تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر، وديوان المبتداء والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر لوحيد عصره العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المغربي المتوفى سنة 808 هجرية الجزء الرابع 1391 ه. - 1971 م. منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب. 7120
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم * (أخبار الدولة العلوية المزاحمة لدولة بنى العباس) * ونبدأ منهم بدولة الادارسة بالمغرب الاقصى قد تقدم لنا ذكر شيعة أهل البيت لعلى ابن أبى طالب ونبيه رضى الله عنهم وما كان من شأنهم بالكوفة وموجدتهم على الحسن في تسليم الامر لغيره واضطراب الامر على زياد بالكوفة من أجلهم حتى قتل المتولون كبر ذلك منهم حجر بن عدى وأصحابه ثم استدعوا الحسين بعد وفاة معاوية فكان من قتله بكربلاء ما هو معروف ثم ندم الشيعة على قعودهم عن مناصرته فخرجوا بعد وفاة يزيد وبيعة مروان وخرج عبيد الله بن زياد عن الكوفة وسموا أنفسهم التوابين وولوا عليهم سليمان بن صردو لقيتهم جيوش بن زياد بأطراف الشأم فاستلحموهم ثم خرج المختار بن أبى عبيد بالكوفة طالبا بدم الحسين رضى الله عنه وداعيا لمحمد بن الحنفية وتبعه على ذلك جموعه من الشيعة وسماهم شرطة الله وزحف إليه عبيد الله بن زياد فهزمه المختار وقتله وبلغ محمد بن الحنفية من
أحوال المختار ما نقمه عليه فكتب إليه بالبراءة منه فصار إلى الدعاء لعبد الله بن الزبير ثم استدعى الشيعة من بعد ذلك زيد بن على بن الحسين إلى الكوفة أيام هشام
[ 3 ]
ابن عبد الملك فقتله صاحب الكوفة يوسف بن عمرو صلبه وخرج إليه ابنه يحيى بالجوزجان من خراسان فقتل وصلب كذلك وطلت دماء أهل البيت في كل ناحية وقد تقدم ذلك كله في أخبار الدولتين ثم اختلف الشيعة وافترقت مذاهبهم في مصير الامامة إلى العلويه وذهبوا طرائق قددا فمنهم الامامية القائلون بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لعلى بالامامة ويسمونه الوصي بذلك ويتبرؤن من الشيخين لما منعوه حقه بزعمهم وخاصموا زيدا بذلك حسين دعا بالكوفة ومن لم يتبرأ من الشيخين رفضوه فسموا بذلك رافضة ومنهم الزيدية القائلون بامامة بنى فاطمة لفضل على ونبيه على سائر الصحابة وعلى شروط يشترطونها وامامة الشيخين عندهم صحيحة وان كان على أفضل وهذا ما مذهب زيد واتباعه وهم جمهور الشيعة وأبعدهم عن الانحراف والغلو ومنهم الكيسانية نسبة إلى كيسان يذهبون إلى امامة محمد بن الحنفية ونبيه من بعد الحسن والحسين ومن هؤلاء كانت شيعة بنى العباس القائلون بوصية أبى هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن على بن عبد الله بن عباس بالامامة وانتشرت هذه المذاهب بين الشيعة وافترق كل مذهب منها إلى طوائف بحسب اختلافهم وكان الكيسانية شيعة بنى الحنفية أكثرهم بالعراق وخراسان ولما صار أمر بنى أمية إلى اختلال أجمع أهل البيت بالمدينة وبايعوا بالخلافة سر المحمد بن عبد الله ابن حسن المثنى بن الحسن بن على وسلم له جميعهم وحضر هذا العقد أبو جعفر عبد الله ابن محمد بن على بن عبد الله بن عباس وهو المنصور وبايع فيمن بايع له من أهل البيت وأجمعوا على ذلك لتقدمه فيهم لما علموا له من الفضل عليهم ولهذا كان مالك وأبو حنيفة رحمهما الله يحتجان إليه حين خرج من الحجاز ويريدون أن امامته
أصح من امامة أبى جعفر لانعقاد هذه البيعة من قبل وربما صار إليه الامر من عند الشيعة بانتقال الوصية من زيد بن على وكان أبو حنيفة يقول بفضله ويحتج إلى حقه فتأدت اليهما المحنة بسبب ذلك ايام أبى جعفر المنصور حتى ضرب مالك على الفتيا في طلاق المكره وحبس أبو حنيفة على القضاء (ولما انقرضت) دولة بنى أمية وجاءت دولة بنى العباس وصار الامر لابي جعفر المنصور سعى عنده ببنى حسن وأن محمد ابن عبد الله يروم الخروج وأن دعاته ظهروا بخراسان فحبس المنصور لذلك بنى حسن واخوته حسن وابراهيم وجعفر وعلى القائم وابنه موسى بن عبد الله وسليمان وعبد الله ابن اخيه داود ومحمد واسمعيل واسحق بنو عمه ابراهيم بن الحسن في خمسة وأربعين من أكابرهم وحبسوا بقصر ابن هبيرة ظاهر الكوفة حتى هلكوا في حبسهم وارهبوا لطلب محمد بن عبد الله فخرج بالمدينة سنة خمس وأربعين وبعث اخاه ابراهيم
[ 4 ]
إلى البصرة فغلب عليها وعلى الاهواز وفارس وبعث الحسن بن معاوية إلى مكة فملكها وبعث عاملا إلى اليمن ودعا لنفسه وخطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم وتسمى بالمهدي وكان يدعى النفس الزكية وحبس رباح بن عثمان المرى عامل المدينة فبلغ الخبر إلى أبى جعفر المنصور فأشفقوا من أمره وكتب إليه كتابه المشهور (ونصه) بعد البسملة من عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله أما بعد فانما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزى في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم الا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم وان لك ذمة الله وعهده وميثاقه ان تبت من قبل أن نقدر عليك أن نؤمنك على نفسك وولدك واخوتك ومن تابعك وجميع شيعتك وأن أعطيك ألف ألف درهم وأنزلك من البلاد حيث شئت وأقضى لك ما شئت من الحاجات وأن اطلق من سجن
من أهل بيتك وشيعتك وأنصارك ثم لا أتبع أحدا منكم بمكروه وان شئت ان تتوثق لنفسك فوجه إلى من يأخذ لك من الميثاق والعهد والامان ما أحببت والسلام (فأجابه) محمد بن عبد الله بكتاب نصه بعد البسملة من عبد الله محمد المهدى أمير المؤمنين ابن عبد الله محمد أما بعد طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبا موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ان فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم أنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون وأنا أعرض عليك من الامان مثل الذى أعطيتني فقد تعلم أن الحق حقنا وانكم انما أعطيتموه بنا ونهضتم فيه بسعينا وحزتموه بفضلنا وان أبانا عليا عليه السلام كان الوصي والامام فكيف ورثتموه دوننا ونحن أحياء وقد علمتم انه ليس أحد من بنى هاشم يشد بمثل فضلنا ولا يفخر بمثل قديمنا وحديثنا ونسبنا ونسيبنا وانا بنو بنته فاطمة في الاسلام من بينكم فا أنا أوسط بنى هاشم نسبا وخيرهم أما وأبا لم تلدني العجم ولم تعرف في أمهات الاولاد وان الله عز وجل لم يزل يختار لنا فولدني من النبيين أفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه أقدمهم اسلاما وأوسعهم علما وأكثرهم جهادا على بن أبى طالب ومن نسائه أفضلهن خديجة بنت خويلد أول من آمن بالله وصلى إلى القبلة ومن بناته أفضلهن وسيدة نساء أهل الجنة ومن المتولدين في الاسلام سيدا شباب أهل الجنة ثم قد علمت أن هاشما ولد عليا مرتين من قبل جدى الحسن والحسين
[ 5 ]
فما زال الله يختار لى حتى اختار لى في معنى النار فولدني أرفع الناس درجة في الجنة وأهون أهل النار عذابا يوم القيامة فأنا ابن خير الاخيار وابن خير الاشرار وابن خير أهل الجنة وابن خير أهل النار ولك عهد الله ان دخلت في بيعتى أن أؤمنك على
نفسك وولدك وكل ما أصبته الاحدا من حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد فقد علمت ما يلزمك في ذلك فأنا أو في بالعهد منك وأحرى بقبول الامان منك فاما أمانك الذى عرضت على فهو أي الامانات هي أأمان ابن هبيرة أم أمان عمك عبد الله بن على أم أمان أبى مسلم والسلام (فأجابه المنصور) بعد البسملة من عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله فقد أتانى كتابك وبلغني كلامك فإذا جل فحرك بالنساء لتضل به الحفاة والغوغاء ولم يجعل الله النساء كالعمومة ولا الآباء كالعصبة والاولياء وقد جعل الله العم أبا وبدأ به على الولد فقال جل ثنأوه عن نبيه عليه السلام واتبعت ملة آبائى ابراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب ولقد علمت أن الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وعمومته أربعة فأجابه اثنان أحدهما أبى وكفر به اثنان أحدهما أبوك وأما ما ذكرت من النساء وقراباتهن فلو أعطى على قرب الانساب وحق الاحساب لكان الخير كله لآمنة بنت وهب ولكن الله يختار لدينه من يشاء من خلقه وأما ما ذكرت من فاطمة أم أبى طالب فان الله لم يهدأ حدا من ولدها إلى الاسلام ولو فعل لكان عبد الله بن عبد المطلب أولاهم بكل خير في الآخرة والاولى وأسعدهم بدخول الجنة غدا ولكن الله أبى ذلك فقال انك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وأما ما ذكرت من فاطمة بنت أسد أم على بن أبى طالب وفاطمة أم الحسين وأن هاشما ولدا عليا مرتين وأن عبد المطلب ولدا الحسن مرتين فخير الاولين رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلده هاشم الامرة واحدة ولم يلده عبد المطلب الامرة واحدة وأما ما ما ذكرت من أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فان الله عز وجل قد أبى ذلك فقال ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ولكنكم قرابة ابنته وانها لقرابة قريبة غير أنها امرأة لا تحوز الميراث ولا يجوز أن تؤم فكيف تورث الامامة من قبلها ولقد طلب بها أبوك من كل وجه وأخرجها تخاصم ومرضها سرا ودفنها ليلا وأبى الناس الا تقديم الشيخين ولقد حضر أبوك وفاة رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأمر بالصلاة غيره ثم أخذ الناس رجلا رجلا فلم يأخذوا أياك فيهم ثم كان في أصحاب الشورى فكل دفعه عنها بايع عبد الرحمن عثمان وقبلها عثمان وحارب أباك طلحة والزبير ودعا سعدا إلى بيعته فاغلق بابه دونه ثم بايع معاوية بعده وأفضى أمر جدك إلى أبيك الحسن فسلمه إلى معاوية بخزف ودراهم وأسلم في يديه
[ 6 ]
شيعته وخرج إلى المدينة فدفع الامر إلى غير أهله وأخذ ما لا من غير حله فان كان لكم فيها شئ فقد بعتموه فأما قولك ان الله اختار لك في الكفر فجعل أباك أهون أهل النار عذابا فليس في الشر خيار ولا من عذاب الله هين ولا ينبغى لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفتخر بالنار سترد فتعلم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون واما قولك لم تلدك العجم ولم تعرف فيك أمهات الاولاد وانك أوسط بنى هاشم نسبا وخيرهم أما وأبا فقد رأيتك فخرت على بنى هاشم طرا وقدمت نفسك على من هو خير منك اولا وآخرا واصلا وفصلا فخرت على ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى والد والده فانظر ويحك أين تكون من الله غدا وما ولد قبلكم مولود بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من على بن الحسين وهو لام ولد ولقد كان خيرا من جدك حسن بن حسن ثم ابنه محمد خير من أبيك وجدته أم ولد ثم ابنه جعفر وهو خير ولقد علمت أن جدك عليا حكم الحكمين وأعطاهما عهده وميثاقه على الرضا بما حكما به فأجمعا على خلعه ثم خرج عمك الحسين بن على بن مرجانة فكان الناس الذين معه عليه حتى قتلوه ثم أتوا بكم على الاقتاب كالسبي المجلوب إلى الشأم ثم خرج منكم غير واحد فقتلكم بنو أمية وحرقوكم بالنار وصلبوكم على جذوع النخل حتى خرجنا عليهم فأدركنا يسيركم إذ لم تدركوه ورفعنا أقداركم وأورثناكم ارضهم وديارهم بعد أن كانوا يلعنون اباك في أدبار صلاة مكتوبة كما يلعن الكفرة فسفهناهم وكفرناهم وبينا فضله وأشدنا بذكره فاتخذت ذلك علينا حجة وظننت أنا بما ذكرنا من فضل على
قدمناه على حمزة والعباس وجعفر كل أولئك مضوا سالمين مسلما منهم وابتلى أبوك بالدماء ولقد علمت أن مآثرنا في الجاهلية سقاية الحجيج الاعظم وولاية زمزم وكانت للعباس من دون اخوته فناز عنا فيها أبوك إلى عمر فقضى لنا عمر بها وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من عمومته أحد حيا الا العباس وكان وارثه دون عبد المطلب وطلب الخلافة غير واحد من بنى هاشم فلم ينلها الا ولده فاجتمع للعباس أنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء وبنوه القادة الخلفاء فقد ذهب بفضل القديم والحديث ولو لا ان العباس اخرج إلى بدركرها لمات عماك طالب وعقيل جوعا أو يلحسان جفان عتبة وشيبة فأذهب عنهما العارو الشنار ولقد جاء الاسلام والعباس يمون به طالب للازمة التى أصابتهم ثم فدى عقيلا يوم بدر فعززنا كم في الكفر وفديناكم من الاسر وورثناه دونكم خاتم الانبياء وادركنا بثأركم إذ عجزتم عنه ووضعناكم بحيث لم تضعوا أنفسكم والسلام (ثم عقد) أبو جعفر على حربه لعيسى ابن عمه موسى بن على فزحف إليه في العساكر وقاتله بالمدينة فهزمه وقتله في منتصف رمضان سنة خمس
[ 7 ]
وأربعين ولحق ابنه على بالسند إلى أن هلك هناك واختفى ابنه الآخر عبد الله الاشتر إلى أن هلك في أخبار طويلة قد استوفيناها كلها في اخبار أبى جعفر المنصور ورجع عيسى إلى المنصور فجهزه لحرب ابراهيم أخى محمد بالعيرة فقاتله آخر ذى القعدة من تلك السنة فهزمه وقتله حسبما مر ذكره هنالك وقتل معه عيسى بن زيد بن على فيمن قتل من أصحابه (وزعم ابن قتيبة) أن عيسى بن زيد بن على نار على المنصور بعد قتل أبى مسلم ولقيه في مائة وعشرين ألفا وقاتله أياما إلى ان هم المنصور بالفرار ثم أتيح له الظفر فانهزم عيسى ولحق بابراهيم بن عبد الله بالبصرة فكان معه هناك الى أن لقيه عيسى ابن موسى بن على وقتلهما كما مر (ثم خرج بالمدينة أيام المهدى) سنة تسع وستين من بنى حسن الحسين بن على بن حسن المثلث وهو أخو عبد الله بن حسن المثنى وعم المهدى
وبويع للرضا من آل محمد وسار إلى مكة وكتب الهادى إلى محمد بن سليمان بن على وقد كان قدم حاجا من البصرة فولاه حربه يوم التروية فقاتله بفجة على ثلاثة أميال من مكة وهزمه وقتله وافترق أصحابه وكان فيهم عمه ادريس بن عبد الله فأفلت من الهزيمة مع من أفلت منهم يومئذ ولحق بمصر نازعا إلى المغرب وعلى بريد مصر يومئذ واضح مولى صالح بن المنصور ويعرف بالمسكين وكان يتشيع فعلم بشأن ادريس وأتاه إلى المكان الذى كان به مستخفيا وحمله على البريد إلى المغرب ومعه راشد مولاه فنزل بو ليلى سنة ست وسبعين وبها يومئذ اسحق بن محمد بن عبد الحميد أمير أوريه من قبائل البربر وكبيرهم لعهده فأجاره وأكرمه وجمع البربر على القيام بدعوته وخلع الطاعة العباسية وكشف القناع واجتمع عليه البرابرة بالمغرب فبايعوه وقاموا بأمره وكان فيهم مجوس فقاتلهم إلى ان أسلموا وملك المغرب الاقصى ثم ملك تلمسان سنة ثلاث وسبعين ودخلت ملوك زناتة أجمع في طاعته واستفحل ملكه وخاطب ابراهيم ابن الاغلب صاحب القيروان وخاطب الرشيد بذلك فشد إليه الرشيد مولى من موالى المهدى اسمه سليمان بن حريز ويعرف بالشماخ وأنفذه بكتابه إلى ابن الاغلب فأجازه ولحق با دريس مظهر اللنزوع إليه فيمن نزع من وحدان المغرب متبرئا من الدعوة العباسية ومتنحلا للطالبيين واختصه الامام ادريس وحلى بعينه وكان قد تأبط سما في سنون فناوله اياه عند شكايته من وجع أسنانه فكان فيها فيما زعموا حتفه ودفن ببو ليلى سنة خمس وسبعين وفر الشماخ ولحقه راشد بوادي ملوية فاختلفا بينهما ضربتين قطع فيها راشد يدة وأجاز الشماخ الوادي فأعجزه وبايع البرابرة بعد مهلكه ابنه ادريس سنة ثمان وثمانين واجتمعوا على القيام بأمره ولحق به كثير من العرب من افريقية والاندلس وعجز بنو الاغلب أمراء افريقية عنه فاستفحلت له
[ 8 ]
ولبنيه بالمغرب الاقصى دولة إلى ان انقرضت على يد أبى العافية وقومه مكاتبة أولياء
العبيديين أعوام ثلاثة عشر وثلثمائة حسبما نذكر ذلك في أخبار البربر ونعدد ملوكهم هناك واحدا واحدا وانقراض دولتهم وعودها ونستوعب ذلك كله لانه أمس بالبر برفانهم كانوا القائمين بدعوتهم (ثم خرج يحيى) أخو محمد بن عبد الله بن حسن وادريس في الديلم سنة ست وسبعين أيام الرشيد واشتدت سؤكتهم وسرح الرشيد لحر به الفضل بن يحيى فبلغ الطالقان وتلطف في استنزاله من بلاد الديلم على أن يشترط ما أحب ويكتب له الرشيد بذلك خطه فتم بينهما وجاء به الفضل فوفى له الرشيد بكل ما أحب وأجرى له أرزا قاسنية ثم حبسه بعد ذلك لسعاية كانت فيه من آل الزبير فيقال أطلقه بعدها ووصله بمال ويقال سمه لشهر من اعتقاله ويقال أطلقه جعفر ابن يحيى افتياتا فكان بسببه نكبة البرامكة وانقرض شأن بنى حسن وخفيت دعو الزيدية حينا من الدهر حتى كان منهم بعد ذلك باليمن والديلم ما نذكره والله غالب على أمره * (الخبر عن خروج الفاطميين بعد فتنة بغداد) * كانت الدولة العباسية قد تمهدت من لدن أبى جعفر المنصور منهم وسكن أمر الخوارج والدعاة من الشيعة من كل جهة حتى إذا هلك الرشيد ووقع بين نبيه من الفتنة ما وقع وقتل الامين بيد طاهر بن الحسين ووقع في حصار بغداد من الحرب والعبث ما وقع وبقى المأمون مقيما بخراسان تسكينا لاهلها عن تائرة الفتن وولى على العراق الحسن بن سهل اتسع الخرق حينئذ بالعراق وأشيع عن المأمون أن الفضل بن سهل غلب عليه وحجره فامتعض الشيعة لذلك وتكلموا وطمع العلوية في التوثب على الامر فكان في العراق أعقاب ابراهيم بن محمد بن حسن المثنى المقتول بالبصرة أيام المنصور وكان منهم محمد بن اسمعيل بن ابراهيم ولقبه أبوه طباطبا للكنة كانت في لسانه أيام مرباه بين داياته فلقب بها وكان شيعته من الزيدية وغيرهم يدعون إلى امامته لانها كانت متوارثة في آبائه من ابراهيم الامام جده على ما قلناه في خبره فخرج سنة تسع
وتسعين ودعا لنفسه ووافاه أبو السرايا السرى بن منصور كبير بنى شيبان فبايعه وقام بتدبير حربه وملك الكوفة وكثر تابعوه من الاعراب وغيرهم وسرح الحسن بن سهل زهير بن المسيب لقتاله فهزمه طباطبا واستباح معسكره ثم مات محمد في صبيحة ذلك اليوم فجأة ويقال ان أبا السرايا سمه لما منعه من الغنائم فبايع أبو السرايا يومه ذلك لمحمد ابن محمد بن زيد بن على زين العابدين واستبد عليه وزحفت عليهم جيوش المأمون
[ 9 ]
