تسع وخمسين واتبعه نور الدين إلى أطراف بلاد الافرنج فشغلهم عن التعرض للعساكر وسار أسد الدين مع شاور وسار معه صلاح الدين ابن أخيه نجم الدين أيوب وانتهوا إلى بلبيس فلقيهم ناصر الدين أخو الضرغام في عساكر مصر فانهزم ورجع إلى القاهرة واتبعه أسد الدين فقتله عند مشهد السيدة نفيسة رضى الله تعالى عنها وقتل أخوه وعاد شاور إلى وزارته وأقام أسد الدين بظاهر القاهرة ينتظر

[ 247 ]

الوفاء بالعهد من شاور بما عاهد عليه نور الدين فنكث شاور العهد وبعث إليه بالرجوع إلى بلده فلج في طلب ضريبته ورحل إلى بلبيس والبلاد الشرقية فاستولى عليها واستمد شاور عليه بالافرنج فبادروا إلى ذلك لما كان في نفوسهم من تخوف غائلته وطمعوا في ملك مصر وسار نور الدين من دمشق ليأخذ بحجرتهم على المسير فلم يثنهم ذلك وتركوا ببلادهم حامية فلما قاربوا مصر فارقها أسد الدين واجتمع الافرنج وعساكر مصر فحاصروه ثلاثة أشهر يغاديهم القتال ويراوحهم وجاءهم الخبر بهزيمة الافرنج على حارم وما هيأ الله لنور الدين في ذلك فراسلوا أسد الدين شيركوه في الصلح وطووا عنه الخبر فصالحهم وخرج ولحق بالشأم ووضع له الافرنج المراصد بالطريق فعدل عنها ثم أعاده نور الدين إلى مصر سنة ثنتين وستين فسار بالعساكر في ربيع ونزل اطفيح وعبر النيل وجاء إلى القاهرة من جانبها الغربي ونزل الجيزة في عدوة النيل وحاصرها خمسين يوما واستمد شاور بالافرنج وعبر إلى أسد الدين فتأخر إلى الصعيد ولقيهم منتصف السنة فهزمهم وسار إلى ثغر الاسكندرية فملكها وولى عليها صلاح الدين ابن أخيه ورجع فدوخ بلاد الصعيد وسارت عساكر مصر والافرنج إلى الاسكندرية وحاصروا بها صلاح الدين فسار إليه أسد الدين فتلقوه بطلب الصلح فتم ذلك بينهم وعاد إلى الشأم وترك لهم الاسكندرية وكاتب شجاع بن شاور نور الدين بالطاعة عنه وعن طائفة من الامراء ثم استطال الافرنج على أهل مصر وفرضوا عليهم الجزية وأنزلوا بالقاهرة الشحنة وتسلموا أبوابها واستدعوا ملكهم بالشأم إلى الاستيلاء عليها فبادر نور الدين وأعاد أسد الدين في العساكر إليها في ربيع سنة أربع وستين فملكها وقتل شاور وطرد الافرنج عنها وقدمه العاضد لوزارته والاستبداد عليه كما كان من قبله ثم هلك أسد الدين وقام صلاح الدين ابن أخيه مكانه وهو مع ذلك في طاعة نور الدين محمود وهلك العاضد فكتب نور الدين إلى صلاح الدين يأمره باقامة الدعوة العباسية بمصر والخطبة للمستضئ ويقال انه كتب له بذلك في حياة العاضد وبين يدى وفاته وهلك لخمسين يوما أو نحوها فخطب للمستضئ العباسي وانقرضت الدولة العلوية بمصر وذلك سنة سبع وستين كما نأتى على شرحه وتفصيله في دولة بني أيوب ان شاء الله تعالى ووقعت خلال ذلك فتنة بين نور الدين محمود وبين صاحب الروم قليج ارسلان بن مسعود بن قليج ارسلان سنة ستين وخمسمائة وكتب الصالح بن زربك إلى قليج ارسلان ينهاه عن الفتنة الله تعالى ولى التوفيق * (فتح نور الدين صافيتا وعريمة ومنبج وجعبر) * ثم جمع نور الدين عساكره سنة ثنتين وستين واستدعى أخاه قطب الدين من الموصل فقدم

[ 248 ]

عليه بحمص ودخلوا جميعا بلاد الافرنج ومروا بحصن الاكراد واكتسحوا نواحيه ثم حاصروا عرقة وخربوا جكة وفتحوا العريمة وصافيتا وبعثوا سراياهم فعاثت في البلاد ورجعوا إلى حمص فأقاموا بها إلى رمضان وانتقلوا إلى بانياس وقصدوا حصن حموص فهرب عنه الافرنج فهدم نور الدين سوره وأحرقه واعتزم على بيروت فرجع عنه أخوه قطب الدين إلى الموصل وأعطاه نور الدين من عمله الرقة على الفرات ثم انتقض بمدينة منبج غازى بن حسان وبعث إليها العساكر فملكها عنوة وأقطعها أخاه قطب الدين نيال بن حسان وبقيت بيده إلى ان أخذها منه صلاح الدين بن أيوب ثم قبض بنو كلاب على شهاب الدين ملك بن على بن مالك العقيلى صاحب قلعة جعبر وكانت تسمى دوس ثم سميت باسم جعبر بانيها وكان السلطان ملك شاه أعطاها لجده عندما ملك حلب كما مر في أخباره ولم تزل بيده ويد عقبه إلى أن هلك هذا فخرج يتصيد سنة ثلاث وستين وقد أرصد له بنو كلاب فأسروه وحملوه إلى نور الدين محمود صاحب دمشق فاعتقله مكرما وحاوله في النزول عن جعبر بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى فأبى وبعث بالعساكر مع الامير فخر الدين محمود بن أبى على الزعفراني وحاصرها مدة فامتنعت فبعث عسكرا آخر وقدم على الجميع الامير فخر الدين أبا بكر ابن الداية رضيعه وأكبر أمرائه فحاصرها فامتنعت ورجع إلى ملاطفة صاحبها فأجاب وعوضه نور الدين عنها سروج وأعمالها وساحة حلب ومراغة وعشرين ألف دينار وملك قلعة جعبر سنة أربع وستين وانقرض أمر بني مالك منها والبقاء لله وحده * (رحلة زين الدين نائب الموصل إلى اربل واستبداد قطب الدين بملكه) * قد كان تقدم لنا أن نصير الدين جقرى كان نائب الاتابك زنكى بالموصل وقتل البارسلان ابن السلطان محمود آخر سنة تسع وثلاثين وخمسمائة طمعا في الملك لغيبة الاتابك فرجع من غيبته في حصار البيرة وقدم مكانه زين الدين على بن كمستكين بقلعة الموصل فلم يزل بها بقية أيام الاتابك وأيام ابنه غازى وابنه الآخر قطب الدين سنة ثمان وخمسين على وزيرهم جمال الدين محمد بن على بن منصور الاصبهاني فاعتقله وهلك لسنة من الاعتقال وحمل إلى المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم فدفن بها في رباط هناك أعده لذلك وكانت وفاته أيام سيف الدين غازى بن قطب الدين فولى مكانه جلال الدين أبا الحسن ابنه وكان زين الدين على بن كمستكين ويعرف بكچك قد استبد في دولة قطب الدين واستغل بحكم الدولة وصارت بيده أكثر البلاد اقطاع مثل اربل وشهرزور والقلاع التى في تلك البلاد الهكارية منها العمادية وغيرها والحميدية وتكريت وسنجار وقد كان نقل أهله وولده وذخائره إلى اربل وأقام بمحل

[ 249 ]

نيابته من قلعة الموصل فأصابه الكبر وطرقه العمى والصمم فعزم على مفارقة الموصل إلى كسر بيته باربل فسلم جميع البلاد التى بيده إلى قطب الدين ما عدا اربل وسار إليها سنة أربع وستين وأقام قطب الدين مكانه فخر الدين عبد المسيح خصيا من موالى جده الاتابك زنكى وحكمه في دولته فنزل بالقلعة وعمرها وكان الخراب قد لحقها باهمال زين الدين أمر البناء والله تعالى أعلم * (حصار نور الدين قلعة الكرك) * ثم بعث صلاح الدين سنة خمس وستين إلى نور الدين محمود يطلب انفاذ أبيه نجم الدين أيوب إليه فبعثه في عسكر واجتمع إليه خلق من التجار ومن أصحاب صلاح الدين وخشى عليهم نور الدين في طريقهم من الافرنج فسارت العساكر إلى الكرك وهو حصن اختطه من الافرنج البرلس ارقاط واختط له قلعة فحاصره نور الدين وجمع له الافرنج فرحل إلى مقدمتهم قبل أن يتلاحقوا فخاموا عن لقائه ونكصوا على أعقابهم وسار في بلادهم فاكتسحها وخرب ما مر به من القلاع وانتهى إلى بلاد المسلمين حتى نزل حوشب وبعث نجم الدين من هنالك إلى مصر فوصلها منتصف خمس وستين وركب العاضد للقائه ولما كان نور الدين بعشيرا سار للقاء شهاب الدين محمد بن الياس بن أبى الغازى بن ارتق صاحب قلعة أكبره فلما انتهى إلى نواحى بعلبك لقى سرية من الافرنج فقاتلهم وهزمهم واستلحمهم وجاء بالاسرى ورؤس القتلى إلى نور الدين وعرف الرؤس مقدم الاستبان صاحب حصن الاكراد وكان شحى في قلوب المسلمين وبلغه وهو بهذا المنزل خبر الزلازل التى عمت البلاد بالشأم والموصل والجزيرة والعراق وخربت أكثر البلاد بعمله فسار إليها وشغل في اصلاحها من واحدة إلى أخرى حتى أكملها بمبلغ جهده واشتغل الافرنج بعمارة بلادهم أيضا خوفا من غائلته والله تعالى أعلم * (وفاة قطب الدين صاحب الموصل وملك ابنه سيف الدين غازى) * ثم توفى قطب الدين مودود بن الاتابك زنكى صاحب الموصل في ذى الحجة سنة خمس وستين لاحدى وعشرين سنة ونصف من ملكه وعهد لابنه الاكبر عماد الدين بالملك وكان القائم بدولته فخر الدين عبد المسيح وكان شديد الطواعية لنور الدين محمود ويعلم ميله عن عماد الدين زنكى بن مودود فعدل عنه إلى أخيه سيف الدين غازى بن مودود بموافقة أمه خاتون بنت حسام الدين تمرتاش بن أبى الغازى ولحق عماد الدين بعمه نور الدين منتصرا به وقام فخر الدين عبد المسيح بتدبير الدولة بالموصل واستبد بها والله

[ 250 ]

تعالى أعلم * (استيلاء نور الدين على الموصل واقراره ابن أخيه سيف الدين عليها) * ولما ولى سيف الدين غازى بالموصل بعد أبيه قطب الدين واستبد عليه فخر الدين عبد المسيح كما تقدم وبلغ الخبر إلى نور الدين باستبداده أنف من ذلك وسار في خف من العسكر وعبر الفرات عند جعفر أول سنة ست وستين وقصد الرقة فملكها ثم الخابور فملك جميعه ثم نصيبين وكلها من أعمال الموصل وجاءه هناك نور الدين محمد بن قرا ارسلان ابن داود بن سقمان صاحب كيفا مددا ثم سار إلى سنجار فحاصرها وملكها وسلمها لعماد الدين ابن أخيه قطب الدين ثم جاءته كتب الامراء بالموصل فاستحثوه فأغذ السير إلى مدينة كلك ثم عبر الدجلة ونزل شرقي الموصل على حصن نينوى ودجلة بينه وبين الموصل وسقطت ذلك اليوم ثلمة كبيرة من سور الموصل وكان سيف الدين غازى قد بعث أخاه عز الدين مسعود إلى الاتابك شمس الدين صاحب همذان وبلاد الجبل واذربيجان واصبهان والرى يستنجده على عمه نور الدين فأرسل ابلدكز إلى نور الدين ينهاه عن الموصل فأساء جوابه وتوعده وأقام يحاصر الموصل ثم اجتمع أمراؤها على طاعة نور الدين ولما استحث فخر الدين عبد المسيح استأمن إلى نور الدين على أن يبقى سيف الدين ابن أخيه على ملكها فأجابه على أن يخرج هو عنه ويكون معه بالشأم وتم ذلك بينهما وملك نور الدين منتصف جمادى الاولى من سنة ست وستين ودخل المدينة واستناب بالقلعة خصيا اسمه كمستكين ولقبه سعد الدين فأقر سيف الدين ابن أخيه على ملكه وخلع عليه خلعة وردت عليه من الخليفة المستضئ وهو يحاصرها وأمر ببناء جامع بالموصل فبنى وشهر باسمه وأمر سيف الدين أن يشاور كمستكين في جميع أموره وأقطع مدينة سنجار لعماد الدين ابن أخيه قطب الدين وعاد إلى الشأم والله تعالى أعلم * (الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين) * ثم سار صلاح الدين في صفر سنة تسع وستين من مصر إلى بلاد الافرنج غازيا ونازل حصن الشويك من أعمال واستأمن إليه أهله على أن يمهلهم عشرة أيام فأجابهم وسمع نور الدين بذلك فسار من دمشق غازيا أيضا بلاد الافرنج من جانب آخر وتنصح لصلاح الدين أصحابه بأنك ان ظاهرته على الافرنج اضمحل أمرهم فاستطال عليك نور الدين ولا تقدر على الامتناع منه فترك الشريك وكر راجعا إلى مصر وكتب لنور الدين يعتذر له بأنه بلغه عن بعض سفلة العلويين بمصر أنهم معتزمون على الوثوب فلم يقبل نور الدين عذره في ذلك واعتزم على عزله عن مصر فاستشار صلاح

[ 251 ]

الدين أباه وخاله شهاب الدين الحارمى وقرابتهم فأشار عليه تقى الدين عمر بن أخيه بالامتناع والعصيان فنكر عليه نجم الدين أبوه وقال له ليس منا من يقوم بعصيان نور الدين لو حضر أو بعث وأشار عليه بأن يكاتبه بالطاعة وأنه ان عزم على أخذ البلاد منك فسلمها ويصل بنفسه وافترق المجلس فخلا به أبوه وقال مالك توجد بهذا الكلام السبيل للامراء في استطالتهم عليك ولو فعلتم ما فعلتم كنت أول الممتنعين عليه ولكن ملاطفته أولى وكتب صلاح الدين إلى نور الدين بما أشار به أبوه من الملاطفة فتركهم نور الدين وأعرض عن قصدهم ثم توفى واشتغل صلاح الدين بملك البلاد ثم جمع نور الدين العساكر وسار لغزو الافرنج بسبب ما أخذوه لاهل البلاد من مراكب التجار ونكثوا فيها العهد مغالطين بأنها تكسرت فلم يقبل مغالطتهم وسار إليهم وبث السرايا في بلادهم نحو انطاكية وطرابلس وحاصر هو حصن عرقة وخرب ربضه وأرسل عسكرا إلى حصن صافيتا وعريمة ففتحهما عنوة وخربهما ثم سار من عرقة إلى طرابلس واكتسح كل ما مر عليه حتى رجع الافرنج إلى الانصاف من أنفسهم وردوا ما أخذوا من المكرمين الاعزين وسألوا تجديد الهدنة فأجابهم بعد أن خربت بلادهم وقتلت رجالهم وغنمت أموالهم ثم اتخذ نور الدين في هذه السنة الحمام بالشأم تطيرا إلى أو عارها من لاتساع بلاده ووصول الاخبار بسرعة فبادر إلى القيام بواجبه وأجرى الجرايات على المرتبين لحفظها لتصل الكتب في أجنحتها ثم أغار الافرنج على حوران من أعمال دمشق وكان نور الدين بمنزل الكسوة فرحل إليهم ورحلوا أمامه إلى السواد وتبعهم المسلمون ونالوا منهم ونزل نور الدين على عشيرا وبعث منها سرية إلى أعمال طبرية فاكتسحها وسار الافرنج لمدافعتهم فرجعوا عنها واتبعهم الافرنج فعبروا النهر وطمعوا في استنقاذ غنائمهم فقاتلهم المسلمون دونها أشد قتال إلى أن استنقذت وتحاجزوا ورجع الافرنج خائبين والله تعالى ينصر المسلمين على الكافرين بمنه وكرمه * (واقعة ابن ليون ملك الارمن بالروم) * كان مليح بن ليون صاحب دروب حلب أطاع نور الدين محمود بن زنكى وأمره على الحمالة وأقطعه ببلاد الشأم وكان يسير في خدمته ويشهد حروبه مع الافرنج أهل ملته وكان الارمني أيضا يستظهر به على أعدائه وكانت أذنة والمصيصة وطرسوس مجاورة لابن ليون وهى بيد ملك الروم صاحب القسطنطينية فتغلب عليها ابن ليون وملكها وبعث صاحب القسطنطينية منتصف سنة ثمان وستين وخمسمائة جيشا كثيفا مع عظيم من بطارقته فلقيه ابن ليون بعد أن استنجد نور الدين فأنجده بالعساكر وقاتلهم

[ 252 ]

