الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ
 
أ ب ت  ...




تاريخ ابن خلدون - ابن خلدون ج 3

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون ج 3


[ 1 ]

تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر، وديوان المبتدإ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر لوحيد عصره العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المغربي المتوفى سنة 808 هجرية الجزء الثالث 1391 ه‍. - 1971 م. منشورات مؤسسه الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب. 7120

[ 2 ]

* (بسم الله الرحمن الرحيم) * (كان) لبنى عبد مناف في قريش جمل من العدد والشرف لا يناهضهم فيها أحد من سائر بطون قريش وكان فخذ اهم بنو أمية وبنو هاشم حيا جميعا ينتمون لعبد مناف وينسبون إليه وقريش تعرف ذلك وتسأل لهم الرياسة عليهم الا أن بنى أمية كانوا أكثر عددا من بنى هاشم وأوفر رجالا والعزة انما هي بالكثرة قال الشاعر وانما العزة للكاثر * وكان لهم قبيل الاسلام شرف معروف انتهى إلى حرب أمية وكان رئيسهم في حرب الفجار وحدث الاخباريون أن قريشا تواقعوا ذات يوم وحرب هذا مسند ظهره إلى الكعبة فتبادر إليه غلمة منهم ينادون يا عم أدرك قومك فقام يجر ازاره حتى اشرف عليهم من بعض الربا ولوح بطرف ثوبه إليهم أن تعالوا فبادرت الطائفتان إليه بعد أن كان حمى وطيسهم (ولما) جاء الاسلام ودهش الناس لما وقع من أمر النبوة والوحى وتنزل الملائكة وما وقع من خوارق الامور ونسى الناس أمر العصبية مسلمهم وكافرهم أما المسلمون فنهاهم الاسلام عن أمور الجاهلية كما في الحديث ان الله أذهب عنكم غبية الجاهلية وفخرها لاننا وأنتم بنو آدم وآدم من تراب وأما المشركون فشغلهم ذلك الامر العظيم عن شان العصائب وذهلوا

[ 3 ]

عنه حينا من الدهر ولذلك لما افترق أمر بنى أمية وبنى هاشم بالاسلام انما كان ذلك الافتراق بحصار بنى هاشم في الشعب لا غير ولم يقع كبير فتنة لاجل نسيان العصبيات والذهول عنها بالاسلام حتى كانت الهجرة وشرع الجهاد ولم يبق الا العصبية الطبيعية التى لا تفارق وهى بعزة الرجل على أخيه وجاره في القتل والعدوان عليه فهذه لا يذهبها شئ ولا هي محظورة بل هي مطلوبة ونافعة في الجهاد والدعاء إلى الدين ألا ترى إلى صفوان بن أمية وقوله عند ما انكشف المسلمون يوم حنين وهو يومئذ مشرك في المدة التى جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يسلم فقال له أخوه ألا بطل السحر اليوم فقال له صفوان اسكت فض الله فاك لان يربنى رجل من قريش أحب إلى من أن يربنى رجل من هوازن ثم ان شرف بنى عبد مناف لم يزل في بنى عبد شمس وبنى هاشم فلما هلك أبو طالب وهاجر بنوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة كذلك ثم من بعده العباس والكثير من بنى عبد المطلب وسائر بنى هاشم خلا الجو حينئذ من مكان بنى هاشم بمكة واستغلظت رياسة بنى أمية في قريش ثم استحكمتها مشيخة قريش من سائر البطون في بدر وهلك فيها اعظماء بنى عبد شمس عتبة وربيعة والوليد وعقبة بن أبى معيط وغيرهم فاستقل أبو سفيان بشرف بنى أمية والتقدم في قريش وكان رئيسهم في أحد وقائدهم في الاحزاب وما بعدها (ولما كان الفتح) قال العباس للنبى صلى الله عليه وسلم لما أسلم أبو سفيان ليلتئذ كما هو معروف وكان صديقا له يا رسول الله ان أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له ذكرا فقال من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ثم من على قريش بعد أن ملكهم يومئذ وقال اذهبوا فأنتم الطلقاء وأسلموا وشكت مشيخة قريش بعد ذلك لابي بكرما وجدوه في أنفسهم من التخلف عن رتب المهاجرين الاولين وما بلغهم من كلام عمر في تركه شوراهم فاعتذر لهم أبو بكر وقال أدركوا اخوانكم بالجهاد وأنفذهم لحروب الردة فأحسنوا الغناء عن الاسلام وقوموا الاعراب عن الحيف والميل ثم جاء عمر فرمى بهم الروم وأرغب قريشا في النفير إلى الشأم فكان معظمهم هنالك واستعمل يزيد بن أبى سفيان على الشأم وطال أمد ولايته إلى أن هلك في طاعون عمواس سنة ثمانى عشرة فولى مكانه أخاه معاوية وأقره عثمان من بعد عمر فاتصلت رياستهم على قريش في الاسلام برياستهم قبيل الفتح التى لم تحل صبغتها ولا ينسى عهدها أيام شغل بنى هاشم بأمر النبوة ونبذوا الدنيا من أيديهم بما اعتاضوا عنها من مباشرة الوحى وشرف القرب من الله برسوله وما زال الناس يعرفون ذلك لبنى أمية وانظر مقالة حنظلة بن زياد الكاتب لمحمد بن أبى بكر ان هذا الامر ان صار إلى التغالب غلبك عليه بنو عبد مناف

[ 4 ]

(ولما هلك عثمان) واختلف الناس على على كانت عساكر على أكثر عدد المكان الخلافة والفضل الا أنها من سائر القبائل من ربيعة ويمن وغيرهم وجموع معاوية انما هي جند الشأم من قريش شوكة مضر وبأسهم نزلوا بثغور الشأم منذ الفتح فكانت عصبيته أشد وأمضى شوكة ثم كسر من جناح على ما كان من أمر الخوارج وشغله بهم إلى أن ملك معاوية وخلع الحسن نفسه واتفقت الجماعة على بيعة معاوية في منتصف سنة احدى وأربعين عند ما نسى الناس شأن النبوة والخوارق ورجعوا إلى أمر العصبية والتغالب وتعين بنو أمية للغلب على مضر وسائر العرب ومعاوية يومئذ كبيرهم فلم تتعده الخلافة ولا ساهمه فيها غيره فاستوت قدمه واستفحل شأنه واستحكمت في أرض مصر رياسته وتوثق عقده وأقام في سلطانه وخلافته عشرين سنة ينفق من بضاعة السياسة التى لم يكن أحد من قومه أو فر فيها منه يدا من أهل الترشيح من ولد فاطمة وبنى هاشم وآل الزبير وأمثالهم ويصانع رؤس العرب وقروم مضر بالاغضاء والاحتمال والصبر على الاذى والمكروه وكانت غايته في الحلم لا تدرك وعصابته فيها لا تنزع ومرقاته فيها تزل عنها الاقدام (ذكر) أنه مازح عدى بن حاتم يوما يؤنبه بصحبة على فقال له عدى والله ان القلوب التى أبغضناك بها لفى صدورنا وان السيوف التى قاتلناك بها لعلى عواتقنا ولئن أدنيت الينا من الغدر شبرا لندنين اليك من الشر باعا وان حز الحلقوم وحشرجة الحيزوم لاهون علينا من أن نسمع المساءة في على فشم السيف يا معاوية يبعث السيف فقال معاوية هذه كلمات حق فاكتبوها وأقبل عليه ولاطفه وتحادثا وأخباره في الحلم كثيرة * (بعث معاوية العمال إلى الامصار) * لما استقل معاوية بالخلافة عام عدم الجماعة بعث العمال إلى الامصار فبعث على الكوفة المغيرة بن شعبة ويقال انه ولى عليها أولا عبد الله بن عمرو بن العاص فأتاه المغيرة منتصحا وقال عمرو بمصر وابنه بالكوفة فأنت بين نابى أسد فعزله وولى المغيرة وبلغ ذلك عمرا فقال لمعاوية يختان المال فلا تقدر على رده فعد فاستعمل من يخافك فنصب المغيرة على الصلاة وولى على الخراج غيره وكان على القضاء شريح (ولما ولى) المغيرة على الكوفة استعمل كثير بن شهاب على الرى وأقره زياد بعده وكان يغزو الديلم ثم بعث على البصرة بسر بن أرطاة وكان قد تغلب عليها حمران بن زيد عند صلح الحسن مع معاوية فبعث بسرا عليها فخطب الناس وتعرض لعلى ثم قال نشدت الله رجلا يعلم أنى صادق أو كاذب ولا صدقنى أو كذبني فقال أبو بكرة اللهم لا نعلمك الا كاذبا فأمر به فخنق فقام أبو لؤلؤة الضبى فدفع عنه وكان على فارس من أعمال

[ 5 ]

البصرة زياد ابن أبيه وبعث إليه معاوية يطلبه في المال فقال صرفت بعضه في وجهه واستودعت بعضه للحاجة إليه وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمه الله فكتب إليه معاوية بالقدوم لينظر في ذلك فامتنع فلما ولى بسر على البصرة جمع عنده أولاد زياد والاكابر عبد الرحمن وعبد الله وعباد وكتب إليه لتقدمن أو لاقتلن بنيك فامتنع واعتزم بسر على قتلهم فأتاه أبو بكرة وكان أخا زياد لامه فقال أخذتهم بلا ذنب وصالح الحسن على أصحاب على حيث كانوا فأمهله بسر إلى أن يأتي بكتاب معاوية ثم قدم أبو بكرة على معاوية وقال ان الناس لم يبايعوك على قتل الاطفال وان بسرا يريد قتل بنى زياد فكتب إليه بتخليتهم وجاء إلى البصرة يوم المهاد ولم يبق منه الا ساعة وهم موثقون للقتل فأدركهم وأطلقهم انتهى (ثم عزل) معاوية بسرا عن البصرة وأراد أن يولى عتبة ابن أبى سفيان فقال له ابن عامر ان لى بالبصرة أموالا وودائع وان لم تولني عليها ذهبت فولاه وجعل إليه معها خراسان وسجستان وقدمها سنة احدى وأربعين فولى على خراسان قيس بن الهيثم السلمى وكان أهل بلخ وباذغيس وهراة ويوشلخ قد نضوا فسار إلى بلخ وحاصرها حتى سألوا الصلح وراجعوا الطاعة وقيل انما صالحهم الربيع ابن زياد سنة احدى وخمسين على ما سيأتي (ثم قدم) قيس على ابن عامر فضربه وحبسه وولى مكانه عبد الله بن حازم وقدم خراسان فأرسل إليه أهل هراة وباذغيس ويوشلخ في الامان والصلح فأجابهم وحمل لابن عامر مالا انتهى (ثم ولى) معاوية سنة اثنتين وأربعين على المدينة مروان بن الحكم وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام واستقصى مروان عبد الله بن الحرث بن نوفل وعزل مروان عن المدينة سنة تسع وأربعين وولى مكانه سعد بن العاص وذلك لثمان سنين من ولايته وجعل سعيدا على القضاء ابن عبد الرحمن مكان عبد الله بن الحرث ثم عزل معاوية سعيدا سنة أربع وخمسين ورد إليها مروان (قدوم زياد) وكان زياد قد امتنع بفارس بعد مقتل على كما قدمناه وكان عبد الرحمن ابن أخيه أبى بكرة يلى أمواله بالبصرة ورفع إلى معاوية أن زيادا استودع أمواله عبد الرحمن فبعث إلى المغيرة بالكوفة أن ينظر في ذلك فأحضر عبد الرحمن وقال له ان يكن أبوك أساء إلى فقد أحسن عمك وأحسن العذر عند معاوية (ثم قدم المغيرة) على معاوية فذكر له ما عنده من الوجل باعتصام زياد بفارس فقال داهية العرب معه أموال فارس يدبر الحيل فما آمن أن يبايع لرجل من أهل البيت ويعيد الحرب خدعة فاستأذنه المغيرة أن يأتيه ويتلطف له ثم أتاه وقال ان معاوية بعثنى اليك وقد بايعه الحسن ولم يكن هناك غيره فخذ لنفسك قبل أن يستغنى معاوية عنك قال أشر على

[ 6 ]

والمستشار مؤتمن فقال أرى أن تشخص إليه وتصل حبلك بحبله وترجع عنه فكتب إليه معاوية بأمانه وخرج زياد من فارس نحو معاوية ومعه المنجاب بن رابد الضبى وحارثة بن بدر الغدانى واعترضه عبد الله بن حازم في جماعة وقد بعثه ابن عامر ليأتيه به فلما رأى كتاب الامان تركه وقدم على معاوية فسأله عن أموال فارس فأخبره بما أنفق وبما حمل إلى على وبما بقى عنده مودعا للمسلمين فصدقه معاوية وقبضه منه ويقال انه قال له أخاف أن تكون مكر وبابى فصالحني فصالحه على ألفى ألف درهم بعث بها إليه واستأذنه في نزول الكوفة فأذن له وكان المغيرة يكرمه ويعظمه وكتب إليه معاوية أن يلزم زيادا وحجر بن عدى وسليمان بن صرد وسيف بن ربعى وابن الكوا وابن الحميق بالصلاة في الجماعة فكانوا يحضرون معه الصلوات (عمال ابن عامر على الثغور) لما ولى ابن عامر على البصرة استعمل عبد الرحمن بن سمرة على سجستان فأتاها وعلى شرطتها عباد بن الحصين ومعه من الاشراف عمر ابن عبيد الله بن معمر وغيره وكان أهل البلاد قد كفروا ففتح أكثرها حتى بلغ كابل وحاصرها أشهرا ونصب عليها المجانيق حتى ثلم سورها ولم يقدر المشركون على سد الثلمة وبات عباد بن الحسين عليها يطاعنهم إلى الصبح ثم خرجوا من الغد للقتال فهزمهم المسلمون ودخلوا البلد عنوة اه‍ (ثم سار) إلى نسف فملكها عنوة ثم إلى حسك فصالحه أهلها ثم إلى الرجح فقاتلوه وظفر بهم وفتحها اه‍ ثم إلى زابلستان وهى غزنة وأعمالها ففتحها ثم عاد إلى كابل وقد نكث أهلها ففتحها اه‍ (واستعمل) على ثغر الهند عبد الله بن سوار العبدى ويقال بل ولاه معاوية من قبله فغزا التيعان فأصاب مغنما ووفد على معاوية وأهدى له من خيولها ثم عاد إلى غزوهم فاستنجدوا بالترك وقتلوه وكان كريما في الغاية يقال لم يكن أحد يوقد النار في عسكره وسأل ذات ليلة عن نار رآها فقيل له خبيص يصنع لنفسا فأمر أن يطعم الناس الخبيص ثلاثة أيام (واستعمل) على خراسان قيس بن الهيثم فتغافل بالخراج والهدنة فولى مكانه عبد الله بن حاتم فخاف قيسا وأقبل فزاد ابن عامر غضبا لتضييعه الثغر وبعث مكانه رجلا من يشكر وقيل أسلم بن زرعة الكلابي اه‍ (ثم بعث) عبد الله بن حازم وقيل ان ابن حازم قال لابن عامر ان قيسا لا ينهض بخراسان وأخاف ان لقى قيس حربا أن ينهزم ويفسد خراسان فاكتب لى عهدا ان عجز عن عدو قمت مقامه فكتب وخرجت خارجة من طخارستان فأشار ابن حازم عليه أن يتأخر حتى يجتمع عليه الناس فلما سار غير بعيد أخرج ابن حازم عهده وقام بأمر الناس وهزم العدو وبلغ الخبر إلى الامصار فغضبت أصحاب قيس وقالوا خدع صاحبنا وشكوا إلى معاوية فاستقدمه فاعتذر