فهزمهم أبو السرايا وملك البصرة وواسط والمدائن وسرح الحسن بن سهل لحربه هرثمة بن أعين وكان مغضبا فاسترضاه وجهز له الجيوش وزحف إلى أبى السرايا وأصحابه فغلبهم عن المدائن وهزمهم وقتل منهم خلقا ووجه أبو السرايا إلى مكة الحسين الابطس ابن الحسن بن على زين العابدين والى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن حسن المثنى اين الحسن والى البصرة زيد بن موسى بن جعفر الصادق وكان يقال له زيد النار لكثرة من أحرق من الناس بالبصرة فملكوا مكة والمدينة والبصرة وكان بمكة مسرور الخادم الاكبر وسليمان بن داود بن عيسى فلما أحسوا بقدوم الحسين فروا عنها وبقى الناس في الموقف فوضى ودخلها الحسين من الغدفعاث في أهل الموسم ما شاء الله واستخرج الكنز الذى كان في الكعبة من عهد الجاهلية وأقره النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده وقدره فيما قيل مائتا قنطار ثنتان من الذهب فأنفقه وفرقه في أصحابه ما شاء الله ثم ان هرثمة واقع أبا السرايا فهزمه ثم بحث عن منصور بن المهدى فكان أميرا معه واتبع أبا السرايا فغلبه على الكوفة وخرج إلى القادسية ثم إلى واسط ولقيه عاملها وهزمه ولحبجل ولا مغلولا جريحا فقبض عليه عاملها وقدمه إلى الحسن بن سهل بالنهروان فضرب عنقه وذلك سنة مائتين وبلغ الخبر الطالبيين بمكة فاجتمعوا وبايعوا محمد بن جعفر الصادق وسموه أمير المؤمنين وغلب عليه ابناه على وحسين فلم يكن يملك معهما من الامر شيأ ولحق ابراهيم ابن أخيه موسى الكاظم
ابن جعفر الصادق باليمن في أهل بيته فدعا لنفسه هنالك وتغلب على الكثير من بلاد اليمن وسمى الجزار لكثرة ما قتل من الناس وخلص عامل اليمن وهو اسحق بن موسى ابن عيسى إلى المأمون فجهزه لحرب هؤلاء الطالبيين فتوجه إلى مكة وغلبهم عليها وخرج محمد بن جعفر الصادق إلى الاعراب بالساحل فاتبعهم اسحق وهزمهم ثم طلبهم وطلب محمد الامان فأمنه ودخل مكة وبايع للمأمون وخطب على المنبر بدعوته وسابقته الجيوش إلى اليمن فشردوا عنه الطالبيين وأقاموا فيه الدعوة العباسية ثم خرج الحسين الابطس ودعا لنفسه بمكة وقتله المأمون وقتل ابنيه عليا ومحمدا ثم ان المأمون لما رأى كثرة الشيعة واختلاف دعاتهم وكان يرى مثل رأيهم أو قريبا منه في شأن على والسبطين فعهد بالعهد من بعده لعلى الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق سنة احدى ومائتين وكتب بذلك إلى الآفاق وتقدم إلى الناس فنزع السواد ولبس الخضرة فحقد بنوا العباس ذلك من أمره وبايعوا بالعراق لعمه ابراهيم بن المهدى سنة ثنتين ومائتين وخطب له ببغداد وعظمت الفتنة وشخص المأمون من خراسان متلافيا أمر العراق وهلك على بن موسى في طريقه فجأة ودفن بطوس سنة ثلاث ومائتين
[ 10 ]
ووصل المأمون إلى بغداد سنة أربع وقبض على عمه ابراهيم وعفا عنه وسكن الفتنة (وفى سنة تسع) بعدها خرج باليمن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن على ابن أبى طالب بدعو للرضا من آل محمد وبايعه أهل اليمن وسرح إليه المأمون مولاه دينارا واستأمن له فأمنه وراجع الطاعة (ثم كثر خروج الزيدية) من بعد ذلك بالحجاز والعراق والجبال والديلم وهرب إلى مصر خلق وأخذ منهم خلق وتتابع دعاتهم (فأول) من خرج منهم بعد ذلك محمد بن القاسم بن على بن عمر بن زين العابدين هرب خوفا من المعتصم سنة تسع عشرة ومائتين وكان بمكان من العبادة والزهد فلحق بخراسان ثم مضى إلى الطالقان ودعا بها لنفسه واتبعته أمم الزيدية كلهم ثم حاربه
عبد الله بن طاهر صاحب خراسان فغلبه وقبض عليه وحمله إلى المعتصم فحبسه حتى مات ويقال انه مات مسموما (ثم خرج) من بعده بالكوفة أيضا الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد الله بن الحسين الاعرج بن على بن زين العابدين واجتمع إليه الناس من بنى أسد وغيرهم من جموعه وأشياعه وذلك سنة احدى وخمسين ومائتين وزحف إليه ابن شيكال من أمراء الدولة فهزمه ولحق بصاحب الزنج فكان معه وكاتبه أهل الكوفة في العود إليه وظهر عليه صاحب الزنج فقتله وكان خروج صاحب الزنج بالبصرة قبله بقليل واجتمعت له جموع العبيد من زنج البصرة وأعمالها وكان يقول في لفظه من أعلمه أنه من ولد عيسى بن زيد الشهيد وأنه على بن محمد بن زيد بن عيسى ثم انتسب إلى يحيى بن زيد الشهيد والحق أنه دعى في أهل البيت كما نذكره في أخباره وزحف إليه الموفق أخو المعتمد ودارت بينه وبينهم حروب إلى أن قتله ومحا أثر تلك الدعوة كما قدمناه في أخبار الموفق ونذكره في أخبارهم (ثم خرج في الديلم) من ولده الحسن بن زيد بن الحسن السبط الداعي المعروف بالعلوى وهو الحسن بن زيد بن محمد ابن اسمعيل بن الحسن خرج لخمس وخمسين فملك طبرستان وجرجان وسائر أعمالها وكانت له ولشيعته الزيدية دولة هناك ثم انقرضت آخر المائة الثالثة وورثها من ولد الحسن السبط ثم من ولد عمر بن على بن زين العابدين الناصر الاطروش وهو الحسن بن على بن الحسين بن على بن عمرو هو ابن عم صاحب الطالقان أسلم الديلم على يد هذا الاطروش وملك بهم طبرستان وسائر أعمال الداعي وكانت له ولبنيه هنالك دولة وكانوا سببا لملك الديلم البلاد وتغلبهم على الخلفاء كما نذكر ذلك في أخبار دولتهم (ثم خرج باليمن) من الزيدية من ولد القاسم الرسى بن ابراهيم طبا طبا أخى محمد صاحب أبى السرايا أعوام ثمانية وثمانين ومائتين يحيى بن الحسين بن القاسم الرسى فاستولى على صعدة وأورث عقبه فيها ملكا باقيا لهذا العهد وهى مركز الزيدية كما نذكر في أخبارهم (وفى خلال ذلك
[ 11 ]
خرج بالمدينة الاخوان محمد وعلى ابنا الحسن بن جعفر بن موسى الكاظم وعاثا في المدينة عيثا شديدا وتعطلت الصلاة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من شهر وذلك سنة احدى وسبعين (ثم ظهر بالمغرب) من دعاة الرافضة أبو عبد الله الشيعي في كتامة من قبائل البربر أعوام ستة وثمانين ومائتين داعيا لعبيد الله المهدى محمد بن جعفر بن محمد بن اسمعيل الامام بن جعفر الصادق فظهر على الاغالبة بالقيروان وبايع لعبيد الله المهدى سنة ست وتسعين فتم أمره وملك المغربين واستفحلت له درلة بالمغرب ورثها بنوه ثم استولوا بعد ذلك على مصر سنة ثمان وخمسين وثلثمائة فملكها منهم المعز لدين الله معد ابن اسمعيل بن أبى القاسم بن عبيد الله المهدى وشيد القاهرة يثم ملك الشأم واستفحل ملكه إلى ان انقرضت دولتهم على العاضد منهم على يد صلاح الدين بن أيوب سنة خمس وستين وخمسمائة (ثم ظهر في سواد الكوفة) سنة ثمان وخمسين ومائتين من دعاة الرافضة رجل اسمه الفرج بن يحيى ويدعى قرمط بكتاب زعم أنه من عند أحمد بن محمد بن الحنفية فيه كثير من كلمات الكفر والتحليل والتحريم وادعى أن أحمد بن الحنفية هو المهدى المنتظر وعاث في بلاد السواد ثم في بلاد الشأم وتلقب وكرويه بن مهرويه واستبد طائفة منهم بالبحرين ونواحيها ورئيسهم أبو سعيد الجناجى وكان له هناك ملك ودولة أورثها نبيه من بعده إلى ان انقرضت أعوامهم كما يذكر في أخبار دولتهم وكان أهل البحرين هؤلاء يرجعون إلى دعوة العبيديين بالمغرب وطاعتهم (ثم كان بالعراق) من دعاة الاسماعيلية وهؤلاء الرافضة طوائف آخرون واستبدوا بكثير من النواحى ونسب إليهم فيها القلاع قلعة الموت وغيرها وينسبون تارة إلى القرامطة وتارة إلى العبيديين وكان من رجالاتهم الحسن بن الصباح في قلعة الموت وغيرها إلى ان انقرض أمرهم آخر الدولة السلجوقية (وكان باليمامة ومكة والمدينة) من بعد ذلك دول للزيدية والرافضة فكان باليمامة دولة لبنى الاخضر وهو محمد بن يوسف بن ابراهيم بن موسى الجون بن عبد الله بن حسن المثنى خرج أخوه اسمعيل بن يوسف في بادية الحجاز سنة ثنتين وخمسين
ومائتين وملك مكة ثم مات فمضى أخوه محمد إلى اليمامة فملكها وأورثها لبنيه إلى ان غلبهم القرامطة (وكان بمكة) دولة لبنى سليمان بن داود بن حسن المثنى خرج محمد بن سليمان أيام المأمون وتسمى بالناهض وملك مكة واستقرت امارتها في نبيه إلى أن غلبهم عليها الهواشم وكبيرهم محمد بن جعفر بن أبى هاشم محمد بن الحسن بن محمد بن موسى ابن عبد الله أبى الكرام بن موسى الجون فملكها من ابراهيم سنة أربع وخمسين وأربعمائة وغلب بنى حسن على المدينة وداول الخطبة بمكة بين العباسيين والعبيديين واستفحل ملكه في نبيه إلى أن انقرضوا آخر المائة السادسة وغلب على مكة بنو أبى
[ 12 ]
قمى امراؤها لهذا العهد ملك أولهم أبو عزيز قتادة بن ادريس مطاعن بن عبد الكريم ابن موسى بن عيسى بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن موسى الجون وورث دولة الهواشم وملكهم وأورثها نبيه إلى هذا العهد كما نذكر في أخبارهم وهؤلاء كلهم زيدية (وبالمدينة) دولة للرافضة لولد الهناء قال المسيحي اسمه الحسن بن طاهر بن مسلم وفى كتاب العتبى مؤرخ دولة ابن سبكتكين ان مسلما اسمه محمد بن طاهر وكان صديقا لكافور ويدبر أمره وهو من ولد الحسن بن على زين العابدين واستولى طاهر بن مسلم على المدينة أعوام ستين وثلثمائة وأورثها نبيه لهذا العهد كما نذكر في أخبارهم والله وارث الارض ومن عليها (الخبر عن الادارسة ملوك المغرب الاقصى ومبدا) (دولتهم وانقراضها ثم تجددها مفترقة في نواحى المغرب) لما خرج حسين بن على بن حسن المثلث بن حسن المثنى بن الحسن السبط بمكة في ذى القعدة سنة ست وتسعين ومائة أيام المهدى واجتمع عليه قرابته وفيهم عماه ادريس ويحيى وقاتلهم محمد بن سليمان بن على بعجة على ثلاثة أميال بمكة فقتل الحسين في جماعة من أهل بيته وانهزموا وأسر كثير منهم ونجا يحيى بن ادريس وسليمان وظهر
يحيى بعد ذلك في الديلم وقد ذكرنا خبره من قبل وكيف استنزله الرشيد وحبسه * (وأما ادريس) * ففر ولحق بمصر وعلى بريدها يومئذ واضح مولى صالح بن المنصور ويعرف بالمسكين وكان واضح يتشيع فعلم شأن ادريس وأتاه إلى الموضع الذى كان به مستخفيا ولم يرشيأ أخلص من أن يحمله على البريد إلى المغرب ففعل ولحق ادريس بالمغرب الاقصى هو ومولاه راشد ونزل بولية سنة ثنتين وسبعين وبها يومئذ اسحق بن محمد بن عبد الحميد أميراورية وكبيرهم لعهده فأجاره وجمع البرابر على القيام بدعوته وكشف القناع في ذلك واجتمعت عليه زواغة ولواتة وسدراتة وغياثة ونفرة وسكناسة وغمارة وكافة البرابر بالمغرب فبايعوه وقاموا بأمره وخطب الناس يوم بويع فقال بعد حمد الله والصلاة على نبيه لاتمدن الاعناق إلى غير نافان الذى تجدونه عندنا من الحق لا تجدونه عند غيرنا ولحق به من اخوته سليمان ونزل بأرض زناته من تلمسان ونواحيها ونذكر خبره فيما بعد (ولما استوثق) أمر ادريس وتمت دعوته زحف إلى البرابرة الذين كانوا بالمغرب على دين المجوسية واليهودية والنصرانية مثل قندلاوه وبهلوانه ومديونة ما زار وفتح تامسنا ومدينة وتادلا وكان أكثرهم على دين اليهودية والنصرانية فأسلموا على يديه طوب وكرها وهدم معاقلهم وحصونهم ثم زحف إلى
[ 13 ]
تلمسان وبها من قبائل بنى يعرب ومغراوه سنة ثلاث وسبعين ولقيه أميرها محمد بن حرز ابن حزلان فأعطاه الطاعة وبذل له ادريس الامان ولسائر زناتة فأمكنه من قياد البلد وبنى مسجدها وأمر بعمل منبره وكتب اسمه فيه حسبما هو مخطوط في صفح المنبر لهذا العهد ورجع إلى مدينة وليلى ثم دس إليه الرشيد مولى من موالى المهدى اسمه سليمان ابن حريز ويعرف بالشماخ أنفذه بكتابه إلى ابن الاغلب فأجازه ولحق بادريس مظهرا النزوع إليه فيمن نزع من وحران المغرب متبرئا من الدعوة العباسية ومنتحلا للطلب واختصه الامام ادريس وحلا بعينه وكان قد تأبط سما في سنون فناوله اياه عند شكايته
من وجع أسنانه فكان فيه كما زعموا حتفه ودفن بو ليلى سنة خمس وسبعين وفر الشماخ ولحقه فيما زعموا راشد بوادي ملوية فاختلفا ضربتين قطع فيها راشديد الشماخ وأجاز الوادي فاعجزه واعتلق بالبرابر من أوربة وغيرهم فجمل من دعوته في ابنه ادريس الاصغر من جاريته كنزه بايعوه حملا ثم رضيعا ثم فصيلا إلى ان شب وامتنم فبايعوه بجامع وليلى سنة ثمان وثمانين ابن احدى عشرة سنة وكان ابن الاغلب دس إليهم الاموال واستمالهم حتى قتلوا راشدا مولاه سنة ست وثمانين وقام بكفالة ادريس من بعده أبو خالد بن يزيد بن الياس العبدى ولم يزل كذلك إلى ان بايعوا الادريس فقاموا بأمره وجردوا لانفسههم رسوم الملك بتجديد طاعته وافتتحوا بلاد المغرب كلها واستوثق لهم الملك بها واستوزر ادريس مصعب بن عيسى الازدي المسمى بالملجوم من ضربة في بعض حروبهم وسمته على الخرطوم وكأنها خطام ونزع إليه كثير من قبائل العرب والاندلس حتى اجتمع إليه منهم زهاء خمسمائة فاختصهم دون البربر وكانوا له بطانة وحاشية واستفحل بهم سلطانة ثم قتل كبيرأ ورية اسحق بن محمود سنة ثنتين وتسعين لما أحس منه بموالاة ابراهيم بن الاغلب وكثرت غاشية الدولة وأنصارها وضاقت وليلى بهم فاعتام موضعا لبناء مدينة لهم وكانت فاس موضعا لبنى بوغش وبنى الخير من وزاغة وكان في بنى بوغش مجوس ويهود ونصارى وكان موضع شيبوبة منها بيت نار لمجوسهم وأسلموا كلهم على يده وكانت بينهم فتن فبعث للاصلاح بينهم كاتبه أبا الحسن عبد الملك بن مالك الخزرجي ثم جاء إلى فاس وضرب أبنيته بكز واوه وشرع في بنائها فاختط عدوة الاندلس سنة ثنتين وتسعين وفى سنة ثلاث بعدها اختط عدوة القرويين وبنى مساكنه وانتقل إليها وأسس جامع الشرفاء وكانت عدوة القرويين من لدن باب السلسلة إلى غدير الجوزاء والجرف واستقام له أمر الخلافة وأمر القائمين بدعوته وأمر العزو الملك ثم خرج غازيا المصامدة سنة سبع وتسعين فافتتح بلادهم ودانوا بدعوته ثم غزا تلمسان وجدد بناء مسجدها واصلاح منبرها وأقام بها ثلاث سنين وانتظمت كلمة البرابرة وزنانة
[ 14 ]
ومحوا دعوة الخوارج منهم واقتطع الغربيين عن دعوة العباسيين من لدن الشموس الاقصى إلى شلف ودافع ابراهيم بن الاغلب عن حماه بعد ما ضايقه بالمكاد واستقاد الاولياء واستمال بهلول بن عبد الواحد المظفرى بمن معه من قومه عن طاعة ادريس إلى طاعة هرون الرشيد ووفد عليه بالقيروان واستراب ادريس بالبرابرة فصالح ابراهيم ابن الاغلب وسكن من غربه وعجز الاغالبة من بعد ذلك عن مدافعة هؤلاء الادارسة ودافعوا خلفاء بنى العباس بالمعاذير بالغض من ادريس والقدح في نسبه إلى أبيه ادريس بما هو أوهن من خيوط العناكب (وهلك ادريس) سنة ثلاث عشرة وقام بالامر من بعده ابنه محمد بعهده إليه فأجمع أمره بوفاة جدته كنزة أم ادريس على أن شرك اخوته في سلطانه ويقاسم ممالك أبيه فقسم المغرب بينهم أعمالا اختص منها القاسم بطنجة والبصرة وسبته وتيطاوين وقلعة حجر النسر وما إلى ذلك من البلاد والقبائل واختص عمر بتبكيسان وترغه وما بينهما من قبائل صنهاجة وغمارة واختص داود ببلاد هوارة وتسول وتازى وما بينهما من القبائل مكناسة وغياثة واختص عبد الله باغمات وبلد نفيس وجبال المصامدة وبلاد لمطة والسوس الاقصى واختص يحيى باصيلا والعرائش وبلاد روغة وما إلى ذلك واختص عيسى بشالة وسلا وازموروتا مسنا وما إلى ذلك من القبائل واختص حمزة بو ليلى واعمالها وأبقى الباقين في كفالتهم وكفالة جدتهم كنزة لصغرهم وبقيت تلمسان لولد سليمان بن عبد الله وخرج عيسى بازمور على أخيه محمد طالبا الامر لنفسه فبعث لحربه أخاه عمر بعد أن دعا القاسم لذلك فامتنع ولما أرقع عمر بعيسى وغلب على ما في يده استنابه إلى أعماله باذن أخيه محمد ثم أمره أخوه محمد بالنهوض إلى حرب القاسم لقعوده عن اجابته في محاربة عيسى فزحف إليه وأوقع به واستناب عليه إلى ما في يده فصار الريف البحري كله من عمل عمر هذا من تيكيشاش وبلاد غمارة إلى سبته ثم إلى طنجة وهذا ساحل البحر
الرومي ثم ينعطف إلى أصيلا ثم سلا ثم ازمور وبلاد تامسنا وهذا ساحل البحر الكبير وتزهد القاسم وبنى رباطا بساحل أصيلا للعبادة إلى ان هلك واتسعت ولاية عمر بعمل عيسى والقاسم وخلصت طويته لاخيه محمد الامير وهلك في امارة أخيه محمد ببلد صنهاجة بموضع يقال له فج الفرص سنة عشرين ومائتين ودفن بفاس وعمر هذا هو جد المحموديين الدائلين بالاندلس من بنى أمية كما نذكره وعقد الامير محمد على عمله لولده على ابن عمر ثم كان مهلك الامير محمد لسبعة أشهر من مهلك أخيه عمر سنة احدى وعشرين ومائتين بعد أن استخلف ولده عليا في مرضه وهو ابن تسع سنين فقام بأمره الاولياء
[ 15 ]
والحاشية من العرب وأوربة وسائر البربر وصنائع الدولة وبايعوه غلاما مترعرعا وقاموا بأمره وأحسنوا كفالته وطاعته فكانت أيامه خير أيام وهلك سنة أربع وثلاثين لثلاث عشرة سنة من ولايته وعهد لاخيه يحيى بن محمد فقام بالامر وامتد سلطانه وعظمت دولته وحسنت آثار أيامه واستجدت فاس في العمران وبنيت بها الحمامات والفنادق للتجار وبنيت الارباض ورحل إليها الناس من الثغور القاصية واتفق ان نزلتها امرأة من أهل القيروان تسمى أم البنين بنت محمد الفهرى وقال ابن أبى ذرع اسمها فاطمة وانها من هوارة وكانت مترية بموروث أفادته من ذويها واعتزمت على صرفه في وجوه الخير فاختطت المسجد الجامع بعدوة القرويين أصغر ما كان سنة خمس وأربعين في أرض بيضاء كان أقطعها الامام ادريس وأنبطت بصحنها بئراشرا باللناس فكأنما نبهت بذلك عزائم الملوك من بعدها ونقلت إليه الخطبة من جامع ادريس لضيق محلته وجواريته واختط بعد ذلك أحمد بن سعيد بن أبى بكر اليغرنى صومعته سنة خمس وأربعين وثلثمائة على رأس مائة سنة من اختطاط الجامع حسبما هو منقوش في الحجارة بالركن الشرقي منها ثم أوسع في خطته المنصور بن أبى عامر وجلب إليه الماء وأعدله السقاية والسلسلة بباب الحفاتمنه
ثم أوسع في خطته آخر ملوك لمتونة من الموحدين وبنى مرين واستمرت العمارة به وانصرفت هممهم إلى تشييده والمنافسات في الاحتفال به فبلغ الاحتفال فيه ما شاء الله حسبما هو مذكور في تواريخ المغرب وهلك يحيى هذا سنة وولى ابنه يحيى به يحيى فأساء السيرة وكثر عبثه في الحرم وثارت به العامة لمركب شنيع أتاه وتولى كبر الثورة عبد الرحمن بن أبى سهل الحزامى وأخرجوه من عدوة القرويين إلى عدوة الاندلسيين فتوارى ليلتين ومات أسفا لليلته وانقطع الملك من عقب محمد بن ادريس وبلغ الخبر بشأن يحيى إلى ابن عمه على بن عمر صاحب الريف واستدعاه أهل الدولة من العرب والبربر والمولى فجاء إلى فاس ودخلها وبايعوه واستولى على أعمال المغرب إلى ان ثار عليه عبد الرزاق الخارجي خرج بجبال مديونة وكان على رأى الصفرية فزحف إلى فاس وغلب عليها ففر إلى أروبة وملك عبد الرزاق عدوة الاندلس وامتنعت منه عدوة القرويين وولوا على أنفسهم يحيى بن القاسم بن ادريس وكان يعرف بالصر ام بعثوا إليه فجاءهم في جموعه وكانت بينه وبين الخارجي حروب ويقال انه أخرجه من عدوة لاندلس واستعمل عليها ثعلبة بن محارب بن عبد الله كان من أهل الريض بقرطبة من ولد المهلب بن أبى صفرة ثم استعمل ابنه عبد الله المعروف بعبود من بعده ثم ابنه محارب بن عبود بن ثعلبة إلى أن اغتاله الربيع بن سليمان سنة ثنتين وتسعين
