الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ
 
أ ب ت  ...




تاريخ ابن خلدون - ابن خلدون ج 5

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون ج 5


[ 1 ]

تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر، وديوان المبتدإ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر لوحيد عصره العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المغربي المتوفى سنة 808 هجرية الجزء الخامس 1391 ه‍. - 1971 م. منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب. 7120

[ 2 ]

(بسم الله الرحمن الرحيم) الخبر عن دولة السلجوقية من الترك المستولين على ممالك الاسلام ودوله بالمشرق كلها إلى حدود مصر مستبدين على الخليفة ببغداد من خلافة القائم إلى هذا الزمان وما كان لهم من الملك والسلطان في أقطار العالم وكيف فعلوا بالعلماء وحجروهم وما تفرع عن دولتهم من الدول قد تقدم لنا ذكر أنساب الامم والكلام في أنساب الترك وأنهم من ولد كومر بن يافث أحد السبعة المذكورين من بنى يافث في التوراة وهم ماواق وماذاى وماغوغ وقطوبال وماشخ وطيراش وعدا بن اسحق منهم ستة ولم يذكر ماذاى وفي التوراة أيضا ان ولد كومر ثلاثة توغرما واشكان وريعات ووقع في الاسرائيليات أن الافرنج من ريعات والصقالبة من اشكان والخزر من توغرما والصحيح عند نسابة الاسرائيلين ان الخزر هم التركمان وشعوب الترك كلهم من ولد كومر ولم يذكر من أي ولده الثلاثة والظاهر أنهم من توغرما وزعم بعض النسابة أنهم من طيراش بن يافث ونسبهم ابن سعيد إلى ترك بن غامور بن سويل والظاهر أنه غلط وأن غامور تصحيف كما مر

[ 3 ]

واما سويل فلم يذكر أحد أنه من بني يافث وقد مر ذكر ذلك كله (والترك أجناس) كثيرة وشعوب فمنهم الروس والاعلان ويقال ابلان والخفشاخ وهم القفجق والهياطلة والخلج والغز الذين منهم السلجوقية والخطا وكانوا بأرض طمعاج ويمك والقوروتزكس واركس والططر ويقال الطغر غروانكر وهم مجاورون للروم واعلم أن هؤلاء الترك أعظم أمم العالم وليس في أجناس البشر أكتر منهم ومن العرب في جنوب المعمور وهؤلاء في شمله قد ملكوا عامة الاقاليم الثلاثة من الخامس والسادس والسابع في نصف طوله مما يلى المشرق فأول مواطنهم من الشرق على البحر بلاد الصين وما فوقها جنوبا إلى الهنك وما تحتها شمالا إلى سد يأجوج ومأجوج وقد قيل انهم من شعوب الترك وآحر مواطنهم من جهة الغرب بلاد الصقالبة المجاورين للافرنج مما يلى رومة إلى خليج القسطنطينية وأول مواطنهم من جهة الجنوب بلاد القور المجاورة للنهر ثم خراسان واذربيجان وخليج القسطنطينية وآخرها من الشمال بلاد مرغانة والشاش وما وراءها من البلاد الشمالية المجهولة لبعدها وما بين هذه الحدود من بلاد غزنة ونهر جيحون وما بحفافيه من البلاد وخوارزم ومفاوز الصين وبلاد القفچق والروس حفافى خليج القسطنطينية من جهة الشمال الغربي قد اعتمر لهذه البسائط منهم أمم لا يحصيهم الا خالقهم رحالة متنقلون فيها مستنجعين مساقط الغيث في نواحيه يسكنون الخيام المتخذة من اللبود لشدة البرد في بلادهم فقروا عليها * ومر بديار بكر وخرج إليه صاحبها نصر بن مروان وحمل مائة الف دينار لنفقته فلما سمع أنه قبضها من الرعايا ردها عليه ثم مر بنا هرو وأمنها واطف على السور وجعل يمسحه بيده ويمر بها على خدوده تبركا بثغر المسلمين ثم مر بالرها وحاصرها فامتنعت عليه ثم سار إلى حلب فبعث إليه صاحبها محمود ريعول القائد الذى عنده يخبر بطاعته وخطبته ويستعفيه من الخروج إليه منكرا منه الاذى وبحى على خير العمل فقال لابد من خروجه واشتد الحصار فخرج محمود ليلا مع أمه بنت وثاى الهنى متطارحا على السلطان فأكرم مقدمها وخلع عليه واعاده إلى بلده * (غزاة السلطان البارسلان إلى خلاط واسر ملك الروم) * كان ملك الروم بالقسطنطينية لهذا العهد اسمه ارمانوس وكان كثيرا ما يخيف تغور المسلمين وتوجه في سنة ثنتين وستين في عساكر كثيرة إلى الشأم ونزل على مدينة منبج واستباحها وجمع له محمود بن صالح بن مرداس الكلابي وابن حسان الطائى قومهما ومن إليهم من العرب فهزمتهم الروم ثم رجع ارمانوس إلى القسطنطينية واحتشد الروم والفرنج والروس والكرخ ومن يليهم من العرب والطوائف وخرج إلى بلاد كرد من

[ 4 ]

أعمال خلاط وكان السلطان البارسلان بمدينة حوف من اذربيجان منقلبا من حلب فبعث بأهله وأثقاله إلى همدان مع وزيره نظام الملك وسار هو في خمسة عشر ألف مقاتل وتوجه نحوهم متهيأ ولقيت مقدمته الروس فهزموهم وجاؤا بملكهم أسيرا إلى السلطان فجدعه وبعث اسلابهم إلى نظام الملك ثم توجه إلى سمرقند ففارقها التكير وأرسل في الصلح ويعتذر عن تومق فصالحه ملك شاه وأقطع بلخ وطخارستان لاخيه شهاب الدين مكين إلى خراسان ثم إلى الري * (فتنة قاروت بك صاحب كرمان ومقتله) * كان بكرمان قاروت بك اخو السلطان البارسلان أميرا عليها فلما بلغه وفاة أخيه سار إلى الزي لطلب الملك فسبقه إليها السلطان ملك شاه ونظام الملك ومعهما مسلم بن قريش ومنصور بن دبيس وأمراء الاكراد والتقوا على نهر مان فانهزم قاروت بك وجئ به إلى أمام سعد الدولة كوهراس فقتله خنقا وأمر كرمان بسير بنيه وبعث إليهم بالخلع وأقطع العرب والاكراد مجازاة لما ابلوا في الحرب وقد كان السلطان البارسلان شافعا فيه على الخليفة فلقيهم خبر وفاة البارسلان في طريقهم فمروا إلى ملك شاه وسبق إليه مسلم بطاعته واما بهاء الدولة منصور بن دبيس فان أباه أرسله بالمال إلى ملك شاه فلقيه سائرا للحرب فشهدها معه ثم توفى اياز أخو السلطان ملك شاه ببلخ سنة خمس وستين فكفله ابنه ملك شاه إلى سنة سبع وستين وتوفى القائم منتصف شعبان منها لخمس وأربعين سنة من خلافته ولم يكن له يومئذ ولد وانما كان له حافد وهو المقتدى عبد الله ابن محمد وكان أبوه محمد بن القائم ولى عهده وكان يلقب ذخيرة الدين ويكنى ابا العباس وتوفى سنة وعهد القائم لحافده فلما توفى اجتمع اهل الدولة وحضر مؤيد الملك بن نظام الملك والوزير فخر الدولة بن جهيز وابنه عميد الدولة والشيخ ابو اسحق الشيرازي ونقيب النقباء طراد وقاضي االقضاة الدامغاني فبايعوه بالخلافة لعهد جده إليه بذلك وأقر فخر الدولة بن جهير على الوزارة وبعث ابنه عميد الدولة إلى السلطان ملك شاه لاخذ بيعته والله الموفق للصواب استيلاء السلجوقية على دمشق وحصارهم مصر ثم استيلاء تتش ابن السلطان البارسلان على دمشق قد تقدم لنا ملك انسز الرملة وبيت المقدس وحصاره دمشق سنة احدى وستين ثم عاد عنها وجعل يتعاهد نواحيها بالعيث والافساد كل سنة ثم سار إليها في رمضان سنة سبع وستين وحاصرها ثم عاد عنها وهرب منها أميرها من قبل المستنصر العلوى صاحب

[ 5 ]

مصر المعلى بن حيدوه لانه كثر عسفه بالجند والرعية وظلمه فثاروا به فهرب إلى ياساس ثم إلى صور ثم إلى مصر فحبس ومات بها محبوسا واجتمعت المصامدة بدمشق وولى عليهم انصار بن يحيى المصمودى ويلقب نصير الدولة وغلت الاقوات عندهم واضطربوا فعاد إليها انسز في شعبان سنة ثمان وستين فاستأمنوا إليه وعوض انتصارا منها بقلعة بانياس ومدينة يافان الساحل ودخلها في ذى القعدة وخطب بها للمقتدى ومنع من النداء بحى على خير العمل وتغلب على كثير من مدن الشأم ثم سار سنة تسع وستين إلى مصر وحاصرها وضيق عليها واستنجد المنتصر بالبوادي من نواحيها فوعدوه بالنصر وخرج بدر الجمالى في العساكر التى كانت بالقاهرة وجاء أهل البلاد لميعادهم فانهزم انسز وعساكره ونجا إلى بيت المقدس فوجدهم قد بمخلفه فتحصنوا منه بالمعاقل فافتتحها عنوة واستباحها حتى قتلهم في المسجد وقد تقدم ضبط هذا الاسم وأنه عند أهل الشأم انسيس والصحيح انسز وهو اسم تركي ثم ان السلطان ملك شاه اقطع اخاه تتش بن البارسلان بلاد الشأم وما يفتحه من تلك النواحى سنة سبعين وأربعمائة فقصد حلب أولا وحاصرها ومعه جموع من التركمان وكان بدر الجمالى المستولي على مصر قد بعث العساكر لحصار دمشق وبها انسز فبعث إلى تتش وهو على حلب يستنجده فسار إليه وأخرت عساكر مصر عنه منهزمين ولما وصل إلى دمشق قعد انسز على لقائه وانتظر قدومه فلقيه عند السور وعاتبه على ذلك فتساهل في العذر فقتله لوقته وملك البلد واستولى على الشأم أجمع كما سيأتي وكان يلقب تاج الدولة ثم سار في سنة ثنتين وسبعين إلى حلب فحاصرها أياما وأفرج عنها وملك مراغة والبيرة وعاد إلى دمشق وخالفه مسلم بن قريش إلى حلب فملكها كما تقدم في أخباره وضمنها للسلطان ملك شاه فولاه اياها وسار مسلم بن قريش فحاصرها آخر سنة أربع وسبعين ثم أفرج عنها فخرج تتش وقصد طرسوس من الساحل فافتتحها ورجع ثم حاصرها مسلم ثانية سنة تسع وسبعين وبلغه أن تاج الدولة تتش سار إلى بلاد الروم غازيا فخالفه إلى دمشق وحاصرها معه العرب والاكراد وبعث إليه العلوى صاحب مصر بعده بالمدد وبلغ الخبر إلى تتش فكر راجعا وسبقه إلى دمشق فحاصرها أياما ثم خرج إليه تتش في جموعه فهزمه واضطرب أمره ووصله الخبر بانتقاض أهل حران فرحل من مرج الصفر راجعا إلى بلاده ثم سار أمير الجيوش من مصر في العساكر إلى دمشق سنة ثمان وسبعين وحاصرها فامتنعت عليه ورجع فلحقوا بأخيه تكش في فقوى به وأظهر العصيان واستولى على مرو الروذ ومرو الساهجان وغيرهما وسار الى نيسابور طامعا في ملك خراسان وبلغ الخبر إلى السلطان

[ 6 ]

فسبقه إلى نيسابور فرجع تتش وتحصن بترمذ وحاصره السلطان حتى سأل الصلح وأطلق من كان في أسره من عسكر السلطان ونزل عن ترمذ وخرج إليه فأكرمه ثم عاود العصيان سنة سبع وسبعين وملك مرو الروذ ووصل قريبا من سرخس وحاصر قلعة هناك لمسعود ابن الامير فاخر وتحيل أبو الفتوح الطوسى صاحب نظام وهو بنيسابور على ملطفة وضعوها على شبه خط نظام الملك يخاطب فيها صاحب القلعة بأنه واصل في ركاب السلطان ملك شاه وأنه مصالح للقلعة وتعرض حاملها لاهل المعسكر حتى أخذوا كتابه بعد الضرب والعرض على القتل وحدثهم بمثل ما في الصحيفة وان السلطان وعساكره في الرى فأجفلوا لوقتهم إلى قلعة ربح وخرج أهل الحصن فأخذوا ما في العسكر وجاء السلطان بعد ثلاثة أشهر فحاصره في قلعته حتى افتتحها وحده ودفعه إلى ابنه أحمد فتسلمه وحبسه فخرجا من يمينه معه * (سفارة الشيخ أبى اسحق الشيرازي عن الخليفة) * كان الخليفة المقتدى وكان عميد العراق أبو الفتح بن أبى الليث يسئ معاملة الخليفة فبعث المقتدى الشيخ أبا اسحق الشيرازي إلى السلطان ملك شاه ووزيره نظام الملك باصفهان شاكيا من العميد فسار الشيخ لذلك ومعه الامام أبو بكر الشاشى وغيره من الاعيان ورأى الناس عجبا في البلاد التى يمر بها من اقبال الخلق عليه وازدحامهم على محفته يتمسحون بها ويلثمون أذيالها وينشرون موجودهم عليها من الدراهم والدنانير لاهلها والمصنوعات لاهل الصنائع والبضائع للتجار والشيخ في ذلك يبكى وينتحب ولما حضر عند السلطان أظهر المحرمة وأجابه إلى جميع ما طلبه ورفعت بدا لعميد عن كل ما يتعلق بالخليفة وحضر الشيخ مجلس نظام الملك فجرت بينه وبين امام الحرمين مناظرة خبرها معروف * (اتصال بنى جهير بالسلطان ملك شاه ومسير فخر الدولة لفتح ديار بكر) * كان فخر الدولة أبو نصر بن جهير وزير المقتدى قد عزل سنة احدى وسبعين على يد نظام الملك ولحق به ابنه عميد الدولة واسترضاه فرضى نظام الملك وشفع إلى الخليفة فاعتمد عميد الدولة دون أبيه كما تقدم في أخبار الخلفاء ثم أرسل المقتدى سنة أربع وسبعين فخر الدولة إلى ملك شاه يخطب له ابنته فسار إلى اصبهان وعقد له نكاحها على خمسين ألف دينار معجلة وعاد إلى بغداد ثم عزل المقتدى ابنه عميد الدولة عن الوزارة سنة ست وسبعين وكانوا قد علقوا بخطة من نظام الملك فبعث عن نفسه وعن ملك شاه يطلب حضور بنى جهير عندهم فساروا بأهليهم فعظمت حظوظهم عند السلطان وعقد لفخر الدولة

[ 7 ]

على ديار بكر وبعث معه العساكر لفتحها من يد بنى مروان وأذن له في اتخاذ الآلة وان يخطب لنفسه ويكتب اسمه على السكة فسار في العساكر السلطانية * (استيلاء ابن جهير على الموصل) * ولما سار فخر الدولة ابن جهير لفتح ديار بكر استنجد ابن مروان مسلم بن قريش وشرط له أمرا وتحلفا على ذلك واجتمعا لحرب ابن جهير وبعث السطان الامير ارتق بن أكسك في العساكر مددا لابن جهير فجنح ابن جهير إلى الصلح وبادر ارتق إلى القتال فهزم العرب والاكراد وغنم معسكرهم ونجا مسلم بن قريش إلى آمد وأحاطت به العسكر فلما اشتد مخنقه راسل الامير ارتق في الخروج على مال بذله له فقبله وكانت له حراسة الطريق فخرج إلى الرقة وسار ابن جهير إلى ميافارقين وفارقه منصور بن مزيد وابنه صدقة فعاد منها إلى خلاط ولما بلغ السلطان انحصار مسلم في آمد بعث عميد الدولة في جيش كثيف إلى الموصل ومعه آقسنقر قسيم الدولة الذى أقطعه بعد ذلك حلب وساروا إلى الموصل فلقيهم أرتق ورجع معهم ولما نزلوا على الموصل بعث عميد الدولة إلى أهلها بالترغيب والترهيب فأذعنوا واستولى عليها وجاء السلطان في عساكره إلى بلاد مسلم بن قريش وقد خلص من الحصار وهو مقيم قبالة الرحبة فبعث إليه مؤيد الكتاب ولاطف السلطان واسترضاه ووفد إليه بالقوارح ورده السلطان إلى اعماله وعاد لحرب أخيه تتش الذى ذكرناه آنفا فتح سليمان بن قطلمش انطاكية والخبر عن مقتله ومقتل مسلم ابن قريش واستيلاء تتش على حلب كان سليمان بن قطلمش بن اسرائيل بن سلجوق قد ملك قرسة واقتصرا وأعمالها من بلاد الروم إلى الشأم وكانت انطاكية بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلثمائة وكان ملكها لعهده الفردروس فأساء السيرة إلى جنده ورعاياه وتنكر لابنه وحبسه فداخل الشحنة في تمكين سليمان من البلد فاستدعوه سنة سبع وسبعين فركب إليها البحر وخرج إلى البر في أقرب السواحل إليها في ثلثمائة ألف فارس ورجل كثير وسار في جبال وأوعار فلما انتهى إلى السور وأمكنه الشحنة من تسليم السور دخل البلد وقاتل أهلها فهزمهم وقتل كثيرا منهم ثم عفا عنهم وملك القلعة وغنم من أموالهم ما لا يحصى وأحسن إلى أهلها وأمر لهم بعمارة ما خرب وأرسل إلى السلطان ملك شاه بالفتح ثم بعث إليه مسلم بن قريش يطلب منه ما كان يحمل إليه الفردروس ملك انطاكية من المال ويخوفه معصية السلطان فأجابه بتقرير الطاعة للسلطان

[ 8 ]

وبان الجزية لا يعطيها مسلم فسار مسلم ونهب نواحى انطاكية فنهب سليمان نواحى حلب ثم جمع سليمان العرب والتركمان وسار لنواحي انطاكية ومعه جماهير التركمان وجمع سليمان كذلك والتقيا آخر صفر سنة ثمان وسبعين وانحاز جق إلى سليمان فانهزمت العرب وقتل مسلم وسار سليمان بن قطلمش إلى حلب وحاصرها فامتنعت عليه وارسل إليه ابن الحثيثى العباسي كبير حلب بالاموال وطالبه أن يمهل حتى يكاتب السلطان ملك شاه ودس إلى تاج الدولة تتش صاحب دمشق يستدعيه لملكها فجاء لذلك ومعه ارسوس اكسك وكان خائفا على نفسه من السلطان ملك شاه لفعلته في امر فاستجار بتتش وأقطعه المورس وسار معه لهذه الحرب وبادر سليمان بن قطلمش إلى اعتراضهم وهم على تعبية وابلى أرتق في هذه الحروب وانهزم سليمان وطعن نفسه بخنجر فمات وغنم تتش معسكره وبعث إلى ابن الحثيثى العباسي فيما استدعاه إليه فاستمهله إلى مشورة السلطان ملك شاه واغلظ في القول فغضب تتش وداخله بعض اهل البلد فتسورها وملكها واستجار ابن الحثيثى بالامير ارتق فأجاره وسمع له * (استيلاء ابن جهير على ديار بكر) * ثم بعث ابن جهير سنة ثمان وسبعين ابنه زعيم الرؤساء ابا القاسم إلى حصار آمد ومعه جناح الدولة اسلار فحاصرها واقتلع شجرها وضيق عليها حتى جهدهم الجوع وغدر بعض العامة في ناحية من سورها ونادى بشعار السلطان واجتمع إليه العامة لما كانوا يلقون من عسف العمال النصارى فبادر زعيم الرؤساء إلى البلد وملكها وذلك في المحرم وكان ابوه فخر الدولة محاصر الميافارقين ووصل إليه سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد بمدد العساكر فاشتد الحصار وسقطت من السور ثلمة في سادس جمادى فنادوا بشعار السلطان ومنعوا ابن جهير من البلد واستولى على أموال بنى مروان وبعثها مع ابنه زعيم الرؤساء إلى السلطان فسار مع كوهراس إلى بغداد ثم فارقه إلى السلطان باصبهان ولما انقضى أمر ميافارقين بعث فخر الدولة جيشا إلى جزيرة ابن عمر فحاصرها وقام بعض أهلها بدعوة السلطان وفتحوا مما يليهم بابا قريبا دخل منه العسكر فملكوا البلد وانقرضت دولة بنى مروان من ديار بكر والبقاء لله ثم أخذ السلطان ديار بكر من فخر الدولة بن جهير وسار إلى الموصل فأقام بها إلى أن توفى سنة ثلاث وثمانين * (استيلاء السلطان ملك شاه على حلب وولاية اقسنقر عليها) * لما ملك تاج الدولة تتش مدينة حلب وكان بها سالم بن ملك بن مران ابن عم مسلم بن قريش وامتنع بالقلعة وحاصره تتش سبعة عشر يوما حتى وصل الخبر بمقدم أخيه

[ 9 ]

السلطان ملك شاه وقد كان ابن الحثيثى كتب إليه يستدعيه لما خاف من تتش فسار من اصبهان منتصف تسع وسبعين وفي مقدمته برثق وبدران وغير هما من الامراء ومر بالموصل في رجب ثم سار إلى هراة وبها ابن الشاطى فملكها وأقطعها لمحمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش وأقطعه معها مدينة الرحبة وأعمالها حران وسروج والرقة وخابور وزوجه أخته زليخا خاتون ثم سار إلى الرها وافتتحها من الروم وكانوا اشتروها من ابن عطية كما مر وسار إلى قلعة جعفر فملكها وقتل من كان بها من بنى قشير وكان صاحبها جعفر أعمى وكان يخيف السابلة هو وولده فأزال ضررهم ثم ملك منبج وعيسر الفرات إلى حلب فأجفل تتش عن المدينة ودخل ومعه الامير ارتق ورجع إلى دمشق فلما وصل السلطان إلى حلب ملكها ثم إلى القلعة فملكها من سالم بن ملك على أن يعليه قلعة جعفر فلم تزل بيد عقبه إلى أن ملكها منهم نور الدين الشهيد ثم بعث إليه نصر بن علي بن منقذ الكنانى بالطاعة فأقره على شيراز وتسلم منه اللاذقية وبعرطاف وجامية ورجع ثم رجع السلطان بعد أن ولى على حلب قسيم الدولة اقسنقر ورغب إليه أهل حلب أن يعفيهم من ابن الحثيثى فأخرجه عنهم إلى ديار بكر وتوفى بها ثم رجع السلطان إلى بغداد فدخلها في ذى الحجة من سنته ونزل بدار المملكة وأهدى للخليفة هدايا كثيرة واجتمع بالخليفة ليلا ثم دخل إليه في مجلسه نهارا وأفيضت عليه الخلع وسلم أمراء السلجوقية على الخليفة ونظام الملك قائم يقربهم واحدا واحدا ويعرف بهم ثم صرح المقتدى للسلطان ملك شاه بالتفويض وأوصاه بالعدل فقبل يده ووضعها على عينيه وخلع الخليفة على نظام الملك وجاء إلى مدرسته التى فيها الحديث وأملى * (خبر الزفاف) * قد قدمنا أن السلطان ملك شاه زوج ابنته من الخليفة المقتدى سنة أربع وسبعين بخطبة الوزير بن جهير فلما كان سنة ثمانين في المحرم نقل جهازها للزفاف إلى دار الخلافة على مائة وثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي أكثرها ذهب وفضة ومعه ثلاث عماريات ومعها أربع وسبعون بغلا مجللة بأنواع الديباج المكى وقلائدها الذهب وعلى ستة منها اثنا عشر صندوقا من فضة مملوأة بالحلى والجواهر ومهد عظيم من ذهب وسار بين يدى الجهاز سعد الدولة كوهراس والامير ارتق وغيرهما من الامراء والناس يسترون عليهم الدنانير والثياب وبعث الخليفة وزيره أبا شجاع إلى زوجة السلطان تركمان خاتون ومعه خادمه ظفر بمحفة لم ير مثلها ومعهم ثلثمائة من الشمع الموكف ومثلها مشاعل واوقدت الشموع في دكاكين الحريم الخلافى وقال الوزير لخاتون سيدنا أمير المومنين يقول ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وقد أذن في نقل