[ 7 ]

فقبل منه وقال له أقم في الناس بعذرك ففعل اه‍ (وفى سنة) ثلاث وأربعين توفى عمرو ابن العاص بمصر فاستعمل معاوية مكانه عبد الله ابنه (عزل ابن عامر) وكان ابن عامر حليما لينا للسفهاء فطرق البصرة الفساد من ذلك وقال له زياد جرد السيف فقال لا أصلح الناس بفساد نفسي ثم بعث وفدا من البصرة إلى معاوية فوافقوا عنده وفد الكوفة ومنهم ابن الكوا وهو عبد الله بن أبى أوفى اليشكرى فلما سألهم معاوية عن الامصار أجابه ابن الكوا بعجز ابن عامر وضعفه فقال معاوية تتكلم على أهل البصرة وهم حضور وبلغ ذلك ابن عامر فغضب وولى على خراسان من أعداء ابن الكوا عبد الله بن أبى شيخ اليشكرى أو طفيل بن عوف فسخر منه ابن الكوا لذلك وقال وددت أنه ولى كل يشكرى من أجل عداوتي ثم ان معاوية استقدم ابن عامر فقدم وأقام أياما فلما ودعه قال انى سائلك ثلاثا قال هن لك قال ترد على عملي ولا تغضب وتهب لى مالك بعرفة ودورك بمكة قال قد فعلت قال وصلتك رحم فقال ابن عامر وانى سائلك ثلاثا ترد على عملي بعرفة ولا تحاسب لى عاملا ولا تتبع لى أثرا وتنكحني ابنتك هندا قال قد فعلت ويقال ان معاوية خيره بين أن يرده على اتباع أثره وحسابه بما سار إليه أو يعزله ويسوغه ما أصاب فاختار الثالثة فعزله وولى مكانه الحرث بن عبد الله الازدي (استخلاف زياد) كانت سمية أم زياد مولاة للحرث بن كندة الطبيب وولدت عنده أبا بكرة ثم زوجها بمولى له وولدت زياد أو كان أبو سفيان قد ذهب إلى الطائف في بعض حاجاته فأصابها بنوع من أنكحة الجاهلية وولدت زيادا هذا ونسبه إلى أبى سفيان وأقر لها به الا أنه كان بخفية ولما شب زياد سمت به النجابة واستكتبه أبو موسى الاشعري وهو على البصرة واستكفاه عمر في أمر فحسن منار دينه وحضر عنده يعلمه بما صنع فأبلغ ما شاء في الكلام فقال عمرو بن العاص وكان حاضر الله هذا الغلام لو كان أبوه من قريش ساق العرب بعصاه قال أبو سفيان وعلى يسمع والله انى لاعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه فقال له على اسكت فلو سمع عمر هذا منك كان اليك سريعا ثم استعمل على زيادا على فارس فضبطها وكتب إليه معاوية يتهدده ويعرض له بولادة أبى سفيان اياه فقام في الناس فقال عجبا لمعاوية يخوفني دين ابن عم الرسول في المهاجرين والانصار وكتب إليه على انى وليتك وأنا أراك أهلا وقد كان من أبى سفيان فلتة من آمال الباطل وكذب النفس لا توجب ميراثا ولا نسبا ومعاوية يأتي الانسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فاحذر ثم احذر والسلام اه‍ ولما قتل على وصالح زياد معاوية وضع مصقلة بن هبيرة

[ 8 ]

الشيباني على معاوية ليعرض له بنسب أبى سفيان ففعل ورأى معاوية أن يميله باستلحاقه فالتمس الشهادة بذلك ممن علم لحوق نسبه بأبى سفيان فشهد له رجال من أهل البصرة وألحقه وكان أكثر شيعة على ينكرون ذلك ويتقمونه على معاوية حتى أخوه أبو بكرة (وكتب زياد) إلى عائشة في بعض الاحيان من زياد بن أبى سفيان يستدعى جوابها بهذا النسب ليكون له حجة فكتبت إليه من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها زياد وكان عبد الله عامر يبغض زيادا وقال يوما لبعض أصحابه من عبد القيس بن سمية يقبح آثارى ويعترض عمالى لقد هممت بقسامة من قريش ان أبا سفيان لم ير سمية فأخبر زياد بذلك فأخبر به معاوية فأمر حاجبه أن يرده من أقصى الابواب وشكا ذلك إلى يزيد فركب معه فأدخله على معاوية فلما رآه قام من مجلسه ودخل إلى بيته فقال يزيد نقعد في انتظاره فلم يزالا حتى عدا ابن عامر فيما كان منه من القول وقال انى لا أتكثر بزياد من قلة ولا أتعزز به من ذلة ولكن عرفت حق الله فوضعته موضعه فخرج ابن عامر وترضى زيادا ورضى له معاوية (ولاية زياد البصرة) كان زياد بعد صلح معاوية واستلحاقه نزل الكوفة وكان يتشوف الامارة عليها فاستثقل المغيرة ذلك منه فاستعفي معاوية من ولاية الكوفة فلم يعفه فيقال انه خرج زياد إلى الشأم ثم ان معاوية عزل الحرث بن عبد الله الازدي عن البصرة وولى عليها زيادا سنة خمس وأربعين وجمع له خراسان وسجستان ثم جمع له السند والبحرين وعمان وقدم البصرة فخطب خطبته البتراء وهى معروفة وانما سميت البتراء لانه لم يفتنحها بالحمد والثناء فحذرهم في خطبته ما كانوا عليه من الانهماك في الشهوات والاسترسال في الفسق والضلال وانطلاق أيدى السفهاء على الجنايات وانتهاك الحرم وهم يدنون منهم فأطال في ذلك عنفهم ووبخهم وعرفهم ما يجب عليهم في الطاعة من المناصحة والانقياد للائمة وقال لكم عندي ثلاث لا أحتجب عن طالب حاجة ولو طرقني ليلا ولا أحبس العطاء عن اباية ولا أحمر البعوث فلما فرغ من خطبته قال له عبد الله بن الاهم أشهد أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب قال كذبت ذاك نبى الله داود ثم استعمل على شرطته عبد الله بن حصين وأمره أن يمنع الناس من الولوج بالليل وكان قد قال في خطبته لا أوتى بمدلج الا سفكت دمه وكان يأمر بقراءة سورة البقرة بعد صلاة العشاء مؤخرة ثم يمهل بقدر ما يبلغ الرجل أقصى البصرة ثم يخرج صاحب الشرطة فلا يجد أحدا الا قتله وكان أول من شدد أمر السلطان وشيد الملك فجرد السيف وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة وخافه السفها والذعار وأمن الناس على أنفسهم ومتاعهم حتى كان الشئ يسقط من يد الانسان

[ 9 ]

فلا يتعرض له أحد حتى يأتي صاحبه فيأخذه ولا يغلق أحديا وأدر العطاء واستكثر من الشرط فبلغوا أربعة آلاف وسئل في اصلاح السابلة فقال حتى أصلح المصر فلما ضبطه أصلح ما وراءه وكان يستعين بعدة من الصحابة منهم عمران بن حصين ولاه قضاء البصرة فاستعفي فولى مكانه عبد الله بن فضالة الليثى ثم أخاه عاصما ثم زرارة بن أوفى وكانت أخته عند زياد وكان يستعين بأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وسمرة بن جندب ويقال ان زياد أول من سير بين يديه بالحراب والعمد واتخذ الحرس رابطة فكان خمسمائة منهم لا يفارقون المسجد ثم قسم ولاية خراسان على أربعة فولى على مرو أمين ابن أحمد اليشكرى وعلى نيسابور خليد بن عبد الله الحنفي وعلى مروالروذ والعاربات والطالقات قيس بن الهيتم وعلى هراة وبادغيس وبوشنج نافع بن خالد الطاحى ثم ان نافعا بعث إليه بجواد باهر غنمه في بعض وجوهه وكانت قوائمه منه فأخذ منها قائمة وجعل مكانها أخرى ذهبا وبعث الجواد مع غلامه زيد وكان يتولى أموره فسعى فيه عند زياد بأمر تلك القائمة فعزله وحبسه وأغرمه مائة ألف كتب عليه بها كتابا وقيل ثمانمائة ألف وشفع فيه رجال من الازد فأطلقه واستعمل مكانه الحكم بن عمرو الغفاري وجعل معه رجالا على الجباية منهم أسلم بن زرعة الكلابي وغزا الحكم طخارستان فغنم غنائم كثيرة ثم سار سنة سبع وأربعين إلى جبال الغور وكانوا قد ارتدوا ففتح وغنم وسبى وعبر النهر في ولايته إلى ما وراءه فلاه غارة ولما رجع من غزاة الغور مات بمرو واستخلف على عمله أنس بن أبى أناس بن ربين فلم يرضه زياد وكتب إلى خليد بن عبد الله الحنفي بولاية خراسان ثم بعث الربيع بن زياد المحاربي في خمسين ألفا من البصرة والكوفة (طوائف الشأم) ودخل المسلمون سنة اثنتين وأربعين إلى بلاد الروم فهزموهم رقتلوا جماعة من البطارقة وأثخنوا فيها ثم دخل بسر بن أرطاة أرضهم سنة ثلاث وأربعين ومشى بها وبلغ القسطنطينية ثم دخل عبد الرحمن بن خالد وكان على حمص فشتى بهم وغزاهم بسر تلك السنة في البحر ثم دخل عبد الرحمن إليها سنة ست وأربعين فشتى بها وشتى أبو عبد الرحمن السبيعى على انطاكية ثم دخلوا سنة ثمان وأربعين فشتى عبد الرحمن بانطاكية أيضا ودخل عبد الله بن قيس الفزارى في تلك السنة بالصائفة وغزاهم مالك بن هبيرة اليشكرى في البحر وعقبة بن عامر الجهنى في البحر أيضا بأهل مصر وأهل المدينة ثم دخل مالك بن هبيرة سنة تسع وأربعين فشتى بأرض الروم ودخل عبد الله بن كرز الجيلى بالصائفة وشتى يزيد بن غرة الرهاوى في بلاد الروم بأهل الشأم في البحر وعقبة بن نافع بأهل مصر كذلك (ثم) بعث معاوية سنة خمسين جيشا كثيفا إلى بلاد الروم مع سفيان بن عوف وندب يزيد ابنه معهم فتثاقل فتركه ثم بلغ

[ 10 ]

الناس أن الغزاة أصابهم جوع ومرض وبلغ معاوية أن يزيد أنشد في ذلك ما ان أبالى بما لاقت جموعهم * بالفد فدا لبيد من حمى ومن شوم * إذا اتطأت على الانماط مرتفقا * بدير مران عندي أم كلثوم * وهى امرأته بنت عبد الله بن عامر فحلف ليلحقن بهم فسار في جمع كثير جمعهم إليه معاوية فيهم ابن عباس وابن عامر وابن الزبير وأبو أيوب الانصاري فأوغلوا في بلاد الروم وبلغوا القسطنطينية وقاتلوا الروم عليها فاستشهد أبو أيوب الانصاري ودفن قريبا من سورها ورجع يز والعساكر إلى الشأم ثم شتى فضالة بن عبيد بأرض الروم سنة احدى وخمسين وغزا بسر بن أرطاة الصائفة (وفاة المغيرة) توفى المغيرة وهو عامل على الكوفة سنة خمسين بالطاعون وقيل سنة تسع وأربعين وقيل سنة احدى وخمسين فولى مكانه معاوية زيادا وجمع له المصرين فسار زياد إليها واستخلف على البصرة سمرة بن جندب فلما وصل الكوفة خطبهم فحصبوه على المنبر فلما نزل جلس على كرسى وأحاط أصحابه بأبواب المسجد يأتونه بالناس يستحلفهم على ذلك ومن لم يحلف حبسه فبلغوا ثمانين واتخذ المقصورة من يوم حبس ثم بلغه عن أوفى بن حسين شئ فطلبه فهرب ثم أخذه فقتله وقال له عمارة بن عتبة بن أبى معيط ان عمر بن الحمق يجتمع إليه شيعة على فأرسل إليه زياد ونهاه عن الاجتماع عنده وقال لا أبيح أحدا حتى يخرج على وأكثر سمرة بن جندب اليتامى بالبصرة يقال قتل ثمانية آلاف فأنكر ذلك عليه زياد اه‍ (كان عمرو بن العاص) قبل وفاته استعمل عقبة بن عامر بن عبد قيس على افريقية وهو ابن خالته انتهى إلى لواته ومرانه فأطاعوا ثم كفروا فغزاهم وقتل وسبى ثم افتتح سنة اثنتين وأربعين غذا مس وفى السنة التى بعدها ودان وكورا من كور السودان وأثخن في تلك النواحى وكان له فيها جهاد وفتوح ثم ولاه معاوية على افريقية سنة خمسين وبعث إليه عشرة آلاف فارس فدخل افريقية وانضاف إليه مسلمة البربر فكبر جمعه ووضع السيف في أهل البلاد لانهم كانوا إذا جاءت عساكر المسلمين أسلموا فإذا رجعوا عنهم ارتدوا فرأى أن يتخذ مدينة يعتصم بها العساكر من البربر فاختط القيروان وبنى بها المسجد الجامع وبنى الناس مساكنهم ومساجدهم وكان دورها ثلاثة آلاف باع وستمائة باع وكملت في خمس سنين وكان يغزو ويبعث السرايا للاغارة والنهب ودخل أكثر البربر في الاسلام واتسعت خطة المسلمين ورسخ الدين ثم ولى معاوية على مصر وافريقية مسلمة بن مخلد الانصاري واستعمل على افريقية مولاه أبا المهاجر فأساء عزل عقبة واستخف به فسير ابن مخلد الانصاري عقبة إلى معاوية