[ 16 ]
ومائتين وقام بالامر مكانه يحيى بن ادريس بن عمر صاحب الريف وهو ابن أخى على بن عمر فلك جميع أعمال الادارسة وخطب له على سائر أعمال المغرب وكان أعلى بنى ادريس ملكا وأعظمهم سلطانا وكان فقيها عارفا بالحديث ولم يبلغ أحد من الادارسة مبلغه في السلطان والدولة وفى أثناء ذلك كله خلط الملك للشيعة بافريقية وتغلبوا على الاسكندرية واختطوا المهدية كما نذكره في دولة كتامة ثم طمعوا إلى ملك المغرب وعقدوا لمضالة بن حبوس كبير مكناسة وصاحب تاهرت على محاربة ملوكه سنة خمس وثلثمائة
فزحف إليه في عساكر مكناسة وكتامة وبرز لمدافعته يحيى بن ادريس صاحب المغرب مجموعه من المغرب وأولياء الدولة من أوربة وسائر البرابرة والموالي والتقوا على مكناسة وكانت الدبرة على يحيى وقومه ورجع إلى فاس مغلولا وأجاز له بها معاملة إلى أن صالحه على مال يؤديه إليه وطاعة معروفة لعبيد الله الشيعي سلطانه يؤديها فقبل الشرط وخرج عن الامر وخلع نفسه وأنفذ بيعته إلى عبيد الله المهدى وأبقى عليه مصالحه في سكنى فاس وعقد له على عملها خاصة وعقد لابن عمه موسى بن أبى العافية أمير مكناسة يومئذ وصاحب سنور وتازير على سائر أعمال البربر كما نذكره في أخبار مكناسة ودولة موسى وكان بين موسى بن أبى العافية وبين يحيى بن ادريس شحناه وعداوة يضطغنها كل واحد لصاحبه حتى إذ اعاد مضالة إلى المغرب في غزاته الثانية سنة تسع أغزاه موسى بن أبى العافية بطلحة بن يحيى بن ادريس صاحب فاس فقبض عليه مضالة واستصفى أمواله وذخائره وغربه إلى أصيلا والريف عمل ذى قرباه ورحمه وولى على فاس ريحان الكتامى ثم خرج يحى يريد افريقية فاعترضه ابن أبى العافية وسجنه سنتين وأطلقه ولحق بالمهدية سنة احدى وثلاثين وهلك في حصار أبى يزيد سنة واستبد ابن أبى العافية بملك المغرب وثار على ريحان الكتامى بفاس سنة ثلاث عشرة وثلثمائة الحسن ابن محمد بن القاسم بن ادريس الملقب بالحجام ونفى ريحان عنها وملكها عامين وزحف للقاء موسى بن أبى العافية وكانت بينهما حروب شديدة هلك فيها ابنه منهال بن موسى وانجلت المعركة على أكثر من ألف قتيل وخلص الحسن إلى فاس منهزما وغدر به حامد بن حمدان الاوربي واعتقله وبعث إلى موسى فوصل إلى فاس وملكها وطالبه باحضار الحسن فدافعه عن ذلك وأطلق الحسن متنكر افتدلى من السور فسقط ومات من ليلته وفر حامد بن حمدان إلى المهدية وقتل موسى بن أبى العافية عبد الله بن ثعلبة بن محارب وابنيه محمدا ويوسف وذهب ملك الادارسة واستولى ابن أبى العافية على جميع المغرب وأجلى بنى محمد بن القاسم بن ادريس وأخاه الحسن إلى الريف فنزلوا البصرة
واجتمعوا إلى كبيرهم ابراهيم بن محمد بن القاسم أخى الحسن وولوه عليهم واختط لهم
[ 17 ]
الحصن المعروف بهم هنالك وهو حجر النسر سنة سبع عشرة وثلثمائة ونزلوه وبنو عمر بن ادريس يومئذ بغمارة من لدن تيجساس إلى سبتة وطنجة وبقى ابراهيم كذلك وشعر الناصر الروانى لطلب المغرب وملك سبتة على بن ادريس سنة تسع عشرة وكبيرهم يومئذ أبو العيش بن ادريس بن عمر فانجابوا له عنها وأنزل بها حاميته وهلك ابراهيم بن محمد كبير بنى محمد فتولى عليهم من بعده أخوه القاسم الملقب بكانون وهو أخو الحسن الحجام واسمه القاسم بن محمد بن القاسم وقام بدعوة الشيعة انحرافا عن أبى العافية ومذاهبه واتصل الامر في ولده وغمارة أولياؤهم والقائمون بأمرهم كما نذكره في أخبار غمارة ودخلت دعوة المروانيين خلفاء قرطبة إلى المغرب وتغلبت زنانة على الضواحى ثم ملك بنو يعرب فاس وبعدهم مغراوة وأقام الادارسة بالريف مع غمارة وتجدد لهم به ملك في بنى محمد وبنى عمر بمدينة البصرة وقلعة حجر النسر ومدينة سبتة وأصيلا ثم تغلب عليهم المروانيون وأثخنوهم إلى الاندلس ثم أجازوهم إلى الاسكندرية وبعث العزيز العبيدي بن كانون منهم لطلب ملكهم بالمغرب فغلبه عليه المنصور بن أبى عامر وقتله وعليه كان انقراض أمرهم وانقراض سلطان أورية من المغرب وكان من أعقاب الادارسة الذين اووا إلى غمارة فكانوا الدائلين من ملوك الاموية بالاندلس وذلك أن الادارسة لما انقرض سلطانهم وصاروا إلى بلاد غمارة واستجدوا بها رياسة واستمرت في بنى محمد وبنى عمر من ولد ادريس بن ادريس وكانت للبربر إليهم بسبب ذلك طاعة وخلطة وكان بنو حمود هؤلاء من غمارة فأجاز وامع البربر حين أجازوا في مظاهرة المستعين ثم غلبوه بعد ذلك على الامر وصار لهم ملك الاندلس حسبما نذكر في أخبارهم (وأما سليمان) أخو ادريس الاكبر فانه فر إلى المغرب أيام العباسيين فلحق بجهات تاهرت بعد مهلك أخيه ادريس وطلب الامر هناك فاستنكره البرابرة وطلبه ولاة
الاغالبة فكان في طلبهم تصحيح نسبه ولحق بتلمسان فملكها وأذعنت له زناتة وسائر قبائل البربر هنالك وورث ملكه ابنه محمد بن سليمان على سننه ثم افترق بنوه على ثغور المغرب الاوسط واقتسموا ممالكه ونواحيه فكانت تلمسان من بعده لابنه محمد بن أحمد بن القاسم ابن محمد بن أحمد وأظن هذا القاسم هو الذى يدعى بنو عبد الواد نسبه فان هذا أشبه من القاسم بن ادريس بمثل هذه الدعوى وكانت ارشكول لعيسى بن محمد بن سليمان وكان منقطعا إلى الشيعة وكانت جراوة لادريس بن محمد بن سليمان ثم لابنه عيسى وكنيته أبو العيش ولم تزل امارتها في ولده ووليها بعده ابنه ابراهيم بن عيسى ثم ابنه يحيى بن ابراهيم ثم أخوه ادريس بن ابراهيم وكان ادريس بن ابراهيم صاحب ارشكول منقطعا إلى عبد الرحمن الناصر وأخوه يحيى كذلك وارتاب من قبله ميسور قائد الشيعة فقبض
[ 18 ]
عليه سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة ثم انحرف عنهم فلما أخذ ابن أبى العافية بدعوة العلوية نابذ أولياء الشيعة فحاصر صاحب جراوة الحسن بن أبى العيش وغلبه على جراوة فلحق بابن عمه ادريس بن ابراهيم صاحب ارشكول ثم حاصرها البورى بن موسى بن أبى العافية وغلب عليهما وبعث بهما إلى الناصر فأسكنهما قرطبة وكانت تنس لابراهيم بن محمد بن سليمان ثم لابنه محمد من بعده ثم لابنه يحيى بن محمد ثم ابنه على بن يحيى وتغلب عليه زيرى بن مناد سنة ثنتين وأربعين وثلثمائة ففر إلى الجبر بن محمد بن خزر وجاز ابناه حمزة ويحيى إلى الناصر فتلقاهما رحبا وتكرمة ورجع يحيى منهما إلى طلب تنس فلم يظفر بها وكان من ولد ابراهيم هذا أحمد بن عيسى بن ابراهيم صاحب سوق ابراهيم وسليمان بن محمد بن ابراهيم من رؤساء المغرب الاوسط وكان من بنى محمد بن سليمان هؤلاء وبطوش بن حناتش بن الحسن بن محمد بن سليمان قال ابن حزم وهم بالمغرب كثير جدا وكان لهم بها ممالك وقد بطل جميعها ولم يبق منهم بها رئيس بنواحي بجاية وحمل بنى حمزة هؤلاء جوهر إلى القيروان وبقيت منهم بقايا في الجبال والاطراف معروفون هنالك عند
البربر والله وارث الارض ومن عليها * (الخبر عن صاحب الزنج وتصاريف أمره واضمحلال دعوته) * هذه الدعوة فيها اضطراب منذ أولها فلم يتم لصاحبها دولة وذلك أن دعاة العلوية منذ زمان المعتصم من الزيدية كماشر حناه وكان من أعظمهم الذين دعالهم شيعتهم بالنواحي على بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد الشهيد ولما اشتهر أمره فر وقتل ابن عمه على بن محمد بن الحسن بن على بن عيسى وبقى هو متغيبا فادعى صاحب الزنج هذا سنة خمس وخمسين ومائتين أيام المهدى انه هو فلما ملك البصرة ظهر هذا المطلوب ولقيه صاحب الزنج حيا معروفا بين الناس فرجع عن دعوى نسبه وانتسب إلى يحيى بن يزيد قتيل الجون ونسبه المسعودي إلى طاهر بن الحسين بن على وقال فيه على بن محمد بن جعفر بن الحسين بن طاهر وبشكل ذلك بأن الحسين بن فاطمة لم يكن له عقب الا من زين العابدين قاله ابن حزم وغيره فان أراد بطاهر طاهر بن يحيى المحدث بن الحسن بن عبيد الله بن الحسن الاصغر بن زين العابدين فتطول سلسلة نسبه وتشتمل على اثنى عشر إلى الحسين ابن فاطمة ويبعد ذلك إلى العصر الذى ظهر فيه والذى عليه المحققون الطبري وابن حزم وغيرهما أنه رجل من عبد القيس من قرية تسمى ودريفن من قرى الرى واسمه على ابن عبد الرحيم حدثته نفسه بالتوئب ورأى كثرة خروج الزيدية من الفاطميين فانتجل هذا النسب وادعاه وليس من أهله ويصدق هذا انه كان خارجيا
[ 19 ]
على رأى الازارقة يلعن الطائفتين من أهل الجمل وصفين وكيف يكون هذا من علوى صحيح النسب ولاجل انتحاله هذا النسب وبطلانه في دعاويه فسدا مره فقتل ولم تقم له دولة بعد أن فعل الافاعيل وعاث في جهات البصرة واستباح الامصار وخربها وهزم العساكر وقتل الامراء الاكابر واتخذ لنفسه حصونا قتل فيها لما جاوبه مكره سنة الله في عباده (وسياق الخبر عنه) انه شخص من الذين حجبوا ببغداد مع جماعة من حاشية
المنتصر ثم سار إلى البحرين سنة تسع وأربعين ومائتين فادعى أنه علوى من ولد الحسين ابن عبيد الله بن العباس بن على ودعا الناس إلى طاعته فاتبعه كثير من أهل هجر ثم تحول إلى الاحساء ونزل على بعض بنى تميم ومعه قوارة يحيى بن محمد الازرق وسليمان بن جامع وقاتل أهل البحرين فهزموه وافترقت العرب عنه ولحق بالبصرة والفتنة فيها بين البلالية والسعدية وبلغ خبره محمد بن رجاء العامل فطلبه فهرب وحبس ابنه وزوجته وبعض أصحابه ولحق هو ببغداد فانتسب إلى عيسى بن زيد الشهيد كما قلناه وأقام بها حولا ثم بلغه أن البلالية والسعدية أخرجوا محمد بن رجاء من البصرة وأن أهله خلصوا فرجع إلى البصرة في رمضان سنة خمس وخمسين ومعه يحيى بن محمد وسليمان بن جامع ومن أهل بغداد الذين استمالهم جعفر بن محمد الصمد حانى وعلى بن أبان وعبدان غير من سمينا فنزل بظاهر البصرة ووجه دعوته إلى العبيد من الزنوج وأفسدهم على مواليهم ورغبهم في العتق ثم في الملك واتخذ راية رسم فيها ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم الاية وجاءه موالى العبيد في طلبهم فأمرهم بضربهم وحسبهم ثم أطلقهم وتسايل إليه الزنوج واتبعوه وهزم عساكر البصرة والابلة وذهب إلى القادسية وجاءت العساكر من بغداد فهزمهم ونهب النواحى وجاء المدد إلى البصرة مع جعلان من قواد الترك وقاتلوه فهزمهم ثم ملك الابلة واستباحها وسار إلى الاهواز وبها ابراهيم ابن المدير على الخوارج فافتتحها وأسر ابن المدير سنة ست وخمسين إلى أن فر من محبسهم فبعث المعتمد سعيد بن صالح الحاجب لحربهم سنة سبع وخمسين وهو يومئذ عامل البصرة وسار من واسط فهزمه على بن أبان من قواد الزنج لحربهم هزمه إلى البحرين فتحصن بالبصرة وزحف على بن أبان لحصاره حتى نزل على أمانة ودخلها وأحرق جامعها ونكب عليه صاحب الزنج فصرفه وولى على البصرة مكانه يحيى بن محمد البحراني وبعث المعتمد محمدا المولد إلى البصرة فأخرج عنها الزنج ثم بيتوا محمد بن المولد فهزموه ثم ساروا إلى الاهواز وعليها منصور الخياط فواقع الزنج فغلبوه وكان
المعتمد قد استقدم أخاه أبا أحمد الموفق من مكة وعقد له على الكوفة والحرمين وطريق مكة واليمن ثم عقد له على بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والاهواز
[ 20 ]
وأمره أن يعقد ليارجوج على البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين مكان سعيد ابن صالح ثم انهزم سعيد بن صالح فعقد يارجوج لمنصور بن جعفر مكانه ثم قتله الزنج كما قلناه فأمر المعتمد أخاه الموفق بالمسير إليهم في ربيع سنة ثمان وخمسين وعلى مقدمته مفلح فأجفل الزنج عن البصرة وسار قائدهم على بن ابان فلقى مفلحا فقتل مفلح وانهزم أصحابه ورجع الموفق إلى سامرا وكان اصطيخور ولى الاهواز بعد منصور الخياط وجاءه يحيى بن محمد البحراني من قواد الزنج وبلغهم مسير الموفق فانهزم يحيى البحراني ورجع في السفن فأخذ وحمل إلى سامرا فقتل وبعث صاحب الزنج مكانه على بن أبان وسليمان الشعرانى فملكوا الاهواز من يد اصطيخور سنة تسع وخمسين بعد أن هزموه وهرب في السفن فغرق وسرح المعتمد لحربهم موسى بن بغا بعد ان عقد له على تلك الاعمال فبعث إلى الاهواز عبد الرحمن بن مفلح والى البصرة اسحق بن كيدا حق والى باد اورد ابراهيم بن سليمان وأقاموا في حروبهم مدة سنة ونصفها ثم استعفى موسى ابن بغاو ولى على تلك الاعمال مكانه مسرور البلخى وجهز المعتمد أخاه أبا أحمد الموفق لحربهم بعد أن عهد له بالخلافة ولقبه الناصر لدين الله الموفق وولى على أعمال المشرق كلها إلى آخر اصفهان وعلى الحجاز فسار لذلك سنة ثنتين وستين واعترضه يعقوب الصفار يريد بغداد فشغل بحربه وانهزم الصفار وانتزع من يده ما كان ملكه من الاهواز وكان مسرور البلخى قد سار إلى المعتمد وحضر معه حرب الصفار فاغتنم صاحب الزنج خلو تلك النواحى من العسكر وبث سراياه للنهب والتخريب في القادسية وجاءت العساكر من بغداد مع اغرتمش وخشتش فهزمهم الزنج وقائدهم سليمان ابن جامع وقتل خشتش وكان على بن أبان من قوادهم قد سار إلى الاهواز وأميرها يومئذ
محمد بن هزار مرد الكردى فبعث مسرور البلخى أحمد بن الينونة للقائهم فغلب أولا على الاهواز على بن أبان ثم ظاهره محمد بن هزار مردو الاكراد فرجع إلى السوس وأقام على بن أبان وصاحبه بتستر وطمع انه يخطب لصاحب الزنج فخطب هو للصفار فاقتتلا وانهزم على بن أبان وخرج واضطربت فارس بالفتنة ثم ملك الصفار الاهواز وواعد الزنج وسار سليمان بن جامع من قواد الزنج وولى الموفق على مدينة واسط أحمد بن المولد فزحف إليه الخليل بن أبان فهزمه واقتحم واسطا واستباحها سنة أربع وستين وضربت خيولهم في نواحى السواد إلى النعمانية إلى جرجرايا فاستباحوها وسار على بن أبان إلى الاهواز فحاصرها واستعمل الموفق عليها مسرورا البلخى فبعث تكيد النحارى إلى تستر فهزمهم على بن أبان وجماعة الزنج وسألوه الموادعة فوادعهم واتهمه مسرور فقبض عليه وبعث مكانه أغرتمش فهزم الزنج أولا ثم هزموه ثانيا
[ 21 ]
فوادعهم ثم سار على بن أبان إلى محمد بن هزار مرد الكردى فغلبه على رامهر مزحتى صالحه عليها على مائتي ألف درهم وعلى الخطبة له في أعماله ثم سار ابن أبان لحصار بعض القلاع بالاهواز فزحف إليه مسرور البلخى فهزمه واستباح معسكره وكان الموفق لما اقتحم الزنج مدينة واسط بعث ابنه أبا العباس سنة ست وستين في عشرة آلاف من المقاتلة ومعه السفن في النهر عليها أبو حمزة نصير فكتب إليه نصير بأن سليمان بن جامع أقبل في المقاتلة والسفن برار بحرا وعلى مقدمته الجنانى ولحقهم سليمان ابن موسى الشعرانى بالعساكر ونزلوا من الطفح إلى أسفل واسط فسار إليهم أبو العباس فهزمهم فتأخروا وراءهم وأقام على واسط يردد عليهم الحروب والهزائم مرة بعد أخرى ثم أمر صاحب الزنج قائده ابن أبان وابن جامع أن يجتمعا لحرب أبى العباس بن الموفق وبلغ ذلك الموفق فسار من بغداد في ربيع سنة سبع وستين فانتهى إلى المنيعة وقاتل الزنج فانهزموا أمامه واتبعهم أصحاب أبى العباس ابنه فاقتحموا عليهم
المنيعة وقتلوا وأسروا وهدم سور المنيعة وطمس خندقها وهرب الشعرانى وابن جامع وسار أبو العباس إلى المنصورة بطهشا فنازلها وغلب عليها وأفلت ابن جامع إلى واسط وغلب على ما فيها من الذخائر والاموال وهدم سورها وطم خنادقها ورجع إلى واسط ثم سار الموفق إلى الزنج با لاهواز واستخلف ابنه هرون على جنده بواسط وجاءه الخبر برجوع الزنج إلى طهشا والمنصورة فرد إليهم من يوقع بهم ومضى لوجهه فانتهى إلى السوس وعلى بن أبان با لاهواز فسار إلى صاحبه واستأمن المخلفون هنالك إلى الموفق فامنهم وسار إلى تستروأ من محمد بن عبد الله الكردى ثم وافى الاهواز وكتب إلى ابنه هرون أن يوافيه بالجند بنهر المبارك من فرات البصرة وبعث ابنه أبا العباس لحرب الخبيث بنهر أبى الخصيب واستأمن إليه جماعة من قواده فأمنهم وكتب إليه بالدعوة والاعذار وزحف إليه في مدينته المختارة له وأطلق السفن في البحر وعبى عساكره وهى نحو من خمسين ألفا والزنج في نحو من ثلثمائة ألف مقاتل ونصب الالات ورتب المنازل للحصار وبنى المقاعد للقتال واختط مدينة الموفقة لنزوله وكتب بحمل الاموال والميرة إليها فحملت وقطع الميرة عن المختارة وكتب إلى البلاد بانشاء السفن والاستكثار منها وقام يحاصرها من شعبان سنة سبع وستين إلى صفر من سنة سبعين ثم اقتحم عليهم المختارة فملكها وفر الخبيث وابنه انكلاى وابن جامع إلى معقل أعده واتبعه طائفة من الجند فانقطعوا عنه وأمرهم من الغد باتباعه فانهزم وقتل من أصحابه واسر ابن جامع ثم قتل صاحب الزنج وجئ برأسه ولحق انكلاى بالدينارى في خمسة آلاف ولحقهم أصحاب الموفق فظفروا بهم وأسروهم أجمعين وكان
[ 22 ]
درمونة من قواده قد لحق بالبطيحة واعتصم بالمغايض والاجام ليقطع الميرة عن أصحاب الموفق فلما علم بقتل صاحبه استأمن إلى الموفق فأمنه ثم أقام الموفق بمدينته قليصلا وولى على البصرة والابلة وكور دجلة ورجع إلى بغداد فدخلها في جمادى سنة
سبعين وكان لصاحب الزنج من الولد محمد ولقبه انكلاى ومعناه بالزنجية ابن الملك ثم يحيى وسليمان والفضل حبسوا في المطبق إلى أن هلكوا والله وارث الارض ومن عليها. الخبر عن دعاة الديلم والجبل من العلوية وما كان لهم من الدولة بطبرستان للداعى وأخيه أولا ثم للاطروش وبنيه وتصاريف ذلك إلى انقضائه (كان) أبو جعفر المنصور قد اختص من العلوية من بنى الحسن السبط حافده الحسن ابن زيد بن الحسن وولاه المدينة وهو الذى امتحن الامام مالكا رحمه الله كما هو معروف وهو الذى أعز المنصور من قبل ببنى حسن وأخبره بدسيسة محمد المهدى وابنه عبد الله في شأن الدعاء لهم حتى قبض عليهم وحملهم إلى العراق كما قدمناه وكان له عقب بالرى منهم الحسن بن زيد بن محمد بن اسمعيل بن الحسن والى المدينة ولما حدث بين عامل طبرستان محمد بن أوس الكافل بها لسليمان بن عبد الله بن طاهر نائبا عن محمد بن طاهر صاحب خراسان وبين محمد وجعفر من بنى رستم من أهل نواحى طبرستان حادث فتنة وقد تقدم ذكرها أغروا به أهل تلك النواحى وبعثوا إلى الديلم ليستنجدوا بهم عليه وكانوا على المجوسية يومئذ وهم حرب لمحمد بن أوس لدخوله بلادهم وقتله وسبيه متهم أيام المسالمة وملكهم يومئذ وهشوذار بن حسان فأجابوا ابني رستم إلى حربه وبعث ابنا رستم إلى محمد بن ابراهيم بطبرستان لكون الدعوة له فامتنع ودلهم على الحسن بن زيد بالرى فاستدعوه بكتاب محمد بن ابراهيم فشخص إليهم وقد اتفق الديلم وابنا رستم وأهل ناحيتهم على بيعته فبايعوه وانضم إليهم أهل جبال طبرستان وزحف إلى أمد فقاتله ابن أوس دونه وخالفه الحسن بن زيد في جماعة إلى آمد فملكها ونجا ابن أوس إلى سليمان بن عبد الله بن طاهر بسارية وزحف إليهم الحسن فخرجوا للقائه فناشبهم الحرب وبعث بعض قواده إلى سارية فملكها وانهزم سليمان إلى جرجان و استولى الحسن على معسكره بما فيه وعلى حرمه وأولاده فبعثهم إليه في السفن ويقال ان سليمان
