الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 تاريخ ابن خلدون - ابن خلدون ج 3

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون ج 3


[ 1 ]

تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر، وديوان المبتدإ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر لوحيد عصره العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المغربي المتوفى سنة 808 هجرية الجزء الثالث 1391 ه‍. - 1971 م. منشورات مؤسسه الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب. 7120

[ 2 ]

* (بسم الله الرحمن الرحيم) * (كان) لبنى عبد مناف في قريش جمل من العدد والشرف لا يناهضهم فيها أحد من سائر بطون قريش وكان فخذ اهم بنو أمية وبنو هاشم حيا جميعا ينتمون لعبد مناف وينسبون إليه وقريش تعرف ذلك وتسأل لهم الرياسة عليهم الا أن بنى أمية كانوا أكثر عددا من بنى هاشم وأوفر رجالا والعزة انما هي بالكثرة قال الشاعر وانما العزة للكاثر * وكان لهم قبيل الاسلام شرف معروف انتهى إلى حرب أمية وكان رئيسهم في حرب الفجار وحدث الاخباريون أن قريشا تواقعوا ذات يوم وحرب هذا مسند ظهره إلى الكعبة فتبادر إليه غلمة منهم ينادون يا عم أدرك قومك فقام يجر ازاره حتى اشرف عليهم من بعض الربا ولوح بطرف ثوبه إليهم أن تعالوا فبادرت الطائفتان إليه بعد أن كان حمى وطيسهم (ولما) جاء الاسلام ودهش الناس لما وقع من أمر النبوة والوحى وتنزل الملائكة وما وقع من خوارق الامور ونسى الناس أمر العصبية مسلمهم وكافرهم أما المسلمون فنهاهم الاسلام عن أمور الجاهلية كما في الحديث ان الله أذهب عنكم غبية الجاهلية وفخرها لاننا وأنتم بنو آدم وآدم من تراب وأما المشركون فشغلهم ذلك الامر العظيم عن شان العصائب وذهلوا

[ 3 ]

عنه حينا من الدهر ولذلك لما افترق أمر بنى أمية وبنى هاشم بالاسلام انما كان ذلك الافتراق بحصار بنى هاشم في الشعب لا غير ولم يقع كبير فتنة لاجل نسيان العصبيات والذهول عنها بالاسلام حتى كانت الهجرة وشرع الجهاد ولم يبق الا العصبية الطبيعية التى لا تفارق وهى بعزة الرجل على أخيه وجاره في القتل والعدوان عليه فهذه لا يذهبها شئ ولا هي محظورة بل هي مطلوبة ونافعة في الجهاد والدعاء إلى الدين ألا ترى إلى صفوان بن أمية وقوله عند ما انكشف المسلمون يوم حنين وهو يومئذ مشرك في المدة التى جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يسلم فقال له أخوه ألا بطل السحر اليوم فقال له صفوان اسكت فض الله فاك لان يربنى رجل من قريش أحب إلى من أن يربنى رجل من هوازن ثم ان شرف بنى عبد مناف لم يزل في بنى عبد شمس وبنى هاشم فلما هلك أبو طالب وهاجر بنوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة كذلك ثم من بعده العباس والكثير من بنى عبد المطلب وسائر بنى هاشم خلا الجو حينئذ من مكان بنى هاشم بمكة واستغلظت رياسة بنى أمية في قريش ثم استحكمتها مشيخة قريش من سائر البطون في بدر وهلك فيها اعظماء بنى عبد شمس عتبة وربيعة والوليد وعقبة بن أبى معيط وغيرهم فاستقل أبو سفيان بشرف بنى أمية والتقدم في قريش وكان رئيسهم في أحد وقائدهم في الاحزاب وما بعدها (ولما كان الفتح) قال العباس للنبى صلى الله عليه وسلم لما أسلم أبو سفيان ليلتئذ كما هو معروف وكان صديقا له يا رسول الله ان أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له ذكرا فقال من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ثم من على قريش بعد أن ملكهم يومئذ وقال اذهبوا فأنتم الطلقاء وأسلموا وشكت مشيخة قريش بعد ذلك لابي بكرما وجدوه في أنفسهم من التخلف عن رتب المهاجرين الاولين وما بلغهم من كلام عمر في تركه شوراهم فاعتذر لهم أبو بكر وقال أدركوا اخوانكم بالجهاد وأنفذهم لحروب الردة فأحسنوا الغناء عن الاسلام وقوموا الاعراب عن الحيف والميل ثم جاء عمر فرمى بهم الروم وأرغب قريشا في النفير إلى الشأم فكان معظمهم هنالك واستعمل يزيد بن أبى سفيان على الشأم وطال أمد ولايته إلى أن هلك في طاعون عمواس سنة ثمانى عشرة فولى مكانه أخاه معاوية وأقره عثمان من بعد عمر فاتصلت رياستهم على قريش في الاسلام برياستهم قبيل الفتح التى لم تحل صبغتها ولا ينسى عهدها أيام شغل بنى هاشم بأمر النبوة ونبذوا الدنيا من أيديهم بما اعتاضوا عنها من مباشرة الوحى وشرف القرب من الله برسوله وما زال الناس يعرفون ذلك لبنى أمية وانظر مقالة حنظلة بن زياد الكاتب لمحمد بن أبى بكر ان هذا الامر ان صار إلى التغالب غلبك عليه بنو عبد مناف

[ 4 ]

(ولما هلك عثمان) واختلف الناس على على كانت عساكر على أكثر عدد المكان الخلافة والفضل الا أنها من سائر القبائل من ربيعة ويمن وغيرهم وجموع معاوية انما هي جند الشأم من قريش شوكة مضر وبأسهم نزلوا بثغور الشأم منذ الفتح فكانت عصبيته أشد وأمضى شوكة ثم كسر من جناح على ما كان من أمر الخوارج وشغله بهم إلى أن ملك معاوية وخلع الحسن نفسه واتفقت الجماعة على بيعة معاوية في منتصف سنة احدى وأربعين عند ما نسى الناس شأن النبوة والخوارق ورجعوا إلى أمر العصبية والتغالب وتعين بنو أمية للغلب على مضر وسائر العرب ومعاوية يومئذ كبيرهم فلم تتعده الخلافة ولا ساهمه فيها غيره فاستوت قدمه واستفحل شأنه واستحكمت في أرض مصر رياسته وتوثق عقده وأقام في سلطانه وخلافته عشرين سنة ينفق من بضاعة السياسة التى لم يكن أحد من قومه أو فر فيها منه يدا من أهل الترشيح من ولد فاطمة وبنى هاشم وآل الزبير وأمثالهم ويصانع رؤس العرب وقروم مضر بالاغضاء والاحتمال والصبر على الاذى والمكروه وكانت غايته في الحلم لا تدرك وعصابته فيها لا تنزع ومرقاته فيها تزل عنها الاقدام (ذكر) أنه مازح عدى بن حاتم يوما يؤنبه بصحبة على فقال له عدى والله ان القلوب التى أبغضناك بها لفى صدورنا وان السيوف التى قاتلناك بها لعلى عواتقنا ولئن أدنيت الينا من الغدر شبرا لندنين اليك من الشر باعا وان حز الحلقوم وحشرجة الحيزوم لاهون علينا من أن نسمع المساءة في على فشم السيف يا معاوية يبعث السيف فقال معاوية هذه كلمات حق فاكتبوها وأقبل عليه ولاطفه وتحادثا وأخباره في الحلم كثيرة * (بعث معاوية العمال إلى الامصار) * لما استقل معاوية بالخلافة عام عدم الجماعة بعث العمال إلى الامصار فبعث على الكوفة المغيرة بن شعبة ويقال انه ولى عليها أولا عبد الله بن عمرو بن العاص فأتاه المغيرة منتصحا وقال عمرو بمصر وابنه بالكوفة فأنت بين نابى أسد فعزله وولى المغيرة وبلغ ذلك عمرا فقال لمعاوية يختان المال فلا تقدر على رده فعد فاستعمل من يخافك فنصب المغيرة على الصلاة وولى على الخراج غيره وكان على القضاء شريح (ولما ولى) المغيرة على الكوفة استعمل كثير بن شهاب على الرى وأقره زياد بعده وكان يغزو الديلم ثم بعث على البصرة بسر بن أرطاة وكان قد تغلب عليها حمران بن زيد عند صلح الحسن مع معاوية فبعث بسرا عليها فخطب الناس وتعرض لعلى ثم قال نشدت الله رجلا يعلم أنى صادق أو كاذب ولا صدقنى أو كذبني فقال أبو بكرة اللهم لا نعلمك الا كاذبا فأمر به فخنق فقام أبو لؤلؤة الضبى فدفع عنه وكان على فارس من أعمال

[ 5 ]

البصرة زياد ابن أبيه وبعث إليه معاوية يطلبه في المال فقال صرفت بعضه في وجهه واستودعت بعضه للحاجة إليه وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمه الله فكتب إليه معاوية بالقدوم لينظر في ذلك فامتنع فلما ولى بسر على البصرة جمع عنده أولاد زياد والاكابر عبد الرحمن وعبد الله وعباد وكتب إليه لتقدمن أو لاقتلن بنيك فامتنع واعتزم بسر على قتلهم فأتاه أبو بكرة وكان أخا زياد لامه فقال أخذتهم بلا ذنب وصالح الحسن على أصحاب على حيث كانوا فأمهله بسر إلى أن يأتي بكتاب معاوية ثم قدم أبو بكرة على معاوية وقال ان الناس لم يبايعوك على قتل الاطفال وان بسرا يريد قتل بنى زياد فكتب إليه بتخليتهم وجاء إلى البصرة يوم المهاد ولم يبق منه الا ساعة وهم موثقون للقتل فأدركهم وأطلقهم انتهى (ثم عزل) معاوية بسرا عن البصرة وأراد أن يولى عتبة ابن أبى سفيان فقال له ابن عامر ان لى بالبصرة أموالا وودائع وان لم تولني عليها ذهبت فولاه وجعل إليه معها خراسان وسجستان وقدمها سنة احدى وأربعين فولى على خراسان قيس بن الهيثم السلمى وكان أهل بلخ وباذغيس وهراة ويوشلخ قد نضوا فسار إلى بلخ وحاصرها حتى سألوا الصلح وراجعوا الطاعة وقيل انما صالحهم الربيع ابن زياد سنة احدى وخمسين على ما سيأتي (ثم قدم) قيس على ابن عامر فضربه وحبسه وولى مكانه عبد الله بن حازم وقدم خراسان فأرسل إليه أهل هراة وباذغيس ويوشلخ في الامان والصلح فأجابهم وحمل لابن عامر مالا انتهى (ثم ولى) معاوية سنة اثنتين وأربعين على المدينة مروان بن الحكم وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام واستقصى مروان عبد الله بن الحرث بن نوفل وعزل مروان عن المدينة سنة تسع وأربعين وولى مكانه سعد بن العاص وذلك لثمان سنين من ولايته وجعل سعيدا على القضاء ابن عبد الرحمن مكان عبد الله بن الحرث ثم عزل معاوية سعيدا سنة أربع وخمسين ورد إليها مروان (قدوم زياد) وكان زياد قد امتنع بفارس بعد مقتل على كما قدمناه وكان عبد الرحمن ابن أخيه أبى بكرة يلى أمواله بالبصرة ورفع إلى معاوية أن زيادا استودع أمواله عبد الرحمن فبعث إلى المغيرة بالكوفة أن ينظر في ذلك فأحضر عبد الرحمن وقال له ان يكن أبوك أساء إلى فقد أحسن عمك وأحسن العذر عند معاوية (ثم قدم المغيرة) على معاوية فذكر له ما عنده من الوجل باعتصام زياد بفارس فقال داهية العرب معه أموال فارس يدبر الحيل فما آمن أن يبايع لرجل من أهل البيت ويعيد الحرب خدعة فاستأذنه المغيرة أن يأتيه ويتلطف له ثم أتاه وقال ان معاوية بعثنى اليك وقد بايعه الحسن ولم يكن هناك غيره فخذ لنفسك قبل أن يستغنى معاوية عنك قال أشر على

[ 6 ]

والمستشار مؤتمن فقال أرى أن تشخص إليه وتصل حبلك بحبله وترجع عنه فكتب إليه معاوية بأمانه وخرج زياد من فارس نحو معاوية ومعه المنجاب بن رابد الضبى وحارثة بن بدر الغدانى واعترضه عبد الله بن حازم في جماعة وقد بعثه ابن عامر ليأتيه به فلما رأى كتاب الامان تركه وقدم على معاوية فسأله عن أموال فارس فأخبره بما أنفق وبما حمل إلى على وبما بقى عنده مودعا للمسلمين فصدقه معاوية وقبضه منه ويقال انه قال له أخاف أن تكون مكر وبابى فصالحني فصالحه على ألفى ألف درهم بعث بها إليه واستأذنه في نزول الكوفة فأذن له وكان المغيرة يكرمه ويعظمه وكتب إليه معاوية أن يلزم زيادا وحجر بن عدى وسليمان بن صرد وسيف بن ربعى وابن الكوا وابن الحميق بالصلاة في الجماعة فكانوا يحضرون معه الصلوات (عمال ابن عامر على الثغور) لما ولى ابن عامر على البصرة استعمل عبد الرحمن بن سمرة على سجستان فأتاها وعلى شرطتها عباد بن الحصين ومعه من الاشراف عمر ابن عبيد الله بن معمر وغيره وكان أهل البلاد قد كفروا ففتح أكثرها حتى بلغ كابل وحاصرها أشهرا ونصب عليها المجانيق حتى ثلم سورها ولم يقدر المشركون على سد الثلمة وبات عباد بن الحسين عليها يطاعنهم إلى الصبح ثم خرجوا من الغد للقتال فهزمهم المسلمون ودخلوا البلد عنوة اه‍ (ثم سار) إلى نسف فملكها عنوة ثم إلى حسك فصالحه أهلها ثم إلى الرجح فقاتلوه وظفر بهم وفتحها اه‍ ثم إلى زابلستان وهى غزنة وأعمالها ففتحها ثم عاد إلى كابل وقد نكث أهلها ففتحها اه‍ (واستعمل) على ثغر الهند عبد الله بن سوار العبدى ويقال بل ولاه معاوية من قبله فغزا التيعان فأصاب مغنما ووفد على معاوية وأهدى له من خيولها ثم عاد إلى غزوهم فاستنجدوا بالترك وقتلوه وكان كريما في الغاية يقال لم يكن أحد يوقد النار في عسكره وسأل ذات ليلة عن نار رآها فقيل له خبيص يصنع لنفسا فأمر أن يطعم الناس الخبيص ثلاثة أيام (واستعمل) على خراسان قيس بن الهيثم فتغافل بالخراج والهدنة فولى مكانه عبد الله بن حاتم فخاف قيسا وأقبل فزاد ابن عامر غضبا لتضييعه الثغر وبعث مكانه رجلا من يشكر وقيل أسلم بن زرعة الكلابي اه‍ (ثم بعث) عبد الله بن حازم وقيل ان ابن حازم قال لابن عامر ان قيسا لا ينهض بخراسان وأخاف ان لقى قيس حربا أن ينهزم ويفسد خراسان فاكتب لى عهدا ان عجز عن عدو قمت مقامه فكتب وخرجت خارجة من طخارستان فأشار ابن حازم عليه أن يتأخر حتى يجتمع عليه الناس فلما سار غير بعيد أخرج ابن حازم عهده وقام بأمر الناس وهزم العدو وبلغ الخبر إلى الامصار فغضبت أصحاب قيس وقالوا خدع صاحبنا وشكوا إلى معاوية فاستقدمه فاعتذر

[ 7 ]

فقبل منه وقال له أقم في الناس بعذرك ففعل اه‍ (وفى سنة) ثلاث وأربعين توفى عمرو ابن العاص بمصر فاستعمل معاوية مكانه عبد الله ابنه (عزل ابن عامر) وكان ابن عامر حليما لينا للسفهاء فطرق البصرة الفساد من ذلك وقال له زياد جرد السيف فقال لا أصلح الناس بفساد نفسي ثم بعث وفدا من البصرة إلى معاوية فوافقوا عنده وفد الكوفة ومنهم ابن الكوا وهو عبد الله بن أبى أوفى اليشكرى فلما سألهم معاوية عن الامصار أجابه ابن الكوا بعجز ابن عامر وضعفه فقال معاوية تتكلم على أهل البصرة وهم حضور وبلغ ذلك ابن عامر فغضب وولى على خراسان من أعداء ابن الكوا عبد الله بن أبى شيخ اليشكرى أو طفيل بن عوف فسخر منه ابن الكوا لذلك وقال وددت أنه ولى كل يشكرى من أجل عداوتي ثم ان معاوية استقدم ابن عامر فقدم وأقام أياما فلما ودعه قال انى سائلك ثلاثا قال هن لك قال ترد على عملي ولا تغضب وتهب لى مالك بعرفة ودورك بمكة قال قد فعلت قال وصلتك رحم فقال ابن عامر وانى سائلك ثلاثا ترد على عملي بعرفة ولا تحاسب لى عاملا ولا تتبع لى أثرا وتنكحني ابنتك هندا قال قد فعلت ويقال ان معاوية خيره بين أن يرده على اتباع أثره وحسابه بما سار إليه أو يعزله ويسوغه ما أصاب فاختار الثالثة فعزله وولى مكانه الحرث بن عبد الله الازدي (استخلاف زياد) كانت سمية أم زياد مولاة للحرث بن كندة الطبيب وولدت عنده أبا بكرة ثم زوجها بمولى له وولدت زياد أو كان أبو سفيان قد ذهب إلى الطائف في بعض حاجاته فأصابها بنوع من أنكحة الجاهلية وولدت زيادا هذا ونسبه إلى أبى سفيان وأقر لها به الا أنه كان بخفية ولما شب زياد سمت به النجابة واستكتبه أبو موسى الاشعري وهو على البصرة واستكفاه عمر في أمر فحسن منار دينه وحضر عنده يعلمه بما صنع فأبلغ ما شاء في الكلام فقال عمرو بن العاص وكان حاضر الله هذا الغلام لو كان أبوه من قريش ساق العرب بعصاه قال أبو سفيان وعلى يسمع والله انى لاعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه فقال له على اسكت فلو سمع عمر هذا منك كان اليك سريعا ثم استعمل على زيادا على فارس فضبطها وكتب إليه معاوية يتهدده ويعرض له بولادة أبى سفيان اياه فقام في الناس فقال عجبا لمعاوية يخوفني دين ابن عم الرسول في المهاجرين والانصار وكتب إليه على انى وليتك وأنا أراك أهلا وقد كان من أبى سفيان فلتة من آمال الباطل وكذب النفس لا توجب ميراثا ولا نسبا ومعاوية يأتي الانسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فاحذر ثم احذر والسلام اه‍ ولما قتل على وصالح زياد معاوية وضع مصقلة بن هبيرة

[ 8 ]

الشيباني على معاوية ليعرض له بنسب أبى سفيان ففعل ورأى معاوية أن يميله باستلحاقه فالتمس الشهادة بذلك ممن علم لحوق نسبه بأبى سفيان فشهد له رجال من أهل البصرة وألحقه وكان أكثر شيعة على ينكرون ذلك ويتقمونه على معاوية حتى أخوه أبو بكرة (وكتب زياد) إلى عائشة في بعض الاحيان من زياد بن أبى سفيان يستدعى جوابها بهذا النسب ليكون له حجة فكتبت إليه من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها زياد وكان عبد الله عامر يبغض زيادا وقال يوما لبعض أصحابه من عبد القيس بن سمية يقبح آثارى ويعترض عمالى لقد هممت بقسامة من قريش ان أبا سفيان لم ير سمية فأخبر زياد بذلك فأخبر به معاوية فأمر حاجبه أن يرده من أقصى الابواب وشكا ذلك إلى يزيد فركب معه فأدخله على معاوية فلما رآه قام من مجلسه ودخل إلى بيته فقال يزيد نقعد في انتظاره فلم يزالا حتى عدا ابن عامر فيما كان منه من القول وقال انى لا أتكثر بزياد من قلة ولا أتعزز به من ذلة ولكن عرفت حق الله فوضعته موضعه فخرج ابن عامر وترضى زيادا ورضى له معاوية (ولاية زياد البصرة) كان زياد بعد صلح معاوية واستلحاقه نزل الكوفة وكان يتشوف الامارة عليها فاستثقل المغيرة ذلك منه فاستعفي معاوية من ولاية الكوفة فلم يعفه فيقال انه خرج زياد إلى الشأم ثم ان معاوية عزل الحرث بن عبد الله الازدي عن البصرة وولى عليها زيادا سنة خمس وأربعين وجمع له خراسان وسجستان ثم جمع له السند والبحرين وعمان وقدم البصرة فخطب خطبته البتراء وهى معروفة وانما سميت البتراء لانه لم يفتنحها بالحمد والثناء فحذرهم في خطبته ما كانوا عليه من الانهماك في الشهوات والاسترسال في الفسق والضلال وانطلاق أيدى السفهاء على الجنايات وانتهاك الحرم وهم يدنون منهم فأطال في ذلك عنفهم ووبخهم وعرفهم ما يجب عليهم في الطاعة من المناصحة والانقياد للائمة وقال لكم عندي ثلاث لا أحتجب عن طالب حاجة ولو طرقني ليلا ولا أحبس العطاء عن اباية ولا أحمر البعوث فلما فرغ من خطبته قال له عبد الله بن الاهم أشهد أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب قال كذبت ذاك نبى الله داود ثم استعمل على شرطته عبد الله بن حصين وأمره أن يمنع الناس من الولوج بالليل وكان قد قال في خطبته لا أوتى بمدلج الا سفكت دمه وكان يأمر بقراءة سورة البقرة بعد صلاة العشاء مؤخرة ثم يمهل بقدر ما يبلغ الرجل أقصى البصرة ثم يخرج صاحب الشرطة فلا يجد أحدا الا قتله وكان أول من شدد أمر السلطان وشيد الملك فجرد السيف وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة وخافه السفها والذعار وأمن الناس على أنفسهم ومتاعهم حتى كان الشئ يسقط من يد الانسان

[ 9 ]

فلا يتعرض له أحد حتى يأتي صاحبه فيأخذه ولا يغلق أحديا وأدر العطاء واستكثر من الشرط فبلغوا أربعة آلاف وسئل في اصلاح السابلة فقال حتى أصلح المصر فلما ضبطه أصلح ما وراءه وكان يستعين بعدة من الصحابة منهم عمران بن حصين ولاه قضاء البصرة فاستعفي فولى مكانه عبد الله بن فضالة الليثى ثم أخاه عاصما ثم زرارة بن أوفى وكانت أخته عند زياد وكان يستعين بأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وسمرة بن جندب ويقال ان زياد أول من سير بين يديه بالحراب والعمد واتخذ الحرس رابطة فكان خمسمائة منهم لا يفارقون المسجد ثم قسم ولاية خراسان على أربعة فولى على مرو أمين ابن أحمد اليشكرى وعلى نيسابور خليد بن عبد الله الحنفي وعلى مروالروذ والعاربات والطالقات قيس بن الهيتم وعلى هراة وبادغيس وبوشنج نافع بن خالد الطاحى ثم ان نافعا بعث إليه بجواد باهر غنمه في بعض وجوهه وكانت قوائمه منه فأخذ منها قائمة وجعل مكانها أخرى ذهبا وبعث الجواد مع غلامه زيد وكان يتولى أموره فسعى فيه عند زياد بأمر تلك القائمة فعزله وحبسه وأغرمه مائة ألف كتب عليه بها كتابا وقيل ثمانمائة ألف وشفع فيه رجال من الازد فأطلقه واستعمل مكانه الحكم بن عمرو الغفاري وجعل معه رجالا على الجباية منهم أسلم بن زرعة الكلابي وغزا الحكم طخارستان فغنم غنائم كثيرة ثم سار سنة سبع وأربعين إلى جبال الغور وكانوا قد ارتدوا ففتح وغنم وسبى وعبر النهر في ولايته إلى ما وراءه فلاه غارة ولما رجع من غزاة الغور مات بمرو واستخلف على عمله أنس بن أبى أناس بن ربين فلم يرضه زياد وكتب إلى خليد بن عبد الله الحنفي بولاية خراسان ثم بعث الربيع بن زياد المحاربي في خمسين ألفا من البصرة والكوفة (طوائف الشأم) ودخل المسلمون سنة اثنتين وأربعين إلى بلاد الروم فهزموهم رقتلوا جماعة من البطارقة وأثخنوا فيها ثم دخل بسر بن أرطاة أرضهم سنة ثلاث وأربعين ومشى بها وبلغ القسطنطينية ثم دخل عبد الرحمن بن خالد وكان على حمص فشتى بهم وغزاهم بسر تلك السنة في البحر ثم دخل عبد الرحمن إليها سنة ست وأربعين فشتى بها وشتى أبو عبد الرحمن السبيعى على انطاكية ثم دخلوا سنة ثمان وأربعين فشتى عبد الرحمن بانطاكية أيضا ودخل عبد الله بن قيس الفزارى في تلك السنة بالصائفة وغزاهم مالك بن هبيرة اليشكرى في البحر وعقبة بن عامر الجهنى في البحر أيضا بأهل مصر وأهل المدينة ثم دخل مالك بن هبيرة سنة تسع وأربعين فشتى بأرض الروم ودخل عبد الله بن كرز الجيلى بالصائفة وشتى يزيد بن غرة الرهاوى في بلاد الروم بأهل الشأم في البحر وعقبة بن نافع بأهل مصر كذلك (ثم) بعث معاوية سنة خمسين جيشا كثيفا إلى بلاد الروم مع سفيان بن عوف وندب يزيد ابنه معهم فتثاقل فتركه ثم بلغ

[ 10 ]

الناس أن الغزاة أصابهم جوع ومرض وبلغ معاوية أن يزيد أنشد في ذلك ما ان أبالى بما لاقت جموعهم * بالفد فدا لبيد من حمى ومن شوم * إذا اتطأت على الانماط مرتفقا * بدير مران عندي أم كلثوم * وهى امرأته بنت عبد الله بن عامر فحلف ليلحقن بهم فسار في جمع كثير جمعهم إليه معاوية فيهم ابن عباس وابن عامر وابن الزبير وأبو أيوب الانصاري فأوغلوا في بلاد الروم وبلغوا القسطنطينية وقاتلوا الروم عليها فاستشهد أبو أيوب الانصاري ودفن قريبا من سورها ورجع يز والعساكر إلى الشأم ثم شتى فضالة بن عبيد بأرض الروم سنة احدى وخمسين وغزا بسر بن أرطاة الصائفة (وفاة المغيرة) توفى المغيرة وهو عامل على الكوفة سنة خمسين بالطاعون وقيل سنة تسع وأربعين وقيل سنة احدى وخمسين فولى مكانه معاوية زيادا وجمع له المصرين فسار زياد إليها واستخلف على البصرة سمرة بن جندب فلما وصل الكوفة خطبهم فحصبوه على المنبر فلما نزل جلس على كرسى وأحاط أصحابه بأبواب المسجد يأتونه بالناس يستحلفهم على ذلك ومن لم يحلف حبسه فبلغوا ثمانين واتخذ المقصورة من يوم حبس ثم بلغه عن أوفى بن حسين شئ فطلبه فهرب ثم أخذه فقتله وقال له عمارة بن عتبة بن أبى معيط ان عمر بن الحمق يجتمع إليه شيعة على فأرسل إليه زياد ونهاه عن الاجتماع عنده وقال لا أبيح أحدا حتى يخرج على وأكثر سمرة بن جندب اليتامى بالبصرة يقال قتل ثمانية آلاف فأنكر ذلك عليه زياد اه‍ (كان عمرو بن العاص) قبل وفاته استعمل عقبة بن عامر بن عبد قيس على افريقية وهو ابن خالته انتهى إلى لواته ومرانه فأطاعوا ثم كفروا فغزاهم وقتل وسبى ثم افتتح سنة اثنتين وأربعين غذا مس وفى السنة التى بعدها ودان وكورا من كور السودان وأثخن في تلك النواحى وكان له فيها جهاد وفتوح ثم ولاه معاوية على افريقية سنة خمسين وبعث إليه عشرة آلاف فارس فدخل افريقية وانضاف إليه مسلمة البربر فكبر جمعه ووضع السيف في أهل البلاد لانهم كانوا إذا جاءت عساكر المسلمين أسلموا فإذا رجعوا عنهم ارتدوا فرأى أن يتخذ مدينة يعتصم بها العساكر من البربر فاختط القيروان وبنى بها المسجد الجامع وبنى الناس مساكنهم ومساجدهم وكان دورها ثلاثة آلاف باع وستمائة باع وكملت في خمس سنين وكان يغزو ويبعث السرايا للاغارة والنهب ودخل أكثر البربر في الاسلام واتسعت خطة المسلمين ورسخ الدين ثم ولى معاوية على مصر وافريقية مسلمة بن مخلد الانصاري واستعمل على افريقية مولاه أبا المهاجر فأساء عزل عقبة واستخف به فسير ابن مخلد الانصاري عقبة إلى معاوية

[ 11 ]

وشكا إليه فاعتذر له ووعده برده إلى عمله ثم ولاه يزيد سنة اثنين وستين (وذكر) الواقدي أن عقبة ولى افريقية سنة ست وأربعين فاختط القيروان ثم عزله يزيد سنة اثنتين وستين بأبى المهاجر فحينئذ قبض على عقبة وضيق عليه فكتب إليه يزيد يبعثه إليه وأعاده واليا على افريقية فحبس أبا المهاجر إلى أن قتلهم جميعا كسلة ملك البرانس من البربر كما نذكر بعد * (كان المغيرة بن شعبة أيام امارته على الكوفة) كثيرا ما يتعرض لعلى في مجالسه وخطبه ويترحم على عثمان ويدعو له فكان حجر بن عدى إذا سمعه يقول بلاياكم قد أضل الله ولعن ثم يقول أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل ومن تزكون أحق بالذم فبعث له المغيرة يقول يا حجر اتق غضب السطان وسطوته فانها تهلك أمثالك لا يزيده على ذلك (ولما كان) آخر امارة المغيرة قال في بعض أيامه مثل ما كان يقول فصاح به حجر ثم قال له مرلنا بأرزاقنا فقد حبستها منا وأصبحت مولعا بذم المؤمنين وصاح الناس من جوانب المسجد صدق حجر فمرلنا بأرزاقنا فالذي أنت فيه لا يجدى علينا نفعا فدخل المغيرة إلى بيته وعذله قومه في جراءة حجر عليه يوهن سلطانه ويسخط عليه معاوية فقال لا أحب أن آتى بقتل أحد من أهل المصر وسيأتى بعدى من يصنع معه مثل ذلك فيقتله ثم توفى المغيرة وولى زياد فلما قدم خطب الناس وترحم على عثمان ولعن قاتليه وقال حجر ما كان يقول فسكت عنه ورجع إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث وبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة على ويعلنون بلعن معاوية والبراءة منهم وانهم حصبوا عمرو بن حريث فشخص إلى الكوفة حتى دخلها ثم خطب الناس وحجر جالس يسمع فتهدده وقال لست بشئ ان لم أمنع الكوفة من حجر وأودعه نكالا لمن بعده ثم بعث إليه فامتنع من الاجابة فبعث صاحب الشرطة شداد بن الهيثم الهلالي إليه جماعة فسبهم أصحابه فجمع زياد أهل الكوفة وتهددهم فتبرؤا فقال ليدع كل رجل منكم عشيرته الذين عند حجر ففعلوا حتى إذا لم يبق معه الا قومه قال زياد لصاحب الشرطة انطلق إليه فأت به طوعا أو كرها فلما جاءه يدعوه امتنع من الاجابة فحمل عليهم وأشار إليه أبو العمرطة الكندى بأن يلحق بكندة فمنعوه هذا وزياد على المنبر ينتظر ثم غشيهم أصحاب زياد وضرب عمرو بن الحمق فسقط ودخل في دور الازد فاختفى وخرج حجر من أبواب كندة فركب ومعه أبو العمرطة إلى دور قومه واجتمع إليه الناس ولم يأته من كندة الا قليل ثم أرسل زياد وهو على المنبر مذحج وهمدان ليأتوه بحجر فلما علم أنهم قصدوه تسرب من داره إلى النخع ونزل على أخى الاشتر وبلغه أن الشرطة تسأل عنه في النخع فأتى الازد واختفى عند ربيعة بن ناجد وأعياهم طلبه فدعا حجر محمد بن الاشعث أن يأخذ له

[ 12 ]

أمانا من زياد حتى يبعث به إلى معاوية فجاء محمد ومعه جرير بن عبد الله وحجر بن يزيد وعبد الله بن الحرث أخو الاشتر فاستأمنوا له زيادا فأجابهم ثم أحضروا حجرا فحبسه وطلب أصحابه فخرج عمرو بن الحمق إلى الموصل ومعه زواعة بن شداد فاختفى في جبل هناك ورفع أمرهما إلى عامل الموصل وهو عبد الرحمن بن عثمان الثقفى ابن أخت معاوية ويعرف بابن أم الحكم فسار اليهما وهرب زواعة وقبض على عمرو وكتب إلى معاوية بذلك فكتب إليه انه طعن عثمان سبعا بمشاقص كانت معه فاطعنه كذلك فمات في الاولى والثانية ثم جد زياد في طلب أصحاب حجر وأتى بقبيصة بن ضبعة العبسى بأمان فحبسه وجاء قيس بن عباد الشبلى برجل من قومه من أصحاب حجر فأحضره زياد وسأله عن على فأثنى عليه فضربه وحبسه وعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الاشعث ثم دخل بيته في الكوفة وسعى به إلى الحجاج فقتله ثم أرسل زياد إلى عبد الله ابن خليفة الطائى من أصحاب حجر فتوارى وجاء الشرط فأخذوه ونادت أخته الفرار بقومه فخلصوه فأخذ زياد عدى بن حاتم وهو في المسجد وقال ائتنى بعبد الله وخبره جهرة فقال آتيك بابن عمى تقتله والله لو كان تحت قدمى ما رفعتهما عنه فحبسه فنكر ذلك الناس وكلموه وقالوا تفعل هذا بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبير طيئ قال أخرجه على أن يخرج ابن عمه عنى فأطلقه وأمر عدى عبد الله أن يلحق بجبل طيئ فلم يزل هنالك حتى مات وأتى زياد بكريم بن عفيف الخثعمي من أصحاب حجر وغيره ولما جمع منهم اثنى عشر في السجن دعا رؤس الارباع يومئذ وهم عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان وقيس ابن الوليد على ربع ربيعة وكندة وأبو بردة بن أبى موسى على ربع مذحج وأسد فشهدوا كلهم أن حجرا جمع الجموع وأظهر شتم معاوية ودعا إلى حربه وزعم أن الامر لا يصلح الا في الطالبيين ووثب بالمصر وأخرج لعامل وأظهر غدر أبى تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه وأن النفر الذين معه وهم رؤس أصحابه على مقدم رأيه ثم استكثر زياد من الشهود فشهد اسحق وموسى ابنا طلحة والمنذر ابن الزبير وعمارة بن عقبة بن أبى معيط وعمر بن سعد بن أبى وقاص وغيرهم وفى الشهود شريح بن الحرث وشريح بن هانئ ثم استدعى زياد وائل بن حجر الحضرمي وكثير ابن شهاب ودفع اليهما حجر بن عدى وأصحابه وهم الارقم بن عبد الله الكندى وشريك ابن شداد الحضرمي وصيفى بن فضيل الشيباني وقبيصة بن ضبيعة العبسى وكريم ابن عفيف لخثعمي وعاصم بن عوف البجلى وورقاء بن سمى البجلى وكرام بن حبان العنزي وعبد الرحمن بن حسان العنزي ومحرز بن شهاب التميمي وعبد الله بن حوية

[ 13 ]

السعدى تم أتبع هؤلاء الاحدى عشر بعتبة بن الاخنس من سعد بن بكر وسعد بن غوات الهمداني وأمرهما أن يسيرا بهم إلى معاوية ثم لحقهما شريح بن هانئ ودفع كتابه إلى معاوية بن وائل ولما انتهوا إلى مرج غدراء قريب دمشق تقدم ابن وائل وكثير إلى معاوية فقرأ كتاب شريح وفيه بلغني أن زيادا كتب شهادتى وانى أشهد على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حرام الدم والمال فان شئت فاقبله أو فدعه فقال معاوية ما أرى هذا الا أخرج نفسه من شهادتكم وحبس القوم بمرج غدراء حتى لحقهم عتبة بن الاخنس وسعد بن غوات اللذين ألحقهما زياد بهما وجاء عامر بن الاسود العجيلى إلى معاوية فأخبره بوصولهما فاستوهب يزيد بن أسد البجلى عاصما وورقاء ابني عمه وقد كتب يزيد يزكيهما ويشهد ببرأتهما فأطلقهما معاوية وشفع وائل بن حجر في الارقم وأبو الاعور السلمى في ابن الاخنس وحبيب بن سلمة في أخويه فتركهم وسأله مالك بن هبيرة السكوتي في حجر فرذه فغضب وحبس في بيته وبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعى والحسين بن عبد الله الكلابي وأبا شريف البدرى إلى حجر وأصحابه ليقتلوا منهم من أمرهم بقتله فأتوهم وعرض عليهم البراءة من على فأبوا وصلوا عامة ليلتهم ثم قدموا من الغد للقتل وتوضأ حجر وصلى وقال لولا أن يظنوا بى الجزع من الموت لاستكثرت منها اللهم انا نستعديك على أمشاء أهل الكوفة يشهدون علينا وأهل الشأم يقتلوننا ثم مشى إليه هدبة بن فياض بالسيف فارتعد فقالوا كيف وأنت زعمت أنك لا تجزع من الموت فابرأ من صاحبك وندعك فقال ومالى لا أجزع وأنا بين القبر والكفن والسيف وان جزعت من الموت لا أقول ما يسخط الرب فقتلوه وقتلوا ستة معه وهم شريك بن شداد وصيفى بن فضيل وقبيصة بن حنيفة ومحرز بن شهاب وكرام ابن حبان ودفنوهم وصلوا عليهم بعبد الرحمن بن حسان العنزي وجئ بكريم بن الخثعمي إلى معاوية فطلب منه البراءة من على فسكت واستوهبه سمرة بن عبد الله الخثعمي من معاوية فوهبه له على أن لا يدخل الكوفة فنزل إلى الموصل ثم سأل عبد الرحمن بن حسان عن على فأثنى خيرا ثم عن عثمان فقال أول من فتح باب الظلم وأغلق باب الحق فرده إلى زياد ليقتله شر قتلة فدفنه حيا وهو سابع القوم (وأما مالك) بن هبيرة السكوتي فلما لم يشفعه معاوية في حجر جمع قومه وسار ليخلصه وأصحابه فلقى القتلة وسألهم فقالوا مات القوم وسار إلى عدى فتيقن قتلهم فارسل في اثر القتلة فلم يدركوهم وأخبروا معاوية فقال تلك حرارة يجدها في نفسه وكانى بها قد طفئت ثم أرسل إليه بمائة ألف وقال خفت أن يعيد القوم حربا فيكون على المسلمين

[ 14 ]

أعظم من قتل حجر فطابت نفسه (ولما بلغ) عائشة خبر حجر وأصحابه أرسلت عبد الرحمن ابن الحرث إلى معاوية يشفع فيهم فجاء وقد قتلوا فقال لمعاوية أين غاب عنك حلم أبى سفيان فقال حيث غاب على مثلك من حلماء قومي وحملنى ابن سمية فاحتملت وأسفت عائشة لقتل حجر وكانت تثنى عليه وقيل في سياقة الحديث غير ذلك وهو أن زيادا أطال الخطبة في يوم جمعة فتأخرت الصلاة فأنكر حجر ونادى بالصلاة فلم يلتفت إليه وخشى فوت الصلاة فحصبه بكف من الحصباء وقام إلى الصلاة فقام الناس معه فخافهم زياد ونزل فصلى وكتب إلى معاوية وعظم عليه الامر فكتب إليه أن يبعث به موثقا في الحديد وبعث من يقبض عليه فكان ما مر ثم قبض عليه وحمله إلى معاوية فلما رآه معاوية أمر بقتله فصلى ركعتين وأوصى من حضره من قومه لا تفكوا عنى قيدا ولا تغسلوا دما فانى لاقى معاوية غدا على الجادة وقتل اه‍ (وقالت) عائشة لمعاوية أين حلمك عن حجر قال لم يحضرني رشيد اه‍ (وكان) زياد قد ولى الربيع بن زياد الحارثى على خراسان سنة احدى وخمسين بعد أن هلك حسن بن عمر الغفاري وبعث معه من جند الكوفة والبصرة خمسين ألفا فيهم بريدة بن الحصيب وأبو برزة الاسلمي من الصحابة وغزا بلخ ففتحها صلحا وكانوا انتقضوا بعد صلح الاحمق بن قيس ثم فتح قهستان عنوة واستلحم من كان بناحيتها من الترك ولم يفلت منهم الا قيزل طرخان وقتله قتيبة بن مسلم في ولايته فلما بلغ الربيع بن زياد بخراسان قتل حجر سخط ذلك وقال لا تزال العرب تقتل بعده صبرا ولو نكروا قتله منعوا أنفسهم من ذلك لكنهم أقروا فذلوا ثم دعا بعد صلاة جمعة لايام من خبره وقال للناس انى قد مللت الحياة وانى داع فأمنوا ثم رفع يديه وقال اللهم ان كان لى عندك خير فاقبضني اليك عاجلا وأمن الناس ثم خرج فما تواترت ثيابه حتى سقط فحمل إلى بيته واستخلف ابنه عبد الله ومات من يومه ثم مات ابنه بعده بشهرين واستخلف خليد بن عبد الله الحنفي وأقره زياد * (وفاة زياد) * ثم مات زياد في رمضان سنة ثلاث وخمسين بطاعون أصابه في يمينه يقال بدعوة ابن عمر وذلك أن زيادا كتب إلى معاوية انى ضبطت العراق بشمالي ويمينى فارغة فاشغلها بالحجاز فكتب له عهده بذلك وخاف أهل الحجاز وأتوا عبد الله بن عمر يدعو لهم الله أن يكفيهم ذلك فاستقبل القبلة ودعا معهم وكان من دعائه اللهم اكفناه ثم كان الطاعون فأصيب في يمينه فأشير عليه بقطعها فاستدعى شريحا القاضى فاستشاره فقال ان يكن الاجل فرغ فتلقى الله أجذم (1) كراهية في لقائه والا فتعيش أقطع ويعير ولدك فقال لا أبيت والطاعون في لحاف واحد واعتزم على قطعها فلما نظر إلى النار والمكاوى جزع وتركه وقيل تركه لاشاره شريح وعذل الناس

[ 15 ]

شريحا في ذلك فقال المستشار مؤتمن ولما حضرته الوفاة قال له ابنه قد هيأت لكفنك ستين ثوبا فقال يا بنى قد دنا لابيك لباس خير من لباسه ثم مات ودفن بالتوسة قرب الكوفة وكان يلبس القميص ويرقعه ولما مات استخلف على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد وكان خليفته على البصرة عبد الله بن عمر بن غيلان وعزل بعد ذلك عبد الله بن خالد عن الكوفة وولى عليها الضحاك بن قيس * (ولاية عبيد الله بن زياد على خراسان ثم على البصرة) * ولما قدم ابنه عبيد الله على معاوية وهو ابن خمس وعشرين سنة قال من استعمل أبوك على المصرين فأخبره فقال لو استعملك لاستعملتك فقال عبيد الله أنشدك الله أن يقول لى أحد بعدك لو استعملك أبوك وعمك استعملتك فولاه خراسان ووصاه فكان من وصيته اتق الله ولا تؤثرن على تقواه شيأ فان في تقواه عوضا وق عرضك من أن تدنسه وان أعطيت عهدا فأوف به ولا تتبعن كثيرا بقليل ولا يخرجن منك أمر حتى تبرمه فإذا خرج فلا يردن عليك وإذا لقيت عدوك فكبر أكبر من معك وقاسمهم على كتاب الله ولا تطمعن أحدا في غير حقه ولا تؤيس أحدا من حق هو له ثم ودعه فسار إلى خراسان أول سنة أربع وخمسين وقدم إليها أسلم بن زرعة الكلابي ثم قدم فقطع النهر إلى جبال بخارى على الابل ففتح رامين ونسف وسكند ولقيه الترك فهزمهم وكان مع ملكهم امرأنه خاتون فأعجلوها عن لبس خفيها فأصاب المسلمون احدهما وقوم بمائتي ألف درهم وكان عبيد الله ذلك اليوم يحمل عليهم وهو يطعن حتى يغيب عن أصحابه ثم يرفع رايته تقطر دما وكان هذا الزحف من زحوف خراسان المعدودة وكانت أربعة منها للاحنف بن قيس بقهستان والمرعات وزحف لعبد الله ابن حازم قضى فيه جموع فاران وأقام عبيد الله واليا على خراسان سنتين وولاه معاوية سنة خمس وخمسين على البصرة وذلك أن ابن غيلان خطب وهو أمير على البصرة فحصبه رجل من بنى ضبة فقطع يده فأتاه بنو ضبة يسألونه الكتاب إلى معاوية بالاعتذار عنه وانه قطع على أمر لم يصح مخافة أن يعاقبهم معاوية جميعا فكتب لهم وسار ابن غيلان إلى معاوية رأس السنة وأوفاه الضبيون بالكتاب فادعوا أن ابن غيلان قطع صاحبهم ظلما فلما قرأ معاوية الكتاب قال أما القود من عمالى فلا سبيل إليه ولكن أدى صاحبكم من بيت المال وعزل عبد الله بن غيلان عن البصرة واستعمل عليها عبيد الله ابن زياد فسار إليها عبيد الله وولى على خراسان أسلم بن زرعة الكلابي فلم يغز ولم يفتح * (العهد ليزيد) * ذكر الطبري بسنده قال قدم المغيرة على معاوية فشكا إليه الضعف فاستعفاه فاعفاه

[ 16 ]

وأراد أن يولى سعيد بن العاص وقال أصحاب المغيرة للمغيرة ان معاوية قلاك فقال لهم رويدا ونهض إلى يزيد وعرض له بالبيعة وقال ذهب أعيان الصحابة وكبراء قريش ورادوا أسنانهم وانما بقى أبناؤهم وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيا وسياسة وما أدرى ما يمنع أمير المؤمنين من العهد لك فأدى ذلك يزيد إلى أبيه واستدعاه وفاوضه في ذلك فقال قد رأيت ما كان من الاختلاف وسفك الدماء بعد عثمان وفى يزيد منك خلف فاعهد له يكون كهفا للناس بعدك فلا تكون فتنة ولا يسفك دم وأنا أكفيك الكوفة ويكفيك ابن زياد البصرة فرد معاوية المغيرة إلى الكوفة وأمره أن يعمل في بيعة يزيد فقدم الكوفة وذاكر من يرجع إليه من شيعة بنى أمية فأجابوه وأوفد منهم جماعة مع ابنه موسى فدعاه إلى عقد البيعة ليزيد فقال أو قد رضيتموه قالوا نعم نحن ومن وراءنا فقال ننظر ما قدمتم له ويقضى الله أمره والاناة خير من العجلة ثم كتب إلى زياد يستنيره بفكر وكف عن هدم دار سعيد وكتب سعيد إلى معاوية يعذله في ادخال الظعينة بين قرابته ويقول لو لم تكن بنى أب واحد لكانت قرابتنا ما جمعنا الله عليه من نصرة الخليفة المظلوم يجب عليك أن تدعى ذلك فاعتذر له معاوية وتنصل وقدم سعيد عليه وسأله عن مروان فأثنى خيرا فلما كان سنة سبع وخمسين عزل مروان وولى مكانه الوليد ابن عتبة بن أبى سفيان وقيل سنة ثمان * (عزل الضحاك عن الكوفة وولاية ابن أم الحكم ثم النعمان بن بشير) * عزل معاوية الضحاك عن الكوفة سنة ثمان وخمسين وولى مكانه عبد الرحمن بن عبد الله ابن عثمان الثقفى وهو ابن أم الحكم أخت معاوية فخرجت عليه الخوارج الذين كان

[ 17 ]

المغيرة حبسهم في بيعة المستورد بن علقمة وخرجوا من سجنه بعد موته فاجتمعوا على حيان بن ضبيان السلمى ومعاذ بن جرير الطائى فسير إليهم عبد الرحمن الجيش من الكوفة فقتلوا أجمعين كما يذكر في أخبار الخوارج ثم ان أهل الكوفة نقلوا عن عبد الرحمن سوء سيرته فعزله معاوية عنهم وولى مكانه النعمان بن بشير وقال أوليك خيرا من الكوفة فولاه مصر وكان عليها معاوية بن خديج السكوتي وسار إلى مصر فاستقبله معاوية على مرحلتين منها وقال ارجع إلى حالك لا تسرفينا سيرتك في اخواننا أهل الكوفة فرجع إلى معاوية وأقام معاوية بن خديج في عمله (ولاية عبد الرحمن بن زياد خراسان) وفى سنة تسع وخمسين قدم عبد الرحمن بن زياد وافدا على معاوية فقال يا أمير المؤمنين أما لنا حق قال بلى فماذا قال توليني قال بالكوفة النعمان بن بشير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالبصرة وخراسان عبيد الله أخوك وبسجستان عباد أخوك ولا أرى ما يشبهك الا أن أشركك في عمل عبيد الله فان عمله واسع يحتمل الشركة فولاه خراسان فسار إليها وقدم بين يديه قيس ابن الهيتم السلمى فأخذ أسلم بن زرعة وحبسه ثم قدم عبد الرحمن فأغرمه ثلثمائة ألف درهم وأقام بخراسان وكان متضعفا لم يقر قط وقدم على يزيد بين يدى قتل الحسين فاستخلف على خراسان قيس بن الهيتم فقال له يزيد كم معك من مال خراسان قال عشرون ألف ألف درهم فخيره بين أخذها بالحساب ورده إلى عمله أو تسويغه اياها وعزله على أن يعطى عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم فاختار تسويغها والعزل وبعث إلى ابن جعفر بألف الف وقال نصفها من يزيد ونصفها منى ثم ان أهل البصرة وفدوا مع عبيد الله بن زياد على معاوية فأذن له على منازلهم ودخل الاحنف آخرهم وكان هيأ المنزلة من عبيد الله فرحب به معاوية وأجلسه معه على سريره ثم تكلم القوم وأثنوا على عبيد الله وسكت الاحنف فقال معاوية تكلم يا أبا بحر فقال أخشى خلاف القوم فقال انهضوا فقد عزلت عنكم عبيد الله واطلبوا واليا ترضونه فطفق القوم يختلفون إلى رجال بنى أمية وأشراف الشأم وقعد الاحنف في منزله ثم أحضرهم معاوية وقال من اخترتم فسمى كل فريق رجلا والاحنف ساكت فقال معاوية تكلم يا أبا بحر فقال ان وليت علينا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدا وان وليت من غيرهم ينظر في ذلك قال فانى قد أعدته عليكم ثم أوصاه بالاحنف وقبح رأيه في مباعدته ولما هاجت الفتنة لم يعزله غير الاحنف ثم أخذ على وفد البصرة البيعة لابنه يزيد معهم (بقية الصوائف) دخل بسر بن أرطاة سنة اثنتين وخمسين أرض الروم وشتى بها

[ 18 ]

وقيل رجع ونزل هنالك سفيان بن عوف الازدي فشتى بها وتوفى هنالك اه‍ وغزا بالصائفة محمد بن عبد الله الثقفى ثم دخل عبد الرحمن ابن أم الحكم سنة ثلاث وخمسين إلى أرض الروم وشتى بها وافتتحت في هذه السنة رودس فتحها جنادة بن أبى أمية الازدي ونزلها المسلمون على حذر من الروم ثم كانوا يعترضونه في البحر ويأخذون سفنه وكان معاوية يدركهم بالعطاء حتى خافهم الروم ثم نقلهم يزيد في ولايته ثم دخل سنة أربع وخمسين إلى بلاد الروم محمد بن مالك وشتى بها وغزا بالصائفة ابن يزيد السلمى وفتح المسلمون جزيرة أروى قرب القسطنطينية ومقدمهم جنادة بن أبى أمية فملكوها سبع سنين ونقلهم يزيد في ولايته وفى سنة خمس وخمسين كان شتى سفيان بن عوف بأرض الروم وقيل عمر بن محرز وقيل عبد الله بن قيس وفى سنة ست وخمسين كان شتى جنادة بن أبى أمية وقيل عبد الرحمن بن مسعود وقيل غزا في البحر يزيد ابن سمرة وفى البر عياض بن الحرث وفى سنة سبع وخمسين كان شتى عبد الله ابن قيس بأرض الروم وغزا مالك بن عبد الله الخثعمي في البر وعمر بن يزيد الجهنى في البحر وفى سنة ثمان وخمسين كان شتى عمر بن مرة الجهنى بأرض الروم وغزا في البحر جنادة بن أمية وفتح المسلمون في هذه السنة حصن كفخ من بلاد الروم وعليهم عمير ابن الحباب السلمى صعد سورها وقاتل عليه وحده حتى انكشف الروم وفتحه وفى سنة ستين غزا مالك بن عبد الله سوية وملك جنادة بن أبى أمية رودس وهدم مدينتها (وفاة معاوية) وتوفى معاوية سنة ستين وكان خطب الناس قبل موته وقال انى كزرع مستحصد وقد طالت امارتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي ولن يأتيكم بعدى الا من أنا خير منه كما أن من كان قبلى خير منى وقد قيل من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه اللهم انى قد أحببت لقاءك فاحبب لقائي وبارك لى فلم يمض الا قليل حتى ازداد به مرضه فدعا ابنه يزيد وقال يا بنى انى قد كفيتك الرحلة والترحال ووطأت لك الامور وأخضعت لك رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد وانى لا أخاف عليك أن ينازعك هذا الامر الذى انتسب لك الا أربعة نفر من قريش الحسين بن على وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير و عبد الرحمن بن أبى بكر فأما ابن عمر فرجل قد وقذته العبادة وإذا لم يبق غيره بايعك وأما الحسين فان أهل العراق لم يدعوه حتى يخرجوه فان خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه فان له رحما ما مثله وحقا عظيما وأما ابن أبى بكر فان رأى أصحابه صنعوا شيأ صنع مثله وليس له همة الا في النساء وأما الذى يجثم لك جثوم الاسد ويراوغك روغان الثعلب وإذا أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير فان هو فعلها بك وقدرت عليه فقطعه

[ 19 ]

اربا اربا هذا حديث الطبري عن هاشم وله عن هاشم من طريق آخر قال لما حضرت وفاة معاوية سنة ستين كان يزيد غائبا فدعا بالضحاك بن قيس الفهرى وكان صاحب شرطته ومسلم بن عتبة المزني فقال أبلغا يزيد وصيتى انظر أهل الحجاز فانهم أهلك فأكرم من قدم اليك منهم وتعاهد من غاب وانظر أهل العراق فان سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل فان عزل عامل أخف من أن يشهر عليك مائة ألف سيف وانظر أهل الشأم فليكونوا بطانتك وعيبتك وان رابك شئ من عدوك فانتصر بهم فإذا أصبتم فاردد أهل الشأم إلى بلادهم فانهم ان قاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم ولست أخاف عليك من قريش الا ثلاثا ولم يذكر في هذا الطريق عبد الرحمن بن أبى بكر وقال في ابن عمر قد وقذه الدين فليس ملتمسا شيأ قبلك وقال في الحسين ولو أنى صاحبه عفوت عنه وأنا أرجو أن يكفيك الله بمن قتل أباه وخذل أخاه وقال في ابن الزبير إذا شخص اليك فالبدله الا أن يلتمس منك صلحا فاقبل واحقن دماء قومك ما استطعت (وتوفى في منتصف رجب) ويقال جمادى لتسع عشرة سنة وأشهر من ولايته وكان على خاتمه عبد الله بن محصن الحميرى وهو أول من اتخذ ديوان الخاتم وكان سببه انه أمر لعمر بن الزبير بمائة ألف درهم وكتب له بذلك إلى زياد بالعراق ففض عمر الكتاب وصير المائة مائتين فلما رفع زياد حسابه أنكرها معاوية واخذ عمر بردها وحبسه فأداها عنه أخوه عبد الله فأحدث عند ذلك ديوان الخاتم وحزم الكتب ولم تكن تحزم وكان على شرطته قيس بن همزة الهمداني فعزله ابن بيد بن عمر العدوى وكان على حرسه المختار من مواليه وقيل أبو المحارى مالك مولى حميرة وهو أول من اتخذ الحرس وعلى حجابه مولاه سعد وكان كاتبه وصاحب أمره سرحون بن منصور الرومي وعلى القضاء فضالة بن عبد الله الانصاري وبعده أبو دويس عائذ بن عبد الله الخولانى * (بيعة يزيد) * بويع يزيد بعد موت أبيه وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان وعلى مكة عمر ابن سعيد بن العاصى وعلى البصرة عبيد الله بن زياد وعلى الكوفة النعمان ابن بشير ولم يكن همه الا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية ببعته فكتب إلى الوليد بموت معاوية وأن يأخذ حسينا وابن عمر وابن الزبير بالبيعة من غير رخصة فلما قرأ مروان الكتاب بنعى معاوية استرجع وترحم واستشاره الوليد في أمر أولئك النفر فأشار عليه أن يحضرهم لوقته فان بايعوا والا قتلتهم قبل أن يعلموا بموت معاوية فيثب كل رجل منهم في ناحية الا ابن عمر فانه لا يحب القتال ولا يحب الولاية الا أن يرفع إليه الامر فبعث الوليد لوقته عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو غلام حدث فحاء

[ 20 ]

إلى الحسين وابن الزبير في المسجد في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس وقال أجيبا الامير فقالا لا تنصرف الا أن نأتيه ثم حدثا فيما بعث اليهما فلم يعلموا ما وقع وجمع الحسين فتيانه وأهل بيته وسار إليه فأجلسهم بالباب وقال ان دعوتكم أو سمعتم صوتي عاليا فادخلوا بأجمعكم ثم دخل فسلم ومروان عنده فشكرهما على الصلة بعد القطيعة ودعا لهما باصلاح ذات البين فأقرأه الوليد الكتاب بنعى معاوية ودعاه إلى البيعة فاسترجع وترحم وقال مثلى لا يبايع سرا ولا يكتفى بها منى فإذا ظهرت إلى الناس ودعوتهم كان أمرنا واحدا وكنت أول مجيب فقال الوليد وكان يحب المسالمة انصرف فقال مروان لا يقدر منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينك وبينهم ألزمه البيعة والا اضرب عنقه فوثب الحسين وقال أنت تقتلني أو هو كذبت والله وانصرف إلى منزله وأخذ مروان في عذل الوليد فقال يا مروان والله ما أحب أن لى ما طلعت الشمس من مال الدنيا وملكها وأنى قتلت الحسين ان قال لا أبايع وأما ابن الزبير فاختفى في داره وجمع أصحابه وألح الوليد في طلبه وبعث مواليه فشتموه وهددوه وأقاموا ببابه في طلبه فبعث ابن الزبير أخاه جعفرا يلاطف الوليد ويشكو ما أصابه من الذعر ويعده بالحضور من الغداة وأن يصرف رسله من بابه فبعث إليهم وانصرفوا وخرج ابن الزبير من ليلته مع أخيه جعفر وحدهما وأخذا طريق الفرع إلى مكة فسرح الرحالة في طلبه فلم يدركوه ورجعوا وتشاغلوا بذلك عن الحسين سائر يومه ثم أرسل إلى الحسين يدعوه فقال أصبحوا وترون وفرى وسار في الليلة الثانية ببنيه واخوته وبنى أخيه الا محمد بن الحنفية وكان قد نصحه وقال تنح عن يزيد وعن الامصار ما استطعت وابعث دعاتك إلى الناس فان أجابوك فاحمد الله وان اجتمعوا على غيرك فلم يضر بذلك دينك ولا عقلك ولم تذهب به مروأتك ولا فضلك وأنا أخاف أن تأتى مصرا أو قوما فيختلفون عليك فتكون الاول اساءة فإذا خير الامة نفسا وأبا أضيعها ذمارا وأذلها قال له الحسين فانى ذاهب قال انزل مكة فان اطمأنت بك الدار فسبيل دلك وان فاتت بك لحقت بالرمال وشعب الجبال ومن بلد إلى آخر حتى ننظر مصير أمر الناس وتعرف الرأى فقال يا أخى نصحت وأشفقت ولحق بمكة وبعث الوليد إلى ابن عمر ليبايع فقال أنا أبايع الناس وقيل ابن عمر وابن عباس كانا بمكة ورجعا إلى المدينة فلقيا الحسين وابن الزبير وأخبراهما بموت معاوية وبيعة يزيد فقال ابن عمر لا تفرقا جماعة المسلمين وقدم هو وابن عباس المدينة وبايعا عنه بيعة الناس ولما دخل ابن الزبير مكة وعليها عمر بن سعيد قال أنا عائد بالبيت ولم يكن يصلى ولا يقف معهم ويقف هو وأصحابه ناحية

[ 21 ]

* (عزل الوليد عن المدينة وولاية عمر بن سعيد) * ولما بلغ الخبر إلى يزيد بصنيع الوليد بن عتبة في أمر هؤلاء النفر عزله عن المدينة واستعمل عليها عمر بن سعيد الاشرق فقدمها في رمضان واستعمل على شرطته عمر ابن الزبير بالمدينة لما كان بينه وبين أخيه من البغضاء وأحضر نفرا من شيعة الزبير بالمدينة فضربهم من الاربعين إلى الخمسين إلى الستين منهم المنذر بن الزبير وابنه محمد وعبد الرحمن بن الاسود بن عبد يغوث وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام ومحمد ابن عمار بن ياسر وغيرهم ثم جهز البعوث إلى مكة سبعمائة أو نحوها وقال لعمر بن الزبير من نبعث إلى أخيك فقال لا تجد رجلا أنكى له منى فجهز معه سبعمائة مقاتل فيهم أنس بن عمير الاسلمي وعذله مروان بن الحكم في غزو مكة وقال له اتق الله ولا تحل حرمة البيت فقال والله لنغزونه في جوف الكعبة وجاء أبو شريح الخزاعى إلى عمر بن سعيد فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول انما أذن لى بالقتال فيها ساعة من نهار ثم عادت كحرمتها بالامس فقال له عمر نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ وقيل ان يزيد كتب إلى عمر بن سعيد أن يبعث عمر بن الزبير بالجيش إلى أخيه فبعثه في ألفى مقاتل وعلى مقدمته أنيس فنزل أنيس بذى طوى ونزل عمر بالابطح وبعث إلى أخيه أن بر يمين يزيد فانه حلف أن لا يقبل بيعة الا أن يؤتى بك في جامعه فلا يضرب الناس بعضهم بعضا فانك في بلد حرام فأرسل عبد الله بن الزبير من اجتمع له من أهل مكة مع عبد الله بن صفوان فهزموا أنيسا بذى طوى وقتل أنيس في الهزيمة وتخلف عن عمر ابن الزبير أصحابه فدخل دار ابن علقمة وأجاره عبدة بن الزبير وقال لاخيه قد أجرته فانكر ذلك عليه وقيل ان صفوان قال لعبد الله بن الزبير اكفني أخاك وأنا أكفيك أنيس بن عمر وسار إلى أنيس فهزمه وقتله وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمر فتفرق عقه أصحابه وأجاره أخوه عبدة فلم يجز أخوه عبد الله جواره وضربه بكل من ضربه بالمدينة وحبسه بسجن عارم ومات تحت السياط * (مسير الحسين إلى الكوفة ومقتله) * ولما خرج الحسين إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع وسأله أين تريد فقال مكة وأستخير الله فيما بعد فنصحه أن لا يقرب الكوفة وذكره قتلهم أباه وخذلانهم أخاه وأن يقيم بمكة لا يفارق الحرم حتى يتداعى إليه الناس ورجع عنه وترك الحسين بمكة فأقام والناس بختلفون إليه وابن الزبير في جانب الكعبة يصلى ويطوف عامة النهار ويأتى الحسين فيمن يأتي ويعلم أن أهل الحجاز لا يلقون إليه مع الحسين ولما بلغ أهل الكوفة بيعة يزيد ولحاق الحسين بمكة اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد وكتبوا إليه عن نفر منهم

[ 22 ]

سليمان والمسيب بن محمد ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وغيرهم يستدعونه وأنهم لم يبايعوا للنعمان ولا يجتمعون معه في جمعة ولا عند ولو جئتنا أخرجناه وبعثوا بالكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال ثم كتبوا إليه ثانيا بعد ليلتين نحو مائة وخمسين صحيفة ثم ثالثا يستحقونه للحاق بهم كتب له بذلك شيث بن ربعى وحجاز ابن ابجر ويزيد بن الحرث ويزيد بن رويم وعروة بن قيس وعمر بن الحجاج الزيدى ومحمد ابن عمير التميمي فأجابهم الحسين فهمت ما قصصتم وقد بعثت اليكم م ابن عمى وثقتى من أهل بيتى مسلم بن عقيل يكتب إلى بأمركم ورأيكم فان اجتمع ملؤكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم عليكم قريبا ولعمري ما الامام الا العامل بالكتاب القائم بالقسط الدين بدين الحق وسار مسلم فدخل المدينة وصلى في المسجد وودع أهله واستأجر دليلين من قيس فضلا الطريق وعطش القوم فمات الدليلان بعد أن أشارا إليهم بموضع الماء فانتهوا إليه وشربوا ونجوا فتطير مسلم من ذلك وكتب إلى الحسين يستعفيه فكتب إليه خشيت أن لا يكون حملك على ذلك الا الجبن فامض لوجهك والسلام وسار مسلم فدخل الكوفة أول ذى الحجة من سنة ستين واختلف إليه الشيعة وقرأ عليهم كتاب الحسين فبكوا ووعدوه النصر وعلم مكانه النعمان بن بشير أمير الكوفة وكان حليما يجنح إلى المسالمة فخطب وحذر الناس الفتنة وقال لا أقاتل من لا يقاتلني ولا آخذ بالظنة والتهمة ولكن ان نكئتم بيعتكم وخالفتم امامكم فوالله لاضربنكم بسيفي مادام قائمته بيدى ولو لم يكن لى ناصر فقال له بعض حلفاء بنى أمية لا يصلح ما ترى الا الغشم وهذا الذى أنت عليه مع عدوك رأى المستضعفين فقال أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلى من أن أكون من الاعزين في معصية الله ثم تركه فكتب عبد الله بن مسلم وعمارة بن الوليد وعمارة بن سعد بن أبى وقاص إلى يزيد بالخبر وتضعف النعمان وضعفه فابعث إلى الكوفة رجلا قويا ينفذ أمرك ويعمل عملك في عدوك فأشار عليه سرحون

[ 23 ]

* (مسيرة المختار إلى الكوفة وأخذها من ابن المطيع بعد وقعة كربلاء) * مضى ابراهيم إلى المختار وأخبره الخبر وبعثوا في الشيعة ونادوا بثأر الحسين ومضى ابراهيم إلى النخع فاستركبهم وسار بهم في المدينة ليلا وهو يتجنب المواضع التى فيها الامراء ثم لقى بعضهم فهزمهم ثم آخرين كذلك ثم رجع إلى المختار فوجد شيث بن ربعى وحجاز بن أبجر العجلى يقاتلانه فهزمهما وحاشب بن المطبع فأشار إليه بجمع الناس والنهوض إلى القوم قبل فولى أمرهم فركب واجتمع الناس وتوافى إلى المختار نحو أربعة آلاف من الشيعة وبعث ابن مطيع شيث بن ربعى في ثلاثة آلاف وربع بن اياس في أربعة آلاف فسرح إليهم المختار ابراهيم بن الاشتر لراشد في ستمائة فارس وستمائة راجل ونعيم بن هبيرة لشيث في ثلثمائة فارس وستمائة راجل واقتتلوا من بعد صلاة الصبح وقتل نعيم فوهن المختار لقتله وظهر شيث وأصحابه عليهم وقاتل ابراهيم بن الاشتر راشد بن اياس فقتله وانهزم أصحابه وركبهم الفشل وبعث ابن المطيع جيشا كثيفا فهزمهم ثم حمل على شيث فهزمه وبعث المختار فمنعه الرماة من دخول الكوفة ورجع المنهزمون إلى ابن مطيع فدهش فشجعه عمر ابن الحجاج الزبيدى وقال له اخرج واندب الناس ففعل وقام في الناس ووبخهم على هزيمتهم وندبهم ثم بعث عمر بن الحجاج في ألفين وشمر بن ذى الجوشن في ألفين ونوفل ابن مساحق في خمسة آلاف ووقف هو بكتائبه واختلف على القصر شيث بن ربعى فحمل بن الاشتر على ابن مساحق فهزمه وأسره ثم من عليه ودخل ابن مطيع القصر وحاصره ابراهيم بن الاشتر ثلاثا ومعه يزيد بن أنس وأحمد بن شميط ولما اشتد الحصار على ابن مطيع أشار عليه شيث بن ربعى بأن يستأمن للمختار ويلحق بابن الزبير وله ما يعده فخرج عنهم مساء ونزل دار أبى موسى واستأمن القوم للمختار فدخل القصر وغدا على الناس في المسجد فخطبهم ودعاهم إلى بيعة ابن الحنفية فبايعه أشراف الكوفة على الكتاب والسنة واللطف بأهل البيت ووعدهم بحسن السيرة وبلغه أن ابن مطيع في دار أبى موسى فبعث إليه بمائة ألف درهم وقال بحهز بهذه وكان ابن مطيع قد فرق بيوت الاموال على الناس وسار ابن مطيع إلى وجهه وملك الكوفة وجعل على شرطته عبد الله بن كامل وعلى حرسه كيسان أبا عمرة وجعل الاشراف جلساءه وعقد لعبد الله بن الحرث بن الاشتر على أرمينية ولمحمد بن عمير ابن عطارد على أذربيجان ولعبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل ولاسحق ابن مسعود على المدائن ولسعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان وأمره بقتال الاكراد واصلاح السابلة وولى شريحا على القضاء ثم طعنت فيه الشيعة بانه شهد على

[ 24 ]

حجر بن عدى ولم يبلغ عن هانئ بن عروة رسالته إلى قومه وأن عليا غرمه وأنه عثماني وسمع ذلك هو فتمارض فجعل مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود ثم مرض فولى مكانه عبد الله بن مالك الطائى * (مسيرة ابن زياد إلى المختار وخلافة أهل الكوفة عليه) * كان مروان بن الحكم لما استوثق له الشأم بعث جيشين أحدهما إلى الحجاز مع جيش بن دلجة القينى وقد شاتة ومقتلة والآخر إلى العراق مع عبيد الله بن زياد فكان من أمره وأمر التوابين من الشيعة ما تقدم وأقام محاصر الزفر بن الحرث بقرقيسيا وهو مع قومه قيس على طاعة ابن الزبير فاشتغل بهم عن العراق سنة أو نحوها ثم توفى مروان وولى بعده عبد الملك فأقره على ولايته وأمره بالجد ويئس من أمر زفر وقيس فنهض إلى الموصل فخرج عنها عبد الرحمن بن سعيد عامل المختار إلى تكريت وكتب إلى المختار بالخبر فبعث يزيد بن أنس الاسدي في ثلاثة آلاف إلى الموصل فسار إليها على المدائن وسرح ابن زياد للقائه ربيعة بن المختار الغنوى في ثلاثة آلاف فالتقيا ببابل وعبى يزيد أصحابه وهو راكب على حمار وحرضهم وقال ان مت فأميركم ورقاء ابن عازب الاسدي وان هلك فعبد الله بن ضمرة الفزارى وان هلك فسعد الخثعمي ثم اقتتلوا يوم عرفة وانهزم أهل الشأم وقتل ربيعة وسار الفل غير بعيد فلقيهم عبد الله بن حملة الخثعمي قد سرحه ابن زياد في ثلاثة آلاف فرد المنهزمين وعاد القتال يوم الاضحى فانهزم أهل الشأم وأثخن فيهم أهل الكوفة بالقتل والنهب وأسروا منهم ثلثمائة فقتلوهم وهلك يزيد بن أنس من آخر يومه وقام بأمرهم ورقاء بن عازب خليفته وهاب لقاء ابن زياد بعد يزيد وقال نرجع بموت أميرنا قبل أن يتجر أعلينا أهل الشأم بذلك وانصرف الناس وتقدم الخبر إلى الكوفة فأرجف الناس بالمختار وأشيع أن يزيد قتل وسر المختار رجوع العسكر فسرح ابراهيم بن الاشتر في سبعة آلاف وضم إليه جيش يزيد ثم تأخر ابن زياد فسار لذلك ثم اجتمع أشراف الكوفة عند شيث بن ربعى وكان شيخهم جاهليا اسلاميا وشكوا من سيرة المختار وايثاره الموالى عليهم ودعوه إلى الوثوب به فقال حتى ألقاه وأعذر إليه ثم ذهب إليه وذكر له جميع ما نكروه فوعده الرجوع إلى مرادهم وذكر له شأن الموالى وشركتهم في الفئ فقال ان أعطيتموني عهدكم على قتال بنى أمية وابن الزبير تركتهم فقال اخرج إليهم بذلك وخرج فلم يرجع واجتمع رأيهم على قتاله وهم شيث بن ربعى ومحمد بن الاشعث وعبد الرحمن بن سعد بن قيس وشمر ابن ذى الجوشن وكعب بن أبى كعب النخعي وعبد الرحمن بن مخنق الازدي وقد كان ابن مخنق أشار عليهم بأن يمهلوه لقدوم أهل الشأم وأهل البصرة فيكفونكم أمره

[ 25 ]

قبل أن يقاتلكم بمواليكم وشجعانكم وهم عليكم أشد فأبوا من رأيه وقالوا لا تفسد جماعتنا خرجوا وشهروا السلاح وقالوا للمختار اعتزلنا فان ابن الحنفية لم يبعثك قال نبعث إليه الرسل منى ومنكم وأخذ يعللهم بأمثال هذه المراجعات وكف أصحابه عن قتالهم ينتظر وصول ابراهيم بن الاشتر وقد بعث إليه بالرجوع فحاء فرأى القوم مجتمعين ورفاعة بن شداد البجلى يصلى بهم فلما وصل ابراهيم عبد المختار أصحابه وسرح بين يديه أحمد بن شميط البجلى وعبد الله بن كامل الشادى فانهزم أصحابهما وصبرا ومدهما المختار بالفرسان والرجال فوجا بعد فوج وسار ابن الاشتر إلى مصر وفيهم شيث ابن ربعى فقاتلوه فهزمهم فاشتد ابن كامل على اليمن ورجع رفاعة بن شداد أمامهم إلى المختار فقاتل معه حتى قتل من أهل اليمن عبد الله بن سعيد بن قيس والفرات ابن زخر بن قيس وعمر بن مختف وخرج أخوه عبد الرحمن فمات وانهزم أهل اليمن هزيمة قبيحة وأسر من الوادعيين خمسمائة أسير فقتل المختار كل من شهد قتل الحسين منهم فكانوا نصفهم وأطلق الباقين ونادى المختار الامان الا من شهد في دماء أهل البيت وفر عمر بن الحجاج الزبيدى وكان أشد من حضر قتل الحسين فلم يوقف له على خبر وقيل أدركه أصحاب المختار فأخذوا رأسه وبعث في طلب شمر بن ذى الجوشن فقتل طالبه وانتهى إلى قرية الكلبانية فارتاح يظن انه نجا وإذا في قرية أخرى بازائه أبو عمرة صاحب المختار بعثه مسلخة بينه وبين أهل البصرة فنمى إليه خبره فركب إليه فقتله وألقى شلوه للكلاب وانجلت الوقعة عن سبعمائة وثمانين قتيلا أكثرهم من اليمن وكان آخر سنة ست وستين وخرج أشراف الناس إلى البصرة وتتبع المختار قتلة الحسين ودل على عبيد الله بن أسد الجهنى ومالك بن نسير الكندى وحمل بن مالك المحاربي بالقادسية فأحضرهم وقتلهم ثم أحضر زياد بن مالك الضبعى وعمران بن خالد العثرى وعبد الرحمن بن أبى حشكارة البجلى وعبد الله بن قيس الخولانى وكانوا نهبوا من الورس الذى كان مع الحسين فقتلهم وأحضر عبد الله أو عبد الرحمن بن طلحة وعبد الله بن وهيب الهمداني ابن عم الاعشى فقتلهم وأحضر عثمان بن خالد الجهنى وأبا أسماء بشر بن سميط القابسى وكانا مشتركين في قتل عبد الرحمن بن عقيل وفى سلبه فقتلهما وحرقهما بالنار وبحث عن خولى بن يزيد الاصبحي صاحب رأس الحسين فجئ برأسه وحرق بالنار ثم قتل عمر بن سعد بن أبى وقاص بعد ان كان أخذ له الامان منه عبد الله بن ابن جعدة بن هبيرة فبعث أبا عمرة فجاءه برأسه وابنه حفص عنده فقال تعرف هذا قال نعم ولا خير في العيش بعده فقتله ويقال ان الذى بعث المختار على قتلة الحسين أن يزيد بن شراحيل الانصاري قدم على محمد بن الحنفية فقال له ابن الحنفية

[ 26 ]

يزعم المختار انه لنا شيعة وقتلة الحسين عنده على الكراسي يحدثونه فلما سمع المختار ذلك تتبعهم بالقتل وبعث برأس عمرو ابنه إلى ابن الحنفية وكتب إليه أنه قتل من قدر عليه وهو في طلب الباقين ثم أحضر حكيم بن طفيل الطائى وكان رمى الحسين بسهم وأصاب سلب العباس ابنه وجاء عدى بن حاتم يشفع فيه فقتله ابن كامل والشيعة قبل أن يصل حذرا من قبول المختار شفاعته وبحث عن مره بن منقذ بن عبد القيس قاتل على بن الحسين فدافع عن نفسه ونجا إلى مصعب بن الزبير وقد شلت يده بضربة وبحث عن زيد وفاد الحسين قاتل عبد الله بن مسلم بن عقيل رماه بسهمين وقد وضع كفه على جبهته يتقى النبل فأثبت كفه في جبهته وقتله بالاخرى فخرج بالسيف يدافع فقال ابن كامل ارموه بالحجارة فرموه حتى سقط وأحرقوه حيا وطلب سنان بن أنس الذى كان يدعى قتل الحسين فلحق بالبصرة وطلب عمر بن صبح الصدائى فقتله طعنا بالرماح وأرسل في طلب محمد بن الاشعث وهو في قريته عند القادسية فهرب إلى مصعب وهدم المختار داره وطلب آخرين كذلك من المتهمين بأمر الحسين فلحقوا بمصعب وهدم دورهم * (شأن المختار مع ابن الزبير) * كان على البصرة الحرث بن أبى ربيعة وهو القباع عاملا لابن الزبير وعلى شرطته عباد ابن حسين وعلى المقاتلة قيس بن الهيتم وجاء المثنى بن مخرمة العبدى وكان ممن شهد مع سليمان بن صرد ورجع فبايع للمختار وبعثه إلى البصرة يدعو له بها فأجابه كثير من الناس وعسكر لحرب القباع فسرح إليه عباد بن حسين وقيس بن الهيتم في العساكر فانهزم المثنى إلى قومه عبد القيس وأرسل القباع عسكرا يأتونه به فجاءه زياد بن عمر العنكبى فقال له لتردن خيلك عن اخواننا أو نقاتلنهم فأرسل الاحنف ابن قيس وأصلح الامر على أن يخرج المثنى عنهم فسار إلى الكوفة وقد كان المختار لما أخرج ابن مطيع من البصرة كتب إلى ابن الزبير يخادعه ليتم أمره في الدعاء لاهل البيت وطلب المختار في الوفاء بما وعده به من الولاية فأراد ابن الزبير أن يتبين الصحيح من أمره فولى عمر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام على الكوفة وأعلمه بطاعة المختار وبعثه إليها وجاء الخبر إلى المختار فبعث زائدة بن قدامة في خمسمائة فارس وأعطاه سبعين ألف درهم وقال ادفعها إلى عمر فهى ضعف ما أنفق وأمره بالانصراف بعد تمكث فان أبى فأره الخيل فكان كذلك ولما رأى عمر الحيل أخذ المال وسار نحو البصرة واجتمع هو وابن مطيبع في امارة القباع قبل وثوب ابن مخرمة وقيل ان المختار كتب إلى ابن الزبير انى اتخذت الكوفة دارا فان سوغتنى ذلك وأعطيتني مائة ألف درهم سرت إلى الشام وكفيتك مروان فمنعه من ذلك فأقام المختار يطاعنه

[ 27 ]

ويوادعه ليتفرغ لاهل الشأم ثم بعث عبد الملك بن مروان عبد الملك بن الحرث ابن الحكم بن أبى العاص إلى وادى القرى فكتب المختار إلى ابن الزبير يعرض عليه المدد فأجابه أن يعجل بانفاذ الجيش إلى جند عبد الملك بوادي القرى فسرح شرحبيل ابن دوس الهمداني في ثلاثة آلاف اكريم من الموالى وأمره أن يأتي المدينة ويكاتبه بذلك واتهمه ابن الزبير فبعث من مكة عباس بن سهل بن سعد في ألفين وأمره أن يستنفر العرب وان رأى من جيش المختار خلافا ناجزهم وأهلكهم فلقيهم عباس بالرقيم وهم على تعبية فقال سيروا بنا إلى العدو الذى بوادي القرى فقال ابن دوس انما أمرنى المختار أن آتى المدينة ففطن عباس لما يريد فأتاهم بالعلوفة والزاد وتخير ألفا من أصحابه وحمل عليهم فقتل ابن دوس وسبعين معه من شجعان قومه وأمن الباقين فرجعوا للكوفة ومات أكثرهم في الطريق وكتب المختار إلى ابن الحنفية يشكو ابن الزبير ويوهمه أنه بعث الجيش في طاعته ففعل بهم ابن الزبير ما فعل ويستاذنه في بعث الجيوش إلى المدينة ويبعث ابن الحنفية عليهم رجلا من قبله فيفهم الناس أنى في طاعتك فكتب إليه ابن الحنفية قد عرفت قصدك ووفاءك بحقى وأحب الامر إلى الطاعة فأطع الله وتجنب دماء المسلمين فلو أردت القتال لوجدت الناس إلى سراعا والاعوان كنير الكنى أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (ثم دعا ابن الزبير) محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته وشيعته إلى البيعة فامتنع وبعث إليه ابن الزبير وأغلظ عليه وعليهم فاستكانوا وصبروا فتركهم فلما استولى المختار على الكوفة وأظهر الشيعة دعوة ابن الحنفية خاف ابن الزبير أن يتداعى الناس إلى الرضا به فاعتزم عليهم في البيعة وتوعدهم بالقتل وحبسهم بزمزم وضرب لهم أجلا وكتب ابن الحنفية إلى المختار بذلك فأخبر الشيعة وندبهم وبعث أمراء منهم في نحو ثلثمائة عليهم أبو عبد الله الجدلي وبعث لابن الحنفية أربعمائة ألف درهم وساروا إلى مكة فدخلوا المسجد الحرام وبأيديهم الخشب كراهة اشهار السيوف في الحرم وطفقوا ينادون بثأر الحسين حتى انتهوا إلى زمزم وأخرج ابن الحنفية وكان قد بقى من أجله يومان واستأذنوه في قتال ابن الزبير فقال لا أستحل القتال في الحرم ثم جاء باقى الجند وخافهم ابن الزبير وخرج ابن الحنفية إلى شعب على واجتمع له أربعة آلاف رجل فقسم بينهم المال (ولما قتل المختار) واستوثق أمر ابن الزبير بعث إليهم في البيعة فخافه على نفسه وكتب لعبد الملك فأذن له أن يقدم الشأم حتى يستقيم أمر الناس ووعده بالاحسان وخرج ابن الحنفية وأصحابه إلى الشأم ولما وصل مدين لقيه خبر مهلك عمر بن سعيد فندم وأقام بايلة وظهر في الناس فضله وعبادته

[ 28 ]

وزهده وكتب له عبد الملك أن يبايعه فرجع إلى مكة ونزل شعب أبى طالب فأخرجه ابن الزبير فسار إلى الطائف وعذل ابن عباس ابن الزبير على شانه ثم خرج عنه ولحق بالطائف ومات هنالك وصلى عليه ابن الحنفية وعاش إلى أدرك حصار الحجاج لابن الزبير (ولما قتل ابن الزبير) بايع لعبد الملك وكتب عبد الملك إلى الحجاج بتعظيم حقه وبسط أمله ثم قدم إلى الشأم وطلب من عبد الملك أن يرفع حكم الحجاج عنه ففعل وقيل ان ابن الزبير بعث إلى ابن عباس وابن الحنفية في البيعة حتى يجتمع الناس على امام فان في هذه فتنة فحبس ابن الحنفية في زمزم وضيق على ابن عباس في منزله وأراد احراقهما فأرسل المختار جيشه كما تقدم ونفس عنهما ولما قتل المختار قوى ابن لزبير عليهما فخرجا إلى الطائف * (مقتل ابن زياد) * ولما فرغ المختار من قتال أهل الكوفة آخر سنة ست وستين بعث ابراهيم بن الاشتر لقتال ابن زياد وبعث معه وجوه أصحابه وفرسانهم وشيعته وأوصاه وبعث معه بالكرسي الذى كان يستنصر به وهو كرسى قد غشاه بالذهب وقال للشيعة هذا فيكم مثل التابوت في بنى اسرائيل فكبر شأنه وعظم وقاتل ابن زياد فكان له الظهور وافتتن به الشيعة ويقال انه كرسى على بن أبى طالب وان المختار أخذه من والد جعدة بن هبيرة وكانت أمه أم هانئ بنت أبى طالب فهو ابن أخت على ثم أسرع ابراهيم بن الاشتر في السير وأوغل في أرض الموصل وكان ابن زياد قد ملكها كما مر فلما دخل ابراهيم أرض الموصل عبى أصحابه ولما بلغ نهر الحارم بعث على مقدمته الطفيل بن لقيط النخعي ونزل ابن زياد قريبا من النهر وكانت قيس مطبقة على بنى مروان عند المرج وجند عبد الملك يومئذ فلقى عمير بن الحساب السلمى ابراهيم بن الاشتر وأوعده أن ينهزم بالميسرة وأشار عليه بالمشاجرة ورأى عند ابن الاشتر ميلا إلى المطاولة فثناه عن ذلك وقال انهم ميلوا منكم رعبا وان طاولتهم اجترؤا عليكم قال وبذاك أوصاني صاحبي ثم عبى أصحابه في السحر الاول ونزل يمشى ويحرض الناس حتى أشرف على القوم وجاءه عبد الله بن زهير السلولى بأنهم خرجوا على دهش وفشل وابن الاشتر يحرض أصحابه ويذكرهم أفعال ابن زياد وأبيه ثم التقى الجمعان وحمل الحصين بن نمير من ميمنة أهل الشأم على ميسرة ابراهيم فقتل على بن مالك الخثعمي ثم أخذ الراية فرد بن على فقتل وانهزمت الميسرة فأخذ الراية عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولى ورجع بالمنهزمين إلى الميسرة كما كانوا وحملت ميمنة ابراهيم على ميسرة ابن زياد وهم يرجون أن ينهزم عمير بن الحاب كما وعدهم فمنعته الانفة

[ 29 ]

من ذلك وقاتل قتالا شديدا وقصد ابن الاشتر قلب العسكر وسواده الاعظم فاقتتلوا أشد قتال حتى كانت أصوات الضرب بالحديد كاصوات القصارين وابراهيم يقول لصاحب رايته انغمس برايتك فيهم ثم حملوا حملة رجل واحد فانهزم أصحاب ابن زياد وقال ابن الاشتر انى قتلت رجلا تحت راية منفردة شممت مه رائحة المسك وضربته بسيفي فقصمته نصفين فالتمسوه فإذا هو ابن زياد فأخذت رأسه وأحرقت جثته وحمل شريك بن جدير الثعلبي على الحصين بن نمير فاعتقله وجاء أصحابه فقتلوا الحصين ويقال ان الذى قتل ابن زياد هو ابن جدير هذا وقتل شرحبيل بن ذى الكلاع وادعى قتله سفيان بن يزيد الازدي وورقاء بن عازب الازدي وعبيد الله بن زهير السلمى واتبع أصحاب ابن الاشتر المنهزمين فغرق في النهر أكثر ممن قتل وغنموا جميع ما في العسكر وطرأ ابن الاشتر بالبشارة إلى المختار فأتته بالمدائن وأنفذ ابن الاشتر عماله إلى البلاد فبعث أخاه عبد الرحمن على نصيبين وغلب على سنجار ودارا وما والاهما من أرض الجزيرة وولى زفر بن الحرث قيس وحاتم بن النعمان الباهلى حران والرهاء وشمشاط وعمير بن الحباب السلمى كفر نوبى وطور عبدين وأقام بالموصل وأنفذ رؤس عبيد الله وقواده إلى المختار * (مسير مصعب إلى المختار وقتله اياه) * كان ابن الزبير في أول سنة سبع وستين أو آخر ست عزل الحرث بن ربيعة وهو القباع وولى مكانه أخاه مصعبا فقدم البصرة وصعد المنبر وجاء الحرث فأجلسه مصعب تحته بدرجة ثم خطب وقرأ الآيات من أول القصص ونزل ولحق به أشراف الكوفة حتى قربوا من المختار ودخل عليه شيث بن ربعى وهو ينادى واغوثاه ثم قدم محمد ابن الاشعث بعده واستوثقوه إلى المسير وبعث إلى المهلب بن أبى صفرة وهو عامله على فارس ليحضر معه قتال المختار فأبطأ وأغفل فأرسل إليه محمد بن الاشعث بكتابه فقال المهلب ما وجد مصعب بريدا غيرك فقال ما أنا ببريد ولكن غلبنا عبيدنا على أبنائنا وحرمنا فأقبل معه المهلب بالجموع والاموال وعسكر مصعب عند الجسر فأرسل عبد الرحمن بن مختف إلى الكوفة سر اليثبط الناس عن المختار ويدعو إلى ابن الزبير وسار على التعبية وبعث في مقدمته عباد بن الحصين الحبطى التميمي وعلى ميمنته عمر ابن عبيد الله بن معمر وعلى ميسرته المهلب وبلغ الخير المختار فقام في أصحابه وقربهم إلى الخروج مع ابن شميط وعسكر محمد في أعفر وبعث رؤس الارباع الذين كانوا مع ابن الاشتر مع ابن شميط وأصحابه فثبتوا وحمل المهلب من الميسرة على ابن كامل فثبت ثم كر المهلب وحمل حملة منكرة وصبر ابن كامل قليلا وانهزموا وحمل الناس

[ 30 ]

جميعا على ابن شميط فانهزم وقتل واستمر القتل في الرجالة وبعث مصعب عبادا فقتل كل أسير أخذه وتقدم محمد بن الاشعث في خيل من أهل الكوفة فلم يدركوا منهزما الا قتلوه ولما فرغ مصعب منهم أقبل فقطع الفرات من موضع واسط وحملوا الضعفاء وأثفالهم في السفن ثم خرجوا إلى نهر الفرات وسار إلى الكوفة ولما بلغ المختار خبر الهزيمة ومن قتل من أصحابه وأن مصعبا أقبل إليه في البر والبحر سار إلى مجتمع الانهار نهر الجزيرة والمسلحين والقادسية ونهر يسر فسكر الفرات فذهب ماؤه في الانهار وبقيت سفن أهل البصرة في الطين فخرجوا إلى السكر وأزالوه وقصدوا الكوفة وسار المختار ونزل حروراء بعد أن حصن القصر وأدخل عدة الحصار وأقبل مصعب وعلى ميمنته المهلب وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله وعلى الخيل عباد بن الحصين وجعل المختار على ميمنته سليم بن يزيد الكندى وعلى ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني وعلى الخيل عمر بن عبيد الله النهدي ونزل محمد بن الاشعث فيمن هرب من أهل الكوفة بين العسكرين ولما التقى الجمعان اقنتلوا ساعة وحمل عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومى على من بازائه فحطم أصحاب المختار حطمة منكرة وكشفوهم وحمل مالك ابن عمر النهدي في الرجالة عند المساء على ابن الاشعث حملة منكرة فقتل ابن الاشعث وعامة أصحابه وقتل عبيد الله بن على بن أبى طالب وقاتل المختار ثم افترق الناس ودخل القصر وسار مصعب من الغد فنزل السبخة وقطع عنهم الميرة وكان الناس يأتونهم بالقليل من الطعام والشراب خفية ففطن مصعب لذلك فمنعه وأصابهم العطش فكانوا يصبون العسل في الآبار ويشربون ثم ان المختار أشار على أصحابه بالاستماته فتحنط وتطيب وخرج في عشرين رجلا منهم السائب بن مسلك الاشعري فعذله فقال ويحك يا أحمق وثب ابن الزبير بالحجاز ووثب بجدة باليمامة وابن مروان بالشأم فكنت كاحدهم الا أنى طلبت بثار أهل البيت إذ نامت عقد العرب فقاتل على حسبك ان لم يكن لك نية ثم تقدم فقاتل حتى قتل على يد رجلين من بنى حنيفة أخوين طرفة وطراف ابني عبد الله بن دجاجة وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة لما رأى عزم المختار على الاستمانة تدلى من القصر واختفى عند بعض اخوانه ثم بعث الذين بقوا بالقصر إلى مصعب ونزلوا على حكمه فقتلهم أجمعين وأشار عليه المهلب باستبقائهم فاعترضه أشراف أهل الكوفة ورجع إلى رأيهم ثم أمر بكف المختار بن أبى عبيد فقطعت وسمرت إلى جانب المسجد فلم ينزعها من هنالك الا الحجاج وقتل زوجه عمرة بنت النعمان بن بشير زعمت أن المختار فاستأذن أخاه عبد الله وقتلها ثم كتب مصعب إلى ابراهيم بن الاشتر يدعوه إلى طاعته ووعده بولاية أعنة الخليل

[ 31 ]

وما غلب عليه من المغربة وكتب إليه عبد الملك بولاية العراق واختلف عليه أصحابه فجنح إلى مصعب خشية مما أصاب ابن زياد وأشراف أهل الشأم وكتب إلى مصعب بالاجابة وسار إليه فبعث على عمله بالموصل والجزيرة وارمينية واذربيجان المهلب بن أبى صفرة وقيل ان المختار انما أظهر الخلاف لابن الزبير عند قدوم مصعب البصرة وانه بعث على مقدمته أحمد بن شميط وبعث مصعب عبادا الحبطى ومعه عبيد الله بن على بن أبى طالب وتراضوا ليلا فناجزهم المختار من ليلته وانكشف أصحاب مصعب إلى عسكرهم واشتد القتال وقتل من أصحاب مصعب جماعة منهم محمد بن الاشعث فلما أصبح المختار وجد أصحابه قد توغلوا في أصحاب مصعب وليس عنده أحد فانصرف ودخل قصر الكوفة وفقد أصحابه فلحقوا به ودخل القصر معه ثمانية آلاف منهم وأقبل مصعب فحاصرهم أربعة أشهر يقاتلهم بالسيوف كل يوم حتى قتل وطلب الذين في القصر الامان من مصعب ونزلوا على حكمه فقتلهم جميعا وكانوا ستة آلاف رجل ولما ملك مصعب الكوفة بعث عبد الله بن الزبير ابنه حمزة على البصرة مكان مصعب فأساء السيرة وقصر بالاشراف ففزعوا إلى مالك بن مسمع فخرج إلى الجسر وبعث إلى حمزة أن الحق بأبيك وكتب الاحنف إلى أبيه أن يعزله عنهم ويعيد لهم مصعبا ففعل وخرج حمزة بالاموال فعرض له مالك بن مسمع وقال لا ندعك تخرج باعطياتنا فضمن له عمر بن عبيد الله العطاء فكف عنه وقيل ان عبيد الله بن الزبير انما رد مصعبا إلى البصرة عند وفادته عليه بعد سنة من قتل المختار ولما رده إلى البصرة استعمل عمر بن عبيد الله بن معمر على فارس وولاه حرب الازارقة وكان المهلب على حربهم أيام مصعب وحمزة فلما رد مصعبا أراد أن يولى المهلب الموصل والجزيرة وارمينية ليكون بينه وبين عبد الملك فاستقدمه واستخلف على عمله المغيرة فلما قدم البصرة عزله مصعب عن حرب الخوارج وبلاد فارس واستعمل عليها عمر بن عبيد الله بن معمر فكان له في حروبهم ما ندكره في أخبار الخوارج * (خلاف عمر بن سعيد الاشرف ومقتله) * كان عبد الملك بعد رجوعه من قنسرين أقام بدمشق زمانا ثم سار لقتال زخر بن الحرث الكلابي بغرقيسيا واستخلف على دمشق عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفى ابن أخته وسار معه عمر بن سعيد فلما بلغ بطنان انتقص عمر وأسرى ليلا إلى دمشق وهرب ابن أم الحكم عنها فدخلها عمر وهدم داره واجتمع إليه الناس فخطبهم ووعدهم وجاء عبد الملك على اثره فحاصره بدمشق ووقع بينهما القتال أياما ثم اصطلحا وكتب بينهما كتابا وأمنه عبد الملك فخرج إليه عمر ودخل عبد الملك دمشق فأقام أربعة أيام

[ 32 ]

ثم بعث إلى عمر ليأتيه فقال له عبد الله بن يزيد بن معاوية وهو صهره وكان عنده لا تأتيه فانى أخشى عليك منه فقال والله لو كنت نائما ما أيقظني ووعد الرسول بالرواح إليه ثم أتى بالعشى ولبس درعه تحت القباء ومضى في مائة من مواليه وقد جمع عبد الملك عنده بنى مروان وحسان بن نجد الكلبى وقبيصة بن ذؤيب الخزاعى وأذن لعمر فدخل ولم يزل أصحابه يجلسون عند كل باب حتى بلغوا قاعة الدار وما معه الا غلام واحد ونظر إلى عبد الملك والجماعة حوله فأحس بالشر وقال للغلام انطلق إلى أخى يحيى وقل له يأتيني فلم يفهم عنه وأعاد عليه فيجيبه الغلام لبيك وهو لا يفهم فقال له اعزب عنى ثم أذن عبد الملك لحسان وقبيصة فلقيا عمر ودخل فأجلسه معه على السرير وحادثه زمنا ثم أمر بنزع السيف عنه فأنكر ذلك عمر وقال اتق الله يا أمير المؤمنين فقال له عبد الملك أتطمع أن تجلس معى متقلدا سيفك فأخذ عنه السيف ثم قال له عبد الملك يا أبا أمية انك حين خلعتني حلفت بيمين ان أنا رأيتك بحيث أقدر عليك أن أجعلك في جامعة فقال بنو مروان ثم تطلقه يا أمير المؤمنين قال نعم وما عسيت أن أصنع بأبى أمية فقال بنو مروان أبر قسم أمير المؤمنين يا أبا أمية فقال عمر قد أبر الله قسمك يا أمير المؤمنين فاخرج من تحت فراشه جامعة وأمر غلاما فجمعه فيها وسأله أن لا يخرجه على رؤس الناس فقال أمكرا عند الموت ثم جذبه جذبة أصاب فمه السرير فكسر ثنيته ثم سأل الابقاء فقال عبد الملك والله لو علمت أنك تبقى ان أبقيت عليك وتصلح قريش لا بقيتك ولكن لا يجتمع رجلان مثلنا في بلد فشتمه عمر وخرج عبد الملك إلى الصلاة وأمر أخاه عبد العزيز بقتله فلما قام إليه بالسيف ذكره الرحم فامسك عنه وجلس ورجع عبد الملك من الصلاة وغلقت الابواب فغلظ لعبد العزيز ثم تناول عمر فذبحه بيده وقيل أمر غلامه بن الزغير فقتله وفقد الناس عمر مع عبد الملك حين خرج إلى الصلاة فأقبل أخوه يحيى في أصحابه وعبيده وكانوا ألفا ومعه حميد بن الحرث وحريث وزهير بن الابرد فهتفوا باسمه ثم كسروا باب المقصورة وضربوا الناس بالسيوف وخرج الوليد بن عبد الملك واقتتلوا ساعة ثم خرج عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفى بالرأس فألقاه إلى الناس وألقى إليهم عبد العزيز بن مروان بدر الاموال فانتهبوها وافترقوا ثم خرج عبد الملك إلى الناس وسأل عن الوليد فأخبر بجراحته وأتى بيحيى بن سعيد وأخيه عنبسة فحبسهما وحبس بنى عمر بن سعيد ثم أخرجهم جميعا وألحقهم بمصعب حتى حضروا عنده بعد قتل مصعب فأمنهم ووصلهم وكان بنو عمر أربعة أمية وسعد واسمعيل ومحمد ولما حضروا عنده قال أنتم أهل بيت ترون لكم على جميع قومكم فضلا لن يجعله الله لكم والذى كان بينى وبين أبيكم لم يكن حديثا

[ 33 ]

بل كان قديما في أنفس أوليكم على أولينا في الجاهلية فقال سعيد يا أمير المؤمنين تعد علينا أمرا كان في الجاهلية والاسلام قد هدم ذلك ووعد جنة وحذر نارا وأما عمر فهو ابن عمك وقد وصل إلى الله وأنت أعلم بما صنعت وان أحد ثنابه فبطن الارض خير لنا من ظهرها فرق لهم عبد الملك وقال أبوكم خيرنى بين أن يقتلنى أو أقتله واخترت قتله على قتلتى وأما انتم فما أرغبني فيكم وأوصلني لقرابتكم وأحسن حالتهم وقيل ان عمر انما كان خلفه وقتله حين سار عبد الملك لقتال مصعب طلبه أن يجعل له العهد بعده كما فعل أبوه فلم يجبه إلى ذلك فرجع إلى دمشق فعصى وامتنع بها وكان قتله سنة تسعة وستين * (مسير عبد الملك إلى العراق ومقتل مصعب) * ولما صفا الشأم لعبد الملك اعتزم على غزو العراق وأتته الكتب من أشرافهم يدعونه فاستمهله أصحابه فأبى وسار نحو العراق وبلغ مصعبا سيره فأرسل إلى المهلب بن أبى صفرة وهو بفارس في قتال الخوارج يستشيره وقد كان عزل عمر بن عبيد الله بن معمر عن فارس وحرب الخوارج وولى مكانه المهلب وذلك حين استخلف على الكوفة وجاء خالد بن عبيد الله بن خالد بن أسيد على البصرة مختفيا وأعيد لعبد الملك عند مالك ابن مسمع في بكر بن وائل والازد وأمد عبد الملك بعبيد الله بن زياد بن ضبيان وحاربهم عمر بن عبيد الله بن معمر ثم صالحهم على أن يخرجوا خالدا فأخرجوه وجاء مصعب وقد طمع أن يدرك خالدا فوجده قد خرج فسخط على ابن معمر وسب أصحابه وضربهم وهدم دورهم وحلقهم وهدم دار مالك بن مسمع واستباحها وعزل ابن معمر عن فارس وولى المهلب وخرج إلى الكوفة فلم يزل بها حتى سار للقاء عبد الملك وكان معه الاحنف فتوفى بالكوفة ولما بعث عن المهلب ليسير معه أهل البصرة الا أن يكون المهلب على قتال الخوارج رده وقال له المهلب ان أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك وكاتبهم فلا يتعدى ثم بعث مصعب عن ابراهيم بن الاشتر وكان على الموصل والجزيرة فجعله في مقدمته وسار حتى عسكر في معسكره وسار عبد الملك وعلى مقدمته أخوه محمد ابن مروان وخالد بن عبيد الله بن خالد بن أسيد فنزلوا قريبا من قرقيسيا وحضر زفر ابن الحرث الكلابي ثم صالحه وبعث زفر معه الهذيل ابنه في عسكر وسار معه فنزل بمسكن قريبا من مسكن مصعب وفر الهذيل بن زفر فلحق بمصعب وكتب عبد الملك إلى أهل العراق وكتبوا إليه وكلهم بشرط اصفهان وأتى ابن الاشتر بكتاب مختوما إلى مصعب فقرأه فإذا هو يدعوه إلى نفسه ويجعل له ولاية العراق فأخبره مصعب بما فيه وقال مثل هذا لا يرغب عنه فقال ابراهيم ما كنت لا تقله الغدر والخيانة

[ 34 ]

ولقد كتب عبد الملك لاصحابك كلهم مثل هذا فأطعني واقتلهم أو احبسهم في أضيق محبس فأبى عليه مصعب وأضمر أهل العراق الغدر بمصعب وعذلهم قيس بن الهيثم منهم في طاعة أهل الشأم فأعرضوا عنه ولما تدانى العسكران بعث عبد الملك إلى مصعب بقول فقال نجعل الامر شورى فقال مصعب ليس بيننا الا السيف فقدم عبد الملك أخاه محمدا وقدم مصعب ابراهيم بن الاشتر وأمده بالجيش فأزال محمدا عن موقفه وأمده عبد الملك بعبيد الله بن يزيد فاشتد القتال وقتل من أصحاب مصعب بن عمر الباهلى والد قتيبة وأمد مصعب ابراهيم بعتاب بن ورقاء فساء ذلك ابراهيم ونكره وقال أوصيته لا يمدنى بعتاب وأمثاله وكان قد بايع لعبد الملك فجر الهزيمة على ابراهيم وقتله وحمل رأسه إلى عبد الملك وتقدم أهل الشأم فقاتل مصعب ودعا رؤس العراق إلى القتال فاعتذروا وتثاقلوا فدنا محمد بن مروان من مصعب وناداه بالامان وأشعره بأهل العراق فأعرض عنه فنادى ابنه عيسى بن مصعب فأذن له أبوه في لقائه فجاءه وبذل له الامان وأخبر أباه فقال أتظنهم يعرفون لك ذلك فان أحببت فافعل قال لا يتحدث نساء قريش انى رغبت بنفسى عنك قال فاذهب إلى عمك بمكة فأخبره بصنيع أهل العراق ودعني فانى مقتول فقال لا أخبر قريشا عنك أبدا ولكن الحق أنت بالبصرة فانهم على الطاعة أو بأمير المؤمنين بمكة فقال لا يتحدث قريش انى فررت ثم قال لعيسى تقدم يا بنى أحتسبك فتقدم في ناس فقتل وقتلوا وألح عبد الملك في قبول أمانه فأبى ودخل سرادقه فتحفظ ورمى السرادق وخرج فقاتل ودعاه عبيد الله بن زياد ابن ضبيان فشتمه وحمل عليه وضربه فجرحه وخذل أهل العراق مصعبا حتى بقى في سبعة أنفس وأثخنته الجراحة فرجع إليه عبيد الله بن زياد بن ضبيان فقتله وجاء برأسه إلى عبد الملك فأمر له بألف دينار فلم يأخذها وقال انما قتلته بثار أخى وكان قطع الطريق فقتله صاحب شرطته وقيل ان الذى قتله زائدة بن قدامة الثقفى من أصحاب المختار وأخذ عبيد الله رأسه وأمر عبد الملك به وبابنه عيسى فدفنا بدار الجاثليق عند نهر رحبيل وكان ذلك سنة احدى وسبعين ثم دعا عبد الملك جند العراق إلى البيعة فبايعوه وسار إلى الكوفة فأقام بالنخيلة أربعين يوما وخطب الناس فوعد المحسن وطلب يحيى بن سعيد من جعفة وكانوا اخواله فأحضروه فأمنه وولى أخاه بشر ابن مروان على الكوفة ومحمد بن نمير على همدان ويزيد بن ورقاء بن رويم على الرى ولم يف لهم باصبهان كما شرطوا عليه وكان عبد الله بن يزيد بن أسد والد خالد القسرى ويحيى بن معتوق الهمداني قد لجآ إلى على بن عبد الله بن عباس ولجأ هذيل بن زفر ابن الحرث وعمر بن يزيد الحكمى إلى خالد بن يزيد فأمنهم عبد الملك وصنع عمر

[ 35 ]

ابن حريث لعبد الملك طعاما فأخبره بالخورنق وأذن للناس عامة فدخلوا وجاء عمر ابن حريث فأجلسه معه على سريره وطعم الناس ثم طاف مع عمر بن حريث على القصر يسأله عن مساكنه ومعالمه ولما بلغ عبد الله بن حازم مسير مصعب لقتال عبد الملك قال أمعه عمر بن معمر قيل هو على فارس قال فالمهلب قيل في قتال الخوارج قال فعباد ابن الحسين قيل على البصرة قال وأنا بخراسان خذيني فجرينى جهارا وانشدى * بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره * ثم بعث عبد الملك برأس مصعب إلى الكوفة ثم إلى الشأم فنصب بدمشق وأرادوا التطاوف به فمنعت من ذلك زوجة عبد الملك عاتكة بنت يزيد بن معاوية فغسلته ودفنته وانتهى قتل مصعب إلى المهلب وهو يحارب الازارقة فبايع الناس لعبد الملك ابن مروان ولما جاء خبر مصعب لعبد الله بن الزبير خطب الناس فقال الحمد لله الذى له الخلق والامر يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء الا وانه لم يذل الله من كان الحق معه وان كان الناس عليه طرا وقد أتانا من العراق خبر أحزننا وأفرحنا أتانا قتل مصعب فالذي أفرحنا منه ان قتله شهادة وأما الذى أحزننا فان لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم عبد من عبيد الله وعون من أعوالى ألا وان أهل العراق أهل الغدر والنفاق سلموه وباعوه بأقل الثمن فان فوالله ما نموت على مضاجعنا كما يموت بنو أبى العاص والله ما قتل رجل منهم في الجاهلية ولا في الاسلام ولا نموت الا طعنا بالرماح وتحت ظلال السيوف الا انما الدنيا عارية من الملك الاعلى الذى لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه فان تقبل لا آخذها أخذا لا شر البطور وان تدبر لم أبك عليها بكاء الضرع المهين أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم (ولما بلغ الخبر) إلى البصرة تنازع ولايتها حمدان بن أبان وعبد الله بن أبى بكرة واستعان حمدان بعبد الله بن الاهتم عليها وكانت له منزلة عند بنى أمية فلما تمهد الامر بالعراق لعبد الملك بعد مصعب ولى على البصرة خالد بن عبد الله بن أسيد فاستخلف عليها عبيد الله بن أبى بكرة فقدم على حمدان وعزله حتى جاء خالد ثم عزل خالدا سنة ثلاث وسبعين وولى مكانه على البصرة أخاه بشرا وجمع له المصرين وسار بشر إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمر بن حريث وولى عبد الملك على الجزيرة وأرمينية بعد قتل مصعب أخاه محمد بن مروان سنة ثلاث وستين فغزا الروم ومزقهم بعد أن كان هادن ملك الروم أيام الفتنة على ألف دينار يدفعها إليه في كل يوم * (أمر زفر بن الحرث بقرقيسيا) * قد ذكرنا في وقعة راهط مسير بن زفر إلى قرقيسيا واجتماع قيس عليه وأقام بها يدعو

[ 36 ]