[ 10 ]

الوديعة إلى داره فقالت سمعا وطاعة ومشى بين يديها أعيان الدولة مع كل واحد لشمع والمشاعل يحملها الفرسان ثم جاءت المأمون من بعدهم في محفة مجللة عليها من الذهب والجواهر ما لا يحد ويحيط بالمحفة مائتا جارية من الاتراك على مراكب رائعة وأولم الخليفة وليمة لم يسمع بمثلها ثم أطلع للناس من الغد سماط مائدة عليها أربعون ألفا من السكر وخلع على أعيان العسكر وعلى جميع الحواشى * (استيلاء السلطان ملك شاه على ما وراء النهر) * كان صاحب سمرقند لهذا العهد من الخانية أحمد خان بن خضر خان أخى شمس الملك الذى كان أميرا عليها وعمته خاتون زوجة ملك شاه وكان ردئ السيرة فبعثوا إلى السلطان يسألونه الرجوع إلى ايالته وجاء بذلك مفتى سمرقند أبو طاهر الشافعي قدم حاجا وأسر ذلك إلى السلطان فسار من اصبهان سنة ثنتين وثمانين ومعه رسول الروم بالخراج المقدر عليهم فاستعجم وأحضر للفتح ولما انتهى إلى خراسان جمع العساكر وعبر النهر بجيوش لا تحصى وأخذ ما في طريقه من البلاد ثم انتهى إلى بخارى فملكها وما جاورها ثم سار إلى سمرقند فحاصرها وأخذ بهجتها ثم رماها بالمنجنيق وثلم سورها ودخل من الثلمة وملك البلد واختفى أحمد خان ثم جئ به أسيرا فأطلقه وبعث به إلى اصبهان وولى على سمرقند أبا طاهر عميد خوارزم وسار الى كاشقر فبلغ إلى نور وكمن وبعث إلى كاشقر بالخطبة وضرب السكة فأطاع وحضر عند السلطان فأكرمه وخلع عليه وأعاده إلى بلده ورجع السلطان إلى خراسان وكان بسمرقند عساكر يعرفون بالحكلية فأرادوا الوثوب بالعميد نائب السلطان فلاطفهم ولحق ببلده خوارزم (عصيان سمرقند وفتحها ثانيا) * كان مقدم الحكلية بسمرقند اسمه عين الدولة وخاف السلطان لهذه الحادثة فكاتب يعقوب نكين أخا ملك كاشقر وكانت مملكته تعرف بارياسى فاستحضره وملكه ثم شكر له يعقوب وحمل أعداءه من الرعية على طلب الثأر منه وقتله بفتاوى الفقهاء واستبد بسمرقند وسار السلطان ملك شاه إليها سنة ثنتين وثمانين فلما انتهى إلى بخارى هرب يعقوب إلى فرغانة ولحق بولايته وجاء بعسكره مستأمنين إلى السلطان فلقوه بالطواويس من قرى بخارى ووصل السلطان إلى سمرقند وولى عليها الامبرانز وأرسل العساكر في طلب يعقوب وأرسل إلى ملك كاشقر بالجد في طلبه وشعب على يعقوب عساكره وتهيؤا خزائنه ودخل على أخيه كاشقر مستجيرا به وبعث السلطان في طلبه منه فتردد بين المخافة والانفة ثم غلب عليه الخوف فقبض على أحيه يعقوب وبعثه مع ابنه وأصحابه إلى السلطان وأمرهم أن يسملوه في طريقه فان قنع السلطان بذلك والا أسلموه إليه فلما قربوا على السلطان وعزموا على حمله

[ 11 ]

بلغهم الخبر بأن طغرل بن نيال أسرى من ثمانين فرسخا بعساكر لا تحصى فكبس ملك كاشقر وأسره فأطلقوا يعقوب ثم خشى السلطان شأن طغرل بن نيال وكثرة عساكره فرجع على البلد ودس تاج الملك في استصلاح يعقوب فشفع له ورد إلى كاشقر ورد الطغرل ورجع هو إلى خراسان ثم قدم إلى بغداد سنة أربع وثمانين العزمة الثانية ووجد عليه أخوه تاج الدولة تتش صاحب الشأم وقسيم الدولة اقسنقر صاحب حلب وبوران صاحب الرها وعمال الاطراف وأقام صنيع الميلاد ببغداد وتأنق بما لم يعهد مثله وأمر وزيره نظام الملك وأمراءه ببناء الدور ببغداد لنزلهم ورجع إلى اصبهان * (استيلاء تتش على حمص وغيرها من سواحل الشأم) * لما قدم السلطان سنة أربع وثمانين وفد عليه أمراء الشأم كما قدمنا فلما انصرفوا من عنده أمر أخاه تاج الدولة تتش أن يذهب دولة العلويين من ساحل الشأم ويفتح بلادهم وأمر اقسنقر وبوران أن يسيرا لانجاده فلما رجعوا إلى دمشق سار إلى حمص وبها صاحبها ابن ملاعب وقد عظم ضرره وضرر ولده على الناس فحاصرها وملكها ثم سار إلى قلعة عرفة فملكها عنوة ثم إلى قلعة أماسية فائتا من إليه خادم كان بها فأرسل إلى أمراء تتش في اصلاح حاله فسدوا عليه المذاهب فأرسل إلى وزير اقسنقر يسعى له عند صاحبه وعمل له على ثلاثين ألف دينار ومثلها عروضا فجنح إلى مصالحته واختلف مع تتش على ذلك وأغلظ كل منهما لصاحبه في القول فرحل اقسنقر مغاضبا واضطر الباقون إلى الرحيل وانتقض أمرهم * (ملك اليمن) * كان فيمن حضر عند السلطان ببغداد كما قدمناه عثمان چق أمير التركمان صاحب قرمسيس وغيرها فأمره السلطان أن يسير في جموع التركمان للحجاز واليمن فيظهر أمرهم هناك وفوض إلى سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد فولى عليهم أميرا اسمه ترشك وسار إلى الحجاز فاستولى عليه وأساء السيرة فيه حتى جاء أمير الحجاز محمد بن هاشم مستغيثا منهم ثم ساروا سنة خمس وثمانين إلى اليمن وعاثوا في نواحيه وملكوا عدن وأساؤا السيرة في أهلها وأهلكوا برشك سابع دخولها وأعاده أصحابه إلى بغداد فدفنوه بها * (مقتل الوزير نظام الملك) * ثم ارتحل السلطان ملك شاه إلى بغداد سنه خمس وثمانين فانتهى إلى اصبهان في رمضان وخرج نظام الملك من بيته بعد الافطار عامدا إلى خيمته فاعترضه بعض الباطنية

[ 12 ]

في صورة متظلم فلما استدناه لسماع شكواه طعنه بخنجر فأشواه وعثر الباطني في أطناب الخيام ودخل نظام الملك الخيمة فمات لثلاثين سنة من وزارته واهتاج عسكره فركب إليه السلطان وسكن الناس ويقال ان السلطان ملك شاه وضع الباطني على قتله لما وقع منه ومن بنيه من الدالة والتحكم في الدولة وقد كان السلطان دس على ابنه جمال الدين من قتله سنة خمس وسبعين كان بعض حواشى السلطان سعى به فسطابه جمال الدين وقتله فأحقد السلطان بذلك وأخذ عميد خراسان فقتله خنقا فدس لخادم من خدم جمال الدين بذلك وأنهم إذا تولوا قتله بأنفسهم كان أحفظ لنعمتهم فسقاه الخادم سما ومات وجاء السلطان إلى نظام الملك وأغراه به وما زال بطانة السلطان يغضون منه ويحاولون السعاية إلى أن ولى حافده عثمان بن جمال الملك على مرو وبعث السلطان إليها كردن من أكابر المماليك والامراء شحنة ووقعت بينه وبين عثمان منازعة قى بعض الايام فأهانه وحبسه ثم أطلقه وجاء إلى السلطان شاكيا فاستشاط غضبا وبعث فخر الملك البارسلان إلى نظام الملك وأغراه به ومازل يقول ان كنت تابعا فقف عند حدك وان كنت شريكي في سلطاني فافعل ما بدالك وقرر عليه فعل حافده وسائر بنيه في ولايتهم وأرسل معه نكبرذ من خواصه ثقة على ما يؤديه من القول ويجيبه الآخر فانبسط لسان نظام الملك يعدد الوسائل منه والمدافعة عن السلطان وجمع الكلمة وفتح الامصار في كلام طويل حملته عليه الدالة وقال في آخره ان شاء فله مؤيد مرو آتى ومتى أطعت هذه زالت تلك فليأخذ حذره ثم زاد في انبساطه وقال قولوا عنى ما أردتم فان توبيخكم نتأفى عضدي ومضى نكبرذ فصدق السلطان الخبر وجاء الآخرون وحاولوا الكتمان فلم يسعهم لما وشى نكبرذ بجلية القول فصدقوه كما صدقه ومات نظام الملك بعدها بقليل ومات السلطان بعده بنحو شهر وكان أصل نظام الملك من طوس من أبناء الدهاقين اسمه أبو على الحسن بن على بن اسحق ذهبت نعمة آبائه وماتوا فنشأ يتيما ثم تعلم وحذق في العلوم والصنائع وعلق بالخدم السلطانية في بلاد خراسان وغزنة وبلخ ثم لازم خدمة أبى على بن شاذان وزير البارسلان ومات ابن شاذان فاوصي به السلطان البارسلان وعرفه كفايته فاستخدمه فقام بالامور أحسن قيام فاستوزره ثم هلك السلطان البارسلان وهو في وزارته ثم استوزره ملك شاه بعد أبيه وكان عالما جوادا صفوحا مكرما للعلماء وأهل الدين ملازما لهم في مجلسه شيد المدارس وأجرى فيها الجرايات الكثيرة وكان يملى الحديث وكان ملازما للصلوات محافظا على أوقاتها وأسقط في أيامه كثيرا من المكوس والضرائب وأزال لعن الاشعرية من المنابر بعد أن فعله الكندوى من قبله وحمل عليه السلطان طغرلبك وأجراهم مجرى الرافضة

[ 13 ]

وفارق امام الحرمين وأبو القاسم القشيرى البلاد من أجل ذلك فلما ولى البارسلان حمله نظام الملك على ازالة ذلك ورجع العلماء إلى أوطانهم ومناقبه كثيرة وحسبك من عكوف العلماء على مجلسه وتدوينهم الدواوين باسمه فعل ذلك امام الحرمين وأشباهه وأما مدارسه فقد بنى النظامية ببغداد وناهيك بها ورتب الشيخ أبا اسحق الشيرازي للتدريس بها وتوفى سنة ست وسبعين فرتب ابنه مؤيد الملك مكانه أبا سعيد المتولي فلم يرضه نظام الملك وولى فيها الامام أبا نصر الصباغ صاحب الشاهل ومات أبو نصر في شعبان من تلك السنة فولى أبو سعيد من سنة ثمان وسبعين ومات فدرس بعده الشريف العلوى أبو القاسم الدبوسي وتوفى سنة ثنتين وثمانين وولى تدريسه بعدها أبو عبد الله الطبري والقاضى عبد الوهاب الشيرازي بالنوبة يوما ببوم ثم ولى تدريسها الامام أبو حامد الغزالي سنة أربع وثمانين واتصل حكمها على ذلك وفي أيامه عكف الناس على العلم واعتنوا به لما كان من حسن أثره في ذلك والله أعلم * (وفاة السلطان ملك شاه وولاية ابنه محمود) * ثم لما سار السلطان بعد مقتل نظام الملك إلى بغداد ودخلها آخر رمضان وكان معه في الدولة أبو الفضل الهروستمانى وزير زوجته الخاتون الجلالية من الملوك الخانية فيما وراء النهر وكان من أشد الناس سعاية في نظام الملك وعزم السلطان أن يستوزره لاول دخوله بغداد فعاقت الميتة عن ذلك وطرقه المرض ثالث الفطر وهلك منتصف شوال سنة خمس وثمانين وكانت زوجته تركمان خاتون الجلالية عنده في بغداد وابنها محمود غائبا في اصبهان فسلمت موته وسارت بشلوه إلى اصبهان وتاج الملك في خدمتها وقدمت بين يديها قوام الدين كربوقا الذى ولى الموصل من بعد وأرسلته بخاتم السلطان إلى مستحفظ القلعة فملكها وجاءت على اثره وقد أفاضت الاموال في الامراء والعساكر ودعتهم إلى بيعة ولدها محمود وهو ابن أربع سنين فأجابوا إلى ذلك وبايعوه وارسلت إلى المقتدر في الخطبة له فأجابها على أن يكون الامير أنز قائما بتدبير الملك ومجد الملك مشيرا وله النظر في الاعمال والجباية فنكرت ذلك أمه خاتون وكان السفير أبا حامد الغزالي فقال لها ان الشرع لا يجيز ولاية ابنك فقبلت الشرط وخطب له آخر شوال سنة خمس وثلاثين وأرسلت تركمان خاتون إلى اصبهان في القبض على بركيارق فحبس باصبهان وكان السلطان ملك شاه من أعظم ملوك السلجوقية ملك من الصين إلى الشأم ومن أقصى الشأم إلى اليمن وحمل لطيه ملوك الروم الجزية ومناقبه عظيمة مشهورة * (منازعة بركيارق لاخيه محمود وانتظام سلطانه) *

[ 14 ]

كان بركيارق أكبر أولاد السلطان ملك شاه وكانت أمه زبيدة بنت ياقوتي بن داود وياقوتي عم ملك شاه ولما حبس بركيارق وخافت عليه أمه زبيدة دست لمماليك نظام الملك فتعصبوا له وكانت خاتون غائبة ببغداد مع ابنها محمود لفقد سلطانه فوثب المماليك النظامية على سلاح لنظام الملك باصبهان وأخرجوا بركيارق من محبسه وخطبوا له وبلغ الخبر إلى خاتون فسارت من بغداد وطلب العسكر تاج الملك في عطائهم فهرب إلى قلعة بوجين لينزل منها الاموال وامتنع فيها ونهب العسكر خزائنه وساروا إلى اصبهان وقد سار بركيارق والنظامية إلى الرى فأطاعه أرغش النظامي في عساكره وفتحوا قلعة طغرل عنوة وبعثت خاتون العساكر لقتال بركيارق فنزع إليه سبكرد وكمستكن الجاندار وغيرهما من أمراء عساكره ولقيهم بركيارق فهزمهم وسار في اثرهم إلى أصفهان فحاصرهم بها وكان عز الملك بن نظام الملك باصبهان وكان واليا على خوارزم فحضر عند السلطان قبل مقتل أبيه وبقى هناك بعد وفاة السلطان فخرح إلى بركيارق ومعه جماعة من اخوانه فاستوزره بركيارق وفوض إليه الامور كما كان أبوه * (مقتل تاج الملك) * وهو أبو الغنائم المرزبان بن خسرو فيروز كان وزيرا لخاتون وابنها ولما هرب إلى قلعة بوجين خوفا من العسكر كما قدمنا وملكت خاتون اصبهان عاد إليها واعتذر بأن صاحب القلعة حبسه فقبلت عذره وبعثته مع العساكر لقتال بركيارق فلما انهزموا حمل أسيرا عنده وكان يعرف كفاءته فأراد أن يستوزره وكان النظامية ينافرونه ويتهمونه بقتل نظام الملك وبذل فيهم أموالا فلم يغنه ووشوا به فقتلوه في المحرم سنة ست وثمانين وكان كثير الفضائل جم المناقب وانما غطى على محاسنه ممالاته على قتل نظام الملك وهو الذى بنى تربة الشيخ أبى اسحق الشيرازي والمدرسة بازائها ورتب بها أبا بكر الشاشى مدرسا * (مهلك محمود) * ثم هلك السلطان محمود وهو محاصر باصبهان لسنة من ولايته واستقل بركيارق بالملك * (منازعة تتش بن البارسلان وأخباره إلى حين انهزامه) * كان تاج الدولة تتش أخو السلطان ملك شاه صاحب الشأم وسار إلى لقاء أخيه ملك شاه ببغداد قبيل موته فلقيه خبر موته بهيت فاستولى عليها وعاد إلى دمشق فجمع العساكر وبذل الاموال وأخذ في طلب الملك فبدأ بحلب ورأى صاحبها قسيم الدولة اقسنقر اختلاف ولد ملك شاه وحقرهم فأطاع تاج الدولة تتش وتبعه في طاعته وبعث إلى باعى يسار صاحب انطاكية وإلى مران صاحب الرها وحران يشير عليهما بمثل ذلك فأجابا وخطبوا لتاج الدولة تتش في بلادهم وساروا معه إلى الرحبة فملكها ثم إلى نصيبين

[ 15 ]

فملكها واستباحها وسلمها لمحمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش وساروا إلى الموصل وقدم عليه الكافي بن فخر الدولة بن جهير من جزيرة ابن عمر فاستوزره وكانت الموصل قد ملكها علي بن شرف الدولة مسلم بن قريش وأمه صفية عمة ملك شاه وأطلقت تركمان خاتون عمه ابراهيم فجاء وملك الموصل من يده كما تقدم في أخبار بنى المقلد فبعث إليه تتش في الخطبة وأن يهىء له الطريق إلى بغداد فامتنع وزحف لحربه فانهزم العرب وسيق ابراهيم أسيرا إلى تتش في جماعة من أمراء العرب فقتلوا صبرا ونهبت أموالهم واستولى تتش على الموصل وغيرها واستناب عليها على بن مسلم وهو ابن صفية عمة أبيه وبعث إلى بغداد في الخطبة ووافقه كوهراس الشحنة وحرر الجواب بانتظار الرسل من العسكر فسار تتش إلى ديار بكر فملكها ثم سار إلى اذربيجان وزحف بركيارق يعتذر من سعيه مع تتش فعزله بركيارق بسعاية كمستكن الجاندار بقسيم الدولة وأقام عوضه شحنة ببغداد الامير مكرد وأعطاه أقطاعه وسار إلى بغداد ثم رده من دقوفا لكلام بلغه عنه وقتله وولى على شحنة بغداد فتكين حب * (مقتل اسمعيل بن ياقوتي) * كان اسمعيل بن ياقوتي بن داود بن عم ملك شاه وخال بركيارق أميرا على أذربيجان فبعثت تركمان خاتون إليه فأطمعته في الملك وأنها تتزوج به فجمع جموعا من التركمان وغيرهم وسار لحرب بركيارق فلقيه عند كرخ ونزع عنه مكرد إلى بركيارق فانهزم اسمعيل إلى اصبهان فخطبت له خاتون وضربت اسمه على الدنانير بعد ابنها محمود وأرادت العقد معه فمنعها الامير أنز مدبر الدولة وصاحب العسكر وخوفهم وفارقهم ثم أرسل أخته زبيدة أم بركيارق فأصلحت حاله مع ابنها وقدم عليه فأكرمه واجتمع به رجال الدولة كمستكن الجاندار واقسنقر وبوران وكشفوا سره في طلب الملك ثم قتلوه وأعلموا بركيارق أهدر دمه * (مهلك توران شاه بن قاروت بك) * كان توران شاه بن قاروت بك صاحب فارس وأرسلت خاتون الجلالية الامير انز لفتح فارس سنة سبع وثمانين فهزمه أولا ثم أساه السيرة مع الجند فلحقوا بتوران شاه وزحف إلى انز فهزمه واسترد البلد من يده وأصاب توران شاه في المعركة بسهم هلك منه بعد شهرين * (وفاة المقتدى وخلافة المستظهر وخطبته لبركيارق) * ثم توفى المقتدى منتصف محرم سنة سبع وثمانين وكان بركيارق قد قدم بغداد بعد هزيمة عمه تتش فخطب له وحملت إليه الخلع فلبسها وعرض التقليد على المقتدى فيه وتوفى فجأة وبويع لابنه المستظهر بالخلافة فأرسل الخلع والتقليد إلى بركيارق وأخذت عليه البيعة

[ 16 ]

للمستظهر * (استيلاء تتش على البلاد بعد مقتل أقسنقر ثم هزيمة بركيارق) * لما عاد تتش منهزما من أذربيجان جمع العساكر واحتشد الامم وسار من دمشق إلى حلب سنة سبع وثمانين واجتمع قسيم الدولة أقسنقر وبوران وجاء كربوقا مددا من عند بركيارق وساروا لحرب تتش ولقوه على ستة فراسخ من حلب فهزمهم وأخذ أقسنقر أسيرا فقتله ولحق كربوقا وبوران بحلب واتبعهما تتش فحاصرهما وملك حلب وأخذهما أسيرين وبعث إلى والرها في الطاعة فامتنعوا فبعث إليهم برأس بوران وملك البلدين وبعث بكربوقا إلى حمص فحبسه بها وسار إلى الجزيرة فملكها ثم إلى ديار بكر وخلاط فملكها ثم إلى أذربيجان ثم سار إلى همدان ووجد بها فخر الدولة ابن نظام الملك جاء من خراسان إلى بركيارق فلقيه الامير قماج من عسكر محمود باصبهان فنهب ماله ونجا إلى همذان فصادف بها تتش فأراد قتله وشفع فيه باغى يسار وأشار بوزارته لميل الناس إلى بيته واستوزره وكان بركيارق قد سار إلى قسيس فخالفه تتش إلى أذربيجان وهمذان فسار بركيارق من نصيبين وعبر دجلة من فوق الموصل إلى اربل فلما تقارب العسكران أشرف الامير يعقوب بن أنق من عسكر تتش فكبس بركيارق وهزمه ونهب سواده ولم يبق معه الا برسد وكمستكن الجاندار والبارق من أكابر الامراء فلجؤا إلى أصبهان وكانت خاتون أم محمود قد ماتت فمنعه محمود وأصحابه من الدخول ثم خرج إليه محمود وأدخله إلى اصبهان واحتاطوا عليه وأرادوا أن يسلموه فمرض محمود فأبقوه * (مقتل تتش واستقلال بركيارق بالسلطان) * ثم مات محمود منسلخ شوال سنة سبع وثمانين واستولى بركيارق على اصبهان وجاء مؤيد الملك بن نظام الملك فاستوزره عوض أخيه عز الملك وكان توفى بنصيبين فكاتب مؤيد الملك الامراء واستمالهم فرجعوا إلى بركيارق وكشف جمعه وبعث تاج الملك تتش بعد هزيمة بركيارق يوسف بن انق التركماني شحنة إلى بغداد في جمع من التركمان فمنع من دخول بغداد وزحف إليه صدقة بن مريد صاحب الحلة فقاتله في يعقوب وانهزم صدقة إلى الحلة ودخل يوسف بن انق بغداد وأقام بها وكان تتش لما هزم بركيارق سار إلى همذان وقد تحصن بها بعض الامراء فاستأمن إليه واستولى على همذان وسار في نواحى اصبهان وإلى مرو وراسل الامراء باصبهان يستميلهم فأجابوه بالمقاربة والوعد وبركيارق مريض فلما أفاق من مرضه خرج إلى جرباذقان واجتمع إليه من