انهزم له لدسيسة التشيع التى كانت في بنى طاهر ثم أقبل الحسن بن زيد إلى طبرستان فملكها وهرب عنها سليمان ثم بعث الحسن دعاته إلى النواحى وكان يعرف بالداعى العلوى فبعث إلى الرى القاسم ابن عمه على بن اسمعيل وبها القاسم بن على بن زين العابدين السمرى فملكها واستخلف بها محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى بن حسين الصغير
[ 23 ]
ابن زين العابدين وبعث إلى قزوين الحسين المعروف بالكوكبي بن أحمد بن محمد ابن اسمعيل بن محمد بن جعفر وهزمه وأسره فبعث الحسن بن زيد قائده دواجر إلى محمد بن ميكال فهزمه وقتله وملك الرى من يده وذلك سنة خمسين ومائتين ثم زحف سليمان بن عبد الله بن طاهر من جرجان في العساكر فأجفل الحسن بن زيد عن طبرستان إلى الديلم ودخلها سليمان ثم قصد سارية وأتاه ابنا قاران بن شهر زاه من الديلم وأتاه أهل آمد وغيرهم طائعين فصفح عنهم ثم سار محمد بن طاهر إلى لقاء الحسن فهزمه وقتل من أعيان أصحابه ثلثمائة وأربعين رجلا ثم زحف موسى بن بغال حربهم سنة ثلاث وخمسين فلقيه الحسن الكوكبى سنة ست وخمسين فاستولى على الرى واستولى القاسم ابن على بعدها على الكرخ سنة سبع ثم زحف الحسن بن زيد إلى جرجان وبعث إليها محمد بن طاهر صاحب خراسان العساكر فهزمهم الحسن وغلبهم عليها وانتقض أمر ابن طاهر بخراسان من يومئذ واختلف المغلبون عليه وكان ذلك داعيا إلى انتزاع يعقوب الصفار خراسان من يده ثم غلبه الحسين سنة تسع وخمسين على قومس * (استيلاء الصفار على طبرستان) * كان عبد الله السخرى ينازعه يعقوب بن الليث الصفار الرياسة بسجستان فلما استولى يعقوب على الامر هرب عبد الله إلى نيسابور مستجير ابا بن طاهر فأجاره فلما هلك يعقوب الصفار بنيسابور هرب عبد الله إلى الحسن بن زيد ونزل سارية وبعث فيه يعقوب الصفار فلم يسلمه الحسن بن زيد فسار إليه يعقوب سنة ستين وهزمه فلحق
بأرض الديلم ولحق عبد الله بالرى وملك يعقوب سارية وآمد وجبى خراجها وسار في طلب الحسن فتعلق بجبال طبرستان واعترضه الامطار والاوحال فلم يخلص الا بمشقة وكتب إلى الخليفة بخبر الحسن وما فعله معه وسار إلى الرى في طلب عبد الله السخرى فأمكنه منه والى الرى فقتله ثم رجع الحسن بن زيد إلى طبرستان سنة احدى وستين وغلب عليها أصحاب الصفار واقتطعها عنهم ثم انتقض السجستاني على يعقوب ابن الليث بخراسان وملكها من يده كما ذكرناه فسار وحاربه أبو طلحة بن شر كب وأمره الحسن بن زيد فسار السجستاني إلى محاربته بسبب ذلك سنة خمس وستين وانتزع جرجان من يده ثم خرج عنها لقتال عمرو بن الليث بعد موت أخيه يعقوب كما نذكر في أخبارهم فملكها الحسن بن زيد ثم أوقع السجستاني بالحسن بن زيد سنة ست وستين كبسه بجرجان وهو غار فهزمه ولحق بآمد وملك سارية واستخلف عليها الحسن ابن محمد بن جعفر بن عبد الله العبيعى بن الحسين الاصغر بن زين العابدين وانصرف
[ 24 ]
فأظهر الحسن بسارية قتل الحسن بن زيد ودعا لنفسه فبايعه جماعة ثم وافاه الحسن بن زيد فظففر به وقتله * (وفاة الحسن بن زيد وولاية أخيه) * ثم توفى الحسن بن زيد صاحب طبرستان في رجب سنة سبعين وولى مكانه أخوه محمد وكان قيامهم أولا على ابن طاهر كما ذكرناه ثم غلب يعقوب الصفار على خراسان وانتقض عليه أحمد السجستاني وملكها من يده ثم مات يعقوب سنة خمس وستين وولى مكانه اخوه عمرو وزحف إلى خراسان وقاسم السجستاني فيها وكانت بينهما حروب وكان الحسن داعى طبرستان يقابلهما جميعا إلى أن هلك وولى مكانه اخوه كما ذكرناه وكانت قزوين تغلب عليها اثناء ذلك عساكر الموفق ووليها أذ كوتكين من مواليهم فزحف إلى الرى سنة ثنتين وسبعين وزحف إليه محمد بن زيد في عالم كبير من الديلم وأهل طبرستان
وخراسان فانهزم وقتل من عسكر مستة آلاف وأسر ألفان وغنم أذ كوتكين عسكره جميعا وملك الرى وفرق عماله في نواحيها ثم مات السجستاني وقام بأمره في خراسان رافع ابن الليث من قواد الظاهرية فغلب محمد بن زيد على طبرستان وجرجان فحلق بالديلم ثم صالحه سنة احدى وثمانين وخطب له فيها سنة ثنتين وثمانين على أن ينجده على عمرو ابن الليث وكتب له عمرو بن الليث يعذله عن ذلك فأقصر عنه فلما غلب عمرو على رافع رعى لمحمد بن زيد خذلانه لرواج فخلى له عن طبرستان وملكها * (مقتل محمد بن زيد) * كان عمرو بن الليث لما ملك خراسان وقتل رافع بن هرثمة طلب من المعتضد ولاية ما وراء النهر فولاه واتصل الخبر با سمعيل بن أحمد السامانى ملك تلك الناحية فعبر جيحون وهزم جيوش عمرو بن الليث ورجع إلى بخارى فزحف عمرو بن الليث من نيسابور إلى بلخ وأعوزه العبور وجاء اسمعيل فعبر النهر وأخذ عليه الجهات بكثرة جموعه فأصبح كالمحاصر ثم اقتتلوا فانهزم عمرو وأسره اسمعيل وبعث به إلى المعتضد سنة ثمان وثمانين فحبسه إلى أن قتل وعقد لاسمعيل على ما كان بيد عمرو ولما اتصل بمحمد بن زيد واقعة عمرو وأمره سار من طبرستان لا يرى أن اسمعيل يقصدها فلما انتهى إلى جرجان بعث إليه اسمعيل يصده عن ذلك فأبى فسرح إليه محمد بن هرون وكان من قواد رافع بن هرثمة وصار من قواد اسمعيل بن سامان فلقى محمد بن زيد وافترقت عساكره وقتل من عسكره عالم وأسر ابنه زيد وأصابته هو جراحات هلك منها
[ 25 ]
لايام قلائل وغنم ابن هرون عسكره بما فيه وسار إلى طبرستان فملكها وبعث يزيد إلى اسمعيل فأنزله ببخارى ووسع عليه الانفاق واشتدت عليه شوكه الديلم وحاربهم اسمعيل سنة تسع وثمانين وملكهم يومئذ ابن حسان فهزمهم وصارت طبرستان وجرجان في ملك بنى سامان مع خراسان إلى أن ظهر بها الاطروش كما نذكر بعد
ويقال ان زيد بن محمد بن زيد ملك طبرستان من بعد ذلك إلى ان توفى وملكها من بعده ابنه الحسن بن زيد * (ظهور الاطروش العلوى وملكه طبرستان) * الاطروش هذا من ولد عمر بن زين العابدين الذى كان منهم داعى الطالقان أيام المعتصم وقد مر ذلك واسم الاطروش الحسن بن على بن الحسين بن على بن عمر دخل إلى الديلم بعد مقتل محمد بن زيد وأقام فيهم ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الاسلام ويأخذ منهم العشر ويدافع عنهم ملكهم ابن حسان فاسلم منهم خلق كثير واجتمعوا عليه وبنى في بلادهم المساجد وحملهم على رأى الزيدية فدانوا به ثم دعاهم إلى المسير معه إلى طبرستان وكان عاملها محمد بن نوح من قبل أحمد بن اسمعيل بن سامان وكان كثير الاحسان إليهم فلم يجيبوا الاطروش إلى البغى عليه ثم عزل ابن سامان عن طبرستان ابن نوح وولى عليها غيره فأساء السيرة فأعاد إليها ابن نوح ثم مات فاستعمل عليها أبا العباس محمد بن ابراهيم صعلو كافأساء السيرة وتنكر لرؤساء الديلم فدعاهم الحسن الاطروش للخروج معه فأجابوه فسار إليهم صعلوك ولقيهم بشاطئ البحر على مرحلة من سالوس فانهزم وقتل من أصحابه نحو من أربعة آلاف وحصر الاطروش بقيتهم في سالوس حتى استأمنوا إليه فأمنهم ونزل آمد وجاء صهره الحسن بن قاسم ابن على بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد البطحانى بن القاسم بن الحسن بن زيد والى المدينة وقد مر ذره فلم يحضر قتل أولئك المستأمنين واستولى الاطروش على طبرستان وتسمى الناصر وذلك سنة احدى وثلثمائة ولحق صعلوك بالرى وسار منها إلى بغداد ثم زحف الناصر سنة ثنتين فخرج عن آمد ولحق بسالوس وبث إليه صعلوك العساكر فهزمهم الحسن الداعي وهو الحسن بن زيد ثم زحفت إليه عساكر خراسان وهى للسعيد نصر بن أحمد فقتلوه سنة أربع وثلثمائة وولى صهره وبنوه وكانت بينهم حروب بالديلم كما نذكره وكان له من الولد أبو القاسم وأبو الحسن وكان قواده من الديلم
جماعة منهم ليلى بن النعمان وولاه صهره الحسن بعد ذلك جرجان وما كان بن كالى وكانت له ولاية استراباد ويقرا من كتاب الديلم وكان من قواده من الديلم جماعة أخرى منهم اسفار بن شيرويه من أصحاب ماكان ومرداويج (1) من أصحاب اسفار
[ 26 ]
والسيكرى من أصحابه أيضا ومولويه من أصحاب مرداويح ويأتى الخبر عن جميعهم وكان الحسن بن قاسم صهر الاطروش وكان رديفه في الامر حتى كان يعرف بالداعى الصغير واستعمل على جرجان سنة ثمان وثلثمائة ليلى بن النعمان من كبار الديلم وكان له مكان في قومه وكان الاطروش وأولاده يلقبونه المؤيد لدين الله المنتصر لآل رسول الله وكانت خراسان يومئذ لنصر بن أحمد من بنى سامان وكان الدامغان ثغرها من ناحية طبرستان وكان بها فراتكين من موالى ابن سامان فوقعت بينه وبنى ليلى حروب وهزمه ليلى واستفحل أمره ونزع إليه فارس مولى فراتكين فأكرمه وأصهر إليه بأخته واستأمن إليه أبو القاسم بن حفص وهو ابن أخت أحمد بن سهل قائد السامانية عند ما نكب خاله أحمد فأمنه وأجاره ثم حرضه الحسن بن قاسم الداعي الصغير على المسير إلى نيسابور فسار إليها ومعه أبو القاسم بن حفص فملكها من يد فراتكين سنة ثمان وثلثمائة وخطب بها للداعى وأنفذ السعيد نصر عساكره إليه من بخارى مع قائده حمويه بن على ومعه محمد بن عبيد الله البلعى و أبو جعفر صعلوك وخوارزم شاه وسيجور الدوانى ويقراخان فلقيهم ليلى بطوس و قاتلوه فانهزم إلى آمد ولم يقدر على الحصار ولحقه يقراخان فقبض عليه وبعث حمويه من قتله واستأمن الديلم إليهم فأمنوهم وأشار حمويه بقتلهم فاستجاروا بالقواد وبعث برأس ليلى إلى بغداد وذلك في ربيع من سنة تسع وبقى فارس مولى فراتكين بجرجان * (امارة العلوية بطبرستان بعد الاطروش) * ولما قتل الحسن الاطروش سنة أربع وثلثمائة كما قدمناه ولى مكانه بطبرستان
صهره وهو الحسن بن القاسم وقد مر ذكره ويسمى بالداعى الصغير وتلقب بالناصر وبعض الناس يقولون هو الحسن بن محمد أخى الاطروش هكذا قال ابن حزم وغيره وليس بصحيح وانما هو صهره الحسن بن القاسم من عقب الحسين بن زيد والى المدينة ثم من عقب حافده محمد البطحانى بن القاسم بن الحسن وكان أبو الحسن ابن الاطروش باستراباذ فبايع له ماكان بن كالى وقام بأمره فلما قتل ليلى بن النعمان صاحب جرجان وعاد فراتكين إليها ثم انصرف عنها وجاءه أبو الحسن بن الاطروش باستراباذ فبايع له فملكها فبعث السعيد بن سامان صاحب خراسان قائده سيجور الدوانى في أربعة آلاف فارس لحصاره بجرجان فحاصره شهرا ومع الحسن صاحب جيشه سرخاب بن وهشوداب وهو ابن عم ماكان بن كالى فلما اشتد بهم الحصار خرج أبو الحسن وسرخاب في ثمانية آلاف من الديلم والجند فانهزم سيجور أولا فاتبعوه وقد أكمن لهم الكمائن فخرجت عليهم وقتل من الديلم والجند نحو أربعة آلاف وخلص
[ 27 ]
أبو الحسن في البحر إلى استراباذ ولحقه سرخاب فخلفه وأقام سيجور بجرجان ثم هلك سرخاب وسار أبو الحسن إلى سارية واستخلف ما كان بن كالى على استراباذ فاجتمع إليه الديلم وولوه على أنفسهم وزحف إليه عساكر السعيد بن سامان فحاصروه مدة ثم خرج عن استراباذ إلى سارية فملكوها وولوا عليها يقراخان وعادوا إلى جرجان ثم إلى نيسابور ثم سار ما كان بن كالى إلى استراباذ وملكها من يد يقرا خان ثم ملك جرجان وأقام بها وذلك سنة عشر وثلثمائة ثم استولى احفار بن شيرويه على جرجان واستقل بها وكان سبب ذلك أنه كان من أصحاب ما كان بن كالى ونكره لبعض أحواله فطرده من عسكره وسار إلى أبى بكر بن محمد بن اليسع من السامانية بنيسابور فخدمه وبعثه في عسكر إلى جرجان ليفتحها له وقد كان ما كان سار إلى طبرستان وولى على جرجان مكانه أخاه أبا الحسن عليا وك ان أبو الحسن بن الاطروش معتقلا عنده وهم ليلة بقتله
وقصده في محبسه فظفر به أبو على وقتله وخرج من الدار واختفى وبعث من الغدالى القواد فبايعوا له وولوا على جيشه عى بن خرشيد ورضوا به واستقدموا اسفار ابن شيرويه فاستأذن بكر بن محمد وقدم عليهم وسار إليهم ماكان بن كالى فحاربوه وغلبوه على طبرستان وأنزلوا بها أبا على بن الاطروش فأقام بها أياما ومات على اثره على ابن خرشيد صاحب جيشه وجاء ما كان بن كالى لحرب اسفار بطبرستان فانهزم اسفار ولحق بكر بن محمد بجرجان وأقام إلى ان توفى سنة خمس عشرة وثلثمائة فولاه السعيد على جرجان وأرسل إلى مردوايح بن دينار الجبلى وجعله امير جيشه وزحفوا إلى طبرستان فملكوها وكان الحسن بن القاسم الداعي قد استولى على الرى وقزوين وزنجار وأبهر وقم وقائده ما كان بن كالى الديلمى فسار إلى طبرستان وقاتله اسفار فانهزم ماكان والحسن بن القاسم الداعي وقتل بخذلان أصحابه اياه لانه كان يشتد عليهم في تغيير المنكرات فتشاوروا في ان يستقدموا هذر سيدان من رؤساء الجبل وكان خال مرداويح ووشكين فيقدموه عليهم ويحبسوا الحسن الداعي وينصبوا أبا الحسن ابن الاطروش ونما الخبر بذلك إلى الداعي وقدم هذر سيدان فلقيه الداعي مع القواد وأدخلهم إلى قصره بجرجان ليأكلوا من مائدته فدخلوا وقتلهم عن آخرهم فعظمت نفرتهم عنه فخذلوه في هذا الموطن وقتل واستولى اسفار على طبرستان والرى وجرجان وقزوين وزنجار وأبهر وقم والكرج ودعا للسعيد بن سامان صاحب خراسان وأقام بسارية واستعمل على آمد هرون بن بهرام وقصد بذلك استخلاصه لنفسه لانه كان يخطب لابي جعفر من ولد الناصر الاطروش فولاه آمد وزوجه باحدى نسائه الاعيان بها وحضر عرسه أبو جعفر وغيره من العلويين وهجم عليه اسفار يوم عرسه بآمد فقبض على أبى جعفر وغيره من أعيان العلويين وحملهم إلى بخارى فاعتقلوا بها
[ 28 ]
إلى أن خلصوا من بعد ذلك (ومن تاريخ بعض المتأخرين) أن الحسن بن القاسم الداعي
صهر الاطروش بويع بعد موته ولقب الناصر وملك جرجان وكان الديلم قد اشتملوا على جعفر بن الاطروش وتابعوه فصار الداعي إلى طبرستان وملكها ولحق جعفر بدنباوند (1) فقبض عليه على بن أحمد بن نصر وبعث به إلى على بن وهشودان ابن حسان ملك الديلم وهو عامله فحبسه على بن وهشودان بن حسان ملك الديلم فلما قتل أطلقه من بعده حسرة فيروز فاستجاش جعفر بالديلم وعاد إلى طبرستان فملكها وهرب الحسن ثم مات جعفر فبويع أبو الحسن ابن أخيه الحسن فلما ظهر ما كان بن كالى بايع للحسن الداعي وأخرجه إليه وقبض على الحسن بن أحمد وهو ابن أخى جعفر وحبسه بجرجان عند أخيه أبى على ليقتله فقتله الحسن ونجاو بايعه القواد بجرجان ثم حاربه ما كان فانهزم الحسن إلى آمد ومات بها وبويع أخوه أبو جعفر بن محمد ابن أحمد وقصده ما كان من الرى فهرب من آمد إلى سارية وبها اسفار ابن شيرويه فقاتل دونه وانهزم اسفار إلى جرجان واستأمن إلى أبى بكر بن محمد ابن الياس ثم بايع ما كان لابي القاسم الداعي وخرج الحسن إلى الرى وطلب مرداويح بثأر خاله سيداب بن بندار وكان الداعي بجرجان سنة احدى وعشرين وثلثمائة وانصرف ماكان إلى الديلم ثم ملك طبرستان وبايع بها لابي على الناصر ابن اسمعيل بن جعفر بن الاطروش وهلك بعد مدة ومضى أبو جعفر محمد بن أبى الحسن أحمد بن الاطروش إلى الديلم إلى أن غلب مرداويح على الرى فكتب إليه وأخرجه عن الديلم وأحسن إليه فلما غلب على طبرستان وأخرج ما كان عنها بايع لابي جعفر هذا وسمى صاحب القلنسوة إلى أن مات وبويع أخوه ولقب الثائر وأقام مع الديلم وزحف سنة ست وثلاثين إلى جرجان وبها ركن الدولة بن بويه فسرح إليه ابن العميد فانهزم الثائر وتعلق الجبال وأقام مع الديلم وملوك العجم يخطبون له إلى أن هلك سنة خمس وخمسين وثلثمائة لثلاثين سنة من ملكه وبايعوا لاخيه الحسين ابن جعفر وتلقب بالناصر وتقبض عليه ليكو بن وشكس ملك الجبل وسلمه وانقرض
ملك الفاطميين أجمع بتلك الجبال والبقاء لله وحده (الخبر عن دولة الاسماعيلية ونبدأ منهم بالعبيديين الخلفاء بالقيروان) (والقاهرة وما كان لهم من الدولة من المشرق والمغرب) أصل هؤلاء العبيديين من الشيعة الامامية وقد تقدم لنا حكاية مذهبهم والبراءة من الشيخين ومن سائر الصحابة لعدولهم عن بيعة على إلى غيره مع وصية النبي صلى الله عليه وسلم له بالامامة بزعمهم وبهذا امتازوا عن سائر الشيعة والا فالشيعة كلهم
[ 29 ]
مطبقون على تفضيل على ولم يقدح ذلك عند الزيدية في امامة أبى بكر لقولهم بجواز امامة المفضول مع الافضل ولا عند الكيسانية لانهم لم يدعوا هذا الوصية فلم يكن عندهم قادح فيمن خالفها وهذه الوصية لم تعرف لاحد من أهل النقل وهى من موضوعات الامامية وأكاذيبهم وقد يسمون رافضة قالوا لانه لما خرج زيد الشهيد بالكوفة واختلف عليه الشيعة ناظروه في أمر الشيخين وأنهم ظلموا عليا فنكر ذلك عليهم فقالوا له وأنت أيضا فلم يظلمك أحد ولا حق لك في الامر وانصرفوا عنه ورفضوه فسموا رافضة وسمى أتباعه زيدية ثم صارت الامامة من على إلى الحسن ثم الحسين ثم ابنه على زين العابدين ثم ابنه محمد الباقر ثم ابنه جعفر الصادق كل هؤلاء بالوصية وهم ستة أئمة لم يخالف أحد من الرافضة في امامتهم ثم افترقوا من ههنا فرقتين وهم الاثنا عشرية والاسماعيلية واختص الاثنا عشرية باسم الامامية لهذا العهد ومذهبهم أن الامامة انتقلت من جعفر الصادق إلى ابنه موسى الكاظم وخرج دعائه بعد موت أبيه فحملهن هرون من المدينة وحبسه عند عيسى بن جعفر ثم أشخصه إلى بغداد وحبسه عند ابن شاهك ويقال ان يحيى بن خالد سمه في رطب فقتله وتوفى سنة ثلاث وثمانين ومائة وزعم شيعتهم أن الامام بعده ابنه على الرضا وكان عظيما في بنى هاشم وكانت له مع المأمون صحبة وعهد له بالامر من بعده سنة احدى ومائتين