لابن الزبير ولما ولى عبد الملك كتب إلى أبان بن عفبة بن أبى معيط وهو على حمص بالمسير إلى زفر فسار وعلى مقدمته عبد الله بن رميت العلائى فعاجله عبد الله بالحرب وقتل من أصحابه نحو ثلثمائة ثم أقبل أبان فواقع زفر وقيل ابنه وكيع بن زفر وأوهنه ثم سار إليه عبد الملك إلى قرقيسيا قبل مسيره إلى مصعب فحاصره ونصب عليه المجانيق وقال كلب لعبد الملك لا تخلط معنا القيسية فانهم ينهزمون إذا التقينا مع زفر ففعل واشتد حصارهم وكان زفر يقاتلهم في كل غداة وأمر ابنه الهذيل يوما أن يحمل زفر حتى يضرب فسطاط عبد الملك ففعل وقطع بعض أطنابه ثم بعث عبد الملك أخاه بالامان لزفر وابنه الهذيل على أنفسهما ومن معهما وان لهم ما أحبوا فأجاب الهذيل وأدخل أباه في ذلك وقال عبد الملك لنا خير من ابن الزبير فأجاب على أن له الخيار في بيعته سنة وأن ينزل حيث شاء ولا يعين على ابن الزبير وبينما الرسل تختلف بينهم إذ قيل لعبد الملك قد هدم من المدينة أربعة أبراج فترك الصلح وزحف إليهم فكشفوا أصحابه إلى عسكرهم ورجع إلى الصلح واستقر بينهم على الامان ووضع الدماء والاموال وأن لا يبايع لعبد الملك حتى يموت ابن الزبير للبيعة التى له في عنقه وأن يدفع إليه مال نفسه في أصحابه وتأخر زفر عن لقاء عبد الملك خوفا من فعلته بعمر بن سعيد فأرسل إليه بقضيب النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إليه وأجلسه عبد الملك معه على سريره وزوج ابنه مسلمة الرباب بنت زفر وسار عبد الملك إلى قتال مصعب فبعث زفر ابنه الهذيل معه بعسكر ولما قارب مصعبا هرب إليه وقاتل مع ابن الاشتر حتى إذا اقتتلوا اختفى الهذيل في الكوفة حتى أمنه عبد الملك كما مر * (مقتل ابن حازم بخراسان وولاية بكير بن وشاح عليها) * قد تقدم لنا خلاف بنى تميم على ابن حازم بخراسان وانهم كانوا على ثلاث فرق وكف فرقتين منهم وبقى يقاتل الفرقة الثالثة من نيسابور وعليهم بجير بن ورقاء الصريمى فلما قتل مصعب بعث عبد الملك إلى حازم يدعوه إلى البيعة ويطعمه خراسان سبع سنين وبعث الكتاب مع رجل من بنى عامر بن صعصعة فقال ابن حازم لو لا الفتنة بين سليم وعامر ولكن كل كتابك فأكله وكان بكير بن وشاح التميمي خليفة بن حازم على مرو فكتب إليه عبد الملك بعهده على خراسان ورغبه بالمطالع ان انتهى فخلع ابن الزبير ودعا إلى عبد الملك وأجابه أهل مرو وبلغ ابن حازم فخاف أن يأتيه بكير ويجتمع عليه أهل مرو وأهل نيسابور فترك بجيرا وارتحل عنه إلى مرو ويزيد ابنه يترمد فأتبعه بجير ولحقه قريبا من مرو واقتتلوا فقتل ابن حازم طعنه بجير وآخران معه فصرعوه وقعد أحدهم على صدره فقطع رأسه وبعث بجير البشير بذلك إلى عبد الملك وترك الرأس

[ 37 ]

وجاء بكير بن وشاح في أهل مرو وأراد انفاذ الرأس إلى عبد الملك وأنه الذى قتل ابن حازم وأقام في ولاية خراسان وقيل ان ذلك انما كان بعد قتل ابن الزبير وأن عبد الملك أنفذ رأسه إلى ابن حازم ودعاه إلى البيعة فغسل الرأس وكفنه وبعثه إلى ابن الزبير بالمدينة وكان من شأنه مع الرسول ومع بجير وبكير ما ذكرناه (كان) عبد الملك لما بويع بالشأم بعث إلى المدينة عروة بن أنيف في ستة آلاف من أهل الشأم وأمره أن يسكن بالعرصة ولا يدخل المدينة وعامل ابن الزبير يومئذ على المدينة الحرث بن حاطب بن الحرث بن معمر الجمحى فهرب الحرث وأقام ابن أنيف شهرا يصلى بالناس الجمعة بالمدينة ويعود إلى معسكره ثم رجع ابن أنيف إلى الشأم ورجع الحرث إلى المدينة وبعث ابن الزبير سليمان بن خالد الدورقى على خيبر وفدك ثم بعث عبد الملك إلى الحجاز عبد الملك بن الحرث بن الحكم في أربعة آلاف فنزل وادى القرى وبعث سرية إلى سليمان بخيبر وهرب وأدركوه فقتلوه ومن معه وأقاموا بخيبر وعليهم ابن القمقام وذكر لعبد الملك ذلك فاغتم وقال قتلوا رجلا صالحا بغير ذنب ثم عزل ابن الزبير الحرث بن حاطب عن المدينة وولى مكانه جابر بن الاسود بن عوف الزهري فبعث جابر إلى خيبر أبا بكر بن أبى قيس في ستمائة فانهزم ابن القمقام وأصحابه أمامه وقتلوا صبرا ثم بعث عبد الملك طارق بن عمر مولى عثمان وأمره أن ينزل بين ايلة ووادى القرى ويعمل كما يعمل عمال ابن الزبير من الانتشار وليسد خللا ان ظهر له بالحجاز فبعث طارق خيلا إلى أبى بكير بخيبر واقتتلوا فأصيب أبو بكير في مائتين من أصحابه وكتب ابن الزبير إلى القباع وهو عامله على البصرة يستمده ألفى فارس إلى المدينة فبعثهم القباع وأمر ابن الزبير جابر بن الاسود أن يسيرهم إلى قتال طارق ففعل ولقيهم طارق فهزمهم وقتل مقدمهم وقتل من أصحابه خلقا وأجهز على جريحهم ولم يستبق أسيرهم ورجع إلى وادى القرى ثم عزل ابن الزبير جابرا عن المدينة واستعمل طلحة بن عبد الله بن عوف وهو طلحة النداء وذلك سنة سبعين فلم يزل على المدينة حتى أخرجه طارق ولما قتل عبد الملك مصعبا ودخل الكوفة وبعث منها الحجاج بن يوسف الثقفى في ثلاثة آلاف من أهل الشأم لقتال ابن الزبير وكتب معه بالامان لابن الزبير ومن معه ان أطاعوا فسار في جمادى سنة اثنتين وسبعين فلم يتعرض للمدينة ونزل الطائف وكان يبعث الخيل إلى عرفة ويلقاهم هناك خيل ابن الزبير فينهزمون دائما وتعود خيل الحجاج بالظفر ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بضعف ابن الزبير وتفرق أصحابه ويستأذنه في دخول الحرم لحصار ابن الزبير ويستمده فكتب عبد الملك إلى طارق يأمره باللحاق

[ 38 ]

بالحجاج فقدم المدينة في ذى القعدة سنة اثنتين وسبعين وأخرج عنها طلحة النداء عامل ابن الزبير وولى مكانه رجلا من أهل الشأم وسار إلى الحجاج بمكة في خمسة آلاف ولما قدم الحجاج مكة أحرم بحجة ونزل بئر ميمون وحج بالناس ولم يطف ولا سعى وحصر ابن الزبير عن عرفة فنحر بدنة بمكة ولم يمنع الحاج من الطواف والسعى ثم نصب الحجاج المنجنيق على أبى قبيس ورمى به الكعبة وكان ابن عمر قد حج تلك السنة فبعث إلى الحجاج بالكف عن المنجنيق لاجل الطائفين ففعل ونادى منادى الحجاج عند الافاضة انصرفوا فانا نعود بالحجارة على ابن الزبير ورمى بالمنجنيق على الكعبة وألحت الصواعق عليهم في يومين وقتلت من أصحاب الشأم رجالا فذعروا فقال لهم الحجاج لا شك فهذه صواعق تهامه وان الفتح قد حضر فابشروا ثم أصابت الصواعق من أصحاب ابن الزبير فسرى عن أهل الشأم فكانت الحجارة تقع بين يدى ابن الزبير وهو يصلى فلا ينصرف ولم يزل القتال بينهم وغلت الاسعار وأصاب الناس مجاعة شديدة حتى ذبح ابن الزبير فرسه وقسم لحمها في أصحابه وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم والمد من الذرة بعشرين وبيوت ابن الزبير مملوأة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا ولا ينفق منها الا ما يمسك الرمق يقوى بها نفوس أصحابه ثم أجهدهم الحصار وبعث الحجاج إلى أصحاب ابن الزبير بالامان فخرج إليه منهم نحو عشرة آلاف وافترق الناس عنه وكان ممن فارقه ابناه حمزة وحبيب وأقام ابنه الزبير حتى قتل معه وحرض الناس الحجاج وقال قد ترون قلة أصحاب ابن الزبير وما هم فيه من الجهد والضيق فتقدموا وملؤا ما بين الحجون والابواء فدخل ابن الزبير على أمه أسماء وقال يا أمه قد خذلني الناس حتى ولدى والقوم يعطوننى ما أردت من الدنيا فما رأيك فقالت له أنت أعلم بنفسك ان كنت على حق وتدعو إليه فامض له فقد قتل عليه أصحابك ولا تمكن من رقبتك وقد بلغت بها علمين بين بنى أمية وان كنت انما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ومن قتل معك وان قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فليس هذا فعل الاحرار ولا أهل الدين فقال يا أمه أخاف أن يمثلوا بى ويصلبونى فقالت يا بنى الشاة إذا ذبحت لا تتألم بالسلخ فامض على بصيرتك واستعن بالله فقبل رأسها وقال هذا رأيى والذى خرجت به داعيا إلى يومى هذا وما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة وما أخرجنى الا الغضب لله وأن تستحل حرماته ولكن أحببت أن أعلم رأيك فقد زدتيني بصيرة وانى يا أمه في يومى هذا مقتول فلا يشتد حزنك وسلمى لامر الله فان ابنك لم يتعمد اتيان منكر ولا عمد بفاحشة ولم يجر ولم يغدر ولم يظلم ولم يقر على الظلم ولم يكن آثر عندي من رضا الله تعالى اللهم لا أقر هذا تزكية لنفسي لكن تعزية لامى حتى تسلو عنى فقالت انى لارجو

[ 39 ]

أن يكون عزائى فيك جميلا ان تقدمتني احتسبتك وان ظفرت سررت بظفرك ثم قالت اخرج حتى أنظر ما يصير أمرك جزاك الله خيرا قال فلا تدعى الدعاء لى فدعت له وودعها وودعته ولما عانقته للوداع وقعت يدها على الدرع فقالت ما هذا صنيع من يريد ما تريد فقال ما لبستها الا لاشد منك فقالت انه لا يشد منى فنزعها وقالت له البس نيابك مشمرة ثم خرج فحمل على أهل الشأم حملة منكرة فقتل منهم ثم انكشف هو وأصحابه وأشار عليه بعضهم بالفرار فقال بئس الشيخ اذن أنا في الاسلام إذا واقعت قوما فقتلوا ثم فررت عن مثل مصارعهم وامتلات أبواب المسجد بأهل الشأم والحجاج وطارق بناحية الابطح إلى المروة وابن الزبير يحمل على هؤلاء وعلى هؤلاء وينادى أبا صفوان لعبد الله ابن صفوان بن أمية بن خلف فيجيبه من جانب المعترك ولما رأى الحجاج احجام الناس عن ابن الزبير غضب وترجل وحمل إلى صاحب الراية بين يديه فتقدم ابن الزبير إليهم وكشفهم عنه ورجع فصلى ركعتين عند المقام وحملوا على صاحب الراية فقتلوه عند باب بنى شيبة وأخذوا الراية ثم قاتلهم وابن مطيع معه حتى قتل ويقال أصابته جراحة فمات منها بعد أيام ويقال انه قال لاصحابه يوم قتل يا آل الزبير أو طبتم لى نفسا عن أنفسكم كاهل بيت من العرب اصطلمنه في الله فلا يرعكم وقع السيوف فان ألم الدواء في الجرح أشد من ألم وقعها صونوا سيوفكم بما تصونون وجوهكم وغضوا أبصاركم عن البارقة وليشغل كل امرئ قرنه ولا تسألوا عنى ومن كان سائلا فانى في الرحيل الاول ثم حمل حتى بلغ الحجون فأصابته حجارة في وجهه فأرغش لها ودمى وجهه ثم قاتل قتالا شديدا وقتل في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين وحمل رأسه إلى الحجاج فسجد وكبر أهل الشأم وثار الحجاج وطارق حتى وقفا عليه وبعث الحجاج برأسه ورأس عبد الله ابن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى عبد الملك وصلب جثته منكسة على ثنية الحجون اليمنى وبعثت إليه أسماء في دفنه فأبى وكتب إليه عبد الملك يلومه على ذلك فخلى بينها وبينه ولما قتل عبد الله ركب أخوه عروة وسبق الحجاج إلى عبد الملك فرحب به وأجلسه على سريره وجرى ذكر عبد الله فقال عروة انه كان فقال عبد الملك وما فعل قال قتل فخر ساجدا ثم أخبره عروة ان الحجاج صلبه فاستوهب جثته لامه فقال نعم وكتب إلى الحجاج يتكر عليه صلبه فبعث بجثته إلى أمه وصلى عليه عروة ودفنه وماتت أمه بعده قريبا ولما فرغ الحجاج من ابن الزبير دخل إلى مكة فبايعه أهلها لعبد الملك وأمر بكنس المسجد من الحجارة والدم وسار إلى المدينة وكانت من عمله فأقام بها شهرين وأساء إلى أهلها وقال أنتم قتلة عثمان وختم أيدى جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم كما يفعل بأهل الذمة منهم جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وسهل

[ 40 ]

ابن سعد ثم عاد إلى مكة ونقلت عنه في ذم المدينة أقوال قبيحة أمره فيها إلى الله وقيل ان ولاية الحجاج المدينة وما دخل منها كانت سنة أربع وسبعين وان عبد الملك عزل عنها طارقا واستعمله ثم هدم الحجاج بناء الكعبة الذى بناه ابن الزبير وأخرج الحجر منه وأعاده إلى البناء الذى أقره عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصدق ابن الزبير في الحديث الذى رواه عن عائشة فلما صح عنده بعد ذلك قال وددت انى تركته وما تحمل * (ولاية المهلب حرب الازارقة) * ولما عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة واستعمل مكانه أخاه بشر بن مروان وجمع له المصرين أمره أن يبعث المهلب إلى حرب الازارقة فيمن ينتخبه من أهل البصرة ويتركه وراءه في الحرب وأن يبعث من أهل الكوفة رجلا شريفا معروفا بالبأس والنجدة والتجربة في جيش كثيف إلى المهلب فيتبعوا الخوارج حتى يهلكوهم فأرسل المهلب جديع بن سعيد بن قبيصة ينتخب الناس من الديوان وشق على بشر ان امرأة المهلب جاءت من عند عبد الملك فغص به ودعا عبد الرحمن بن مختف فأعلمه منزلته عنده وقال انى أوليك جيش الكوفة بحرب الازارقة فكن عند حسن ظنى بك ثم أخذ يغريه بالمهلب وأن لا يقبل رأيه ولا مشورته فأظهر له الوفاق وسار إلى المهلب فنزلوا رامهرمز ولقى بها الخوارج فحدق عليه على ميل من المهلب حيث يتراءى العسكران ثم أتاهم نعى بشر بن مروان لعشر ليال من مقدمهم وانه استخلف على البصرة خالد بن عبد الله بن خالد فافترق الناس من أهل المصرين إلى بلادهم ونزلوا الاهواز وكتب إليهم خالد بن عبد الله يتهددهم ويحذرهم عقوبة عبد الملك ان لم يرجعوا إلى المهلب فلم يلتفتوا إليه ومضوا إلى الكوفة واستأذنوا عمر بن حريث في الدخول ولم يأذن لهم فدخلوا وأضربوا عن اذنه * (ولاية أسد بن عبد الله على خراسان) * ولما ولى بكير بن وشاح على خراسان اختلف عليه بطون تميم وأقاموا في العصبية له وعليه سنتين وخاف أهل خراسان أن تفسد البلاد ويقهرهم العدو فكتبوا إلى عبد الملك بذلك وأنها لا تصلح الا على رجل من قريش واستشار أصحابه فقال له أمية بن عبيد الله ابن خالد بن أسيد نزكيهم برجل منك فقال لولا انهز امك عن أبى فديك كنت لها فاعتذر وحلف ان الناس خذلوه ولم يجد مقاتلا فانحزت بالعصبة التى بقيت من المسلمين عن الهلكة وقد كتب اليك خالد بن عبد الله بعذري وقد علمه الناس فولاه خراسان (ولما) سمع بكير بن وشاح بمسيرة بعث إلى بجير بن ورقاء وهو في حبسه كما مر فأبى وأشار عليه بعض أصحابه أن يقبل مخافة القتل فقبل وصالح بكير أو بعث إليه بكير بأربعين ألفا

[ 41 ]

على أن لا يقاتله فلما قارب أمية نيسابور سار إليه بجير وعرفه عن أمور خراسان وما يحسن به طاعة أهلها وحذره غدر بكير وجاء معه إلى مرو فلم يعرض أمية لبكير ولا لعماله وعرض عليه شرطته فأبى وقال لا أحمل الجزية اليوم وقد كانت تحمل إلى بالامس وأراد أن يوليه بعض النواحى من خراسان فحذره بجير منه ثم ولى أمية ابنه عبد الله على سجستان فنزل بستا وغزا رتبيل الذى ملك على الترك بعد المقتول الاول وكان هائبا للمسلمين فراسلهم في الصلح وبعث ألف ألف وبعث بهدايا ورقيق فأبى عبد الله من قبولها وطلب الزيادة فجلا رتبيل عن البلاد حتى أوغل فيها عبد الله ثم أخذ عليه الشعاب والمضايق حتى سأل منه الصلح وأن يخلى عينه عن المسلمين فشرط رتبيل عليه ثلثمائة ألف درهم والعهد بأن لا يغزو بلادهم فأعطاه ذلك وبلغ الخبر بذلك عبد الملك فعزله * (ولاية الحجاج العراق) * ثم ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف على الكوفة والبصرة سنة خمسة وسبعين وأرسل إليه وهو بالمدينة يأمره بالمسير إلى العراق فسار على النجب في اثنى عشر راكبا حتى قدم الكوفة في شهر رمضان وقد كان بشر بعث المهلب إلى الخوارج فدخل المسجد وصعد المنبر وقال على بالناس فظنوه من بعض الخوارج فهموا به حتى تناول عمير بن ضابى البرجمى الحصباء وأراد أن يحصبه فلما تكلم جعل الحصباء يسقط من يديه وهو لا يشعر به ثم حضر الناس فكشف الحجاج عن وجهه وخطب خطبته المعروفة ذكرها الناس واحسن من أوردها المبرد في الكامل يتهدد فيها أهل الكوفة ويتوعدهم عن النخلف عن المهلب ثم نزل وحضر الناس عنده للعطاء واللحاق بالمهلب فقام إليه عمير ابن ضابى وقال أنا شيخ كبير عليل وابنى هذا أشد منى فقال هذا خير لنا منك قال ومن أنت قال عمير بن ضابى قال الذى غزا عثمان في داره قال نعم فقال يا عدو الله إلى عثمان بدلا قال انه حبس أبى وكان شيخا كبيرا فقال انى لا احب حياتك ان في قتلك صلاح المصرين وأمر به فقتل ونهب ماله وقيل ان عنبسة بن سعيد بن العاص هو الذى أغرى به الحجاج حين دخل عليه ثم أمر الحجاج مناديه فنادى ألا ان ابن ضابى تخلف بعد ثالثة من النداء فأمرنا بقتله وذمة الله بريئة ممن بات الليلة من جند المهلب فتسأل الناس إلى المهلب وهو بدار هرمز وجاءه العرفاء فأخذوا كتبه بموافاة العسكر ثم بعث الحجاج على البصرة الحكم بن أيوب الثقفى وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله وبلغه الخبر فقسم في أهل البصرة ألف ألف وخرج عنها ويقال ان الحجاج أول من عاقب على التخلف عن البعوث بالقتل قال الشعبى كان الرجل إذا أخل بوجهه الذى يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلى تنزع عمامته ويقام بين الناس فلما ولى مصعب أضاف إليه

[ 42 ]

حلق الرؤس واللحى فلما ولى بشر أضاف إليه تعليق الرجل بمسمارين في يده في حائط فيخرق المسماران يده وربما مات فلما جاءا حجاج ترك ذلك كله وجعل عقوبة من تخلى بمكانه من الثغر أو البعث القتل ثم ولى الحجاج على السند سعيد بن أسلم بن زرعة فخرج عليه معاوية بن الحرث الكلابي العلاقى وأخوه فغلباه على البلاد وقتلاه فأرسل الحجاج مجاعة بن سعيد التميمي مكانه فغلب على النغر وغزا وفتح فتوحات بمكران لسنة من ولايته * (وقوع أهل البصرة بالحجاج) * ثم خرج الحجاج من الكوفة واستخلف عليها عروة بن المغيرة بن شعبة وسار إلى البصرة وقدمها وخطب كما خطب بالكوفة وتوعد على القعود عن المهلب كما توعد فأتاه شريك ابن عمرو السكرى وكان به فتق فاعتذر به وبأن بشر بن مروان قبل عذره بذلك وأحضر عطاءه ليرد لبيت المال فضرب الحجاج عنقه وتتابع الناس مزدحمين إلى المهلب ثم سار حتى كان بينه وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا وأقام يشد ظهره وقال يا أهل المصرين هذا والله مكانكم حتى يهلك الله الخوارج ثم قطع لهم الزيادة التى زادها مصعب في الاعطية وكانت مائة مائة وقال لسنا نجيزها فقال عبد الله بن الجارود انما هي زيادة عبد الملك وقد أجازها أخوه بشر بأمره فانتهره الحجاج فقال انى لك ناصح وانه قول من ورائي فمكث الحجاج أشهر الا يذكر الزيادة ثم أعاد القول فيها فرد عليه ابن الجارود مثل الرد الاول فقال له مضفلة بن كرب العبدى سمعا وطاعة للامير فيما أحببنا وكرهنا وليس لنا أن نرد عليه فانتهره ابن الجارود وشتمه وأتى الوجوه إلى عبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعى وقالوا ان هذا الرجل مجمع على نقص هذه الزيادة وانا نبايعك على اخراجه من العراق ونكتب إلى عبد الملك أن يولى علينا غيره والا خلعناه وهو يخافنا ما دامت الخوارج في العراق فبايعوه سرا وتعاهدوا وبلغ الحجاج أمرهم فاحتاط وجد ثم خرجوا في ربيع سنة ستة وسبعين وركب عبد الله بن الجارود في عبد قيس على راياتهم ولم يبق مع الحجاج الا خاصته وأهل بيته وبعث الحجاج يستدعيه فأفحش في القول لرسوله وصرح بخلع الحجاج فقال له الرسول تهلك قومك وعشيرتك وأبلغه تهديد الحجاج اياه فضرب وأخرج وقال لولا انك رسول لقتلتك ثم زحف ابن الجارود في الناس حتى غشى فسطاطه فنهبوا ما فيه من المتاع وأخذوا زجاجته وانصرفوا عنها فكان رأيهم أن يخرجوه ولا يقتلوه وقال الغضبان بن أبى القبعثرى الشيباني لابن الجارود لا ترجع عنه وحرضه على معالجته فقال إلى الغداة وكان مع الحجاج عثمان بن قطن وزياد ابن عمر العتكى صاحب الشرطة بالبصرة فاستشارهما فأشار زياد بأن يستامن القوم

[ 43 ]

ويلحق بأمير المؤمنين وأشار عثمان بالثبات ولو كان دونه الموت وقال لا تخرج إلى أمير المؤمنين من العراق بعد أن رقاك إلى ما رقاك وفعلت ما فعلت بابن الزبير والحجاز فقبل رأى عثمان وحقد على زياد في اشارته وجاءه عامر بن مسمع بقول قد أخذلك الامان من الناس فجعل الحجاج يغالطه رافعا صوته عليه ليسمع الناس ويقول والله لا آمنهم حتى تؤتوني بالهذيل بن عمران وعبد الله بن حكيم ثم أرسل لى عبيد بن كعب الفهرى ان ائتنى فامنعني فقال له ان أتيتني منعتك فأبى وبعث إلى محمد بن عمير بن عطارد وعبد الله بن حكيم بمثل ذلك وأجابوه مثله ثم ان عباد الحصين الجفطى مر بابن الجارود والهذيل وعبد الله بن حكيم يتناجون فطلب الدخول معهم فأبوا وغضب وسار إلى الحجاج وجاءه قتيبة بن مسلم في بنى أعصر للحمية القتيبية ثم جاءه سيرة بن على الكلابي وسعيد بن أسلم الكلابي وجعفر بن عبد الرحمن بن مختف الازدي فثابت إليه نفسه وعلم أنه قد امتنع وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع ان شئت أتيتك وان شئت أقمت وثبطت عنك فأجابه أن أقم فلما أصبح إذا حوله ستة آلاف وقال ابن الجارود لعبد الله ابن زياد بن ضبيان ما الرأى قال تركته أمس ولم يبق الا الصبر ثم تراجعوا وعبى ابن الجارود وأصحابه على ميمنة الهذيل وعلى ميسرته سعيد بن أسلم وحمل ابن الجارود حتى حاصر أصحاب الحجاج وعطف الحجاج عليه فقارب ابن الجارود ان يظفر ثم أصابه سهم غرب فوقع ميتا ونادى منادى الحجاج بأمان الناس الا الهذيل وابن حكيم وأمر أن لا يتبع المنهزمون ولحق ابن ضبيان بعمار فهلك هنالك وبعث الحجاج برأس ابن الجارود ورأس ثمانية عشر من أصحابه إلى الملك ونصبت ليراها الخوارج فيتأسوا من الاختلاف وحبس الحجاج عبيد بن كعب ومحمد بن عمير لامتناعهما من الاتيان إليه وحبس ابن القبعثرى لتحريضه عليه فأطلقه عبد الملك وكان فيمن قتل مع ابن الجارود عبد الله بن أنس بن مالك فقال الحجاج لا أرى أنسا يعين على ودخل البصرة وأخذ ماله وجاءه أنس فأساء عليه وأفحش في كلمة في شتمه وكتب أنس إلى عبد الملك يشكوه فكتب عبد الملك إلى الحجاج يشتمه ويغلظ عليه في التهديد على ما فعل بأنس وأن تجئ إلى منزله وتتنصل إليه والا نبعث من يضرب ظهرك ويهتك سترك قالوا وجعل الحجاج في قراءته يتغير ويرتعد وجبينه يرشح عرقا ثم جاء إلى أنس بن مالك واعتذر إليه وفى عقب هذه الواقعة خرج الزنج بفرات البصرة وقد كانوا خرجوا قبل ذلك أيام مصعب ولم يكونوا بالكثير وأفسدوا النمار والزروع ثم جمع لهم خالد بن عبد الله فافترقوا قبل أن ينال منهم وقتل بعضهم وصلبه فلما كانت هذه الواقعة قدموا عليهم رجلا منهم اسمه رياح ويلقب بشير زنجى أي أسد الزنج وأفسدوا فلما فرغ الحجاج من ابن الجارود أمر زياد

[ 44 ]

بن عمر صاحب الشرطة أن يبعث إليهم من يقاتلهم وبعث ابنه حفصا في جيش فقتلوه وانهزم أصحابه فبعث جيشا فهزم الزنج وأبادهم * (مقتل ابن مختف وحرب الخوارج) * كان المهلب وعبد الرحمن بن مختف واقفين للخوارج برامهرمز فلما أمدهم الحجاج بالعساكر من الكوفة والبصرة تأخر الخوارج من رامهرمز إلى كازرون وأتبعهم العساكر حتى نزلوا بهم وخندق المهلب على نفسه وقال ابن مختف وأصحابه خدمنا سيوفنا فبيتهم الخوارج وأصابوا الغرة في ابن مختف فقاتل هو وأصحابه حتى قتلوا هكذا حديث أهل البصرة وأما أهل الكوفة فذكروا أنهم لما ناهضوا الخوارج اشتد القتال بينهم ومال الخوارج على المهلب فاضطروه إلى معسكره وأمده عبد الرحمن بالخيل والرجال ولما رأى الخوارج مدده تركوا من يشغل المهلب وقصدوا عبد الرحمن فقاتلوه وانكشفوا عنه وصبر في سبعين من قومه فثابوا إلى عتاب بن ورقاء وقد أمره الحجاج أن يسمع للمهلب فثقل ذلك عليه فلم يحسن بينهما العشر وكان يتراءف في الكلام وربما أغلظ له المهلب فأرسل عتاب إلى الحجاج يسأله القعود وكان حرب الخوارج وشبيب قد اتسع عليه فصادفا منه ذلك مرقعا واستقدمه وأمره أن يترك العسكر مع المهلب فولى المهلب عليهم ابنه حبيبا وأقام يقاتلهم بنيسابور نحوا من سنة وتحركت الخوارج على الحجاج من لدن سنة ستة وسبعين إلى سنة ثمان وشغل بحربهم وأول من خرج منهم صالح بن سرح من بنى تميم بعث إليه العساكر فقتل فولوا عليهم شبيبا واتبعه كثير من بنى شيبان وبعث إليهم الحجاج العساكر مع الحرث بن عميرة ثم مع سفيان الخثعمي ثم انحدر ابن سعيد فهزموها وأقبل شبيب إلى الكوفة فحاربهم الحجاج وامتنع ثم سرح عليه العساكر وبعث في أثرهم عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث فهزموهم ثم بعث عتاب ابن ورقاء وزهرة ابن حوبة مددا لهم فانهزموا وقتل عتاب وزهرة ثم قتل شبيب واختلف الخوارج بينهم وقتل منهم جماعة كما يذكر ذلك كله في أخبارهم * (ضرب السكة لاسلامية) * كان عبد الملك كتب في صدر كتابه إلى الروم قل هو الله أحد وذكر النبي مع التاريخ فنكر ذلك ملك الروم وقال اتركوه والا ذكرنا نبيكم في دنانيرنا بما تكرهونه فعظم ذلك عليه واستشار الناس فأشار عليه خالد بن يزيد بضرب السكة وترك دنانيرهم ففعل ثم نقش الحجاج فيها قل هو الله أحد فكره الناس ذلك لانه قد يمسها غير الطاهر ثم بالغ في تحليص الذهب والفضة من الغش وزاد ابن هبيرة أيام يزيد بن عبد الملك عليه ثم زاد خالد القسرى عليهم في ذلك أيام هشام ثم أفرط يوسف بن عمر من بعدهم في المبالغة

[ 45 ]

وامتحان العيار وضرب عليه فكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بنى أمية ثم أمر المنصور أن لا يقبل في الخراج غيرها وسميت النقود الاولى مكروهة أما لعدم جودتها أو لما نقش عليها الحجاج وكرهه وكانت دراهم العجم مختلفة بالصغر والكبر فكان منها مثقال وزن عشرين قيراطا واثنى عشر وعشرة قراريط وهى انصاف المثاقيل فجمعوا قراريط الانصاف الثلاثة فكانت اثنين وأربعين فجعلوا ثلثها وهو اثنا عشر قيراطا وزن الدرهم العربي فكانت كل عشرة دراهم تزن سبعة مثاقيل وقيل ان مصعب بن الزبير ضرب دراهم قليلة أيام أخيه عبد الله والاصح أن عبد الملك أول من ضرب السكة في الاسلام * (مقتل بكير بن وشاح بخراسان) * قد تقدم لنا عزل بكير عن خراسان وولاية أمية بن عبيد الله بن خالد بن أسيد سنة أربع وسبعين وأن بكيرا أقام في سلطان أمية بخراسان وكان يكرمه ويدعوه لولاية ما شاء من أعمال خراسان فلا يجيب وانه ولاه طخارستان وتجهز لها فيه بجير بن ورقاء فمنعه ثم أمره بالتجهز لغزو ما وراء النهر فحذره منه بجير فرده فغضب بكير ثم تجهز أمية لغزو غارا وموسى ابن عبد الله ابن حازم لترمذ واستخلف ابنه على خراسان لما أراد قطع النهر قال لبكير ارجع إلى مرو فاكفنيها فقد وليتكها وقم بأمر ابن حازم فانى أخشى أن لا يضبطها فانتخب من وثق به من أصحابه ورجع وأشار عليه صاحبه عتاب بأن يحرق السفن ويرجع إلى مرو فيخلع أمية ووافقه الاحنف بن عبد الله العنبري على ذلك فقال لهم بكير اخشى على من معى قالوا نأتيك من أهل مرو بمن تشاء قال يهلك المسلمون قال ناد في الناس برفع الخراج فيكونون معك قال فيهلك أمية وأصحابه قال لهم عدد وعدد يقاتلون عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين فأحرق بكير السفن ورجع إلى مرو فخلع أمية وحبس ابنه وبلغ الخبر أمية فصالح أهل الشام بخارى ورجع وأمر باتخاذ السفن وعبر وجاءه موسى بن عبد الله بن حازم من مددوا له وبعث شماس ابن ورقاء في ثمانمائة في مقدمته فبيته بكير وهزمه فبعث مكانه ثابت بن عطية فهزمه ثم التقى أمية وبكير فاقتتلوا أياما ثم انهزم بكير إلى مرو وحاصره أمية أياما حتى سأل الصلح على ولاية ما شاء من خراسان وأن يقضى عنه أربعمائة ألف دينه ويصل أصحابه ولا يقبل فيه سعاية بجير فتم الصلح ودخل أمية مدينة مرو وأعاد بكيرا إلى ما كان عليه من الكرامة وأعطى عتاب العدابى عشرين ألفا وعزل بجير عن شرطته بعطا بن أبى السائب وقيل ان بكيرا لم يصحب أمية إلى النهر وانما استخلفه على مرو فلما عبر أمية النهر خلع وفعل ما فعل ثم ان بجيرا سعى بأمية بأن بكيرا دعاه إلى الخلاف وشهد عليه جماعة

[ 46 ]

من أصحابه وأن معه ابني أخيه فقبض عليه أمية وقتله وقتل معه ابني أخيه وذلك سنة سبع وسبعين ثم عبر النهر لغزو بلخ فحصره الترك حتى جهد هو وعسكره وأشرفوا على الهلاك ثم نجوا ورجعوا إلى مرو * (مقتل بجير بن زياد) * ولما قتل بكير بسعاية بجير بن ورقاء تعاقد بنو سعد بن عوف من تميم وهم عشيرته على الطلب بدمه وخرج فتى منهم من البادية اسمه شمردل وقدم خراسان ووقف يوما على بجير فطعنه فصرعه ولم يمت وقتل شمردل وجاء مكانه صعصعة بن حرب العوفى ومضى إلى سجستان وجاور قرابة بجير مدة وانتسب إلى خنفية ثم قال لهم ان لى بخراسان ميراثا فاكتبوا إلى بجير يعيننى فكتبوا له وجاء إليه وأخبره بنسبه وميراثه وأقام عنده شهرا يحضر باب المهلب وقد أنس به وأمن غائلته وجاء صعصعة يوما وهو عند المهلب في قميص ورداء ودنا ليكلمه فطعنه ومات من الغد وقال صعصعة فمنعته مقاعس وقالوا أخذ بثاره فحمل المهلب دم صعصعة وجعل دم بجير ببكير وقيل ان المهلب بعثه إلى بجير فقتله والله أعلم وكان ذلك سنة احدى وثمانين * (ولاية الحجاج على خراسان وسجستان) * وفى سنة ثمان وسبعين عزل عبد الملك أمية بن عبد الله عن خراسان وسجستان وضمهما إلى الحجاج بن يوسف فبعث المهلب بن أبى صفرة على خراسان وقد كان فرغ من حرب الازارقة فاستدعاه وأجلسه معه على السرير وأحسن إلى أهل البلاد من أصحابه وزادهم وبعث عبيد الله بن أبى بكرة على سجستان فأما المهلب فقدم ابنه حبيبا إلى خراسان فلم يعرض لامية ولا لعماله حتى قدم أبوه المهلب بعد سنة من ولايته وسار في خمسة الاف وقطع النهر الغربي وما وراء النهر وعلى مقدمته أبو الادهم الرماني في ثلاثة آلاف فنزل على كش وجاءه ابن عمر الختن يستنجده على ابن عمه فبعث معه ابنه يزيد فبيت ابن العم عساكر الختن وقتل الملك وجاء صر يريد قلعتهم حتى صالحوا بما رضى ورجع وبعث المهلب ابنه حبيبا في أربعة آلاف ووافى صاحب بخارى في أربعين ألفا وكبس بعض جنده في قرية فقتلهم وأحرقها ورجع إلى أبيه وأفام المهلب يحاصر كش سنتين حتى صالحوه على فدية وأما عبد الله بن أبى بكرة فأقام بسجستان ورتبيل على صلحه يؤدى الخراج ثم امتنع فأمر الحجاج ابن أبى بكرة فعزوه واستباحوا بلاده فسار في أهل المصرين وعلى أهل الكوفة شريح بن هانئ من أصحاب على فدخل بلاد رتبيل وتوغل فيها حتى كانوا على ثمانية عشر فرسخا من مدينتهم وأثخن واستباح وخرب القرى والحصون ثم أخذ الترك عليهم القرى والشعاب حتى ظنوا الهلكة

[ 47 ]

فصالحهم عبيد الله على الخروج من أرضهم على أن يعطيهم سبعمائة ألف درهم ونكر ذلك عليه شريح وأبى الا القتال وحرض من الناس ورجع وقتل حير قتل في ناس من أصحابه ونجا الباقون وخرجوا من بلاد رتبيل ولقيهم الناس بالاطعمة فكانوا يموتون إذا شبعوا فجعلوا يطعمونهم السمن قليلا قليلا حتى استمروا وكتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في غزو بلاد رتبيل فأذن له فجهز عشرين ألف فارس من الكوفة وعشرين ألفا من البصرة واختار أهل الغنى والشجاعة وأزاح عللهم وأنفق فيهم ألفى ألف سوى أعطياتهم وأخذهم بالخيل الرائعة والسلاح الكامل وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث وكان يبغضه ويقول أريد قتله ويخبر الشعبى بذلك عبد الرحمن فيقول أنا أزيله عن سلطانه فلما بعثه على ذلك الجيش تنصح أخوه اسمعيل للحجاج وقال لا نبعثه فانى أخشى خلافه فقال هو أهيب لى من أن يخالف أمرى وسار عبد الرحمن في الجيش وقدم سجستان واستنفرهم وحذر العقوبة لمن يتعدى وساروا جميعا إلى بلاد رتبيل وبذل الخراج فلم يقبل منه ودخل بلاده فحواها شيأ فشيا وبعث عماله عليها ورجع المصالح بالنواحي والارصاد على العقاب والشعاب وامتلات أيد الناس من الغنائم ومنع من التوغل في البلاد إلى قابل وقد قيل في بعث عبد الرحمن بن الاشعث غير هذا وهو أن الحجاج كان قد أنزل هميان بن عدى السدى مسلحة بكرمان ان احتاج إليه عامل السند وسجستان فمضى هميان فبعث الحجاج عبد الرحمن بن الاشعث فهزمه وقام بموضعه ثم مات عبد الله بن أبى بكرة فولاه الحجاج مكانه وجهز إليه هذا الجيش وكان يسمى جيش الطواويس لحسن زيهم * (أخبار ابن الاشعث ومقتله) * ولما وصل كتاب ابن الاشعث إلى الحجاج كتب إليه يوبخه على القعود عن التوغل ويأمره بالمضي لما أمره به من هدم حصونهم وقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأعاد عليه الكتاب بذلك ثانيا وثالثا وقال له ان مضيت والا فأخوك اسحق أمير الناس فجمع عبد الرحمن الناس ورد الرأى عليهم وقال قد كنا عزمنا جميعا على ترك التوغل في بلد العدو ورأينا رأيا وكتبت بذلك إلى الحجاج وهذا كتابه يستعجزني ويستضعفني ويأمرني بالتوغل بكم وأنا رجل منكم فثار الناس وقالوا لا نسمع ولا نطيع للحجاج وقال أبو الطفيل عامر بن واثلة الكنانى اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا الامير عبد الرحمن فتنادى الناس من كل جانب فعلنا فعلنا وقال عبد المؤمن بن شيث بن ربعى انصرفوا إلى عدو الله الحجاج فانفوه عن بلادكم ووثب الناس إلى عبد الرحمن على خلع الحجاج ونفيه من العراق وعلى النصرة له ولم يذكر عبد الملك وصالح عبد الرحمن رتبيل على أنه ان ظهر

[ 48 ]

فلا خراج على رتبيل ما بقى من الدهر وان هزم منعه فمن يريده وجعل عبد الرحمن على سبت عياض بن هميان الشيباني وعلى روبى عبد الله بن عامر التميمي وعلى كرمان حرثة ابن عمر التميمي ثم سار إلى العراق في جموعه وأعشى همدان بين يديه يجرى بمدحه وذم الحجاج وعلى مقدمته عطية بن عمير العيرنى ولما بلغ فارس بدا للناس في أمر عبد الملك وقالوا إذا خلعنا الحجاج فقد خلعناه فخلعه الناس وبايعوا عبد الرحمن على السنة وعلى جهاد أهل الضلالة والخلين وخلعهم وكتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره ويستمده وكتب المهلب إلى الحجاج بأن لا يعترض أهل العراق حتى يسقطوا إلى أهليهم فنكر كتابه واتهمه وجند عبد الملك الجند إلى الحجاج فساروا إليه متتابعين وسار الحجاج من البصرة فنزل تستر وبعث مقدمة خيل فهزمهم أصحاب عبد الرحمن بعد قتال شديد وقتل منهم جمعا كثيرا وذلك في أضحى احدى وثمانين وأجفل الحجاج إلى البصرة ثم تأخر عنها إلى الغاوية وراجع كتاب المهلب فعلم نصيحته ودخل عبد الرحمن البصرة فبايعه أهلها وسائر نواحيها لان الحجاج كان اشتد على الناس في الخراج وأمر من دخل الامصار أن يرجع إلى القرى يستوفى الجزية فنكر ذلك الناس وجعل القرى يبكون منه فلما قدم عبد الرحمن بايعوه على حرب الحجاج وخلع عبد الملك ثم اشتد القتال بينهم في المحرم سنة اثنتين وثمانين وتزاحفوا على حرب الحجاج وخلع عبد الملك وانهزم أهل العراق وقصدوا الكوفة وانهزم منهم خلق كثير وفشا القتل في القرى فقتل منهم عقبة بن عبد الغافر الازدي في جماعة استلحموا معه وقتل الحجاج بعد الهزيمة منهم عشرة آلاف وكان هذا اليوم يسمى يوم الراوية واجتمع من بقى بالبصرة على عبد الرحمن ابن عباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب وبايعوه فقاتل بهم الحجاج خمس ليال ثم لحق بابن الاشعث بالكوفة ربيعة طائفة من أهل البصرة ولما جاء عبد الرحمن الكوفة وخليفة الحجاج عليها عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله الحضرمي وثب به مطر بن ناجية من بنى تميم مع أهل الكوفة فاستولى على القصر وأخرجه فلما وصل ابن الاشعث لقيه أهل الكوفة واحتف به همدان وجاء إلى القصر فمنعه مطر فصعد الناس القصر وأخذوه فحبسه عبد الرحمن وملك الكوفة ثم ان الحجاج استعمل على البصرة الحكم بن أيوب الثقفى ورجع إلى الكوفة فنزل دويرفيرة ونزل عبد الرحمن دير الجماجم واجتمع إلى كل واحد أمداده وخندق على نفسه وبعث عبد الملك ابنه عبد الله وأخاه محمدا في جند كثيف وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق عزل الحجاج ويجرى عليهم اعطياتهم كاهل الشأم وينزل عبد الرحمن إلى أي بلد شاء عاملا لعبد الملك فوجم الحجاج لذلك وكتب إلى عبد الملك ان هذا ممن يزيدهم جراءة وذكره بقضية عثمان

[ 49 ]

وسعيد بن العاص فأبى عبد الملك من رأيه وعرض عبد الله ومحمد بن مروان ما جاء به عبد الملك وتشاور أهل العراق بينهم وأشار عليهم عبد الرحمن بقبول ذلك وأن العزة لهم على عبد الملك لا تزول فتواثبوا من كل جانب منكرين لذلك ومجددين الخلع وتقدمهم في ذلك عبد الله بن دواب السلمى وعمير بن تيجان ثم برزوا للقتال وجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبى وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمى وعلى الخيل سفيان بن الابرد الكلبى وعلى الرجالة عبد الله بن حبيب الحكمى وجعل عبد الرحمن على ميمنته الحجاج بن حارثة لخثعمي وعلى ميسرته الابرد بن قرة التميمي وعلى خيله عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب وعلى رجالته محمد بن سعد بن أبى وقاص وعلى مجنبته عبد الله بن رزم الحرشى وعلى القرى جبلة زخر بن قيس الجعفي وفيهم سعيد بن جبير وعامر الشعبى وأبو البحترى الطائى وعبد الرحمن بن أبى ليلى ثم أقاموا يتزاحفون كل يوم ويقتتلون بقية سنتهم وكتيبة القرى معروفة بالصبر يحملون عليها فلا تنتقص فعبى الحجاج ثلاث كتائب مع الجراح بن عبد الله الحكمى وحملوا على القرى ثلاث حملات وجبلة يحرض القرى ويبيتهم والشعبى وسعيد بن جبير كذلك ثم حملوا على الكتائب ففرقوها وأزالوها عن مكانها وتأخر جبلة عنهم ليكون لهم فئة يرجعون إليه وأبصره الوليد بن نجيب الكلبى فقصده في جماعة من أهل الشأم وقتله وجئ برأسه إلى الحجاج وقدموا عليهم مكانه وظهر القتل في القرى ثم اقتتلوا بعد ذلك ما يزيد على مائة يوم كثر فيها القتلى والمبارزة ثم اقتتلوا يوما في منتصف جمادى الآخرة وحمل سفيان ابن الابرد في ميمنة الحجاج على ميسرة عبد الرحمن فانهزم الابرد بن قرة من غبر قتال فتقوضت صفوف الميمنة وركبهم أصحاب الحجاج ثم انهزم عبد الرحمن وأصحابه ومضى الحجاج إلى الكوفة ومحمد بن مرو إلى الموصل وعبد الله بن عبد الملك إلى الشأم وأخذ الحجاج الناس على أن يشهدوا على أنفسهم بالكفر وقتل من أبى ذلك ودعا بكميل ابن زياد صاحب على فقتله لاقتصاصه ثم أقام بالكوفة شهرا وأنزل أهل الشأم في بيوت أهل الكوفة ولحق ابن الاشعث بالبصرة فاجتمع إليه جموع المنهزمين ومعه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة ولحق به محمد بن سعيد بن أبى وقاص بالمدائن وسار نحو الحجاج ومعه بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني كان قدم عليه قبل الهزيمة من الرى وكان انتقض بها ثم غلب عليها ولحق بعبد الرحمن فكان معه وبايع عبد الرحمن خلق كثير على الموت ونزل مسكن وخندق عليه وعلى أصحابه والحجاج قبالتهم وقاتلهم خالد بن جرير بن عبد الله وكان قدم من خراسان في بعث الكوفة فقاتلهم خمسة عشر يوما من شعبان أشد قتال وقتل زياد بن غنيم القينى وكان على مالح الحجاج فهد منهم

[ 50 ]

ثم أبا بكر والقتال وحل بسطام بن مصقلة بن هبيرة في أربعة آلاف من فرسان الكوفة والبصرة كسروا جفون سيوفهم وحملوا على أهل الشأم فكشفوهم مرارا وأحاط بهم الرماة ولحقوا فقتلوا وحمل عبد الملك بن المهلب على أصحاب عبد الرحمن فكشفوهم ثم حمل أصحاب الحجاج من كل جانب فانهزم عبد الرحمن وأصحابه وقتل عبد الرحمن بن أبى ليلى الفقيه وأبو البحترى الطائى ومعلى بن الاشعث نحو سجستان ويقال ان بعض الاعراب جاء إلى الحجاج فدله على طريق من وراء معسكر ابن الاشعث فبعث معه أربعة آلاف جاؤا من ورائه وأصبح الحجاج فقاتله واستطرد له حتى نهب معسكره وأقبلت السرية من الليل إلى معسكر ابن الاشعث وكان الغرقى منهم أكثر من القتلى وجاء الحجاج إلى المعسكر فقتل من وجد فيه وكان عدة القتلى أربعة آلاف منهم عبد الله بن شداد بن الهادى وبسطام بن مصقلة وعمر بن ربيعة الرقاشى وبشر بن المنذر ابن الجارود وغيرهم (ولما سار) ابن الاشعث إلى سجستان أتبعه الحجاج بالعساكر وعليهم عمارة بن تميم اللخمى ومعهم محمد بن الحجاج فأدركوه بالسوس فقاتلوه وانهزم إلى سابور واجتمع إليه الاكراد وقاتلوا العساكر قتالا شديدا فهزم وخرج عمارة ولحق ابن الاشعث بكرمان فلقيه عامله بها وهيأ له النزول فنزل ثم رحل إلى زرنج فمنعه عامله من الدخول فحاصرها أياما ثم سار إلى بست وعليها من قبله عياض بن هميان ابن هشام السلوبى الشيباني ثم استغفله فأوثقه وكان رتبيل ملك الترك قد سار ليستقبله ونزل على بست وتهدد عياضا فأطلقه وحمل رتبيل إلى بلاده وأنزله عنده واجتمع المنهزمون فاتفقوا على قصد خراسان لينموا بعشائرهم وقصدوا للصلاة عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحرث وكتبوا إلى عبد الرحمن بن الاشعث يستقدمونه فقدم عليهم وثناهم عن قصد خراسان مخافة من سطوة يزيد بن المهلب وأن يجتمع أهل الشأم وأهل خراسان فأبوا وقالوا بل يكثر بها تابعنا فسار معهم إلى هراة فهرب عنهم عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة فخشى الانتقاض وقال انما أتيتكم وأمركم جميعا وأنا الآن منصرف إلى صاحبي الذى جئت من عنده يعنى رتبيل ورجع عنهم في قليل وبقى معظم العسكر مع عبد الرحمن بن العباس بسجستان فجمع بابن الاشعث وسار إلى خراسان في عشرين ألفا ونزل هراة ولقوا الرقاد فقتلوه وبعث إليه يزيد بن المهلب بالرحلة من البلاد فقال انما نزلنا لنستريح ونرتحل ثم أخذ في الجباية وسار نحوه يزيد بن المهلب والتقوا فافترق أصحاب عبد الرحمن عنه وصبرت معه طائفة ثم انهزموا وأمر يزيد بالكف عنهم وغنم ما في عسكرهم وأسر جماعة منهم فيهم محمد بن سعد ابن أبى وقاص وعمر بن موسى بن عبد الله بن معمر وعباس بن الاسود بن عوف والهلقام

[ 51 ]

ابن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة وفيروز وأبو اعلج مولى عبيد الله بن معمر وسوار ابن مروان وعبد الله بن طلحة الطلحات وعبد الله بن فضالة الزهراني الازدي ولحق عبد الرحمن بن العباس بالسند وأتى ابن سمرة إلى مرو وانصرف يزيد إلى مرو وبعث بالاسرى إلى الحجاج مع سيده بن نجدة وقال له أخوه حبيب ألا تبعث عبد الرحمن بن طلحة فان له عندنا يدين وقد ودى عن المهلب أبوه طلحة مائة ألف فتركه وترك عبد الله بن فضالة لانه من الازد وبعث الباقين وقدموا عليه بمكان واسط قبل بنائها فدعا بفيروز وقال ما أخرجك مع هؤلاء وليس بينك وبينهم نسب قال فتنة عمت الناس قال اكتب اموالك فكتب ألفى ألف وأكثر فقال للحجاج وأنا آمن على دمى قال لا والله لتؤدينها ثم أقتلك قال لا تجمع مالى ودمى وأمر به فنحى ثم أحضر محمد بن سعد بن أبى وقاص فوبخه طويلا ثم أمر به فقتل ثم دعا بعمر بن موسى فوبخه ولاطفه في العذر فلم يقبل ثم أمر به فقتل ثم أحضر الهلقام بن نعيم فوبخه وقال ابن الاشعث طلب الممالك فما الذى طلبت أنت قال أن توليني العراق مكانك فأمر به فقتل ثم أحضر عبد الله ابن عامر فعذله في عبد الله يزيد بن المهلب لانه أطلق قومه من الاسر وقاد نحوه مطرا فأطرف الحجاج ثم قال ما أنت وذاك ثم أمر به فقتل فلم يزل في نفسه من يزيد حتى عزله ثم أمر بفيروز فعذب ولما أحس بالموت قال أظهروني للناس ليردوا على ودائعي فلما ظهر نادى من كان لى عنده شئ فهو في حل فأمر به فقتل وأمر بقتل عمر بن فهر الكندى وكان شريفا وأحضر أعشى همدان واستنشده قصيدته بين الاثلج وبين قيس وفيها تحريض ابن الاشعث وأصحابه فقال ليست هذه وانما التى بين الاثلج وبين قيس بارق على روى الدال فأنشده فلما بلغ قوله بخ بخ للوالدة وللمولود قال والله لا تبخبخ بعدها أبدا وقتل (وسأل الحجاج) عن الشعبى فقال له يزيد بن أبى مسلم انه لحق بالرى فكتب إلى قتيبة بن مسلم وهو عامله على الرى بارسال الشعبى فقدم على الحجاج سنة ثلاث وثمانين وكان ابن أبى مسلم له صديقا فأشار عليه بحسن الاعتذار فلما دخل على الحجاج سلم عليه بالامرة وقال وايم الله لا أقول الا الحق قد والله حرضنا وجهدنا فما كنا أقوياء فجرة ولا أتقياء بررة وقد نصرك الله وظفرت فان سطوت فبذنوبنا وان عفوت فبحلمك والحجة لك علينا فقال الحجاج هذا والله أحب إلى ممن يقول ما شهدت ولا فعلت وسيفه يقطر من دمائنا ثم أمنه وانصرف (ولما ظفر الحجاج) بابن الاشعث وهزمه لحق كثير من المنهزمين بعمر بن الصلت وقد كان غلب على الرى في تلك الفتنة فلما اجتمعوا أرادوا أن يحظوا عند الحجاج ويمحوا عن أنفسهم ذنب الجماجم فأشاروا على عمر بخلع الحجاج فامتنع فدسوا عليه أباه فأجاب ولما سار قتيبة إلى الرى خرجوا مع عمر لقتاله

[ 52 ]

ثم غدروا به فانهزم ولحق بطبرستان وأقره الاصبهبد وأحسن إليه وأرادوا الوتوب على الاصبهبد فشاور أباه وقال قد علمت الاعاجم أنى أشرف منه فمنعه أبوه ودخل قتيبة الرى وكتب الحجاح إلى الاصبهبدان يبعث بهم أو برؤوسهم ففعل ذلك (ولما انصرف) عبد الرحمن بن الاشعث من هراة إلى رتبيل قال له علقمة بن عمر الاودى لا ادخل معك دار الحرب لان رتبيل ان دخل إليه الحجاج فيك وفى أصحابك قتلكم أو اسلمكم إليه ونحن خمسمائة قد تبايعنا على أن نتحصن بمدينة حتى نأمن أو نموت كراما وقدم عليهم مودود البصري وزحف إليهم عمارة بن تميم اللخمى وحاصرهم حتى استأمنوا فخرجوا إليه وقالهم وتتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل في عبد الرحمن يرهبه ويرغبه وكان عبيد بن سميع التميمي من أصحاب ابن الاشعث وكان رسوله إلى رتبيل أولا فانس به رتبيل وزحف عليه وأغرى القاسم بن الاشعث أخاه عبد الرحمن بقتله فخافه وزين لرتبيل أخذ العهد من الحجاج واسلام عبد الرحمن إليه على أن يكف عن أرضه سبع سنين فأجابه رتبيل وخرج إلى عمارة سرا وكتب عمارة إلى الحجاج بذلك فأجاب وكتب له بالكف عنه عشر سنين وبعث إليه رتبيل برأس عبد الرحمن وقيل مات بالسل فقطع رأسه وبعث به وقيل أرسله مقيدا مع ثلاثين من أهل بيته إلى عمارة فألقى عبد الرحمن نفسه من سطح القصر فمات فبعث عمارة برأسه وذلك سنة أربع أو خمس وثمانين قد كنا قدمنا حصار المهلب مدينة كش من وراء النهر فأقام عليها سنتين وكان استخلف على خراسان ابنه المغيرة فمات سنة اثنتين وثمانين فجزع عليه وبعث ابنه يزيد إلى مرو ومكنه في سبعين فارسا ولقيهم في مفازة نسف جمع من الترك يقاربون الخمسمائة فقاتلوهم قتالا شديدا يطلبون ما في أيديهم والمغيرة يمتنع حتى أعطى بعض أصحابه لبعضهم شيأ من المتاع والسلاح ولحقوا بهم ولحق يزيد بمرو ثم سأل أهل كش من المهلب الصلح على مال يعطونه فاسترهن منهم رهنا من أبنائهم في ذلك وانفتل المهلب وخلف حريث بن قطنة مولى خزاعة ليأخذ الفدية ويرد الرهن فلما صار ببلخ كتب إليه لا تخل الرهن وان قبضت الفدية حتى تقدم أرض بلخ لئلا يغيروا عليك فأقرأ صاحب كش كتابه وقال ان عجلت أعطيتك الرهن وأقول له جاء الكتاب بعد اعطائه فعجل صاحب كش بالفدية وأخذ الرهن وعرض له الترك كما عرضوا ليزيد وقاتلهم فقتلهم وأسر منهم أسرى ففدوهم فردا فردا وأطلقهم ولما وصل إلى المهلب ضربه ثلاثين سوطا عقوبة على مخالفة كتابه في الرهن فحلف حريث ابن قطنة ليقتلن المهلب وخاف ثابتا أن كان ذلك المسير إليه فبعث إليه المهلب أخاه

[ 53 ]

ثابت بن قطنة يلاطفه فأبى وحلف ليقتلن المهلب وخاف ثابت ان كان ذلك أن يقتلوا جميعا فأشار عليه باللحاق بموسى بن عبد الله بن حازم فلحق به في ثلثمائة من أصحابهما (ثم هلك المهلب) واستخلف ابنه يزيد وأوصى ابنه حبيبا بالصلاة وأوصى ولده جميعا بالاجتماع والالفة ثم قال أوصيكم بتقوى الله وصله الرحم فانها تنسئ في الاجل وتثرى المال وتكثر العدد وأنهاكم عن القطيعة فانها تعقب النار والذلة والقلة وعليكم بالطاعة والجماعة ولتكن فعالكم أفضل من مقالكم واتقوا الجواب وزلة اللسان فان الرجل تزل قدمه فينعش ويزل لسانه فيهلك واعرفوا لمن يغشاكم حقه فكفى بغدو الرجل ورواحه اليكم تذكرة له وآثروا الجود على البخل وأحبوا العرف واصنعوا المعروف فان الرجل من العرب تعده العدة فيموت فكيف بالصنيعة عنده وعليكم في الحرب بالتؤدة والمكيدة فانها أنفع من الشجاعة وإذا كان اللقاء نزل القضاء وان أخذ الرجل بالحزم فظفر قيل أتى الامر من وجهه فظفر وان لم يظفر قيل ما فرط ولا ضيع ولكن القضاء غالب وعليكم بقراءة القرآن وتعلم السنن وآداب الصالحين واياكم وكثرة الكلام في مجالسكم ثم مات وذلك سنة اثنتين وثمانين (ويقال) انه لما حثهم على الالفة والاجتماع أحضر سهاما محزومة فقال أتكسرون هذه مجتمعة قالوا لا قالوا فتكسرونها مفترقة قالوا نعم قال فهكذا الجماعة واستولى يزيد على خراسان بعد أبيه وكتب له الحجاج بالعهد عليها ثم وضع العيون على بيزك حتى بلغه خروجه عن قلعته فسار إليها وحاصرها ففتحها وغنم ما كان فيها من الاموال والذخائر وكانت من أحصن القلاع وكان بيزك إذا أشرف عليها يسجد لها ولما فتحها كتب إلى الحجاج بالفتح وكان كاتبه يعمر العدواني حليف هذيل فكتب انا لقينا العدو فمنحنا الله أكنافهم فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة ولحقت طائفة برؤس الجبال ومهامه الاودية وأهضام الغيطان وأفناء الانهار فقال الحجاج من بكتب ليزيد قيل يحيى بن يعمر فكتب بحمله على البريد فلما جاءه قال أين ولدت قال بالاهواز قال فمن أين هسذه الفصاحة قال حفظت من أولاد أبى وكان فصيحا قال يلحن عنبسة بن سعيد قال نعم كثيرا قال ففلان قال نعم قال فأنا قال تلحن خفيفا تجعل أن موضع إن وإن موضع أن قال أجلتك ثلاثا وان وجدتك بأرض العراق قتلتك فرجع إلى خراسان * (بناء الحجاج مدينة واسط) * كان الحجاج ينزل أهل الشأم على أهل الكوفة فضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان سنة ثلاث وثمانين وعسكروا قريبا من الكوفة حتى يستتموا ورجع منهم ذات ليلة فتى حديث عهد بعرس بابنة عمه فطرق يته ودق الباب فلم يفتح له الا بعد هنيهة

[ 54 ]

وإذا سكران من أهل الشأم فشكت إليه ابنة عمه مراودته اياها فقال لها ائذنى له فأذنت له وجاء فقتله الفتى وخرج إلى العسكر وقال ابعثى إلى الشاميين وارفعي إليهم صاحبهم فأحضروها عند الحجاج فأخبرته فقال صدقت وقال للشاميين لا قود له ولا عقل فانه قتيل الله إلى النار ثم نادى مناديه لا ينزل أحد على أحد وبعث الرواد فارتادوا له مكان واسط ووجد هناك راهبا ينظف بقعته من النجاسات فقال ما هذه قال نجد في كتبنا أنه ينشأ ههنا مسجد للعبادة فاختط الحجاج مدينة واسط هنالك وبنى المسجد في تلك البقعة * (عزل يزيد عن خراسان) * يقال ان الحجاج وفد إلى عبد الملك ومر في طريقه براهب قيل له ان عنده علما من الحدثان فقال هل تجدون في كتابكم ما أنتم فيه قال نعم فقال مسمى أو موصوفا قال موصوفا قال فما تجدون صفة ملكنا قال صفته كذا قال ثم من قال آخر اسمه الوليد قال ثم من قال آخر اسمه ثقفي قال فمن تجد بعدى قال رجل يدعى يزيد قال أتعرف صفته قال لا أعرف صفته الا أنه يغدر غدرة فوقع في نفس الحجاج أنه يزيد بن المهلب ووجل منه وقدم على عبد الملك ثم عاد إلى خراسان وكتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل المهلب وأنهم زبيرية فكتب إليه ان وفاءهم لآل الزبير يدعوهم إلى الوفاء لى فكتب ليه الحجاج يخوفه غدرهم وما يقول الراهب فكتب إليه عبد الملك انك أكثرت في يزيد فانظر من تولى مكانه فسمى له قتيبة بن مسلم فكتب له أن يوليه وكره الحجاج أن يكاتبه بالعزل فاستقدمه وأمره أن يستخلف أخاه المفضل واستشار يزيد حصين بن المنذر الرقاشى فقال له أقم واعتل وكاتب عبد الملك فانه حسن الرأى فيك نحن أهل بيت بورك لنا في الطاعة وأنا أكره الخلاف وأخذ يتجهز وأبطأ فكتب الحجاج إلى المفضل بولاية خراسان واستلحاق يزيد فقال انه لا يضرك بعدى وانما ولاك مخافة أن امتنع وخرج يزيد في ربيع سنة خمس وثمانين ثم عزل المفضل لتسعة أشهر من ولايته وولى قتيبة بن مسلم وقيل سبب عزل اليزيد أن الحجاج أذل العراق كلهم الا آل المهلب وكان يستقدم يزيد فيعتل عليه بالعدا والحروب وقيل كتب إليه أن يغزو خوارزم فاعتذر إليه بأنها قليلة السلب شديدة الكلف ثم استقدمه بعد ذلك فقال انى أغزو خوارزم فكتب الحجاج لا تغزها فغزاها وأصاب سبيا وصالحه أهلها وانفتل في الشتاء وأصاب الناس البرد فندثروا بلباس الاسرى فبقوا عرايا وقتلهم المفضل ولما ولى المفضل خراسان غزا باذغيس ففتحها وأصاب مغنما فقسمه ثم غزا شومان فغنم وقسم ما أصابه * (مقتل موسى بن حازم) *

[ 55 ]

كان عبد الله بن حازم لما قتل بنى تميم بخراسان وافترقوا عليه فخرج إلى نيسابور وخاف بنو تميم على ثقله بمرو فقال لابنه موسى اقطع نهر بلخ حتى نلتجئ إلى بعض الملوك أو إلى حصن نقيم فيه فسار موسى عن مرو في مائتين وعشرين فارسا واجتمع إليه شبه الاربعمائة وقوم من بنى سليم وأتى قم فقاتله أهلها فظفر بهم وأصاب منهم مالا وقطع النهر وسأل صاحب بخارى أن يأوى إليه فأبى وخافه وبعث إليه بصلة فسار عنه وعرض نفسه على ملوك الترك فأبوا خشية منه وأتى سمرقند فأذن له ملكها طرخون ملك الصغد في المقام فأقام وبلغه قتل أبيه عبد الله بن حازم ولم يزل مقيما بسمرقند وبارز بعض أصحابه يوما بعض الصغد فقتله فأخرجه طرخون عنه فأتى كش فنزلها ولم يطق صاحبها مدافعته واستجاش عليه بطرخون فخرج موسى للقائه وقد اجتمع معه سبعمائة فارس فاقتتلوا إلى الليل ودس موسى بعض أصحابه إلى طرخون يخوفه عاقبة أمره وان كل من يأتي خراسان يطالبه بدمه فقال يرتحل عن كش قال له نعم وكف حتى ارتحل وأتى ترمذ فنزل إلى جانب حصن بها مشرف على النهر وأبى ملك ترمد من تمليكه الحصن فأقام هنالك ولاطف الملك وتودد له وصار يتصيد معه وصنع له الملك يوما طعاما وأحضره في مائة من أصحابه ليأكلوا فلما طعموا امتنعوا من الذهاب وقال موسى هذا الحصن اما بيتى أو قبري وقاتلهم فقتل منهم عدة واستولى على الحصن وأخرج ملك ترمذ ولم يتعرض له ولا لاصحابه ولحق به جمع من أصحاب أبيه فقوى بهم وكان يغير على ما حوله ولما ولى أمية خراسان سار لغزوه وخالفه بكير كما تقدم ثم بعث إليه بعد صلحه مع بكيرا لجيوش مع رجل من خزاعة وحاصروه وعاود ملك ترمذ استنصاره بالترك في جمع كثير ونزلوا عليه من جانب آخر وكان يقاتل العرب أول النهار والترك آخره ثلاثة أشهر ثم بيت الترك ليلة فهزمهم وحوى عسكرهم بما فيه من المال والسلاح ولم يهلك من أصحابه الا ستة عشر رجلا وأصبح الخزاعى والعرب وقد خافوا مثلها وغدا عمر بن خالد بن حصين الكلابي على موسى بن حازم وكان صاحبه فقال انا لا نظفر الا بمكيدة فاضربني وخلنى فضربه خمسين سوطا فلحق بالخزاعى وقال ان ابن حازم اتهمني بعصبيتكم وأنى عين لكم فأمنه الخزاعى وأقام عنده ودخل عليه يوما وهو خال فقال له لا ينبغى أن تكون بغير سلاح فرفع طرف فراشه وأراه سيفا منتضى تحته فضربه عمر حتى قتله ولحق بموسى وتفرق الجيش واستأمن بعضهم موسى ولما ولى المهلب على خراسان قال لبنيه اياكم وموسى فانه ان مات جاء على خراسان أمير من قيس ثم لحق به حريث وثابت ابنا قطنة الخزاعى فكانا معه ولما ولى يزيد أخذ أموالهما وحرمهما وقتل أخاهما للام الحرث بن معقد فسار ثابت إلى

[ 56 ]

طرخون صريخا وكان محببا إلى الترك فغضب له طرخون وجمع له نيزك وملك الصغد وأهل بخارى والصاغان فقدموا مع ثابت إلى موسى وقد اجتمع عليه فل عبد الرحمن ابن عباس من هراة وفل ابن الاشعث من العراق ومن كابل فكان معه نحو ثمانية آلاف فقال له ثابت وحريث سر بنا في هذا العسكر مع الترك فنخرج يزيد من خراسان ونوليك فحذر موسى أن يغلباه على خراسان ونصحه بعض أصحابه في ذلك فقال لهما ان أخرجنا يزيد قدم عامل المدينة عبد الملك ولكنا نخرج عمال يزيد من وراء النهر ويكون لنا فأخرجوهم وانصرف طرخون والترك وقوى أمر العرب بترمذ وجبوا الاموال واستبد ثابت وحريث على موسى وأغراه أصحابه بهما فهم بقتلهما وإذا بجموع العجم قد خرجت إليهم من الهياطلة والتبت والترك فخرج موسى فيمن معه للقتال ووقف ملك الترك على قيل في عشرة آلاف فحمل عليهم حريث ابن قطنة حتى أزالهم عن موضعهم وأصيب بسهم في وجهه وتحاجزوا ثم بيتهم موسى فانهزموا وقتل من الترك خلق كثير ومات منهم قليل ومات حريث بعد يومين ورجع موسى بالظفر والغنيمة وقال له أصحابه قد كفينا أمر حريث فاكفنا أمر ثابت فأبى وبلغ ثابتا بعض ما كانوا يخوضون فيه ودس محمد بن عبد الله الخزاعى عليهم على أنه من سبى الباميان ولا يحسن العربية فاتصل بموسى وكان ينقل إلى ثابت خبر أصحابه فقال لهم ليلة قد أكثرتم على فعلى أي وجه تقتلونه ولا أغدر به فقال له أخوه نوح إذا أتاك غدا عدلنا به إلى بعض الدور فقتلناه قبل أن يصل اليك فقال والله انه لهلاككم وجاء الغلام إلى ثابت بالخبر فخرج من ليلته في عشرين فارسا وأصبحوا ففقدوه وفقدوا الغلام فعلموا أنه كان عينا ونزل ثابت بحشور واجتمع إليه خلق كثير من العرب والعجم وسار إليه موسى وقاتله فحصر ثابتا بالمدينة وأتاه طرخون مددا فرجع موسى إلى ترمذ ثم اجتمع ثابت وطرخون وأهل بخارى ونسف وأهل كش في ثمانين ألفا فحاصروا موسى بترمذ حتى جهد أصحابه وقال يزيد بن هذيل والله لاقتلن ثابتا أو أموت فاستأمن إليه وحذره بعض أصحابه منه فأخذا بنيه قدامة والضحاك رهنا وأقام يزيد يتلمس غرة ثابت ومات ابن الزياد والقصير الخزاعى فخرج إليه ثابت يعزيه وهو بغير سلاح فضربه يزيد على رأسه وهرب وأخذ طرخون قدامة والضحاك ابني يزيد فقتلهما وهلك ثابت لسبعة أيام وقام مكانه من أصحابه ظهير وضعف أمرهم وبيتهم موسى ليلا في ثلثمائة فبعث إليه طرخون كف أصحابك فانا نرحل الغداة فرجع وارتحل طرخون والعجم جميعا ولما ولى المفضل خراسان بعث عثمان بن مسعود في جيش إلى موسى بن حازم وكتب إلى مدرك بن المهلب في بلخ بالمسير معه فعبر النهر

[ 57 ]

في خمسة عشر ألفا وكتب إلى رتبيل والى طرخون أن يكونوا مع عثمان فحاصروا موسى بن حازم فضيقوا عليه شهرين وقد خندق عثمان على معسكره حذر البيات فقال موسى لاصحابه اخرجوا بنا مستميتين واقصدوا الترك فخرجوا وخلف النضر ابن أخيه سليمان في المدينة وقال له ان أنا قتلت فملك المدينة لمدرك بن المهلب دون عثمان وجعل ثلث أصحابه بازاء عثمان وقال لا تقاتلوه الا ان قاتلكم وقصد طرخون وأصحابه وصدقوهم القتال فانهزم طرخون وأخذوا وحجزت الترك والصغد بينهم وبين الحصر فقاتلهم فعقروا فرسه وأردفه مولى له فبصر به عثمان حين وثب فعرفه فقصده وعقروا به الفرس وقتلوه وقتل خلق كثير من العرب وتولى قتل موسى واصل العنبري ونادى منادى عثمان بكف القتل وبالاسر وبعث النضر بن سليمان إلى مدرك بن المهلب فسلم إليه مدينة ترمذ وسلمها مدرك إلى عثمان وكتب المفضل إلى الحجاج بقتل موسى فلم يسره لانه من قيس وكان قتل موسى (1) سنة خمس وثمانين لخمس عشرة سنة من تغلبه على ترمذ * (البيعة للوليد بالعهد) * وكان عبد الملك يروم خلع أخيه عبد العزيز من ولاية العهد والبيعة لابنه الوليد وكان فبيصة ينهاه عن ذلك ويقول لعل الموت يأتيه وتدفع العار عن نفسك وجاءه روح بن زنباع (2) ليلة وكان عنده عظيما ففاوضه في ذلك فقال لو فعلته ما انتطج فيه عنزان فقال نصلح ان شاء الله وأقام روح عنده ودخل عليهما قبيصة بن ذؤيب من جنج الليل وهما نائمان وكان لا يحجب عنه وليه الخاتم والسكة فاخبره بموت عبد العزيز أخيه فقال روح كفانا الله ما نريد ثم ضم مصر إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك وولاه عليها ويقال ان الحجاج كتب إلى عبد الملك يزين له بيعة الوليد فكتب إلى عبد العزيز انى رأيت أن يصير الامر إلى ابن أخيك فكتب له أن تجعل الامر له من بيعة فكتب له انى أرى في أبى بكر ما ترى في الوليد فكتب له عبد الملك أن يحمل خراج مصر فكتب إليه عبد العزيز انى واياك يا أمير المؤمنين قد أشرفنا على عمر أهل بيتنا ولا ندرى أينا يأتيه الموت فلا تفسد على بقية عمرى فرق له عبد الملك وتركه (ولما) بلغ الخبر بموت عبد العزيز عبد الملك أمر الناس بالبيعة لابنه الوليد وسليمان وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان وكان على المدينة هشام بن اسمعيل المخزومى فدعا الناس إلى البيعة فأجابوا وأبى سعيد ابن المسيب فضربه ضربا مبرحا وطاف به وحبسه وكتب عبد الملك إلى هشام يلومه ويقول ان سعيدا ليس عنده شقاق ولا نفاق ولا خلاف وقد كان ابن المسيب امتنع من بيعة ابن الزبير فضربه جابر بن الاسود عامل المدينة لابن الزبير ستين سوطا وكتب إليه

[ 58 ]

ابن الزبير يلومه وقيل ان بيعة الوليد وسليمان كانت سنة أربع وثمانين والاول أصح وقيل قدم عبد العزيز على أخيه عبد الملك من مصر فلما فارقه وصاه عبد الملك فقال ابسط بشرك وألن كنفك وآثر الرفق في الامور فهو أبلغ لك وانظر حاجبك وليكن من خير أهلك فانه وجهك ولسانك ولا يقفن أحد ببابك الا أعلمك مكانه لتكون أنت الذى تأذن له أو ترده فإذا خرجت إلى مجلسك فابد أجلساءك بالكلام يأنسوا بك وتثبت في قلوبهم محبتك وإذا انتهى اليك مشكل فاستظهر عليه بالمشورة فانها تفتح مغاليق الامور المبهمة واعلم أن لك نصف الرأى ولاخيك نصفه ولن يهلك امرؤ عن مشورة وإذا سخطت على أحد فأخر عقوبته فانك على العقوبة بعد التوقف عنها أقدر منك على ردها بعد اصابتها * (وفاة عبد الملك وبيعة الوليد) * ثم توفى عبد الملك منتصف شوال سنة ست وثمانين وأوصى إلى بنيه فقال أوصيكم بتقوى الله فانها أزين حلية وأحصن كهف ليعطف الكبير منكم على الصغير وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه فانه نابكم الذى عنه تفترون ولحيكم الذى عنه ترمون واكرموا الحجاج فانه الذى وطأ لكم المنابر ودوخ لكم البلاد وأذل لكم مغنى الاعداء وكونوا بنى أم بررة لا تدب بينكم العقارب وكونوا في الحرب أحرارا فان القتال لا يقرب منية وكونوا للمعروف منارا فان المعروف يبقى أجره وذخره وذكره وضعوا معروفكم عند ذوى الاحساب فانه لصون له واشكر لما يؤتى إليهم منه وتعهدوا ذنوب أهل الذنوب فان استقالوا فاقيلوا وان عادوا فانتقموا (ولما دفن عبد الملك) قال الوليد انا لله وانا إليه راجعون والله المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين والحمد لله على ما أنعم علينا من الخلافة فكان أول من عزى نفسه وهنأها ثم قام عبد الله بن همام السامولى وهو يقول الله أعطاك التى لا فوقها * وقد أراد الملحدون عوقها * عنك ويأبى الله الا سوقها * اليك حتى قلدوك طوقها * وبايعه ثم بايعه الناس بعده وقيل ان الوليد صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس لا مقدم لما أخره الله ولا مؤخر لما قدمه الله وقد كان من قضاء الله وسابق علمه وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت وقد صار إلى منازل الابرار وولى هذه الامة بالذى يحق لله عليه في الشدة على المذنب واللين لاهل الحق والفضل واقامة ما أقام الله من منازل الاسلام واعلائه من حج البيت وغزو الثغور وشن الغارة على أعداء الله فلم يكن عاجزا ولا مفرطا أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فان الشيطان مع

[ 59 ]

المنفرد أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذى فيه عيناه ومن سكت مات بدائه ثم نزل * (ولاية قتيبة بن مسلم خراسان وأخباره) * قدم قتيبة (1) خراسان أميرا عن الحجاج سنة ستة وثمانين فعرض الجند وحث على الجهاد وسار غازيا وجعل على الحرب بمرو (2) اياس بن عبد الله بن عمرو وعلى الخراج عثمان بن السعدى وتلقاه دهاقين البلخ الطالقان وساروا معه ولما عبر النهر تلقاه ملك الصغانبان بهداياه وكان ملك اخرون وسومان يسئ جواره فدعاه إلى بلاده وسلمها إليه وسار قتيبة إلى اخرون وسومان وهو من طخارستان فصالحه ملكهما على فدية أداها إليه وقبضها ثم انصرف إلى مرو واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم ففتح بعد رجوع قتبية كاشان وأورشت من فرغانة ثم اخسيكت مدينة فرغانة القديمة وكان معه ابن يسار وأبلى في هذه الغزاة وقيل ان قتيبة قدم خراسان سنة خمس وثمانين وكان من ذلك السبى امرأة برمك وكان برمك على النو بهار فصارت لعبد الله بن مسلم أخى قتيبة فوقع عليها وعلقت منه بخالد ثم صالح أهل بلخ وأمر قتيبة برد السبى فألحق عبد الله به حملها ثم ردت إلى برمك وذكر أن ولد عبد الله بن مسلم ادعوه ورفعوا أمرهم إلى المهدى وهو بالرى فقال لهم بعض قرابتهم انكم ان استلحقتموه لابد لكم أن تزوجوه فتركوه ولما صالح قتيبة ملك سومان كتب إلى بترك طرخان صاحب باذغيس فيمن عنده من أسرى المسلمين وهددهم فبعث بهم إليه ثم كتب إليه يستقدمه على الامان فخشى وتثاقل ثم قدم وصالح لاهل باذغيس على أن لا يدخلها قتيبة ثم غزا بيكنداد في مدائن بخارى إلى النهر سنة سبع وثمانين فلما نزل بهم استجاشوا بالصغد وبمن حولهم من الترك وساروا إليه في جموع عظيمة وأخذوا عليه الطرق فانقطعت الاخبار والرسل ما بينه وبين المسلمين شهرين ثم هزمهم بعض الايام وأثخن فيهم بالقتل والاسر وجاء إلى السور ليهدمه فسألوا الصلح فصالحهم واستعمل عليهم وسار عنهم غير بعيد فقتلوا العامل ومن معه فرجع إليهم وهدم سورهم وقتل المقاتلة وسبى الذرية وغنم من السلاح وآنية الذهب والفضة ما لم يصيبوا مثله ثم غزا سنة ثمان وثمانين بلد نومكثت فصالحوه وسار إلى رامسة فصالحوه أيضا فانصرف وزحف أيضا إليه الترك والصغد وأهل فرغانة في مائتي ألف وملكهم كوربعابور ابن أخت ملك الصين واعترضوا مقدمته وعليها أخوه عبد الرحمن فقاتلهم حتى جاء قتيبة وكان ينزل معه فأبلى مع المسلمين ثم انهزم الترك وجموعهم ورجع قتيبة إلى مرو ثم أمره الحجاج سنة تسع وثمانين بغزو بخارى وملكها وردان خذاه فعبر النهر من زم ولقيه الصغد وأهل كش ونسف بالمفازة وقاتلوه فهزمهم

[ 60 ]

ومضى إلى بخارى فنزل عن يمين وردان ولم يظفر منه بشئ ورجع إلى مرو * (عمارة المسجد) * كان الوليد عزل هشام بن اسمعيل المخزومى عن المدينة سنة سبع وثمانين لاربع سنين من ولايته وولى عليها عمر بن عبد العزيز فقدمها ونزل دار مروان ودعا عشرة من فقهاء المدينة فيهم الفقهاء السبعة المعروفون فجعلهم أهل مشورته لا يقطع أمرا دونهم وأمرهم أن يبلغوه الحاجات والظلامات فشكروه وجزوه خيرا ودعا له الناس ثم كتب إليه سنة ثمان أن يدخل حجر أمهات المؤمنين في المسجد ويشترى ما في نواحيه حتى يجعله مائتي ذراع في مثلها وقدم القبلة ومن أبى أن يعطيك ملكه فقومه قيمة عدل وادفع إليه الثمن واهدم عليه الملك ولك في عمر وعثمان اسوة فأعطاه أهل الا ملاك ما أحب منها بأثمانها وبعث الوليد إلى ملك الروم أنه يريد بناء المسجد فبعث إليه ملك الروم بمائة ألف مثقال من الذهب ومائة من الفعلة وأربعين حملا من الفسيفساء وبعث بذلك كله إلى عمر بن عبد العزيز واستكثر معهم من فعلة الشأم وشرع عمر في عمارته اه‍ وولى الوليد في سنة تسع وثمانين على مكة خالد بن عبد الله القسرى * (فتح السند) * كان الحجاج قد ولى على ثغر السند ابن عمه محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبى عقيل وجهز معه ستة آلاف مقاتل ونزل مكران فأقام بها أياما ثم أتى فيريوز ففتحها ثم ارمايل ثم سار إلى الدبيل وكان به بد عظيم في وسط المدينة على رأسه دقل عظيم وعليه راية فإذا هبت الريح دارت فأطافت بالمدينة والبد صنم مركوز في بناء والدقل منارة عليه وكل ما يعبد فهو عندهم بد فحاصر الدبيل ورماهم بالمنجنيق فكسر الدقل فتطيروا بذلك ثم خرجوا إليه فهزمهم وتسنم الناس الاسوار ففتحت عنوة وأنزل فيها أربعة آلاف من المسلمين وبنى جامعها وسار عنها إلى النيروز وقد كانوا بعثوا إلى الحجاج وصالحوه فلقوا محمدا بالميرة وأدخلوه مدينتهم وسار عنها وجعل لا يمر بمدينة من مدائن السند الا فتحها حتى بلغ نهر مهران واستعد ملك السند لمحاربته واسمه داهر بن صصة ثم عقد الجسر على النهر وعبر فقاتله داهر وهو على الفيل وحوله الفيلة ثم اشتد القتال وترجل داهر فقاتل حتى قتل وانهزم الكفار واستلحمهم المسلمون ولحقت امرأة داهر بمدينة رارو فساروا إليها وخافته فأحرقت نفسها وجواريها وملك المدينة ولحق الفل بمدينة بدهمتاباد العتيقة على فرسخين من مكان المنصورة وهى يومئذ غيضة ففتحها عنوة واستلحم من وجد بها وخربها ثم استولى على مدائن السند واحدة واحدة وقطع نهر ساسل إلى الملقاد قحاصرها وقطع الماء عنها فنزلوا على حكمه فقتل

[ 61 ]

المقاتلة وسبى الذرية وقتل سدنة البلد وهم ستة آلاف وأصابوا في البلد ذهبا كثيرا في بيت طوله عشرة أذرع وعرضه ثمانية كانت الاموال تهدى إليه من البلدان ويحجون إليه ويحلقون شعرهم عنده ويزعمون أنه هو أيوب فاستكمل فتح السند وبعث من الخمس بمائة وعشرين ألف ألف وكانت النفقة نصفها * (فتح الطالقان وسمرقند وغزو كش ونسف والشاش وفرغانة وصلح خوارزم) * قد تقدم أن قتيبة غزا بخارى سنة تسع وثمانين وانصرف عنها ولم يظفر وبعث إليه الحجاج سنة تسعين يوبخه على الانصراف عنها ويأمره بالعود فسار إليها ومعه نيزك طرخان صاحب باذغيس وحاصرها واستجاش ملكها وردان اخذاه بمن حوله من الصغد والترك فلما جاء مددهم خرجوا إلى المسلمين وكانت الازد في المقدمة فانهزموا حتى جازوا عسكر المسلمين ثم رجعوا وزحفت العساكر حتى ردوا الترك إلى موقفهم ثم زحف بنو تميم وقاتلوا الترك حتى خالطوهم في مواقفهم وأزالوهم عنها وكان بين المسلمين وبينهم نهر لم يتجاسر أحد على عبوره الا بنو تميم فلما زالوا عن مواقفهم عبر الناس واتبعوهم وأثخنوا فيهم بالقتل وخرج خاقان وابنه وفتح الله على المسلمين وكتب بذلك إلى الحجاج ولما استوت الهزيمة جاء طرخون ملك الصغد ومعه فارسان ودنا من عسكر قتيبة يطلب الصلح على فدية يؤديها فأجابه قتيبة وعقد له ورجع قتيبة ومعه نيزك وقد خافه لما رأى من الفتوح فاستأذنه في الرجوع وهو بآمد فرجع يريد طخارستان وأسرع السير وبعث قتيبة إلى المغيرة بن عبد الله يأمره بحبسه وتبعه المغيرة فلم يدركه وأظهر نيزك الخلع ودعا لذلك الا صبهند ملك بلخ وباذان ملك مرو الروذ وملك الطالقان وملك القاربات وملك الجوزجان فأجابوه وتوعدوا لغزو قتيبة وكتب إلى كاتب شاه يستظهر به وبعث إليه باثقاله وأمواله واستأذنه في الاتيان ان اضطر إلى ذلك وكان جيفونة ملك طخارستان نيزك ينزل عنده فاستضعفه وقبض عليه وقيده خشية من خلافه وأخرج عامل قتيبة من بلده وبلغ قتيبة خبرهم قبل الشتاء وقد تفرق الجند فبعث أخاه عبد الرحمن بن مسلم في اثنى عشر ألف إلى البروقان وقال أقم بها ولا تحدث شيأ فإذا انقضى الشتاء تقدم إلى طخارستان وأنا قريب منك ولما انصرم الشتاء استقدم قتيبة الجنود من نيسابور وغيرها فقدموا فسار نحو الطالقان وكان ملكها قد دخل معهم في الخلع ففتحها وقتل من أهلها مقتلة عظيمة وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ في مثلها واستخلف عليها أخاه محمد بن مسلم وسار إلى الفاربات فخرج إليه ملكها مطيعا واستعمل عليها وسار إلى الجوزجان فلقيه أهلها بالطاعة وهرب ملكها إلى الجبال واستعمل عليها عامر بن ملك الحماس ثم أتى بلخ وتلقاه أهلها بالطاعة وسار يتبع

[ 62 ]

أخاه عبد الرحمن إلى شعب حمله ومضى نيزك إلى بغلان وخلف المقاتلة على فم الشعب ولا يهتدى إلى مدخل ومضايقوه يمنعونه ووضع أثقاله في قلعة من وراء الشعب وأقام قتيبة أياما يقاتلهم على فم الشعب ولا يهتدى إلى مدخل حتى دله عليه بعض العجم هنالك على طريق سرب منه الرجال إلى القلعة فقتلوهم وهرب من بقى منهم ومضى إلى سمنجان ثم إلى نيزك وقدم أخاه عبد الرحمن وارتحل نيزك إلى وادى فرغانة وبعث أثقاله وأمواله إلى كابل شاه ومضى إلى الكون فتحصن به ولم يكن له الا مسلك واحد صعب على الدواب فحاصره قتيبة شهرين حتى جهدوا وأصابهم جهد الجدرى وقرب فصل الشتاء فدعا قتيبة بعض خواصه ممن كان بصادق نيزك فقال انطلق إليه وأثن عليه بغير أمان وان أعياك فأمنه وان جئت دونه صلبتك فمضى الرجل وأشار عليه بلقائه وانه عازم على أن يشق هنالك فقال أخشاه فقال له لا يخلصك الا اتيانك وتنصح له بذلك وبانه يخشى عليه من غدر أصحابه الذين معه ولم يزل يقتل له في الذروة والغارب وهو يمتنع حتى قال له انه قد أمنك فأشار عليه أصحابه بالقبول لعلمهم بصدقه وخرج معه نيزك ومعهم حيفونة ملك طخارستان الذى كان قيده حتى انتهوا إلى الشعب وهناك خيل اكمنه الرجل ما كان فيه وكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك فوافاه كتابه لاربعين يوما بقتله فقتله وقتل معه صول طرخان خليفة جيفونة وابن أخى نيزك ومن أصحابه سبعمائة وصلبهم وبعث برأسه إلى الحجاج وأطلق جيفونة وبعث به إلى الوليد ثم رجع إلى مرو وأرسل إليه ملك الجوزجان يستأمنه فأمنه على أن يأتيه فطلب الرهن فأعطاه وقدم ثم رجع فمات بالطالقان وذلك سنة احدى وتسعين ثم سار إلى شومان فحاصرها وقد كان ملكها طرد عامل قتيبة من عنده فبعث إليه بعد مرجعه من هذه الغزاة أن يؤدى ما كان صالح عليه فقتل الرسول فسار إليه قتيبة وبعث له صالح أخو قتيبة وكان صديقه ينصحه في مراجعة الطاعة فأبى فحاصره قتيبة ونصب عليه المجانيق فهدم الحصن وجمغ الملك ما في الحصن من مال وجوهر ورمى به في بئر لا يدرك قعره ثم استمات وخرج فقاتل حتى قتل وأخذ قتيبة القلعة عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية ثم بعث أخاه عبد الرحمن إلى الصغد وملكهم طرخون فأعطى ما كان صالح عليه قتيبة وسار قتيبة إلى كش ونسف فصالحوه ورجع ولقى أخاه ببخارى وساروا إلى مرو (ولما رجع) عن الصغد حبس الصغد ملكهم طرخون لاعطائه الجزية وولوا عليهم غورك فقتل طرخون نفسه ثم غزا في سنة اثنتين وتسعين إلى سجستان يريد رتبيل فصالحه وانصرف وكان ملك خوارزم قد غلبه أخوه خرزاد على أمره وكان أصغر منه وعاث في الرعية وأخذ أموالهم وأهليهم فكتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه ليسلمها إليه على أن يمكنه

[ 63 ]

من أخيه ومن عصاه من دونهم فأجابه قتيبة ولم يطلع الملك أحدا من مرازبتة على لك وتجهز قتيبة سنة ثلاث وتسعين وأظهر غزو الصغد فأقبل أهل خوارزم على شأنهم ولم يحتفلوا بغزوه وإذا به قد نزل هزارسب قريبا منهم وجاء أصحاب خوارزم شاه إليه فدعوه للقتال فقال ليس لنا به طاقة ولكن نصالحه على شئ نعطيه كما فعل غيرنا فوافقوه وسار إلى مدينة الفيد من وراء النهر وهذا حصن بلاده وصالحه بعشرة آلاف رأس وعين ومتاع وأن يعينه على خام جرد وقيل على مائة ألف رأس وبعث قتيبة أخاه عبد الرحمن إلى خام جرد وهو عدو لخوارزم شاه فقاتله وقتله عبد الرحمن وغلب على أرضه وأسر منهم أربعة آلاف فقتلهم وسلم قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفه من أمرائه فقتلهم ودفع أموالهم إلى قتيبة ولما قبض قتيبة أموالهم أشار عليه المحشر بن مخازم السلمى بغزو الصغد وهم آمنون على مسافة عشرة أيام فقال اكتم ذلك فقدم أخاه في الفرسان والرماة وبعثوا بالاثقال إلى مرو وخطب قتيبة الناس وحثهم على الصغد وذكرهم الضفائن فيهم ثم سار فأتى الصغد بعد ثلاث من وصول أخيه فحاصرهم بسمرقند شهرا واستجاشوا ملك الشاش واخشاد خاقان وفرغانة فانتخبوا أهل النجدة من ابناء الملوك والمرازبة والاساورة وولوا عليهم ابن خاقان وجاؤا إلى المسلمين فانتخب قتيبة من عسكره ستمائة فارس وبعث بهم أخاه صالحا لاعتراضهم في طريقهم فلقوهم بالليل وقاتلوهم أشد قتال فهزموهم وقتلوهم وقتلوا ابن خاقان ولم يفلت منهم الا القليل وغنموا ما معهم ونصب قتيبة المجانيق فرماهم بها وثلم السور واشتد في قتالهم وحمل الناس عليهم إلى أن بلغوا الثلمة ثم صالحوه على ألفى ألف ومائتي ألف مثقال في كل عام وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس وأن يمكنوه من بناء مسجد بالمدينة ويخلوها حتى يدخل فيصلى فيه فلما فعل ذلك ودخل المدينة أكرههم على اقامة جند فيها وقيل انه شرط عليهم الاصنام وما في بيوت النار فأعطوه فأخذ الحلية وأحرق الاصنام وجمع من بقايا مساميرها وكانت ذهبا خمسين ألف مثقال وبعث بجارية من سبيها من ولد يزدجرد إلى الحجاج فأرسلها الحجاج إلى الوليد وولدت له يزيد ثم قال فورك لقتيبة انتقل عنا فانتقل وبعث إلى الحجاج بالفتح ثم رجع إلى مرو واستعمل على سمرقند اياس بن عبد الله على حربها وعبيد الله بن أبى عبيد الله مولى مسلم على خراجها فاستضعف أهل خوارزم اياسا وجمعوا له فبعث قتيبة عبد الله عاملا على سمرقند وأمره أن يضرب اياسا وحبايا السطى مائة مائة ويخلعهما فلما قرب عبد الله من خوارزم مع المغيرة بن عبد الله فبلغهم ذلك وخشى ملكه من ابناء الذين كان قتلهم ففر إلى بلاد الترك وجاء المغيرة فقتل وسبى وصالحه الباقون على الجزية ورجع إلى

[ 64 ]

قتيبة فولاه على نيسابور ثم غزا قتيبة سنة أربع وتسعين إلى ما وراء النهر وفرض البعث على أهل بخارى وكش ونسف وخوارزم فسار منهم عشرون ألف مقاتل فبعثهم إلى الشاش وسار هو إلى خجندة فجمعوا له واقتتلوا مرارا كان الظفر فيها للمسلمين وفتح الجند الذين ساروا إلى الشاش مدينة الشاش وأحرقوها ورجعوا إلى قتيبة وهو على كشان مدينة فرغانة وانصرف إلى مرو ثم بعث الحجاج إليه جيشا من العراق وأمره بغزو الشاش فسار لذلك وبلغه موت الحجاج فرجعوا إلى مرو * (خبر يزيد بن المهلب واخونه) * كان الحجاج قد حبس يزيد واخوته سنة ست وثمانين وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان فأقاموا في محبسهم إلى سنة تسعين وبلغه أن الاكراد غلبوا على فارس فعسكر قريبا من البصرة للبعث وأخرج معه بنى المهلب وجعلهم في فسطاط قريبا منه ورتب عليهم الحرس من أهل الشأم ثم طلب منهم ستة آلاف ألف وأمر بعذابهم وبكت أختهم هند بنت المهلب زوجة الحجاج فطلقها ثم كف عنهم وجعل يستأدبهم وبعثوا إلى أخيهم مروان وكان على البصرة أن يعدلهم خيلا وكان حبيب منهم يعذب بالبصرة فصنع يزيد للحرس طعاما كثيرا وأمر لهم بشراب فأقاموا يتعاقرون واستغفلهم يزيد والمفضل وعبد الملك وخرجوا ولم يفطنوا لهم ورفع الحرس خبرهم إلى الحجاج فخشيهم على خراسان وبعث البريد إلى قتيبة يخبرهم ليحذرهم وكان يزيد قد ركب السفن إلى البطائح واستقبلته الخيل المعدة له هناك وساروا إلى الشأم على السماوة ومعهم دليل من كاب ونمى خبرهم إلى الحجاج فبعث إلى الوليد بذلك وقدموا إلى فلسطين فنزلوا على وهيب بن عبد الرحمن الازدي وكان كريما على سليمان فأخبره بحالهم وانهم استجاروا به من الحجاج فقال ائتنى بهم فقد أجرتهم وكتب الحجاج إلى الوليد ان بنى المهلب خانوا مال الله وهربوا منى فلحقوا بسليمان فسكن ما به لانه كان خشيهم على خراسان كما خشيهم الحجاج وكان غضبا للمال الذى ذهبوا به فكتب سليمان إلى الوليد ان يزيد عندي وقد أمنته وكان الحجاج أغرمه ستة آلاف ألف فأد نصفها وأنا أؤدى النصف فكتب الوليد لا أؤمنه حتى تبعث به فكتب سليمان لاجيئن معه فكتب الوليد اذن لا أؤمنه فقال يزيد لسليمان لا يتشاءم الناس بى لكما فاكتب معى وتلطف ما أطقت فأرسله وارسل معه ابنه أيوب وكان الوليد أمر أن يبعث مقيدا فقال سليمان لابنه ادخل على عمك أنت ويزيد في سلسلة فقال الوليد لما رأى ذلك لقد بلغنا من سليمان ثم دفع أيوب كتاب أبيه بالشفاعة وضمان المال عن يزيد فقرأه الوليد واستعطفه أيوب في ذمة أبيه وجواره وتكلم يزيد واعتذر فأمنه الوليد ورجع إلى سليمان وكتب الوليد إلى الحجاج

[ 65 ]

بالكف عنهم فكف عن حبيب وأبى عبسة وكانا عنده وأقام يزيد عند سليمان يهدى إليه الهدايا ويصنع له الاطعمة * (ولاية خالد القسرى على مكة واخراج سعيد بن جبير عنها ومقتله) * ولما كان في سنة ثلاث وتسعين كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد يقص عليه أفعال الحجاج بالعراق وما هم فيه من ظلمه وعدوانه فبلغ بذلك الحجاج فكتب إلى الوليد ان كثيرا من المراق وأهل الشقاق قد انجلوا عن العراق ولحقوا بالمدينة ومكة ومنعهم عمر ذلك وهن فولى الوليد على مكة خالد بن عبد الله القسرى وعثمان بن حيان باشارة الحجاج وعزل عمر عن الحجاز وذلك في شعبان من السنة ولما قدم خالد مكة أخرج من كان بها من أهل العراق كرها وتهدد من أنزل عراقيا أو أجره دارا وكانوا أيام عمر بن عبد العزيز يلجأ إلى مكة والمدينة كل من خاف الحجاج فيأمن وكان منهم سعيد بن جبير هاربا من الحجاج وكان قد جعله على عطاء الجند الذين وجههم مع عبد الرحمن بن الاشعث إلى قتال رتبيل فلما خرج عبد الرحمن كان سعيد فيمن خلع فكان معه إلى أن هزم وسار إلى بلاد رتبيل فلحق سعيد باصبهان وكتب الحجاج فيه إلى عاملها فتحرج من ذلك ودس إلى سعيد فسار إلى أذربيجان ثم طال عليه المقام فخرج إلى مكة فكان بها مع ناس أمثاله من طلبة الحجاج يستخفون بأسمائهم فلما قدم خالد ابن عبد الله مكة أمره الوليد بحمل أهل العراق إلى الحجاج فأخذ سعيد بن جبير ومجاهدا وطلق بن حبيب وبعث بهم إلى الحجاج فمات طلق في الطريق وجئ بالآخرين إلى الكوفة وأدخلا على الحجاج فلما رأى سعيدا شتم خالدا القسرى على ارساله وقال لقد كنت أعرف أنه بمكة وأعرف البيت الذى كان فيه ثم أقبل على سعيد وقال ألم أشركك في أمانتى ألم أستعملك ثم تفعل يعدد أياديه عنده فقال بلى قال فما أخرجك على قتالي أنا امرؤ من المسلمين أخطئ مرة وأصيب أخرى ثم استمر في محاورته فقال انما كانت بيعة في عنقي فغضب الحجاج وقال ألم آخذ بيعتك لعبد الملك بمكة بعد مقتل ابن الزبير ثم جددت له البيعة بالكوفة فأخذت بيعتك ثانيا قال بلى قال فنكثت بيعتين لامير المؤمنين وتوفى بواحدة للفاعل بن الفاعل والله لاقتلنك فقال انى لسعيد كما سمتنى أمي فضربت عنقه فهلل رأسه ثلاثا أفصح منها بمرة ويقال ان عقل الحجاج التبس يومئذ وجعل يقول قيودنا قيودنا فظنوها قيود سعيد بن جبير فأخذوها من رجليه وقطعوا عليها ساقيه وكان إذا نام يرى سعيد بن جبير في منامه آخذا بمجامع ثوبه يقول يا عدو الله فيم قتلتنى فينتبه مرعوبا يقول مالى ولسعيد بن جبير * (وفاة الحجاج) *

[ 66 ]

وتوفى الحجاج في شوال سنة خمس وتسعين لعشرين سنة من ولايته العراق ولما حضرته الوفاة استخلف على ولايته ابنه عبد الله وعلى حرب الكوفة والبصرة يزيد بن أبى كبشة وعلى خراجهما يزيد بن أبى مسلم فأقرهم الوليد بعد وفاته وكتب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجهدك وجهادك أعداء المسلمين وأمير المؤمنين رافعك وصانع بك الذى تحب فاتمم مغازيك وانتظر ثواب ربك ولا تغيب عن أمير المؤمنين كتبك حتى كانى أنظر إلى بلادك والثغر الذى أنت فيه ولم يغير الوليد أحدا من عمال الحجاج * (أخبار محمد بن القاسم بالسند) * كان محمد بن القاسم بالملتان وأتاه خبر وفاة الحجاج هنالك فرجع إلى الدور والثغور وكان قد فتحها ثم جهزه الناس إلى السلماس مع حبيب فأعطوا الطاعة وسالمه أهل شرست وهى مغزى أهل البصرة وأهلها يقطعون في البحر ثم سار في العسكر إلى فخرج إليه دوهر فقاتله محمد وهزمه وقتله ونزل أهل المدينة على حكمه فقتل وسبا ولم يزل عاملا على السند إلى أن ولى سليمان بن عبد الملك فعزله وولى يزيد بن أبى كبشة السكسكى على السند مكانه فقيده يزيد وبعث به إلى العراق فحبسه صالح بن عبد الرحمن بواسط وعذبه في رجال من قرابة الحجاج على قتلهم وكان الحجاج قتل أخاه آدم على رأى الخوارج ومات يزيد بن أبى كبشة لثمان عشرة ليلة من مقدمه فولى سليمان على السند حبيب بن المهلب فقدمها وقد رجع ملوك السند إلى ممالكهم ورجع حبشة بن داهر إلى فنزل حبيب على شاطئ مهران وأعطاه أهل الروم الطاعة وحارب فظفر ثم أسلم الملوك لما كتب عمر بن عبد العزيز إلى الاسلام على أن يملكهم وهم أسوة المسلمين فيما لهم وعليهم فأسلم حبشة والملوك وتسموا بأسماء العرب وكان عمر بن مسلم الباهلى عامل عمر على ذلك الثغر فغزا بعض الهند وظفر ثم ولى الجنيد بن عبد الرحمن على السند أيام هشام بن عبد الملك فأتى شط مهران ومنعه حبشة ابن داهر العبور وقال انى قد أعملت وولانى الرجل الصالح ولست آمنك فأعطاه الرهن ثم ردها حبشة وكفر وحارب فحاربه الجنيد في السفن وأسره ثم قتله وهرب صصه ابن داهر إلى العراق شاكيا لغدر الجنيد فلم يزل يؤنسه حتى جاءه فقتله ثم غزا الجنيد الكيرح من آخر الهند وكانوا نقضوا فاتخذ كباشا (1) زاحفة ثم صك بها سور المدينة فثلمها ودخل فقتل وسبى وغنم وبعث العمال إلى المرمد والمعدل ودهنج وبعث جيشا إلى أرين فأغاروا عليها وأحرقوا ربضها وحصل عنده سوى ما حمل أربعون ألف ألف وحمل مثلها وولى تميم بن زيد الضبى فضعف ووهن ومات قريبا من الديبل وفى أيامه

[ 67 ]

خرج المسلمون عن بلاد الهند وتركوا مراكزهم ثم ولى الحكم بن سوام الكلبى وقد كفر أهل الهند الا أهل قصة فبنى مدينة سماها المحفوظة وجعلها مأوى المسلمين وكان معه عمر بن محمد بن القاسم وكان يفوض إليه عظائم الامور وأغزاه من المحفوظة فلما قدم وقد ظهر أمره فبنى مدينة وسماها المنصورة وهى التى كانت أمراء السند ينزلونها واستخلص ما كان غلب عليه العدو ورضى الناس بولايته ثم قتل الحكم وضعفت الدولة الاموية عن الهند وتأتى أخبار السند في دولة المأمون * (فتح مدينة كاشغر) * أجمع قتيبة لغزو مدينة كاشغر سنة ست وتسعين وهى أدنى مدائن الصين فسار لذلك وحمل مع الناس عيالاتهم ليضعها بسمرقند وعبر النهر وجعل على المجاز مسلحة (1) يمنعون الراجع من العسكر الا باذنه وبعث مقدمه إلى كاشغر فغنموا وسبوا وختم أعناق السبى وأوغل حتى قارب الصين فكتب إليه ملك الصين يستدعى من أشراف العرب من يخبره عنهم وعن دينهم فانتخب قتيبة عشرة من العرب كان منهم هبيرة بن شمرج الكتابى وأمر لهم بعدة حسنة ومتاع من الخز والوشى وخيول أربعة وقال لهم أعلموه انى حالف انى لا أنصرف حتى أطأ بلادهم وأختم ملوكهم وأجبى خراجهم ولما قدموا على ملك الصين دعاهم في اليوم الاول فدخلوا وعليهم الغلائل والاردية وقد تطيبوا ولبسوا النعال فلم يكلمهم الملك ولا أحد ممن حضره وقالوا بعد انصرافهم هؤلاء نسوان فلبسوا الوشى والمطارف وعمائم الخز وغدوا عليه فلم يكلموهم وقالوا هذه أقرب إلى هيئة الرجال ثم دعاهم الثالثة فلبسوا سلاحهم وعلى رؤسهم البيضات والمغافر وتوشحوا السيوف واعتقلوا الرماح ونكبوا القسى فها لهم منظرهم ثم انصرفوا وركبوا فتطاردوا فعجب القوم منهم ثم دعا زعيمهم هبيرة بن شمرج فسأله لم خالفوا في زيهم فقال أما الاول فانا نساء في أهلنا وأما الثاني فزينا عند أمرائنا وأما الثالث فزيتا لعدونا فاستحسن ذلك ثم قال له قد رأيتم عظم ملكى وأنه ليس أحد يمنعكم منى وقد عرفت قلتكم فقولوا لصاحبكم ينصرف والا بعثت من يهلككم فقال هبيرة كيف نكون في قلة وأول خيلنا في بلادك وآخرها في منابت الزيتون وأما القتل فلسنا نكرهه ولا نخافه ولنا آجال إذا حضرت فلن نتعداها وقد حلف صاحبنا أنه لا ينصرف حتى يطأ أرضكم ويختم ملوككم ويأخذ جزيتكم قال الملك فانا نخرجه من يمينه نبعث له بتراب من أرضنا فيطؤه ويقبض أبناءنا فيختمهم وبهدية ترضيه ثم أجازهم فأحسن وقدموا على قتيبة فقبل الجزية ووطئ التراب وختم الغلمان وردهم ثم انصرف من غداته وأوفد هبيرة إلى الوليد وبلغه وهو في الفرات موت الوليد

[ 68 ]

* (وفاة الوليد وبيعة سليمان) * ثم توفى الوليد في منتصف جمادى الاخيرة من سنة ست وتسعين وصلى عليه عمر بن عبد العزيز وكان من أفضل خلفاء بنى أمية وبنى المساجد الئلاثة مسجد المدينة ومسجد القدس ومسجد دمشق ولما أراد بناء مسجد دمشق كانت في موضعه كنيسة فهدمها وبناها مسجدا وشكوا ذلك لعمر بن عبد العزيز فقال نرد عليكم كنيستكم ونهدم كنيسة توما فانها خارج المدينة مما فتح عنوة ونبنيها مسجدا فتركوا ذلك وفتح في ولايته الاندلس وكاشغر والهند وكان يتخذ الضياع وكان متواضعا يمر بالبقال فيسأله بكم حزمة البقل ويسعر عليه وكان بختم القرآن في ثلاث وفى رمضان في يومين وكان أراد أن يخلع أخاه سليمان ويبايع لولده عبد العزيز فأبى سليمان فكتب إلى عماله ودعا الناس إلى ذلك فلم يجبه الا الحجاج وقتيبة وبعض خواصه واستقدم سليمان ثم استبطأه فأجمع السير إليه ليخلعه فمات دون ذلك ولما مات بويع سليمان من يومه وهو بالرملة فعزل عثمان بن حيان من المدينة آخر رمضان وولى عليها أبا بكر بن محمد بن عمر بن حزم وعزل ولاة الحجاج عن العراق فولى يزيد بن المهلب على المصرين وعزل عنهما يزيد بن أبى مسلم فبعث يزيد أخاه زيادا على عمان وأمر سليمان يزيد بن المهلب بنكبة آل أبى العقيل قوم الحجاج وبنى أبيه وبسط أصناف العذاب عليهم فولى على ذلك عبد الملك بن المهلب * (مقتل قتيبة بن مسلم) * ولما ولى سليمان خافه قتيبة لما قدمناه من موافقته الوليد على خلعه فخشى أن يولى يزيد ابن المهلب خراسان فأجمع خلعه وكتب إليه لئن لم تقرنى على ما كنت عليه وتؤمني لاخلعنك ولاملانها عليك خيلا ورجلا فامنه وكتب له العهد على خراسان وبعث إليه رسوله بذلك فبعث الرسول وهو بحلوان انه قد خلع وكان هو بعد بعثة الكتاب إلى سليمان قد اشتد وجله وأشار عليه أخوه عبد الله بالمعاجلة فدعا الناس إلى الخلع وذكرهم بواثقه وسوء ولاية من تقدمه فلم يجبه أحد فغضب وشتمهم وعدد مثابلهم قبيلة قبيلة وأثنى على نفسه بالاب والبلد والمعشر فغضب الناس وكرهوا خلع سليمان وأجمعوا على خلع قتيبة وخلافه وعذل قتيبة أصحابه فيما كان منه فقال لما لم تجيبوني غضبت فلم أدر ما قلت وجاء الازد إلى حضين بن المنذر بالضاد المعجمة فقالوا كيف ترى هذا يدعو إلى فساد الدين ويشتمنا فعرف مغزاهم فقال ان مضر بخراسان كثير وتميم أكثرهم وهم شوكتها ولا يرضون بغيرهم فيصيبوا قتيبة ولا أرى لها الا وكيعا وكان وكيع موثقا من قتيبة بعزله وولاية ضرار بن حصين الضبى مكانه وقال حيان

[ 69 ]