[ 17 ]

العسكر ثلاثون ألفا ولقيه تتش فهزمه بركيارق وقتله بعض أصحاب اقسنقر بثار صاحبه وكان فخر الملك بن نظام الملك أسيرا عنده فانطلق عند هزيمته واستقامت أمور بركيارق وبلغ الخبر إلى يوسف * (استيلاء كربوقا على الموصل) * قد كنا قدمنا أن تاج الدولة تتش أسر قوام الدولة أبا سعيد كربوقا وحبسه بعدما قتل اقسنقر بوران فأقام محبوسا بحلب إلى أن قتل تتش واستولى رضوان ابنه على حلب فأمره السلطان بركيارق باطلاقه لانه كان من جهة الامير انز فأطلقه رضوان وأطلق أخاه التوسطاش فاجتمعت عليهما العساكر وكان بالموصل على بن شرف الدولة مسلم منذ ولاه عليها تتش بعد وقعة المضيع وكان بنصيبين أخوه محمد بن مسلم ومعه مروان ابن وهب وأبو الهيجاء الكردى وهو يريد الزحف إلى الموصل فكاتب كربوقا واستدعاه للنصرة ولقيه على مرحلتين من نصيبين فقبض عليه كربوقا وسار إلى نصيبين وحاصرها أربعين يوما وملكها ثم سار إلى الموصل فامتنعت عليه فتحول عنها إلى وقتل بها محمد بن شرف الدولة تغريقا وعاد إلى حصار الموصل ونزل منها على فرسخ واستنجد علي بن مسلم بالامير مكرس صاحب جزيرة ابن عمر فجاء لانجاده واعترضه التوسطاش فهزمه ثم سار إلى طاعة كربوقا وأعانه على حصار الموصل ولما اشتد بصاحبه على بن مسلم الحصار بعد تسعة أشهر هرب عنها ولحق بصدقة بن مزيد ودخل كربوقا إلى الموصل وعاث التوسطاش في أهل البلد ومصادرتهم واستطال على كربوقا فأمر بقتله ثالثة دخوله سنة تسع وثمانين وسار كربوقا إلى الرحبة فملكها وعاد فأحسن السيرة في أهل الموصل ورضوا عنه واستقامت اموره * (استيلاء أرسلان أرغون أخى السلطان ملك شاه على خراسان ومقتله) * كان ارسلان أرغون مقيما عند أخيه السلطان ملك شاه ببغداد فلما مات وبويع ابنه محمود سار إلى خراسان في سبعة من مواليه واجتمعت عليه جماعة وقصد نيسابور فامتنعت عليه فعاد إلى مرو وكان بها شحنة الامير قودر من موالى السلطان ملك شاه وكان أحد الساعين في قتل نظام الملك فمال إلى طاعة أرغون وملكه البلد وسار إلى بلخ وكان بها فخر الدين بن نظام الملك ففر عنها ووصل إلى همدان ووزر لتاج الدولة تتش كما مر وملك ارسلان أرعون بلخ وترمذ ونيسابور وسائر خراسان وأرسل إلى السلطان بركيارق وزيره مؤيد الملك في تقرير خراسان عليه بالضمان كما كانت لجده داود ماعو نيسابور فاعرض عنه بركيارق لاشتغاله بأخيه محمود وعمه تتش ثم عزل بركيارق

[ 18 ]

مؤيد الملك عن الوزارة بأخيه فخر الملك واستولى فخر الملك البارسلان على الامور فقطع ارسلان مراسلة بركيارق فبعث حينئذ عمه بورسوس في العساكر لقتاله فانهزم ارسلان إلى بلخ وأقام بورسوس بهراة وسار ارسلان إلى مرو وفتحها عنوة وخربها واستباحها وسار إليه بورسوس من هراة سنة ثمان وثمانين وكان معه مسعود بن تأخر الذى كان أبوه مقدم عساكر داود ومعه ملك شاه من أعاظم الامراء فبعث إليه ارسلان واستماله فمال إليه ووثب لمسعود بن تأخر وابنه فقتلهما في خيمته فضعف أمر بورسوس وانفض الناس عنه وجئ به أسيرا إلى أخيه ارسلان أرغون فحبسه بترمذ ثم قتله في محبسه بعد سنة وقتل أكابر خراسان وخرب أسوارها مثل سودان ومرو الشاهجان وقلعة سرخس ونهاوند ونيسابور وصادر وزيره عماد الملك بن نظام الملك على ثلئمائة ألف دينار ثم قتله واستبد بخراسان وكان مرهف الحد كثير العقوبة لمواليه وأنكر على بعضهم يوما بعض فعلاته وهو في خلوة وضربه فطعنه الغلام بخنجر معه فقتله وذلك في المحرم من سنة تسعين * (ولاية سنجر على خراسان) * ولما قتل ارسلان أرغون ملك أصحابه من بعده صبيا صغيرا من ولده وكان السلطان بركيارق قد جهز العساكر لخراسان للقتال ومعه الاتابك قماج ووزيره على بن الحسن الطغرائي وانتهى إليه مقتل ارسلان بالدامغان فأقاموا حتى لحقهم السلطان بركيارق وساروا إلى نيسابور فملكها في جمادى سنة تسعين وأربعمائة وملك سائر خراسان وسار إلى بلخ وكان أصحاب ارسلان قد هربوا بابنه الذى نصبوه للملك إلى جبل طخارستان وبعثوا يستأمنون له ولهم فأمنهم السلطان وجاؤا بالصبى في آلاف من العساكر فأكرمه السلطان وأقطعه ما كان لابيه أيام ملك شاه وانفض عنه العسكر الذين كانوا معه وافترقوا على أمراء السلطان وأفردوه فضمته أم السلطان إليها وأقامت من يتولى رتبته وسار السلطان إلى ترمذ فملكها وخطب له بسمرقند ودانت له البلاد وأقام على بلخ سبعة أشهر ثم رجع وترك أخاه سنجر نائبا بخراسان * (ظهور المخالفين بخراسان) * لما كان السلطان بخراسان خالف عليه محمود بن سليمان من قرابته ويعرف بأمير أميران وسار إلى بلخ واستمد صاحب غزنة من بنى سبكتكين فأمده بالعساكر والغيول على أن يخطب له فيما يفتحه من خراسان فقويت شوكته فسار إليه الملك سنجر وكبسه فانهزم وجئ به أسيرا فسمله ولما انصرف السلطان عن خراسان سار نائب خوارزم

[ 19 ]

واسمه اكنجى في اتباعه وسبق إلى مرو فتشاغل بلذاته وكان بها الامير تورد قد تشاغل عن السلطان واعتذر بالمرض فداخل بارقطاش من الامراء في قتل اكنجى صاحب خوارزم فكبسه في طائفة من أصحابه وقتلوه وساروا إلى خوارزم فملكوها مظهرين ان السلطان ولاهما عليها وبلغ الخبر إلى السلطان وكان قد بلغه في طريقه خروج الامير انز بفارس عن طاعته فمضى إلى العراق وأعاد داود الحبشى بن التونطاق في العساكر لقتالهما فسار إلى العراق من هراة وأقام في انتظار العسكر فعاجلاه فهرب أمامهما وهرب جيحون وتقدم بارقطاش قبل تودن وقاتله فهزمه داود وأسره وبلغ الخبر إلى تودن فثار به عسكره ونهبوا أثقاله ولحق بسنجار فقبض عليه صاحبها ثم أطلقه فلحق بالملك سنجر ببلخ فقتله سنجر وأفرغ هو طاعته في نظمه وجمع العساكر على طاعته ثم مات قريبا وبقى بارقطاش أسيرا عند داود إلى أن قتل * (بداية دولة بنى خوارزم شاه) * كان أبو شكين مملوكا لبعض أمراء السلجوقية واشتراه من بعض أهل غرشتان فدعى أبا شكين غرشه ونشأ على حال مرضية وكان مقدما وولد له ابنه محمد فأحسن تأديبه وتقدم هو بنفسه ولما سار الامير داود الحبشى إلى خراسان كما مر سار محمد في جملته فلما مهد خراسان وأزال الخوارج نظر فيمن يوليه خوارزم وكان نائبها اكنجى قد قتله كما مر فوقع اختياره على محمد بن أبى شكين فولاه ولقبه خوارزم شاه فحسنت سيرته وارتفع محله وأقره السلطان سنجر وزاده عناية بقدر كفايته واضطلاعه وغاب في بعض الايام عن خوارزم فقصدها بعض ملوك الاتراك وكان طغرلتكين محمد الذى كان أبوه اكنجى نائبا بخوارزم وبادر محمد بن أبى شكين إلى خوارزم بعد أن استمد السلطان سنجر وسار بالعساكر مددا له وتقدم محمد بن أبى شكين فتأخر الاتراك إلى منقشلاع ورحل طغرلتكين إلى جرجان وازداد محمد بذلك عناية عند سنجر ولما توفى ولى ابنه بعده أقسز وأحسن السيرة وكان قد قاد الجيوش أيام أبيه وباشر الحروب فملك مدينة منقشلاع ولما توفي اختصه السلطان سنجر وكان يصاحبه في أسفاره وحروبه واتصل الملك في بنى محمد بن أبى شكين خوارزم وكانت لهم الدولة وتمت دولة بنى ملك شاه وعليها كان ظهور الططر بعد المائة السادسة ومنهم أخذوا الملك كما سيأتي في أخبارهم * (استيلاء لافرنج على انطاكية وغيرها من سواحل الشأم) * كان الافرنج قد ظهر أمرهم في هذه السنين وتغلبوا على صقلية واعتزموا على قصد الشأم وملك بيت المقدس وأرادوا المسير إليها في البر فراسلوا ملك الروم بالقسطنطينية

[ 20 ]

أن يسهل لهم الطريق إلى الشأم فأجابهم على أن يعطوه انطاكية فعبروا خليج القسطنطينية سنة تسعين وأربعمائة وسار ارسلان بن سليمان بن قطلمش صاحب مرقيه وبلاد الروم لمدافعتهم فهزموه ثم مروا ببلاد ابن لبون الارمني ووصلوا إلى انطاكية فحاصروها تسعة أشهر وصاحبها يومئذ باغى سيان فأحسن الدفاع عنها ثم تبوؤا البلد بمداخلة بعض الحامية أصعدهم السور بعد أن رغبوه بالاموال والاقطاع وجاؤا إلى السور فدلهم على بعض المخادع ودخلوا منه ونفخوا لبوق فخرج باغى سيان هاربا حتى إذا كان على أربعة فراسخ راجع نفسه وندم فسقط مغشيا عليه ومر به أرمنى فحمل رأسه إلى انطاكية وذلك سنة احدى وتسعين وأربعمائة واجتمعت عساكر المسلمين وزحفوا إلى انطاكية من كل ناحية ليرتجعوها من الافرنج وجاء قوام الدين كربوقا إلى الشأم واجتمعت عليه العساكر بمرج دابق فكان معه دقاق بن تتش وطغرلتكين أتابك وجناح الدولة صاحب حمص وارسلان تاش صاحب سنجار وسقمان بن أرتق وغيرهم وساروا إلى انطاكية فنازلوها واستوحش الامراء من كربوقا وأنفوا من ترفعه عليهم وضاق الحصار بالافرنج لعدم الاقوات لان المسلمين عاجلوهم عن الاستعداد فاستأمنوا كربوقا فمنعهم الامان وكان معهم من الملوك بردويل وصخبل وكمدمرى والقمط صاحب الرها وسمند صاحب انطاكية وهو مقدم العساكر فخرجوا مستأمنين وضربوا مصاف وتخاذل الناس لما كان قلوبهم من الاضغان لكربوقا فتمت الهزيمة عليهم وآخر من انهزم سقمان بن أرتق واستشهد منهم العرب وغنم العدو سوادهم بمنافيه وساروا إلى معرة النعمان فملكوها وأفحشوا في استباحتها ثم ساروا إلى غزة فحاصروها أربعة أشهر وامتنعت عليهم وصالحهم ابن منقذ على بلده شيراز وحاصروا حمص فصالحهم صاحبها جناح الدولة ثم ساروا إلى عكا فامتنعت عليهم وكان هذا بداية الافرنج بسواحل الشأم ويقال ان من خلفاء العميد بن نصر لما خشوا من السلجوقية عند استيلائهم على الشأم إلى غزة وزحف الاقسيس من أمرائهم إلى مصر وحاصرها فراسلوا إلى الافرنج واستدعوهم لملك الشأم لينشلوهم عن أنفسهم ويحولوا بينهم وبين مصر والله سبحانه وتعالى أعلم * (انتقاض الامير انز وقتله) * لما سار السلطان بركيارق إلى خراسان ولى على بلاد فاس الامير انز وكانت قد تغلبت الشوانكار واستظهروا بايران شاه بن قاروت بك صاحب كرمان فلما سار إليهم انز قاتلوه فهزموه ورجع إلى اصبهان فاستأذن السلطان فأمره بالمقام هناك وولاه امارة العراق وكانت العساكر في جواره بطاعته وجاءه مؤيد الملك بن نظام الملك من بغداد على

[ 21 ]

الحلة فأغراه بالخلاف وخوفه غائلة بركيارق وأشار عليه بمكاتبة محمد بن شاه وهو في كنجه وشاع عنه ذلك فازداد خوفه وجمع العساكر وسار من اصبهان إلى الرى وجاهر السلطان بالخلاف وطلب منه أن يسلم إليه فخر الملك البارسلان وبينما هو في ذلك إذ هجم عليه ثلاثة نفر من الاتراك المولدين بخوارزم من جنده فطعنوه فقتلوه واهتاج عسكره فنهبوا خزائنه وحمل شلوه إلى اصبهان فدفن بها وأشهر خبر قتله إلى السلطان في أحواز الرى وهو سائر لقتاله فسر بذلك هو وفخر الملك البارسلان وذلك في سنة ثنتين وتسعين وكان محمود المذاهب كبير المناقب ولما قتل هرب اصهنر صبار إلى دمشق فأقام بها مدة ثم قدم على السلطان محمد سنة احدى وخمسمائة فأكرمه وأقطعه رحبة مالك بن طوق * (استيلاء الافرنج على بيت المقدس) * كان بيت المقدس لتاج الدولة تتش وأقطعه الامير سقمان بن أرتق التركماني وكان تتش ملكه من يد العلويين أهل مصر فلما وهن الاتراك بواقعة انطاكية طمع المصريون في ارتجاعه وسار صاحب دولتهم الافضل بن بدر الجمالى وحاصر الامير سقمان وأخاه ابلغارى وابن أخيهما ياقوتي وابن عمهما سونح ونصب المجانيق فثلموا سوره ثم ملكوه بالامان لاربعين يوما من حصاره في شعبان سنة تسع وثمانين وأحسن الافضل إلى سقمان وابلغارى ومن معهما وأطلقهم فأقام سقمان ببلد الرها وسار ابلغارى إلى العراق وولى الافضل على بيت المقدس افتخار الدولة من أمرائهم ورجع إلى مصر فلما رجع الافرنج من عكا جاؤا إلى بيت المقدس فحاصروه أربعين يوما واقتحموه من جهة الشمال آخر شعبان من سنة ثنتين وتسعين وعاثوا في أهله واعتصم فلهم بمحراب داود عليه السلام ثلاثا حتى استأمنوا وخرجوا ليلا إلى عسقلان وقتل بالمسجد سبعون ألفا أو يزيدون من المجاورين فيهم العلماء والزهاد والعباد وأخذوا نيفا وأربعين قنديلا من الفضة زنة كل واحد ثلاثة آلاف وستمائة درهم ومائة وخمسين قنديلا من الصغار وتنورا من الفضة زنته أربعون رطلا بالشامى وغير ذلك مما لا يحصى ووصل الصريخ إلى بغداد مستغيثين فأمر المقتدى أن يسير إلى السلطان بركيارق أبو محمد الدامغاني وأبو بكر الشاشى وأبو القاسم الزنجانى وأبو الوفاء بن عقيد وأبو سعد الحلواني وأبو الحسين بن السماك فساروا إلى بركيارق يستصرخونه للمسلمين فانتهوا إلى حلوان وبلغهم مقتل نجد الملك البارسلان وفتنة بركيارق مع أخيه محمد فرجعوا وتمكن الافرنج من البلاد ونحن عازمون على افراد أخبارهم بالشأم وما كان لهم فيه من الدولة على حكم أخبار الدول في كتابنا

[ 22 ]

* (ظهور السلطان محمد بن ملك شاه والخطبة له ببغداد وحروبه مع أخيه بركيارق) * كان محمد وسنجر شقيقين وكان بركيارق استعمل سنجر على خراسان ثم لحق به محمد باصبهان وهو يحاصرها سنة ثمان وثمانين فأقطعه كنجة وأعمالها وأنزل معه الامير قطلغ تكين أتابك وكانت كنجة من أعمال اران وكانت لقطون فانتزعها ملك ساه وأقطعه استراباذ وولى على اران سرهناسا وتكين الخادم ثم ضمن قطون بلاده وأعيد إليها فلما قوى رجع إلى العصيان فسرح إليه ملك شاه الامير بوزان فغلبه على البلاد وأسره ومات ببغداد سنة أربع وثمانين وأقطع ملك شاه بلاد اران لاصحاب باغى سيان صاحب انطاكية ولما مات باغى سيان رجع ابنه إلى ولاية أبيه ثم أقطع السلطان بركيارق كنجة وأعمالها لمحمد كما قلناه سنة ست وثمانين ولما اشتدو استفحل قتل اتابك قطلغ تكين واستولى على بلاد اران كلها ولحق مؤيد الملك عبد الله بن نظام الملك بعد مقتل صاحبه انز فاستخلصه وقربه وأشار عليه مؤيد الملك فطلب الامر لنفسه فخطب له بأعماله واستوزر مؤيد الملك وقارن ذلك مقتل مجد الملك الباسلانى المتغلب في دولة بركيارق فاستوحش أصحابه لذلك ونزعوا إلى محمد وساروا جميعا وكان بركيارق قد سبقهم إليها واجتمع إليه الامير نيال بن أبى شكين الحامى من أكابر الامراء وعز الملك بن نظام الملك ولما بلغه مسير أخيه محمد إليه رجع إلى اصبهان فمنعوه من الدخول فسار إلى خوزستان وملك محمد الرى في ذى القعدة سنة ثنتين وتسعين ووجد بها زبيدة أم بركيارق قد تخلفت عن ابنها فحبسها مؤيد الملك وصادرها ثم قتلها خنقا بعد ان تنصح له أصحابه في شأنها فلم يقبل وكان سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد قد استوحش من بركيارق فاتفق هو وكربوقا صاحب الموصل وجكرمس صاحب جزيرة ابن عمر وسرخاب بن بدر صاحب كنكسون وساروا إلى السلطان محمد بقم فخلع عليهم ورد كوهراس إلى بغداد في شأن الخطبة فخطب له بالخليفة ولقبه حياة الدين والدنيا وسار كربوقا وجكرمس مع السلطان محمد إلى اصبهان والله سبحانه وتعالى أعلم * (مقتل الباسلانى) * كان أبو الفضل سعد الباسلانى ويلقب مجد الملك متحكما عند السلطان بركيارق ومتحكما في دولته ولما فشا القتل في أمرائه من الباطنية استوحشوا ونسبوا ذلك للباسلانى وكان من أعظم من قتل منهم الامير برسق فاتهم ابنه زنكى وأقبورنى الباسلانى في قتله ونزعوا عن بركيارق إلى السلطان محمد فاجتمع الامراء ومقدمهم أمير الحيرة لكابك وطغابرك من الروز وبعثوا إلى بنى برسق يستدعونهم للطلب بثار أبيهم فجاؤا

[ 23 ]

واجتمعوا قريبا من همدان ووافقهم العسكر جميعا على ذلك وبعثوا إلى بركيارق يطلبون الباسلانى فامتنع وأشار عليه الباسلانى باجابتهم لئلا يفعلوا ذلك بغير رأى السلطان فيكون وهنا على الدولة فاستحلفهم السلطان فدفعه إليهم فقتله الغلمان قبل أن يتصل بهم وسكنت الفتنة وحمل رأسه إلى مؤيد الملك واستوحش الامراء لذلك من بركيارق وأشاروا عليه بالعود إلى الرى ويكفونه قتال أخيه محمد فعاد متشاغلا ونهبوا سرادقه وساروا إلى أخيه محمد ولحق بركيارق باصبهان ثم لحق رستاق كما تقدم * (اعادة الخطبة ببغداد لبركيارق) * ولما سار بركيارق إلى خوزستان ومعه نيال بن أبى شكين الحسامى مع عسكره سار من هنالك إلى واسط ولقيه صدقة بن مزيد صاحب الحلة ثم سار إلى بغداد وكان سعد الدولة كوهراس الشحنة على طاعة محمد فخرج عن بغداد ومعه أبو الغازى بن ارتق وغيره وخطب لبركيارق ببغداد منتصف صفر سنة ثلاث وتسعين بعد ان فارقها كوهراس وأصحابه وبعثوا إلى السلطان محمد ومؤيد الملك يستحثونهما فأرسلا إليهم كربوقا صاحب الموصل وجكرمس صاحب جزيرة ابن عمر يستكثرون بهم في المدافعة وطلب جكرمس من كوهراس السير لبلده خشية عليها فأذن له ثم يئس كوهراس وأصحابه من محمد فبعثوا إلى بركيارق بطاعتهم فخرج إليهم واسترضاهم ورجع إلى بغداد وقبض على عميد الدولة بن جهير وزير الخليفة وطالبه بما أخذ هو وأبوه من الموصل وديار بكر أيام ولايتهم عليها فصادرهم على مائة وستين ألف دينار واستوزر الاغر أبا المحاسن عبد الجليل بن على بن محمد الرهستانى وخلع الخليفة على بركيارق (المصاف الاول بين بركيارق ومحمد ومقتل كوهراس وهزيمة بركيارق والخطبة لمحمد) ثم سار بركيارق من بغداد لحرب أخيه محمد ومر بشهر زور فاجتمع إليه عسكر كثير من التركمان وكاتب رئيس همدان يستحثه فركب وسار للقاء أخيه على فراسخ من همدان في أول رجب من سنة ثلاث وتسعين وفي ميمنته كوهراس وعز الدولة بن صدقة بن مزيد وسرحاب بن بدر وفي ميسرته كربوقا وفى ميمنته محمد بن اضر وابنه ايار وفى ميسرته مؤيد الملك والنظامية ومعه في القلب أمير سرخو شحنة اصبهان فحمل كوهراس من الميمنة على مؤيد الملك والنظامية فهزمهم وانتهى إلى خيامهم فنهبها وحملت ميمنة محمد على ميسرة بركيارق فانهزموا وحمل محمد على بركيارق فهزمه ووقف محمد مكانه وعاد كوهراس من طلب المنهزمين فكبابه فرسه فقتل وجئ بالاغر أبى المحاسن يوسف وزير بركيارق أسيرا فأكرمه مؤيد الملك ونصب له خيمة وبعثه إلى بغداد في الخطبة لمحمد

[ 24 ]