عند ظهور الدعاة للطالبيين وخروجهم في كل ناحية وكان المأمون يومئذ بخراسان لم يدخل العراق بعد مقتل أخية الامين فنكر ذلك عليه شيعة العباسيين وبايعوا لعمه ابراهيم بن المهدى ببغداد فارتحل المأمون إلى العراق وعلى الرضا معه فهلك على في طريقه سنة ثلاث ومائتين ودفن بطوس ويقال ان المأمون سمه (ويحكى) أنه دخل عليه يعوده في مرضه فقال له أوصى فقال له على اياك أن تعطى شيأ وتندم عليه ولا يصح ذلك لنزاهة المأمون عن اراقة الدماء بالباطل سيما دماء أهل البيت ثم زعم شيعتهم أن الامر من بعد على الرضا لابنه محمد التقى وكان له من المأمون مكان وأصهر إليه في ابنته فأنكحه المأمون اياها سنة خمس ومائتين ثم هلك سنة عشرين ومائتين ودفن بمقابر قريش وتزعم الاثنا عشرية أن الامام بعده ابنه على ويلقبونه الهادى ويقال الجواد ومات سنة أربع وخمسين ومائتين وقبره بقم وزعم ابن سعيد أن المقتدر سمه ويزعمون أن الامام بعده ابنه الحسن ويلقب العسكري لانه ولد بسر من رأى وكانت تسمى العسكر وحبس بها بعد أبيه إلى أن هلك سنة ستين ومائتين ودفن إلى جنب أبيه في المشهد وترك حملا ولد منه ابنه محمد فاعتقل ويقال دخل مع أمه في السرداب بدار أبيه وفقد فزعمت شيعتهم أنه الامام بعد أبيه ولقبوه المهدى والحجة
[ 30 ]
وزعموا أنه حى لم يمت وهم الآن ينتظرونه ووقفوا عند هذا الانتظار وهو الثاني عشر من ولد على ولذلك سميت شيعته الاثنى عشرية وهذا المذهب في المدينة والكرخ والشأم والحملة والعراق وهم حتى الآن على ما بلغنا يصلون المغرب فإذا قضوا الصلاة قدموا مركبا إلى دار السرداب بجهازه وحليته ونادوا بأصوات متوسطة أيها الامام اخرج الينا فان الناس منتظرون والخلق حائرون والظلم عام والحق مفقود فاخرج الينا فتقرب الرحمة من الله في آثارك ويكررون ذلك إلى أن تبدوا النجوم ثم ينصرفون إلى الليلة القابلة هكذا دأبهم وهؤلاء من الجهل بحيث
ينتظرون من يقطع بموته مع طول الامد لكن التعصب حملهم على ذلك وربما يحتجون لذلك بقصة الخضر والاخرى أيضا باطلة والصحيح أن الخضر قد مات (واما الاسماعيلية) فزعموا ان الامام بعد جعفر الصادق ابنه اسمعيل وتوفى قبل أبيه وكان أبو جعفر المنصور طلبه فشهد له عامل المدينة بأنه مات وفائدة النص عندهم على اسمعيل وان كان مات قبل أبيه بقاء الامامة في ولده كما نص موسى على هرون صلوات الله عليهما ومات قبله والنص عندهم لا مرجع وراء لان البداء على الله محال ويقولون في ابنه محمد انه السابع التام من الائمة الظاهرين وهو أول الائمة المستورين عندهم الذين يستترون ويظهرون الدعاة وعددهم ثلاثة ولن تخلو الارض منهم عن امام اما ظاهر بذاته أو مستور فلا بد من ظهور حجته ودعاته والائمة يدور عددها عندهم على سبعة عدد الاسبوع والسموات والكواكب والنقباء تدور عندهم على اثنى عشر وهم يغلطون الائمة حيث جعلوا عدد النقباء للائمة واول الائمة المستورين عندهم محمد بن اسمعيل وهو محمد المكتوم ثم ابنه جعفر المصدق ثم ابنه محمد الحبيب ثم ابنه عبد الله المهدى صاحب الدولة بافريقية والمغرب التى قام بها أبو عبد الله الشيعي بكتامه وكان من هؤلاء الاسماعيلية القرامطة واستقرت لهم دولة بالبحرين في أبى سعيد الجناتى وبنيه أبى القاسم الحسين بن فروخ بن حوشب الكوفى داعى اليمن لمحمد الحبيب ثم ابنه عبد الله ويسمى بالمنصور وكان من الاثنى عشرية أولا فلما بطل ما في أيديهم رجع إلى رأى الاسماعيلية وبعث محمد الحبيب أبو عبد الله إلى اليمن داغية له فلما بلغه عن محمد بن يعفر ملك صنعاء أنه أظهر التوبة والنسك وتخلى عن الملك فقدم اليمن ووجديها شيعة يعرفون ببنى موسى في عدن لاعة وكان على بن الفضل من أهل اليمن وومن كبار الشيعة وطاهر بن حوحشب على أمره وكتب له الامام محمد بالعهد لعبد الله ابنه وأذن له في الحرب فقام بدعوته وبثها في اليمن وجيش الجيوش وفتح المدائن وملك صنعاء وأخرج منها بنى يبعن وفرق الدعاة في اليمن واليمامة والبحرين
[ 31 ]
والسند والهند ومصر والمغرب وكان يظهر الدعوة للرضا من آل محمد ويبطن محمد ا الحبيب تسترا إلى ان استولى على اليمن وكان من دعائه أبو عبد الله الشيعي صاحب كتامة ومن عنده سار إلى افريقية فوجد في كتامة من الباطنية خلقا كثيرا وكان هذا المذهب هنالك من لدن الدعاة الذين بعثهم جعفر الصادق إلى المغرب أقاموا بافريقية وبثوا فيها الدعوة وتناقله من البرابرة أمم وكان أكثرهم من كتامة فلما جاء أبو عبد الله الشيعي داعية المهدى ووجد هذا المذهب في كتامة فقام على تعليه وبثه واحيانه حتى تم الامر وبويع لعبد الله كما نذكر الان في أخبارهم * (ابتداء دولة العبيديين) * وأولهم عبيد الله المهدى بن محمد الحبيب بن جعفر الصادق بن محدم المكتوم بن جعفر الصادق ولا عبرة بمن أنكر هذا النسب من أهل القيروان وغيرهم وبالمحضر الذى ثبت ببغداد أيام القادر بالطعن في نسبهم وشهد فيه أعلام الائمة وقد مر ذكرهم فان كتاب المعتضد إلى ابن الاغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة يغريهم بالقبض عليه لما سار إلى المغرب شاهد بصحة نسبهم وشعر الشريف الرضى مسجل لذلك والذين شهدوا في المحضر فشهادتهم على السماع وهى ما علمت وقد كان نسبهم ببغداد منكرا عند أعدائهم شيعة بنى العباس منذ مائة سنة فتلون الناس بمذهب أهل الدولة وجاءت شهادة عليه مع أنها شهادة على النفى مع أن طبيعة الوجود في الانقياد إليهم وظهور كلمتهم حتى في مكة والمدينة أدل شئ على صحة نسبهم وأما من يجعل نسبهم في اليهودية والنصرانية ليعمون القدح وغيره فكفاه ذلك انما وسفسفة وكان شيعة هؤلاء العبيديين بالمشرق واليمن وافريقية وكان أصل ظهورهم بافريقية دخول الحلواني وأبى سفيان من شيعتهم إليها أنفذهما جعفر الصادق وقال لهما بالمغرب أرض بور فاذهبا واحرثاها حتى يجئ صاحب البذر فنزل أحدهما ببلد مرغة والآخر ببلد
سوف جمار وكلاهما من أرض كتامة فقشت هذه الدعوة في تلك النواحى وكان محمد الحبيب ينزل سلمية من أرض حمص وكان شيعتهم يتعاهدونه بالزيارة إذا زاروا قبر الحسين فجاء محمد بن الفضل من عدن لاعة من اليمن لزيارة محمد الحبيب فبعث معه رستم بن الحسن بن حوشب من أصحابه لاقامة دعوته باليمن وأن المهدى خارج في هذا الوقت فسارو أظهر الدعوة للمهدى من آل محمد بنعوته المعروفة عندهم واستولى على أكثر اليمن وتسمى بالمنصور وابتنى حصنا بجميل لاعة وملك صنعاء من بنى يعفر وفرق الدعاة في اليمن واليمامة والبحرين والسند والهند ومصر والمغرب وكان أبو عبد الله الحسين بن محمد بن زكريا المعروف بالمحتسب وكان محتسبا بالبصرة وقيل انما المحتسب
[ 32 ]
أخوه أبو العباس المخطوم وأبو عبد الله هذا يعرف بالمعلم لانه كان يعلم مذهب الامامية فاتصل أبو عبد الله بمحمد الحبيب ورأى ما فيه من الاهلية فأرسله إلى ابن حوشب باليمن ليأخذ عنه ثم يذهب إلى المغرب ويقصد بلد كتامة فيظهر بينهم الدعوة فجاء أبو عبد الله إلى ابن حوشب ولزمه وشهد مجاله وأفاد عمله ثم خرج مع حاج اليمن إلى مكة فلقى بالموسم رجالات كتامة ورؤساءهم وفيهم من لقى الحلواني وابن بكار وأخذوا عنهما فقصدهم أبو عبد الله في رجالهم وكان منهم موسى بن حريث كبير بنى سكان من جملة أحد شعوبهم وأبو القاسم الورنجومى من أحلافهم ومسعود ابن عيسى بن ملال المساكتى وموسى بن تكاد فجلس إليهم وسمعوا منه مذاهبهم ورأوا ما هو عليه من العبادة والزهد فعلق بقلوبهم وصار يتعهدهم في رجالهم فاغتبطوا به واغتبط بهم ولما أرادوا الرحلة إلى بلادهم سألوه الصحبة فوافقهم طاويا وجه مذهبه عنهم بعد أن سألهم عن قومهم وعصابتهم وبلادهم وملكة السلطان فيهم فكشفوا له علم ذلك وأنهم انما يعطون السلطان طاعة معروفة فاستيقن تمام أمره فيهم وخرج معهم إلى المغرب وسلكوا طريق الصحراء وعدلوا عن القيروان إلى أن
وصلوا بلد سومائة وبها محمد بن حمدون بن سماك الاندلسي من بجاية الاندلس نزيلا عندهم وكان قد أدرك الحلواني وأخذ عنه فنزل أبو عبد الله الشيعي عليه فأكرمه وفاوضه وتفرس ابن حمدون فيه أنه صاحب الدولة ثم ارتحلوا وصحبهم ابن حمدون ودخلوا بلد كتامة منتصف ربيع سنة ثمان وثمانين ومائتين فنزل على موسى بن حريث ببلده انكچان في بلد بنى سكتان من جبيلة وعين له مكان منزله بفج الاخيار وأن النص عنده من المهدى بذلك وبهجرة المهدى وأن أنصار الاخيا من أهل زمانه وأن اسمهم مشتق من الكتمان واجتمع إليه الكثير من أهل كتامة ولقى علماءهم واشتمل عليه الكثير من أهوائهم فجاهر مذهبه وأعلن بامامة أهل البيت ودعا للرضا من آل محمد واتبعه أكثر كتامة وكانوا يسمونه بأبى عبد الله الشيعي والمشرقي وبلغ خبره إلى أمير افريقية ابراهيم بن أحمد بن الاغلب فبعث إليه بالتهديد والوعيد فأساء الرد عليه وخاف رؤساء كتامة عادية ابن الاغلب وأغراهم عمال بلادهم بالشيعي مثل موسى بن عياش صاحب مسيلة وعلى بن حفص بن عسلوجة صاحب سريف وجاء ابن تميم صاحب يلزمة فاجتمعوا وتفاوضوا في شأنه وحضر يحيى المساكتى وكان يدعى بالامير ومهدى بن أبى كمارة رئيس لهيعة وفرج بن حيران رئيس اجانة وثمل بن بحل رئيس لطانة وراملوا بيان بن صفلان رئيس بنى سكتان وأبو عبد الله الشيعي عندهم بجبل ايكچان في أن يسلمه إليهم أو يخرجه من بلدهم وحذروه عاقبة أمره فرد أمره
[ 33 ]
إلى أهل العلم فجاؤا بالعلماء وهموا باغتياله فلم يتم لهم ذلك وأطبقت جميلة على مظاهرته فهزموا هؤلاء المثيرين عليه وردوهم خائبين ثم راجعوا بيان بن صقلاب في أمره ولاطفوه حتى صفا إليهم وشعر بذلك أبو عبد الله الشيعي وأصحابه فبعثوا إلى الحسن ابن هرون الغساني يسألونه الهجرة إليهم فأجابهم ولحق ببلدة تازروت من بلادهم واجتمعت غسان لنصرته مع بطون كتامة الذين بايعوه من قبل فاعتزو امتنع وعظم
أمره ثم انتقض على الحسن بن هرون أخوه محمد منافسة له في الرياسة وكان صديقا لمهدي بن أبى كمارة فداخله في التثريب على أبى عبد الله وعظمت الفتنة بين لهيعة وغسان وولى أبو عبد الله الشيعي الحسن بن هرون على حروبه وظهر بعد أن كان مختفيا وكان لمهدي بن أبى كمارة شيخ لهيعة أخ اسمه أبو مدينى وكان من أحباب أبى عبد الله فقتل أخاه مهديا ورأس على لهيعة مكانه فصاروا جميعا إلى ولاية أبى عبد الله وأبى مدينى شيخهم ثم تجمعت كتامة لحرب الشيعي وأصحابه ونازلوه بمكانه من تازروت وبعث الشيعي سهل بن فوكاش إلى فحل بن نوح رئيس لطانة وكان صهره لينجد له عن حربهم في السلم فمشى إلى كتامة وأبوا الا أن يناجزوهم الحرب فغلبهم أبو عبد الله وأصحابه وانهزمت كتامة وأبلى عروبة بن يوسف الملوشى في ذلك اليوم بلاء حسنا واجتمعت إلى أبى عبد الله غسان كلها ويلزمة ولهيعة وعامة الجاية ورئيسهم يومئذ ماكنون بن ضبارة وأبو زاكى تمام بن معارك ولحق بجميلة من الجاية فرج بن خيران ويوسف بن محمد من لطانة وفحل بن نوح واستقام أمر الباقي للشيعي وجمع فتح ابن يحيى من أطاعه من قومه مسالمة لحرب الشيعي فسار إليهم وأوقع بهم ولحق فلهم بسطيف ثم استأمنوا إليه فأمنهم ودخلوا في أمره وولى منهم هرون بن يونس على حروبه ولحق رئيسهم فتح بن يحيى بعجيسة وجمع ثانية لحرب الشيعي فسار إليه ومعه جموع كتامة وتحصن منه فتح ببعض قلاعهم فحاصره الشيعي وفتحها واجتمعت إليه عجيسة وزواوة وجميع قبائل كتامة ورجع إلى تازروت وبث دعاته في كل ناحية فدخل الناس في أمره طوعا وكرها ولحق فتح بن يحيى با لامير ابراهيم بن أحمد بتونس واستحثه لحرب الشيعي ثم فتح أبو عبد الله مساكتة بمداخلة بعض أهلها وقتل صاحبها موسى بن عياش وولى عليها ما كنون بن ضبارة الجايى وهو أبو يوسف ولحق ابراهيم بن موسى بن عياش بابى العباس ابراهيم بن الاغلب بتونس بعد خروج أبيه إلى صقلية وكان فتح ابن يحيى المساكتى قد نزع إليه من قبل ذلك ووعده المظاهرة فجهز العساكر وعقد عليها
لابنه أبى خوال وزحف من تونس سنة تسع وثمانين فدوخ كتامة ثم صمد إلى تازروت فلقيه أبو عبد الله الشيعي في جموعه ببلد ملوسة فهزمهم أبو خوال وفر الشيعي من قصر تازروت إلى ايكجان فامتنع بها فهدم أبو خوال القصر واتبعه وتوغل أبو خوال
[ 34 ]
في بلاد كتامة فاضطرب أمره وتوقع البيات وسار ابراهيم بن موسى بن عياش من عسكر أبى خوال إلى نواحى مسيلة يتجسس الاخبار فتواقع مع طائفة من أصحاب الشيعي فهزموه واتبعوه إلى المعسكر فاضطرب وأجفل أبو خوال وخرج من بلاد كتامة واستوطن أبو عبد الله ايكجان وبنى بها بلد أو سماها دار الهجرة واستبصر الناس في أمره ودخلوا في دعوته ثم هلك الحسن بن هرون وجهز أبو العباس العساكر ثانية مع ابنه أبى خوال ورده لحرب الشيعي وكتامة فسار في بلادهم ورجع منهزما وأقام قريبا منهم يدافعهم ويمنعهم من التقدم وفى خلال ذلك هلك ابراهيم بن أحمد بن الا غلب وقتل ابنه أبو العباس وقام بالامر ابنه زيادة الله فاستدعى أخاه أبا خوال وقتله وانتقل من تونس إلى وقادة وانهمك في لذاته وانتشرت جيوش الشيعي في البلاد وعلا أمره وبشرهم بأن المهدى قرب ظهوره فكان كما قال * (وصول المهدى إلى المغرب واعتقاله بسجلماسة ثم خروجه من الاعتقال وبيعته) * ولما توفى محمد الحبيب بن جعفر بن محمد بن اسمعيل الامام عهد إلى ابنه عبيد الله وقال له أنت المهدى وتهاجر بعدى هجرة بعيدة وتلقى محنا شديدة واتصل خبره بسائر دعاته في افريقية واليمن وبعث إليه أبو عبد الله رجالا من كتامة يخبرونه بما فتح الله عليهم وأنهم في انتظاره وشاع خبره واتصل بالعباسيين فطلبه المكتفى ففر من أرض الشأم إلى العراق ثم لحق بمصر ومعه ابنه أبو القاسم غلاما حدثا وخاصته ومواليه بعد أن كان أراد قصد اليمن فبلغه ما أحدث بها على بن الفضل بن بعد ابن حوشب وانه أساء السيرة فأنثى عن ذلك واعتزم على اللحاق بأبى عبد الله الشيعي بالمغرب فارتحل من مصر إلى
الاسكندرية ثم خرجوا من الاسكندرية في زى التجار وجاء كتاب المكتفى إلى عامل مصر وهو يومئذ عيسى النوشرى بخبرهم والقعود لهم بالمراصد وكتب نعته وحليته فسرح في طلبهم حتى وقف عليهم وامتحن أحوالهم فلم يقف على اليقين في شي منها فخلى سبيلهم وجد المهدى في السير وكان له كتب في الملاحم منقولة عن آبائه سرقت من رحله في طريقه فيقال ان ابنه أبا القاسم استردها من برقة حين زحف إلى مصر ولما انتهى إلى طرابلس وفارقه التجار أهل الرفقة بعث معهم أبا العباس أخا أبى عبد الله الشيعي إلى أخيه بكتامة ومر بالقيروان وقد سبق خبرهم إلى زيادة الله وهو يسأل عنهم فقبض على أبى العباس وساء له فأنكر فحبسه وكتب إلى عامل طرابلس بالقبض على المهدى ففائه وسار إلى قسنطينة ثم عدل عنها خشية على أبى العباس أخى الشيعي المعتقل بالقيروان فذهب إلى سجلماسة وبها اليسع بن مدرار فأكرمه ثم جاء كتاب زيادة الله ويقال كتاب المكتفى بأنه المهدى الذى داعيته في كتامة فحبسه اليسع ثم ان
[ 35 ]
أبا عبد الله الشيعي بعد مهلك أبى خوال الذى كان مضايقا لهم اجتمعت إليه سائر كتامة وزحف إلى سطيف فحاصرها مدة وكان بها على بن جعفر بن عسكوجة صاحبها وأخوه أبو حبيب فملكها وكان بها أيضا داود بن جاثة من كبار لهيعة لحق بها فيمن لحق من وجوه كتامة فقام بها من بعد على وأخيه واستأمن أهل سطيف فأمنهم أبو عبد الله ودخلها فهدمها وجهز زيادة الله العساكر إلى كتامة مع قريبه ابراهيم بن حشيش وكانوا أربعين ألفا فانتهى إلى قسنطينة فأقام بها وهم متحصنون بجبلهم ثم زحف إليهم وواقعهم عند مدينة يلزمة فانهزم إلى باغاية ولحق بالقيروان وكتب الشيعي بالفتح إلى المهدى مع رجال من كتامة أخفوا أنفسهم حتى وصلوا إليه وعرفوه بالخبر ثم زحف الشيعي إلى طبنة فحاصرها وقتل فتح بن يحيى المساكتى ثم افتتحها على الامان ثم زحف إلى يلزمة فملكها عنوة وجهز زيادة الله العساكر مع هرون الطبنى عامل باغاية فانتهوا إلى مدينة ازمول
وكانوا في طاعة الشيعي فهدمها هرون وقتل أهلها وزحف إليه عروبة بن يوسف من أصحاب الشيعي فهزمه وقتله ثم فتح الشيعي مدينة يتجبت كلها على يد يوسف الغساني ولحق عسكرها بالقيروان وشاع عن الشيعي وفاؤه بالامان فأمنه الناس وكثر الارجاف بزيادة الله فجهز العساكر وأزاح العلل وأنفق ما في خزائنه وذخائره وخرج بنفسه سنة خمس وتسعين ونزل الاريس ثم حاد عن اللقاء وأشار عليه أصحابه بالرجوع إلى القيروان ليكون ردأ للعساكر فرجع وقدم على العساكر ابراهيم بن أبى الاغلب من قرابته وأمره بالمقام هنالك ثم زحف الشيعي إلى باغاية فهرب عاملها وملكها صلحا وبعث إلى مدينة قرطاجنة فافتتحها عنوة وقتل عاملها وسرح عساكره في افريقية فرددوا فيها الغارات على قبائل البربر من نفزة وغيرهم ثم استأمن إليه أهل تيفاش فأمنهم واستعمل عليهم صواب بن أبى القاسم السكتانى فجاء ابراهيم بن أبى الاغلب واقتحمها عليه ثم نهض الشيعي في احتفال من العساكر إلى باغاية ثم إلى سكتانة ثم إلى تبسة ففتحها كلها على الامان ثم إلى القصرين من قمودة فأمن أهلها وأطاعوه وسار يريد رقادة فخشى ابراهيم ابن أبى الاغلب على زيادة الله لقلة عسكره فنهض إلى الشيعي واعترضه في عساكره واقتتلوا ثم تحاجزوا ورجع الشيعي إلى ايكجان وابراهيم إلى الاربس ثم سار الشيعي ثانية بعساكره إلى قسنطينة فحاصرها واقتحمها على الامان ثم إلى قفصة كذلك ثم رجع إلى باغاية فأنزل بها عسكرا مع أبى مكدولة الجيلى ثم سار إلى ايكجان وخالفه ابراهيم إلى باغاية وبلغ الخبر إلى الشيعي فسرح لقتاله أبا مدينى بن فروخ اللهيمى ومعه عروبة بن يوسف الملوشى ورجاء بن أبى قنة في اثنى عشر ألفا فقاتلوا ابن أبى الاغلب ومنعوه من باغاية فرحل عنها واتبعوه إلى فج العرعر ورجعوا عنه ثم زحف أبو عبد الله الشيعي
[ 36 ]
سنة ست وتسعين في مائتي ألف من العساكر إلى ابراهيم بن أبى الاغلب بالاربس ثم اقتتلوا أياما ثم انهزم ابراهيم واستبيح معسكره وفر إلى القيروان ودخل الشيعي الاربس