النبطي مولى بنى شيبان ليس لها غير وكيع ومشى الناس بعضهم إلى بعض سرا وتولى كبر ذلك حيان ونمى خبره إلى قتيبة فأمر بقتله إذا دخل عليه وتنصح بعض خدم قتيبة بذلك إلى حيان فلما دعاه تمارض واجتمع الناس إلى وكيع وبايعوه فمن أهل البصرة والعالية من المقاتلة تسعة آلاف ومن بكر سبعة آلاف رئيسهم حضين بن المنذر ومن تميم عشرة آلاف عليهم ابن زخر ومن الموالى سبعة آلاف عليهم حيان النبطي وقيل من الديلم وسمى نبطيا للكنته وشرط على وكيع أن يحول له الجانب الشرقي من نهر بلخ فقبل وفشا الخبر وبلغ قتيبة فدس ضرار بن سيان الضبى إلى وكيع فبايعه وجاء إلى قتيبة بالخبر فأرسل قتيبة إلى وكيع فاعتذر بالمرض فقال لصاحب شرطته ائتنى به وان أبى ائتنى برأسه فلما جاء إلى وكيع ركب ونادى في الناس فأتوه ارسالا واجتمع إلى قتيبة أهل بيته وخواصه وثقاته وبنو عمه وأمر فنودى في الناس قبيلة قبيلة وأجابوه بالجفوة يقول أين بنو فلان فيقولون حيث وضعتهم فنادى بأذكركم الله والرحم فقالوا أنت قطعتها فنادى لكم العتبى فقالوا لا انا لنا الله إذا فدعا ببرذون ليركبه فمنعه ورمحه فعاد إلى سريره وجاء حيان النبطي في العجم فأمره عبد الله أخو قتيبة أن يحمل على القوم فاعتذر وقال لابنه إذ القيتنى حولت قلنسوتي فمل بالاعاجم إلى وكيع ثم حولها وسار بهم ورمى صالح أخو قتيبة بسهم فحمل إلى أخيه ثم تهايج الناس وجاء إلى عبد الرحمن أخى قتيبة الغوغاء ونحوهم فأحرقوا اريا فيه ابل قتيبة ودوابه ثم زحفوا به حتى بلغوا فسطاطه فقطعوا أطنابه وجرح جراحات كثيرة ثم قطعوا رأسه وقتل معه اخوته عبد الرحمن وعبد الله وصالح وحصين وعبد الكريم ومسلم وابنه كثير وقيل قتل عبد الكريم بقزوين فكان عدة من قتل من أهله احد عشر رجلا ونجا أخوه عمر مع اخواله من تميم ثم صعد وكيع المنبر وأنشد الشعر في الثناء على نفسه وفعله والذم من قتيبة ووعد بحسن السيرة وطلب رأس قتيبة وخاتمه من الازد وهددهم عليه فجاؤا به فبعثه إلى سليمان ووفى وكيع لحيان النبطي بما ضمن له * (ولاية يزيد بن المهلب خراسان) * كان يزيد بن المهلب لما ولاه سليمان العراق على الحرب والصلاة والخراج استكره أن يحيف على الناس في الخراج فتلحقه المذمة كما لحقت الحجاج ويخرب العراق وان قصر عن ذلك لم يقبل منه فرغب من سليمان أن يعفيه من الخراج وأشار عليه بصالح بن عبد الرحمن مولى تميم فولاه سليمان الخراج وبعثه قبل يزيد فلما جاء صالح إلى يزيد ضيق عليه صالح وكان يزيد يطعم على ألف خوان فاستكثرها صالح فقال اكتب ثمنها على وغير ذلك وضجر يزيد وجاء خبر خراسان ومقتل قتيبة فطمع يزيد في ولايتها ومن عبد الله

[ 70 ]

ابن الاهتم على سليمان أن يوليه خراسان ولا يشعر بطلبته بذلك وسيره على البريد فقال له سليمان ان يزيد كتب إلى يذكر عملك بالعراق فقال نعم بها ولدت وبها نشأت ثم استشاره فيمن يوليه خراسان ولم يزل سليمان يذكر الناس وهو يردهم ثم حذره من وكيع وغدره قال فسم أنت قال شريطة الكمال الاجازة ممن أشير به وإذا علم يكره ذلك ثم قال هو يزيد بن المهلب فقال سليمان العراق أحب إليه فقال ابن الاهتم قد علمت ولكن نكرهه فيستخلف على العراق ويسير إلى خراسان فكتب عهد يزيد على خراسان وبعثه مع ابن الاهتم فلما جاء بعث ابنه مخادا على خراسان ثم سار بعده واستخلف على واسط الجراح بن عبد الله الحكمى وعلى البصرة ابن عبد الله بن هلال الكلابي وعلى الكوفة حرملة بن عيد اللخمى ثم عزله لاشهر بشير بن حيان النهدي فكانت قيس تطلب بثأر قتيبة وتزعم أنه لم يخلع فأوصى سليمان يزيد ان أقامت قيس بينة انه لم يخلع أن يقيد به من وكيع * (أخبار الصوائف وحصار قسطنطينية) * كانت الصوائف تعطلت من الشام منذ وفاة معاوية وحدوث الفتن واشتدت الفتن أيام عبد الملك اجتمعت الروم واستجاشوا على أهل الشأم فصالح عبد الملك صاحب قسطنطينية على أن يؤدى إليه كل يوم جمعة ألف دينار خشية منه على المسلمين ونظرا لهم وذلك سنة سبعين لعشر سنين من وفاة معاوية ثم لما قتل مصعب وسكنت الفتنة بعث الجيوش سنة احدى وسبعين في الصائفة فدخل فافتتح قيسارية ثم ولى على الجزيرة وأرمينية أخاه محمد بن مروان سنة ثلاث وسبعين فدخل في الصائفة إلى بلاد الروم فهزمهم ودخل عثمان بن الوليد من ناحية أرمينية في أربعة آلاف ولقيه الروم في ستين ألفا فهزمهم وأثخن فيهم بالقتل والاسر ثم غزا محمد بن مروان سنة أربع وسبعين فبلغ انبولية وغزا في السنة بعدها في الصائفة من طريق مرعش فدوخ بلادهم وخرج الروم في السنة بعدها إلى العتيق فغزاهم من ناحية مرعش ثانية ثم غزاهم سنة ست وسبعين من ناحية ملطية ودخل في الصائفة سنة سبع وسبعين الوليد بن عبد الملك فأثخن فيهم ورجع وجاء الروم سنة تسع وسبعين فأصابوا من أهل انطاكية وظفروا بهم فبعث عبد الملك سنة احدى وثمانين ابنه عبيد الله بالعسكر ففتح قاليقلا ثم غزا محمد بن مروان سنة اثنتين وثمانين أرمينية وهزمهم فسألوه الصلح فصالحهم وولى عليهم أبا شيخ بن عبد الله فغدروه وقتلوه فغزاهم سنة خمس وثمانين وصاف فيها وشتى ثم غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم ودوخها ورجع عاد إليها سنة سبع وثمانين فأثخن فيهم بناحية المصيصة وفتح حصونا كثيرة منها حصن بولق

[ 71 ]

والاحزم وبولس وقمقيم وقتل من المستقر به ألف مقاتل وسبى أهاليهم ثم غزا بلاد الروم سنة تسع وثمانين مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد فافتتح مسلمة حصن سورية وافتتح العباس اردوليه ولقى جمعا من الروم فهزمهم وقيل ان مسلمة قصد عمورية فلقى بها جمعا من الروم فهزمهم وافتتح هرقلة وقمولية وغزا العباس الصائفة من ناحية البلد بدون وغزا مسلمة بن عبد الملك الترك سنة تسع وثمانين من ناحية أذربيجان ففتح حصونا ومدائن هناك ثم غزا سنة تسعين ففتح الحصون الخمس التى بسورية وغزا العباس حتى بلغ أردن وسورية وفى سنة احدى وتسعين غزا عبد العزيز بن الوليد في الصائفة مع مسلمة بن عبد الملك و كان الوليد قد ولى مسلمة على الجزيرة وارمينية وعزل عمه محمد بن مروان عنها فغزا الترك من ناحية أذربيجان حتى الباب وفتح مدائن وحصونا ثم غزا سنة اثنتين وتسعين بعدها ففتح ثلاثة حصون وجلا أهل سرسنة إلى بلاد الروم ثم غرا العباس بن الوليد سنة ثلاث بعدها بلاد الروم ففتح سبيطلة وغزا مروان بن الوليد فبلغ حنجرة وغزا مسلمة ففتح ماشية وحصن الحديد وغزالة من ناحية ملطية وغزا العباس بن الوليد سنة أربع وتسعين ففتح انطاكية وغزا عبد العزيز بن الوليد ففتح غزالة وبلغ الوليد بن هشام المعيطى مروج الحمام ويزيد بن أبى كبشة أرض سورية وفى سنة خمس وتسعين غزا العباس الروم ففتح هرقلة وفى سنة سبع وتسعين غزا مسلمة أرض الرضاخية وفتح الحصن الذى فتحه الرصاع وغزا عمر بن هبيرة أرض الروم في البحر فشتى بها وبعث سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينية وبعث ابنه داود على الصائفة ففتح حصن المراة وفى سنة ثمان وتسعين مات ملك الروم فجاء القون إلى سليمان فأخبره وضمن له فتح الروم وسار سليمان إلى وابق وبعث الجيوش مع أخيه مسلمة ولما دنا من القسطنطينية أمر أهل المعسكر أن يحمل كل واحد مدين مدين من الطعام ويلقوه في معسكرهم فصار أمثال الجبال واتخذ البيوت من الخشب وأمر الناس بالزراعة وصاف وشتى وهم يأكلون من زراعتهم وطعامهم الذى استاقوه مدخرا ثم جهد أهل القسطنطينية الحصار وسألوا الصلح على الجزية دينارا على الرأس فلم يقبل مسلمة وبعث الروم إلى القون ان صرفت عنا المسلمين ملكناك فقال لمسلمة لو أحرقت هذا الزرع علم الروم انك قصدتهم بالقتال فنأخذهم باليد وهم الآن يظنون مع بقاء الزرع انك تطاولهم فأحرق الزرع فقوى الروم وغدر القون وأصبح محاربا وأصاب الناس الجوع فأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق وسليمان مقيم بوابق وحال الشتاء بينهم وبينه فلم يقدر أن يمدهم حتى مات وأغارت برجان على مسلمة وهر

[ 72 ]

في قلة لهزمهم وفتح مدينتهم وغزا في هذه السنة الوليد بن هشام فأثخن في بلاد الروم وغزا داود بن سليمان سنة ثمان وتسعين ففتح حصن المراة مما يلى ملطية وفى سنة تسع وتسعين بعث عمر بن عبد العزيز مسلمة وهو بأرض الروم وأمده بالنفول بالمسلمين وبعث إليه بالخيل والدواب وحث الناس على معونتهم ثم أمر عمر بن عبد العزيز أهل طريدة بالجلاء عنها إلى ملطية وخربها وكان عبد الله بن عبد الملك قد أسكنها المسلمين وفرض على أهل الجزيرة مسلحة تكون عندهم إلى فصل الشتاء وكانت متوغلة في أرض الروم فخربها عمر وولى على ملطية جعونة بن الحرث من بنى عامر بن صعصعة وأغزى عمر سنة مائة من الهجرة بالصائفة الوليد بن هشام المعيطى وعمر بن قيس الكندى * (فتح جرجان وطبرستان) * كان يزيد بن المهلب يريد فتحهما لما أنهما كانتا للكفار وتوسطتا بين فارس وخراسان ولم يصبهما الفتح وكان يقول وهو في جوار سليمان بالشأم إذا قصت عليه أخبار قتيبة وما يفعله بخراسان وما وراء النهر ما فعلت جرجان التى قطعت الطريق وأفسدت يوسس ونيسابور وليست هذه الفتوح بشئ والشأن في جرجان فلما ولاه سليمان خراسان سار إليها في مائة ألف من أهل العراق والشأم وخراسان سوى الموالى والمتطوعة ولم تكن جرجان يومئذ مدينة انما هي جبال ومخارم يقوم الرجل على باب منها فيمنعه فابتدأ بقهستان فحاصرها وبها طائفة من الترك فكانوا يخرجون فيقاتلون وينهزمون في كل يوم ويدخلون حصنهم ولم يزل على ذلك حتى بعث إليه دهقان بتستاذن يسأل في الصلح ويسلم المدينة وما فيها فصالحه وأخذ ما فيها من الاموال والكنوز والسبي ما لا يحصى وقتل أربعة عشر ألفا من الترك وكتب إلى سليمان بذلك ثم سار إلى جرجان وكان سعيد بن العاصى قد صالحهم على الجزية مائة ألف في السنة فكانوا أحيانا يجبون مائة وأحيانا مائتين وأحيانا ثلثمائة وربما أعطوا ذلك وربما منعوا ثم كفروا ولم يعطوا خراجا ولم يأت جرجان بعد سعيد أحد ومنعوا الطريق إلى خراسان على فكان الناس يسلكون على فارس وسلماس ثم فتح قتيبة طريق قومس وبقى أمر جرجان حتى جاء يزيد فصالحوه ولما فتح يزيد قهستان وجرجان طمع في طبرستان فاستعمل عبد الله بن معمر اليشكرى على ساسان وقهستان وخلف معه أربعة آلاف فارس وسار إلى أدنى جرجان من جهة طبرستان ونزل بآمد ونسا راشد بن عمر في أربعة آلاف ودخل بلاد طبرستان فسأل صاحبها الاصبهند في الصلح وأن يخرج من طبرستان فأبى يزيد ورجا أن يفتحها ووجه أخاه عيينة من وجه وابنه خالد بن يزيد من وجه وإذا اجتمعا فعيينة على الناس واستجاش الاصبهند

[ 73 ]

أهل جيلان والديلم والتقوا فانهزم المشركون واتبعهم المسلمون إلى الشعب وصعد المشركون في الجبل فامتنعوا على المسلمين وصعد أبو عيينة بمن معه خلفهم فهزمهم المشركون في الوعر فكفوا وكاتب الاصبهند أهل جرجان ومقدمهم المرزبان أن يبيتوا للمسلمين عندهم ليقطعوا المادة عن يزيد والطرق بينه وبين جرجان ووعدهم بالمكافأة على ذلك فساروا بالمسلمين وهم غارون وقتل عبد الله بن معمر وجميع من معه ولم ينج أحد وكتبوا إلى الاصبهند بأخذ المضايق والطرق وبلغ ذلك يزيد وأصحابه فعظم عليهم وهالهم وفزع يزيد إلى حيان النبطي وكان قد غرمه مائتي ألف درهم بسبب أنه كتب إلى ابنه مخلد كتابا فبدأ بنفسه فقال له لا يمنعك ما كان منى اليك من نصيحة المسلمين وقد علمت ما جاءنا من جرجان فاعمل في الصلح فأتى حيان الاصبهند ومت إليه بنسب العجم وتنصل له وفتل له في الذروة والغارب حتى صالحه على سبعمائة ألف درهم وأربعمائة وقر زعفران أو قيمته من العين وأربعمائة رجل على يد كل رجل منهم ترس وطيلسان وجام من فضة وخرقة حرير وكسوة فأرسل يزيد لقبض ذلك ورجع اه‍ (وقيل) في سبب مسير يزيد إلى جرجان أن صولا التركي كان على قهستان والبحيرة جزيرة في البحر على خمسة فراسخ من قهستان وهما من جرجان مما يلى خوارزم وكان يغير على فيروز بن فولفول مرزبان جرجان وأشار فيروز بنصيب من بلاده فسار فيروز إلى يزيد هاربا منه وأخذ صول جرجان وأشار فيروز على يزيد أن يكتب إلى الاصبهند ويرغبه في العطاء ان هو حبس صولا بجرجان حتى يحاصر بها ليكون ذلك وسيلة إلى معاكسته وخروجه عن جرجان فيتمكن يزيد منه فكتب إلى الاصبهند وبعث بالكتاب إلى صول فخرج من حينه إلى البحيرة وبلغ يزيد الخبر فسار إلى جرجان ومعه فيروز واستخلف على خراسان ابنه مخلدا وعلى سمرقند وكش ونسف وبخاري ابنه معاوية وعلى طخارستان ابن قبيصة بن المهلب وأتى جرجان فلم يمنعه دونها أحد ودخلها ثم سار منها إلى البحيرة وحصر صولا بها شهرا حتى سأل الصلح على نفسه وماله وثلثمائة ويسلم إليه البحيرة فأجابه يزيد وخرج صول عن البحيرة وقتل يزيد من الاتراك أربعة عشر ألفا وأمر ادريس بن حنظلة العمى أن يحصى ما في البحيرة ليعطى الجند فلم يقدر وكان فيها من الحنطة والشعير والارز والسمسم والعسل شئ كثير ومن الذهب والفضة كذلك ولما صالح يزيد اصبهند طبرستان كما قدمناه سار إلى جرجان وعاهد الله ان ظفر بهم ليطحنن القمح على سائل دمائهم ويأكل منه فحاصرهم سبعة أشهر وهم يخرجون إليه فيقاتلونه ويرجعون وكانوا ممتنعين في الجبل والاوعار وقصد رجل من عجم خراسان فأتبع بخلافي الجبل وانتهى إلى معسكرهم وعرف الطريق إليه ودل الادلة

[ 74 ]

على معالمه وأتى يزيد فأخبره فانتخب ثلثمائة رجل مع ابنه خالد وضم إليه جهم بن ذخر وبعثه وذلك الرجل يدل به وواعده أن يناهضهم العصر من الغداة ولما كان الغد وقت الظهر أحرق يزيد كل حطب عنده حتى اضطرمت النيران ونظر العدو إلى النار فهالهم وحاموا للقتال آمنين خلفهم فناشبهم يزيد إلى العصر وإذا بالتكبير من ورائهم فهربوا إلى حصنهم وأتبعهم المسلمون فأعطوا ما بأيديهم ونزلوا على حكم يزيد فقتل المقاتلة وسبى الذرية وقاد منهم اثنى عشر ألفا إلى وادى جرجان ومكن أهل الثار منهم حتى استلحموهم وجرى الماء على الدم وعليه الارحاء فطحن وخبز وأكل وقتل منهم أربعين ألفا (1) وبنى مدينة جرجان ولم تكن بنيت قبل ورجع إلى خراسان وولى على جرجان جهم بن ذخر الجعفي ولما قتل مقاتلهم صلبهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره * (وفاة سليمان وبيعة عمر بن عبد العزيز) * ثم توفى سليمان بدابق من أرض قنسرين من سنة تسعة وتسعين في صفر منها وقد كان في مرضه أراد أن يعهد إلى ولده داود ثم استصغره وقال له كاتبه رجاء بن حيوة ابنك غائب عنك بقسطنطينية ولا يعرف حياته من موته فعدل إلى عمر بن عبد العزيز وقال له انى والله لاعلم أنها تكون فتنة ولا يتركونه أبدا يلى عليهم الا أن أجعل أحدهم بعده وكان عبد الملك قد جعل ذلك له وكتب بعد البسملة هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز انى قد وليتك الخلافة من بعدى ومن بعدك يزيد بن عبد الملك فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم وختم الكتاب ثم أمر كعب بن جابر العبسى صاحب الشرطة أن يجمع أهل بيته وأمر رجاء بن حيوة أن يدفع لهم كتابه وقال أخبرهم انه كتابي فليبايعوا من وليت فيه فبايعوه رجلا رجلا وتفرقوا وأتى عمر إلى رجاء يستعمله ويناشده الله والمودة يستعفى من ذلك فأبى وجاءه هشام أيضا يستعمله ليطلب حقه في الامر فأبى فانصرف أسفا أن يخرج من بنى عبد الملك ثم مات سليمان وجمع رجاء أهل بيته فقرأ عليهم الكتاب فلما ذكر عمر قال هشام والله لا نبايعه أبدا فقال له رجاء والله نضرب عنقك فقام أسفا يجر رجليه حتى جاء إلى عمر بن عبد العزيز وقد أجلسه رجاء على المنبر وهو يسترجع لما أخطأه فبايعه واتبعه الباقون ودفن سليمان وصلى عليه عمر بن عبد العزيز والوليد كان غائبا عن موت سليمان ولم يعلم بيعة عمر فعقد لواء و دعا لنفسه وجاء إلى دمشق ثم بلغه عهد سليمان فجاء إلى عمر واعتذر إليه وقال بلغني أن سليمان لم يعهد فخفت على الاموال أن تنهب فقال عمر لو قمت بالامر لقعدت في بيتى ولم أنازعك فقال عبد العزيز والله لا أحب لهذا الامر غيرك وأول ما بدأ به عمر لما استقرت البيعة له انه رد ما كان لفاطمة بنت عبد الملك زوجته من المال والحلى

[ 75 ]

والجوهر إلى بيت المال وقال لا أجتمع أنا وأنت وهو في بيت واحد فردته جميعه ولما ولى أخوها يزيد من بعد رده عليها فأبت وقالت ما كنت أعطيه حيا أعطيه ميتا ففرقه يزيد على أهله وكان بنو أمية يسبون عليا فكتب عمر إلى الآفاق بترك ذلك وكتب إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول بالمسلمين * (عزل يزيد بن المهلب وحبسه والولاية على عماله) * ولما استقرت البيعة لعمر كتب في سنة مائة إلى يزيد بن المهلب أن يستخلف على عماله ويقدم فاستخلف مخلدا ابنه وقدم من خراسان وقد كان عمر ولى على البصرة عدى بن أرطاة الفزارى وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وضم إليه أبا الزناد فكتب إلى عدى بن ارطاة موسى أن يقبض على يزيد بن المهلب ويبعثه مقيدا فلما نزل يزيد واسط وركب السفن يريد البصرة بعث على بن ارطاة موسى بن الرحيبة الحميرى فلقيه في نهر معقل عند الجسر فقيده وبعث به إلى عمر وكان عمر يبغضه ويقول انه مراء وأهل بيته جبابرة فلما طالبه بالاموال التى كتب بها إلى سليمان من خمس جرجان قال انما كتبت لاسمع الناس وعلمت أن سليمان لم يكن ليأخذني بذلك فقال له عمر اتق الله وهذه حقوق المسلمين لا يسعنى تركها ثم حبسه بحصن حلب وبعث الجراح بن عبد الله الحكمى واليا على خراسان مكانه وانصرف يزيد بن يزيد فقدم على عمر واستعطفه لابيه وقال له يا أمير المؤمنين ان كانت له بينة فخذ بها والا فاستحلفه والا فصالحه أو فصالحني على ما تسأل فأبى عمر من ذلك وشكر من مخلد ما فعل ثم ألبس يزيد جبة صوف وحمله على جمل وسيره إلى دهلك ومر يزيد على الناس وهو ينادى بعشيرة وبالنكير لما فعل به فدخل سلامة بن نعيم الخولانى على عمر وقال اردد يزيد إلى محبسه لئلا ينزعه قومه فانهم قد غضبوا فرده إلى أن كان من أمر فزارة ما يذكر * (ولاية عبد الرحمن بن نعيم القشيرى على خراسان) * ولما عزل يزيد عن خراسان وكان عامل جرجان جهم بن ذخر الجعفي فأرسل عامل العراق على جرجان عاملا مكانه فحبسه جهم وقيده فلما جاء الجراح إلى خراسان أطلق أهل جرجان عاملهم ونكر الجراح على جهم ما فعل وقال لولا قرابتك منى ما سوغتك هذا يعنى أن جهما وجعفا معا ابنا سعد العشيرة ثم بعث في الغزو وأوفد على عمر وفدا فكلم فيه بعضهم عمر بأنه يعرى الموالى بلا عطاء ولا رزق ويؤاخذ من أسلم من أهل الذمة بالخراج ثم عرض بأنه سيف من سيوف الجراح قد علم بالظلم والعدوان فكتب عمر إلى الجراح انظر من صلى قبلك فخل عنه الجزية فسارع الناس إلى الاسلام فرارا من الجزية فامتحنهم بالختان وكتب إلى عمر بذلك فكتب إليه عمر ان الله بعث محمدا داعبا ولم

[ 76 ]

يبعثه خاتنا واستقدم الجراح وقال احمل معك أبا مخلد واستخلف على حرب خراسان عبد الرحمن بن نعيم القشيرى ولما قدم على عمر قال متى خرجت قال في شهر رمضان قال صدق من وصفك بالجفاء ألا أقمت حتى تفطر ثم تسافر ثم سأل عمر أبا مخلد عن عبد الرحمن بن عبد الله فقال يكافئ الاكفاء ويعادي الاعداء ويقدم ان وجد ما يساعده قال فعبد الرحمن بن نعيم قال يحب العافية وتأتيه قال هو أحب إلى فولاه الصلاة والحرب وولى عبد الرحمن القشيرى الخراج فلم يزل عبد الرحمن بن نعيم على خراسان حتى قتل يزيد بن المهلب وولى مسلمة فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف وظهر من أيام الجراح بخراسان دعاة بنى العباس فيمن بعثه محمد بن على بن عبد الله بن العباس إلى الآفاق حسبما يذكر في أخبار الدولة العباسية * (وفاة عمر بن عبد العزيز وبيعة يزيد) * ثم توفى عمر بن عبد العزيز في رجب سنة احدى ومائة بدير سمعان و دفن بها لسنتين وخمسة أشهر من ولايته ولاربعين من عمره وكان يدعى أشج بنى أمية رمحته دابة وهو غلام فشجته ولما مات ولى بعده يزيد بن عبد الملك بعهد سليمان كما تقدم وقيل لعمر حين احتضر اكتب إلى يزيد فأوصه بالامة فقال بماذا أوصيه انه من بنى عبد الملك ثم كتب أما بعد فاتق يا يزيد الصرعة بعد الغفلة حين لا تقال العثرة ولا تقدر على الرجعة انك تترك ما أترك لمن لا يحمدك وتصير إلى من لا يعذرك والسلام ولما ولى يزيد عزل أبا بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن المدينة وولى عليها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى وغير كل ما صنعه عمر بن عبد العزيز وكان من ذلك شأن خراج اليمن فان محمدا أخا الحجاج جعل عليهم خراجا مجددا وأزال ذلك عمر إلى العشر أو نصف العشر وقال لان يأتيني من اليمن حبة ذرة أحب إلى من تقرير هذه الوظيفة فلما ولى يزيد أعادها وقال لعامله خذها منهم ولو صاروا حرضا وهلك عمه محمد بن مروان فولى مكانه على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية عمه الآخر مسلمة بن عبد الملك * (اختيال يزيد بن المهلب ومقتله) * قد تقدم لنا حبس يزيد بن المهلب فلم يزل محبوسا حتى اشتد مرض عمر بن عبد العزيز فعمل في الهرب مخافة يزيد بن عبد الملك لان زوجته بنت أخى الحجاج وكان سليمان أمر ابن المهلب بعذاب قرابة الحجاج كلهم فنقلهم من البلقاء وفيهم زوجة يزيد وعذبها وجاء يزيد بن عبد الملك إلى منزله شافعا فلم يشفعه فضمن حمل ما قرر عليها فلم يقبل فتهدده فقال له ابن المهلب لئن وليت أنت لارمينك بمائة ألف سيف فحمل يزيد بن عبد الملك عنها مائة ألف دينار ولما اشتد مرض عمر خاف من ذلك وأرسل إلى مواليه أن يغدوا

[ 77 ]

له بالابل والخيل في مكان عينه لهم وبعث إلى عامل حلب باشفاقه من يزيد وبذل له المال والى الحرس الذين يحفظونه فخلى سبيله وأتى إلى دوابه فركبها ولحق بالبصرة وكتب إلى عمر انى والله لو وثقت بحياتك لم أخرج من محبسك ولكن خفت أن يقتلنى يزيد شر قتله فقرأ عمر الكتاب وبه رمق فقال اللهم ان كان ابن المهلب يريد بالمسلمين سوأ فأحقه به وهضه فقد هاض انتهى ولما بويع ليزيد بن عبد الملك كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة والى عدى بن ارطاة بالبصرة بهربه والتحرز منه وأبى عدى أن يأخذ المهلب بالبصرة فحبس المفضل حبيبا ومروان ابني المهلب وبعث عبد الحميد من الكوفة جندا عليهم هشام بن ساحق بن عامر فأتوا العذيب ومر بيزيد عليهم فوق القطقطانة فلم يقدموا عليه ومضى نحو البصرة وقد جمع عدى بن ارطاة أهل البصرة وخندق عليها وبعث على خيلها المغيرة بن عبد الله بن أبى عقيل وجاء يزيد على أصحابه الذين معه وانضم إليه أخوه محمد فيمن اجتمع إليه من قومهم وبعث عدى بن ارطاة على كل خمس من أخماس البصرة رجالا فعلى الازد المغيرة بن زياد بن عمر العتكى وعلى تميم محرز بن حمدان السعدى وعلى بكرة نوح بن شيبان بن مالك بن مسمع وعلى عبد القيس مالك بن المنذر بن الجارود وعلى أهل العالية عبد الاعلى بن عبد الله بن عامر وهم قريش وكنانة والازد وبجيلة وخثعم وقيس عيلان ومزينة فلم يعرضوا ليزيد وأقبل فانزل انتهى واختلف الناس إليه وأرسل إلى عدى أن يطلق له اخوته فينزل به البصرة ويخرج حتى يأخذ لنفسه من يزيد وبعث حميد بن أخيه عبد الملك بن المهلب يستأمن له من يزيد بن عبد الملك فأجاره خالد القسرى وعمر بن يزيد الحكمى بأمان يزيد له ولاهله وقد كان بعد منصرف حميد فرق في الناس قطع الذهب والفضة فانثالوا عليه وعدى يعطى درهمين درهمين ثم تناجزوا الحرب وحمل أصحاب يزيد على أصحاب عدى فانهزموا ودنا يزيد من القصر وخرج عدى بنفسه فانهزم أصحابه وخاف اخوة يزيد وهم في الحبس أن يقتلوا قبل وصوله فأغلق الباب وامتنعوا فجاءهم الحرس يعالجون فأجفلهم الناس عنه فخلوا عنهم وانطلقوا إلى أخيهم ونزل يزيد دار مسلم بن زياد إلى جنب القصر وتسور القصر بالسلالم وفتحه وأتى بعدى بن ارطاة فحبسه وهرب رؤس البصرة من تميم وقيس ومالك بن المنذر إلى الكوفة والشام وخرج المغيرة بن زياد بن عمر العتكى إلى الشام فلقى خالدا القسرى وعمر بن يزيد وقد جاؤا بأمان يزيد بن المهلب مع حميد بن أخيه فأخبرهما بظهور يزيد على البصرة وحبسه عديا فرجعا إلى وعد لهما فلم يقبلا وقبض عبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة على خالد بن يزيد بن المهلب وحماد بن ذخر وحملهما وسيرهما إلى الشام فحبسهما يزيد حتى هلكا بالسجن وبعث يزيد بن عبد

[ 78 ]

الملك إلى أهل الكوفة يثنى عليهم ويمنيهم الزيادة وجهز أخاه مسلمة وابن أخيه العباس ابن الوليد إلى العراق في سبعين ألف مقاتل أو ثمانين من أهل الشام والجزيرة فقدموا الكوفة ونزلوا النخيلة وتكلم العباس يوما ببعض الكلام فأساء عليه حيان النبطي بالكشة الاعجمية ولما سمع ابن المهلب بوصول مسلمة وأهل الشام فخطب الناس وشجعهم للقائهم وهون عليهم أمرهم وأخبرهم ان أكثرهم له واستوثق له أهل البصرة وبعث عماله على الاهواز وفارس وكرمان وبعث إلى خراسان مدرك بن المهلب وعليها عبد الرحمن بن نعيم وبعث بنو تميم ليمنعوه ولقيه الازد على رأس المغارة فقالوا ارجع عنا حتى نرى مآل أمركم ثم خطب يزيد الناس يدعوهم إلى الكتاب والسنة ويحثهم على الجهاد وأن جهاد أهل الشأم أعظم ثوابا من جهاد الترك والديلم ونكر ذلك الحسن البصري والنضر بن أنس بن مالك وتابعهما الناس في النكير وسار يزيد من البصرة إلى واسط واستخلف عليها أخاه مروان بن المهلب واقام بواسط أياما ثم خرج منها سنة اثنتين ومائة واستخلف عليها أمان معونة وقدم أخاه عبد الملك بن المهلب نحو الكوفة فاستقبله ابن الوليد بسور له فاقتتلوا وانهزم عبد الملك وعاد إلى يزيد وأقبل مسلمة على شاطئ الفرات إلى الانهار فعقد الجسر وعبر وسار حتى نزل على يزيد بن المهلب وفزع إليه ناس من أهل الكوفة وكان عسكره مائة وعشرين وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن قد عسكر بالنخيلة وشق المياه وجعل الارصاد على أهل الكوفة أن يفزعوا إلى يزيد بن المهلب وبعث بعثا إلى مسلمة مع صبرة بن عبد الرحمن بن مختف فعزل مسلمة بن عبد الحميد عن الكوفة واستمعل عليها محمد بن عمر بن الوليد بن عقبة ثم أراد يزيد بن المهلب أن يبعث أخاه محمدا بالعساكر يبيتون مسلمة فأبى عليه أصحابه وقالوا قد وعدناهم بالكتاب والسنة ووعدوا بالاجابة فلا نغدرهم فقال يزيد ويحكم تصدقونهم انهم بخادعونكم ليمكروا بكم فلا يسبقوكم إليه والله ما في بنى مروان امكر ولا أبعد غورا من هذه الجرادة الصغرى يعنى مسلمة وكان مروان بن المهلب بالبصرة يحث الناس على اللحاق بيزيد أخيه والحسن البصري يثبطهم ويتهدده فلم يكف ثم طلب الذين يجتمعون إليه فافترقوا فأقام مسلمة بن عبد الملك يطاول يزيد بن المهلب ثمانية أيام ثم خرج يوم الجمعة منتصف صفر فعبى أصحابه وعبى العباس ابن الوليد كذلك والتقوا واشتد القتال وأمر مسلمة فأحرق الجسر فسطع دخانه فلما رآه أصحاب يزيد انهزموا واعترضهم يزيد يضرب في وجوههم حتى كثروا عليه فرجع ويرجل في أصحابه وقيل له قتل أخوك حبيب فقال لا خير في العيش بعده ولا بعد الهزيمة ثم استمات ودلف إلى مسلمة لا يريد غيره فعطف عليه أهل الشام فقتلوه هو وأصحابه

[ 79 ]

وفيهم أخوه محمد وبعث مسلمة برأسه إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد بن عقبة وقيل ان الذى قتله الهذيل بن زفر بن الحرث الكلابي وأنف أن ينزل فيأخذ رأسه فأخذه غيره وكان المفضل بن المهلب يقاتل في ناحية المعترك وما علم بقتل يزيد فبقى ساعة كذلك يكر ويفر حتى أخبر بقتل اخوته فافترق الناس عنه ومضى إلى واسط وجاء أهل الشام إلى عسكر يزيد فقاتلهم أبو روبة رأس الطائفة المرجئة ومعه جماعة منهم صدق فقاتلوا ساعة من النهار ثم انصرفوا وأسر مسلمة ثلثمائة أسير حبسهم بالكوفة وجاء كتاب يزيد إلى محمد بن عمر بن الوليد بقتلهم فأمر العريان بن الهيثم صاحب الشرطة بذلك وبدأ بثمانين من بنى تميم فقتلهم ثم جاء كتاب يزيد باعفائهم فتركهم وأقبل مسلمة فنزل الحيرة وجاء الخبر بقتل يزيد إلى واسط فقتل ابنه معاوية عدى بن أرطاة ومحمدا ابنه ومالكا وعبد الملك ابنا مسمع في ثلاثين ورجع إلى البصرة بالمال والخزائن واجتمع بعمه المفضل وأهل بيتهم وتجهزوا للركوب في البحر وركبوا إلى قندابيل وبها وداع بن حميد الازدي ولاه عليها يزيد بن المهلب ملجأ لاهل بيته ان وقع بهم ذلك فركبوا البحر بعيالهم وأموالهم إلى جبال كرمان فنزلوا بها واجتمع إليهم الفل من كل جانب وبعث مسلمة مدرك بن ضب الكلبى في طلبهم فقاتلهم وقتل من أصحاب المفضل النعمان بن ابراهيم ومحمد بن اسحق بن محمد بن الاشعث وأسر ابن صول قهستان وهرب عثمان بن اسحق بن محمد بن الاشعث فقتل وحمل رأسه إلى مسلمة بالحيرة ورجع ناس من أصحاب بنى المهلب فاستأمنوا وأمنهم مسلمة منهم مالك بن ابراهيم بن الاشتر والورد بن عبد الله بن حبيب السعدى التميمي ومضى إلى آل المهلب ومن معهم قندابيل فمنعهم وداع بن حميد من دخولها وخرج معهم لقتال عدوهم وكان مسلمة قد رد مدرك بن ضب بعد هزيمتهم في جبال كرمان وبعث في أثرهم هلال بن أحور التميمي فلحقهم بقندابيل فتبعوا لقتاله وبعث هلال راية أمان لمال إليه وداع بن حميد وعبد الملك ابن هلال وافترق الناس عن آل المهلب ثم استقدموا فاستأمنوا فقتلهم عن آخرهم المفضل وعبد الملك وزياد ومروان بنو المهلب ومعاوية بن يزيد بن المهلب والمنهال بن أبى عيينة بن المهلب وعمر بن يزيد بن المهلب وعثمان بن المفضل بن المهلب برتبيل ملك الترك وبعث هلال بن أحور برؤوسهم وسبيهم وأسراهم إلى مسلمة بالحيرة فبعث بهم مسلمة إلى يزيد بن عبد الملك فسيرهم يزيد إلى العباس بن الوليد في حلب فنصب الرؤس وأراد مسلمة أن يبتاع الذرية فاشتراهم الجراح بن عبد الله الحكمى بمائة ألف وخلى سبيلهم ولم يأخذ مسلمة من الجراح شيأ ولما قدم بالاسرى على يزيد بن عبد الملك وكانوا ثلاثة عشر أمر يزيد فقتلوا وكلهم من ولد المهلب واستأمنت هند بنت المهلب لاخيها عيينة

[ 80 ]

إلى يزيد بن عبد الملك فأمنه وأقام عمر وعثمان عند رتبيل حتى أمنهما أسد بن عبد الله القسرى وقدما عليه بخراسان * (ولاية مسلمة على العراق وخراسان) * ولما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب بنى المهلب ولاه يزيد بن عبد الملك على العراق وجمع له ولاية البصرة والكوفة وخراسان فأقر على الكوفة محمد بن عمر بن الوليد وكان قد قام بأمر البصرة بعد بنى المهلب شبيب بن الحرث التميمي فبعث عليها مسلمة عبد الرحمن بن سليم الكلبى وعلى شرطتها عمر بن يزيد التميمي وأراد عبد الرحمن أن يقتل شيعة بن المهلب بالبصرة فعزله وولى على البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان وأقر عمر ابن يزيد على الشرطة واستعمل مسلمة على خراسان صهره على سعيد ابن عبد العزيز بن الحرث بن الحكم بن أبى العباس ويلقب سعيد خدينة دخل عليه بعض العرب بخراسان وعليه ثياب مصبغة وحوله مرافق مصبغة وسئل عنه لما خرج فقال خدينة وهى الدهقانة ربة البيت ولما ولاه على خراسان سار إليها فاستعمل شعبة بن ظهير النهشلي على سمرقند فسار إليها وقدم الصغد وكان أهلها كفروا أيام عبد الرحمن بن نعيم ثم عادوا إلى الصلح فوبخ ساكنها من العرب وغيرهم بالجبن فاعتذروا بأمر أميرهم على بن حبيب العبدى ثم حبس سعيد عمال عبد الرحمن بن عبد الله وأطلقهم ثم حبس عمال يزيد بن المهلب رفع لهم انهم اختانوا الاموال فعذبهم فمات بعضهم في العذاب وبقى بعضهم بالسجن حتى غزاهم الترك والصغد فأطلقهم * (العهد لهشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد) * لما بعث يزيد بن عبد الملك الجيوش إلى يزيد بن المهلب مع مسلمة أخيه والعباس بن أخيه الوليد قال له العباس انا نخاف أن يرجف أهل العراق بموتك ويبث ذلك في أعضادنا وأشار عليه بالعهد لعبد العزيز أخيه بن الوليد وبلغ ذلك مسلمة فجاءه وقال أخوك أحق فان ابنك لم يبلغ وأشار عليه بأخيه هشام وابنه الوليد من بعده والوليد ابن احدى عشرة سنة فبايع لهما كذلك ثم بلغ ابنه الوليد فكان إذا رآه يقول الله بينى وبين من قدم هشاما عليك * (غزوة الترك) * لما ولى سعيد خراسان استضعفه الناس وسموه خدينة واستعمل شعبة على سمرقند ثم عزله كما مر وولى مكانه عثمان بن عبد الله بن مطرف بن الشخير فطمعت الترك وبعثهم خاقان إلى الصعد وعلى الترك كور صول وأقبلوا حتى نزلوا قصر الباهلى وفيه مائة أهل

[ 81 ]

بيت بذراريهم وكتبوا إلى عثمان بسمرقند وخافوا أن يبطئ المدد فصالحوا الترك على أربعين ألفا وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة وندب عثمان الناس فانتدب المسيب بن بشر الرياحي ومعه أربعة آلاف من سائر القبائل فقال لهم المسيب من أراد الغزو والصبر على الموت فليتقدم فرجع عنه ألف وقالها بعد فرسخ فرجع ألف آخر ثم أعادها ثالثة بعد فرسخ فاعتزله ألف وسار حتى كان على فرسخين من العدو فأخبره بعض الدهاقين بقتل الرهائن وميعادهم غدا وقال أصحابي ثلثمائة مقاتل وهم معكم فبعث المسيب إلى القصر رجلين عجميا وعربيا يأتيانه بالخبر فجاؤا في ليلة مظلمة وقد أجرت الترك الماء بدائر القصر لئلا يصل إليه أحد فصاح بهما فقالا له اسكت وادع لنا فلانا فأعلماه قرب العسكر وسألا هل عندكم امتناع غدا فقال لهما نحن مستميتون فرجعا إلى المسيب فأخبراه فعزم على تبييت الترك وبايعه أصحابه على الموت وساروا يومهم إلى الليل ولما أمسى حثهم على الصبر وقال ليكن شعاركم يا محمد ولا تتبعوا موليا واعقروا الدواب فانه أشد عليهم وليست بكم قلة فان سبعمائة سيف لا يضرب بها في عسكر الا أوهنته وان كثر أهله ثم دنوا من العسكر في السحر وثار الترك وخالطهم المسلمون وعقروا الدواب وترجل المسيب في أصحاب له فقاتلوا قتالا شديدا وقتل عظيم من عظماء الترك فانهزموا ونادى منادى المسيب لا تتبعوهم واقصدوا القصر واحملوا من فيه ولا تحملوا من متاعهم الا المال ومن حمل امرأة أو صبيا أو ضعيفا حسبة فأجره على الله والا فله أربعون درهما وحملوا من في القصر إلى سمرقند ورجع الترك من الغد فلم يروا في القصر أحدا ورأوا قتلاهم فقالوا لم يكن الذين جاؤنا بالامس * (غزو الصغد) * ولما كان من انتقاض الصغد واعانتهم الترك على المسلمين ما ذكرنا تجهز سعيد لغزوهم وعبر النهر فلقيه الترك وطائفة من الصغد فهزمهم المسلمون ونهاهم سعيد عن اتباعهم وقال هم جباية أمير المؤمنين فانكفوا عنهم ثم سار المسلمون إلى واد بينهم وبين المرج فقطعه بعض العسكر وقد أكمن لهم الترك فخرجوا عليهم وانهزم المسلمون إلى الوادي وقيل بل كان المنهزمون مسلحة للمسلمين وكان فيمن قتل شعبة بن ظهر في خمسين رجلا وجاء الامير والناس فانهزم العدو وكان سعيد إذا بعث سرية فأصابوا وغنموا وسبوا رد السبى وعاقب السرية فثقل سعيد على الناس وضعفوه ولما رجع من هذه الغزاة وكان سورة بن الابجر قد قال لحيان لنبطي يوم أمر سعيد بالكف عن الصغد وانهم جباية أمير المؤمنين فقال سورة ارجع عنهم يا حيان فقال عقيرة الله لا أدعها فقال

[ 82 ]

انصرف يا نبطى قال انبط الله وجهك فحقدها عليه سورة وأغرى به سعيد خدينة وقال انه أفسد خراسان على قتيبة ويثب عليك ويتحصن ببعض القلاع فقال له سعيد لا يسمع هذا منك أحد ثم حاول عليه وسقاه لبنا قد ألقى فيه ذهبا مسحوقا ثم ركض والناس معه أربعة فراسخ فعاش حيان بن بعدها ليالى قلائل ومات * (ولاية ابن هبيرة على العراق وخراسان) * كان مسلمة لما ولى على هذه الاعمال لم يدفع من الخراج شيأ واستحيا يزيد من عزله فكتب إليه بالقدوم وأن يستخلف على عمله وسار لذلك سنة ثلاث وأربعمائة فلقيه عمر بن هبيرة بالطريق على دواب البريد وقال وجهنى أمير المؤمنين لحيازة أموال بنى المهلب فارتاب لذلك وقال له بعص أصحابه كيف يبعث ابن هبيرة من عند الجزيرة لمثل هذا الغرض ثم أتاه ان ابن هبيرة عزل عماله وكان عمر بن هبيرة من النجابة بمكان وكان الحجاج يبعثه في البعوث وهو ممن سار لقتال مطرف بن المغيرة حين خلع ويقال انه الذى قتله وجاء برأسه فسيره الحجاج إلى عبد الملك فاقطعه قرية قريبة من دمشق ثم بعثه إلى كروم ابن مرثد الفزارى ليخلص منه مالا فارتاب وأخذ المال ولحق بعبد الملك عائذا به من الحجاج وقال قتلت ابن عمه ولست آمنه على نفسي فأجاره عبد الملك وكتب الحجاج إليه فيه فقال أمسك عنه وعظم شأنه عبد الملك وبنوه واستعمله عمر بن عبد العزيز على الروم من ناحية أرمينية وأثخن فيهم وأسر سبعمائة منهم وقتلهم واستخدم أيام يزيد لمحبوبته حبابة فسعت له في ولاية العراق فولاه يزيد مكان أخيه مسلمة ولما ولى قدم عليه المجشر بن مزاحم السلمى وعبد الله بن عمر الليثى في وفد فشكوا من سعيد وحذيفة عاملهم وهو صهر مسلمة فعزله وولى مكانه على خراسان سعيد بن عمر الحريشى من بنى الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة فسار خدينة عن خراسان وقدم سعيد فلم يعرض لعماله ولما قدم على خراسان كان الناس بازاء العدو وقد نكثوا فحثهم على الجهاد وخاف الصغد منه بما كانوا أعانوا الترك أيام خدينة فقال لهم ملكهم احملوا له خراج ما مضى واضمنوا خراج ما يأتي والعمارة والغزو معه وأعطوه الرهن بذلك فأبوا الا أن يستجيروا بملك فرغانة وخرجوا من بلادهم إلى خجندة وسألوا الجوار وأن ينزلوا تعب عصام فقال أمهلونا عشرين يوما أو أربعين لنخليه لكم وليس لكم على جوار قبل دخولكم اياه ثم غزاهم الحريش سنة أربع ومائة فقطع النهر وترك قصر الريح على فرسخين من الدنوسية وأتاه ابن عم ملك فرغانة يغريه بأهل الصغد وانهم بخجندة ولم يدخلوا جواره بعد فبعث معه عبد الرحمن القسرى في عسكر وجاء في اثره حتى نزلوا على خجنده وخرج أهل صغد لقتالهم فانهزموا وقد كانوا حفروا

[ 83 ]

خندقا وغطوه بالتراب ليسقط فيه المسلمون عند القتال فلما انهزموا ذلك اليوم أخطأهم الطريق وأسقطهم الله في ذلك الخندق ثم حاصرهم الحريشى ونصب عليهم المجانيق وأرسلوا إلى ملك فرغانة ليجيرهم فقال قد شرطت عليكم ان لا جوار قبل الاجل الذى بينى وبينكم فسألوا الصلح من الحريشى على أن يردوا ما في أيديهم من سبى العرب ويعطوا ما كسر من الخراج ولا يتخلف أحد منهم بخجندة وان أحدثوا حدثا استبيحت دماؤهم فقبل منهم وخرجوا من خجندة ونزلوا في العسكر على كل من يعرفه وبلغ الحريشى انهم قتلوا امرأة فقتل قاتلها فخرج قبيل منهم فاعترض الناس وقتل جماعة وقتل الصغد من أسرى المسلمين مائة وخمسين ولقى الناس منهم عنفا ثم أحاطوا بهم وهم يقاتلون بالخشب ليس لهم سلاح فقتلوا عن آخرهم ثلاثة آلاف أو سبعة آلاف وكتب الحريشى إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب لعمر بن هبيرة فأحفطه ذلك ثم سرح الحريشى سليمان بن أبى السرى إلى حصن يطيف به وراء الصغد ومعه خوارزم شاه وملك أجرون وسومان فسار سليمان وعلى مقدمته المسيب ابن بشر الرياحي ولقيه أهل الحصن فهزمهم ثم حاصرهم فسألوا الصلح على أن لا يعرض لسبيهم ويسلموا القلعة بما فيها فقبل وبعث إلى الحريشى فقبضه وبعث من قبضه وسار الحريشى إلى كش فصالحوه على عشرة آلاف رأس وولى نصر بن سيار على قبضها واستعمل على كش ونسف حربا وخراجا سليمان بن السرى واستنزل مكانه آخر اسمه قشقرى من حصنه على الامان وجاء به إلى مرو فشنقه وصلبه * (ولاية الجراح على أرمينية وفتح بلنجر) * ولما سار ابن هبيرة على الجزيرة وأرمينية تشبب البهرانى فحفل لهم الخزر وهم التركمان واستجاشوا بالقفجاق وغيرهم من أنواع الترك ولقوا المسلمين بمرج الحجارة فهزموهم واحتوى التركمان على عسكرهم وغنموا ما فيه وقدم المنهزمون على يزيد ابن عبد الملك فولى على أرمينية الجراح بن عبد الله الحكمى وأمده بجيش كثيف وسار لغزو الخزر فعادوا للباب والابواب ونزل الجراح بردعة فأراح بها قليلا ثم سار نحوهم وعبر نهر الكر وأشاع الاقامة ليرجع بذلك عيونهم إليهم ثم أسرى من ليلته وأجد السير إلى مدينة الباب فدخلها وبث السرايا للنهب والغارة وزحف إليه التركمان وعليهم ابن ملكهم فلقيهم عند نهر الزمان واشتد القتال بينهم ثم انهزم التركمان وكثر القتل فيهم وغنم المسلمون ما معهم وساروا حتى نزلوا على الحصن ونزل أهلها على الامان فقتلهم ثم سار إلى مدينة برغوا فحاصرها ستة أيام ثم نزلوا على الامان ونفلهم ثم ساروا إلى بلنجر وقاتلهم التركمان دونها فانهزموا وافتتح الحصن عنوة وغنم

[ 84 ]

المسلمون جميع ما فيه فأصاب الفارس ثلثمائة دينار وكانوا بضعة وثلاثين ألفا ثم ان الجراح رجع حصن بلنجر إلى صاحبه ورد عليه أهله وماله على أن يكون عينا للمسلمين على الكفار ثم نزل على حصن الوبيد وكان به أربعون ألف بيت من الترك فصالحوا الجراح على مال أعطوه اياه ثم تجمع الترك والتركمان وأخذوا الطرق على المسلمين فأقام في رستاق سبى وكتب إلى يزيد بالفتح وطلب المدد وكان ذلك آخر عمر يزيد وبعث هشام بعد ذلك إليه بالمدد وأقره على العمل * (ولاية عبد الواحد القسرى على المدينة ومكة) * كان عبد الرحمن بن الضحاك عاملا على الحجاز منذ أيام عمر بن عبد العزيز وأقام عليها ثلاث سنين ثم حدثته نفسه خطبة فاطمة بنت الحسين فامتنعت فهددها بأن يجلد ابنها في الخمر وهو عبد الله بن الحسن المثنى وكان على ديوان المدينة عامل من أهل الشام يسمى ابن هرمز ولما رفع حسابه وأراد السير إلى يزيد جاء ليودع فاطمة فقالت اخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضحاك وما يتعرض لى ثم بعث رسولها بكتابها إلى يزيد يخبره وقدم ابن هرمز على يزيد فبينا هو يحدثه عن المدينة قال الحاجب بالباب رسول فاطمة بنت الحسين فدكر ابن هرمز ما حملته فنزل عن فراشه وقال عندك مثل هذا وما تخبرني به فاعتذر بالنسيان فأدخل يزيد الرسول وقرأ الكتاب وجعل ينكث الارض بخيزرانة ويقول لقد اجترأ بن الضحاك هل من رجل يسمعني صوته في العذاب قيل له عبد الواحد بن عبد الله القسرى فكتب إليه بيده فقد وليتك المدينة فانهض إليها واعزل ابن الضحاك وغرمه أربعين ألف دينار وعذبه حتى أسمع وأنا على فراشي وجاء البريد بالكتاب إليه ولم يدخل على ابن الضحاك فأحضر البريد ودس إليه بألف دينار فأخبره الخبر فسار ابن الضحاك إلى مسلمة بن عبد الملك واستجار به وسأل مسلمة فيه يزيد فقال والله لا أعفيه أبدا فردة مسلمة إلى عبد الواحد بالمدينة فعذبه ولقى شرا ولبس جبة صوف يسأل الناس وكان قد آذى الانصار فذموه وكان قدوم القسرى في شوال سنة أربع ومائة وأحسن السيرة فأحبه الناس وكان يستشير القاسم ابن محمد وسالم بن عبد الله * (عزل الحريشى وولاية مسلم الكلبى على خراسان) * كان سعيد الحريشى عاملا على خراسان لابن هبيرة كما ذكرنا وكان يستخف به ويكاتب الخليفة دونه ويكنيه أبا المثنى وبعث من عيونه من يأتيه بخبره فبلغه أعظم مما سمع فعزله وعذبه حتى أدى الاموال وعزم على قتله ثم كف عنه وولى ابن هبيرة على خراسان مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي ولما جاء إلى خراسان حبسه وقيده وعذبه كما قلنا

[ 85 ]

فلما هرب ابن هبيرة بعد ذلك عن العراق أرسل خالد القسرى في طلبه الحريشى فأدركه على الفرات وقال لابن هبيرة ما ظنك بى قال انك لا تدفع رجلا من قومك إلى رجل من قسر قال هو ذاك ثم انصرف وتركه * (وفاة يزيد وبيعة هشام) * ثم توفى يزيد بن عبد الملك في شعبان سنة خمس ومائة لاربع سنين من خلافته وولى بعده أخوه هشام بعهده إليه بذلك كما مر وكان بحمص فجاءه الخبر بذلك فعزل عمر ابن هبيرة عن العراق وولى مكانه خالد بن عبد الله القسرى فسار إلى العراق من يومه * (غزو مسلم الترك) * غزا مسلم بن سعيد الترك سنة خمسة ومائة فعبر النهر وعاث في بلادهم ولم يفتح شيأ وقفل فأتبعه الترك ولحقوه على النهر فعبر بالناس ولم ينالوا منه ثم غزا بقية السنة وحاصر افشين حتى صالحوه على ستة آلاف رأس ثم دفعوا إليه القلعة ثم غزا سنة ست ومائة وتباطأ عنه الناس وكان ممن تباطأ البخترى بن درهم فرد مسلم نصر بن سيار إلى بلخ وأمره أن يخرج الناس إليه وعلى بلخ عمر بن قتيبة أخو مسلم فجاء نصر وأحرق باب البخترى وزياد بن طريف الباهلى ثم منعهم عمر من دخول بلخ وقد قطع سعيد النهر ونزل نصر بن سيار البروقان وأتاه جند الضلاضيان وتجمعت ربيعة والازد بالبروقان على نصف فرسخ من نصر وخرجت مضر إلى نصر وخرج عمر بن مسلم إلى ربيعة والازد وتوافقوا وسفر الناس بينهما في الصلح وانصرف نصر ثم حمل البخترى وعمر بن مسلم على نصر فكر عليهم فقتل منهم ثمانية عشر وهزمهم وأتى بعمر بن مسلم والبخترى وزياد ابن طريف فضربهم مائة مائة وحلق رؤسهم ولحاهم وألبسهم المسوح وقيل ان سبب تعزير عمر بن مسلم انهزام تميم عنه وقيل انهزام ربيعة والازد ثم أمنهم نصر بعد ذلك وأمرهم أن يلحقوا بمسلم بن سعيد ولما قطع مسلم النهر ولحقه من لحق من أصحابه سار إلى بخارى فلحقه بها كتاب خالد بن عبد الله القسرى بولايته وبأمره باتمام غزاته فسار إلى فرغانة وبلغه ان خاقان قد أقبل إليه فارتحل ولحقه خاقان بعد ثلاثة مراحل لقى فيها طائفة من المسلمين فأصابهم ثم أطاف بالعسكر وقاتل المسلمين وقتل المسيب ابن بشر الرياحي والبراء من فرسان المهلب وأخو غورك وثار الناس في وجوههم فأخرجوهم من العسكر ورحل مسلم بالناس ثمانية أيام والترك مطيفون بهم بعد أن أمر باحراق ما ثقل من الامتعة فأحرقوا ما قيمته ألف ألف وأصبحوا في التاسع قريب النهر دونه أهل فرغانة والشاش فأمر مسلم الناس أن يخرطوا سيوفهم ويحملوا فافرج أهل فرغانة والشاش عن النهر ونزل مسلم بعسكره ثم عبر من الغد واتبعهم

[ 86 ]

ابن خاقان فكان حميد بن عبد الله على الساقة من وراء النهر وهو مثخن بالجراحة فبعث إلى مسلم بالانتظار وعطف على الترك فقاتلهم وأسر قائدهم وقائد الصغد ثم أصابه سهم فمات وأتوا خجندة وقد أصابتهم مجاعة وجهد ولقيهم هنالك كتاب أسد ابن عبد الله القسرى أخى خالد بولايته على خراسان واستخلافه عبد الرحمن بن نعيم فقرأ مسلم الكتاب وقال سمعا وطاعة * (ولاية أسد القسرى على خراسان) * ولما غزا خالد بن عبد الله خراسان استخلف عليها أخاه أسد بن عبد الله فقدم ومسلم ابن سعيد بفرغانة فلما رجع وأتى النهر ليقطعه فمنعه الاشهب بن عبد الله التميمي وكان على السفن بآمد حتى عرفه أنه الامير فأذن له ثم عبر أسد النهر ونزل بالمرج وعلى سمرقند هانئ بن هانئ فخرج بالناس وتلقى أسدا وأدخله سمرقند وبعث أسد إلى عبد الرحمن بن نعيم بالولاية على العسكر فقفل بالناس إلى سمرقند ثم عزل أسدا عنها وولى مكانه الحسن بن أبى العمرطة لكندي ثم قدم مسلم بن سعيد بن عبد الله بخراسان فكان يكرمه ومر بابن هبيرة وهو يروم الهرب وأسلم على يديه ثم غزا الغور وهى جبال هراة فوضع أهلها أثقالهم في الكهوف ولم يكن إليها طريق فاتخذ التوابيت ووضع فيها الرجال ودلاها بالسلاسل فاستخرجوا ما قدروا عليه ثم قطع كماق النهر وجاءه خاقان ولم يكن بينهما قتال وقيل عاد مهزوما من الجسر ثم سار إلى عوبرين وقاتلها وأبلى نصر بن سيار ومسلم بن أحور وانهزم المشركون وحوى المسلمون عسكرهم بما فيه * (ولاية أشرس على العراق) * كان أسد بن عبد الله في ولايته على خراسان يتعصب حتى أفسد الناس وضرب نصر ابن سيار بالسياط وعبد الرحمن بن نعيم وسورة بن أبجر والبخترى بن أبى درهم وعامر ابن مالك الحمانى وحلقهم وسيرهم إلى أخيه وكتب إليه انهم أرادوا الوثوب بى فلامه خالد وعنفه وقال هلا بعثت برؤوسهم وخطب أسد يوما فلعن أهل خراسان فكتب هشام بن عبد الملك إلى خالد اعزل أخاك فعزله في رمضان سنة تسع وولى مكانه الحكم ابن عوانة الكلبى فقعد عن الصائفة تلك السنة فاستعمل هشام على خراسان أشرس ابن عبد الله السلمى وأمره أن يراجع خالدا فكان خيرا ففرح به أهل خراسان * (عزل أشرس) * أرسل أشرس إلى سمرقند سنة عشر ومائة أبا الصيدا صالح بن ظريف مولى بنى ضبة

[ 87 ]

والربيع بن عمران التميمي إلى سمرقند وغيرها مما وراء النهر يدعوهم إلى الاسلام على أن توضع عنهم الجزية وعليها الحسن بن العمرطة الكندى على حربها وخراجها فدعاهم لذلك وأسلموا وكتب غورك إلى الاشرس ان الجراح قد انكسر فكتب أشرس إلى ابن العمرطة بلغني ان أهل الصغد واشباههم لم يسلموا رغبة وانما أسلموا نفورا من الجزية فانظر من اختتن وأقام الفرائض وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه ثم عزل ابن العمرطة عن الخراج وولى عليها ابن هانئ ومنعهم أبو الصيدا أخذ الجزية ممن اسلم وكتب هانئ إلى اشرس بأنهم أسلموا وبنوا المساجد فكتب إليه والى العمال أن يعيدوا الجزية على من كانت عليه ولو أسلم فامتنعوا واعتزلوا في سبعة آلاف على فراسخ من سمرقند وخرج معهم أبو الصيدا وربيع بن عمران والهيثم الشيباني وأبو فاطمة الازدي وعامر بن قشير وبشير الجحدرى وبيان العنبري واسمعيل بن عقبة لينصروهم وبلغ الخبر إلى أشرس فعزل ابن العمرطة عن الحرب وولى مكانه المجشر ابن مزاحم السلمى وعميرة بن سعد الشيباني فكتب المجشر إلى أبى الصيدا يستقدمه هو وأصحابه فقدم ومعه ثابت قطنة فحبسهما وسيرهما إلى أشرس واجتمع الباقون وولوا عليهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا فكتب أشرس ووضع عنهم الخراج فرجعوا وضعف أمرهم وتتبعوا فحبسوا كلهم وألح هانئ في الخراج واستخف بفعل العجم والدهاقين وأقيموا في العقوبات وحرقت ثيابهم وألقيت مناطقهم في أعناقهم وأخذت الجزية ممن أسلم فكفرت الصغد وبخاري واستجاشوا بالترك وخرج أشرس غازيا فنزل آمد وأقام أشهرا وقدم قطن بن قتيبة بن مسلم في عشرة آلاف فعبر النهر ولقى الترك وأهل الصغد وبخاري ومعهم خاقان فحصروا قطنا في خندقه وأغار الترك على سرح المسلمين وأطلق أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود ابن عمرو بعثه معه في خيل فاستقدمه من أيدى الترك ما أخذوه ثم عبر أشرس بالناس ولحق بقطن ولقيهم العدو فانهزموا أمامهم وسار أشرس بالناس حتى جاء بيكند فحاصرها المسلمون وقطع أهل البلد عنهم الماء وأصابهم العطش فرحلوا إلى المدينة واعترضهم دونها العدو فقاتلوهم قتالا شديدا وأبلى الحرث بن شريح وقطن بن قتيبة بلاء شديدا وأزالوا الترك عن الماء فقتل يومئذ ثابت قطنة وصخر بن مسلم بن النعمان العبدى وعبد الملك بن دثار الباهلى وغيرهم وحمل قطن بن قتيبة في جماعة تعاقدوا على الموت فانهزم العدو واتبعهم المسلمون يقتلونهم إلى الليل ثم رجع أشرس إلى بخارى وجهز عليها عسكرا يحاصرونها وعليهم الحرث بن شريح الازدي ثم حاصر خاقان مدينة كمرجة من خراسان وبها جمع من المسلمين وقطعوا القنطرة

[ 88 ]

وأتاهم ابن جسر وابن يزد جرد وقال ان خاقان جاء يرد على منكبي وأنا آخذ لكم الامان فشتموه وأتاهم يزغرى في مائتين وكان داهية وكان خاقان لا يخالفه فطلب رجلا يكلمه فجاءه يزيد بن سعد الباهلى فرغبه باضعاف العطاء والاحسان على النزول ويسيرون معهم فلاطفه ورجع إلى أصحابه وقال هؤلاء يدعونكم لقتال المسلمين فأبوا وأمر خاقان فألقى الحطب الرطب في الخندق ليقطعه وألقى المسلمون البهائم ليأكلوها ويحشوا جلودها ترابا ويملؤا بها الخندق وأرسل الله سبحانه سحابة فاحتمل السيل ما في الخندق إلى النهر الاعظم ورمى المسلمون بالسهام فأصيب بزغرى بسهم ومات من ليلته فقتلوا جميع من عندهم من الاسرى والرهن ولم يزالوا كذلك حتى نزلت جيوش المسلمين فرغانة فجردوا عليهم واشتد قتالهم وصالحهم المسلمون على أن يسلموا لهم كمرجة ويرحلوا عليها إلى سمرقند والدنوسية وتراهنوا على ذلك وتأخر خاقان حتى يخرجوا وخلف معهم كور صول ليبلغهم إلى مأمنهم فارتحلوا حتى بلغوا الدنوسية وأطلقوا الرهن وكان مدة الحصار ستين يوما * (عزل أشرس عن خراسان وولاية الجنيد) * وفى سنة احدى عشرة ومائة عزل هشام أشرس بن عبد الله عن خراسان وولى مكانه الجنيد بن عبد الرحمن بن عمر بن الحرث بن خارجة بن سنان بن أبى حارثة المرى أهدى إلى أم حكيم بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام قلادة فيها جواهر فأعجبت هشاما فاهدى له أخرى مثلها فولاه خراسان وحمله على البريد فقدم خراسان في خمسمائة ووجد الخطاب ابن محرز السلمى خليفة أشرس على خراسان فسار الجنيد إلى ما وراء النهر ومعه الخطاب واستخلف على مرو المجشر بن مزاحم السلمى وعلى بلخ سورة بن أبجر التميمي وبعث إلى أشرس وهو يقاتل أهل بخارى والصغد أن يبعث إليه بسرية مخافة أن يعترضه العدو فبعث إليه أشرس عامر بن مالك الجابى فعرض له الترك والصغد فقاتلوهم ثم استداروا وراء معسكر الترك وحمل المسلمون عليهم من أمامهم فانهزم الترك ولحق عامر بالجنيد فأقبل معه وعلى مقدمته عمارة بن حزيم واعترضه الترك فهزمهم وزحف إليه خاقان بنواحي سمرقند وقطن بن قتيبة على ساقته فهزم خاقان وأسر ابن أخيسه وبعث به إلى هشام ورجع إلى مرو ظافرا واستعمل قطن بن قتية على بخارى والوليد بن القعقاع العبسى على هراة وحبيب بن مرة العبسى على شرطته ومسلم بن عبد الرحمن الباهلى على بلخ وعليها نصر بن سيار فبعث مسلم إلى نصر وجئ به في قميص دون سراويل فقال شيخ مضر جئتم به على هذه الحالة فعزل الجنيد مسلما عن بلخ وأوفد وفدا إلى هشام بخبر غزاته

[ 89 ]

* (مقتل الجراح الحكمى) * قد كان تقدم لنا دخوله إلى بلاد الخزر سنة أربع ومائة وانهزامهم أمامه وانه أثخن فيهم وملك بلنجر وردها على صاحبها وأدركه الشتاء فأقام هنالك وان هشاما أقره على عمله ثم ولاه أرمينية فدخل بلاد التركمان من ناحية تفليس سنة احدى عشرة ففتح مدينتهم البيضاء وانصرف ظافرا فاجتمع الخزر والترك من ناحية اللاف وزحف إليهم الجراح سنة اثنتى عشرة ولقيهم بمرج اردبيل فاقتتلوا أشد قتال وتكاثر العدو عليه فاستشهد ومن معه وقد كان استخلف أخاه الحجاج على أرمينية ولما قتل طمع الخرز وهم التركمان وأوغلوا في البلاد حتى قاربوا الموصل وقيل كان قتله ببلنجر ولما بلغ الخبر هشاما دعا سعيد الحريشى فقال بلغني أن الجراح انهزم قال الجراح اعرف بالله من أن ينهزم ولكن قتل فابعثني على أربعين من دواب البريد وابعث إلى كل يوم أربعين رجلا مددا واكتب إلى أمراء الاجناد يواسوني ففعل وسار الحريشى فلا يمر بمدينة الا ويستنهض أهلها فيجيبه من أراد الجهاد ووصل مدينة أزور فلقيه جماعه من أصحاب الجراح فردهم معه ووصل إلى خلاط فحاصرها وفتحها وقسم غنائمها ثم سار عنها يفتح القلاع والحصون إلى بروعة فنزلها وابن خاقان يومئذ باذربيجان يحاصر مدينة ورثان منها ويعيث في نواحيها وبعث الحريشى إلى أهل ورثان يخبرهم بوصوله فأخرج العدو عنهم ووصل إليهم الحريشى ثم اتبع العدو إلى أردبيل وجاءه بعض عيونه بان عشرة آلاف من عسكرهم على أربعة فراسخ منه ومعهم خمسة آلاف بيت من المسلمين أسارى وسبايا فبيتهم وقتلهم أجمعين ولم ينج منهم أحد واستنقذ المسلمين منهم وسار إلى باجروان فجاءه عين آخر ودله على جمع منهم فسار إليهم واستلحمهم أجمعين واستنقذ من معهم من المسلمين وكان فيهم أهل الجراح وولده فحملهم إلى باجروان ثم زحف إليهم جموع الخزر مع ابن ملكهم والتقوا بأرض زرند واشتد القتال والسبي من معسكر الكفار فبكى المسلمون رحمة لهم وصدقوا الحملة فانهزم الكفار واتبعهم المسلمون إلى نهر ارس وغنموا ما كان معهم من الاموال واستنقذوا الاسرى والسبايا وحملوهم إلى باجروان ثم تناصر الخرز في ملكهم ورجعوا فنزلوا نهر البيلقان واقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزموا فكان من غرق أكثر ممن قتل وجمع الحريشى الغنائم وعاد إلى باجروان فقسمها وكتب إلى هشام بالفتح واستقدمه وولى أخاه مسلمة على أرمينية واذربيجان * (وقعة الشعب بين الجنيد وخاقان) * وخرج الجنيد سنة اثنتى عشرة ومائة من خراسان غازيا إلى طخارستان وبعث إليها عمارة

[ 90 ]

ابن حزيم في ثمانية عشر ألفا وبعث ابراهيم بن سلم الليثى في عشرة آلاف إلى وجه آخر وحاشتك الترك وزحف بهم خاقان إلى سمرقند وعليها سورة بن أبجر فكتب إلى الهند مستغيثا فأمر الجنيد بعبور النهر فقال له المجشر بن مزاحم السلمى وابن بسطام الازدي ان الترك ليسوا كغيرهم وقد مزقت جندك فسلم ابن عبد الرحمن بالنبراود والبخترى بهزاة وعمارة بن حزيم بطخارستان ولا تعبر النهر في أقل من خمسين ألفا فاستقدم عمارة وأمهل فقال أخى على سورة وعبر الجنيد فنزل كش وتأهب للسير وغور الترك الآبار في طريق كش وسار الجنيد على التعبية واعترضه خاقان ومعه أهل الصغد وفرغانة والشاش وحملوا على مقدمته وعليها عثمان بن عبد الله بن الشخير فرجعوا والترك في أتباعهم ثم حملوا على المدينة وأمدهم الجنيد بنصر بن سيار وشدوا على العدو وقتل أعيانا منهم وأقبل الجنيد على الميمنة وأقبل تحت راية الازد فقال له صاحب الراية ما قصدت كرامتنا لكن علمت انا لا نصل اليك ومناعين تطرف فصبروا وقاتلوا حتى كلت سيوفهم وقطع عبيدهم الخشب فقاتلوا بها حتى أدركهم الملل وتعانقوا ثم تحاجزوا وهلك من الازد في ذلك المعترك نحو من ثمانين فيهم عبد الله بن بسطام ومحمد بن عبد الله بن جودان والحسين بن شيخ ويزيد بن المفضل الحرانى وبين الناس كذلك إذ طلعت أوائل عسكر خاقان فنادى منادى الجنيد بالنزول فترجلوا وخندق كل كائن على رجاله وقصد خاقان جهة بكر بن وائل وعليهم زياد بن الحرث فحملت بكر عليهم فأفرجوا واشتد القتال وأشار أصحاب الجنيد عليه بأن يبعث إلى سورة بن أبجر من سمرقند ليتقدم الترك إليه ليكون لهم شغل به عن الجنيد وأصحابه فكتب يستقدمه فاعتذر فأعاد عليه وتهدده وقال اخرج وسر مع النهر لا تفارقه فلما خرج هو استبعد طريق النهر واستخلف على سمرقند موسى بن أسود الحنظلي وسار محمد في اثنى عشر ألفا حتى إذا بقى بينه وبين الجنيد وعساكره فرسخ لقيه خاقان عند الصباح وحال بينهم وبين الماء واضرم النار في اليبس حواليهم فاستماتوا وحملوا وانكشفت الترك وأظلم الجو بالعجاج وكان من وراء الترك لهب سقط فيه جميع العدو والمسلمون وسقط سورة فاندقت فخذه ثم عطف الترك فقتلوا المسلمين ولم يبق منهم الا القليل وانحاش بالناس المهلب بن زياد والعجمي في ستمائة أو ألف ومعه قريش بن عبد الله العبدى إلى رستاق المرغاب وقاتلوا بعض قصوره فأصيب المهلب وولوا عليهم الرحب بن خالد وجاءهم الاسكيد صاحب نسف وغورك ملك الصغد فنزلوا معه إلى خاقان فلم يجز أمان غورك وقتلهم ولم ينج منهم ثم خرج الجنيد من الشعب قاصدا سمرقند وأشار عليه مجشر ابن مزاحم بالنزول فنزل ووافقته جموع الترك فجال الناس جولة وصبرا لمسلمون وقاتل

[ 91 ]

العبيد وانهزم العدو ومضى الجنيد إلى سمرقند فحمل العيالات إلى مرو وأقام بالصغد أربعة أشهر وكان صاحب الرأى بخراسان في الحرب المجشر بن مزاحم السلمى وعبد الرحمن بن صبح المخزومى وعبيد الله بن حبيب الهجرى ولما انصرفت الترك بعث الجنيد نهار بن توسعة بن تيم الله وزميل بن سويد بن شيم بالخبر وتحامل فيه على سورة بن أبجر بما عصاه من مفارقة النهر حتى نال العدو منه فكتب إليه هشام قد بعث اليك من المدد عشرة آلاف من البصرة ومثلها من الكوفة وثلاثون ألف رمح ومثلها سيفا وأقام الجنيد بسمرقند وسار خاقان إلى بخارى وعليها قطن بن قتيبة بن مسلم فخاف عليه من الترك واستشار عبد الله بن أبى عبد الله مولى بنى سليم بعد ان اختلف عليه أصحابه فاشترط عليه أن لا يخالفه فأشار بحمل العيالات من سمرقند فقدمهم واستخلف بسمرقند عثمان بن عبد الله بن الشخير في أربعمائة فارس وأربعمائة راجل ووفر أعطياتهم وسار العيالات في مقدمته حتى من الضيق ودنا من الطواويس فأقبل إليه خاقان بكير ميمنية أول رمضان سنة اثنتى عشرة واقتتلوا قليلا ثم رجع الترك وارتحل من الغد فاعترضه الترك ثانيا وقتل مسلم بن أحوز بعض عظمائهم فرجعوا من الطواويس ثم دخل الجنيد بالمسلمين بخارى وقدمت الجنود من البصرة والكوفة فسرح الجنيد معهم حورثة بن زيد العنبري فيمن انتدب معه * (ولاية عاصم على خراسان وعزل الجنيد) * بلغ هشاما سنة ست عشرة أن الجنيد بن عبد الرحمن عامل خراسان تزوج بنت يزيد بن المهلب فغضب لذلك وعزله وولى مكانه عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي وكان الجنيد قد مرض بالاستسقاء فقال هشام لعاصم ان أدركته وبه رمق فأزهق نفسه فلما قدم عاصم وجده قد مات وكانت بينهما عداوة فحبس عمارة بن حزيم وكان الجنيد استخلفه وهو ابن عذبة فعذبه عاصم وعذب عمال الجنيد * (ولاية مروان بن محمد على أرمينية وأذربيجان) * لما عاد مسلمة من غزو الخزر وهم التركمان إلى بلاد المسلمين وكان في عسكره مروان بن محمد بن مروان فخرج مختفيا عنه إلى هشام وشكا له من مسلمة وتخاذله عن الغزو وما أدخل بذلك على المسلمين من الوهم وبعث إلى العدو بالحرب وأقام شهرا حتى استعدوا وحشدوا ودخل بلادهم فلم يكن له فيهم نكاية وقصد أراد السلامة ورغب إليه بالغزو إليهم لينتقم منهم وأن يمده بمائة وعشرين ألف مقاتل ويكتم عليه فأجابه لذلك وولاه على أرمينية فسار إليها وجاءه المدد من الشأم والعراق والجزيرة فاظهر انه نريد غزو اللان وبعث إلى ملك الخزر في المهادنة فأجاب وأرسل رسله لتقرير الصلح

[ 92 ]

فأمسكهم مروان إلى أن تجهز وودعهم وسار على أقرب الطرق فوافاهم ورأى ملك الخزر أن اللقاء على تلك الحال غرر فتأخر إلى أقصى بلاده ودخل مروان فأوغل فيها وخرب وغنم وسبى إلى آخرها ودخل بلاد ملك السرير وفتح قلاعها وصالحوه على ألف رأس نصفها غلمان ونصفها جواري ومائة ألف مد تحمل إلى الباب وصالحه أهل تومان على مائة رأس نصفين وعشرين ألف مد ثم دخل أرض وردكران فصالحوه ثم أتى حمرين وافتتح حصنهم ثم أتى سبدان فافتتحها صلحا ثم نزل صاحب اللكز في قلعته وقد امتنع من أداء الوظيفة فخرج يريد ملك الخزر فأصيب بسهم ومات وصالح أهل اللكز مروان وأدخل عامله وسار مروان إلى قلعة سروان فأطاعوا وسار إلى الرودانية فاوقع بهم ورجع * (خلع الحرث بن شريح بخراسان) * كان الحرث هذا عظيم الازد بخراسان فخلع سنة ست عشرة ولبس السواد ودعا إلى كتاب الله وسنة نبيه والبيعة للرضا على ما كان عليه دعاة بنى العباس هناك وأقبل إلى الغاربات وجاءته رسل عاصم مقاتل بن حيان النبطي والخطاب بن محرز السلمى فحبسهما وفروا من السجن إلى عاصم بدم الحرث وغدره وسار الحرث من الغاربات إلى بلخ وعليها نصر بن سيار والتجيبى فلفياه في عشرة آلاف وهو في أربعة فهزمهم وملك بلخ واستعمل عليها سليمان بن عبد الله بن حازم وسار إلى الجوزجان عليها ثم سار إلى مرو ونمى إلى عاصم ان أهل مرو يكاتبونه فاستوثق منهم بالقسامة وخرج وعسكر قريبا من مرو وقطع الجسور وأقبل الحرث في ستين ألفا ومعه فرسان الازد وتميم ودهاقين الجوزجان والغاربات وملك الطالقان وأصلحوا القناطر ثم نزع محمد بن المثنى في ألفين من الازد وحماد بن عامر الجابى في مثلها من بنى تميم إلى عاصم ولحقوابه ثم اقتتلوا فانهزم الحرث وغرق كثير من أصحابه في نهر مرو وقتلوا قتلا ذريعا وكان ممن غرق حازم ولما قطع الحرث نهر مرو ضرب رواقه واجتمع إليه بها ثلاثة آلاف فارس وكف عاصم عنهم * (ولاية أسد القسرى الثانية بخراسان) * كتب عاصم إلى هشام سنة سبع عشرة أن خراسان لا تصلح الا أن تضم إلى العراق ليكون مددها قريب الغوث فضم هشام خراسان إلى خالد بن عبد الله القسرى وكتب إليه ابعث أخاك يصلح ما أفسد فبعث خالد أخاه أسدا فسار على مقدمته محمد بن مالك الهمداني (ولما بلغ عاصم) الخبر راود الحرث بن شريح على الصلح وأن يكتبا جميعا إلى هشام يسألانه الكتاب والسنة فان أبى اجتمعا وأبى بعض أهل خراسان ذلك

[ 93 ]

فانتقض بينهما واقتتلا فانهزم الحرث وأسر من أصحابه كثير قتلهم عاصم وبعث بالفتح إلى هشام مع محمد بن مسلم العنبري فلقيه أسد بالرى وجاء إلى خراسان فبعث عاصما وطلبه بمائة ألف درهم وأطلق عمارة بن حزيم وعمال الجنيد ولم يكن لعاصم بخراسان الا مرو ونيسابور وكانت مرو الروذ للحرث وواصل لخالد بن عبيد الله الهجرى على مثل رأى الحرث فبعث أسد عبد الرحمن بن نعيم في أهل الكوفة والشأم إلى الحرث وسار هو بالناس إلى آمد فخرج إليه زياد القرشى مولى حيان النبطي في العسكر فهزمهم أسد وحاصرهم حتى سألوا الامان واستعمل عليهم يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني وسار إلى بلخ وقد بايعوا سليمان بن عبد الله بن حازم فسار حتى قدمها ثم سار منها إلى ترمذ والحرث محاصر لهما وأعجزه وصول المدد إليها فخرج إلى بلخ وخرج أهل ترمذ فهزموا الحرث وقتلوا أكثر أصحابه ثم سار أسد إلى سمرقند ومر بحصن زم وبه أصحاب الحرث فبعث إليهم وقال انما نكرتم منا سوء السيرة ولم يبلغ ذلك النساء واستحلال الفروج ولا مظاهرة المشركين على مثل سمرقند وأعطاه الامان على تسليم سمرقند وهدده ان قاتل بأنه لا يؤمنه أبدا فخرج إلى الامان وسار معه إلى سمرقند فانزلهم على الامان ثم رجع أسد إلى بلخ وسرح جديعا الكرماني إلى القلعة التى فيها ثقل الحرث وأصحابه في طخارستان فحاصرها وفتحها وقتل مقاتلهم ومنهم بنو بزرى من ثعلب أصحاب الحرث وباع سبيهم في سوق بلخ وانتقض على الحرث أربعمائة وخمسون من أصحابه بالقلعة ورئيسهم جرير ابن ميمون القاضى فقال لهم الحرث ان كنتم مفارقي ولابد فاطلبوا الامان وان طلبتموه بعد رحيلي لا يعطونه لكم فأبوا الا ان ارتحل فبعثوا بالامان فلم يجبهم إليه وسرح جديعة الكرماني في ستة آلاف فحصرهم حتى نزلوا على حكمه وحمل خمسين منهم إلى أسد فيهم ابن ميمون القاضى فقتلهم وكتب إلى الكرماني باهلاك الباقين واتخذ أسد مدينة بلخ دارا ونقل إليها الدواوين ثم غزا طخارستان وأرض حبونة فغنم وسبى * (مقتل خاقان) * ولما كانت سنة تسع عشرة غزا أسد بن عبد الله بلاد الختل فافتتح منها قلاعا وامتلات أيدى العسكر من السبى والشاء وكتب ابن السائحى صاحب البلاد يستجيش خاقان على العرب ويضعفهم له فتجهز وخفف من الازودة استعجالا للعرب فلما أحس به ابن السائحى يعث بالنذير إلى أسد فلم يصدقه فأعاد عليه انى الذى استمددت خاقان لانك معرت البلاد ولا أريد أن يظفر بك خشية من معاداة العرب واستطالة خاقان على فصدقه حينئذ أسد وبعث الاثقال مع ابراهيم بن عاصم العقيلى الذى كان ولى

[ 94 ]

سجستان وبعث معه المشيخة كثير بن أمية وأبا سفيان بن كثير الخزاعى وفضيل بن جيان لاهرى وغيرهم وأمدهما بجند آخر وجاء في أثرهم فانتهى إلى نهر بلخ وقد قطعه ابراهيم بن عاصم بالسبي والاثقال فخاض النهر من ثلاثة وعشرين موضعا وحمل الناس شياههم حتى حمل هو شاة فما استكمل العبور حتى طلعت عليهم الترك وعلى المسلحة الازد وميم فحمل خاقان عليهم فانكشفوا فرحع أسد إلى عسكره وخندق وظنوا أن خاقان لا يقطع النهر فقطع النهر إليهم وقاتله المسلمون في معسكرهم وباتوا والترك محيطون بهم فلما أصبحوا لم يروا منهم أحدا فعلموا أنهم اتبعوا الاثقال والسبي واستعلموا علمها من الطلائع فشاور أسد الناس فأشاروا بالمقام وأشار نصر بن سيار باتباعهم يخلص الاثقال ويقطع شقة لابد من قطعها فوافقه أسد وطير النذير إلى ابراهيم بن عاصم وصبح خاقان للاثقال وقد خندقوا عليهم فأمر أهل الصغد بقتلهم فهزمتهم مسلحة المسلمين فصعد على تل حتى رأى المسلمين من خلفهم وأمر الترك أن يأتوهم من هنالك ففعلوا وخالطوهم في معسكرهم وقتلوا صاغان خذاه وأصحابه وأحسوا بالهلاك وإذا بالغبار قد رهج والترك يتنحون قليلا قليلا وجاء أسد ووقف على التل الذى كان عليه خاقان وخرج إليه بقية الناس وجاءته امرأة صاغان خذاه معولة فأعول معها ومضى خاقان يقود أسرى المسلمين في الآفاق ويسوق الابل الموقورة والجوارى وأراد أهل العسكر قتالهم فمنعهم أسد ونادى رجل من عسكر خاقان وهو من أصحاب الحرث بن شريح يعير أسدا ويحرضه ويقول قد كان لك عن الختل مندوحة وهى أرض آبائى وأجدادي قد كان ما رأيت ولعل الله ينتقم منك ومضى أسد إلى بلخ فعسكر في مرجها حتى جاء الشتاء فدخل البلد وشتى فيها وكان الحرث بن شريح بناحية طخارستان فانضم إلى خاقان وأغراه بغزو خراسان وزحفوا إلى بلخ وخرج أسد يوم الاضحى فخطب الناس وعرفهم بأن الحرث بن شريح استجلب الطاغية ليطفئ نور الله ويبدل دينهم وحرضهم على الاستنصار بالله وقال أقرب ما يكون العبد لله ساجدا ثم سجد وسجد الناس وأخلصوا الدعاء وخرج للقائهم وقد استمد خاقان من وراء النهر وأهل طخارستان وحبونة في ثلاثين ألفا وجاء الخبر إلى أسد وأشار بعض الناس بالتحصن منهم بمدينة بلخ واستمد خالد وهشام وأبى الاسد الا اللقاء فخرج واستخلف على بلخ الكرماني بن على وعهد إليه انه لا يدع أحدا يخرج من المدينة واعتزم نصر بن سيار والقاسم بن نجيب وغيرهم على الخروج فأذن لهم وصلى بالناس ركعتين وطول ثم دعا وأمر الناس بالدعاء ونزل من وراء القنطرة ينتظر من تخلف ثم بداله وارتحل فلقى طليعة خاقان وأسر قائدهم وسار حتى نزل على فرسخين من الجوزجان ثم أصبحوا وقد

[ 95 ]

تراءى الجمعان وأنزل أسد الناس ثم تهيا للحرب ومعه الجوزجان اه‍ وحملت الترك على الميسرة فانهزموا إلى رواق أسد فشدت عليهم الاسد وبنو تميم والجوزجان من الميمنة فانكشفوا إلى خاقان وقد انهزم والحرث معه واتبعهم الناس ثلاثة فراسخ يقتلونهم واستاقوا مائة وخمسين ألفا من الشاء ودواب كثيرة وملك خاقان غير الجادة والحرث بن شريح ولقيهم أسد عند الطريقة وملك الجوزجان بعثمان بن عبد الله بن الشخير طريقا يعرفها حتى نزلوا على خاقان وهو آمن فتركوا الابنية والقدور تغلى وبناء العرب والموالي والعسكر مشحون من آنية الفضة وركب خاقان والحرث يمانع عنه وأعجلوا امرأة خاقان عن الركوب فقتلها الخصى الموكل بها وبعث أسد بجوار الترك دهاقين خراسان يفادون بها أسراهم وأقام خمسة أيام وانصرف إلى بلخ لتاسعة من خروجه ونزل الجوزجان وخاقان هارب امامه وانتهى خاقان إلى جونة الطخارى فنزل عليه وانصرف أسد إلى بلخ وأقام خاقان عند جونة حتى أصلح آلته وسار وسبيه بها فأخذه جد كاوش أبو فشين فأهدى إليه وأتحفه وحمل أصحابه يتخد بذلك عنده يدا ثم وصل خاقان بلاده وأخذ في الاستعداد في الحرب ومحاصرة سمرقند وحمل الحرث وابن شريح وأصحابه على خمسة آلاف برذون ولاعب خاقان بالنرد كور صول يوما فغمزه كور صول فأنف وتشاجر فصك كور صول يد خاقان فحلف خاقان ليكسرن يده فنحى وجمع ثم بيت خاقان فقتله وافترق الترك وحملوه وتركوه بالعراء فحمله بعض عظمائهم ودفنه وكان أسد بعث بالفتح من بلخ إلى خالد بن عبد الله فأخبره وبعث به إلى هشام فلم يصدقه ثم بعده القاسم بن نجيب بقتل خاقان فحثت قيس أسدا وخالدا وقالوا لهشام استقدم مقاتل بن حيان فكتب بذلك إلى خالد فأرسل إلى أسد أن يبعث به فقدم على هشام والابرش وزيره جالس عنده فقص عليه الخبر فسر بذلك وقال لمقاتل ما حاجتك قال يزيد بن المهلب أخذ من حيان أبى مائة ألف درهم بغير حق فأمر بردها على فاستحلفه وكتب له بردها وقسمها مقانل بين ورثة حيان ثم غزا أسد الختل بعد مقتل خاقان وقدم مصعب بن عمر الخزاعى إليها فسار إلى حصن بدر طرخان فاستأمن له أن يلقى أسدا فأمنه وبعث إلى أسد فسأل أن يقبل منه ألف درهم وراوده على ذلك فأبى أسد ورده إلى مصعب ليرده إلى حصنه فقال له مسلمة بن أبى عبد الله وهو من الموالى أن أمير المؤمنين سيندم على حبسه ثم أقبل أسد بالناس ووعد له المجشر بن مزاحم بدر طرخان أو قبول ما عرض فندم أسد وأرسل إلى مصعب يسأل عنه فوجده مقيما عند مسلمة فجئ به وقطعت يده ثم أمر رجلا من الازد كان بدر طرخان قتل أباه فضرب عنقه وغلب على القلعة وبعث

[ 96 ]

العساكر في بلاد الختل فامتلات أيديهم من الغنائم والسبي وامتنع ولد بدر طرخان وأمواله في قلعة فوق بلدهم صغيرة فلم يوصل إليهم * (وفاة أسد) * وفى ربيع الاول سنة عشرين توفى ابن عبد الله القسرى بمدينة بلخ واستخلف جعفر ابن حنظلة النهرواني فعمل أربعة أشهر ثم جاء عهد نصر بن سيار بالعمل في رجب * (ولاية يوسف بن عمر الثقفى على العراق وعزل خالد) * وفى هذه السنة عزل هشام خالدا عن أعماله جميعها بسعاية أبى المثنى وحسان النبطي وكانا يتوليان ضياع هشام بالعراق فثقلا على خالد وأمر الاشدق بالنهوض على الضياع وانهى ذلك حسان بعد أبى المثنى وأن غلته في السنة ثلاثة عشر ألف ألف فوقرت في نفس هشام وأشار عليه بلال بن أبى بردة والعريان بن الهيثم أن يعرض أملاكه على هشام ويضمنون له الرضا فلم يجبهم ثم شكا من خالد بعض آل عمر والاشدق بأنه أغلظ له في القول بمجلسه فكتب إليه هشام يوبخه ويأمره بأن يمشى ساعيا على قدميه إلى بابه ويترضاه ونميت عنه من هذا أقوال كثيرة وأنه يستقل ولاية العراق فكتب إليه هشام يا ابن أم خالد بلغني أنك تقول ما ولاية العراق لى بشرف يا ابن اللخناء كيف لا تكون امرة العراق لك شرفا وأنت من بجيلة القليلة الذليلة أما والله انى لاظن أن أول من يأتيك صقر من قريش يشد يديك إلى عنقك ثم كتب إلى يوسف ابن عمر الثقفى وهو باليمن يأمره أن يقدم في ثلاثين من أصحابه إلى العراق فقد ولاه ذلك فسار إلى الكوفة ونزل قريبا منها وقد ختن طارق خليفة خالد بالكوفة ولده وأهدى إليه وصيفا ووصيفة سوى الاموال والثياب ومر يوسف وأصحابه ببعض أهل العراق فسألوهم فعرضوا وظنوهم خوارج وركب يوسف إلى دور ثقيف فكتموا ثم جمع يوسف بالمسجد من كان هنالك من مضر ودخل مع الفجر فصلى وأرسل إلى خالد وطارق فأخذهما وقيل ان خالدا كان بواسط وكتب إليه بالخبر بعض أصحابه من دمشق فركب إلى خالد وأخبره بالخبر وقال اركب إلى أمير المؤمنين واعتذر إليه قال لا أفعل بغير اذن قال فترسلني أستأذنه قال لا قال فاضمن له جميع ما انكسر في هذه السنين وآتيك بعهده وهى مائة ألف ألف قال والله ما أجد عشرة آلاف ألف قال أتحملها أنا وفلان وفلان قال لا أعطى شيأ وأغود فيه فقال طارق انما نقيك ونقى أنفسنا بأموالنا ونستبقي الدنيا وتبقى النعمة عليك وعلينا خير من أن يجئ من يطالبنا بالاموال وهى عند الكوفة فنقتل ويأكلون الاموال فأبى خالد من ذلك كله فودعه طارق ومضى وبكى ورجع إلى الكوفة وخرج خالد إلى الحمة وجاء كتاب هشام بخطه إلى

[ 97 ]

يوسف بولاية العراق وأن يأخذ ابن النصرانية يعنى خالدا وعماله فيعذبهم فأخذ الاولاد وسار من يومه واستخلف على اليمن ابنه الصلت وقدم في جمادى الاخيرة سنة عشرين ومائة فنزل النجف وأرسل مولى كيسان فجاء بطارق ولقيه بالحيرة فضربه ضربا مبرحا ودخل الكوفة وبعث عثمان عطاء بن مقدم إلى خالد بالحمة فقدم عليه وحبسه وصالحه عنه ابان بن الوليد وأصحابه على سبعة آلاف ألف وقبل أخذ منه مائة ألف وكانت ولايته العراق خمس عشرة سنة ولما ولى يوسف نزلت الذلة بالعراق في العرب وصار الحكم فيه إلى أهل الذمة * (ولاية نصر بن سيار خراسان وغزوه وصلح الصغد) * ولما مات أسد بن عبد الله ولى هشام على خراسان نصر بن سيار وبعث إليه عهده على عبد الكريم بن سليط الحنفي وقد كان جعفر بن حنظلة لما استخلفه أسد عند موته عرض على نصر أن يوليه بخارى فقال له البحترى بن مجاهد مولى بنى شيبان لا تقبل فانك شيخ مضر بخراسان وكان عهدك قد جاء على خراسان كلها فكان كذلك ولما ولى نصر استعمل على بلخ مسلم بن عبد الرحمن وعلى مرو الروذ وشاح بن بكير بن وشاح وعلى هراة الحرث بن عبد الله بن الحشرج وعلى نيسابور زياد بن عبد الرحمن القسرى وعلى خوارزم أبا حفص على بن حقنة وعلى الصغد قطن بن قتيبة وبقى أربع سنين لا يستعمل في خراسان الا مضريا فعمرت عمارة لم تعمر مثلها وأحسن الولاية والجباية وكان وصول العهد إليه بالولاية في رجب سنة عشرين فغزا غزوات أولها إلى ما وراء النهر من نحو باب الحديد وسار إليها من بلخ ورجع إلى مرو فوضع الجزية على من أسلم من أهل الذمة وجعلها على من كان يخفف عنه منهم وانتهى عددهم ثلاثين ألفا من الصنفين وضعت عن هؤلاء وجعلت على هؤلاء ثم غزا الثانية إلى سمرقند ثم الثالثة إلى الشاش سار إليها من مرو ومعه ملك بخارى وأهل سمرقند وكش ونسف في عشرين ألفا وجاء إلى نهر الشاش فحال بينه وبين عبوره كور صول عسكر نصر في ليلة ظلماء ونادى نصر لا يخرج أحد وخرج عاصم بن عمير في جند سمرقند فجاولته خيل الترك ليلا وفيهم كور صول فأسره عاصم وجاء به إلى نصر فقتله وصلبه على شاطئ النهر فحزنت الترك لقتله وأحرقوا أبنيته وقطعوا آذانهم وشعورهم وأذناب خيولهم وأمر نصر باحراق عظامه لئلا يحملوها بعد رجوعه ثم سار إلى فرغانة فسبى منها ألف رأس وكتب إليه يوسف بن عمران ليسير إلى الحرث بن شريح في الشاش ويخرب بلادهم ويسبيهم فسار لذلك وجعل على مقدمته يحيى بن حصين وجاء بهم إلى الحرث وقاتلهم وقتل عظيما من عظماء الترك وانهزموا وجاء ملك الشاش في الصلح والهدنة والرهن واشترط نصر

[ 98 ]

عليه اخراج الحرث بن شريح من بلده فأخرجه إلى فاراب واستعمل على الشاش ينزل ابن صالح مولى عمرو بن العاصى ثم سار إلى أرض فرغانة وبعث أمه في اتمام الصلح فجاءت لذلك وأكرمها نصر وعقد لها ورجعت وكان الصغد لما قتل خاقان طمعوا في الرجعة انى بلادهم فلما ولى نصر بعث إليهم في ذلك وأعطوه ما سألوه من الشروط وكان أهل خراسان قد نكروا شروطهم وكان منها أن لا يعاقب من ارتد عن الاسلام إليهم ولا يؤخذ منهم أسرى الا ببينة وحكم وعاب الناس ذلك على نصر لما أمضاه لهم فقال لو عاينتم شكوتهم في المسلمين مثل ما عاينت ما أنكرتم وأرسل إلى هشام في ذلك فأمضاه وذلك سنة ثلاثين وعشرين * (ظهور زيد بن على ومقتله) * ظهر زيد بن على بالكوفة خارجا على هشام داعيا للكتاب والسنة والى جهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين واعطاء المحرومين والعدل في قسمة الفئ ورد المظالم وأفعال الخير ونصر أهل البيت واختلف في سبب خروجه فقيل ان يوسف بن عمر لما كتب في خالد القسرى كتب إلى هشام انه شيعة لاهل البيت وانه ابتاع من زيد أرضا بالمدينة بعشرة آلاف دينار ورد عليه الامن وانه أودع زيدا وأصحابه الوافدين عليه مالا فكان زيد قد قدم على خالد بالعراق هو ومحمد بن عمر بن على بن أبى طالب وداود بن على ابن عبد الله بن عباس فأجازهم ورجعوا إلى المدينة فبعث هشام عنهم وسألهم فأقروا بالجائزة وحلفوا على ما سوى ذلك وان خالدا لم يودعهم شيأ فصدقهم هشام وبعثهم إلى يوسف فقاتلوا خالدا وصدقهم الآخر وعادوا إلى المدينة ونزلوا القادسية وراسل أهل الكوفة زيدا فعاد إليهم وقيل في سبب ذلك ان زيدا اختصم مع ابن عمه جعفر ابن الحسن المثنى في وقف على ثم مات جعفر فخاصم أخوه عبد الله زيدا وكانا يحضران عند عامل خالد بن عبد الملك بن الحرث فوقعت بينهما في مجلسه مشاتمة وأنكر زيد من خالد اطالته للخصومة وان يستمع لمثل هذا فأغلظ له زيد وسار إلى هشام فجعبه ثم أذن له بعد حين فحاوره طويلا ثم عرض له بأنه ينكر الخلاف وتنقصه ثم قال له اخرج قال نعم ثم لا أكون الا بحيث تكره فسار إلى الكوفة وقال له محمد بن عمر بن على بن أبى طالب ناشدتك الله الحق بأهلك ولا تأت الكوفة وذكره بفعلهم مع جده وجده يستعظم ما وقع به وأقبل الكوفة فأقام بها مستخفيا ينتقل في المنازل واختلف إليه الشيعة وبايعه جماعة منهم مسلمة بن كهيل ونصر بن خزيمة العبسى ومعاوية بن اسحق بن زيد ابن حارثة الانصاري وناس من وجوه أهل الكوفة يذكر لهم دعوته ثم يقول أتبايعون على ذلك فيقولون نعم فيضع يده على أيديهم ويقول عهد الله عليك ومشاقه وذمته وذمة

[ 99 ]

نبيه بيقين تتبعني ولا تقاتلني مع عدوى ولتنصحن لى في السر والعلانية فإذا قال نعم وضع يده على يده ثم قال اللهم اشهد فبايعه خمسة عشر ألفا وقيل أربعون وأمرهم بالاستعداد وشاع أمره في الناس وقيل انه أقام في الكوفة ظاهرا ومعه داود بن على ابن عبد الله بن عباس لما جاؤا لمقاتلة خالد فاختلف إليه الشيعة وكانت البيعة وبلغ الخبر إلى يوسف بن عمر فأخرجه من الكوفة ولحق الشيعة بالقادسية أو الغلبية وعذله داود بن على في الرجوع معه وذكره حال جده الحسين فقالت الشيعة لزيد هذا انما يريد الامر لنفسه ولاهل بيته فرجع معهم ومضى داود إلى المدينة ولما أتى الكوفة جاءه مسلمة بن كهيل فصده عن ذلك وقال أهل الكوفة لا يعولون لك وقد كان مع جدك منهم أضعاف من معك ولم تعاوله وكان أعز عليهم منك على هؤلاء فقال له قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وعنقهم قال فتأذن لى أن أخرج من هذا البلد فلا آمن أن يحدث حدث وأنا لا أهلك نفسي فخرج لليمامة وكتب عبد الله بن الحسن المثنى إلى زيد يعذله ويصده فلم يصغ إليه وتزوج نساء بالكوفة وكان يختلف اليهن والناس يبايعونه ثم أمر أصحابه يتجهزون ونمى الخبر إلى يوسف بن عمر فطلبه وخاف فتعجل الخروج وكان يوسف بالحيرة وعلى الكوفة الحكم بن الصلت وعلى شرطته عمر ابن عبد الرحمن من القاهرة ومعه عبيد الله بن عباس الكندى في ناس من أهل الشأم ولما علم الشيعة ان يوسف يبحث عن زيد جاء إليه جماعة منهم فقالوا ما تقول في الشيخين فقال زيد رحمهما الله وغفر لهما وما سمعت أهل بيتى يذكرونهما الا بخير وغاية ما أقول انا كنا أحق بسلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس فدفعونا عنه ولم يبلغ ذلك الكفر وقد عدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة قال فإذا كان أولئك لم يظلموك فلم تدعو إلى قتالهم فقال ان هؤلاء ظلموا المسلمين أجمعين فانا ندعوهم إلى الكتاب والسنة وأن نحيى السنن ونطفئ البدع فان أجبتم سعدتم وان أبيتم فلست عليكم بوكيل ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا سبق الامام الحق يعنون محمدا الباقر وان جعفرا ابنه امامنا بعده فسماهم زيد الراضة ويقال انما سماهم الرافضة حيث فارقوه ثم بعث يوسف بن عمر إلى الحكم بأن يجمع أهل الكوفة في المسجد فجمعوا وطلبوا زيدا في دار معاوية بن اسحق بن زيد بن حارثة فخرج منها ليلا واجتمع إليه ناس من الشيعة وأشعلوا النيران ونادوا يا منصور حى طلع الفجر وأصبح جعفر ابن أبى العباس الكندى فلقى اثنين من أصحاب زيد يناديان بشعاره فقتل واحدا وأتى بالآخر إلى الحكم فقتله وأغلق أبواب المسجد على الناس وبعث إلى يوسف بالخبر فسار من الحيرة وقدم الرياف بن سلمة الاراثنى في ألفين خيالة وثلثمائة ماشية

[ 100 ]

وافتقد زيد الناس فقيل انهم في الجامع محصورون ولم يجد معه الا مائتين وعشرين وخرج صاحب الشرطة في خيله فلقى نصر بن خزيمة العبسى من أصحاب زيد ذاهبا إليه فحمل عليه نصر وأصحابه فقتلوه وحمل زيد على أهل الشأم فهزمهم وانتهى إلى دار أنس بن عمر الازدي ممن بايعه وناداه فلم يخرج إليه ثم سار زيد إلى الكناسة فحمل على أهل الشأم فهزمهم ثم دخل الكوفة والرايات في اتباعه فلما رأى زيد خذلان الناس قال لنصر بن خزيمة أفعلتموها حسينية قال أما أنا فوالله لاموتن معك وان الناس بالمسجد فامض بنا إليهم فجاء إلى المسجد ينادى بالناس بالخروج إليه فرماه أهل الشأم بالحجارة من فوق المسجد فانصرفوا عند المساء وأرسل يوسف بن عمر من الغد العباس ابن سعد المزني في أهل الشأم فجاءه في دار الزرق وقد كان أوى إليها عند المساء فلقيه زيد بن ثابت فاقتتلوا فقتل نصر ثم حملوا على أصحاب العباس فهزمهم زيد وأصحابه وعبأهم يوسف بن عمر من العشى ثم سرحهم فكشفهم أصحاب زيد ولم يثبت حيلهم لحيله وبعث إليهم يوسف بن عمر بالقادسية واشتد القتال وقتل معاوية بن زيد ثم رمى زيد عند المساء بسهم أثبته فرجع أصحابه وأهل الشأم يظنون انهم تحاجزوا ولما نزع النصل من جبهته مات فدفنوه وأجروا عليه الماء وأصبح الحكم يوم الجمعة يتبع الجرحى من الدور ودله بعض الموالى على قبر زيد فاستخرجه وقطع رأسه وبعث بها إلى يوسف بالحيرة فبعثه إلى هشام فنصبه على باب دمشق وأمر يوسف الحكم أن يصلب زيدا بالكناسة ونصر بن خزيمة ومعاوية بن اسحق ويحرسهم فلما ولى الوليد أمر باحراقهم واسنجار يحيى بن زيد بعبد الملك بن شبر بن مروان فأجاره حتى سكن المطلب ثم سار إلى خراسان في نفر من الزيدية * (ظهور أبى مسلم بالدعوة العباسية) * كان أهل الدعوة العباسية بخراسان يكتمون أمرهم منذ بعث محمد بن على بن عبد الله ابن عباس دعاته إلى الآفاق سنة مائة من الهجرة أيام عمر بن عبد العزيز لما مر أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ذاهبا وجائيا من الشأم من عند سليمان بن عبد الملك فمرض عنده بالحميمة من أعمال البلقاء وهلك هنالك وأوصى له بالامر وكان أبو هاشم قد علم شيعته بالعراق وخراسان وان الامر صائر في ولد محمد بن على بن عبد الله ابن عباس فلما مات أبو هاشم قصدت الشيعة محمدا وبايعوه سرا وبعث دعاته منهم إلى الآفاق وكان الذى بعث إلى العراق مسيرة بن والى خراسان محمد بن حبيش وأما عكرمة السراج وهو أبو محمد الصادق وحيان العطار خال ابراهيم بن سلمة فجاؤا إلى خراسان ودعوا إليه سرا وأجابهم الناس وجاؤا بكتب من أجاب إلى مسيرة اه‍ فبعث

[ 101 ]

بها إلى محمد واختار أبو محمد الصادق اثنى عشر رجلا من أهل الدعوة فجعلهم نقباء عليهم وهم سليمان بن كثير الخزاعى ولاهز بن قريط التميمي وأبو النجم عمران بن اسمعيل مولى أبو معيط ومالك بن الهيثم الخزاعى وطلحة بن زريق الخزاعى وأبو حمزة بن عمر ابن أعين مولى خزاعة وأخوه عيسى وأبو على شبلة بن طهمان الهروي مولى بنى حنيفة واختار بعده سبعين رجلا وكتب إليه محمد بن على كتابا يكون لهم مثالا يقتدون به في الدعوة وأقاموا على ذلك ثم بعث مسيرة رسله من العراق سنة ثنتين ومائة في ولاية سعيد خدينة وخلافة يزيد بن عبد الملك وسعى بهم إلى سعيد فقالوا نحن تجار فضمنهم قوم من ربيعة واليمن فأطلقهم وولد محمد ابنه عبد الله السفاح سنة أربع ومائة وجاء إليه أبو محمد الصادق في جماعة من دعاة خراسان فأخرجه لهم ابن خمسة عشر يوما وقال هذا صاحبكم الذى يتم الامر على يده فقبلوا أطرافه وانصرفوا ثم دخل معهم في الدعوة بكير بن هامان جاء من السند مع الجنيد ابن عبد الرحمن فلما عزل قدم الكوفة ولقى أبا عكرمة وأبا محمد الصادق ومحمد بن حبيش وعمار العبادي خال الوليد الازرق دعاه إلى خراسان في ولاية أسد القسرى أيام هشام ووشى بهم إليه فقطع أيدى من ظفر به منهم وصلبه وأقبل عمار إلى بكير ابن هامان فأخبره فكتب إلى محمد بن على بذلك فأجابه الحمد لله الذى صدق دعوتكم ومقالتكم وقد بقيت منكم قتلى ستعد ثم كان أول من قدم محمد بن على إلى خراسان أبو محمد زياد مولى همذان بعثه محمد بن على سنة تسعة في ولاية أسد أيام هشام وقال له انزل في اليمن وتلطف لمضر ونهاه عن الغالب النيسابوري شيعة بنى فاطمة فشتى زياد بمرو ثم سعى به إلى أسد فاعتذر بالتجارة ثم عاد إلى أمره فأحضره أسد وقتله في عشرة من أهل الكوفة ثم جاء بعدهم إلى خراسان رجل من أهل الكوفة اسمه كثير ونزل على أبى الشحم وأقام يدعو سنتين أو ثلاثة ثم اخذ أسد بن عبد الله في ولايته الثانية سنة سبع عشرة اخذ سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وموسى بن كعب ولاهز ابن قريط بثلثمائة سوط وشهد حسن بن زيد الازدي ببرأتهم فأطلقهم ثم بعث بكير ابن هامان سنة ثمانى عشرة عمار بن زيد على شيعتهم بخراسان فنزل مرو وتسمى بخراش وأطاعه الناس ثم نزل دعوتهم بدعوة الحزمية فأباح النساء وقال ان الصوم انما هو عن ذكر الامام وأشار إلى اخفاء اسمه والصلاة الدعاء له والحج القصد إليه وكان خراش هذا نصرانيا بالكوفة واتبعه على مقالته مالك بن الهيثم والحريش بن سليم وظهر أسد على خبره وبلغ الخبر بذلك إلى محمد بن على فنكر عليهم قبولهم من خراش وقطع مراسلتهم فقدم عليه ابن كثير منهم يسعلم خبره ويستعطفه على ما وقع منهم وكتب

[ 102 ]

معه إليهم كتابا مختوما لم يجدوا فيه غير البسملة فعلموا مخالفة خراش لامره وعظم عليهم ثم بعث محمد بن بكير بن بان وكتب معه بكذب خراش فلم يصدقوه فجاء إلى محمد وبعث معه عصيا مضببة بعضها بالحديد وبعضها بالنحاس ودفع إلى كل رجل عصا فعلموا انهم قد خالفوا السيرة فتابوا ورجعوا وتوفى محمد بن على سنة أربع وعشرين وعهد ابنه ابراهيم بالامر وأوصى الدعاة بذلك وكانوا يسمونه الامام وجاء بكير بن هامان إلى خراسان بنعيه والدعاء لابراهيم الامام سنة ست وعشرين ومائة ونزل مرو ودفع إلى الشيعة والنقباء كتابه بالوصية والسيرة فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقاتهم فقدم بها بكير على ابراهيم ثم بعث إليهم أبا مسلم سنة أربع وعشرين وقد اختلف في أوليته اختلافا كثيرا وفى سبب اتصاله بابراهيم الامام أو أبيه محمد فقيل كان من ولد بزرجمهر ولد باصبهان وأوصى به أبوه إلى عيسى بن موسى السراج فحمله إلى الكوفة ابن سبع سنين ونشأ بها واتصل بابراهيم الامام وكان اسم أبى مسلم ابراهيم بن عثمان بن بشار فسماه ابراهيم الامام عبد الرحمن وزوجة أبيه أبى النجم عمران بن اسمعيل من الشيعة فبنى بها بخراسان وزوج ابنته من محرز بن ابراهيم فلم يعقب وابنته أسماء من فهم بن محرز فأعقبت فاطمة هي التى يذكرها الحزمية وقيل في اتصاله بابراهيم الامام ان أبا مسلم كان مع موسى السراج وتعلم منه صناعة السروج وكان يتجهز فيها باصبهان والجبال والجزيرة والموصل واتصل بعاصم بن يونس العجلى صاحب عيسى السراج وابنى أخيه عيسى وادريس ابني معقل وادريس هو جد أبى دلف ونمى إلى يوسف بن عمر ان العجلى من دعاة بنى العباس فحبسهم مع عمال خالد القسرى وكان أبو مسلم معهم في السجن بخدمتهم وقبل منهم الدعوة وقيل لم يتصل بهم من عيسى السراج وانما كان من ضياع بنى العجلى بأصبهان أو الجبل وتوجه سليمان ابن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريط وقحطبة بن شبيب من خراسان يريدون ابراهيم الامام بمكة فمروا بعاصم بن يونس وعيسى وادريس ابني معقل العجلى بمكانهم من الحبس فرأوا معهم أبا مسلم فأعجبهم وأخذوه ولقوا ابراهيم الامام بمكة فأعجبه فأخذه وكان يخدمه ثم قدم النقباء بعد ذلك على ابراهيم الامام يطلبون أن يوجه من قبله إلى خراسان فبعث معه أبا مسلم فلما تمكن ونوى أمره ادعى أنه من ولد سليط بن عبد الله بن عباس وكان من أولية هذا الخبر أن جارية لعبد الله بن العباس ولدت لغير رشدة فحدها واستعبد وليدها وسماه سليطا فنشأ واختص بالوليد وادعى ان عبد الله بن عباس أقر بأنه ابنه وأقام البينة على ذلك وخاصم على بن عبد الله في الميراث واذاه وكان في صحابته عمر الدن من ولد أبى رافع مولى رسول الله صلى الله