فخطب له منتصف رجب من السنة وكانت أولية سعد الدولة كوهراس انه كان خادما للملك ابى كلنجار بن بويه وجعله في خدمة ابنه أبى نصر ولما حبسه طغر لبك مضى معه إلى قلعة طغرل فلما مات انتقل إلى خدمة السلطان البارسلان وترقى عنده وأقطعه واسط وجعله شحنة بغداد وحضر يوم قتله فوقاه بنفسه ثم أرسله ملك شاه إلى بغداد في الخطبة وجاء بالخلع والتقليد وحصل له من نفوذ الامر واتباع الناس ما لم يحصل لغيره إلى أن قتل في هذه المعركة وولى شحنة بغداد بعده ابلغارى بن ارتق مسير بركيارق إلى خراسان وانهزامه من أخيه سنجر ومقتل الامير داود حبشي أمير خراسان لما انهزم بركيارق من أخيه محمد خلص في الفل إلى الرى واجتمع له جموع من شيعته فسار إلى خراسان وانتهى إلى اسفراين وكتب الامير داود حبشي إلى النونطاق يستدعيه من الدامغان وكان أميرا على معظم خراسان وعلى طبرستان وجرجان فأشار عليه بالمقام بنيسابور فقصدها وقبض على عميدها أبى محمد وأبى القاسم بن امام الحرمين ومات أبو القاسم في محبسه مسموما ثم زحف سنجر إلى الامير داود فبعث إلى بركيارق يستدعيه لنجدته فسار إليه والتقى الفريقان بظاهر بوشنج وفي ميمنة سنجر الامير برغش وفي ميسرته الامير كوكر ومعه في القلب الامير رستم فحمل بركيارق على رستم فقتله وانقض الناس على سنجر وكاد ينهزم وأخذ بركيارق أم سنجر أسيرة وشغل أصحاب بركيارق بالنهب فحمل عليهم برغش وكوكر فانهزموا واستمرت الهزيمة على بركيارق وهرب الامير داود فجئ به إلى برغش أسيرا فقتله وسار بركيارق إلى جرجان ثم إلى الدامغان ودخل البرية ثم استدعاه أهل اصبهان وجاءه جماعة من الامراء منهم جاول سقاد وسبقه محمد إلى اصبهان فعدل عنها إلى عسكر مكرم المصاف الثاني بين بركيارق ومحمد وهزيمة محمد وقتل وزيره مؤيد الملك والخطبة لبركيارق لما انهزم بركيارق أمام سنجر سنة ثلاث وتسعين وسار إلى اصبهان فوجد أخاه محمدا قد سبقه إليها فعدل عنها إلى خوزستان ونزل إلى عسكر مكرم وقدم عليه هناك الاميران زنكى والبكى ابنا برسق سنة أربع وتسعين وساروا معه إلى همدان وهرب إليه الامير أبرز في خمسة آلاف من عسكر محمد لان صاحب امير اضر مات في تلك الايام وظنوا أن مؤيد الملك دس عليه وزيره فسمه وكان ابرز في جملة أمير اضر فقتل الوزير المتهم ولحق بركيارق ثم وصل إليه سرحاب بن كنجر وصاحباه فاجتمع له نحو من خمسين ألف فارس ولقيه محمد في خمسة عشر ألفا واستأمن أكثرهم إلى بركيارق يوم المصاف أول

[ 25 ]

جمادى الاخيرة سنة أربع وتسعين واستولت الهزيمة على محمد وجئ بمؤيد الملك أسيرا فوبخه ثم قتله بيده لانه كان سيء السيرة مع الامراء كثير الحيل في تدبير الملك ثم بعث الاغر أبو المحاسن وزير بركيارق أبا ابراهيم الاستراباذى لاستقصاء أموال مؤيد الملك وذخائره ببغداد فحمل منها ما لا يسعه الوصف يقال انه وجد في ذخائره ببلاد العجم قطعة بلخش زنتها أربعون مثقالا واستوزر محمد بعده خطيب الملك أبا منصور محمد بن الحسين ثم سار السلطان بركيارق إلى الرى ووفد عليه هنالك كربوقا صاحب الموصل ودبيس ابن صدقة وأبوه يومئذ صاحب الحلة وسار السلطان قافلا إلى جرجان وبعث إلى أخيه سنجر يستجديه فبعث إليه ما أقامه ثم طلبه في المدد فسار إليه سنجر من خراسان ثم سارا جميعا إلى الدامغان فخرباها وسار إلى الرى واجتمعت عليه النظامية وغيرهم فكثرت جموعهم وكان بركيارق بعد الظفر قد فرق عساكره لضيق الميرة ورجع دبيس بن صدقة إلى أبيه وخرج باذربيجان داود بن اسمعيل بن ياقوتي فبعث لقتاله قوام الدولة كربوقا في عشرة آلاف واستأذنه اياز في المسير إلى ولايته بهمدان ويعود بعد الفطر فبقى في قلة من العساكر فلما بلغه قريب أخيه محمد وسنجر اضطرب حاله وسار إلى همدان ليجتمع مع اياز فبلغه انه قد راسل أخاه محمدا وأطاعه فعاد إلى خورستان ولما انتهى إلى تستر استدعى ابن برسق وكان من جملة اياز فلم يحضر وتأخر فأمنه فسار نحو العراق فلما بلغ حلوان لحق به اياز وكان راسل محمدا فلم يقبله وبعث عساكره إلى همدان فلحق بهمدان اياز وأخذ محمد محلة اياز بهمدان وكانت كثيرا من كل صنف وصودر أصحابه ور بهمدان بمائة ألف دينار وسار بركيارق واياز إلى بغداد فدخلها منتصف ذى القعدة من سنة أربع وتسعين وطلب من الخليفة المال للنفقة فبعث إليه بعد المراجعة بخمسين ألف دينار وعاث أصحاب بركيارق في أموال الناس وضجر وامنه ووفد عليه أبو محمد عبد الله بن منصور المعروف بابن المصلحية قاضى جبلة من سواحل الشأم منهزما من الافرنج باموال جليلة المقدار فأخذها بركيارق منه وقد تقدم خبر ابن المصلحية في دولة العباسيين ثم بعث وزير بركيارق الاغر بالمحاسن إلى صدقة بن مزيد صاحب الحلة في ألف ألف دينار يزعم أنها تخلفت عنده من ضمان البلاد وتهدده عليها فخرج عن طاعة بركيارق وخطب لمحمد أخيه وبعث إليه بر كيارق في الحضور والتجاوز عن ذلك وضمن له اياز جميع مطالبه فأبى الا ان يدفع الوزير واستمر على عصيانه وطرد عامل بركيارق عن الكوفة واستضافها إليه * (مسير بركيارق عن بغداد ودخول محمد وسنجر إليها) * ولما استولى السلطان محمد وأخوه سنجر على همدان سار في اتباع بركيارق إلى حلوان

[ 26 ]

فقدم عليه هنالك أبو الغازى ابن ارتق في عساكره وخدمه وكثرة جموعه فسار إلى بغداد وبركيارق عليل بها فاصطرب أصحابه وعبروا به إلى الجانب الغربي ووصل محمد إلى بغداد آخر سنة أربع وتسعين وتراءى الجمعان بشاطئ دجلة وجرت بينهم المراماة والنشاب وكان عسكر محمد ينادون عسكر بركيارق يا باطنية ثم سار بركيارق إلى واسط ونهب عسكره جميع ما مروا عليه ودخل محمد إلى دار المملكة ببغداد وجاءه توقيع المستظهر بالاستبشار بقدومه وخطب له ونزل الملك سنجر بدار كوهراس ووفد على السلطان محمد ببغداد صدقة صاحب الحلة في محرم سنة خمس وسبعين * (مقتل بركيارق الباطنية) * كان هؤلاء الباطنية قد ظهروا بالعراق وفارس وخراسان وهم القرامطة والدعوة بعينها دعوتهم الا أنهم سموا في هذه الاجيال بالباطنية والاسماعيلية والملاحدة والفداوية وكل اسم منها باعتبار فالباطنية لانهم يبطنون دعوتهم والاسماعيلية لانتساب دعوتهم في أصلها لاسمعيل الامام بن جعفر الصادق والملاحدة لان بدعتهم كلها الحاد والفداوية لانهم يفادون أنفسهم بالمال على قتل من يسلطون والقرامطة نسبة إلى قرمط منشئ دعوتهم وكان أصلهم من البحرين في المائة الثالثة وما بعدها ثم نشأ هؤلاء بالمشرق أيام ملك شاه فأول ما ظهروا باصبهان واشتد في حصار بركيارق وأخيه محمود وأمه خاتون فيها ثم ثارت عامة اصبهان بهم باشارة القضاة وأهل الفتيا فقتلوهم في كل جهة وحرقوهم بالنار ثم انتشروا واستولوا على القلاع ببلاد العجم كما تقدم في أخبارهم ثم أخذ بمذهبهم ثيران شاه بن بدران شاه بن قارت بك صاحب كرمان حمله عليه كاتب من أهل خورستان يسمى أبا زرعة وكان بكرمان فقيه من الحنفية يسمى أحمد بن الحسين البلخى مطاع في الناس فخشى من نكيره فقتله فهرب عنه صاحب جيشه وكان شحنة البلد ولحق بالسلطان محمد ومؤيد الملك باصبهان وثار الجنا بعده بثيران شاه إلى مدينة كرمان فمنعه أهلها ونهبوه فقصد قلعة سهدم واستجار بصاحيها محمد بهستون وبعث أرسلان شاة عساكر لحصارها فطرده بهستون وبعث مقدم العساكر في طلبه فجئ به أسيرا وبأبى زرعة الكاتب معه فقتلهما أرسلان شاه واستولى على بلاد كرمان وكان بركيارق كثيرا ما يسلطهم على من يريد قتله من الامراء مثل انز شحنة اصبهان وأرغش وغيرهم فامنوا جانبه وانتشروا في عسكره واغروا الناس ببدعتهم وتجاوزوا إلى التهديد عليها حتى خافهم اعيان العسكر وصار بركيارق يصرفهم على أعدائه والناس يتهمونه بالميل إليهم فاجتمع أهل الدولة وعذلوا بركيارق في ذلك فقبل نصيحتهم وأمر بقتل الباطنية حيث كانوا فقتلوا وشردوا كل مشرد

[ 27 ]

وبعث إلى بغداد بقتل ابى ابراهيم الاستراباذى الذى بعثه أبو الاغر لاستقصاء اموال مؤيد الملك وكان يتهم بمذهبهم فقتل وقتل بالعسكر الامير محمد بن ولد علاء الدين بن كاكوبه وهو صاحب مدينة تيرد وكان يتهم بمذهبهم وسعى بالكيا الهراسى مدرس النظامية انه باطني فأمر السلطان محمد بالقبض عليه حتى شهد المستظهر ببراءته وعلو درجته في العلم فاطلقه وحسمت علة الباطنية بين الجمهور وبقى امرهم في القلاع التى ملكوها إلى ان انقرضوا كما تقدم في اخبارهم مستوفى * (المصاف الثالث بين بركيارق ومحمد والصلح بينهما) * ولما رحل بركيارق عن بغداد إلى واسط ودخل إليها السلطان محمد اقام بها إلى منتصف المحرم من سنة خمس وتسعين ثم رحل إلى همدان وصحبه السلطان سنجر لقصد خراسان موضع امارته وجاءت الاخبار إلى المستظهر باعتزام بركيارق على المسير إلى بغداد ونقل له عنه قبائح من أقواله وأفعاله فاستدعى السلطان محمدا من همدان وقال أنا أسير معك لقتاله فقال محمد أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين ورجع ورتب ببغداد أبا المعالى شحنة وكان بركيارق لما سار من بغداد إلى واسط هرب أهلها منه إلى الزبيدية ونزل هو بواسط عليلا فلما أفاق أراد لعبور إلى الجانب الشرقي فلم يجد سفنا ولا نواتية وجاءه القاضى أبو على الفارسى إلى العسكر واجتمع بالامير اياز والوزير فاستعطفهما لاهل واسط وطلب اقامة الشحنة بينهم فبعثاه وطلبا من القاضى من يعبر فأحضر لهم رجالا عبروا بهم فلما صاروا في الجانب الشرقي نهب العسكر البلد فجاء القاضى واستعطفهم فمنعوا النهب واستأمن إليهم عسكر واسط فأمنوهم وسار بركيارق إلى بلاد بخ برسق في الاهواز وساروا معه ثم بلغه مسير أخيه محمد عن بغداد فسار في اتباعه على نهاوند إلى أن أدركه وتصافوا ولم يقتتلوا لشدة البرد ثم عاودوا في اليوم الثاني كذلك وكان الرجل يخرج لقريبه من الصف الآخر فيتصافحان ويتساءلان ويفترقان ثم جاء الامير بكراج وعبر من عسكر محمد إلى الامير اياز والوزير الاغر فاجتمعوا وعقدوا الصلح بين الفريقين على ان السلطان بركيارق والملك محمد ويضرب له ثلاث نوب ويكون له من البلاد حرة وأعمالها وأذربيجان وديار بكر والجزيرة والموصل ويمده بركيارق بالعساكر على من يمتنع عليه منها وتحالفا على ذلك وافترقا وكان العقد في ربيع الاول سنة خمس وتسعين وسار بركيارق إلى ساوة ومحمد إلى استراباذ وكل أمير على أقطاعه والله سبحانه وتعالى أعلم * (انتقاض الصلح والمصاف الرابع بين السلطانين وحصار محمد باصبهان) * لما انصرف السلطان محمد إلى استراباذ وكان اتهم الامراء الدين سعوا في الصلح بالخديعة فسار إلى قزوين ودس إلى رئيسها لان يصنع صنيعا ويدعوه إليه مع الامراء ففعل وجاء

[ 28 ]

السلطان إلى الدعوة وقد تقدم إلى أصحابه بحمل السلاح ومعه يشمك وافتكيز من أمرائه فقبض عليهما وقتل يشمك وسمل افتكين وورد عليه الامير نيال بن أنشوكس الحسامى نازعا عن أخيه بركيارق ولما التقى الفريقان حمل سرحاب بن كشمر الديلمى صاحب ساوة على نيال الحسامى فهزمه واتبعه عامة العسكر واستولت الهزيمة على عسكر محمد ومضى بعضهم إلى طبرستان وبعضهم إلى قزوين وذلك في جمادى من سنة خمس وتسعين لاربعة أشهر من المصاف قبله ولحق محمد في الفل باصبهان ومعه نيال الحسامى واصبهان في حكمه فحصنها وسد ما ثلم من سورها وأعمق الخندق وفرق الامراء في الاسوار وعلى الابواب ونصب المجانيق وجاء بركيارق في خمسة عشر ألف مقاتل فأقام محاصرا للبلد حتى اشتد الحصار وعدمت الاقوات واستقرض محمد المال للجند من أعيان البلدة مرة بعد أخرى فلما جهده الحصار خرج من البلد ومعه الامير نيال وترك باقى الامراء وبعث بركيارق الامير اياز في عسكر لطلبه فلم يدركه وقيل بل أدركه وذكره لعهد فرجع عنه بعد ان أخذ رايته وجشره وثلاثة أحمال من المال ولما خرج محمد عن اصبهان طمع المفسدون والسودية في نهبها فاجتمع منهم ما يزيد على مائة ألف وزحفوا بالسلالم والذبابات وطموا الخندق وصعدوا في السلالم باشارة أهل البلد وحدوا في دفاعهم وعادوا خائبين ورحل بركيارق آخر ذى القعدة من سنة خمس وتسعين واستخلف على البلاد القديم الذى يقال له شهرستان مرشد الهراس في ألف فارس مع ابنه ملك شاه وسار إلى همدان وفى هذا الحصار قتل وزير بركيارق الاغر أبو المحاسن عبد الجليل الدهستانى عرض له يوما بعض الباطنية عندما ركب من خيمته لباب السلطان طعنه طعنات وتركه بآخر رمق وقتل غلام من غلمان بعض المكوس للوزير ثار فيه بمولاه وكان كريما واسع الصدر وولى الوزارة على حين فساد القوانين وقلة الجباية فكان يضطر لاخذ أموال الناس بالاخافة فنفرت الصفوة منه ولما مات استوزر بركيارق بعده الخطير أبا منصور البذى كان وزيرا لمحمد وقد وكله في الحصار ببعض الابواب فبعث إليه محمد نيال بن أبى شكين يطالبه بالاموال لاقامة العسكر فخرج من الباب ليلا ولحق ببلده وامتنع بقلعتها فارسل السلطان بركيارق إليها عساكر وحاصروها حتى استأمن وجاء عند قتل وزيره الاغر فاستوزره بركيارق مكانه والله تعالى أعلم بغيبه * (مسير صاحب البصرة إلى واسط) * كان صاحب البصرة لهذا العهد اسمعيل بن ارسلان حين كان السلطان ملك شاه شحنة بالرى وولاه عليها عندما اضطر أهلها وعجزا لولاة عنهم فحسنت كفايته وأثخن فيهم

[ 29 ]

وأصلح أمورها ثم عزل عنها وأقطع السلطان بركيارق البصرة للامير قماج وكان ممن لا يفارقه فاختار اسمعيل لولاية البصرة ثم نزع قماج عن بركيارق وانتقل إلى خراسان فحدثت اسمعيل نفسه بالاستبداد بالبصرة وانتقض وزحف إليه مهذب الدولة بن أبى الخير من البطيحة ومعقل بن صدقة بن منصور بن الحسين الاسدي من الجزيرة في العساكر والسفن فقاتلوه في مطارى وقتل معقل بسهم أصابة فعاد ابن أبى الخير إلى البطيحة فأخذ اسمعيل السفن وذلك سنة احدى وتسعين وأسرهما واستفحل أمره بالبصرة وبنى قلعة بالايلة وقلعة بالشاطئ قبالة مطارى وأسقط كثيرا من المكوس واتسعت امارته لشغل السلاطين بالفتنة وملك المسبار وأضافها إلى ما بيده ولما كان سنة خمس وتسعين طمع في واسط وداخل بعض أهلها وركب إليها السفن إلى نعما جار وخيم عليها بالجانب الشرقي أياما ودافعوه فارتحل راجعا حتى ظن خلاء البلد من الحامية فدس إليها من يضرم النار بها ليرجعوا فرجع عنهم فلما دخل أصحابه البلد فتك اهل البلد فيهم وعاد إلى البصرة منهزما فوجد الامير أبا سعيد محمد بن نصر بن محمود صاحب الاعمال لعمان وجنايا وشيراز وجزيرة بنى نفيس محاصر اللبصرة وكان أبو سعيد قد استبد بهذه الاعمال منذ سنين وطمع اسمعيل في الاستيلاء على أعماله وبعث إليها السفن في البحر فرجعوا خائبين فبعث أبو سعيد خمسين من سفنه في البحر فظفروا بأصحاب اسمعيل معهم إلى الصلح ولم يقع منه وفاء به فسار أبو سعيد بنفسه في مائة سفينة وأرسى بفوهة نهر الابلة ووافق دخول اسمعيل من واسط فتزاحفوا برا وبحرا فلما رأى اسمعيل عجزه عن المقاومة كتب إلى ديوان الخليفة بضمان البلد ثم تصالحا ووقعت بينهما المهاداة وأقام اسمعيل مستبدا بالبصرة إلى أن ملكها من يده صدقة بن مزيد في المائة الخامسة كما مر في اخباره وهلك برامهرز وفاة كربوقا صاحب الموصل واستيلاء جكرمس عليها واستيلاء سقمان بن ارتق على حصن كبيعا كان السلطان بركيارق أرسل كربوقا إلى اذربيجان لقتال مودود بن اسمعيل بن ياقوتي الخارج بها سنة أربع وتسعين فاستولى على أكثر اذربيجان من يده ثم توفى منتصف ذى القعدة سنة خمس وتسعين وكان معه أصهر صباوة بن خمار تكين وسنقرجه من بعده وأوصى الترك بطاعته فسار سنقرجه إلى الموصل واستولى عليها وكان أهل الموصل لما بلغهم وفاة كربوقا قد استدعوا موسى التركماني من موضع نيابته عن كربوقا بحصن كبيعا للولاية عليهم فبادر إليهم وخرج سنقرجه للقائه فظن انه جاء إليه وجرت بينهما محاورات ورد سنقرجه الامر إلى السلطان فآل الامر بينهما إلى المطاعنة

[ 30 ]

وكان مع موسى منصور بن مروان بقية أمراء ديار بكر وضرب سنقرجه فأبان رأسه وملك موسى البلد ثم زحف جكرمس صاحب جزيرة ابن عمر إلى نصيبين فملكها وخالفه موسى إلى الجزيرة فبادر إليه جكرمس وهزمه واتبعه إلى الموصل فحاصره بها فبعث موسى إلى سقمان بن ارتق بديار بكر يستنجده على أن يعطيه حصن كبيعا فسار سقمان إليه وأفرج عنه جكرمس وخرج موسى للقاء سقمان فقتله مواليه ورجع سقمان إلى كبيعا وجاء جكرمس إلى الموصل فحاصرها وملكها صلحا واستلحم قتلة موسى ثم استولى بعد ذلك على الخابور وأطاعه العرب والاكراد وأما سقمان بن ارتق فسار بعد مقتل موسى إلى حصن كبيعا واستمر بيده قال ابن الاثير وصاحبها الآن في سنة خمس وعشرين وستمائة محمود بن محمد بن الفراء ارسلان بن داود بن سقمان بن ارتق والله تعالى أعلم * (أخبار نيال بالعراق) * كان نيال بن أبى شتكين الحسامى مع السلطان محمد باصبهان لما حاصرها بركيارق بعد المصاف الرابع سنة خمس وتسعين فلما خرج محمد من الحصار إلى ومعه نيال استأذنه في قصد الرى ليقيم بها دعوتهم وسار هو وأخوه على وعسف بأهل الرى وصادرهم وبعث السلطان بركيارق الامير برسق بن برسق في ربيع من سنة ست وتسعين فقاتله وهزمه واستولى برسق على الرى وأعاده على ولاية بقزوين وسلك نيال على الجبال وهلك كثير من أصحابه وخلص إلى بغداد فأكرمه المستظهر وأظهر طاعة السلطان محمد وتحالف هو وأبو الغازى وسقمان بن ارتق على مناصحة السلطان محمد وساروا إلى صدقة بن مزيد بالحلة فاستخلفوه على ذلك ثم ان نيال بن أبى شتكين عسف بأهل بغداد وتسلط عليهم وصادر العمال فاجتمع الناس إلى أبى الغازى بن ارتق وكان نيال صهره على أخته التى كانت زوجا لتتش وطلبوا منه أن يشفع لهم عنده وبعث المستظهر إليه قاضى القضاة أبا الحسن الدامغاني بالنهي عما يرتكبه فأجاب وحلف ثم نكث فأرسل المستظهر إلى صدقة بن مزيد يستدعيه فوصل في شوال من السنة واتفق مع نيال على الرحيل من بغداد ورجع إلى حلته وترك ولده دبيسا يزعج نيال للخروج فسار نيال إلى وعاث في السابلة وأقطع القرى لاصحابه وبعث إلى صدقة فأرسل إليه العساكر وخرج فيها أبو الغازى بن ارتق وأصحاب المستظهر فسار نيال إلى اذربيجان ورجعوا عنه * (ولاية كمستكين النصيرى شحنة بغداد وفتنته مع أبى الغازى وحربه) * كان أبو الغازى بن ارتق شحنة بغداد ولاه عليها السلطان محمد عند مقتل كوهراس ولما طهر الآن بركيارق على محمد وحاصره باصبهان ونزل بركيارق همدان وأرسل إلى بغداد كمستكين النصيرى في ربيع سنة ست وتسعين وسمع أبو الغازى بمقدمه فاستدعى

[ 31 ]