[ 11 ]

وشكا إليه فاعتذر له ووعده برده إلى عمله ثم ولاه يزيد سنة اثنين وستين (وذكر) الواقدي أن عقبة ولى افريقية سنة ست وأربعين فاختط القيروان ثم عزله يزيد سنة اثنتين وستين بأبى المهاجر فحينئذ قبض على عقبة وضيق عليه فكتب إليه يزيد يبعثه إليه وأعاده واليا على افريقية فحبس أبا المهاجر إلى أن قتلهم جميعا كسلة ملك البرانس من البربر كما نذكر بعد * (كان المغيرة بن شعبة أيام امارته على الكوفة) كثيرا ما يتعرض لعلى في مجالسه وخطبه ويترحم على عثمان ويدعو له فكان حجر بن عدى إذا سمعه يقول بلاياكم قد أضل الله ولعن ثم يقول أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل ومن تزكون أحق بالذم فبعث له المغيرة يقول يا حجر اتق غضب السطان وسطوته فانها تهلك أمثالك لا يزيده على ذلك (ولما كان) آخر امارة المغيرة قال في بعض أيامه مثل ما كان يقول فصاح به حجر ثم قال له مرلنا بأرزاقنا فقد حبستها منا وأصبحت مولعا بذم المؤمنين وصاح الناس من جوانب المسجد صدق حجر فمرلنا بأرزاقنا فالذي أنت فيه لا يجدى علينا نفعا فدخل المغيرة إلى بيته وعذله قومه في جراءة حجر عليه يوهن سلطانه ويسخط عليه معاوية فقال لا أحب أن آتى بقتل أحد من أهل المصر وسيأتى بعدى من يصنع معه مثل ذلك فيقتله ثم توفى المغيرة وولى زياد فلما قدم خطب الناس وترحم على عثمان ولعن قاتليه وقال حجر ما كان يقول فسكت عنه ورجع إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث وبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة على ويعلنون بلعن معاوية والبراءة منهم وانهم حصبوا عمرو بن حريث فشخص إلى الكوفة حتى دخلها ثم خطب الناس وحجر جالس يسمع فتهدده وقال لست بشئ ان لم أمنع الكوفة من حجر وأودعه نكالا لمن بعده ثم بعث إليه فامتنع من الاجابة فبعث صاحب الشرطة شداد بن الهيثم الهلالي إليه جماعة فسبهم أصحابه فجمع زياد أهل الكوفة وتهددهم فتبرؤا فقال ليدع كل رجل منكم عشيرته الذين عند حجر ففعلوا حتى إذا لم يبق معه الا قومه قال زياد لصاحب الشرطة انطلق إليه فأت به طوعا أو كرها فلما جاءه يدعوه امتنع من الاجابة فحمل عليهم وأشار إليه أبو العمرطة الكندى بأن يلحق بكندة فمنعوه هذا وزياد على المنبر ينتظر ثم غشيهم أصحاب زياد وضرب عمرو بن الحمق فسقط ودخل في دور الازد فاختفى وخرج حجر من أبواب كندة فركب ومعه أبو العمرطة إلى دور قومه واجتمع إليه الناس ولم يأته من كندة الا قليل ثم أرسل زياد وهو على المنبر مذحج وهمدان ليأتوه بحجر فلما علم أنهم قصدوه تسرب من داره إلى النخع ونزل على أخى الاشتر وبلغه أن الشرطة تسأل عنه في النخع فأتى الازد واختفى عند ربيعة بن ناجد وأعياهم طلبه فدعا حجر محمد بن الاشعث أن يأخذ له

[ 12 ]

أمانا من زياد حتى يبعث به إلى معاوية فجاء محمد ومعه جرير بن عبد الله وحجر بن يزيد وعبد الله بن الحرث أخو الاشتر فاستأمنوا له زيادا فأجابهم ثم أحضروا حجرا فحبسه وطلب أصحابه فخرج عمرو بن الحمق إلى الموصل ومعه زواعة بن شداد فاختفى في جبل هناك ورفع أمرهما إلى عامل الموصل وهو عبد الرحمن بن عثمان الثقفى ابن أخت معاوية ويعرف بابن أم الحكم فسار اليهما وهرب زواعة وقبض على عمرو وكتب إلى معاوية بذلك فكتب إليه انه طعن عثمان سبعا بمشاقص كانت معه فاطعنه كذلك فمات في الاولى والثانية ثم جد زياد في طلب أصحاب حجر وأتى بقبيصة بن ضبعة العبسى بأمان فحبسه وجاء قيس بن عباد الشبلى برجل من قومه من أصحاب حجر فأحضره زياد وسأله عن على فأثنى عليه فضربه وحبسه وعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الاشعث ثم دخل بيته في الكوفة وسعى به إلى الحجاج فقتله ثم أرسل زياد إلى عبد الله ابن خليفة الطائى من أصحاب حجر فتوارى وجاء الشرط فأخذوه ونادت أخته الفرار بقومه فخلصوه فأخذ زياد عدى بن حاتم وهو في المسجد وقال ائتنى بعبد الله وخبره جهرة فقال آتيك بابن عمى تقتله والله لو كان تحت قدمى ما رفعتهما عنه فحبسه فنكر ذلك الناس وكلموه وقالوا تفعل هذا بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبير طيئ قال أخرجه على أن يخرج ابن عمه عنى فأطلقه وأمر عدى عبد الله أن يلحق بجبل طيئ فلم يزل هنالك حتى مات وأتى زياد بكريم بن عفيف الخثعمي من أصحاب حجر وغيره ولما جمع منهم اثنى عشر في السجن دعا رؤس الارباع يومئذ وهم عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان وقيس ابن الوليد على ربع ربيعة وكندة وأبو بردة بن أبى موسى على ربع مذحج وأسد فشهدوا كلهم أن حجرا جمع الجموع وأظهر شتم معاوية ودعا إلى حربه وزعم أن الامر لا يصلح الا في الطالبيين ووثب بالمصر وأخرج لعامل وأظهر غدر أبى تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه وأن النفر الذين معه وهم رؤس أصحابه على مقدم رأيه ثم استكثر زياد من الشهود فشهد اسحق وموسى ابنا طلحة والمنذر ابن الزبير وعمارة بن عقبة بن أبى معيط وعمر بن سعد بن أبى وقاص وغيرهم وفى الشهود شريح بن الحرث وشريح بن هانئ ثم استدعى زياد وائل بن حجر الحضرمي وكثير ابن شهاب ودفع اليهما حجر بن عدى وأصحابه وهم الارقم بن عبد الله الكندى وشريك ابن شداد الحضرمي وصيفى بن فضيل الشيباني وقبيصة بن ضبيعة العبسى وكريم ابن عفيف لخثعمي وعاصم بن عوف البجلى وورقاء بن سمى البجلى وكرام بن حبان العنزي وعبد الرحمن بن حسان العنزي ومحرز بن شهاب التميمي وعبد الله بن حوية

[ 13 ]

السعدى تم أتبع هؤلاء الاحدى عشر بعتبة بن الاخنس من سعد بن بكر وسعد بن غوات الهمداني وأمرهما أن يسيرا بهم إلى معاوية ثم لحقهما شريح بن هانئ ودفع كتابه إلى معاوية بن وائل ولما انتهوا إلى مرج غدراء قريب دمشق تقدم ابن وائل وكثير إلى معاوية فقرأ كتاب شريح وفيه بلغني أن زيادا كتب شهادتى وانى أشهد على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حرام الدم والمال فان شئت فاقبله أو فدعه فقال معاوية ما أرى هذا الا أخرج نفسه من شهادتكم وحبس القوم بمرج غدراء حتى لحقهم عتبة بن الاخنس وسعد بن غوات اللذين ألحقهما زياد بهما وجاء عامر بن الاسود العجيلى إلى معاوية فأخبره بوصولهما فاستوهب يزيد بن أسد البجلى عاصما وورقاء ابني عمه وقد كتب يزيد يزكيهما ويشهد ببرأتهما فأطلقهما معاوية وشفع وائل بن حجر في الارقم وأبو الاعور السلمى في ابن الاخنس وحبيب بن سلمة في أخويه فتركهم وسأله مالك بن هبيرة السكوتي في حجر فرذه فغضب وحبس في بيته وبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعى والحسين بن عبد الله الكلابي وأبا شريف البدرى إلى حجر وأصحابه ليقتلوا منهم من أمرهم بقتله فأتوهم وعرض عليهم البراءة من على فأبوا وصلوا عامة ليلتهم ثم قدموا من الغد للقتل وتوضأ حجر وصلى وقال لولا أن يظنوا بى الجزع من الموت لاستكثرت منها اللهم انا نستعديك على أمشاء أهل الكوفة يشهدون علينا وأهل الشأم يقتلوننا ثم مشى إليه هدبة بن فياض بالسيف فارتعد فقالوا كيف وأنت زعمت أنك لا تجزع من الموت فابرأ من صاحبك وندعك فقال ومالى لا أجزع وأنا بين القبر والكفن والسيف وان جزعت من الموت لا أقول ما يسخط الرب فقتلوه وقتلوا ستة معه وهم شريك بن شداد وصيفى بن فضيل وقبيصة بن حنيفة ومحرز بن شهاب وكرام ابن حبان ودفنوهم وصلوا عليهم بعبد الرحمن بن حسان العنزي وجئ بكريم بن الخثعمي إلى معاوية فطلب منه البراءة من على فسكت واستوهبه سمرة بن عبد الله الخثعمي من معاوية فوهبه له على أن لا يدخل الكوفة فنزل إلى الموصل ثم سأل عبد الرحمن بن حسان عن على فأثنى خيرا ثم عن عثمان فقال أول من فتح باب الظلم وأغلق باب الحق فرده إلى زياد ليقتله شر قتلة فدفنه حيا وهو سابع القوم (وأما مالك) بن هبيرة السكوتي فلما لم يشفعه معاوية في حجر جمع قومه وسار ليخلصه وأصحابه فلقى القتلة وسألهم فقالوا مات القوم وسار إلى عدى فتيقن قتلهم فارسل في اثر القتلة فلم يدركوهم وأخبروا معاوية فقال تلك حرارة يجدها في نفسه وكانى بها قد طفئت ثم أرسل إليه بمائة ألف وقال خفت أن يعيد القوم حربا فيكون على المسلمين

[ 14 ]

أعظم من قتل حجر فطابت نفسه (ولما بلغ) عائشة خبر حجر وأصحابه أرسلت عبد الرحمن ابن الحرث إلى معاوية يشفع فيهم فجاء وقد قتلوا فقال لمعاوية أين غاب عنك حلم أبى سفيان فقال حيث غاب على مثلك من حلماء قومي وحملنى ابن سمية فاحتملت وأسفت عائشة لقتل حجر وكانت تثنى عليه وقيل في سياقة الحديث غير ذلك وهو أن زيادا أطال الخطبة في يوم جمعة فتأخرت الصلاة فأنكر حجر ونادى بالصلاة فلم يلتفت إليه وخشى فوت الصلاة فحصبه بكف من الحصباء وقام إلى الصلاة فقام الناس معه فخافهم زياد ونزل فصلى وكتب إلى معاوية وعظم عليه الامر فكتب إليه أن يبعث به موثقا في الحديد وبعث من يقبض عليه فكان ما مر ثم قبض عليه وحمله إلى معاوية فلما رآه معاوية أمر بقتله فصلى ركعتين وأوصى من حضره من قومه لا تفكوا عنى قيدا ولا تغسلوا دما فانى لاقى معاوية غدا على الجادة وقتل اه‍ (وقالت) عائشة لمعاوية أين حلمك عن حجر قال لم يحضرني رشيد اه‍ (وكان) زياد قد ولى الربيع بن زياد الحارثى على خراسان سنة احدى وخمسين بعد أن هلك حسن بن عمر الغفاري وبعث معه من جند الكوفة والبصرة خمسين ألفا فيهم بريدة بن الحصيب وأبو برزة الاسلمي من الصحابة وغزا بلخ ففتحها صلحا وكانوا انتقضوا بعد صلح الاحمق بن قيس ثم فتح قهستان عنوة واستلحم من كان بناحيتها من الترك ولم يفلت منهم الا قيزل طرخان وقتله قتيبة بن مسلم في ولايته فلما بلغ الربيع بن زياد بخراسان قتل حجر سخط ذلك وقال لا تزال العرب تقتل بعده صبرا ولو نكروا قتله منعوا أنفسهم من ذلك لكنهم أقروا فذلوا ثم دعا بعد صلاة جمعة لايام من خبره وقال للناس انى قد مللت الحياة وانى داع فأمنوا ثم رفع يديه وقال اللهم ان كان لى عندك خير فاقبضني اليك عاجلا وأمن الناس ثم خرج فما تواترت ثيابه حتى سقط فحمل إلى بيته واستخلف ابنه عبد الله ومات من يومه ثم مات ابنه بعده بشهرين واستخلف خليد بن عبد الله الحنفي وأقره زياد * (وفاة زياد) * ثم مات زياد في رمضان سنة ثلاث وخمسين بطاعون أصابه في يمينه يقال بدعوة ابن عمر وذلك أن زيادا كتب إلى معاوية انى ضبطت العراق بشمالي ويمينى فارغة فاشغلها بالحجاز فكتب له عهده بذلك وخاف أهل الحجاز وأتوا عبد الله بن عمر يدعو لهم الله أن يكفيهم ذلك فاستقبل القبلة ودعا معهم وكان من دعائه اللهم اكفناه ثم كان الطاعون فأصيب في يمينه فأشير عليه بقطعها فاستدعى شريحا القاضى فاستشاره فقال ان يكن الاجل فرغ فتلقى الله أجذم (1) كراهية في لقائه والا فتعيش أقطع ويعير ولدك فقال لا أبيت والطاعون في لحاف واحد واعتزم على قطعها فلما نظر إلى النار والمكاوى جزع وتركه وقيل تركه لاشاره شريح وعذل الناس