[ 103 ]

عليه وسلم ودخل عليها سليط بالخبر فاستعدت الوليد على على فانكر وحلف فنبشوا في البستان فوجدوه فامر الوليد بعلى فضرب ليدله على عمر الدن ثم شفع فيه عباد ابن زياد فأخرج إلى الحميمة ولما ولى سليمان رده إلى دمشق وقيل ان أبا مسلم كان عبدا للعجليين وابن بكير بن هامان كان كاتبا لعمال بعض السند وقدم الكوفة فكان دعاة بنى العباس فحبسوا وبكير معهم وكان العجليون في الحبس وأبو مسلم العبسى بن معقل فدعاهم بكير إلى رأيه فأجابوه واستحسن الغلام فاشتراه من عيسى بن معقل بأربعمائة درهم وبعث به إلى ابراهيم الامام فدفعه ابراهيم إلى موسى السراج من الشيعة فسمع منه وحفظ وصار يتردد إلى خراسان وقيل كان لبعض أهل هراة وابتاعه منه ابراهيم الامام ومكث عنده سنين وكان يتردد بكتبه إلى خراسان ثم بعثه أميرا على الشيعة وكتب إليهم بالطاعة له والى أبى سلمة الخلال داعيهم بالكوفة يأمره بانفاذه إلى خراسان فنزل على سليمان بن كثير وكان من أمره ما يذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى ثم جاء سليمان بن كثير ولاهز بن قريط وقحطبة إلى مكة سنة سبع وعشرين بعشرين ألف دينار للامام ابراهيم ومائتي ألف درهم ومسك ومتاع كثير ومعهم أبو مسلم وقالوا هذا مولاك وكتب بكير بن هامان إلى الامام بأنه أوصى بأمر الشيعة بعده لابي سلمة حفص بن سليمان الخلال وهو رضى فكتب إليه ابراهيم بالقيام بأمر أصحابه وكتب إلى أهل خراسان بذلك فقبلوه وصدقوه وبعثوا بخمس أموالهم ونفقة الشيعة للامام ثم بعث ابراهيم في سنة ثمان وعشرين مولاه أبا مسلم إلى خراسان وكتب له انى قد أمرته بأمرى فاسمعوا له وأطيعوا وقد أمرته على خراسان وما غلبت عليه فارتابوا من قوله ووفدوا على ابراهيم الامام من قابل مكة وذكر له أبو مسلم انهم لم يقبلوه فقال لهم قد عرضت عليكم الامر فأبيتم من قبوله وكان عرضه على سليمان ابن كثير ثم على ابراهيم بن مسلمة فأبوا وانى قد أجمع رأيى على أبى مسلم وهو منا أهل البيت فاسمعوا له وأطيعوا وقال لابي مسلم انزل في أهل اليمن وأكرمهم فان بهم يتم الامر وآتهم البيعة وأما مضر فهم العدو والغريب واقتل من شككت فيه وان قدرت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل وارجع إلى سليمان بن كثير واكتف به منى وسرحه معهم فساروا إلى خراسان * (وفاة هشام بن عبد الملك وبيعة الوليد بن يزيد) * توفى هشام بن عبد الملك بالرصافة في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة لعشرين سنة من خلافته وولى بعده الوليد بن أخيه يزيد بعهد يزيد بذلك كما مر وكان الوليد متلاعبا وله مجون وشراب وندمان وأراد هشام خلعه فلم يمكنه وكان يضرب

[ 104 ]

من يأخذه في صحبته فخرج الوليد في ناس من خاصته ومواليه وخلف كاتبه عياض ابن مسلم ليكاتبه بالاحوال فضربه هشام وحبسه ولم يزل الوليد مقيما بالبرية حتى مات هشام وجاءه مولى أبى محمد السفياني على البريد بكتاب سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل بالخبر فسأل عن كاتبه عياض فقال لم يزل محبوسا حتى مات هشام فأرسل إلى الحراق أن يحتفظوا بما في أيديهم حتى منعوا هشاما من شئ طلبه ثم خرج بعد موته من الحبس وختم أبواب الخزائن ثم كتب الوليد من وقته إلى عمه العباس ابن عبد الملك أن يأتي الرصافة فيحصى ما فيها من أموال هشام وولده وعماله وخدمه الا مسلمة بن هشام فانه كان يراجع أباه في الرفق بالوليد فانتهى العباس لما أمر به الوليد ثم استعمل الوليد العمال وكتب إلى الآفاق بأخذ البيعة فجاءته بيعتهم وكتب مروان ببيعته واستأذن في القدوم ثم عقد الوليد من سنته لابنيه الحكم وعثمان بعده وجعلهما وليى عهده وكتب بذلك إلى العراق وخراسان * (ولاية نصر للوليد على خراسان) * وكتب الوليد في سنته إلى نصر بن سيار بولاية خراسان وأفرده بها ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد فاشترى منه نصرا وعماله فرد إليه الوليد خراسان وكتب يوسف إلى نصر بالقدوم ويحمل معه الهدايا والاموال وعياله جميعا وكتب له الوليد بأن يتخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة ويجمع له البراذين الغرة ويجمع بذلك إليه في وجوه أهل خراسان واستحثه رسول يوسف فأجازه ثم سار واستخلف على خراسان عصمة بن عبد الله الاسدي وعلى شاش موسى بن ورقاء وعلى سمرقند حسان بن من أهل الصغانيان وعلى آمد مقاتل بن على الصغدى وأسر إليهم أن يداخلوا الترك من في المسير إلى خراسان ليرجع إليهم وبينا هو في طريقه إلى العراق ببيهق لقيه مولى لبنى ليث وأخبره بقتل الوليد والفتنة بالشأم وان منصور بن جمهور قدم العراق وهرب يوسف بن عمر فرجع بالناس * (مقتل يحيى بن زياد) * كان يحيى بن زياد سار بعد قتل أبيه وسكون الطلب عنه كما مر فأقام عنه الحريش ابن عمر ومروان في بلخ ولما ولى الوليد كتب إلى نصر بأن يأخذه من عند الحريش فأحضر الحريش وطالبه بيحيى فأنكر فضربه ستمائة سوط فجاء ابنه قريش ودله على يحيى فحبسه وكتب إلى الوليد فأمره أن يخلى سبيله وسبيل أصحابه فأطلقه نصر وأمره أن يلحق بالوليد فسار وأقام بسرخس فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس بن عياد يخرجه عنها فأخرجه إلى بيهق وخاف يحيى بن يوسف بن عمر فسار إلى نيسابور وبها عمر

[ 105 ]

ابن زرارة وكان مع يحيى سبعون رجلا ولقوا دواب وأدركهم الاعياء فأخذؤها بالثمن وكتب عمر بن زرارة بذلك إلى نصر فكتب إليه يأمره بحربهم فحاربهم في عشرة آلاف فهزموه وقتلوه ومروا بهراة فلم يعرضوا لها وسرح نصر بن سيار مسلم بن أحور المازنى إليهم فلحقهم بالجوزجان فقاتلهم قتالا شديدا وأصيب يحيى بسهم في جبهته فمات وقتل أصحابه جميعا وبعثوا برأسه إلى الوليد وصلب بالجوزجان وكتب الوليد إلى يوسف بن عمر بأن يحرق شلو زيد فأحرقه وذراه في الفرات ولم يزل يحيى مصلوبا بالجوزجان حتى استولى أبو مسلم على خراسان فدفنه ونظر في الديوان اسماء من حضر لقتله فمن كان حيا قتله ومن كان ميتا خلفه في أهله بسوء * (مقتل خالد بن عبد الله القسرى) * قد تقدم لنا ولاية يوسف بن عمر على العراق وأنه حبس خالدا أصحاب العراق وخراسان قبله فأقام بحبسه في الحيرة ثمانية عشر شهرا مع أخيه اسمعيل وابنه يزيد بن خالد والمنذر ابن أخيه أسد واستأذن هشاما في عذابه فأذن له على أنه ان هلك قتل يوسف به فعذبه ثم أمر هشام باطلاقه سنة احدى وعشرين فأتى إلى قرية بازاء الرصافة فأقام بها حتى خرج زيد وقتل وانقضى أمره فسعى يوسف بخالد عند هشام بانه الذى داخل زيدا في الخروج فرد هشام سعايته ووبخ رسوله وقال لسنانتهم خالدا في طاعة وسار خالد إلى الصائفة وأنزل أهله دمشق وعليها كلثوم بن عياض القشيرى وكان يبغض خالدا فظهر في دمشق حريق في ليال فكتب كلثوم إلى هشام بان موالى خالد يريدون الوتوب إلى بيت المال ويتطرقون إلى ذلك بالحريق كل ليلة في البلد فكتب إليه هشام بحبس الكبير منهم والصغير والموالي فحبسهم ثم ظهر على صاحب الحريق وأصحابه وكتب بهم الوليد بن عبد الرحمن عامل الخراج ولم يذكر فيهم أحدا من آل خالد ومواليه فكتب هشام إلى كلثوم يوبخه ويأمره باطلاق آل خالد وترك الموالى فشفع فيهم خالد عند مقدمه من الصائفة فلما قدم دخل منزله وأذن للناس فاجتمعوا ببابه فوبخهم وقال ان هشاما يسوقهن إلى الحبس كل يوم ثم قال خرجت غازيا سامعا مطيعا فحبس أهلى مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين ولم يغير ذلك أحد منكم أخفتم القتل أخافكم الله والله ليكفن عنى هشام أو لاعودن إلى عراقى الهوى شامى الدار حجازى الاصل يعنى محمد بن على بن عبد الله بن عباس وبلغ ذلك هشاما فقال خرف أبو الهيثم ثم تتابعت كتب يوسف بن عمر إلى هشام بطلب يزيد بن خالد فأرسل إلى كلثوم بانفاذه إليه فهرب يزيد فطلبه كلثوم من خالد وحبسه فيه فكنب إليه هشام بتخليته ووبخه اه‍ ولما ولى الوليد بن يزيد استقدم خالدا وقال أين ابنك قال هرب من هشام وكنا نراه عندك حتى استخلفك الله

[ 106 ]

فلم نره وطلبناه ببلاد قومه من الشراة فقال ولكن خلفته طلبا للفتنة فقال انا أهل بيت طاعة فقال لتأتينى به أو لازهقن نفسك فقال والله لو كان تحت قدمى ما رفعتهما عنه فأمر الوليد بضربه ولما قدم يوسف بن عمر من العراق بالاموال اشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف فقال له الوليد ان يوسف يشتريك بكذا فاضمنها لى قبل أن أدفعك إليه فقال ما عهدت العرب تباع والله لو سألتنى عودا ما ضمنته فدفعه إلى يوسف فألبسه عباءة وحمله على غير وطاء وعذبه عذابا شديدا وهو لا يكلمه ثم حمله إلى الكوفة فاشتد في عذابه ثم قتله ودفنه في عباءة يقال انه قتله بشئ وضعه على وجهه وقيل وضع على رجليه الاعواد وقام عليها الرجال حتى تكسرت قدماه وذلك في المحرم سنة ستة وعشرين ومائة * (مقتل الوليد وبيعة يزيد) * ولما ولى الوليد لم يقلع عما كان عليه من الهوى والمجون حتى نسب إليه في ذلك كثير من الشنائع مثل رمية المصحف بالسهام حين استفتح فوقع على قوله وخاب كل جبار عنيد وينشدون له في ذلك بيتين تركتهما لشناعة مغزاهما ولقد ساءت القالة فيه كثيرا وكثير من الناس نفوا ذلك عنه وقالوا انها من شناعات الاعداء الصقوها به قال المدائني دخل ابن الغمر بن يزيد على الرشيد فسأله ممن أنت فقال من قريش قال من أيها فوجم فقال قل وأنت امن ولو أنك مروان فقال أنا ابن الغمر بن يزيد فقال رحم الله الوليد ولعن يزيد الناقض فانه قتل خليفة مجمعا عليه ارفع حوائجك فرفعها وقضاها وقال شبيب بن شبة كنا جلوسا عند المهدى فذكر الوليد فقال المهدى كان زنديقا فقام ابن علانة الفقيه فقال يا أمير المؤمنين ان الله عز وجل أعدل من أن يولى خلافة النبوة وأمر الامة زنديقا لقد أخبرني عنه من كان يشهده في ملاعبه وشربه ويزاه في طهارته وصلاته فكان إذا حضرت الصلاة يطرح الثياب التى عليه المصبية المصبغة ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ويؤتى بثياب بيض نظيفة فيلبسها ويشتغل بربه أترى هذا فعل من لا يؤمن بالله فقال المهدى بارك الله عليك يا ابن علانة وانما كان الرجل محسودا في خلاله ومزأحما بكبار عشيرة بيته من بنى عمومته مع لهو كان يصاحبه أو جدلهم به السبيل على نفسه وكان من خلاله قرض الشعر الوثيق ونظم الكلام البليغ قال يوما لهشام يعزيه في مسلمة أخيه ان عقبى من بقى لحوق من مضى وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى واختل الثغر فهوى وعلى اثر من سلف يمضى من خلف فتزودوا فان خير الزاد التقوى فأعرض هشام وسكت القوم واما حكاية مقتله فانه لما تعرض له بنو عمه ونالوا من عرضه أخذ في مكافأتهم فضرب سليمان بن عمه هشام مائة سوط وحلقه وغربه إلى معان من أرض الشأم فحبسه إلى آخر دولته

[ 107 ]

وحبس أخاه يزيد بن هشام وفرق بين ابن الوليد وبين امرأته وحبس عدة من ولد الوليد فرموه بالفسق والكفر واستباحة نساء أبيه وخوفوا بنى أمية منه بانه اتخذ ميتة جامعة لهم وطعنوا عليه في تولية ابنيه الحكم وعثمان العهد مع صغرهما وكان أشدهم عليه في ذلك يزيد بن الوليد لانه كان يتنسك فكان الناس إلى قوله أميل ثم فسدت اليمامة عليه بما كان منه لخالد القسرى وقالوا انما حبسه ونكبه لامتناعه من بيعة ولديه ثم فسدت عليه قضاعة وكان اليمن وقضاعة أكثر جند الشأم واستعظموا منه ما كان من بيعة خالد ليوسف بن عمر وصنعوا على لسان الوليد قصيدة معيرة اليمنية بشأن خالد فازداد واختفى وأتوا إلى يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعه وشاور عمر بن زيد الحكمى فقال شاور أخاك العباس والا فاظهر انه قد بايعك فان الناس له أطوع فشاور العباس فنهاه عن ذلك فلم ينته ودعا الناس سرا وكان بالبادية وبلغ الخبر مروان بارمينية فكتب إلى سعيد بن عبد الملك يعظم عليه الامر ويحذره الفتنة ويذكر له أمر يزيد فأعظم ذلك سعيد ويعث بالكتاب إلى العباس فتهدد أخاه يزيد فكتمه وصدقه ولما اجتمع ليزيد أمره أقبل إلى دمشق لاربع ليال متنكرا معه سبعة نفر على الحمر ودخل دمشق ليلا وقد بايع له أكثر أهلها سرا وأهل المرة وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج فاستوياها فنزل قطنا واستخلف عليها ابنه محدا وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمى ونمى الخبر اليهما فكذباه وتواعد يزيد مع أصحابه بعد المغرب بباب الفراديس ثم دخلوا المسجد فصلوا العتمة ولما قضوا الصلاة جاء حرس المسجد لاخراجهم فوثبوا عليهم ومضى يزيد بن عنبسة إلى يزيد ابن الوليد فجاء به إلى المسجد في زهاء مائتين وخمسين وطرقوا باب المقصورة فأدخلهم الخادم فأخذوا أبا العاج وهو سكران وخزان بيت المال وبعث عن محمد بن عبد الملك فأخذه وأخذوا سلاحا كثيرا كان بالمسجد وأصبح الناس من الغد من النواحى القريبة متسائلين للبيعة أهل المرة والسكاسك وأهل دارا وعيسى بن شيب الثعلبي في أهل درهة وحرستا وحميد بن حبيب اللخمى في أهل دمر عران وأهل حرش والحديثة ودريركا وربعي بن هشام الحرثى في جماعة من عرو سلامان ويعقوب بن عمير ابن هانئ العبسى وجهينة ومواليهم ثم بعث عبد الرحمن بن مصادى في مائتي فارس فجاء بعبد الملك بن محمد بن الحجاج من قصره على الامان ثم جهز يزيد الجيش إلى الوليد بمكانه من البادية مع عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك ومنصور بن جمهور وقد كان الوليد لما بلغه الخبر بعث عبد الله بن يزيد بن معاوية إلى دمشق فأقام بطريقه قليلا ثم بايع ليزيد وأشار على الوليد أصحابه أن يلحق بحمص فيتحصن بها قال له ذلك يزيد بن خالد ابن يزيد وخالفه عبد الله بن عنبسة وقال ما ينبغى للخليفة أن يدع عسكره وحرمه قبل

[ 108 ]

أن يقاتل فسار إلى قصر النعمان بن بشير ومعه أربعون من ولد الضحاك وغيره وجاء كتاب العباس بن الوليد بأنه قادم عليه وقاتلهم عبد العزيز ومنصور بعد أن بعث إليهم زياد بن حصين الكلبى يدعوهم إلى الكتاب والسنة فقتله أصحاب الوليد واشتد القتال بينهم وبعث عبد العزيز بن منصور بن جمهور لاعتراض العباس من الوليد أن يأتي بالوليد فجاء به كرها إلى عبد العزيز وأرسل الوليد إلى عبد العزيز بخمسين ألف دينار وولاية حمص ما بقى على أن ينصرف عنه فأبى ثم قاتل قتالا شديدا حتى سمع النداء بقتله وسبه من جوانب الحومة فدخل القصر فأغلق الباب وطلب الكلام من أعلى القصر فكلمه يزيد بن عنبسة السكسكى فذكره بحرمه وفعله فيهم فقال ابن عنبسة انا ما ننقم عليك في أنفسنا وانما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله قال حسبك الله يا أخا السكاسك فلعمري لقد أكثرت وأغرقت وان فيما أحل الله سعة عما ذكرت ثم رجع إلى الدار فجلس يقرأ في المصحف وقال يوم كيوم عثمان فتسوروا عليه وأخذ يزيد بن عنبسة بيده يقيه لا يريد قتله وإذا بمنصور بن جمهور في جماعة معه ضربوه واجتزوا رأسه فساروا به إلى يزيد فأمر بنصبه فتلطف له يزيد بن فروة مولى بنى مرة في المنع من ذلك وقال هذا ابن عمك وخليفة وانما تنصب رؤس الخوارج ولا آمن أن يتعصب له أهل بيته فلم يجبه وأطافه بدمشق على رمح ثم دفع إلى أخيه سليمان بن يزيد وكان معهم عليه وكان قتله آخر جمادى الآخرة سنة ست وعشرين لسنتين وثلاثة أشهر من بيعته ولما قتل خطب الناس يزيد فذمه وثلبه وانه انما قتله من أجل ذلك ثم وعدهم بحسن الظفر والاقتصار عن النفقة في غير حاجاتهم وسد الثغور والعدل في العطاء والارزاق ورفع الحجاب والا فلكم ما شئتم من الخلع وكان يسمى الناقض لانه نقض الزيادة التى زادها الوليد في أعطيات الناس وهى عشرة عشرة ورد العطاء كما كان أيان هشام وبايع لاخيه ابراهيم بالعهد ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك حمله على ذلك أصحابه القدرية لمرض طرقه ولما قتل الوليد وكان قد حبس سليمان بن عمه هشام بعمان خرج سليمان من الحبس وأخذ ما كان هناك من الاموال ونقله إلى دمشق ثم بلغ خبر مقتله إلى حمص وان العباس بن الوليد أعان على قتله فانتقضوا وهدموا دار العباس وسبوها وطلبوه فلحق بأخيه يزيد وكاتبوا الاجناد في الطلب بدم يزيد وأمروا عليهم مروان بن عبد الله بن عبد الملك ومعاوية بن يزيد بن حصين بن نمير وراسلهم يزيد فطردوا رسوله فبعث أخاه مسرورا

[ 109 ]

في الجيش فنزل حوارين ثم جاء سليمان بن هشام من فرد عليه ما أخذ الوليد من أموالهم وبعث على الجيش وأمر أخاه مسرورا بالطاعة واعتزم أهل حمص على المسير إلى دمشق فقال لهم مروان ليس من الرأى أن تتركوا خلفكم هذا الجيش وانما نقاتله قبل فيكون ما بعده أهون علينا فقال لهم السميط بن ثابت انما يريد خلافكم وانما هواه مع يزيد والقدرية فقتلوه وولوا عليهم محمدا السفياني وقصدوا دمشق فاعترضهم ابن هشام بغدرا فقاتلهم قتالا شديدا وبعث يزيد عبد العزيز بن الحجاج ابن عبد الملك في ثلاثة آلاف إلى ثنية العقاب وهشام بن مضاد في ألف وخمسمائة إلى عقبة السلامية وبينما سالم يقاتلهم إذ أقبلت عساكر من ثنية العقاب فانهزم أهل حمص ونادى يزيد بن خالد بن عبد الله القسرى الله الله على قومك يا سليمان فكف الناس عنهم وبايعوا ليزيد واخذ أبا محمد السفياني ويزيد بن خالد بن يزيد وبعثهما إلى يزيد فحبسهما اه‍ واستعمل على حمص معاوية بن يزيد بن الحصين وكان لما قتل الوليد وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه وتولى منهم سعيد وضبعان ابنا روح وكان ولد سليمان ينزلون فلسطين فأحضروا يزيد بن سليمان وولوه عليهم وبلغ ذلك أهل الاردن فولوا عليهم محمد بن عبد الملك وبعث يزيد سليمان بن هشام في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني على ثمانين ألفا وبعث إلى ابني روح بالاحسان والولاية فرجعا بأهل فلسطين وقدم سليمان عسكرا من خمسة آلاف إلى طبرية فنهبوا القرى والضياع وخشى أهل طبرية على من وراءهم فانتهبوا يزيد بن سليمان ومحمد بن عبد الملك ونزلوا بمنازلهم فافترقت جموع الاردن وفلسطين وسار سليمان ابن هشام ولحقه أهل الاردن فبايعوا ليزيد وسار إلى طبرية والرملة وأخذ على أهلهما البيعة ليزيد وولى على فلسطين ضبعان بن روح وعلى الاردن ابراهيم بن الوليد * (ولاية منصور بن جمهور على العراق ثم ولاية عبد الله بن عمر) * لما ولى يزيد استعمل منصور بن جمهور على العراق وخراسان ولم يكن من أهل الدين وانما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية وحنقا على يوسف بقتله خالدا القسرى ولما بلغ يوسف قتل الوليد ارتاب في أمره وحبس اليمانية لما تجتمع المضرية عليه فلم ير عندهم ما يحب فاطلق اليمانية وأقبل منصور وكتب من عين البقر إلى قواد الشأم في الحيرة بأخذ يوسف وعماله فأظهر يوسف الطاعة ولما قرب منصور دخل دار عمر ابن محمد بن سعيد بن العاصى ولحق منها بالشأم سرا وبعث يزيد بن الوليد خمسين فارسا لتلقيه فلما أحربهم هرب واختفى ووجد بين النساء فأخذوه وجاؤا به إلى يزيد فحبسه مع ابني الوليد حتى قتلهم مولى ليزيد بن خالد القسرى ولما دخل منصور

[ 110 ]

ابن جمهور الكوفة لايام خلت من رجب أفاض العطاء وأطلق من كان في السجون من العمال وأهل الخراج واستعمل أخاه على الرى وخراسان فسار لذلك فامتنع نصر ابن سيار من تسليم خراسان له ثم عزل يزيد منصور بن جمهور لشهرين من ولايته وولى على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وقال سر إلى أهل العراق فان أهله يميلون إلى أبيك فسار وانقاد له أهل الشأم وسلم إليه منصور العمل وانصرف إلى الشأم وبعث عبد الله العمال على الجهات واستعمل عمر بن الغضبان بن القبعثرا على الشرطة وخراج السواد والمحاسبات وكتب إلى نصر بن سيار بعهده على خراسان * (انتقاض أهل اليمامة) * ولما قتل الوليد كان على بن المهاجر على اليمامة عاملا ليوسف بن عمر فجمع له المهير بن سليمان بن هلال من بنى الدول بن خولة وسار إليه وهو في قصره بقاع هجر فالتقوا وانهزم على وقتل ناس من أصحابه وهرب إلى المدينة وملك المهير اليمامة ثم مات واستخلف عليها عبد الله بن النعمان من بنى قيس بن ثعلبة من الدول فبعث المندلب ابن ادريس الحنفي على الفلج قرية من قرى بنى عامر بن صعصعة فجمع له بنى كعب ابن ربيعة بن عامر وبنى عمير فقتلوا المندلب وأكثر أصحابه فجمع عبد الله ابن النعمان جموعا من حنيفة وغيرها وغزا الفلج وهزم بنى عقيل وبنى بشير وبنى جعدة وقتل أكثرهم ثم اجتمعوا ومعهم نمير فلقوا بعض حنيفة بالصحراء فقتلوهم وسلبوا نساءهم ثم جمع عمر بن الوازع الحنفي الجموع وقال لست بدون عبد الله بن النعمان وهذه فترة من السلطان وأغار وامتلات يداه من الغنائم وأقبل ومن معه وأقبلت بنو عامر والتقوا فانهزم بنو حنيفة ومات أكثرهم من العطش ورجع بنو عامر بالاسرى والنساء ولحق عمر بن الوازع باليمامة ثم جمع عبيد الله بن مسلم الحنفي جمعا وأغار على قشير وعكل فقتل منهم عشرين وحمى المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة واليا على اليمامة من قبل أبيه حتى ولى للعراق لمروان فتعرض المثنى لبنى عامر وضرب عدة من بنى حنيفة وحلقهم ثم سكنت البلاد ولم يزل عبيد الله بن مسلم الحنفي مستخفيا حتى قدم كسرى بن عبيد الله الهاشمي واليا على العامة لبنى العباس ودل عليه فقتله * (اختلاف أهل خراسان) * ولما قتل الوليد وقدم على نصر عهد خراسان من عبد الله بن عمر بن عبد العزيز صاحب العراق انتقض عليه جديع بن على الكرماني وهو أزدى وانما سمى الكرماني لانه ولد بكرمان وقال لاصحابه هذه فتنة فانظروا لاموركم رجلا فقالوا له أنت وولوه وكان الكرماني قد أحسن إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله فلما ولى نصر عزله

[ 111 ]

عن الرياسة بغيره فتباعد ما بينهما وأكثر على نصر أصحابه في أمر الكرماني فاعتزم على حبسه وأرسل صاحب حرسه ليأتي به وأراد الازد أن يخلصوه فأبى وجاء إلى نصر يعدد عليه أياديه قبله من مراجعة يوسف بن عمر في قتله والغرامة عنه وتقديم ابنه للرياسة ثم قال فبدلت ذلك بالاجماع على الفتنة فأخذ يعتذر ويتنصل وأصحاب نصر يتحاملون عليه مثل مسلم بن أحور وعصمة بن عبد الله الاسدي ثم ضربه وحبسه آخر رمضان سنة ست وعشرين ثم نقب السجن واجتمع له ثلاثة آلاف وكانت الازد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة على الكتاب والسنة فلما جاء الكرماني قدمه عبد الملك ثم عسكر نصر على باب مرو الروذ واجتمع إليه الناس وبعث سالم بن أحور في الجموع إلى الكرماني وسفر الناس بينهما على أن يؤمنه نصر ولا يحبسه وأجاب نصر إلى ذلك وجاء الكرماني إليه وأمره بلزوم بيته ثم بلغه عن نصر شئ فعاد إلى حاله وكلموه فيه فأمنه وجاء إليه وأعطى أصحابه عشرة عشرة فلما عزل جمهور عن العراق وولى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز خطب نصر قدام ابن جمهور وأثنى على عبد الله فغضب الكرماني لابن الجمهور وعاد لجمع المال واتخاذ السلاح وكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمائة ويصلى خارج المقصورة ويدخل فيسلم ولا يحبس ثم أظهر الخلاف وبعث إليه نصر سالم بن أحور فافحش في صرفه وسفر بينهما الناس في الصلح على أن يخرج الكرماني من خراسان وتجهز للخروج إلى جرجان * (أمان الحرث بن شريح وخروجه من دار الحرث) * لما وقعت الفتنة بخراسان بين نصر والكرماني خاف نصر أن يستظهر الكرماني عليه بالحرث بن شريح وكان مقيما ببلاد الترك منذ اثنتى عشرة سنة كما مر فأرسل مقاتل ابن حيان النبطي يراوده على الخروج من بلاد الترك بخلاف ما يقتضى له الامان من يزيد بن الوليد وبعث خالد بن زياد البدى الترمذي وخالد بن عمرة مولى بنى عامر لاقتضاء الامان له من يزيد فكتب له الامان وأمر نصرا أن يرد عليه ما أخذ له وأمر عبد الله ابن عمر بن عبد العزيز عامل الكوفة أن يكتب لهما بذلك أيضا ولما وصل إلى نصر بعث إلى الحرث بذلك فلقيه الرسول راجعا مع مقاتل بن حيان وأصحابه ووصل سنة سبع وعشرين في جمادى الاخيرة وأنزله نصر بمرو ورد عليه ما أخذ له وأجرى عليه كل يوم خمسين درهما وأطلق أهله وولده وعرض عليه أن يوليه ويعطيه مائة ألف دينار فلم يقبل وقال لست من الدنيا واللذات في شئ وانما أسأل كتاب الله والعمل بالسنة وبذلك أساعدك على عدوك وانما خرجت من البلاد منذ ثلاث عشرة سنة انكارا للجور فكيف تزيدني عليه وبعث إلى الكرماني ان عمل نصر بالكتاب عضدته في أمر الله

[ 112 ]

والا أعتبك ان ضمنت لى القيام بالعدل والسنة ثم دعا قبائل تميم فأجاب منهم ومن غيرهم كثير واجتمع إليه ثلاثة آلاف وأقام على ذلك * (انتقاض مروان لما قتل الوليد) * كان مروان بن محمد بن مروان على أرمينية وكان على الجزيرة عبدة بن رياح العبادي وكان الوليد قد بعث بالصائفة أخاه فبعث معه مروان ابنه عبد الملك فلما انصرفوا من الصائفة لقيهم بجرزان حين مقتل الوليد وسار عبدة عن الجزيرة فوثب عبد الملك بالجزيرة وجرزان فضبطهما وكتب إلى أبيه بأرمينية يستحثه فسار طالبا بدم الوليد بعد أن أرسل إلى الثغور من يضبطها وكان معه ثابت بن نعيم الجذامي من اهل فلسطين وكان صاحب فتنة وكان هشام قد حبسه على افساد الجند بافريقية عند مقتل كلثوم بن عياض وشفع فيه مروان فأطلقاه واتخذا عنده يدا فلما سار من أرمينية داخل ثابت أهل الشأم في العود إلى الشأم من وجه الفرات واجتمع له الكبير من جند مروان وناهضه القتال ثم غلبهم وانقادوا له وحبس ثابت بن نعيم وأولاده ثم أطلقهم من حران إلى الشأم وجمع نيفا وعشرين ألفا من الجزيرة ليسير بهم إلى يزيد وكتب إليه يشترط ما كان عبد الملك ولى أباه محمدا من الجزيرة والموصل وأذربيجان فأعطاه يزيد ولاية ذلك وبايع له مروان وانصرف * (وفاة يزيد وبيعة أخيه ابراهيم) * ثم توفى يزيد آخر سنة ست وعشرين لخمسة أشهر من ولايته ويقال انه كان قدريا وبايعوا لاخيه ابراهيم من بعده الا أنه انتقض عليه الناس ولم يتم له الامر وكان يسلم عليه تارة بالخلافة وتارة بالامارة وأقام على ذلك نحوا من ثلاثة أشهر ثم خلعه مروان ابن محمد على ما يذكر وهلك سنة اثنتين وثلاثين * (مسير مروان إلى الشأم) * ولما توفى يزيد وولى أخوه ابراهيم وكان مضعفا انتقض عليه مروان لوقته وسار إلى دمشق فلما انتهى إلى قنسرين وكان عليها بشر بن الوليد عاملا لاخيه يزيد ومعه أخوهما مسرور دعاهم مروان إلى بيعته ومال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة وخرج بشر للقاء مروان فلما تراءى الجمعان مال ابن هبيرة وقيس إلى مروان وأسلموا بشرا ومسرورا فأخذهما مروان وحبسهما وسار بأهل قنسرين ومن معه إلى حمص وكانوا امتنعوا من بيعة ابراهيم فوجه إليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك في جند أهل دمشق فكان يحاصرهم فلما دخل مروان رحل عبد العزيز عنهم وبايعوا مروان وخرج

[ 113 ]

للقائه سليمان بن هشام في مائة وعشرين ألفا ومروان في ثمانين فدعاهم إلى الصلح وترك الطلب بدم الوليد على أن يطلقوا ابنيه الحكم وعثمان وليى عهده فأبوا وقاتلوه وسرب عسكر اجاؤهم من خلفهم فانهزموا وأثخن فيهم أهل حمص فقتلوا منهم نحوا من سبعة عشر ألفا وأسروا مثلها ورجع مروان الفل وأخذ عليهم البيعة للحكم وعثمان ابني الوليد وحبس يزيد بن العفار والوليد بن مصاد الكلبيين فهلكا في حبسه وكان ممن شهد قتل الوليد ابن الحجاج وهرب يزيد بن خالد القسرى إلى دمشق فاجتمع له مع ابراهيم وعبد العزيز بن الحجاج وتشاوروا في قتل الحكم وعثمان خشية أن يطلقهما مروان فيثأرا بأبيهما وولوا ذلك يزيد بن خالد فبعث مولاه أبا الاسد فقتلهما وأخرج يوسف ابن عمر فقتله واعتصم أبو محمد السفياني ببيت في الحبس فلم يطيقوا فتحه وأعجلهم خيل مروان فدخل دمشق وأتى بأبى الوليد ويوسف بن عمر مقتولين فدفنهما وأتى بأبى عمر السفياني في قيوده فسلم عليه بالخلافة وقال ان ولى العهد جعلها لك ثم بايعه وسمع الناس فبايعوه وكان أولهم بيعة معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير وأهل حمص ثم رجع مروان إلى خراسان واستأمن له ابراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام وقدما عليه وكان قدوم سليمان من تدمر بمن معه من اخوته وأهل بيته ومواليه الذكوانية فبايعوا لمروان * (انتقاض الناس على مروان) * ولما رجع إلى خراسان راسل ثابت بن نعيم من فلسطين أهل حمص في الخلاف على مروان فأجابوه وبعثوا إلى من كان بتدمر ممن طلب وجاء الاصبغ بن دوالة الكلبى وأولاده ومعاوية السكسكى فارس أهل الشأم وغيرها في ألف من فرسانهم ودخلوا حمص ليلة الفطر من سنة سبعة وعشرين وزحف مروان في العساكر من حران ومعه ابراهيم المخلوع وسليمان بن هشام ونزل عليهم ثالث يوم الفطر وقد سدوا أبوابهم فنادى مناديه ما دعاكم إلى النكث قالوا لم ننكث ونحن على الطاعة ودخل عمر الوضاح في ثلاثة آلاف فقاتله المحتشدون هنالك للخلاف وخرجوا من الباب الآخر وجفل مروان في اتباعهم وعلا الباب فقتل منهم نحو خمسمائة وصلبهم وهدم من سورها علوه وأفلت الاصبغ بن دوالة وابنه فرافصة ثم بلغ مروان وهو بحمص خلاف أهل الغوطة وانهم ولوا عليهم يزيد بن خالد القسرى وحاصروا دمشق وأميرها زامل بن عمر فبعث مروان إليهم أبا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحرث وعمر بن الوضاح في عشرة آلاف فلما دنوا من دمشق حملوا عليهم وخرج إليهم من كان بالمدينة فهزموهم وقتلوا يزيد بن خالد وبعثوا برأسه إلى مروان وأحرقوا المرة وقرى البرامة ثم خرج ثابت بن نعيم في أهل

[ 114 ]

فلسطين وحاصر طبرية وعليها الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم فبعث مروان إليه أبا الورد فلما قرب منه خرج أهل طبرية عليه فهزموه ولقيه أبو الورد منهزما فهزمه أخرى وافترق أصحابه وأسر ثلاثة من ولده وبعث بهم إلى مروان وتغيب ثابت وولى مروان على فلسطين الرماحس بن عبد العزيز الكنانى فظفر بثابت بعد شهرين وبعث به إلى مروان موثقا فقطعه وأولاده الثلاثة وبعثهم إلى دمشق فصلبوه ثم بايع لابنيه عبد الله وعبيد الله وزوجهما بنتى هشام ثم سار إلى ترمذ من دير ايوب وكانوا قد غوروا المياه فاستعمل المزاد والقرب والابل وبعث وزيره الابرش الكلبى إليهم وأجابوا إلى الطاعة وهرب نفر منهم إلى البلد وهدم الابرش سورها ورجع بمن أطاع إلى مروان ثم بعث مروان يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لقتال الضحاك الشيباني الخارجي بالكوفة وأمده ببعوث أهل الشأم ونزل قرقيسيا ليقدم ابن هبيرة لقتال الضحاك وكان سليمان بن هشام قد استأذنه بالمقام في الرصافة أياما ويلحق به فرجعت طائفة عظيمة من أهل الشأم الذين بعثهم مروان مع ابن هبيرة فأقاموا بالرصافة ودعوا سليمان بن هشام بالبيعة فأجاب وسار معهم إلى قنسرين فعسكر بها وكاتب أهل الشأم فأتوه من كل وجه وبلغ الخبر مروان فكتب إلى ابن هبيرة بالمقام ورجع من قرقيسيا إلى سليمان فقاتله فهزمه واستباح معسكره وأثخن فيهم وقتل اسراهم وقتل ابراهيم أكبر ولد سليمان وخالد بن هشام المخزومى جا أبيه فيما ينيف على ثلاثين ألفا وهرب سليمان إلى حمص في الفل فعسكر بها وبنى ما كان تهدم من سورها وسار مروان إليه فلما قرب منه بيته جماعة من أصحاب سليمان تبايعوا على الموت وكان على احتراس وتعبية فترك القتال بالليل وكمنوا له في طريقه من الغد فقاتلهم إلى آخر النهار وقتل منهم نحوا من ستمائة وجاؤا إلى سليمان فلحق بتدمر وخلف أخاه سعيدا بحمص وحاصره مروان عشرة أشهر ونصب عليهم نيفا وثمانين منجنيقا حتى استأموا له وأمكنوه من سعيد بن هشام وآخرين شرطهم عليهم ثم سار لقتال الضحاك الخارجي بالكوفة وقيل ان سليمان بن هشام لما انهزم بقنسرين لحق بعبد الله بن عمر بن عبد العزيز بالعراق وسار معه إلى الضحاك فبايعوه وكان النضر بن سعيد قد ولى العراق فلما اجتمعوا على قتاله سار نحو مروان فاعترضه بالقادسية جنود الضحاك من الكوفة مع ابن ملحان فقتله النضر وولى الضحاك مكانه بالكوفة المثنى بن عمران وسار الضحاك إلى الموصل وأقبل ابن هبيرة إلى الكوفة فنزل بعيد التمر وسار إليه المثنى فهزمه ابن هبيرة وقتله وعدة من قواد الضحاك وانهزم الخوارج ومعهم منصور بن جمهور ثم جاؤا إلى الكوفة واحتشدوا وساروا للقاء ابن هبيرة فهزمهم ثانية ودخل الكوفة وسار إلى واسط وأرسل الضحاك عبيدة

[ 115 ]

ابن سوار الثعلبي لقتاله فنزل الصراة وقاتله ابن هبيرة هنالك فانهزمت الخوارج كما يأتي في أخبارهم * (ظهور عبد الله بن معاوية) * كان عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قدم على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز الكوفة في اخوانه وولده فأكرمهم عبد الله وأجرى عليهم ثلثمائة درهم في كل يوم وأقاموا كذلك ولما بويع ابراهيم بن الوليد بعد أخيه واضطرب الشام وسار مروان إلى دمشق حبس عبد الله بن عمر عبد الله بن معاوية عنده وزاد في رزقه بعده لمروان يبايعه ويقاتله فلما ظفر مروان بابراهيم سار اسمعيل بن عبد الله القسرى إلى الكوفة وقاتله عبد الله ابن عمر ثم خاف اسمعيل أن يفتضح فكفوا خبرهم فوقعت العصبية بين الناس من ايثار عبد الله بن عمر بعضا من مضر وربيعة بالعطاء دون غيرهم فثارت ربيعة فبعث إليهم أخاه عاصما ملقيا بيده فاستحيوا ورجعوا وأفاض في رؤس الناس يستميلهم فاستنفر الناس واجتمعت الشيعة إلى عبد الله بن معاوية فبايعوه وأدخلوه قصر الكوفة وأخرجوا منه عاصم بن عمر فلحق بأخيه بالحيرة وبايع الكوفيون ابن معاوية ومنهم منصور بن جمهور واسمعيل أخو خالد القسرى وعمر بن العطاء وجاءته البيعة من المدائن وجمع الناس وخرج إلى عبد الله بن عمر بالحيرة فسرح للقانه مولاه ثم خرج في أثره وتلاقيا ونزع منصور بن جمهور واسمعيل أخو خالد القسرى وعمر ابن العطاء وجاءته البيعة من ابن عمر ولحقوا بالحيرة وانهزم ابن معاوية إلى الكوفة وكان عمر بن الغضبان قد حمل على ميمنة ابن عمر فكشفها وانهزم أصحابه من ورائه فرجع إلى الكوفة وأقام مع ابن معاوية في القصر ومعهم ربيعة والزيدية على أفواه السكك يقاتلون ابن عمر ثم أخذ ربيعة الامان لابن معاوية ولانفسهم وللزيدية وسار ابن معاوية إلى المدائن وتبعه قوم من أهل الكوفة فتغلب بهم على حلوان والجبل وهمذان واصبهان والرى إلى أن كان من خبره ما نذكره * (غلبة الكرماني على مرو وقتله الحرث بن شريح) * لما ولى مروان وولى على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة كتب يزيد إلى نصر بعهده على خراسان فبايع لمروان بن محمد فارتاب الحرث وقال ليس لى أمان من مروان وخرج فعسكر وطلب من نصر أن يجعل الامر شورى فأبى وقرأ جهم بن صفوان مولى راسب وهو رأس الجهمية سيرته وما يدعو إليه على الناس فرضوا وكثر جمعه وأرسل إلى نصر في عزل سالم بن أحور عن الشرطة وتغيير العمال فتقرر الامر بينهما على أن يردوا ذلك إلى رجال أربعة مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان بتعيين نصر والمغيرة بن

[ 116 ]

شعبة الجهضى ومعاذ بن جبلة بتعيين الحرث وأمر نصر أن يكتب بولاية سمرقند وطخارستان لمن يرضاه هؤلاء الاربعة وكان الحرث يقول انه صاحب السور وانه يهدم سور دمشق ويزيل ملك بنى أمية فأرسل إليه نصر ان كان ما تقوله حقا فتعال نسير إلى دمشق والا فقد أهلكت عشيرتك فقال الحرث هو حق لكن لا تبايعني عليه أصحابي قال فكيف تهلك عشرين ألفا من ربيعة واليمن ثم عرض عليه ولاية ما وراء النهر ويعطيه ثلثمائة ألف فلم يقبل فقال له فابدأ بالكرمانى فاقتله وأنا في طاعتك ثم اتفقا على تحكيم جهم ومقاتل فاحتكما بأن يعزله نصر ويكون الامر شورى فأتى نصر فخالفه الحرث وقدم على نصر جمع من أهل خراسان حين سمعوا بالفتنة منهم عاصم بن عمير الضريمى وأبو الديال الناجى ومسلم بن عبد الرحمن وغيرهم فكانوا معه وأمر الحرث أن يقرأ سيرته في الاسواق والمساجد وأتاه الناس وقرئت على باب نصر فضرب غلمان نصر قارئها فنادى بهم ونجهزوا للحرب ونقب الحرث سور مرو من الليل ودخل بالنهار فاقتتلوا وقتل جهم بن مسعود الناجى وأعين مولى حيان ونهبوا منزل مسلم بن أحور فركب سالم حين أصبح فقاتل الحرث وهزمه وجاء إلى عسكره فقتل كاتبه وبعث نصر إلى الكرماني وكان في الازد وربيعة وكان موافقا للحرث لما قدمناه فجاءه نصر على الامان وحادثهم وأغلظوا له في القول فارتاب ومضى وقتل من أصحابه جهم بن صفوان ثم بعث الحرث ابنه حاتما إلى الكرماني يستحيشه فقال له أصحابه دع عدويك يضطربان ثم ضرب بعد يومين وناوش القتال أصحاب نصر فهزمهم وصرع تميم بن نصر ومسلم بن أحور وخرج نصر من مرو من الغد فقاتلهم ثلاثة أيام وانهزم الكرماني وأصحابه ونادى مناد يا معشر ربيعة واليمن ان أبا سيار قتل فانهزمت مضر ونصر وترجل ابنه تميم فقاتل وأرسل إليه الحرث انى كاف عنك فان اليمانية يعير وينى بانهزامكم فاجعل أصحابك ازاء الكرماني ولما انهزم نصر غلب الكرماني على مرو ونهب الاموال فأنكر ذلك عليه الحرث ثم اعتزل عن الحرث بشر بن جرموز الضبى في خمسة آلاف وقال انما كنا نقاتل معك طلبا للعدل فأما ان اتبعت الكرماني للعصبية فنحن لا نقاتل فدع الحرث الكرماني إلى الشورى فأبى فانتقل الحرث عنه وأقاموا أياما ثم ثلم الحرث السور ودخل البلد وقاتله الكرماني قتالا شديدا فهزمه وقتله وأخاه سوادة واستولى الكرماني على مرو وقيل ان الكرماني خرج مع الحرث لقتال بشر بن جرموز ثم ندم الحرث على اتباع الكرماني وأتى عسكر بشر فأقام معهم وبعث إلى مضر من عسكر الكرماني فساروا إليهم وكانوا يقتتلون كل يوم ويرجعون إلى خنادقهم ثم نقب الحرث بعد أيام سور مرو ودخلها وتبعه الكرماني واقتتلوا فقتل الحرث وأخاه وبشر بن

[ 117 ]

جرموز وجماعة من بنى تميم وذلك سنة ثمان وعشرين ومائة فانهزم الباقون وصفت مرو لليمن وهدموا دور المضرية * (ظهور الدعوة العباسية بخراسان) * قد ذكرنا أن أبا مسلم كان يتردد إلى الامام من خراسان ثم استدعاه سنة تسعة وعشرين ليسأله عن الناس فسار في سبعين من النقباء مؤدين بالحج ومر بنسا فاستدعى أسيدا فأخبره بان كتب الامام جاءت إليه مع الازهر بن شعيب وعبد الملك بن سعيد ودفع إليه الكتب ثم لقيه بقومس كتاب الامام إليه والى سليمان بن كثير انى قد بعثت اليك براية النصر فارجع من حيث لقاك كتابي ووجه قحطبة إلى الامام بما معه من الاموال والعروض وجاء أبو مسلم إلى مرو وأعطى كتاب الامام لسليمان بن كثير وفيه الامر باظهار الدعوة فنصبوا أبا مسلم وقالوا رجل من أهل البيت ودعوا إلى طاعة بنى العباس وكتبوا إلى الدعاة باظهار الامر وترك أبو مسلم بقرية من قرى مرو في شعبان من سنة تسع وعشرين ثم بثوا الدعاة في طخارستان ومرو الروذ والطالقان وخوارزم وانهم ان أعجلهم عدوهم دون الوقت عاجلوه وجردوا السيوف للجهاد ومن شغله العدو عن الوقت فلا حرج عليه أن يظهر بعد الوقت ثم سار أبو مسلم فنزل على سليمان بن كثير الخزاعى آخر رمضان ونصر بن سيار يقاتل الكرماني وشيبان فعقد اللواء الذى بعث به الامام إليه وكان يدعى الظل على رمح أربعة عشر ذراعا ثم عقد الراية التى بعثها معه وتسمى السحاب وهو يتلو أذن للذين يقاتلون الآية ولبسوا السواد هو وسليمان ابن كثير وأخوه سليمان ومواليه ومن أجاب الدعوة من أهل تلك القرى وأوقدوا النيران ليلتهم لشيعتهم في خرقان فأصبحوا عنده ثم قدم عليه أهل السقادم مع أبى الوضاح في سبعمائة راجل وقدم من الدعاة أبو العباس المروزى وحصن أبو مسلم بسفيدنج ورمها وحضر عيد الفطر فصلى سليمان بن كثير وخطب على المنبر في العسكر وبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا اقامة وكبر في الاولى ست تكبيرات وفى الثانية خمسا خلاف ما كان بنو أمية يفعلون وكل ذلك مما سنه لهم الامام وأبوه ثم انصرفوا من الصلاة مع الشيعة فطمعوا وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب نصر ابن سيار يبدأ باسمه فلما قوى بمن اجتمع إليه كتب إلى نصر وبدأ بنفسه وقال (أما بعد) فان الله تباركت أسماؤه عير قوما في القرآن فقال وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير إلى ولن تجد لسنة الله تحويلا فاستعظم الكتاب وبعث مولاه يزيد لمحاربة ابى مسلم لثمانية عشر شهرا من ظهوره فبعث إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخزاعى فدعا إلى الرضا من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستكبروا فقاتلهم مالك وهو في مائتين

[ 118 ]

يوما بكماله وقدم على أبى مسلم صالح بن سليمان الضبى وابراهيم بن يزيد وزياد بن عيسى فسرحهم إلى مالك فقوى مالك بهم وقاتلوا القوم فحمل عبد الله الطائى على يزيد مولى نصر فأسره وانهزم أصحابه وأرسله الطائى إلى أبى مسلم ومعه رؤس القتلى فأحسن أبو مسلم إلى يزيد وعالجه ولما اندملت جراحه قال ان شئت أقمت عندنا والا رجعت إلى مولاك سالما بعد أن تعاهدنا على أن لا تحاربنا ولا تكذب علينا فرجع إلى مولاه وتفرس نصر أنه عاهدهم فقال والله هو ما ظننت وقد استحلفوني أن لا أكذب عليهم وانهم والله يصلون الصلاة لوقتها بأذان واقامة ويتلون القرآن ويذكرون الله كثيرا ويدعون إلى ولاية آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أحسب أمرهم الا سيعلوا ولولا أنك مولاى لاقمت عندهم وكان الناس يرجفون عنهم بعبادة الاوثان واستحلال الحرام ثم غلب حازم بن خزيمة على مرو الروذ وقتل عامل نصر بها وكان من بنى تميم من الشيعة وأراد بنو تميم منعه فقال انا منكم فان ظفرت فهى لكم وان قتلت كفيتم أمرى فنزل قرية زاها ثم تغلب على أهلها فقتل بشر بن جعفر السغدى عامل نصر عليها أوائل ذى القعدة وبعث بالفتح إلى أبى مسلم مع ابنه خزيمة بن حازم وقيل في أمر أبى مسلم غير هذا وان ابراهيم الامام أزوج أبا مسلم لما بعثه خراسان بابنه أبى النجم وكتب إلى النقباء بطاعته وكان أبو مسلم من سواد الكوفة فهزما فانتهى لادريس بن معقل العجلى ثم سار إلى ولاية محمد بن على ثم ابنه ابراهيم ثم للائمة من ولاية من ولده وقدم خراسان وهو حديث السن واستصغره سليمان بن كثير فرده وكان أبو داود خالد بن ابراهيم غائبا وراء النهر فلما جاء إلى مرو أقرأه كتاب الامام وسألهم عن أبى مسلم فأخبروه أن سليمان بن كثير رده لحداثة سنة وأنه لا يقدر على الامر فنخاف على أنفسنا وعلى من يدعوه فقال لهم أبو داود ان الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم إلى جميع خلقه وأنزل عليه كتابه بشرائعه وأنبأه بما كان وما يكون وخلف علمه رحمة لامته وعلمه انما هو عند عترته وأهل بيته وهم معدن العلم وورثة الرسول فيما علمه الله أتشكون في شئ من ذلك قالوا لا قال فقد شككتم والرجل لم يبعثه اليكم حتى علم أهليته لما يقوم به فبعثوا عن أبى مسلم وردوه من قومس بقول أبى داود وولوه أمرهم وأطاعوه ولم نزل في نفس أبى مسلم من سليمان بن كثير ثم بعث الدعاة ودخل الناس في الدعوة أفواجا واستدعاه الامام سنة تسع وعشرين أن يوافيه بالمرسوم ليأمره بأمره في اظهار الدعوة وأن يقدم معه قحطبة بن شبيب ويحمل ما اجتمع عنده من الاموال فسار في جماعة من النقباء والشيعة فلقيه كتاب الامام بقومس يأمره بالرجوع واظهار الدعوة بخراسان وبعث قحطبة بالمال وان قطحبة سار إلى جرجان واستدعى خالد بن برمك وأبا عون فقدما بما عندهما

[ 119 ]

من مال الشيعة فسار به نحو الامام * (مقتل الكرماني) * قد ذكرنا من قبل أن الكرماني قتل الحرث بن شريح فخلصت له مرو وتنحى نصر عنها ثم بعث نصر سالم بن أحور في رابطته وفرسانه إلى مرو فوجد يحيى بن نعيم الشيباني في ألف رجل من ربيعة ومحمد بن المثنى في سبعمائة من الازد وأبو الحسن بن الشيخ في ألف منهم والحربي السغدى في ألف من اليمن فتلاحى سالم وابن المثنى وشتم سالم الكرماني فقاتلوه فهزموه وقتل من أصحابه نحو مائة فبعث نصر بعده عصمة بن عبد الله الاسدي فكان بينهم مثل ما كان أولا فقاتلهم محمد السغدى فانهزم السغدى وقتل من أصحابه أربعمائة ورجع إلى نصر فبعث مالك بن عمر التميمي فاقتتلوا كذلك وانهزم مالك قتل من أصحابه سبعمائة ومن أصحاب الكرماني ثلثمائة ولما استيقن أبو مسلم ان كلا الفريقين قد أثخن صاحبه وانه لا مدد لهم جعل يكتب إلى شيبان الخارجي يذم اليمانية تارة ومضر أخرى ويوصى الرسول بكتاب مضر أن يتعرض لليمانية ليقرؤا ذم مضر والرسول بكتاب اليمانية أن يتعرض لمضر ليقرؤا ذم اليمانية حتى صار هوى الفريقين معه ثم كتب إلى نصر بن سيار والكرماني أن الامام أوصاني بكم ولا أعد ورأيه فيكم ثم كتب يستدعى الشيعة أسد بن عبد الله الخزاعى بنسا ومقاتل بن حكيم بن غزوان وكانوا أول من سود ونادوا يا محمد يا منصور ثم سود أهل ابى ورد ومرو الروذ وقرى مرو فاستدعاهم أبو مسلم وأقبل فنزل بين خندق الكرماني وخندق نصر وهابه الفريقان وبعث إلى الكرماني انى معك وقبل فانضم أبو مسلم إليه وكتب نصر بن سيار إلى الكرماني يحذره منه ويشير عليه بدخول مرو ليصالحه فدخل ثم خرج من الغد وأرسل إلى نصر في اتمام الصلح في مائتي فارس فرأى نصر فيه عزة فبعث إليه ثلثمائة فارس فقتلوه وسار ابنه إلى أبى مسلم وقاتلوا نصر بن سيار حتى أخرجوه من دار الامارة إلى بعض الدور ودخل أبو مسلم مرو فبايعه على بن الكرماني وقال له أبو مسلم أقم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمرى وكان نصر حين نزل أبو مسلم بين خندقه وخندق الكرماني ورأى قوته كتب إلى مروان بن محمد يعلمه بخروجه وكثرة من معه ودعائه لابراهيم بن محمد أرى خلل الرماد وميض جمر * ويوشك أن يكون لها ضرام * فان النار بالعودين تذكو * وان الحرب اولها الكلام * فان لم تطفؤها يخرجوها * مسجرة يشيب لها الغلام * أقول من التعجب ليت شعرى * أأيقاظ أمية أم نيام *

[ 120 ]

فان يك قومنا أضحوا نياما * فقل قوموا فقد حان القيام * تعزى عن رجالك ثم قولى * على الاسلام والعرب السلام * فوجده مشتغلا بحرب الضحاك بن قيس فكتب إليه الشاهد يرى مالا يرى الغائب فاحثهم التلول قبلك فقال نصر اما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده وصادف وصول كتاب نصر إلى مروان عثورهم على كتاب من ابراهيم الامام لابي مسلم يوبخه حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرماني إذ أمكنته ويأمره أن لا يدع بخراسان متكلما بالعربية فلما قرأ الكتاب بعث إلى عامله بالبلقاء أن يسير إلى الحيسة فيبعث إليه بابراهيم ابن محمد مشدود الوثاق فحبسه مروان * (اجتماع أهل خراسان على قتل أبى مسلم) * لما أظهر أبو مسلم أمره سارع إليه الناس وكان أهل مرو يأتونه ولا يمنعهم نصر وكان الكرماني وشيبان الخارجي لا يكرهان أمر أبى مسلم لانه دعا إلى خلع مروان وكان أبو مسلم ليس له حرس ولا حجاب ولا غلظة الملك فكان الناس يأنسون به لذلك وأرسل نصر إلى شيبان الخارجي في الصلح ليتفرغ لقتال أبى مسلم اما أن يكون معه أو يكف عنه ثم نعود إلى ما كنا فيه فهم شيبان بذلك وكتب أبو مسلم إلى الكرماني فحرضه على منع شيبان من ذلك فدخل عليه وثناه عنه ثم بعث أبو مسلم النضر بن نعيم الضبى إلى هراة فملكها وطرد عنها عيسى بن عقيل بن معقل الليثى عامل نصر فجاء يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني إلى الكرماني وشيبان وأغراهما بمصالحة نصر وقال ان صالحتم نصرا قاتله ابو مسلم وترككم لان أمر خراسان لمضر وان لم تصالحوه صالحه وقاتلكم فقدموا نصر قبلكم فأرسل شيبان إلى نصر في الموادعة فأجلب وجاء مسلم بن أحور بكتب الموادعة فكتبوها وبعث أبو مسلم إلى شيبان في موادعة ثلاثة أشهر فقال ابن الكرماني إذا ما صالحت نصرا انما صالحه شيبان وأنا موتور بأبى ثم عاود القتال وقعد شيبان عن نصره وقال لا يحل الغدر فاستنصر ابن الكرماني بأبى مسلم فأقبل حتى نزل الماخران لشنتين وأربعين يوما من نزوله بسفيدنج وخندق على معسكره وجعل له بابين وعلى شرطته مالك بن الهيثم وعلى الحرس أبا اسحق خالد بن عثمان وعلى ديوان الجند أبا صالح كامل بن المظفر وعلى الرسائل أسلم بن صبيح وعلى القضاء القاسم بن مجاشع النقيب وكان القاسم يصلى بأبى مسلم ويقرأ القصص بعد العصر فيذكر فضل بنى هاشم وسالف بنى أمية ولما نزل أبو مسلم الماخران أرسل إلى ابن الكرماني بأنه معه فطلب لقاءه فجاء أبو مسلم وأقام عنده يومين ثم رجع وذلك أول المحرم سنة ثلاثين ثم عرض الجند وأمر كامل ابن مظفر بكتب أسمائهم وأنسابهم في دفتر فبلغت عدته سبعة آلاف ثم ان القبائل من

[ 121 ]

ربيعة ومضر واليمن توادعوا على وضع الحرب والاجتماع على قتال أبى مسلم فعظم ذلك عليه وتحول عن الماخران لاربعة أشهر من نزولها لانها كانت تحت الماء وخشى أن يقطع فتحول إلى طبسين وخندق بها وخندق نصر بن سيار على نهر عياض وأنزل عماله بالبلاد فأنزل أبا الدبال في جنده لطوسان فآذوا أهلها وعسفوهم وكان أكثرهم مع أبى مسلم في خندق فسير إليهم جندا فقاتلوه فهزموه وأسروا من أصحابه ثلاثين فأطلقهم أبو مسلم ثم بعث محرز بن ابراهيم في جمع من الشيعة ليقطع مادة نصر من مرو الروذ وبلخ وطخارستان فخندق بين نصر وبين هذه البلاد واجتمع إليه ألف رجل وقطع المادة عن نصر * (مقتل عبد الله بن معاوية) * قد تقدم لنا أن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بويع بالكوفة وغلبه عليها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ولحق بالمدائن وجاءه ناس من أهل الكوفة وغيرها فسار إلى الجبال وغلب عليها وعلى حلوان وقومس واصبهان والرى وأقام باصبهان وكان محارب بن موسى مولى بنى يشكر عظيم القدر بفارس فجاء إلى دار الامارة باصطخر وطرد عامل عبد الله بن عمر عنها وبايع الناس لعبد الله بن معاوية ثم سار إلى كرمان فأعار عليها وانضم إليه قواد من أهل الشأم فسار إلى سالم بن المسيب عامل عبد الله بن عمر على شيراز فقتله سنة ثمان وعشرين ثم سار محارب إلى اصبهان وحول عبد الله بن معاوية إلى اصطخر بعد أن استعمل على الجبال أخاه الحسن بن معاوية وأتى إلى اصطخر فنزل بها وأتاه بنو هاشم وغيرهم وجبى المال وبعث العمال وكان معه منصور بن جمهور وسليمان بن هشام وأتاه شيبان بن عبد العزيز الخارجي ثم أتاه أبو جعفر المنصور وعبد الله ابن أخيه عيسى ولما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق أرسل نباتة ابن حنظلة الكلابي على الاهواز وأن يقاتل عبد الله بن معاوية وبلغ سليمان بن حبيب وهو بالاهواز فسرح داود بن حاتم للقاء نباتة وهرب سليمان من الاهواز إلى نيسابور وقد غلب الاكراد عليها فطردهم عنها وبايع لابن معاوية فبعث أخاه يزيد بن معاوية عليها ثم ان محارب بن موسى فارق عبد الله بن معاوية وجمع وقصد نيسابور فقاتله يزيد ابن معاوية وهزمه فأتى كرمان وأقام بها حتى قدم محمد بن الاشعث فصار معه ثم نافره فقتله ابن الاشعث وأربعة وعشرين ابنا له ثم بعث يزيد بن هبيرة بعد نباتة بن حنظلة ابنه داود بن يزيد في العساكر إلى عبد الله بن معاوية وعلى مقدمته داود بن ضبارة وبعث معن بن زائدة من وجه آخر فقاتلوا عبد الله بن معاوية وهزموه وأسروا وقتلوا وهرب منصور بن جمهور إلى السند وعبد الرحمن بن يزيد إلى عمان وعمر بن سهيل

[ 122 ]

ابن عبد العزيز بن مروان إلى مصر وبعثوا بالاسرى إلى ابن هبيرة فأطلقهم ومضى ابن معاوية عن فارس إلى خراسان وسار معن بن زائدة في طلب منصور بن جمهور وكان فيمن اسر مع عبد الله بن معاوية عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس شفع فيه حرب ابن قطن من أخواله بنى هلال فوهبه له ضبارة وغاب عبد الله بن معاوية عن ابن ضبارة ورمى أصحابه باللواطة فبعث إلى ابن هبيرة ليخبره وسار ابن ضبارة في طلب عبد الله بن معاوية إلى شيراز فحاصره بها حتى خرج منها هاربا ومعه اخوه الحسن ويزيد وجماعة من أصحابه فسلك المفازة على كرمان إلى خراسان طمعا في أبى مسلم لانه كان يدعو إلى الرضا من آل محمد وقد استولى على خراسان فوصل إلى نواحى هراة وعليها مالك فقال له انتسب نعرفك فانتسب له فقال أما عبد الله وجعفر فمن أسماء آل الرسول وأما معاوية فلا نعرفه في أسمائهم قال ان جدى كان عند معاوية حين ولد أبى فبعث إليه مائة ألف على أن يسمى ابنه باسمه فقال لقد اشتريتم الاسعاء الخبيثة بالثمن اليسير فلا نرى لك حقا فيما تدعو إليه ثم بعث بخبره إلى أبى مسلم فأمره بالقبض عليه وعلى من معه فحبسهم ثم كتب إليه باطلاق أخويه الحسن ويزيد وقتل عبد الله فوضع الفراش على وجهه فمات لما تعاقد نصر وابن الكرماني وقبائل ربيعة واليمن ومضر على قتال أبى مسلم عظم على الشيعة وجمع أبو مسلم اصحابه ودس سليمان بن كثير إلى ابن الكرماني يذكره بثأر أبيه من نصر فانتقضوا فبعث نصر إلى أبى مسلم بموافقة مضر وبعث إليه أصحاب ابن الكرماني وهم ربيعة واليمن بمثل ذلك واستدعى وفد الفريقين ليختار الركون إلى أحدهما وأحضر الشيعة لذلك وأخبرهم بأن مضر أصحاب مروان وعماله وشيعته وقبله يحيى بن زيد فلما حضر الوفد تكلم سليمان بن كثير ويزيد بن شقيق السلمى بمثل ذلك وبان نصر بن سيار عامل مروان ويسميه أمير المؤمنين وينفذ أوامره فليس على هدى وانما يختار على بن الكرماني وأصحابه ووافق السبعون من الشيعة على ذلك وانصرف الوفد ورجع أبو مسلم من أبين إلى الماخران وأمر الشيعة ببناء المساكن وأمن من فتنة العرب ثم أرسل إليه على بن الكرماني أن يدخل مرو من ناحيته ليدخل هو وقومه من الناحية الاخرى فلم يطمئن لذلك أبو مسلم وقال ناشبهم الحرب من قبل فناشب ابن الكرماني نصر بن سيار الحرب ودخل مرو من ناحيته وبعث أبو مسلم بعض النقباء فدخل معه ثم سار وعلى مقدمته أسيد بن عبد الله الخزاعى وعلى ميمنته مالك بن الهيثم وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع فدخل مرو والفريقان يقتتلان ومضى إلى قصر الامارة وهو يتلو ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها

[ 123 ]

وأمر الفريقين بالانصراف فانصرفوا إلى معسكرهم وصفت له مرو وأمر بأخذ البيعة من الجند وتولى أخذها أبو منصور طلحة بن زريق أجد النقباء الذين اختارهم محمد بن على من الشيعة حين بعث دعاته إلى خراسان سنة ثلاث وأربع وكانوا اثنى عشر رجلا فمن خزاعة سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وزياد بن صالح وطلحة بن زريق وعمر بن أعين ومن طيئ قحطبة بن شبيب بن خالد بن سعدان ومن تميم أبو عيينة موسى ابن كعب ولاهز بن قريط والقاسم بن مجاشع وأسلم بن سلام ومن بكر بن وائل أبو داود خالد بن ابراهيم الشيباني وأبو على الهروي ويقال شبل بن طهمان وكان عمر ابن أعين مكان موسى بن كعب وأبو النجم اسمعيل بن عمران مكان أبى على الهروي وهو ختن أبى مسلم ولم يكن أحد من النقباء ووالده غير أبى منصور طلحة بن زريق ابن سعد وهو أبو نينب الخزاعى وكان قد شهد حرب ابن الاشعث وصحب المهلب وغزا معه وكان أبو مسلم يشاوره في الامور وكان نص البيعة أبايعكم على كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم والطاعة للرضا من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق والمشى إلى بيت الله الحرام وعلى أن لا تسألوا رزقا ولا طمعا حتى تبدأكم به ولاتكم وذلك سنة ثلاثين ومائة ثم أرسل أبو مسلم لاهز بن قريط في جماعة إلى نصر بن سيار يدعو إلى البيعة وعلم نصر أن أمره قد استقام ولا طاقة له بأصحابه فوعده بأنه يأتيه يبايعه من الغد وأرسل أصحابه بالخروج من ليلتهم إلى مكان يأمنون فيه فقال أسلم بن أحوز لا يتهيأ لنا الليلة فلا أصبح أبو مسلم كتابه وأعاد لاهز بن قريط إلى نصر يستحثه فأجاب وأقام لوضوئه فقال لاهز ان الملا يأتمرون بك ليقتلوك فخرج نصر عند المساء من خلف حجرته ومعه ابنه تميم والحكم بن غيلة النميري وامرأته المرزبانة وانطلقوا هرابا واستبطأه لاهز فدخل المنزل فلم يجده وبلغ أبا مسلم هربه فجاء إلى معسكره وقبض على أصحابه منهم سالم بن أحوز صاحب شرطته والبحتري كاتبه وابنان له ويونس ابن عبد ربه ومحمد بن قطن وغيرهم وسار أبو مسلم وابن الكرماني في طلبه ليلتهما فأدركا امرأته قد خلفها وسار فرجعوا إلى مرو وبلغ نصر من سرخس فأقام بطوس خمس عشرة ليلة ثم جاء نيسابور فأقام بها وتعاقد ابن الكرماني مع أبى مسلم على رأيه ثم بعث إلى شيبان الحروري يدعوه إلى البيعة فقال شيبان بل أنت تبايعني واستنصر بابن الكرماني فأبى عليه وسار شيبان إلى سرخس واجتمع له جمع من بكر ابن وائل وبعث إليه أبو مسلم في الكف فسجن الرسل فكتب إلى بسام بن ابراهيم مولى بنى ليث المكنى بأبى ورد أن يسير إليه فقاتله وقتله وقتل بكر بن وائل الرسل الذين

[ 124 ]

كانوا عنده وقيل ان أبا مسلم انما وجه إلى شيبان عسكرا من عنده عليهم خزيمة بن حازم وبسام بن ابراهيم ثم بعث أبو مسلم كعبا من النقباء إلى ابيورد فافتتحها ثم أبا داود خالد بن ابراهيم من النقباء إلى بلخ وبها زياد بن عبد الرحمن القشيرى فجمع له أهل بلخ وترمذ وجند طخارستان ونزل الجوزجان ولقيهم أبو داود فهزمهم وملك مدينة بلخ وساروا إلى ترمذ فكتب أبو مسلم إلى أبى داود يستقدمه وبعث مكانه على بلخ يحيى ابن نعيم أبا الميلا فداخله زياد بن عبد الرحمن في الخلاف على أبى مسلم واجتمع لذلك زياد ومسلم بن عبد الرحمن الباهلى وعيسى بن زرعة السلمى وأهل بلخ وترمذ وملوك طخارستان وما وراء النهر ونزلوا على فرسخ من بلخ وخرج إليهم يحيى بن نعيم بمن معه واتفقت كلمة مضر وربيعة واليمن ومن معهم من العجم على قتال المسودة وولوا عليهم مقاتل بن حيان النبطي مخافة أن يتنافسوا وبعث أبو مسلم أبا داود إليهم فأقبل بعساكره حتى اجتمعوا على نهر السر حسان واقتتلوا وكان زياد وأصحابه قد خلفوا أبا سعيد القرشى مسلحة وراءهم خشية أن يؤتوا من خلفهم وكانت راياته سودا وأغفلوا ذلك فلما اشتد القتال زحف أبو سعيد في أصحابه لمددهم فظنوه كمينا للمسودة فانهزموا وسقطوا في النهر وحوى أبو داود معسكرهم بما فيه وملك بلخ ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى ترمذ وكتب أبو مسلم يستقدم أبا داود وبعث النضر بن صبيح المزني على بلخ ولما قدم أبو داود أشار على أبى مسلم بالتفرقة بين على وعثمان ابني الكرماني فبعث عثمان على بلخ وقدمها فاستخلف الفرافضة بن ظهير العبسى وسار هو والنضر بن صبيح إلى مرو الروذ وجاء مسلم بن عبد الرحمن الباهلى من ترمذ في المضرية فاستولى على بلخ ورجع إليه عثمان والنضر فهربوا من ليلتهم ولم يعن النضر في طلبهم وقاتلهم عثمان ناحية عنه فانهزم ورجع أبو داود إلى بلخ وسار أبو مسلم إلى نيسابور ومعه على بن الكرماني وقد اتفق مع أبى داود على قتال ابني الكرماني فقتل أبو داود عثمان في بلخ وقتل أبو مسلم عليا في طريقه إلى نيسابور * (مسير فحطبة للفتح) * وفى سنة ثلاثين قدم قحطبة بن شبيب على أبى مسلم من عند الامام ابراهيم وقد عقد له لواء على محاربة العدو فبعثه أبو مسلم في مقدمته وضم إليه العساكر وجعل إليه التولية والعزل وأمر الجنود بطاعته وقد كان حين غلب على خراسان بعث العمال على البلاد فبعث ساعى بن النعمان الازدي على سمرقند وأبا داود خالد بن ابراهيم على طخارستان ومحمد بن الاشعث الخزاعى على طبسين وجعل مالك بن الهيثم على شرطته وبعث قحطبة إلى طوس ومعه عدة من القواد أبو عون عبد الملك بن يزيد وخالد بن برمك

[ 125 ]

وعثمان بن نهيك وحازم بن خزيمة وغيرهم فهزم أهل طوس وأفحش في قتلهم ثم بعث أبو مسلم القاسم بن مجاشع إلى نيسابور على طريق الحجة وكتب إلى قحطبة بقتال تميم ابن نصر بالسودقان ومعه الثاني بن سويد وأصحاب شيبان وأمده بعشرة آلاف مع على بن معقل فزحف إليهم ودعاهم بدعوته وقاتلهم فقتل تميم بن نصر وجماعة عظيمة من أصحابه يقال بلغوا ثلاثين ألفا واستبيح معسكرهم وتحصن الباقي بالمدينة فاقتحمها عليهم وخلف خالد بن برمك على قبض الغنائم وسار إلى نيسابور فهرب منها نصر بن سيار إلى قومس ثم تفرق عنه أصحابه فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان وكان يزيد بن هبيرة بعثه مدد النصر فأتى فارس واصبهان ثم سار إلى الرى ثم إلى جرجان وقدم قحطبة نيسابور فأقام بها رمضان وشوال وارتحل إلى جرجان وجعل ابنه الحسن على مقدمته وانتهى إلى جرجان وأهل الشأم بها مع نباتة فهابهم أهل خراسان فخطبهم قحطبة وأخبرهم أن الامام أخبره أنهم يلقونه مثل هذه العدد فينصرونه عليهم ثم تقدم للقتال وعلى ميمنته ابنه الحسن فانهزم اهل الشأم وقتل نباتة في عشرة آلاف منهم وبعث برأسه إلى أبى مسلم وذلك في ذى الحجة من السنة وملك قحطبة جرجان ثم بلغه أن أهل جرجان يرومون الخروج عليه فاستعرضهم وقتل منهم نحوا من ثلاثين ألفا وسار نصر من قومس إلى خوار الرى وعليها أبو بكر العقيلى وكتب إلى ابن هبيرة بواسط يستمده فحبس رسله فكتب مروان إلى ابن هبيرة فجهز ابن هبيرة جيشا كثيفا إلى نصر وعليهم ابن عطيف * (هلاك نصر بن سيار) * ثم بعث قحطبة ابنه الحسن إلى محاصرة نصر في خوار الرى في محرم سنة احدى وثلاثين وبعث إليه المدد مع أبى كامل وأبى القاسم محرز بن ابراهيم وأبى العباس المروزى ولما تقاربوا نزع أبو كامل إلى نصر فكان معه وهرب جند قحطبة وأصحاب نصر أصابهم شئ من متاعهم فبعثه نصر إلى ابن هبيرة فاعترضه ابن عطيف بالرى فأخذه فغاضبه نصر فأقام ابن عطيف بالرى وسار نصر إلى الرى وعليها حبيب بن يزيد النهشلي فلما قدمها سار ابن عطيف إلى همذان وكان فيها مالك بن أدهم بن محرز الباهلى فعدل ابن عطيف عنها إلى اصبهان وبها عامر بن ضارة وقدم نصر الرى فأقام بها يومين ومرض وارتحل فلما بلغ نهاوة مات لاثنى عشر من ربيع الاول من السنة ودخل أصحابه همذان * (استيلاء قحطبة على الرى) * ولما مات نصر بن سيار بعث الحسن بن قحطبة خزية بن حازم إلى سمنان واقبل قحطبة من جرجان وقدم زياد بن زرارة الفشيرى وقد كان قدم على طاعة أبى مسلم

[ 126 ]

واعتزم على اللحاق بابن ضبارة فبعث قحطبة في أثره المسيب بن زهير الضبى فهزمه وقتل عامه من مع ابن معاوية ورجع ولحق قحطبة ابنه الحسن إلى الرى فخرج عنها حبيب بن يزيد النهشلي وأهل الشأم ودخلها الحسن في صفر ثم لحق به أبوه وكتب بالخبر إلى أبى مسلم وقد أكثر أهل الرى إلى بنى أمية فأخذ أبو مسلم أملاكهم ولم يردها عليهم الا السفاح بعد حين فأقام قحطبة بالرى وكتب أبو مسلم إلى اصبهبد طبرستان بالطاعة واداء الخراج فأجاب وكتب إلى المصمغان صاحب دنباوند وكبير الديلم بمثل ذلك فافحش في الرد فكتب أبو مسلم إلى موسى بن كعب أن يسير إليه من الرى فسار ولم يتمكن منه لضيق بلاده وكان الديلم يقاتلونه كل يوم فكثر فيهم الجراح والقتل ومنعهم المبرة فأصابهم الجوع فرجع موسى إلى الرى ولم يزل المصمغان متمنعا إلى أيام المنصور فأغزاه حماد ابن عمر في جيش كثيف ففتح دنباوند ولما ورد كتاب قحطبة على ابى مسلم ارتحل عن مرو ونزل نيسابور ثم سير قحطبة ابنه الحسن بعد نزوله الرى بثلاث ليال فسار عنها مالك بن أدهم وأهل الشأم وخراسان إلى نهاوند ونزل على أربعة فراسخ من المدينة وأمده قحطبة بأبى الجهم بن عطية مولى باهلة في سبعمائة وأقام محاصرا لها * (استيلاء قحطبة على اصبهان ومقتل ابن ضبارة وفتح نهاوند وشهرزور) * قد تقدم لنا ان ابن هبيرة بعث ابنه داود بن يزيد لقتال عبد الله بن معاوية باصطخر وبعث معه عامر بن ضبارة فهزموه واتبعوه إلى كرمان سنة تسع وعشرين فلما بلغ ابن هبيرة مقتل نباتة بجرجان سنة ثلاثين كتب إلى ابنه داود بن ضبارة بالمسير إلى قحطبة فسار من كرمان في خمسين ألفا ونزلوا اصبهان وبعث إليهم قحطبة جماعة من القواد عليهم مقاتل بن حكيم الكعبي فنزلوا قم وسار قحطبة إلى نهاوند مدد الولده الحسن الذى حاصرهم فبعث مقاتلا بذلك قحطبة فسار حتى لحقه وزحفوا للقاء داود ابن ضبارة وهم في مائة ألف وقحطبة في عشرين ألفا وحمل قحطبة وأصحابه فانهزم ابن ضبارة وقتل واحتووا على ما كان في معسكرهم مما لا يعبر عنه من الاصناف وذلك في رجب وطير قحطبة بالخبر إلى ابنه الحسن وسار إلى اصبهان فأقام بها عشرين ليلة وقدم على ابنه فحاصروا نهاوند ثلاثة أشهر إلى آخر شوال ونصبوا عليهم المجانيق وبعث بالامان إلى من كان في نهاوند من أهل خراسان فلم يقبلوا فبعث إلى أهل الشأم فقالوا أشغل عنا أهل المدينة بالقتال نفتح لك المدينة من ناحيتنا ففعلوا وخرجوا إليه جميعا فقتلوا أهل خراسان فيهم أبو كامل وحاتم بن شريح وابن نصر بن سيار وعاضم بن عمير وعلى بن عقيل وبيهس وكان قحطبة لما جاء إلى نهاوند بعث ابنه الحسن إلى جهات حلوان وعليها عبد الله بن العلاء الكندى فتركها وهرب ثم بعث قحطبة

[ 127 ]

عبد الملك بن يزيد ومالك بن طرا في أربعة آلاف إلى شهرزور وبها عثمان بن سفيان على مقدمته عبد الله بن محمد فقاتلوا عثمان آخر ذى الحجة فانهزم وقتل وملك أبو عون بلاد الموصل وقيل ان عثمان هرب إلى عبد الله بن مروان وغنم أبو عون عسكره وقتل أصحابه وبعث إليه قحطبة بالمدد وكان مروان بن محمد بحران فسار في أهل الشأم والجزيرة والموصل ونزل الزاب الاكبر وأتوا شهرزور إلى المحرم سنة ثنتين وثلاثين * (حرب سفاح بن هبيرة مع قحطبة ومقتلهما وفتح الكوفة) * ولما قدم على يزيد بن هبيرة ابنه داود منهزما من حلوان خرج يزيد للقاء قحطبة في مدد لا يحصى وكان مروان أمده بحوثرة بن سهيل الباهلى فسار معه حتى نزل حلوان واحتفر الخندق الذى كانت فارس احتفرته أيام الواقعة وأقام وأقبل قحطبة إلى حلوان ثم عبر دجلة إلى الانبار فرجع ابن هبيرة مبادرا إلى الكوفة وقدم إليها حوثرة في خمسة عشر ألفا وعبر قحطبة الفرات من الانبار لثمان من المحرم سنة ثنتين وثلاثين وابن هبيرة معسكر على فم الفرات وعلى ثلاثة وعشرين فرسخا من الكوفة ومعه حوثرة وفل ابن ضبارة وأشار عليه أصحابه أن يدع الكوفة ويقصد هو خراسان فيتبعه قحطبة فأبى الا البدار إلى الكوفة وعبر إليها دجلة من المدائن وعلى مقدمته حوثرة والفريقان يسيران على جانب الفرات وقال قحطبة لاصحابه ان الامام أخبرني بأن وقعة تكون بهذا المكان والنصر لنا ثم دلوه على مخاضة فعبر منها وقاتل حوثرة وابن نباتة فانهزم أهل الشأم وقعد قحطبة وشهد مقاتل العللى بأن قحطبة عهد لابنه الحسن بعده فبايع جميع الناس لاخيه الحسن وكان في سرية فبعثوا عنه وولوه ووجد قحطبة في جدول هو وحرب بن كم بن أحوز وقيل ان قحطبة لما عبر الفرات وقاتل ضربه معن بن زائدة فسقط وأوصى إذا مات أن يلقى في الماء ثم انهزم ابن نباتة وأهل الشأم ومات قحطبة وأوصى بأمر الشيعة إلى أبى مسلمة الخلال بالكوفة وزير آل محمد ولما انهزم ابن نباتة وحوثرة لحقوا بابن هبيرة فانهزم إلى واسط واستولى الحسن ابن قحطبة على ما في معسكرهم وبلغ الخبر إلى الكوفة فثار بها محمد بن خالد القسرى بدعوة الشيعة خرج ليلة عاشوراء وعلى الكوفة زياد بن صالح الحازنى وعلى شرطته عبد الرحمن بن بشير العجلى وسار إلى فهرب زياد ومن معه من أهل الشأم ودخل القصر ورجع إليه حوثرة وعن محمد عامة من معه ولزم القصر ثم جاء قوم من نجيلة من أصحاب حوثرة فدخلوا في الدعوة ثم آخرون من كنانة ثم آخرون من نجدل فارتحل حوثرة نحوه وكتب محمد إلى قحطبة وهو لم يعلم بهلاكه فقرأه الحسن على الناس وارتحل نحو الكوفة فصبحها الرابعة من مسيره وقيل

[ 128 ]

ان الحسن بن قحطبة سار إلى الكوفة بعد قتل ابن هبيرة وعليها عبد الرحمن بن بشير العجلى فهرب عنها وسبق محمد بن خالد وخرج في احد عشر رجلا فلقى الحسن ودخل معه وأتوا إلى أبى مسلمة فاستخرجوه من بنى مسلمة وعسكر بالنجيلة ثم نزل حمام أعين وبعث الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة وبايع الناس أبا مسلمة حفص ابن سليمان الخلال وزير آل محمد واستعمل محمد بن خالد القسرى على الكوفة وكان يسمى الامير حتى ظهر أبو العباس السفاح وبعث حميد بن قحطبة إلى المدائن في قواد والمسيب بن هبيرة وخالد بن مرمل إلى دير فناء وشراحيل إلى عير وبسام ابن ابراهيم بن بسام إلى الاهواز وبها عبد الرحمن بن عمر بن هبيرة فقاتله بسام وانهزم إلى البصرة وعليها مسلم بن قتيبة الباهلى عاملا لاخيه وبعث بسام في أثره سفيان ابن معاوية بن يزيد بن المهلب واليا على البصرة فجمع سالم قيسا ومضر وبنى أمية وجاء قائد من قواد ابن هبيرة في ألفى رجل وجمع سفيان اليمانية وحلفاءهم من ربيعة واقتتلوا في صفر وقتل ابن سفيان واسمه معاوية فانهزم لذلك ثم جاء إلى سالم أربعة آلاف مددا من عند مروان فقاتل الازد واستباحهم ولم يزل بالبصرة حتى قتل ابن هبيرة فهرب عنها واجتمع ولد الحرث بن عبد المطلب إلى محمد بن جعفر فولوه أياما حتى قدم أبو مالك عبد الله بن أسيد الخزاعى من قبل أبى مسلم فلما بويع أبو العباس السفاح ولاها سفيان بن معاوية * (بيعة السفاح) * قد كنا قدمنا خبر الدعاة وقبض مروان على ابراهيم بن محمد وأنه حبسه بحران وكان نعى نفسه إلى أهل بيته وأمرهم باللحاق بالكوفة وأوصى على أخيه أبى العباس عبد الله بن الحرثية فسار أبو العباس ومعه أهل بيته وفى اخوته أبو جعفر المنصور وعبد الوهاب ومحمد ابن أخيه ابراهيم وعيسى ابن أخيه موسى ومن أعمامه داود وعيسى وصالح واسمعيل وعبد الله وعبد الصمد بنو على بن عبد الله بن عباس وموسى ابن عمه داود ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس فقدموا الكوفة في صفر وأبو سلمة والشيعة على حمام أعين بظاهر الكوفة وأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد مولى بنى هاشم في بنى أود وكتم أمرهم عن جميع القواد والشيعة أربعين ليلة وأراد فيما زعموا أن يحول الامر إلى أبى طالب وسأله أبو الجهم من الشيعة وغيره فيقول لا تعجلوا ليس هذا وقته ولقى أبو حميد محمد بن ابراهيم ذات يوم خادم ابراهيم الامام وهو سابق الخوارزمي فسأله عن الامام فقال قتل ابراهيم وأوصى إلى أخيه أبى العباس وها هو بالكوفة ومعه أهل بيته فسأله في اللقاء فقال حتى أستأذن وواعده من الغد

[ 129 ]

في ذلك المكان وجاء أبو حميد إلى أبى الجهم فأخبره وكان في عسكر ابى سلمة فقال له تلطف في لقائهم فجاء إلى موعد سابق ومضى معه ودخل عليهم فسأل عن الخليفة فقال داود ابن على هذا امامكم وخليفتكم يشير إلى أبى العباس فسلم عليه بالخلافة وعزاه بابراهيم الامام ورجع ومعه خادم من خدمهم إلى أبى الجهم فأخبره عن منزلهم وان أبا العباس أرسل إلى أبى سلمة أن يبعث إليه كراء الرواحل التى جاؤا إليها فلم يبعث إليهم شيأ فمشى أبو الجهم وأبو الحميد والخادم إلى موسى بن كعب وأخبروه بالامر وبعثوا إلى الامام مائتي دينار مع خادمه واتفق رأى القواد على لقاء الامام فنهض موسى بن كعب وأبو الجهم عبد الحميد بن ربعى وسلمة بن محمد وعبد الله الطائى واسحق بن ابراهيم وشراحيل وأبو حميد وعبد الله بن بسام ومحمد بن ابراهيم ومحمد بن حصين وسليمان بن الاسود فدخلوا على أبى العباس فسلموا عليه بالخلافة وعزوه في ابراهيم ورجع موسى ابن كعب وأبو الجهم وخلفوا الباقين عند الامام وأوصوهم ان جاء أبو سلمة لا يدخلن الا وحده وبلغه الخبر فجاء ودخل وحده كما حدوا له وسلم على أبى العباس بالخلافة وأمره بالعود إلى معسكره وأصبح الناس يوم الجمعة لاثنتى عشرة خلت من ربيع الاول فلبسوا الصفاح واصطفوا للخروج إلى أبى العباس وأتوه بالدواب له ولمن معه من أهل بيته وأركبوهم إلى دار الامارة ثم رجع إلى المسجد فخطب وصلى بالناس وبايعوه ثم صعد المنبر ثانية فقام في أعلاه وصعد عمه داود فقام دونه وخطب خطبته البليغة المشهورة وذكر حقهم في الامر وميراثهم له وزاد الناس في أعطياتهم وكان موعوكا فاشتد عليه الوعك فحبس على المنبر وقام عمه داود على أعلى المراقى فخطب مثله وذم سيرة بنى أمية وعاهد الناس على اقامة الكتاب والسنة وسيره ثم اعتذر عن عود السفاح بعد الصلاة إلى المنبر وأنه أراد أن لا يخلط كلام الجمعة بغيرها وانما قطعه عن اتمام الكلام شدة الوعك فادعوا الله له بالعافية ثم بالغ في ذم مروان وشكر شيعتهم من أهل خراسان وأن الكوفة منزلهم لا يتخلون عنها وأنه ما صعد هذا المنبر خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الا على بن أبى طالب أمير المؤمنين وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد وأشار إلى السفاح وأن هذا الامر فينا ليس بخارج عنا حتى نسلمه لعيسى بن مريم ثم نزل أبو العباس وداود امامه حتى دخل القصر وأجلس أخاه أبا جعفر في المسجد يأخذ البيعة على الناس حتى جن الليل وخرج أبو العباس إلى عسكر أبى سلمة ونزل معه في حجرته بينهما ستر وحاجب السفاح يومئذ عبد الله بن بسام واستخلف على الكوفة عمه داود وبعث عمه عبد الله إلى أبى عون بن يزيد بشهرزور وبعث ابن أخيه موسى إلى الحسن ابن قحطبة وهو يحاصر ابن هبيرة بواسط وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس إلى

[ 130 ]

أحمد بن قحطبة بالمذائن وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن ابراهيم بن بسام بالاهواز وبعث سلمة بن عمر بن عثمان بن مالك بن الطواف وأقام السفاح بالعسكر شهرا ثم ارتحل فنزل قصر الامارة من المدينة الهاشمية وقد قيل ان داود بن على وابنه موسى لم يكونا بالشأم عند مسير بنى العباس إلى الكوفة وانهما لقياهم بدومة الجندل فعرفا خبرهم وقال لهم داود كيف تأتون الكوفة ومروان ابن محمد في حران في أهل الشأم والجزيرة فطل على العراق ويزيد بن هبيرة بالعراق فقال يا عم من أحب الحياء ذل فرجع داود وابنه معه * (مقتل ابراهيم بن الامام) * قد تقدم لنا أن مروان حبسه بحران وحبس سعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان والعباس بن الوليد بن عبد الملك وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز وأبا محمد السفياني فهلك منهم في السجن من وباء وقع بحران العباس بن الوليد وابراهيم بن الامام وعبد الله بن عمر وخرج سعيد بن هشام ومن معه من المحبوسين بعد أن قتلوا صاحب السجن فقتلهم الغوغاء من أهل حران وكان فيمن قتلوه شراحيل بن مسلمة بن عبد الملك وعبد الملك بن بشر الثعلبي وبطريق أرمينية واسمه كوشان وتخلف أبو محمد السفياني في الحبس لم يستحل الخروج منه ولما قدم مروان منهزما من الزاب حل عنه فيمن بقى وقيل ان شراحيل بن مسلمة كان محبوسا مع ابراهيم وكانا يتزاوران ويتهاديان فدس في بعض الايام إلى ابراهيم بن الامام بلبن مسموم على لسان شراحيل فاستطلق بطنه وقيل ان شراحيل قال انا لله وانا إليه راجعون احتيل والله عليه وأصبح ميتا من ليلته * (هزيمة مروان بالزاب ومقتله بمصر) * قد ذكرنا أن قحطبة أرسل أبا عون عبد الملك بن يزيد الازدي إلى شهرزور فقتل عثمان ابن سفيان وأقام بناحية الموصل وأن مروان بن محمد سار إليه من حران في مائة وعشرين ألفا وسار أبو عون إلى الزاب ووجه أبو سلمة عيينة بن موسى والمنهال بن قبان واسحق بن طلحة كل واجد في ثلاثة آلاف مددا له فلما بويع أبو العباس وبعث مسلمة بن محمد في ألفين وعبد الله الطائى في ألف وخمسمائة وعبد الحميد بن ربعى الطائى في ألفين ودراس بن فضلة في خمسمائة كلهم مددا لابي عون ثم ندب أهل بيته إلى المسير إلى ابى عون فانتدب عبد الله بن على فسار وقدم على أبى عون فتحول له عن سرادقه بما فيه ثم أمر عيينة بن موسى بخمسة آلاف تعبر النهر من الزاب أول جمادى الاخير سنة اثنتين وثلاثين وقاتل عساكر مروان إلى المساء ورجع ففقد مروان الجسر من الغد وقدم ابنه عبد الله وعبر فبعث عبد الله بن على المخارق بن غفار في أربعة نحو عبد الله

[ 131 ]

ابن مروان فسرح ابن مروان الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم فانهزم أصحاب المخارق وأسر هو وجئ به إلى مروان مع رؤس القتلى فقال أنت المخارق قال لا قال فتعرفه في هذه الرؤس قال نعم قال هو ذا فخلى سبيله وقيل بل أنكر أن يكون في الرؤس فخلى سبيله وعاجلهم عبد الله بن على بالحرب قبل أن يفشوا الخبر وعلى ميمنته أبو عون وعلى ميسرته الوليد بن معاوية وكان عسكره نحوا من عشرين ألفا وقيل اثنى عشر وأرسل مروان إليه في الموادعة فأبى وحمل الوليد بن معاوية بن مروان وهو صهر مروان على ابنته فقاتل أبا عون حتى انهزم إلى عبد الله بن على فأمر الناس فارتحلوا ومشى قدما ينادى يا لتارات ابراهيم وبالاشعار يا محمد يا منصور وأمر مروان القبائل بأن يحملوا فتخاذلوا واعتذروا حتى صاحب شرطته ثم ظهر له الخلل فأباح الاموال للناس على أن يقاتلوا فأخذوها من غير قتال فبعث ابنه عبد الله يصدهم عن ذلك فتبادروا بالفرار وانهزموا وقطع مروان الجسر وكان من غرق أكثر ممن قتل وغرق ابراهيم بن الوليد المخلوع وقيل بل قتله عبد الله بن على بالشام وممن قتل يحيى بن على بن هشام وكان ذلك في جمادى الاخيرة سنة ثنتين وثلاثين وأقام عبد الله في عسكره سبعة أيام واجتاز عسكر مروان بما فيه وكتب بالفتح إلى أبى العباس السفاح وسار مروان منهزما إلى مدينة الموصل وعليها هشام بن عمر الثعلبي وابن خزيمة الاسدي فقطعا الجسر ومنعاه العبور إليهم وقيل هذا أمير المؤمنين فتجاهلوا وقالوا أمير المؤمنين لا يفر ثم أسمعوه الشتم والقبائح فسار إلى حران وبها أبان ابن أخيه وسار إلى حمص وجاء عبد الله إلى حران فلقيه أبو مسعود فأمنه ولقى الجزيرة ولما بلغ مروان حمص أقام بها ثلاثا وارتحل فاتبعه أهلها لينهبوه فقاتلهم وهزمهم وأثخن فيهم وسار إلى دمشق وعليها الوليد ابن عمه فاوصاه بقتال عدوه وسار إلى فلسطين فنزل نهر أبى فطرس وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذامي فأرسل إلى عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي فأجاره ثم سار عبد الله بن على في أثره من حران بعد أن هدم الدار التى حبس فيها أخوه الامام ابراهيم وانتهى إلى قنج فأطاعه أهلها وقدم عليه أخوه عبد الصمد بعثه السفاح مددا في ثمانية آلاف وافترق قواد الشيعة على أبواب دمشق فحاصروها أياما ثم دخلوها عنوة لخمس من رمضان واقتتلوا بها كثيرا وقتل عاملها الوليد بن معاوية وأقام عبد الله بدمشق خمس عشرة ليلة وارتحل يريد فلسطين فأجفل مروان إلى العريش وجاء عبد الله فنزل نهر ابى فطرس ووصله هناك كتاب السفاح بان يبعث صالح ابن على في طلب مروان فسار صالح في ذى القعدة وعلى مقدمته أبو عون وعامر بن اسمعيل الحارثى فأجفل مروان إلى النيل ثم إلى الصعيد ونزل صالح الفسطاط وتقدمت

[ 132 ]

عساكره فلقوا خيلا لمروان فهزموهم وأسروا منهم ودلوهم على مكانه ببوصير فسار إليه أبو عون وبيته هنالك خوفا من أن يفضحه الصبح فانهزم مروان وطعن فسقط في آخر ذى الحجة الحرام وقطع رأسه وبعث به طليعة أبى عون إليه فبعثه إلى السفاح وهرب عبد الله وعبيد الله ابنا مروان إلى أرض الحبشة وقاتلوهم فقتل عبيد الله ونجا عبد الله وبقى إلى أيام المهدى فأخذه عامل فلسطين وسجنه المهدى وكان طليعة أبى عون عامر بن اسمعيل الحارثى فوجد نساء مروان وبناته في كنيسة بوصير قد وكل بهن خادما يقتلهن بعده فبعث بهن صالح ولما دخلن عليه سألنه في الابقاء فلامهن على قتالهم عند بنى أمية ثم عفا عنهن وحملهن إلى حران يبكين وكان مروان يلقب بالحمار لحرنه في مواطن الحرب وكان أعداؤه يلقبونه الجعدى نسبة إلى الجعد بن درهم كان يقول بخلق القرآن ويتزندق وأمر هشام خالدا القسرى بقتله فقتله ثم تتبعوا بنى أمية بالقتل ودخل اسديف يوما على السفاح وعنده سليمان بن هشام وقد أمنه والده فقال لا يغرنك ما ترى من رجال * ان بين الضلوع داء دويا * فضع السيف وارفع السوط حتى * لا ترى فوق ظهرها أمويا * فأمر السفاح بسليمان فقتل ودخل شبل بن عبد الله مولى بنى هاشم على عبد الله بن على وعنده ثمانون أو تسعون من بنى أمية يأكلون على مائدته فقال أصبح الملك في ثبات الاساس * يا لبهاليل من بنى العباس * طلبوا امر هاشم فنعونا * بعد ميل من الزمان وباس * لا نقيلن عبد شمس عثارا * فاقطعن كل رقلة وغراس * فلنا أظهر التودد منها * وبها منكم كجز المواسى * فلقد غاضنى وغاض سوائى * قربهم من نمارق وكراسى * * انزلوها بحيث أنزلها الله بدار الهوان والاتعاس واذكروا مصرع الحسين وزيدا * وقتيلا بجانب المهراس * والقتيل الذى بحران أضحى * ثاويا رهن غربة ونعاس * فامر بهم عبد الله فشدخوا بالعمد وبسط من فوقهم الانطاع فأكل الطعام عليها وأنيهم يسمع حتى ماتوا وذلك بنهر ابى فطرس وكان فيمن قتل محمد بن عبد الملك بن مروان والمعز بن يزيد وعبد الواحد بن سليمان وسعيد بن عبد الملك وأبو عبيدة بن الوليد ابن عبد الملك وقيل ان ابراهيم المخلوع قتل معهم وقيل ان اسديفا هو الذى أنشد هذا الشعر للسفاح وانه الذى قتلهم ثم قتل سليمان بن على بن عبد الله بن العباس بالبصرة جماعة من بنى أمية فامر باشلائهم في الطرق فأكلتهم الكلاب وقيل ان عبد الله

[ 133 ]

ابن على أمر بنبش قبور الخلفاء من بنى أمية فلم يجدوا في القبور الا شبه الرماد وخيطا في قبر معاوية وجمجمة في قبر عبد الملك وربما وجد فيها بعض الاعضاء الا هشام بن عبد الملك فانه وجد كما هو لم يبل فضربه بالسوط ثم صلبه وحرقه وذراه في الريح والله أعلم بصحة ذلك ثم تتبعوا بنى أمية بالقتل فلم يفلت منهم الا الرضعاء أو من هرب إلى الاندلس مثل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام وغيره ممن تبعه من قرابته كما يذكر في أخبارهم * (بقية الصوائف في الدولة الاموية) * قد انتهينا بالصوائف إلى آخر أيام عمر بن عبد العزيز وفى سنة اثنتين ومائة أيام اليزيد غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية أرمينية وهو على الجزيرة قبل أن يلى العراق فهزمهم وأسر منهم خلقا وقتل منهم سبعمائة أسير وغزا العباس بن الوليد الروم أيضا ففتحها لسند ثم غزا سنة ثلاث بعدها فافتتح مدينة رسلة ثم غزا الجراح الحكمى أيام هشام سنة خمس فبلغ وراء بلنجر وغنم وغزا في هذه السنة سعيد بن عبد الملك أرض الروم وبعث ألف مقاتل في سرية فهلكوا جميعا وغزا فيها مروان بن محمد بالصائفة اليمنى ففتح مدينة قريبة من أرض الزوكخ ثم غزا سعيد بن عبد الملك بالصائفة أيام هشام سنة ست ثم غزا مسلمة بن عبد الملك الروم من الجزيرة وهو وال عليها ففتح قيسارية وغزا ابراهيم بن هشام ففتح حصنا وغزا معاوية بن هشام في البحر قبرس وغزا سنة تسع ففتح حصنا آخر يقال له طبسة وغزا سنة عشر بالصائفة عبد الله بن عقبة الفهرى وكان على جيش البحر عبد الرحمن بن معاوية بن خديج وغزا بالصائفة اليسرى سنة احدى عشرة معاوية بن هشام وبالصائفة اليمنى سعيد بن هشام وفى البحر عبد الله بن أبى مريم وافتتح معاوية في صائفة ثلاث عشرة مدينة خرشفة وغزا سنة ثلاث عشرة عبد الله البطال فانهزم فثبت عبد الوهاب من أصحابه فقتل ودخل معاوية بن هشام أرض الروم من ناحية مرعش ثم غزا سنة أربع عشرة بالصائفة اليسرى وأصحاب ربض أفرق والتقى عبد الله البطال مع قسطنطين فهزمه البطال وأسره وغزا سليمان بن هشام بالصائفة اليسرى فبلغ قيسارية وهزم مسلمة بن عبد الملك خاقان وباب الباب وغزا معاوية بن هشام بالصائفة سنة خمس عشرة وغزا سفيان بن هشام بالصائفة اليسرى سنة سبع عشرة وسليمان ابن هشام بالصائفة اليمنى من ناحية الجزيرة وفرق السرايا في أرض الروم وبعث فيها مروان بن محمد من أرمينية فافتتحوا من أرض اللان آهلها أخذها قوما نساه صلحا وغزا معاوية وسليمان أيضا أرض الروم سنة ثمانى عشرة وغزا فيها مروان بن محمد من أرمينية ودخل أرض وارقيس فهرب وارقيس إلى الحرور ونازل حصنه فحاصره وقتل وارقيس بعض من اجتاز به وبعث برأسه إلى مروان ونزل

[ 134 ]

أهل الحصن على حكمه فقتل وسبى وغزا سنة تسع عشرة مروان بن محمد من أرمينية ومر ببلاد اللان إلى بلاد الخزر على بلنجر وسمندر وانتهى إلى خاقان فهرب خاقان منه وغزا سليمان بن هشام سنة عشرين بالصائفة فافتتح سندره وغزا اسحق بن مسلم العقيلى قوما نساه وافتتح قلاعه وخرب أرضه وغزا مروان من أرمينية سنة احدى وعشرين وأفنى قلعة بيت السرير فقتل وسبى ثم قلعة أخرى كذلك ودخل عزسك وهو حصن الملك فهرب منه الملك ودخل حصنا له يسمى جرج فيه سرير الذهب فنازله مروان حتى صالحه على ألف فارس كل سنة ومائة ألف مدنى ثم دخل أرض أرزق ونصران فصالحه ملكها ثم أرض نومان كذلك ثم أرض حمدين فأخرب بلاده وحصر حصنا له شهرا حتى صالحه ثم أرض مسداد ففتحها على صلح ثم نزل كيلان فصالحه أهل طبرستان وكيلان وكل هذه الولايات على شاطئ البحر من أرمينية إلى طبرستان وغزا مسلمة بن هشام الروم في هذه السنة فافتتح بها مطامير وفى سنة اثنتين وعشرين بعدها قتل البطال واسمه عبد الله بن الحسين الانطاكي وكان كثير الغزو في بلاد الروم والاغارة عليهم وقدمه مسلمة على عشرة آلاف فارس فكان يغزو بلاد الروم إلى أن قتل هذه السنة وفى سنة أربعة وعشرين غزا سليمان بن هشام بالصائفة على عهد أبيه فلقى اليون ملك الروم فهزمه وغنم وفى سنة خمسة وعشرين خرجت الروم إلى حصن زنطره وكان افتتحه حبيب بن مسلمة الفهرى وخزينة الروم وبنى بناء غير محكم فأخربوه ثانية أيام مروان ثم بناه الرشيد وطرقه الروم أيام المأمون فشعبوه فأمر ببنائه وتحصينه ثم طرقوه أيام المعتصم وخبره معروف وفى هذه السنة غزا الوليد بن يزيد بالصائفة أخاه العمر وبعث الاسود بن بلال المحاربي بالجيش في البحر إلى قبرس ليجير أهلها بين الشأم والروم فافترقوا فريقين وغزا أيام مروان سنة ثلاثين بالصائفة الوليد بن هشام ونزل العمق وبنى حصن مرعش * (عمال بنى أمية على النواحى) * استعمل معاوية أول خلافته سنة أربعين عبد الله بن عمرو بن العاصى على الكوفة ثم عزله واستعمل المغيرة بن شعبة على الصلاة واستعمل على الخراج وكان على النقباء بها شريح وكان حمران بن أبان قد وثب على البصرة عند ما صالح الحسن معاوية فبعث معاوية بشر بن ارطاة على البصرة وأمده فقتل أولاد زياد بن أبيه وكان عاملا على فارس لعلى بن أبى طالب فقدم البصرة وقد ذكرنا خبره مع بنى زياد فيما قبل ثم ولى على البصرة عبد الله بن عامر بن كرير بن حبيب بن عبد شمس وضم إليه خراسان وسجستان فجعل على شرطته حبيب بن شهاب وعلى القضاء عميرة بن تبرى وقد تقدم لنا

[ 135 ]

أخبار قيس في خراسان وكان عمرو بن العاصى على مصر كما تقدم فولى سنة احدى وأربعين من قبله على افريقية عقبة بن نافع بن عبد قيس وهو ابن خالته فانتهى إلى لواتة ومزاتة فأطاعوه ثم كفروا فغزاهم وقتل وسبى ثم افتتح سنة اثنتين وأربعين بعدها غذا مس وقتل وسبى وافتتح سنة ثلاثة وأربعين بعدها بلد ودان وولى معاوية بالمدينة سنة اثنتين وأربعين مروان بن الحكم فاستقضى عبد الله بن الحرث بن نوفل وولى معاوية على مكة في هذه السنة خالد بن العاصى بن هشام وكان على أرمينية حبيب بن مسلمة الفهرى وولاه عليها معاوية ومات سنة اثنتين وأربعين فولى مكانه واستعمل ابن عامر في هذه السنة على ثغر الهند عبد الله بن سوار العبدى ويقال ولاه معاوية وعزل ابن عامر في هذه السنة قيس بن الهيثم عن خراسان وولى مكانه الحرث ابن عبد الله بن حازم ثم عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة سنة أربع وأربعين وولى مكانه الحرث بن عبد الله الازدي ثم عزله لاربعة أشهر وولى أخاه زيادا سنة خمس وأربعين فولى على خراسان الحكم بن عمر الغفاري وجعل معه على الخراج أسلم بن زرعة الكلابي ثم مات الحكم فولى خليد بن عبد الله الحنفي سنة سبعة وأربعين ثم ولى على خراسان سنة ثمان بعدها غالب بن فضالة الليثى وتولى عمرو بن العاصى سنة تسعة وأربعين فولى مكانه سعيد بن العاصى فعزل عبد الله بن الحرث عن القضاء واستقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن وفى سنة خمسين توفى المغيرة بن شعبة فضم الكوفة إلى أخيه زياد فجاء إليها واستخلف على البصرة سمرة بن جندب وكان يقسم السنة بين المصرين في الاقامة نصفا بنصف وفى سنة خمسين هذه اقتطع معاوية افريقية عن معاوية بن خديج بمصر وولى عقبة بن نافع العهرى وكان مقيما ببرقة وزويلة من فتحها أيام عمرو بن العاصى فأمده بعشرة آلاف فسار إليها وانضاف إليه من أسلم من البربر ودوخ البلاد وبنى بالقيروان وأنزل عساكر المسلمين ثم استعمل معاوية على مصر وافريقية مولاه أبا المهاجر فاساء عزل عقبة وجاء عقبة إلى الشأم فاعتذر إليه معاوية ووعده بعمله ومات معاوية فولاه يزيد سنة اثنتين وستين وذكر الواقدي أن عقبة ولى سنة اثنتين وستين واستعمل أبا المهاجر فولى الامصار فحبس عقبة وضيق عليه وأمره يزيد باطلاقه فوفد عقبة فأعاده إلى عمله فحبس أبا المهاجر وخرج غازيا وأثخن حتى قتله كسيلة كما يأتي في أخباره وفى سنة احدى وخمسين ولى زياد على خراسان الربيع بن زياد الحرث مكان خليد بن عبد الله الحنفي وفى سنة ثلاث وخمسين توفى زياد واستخلف على البصرة سمرة ابن جندب وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد ثم ولى الضحاك بن قيس سنة خمس بعدها وفى هذه السنة مات الربيع بن زياد عامل خراسان قبل موت زياد واستخلفه

[ 136 ]

ابنه عبد الله ومات لشهرين واستخلف خليد بن يربوع الحنفي وكان على صفا بيروز الديلمى من قبل معاوية فمات سنة ثلاث وخمسين وفى سنة أربع وخمسين عزل معاوية عن المدينة سعيد بن العاص ورد إليها مروان بن الحكم ثم عزله سنة سبعة وولى مكانه الوليد بن عقبة بن أبى سفيان وعزل سنة تسعة وخمسين عن البصرة ابن جندب وولى مكانه عبد الله بن عمر بن غيلان وولى على خراسان عبيد الله بن زياد ثم ولاه سنة خمس بعدها على البصرة مكان بن غيلان ثم ولى على خراسان سنة ستة وخمسين سعيد بن عثمان بن عفان وفى سنة ثمانية وخمسين عزل معاوية عن الكوفة الضحاك بن قيس واستعمل مكانه ابن أم الحكم وهى أخته وهو عبد الرحمن بن عثمان الثقفى وطرده أهل الكوفة فولاه مصر فرده معاوية بن خديج وولى مكانه على الكوفة سنة تسعة وخمسين النعمان ابن بشير وولى فيها على خراسان عبد الرحمن بن زياد فقدم إليها قيس بن الهيثم السلمى فحبس أسلم بن زرعة فأغرمه ثلثمائة ألف درهم ثم مات معاوية سنة ستين وولاته على النواحى من ذكرناه وعلى سجستان عباد بن زياد وعلى كرمان شريك بن الاعور وعزل يزيد لاول ولايته الوليد بن عقبة عن المدينة والحجاز وولاها عمر بن سعيد الاشدق ثم عزله سنة احدى وستين ورد الوليد بن عقبة وولى على خراسان سالم بن زياد فبعث سالم إليها الحرث بن معاوية الحرثى وبعث أخاه يزيد إلى سجستان وكان بها أخوهما عباد فخرج عنهما وقاتل يزيد أهل كابل فهزموه فبعث مسلم على سجستان طلحة الطلحات وهو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعى سنة وبعث سنة اثنتين وستين عقبة بن نافع إلى افريقية فحبس أبا المهاجر واستخلف على القيروان زهير بن قيس البلوى كما نذكر في أخباره وتوفى في هذه السنة مسلمة بن مخلد الانصاري أمير مصر ثم هلك يزيد سنة أربع وستين واستخلف أهل العراق على عبيد الله بن زياد وولى أهل البصرة عليهم عبد الله ابن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب ويلقب ببه وهرب ابن زياد إلى الشأم وجاء إلى الكوفة عامر بن مسعود من قبل ابن الزبير وبلغه خلاف أهل الرى وعليهم الفرحان فبعث عليهم محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب فهزموه فبعث عتاب بن ورقاء فهمزمهم ثم بويع مروان وسار إلى مصر فملكها من يد عبد الرحمن بن حجام القرشى داعية ابن الزبير وولى عليها عمر بن سعيد ثم بعثه للقاء مصعب بن الزبير لما بعثه أخوه عبد الله إلى الشام وولى على مصر ابنه عبد العزيز فلم يزل عليها واليا إلى أن هلك لسنة خمسة وثمانين فولى عبد الملك عليها ابنه عبد الله بن عبد الملك وخلع أهل خراسان بعد يزيد سالم بن زياد واستخلف المهلب بن أبى صفرة ثم ولى مسلم عبدا لله بن حازم فاستبد بخراسان إلى حين ثم أخرج أهل الكوفة عمر بن حريث خليفة بن زياد وبايعوا لابن الزبير وقدم المختار بن