أخاه سقمان بن ارتق من حصن كبيعا يستنجده وسار إلى صدقة بن مزيد فحالفه على النصرة والمدافعة ورجع إلى بغداد ووصل إليه أخوه سقمان بعد أن نهب في طريقه ووصل كمستكين إلى قرقيسيا ولقيه شيعة بركيارق وخرج أبو الغازى وسقمان عن بغداد ونهب قرى دجيل واتبعتهما العساكر ثم رفعت عنهما وأرسل كمستكين إلى صدقة صاحب الحلة فامتنع من طاعة بركيارق وسار من الحلة إلى صرصر وقطع خطبة بركيارق وعبر بغداد واقتصر على الدعاء للخليفة وبعث صدقة إلى أبى الغازى وسقمان يعرفهما بوصوله وهما بالحرنى وجاء إلى دجيل ونهب القرى واشتد فسادهم وأضر ذلك بحال بغداد في غلاء الاسعار وجاء أبو الغازى وسقمان ومعهما دبيس بن صدقة فخيموا بالرملة وقاتلهم العامة ففتكوا فيهم وبعث المستظهر قاضى القضاة أبا الحسن الدامغاني وتاج الرؤساء بن الرحلات إلى صدقة بن مزيد بمراجعة الطاعة فشرط خروج كمستكين عن بغداد فأخرجه المستظهر إلى النهروان وعاد صدقة إلى الحلة وأعيدت خطبة السلطان محمد ببغداد ثم سار كمستكين النصيرى إلى واسط وخطب فيها لبركيارق ونهب عسكره سوادها فسار صدقة وأبو الغازى إليه وأخرجاه من واسط وتحصن بدجلة فقصده صدقة فانفض عنه أصحابه ورجع إلى صدقة بالامان فأكرمه وعاد إلى بركيارق وأعيدت خطبة السلطان محمد بواسط وبعده لصدقة وأبى الغازى وولى كل واحد فيها ولده وعاد أبو الغازى إلى بغداد وعاد صدقة إلى الحلة وبعث ابنه منصورا مع أبى الغازى يطلب الرضا من المستظهر لانه كان سخطه من أجل هذه الحادثة * (المصاف الخامس بين بركيارق ومحمد) * كان السلطان محمد لما سار عن كنجة وبلاد اران استخلف بها الامير غرغلى وأقام بها في طائفة من عسكره مقيما خطبة السلطان محمد في جميع أعماله إلى زنجان من آخر اذربيجان فلما انحصر محمد باصبهان سار غرغلى لانجاده ومعه منصور بن نظام الملك ومحمد بن أخيه مؤيد الملك فانتهوا إلى الرى وملكوها آخر خمس وتسعين ولقوا السلطان محمدا بهمدان عندما خرج من أصبهان ومعه نيال بن أبى شتكين وأخوه على وأقاموا معه بهمدان ثم جاء الخبر بمسير بركيارق إليهم فتوجه السلطان محمد قاصدا شروان وانتهى إلى اذربيجان فبعث إليه مودود بن اسمعيل بن ياقوتي الذى كان بركيارق قتل أباه اسمعيل وكانت أخت مودود هذا تحت محمد وكان له طائفة من أعمال اذربيجان فاستدعى محمدا ليظاهره على بركيارق فسار إليه وانتهى إلى سقمان وتوفى مودود في ربيع سنة ست وتسعين واجتمع عساكره على السلطان محمد وفيهم سقمان القطى ومحمد بن باغى

[ 32 ]

بركيارق وقاتلهم على خراسان وسار اياز من عسكر بركيارق وجاء من خلف السلطان محمد فانهزم محمد وأصحابه ولحق بارقيش من أعمال خلاط ولقيه الامير على صاحب ارزن الرومي فمضى إلى اصبهان وصاحبها منوجهر أخو فظون الروادى ثم سار إلى هرمز وأما محمد بن مؤيد الملك بن نظام الملك من الوقعة إلى ديار بكر ثم إلى جزيرة ابن عمر ثم إلى بغداد وكان أيام أبيه مقيما ببغداد في جوار المدرسة النظامية فشكى إلى أبيه وخاطب كوهراس بالقبض عليه فاستجار بدار الخلافة ولحق سنة ثنتين وتسعين بمجد الملك البارسلانى وأبوه بكنجة عند السلطان محمد فلما خطب السلطان محمد لنفسه واستوزر أباه مؤيد الملك لحق محمد هذا بأبيه ثم قتل أبوه وبقى في جملة السلطان محمد * (استيلاء ملك بن بهرام على مدينة غانة) * كان ملك بن بهرام بن ارتق بن أخى ابى الغازى بن ارتق مالكا مدينة سروج فملكها الفرنج من يده فسار عنها إلى غانة وغلب عليها بنى العيش بن عيسى بن خلاط كانت لهم فقصدوا صدقة بن مزيد مستنجدين به فأنجدهم وجاء معهم فرحل ملك بن بهرام والتركمان عنها ودخلها بنو العيش وأخذ صدقة رهائنهم وعاد إلى الحلة فرجع ملك إليها في ألفى رجل من التركمان وحاربها قليلا ثم عبر المخاضة وملكها واستباح أهلها ومضى إلى هيت ورجع عنها * (الصلح بين السلطانين بركيارق ومحمد) * ثم استقر الامر آخرا بالسلطان بركيارق في الرى وكان له الجبال وطبرستان وخورستان وفارس وديار بكر والجزيرة والحرمين ولمحمد اذربيجان وبلاد اران وارمينية واصبهان والعراق جميعا غير تكريت والبطائح بعضها وبعضها والبصرة لهما جميعا وخراسان لسنجر من جرجان إلى ما وراء النهر يخطب فيها لاخيه محمد وله من بعده والعساكر كلهم يتحكمون عليهم بسبب الفتنة بينهما وقد تطاول الفساد وعم الضرر واختلفت قواعد الملك فأرسل بركيارق إلى أخيه محمد في الصلح مع فقيهين من أماثل الناس ورغباه في ذلك وأعاد معهما رسلا آخرين وتقرر الامر بينهما أن يستقر محمد على ما بيده سلطانا ولا يعارضه بركيارق في الطول ولا يذكر اسمه في أعمال محمد وأن المكاتبة تكون بين الوزيرين والعساكر بالخيار في خدمة من شاؤا منهما ويكون للسلطان محمد من النهر المعروف باسترد إلى باب الابواب وديار بكر والجزيرة والموصل والشأم والعراق بلاد صدقة بن مزيد وبقية الممالك الاسلامية لبركيارق وتحالفا على ذلك وانتظم الامر وأرسل السلطان محمد إلى أصحابه باصبهان بالخروج عنها لاخيه بركيارق واستدعاهم إليه فأبوا وجنحوا إلى خدمة بركيارق وساروا إليه بحريم السلطان محمد الذى كانوا معهم فأكرمهم بركيارق ودلهم

[ 33 ]

إلى صاحبهم وحضر أبو الغازى بالديوان ببغداد وسار المستظهر في الخطبة لبركيارق فخطب له سنة سبع وتسعين وكذلك بواسط وكان أبو الغازى قبل ذلك في طاعة محمد فأرسل صدقة إلى المستظهر يعذله في شأنه ويخبره بالمسير لاخراجه من بغداد ثم سار صدقة ونزل عند الفجاج وخرج أبو الغازى إلى عقربا وبعث لصدقة بأنه انما عدل عن طاعة محمد للصلح الوقع بينه وبين أخيه وأنهما تراضيا على أن بغداد لبركيارق وانا شحنة بها واقطاعى حلوان فلا يمكننى التحول عن طاعة بركيارق فقبل منه ورجع إلى الحلة وبعث المستظهر في ذى القعدة سنة سبع وتسعين بالخلع للسلطان بركيارق والامير اياز والوزير الخطير واستخلفهم جميعا وعاد إلى بغداد والله سبحانه ولى التوفيق * (حرب سقمان وجكرمس الافرنج) * قد تقدم لنا استيلاء الافرنج على معظم بلاد الشأم وشغل الناس عنهم بالفتنة وكانت حران لقراجا من مماليك ملك شاه وكان غشوما فخرج منها لبعض مذاهبه وولى عليها الاصبهاني من أصحابه فعصى فيها وطرد أصحاب قراجا منها ما عدا غلاما تركيا اسمه جاولى جعله مقدم العسكر وأنس به فقرره وتركه وملك حران وسار الافرنج إليها وحاصروها وكان بين جكرمس صاحب جزيرة ابن عمر وسقمان صاحب كبيعا حروب وسقمان يطالبه بقتل ابن أخيه فانتد بالنصر المسلمين واجتمعا على الخابور وتحالفا وسار سقمان في سبعة آلاف من التركمان وجكرمس في ثلاثة آلاف من الترك والعرب والاكراد والتقوا بالافرنج على نهر بلخ فاستطرد لهم المسلمون نحو فرسخين ثم كروا عليهم فغنموا فيهم وقتلوا سوادهم وأخذ القمص بردويل صاحب الرها أسره تركماني من أصحاب سقمان في نهر بلخ وكان سمند صاحب انطاكية من الافرنج ونيكرى صاحب الساحل منهم قد كمنا وراء الجبل ليأتيا المسلمين من ورائهم عند المعركة فلما عاينوا الهزيمة كمنوا بقية يومهم ثم هربوا فأتبعهم المسلمون واستلحموهم وأسروا منهم كثيرا وفلت سمند ونيكرى بدماء أنفسهم ولما حصل الظفر للمسلمين عصى أصحاب جكرمس باختصاص سقمان بالقمص وحملوه على أخذه لنفسه فأخذه جكرمس من خيام سقمان وشق ذلك عليه وأراد أصحابه فأبى حذرا من افتراق المسلمين ورحل وفتح في طريقه عدة حصون وسار جكرمس إلى حران ففتحها ثم سار إلى الرها فحاصرها خمس عشرة ليلة وعاد إلى الموصل وقاد من القمص بخمسة وثلاثين ألف دينارا ومائة وستين أسيرا من المسلمين. * (وفاة بركيارق وولاية ابنه ملك شاه) * ثم توفى السلطان بركيارق بن ملك شاه بنرد جرد في أوائل ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين لاثنتى عشرة سنة ونصف من ملكه جاء إليها

[ 34 ]

عليلا من اصبهان واشتد مرضه بنردجرد فولى عهده لابنه ملك شاه وعمره نحو من خمس سنين وخلع عليه وجعل الامير اياز كافله وأوصى أهل الدولة بالطاعة والمساعدة وبعثهم إلى بغداد فأدركهم خبر وفاته بالطريق ورجع اياز حتى دفنه باصبهان وجمع السرادقات والخيام والجثر والسمسمة لابنه ملك شاه وكان بركيارق قد لقى في ملكه من الرخاء والشدة والسلم ما لم يلقه أحد فلما استقر واستقامت سعادته أدركته المنية ولما توفى خطب لابنه ملك شاه ببغداد وكان أبو الغازى قد سار من بغداد إليه وهو باصبهان يستحثه إلى بغداد وجاء معه فلما مات سار مع ابنه ملك شاه والامير اياز إلى بغداد وركب الوزير أبو القاسم على بن جهير فلقيهم به مالى وحضر أبو الغازى والامير طغلبرك بالديوان وطلبا الخطبة لملك شاه فخطب له ولقب بألقاب جده ملك شاه * (حصار السلطان محمد الموصل) * لما انعقد الصلح بين بركيارق ومحمد واختص كل منهما اعماله وكانت اذربيجان في قسمة محمد رجع محمد إلى أذربيجان ولحق به سعد الملك أبو المحاسن الذى كان نائبا باصبهان بعد أن أبلى المدافعة عنها ثم سلمها بعد الصلح إلى نواب بركيارق واستوزره فأقام محمد إلى صفر من سنة ثمان وتسعين ثم سار يريد الموصل على طريق مراغة ورحل وبلغ الخبر إلى جكرمس فاستعد للحصار وأدخل أهل الضاحية إلى البلد وحاصره محمد ثم بعث له يذكره ما استقر عليه بينه وبين أخيه وأن الموصل والجزيرة له وعرض عليه خط بركيارق بذلك وبايمانه عليه ووعده أن يقرها في عمالته فقال له جكرمس ان السلطان كتب إلى بعد الصلح بخلاف ذلك فاشتد في حصاره واشتد أهل البلد في المدافعة ونفس الله عنهم برخص الاسعار وكان عسكر جكرمس مجتمعين قريبا من الموصل وكانوا يغزون على أطراف العسكر ويمنعون عنهم الميرة ثم وصل الخبر عاشر جمادى الاولى بوفاة السلطان بركيارق فاستشار جكرمس أهل البلد فردوا النظر إليه واستشار الجند فأشاروا بطاعة السلطان محمد فأرسل إليه بذلك واستدعى وزيره سعد الملك فدخل عليه وأشار عليه بلقاء السلطان فخرج إليه على كره من أهل البلد فتلقاه السلطان بالكرامة وأعاده سريعا إلى البلد ليطمئن الناس * (استيلاء السلطان محمد على بغداد وخلع ملك شاه بن أخيه ومقتل اياز) * قد كنا قدمنا صلح بركيارق وأخيه من أنه يستقل بركيارق بالسلطنة وينفرد محمد بالاعمال التى ذكرنا وموت بركيارق اثر ذلك وتقديم ابنه ملك شاه ببغداد فوصل الخبر

[ 35 ]

بذلك إلى محمد وهو يحاصر الموصل فأطاعه جكرمس وسار محمد إلى بغداد ومعه جكرمس وسقمان القطبى مولى قطب الدولة اسمعيل بن ياقوتي بن داود وياقوتي عم ملك شاه ومحمد وغيرهما من الامراء وجمع صدقة صاحب الحلة العساكر وبعث ابنه بدران ودبيسا إلى محمد يستحثانه وجا السلطان محمد إلى بغداد فاعتزم الامير اياز أتابك ملك شاه على دفاعه وخيم خارج بغداد وأشار عليه بذلك أصحابه وخالفهم وزيره أبو المحاسن الضبعى وأبلغ في النصيحة له بطاعة السلطان فأقام مترددا ونزل محمد بالجانب الغربي وخطب له هنالك منفردا ولهما معا في بعض الجوامع واقتصر على سلطان العالم في بعضها ورجع اياز إلى استحلاف الامراء ثانيا فوقف بعضهم وقال لا فائدة في اعادة اليمين وارتاب اياز عندها وبعث وزيره الضبعى أبا المحاسن لعقد الصلح مع السلطان واستحلافه فقرأ على وزيره سعد الملك أبى المحاسن سعد بن محمد فدخل معه إلى السلطان وأجابه إلى ما طلب وجاء معه من الغد قاضى القضاة والمفتيان واستحلفاه لاياز وللامراء فحلف الا أن ينال الحسامى و وقال أما ملك شاه فهو ابني وأنا أبوه وجاء اياز من الغد وقارن وصول صدقة بن مزيد فانزلهما واحتفى بهما وذلك آخر جمادى الاولى من سنة ثمان وتسعين ثم احتفل اياز بعدها في عمل صنيع للسلطان في بيته وهى دار كوهراس وأهدى إليه تحفا من جملتها حبل البلخش الذى أخذه من تركة نظام الملك بن مؤيد الملك واتفق ان اياز تقدم لمواليه بلبس السلاح ليعرضهم على السلطان وكان عندهم مصفعان فألبسوه درعا تحت ثيابه وتناولوه بالنخس فهرب عنهم ودخل في حاشية السلطان مذعورا فلمسوه فإذا الدرع تحت ثيابه فارتابوا ونهض السلطان إلى داره ثم دعا الامراء بعد دلك بأيام فاستشارهم في بعث يبعثهم إلى ديار بكر ان ارسلان بن سليمان بن قطلمش قصدها فاتفقوا على الاشارة بمسير اياز وطلب هو أن يكون معه صدقة بن مزيد فالمعه السلطان بذلك واستدعاهما لانفاذ ذلك وقد أرصد في بعض المخادع بطريقهم جماعة لقتل اياز فلما مر بهم تعاورته سيوفهم وقطع رأسه وهرب صدقة وأغمى على الوزير وهرب عسكر اياز فنهبوا داره وأرسل السلطان من دفعهم عنها وسار السلطان من بغداد إلى اصبهان وهذا اياز من موالى السلطان ملك شاه ثم سار في جملة ملك آخر فساء وأما الضبعى وزير اياز فاختفى أشهرا ثم حمل إلى الوزير سعد الملك في رمضان فلما وصل كان ذلك سبب رياسته بهمدان * (استيلاء سقمان بن ارتق على ماردين وموته) * كان هذا الحصن في ديار بكر أقطعه السلطان بركيارق لمغن كان عنده وكان حواليها خلق كثير من الاكراد يغيرون عليها ويخيفون سابلتها واتفق ان كربوقا خرج من

[ 36 ]

الموصل لحصار آمد وكانت لبعض التركمان فاستنجد بسقمان فسار لانجاده ولقيه كربوقا ومعه زنكى بن اقسنقر وأصحابه وأبلوا ذلك اليوم بلاء شديدا فانهزم وأسر ابن أخيه ياقوتي بن ارتق فحبسه بقلعة ماردين عند المغنى فبقى مدة محبوسا وكثر خروج الاكراد بنواحي ماردين فبعث ياقوتي إلى المغنى يسأله أن يطلقه ويقيم عنده بالريف لدفاع الاكراد ففعل وصار يغير عليهم في سائر النواحى إلى خلاط وصار بعض أجناد القلعة يخرجون للاغارة فلا يهيجهم ثم حدثته نفسه بالتوثب على القلعة فقبض عليهم بعض الايام بعد مرجعه من الاغارة ودنا من القلعة وعرضهم للقتل ان لم يفتحها أهلوهم ففتحوها وملكها وجمع الجموع وسار إلى نصيبين وإلى جزيرة ابن عمر وهى بجركمس فكبسه جكرمس وأصحابه وأصابه في الحرب سهم فقتله وبكاه جكرمس وكانت تحت ياقوتي بنت عمه سقمان فمضت إلى أبيها وجمعت التركمان وجاء بهم إلى نصيبين لطلب الثار فبعث إليه جكرمس ما أرضاه من المال في ديته فرجع وأقام بماردين بعد ياقوتي أخوه على طاعة جكرمس وخرج منها لبعض المذاهب وكتب نائبه بها إلى عمه سقمان بأنه تملك ماردين على جكرمس فبادر إليها سقمان واستولى عليها وعوض عنها ابن أخيه جبل جور وأقامت ماردين في حكمه مع حصن كبيعا واستضاف إليها نصيبين ثم بعث إليها فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس يستنجده على الافرنج وكان استبد بها على الخلفاء العبيديين أهل مصر وثار له الافرنج عندما ملكوا سواحل الشأم فبعث بالصريخ إلى سقمان بن ارتق سنة ثمان وتسعين فأجابه وبينما هو يتجهز للمسير وافاه كتاب طغتكين صاحب دمشق المستبد بها من موالى بنى تتش يستدعيه لحضور وفاته خوفا على دمشق من الفرنج فأسرع السير معتزما على قصد طرابلس وبعدها دمشق فانتهى إلى القريتين وندم طغتكين على استدعائه وجعل يدبر الرأى مع أصحابه في صرفه ومات هو بالقريتين فكفاهم الله تعالى أمره وقد كان أصحابه عندما أيقن بالموت أشاروا عليه بالعود إلى كبيعا فامتنع وقال هذا جهاد وان مت كان لى ثواب شهيد * (خروج منكبرس على السلطان محمد ونكبته) * كان منكبرس بن يورس بن البارسلان مقيما باصبهان وانقطعت عنه المواد من السلطان فخرج إلى نهاوند ودعا لنفسه وكاتب الامراء بنى برسق بخورستان يدعوهم إلى طاعته وكان أخوهم زنكين عند السلطان محمد فقبض عليه وكاتب اخوته في التدبير على منكبرس فأرسلوا إليه بالطاعة حتى جاءهم فقبضوا عليه بخورستان وبعثوا به إلى اصبهان فاعتقل مع ابن عمه تتش وأطلق زنكين بن برسق وأعيد إلى مرتبته وكانت اقطاع بنى برسق الاسير وسابور وخورستان وغيرها ما بين الاهواز وهمدان فعوضهم عنها بالدينور وأخرجهم من تلك الناحية والله تعالى أعلم

[ 37 ]

* (مقتل فخر الملك بن نظام الملك) * قد ذكرنا قبل ان فخر الملك بن نظام الملك كان وزيرا لتتش ثم حبسه ولما هزمه بركيارق ووجده في محبسه اطلقه وكان أخوه مؤيد الملك وزيرا له فمال إليه فخر الدولة بسعاية مجد الملك البارسلانى واستوزره سنة ثمان وثمانين ثم فارق وزارته ولحق بسنجر بن ملك شاه بخراسان فاستوزره فلما كان في آخر المائة الخامسة جاء باطني يتظلم إلى باب داره فأدخله يسمع شكواه فطعنه بخنجر فقتله وأمر السلطان سنجر بضربه فأقر على جماعة من الناس وقتل * (ولابة جاولى سكاور على الموصل وموت جكرمس) * كان جاولى سكاور قد استولى على ما بين خورستان وفارس فعمر قلاعها وحصنها وأساء السيرة في أهلها فلما استقل السلطان محمد بالملك خافه جاولى وأرسل السلطان إليه الامير مودود بن أنوتكين فتحصن منه جاولى وحاصره مودود ثمانية أشهر ودس جاولى إلى السلطان بطلب غيره فأرسل إليه خاتمه مع أمير آخر فسار إليه باصبهان وجهزه في العساكر لجهاد الافرنج بالشأم واسترجاع البلاد منهم وكان جكرمس صاحب الموصل قد قطع الحمل فأقطع السلطان الموصل وديار بكر والجزيرة لجاولى فسار إلى الموصل وجعل طريقه على بغداد على البواريح فاستباحها أياما ثم سار إلى اربل وكان صاحبها أبو الهيجاء بن برشك الكردى الهربانى إلى جكرمس يستحثه فسار في عسكر الموصل والقوا قريبا من اريل فانهزم أصحاب جكرمس وكان يحمل في المحفة فقاتل عنده غلمانه وأحمد بن قاروت بك فخرج وانهزم إلى الموصل ومات وجئ بجكرمس فحبسه ووصل من الغد إلى الموصل فولوا ازنكين بن جكرمس وأقام بالجزيرة وقام بأمره غرغلى مولى أبيه وفرق الاموال والخيول وكتب إلى فليح ارسلان صاحب بلاد الروم ميتا وكان قد شيد الموصل وبنى أسوارها وحصنها بالخندق وبينما هو كذلك سار إليه فليح ارسلان من بلاد الروم باستدعاء غرغلى كما تقدم وانتهى إلى نصيبين فرحل جاولى عن الموصل ثم جاء البريقى شحنة بغداد ونزل عن الموصل وخاطبهم فلم يجيبوه فرجع من يومه وسار فليح ارسلان من نصيبين إلى الموصل وتأخر عنها جاولى إلى سنجار واجتمع ابن الغازى بن ارتق وجماعة من عسكر جكرمس وجاء جريح رضوان بن تتش من الشأم على الافرنج فسار إلى الرحبة وبعث أهل الموصل وعسكر جكرمس إلى فليح ارسلان بنصيبين واستحلفوه فحلف وجاء إلى الموصل فملكها في منتصف ختام المائة الخامسة وخلع على ابن جكرمس وخطب لنفسه بعد الخليفة وقطع خطبة السلطان محمد إلى العسكر وأخذ القلعة من غرغلى فولى جكرمس وأقر القاضى أبا محمد عبد الله بن القاسم الشهرزورى على القضاء وجعل

[ 38 ]