[ 15 ]

شريحا في ذلك فقال المستشار مؤتمن ولما حضرته الوفاة قال له ابنه قد هيأت لكفنك ستين ثوبا فقال يا بنى قد دنا لابيك لباس خير من لباسه ثم مات ودفن بالتوسة قرب الكوفة وكان يلبس القميص ويرقعه ولما مات استخلف على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد وكان خليفته على البصرة عبد الله بن عمر بن غيلان وعزل بعد ذلك عبد الله بن خالد عن الكوفة وولى عليها الضحاك بن قيس * (ولاية عبيد الله بن زياد على خراسان ثم على البصرة) * ولما قدم ابنه عبيد الله على معاوية وهو ابن خمس وعشرين سنة قال من استعمل أبوك على المصرين فأخبره فقال لو استعملك لاستعملتك فقال عبيد الله أنشدك الله أن يقول لى أحد بعدك لو استعملك أبوك وعمك استعملتك فولاه خراسان ووصاه فكان من وصيته اتق الله ولا تؤثرن على تقواه شيأ فان في تقواه عوضا وق عرضك من أن تدنسه وان أعطيت عهدا فأوف به ولا تتبعن كثيرا بقليل ولا يخرجن منك أمر حتى تبرمه فإذا خرج فلا يردن عليك وإذا لقيت عدوك فكبر أكبر من معك وقاسمهم على كتاب الله ولا تطمعن أحدا في غير حقه ولا تؤيس أحدا من حق هو له ثم ودعه فسار إلى خراسان أول سنة أربع وخمسين وقدم إليها أسلم بن زرعة الكلابي ثم قدم فقطع النهر إلى جبال بخارى على الابل ففتح رامين ونسف وسكند ولقيه الترك فهزمهم وكان مع ملكهم امرأنه خاتون فأعجلوها عن لبس خفيها فأصاب المسلمون احدهما وقوم بمائتي ألف درهم وكان عبيد الله ذلك اليوم يحمل عليهم وهو يطعن حتى يغيب عن أصحابه ثم يرفع رايته تقطر دما وكان هذا الزحف من زحوف خراسان المعدودة وكانت أربعة منها للاحنف بن قيس بقهستان والمرعات وزحف لعبد الله ابن حازم قضى فيه جموع فاران وأقام عبيد الله واليا على خراسان سنتين وولاه معاوية سنة خمس وخمسين على البصرة وذلك أن ابن غيلان خطب وهو أمير على البصرة فحصبه رجل من بنى ضبة فقطع يده فأتاه بنو ضبة يسألونه الكتاب إلى معاوية بالاعتذار عنه وانه قطع على أمر لم يصح مخافة أن يعاقبهم معاوية جميعا فكتب لهم وسار ابن غيلان إلى معاوية رأس السنة وأوفاه الضبيون بالكتاب فادعوا أن ابن غيلان قطع صاحبهم ظلما فلما قرأ معاوية الكتاب قال أما القود من عمالى فلا سبيل إليه ولكن أدى صاحبكم من بيت المال وعزل عبد الله بن غيلان عن البصرة واستعمل عليها عبيد الله ابن زياد فسار إليها عبيد الله وولى على خراسان أسلم بن زرعة الكلابي فلم يغز ولم يفتح * (العهد ليزيد) * ذكر الطبري بسنده قال قدم المغيرة على معاوية فشكا إليه الضعف فاستعفاه فاعفاه

[ 16 ]

وأراد أن يولى سعيد بن العاص وقال أصحاب المغيرة للمغيرة ان معاوية قلاك فقال لهم رويدا ونهض إلى يزيد وعرض له بالبيعة وقال ذهب أعيان الصحابة وكبراء قريش ورادوا أسنانهم وانما بقى أبناؤهم وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيا وسياسة وما أدرى ما يمنع أمير المؤمنين من العهد لك فأدى ذلك يزيد إلى أبيه واستدعاه وفاوضه في ذلك فقال قد رأيت ما كان من الاختلاف وسفك الدماء بعد عثمان وفى يزيد منك خلف فاعهد له يكون كهفا للناس بعدك فلا تكون فتنة ولا يسفك دم وأنا أكفيك الكوفة ويكفيك ابن زياد البصرة فرد معاوية المغيرة إلى الكوفة وأمره أن يعمل في بيعة يزيد فقدم الكوفة وذاكر من يرجع إليه من شيعة بنى أمية فأجابوه وأوفد منهم جماعة مع ابنه موسى فدعاه إلى عقد البيعة ليزيد فقال أو قد رضيتموه قالوا نعم نحن ومن وراءنا فقال ننظر ما قدمتم له ويقضى الله أمره والاناة خير من العجلة ثم كتب إلى زياد يستنيره بفكر وكف عن هدم دار سعيد وكتب سعيد إلى معاوية يعذله في ادخال الظعينة بين قرابته ويقول لو لم تكن بنى أب واحد لكانت قرابتنا ما جمعنا الله عليه من نصرة الخليفة المظلوم يجب عليك أن تدعى ذلك فاعتذر له معاوية وتنصل وقدم سعيد عليه وسأله عن مروان فأثنى خيرا فلما كان سنة سبع وخمسين عزل مروان وولى مكانه الوليد ابن عتبة بن أبى سفيان وقيل سنة ثمان * (عزل الضحاك عن الكوفة وولاية ابن أم الحكم ثم النعمان بن بشير) * عزل معاوية الضحاك عن الكوفة سنة ثمان وخمسين وولى مكانه عبد الرحمن بن عبد الله ابن عثمان الثقفى وهو ابن أم الحكم أخت معاوية فخرجت عليه الخوارج الذين كان

[ 17 ]

المغيرة حبسهم في بيعة المستورد بن علقمة وخرجوا من سجنه بعد موته فاجتمعوا على حيان بن ضبيان السلمى ومعاذ بن جرير الطائى فسير إليهم عبد الرحمن الجيش من الكوفة فقتلوا أجمعين كما يذكر في أخبار الخوارج ثم ان أهل الكوفة نقلوا عن عبد الرحمن سوء سيرته فعزله معاوية عنهم وولى مكانه النعمان بن بشير وقال أوليك خيرا من الكوفة فولاه مصر وكان عليها معاوية بن خديج السكوتي وسار إلى مصر فاستقبله معاوية على مرحلتين منها وقال ارجع إلى حالك لا تسرفينا سيرتك في اخواننا أهل الكوفة فرجع إلى معاوية وأقام معاوية بن خديج في عمله (ولاية عبد الرحمن بن زياد خراسان) وفى سنة تسع وخمسين قدم عبد الرحمن بن زياد وافدا على معاوية فقال يا أمير المؤمنين أما لنا حق قال بلى فماذا قال توليني قال بالكوفة النعمان بن بشير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالبصرة وخراسان عبيد الله أخوك وبسجستان عباد أخوك ولا أرى ما يشبهك الا أن أشركك في عمل عبيد الله فان عمله واسع يحتمل الشركة فولاه خراسان فسار إليها وقدم بين يديه قيس ابن الهيتم السلمى فأخذ أسلم بن زرعة وحبسه ثم قدم عبد الرحمن فأغرمه ثلثمائة ألف درهم وأقام بخراسان وكان متضعفا لم يقر قط وقدم على يزيد بين يدى قتل الحسين فاستخلف على خراسان قيس بن الهيتم فقال له يزيد كم معك من مال خراسان قال عشرون ألف ألف درهم فخيره بين أخذها بالحساب ورده إلى عمله أو تسويغه اياها وعزله على أن يعطى عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم فاختار تسويغها والعزل وبعث إلى ابن جعفر بألف الف وقال نصفها من يزيد ونصفها منى ثم ان أهل البصرة وفدوا مع عبيد الله بن زياد على معاوية فأذن له على منازلهم ودخل الاحنف آخرهم وكان هيأ المنزلة من عبيد الله فرحب به معاوية وأجلسه معه على سريره ثم تكلم القوم وأثنوا على عبيد الله وسكت الاحنف فقال معاوية تكلم يا أبا بحر فقال أخشى خلاف القوم فقال انهضوا فقد عزلت عنكم عبيد الله واطلبوا واليا ترضونه فطفق القوم يختلفون إلى رجال بنى أمية وأشراف الشأم وقعد الاحنف في منزله ثم أحضرهم معاوية وقال من اخترتم فسمى كل فريق رجلا والاحنف ساكت فقال معاوية تكلم يا أبا بحر فقال ان وليت علينا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدا وان وليت من غيرهم ينظر في ذلك قال فانى قد أعدته عليكم ثم أوصاه بالاحنف وقبح رأيه في مباعدته ولما هاجت الفتنة لم يعزله غير الاحنف ثم أخذ على وفد البصرة البيعة لابنه يزيد معهم (بقية الصوائف) دخل بسر بن أرطاة سنة اثنتين وخمسين أرض الروم وشتى بها

[ 18 ]

وقيل رجع ونزل هنالك سفيان بن عوف الازدي فشتى بها وتوفى هنالك اه‍ وغزا بالصائفة محمد بن عبد الله الثقفى ثم دخل عبد الرحمن ابن أم الحكم سنة ثلاث وخمسين إلى أرض الروم وشتى بها وافتتحت في هذه السنة رودس فتحها جنادة بن أبى أمية الازدي ونزلها المسلمون على حذر من الروم ثم كانوا يعترضونه في البحر ويأخذون سفنه وكان معاوية يدركهم بالعطاء حتى خافهم الروم ثم نقلهم يزيد في ولايته ثم دخل سنة أربع وخمسين إلى بلاد الروم محمد بن مالك وشتى بها وغزا بالصائفة ابن يزيد السلمى وفتح المسلمون جزيرة أروى قرب القسطنطينية ومقدمهم جنادة بن أبى أمية فملكوها سبع سنين ونقلهم يزيد في ولايته وفى سنة خمس وخمسين كان شتى سفيان بن عوف بأرض الروم وقيل عمر بن محرز وقيل عبد الله بن قيس وفى سنة ست وخمسين كان شتى جنادة بن أبى أمية وقيل عبد الرحمن بن مسعود وقيل غزا في البحر يزيد ابن سمرة وفى البر عياض بن الحرث وفى سنة سبع وخمسين كان شتى عبد الله ابن قيس بأرض الروم وغزا مالك بن عبد الله الخثعمي في البر وعمر بن يزيد الجهنى في البحر وفى سنة ثمان وخمسين كان شتى عمر بن مرة الجهنى بأرض الروم وغزا في البحر جنادة بن أمية وفتح المسلمون في هذه السنة حصن كفخ من بلاد الروم وعليهم عمير ابن الحباب السلمى صعد سورها وقاتل عليه وحده حتى انكشف الروم وفتحه وفى سنة ستين غزا مالك بن عبد الله سوية وملك جنادة بن أبى أمية رودس وهدم مدينتها (وفاة معاوية) وتوفى معاوية سنة ستين وكان خطب الناس قبل موته وقال انى كزرع مستحصد وقد طالت امارتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي ولن يأتيكم بعدى الا من أنا خير منه كما أن من كان قبلى خير منى وقد قيل من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه اللهم انى قد أحببت لقاءك فاحبب لقائي وبارك لى فلم يمض الا قليل حتى ازداد به مرضه فدعا ابنه يزيد وقال يا بنى انى قد كفيتك الرحلة والترحال ووطأت لك الامور وأخضعت لك رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد وانى لا أخاف عليك أن ينازعك هذا الامر الذى انتسب لك الا أربعة نفر من قريش الحسين بن على وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير و عبد الرحمن بن أبى بكر فأما ابن عمر فرجل قد وقذته العبادة وإذا لم يبق غيره بايعك وأما الحسين فان أهل العراق لم يدعوه حتى يخرجوه فان خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه فان له رحما ما مثله وحقا عظيما وأما ابن أبى بكر فان رأى أصحابه صنعوا شيأ صنع مثله وليس له همة الا في النساء وأما الذى يجثم لك جثوم الاسد ويراوغك روغان الثعلب وإذا أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير فان هو فعلها بك وقدرت عليه فقطعه

[ 19 ]

اربا اربا هذا حديث الطبري عن هاشم وله عن هاشم من طريق آخر قال لما حضرت وفاة معاوية سنة ستين كان يزيد غائبا فدعا بالضحاك بن قيس الفهرى وكان صاحب شرطته ومسلم بن عتبة المزني فقال أبلغا يزيد وصيتى انظر أهل الحجاز فانهم أهلك فأكرم من قدم اليك منهم وتعاهد من غاب وانظر أهل العراق فان سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل فان عزل عامل أخف من أن يشهر عليك مائة ألف سيف وانظر أهل الشأم فليكونوا بطانتك وعيبتك وان رابك شئ من عدوك فانتصر بهم فإذا أصبتم فاردد أهل الشأم إلى بلادهم فانهم ان قاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم ولست أخاف عليك من قريش الا ثلاثا ولم يذكر في هذا الطريق عبد الرحمن بن أبى بكر وقال في ابن عمر قد وقذه الدين فليس ملتمسا شيأ قبلك وقال في الحسين ولو أنى صاحبه عفوت عنه وأنا أرجو أن يكفيك الله بمن قتل أباه وخذل أخاه وقال في ابن الزبير إذا شخص اليك فالبدله الا أن يلتمس منك صلحا فاقبل واحقن دماء قومك ما استطعت (وتوفى في منتصف رجب) ويقال جمادى لتسع عشرة سنة وأشهر من ولايته وكان على خاتمه عبد الله بن محصن الحميرى وهو أول من اتخذ ديوان الخاتم وكان سببه انه أمر لعمر بن الزبير بمائة ألف درهم وكتب له بذلك إلى زياد بالعراق ففض عمر الكتاب وصير المائة مائتين فلما رفع زياد حسابه أنكرها معاوية واخذ عمر بردها وحبسه فأداها عنه أخوه عبد الله فأحدث عند ذلك ديوان الخاتم وحزم الكتب ولم تكن تحزم وكان على شرطته قيس بن همزة الهمداني فعزله ابن بيد بن عمر العدوى وكان على حرسه المختار من مواليه وقيل أبو المحارى مالك مولى حميرة وهو أول من اتخذ الحرس وعلى حجابه مولاه سعد وكان كاتبه وصاحب أمره سرحون بن منصور الرومي وعلى القضاء فضالة بن عبد الله الانصاري وبعده أبو دويس عائذ بن عبد الله الخولانى * (بيعة يزيد) * بويع يزيد بعد موت أبيه وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان وعلى مكة عمر ابن سعيد بن العاصى وعلى البصرة عبيد الله بن زياد وعلى الكوفة النعمان ابن بشير ولم يكن همه الا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية ببعته فكتب إلى الوليد بموت معاوية وأن يأخذ حسينا وابن عمر وابن الزبير بالبيعة من غير رخصة فلما قرأ مروان الكتاب بنعى معاوية استرجع وترحم واستشاره الوليد في أمر أولئك النفر فأشار عليه أن يحضرهم لوقته فان بايعوا والا قتلتهم قبل أن يعلموا بموت معاوية فيثب كل رجل منهم في ناحية الا ابن عمر فانه لا يحب القتال ولا يحب الولاية الا أن يرفع إليه الامر فبعث الوليد لوقته عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو غلام حدث فحاء