فهزمهم وبعث بغنائمهم وأسراهم إلى نور الدين وقويت شوكة ابن ليون ويئس الروم من تلك البلاد والله تعالى أعلم * (مسير نور الدين إلى بلاد الروم) * كان ذو النون بن محمد بن الدانشمند صاحب ملطية وسيواس واخصرى وقيسارية ملكها بعد عمه باغى ارسلان وأخيه ابراهيم بن محمد فلم يزل قليج ارسلان بن محمد بن قليج ارسلان يتخيف بلاده إلى أن استولى عليها ولحق ذو النون بنور الدين صريخا وأرسل إلى قليج ارسلان بالشفاعة في رد بلاده فلم يشفعه فسار إليه وملك من بلاده بكسور ومهنسا ومرعش ومرزبان وما بينهما في ذى القعدة سنة ثمان وستين ثم بعث عسكرا إلى سيواس فملكوها ثم أرسل قليج ارسلان إلى نور الدين يستعطفه وقد كان يجيز امامه إلى قاصية بلاده فأجابه نور الدين إلى الصلح على أن ينجده بعسكر الافرنج ويبقى سيواس بيد ذى النون وعسكر نور الدين الذى معه فيها ورجع نور الدين إلى بلاده وبقيت سيواس بيد ذى النون حتى مات نور الدين وعاد قليج ارسلان ثم وصل رسول نور الدين من بغداد كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله الشهرزورى ومعه منشور من الخليفة المستضئ لنور الدين بالموصل والجزيرة واربل وخلاط والشأم وبلاد الروم وديار مصر والله سبحانه وتعالى أعلم * (مسير صلاح الدين إلى الكرك ورجوعه) * ولما كانت الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين كما قدمناه واعتزم نور الدين على عزله عن مصر واستعطفه صلاح الدين كان فيما تقرر بينهما أنهما يجتمعان على الكرك وأيهما سبق انتظر صاحبه فسار صلاح الدين من مصر في شوال سنة ثمان وستين وسبق إلى الكرك وحاصره وخرج نور الدين بعد أن بلغه مسير صلاح الدين من مصر وأزاح علل العساكر وانتهى إلى الرقيم على مرحلتين من الكرك فخافه صلاح الدين على نفسه وخشى أن يعزله عند لقائه وكان استخلف أباه نجم الدين أيوب على مصر فبلغه أنه طرقه مرض شديد فوجد فيه عذر النور الدين وكر راجعا إلى مصر وبعث الفقيه عيسى بذلك العذر وان حفظه مصر أهم عليه فلما وصل مصر وجد أباه قد توفى من سقطة سقطها عن مركوبه هزه المرح فرماه وحمل إلى بيته وقيذا ومات لايام قريبة آخر ذى الحجة من السنة ورجع نور الدين إلى دمشق وكان قد بعث رسوله كمال الدين الشهرزورى القاضى ببلاده وصاحب الوقوف والديوان لطلب التقليد للبلاد التى بيده مثل مصر والشأم والجزيرة والموصل والتى دخلت في طاعته كديار بكر وخلاط

[ 253 ]

وبلاد الروم وأن يعادله ما كان لابيه زنكى من الاقطاع بالعراق وهى صربفين ودرب هرون وأن يسوغ قطعة أرض على شاطئ دجلة بظاهر الموصل يبنى فيها مدرسة للشافعية فأسعف بذلك كله * (وفاة نور الدين محمود وولاية ابنه اسمعيل الصالح) * ثم توفى نور الدين محمود بن الاتابك زنكى حادى عشر شوال سنة تسع وستين وخمسمائة لسبع عشرة سنة من ولايته وكان قد شرع في التجهز لاخذ مصر من صلاح الدين ابن أيوب واستنفر سيف الدين ابن أخيه في العساكر موريا بغزو الافرنج وكان قد انسع ملكه وخطب له بالحرمين الشريفين وباليمن لما ملكها سيف الدولة بن أيوب وكان معتنيا بمصالح المسلمين مواظبا على الصلاة والجهاد وكان عارفا بمذهب أبى حنيفة ومتحريا للعدل ومتجافيا عن أخذ المكوس في جميع أعماله وهو الذى حصن قلاع الشأم وبنى الاسوار على مدنها مثل دمشق وحمص وحماة وشيزر وبعلبك وحلب وبنى مدارس كثيرة للحنفية والشافعية وبنى الجامع النوري بالموصل والمارستانات والخانات في الطريق والخوانق للصوفية في البلاد واستكثر من الاوقاف عليها يقال بلغ ريع أوقافه في كل شهر تسعة آلاف دينار صوري وكان يكرم العلماء وأهل الدين ويعظمهم ويتمثل لهم قائما ويؤنسهم في المجالسة ولا يرد لهم قولا وكان متواضعا مهيبا وقورا ولما توفى اجتمع الامراء والمقدمون وأهل الدولة بدمشق وبايعوا ابنه الملك الصالح اسمعيل وهو ابن احدى عشرة سنة وحلفوا له وأطاعه الناس بالشأم وصلاح الدين بمصر وخطب له هنالك وضرب السكة باسمه وقام بكفالته وتدبير دولته الامير شمس الدين محمد بن عبد الملك بن المقدم واشار عليه القاضى كمال الدين الشهرزورى بأن يرجعوا في جميع أمورهم إلى صلاح الدين لئلا ينبذ طاعتهم فأعرضوا عن ذلك والله تعالى ولى التوفيق * (استيلاء سيف الدين غازى على بلاد الجزيرة) * قد كنا قدمنا أن نور الدين استولى على بلاد الجزيرة وأقر سيف الدين ابن أخيه قطب الدين على الموصل واحتمل معه فخر الدين عبد المسيح الذى ولى سيف الدين واستبد عليه بأمره وولى على قلعة الموصل سعد الدين كمستكين ولما استنفرهم نور الدين بين يدى موته سار إليه سيف الدين غازى وكمستكين الخادم في العساكر وبلغهم في طريقهم خبر وفاته وكان كمستكين في المقدمة فهرب إلى حلب واستولى سيف الدين على مخلفه وسواده وعاد إلى نصيبين فملكها وبعث العساكر إلى الخابور فاستولى عليها وعلى أقطاعها ثم سار

[ 254 ]

إلى حران وبها قايمان الحرانى مولى نور الدين فحاصرها أياما ثم استنزله على أن يقطعه حران فلما نزل قبض عليه وملكها ثم سار إلى الرها وبها خادم لنور الدين فتسلمها وعوضه عنها قلعة الزعفراني من جزيرة ابن عمر وانتزعها منه بعد ذلك ثم سار إلى الرقة وسروج فملكها واستوعب بلاد الجزيرة سوى قلعة جعبر لامتناعها وسوى راس عين كانت لقطب الدين صاحب ماردين وهو ابن خاله وكان شمس الدين على بن الداية بحلب وهو من أكبر أمراء نور الدين ومعه العساكر ولم يقدر على مدافعة سيف الدين فخر الدين عبد المسيح وكان نور الدين تركه قبل موته بسيواس مع ذى النون بن الدانشمند فلما مات نور الدين رجع إلى صاحبه سيف الدين غازى وهو الذى كان ملكه فوجده بالجزيرة وقد ملكها فأشار عليه بالعبور إلى الشأم وعارضه آخر من أكبر الامراء في ذلك فرجع سيف الدين إلى قوله وعاد إلى الموصل وأرشد صلاح الدين إلى الملك الصالح وأهل دولته يعاتبهم حيث لم يستدعوه لمدافعة سيف الدين عن الجزيرة ويتهدد ابن المقدم وأهل الدولة على انفرادهم بأمر الملك الصالح دونه وعلى قعودهم عن مدافعة سيف الدين غازى ثم أرسل شمس الدين بن الداية إلى الملك الصالح يستدعيه من دمشق إلى حلب ليدافع شمس الدين ابن عمه قطب الدين عن الجزيرة فمنعه أمراؤه عن ذلك مخافة أن يستولى عليه ابن الداية والله سبحانه وتعالى أعلم بغيبه * (حصار الافرنج بانياس) * ولما مات نور الدين محمود اجتمع الافرنج وحاصروا قلعة بانياس من أعمال دمشق وجمع شمس الدين بن المقدم العساكر وسار عن دمشق وراسل الافرنج وتهددهم بسيف الدين صاحب الموصل وصلاح الدين صاحب مصر فصالحوه على مال يبعثه إليهم واشترى من الافرنج وأطلعهم وتقررت الهدنة وبلغ ذلك صلاح الدين فنكره واستعظمه وكتب إلى الصالح وأهل دولته يقبح مرتكبهم ويعدهم بغزوة الافرنج وقصده انما هو طريقه إلى الشأم ليتملك البلاد وانما صالح ابن المقدم الافرنج خوفا منه ومن سيف الدين والله تعالى أعلم * (استيلاء صلاح الدين على دمشق) * ولما كان ما ذكرناه من استيلاء سيف الدين غازى على بلاد الجزيرة خاف شمس الدين ابن الداية منه على حلب وكان سعد الدين كمستكين قد هرب من سيف الدين غازى إليه فأرسله إلى دمشق ليستدعى الملك الصالح للمدافعة فلما قارب دمشق أنفذ ابن المقدم إليه عسكرا فنهبوه وعاد إلى حلب ثم رأى ابن المقدم وأهل الدولة بدمشق ان مسير

[ 255 ]

الصالح إلى حلب أصلح فبعثوا إلى كمستكين وبعثوا معه الملك الصالح فلما وصل إلى حلب قبض كمستكين على ابن الدابة واخونه وعلى رئيس حلب ابن الخشاب وعلى مقدم الاحداث بها واستبد بأمر الصالح وخشى ابن المقدم وأمراؤه بدمشق غائلته فكاتبوا سيف الدين غازى صاحب الموصل أن يملكوه فأحجم عن المسير إليهم وظنها مكيدة وبعث بخبرهم إلى كمستكين وصالحه على مال أخذه من البلاد فكثر ارتياب القوم في دمشق فكاتبوا صلاح الدين بن أيوب فطار إليهم ونكب عن الافرنج في طريقه وقصد بصرى واطاعه صاحبها ثم سار صلاح الدين إلى دمشق فخرج إلى أهل الدولة بمقدمهم شمس الدين محمد بن عبد الملك المقدم وهو الذى كان أبوه سلم سنجار لنور الدين سنة أربع وأربعين كما مر ودخل صلاح الدين دمشق آخر ربيع سنة سبعين ونزل دار أبيه المعروفة بدار العفيفى وكان في القلعة ريحان خديم نور الدين فبعث إليه صلاح الدين القاضى كمال الدين الشهرزورى بأنه على طاعة الصالح والخطبة له في بلاده وانه انما جاء ليرتجع البلاد التى أخذت له فسلم إليه ريحان القلعة واستولى على ما فيها من الاموال وهو في ذلك كله يظهر طاعة الملك الصالح ويخطب له وينقش السكة باسمه انتهى والله أعلم * (استيلاء صلاح الدين على حمص وحماة ثم حصاره حلب ثم ملكه بعلبك) * ولما ملك صلاح الدين دمشق من ايالة الملك الصالح استخلف عليها أخاه سيف الاسلام طغركين بن أيوب وكانت حمص وحماة وقلعة مرعش وسليمية وتل خالد والرها من بلاد الجزيرة في اقطاع فخر الدين مسعود الزعفراني من أمراء نور الدين ما عدا القلاع منها ولما مات نور الدين أجفل الزعفراني عنها لسوء سيرته ولما ملك صلاح الدين دمشق سار إلى حمص فملك البلد وامتنعت القلعة بالوالى الذى بها فجهز عسكرا لحصارها وسار إلى حماة فنازلها منتصف شعبان وبقلعتها الامير خرديك فبعث إليه صلاح الدين بأنه في طاعة الملك الصالح وانما جاء لمدافعة الافرنج عنه وارتجاع بلاده بالجزيرة من ابن عمه سيف الدين غازى صاحب الموصل واستخلفه على ذلك عز الدين ثم بعثه صلاح الدين إلى الملك الصالح بحلب في الاتفاق واطلاق شمس الدين على حسن وعثمان تقى الدين من الاعتقال فسار عز الدين لذلك واستخلف بالقلعة أخاه ولما وصل إلى حلب قبض عليه كمستكين وحبسه فسلم أخوه قلعة حماة لصلاح الدين وملكها ثم سار صلاح الدين من وقته إلى حلب وحاصرها وركب الملك الصالح وهو صبى مناهز فسار في البلد واستعان بالناس وذكر حقوق أبيه فبكى الناس رحمة له واستماتوا دونه وخرجوا فدافعوا عسكر صلاح الدين ودس كمستكين إلى مقدم الاسماعيلية في الفتك

[ 256 ]

بصلاح الدين فبعث لذلك فداوية منهم وشعر بذلك بعض أصحاب صلاح الدين وجماعة منهم معه وقتلوا عن آخرهم وأقام صلاح الدين محاصرا لحلب وبعث كمستكين إلى الافرنج يستنجدهم على منازلة بلاد صلاح الدين ليرحل عنهم وكان القمص سمند السنجيلى صاحب طرابلس أسره نور الدين في حارم سنة تسع وخمسين وبقى معتقلا بحلب فأطلقه الآن كمستكين بمائة وخمسين ألف دينار صورية وألف أسير وكان متغلبا على ابن مرى ملك الافرنج لكونه محذوفا لا يصدر الا عن رأيه فسار بجموع الافرنج إلى حصن سابع رجب وصالحهم صلاح الدين من الغد فأجفلوا وحاصر هو القلعة وملكها آخر شعبان واستولى على أكثر الشأم ثم سار إلى بعلبك وبها يمن الخادم من موالى نور الدين فحاصرها حتى استأمنوا إليه فملكها منتصف رمضان من السنة وأقطعها شمس الدين محمد بن عبد الملك المقدم بما تولى له من اظهار طاعته بدمشق وتسليمها له والله تعالى أعلم [ حروب صلاح الدين مع سيف الدين غازى صاحب الموصل وغلبه اياه واستيلاؤه على بعدوين وغيرها من أعمال الملك الصالح ثم مصالحته على حلب ] لما ملك صلاح الدين حمص وحماة وحاصر حلب كاتب الملك الصالح اسمعيل من حلب إلى ابن عمه سيف الدين غازى صاحب الموصل يستنجده فجمع عساكره واستنجد أخاه عماد الدين زنكى صاحب سنجار فلم يجبه لما كان بينه وبين صلاح الدين وأنه ولاه سنجار ويطمعه في الملك فبعث سيف الدين غازى بالعساكر لمدافعته صلاح الدين عن الشأم في رمضان سنة سبعين وخمسمائة مع أخيه عز الدين مسعود وأمير جيوش عز الدين القندار وجعل التدبير إليه وسار هو إلى سنجار فحاصر بها أخاه عماد الدين وامتنع عليه وبينما هو يحاصره جاءه الخبر بأن صلاح الدين هزم أخاه عز الدين وعساكره فصالح عماد الدين على سنجار وعاد إلى الموصل ثم جهز أخاه عز الدين في العساكر ثانية ومعه القندار وساروا إلى حلب فانضمت إليهم عساكره وساروا جميعا إلى صلاح الدين فأرسل إلى عماد الدين بالموصل في الصلح بينه وبين الملك الصالح على أن يرد عليه حمص وحماة ويسوغه الصالح دمشق فأبى الا ارتجاع جميع بلاد الشأم واقتصاره على مصر سار صلاح الدين إلى عساكرهم ولقيها قريبا من حماة فانهزمت وثبت عز الدين ليلا ثم صدق عليه صلاح الدين الحملة فانهزم وغنم سوادهم ومخلفهم واتبع عساكر حلب حتى أخرجهم منها وحاصرها وقطع خطبة الملك الصالح وبعث بالخطبة للسلطان جميع بلاده ولما طال عليهم الحصار صالحوه على اقراره على جميع ما ملك من الشأم رحل عن حلب عاشر شوال من السنة وعاد إلى حماة ثم سار منها إلى بعدوين وكانت لفخر

[ 257 ]