الرياسة لابي البركات محمد بن محمد بن خميس وكان في جملة فلهم ارسلان ابراهيم بن نيال التركماني صاحب آمد ومحمد بن حموا صاحب خرتبرت كان ابراهيم ابن نيال ولاه تتش على آمد فبقيت بيده وكان ابن حموا ملك خرتبرت من يد القلادروس ترجمان الروم كانت له الرها وانطاكية فملك سليمان قطلمش انطاكية وبقيت له الرها وخرتبرت وأسلم القلادروس على القيام بأعماله فملك محمد بن حموا خرتبرت وأسلم القلادروس فلما ولى فخر الدولة بن جهير ديار بكر ضعف القلادروس عن الرها على يد ملك شاه وأمره عليها ولما سار جاولى إليه الرحبة قاصدا صريخ رضوان بن تتش نزل عليها آخر رمضان من السنة وحاصرها وبها محمد بن السباق من بنى شيبان ولاه عليها دقاق فاستبد بها وخطب لفليح ارسلان فحاصره جاولى وكتب إلى رضوان يستدعيه ويعده بالمسير معه لدفاع فجاء رضوان وحاصر معه الرحبة ثم دس إلى جاولى جماعة من حامية الاسوار فوثبوا بها وأدخلوا وملك البلد وأبقى على محمد الشيباني وسار معه ثم ان فليح ارسلان لما فرغ من أمر الموصل ولى عليها ابنه ملك شاه في عسكر ومعه أمير بدبره وسار إلى قتال جاولى ورجع عنه ابراهيم بن نيال إلى بلده آمد من الخابور فبعث إلى بلده في الحشد فعاجله جاولى بالحرب والتقوا في آخر ذى القعدة من السنة وانهزم أصحاب فليح ارسلان على دفاعه وأعاد الخطبة للسلطان واستصفى أصحاب جكرمس ثم سار إلى الجزيرة وبها حبيش بن جكرمس ومعه غرغلى من موالى أبيه فحاصره مدة ثم صالحه على ستة آلاف دينار ورجع إلى الموصل وأرسل ملك شاه من فليح ارسلان إلى السلطان محمد والله سبحانه وتعالى أعلم * (مقتل صدقة بن مزيد) * ولما استوحش صدقة بن مزيد صاحب الحلة من السلطان محمد سار إليه السلطان وملك أعماله ولقيه صدقة فهزمه السلطان وقتل في المعركة كما ذكرنا ذلك في أخبار صدقة في دولة ملوك الحلة والله سبحانه وتعالى أعلم * (قدوم ابن عمار صاحب طرابلس على السلطان محمد) * كان فخر الدولة أبو على بن عمار صاحب طرابلس استبد بها على العبيديين فلما ملك الافرنج سواحل الشأم رددوا عليها الحصار فضاقت أحوالها فلما انتظم الامر للسلطان محمد واستقام ملكه قصده فخر الملك بن عمار صريخا للمسلمين بعد أن استخلف على طرابلس ابن عمه ذا المناقب وفرق في الجند عطاءهم لستة أشهر ورتب الجامكية في مقاعدهم للقتال وسار إلى دمشق فلقيه طغتكين أتابك وخيم بظاهرها أياما ورحل إلى بغداد فأركب السلطان الامراء لتلقيه ولم يدخر عنه يراولا عرامة وكذلك الخليفة وأتحف السلطان بهدايا وذخائر

[ 39 ]

نفيسة وطلب النجدة وضمن النفقة على العسكر فوعده بالنصر وأقام ثم لفى الامير حسين بن أتابك طغتكين ليسير بالعساكر إلى الموصل مع الامير مودود لقتال صدقة جاولى ثم يسير حسين معه إلى الشأم ثم رحل السلطان عن بغداد سنة احدى وخمسمائة لقتال صدقة واستدعى ابن عمار وهو بالنهروان فودعه وسار معه الامير حسين إلى دمشق وكان ابن عمار لما سار عن طرابلس استخلف عليها ابن عمه ذا المناقب فانتقض واجتمع مع أهل طرابلس على اعادة الدولة العلوية وبعثوا إلى الافضل بن أمير الجيوش المستبد على الدولة بمصر بطاعتهم ويسألون الميرة فبعث إليهم شرف الدولة بن أبى الطيب واليا ومعه الزاد من الاقوات والسلام فدخل البلد وقبض على أهل ابن عمار وأصحابه واستصفى ذخائر وحمل الجميع إلى مصر في البحر * (استيلاء مودود بن أبى شتكين على الموصل من يد جاولى) * قد تقدم لنا استيلاء جاولى على الموصل من يد فليح بن ارسلان وابن جكرمس وهلاكهما على يده واستفحل ملكه بالموصل وجعل السلطان محمد بن الية ولاية ما يفتحه من البلاد له فقطع الحمل عن السلطان واستنفره لحرب صدقة فلم بنفر معه وداخل صدقة بأنه معه فلما فرغ السلطان من أمر صدقة بعث مودود بن أبى شتكين في العساكر وولاه الموصل وبعث معه الامراء ابن برسق وسقمان القطبى واقسنقر البرسقى ونصر بن مهلهل بن أبى الشوك الكردى وأبو الهيجاء صاحب أرجل مددا فوصلوا الموصل وخيموا عليها فوجدوا جاولى قد استعد للحصار وحبس الاعيان وخرج عن البلد وترك بها زوجته هي وابنة برسق في ألف وخمسمائة مقاتل فأحسن في مصادرة الناس واشتد عليهم الحصار فلما كان المحرم سنة ثنتين خرج بعض الحامية من فرجة من السور وأدخلوا منها مودود والعساكر وأقامت زوجة جاولى بالقلعة ثمانية أيام ثم استأمنت وخرجت إلى أخيها يوسف بن برسق بأموالها واستولى مودود على الموصل وأعمالها وأما جاولى فلما سار عن الموصل حمل معه القمص الذى كان أسره بنعمان وأخذه منه جكرمس وسار به إلى نصيبين وسأل من صاحبها أبو الغازى بن ارتق المظاهرة على السلطان فلم يجبه إلى ذلك ورحل عن نصيبين إلى ماردين بعد ان ترك ابنه مقيما مع الحامية فتبعه جاولى ودخل عليه وحده بالقلعة متطارحا عليه فأجابه وسار معه إلى نصيبين ثم إلى سنجار وحاصراها فامتنعت عليهما ثم هرب أبو الغازى ليلا إلى نصيبين وتركه فسار جاولى إلى الرحبة وأطلق القمص بردويل لخمس سنين من الصرة على مال قرره عليه وأسرى من المسلمين يطلقهم وعلى النصرة مهما طلبه وأرسله إلى سالم بن مالك بقلعة جعفر حتى جاء ابن خالته جوسكر صاحب تل ناشز من زعماء الفرنج وكان أسر

[ 40 ]

مع القمص فافتدى بعشرين ألف دينار وأقام جوسكر رهينة وسار القمص إلى انطاكية ثم أطلق جاولى جوسكر وأخذ رهنا عنه صهره وصهر القمص وبعثه في اتمام ما ضمن ولما وصل إلى انطاكية أعطاه شكرى صاحبها ثلاثين ألف دينار وخيلا وسلاحا وغير ذلك وكانت الرها وسروج بيد القمص ولما أسر ملك جكرمس الرها من أصحابه طلبها منه الآن فلم يجبه فخرج القمص مغاضبا له ولحق بتل ناشز وقدم عليه جوسكر عندما أطلقه جاولى ثم سار اليهما شكرى بعاجلهما قبل اجتماع أمرهما فحاصرهما أياما ورجع القمص وجوسكر على حصون شكرى صاحب انطاكية واستمد أبو سيل الارمني صاحب رعيان وكيسوم والقلاع شمالى حلب فأنجدهم بألف فارس وسار إليهم شكرى وحضر البترك وشهد جماعة من القسيسين والبطارقة أن أسمند خال شكرى قال له عند ما ركب البحر إلى بلاده أعد الرها إلى القمص إذا خلص من الاسر فحكم البترك باعادتها فأعادها تاسع صفر من السنة وعبر القمص الفرات ليرفع إلى جاولى المال والاسرى كما شرط له وكان جاولى لما أطلق القمص سار إلى الرحبة ولقيه أبو النجم بدران وأبو كامل منصور وكانا مقيمين بعد قتل أبيهما عند سالم بن مالك فاستنجداه ووعداه أن يسير معهما إلى الحلة واتفقوا على تقديم ابى الغازى تكين ثم قدم عليهم اصهبر صباور وقد أقطعه السلطان الرحبة فأشار على جاولى بقصد الشأم لخلوها عن العساكر والتجنب عن العراق وطريق السلطان فقبل اشارته وأحصر على الرحبة ثم وفد عليه صريخ سالم ابن مالك صاحب جعفر بستغيث به من بنى نمير وكان حيوش البصري قد نزل على بن سالم بالرقة وملكها وسار إليه رضوان من حلب فصالحه بنو نمير بالمال ورجع عليهم فاستنجد سالم الآن جاولى فجاء وحاصر بنى نمير بالرقة سبعين يوما فأعطوه مالا وخيلا ورحل عنهم واعتذر لسالم ثم وصل جاولى إلى الامير حسين بن أتابك قطلغ تكين كان أبوه أتابك السلطان محمد بكنجة فقتله وتقدم ولده هذا عند السلطان وبعثه مع ابن عمار ليصلح أمر جاولى وتسير العساكر كلها إلى الجهاد مع ابن عمار فأجاب جاولى لذلك وقال لحسين سر إلى الموصل ورحل العساكر عنها وأنا أعطيك ولدى رهينة وتكون الجباية لوال من قبل السلطان فجاء حسين إلى العساكر قبل أن يفتحوها فكلهم أجاب الا الامير مردود فانه امتنع من الرحيل الا باذن من السلطان وأقام محاصرا لها حتى افتتحها وعاد ابن قطلغ إلى السلطان فأحسن الاعتذار عن جاولى وسار جاولى إلى بالس فملكها من أصحاب رضوان بن تتش وقتل جماعة من أهلها فيهم القاضى محمد بن عبد العزير بن الياس وكان فقيها صالحا ثم سار رضوان بن دقاق لحرب جاولى واستمد شكرى صاحب انطاكية فأمده بنفسه وبعث جاولى إلى القمص بالرها يستمده وترك له مال المفاداة فباء

[ 41 ]

إليه بنفسه ولحقه بمنيح وجاء الخبر إلى جاولى باستيلاء مودود وعساكر السلطان على الموصل وعلى خزائنه فاضطرب أمره وانفض عنه كثير من أصحابه منهم زنكى بن اقسنقر وبكتاش وبقى معه اصبهد صباوو وبدروان بن صدقة وابن جكرمس وانضم إليه كثير من المتطوعة ونزل تل ناشر وأتى عسكر رضوان وسكرى وكادان يهزمهم لو لا أن أصحابه ساروا عنه وسار في اتباعهم فأبوا عليه فمضى منهزما وقصد اصبهد الشأم وبدروان بن صدقة قلعة جعفر وابن جكرمس جزيرة ابن عمر وقتل من المسلمين خلق ونهب صاحب انطاكية سوادهم وهرب القمص وجوسكر إلى تل ناشر وكان المنهزمون من المسلمين يمرون بهم فيكرمونهم ويجيزونهم إلى بلادهم ولحق جاولى بالرحبة فلقى بها سرايا مودود صاحب الموصل وخفى عنهم فارتاب في أمره ولم ير الخير له من قصد السلطان محمد ثقة بما ألقى إليه حسين بن قطلغ تكين في شأنه فأوغر في السير ولحق بالسلطان قريبا من اصبهان ونزل حسين بن قطلغ فدخل به إلى السلطان فأكرمه وطلب منه بكتاش بن عمه تتش واعتقله باصبهان * (متقل مودود بن توتكين صاحب الموصل في حرب الافرنج وولاية البرسقى مكانه) * كان السلطان محمد قد أمر مودودا صاحب الموصل سنة خمس وخمسمائة بالمسير لقتال الافرنج وأمده بسقمان القطبى صاحب ديار بكر وأرمينية واياكى وزتكى ابني برسق أمراء همدان وما جاورها والامير أحمد بك أمير مراغة وأبو الهيجاء صاحب اربل والامير أبو الغازى صاحب ماردين وبعث إليه اياز مكانه فسار إلى سنجار وفتحوا حصونا للافرنج وحاصروا مدينة الرها فامتنعت عليهم وأقام الافرنج على الفرات بعد أن طرقوا أعمال حلب فعاثوا فيها ثم حاصر العساكر الاسلامية قلعة ناشر فامتنعت ودخلوا إلى حلب فامتنع رضوان من لقائهم فعادوا ومات سقمان القبطى في دلاس فحمله أصحابه في تابوت إلى بلاده واعترضهم أبو الغازى بن ارتق ليأخذهم فهزموه ثم افترقت العساكر بمرض ابن برسق ومسير أحمد بن صاحب مراغة إلى السلطان لطلب بلاد سققان القبطى واجتمع قطلغتكين صاحب دمشق بمودود ونزل معه على نهر القاضى وسمع الافرنج بافتراق العساكر فساروا إلى ماميا وجاء السلطان ابن منقذ صاحب شيراز إلى مودود وقطلغتكين وحصرهما على الجهاد ونزلوا جميعا على شيراز ونزل الفرنج قبالتهم ثم رأوا قوة المسلمين فعادوا إلى فامية ثم سار مودود سنة ست إلى الرها وسروج فعاث في نواحيها فكبسه جوسكر صاحب تل ناشر في الافرنج ونال منه ثم اجتمع المسلمون سنة سبع للجهاد باستنجاد قطلغتكين صاحب دمشق لمودود فاجتمع معه بمنزل صاحب سنجار واياز بن أبى الغازى وعبروا الفرات إلى قطلغتكين وقصدوا

[ 42 ]

القدس فسار إليهم صاحبها بقزوين ومعه جوسكر ومعه تل ناشر على جيشه ونزلوا الاردن واقتتلوا قريبا من طبرية فانهزم الافرنج وقتل كثير منهم وغرق كثير في بحيرة طبرية ونهر الاردن وغنم المسلمون سوادهم ثم لقيهم عسكر طرابلس وانطاكية من الفرنج فاستعانوا بهم وعاودوا الحرب ونزلوا في جبل طبرية فحاصرهم فيه المسلمون ثم ساروا فعاثوا في بلاد الافرنج ما بين عكا إلى القدس ثم نزلوا دمشق وفرق مودود عساكره ووعدهم العود من قابل للجهاد ودخل دمشق ليستريح عند قطلغتكين فصلى الجمعة في الجامع فطعنه باطني فأثواه وهلك لآخر يومه واتهم قطلغتكين به وقتل الباطني من يومه ولما بلغ الخبر السلطان بقتل مودود ولى على الموصل وأعمالها اقسنقر البرسقى سنة ثمان وخمسمائة وبعث معه ابنه الملك مسعود في جيش كثيف وأمره بجهاد الافرنج وكتب إلى الامراء بطاعته فوصل إلى الموصل واجتمعت إليه عساكر النواحى فيهم عماد الدين زنكى بن اقسنقر ونمير صاحب سنجار وسار البرسقى إلى جزيرة ابن عمر فأطاعه نائب مودود بها ثم سار إلى ماردين فأطاعه أبو الغازى صاحبها وبعث معه ابنه اياز فسار إلى الرها فحاصرها شهرين ثم ضاقت الميرة على عسكره ثم رحل إلى شميشاط بعد ان خرب نواحى الرها وسروج وشميشاط وكانت مرعش للافرنج هي وكسوم ورعيان وكان صاحبها كراسك واتفقت وفاته وملكت زوجته بعده فراسلت البرسقى بالطاعة وبعث إليها رسوله فأكرمته ورجعته إلى البرسقى بالهدايا والطاعة وفرعنها كثير من الافرنج إلى انطاكية ثم قبض البرسقى على اياز بن أبى الغازى لاتهامه اياه في الطاعة فسار إليه أبو الغازى في العساكر وهزمه واستنقذ ابنه اياز من أسره كما ترى في أخبار دولة أبى الغازى وبنيه وبعث السلطان يهدده فوصل يده بقطلغتكين صاحب دمشق والفرنج وتحالفوا على التظاهر ورجع أبو الغازى إلى ديار بكر فسار إليه قزجان بن مراجا صاحب حمص وقد تفرق عنه أصحابه فظفر به وأسره وجاء قطلغتكين في عساكره وبعث إلى قزجان في اطلاقه فامتنع وهم بقتله فعاد عنه قطلغتكين إلى دمشق وكان قزجان قد بعث إلى السلطان بخبره وانتظر من يصل في قتله فأبطأ عليه فأطلق أبا الغازى بعد ان توثق منه بالحلف وأعطاه ابنه اياز رهينة ولما خرج سار إلى حلب وجمع التركمان وحاصر فزجان في طلب ابنه إلى أن جاءت عساكر السلطان * (مسير العساكر لقتال أبى الغازى وقطلغتكين والجهاد بعدهما) * ولما كان ما ذكرناه من عصيان أبى الغازى وقطلغتكين على السلطان محمد وقوة الفرنج على المسلمين جهز السلطان جيشا كثيرا مقدمهم الامير برسق صاحب همدان ومعه

[ 43 ]

الامير حيوس بك والامير كشغرة وعساكر الموصل والجزيرة وأمرهم يقتال آبى الغازى وقطلغتكين فإذا فرغوا منهما ساروا إلى الفرنج فارتجعوا البلاد من أيديهم فساروا لذلك في رمضان من سنة ثمان وعبروا الفرات عند الرقة وجاؤا إلى حلب وطلبوا من صاحبها لؤلؤ الخادم ومن مقدم العسكر المعروف بشمس الخواص تسليم حلب بكتاب السلطان في ذلك فتعلل عليهم وبعث إلى أبى الغازى وقطلغتكين بالخبر واستنجدهما فسارا إليه في ألفين وامتنعت حلب على عساكر السلطان فسار برسق بالعساكر إلى حماة وهى لقطلغتكين فملكها عنوة وسلمها إلى قزجان صاحب حمص بعهد السلطان له بذلك في كل ما يفتحونه من البلاد فثقل ذلك على الامراء وتخاذلوا وتسلم قزجان حماة برسق وأعطاء ابن أبى الغازى ابنه رهينة عنده ثم سار أبو الغازى وقطلغتكين وشمس الخواص إلى انطاكية مستنجدين بصاحبها بردويل وجاءهم بعد ذلك بعدوس صاحب القدس وصاحب طرابلس وغيرهما من الافرنج واتفقوا على تأخير الحرب إلى انصرام الشتاء واجتمعوا بقلعة أفامية وأقاموا شهرين وانصرم الشتاء والمسلمون مقيمون فوهنت عزائم الافرنج وعادوا إلى بلادهم وعاد أبو الغازى إلى ماردين وقطلغتكين إلى دمشق وسار المسلمون إلى كفر طاب من بلاد الافرنج فحاصروه وملكوه عنوة وأسروا صاحبه واستلحموا من فيه ثم ساروا إلى قلعة افامية فامتنعت عليهم فعادوا إلى المعرة وفارقهم حيوس بك إلى مراغة فملكه وسارت العساكر من المعرة إلى حلب وقدموا أثقالهم وخيامهم فصادفهم بردويل صاحب انطاكية في خمسمائة فارس وألفى راجل صريخا لاهل كغر طاب وصادف مخيم العسكر ففتك فيهم وفعل الافاعيل وهم متلاحقون وجاء الامير برسق وعاين مصارعهم وأشار عليه اخوته بالنجاء بنفسه فنجا بنفسه واتبعهم الافرنج ورجعوا عنهم على فرسخ وعاثوا في المسلمين في كل ناحية وقتل اياز بن أبى الغازى قتله الموكلون به وجاء أهل حلب وغيرها من بلاد المسلمين ما لم يحتسبوه ويئسوا من النصرة ورجعت العساكر منهزمة إلى بلادها وتوفى برسق زنكى سنة عشر بعدها * (ولاية حيوس بك ومسعود بن السلطان محمد على الموصل) * ثم أقطع السلطان الموصل وما كان بيد اقسنقر البرسقى للامير حيوس بك وبعث معه ابنه مسعودا وأقام البرسقى بالرحبة وهى اقطاعه إلى أن توفى السلطان محمد * (ولاية جاولى سكاو على فارس وأخباره فيها ووفاته) * كان جاولى سكاو لما رجع إلى السلطان محمد ورضى عنه ولاه فارسا وأعمالها وبعث معه ابنه جعفرى بك طفلا كما فصل من الرضاع وعهد إليه باصلاحها فسار إليها ومر

[ 44 ]

بالامير بلداجي في بلاده كليل وسرماة قلعة اصطخر وكان من مماليك السلطان ملك شاه فاستدعاه للقاء جعفرى بك وتقدم إليه بأن يأمر بالقبض عليه فقبض عليه ونهبت أمواله وكان أهله وذخائره في قلعة اصطخر وقد استناب فيها وزيره الخيمى ولم يمكنه الا من بعض أهله فلما وصل جاولى إلى فارس ملكها منه وجعل فيها ذخائره ثم أرسل إلى خسرو وهو الحسين بن مبارز صاحب نسا وأمير الشوامكار من الاكراد فاستدعاه للقاء جعفرى بك من السلطان خشية مما وقع لبلداجى فأعرض عنه وأظهر الرجوع إلى السلطان ومضى رسول خبره فبشر بانصافه عن فارس فما أدى إليه الخبر الا وجاولى قد خالطهم رجع من طريقه وأوغر في السير إليهم ثم هرب خسرو إلى عمدالج وفتك جاولى في أصحابه وماله ثم سار جاولى إلى مدينة نسا فملكها ونهب جهرم وغيرها وسار إلى خسرو فامتنع عليه بحصنه فرجع إلى شيراز وأقام بها ثم سار إلى كازرون فملكها وحاصر أبا سعيد بن محمد في قلعته مدة عامين وراسله في الصلح فقتل الرسل مرتين ثم اشتد عليه الحصار واستأمن فأمنه وملك الحصن ثم استوحش من جاولى فهرب وقبض على ولده وجئ به أسيرا فقتل ثم سار جاولى إلى دار بكرد فهرب صاحبها ابراهيم إلى كرمان وصاحبها ارسلان شاه بن كرمان شاه ابن ارسلان بك بن قاروت بك فسار جاولى إلى حصار درابكرد فامتنعت عليه فخرج إلى البرية ثم جاءهم من طريق كرمان كأنه مدد لهم من صاحب كرمان فأدخلوه فملك البلد واستلحم أهله ثم سار إلى كرمان وبعث إلى خسرو مقدم الشوذكان يستدعيه للمسير معه فلم يجد بدا من موافقته وجاء وصاحبه إلى كرمان وبعث إلى ملك كرمان باعادة الشواذ كان الذين عنده فبعث بالشفاعة فيهم فاستخلص السلطان الرسول بالاحسان وحثه على صاحبه ووعده بأن يرد العساكر عن وجهه ويخذلهم عنه ما استطاع وانقلب عنه إلى صاحبها فقى عساكر كرمان مع وزيره بالسيرجان فتراءى لهم أن جاولى عازم على مواصلتهم وانه مستوحش من اجتماع العساكر بالسيرجان وأشار عليه بالرجوع فرجعوا وسار جاولى في أثر الرسول وحاصر حصنا بطرف كرمان فارتاب ملك كرمان بخبر الرسول ثم اطلع عليه من غير جامعة فقتله ونهب أمواله وبعث العساكر لقتاله واجتمع معهم صاحب الحصن المحاصر وسلك بهم غير الجادة وسمع جاولى بخبرهم فأرسل بعض الامراء ليأتيه بالخبر فلم يجد بالجادة أحدا فرجع وأخبره أن عسكر كرمان قد رجع فاطمأن ولم يكن الا قليل حتى بيتته عساكر كرمان في شوال سنة ثمان وخمسمائة فانهزم وفتكوا فيه قتلا وأسرا وأدركه خسرو بن أبى سعد الذى كان قتل أباه فلما رآهما خاف منهما فأنساه وأبلغاه إلى مأمنه بمدينة نسا ولحقته عساكره وأطلق