[ 137 ]

أبى عبيد أميرا على الكوفة من قبله بعد ستة أشهر من مهلك يزيد وامتنع شريح من القضاء أيام الفتنة واستعمل ابن الربير على المدينة أخاه مصعبا سنة خمس وستين مكان أخيه عبد الله وثار بنو تميم بخراسان على عبد الله بن حازم فغلبه عليها بكير بن وشاح وغلب المختار على ابن مطيع عامل ابن الزبير بالكوفة سنة ست وستين (ثم مات) مروان سنة خمس وستين وولى عبد الملك وولى ابن الزبير أخاه مصعبا على البصرة وولى مكانه بالمدينة جابر بن الاسود بن عوف الزهري ثم ملك عبد العزيز العراق سنة احدى وسبعين واستعمل على البصرة خالد بن عبد الله بن أسد وعلى الكوفة أخاه بشر بن مروان وكان على خراسان عبد الله ابن حازم بدعوة ابن الزبير فقام بكير بن وشاح التميمي بدعوة عبد الملك وقتله وولاه عبد الملك خراسان وكان على المدينة طلحة بن عبد الله بن عوف بدعوة ابن الزبير بعد جابر بن الاسود فبعث عبد الملك طارق بن عمر مولى عثمان فغلبه عليها ثم قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين وانفرد عبد الملك بالخلافة وولى على الجزيرة وأرمينية أخاه محمدا وعزل خالد بن عبد الله عن البصرة وضمها إلى أخيه بشر فسار إليها واستخلف على الكوفة عمر بن حريث وولى على الحجاز واليمن واليمامة الحجاج بن يوسف وبعثه من الكوفة لحرب ابن الزبير وعزل طارقا عن المدينة وسار من جنده وفى سنة أربع وسبعين استقضى أبا ادريس الخولانى وأمر بشر أخاه أن يبعث المهلب بن أبى صفرة لحرب الازارقة وعزل عن خراسان بكير بن وشاح وولى مكانه أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد فبعث أمية ابنه عبد الله على سجستان وكان على افريقية زهير بن قيس البلوى فقتله البربر سنة تسع وستين وشغلى عبد الملك بفتنة ابن الزبير فلما فرغ منها بعث إلى افريقية سنة أربع وسبعين حسان بن النعمان القيسانى في عساكر لم ير مثلها فأثخن فيها وافترقت جموع الروم والبربر وقتل الكاهنة كما يذكر في أخبار افريقية ثم ولى عبد الملك سنة وسبعين الحجاج بن يوسف على العراق فقط وولى على السند سعيد بن أسلم بن زرعة وقتل في حروبها وكان أمر الخوارج وفى سنة ست وسبعين ولى على المدينة أبان بن عثمان وكان على قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة زرارة بن أبى أوفى بعد هشام بن هبيرة وعلى قضاء المدينة عبد الله بن قشير بن مخرمة ثم كانت حروب الخوارج كما نذكر في أخبارهم وفى سنة ثمان وسبعين عزل عبد الملك أمية بن عبد الله عن خراسان وسجستان وضمهما إلى الحجاج بن يوسف فبعث الحجاج على خراسان المهلب بن أبى صفرة وعلى سجستان عبد الله بن ابى بكرة وولى على قضاء البصرة موسى بن أنس

[ 138 ]

واستعفى شريح بن الحرت من القضاء بالكوفة فولى مكانه أبا بردة بن أبى موسى ثم ولى على قضاء البصرة عبد الرحمن بن أذينة وخرج عبد الرحمن بن الاشعث فملك سجستان وكرمان وفارس والبصرة ثم قتل ورجعت إلى حالها وذلك سنة احدى وثمانين وفى سنة اثنتين وثمانين مات المهلب بن أبى صفرة واستخلف ابنه يزيد على خراسان فأقره الحجاج وفى هذه السنة عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة وولى مكانه هشام بن اسمعيل المخزومى فعزل هشام نوفل بن مساحق عن القضاء وولى مكانه عمر بن خالد الزرقى وبنى الحجاج مدينة واسط وفى سنة خمس وثمانين عزل الحجاج يزيد بن المهلب عن خراسان وولى مكانه هشام أخاه المفضل قليلا ثم ولى قتيبة بن مسلم وتوفى عبد الملك وعزل الوليد لاول ولايته هشام بن اسمعيل عن المدينة وولى مكانه عمر بن عبد العزيز فولى على القضاء أبا بكر بن عمر بن حزم وولى الحجاج على البصرة الجراح بن عبد الله الحكمى وولى على قضائها عبد الله بن أذينة وعلى قضاء الكوفة أبا بكر بن أبى موسى الاشعري وفى سنة تسع وثمانين ولى الوليد على مكة خالد بن عبد الله القسرى وكان على ثغر السند محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبى عقيل الثقفى وهو ابن عم الحجاج ففتح السند وقتل ملكه وكان على مصر عبد الله بن عبد الملك ولاه عليها أبوه ففل ملكها فعزله الوليد في هذه السنة وولى مكانه قرة بن شريك وعزل خالدا عن الحجاز وولى عمر بن عبد العزيز وفى سنة احدى وتسعين عزل الوليد عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأرمينية وولى مكانه أخاه مسلمة بن عبد الملك وكان على طندة في قاصية المغرب طارق بن زياد عاملا لمولاه موسى بن نصير عامل الوليد بالقيروان فأجاز البلاد والبحر إلى بلاد الاندلس وافتتحها سنة اثنتين وتسعين كما يذكر في أخبارها وفى سنة ثلاث وتسعين عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز وولى مكانه خالد بن عبد الله على مكة وعثمان بن حيان على المدينة ومات الحجاج سنة خمس وتسعين ثم مات الوليد سنة ست وتسعين وفيها قتل قتيبة بن مسلم لانتقاضه على سليمان وولاها سليمان يزيد بن المهلب وفيها مات قرة بن شريك وكان على المدينة أبو بكر بن محمد بن عمر بن حزم وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن موسى وعلى قضاء البصرة عبد الرحمن بن أذينة وفى سنة سبع وتسعين عزل سليمان بن موسى بن نصير عن افريقية وولى مكانه محمد بن يزيد القرشى حتى مات سليمان فعزل واستعمل عمر مكانه اسمعيل بن عبد الله وفى سنة ثمان وتسعين كان فتح طبرستان وجرجان أيام سليمان بن عبد الملك على يد يزيد ابن المهلب وفى سنة تسع وتسعين استعمل عمر بن عبد العزيز على البصرة عدى بن

[ 139 ]

ارطاة الفزارى وأمره بابقاء يزيد بن المهلب موثوقا فولى على القضاء الحسن بن أبى الحسن البصري ثم اياس بن معاوية وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن يزيد بن الخطاب وولى على المدينة عبد العزيز بن ارطاة وولى على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمى ثم عزل سنة مائة وولى عبد الرحمن بن نعيم القرشى وولى على الجزيرة عمر بن هبيرة الفزارى وعلى افريقية اسمعيل بن عبد الله مولى بنى مخزوم وعلى الاندلس السمح بن مالك الخولانى ثم في سنة احدى ومائة عزل اسمعيل عن افريقية وولاها يزيد بن أبى مسلم كاتب الحجاج فلم يزل عليها إلى أن قتل وفى سنة اثنتين ومائة ولى يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة على العراق وخراسان فولى على خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحرث بن الحكم ابن أبى العاصى بن أمية ويقال له سعيد خدينة ثم استحيا من مسلمة في أمر الجراح فعزله وولى مكانه ابن يزيد بن هبيرة فجعل على قضاء الكوفة القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن مسعود وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى وكان على مصر أسامة بن زيد وليها بعد قرة بن شريك وولى ابن هبيرة على خراسان سعيدا الحريشى مكان حذيفة وفى سنة ثلاث ومائة جمع يزيد مكة والمدينة لعبد الرحمن بن الضحاك وعزل عبد العزيز بن عبد الله بن خالد عن مكة وعن الطائف وولى مكانه على الطائف عبد الواحد بن عبد الله البصري وفى سنة أربع ومائة ولى يزيد على أرمينية الجراح بن عبد الله الحكمى وعزل عبد الرحمن بن الضحاك عن مكة والمدينة لثلاث سنين من ولايته وولى عليهما مكانه عبد الواحد النصرى وعزل ابن هبيرة سعيدا الحريشى عن خراسان وولى عليها مسلم بن سعيد ابن أسلم بن زرعة الكلابي وولى على قضاء الكوفة الحسين بن حسين الكندى ومات يزيد بن عبد الملك سنة خمس وولى هشام فعزل ابن هبيرة عن العراق وولى مكانه خالد بن عبد الله القسرى واستعمل خالد على خراسان أخاه أسدا سنة سبع ومائة وعزل مسلم بن سعيد وولى على البصرة عقبة بن عبد الاعلى وعلى قضائها تمامة بن عبد الله بن أنس وولى على السند الجنيد بن عبد الرحمن واستعمل هشام على الموصل الحر بن يوسف وعزل عبد الواحد النصرى عن الحجاز وولى مكانه ابراهيم بن هشام بن اسمعيل المخزومى واستقضى بالمدينة محمد بن صفوان الجمحى ثم عزله واستقضى الصلت الكندى وعزل الجراح بن عبد الله عن ارمينية واذربيجان وولى مكانه أخاه مسلمة فولى عليها الحرث ابن عمر الطائى وكان على اليمن سنة ثمان يوسف بن عمر وفى سنة تسع عزل خالد أخاه أسدا عن خراسان وولى هشام عليها أشرس بن عبد الله السلمى وأمره أن يكاتب خالدا بعد أن كان خالد ولى الحكم بن عوانة الكلبى مكان أخيه فلم يقر فعزله هشام ومات في سنة تسع عامل القيروان بشر بن صفوان فولى هشام مكانه عبيدة بن عبد الرحمن بن

[ 140 ]

الاغر السلمى فعزل عبيدة يحيى بن سلمة الكلبى عن الاندلس واستعمل حذيفة بن الاخوص الاشجعى ثم عزل لستة أشهر ووليها عثمان بن أبى تسعة الخثعمي وفى سنة عشر ومائة جمع خالد الصلاة والاحداث والشرط والقضاء بالبصرة لبلال بن أبى بردة وعزل تمامة عن القضاء وفى سنة احدى عشرة عزل هشام عن خراسان أشرس بن عبد الله وولى مكانه الجنيد بن عبد الرحمن بن الحرث بن خارجة بن سنان بن أبى حارثة المرى وولى على ارمينية الجراح بن عبد الله الحكمى وعزل مسلمة وفيها عزل عبيدة بن عبد الرحمن عامل افريقية وعثمان بن أبى تسعة عن الاندلس وولى مكانه الهيثم بن عبيد الكنانى وفى سنة اثنتى عشرة قتل الجراح بن عبد الله صاحب ارمينية قتله التركمان فولى هشام مكانه سعيدا الحريشى ومات الهيثم عامل الاندلس وولوا على أنفسهم مكانه محمد بن عبد الله الاشجعى شهرين وبعده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي من قبيل ابن عبد الرحمن السلمى عامل افريقية وغزا افرنجة فاستشد فولى عبيدة مكانه عبد الملك بن قطن الفهرى وعزل عبيدة عن افريقية وولى مكانه عبيد الله بن الحبحاب وكان على مصر فسار إليها وفى سنة أربع عشرة عزل هشام مسلمة عن أرمينية وولى مكانه مروان بن محمد بن مروان وعزل ابراهيم بن هشام عن الحجاز وولى مكانه على المدينة خالد بن عبد الملك بن الحرث بن الحكم وعلى مكة والطائف محمد بن هشام المخزومى وفى سنة ست عشرة ومائة عزل هشام الجنيد بن عبد الرحمن المرى عن خراسان وولى مكانه عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي وفيها استعمل عبد الله بن الحبحاب على الاندلس عقبة بن الحجاج القيسي مكان عبد الملك بن قطن ففتح خليتيه وفى سنة سبع عشرة ومائة عزل هشام عاصم بن عبد الله عن خراسان وولى مكانه خالد بن عبد الله القسرى فاستخلف خالد أخاه أسدا وولى هشام على افريقية والاندلس عبيد الله بن الحبحاب وكان على مصر فسار إليها واستخلف على مصر ولده وولى على الاندلس عقبة بن الحجاج وعلى طنجة ابنه اسمعيل وبعث حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع غازيا إلى المغرب فبلغ السوس الاقصى وأرض السودان وفتح وغنم وأغزاه إلى صقلية سنة اثنتين وعشرين ومائة ففتح أكثرها ثم استدعاه لفتنة ميسرة كما نذكره في أخبارهم وفى سنة ثمان عشرة عزل هشام عن المدينة خالد بن عبد الملك بن الحرث وولى مكانه محمد بن هشام بن اسمعيل وفى سنة عشرين مات أسد بن عبد الله الخراساني وولى مكانه نصر بن سيار وعزل هشام خالدا القسرى عن جميع أعماله بالعراقين وخراسان وولى مكانه يوسف بن عمر الثقفى استقدمه إليها من ولاية اليمن فأقر نصر بن سيار على خراسان وكان على قضاء الكوفة ابن شرمة وعلى قضاء البصرة عامر بن عبيدة وولى يوسف بن عمر بن شرمة على سجستان واستقضى مكانه محمد بن عبد الرحمن

[ 141 ]

ابن أبى ليلى وكان على قضاء البصرة اياس بن معاوية بن قرة فمات في هذه السنة وفى سنة ثلاث وعشرين قتل كلثوم بن عياض الذى حثه هشام لقتال البربر بالمغرب وتوفى عقبة بن الحجاج أمير الاندلس وقيل بل خلعوه وولى مكانه عبد الملك بن قطن ولايته الثانية كما يذكر وفى سنة أربع وعشرين ظهر أمر أبى مسلم بخراسان وتلقب بلخ على الاندلس ثم مات وكان سار إليها من فل كلثوم بن عياض لما قتله البربر بالمغرب وولى هشام على الاندلس أبا الخطار حسام بن ضرار الكلبى فأمر حنظلة بن صفوان أن يوليه فولاه وكان ثعلبة بن خزامة سلامة الجرابى قد ولوه بعد بلخ فعزله أبو الخطار وفى هذه السنة ولى الوليد بن يزيد خالد بن يوسف بن محمد بن يوسف الثقففى على الحجاز فأسره ثم قتل الوليد سنة ست وعشرين فعزل يزيد عن العراق يوسف بن عمر وولى مكانه منصور ابن جمهور فبعث عامله على خراسان فامتنع نصر بن سيار من تسليم العمل له ثم عزل يزيد منصور بن جمهور وولى مكانه على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وغلب حنظلة على افريقية عبد الرحمن بن حبيب كما يذكر في خيرها وعزل يزيد عن المدينة يوسف بن محمد بن يوسف وولى مكانه عبد العزيز بن عمر بن عثمان وغلب سنة سبع وعشرين عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على الكوفة وولى مروان على الحجاز عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وعلى العراق النضر بن سعيد الحريشى وامتنع ابن عمر من استلام العمل إليه ووقعت الفتنة بينهم ولحق ابن عمر بالخوارج كما يذكر في أخبارهم واستولى بنو العباس على خراسان وفى سنة تسع وعشرين ولى يوسف بن عبد الرحمن الفهرى على الاندلس بعد نوابة بن سلامة كما يأتي في أخبارهم وولى مروان على الحجاز عبد الواحد وعلى العراق يزيد بن عمر بن هبيرة وفى سنة ثلاثين ملك أبو مسلم خراسان وهرب عنها نصر بن سيار فمات بنواحي همذان سنة احدى وثلاثين وجاء المسودة عليهم قحطبة فطلبوا ابن هبيرة على العراق وملكوه وبايعوا خليفتهم أبا العباس السفاح ثم غلبوا مروان على الشام ومصر وقتلوه وانقرض أمر بنى أمية وعاد الامر والخلافة لبنى العباس والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده وهذه أخبار بنى أمية مخلصة من كتاب أبى جعفر الطبري ولنرجع إلى أخبار الخوارج كما شرطنا في اخبارها بالذكر والله المعين لا رب غيره * (الخبر عن الخوارج وذكر أوليتهم وتكرر خروجهم في الملة الاسلامية) * قد تقدم لنا خبر الحكمين في حرب صفين واعتزل الخوارج عليا منكرين للتحكيم مكفرين به ولاطفهم في الرجوع عن ذلك وناظرهم فيه بوجه الحق فلجوا وأبوا الا الحرب وجعلوا شعارهم النداء بلا حكم الا لله وبايعوا عبد الله بن وهب الراسبى

[ 142 ]

وقاتلهم على بالنهروان فاستلحمهم أجمعين ثم خرج من فلهم طائفة بالانبار فبعث إليهم من استلحمهم ثم طويفة أخرى مع هلال بن علية فبعث معقل بن قيس فقتلهم ثم أخرى ثالثة كذلك ثم أخرى على المدائن كذلك ثم أخرى بشهرزور كذلك وبعث شريح بن هانئ فهزموه فجرح واستلحمهم أجمعين واستأمن من بقى فأمنهم وكانوا نحو خمسين وافترق شمل الخوارج ثم اجتمع من وجدانهم الثلاثة الذين توعدوا لقتل على ومعاوية وعمرو بن العاص فقتل بالسهم عبد الرحمن بن ملجم عليا رضى الله عنه وباء باثمه وسلم الباقون ثم اتفقت الجماعة على بيعة معاوية سنة احدى وأربعين واستقل معاوية بخلافة الاسلام وقد كان فروة بن نوفل الاشجعى اعتزل عليا والحسن ونزل شهرزور وهو في خمسمائة من الخوارج فلما بويع معاوية قال فروة لاصحابه قد جاء الحق فجاهدوا واقبلوا فنزلوا النخيلة عند الكوفة فاستنفر معاوية أهل الكوفة فخرجوا لقتالهم وسألوا أهل الكوفة أن يخلوا بينهم وبين معاوية فأبوا فاجتمعت أشجع على فروة وأتوا له من القتال ودخلوا الكوفة قهرا واستعمل الخوارج بعده عبد الله بن أبى الحريشى من طيئ وقاتلوا أهل الكوفة فقاتلوا وابن أبى الحريشى معهم ثم اجتمعوا بعده على حوثرة بن وداع الاسدي وقدموا إلى النخيلة في مائة وخمسين ومعهم فل ابن أبى الحريشى وبعث معاوية إلى حوثرة أباه ليرده عن شأنه فأبى فبعث إليهم عبد الله بن عوف في معسكر فقتله وقتل أصحابه الا خمسين دخلوا الكوفة وتفرقوا فيها وذلك في جمادى الاخيرة سنة احدى وأربعين وسار معاوية إلى الشأم وخلف المغيرة بن شعبة فعاد فروة بن نوفل الاشجعى إلى الخروج فبعث إليه المغيرة خيلا عليها ابن ربعى ويقال معقل بن قيس فلقيه بشهرزور فقتله ثم بعث المغيرة إلى شبيب بن أبجر من قتله وكان من أصحاب ابن ملجم وهو الذى أتى معاوية يبشره بقتل على فخافه على نفسه وأمر بقتله فتنكر بنواحي الكوفة إلى أن بعث المغيرة من قتله ثم بلغ المغيرة أن بعضهم يريد الخروج وذكر له معن بن عبد الله المحاربي فحبسه ثم طالبه بالبيعة لمعاوية فأبى فقتله ثم خرج على المغيرة أبو مريم مولى بنى الحرث بن كعب فأخرج معه النساء فبعث المغيرة من قتله وأصحابه ثم حكم أبو ليلى في المسجد بمشهد الناس وخرج في اثنين من الموالى فأتبعه المغيرة معقل بن قيس الرباحى فقتله بسور الكوفة سنة اثنتين وأربعين ثم خرج على ابن عامر في البصرة سهم بن غانم الجهنى في سبعين رجلا منهم الحطيم وهو يزيد بن حالك الباهلى ونزلوا بين الجسرين والبصرة ومر بهم بعض الصحابة منقلبا من الغزو فقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه وقالوا هؤلاء كفرة وخرج إليهم ابن عامر فقتل منهم عدة وأمن باقيهم ولما أتى زياد البصرة سنة خمس وأربعين هرب منهم الحطيم إلى الاهواز وجمع ورجع

[ 143 ]

إلى البصرة فافترق عنه أصحابه فاختفى وطلب الامان من زياد فلم يؤمنه ثم دل عليه فقتله وصلبه بداره وقيل بل قتله عبد الله بعد زياد سنة أربع وخمسين ثم اجتمع الخوارج بالكوفة على المستورد بن عقلة التيمى من تيم الرباب وعلى حيان بن ضبيان السلمى وعلى معاذ بن جوين الطائى وكلهم من فل النهروان الذين ارتموا في القتلى ودخلوا 3 الكوفة بعد مقتل على واجتمعوا في أربعمائة في منزل حيان بن ضبيان وتشاوروا في الخروج وتدافعوا الامارة ثم اتفقوا على المستورد وبايعوه في جمادى الاخيرة وكبسهم المغيرة في منزلهم فسجن حيان وأفلت المستورد فنزل الحيرة واختلف إليه الخوارج وبلغ المغيرة خبرهم فخطب الناس وتهدد الخوارج فقام إليه معقل بن قيس فقال ليكفك كل رئيس قومه وجاء صعصعة بن صوحان إلى عبد القيس وكان عالما بمنزلهم عند سليم بن مخدوج العبدى الا أنه لا يسلم عشيرته فخرجوا ولحقوا بالصراة في ثلثمائة فجهز إليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف وجعل معظمهم من شيعة على وخرج معقل في الشيعة وجاء الخوارج ليعبروا النهر إلى المدائن فمنعهم عاملها سمال بن عبد العبسى ودعاهم إلى الطاعة على الامان فأبوا فساروا إلى المذار وبلغ ابن عامر بالبصرة خبرهم فبعث شريك بن الاعور الحارثى في ثلاثة آلاف من الشيعة وجاء معقل بن قيس إلى المدائن وقد ساروا إلى المذار فقدم بين يديه أبا الرواع الشاكرى في ثلثمائة وسار ولحقهم أبو الرواع بالمذار فقاتلهم ثم لحقه معقل بن قيس متقدما أصحابه عند المساء فحملت الخوارج عليه فثبت وباتوا على تعبية وجاء الخبر إلى الخوارج بنهوض شريك بن الاعور من البصرة فأسروا من ليلتهم راجعين وأصبح معقل واجتمع بشريك وبعث أبا الرواع في أتباعهم في ستمائة فلحقهم بجرجان فقاتلهم فهزمهم إلى ساباط وهو في اتباعهم ورأى المستورد أن هؤلاء مع ابى الرواع حماة أصحاب معقل فتسرب عنهم إلى معقل وأبو الرواع في اتباعه ولما لحق بمعقل قاتلهم قتالا وأدركهم أبو الرواع بعد أن لقى كثيرا من أصحاب معقل منهزمين فردهم واقتتلوا قتالا شديدا وقتل المستورد معقلا طعنه بالرمح فانفذه وتقدم معقل والرمح فيه إلى المستورد فقسم دماغه بالسيف وماتا جميعا وأخذ الراية عمر بن محرز بن شهاب التميمي بعهد معقل بذلك ثم حمل الناس على الخوارج فقتلوهم ولم ينج منهم الا خمسة أو ستة وعند ابن الكلبى ان المستورد من تيم من بنى رباح خرج بالبصرة أيام زياد قريب الازدي ورجاف الطائى ابنا الخالة وعلى البصرة سمرة بن جندب وقتلوا بعض بنى ضبة فخرج عليهم شبان من بنى على وبنى راسب فرموهم بالنبل وقتل قريب وجاء عبد الله بن أوس الطائى برأسه واشتد زياد في أمر الخوارج وسمرة وقتلوا منهم خلقا ثم خرج سنة اثنتين وخمسين على زياد ابن حراش العجلى في ثلثمائة بالسواد

[ 144 ]

فبعث إليهم زياد سعد بن حذيفة في خيل فقتلوهم وخرج أيضا أصحاب المستورد حيان ابن ضبيان ومعاذ من طيئ فبعث اليهما من قتلهما وأصحابهما وقيل بل استأمنوا وافترقوا ثم اجتمع بالبصرة سنة ثمان وخمسين سبعون رجلا من الخوارج من عبد القيس وبايعوا طواف بن على أن يفتكوا بابن زياد وكان سبب ذلك أن ابن زياد حبس جماعة من الخوارج بالبصرة وحملهم على قتل بعضهم بعضا وخلى سبيل القانلين ففعلوا وأطلقهم وكان منهم طواف ثم ندموا وعرضوا على أولياء المقتولين القود والدية فأبوا وأفتاهم بعض علماء الخوارج بالجهاد لقوله تعالى ثم ان ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا الآية فاجتمعوا للخروج كما قلنا وسعى بهم إلى ابن زياد فاستعجلوا الخروج وقتلوا رجلا ومضوا إلى الجلحاء كما قلنا فندب ابن زياد الشرط والمحاربة فقاتلوهم فانهزم الشرط أولا ثم كثرهم الناس فقتلوا عن آخرهم واشتد ابن زياد على الخوارج وقتل منهم جماعة كثيرة منهم عروة بن أدبة أخو مرداس وأدبة أمهما وأبوهما جرير بن تميم وكان وقف على ابن زياد يوما يعظه فقال أتبنون بكل ريع آية تعبثون الآيات فظن ابن زياد أن معه غيره فأخذه وقطعه وقتل ابنيه وكان أخوه مرداس من عظمائهم وعبادهم وممن شهد النهروان بالاستعراض ويحرم خروج النساء ولا يرى بقتال من لا يقاتله وكانت امرأته من العابدات من بنى يربوع وأخذها ابن زياد فقطعها والح ابن زياد في طلب الخوارج وقتلهم وخلى سبيل مرداس من بينهم لما وصف له من عبادته ثم خاف فخرج إلى الاهواز وكان يأخذ مال المسلمين إذا مر به فيعطى منه أصحابه ويرد الباقي وبعث ابن زياد إليهم أسلم بن زرعة الكلابي في ألفى رجل ودعاهم إلى معاودة الجماعة فأبوا وقاتلوهم فهزموا أسلم وأصحابه فسرح إليهم ابن زياد عباد بن علقمة المازنى ولحقهم بتوج وهم يصلون فقتلهم أجمعين ما بين راكع وساجد لم يتغيروا عن حالهم ورجع إلى البصرة برأس أبى بلال مرداس فرصده عبيدة ابن هلال في ثلاثة نفر عند قصر الامارة ليستفتيه فقتلوه واجتمع عليهم الناس فقتلوا منهم وكان على البصرة عبيد الله بن أبى بكرة فأمره زياد بنتبع الخوارج إلى أن تقدم فحبسهم وأخذ الكفلاء على بعضهم وأتى بعروة بن أدبة فقال أنا كفيلك وأطلقه ولما جاء ابن زياد قتل المحبوسين منهم والمكفولين وطالب ابن أبى بكرة بعروة بن أدبة فبحث عنه حتى ظفر به وجاء به إلى ابن زياد فقطعه وصلبه سنة ثمان وخمسين ثم مات يزيد واستفحل أمر ابن الزبير بمكة وكان الخوارج لما اشتد عليهم ابن زياد بعد قتل أبى بلال مرداس أشار عليهم نافع بن الازرق منهم باللحاق بابن الزبير لجهاد عساكر يزيد لما ساروا إليه قالوا وان لم يكن على رأينا داحضا عن البيت وقاموا يقاتلون معه

[ 145 ]

فلما مات يزيد وانصرفت العساكر كشفوا عن رأى ابن الزبير فيهم وجاؤه يرمون من عثمان ويتبرؤن منه فصرح بمخالفتهم وقال بعد خطبة طويلة أثنى فيها على الشيخين وعلى وعثمان واعتذر عنه فيما يزعمون وقال أشهدكم ومن حضرني أنى ولى لابن عفان وعدو لاعدائه قالوا فبرئ الله منك قال بل برئ الله منكم فافترقوا عنه وأقبل نافع ابن الازرق الحنظلي وعبد الله بن صفار السعدى وعبد الله بن أباض وحنظلة بن بيهس وبنو الماخور عبد الله وعبيد الله والزبير من بنى سليط بن يربوع وكلهم من تميم حتى أتوا البصرة وانطلق أبو طالوت عن بنى بكر بن وائل وأبو فديك عبد الله ابن نور بن قيس بن ثعلبة وعطية بن الاسود اليشكرى إلى اليمامة فوثبوا بها مع أبى طالوت ثم تركوه ومالوا عنه إلى نجدة بن عامر الحنفي ومن هنا افترقت الخوارج على أربع فرق الازارقة أصحاب نافع بن الازرق الحنفي وكان رأيه البراءة من سائرة المسلمين وتكفيرهم والاستعراض وقتل الاطفال واستحلال الامانة لاته يراهم كفارا والفرقة الثانية النجدية وهم بخلاف الازارقة في ذلك كله والفرقة الثالثة الاباضية اصحاب عبد الله بن اباض المرى وهم يرون أن المسلمين كلهم يحكم لهم بحكم المنافقين فلا ينتهون إلى الرأى الاول ولا يقفون عند الثاني ولا يحرمون مناكحة المسلمين ولا موارثتهم ولا المنافقين فيهم وهم عندهم كالمنافقين وقول هؤلاء أقرب إلى السنة ومن هؤلاء البيهسية أصحاب أبى بيهس هيصم بن جابر الضبعى والفرقة الرابعة الصفرية وهم موافقون للاباضية الا في العقدة فان الاباضية أشد على العقدة منهم وربما اختلفت هذه الآراء من يعد ذلك واختلف في تسمية الصفرية فقيل نسبوا إلى ابن صفار وقيل اصفروا بما نهكتهم العبادة وكانت الخوارج من قبل هذا الافتراق على رأى واحد لا يختلفون الا في الشاذ من الفروع وفى أصل اختلافهم هذا مكاتبات بين نافع بن الازرق وأبى بيهس وعبد الله بن اباض ذكرها المبرد في كتاب الكامل فلينظر هناك (ولما جاء نافع) إلى نواحى البصرة سنة أربع وستين فأقام بالاهواز يعترض الناس وكان على البصرة عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب فسرح إليه مسلم عبس بن كويز بن ربيعة من أهل البصرة باشارة الاحنف بن قيس فدافعه عن نواحى البصرة وقاتله بالاهواز وعلى ميمنة مسلم الحجاج بن باب الحميرى وعلى ميسرته حارثة ابن بدر العدابى وعلى ميمنة ابن الازرق عبيدة بن هلال وعلى ميسرته الزبير بن الماخور التميمي فقتل مسلم ثم قتل نافع وأمر أهل البصرة عليهم الحجاج بن باب والخوارج عبد الله بن الماخور ثم قتل الحجاج وعبد الله فأمر أهل البصرة ربيعة بن الاخدم والخوارج عبيد الله بن الماخور ثم اقتتلوا حتى أمسوا وجاء إلى الخوارج مدد

[ 146 ]

فحملوا على أهل البصرة فهزموهم وقتل ربيعة وولوا مكانه حارثة بن بدر فقاتل وردهم على الاعقاب ونزل الاهواز ثم عزل عن البصرة عبد الله بن الحرث وبعث ابن الزبير عليها الحرث القباع بن أبى ربيعة فزحف الخوارج إلى البصرة وأشار الاحنف بن قيس بتولية المهلب حروبهم وقد كان ابن الزبير ولاه خراسان فكتبوا لابن الزبير بذلك فأجاب واشترطوا للمسلم ما سأل من ولاية ما غلب عليه والاعانة بالاموال فاختار من الجند اثنى عشر ألفا وسار إليهم فدفعهم عن الجسر وجاء حارثة بن بدر بمن كان معه في قتال الخوارج فردهم الحرث إلى المهلب وركب حارثة البحر يريد البصرة فغرق في النهر وسار المهلب وعلى مقدمته ابنه المغيرة فقاتلهم المقدمة ودفعوهم عن سوق الاهواز إلى مادر ونزل المهلب بسولاف وقاتله الخوارج وصدقوا الحملة فكشفوا أصحاب المهلب ثم ترك من الغد قتالهم وقطع دجيل ونزل العقيل ثم ارتحل فنزل قريبا منهم وخندق عليه وأذكى العيون والحرس وجاء منهم عبيدة بن هلال والزبير بن الماخور في بعض الليالى ليبيتوا عسكر المهلب فوجدوهم حذرين وخرج إليهم المهلب من الغد في تعبية والازد وتميم في ميمنته وبكر وعبد القيس في ميسرته وأهل العالية في القلب وعلى ميمنة الخوارج عبيدة بن هلال اليشكرى وعلى ميسرتهم الزبير ابن الماخور واقتتلوا ونزل الصبر ثم شدوا على الناس فأجفل عسكر المهلب وانهزم وسبق المنهزمين إلى ربوة ونادى فيهم فاجتمع له ثلاثة آلاف أكثرهم من الازد فرجع بهم وقصد عسكر الخوارج واشتد قتالهم ورموهم بالحجارة وقتل عبد الله بن الماخور وكثير منهم وانكفؤا راجعين إلى كرمان وناحية اصبهان منهزمين واستخلفوا عليهم الزبير بن الماخور وأقام المهلب بمكانه حتى جاء مصعب بن الزبير أميرا على البصرة وعزل المهلب (وأما نجدة) وهو نجدة بن عامر بن عبد الله بن سيار بن مفرج الحنفي وكان مع نافع بن الازرق فلما افترقوا سار إلى اليمامة ودعا أبو طالوت إلى نفسه وهو من بكر ابن وائل وتابعه نجدة ونهب الحصارم بلد بنى حنيفة وكان فيها رقيق كثير يناهز أربعة آلاف فقسمها في أصحابه وذلك سنة خمس وستين واعترض عيرا من البحرين جاءت لابن الزبير فأخذها وجاء بها إلى أبى طالوت فقسمها بين أصحابه ثم رأى الخوارج ان نجدة خير لهم من أبى طالوت فخالفوه وبايعوا نجدة وسار إلى بنى كعب بن ربيعة فهزمهم وأثخن فيهم ورجع نجدة إلى اليمامة في ثلاثة آلاف ثم سار إلى البحرين سنة سبع وستين فاجتمع أهل البحرين من عبد القيس وغيرهم على محاربته وسالمته الازد والتقوا بالعطيف فانهزمت عبد القيس وأثخن فيهم نجدة وأصحابه وأرسل سرية إلى الخط فظفروا بأهله ولما قدم مصعب بن الزبير البصرة سنة تسع وستين بعث عبد الله

[ 147 ]

ابن عمر الليثى الاعور في عشرين ألفا ونجدة بالعطيف فقاتلوهم وهزمهم نجدة وغنم ما في عسكرهم وبعث عطية بن الاسود الحنفي من الخوارج إلى عمان وبها عباد ابن عبد الله شيخ كبير فقاتله عطية فقتله وأقام أشهرا وسار عنها واستخلف عليها بعض الخوارج فقتله أهل عمان وولوا عليهم سعيدا وسليمان ابني عباد ثم خالف عطية نجدة وجاء إلى عمان فامتنعت منه فركب البحر إلى كرمان وأرسل إليه المهلب جيشا فهرب إلى سجستان ثم إلى السند فقتله خيل المهلب بقندابيل ثم بعث نجدة المعرفين إلى البوادى بعد هزيمة ابن عمير فقاتلوا بنى تميم بكاظمة وأعانهم أهل طويلع فبعث نجدة من استباحهم وأخذ منهم الصدقة كرها ثم سار إلى صنعاء فبايعوه وأخذ الصدقة من مخاليفها ثم بعث أبا فديك إلى حضرموت فأخذ الصدقة منهم وحج سنة ثمان وستين في تسعمائة رجل وقيل في ألفين ووقف ناحية عن ابن الزبير على صلح عقد بينهما ثم سار نجدة إلى المدينة وتأهبوا لقتاله فرجع إلى الطائف وأصاب بنتا لعبد الله ابن عمر بن عثمان فضمها إليه وامتحنه الخوارج بسؤاله بيعها فقال قد أعتقت نصيبي منها قالوا فزوجها قال هي أملك بنفسها وقد كرهت الزوج ولما قرب من الطائف جاءه عاصم بن عروة بن مسعود فبايعه عن قومه وولى عليهم الخازرق وعلى يبانه والسراة وولى على ما يلى نجران سعد الطلائع ورجع إلى البحرين وقطع الميرة عن الحرمين وكتب إليه ابن عباس أو ثمامة بن اشاك لما أسلم قطع الميرة عن مكة وهم مشركون فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أهل مكة أهل الله فلا تمنعهم الميرة فخلاها لهم وانك قطعت الميرة ونحن مسلمون فخلاها لهم نجدة ثم اختلف إليه أصحابه لان أبا سنان حيى بن وائل أشار عليه بقتل من أطاعه تقية فانتهره نجدة وقال انما علينا أن نحكم بالظاهر وأغضبه عطية في منازعة جرت بينهما على تفضيله لسرية البر على سرية البحر في الغنيمة فشتمه نجدة فغضب وسأله في درء الحد في الخمر عن رجل من شجعانهم فأبى وكاتبه عبد الملك في الطاعة على أن يوليه اليمامة ويهدر له ما أصاب من الدماء فاتهموه في هذه المكاتبة ونقموا عليه أمثال هذه وفارقه عطية إلى عمان ثم انحازوا عنه وولوا أمرهم أبا فديك عبد الله بن ثور احد بنى قيس بن ثعلبة واستخفى نجدة وألح أبو فديك في طلبه وكان مستخفيا في قرية من قرى حجر ثم نذر به فذهب إلى اخواله من تميم وأجمع المسير إلى عبد الملك فعلم به أبو فديك وجاءت سرية منهم وقاتلهم فقتلوه وسخط قتله جماعة من أصحاب أبى فديك واعتمده مسلم بن جبير فطعنه اثنتى عشرة طعنة وقتل مسلم لوقته وحمل أبو فديك إلى منزله ثم جاء مصعب إلى البصرة سنة ثمان وستين واليا على العراقين عن أخيه وكان المهلب في حرب الازارقة

[ 148 ]

فأراد مصعب أن يوليه بلاد الموصل والجزيرة وأرمينية ليكون بينه وبين عبد الملك فاستقدمه من فارس وولاه وولى على فارس وحرب الازارقة عمر بن عبد الله بن معمر وكان الخوارج قد ولوا عليهم بعد قتل عبد الله بن الماخور سنة خمس وستين أخاه الزبير فجاؤا به إلى اصطخر وقدم عمر ابنه عبيد الله إليهم فقتلوه ثم قاتل الزبير عمر فهزمهم وقتل منهم سبعون وفلق قطرى بن الفجاءة وشتر صالح بن مخراق وساروا إلى نيسابور فقاتلهم عمر بها وهزمهم فقصدوا اصبهان فاستحموا بها ثم أقبلوا إلى فارس وتجنبوا عسكر عمر ومروا على ساجور ثم أرجان فأتوا الاهواز قاصدين العراق وأغذ عمر السير في اثرهم وعسكر مصعب عند الجسر فسار الزبير بالخوارج فقطع أرض صرصر وشن الغارة على أهل المدائن يقتلون الولدان والرجال ويبقرون بطون الحبالى وهرب صاحب المدائن عنها وانتهت جماعة منهم إلى الكرخ فقاتلهم أبو بكر بن مختف فقتلوه وخرج أمير الكوفة وهو الحرث بن أبى ربيعة القباع حتى انتهى إلى الصراة ومعه ابراهيم ابن الاشتر وشبيب بن ربعى وأسماء بن خارجة ويزيد بن الحرث ومحمد بن عمير وأشاروا عليه بعقد الجسر والعبور إليهم فانهزموا إلى المدائن وأمر الحرث عبد الرحمن ابن مختف باتباعهم في ستة آلاف إلى حدود أرض الكوفة فانتهوا إلى الرى وعليها يزيد بن الحرث بن دويم الشيباني وما والاهم عليه أهل الرى فهزموه وقتلوه ثم انحطوا إلى اصبهان وبها عتاب بن ورقاء فحاصروه أشهرا وكان يقاتلهم على باب المدينة ثم دعا إلى الاستمانة في قتالهم فخرجوا وقاتلوهم وانهزمت الخوارج وقتل الزبير واحتووا على معسكرهم ثم بايع الخوارج قطرى بن الفجاءة المازنى ويكنى أبا نعامة وارتحل بهم إلى كرمان حتى استجمعوا فرجعوا إلى اصبهان فامتنعت فأتوا الاهواز وقاموا وبعث مصعب إلى المهلب فرده إلى قتال الخوارج وولى على الموصل والجزيرة ابراهيم بن الاشتر وجاء المهلب فانتجعت الناس من البصرة وسار إلى الخوارج فلقيهم بسولاف واقتتلوا ثمانية أشهر وبعث مصعب إلى عتاب بن ورقاء الرباحى عامل اصبهان بقتال أهل الرى بما فعله في ابن دويم فسار إليهم وعليهم الفرحان فقاتلهم وافتتحها عنوة وقلاعها وعاث في نواحيها * (خبر ابن الحر ومقتله) * كان عبيد الله بن الحر الجعفي من خيار قومه صلاحا وفضلا ولما قتل عثمان حزن عليه وكان مع معاوية على على وكانت له زوجة بالكوفة فتزوجت لطول مغيبه فأقبل من الشأم وخاصم زوجها إلى على فعدد عليه شهوده صفين فقال أيمنعني ذلك من عدلك قال لا ورد إليه امرأته فرجع إلى الشأم وجاء إلى الكوفة بعد مقتل على ولقى اخوانه

[ 149 ]

وتفاوضوا في النكير على على ومعاوية ولما قتل الحسين تغيب على ملحمته وسأل عنه ابن زياد فلم يره ثم لقيه فأساء عذله وعرض له بالكون مع عدوه فأنكر وخرج مغضبا وراجع ابن زياد رأيه فيه فطلبه فلم يجده فبعث عنه فامتنع وقال أبلغوه انى لا آتيه طائعا أبدا وأتى منزل أحمد بن زياد الطائى فاجتمع إليه أصحابه وخرج إلى المدائن ومضى لمصارع الحسين وأصحابه فاستغفر لهم ولما مات يزيد ووقعت الفتنة اجتمع إليه أصحابه وخرج بنواحي المدائن ولم يعترض للقتل ولا للمال انما كان يأخذ مال السلطان متى لقيه فيأخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ويرد الباقي ويأخذ لصاحب المال بما أخذ وحبس المختار امر أنه بالكوفة وجاء فأخرجها من الحبس وأخرج كل من فيه وأراد المختار أن يسطو به فمنعه ابراهيم بن الاشتر إلى الموصل لقتال ابن زياد ثم فارقه ولم يشهد معه وشهد مع مصعب قتال المختار وقتله ثم أغرى به مصعب فحبسه وشفع فيه رجال من وجوه مذحج فشفعهم وأطلقه وأتى إليه الناس يهنونه فضرح بأن احدا لا يستحق بعد الاربعة ولا يحل أن يعقد لهم بيعة في أعناقنا فليس لهم علينا من الفضل ما يستحقون به ذلك وكلهم عاص مخالف قوى الدنيا ضعيف الآخرة ونحن أصحاب الايام مع فارس ثم لا يعرف حقنا وفضلنا وانى قد أظهرت لهم العداوة وخرج للحرب فأغار فبعث إليه مصعب سيف بن هانئ المرادى يعرض عليه الطاعة على أن يعطيه قطعة من بلاد فارس فأبى فسرح إليه الابرد بن فروة الرباحى في عسكر فهزمه عبيد الله فبعث إليه حريث بن زيد فهزمه فقتله فبعث إليه الحجاج بن حارثة الخثعمي ومسلم بن عمر فقاتلهما بنهر صرصر وهزمهما فأرسل إليه مصعب بالامان والولاية فلم يقبل وأتى إلى فرس فهرب دهقانها بالمال وتبعه ابن الحر إلى عين النمر وعليه بسطام بن معقلة بن هبيرة الشيباني فقاتل عبيد الله وأوفاهم الحجاج بن حارثة فهزمهما عبيد الله وأسرهما وأخذ المال الذى مع الدهقان وأقام بتكريت ليجبى الخراج فسرح مصعب لقتاله الابرد بن فروة الرباحى والجون بن كعب الهمداني في ألف وأمدهم المهلب بيزيد بن المعقل في خمسمائة وقاتلهم عبيد الله يومين في ثلثمائة ثم تحاجزوا وقال لاصحابه انى سائر بكم إلى عبد الملك فتجهزوا ثم قال انى خائف أن أموت ولم أذعر مصعبا وقصد الكوفة وجاءته العساكر من كل جهة ولم يزل يهزمهم ويقتل منهم بنواحي الكوفة والمدائن وأقام يغير بالسواد ويجبى الخراج ثم لحق بعبد الملك فأكرمه وأجلسه معه على سريره وأعطاه مائة ألف درهم وقسم في أصحابه الاعطيات وسأل من عبد الملك أن يوجه معه عسكر القتال مصعب فقال سر بأصحابك وادع من قدرت عليه وأنا ممدك بالرجال فسار نحو الكوفة ونزل بناحية الانبار وأذن

[ 150 ]

لاصحابه في اتيان الكوفة ليخبروا أصحابه بقدومه وبعث الحرث بن أبى ربيعة إليه جيشا كثيفا فقاتلهم وتفرق عنه أصحابه وأثخنه الجراح فخاض البحر إلى سفينة فركبها حتى توسط الفرات فأشرف خيل على السفينة وتبادروا به فقام يمشى في البحر فتعلقوا به فألقى نفسه في الماء مع بعضهم فغرقوه * (حروب الخوارج مع عبد الملك والحجاج) * ولما استقر عبد الملك بالكوفة بعد قتل مصعب بعث على البصرة خالد بن عبد الله وكان المهلب يحارب الازارقة فولاه على خراج الاهواز وبعث أخاه عبد العزيز بن عبد إلى قتال الخوارج ومعه مقاتل بن مسمع وأتت الخوارج من ناحية كرمان إلى دارابجرد وبعث قطرى بن الفجاءة صالح بن مخراق في تسعمائة فاستقبل عبد العزيز ليلا على غير تعبية فانهزم وقتل مقاتل بن مسمع وأسرت بنت المنذر بن الجارود امرأة عبد العزيز فقتلها الخوارج وتغير عبد العزيز إلى رامهرمز وكتب خالد بالخبر إلى عبد الملك فكتب إليه على ولاية أخيه الحرب وولاية المهلب جباية الخراج وأمره بأن يسرح المهلب بحربهم وكتب إلى بشر بالكوفة بامداده بخمسة الاف مع من يرضاه فإذا فرغوا من قتال الخوارج ساورا إلى الرى فكانوا هنالك مسلحة فانفذ بشر العسكر وعليهم عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث وكتب له عهده على الرى وخرج خالد بأهل البصرة ومعه المهلب واجتمعوا بالاهواز وجاءت الازارقة فأحرقوا السفن ومر المهلب بعبد الرحمن بن الاشعث وأمره أن يخندق عليه وأقاموا كذلك عشرين ليلة ثم زحف الخوارج بالناس فهال الخوارج كثرتهم وانصرموا وبعث خالد داود بن قحدم في آثارهم وانصرف إلى البصرة وكتب بالخبر إلى عبد الملك فكتب إلى أخيه بشر أن يبعث أربعة آلاف من أهل الكوفة إلى فارس ويلحقوا بداود بن قحدم في طلب الازارقة فبعث بهم بشر بن عتاب ولحقوا بداود واتبعوا الخوارج حتى أصابهم الجهد ورجع عامتهم مشاة إلى الاهواز (ثم خرج أبو فديك) من بنى قيس بن ثعلبة فغلب على البحرين وقتل نجدة بن عامر الحنفي كما مر وهزم خالدا فكتب إلى عبد الملك بذلك وأمر عبد الملك عمر بن عبيد الله ابن معمر أن يندب الناس من أهل الكوفة والبصرة ويسير لقتال أبى فديك فانتدب معه عشرة آلاف وسار بهم وأهل الكوفة على ميمنته عليهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله وأهل البصرة في ميسرته عليهم عمر بن موسى أخيه وهو في القلب وانتهوا إلى البحرين واصطفوا للقتال وحملوا على أبى فديك وأصحابه فكشفوا ميسرته حتى أبعدوا الا المغيرة بن المهلب ومجاعة وعبد الرحمن وفرسان الناس فانهم فانهم مالوا إلى أهل لكوفة

[ 151 ]

بالميمنة ورجع أهل الميسرة وحمل أهل الميمنة على الخوارج فهزموهم واستباحوا عسكرهم وقتلوا أبا فديك وحصروا أصحابه بالمشقر حتى نزلوا على الحكم فقتل منهم ستة آلاف وأسر ثمانمائة وذلك سنة ثلاث وسبعين ثم ولى عبد الملك أخاه بشرا على البصرة فسار إليها وأمره أن يبعث المهلب إلى حرب الازارقة وأن ينتخب من أهل البصرة من أراد ويتركه ورأيه في الحرب ويمده بعسكر كثيف من أهل الكوفة مع رجل معروف بالنجدة فبعث المهلب لانتخاب الناس جديع بن سعيد بن قبيصة وشق على بشر أن ولاية المهلب من عبد الملك وأوغرت صدره فبعث على عسكر الكوفة عبد الرحمن ابن مختف وأغراه بالمهلب في ترك مشورته وتنغصه وسار المهلب إلى رامهرمز وبها الخوارج وأقبل ابن مختف في أهل الكوفة فنزل على ميل منه بحيث يتراءى العسكران ثم أتاهم نبأ بشر بن مروان وانه استخلف خالد بن عبد الله بن خالد على البصرة وخليفته على الكوفة عمر بن حريث فافترق ناس كثيرة من أهل البصرة وأهل الكوفة فنزلوا الاهواز وكتب إليهم خالد بن عبد الله يتهددهم فلم يلتفتوا إليه وأقبل أهل الكوفة إلى الكوفة وكتب إليهم عمر بن حريث بالنكير والعود إلى المهلب ومنعهم الدخول فدخلوا ليلا إلى بيوتهم (ثم قدم الحجاج) أميرا على العراقين سنة خمس وسبعين فخطب بالكوفة خطبته المعروفة كان منها ولقد بلغني رفضكم المهلب واقبالكم إلى مصركم عاصين مخالفين وايم الله لا أجد أحدا من عسكره بعد ثلاثة الا ضربت عنقه وأنهب داره ثم دعا العرفاء وقال ألحقوا الناس بالمهلب وأتوني بالبراءة بموافاتهم ولا تغلقن أبواب الجسر ووجد عمر بن ضابئ من المتخلفين وأخبر أنه من قتلة عثمان فقتله فأخرج جند المهلب وازدحموا على الجسر وجاء العرفاء إلى المهلب برامهز فأخذوا كتابه بموافاة الناس وأمرهم الحجاج بمناهضة الخوارج فقاتلوهم شيأ ثم انزاحوا إلى كازرون وسار المهلب وابن مختف فنزلوا بهم وخندق المهلب ولم يخندق ابن مختف وبيتهم الخوارج فوجدوا المهلب حذرا فمالوا إلى ابن مختف فانهزم عنه أصحابه وقاتل حتى قتل وفى حديث أهل الكوفة انهم لما ناهضوا الخوارج مالوا إلى المهلب واضطروه إلى معسكره وأمده عبد الرحمن بعامة عسكره وبقى في خف من الجن‍ د فمال إليه الخوارج فنزل ونزل معه القراء واحد وسبعون من أصحابه فقتلوا وجاء المهلب من الغد فدفنه وصلى عليه وكتب بالخبر إلى الحجاج فبعث على معسكره عتاب ابن ورقاء وأمره بطاعة المهلب فأجاب لذلك وفى نفسه منه شئ وعاتبه المهلب يوما ورفع إليه القضيب فرده ابنه المغيرة عن ذلك وكتب عتاب يشكو المهلب إلى الحجاج ويسأله العود وصادف ذلك أمر شبيب فاستقدمه وبقى المهلب

[ 152 ]

* (حروب الصفرية وشبيب مع الحجاج) * ثم خرج صالح بن مسرح التميمي من بنى امرئ القيس بن زيد مناة وكان يرى رأى الصفرية وكان عابدا ومسكنه أرض الموصل والجزيرة وله أصحاب يقرئهم القرآن والفقه وكان يأتي الكوفة ويلقى أصحابه ويعد ما يحتاج إليه فطلبه الحجاج فترك الكوفة وجاء إلى أصحابه بالموصل ودار فدعاهم إلى الخروج وحثه عليه وجاءه كتاب شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني من رؤسهم يحثه على مثل ذلك فكتب إليه انى في انتظارك فاقدم فقدم شبيب في نفر من أصحابه منهم أخوه المضاد والمحلل بن وائل اليشكرى ولقيه بدارا وأجمع صالح الخروج وبث إلى أصحابه وخرجوا في صفر سنة ست وسبعين وأمر بالدعاء قبل القتال وخير في الدماء والاموال وعرضت لهم دواب لمحمد بن مروان بالجزيرة فأخذوها وحملوا عليها أصحابهم وبلغ محمد بن مروان وهو أمير الجزيرة خروجهم فسرح إليهم عدى بن عدى الكندى في ألف فسار من حران وكان ناسكا فكره حروبهم وبعث إليهم بالخروج فحبسوا الرسول فساروا إليه فطلعوا عليه وهو يصلى الضحى وشبيب في الميمنة وسويد بن سليم في الميسرة وركب عدى على غير تعبية فانهزم واحتوى الخوارج على معسكره ومضوا إلى آمد وسرح محمد بن مروان خالد بن حر السلمى في ألف وخمسمائة والحرث بن جعونة العامري في مثلها وقال أيكما سبق فهو أمير على صاحبه وبعث صالح شبيبا إلى الحرث وتوجه هو نحو خالد وقاتلوهم أشد القتال واعتصم أصحاب محمد بخندقهم فسارت الخوارج عنهم وقطعوا أرض الجزيرة والموصل إلى الدسكرة فسرح إليهم الحجاج الحرث بن عميرة ابن ذى الشعار في ثلاثة آلاف من أهل الكوفة فلقيهم على تخم ما بين الموصل وصرصر والخوارج في تسعين رجلا فانهزم سويد بن سليم وقتل صالح وصرع شبيب ثم وقف على صالح قتيلا فنادى بالمسلمين فلاذوا به ودخلوا حصنا هنالك وهم سبعون وعاث الحرث بهم وأحرق عليهم الباب ورجع حتى يصبحهم من الغداة فقال لهم شبيب بايعوا من شئتم من أصحابكم واخرجوا بنا إليهم فبايعوه وأطفؤا النار بالماء في اللبود وخرجوا إليه فبيتوا وصرح الحرث فحملوا أصحابه وانهزموا نحو المدائن وحوى ثبيب عسكرهم وسار شبيب إلى أرض الموصل فلقى سلامة بن سنان التميمي من تميم شيبان الا أخاه فضالة من أكابر الخوارج وكان خرج قبل صالح في ثمانية عشر رجل ونزل على ماء لبنى عنزة فقتلوهم وأتوا برؤوسهم إلى عبد الملك يتقربون له بهم فلما دعا شبيب سلامة إلى الخروج شرط عليه أن ينتخب ثلاثين فارسا ويسير بهم إلى عنزة فيثأر منهم باخيه فقبل شرطه وسار إلى عنزة فأثخن فيهم وجعل يقتل الحلة بعد الحلة ثم أقبل شبيب إلى داران

[ 153 ]

في نحو سبعين رجلا ففرت منهم طائفة من بنى شيبان نحو ثلاثة آلاف فنزلوا ديرا خرابا وامتنعوا منه وسار في بعض حاجاته واستخلف أخاه مضاد بن يزيد بجماعة من بنى شيبان في أموالهم مقيمين فقتل منهم ثلاثين شيخا فيهم حوثرة بن أسد وأشرف بنو شيبان على مضاد وأصحابه وسألوا الامان ليخرجوا إليهم ويسمعوا دعوتهم فأخرجوا وقبلوا ونزلوا إليهم واجتمعوا بهم وجاء شبيب فاستصوب فعلهم وسار بطائفة نحو اذربيجان وكان الحجاج قد بعث سفيان بن أبى العالية الخثعمي إلى طبرستان يحاصرها في ألف فارس فكتب إليه الحجاج أن يرجع فصالح أهل طبرستان ورجع فأقام بالدسكرة يطلب المدد وبعث الحجاج أيضا إلى الحرث بن عميرة الهمداني قاتل صالح أن يأتيه بجيش الكوفة والمدائن والى سورة بن أبجر التميمي في خيل المناظر ويعجل سفيان في طلب شبيب فلحقه بخانقين فاستطردهم وأكمن كمينا لهم مع أخيه واتبعوه في سفح الجبل فخرج عليهم الكمين فانهزموا بغير قتال وثبت سفيان وقاتل ثم حمل شبيب فانكشف ونجا إلى بابل مهرود وكتب إلى الحجاج بالخبر وبوصول العساكر الا سورة بن ابجر فكتب الحجاج إلى سورة يتهدده ويأمره أن يتخذ من المدائن خمسمائة فارس ويسير إلى شبيب فسار وانتهى شبيب إلى المدائن ثم إلى الهندوان فترحم على أصحابه هنالك وبيتهم سورة هنالك وهم حذرون فلم يصب منهم الغرة ورجع نحو المدائن وشبيب في اتباعه وخرج ابن أبى العصعى عامر المدائن فقاتلهم وهرب كثير من جنده إلى الكوفة ومضى شبيب إلى تكريت ووصل سورة إلى الكوفة بالفل فحبسه الحجاج ثم أطلقه وسرح عثمان بن سعيد بن شرحيل الكندى ويلقب الجزل في أربعة آلاف ليس فيهم من المنهزمين أحد وساروا لحرب شبيب وأصحابه وقدم بين يديه عياض بن أبى لينة الكندى وجعلوا يتبعون شبيبا من رستاق إلى رستاق وهو على غير تعبية والجزل على التعبية ويخندق على نفسه متى نزل وطال ذلك على شبيب وكان في مائة وستين فقسمه على أربع فرق وثبت الجزل ومشايخه فلم يصب منهم فرجع عنهم ثم صبحهم ثانية فلم يظفر منهم بشئ وسار الجزل في التبعية كما كان وشبيب يسير في أرض الخوارج وغيرها يكسب الخراج وكتب الحجاج إلى الجزل ينكر عليه البطء ويأمره بالمناهضة وبعث سعيد بن المجالدى على جيش الجزل فجاءهم بالهندوان ووبخهم وعجزهم وجاءهم الخبر بان شبيبا قد دخل قطيطيا والدهقان يصلح لهم الغداء فنهض سعيد في الناس وترك الجزل مع العسكر وقد صف بهم خارج الخندق وجاء سعيد إلى قطيطيا وعلم به شبيب فأكل وتوضأ وصلى وخرج فحمل على سعيد وأصحابه مستعرضا فانهزموا وثبت سعيد فقتله وسار في اتاعهم إلى الجزل فقاتلهم الجزل حتى وقع بين القتلى جريحا وكتب إلى الحجاج

[ 154 ]

بالخبر وأقام بالمدائن وانتهى شبيب إلى الكرخ وعبر دجلة إليه وأرسل إلى سوق بغداد فأتاهم في يوم سوقهم واشترى منه حاجاته وسار إلى الكوفة فلما قرب منها بعث الحجاج سويد بن عبد الرحمن السعدى في ألفى رجل فساروا إلى شبيب وأمر عثمان بن قطن فعسكر في السبخة وخالفه شبيب إلى أهل السبخة فقاتلوه وجاء سويد في آثاره فمضى نحو الحيرة وسويد في اتباعه ثم رحل من الحيرة وجاء كتاب الحجاج إلى سويد يأمره باتباعه فمضى في اتيانه وشبيب يغير في طريقه وأخذ على القطقطانة ثم على قصر بنى مقاتل ثم على الانبار ثم ارتفع على أدنى اذربيجان ولما أبعد سار الحجاج إلى البصرة واستعمل على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة فجاءه كتاب دهقان بابل مهرود يخبره بقصد شبيب الكوفة فبعث بالكتاب إلى الحجاج وأقبل شبيب حتى نزل عقرقوبا ونزل وسار منها يسابق الحجاج إلى الكوفة وطوى الحجاج المنازل فوصل الكوفة عند العصر ووصل شبيب عند المغرب فأراح وطعموا ثم ركبوا ودخلوا إلى السوق وضرب شبيب القصر بعموده ثم اقتحموا المسجد الاعظم فقتلوا فيه من الصالحين ومروا بدار صاحب الشرطة فدعوه إلى الامير ونكرهم فقتلوا غلامه ومروا بمسجد بنى ذهل فقتلوا ذهل بن الحرث وكان يطيل الصلاة فيه ثم خرجوا من الكوفة واستقبلهم النضر بن القعقاع بن شور الذهلى وكان ممن أقبل مع الحجاج من البصرة فتخلف عنه فلما رآه قال السلام عليك أيها الامير فقال له شبيب قبل أمير المؤمنين ويلك فقالها وأراد شبيب أن يلقنه للقرابة بينهما وكان النضر ناحية بيت هانئ بن قبيصة الشيباني فقال له يا نضر لا حكم الا الله ففطن بهم وقال انا لله وانا إليه راجعون وشد عليه أصحاب شبيب فقتلوه ونادى منادى الحجاج بالكوفة يا خيل الله اركبي وهو بباب القصر وكان أول من أتاه عثمان بن قطن بن عبد الله بن الحسين ذى القصة ثم جاء الناس من كل جانب فبعث الحجاج خالد بن الاسدي وزائدة بن قدامة الثقفى وأبا الضريس مولى بنى تميم وعبد الاعلى ابن عبد الله بن عامر وزياد بن عبد الله العتكى في ألفين ألفين وقال ان كان حرب فأميركم زائدة بن قدامة وبعث معهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله من سجستان وكان عبد الملك قد ولاه عليها وأمر الحجاج أن يجهزه ويبعثه في آلاف من الجنود إلى عمله فجهزه وحدث أمر شبيب فقال له الحجاج تجاهد ويظهر اسمك ثم تمضى إلى عملك فساروا جميعا ونزلوا أسفل الفرات وأخذ شبيب نحو القادسية وجرد الحجاج ألفا وثمانمائة من نقاوة الجند مع ذخر بن قيس وأمره بمواقعة شبيب أينما أدركه وان ذهب فاتركه فأدركه بالسلخين وعطف عليه شبيب فقاتل ذخر حتى صرع وفيه بضعة عشر جرحا وانهزم أصحابه يظنون أنه قتل ثم أفاق من برد السحر فدخل قرية وسار إلى الكوفة ثم قصد

[ 155 ]

شبيب وهم على أربعة وعشرين فرسخا من الكوفة فقال ان هزمناهم فليس دون الحجاج والكوفة مانع وانتهى إليهم وقد تعبوا للحرب وعلى الميمنة زياد بن عمر العتكى وعلى الميسرة بشر بن غالب الاسدي وكل أمير بمكانه وعبى شبيب أصحابه ثلاثة كتائب فحمل سويد بن سليم على زياد بن عمر فانكشفوا وثبت زياد قليلا ثم حمل الثانية فانهزموا وانهزم جريحا عند المساء ثم حملوا على عبد الاعلى بن عبد الله بن عامر فانهزم ولم يقاتل ولحق بزياد بن عمر وحملت الخوارج حتى انتهت إلى محمد بن موسى ابن طلحة عند الغروب فقاتلوه وصبر لهم ثم حمل مضاد أخو شبيب على بشر بن غالب في الميسرة فصبر ونزل في خمسين رجلا فقاتلوه حتى قتلوا وحملت الخوارج على أبى الضريس مولى بنى تميم فهزموه حتى انتهى إلى أعين ثم حملوا عليه وعلى أعين فهزموهما إلى زائدة بن قدامة فلما انتهوا إليه نادى نزال وقاتلهم إلى السحر ثم حمل شبيب عليه فقتله وقتل أصحابه ودخل أبو الضريس مع الفل إلى الجوسق بازائهم ورفع الخوارج عنهم السيف ودعوهم إلى البيعة لشبيب عند الفجر فبايعوه وكان فيمن بايعه أبو بردة وبقى محمد بن موسى لم ينهزم فلما طلع الفجر سمع شبيب أذانهم وعلم مكانهم فأذن وصلى ثم حمل عليهم فانهزمت طائفة منهم وثبتت أخرى وقاتل محمد حتى قتل وأخذ الخوارج ما في العسكر وانهزم الذين بايعوا شبيبا فلم يبق منهم أحد وجاء شبيب إلى الجوسق الذى فيه أعين وأبو الضريس فتحصنوا منه فأقام يوما عليهم وسار عنهم وأراده أصحابه على الكوفة وازاءهم خوخى فتركها وخرج على نفر وسمع الحجاج بذلك فظن أنه يريد المدائن وهى باب الكوفة وأكثر السواد لها فهاله ذلك وبعث عثمان بن قطن أميرا على المدائن وخوخى والانبار وعزل عنها عبد الله بن أبى عصفير وقيل في مقتل محمد بن موسى غير هذا وهو أنه كان شهد مع عمر بن عبد الله بن معمر قتال أبى فديك فزوجه عمر ابنته وكانت أخته تحت عبد الملك فولاه سجستان فمر بالكوفة وقيل للحجاج ان جاء إلى هذا أحد ممن تطلبه منعك منه فمره بقتال شبيب في طريقه لعل الله يريحك منه ففعل الحجاج وعدل محمد إلى قتال شبيب وبعث إليه شبيب بدهاء الحجاج وخديعته اياه وأن يعدل عنه فأبى الا شبيبا فبارزه وقتله شبيب ولما انهزم الامراء وقتل موسى بن محمد ابن طلحة دعا الحجاج عبد الرحمن بن الاشعث وأمره أن ينتخب ستة آلاف فارس ويسير في طلب شبيب أين كان فسار لذلك ثم كتب إليه والى أصحابه يتهددهم ان انهزموا ومر ابن الاشعث بالمدائن وعاد الجزل من جراحته فوصاه وحذره وحمله على فرسه وكانت لا تجارى وسار شبيب على دقوقا وشهرزور وابن الاشعث في اتباعه إلى أن وقف على أرض الموصل وأقام يقاتله أهلها فكتب إليه الحجاج أما بعد فاطلب

[ 156 ]

شبيبا واسلك في أثره أين سلك حتى تدركه فاقتله أو تنفيه فانما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده فجعل ابن الاشعث يتبعه وشبيب يقصد به الارض الخشنة الغليظة وإذا دنا منه رجع يبيته فيجده على حذرة حتى أتعب الجيش وأحفى دوابهم ونزل بطن أرض الموصل ليس بينه وبين سواد الانهر حولايا في دادان الاعلى من أرض خوخى ونزل عبد الرحمن في عواقيل النهر وكانت أيام النحر وطلب شبيب الموادعة فيها فأجابه قصدا للمطاولة وكتب عثمان بن قطن بذلك إلى الحجاج فنكر وبعث إلى عثمان بن قطن بامارة العسكر وأمره بالمسير وعزل عبد الرحمن بن الاشعث وبعث على المدائن مطرف بن المغيرة مكان ابن قطن وقدم ابن قطن على عسكر الكوفة عشية يوم التروية وناداهم إلى الحرب فاستمهلوه وأنزله عبد الرحمن بن الاشعث وأصبحوا إلى القتال ثالث يومهم على تعبية وفى الميمنة خالد بن نهيك بن قيس وفى الميسرة عقيل ابن شداد السلولى وابن قطن في الرجالة وعبر إليهم شبيب في مائة وثلاثين رجلا فوقف في الميمنة وأخوه مضاد في القلب وسويد بن سليم في الميسرة وحمل شبيب على ميسرة عثمان بن قطن فانهزموا ونزل عقيل بن شدادا فقاتل حتى قتل وقتل معه مالك بن عبد الله الهمداني وحمل سويد على ميمنة عثمان فهزمها وقاتل خالد بن نهيك فجاء شبيب من ورائه فقتله وتقدم عثمان إلى مضاد في القلب فاشتد القتال وحمل شبيب من وراء عثمان وعطف عليهم سويد بن سليم ومضاد من القلب حتى أحاطوا به فقتلوه وانهزمت العساكر ووقع عبد الرحمن بن الاشعث فأتاه ابن أبى شثبة الجعفي وهو على بغلة فأردفه ونادى في الناس باللحاق بدير أبى مريم ورفع شبيب السيف عن الناس ودعاهم إلى البيعة فبايعوه ولحق ابن الاشعث بالكوفة فاختفى حتى أمنه الحجاج ومضى شبيب إلى ماه نهرادان فأقام فيه فصل الصيف فلحق به من كان للحجاج عليه تبعة ثم أقبل إلى المدائن في ثمانمائة رجل وعليها مطرف بن المغيرة وبلغ الخبر إلى الحجاج فقام في الناس وتسخط وتوعد فقال زهرة بن حوية وهو شيخ كبير لا يستطيع القيام الا معتمدا أنت تبعث الناس متقطعين فيصيبون منهم فاستنفر الناس جميعا وابعث عليهم رجلا شجاعا مجربا يرى الفرار عارا والصبر مجدا وكرما فقال الحجاج أنت ذلك الرجل فقال انما يصلح من يحمل الدرع والرمح ويهز السيف ويثبت على الفرس ولا أطيق من هذا شيأ وقد ضعف بصرى ولكن أكون مع أمير وأشير عليه فقال له جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله أول أمرك وآخره ثم قال للناس سيروا فتجهزوا بأجمعكم فتجهزوا و كتب الحجاج إلى عبد الملك بأن شبيبا شارف المدائن يريد الكوفة وهم عاجزون عن قتاله بما هزم جندهم وقتل أمراءهم ويستمده من جند الشأم فبعث إليه عبد الملك سفيان بن الابرد

[ 157 ]

الكلبى في أربعة آلاف وحبيب بن عبد الرحمن الحكمى في ألفين وذلك سنة ست وسبعين وكتب الحجاج إلى عتاب بن ورقاء الرباحى يستقدمه من عند المهلب وقد وقع بينهما كما مر فقدم عتاب وولاه على الجيش فشكر زهرة بن حوية له وقال رميتهم بحجرهم والله لا يرجع اليك حتى يظفر أو يقتل وبعث الحجاج إلى جند الشأم يحذرهم البيات ويوصيهم الاحتياط وأن يأتوا على عين التمر وعسكر عتاب بجماع أعين ثم قطع شبيب دجلة إلى المدائن وبعث إليه مطرف أن يأتيه رجال من وجوههم ينظر في دعوتهم فرجا منه وبعث إليه بغيث بن سويد في جماعة مكثوا عنده أربعا ولم يرجعوا من مطرف بشئ ونزل عتاب الصراة وخرج مطرف إلى الجبال خوفا أن يصل خبره مع شبيب إلى الحجاج فخلالهم الجو وجاء مضاد إلى المدائن فعقد الجسر ونزل عتاب سوق حكم في خمسين ألفا وسار شبيب بأصحابه في ألف رجل فصلى الظهر بساباط وأشرف على عسكر عتاب عند المغرب وقد تخلف عنه أربعمائة من أصحابه فصلى المغرب وعبى أصحابه ستمائة سويد بن سليم في مائتين في الميسرة والمحلل بن وائل في مائتين في الميمنة وهو في مائتين في القلب وكان على ميمنة عتاب محمد بن عبد الرحمن بن سعيد وعلى ميسرته نعيم بن عليم وعلى الرجالة حنظلة بن الحرث اليربوعي وهو ابن عمه وهم ثلاثة صفوف بين السيوف والرماح والرماة ثم حرض الناس طويلا وجلس في القلب ومعه زهرة بن مرثد وعبد الرحمن بن محمد بن الاشعث وأبو بكر بن محمد بن أبى جهم العدوى وأقبل شبيب حين أضاء القمر بين العشاءين فحمل على الميسرة وفيها ربيعة فانفضوا وثبت قبيصة بن والق وعبيد بن الجليس ونعيم بن عليم على رايتهم حتى قتلوا ثم حمل شبيب على عتاب بن ورقاء وحمل سويد بن سليم على محمد بن سليم في الميمنة في تميم وهمدان واشتد القتال وخالط شبيب القلب وانفضوا وتركوا عتابا وفر ابن الاشعث في ناس كثيرين وقتل عتاب بن ورقاء وركب زهرة بن حوية فقاتل ساعة ثم طعنه عامر بن عمر الثعلبي من الخوارج ووطأته الخيل فقتله الفضل بن عامر الشيباني منهم ووقف عليه شبيب وتوجع له ونكر الخوارج ذلك وقالوا أتتوجع لرجل كافر فقال اعرف قديمه ثم رفع السيف عن الناس ودعا للبيعة فبايعوه وهربوا تحت ليلهم وحوى ما في العسكر وأتاه أخوه من المدائن وأقام يومين ثم سار نحو الكوفة ولحق سفيان بن الابرد وعسكر الشأم بالحجاج فاستغنى بهم عن أهل الكوفة واشتد بهم وخطب فوبخ أهل الكوفة وعجزهم وجاء شبيب فنزل حمام أعين فسرح الحجاج إليه الحرث بن معاوية الثقفى في نحو ألف من الشرط لم يشهدوا يوم عتاب فبادر إليه شبيب فقتله وانهزم أصحابه إلى الكوفة وأخرج الحجاج مواليه فأخذوا بأفواه السكك وجاء شبيب فنزل السبخة ظاهر الكوفة وبنى

[ 158 ]

بها مسجدا وسرح الحجاج مولاه أبا الورد في غلمان لقتاله فحمل عليه شبيب وقتله يظنه الحجاج ثم أخرج إليه مولاه طهمان كذلك فقتله فركب الحجاج في أهل الشأم وجعل سبرة بن عبد الرحمن بن مختف على أفواه السكك وقعد على كرسيه ونادى في أهل الشأم وحرضهم فغضوا الابصار وجثوا على الركب وشرعوا الرماح وأقبل شبيب في ثلاثة كراديس معه ومع سويد بن سليم ومع المحلل بن وائل وحمل سويد وبيتوا وطاعنوه حتى انصرف وقدم الحجاج كرسيه وحمل المحلل ثانية فكذلك وقدم الحجاج كرسيه فثبتوا له وألحقوه بأصحابه وسرب شبيب سويد بن سلم إلى أهل السكك وكان عليها عروة بن المغيرة بن شعبة فلم يطق دفاعه ثم حمل شبيب فطاعنوه وردوه وانتهى الحجاج إلى مسجده وصعده وملك العرصة وقال له خالد بن عتاب ائذن لى في قتالهم فأبى موتور فأذن له فجاءهم من ورائهم وقتل أخا شبيب وغزالة لمرأته وخرق عسكرهم وحمل الحجاج عليهم فانهزموا وتخلف شبيب ردأ لهم فأمر الحجاج أصحابه بموادعتهم ودخل الكوفة فخطب وبشر الناس ثم سرح حبيب بن عبد الرحمن الحكمى في ثلاثة آلاف فارس لاتباعه وحذره بيانه فانتهى في اثره إلى الانبار وقد افترق عن شبيب كثير من أصحابه للامان الذى نادى الحجاج به فجاءه شبيب عند الغروب وقد قسم حبيب جنده أرباعا وتواصوا بالاستماتة فقاتلهم شبيب طائفة بعد طائفة فما زالت قدم انسان عن موضعها إلى آخر الليل ثم نزل شبيب وأصحابه واشتد القتال وكثر القتلى وسقطت الايدى وفقئت الاعين وقتل من أصحاب شبيب نحو ثلاثين ومن أهل الشأم نحو مائة وأدركهم الاعياء والفشل جميعا فانصرف شبيب بأصحابه وقطع دجلة ومر في أرض خوخى ثم قطع دجلة أخرى عند واسط ومضى على الاهواز وفارس إلى كرمان ليريح بها (وقد قيل) في هذه الحرب غير هذا وهو ان الحجاج بعث إليه أمراء واحدا بعد واحد فقتلهم وكان منهم أعين صاحب حمام أعين وكانت غزالة امرأة شبيب نذرت أن تصلى في مسجد الكوفة ركعتين بالبقرة وآل عمران فجاء شبيب ودخل الكوفة ليلا وأوفت بنذرها ثم قاتلهم الناس وخرجوا وقام الحجاج في الناس يستشيرهم وبرز إليه قتيبة وعذله في بعث الرعاع ينهزمون ويموت قائدهم والرأى أن تخرج بنفسك فتحالمه فخرج من الغد إلى السبخة وبها شبيب واختفى مكانه عن القوم ونصب ابا الورد مولاه تحت اللواء فحمل عليه شبيب فقتله ثم حمل على خالد بن عتاب في الميسرة ثم على مطرف بن ناجية في الميمنة فكشفهما ونزل عند ذلك الحجاج وأصحابه وجلس على عباءة ومعه عنبسة بن سعيد وبينماهم على ذلك إذ اختلف الخوارج وقال مصقلة بن مهلهل الضبى لشبيب ما تقول في صالح بن سرح قال برئت منه فبرئ مصقلة منه وفارقه وشعر الحجاج باختلافهم

[ 159 ]

فسرح خالد بن عتاب لقتالهم فقاتلهم في عسكرهم وقتل غزالة وبعث برأسها إلى الحجاج فأمر شبيب من اعترضه فقتل حامله وجاء به فغسله ودفنه وانصرف الخوارج وتبعهم خالد وقتل مضاد أخو شبيب ورجع خالد عنهم بعد أن أبلى وسار شبيب إلى كرمان وكتب الحجاج إلى عبد الملك يستمده فبعث إليه سفيان بن الابرد الكلبى في العساكر فانفق فيهم المال وسرحه بعد انصراف الخوارج بشهرين وكتب إلى عامل البصرة وهو الحكم بن أيوب زوج ابنته أن يبعث بأربعة آلاف فارس من جند البصرة إلى سفيان فبعثهم مع زياد بن عمر العتكى فلحقه انقضاء الحرب وكان شبيب بعد أن استجم بكرمان أقبل راجعا فلقى سفيان بالاهواز فعبر إليه جسر دجيل وزحف في ثلاثة كراديس فقاتلهم أشد قتال وحملوا عليهم أكثر من ثلاثين حملة وسفيان وأهل الشأم مستميتين يزحفون زحفا حتى اضطر الخوارج إلى الجسر فنزل شبيب في مائة من أصحابه وقاتل إلى المساء حتى إذا جاء الليل انصرف وجاء إلى الجسر فقدم أصحابه وهو على اثرهم فلما مر بالجسر اضطرب حجر تحت حافر فرسه وهو على حرف السفينة فسقط في الماء وغرق وهو يقول وكان أمر الله مفعولا ذلك تقدير العزيز العليم وجاء صاحب الجسر إلى سفيان وهو يريد الانصراف بأصحابه فقال ان رجلا من الخوارج سقط فتنادوا بينهم غرق أمير المؤمنين ومروا وتركوا عسكرهم فكبر سفيان وأصحابه وركب إلى الجسر وبعث إلى عسكرهم فحوى ما فيه وكان كثير الخيرات ثم استخرجوا شبيبا من النهر ودفنوه * (خروج المطرف والمغيرة بن شعبة) * لما ولى الحجاج الكوفة وقدمها وجد بنى المغيرة صلحاء أشرافا فاستعمل عروة على الكوفة ومطرفا على المدائن وحمزة على همذان فكانوا أحسن العمال سيرة وأشدهم على المريب ولما جاء شبيب إلى المدائن نزل نهر شير ومطرف بمدينة الابواب فقطع مطرف الجسر وبعث إلى شبيب أن يرسل إليه من يعرض عليه الدعوة فبعث إليه رجلا من أصحابه فقالوا نحن ندعو إلى كتاب الله وسنة رسوله وانا نقمنا على قومنا الاستئثار بالفئ وتعطيل الحدود والتبسط بالجزية فقال مطرف دعوتم إلى حق جورا ظاهرا وانا لكم متابع فبايعوني على قتال هؤلاء الظلمة باحداثهم وعلى الدعاء إلى الكتاب والسنة على الشورى كما تركها عمر بن الخطاب حتى يولى المسلمون من يرضونه فان العرب إذا علمت أن المراد بالشورى الرضا من قريش رضوا فكثر مبايعكم فقالوا لا تجيبك إلى هذا وأقاموا أربعة أيام يتناظرون في ذلك ولم يتفقوا وخرجوا من عنده ثم دعا مطرف أصحابه وأخبرهم بما دار بينه وبين أصحاب شبيب وأن رأبه خلع عبد الملك

[ 160 ]

والحجاج فوجموا من قوله وأشاروا عليه بالكتمان فقال له يزيد بن أبى زياد مولى أبيه لن والله يخفى على الحجاج شئ مما وقع ولو كنت في السحاب لاستنزلك فالنجاء بنفسك ودافقه أصحابه فسار عن المدائن إلى الجبال ولما كان في بعض الطريق دعا أصحابه إلى الخلع والدعاء إلى الكتاب والسنة وأن يكون الامر شورى فرجع عنه بعض إلى الحجاج منهم سبرة بن عبد الرحمن بن مختف وسار مطرف ومر بحلوان وبها سويد بن عبد الرحمن السعدى مع الاكراد فاعترضوه فأوقع مطرف بهم وأثخن في الاكراد ومال عن همذان ذات اليمين وبها أخوه حمزة واستمده بمال وسلاح فأمده سرا وسار إلى قم وقاسان فبعث عماله في نواحيها وفزع إليه من كل جانب فجاءه سويد بن سرحان الثقفى وبكير ابن هرون النخعي من الرى في نحو مائة رجل وكان على الرى عدى بن زياد الايادي وعلى أصبهان البراء بن قبيصة فكتب إلى الحجاج بالخبر واستمده فأمده بالرجال وكتب إلى عدى بالرى أن يجتمع مع البراء على حرب مطرف فاجتمعوا في ستة آلاف وعدى أميرهم وكتب الحجاج إلى قيس بن سعد البجلى وهو على شرطة حمزة بهمذان بأن يقبض على حمزة ويتولى مكانه فجاءه في جمع من عجل وربيعة واقرأه كتاب الحجاج فقال سمعا وطاعة وقبض قيس عليه وأودعه السجن وسار عدى والبراء نحو مطرف فقاتلوه وانهزم أصحابه وقتل يزيد مولى أبيه وكان صاحب الراية وقتل من أصحابه عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف الازدي وكان ناسكا صالحا وكان الذى تولى قتل مطرف عمر بن هبيرة الفزارى وبعث عدى أهل البلاء إلى الحجاج وأمر بكير بن هرون وسويد بن سرحان وكان الحجاج يقول مطرف ليس بولد للمغيرة وانما هو ابن مصقلة الحر لان أكثر الخوارج كانوا من ربيعة ولم يكن فيهم من قيس * (اختلاف الازارقة) * قد تقدم لنا مقام المهلب في قتال الازارقة على سابور بعد مسير عتاب عنه إلى الحجاج وانه أقام في قتالهم سنة وكانت كرمان لهم وفارس للمهلب فانقطع عنهم المدد وضاقت حالهم فتأخروا إلى كرمان وتبعهم المهلب ونزل خير رفت مدينة كرمان وقاتلهم حتى أزالهم عنها وبعث الحجاج العمال على نواحيها وكتب إليه عبد الملك بتسويغ للمهلب معونة له على الحرب وبعث الحجاج إلى المهلب البراء بن قبيصة يستحثه لقتال الخوارج فسار وقاتلهم والبراء مشرف عليه من ربوة واشتد قتاله وجاء البراء من الليل فتعجب لقتاله وانصرف إلى الحجاج وأنهى غدر المهلب وقاتلهم ثمانية عشر شهرا لا يقدر منهم على شئ ثم وقع الاختلاف بينهم فقيل في سببه ان المقعطر الضبى وكان عاملا لقطرى على بعض نواحى كرمان قتل بعض الخوارج فطلبوا القود منه فمنعه قطرى

[ 161 ]

وقال تأول فأخطأ وهو من ذوى السابقة فاختلفوا وقيل بل كان رجل في عسكرهم يصنع النصول مسمومة فيرمى بها أصحاب المهلب فكتب المهلب كتابا مع رجل وامرأة أن يلتقيه في عسكرهم وفيه وصلت نصا لك وقد أنفذت اليك ألف درهم فلما وقف على الكتاب سأل الصانع فأنكر فقتله فأنكر عليه عبد ربه الكبير واختلفوا (وقيل) بعث المهلب نصرانيا وأمره بالسجود لقطرى فقتله بعض الخوارج وولوا عبد ربه الكبير وخلعوا قطريا فبقى في نحو الخمسين منهم وأقاموا يقتتلون شهرا ثم لحق قطرى بطبرستان وأقام عبد ربه بكرمان وقاتلهم المهلب وحاصرهم بخيرفت ولما طال عليهم الحصار خرجوا بأموالهم وحريمهم وهو يقاتلهم حتى أثخن فيهم ثم دخل خيرفت وسار في اتباعهم فلحقهم على أربعة فراسخ فقاتلهم هو وأصحابه حتى أعيوا وكف عنهم ثم استمات الخوارج ورجعوا فقاتلوه حتى يئس من نفسه ثم نصره الله عليهم وهزمهم وقتل منهم نحوا من أربعة آلاف كان منهم عبد ربه الكبير ولم ينج منهم الا القليل وبعث المهلب المبشر إلى الحجاج فأخبره وسأله عن بنى المهلب فأثنى عليهم واحدا واحدا قال فأيهم كان أنجد قال كانوا كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفها فاستحسن وكتب إلى المهلب يشكره ويأمره أن يولى على كرمان من يراه وينزل حامية ويقدم عليه فولى عليها ابنه يزيد وقدم على الحجاج فاحتفل لقدومه وأجلسه إلى جانبه وقال يا أهل العراق أنتم عبيد المهلب وسرح سفيان بن الابرد الكلبى في جيش عظيم نحو طبرستان لطلب قطرى وعبيدة بن هلال ومن معهم من الخوارج والتقوا هنالك باسحق بن محمد بن الاشعث في أهل الكوفة واجتمعا على طلبهم فلقوهم في شعب من شعاب طبرستان وقاتلوهم فافترقوا عن قطرى ووقع عن دابته فتدهده إلى أسفل الشعب ومر به علج فاستقاه على أن يعطيه سلاحه فعمد إلى أعلى الشعب وحدر عليه حجرا من فوق الشعب فأصابه في رأسه فأوهنه ونادى بالناس فجاء في أولهم نفر من أهل الكوفة فقتلوه منهم سورة بن أبجر التميمي وجعفر بن عبد الرحمن ابن مختف والسياح بن محمد بن الاشعث وحمل رأسه أبو الجهم إلى اسحق بن محمد فبعث به إلى الحجاج وبعثه الحجاج إلى عبد الملك وركب سفيان فأحاط بالخوارج وحاصرهم حتى أكلوا دوابهم ثم خرجوا إليه واستماتوا فقتلهم أجمعين وبعث برؤوسهم إلى الحجاج ودخل دنباوند وطبرستان فكان هناك حتى عزله الحجاج قبل دير الجماجم قال بعض العلماء وانقرضت الازارقة بعد قطرى وعبيدة آخر رؤسائهم واول رؤسائهم نافع ابن الازرق واتصل أمرهم بضعا وعشرين سنة إلى أن افترقوا كما ذكرناه سنة سبع وسبعين فلم تظهر لهم جماعة إلى رأس المائة

[ 162 ]

* (خروج سودب) * خرج سودب هذا أيام عمر بن عبد العزيز على رأس المائة واسمه بسطام وهو من بنى يشكر فخرج في مائتي رجل وسار في خوخى وعامل الكوفة يومئذ عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فكتب إليه عمران لا يعرض لهم حتى يقتلوا أو يفسدوا فيوجه إليهم الجند مع صليب حازم فبعث عبد الحميد بن جرير بن عبد الله البجلى في ألفين فأقام بازائه لا يحركه وكتب عمر إلى سودب بلغني أنك خرجت غضبا لله ولرسوله وكنت أولى بذلك منى أناظرك فان كان الحق معنا دخلت مع الناس وان كان الحق معك نظرنا في أمرك فبعث إليه عاصما الحبشى مولى بنى شيبان ورجلا من بنى يشكر فقدما عليه بخاصر فسألهما ما أخرجكم وما الذى نقمتم فقال عاصم ما نقمنا سيرتك انك لتتحرى العدل والاحسان فأخبرنا عن قيامك بهذا الامر مشورة من الناس أم غلبت عليه قال عمر ما سألته ولا غلبت عليه وعهد إلى رجل قبلى فقمت ولم ينكر أحد ومذهبكم الرضا لكل من عدل وان أنا خالفت الحق فلا طاعة لى عليكم قالا فقد خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها مظالم فتبرأ منهم والعنهم فقال عمر أنتم تريدون الآخرة وقد أخطأتم طريقها وان الله لم يشرع اللعن وقد قال ابراهيم ومن عصاني فانك غفور رحيم وقال أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وبقى تسمية أعمالهم مظالم ذما ولو كان لعن أهل الذنوب فريضة لوجب عليكم لعن فرعون أنتم لا تلعنونه وهو أخبث الخلق فكيف ألعن أنا أهل بيتى وهم مصلون صائمون ولم يكفروا بظلمهم لان النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى الايمان والشريعة فمن عمل بها قبل منه ومن أحدث حدثا فرض عليه الحد فقالا فان النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى التوحيد والاقرار بما نزل عليه فقال عمر وليس أحد ينكر ما نزل عليه ولا يقول لا أعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن القوم أسرفوا على أنفسهم قال عاصم فابرأ منهم ورد أحكامهم قال عمر أتعلمان أن أبا بكرسبى أهل الردة وان عمر ردها بالفدية ولم يبرأ من أبى بكر وأنتم لا تبرؤن من واحد منهما قال فأهل النهروان خرج أهل الكوفة منهم فلم يقتتلوا ولا استعرضوا وخرج أهل البصرة فقتلوا عبد الله بن حباب وجارية حاملا ولم يتبرأ من لم يقتل ممن قتل واستعرض ولا أنتم تتبرؤن من واحد منهما وكيف بنفعكم ذلك مع عليكم باختلاف أعمالكم ولا يسعنى أنا البراءة من أهل بيتى والدين واحد فاتقوا الله ولا تقبلوا المردود وتردوا المقبول وقد أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهد شهادة الاسلام وعصم ماله ودمه وأنتم تقتلونه ويأمن عندكم سائر الاديان وتحرمون دماءهم وأموالهم فقال اليشكرى من استأمن على قوم

[ 163 ]

وأموالهم فعدل فيها ثم صيرها بعده إلى رجل غير مأمون أتراه أدى الحق الذى لزمه فكيف تسلم هذا الامر بعدك إلى يزيد مع علمك أنه لا يعدل فيه فقال انما ولاه غيرى والمسلمون أولى بذلك بعدى قال فهو حق ممن فعله وولاه قال أنظر انى ثلاثا ثم جاءه عاصم فرجع عن رأى الخوارج وقال له اليشكرى اعرض عليهم ما قلت واسمع حجتهم وأقام عاصم عند عمر وأمر له بالعطاء وتوفى عمر لايام قلائل ومحمد بن جرير ينتظر عود الرسل ولما مات عمر كتب عبد الحميد إلى محمد بن جرير بمناجزة سودب قبل أن يصل إليهم خبر عمر فقالت الخوارج ما خالف هؤلاء ميعادهم الا وقد مات الرجل الصالح واقتتلوا فانهزم محمد بن جرير واتبعه الخوارج إلى الكوفة ورجعوا وقدم على سودب صاحباه وأخبراه بموت عمر وسرح يزيد تميم بن الحباب في ألفين فهزمه أصحابه ثم بعث إليهم الشجاع بن وداع في ألفين فقتلوه وهزموه بعد أن قتل منهم هدبة ابن عم سودب وبقى الخوارج بمكانهم وجاء مسلمة إلى الكوفة فأرسل سعيد بن عمرو الحريشى في عسكر آلاف فاستماتت الخوارج وكشفوا العساكر مرارا ثم حملوا عليهم فطحنوهم طحنا وقتل سودب وأصحابه ولم يبق منهم أحد الخوارج إلى ظهور أيام هشام سنة عشرين ومائة بهلول بن بشر بن شيبان وبلغت كنارة وكان لما عزم على الخوارج حج ولقى بمكة من كان على رأيه فأبعدوا إلى قرية من قرى الموصل واجتمعوا بها وهم أربعون وأمروا عليهم البهلول وأخفوا أنفسهم بأنهم قدموا من عند هشام ومروا بقرية كان بهلول ابتاع منها خلا فوجده خمرا وأبى البائع من رده واستعدى عليه عامل القرية فقال الخمر خير منك ومن قومك فقتلوه وأظهروا أمرهم وقصدوا خالدا القسرى بواسط وتعللوا عليه بأنه يهدم المساجد ويبنى الكنائس ويولى المجرد على المسلمين وجاء الخبر إلى خالد فتوجه من واسط إلى الحيرة وكان بها جند من بنى العين نحو ستمائة بعثوا مدد العامل الهند فبعثهم خالد مع مقدمهم لقتال بهلول وأصحابه وضم إليهم مائتين من الشرط والتقوا على الفرات فقتل مقدمهم وانهزموا إلى الكوفة وبعث خالد عابدا الشيباني من بنى حوشب بن يزيد بن رويم فلقيه بين الموصل والكوفة فهزمهم إلى الكوفة وارتحل يريد الموصل ثم بداله وسار يريد هشاما بالشأم وبعث خالد جندا من العراق وعامل الجزيرة جندا وبعث هشام جندا فاجتمعوا بين الجزيرة والموصل بكحيل وهم في عشرين ألفا وبهلول في سبعين فقاتلوا واستماتوا وصرع بهلول وسأله أصحابه العهد فعهد إلى دعامة الشيباني ثم إلى عمر اليشكرى من بعده ومات بهلول من ليلته وهرب دعامة وتركهم ثم خرج عمر اليشكرى فلم يلبث ان قتل (ثم خرج) على خالد بعد ذلك بسنتين الغفرى صاحب الاشهب وبهذا كان يعرف

[ 164 ]

فبعث إليه السمط بن مسلم الجبلى في أربعة آلاف فالتقوا بناحية الفرات فانهزمت الخوارج ولقيهم عبيد أهل الكوفة وغوغاؤهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم ثم خرج وزير السنحتيانى على خالد بالحيرة فقتل وأحرق القرى فوجه إليه خالد جندا فقتلوا أصحابه وأثخن بالجراح وأتى به خالد فوعظه فأعجبه وعظه فأعفاه من القتل وكان يسامره بالليل وسعى بخالد إلى هشام وانه أخذ حروريا يستحق القتل فجعله سميرا فكتب إليه هشام بقتله فقتله ثم خرج بعد ذلك الصحاوى بن شبيب بالفريقية فمضى وندم خالد فطلبه فلم يرجع وأتى جبل وبها نفر من اللات بن ثعلبة فأخبرهم وقال انما أردت التوصل إليه لاقتله بفلان من قعدة الصفرية كان خالد قتله صبرا ثم خرج معه ثلاثون منهم فوجه إليهم خالد جندا فلقوهم بناحية المنادر فاقتتلوا فقتل الصحارى وأصحابه أجمعون ورد أمر الخوارج بعد ذلك مرة فلما وقعت الفتن أيام هشام بالعراق والشأم وشغل مروان بمن انتقض عليه فخرج بأرض كفر يموتا سعيد بن بهدل الشيباني في مائتين من أهل الجزيرة وكان على رأى الحرورية وخرج بسطام البهسى في مثل عدتهم من ربيعة وكان مخالفا لرأيه فبعث إليه سعيد بن بهدل قائده الخبيرى في مائة وخمسين فبيتهم وقتل بسطاما ومن معه ولم ينج منهم الا أربعة عشر رجلا ثم مضى سعيد بن بهدل نحو العراق فمات هنالك واستخلف الضحاك بن قيس الشيباني فبايعه السراة وأتى أرض الموصل وشهرزور واجتمع إليه من الصفرية أربعة آلاف أو يزيدون وولى مروان على العراق النضر بن سعيد الحريشى وعزل به عبد الله بن عمر بن عبد العزيز فامتنع عبد الله بالحيرة وسار إليه النضر وتحاربا أشهرا وكانت الصفرية مع النضر عصبة لمروان لطلبه بدم الوليد وأمه قيسية وكانت اليمنية مع ابن عمر عصبية لدخولهم في قتل الوليد بما فعله مع خالد القسرى فلما علم الضحاك والخوارج باختلافهم أقبل إلى العراق سنة سبع وعشرين وزحف إليهم فتراسل ابن عمر والنضر وتعاقدا واجتمعا لقتاله بالكوفة وكل واحد منهما يصلى بأصحابه وابن عمر أمير على الناس وجاء الخوارج فقاتلوهم فهزموهم إلى خندقهم ثم قاتلوهم في اليوم الثاني كذلك فسلك الناس إلى واسط منهم النضر بن سعيد الحريشى ومنصور بن جمهور واسمعيل أخو خالد القسرى وغيرهم من الوجوه فلحق ابن عمر بواسط واستولى الضحاك على الكوفة وعادت الحرب بين ابن عمر والنضر ثم زحف اليهما الضحاك فاتفقا وقاتلا حتى ضرستهما الحرب ولحق منصور بن جمهور بالضحاك والخوارج وبايعهم ثم صالحهم ابن عمر ليشغلوا مروان عنه وخرج إليهم وصلى خلف الضحاك وبايعه وكان معه سليمان بن هشام وصل إليه هاربا من حمص

[ 165 ]

لما انتقض بها وعليه عليها مروان فلحق بابن عمر وبايع معه الضحاك وصار معه وحرضه على مروان انما لحق بالضحاك وهو يحاصر نضيرا وتزوج أخت شيبان الحروري فرجع الضحاك إلى الكوفة وسار منها إلى الموصل بعد عشرين شهرا من حصار واسط بعد أن دخل أهل الموصل وعليهم القطرن أم أكمه من بنى شيبان عامر لمروان فأدخلهم أهل البلد وقاتلهم القطرن فقتل ومن معه وبلغ الخبر إلى مروان وهو يحاصر حمص فكتب إلى ابنه عبد الله أن يسير إلى يمانع الضحاك عن توسط الجزيرة فسار في ثمانية آلاف فارس والضحاك في مائة ألف وحاصره بنصيبين ثم سار مروان بن محمد إليه فالتقيا عند كفر يموتا من نواحى ماردين فقاتله عامة يومه إلى الليل وترجل الضحاك في نحو ستة آلاف وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم وعنر على الضحاك في القتلى فبعث مروان برأسه إلى الجزيرة وأصبح الخوارج فبايعوا الخبيرى قائد الضحاك وعاودوا الحرب مع مروان فهزموه وانتهوا إلى خيامه فقطعوا أطنابهم وجلس الخبيرى على فرشه والجناحان ثابتان وعلى الميمنة عبد الله بن مروان وعلى الميسرة اسحق بن مسلم العقيلى فلما انكشف قلة الخوارج أحاطوا بهم في مخيم مروان فقتلوهم جميعا والخبيري معهم ورجع مروان من نحو ستة أميال وانصرف الخوارج وبايعوا شيبان الحروري وهو شيبان بن عبد العزيز اليشكرى ويكنى أبا الدلقاء وقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس وأبطل الصف من يومئذ وأقام في قتالهم أياما وانصرف عن شيبان كثير منهم وارتحلوا إلى الموصل باشارة سليمان بن هشام وعسكروا شرقي دجلة وعقدوا الجسور واتبعهم مروان فقاتلهم لتسعة أشهر وقتل من الطائفتين خلق كثير وأسر ابن براخ لسليمان بن هشام اسمه أمية ابن معاوية فقطعه ثم ضرب عنقه وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة وهو بقرقيسة يأمره بالسير إلى العراق وولاه عليها وعلى الكوفة يومئذ المثنى بن عمران العائدى من قريش خليفة للخوارج فلقى ابن هبيرة بعين التمر فاقتتلوا وانهزمت الخوارج ثم تجمعوا له بالنخيلة ظاهر الكوفة فهزمهم ثم تجمعوا بالبصرة فأرسل شيبان إليهم عبيدة بن سوار في خيل عظيمة فهزمهم ابن هبيرة وقتل عبيدة واستباح عسكرهم واستولى على العراق وكان منصور بن جمهور مع الخوارج فمضى إلى المايس وغلب عليها وعلى الخيل جميعا وسار ابن هبيرة إلى واسط فحبس ابن عمر وكان سليمان بن حبيب عامل ابن عمر على الاهواز فبعث ابن هبيرة إليه نباتة بن حنظلة وبعث هو رواد بن حاتم والتقيا على دجلة فانهزم داود وقتل وكتب مروان إلى ابن هبيرة أن يبعث إليه عامر ابن ضبابة المزني فكتبه في ثمانية آلاف وبعث شيبان لاعتراضه الحون بن كلاب

[ 166 ]

الخارجي في جمع فانهزم عامر ومحصن بالسند وجعل مروان يمده بالجنود وكان منضور بن جمهور بالجبل يمد شيبان بالاموال ثم كثرت جموع عامر فخرج إلى الجون والخوارج اللذين يحاصرونه فهزمهم وقتل الجون وسار قاصدا الخوارج بالموصل فارتحل شيبان عنها وقدم عامر على مروان فبعثه في اتباع شيبان فمر على الجبل وخرج على بيضاء فارس وبها يومئذ عامر بن عبد الله بن حطوية بن جعفر في جموع كثيرة فسار ابن معاوية إلى كرمان وقاتله عامر فهزمه ولحق بهراة وسار عامر بمن معه فلقى شيبان والخوارج بخيرفت فهزمهم واستباح عسكرهم ومضى شيبان إلى سجستان فهلك بها سنة ثلاثين ومائة وقيل بل كان قتال مروان وشيبان على الموصل شهرا ثم انهزم شيبان ولحق بفارس وعامر بن صراة في اتباعه ثم سار شيبان إلى جزيرة ابن كاوان واقام بها ولما ولى السفاح بعث حارثة بن خزيمة لحرب الخوارج هنالك لموجدة وجدها عليه فأشير عليه ببعثه لذلك فسار في عسكر إلى البصرة وركب السفن إلى جزيرة ابن كاوان وبعث فضالة بن نعيم النهيلى في خمسمائة فانهزم شيبان إلى عمان وقاتل هناك وقتله جلندى بن مسعود بن جعفر بن جلندى ومن معه سنة أربع وثلاثين وركب سليمان بن هشام السفن بأهله ومواليه إلى الهند بعد مسير شيبان إلى جزيرة ابن كاوان حتى إذا بويع السفاح قدم عليه وأنشده سديف البيتين المعروفين وهما لا يغرنك ما ترى من رجال * ان بين الضلوع داء دويا * فضع السيف وارفع الصوت حتى * لا ترى فوق ظهرها أمويا * فقتله السفاح وانصرف مروان بعد مسير شيبان إلى الموصل إلى منزله بحران فلم يزل بها حتى سار إلى الزاب ومضى شيبان بعد سلمة إلى خراسان والفتنة بها يومئذ بين نصر ابن سيار والكرماني والحرث بن شريح وقد ظهر أبو مسلم بالدعوة العباسية فكان له من الحوادث معهم ما ذكرناه واجتمع مع على بن الكرماني على قتال نصر بن سيار فلما صالح الكرماني أبا مسلم كما مرو فارق شيبان تجى شيبان عن عمر لعلمه أنه لا يقاومه ثم هرب نصر بن سيار إلى سرخس واستقام أمر أبى مسلم بخراسان فأرسل إلى شيبان يدعوه إلى البيعة ويأذنه بالحرب واستجاش بالكرمانى فأبى فسار إلى سرخس واجتمع إليه الكثير من بكر بن وائل وأرسل إليه أبو مسلم في الموادعة فحبس الرسل فكتب أبو مسلم إلى بسام بن ابراهيم مولى بنى ليث بالمسير إلى شيبان فسار إليه فهزمه وقتل في عدة من بكر بن وائل ويقال ان خزيمة بن حازم حضر مع بسام في ذلك * (خبر أبى حمزة وطالب واسحق) * كان اسم أبى حمزة الخارجي المختار بن عوف الازدي البصري وكان من الخوارج

[ 167 ]

الاباضية وكان يوافي مكة كل موسم يدعو إلى خلاف مروان وجاء عبد الله بن يحيى المعروف بطالب الحق سنة ثمان وعشرين وهو من حضر موت فقال له انطلق معى فانى مطاع في قومي فانطلق معه إلى حضر موت وبايعه على الخلافة وبعثه عبد الله سنة تسع وعشرين مع بلخ بن عقبة الازدي في سبعمائة فقدموا مكة وحكموا بالموقف وعامل المدينة يومئذ عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك فطلبهم في الموادعة حتى ينقضى الموسم وأقام للناس حجهم ونزل بمنى وبعث إلى أبى حمزة عبيد الله بن حسن ابن الحسن ومحمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد وعبيد الله ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن ربيعة بن أبى عبد الرحمن في أمثالهم فكشر في وجه العلوى والعثماني وانبسط إلى البكري والعمرى وقال لهما ما خرجنا الا بسيرة أبويكما فقال له عبيد الله بن حسن ما جئنا للتفضيل بين آبائنا وانما جئنا برسالة من الامير وربيعة يخبرك بها ثم أحكموا معه الموادعة إلى مدتها ونفر عبد الواحد في النفر الاول فمضى إلى المدينة وضرب على أهلها البعث وزادهم في العطاء عشرة وبعث عليهم عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن عثمان فانتهوا إلى فديك وجاءتهم رسل أبى حمزة يسألونهم التجافي عن حربهم وأن يخلوا بينهم وبين عدوهم فلما نزلوا قديد وكانوا مترفين ليسوا بأصحاب حرب فطلع عليهم أصحاب أبى حمزة من الغياض فأثخنوا فيهم وكان قتلاهم نحو سبعمائة من قريش وبلغ الخبر إلى عبد الواحد فلحق بالشأم ودخل أبو حمزة المدينة منتصف صفر سنة ثلاثين وخطب على المنبر وأعلن بدعوته ووعظ وذكر ورد مقالات من عابهم وسفه رأيهم وأحسن السيرة في أهل المدينة واستمالهم حتى سمعوه يقول من زنا فهو كافر ومن سرق فهو كافر وأقام ثلاثة أشهر ثم ودعهم وسار نحو الشأم وكان مروان قد سرح إليهم عبد الملك بن محمد بن عطية بن هوازن في أربعة آلاف ليقاتل الخوارج حتى يبلغ اليمن فلقى أبا حمزة في وادى القرى فانهزمت الخوارج وقتل أبو حمزة ولحق فلهم بالمدينة وسار عطية في أثرهم إلى المدينة فأقام بها شهرا ثم سار إلى اليمن واستخلف على المدينة الوليد ابن أخيه عروة وعلى مكة رجلا من أهل الشأم وبلغ عبد الله طالب الحق مسيره إليه وهو بصنعاء فخرج للقائه واقتتلوا وقتل طالب الحق وسار ابن عطية إلى صنعاء وملكها وجاء كتاب مروان باقامة الحج بالناس فسار في اثنى عشر رجلا ومعه أربعون ألف دينار وخلف ثقله بصنعاء ونزل الحرف فاعترضه ابن حماية المرادى في جمع وقال له ولاصحابه أنتم لصوص فاستظهروا بعهد مروان فكذبوه وقاتلهم فقتلوه وركد ريح الخوارج من يومئذ إلى أن ظهرت الدولة العباسية وبويع المنصور بعد السفاح (فخرج سنة سبع وثلاثين) بالجزيرة ملبد بن حرملة الشيباني

[ 168 ]

فسارت إليه روابط الجزيرة في ألف فارس فهزمهم وقاد منهم ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبى ومهلل بن صفوان مولى المنصور ثم نزار من قواد خراسان ثم زياد بن مسكان ثم صالح بن صبيح فهزمهم كلهم واحدا بعد واحد وقتل منهم ثم سار إليه حميد بن قحطبة وهو عامل الجزيرة فهزمه وتحصن حميد منه فبعث المنصور عبد العزيز بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار في الجيوش ومعه زياد بن مسكان فأكمن له الملبد وقاتلهم ثم خرج الكعبين فانهزم عبد العزيز وقتل عامة أصحابه فبعث المنصور حازم بن خزيمة في ثمانية آلاف من أهل خراسان فسار إلى الموصل وعبر إليه الملبد دجلة فقاتله فانهزم أهل الميمنة وأهل الميسرة من أصحاب حازم وترجل حازم وأصحابه وترجل ملبد كذلك وأمر حازم أصحابه فنضحوهم بالنبل واشتد القتال وتزاحفت الميمنة والميسرة ورشقوهم فقتل ملبد في ثمانمائة ممن ترجل معه وثلثمائة قبل أن يترجل وتبعهم فضالة صاحب الميمنة فقتل منهم زهاء مائة وخمسين ثم خرج سنة ثمان وأربعين أيام المنصور بنواحي الموصل حسان بن مخالد بن مالك بن الاجدع الهمداني أخو مسروق وكان على الموصل الصفر بن يجدة وليها بعد حرب بن عبد الله فسار إليهم فهزموه إلى الدجلة وسار حسان إلى العمال ثم إلى البحر وركب إلى السند وقاتل وكاتب الخوارج بعمان يدعوهم ويستأذنهم في اللحاق بهم فأبوا وعاد إلى الموصل فخرج إليه الصفر بن الحسن ابن صالح بن جنادة الهمذانى وهلال فقتل هلالا واستبقى ابن الحسن فاتهمه بعض أصحابه بالعصبية وفارقوه وقد كان حسان أمه من الخوارج وخاله حفص بن أشتم من فقائهم ولما بلغ المنصور خروجه قال خارجي من همذان فقيل له انه ابن أخت حفص بن أشتم قال من هناك وانما أنكر المنصور ذلك لان عامة همذان شيعة وعزم المنصور على الفتك بأهل الموصل فانهم عاهدوه على أنهم ان خرجوا فقد فلت ديارهم وأموالهم وأحضر أبا حنيفة وابن أبى ليلى بن شبرمة واستفتاهم فتلطفوا له في العفو فأشار إلى أبى حنيفة فقال أبا حوا ما لا يملكون كما لو أباحت امرأة فزوجها بغير عقد شرعى فكف عن أهل الموصل ثم خرج أيام المهدى بخراسان يوسف بن ابراهيم المعروف بالبرة واجتمع بشركس فبعث إليه المهدى يزيد بن مزيد الشيباني ابن أخى معن فاقتتلوا قتالا شديدا وأسره يزيد وبعث به إلى المهدى موثقا وحمل من النهروان على بعير وحول وجهه إلى ذنبه كذلك فدخلوا إلى الرصافة وقطعوا ثم صلبوا وكان حروبا متعودا فغلب على بوشنج ومرو الروذ والطالقان والجوزجان وكان على بوشنج مصعب بن زريق جد طاهر بن الحسين فهرب منه وكان من أصحابه معاد الفاريانى وقبض معه ثم خرج معه أيام المهدى بالجزيرة حمزة بن مالك الخزاعى سنة تسع وستين

[ 169 ]