الدين مسعود بن الزعفراني من أمراء نور الدين وكان قد اتصل بالسلطان صلاح الدين واستخدم له ثم فارقه حيث لم يحصل على غرضه عنده فلحق ببقدوين وبها نائب الزعفراني فحاصرها حتى استأمنوا إليه وأقطعها خاله شهاب الدين محمود بن تكش الحارمى وأقطع حمص ناصر الدين بن عمه شيركوه وعاد إلى دمشق آخر سنة سبعين وكان سيف الدين غازى صاحب الموصل بعد هزيمة أخيه وعساكره عاد من حصار أخيه بسنجار كما قلناه إلى الموصل فجمع العساكر وفرق الاموال واستنجد صاحب كيفا وصاحب ماردين وسار في ستة آلاف فارس وانتهى إلى نصيبين في ربيع سنة احدى وسبعين فأقام إلى انسلاخ فصل الشتاء وسار إلى حلب فبرز إليه سعد الدين كمستكين الخادم مدبر الصالح في عساكر حلب وبعث صلاح الدين عن عساكره من مصر وقد كان أذن لهم في الانطلاق فجأوا إليه وسار من دمشق إلى سيف الدين وكمستكين فلقيهم بتل الفحول وانهزموا راجعين إلى حلب وترك سيف الدين أخاه عز الدين بها في جمع من العساكر وعبر الفرات إلى الموصل يظن أن صلاح الدين في اتباعه وشاور الصالح وزيره جلال الدين ومجاهد الدين قايمان في مفارقة الموصل إلى قلعة الحميدية فعارضاه في ذلك ثم عزل القندار عن امارة الجيوش لانه كان جر الهزيمة برأيه ومفارقته وولى مكانه مجاهد الدين قايمان ولما انهزمت العساكر أمام صلاح الدين وغنم مخلفها سار إلى مراغة وملكها وولى عليها سار إلى منبج وبها صاحبها قطب الدين نيال بن حسان المنبجى وكان شديد العداوة لصلاح الدين فملك المدينة وحاصره بالقلعة وضيق مخنقه ثم نقب أسوارها وملكها عليه عنوة وأسره ثم أطلقه سليبا فلحق بالموصل وأقطعه سيف الدين الرقة ولما فرغ صلاح الدين من منبج سار إلى قلعة عزاز وهى في غاية المنعة فحاصرها أربعين يوما حتى استأمنوا إليه فتسلمها في الاضحى ثم رحل إلى حلب فحاصرها وبها الملك الصالح واشتد أهلها في قتاله فعدل إلى المطاولة ثم سعى بينهما في الصلح وعلى أن يدخل فيه سيف الدين صاحب الموصل وصاحب كيفا وصاحب ماردين فاستقر الامر على ذلك وخرجت أخت الملك الصالح إلى صلاح الدين فأكرمها وأفاض عليها العطاء وطلبت منه قلعة عزاز فأعطاها اياها ورحل إلى بلاد الاسماعيلية والله سبحانه وتعالى أعلم * (عصيان صاحب شهرزور على سيف الدين صاحب الموصل ورجوعه) * كان مجاهد الدين قايمان متولى مدينة اربل وكان بينه وبين شهاب الدين محمد بن بدران صاحب شهرزور عداوة فلما ولى سيف الدين مجاهد الدين قايمان نيابة الموصل تعاف شهاب الدين غائلته عن تعاهد الخدمة بالموصل وأظهر الامتناع وذلك سنة ثنتين

[ 258 ]

وسبعين فخاطبه جلال الدين الوزير في ذلك مخاطبة بليغة وحذره ورغبه فعاود الطاعة وبادر إلى الحضور بالموصل والله تعالى ينصر من يشاء من عباده * (نكبة كمستكين الخادم ومقتله) * كان سعد الدين كمستكين الخادم قائما بدولة الملك الصالح في حلب وكان يناهضه فيها أبو صالح العجمي فقدم عند نور الدين وعند ابن الملك الصالح وتجاوز مراتب الوزير فعدا عليه بعض الباطنية فقتله وخلا الجو لكمستكين وانفرد بالاستبداد على الصالح وكثرت السعاية فيه بحجر السلطان والاستبداد عليه وأنه قتل وزيره فقبض عليه وامتحنه وكان قد أقطعه قلعة حارم فامتنع بها أصحابه وأرادهم الصالح على تسليمها فامتنعوا وهلك كمستكين في المحنة وطمع فيها وساروا إليها وحاصروها وصانعهم الصالح بالمال فرجعوا عنها وبعث هو عساكره إليها وقد جهدهم الحصار فسلموها له وولى عليها والله تعالى أعلم * (وفاة الصالح اسمعيل واستيلاء ابن عمه عز الدين مسعود على حلب) * ثم توفى الملك الصالح اسمعيل بن نور الدين محمود صاحب حلب في منتصف سنة سبع وسبعين لثمان سنين من ولايته وعهد بملكه لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل واستحلف أهل دولته على ذلك بعضهم بعماد الدين صاحب سنجار أخى عز الدين الاكبر لمكان صهره على أخت الصالح وأن أباه نور الدين كان يميل إليه فأبى وقال عز الدين أنا أقدر على مدافعة صلاح الدين عن حلب فلما قضى نحبه أرسل الامراء بحلب إلى عز الدين مسعود يستدعونه هو ومجاهد الدين قايمان إلى الفرات ولقى هنالك أمراء حلب وجأوا معه فدخلها آخر شعبان من السنة وصلاح الدين يومئذ بمصر بعيدا عنهم وتقى الدين عمر بن أخيه في منبج فلما أحسن بهم فارقها إلى حماة وثار به أهل حماة ونادوا بشعار عز الدين وأشار أهل حلب عليه بقصد دمشق وبلاد الشأم وأطمعوه فيها فأبى من أجل العهد الذى بينه وبين صلاح الدين ثم أقام بحلب شهورا وسار عنها إلى الرقة والله تعالى أعلم * (استيلاء عماد الدين على حلب ونزوله عن سنجار لاخيه عز الدين) * ولما انتهى عز الدين إلى الرقة منقلبا من حلب وافقه هنالك رسل أخيه عماد الدين صاحب سنجار يطلب منه أن يملكه مدينة سنجار وينزل هو له عن حلب فلم يجبه إلى ذلك فبعث عماد الدين إليه بأنه يسلم سنجار إلى صلاح الدين فحمل الامراء حينئذ على

[ 259 ]

معاوضته على سنجار وتحميهم له ولم يكن لعز الدين مخالفا لتمكنه في الدولة وكثرة بلاده وعساكره فأخذ سنجار من أخيه عماد الدين وأعطاه حلب وسار إليها عماد الدين وملكها وسهل أمره على صلاح الدين بعد ان كان متخوفا من عز الدين على دمشق والله سبحانه وتعالى أعلم [ مسير صلاح الدين إلى بلاد الجزيرة وحصاره الموصل واستيلاؤه على كثير من بلادها ثم على سنجار ] كان عز الدين صاحب الموصل قد أقطع مظفر الدين كرجكرى زين الدين كجك مدينة حران وقلعتها ولما سار صلاح الدين لحصار البيرة جنح إليه مظفر الدين ووعده النصر واستحثه للقدوم على الجزيرة فسار إلى الفرات موريا بقصد وعبر إليه مظفر الدين فلقيه وجاء معه إلى البيرة وهى قلعة منيعة على الفرات من عدوة الجزيرة وكان صاحبها من بنى ارتق أهل ماردين قد أطاع صلاح الدين فعبر من جسرها وعز الدين صاحب الموصل يومئذ قد سار ومعه مجاهد الدين إلى نصيبين لمدافعة صلاح الدين عن حلب فلما بلغهما عبوره الفرات عادا إلى الموصل وبعثا حامية إلى الرها وكاتب صلاح الدين ملوك النواحى بالنجدة والوعد على ذلك وكان تقدم العهد بينه وبين نور الدين محمد بن قرى ارسلان صاحب كيفا على أن صلاح الدين يفتح آمد ويسلمها إليه فلما كاتبهم الآن كان صاحب كيفا أول مجيب وسار صلاح الدين إلى الرها فحاصرها في جمادى سنة ثمان وسبعين وبها يومئذ فخر الدين مسعود الزعفراني فلما اشتد به الحصار استأمن إلى صلاح الدين وحاصر معه القلعة حتى سلمها نائبها على مال أخذه وأقطعها صلاح الدين مظفر الدين كوكبرى صاحب حران وسار عنها إلى الرقة وبها نائبها قطب الدين نيال بن حسان المنبجى فاجفل عنها إلى الموصل وملكها صلاح الدين وسار إلى الخابور وهو قرقيسيا وماكسين وعرمان فاستولى على جميعها وسار إلى نصيبين فملكها لوقتها وحاصر القلعة اياما وملكها وأقطعها أبا الهيجاء السمين من أكبر أمرائه وسار عنها وملكها ومعه صاحب كيفا وجاءه الخبر بأن الافرنج أغاروا على أعمال دمشق ووصلوا داريا فلم يحفل بخبرهم واستمر على شأنه وأغراه مظفر الدين كوكبرى وناصر الدين محمد بن شيركوه بالموصل ورجحا قصدها على سنجار وجزيرة ابن عمر كما أشار عليهما فسار صلاح الدين وصاحبها عز الدين ونائبه مجاهد الدين وقد جمعوا العساكر وأفاضوا العطاء وشحنوا البلاد التى بأيديهم كالجزيرة وسنجار والموصل واربل وسار صلاح الدين حتى قاربها وسار هو ومظفر الدين وابن شيركوه في أعيان دولته إلى السور فرآه مخايل الامتناع وقال لمظفر الدين ولناصر الدين

[ 260 ]

ابن عمه قد أغررتماني ثم صبح البلد وناشبه وركب أصحابه في المقاعد للقتال ونصب منجنيقا فلم يغن ونصب إليه من البلد تسعة ثم خرج إليه جماعة من البلد وأخذوه وكانوا يخرجون ليلا من البلد بالمشاعل يوهمون الحركة فخشى صلاح الدين من البيات وتأخر عن القصد وكان صدر الدين شيخ الشيوخ قد وصل من قبل الخليفة الناصر مع بشير الخادم من خواصه في الصلح بين الفريقين على اعادة صلاح الدين بلاد الجزيرة فأجاب على اعادة الآخرين حلب فامتنعوا ثم رجع عن شرط حلب إلى ترك مظاهرة صاحبها فاعتذروا عن ذلك ووصلت رسل صاحب اذربيجان قرا ارسلان وأرسل صاحب خلاط شاهرين فلم ينتظم بينهما أمر ورحل صلاح الدين عن الموصل إلى سنجار فحاصرها وبها أمير أميران وأخوه عز الدين صاحب الموصل في عسكر ولقيه شرف الدين وجاءها المدد من الموصل فخال بينهم وبينها وداخله بعض أمراء الاكراد من الدوادية من داخلها فكبسها صلاح الدين من ناحيته واستأمن شرف الدين لوقته فأمنه صلاح الدين ولحق بالموصل وملك صلاح الدين سنجار وصارت سياجا على جميع ما ملكه بالجزيرة وولى عليها سعد الدين ابن معين الدين انز الذى كان متغلبا بدمشق على آخر طغركين وعاد فمر بنصيبين وشكا إليه أهلها من أبى الهيجاء السمين فعزله وسار إلى حران بلد مظفر الدين كوكبرى فوصلها في القلعة من سنة سبع وثمانين فأراح بها وأذن لعساكره في الانطلاق وكان عز الدين قد بعث إلى شاهرين صاحب خلاط يستنجده وأرسل شاهرين إلى صلاح الدين بالشفاعة في ذلك رسلا عديدة آخرهم مولاه سكرجاه وهو على سنجار فلم يشفعه أخاه من ذلك وفارقه مغاضبا وسار شاهرين إلى قطب الدين صاحب ماردين وهو ابن أخته وابن خال عز الدين وصهره على بنته فاستنجده وسار معه وجاءهم عز الدين من الموصل في عساكره واعتزموا على قصد صلاح الدين وبلغه الخبر وهو مريح بحران فبعث عن تقى الدين ابن أخيه صاحب حمص وحماة وارتحل للقائهم ونزل رأس عين فخاموا عن لقائه ولحق كل ببلده وسار صلاح الدين إلى ماردين فأقام عليها اياما ورجع والله تعالى أعلم * (استيلاء صلاح الدين على حلب وأعمالها) * ولما ارتحل صلاح الدين عن ماردين قصد آمد فحاصرها سنة تسع وسبعين وملكها وسلمها لنور الدين محمد بن قرا ارسلان كما كان العهد بينهما وقد أشرنا إليه ثم سار إلى الشأم فحاصر تل خالد من أعمال حلب حتى استأمنوا إليه وملكها في محرم سنة تسع وسبعين وسار منها لى عتاب وبها ناصر الدين محمد أخو الشيخ اسمعيل خازن نور الدين محمود

[ 261 ]

وصاحبه ولاه عليها نور الدين فلم يزل بها فاستأمن إلى صلاح الدين على أن يقره على الحصن ويكون في خدمته فأقره وأطاعه ورحل صلاح الدين إلى حلب وبها عماد الدين زنكى بن مودود ونزل عليها بالميلان الاخضر اياما ثم انتقل إلى جبل حوشن أياما أخرى وأظهر أنه أبنى عليها وعجز عماد الدين عن عطاء الجند فراسل صلاح الدين أن يعوضه عنها سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج فأجاب إلى ذلك وأعطاه عنها تلك البلاد وملكها وكان في شرط صلاح الدين عليه انه يبادر إلى الخدمة متى دعاه إليها وسار عماد الدين إلى بلاده تلك ودخل صلاح الدين حلب في آخر سنة تسع وسبعين ومات عليها أخوه الاصغر تاج الملوك بورى بضربة في ركبته تصدعت لها ومات بعد فتح حلب ثم ارتحل صلاح الدين إلى قلعة حارم وبها سرجك من موالى نور الدين ولاه عليها عماد الدين فلما سلم حلب لصلاح الدين امتنع سرجك في قلعة حارم فحاصره صلاح الدين وترددت الرسل بينهما وقد دس إلى الافرنج ودعاهم وخشى الجند الذين معه أن يسلمها إليهم فحبسوه واستأمنوا إلى صلاح الدين فملكها وولى عليها بعض خواصه وعلى تل خالد الامير داروم الياروقى صاحب تل باشر وأقطع قلعة عزاز الامير سليمان بن جندر فعمرها بعدان كان عماد الدين خربها وأقطع صلاح الدين أعمال حلب لامرائه وعساكره والله تعالى أعلم * (نكبة مجاهد الدين قايمان) * كان مجاهد الدين قايمان قائما بدولة الموصل ومتحكما فيها كما قلناه وكان عز الدين محمود الملقب زلقندار صاحب الجيش وشرف الدين أحمد بن أبى الخير الذى كان صاحب العراق كان من أكابر الامراء عند السلطان عز الدين مسعود صاحب الموصل وكانا يغريانه بمجاهد الدين ويكثران السعاية عنده فيه حتى اعتزم على نكبته ولم يقدر على ذلك في مجلسه لاستبداد مجاهد الدين وقوة شوكته فانقطع في بيته لعارض مرض وكان مجاهد الدين خصيا لا يحتجب منه النساء فدخل عليه يعوده فقبض عليه وركب إلى القلعة فاحتوى على أمواله وذخائره وولى بها زلقندار نائبا وجعل ابن صاحب العراق أمير حاجبا وحكمهما في دولته وكان في يد مجاهد الدين اربل وأعمالها فيها زين الدين يوسف بن زبن الدين على كجك صبيا صغيرا تحت استبداده وبيده أيضا جزيرة ابن عمر لمعز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازى وهو صبى تحت استبداده وبيده أيضا شهرزور وأعمالها ودقوقا وقلعة عقر الحميدية ونوابه في جميعها ولم يكن لعز الدين مسعود بعد استيلاء صلاح الدين على الجزيرة سوى الموصل وقلعتها لمجاهد الدين وهو الملك في الحقيقة فلما قبض عز الدين عليه امتنع صاحب اربل واستبد

[ 262 ]

بنفسه وكان صاحب جزيرة ابن عمر وبعث بطاعته إلى صلاح الدين وبعث الخليفة الناصر شيخ الشيوخ وبشير الخادم بالصلح بين عز الدين وصلاح الدين على أن تكون الجزيرة واربل من أعماله وامتنع عز الدين وقال هما من أعمالي وطمع صلاح الدين في الموصل فتنكر عز الدين لزلقندار ولابن صاحب العراق لما حملاه عليه من الفساد لنكبة مجاهد الدين فبدأ أولا بعزل صاحب اذربيجان فقال له أنا أكفيكه وجهز له عسكرا نحو ثلاثة آلاف فارس وساروا نحو اربل فاكتسحوا البلد وخربوها وسار إليهم زين الدين يوسف باربل فوجدهم مفترقين في النهب فهزمهم وما كان معهم وعاد مظفرا ولحق العجم ببلادهم وعاد مجاهد الدين إلى الموصل والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق * (حصار صلاح الدين الموصل وصلحه مع عز الدين صاحبها) * ثم سار صلاح الدين من دمشق في ذى القعدة سنة احدى وثمانين فلما انتهى إلى حران قبض على صاحبها مظفر الدين كوكبرى لانه كان لذلك وعده بخمسين ألف دينار حتى إذا وصل لم يف له بها فقبض عليه لانحراف أهل الجزيرة عنه فأطلقه ورد عليه عمله بحران والرها وسار عن حران وجاء معه عساكر كيفا ودارى وعساكر جزيرة ابن عمر مع صاحبها معز الدين سنجر شاه ابن أخى معز الدين صاحب الموصل وقد كان استبد بأمره وفارق طاعة عمه بعد نكبة مجاهد الدين كما قلناه فساروا مع صلاح الدين إلى الموصل ولما انتهو إلى مدينة بله وفدت عليه أم عز الدين وابن عمه نور الدين محمود وجماعة من أعيان الدولة ظنا بانه لا يردهم وأشار عليه الفقيه عيسى وعلى بن أحمد المشطوب بردهم ورحل إلى الموصل فقاتلها وامتنعت عليه وندم على رد الوفد وجاءه كتاب القاضى الفاضل بالائمة ثم قدم عليه زين الدين يوسف صاحب اربل فأنزله مع أخيه مظفر الدين كوكبرى وغيره من الامراء ثم بعث الامير على بن أحمد المشطوب إلى قلعة الجزيرة من بلاد الهكارية فاجتمع عليه الاكراد الهكارية وأقام يحاصرها وكاتب نائب القلعة زلقندار ونمى خبر مكاتبته إلى عز الدين فمنعه واطرحه من المشورة وعدل إلى مجاهد الدين قايمان وكان يقتدى برأيه فضبط الامور وأصلحها ثم بلغه في آخر ربيع من سنة ثنتين وثمانين وقد ضجر من حصار الموصل ان شاهرين صاحب خلاط توفى تاسع ربيع واستولى عليها مولاه بكتمر فرحل عن الموصل وملك ميافارقين كما يأتي في أخبار دولته ولما فرغ منها عاد إلى الموصل ومر بنصيبين ونزل الموصل في رمضان سنة ثنتين وثمانين وترددت الرسل بينهما في الصلح على أن يسلم إليه عز الدين شهرزور وأعمالها وولاية الفراثلى وما وراء الزاب ويخطب له على منابرها وينقش اسمه على