فاستباحها ثم سار فنزل قمودة واتصل الخبر بزيادة الله وهو برقادة ففر إلى المشرق ونهبت قصوره وافترق أهل رقادة إلى القيروان وسوسة ولما وصل ابراهيم بن أبى الاغلب إلى القيروان نزل قصر الامارة وجمع الناس وأرادهم على البيعة له على أن يعينوه بالاموال فاعتدوا وتصايحت به العامة ففر عنها ولحق بصاحبه وبلغ أبا عبد الله الشيعي خبر فرارهم بسبيبة فقدم إلى رقادة وقدم بين يديه عروبة بن يوسف وحسن بن أبى خنزير فساروا وأمنوا الناس وجاء على أثرهم وخرج أهل رقادة والقيروان للقائه فأمنهم وأكرمهم ودخل رقادة في رجب سنة ست وتسعين ونزل قصرها وأطلق أخاه أبا العباس من الاعتقال ونادى بالامان فتراجع الناس وفر العمال في النواحى وطلب أهل فهربوا وقسم دور البلد على كتامة فسكنوها وجمع أموال زيادة الله وسلاحه فأمر بحفظها وحفظ جواريه واستأذنه الخطباء لمن يخطبون فلم يعين أحدا ونقش على السكة من أحد الوجهين بلغت حجة الله ومن الآخر تفرق أعداء الله وعلى السلاح عدة في سبيل الله وفى وسم الخيل الملك لله ثم ارتحل إلى سجلماسة في طلب المهدى واستخلف على افريقية أخاه أبا العباس وترك معه أبا زاكى تمام بن معارك الالجايى واهتز المغرب لخروجه وفرت زناتة من طريقه ثم بعثوا إليه بالطاعة فقبلهم وأرسل إلى اليسع بن مدرار صاحب سجلماسة يتلطفه فقتل الرسل وخرج للقائه فلما تراءى الجمعان انفض معسكره وهرب هو وأصحابه وخرج أهل البلد من الغد للشيعي وجاؤا معه إلى محبس المهدى وابنه فأخرجهما وبايع للمهدى ومشى مع رؤساء القبائل بين أيديهما وهو يبكى من الفرح ويقول هذا مولاكم حتى أنزله بالمخيم وبعث في طلب اليسع فأدرك وجئ به فقتل وأقاموا بسجلماسة أربعين يوما ثم ارتحلوا إلى افريقية ومروا بايكجان فسلم الشيعي ما كان بها من الاموال للمهدى ثم نزلوا رقادة في ربيع سنة سبع وتسعين وحضر أهل القيروان وبويع للمهدى البيعة العامة واستقام أمره وبث دعاته في الناس فأجابوا الا قليلا عرض عليهم
السيف وقسم الاموال والجوارى في رجال كتامة وأقطعهم الاعمال ودون الدواوين وجبى الاموال وبعث العمال على البلاد فبعث على طرابلس ماكنون بن ضبارة الالجايى وعلى صقلية الحسن بن أحمد بن أبى خنزير فسار إليها ونزل البحر ونزل مازر في عيد الاضحى من سنة سبع وتسعين فاستقضى اسحق بن المنهال وولى أخاه على كربيت ثم أجاز البحر سنة ثمان وتسعين إلى العدوة الشمالية ونزل بسيط قلورية من بلاد
[ 37 ]
الافرنج فأثخن فيها ورجع إلى صقلية فأساء السيرة في أهلها فثاروا به وحبسوه وكتبوا إلى المهدى فقبل عذرهم وولى عليهم مكانه على بن عمر البلوى فوصل خاتم تسع وتسعين * (مقتل أبى عبد الله الشيعي وأخيه) * لما استقام سلطان عبيد الله المهدى بافريقية استبد بأمره وكفح أبا عبد الله الشيعي وأخاه أبا العباس عن الاستبداد عليه والتحكم في أمره فعظم ذلك عليهما وصرح أبو العباس بما في نفسه فنهاه أخوه أبو عبد الله عن ذلك فلم يصغ إليه ثم استماله أبو العباس لمثل رأيه فأجابه وبلغ ذلك إلى المهدى فلم يصدقه ثم نهى أبا عبد الله عن مباشرة الناس وقال انه مفسد للهيبة فتلطف في رده ولم يجبه إليه ففسدت النية بينهما واستفسدوا كتامة وأغروهم به وذكروهم بما أخذه من أموال ايكجان واسستأثر به دونهم وألقوا إليهم أن هذا ليس هو الامام المعصوم الذى دعونا إليه حتى بعث إلى المهدى رجل كان في كتامة يعرف بشيخ المشايخ وقال له جئنا بآية على أمرك فقد شككنا فيك فقتله المهدى ثم عظمت استرابتهم واتفقوا على قتل المهدى وداخلهم في ذلك أبو زاكى تمام ابن معارك وغيره من قبائل كتامة ونمى الخبر إلى المهدى فتلطف في أمرهم وولى من داخلهم من قواد كتامة على البلاد فبعث تمام بن معارك على طرابلس وبعث إلى عاملها ماكنون بقتله فقتله عند وصوله ثم اتهم المهدى ابن الغريم بمداخلتهم وكان من أصحاب زيادة الله فأمر بقتله واستصفاء أمواله وكان أكثرها لزيادة الله ثم ان المهدى استدعى
عروبة بن يوسف وأخاه حباسة وأمرهما بقتل الشيعي وأخيه فوقفا لهما عند القصر وحمل عروبة على أبى عبد الله فقال له لا تفعل فقال الذى أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك ثم أجهز عليهما في نصف جمادى سنة ثمان وتسعين ويقال ان المهدى صلى على أبى عبد الله وترحم عليه وعلم أن الذى حمله على ذلك اغراء أبى العباس أخيه وثارت فتنة بسبب قتلهما من أصحابهما فركب المهدى وسكنها ثم ثارت فتنة أخرى بين كتامة وأهل القيروان وفشا القتل فيهم فركب المهدى وسكنها وكف الدعاة عن طلب التشيع من العامة وقتل جماعة من بنى الاغلب برقادة لما رجعوا إليها بعد زيادة الله * (بقية أخبار المهدى بعد الشيعي) * ولما استقام أمر المهدى بعد الشيعي جعل ولاية عهده لابنه أبى القاسم نزار وولى على برقة وما إليها حباسة بن يوسف وعلى المغرب أخاه عروبة وأنزله باغاية فسار إلى تاهرت فاقتحمها وولى عليها دواس بن صولات اللهيص ثم انتقضت عليه كتامة بقتله أبا عبد الله الشيعي ونصبوا طفلا لقبوه المهدى وزعموا أنه نبى وأن أبا عبد الله الشيعي لم يمت فجهز
[ 38 ]
ابنه أبا القاسم لحربهم فقاتلهم وهزمهم وقتل الطفل الذى نصبوه وأثخن فيهم ورجع ثم انتقض أهل طرابلس سنة ثلثمائة وأخرجوا عاملهم ماكنون فبعث إليهم ابنه أبا القاسم فحاصرها طويلا ثم فتحها واثخن فيهم وأغرمهم ثلثمائة ألف دينار ثم أغزى ابنه أبا القاسم وجموعه كتامة سنة احدى وثلثمائة إلى الاسكندرية ومصر وبعث اصطوله في البحر في مائتين من المراكب وشحنها بالامداد وعقد عليها لحباسة بن يوسف وسارت العساكر فملكوا برقة ثم الاسكندرية والقيوم وبعث المقتدر العساكر من بغداد مع سبكتكين ومؤنس الخادم فتواقعوا مرات وأجلاهم عن مصر فرجعوا إلى المغرب ثم عاد حباسة في العساكر في البحر سنة ثنتين إلى الاسكندرية فملكها وسار يريد مصر فجاء مؤنس الخادم من بغداد المحاربته فتواقعوا مرات وكان الظهور آخر المؤنس وقتل
من أصحابه نحو من سبعة آلاف وانصرف إلى المغرب فقتله المهدى وانتقض لذلك أخوه عروبة بالمغرب واجتمع إليه خلق كثير من كتامة والبربر وسرح إليهم المهدى مولاه غالبا في العساكر فهزمهم وقتل عروبة وبنى عمه في أمم لا تحصى ثم انتقض اهل صقلية وتقبضوا على عاملهم على بن عمرو وولوا عليهم أحمد بن قهرب فدعا للمقتدر العباسي وذلك سنة أربع وثلثمائة وخلع طاعة المهدى وجهز إليه الاصطول مع الحسن بن أبى خنزير فلقيه أصطول بن قهرب فغلبه وقتل ابن أبى خنزير ثم راجع أهل صقلية أمرهم وكاتبوا المهدى وثاروا بابن قهرب فخلعوه وبعثوا به إلى المهدى فقتله على قبر ابن أبى خنزير وولى على صقلية على بن موسى بن أحمد وبعث معه عساكر كتامة ثم اعتزم المهدى على بناء مدينة على ساحل البحر يتخذها معصما لاهل بيته لما كان يتوقعه على الدولة من الخوارج (ويحكى عنه) أنه قال بنيتها لتعتصم بها الفواطم ساعة من نهار وأراهم موقف صاحب الحمار بساحتها فخرج بنفسه يرتاد موضعا لبنائها ومر بتونس وقرطا جنة حتى وقف على مكانها جزيرة متصلة بالبر كصورة كف تصلت بزند فاختط المهدية بها وجعلها دار ملكه وأدار بها سورا محكما وجعل لها أبوابا من الحديد وزن كل مصراع مائة قنطار وابتدأ ببنائها آخر سنة ثلاث ولما ارتفع السور رمى من فوقه بسهم إلى ناحية المغرب ونظر إلى منتهاه وقال إلى هذا الموضع يصل صاحب الحمار يعنى أبا يزيد ثم أمر أن يبحث في الجبل دار لانشاء السفن تسع مائة سفين وبحث في أرضها أهراء للطعام ومصانع للماء وبنى فيها القصور والدور فكملت سنه ست ولما فرغ منها قال اليوم أمنت على الفواطم ثم جهز ابنه أبا القاسم بالعساكر إلى مصر مرة ثانية سنة سبع وثلثمائة فملك الاسكندرية ثم سار فملك الجيزة والاشمونين وكثيرا من الصعيد وكتب إلى أهل مكة بطلب الطاعة فلم يجيبوا إليها وبعث المقتدر مؤنسا الخادم
[ 39 ]
في العساكر وكانت بينه وبين أبى القاسم عدة وقعات ظهر فيما مؤنس وأصاب عسكر
أبى القاسم الجهد من الغلاء والوباء فرجع إلى افريقية وكانت مراكبهم قد وصلت من المهدية إلى الاسكندرية في ثمانين اصطولا مددا لابي القاسم وعليها سليمان الخادم ويعقوب الكتامى وكانا شجاعين وسار الاصطول من طرسوس للقائهم في خمسة وعشرين مركبا والتقوا على رشيد وظفرت مراكب طرسوس وأحرقوا وأسروا سليمان ويعقوب فمات سليمان في حبس مصر وهرب يعقوب من حبس بغداد إلى افريقية ثم اغزى المهدى سنة ثمان مضالة بن حبوس في رجالات مكناسة إلى بلاد المغرب فأوقع بملك فاس من الادارسة وهو يحيى بن ادريس بن ادريس بن عمرو واستنزله عن سلطانه إلى طاعة المهدى فأعطى بها صفقته وعقد لموسى بن أبى العافية المكناسى من رجالات قومه على أعمال المغرب ورجع ثم عاود غزو المغرب سنة تسع فدوخه ومهد جوانبه وأغراه قريبه عامل المغرب موسى بن أبى العافية بيحيى بن ادريس صاحب فاس فتقبض عليه وضم فاس إلى اعمال موسى ومحا دعوة الادريسية من المغرب وأجهضهم عن اعماله فتحيزوا إلى بلاد الريف وغمارة واستجدوا بها ولاية كما نذكره في أخبار غمارة ومنهم كان بنو حمود العلويون المستولون على قرطبة عند انقراض ملك الامويين في سنة ثلاث وأربعمائة كما نذكر هنالك ثم صمد مضالة إلى بلاد سجلماسة فقتل أميرها من آل مدرار المكناسيين المنحرف عن طاعة الشيعة وعقد لابن عمه كما نذكر في أخبارهم وسار في أتباعه زناتة في نواحى المغرب فكانت بينه وبينهم حروب هلك مضالة في بعضها على يد محمد بن خزر واضطرب المغرب فبعث المهدى ابنه أبا القاسم غازيا إلى المغرب في عساكر كتامة وأولياء الشيعة سنة خمس عشرة وثلثمائة ففر محمد بن خزر واصحابه إلى الرمال وفتح أبو القاسم بلد مزاتة ومطماطة وهوارة وسائر الا باضية والصفرية ونواحى تاهرت قاعدة المغرب الاوسط إلى ما وراءها ثم عاج إلى الريف فافتتح بلد لكور من ساحل المغرب الاوسط ونازل صاحب جراوة من آل ادريس وهو الحسن بن أبى العيش وضيق عليه ودوخ أقطار المغرب ورجع
ولم يلق كيدا ومر بمكان بلد المسيلة وبها بنو كملان من هوارة وكان يتوقع منهم الفتنة فنقلهم إلى فج القيروان وقضى الله أن يكونوا أولياء لصاحب الحمار عند خروجه ولما نقلهم أمر ببناء المسيلة في بلدهم وسماها المحمدية ودفع على بن حمدون الاندلسي من صنائع دولتهم إلى بنائها وعقد له عليها وعلى الزاب بعد اختطاطها فبناها وحصنها وشحنها با لاقوات فكانت مددا للمنصور في حصار صاحب الحمار كما يذكر ثم انتقض موسى بن أبى العافية عامل فاس والمغرب وخلع طاعة الشيعة وانحرف
[ 40 ]
إلى الاموية من وراء البحر وبث دعوتهم في أقطار المغرب فنهض إليه أحمد بن بصلين المكناسى قائد المهدى وسار في العساكر فلقيه ميسور وهزمه وأوقع به وبقومه بمكناسة وأزعجه عن المغرب إلى الصحارى وأطراف البلاد ودوخ المغرب وثقف أطرافه ورجع ظافرا * (وفاة عبيد الله المهدى وولاية ابنه أبى القاسم) * ثم توفى عبيد الله المهدى في ربيع سنة ثنتين وعشرين لاربع وعشرين سنة من خلافته وولى ابنه أبو القاسم محمد ويقال نزار بعده ولقب القائم بأمر الله فعظم حزنه على أبيه حتى يقال انه لم يركب سائر أيامه الامرتين وكثر عليه الثوار وثار بجهات طرابلس ابن طالوت القرشى وزعم أنه ابن المهدى وحاصر طرابلس ثم ظهر للبربر كذبه فقتلوه ثم أغزى المغرب وملكه وولى على فاس أحمد بن بكر بن أبى سهل الجذابى وحاصر الادارسة ملوك الريف وغوارة فنهض ميسور الخصى من القيروان في العساكر ودخل المغرب وحاصر فاس واستنزل عاملها أحمد بن بكر ثم نهض في اتباع موسى فكانت بينهما حروب وأخذ الثوري بن موسى في بعضها أسيرا وأجلاه ميسور عن المغرب وظاهره عليه الادارسة الذين بالريف وانقلب ميسور إلى القيروان سنة أربع وعشرين وعقد للقاسم بن محمد كبير أدارسة الريف من ولد محمد بن ادريس على أعمال
ابن أبى العافية وما يفتحه من البلاد فملك المغرب كلها ما عدا فاس وأقام دعوة الشيعة بسائر أعماله ثم جهز أبو القاسم اصطولا ضخما لغزو ساحل الافرنجة وعقد عليه ليقرب ابن اسحق فأثخن في بلاد الافرنجة وسبى ونازل بلد جنوة وافتتحها وعظم صنع الله في شأنها ومروا بسردانية من جزر الفرنج فأثخنوا فيها ثم مروا بقرقيسا من سواحل الشأم فأحرقوا مراكبها ثم بعث عسكرا إلى مصر مع خادمه زير ان فملكوا الاسكندرية وجاءت عساكر الاخشيد من مصر فأزعجوهم عنها ورجعوا إلى المغرب * (أخبار أبى يزيد الخارجي) * وهو أبو يزيد مخلد بن كيراد وكان أبوه كيراد من أهل قسطيلة من مدائن بلد توزر وكان يختلف إلى بلاد السودان بالتجارة وبها ولد ولده أبو يزيد ونشأ بتوزر وتعلم القرآن وخالط النكارية من الخوارج وهم الصفرية فمال إلى مذهبهم وأخذ به ثم سافر إلى تاهرت وأقام بها يعلم الصبيان ولما صار الشيعي إلى سجلماسة في طلب المهدى انتقل هو إلى تقيوس وأقام يعلم فيها وكان يذهب إلى تكبير أهل ملته واستباحة الاموال والدماء والخروج على السلطان ثم أخذ نفسه بالحسبة على الناس وتغيير المنكر سنة
[ 41 ]
ست عشرة وثلثمائة فكثر اتباعه ولما مات المهدى خرج بناحية جبل أو راس وركب الحمار وتلقب بشيخ المؤمنين ودعا للناصر صاحب الاندلس من بنى أمية فاتبعه امم من البربر وزحف إليه عامل باغاية فلقيه في جموع البربر وهزمه وزحف إلى باغاية فحاصرها ثم انهزم عنها وكتب إلى بنى واسى من قبائل زناتة بضواحي قسنطينة يأمرهم بحصارها فحاصروها سنة ثلاث وثلاثين ثم فتح تبسة صلحا ومجانة كذلك وأهدى له رجل من أهل مرما جنة حمارا أشهب فكان يركبه وبه لقب وكان يلبس جبة صوف قصيرة ضيقة الكمين وكان عسكر الكتاميين على الاربس فانفضوا وملكها أبو يزيد وأحرقها ونهبها وقتل في الجامع من لجأ إليه وبعث عسكرا إلى سبيبة ففتحها
وقتل عاملها وبلغ الخبر إلى القاسم فقال لابد أن يبلغ المصلى من المهدية ثم جهز العساكر وبعثها إلى رقادة والقيروان وبعث خادمه ميسورا الخصى لحربه وبعث عسكرا مع خادمه بشرى إلى باجة فنهض إليه أبو يزيد وهزمه إلى تونس ودخل أبو يزيد باجة فنهبها وأحرقها وقتل الاطفال وسبى النساء واجتمع إليه قبائل البربر واتخذ الابنية والبيوت وآلات الحرب وبعث إليه بشرى عسكرا من تونس وبعث أبو يزيد للقائهم عسكرا آخر فانهزم أصحاب أبى يزيد وظفر أصحاب بشرى ثم ثار أهل تونس ببشرى فهرب فاستأمنوا لابي يزيد فأمنهم وولى عليهم وسار إلى القيروان وبعث القائم خديمه بشرى للقائه وأمره أن يبعث من يتجسس عن أخباره فبعث طائفة وبعث أبو يزيد طائفة أخرى فانهزم عسكر أبى يزيد وقتل منهم أربعة آلاف وجئ بأسراهم إلى المهدية فقتلوا فسار أبو يزيد إلى قتال الكتاميين فهزم طلائعهم وأتبعهم إلى القيروان ونزل على رقادة في مائتي ألف مقاتل وعاملها يومئذ خليل بن اسحق وهو ينتظر وصول ميسور بالعساكر ثم ضايقه أبو يزيد وأغراه الناس بالخروج فخرج وهزمه أبو يزيد فمضى إلى القيروان ودخل أبو يزيد رقادة فعاث فيها وبعث أيوب الزويلى في عسكرالى القيروان فملكها في صفر سنة ثلاث وثلاثين ونهبها وأمن خليلا فقلته أبو يزيد وخرج إليه شيوخ أهل القيروان فأمنهم ورفع النهب عنهم وزحف ميسور إلى أبى يزيد وكان معه أبو كملان فكاتبوا أبا يزيد وداخلوه في الغدر بميسور وكتب إليه القائم بذلك فحذرهم فطردهم عنه ولحقوا بأبى يزيد وساروا معه إلى ميسور فانهزم ميسور وقتله بنو كملان وجاؤا برأسه فأطافه بالقيروان وبعث بالبشرى إلى البلاد وبلغت هزيمة ميسور إلى القائم بالمهدية فاستعد للحصار وأمر يحفر الخنادق وأقام أبو يزيد سبعين يوما في مخيم ميسور وبث السرايا في كل ناحية يغنمون ويعودون وأرسل سرية إلى سوسة ففتحوها عنوة واستباحوها وخرب عمران افريقية من سائر الضواحى ولحق
[ 42 ]
فلهم بالقيروان حفاة عراة ومات أكثرهم جوعا وعطشا ثم بعث القائم إلى رؤساء كتامة والقبائل والى زيرى بن مناد ملك صنهاجة بالمسير إلى المهدية فتأهبوا لذلك وسمع أبو يزيد بخبرهم فنزل على خمسة فراسخ من المهدية وبث السرايا في جهاتها وسمع كتامة بافتراق عسكره في الغارة فخرجوا لبياته آخر جمادى الاولى وكان ابنه فضل قد جاء بالمدد من القيروان فبعثه للقاء كتامة وركب في اثرهم ولقى أصحابه منهزمين ولما رآه الكتاميون انهزموا بغير قتال وأتبعهم أبو يزيد إلى باب المهدية ورجع ثم جاء بعد أيام لقتالهم فوقف على الخندق المحدث وعليه جماعة من العبيد فقاتلهم ساعة وهزمهم وجاوز السور إلى البحر ووصل المصلى على رمية سهم من البلد والبربر يقاتلون من الجانب الاخر ثم حمل الكتاميون عليهم فهزموهم وبلغ ذلك أبا يزيد وسمع بوصول زيرى بن مناد فاعتزم أن يمر بباب المهدية ويأتى زيرى وكتامة من ورائهم فقاتلوا أهل الارباض ومالوا عليه لما عرفوه ليقتلوه وتخاص بعد الجهد ووصل إلى منزله فوجدهم يقاتلون العبيد كما تركهم فقوى أصحابه وانهزم العبيد ثم رحل وتأخر قليلا وحفر على معسكره خندقا واجتمع عليه خلق عظيم من البربر ونفوسة والزاب وأقاصى المغرب وضيق على أهل المرية ثم زحف إليها آخر جمادى فقاتلها وتورط في قتالها يومه ذلك ثم خلص وكتب إلى عامل القيروان ان يبعث إليه مقاتلتها فجاؤا وزحف بهم آخر رجب فانهزم وقتل من أصحابه ثم زحف الزحف الرابع آخر شوال ولم يظفر ورجع إلى معسكره واشتد الحصار على أهل المهدية حتى أكلوا الميتات والدواب وافترق أهلها في النواحى ولم يبق بها الا الجند وفتح القائم أهراء الزرع التى أعدها المهدى وفرقها فيهم ثم اجتمعت كتامة وعسكروا بقسنطينة فبعث إليهم أبو يزيد بعثا من وربجومة وغيرهم فهزموا كتامة ووافت أبا يزيد حشود البربر من كل ناحية وأحاط بسوسة وضيق عليها ثم انتقض البربر عليه بما كان منه من المجاهرة بالمحرمات والمنافسة بينهم فانفضوا عنه ورجع إلى القيروان سنة أربع وثلاثين وغنم أهل المهدية معسكره وكثر عبث البربر في أمصار
افريقية وضواحيها وثار أهل القيروان بهم وراجعوا طاعة القائم وجاء على بن حمدون من المسيلة بالعساكر فبيته أيوب بن أبى يزيد وهزمه وسار إلى تونس وجاءت عساكر القائم فواقعوه مرات وانهزم إلى القيروان في ربيع سنة أربع وثلاثين فبعث أيوب ثانية لقتال على بن حمدون ببلطة وكانت حروبه معه سجالا إلى أن اقتحم عليه البلد بمداخلة بعض أهلها ولحق ابن حمدون ببلاد كتامة واجتمعت قبائل كتامة ونفزة ومزاتة وعسكروا بقسنطينة وبعث ابن حمدون العساكر إلى هوارة فأوقعوا بهم وجاءهم مدد أبى يزيد فلم يغن عنهم وملك بن حمدون مدينة يتجست وباغاية ثم زحف أبو يزيد إلى
[ 43 ]