[ 45 ]

ملك كرمان الاسرى وجهزهم إليه وبينما هو يجهز العساكر لكرمان لاخذ ثاره توفى جعفرى بك ابن السلطان في ذى الحجة من سنة تسع لخمس سنين عمره فقطعه ذلك عن معاداة كرمان ثم بعث ملك كرمان إلى السلطان ببغداد في منع جاولى عنه فقال له لا بد أن تسلم الحصن إلى حاصره جاولى في حد كرمان وانهزم عليه وهو حصن فرح ثم توفى جاولى في ربيع سنة عشر فامنوا اعادنه والله سبحانه وتعالى أعلم * (وفاة السلطان محمد وملك ابنه محمود) * ثم توفى السلطان محمد بن ملك شاه آخر ذى الحجة سنة اثنتى عشرة من ملكه بعد ان أجلس ولده محمودا على الكرسي قبل وفاته بعشر ليال وفوض إليه أمور الملك فلما توفى نفذت وصيتة لابنه محمود فأمره فيها بالعدل والاحسان وخطب له ببغداد وكان مناهز الحلم وكان السلطان محمد شجاعا عادلا حسن السيرة وله آثار جميلة في قتال الباطنية قد مر ذكرها أخبارهم ولما ولى قام بتدبير دولته الوزير أبو منصور وأرسل إلى المستظهر في طلب الخطبة ببغداد له في منتصف المحرم من سنة ثنتى عشرة وأقر طهرون شحنة على بغداد وقد كان السلطان محمد ولاه عليها سنة ثنتين وخمسمائة ثم عاد البرسقى وقاتله وانهزم إلى عسكر السلطان محمود على الحلة دبيس بن صدقة وقد كان عند السلطان محمد منذ قتل أبوه صدقة وأحسن إليه وأقطعه وولى على الحلة سعيد ابن حميد العمرى صاحب جيش صدقة فلما توفى رغب من ابنه السلطان محمود العود إلى الحلة فأعاده واجتمع عليه العرب والاكراد * (وفاة المستظهر وخلافة ابنه المسترشد) * ثم توفى المستظهر بن المقتدى سنة ثنتى عشرة وخمسمائة منتصف ربيع الآخر ونصب للخلافة ابنه المسترشد واسمه الفضل وقد تقدم ذلك في أخبار الخلفاء * (خروج مسعود بن السلطان محمد على أخيه محمود) * تقدم لنا أن السلطان ولى على الموصل ابنه مسعودا ومعه حيوس بك وان السلطان محمودا ودبيس بن صدقة سارا إلى الحلة فلما توفى السلطان محمد وولى ابنه محمود سار مسعود من الموصل مع اتابك حيوس بك ووزيره فخر الملك على بن عمار وقسيم الدولة وزنكى بن اقسنقر صاحب سنجار وأبى الهيجاء صاحب اربل وكربارى بن خراسان صاحب المواريح وقصدوا الحلة فدافعهم دبيس فرجعوا إلى بغداد وسار البرسقى إلى قتالهم فبعث إليه حيوس بك بأنهم انما جاؤا لطلب الصريخ على دبيس صاحب

[ 46 ]

الحلة فاتفقوا وتعاهدوا ونزل مسعود بدار الملك ببغداد وجاء الخبر يوصول عماد الدين منكبرس الشحنة وقد كان البرسقى هزم ابنه حسينا كما مر فسار بالعساكر إلى البرسقى فلما علم بدخول مسعود إلى بغداد عبر دجلة من النعمانية إلى دبيس بن صدقة فاستنجده وخرج مسعود وحيوس بك والبرسقى ومن معهم للقائهم وانتهوا إلى المدائن فأتتهم الاخبار بكثرة جموع منكبرس ودبيس فرجعوا وأجازوا نهر صرصر ونهبوا السواد من كل ناحية وبعث المسترشد إلى مسعود والبرسقى والحث على الموادعة والصلح وجاءهم الخبر بأن منكبرس ودبيس بعثا مع منصور أخى دبيس وحسين بن ارز وبنى منكبرس عسكرا لحماية بغداد فرجع البرسقى إلى بغداد ليلا ومعه زنكى بن أقسنقر وترك ابنه عز الدين مسعودا على العسكر بصرصر فالتقى ومنع عسكر منكبرس من العبور وأقام يومين ثم وافاه كتاب ابنه بأن الصلح تم بين الفريقين بعده ففشل وعبر إلى الجانب الغربي ومنصور وحسين في أثره ونزلا عند جامس السلطان وخيم البرسقى عند القنطرة القبلية وخيم مسعود وحيوس بك عند المارستان ودبيس ومنكبرس تحت الرقة وعز الدين مسعود بن البرسقى عند منكبرس منفردا عن أبيه وكان سبب انعقاد الصلح ان حيوس بك أرسل إلى السلطان محمود يطلب الزيادة له وللملك مسعود فأقطعهما اذربيجان ثم وصل الخبر بمسيرهما إلى بغداد فاستشعر منهما العصيان وجهز العساكر إلى الموصل فكتب إليه رسوله بذلك ووقع الكتاب بيد منكبرس الشحنة فبعث إليه وضمن له اصلاح الحال له وللسلطان مسعود وكان منكبرس متزوجا بأم السلطان مسعود واسمها سرجهان فكان يؤثر مصلحته فاستقر الصلح واتفقوا على اخراج البرسقى من بغداد إلى الملك وأقام عنده واستقر منكبرس شحنة بغداد وساء أثره في الرعية وتعرض لاموال الناس وحرمهم وبلغ الخبر إلى السلطان محمود فاستدعاه إليه فبقى يدافع ثم سار خوفا من عامة بغداد والله سبحانه وتعالى أعلم * (خروج الملك طغرك على أخيه السلطان محمود) * كان الملك طغرك بن السلطان محمد عند وفاة أبيه مقيما بقلعة سرجهان وكان أبوه أقطعه سنة أربع سماوة وآوة وزنجان وجعل اتابك الامير شيركبر الذى حاصر قلاع الاسماعيلية كما مر في أخبارهم وكان عمره يومئذ عشرا فأرسل السلطان محمد الامير كسعدي أتابك له وأعجله إليه وكان كسعدي حاقدا عليه فحمل طغرك على العصيان ومنعه من المجئ إلى أخيه وانتهى ذلك إلى محمود فأرسل إلى أخيه بتحف وخلع وثلاثين ألف دينار ومواعد جميلة فلم يصيخوا إليها وأجابه كسعدي اننا في الطاعة ومعترضون لمراسم الملك فسار إليهم السلطان معدا ليكبسهم وبسهل طريقه على قلعة شهران التى فيها ذخائر طغرك

[ 47 ]

وأمواله ونما الخبر إلى طغرك وكسعدي فخرجا من العسكر في خفية قاصدين شهران وأخلى الطريق عنها لما سبق من اللطف فوقعا على قلعة سرجهان وجاء السلطان إلى العسكر فأخذ خزائن أخيه طغرك وفيها ثلثمائة ألف دينار ثم أقام بزنجان أياما ولحق منها بالرى ولحق طغرك وكسعدي بكنجة واجتمع إليه أصحابه وتمكنت الوحشة بينه وبين أخيه * (فتنة السلطان محمود مع عمه سنجر) * ولما توفى السلطان محمود وبلغ الخبر إلى أخيه سنجر بخراسان أظهر من الجزع والحزن ما لم يسمع بمثله حتى جلس للعزاء على الرماد وأغلق بابه سبعا ثم سمع بولاية ابنه محمود فنكر ذلك وعزم على قصد بلاد الجبل والعراق وطلب السلطنة لنفسه مكان أخيه وكان قد سار إلى غزنة سنة ثمان وخمسين وفتحها وتنكر لوزيره أبى جعفر محمد بن فخر الملك أبى المظفر ابن نظام الملك لما بلغه أنه أخذ عليه الرشوة من صاحب غزنة ليثنيه عن قصده إليه وفعل مثل ذلك بما وراء النهر وامتحن أهل غزنة بعد فتحها وأخذ منها أموالا عظيمة وشكا إليه الامراء اهانته اياهم فلما عاد إلى بلخ قبض عليه وقتله واستصفى أمواله وكانت لا يعبر عنها كان فيها من العين وحده ألف ألف دينار مرتين واستوزر بعده شهاب الاسلام عبد الرزاق بن أخى نظام الملك وكان يعرف بابن الفقير فلما مات أخوه السلطان محمد عزم على طلب الامر لنفسه وعاوده الندم على قتل وزيره أبى جعفر لما يعلم من اضطجاعه بمثلها ثم ان السلطان محمودا بعث إليه يصطنعه بالهدايا والتحف وضمن له ما يزيد عن مائتي ألف دينار كل سنة وبعث في ذلك شرف الدين أنوشروان بن خالد وفخر الدين طغرك فقال لهما سنجران ابن أخى صغير وقد تحكم عليه وزيره وعلى ابن عمر الحاجب فلا بد من المسير وبعث في مقدمته الامير انز وسار السلطان محمود وبعث في مقدمته الحاجب على بن محمد وكان حاجب أبيه قبله فلما تقاربت المقدمتان بعث الحاجب على بن عمر إلى الامير أنز وهو بجرجان بالعتاب ونوع من الوعيد فتأخر عن جرجان فلحقته بعض العساكر ونالوا منه ورجع الحاجب إلى السلطان محمود بالرى فشكر له فعله وأقاموا بالرى ثم ساروا إلى كرمان وجاءته الامداد من العراق مع منكبرس ومنصور بن صدقة أخى دبيس وأمراء فسار إلى همدان وتوفى وزيره الربيب فاستوزر ابا طالب الشهيرى ثم سار السلطان في عشرين ألفا وثمانية عشر فيلا ومعه ابن الامير أبى الفضل صاحب سجستان وخوارزم شاه محمد والامير انز والامير قماج وكرشاسف بن صرام بن كاكويه صاحب برد وهو صهره على أخته وكان خصيصا بالسلطان محمد فاستدعاه بعد موته سنجر وتأخر عنه وأقطع بلده لقراجا

[ 48 ]

السامر فبادر إليه وتراجعوا بقرب ساوة في جمادى ثالث عشر فسبقت عساكر السلطان محمود إلى الماء من أجل المسافة التى بين ساوة وخراسان وكانت عساكر السلطان ثلاثين ألفا ومعه الحاجب على بن عمر ومنكبرس وأتابك غرغلى وبنو برسق واقسنقر البحارى وقراجا السانى ومعه سبعمائة حمل من السلاح فعندما اصطفوا إلى الحرب انهزم عساكر السلطان سنجر ميمنة وميسرة وثبت هو في القلب والسلطان محمود قبالته وحمل السلطان سنجر في الفيلة فانهزمت عساكر السلطان محمود واسر أتابك غرغلى وكان يكاتب السلطان سنجر بأنه يحمل إليه ابن أخيه فعاتبه على ذلك ثم قتله ونزل سنجر في خيام محمود واجتمع إليه أصحابه ونجا محمود من الواقعة وأرسل دبيس ابن صدقة للمسترشد في الخطبة لسنجر فخطب له أواخر جمادى الاولى من السنة وقطعت خطبة محمود ثم ان السلطان سنجر رأى قلة أصحابه وكثرة أصحاب محمود فراسله في الصلح وكانت تحضه على ذلك فامتنع ولحق البرسقى بسنجر وكان عند الملك مسعود باذربيجان من يوم خروجه من بغداد فسار سنجر من همدان إلى الكرخ وأعاد مراسلة السلطان محمود في الصلح ووعده بولاية عهده فأجاب وتحالفا على ذلك وسار محمود إلى عمه سنجر في شعبان بهدية حافلة ونزل على جدته فتقبل منه سنجر وقدم له خمسة افراس عربية وكتب لعماله بالخطبة لمحمود بعده في جميع ولايته وإلى بغداد بمئل ذلك وأعاد عليه جميع ما أخذه من بلاده سوى الرى وصار محمود في طاعة عمه سنجر ثم سار منكبرس عن السلطان محمود إلى بغداد وبعث دبيس بن صدقة من منعه من دخولها فعاد ووجه الصلح بين الملكين قد أسفر فقصد السلطان سنجر مستجيرا به من الاستبداد عليه ومسيره لشحنة بغداد من غير اذنه ثم ان الحاجب على بن عمر ارتفعت منزلته في دولته وكثرت سعاية الامراء فيه فأضمر السلطان نكبته فاستوحش وهرب إلى قلعة له كان ينزل بها أهله وأمواله وسار منها إلى خوزستان وكانت بنو برسق اسورى وابن أخويه ارغوى ابن ملتكى وهدد بن زنكى بعثوا عسكرا يصدونه عن بلادهم ولقوه قريبا من تستر فهزموه وجاؤا به أسيرا وكاتبوا السلطان محمودا بأمره فأمرهم بقتله وحمل رأسه إليه ثم أمر السلطان سنجر باعادة مجاهد الذين تهددوا إلى شحنة بغداد فعاد إليها وعزل نائب دبيس بن صدقة * (استبداد على بن سكمان بالبصرة) * كان السلطان محمد قد أقطع البصرة للامير اقسنقر البحارى واستخلف عليها سنقر الشامي فأحسن السيرة فلما توفى السلطان محمد وثب عليه غرغلى مقدم الاتراك الاسماعيلية وكان يحج بالناس منذ سنين وسنقر ألبا وملكا البصرة من يده وحبساه

[ 49 ]

وذلك سنة احدى عشرة وهم سنقرالب بقتله فعارضه غرغلى فلم يرجع وقتله فقتله غرغلى به وسكن الناس وكان بالبلد أمير اسمه على بن سكمان حج بالناس وغاب عن هذه الواقعة فغص به غرغلى لتمام الحج على يده وخشى أن يثأر منهم بسنقرالب لتقدمه عليهم فأوغر إلى عرب البرية فنهب الحاج (1) وانثنى على بن سكمان في الدفاع عنهم إلى أن قارب البصرة والعرب يقاتلونه فبعث إليه غرغلى بالمنع من البصرة فقصد القرى أسفل دجلة وصدق الحملة على العرب فهزمهم ثم سار إليه غرغلى وقاتله فأصابه سهم فمات وسار على بن سكمان إلى البصرة وملكها وكاتبه اقسنقر البحارى صاحب عمان بالطاعة وأقر نوابه على أعماله وكان عند السلطان وطلبه أن يوليه البصرة فأبى وبقى ابن سكمان مستبدا بالبصرة إلى أن بعث السلطان اقسنقر البحارى إلى البصرة سنة أربع عشرة فملكها من على بن سكمان * (استيلاء الكرج على تفليس) * كان الكرج قديما يغيرون على اذربيجان وبلاد اران قال ابن الاثير والكرج هم الخزر وقد بينا الصحيح من ذلك عند ذكر الانساب وان الخزر هم التركمان (2) الا أن يكون الكرج من بعض شعوبهم فيمكن ولما استفحل ملك السلجوقية امسكوا عن الاغارة على البلاد المجاورة لهم فلما توفى السلطان محمد رجعوا إلى الغارة فكانت سراياهم وسرايا القفجاق تغير على البلاد ثم اجتمعوا وكانت بلد الملك طغرك وهى اران ونقجوان إلى أوس مجاورة لهم فكانوا يغيرون عليها إلى العراق لملك بغداد ونزل على دبيس ابن صدقة فسار هو وأتابك كبعرى ودبيس بن صدقة وأبى الغازى ابن ارتق وسار في ثلاثين ألفا إلى الكرج والقفجاق فاضطرب المسلمون وانهزموا وقتل منهم خلق وتبعهم الكفار عشرة فراسخ وعادوا عنهم وحاصروا مدينة تفليس وأقاموا عليها سنة وملكوها عنوة سنة خمس عشرة (3) ووصل صريخهم سنة ست عشرة إلى السلطان محمود بهمدان فسار لصريخهم وأقام بمدينة تبريز وانفذ عساكره إلى الكرج فكان من أمرها ما يذكر ان شاء الله تعالى * (الحرب بين السلطان محمود وأخيه مسعود) * قد تقدم لنا مسير مسعود إلى العراق وموت أبيه السلطان محمد وما تقرر بينهما من الصلح ورجوعه إلى الموصل بلده وان السلطان محمودا زاده اذربيجان ولحق به قسيم الدولة البرسقى عندما طرده عن شحنة بغداد فأقطعه مسعود مراغة مضافة إلى الرحبة وكاتب دبيس حيوس بك أتابك مسعود يحرضه على نكبة البرسقى وانه يباطن السلطان محمودا ووعده على ذلك بالاموال وحرضهم على طلب الامر لمسعود ليقع الاختلاف فيحصل له

[ 50 ]

اعلو الكلمة كما حصل لابيه فتنة بركيارق ومحمد وشعر البرسقى بسعاية دبيس فحشى على نفسه ولحق بالسلطان محمود فقبله واعلى محله ثم اتصل بالملك مسعود الاستاذ أبو اسمعيل الحسين بن على الاصبهاني الطغرائي (1) وكان ابنه أبو الوليد محمد بن أبى اسمعيل يكتب الطغرى للملك مسعود فلما وصل أبوه استوزره مسعود وعزل أبا على بن عمار صاحب طرابلس سنة ثلاث عشرة فأغرى مسعودا بالخلاف على أخيه لسلطان محمود فكتب إليهم السلطان بالترغيب والترهيب فاظهروا أمرهم وخاطبوا الملك مسعودا بالسلطان وضربوا له النوب الخمس وأغروا إليه السير وهو في خف من العسكر فسار إليهم في خمسة عشر ألفا وفي مقدمته البرسقى ولقيهم بعقبة استراباذ منتصف ربيع الاول سنة أربع عشرة فانهزم الملك مسعود وأصحابه وأسر جماعة من أعيانهم منهم الاستاذ أبو اسمعيل الطغرائي وزير الملك مسعود فأمر السلطان محمود بقتله وقال ثبت عندي فساد عقيدته وكان قتله لسنة من وزارته وكان كاتبا شاعر يميل إلى صناعة الكيمياء وله فيها تصانيف معروفة ولما انهزم الملك مسعود لحق ببعض الجبال على اثنى عشر فرسخا من المعركة فاختفى فيه مع غلمان صغار وبعث يستأمن إلى أخيه فأرسل إليه اقسنقر البرسقى يؤمنه ويحئ به إليه وخالفه إليه بعض الامراء فحرضه على اللحاق بالموصل واذربيجان ومكاتبة دبيس ومعاودة الحرب فسار معه لذلك وجاء البرسقى إلى مكانه الاول فلم يجده فاتبعه إلى أن أدركه على ثلاثين فرسخا وأعلمه حال أخيه من الرضا عنه وأعاده فرجع ولقيه العساكر بأمر السلطان محمود وأنزله عند أمه ثم أحضره وهش له وبكى وخلطه بنفسه وذلك لثمانية وعشرين يوما من الخطبة باذربيجان وأما حيوس بك الاتابك فافترق من السلطان من المعركة وسار إلى الموصل وجمع الغلال من سوادها واجتمعت إليه العساكر وبلغه فعل السلطان مع أخيه فسار إلى الزاب موريا بالصيد ثم أجد السير إلى السلطان بهمدان فأمنه وأحسن إليه وبلغ الخبر بالهزيمة إلى ديس وهو بالعراق فنهب البلاد وأحربها وبعث إليه السلطان فلم يصغ لى كتابه * (ولاية اقسنقر البرسقى على الموصل ثم على واسط وشحنة العراق) * ولما وصل حيوس بك إلى السلطان محمود بعثه إلى أخيه طغرل وأتابك كبغرى فسار إلى كنجة وبقى أهل الموصل فوضى من غير وال وكان اقسنقر البرسقى قد أبلى في خدمة السلطان محمود ورد إليه أخاه مسعودا يوم الهزيمة فعرف له حق نصحه وحسن أثره فأقطعه الموصل وأعمالها وما يضاف إليها كسنجار والجزيرة فسار إليها سنة خمس عشرة وتقدم إلى سائر الامراء بطاعته وأمره بمجاهدة الافرنج واسترجاع البلاد منهم فوصل إلى الموصل وقام بتدبيرها واصلاح أحوالها ثم أقطعه سنة ست عشرة بعدها

[ 51 ]

مدينة واسط وأعمالها مضافة إلى الموصل وجعله شحنة بالعراق فاستحلف عماد الدين رنكى بن اقسنقر وبعثه إليها فسار إليها في شعبان من السنة * (مقتل حيوس بك والوزير الشهيرمى) * ثم ان السلطان بعد وصول حيوس بك بعثه لحرب أخيه طغرل كما قلناه وأقطعه اذربيجان فتنكر له الامراء وأغروا به السلطان فقتله على باب هرمز في رمضان سنة عشر وأصله تركي من موالى السلطان محمد وكان عادلا حسن السيرة ولما ولى الموصل والجزيرة وكان الاكراد بتلك الاعمال انتشروا وكثرت قلاعهم وعظم فسادهم فقصدهم وفتح كثيرا من قلاعهم كبلد البكارية وبلد الزوزن وبلد النكوسة وبلد التحشيبة وهربوا منه في الجبال والشعاب والمضايق وصلحت السابلة وأمن الناس وأما الوزير الكمال أبو طالب الشهيرمى فانه برز مع السلطان دبيس إلى همدان وخرج في موكبه وضاق الطريق فتقدم الموكب بين يديه فوثب عليه باطني وطعنه بسكين فأنفذه واتبعه الغلمان فوثب عليه آخر فجذبه عن سرجه وطعنه طعنات وشردهم الناس عنه فوثب آخر فجذبه وذلك لاربع سنين من وزارته وكان سبى السيرة ظلوما غشوما كثير المصادر ولما قتل رفع لسلطان ما كان أحدث من المكوس * (رجوع طغرل إلى طاعة أخيه السلطان محمود) * قد ذكرنا عصيان طغرل على أخيه السلطان محمود بالرى سنة ثلاث عشرة وأن لسلطان محمود سار إليه وكبسه فلحق برجهان ثم لحق منها بكنجة وبلاد أران ومعه أتابك كبغرى فاشتدت شوكته وقصد التغلب على بلاد اذربيجان وهلك كبغرى في شوال سنة خمس عشرة ولحق باقسنقر الارمني صاحب مراغة ليقيم له الاتابكية وحرضه على قتال السلطان محمود فسار معه إلى مراغة ومروا باردبيل فامتنعت عليهم فساروا إلى هرمز وجاءهم الخبر هنالك بأن السلطان محمود بعث الامير حيوس بك إلى أذربيجان وأقطعه البلاد وأنه وصل إلى مراغة في عسكر كثيف فساروا عن هرمز إلى وانتقض عليهم وراسلوا الامير بشركين الذى كان أتابك طغرل أيام أبيه يستنجد به وكان كبغرى الاتابك قبض عليه بعد السلطان محمد ثم أطلقه السلطان سنجر وعاد إلى أبهر وزنجان وكانت أقطاعه فأجاب داعيهم وسار أمامهم إلى أبهر ولم يتم أمرهم فراسلوا السلطان في الطاعة وعاد طغرل إلى أخيه وانتظم أمرهم * (مقتل وزير السلطان محمود) * كان وزير السلطان محمود شمس الملك بن نظام الملك وكان حظيا عنده فكثرت سعاية

[ 52 ]