[ 263 ]

سكته ومرض صلاح الدين اثناء ذلك ووصل إلى حران ولحقته الرسل بالاجابة إلى الصلح وتحالفا عليه وبعث من يسلم البلاد وأقام ممرضا بحران وعنده أخوه العادل وناصر الدولة ابن عمه شيركوه وامنت بلاد الموصل ثم حدثت بعد ذلك فتنة بين التركمان والا كراد بالجزيرة والموصل وديار بكر وخلاط والشأم وشهرزور واذربيجان وقتل فيها ما لا يحصى من الامم واتصلت أعواما وسببها أن عروسا من التركمان أهديت إلى زوجها ومروا بقلعة الزوزان والاكراد وطلبو امنهم الوليمة على عادة الفتيان فأغلظوا في الرد فقتل صاحب القلعة الزوج وثار التركمان بجماعة من الاكراد فقتلوهم ثم أصلح مجاهد الدين بينهم وأفاض فيهم العطاء فعادوا إلى الوفاق وذهبت بينهم الفتنة والله تعالى أعلم * (وفاة نور الدين يوسف صاحب اربل وولاية أخيه مظفر الدين اقتهى) * كان زين الدين يوسف بن على كجك قد صار في طاعة صلاح الدين كما ذكرناه قبل واربل من أعماله ووقع الصلح على ذلك بينه وبين عز الدين صاحب الموصل سنة ست وثمانين للعسكر معه فمات عنده أخريات رمضان من السنة واستولى أخوه على بوجوده وقبض على جماعة من أمرائه مثل بلداحى صاحب قلعة حقبير كان وغيره وطلب من صلاح الدين أن يقطعه اربل مكان أخيه وينزل عن حران والرها فأقطعه اربل وأضاف إليها شهرزور وأعمالها ودوقبر قرابلى وبنى قفجاق وراسل أهل اربل مجاهد الدين قايمان واستدعوه ليملكوه وهو بالموصل فلم يتطاول لذلك خوفا من صلاح الدين ولان عز الدين لما كان ولاه نيابته بعد ان أطلقه من الاعتقال لم يمكنه كما كان أول مرة وجعل معه رديفا في الحكم كان من بعض غلمانه فكان أسفا لذلك فلما راسله أهل اربل قال والله لا أفعل لئلا يحكم معى فيها فلان وسار مظفر الدين إليها وملكها * (حصار عز الدين صاحب الموصل جزيرة ابن عمر) * كان سنجر شاه بن سيف الدين غازى بن مودود قد ملك جزيرة ابن عمر بوصية أبيه وخرج عن طاعة عمه عز الدين عند نكبة مجاهد الدين كما قلناه وصار عينا على عمه يكاتب صلاح الدين بأخباره ويغريه به ويسعى في القطيعة بينهما ثم حاصر صلاح الدين قلعة عكا سنة ست وثمانين واستنفر لها أصحاب الاطراف المتشبثين بدعوته مثل عز الدين صاحب الموصل وأخيه عماد الدين صاحب سنجار ونصيبين وسنجار شاه هذا ابن عمه وصاحب كيفا وغيرهم واجتمعوا عنده على عكا وجاء جماعة من جزيرة ابن عمر يتظلمون من سنجر شاه فخاف واستأذن في الانطلاق فاعتذر صلاح الدين بأن في ذلك افتراق

[ 264 ]

هذه العساكر فالح عليه في ذلك وغدا عليه يوم الفطر مسلما فوعده وانصرف وكان تقى الدين عمر بن شاه أخى صلاح الدين مقبلا من حماة في عسكر فأرسل إليه صلاح الدين باعتراضه ورده طوعا أو كرها فلقيه بقلعة فيك ورده كرها وكتب صلاح الدين إلى عز الدين صاحب الموصل بحصار جزيرة ابن عمر يظنها مكيدة فتلقاها بالمراجعة وطلب اقطاع الجزيرة فأسعفه وسار إليها وحاصرها أربعة أشهر فامتنعت عليه ثم صالحه على نصف أعماله ورجع الموصل والله تعالى أعلم * (مسير عز الدين صاحب الموصل إلى بلاد العادل بالجزيرة ورجوعه عنها) * كان صلاح الدين قد ملك من بلاد الجزيرة حران والرها وسميساط وميافارقين وكانت بيد ابن أخيه تقى الدين عمر بن شاه ثم توفى تقى الدين فأقطعها أخاه العادل أبا بكر بن أيوب ثم توفى صلاح الدين سنة تسع وثمانين فطمع عز الدين صاحب الموصل في ارتجاعها واستشار أصحابه فأشار عليه بعضهم بمعالجتها وأن تستنفر أصحاب الاطراف لها مثل صاحب اربل وصاحب جزيرة ابن عمر وصاحب سنجار ونصيبين ومن امتنع يعاجله حربا ويعاجل البلد قبل أن يستعد أهله للمدافعة وأشار مجاهد الدين قايمان بمشاورة هؤلاء الملوك والعمل باشارتهم فقبل من مجاهد الدين وكاتبهم فأشاروا بانتظار أولاد صلاح الدين وأن البلد في طاعته وأنه القائم بدولته وأنه بلغه أن صاحب ماردين تعرض لبعض بلاده فجهز جيشا كثيفا لقصد ماردين فوجموا الكتابة وتركوا الحركة ثم بلغهم أنه بظاهر حران في خف من العسكر فتجهز للحركة عليه ولما وقع الاتفاق مع صاحب سنجار جاءت عساكر الشأم إلى العادل من الافضل فامتنع وسار عز الدين في عساكره من الموصل إلى نصيبين واجتمع بأخيه عماد الدين وساروا إلى الرها وقد عسكر العادل قريبا منهم بمرج الريحان وخافهم فأقاموا أياما كذلك ثم طرق عز الدين المرض فترك العساكر مع أخيه عماد الدين وسار إلى الموصل والله تعالى أعلم * (وفاة عز الدين صاحب الموصل وولاية ابنه نور الدين) * ولما رجع عز الدين إلى الموصل أقام بها مدة شهرين واشتد مرضه فتوفى آخر شعبان سنة تسع وثمانين وولى ابنه نور الدين ارسلان شاه بن عز الدين مسعود بن مودود بن الاتابك زنكى وقام بتدبير دولته مجاهد الدين قايمان مدبر دولة أبيه والله سبحانه وتعالى أعلم * (وفاة عماد الدين صاحب سنجار وولاية ابنه قطب الدين) *

[ 265 ]

ثم توفى عماد الدين زنكى بن مودود بن الاتابك زنكى صاحب سنجار والخابور ونصيبين والرقة وسروج وهى التى عوضه صلاح الدين عن حلب لما أخذها منه توفى في محرم سنة أربع وتسعين وملك بعده ابنه قطب الدين وتولى تدبير دولته مجاهد الدين برتقش مولى أبيه وكان دينا خيرا عاد لا متواضعا محبا لاهل العلم والدين معظما لهم وكان متعصبا على الشافعية حتى انه بنى مدرسة للحنفية بسنجار وكان حسن السيرة والله تعالى أعلم * (استيلاء نور الدين صاحب الموصل نصيبين) * كان عماد الدين صاحب سنجار ونصيبين قد امتدت أيدى نوابه بنصيبين إلى قرى من أعمال الموصل تجاورهم وبعث إليه في ذلك مجاهد الدين قايمان صاحب دولة الموصل يشكو إليه نوابه سرا من سلطانه نور الدين فلج عماد الدين في ادعاء انها من أعماله واساء الرد فأعاد نور الدين الرسالة إليه مع بعض مشايخ دولته وقد طرقه المرض فأجاب مثل الاول فنصح الرسول وكان من بقية الاتابك زنكى وعاد إلى فأغلظ له في القول واعتزم نور الدين على المسير إلى نصيبين ووصل الخبر اثر ذلك بوفاة عماد الدين وولاية ابنه قطب الدين فقوى طمع نور الدين في نصيبين وتجهز لها في جمادى سنة أربع وتسعين وسار قطب الدين بن سنجر في عسكره فسبقه نور الدين إلى نصيبين فلما وصل لقيه فهزمه نور الدين ودخل إلى قلعة نصيبين مهزوما ثم أسرى منها إلى حران ومعه نائبه مجاهد الدين برتقش وكاتبوا العادل أبا بكر بن أيوب يستحثونه من دمشق وأقام نور الدين بنصيبين حتى وصل العادل إلى الجزيرة ففارقها إلى الموصل في رمضان من السنة وعاد قطب الدين إليها وكان الموتان قد وقع في عسكر نور الدين فمات كثير من أمراء الموصل ومات مجاهد الدين قايمان القائم بالدولة ولما عاد نور الدين إلى الموصل وعاد قطب الدين إلى نصيبين سار العادل إلى ماردين فحاصرها اياما وضيق عليها ثم انصرف والله تعالى أعلم [ هزيمة الكامل بن العادل على ماردين أمام نور الدين صاحب الموصل وبنى عمه ملوك الجزيرة ] لما رحل العادل عن ماردين كما قدمناه جمر العساكر عليها للحصار مع ابنه الكامل وعظم ذلك على ملوك الجزيرة وديار بكر وخافوا ان ملكها يغلبهم على أمرهم ولم يكن سار من سار معه منهم عند اشتغاله بحرب نور الدين الا تقية لكثرة عساكره فلما رجع إلى دمشق وبقى الكامل على ماردين استهانوا بأمره وطمعوا في مدافعته وأغراهم بذلك

[ 266 ]

الظاهر والافضل ابنا صلاح الدين لفتنتهم مع عمهم العادل فتجهز نور الدين ارسلان شاه صاحب الموصل وسار أول شعبان سنة خمس وتسعين وانتهى إلى بيس فأقام بها ولحق به ابن عمه قطب الدين محمد بن زنكى صاحب سنجار وابن عمه الآخر سنجار شاه ابن غازى صاحب جزيرة ابن عمر حتى إذا انقضى عيد الفطر ارتحلوا وتقدموا إلى مزاحمة الكامل على ماردين وكان أهل ماردين خلال ذلك قد ضاق مخنقهم وجهدهم الحصار وبعث النظام المستولي على دولة صاحبها إلى الكامل يراوده في الصلح وتسليم القلعة له إلى أجل سماه على أن يبيح لهم ما يقوتهم من الميرة فأسعفهم بذلك وبينماهم في ذلك جاءهم خبر العساكر فامتنعوا وزحف الكامل مهزوما إلى معسكره بالربض فخرج أهل القلعة إليهم وقاتلوهم إلى المساء ثم أجفل الكامل من ليلته منتصف شوال وعاد إلى بلاده ونهبت أهل القلعة مخلفه وخرج صاحب ماردين وهو بولو ارسلان ابن أبى الغازى فلقى نور الدين وشكره وعاد إلى حصنه ورجع نور الدين وأصحابه إلى تستر ثم سار منها إلى رأس عين فقدم عليها هنالك رسول الظاهر بن صلاح الدين من حلب يطلب له منه السكة والخطبة فوجم لذلك وثنى عزمه عن مظاهرتهم ثم طرقه المرض فبعث إليهم بالعذر وعاد إلى الموصل في ذى الحجة آخر السنة والله تعالى أعلم * (مسير نور الدين صاحب الموصل إلى بلاد العادل بالجزيرة) * ثم ان الملك العادل ملك مصر سنة ست وتسعين من يد الافضل ابن أخيه فخشيه الظاهر صاحب حلب وصاحب ماردين وراسلوا نور الدين صاحب الموصل في الاتفاق وأن يسير إلى بلاد العادل بالجزيرة حران والرها والرقة وسنجار فسار نور الدين لملكها في شعبان سنة سبع وتسعين وسار معه ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار وحسام الدين صاحب ماردين وانتهوا إلى رأس عين وكان بحران الفائز بن العادل في عسكر فأرسل إلى نور الدين في الصلح فبادر إلى الاجابة لما وقع في عسكره من الموتان واستحلفهم وحلف لهم وبعثوا إلى العادل فحلف وعاد نور الدين إلى الموصل في ذى القعدة من السنة والله تعالى أعلم * (هزيمة نور الدين صاحب الموصل أمام عسكر العادل) * لم يزل الملك العادل يراسل قطب الدين صاحب سنجار ويستميله إلى أن خطب له في أعماله سنة ستمائة فسار نور الدين صاحب الموصل إلى نصيبين من أعمال قطب الدين فحاصرها وملك المدينة وأقام يحاصر القلعة فبينما هو قد قارب فتحها بلغه الخبر من نائبه بالموصل بأن مظفر الدين كوكبرى صاحب اربل من أعمال الموصل

[ 267 ]

فرحل عن نصيبين معتزما على قصد اربل فلم يجد كل الخبر صحيحا فسار إلى تل اعفر من أعمال سنجار فحاصرها وملكها وكان الاشرف موسى بن العادل قد سار من حران إلى رأس عين نجدة لصاحب سنجار وقد اتفق معه على ذلك مظفر الدين صاحب اربل وصاحب كيفا وآمد وصاحب جزيرة ابن عمر وتراسلوا وتراعدوا للاجتماع فلما ارتحل نور الدين عن نصيبين اجتمعوا عليها وجاءهم أخو الاشرف نجم الدين صاحب ميافارقين وساروا إلى البقعا من تل اعفرالى كفررقان وقصده المطاولة حتى جاءه بعض عيونه فقللهم في عينه وأطمعه فيهم وكان من مواليه فوثق بقوله ورحل إلى نوشرى قريبا منهم وتراءى الجمعان فالتقوا وانهزم نور الدين ونجا في فل قليل ونزلت العساكر كفررقان ونهبوا مدينة فيدوما إليها وأقاموا هنالك وترددت الرسل في الصلح على أن يعيد نور الدين تل اعفر لقطب الدين صاحب سنجار فأعادها واصطلحوا سنة احدى وستمائة ورجع كل إلى بلده والله تعالى ولى التوفيق * (مقتل سنجر شاه صاحب جزيرة ابن عمر وولاية ابنه محمود بعده) * كان سنجر شاه بن غازى بن مودود ابن الاتابك زنكى صاحب جزيرة ابن عمر وأعمالها أوصى له بها أبوه عند وفاته كما مر وكان سيئ السيرة غشوما ظلوما مرهف الحد على رعيته وجنده وحرمه وولده كثير القهر لهم والانتقام منهم فاقد الشفقة على بنيه حتى غرب ابنيه محمودا ومودودا إلى قلعة فرح من بلاد الزوزان لتوهم توهمه فيهما وأخرج ابنه غازى إلى دار بالمدينة ووكل به فساءت حاله وكانت الدار كثيرة الخشاش فضجر من حاله وتناول حية وبعثها إلى أبيه فلم بعطف عليه فتسلل من الدار واستخفى في المدينة وبعث إلى نور الدين صاحب الموصل من أوهمه بوصوله إليه فبعث إليه بنفقة ورده خوفا من أبيه وترك أبوه طلبه لما شاع انه بالشأم فلم يزل غازى يعمل الحيلة حتى دخل دار أبيه واختفى عند بعض حظاياه وطرق عليه الخلاء في بعض الليالى وهو سكران فطعنه أربع عشرة طعنة ثم ذبحه وأقام مع الحرم وعلم أستاذ الدولة من خارج بالخبر فأحضر أعيان الدولة وأغلق أبواب القصر وبايع الناس لمحمود بن سنجر شاه واستدعاه وأخاه مودودا من قلعة فرح ثم دخلوا إلى غازى وقتلوه ووصل محمود فملكوه ولقبوه معز الدين لقب أبيه وعمد إلى الجوارى التى واطأت على قتل أبيه فغرقهن في الدجلة والله تعالى أعلم * (استيلاء العادل على الخابور ونصيبين من أعمال صاحب سنجار وحصاره اياه) * كان بين قطب الدين محمود بن زنكى بن مودود وبين ابن عمه نور الدين ارسلان شاه

[ 268 ]