[ 20 ]

إلى الحسين وابن الزبير في المسجد في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس وقال أجيبا الامير فقالا لا تنصرف الا أن نأتيه ثم حدثا فيما بعث اليهما فلم يعلموا ما وقع وجمع الحسين فتيانه وأهل بيته وسار إليه فأجلسهم بالباب وقال ان دعوتكم أو سمعتم صوتي عاليا فادخلوا بأجمعكم ثم دخل فسلم ومروان عنده فشكرهما على الصلة بعد القطيعة ودعا لهما باصلاح ذات البين فأقرأه الوليد الكتاب بنعى معاوية ودعاه إلى البيعة فاسترجع وترحم وقال مثلى لا يبايع سرا ولا يكتفى بها منى فإذا ظهرت إلى الناس ودعوتهم كان أمرنا واحدا وكنت أول مجيب فقال الوليد وكان يحب المسالمة انصرف فقال مروان لا يقدر منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينك وبينهم ألزمه البيعة والا اضرب عنقه فوثب الحسين وقال أنت تقتلني أو هو كذبت والله وانصرف إلى منزله وأخذ مروان في عذل الوليد فقال يا مروان والله ما أحب أن لى ما طلعت الشمس من مال الدنيا وملكها وأنى قتلت الحسين ان قال لا أبايع وأما ابن الزبير فاختفى في داره وجمع أصحابه وألح الوليد في طلبه وبعث مواليه فشتموه وهددوه وأقاموا ببابه في طلبه فبعث ابن الزبير أخاه جعفرا يلاطف الوليد ويشكو ما أصابه من الذعر ويعده بالحضور من الغداة وأن يصرف رسله من بابه فبعث إليهم وانصرفوا وخرج ابن الزبير من ليلته مع أخيه جعفر وحدهما وأخذا طريق الفرع إلى مكة فسرح الرحالة في طلبه فلم يدركوه ورجعوا وتشاغلوا بذلك عن الحسين سائر يومه ثم أرسل إلى الحسين يدعوه فقال أصبحوا وترون وفرى وسار في الليلة الثانية ببنيه واخوته وبنى أخيه الا محمد بن الحنفية وكان قد نصحه وقال تنح عن يزيد وعن الامصار ما استطعت وابعث دعاتك إلى الناس فان أجابوك فاحمد الله وان اجتمعوا على غيرك فلم يضر بذلك دينك ولا عقلك ولم تذهب به مروأتك ولا فضلك وأنا أخاف أن تأتى مصرا أو قوما فيختلفون عليك فتكون الاول اساءة فإذا خير الامة نفسا وأبا أضيعها ذمارا وأذلها قال له الحسين فانى ذاهب قال انزل مكة فان اطمأنت بك الدار فسبيل دلك وان فاتت بك لحقت بالرمال وشعب الجبال ومن بلد إلى آخر حتى ننظر مصير أمر الناس وتعرف الرأى فقال يا أخى نصحت وأشفقت ولحق بمكة وبعث الوليد إلى ابن عمر ليبايع فقال أنا أبايع الناس وقيل ابن عمر وابن عباس كانا بمكة ورجعا إلى المدينة فلقيا الحسين وابن الزبير وأخبراهما بموت معاوية وبيعة يزيد فقال ابن عمر لا تفرقا جماعة المسلمين وقدم هو وابن عباس المدينة وبايعا عنه بيعة الناس ولما دخل ابن الزبير مكة وعليها عمر بن سعيد قال أنا عائد بالبيت ولم يكن يصلى ولا يقف معهم ويقف هو وأصحابه ناحية

[ 21 ]

* (عزل الوليد عن المدينة وولاية عمر بن سعيد) * ولما بلغ الخبر إلى يزيد بصنيع الوليد بن عتبة في أمر هؤلاء النفر عزله عن المدينة واستعمل عليها عمر بن سعيد الاشرق فقدمها في رمضان واستعمل على شرطته عمر ابن الزبير بالمدينة لما كان بينه وبين أخيه من البغضاء وأحضر نفرا من شيعة الزبير بالمدينة فضربهم من الاربعين إلى الخمسين إلى الستين منهم المنذر بن الزبير وابنه محمد وعبد الرحمن بن الاسود بن عبد يغوث وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام ومحمد ابن عمار بن ياسر وغيرهم ثم جهز البعوث إلى مكة سبعمائة أو نحوها وقال لعمر بن الزبير من نبعث إلى أخيك فقال لا تجد رجلا أنكى له منى فجهز معه سبعمائة مقاتل فيهم أنس بن عمير الاسلمي وعذله مروان بن الحكم في غزو مكة وقال له اتق الله ولا تحل حرمة البيت فقال والله لنغزونه في جوف الكعبة وجاء أبو شريح الخزاعى إلى عمر بن سعيد فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول انما أذن لى بالقتال فيها ساعة من نهار ثم عادت كحرمتها بالامس فقال له عمر نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ وقيل ان يزيد كتب إلى عمر بن سعيد أن يبعث عمر بن الزبير بالجيش إلى أخيه فبعثه في ألفى مقاتل وعلى مقدمته أنيس فنزل أنيس بذى طوى ونزل عمر بالابطح وبعث إلى أخيه أن بر يمين يزيد فانه حلف أن لا يقبل بيعة الا أن يؤتى بك في جامعه فلا يضرب الناس بعضهم بعضا فانك في بلد حرام فأرسل عبد الله بن الزبير من اجتمع له من أهل مكة مع عبد الله بن صفوان فهزموا أنيسا بذى طوى وقتل أنيس في الهزيمة وتخلف عن عمر ابن الزبير أصحابه فدخل دار ابن علقمة وأجاره عبدة بن الزبير وقال لاخيه قد أجرته فانكر ذلك عليه وقيل ان صفوان قال لعبد الله بن الزبير اكفني أخاك وأنا أكفيك أنيس بن عمر وسار إلى أنيس فهزمه وقتله وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمر فتفرق عقه أصحابه وأجاره أخوه عبدة فلم يجز أخوه عبد الله جواره وضربه بكل من ضربه بالمدينة وحبسه بسجن عارم ومات تحت السياط * (مسير الحسين إلى الكوفة ومقتله) * ولما خرج الحسين إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع وسأله أين تريد فقال مكة وأستخير الله فيما بعد فنصحه أن لا يقرب الكوفة وذكره قتلهم أباه وخذلانهم أخاه وأن يقيم بمكة لا يفارق الحرم حتى يتداعى إليه الناس ورجع عنه وترك الحسين بمكة فأقام والناس بختلفون إليه وابن الزبير في جانب الكعبة يصلى ويطوف عامة النهار ويأتى الحسين فيمن يأتي ويعلم أن أهل الحجاز لا يلقون إليه مع الحسين ولما بلغ أهل الكوفة بيعة يزيد ولحاق الحسين بمكة اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد وكتبوا إليه عن نفر منهم

[ 22 ]

سليمان والمسيب بن محمد ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وغيرهم يستدعونه وأنهم لم يبايعوا للنعمان ولا يجتمعون معه في جمعة ولا عند ولو جئتنا أخرجناه وبعثوا بالكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال ثم كتبوا إليه ثانيا بعد ليلتين نحو مائة وخمسين صحيفة ثم ثالثا يستحقونه للحاق بهم كتب له بذلك شيث بن ربعى وحجاز ابن ابجر ويزيد بن الحرث ويزيد بن رويم وعروة بن قيس وعمر بن الحجاج الزيدى ومحمد ابن عمير التميمي فأجابهم الحسين فهمت ما قصصتم وقد بعثت اليكم م ابن عمى وثقتى من أهل بيتى مسلم بن عقيل يكتب إلى بأمركم ورأيكم فان اجتمع ملؤكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم عليكم قريبا ولعمري ما الامام الا العامل بالكتاب القائم بالقسط الدين بدين الحق وسار مسلم فدخل المدينة وصلى في المسجد وودع أهله واستأجر دليلين من قيس فضلا الطريق وعطش القوم فمات الدليلان بعد أن أشارا إليهم بموضع الماء فانتهوا إليه وشربوا ونجوا فتطير مسلم من ذلك وكتب إلى الحسين يستعفيه فكتب إليه خشيت أن لا يكون حملك على ذلك الا الجبن فامض لوجهك والسلام وسار مسلم فدخل الكوفة أول ذى الحجة من سنة ستين واختلف إليه الشيعة وقرأ عليهم كتاب الحسين فبكوا ووعدوه النصر وعلم مكانه النعمان بن بشير أمير الكوفة وكان حليما يجنح إلى المسالمة فخطب وحذر الناس الفتنة وقال لا أقاتل من لا يقاتلني ولا آخذ بالظنة والتهمة ولكن ان نكئتم بيعتكم وخالفتم امامكم فوالله لاضربنكم بسيفي مادام قائمته بيدى ولو لم يكن لى ناصر فقال له بعض حلفاء بنى أمية لا يصلح ما ترى الا الغشم وهذا الذى أنت عليه مع عدوك رأى المستضعفين فقال أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلى من أن أكون من الاعزين في معصية الله ثم تركه فكتب عبد الله بن مسلم وعمارة بن الوليد وعمارة بن سعد بن أبى وقاص إلى يزيد بالخبر وتضعف النعمان وضعفه فابعث إلى الكوفة رجلا قويا ينفذ أمرك ويعمل عملك في عدوك فأشار عليه سرحون

[ 23 ]

* (مسيرة المختار إلى الكوفة وأخذها من ابن المطيع بعد وقعة كربلاء) * مضى ابراهيم إلى المختار وأخبره الخبر وبعثوا في الشيعة ونادوا بثأر الحسين ومضى ابراهيم إلى النخع فاستركبهم وسار بهم في المدينة ليلا وهو يتجنب المواضع التى فيها الامراء ثم لقى بعضهم فهزمهم ثم آخرين كذلك ثم رجع إلى المختار فوجد شيث بن ربعى وحجاز بن أبجر العجلى يقاتلانه فهزمهما وحاشب بن المطبع فأشار إليه بجمع الناس والنهوض إلى القوم قبل فولى أمرهم فركب واجتمع الناس وتوافى إلى المختار نحو أربعة آلاف من الشيعة وبعث ابن مطيع شيث بن ربعى في ثلاثة آلاف وربع بن اياس في أربعة آلاف فسرح إليهم المختار ابراهيم بن الاشتر لراشد في ستمائة فارس وستمائة راجل ونعيم بن هبيرة لشيث في ثلثمائة فارس وستمائة راجل واقتتلوا من بعد صلاة الصبح وقتل نعيم فوهن المختار لقتله وظهر شيث وأصحابه عليهم وقاتل ابراهيم بن الاشتر راشد بن اياس فقتله وانهزم أصحابه وركبهم الفشل وبعث ابن المطيع جيشا كثيفا فهزمهم ثم حمل على شيث فهزمه وبعث المختار فمنعه الرماة من دخول الكوفة ورجع المنهزمون إلى ابن مطيع فدهش فشجعه عمر ابن الحجاج الزبيدى وقال له اخرج واندب الناس ففعل وقام في الناس ووبخهم على هزيمتهم وندبهم ثم بعث عمر بن الحجاج في ألفين وشمر بن ذى الجوشن في ألفين ونوفل ابن مساحق في خمسة آلاف ووقف هو بكتائبه واختلف على القصر شيث بن ربعى فحمل بن الاشتر على ابن مساحق فهزمه وأسره ثم من عليه ودخل ابن مطيع القصر وحاصره ابراهيم بن الاشتر ثلاثا ومعه يزيد بن أنس وأحمد بن شميط ولما اشتد الحصار على ابن مطيع أشار عليه شيث بن ربعى بأن يستأمن للمختار ويلحق بابن الزبير وله ما يعده فخرج عنهم مساء ونزل دار أبى موسى واستأمن القوم للمختار فدخل القصر وغدا على الناس في المسجد فخطبهم ودعاهم إلى بيعة ابن الحنفية فبايعه أشراف الكوفة على الكتاب والسنة واللطف بأهل البيت ووعدهم بحسن السيرة وبلغه أن ابن مطيع في دار أبى موسى فبعث إليه بمائة ألف درهم وقال بحهز بهذه وكان ابن مطيع قد فرق بيوت الاموال على الناس وسار ابن مطيع إلى وجهه وملك الكوفة وجعل على شرطته عبد الله بن كامل وعلى حرسه كيسان أبا عمرة وجعل الاشراف جلساءه وعقد لعبد الله بن الحرث بن الاشتر على أرمينية ولمحمد بن عمير ابن عطارد على أذربيجان ولعبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل ولاسحق ابن مسعود على المدائن ولسعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان وأمره بقتال الاكراد واصلاح السابلة وولى شريحا على القضاء ثم طعنت فيه الشيعة بانه شهد على

[ 24 ]