سوسة في جمادى الاخرة من سنته وبها عسكر القائم وتوفى القائم وهو بمكانه من حصارها * (وفاة القائم وولاية ابنه المنصور) * ثم توفى القائم أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدى صاحب افريقية بعد أن عهد إلى ولده اسمعيل بعده وتلقب بالمنصور وكتم موت أبيه حذرا أن يطلع عليه أبو يزيد وهو بمكانه من حصار سوسة فلم يسم بالخليفة ولا غير السكة ولا الخطبة ولا البنود إلى أن فرغ من أمر أبى يزيد كما يذكر * (بقية أخبار أبى يزيد ومقتله) * ولما مات القائم كان أبو يزيد محاصر السوسة كما تقدم وقد وجهد أهلها الحصار فلما ولى اسمعيل المنصور وكان اول عمله أن بعث الاساطيل من المهدية إلى سوسة مشحونة بالمدد من المقاتلة والامتعة والميرة مع رشيق الكاتب ويعقوب بن اسحق وخرج بنفسه في أثرهم وأشار أصحابه بالرجوع فرجع ووصل الاسطول إلى سوسة وخرجو القتال أبى يزيد وعساكر سوسة معهم فانهزم أبو يزيد واستبيح معسكره منهبا واحراقا ولحق بالقيروان فمنعه أهلها من الدخول وثاروا بعامله فخرج إليه ورحل إلى سبيبة وذلك
أواخر شوال سنة أربع وجاء المنصور إلى القيروان وأمن أهلها وأبقى على حرم أبى يزيد وأولاده وأجرى عليهم الرزق وخرجت سرية من عسكر المنصور لاستكشاف خبر أبى يزيد وجاءت أخرى من عسكر أبى يزيد لمثل ذلك فالتقوا وانهزمت سرية المنصور فقوى أبو يزيد بذلك وكثر جمعه وعاد فقاتل القيروان وخندق المنصور على عسكره وقاتلهم أبو يزيد فكان الظفر أول يوم للمنصور ثم قاتلهم ثانيا فانهزموا وثبت المنصور وراجع أصحابه من طريق المهدية وسوسة ولما رأى أبو يزيد امتناعهم عليه رحل أواخر ذى القعدة ثم رجع فقاتلهم وكانت الحرب سجالا وبعث السرايا إلى طريق المهدية وسوسة نكاية فيهم وبعث إلى المنصور في حرمه وأولاده فبعثهم إليه بعد أن وصلهم وقد كان قسم على الرحيل فلما وصلوا إليه نكث وقاتلهم خامس المحرم سنة خمس وثلاثين فهزمهم ثم عبى المنصور عساكره منتصف المحرم وجعل البرابر في الميمنة وكتامة في الميسرة وهو وأصحابه في القلب وحمل أبو يزيد على الميمنة فهزمها ثم على القلب فلقيه المنصور واشتد القتال ثم حملوا عليه حملة رجل واحد فانهزم وأسلم اثقاله وعسكره وقتل خلق من أصحابه وبلغت رؤس القتلى الذى في أيدى صبيان القيروان عشرة آلاف ومضى أبو يزيد لوجهه ومر بباغاية فمنعه أهلها من الدخول
[ 44 ]
فأقام يحاصرها ورحل المنصور في ربيع الاول لاتباعه واستخلف على المهدية مراما الصقلى وأدركه على باغاية فأجفل المنصور في اتباعه وكلما قصد حصنا سبقه المنصور إليه إلى ان نزل المنصور طبنة فجاءته رسل محمد بن خزر أمير مغراوة من أصحاب أبى يزيد ومواطئه بالغرب الاوسط فاستأمن للمنصور فامنه وأمره بطلب أبى يزيد ووصل أبو يزيد إلى بنى برزال وكانوا نكارية وبلغه خبر المنصور في اتباعه فسلك الرملة ثم عاد إلى نواحى غمرت فصادف المنصور وقاتله فانهزم أبو يزيد إلى جبل سالات والمنصور في أثره في جبال وأوعار ومضايق تفضى إلى القفر وأصابهم الجهد وعلم أنه ليس امامه
الا المفازة إلى بلاد السودان فرجع إلى غمرت من بلاد صنهاجة ووفد عليه هنالك زيرى ابن مناد أمير صنهاجة فأكرمه ووصله كما يجب له وجاء كتاب محمد بن خزر بالمكان الذى فيه أبو يزيد من المفازة وأقام المنصور هنالك لمرض أصابه فرجع أبو يزيد إلى المسيلة وحاصرها فلما عوفي المنصور رحل أول رجب سنة خمس وثلاثين وقصده فأفرج عن المسيلة وقصد المفازة يريد بلاد السودان فأبى عليه بنو كملان أصحابه فرجعوا إلى جبال كتامة وعجيسة فتحصنوا بها وجاء المنصور فنزل بساحتهم عاشر شعبان ونزل أبو يزيد فقاتلهم فانهزم وأسلم عسكره وأولاده وطعنه بعض الفرسان فأكبه وحامى عنه أصحابه فقتل في الحومة ما يزيد على عشرة آلاف وتخلص ثم سار المنصور في أثره أول رمضان ولم يقدر أحد من الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وصعوبته ثم انهزم أبو يزيد لما ضرسه الحرب وترك اثقاله وساروا إلى رؤس الجبال يرمون بالصخر وتزاحفوا حتى تعانقوا بالايدي وكثر القتل ثم تحاجزوا وتحصن أبو يزيد بقلعة كتامة واستأمن الذين معه من هوارة فأمنهم المنصور وحصر أبا يزيد في القلعة وقاتلها غير مرة حتى افتتحها عنوة وأضرمها نارا وقتل أصحاب أبى يزيد في كل ناحية وجمع أهله وأولاده في القصر وأظلم الليل فامر المنصور باشعال النيران في الشعراء بالمحيطة بالقصر حتى أضاء الليل لتكون أحواله بمرأى منهم حذرا من فراره حتى خرج الليل وحمل في أصحاب المنصور حملة منكرة فأفرجوا له وأمر المنصور بطلبه فألفوه وقد حمله ثلاثة من أصحابه لانه كان جريحا فسقط من الوعر وارتث فحملوه إلى المنصور فسجد سجدة الشكر وأقام عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين ثم هلك من الجراحة التى به فأمر بسلخ جلده وحشوة تبنا واتخذ له قفصا فأدخل فيه مع قردين يلاعبانه بعثاله له ورحل إلى القيروان والمهدية ولحق ابنه فضل بمعبد بن خزر وزحف به إلى طبنة وبسكرة وقصد المنصور فانهزم معبد وصعد إلى كتامة فبعث إليه العساكر مع مولييه شفيع وقيصر ومعهما زيرى بن مناد في صنهاجة فانهزم فضل ومعبد وافترق جمعهم ورجع المنصور إلى
[ 45 ]
القيروان فدخلها * (بقية أخبار المنصور) * ثم انتقض حميد بن يضلبتن عامل المغرب وانحرف عن طاعة الشيعة ودعى للاموية من وراء البحر وزحف إلى تاهرت فحاصرها فنهض إليه المنصور في صفر سنة ست وثلاثين وجاء إلى سوق حمزة فأقام به وحشد زيرى بن مناد جموع صنهاجة من كل ناحية ورحل مع المنصور فأفرج حميد عن تاهرت وعقد عليها ليعلى بن محمد اليفرنى وعقد لزيرى ابن مناد على قومه وعلى سائر بلادهم ثم رحل لقتال لواته فهربوا إلى الرمال وأقام هو على وادميناس وكان هنالك ثلاثة جبال كل منهم عليه قصر مبنى بالحجر المنحوت فوجد في وجه احد هذه القصور كتابة على حجر فسيح فأمر المنصور التراجمة بقراءته وإذا فيه أنا سليمان السردغوس خالف أهل هذا البلد على الملك فبعثني إليهم ففتح الله عليهم وبنيت هذا البناء لا ذكر به ذكر هذه الغريبة ابن الرقيق في تاريخه ثم رحل المنصور إلى القيروان بعد ان خلع على زيرى بن مناد وحمله ودخل المنصورية في جمادى سنة ست وثلاثين فبلغه ان فضل بن أبى يزيد جاء إلى جبل أوراس وداخل البربر في الثورة فخرج إليه المنصور فدخل الرمل ورجع المنصور إلى القيروان ثم إلى المهدية ورجع فضل بن أبى يزيد إلى باغاية وأقام يحاصرها فغدر به باطيط وبعث برأسه إلى المنصور ثم عقد سنة تسع وثلاثين للحسين بن على بن أبى الحسين الكلبى على صقلية وأعمالها وكانت الخليل بن اسحق فصرفه الحسين واستقل بولايتها فكان له فيها ولبنيه ملك سنذكره وبلغ المنصور ان ملك افرنجة يريد غزو المسلمين فأخرج اسطوله وشحنه بالعساكر لنظر مولاه فرج الصقلى وأمر الحسين بن على عامل صقلية بالخروج معه فأجازوا البحر إلى عدوة الافرنجة ونزلوا قلورية ولقيهم رجاء ملك الفرنجة فهزموه وكان فتحا لا كفاء له وذلك سنة أربعين وثلثمائة ورجع فرج بالغنائم إلى المهدية سنة
ثنتين وأربعين وكان معبد بن خرز بعد مظاهرته لفضل بن أبى يزيد لم يزل منتقضا وأولياء المنصور في طلبه حتى أخذ في بعض الوقائع وسيق مع ابنه إلى المنصور فطيف بهما في أسواق المنصورية ثم قتلا سنة احدى وأربعين وثلثمائة * (وفاة المنصور وولاية ابنه المعز) * ثم توفى المنصور اسمعيل بن القاسم سلخ رمضان سنة احدى وأربعين لسبع سنين من خلافته أصابه الجهد من مطر وثلج تجلد على ملاقاته ودخل على أثره الحمام قعيت حرارته ولازمه السهر فمات وكان طبيبه اسحق بن سليمان الاسرائيلي قدنهاه عن
[ 46 ]
الحمام فلم يقبل وولى الامر بعده ابنه معد ولقب المعز لدين الله فاستقام أمره وخرج لجبل أوراس سنة ثنتين وأربعين وجالت فيه عساكره واستأمن إليه بنو كملان ومليلة من هوارة ودخلوا في طاعته فأمنهم وأحسن إليهم واستأمن إليه محمد بن خزر بعد قتل أخيه معبد فأمنه ورجع إلى القيروان وترك مولاه قيصر في العساكر وعقد له على باغاية فدوخ البلاد وأحسن إلى الناس وألف من كان شاردا من البربر ورجع بهم إلى القيروان فأكرمهم المعزو وصلهم ثم وفد بعدهم محمد بن خزر أمير مغراوة فلقاه مبرة وتكريما وأقام عنده بالقيروان إلى ان هلك سنة ثمان وأربعين واستقدم المعز زيرى ابن مناد سنة ثلاث وأربعين أمير صنهاجة فقدم من استير فاجزل صلته ورده إلى عمله وبعث إلى الحسين بن على عامل صقلية سنة أربع وأربعين أن يخرجه باسطوله إلى ساحل المرية من بلاد الاندلس فعاث فيه وغنم وسبى ورجع فأخرج الناصر صاحب الاندلس اسطوله إلى سواحل افريقية مع غالب مولاه فمنعتهم العساكر وأقلعوا ثم عاودوا سنة خمس وأربعين في سبعين مركبا فأحرقوا مرسى الخزر وعاثوا في جهت سوسة ثم في نواحى طبرنة ورجعوا واستقام أمر المعز في بلاد افريقية والمغرب واتسعت ايالته وكانت أعماله من ايفكان خلف تاهرت بثلاثة مراحل إلى زناتة التى دون مصر وعلى
تاهرت وايفكان يعلى بن محمد اليفرنى وعلى أشير وأعمالها زيرى بن مناد الصنهاجى وعلى المسيلة وأعمالها جعفر بن على الاندلسي وعلى باغاية وأعمالها قيصر الصقلى وكان على فاس أحمد بن بكر بن أبى سهل الجذامي وعلى سلجماسة محمد بن واسول المكناسى ثم بلغه سنة سبع وأربعين ان يعلى بن محمد اليفرنى داخل الاموية من وراء البحر وان أهل المغرب الاقصى نقضوا طاعة الشيعة فأغزى جوهرا الصقلى الكاتب إلى المغرب بالعساكر وكان على وزارته وخرج معه جعفر بن على صاحب المسيلة وزيرى ابن مناد صاحب اشير وتلقاهم يعلى بن محمد صاحب المغرب الاوسط ولما ارتحل عن ايفكان وقعت هيعة في أصحاب صيلة وقيل له ان بنى يعرب أوقعوها فتقبض على يعلى وناشته سيوف كتامة لحينه وخرب ايفكان وأسر ابنه يدو بن يعلى وتمادوا إلى فاس ثم تجاوز وها إلى سلجماسة فأخذها وتقبض على الشاكر لله محمد بن الفتح الذى تلقب بامير المؤمنين من بنى واسول وولى ابن المعتز من بنى عمه مكانه ودوخ المغرب إلى البحر ثم رجع إلى فاس وحاصرها وواليها يومئذ أحمد بن بكر بن أبى سهل الجذامي وقاتلها مدة فامتنعت عليه وجاءته هدايا الامراء الادكرنية من السوس ثم رحل إلى سلجماسة وبها محمد بن واكول من مكناسة وقد تلقب بامير المؤمنين الشاكر لله وضرب السكة باسمه تقدست عزة الله فلما سمع بجوهر هرب ثم أخد أسير اوجئ به إلى جوهر وسار عن
[ 47 ]
سلجماسة وافتتح البلاد في طريقه ثم عاد إلى فاس وأقام في حصارها إلى ان افتتحها عنوة على يد زيرى بن مناد تسنم أسوارها نيلا ودخلها وتقبض على أحمد بن بكر وذلك سنة ثمان وأربعين وولى عليها من قبله وطرد عمال بنى أمية من سائر المغرب وانقلب إلى القيروان ظافرا عزيزا وضم تاهرت إلى زيرى بن مناد وقدم بالفاطميين وباحمد ابن بكر وبمحمد بن واسال أسيرين في قفصين ودخل بهما إلى المنصورية في يوم مشهود وكانت ولاية المغرب والمشرق منقسمة بين مولييه قيصر ومظفر وكانا متغلبين على
دولته فقبض عليهما سنة تسع وأربعين وقتلهما وفى سنة خمسين كان تغلب النصارى على جزيرة اقريطش وكان بها أهل الاندلس من جالية الحكم بن هشام بسبب ثورة الرفض ففر بهم إلى الاسكندرية فثاروا بها وعبد الله بن طاهر يومئذ عامل مصر فحاصرهم بالاسكندرية حتى نزلوا على الامان وان يجيزوا البحر إلى جزيرة اقريطش فعمروها ونزلوها منذ تلك الايام وأميرها أبو حفص البلوطى منهم واستبدبها وورث بنوه رياسة فيها إلى ان نازلهم النصارى في هذه السنة في سبعمائة مركب واقتحموها عليهم عنوة وقتلوا منهم وأسروا وبقيت في أيدى النصارى لهذا العهد والله غالب على أمره وافتتح صاحب صقلية سنة احدى وخمسين قلعة طرمين من حصون صقلية بعد حصار طويل أجهدهم فنزلوا على حكم صاحب صقلية بعد تسعة أشهر ونصف للحصار وأسكن المسلمين بالقلعة وسماها المعزية نسبة إلى المعز صاحب افريقية ثم سار صاحب صقلية بعدها وهو أحمد بن الحسن بن على بن أبى الحسن إلى حصار رمطة من قلاع صقلية فاستمدوا ملكهم صاحب القسطنطينية فجهز لهم العساكر برا وبحرا واستمد صاحب صقلية المعز فامده بالعساكر مع ابنه الحسن ووصل مدده إلى مدينة ميسى وساروا بجموعهم إلى رمطة وكان على حصارها الحسن بن عمار فحمل عسكرا على رمطة وزحف إلى عسكر الروم مستميتا فقاتلهم فقتل أمير الروم وجماعة من البطارقة وهزموا أقبح هزيمة واعترضهم خندق فسقطوا فيه وأثخن المسلمون فيهم وغنموا عسكرهم واشتد الحصار على أهل رمطة وعدموا الاقوات فاقتحمها المسلمون عنوة وركب فل الروم البحر يطلبون النجاة فأتبعهم الامير أحمد بن الحسن في اسطوله فأدركهم وسبح بعض المسلمين في الماء فحرق مراكبهم وانهزموا وبث أحمد سرايا المسلمين في مدائن الروم فغنموا منها وعاثوا فيها حتى صالحوهم على الجزية وكانت هذه الواقعة سنة أربع وخمسين وتسمى وقعة المحاز * (فتح مصر) *
ثم ان المعز لدين الله بلغه اضطراب أحوال مصر بعد موت كافور الاخشيدى وعظم
[ 48 ]
فيها الغلاء وكثرت الفتن وشغل بغداد عنهم بما كان من الفتن بين تختيار بن معز الدولة وعضد الدولة ابن عمه فاعتزم العز على المسير إلى مصر وأخرج جوهر الكاتب إلى المغرب لحشد كتامة وأوغر إلى أعمال برقة لحفر الابار في طريقها وذلك سنة خمس وخمسين فسيره إلى مصر وخرج لتوديعه وأقام أياما في معسكره وسار جوهر وبلغ خبره إلى عساكر الاخشيدية بمصر فافترقوا وكان ما يذكر في أخبارهم وقدم جوهر منتصف شعبان من سنة ثمان وخمسين فدخلها وخطب في الجامع العتيق منه باسم المعتز وأقيمت الدعوة العلوية وفى جمادى من سنة تسع وخمسين دخل جوهر جامع ابن طولون فصلى فيه وأمر بزيادة حى على خير العمل في الاذان فكان أول أذان أذن به في مصر ثم بعث إلى المعز بالهدايا وباعيان دولة الاخشيدية فحبسهم المعز بالمهدية وأحسن إلى القضاة والعلماء من وفدهم وردهم إلى مصر وشرع جوهر في بناء القاهرة واستحث المعز للقدوم على مصر * (فتح دمشق) * ولما فتحت مصر وأخذ بنو طفج هرب منهم الحسن بن عبد الله بن طفج إلى مكة ومعه جماعة من قوادهم فلما استشعر جوهر به بعث جعفر بن فلاح الكتامى في العساكر إليه فقاتله مرارا ثم أسره ومن كان معه من القواد وبعث بهم إلى جوهر فبعث بهم جوهر إلى المعز بافريقية ودخل جعفر الرملة عنوة فاستباحها ثم أمن من بقى وجبى الخراج وسار إلى طبرية وبها ابن ملهم وقد أقام الدعوة للمعز فتجا في عنه وسار إلى دمشق فافتتحها عنوة وأقام بها الخطبة للمعز لايام من المحرم سنة تسع وخمسين وكان بدمشق الشريف أبو القاسم بن يعلى الهاشمي وكان مطاعا فيهم فجمع الاوباش والذعارو ثار بهم في الجمعة الثانية ولبس السواد وأعاد الخطبة للمطيع فقاتلهم جعفر بن فلاح أياما
وأولى عليهم الهزائم وعاثت جيوش المغاربة في أهل دمشق فهرب ابن أبى يعلى ليلا من البلد وأصبحوا حيارى وكانوا قد بعثوا الشريف الجعفري إلى جعفر في الصلح فأعاده إليهم بتسكين الناس والوعد الجميل وان يدخل البلد فيطوف فيه ويرجع إلى معسكره فدخل وعاث المغاربة في البلد بالنهب فثار ال ناس بهم وحملوا عليهم وقتلوا منهم وشرعوا في حفر الخنادق وتحصين البلد ومشى الشريف أبو القاسم في الصلح بينهم وبين جعفر ابن فلاح فتم ذلك منتصف ذى الحجة من سنة تسع وخمسين ودخل صاحب شرطة جعفر فسكن الناس وقبض على جماعة من الاحداث وقتل منهم وحبس ثم قبض على الشريف أبى القاسم بن أبى يعلى في المحرم من سنة ستين وبعث به إلى مصر واستقام ملك دمشق لجعفر بن فلاح وكان خرج با فريقية في سنة ثمان وخمسين أبو جعفر الزناتى
[ 49 ]
واجتمعت إليه جموع من البربر والنكارية وخرج إليه المعز بنفسه وانتهى إلى باغاية وافترقت جموع أبى خزر وسلك الاوعار فعاد المعز وأمر بلكين بن زيرى بالمسير في طلبه فسار لذلك حتى انقطع عنه خبره ثم جاء أبو جعفر مستأمنا سنة تسع وخمسين فقبله وأجرى عليه الرزق وعلى أثر ذلك وصلت كتب جوهر باقامة دعوته بمصر والشأم وبا ستدعائه إليها فاشتد سرور المعز بذلك وأظهره في الناس ونطق الشعراء بامتداحه ثم زحف القرامطة إلى دمشق وعليهم ملكهم الاعصم ولقيهم جعفر بن فلاح فظفر بهم وقتلهم ثم رجعوا إليه سنة احدى وستين وبرز إليهم جعفر فهزموه وقتلوه وملك الاعصم دمشق وسار إلى مصر وكاتب جوهر بذلك للمعز فاعتزم على الرحلة إليها * (مسير المعز إلى مصر ونزوله بالقاهرة) * ولما انتهت هذه الاخبار إلى المعز اعتزم على المسير إلى مصر وبدأ بالنظر في تمهيد المغرب وقطع شواغله وكان محمد بن الحسن بن خزر المغراوى مخالفا عليه بالمغرب الاوسط وقد كثرت جموعه من زنانة والبربر وكان جبارا طاغيا فأهم المعز أمره وخشى على
افريقية غائلته فأمر بلكين بن زيرى بن مناد بغزوه فغزاه في بلاده وكانت بينهما حروب عظيمة ثم انهزم محمد بن خزر وجموعه ولما أحس بالهزيمة تحامل على سيفه فقتل نفسه وقتل في المعركة سبعة عشر من أمراء زناتة وأسر منهم كثير وذلك سنة ستين وسر المعز ذلك وقعد للهناء به واستقدم بلكين بن زيرى فاستخلفه على افريقية والمغرب وأنزله القيروان وسماه يوسف وكناه أبا الفتوح وولى على طرابلس عبد الله بن يخلف الكتامى ولم يجعل لبلكين ولاية عليه ولا على صاحب صقلية وجعل على جباية الاموال زيادة الله بن الغريم وعلى الخراج عبد الجبار الخراساني وحسين بن خلف المرصدى بنظر بلكين وعسكر ظاهر المنصورية آخر شوال من سنة احدى وستين وأقام على سردانية قريبا من القيروان حتى فرغ من أعماله ولحقته عساكره وأهل بيته وعماله وحمل له ما كان في قصره من الاموال والامتعة وارتحل بعد أربعة أشهر من مقامه وسار معه بلكين قليلا ثم ودعه ورده إلى عمله وسار هو إلى طرابلس في عساكره وهرب بعضهم إلى جبل نفوسة فامتنعوا بها وسار إلى برقة فقتل بها شاعره محمد بن هانئ الاندلسي وجد قتيلا بجانب البحر في آخر رجب من سنة ثنتين وستين ثم سار إلى الاسكندرية وبلغها في شعبان من هذه السنة ولقيه بها أعيان مصر فأكرمهم ووصلهم وسار فدخل القاهرة لخمس من رمضان من هذه السنة فكانت منزله ومنزل الخلفاء بعده إلى آخر دولتهم * (حروب المعز مع القرامطة واستيلاؤه على دمشق) *
[ 50 ]
كان للقرامطة على بن طفج بدمشق ضريبة يؤدونها إليهم فلما ملك بن فلاح بدعوة المعز قطع تلك الضريبة وآسفهم بذلك فرجعوا إلى دمشق وعليهم الاعصم ملكهم فبرز إليهم جعفر بن فلاح فهزموه وقتلوه وملكوا دمشق وما بعدها إلى الرملة وهرب من كان بالرملة وتحصنوا بيافا وملك القرامطة الرملة وجهزو العساكر على يافا وساروا إلى