ابن مسعود بن مودود صاحب الموصل عداوة مستحكمة قد مر كثير من أخبارها ولما كانت سنة خمس وستمائة أصهر العادل بن أيوب صاحب مصر والشأم إلى نور الدين في ابنته فزوجها نور الدين من ابنه واستكثر به وطمح إلى الاستيلاء على جزيرة ابن عمر فأغرى العادل بأن يظاهره على ولاية ابن عمه قطب الدين سنجر وتكون ولاية قطب الدين وهى سنجار ونصيبين والخابور للعادل وتكون ولاية غازى بن سنجر شاه لنور الدين صاحب الموصل فأجاب إلى ذلك العادل وأطمع نور الدين في أنه يقطع ولاية قطب الدين إذا ملكها لابنه الذى هو صهره على ابنته وتحالفا على ذلك وسار العادل سنة ست وستمائة من دمشق لملك الخابور وراجع نور الدين رأيه فإذا هو قد تورط وانه يملك البلاد كما يحب دونه ان وفي له وسار نور الدين إلى الجزيرة فربما حال بنو العادل بينه وبين الموصل وان انتقض نور الدين عليه سار إليه فاضطرب في أمره وملك العادل الخابور ونصيبين واعتزم قطب الدين على أن يعتاض منه عن سنجبار ببعض البلاد فمنعه من ذلك أحمد بن برتقش مولى أبيه وجهز نور الدين عسكرا مع ابنه القاهر مددا للعادل كما اتفقا عليه وفي خلال ذلك بعث قطب الدين سنجر ابنه إلى مظفر الدين صاحب اربل يستنجده فأرسل إلى العادل شافعا في أمره فلم يشفعه لمظاهرة نور الدين اياه فغضب مظفر الدين وأرسل إلى نور الدين في المساعدة على دفاع العدو فأجاب نور الدين إلى ذلك ورجع عن مظاهرة العادل وأرسل هو ومظفر الدين إلى الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب وإلى كسنجر بن قليج ارسلان صاحب الروم يستنجد انهما فأجابا هما وتداعوا إلى قصد بلاد العادل ان لم يرحل عن سنجار وبعث الخليفة الناصر أستاذ الدار أبا نصر هبة الله بن المبارك بن الضحاك والامير اقناش من خواص مواليه في الافراج عن سنجار وتخاذل أصحابه عن مضايقة سنجار معه وسيما أسد الدين شيركوه صاحب حمص والرحبة فانه جاهر بخلافه في ذلك فأجاب العادل في الصلح على ان تكون نصيبين والخابور اللذان ملكهما له وتبقى سنجار لقطب الدين وتحالفوا على ذلك ورجع العادل إلى حران ومظفر الدين إلى اربل والله تعالى أعلم * (وفاة نور الدين صاحب الموصل وولاية ابنه القاهر) * ثم توفى نور الدين ارسلان شاه بن مسعود بن مودود بن الاتابك زنكى منتصف سنة سبع وستمائة لثمان عشرة سنة من ولايته وكان شهما شجاعا مهيبا عند أصحابه حسن السياسة لرعيته وجدد ملك آبائه بعد أن أشفى على الذهاب ولما احتضر عهد بالملك لابنه عز الدين مسعود وهو ابن عشرين سنة وأوصاه أن يتولى تدبير ملكه مولاه بدر الدين لؤلؤ لما فيه من حسن السياسة وكان قائما بأمره منذ توفى مجاهد الدين قايمان

[ 269 ]

وأوصى لولده الاصغر عماد الدين بقلعة عقر الحميدية وقلعة شوش وولايتها ولفته إلى العقر فلما توفى نور الدين بايع الناس ابنه عز الدين مسعودا ولقبوه القاهر واستقر ملك الموصل وأعمالها له وقام بدر الدين لؤلؤ بتدبير دولته والبقاء لله وحده * (وفاة القاهر وولاية ابنه نور الدين ارسلان شاه في كفالة بدر الدين لؤلؤ) لما توفى الملك القاهر عز الدين مسعود بن ارسلان شاه بن مسعود بن مودود بن الاتابك زنكى صاحب الموصل آخر ربيع الاول سنة خمس عشرة وخمسمائة لثمان سنين من ولايته بعد أن عهد بالملك لابنه الاكبر نور الدين ارسلان شاه وعمره عشرون سنة وجعل الوصي عليه والمدبر لدولته لؤلؤا كما كان في دولة القاهر وابنه نور الدين فبايع له وقام بملكه وأرسل إلى الخليفة في التقليد والخلع على العادة فوصلت وبعث إلى الملوك في الاطراف في تجديد العهد كما كان بينهم وبين سلفه وضبط أموره وكان عمه نور الدين زنكى ارسلان شاه بقلعة عقر الحميدية لا يشك في مصير السلطان له فدفعه عن ذلك واستقامت أموره وأحسن السيرة وسمع شكوى المتظلمين وأنصفهم ووصل في تقليد الخليفة لنور الدين اسناد المترفي أموره لبدر الدين لؤلؤ والله أعلم * (استيلاء عماد الدين صاحب عقر على قلاع الهكارية والزوزان) * كان عماد الدين زنكى قد ولاه أبوه قلعتي العقر والشوش قريبا من الموصل وأوصى له بهما وعهد بالملك لابنه الاكبر القاهر فلما توفى القاهر كما ذكرنا طمح زنكى إلى الملك وكان يحدث به نفسه فلم يحصل له وكان بالعمادية نائب من موالى جده مسعود فداخله في الطاعة له وشعر بذلك بدر الدين لؤلؤ فعزل ذلك النائب وبعث إليها أميرا أنزله بها وجعل فيها نائبا من قبله واستبد بالنواب في غيرها وكان نور الدين بن القاهر لا يزال عليلا لضعف مزاجه وتوالى الامراض عليه فبقى محتجبا طول المدة فأرسل زنكى إلى نور الدين بالعمادية يشيع موته ويقول أنا أحق بملك سلفى فتوهموا صدقه وقبضوا على نائب لؤلؤ ومن معه وسلموا البلد لعماد الدين زنكى منتصف رمضان سنة خمس عشرة وجهز لؤلؤ العساكر وحاصروه بالعمادية في فصل الشتاء وكلب البرد وتراكم الثلج ولم يتمكنوا من قتاله وظاهره مظفر الدين صاحب اربل على شأنه وذكر لؤلؤا بالعهد الذى بينهما أن لا يتعرض لاعمال الموصل والنص فيها على قلاع الهكارية والزوزان وانه مظاهر لهم على من يتعرض لها فلج مظاهرته واعتمد نقض العهد وأقام العسكر محاصر الزنكى بالعمادية وتقدموا بعض الليالى وركبو الاوعار إليه فبرز إليهم أهل العمادية وهزموهم في المضايق والشعاب فعادوا إلى الموصل وراسل عماد الدين

[ 270 ]

قلاع الهكارية والزوزان في الطاعة له فأجابوه وملكها وولى عليها والله أعلم * (مظاهرة الاشرف بن العادل للؤلؤ صاحب الموصل) * ولما استولى عماد الدين زنكى على قلاع الهكارية والزوزان وظاهره مظفر الدين صاحب اربل خاف لؤلؤ غائلته فبعث بطاعته إلى الاشرف موسى بن العادل وقد ملك أكثر بلاد الجزيرة وخلاط وأعمالها ويسأله المعاضدة فأجابه وكان يومئذ بحلب في مدافعة كيكاوس صاحب بلاد الروم عن أعمالها فأرسل إلى مظفر الدين بالنكير عليه فيما فعل من نقضه العهد الذى كان بينهم جميعا كما مر ويعزم عليه في اعادة ما أخذ من بلاد الموصل ويتوعده ان أصر على مظاهرة زنكى بقصد بلاده فلم يجب مظفر الدين إلى ذلك واستألف على أمره صاحب ماردين وناصر الدين محمودا صاحب كيفا وآمد فوافقوه وفارقوا طاعة الاشرف في ذلك فبعث الاشرف عساكره إلى نصيبين لانجاد لؤلؤ متى احتاج إليه والله تعالى أعلم * (واقعة عساكر لؤلؤ بعماد الدين) * ولما عاد عسكر الموصل عن حصار العمادية خرج زنكى إلى قلعة العقر ليتمكن من أعمال الموصل الصحراوية إذ كان قد فرغ من أعمالها الجبلية وأمده مظفر الدين صاحب اربل بالعساكر وعسكر جند الموصل على أربع فراسخ من البلد من ناحية العقر ثم اتفقوا على المسير إلى زنكى وصبحوه آخر المحرم ستة ست عشرة وستمائة وهزموه فلحق باربل وعاد العسكر إلى مكانهم ووصل رسل الخليفة الناصر والاشرف ابن العادل في الصلح بينهما فاصطلحوا وتحالفوا والله تعالى أعلم * (وفاة نور الدين صاحب الموصل وولاية أخيه ناصر الدين) * لما توفى نور الدين ارسلان شاه بن الملك القاهر كما قدمناه من سوء مزاجه واختلاف الاسقام عليه فتوفى قبل كمال الحول ونصب لؤلؤ مكانه أخاه ناصر الدين محمد بن القاهر في سن الثلاث واستحلف له الجند وأركبه في الموكب فرضى به الناس لما بلوا من عجز أخيه عن الركوب لمرضه والله تعالى ولى التوفيق * (هزيمة لؤلؤ صاحب الموصل من مظفر الدين صاحب اربل) * ولما توفى نور الدين ونصب لؤلؤ أخاه ناصر الدين محمدا على صغر سنه تجدد الطمع لعماد الدين عمه ولمظفر الدين صاحب اربل في الاستيلاء على الموصل وتجهزوا لذلك وعاثت سراياه في نواحى الموصل وكذا لؤلؤ قد بعث ابنه الاكبر في العساكر نجدة للملك الاشرف وهو يقصد بلاد الافرنج بالسواحل ليأخذ بحجزتهم عن امداد اخوانهم

[ 271 ]

بدمياط عن أبيه الكامل بمصر فبادر لؤلؤ إلى عسكر الاشرف الذين بنصيبين واستدعاهم فجاؤا إلى الموصل منتصف سنة عشر وستمائة وعليهم ايبك مولى الاشرف فاستقلهم لؤلؤ ورآهم مثل عسكره الذين بالشأم أر دونهم وألح ايبك على عبور دجلة إلى اربل فمنعه أياما فلما أصر عبر لؤلؤ معه ونزلوا على فرسخين من الموصل شرقي دجلة وجمع مظفر الدين زنكى وعبروا الزاب وتقدم إليهم ايبك في عسكره وأصحاب لؤلؤ وسار منتصف الليل من رجب وأشار عليه لؤلؤ بانتظار الصباح فلم يفعل ولقيهم بالليل وحمل ايبك على زنكى في الميسرة فهزمه وانهزمت ميسرة لؤلؤ فبقى في نفر قليل فتقدم إليه مظفر الدين فهزمه وعبر دجلة إلى الموصل وظهر مظفر الدين على تبريز ثلاثا ثم بلغه أن لؤلؤا يريد تبييته فأجفل راجعا وترددت الرسل بينهما فاصطلحا على كل ما بيده والله أعلم * (وفاة صاحب سنجار وولاية ابنه ثم مقتله وولاية أخيه) * ثم توفي قطب الدين محمد بن زنكى بن مودود بن الاتابك زنكى صاحب سنجار في ثامن صفر سنة ست عشرة وستمائة وكان حسن السيرة مسلما إلى نوابه وملك بعده ابنه عماد الدين شاهين شاه واشتمل الناس عليه فملك شهورا ثم سار إلى تل اعفر فاغتاله أخوه عمر ودخل إليه في جماعة فقتلوه وملك بعده وبقى مدة إلى أن تسلم منها الاشرف بن العادل مدينة سنجار في جمادى سنة سبع عشرة وستمائة والله أعلم * (استيلاء عماد الدين على قلعة كواشى ولؤلؤ على تل اعفر والاشرف على سنجار) * كانت كواشى من أحسن قلاع الموصل وأمنعه وأعلاه ولما رأى الجند الذين بها بعد أهل العمادية واستبدادهم بأنفسهم طمعوا في مثل ذلك وأخرجوا نواب لؤلؤ عنهم وتمسكوا باظهار الطاعة على البعد خوفا على رهائنهم بالموصل ثم استدعوا عماد الدين زنكى وسلموا له القلعة وأقام عندهم وبعث لؤلؤ إلى مظفر الدين يذكره العهود التى لم يجز ثلمها بعد فأعرض وأرسل إلى الاشرف بحلب يستنجده فسار وعبر الفرات إلى حران وكان مظفر الدين صاحب اربل يراسل الملوك بالاطراف ويغريهم بالاشرف ويخوفهم غائلته ولما كان بين كيكاوس بن كنجسر وصاحب الروم من الفتنة ما نذكره في أخباره وسار كيكاوس إلى حلب دعا مظفر الدين الملوك بناحيته إلى وفاق كيكاوس مثل صاحب كيفا وآمد وصاحب ماردين فأطاعوه وخطبوا له في أعمالهم ومات كيكاوس وفي نفس الاشرف منه ومن مظفر الدين ما في نفسه ولما سار الاشرف إلى حران لمظاهرة لؤلؤ راسل مظفر الدين جماعة من أمرائه مثل أحمد بن على المشطوب

[ 272 ]

وعز الدين محمد بن بدر الحميدى وغيرهما واستمالهم ففارقوا الاشرف ونازلوا دبيس تحت ماردين ليجتمعوا مع ملوك الاطراف لمدافعة الاشرف واستمال الاشرف صاحب آمد وأعطاه مدينة حالى وجبل جودى ووعده بدارا إذا ملكها فأجاب وفارقهم إليه واضطر آخرون منهم إلى طاعة الاشرف فانحل أمرهم وانفرد ابن المشطوب بمشاقة الاشرف فقصد اربل ومر بنصيبين فقاتله شيخ بها فانهزم إلى سنجار فأسره صاحبها وكان هواه مع الاشرف ولؤلؤ فصده ابن المشطوب عن رأيه فيهم حتى أجمع خلافه وأطلقه فجمع المفسدين وقصد البقعا من أعمال الموصل فاكتسح نواحيها وعاد ثم سار من سنجار ثانية إلى الموصل وأرصد له لؤلؤ عسكرا فاعترضوه فهزمه واجتاز بنل اعفر من أعمال صاحب سنجار فأقاموا عليها وبعثوا إلى لؤلؤ فسار وحاصرها وملكها في ربيع سنة سبع عشرة وستمائة وأسر ابن المشطوب وجاء به إلى الموصل ثم بعث به إلى الاشرف فحبسه بحران سنين وهلك في محبسه ولما أطاع صاحب آمد الاشرف رحل من حران إلى ماردين ونزل دبيس وحاصر ماردين ومعه صاحب آمد وترددت الرسل بينه وبين صاحب ماردين على أن يرد عليه رأس عين وكان الاشرف قد أقطعها له على أن يحمل إليه ثلاثين ألف دينار وأن يعطى لصاحب آمد الورزنى بلد وانعقد الصلح بينهما وارتحل الاشرف من دبيس إلى نصيبين يريد الموصل فلقيه رسل صاحب سنجار يطلب من يتسلمها منه على أن يعوضه الاشرف منها بالرقة بما أدركه من الخوف عند استيلاء لؤلؤ على تل اعفر ونفرة أهل دولته عنه لقتله أخاه كما ذكرناه فأجابه الاشرف وأعطاه الرقة وملك سنجار في جمادى سنة سبع عشرة وستمائة ورحل عنها بأهله وعشيرته وانقرض أمر بنى زنكى منها بعد أربع وتسعين سنة والبقاء لله وحده * (صلح الاشرف مع مظفر الدين) * ولما ملك الاشرف سنجار سار إلى الموصل ووافاه بها رسل الخليفة الناصر ومظفر الدين صاحب اربل في الصلح ورد القلاع المأخوذة من ايالة الموصل على صاحبها لؤلؤ ما عدى العمادية فتبقى بيد زنكي وتردد الحديت في ذلك شهرين ولم يتم فرحل الاشرف بقصد اربل حتى قارب نهر الزاب وكان العسكر قد ضجروا سوء صاحب آمد مع مظفر الدين فأشار يا جايئه إلى ما سأل ووافق على ذلك أصحاب الاشرف فانعقد الصلح وساق زنكى إلى الاشرف رهيته على ذلك وسلمت قلعة العقر وشوش لنواب الاشرف وهما لزنكى رهنا أيضا وعاد الاشرف إلى سنجار في رمضان سنة سبع عشرة وبعثوا إلى القلاع فلم يسلمها جندها وامتنعوا بها واستجار عماد الدين زنكى بشهاب بن العادل فاستعطف له أخاه الاشرف فأطلقه ورد عليه قلعتي العقر وشوش وصرف نوابه عنهما وسمع لؤلؤ

[ 273 ]