حجر بن عدى ولم يبلغ عن هانئ بن عروة رسالته إلى قومه وأن عليا غرمه وأنه عثماني وسمع ذلك هو فتمارض فجعل مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود ثم مرض فولى مكانه عبد الله بن مالك الطائى * (مسيرة ابن زياد إلى المختار وخلافة أهل الكوفة عليه) * كان مروان بن الحكم لما استوثق له الشأم بعث جيشين أحدهما إلى الحجاز مع جيش بن دلجة القينى وقد شاتة ومقتلة والآخر إلى العراق مع عبيد الله بن زياد فكان من أمره وأمر التوابين من الشيعة ما تقدم وأقام محاصر الزفر بن الحرث بقرقيسيا وهو مع قومه قيس على طاعة ابن الزبير فاشتغل بهم عن العراق سنة أو نحوها ثم توفى مروان وولى بعده عبد الملك فأقره على ولايته وأمره بالجد ويئس من أمر زفر وقيس فنهض إلى الموصل فخرج عنها عبد الرحمن بن سعيد عامل المختار إلى تكريت وكتب إلى المختار بالخبر فبعث يزيد بن أنس الاسدي في ثلاثة آلاف إلى الموصل فسار إليها على المدائن وسرح ابن زياد للقائه ربيعة بن المختار الغنوى في ثلاثة آلاف فالتقيا ببابل وعبى يزيد أصحابه وهو راكب على حمار وحرضهم وقال ان مت فأميركم ورقاء ابن عازب الاسدي وان هلك فعبد الله بن ضمرة الفزارى وان هلك فسعد الخثعمي ثم اقتتلوا يوم عرفة وانهزم أهل الشأم وقتل ربيعة وسار الفل غير بعيد فلقيهم عبد الله بن حملة الخثعمي قد سرحه ابن زياد في ثلاثة آلاف فرد المنهزمين وعاد القتال يوم الاضحى فانهزم أهل الشأم وأثخن فيهم أهل الكوفة بالقتل والنهب وأسروا منهم ثلثمائة فقتلوهم وهلك يزيد بن أنس من آخر يومه وقام بأمرهم ورقاء بن عازب خليفته وهاب لقاء ابن زياد بعد يزيد وقال نرجع بموت أميرنا قبل أن يتجر أعلينا أهل الشأم بذلك وانصرف الناس وتقدم الخبر إلى الكوفة فأرجف الناس بالمختار وأشيع أن يزيد قتل وسر المختار رجوع العسكر فسرح ابراهيم بن الاشتر في سبعة آلاف وضم إليه جيش يزيد ثم تأخر ابن زياد فسار لذلك ثم اجتمع أشراف الكوفة عند شيث بن ربعى وكان شيخهم جاهليا اسلاميا وشكوا من سيرة المختار وايثاره الموالى عليهم ودعوه إلى الوثوب به فقال حتى ألقاه وأعذر إليه ثم ذهب إليه وذكر له جميع ما نكروه فوعده الرجوع إلى مرادهم وذكر له شأن الموالى وشركتهم في الفئ فقال ان أعطيتموني عهدكم على قتال بنى أمية وابن الزبير تركتهم فقال اخرج إليهم بذلك وخرج فلم يرجع واجتمع رأيهم على قتاله وهم شيث بن ربعى ومحمد بن الاشعث وعبد الرحمن بن سعد بن قيس وشمر ابن ذى الجوشن وكعب بن أبى كعب النخعي وعبد الرحمن بن مخنق الازدي وقد كان ابن مخنق أشار عليهم بأن يمهلوه لقدوم أهل الشأم وأهل البصرة فيكفونكم أمره

[ 25 ]

قبل أن يقاتلكم بمواليكم وشجعانكم وهم عليكم أشد فأبوا من رأيه وقالوا لا تفسد جماعتنا خرجوا وشهروا السلاح وقالوا للمختار اعتزلنا فان ابن الحنفية لم يبعثك قال نبعث إليه الرسل منى ومنكم وأخذ يعللهم بأمثال هذه المراجعات وكف أصحابه عن قتالهم ينتظر وصول ابراهيم بن الاشتر وقد بعث إليه بالرجوع فحاء فرأى القوم مجتمعين ورفاعة بن شداد البجلى يصلى بهم فلما وصل ابراهيم عبد المختار أصحابه وسرح بين يديه أحمد بن شميط البجلى وعبد الله بن كامل الشادى فانهزم أصحابهما وصبرا ومدهما المختار بالفرسان والرجال فوجا بعد فوج وسار ابن الاشتر إلى مصر وفيهم شيث ابن ربعى فقاتلوه فهزمهم فاشتد ابن كامل على اليمن ورجع رفاعة بن شداد أمامهم إلى المختار فقاتل معه حتى قتل من أهل اليمن عبد الله بن سعيد بن قيس والفرات ابن زخر بن قيس وعمر بن مختف وخرج أخوه عبد الرحمن فمات وانهزم أهل اليمن هزيمة قبيحة وأسر من الوادعيين خمسمائة أسير فقتل المختار كل من شهد قتل الحسين منهم فكانوا نصفهم وأطلق الباقين ونادى المختار الامان الا من شهد في دماء أهل البيت وفر عمر بن الحجاج الزبيدى وكان أشد من حضر قتل الحسين فلم يوقف له على خبر وقيل أدركه أصحاب المختار فأخذوا رأسه وبعث في طلب شمر بن ذى الجوشن فقتل طالبه وانتهى إلى قرية الكلبانية فارتاح يظن انه نجا وإذا في قرية أخرى بازائه أبو عمرة صاحب المختار بعثه مسلخة بينه وبين أهل البصرة فنمى إليه خبره فركب إليه فقتله وألقى شلوه للكلاب وانجلت الوقعة عن سبعمائة وثمانين قتيلا أكثرهم من اليمن وكان آخر سنة ست وستين وخرج أشراف الناس إلى البصرة وتتبع المختار قتلة الحسين ودل على عبيد الله بن أسد الجهنى ومالك بن نسير الكندى وحمل بن مالك المحاربي بالقادسية فأحضرهم وقتلهم ثم أحضر زياد بن مالك الضبعى وعمران بن خالد العثرى وعبد الرحمن بن أبى حشكارة البجلى وعبد الله بن قيس الخولانى وكانوا نهبوا من الورس الذى كان مع الحسين فقتلهم وأحضر عبد الله أو عبد الرحمن بن طلحة وعبد الله بن وهيب الهمداني ابن عم الاعشى فقتلهم وأحضر عثمان بن خالد الجهنى وأبا أسماء بشر بن سميط القابسى وكانا مشتركين في قتل عبد الرحمن بن عقيل وفى سلبه فقتلهما وحرقهما بالنار وبحث عن خولى بن يزيد الاصبحي صاحب رأس الحسين فجئ برأسه وحرق بالنار ثم قتل عمر بن سعد بن أبى وقاص بعد ان كان أخذ له الامان منه عبد الله بن ابن جعدة بن هبيرة فبعث أبا عمرة فجاءه برأسه وابنه حفص عنده فقال تعرف هذا قال نعم ولا خير في العيش بعده فقتله ويقال ان الذى بعث المختار على قتلة الحسين أن يزيد بن شراحيل الانصاري قدم على محمد بن الحنفية فقال له ابن الحنفية

[ 26 ]

يزعم المختار انه لنا شيعة وقتلة الحسين عنده على الكراسي يحدثونه فلما سمع المختار ذلك تتبعهم بالقتل وبعث برأس عمرو ابنه إلى ابن الحنفية وكتب إليه أنه قتل من قدر عليه وهو في طلب الباقين ثم أحضر حكيم بن طفيل الطائى وكان رمى الحسين بسهم وأصاب سلب العباس ابنه وجاء عدى بن حاتم يشفع فيه فقتله ابن كامل والشيعة قبل أن يصل حذرا من قبول المختار شفاعته وبحث عن مره بن منقذ بن عبد القيس قاتل على بن الحسين فدافع عن نفسه ونجا إلى مصعب بن الزبير وقد شلت يده بضربة وبحث عن زيد وفاد الحسين قاتل عبد الله بن مسلم بن عقيل رماه بسهمين وقد وضع كفه على جبهته يتقى النبل فأثبت كفه في جبهته وقتله بالاخرى فخرج بالسيف يدافع فقال ابن كامل ارموه بالحجارة فرموه حتى سقط وأحرقوه حيا وطلب سنان بن أنس الذى كان يدعى قتل الحسين فلحق بالبصرة وطلب عمر بن صبح الصدائى فقتله طعنا بالرماح وأرسل في طلب محمد بن الاشعث وهو في قريته عند القادسية فهرب إلى مصعب وهدم المختار داره وطلب آخرين كذلك من المتهمين بأمر الحسين فلحقوا بمصعب وهدم دورهم * (شأن المختار مع ابن الزبير) * كان على البصرة الحرث بن أبى ربيعة وهو القباع عاملا لابن الزبير وعلى شرطته عباد ابن حسين وعلى المقاتلة قيس بن الهيتم وجاء المثنى بن مخرمة العبدى وكان ممن شهد مع سليمان بن صرد ورجع فبايع للمختار وبعثه إلى البصرة يدعو له بها فأجابه كثير من الناس وعسكر لحرب القباع فسرح إليه عباد بن حسين وقيس بن الهيتم في العساكر فانهزم المثنى إلى قومه عبد القيس وأرسل القباع عسكرا يأتونه به فجاءه زياد بن عمر العنكبى فقال له لتردن خيلك عن اخواننا أو نقاتلنهم فأرسل الاحنف ابن قيس وأصلح الامر على أن يخرج المثنى عنهم فسار إلى الكوفة وقد كان المختار لما أخرج ابن مطيع من البصرة كتب إلى ابن الزبير يخادعه ليتم أمره في الدعاء لاهل البيت وطلب المختار في الوفاء بما وعده به من الولاية فأراد ابن الزبير أن يتبين الصحيح من أمره فولى عمر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام على الكوفة وأعلمه بطاعة المختار وبعثه إليها وجاء الخبر إلى المختار فبعث زائدة بن قدامة في خمسمائة فارس وأعطاه سبعين ألف درهم وقال ادفعها إلى عمر فهى ضعف ما أنفق وأمره بالانصراف بعد تمكث فان أبى فأره الخيل فكان كذلك ولما رأى عمر الحيل أخذ المال وسار نحو البصرة واجتمع هو وابن مطيبع في امارة القباع قبل وثوب ابن مخرمة وقيل ان المختار كتب إلى ابن الزبير انى اتخذت الكوفة دارا فان سوغتنى ذلك وأعطيتني مائة ألف درهم سرت إلى الشام وكفيتك مروان فمنعه من ذلك فأقام المختار يطاعنه

[ 27 ]

ويوادعه ليتفرغ لاهل الشأم ثم بعث عبد الملك بن مروان عبد الملك بن الحرث ابن الحكم بن أبى العاص إلى وادى القرى فكتب المختار إلى ابن الزبير يعرض عليه المدد فأجابه أن يعجل بانفاذ الجيش إلى جند عبد الملك بوادي القرى فسرح شرحبيل ابن دوس الهمداني في ثلاثة آلاف اكريم من الموالى وأمره أن يأتي المدينة ويكاتبه بذلك واتهمه ابن الزبير فبعث من مكة عباس بن سهل بن سعد في ألفين وأمره أن يستنفر العرب وان رأى من جيش المختار خلافا ناجزهم وأهلكهم فلقيهم عباس بالرقيم وهم على تعبية فقال سيروا بنا إلى العدو الذى بوادي القرى فقال ابن دوس انما أمرنى المختار أن آتى المدينة ففطن عباس لما يريد فأتاهم بالعلوفة والزاد وتخير ألفا من أصحابه وحمل عليهم فقتل ابن دوس وسبعين معه من شجعان قومه وأمن الباقين فرجعوا للكوفة ومات أكثرهم في الطريق وكتب المختار إلى ابن الحنفية يشكو ابن الزبير ويوهمه أنه بعث الجيش في طاعته ففعل بهم ابن الزبير ما فعل ويستاذنه في بعث الجيوش إلى المدينة ويبعث ابن الحنفية عليهم رجلا من قبله فيفهم الناس أنى في طاعتك فكتب إليه ابن الحنفية قد عرفت قصدك ووفاءك بحقى وأحب الامر إلى الطاعة فأطع الله وتجنب دماء المسلمين فلو أردت القتال لوجدت الناس إلى سراعا والاعوان كنير الكنى أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (ثم دعا ابن الزبير) محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته وشيعته إلى البيعة فامتنع وبعث إليه ابن الزبير وأغلظ عليه وعليهم فاستكانوا وصبروا فتركهم فلما استولى المختار على الكوفة وأظهر الشيعة دعوة ابن الحنفية خاف ابن الزبير أن يتداعى الناس إلى الرضا به فاعتزم عليهم في البيعة وتوعدهم بالقتل وحبسهم بزمزم وضرب لهم أجلا وكتب ابن الحنفية إلى المختار بذلك فأخبر الشيعة وندبهم وبعث أمراء منهم في نحو ثلثمائة عليهم أبو عبد الله الجدلي وبعث لابن الحنفية أربعمائة ألف درهم وساروا إلى مكة فدخلوا المسجد الحرام وبأيديهم الخشب كراهة اشهار السيوف في الحرم وطفقوا ينادون بثأر الحسين حتى انتهوا إلى زمزم وأخرج ابن الحنفية وكان قد بقى من أجله يومان واستأذنوه في قتال ابن الزبير فقال لا أستحل القتال في الحرم ثم جاء باقى الجند وخافهم ابن الزبير وخرج ابن الحنفية إلى شعب على واجتمع له أربعة آلاف رجل فقسم بينهم المال (ولما قتل المختار) واستوثق أمر ابن الزبير بعث إليهم في البيعة فخافه على نفسه وكتب لعبد الملك فأذن له أن يقدم الشأم حتى يستقيم أمر الناس ووعده بالاحسان وخرج ابن الحنفية وأصحابه إلى الشأم ولما وصل مدين لقيه خبر مهلك عمر بن سعيد فندم وأقام بايلة وظهر في الناس فضله وعبادته

[ 28 ]