مصر ونزلوا عين شمس وهى المعروفة لهذا العهد بالمطرية واجتمع إليهم خلق كثير من العرب وأولياء بنى طفج وحاصروا المغاربة بالقاهرة وقاتلوهم أياما فكان الظفر بهم ثم خرج المغاربة واستماتوا وهزمهم فرحلوا إلى الرملة وضيقوا حصار يافا وبعث إليهم جعفر بالمدد في البحر فأخذه القرامطة وانتهى الخبر إلى المعز بالقيروان وجاء إلى مصر ودخلها كما ذكرناه وسمع أنهم يريدون المسير إلى مصر فكتب إلى الاعصم يذكره فضل بنيه وأنهم انما دعوا له ولابائه وبالغ في وعظه وتهدده فاساء في جوابه وكتب إليه وصل كتابك الذى قل تحصيله وكثر تفصيله ونحن سائرون اليك والسلام وسار من الاحساء إلى مصر ونزل عين شمس في عساكره واجتمع إليه الناس من العرب وغيرهم وجاء حسان بن الجراح في جموع عظيمة من طيئ وبث سراياه في البلاد فعاثوا فيها وأهم المعز شأنه فراسل ابن الجراح واستماله بمائة ألف دينار على ان ينهزم على القرامطة واستحلفوه على ذلك وخرج المعز ليوم عينوه لذلك فانهزم ابن الجراح بالعرب وثبت القرامطة قليلا ثم انهزموا وأخذ منهم نحو ألف وخمسمائة أسير وساروا في اتباعهم ولحق القرامطة باذرعات وساروا منها إلى الاحساء وقتلوا صبرا ونهب معسكرهم وجرد المعز القائد أبا محمود في عشرة آلاف فارس وساروا في اتباعهم ولحق القرامطة باذرعات وساروا منها إلى الاحساء وبعث المعز القائد ظالم ابن موهوب العقيلى واليا على دمشق فدخلها وكان العامل بها من قبل القرامطة أبو اللجاء وابنه في جماعة منهم فحبسهم ظالم وأخذ أموالهم ورجع القائد أبو محمود من اتباع القرامطة إلى دمشق فتلقاه ظالم وسر بقدومه وسأله المقا بظاهر دمشق حذرا من القرامطة ففعل ودفع أبا اللجاء وابنه فبعث بهم إلى مصفحبسوا بها وعاث أصحاب أبى محمود في دمشق فاضطرب الناس وقتل صاحب الشرطة بعضهم فثاروا به وقتلوا أصحابه وركب ظالم بذراريهم وأجفل أهل الضواحى إلى البلد من عيث المغاربة ثم وقعت في منتصف شوال من سنة ثلاث وستين فتنة بين العامة وبين عسكر أبى محمود وقاتلوه أياما ثم هزمهم وتبعهم إلى
البلد وكان ظالم بن موهوب يدارى العامة فأشفق في هذا اليوم على نفسه وخرج من دار الامارة وأحرق المغاربة ناحية باب الفراديس ومات فيها خلق واتصلت الفتنة إلى ربيع الاخر من سنة أربع وستين ثم وقع الصلح بينهم على اخراج ظالم من البلد وولاية
[ 51 ]
جيش بن الصمصامة ابن اخت محمود فسكن الناس إليه ثم رجع المغاربة إلى العيث وعاد العامة إلى الثورة وقصدوا القصر الذى فيه جيش فهرب ولحق بالعسكر وزحف إلى البلد فقاتلهم وأحرق ما كان بقى وقطع الماء عن البلد فضاقت الاحوال وبطلت الاسواق وبلغ الخبر إلى المعز فنكر ذلك على أبى محمود واستعظمه وبعث إلى ريان الخادم في طرابلس يأمره بالمسير إلى دمشق لاستكشاف حالها وان يصرف القائد أبا محمود عنها فصرفه إلى الرملة وبعث إلى المعز بالخبر وأقام بدمشق إلى أن وصل افتكين واليا على دمشق وكان أفتكين هذا من موالى عز الدولة بن بويه ولما ثار الاتراك على ابنه بختيار مع سبكتكين ومات سبكتكين قدمه الاتراك عليهم وحاصروا بختيار بواسط وجاء عضد الدولة لا نجاده فاجفلوا عن واسط فتركوه ببغداد وسار افتكين في طائفة من الجند إلى حمص فنزل قريبا منها وقصده ظالم بن موهوب العقيلى ليقبضه فعجز عنه وسار افتكين فنزل بظاهر دمشق وبها زياد خادم المعز وقد غلب عليه وعلى أعيان البلد الاحداث والذعار فلم يملكوا معهم أمر أنفسهم فخرج الاعيان إلى افتكين وسألوا منه الدخول إليهم ليولوه وشكوا إليه حال المغاربة وما يحملونهم عليه من عقايد بعض الرفض وما أنزل بهم عمالهم من الظلم والعسف فأجابهم واستحلفهم وحلف لهم وملك البلد وخرج منها زياد الخادم وقطع خطبة المعز العلوى وخطب للطائع العباسي وقع أهل الفساد ودفع العرب عما كانوا استولوا عليه من الضواحى واستقل ملك دمشق وكاتب المعز بطلب طاعته وولايتها من قبله فلم يثق إليه ورده وتجهز لقصده وجهز العساكر فتوفى بعسكره ببلبيس كما يذكر
* (وفاة المعز وولاية ابنه العزيز) * ثم توفى المعز بمصر في منتصف ربيع الاخر سنة خمس وستين لثلاث وعشرين سنة من خلافته وولى ابنه نزار بعهده إليه ووصيته ولقب العزيز بالله وكتم موت أبيه إلى عيد النحر من السنة فصلى بالناس وخطبهم ودعا لنفسه وعزى بأبيه وأقر يعقوب بن كلس على الوزارة كما كان أيام أبيه وأقر بلكين بن زيرى على ولاية افريقية وأضاف إليه ولاية عبد الله بن يخلف الكتامى وهى طرابلس وسرت وجرابيه وكان أهل مكة والمدينة قد خطبوا للمعز أبيه في الموسم فتركوا الخطبة للعزيز فبعث جيوشه إلى الحجاز فحاصروا مكة والمدينة وضيقوا عليهم حتى رجعوا إلى دعوتهم وخطب للعزيز بمكة وكان أمير مكة عيسى بن جعفر والمدينة طاهر بن مسلم ومات في هذه السنة فولى ابنه الحسن وابن أخيه مكانه
[ 52 ]
ولما توفى المعز وولى العزيز قام افتكين وقصد البلاد التى لهم بساحل الشأم فبدأ بصيدا فحاصرها وبها ابن الشيخ في رؤس المغاربة وظالم بن موهوب العقيلى فبرزوا إليه وقاتلوه فاستنجد لهم ثم كرعليهم وأوقع بهم وقتل منهم أربعة آلاف وسار إلى عكة فحاصرها وقصد طبرية وفعل فيها مثل صيدا ورجع واستشار العزيز وزيره يعقوب ابن كلس فأشار بارسال جوهر الكاتب إليه فجهزه العزيز وبعثه وأقبل افتكين على أهل دمشق يريهم التحول عنهم ويذكرهم بذلك ليختبرهم فتطارحوا إليه واستماتوا واستحلفهم على ذلك ووصل جوهر في ذى القعدة سنة خمس وستين فحاصر دمشق شهرين وضيق حصارها وكتب افتكين إلى الاعصم ملك القرامطة يستنجده فسار إليه من الاحساء واجتمع إليهم من رجال الشأم والعرب نحو من خمسين ألفا وأدركوا جوهرا بالرملة وقطعوا عنه الماء فارتحل إلى عسقلان فحاصروه بها حتى بلغ الجهد وأرسل جوهر إلى افتكين بالمغاربة والوعد والقرمطى يمنعه ثم سأله في الاجتماع فجاءه افتكين
ولم يزل جوهر يعتل له في الدورة والغارب وافتكين يعتذر بالقرمطى ويقول أنت حملتني على مداراته فلما أيس منه كشف لهم عماهم فيه من الضيق وسأله الصنيعة وأنها يتخذها عند العزيز فحلف له على ذلك وعزله القرمطى وأراه جوهر أن يحمل العزيز على المسير بنفسه فضم من عزله وأبى الا الوفاء وانطلق جوهر إلى مصر وأغرى العزيز بالمسير إليهم فتجهز في العساكر وسار وجوهر في مقدمته ورجع افتكين والقرمطى إلى الرملة واحتشدوا ووصل العزيز فاصطفوا للحرب بظاهر الرملة في محرم سنة سبع وستين وبعث العزيز إلى افتكين يدعوه إلى الطاعة ويرغبه ويعده بالتقدم في دولته ويدعوه إلى الحضور عنده فتقدم بين الصفين وترجل وقبل الارض وقال قل لامير المؤمنين لو كان قبل هذه لسارعت وأما الان فلا يمكننى وحمل على الميسرة فهزمهم وقتل الكثير منهم فامتعض العزيز وحمل هو والميمنة جميعا فهزمهم ووضع المغاربة السيف فقتلوا نحوا من عشرين ألفا ثم نزل في خيامه وجئ بالاسرى فخلع على من جاء بهم وبذل لمن جاء بافتكين مائة ألف دينار فلقيه المفرج بن دغفل الطائى وقد جهده العطش فاستسقاه فسقاه وتركه بعرشه مكرما وجاء إلى العزيز فأخبره بمكانه وأخذ المائة ألف التى بذلها فيه وأمكنه من قياده ولما حضر عند العزيز وهو لا يشك انه مقتول أكرمه العزيز ووصله ونصب له الخيام وأعاد إليه ما نهب له ورجع به إلى مصر فجعله أخص خدمه وحجابه وبعث إلى الاعصم القرمطى من يرد إليه ليصله كما فعل بافتكين فأدرك بطبرية وامتنع من الرجوع فبعث إليه بعشرين ألف دينار وفرضها له ضريبة وسار
[ 53 ]
القرمطى الا الاحساء وعاد العزيز إلى مصر ورفى رتبة افتكين وخص به الوزير يعقوب ابن كلس فسمه وسمع العزيز بأنه سمه فحبسه أربعين يوما وصادره على خمسمائة ألف دينار ثم خلع عليه وأعاده إلى وزارته وتوفى جوهر الكاتب في ذى القعدة من سنة احدى وثمانين وقام ابنه الحسن مقامه ولقب قائد القواد وكان افتكين قد استخلص
أيام وزارته بدمشق رجلا اسمه قسام فعلا صيته وكثر تابعه واستولى على البلد ولما انهزم افتكين والقرامطة بعث العزيز القائد أبا محمود بن ابراهيم واليا على دمشق كما كان لابيه المعز فوجد فيها قساما قد ضبط البلد وهو يدعو للعزيز فلم يتم له معه ولاية وبقى قسام مستبدا عليه إلى أن مات أبو محمود سنة سبعين ثم جاء أبو ثعلب بن حمدان صاحب الموصل إلى دمشق عند انهزامه أمام عضد الدولة فمنعه قسام من الدخول وخاف أن يغلبه على البلد بنفسه أو بأمر العزيز واستوحش أبو ثعلب لذلك فقاتله قليلا ثم رحل إلى مطرية وجاءت عساكر العزيز مع قائده الفضل فحاصروا قساما بدمشق ولم يظفروا به ورجعوا ثم بعث العزيز سنة تسع وستين سليمان بن جعفر بن فلاح فنزل بظاهرها ولم يمكنه قسام من دخولها ودس إلى الناس فقاتلوه وأزعجوه عن مكانه وكان مفرج بن الجراح أمير بنى طيئ وسائر العرب بأرض فلسطين قد كثرت جموع وقويت شوكته وعاث في البلاد وخر بها فجهز العزيز العساكر لحربه مع قائده بلتكين التركي فسار إلى الرملة واجتمع إليه العرب من قيس وغيرهم ولقى ابن الجراح وقد أكمن لهم بلتكين من ورائهم فانهزم ومضى إلى انطاكية فاجاره صاحبها وصادف خروج ملك الروم من القسطنطينية إلى بلاد الشأم فخاف ابن الجراح وكاتب بكجور مولى سيف الدولة وعامله على حمص ولجأ إليه فأجاره ثم زحف بلتكين إلى دمشق وأظهر لقسام انه جاء لاصلاح البلد وكان مع قسام جيش بن الصمصامة ابن خأت أبى محمود قد قام بعده في ولايته فخرج إلى بلتكين فأمره بالنزول معه بظاهر البلد هو وأصحابه واستوحش قسام وتجهز للحرب ثم قاتل وانهزم أصحابه ودخل بلتكين أطراف البلد فنهبوا وأحرقوا واعتزم أهل البلد على الاستئمان إلى بلتكين وشافهوه بذلك فأذن لهم وسمع قسام فاضطرب وألقى ما بيده واستأمن الناس إلى بلتكين لانفسهم ولقسام فأمن الجميع وولى على البلد أميرا اسمه خطلج فدخل البلد وذلك في المحرم سنة ثنتين وسبعين ثم اختفى قسام بعد يومين فنهبت دوره ودور أصحابه وجاء ملقيا بنفسه على
بلتكين فقبله وحمله إلى مصر فأمنه العزيز وكان بكجور في غوية من غلمان سيف الدولة وعامله على حمص وكان يمد دمشق أيام هذه الفتنة والغلاء ويحمل الاقوات من حمص إليها ويكاتب العزيز بهذه الخدم ثم استوحش سنة ثلاث وسبعين من مولاه أبى المعالى
[ 54 ]
فاستنجز من العزيز وعده اياه بولاية دمشق وصادف ذلك ان المغاربة بمصر أجمعوا على التوئب بالوزير بن كلس ودعت الضرورة إلى استقدام بلتكين من دمشق فأمره العزيز بالقدوم وولاية بكجور على دمشق ففعل ودخلها بكجور في رجب من سنة ثلاث وسبعين وعاث في أصحاب ابن كامل وحاشيته بدمشق لما كان يبلغه عنه من صد العزيز عن ولايته ثم أساء السيرة في أهل دمشق فسعى ابن كلس في عزله عند العزيز وجهز العساكر سنة ثمان وسبعين مع منير الخادم وكتب إلى نزال عامل طرابلس بمظاهرته وجمع بكجور العرب وخرج للقانه فانهزم ثم خاف من وصول نزال فاستأمن لهم وتوجه إلى الرقة فاستولى عليها ودخل منير دمشق واستقرفى ولايتها وارتفعت منزلته عند العزيز وجهزه لحصار سعد الدولة بحلب وكان بكجور بعد انصرافه من دمشق إلى الرقة سأل من سعد الدولة العود إلى ولاية حمص فمنعه فأجلب عليه واستنجد العزيز لحربه وبعث إلى نزال عامل طرابلس بمظاهرته فسار إليه بالعساكر وخرج سعد الدولة من حلب للقائهم وقد أضمر نزال الغدر ببكجور تقدم إليه بذلك عيسى بن نسطورس وزير العزيز بعد ابن كلس وجاء سعد الدولة للقائهم وقد استمد عامل انطاكية للروم فأمده بجيش كثير وداخل العرب الذين مع بكجور في الانهزام عنه وعدوه ذلك من أنفسهم فلما تراءى الجمعان وشعر بكجور بخديعة العرب فاستمات وحمل على الصف بقصد سعد الدولة فقتل لؤلؤ الكبير مولاه بطعنه اياه ثم حمل عليه سعد الدولة فهزمه فسار إلى بعض العرب وحمل إلى سعد الدولة فقتله وسار إلى الرقة فملكها وقبض جميع أمواله وكانت شيأ لا يعبر عنه وكتب أولاده إلى العزيز يستشفعون به فشفع إلى سعد الدولة فيهم أن
يبعثهم إلى مصر ويتهدده على ذلك فأساء سعد الدولة الردو جهز لحصار حلب الجيوش مع منجو تكين فنزل عليها وحاصرها وبها أبن الفضائل ابن سعد الدولة ومولاه لؤلؤ الصغير وأرسلا إلى سيل ملك الروم يستنجد انه وهو في قتال بلغار فبعث إلى عامل انطاكية أن يمدهما فسار في خمسين ألفا حتى نزل حبس العاصى وبلغ خبره إلى منجو تكين فارتحل عن حلب ولقى الروم فهزمهم وأثخن فيهم قتلا وأسرا وسار إلى انطاكية وعاث في نواحيها وخرج أبو الفضائل في مغيب منجوتكين إلى ضواحي حلب فنقل ما فيها من الغلال وأحرق بقيتها لتفقد عساكر منجوتكين الاقوات فلما عاد منجوتكين إلى الحصار جهز عسكره وأرسل لؤلؤ إلى أبى الحسن المغربي في الصلح فعقد له ذلك ورحل منجوتكين إلى دمشق وبلغ الخبر إلى العزيز فغضب وكتب إلى منجوتكين بالعود إلى حصار حلب وابعاد الوزير المغربي وأنفذ الاقوات للعسكر في البحر إلى طرابلس وأقام منجوتكين في حصار حلب وأعادوا مراسلة ملك الروم
[ 55 ]
فاستنجدوه وأغروه وكان قد توسط بلاد البلغار فعاد مجدا في السير وبعث لؤلؤ إلى منجوتكين بالخبر حذرا على المسلمين وجاءته جواسيسه بذلك فأجفل بعد أن خرب ماكان اتخذه في الحصار من الاسواق والقصور والحمامات ووصل ملك الروم إلى حلب ولقى أبا الفضائل ولؤلؤا ثم سار في الشأم وافتتح حمص وسيزر ونهبهما وحاصر طرابلس أربعين يوما فامتنعت عليه وعاد إلى بلاده وبلغ الخبر إلى العزيز فعظم عليه واستنفر الناس للجهاد وبرز من القاهرة وذلك سنة احدى وثمانين ثم انتقض منير في دمشق فزحف إليه منجوتكين إلى دمشق * (أخبار الوزراء) * كان وزير المعز لدين الله يعقوب بن يوسف بن كلس أصله من اليهود وأسلم وكان يدبر الاحوال الاخشيدية بمصر وعزله أبو الفضائل بن الفرات سنة سبع وخمسين وصادره
فاستتر بمصر ثم فر إلى المغرب ولقى المعز لدين الله وجاء في ركابه إلى مصر فاستوزره وعظم مقامه عنده واستوزره بعده ابنه العزيز إلى أن توفى سنة ثمانين وصلى عليه العزيز وحضر دفنه وقضى عنه دينه وقسم عمله فرد النظر في الظلامات إلى الحسن بن عمار كبير كتامة ورد النظر في الاموال إلى عيسى بن نسطورس ولم تزل الوزارة سائر دولتهم في أرباب الاقلام وكانوا بمكان وكان منهم البارزى وكان مع الوزارة قاضى القضاة وداعي الدعاة وسأل أن برسم اسمه على السكة فغرب ومنع ومات قتيلا بتنيس وأبو سعيد النسرى وكان يهوديا وأسلم قبل وزارته والجرجاني وقطع الجرجاني في أمر منع من الكتب فيه فكتب وحلف الحاكم بيمين لا تكفر ليقطعنه ثم رده بعد ثلاث وخلع عليه وابن أبى كدينة ثلاثة عشر شهرا ثم صرف وقتل وأبو الطاهر بن ياشاد وكان من أهل الدين واستعفى فأعفي وأقام معتكفا في جامع مصر وسقط ليلة من السطح فمات وكان آخرهم الوزير أبو القاسم بن المغربي وكان بعده بدر الجيالى أيام المستنصر وزير سيف الدولة واستبد له على الدولة ومن بعده منهم كما يأتي في أخبارهم * (أخبار القضاة) * كان النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون في خطة القضاء للمعز بالقيروان ولما جاء إلى مصر أقام بها في خطة القضاء إلى أن توفى وولى ابنه على ثم توفى سنة أربع وسبعين وثلثمائة قولى العزيز أخاه أبا عبد الله محمد اخلع عليه وقلده سيفا وكان المعز قد وعد أباه بقضاء ابنه محمد هذا بمصر وتم في سنة تسع وثمانين أيام الحاكم وكان كبير الصلت كثير الاحسان شديد الاحتياط في العدالة فكانت أيامه شريفة وولى بعده ابن
[ 56 ]
عمه أبو عبد الله الحسين على بن النعمان أيام الحاكم ثم عزل سنة أربع وتسعين وقتل وأحرق بالنار وولى مكانه ملكة بن سعيد الفارقى إلى أن قتله الحاكم سنة خمس وأربعمائة بنواحي القصور وكان عالى المنزلة عند الحاكم ومداخلا له في أمور الدولة
وخالصة له في خلواته وولى بعده أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبى العوام واتصل في آخرين إلى آخر دولتهم كان كثيرا ما يجمعون للقاضى المظالم والدعوة فيكون داعى الدعاة وربما يفردون كلام منهما وكان القاضى عندهم يصعد مع الخليفة المنبر مع من يصعده من أهل دولته عند ما يخطب الخلفاء في الجمع والاعياد * (وفاة المعز وولاية ابنه الحاكم) * قد تقدم لنا أن العزيز استنفر الناس للجهاد سنة احدى وثمانين وبرز في العساكر لغزو الروم ونزل بلبيس فاعتورته الامراض واتصلت به إلى أن هلك آخر رمضان سنة ست وثمانين لاحدى عشرة سنة ونصف من خلافته ولقب الحاكم بأمر الله واستولى برجوان الخادم على دولته كما كان لابيه العزيز بوصيته بذلك وكان مدبر دولته وكان رديفه في ذلك أبو محمد الحسن بن عمار ويلقب بأمين الدولة وتغلب على ابن عمار وانبسطت أيدى كتامة في أموال الناس وحرمهم ونكر منجوتكين تقديم ابن عمار في الدولة وكاتب برجوان بالموافقة على ذلك فأظهر الانتقاض وجهز العساكر لقتاله مع سليمان بن جعفر بن فلاح فلقيهم بعسقلان وانهزم منجوتكين وأصحابه وقتل منهم ألفين وسيق أسيرا إلى مصر فأبقى عليه ابن عمار واستماله للمشارقة وعقد على الشأم لسليمان بن فلاح ويكنى أبا تميم فبعث من طبرية أخاه عليا إلى دمشق فامتنع أهلها فكاتبهم أبو تميم وتهددهم وأذعنوا ودخل على البلد ففتك فيهم ثم قدم أبو تميم فأمن وأحسن وبعث أخاه عليا إلى طرابلس وعزل عنها جيش ابن الصمصامة فسار إلى مصر وداخل برجوان في الفتك بالحسن بن عمار وأعيان كتامة وكان معهما في ذلك شكر خادم عضد الدولة تزع إلى مصر بعد مهلك عضد الدولة ونكبة أخيه شرف الدولة اياه فخلص إلى العزيز فقربه وخطى عنده فكان مع برجوان وجيش بن الصمصامة وثارت الفتنة واقتتل المشارقة والمغاربة فانهزمت المغاربة واختفى ابن عمار وأظهر برجوان الحاكم وجد دله البيعة وكتب إلى دمشق بالقبض على أبى تميم بن فلاح فنهب ونهبت
خزائنه واستمر القتل في كتامة واضطربت الفتنة بدمشق واستولى الاحداث ثم أذن برجوان لابن عمار في الخروج من أستاره وأجرى له أرزاقه على أن يقيم بداره واضطرب الشأم فانتقض أهل صور وقام بها رجل ملاح اسمه القلاقة وانتقض مفرج بن دغفل بن الجراح ونزل على الرملة وعاث في البلاد وزحف الدوقش
[ 57 ]
ملك الروم إلى حصن أفامية محاصر الها وجهز برجوان العساكر مع جيش ابن الصمصامة فسار إلى عبد الله الحسين بن ناصر الدولة بن حمدون واسطولا في البحر واستنجد القلاقة ملك الروم فأنجده بالمقاتلة في المراكب فظفر بهم أسطول المسلمين واضطرب أهل صور وملكها ابن حمدان وأسر القلاقة وبعث به إلى مصر فسلخ وصلب وسار جيش ابن الصمصامة إلى الفرج بن دغفل فهرب امامه ووصل إلى دمشق وتلقاه أهلها مذعنين وأحسن إليهم وسكنهم ورفع أيدى العدوان عنهم ثم سار إلى أفامية وصاف الروم عندها فانهزم أولا هو وأصح