الاشرف يميل إلى قلعة تل اعفر وانها لم تزل لسنجار قديما فبعث إليه بتسليمها والله تعالى أعلم * (رجوع قلاع الهكارية والزوزان إلى طاعة صاحب الموصل) * لما رأى زنكى أنه ملك قلاع الهكارية والزوزان وبلوه فلم يروا عنده ما ظنوه من حسن السيرة كما يفعله لؤلؤ مع جنده ورعاياه اعتزموا على مراجعة طاعة لؤلؤ وطلبوه في الاقطاع فأجابهم واستأذن الاشرف فلم يأذن له وجاء زنكى من عند الاشرف فحاصر العمادية ولم يبلغ منها غرضا فأعادوا مراسلة لؤلؤ فاستأذن الاشرف وأعطاه قلعة جديدة ونصيبين وولاية بين النهرين وأذن له في تملك القلاع وأرسل نوابه إليها ووفى لهم بما عاهدهم عليه وتبعهم بقية القلاع من أعمال الموصل فدخلوا كلهم في طاعة لؤلؤ وانتظم له ملكها والله تعالى أعلم * (استيلاء صاحب الموصل على قلعة سوس) * كانت قلعة سوس وقلعة العقر متجاورتين على اثنى عشر فرسخا من الموصل وكانتا لعماد الدين زنكى بن نور الدين ارسلان شاه بوصية أبيه كما مر وملك معها قلاع الهكارية والزوزان ورجعت إلى الموصل وسار هو سنة تسعة عشر إلى ازبك بن البهلوان صاحب اذربيجان من بقية السلجوقية فسار معه وأقطع له الاقطاعات وأقام عنده فسار لؤلؤ من الموصل إلى قلعة سوس فحاصرها وضيق عليها وامتنعت عليه فجمر العساكر لحصارها وعاد إلى الموصل ثم اشتد الحصار بأهلها وانقطعت عنهم الاسباب فاستأمنوا إلى لؤلؤ ونزلوا له عنها على شروط اشترطوها وقبلها وبعث نوابه عليها والله تعالى أعلم * (حصار مظفر الدين الموصل) * كان الاشرف بن العادل بن أيوب قد استولى على الموصل ودخل لؤلؤ في طاعته واستولى على خلاط وسائر ارمينية وأقطعها أخاه شهاب الدين غازى ثم جعله ولى عهده في سائر أعماله ثم نشأت الفتنة بينهما فاستظهر غازى بأخيه المعظم صاحب دمشق وبمظفر الدين كوكبرى وتداعوا لحصار الموصل فجمع أخوهما الكامل عساكره وسار إلى خلاط فحاصرها بعد ان بعث إلى المعظم صاحب دمشق وتهدده فأقصر عن مظاهرة أخيه واستنجد غازى مظفر الدين كوكبرى صاحب اربل فسار إلى الموصل وحاصرها ليأخذ بحجزة الاشرف عن خلاط ونهض المعظم صاحب دمشق لانجاد أخيه غازى وكان لؤلؤ صاحب الموصل قد استعد للحصار فأقام عليها مظفر الدين

[ 274 ]

عشرا ثم رحل منتصف احدى وعشرين لامتناعها عليه ولقيه الخبر بأن الاشرف قد ملك خلاط من يد أخيه فندم على ما كان منه * (انتقاض أهل العمادية على لؤلؤ ثم استيلاؤه عليها) * قد تقدم لنا انتقاض أهل قلعة العمادية من أعمال الموصل سنة خمس عشرة ورجوعه إلى عماد الدين زنكى ثم عودهم إلى طاعة لؤلؤ فأقاموا على ذلك مدة ثم عادوا إلى ديدنهم من التمريض في الطاعة وتجنوا على لؤلؤ بعزل نوابه فعزلهم مرة بعد أخرى ثم استبد بها أولاد خواجا ابراهيم وأخوه فيمن تبعهم وأخرجوا من خالفهم وأظهروا العصيان على لؤلؤ فسار إليهم سنة ثنتين وعشرين وحاصرهم وقطع الميرة عنهم وبعث عسكرا إلى قلعة هزوران وقد كانوا تبعوا أهل العمادية في العصيان فحاصرهم حتى استأمنوا وملكها ثم جهز العساكر إلى العمادية مع نائبه أمين الدين وعاد الى الموصل واستمر الحصار إلى ذى القعدة من السنة ثم راسلوا أمين الدين في الصلح على مال وأقطاع وعوض عن القلعة وأجاب لؤلؤ إلى ذلك وكان أمين الدين قد وليها قبل ذلك فكان له فيها بطانة مستمدون على عهده ومكاتبته وسخط كثير من أهل البلد فعل أولاد خواجا ابراهيم واستئثارهم بالصلح دونهم فوجد أولئك البطانة سبيلا إلى التسلط عليهم ودسوا لامين الدين أن يبيت البلد ويصالحها فصالحهم فوثبوا بأولاد خواجا ونادوا بشعار لؤلؤ فصعد العسكر القلعة وملكها أمين الدين وبعث بالخبر إلى لؤلؤ قبل أن ينعقد اليمين مع وفد أولاد خواجا والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق * (مسير مظفر الدين صاحب اربل إلى أعمال الموصل وعوده عنها) * كان جلال الدين شكرى بن خوارزم شاه قد غلبه التتر أول خروجهم سنة سبع عشرة وستمائة على خوارزم وخراسان وغزنة وفر أمامهم إلى الهند ثم رجع عنها لسنة ثنتين وعشرين واستولى على العراق ثم على اذربيجان وجاور الاشرف بن العادل في ولايته بخلاط والجزيرة وحدثت بينهما الفتنة وراسله أعيان الاشرف في الاغراء به مثل مظفر الدين صاحب اربل ومسعود صاحب آمد وأخيه المعظم صاحب دمشق واتفقوا على ذلك وسار جلال الدين إلى خلاط وسار مظفر الدين إلى الموصل وانتهى إلى الزاب ينتظر الخبر عن جلال الدين وسار المعظم صاحب دمشق إلى حمص وحماة وبعث لؤلؤ من الموصل يستنجد الاشرف فسار إلى حران ثم إلى دبيس فاكتسح أعمال ماردين وكان جلال الدين قد بلغه انتقاض نائبه بكرمان فاغذ السير إليه وترك خلاط

[ 275 ]

بعد ان عاث في أعمالها وفت ذلك في أعضاد الآخرين وعظمت سطوة الاشرف بهم وبعث إليه أخوه المعظم وقد نازل حمص وحماة يتوعده بمحاصرتهما ومحاصرة مظفر الدين الموصل فرجع عن ماردين ورجع الآخران عن حمص وحماة والموصل ولحق كل ببلده والله تعالى أعلم * (مسير التتر في بلاد الموصل واربل) * ولما أوقع التتر بجلال الدين خوارزم شاه على آمد سنة ثمان وعشرين وقتلوه ولم يبق لهم مدافع من الملوك ولا ممانع انساحوا في البلاد طولا وعرضا ودخلوا ديار بكر واكتسحوا سواد آمد وارزن وميافارقين وحاصروا وملكوها بالامان ثم استباحوها وساروا إلى ماردين فعاثوا في نواحيها ثم دخلوا الجزيرة واكتسحوا أعمال نصيبين ثم مروا إلى سنجار فنهبوها ودخلوا الخابور واستباحوه وسارت طائفة منهم إلى الموصل فاستباحوا أعمالهم ثم أعمال اربل وأفحشوا فيها وبرز مظفر الدين في عساكره واستمد عساكر الموصل فبعث بها لؤلؤ إليه ثم عاد التتر عنهم إلى اذربيجان فعاد كل إلى بلاده والله أعلم * (وفاة مظفر الدين صاحب اربل وعودها إلى الخليفة) * ثم توفى مظفر الدين كوكبرى بن زين الدين كجك صاحب اربل سنة تسع وعشرين لاربع وأربعين سنة من ولايته عليها أيام صلاح الدين بعد أخيه يوسف ولم يكن له ولد فأوصى باربل للخليفة المستنصر فبعث إليها نوابه واستولى عليها وصارت من أعماله والله تعالى أعلم * (بقية أخبار لؤلؤ صاحب الموصل) * كان عسكر خوارزم شاه بعد مهلكه سنة ثمان وعشرين على آمد لحقوا بصاحب الروم كيفباد فاستنجدهم وهلك سنة أربع وثلاثين وستمائة وولى ابنه كنجسروا فقبض على أميرهم ومر الباقون وانتبذوا بأطراف البلاد وكان الصالح نجم الدين أيوب في حران وكيفا وآمد نائبا عن أبيه الملك العادل فرأى المصلحة في استضافتهم إليه فاستمالهم واستخدمهم بعد ان اذن أبوه له في ذلك فلما مات أبوه سنة خمس انتقضوا ولحقوا بالموصل واشتمل عليهم لؤلؤ وسار معهم فحاصر الصالح بسنجار ثم بعث الصالح إلى الخوارزمية واستمالهم فرجعوا إلى طاعته على أن يعطيهم حران والرها ينزلون بها فاعطاهما اياهم وملكوهما ثم ملكوا نصيبين من أعمال لؤلؤ وبنو أيوب يومئذ

[ 276 ]

متفرقون على كراسي الشأم وبينهم من الانفة والفرقة ما نتلو عليك قصصه في دولتهم ثم استقر ملك سنجار للجواد يونس منهم وهو ابن مودود بن العادل أخذها من الصالح نجم الدين أيوب عوضا عن دمشق واستولى لؤلؤ على سنجار من يده سنة سبع وثلاثين ثم حدثت بين صاحب حلب وبين الخوارزمية فتنة ولجؤا يومئذ لصفيتهم خاتون بنت العادل فبعثت العساكر إليهم مع المعظم بوران شاه بن صلاح الدين فهزموا عساكره وأسروا ابن أخيه الافضل ودخلوا حلب واستباحوها ثم فتحوا منبج وعاثوا فيها وقطعوا الفرات من الرقة وهم يذهبون وتبعهم عسكر دمشق وحمص فهزموهم وأثخنوا فيهم ولحقوا ببلدهم حران فسارت إليهم عساكر حلب واستولوا على حران ولحق الخوارزمية بغانة وبادر لؤلؤ صاحب الموصل إلى نصيبين فملكها من أيديهم ثم توفيت صفية بنت العادل سنة أربعين في حلب وكانت ولايتها بعد وفاة أبيها العزيز محمد بن الظاهر غازى بن صلاح الدين فولى بعدها ابنه الناصر يوسف ابن العزيز في كفالة مولاه احيال الخاتونى فلما كانت سنة ثمان وأربعين وستمائة وقع بين عسكره وبين بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل حرب انهزم فيها لؤلؤ وملك الناصر نصيبين ودارا وقرقيسيا ولؤلؤ بحلب ثم زحف هلاكو ملك التتر إلى بغداد سنة وملكها وقتل الخليفة المستعصم واستلحم العلية من بغداد كما مر في أخبار الخلفاء ويأتى في أخبار التتر وتخطى منها إلى اذربيجان فبادر لؤلؤ ووصل إليه باذربيجان وآتاه طاعته وعاد إلى الموصل والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده * (وفاة صاحب الموصل وولاية ابنه الصالح) * ثم توفى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل سنة سبع وخمسين وستمائة وكان يلقب الملك الرحيم وملك بعده على الموصل ابنه الصالح اسمعيل وعلى سنجار ابنه المظفر علاء الدين على وعلى جزيرة ابن عمر ابنه المجاهد اسحق وأبقاهم هلاكو عليها مدة ثم أخذها منهم ولحقوا بمصر فنزلوا على الملك الظاهر بيبرس كما نذكر في أخباره وسار هلاكو إلى الشأم فملكها وانقرضت دولة الاتابك زنكى وبنيه ومواليه من الشأم والجزيرة اجمع كان لم تكن والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين والبقاء لله تعالى وحده والله تعالى أعلم

[ 278 ]

[ الخبر عن دولة بنى أيوب القائمين بالدولة العباسية وما كان لهم من الملك بمصر والشأم واليمن والمغرب وأولية ذلك ومصايره ] هذه الدولة من فروع دولة بنى زنكى كما تراه وجدهم هو أيوب بن شادى بن مروان بن على بن عشرة بن الحسن بن على بن أحمد بن على بن عبد العزيز بن هدبة بن الحصين بن الحرث بن سنان بن عمر بن مرة بن عوف الحميرى الدوسى هكذا نسبه بعض المؤرخين لدولتهم قال ابن الاثير انهم من الاكراد الروادية وقال ابن خلكان شادى أبوهم من أعيان درين وكان صاحبه بها بهروز فأصابه خصى من بعض أمرائه وفرحياء من المثلة فلحق بدولة السلطان مسعود بن محمد بن ملك شاه وتعلق بخدمة داية بنيه حتى إذا هلك الداية أقامه السلطان لبنيه مقامه فظهرت كفايته وعلا في الدولة محله فبعث عن شادى بن مروان صاحبه لما بينهما من الالفة وأكيد الصحبة فقدم عليه ثم ولى السلطان بهروز شحنة بغداد فسار إليها واستصحب شادى معه ثم أقطعه السلطان قلعة تكريت فولى عليها شادى فهلك وهو وال عليها وولى بهروز مكانه ابنه نجم الدين أيوب وهو أكبر من أسد الدين شيركوه فلم يزل واليا عليها ولما زحف عماد الدين زنكى صاحب الموصل لمظاهرة مسعود على الخليفة المسترشد سنة عشرين وخمسمائة وانهزم الاتابك وانكفأ راجعا إلى الموصل ومر بتكريت قام نجم الدين بعلوفته وازواده وعقد له الجسور على دجلة وسهل له عبورها ثم ان شيركوه أصاب دما في تكريت ولم يفده منه أخوه أيوب فعزله بهروز وأخرجهما من تكريت فلحقا بعماد الدين بالموصل فأحسن اليهما وأقطعهما ثم ملك بعلبك سنة ثنتين وثلاثين جعله نائبا بها ولم يزل بها ايوب ولما مات عماد الدين زنكى سنة احدى وأربعين زحف صاحب دمشق فخر الدين طغركين إلى بعلبك وحاصرها واستنزل أيوب منها على ما شرط لنفسه من الاقطاع وأقام معه بدمشق وبقى شيركوه مع نور الدين محمود بن زنكى وأقطعه حمص والرحبة لاستطلاعه وكفايته وجعله مقدم عساكره ولما صرف نظره إلى الاستيلاء على دمشق واعتزم على مداخلة أهلها كان ذلك على يد شيركوه وبمكاتبته لاخيه أيوب وهو بدمشق فتم ذلك على أيديهما وبمحاولتهما وملكها سنة تسع وأربعين وخمسمائة وكانت دولة العلويين بمصر قد أخلقت جدتها وذهب استفحالها واستبد وزراؤها على خلفائها فلم يكن الخلفاء يملكون معهم وطمع الافرنج في سواحلهم وأمصارهم لما نالهم من الهرم والوهن فمالوا عليهم وانتزعوا البلاد من أيديهم وكانوا يردون عليهم كرسى خلافتهم بالقاهرة ووضعوا عليهم الجزية وهم يتجرعون المصاب من ذلك ويتحملونه مع بقاء أمرهم كاد الاتابك زنكى وقومه السلجوقية من قبله أن بمحو دعوتهم ويذهبوا

[ 279 ]

بدولتهم وأقاموا من ذلك على مضض وقلق وجاء الله بدعوة العاضد آخرهم وتغلب عليه بعد الصالح بن زريك شاور السعدى وقتل زريك بن صالح سنة ثمان وخمسين واستبد على العاضد ثم نازعه الضرغام لتسعة أشهر من ولايته وغلبه وأخرجه من القاهرة فلحق بالشأم ولحق بنور الدين صريخا سنة تسع وخمسين وشرط له على نفسه ثلث الجباية بأعمال مصر على أن يبعث معه عسكرا يقيمون بها فأجابه إلى ذلك وبعث أسد الدين شيركوه في العساكر فقتل الضرغام ورد شاور إلى رتبته وآل أمرهم إلى محو الدولة العلوية وانتظام مصر وأعمالها في ملكة ابن أيوب بدعوة نور الدين محمود بن زنكى ويخطب للخلفاء العباسيين لما هلك نور الدين محمود واستبد صلاح الدين بأمره في مصر ثم غلب على بنى نور الدين محمود وملك الشأم من أيديهم وكثير ابن عمهم مودود واستفحل ملكه وعظمت دولة بنيه من بعده إلى أن انقرضوا والبقاء لله وحده * (مسير أسد الدين شيركوه إلى مصر واعادة شاور إلى وزارته) * لما اعتزم نور الدين محمود صاحب الشأم على صريخ شاور وارسال العساكر معه واختار لذلك أسد الدين شيركوه بن شادى وكان من أكبر أمرائه فاستدعاه من حمص وكان أميرا عليها وهى أقطاعه وجمع له العساكر وأزاح عللهم وفصل بهم شيركوه من دمشق في جمادى سنة تسع وخمسين وسار نور الدين بالعساكر إلى بلاد الافرنج ليأخذ بحجزتهم عن اعتراضه أوصده لما كان بينهم وبين صاحب مصر من الالفة والتظاهر ولما وصل أسد الدين بلبيس لقيه هنالك ناصر الدين أخو الضرغام وقاتله فانهزم وعاد إلى القاهرة مهزوما وخرج الضرغام منسلخ جمادى الاخيرة فقتل عند مشهد السيدة نفيسة رضى الله عنها وقتل أخوه وأعاد شاور إلى ووراته وتمكن فيها وصرف أسد الدين إلى بلده وأعرض عما كان بينهما فطالبه أسد الدين بالوفاء فلم يجب إليه فتغلب أسد الدين على بلبيس والبلاد الشرقية وبعث شاور إلى الافرنج يستنجدهم ويعدهم فبادروا إلى اجابته وسار بهم ملكهم مرى لخوفهم أن يملك أسد الدين مصر واستعانوا بجمع من الافرنج جاؤا لزيارة القدس وسار نور الدين إليهم ليشغلهم فلم يثنهم ذلك وطمعوا لعزمهم ورزأ أسد الدين إلى بلبيس واجتمعت العساكر المصرية والافرنج عليه وحاصروه ثلاثة أشهر وهو يغاديهم القتال ويراوحهم وامتنع عليهم وقصاراهم منع الاخبار عنه واستنفر نور الدين ملوك الجزيرة وديار بكر وقصر حارم وسار الافرنج لمدافعته فهزمهم وأثخن فيهم وأسر صاحب انطاكية وطرابلس وفتح حارم قريبا من حلب ثم سار إلى بانياس قريبا من دمشق ففتحها كما مر في أخبار نور الدين وبلغ الخبر بذلك إلى الافرنج وهم محاصرون أسد الدين في بلبيس ففت في عزائمهم وطووا الخبر