وزهده وكتب له عبد الملك أن يبايعه فرجع إلى مكة ونزل شعب أبى طالب فأخرجه ابن الزبير فسار إلى الطائف وعذل ابن عباس ابن الزبير على شانه ثم خرج عنه ولحق بالطائف ومات هنالك وصلى عليه ابن الحنفية وعاش إلى أدرك حصار الحجاج لابن الزبير (ولما قتل ابن الزبير) بايع لعبد الملك وكتب عبد الملك إلى الحجاج بتعظيم حقه وبسط أمله ثم قدم إلى الشأم وطلب من عبد الملك أن يرفع حكم الحجاج عنه ففعل وقيل ان ابن الزبير بعث إلى ابن عباس وابن الحنفية في البيعة حتى يجتمع الناس على امام فان في هذه فتنة فحبس ابن الحنفية في زمزم وضيق على ابن عباس في منزله وأراد احراقهما فأرسل المختار جيشه كما تقدم ونفس عنهما ولما قتل المختار قوى ابن لزبير عليهما فخرجا إلى الطائف * (مقتل ابن زياد) * ولما فرغ المختار من قتال أهل الكوفة آخر سنة ست وستين بعث ابراهيم بن الاشتر لقتال ابن زياد وبعث معه وجوه أصحابه وفرسانهم وشيعته وأوصاه وبعث معه بالكرسي الذى كان يستنصر به وهو كرسى قد غشاه بالذهب وقال للشيعة هذا فيكم مثل التابوت في بنى اسرائيل فكبر شأنه وعظم وقاتل ابن زياد فكان له الظهور وافتتن به الشيعة ويقال انه كرسى على بن أبى طالب وان المختار أخذه من والد جعدة بن هبيرة وكانت أمه أم هانئ بنت أبى طالب فهو ابن أخت على ثم أسرع ابراهيم بن الاشتر في السير وأوغل في أرض الموصل وكان ابن زياد قد ملكها كما مر فلما دخل ابراهيم أرض الموصل عبى أصحابه ولما بلغ نهر الحارم بعث على مقدمته الطفيل بن لقيط النخعي ونزل ابن زياد قريبا من النهر وكانت قيس مطبقة على بنى مروان عند المرج وجند عبد الملك يومئذ فلقى عمير بن الحساب السلمى ابراهيم بن الاشتر وأوعده أن ينهزم بالميسرة وأشار عليه بالمشاجرة ورأى عند ابن الاشتر ميلا إلى المطاولة فثناه عن ذلك وقال انهم ميلوا منكم رعبا وان طاولتهم اجترؤا عليكم قال وبذاك أوصاني صاحبي ثم عبى أصحابه في السحر الاول ونزل يمشى ويحرض الناس حتى أشرف على القوم وجاءه عبد الله بن زهير السلولى بأنهم خرجوا على دهش وفشل وابن الاشتر يحرض أصحابه ويذكرهم أفعال ابن زياد وأبيه ثم التقى الجمعان وحمل الحصين بن نمير من ميمنة أهل الشأم على ميسرة ابراهيم فقتل على بن مالك الخثعمي ثم أخذ الراية فرد بن على فقتل وانهزمت الميسرة فأخذ الراية عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولى ورجع بالمنهزمين إلى الميسرة كما كانوا وحملت ميمنة ابراهيم على ميسرة ابن زياد وهم يرجون أن ينهزم عمير بن الحاب كما وعدهم فمنعته الانفة

[ 29 ]

من ذلك وقاتل قتالا شديدا وقصد ابن الاشتر قلب العسكر وسواده الاعظم فاقتتلوا أشد قتال حتى كانت أصوات الضرب بالحديد كاصوات القصارين وابراهيم يقول لصاحب رايته انغمس برايتك فيهم ثم حملوا حملة رجل واحد فانهزم أصحاب ابن زياد وقال ابن الاشتر انى قتلت رجلا تحت راية منفردة شممت مه رائحة المسك وضربته بسيفي فقصمته نصفين فالتمسوه فإذا هو ابن زياد فأخذت رأسه وأحرقت جثته وحمل شريك بن جدير الثعلبي على الحصين بن نمير فاعتقله وجاء أصحابه فقتلوا الحصين ويقال ان الذى قتل ابن زياد هو ابن جدير هذا وقتل شرحبيل بن ذى الكلاع وادعى قتله سفيان بن يزيد الازدي وورقاء بن عازب الازدي وعبيد الله بن زهير السلمى واتبع أصحاب ابن الاشتر المنهزمين فغرق في النهر أكثر ممن قتل وغنموا جميع ما في العسكر وطرأ ابن الاشتر بالبشارة إلى المختار فأتته بالمدائن وأنفذ ابن الاشتر عماله إلى البلاد فبعث أخاه عبد الرحمن على نصيبين وغلب على سنجار ودارا وما والاهما من أرض الجزيرة وولى زفر بن الحرث قيس وحاتم بن النعمان الباهلى حران والرهاء وشمشاط وعمير بن الحباب السلمى كفر نوبى وطور عبدين وأقام بالموصل وأنفذ رؤس عبيد الله وقواده إلى المختار * (مسير مصعب إلى المختار وقتله اياه) * كان ابن الزبير في أول سنة سبع وستين أو آخر ست عزل الحرث بن ربيعة وهو القباع وولى مكانه أخاه مصعبا فقدم البصرة وصعد المنبر وجاء الحرث فأجلسه مصعب تحته بدرجة ثم خطب وقرأ الآيات من أول القصص ونزل ولحق به أشراف الكوفة حتى قربوا من المختار ودخل عليه شيث بن ربعى وهو ينادى واغوثاه ثم قدم محمد ابن الاشعث بعده واستوثقوه إلى المسير وبعث إلى المهلب بن أبى صفرة وهو عامله على فارس ليحضر معه قتال المختار فأبطأ وأغفل فأرسل إليه محمد بن الاشعث بكتابه فقال المهلب ما وجد مصعب بريدا غيرك فقال ما أنا ببريد ولكن غلبنا عبيدنا على أبنائنا وحرمنا فأقبل معه المهلب بالجموع والاموال وعسكر مصعب عند الجسر فأرسل عبد الرحمن بن مختف إلى الكوفة سر اليثبط الناس عن المختار ويدعو إلى ابن الزبير وسار على التعبية وبعث في مقدمته عباد بن الحصين الحبطى التميمي وعلى ميمنته عمر ابن عبيد الله بن معمر وعلى ميسرته المهلب وبلغ الخير المختار فقام في أصحابه وقربهم إلى الخروج مع ابن شميط وعسكر محمد في أعفر وبعث رؤس الارباع الذين كانوا مع ابن الاشتر مع ابن شميط وأصحابه فثبتوا وحمل المهلب من الميسرة على ابن كامل فثبت ثم كر المهلب وحمل حملة منكرة وصبر ابن كامل قليلا وانهزموا وحمل الناس

[ 30 ]

جميعا على ابن شميط فانهزم وقتل واستمر القتل في الرجالة وبعث مصعب عبادا فقتل كل أسير أخذه وتقدم محمد بن الاشعث في خيل من أهل الكوفة فلم يدركوا منهزما الا قتلوه ولما فرغ مصعب منهم أقبل فقطع الفرات من موضع واسط وحملوا الضعفاء وأثفالهم في السفن ثم خرجوا إلى نهر الفرات وسار إلى الكوفة ولما بلغ المختار خبر الهزيمة ومن قتل من أصحابه وأن مصعبا أقبل إليه في البر والبحر سار إلى مجتمع الانهار نهر الجزيرة والمسلحين والقادسية ونهر يسر فسكر الفرات فذهب ماؤه في الانهار وبقيت سفن أهل البصرة في الطين فخرجوا إلى السكر وأزالوه وقصدوا الكوفة وسار المختار ونزل حروراء بعد أن حصن القصر وأدخل عدة الحصار وأقبل مصعب وعلى ميمنته المهلب وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله وعلى الخيل عباد بن الحصين وجعل المختار على ميمنته سليم بن يزيد الكندى وعلى ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني وعلى الخيل عمر بن عبيد الله النهدي ونزل محمد بن الاشعث فيمن هرب من أهل الكوفة بين العسكرين ولما التقى الجمعان اقنتلوا ساعة وحمل عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومى على من بازائه فحطم أصحاب المختار حطمة منكرة وكشفوهم وحمل مالك ابن عمر النهدي في الرجالة عند المساء على ابن الاشعث حملة منكرة فقتل ابن الاشعث وعامة أصحابه وقتل عبيد الله بن على بن أبى طالب وقاتل المختار ثم افترق الناس ودخل القصر وسار مصعب من الغد فنزل السبخة وقطع عنهم الميرة وكان الناس يأتونهم بالقليل من الطعام والشراب خفية ففطن مصعب لذلك فمنعه وأصابهم العطش فكانوا يصبون العسل في الآبار ويشربون ثم ان المختار أشار على أصحابه بالاستماته فتحنط وتطيب وخرج في عشرين رجلا منهم السائب بن مسلك الاشعري فعذله فقال ويحك يا أحمق وثب ابن الزبير بالحجاز ووثب بجدة باليمامة وابن مروان بالشأم فكنت كاحدهم الا أنى طلبت بثار أهل البيت إذ نامت عقد العرب فقاتل على حسبك ان لم يكن لك نية ثم تقدم فقاتل حتى قتل على يد رجلين من بنى حنيفة أخوين طرفة وطراف ابني عبد الله بن دجاجة وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة لما رأى عزم المختار على الاستمانة تدلى من القصر واختفى عند بعض اخوانه ثم بعث الذين بقوا بالقصر إلى مصعب ونزلوا على حكمه فقتلهم أجمعين وأشار عليه المهلب باستبقائهم فاعترضه أشراف أهل الكوفة ورجع إلى رأيهم ثم أمر بكف المختار بن أبى عبيد فقطعت وسمرت إلى جانب المسجد فلم ينزعها من هنالك الا الحجاج وقتل زوجه عمرة بنت النعمان بن بشير زعمت أن المختار فاستأذن أخاه عبد الله وقتلها ثم كتب مصعب إلى ابراهيم بن الاشتر يدعوه إلى طاعته ووعده بولاية أعنة الخليل

[ 31 ]

وما غلب عليه من المغربة وكتب إليه عبد الملك بولاية العراق واختلف عليه أصحابه فجنح إلى مصعب خشية مما أصاب ابن زياد وأشراف أهل الشأم وكتب إلى مصعب بالاجابة وسار إليه فبعث على عمله بالموصل والجزيرة وارمينية واذربيجان المهلب بن أبى صفرة وقيل ان المختار انما أظهر الخلاف لابن الزبير عند قدوم مصعب البصرة وانه بعث على مقدمته أحمد بن شميط وبعث مصعب عبادا الحبطى ومعه عبيد الله بن على بن أبى طالب وتراضوا ليلا فناجزهم المختار من ليلته وانكشف أصحاب مصعب إلى عسكرهم واشتد القتال وقتل من أصحاب مصعب جماعة منهم محمد بن الاشعث فلما أصبح المختار وجد أصحابه قد توغلوا في أصحاب مصعب وليس عنده أحد فانصرف ودخل قصر الكوفة وفقد أصحابه فلحقوا به ودخل القصر معه ثمانية آلاف منهم وأقبل مصعب فحاصرهم أربعة أشهر يقاتلهم بالسيوف كل يوم حتى قتل وطلب الذين في القصر الامان من مصعب ونزلوا على حكمه فقتلهم جميعا وكانوا ستة آلاف رجل ولما ملك مصعب الكوفة بعث عبد الله بن الزبير ابنه حمزة على البصرة مكان مصعب فأساء السيرة وقصر بالاشراف ففزعوا إلى مالك بن مسمع فخرج إلى الجسر وبعث إلى حمزة أن الحق بأبيك وكتب الاحنف إلى أبيه أن يعزله عنهم ويعيد لهم مصعبا ففعل وخرج حمزة بالاموال فعرض له مالك بن مسمع وقال لا ندعك تخرج باعطياتنا فضمن له عمر بن عبيد الله العطاء فكف عنه وقيل ان عبيد الله بن الزبير انما رد مصعبا إلى البصرة عند وفادته عليه بعد سنة من قتل المختار ولما رده إلى البصرة استعمل عمر بن عبيد الله بن معمر على فارس وولاه حرب الازارقة وكان المهلب على حربهم أيام مصعب وحمزة فلما رد مصعبا أراد أن يولى المهلب الموصل والجزيرة وارمينية ليكون بينه وبين عبد الملك فاستقدمه واستخلف على عمله المغيرة فلما قدم البصرة عزله مصعب عن حرب الخوارج وبلاد فارس واستعمل عليها عمر بن عبيد الله بن معمر فكان له في حروبهم ما ندكره في أخبار الخوارج * (خلاف عمر بن سعيد الاشرف ومقتله) * كان عبد الملك بعد رجوعه من قنسرين أقام بدمشق زمانا ثم سار لقتال زخر بن الحرث الكلابي بغرقيسيا واستخلف على دمشق عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفى ابن أخته وسار معه عمر بن سعيد فلما بلغ بطنان انتقص عمر وأسرى ليلا إلى دمشق وهرب ابن أم الحكم عنها فدخلها عمر وهدم داره واجتمع إليه الناس فخطبهم ووعدهم وجاء عبد الملك على اثره فحاصره بدمشق ووقع بينهما القتال أياما ثم اصطلحا وكتب بينهما كتابا وأمنه عبد الملك فخرج إليه عمر ودخل عبد الملك دمشق فأقام أربعة أيام

[ 32 ]