وهزم منصور بن زياد وصاحب الخراج وقوى أمره ثم اغتاله بعض أصحابه فقتله ثم خرج آخر أيام المهدى بأرض الموصل خارجي من بنى تميم اسمه ياسين يميل إلى مقاتلة صالح بن مسرح فهزم عسكر الموصل وغلب على أكثر ديار ربيعة والجزيرة فبعث إليه المهدى القائد أبا هريرة محمد بن مروخ وهزيمة بن أعين مولى بنى ضبة فحارباه حتى قتل في عدة من أصحابه وانهزم الباقون ثم خرج بالجزيرة أيام الرشيد سنة ثمان وسبعين الوليد بن طريف من بنى مغلب وقتل ابراهيم بن خالد بن خزيمة بنصيبين ثم دخل أرمينية وحاصر خلاط عشرين يوما وافتدوا بثلاثين ألفا ثم سار إلى أذربيجان ثم إلى حلوان وأرض السواد وعبر إلى غرب دجلة وعاث في أرض الجزيرة فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني وهو ابن أخى معن في العساكر فمكث يقاتله وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد فاغروا به الرشيد وأنه أبقى على الوليد برجم وائل فكتب إليه الرشيد يتهدده فناجزه يزيد الحرب في رمضان سنة تسع وسبعين وقاتلهم قتالا شديدا فقتل الوليد وجئ برأسه ثم أصبحت أخته مستلئمة للحرب فخرج إليها يزيد وضربها على رأسها بالرمح وقال لها اعدى فقد فضحت العشيرة فاستحيت وانصرفت وهى تقول في رثائه الابيات المشهورة التى منها أيا شجر الخابور مالك مورقا * كانك لم تجزع على ابن طريف * فتى لا يحب الزاد الا من التقى * ولا المال الا من قنا وسيوف * وانقرضت كلمة هؤلاء بالعراق والشأم فلم يخرج بعد ذلك الاشذاذ متفرقون يستلحمهم الولاة بالنواحي الا ما كان من خوارج البربر بافريقية فان دعوة الخارجية فشت فيهم من لدن مسيرة الظفرى سنة ثلاث وعشرين ومائة ثم فشت دعوة الاباضية والصفرية منهم في هوارة ولماية ونفزة ومغيلة وفى مغراوة وبنى يفرن من زنانة حسبما يذكر في أخبار البربر لسى رستم من الخوارج بالمغرب دولة في تاهرت من الغرب الاوسط نذكرها في أخبار البربر أيضا ثم سار بافريقية منهم على دولة العبيديين خلفاء القيروان أبو يزيد بن مخلد المغربي وكانت له معهم حروب وأخبار نذكرها في موضعها ثم لم يزل أمرهم في تناقص إلى أن اضمحلت ديانتهم وافترقت جماعتهم وبقيت آثار نحلتهم في أعقاب البربر الذين دانوا بها أول الامر ففى بلاد زناتة بالصحراء منها أثر باق لهذا العهد في قصور ربع وواديه وفى مغراوة من شعوب زناتة ويسمون الراهبية نسبة إلى عبد الله بن وهب الراهبى أول من بويع منهم أيام على بن أبى طالب وهم في قصور هنالك مظهرين لبدعتهم لبعدهم عن مقال أهل السنة والجماعة وكذلك في جبال طرابلس وزناتة أثر باق من تلك النحلة يدين بها أولئك البربر في المجاورة لهم مثل ذلك وتطير الينا هذا العهد

[ 170 ]

من تلك البلاد دواوين ومجلدات من كلامهم في فقه الدين وتمهيد عقائده وفروعه مباينة لمناحى السنة وطرقها بالكلية الا أنها ضاربة بسهم في اجادة التأليف والترتيب وبناء الفروع على أصولهم الفاسدة وكان بنواحي البحرين وعمان إلى بلاد حضر موت وشرقي اليمن ونواحى الموصل آثار تفشى وعروق في كل دولة إلى أن خرج على بن مهدى من خولان باليمن ودعا إلى هذه النحلة وغلب يومئذ من كان من الملوك باليمن واستلحم بنى الصليحى القائمين بدعوة العبيديين من الشيعة وغلبوهم على ما كان بأيديهم من ممالك اليمن واستولوا أيضا على زبيد ونواحيها من يدمو إلى بنى نجاح ومولى ابن زياد كما نذكر ذلك كله في أخبارهم ان شاء الله سبحانه وتعالى فلتصفح في أماكنها ويقال ان باليمن لهذا العهد شيعة من هذه الدعوة ببلاد حضر موت والله يضل من يشاء ويهدى من يشاء * (الدولة الاسلامية بعد افتراق الخلافة) * لم يزل أمر الاسلام جميعا دولة واحدة أيام الخلفاء الاربعة وبنى أمية من بعدهم لاجتماع عصبية العرب ثم ظهر من بعد ذلك أمر الشيعة وهم الدعاة لاهل البيت فعلت دعاة بنى العباس على الامر واستقلوا بخلافة الملك ولحق الفل من بنى أمية بالاندلس فقام بأمرهم فيها من كان هنالك من مواليهم ومن هرب فلم يدخلوا في دعوة بنى العباس وانقسمت لذلك دولة الاسلام بدولتين لافتراق عصبية العرب ثم ظهر دعاة أهل البيت بالمغرب والعراق من العلوية ونازعوا خلفاء بنى العباس واستولوا على القاصية من النواحى كالادارسة بالمغرب الاقصى والعبيديين بالقيروان ومصر والقرامطة بالبحرين والدواعي بطبرستان والديلم والاطروش فيها من بعده وانقسمت دولة الاسلام بذلك دولا متفرقة نذكرها واحدة بعد واحدة ونبدأ منها أولا بذكر الشيعة ومبادي دولهم وكيف انساقت إلى العباسية ومن بعدهم إلى آخر دولهم ثم نرجع إلى دولة بنى أمية بالاندلس ثم نرجع إلى دولة الدعاة للدولة العباسية في النواحى من العرب والعجم كما ذكرناه في برنامج الكتاب والله الموفق للصواب * (مبدأ دولة الشيعة) * (اعلم) أن مبدأ هذه الدولة ان أهل البيت لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون أنهم أحق بالامر وأن الخلافة لرجالهم دون من سواهم من قريش وفى الصحيح أن العباس قال لعلى في وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى توفى فيه اذهب بنا إليه نسأله فيمن هذا الامر ان كان فينا علمنا ذلك وان كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا فقال له على ان منعناها لا يعطيناها الناس بعده وفى الصحيح أيضا أن رسول الله صلى الله عليه

[ 171 ]

وسلم قال في مرضه الذى توفى فيه هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فاختلفوا عنده في ذلك وتنازعوا ولم يتم الكتاب وكان ابن عباس يقول ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم حتى لقد ذهب كثير من الشيعة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى في مرضه ذلك لعلى ولم يصح ذلك من وجه يعول عليه وقد أنكرت هذه الوصية عائشة وكفى بانكارها وبقى ذلك معروفا من أهل البيت وأشياعهم وفيما نقله أهل الآثار أن عمر قال يوما لابن العباس ان قومكم يعنى قريشا ما أرادوا أن يجمعوا لكم يعنى بنى هاشم بين النبوة والخلافة فتحموا عليهم وأن ابن عباس نكر ذلك وطلب من عمر اذنه في الكلام فتكلم بما عصب له وظهر من محاورتهما أنهم كانوا يعلمون أن في نفوس أهل البيت شيأ من أمر الخلافة والعدول عنهم بها وفى قصة الشورى أن جماعة من الصحابة كانوا يتشيعون لعلى ويرون استحقاقه على غيره ولما عدل به إلى سواه تأففوا من ذلك وأسفوا له مثل الزبير ومعه عمار بن ياسر والمقداد بن الاسود وغيرهم الا أن القوم لرسوخ قدمهم في الدين وحرصهم على الالفة لم يزيدوا في ذلك على النجوى بالتأنف والاسف ثم لما فشا التكبر على عثمان والطعن في الآفاق كان عبد الله بن سبا ويعرف بابن السوداء من أشد الناس خوضا في التشنيع لعلى بما لا يرضاه من الطعن على عثمان وعلى الجماعة في العدول إليه عن على وانه ولى بغير حق فأخرجه عبد الله بن عامر من البصرة ولحق بمصر فاجتمع إليه جماعة من أمثاله جنحو إلى الغلو في ذلك وانتحال المذاهب الفاسدة فيه مثل خالد بن ملجم وسوذان بن حمدان وكنانة بن بشر وغيرهم ثم كانت بيعة على وفتنة الجمل وصفين وانحراف الخوارج عنه بما أنكروا عليه من التحكيم في الدين وتمحضت شيعته للاستماتة معه في حرب معاوية مع على وبويع ابنه الحسن وخرج عن الامر لمعاوية فسخط ذلك شيعة على منه وأقاموا يتناجون في السر باستحقاق أهل البيت والميل إليهم وسخطوا من الحسن ما كان منه وكتبوا إلى الحسين بالدعاء له فامتنع وأوعدهم إلى هلاك معاوية فساروا إلى محمد بن الحنفية وبايعوه في السر على طلب الخلافة متى أمكنه وولى على كل بلد رجلا وأقاموا على ذلك ومعاوية يكف بسياسة من غربهم ويقتلع الداء إذا تعين له منهم كما فعل بحجر بن عدى وأصحابه ويروض من شماس أهل البيت ويسامحهم في دعوى تقدمهم واستحقاقهم ولا يهيج أحدا منهم بالتثريب عليه في ذلك إلى أن مات وولى يزيد وكان من خروج الحسين وقتله ما هو معروف فكانت من أشنع الوقائع في الاسلام عظمت بها الشحناء وتوغل الشيعة في شأنهم وعظم النكير والطعن على من تولى ذلك أو قعد عنه ثم تلاوموا على ما أضاعوه من أمر الحسين وانهم دعوه ثم لم ينصروه

[ 172 ]

فندموا ورأوا أن لا كفارة في ذلك الا الاستماتة دون ثاره وسموا أنفسهم التوابين وخرجوا لذلك يقدمهم سليمان بن صرد الخزاعى ومعه جماعة من خيار أصحاب على وكان ابن زياد قد انتقض عليه العراق ولحق بالشأم وجمع وزر ينج قاصدا العراق فزحفوا إليه وقاتلوه حتى قتل سليمان وكثير من أصحابه كما ذكرنا في خبره وذلك سنة خمس وستين ثم خرج المختار بن أبى عبيد ودعا لمحمد بن الحنفية كما قدمناه في خبره وفشا التعصب لاهل البيت في الخاصة والعامة بما خرج عن حدود الحق واختلفت مذاهب الشيعة فيمن هو أحق بالامر من أهل البيت وبايعت كل طائفة لصاحبها سرا ورسخ الملك لبنى أمية وطوى هؤلاء الشيعة قلوبهم على عقائدهم فيها وتستروا بها مع تعدد فرقهم وكثرة اختلافهم كما ذكرناه عند نقل مذاهبهم في فصل الامامة من الكتاب الاول ونشأ زيد بن على بن الحسين وقرأ على واصل بن عطاء امام المعتزلة في وقته وكان واصل مترددا في اصابة على في حرب صفين والجمل فنقل ذلك عنه وكان أخوه محمد الباقر يعذله في الاخذ عمن يرى سخطية جده وكان زيد أيضا مع قوله بافضلية على على أصحابه يرى ان بيعة الشيخين صحيحة وأن اقامة المفضول جائزة خلاف ما عليه الشيعة ويرى انهما لم يظلما عليا ثم دعته الحال إلى الخروج بالكوفة سنة احدى وعشرين ومائة واجتمع له عامة الشيعة ورجع عنه بعضهم لما سمعوه يثنى على الشيخين وأنهما لم يظلما عليا وقالوا لم يظلمك هؤلاء ورفضوا دعوته فسموا الرافضة من أجل ذلك ثم قاتل يوسف بن عمر فقتله يوسف وبعث برأسه إلى هشام وصلب شلوه بالكناسة ولحق ابنه يحيى بخراسان فأقام بها ثم دعته شيعة إلى الخروج فخرج هنالك سنة خمس وعشرين وسرح إليه نصر بن سيار العساكر مع سالم بن أحور المازنى فقتلوه وبعث برأسه إلى الوليد وصلب شلوه بالجوزجان وانقرض شأن الزيدية وأقام الشيعة على شأنهم وانتظار أمرهم والدعاء لهم في النواحى يدعون على الاحجال للرضا من آل محمد ولا يصرحون بمن يدعون له حذرا عليه من أهل الدولة وكان شيعة محمد بن الحنفية أكثر شيعة أهل البيت وكانوا يرون أن الامر بعد محمد بن الحنفية لابنه أبى هشام عبد الله وكان كثيرا ما يغدو على سليمان بن عبد الملك فمر في بعض أسفاره محمد بن على بن عبد الله بن عباس بمنزله بالحميمة من أعمال البلقاء فنزل عليه وأدركه المرض عنده فمات وأوصى له بالامر وقد كان أعلم شيعته بالعراق وخراسان أن الامر صائر إلى ولد محمد بن على هذا فلما مات قصدت الشيعة محمد بن على وبايعوه سرا وبعث الدعاة منهم إلى الآفاق على رأس مائة من الهجرة أيام عمر بن عبد العزيز واجابه عامة أهل خراسان وبعث عليهم النقباء وتداول أمرهم هنالك وتوفى محمد سنة أربع وعشرين وعهد لابنه ابراهيم وأوصى

[ 173 ]

الدعاة بذلك وكانوا يسمونه الامام ثم بعث أبو مسلم إلى أهل دعوته بخراسان ليقوم فيهم بأمره فهلك وكتب إليهم بولايته ثم قبض مروان بن محمد على ابراهيم الامام وحبسه بخراسان فهلك هنالك لسنة وملك أبو مسلم خراسان وزحف إلى العراق فملكها كما ذكرنا ذلك كله من قبل وغلبوا بنى أمية على أمرهم وانقرضت دولتهم { الخبر عن بنى العباس من دول الاسلام في هذه الطبقة الثالثة للعرب وأولية أمرهم وانشاء دولتهم والالمام بنكت أخبارهم وعيون أحاديثهم } هذه الدولة من دولة الشيعة كما ذكرناه وفرقها منهم يعرفون بالكيسانية وهم القائلون بامامة محمد بن على بن الحنفية بعد على ثم بعده إلى ابنه أبى هشام عبد الله ثم بعده إلى محمد بن على بن عبد الله بن عباس بوصيته كما ذكرنا ثم بعده إلى ابنه ابراهيم الامام ابن محمد ثم بعده إلى أخيه أبى العباس السفاح وهو عبد الله ابن الحارثية هكذا مساقها عند هؤلاء الكيسانية ويسمون أيضا الحرماقية نسبة إلى أبى مسلم لانه كان يلقب بحرماق ولبنى العباس أيضا شيعة يسمون الرواندية من أهل خراسان يزعمون أن أحق الناس بالامامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو العباس لانه وارثه وعاصبه لقوله وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وان الناس منعوه من ذلك وظلموه إلى أن رده الله إلى ولده ويذهبون إلى البراءة من الشيخين وعثمان ويجيزون بيعة على لان العباس قال له يا ابن أخى هلم أبايعك فلا يختلف عليك اثنان ولقول داود بن على منبر الكوفة يوم بويع السفاح يا أهل الكوفة انه لم يقم فيكم امام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الا على بن أبى طالب وهذا القائم فيكم يعنى السفاح * (دولة السفاح) * قد تقدم لنا كيف كان أصل هذه الدعوة وظهورها بخراسان على يد أبى مسلم ثم استيلاء شيعتهم على خراسان والعراق ثم بيعة السفاح بالكوفة سنة ثلاث وثلاثين ومائة ثم قتل مروان بن محمد وانقراض الدولة الاموية ثم خرج بعض أشياعهم وقوادهم وانتقضوا على أبى العباس السفاح وكان أول من انتقض حبيب بن مرة المرى من قواد مروان وكان بخولان والبلقاء خاف على نفسه وقومه فخلع وبيض ومعناه لبس البياض ونصب الرايات البيض مخالفة لشعار العباسية في ذلك وتابعته قيس ومن يليهم والسفاح يومئذ بالحيرة بلغه أن أبا الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحرث الكلابي انتقض بقنسرين وكان من قواد مروان ولما انهزم مروان وقدم عليه عبد الله بن على بايعه ودخل في دعوة العباسية وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له

[ 174 ]

فعبث بهم وبنسائهم القائد الذى جاءهم من قبل عبد الله بن على وشكوا ذلك إلى أبى الورد فقتل القائد وخلع معه أهل قنسرين وكاتبوا أهل حمص في الخلاف وقدموا عليهم أبا محمد عبد الله بن يزيد بن معاوية وقالوا هو السفياني الذى يذكر ولما بلغ ذلك عبد الله بن على وادع حبيب بن مرة وسار إلى أبى الورد بقنسرين ومر بدمشق فخلف بها أبا غانم عبد الحميد بن ربعى الطائى في أربعة آلاف فارس مع حرمه وأثقاله وسار إلى حمص فبلغه أن أهل دمشق خلعوا وبيضوا وقام فيهم بذلك عثمان بن عبد الاعلى ابن سراقة الازدي وانهم هزموا أبا غانم وعسكره وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وانتهبوا ما خلف عندهم فأعرض عن ذلك وسار للقاء السفياني وأبى الورد وقدم أخاه عبد الصمد في عشرة آلاف فكشف ورجع إلى أخيه عبد الله منهزما فزحف عبد الله في جماعة القواد ولقيهم بمرج الاحزم وهم في أربعين ألفا فانهزموا وثبت أبو الورد في خمسمائة من قومه فقتلوا جميعا وهرب أبو محمد تلى ترمذ وراجع أهل قنسرين طاعة العباسية ورجع عبد الله بن على تلى قتال أهل دمشق ومن معهم فهرب عثمان بن سراقة ودخل أهل دمشق في الدعوة وبايعوا لعبد الله بن على ولم يزل أبو محمد السفياني بأرض الحجاز متغيبا إلى أيام المنصور فقتله زياد بن عبد الله الحارثى عامل الحجاز يومئذ وبعث برأسه إلى المنصور مع ابنين له أسيرين فأطلقهما المنصور ثم خلع أهل الجزيرة وبيضوا وكان السفاح قد بعث اليهما ثلاثة آلاف من جنده مع موسى بن كعب من قواده وأنزلهم بحران وكان اسحق بن مسلم العقيلى عامل مروان على ارمينية فلما بلغته هزيمة مروان سار عنها واجتمع إليه أهل الجزيرة وحاصروا موسى بن كعب بحران شهرين فبعث السفاح أخاه أبا جعفر إليهم وكان محاصرا لابن هبيرة بواسط فسار لقتال اسحق بن مسلم ومر بقرقيسيا والر وقد خلعوا وبيضوا وسار نحو حران فأجفل اسحق بن مسلم عنها ودخل الرها وبعث أخاه بكار بن مسلم إلى قبائل ربيعة بنواحي ماردين ورئيسهم يومئذ برمكة من الحرورية فصمد إليهم أبو جعفر فهزمهم وقتل برمكة في المعركة وانصرف بكار إلى أخيه اسحق فخلفه بالرها وسار إلى شمشاط بمعظم عسكره وجاء عبد الله بن على فحاصروه ثم جاء أبو جعفر فحاصروه سبعة أشهر وهو يقول لا أخلع البيعة من عنقي حتى أتيقن موت صاحبها ثم تيقن موت مروان فطلب الامان واستأذنوا السفاح فأمرهم بتأمينه وخرج اسحق إلى أبى جعفر فكان من آثر أصحابه واستقام أهل الجزيرة والشأم وولى السفاح أخاه أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان فلم يزل عليها حتى استخلف * (حصار ابن هبيرة بواسط ومقتله) *

[ 175 ]

ثم تقدم لنا هزيمة يزيد بن هبيرة امام الحسن بن قحطبة وتحصنه بواسط وكان جويرة وبعض أصحابه أشاروا عليه بعد الهزيمة باللحاق بالكوفة فأبى وأشار عليه يحيى بن حصين باللحاق بمروان وخوفه عاقبة الحصار فأبى خشية على نفسه من مروان واعتصم بواسط وبعث أبو مسلمة الحسن بن قحطبة في العسكر لحصاره وعلى ميمنته ابنه داود فانهزم أهل الشأم واضطروا إلى دجلة وغرق منهم كثير ثم تحاجزوا ودخل ابن هبيرة المدينة وخرج لقتالهم ثانية بعد سبعة أيام فانهزم كذلك ومكثوا أياما لا يقتتلون الا رميا وبلغ ابن هبيرة أن أبا أمية الثعلبي قد سود فحبسه فغضبت لذلك ربيعة ومعن بن زائدة وحبسوا ثلاثة نفر من فزارة رهنا في أبى أمية واعتزل معن وعبد الله بن عبد الرحمن بن بشير العجلى فيمن معهما فخلى ابن هبيرة سبيل أبى أمية وصالحهم وعادوا إلى اتفاقهم ثم قدم على الحسن بن قحطبة من ناحية سجستان أبو نصر مالك بن الهيثم فأوفد غيلان بن عبد الله الخزاعى على السفاح يخبره بقدوم أبى نصر وكان غيلان واجدا على الحسن فرغب من السفاح أن يبعث عليهم رجلا من أهل بيته فبعث أخاه أبا جعفر وكتب إلى الحسن العسكر لك والقواد قوادك ولكن أحببت أن يكون أخى حاضرا فأحسن طاعته وموازرته وقدم أبو جعفر فأنزله الحسن في خيمته وجعل على حرسه عثمان بن نهيك ثم تقدم مالك بن الهيثم لقتال أهل الشأم وابن هبيرة فخرجوا لقتاله وأكمنوا معن بن زائدة وأبا يحيى الجرافى ثم استطردوا لابن الهيثم وانهزموا للخنادق فخرج عليهم معن وأبو يحيى فقاتلوهم إلى الليل وتحاجزوا وأقاموا بعد ذلك أياما ثم خرج أهل واسط مع معن ومحمد بن نباتة فهزمهم أصحاب الحسن إلى دجلة فتساقطوا فيها وجاء مالك بن الهيثم فوجد ابنه قتيلا في المعركة فحمل على أهل واسط حتى أدخلهم المدينة وكان مالك يملاء السفن حطبا ويضرمها نارا فتحرق ما تمر به فيأمر ابن هبيرة بأن تجر بالكلاليب ومكثوا كذلك احد عشر شهرا وجاء اسمعيل بن عبد الله القسرى إلى ابن هبيرة بقتل مروان وفشلت اليمانية عن القتال معهم وتبعهم الفزارية فلم يقاتل معه الا الصعاليك وبعث ابن هبيرة إلى محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بأن يبايع له فأبطأ عنه جوابه وكاتب السفاح اليمانية من أصحاب ابن هبيرة وأطمعهم فخرج إليه زياد بن صالح وزياد بن عبيد الله الحرثيان ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا له جهة السفاح ولم يفعلا وتردد الشعراء بين أبى جعفر وابن هبيرة في الصلح وأن يكتب له كتاب أمان على ما اختاره ابن هبيرة وشاور فيه العلماء أربعين يوما حتى رضيه وأنفذه إلى أبى جعفر فانفذه إلى السفاح وأمر بامضائه وكان لا يقطع أمرا دون أبى مسلم فكتب إليه يحيى بن هبيرة قد خرج بعد الامان إلى أبى جعفر في ألف وثلثمائة فلقيه الحاجب سلام

[ 176 ]

ابن سليم فأنزله وأجلسه على وسادة وأطاف بحجرة أبى جعفر عشرة آلاف من أهل خراسان ثم أذن لابن هبيرة فدخل على المنصور وحادثه وخرج عنه ومكث يأتيه يوما ويغبه يوما ثم أغرى أبا جعفر أصحابه بأنه يأتي في خمسمائة فارس وثلثمائة راجل فيهتز له العسكر فأمر أبو جعفر أن يأتي في حاشيته فقط فكان يأتي في ثلاثين ثم آخرا في ثلاثة ثم الح السفاح على أبى جعفر في قتله وهو يراجعه للامان الذى كتب له حتى كتب إليه السفاح والله لتقتلنه أو لابعن من يخرجه من حجرتك فيقتله فبعث أبو جعفر إلى وجوه القيسية والمضرية وقد أعد لهم ابن نهيك في مائة من الخراسانية في بعض حجره وجاء القوم في اثنين وعشرين رجلا يقدمهم محمد بن نباتة وجويرة بن سهبل فدعاهم سلام الحاجب رجلين رجلين وعثمان بن نهيك يقيدهما إلى أن استكملهم وبعث أبو جعفر لحازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة في مائة إلى ابن هبيرة فقالوا نريد حمل المال فدلهم حاجبه على الخزائن فأقاموا عندها الرجال وأقبلوا نحوه فقام جاجبه في وجوههم فضربه الهيثم فصرعه وقاتل ابنه داود فقتل في جماعة من مواليه ثم قتل ابن هبيرة آخرا وحملت رؤسهم إلى أبى جعفر ونادى بالامان للناس الا الحكم بن عبد الملك أبى بشر وخالد بن مسلمة المخزومى وعمر بن در فهرب الحكم وأمن أبو جعفر خالدا فلم يجز السفاح أمانه وقتله واستأمن زياد بن عبيد الله لابن در فأمنه * (مقتل أبى مسلمة بن الخلال وسليمان بن كثير) * قد تقدم لنا ما كان من أبى مسلمة الخلال في أمر أبى العباس السفاح واتهام الشيعة في أمره وتغير السفاح عليه وهو بعكوة أعين ظاهر الكوفة ثم تحول إلى مدينة الهاشمية ونزل قصرها وهو يتنكر لابي مسلمة وكتب إلى أبى مسلم ببغيته وبرأيه فيه فكتب إليه أبو مسلم بقتله وقال له داود بن على لا تفعل فيحتج بها أبو مسلم عليك والذين معك أصحابه وهم له أطوع ولكن اكتب إليه يبعث من يقتله ففعل وبعث أبو مسلم مرار بن أنس الضبى فقتله فلما قدم نادى السفاج بالرضا عن أبى مسلمة ودعا به وخلع عليه ثم دخل عنده ليلة أخرى فسهر عامة ليله ثم انصرف إلى منزله فاعترضه مرار بن أنس وأصحابه فقتلوه وقالوا قتله الخوارج وصلى عليه من الغد يحيى أخو السفاح وكان يسمى وزير آل محمد وأبو مسلم أمير آل محمد وبلغ الخبر إلى أبى مسلم وسرح سليمان بن كثير بالنكير لذلك فقتله أبو وبعث على فارس محمد بن الاشعث وأمره أن يقتل ابن أبى مسلمة ففعل * (عمال السفاح) * ولما استقام الامر للسفاح ولى على الكوفة والسواد عمه داود بن على ثم عرله وولاه

[ 177 ]

على الحجاز واليمن واليمامة وولى مكانه على الكوفة عيسى ابن أخيه موسى بن محمد ثم توفى داود سنة ثلاث وثلاثين فولى مكانه على الحجاز واليمامة خالد بن زياد بن عبيد الله ابن عبيد وعلى اليمن محمد بن يزيد بن عبيد الله بن عبد وولى السفاح على البصرة سفيان بن معاوية المهلبى ثم عزله وولى مكانه عمه سليمان بن على وأضاف إليه كور دجلة والبحرين وعمان وولى عمه اسمعيل بن على الاهواز وعمه عبد الله بن على على الشأم وأبا عون عبد الملك بن يزيد على مصر وأبا مسلم على خراسان وبرمك على ديوان الخراج وولى عمه عيسى بن على على فارس فسبقه إليها محمد ابن الاشعث من قبل أبى مسلم فلما قدم عليه عيسى هم محمد بقتله وقال أمرنى أبو مسلم أن أقتل من جاءني بولاية من غيره ثم أقصر عن قتله واستحلفه بأيمان لا مخارج لها أن لا يعلو منبرا ما عاش ولا يتقلد سيفا الا في جهاد فوفى عيسى بذلك بقية عمره واستعمل بعده على فارس عمه اسمعيل بن على واستعمل على الموصل محمد بن صول فطرده أهلها وقالوا بل علينا تولى خثعم وكانوا منحرفين عن بنى العباس فاستعمل السفاح عليهم أخاه يحيى وبعثه في اثنى عشر ألفا فنزل قصر الامارة وقتل منهم اثنى عشر رجلا فثاروا به وحمل السلاح فنودى فيهم بالامان لمن دخل المسجد الجامع فتسايل الناس إليه وقد أقام الرجال على أبو ابه فقتلوا كل من دخل يقال قتل احد عشر ألفا ممن لبس وما لا يحصى من غيرهم وسمع صياح النساء بالليل فأمر من الغد بقتل النساء والصبيان واستباحهم ثلاثة أيام وكان في عسكره أربعة آلاف من الزنوج فعانوا في النساء وركب في اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته وقالت له ألست من بنى هاشم ألست ابن عم الرسول أما تعلم أن المؤمنات المسلمات ينكحهن الزنوج فامسك عنها وجمع الزنج من الغد للعطاء وأمر بهم فقتلوا عن آخرهم وبلغ السفاح سوء أمره في أهل الموصل فعزله وولى مكانه اسمعيل بن على وولى يحيى مكان اسمعيل بالاهواز وفارس وملك الروم ملطية وقاليقلا وفى سنة ثلاث وثلاثين أقبل قسطنطين ملك الروم فحصر ملطية والفتن يومئذ بالجزيرة وعاملها يومئذ موسى بن كعب بن اسان فلم يزل حاصرهم حتى نزلوا على الامان وانتقلوا إلى بلاد الجزيرة وحملوا ما قدروا عليه وخرب الروم ملطية وسار عنها إلى مرج الحصى وأرسل قسطنطين العساكر إلى قاليقلا من نواحى ماردين مع قائده كوشان الارمني فحصرها وداخل بعض الارمن من أهل المدينة فنقبوا له السور فاقتحم البلد من ذلك النقب واستباحها

[ 178 ]

* (النوار بالنواحي) * (1) كان المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة قد ولاه أبو على اليمامة فلما قتل يزيد أبوه امتنع هو باليمامة فبعث إليه زياد بن عبيد المدن بالعساكر من المدينة مع ابراهيم بن حبان السلمى فقتله وقتل أصحابه وذلك سنة ثلاث وثلاثين (وفيها) خرج شريك بن شيخ اسحارا على أبى مسلم ونقض أفعاله واجتمع إليه أكثر من ثلاثين ألفا فبعث إليه أبو مسلم زياد ابن صالح الخزاعى فقاتله وقتله (وفيها) توجه أبو داود وخالد بن ابراهيم إلى الختل فتحصن ملكهم ابن السبيل منهما ومنعه الدهاقين فحاصره أبو داود حتى جهد الحصار فخرج من حصنه مع الدهاقين ولحق بفرغانة ثم سار منها إلى بلد الصين وأخذ أبو داود من ظفر به في الحصن فبعث بهم إلى أبى مسلم (وفيها) الفتنة بين اخشيد فرغانة وملك الشاش واستمد الاخشيد ملك الصين فأمده بمائة ألف مقاتل وحصروا ملك الشاش حتى نزلوا على حكم ملك الصين فلم يعرض له ولا لقومه بسوء وبعث أبو مسلم زياد بن صالح لاعتراضهم فلقيهم على نهر الطرار فظفر بهم وقتل منهم نحوا من خمسين ألفا وأسر نحوا من عشرين ألفا ولحق بهم بالصين وذلك في ذى الحجة سنة ثلاث وثلاثين ثم انتقض بسام بن ابراهيم بن بسام من فرسان أهل خراسان وسار من عسكر السفاح وجماعة على رأيه سرا إلى المدائن فبعث السفاح في اثرهم خازم بن خزيمة فقاتلهم وقتل أكثرهم واستباحهم وبلغ ماه وانصرف فمر بذات المطامير وبها أخوال السفاح من بنى عبد المدان في نحو سبعين من قرابتهم ومواليهم وقيل له ان المغيرة من أصحاب بسام عندهم فسألهم عنه فقالوا مر بنا مجتازا فهددهم ان لم يأخذه فأغلظوا له في القول فقتلهم أجمعين ونهب أموالهم وهدم دورهم وغضبت اليمانية لذلك ودخل بهم زياد ابن عبيد الله الحرثى على السفاح وشكوا إليه ما فعل بهم فهم يقتله وبلغ ذلك موسى ابن كعب وأبا الجهم بن عطية فدخلا على السفاح وذكراه سابقة الشيعة وطاعتهم وانهم آثره كم على الاقارب والاولاد وقتلوا من خالفكم فان كان لابد من قتله فابعثه لوجه من الوجوه فان قتل فهو الذى تريد وان ظفر فلك بعثه إلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان من عمان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكرى فبعث معه سبعمائة رجل فحملهم سليمان بن على من البصرة في السفن وقد انضم إليه من أهله وعشيرته ومواليه وعدت من بنى تميم من البصرة فلما أرسوا بجزيرة ابن كاوان قدم حازم فضلة ابن نعيم المنشلى في خمسمائة إلى شيبان فانهزم هو وأصحابه وكانوا صفرية وركبوا إلى عمان فقاتلهم الجلندى في الاباضية فقتل شيبان ومن معه كما مر وشيبان هذا غير شيبان بن سلمة الذى قتل بخراسان فربما يشتبهان ثم ركب خازم البحر إلى ساحل عمان

[ 179 ]

فنزل وقاتل الجلندى أياما أمر خازم أصحابه في آخرها أن يجعلوا على أطراف أسنتهم المشاقة ودوروها بالنفط ويشعلوها بالنيران ويرموها في بيوت القوم وكانت من خشب فلما اضطرمت فيها النار شغلوا بأهليهم وأولادهم عن القتل فحمل عليهم خازم وأصحابه فاستلحموهم وقتل الجلندى وعشرة آلاف فبعث خازم برؤوسهم إلى البصرة فبعثها سليمان إلى السفاح فندم اه‍ ثم غزا خالد بن ابراهيم أهل كش فقتل الاخريد ملكها وهو مطيع واسنباحهم وأخذ من الاواني الصينية المنقوشة المذهبة ومن الديباج والسروج ومتاع الصين وظرفه ما لم ير مثله وحمله إلى أبى مسلم بسمرقند وقتل عدة من دهاقين كش وملك طازان أخا الاخريد على كش ورجع أبو مسلم إلى مرو وبعد أن فتك في الصغد وبخاري وأمر ببناء سور سمرقند واستخلف زياد ابن صالح على بخارى وسمرقند ورجع أبو داود إلى بلخ ثم بلغ السفاح انتقاض منصور ابن جمهور بالسند فبعث صاحب شرطته موسى بن كعب واستخلف مكانه على الشرطة المسيب بن زهير وسار موسى لقتال ابن جمهور فلقيه بتخوم الهند وهو في نحو اثنى عشر ألفا فانهزم ومات عطشا في الرمال ورحل عامله على السند بعياله وثقلته فدخل بهم بلاد الخزر ثم انتقض سنة خمس وثلاثين زياد بن صالح وراء النهر فسار أبو مسلم إليه من مرو وبعث أبو داود خالد بن ابراهيم نصر بن راشد إلى ترمذ ليمنعها من زياد فلما وصل إليها خرج عليه ناس من الطالقان فقتلوه فبعث مكاته عيسى بن ماهان فسمع قتلة نصر فقتلهم وسار أبو مسلم فانتهى إلى آمد ومعه سباع بن النعمان الازدي وكان السفاح قد دس معه إلى زياد بن صالح الازدي أن ينتهز فرصة في أبى مسلم فيقتله ونمى الخبر إلى أبى مسلم فحبس سباعا بآمد وسار عنها وأمر عامله بقتله ولقيه قواد زياد في طريقه وقد خلعوا زيادا فدخل أبو مسلم بخارى ونجا زياد إلى دهقان هناك فقتله وحمل رأسه إلى أبى مسلم وكتب أبو مسلم إلى أبى داود فقتله وكان قد شغل بأهل الطالقان فرجع إلى كش وبعث عيسى بن ماهان إلى بسام فلم يظفر منها بشئ وبعث إلى بعض أصحاب أبى مسلم يعيب أبا داود عيسى فضربه وحبسه ثم أخرجه فوثب عليه الجند فقتلوه ورجع أبو مسلم إلى مرو * (حج أبى جعفر وأبى مسلم) * وفى سنة ست وثلاثين استأذن أبو مسلم السفاح في القدوم عليه للحج وكان منذ ولى خراسان لم يفارقها فأذن له في القدوم مع خمسمائة من الجند فكتب إليه أبو مسلم ان قد عاديت الناس ولست آمن على نفسي فاذن له في ألف وقال ان طريق مكة لا تحتسل العسكر فسار في ثمانية آلاف فرقهم ما بين نيسابور والرى وخلف أمواله وخزائنه بارى

[ 180 ]

وقدم في ألف وخرج القواد بأمر السفاح لتلقيه فدخل على السفاح وأكرمه وأعظمه واسئأذن في الحج فأذن له وقال لو لا أن أبا جعفر يريد الحج لاستعملتك على الموسم فأنزله بقرية وكان قد كتب إلى أبى جعفر ان أبا مسلم استأذنني في الحج وأذنت له وهو يريد ولاية الموسم فاسألني أنت في الحج فلا تطمع أن يتقدمك وأذن له فقدم الانبار وكان ما بين أبى جعفر وأبى مسلم متباعدا من حيث بعث السفاح أبا جعفر إلى خراسان ليأخذ البيعة له ولابي جعفر من بعده ويولى أبا مسلم على خراسان فاستخلى أبو مسلم بأبى جعفر فلما قدم ألان أبو جعفر السفاح بقتله وأذن له فيه ثم ندم وكفه عن ذلك وسار أبو جعفر إلى الحج ومعه أبو مسلم واستعمل على حران مقاتل بن حكيم العكى * (موت السفاح وبيعة المنصور) * كان أبو العباس السفاح قد تحول من الحيرة إلى الانبار في ذى الحجة سنة أربع وثلاثين فأقام بها سنتين ثم توفى في ذى الحجة سنة ست وثلاثين لثلاث عشرة ليلة خلت منه ولاربع سنين وثمانية أشهر من لدن بويع وصلى عليه عمه عيسى ودفن بالانبار وكان وزيره أبو الجهم بن عطية وكان قبل موته قد عهد بالخلافة لاخيه أبى جعفر ومن بعده لعيسى ابن أخيهما موسى وجعل العهد في ثوب وختمه بخواتيمه وخواتيم أهل بيته ودفعه إلى عيسى ولما توفى السفاح وكان أبو جعفر بمكة فأخذ البيعة على الناس عيسى ابن موسى وكتب إليه بالخبر فجزع واستدعى أبا مسلم وكان متأخرا عنه فاقرأه الكتاب فبكى واسترجع وسكن أبا جعفر عن الجزع فقال أخاف شر عبد الله بن على فقال أنا أكفيكه وعامة جنده أهل خراسان وهم أطوع لى منه فسرى عنه وبايع له أبو مسلم والناس وأقبلا حتى قدما الكوفة ويقال ان أبا مسلم كان متقدما على أبى جعفر فان الخبر قد أتاه قبله فكتب أبو مسلم إليه يعزيه ويهنيه بالخلافة وبعد يومين كتب له ببيعته وقدم أبو جعفر الكوفة سنة سبع وثلاثين وسار منها إلى الانبار فسلم إليه عيسى بيوت الاموال والدواوين واستقام أمر أبى جعفر * (انتقاض عبد الله بن على وهزيمته) * كان عبد الله بن على قدم على السفاح قبل موته فبعثه إلى الصائفة في جنود أهل الشأم وخراسان فانتهى إلى دلوك ولم بدر حتى جاءه كتاب عيسى بن موسى بوفاة السفاح وأخذ البيعة لابي جعفر وله من بعده كما عهد به السفاح فجمع عبد الله الناس وقرأ عليهم الكتاب وأعلمهم أن السفاح حين أراد أن يبعث الجنود إلى حران تكاسل بنو أبيه عنها فقال لهم من انتدب منكم فهو ولى عهدي فلم يتدب غيرى وشهد له أبو غانم الطائى

[ 181 ]

وخفاف المروزى وغيرهما من القواد وبايعوه وفيهم حميد بن حكيم بن قحطبة وغيره من خراسان والشأم والجزيرة ثم سار عبد الله حتى نزل حران وحاصر مقاتل بن حكيم العكى أربعين يوما وخشى من أهل خراسان فقتل منهم جماعة وولى حميد بن قحطبة على حلب وكتب معه إلى عاملها زفر بن عاصم بقتله فقرأ الكتاب في طريقه وسار إلى العراق وجاء أبو جعفر من الحج فبعث أبا مسلم لقتال عبد الله ولحقه حميد بن قحطبة نازعا عن عبد الله فسار معه وجعل على مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعى ولما بلغ عبد الله خبر اقباله وهو على حران بذل الامان لمقاتل بن حكيم ومن معه وملك حران ثم بعث مقاتلا بكتابه إلى عثمان بن عبد الاعلى فلما قرأ الكتاب قتله وحبس ابنيه حتى إذا هزم عبد الله قتلهما وأمر المنصور محمد بن صول وهو على أذربيجان أن يأتي عبد الله بن على ليمكر به فجاء وقال انى سمعت السفاح يقول الخليفة بعدى عمى عبد الله فشعر بمكيدته وقتله وهو جد ابراهيم بن العباس الصولى الكاتب ثم أقبل عبد الله بن على حتى نزل نصيبين وخندق عليه وقدم أبو مسلم فيمن معه وكان المنصور قد كتب إلى الحسن ابن قحطبة عامله على أرمينية بأن يوافي أبا مسلم فقدم عليه بالموصل وسار معه ونزل أبو مسلم ناحية نصيبين وكتب إلى عبد الله انى قد وليت الشأم ولم أومر بقتالك فقال أهل الشأم لعبد الله سر بنا إلى الشأم لنمنع نساءنا وأبناءنا فقال لهم عبد الله ما يريد الا قتالنا وانما قصد المكر بنا فأبوا الا الشأم فارتحل بهم إلى الشأم ونزل أبو مسلم في موضع معسكره وغور ما حوله من المياه فوقف أصحاب عبد الله بكار بن مسلم العقيلى وعلى ميسرته حبيب بن سويد الاسدي وعلى الخيل عبد الصمد بن على أخو عبد الله وعلى ميمنة أبى مسلم الحسن بن قحطبة وعلى ميسرته خازم بن خزيمة فاقتتلوا شهرا ثم حمل أصحاب عبد الله على عسكر أبى مسلم فأزالوهم عن مواضعهم وحمل عبد الصمد فقتل منهم ثمانية عشر رجلا ثم حمل عليهم ثانية فأزالوا صغهم ثم نادى منادى أبى مسلم في أهل خراسان فتراجعوا وكان يجلس إذا لقى الناس على عريش ينظر منه إلى الحومة فان رأى خللا أرسل بسده فلا تزال رسله تختلف بينه وبين الناس حتى ينصرفوا فلما كان يوم الاربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين اقتتلوا وأمر أبو مسلم الحسن بن قحطبة أن يضم إلى الميسرة وينزل في الميمنة حماة أصحابه فانضم أهل الشأم من الميسرة إلى الميمنة كما أمرهم وأمر أبو مسلم أهل القلب فحطموهم وركبهم أصحاب أبى مسلم فانهزم أصحاب عبد الله فقال لابن سراقة ما ترى قال الصبر إلى أن تموت فالغرار فيكم بمثلك قبيح قال بل آتى العراق فأنا معك فانهزموا وحوى أبو مسلم عسكرهم وكتب بذلك إلى المنصور ومضى عبد الله وعبد الصمد فقدم عبد

[ 182 ]

الصمد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى وأمنه المنصور وقيل بل أقام بالرصافة حتى قدمها جمهور بن مران العجلى في خيول أرسلها المنصور فبعث به موثقا مع أبى الخطيب فاطلقه المنصور وأما عبد الله فقدم البصرة وأقام عند أخيه سليمان متواريا حتى طلبه وأشخص إليه ثم ان أبا مسلم أمن الناس بعد الهزيمة وأمر بالكف عنهم كان أبو مسلم لما حج مع المنصور يؤيد نفسه عليه ويتقدم بالاحسان للوفود واصلاح الطريق والمياه وكان الذكر له وكان الاعراب يقولون هذا المكذوب عليه ولما صدروا عن الموسم تقدم أبو مسلم ولقيه الخبر بوفاة السفاح فبعث إلى أبى جعفر يعزيه ولم يهنئه بالخلافة ولا رجع إليه ولا أقام ينتظره فغضب أبو جعفر وكتب إليه وأغلظ في العتاب فكتب يهنئه بالخلافة ويقدم إلى فدعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له فأبى وقدم أبو جعفر وقد خلع عبيد الله بن على فسرح أبا مسلم لقتاله فهزمه كما مر وجمع الغنائم من عسكره فبعث المنصور مولاه أبا الخصيب لجمعها فغضب أبو مسلم وقال أنا أعين على الدعاء فكيف أخون الاموال وهم بقتل الخصيب ثم خلى عنه وخشى المنصور أن يمضى إلى خراسان فكتب إليه بولاية مصر والشأم فازداد نفارا وخرج من الجزيرة يريد خراسان وسار المنصور إلى المدائن وكتب إليه يستقدمه فأجابه بالامتناع والمسك بالطاعة عن بعد والتهديد بالخلع ان طلب منه سوى ذلك فكتب إليه المنصور ينكر عليه هذا الشرط وانه لا يحسن طاعة وبعث إليه عيسى بن موسى برسالة يونسه ويسليه وقيل بل كتب إليه أبو مسلم يعرض له بالخلع وانه قد تاب إلى الله مما جناه من القيام بدعوتهم وأخذ أبو مسلم طريق حلوان وأمر المنصور عمه عيسى ومشيخة بنى هاشم بالكتاب على أبى مسلم يحرضونه على التمسك بالطاعة ويحذرونه عاقبة البغى ويأمرونه بالمراجعة وبعث الكتب مع مولاه أبى حميد المرو دوذى وأمره بملاينته والخضوع له بالقول حتى ييأس منه فإذا يئس يخبره بقسم أمير المؤمنين لاوكلت أمرك إلى غيرى ولو خضت البحر لخضته وراءك ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت فأوصل أبو حميد الكتب وتلطف له في القول ما شاء واحتج عليه بما كان منه في التحريض على طاعتهم فاستشار أبو مسلم مالك بن الهيثم فأبى له من الاصغاء إلى هذا القول وقال والله لئن أتيته ليقتلنك ثم بعث إلى نيزك صاحب الرى يستشيره فأبى له من ذلك وأشار عليه بنزول الرى وخراسان من ورائه فيكون أمكن لسلطانه فأجاب أبا حميد بالامتناع فلما يئس منه أبلغه مقالة المنصور فوجم طويلا ورعب من ذلك القول وأكيره وكان المنصور قد كتب إلى

[ 183 ]

عامل أبى مسلم بخراسان يرغبه في الانحراف عنه بولاية خراسان فأجاب سرا وكتب إلى أبى مسلم يحذره الخلاف والمعصية فزاده ذلك رعبا وقال لابي حميد قبل انصرافه قد كنت عزمت على المضى إلى خراسان ثم رأيت ان أوجه أبا اسحق إلى أمير المؤمنين يأتيني برايته فانى أثق به ولما قدم أبو اسحق تلقاه بنو هاشم وأهل الدولة بكل ما يجب وداخله المنصور في صرف أبى مسلم عن وجهة خراسان ووعده بولايتها فرجع إليه وأشار عليه بلقاء المنصور فاعتزم على ذلك واستخلف مالك بن الهيثم على عسكره بحلوان وسار فقدم المدائن في ثلاثة آلاف وخشى أبو أيوب وزير المنصور أن يحدث منه عند قدومه فتك فدعا بعض اخوانه وأشار عليه بأن يأتي أبا مسلم ويتوسل به إلى المنصور في ولاية كسكر ليصيب فيها مالا عظيما وأن يشرك أخاه في ذلك فان أمير المؤمنين عازم أن يوليه ما ورى به ويريح نفسه واستأذن له المنصور في لقاء أبى مسلم فأذن له فلقى أبا مسلم وتوسل إليه وأخبره الخبر فطابت نفسه وذهب عنه الحزن ولما قرب أمر الناس بتلقيه ثم دخل على المنصور فقبل يده وانصرف ليريح ليلته ودعا المنصور من الغد حاجبه عثمان بن نهيك وأربعة من الحرس منهم شبيب بن رواح وابن حنيفة حرب بن قيس وأجلسهم خلف الرواق وأمرهم بقتل أبى مسلم إذا صفق بيديه واستدعى أبا مسلم فلما دخل سأله عن سيفين أصابهما لعمه عبد الله بن على وكان متقلدا بأحدهما فقال هذا أحدهما فقال أرنى فانتضاه أبو مسلم وناوله اياه فأخذ يقلبه بيده ويهزه ثم وضعه تحت فراشه وأقبل يعاتبه فقال كتبت إلى السفاح تنهاه عن الموات كانك تعلمه قال ظننت انه لا يحل ثم اقتديت بكتاب السفاح وعلمت انكم معدن العلم قال فتوركك عنى بطريق مكة قال كرهت مزاحمتك على الماء قال فامتناعك من الرجوع إلى حين بلغك موت السفاح أو الاقامة حتى ألحقك قال طلبت الرفق بالناس والمبادرة إلى الكوفة قال فجارية عبد الله بن على أردت أن تتخذها لنفسك قال لا انما وكلت بها من يحفظها قال فمراغمتك ومسيرك إلى خراسان قال خشيت منك فقلت آتى خراساني وأكتب بعذري فأذهب ما في نفسك منى قال فالمال الذى جمعته بحران قال أنفقته في الجند تقوية لكم قال ألست الكاتب إلى تبدأ بنفسك وتخطب آسية بنت على وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس لقد ارتقيت لا أم لك مرتقى صعبا ثم قال له وما الذى دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع اثره في دعوتنا وهو أحد نقبائنا من قبل أن ندخلك في هذا الامر قال أراد الخلافة فقتلته ثم قال أبو مسلم كيف يقال هذا بعد بلائى وما كان منى قال يا ابن الخبيثة لو كانت أمة مكانك لاغنت انما ذلك بدولتنا وربحنا وأكب أبو مسلم يقبل يده ويعتذر فازداد المنصور

[ 184 ]

غضبا ثم قال أبو مسلم دع هذا فقد أصبحت لا أخاف الا الله فشتمه المنصور و صفق بيديه فخرج الحرس وضربه عثمان بن نهيك فقطع حمائل سيفه فقال استبقني لعدوك فقال لا أبقاني الله إذا وأى عدو أعدى منك وأخذه الحرس بسيوفهم حتى قتلوه وذلك لخمس بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين وخرج الوزير أبو الجهم فصرف الناس وقال الامير قائل عند أمير المؤمنين فانصرفوا وأمر لهم بالجوائز وأعطى اسحق مائة ألف ودخل عيسى بن موسى على المنصور فسأل عنه وأخذ في الثناء على طاعته وبلائه وذكر رأى الامام ابراهيم فيه فقال المنصور والله ما أعلم على وجه الارض عدوا أعدى لكم منه هو ذا في البساط فاسترجع عيسى فأنكر عليه المنصور وقال وهل كان لكم ملك معه ثم دعا جعفر بن حنظلة واستشاره في أمر أبى مسلم فأشار بقتله فقال له المنصور وفقك الله ثم نظر إليه قتيلا فقال له يا أمير المؤمنين عد خلافتك من هذا اليوم ثم دعا أبا اسحق عن متابعة أبى مسلم وقال تكلم بما أردت وأخرجه قتيلا فسجد أبو اسحق ثم رفع رأسه يقول الحمد لله أميت هو والله ما جئته قط الا تكفنت وتحنطت ورفع ثيابه وأراه كفنه وحنوطه فرحمه وقال له استقبل طاعتك واحمد الله الذى أراحك وكتب المنصور بعد قتل أبى مسلم إلى أبى نصر بن الهيثم على لسان أبى مسلم يأمره بحمل أثقاله وقد كان أبو مسلم أوصاه ان جاءك كتاب بخاتمي تاما فاعلم انى لم أكتبه فلما رآه كذلك فطن وانحدر إلى همذان يريد خراسان فكتب له المنصور بولاية شهرزور وكتب إلى زهير بن التركي بهمذان بحبسه فمر أبو نصر بهمذان وخادعه زهير ودعاه إلى طعامه وحبسه وجاء كتاب العهد بشهرزور لابي نصر فأطلقه زهير ثم جاءه بعد ذلك الكتاب بقتله فقال جاءني كتاب عهده فخليت سبيله وقدم أبو نصر على المنصور فعذله في اشارته على أبى مسلم بخراسان فقال نعم استنصحني فنصحت له وان استنصحني أمير المؤمنين نصحت وشكرت واستعمله على الموصل وخطب أبو جعفر الناس بعد قتل أبى مسلم وانسهم وافترق أصحابه وخرج منهم بخراسان رجل اسمه سنباد ويسمى فيروز اصبهبد وتبعه أكثر الجيال يطلبون بدم أبى مسلم وغلب على نيسابور والرى وأخذ خزائن أبى مسلم التى خلفها بالرى حين شخص إلى السفاح وسبى الحرم ونهب الاموال ولم يعرض إلى التجار وكان يظهر أنه قاصد إلى الكعبة يهدمها فسرح إليه المنصور جمهور بن حرار العجلى والتقوا على طرق المفازة بين همذان والرى فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم نحوا من ستين ألفا وسبى ذراريهم ونساءهم ولحق سنباد بطبرستان فقتله بعض عمال صاحبها وأخذ ما معه وكتب إلى المنصور بذلك فكتب إليه المنصور في الاموال فأنكرها فسرح إليه الجنود فهرب إلى الديلم ثم ان جمهور بن مرار لما حوى ما في عسكر سنباد ولم يبعث به

[ 185 ]

خاف من المنصور فخلع واعتصم بالرى فسرح إليه محمد بن الاشعث في الجيوش فخرج من الرى إلى اصبهان فملكها وملك محمد الرى ثم اقتتلوا وانهزم جمهور فلحق بأذربيجان وقتله بعض أصحابه وحملوا رأسه إلى المنصور وذلك سنة ثمان وثلاثين * (حبس عبد الله بن على) * كان عبد الله بن على بعد هزيمته امام أبى مسلم لحق بالبصرة ونزل على أخيه سليمان ثم ان المنصور عزل سليمان سنة تسع وثلاثين فاختفى عبد الله وأصحابه فكتب المنصور إلى سليمان وأخيه عيسى بأمان عبد الله وقواده ومواليه واشخاصهم إلى المنصور منهما فشخصوا ولما قدما عليه فأذن لهما فاعلماه بحضور عبد الله واستأذناه له فشغلهما بالحديث وأمر بحبسه في مكان قد هيئ له في القصر فلما خرج سليمان وعيسى لم يجدا عبد الله فعلما انه قد حبس وان ذمتهما قد أخفرت فرجعا إلى المنصور فحبسا عنه وتوزع أصحاب عبد الله بين الحبس والقتل وبعث ببعضهم إلى أبى داود خالد بن ابراهيم بخراسان فقتلهم بها ولم يزل عبد الله محبوسا حتى عهد المنصور إلى المهدى سنة تسع وأربعين وأمر موسى بن عيسى فجعله بعد المهدى ودفع إليه عبد الله وأمره بقتله وخرج حاجا وسار عيسى كاتبه يونس بن فروة في قتل عبد الله بن على فقال لا تفعل فانه يقتلك به وان طلبه منك فلا ترده إليه سرا فلما قفل المنصور من الحج دس على أعمامه من يحرضهم على الشفاعة في أخيهم عبد الله فشفعهم وقال لعيسى جئنا به فقال قتلته كما أمرتنى فأنكر المنصور وقال خذوه بأخيكم فخرجوا به ليقتلوه حتى اجتمع الناس واشتهر الامر فجاء به وقال هو ذا حى سوى فجعله المنصور في بيت أساسه ملح وأجرى عليه الماء فسقط ومات * (وقعة الراوندية) * كان هؤلاء القوم من أهل خراسان ومن أتباع أبى مسلم يقولون بالتناسخ والحلول وان روح آدم في عثمان بن نهيك وان الله حل في المنصور وجبريل في الهيثم بن معاوية فحبس المنصور نحوا من مائتين منهم فغضب الباقون واجتمعوا وحملوا بينهم نعشا كأنهم في جنازة وجاؤا إلى السجن فرموا بالنعش وأخرجوا أصحابهم وحملوا على الناس في ستمائة رجل وقصدوا قصر المنصور وخرج المنصور من القصر ماشيا وحاء معن بن زائدة الشيباني وكان مستخفيا من المنصور لقتاله مع ابن هبيرة وقد اشتد طلب المنصور له فحضر عنده هذا اليوم متلثما وترجل وأبلى ثم جاء إلى المنصور ولجام بغلته في يد الربيع حاجبه وقال تنح ذا أنا أحق بهذا اللجام في هذا الوقت وأعظم

[ 186 ]

فنازل وقاتل حتى ظفر بالراوندية ثم سأله فانتسب فامنه واصطنعه وجاء أبو نصر مالك ابن الهيثم ووقف على باب المنصور وقال أنا اليوم بواب ثم قاتلهم أهل السوق وفتح باب المدينة ودخل الناس وحمل عليهم خازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة حتى قتلوهم عن آخرهم وأصاب عثمان بن نهيك في الحومة سهم فمات مثه بعد أيام وجعل على الحبس بعده أخاه عيسى ثم بعده أبا العباس الطوسى وذلك كله بالهاشمية ثم أحضر معنا ورفع منزلته وأثنى عليه بما كان منه في ذلك اليوم مع عمه عيسى فقال معن والله يا أمير المؤمنين لقد جئت إلى الحومة وجلا حتى رأيت شدتك فحملني ذلك على ما رأيت منى وقيل انه كان مختفيا عند أبى الخصيب حاجب المنصور وانه جاء يوم الراوندية فاستأذن أبو الخصيب وشاوره المنصور في أمرهم فأشار ببث المال في الناس وأبى المنصور الا الركوب إليهم بنفسه فخرج بين يديه وأبلى حتى قتلوا ثم تغيب فاستدناه وأمنه وولاه على اليمن * (انتقاض خراسان ومسير المهدى إليها) * كان السفاح قد ولى على خراسان أبا داود خالد بن ابراهيم الذهلى بعد انتقاض بسام ابن ابراهيم ومهلكه فلما كان سنة أربعين ثار به بعض الجند وهو بكشماهن وجاؤا إلى منزله فاشرف عليهم ليلا من السطح فزلت قدمه فسقط ومات ليومه وكان عصام صاحب شرطته فقام بالامر بعده ثم ولى المنصور على خراسان عبد الجبار بن عبد الرحمن فقدم عليها وحبس جماعة من القواد اتهمهم بالدعاء للعلوية منهم مجاشع ابن حريث الانصاري عامل بخارى وأبو المعرة خالد بن كثير مولى بنى تميم عامل قهستان والحريش بن محمد الذهلى ابن عم أبى داود في آخرين ثم قتل هؤلاء وألح على عمال أبى داود في استخراج المال وانتهت الشكوى إلى المنصور بذلك فقال لابي أيوب انما يريد بفناء شيعتنا الخلع فأشار عليه أبو أيوب أن تبعث من جنود خراسان لغزو الروم فإذا فارقوه بعثت إليه من شئت واستمكن منه فكتب إليه بذلك فأجاب بأن الترك قد جاشت وان فرقت الجنود خشيت على خراسان فقال له أبو أيوب اكتب إليه بأنك ممده بالجيوش وابعث معها من شئت يستمكن منه فأجاب عبد الجبار بأن خراسان مغلبة في عامها ولا تحتمل زيادة العسكر فقال له أبو يوسف هذا خلع فعاجله فبعث ابنه المهدى فسار ونزل الرى وقدم خازم بن خزيمة لحرب عبد الجبار فقاتلوه فانهزم وجاء إلى مقطنة وتوارى فيها فعبر إليه المحسد بن مزاحم من أهل مرو الروذ وجاء به إلى خازم فحمله على بعير وعليه جبة صوف ووجهه إلى عجز البعير وحمله إلى المنصور في ولده وأصحابه فبسط إليهم العذاب حتى استخرج الاموال ثم قطع يديه ورجليه وقتله

[ 187 ]

وذلك سنة اثنتين وأربعين وبعث بولده إلى دهلك فعزلهم بها وأقام المهدى بخراسان حتى رجع إلى العراق سنة تسع وأربعين وفى سنة اثنتين وأربعين انتقض عيينة بن موسى بن كعب بالسند وكان عاملا عليها من بعد أبيه وكان أبوه يستخلف المسيب بن زهير على الشرط فخشى المسيب ان خضر عيينة عند المنصور أن يوليه على الشرط فحذره المنصور وحرضه على الخلاف فخلع الطاعة وسار المنصور إلى البصرة وسرح من هنالك عمر بن حفص بن أبى صفوة العتكى لحرب عيينة وولاه على السند والهند فورد السند وغلب عليها وفى هذه السنة انتقض الاصبهبد بطبرستان وقتل من كان في أرضه من المسلمين فبعث المنصور مولاه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة وروح بن حاتم في العساكر فحاصروه في حصنه مدة ثم تحيلوا ففتح لهم الحصن من داخله وقتلوا المقاتلة وسبى الذرية وكان مع الاصبهبد سم فشربه فمات * (أمر بنى العباس) * بنو هاشم حين اضطرب أمر مروان بن محمد اجتمعوا إليه وتشاوروا فيمن يعقدون له الخلافة فاتفقوا على محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بن على وكان يقال ان المنصور ممن بايعه تلك الليلة ولما حج أيام أخيه السفاح سنة ست وثلاثين تغيب عنه محمد وأخوه ابراهيم ولم يحضرا عنده مع بنى هاشم وسأل عنهما فقال له زياد بن عبيد الله الحرثى أنا آتيك بهما وكان بمكة فرده المنصور المدينة ثم استخلف المنصور وطفق يسأل عن محمد ويختص بنى هاشم بالسؤال سرا فكلهم يقول انك ظهرت على طلبه لهذا الامر فخافك على نفسه ويحسن العذر عنه الا الحسن بن زيد بن الحسن بن على فانه قال له والله ما آمن وثوبه عليك فانه لا ينام عنك فكان موسى بن عبد الله بن حسن يقول بعد هذا اللهم اطلب الحسن بن زيد بدماءنا ثم ان المنصور حج سنة وألح على عبد الله بن حسن في احضار ابنه محمد فاستشار عبد الله سليمان بن على في احضاره فقال له لو كان عافيا عفى عن عمه فاستمر عبد الله على الكتمان وبث المنصور العيون بين الاعراب في طلبه بسائر بوادي الحجاز ومياهها ثم كتب كتابا على لسان الشيعة إلى محمد بالطاعة والمسارعة وبعثه مع بعض عيونه إلى عبد الله وبعث معه بالمال والالطاف كانه من عندهم وكان للمنصور كاتب على سره ينشيع فكتب إلى عبد الله بن حسن بالخبر وكان محمد بجهينة وألح عليه صاحب الكتاب أمر محمد ليدفع إليه كتاب الشيعة فقال له اذهب إلى على بن الحسن المدعو بالاغر يوصلك إليه

[ 188 ]

في جبل جهينة فذهب وأوصله إليه ثم جاءهم حقيقة خبره من كاتب المنصور وبعثوا أبا هبار إلى محمد وعلى بن حسن يحذرهما الرجل فجاء أبو هبار إلى على بن حسن وأخبره ثم سار إلى محمد فوجد العين عنده جالسا مع أصحابه فخلا به وأخبره فقال وما الرأى قال تقتله قال لا أقارف دم مسلم قال تقيده وتحمله معك قال لا آمن عليه لكثرة الخوف والاعجال قال فتودعه عند بعض أهلك من جهينة قال هذه اذن ورجع فلم يجد الرجل ولحق بالمدينة ثم قدم على المنصور وأخبره الخبر وسمى اسم أبى هبار وكنيته وقال معه وبر فطلب أبو جعفر وبرا المرى فسأله عن أمر محمد فأنكره وحلف فضربه وحبسه ثم دعا عقبة بن سالم الازدي وبعثه منكرا بكتاب والطاف من بعض الشيعة بخراسان إلى عبد الله بن حسن ليظهر على أمره فجاءه بالكتاب فانتهره وقال لا أعرف هؤلاء القوم فلم يزل يتردد إليه حتى قبله وأنس به وسأله عقبة الجواب فقال لا أكتب لاحد ولكن أقرئهم منى سلاما واعلمهم ان ابني خارجان لوقت كذا فرجع عقبة إلى المنصور فأنشأ الحج فلما لقيه بنو حسن رفع مجالسهم وعبد الله إلى جنبه ثم دعا بالغداء فأصابوا منه ثم قال لعبد الله بن حسن قد أعطيتني العهود والمواثيق أن لا تبغيني بسوء ولا تكيد لى سلطانا فقال وأنا على ذلك فلحظ المنصور عقبة بن سالم فوقف بين عبد الله حتى ملاء عينه منه فبادر المنصور يسأله الاقالة فلم يفعل وأمر بحبسه وكان محمد يتردد في النواحى وجاء إلى البصرة فنزل في بنى راهب وقيل في بنى مرة بن عبيد وبلغ الخبر إلى المنصور فجاء إلى البصرة وقد خرج عنها محمد فلقى المنصور عمر بن عبيد فقال له يا أبا عثمان هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا فقال لا فانصرف واشتد الخوف على محمد وابراهيم وسار إلى عدن ثم إلى السند ثم إلى الكوفة ثم إلى المدينة وكان المنصور حج سنة أربعين وحج محمد وابراهيم وعزما على اغتيال المنصور وأبى محمد من ذلك ثم طلب المنصور عبد الله باحضار ولديه وعنفه وهم به فضمنه زياد عامل المدينة وانصرف المنصور وقدم محمد المدينة قدمة فتلطف له زياد وأعطاه الامان له ثم قال له الحق بأى بلاد شئت وسمع المنصور فبعث أبا الازهر إلى المدينة في جمادى سنة احدى وأربعين ليستعمل على المدينة عبد العزيز بن المطلب ويقبض زيادا وأصحابه فسار بهم فحبسهم المنصور وخلف زياد ببيت المال ثمانين ألف دينار ثم استعمل على المدينة محمد ابن خالد بن عبد الله القسرى وأمره بطلب محمد وانفاق المال في ذلك فكثرت نفقته واستبطأه المنصور واستشار في عزله فأشار عليه يزيد بن أسيد السلمى من أصحابه باستعمال رباح بن عثمان بن حسان المزني فبعثه أميرا على المدينة في رمضان سنة أربع وأربعين وأطلق يده في محمد بن خالد القسرى فقدم المدينة وتهدد عبد الله

[ 189 ]

ابن حسن في احضار ابنيه وقال له عبد الله يومئذ انك لتريق المذبوح فيها كما تذبح الشاة فاستشعر ذلك ووجد فقال له حاجبه أبو البخترى ان هذا ما اطلع على الغيب فقال ويلك والله ما قال الا ما سمع فكان كذلك ثم حبس رباح محمد بن خالد وضربه وجد في طلب محمد فأخبر أنه في شعبان رضوى من أعمال ينبع وهو جبل جهينة فبعث عامله في طلبه فأفلت منه ثم ان رباح بن مرة حبس بنى حسن وقيدهم وهم عبد الله ابن حسن بن الحسن واخوته حسن وابراهيم وجعفر وابنه موسى بن عبد الله وبنو أخيه داود واسمعيل واسحق بنو ابراهيم بن الحسن ولم يحضر معهم أخوه على العائد ثم حضر من الغد عند رباح وقال جئتك لتحبسني مع قومي فحبسه وكتب إليه المنصور أن يحبس معهم محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان المعروف بالديباجة وكان أخا عبد الله لامه أمهما فاطمة بنت الحسين وكان عامل مصر قد عثر على على بن محمد بن عبد الله ابن حسن بعثه أبوه إلى مصر يدعو له فأخذه وبعث به إلى المنصور فلم يزل في حبسه وسمى من أصحاب أبيه عبد الرحمن بن أبى المولى وأبا جبير فضربهما المنصور وحبسهما وقيل عبد الله حبس أولا وحده وطال حبسه فأشار عليه أصحابه بحبس الباقين فحبسهم ثم حج المنصور سنة أربع وأربعين فلما قدم مكة بعث إليهم وهم في السجن محمد بن عمران ابن ابراهيم بن طلحة ومالك بن أنس يسألهم أن يرفعوا إليه محمدا وابراهيم ابني عبد الله فطلب عبد الله الاذن في لقائه فقال المنصور لا والله حتى يأتيني به وبابنيه وكان محسنا مقبولا لا يكلم أحدا الا أجابه إلى رأيه ثم ان المنصور قضى حجه وخرج إلى الربدة وجاء رباح ليودعه فأمر باشخاص بنى حسن ومن معهم إلى العراق فأخرجهم في القيود والاغلال وأردفهم في محامل بغير وطئ وجعفر الصادق يعاينهم من وراء ستر ويبكى وجاء محمد وابراهيم مع أبيهما عبد الله يسايرانه مستترين بزى الاعراب ويستأذنانه في الخروج فيقول لا تعجلا حتى يمكنكما وان منعتما أن تعيشا كريمين فلا تمنعا أن تموتا كريمين وانتهوا إلى الزيدية وأحضر العثماني الديقا عند المنصور فضربه مائة وخمسين سوطا بعد ملاحاة جرت بينهما أغضبت المنصور ويقال ان رباحا أغرى المنصور به وقال له ان أهل الشأم شيعته ولا يتخلف عنه منهم أحد ثم كتب أبو عون عامل خراسان إلى المنصور بأن أهل خراسان منتظرون أمر محمد بن عبد الله واحذر منهم فأمر المنصور بقتل العثماني وبعث برأسه إلى خراسان وبعث من يحلف أنه رأس محمد ابن عبد الله وان أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قدم المنصور بهم الكوفة وحبسهم بقصر ابن هبيرة يقال انه قتل محمد بن ابراهيم بن حسن منهم على اسطوانة وهو حى فمات ثم بعده عبد الله بن حسن ثم على بن حسن ويقال ان المنصور

[ 190 ]

أمر بهم فقتلوا ولم ينج منهم الا سليمان وعبد الله ابنا داود واسحق واسمعيل ابنا ابراهيم ابن حسن وجعفر بن حسن والله أعلم * (ظهور محمد المهدى ومقتله) * ولما سار المنصور إلى العراق وحمل معه بنى حسن رجع رباح إلى المدينة وألح في طلب محمد وهو مختف يتنقل في اختفائه من مكان إلى مكان وقد أرهقه الطلب حتى تدلى في بئر فتدلى فغمس في مائها وحتى سقط ابنه من جبل فتقطع ودل عليه رباح بالمداد فركب في طلبه فاختفى عنه ولم يره ولما اشتد عليه الطلب أجمع الخروج وأغراه أصحابه بذلك وجاء الخبر إلى رباح بأنه الليلة خارج فأحضر العباس بن عبد الله بن الحرث بن العباس ومحمد بن عمران بن ابراهيم بن محمد قاضى المدينة وغيرهما وقال لهم أمير المؤمنين يطلب محمدا شرق الارض وغربها وهو بين أظهركم والله لئن خرج ليقتلنكم أجمعين وأمر القاضى باحضار عشيرة بنى زهرة فجاؤا في جمع كثير وأجلسهم بالباب ثم أحضر نفرا من العلويين فيهم جعفر بن محمد بن الحسين وحسين بن على بن حسين بن على ورجال من قريش فيهم اسمعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة وابنه خالد وبينماهم عنده إذ سمعوا التكبير وقيل قد خرج محمد فقال له ابن مسلم ابن عقبة أعطني واضرب أعناق هؤلاء فأبى وأقبل من المداد في مائة وخمسين رجلا وقصد السجن فأخرج محمد بن خالد بن عبد الله القسرى وابن أخيه النذير بن يزيد ومن كان معهم وجعل على الرجالة خوات بن جبير وأتى دار الامارة وهو ينادى بالكف عن القتل فدخلوا من باب المقصورة وقبضوا على رباح وأخيه عباس وابن مسلم ابن عقبة فحبسهم ثم خرج إلى المسجد وخطب الناس وذكر المنصور بما نقمه عليه ووعد الناس واستنصر بهم واستعمل على المدينة عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الل‍ المخزومى وعلى بيت السلاح عبد العزيز الدراوردى وعلى الشرط أبا الغلمش عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وأرسل إلى محمد بن عبد العزيز يلومه على القعود عنه فوعده بالبصرة وسار إلى مكة ولم يتخلف عن محمد من وجوه الناس الا نفر قليل منهم الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد ابن حرام وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد وأبو سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر وحبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير واستفتى أهل المدينة مالكا في الخروج مع محمد وقالوا في أعناقنا بيعة المنصور فقال انما بايعتم مكرهين فتشارع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته وأرسل محمد إلى اسمعيل بن عبد الله بن جعفر يدعوه

[ 191 ]

إلى بيعته وكان شيخا كبيرا فقال أنت والله وابن أخى مقتول فكيف أبايعك فرجع الناس عنه قليلا وأسرع بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى محمد فجاءت جمادة أختهم إلى عمها اسمعيل وقالت يا عم ان مقالتك ثبطت الناس عن محمد واخوتي معه فأخشى أن يقتلوا فردها فيقال انها عدت عليه فقتلته ثم حبس محمد بن خالد القسرى بعد أن أطلقه واتهمه بالكتاب إلى المنصور فلم يزل في حبسه ولما استوى أمر محمد ركب رجل من آل أويس بن أبى سرح اسمه الحسين بن صخر وجاء إلى المنصور في تسع فخبره الخبر فقال أنت رأيته قال نعم وكلمته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تتابع الخبر وأشفق المنصور من أمره واستشار أهل بيته ودولته وبعث إلى عمه عبد الله وهو محبوس يستشيره فأشار عليه بأن يقصد الكوفة فانهم شيعة لاهل البيت فيملك عليهم أمرهم ويحفها بالمسالح حتى يعرف الداخل والخارج ويستدعى سالم بن قتيبة من الرى فيتحشد معه كافة أهل الشأم ويبعثه وأن يبعث العطاء في الناس فخرج المنصور إلى الكوفة ومعه عبد الله بن الربيع بن عبد الله بن عبد المدان ولما قدم الكوفة أرسل إلى يزيد بن يحيى وكان السفاح يشاوره فأشار عليه بأن يشحن الاهواز بالجنود وأشار عليه جعفر بن حنظلة الهرانى بأن يبعث الجند إلى البصرة فلما ظهر ابراهيم بتلك الناحية تبين وجه اشارتهما وقال المنصور لجعفر كيف خفت البصرة قال لان أهل المدينة ليسوا أهل حرب حبسهم أنفسهم وأهل الكوفة تحت قدمك وأهل الشأم أعداء الطالبيين ولم يبق الا البصرة ثم ان المنصور كتب إلى محمد المهدى كتاب أمان فأجابه عنه بالرد والتعريض بأمور في الانساب والاحوال فأجابه المنصور عن كتابه بمثل ذلك وانتصف كل واحد منهما لنفسه بما ينبغى الاعراض عنه مع أنهما صحيحا مرويان نقلهما الطبري في كتاب الكامل فمن أراد الوقوف فليلتمسها في أماكنها ثم ان محمدا المهدى استعمل على مكة محمد بن الحسن بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر وعلى اليمن القاسم بن اسحق وعلى الشأم موسى بن عبد الله فسار محمد بن الحسن إلى مكة والقاسم معه ولقيهما السرى بن عبد الله عامل مكة ببطن أذاخر فانهزم وملك محمد مكة حتى استنفره المهدى لقتال عيسى بن موسى فنفر هو والقاسم ابن عبيد الله وبلغهما قتل محمد بنواحي قديد فلحق محمد بابراهيم فكان معه بالبصرة واختفى القاسم بالمدينة حتى أخذت له الامان امرأة عيسى وهى بنت عبد الله بن محمد ابن على بن عبد الله بن جعفر وأما موسى بن عبد الله فسار إلى الشأم فلم يقبلوا منه فرجع إلى المدينة ثم لحق بالبصرة مختفيا وعثر عليه محمد بن سليمان بن على وعلى ابنه عبد الله وبعث بهما إلى المنصور فضربهما وحبسهما ثم بعث المنصور عيسى بن موسى إلى

[ 192 ]

المدينة لقتال محمد فسار في الجنود ومعه محمد بن أبى العباس بن السفاح وكثير ابن حصين العبدى وحميد بن قحطبة وهو ازمرد وغيرهم فقال له ان ظفرت فأعمد سيفك وابذل الامان وان تغيب فخذ أهل المدينة فانهم يعرفون مذاهبه ومن لقيك من آل أبى طالب فعرفني به ومن لم يلقك فاقبض ماله وكان جعفر الصادق فيمن تغيب فقبض ماله ويقال انه طلبه من المنصور لما قدم بالمدينة بعد ذلك فقال قبضه مهديكم ولما وصل عيسى إلى فئته كتب إلى نفر من أهل المدينة ليستدعيهم منهم عبد العزيز بن المطلب المخزومى وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحى وعبد الله ابن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب فخرج إليه عبد الله هو وأخوه عمر وأبو عقيل محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل واستشار المهدى أصحابه في القيام بالمدينة ثم في الخندق عليها فأمر بذلك اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وحفر الخندق الذى حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم للاحزاب ونزل عيسى الاعرض وكان محمد قد منع الناس من الخروج فخيرهم فخرج كثير منهم بأهلهم إلى الجبال وبقى في شرذمة يسيرة ثم تدارك رأيه وأمر أبا الغلمش بردهم فأعجزوه ونزل عيسى على أربعة أميال من المدينة وبعث عسكرا إلى طريق مكة يعترضون محمدا ان انهزم إلى مكة وأرسل إلى المهدى بالامان والدعاء إلى الكتاب والسنة ويحذره عاقبة البغى فقال انما أنا رجل فررت من القتل ثم نزل عيسى بالحرف لاثنتى عشرة من رمضان سنة خمس وأربعين فقام يومين ثم وقف على مسلم ونادى بالامان لاهل المدينة وأن تخلوا بينه وبين صاحبه فشتموه فانصرف وعاد من الغد وقد فرق القواد من سائر جهات المدينة وبرز محمد في أصحابه ورايته مع عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وشعارهم أحد أحد وطلب أبو الغلمش من أصحابه البراز فبرز إليه أخو أسد فقتله ثم آخر فقتلوا وقال أنا ابن الفاروق وأبلى محمد المهدى يومئذ بلاء عظيما وقتل بيده سبعين رجلا ثم أمر عيسى بن موسى حميد بن قحطبة فتقدم في مائة من الرجال إلى حائط دون الخندق فهدمه وأجازوا الخندق وقاتلوا من ورائه وصابرهم أصحاب محمد إلى العصر ثم أمر عيسى أصحابه فرموا الخندق بالحقائب ونصبوا عليها الابواب وجازت الخيل واقتتلوا وانصرف محمد فاغتسل وتحنط ثم رجع فقال اترك أهل المدينة والله لا أفعل أو أقتل وأنت منى في سعة فمشى قليلا معه ثم رجع وافترق عنه جل أصحابه وبقى في ثلثمائة أو نحوها فقال له بعض أصحابه نحن اليوم في عدة أهل بدر وطفق عيسى بن حصين من أصحابه يناشده في اللحاق بالبصرة أو غيرها فيقول والله لا تبتلون بى مرتين ثم جمع بين الظهر والعصر ومضى فاحرق الديوان الذى فيه أسماء من بايعهم وجاء إلى السجن

[ 193 ]

وقتل رياح بن عثمان وأخاه عباسا وابن مسلم بن عقبة وتوثق محمد ابن القسرى بالابواب فلم يصلوا إليه ورجع ابن حصين إلى محمد فقاتل معه وتقدم محدم إلى بطن سلع ومعه بنو شجاع من الخمس فعرقبوا دوابهم وكسروا جفون سيوفهم واستماتوا وهزموا أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثة وصعد نفر من أصحاب عيسى الجبل وانحدروا منه إلى المدينة ورفع بعض نسوة إلى العباس خمارا لها اسود على منارة المسجد فلما رآه أصحاب محمد وهم يقاتلون هربوا وفتح بنو غفار طريقا لاصحاب عيسى فجاؤا من وراء أصحاب محمد ونادى حميد بن قحطبة للبراز فأبى ونادى ابن حصين بالامان فلم يصغ إليه وكثرت فيه الجراح ثم قتل وقاتل محمد على شلوه فهد الناس عنه هدا حتى ضرب فسقط لركبته وطعنه ابن قحطبة في صدره ثم أخذ رأسه وأتى به عيسى فبعثه إلى المنصور مع محمد بن الكرام عبد الله بن على بن عبد الله بن جعفر وبالبشارة مع القاسم بن الحسن بن زيد ابن الحسن وأرسل معه رؤس بنى شجاع وكان قتل محمد منتصف رمضان وأرسل عيسى الالوية فنصبت بالمدينة للامان وصلب محمد وأصحابه ما بين ثنية الوداع والمدينة واستأذنت زينب أخته في دفنه بالبقيع وقطع المنصور الميرة في البحر عن المدينة حتى أذن فيها المهدى بعده وكان مع المهدى سيف على ذو الفقار فأعطاه يومئذ رجلا من التجار في دين كان له عليه فلما ولى جعفر بن سليمان المدينة أخذه منه وأعطاه من دينه ثم أخذه منه المهدى وكان الرشيد يتقلده وكان فيه ثمان عشرة فقرة وكان معه من مشاهير بنى هاشم أخو موسى وحمزة بن عبد الله بن محمد بن على بن الحسين وحسين وعلى ابنا زيد بن على وكان المنصور يقول عجبا خرجا على ونحن أخذنا بثار أبيهما وكان معه على وزيد ابنا الحسن بن زيد بن الحسن وأبوهما الحسن مع المنصور والحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر والقاسم بن اسحق بن عبد الله بن جعفر والمرجى على بن جعفر بن اسحق بن على بن عبد الله بن جعفر وأبوه على مع المنصور ومن غير بنى هاشم محمد بن عبد الله بن عمر بن سعيد بن العاص ومحمد بن عجلان وعبد الله ابن عمر بن حفص بن عاصم وأبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبى سبرة أ خذ أسيرا فضرب وحبس في سجن المدينة فلم يزل محبوسا إلى أن نازل السودان بالمدينة على عبد الله بن الربيع الحارثى وفرعنها إلى بطن نخل وملكوا المدينة ونهبوا طعام المنصور فخرج ابن أبى سبرة مقيدا وأتى المسجد وبعث إلى محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما وبعثوا إلى السودان وردوهم عما كانوا فيه فرجعوا ولم يصل الناس يومئذ جمعة ووقف الاصبغ بن أبى سفيان بن عاصم بن عبد العزيز لصلاة العشاء ونادى أصلى بالناس على طاعة أمير المؤمنين وصلى ثم أصبح ابن أبى سبرة ورد من العبيد ما نهبوه ورجع ابن

[ 194 ]

الربيع من بطن نخل وقطع رؤساء العبيد وكان مع محمد ابن عبد الله أيضا عبد الواحد بن أبى عون مولى الازد وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وعبد العزيز بن محمد الدراوردى وعبد الحميد بن جعفر وعبد الله بن عطاء بن يعقوب مولى بنى سباع وبنوه تسعة وعيسى وعثمان ابنا خضير وعثمان بن محمد بن خالد بن الزبير قتله المنصور من بعد ذلك لما أخذ بالبصرة وعبد العزيز ابن ابراهيم بن عبد الله بن مطيع وعلى بن المطلب بن عبد الله بن حنطب وابراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير وهشام بن عميرة بن الوليد بن بن عبد الجبار وعبد الله ابن يزيد بن هرمز وغيرهم * (شأن ابراهيم بن عبد الله وظهوره ومقتله) * كان ابراهيم بن عبد الله أخو المهدى محمد قد اشتد الطلب عليه وعلى أخيه مند خمس سنين وكان ابراهيم يتنقل في النواحى بفارس وبكرمان والجبل والحجاز واليمن والشأم وحضر مرة مائدة المنصور بالموصل وجاء أخرى إلى بغداد حين خطها المنصور مع النظار على قنطرة الفرات حين شدها وطلبه فغاض في الناس فلم يوجد ووضع عليه الرصد بكل مكان ودخل بيت سفيان بن حيان العمى وكان معروفا بصحبته فتحيل على خلاصه بأن أتى المنصور وقال أنا آتيك بابراهيم فاحملني وغلامي على البريد وابعث معى الجند ففعل وجاء بالجند إلى البيت وأركب معه ابراهيم في زى غلامه وذهب بالجند إلى البصرة ولم يزل يفرقهم على البيوت ويدخلها موهما أنه يفتشه حتى بقى وحده فاختفى وطلبه أمير البصرة سفيان بن معاوية فأعجزه وكان قدم قبل ذلك الاهواز فطلبه محمد بن حصين واختفى منه عند الحسن بن حبيب ولقى من ذلك غيا ثم قدم ابراهيم البصرة سنة خمس وأربعين بعد ظهور أخيه محمد بالمدينة يحيى بن زياد بن حيان النبطي وأنزله بداره في بنى ليث فدعا الناس إلى بيعة أخيه وكان أول من بايعه نميلة بن مرة العبسى وعبد الله بن سفيان وعبد الواحد بن زياد وعمر بن سلمة الهجيمى وعبد الله بن حى بن حصين الرقاشى وبثوا دعوته في الناس واجتمع لهم كثير من الفقهاء وأهل العلم وأحصى ديوانه أربعة آلاف واشتهر أمره ثم حولوه إلى وسط البصرة ونزل دار أبى مروان مولى بنى سليم في مقبرة ليشكر لينوب من الناس وولاه سفيان أمير البصرة على أمره وكتب إليه أخوه محمد يأمره بالظهور وكان المنصور بظاهر وأرسل من القواد مدد السفيان على ابراهيم ان ظهر ثم ان ابراهيم خرج أول رمضان من سنة خمس وأربعين وصلى الصبح في الجامع وجاء دار الامارة بابن سفيان وحبسه وحبس القواد معه وجاء جعفر ومحمد ابنا سليمان بن على في ستمائة رجل وأرسل ابراهيم إليها

[ 195 ]

المعين بن القاسم الحدرورى في خمسين رجلا فهزمهما إلى باب زينب بنت سليمان بن على واليها ينسب الزينبيون من بنى العباس فنادى بالامان وأخذ من بيت المال ألفى ألف درهم وفرض لكل رجل من أصحابه خمسين ثم أرسل المغيرة على الاهواز في مائة رجل فغلب عليها محمد بن الحصين وهو في أربعة آلاف وأرسل عمر بن شداد إلى فارس وبها اسمعيل وعبد الصمد ابنا على فتحصنا في دارابجرد وملك عمر نواحيها فأرسل هرون ابن شمس العجلى في سبعة عشر ألفا إلى واسط فغلب عليها هرون بن حميد الايادي وملكها وأرسل المنصور لحربه عامر بن اسمعيل في خمسة آلاف وقيل في عشرين فاقتتلوا أياما ثم تهادنوا حتى يروا مال الاميرين المنصور وابراهيم ثم جاء نعى محمد إلى أخيه ابراهيم قبل الفطر فصلى يوم العيد وأخبرهم فازدادوا حنقا على المنصور ونفر في حره وعسكر من الغد واستخلف على البصرة غيلة وابنه حسنا معه وأشار عليه أصحابه من أهل البصرة بالمقام وارسال الجنود وأمدادهم واحدا بعد واحد وأشار أهل الكوفة باللحوق إليها لان الناس في انتظارك ولو رأوك ماتوا نواعنك فسار وكتب المنصور إلى عيسى بن موسى باسراع العود والى مسلم بن قتيبة بالرى والى سالم بقصد ابراهيم وضم إليه غيرها من القواد وكتب إلى المهدى بانفاذ خزيمة بن خازم الاهواز وفارس والمدائن وواسط والسواد والى جانبه أهل الكوفة في مائة ألف يتربصون به ثم رمى كل ناحية بحجرها وأقام خمسين يوما على مصلاه ويجلس ولم ينزع عنه جبته ولا قميصه وقد توسخا ويلبس السواد إذا ظهر للناس وينزعه إذا دخل بيته وأهديت له من المدينة امرأتان فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله وأمة الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد فلم يحفل بهما وقال ليست هذه أيام نساء حتى أنظر رأس ابراهيم إلى أو رأسي له وقدم عليه عيسى بن موسى فبعثه لحرب ابراهيم في خمسة عشر ألفا وعلى مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف وسار ابراهيم من البصرة ومائة ألف حتى نزلا بازاء عيسى بن موسى على ستة عشر فرسخا من الكوفة وأرسل إليه مسلم بن قتيبة بأن يخندق على نفسه أو يخالف عيسى إلى المنصور فهو في حف من الجنون ويكون أسهل عليك فعرض ذلك ابراهيم على أصحابه فقالوا نحن هرون وأبو جعفر في أيدينا فأسمع ذلك رسول سالم فرجع ثم تصافوا للقتال وأشار عليه بعض أصحابه أن يجعلهم كراديس ليكون أثبت والصف إذا انهزم بعضه تداعى سائره فأبى ابراهيم الا الصف صف أهل الاسلام ووافقه بقية أصحابه ثم اقتتلوا وانهزم حميد بن قحطبة وانهزم معه الناس وعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة فقال لهم حميد لا طاعة في الهزيمة ولم يبق مع عيسى الا فل قليل فثبت واستمات وبينما هو كذلك إذ قدم جعفر ومحمد بن سليمان

[ 196 ]

ابن على وجاء من وراء ابراهيم وأصحابه فانعطفوا لقتالهم واتبعهم أصحاب عيسى ورجع المنهزمون من أصحابه بأجمعهم اعترضهم امامهم فلا يطيقون مخافة ولا وثوبة فانهزم أصحاب ابراهيم وثبت هو في ستمائة أو أربعمائة من أصحابه وحميد يقاتله ثم أصابه سهم بنحره فأنزلوه واجتمعوا عليه وقال حميد شدوا على تلك الجماعة فاحصروهم عن ابراهيم وقطعوا رأسه وجاؤا به إلى عيسى فسجد وبعثه إلى المنصور وذلك لخمس بقين من ذى القعدة الحرام سنة خمس وأربعين ولما وضع رأسه بين يدى المنصور بكى وقال والله انى كنت لهذا كارها ولكني ابتليت بك وابتليت بى ثم جلس للعامة فأذن للناس فدخلوا ومنهم من يثلب ابراهيم مرضاة للمنصور حتى دخل جعفر بن حنظلة النهرانى فسلم ثم قال عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرط فيه من حقك فتهلل وجه المنصور وأقبل عليه وكناه بابى خالد واستدناه * (بناء مدينة بغداد) * وابتدأ المنصور سنة ست وأربعين في بناء مدينة بغداد وسبب ذلك ثورة الراوندية عليه بالهاشمية ولانه كان يكره أهل الكوفة ولا يأمن على نفسه منهم فتجافى عن جوارهم وسار إلى مكان بغداد اليوم وجمع من كان هنالك من البطارقة فسألهم عن أحوال مواضعهم في الحر والبرد والمطر والوحل والهوام واستشارهم فأشاروا عليه بمكانها وقالوا تجيئك الميرة في السفن من الشأم والرقة ومصر والمغرب إلى المصرات ومن الصين والهند والبصرة وواسط وديار بكر والروم والموصل في دجلة ومن أرمينية وما اتصل بها في تامرا حتى يتصل بالزاب وأنت بين أنها وكالخنادق لا تعبر الا على القناطر والجسور وإذا قطعتها لم يكن لعدوك مطمع وأنت متوسط بين البصرة والكوفة وواسط والموصل قريب من البر والبحر والجبل فشرع المنصور في عمارتها وكتب إلى الشأم والجبل (1) والكوفة وواسط والبصرة في الصناع والفعلة واختار من ذوى الفضل والعدالة والعفة والامانة والمعرفة بالهندسة فأحضرهم لذلك منهم الحجاج بن ارطاة وأبو حنيفة الفقيه وأمر بخطها بالرماد فشكلت أبوابها وفضلانها وطاقاتها ونواحيها وجعل على الرماد حب القطن فاضرم نارا ثم نظر إليها وهى تشتعل فعرف رسمها وأمر أن تحفر الاسس على ذلك الرسم ووكل بها أربعة من القواد يتولى كل واحد منهم ناحية ووكل أبا حنيفة بعد الآجر واللبن وكان أراده على القضاء والمظالم فأبى فحلف أن لا يقلع عنه حتى يعمل له عملا فكان هذا وأمر المنصور أن يكون عرض أساس القصر من أسفله خمسين ذراعا ومن أعلاه عشرين وجعل في البناء القصب والخشب ووضع بيده أول لبنة وقال بسم الله والحمد لله والارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين

[ 197 ]

ثم قال ابنوا على بركة الله فلما بلغ مقدار قامة جاء الخبر بظهور محمد المهدى فقطع البناء وسار إلى الكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأخيه ورجع من مدينة ابن هبيرة إلى بغداد واستمر في بنائها واستشار خالد بن برمك في نقض المدائن والايوان فقال لا أرى ذلك لانه من آثار الاسلام وفتوح العرب وفيه مصلى على بن أبى طالب فاتهمه بمحبة العجم وأمر بنقض القصر الابيض فإذا الذى ينفق في نقضه أكثر من ثمن الجديد فأقصر عنه فقال خالد لا أرى اقصارك عنه لئلا يقال عجزوا عن هدم ما بناه غيرهم فاعرض عنه ونقل الابواب إلى بغداد من واسط ومن الشأم ومن الكوفة وجعل المدينة مدورة وجعل قصره وسطها ليكون الناس منه على حد سواء وجعل المسجد الجامع بجانب القصر وعمل لها سورين والداخل أعلى من الخارج ووضع الحجاج بن ارطاة قبلة المسجد وكان وزن اللبنة التى يبنى بها مائة رطل وسبعة عشر رطلا وطولها ذراع في ذراع وكانت بيوت جماعة من الكتاب والقواد تشرع أبوابها إلى رحبة الجامع وكانت الاسواق داخل المدينة فأخرجهم إلى ناحية الكرخ لما كان الغرباء يطرقونها ويبيتون فيها وجعل الطرق أربعين ذراعا وكان مقدار النفقة عليها في المسجد والقصر والاسواق والفضلان والخنادق والابواب أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف وثلاثة وثلاثين ألف درهم وكان الاستاذ من البنايين يعمل يومه بقيراط والروز كارى بحبتين وحاسب القواد عند الفراغ منها فالزم كلا بما بقى عنده وأخذه حتى أخذ من خالد بن الصلت منهم خمسة عشر درهما بعد أن حبسه عليها * (العهد للمهدى وخلع عيسى بن موسى) * كان السفاح قد عهد إلى عيسى بن موسى بن على وولاه على الكوفة فلم يزل عليها فلما كبر المهدى أراه المنصور أبوه أن يقدمه في العهد على عيسى وكان يكرمه في جلوسه فيجلس عن يمينه والمهدى عن يساره فكلمه في التأخر عن المهدى في العهد فقال يا أمير المؤمنين كيف بالايمان التى على وعلى المسلمين وأبى من ذلك فتغير له المنصور وباعده بعض الشئ وصار يأذن للمهدى قبله ولعمه عيسى بن على وعبد الصمد ثم يدخل عيسى فيجلس تحت المهدى واستمر المنصور على التنكر له وعزله عن الكوفة لثلاث عشرة سنة من ولايته وولى مكانه محمد بن سليمان بن على ثم راجع عيسى نفسه فبايع المنصور للمهدى بالعهد وجعل عيسى من بعده ويقال انه أعطاه احد عشر ألف ألف درهم ووضع الجند في الطرقات لاذاه واشهاد خالد بن برمك عليه جماعة من الشيعة بالخلع تركت جميعها لانها لا تليق بالمنصور وعدالته المقطوع بها فلا يصح من تلك الاخبار شئ

[ 198 ]

* (خروج استادسيس) * كان رجل ادعى النبوة في جهات خراسان فاجتمع إليه نحو ثلثمائة ألف مقاتل من أهل هراة وباذغيس وسجستان وسار إليه الاخثم عامر مرو الروذ في العساكر فقاتل الاخثم وعامة أصحابه وتتابع القواد في لقائه فهزمهم وبعث المنصور وهو بالبرادق خازم بن خزيمة إلى المهدى في اثنى عشر ألفا فولاه المهدى حربه فزحف إليه في عشرين ألفا وجعل على ميمنته الهيثم بن شعبة بن ظهير وعلى ميسرته نهار بن حصن السعدى وفى مقدمته بكار بن مسلم العقيلى ودفع لواءه للزبرقان ثم راوعهم في المزاحفة وجاء إلى موضع فخندق عليه وجعل له أربعة أبواب وأتى أصحاب استادسيس بالفوس والمواعيل ليطموا الخندق فبدؤا بالباب الذى يلى بكار بن مسلم فقاتلهم بكار وأصحابه حتى ردوهم عن بابهم فأقبلوا على باب خازم وتقدم منهم الحريش من أهل سجستان فأمر خازم الهيثم بن شعبة أن يخرج من باب بكار ويأتى العدو من خلفهم وكانوا متوقعين قدوم أبى عون وعمر بن مسلم بن قتيبة وخرج خازم على الحريش واشتد قتاله معهم وبدت أغلام الهيثم من ورائهم فكبر أهل العسكر وحملوا عليهم فكشفوهم ولقيهم أصحاب الهيثم فاستمر فيهم القتل فقتل سبعون ألفا وأسر أربعة عشر وتحصن استادسيس على حكم أبى عون فحكم بأن يوثق هو وبنوه ويعتق الباقون وكتب إلى المهدى بذلك فكتب المهدى إلى المنصور ويقال ان استادسيس أبو مراجل أم المأمون وابنه غالب خال المأمون الذى قتل الفضل بن سهل * (ولاية هشام بن عمر الثعلبي على السند) * كان على السند أيام المنصور عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبى صفرة ويلقب مرامي ألف رجل ولما كان من أمر المهدى ما قدمناه بعث ابنه عبد الله الاشتر إلى البصرة ليدعو له فسار من هنالك إلى عمر بن حفص وكان يتشيع فأهدى له خيلا ليتمكن بها من لقائه ثم دعاه فأجاب وبايع له وأنزله عنده مختفيا ودعا القواد وأهل البلد فأجابوا فمزق الاعلام وهيأ لبسة من البياض يخطب فيها وهو في ذلك إذ فجأه الخبر بقتل المهدى فدخل على ابنه أشتر وعزاه فقال له الله في دمى فأشار عليه باللحاق بملك من ملوك السند عظيم المملكة كان يعظم جهة النبي صلى الله عليه وسلم وكان معروفا بالوفاء فأرسل إليه بعد أن عاهده عليه واستقر عند ذلك الملك وتسلل إليه جماعة من الزيدية نحوا من أربعمائة وبلغ ذلك المنصور فغاظه وكتب إلى عمر بن حفص بعزله وأقام يفكر فيمن يوليه السند وعرض له يوما هشام بن عمر الثعلبي وهو راكب ثم اتبعه إلى بيته وعرض عليه أخته فقال للربيع لو كانت لى حاجة في النكاح لقبلت فجزاك

[ 199 ]

الله خيرا وقد وليتك السند فتجهز لها وأمره أن يحارب ملك السند ويسلم إليه الاشتر ففعل وأقام المنصور يستحثه ثم خرجت خارجة بالسيند فبعث هشام أخاه سفيحا لحسم الداء عنها فمر بنواحي ذلك الملك فوجد الاشتر يتنزه في شاطئ همذان في عشرة من الفرسان فجاء ليأخذه فقاتلهم حتى قتل وقتل أصحابه جميعا وكتب هشام بذلك إلى المنصور فشكره وأمر بمحاربة ذلك الملك فظفر به وغلب على مملكته وبعث بسرارى عبد الله الاشتر ومعه ولد منه اسمه عبد الله بعث بهم المنصور إلى المدينة وأسلمه إلى أهله ولما ولى هشام بن عمر على السند وعزل عمر بن حفص عنها ثم حدثت فتق بافريقية بعثه إلى سده كما سيأتي في أخبارها * (بناء الرصافة للمهدى) * ولما رجع المهدى من خراسان قدم عليه أهل بيته من الشأم والكوفة والبصرة فأجازهم وكساهم وجملهم وكذلك المنصور ثم شعب عليهم الجند فأشار عليهم قثم بن العباس ابن عبيد الله بن العباس بان يفرق بينهم ويستكفيه في ذلك وأمر بعض غلمانه أن يعترضه بدار الخلافة ويسأله بحق الله ورسله والعباس وأمير المؤمنين أبى الحسين من أشرف اليمن أم مضر فقال مضر كان منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها كتاب الله وعندها بيت الله ومنها خليفة الله فغضب اليمن إذا لم يذكر لها فضلا ثم كبح بعضهم بغلة قثم فامتنعت مضر وقطعوا الذى كبحها فتشاجرا لحيان وتعصبت لليمن ربيعة والخراسانية للدولة وأصبحوا أربع فرق وقال قثم للمنصور اضرب كل واحدة بالاخرى وسير لابنك المهدى فلل أنير له بجنده فيتناظرون أهل مدينتك فقبل رأيه وأمر صالحا صاحب المصلى ببناء الرصافة للمهدى * (مقتل معن بن زائدة) * كان المنصور قد ولى على سجستان معن بن زائدة الشيباني وأرسل إلى رتبيل في الضريبة التى عليه فبعث بها عروضا زائدة الثمن فغضب معن وسار إلى الرحج على مقدمته يزيد ابن أخيه يزيد ففتحها وسبى أهلها وقتلهم ومضى رتبيل إلى عزمه وانصرف معن إلى بست فشتى بها ونكر قوم من الخوارج سيرته فهجموا عليه وفتكوا به في بيته وقام يزيد بأمر سجستان وقتل قاتليه واشتدت على أهل البلاد وطأته فتحيل بعضهم بأن كتب المنصور على لسانه كتابا يتضجر من كتب المهدى إليه ويسأله أن يعفى من معاملته فأغضب ذلك المنصور وأقرأ المهدى كتابه وعزله وحبسه ثم شفع فيه شخص إلى مدينة السلام فلم يزل مجفوا حتى بعث إلى يوسف البرم بخراسان كما يذكر بعد * (العمال على النواحى أيام السفاح والمنصور) *

[ 200 ]

كان السفاح قد ولى عند بيعته على الكوفة عمه داود بن على وجعل على حجابته عبد الله بن بسام وعلى شرطته موسى بن كعب وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك وبعث عمه عبد الله لقتال مروان مع أبى عون بن يزيد بن قحطبة تقدمة وبعث يحيى بن جعفر ابن تمام بن العباس إلى المدائن وكان أحمد بن قحطبة تقدمة وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن عمار بن ياسر إلى الاهواز مدد البسام بن ابراهيم ودفع ولاية خراسان إلى أبى مسلم فولى أبو مسلم عليها ايادا وخالد بن ابراهيم وبعث عمه عبد الله في مقدمته لحرب مروان أخاه صالحا ومعه أبو عون بن يزيد فلما ظفر وانصرف ترك أبا عون يزيد بمصر واستقل عبد الله بولاية الشأم وولى السفاح أخاه أبا جعفر على الجزيرة وارمينية واذربيجان فولى على ارمينية يزيد بن أسد وعلى اذربيجان محمد بن صول ونزل الجزيرة وكان أبو مسلم ولى على فارس محمد بن الاشعث حين قتل أبا مسلمة الخلال فبعث السفاح عليها عيسى فمنعه محمد بن الاشعث واستخلفه على الولاية فبعث عليها عمه اسمعيل وولى على الكوفة ابن أخيه موسى وعلى البصرة سفيان بن معاوية المهلبى وعلى السند منصور بن جمهور ونقل عمه داود إلى ولاية الحجاز واليمن واليمامة ثم ولى على البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان وتوفى داود بن على سنة ثلاث وثلاثين فولى مكانه على اليمن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد المدان وعلى مكة والمدينة والطائف واليمامة خاله زياد بن عبد الله بن عبد المدان الحارثى وهو عم محمد بن يزيد وفيها بعث محمد بن الاشعث إلى افريقية ففتحها وفى سنة أربع وثلاثين بعث صاحب الشرطة موسى بن كعب لقتال منصور بن جمهور وولاه مكانه على السند فاستخلف مكانه على الشرطة المسيب بن زهير وتوفى عامل اليمن محمد بن يزيد فولى مكانه على بن الربيع بن عبيد الله الحارثى ولما استخلف المنصور وانتقض عبد الله بن على وأبو مسلم ولى على خراسان أبا داود خالد بن ابراهيم وعلى مصر صالح بن على وعلى الشام ثم هلك خالد ابن ابراهيم سنة أربعين فولى مكانه عبد الجبار بن عبد الرحمن فانتقض لسنة من ولايته فبعث المنصور ابنه المهدى على خراسان وفى مقدمته خازم بن خزيمة فظفر بعبد الجبار وتوفى سليمان عامل البصرة سنة أربعين فولى مكانه سفيان بن معاوية ومات موسى بن كعب بالسند وولى مكانه ابنه عيينة فانتقض فبعث المنصور مكانه عمر بن حفص بن أبى صفرة وولى على مصر في هذه السنة حميد بن قحطبة وولى على الجزيرة والثغور والعواصم أخاه العباس بن محمد وكان بها يزيد بن أسيد وعزل عمه اسمعيل عن الموصل وولى مكانه مالك بن الهيثم الخزاعى وفى سنة ست وأربعين عزل الهيثم بن معاوية وولى على مكة والطائف مكانه السرى بن عبد الله بن الحرث بن العباس نقله

[ 201 ]

إليها من اليمامة وولى مكانه من اليمن قثم بن العباس بن عبد الله بن العباس وعزل حميد ابن قحطبة عن مصر وولى مكانه نوفل بن الفرات ثم عزله وولى مكانه يزيد بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب بن أبى صفرة وولى على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسرى ثم اتهمه في أمر ابن أبى الحسن فعزله وولى مكانه رباح بن عثمان المزني ولما قتله أصحاب محمد المهدى ولى مكانه عبد الله بن الربيع الحارثى ولما قتل ابراهيم أخو المهدى سنة خمس وأربعين ولى المنصور على البصرة سالم بن قتيبة الباهلى وولى على الموصل ابنه جعفرا مكان مالك بن الهيثم وبعث معه حرب بن عبد الله بن أكابر قواده ثم عزل سالم بن قتيبة عن البصرة سنة ست وأربعين وولى مكانه محمد بن سليمان وعزل عبد الله بن الربيع عن المدينة وولى مكانه جعفر بن سليمان وعزل السرى بن عبد الله عن مكة وولى مكانه عمه عبد الصمد بن على وولى سنة سبع وأربعين على الكوفة محمد بن سليمان مكان عيسى بن موسى لما سخطه بسبب العهد وولى مكان محمد بن سليمان على البصرة محمد ابن السفاح فاستعفاه ورجع إلى بغداد فمات واستخلف بها عقبة بن سالم فأقره وولى على المدينة جعفر بن سليمان وولى سنة ثمان وأربعين على الموصل خالد بن برمك لافساد الاكراد في نواحيها وعزل سنة تسع وأربعين عمه عبد الصمد عن مكة وولى مكانه محمد بن ابراهيم وفى سنة خمسين عزل جعفر بن سليمان عن المدينة وولى مكانه الحسن ابن زيد بن الحسن وفى سنة احدى وخمسين عزل عمر بن حفص عن السند وولى مكانه هشام بن عمرو الثعلبي وولى عمر بن حفص على افريقية ثم بعث يزيد بن حاتم من مصر مددا له وولى مكانه بمصر محمد بن سعيد وفى هذه السنة قتل معن بن زائدة بسجستان كما تقدم فقام بأمره يزيد ابن أخيه يزيد فأقره المنصور ثم عزله وفى هذه السنة سار عقبة بن سالم بن البصرة واستخلف نافع بن عقبة فغزا البحرين وقتل ابن حكيم العدوى واستقصره المنصور باطلاق أسراهم فعزله وولى جابر بن مومة الكلابي ثم عزله وولى مكانه عبد الملك بن طيبان النهيرى ثم عزله وولى الهيثم بن معاوية العكى وفيها ولى على مكة والطائف محمد بن ابراهيم الامام ثم عزله وولى مكانه ابراهيم ابن أخيه يحيى ابن محمد وولى على الموصل اسمعيل بن خالد بن عبد الله القسرى ومات أسيد بن عبد الله أمير خراسان فولى مكانه حميد بن قحطبة وفى سنة ثلاث وخمسين توفى عبيد الله ابن بنت أبى ليلى قاضى الكوفة فاستقضى شريك بن عبد الله النخعي وكان على اليمن يزيد بن منصور وفى سنة خمس وأربعين بل أربع وخمسين عزل عن الجزيرة أخاه العباس وأغرمه مالا وولى مكانه موسى بن كعب الخثعمي وكان سبب عزله شكاية يزيد بن أسيد منه ولم يزل ساخطا على العباس حتى غضب على عمه اسمعيل فشفع فيه اخوته عمومة

[ 202 ]

المنصور فقال عيسى بن موسى يا أمير المؤمنين شفعوا في أخيهم وأنت ساخط على أخيك العباس منذ كذا ولم يكلمك فيه أحد منهم فرضى عنه وفى سنة خمس وخمسين عزل محمد ابن سليمان عن الكوفة وولى مكانه عمر بن زهير الضبى أخا المسيب صاحب الشرطة وكان من أسباب عزله انه حبس عبد الكريم بن أبى العوجاء خال معن بن زائدة على الزندقة وكتب إليه أن يتبين أمره فقتله قبل وصول الكتاب فغضب عليه المنصور وقال لقد هممت أن أقيده به وعزل عمه عيسى في أمره لانه الذى كان أشار بولايته وفيها عزل الحسن بن زيد عن المدينة وولى مكانه عمه عبد الصمد بن على وكان على الاهواز وفارس عمارة بن حمزة وفى سنة سبع وخمسين ولى على البحرين سعيد بن دعلج صاحب الشرطة بالبصرة فأنفذ إليها ابنه تميما ومات سوار بن عبد الله قاضى البصرة فولى مكانه عبيد الله بن الحسن بن الحصين العيرى وعزل محمد بن الكاتب عن مصر وولى مكانه مولاه مطرا وعزل هشام بن عمر عن السند وولى مكانه معبد بن الخليل وفى سنة ثمان وخمسين عزل موسى بن كعب عن الموصل لشئ بلغه عنه فأمر ابنه المهدى أن يسير إلى الرقة موريا بزيارة القدس ويكفل طريقه على الموصل فقبض عليه وكان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم وأجله في احضارها ثلاثا والا قتله فبعث ابنه يحيى إلى عمارة بن حمزة ومبارك التركي وصالح صاحب المصلى وغيرهم من القواد ليستقرض منهم قال يحيى فكلهم بعث الا أن منهم من منعنى الدخول ومنهم من يجيبنى بالرد الا عمارة بن حمزة فانه أذن لى ووجهه إلى الحائط ولم يقبل على وسلمت فرد خفيفا وسأل كيف خالد فعرفته واستقرضته فقال ان أمكننى شئ يأتيك فانصرفت عنه ثم أنفذ المال فجمعناه في يومين وتعذرت ثلثمائة ألف وورد على المنصور انتقاض الموصل والجزيرة وانتشار الاكراد بها وسخط موسى بن كعب فأشار عليه المسيب بن زهير بخالد ابن برمك فقال كيف يصلح بعد ما فعلنا فقال أنا ضامنه فصفح له عما بقى عليه وعقد له على الموصل ولابنه يحيى على أذربيجان وسارا مع المهدى فعزل موسى بن كعب وولاهما قال يحيى وبعثنى خالد إلى عمارة بقرضه وكان مائة ألف فقال لى أكنت لابيك صديقا قم عنى لاقمت ولم يزل خالد على الموصل إلى وفاة المنصور وفى هذه السنة عزل المنصور المسيب بن زهير عن شرطته وحبسه مقيدا لانه ضرب أبان بن بشير الكاتب بالسياط حتى قتله وكان مع أخيه عمر بن زهير بالكوفة وولى المنصور على فارس نصر بن حرب بن عبد الله ثم على الشرطة ببغداد عمر بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار وعلى قضائها عبد الله بن محمد بن صفوان ثم شفع المهدى في المسيب وأعاده إلى شرطته * (الصوائف) *

[ 203 ]