[ 280 ]

عنه وراسلوه في الصلح على أن يعود إلى الشأم فصالحهم وعاد إلى الشأم في ذى الحجة من السنة والله تعالى أعلم * (مسير أسد الدين ثانيا إلى مصر وملكه لاسكندرية ثم صلحه عليها وعوده) * ولما رجع أسد الدين إلى الشأم لم يزل في نفسه مما كان من غدر شاور وبقى يشحن لغزوهم إلى سنة ثنتين وستين فجمع العساكر وبعث معه نور الدين جماعة من الامراء واكثف له العسكر خوفا على حامية الاسلام وسار أسد الدين إلى مصر وانتهى إلى اطفيح وعبر منها إلى العدوة الغربية ونزل الجيزه وأقام تحوا من خمسين يوما وبعث شاور إلى الافرنج يستمدهم على العادة وعلى مالهم من التخوف من استفحال ملك نور الدين وشيركوه فسارعوا إلى مصر وعبروا مع عساكرها إلى الجيزه وقد ارتحل عنها أسد الدين إلى الصعيد وانتهى منها إلى واتبعوه وأدركوه بها منتصف ثنتين وستين ولما رأى كثرة عددهم واستعدادهم مع تخاذل أصحابه فاستشارهم فاشار بعضهم بعبور النيل إلى العدوة الشرقية والعود إلى الشأم وأبى زعماؤهم الا الاستماتة سيما مع خشية العتب من نور الدين وتقدم صلاح الدين بذلك وأدركهم القوم على تعبية وجعل صلاح الدين في القلب وأوصاه أن يندفع أمامهم ووقف هو في الميمنة مع من وثق باستماتته وحمل القوم على صلاح الدين فسار بين أيديهم على تعبيته وخالفهم أسد الدين إلى مخلفهم فوضع السيف فيهم وأثخن قتلا وأسرا ورجعوا عن صلاح الدين يظنون أنهم ساروا منهزمين فوجدوا أسد الدين قد استولى على مخلفهم واستباحه فانهزموا إلى مصر وسار أسد الدين إلى الاسكندرية فتلقاه أهلها بالطاعة واستخلف بها صلاح الدين ابن أخيه وعاد إلى الصعيد فاستولى عليه وفرق العمال على جباية أمواله ووصلت عساكر مصر والافرنج إلى القاهرة وأزاحوا عللهم وساروا إلى الاسكندرية فحاصروا بها صلاح الدين وجهده الحصار وسار أسد الدين من الصعيد لامداده وقد انتقض عليه طائفة من التركمان من عسكره وبينما هو في ذلك جاءته رسل القوم في الصلح على أن يرد عليهم الاسكندرية ويعطوه خمسين ألف دينار سوى ما جباه من أموال الصعيد فأجابهم إلى ذلك على أن يرجع الافرنج إلى بلادهم ولا يملكوا من البلاد قرية فانعقد ذلك بينهم منتصف شوال وعاد أسد الدين وأصحابه إلى الشأم منتصف ذى القعدة ثم شرط الافرنج على شاور أن ينزلوا بالقاهرة شحنة وتكون أبوابها بأيديهم ليتمكنوا من مدافعة نور الدين فضربوا عليه مائة ألف دينار في كل سنة جزية فقبل ذلك وعاد الافرنج إلى بلادهم بسواحل الشأم وتركوا بمصر جماعة من زعمائهم وبعث الكامل أبا شجاع شاور إلى نور الدين

[ 281 ]

بطاعته وآن يبث بمصر دعوته وقرر على نفسه ما لا يحمل كل سنة إلى نور الدين فأجابه إلى ذلك وبقى شيعة له بمصر والله تعالى أعلم * (استيلاء أسد الدين على مصر ومقتل شاور) * ولما ضرب الافرنج الجزية على القاهرة ومصر وأنزلوا بها الشحنة وملكوا أبوابها تمكنوا من البلاد وأقاموا فيها جماعة من زعمائهم فتحكموا واطلعوا على عورات الدولة فطمعوا فيما وراء ذلك من الاستيلاء وراسلوا بذلك ملكهم بالشأم واسمه مرى ولم يكن ظهر بالشأم من الافرنج مثله فاستدعوه لذلك وأغروه فلم يجبهم واستحثه أصحابه لملكها وما زالوا يقتلون له في الذروة والغارب ويوهمونه القوة بتملكها على نور الدين ويريهم هو أن ذلك يؤل إلى خروج أصحابها عنها لنور الدين فبقى بها إلى أن غلبوا عليه فرجع إلى رأيهم وتجهز وبلغ الخبر نور الدين فجمع عساكره واستنفر من في ثغوره وسار الافرنج إلى مصر مفتتح أربع وستين فملكوا بلبيس عنوة في صفر واستباحوها وكاتبهم جماعة من أعداء شاور فأنسوا مكاتبتهم وساروا إلى مصر ونازلوا القاهرة وأمر شاور باحراق مدينة مصر لينتقل أهلها إلى القاهرة فيضبط الحصار فانتقلوا وأخذهم الحريق وامتدت الايدى وانتهبت أموالهم واتصل الحريق فيها شهرين وبعث العاضد إلى نور الدين يستغيث به فأجاب وأخذ في تجهيز العساكر فاشتد الحصار على القاهرة وضاق الامر بشاور فبعث إلى ملك الافرنج يذكره بقديمه وان هواه معه دون العاضد ونور الدين ويسأل في الصلح على المال لنفور المسلمين مما سوى ذلك فأجابه ملك الافرنج على ألف ألف دينار لما رأى من امتناع القاهرة وبعث إليهم شاور بمائة الف منها وسألهم في الافراج فارتحلوا وشرع في جمع المال فعجز الناس عنه ورسل العاضد خلال ذلك تردد إلى نور الدين في أن يكون أسد الدين وعساكره حامية عنده وعطاؤهم عليه وثلث الجباية خالصة لنور الدين فاستدعى نور الدين أسد الدين من حمص وأعطاه مائتي ألف دينار وجهزه بما يحتاجه من الثياب والدواب والاسلحة وحكمه في العساكر والخزائن ونفل العسكر عشرين دينارا لكل فارس وبعث معه من أمرائه مولاه عز الدين خردك وعز الدين قليج وشرف الدين ترعش وعز الدولة الياروقي وقطب الدين نيال بن حسان المنبجى وأمد صلاح الدين يوسف بن أيوب مع عمه أسد الدين فتعلل عليه واعتزم عليه فأجاب وسار أسد الدين منتصف ربيع فلما قارب مصر رجع الافرنج إلى بلادهم فسر بذلك نور الدين وأقام عليه البشائر في الشأم ووصل أسد الدين القاهرة ودخلها منتصف جمادى الاخيرة ونزل بظاهرها ولقى العاضد وخلع عليه وأجرى عليه وعلى عساكره الجرايات والاتاوات وأقام أسد الدين ينتظر شرطهم وشاور

[ 282 ]

يماطله ويعلله بالمواعيد ثم فاوض أصحابه في القبض على أسد الدين واستخدام جنده فمنعه ابنه الكامل من ذلك فأقصر ثم أشرف أصحاب أسد الدين على اليأس من شاور وتفاوض أمراؤه في ذلك فاتفق صلاح الدين ابن أخيه وعز الدين خردك على قتل شاور وأسد الدين ينهاهم وغدا شاور يوما على أسد الدين في خيامه فألفاه قد ركب لزيارة تربة الامام الشافعي رضى الله تعالى عنه فتلقاه صلاح الدين وخردك وركبوا معه لقصد أسد الدين فقبضوا عليه في طريقهم وطيروا بالخبر إلى أسد الدين وبعث العاضد لوقته يحرضهم على قتله فبعثوا إليه برأسه وامر العاضد بنهب دوره فنهبها الغامة وجاء أسد الدين لقصر العاضد فخلع عليه الوزارة ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش وخرج له من القصر منشور من انشاء القاضى الفاضل البيسانى وعليه مكتوب بخط الخليفة ما نصه هذا عهد لا عهد لوزير بمثله فتقلد ما رآك الله وأمير المؤمنين أهلا لحمله وعليك الحجة من الله فيما أوضح لك من مراشد سبله فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة واسحب ذيل الفخار بأن اعتزت خدمتك إلى بنوة النبوة واتخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ثم ركب أسد الدين إلى دار الوزارة التى كان فيها شاور وجلس مجلس الامر والنهى وولى على الاعمال وأقطع البلاد للعساكر وأمن أهل مصر بالرجوع إلى بلادهم ورمها وعمارتها وكاتب نور الدين بالواقع مفصلا وانتصب للامور ثم دخل للعاضد وخطب الاستاذ جوهر الخصى عنه وهو يومئذ أكبر الاساتيذ فقال يقول لك مولانا نؤثر مقامك عندنا من أول قدومك وأنت تعلم الواقع من ذلك وقد تيقنا أن الله عز وجل اد خرك لنا نصرة على أعدائنا فحلف له اسد الدين على النصيحة واظهار الدولة فقال الاستاذ عن العاضد الامر بيدك هذا وأكثر ثم جددت الخلع واستخلص أسد الدين الجليس عبد القوى وكان قاضى القضاة وداعي الدعاة واستحسنه واختصه وأما الكامل بن شاور فدخل القصر مع اخوته معتصمين به وكان آخر العهد به وأسف أسد الدين عليه لما كان منه في رد أبيه وذهب كل بما كسب والله تعالى أعلم * (وفاة أسد الدين وولاية ابن أخيه صلاح الدين) * ثم توفى أسد الدين شيركوه آخر جمادى الاخيرة من سنة أربع وستين لشهرين من وزارته ولما احتضر أوصى حواشيه بهاء الدين قراقوش فقال له الحمد لله الذى بلغنا من هذه الديار ما أردنا وصار أهلها راضين عنا فلا تفارقوا سور القاهرة ولا تفرطوا في الاسطول ولما توفى تشوف الامراء الذين معه إلى رتبة الوزارة مكانه مثل عز الدولة الباروقى وشرف الدين المشطوب الهكارى وقطب الدين نيال بن حسان المنبجى

[ 283 ]

وشهاب الدين الحارمى وهو خال صلاح الدين وجمع كل لمغالبة صاحبه وكان أهل القصر وخواص الدولة قد تشاوروا فأشار جوهر باخلاء رتبة الوزارة واصطفاء ثلاثة آلاف من عسكر الغز يقودهم قراقوش ويعطى لهم الشرقية اقطاعا ينزلون بها حشدا دون الافرنج من يستبد على الخليفة بل يقيم واسطة بينه وبين الناس على العادة وأشار آخرون باقامة صلاح الدين مقام عمه والناس تبع له ومال القاضى لذلك حياء من صلاح الدين وجنوحا إلى صغر سنه وأنه لا يتوهم فيه من الاستبداد ما يتوهم في غيره من أصحابه وأنهم في سعة من رأيهم مع ولايته فاستدعاه وخلع عليه ولقبه الملك الناصر واختلف عليه أصحابه فلم يطيعوه وكان عيسى الهكارى شيعة له واستمالهم إليه الا الياروقى فانه امتنع وعاد إلى نور الدين بالشأم وثبتت قدم صلاح الدين في مصر وكان نائبا عن نور الدين ونور الدين يكاتبه بالامير الاسفهسار ويجمعه في الخطاب مع كافة الامراء بالديار المصرية وما زال صلاح الدين يحسن المباشرة ويستميل الناس ويفيض العطاء حتى غلب على أفئدة الناس وضعف أمر العاضد ثم أرسل يطلب اخوته وأهله من نور الدين فبعث بهم إليه من الشأم واستقامت أموره واطردت سعادته والله تعالى ولى التوفيق * (واقعة السودان بمصر) * كان بقصر العاضد خصى حاكم على أهل القصر يدعى مؤتمن الخلافة فلما غص أهل الدولة بوزارة صلاح الدين داخل جماعة منهم وكاتب الافرنج يستدعيهم ليبرز صلاح الدين لمدافعتهم فيثوروا بمخلفه ثم يتبعونه وقد ناشب الافرنج فيأتون عليه وبعثوا الكتاب مع ذى طمرين حمله في نعاله فاعترضه بعض التركمان واستلبه ورأوا النعال جديدة فاسترابوا بها فجاؤا به إلى صلاح الدين فقرأ الكتاب ودخل على كاتبه فأخبره بحقيقة الامر فطوى ذلك وانتظر مؤتمن الخلافة حتى خرج إلى بعض قراه متنزها وبعث من جاء برأسه ومنع الخصيين بالقصر عن ولاية أموره وقدم عليهم بهاء الدين قراقوش خصيا أبيض من خدمه وجعل إليه جميع الامور بالقصر وامتعض السودان بمصر لمؤتمن الخلافة واجتمعوا لحرب صلاح الدين وبلغوا خمسة آلاف وناجزوا عسكره من القصر في ذى القعدة من السنة وبعث إلى محلتهم بالمنصورة من أحرقها على أهليهم واولادهم فلما سمعوا بذلك انهزموا وأخذهم السيف في السكك فاستأمنوا وعبروا إلى الجيزة فسار إليهم شمس الدولة أخوه صلاح الدين في طائفة من العسكر فاستلحمهم وأبادهم والله أعلم * (منازلة الافرنج دمياط وفتح ايلة) *

[ 284 ]

ولما استولى صلاح الدين على دولة مصر وقد كان الافرنج أسفوا على ما فاتهم من صده وصد عمه عن مصر وتوقعوا الهلاك من استطالة نور الدين عليهم بملك مصر فبعثوا الرهبان والاقسة إلى بلاد القرانية يدعونهم إلى المدافعة عن بيت المقدس وكاتبوا الافرنج بصقلية والاندلس يستنجدونهم فنفروا واستعدوا لامدادهم واجتمع الذين بسواحل الشأم في فاتح خمس وستين وثلثمائة وركبوا في ألف من الاساطيل وأرسلوا لدمياط ليملكوها ويقربوا من مصر وكان صلاح الدين قد ولاها شمس الخواص منكبرس فبعث إليه بالخبر فجهز إليها بهاء الدين قراقوش وأمراء الغز في البر متتابعين وواصل المراكب بالاسلحة والاتاوات وخاطب نور الدين يستمده لدمياط لانه لا يقدر على المسير إليها خشية من أهل الدولة بمصر فبعث نور الدين إليها العساكر ارسالا ثم سار بنفسه وخالف الافرنج إلى بلادهم بسواحل الشأم فاستباحها وخربها وبلغهم الخبر بذلك على دمياط وقد امتنعت عليهم ووقع فيهم الموتان فأقلعوا عنها لخمسين يوما من حصارها ورجع أهل سواحل الشأم لبلادهم فوجدوها خرابا وكان جملة ما بعثه نور الدين في المدد لصلاح الدين في شأن دمياط هذة ألف ألف دينار سوى الثياب والاسلحة وغيرها ثم أرسل صلاح الدين إلى نور الدين في منتصف السنة يستدعى منه أباه نجم الدين أيوب فجهزه إليه مع عسكر واجتمع معهم من التجار جماعة وخشى عليهم نور الدين في طريقهم من الافرنج الذين بالكرك فسار إلى الكرك وحاصرهم بها وجمع الافرنج الآخرون فصمد للقائهم فخاموا عنه وسار في وسط بلادهم وسار إلى عشيرا ووصل نجم الدين أيوب إلى مصر وركب العاضد لتلقيه ثم سار صلاح الدين سنة ست وستين لغزو بلاد الافرنج وأغار على أعمال عسقلان والرملة ونهب ربط غزة ولقى ملك الافرنج فهزمه وعاد إلى مصر ثم أنشأ مراكب وحملها مفصلة على الجمال إلى أيلة فألفها وألقاها في البحر وحاصر أيلة برا وبحرا وفتحها عنوة في شهر ربيع من السنة واستباحها وعاد إلى مصر فعزل قضاة الشيعة وأقام قاضيا شافعيا فيها وولى في جميع البلاد كذلك ثم بعث أخاه شمس الدولة توران شاه إلى الصعيد فأغار على العرب وكانوا قد عاتوا وأفسدوا فكفهم عن ذلك والله تعالى أعلم * (اقامة الخطبة العباسية بمصر) * ثم كتب نور الدين باقامة الخطبة للمستضئ العباسي وترك الخطبة للعاضد بمصر فاعتذر عن ذلك بميل أهل مصر للعلويين وفي باطن الامر خشى من نور الدين فلم يقبل نور الدين عذره في ذلك ولم تسعه مخالفته وأحجم عن القيام بذلك وورد على صلاح الدين شخص من علماء الاعاجم يعرف بالخبشانى ويلقب بالامير العالم فلما رآهم