أصحابه فيه وكان ابن عمه الشهاب أبو المحاسن وزير السلطان سنجر فتوفى واستوزر سنجر بعده أبا طاهر القمر عدوا لبنى نظام الملك فأغرى السلطان سنجر حتى أمر السلطان محمود بنكبته فقبض عليه ودفعه إلى طغرل فحبسه بقلعة جلجلال ثم قتله بعد ذلك وكان أخوه نظام الدين أحمد قد استوزره المسترشد وعزل به جلال الدين أبا على ابن فلما بلغه نكبة شمس الملك ومقتله عزل أخاه نظام الدين وأعاد بن إلى وزارته والله سبحانه وتعالى أعلم * (ظفر السلطان بالكرج) * ثم وفد سنة سبع عشرة على السلطان محمود جماعة من أهل وشروان يستصرخونه على الكرج ويشكون ما يلقون منهم فسار لصريخهم ولما تقارب الفئتان هم السلطان بالرجوع وأشار به وزيره شمس وتطارح عليه أهل شروان فأقام وباتوا على وجل ثم وقع الاختلاف بين الكرج وقفجاق واقتتلوا ليلتهم ورحلوا منهزمين وعاد السلطان إلى همدان والله تعالى اعلم * (عزل البرسقى عن شحنة العراق وولاية برتقش الزكوى) * كان الخليفة المسترشد قد وقعت بينه وبين دبيس بن صدقة حروب شديدة بنواحي المباركة من أطراف غانة وكان البرسقى معه وانهزم دبيس فيها هزيمة شنيعة كما مر في أخباره وقصد غزنة صريخا فلم يصرخوه فقصد المقتفق وسار بهم إلى البصرة فدخلوها واستباحوها وقتلوا سلمان نائبها فأرسل الخليفة لى البرسقى بالنكير على اهمال أمر دبيس حتى فتك في البصرة فسار البرسقى إليه وهرب دبيس فلحق بالافرنج وجاء معهم لحصار حلب فامتنعت فلحق بطغرل بن السلطان محمد يستحثه لقصد العراق كما مر ذلك في أخبار دبيس وبقيت في نفس المسترشد عليه ولحق بها أمثالها فتنكر له وبعث إلى السلطان محمود في عزله فعزله وأمره بالعود إلى الموصل لجهاد الافرنج ووصل نائب برتقش إلى بغداد وأقام بها الشحنة وبعث السلطان ابنا له صغيرا ليكون معه على الموصل وسار البرسقى به ووصل الموصل وقام بولايتها * (بداية أمر بنى اقسنقر وولاية عماد الدين زنكى على البصرة) * كان عماد الدين زنكى فيه جملة البرسقى ولما أقطعه السلطان واسط بعث عليها زنكى فأقام فيها أياما ثم كان مسير البرسقى إلى البصرة في أتباع دبيس فلما هرب دبيس عنها بعث البرسقى إليها عماد الدين زنكى فأقام بحمايتها ودفع العرب عنها ثم استدعاه البرسقى عندما سار إلى الموصل فضجر من تلون الاحوال عليه واختار اللجاق باصبهان

[ 53 ]

فقدم عليه باصبهان فأكرمه السلطان وأقطعه البصرة وعاد إليها سنة ثمان عشرة والله تعالى اعلم * (استيلاء البرسقى على حلب) * لما سار دبيس إلى الافرنج حرضه على حلب وان ينوب فيها عنهم ووجدهم قد ملكوا مدينة صور وطمعوا في بلاد المسلمين وساروا مع دبيس إلى حلب فحاصروها حتى جهد أهلها الحصار وبها يومئذ تاس بن ابن ارتق فاستنجد بالبرسقى صاحب الموصل وشرط عليهم ان يمكنوه من القلعة ويسلموها إلى نوابه وسار إلى انجادهم فاجفل عنهم الافرنج ودخل إلى حلب فأصلح أمورها ثم سار إلى كفر طاب فملكها من الافرنج ثم سار إلى قلعة عزار من أعمال حلب وصاحبها حوسكين فحاصرها وسارت إليه عساكر الافرنج فانهزم وعاد إلى حلب فخلف فيها ابنه مسعودا وعبر الفرات إلى الموصل * (مسير طغرل ودبيس إلى العراق) * ولما ارتحل الافرنج عن حلب فارقهم دبيس ولحق بالملك طغرل فتلقاه بالكرامة والميرة وأغراه بالعراق وضمن له ملكه فساروا لذلك سنة تسع عشرة وانتهوا إلى دقوقا فكتب مجاهد الدين بهرام بن نكريت إلى المسترشد بخبرهم فتجهز للقائهم وأمر برتقش الزكوى ان يتجهز معه خامس صفر وانتهى إلى الخالص وعدل طغرل ودبيس إلى طريق خراسان ثم نزلوا رباط جلولاء ونزل الخليفة بالدسكرة وفي مقدمته الوزير جلال الدين بن صدقة وسار دبيس إلى جسر النهروان لحفظ المقابر وقد كان رأيه مع طغرل أن يسير طغرل إلى بغداد فيملكها وتقدم دبيس في انتظاره فقعد به المرض عن لحاقه وغشيتهم أمطار أثقلتهم عن الحركات وجاء دبيس إلى النهروان طريحا من التعب والبرد والجوع واعترضوا ثلاثين حملا للخليفة جاءت من بغداد بالملبوس والمأكول فطعموا وأكلوا وناموا في دف ء الشمس وإذا بالمسترشد قد طلع عليهم في عساكره بلغه الخبر بأن دبيسا وطغرل خالفوه إلى بغداد فاضطرب عسكره واجفلوا راجعين إلى بغداد فلقوا في طريقهم دبيسا كما ذكرنا على دبال غرب النهروان ووقف الخليفة عليه فقبل دبيس الارض واستعطف حتى هم الخليفة بالعفو عنه ثم وصل الوزير ابن صدقة فثناه عن رأيه ووقف دبيس مع برتقش الزكوى يحادثه ثم شغل الوزير بمد الجسر للعبور فتسلل دبيس ولحق بطغرل وعاد المسترشد إلى بغداد ولحق طغرل ودبيس بهمدان فعاثوا في أعمالها وصادروا أهلها وخرج إليهم السلطان محمود فانهزموا بين يديه ولحقوا بالسلطان سنجر بخراسان شاكين من المسترشد وبرتقش

[ 54 ]

الشحنة والله أعلم بغيبه وأحكم * (مقتل البرسقى وولاية بنه عز الدين على الموصل) * ثم ان المسترشد تنكر للشحنة برتقش وتهدده فلحق بالسلطان محمود في رجب سنة عشرين فأغراه بالمسترشد وخوفه غائلته وانه تعود الحروب وركب العيث ويوشك أن يمتنع عنك ويستصعب عليك فاعتزم السلطان على قصد العراق وبعث إليه الخليفة يلاطفه في الرد لغلاء البلاد وخرابها ويؤخره إلى حين صلاحها فصدق عنده حديث الزكوى وسار مجدا فعبر المسترشد بأهله وولده وأولاد الخلفاء إلى الجانب الغربي في ذى القعدة راحلا عن بغداد والناس باكون لفراقه وبلغ ذلك إلى السلطان فشق عليه وأرسل يستعطفه في العود إلى دار فشرط عليه الرجوع عن العراق في القوت كما شرط أولا فغضب السلطان وسار نحو بغداد والخليفة بالجانب الغربي ثم أرسل خادمه عفيفا لى واسط يمنع عنها نواب السلطان فسار إليه عماد الدين زنكى من البصرة وهزمه وفتك في عسكره قتلا وأسرا وجمع المسترشد السفن إليه وسد أبواب قصره ووكل حاجب الباب ابن الصاحب بدار الخلافة ووصل السلطان إلى بغداد في عشرى ذى الحجة ونزل باب الشماسية وأرسل المسترشد في العود والصلح وهو يمتنع وجرت بين العسكرين مناوشة ودخل جماعة من عسكر السلطان إلى دار الخليفة ونهبوا التاج أول المحرم سنة احدى وعشرين وخمسمائة فضج العامة لذلك ونادوا بالجهاد وخرج المسترشد من سرادقه ينتمى بأعلى صوته وضربت الطبول ونفخت البوقات ونصب الجسر وعبر الناس دفعة وعسكر السلطان مشتغلون بالنهب في دور الخلافة والامراء وكان في دار الخلافة ألف رجل كامنون في السرداب فخرجوا عند ذلك ونالوا من عسكر السلطان وأسروا جماعة من أمرائه ونهب العامة دور وزير السلطان وأمرائه وحاشيته ومثل منهم خلق وعبر المسترشد إلى الجانب الشرقي في ثلاثين ألف مقاتل من أهل بغداد والسواد ودفع السلطان وعسكره عن بغداد وحفر عليها الخنادق واعتزموا على كبس السلطان فأخافهم أبو الهيجاء الكردى صاحب اربل ركب للقتال فلحق بالسلطان ووصل عماد الدين زنكى من البصرة في جيش عظيم في البر والبحر أذهل الناس برؤيته فحام المسترشد عن اللقاء وتردد الرسل بينهما أجاب إلى الصلح وعفا السلطان عن أهل بغداد وأقام بها إلى عاشر ربيع الاخر وأهدى إليه المسترشد سلاحا وخيلا وأموالا ورحل إلى همدان وولى زنكى بن اقسنقر شحنة بغداد ثقة بكفايته واستقامت أحواله مع الخليفة واشار به أصحابه ورأوا أنه يرقع الخرق ويصلح الامر فولاه على ذلك مضافا إلى ما بيده من البصرة وواسط وسار إلى همدان وقبض في طريقه على وزيره أبى

[ 55 ]

القاسم على بن الناصر الشادبي اتهمه بممالاة المسترشد لكثرة تعينه في الصلح فقبض عليه واستدعى شرف الدولة أنوشروان بن خالد من بغداد ملحقة باصبهان في شعبان واستوزره عشره أشهر تم عزله ورجع إلى بغداد وبقى أبو القاسم محبوسا إلى أن جاء السلطان سنجر إلى الرى قأطلقه وأعاده إلى وازرة السلطان محمود آخر ثنتين وعشرين [ وفاة عز الدين بن البرسقى وولاية عماد الدين زنكى على الموصل وأعمالها ثم استيلاؤه على حلب ] ولما استولى عز الدين على الموصل وأعمالها واستفحل أمره طمحت همته إلى الشأم فاستاذن السلطان في المسير إليه وسار إلى دمشق ومر بالرحبة فحاصرها وملكها ثم مات اثر ذلك وهو عليها وافترقت عساكره وشغلوا عن دفنه ثم دفن بعد ذلك ورجعت العساكر إلى الموصل وقام بالامر مملوكه جاولى ونصب أخاه الاصغر وأرسل إلى السلطان يطلب تقرير الولاية له وكان الرسول في ذلك القاضى بهاء الدين أبو الحسن عسلى الشهرزوى وصلاح الدين محمد الباغسيانى أمير حاجب البرسقى واجتمعا بنصير الدين جعفر مولى عماد الدين زنكى وكان بينه وبين صلاح الدين سر فخوفهما جعفر ابن جاولى وحملهما على طلب عماد الدين زنكى وضمن لهما عنه الولايات والاقطاع فأجابوه وجاء بهما إلى الوزير شرف الدين أنوشروان ابن خالد فقالا له ان الجزيرة والشأم قد تمكن منهما الافرنج من حدود ماردين إلى عريش مصر وكان البرسقى يكفهم وقد قتل وولده صغير ولا بد للبلد ممن يضطلع بأمرها ويدفع عنها وقد خرجنا عن النصيحة اليكم فبلغ الوزير مقالتهما إلى السلطان فأحضرهما واستشارهما فذكرا جماعة منهم عماد الدين زنكى وبذلا عنه مقربا إلى خزانة السلطان مالا جزيلا فولاه السلطان لما يعلم من كفايته وولى مكانه شحنة العراق مجاهد الدين بهروز صاحب تكريت وسار عماد الدين زنكى فبدأ بالبواريح وملكها ثم سار إلى الموصل وتلقاه جاولى مطيعا وعد إلى الموصل في خدمته فدخلها في رمضان وأقطع جاولى الرحبة وبعثه إليها وولى نصير الدين جعفرا قلعة الموصل وسائر القلاع وجعل صلاح الدين محمد الباغسيانى أمير صاحب وولى بهاء الدين الشهرزورى قضاء بلاده جميعا وزاده أملاكا وأقطاعا وشركه في رأيه ثم سار إلى جزيرة ابن عمر وقد امتنع بها مماليك البرسقى فجد في قتالهم وكانت دجلة تحول بينه وبين البلد فعبر بعسكره الماء سبحا واستولى على المسافة التى بين دجلة والبلد وهزم من كان فيها من الحامية حتى أحجزهم بالبلد وضيق حصارهم فاستأمنوا وأمنهم ثم سار إلى نصيبين وهى لحسام الدين تمرتاش ابن أبى الغازى صاحب ماردين فحاصرها واستنجد حسام الدين بن عمه ركن الدولة

[ 56 ]

داود بن سكمان ابن ارتق صاحب كبيعا فأنجده بنفسه وأخذ في جمع العساكر وبعث تمرتاش ماردين إلى نصيبين يعرف العساكر بالخبر وأن العساكر واصلة إليهم عن خمسة أيام وكتبه في رقعة وعلقها في جناح طائر فاعترضه عسكر زنجى وصادوه وقرأ زنكى الرقعة وعوض الخمسة أيام بعشرين يوما وأطلق الطائر بها إلى البلد فقرؤا الكتاب وسقط في أيديهم واستطالوا العشرين واستأمنوا لعماد الدين زنكى فأمنهم وملك نصيبين وسار عنها إلى سنجار فملكها صلحا وبعث العساكر إلى الخابور فملكها ثم سار إلى حران وخرج إليه أهل البلد بطاعتهم وكانت الرها وسروج والميرة ونواحيها للافرنج وعليها جرسكين صاحب الرها فكاتب زنكى وهادنه ليتفرغ للجهاد بعد ثم عبر الفرات إلى حلب في المحرم سنة ثنتين وعشرين وقد كان عز الدين مسعود بن اقسنقر البرسقى لما سار عنها إلى الموصل بعد قتل أبيه استخلفت عليها فرمان من امرائه ثم عزله بآخر اسمه قطلغ ايه وكتب له إلى قرمان فمنعه الا أن يرى العلامة التى بينه وبين عز الدين ابن البرسقى فعاد قطلغ إلى مسعود ليجئ بالعلامة فوجده قد مات بالرحبة فعاد إلى حلب وأطاعه رئيسها فضائل بن بديع والمقدمون بها واستنزلوا قزمان من القلعة على ألف دينار أعطوه اياها وملك قطلغ القلعة منتصف احدى وعشرين ثم ساءت سيرته وظهر ظلمه وجوره وكان بالمدينة بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن ارتق وكان ملكها قبل وخلع عنها فدعاه الناس إلى البيعة وثاروا بقطلغ فامتنع بالقلعة فحاصروه وجاء مهيار صاحب منبج وحسن صاحب مراغة لاصلاح أمرهم فلم يتفق وطمع الافرنج في ملكها وتقدم جوسكين بعسكره إليها فدافعوه بالمال ثم وصل صاحب انطاكية فحاصرهم إلى آخر السنة وهم محاصرون القلعة فلما ملك عماد الدين زنكى الموصل والجزيرة والشأم فأطاعوا وسار عبد الجبار وقطلغ إلى عماد الدين بالموصل وأقام أحد الاميرين بحلب حتى بعث عماد الدين زنكى صاحبه صلاح الدين محمد الباغسيانى في عسكر فملك القلعة ورتب الامور وولى عليها وجاء عماد الدين بعساكره في أثره وملك في طريقه منبج ومراغة ثم دخل حلب وأقطع أعمالها الاجناد والامراء وقبض على قطلغ ايه وسلمه لابن بديع فكحله فمات واستوحش ابن بديع فهرب إلى قلعة جعفر وأقام عماد الدين مكانه في رياسة حلب أبا الحسن على بن عبد الرزاق * (قدوم السلطان سنجر إلى الري ثم قدوم السلطان محمود إلى بغداد) * الموصل طغرل ودبيس إلى السلطان سنجر بخراسان حرضه دبيس على العراق والسلطان محمود قد اتفقا على الامتناع منه فسار سنجر وأخبر السلطان محمود باستدعائه فوافاه لاقرب وقت وأمر العساكر بتلقيه وأجلسه معه على التخت وأقام السلطان محمود

[ 57 ]

عنده إلى آخر ثنتين وعشرين ثم رجع سنجر إلى خراسان بعد أن أوصى محمود بدبيس وأعاده إلى بلده ورجع محمود إلى همذان ثم سار إلى العراق وخرج الوزير للقائه ودخل بغداد في تاسوعاء سنة ثلاث وعشرين ثم لحقه دبيس بمائة ألف دينار في ولاية الموصل وسمع بذلك زنكى وجاء إلى السلطان وحمل المائة ألف مع هدايا جليلة فخلع عليه وأعاده وسار منتصف السنة عن بغداد إلى همذان بعد أن ولى الحلة مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد * (وفاة السلطان محمود وملك ابنه داود) * ثم توفى السلطان محمود بهمذان في شوال سنة خمس وعشرين لثلاث عشرة سنة من ملكه بعد أن كان قبض على جماعة من امرائه وأعيان دولته منهم عزيز الدولة أبو نصر أحمد بن حامد المستوفى وأبو شتكين المعروف بشيركين بن حاجب وابنه عمر فخافهم الوزير أبو القاسم الشابادى فاغرى بهم السلطان فنكبهم وقتلهم ولما توفى اجتمع الوزير أبو القاسم والاتابك اقسنقر الاحمر يلى وبايعوا لابنه داود وخطبوا له في جميع بلاد الجبل وأذربيجان ووقعت الفتنة بهمذان وسائر بلاد الجبل ثم سكنت وهرب الوزير إلى الرى مستجيرا بالسلطان فأمر بها * (منازعة السلطان مسعود لداود ابن أخيه واستيلاؤه على السلطان بهمذان) * لما هلك السلطان محمود سار أخوه مسعود من جرجان إلى تبريز فملكها فسار داود من همذان في ذى القعدة سنة خمس وعشرين وحاصره بتبريز في محرم سنة ست وعشرين ثم اصطلحوا وتأخر داود عن الامر لعمه مسعود فسار مسعود من تبريز إلى همذان وكاتب عماد الدين زنكى صاحب الموصل يستنجده فوعده بالنصر وأرسل إلى المسترشد في طلب الخطبة ببغداد وكان داود قد أرسل في ذلك قبله ورد المسترشد الامر في الخطبة إلى السلطان سنجر ودس إليه أن لا يأذن لواحد منهما وان تكون الخطبة له فقط وحسن موقع ذلك عنده وسار السلطان مسعود إلى بغداد وسبقه إليها أخوه سلجوق شاه مع اتابك قراجا الساقى صاحب فارس وخوزستان ونزل في دار السلطان واستخلفه الخليفة لنفسه ولما سار السلطان مسعود أوعز إلى عماد الدين زنكى أن يسير إلى بغداد فسار من الموصل إليها وانتهى السلطان مسعود إلى عباسة الخالص وبرزت إليه عساكر المسترشد وسلجوق شاه وسار قراجا الساقى إلى مدافعة زنكى فدافعه على المعشوق فهزمه وأسر كثيرا من أصحابه ومر منهزما إلى تكريت وبها يومئذ نجم الدين أيوب أبو الاملاك الايوبية فهيأ له المعابر وعبر دجلة إلى بلاده وسار السلطان مسعود من العباسة وقاتلت طلائعه طلائع أخيه سلجوق وبعث سلجوق يستحث قراجا

[ 58 ]

بعد انهزام زنكى فعاد سريعا وتأخر السلطان مسعود بعد هزيمة زنكى وأرسل إلى المسترشد بأن عمه سنجر وصل إلى الرى عازما على بغداد ويشير بمدافعته عن العراق وتكون العراق لوكيل الخليفة ثم تراسل القوم واتفقوا على ذلك وتحالفوا عليه وان يكون مسعود السلطان ولى العهد ودخلوا إلى بغداد فنزل مسعود ديار السلطان وسلجوق دار الشحنة والله سبحانه وتعالى ولى التوفيق * (هزيمة السلطان مسعود وملك طغرل أخيه) * لما توفى السلطان محمود سار السلطان سنجر من خراسان إلى بلاد الجبال ومعه طغرل ابن أخيه محمد وانتهى إلى الرى ثم سار إلى همذان فسار مسعود لقتاله ومعه قراجا الساقى وسلجوق شاه وقد كان الخليفة عزم أن لا يتجهز معهم فأبطأ فبعثوا إليه قراجا فسار إلى خانقين وأقام وقطعت خطبة سنجر من العراق وخالفهم والى بغداد دبيس وزنكى وقد سمى اقطاعه لسنجر الحلة وزنكى ولاه شحنة بغداد فرجع المسترشد إلى بغداد لموافقتهما وسار السلطان وأخوه سلجوق شاه للقاء سنجر ثم سمعا بكثرة عساكره فتأخرا فسار في طلبهم يوما وليلة ثم تراجعوا عند الدينور وكان مسعود يماطل باللقاء انتظارا للمسترشد فلم يجد بدا من اللقاء فالتقوا على النقيبة وحمل قراجا عليهم وتورط في المعركة وأصيب بجراحات ثم التفوا عليه وأسروه وانهزم من أصحاب مسعود قزل وقد كان واطأهم على الهزيمة فانهزم السلطان مسعود عند ذلك منتصف ستة وعشرين وقتل كثير من أكابر الامراء ونزل سنجر في خيامهم وأحضر قراجا فقتله وجئ إليه بالسلطان مسعود فأكرمه وأعاده إلى كنجة وخطب للملك طغرل ابن أخيه في السلطنة وخطب له في جميع البلاد واستوزر له أبا القاسم الساباذى وزير السلطان محمود وعاد إلى نيسابور آخر رمضان سنة ست وعشرين وخمسمائة * (هزيمة السلطان داود واستيلاء طغرل بن محمد على الملك) * لما ولى طغرل همذان وولى عند السلطان سنجر إلى خراسان وبلغه أن صاحب ما وراء النهر المرخان قد انتقض عليه فسار لاصلاحه وشغل بذلك فقام الملك داود باذربيجان وبلاد كنجة وطلب الامر لنفسه وجمع العساكر وسار إلى همذان ومعه برتقش الزكوى واتابك اقسنقر الاحمر يلى ومعه طغرل بن برسق ونزل وقد استقر ثم اضطرب عسكر داود وأحسوا من برتقش الزكوى بالفشل فنهب التركمان خيامه وهرب اقسنقر اتابك وانهزم في رمضان سنة ست وعشرين ثم قدم بغداد في ذى القعدة ومعه اتابك اقسنقر فأكرمه الخليفة وأنزله بدار السلطان

[ 59 ]

* (عود السلطان مسعود إلى الملك وهزيمة طغرل) * قد تقدم لنا هزيمة السلطان مسعود من عمه سنجر وعوده إلى كنجة وولاية طغرل السلطان ثم محاربة داود ابن أخيه له وانهزام داود ثم رجوع داود إلى بغداد فلما بلغ الخبر إلى مسعود جاء إلى بغداد ولقيه داود قريبا منها وترجل له عن فرسه ودخلا بغداد في صفر سنة سبع وعشرين ونزل مسعود بدار السلطان وخطب له ولداود بعده وطلبا من السلطان عسكرا ليسير معهما إلى اذربيجان فبعث معهما العساكر إلى اذربيجان ولقيهم اقسنقر الاحمر يلى في مراغة بالا