كان أمر الصوائف قد انقطع منذ سنة ثلاثين بما وقع من الفتن فلما كانت سنة ثلاث وثلاثين أقبل قسطنطين ملك الروم إلى ملطية ونواحيها فنازل حصن بلخ واستنجدوا أهل ملطية فأمدوهم بثمانمائة مقاتل فهزمهم الروم وحاصروا ملطية والجزيرة مفتوحة وعاملها موسى بن كعب بخراسان فسلموا البلد على الامان لقسطنطين ودخلوا إلى الجزيرة وخرب الروم ملطية ثم ساروا إلى قاليقلا ففتحوها وفى هذه السنة سار أبو داود وخالد بن ابراهيم إلى الجتن فدخلها فلم تمتنع عليه وتحصن منه السبيل ملكهم وحاصره مدة ثم فرض الحصن ولحق بفرغانة ثم دخلوا بلاد الترك وانتهوا إلى بلد الصين وفيها بعث صالح بن على بن فلسطين سعيد بن عبد الله لغزو الصائفة وراء الدروب وفى سنة خمس وثلاثين غزا عبد الرحم‍ ن بن حبيب عامل افريقية جزيرة صقلية فغنم وسبى وظفر بما لم يظفر به أحد قبله ثم سفل ولاة افريقية بفتن البربر فأمن أهل صقلية وعمر الحصون والمعاقل وجعلوا الاساطيل تطوف بصقلية للحراسة وربما صادفوا تجار المسلمين في البحر فأخذوهم وفى سنة ثمان وثلاثين خرج قسطنطين ملك الروم فأخذ ملطية عنوة وهدم سورها وعفا عن أهلها فغزا العباس بن محمد الصائفة ومعه عماه صالح وعيسى وبنى ما خربه الروم من سور ملطية من سورة الروم ورد إليها أهلها وأنزل بها الجند ودخل دار الحرب من درب الحرث وتوغل في أرضهم ودخل جعفر بن حنظلة البهرانى من درب ملطية وفى سنة تسع وثلاثين كان الفداء بين المسلمين والروم في اسرى قاليقلا وغيرهم ثم غزا بالصائفة سنة أربعين عبد الوهاب بن ابراهيم الامام ومعه الحسن بن قحطبة وسار إليهم قسطنطين ملك الروم في مائة ألف فبلغ جيحان وسمع كثرة المسلمين فأحجم عنهم ورجع ولم تكن بعدها صائفة إلى سنة ست وأربعين لاشتغال المنصور بفتنة بنى حسن وفى سنة ست وأربعين خرج الترك والحدر بن باب الابواب وانتهوا إلى ارمينية وقتلوا من أهلها جماعة ورجعوا وفى سنة سبع وأربعين أغار استرخان الخوارزمي في جمع من الترك على أرمينية فغنم وسبى ودخل تفليس فعاث فيها وكان حرب بن عبد الله مقيما بالموصل في ألفين من الجند لمكان الخوارزمي بالجزيرة فأمره المنصور بالمسير لحرب الترك مع جبريل بن يحيى فانهزموا وقتل حرب في كثير من المسلمين وفيها غزا بالصائفة مالك بن عبد الله الخثعمي من أهل فلسطين ويقال له ملك الصوائف فغنم غنائم كثيرة وقسمها بدرب الحرث وفى سنة تسع وأربعين غزا بالصائفة العباس بن محمد ومعه الحسن بن قحطبة ومحمد بن الاشعث فدخلوا أرض الروم وعاثوا ورجعوا ومات محمد بن الاشعث في طريقه في سنة احدى وخمسين وقتل أخوه محمد ولم يدر ثم غزا بالصائفة سنة أربع وخمسين زفر بن عاصم الهلالي وفى سنة خمس

[ 204 ]

بعدها طلب ملك الروم الصلح على أن يؤدى الجزية وغزا بالصائفة يزيد بن أسيد السلمى وغزا بها سنة ست وخمسين وغزا بالصائفة معيوب بن يحيى من درب الحرثى ولقى العدو فاقتتلوا ثم تحاجزوا * (وفاة المنصور وبيعة المهدى) * وفى سنة ثمان وخمسين توفى المنصور منصرفا من الحج ببئر ميمون لست خلت من ذى الحجة وكان قد أوصى المهدى عند وداعه فقال لم أدع شيأ الا تقدمت اليك فيه وسأوصيك بخصال وما أظنك تفعل واحدة منها وله سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا يفتحه غيره فقال للمهدى انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به فان فيه علم آبائك ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة فان أحزنك أمر فانظر في الدفتر الكبير فان أصبت فيه ما تريد والا ففى الثاني والثالث حتى تبلغ سبعة فان ثقل عليك فالكراسة الصغيرة فانك واجد ما تريد فيها وما أظنك تفعل فانظر هذه المدينة واياك أن تستبدل بها غيرها وقد جمعت فيها من الاموال ما أنكر عليك الخراج عشر سنين كفاك لارزاق الجند والنفقات والذرية ومصلحة البيوت فاحتفظ بها فانك لا تزال عزيزا ما دام بيت مالك عامرا وما أظنك تفعل وأوصيك بأهل بيتك وأن تظهر كرامتهم وتحسن إليهم وتقدمهم وتوطئ الناس أعقابهم وتوليهم المنابر فان عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل وأوصيك بأهل خراسان خيرا فانهم انصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودماءهم في دولتك وأن لا تخرج محبتك من قلوبهم وأن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافثهم عما كان منهم وتخلف من مات منهم في أهله وولده وما أظنك تفعل واياك أن تبنى مدينة الشرقية فانك لا تتم بناءها وأظنك ستفعل واياك أن تستعين برجل من بنى سليم وأظنك ستفعل واياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل وقيل قال له انى ولدت في ذى الحجة ووليت في ذى الحجة وقد يحس في نفسي أن أموت في ذى الحجة في هذه السنة وانما حد لى الحج على ذلك فاتق الله فيما أعهد اليك من أمور المسلمين بعدى يجعل لك فيما كربك وحزنك فرجا ومخرجا ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب يا بنى احفظ محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته يحفظك الله ويحفظ عليك أمورك واياك والدم الحرام فانه حوب عند الله عظيم وعار في الدنيا لازم مقيم والزم الحدود فان فيها صلاحك في الآجل وصلاحك في العاجل ولا تعتد فيها فتبور فان الله تعالى لو علم ان شيأ أصلح منها لدينه وأزجر عنى معاصيه لامر به في كتابه واعلم ان من شدة غضب الله لسلطانه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الارض فسادا مع ما ادخر له من العذاب الاليم فقال انما جزاء الذين يحاربون الله

[ 205 ]

ورسوله ويسعون في الارض فسادا الآية فالسلطان يا بنى حبل الله المتين وعروته الوثقى ودينه المقيم فاحفظه وحصنه وذب عنه وأوقع بالملحدين واقمع المارقين منه وقابل الخارجين عنه بالعقاب ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن واحكم بالعدل ولا تشطط فان ذلك أقطع للشعث وأحسم للعدو وأنجع في الدواء واعف عن الفئ فليس بك إليه حاجة مع ما أخلفه لك وافتتح بصلة الرحم وبر القرابة واياك والاثرة والتبديد لاموال الرعية واشحن الثغور واضبط الاطراف وأمن السبيل وسكن العامة وأدخل المرافق عليهم وارفع المكاره عنهم وأعد الاموال واخزنها واياك والنبديد فان النوائب غير مأمونة وهى من شيم الزمان وأعد الاكراع والرجال والجند ما استطعت واياك وتأخير عمل اليوم لغد فتتداول الامور وتضيع وخذ في احكام الامور والنازلات في أوقاتها أولا أولا واجتهد وشمر فيها وأعد رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار ورجالا بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل وباشر الامور بنفسك ولا تضجر ولا تكسل واستعمل حسن الظن وأسئ الظن بعملك وكتابك وخذ نفسك بالتيقظ وتفقد من يبيت على بابك وسهل اذنك للناس وانظر في أمر النزاع اليك وكل بهم عينا غير نائمة ونفسا غير ساهية ولا تنم فان أباك لم ينم منذ ولى الخلافة ولا دخل عينه الغمض الا وقلبه مستيقظ هذه وصيتى اليك والله خليفتي عليك ثم ودعه وسار إلى الكوفة فأحرم منها فارنا وساق الهدى وأشعره وقلده لايام خلت من ذى القعدة ولما سار منازل عرض له وجعه الذى مات به ثم اشتد فجعل يقول للربيع وكان عديله بادر بى إلى حرم ربى هاربا من ذنوبي فلما وصل بئر ميمون مات سحر السادس من ذى الحجة لم يحضر الا خدمه والربيع مولاه فكتموا الامر ثم غدا أهل بيته على عادتهم فدعا عيسى بن على العم ثم عيسى بن موسى بن محمد ولى العهد ثم الاكابر وذوى الانساب ثم عامتهم فبايعهم الربيع للمهدى ثم بايع القواد وعامة الناس وسار العباس بن محمد ومحمد بن سليمان إلى مكة فبايعا الناس للمهدى بين الركن والمقام وجهزوه إلى قبره وصلى عليه عيسى بن موسى وقيل ابراهيم بن يحيى ودفن في مقبرة المعلاة وذلك لاثنتين وعشرين سنة من خلافته وذكر على بن محمد النوفلي عن أبيه وهو من أهل البصرة وكان يختلف إلى المنصور تلك الايام قال جئت من مكة صبيحة موته إلى العسكر فإذا موسى بن المهدى عند عمود السرادق والقاسم بن المنصور في ناحية فعلمت انه قد مات ثم أقبل الحسن بن زيد العلوى والناس حتى ملؤا السرادق وسمعنا همس البكاء ثم خرج أبو العنبر الخادم مشقوق الاقبية وعلى رأسه التراب وهو يستغيث وقام القاسم فشق ثيابه ثم خرج الربيع وفى يده قرطاس فقرأه على الناس وفيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف

[ 206 ]

من بنى هاشم وشيعة من أهل خراسان وعامة المسلمين ثم بكى وبكى الناس ثم قال البكاء امامكم فانصتوا رحمكم الله ثم قرأ أما بعد فانى كتبت كتابي هذا وأنا حى في آخر يوم من أيام الدنيا اقرأ عليكم السلام وأسأل الله أن لا يفتنكم بعدى ولا يلبسكم شيعا ولا يذيق بعضكم بأس بعض ثم أخذ في وصيتهم للمهدى وحثهم على الوفاء بعهده ثم تناول الحسن بن زيد وقال قم فبايع فبايع موسى بن المهدى لابيه ثم بايع الناس الاول فالاول ثم دخل بنو هاشم وهو في أكفانه مكشوف الرأس لمكان الاحرام فحملوه على ثلاثة أميال من مكة فدفنوه وكان عيسى بن موسى لما بايع الناس أبى من الشيعة فقال له على بن عيسى بن ماهان والله لتبايعن والا ضربنا عنقك ثم بعث موسى ابن المهدى والربيع بالخبر والبردة والقضيب وخاتم الخلافة إلى المهدى وخرجوا من مكة ولما وصل الخبر إلى المهدى منتصف ذى الحجة اجتمع إليه أهل بغداد وبايعوه وكان أول ما فعله المهدى حين بويع انه أطلق من كان في حبس المنصور الا من كان في دم أو مال أو ممن يسعى بالفساد وكان فيمن أطلق يعقوب بن داود وكان محبوسا مع الحسن ابن ابراهيم بن عبد الله بن حسن بن الحسن فلما أطلق ساء ظن ابراهيم وبعث إلى من يثق به بحفر سرب يفضى إلى محبسه وبلغ ذلك يعقوب بن داود فجاء إلى ابن علاثة القاضى وأوصله إلى أبى عبيد الله الوزير ليوصله إلى المهدى فأوصله واستخلاه فلم يحدثه حتى قام الوزير والقاضى وأخبره بتحقيق الحال فأمره بتحويل الحسن ثم هرب بعد ذلك ولم يظفر به وشاور يعقوب بن داود في أمره فقال أعطه الامان وأنا أحضره وأحضره ثم طلب من المهدى أن يجعل له السبيل في رفع أمور الناس وراء بابه إليه فأذن له وكان يدخل كلما أرادو يرفع إليه النصائح في أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغزاة وترويح العذاب وفكاك الاسرى والمحبوسين والقضاء عن الغارمين والصدقة على المتعففين فخطى بذلك وتقدمت منزلته وسقطت منزلة أبى عبد الله ووصله المهدى بمائة ألف وكتب له التوقيع بالاخاء في الله * (ظهور المقنع ومهلكه) * كان هذا المقنع من أهل مرو ويسمى حكيما وهاشميا وكان يقول بالتناسخ وأن الله خلق آدم فتحول في صورته ثم في صورة نوح ثم إلى أبى مسلم ثم إلى هاشم وهو المقنع فظهر بخراسان وادعى الالهية واتخذ وجها من ذهب فجعله على وجهه فسمى المقنع وأنكر قتل يحيى بن زيد وزعم أنه يأخذ بثاره وتبعه خلق عظيم من الناس وكانوا يسجدون له وتحصن بقلعة بسام من رماتيق كش وكان قد ظهر ببخارى والصغد جماعة من المبيضة فاجتمعوا معه على الخلاف وأعانهم كفار الاتراك وأغاروا على المسلمين

[ 207 ]

من ناحيتهم وحاربهم أبو النعمان والجنيد وليث بن نصر بن سيار فقتلوا أخاه محمد ابن نصر وحسان ابن أخيه تميم وأنفذ المهدى إليهم جبريل بن يحيى وأخاه يزيد لقتال المبيضة فقاتلوهم أربعة أشهر في بعض حصون بخارى وملكوه عنوة فقتل منهم سبعمائة ولحق فلهم بالمقنع وجبريل في اتباعهم ثم بعث المهدى أبا عون لمحاربة المقنع فلم يبالغ في قتاله فبعث معاذ بن مسلم في جماعة القواد والعساكر وعلى مقدمته سعيد الحريشى وأتاه عقبة بن مسلم من ذم فاجتمعوا بالطواويس وأوقعوا بأصحاب المقنع فهزموهم ولحق فلهم بالمقنع في بسام فتحصنوا بها وجاء معاذ فنازلهم وفسد ما بينه وبين الحريشى فكتب الحريشى إلى المهدى بالسعاية في معاذ ويضمن الكفاية ان أفرد بالحرب فأجابه المهدى إلى ذلك وانفرد بحرب المقنع وأمده معاذ بابنه وجاؤا بآلات الحرب حتى طلب أصحاب المقنع الامان سرا فامنهم وخرج إليه ثلاثون ألفا وبقى معه زهاء ألفين وضايقوه بالحصار فأيقن بالهلاك وجمع نساءه وأهله فيقال سقاهم السم ويقال بل أحرقهم وأحرق نفسه بالنار ودخلوا القلعة وبعث الحريشى برأس المقنع إلى المهدى فوصل إليه بحلب سنة ثلاث وتسعين * (الولاة أيام المهدى) * وعزل المهدى سنة تسع وخمسين عمه اسمعيل عن الكوفة وولى عليها اسحق بن الصفاح الكندى ثم الاشعى وقتل عيسى بن لقمان بن محمد بن صاحب الجمحى وعزل سعيد بن دعلج عن احداث البصرة وعبيد الله بن الحسن عن الصلاة وولى مكانهما عبد الملك بن أيوب ابن طيبان الفهيرى ثم جعل الاحداث إلى عمارة بن حمزة فولاها للسود بن عبد الله الباهلى وعزل قثم بن العباس عن اليمامة وولى مكانه الفضل بن صالح وعزل مطرا مولى المنصور عن مصر وولى مكانه أبا ضمرة محمد بن سليمان وعزل عبد الصمد بن على عن المدينة وولى مكانه محمد بن عبد الله الكثيرى ثم عزله وولى عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان ثم عزله وولى مكانه زفر بن عاصم الهلالي وتوفى معبد بن الخليل عامل السند فولى مكانه روح بن حاتم باشارة وزيره أبى عبد الله وتوفى حميد بن قحطبة بخراسان فولى عليها مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد ثم سخطه سنة ستين فعزله وولى معاذ بن مسلم وولى على سجستان حمزة بن يحيى وعلى سمرقند جبريل بن يحيى فبنى سورها وحصنها وكان على اليمن رجاء بن روح وولى على قضاء الكوفة شريك وولى على فارس والاهواز ودجلة قاضى البصرة عبيد الله بن الحسن ثم عزله وولى مكانه محمد بن سليمان وولى على السند بسطام بن عمر وولى على اليمامة بشر ابن المنذر وفى سنة احدى وتسعين ولى على السند محمد بن الاشعث واستقضى عافية

[ 208 ]

القاضى مع ابن علاثة بالرصافة وعزل الفضل بن صالح عن الجزيرة وولى مكانه عبد الصمد بن على وولى عيسى بن لقمان على مصر ويزيد بن منصور على سواد الكوفة وحسان السرورى على الموصل وبسطام بن عمرو الثعلبي على أذربيجان وعزله عن السند وتوفى نصر بن مالك بن صالح صاحب الشرطة فولى مكانه حمزة بن مالك وكان الا بان بن صدقة كاتبا للرشيد فصرفه وجعله مع الهادى وجعل هو مع هررن يحيى ابن خالد وعزل محمد بن سليمان أبا ضمرة عن مصر وولى مكانه سليمان بن رجاء وكان على سواد الكوفة يزيد بن منصور وعلى احداثها اسحق بن منصور وفى سنة ست وستين عزل على بن سليمان عن اليمن وولى مكانه عبد الله بن سليمان وعزل مسلمة بن رجاء عن مصر وولى مكانه عيسى بن لقمان ثم عزله لاشهر وولى مكانه مولاه واضحا ثم عزله وولى مكانه يحيى الحريشى وكان على طبرستان عمر بن العلاء وسعيد بن دعلج وعلى جرجان مهليل بن صفوان ووضع ديوان الارمة وولى عليها عمر بن يزيع مولاه * (العهد للهادي وخلع عيسى) * كان جماعة من بنى هاشم وشيعة المهدى خاضوا في خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد والبيعة لموسى الهادى بن المهدى ونمى ذلك إلى المهدى فسر به واستقدم عيسى ابن موسى من منزله بالرحبة من أعمال الكوفة فامتنع من العدوا فاستعمل المهدى على الكوفة روح بن حاتم وأوصاه بالافراه فلم يجد سبيلا إلى ذلك وكان عيسى لا يدخل الكوفة الا يوم جمعة أو عيد وبعث إليه المهدى يتهدده فلم يجب ثم بعث عمه العباس يستقدمه فلم يحضر فبعث قائدين من الشيعة فاستحضراه إليه وقدم على عسكر المهدى وأقام أياما يختلف إليه ولا يكلم بشئ حضر الدار يوما وقد اجتمع رؤساء الشيعة لخلعه فثاروا به وأغلق الباب الذى كان خلفه فكسروه وأظهر المهدى النكير عليهم فلم يرجعوا إلى أن كاشفه أكابر أهل بيته وأشدهم محمد بن سليمان واعتذر بالايمان التى عليه فأحضر المهدى القضاة والفقهاء وفيهم محمد بن علاثة ومسلم بن خالد الزنجي فأفتوه بمخارج الايمان وخلع نفسه وأعطاه المهدى عشرة آلاف درهم وضياعا وشكر وبايع لابنه موسى الهادى بالعهد ثم جلس المهدى من الغد وأحضر أهل بيته وأخذ بيعتهم وخرج إلى الجامع وعيسى معه فخطب وأعلم الناس ببيعة الهادى ودعاهم إليها فبادروا وأشهد عيسى بالخلع * (فتح باربد من السند) * وبعث المهدى سنة تسع وخمسين عبد الملك بن شهاب المسمعى في جمع كثير من الجند

[ 209 ]

والمقطوعة إلى بلاد الهند فركبوا البحر من فارس ونزلوا بأرض الهند وفتحوا باربد فافتتحوها عنوة ولجأ أهلها إلى البد فأحرقوه عليهم فاحترق بعض وقتل الباقون واستشهد من المسلمين بضعة وعشرون وأقاموا بعض أيام إلى أن يطيب الريح فوقع فبهم موتان فهلك ألف فيهم ابراهيم بن صبيح ثم ركبوا البحر إلى فارس فلما انتهوا إلى ساحل حران عصفت بهم الريح فانكسرت عامة مراكبهم وغرق الكثير منهم * (حج المهدى) * وفى سنة ستين حج المهدى واستخلف على بغداد ابنه الهادى وخاله يزيد بن منصور واستصحب ابنه هرون وجماعة من أهل بيته وكان معه الوزير يعقوب بن داود فجاء في مكة بالحسن بن ابراهيم الذى ضمنه على الامان فوصله المهدى وأقطعه ولما وصل إلى مكة اهتم بكسوة الكعبة فكساها بأفخر الكسوة بعد أن نزع ما كان عليها وكانت فيها كسوة هشام بن عبد الملك من الديباج الثخين وقسم مالا عظيما هنالك في مصارف الخير فكان منه مما جاء به من العراق ثلاثون ألف درهم ووصل إليه مر مصر ثلثمائة ألف دينار ومن اليمن مائة ألف دينار ففرق ذلك كله وفرق مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب ووسع المسجد ونقل خمسمائة من الانصار إلى العراق جعلهم في حرسه وأقطع لهم وأجرى الارزاق ولما رجع أمر ببناء القصور بطريق مكة أوسع من قصور المنصور من القادسية إلى زبالة وأمر باتخاذ المصانع في كل منها منهل وبتجديد الاميال وحفر الآبار وولى على ذلك بقطير بن موسى وأمر بالزيادة في مسجد البصرة وتصغير المنابر إلى مقدار منبر النبي صلى الله عليه وسلم وأمر في سنة سبع وستين بالزيادة في الحرمين على يد بقطير فدخلت فيه دور كثيرة ولم يزل البناء فيهما إلى وفاة المهدى * (نكبة الوزير أبى عبد الله) * كان أبو عبد الله الاشعري قد اتصل بالمهدي أيام أبيه المنصور فلطفت عنده منزلته واستوزره وسار معه إلى خراسان وعظمت به بطانة المهدى فأكثروا فيه السعاية وكان الربيع يدرأ عنه ويعرض كتبه على المنصور ويحسن القول فيه فكتب المنصور إلى المهدى بالوصاة به وأن لا يقبل فيه السعاية ولما مات المنصور وقام الربيع ببيعة المهدى وقدموا إلى بغداد جاء الربيع إلى باب أبى عبد الله قبل المهدى وقبل أهله فعذله ابنه الفضل على ذلك فقال هو صاحب الرجل وينبغى أن نعامله بغير ما كنا نعامله واياك أن تذكر ما كنا نصنع في حقه أو تمنن بذلك في نفسك فلما وقف ببابه أمهله

[ 210 ]

طويلا من المغرب إلى العشاء ثم أذن له فدخل عليه وهو متكئ فلم يجلس ولا أقبل عليه وشرع الربيع يذكر أمر البيعة فكفه وقال قد بلغنا أمركم فلما خرج استطال عليه ابنه الفضل بالعذل فيما فعل بان لم يكن الصواب فقال له ليس الصواب الا ما عملته ولكن والله لانفقن مالى وجاهى في مكروهه وجد في السعاية فيه فلم يجد طريقا إليها لاحتياطه في أمر دينه وأعماله فأتاه من قبل ابنه محمد ودس إلى المهدى بعرضه لحرمه وانه زنديق حتى إذا استحكمت التهمة فبه أحضره المهدى في غيبة من أبيه ثم قال له اقرأ فلم يحسن فقال لابيه ألم تقل ان ابنك يقرأ القرآن فقال فارقني منذ سنين وقد نسى فأمر به المهدى فقتل واستوحش من أبى عبد الله وساءت منزلته إلى أن كان من أمره ما نذكره وعزله عن ديوان الرسائل ورده إلى الربيع وارتفعت منزلة يعقوب بن داود عند المهدى وعظم شأنه وأنفذ عهده إلى جميع الآفاق بوضع الامناء ليعقوب وكان لا ينفذ كتاب المهدى حتى يكتب يعقوب إلى يمينه بانفاذ ذلك * (ظهور دعوة العباسية بالاندلس وانقطاعها) * وفى سنة احدى وستين أجاز عبد الرحمن بن حبيب الفهرى من افريقية إلى الاندلس داعية لبنى العباس ونزل بساحل مرسية وكاتب سليمان بن يقطن عامل سرقسطة في طاعة المهدى فلم يجبه وقصد بلاده فيمن معه من البربر فهزمه سليمان وعاد إلى تدبير وسار إليه عبد الرحمن صاحب الاندلس وأحرق السفن في البحر تضييقا على ابن حبيب في النجاة فاعتصم بجبل منيع بنواحي بلنسية فبذل عبد الرحمن فيه المال فاغتاله بعض البربر وحمل رأسه إليه فأعطاه ألف دينار وذلك سنة اثنتين وستين وهم عبد الرحمن صاحب الاندلس أمر ذلك لغزو الشأم من الاندلس على العدوة الشمالية لاخذ ثاره فعصى عليه سليمان بن يقطن والحسين بن يحيى بن سعيد بن سعد بن عثمان الانصاري في سرقسطة فشغلوه عما اعتزم عليه من ذلك * (غزو المهدى) * تجهز المهدى سنة ثلاث وستين لغزو الروم وجمع الاجناد من خراسان ومن الآفاق وتوفى عمه عيسى بن على آخر جمادى الاخيرة بعسكره وسار من الغد واستخلف على بغداد ابنه موسى الهادى واستصحب هرون ومر في طريقه بالجزيرة والموصل فعزل عبد الصمد بن على وحبسه ثم أطلقه سنة ست وستين ولما جاز ببنى مسلمة بن عبد الملك ذكره عمه العباس بما فعله مسلمة مع جدهم محمد بن على وكان أعطاه مرة في اجتيازه عليه ألف دينار فأحضر المهدى ولد مسلمة ومواليه وأعطاهم عشرين

[ 211 ]

ألف دينار وأجرى عليهم الارزاق وعبر الفرات إلى فأقام بها وبعث ابنه هرون للغزو وأجاز معه الدروب إلى جيحان مشيعا وبعث معه عيسى بن موسى وعبد الملك بن صالح والحسن بن قحطبة والربيع بن يونس ويحيى بن خالد بن برمك وكان إليه أمر العسكر والنفقات وحاصروا حصن سمالوا أربعين يوما ثم فتحوه بالامان وفتحوا بعده فتوحات كثيرة وعادوا إلى المهدى وقد أثخن في الزنادقة وقتل من كان في تلك الناحية منهم ثم قفل إلى بغداد ومر ببيت المقدس وصلى في مسجده ورجع إلى بغداد * (العهد لهرون) * وفى سنة ست وستين أخذ المهدى البيعة لابنه هرون بعد أخيه الهادى ولقبه الرشيد * (نكبة الوزير يعقوب بن داود) * كان أبو داود بن طهمان كاتبا لنصر بن سيار هو واخوته وكان شيعيا وعلى رأى الزيدية ولما خرج يحيى بن زيد بخراسان كان يكاتبه بأخبار نصر فأقصاه نصر فلما طلب أبو مسلم بدم يحيى جاءه داود فأمنه في نفسه وأخذ ما اكتسبه من المال أبام نصر وأقام بعد ذلك عاطلا ونشأ له ولد أهل أدب وعلم وصحبوا أولاد الحسن وكان داود يصحب ابراهيم بن عبد الله فورثوا ذلك عنه ولما قتل ابراهيم طلبهم المنصور وحبس يعقوب وعليا مع الحسن بن ابراهيم حتى توفى وأطلقهما المهدى بعده مع من أطلق وداخله المهدى في أمر الحسن لما فر من الحبس فكان ذلك سببا لوصلته بالمهدي حتى استوزره فجمع الزيدية وولاهم شرقا وغربا وكثرت السعاية فيه من البطانة بذلك وبغيره وكان المهدى يقبل سعايتهم حتى يروا أنها قد تمكنت فإذا غدا عليه تبسم وسأله وكان المهدى مشتهرا بالنساء فيخوض معه في ذلك وفيما يناسبه ويتغلب برضاه وسامره في بعض الليالى وجاء ليركب دابته وقد نام الغلام فلما ركب نفرت الدابة من قعقعة ردائه فسقط ورمحته فانكسر فانقطع عن المهدى وتمكن أعداؤه من السعاية حتى سخطه وأمر به فحبس وحبس عماله وأصحابه ويقال بل دفع إليه علويا ليقتله فأطلقه ونمى ذلك إلى المهدى فأرسل من أحضره وقال ليعقوب أين العلوى فقال قتلته فأخرجه إليه حتى رآه ثم حبس في المطبق ودلى في بئر فيه وبقى أيام المهدى والهادي ثم أخرج وقد عمى وسأل من الرشيد المقام بمكة فأذن له وقيل في سبب تغيره انه كان ينهى المهدى عن شرب أصحابه النبيذ عنده ويكثر عليه في ذلك ويقول أبعد الصلوات الخمس في المسجد الجامع يشرب عندك النبيذ لا والله لا على هذا استوزرتني ولا عليه صحبتك

[ 212 ]

* (مسير الهادى إلى جرجان) * وفى سنة سبع وستين عصى وتداهر من شر وبن ملكا طبرستان من الديلم فبعث المهدى ولى عهده موسى الهادى وجعل على جنده محمد بن حميد وعلى حجابته نفيعا مولى المنصور وعلى حرسه عيسى بن ماهان وعلى رسائله ابان بن صدقة وتوفى ابان بن صدقة فبعث المهدى مكانه أبا خالد الاجرد فسار المهدى وبعث الجنود في مقدمته وأمر عليهم يزيد فحاصرهما حتى استقاما وعزل المهدى يحيى الحريشى عن طبرستان وما كان إليه وولى مكانه عمر بن العلاء وولى على جرجان فراشة مولاه ثم بعث سنة ثمان وستين يحيى الحريشى في أربعين ألفا إلى طبرستان * (العمال بالنواحي) * وفى سنة ثلاث وستين ولى المهدى ابنه هرون على المغرب كله وأذربيجان وارمينية وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى وعلى الرسائل يحيى بن خالد بن برمك وعزل زفر ابن عاصم عن الجزيرة وولى مكانه عبد الله بن صالح وعزل معاذ بن مسلم عن خراسان وولى مكانه المسيب بن زهير الضبى وعزل يحيى الحريشى عن اصبهان وولى مكانه الحكم بن سعيد وعزل سعيد بن دعلج عن طبرستان وولى مكانه عمر بن العلاء ومهلهل ابن صفوان عن جرجان وولاها هشام بن سعيد وكان على الحجاز واليمامة جعفر ابن سليمان وعلى الكوفة اسحق بن الصباح وعلى البحرين والبصرة وفارس والاهواز محمد بن سليمان فعزله سنة أربع وستين وولى مكانه صالح بن داود وكان على السند محمد بن الاشعث وفى سنة خمس وستين عزل خلف بن عبد الله عن الرى وولاها عيسى مولى جعفر وولى على البصره روح بن حاتم وعلى البحرين وعمان والاهواز وفارس وكرمان النعمان مولى المهدى وعزل محمد بن الفضل عن الموصل وولى مكانه أحمد بن اسمعيل وفى سنة ست وستين عزل عبيد الله بن الحسن العنبري عن قضاء البصرة واستقضى مكانه خالد بن طليق بن عمران بن حصين فاستعفي أهل البصرة منه وولى المهدى على قضائه أبا يوسف حين سار إلى جرجان واضطربت في هذه السنة خراسان على المسيب بن زهير فولاها أبا العباس الفضل بن سليمان الطوسى وأضاف إليه سجستان فولى هو على سجستان سعيد بن دعلج وولى على المدينة ابراهيم ابن عمه وعزل منصور بن يزيد عن اليمن وولى مكانه عبد الله بن سليمان الربعي وكان على مصر ابراهيم بن صالح وتوفى في هذه السنة عيسى بن موسى بالكوفة وهى سنة سبع وستين وعزل المهدى يحيى الحريشى عن طبرستان والرويان وما كان إليه وولاه عمر بن العلاء

[ 213 ]

وولى على جرجان فراشة مولاه وحج بالناس ابراهيم ابن عمه يحيى وهو على المدينة ومات بعد قضاء الحج فولى مكانه اسحق بن موسى بن على وعلى اليمن سليمان بن يزيد الحارثى وعلى اليمامة عبد الله بن مصعب الزبيري وعلى البصرة محمد بن سليمان وعلى قضائها عمر ابن عثمان التميمي وعلى الموصل أحمد بن اسمعيل الهاشمي وقتل موسى بن كعب ووقع الفساد في بادية البصرة من الاعراب بين اليمامة والبحرين وقطعوا الطرق وانتهكوا المحارم وتركوا الصلاة * (الصوائف) * وفى سنة تسع وخمسين أغزى المهدى عمه العباس بالصائفة وعلى مقدمته الحسن الوصيف فبلغوا أهرة وفتحوا مدينة أو هرة ورجعوا سالمين ولم يصب من المسلمين أحد وفى سنة احدى وستين غزا بالصائفة يمامة بن الوليد فنزل دابق وجاشت الروم مع ميخاييل في ثمانين ألفا ونزل عمق مرعش فقتل وسبى وغنم وحاصر مرعش وقتل من المسلمين عددا وانصرف إلى جيحان فكان عيسى بن على مرابطا بحصن مرعش فعظم ذلك على المهدى وتجهز لغزو الروم وخرجت الروم سنة اثنتين وستين إلى الحرث فهدموا أسوارها وغزا بالصائفة الحسن بن قحطبة في ثمانين ألفا من المرتزقة فبلغ جهة أدر ركبه وأكثر التحريق والتخريق ولم يفتح حصنا ولا لقى جمعا ورجع بالناس سالما وغزا يزيد بن أسيد السلمى من ناحية قاليقلا فعنم وسى وفتح ثلاثة حصون ثم غزا المهدى بنفسه سنة ثلاث وستين كما مر ثم غزا سنة أربع وستين عبد الكبير بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب من درب الحرت فخرج إليه ميخاييل وطارد الارمني البطريقان في تسعين ألفا فخام عن لقائهم ورجع بالناس فغضب عليه المهدى وهم بقتله فشفع فيه وحبسه وفى سنة خمس وستين بعث المهدى ابنه هرون بالصائفة وبعث معه الربيع فتوغل في بلاد الروم ولقيه عسكر نقيطا من القواميس فبارزه يزيد ابن مزيد فهزمهم وغلب على عسكرهم ولحقوا بالدمشق صاحب المسالح فحمل لهم مائتي ألف دينار واثنتين وعشرين ألف درهم وسار الرشيد بعساكره وكانت نحوا من مائة ألف فبلغ خليج قسطنطينية وعلى الروم يومئذ غسطة امرأة اليوك كافلة لابنها منه صغيرا فجرى الصلح على الفدية وأن تقيم له الادلاء والاسواق في الطريق لان مدخله كان ضيقا مخوفا فأجابت لذلك وكان مقدار الفدية سبعين ألف دينار كل سنة ومدة الصلح ثلاث سنين وكان ما سباه المسلمون قبل الصلح خمسة آلاف رأس وستمائة رأس وقتل من الروم في وقائع هذه الغزوات أربعة وخمسون ألفا ومن الاسرى ألفان ثم نقض الروم هذا الصلح سنة ثمان وستين ولم يستكملوا مدته بقى منها

[ 214 ]

أربعة أشهر وكان على الجزيرة وقنسرين على بن سليمان فبعث يزيد بن البدر بن البطال في عسكر فغنموا وسبوا وظفروا ورجعوا * (وفاة المهدى وبيعة الهادى) * وفى سنة تسع وستين اعتزم المهدى على خلع ابنه موسى الهادى من العهد والبيعة للرشيد به وتقديمه على الهادى وكان بجرجان فبعث إليه بذلك فاستقدمه فضرب الرسول وامتنع فسار إليه المهدى فلما بلغ ماسيدان توفى هنالك يقال مسموما من بعض جواريه ويقال سمت احداهما الاخرى في كثرى فغلط وأكلها ويقال حاز صيدا فدخل وراءه إلى خربة فدق الباب ظهره وكان موته في المحرم وصلى عليه ابنه الرشيد وبويع ابنه موسى الهادى لما بلغه موت أبيه وهو مقيم بجرجان يحارب أهل طبرستان وكان الرشيد لما توفى المهدى والعسكر بما سيدان نادى في الناس بالعطاء تسكينا وقسم فيهم مائتين مائتين فلما استوفوها تنادوا بالرجوع إلى بغداد وتشايعوا إليها واستيقنوا موت المهدى فأتوا باب الربيع وأحرقوه وطالبوا بالارزاق ونقبوا السجون وقدم الرشيد بغداد في اثرهم فبعثت الخيزران إلى الربيع فامتنع يحيى خوفا من غيرة الهادى وأمرت الربيع بتسكين الجند فسكنوا وكتب الهادى إلى الربيع يتهدده فاستشار يحيى في أمره وكان يثق بوده فأشار عليه بأن يبعث ابنه الفضل يعتذر عنه وتصحبه الهدايا والتحف ففعل ورضى الهادى عنه وأخذت البيعة ببغداد للهادي وكتب الرشيد بذلك إلى الآفاق وبعث إلى الهادى بجرجان فركب اليزيد إلى بغداد فقدمها في عشرين يوما فاستوزر الربيع وهلك لمدة قليلة من وزارته واشتد الهادى في طلب الزنادقة وقتلهم وكان منهم على بن يعطى ويعقوب بن الفضل من ولد ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب كان قد أقر بالزندقة عند المهدى الا أنه كان مقسما أن لا يقتل هاشميا فحبسه وأوصى الهادى بقتله وبقتل ولد عمهم داود بن على فقتلهما * (وأما عماله) فكان على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ابن الخطاب وعلى مكة والطائف عبد الله بن قشم وعلى اليمن ابراهيم بن مسلم بن قتيبة وعلى اليمامة والبحرين سويد القائد الخراساني وعلى عمان الحسن بن سليم الحوارى وعلى الكوفة موسى بن عيسى بن موسى وعلى البصرة ابن سليمان وعلى جرجان الحجاج مولى الهادى وعلى قومس زياد بن حسان وعلى طبرستان والرويان صالح بن عميرة مولى وعلى الموصل هاشم بن سعيد بن خالد وعزله الهادى لسوء سيرته وولى مكانه عبد الملك وصالح بن على (وأما الصائفة) فغزا بها في هذه السنة وهى سنة تسع وستين معيوب ابن يحيى وقد كان الروم خرجوا مع بطريق لهم إلى الحرث فهرب الوالى ودخلها الروم

[ 215 ]

وعاتوا فيها فدخل معيوب وراءهم من درب الراهب وبلغ مدينة استة وغنم وسبى وعاد * (ظهور الحسين المقتول بفتح) * رهو الحسين بن على بن حسن المثلث بن حسن المثنى بن الحسن السبط كان الهادى قد استعمل على المدينة عمر بن عبد العزيز كما مر فأخذ يوما الحسن بن المهدى بن محمد ابن عبد الله بن الحسين الملقب أبا الزفت ومسلم بن جندب الهذلى الشاعر وعمر بن سلام مولى العمريبن على شراب لهم فضربهم وطيف بهم بالمدينة بالحبال في أعناقهم وجاء الحسين إليه فشفع فيهم وقال ليس عليهم حد فان أهل العراق لا يرون به بأسا وليس من الحد أن نطيفهم فحبسهم ثم جاء ثانية ومعه من عمومته يحيى بن عبد الله بن الحسن صاحب الديلم بعد ذلك فكفلاه وأطلقه من الحبس وما زال آل أبى طالب يكفل بعضهم بعضا ويعرضون فغاب الحسن عن العرض يومين فطلب به الحسين بن على ويحيى بن عبد الله كافليه وأغلظ لهما فحلف يحيى انه يأتي به من ليلته أو يدق عليه الباب يؤذنه به وكان بين الطالبيين ميعاد للخروج في الموسم فأعجلهم ذلك عنه وخرجوا من ليلتهم وضرب يحيى على العمرى في باب داره بالسيف واقتحموا المسجد فصلوا الصبح وبايع الناس الحسين المرتضى من آل محمد على كتاب الله وسنة رسوله وجاء خالد اليزيدى في مائتين من الجند والعمرى وابن اسحق الازرق ومحمد بن واقد في ناس كثيرين فقاتلوهم وهزموهم من المسجد واجتمع يحيى وادريس بن عبد الله بن حسن فقتلاه وانهزم الباقون وافترق الناس وأغلق أهل المدينة أبوابهم وانتهب القوم من بيت المال بضعة عشر ألف دينار وقيل سبعين ألفا واجتمعت شيعة بنى العباس من الغد وقاتلوهم إلى الظهر وفشت الجراحات وافترقوا ثم قدم مبارك التركي من الغد حاجا فقاتل مع العباسية إلى منتصف النهار وافترقوا وواعدهم مبارك الرواح إلى القتال واستغفلهم وركب رواحله راجعا واقتتل الناس المغرب ثم افترقوا ويقال ان مباركا دس إلى الحسين بذلك تجافيا عن أذية أهل البيت وطلب أن يأخذ له عذرا في ذلك بالبيات فبيته الحسين واستطرد له راجعا وأقام الحسين وأصحابه بالمدينة احدا وعشرين يوما آخر ذى القعدة ولما بلغها نادى في الناس بعتق من أتى إليه من العبيد فاجتمع إليه جماعة وكان قد حج تلك السنة رحال من بنى العباس منهم سليمان ابن المنصور ومحمد بن سليمان بن على والعباس بن محمد بن على وموسى واسمعيل أبناء عيسى بن موسى ولما بلغ خبر الحسين إلى الهادى كتب إلى محمد بن سليمان وولاه على حربه وكان معه رجال وسلاح وقد أغذبهم عن البصرة خوف الطريق فاجتمعوا بذى طوى وقدموا مكة فحلوا من العمرة التى كانوا أحرموا بها وانضم إليهم من حج

[ 216 ]

من شيعتهم ومواليهم وقوادهم واقتتلوا يوم التروية فانهزم الحسين وأصحابه وقتل كنير منهم وانصرف محمد بن سليمان وأصحابه إلى مكة ولحقهم بذى طوى رجل من خراسان برأس الحسين ينادى من خلفهم بالبشارة حتى ألقى الرأس بين أيديهم مضروبا على قفاه وجبهته وجمعت رؤس القتلى فكانت مائة ونيفا فيها رأس سليمان أخى المهدى ابن عبد الله واختلط المنهزمون بالحاج وجاء الحسن بن المهدى أبو الزفت فوقف خلف محمد بن سليمان والعباس بن محمد فأخذه موسى بن عيسى وقتله وغضب محمد بن سليمان من ذلك وغضب الهادى لغضبه وقبض أمواله وغضب على مبارك التركي وجعله سائس الدواب فبقى كذلك حتى مات الهادى وأفلت من المنهزمين ادريس بن عبد الله أخو المهدى فأتى مصر وعلى يريدها وأصبح مولى صالح بن المنصور وكان يتشيع لآل على فحمله على البريد إلى المغرب ووقع بمدينة وليلة من أعمال طنجة واجتمع البريد على دعوته وقتل الهادى وأصحابه بذلك وصلبه وكان لادريس وابنه ادريس وأعقابهم حروب نذكرها بعده * (حديث الهادى في خلع الرشيد) * كان الهادى يبغض الرشيد بما كان المهدى أبو هما يؤثره وكان رأى في منامه انه دفع اليهما قضيبين فأورق قضيب الهادى من أعلاه وأورق قضيب الرشيد كله وتأول ذلك بقصر مدة الهادى وطول مدة الرشيد وحسنها فلما ولى الهادى أجمع خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر مكانه وفاوض في ذلك قواده فأجابه يزيد بن مزيد وعلى بن عيسى وعبد الله بن مالك وحرضوا الشيعة على الرشيد لينقصوه ويقولوا لا نرضى به ونهى الهادى أن يشاور بين يديه بالحرب فاجتنبه الناس وكان يحيى بن خالد يتولى أموره فاتهمه الهادى بمداخلته وبعث إليه وتهدده فحضر عنده مستميتا وقال يا أمير المؤمنين أنت أمرتنى بخدمته من بعد المهدى فسكن غضبه وقال له في أمر الخلع فقال يا أمير المؤمنين أنت ان حملت الناس على نكث الايمان فيه هانت عليهم فيمن توليه وان بايعت بعده كان ذلك أوثق للبيعة فصدقه وسكت عنه وعاد أولئك الذين جفلوه من القواد والشيعة فأغروه بيحيى وانه الذى منع الرشيد من خلع نفسه فحبسه الهادى فطلب الحضور للنصيحة وقال له يا أمير المؤمنين أتظن الناس يسلمون الخلافة لجعفر وهو صبى ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم وتأمن أن يسمو إليها عند ذلك أكابر أهل بيتك فتخرج من ولد أبيك والله لو لم يعقده المهدى لكان ينبغى أن تعقده أنت له حذرا من ذلك وانى أرى أن تعقده لاخيك فإذا بلغ ابنك أتيتك بأخيك فخلع نفسه وبايع له فقبل الهادى قوله وأطلقه ولم يقنع القواد ذلك لانهم كانوا حذرين

[ 217 ]

من الرشيد في ذلك وضيق عليه واستأذنه في الصيد فمضى إلى قصر مقاتل ونكره الهادى وأظهر خفاءه وبسط الموالى والقواد فيه ألسنتهم * (وفاة الهادى وبيعة الرشيد) * ثم خرج الهادى إلى حديقة الموصل فمرض واشتد مرضه هنالك واستقدم العمال شرقا وغربا ولما ثقل تآمر القواد الذين بايعوا جعفرا في قتل يحيى بن خالد ثم أمسكوا خوفا من الهادى ثم توفى الهادى في شهر ربيع الاول سنة سبعين ومائة وقيل توفى بعد أن عاد من حديقة الموصل ويقال ان أمه الخيزران وصت بعض الجوارى عليه فقتلته لانها كانت أول خلافته تستبد عليه بالامور فعكف الناس واختلفت المواكب ووجد الهادى لذلك فكلمته يوما في حاجة فلم يجبها فقالت قد ضمنتها لعبد الله بن مالك فغضب الهادى وشتمه وحلف لا قضيتها فقامت مغضبة فقال مكانك والا انتفيت من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن بلغني أن أحدا من قوادى وخاصتي وقف ببابك لاضربن عنقه ولاقبضن ماله ما للمواكب تغدو وتروح عليك أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك اياك اياك لا تفتحي بابك لمسلم ولا ذمى فانصرفت وهى لا تعقل ثم قال لاصحابه أيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه ويقال فعلت أم فلان وصنعت فقالوا لا نحب ذلك قال فما بالكم تأتون أمي فتتحدثون معها فيقال انه لما جد في خلع الرشيد خافت عليه منه فلما ثقل مرضه وصت بعض الجوارى فجلست على وجهه فمات وصلى عليه الرشيد وجاء هرثمة بن أعين إلى الرشيد فأخرجه وأجلسه للخلافة وأحضر يحيى فاستوزره وكتب إلى الاطراف بالبيعة وقيل ان يحيى هو الذى جاءه وأخرجه فصلى على الهادى ودفنه إلى يحيى وأعطاه خاتمه وكان يحيى يصدر عن رأى الخيزران أم الرشيد وعزل لاول خلافته عمر بن عبد العزيز العمرى عن المدينة وولى مكانه اسحق بن سليمان وتوفى يزيد بن حاتم عامل افريقية فولى مكانه روح بن حاتم ثم توفى فولى مكانه ابنه الفضل ثم قتل فولى هرثمة بن أعين كما يذكر في أخبار افريقية وأفرد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين وجعلها عمالة واحدة وسماها العواصم وأمره بعمارة طرسوس ونزلها الناس وحج لاول خلافته وقسم في الحرمين مالا كثيرا وأغزى بالصائفة سليمان بن عبد الله البكائى وكان على مكة والصائف عبد الله ابن قثم وعلى الكوفة عيسى بن موسى وعلى البحرين والبصرة واليمامة وعمان والاهواز وفارس محمد بن سليمان بن على وعلى خراسان أبو الفضل العباس بن سليمان الطوسى ثم عزله وولى مكانه جعفر بن محمد بن الاشعث فسار إلى خراسان وبعث ابنه العباس إلى كابل فافتتحها وافتتح سابهار وغنم ما كان فيها ثم استقدمه الرشيد فعزله وولى مكانه

[ 218 ]

ابنه العباس وكان على الموصل عبد الملك بن صالح فعزله وولى مكانه اسحق بن محمد بن فروح فبعث إليه الرشيد أبا حنيفة حرب بن قيس فأحضره إلى بغداد وقتله وولى مكانه وكان على ارمينية يزيد بن مزيد بن زائدة ابن أخى معن فعزله وولى مكانه أخاه عبد الله بن المهدى وولى سنة احدى وسبعين على صدقات بنى ثعلب روح بن صالح الهمداني فوقع بينه وبين ثعلب خلاف وجمع لهم الجموع فبيتوه وقتلوه في جماعة من أصحابه وتوفى سنة ثلاث وسبعين محمد بن سليمان والى البصرة وكان أخوه جعفر كثير السعاية فيه عند الرشيد وانه يحدث نفسه بالخلافة وان أمواله كلها فئ من أموال المسلمين فاستصفاها الرشيد وبعث من قبضها وكان لا يعبر عنها من المال والمتاع والدواب وأحضروا من العين فيها ستين ألف ألف دينار ولم يكن الا أخوه جعفر فاحتج عليه الرشيد باقراره انها فئ وتوفى سنة أربع وسبعين والى الرشيد اسحق بن سليمان على السند ومكران واستقضى يوسف بن أبى يوسف في حياة أبيه وفى سنة خمس وسبعين عقد لابنه محمد بن زبيدة ولاية العهد ولقبه الامين وأخذ له البيعة وعمره خمس سنين بسعاية خاله عيسى بن جعفر بن المنصور ووساطة الفضل بن يحيى وفيها عزل الرشيد العباس بن جعفر عن خراسان وولاها خاله الغطريف بن عطاء الكندى * (خبر يحيى بن عبد الله في الديلم) * وفى سنة خمس وسبعين خرج يحيى بن عبد الله بن حسن أخو المهدى بالديلم واشتدت شوكته وكثر جمعه وأتاه الناس من الامصار فندب إليه الرشيد الفضل بن يحيى في خمسين ألفا وولاه جرجان وطبرستان والرى وما إليها ووصل معه الاموال فسار ونزل بالطالقان وكاتب يحيى وحذره وبسط أمله وكتب إلى صاحب الديلم في تسهيل أمر يحيى على أن يعطيه ألف ألف درهم فأجاب يحيى على الامان بخط الرشيد وشهادة الفقهاء والقضاة واجلة بنى هاشم ومشايخهم عن عبد الصمد منهم فكتب له الرشيد بذلك وبعثه مع الهدايا والتحف وقدم يحيى مع الفضل فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأفاض عليه العطاء وعظمت منزلة الفضل عنده ثم ان الرشيد حبس يحيى إلى أن هلك في حبسه * (ولاية جعفر بن يحيى مصر) * كان موسى بن موسى قد ولاه الرشيد مصر فبلغه أنه عازم على الخلع فرد أمرها إلى جعفر ابن يحيى وأمره باحضار عمر بن مهران وأن يوليه عليها وكان مشوه الخلق خامل البزة يردف غلامه خلفه فلما ذكرت له الولاية قال على شرطية أن يكون أمرى بيدى إذا صلحت البلاد انصرفت فأجابه إلى ذلك وسار إلى مصر وأتى مجلس موسى فجلس في أخريات الناس حتى إذا افترقوا رفع الكتاب إلى موسى فقراه وقال

[ 219 ]

متى يقدم أبو حفص فقال انا أبو حفص فقال موسى لعن الله فرعون حيث قال أليس لى ملك مصر ثم سلم له العمل فتقدم عمر إلى كاتبه أن لا يقبل من الهدية الا ما يدخل في الكيس فبعث الناس بهداياهم وكانوا يمطلون بالخراج فلما حضر النجم الاول والثانى وشكوا الضيق في الثالث احضر الهدايا وحسبها لاربابها واستوفى خراج مصر ورجع إلى بغداد * (الفتنة بدمشق) * وفى هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية ورأس المضرية أبو الهيدام عامر بن عمارة من ولد خارجة بن سنان بن أبى حارثة المرى وكان أصل الفتنة بين القيس وبين اليمانية أن اليمانية قتلوا منهم رجلا فاجتمعوا لثاره وكان على دمشق عبد الصمد بن على فجمع كبار العشائر ليصلحوا بينهم فأمهلتهم اليمانية وبيتوا المضرية فقتلوا منهم ثلثمائة أو ضعفها فاستجاشوا بقبائل قضاعة وسليم فلم ينجدوهم وأنجدتهم قيس وساروا معهم إلى البلقاء فقتلوا من اليمانية ثمانمائة وطال الحرب بينهم وعزل عبد الصمد عن دمشق وولى مكانه ابراهيم بن صالح بن على ثم اصطلحوا بعد سنين ووفد ابراهيم على الرشيد وكان هواه مع اليمانية فوقع في قيس عند الرشيد واعتذر عنهم عبد الواحد بن بشر واستخلف ابراهيم على دمشق ابنه اسحق فحبس جماعة من قيس وضربهم ثم وثبت غسان برجل من ولد قيس بن العبسى فقتلوه واستنجد أخوه بالدواقيل من حوران فأنجدوه وقتلوا من اليمانية نفرا ثم وثبت اليمانية بكليب بن عمر بن الجنيد بن عبد الرحمن وعنده ضيف له فقتلوهم فجاءت أم الغلام سابة إلى أبى الهيدام فقال انظرينى حتى ترفع دماؤنا إلى الامير فان نظر فيها والا فأمير المؤمنين ينظر فيها وبلغ ذلك اسحق وحضر عنده أبو الهيدام فلم يأذن له ثم قتل بعض الدواقيل رجلا من اليمانية وقتلت اليمانية رجلا من سليم ونهبوا جيران محارب وركب أبو الهيدام معهم إلى اسحق فوعده بالنظر لهم وبعث إلى اليمانية يغريهم به فاجتمعوا وأتوا إلى باب الجابية فخرج إليهم أبو الهيدام وهزمهم واستولى على دمشق وفتق السجون ثم اجتمعت اليمانية واستنجدوا كلبا وغيرهم فاستمدوهم واستجاش أبو الهيدام المضرية فجاؤه وهو يقاتل اليمانية عند باب توما فهزمهم أربع مرات ثم أمره اسحق بالكف وبعث إلى اليمانية يخبرهم بغرته وجاء الخبر وركب وقاتلهم فهزمهم ثم هزمهم أخرى على باب توما ثم جمعت اليمانية أهل الاردن والجولان من كلب وغيرهم فأرسل من يأتيه بالخبر فأبطؤا ودخل المدينة فأرسل اسحق من دلهم على مكمنه وأمرهم بالعبور إلى المدينة فبعث من أصحابه من يأتيهم من ورائهم فانهزموا ولما كان مستهل صفر جمع اسحق الجنود عند قصر الحجاج وجاء

[ 220 ]

أصحاب الهيدام من أراد نهب القرى التى لهم بنواحي دمشق ثم سألوا الامان من أبى الهيدام فأمنهم وسكن الناس وفرق أبو الهيدام أصحابه وبقى في نفر يسير من أهل دمشق فطمع فيه اسحق وسلط عليه العذافر السكسكى مع الجنود فقاتلهم فانهزم العذافر وبقى الجند يحاربونه ثلاثا ثم ان اسحق قاتله في الثالثة والجند في اثنى عشر ألفا ومعهم اليمانية فخرج أبو الهيدام من المدينة وقاتلهم على باب الجابية حتى أزالهم عنه ثم أغار جمع من أهل حمص على قرية لابي الهيدام فقاتلهم أصحابه وهزموهم وقتلوا منهم خلقا وأحرقوا قرى وديار الليمانية في الغوطة ثم توادعوا سبعين يوما أو نحوها وقدم السندي في الجنود من قبل الرشيد وأغزته اليمانية بأبى الهيدام فبعث هو إليه بالطاعة فأقبل السندي إلى دمشق واسحق بدار الحجاج وبعث قائده في ثلاثة آلاف وأخرج إليهم أبو الهيدام ألفا وأحجم القائد عنهم ورجع إلى السندي فصالح أبا الهيدام وأمن أهل دمشق وسار أبو الهيدام إلى حوران وأقام السندي بدمشق ثلاثا وقدم موسى بن عيسى واليا عليها فبعث الجند يأتونه بأبى الهيدام فكبسوا داره وقاتلهم هو وابنه وعبد ه فانهزموا وجاء أصحابه من كل جهة وقصد بصرى ثم بعث إليه موسى فسار إليه في رمضان سنة سبع وسبعين وقيل ان سبب الفتنة بدمشق أن عامل الرشيد بسجستان قتل أخا الهيدام فخرج هو بالشأم وجمع الجموع ثم بعث الرشيد أخا له ليأتيه به فتحيل حتى قبض عليه وشده وثاقا وأتى به إلى الرشيد فمن عليه وأطلقه وبعث جعفر بن يحيى سنة ثمانين إلى الشأم من أجل هذه الفتن والعصبية فسكن الثائرة وأمن البلاد وعاد * (فتنة الموصل ومصر) * وفي سنة سبع وثمانين تغلب العطاف بن سفيان الازدي على خراسان وأهل الموصل على العامل بها محمد بن العباس الهاشمي وقيل عبد الملك بن صالح فاجتمع عليه أربعة آلاف رجل وجبى الخراج وبقى العامل معه مغلبا إلى أن سار الرشيد إلى الموصل وهدم سورها ولحق العطاف بأرمينية ثم بالرقم فاتخذها وطنا وفى سنة ثمان وسبعين ثارت الحوفية بمصر وهم من قيس وقضاعة على عاملها اسحق بن سليمان وقاتلوه وكتب الرشيد إلى هرثمة بن أعين وكان بفلسطين فسار إليهم وأذعنوا بالطاعة وولى على مصر ثم عزله لشهر وولى عبد الملك بن صالح كان على خراسان أيام المهدى والهادي أبو الفضل العباس بن سليمان الطوسى فعزله الرشيد وولى على خراسان جعفر بن محمد بن الاشعث الخزاعى فأبوه من النقباء من أهل مصر ومقدم ابنه العباس سنة ثلاث وسبعين ثم قدم فغزا طخارستان وبعث ابنه العباس إلى كابل في الجنود وافتتح سابهار ورجع إلى مرو ثم سار إلى العراق سنة ثلاث في رمضان وكان الامين في حجره قبل أن يجعله في حجر

[ 221 ]

الفضل بن يحيى ثم ولى الرشيد ابنه العباس بن جعفر ثم عزله عنها فولى خالدا الغطريف بن عطاء الكندى سنة خمس وسبعين على خراسان وسجستان وجرجان فقدم خليفة داود ابن يزيد وبعث عامل سجستان وخرج في أيامه حصين الخارجي من موالى قيس بن ثعلبة من أهل أوق وبعث عامل سجستان عثمان بن عمارة الجيوش إليه فهزمهم حصين وقتل منهم وسار إلى باذغيس وبوشنج وهراة فبعث إليه الغطريف اثنى عشر ألفا من الجند فهزمهم حصين وقتل منهم خلقا ولم يزل في نواحى خراسان إلى أن قتل سنة سبع وسبعين وسار الفضل إلى خراسان سنة ثمان وسبعين وغزا ما وراء النهر سنة ثمانين ثم ولى الرشيد على خراسان على بن عيسى بن ماهان وقدم إليه يحيى فأقام بها عشرين سنة وخرج عليه في ولايته حمزة بن أترك وقصد بوشنج وكان على هراة عمرويه ابن يزيد الازدي فنهض إليه في ستة آلاف فارس فهزمهم حمزه وقتل جماعة منهم ومات عمرويه في الزحام فبعث على بن عيسى ابنه الحسن في عشرة آلاف ففض حربه فعزله وبعث ابنه الآخر عيسى فهزمه حمزة فأمده بالعساكر ورده فهزم حمزة وقتل أصحابه ونجا إلى قهستان في أربعين وأثخن عيسى في الخوارج بارق وجوين وفيمن كان يعينهم من أهل القرى حتى قتل ثلاثين ألفا وخلف عبد الله بن العباس النسيقى بزرنج فجبى الاموال وسار بها ومعه الصفة ولقيه حمزة فهزموه وقتلوا عامة أصحابه وسار حمزة في القرى فقتل وسبى وكان على قد استعمل طاهر بن الحسين على بوشنج فخرج إلى حمزة وقصد قرية ففر الخوارج وهم الذين يرون التحكم ولا يقاتلون والمحكمة هم الذين يقاتلون وشعارهم لا حكم الا لله فكتب العقد إلى حمزة بالكف وواعدهم ثم انتقض وعاث في البلاد وكانت بينه وبين أصحاب على حروب كثيرة ثم ولى الرشيد سنة اثنتين وثمانين ابنه عبد الله العهد بعد الامين ولقبه المأمون وولاه على خراسان وما يتصل بها إلى همذان واستقدم عيسى بن على من خراسان وردها إليه من قبل المأمون وخرج عليه بنسا أبو الخصيب وهب بن عبد الله النسائي وعاث في نواحى خراسان ثم طلبه الامان فأمنه ثم بلغه أن حمزة الخارجي عاث بنواحي باذغيس فقصده وقتل من أصحابه نحوا من عشرة آلاف وبلغ كل من وراء غزنة ثم غدر أبو الخصيب ثانية وغلب أبيورد ونسا وطوس ونيسابور وحاصر مرو وانهزم عنها وعاد إلى سرخس ثم نهض إليه ابن ماهان سنة ست وثمانين فقتله في نسا وسبى أهله ثم نمى إلى الرشيد سنة تسع وثمانين أن على بن عيسى مجمع على الخلاف وانه قد أساء السيرة في خراسان وعنفهم وكتب إليه كبراء أهلها يشكون بذلك فسار الرشيد إلى الرى فأهدى له الهدايا الكثيرة والاموال ولجميع من معه من أهل بيته وولده وكتابه وقواده وتبين للرشيد من مناصحته خلاف

[ 222 ]

ما أنهى إليه فرده إلى خراسان وولى على الرى وطبرستان ودنباوند وقومس وهمذان وبعث على ابنه عيسى لحرب خاقان سنة ثمان وثمانين فهزمه وأسر اخوته وانتقض على ابن عيسى رافع بن الليث بن نصر بن سيار بسمرقند وطالت حروبه معه وهلك في بعضها ابنه عيسى ثم ان الرشيد نقم على على بن عيسى أمورا منها استخفافه بالناس واهانته أعيانهم ودخل عليه يوما الحسين بن مصعب والد طاهر فأغلظ له في القول وأفحش في السب والتهديد وفعل مثل ذلك بهشام بن فأما الحسين فلحق بالرشيد شاكيا ومستجيرا وأما هشام فلزم بيته وادعى أنه بعلة الفالج حتى عزل على وكان مما نقم عليه أيضا أنه لما قتل ابنه عيسى في حرب رافع بن الليث أخبر بعض جواريه انه دفن في بستانه ببلخ ثلاثين ألف دينار وتحدث الجوارى بذلك فشاع في الناس ودخلوا البستان ونهبوا المال وكان يشكو إلى الرشيد بقلة المال ويزعم أنه باع حلى نسائه فلما سمع الرشيد هذا المال استدعى هرثمة بن أعين وقال له وليتك خراسان وكتب له بخطه وقال له اكتم أمرك وامض كانك مدد وبعث معه رجاء الخادم فسار إلى نيسابور وولى أصحابه فيها ثم سار إلى مرو ولقيه على بن عيسى فقبض عليه وعلى أهله وأتباعه وأخذ أمواله فبلغت ثمانين ألف ألف وبعث إلى الرشيد من المتاع وقر خمسمائة بعير وبعث إليه بعلى بن عيسى على بعير من غير غطاء ولا وطاء وخرج هرثمة إلى ما وراء النهر وحاصر رافع بن الليث بسمرقند إلى أن استامن فأمنه وأقام هرثمة بسمرقند وكان قدم مرو سنة ثلاث وتسعين * (ابداع كتاب العهد) * وفى سنة ست وثمانين حج الرشيد وسار من الانبار ومعه أولاده الثلاثة محمد الامين وعبد الله المأمون والقاسم وكان قد ولى الامين العهد وولاه العراق والشأم إلى آخر الغرب وولى المأمون العهد بعده وضم إليه من همذان إلى آخر المشرق وبايع لابنه القاسم من بعد المأمون ولقبه المؤتمن وجعل خلعه واثباته للمأمون وجعل في حجر عبد الملك صالح وضم إليه الجزيرة والثغور والعواصم ومر بالمدينة فأعطاه فيها ثلاثة أعطية عطاء منه ومن الامين ومن المأمون فبلغ ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار ثم سار إلى مكة فأعطى مثلها وأحضر الفقهاء والقضاة والقواد وكتب كتابا أشهد فيه على الامين بالوفاء للمأمون وآخر على المأمون بالوفاء للامين وعلق الكتابين في الكعبة وجدد عليها العهود هنالك ولما شخص إلى طبرستان سنة تسع وثمانين وأقام بها أشهد من حضره أن جميع ما في عسكره من الاموال والخزائن والسلاح والكراع للمأمون وجدد له البيعة عليهم وأرسل إلى بغداد فجدد له البيعة على الامين

[ 223 ]

* (أخبار البرامكة ونكبتهم) * قد تقدم لنا أن خالد بن برمك كان من كبار الشيعة وكان له قدم راسخ في الدولة وكان يلى الولايات العظام وولاه المنصور على الموصل وعلى أذربيجان وولى ابنه يحيى على أرمينية ووكله المهدى بكفالة الرشيد فأحسن تربيته ودفع عنه أخاه الهادى أراده على الخلع وتولية العهد ابنه وحبسه الهادى لذلك فلما ولى الرشيد استوزر يحيى وفوض إليه أمور ملكه وكان أولا يصدر عن رأى الخيزران أم الرشيد ثم استبد بالدولة ولما ماتت وكان بيتهم مشهورا بالرجال من العمومة والقرابة وكان بنوه جعفر والفضل ومحمد قد شابهوا آباءهم في عمل الدولة واستولوا على حظ من تقريب السلطان واستخلاصه وكان الفضل أخاه من الرضاع أرضعت أمه الرشيد وأرضعته الخيزران وكان يخاطب يحيى يا أبت واستوزر الفضل وجعفرا وولى جعفرا على مصر وعلى خراسان وبعثه إلى الشام عند ما وقعت الفتنة بين المضرية واليمانية فسكن الامور ورجع وولى الفضل أيضا على مصر وعلى خراسان وبعثه لاستنزال يحيى بن عبد الله العلوى من الديلم ودفع المأمون لما ولاه العهد إلى كفالة جعفر بن يحيى فحسنت آثارهم في ذلك كله ثم عظم سلطانهم واستيلاؤهم على الدولة وكثرت السعاية فيهم وعظم حقد الرشيد على جعفر منهم يقال بسبب انه دفع إليه يحيى بن عبد الله لما استنزله أخوه الفضل من الديلم وجعل حبسه عنده فأطلقه استبدادا على السلطان ودالة وأنهى الفضل بن الربيع ذلك إلى الرشيد فسأله فصدقه الخبر فأظهر له التصويب وحقدها عليه وكثرت السعاية فيهم فتنكر لهم الرشيد ودخل عليه يوما يحيى بن خالد بغير اذن فنكر ذلك منه وخاطب به طبيبه جبريل بن بختيشوع منصرفا به من مواجهته وكان حاضرا فقال يحيى هو عادتي يا أمير المؤمنين واذ قد نكرت منى فسأكون في الطبقة التى تجعلني فيها فاستحيى هرون وقال ما أردت ما يكره وكان الغلمان يقومون بباب الرشيد ليحيى إذا دخل فتقدم لهم مسرور الخادم بالنهي عن ذلك فصاروا يعرضون عنه إذا أقبل وأقاموا على ذلك زمانا فلما حج الرشيد سنة سبعة وثمانين ورجع من حجه ونزل الانبار أرسل مسرورا الخادم في جماعة من الجند ليلا فأحضر جعفرا بباب الفسطاط وأعلم الرشيد فقال ائتنى برأسه فطفق جعفر بتذلل ويسأله المراجعة في أمره حتى قذفه الرشيد بعصى كانت في يده وتهدده فخرج وأتاه برأسه وحبس الفضل من ليلته وبعث من احتاط على منازل يحيى وولده وجميع موجودهم وحبسه في منزله وكتب من ليلته إلى سائر النواحى بقبض أموالهم ورقيقهم وبعث من الغد بشلو جعفر وأمر أن يقسم قطعتين وبنصبان على الجسر وأعفى محمد بن خالد من النكبة ولم يضيق على يحيى ولابنيه الفضل

[ 224 ]

ومحمد وموسى ثم تجردت عنه التهمة بعبد الملك بن صالح بن على وكانوا أصدقاء له فسعى فيه ابنه عبد الرحمن بأنه يطلب الخلافة فحبسه عنه الفضل بن الربيع ثم أحضره من الغداة وقرعه ووبخه فأنكر وحلف واعترف لحقوق الرشيد وسلفه عليه فأحضر كاتبه شاهدا عليه فكذبه عبد الملك فأحضر ابنه عبد الرحمن فقال هو مأمور معذور أو عاق فاجر فنهض الرشيد من مجلسه وهو يقول سأصبر حتى أعلم ما يرضى الله فيك فانه الحكم بينى وبينك فقال عبد الملك رضيت بالله حكما وبأمير المؤمنين حاكما فانه لا يؤثر هواه على رضا ربه ثم أحضره الرشيد يوما آخر فأرعد له وأبرق وجعل عبد الملك يعدد وسائله ومقاماته في طاعته ومناصحته فقال له الرشيد لو لا ابقائى على بنى هاشم لقتلتك ورده إلى محبسه وكلمه عبد الله بن مالك فيه وشهد له بنصحه فقال أطلقه إذا قال أما في هذا القرب فلا ولكن سهل حبسه ففعل وأجرى عليه مؤنه حتى مات الرشيد وأطلقه الامين وعظم حقده على البرامكة بسبب ذلك فضيق عليهم وبعث إلى يحيى يلومه فيما ستر عنه من أمر عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين كيف يطلعني عبد الملك على ذلك وأنا كنت صاحب الدولة وهل إذا فعلت ذلك يجازيني بأكثر من فعلك أعيذك بالله ان تظن هذا الظن الا أنه كان رجلا متجملا يسرنى أن يكون في بيتك مثله فوليته ولا خصصته فعاد إليه الرسول يقول ان لم تقر قتلت الفضل ابنك فقال أنت مسلط علينا فافعل ما أردت وجذب الرسول الفضل وأخرجه فودع أباه وسأله في الرضا عنه فقال رضى الله عنك وفرق بينهما ثلاثة أيام ولم يجد عندهما شيأ فجمعهما واحتفظ ابراهيم بن عثمان بن نهيك لقتل جعفر فكان يبكيه ويبكى قومه حزنا عليهم ثم انتهى به إلى طلب الثار بهم فكان يشرب النبيذ مع جواريه ويأخذ سيفه وينادى واجعفراه واسيداه والله لاثأرن بك ولاقتلن قاتلك فجاء ابنه وحفص كان مولاه إلى الرشيد فأطلعاه على أمره فأحضر ابراهيم وأظهر له الندم على قتله جعفرا والاسف عليه فبكى ابراهيم وقال والله يا سيدى لقد أخطأت في قتله فانتهره الرشيد وأقامه ثم دخل عليه ابنه بعد ليال قلائل فقتله يقال بأمر الرشيد وكان يحيى بن خالد محبوسا بالكوفة ولم يزل بها كذلك إلى أن مات سنة تسعين ومائة ومات بعده ابنه الفضل سنة ثلاث وتسعين وكانت البرامكة من محاسن العالم ودولتهم من أعظم الدول وهم كانوا نكتة محاسن الملة وعنوان دولتها * (الصوائف وفتوحاتها) * كان الرشيد على ما نقله الطبري وغيره يغزو عاما ويحج عاما ويصلى كل يوم مائة ركعة ويتصدق بألف درهم وإذا حج حمل معه مائة من الفقهاء ينفق عليهم وإذا لم يحج أنفق على ثلثمائة حاج نفقة شائعة وكان يتحذى بآثار المنصور الا في بذل المال فلم ير خليفة

[ 225 ]

قبله أبذل منه للمال وكان إذا لم يغز غزا بالصائفة كبار أهل بيته وقواده فغزا بالصائفة سنة سبعين سليمان بن عبد الله البكائى وقيل غزا بنفسه وغزا بالصائفة اثنتين وسبعين اسحق بن سليمان بن على فأثخن في بلاد الروم وغنم وسبى وغزا في سنة أربع وسبعين بالصائفة عبد الملك بن صالح وقيل أبوه عبد الملك فبلغ في نكاية الروم ما شاء وأصابهم برد شديد سقطت منه أيدى الجند ثم غزا بالصائفة سنة سبع وسبعين عبد الرزاق بن عبد الحميد الثعلبي وفى سنة ثمان وسبعين زفر بن عاصم وغزا سنة احدى وثمانين بنفسه فافتتح حصن الصفصاف وأغزى عبد الملك بن صالح فبلغ أنقرة وافتتح مطمورة وكان الفداء بين المسلمين والروم وهو أول فداء في دولة بنى العباس وتولاه القاسم بن الرشيد وأخرج له من طرسوس الخادم الوالى عليها وهو أبو سليمان فرج فنزل المدامس على اثنى عشر فرسخا وحضر العلماء والاعيان وخلق من أهل الثغور وثلاثون ألفا من الجند المرتزقة فحضروا هنالك وجاء الروم بالاسرى ففودى بهم من كان لهم من الاسرى وكان أسرى المسلمين ثلاثة آلاف وسبعمائة وغزا بالصائفة سنة ثنتين وثمانين عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح دقشوسوس مدينة أصحاب الكهف وبلغهم أن الروم سلوا ملكهم قسطنطين بن اليون وملكوا أمه ربى وتلقب عطشة نأثخنوا في البلاد ورجعوا وفى سنة ثلاث وثمانين حملت ابنة خاقان ملك الخزر إلى الفضل ابن يحيى فماتت ببردعة ورجع من كان معها فأخبروا أباها انها قتلت غيلة فتجهز إلى بلاد الاسلام وخرج من باب الابواب وسبى أكثر من مائة ألف فارس وفعلوا ما لم يسمع بمثله فولى الرشيد يزيد بن مزيد أمر أرمينية مضافة إلى أذربيجان وأمره بالنهوض إليهم وأنزل خزيمة بن خازم بنصيبين ردأ لهم وقيل ان سبب خروجهم ان سعيد بن مسلم قتل الهجيم السلمى فدخل ابنه إلى الخزر مستجيشا بهم على سعيد ودخلوا أرمينية وهرب سعيد والخزر ورجعوا وفى سنة سبع وثمانين غزا بالصائفة القاسم بن الرشيد وجعله قربانا لله وولاه العواصم فأناخ على قرة وضيق عليها وبعث عليها ابن جعفر بن الاشعث فحاصر حصن سنان حتى جهد أهله وفادى الروم بثلثمائة وعشرين أسيرا من المسلمين على أن يرحل عنهم فأجابهم وتم بينهم الصلح ورحل عنهم وكان ملك الروم يومئذ ابن زينى وقد تقدم ذكره فخلعه الروم وملكوا يقفور وكان على ديوان خراجهم ومات زينى بعد خمسة أشهر ولما ملك يقفور كتب إلى الرشيد بما استفزه فسار إلى بلاد الروم غازيا ونزل هرقل وأثخن في بلادهم حتى سأل يقفور الصلح ثم نقض العهد وكان البرد شديد الكلب وظن يقفور ان ذلك يمنعه من الرجوع فلم يمنعه ورجع حتى أثخن في بلاده ثم خرج من أرضهم وغزا بالصائفة سنة ثمان

[ 226 ]

وثمانين ابراهيم بن جبريل ودخل من درب الصفصاف فخرج إليه يقفور ملك الروم وانهزم وقتل من عسكره نحوا من أربعين ألفا وفى هذه السنة رابط القاسم بن الرشيد ابق وفى سنة تسع وثمانين كتب الرشيد وهو بالرى كتب الامان لشروين ابى قارن وندا هرمز جد مازيار مرزبان خستان صاحب الديلم وبعث بالكتب مع حسين الخادم إلى طبرستان فقدم خستان ووندا هرمز فأكرمهما الرشيد وأحسن اليهما وضمن وندا هرمز وشروين صاحبي طبرستان وذكرا كيف توجه الهادى لهما وحاصرهما وفى سنة ست وثمانين كان فداء بين المسلمين حتى لم يبق بأرض الروم مسلم الا فودى وفى سنة تسعين سار الرشيد إلى بلاد الروم بسبب ما قدمناه من غدر يقفور في مائة وخمسة وثلاثين ألفا من المرتزقة سوى الاتباع والمتطوعة ومن ليس له ذكر في الديوان واستخلف المأمون بالرقة وفوض إليه الامور وكتب إلى الآفاق بذلك فنزل على هرقل فحاصرها ثلاثين يوما وافتتحها وسبى أهلها وغنم ما فيها وبعث داود بن عيسى بن موسى في سبعين أنفا غازيا في أرضهم ففتح الله عليه وخرب ونهب ما شاء وفتح شراحيل بن معن ابن زائدة حصن الصقالبة وديسة وافتتح يزيد بن مخلد حصن الصفصاف وقونية وأناخ عبد الله بن مالك على حصن ذى الكلاع واستعمل الرشيد حميد بن معيوب على الاساطيل ممن بسواحل الشأم ومصر إلى قبرس فهزم وخرق وسبى من أهلها نحوا من سبعة عشر ألفا وجاء بهم إلى الواقعة فبايعوا بها وبلغ فداء أسقف قبرس ألفى دينار ثم سار الرشيد إلى حلوانة فنزل بها وحاصرها ثم رحل عنها وخلف عليها عقبة بن جعفر وبعث يقفور بالخراج والجزية عن رأسه أربعة دنانير وعن ابنه دينارين وعن بطارقته كذلك وبعث يقفور في جارية من بنى هرقلة وكان خطبها ابنه فبعث بها إليه ونقض في هذه السنة قبرس فغزاهم معيوب بن يحيى فأثخن فيهم وسباهم ولما رجع الرشيد من غزاته خرجت الروم إلى عيز زربة والكنيسة السوداء وأغاروا ورجعوا فاستنقذ أهل المصيصة ما حملوه من الغنائم وفيها غزا يزيد بن مخلد الهبيرى أرض الروم في عشرة آلاف فأخذت الروم عليه المضايق فانهزم وقتل في خمسين من أصحابه على مرحلتين من طرسوس واستعمل الرشيد على الصائفة هرثمة بن أعين قبل أن يوليه خراسان وضم إليه ثلاثين ألفا من أهل خراسان وأخرجه إلى الصائفة وسار بالعساكر الاسلامية في اثره ورتب بدرب الحرث عبد الله بن مالك و بمرعش سعيد ابن مسلم بن قتيبة وأغارت الروم عليه أصابوا من المسلمين وانصرفوا ولم يتحرك من مكانه وبعث الرشيد محمد بن زيد بن مزيد إلى طرسوس وأقام هو بدرب الحرث وأمر قواده بهدم الكنائس في جميع الثغور وأخذ أهل الذمة بمخالفة زى المسلمين في ملبوسهم

[ 227 ]

وأمر هرثمة ببناء هرطوس وتولى ذلك فخرج الخادم بأمر الرشيد وبعث إليها جندا من خراسان ثلاثة أيام وأشخص إليهم ألفا من أهل المصيصة وألفا من انطاكية فتم بناؤها سنة ثنتين وتسعين وفى هذه السنة تحركت الحرمية بناحية أذربيجان فبعث إليهم عبد الله بن مالك في عشرة آلاف فقتل وسبى وأسر بقرمامين فأمره بقتل الاسرى وبيع السبى وفيها استعمل الرشيد على الثغور ثابت بن مالك الخزاعى فافتتح مطمورة وكان الفداء على يديه بالبرذون ثم كان الفداء الثاني وكان عدة أسرى المسلمين فيه ألفين وخمسمائة * (الولاية على النواحى) * كان على افريقية مزيد بن حاتم كما قدمناه ومات سنة احدى وسبعين بعد أن استخلف ابنه داود فبعث الرشيد على افريقية أخاه روح بن حاتم فاستقدمه من فلسطين وبعثه إلى افريقية وعزل أبا هريرة محمد بن فروج عن الجزيرة وقتله وولى مكانه وفى سنة ست وسبعين ولى الرشيد على الموصل الحكم بن سليمان وقد كان خرج الفضل الخارجي بنواحي نصيبين وغنم وسار إلى داريا وآمد وارزق وخلاط فقفل لذلك ورجع إلى نصيبين فأتى الموصل وخرج إليه الفضل في عساكرها فهزمهم على الزاب ثم عادوا لقتاله فقتل الفضل وأصحا وفى سنة ست وسبعين مات روح بن حاتم بافريقية واستخلف حبيب بن نصر المهلبى فسار الفضل إلى الرشيد فولاه على افريقية وعاد إليها فاضطرب عليه الخراسانية من جند افريقية ولم يرضوه فولى مكانه هرثمة بن أعين وبعث في العساكر فسكن الاضطراب ورأى ما بافريقية من الاختلاف فاستعفي الرشيد من ولايتها فأعفاه وقدم إلى العراق بعد سنتين ونصف من مغيبه وفى هذه ولى الفضل بن يحيى على مصر مكان أخيه جعفر مضافا إلى ما بيده من الرى وسجستان وغيرهما ثم عزله عن مصر وولى عليها اسحق بن سليمان فثارت به الجوقية من مصر وهم جموع من قيس وقضاعة فأمده بهرثمة بن أعين فأذعنوا وولاه عليهم شهرا ثم عزله وولى عبد الملك بن صالح مكانه وفيها فوض أمر دولته إلى يحيى بن خالد وفى سنة ثمانين بعث جعفر بن يحيى إلى الشأم في القواد والعساكر ومعه السلاح والاموال والعصبية التى كانت بها فسكنت الفتنة ورجع فولاه خراسان وسجستان فاستعمل عليها عيسى بن جعفر وولى جعفر بن يحيى المريس وقدم هرثمة بن أعين من افريقية فاستخلفه جعفر على الحرد وعزل الفضل بن يحيى عن طبرستان والرويان وولاها عبد الله بن حازم وولى على الجزيرة سعيد بن مسلم وولى على الموصل يحيى بن سعد الحريشى فأساء السيرة وطالبهم بخراج سنن ماضية فانجلا أكثر أهل البلد وعزله لرشيد وولى عليها وفى سنة

[ 228 ]

احدى وثمانين ولى على افريقة محمد بن مقاتل بن حكيم العكى وكان أبوه من قواد الشيعة ومحمد رضيع الرشيد وتلاده فلما استعفى هرثمة ولاه مكانه واضطربت عليه افريقية وكان ابراهيم بن الاغلب بها واليا على الزاب وكان جند افريقية يرجعون إليه فأعانه وحمل الناس على طاعته بعد أن أخرجوه فكرهوا ولاية محمد بن مقاتل وحملوا ابراهيم بن الاغلب على أن كتب إلى الرشيد يطلب ولاية افريقية على أن يترك المائة ألف دينار التى كانت تحمل من مصر معونة إلى والى افريقية ويحمل هو كل سنة أربعين ألف دينار فاستشار الرشيد بطانته فأشار هرثمة بابراهيم بن الاغلب وولاه الرشيد في محرم سنة أربعة وثمانين فضبط الامور وقبض على المؤمنين وبعث بهم إلى الرشيد فسكنت البلاد وابتنى مدينة بقرب القيروان سماها العباسية وانتقل إليها بأهله وخاصته وحشمه وصار ملك افريقية في عقبه كما يذكر في أخبارها إلى أن غلبهم عليها الشيعة العبيديون وكان يزيد بن مزيد على أذربيجان فولاه الرشيد سنة ثمان وثمانين على أرمينية مضافة إليها وولى خزيمة بن خازم على نصيبين وولى الرشيد سنة أربع وثمانين على اليمن ومكة حمادا البربري وعلى السند داود بن يزيد بن حاتم وعلى الجبل يحيى الحريشى وعلى طبرستان مهروية الزاى وقتله أهل طبرستان سنة خمس وثمانين فولى مكانه عبد الله بن سعيد الحريشى وفيها توفى يزيد بن زائدة الشيطاني ببردعة وكان على أذربيجان وأرمينية فولى مكانه ابنه أسد بن يزيد بن حاتم وفى سنة تسع وثمانين سار الرشيد إلى الرى وولى على طبرستان والرى ودنباوند وقوس وهمذان عبد الملك بن مالك وفى سنة تسعين ولى على الموصل خالد بن يزيد بن حاتم وقد تقدم لنا ولاية هرثمة على سليمان ونكبة على بن عيسى في سنة احدى وتسعين ظفر حماد البربري بهيصيم اليماني وجاء به إلى الرشيد فقتله وولى في هذه السنة على الموصل محمد بن الفضل ابن سليمان وكان على مكة الفضل بن العباس أخى المنصور والسفاح * (خلع رافع بن الليث بما وراء النهر) * كان رافع بن نصر بن سيار من عظماء الجند فيما وراء النهر وكان يحيى بن الاشعث قد تزوج ببعض النساء المشهورات الجمال وتسرى عليها وأكثر ضرارها وتشوقت إلى التخلص منه فدس إليها رافع بن الليث بأن تحاول من يشهد عليها بالكفر لتخلص منه وتحل للازواج ثم ترجع وتتوب فكان وتزوجها وشكا يحيى بن الاشعث إلى الرشيد وأطلعه على جل الامر فكتب إلى على بن عيسى أن يفرق بينهما ويقيم الحد على رافع ويطوف به في سمرقند مقيدا على حمار ليكون عظة لغيره ففعل ذلك ولم يجده رافع وحبس بسمرقند فهرب من الحبس ولحق بعلى بن عيسى في بلخ فهم بضرب عنقه فشفع

[ 229 ]

فيه ابنه عيسى فأمره بالانصراف إلى سمرقند فرجع إليها ووثب بعاملها فقتله وملكها وذلك سنة تسعين فبعث على لحربه ابنه عيسى فلقيه رافع وهزمه وقتله فخرج على بن عيسى لقتله وسار من بلخ إلى مرو مخافة عليها من رافع بن الليث ثم كانت نكبة على بن عيسى وولاية هرثمة بن أعين على خراسان وكان مع رافع بن الليث جماعة من القواد ففارقوه إلى هرثمة منهم عجيف بن عنبسة وغيره وحاصر هرثمة رافع بن الليث في سمرقند وضايقه واستقدم طاهر بن الحسين من خراسان فحضر عنده وعاث حمزة الخارجي في نواحى خراسان لخلائها من الجند وحمل إليه عمال هراة وسجستان الاموال ثم خرج عبد الرحمن إلى نيسابور سنة أربع وتسعين وجمع نحوا من عشرين ألفا وسار إلى حمزة فهزمه وقتل من أصحابه خلقا وأتبعه إلى هراة حتى كتب المأمون إليه ورده عن ذلك وكانت سنة ثلاث وتسعين بين هرثمة وبين أصحاب رافع وقعة كان الظفر فيها لهرثمة وأسر بشرا أخا رافع وبعث به إلى الرشيد وافتتح بخارى وكان الرشيد قد سار من الرقة بعد مرجعه من الصائفة التى بنى فيها طرسوس على اعتزام خراسان لشأن رافع وكان قد أصابه المرض فاستخلف على الرقة ابنه القاسم وضم إليه خزيمة ابن خازم وجاء إلى بغداد ثم سار منها إلى خراسان في شعبان سنة ثنتين وتسعين واستخلف عليها ابنه الامين وأمر المأمون بالمقام معه فأشار عليه الفضل بن سهل بأن يطلب المسير مع الرشيد وحذره البقاء مع الامين فأسعفه الرشيد بذلك وسار معه * (وفاة الرشيد وبيعة الامين) * ولما سار الرشيد عن بغداد إلى خراسان بلغ جرجان في صفر سنة ثلاث وتسعين وقد اشتدت عليه فبعث ابنه المأمون إلى مرو ومعه جماعة من القواد عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وأسد بن خزيمة والعباس بن جعفر بن محمد بن الاشعث والسدى والحريشي ونعيم بن خازم ثم سار الرشيد إلى موسى واشتد به الوجع وضعف عن الحركة وثقل فأرجف الناس بموته وبلغه ذلك فأراد الركوب ليراه الناس فلم يطق النهوض فقال ردوني ووصل إليه وهو بطوس بشير أخو رافع أسيرا بعث به هرثمة بن أعين فأحضره وقال لو لم يبق من أجلى الا حركة شفتي بكلمة لقلت اقتلوه ثم أمر قصابا ففصل أعضاءه ثم أغمى عليه وافترق الناس ولما يئس من نفسه أمر بقبره فحفر في الدار التى كان فيها وأنزل فيه قوما قرؤا فيه القرآن حتى ختموه وهو في محفة على شفيره بنظر إليه وينادى واسوأتاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مات وصلى عليه ابنه صالح وحضر وفاته الفضل بن الربيع واسمعيل بن صبيح ومسرور وحسين ورشيد وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة أو تزيد وترك في بيت المال تسعمائة ألف ألف دينار

[ 230 ]

ولما مات الرشيد بويع الامين في العسكر صبيحة يومه والمأمون يومئذ بمرو وكتب حموية مولى المهدى صاحب البريد إلى نائبه ببغداد وهو سلام أبو مسلم يعلمه بوفاة الرشيد وهنأه بالخلافة فكان أول من فعل ذلك وكتب صالح إلى أخيه الامين مع رجاء الخادم بوفاة الرشيد وبعث معه بالخاتم والبردة والقضيب فانتقل الامين من قصره يالخلد إلى قصر الخلافة وصلى بالناس الجمعة وخطب ثم نعى الرشيد وعزى نفسه والناس وبايعته جملة أهله ووكل سليمان بن المنصور وهم عم أبيه وأمه بأخذ البيعة على الفواد وغيرهم ووكل السندي بأخذ البيعة على الناس سواهم وفرق في الجند ببغداد رزق سنين وقدمت أمه زبيدة من الرقة فلقيها الامين بالانبار في جمع من بغداد من الوجوه وكان معها خزائن الرشيد وكان قد كتب إلى معسكر الرشيد وهو حى مع بكر بن المعتمر لما اشتدت علة الرشيد والى المأمون بأخذ البيعة لهما وللمؤتمن أخيهما والى أخيه صالح بالقدوم بالعسكر والخزائن والاموال برأى الفضل والى الفضل بالاحتفاظ على ما معه من الحرم والاموال وأقر كل واحد على عمله كصاحب الشرطة والحرس والحجابة وكان الرشيد قد سمع بوصول بكر بالكتاب فدعاه ليستخرجها سنه فجحدها فضربه وحبسه ثم مات الرشيد وأحضره الفضل فدفعها إليه ولما قرؤا الكتاب تشاورا في اللحاق بالامين وارتحل الفضل بالناس لهواهم في وطنهم وتركوا عهود المأمون فجمع المأمون من كان عنده من قواد أبيه وهم عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وشبيب ابن حميد بن قحطبة والعلاء مولى الرشيد وكان على حجابته والعباس بن المسيب بن زهير وكان على شرطته وأيوب بن أبى سمير وهو على كتابته وعبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح وذو الرياستين الفضل بن سهل وهو أخصهم به وأحظاهم عنده فأشار بعضهم أن يركب في اثرهم ويردهم ومنعه الفضل من ذلك وقال أخشى عليك منهم ولكن تكتب وترسل رسولك إليهم تذكرهم البيعة والوفاء وتحذرهم الحنث فبعث سهل بن صاعد ونوفلا الخادم بكتابه إليهم بنيسابور فقرأ الفضل كتابه وقال أنا واحد من الجند وشد عبد الرحمن برجليه على سهل ليطعنه بالرمح وقال لو كان صاحبك حاضرا لوضعته فيه وسب المأمون وانصرفوا ورجع سهل ونوفل بالخبر إلى المأمون فقال له الفضل ابن سهل هؤلاء أعدا استرحت منهم وأنت بخراسان وقد خرج بها المقنع وبعده يوسف البر فتضعضعت لهما الدولة ببغداد وأنت رأيت عند خروج رافع بن الليث كيف كان الحال وأنت اليوم نازل في أخوالك وبيعتك في أعناقهم فاصبر وأنا أضمن لك الخلافة فقال المأمون قد فعلت وجعلت الامر اليك فقال ان عبد الله بن ما والقواد انفع لك منى لشهرتهم وقوتهم وأبا خادم لمن يقوم أمرك منهم حتى ترى رأيك

[ 231 ]

وجاءهم الفضل في منازلهم وعرض عليهم البيعة للمأمون فمنهم من امتنع ومنهم من طرده فرجع إلى المأمون وأخبره فقال قم أنت بالامر وأشار عليه الفضل أن يبعث على الفقهاء ويدعوهم إلى الحق والعمل به واحياء السنة ورد المظالم وبعقد على الصفوف ففعل جميع ذلك وأكرم القواد وكان يقول للتميمي نقمك مقام موسى ابن كعب وللربعي مكان أبى داود وخالد بن ابراهيم ولليماني مكان قحطبة ومالك بن الهيثم وكل هؤلاء نقباء الدولة ووضع عن خراسان ربع الخراج فاغتبط به أهلها وقالوا ابن أختنا وابن عم نبينا وأقام المأمون يتولى ما كان بيده من حراسان والرى وأهدى إلى الامين وكتب إليه وعظمه ثم ان الامين عزل لاول ولايته أخاه القاسم المؤتمن عن الجزيرة واستعمل عليها خزيمة بن خازم وأقر المؤتمن على قنسرين والعواصم وكان على مكة داود بن عيسى بن موسى بن محمد وعلى حمص اسحق بن سليمان فخالف عليه أهل حمص وانتقل عنهم إلى ملية فعزله الامين وولى مكانه عبد الله بن سعيد الحريشى فقتل عدة منهم وحبس عدة واضرم النار في نواحيها وسألوا الامان فأجابهم ثم انتقضوا فقتل عدة منهم ثم ولى عليهم ابراهيم بن العباس * (أخبار رافع وملوك الروم) * وفى سنة ثلاث وتسعين دخل هرثمة بن أعين سمرقند وملكها وقام بها ومعه طاهر ابن الحسين فاستجش رافع بالترك فأتوه وقوى بهم ثم انصرموا وضعف أمره وبلغه الحسن سيرة المأمون فطلب الامان وحضر عند المأمون فأكرمه ثم قدم هرثمة على المأمون فولاه الحرس وأنكر الامين ذلك كله وفى هذه السنة قتل يقفور ملك الروم في حرب برجان لسبع سنين من ملكه وملك بعده ابنه استبراق وكان جربأ فمات لشهرين وملك بعده صهره على أخته ميخاييل بن جرجيس ووثب عليه الروم سنة أربع وتسعين بعد ثنتين من ملكه فهرب وترهب وولوا بعده اليوق القائد * (الفتنة بين الامين والمأمون) * ولما قدم الفضل بن الربيع على الامين ونكث عهد المأمون خشى غائلته فأجمع قطع علائقه من الامور وأغزى الامين بخلعه والبيعة للعهد لابنه موسى وواقفه في ذلك على بن عيسى بن ماهان والسندى وغيرهما ممن يخشى المأمون وخلفهم خزيمة بن خازم وأخوه عبد الله وناشدوا الامين في الكف عن ذلك وأن لا يحمل الناس على نكت العهود فيطرقهم لنكث عهده ولج الامين في ذلك وبلغه ان المأمون عزل العياص ابن عبد الله بن مالك عن الرى وانه ولى هرثمة بن أعين على الحرس وان رافع بن الليث

[ 232 ]

استأمن له فآمنه وسار في جملته فكتب إلى العمال بالدعاء لموسى ابنه بعد الدعاء للمأمون والمؤتمن فبلغ ذلك المأمون فأسقط اسم الامين من الطرد وقطع البريد عنه وأرسل الامين إليه العباس بن موسى بن عيسى وخاله عيسى بن جعفر بن المنصور وصالحا صاحب الموصل ومحمد بن عيسى بن نهيك يطلب منه تقديم ابنه موسى عليه في العهد ويستقدمه فلما قدموا على المأمون استشار كبراء خراسان فقالوا انما بيعتنا لك على أن لا تخرج من خراسان فأحضر الوفد وأعلمهم بامتناعه مما جاؤا فيه واستعمل الفضل بن سهل العباس بن موسى ليكون عينا لهم عند الامين ففعل وكانت كتبه تأتيهم بالاخبار ولما رجع الوفد عاودوه بطلب بعض كور خراسان وأن يكون له بخراسان صاحب بريد يكاتبه فامتنع المأمون من ذلك وأوعد إلى قعوده بالرى ونواحيها يضبط الطرق وينقذها من غوائل الكتب والعيون وهو مع ذلك يتخوف عاقبة الخلاف وكان خاقان ملك التبت قد التوى عليه وجيفونة فارق الطاعة وملوك الترك منعوا الضريبة فخشى المأمون ذلك وحفظ عليه الامر بأن يولى خاقان وجيفونة بلادهما ويوادع ملك كابل ويترك الضريبة لملوك الترك الآخرين وقال له بعد ذلك ثم أضرب الحيل بالخيل والرجال بالرجال فان ظفرت والا لحقت بخاقان مستجيرا فقبل اشارته وفعلها وكتب إلى الامين يخادعه بأنه عامله على هذا الثغر الذى أمره الرشيد بلزومه وان مقامه به أشد غناء ويطلب اعفاءه من الشخوص إليه فعلم الامين أنه لا يتابعه على مراده فخلعه وبايع لولده في أوائل سنة خمس وتسعين وسماه الناطق بالحق وقطع ذكر المأمون والمؤتمن من المنابر وجعل ولده موسى في حجر على بن عيسى وعلى شرطته محمد بن عيسى بن نهيك وعلى حرسه أخوه عيسى وعلى رسائله صاحب القتلى وكان يدعى له على المنابر ولابنه الآخر عبد الله ولقبه القائم بالحق وأرسل إلى الكعبة من جاء بكتابي العهد للامين والمأمون اللذين وضعهما الرشيد هنالك وسارت الكتب من ذلك إلى المأمون ببغداد من عيونه بها فقال المأمون هذه أمور أخبر الرائى عنها وكفاني أنا أن أكون مع الحق وبعث الفضل بن سهل إلى جند الرى بالاقوات والاحسان وجمع إليهم من كان بأطرافهم ثم بعث على الرى طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق أسعد الخزاعى أبا العباس أميرا وضم إليه القواد والاجناد فنزلها ووضع المسالح والمراصد وبعث الامين عصمة بن حماد بن سالم إلى همذان في ألف رجل وأمره أن يقيم بهمذان ويبعث مقدمته إلى ساوة * (خروج ابن ماهان لحرب طاهر ومقتله) * ثم جهز الامين على بن عيسى بن ماهان إلى خراسان لحرب المأمون يقال دس بذلك

[ 233 ]

الفضل بن سهل العين له عند الفضل بن الربيع فأشار به عليهم لما في نفوس أهل خراسان من النفرة عن ابن ماهان فجدوا في حربه ويقال حرض أهل خراسان على الكتب إلى ابن ماهان ومخادعته ان جاء فأمره الامين بالمسير وأقطعه نهاوند وهمذان وقم واصبهان وسائر كور الجبل حربا وخراجا وحكمه في الخزائن وأعطاه الاموال وجهز معه خمسين ألف فارس وكتب إلى أبى دلف القاسم بن عيسى بن ادريس العجلى وهلال ابن عبد الله الحضرمي في الانضمام وركب إلى باب زبيدة ليودعها فأوصته بالمأمون بغاية ما يكون أن يوصى به وانه بمنزلة ابنها في الشفقة والموصلة وناولته قيدا من فضة وقالت له ان سار اليك فقيده به مع المبالغة في البر والادب معه ثم سار على بن عيسى من بغداد في شعبان وركب الامين يشيعه في القواد والجنود ولم ير عسكر مثل عسكره ولقى السفر بالسابلة فأخبروه ان طاهرا بالرى يعرض أصحابه وهو مستعد للقتال وكتب إلى ملوك الديلم وطبرستان يعدهم ويمنيهم وأهدى لهم والا سورة على أن يقطعوا الطرق عن خراسان فأجابوا ونزل أول بلاد الرى فأشار عليه أصحابه باذكاء العيون والطلائع والتحصن بالخندق فقال مثل طاهر لا يستعد له وهو اما أن يتحصن بالرى فتثبت إليه أهلها واما أن يفر إذا قربت منه خيلنا ولما كان من الرى على عشرة فراسخ استشار أصحاب طاهر في لقائه فمالوا إلى التحصن بالرى فقال أخاف أن يثبت بنا أهلها وخرج فعسكر على خمسة فراسخ منها في أقل من أربعة آلاف فارس وأشار عليه أحمد بن هشام كبير جند خراسان أن ينادى بخلع الامين وبيعة المأمون لئلا يخادعه على بن عيسى بطاعة الامين وانه عامله ففعل وقال على لاصحابه بادروهم فانهم قليل ولا يصبرون على حد السيوف وطعن الرماح وأحكم تعبية جنده وقدم بين يديه عشر رايات مع كل راية ألف رجل وبين كل رايتين غلوة سهم ليقاتلوا نوبا وعبى طاهر أصحابه كراديس وحرضهم وأوصاهم وهرب من أصحاب طاهر جماعة فجلدهم على وأهانهم فأقصر الباقون وجدوا في قتاله وأشار أحمد بن هشام على طاهر بأن يرفع كتاب البيعة على رمح ويذكر على بن عيسى بها نكثه ثم اشتد القتال وحملت ميمنة على فانهزمت ميسرة طاهر وكذلك ميسرته على ميمنة طاهر فأزالوها واعتمد طاهر القلب فهزموهم ورجعت المجنبتان منهزمة وانتهت الهزيمة إلى على وهو ينادى بأصحابه فرماه رجل من أصحاب طاهر بسهم فقتله وجاء برأسه إلى طاهر وحمل شلوه على خشبة وألقى في بئر بأمر طاهر واعتق طاهر جميع غلمانه شكر الله وتمت الهزيمة واتبعهم أصحاب طاهر فرسخين واقفوهم فيها اثنتى عشرة مرة يقتلونهم في كلها ويأسرونهم حتى جن الليل بينهم ورجع طاهر إلى الرى وكتب إلى الفضل كتابي إلى أمير

[ 234 ]

المؤمنين ورأس على بين يدى وخاتمه في اصبعي وجنده متصرفون تحت أمرى والسلام وورد الكتاب على البريد في ثلاثة أيام فدخل الفضل على المأمون وهنأه بالفتح ودخل الناس فسلموا عليه بالخلافة ووصل رأس على بعدها بيومين وطيف به في خراسان ووصل الخبر إلى الامين بمقتل على وهزيمة العسكر فأحضر الفضل ابن الربيع وكيل المأمون ببغداد وهو نوفل الخادم فقبض ما بيده من ضياعه وغلاته وخمسين ألف ألف درهم كان الرشيد وصاه بها وندم الامين على فعله وسعت الجند والقواد في طلب الارزاق فهم عبد الله بن حاتم بقتالهم فمنعه الامين وفرق فيهم أموالا * (مسير ابن جبلة إلى طاهر ومقتله) * ولما قتل على بن عيسى بعث الامين عبد الرحمن بن الانباري في عشرين ألف فارس إلى همذان وولاه عليها وعلى كل ما يفتحه من بلاد خراسان وأمده بالمال فسار إلى همذان وحصنها وجاءه طاهر فبرز إليه ولقيه فهزمه طاهر إلى البلد ثم خرج عبد الرحمن ثانية فانهزم إلى المدينة وحاصره طاهر حتى ضجر منه أهل المدينة وطلب الامان من طاهر وخرج من همذان وكان طاهر عند نزوله عليها قد خشى من صاحب قزوين أن يأتيه من ورائه فجهز العسكر على همذان وسار إلى قزوين في ألف فارس ففر عاملها وملكها ثم ملك همذان وسائر أعمال الجبل وأقام عبد الرحمن بن جبلة في أمانه ثم أصاب منه بعض الايام غرة فركب وهجم عليه في عسكر فقاتله طاهر أشد القتال حتى انهزم أصحابه وقتل ولحق فلهم بعبد الله وأحمد ابني الحريشى في عسكر عظيم بعثهما الامين مدد العبد الرحمن فانهزموا جميعا إلى بغداد وأقبل طاهر نحو البلاد وحده وأخذه إلى حلوان فخندق بها وجمع أصحابه * (بيعة المأمون) * وأمر المأمون عندها بأن يخطب له على المنابر ويخاطب يأمير المؤمنين وعقد للفضل ابن سهل على المشرق كله من جبل همذان إلى البيت طولا ومن بحر فارس إلى بحر الديلم وجرجان عرضا وحمل له عماله ثلاثة آلاف ألف درهم وعقد له لواء ذا شعبتين ولقبه ذا الرياستين يعنى الحرب والعلم وحمل اللواء على بن هشام وحمل العلم نعيم بن حازم وولى أخاه الحسن بن سهل ديوان الخراج * (ظهور السفياني) * هو على بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية ويلقب أبا العميطر لانه زعم أنها كنية الحردون فلقبوه بها وكانت أمه نفيسة بنت عبد الله بن العباس بن على بن أبى طالب

[ 235 ]

وكان يقول أنا ابن شيخي صفين يعنى عليا ومعاوية وكان من بقايا بنى أمية بالشأم وكان من أهل العلم والرواية فادعى لنفسه بالخلافة آخر سنة خمس وتسعين وأعانه الخطاب بن وجه العلس مولى بنى أمية كان متغلبا على صيدا فملك دمشق من يد سليمان ابن المنصور وكان أكثر أصحابه من كلب وكتب إلى محمد بن صالح بن بيهس يدعوه ويتهدده فأعرض عنه وقصد السفياني القيسية فاستجاشوا بمحمد بن صالح فجاءهم في ثلثمائة فارس من الصبات ومواليه وبعث السفياني يزيد بن هشام للقائهم في اثنى عشر ألفا فانهزم يزيد وقتل من أصحابه ألفان وأسر ثلاثة آلاف أطلقهم ابن بيهس وحلقهم ثم جمع جمعا مع ابنه القاسم وخرجوا إلى ابن بيهس فانهزموا وقتل القاسم وبعث برأسه إلى الامين ثم جمع جمعا آخر وخرجوا إلى ابن بيهس فانهزموا وقتل القاسم وبعث برأسه إلى الامين ثم جمع جمعا آخر وخرجوا مع مولاه المعتمر فانهزموا وقتل المعتمر فوهن أمر السفياني وطمعت فيه قيس ثم ان ابن بيهس مرض فجمع رؤساء بنى نمير وأوصاهم بيعة مسلمة بن يعقوب بن على بن محمد بن سعيد بن مسلمة بن عبد الملك بالخلافة وقال لهم تولوه وكيدوا به السفياني فانكم لا تتقون بأهل بيته وعاد ابن بيهس إلى حوران واجتمعت نمير على مسلمة فبايعوه فقتل منهم وجمع مواليه ودخل على السفياني فقيده وحبس رؤساء بنى أمية وأدنى القيسية وجعلهم بطانة وأفاق ابن بيهس من مرضه فجاء إلى دمشق وحاصرها وسلمها له القيسية في محرم سنة ثمان وتسعين وهرب مسلمة والسفياني إلى المرة وملك ابن بيهس دمشق إلى أن قدم عبد الله بن طاهر دمشق وسار إلى مصر ثم عاد إليها فاحتمل ابن بيهس معه إلى العراق ومات بها * (مسير الجيوش إلى طاهر ورجوعهما بلا قتال) * ولما قتل عبد الرحمن بن جبلة أرسل الفضل بن الربيع عن أسد بن يزيد بن مزيد ودعاه لحرب طاهر بعد أن ولى الامين الخلافة وشكر لاسد فضل الطاعة والنصيحة وشدة البأس ويمن التقية وطلب منه أرزاق الجند من المال لسنة وألف فرس تحمل من معه بعد ازاحته عللهم بالاموال وأن لا يطلب بحسبان ما يفتتح فقال قد أشططت ولابد من مناظرة أمير المؤمنين ثم ركب ودخل على الامين فأمر بحبسه وقيل انه طلب ولدى المأمون كانا عند أمهما ابنة الهادى ببغداد بحملهما معه فان أطاعه المأمون والا قتلهما فغضب الامين لذلك وحبسه واستدعى عبد الله بن حميد بن قحطبة فاشتط كذلك فاستدعى أحمد مزيد واعتذر له عن حبس أسد وبعثه لحرب طاهر وأمر الفضل بأن يجهز له عشرين ألف فارس وشفع في أسد ابن أخيه فأطلقه ثم سار وسار معه عبد الله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفا أخرى وانتهوا إلى حلوان وأقاموا وطاهر بموضعه ودس الجرجفين في عسكرهم بأن العطاء والمنع ببغداد

[ 236 ]

والجند يقبضون أرزاقهم حتى مشى الجند بعضهم إلى بعض واختلفوا واقتتلوا ورجعوا من غير لقاء وتقدم طاهر فنزل حلوان وجاءه هرثمة في جيش من عند المأمون ومعه كتاب بأن يسلم إلى هرثمة ما ملكه من المدن ويتقدم إلى الاهواز ففعل ذلك * (أمر عبد الملك بن صالح وموته) * قد تقدم لنا حبس عبد الملك بن صالح إلى أن مات الرشيد وأخرجه الامين ولما كان أمر طاهر جاء عبد الملك إلى الامين وأشار عليه بأن يقدم أهل الشأم لحربه فهم اجرأ من أهل العراق وأعظم نكاية في العدو وضمن طاعتهم بذلك فولاه الامين أهل الشأم والجزيرة وقر له بالمال والرجال واستحثه فسار إلى الرقة وكاتب أهل الشأم فتسالموا إليه فأكرمهم وخلع عليهم وكثرت جموعه ثم مرض واشتد مرضه ووقعت فتنة في عسكره بين الخراسانيين وأهل الشأم بسبب دابة أخذت لبعضهم في وقعة سليمان ابن أبى جعفر وعرفها عند بعض أهل الشأم فاقتتلوا وأرسل إليهم عبد الملك بالقتل فلم يقتلوا وكثر القتل وأظهر عبد الملك النصرة للشاميين وانتقض الحسين بن على للخراسانيين وتنادى الناس بالرجوع إلى بلادهم فمضى أهل حمص وقبائل كلب فانهزم أهل الشأم وأقام عبد الملك بن صالح بالرقة توفى بها * (خلع الامين واعادته) * ولما مات عبد الملك بن صالح نادى الحسين بن على في الجند بالرحيل إلى بغداد وقدمها فلقيه القواد ووجوه الناس ودخل منزله واستدعاه الامين من جوف الليل فامتنع وأصبح فوافى باب الجسر وأغراهم بخلع الامين وحذرهم من نكثه ثم أمرهم بعبور الجسر فعبروا ولقيه أصحاب الامين فانهزموا وذلك منتصف رجب سنة ست وأخذ البيعة للمأمون من الغد ووثب العباس بن عيسى بن موسى بالامين فأخرجه من قصر الخلد وحبسه بقصر المنصور ومعه أمه زبيدة فلما كان من الغد طلب الناس أرزاقهم من الحسين وماج بعضهم في بعض وقام محمد بن أبى خالد فنكر استبداد الحسين بخلع الامين وليس بذى منزلة ولا حسب ولا نسب ولا غنائم وقال أسد الحربى قد ذهب أقوام بخلع الامين فاذهبوا أنتم بفكه يا معشر الحربية فرجع الناس على أنفسهم باللائمة وقالوا ما قتل قوم خليفتهم الا سلط الله عليهم السيف ثم نهضوا إلى الحسين وتبعهم أهل الارض فقاتلوه قتالا شديدا وأسروه ودخل أسد الحربى إلى الامين وكسر قيوده وأجلسه على أريكته وأمرهم الامين بلبس السلاح فانتهبه الغوغاء وجئ بالحسين إليه أسرا فاعتذر إليه وأطلقهم وأمره بجمع الجند والمسير إلى طاهر وخلع عليه ما وراء

[ 237 ]