[ 285 ]

محجمين عن ذلك صعد المنبر يوم الجمعة قبل الخطيب ودعى للمستضئ فلما كانت الجمعة القابلة أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد والخطبة للمستضئ فتراسلوا بذلك ثانى جمعة من المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة وكان المستضئ قد ولى الخلافة بعد أبيه المستنجد في ربيع من السنة قبلها ولما خطب له بمصر كان العاضد مريضا فلم يشعروه بذلك وتوفى يوم عاشوراء من السنة ولما خطب له على منابر مصر جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على قصره ووكل به بهاء الدين قراقوش وكان فيه من الذخائر ما يعز وجوده مثل حبل الياقوت الذى وزن كل حصاة منه سبعة عشر مثقالا ومصاف الزمرذ الذى طوله أربعة أصابع طولا في عرض ومثل طبل القولنج الذى يضربه ضاربه فيعافي بذلك من داء القولنج وكسروه لما وجدوا ذلك منه فلما ذكرت لهم منفعته ندموا عليه ووجدوا من الكتب النفيسة ما لا يعدو نقل أهل العاضد إلى بعض حجر القصر ووكل بهم واخرج الاماء والعبيد وقسمهم بين البيع والهبة والعتق وكان العاضد لما اشتد مرضه استدعاه فلم يجب داعيه وظنها خديعة فلما توفى ندم وكان يصفه بالكرم ولين الجانب وغلبة الخير على طبعه والانقياد ولما وصل الخبر إلى بغداد بالخطبة للمستضئ ضربت البشائر وزينت بغداد أياما وبعثت الخلع لنور الدين وصلاح الدين مع صندل الخادم من خواص المقتفى فوصل إلى نور الدين وبعث بخلعة صلاح الدين وخلع الخطباء بمصر والاعلام السود والله تعالى أعلم * (الوحشة بين صلاح الدين ونور الدين) * قد كان تقدم لنا ذكر هذه الوحشة في أخبار نور الدين مسثوفاة وأن صلاح الدين غزا بلاد الافرنج سنة سبع وستين وحاصر حصن الشوبك على مرحلة من الكرك حتى استأمنوا إليه فبلغ ذلك نور الدين فاعتزم على قصد بلاد الافرنج من ناحية أخرى فارتاب صلاح الدين في أمره وفي لقاء نور الدين واظهار طاعته وما ينشأ عن ذلك من تحكمه فيه فأسرع العود إلى مصر واعتذر لنور الدين بشئ بلغه عن شيعة العلويين ليعتزله نور الدين وأخذ في الاستعداد لعزله وبلغ ذلك صلاح الدين وأصحابه فتفاوضوا في مدافعته ونهاهم أبوه نجم الدين أيوب وأشار بمكاتبته والتلطف له مخافة أن يبلغه غير ذلك فيقوى عزمه على العمل به ففعل ذلك صلاح الدين فسالمه نور الدين وعادت المخالطة بينهما كما كانت واتفقا على اجتماعهما لحصار الكرك فسار صلاح الدين لذلك سنة ثمان وستين وخرج نور الدين من دمشق بعد ان تجهز فلما انتهى إلى الرقيم على مرحلتين من الكرك وبلغ صلاح الدين خبره ارتابه ثانيا وجاءه الخبر بمرض نجم الدين أبيه بمصر فكر راجعا وأرسل إلى نور الدين الفقيه عيسى الهكارى بما وقع من حديث

[ 286 ]

المرض بأبيه وانه رجع من أجله فأظهر نور الدين القبول وعاد إلى دمشق والله تعالى أعلم * (وفاة نجم الدين أيوب) * كان نجم الدين أيوب بعد انصراف ابنه صلاح الدين إلى مصر أقام بدمشق عند نور الدين ثم بعث عنه ابنه صلاح الدين عندما استوسق له ملك مصر فجهزه نور الدين سنة خمس وستين في عسكره وسار لحصار الكرك ليشغل الافرنج عن اعتراضه كما مر ذكره ووصل إلى مصر وخرج العاضد لتلقيه وأقام مكرما ثم سار صلاح الدين إلى الكرك سنة ثمان وستين المرة الثانية في مواعدة نور الدين وأقام نجم الدين بمصر وركب يوما في مركب وسار ظاهر البلد والفرس في غلواء مراحه وملاعبة ظله فسقط عنه وحمل وقيذا إلى بيته فهلك لايام منها آخر ذى الحجة من السنة وكان خيرا جوادا محسنا للعلماء والفقراء وقد تقدم ذكر أوليته والله ولى التوفيق * (استيلاء قراقوش على طرابلس الغرب) * كان قراقوش من موالى تقى الدين عمر بن شاه بن نجم الدين أيوب وهو ابن أخى صلاح الدين فغضب مولاه في بعض النزعات وذهب مغاضبا إلى المغرب ولحق بجبل نفوسه من ضواحي طرابلس الغرب وأقام هنالك دعوة مواليه وكان في بسائط تلك الجبال مسعود اين زمام المعروف بالبلط في احيائه من رياح من عرب هلال بن عامر كان منحرفا عن طاعة عبد المؤمن شيخ الموحدين وخليفة المهدى فيهم فانتبذ مسعود بقومه عن المغرب وافريقية إلى تلك القاصية فدعاه قراقوش إلى اظهار دعوة مواليه بنى أيوب فأجابه ونزل معه باحيائه على طرابلس فحاصرها قراقوش وافتتحها ونزل بأهله وعياله في قصرها ثم استولى على قابس من ورائها وعلى توزر ونفطة وبلاد نفراوة من افريقية وجمع أموالا جمة وجعل ذخيرته بمدينة قابس وخربت تلك البلاد أثناء ذلك باستيلاء العرب عليها ولم يكن لهم قدرة على منعهم ثم طمع في الاستيلاء على جميع افريقية ووصل يده بيحيى بن غانية اللمتونى الثائر بتلك الناحية بدعوة لمتونة من بقية الامراء في دولتهم فكانت لهما بتلك الناحية آثار مذكورة في أخبار دولة الموحدين إلى أن غلبه ابن غانية على ما ملك من تلك البلاد وقتله كما هو مذكور في أخبارهم والله أعلم * (استيلاء نور الدين توران شاه بن أيوب على بلاد النوبة ثم على بلاد اليمن) * كان صلاح الدين وقومه على كثرة ارتيابهم من نور الدين وظنهم به الظنون يحاولون ملك القاصية عن مصر ليمتنعوا بها ان طرقهم منه حادث أو عزم على المسير إليهم في مصر

[ 287 ]

فصرفوا عزمهم في ذلك إلى بلاد النوبة أو بلاد اليمن وتجهز شمس الدولة توران شاه ابن أيوب وهو اخو صلاح الدين الاكبر إلى ملك النوبة وسار إليها في العساكر سنة ثمان وستين وحاصر قلعة من ثغورهم ففتحها واختبرها فلم يجد فيها خرجا ولا في البلاد باسرها جباية وأقواتهم الذرة وهم في شظف من العيش ومعاناة للفتن فاقتصر على ما فتحه من ثغورهم وعاد في غنيته بالعبدى والجوارى فلما وصل إلى مصر أقام بها قليلا وبعثه صلاح الدين إلى اليمن وقد كان غلب عليه على بن مهدى الخارجي سنة أربع وخمسين وصار أمره إلى ابنه عبد النبي وكرسي ملكه زبيد منها وفي عدد ياسر بن بلال بقية ملوك بنى الربيع وكان عمارة اليمنى شاعر العبيدي وصاحب بنى زربك من أمرائهم وكان أصله من اليمن وكان في خدمة شمس الدولة ويغريه به فسار إليه شمس الدولة بعد ان تجهز وأزاح العلل واستعد للمال والعيال وسار من مصر منتصف سنة تسع وستين ومر بمكة وانتهى إلى زبيد وبها ملك اليمن عبد النبي بن على بن مهدى فبرز إليه وقاتله فانهزم وانحجر بالبلد وزحفت عساكر شمس الدولة فتسنموا أسوارها وملكوها عنوة واستباحوها وأسروا عبد النبي وزوجته وولى شمس الدولة على زبيد مبارك بن كامل ابن منقذ من أمراء شيزر كان في جملته ودفع إليه عبد النبي ليستخلص منه الاموال فاستخرج من قرابته دفائن كانت فيها أموال جليلة ودلتهم زوجته الحرة على ودائع استولوا منها على أموال جمة وأقيمت الخطبة العباسية في زبيد وسار شمس الدولة توران شاه إلى عدن وبها ياسر بن بلال كان أبوه بلال بن جرير مستبدا بها على مواليه بنى الزريع وورثها عنه ابنه ياسر فسار ياسر للقائه فهزمه شمس الدولة وسارت عساكره إلى البلد فملكوها وجاؤا بياسر أسيرا إلى شمس الدولة فدخل عدن وعبد النبي معه في الاعتقال واستولى على نواحيها وعاد إلى زبيد ثم سار إلى حصون الجبال فملك تعز وهى من أحصن القلاع وحصن التعكر والجند وغيرها من المعاقل والحصون وولى على عدن عز الدولة عثمان بن الزنجبيلى واتخذ زبيد سببا لملكه ثم استوخمها وسار في الجبال ومعه الاطباء يتخير مكانا صحيح الهواء للسكنى فوقع اختيارهم على تعز فاختط هنالك مدينة واتخذها كرسيا لملكه وبقيت لبنيه ومواليهم بنى رسول كما نذكره في أخبارهم والله تعالى ولى التوفيق * (واقعة عمارة ومقتله) * كان جماعة من شيعة العلويين بمصر منهم عمارة بن أبى الحسن اليمنى الشاعر وعبد الصمد الكاتب والقاضى العويدس وابن كامل وداعي الدعاة وجماعة من الجند وحاشية القصر اتفقوا على استدعاء الافرنج من صقلية وسواحل الشأم وبذلوا لهم

[ 288 ]

الاموال على أن يقصدوا مصر فان خرج صلاح الدين للقائهم بالعساكر ثار هؤلاء بالقاهرة وأعادوا الدولة العبيدية والا فلا بد له ان أقام من بعث عساكره لمدافعة الافرنج فينفردون به ويقبضون عليه وواطأهم على ذلك جماعة من أمراء صلاح الدين وتحينوا لذلك غيبة أخيه توران شاه باليمن وثقوا بأنفسهم وصدقوا توهماتهم ورتبوا وظائف الدولة وخططها وتنازع في الوزارة بنو زربك وبنو شاور وكان على ابن نجى الواعظ ممن داخلهم في ذلك فأطلع صلاح الدين هو في الباطن إليهم ونمى الخبر إلى صلاح الدين من عيونه ببلاد الافرنج فوضع على الرسول عنده عيونا جاؤه بحلية خبره فقبض حينئذ عليهم وقيل ان على بن نجى أنمى خبرهم إلى القاضى فأوصله إلى صلاح الدين ولما قبض عليهم صلاح الدين أمر بصلبهم ومر عمارة ببيت القاضى وطلب لقاءه فلم يسعفه وأنشد البيت المشهور عبد الرحيم قد احتجب * ان الخلاص هو العجب ثم صلبوا جميعا ونودى في شيعة العلويين بالخروج من ديار مصر إلى الصعيد واحتيط على سلالة العاضد بالقصر وجاء الافرنج بعد ذلك من صقلية إلى الاسكندرية كما يأتي خبره ان شاء الله تعالى والله أعلم * (وصول الافرنج من صقلية إلى الاسكندرية) * لما وصلت رسل هؤلاء الشيعة إلى الافرنج بصقلية تجهزوا وبعثوا مراكبهم مائتي اسطول للمقاتلة فيها خمسون ألف رجل وألفان وخمسمائة فارس وثلاثون مركبا للخيول وستة مراكب لآلة الحرب وأربعون للازواد وتقدم عليهم ابن عم الملك صاحب صقلية ووصلوا إلى ساحل الاسكندرية سنة سبعين وركب أهل البلد الاسوار وقاتلهم الافرنج ونصبوا الآلات عليها وطار الخبر إلى صلاح الدين بمصر ووصلت الامراء إلى الاسكندرية من كل جانب من نواحيها وخرجوا في اليوم الثالث فقاتلوا الافرنج فظفروا عليهم ثم جاءهم البشير آخر النهار بمجئ صلاح الدين فاهتاجو اللحرب وخرجوا عند اختلاط الظلام فكبسوا الافرنج في خيامهم بالسواحل وتبادروا إلى ركوب البحر فتقسموا بين القتل والغرق ولم ينج الا القليل واعتصم منهم نحو من ثلثمائة برأس رابية هنالك إلى أن أصبحوا فقتل بعضهم وأسر الباقون وأقلعوا بأساطيلهم راجعين والله تعالى أعلم * (واقعة كنز الدولة بالصعيد) * كان أمير العرب بنواحي اسوان يلقب كنز الدولة وكان شيعة للعلوية بمصر وطالت

[ 289 ]

أيامه واشتهر ولما ملك صلاح الدين قسم الصعيد اقطاعا بين أمرائه وكان أخو أبى الهيجاء السمين من أمرائه واقطاعه في نواحيهم فعصى كنز الدولة سنة سبعين واجتمع إليه العرب والسودان وهجم على أخى أبى الهيجاء السمين في اقطاعه فقتله وكان أبو الهيجاء من أكبر الامراء فبعثه صلاح الدين لقتال الكنز وبعث معه جماعة من الامراء والتف له الجند فساروا إلى اسوان ومروا بصدد فحاصروا بها جماعة وظفروا بهم فاستلحموهم ثم ساروا إلى الكنز فقاتلوه وهزموه وقتل واستلحم جميع أصحابه وأمنت بلاد اسوان والصعيد والله تعالى ولى التوفيق * (استيلاء صلاح الدين على قواعد الشأم بعد وفاة العادل نور الدين) * كان صلاح الدين كما قدمناه قائما في مصر بطاعة العادل نور الدين محمود بن زنكى ولما توفى سنة تسع وستين ونصب ابنه الصالح اسمعيل في كفالة شمس الدين محمد بن عبد الملك المقدم وبعث إليه صلاح الدين بطاعة ونقم عليهم انهم لم يردوا الامر إليه وسار غازى صاحب الموصل بن قطب الدين مودود بن زنكى إلى بلاد نور الدين التى بالجزيرة وهى نصيبين والخابور وحران والرها والرقة فملكها ونقم عليه صلاح الدين أنهم لم يخبروه حتى بدافعه عن بلادهم وكان الخادم سعد الدين كمستكين الذى ولاه نور الدين قلعة الموصل وأمر سيف الدين غازى بمطالعته بأموره قد لحق عند وفاة نور الدين بحلب وأقام بها عند شمس الدين على بن الداية المستبد بها بعد نور الدين فبعثه ابن الداية إلى دمشق في عسكر ليجئ بالملك الصالح إلى حلب لمدافعة سيف الدين غازى فنكروه أولا وطردوه ثم رجعوا إلى هذا الرأى وبعثوا عنه فسار مع الملك الصالح إلى حلب ولحين دخوله قبض على ابن الداية وعلى مقدمى حلب واستبد بكفالة الصالح وخاف الامراء بدمشق وبعثوا إلى سيف الدين غازى ليملكوه فظنها مكيدة من ابن عمه وامتنع عليهم وصالح ابن عمه على ما أخذ من البلاد فبعث أمراء دمشق إلى صلاح الدين وتولى كبر ذلك ابن المقدم فبادر إلى الشأم وملك بصرى ثم سار إلى دمشق فدخلها في منسلخ ربيع سنة سبعين وخمسمائة ونزل دار أبيه المعروفة بالعفيفى وبعث القاضى كمال الدين ابن الشهرزورى إلى ريحان الخادم بالقلعة انه على طاعة الملك الصالح وفي خدمته وما جاء الا لنصرته فسلم إليه القلعة وملكها واستخلف على دمشق أخاه سيف الاسلام طغركين وسار إلى حمص وبها وال من قبل الامير مسعود الزعفراني وكانت من أعماله فقاتلها وملكها وجمر عسكر القتال قلعتها وسار إلى حماة مظهرا لطاعة الملك الصالح وارتجاع ما أخذ من بلاده بالجزيرة وبعث بذلك إلى صاحب

[ 290 ]

قلعتها خرديك واستخلفه وسار إلى الملك الصالح ليجمع الكلمة ويطلق أولاد الداية واستخلف على قلعة حماة أخاه ولما وصل إلى حلب حبسه