بابه ووقف الناس يهنؤنه بباب الجسر حتى إذا خف عنه الناس قطع الجسر وهرب وركب الجند في طلبه وأدركوه على فرسخ من بغداد وقتلوه وجاؤا برأسه إلى الامين واختفى الفضل بن الربيع عند ذلك فلم يوقف له على خبر * (استيلاء طاهر على البلاد) * ولما جاء كتاب المأمون بالمسير إلى الاهواز قدم إليها الحسين بن عمر الرستمى وسار في أثره وأتته عيونه بأن محمد بن يزيد بن حاتم قد توجه من قبل الامين في جند ليحمى الاهواز من أصحاب طاهر فبعث من أصحابه محمد بن طالوت ومحمد بن العلاء والعباس بن بخارا أخذاه مددا للرستمي ثم أمدهم بقريش بن شبل ثم سار بنفسه حتى كان قريبا منهم وأشرفوا على محمد بن يزيد بعسكر مكرم وقد أشار إليه أصحابه بالرجوع إلى الاهواز والتحصن بها حتى تأتيه قومه الازد من البصرة فرجع وأمر طاهر قريش بن شبل باتباعه قبل أن يتحصن بالاهواز فخرج لذلك وفاته محمد بن يزيد إلى الاهواز وجاء على أثره فاقتتلوا قتالا شديدا وفر أصحاب محمد واستمات هو ومواليه حتى قتلوا وملك طاهر الاهواز وولى على اليمامة والبحرين وعمان ثم سار إلى واسط وبها السندي بن يحيى الحريشى والهيثم بن شعبة خليفة خزيمة بن حازم فهربا عنها وملكها طاهر وبعث قائدا من قواده إلى الكوفة وبها العباس بن الهادى فخلع الامين وبايع للمأمون وكتب بذلك إلى طاهر وكذلك فعل المنصور بن المهدى بالبصرة والمطلب بن عبد الله ابن مالك بالموصل وأقرهم طاهر على أعمالهم وبعث الحرث بن هشام وداود بن موسى إلى قصر ابن هبيرة وأقام بجرجابا ولما بلغ الخبر بذلك إلى الامين بعث محمد بن سليمان القائد ومحمد بن حماد البربري إلى قصر ابن هبيرة فقاتلهم الحرث وداود قتالا شديدا وهزموهم إلى بغداد وبعث الامين أيضا الفضل بن موسى على الكوفة فبعث إليه طاهر بن العلاء في جيش فلقيه في طريقه فأراد مسالمته بطاعة المأمون كيادا ثم قاتله فانهزم إلى بغداد ثم سار طاهر إلى المدائن وعليها البرمكى والمدد متصل له كل يوم فقدم قريش بن شبل فلما أشرف عليهم وأخذ البرمكى في التعبية فكانت لا تتم له فأطلق سبيل الناس وركب بعضهم بعضا نحو بغداد وملك طاهر المدائن ونواحيها ثم نزل صرصر وعقد بها جسرا * (بيعة الحجاز للمأمون) * ولما أخذ الامين كتب العهد من مكة وأمر داود بن عيسى وكان على مكة والمدينة بخلع المأمون قام في الناس ونكر نقض العهد وذكرهم ما أخذ الرشيد عليهم من

[ 238 ]

الميثاق لابنيه في المسجد الحرام أن يكونوا على الظالم وأن محمدا بدأ بالظلم والنكث وخلع اخويه وبايع لطفل صغير رضيع وأخذ الكتابين من الكعبة فحرقهما ظلما ثم دعا إلى خلعه والبيعة للمأمون فأجابوه ونادى بذلك في شعاب مكة وخطبهم وكتب إلى ابنه سليمان بالمدينة بمثل ذلك ففعله وذلك في رجب سنة ست وتسعين وسار من مكة على البصرة وفارس وكرمان إلى المأمون وأخبره فسر بذلك وولاه مكانه وأضاف إليه ولاية عك وأعطاه خمسمائة ألف درهم وسير معه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى ابن موسى على الموسم ويزيد بن جرير بن مزيد بن خالد القسرى في جند كثيف عاملا على اليمن ومروا بطاهر وهو محاصر بغداد فأكرمهم وأقام يريد اليمن فبايعوه للمأمون وأطاعوه * (حصار بغداد واستيلاء طاهر عليها ومقتل الامين) * ولما اتصلت بالامين هذه الاحوال وقتل الحسين بن على بن عيسى شمر لحرب طاهر واستعد له وعقد في شعبان سنة ست وتسعين وأربعمائة شتى وأمر عليهم على بن محمد بن عيسى بن نهيك وأمرهم بالمسير إلى هرثمة فساروا إليه والتقوا بنواحي النهروان في رمضان فانهزموا وأسر قائدهم على بن محمد فبعث به هرثمة إلى المأمون وترك النهروان وأقام طاهر بصرصر والجيوش تتعاقب من قبل الامين فيهزمها ثم بذل الامين الاموال ليستفسد بها عساكرهم فسار إليه من عسكر طاهر نحو من خمسة آلاف ففرق فيهم الاموال وقود جماعة من الحربية ودس إلى رؤساء الجند في عسكر طاهر ورغبهم فشغبوا على طاهر وسار كثير منهم إلى الامين وانضموا إلى قواد الحربية وقواد بغداد وساروا إلى صرصر فعبى أصحابه كراديس وحرضهم ووعدهم ثم تقدم فقاتلهم مليا من النهار وانهزم أصحاب الامين وغنم أصحاب طاهر عسكرهم ولما وصلوا إلى الامين فرق فيهم الاموال وقود منهم جماعة ولم يعط المنهزمين شيأ ودس إليهم طاهر واستمالهم فشغبوا على الامين فأمر هؤلاء المحدثين بقتالهم وطاهر يراسلهم وقد أخذ رهائنهم على الطاعة وأعطاهم الاموال فسار فنزل باب الانبار بقواده وأصحابه واستأمن إليه كثير من جند الامين وثارت العامة وفتقت السجون ووثب الشطار على الاخيار ونزل زهير بن مسيب الضبى من ناحية ونصب المجانيق والعرادات وحفر الخنادق ونزل هرثمة بناحية أخرى وفعل مثل ذلك ونزل عبيد الله بن الوضاح بالشماسية ونزل طاهر بباب الانبار فضيق على الامين بمنزله ونفد ما كان بيد الامين من الاموال وأمر ببيع ما في الخزائن من الامتعة وضرب آنية الذهب والفضة ليفرقها في الجند وأحرق الحديثة فمات بها خلق واستأمن سعيد بن مالك بن قادم إلى

[ 239 ]

طاهر فولاه الاسواق وشاطئ دجلة وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان وكل ما غلب عليه من الدروب وأمده بالرجال والاموال ووكل الامين بقصر صالح وقصر سليمان ابن المنصور إلى دجلة بعض قواده فألح في احراق الدور والرمى بالمجانيق وفعل طاهر مثل ذلك وكثر الخراب ببغداد وصار طاهر يخندق على ما يمكنه من النواحى ويقاتل من لم يجبه وقبض ضياع من لم يخرج إليه من بنى هاشم والقواد وعجز الاجناد عن القتال وقام به الباعة والعيارون وكانوا ينهبون أموال الناس واستأمن إليه القائد الموكل بقصر صالح فأمنه وسلم إليه ما كان بيده من تلك الناحية في جمادى الاخيرة من سنة سبع واسستأمن إليه محمد بن عيسى صاحب الشرطة فوهن الامين واجتمع العيارون والباعة والاجناد وقاتلوا أصحاب طاهر في قصر صالح وقتلوا منهم خلقا وكاتب طاهر القواد بالامان وبيعة المأمون فأجابه بنو قحطبة كلهم ويحيى بن على ابن ماهان ومحمد بن أبى العباس الطائى وغيرهم وفشل الامين وفوض الامر إلى محمد ابن عيسى بن نهيك والى الحسن الهرش ومعهم الغوغاء يتولون أمر تلك الفتنة وأجفل الناس من بغداد وافترقوا في البلاد ولما وقع بطاهر في قصر صالح ما وقع بأصحابه شرع في هدم المباني وتخريبها ثم قطع الميرة عنهم وصرف السفن التى تحمل فيها إلى الفرات فغلت الاسعار وضاق الحصار واشتد كلب العيارين فهزموا عبيد الله ابن الوضاح وغلبوه على الشماسية وجاء هرثمة ليعينه فهزموه أيضا وأسروه ثم خلصه أصحابه وعقد طاهر جسرا فوق الشماسية وعبر إليهم وقاتلهم أشد قتال فردهم على أعقابهم وقاتل منهم بشرا كثيرا وعاد ابن الوضاح إلى مركزه وأحرق منازل الامين بالخيزرانية وكانت النفقة فيها بلغت عشرين ألف درهم وأيقن الامين بالهلاك وفر منه عبد الله بن حازم بن خزيمة إلى المدائن لانه اتهمه وحمل عليه السفلة والغوغاء ويقال بل كاتبه طاهر وقبض ضياعه فخرج عن الامين وقصد الهرش ومن معه جزيرة العباس من نواحى بغداد فقاتلهم بعض أصحاب طاهر وهزموهم وغرق منهم خلق كثير وضجر الامين وضعف أمره وسار المؤتمن بن الرشيد إلى المأمون فولاه جرجان وكاتب طاهر خزيمة بن حازم ومحمد بن على بن موسى بن ماهان وأدخلهما في خلع الامين فأجاباه ووثبا آخر محرم من سنة ثمان وتسعين فقطعا جسر دجلة وخلع الامين وبعث إلى هرثمة وكان بازائهما فسار اليهما من ناحيته ودخل عسكر المهدى وملكه وقدم طاهر من الغد إلى المدينة والكرخ فقاتلهم وهزمهم وملكها عنوة ونادى بالامان ووضع الجند بسوق الكرخ وقصر الوضاح وأحاط بمدينة المنصور وقصر زبيدة وقصر الخلد من باب الجسر إلى باب البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة

[ 240 ]

ونصب عليها المجانيق واعتصم الامين في أمه وولده بمدينة المنصور واشتد عليه الحصار وثبت معه حاتم بن الصقر والحريشي والافارقة وافترق عامة الجنود والخصيان والجوارى في الطرق وجاء محمد بن حاتم بن الصقر ومحمد بن ابراهيم بن الاغلب الافريقى إلى الامين وقالا له بقى من خيلك سبعة آلاف فرس نختار سبعة آلاف فنجعلهم عليها ونخرج على بعض الابواب ولا يشعر بنا أحد ونلحق بالجزيرة والشأم فيكون ملك جديد وربما مال اليك الناس ويحدث الله أمرا فاعتزم على ذلك وبلغ الخبر إلى طاهر فكتب إلى سليمان بن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسندى بن شاهك يتهددهم ان لم يصرفوه عن ذلك الرأى فدخلوا على الامين وحذروه من ابن الصقر وابن الاغلب أن يجعل نفسه في أيديهم فيتقربوا به إلى طاهر وأشاروا عليه بطلب الامان على يد هرثمة بن أعين والخروج إليه وخالفهم إليه ابن الصقر وابن الاغلب وقالوا له إذا ملت إلى الخوارج فطاهر خير لك من هرثمة فأبى وتطير من طاهر وأرسل إلى هرثمة يستأمنه فأجابه أنه يقاتل في أمانة المأمون فمن دونه وبلغ ذلك طاهرا فعظم عليه أن يكون الفتح لهرثمة واجتمع هو وقواده لهرثمة وقواده في منزل خزيمة بن حازم وحضر سليمان والسندى وابن نهيك وأخبروا طاهرا انه لا يخرج إليه أبدا وانه يخرج إلى هرثمة ويدفع اليك الخاتم والقضيب والبردة وهو الخلافة فرضى ثم جاءه الهرش وأسر إليه انهم يخادعونه وانهم يحملونها مع الامين إلى هرثمة فغضب وأعد رجالا حول قصور الامين وبعث إليه هرثمة لخمس يقين من محرم سنة ثمان وتسعين بأن يتربص ليلة لانه رأى أولئك الرجال بالشط فقال قد افترق عنى الناس ولا يمكننى المقام لئلا يدخل على طاهر فيقتلني ثم ودع ابنيه وبكى وخرج إلى الشط وركب حراقة هرثمة وجعل هرثمة يقبل يديه ورجليه وأمر بالحراقة أن تدفع وإذا بأصحاب طاهر في الزواريق فشدوا عليها ونقبوها ورموهم بالآجر والنشاب فلم يرجعوا ودخل الماء إلى الحراقة فغرقت قال أحمد بن سالم صاحب المظالم فسقط الامين وهرثمة وسقطنا فتعلق الملاح بشعر هرثمة وأخرجه وشق الامين ثيابه قال وخرجت إلى الشط فحملت إلى طاهر فسألني عن نفسي فانتسبت وعن الامين فقلت غرق فحملت إلى بيت وحبست فيه حتى أعطيتهم مالا فاديتهم به على نفسي فبعد ساعة من الليل فتحوا على الباب وادخلوا على الامين عريان في سراويل وعمامة وعلى كتفه خرقة فاسترجعت وبكيت ثم عرفني فقال ضمنى اليك فانى أجد وحشة شديدة فضممته وقلبه يخفق فقال يا أحمد ما فعل أخى فقلت حى قال قبح الله بريدهم كان يقول قد مات يريد بذلك العذر عن محاربته فقلت بل قبح الله وزراءك فقال تراهم يفون لى بالامان قلت نعم ان شاء الله ثم دخل محمد بن حميد

[ 241 ]

الطاهري فاستثبتنا حتى عرفه وانصرف ثم دخل علينا منتصف الليل قوم من العجم منتضين سيوفهم فدافع عن نفسه قليلا ثم ذبحوه ومضوا برأسه إلى طاهر ثم جاؤا من السحر فأخذوا جثته ونصب طاهر الرأس حتى رآه الناس ثم بعث به إلى المأمون مع ابن عمه محمد بن الحسن بن مصعب ومعه الخاتم والبردة والقضيب وكتب معه بالفتح فلما رآه المأمون سجد ولما قتل الامين نادى طاهر بالامان ودخل المدينة يوم الجمعة فصلى بالناس وخطب للمأمون وذم الامين ووكل بحفظ القصور الخلافية وأخرج زبيدة أم الامين وابنيه موسى وعبد الله إلى بلاد الزاب الاعلى ثم أمر بحمل الولدين إلى المأمون وندم الجند على قتله وطالبوا طاهرا بالاموال فارتاب بجند بغداد وبجنده أنهم تواطؤا عليه وثاروا به لخمس من قتل الامين فهرب إلى عقرقوبا ومعه جماعة من القواد ثم تعبي لقتالهم فجاؤا واعتذروا وأحالوا على السفهاء والاحداث فصفح عنهم وتوعدهم ان يعود والمثلها وأعطاهم أربعة أشهر واعتذر إليه مشيخة بغداد وحلفوا أنهم لم يدخلوا الجند في شئ من ذلك فقبل منهم ووضعت أهل الحرب أوزارها واستوسق الامر للمأمون في سائر الاعمال والممالك ثم خرج الحسن الهرش في جماعة من السفلة واتبعه كثير من بوادي الاعراب ودعا إلى الرضا من آل محمد وأتى النيل فجبى الاموال ونهب القرى وولى المأمون الحسن بن سهل أخا الفضل على ما افتتحه طاهر من كور الجبل والعراق وفارس والاهواز والحجاز واليمن فقدم سنة تسعة وتسعين وفرق العمال وولى طاهرا على الجزيرة والموصل والشأم والمغرب وأمره أن يسير إلى قتال نصر بن شبيب وأمر هرثمة بالمسير إلى خراسان وكان نصر بن شبيب من بنى عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر في كيسوم شمالى حلب وكان له ميل إلى الامين فلما قتل أظهر الوفاء له بالبيعة وغلب على ما جاوره من البلاد وملك سميساط واجتمع عليه خلق كثير من الاعراب وعبر إلى شرقي العراق وحصر حران وسأل منه شيعة الطالبيين أن يبايعوا لبعض آل على لما رأوه من بنى العباس ورجالهم وأهل دولتهم وقال والله لا أبايع أولاد السوداوات فيقول انه خلقني ورزقني قالوا فبعض بنى أمية قال قد أدبر أمرهم والمدبر لا يقبل ولو سلم على رجل مدبر لاعدانى بادباره وانما هواى في بنى العباس وانما حاربتهم لتقديمهم العجم على العرب ولما سار إليه طاهر نزل الرقة وأقام بها وكتب إليه يدعوه إلى الطاعة وترك الخلاف فلم يجبه وجاء الخبر إلى طاهر في الرقة بوفاة أبيه الحسين بن زريق بن مصعب بخراسان وأن المأمون حضر جنازته ونزل الفضل قبره وجاء كتاب المأمون يعزيه فيه وبعد قتل الامين كانت الوقعة بالموصل بين اليمانية والترارية وكان على بن الحسن الهمداني متغلبا على الموصل فعسف

[ 242 ]

بالترارية وسار عثمان بن نعيم البرجمى إلى ديار مصر وشكا إلى أحيائهم واستنفرهم فسار معه من مصر عشرون ألفا وأرسل إليهم على بن الحسن بالرجوع إلى ما يريدون فأبى عثمان فخرج على في أربعة آلاف فهزمهم وأثخن فيهم وعاد إلى البلد * (ظهور ابن طباطبا العلوى) * لما بعث المأمون الحسن بن سهل إلى العراق وولاه على ما كان افتتحه طاهر من البلاد والاعمال تحدث الناس أن الفضل بن سهل غلب على المأمون واستبد عليه وحجبه عن أهل بيته وقواده فغضب بنو هاشم ووجوه الناس واجترؤا على الحسن بن سهل وهاجت الفتنة وكان أبو السرايا السرى بن منصور ويذكر أنه من بنى شيبان من ولد هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود وقيل من بنى تميم بالجزيرة وطلب فعبر إلى شرقي الفرات وأقام هنالك يخيف السابلة ثم لحق بيزيد بن مزيد بارمينية في ثلاثين فارسا فقوده وقاتل معه الحرمية وأسر منهم وأخذ منهم علامه أبا الشوك ومات يزيد بن مزيد فكان مع ابنه اسد وعزل أسد فسار إلى أحمد بن مزيد ولما بعث الامين احمد بن مزيد لحرب هرثمة بعثه طليعة إلى عسكره فاستماله هرثمة فمال إليه ولحق به وقصد بنى شيبان مع الجزيرة واستخرج لهم الارزاق من هرثمة واجتمع إليه أزيد من ألفى فارس فلما قتل الامين تعصى هرثمة عن أرزاقهم فغضب واستأذن في الحج فأذن له وأعطاه عشرين ألف درهم ففرقها في أصحابه ومضى وأوصاهم باتباعه فاجتمع له منهم نحو مائتين وسار إلى عين النمر فأخذوا عاملها وقسموا ماله ولقوا عاملا آخر بمال موقور على ثلاثة أنفار فاقتسموه وأرسل هرثمة عسكرا خلفه فهزمهم ودخل البرية ولحق به من تخلف من أصحابه فكثر جمعه وسار نحو دقوقا وعليها أبو ضرغامة في سبعمائة فارس فخرج وقاتله فهزمه ورجع إلى القصر فحاصره أبو السرايا حتى نزل على الامان وأخذ أمواله وسار إلى الانبار وعليها ابراهيم الشروى مولى المنصور فقتله وأخذ ما فيها وعاد إليها عند ادراك الغلال فافتتحها ثم قصد الرقة ومر بطوق بن مالك الثعلبي فاستجاشه على قيس فأقام عنده أربعة أشهر يقاتل قيسا بعصبية ربيعة حتى انقادت قيس إلى طوق وسار أبو السرايا إلى الرقة فلقى محمد بن ابراهيم بن اسمعيل بن ابراهيم بن الحسن المثنى ابن الحسن السبط بن على وتلقب أبوه ابراهيم طباطبا فدعاه إلى الخروج وأنفذ إلى الكوفة فدخلاها وبايعهم أهلها على بيعة الرضا من آل محمد ونهب أبو السرايا قصر العباس بن موسى بن عيسى وأخذ مما فيه من الاموال والجواهر ما لا يحصى وذلك منتصف جمادى الاخيرة سنة تسعة وتسعين وقيل ان أبا السرايا مطله هرثمة بارزاق أصحابه فغضب ومضى إلى الكوفة فبايع ابن طباطبا ولما ملك الكوفة هرع إليه

[ 243 ]

الناس والاعراب من النواحى فبايعوه وكان عليها سليمان بن المنصور من قبل الحسن ابن سهل فبعث إليه زهير بن المسيب الضبى في عشرة آلاف وخرج إليه ابن طباطبا وأبو السرايا فهزموه واستباحوا عسكره وأصبح محمد بن طباطبا من الغد ميتا فنصب أبو السرايا مكانه غلاما من العلوية وهو محمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن على بن الحسين واستبد عليه ورجع زهير إلى قصر ابن هبيرة فأقام به وبعث الحسن بن سهل عبدوس ابن محمد بن خالد المرو زوذى في أربعة آلاف فلقيه أبو السرايا منتصف رجب وقتله ولم يفلت من أصحابه أحد كانوا بين قتيل وأسير وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة وبعث جيوشا إلى البصرة وواسط وولى على البصرة العباس بن محمد بن عيسى بن محمد الجعفري وعلى مكة الحسين الافطس بن الحسين بن على زين العابدين وجعل إليه الموسم وعلى اليمن ابراهيم بن موسى بن جعفر الصادق وعلى فارس اسمعيل بن موسى بن جعفر الصادق وعلى الاهواز زيد بن موسى الصادق فسار إلى البصرة وأخرج عنها العباس بن محمد بن داود بن الحسن المثنى إلى المدائن وأمره أن يأتي بغداد من الجانب الشرقي ففعل وكان بواسط عبد الله بن سعد الخرشى من قبل الحسن بن سهل ففر امامهم وبعث الحسن بن سهل إلى هرثمة يستدعيه لحرب ابى السرايا وكان قد سار إلى خراسان مغاضبا له فرجع بعد امتناع وسار إلى الكوفة في شعبان وبعث الحسن إلى المدائن وواسط على بن أبى سعيد وأبلغ الخبر أبا السرايا وهو بقصر ابن هبيرة فوجه جيشا إلى المدائن فملكوها في رمضان وتقدم فنزل نهر صرصر وعسكر هرثمة بازائه غدوة وسار على بن أبى سعيد في سؤال المدائن فحاصر بها أصحاب أبى السرايا ورجع هو من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة وهرثمة وأتباعه ثم حصره وقتل جماعة من أصحابه فانجاز إلى الكوفة ووثب الطالبيون على دور بنى العباس وشيعتهم فنهبوها وخربوها وأخرجوهم واستخرجوا ودائعهم عند الناس وكان على مكة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على فلما بلغه قدوم حسين الافطس جمع شيعة بنى العباس وكان مسرور الكبير قد حج في مائة فارس فتعبي للحرب ودعا داود إلى حربهم فقال لا أستحل ذلك في الحرم وخرج إلى العراق وتبعه مسرور وكان حسين الافطس بسرف يخاف دخول مكة فبلغه الخبر بنى العباس عنها فدخل في عشرة أنفس وطاف وسعى ووقف بعرفة ليلا وأتم الحج وأقام هرثمة بنواحي الكوفة يحاصرها واستدعى منصور بن المهدى وكاتب رؤساء الكوفة وسار على بن سعيد من المدائن إلى واسط فملكها ثم توجه إلى البصرة واشتد الحصار على أبى السرايا بالكوفة فهرب عنها في ثمانمائة فارس ومعه صاحبه الذى نصبه وهو محمد بن جعفر بن محمد ودخلها هرثمة

[ 244 ]

منتصف محرم فأقام بها يوما وولى عليها غسان صاحب الحرس بخراسان وعاد وقصد أبو السرايا القادسية وسار منها إلى السوس ولقى بخراسان مالا حمل من الاهواز فقسمه في أصحابه وكان على الاهواز الحسن بن على المأمونى فخرج إليه فقاتله فهزمه وافترق أصحابه وجاء إلى منزله برأس عين من جلولاء ومعه صاحبه محمد وغلامه أبو الشوك فظفر بهم حماد الكندغوش وجاء بهم إلى الحسن بن سهل في النهروان فقتل أبا السرايا وبعث برأسه إلى المأمون وبصاحبه محمد معه ونصب شلوه على جسر بغداد وسار على بن أبى سعيد إلى البصرة فملكها من يد زيد بن موسى بن جعفر الصادق وكان يسمى زيد النار لكثرة ما أحرق من دور العباسيين وشيعتهم فاستأمن إليه زيد فأمنه وأخذه وبعث الجيوش إلى مكة والمدينة واليمن لقتال من بها من العلويين وكان ابراهيم بن موسى بن جعفر بمكة فلما بلغه خبر أبى السرايا ومقتله ولى وسار إلى اليمن وبها اسحق بن موسى بن عيسى فهرب إلى مكة واستولى ابراهيم على اليمن وكان يسمى الجزار لكثرة قتله وفتكه ثم بعث رجلا من ولد عقيل بن أبى طالب إلى مكة ليحج بالناس وقد جاء لذلك أبو الحسن المعتصم في جماعة من القواد فيهم حدوية بن على بن عيسى بن ماهان واليا على اليمن من قبل الحسن بن سهل فخام العقيلى عن لقائهم واعترض قافلة الكسوة فأخذها ونهب أموال التجار ودخل الحجاج إلى مكة عراة فبعث الخلودى من القواد فصبحهم وهزمهم وأسر منهم وتفقد أموال التجار وكسوة الكعبة وطيبها وضرب الاسراء عشرة أسواط لكل واحد وأطلقهم وحج المعتصم بالناس * (بيعة محمد بن جعفر بمكة) * هو محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين ويلقب الديباجة وكان عالما زاهدا ويروى عن أبيه وكان الناس يكتبون عنه ولما ملك الحسين الافطس مكة كما ذكرناه عاث فيها ونزع كسوة الكعبة وكساها بأخرى من الغد أنفذها أبو السرايا من الكوفة وتتبع ودائع بنى العباس وجعلها ذريعة لاخذ أموال الناس فخرجوا من مكة وقلع أصحابه شبابيك الحرم وقلع ما على الاساطين من الذهب واستخرج ما كان في الكعبة من المال فقسمه في أصحابه وساء أثره في الناس فلما قتل أبو السرايا تنكروا له فخشى على نفسه فجاء إلى محمد بن جعفر ليبايع له بالخلافة فلم يزل به هو وابنه حسن واستعانا عليه بابنه على حتى بايعوه ودعوه بأمير المؤمنين واستبد عليه ابنه على وابن الافطس بأسوا مما كان قبل وأفحشوا في الزنا واللواط واغتصاب النساء والصبيان فاجتمع الناس على خلع محمد بن جعفر أو يرد إليهم ابن القاضى كان مغتصبا ببيت ابنه على فاستأمنهم حتى ركب إلى بيت ابنه وسلم إليهم الغلام وجاء اسحق بن موسى بن عيسى

[ 245 ]

من اليمن فاجتمع الناس وخندقوا مكة وقاتلهم اسحق وامتنعوا عليه فسار نحو العراق ولقى الجند الذين بعثهم هرثمة إلى مكة مع الجلودى ورجاء بن جميل وهو ابن عم الحسين بن سهل فرجع بهم وقاتل الطالبيين فهزمهم وافترقوا واستأمن إليه محمد بن جعفر فامنه وملك مكة وسار محمد بن جعفر إلى الجحفة ثم إلى بلاد جهينة فجمع وقاتل هرون بن المسيب والى المدينة فانهزم محمد وفقئت عينه وقتل خلق من أصحابه ورجع إلى موضعه ولما انقضى الموسم استأمن الجلودى ورجاء بن جميل فأمناه ودخل مكة وخطب واعتذر عما فعله بأنه بلغه موت المأمون ثم صح انه حى وخلع نفسه وسار إلى الحسن والى المأمون بمرو فلم يزل عنده إلى أن سار المأمون إلى العراق فمات بجرجان في طريقه * (مقتل هرثمة) * لما فرغ هرثمة من أبى السرايا رجع وكان الحسن بن سهل بالمدائن فلم يعرج عليه وسار على عقرقوبا إلى النهروان قاصدا خراسان ولقيته كتب المأمون متلاحقة أن يرجع إلى الشأم والحجاز فأبى الا لقاءه دالة عليه بما سبق له من نصحه له ولآبائه وكان قصد أن يطلع المأمون على حال الفضل بن سهل في طيه الاخبار عنه وما عند الناس من القلق بذلك وباستبداده عليه ومقامه بخراسان وعلم الفضل بذلك فأغرى به المأمون وألقى إليه أنه سلط أبا السرايا وهو من جنده وقد خالف كتبك وجاء معاندا سيئ القالة وان سومح في ذلك اجترأ غيره فسخطه المأمون وبقى في انتظاره ولما بلغ مرو قرع طبوله يسمعها لئلا يطوى خبره عن المأمون وسأل المأمون عنها فقيل هرثمة أقبل يرعد ويبرق فاستدعاه وقال هرثمة مالات العلويين وأبا السرايا ولو شئت اهلاكهم جميعا لفعلت فذهب يعتذر فلم يمهله وأمر فربس بطنه وشدخ أنفه وسحب إلى السجن ثم دس إليه من قتله * (انتقاض بغداد على الحسن بن سهل) * ولما بلغ خبر هرثمة إلى العراق كتب الحسن بن سهل إلى على بن هشام والى بغداد من قبله أن يتعلل على الجند الحربية والبغداديين في أرزاقهم لانه كان بلغه عنهم قبل مسير هرثمة انهم عازمون على خلعه وطرد عماله وولوا عليهم اسحق بن الهادى خليفة المأمون فلم يزل الحسين يتلطف إليهم ويكاتبهم حتى اختلفوا فأنزل على بن هشام ومحمد ابن أبى خالد في أحد جانبيها وزهير بن المسيب في الجانب الآخر وقاتلوا الحربية ثلاثة أيام ثم صالحهم على العطاء وشرع فيه وكان زيد بن موسى بن جعفر قد أخذه على بن أبى سعيد من البصرة وحبسه كما ذكرناه قبل فهرب من محبسه وخرج بناحية الانبار ومعه أخ لابي السرايا ثم تلاشى أمره وأخذو إلى على بن هشام ثم جاء خبر هرثمة وقد

[ 246 ]

انتقض محمد بن أبى خالد على على بن هشام بما كان يستحق به وغضب يوما مع زهير بن المسبب فقنعه بالسوط فسار إلى الحربية ونصب لهم الحرب وانهزم على بن هشام إلى صرصر وقيل ان ابن هشام أقام الحد على عبد الله بن على بن عيسى فغضب الحربية وأخرجوه واتصل ذلك بالحسن بن سهل وهو بالمدائن كما قلناه فانهزم إلى واسط أول سنة احدى ومائتين والفضل بن الربيع وقد ظهر من اختفائه من لدن الامين وجاء عيسى ابن محمد بن أبى خالد من الرقة من عند طاهر فاجتمع هو وأبوه على قتال الحسن وهزموا كل من تعرض للقائهم من أصحابه وكان زهير بن المسيب عاملا للحسن على جوخى من السواد وكان يكاتب بغداد فركب إليه محمد بن أبى خالد وأخذه أسيرا وانتهب ماله وحبسه ببغداد عند ابنه جعفر ثم تقدم إلى واسط وبعثه ابنه هرون إلى النيل فهزم نائب الحسن بها إلى الكوفة فلحق بواسط ورجع هرون إلى أبيه وتقدم نحو واسط فسار الحسن عنها واقام الفضل بن الربيع مختفيا بها واستأمن لمحمد وبعثه إلى بغداد وسار إلى الحسن على البقية ولقيتهم عساكر الحسن وقواده وانهزم محمد وأصحابه وتبعهم الحسن إلى تمام الصلح ثم لحقوا بجرجابا ووجه محمد ابن ابنه هرون إلى فأقام بها وسار محمد ابن ابنه أبو رتيل وهو جريح إلى بغداد فمات بها ودفن في داره سرا ومحمد أبو رتيل إلى زهير بن المسيب فقتله من ليلته وقام خزيمة بن خازم بأمر بغداد وبعث إلى عيسى بن محمد بأن يتولى حرب الحسن مكان أبيه وبلغ الحسن موت محمد فبعث عسكره إلى هرون بالنيل فغلبوا وانتهبوها ولحق هرون بالمدائن ثم اجتمع أهل بغداد وأرادوا منصور بن المهدى على الخلافة فأبى فجعلوه خليفة للمأمون ببغداد والعراق انحرافا عن الحسن بن سهل وقيل ان الحسن لما ساعد أهل بغداد عيسى بن محمد بن أبى خالد على حربه خام عنه فلاطفه ووعده بالمصاهرة ومائة ألف دينار والامان له ولاهل بيته ولاهل بغداد وولاية النواحى فقبل وطلب خط المأمون بذلك وكتب إلى أهل بغداد انى شغلت بالحرب عن جباية الخراج فولوا رجلا من بنى هاشم فولوا المنصور ابن المهدى وأحصى عيسى أهل عسكره فكانوا مائة ألف وخمسة وعشرين ألفا وبعث منصور غسان بن الفرج إلى ناحية الكوفة فغزاه حميد الطوسى من قواد الحسن بن سهل وأخذ أسيرا ونزل النيل فبعث منصور بن محمد يقطين في العساكر إلى حميد فلقيه حميد بكونا فهزمه وقتل من أصحابه ونهب ما حول كونا ورجع إلى النيل وأقام ابن يقطين بصرصر * (أمر المطوعة) * ولما كثر الهرج ببغداد وامتدت أيدى الدعاوى باذاية الناس في أموالهم وأفشى

[ 247 ]

المناكير فيهم وتعذر ذلك فخرجوا إلى القرى فانتهبوها واستعدى الناس أهل الامر فلم يغدوا عليهم فتمشى الصلحاء من عمل ريظ وكل بينهم ورأوا أنهم في كل درب قليلون بالنسبة إلى خيارهم فاعتزموا على مدافعتهم واشتد خالد المدريوش من أهل بغداد فدعا جيرانه وأهل محلته إلى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر من غير أن يغيروا على السلطان فشد على من كان عندهم من ادعار وحبسهم ورفعهم إلى السلطان وتعدى ذلك إلى غير محلته ثم قام بعده سهل بن سلامة الانصاري من الحريشية من أهل خراسان ويكنى أبا حاتم فدعا إلى مثل ذلك والى العمل بالكتاب والسنة وعلق في عنقه مصحفا وعبر على العامة وعلى أهل الدولة فبايعوه على ذلك وعلى قتال من خالف وبلغ خبرهما إلى منصور بن المهدى وعيسى بن محمد بن أبى خالد فنكروا ذلك لان أكثر الدعار كانوا يشايعونهم على أمرهم فدخلوا بغداد بعد أن عقد عليه الصلح مع الحسن بن سهل على الامان له ولاهل بغداد وانتظروا كتاب المأمون ورضى أهل البلد بذلك فسهل عليهم أمر المدريوش وسهل * (العهد لعلى الرضا والبيعة لابراهيم بن مهدى) * ولما بلغ اهل بغداد أن المأمون قد بايع بالعهد لعلى بن موسى الكاظم ولقبه الرضا من آل محمد وأمر الجند بطرح السواد ولبس الخضرة وكتب بذلك إلى الآفاق وكتب الحسن ابن سهل إلى عيسى بن محمد بن أبى خالد ببغداد يعلمه بذلك في رمضان من سنة احدى ومائتين وأمره أن يأخذ من عنده من الجند وبنى هاشم بذلك فأجاب بعض وامتنع بعض وكبر عليهم اخراج الخلافة من بنى العباس وتولى كبر ذلك منصور وابراهيم ابنا المهدى وشايعهم عليه المطلب بن عبد الله بن مالك والسدى ونصر الوصيف وصالح صاحب المصلى ومنعوا يوم الجمعة من نادى في الناس بخلع المأمون والبيعة لابراهيم بن المهدى ومن بعده لاسحق بن الهادى ثم بايعوه في المحرم سنة اثنتين ومائتين ولقبوه المبارك ووعد الجند بارزاق ستة أشهر واستولى على الكوفة والسواد وخرج فعسكر بالمدائن وولى بها لى الجانب الغربي العباس بن الهادى وعلى الجانب الشرقي اسحق ابن الهادى وكان بقصر ابن هبيرة حميد بن عبد الحميد عاملا للحسن بن سهل ومعه القواد سعيد بن الساحور وأبو البط وغسان بن الفرج ومحمد بن ابراهيم بن الاغلب كانوا منحرفين عن حميد فداخلوا ابراهيم بن الهادى في أن يهلكوه في قصر ابن هبيرة وشعر بذلك الحسن بن سهل فاستقدم حميدا وخلالهم الجو منه فبعث ابراهيم بن المهدى عيسى بن محمد بن أبى خالد وملك قصر ابن هبيرة وانتهب عسكر حميد ولحق به ابنه بجواريه ثم عاد إلى الكوفة فاستعمل عليها العباس بن موسى الكاظم وأمره أن

[ 248 ]

يدعو لاخيه فامتنع غلاة الشيعة من اجابته وقالوا لا حاجة لنا بذكر المأمون وقعدوا عنه وبعث ابراهيم بن المهدى من القواد سعيدا وأبا البط لقتاله فسرح إليهم العباس بن عمه وهو على بن محمد الديباجة فانهزم ونزل سعيد وأبو البط الحيرة ثم تقدموا لقتال أهل الكوفة وقاتلهم شيعة بنى العباس ومواليهم ثم سألوا الامان للعباس وخرجوا من داره ثم قاتل أصحابه أصحاب سعيد فهزموهم وأحرقوا دور عيسى بن موسى وبلغ الخبر إلى سعيد بالحيرة بان العباس قد نقض ورجع عن الامان فركب وجاء إلى الكوفة وقتل من ظفر به ولقيه أهله فاعتذروا إليه بان هذا فعل الغوغاء وان العباس باق على عهده ودخل سعيد وأبو البط ونادوا بالامان وولوا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندى ثم عزلوه وولوا مكانه غسان بن الفرج فقتل أخا السرايا ثم عزلوه وولوا الهول ابن أخى سعيد القائد وقدم حميد بن عبد الحميد لحربهم بالكوفة فهرب الهول وبعث ابراهيم بن المهدى بن عيسى بن محمد بن أبى خالد لحصار الحسن بواسط على طريق النيل وكان الحسن متحصنا بالمدينة فسرح أصحابه لقتالهم فانهزموا وغنم عسكرهم ورجع عيسى إلى بغداد فقاتل سهل بن سلامة المطوع حتى غلبه على منزله فاختفى في عمار النظار وأخذوه بعد ليال وأتوا به اسحق فقال كل ما كنت أدعو إليه باطل فقالوا اخرج فأعلم الناس بذلك فخرج وقال قد كنت أدعوكم إلى الكتاب والسنة ولم أزل على ذلك فضربوه وقيدوه وبعثوا به إلى ابراهيم المهدى فضربه رحبسه وظهر أنه قتل في محبسه خفية لسنة من قيامه ثم أطلقه فاختفى إلى أن انقرض أمر ابراهيم وزحف حميد بن عبد الحميد سنة ثلاث ومائتين إلى قتال ابراهيم بن المهدى وأصحابه وكان عيسى ابن محمد بن أبى خالد هو المتولي لقتالهم بأمر ابراهيم فداخلهم في الغدر بابراهيم وصار يتعلل عليه في المدافعة عنه ونمى ذلك إلى ابراهيم بن هرون أخى عيسى فتنكر له ونادى عيسى في الناس بمسالمة حميد فاستدعاه ابراهيم وعاتبه بذلك فأنكر واعتذر فأمر به فضرب وحبس عدة من قواده وأفلت العباس خليفته فمشى بعض الناس إلى بعض ووافقوا العباس على خلع ابراهيم وطردوا عامله من الجسر والكرخ وثار الرعاء والغوغاء وكتب العباس إلى حميد يستقدمه ليسلم إليه بغداد ونزل صرصر وخرج إليه العباس والقواد وتواعدوا لخلع ابراهيم على أن يدفع لهم العطاء وبلغ الخبر إلى ابراهيم فأخرج عيسى واخوته وسأله قتال حميد فامتنع ودخل حميد فصلى الجمعة وخطب للمأمون وشرع في العطاء ثم قطعه عنهم فغضب الجند وعاود ابراهيم سؤال عيسى في قتال حميد ومدافعته فقاتل قليلا ثم استأسر لهم وانفض العسكر راجعين إلى ابراهيم وارتحل حميد فنزل في وسط المدينة وتسلل أصحاب ابراهيم إلى المدائن فملكوها وقاتل

[ 249 ]

بقيتهم حميد وكان الفضل بن الربيع مع ابراهيم فتحول إلى حميد وكاتب المطلب بن عبد الله بن مالك بأن يسلموه إليه وكان سعيد بن الساحور والبط وغيرهم من القواد يكاتبون على بن هشام بمثل ذلك ولما علم ابراهيم بما اجتمعوا عليه أقبل على مداراتهم إلى أن جن الليل ثم تسرب في البلد واختفى منتصف ذى الحجة من سنة ثلاث وبلغ الخبر إلى حميد وعلى بن هشام فأقبلوا إلى دار ابراهيم فلم يجدوه وذلك لسنتين من بيعته وأقام على بن هشام على شرقي بغداد وحميد على غربيها وأظهر سهل بن سلامة ما كان يدعو إليه فقربه حميد ووصله * (قدوم المأمون إلى العراق) * لما وقعت هذه الفتن بالعراق بسبب الحسن بن سهل ونفور الناس من استبداده وأخيه على المأمون ثم من العهد لعلى الرضا بن موسى الكاظم واخراج الخلافة من بنى العباس وكان الفضل بن سهل يطوى ذلك عن المأمون ويبالغ في اخفائه حذرا من أن يتغير رأى المأمون فيه وفى أخيه ولما جاء هرثمة للمأمون وعلم أنه يخبره بذلك وان المأمون يثق بقوله احكم السعاية فيه عند المأمون حتى تغير له فقتله ولم يصغ إلى كلامه فازدادت نفرة الشيعة وأهل بغداد وكثرت الفتن وتحدث القواد في عسكر المأمون بذلك ولم يقدروا على ابلاغه فجاؤا إلى على الرضا وسألوه انهاء ذلك إلى المأمون فأخبره بما في العراق من الفتنة والقتال وانهم بايعوا ابراهيم بن المهدى فقال المأمون انما جعلوه أميرا يقوم بأمرهم فقال ليس كذلك وان الحرب الآن قائمة بين ابن سهل وبينه وان الناس ينقمون عليك مكان الفضل والحسن ومكاني وعهدك لى فقال له المأمون ومن يعلم هذا غيرك فقال يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وغيرهما من وجوه قوادك فاستدعاهم فكتموا حتى استأمنوا إليه ثم أخبروه بما أخبره به الرضا وان الناس بالعراق يتهمونه بالرفض لعهده لعلى الرضا وان طاهر بن الحسين مع علم أمير المؤمنين ببلائه قد دفع إلى الرقة وضعف أمره والبلاد تفيفت من كل جانب وان لم يتدارك الامر ذهبت الخلافة منهم فاستيقن المأمون ذلك وأمر بالرحيل واستخلف على خراسان غسان بن عباد وهو ابن عم الفضل بن سهل وعلم الفضل بن سهل بذلك فشرع في عقاب أولئك القواد فلم يغنه ولما نزل المأمون شرحبيل وثب بالفضل أربعة نفر فقتلوه في الحمام وهربوا وجعل المأمون جعلا لمن جاء بهم فجاء بهم العباس ابن الهيثم الدينورى فلما حضروا عند المأمون قالوا له أنت أمرتنا بقتله وقيل بل اختلفوا في القول فقال بعضهم أمرنا بقتله ابن أخيه وقال آخرون بل عبد العزيز ابن عمران من القواد وعلى وموسى وغيرهم وأنكر آخرون فأمر المأمون بقتلهم

[ 250 ]

وقتل من أقروا عليه من القواد وبعث إلى الحسن بن سهل وسار إلى العراق وجاءه الخبر بأن الحسن بن سهل أصابته الماليخوليا واختلط فبعث دينارا مولاه ووكله بأمور العسكر وكان ابراهيم بن المهدى وعيسى بالمدائن وأبو البط وسعيد بالنيل والحرب متصلة بينهم والمطلب بن عبد الله بن مالك قد اعتل بالمدائن فرجع إلى بغداد وجعل يدعو إلى المأمون سرا والى خلع ابراهيم وأن يكون منصور بن المهدى خليفة للمأمون وداخله في ذلك خزيمة بن خازم وغيره ومن القواد وكتب إلى على بن هشام وحميد أن يتقدما فنزل حميد نهر صرصر وعلى النهروان وعاد ابراهيم بن المهدى من المدائن إلى بغداد منتصف صفر وقبض على منصور وخزيمة ومنع المطلب مواليه فأمر ابراهيم بنهب داره ولم يظفر ونزل حميد وعلى بن هشام المدائن وأقاما بها وزوج المأمون في طريقه ابنته من على الرضا وبعث أخاه ابراهيم بن موسى الكاظم على الموسم وولاه اليمن وكان به حمدويه بن على بن عيسى بن ماهان قد غلب عليه ولما نزل المأمون مدينة طوس مات على الرضا فجأة آخر صفر من سنة ثلاث من عنب أكله وبعث المأمون إلى الحسن بن سهل بذلك والى أهل بغداد وشيعته يعتذر من عهده إليه وانه قد مات ويدعوهم إلى الرجوع لطاعته ثم سار إلى جرجان وأقام بها أشهرا وعقد على جرجان لرجاء بن أبى الضحاك قاعدا وراء النهر ثم عزله سنة أربع وعقد لغسان ابن عباد من قرابة الفضل بن سهل على خراسان وجرجان وطبرستان وسجستان وكرمان وروبان ودهارير ثم عزله بطاهر كما نذكره ثم سار إلى النهروان فلقيه أهل بيته وشيعته والقواد ووجوه الناس وكان قد كتب إلى طاهر أن يوافيه بها فجاء من الرقة ولقيه هنالك وسار المأمون فدخل بغداد منتصف صفر من سنة أربعة فنزل الرصافة ثم نزل قصره بشاطئ دجلة وبقى القواد في العسكر وانقطعت الفتن وبقى الشيعة يتكلمون في لبس الخضرة وكان المأمون قد أمر طاهر بن الحسين أن يسأل حوائجه فأول شئ سأل لبس السواد فأجابه وقعد للناس وخلع عليه وعليهم الثياب السود واستقامت الامور كانت الفتنة قد وقعت بالموصول بين بنى شامة وبنى ثعلبة وكان على ابن الحسن الهمداني متغلبا عليها في قومه فاستجارت ثعلبة بأخيه محمد فأمرهم بالخروج إلى البرية ففعلوا وتبعهم بنو شامة في ألف رجل وحاصروهم بالقوجاء ومعهم بنو ثعلب وبعث على ومحمد إليهم بالمدد فقتلوا جماعة من بنى شامة وأسروا منهم ومن بنى ثعلب فجاء أحمد بن عمر بن الخطاب الثعلبي إلى على فوادعه وسكنت الفتنة ثم ان على بن الحسين سطا بمن كان في الموصل من الازد عسفا في الحكم عليهم وقال لهم يوما ألحقوا بعمان فاجتمعت الازد إلى السيد بن أنس كبيرهم وقاتلوه

[ 251 ]

وكان في تلك النواحى مهدى بن علوان من الخوارج فأدخله على بن الحسين وبايعه وصلى بالناس واشتدت الحرب ثم كانت اصرا على على وأصحابه وأخرجهم الازد عن البلد إلى الحديثة ثم اتبعوهم فقتلوا عليا وأخاه أحمد في جماعة ولجأ محمد إلى بغداد وملك السيد بن أنس والازد الموصل وخطب للمأمون ولما قدم المأمون بغداد وفد عليه السيد بن أنس فشكاه محمد بن الحسين بن صالح واستعداءه عليه بقتل اخويه وقومه فقال نعم يا أمير المؤمنين ادخلوا الخارجي بلدك وأقاموه على منبرك وأبطلوا دعوتك فأهدر المأمون دماءهم * (ولاية طاهر على خراسان ووفاته) * كان المأمون بعد وصوله إلى العراق قد ولى طاهر بن الحسين الجزيرة والشرطة بجانبى بغداد والسواد ودخل عليه يوما في خلوته فأذن له بالجلوس وبكى ففداه فقال المأمون أبكى لامر ذكره ذل وستره حزن ولن يخلو أحد من شجن وقضى طاهر حديثه وانصرف وكان حسين الخادم حاضرا فدس إليه على يد كاتبه محمد بن هرون أن يسأل المأمون عن مكاتبته على مائة ألف درهم ومثلها للكاتب وخلا حسين بالمأمون وسأله ففطن وقال له ان الثناء منى ليس برخيص والمعروف عندي ليس بضائع فعيبى عن غير المأمون فاجابه وركب إلى المأمون وفاوضه في أمر خراسان وانها يخشى عليها من الترك وان غسان بن عباد ليس بكف ء لها فقال لقد فكرت في ذلك فمن ترى يصلح لها قال طاهر بن الحسين قال هو خالع قال أنا ضامنه فاستدعاه وعقد له من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق من حلوان إلى خراسان وعسكر من يومه خارج بغداد وأقام شهرا تحمل إليه كل يوم عشرة آلاف ألف درهم عادة صاحب خراسان وولى المأمون مكانه بالجزيرة ابنه عبد الله وكان ينوب عن أبيه بالشرطة فحملها إلى ابن عمه اسحق بن ابراهيم ابن مصعب وخرج إلى عمله ونزل الرقه لقتال نصر بن شيث ثم سار طاهر إلى خراسان آخر ذى القعدة سنة خمس ومائتين وقيل في سبب ولاية طاهر خراسان أن عبد الرحمن المطوع جمع جموعا كثيرة بنيسابور لقتال الحرورية ولم يستأذن غسان بن عباد وهو الوالى على خراسان فخشى أن يكون ذلك من المأمون فاضطرب وتعصب له الحسن بن سهل وخشى المأمون على خراسان فولى طاهرا وسار إلى خراسان فأقام بها إلى سنة سبع ثم اعتزم على الخلاف وخطب يوما فأمسك عن الدعاء للمأمون ودعا بصلاح الامة وكتب صاحب البريد بذلك إلى المأمون بخلعه فدعا بأحمد بن أبى خالد فقال أنت ضمنته فسر وائتنى به ثم جاء من الغد الخبر بموته فقال المأمون للبريد ونغم الحمد لله الذى قدمه وأخرنا وولى طلحة من قبله وبعث إليه المأمون أحمد بن أبى خالد ليقوم بأمره فعبر أحمد

[ 252 ]

إلى ما وراء النهر وافتتح اسروسنه واسر كاووس بن خالد حدد وابنه الفضل وبعث بهما إلى المأمون ووهب طلحة لاحمد بن أبى خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعروضا بألف بألف ولمكاتبته خمسمائة ألف درهم ثم خالف الحسين بن الحسين بن مصعب بكرمان فسار إليه أحمد بن أبى خالد وأتى به إلى المأمون فعفا عنه * (ولاية عبد الله بن طاهر الرقة ومصر ومحاربته نصر بن شيث) * وفى سنة ست ومائتين بلغ الخبر بوفاة يحيى بن معاذ عامل الجزيرة وانه استخلف ابنه أحمد فولى المأمون عبد الله بن طاهر مكانه وجعل له ما بين الرقة ومصر فأمره بحرب نصر ابن شيث وقيل ولاه سنة خمس وقيل سنة سبع واستخلف على الشرطة ببغداد اسحق ابن ابراهيم بن الحسين بن مصعب وهو ابن عمه وكتب إليه أبو طاهر كتابا بالوصية جمع فيه محاسن الآداب والسياسة ومكارم الاخلاق وقد ذكرناه في مقدمة كتابنا فسار عبد الله بن طاهر لذلك وبعث الجيوش لحصار نصر بن شيث بكيسوم في نواحى جانب ثم سار إليه بنفسه سنة تسع ومائتين وأخذ بمخنقه وبعث إليه المأمون محمد بن جعفر العامري يدعوه إلى الطاعة فأجاب على شرط أن لا يحضر عنده فتوقف المأمون وقال ما باله ينفر منى فقال أبو جعفر لما تقدم من ذنبه فقال افتراه أعظم ذنبا من الفضل ابن الربيع وقد أخذ جميع ما أوصى له به الرشيد من الاموال والسلاح وذهب مع القواد إلى أخى واسلمني وأفسد على حتى كان ما كان ومن عيسى بن أبى خالد وقد خالف على ببلدي وأخرب دارى وبايع لابراهيم دوني فقال ابن جعفر يا أمير المؤمنين هؤلاء لهم سوابق ودالة يبقون بها ونصر ليست له في دولتكم سابقة وانما كان من جند بنى أمية وأنا لا أجيب إلى هذا الشرط ولح نصر في الخلاف حتى جهده الحصار واستأمن فأمنه عبد الله بن طاهر وخرج إليه سنة عشرة وبعث به إلى المأمون وأخرب حصن كيسوم لخمس سنين من حصاره ورجع عبد الله بن طاهر إلى الرقة ثم قدم بغداد سنة احدى عشر فتلقاه العباس بن المأمون والمعتصم وسائر الناس * (الظفر بابن عائشة وبإبراهيم بن المهدى) * كان ابراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن ابراهيم الامام ويعرف بابن عائشة ممن تولى كبر البيعة لابراهيم بن المهدى ومعه ابراهيم بن الاغلب ومالك بن شاهين وكانوا قد اختفوا عند قدوم المأمون في نواحى بغداد ولما وصل نصر بن شيث وخرجت النظارة أنفذوا للخروج في ذلك اليوم ثم غلبهم بعض الناس فأخذوا في صفر من سنة عشرة ثم ضربوا حتى أقروا على من كان معهم في الامر فلم يعرض لهم المأمون وحبسهم

[ 253 ]

فضاق عليهم المحبس وأرادوا أن ينقوه فركب المأمون بنفسه وقتلهم وصلب ابن عائشة ثم صلى عليه ودفنه ثم أخذ في هذه السنة ابراهيم بن المهدى وهو متنقب في زى امرأة يمشى بين امرأتين واستراب به بعض العسس وقال أين تردن في هذا الوقت فأعطاه ابراهيم خاتم ياقوت في يده فازداد ريبة ورفعهن إلى صاحب المسلحة وجاء بهن إلى صاحب الجسر فذهب به إلى المأمون وأحضره والغل في عنقه والملحبة على صدره ليراه بنو هاشم والناس ثم حبسه عند أحمد بن أبى خالد ثم أخرجه معه عند ما سار الحسن بن سهل ليغنم الصلح فشفع فيه الحسن وقيل ابنته بوران وقيل ان ابراهيم لما أخذ حمل إلى دار المعتصم وكان عند المأمون فأدخله عليه وانبه فيما كان منه واعتذر بمنظوم من الكلام ومنثور أتى فيه من وراء الغاية وهو منقول في كتب التاريخ فلا نطيل بنقله * (انتقاض مصر والاسكندرية) * كان السرى بن محمد بن الحكم واليا على مصر وتوفى سنة خمس ومائتين وبقى ابنه عبد الله فانتقض وخلع الطاعة وأنزل بالاسكندرية جالية من الاندلس أخرجهم الحكم بن هشام من ربضى قرطبة وغربهم إلى المشرق ولما نزلوا بالاسكندرية ثاروا وملكوها وولوا عليهم أبا حفص عمر البلوطى وفشل عبد الله بن طاهر عنهم بمحاربة نصر بن شيث فلما فرغ منه ثار من الشأم إليهم وقدم قائدا من قواده ولقيه ابن السرى وقاتله وأغذ ابن طاهر المسير فلحقهم وهم في القتال وانهزم ابن السرى إلى مصر وحاصره عبد الله بن طاهر حتى نزل على الامان وذلك سنة عشرة ثم بعث إلى الجالية الذين ملكوا الاسكندرية بالحرب فسألوا الامان على أن يرتحلوا إلى بعض الجزائر في بحر الروم مما يلى الاسكندرية ففعل ونزلوا جزيرة اقريطش واستوطنوها وأقامت في مملكة المسلمين من أعقابهم دهرا إلى أن غلب عليها الافرنجة * (العمال بالنواحي) * لما استقر المأمون ببغداد وسكن الهيج وذلك سنة أربع ولى على الكوفة أخاه أبا عيسى وعلى البصرة أخاه صالحا وعلى الحرمين عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن العباس بن على بن أبى طالب وعلى الموصل السيد بن أنس الازدي وولى على الشرطة ببغداد ومعاون السواد طاهر بن الحسين استقدمه من الرقة وكان الحسن بن سهل ولاه عليها فقدم واستخلف ابنه عبد الله عليها ثم ولاه المأمون سنة خمس خراسان وأعمال المشرق كلها واستقدم ابنه عبد الله فجعله على الشرطة ببغداد مكان أبيه وولى يحيى

[ 254 ]

ابن معاذ على الجزيرة وعيسى بن محمد بن أبى خالد على ارمينية وأذربيجان ومحاربة بابك ومات عامل مصر السرى بن محمد بن الحكم فولى ابنه عبيد الله مكانه ومات داود بن يزيد عامل السند فولى بشر بن داود مكانه على أن يحمل ألف ألف درهم كل سنة ثم مات يحيى بن معاذ سنة ست واستخلف ابنه أحمد فعزله المأمون وولى مكانه عبد الله بن طاهر وضاف إليه مصر وسيره بمحاربة نصر بن شيث وولى عيسى بن يزيد الجلودى محاربة الزط سنة خمس ثم عزله سنة ست وولى داود بن منحور مع أعمال البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين وولى في سنة سبع محمد بن حفص على طبرستان والرويان ودنباوند وفيها أوقع السيد بن أنس بجماعة من عرب بنى شيبان ووديعة بما فشا من افسادهم في البلاد فكبسهم بالدسكرة واستباحهم بالقتل والنهب وفى سنة تسع ولى صدقة بن على ويعرف بزريق على ارمينية وأذربيجان وأمره بمحاربة بابك وقام بأمره أحمد بن الجنيد الاسكافي فأسره بابك فولى ابراهيم بن الليث بن الفضل أذربيجان وكان على جبال طبرستان شهريار بن شروين فمات سنة عشر وقام مكانه ابنه سابور فقتله مازيار بن قارن في حرب أسره فيها وملك جبال طبرستان وفى سنة احدى عشرة قتل زريق بن على بن صدقة الازدي السيد بن أنس صاحب الموصل وقد كان زريق تغلب على الجبال ما بين الموصل وأذربيجان وولاه المأمون عليها فجمع وقصد الموصل لحرب السيد فخرج إليه أربعة آلاف فاشتد القتال بينهم وقتل السيد في المعركة فغضب المأمون لقتله وولى محمد بن حميد الطوسى على الموصل وأمره بحرب زريق وبابك الخرمى فسار إلى الموصل واستولى عليها سنة ثنتى عشرة ومات موسى بن حفص عامل طبرستان فولى المأمون مكانه ابنه وولى حاجب بن صالح على الهند فوقعت بينه وبين بشر بن داود صاحب السند حرب وانهزم بشر إلى كرمان ثم قتل محمد بن حميد الطوسى سنة أربع عشرة قتله بابك الخرمى وذلك انه لما فرغ من أمر المتغلبين بالموصل سار إلى بابك في العساكر الكاملة الحشد وتجاوز إليه المضايق ووكل بحفظها حتى انتهى إلى الجبل فصعد وقد أكمن بابك الرجال في الشعراء فلما جاز ثلاثة فراسخ خرجت عليهم الكمائن فانهزموا وثبت محمد بن حميد حتى إذا لم يبق معه الا رجل واحد فتسلل يطلب النجاة فعثر في جماعة من الحربية يقاتلون طائفة من أصحابه فقصدوه وقتلوه وعظم ذلك على المأمون واستعمل عبد الله بن طاهر على خراسان لانه كان بلغه ان أخاه طلحة بن طاهر مات وقام على أخوه مكانه خليفة لعبد الله وعبد الله بالدينور يجهز العساكر إلى بابك فولى على نيسابور محمد بن حميد فكثر عيث الخوارج بخراسان فأمره المأمون بالمسير إليها فسار ونزل نيسابور وسأل عن سيرة محمد بن حميد فسكتوا فعزله

[ 255 ]

اسكوتهم وفى سنة اثنتى عشرة خلع أحمد بن محمد العمرى يعرف بالاحمر العين باليمن فولى المأمون ابنه العباس على الجزيرة والثغور والعواصم وأخاه أبا اسحق المعتصم على الشأم ومصر وسير عبد الله بن طاهر إلى خراسان وأعطى لكل واحد منهم خمسمائة ألف درهم وبعث المعتصم أبا عميرة الباذغيسى عاملا على مصر فوثب به جماعة من القيسية واليمانية فقتلوه سنة أربع عشرة فسار المعتصم إلى مصر فقاتلهم وافتتح مصر وولى عليها واستقامت الامور وفى سنة ثلاث عشرة ولى المأمون غسان بن عباس على السند لما بلغه خلاف بشر بن داود وفى سنة أربع عشرة استقدم المأمون أبا دلف وكان بالكرخ من نواحى همذان منذ سار مع عيسى بن ماهان لحرب طاهر وقتل عيسى فعاد إلى همذان وراسله طاهر يدعوه إلى البيعة فامتنع وقال له ولا أكون مع أحد وأقام بالكرخ فلما خرج المأمون إلى الرى أرسل إليه يدعوه فسار نحوه وجلا بعد أن أغرى عليه أصحابه الامتناع وفى سنة أربع عشرة قتل باليمن وفيها ولى المأمون على بن هشام الجبل وقم واصبهان وأذربيجان وخلع أهل قم وكانوا سألوا الحطيطة من خراجهم وهو ألف ألف درهم لان المأمون لما جاء من العراق أقام بالرى أياما وخفف عنهم من الخراج فطمع أهل قم في مثلها فأبى فامتنعوا من الاداء فسرح إليهم على بن هشام وعجيف بن عنبسة وظفروا بهم وقتلوا يحيى بن عمران وهدموا سورها وجبوها على سبعة آلاف ألف وفى سنة ست عشرة ظهر عبد وس الفهرى بمصر وقتل بعض عمال المعتصم فسار المأمون إلى مصر وأصلحها وأتى بعبدوس فقتله وقدم من برقة وأقام بمصر وفيها غضب المأمون على على بن هشام ووجه عجيفا وأحمد بن هشام لقبض أمواله وسلاحه لما بلغه من عسفه وظلمه وأراد قتل عجيف واللحاق ببابك فلم يقدر وظفر به عجيف وجاء به إلى المأمون فأمر بقتله وطيف برأسه في الشأم والعراق وخراسان ومصر ثم ألقى في البحر وقدم غسان بن عباد من السند ومعه بشر بن داود مستأمنا فولى على السند عمران بن موسى العكى وهرب جعفر بن داود القمى إلى قم فخلع وكان محبوسا بمصر منذ عزله المأمون عن قم فهرب الآن وخلع فغلبه على بن عيسى القمى وبعث به إلى المأمون فقتل * (الصوائف) * وفى سنة مائتين قتل الروم ملكهم اليون لسبع سنين ونصف من ملكه وأعادوا ميخاييل ابن جرجس المخلوع وبقى عليهم تسع سنين ثم مات سنة خمس عشرة وملك ابنه نوفل وفتح عبد الله بن حرداديه والى طبرستان البلاد والسيرن من بلاد الديلم وافتتح جبال طبرستان وأنزل شهريار بن شروين عنها وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون وأسر

[ 256 ]

اباليل ملك الديلم وذلك سنة احدى ومائتين وفيها ظهر بابك الخرمى في الجاوندانية أصحاب باوندان سهل وتفسيره الدائم الباقي وتفسير خرم فرح وكانوا يعتقدون مذاهب المجوس وفى سنة ربع عشرة خرج أبو بلال الصابى الشارى فسرح إليه المأمون ابنه العباس في جماعة من القواد وقتلوه وفى سنة خمس عشرة دخل المأمون بلاد الروم بالصائفة وسار عن بغداد في المحرم واستخلف عليها اسحق بن ابراهيم بن مصعب وهو ابن عم طاهر وولاه السواد وحلوان وكور دجلة ولما وصل تكريت لقيه محمد بن على الرضا فأجازه وزف إليه ابنته أم الفضل وسار إلى المدينة فأقام بها وسار المأمون على الموصل إلى منبج ثم رابق ثم انطاكية ثم المصيصة وطرطوس ودخل من هناك فافتتح حصن قرة عنوة وهدمه وقيل بل فتحه على الامان وفتح قبله حصن ماجد كذلك وبعثه اشناس إلى حصن سدس ودخل ابنه العباس ملطية ووجه المأمون عجيفا وجعفر الخياط إلى حصن سنان فأطاع وعاد المعتصم من مصر فلقى المأمون قبل الموصل ولقيه العباس ابنه برأس عين وجاء المأمون منصرفه من العراق إلى دمشق ثم بلغه أن الروم أغاروا على طرطوس والمصيصة وأثخنوا فيهم بالقتل وكتب إليه ملك الروم فيه بنفسه فرجع إليهم وافتتح كثيرا من معاقلهم وأناخ على هرقلة حتى استأمنوا وصالحوه وبعث المعتصم فافتتح ثلاثين حصنا منها مطمورة وبعث يحيى بن أكثم فأثخن في البلاد وقتل وحرق وسبى ثم رجع المأمون إلى كيسوم فأقام بها يومين ثم ارتحل إلى دمشق وفى سنة سبع عشرة رجع المأمون إلى بلاد الروم فأناخ على لؤلؤة فحاصرها مائة يوم ثم رحل عنها وخلف عجيفا على حصارها وجاء نوفل ملك الروم فأحاط به فبعث إليه المأمون بالمدد فارتحل نوفل واستأمن أهل لؤلؤة إلى عجيف وبعث نوفل في المهادنة والمأمون على سلوين فلم يجبه ثم رجع المأمون سنة ثمان عشرة وبعث ابنه العباس إلى بناء طوانة فبنى بها ميلا في ميل ودورها أربعة فراسخ وجعل لها أربعة أبواب ونقل إليها الناس من البلدان * (وفاة المأمون وبيعة المعتصم) * ثم مرض المأمون على نهر البربرون واشتد مرضه ودخل العراق وهو مريض فمات بطرطوس وصلى عليه المعتصم وذلك لعشرين سنة من خلافته وعهد لابنه المعتصم وهو أبو اسحق محمد فبويع له بعد موته وذلك منتصف رجب من سنة ثمان عشرة ومائتين وشغب الجند وهتفوا باسم العباس بن المأمون فأحضره وبايع فسكتوا وخرب لوقته ما كان بناه من مدينة طوانة وأعاد الناس إلى بلادهم وحمل ما أطاق حمله من الآلة وأحرق الباقي

[ 257 ]

* (ظهور صاحب الطالقان) * وهو محمد بن القاسم بن على بن عمر بن على زين العابدين بن الحسين كان ملازما للمسجد بالمدينة فلزمه شيطان من أهل خراسان وزين له انه أحق بالامامة وصار يأتيه بحجاج خراسان يبايعونه ثم خرج به إلى الجوزجان وأخفاه وأقبل على الدعاء له ثم حمله على اظهار الدعوة للرضا من آل محمد على عادة الشيعة في هذا الابهام كما قدمناه وواقعه قواد عبد الله بن طاهر بخراسان المرة بعد المرة فهزموه وأصحابه وأخرج ناجيا بنفسه ومر بنسا فوشى به إلى العامل فقبض عليه وبعثه إلى عبد الله بن طاهر فبعثه إلى المعتصم منتصف ربيع أول سنة تسع عشرة فحبسه عند الخادم مسرور الكبير ووكل بحفظه فهرب من محبسه ليلة الفطر من سنته ولم يوقف له على خبر * (حرب الزط) * وهم قوم من أخلاط الناس غلوا على طريق البصرة وعاثوا فيها وأفسدوا البلاد وولوا عليهم رجلا منهم اسمه محمد بن عثمان وقام بأمره اخر منهم اسمه سماق وبعث المعتصم لحربهم في هذه السنة عجيف بن عنبسة في جمادى الآخرة فسار إلى واسط وحاربهم فقتل منهم في معركة ثلثمائة وأسر خمسمائة ثم قتلهم وبعث برؤوسهم إلى باب المعتصم وأقام قبالتهم سبعة أشهر ثم استأمنوا إليه في ذى الحجة آخر السنة وجاؤا بأجمعهم في سبعة وعشرين ألفا المقاتلة منهم اثنا عشر ألفا فعباهم عجيف في السفن على هيئتهم في الحرب ودخل بهم بغداد في عاشوراء سنة عشرين وركب المعتصم إلى الشماسة في سفينة حتى رآهم ثم غربهم إلى عين زربة فأغارت عليهم الروم فلم يفلت منهم أحد * (بناء سامرا) * كان المعتصم قد اصطنع قوما من أهل الحرف بمصر وسماهم المطاربة وقوما من سمرقند واسروسنة وفرغانة وسماهم الفرغانة وأكثر من صبيانهم وكانوا يركضون الدواب في الطرق ويختلفون بها ركضا فيصدمون النساء والصبيان فتتأذى العامة بهم وربما انفرد بعضهم فقتلوه وتأذى الناس من ذلك ونكروه وربما أسمعوا النكير للمعتصم فعمد إلى بناء القاطون وكانت مدينة بناها الرشيد ولم يستتمها وخربت فجددها المعتصم وبناها سنة عشرين وسماها سر من رأى فرخمها الناس سامرا وسارت دار الملكهم من لدن المعتصم ومن بعده واستخلف ببغداد حتى انتقل إليها ابنه الواثق

[ 258 ]

* (نكبة الفضل بن مروان) * كان للمعتصم في ولاية أخيه كاتب يعرف بيحيى الجرمقابى واتصل به الفضل بن مروان وهو من البردان وكان حسن الخط فلما هلك الجرمقاب استكتبه المعتصم وسار معه إلى الشام فأثرى ولما استخلف المعتصم استولى على هواه واستتبع الدواوين واحتجر الاموال ثم صار يرد أوامر المعتصم في العطايا ولا ينفذها واختلفت فيه السعايات عند المعتصم ودسوا عليه عنده من ملا مجلسه ومساخره من يعير المعتصم باستبداده عليه ورد أوامره فحقد له ذلك ثم نكبه سنة عشرين وصادره وجميع أهل بيته وجعل مكانه محمد بن عبد الملك بن الزيات وغرب الفضل إلى بعض قرى الموصل قد تقدم لنا حديث بابك الخرمى وظهوره سنة اثنتين ومائتين بدعوة جاوندان ابن سهل واتخذ مدينة البر لامتناعه وولى المأمون حروبه فهزم عساكره وقتل جماعة من قواده وخرب الحصون فيما بين أردبيل وزنجان فلما ولى المعتصم بعث أبا سعيد محمد بن يوسف فبنى الحصون التى خربها وشحنها بالرجال والاقوات وحفظ الصائلة لجلب الميرة وبينما هو في ذلك اغارت بعض سرايا بابك بتلك النواحى فخرج في طلبهم واستنقذ ما أخذوه وقتل كثيرا وأسر أكثر وبعث بالرؤس والاسرى إلى المعتصم وكان ابن البعيث أيضا في قلعة له حصينة من كور أذربيجان ملكها من يد ابن الرواد وكان يصانع بابك ويضيف سراياه إذا مروا به ومر به في هذه الايام قائده عصمة وأضافه على العادة ثم قبض عليه وقتل أصحابه وبعث به إلى المعتصم فسأله عن عورات بلاد بابك فدله عليها ثم حبسه وعقد لقائده الافشين حيدر بن كاوس على الجبال ووجهه لحرب بابك فسار إليها ونزل بساحتها وضبط الطرقات ما بينه وبين أردبيل وأنزل قواده في العساكر ما بينه وبين أردبيل يتلقون الميرة من أردبيل من واحد إلى الآخر حتى تصل عسكر الافشين وكان إذا وقع بيده أحد من جواسيس بابك يسأله عن احسان بابك إليه فيضاعفه ويطلقه ثم ان المعتصم بعث بغا الكبير بمدد الافشين بالنفقات وسمع بابك فاعتزم على اعتراضه وأخبر الافشين بذلك بعض جواسيسهم فكتب إلى بغا أن يرتحل من حصن النهر قيلا ثم يرجع إلى أردبيل ففعل ذلك وجاءت الاخبار إلى بابك وركب الافشين في يوم مواعدته لبغا واغذ المسير وخرجت سرية بابك فلقيت قافلة النهر ولم يصادفوا بغا فيها فقتلوا من وجدوا فيها من الجند وفاتهم المال ولقوا في طريقهم الهيثم من قواد الافشين فهزموه وامتنع بحصنه ونزل بابك عليه يحاصره وإذا بالافشين قد وصل فأوقع بهم وقتل الكثير من جنده ونجا بابك إلى موقان وأرسل إلى عسكره في البر فلحقت به وخرج معهم من موقان إلى الفل ولما رجع الافشين

[ 259 ]

إلى عسكره استمر على حصار بابك وانقطعت عنه الميرة من سائر النواحى ووجه صاحب مراغة إليه ميرة فلقيتها سرية من سرايا بابك فأخذوها ثم خلص إليه بغا بما معه من المال ففرقه في العساكر وأمر الافشين قواده فتقدموا ليضيقوا الحصار على بابك في حصن البد ونزل على ستة أميال منه وسار بغا الكبير حتى أحاط بقرية البد وقاتلهم وقتلوا منهم جماعة فتأخر إلى خندق محمد بن حميد من القواد وبعث إلى الافشين في المدد فبعث إليه أخاه الفضل وأحمد بن الخليل بن هشام وأبا خوس وصاحب شرطة الحسن بن سهل وأمره بمناجزتهم إلى الحرب في يوم عينه له فركبوا في ذلك اليوم وقصدوا البدو أصابهم برد شديد ومطر وقاتل الافشين فغلب من بازائه من أصحاب بابك واشتد عليهم المطر فنزلوا واتخذ بغا دليلا أشرف به على جبل يطل منه على الافشين ونزل عليهم الثلج والضباب فنزلوا منازلهم وعمد بابك إلى الافشين ففض معسكره وضجر أصحاب بغا من مقامهم في رأس الجبل فارتحل بهم ولا يعلم ما تم على الافشين وقصد حصن البد فتعرف خبر الافشين ورجع على غير الطريق الذى دخلوا منه لكثرة مضايقه وعقابه وتبعته طلائع بابك فلم يلتفت إليهم مسابقة للمضايق امامه وأجنهم الليل وخافوا على أثقالهم وأموالهم فعسكر بهم بغا من رأس جبل وقد تعبوا وفنيت أزوادهم وبيتهم بابك ففضهم ونهبوا ما كان معهم من المال والسلاح ونجوا إلى خندقهم الاول في أسفل الجبل وأقام بغا هنالك وكان طرحان كبير قواد بابك قد استأذنه أن يشتوا بقرية في ناحية مراغة فارسل الافشين إلى بعض قواده بمراغة فأسرى إليه وقتله وبعث برأسه ودخلت سنة اثنتين وعشرين فبعث المعتصم جعفرا الخياط بالعساكر مددا للافشين وبعث اتياخ بثلاثين ألف ألف درهم لنفقات الجند فأرسلها وعاد ورحل الافشين لاول فصل الربيع ودنا من الحصن وخندق على نفسه وجاءه الخبر بأن قائد بابك واسمه أدين قد عسكر بازائه وبعث عياله إلى بعض حصون الجبل فبعث الافشين بعض قواده لاعتراضهم فسلكوا مضايق وسلقوا وأغاروا إلى أن لقوا العيال فأخذوهم وانصرفوا وبلغ الخبر أدين فركب لاعتراضهم وحاربهم واستنقذ بعض النساء وعلم بشأنهم الافشين من علامات كان أمرهم بها ان رأى بهم ريبا فركب إليهم فلما أحسوا به فرجوا عن المضيق ونجا القوم وتقدم الافشين قليلا قليلا إلى حصن البد وكان يأمر الناس بالركوب ليلا للحراسة خوف البيات فضجر الناس من التعب وارتاد في رؤس تلك الجبال أماكن يتحصن فيها الرجالة فوجد ثلاثة فأنزل فيها الرجالة بأزوادهم وسد الطرق إليها بالحجارة وأقام يحاصرهم وكان يصلى الصبح بغلس ثم يسير زحفا ويضرب الطبول ليزحف الناس

[ 260 ]

لزحفه في الجبال والاودية على مصافهم وإذا امسك وقفوا وكان إذا أراد أن يتقدم المضيق الذى أتى منه عام أول خلف به عسكرا على رأس العقبة يحفظونه لئلا يأخذه الحرسة منه عليهم وكان بابك متى زحفوا عليه كمن عسكرا تحت تلك العقبة واجتهد الافشين أن يعرف مكان الكمين فلم يطق وكان يأمر أبا سعيد وجعفرا الخياط وأحمد ابن الخليل بن هشام فيتقدمون إلى الوادي في ثلاثة كراديس ويجلس على تلك ينظر إليهم والى قصر بابك ويقف بابك قبالته في عسكر قليل وقد أكمن بقية العسكر فيشربون الخمر ويلعبون بالسرياني فإذا صلى الافشين الظهر رجع إلى خندقه برود الرود مصافا بعد مصاف الاقرب إلى العدو ثم الذى يليه وآخرين ترجع العسكر الذى عقبه المضيق حتى ضجرت الخرمية من المطاولة وانصرف بعض الايام وتأخر جعفر فخرج الخرمية من البد على أصحابه فردهم جعفر على أعقابهم وارتفع الصياح ورجع الافشين وقد نشبت الحرب وكان مع أبى دلف من أصحاب جعفر قوم من المطوعة فضيقوا على أصحاب بابك وكانوا يصدعون البد وبعث جعفر إلى الافشين يستمده خمسمائة راجل من الناشبة فأتى له وأمره بالتحيل في الانصراف وتعلق أولئك المطوعة بالبد وارتفع الصياح وخرج الكمناء من تحت العقبة وتبين الافشين أماكنهم واطلع على خدعتهم وانصرف جعفر إلى الافشين وعاتبه فاعتذر إليه يستأمن الكمين وأراه مكانه فانصرف عن عتابه وعلم أن الرأى معه وشكا المطوعة ضيق العلوفة والزاد فأذن لهم في الانصراف وتناولوه بألسنتهم ثم طلبوه في المناهضة فأذن لهم ووادعهم ليوم معلوم ومجهز وحمل المال والزاد والماء والمحامل لجرجا وتقدم إلى مكانه بالامس وجهز العسكر على العقبة على عادته وأمر جعفرا بالتقدم بالمطوعة وأن يأتوا من أسهل الوجوه وأطلق يده بمن يريده من الناشبة والنفاطين وتقدم جعفر إلى مكانه بالامس والمتطوعة معه فقاتلوا وتعلقوا بسور لبد حى ضرب جمعهم ما به وجاء الفعلة بالفؤس وطيف عليهم بالمياه والازودة ثم جاء الخرمية من الباب وكسروا على المطوعة وطرحوهم على السور ورموهم بالحجارة فنالت منهم وضعفوا عن الحرب ثم تحاجزوا آخر يومهم وأمرهم الافشين بالانصراف وداكلهم البأس من الفتح تلك السنة وانصرف أكثر المطوعة ثم عاود الافشين الحرب بعد أسبوعين وبعث من جوف الليل ألفا من الناشبة إلى الجبل الذى وراء البد حتى يعاينوا الافشين من هذه الناحية فيرمون على الخرمية وبعث عسكرا آخر كمينا تحت ذلك الجبل الذى وراء البد وركب هو من الغداة إلى المكان الذى يقف فيه على عادته وتقدم جعفر الخياط والقواد حتى صاروا جميعا حول ذلك الجبل فوثب كمين بابك من أسفل الجبل

[ 261 ]

بالعسكر الذى جاء إليه لما فضحهم الصبح وانحدر الناشبة من الجبل وقد ركبوا الاعلام على رماحهم وقصدوا جميعا أدين قائد بابك في جفلة فانحدر إلى الوادي فحمل عليه جماعة من أصحاب القواد فرمى عليهم الصخور من الجبل وتحدرت إليهم ولما رأى ذلك بابك استأمن للافشين على أن يحمل عياله من البد وبينماهم في ذلك إذ جاء الخبر إلى الافشين بدخول البد وان الناس صعدوا بالاعلام فوق قصور بابك حتى دخل واديا هنالك وأحرق الافشين قصور بابك وقتل الخرمية عن اخرهم وأخذ أمواله وعياله ورجع إلى معسكره عند المساء وخالفه بابك إلى الحصن فحمل ما أمكنه من المال والطعام وجاء الافشين من الغد فهدم القصور وأحرقها وكتب إلى ملوك أرمينية وبطارقتهم باذكاء العيون عليه في نواحيهم حتى ياتوه به ثم عثر على بابك بعض العيون في واد كثير الغياض يمر من أذربيجان إلى أرمينية فبعث من يأتي به فلم يعثروا عليه لكثرة الغياض والشجر وجاء كتاب المعتصم بأمانه فبعث به الافشين بعض المستأمنة من أصحاب بابك فامسع من قبوله وقتل بعضهم ثم خرج من ذلك الوادي هو وأخوه عبد الله ومعاوية وأمه يريدون أرمينية ورآهم الحرس الذين جاؤا لاخذه وكان أبو السفاح هو المقدم عليهم فمروا في اتباعهم وأدركوهم على بعض المياه فركب ونجا وأخذ أبو السفاح معاوية وأم يك وبعث بهم إلى الافشين وسار بابك في جبال أرمينية مختفيا وقد أذكوا عليه العيون حتى إذا مسه الجوع بعث بعض أصحابه بدنانير لشراء قوتهم نعثر به بعض المسلحة وبعث إلى سهل بن ساباط فجاء واجتمع بصاحب بابك الذى كانت حراسة الطريق عليه ودله على بابك فأتاه وخادعه حتى سار إلى حصنه وبعث بالخبر إلى الافشين فبعث إليه بقائدين من قبله وأمرهما بطاعة ابن ساباط فأكمنهما في بعض نواحى الحصن وأغرى بابك بالصيد وخرج معه فخرج القائدان من الكمين فأخذاه وجاآ به إلى الافشين ومعهما معاوية بن سهل بن ساباط فحبسه ووكل بحفظه وأعطى معاوية ألف درهم وآتى سهلا ألف ألف درهم ومنطقة مفرقة بالجوهر وبعث إلى عيسى بن يوسف بن أسطقانوس ملك البيلقان يطلب منه عبد الله أخا بابك وقد كان لجأ إلى حصنه عند ما أحاط به ابن ساباط فأنفذه إليه وحبسه الافشين مع أخيه وكتب إلى المعتصم فأمره بالقدوم بهما وذلك في شوال من سنة ثنتين وعشرين وسار الافشين بهما إلى سامرا فكان يلقاه في كل رحلة رسول من المعتصم بخلعة وفرس ولما قرب من سامرا تلقاه الواثق وكبر لقدومه وأنزل الافشين وبابك عنده بالمطيرة وتوج الافشين وألبسه وشاحين ووصله بعشرين ألف ألف درهم وعشرة آلاف ألف درهم يفرقها في عسكره وذلك في صفر سنة ثلاث وعشرين وجاء أحمد

[ 262 ]

ابن أبى داود إلى بابك متنكرا وكلمه ثم جاء المعتصم أيضا متنكرا فرآه ثم عقد من الغد واصطف النظارة سماطين وجئ ببابك راكبا على الفيل فلما وصل أمر المعتصم بقطع أطرافه ثم بذبحه وأنفذ رأسه إلى خراسان وصلب شلوه بسامرا وبعث بأخيه عبد الله إلى اسحق بن ابراهيم ببغداد ليفعل به مثل ذلك ففعل وكان الذى أنفق الافشين في مدة حصاره لبابك سوى الارزاق والانزال والمعارن عشرة آلاف ألف درهم يوم ركوبه لمحاربته وخمسة آلاف يوم قعوده وجميع من قتل بابك في عشرين سنة أيام قتيبة مائة ألف وخمسة وخمسين ألفا وهزم من القواد يحيى بن معاذ وعيسى بن محمد بن أبى خالد وأحمد بن الجنيد وزريق بن على بن صدقة ومحمد بن حميد الطوسى وابراهيم بن الليث وكان الذين أسروا مع بابك ثلاثة آلاف وثلثمائة والذى استنقذ من يديه من المسلمات وأولادهن سبعة آلاف وستمائة انسان جعلوا في حظيرة فمن أتى من أوليائهم وأقام بينة على أحد منهم أخذه والذى صار في يد الافشين من بنى بابك وعياله سبعة عشر رجلا وثلاثا وعشرين امرأة * (فتح عمورية) * وفى سنة ثلاث وعشرين خرج نوفل بن ميخاييل ملك الروم إلى بلاد المسلمين فأوقع بأهل زبطرة لان بابك لما أشرف على الهلاك كتب إليه أن المعتصم قد وجه عساكره حتى خياطه يسنى جعفر بن دينار وطباخه يعنى اتياخ ولم يبق عنده أحد فانتهز الفرصة ثلاثا أو دونها وظن بابك أن ذلك يدعو المعتصم إلى انفاذ العساكر لحرب الروم فيخف عنه ما هو فيه فخرج نوفل في مائة ألف وفيهم من المجمرة الذين كانوا خرجوا بالجبال وهزمهم اسحق بن ابراهيم بن مصعب فلحق بالروم وبلغ نوفل زبطرة فاستباحها قتلا وسبيا وأعاد على ملطية وغيرها ومثل بالاسرى وبلغ الخبر إلى المعتصم فاستعظمه وبلغه ان هاشمية صاحت وهى في أيدى الروم وامعتصماه فأجاب وهو على سريره لبيك لبيك ونادى بالنفير ونهض من ساعته فركب دابته واحتقب شكالا رسله من حديد فيها رداؤه وجمع العساكر وأحضر قاضى بغداد عبد الرحمن بن اسحق ومعه ابن سهل في ثلثمائة وثلاثين من العدول فأشهدهم بما وقف من الضياع ثلثا لولده وثلثا لمواليه وثلثا لوجه الله وسار فعسكر بقرى دجلة لليلتين من جمادى الاولى وبعث عجيف بن عنبسة وعمر الفرغانى وجماعة من القواد مدد الاهل زبطرة فوجدوا الروم قد ارتحلوا عنها فأقاموا حتى تراجع الناس واطمأنوا ولما ظفر ببابك سأل أي بلاد الروم أعظم عندهم فقيل له عمورية فتجهز إليها بما لا يماثله أحد قبله من السلاح والآلة والعدد وحياض الادم والقرب والروايا وجعل مقدمته أشناس وبعده محمد بن ابراهيم بن مصعب

[ 263 ]

وعلى الميمنة اتياخ وعلى الميسرة جعفر بن دينار الخياط وعلى القلب عجيف بن عنبسة وجاء إلى بلاد الروم فأقام بسلوقية على نهر السن قريبا من البحر وعلى سيرة يوم من طرطوس وبعث الافشين إلى سروج وأمره بالدخول من درب الحرث وبعث اشناس من درب طرطوس وأمره بانتظاره بالصفصاف وقدم وصيفا في أثر اشناس وواعدهم يوم اللقاء ورحل المعتصم لست بقين من رجب وبلغه الخبر ان ملك الروم عازم على كبس مقدمته فبعث إلى اشناس بذلك وأن يقيم ثلاثة أيام ليلحق به ثم كتب إليه أن يبعث إليه من قواده من يأتيه بخبر الروم وملكهم فبعث عمر الفرغانى في مائتي فارس فطاف في البلاد وأحضر جماعة عند اشناس أخبروه بأن ملك الروم بينما هو ينتظر المقدمة ليواقعها إذ حاءه الخبر بأن العساكر دخلت من جهة أرمينية يعنى عسكر الافشين فاستخلف ابن خاله على عسكره وسار إلى تلك الناحية فوجه اشناس بهم إلى المعتصم وكتب المعتصم إلى الافشين بالمقام حذرا عليه وجعل لمن يوصل الكتاب عشرة آلاف درهم وأوغل في بلاد الروم فلم يدركه الكتاب وكتب المعتصم إلى اشناس بان يتقدم والمعتصم في أثره حتى إذا كانوا على ثلاث مراحل من أنقرة أسر اشناس في طريقه جماعة من الروم فقتلهم وقال لهم شيخ منهم أنا أدلك على قوم هربوا من أنقرة معهم الطعام والشعير فبعث معه مالك بن كرد في خمسمائة فارس فدل بهم إلى مكان أهل أنقرة فغنموا منهم ووجدوا فيهم جرحى قد حضروا وقعة ملك الروم مع الافشين وقالوا لما استخلف على عسكره سار إلى ناحية أرمينية فلقينا المسلمين صلاة الغداة فهزمناهم وقتلنا رجالهم وافترقت عساكرنا في طلبهم ثم رجعوا بعد الظهر فقاتلونا وحرقوا عسكرنا وفقدنا الملك وانهزمنا ورجعنا إلى العسكر فوجدناه قد انتقض وجاء الملك من الغد فقتل نائبه الذى استخلفه وكتب إلى بلاده بعقاب المنهزمين ومواعدتهم بمكان كذا ليلقى المسلمين بها ووجه خصيا له إلى أنقرة ليحفظها فوجد أهلها قد أجلوا فأمره الملك بالمسير إلى عمورية فوعى مالك بن كرد خبرهم ورجع بالغنيمة والاسرى إلى اشناس وأطلق الامير الذى دله وكتب اشناس بذلك إلى المعتصم ثم جاء البشير من ناحية الافشين بالسلامة وان الوقعة كانت لخمس بقين من شعبان وقدم الافشين على المعتصم بأنقرة ورحل بعد ثلاث والافشين في ميمنته واشناس في ميسرته وهو في القلب وبين كل عسكر وعسكر فرسخان وأمرهم بالتخريب والتحريق ما بين أنقرة وعمورية ثم وافى عمورية وقسمها على قواده وخرج إليه رجل من المنتصرة فدله على عورة من السور بنى ظاهره واخل باطنه فصرب المعتصم خيمته قبالته ونصبت عليه المجانيق فتصدع السور وكتب بطريقها باطيس والخصى إلى الملك يعلمانه بشأنهما في السور وغيره

[ 264 ]

فوقع في يد المسلمين مع رجلين وفى الكتاب ان باطيس عازم على أن يخرج ليلا ويمر بعسكر المسلمين ويلحق بالملك فنادى المعتصم حرسه ثم انثلمت فوهة من السور بين برجين وقد كان الخندق طم بأوعية الجلود المملوأة ترابا ثم ضرب بالذبالات عليها فدحرجها الرجال إلى السور فنشبت في تلك الاوعية وخلص من فيها بعد الجهد ولما جاء من الغد بالسلالم والمنجنيقات فقاتلوهم على تلك الثلمة وحارب وبدر بالحرب اشناس وجمعت المنجنيقات على تلك الثلمة وحارب في اليوم الثاني الافشين والمعتصم راكب ازاء الثلمة واشناس وافشين وخواص الخدام معه ثم كانت الحرب في اليوم الثالث على المعتصم وتقدم اتياخ بالمغاربة والاتراك واشتد القتال على الروم إلى الليل وفشت فيهم الجراحات ومشى بطريق تلك الناحية إلى رؤساء الروم وشكا إليهم واستمدهم فأبوا فبعث إلى المعتصم يستأمن فامنه وخرج من الغد إلى المعتصم وكان اسمه وبدوا فبينما هو المعتصم يحادثه أومأ عبد الوهاب بن على من بين يديه إلى المسلمين بالدخول فافتتحوا من الثلمة ورآهم وبدوا فخاف فقال له المعتصم كل شئ تريده هو لك ودخل المسلمون المدينة وامتنع الروم بكنيستهم وسطها فأحرقها المسلمون عليهم وامتنع باطيس البطريق في بعض أبراجها حتى استنزله المعتصم بالامان وجاء الناس بالاسرى والسبي من كل جانب واصطفى الاشراف وقتل من سواهم وبيعت مغانمهم في خمسة أيام وأحرق الباقي ووثب الناس على المغانم في بعض الايام ينهبونها فركب المعتصم وسار نحوهم فكفؤا بعمورية فهدمت وأحرقت وحاصرها خمسة وخمسين يوما من سادس رمضان إلى آخر شوال وفرق الاسرى على القواد ورجع نحو طرطوس ولم يزل نوفل مملكا على الروم إلى أن هلك سنة تسع وعشرين ومائتين في ولاية الواثق ونصبوا ابنه ميخاييل في كفالة أمه ندورة فأقامت عليهم ست سنين ثم اتهمها ابنها ميخاييل بقمط من اقماطها عليها وألزمها بيتها سنة ثلاث وثلاثين * (حبس العباس بن المأمون ومهلكه) * كان المعتصم يقدم الافشين على عجيف بن عنبسة ولما بعثه إلى زبطرة لم يطلق يده في النفقات كما أطلق للافشين وكان يستقصر شأن عجيف وأفعاله فطوى عجيف على النكث ولقى العباس بن المأمون فعذله على قعوده عند وفاة المأمون عن الامر حتى بويع المعتصم وأغراه قبلا في ذلك فقبل العباس منه ودس رجلا من بطانته يقال له السمرقندى قرابة عبد الله بن الوضاح وكان له أدب ومداراة فاستأمن له جماعة من القواد ومن خواص المعتصم فبايعوه وواعد كل واحد منهم أن يثب بالقائد الذى معه فيقتله من اصحاب المعتصم والافشين واشناس

[ 265 ]

بالرجوع إلى بغداد فأبى من ذلك وقال لا أفسد العراق فلما فتحت عمورية وصعب التدبير بعض الشئ أشار عجيف بأن يضع من ينهب الغنائم فإذا ركب المعتصم وثبوا به ففعلوا مثل ما ذكرنا وركب فلم يتجاسروا عليه وكان للفرغانى قرابة غلام أمرد في جملة المعتصم فجلس مع ندمان الفرغانى تلك الليلة وقص عليهم ركوب المعتصم فأشفق الفرغانى وقال يا بنى اقلل من المقام عند أمير المؤمنين والزم خيمتك وان سمعت هيعة فلا تخرج فأنت غلام غر ثم ارتحل المعتصم إلى الثغور وتغير اشناس على عمر الفرغانى وأحمد بن الخليل وأساء عليهما فطلبا من المعتصم أن يضمهما إلى من شاء وشكيا من اشناس فقال له المعتصم أحسن أدبهما فحبسهما وحملهما على بغل فلما صار بالصفصاف حدث الغلام ما سمع من قريبه عمر الفرغانى فأمر بغان يأخذه من عند اشناس ويساله عن تأويل مقالته فأنكر وقال انه كان سكران فدفعه إلى اتياخ ثم دفع أحمد بن الخليل إلى اشناس عنده نصيحة للمعتصم وأخبره خبر العباس بن المأمون والقواد والحرث السمرقندى فأنفذ اشناس إلى الحرث وقيده وبعث به إلى المعتصم وكان في المقدمة فأخبر الحرث المعتصم بجلية الاثر فأطلقه وخلع عليه ولم يصدقه على القواد لكثرتهم ثم حضر العباس بن المأمون واستحلفه أن لا يكتم عنه شيأ فشرح له القصة فحبسه عند الافشين وتتبع القواد بالحبس والتنكيل وقتل منهم المشاء بن سهيل ثم دفع العباس للافشين فلما نزل منبج طلب الطعام فأطعم ومنع الماء ثم أدرج في نبج فمات ولما وصل المعتصم إلى نصيبين احتفر لعمر الفرغانى بئرا وطمت عليه ولما دخلوا بلاد الموصل قتل عجيف بمثل ما قتل به العباس واستلحم جميع القواد في تلك الايام وسموا العباس اللعين ولما وصل إلى سامرا جلس أولاد المأمون في داره حتى ماتوا * (انتقاض مازيار وقتله) * كان مازيار بن قارن بن وندا هرمز صاحب طبرستان وكان منافر العبد الله بن طاهر فلا يحمل إليه الخراج وقال لا أحمله الا للمعتصم فيبعث المعتصم من يقبضه من أصحابه ويدفعه إلى وكيل عبد الله بن طاهر يرده إلى خراسان وعظمت الفتنة بين مازيار وعبد الله وعظمت سعاية عبد الله في مازيار عند المعتصم حتى استوحش منه ولما ظفر الافشين ببابك وعظم محله عند المعتصم وطمع في ولاية خراسان ظن ان انتقاض مازيار وسيلة لذلك فجعل يستميل مازيار ويحرضه على عداوة ابن طاهر وان أدت إلى الخلاف ليبعثه المعتصم لحربه فيكون ذلك وسيلة له إلى استيلائه على خراسان ظنا بأن ابن طاهر لا ينهض لمحاربته فانتقض مازيار وحمل الناس على بيعته كرها وأخذ رهائنهم وعجل جباية الخراج فاستكثر منه وخرب سور آمد وسور سابة وفتل أهلها إلى جبل يعرف

[ 266 ]

بهر مازابارونى سرخاشان سور طمس منها إلى البحر على ثلاثة أميال وهى على حد جرجان وكانت تبنيه سدا بين الترك وطبرستان وجعل عليه خندقا ومن أهل جرجان إلى نيسابور وأنفذ عبد الله بن طاهر عمه الحسن بن الحسين في جيش كثيف لحفظ جرجان فعسكر على الخندق ثم بعث مولاه حيان بن جبلة إلى قومس فعسكر على جبال شروين وبعث المعتصم من بغداد محمد بن ابراهيم بن مصعب وبعث منصور بن الحسن صاحب دنباوند إلى الرى وبعث أبا الساج إلى دنباوند وأحاطت العساكر بحياله من كل ناحية وداخل أصحاب الحسن بن الحسين أصحاب سرخاشان في تسليم سورهم وليس بينهما الا عرض الخندق فكلموه وسار الآخرون إليه على حين غفلة من القائدين وركب الحسن بن الحسين وقد ملك أصحابه السور ودخلوا منه فهرب سرخاشان وقبضوا على أخيه شهريار فقتل ثم قبض على سرخاشان على خمسة فراسخ من معسكره وجئ به إلى الحسن بن الحسين فقتله أيضا ثم وقعت بين حيان بن جبلة وبين فارق بن شهريار وهو ابن أخى مازيار ومن قواده مداخلة استمالت حيان فأجاب أن يسلم مدينة سارية إلى حد جرجان على أن يملكوه جبال آبائه وبعث حيان إلى ابن طاهر فسجل لقارن بما سأل وكان قارن في جملة عبد الله بن قارن أخى مازيار ومن قواده فأحضر جميعهم لطعامه وقبض عليهم وبعث بهم إلى حيان فدخل جبال قارن في جموعه واعتصم لذلك مازيار وأشار عليه أخوه القوهيار أن يخلى سبيل من عنده من أصحابه ينزلون من الجبل إلى مواطنهم لئلا يؤتى من قبلهم فصرف صاحب شرطته وخراجه وكاتبه حميدة فلحقوا بالسهل ووثب أهل سارية بعامله عليهم مهرستان ابن شهرين فهرب ودخل حيان سارية ثم بعث قوهيار أخو مازيار محمد بن موسى بن حفص عامل طبرستان وكانوا قد حبسوه عند انتقاضهم فبعثه إلى حيان ليأخذ له الامان وولاية جبال آبائه على أن يسلم إليه مازيار وعذل قوهيار بعض أصحابه في عدوله بالاستئمان عن الحسن إلى حيان فرجع إليهم وكتبوا إلى الحسن يستدعونه قوهيار من أخيه مازيار فركب من معسكره بطمس وجاء لموعدهم ولقى حيان على فرسخ فرده إلى جبال شروين التى افتتحها ووبخه على غيبته عنها فرجع سارية وتوفى وبعث عبد الله مكانه محمد بن الحسين بن مصعب وعهد إليه أن لا يمنع قارن ما يريده ولما وصل الحسن إلى خرماباذ وسط جبال مازيار لقيه قوهيار هنالك واستوثق كل منهما من صاحبه وكاتب محمد بن ابراهيم بن مصعب من قواد المعتصم قوهيار بمثل ذلك فركب قاصدا إليه وبلغ الحسن خبره فركب في العسكر وحازم يسابق محمد بن ابراهيم إلى قوهيار فسبقه ولقى قوهيار وقد جاء بأخيه مازيار فقبض عليه وبعثه مع اثنين من قواده إلى

[ 267 ]

خرماباذ ومنها إلى مدينة سارية ثم ركب واستقبل محمد بن ابراهيم بن مصعب وقال أين تريد فقال إلى المازيار فقال هو بسارية ثم حبس الحسن أخوى المازيار ورجع إلى مدينة سارية فقيد المازيار بالقيد الذى قيد به محمد بن محمد بن موسى بن حفص وجاء كتاب عبد الله بن طاهر بأن يدفع المازيار وأخويه وأهل بيته إلى محمد بن ابراهيم يحملهم إلى المعتصم وسأل الحسن المازيار عن أمواله فذكر أنها عند قوم من وجوه سارية سماهم وأمر الحسن القوهيار بحمل هذه الاموال وسار إلى الجبل ليحملها فوثب به مماليك المازيار من الديلم وكانوا ألفا ومائتين فقتلوه بثار أخيه وهربوا إلى الديلم فاعترضتهم جيوش محمد بن ابراهيم وأخذوهم فبعث بهم إلى مدينة سارية وقيل ان الذى غدر بالمازيار ابن عم له كان يتوارث جبال طبرستان والمازيار يتوارث سهلها وكانت جبال طبرستان ثلاثة أجبل فلما انتقض واحتاج إلى الرجال دعا ابن عمه من السهل وولاه على أصعبها وظن أنه قد توثق به فكاتب هو الحسن وأطلعه على مكاتبة الافشين لمازيار وداخله في الفتك على أن يوليه ما كان لآبائه وأن المازيار لما ولاه الحسن بن سهل طبرستان انتزع الجبل من يده فأفضى له الحسن كتاب ابن طاهر وتوثق له فيه وأوعده ليوم معلوم ركب فيه الحسن إلى الجبل فأدخله ابن عم مازيار وحاصروه حتى نزل على حكمه ويقال أخذه أسيرا في الصيد ومضى الحسن به ولم يشعر صاحب الجبل الآخر وأقام في قتاله لمن كان بازائه فلم يشعر الا والعساكر من ورائه فانهزم ومضى إلى بلاد الديلم فأتبعوه وقتلوه ولما صار المازيار في يده طلبت منه كتب الافشين فأحضرها وأمر ابن طاهر أن يبعث بها معه إلى المعتصم فلما وصل إلى المعتصم ضربه حتى مات وصلبه إلى جانب بابك وذلك سنة أربع وعشرين * (ولاية ابن السيد على الموصل) * وفى سنة أربع وعشرين ولى المعتصم على الموصل عبد الله بن السيد بن أنس الازدي وكان سبب ولايته أن رجلا من مقدمى الاكراد يعرف بجعفر بن فهر حس كان قد عصى باعمال الموصل وتبعه خلق كثير من الاكراد وغيرهم وأفسدوا البلاد فبعث المعتصم لحربه عبد الله بن السيد بن أنس فقاتله وغلبه وأخرجه منها بعد أن كان استولى عليها ولحق بجبل دانس وامتنع بأعاليه وقاتله عبد الله وتوغل في مضايق ذلك الجبل فهزمه الاكراد وأثخنوا في أصحابه بالقتل وقتل اسحق بن أنس عم عبد الله فبعث المعتصم مولاه اتياخ في العساكر إلى الموصل سنة خمس وعشرين وقصد جبل داسن فقاتل جعفرا وقتله وافترق أصحابه وأوقع بالاكراد واستباحهم وفروا أمامه إلى تكريت

[ 268 ]

* (نكبة الافشين ومقتله) * كان الافشين من أهل اسروسنة تبوأها ونشأ ببغداد عند المعتصم وعظم محله عنده ولما حاصر بابك وكان يبعث إلى اشروسنة بجميع أمواله فيكتب ابن طاهر بذلك إلى المعتصم فيأمره المعتصم بأن يجعل عيونه عليه في ذلك وعثر مرة ابن طاهر على تلك الاموال فأخذها وصرفها في العطاء وقال له حاملوها هذا مال الافشين فقال كذبتم لو كان ذلك لا علمني أخى افشين به وانما أنتم لصوص وكتب إلى الافشين بذلك بأنه دفع المال إلى الجند ليوجههم إلى الترك فكتب إليه افشين مالى ومال أمير المؤمنين واحد وسأله في اطلاق القوم فأطلقهم واستحكمت الوحشة بينهما وتتابعت السعاية فيه من طاهر وربما فهم الافشين أن المعتصم يعزله عن خراسان فطمع في ولايتها وكان مازيار يحسن له الخلافة ليدعو المعتصم ذلك إلى عزله وولاية الافشين لحرب مازيار فكان من أمر مازيار ما ذكرناه وسيق إلى بغداد مقيدا وولى المعتصم الافشين على أذربيجان فولى عليها من قبله منكجور من بعض قرابته فاستولى على مال عظيم لبابك وكتب به صاحب البريد إلى المعتصم فكذبه منكجور وهم بقتله فمنعه أهل اردبيل فقاتلهم وسمع ذلك المعتصم فأمر الافشين بعزل منكجور وبعث قائدا في عسكره مكانه فخلع منكجور وخرج من اردبيل فهزمه القائد ولحق ببعض حصون اذربيجان كان بابك خربه فأصلحه وتحصن فيه شهرا ثم وثب فيه أصحابه وأسلموه إلى القائد فقدم به إلى سامرا فحبسه المعتصم واتهم الافشين في أمره وذلك سنة خمس وعشرين ومائتين بأن القائد كان بغا الكبير وأنه خرج إليه بالامان اه‍ * ولما أحس الافشين بتغير المعتصم أجمع أمره على الفرار واللحاق بارمينية وكانت في ولايته ويخرج منها إلى بلاد الخرر ويرجع إلى بلاد اشروسنة وصعب عليه ذلك بمباشرة المعتصم أمره فأراد أن يتخذ لهم صنيعا يشغلهم فيه نهارهم ثم يسير من أول الليل وعرض له في أثناء ذلك غضب على بعض مواليه وكان سيئ الملكة فأيقن مولاه بالهلكة وجاء إلى اتياخ فأحضره إلى المعتصم وخبره الخبر فأمره باحضاره وحبسه بالجوسق وكان ابنه الحسن عاملا على بعض ما وراء النهر فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر في الاحتيال عليه وكان يشكو من نوح بن أسد صاحب بخارى فكتب ابن طاهر إلى الحسن بولاية بخارى وكتب إلى نوح بذلك وأن يستوثق منه إذا وصل إليه ويبعث به ثم يبعث به إلى ابن طاهر ثم إلى المعتصم ثم أمر المعتصم باحضار الافشين ومناظرته فيما قيل عنه فأحضر عند الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات وعنده القاضى أحمد بن ابى دواد واسحق ابن ابراهيم وجماعة القواد والاعيان وأحضر المازيار من محبسه والمؤيد والمرزبان بن

[ 269 ]

تركش أحد ملوك الصغد ورجلان من أهل الصغد يدعيان أن الافشين ضربهما وهما امام ومؤذن بمسجد فكشفا عن ظهورهما وهما عاريان من اللحم فقال ابن الزيات للافشين ما بال هذين قال عهدا إلى معاهدين فوثبا على بيت أصنامهم فكسراها واتخذا البيت مسجدا فعاقبتهما على ذلك وقال ابن الزيات ما بال الكتاب المحلى بالذهب والجوهر عندك وفيه الكفر قال كتاب ورثته من آبائى وأوصوني بما فيه من آدابهم فكت آخذها منه واترك كفرهم ولم أحتج إلى نزع حليته وما ظننت ان مثل هذا يخرج عن الاسلام ثم قال المؤيد انه يأكل لحم المنخنقة ويحملني على أكلها ويقول هو أرطب من لحم المذبوحة ولقد قال لى يوما حملت على كل مكروه لى حتى أكلت الزيت وركبت الجمل ولبست النعل إلى هذه الغاية لم أخنتن ولم تسقط عنى شعرة العانة فقال الافشين أثقة هذا عندكم في دينه وكان مجوسيا قالوا لا قال فكيف تقبلونه على ثم قال للمؤيد أنت ذكرت انى أسررت اليك ذلك فلست بثقة في دينك ولا بكريم في عهدك ثم قال له المرزبان كيف يكاتبك أهل اشروسنة قال ما أدرى قال أليس يكاتبونك بما تفسره بالعربى إلى اله الآلهة من عبد ه فلان قال بلى فقال ابن الزيات فما أبقيت لفرعون قال هذه عادة منهم لابي وجدى ولى قبل الاسلام ولو منعتهم لفسدت على طاعتهم ثم قال له أنت كاتبت هذا وأشار إلى المازيار كتب أخوه إلى أخى قوهيار انه لن ينصر هذا الدين غيرى وغيرك وغير بابك فأما بابك فقد قتل نفسه بجمعه ولقد عهدت أن أمنفه فأبى الا خنقه وأنت ان خالفت لم يرمك القوم بغيرى ومعى أهل النجدة وان توجهت اليك لم يبق أحد يحاربنا الا العرب والمغاربة والترك والعربي كلب تناوله لقمة وتضرب رأسه والمغاربة أكلة رأس والاتراك لهم صدمة ثم تجول الخيل جولة فتأتى عليهم ويعود هذا الدين إلى ما كان عليه أيام العجم فقال الافشين هذا يدعى ان أخى كتب إلى أخيه فما يجب على ولو كتب فأنا أستميله مكرا به لا حظى عند الخليفة كما حظى به ابن طاهر فزجره ابن أبى دواد فقال له الافشين ترفع طيلسانك فلا تضعه حتى تقتل جماعة فقال أمتطهر أنت قال لا قال فما يمنعك وهو شعار الاسلام قال خشيت على نفسي من قطعه قال فكيف وأنت تلقى الرماح والسيوف قال تلك ضرورة أصبر عليها وهذا أستجلبه فقال ابن أبى دواد لبغا الكبير قد بان لكم أمره يا بغا عليك به فدفعه بيديه ورده إلى محبسه وضرب مازيار أربعمائة سوط فمات منها وطلب افشين من المعتصم أن ينفذ إليه من يثق به فبعث حمدون به اسمعيل فاعتذر له عن جميع ما قيل فيه وحمل إلى دار اتياخ فقتل بها وصلب على باب العامة ثم أحرق وذلك في شعبان من سنة ست وعشرين وقيل قطع عنه الطعام والشراب حتى مات

[ 270 ]

* (ظهور المبرقع) * كان هذا المبرقع يعرف بأبى حرب اليماني وكان بفلسطين وأراد بعض الجند النزول في داره فمنعه بعض النساء فضربها الجندي وجاء فشكت إليه بفعل الجندي فسار إليه وقتله ثم هرب إلى جبال الاردن فأقام به واختفى ببرقع على وجهه وصار يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعيب الخليفة ويزعم أنه أموى واجتمع له قوم من تلك الناحية وقالوا هو السفياني ثم أجابه جماعة من رؤساء اليمانية منهم ابن بهيس وكان مطاعا في قومه وغيره فاجتمع له مائة ألف وسرح المعتصم رجاء بن أيوب في ألف من الجند فخام عن لقائه لكثرة من معه وعسكر قبالته ينتظر أوان الزراعة وانصراف الناس عنه لاعمالهم وبينماهم في الانصراف توفى المعتصم وثارت الفتنة بدمشق فأمره الواثق بقتل من أثار الفتنة والعود إلى المبرقع ففعل وقاتله فأخذه أسيرا وابن بهيس معه وقتل من أصحابه عشرين ألفا وحمله وذلك سنة سبع وعشرين ومائتين * (وفاة المعتصم وبيعة الواثق) * وتوفى المعتصم أبو اسحق محمد بن المأمون بن الرشيد منتصف ربيع الاول سنة سبع وعشرين لثمان سنين وثمانية أشهر من خلافته وبويع ابنه هرون الواثق صبيحته وتكنى أبا جعفر فثار أهل دمشق بأميرهم وحاصروه وعسكروا بمرج واسط وكان رجاء بن أيوب بالرملة في قتال المبرقع فرجع إليهم بأمر الواثق فقاتلهم وهزمهم وأثخن فيهم وقتل منهم نحو ألف وخمسمائة ومن أصحابه نحو ثلثمائة وصلح أمر دمشق ورجع رجاء إلى قتال المبرقع حتى جاء به أسيرا بيعة الواثق نوجه اشناس ووشحه وكان للواثق سمر يجلسون عنده ويفيضون في الاخبار حتى أخبروه عن شأن البرامكة واستبدادهم على الرشيد واحتجابهم الاموال فأغراه ذلك بمصادرة الكتاب فحبسهم وألزمهم الاموال فأخذ من أحمد بن اسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن ضربه ومن سليمان بن وهب كاتب اتياخ أربعمائة ألف ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألفا ومن ابراهيم بن رباح وكاتبه مائة ألف ومن أبى الوزر مائة وأربعين ألفا وكان على اليمن اتياخ وولاه عليها المعتصم بعد ما عزل جعفر بن دينار وسخطه وحبسه ثم رضى عنه وأطلقه فلما ولى الواثق ولى اتياخ على اليمن من قبله سار باميان فسار إليها وكان الحرس اسحق بن يحيى بن معاذ ولاه المعتصم بعد عزل الافشين وولى الواثق على المدينة سنة احدى وعشرين محمد بن صالح بن العباس وبقى محمد بن داود على مكة وتوفى عبد الله ابن طاهر سنة ثلاثين وكان على خراسان وكرمان وطبرستان والرى وكان له الحرب والشرطة والسواد فولى ا