ثم بعث إلى عمر ليأتيه فقال له عبد الله بن يزيد بن معاوية وهو صهره وكان عنده لا تأتيه فانى أخشى عليك منه فقال والله لو كنت نائما ما أيقظني ووعد الرسول بالرواح إليه ثم أتى بالعشى ولبس درعه تحت القباء ومضى في مائة من مواليه وقد جمع عبد الملك عنده بنى مروان وحسان بن نجد الكلبى وقبيصة بن ذؤيب الخزاعى وأذن لعمر فدخل ولم يزل أصحابه يجلسون عند كل باب حتى بلغوا قاعة الدار وما معه الا غلام واحد ونظر إلى عبد الملك والجماعة حوله فأحس بالشر وقال للغلام انطلق إلى أخى يحيى وقل له يأتيني فلم يفهم عنه وأعاد عليه فيجيبه الغلام لبيك وهو لا يفهم فقال له اعزب عنى ثم أذن عبد الملك لحسان وقبيصة فلقيا عمر ودخل فأجلسه معه على السرير وحادثه زمنا ثم أمر بنزع السيف عنه فأنكر ذلك عمر وقال اتق الله يا أمير المؤمنين فقال له عبد الملك أتطمع أن تجلس معى متقلدا سيفك فأخذ عنه السيف ثم قال له عبد الملك يا أبا أمية انك حين خلعتني حلفت بيمين ان أنا رأيتك بحيث أقدر عليك أن أجعلك في جامعة فقال بنو مروان ثم تطلقه يا أمير المؤمنين قال نعم وما عسيت أن أصنع بأبى أمية فقال بنو مروان أبر قسم أمير المؤمنين يا أبا أمية فقال عمر قد أبر الله قسمك يا أمير المؤمنين فاخرج من تحت فراشه جامعة وأمر غلاما فجمعه فيها وسأله أن لا يخرجه على رؤس الناس فقال أمكرا عند الموت ثم جذبه جذبة أصاب فمه السرير فكسر ثنيته ثم سأل الابقاء فقال عبد الملك والله لو علمت أنك تبقى ان أبقيت عليك وتصلح قريش لا بقيتك ولكن لا يجتمع رجلان مثلنا في بلد فشتمه عمر وخرج عبد الملك إلى الصلاة وأمر أخاه عبد العزيز بقتله فلما قام إليه بالسيف ذكره الرحم فامسك عنه وجلس ورجع عبد الملك من الصلاة وغلقت الابواب فغلظ لعبد العزيز ثم تناول عمر فذبحه بيده وقيل أمر غلامه بن الزغير فقتله وفقد الناس عمر مع عبد الملك حين خرج إلى الصلاة فأقبل أخوه يحيى في أصحابه وعبيده وكانوا ألفا ومعه حميد بن الحرث وحريث وزهير بن الابرد فهتفوا باسمه ثم كسروا باب المقصورة وضربوا الناس بالسيوف وخرج الوليد بن عبد الملك واقتتلوا ساعة ثم خرج عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفى بالرأس فألقاه إلى الناس وألقى إليهم عبد العزيز بن مروان بدر الاموال فانتهبوها وافترقوا ثم خرج عبد الملك إلى الناس وسأل عن الوليد فأخبر بجراحته وأتى بيحيى بن سعيد وأخيه عنبسة فحبسهما وحبس بنى عمر بن سعيد ثم أخرجهم جميعا وألحقهم بمصعب حتى حضروا عنده بعد قتل مصعب فأمنهم ووصلهم وكان بنو عمر أربعة أمية وسعد واسمعيل ومحمد ولما حضروا عنده قال أنتم أهل بيت ترون لكم على جميع قومكم فضلا لن يجعله الله لكم والذى كان بينى وبين أبيكم لم يكن حديثا

[ 33 ]

بل كان قديما في أنفس أوليكم على أولينا في الجاهلية فقال سعيد يا أمير المؤمنين تعد علينا أمرا كان في الجاهلية والاسلام قد هدم ذلك ووعد جنة وحذر نارا وأما عمر فهو ابن عمك وقد وصل إلى الله وأنت أعلم بما صنعت وان أحد ثنابه فبطن الارض خير لنا من ظهرها فرق لهم عبد الملك وقال أبوكم خيرنى بين أن يقتلنى أو أقتله واخترت قتله على قتلتى وأما انتم فما أرغبني فيكم وأوصلني لقرابتكم وأحسن حالتهم وقيل ان عمر انما كان خلفه وقتله حين سار عبد الملك لقتال مصعب طلبه أن يجعل له العهد بعده كما فعل أبوه فلم يجبه إلى ذلك فرجع إلى دمشق فعصى وامتنع بها وكان قتله سنة تسعة وستين * (مسير عبد الملك إلى العراق ومقتل مصعب) * ولما صفا الشأم لعبد الملك اعتزم على غزو العراق وأتته الكتب من أشرافهم يدعونه فاستمهله أصحابه فأبى وسار نحو العراق وبلغ مصعبا سيره فأرسل إلى المهلب بن أبى صفرة وهو بفارس في قتال الخوارج يستشيره وقد كان عزل عمر بن عبيد الله بن معمر عن فارس وحرب الخوارج وولى مكانه المهلب وذلك حين استخلف على الكوفة وجاء خالد بن عبيد الله بن خالد بن أسيد على البصرة مختفيا وأعيد لعبد الملك عند مالك ابن مسمع في بكر بن وائل والازد وأمد عبد الملك بعبيد الله بن زياد بن ضبيان وحاربهم عمر بن عبيد الله بن معمر ثم صالحهم على أن يخرجوا خالدا فأخرجوه وجاء مصعب وقد طمع أن يدرك خالدا فوجده قد خرج فسخط على ابن معمر وسب أصحابه وضربهم وهدم دورهم وحلقهم وهدم دار مالك بن مسمع واستباحها وعزل ابن معمر عن فارس وولى المهلب وخرج إلى الكوفة فلم يزل بها حتى سار للقاء عبد الملك وكان معه الاحنف فتوفى بالكوفة ولما بعث عن المهلب ليسير معه أهل البصرة الا أن يكون المهلب على قتال الخوارج رده وقال له المهلب ان أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك وكاتبهم فلا يتعدى ثم بعث مصعب عن ابراهيم بن الاشتر وكان على الموصل والجزيرة فجعله في مقدمته وسار حتى عسكر في معسكره وسار عبد الملك وعلى مقدمته أخوه محمد ابن مروان وخالد بن عبيد الله بن خالد بن أسيد فنزلوا قريبا من قرقيسيا وحضر زفر ابن الحرث الكلابي ثم صالحه وبعث زفر معه الهذيل ابنه في عسكر وسار معه فنزل بمسكن قريبا من مسكن مصعب وفر الهذيل بن زفر فلحق بمصعب وكتب عبد الملك إلى أهل العراق وكتبوا إليه وكلهم بشرط اصفهان وأتى ابن الاشتر بكتاب مختوما إلى مصعب فقرأه فإذا هو يدعوه إلى نفسه ويجعل له ولاية العراق فأخبره مصعب بما فيه وقال مثل هذا لا يرغب عنه فقال ابراهيم ما كنت لا تقله الغدر والخيانة

[ 34 ]

ولقد كتب عبد الملك لاصحابك كلهم مثل هذا فأطعني واقتلهم أو احبسهم في أضيق محبس فأبى عليه مصعب وأضمر أهل العراق الغدر بمصعب وعذلهم قيس بن الهيثم منهم في طاعة أهل الشأم فأعرضوا عنه ولما تدانى العسكران بعث عبد الملك إلى مصعب بقول فقال نجعل الامر شورى فقال مصعب ليس بيننا الا السيف فقدم عبد الملك أخاه محمدا وقدم مصعب ابراهيم بن الاشتر وأمده بالجيش فأزال محمدا عن موقفه وأمده عبد الملك بعبيد الله بن يزيد فاشتد القتال وقتل من أصحاب مصعب بن عمر الباهلى والد قتيبة وأمد مصعب ابراهيم بعتاب بن ورقاء فساء ذلك ابراهيم ونكره وقال أوصيته لا يمدنى بعتاب وأمثاله وكان قد بايع لعبد الملك فجر الهزيمة على ابراهيم وقتله وحمل رأسه إلى عبد الملك وتقدم أهل الشأم فقاتل مصعب ودعا رؤس العراق إلى القتال فاعتذروا وتثاقلوا فدنا محمد بن مروان من مصعب وناداه بالامان وأشعره بأهل العراق فأعرض عنه فنادى ابنه عيسى بن مصعب فأذن له أبوه في لقائه فجاءه وبذل له الامان وأخبر أباه فقال أتظنهم يعرفون لك ذلك فان أحببت فافعل قال لا يتحدث نساء قريش انى رغبت بنفسى عنك قال فاذهب إلى عمك بمكة فأخبره بصنيع أهل العراق ودعني فانى مقتول فقال لا أخبر قريشا عنك أبدا ولكن الحق أنت بالبصرة فانهم على الطاعة أو بأمير المؤمنين بمكة فقال لا يتحدث قريش انى فررت ثم قال لعيسى تقدم يا بنى أحتسبك فتقدم في ناس فقتل وقتلوا وألح عبد الملك في قبول أمانه فأبى ودخل سرادقه فتحفظ ورمى السرادق وخرج فقاتل ودعاه عبيد الله بن زياد ابن ضبيان فشتمه وحمل عليه وضربه فجرحه وخذل أهل العراق مصعبا حتى بقى في سبعة أنفس وأثخنته الجراحة فرجع إليه عبيد الله بن زياد بن ضبيان فقتله وجاء برأسه إلى عبد الملك فأمر له بألف دينار فلم يأخذها وقال انما قتلته بثار أخى وكان قطع الطريق فقتله صاحب شرطته وقيل ان الذى قتله زائدة بن قدامة الثقفى من أصحاب المختار وأخذ عبيد الله رأسه وأمر عبد الملك به وبابنه عيسى فدفنا بدار الجاثليق عند نهر رحبيل وكان ذلك سنة احدى وسبعين ثم دعا عبد الملك جند العراق إلى البيعة فبايعوه وسار إلى الكوفة فأقام بالنخيلة أربعين يوما وخطب الناس فوعد المحسن وطلب يحيى بن سعيد من جعفة وكانوا اخواله فأحضروه فأمنه وولى أخاه بشر ابن مروان على الكوفة ومحمد بن نمير على همدان ويزيد بن ورقاء بن رويم على الرى ولم يف لهم باصبهان كما شرطوا عليه وكان عبد الله بن يزيد بن أسد والد خالد القسرى ويحيى بن معتوق الهمداني قد لجآ إلى على بن عبد الله بن عباس ولجأ هذيل بن زفر ابن الحرث وعمر بن يزيد الحكمى إلى خالد بن يزيد فأمنهم عبد الملك وصنع عمر

[ 35 ]

ابن حريث لعبد الملك طعاما فأخبره بالخورنق وأذن للناس عامة فدخلوا وجاء عمر ابن حريث فأجلسه معه على سريره وطعم الناس ثم طاف مع عمر بن حريث على القصر يسأله عن مساكنه ومعالمه ولما بلغ عبد الله بن حازم مسير مصعب لقتال عبد الملك قال أمعه عمر بن معمر قيل هو على فارس قال فالمهلب قيل في قتال الخوارج قال فعباد ابن الحسين قيل على البصرة قال وأنا بخراسان خذيني فجرينى جهارا وانشدى * بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره * ثم بعث عبد الملك برأس مصعب إلى الكوفة ثم إلى الشأم فنصب بدمشق وأرادوا التطاوف به فمنعت من ذلك زوجة عبد الملك عاتكة بنت يزيد بن معاوية فغسلته ودفنته وانتهى قتل مصعب إلى المهلب وهو يحارب الازارقة فبايع الناس لعبد الملك ابن مروان ولما جاء خبر مصعب لعبد الله بن الزبير خطب الناس فقال الحمد لله الذى له الخلق والامر يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء الا وانه لم يذل الله من كان الحق معه وان كان الناس عليه طرا وقد أتانا من العراق خبر أحزننا وأفرحنا أتانا قتل مصعب فالذي أفرحنا منه ان قتله شهادة وأما الذى أحزننا فان لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم عبد من عبيد الله وعون من أعوالى ألا وان أهل العراق أهل الغدر والنفاق سلموه وباعوه بأقل الثمن فان فوالله ما نموت على مضاجعنا كما يموت بنو أبى العاص والله ما قتل رجل منهم في الجاهلية ولا في الاسلام ولا نموت الا طعنا بالرماح وتحت ظلال السيوف الا انما الدنيا عارية من الملك الاعلى الذى لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه فان تقبل لا آخذها أخذا لا شر البطور وان تدبر لم أبك عليها بكاء الضرع المهين أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم (ولما بلغ الخبر) إلى البصرة تنازع ولايتها حمدان بن أبان وعبد الله بن أبى بكرة واستعان حمدان بعبد الله بن الاهتم عليها وكانت له منزلة عند بنى أمية فلما تمهد الامر بالعراق لعبد الملك بعد مصعب ولى على البصرة خالد بن عبد الله بن أسيد فاستخلف عليها عبيد الله بن أبى بكرة فقدم على حمدان وعزله حتى جاء خالد ثم عزل خالدا سنة ثلاث وسبعين وولى مكانه على البصرة أخاه بشرا وجمع له المصرين وسار بشر إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمر بن حريث وولى عبد الملك على الجزيرة وأرمينية بعد قتل مصعب أخاه محمد بن مروان سنة ثلاث وستين فغزا الروم ومزقهم بعد أن كان هادن ملك الروم أيام الفتنة على ألف دينار يدفعها إليه في كل يوم * (أمر زفر بن الحرث بقرقيسيا) * قد ذكرنا في وقعة راهط مسير بن زفر إلى قرقيسيا واجتماع قيس عليه وأقام بها يدعو

[ 36 ]

لابن الزبير ولما ولى عبد الملك كتب إلى أبان بن عفبة بن أبى معيط وهو على حمص بالمسير إلى زفر فسار وعلى مقدمته عبد الله بن رميت العلائى فعاجله عبد الله بالحرب وقتل من أصحابه نحو ثلثمائة ثم أقبل أبان فواقع زفر وقيل ابنه وكيع بن زفر وأوهنه ثم سار إليه عبد الملك إلى قرقيسيا قبل مسيره إلى مصعب فحاصره ونصب عليه المجانيق وقال كلب لعبد الملك لا تخلط معنا القيسية فانهم ينهزمون إذا التقينا مع زفر ففعل واشتد حصارهم وكان زفر يقاتلهم في كل غداة وأمر ابنه الهذيل يوما أن يحمل زفر حتى يضرب فسطاط عبد الملك ففعل وقطع بعض أطنابه ثم بعث عبد الملك أخاه بالامان لزفر وابنه الهذيل على أنفسهما ومن معهما وان لهم ما أحبوا فأجاب الهذيل وأدخل أباه في ذلك وقال عبد الملك لنا خير من ابن الزبير فأجاب على أن له الخيار في بيعته سنة وأن ينزل حيث شاء ولا يعين على ابن الزبير وبينما الرسل تختلف بينهم إذ قيل لعبد الملك قد هدم من المدينة أربعة أبراج فترك الصلح وزحف إليهم فكشفوا أصحابه إلى عسكرهم ورجع إلى الصلح واستقر بينهم على الامان ووضع الدماء والاموال وأن لا يبايع لعبد الملك حتى يموت ابن الزبير للبيعة التى له في عنقه وأن يدفع إليه مال نفسه في أصحابه وتأخر زفر عن لقاء عبد الملك خوفا من فعلته بعمر بن سعيد فأرسل إليه بقضيب النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إليه وأجلسه عبد الملك معه على سريره وزوج ابنه مسلمة الرباب بنت زفر وسار عبد الملك إلى قتال مصعب فبعث زفر ابنه الهذيل معه بعسكر ولما قارب مصعبا هرب إليه وقاتل مع ابن الاشتر حتى إذا اقتتلوا اختفى الهذيل في الكوفة حتى أمنه عبد الملك كما مر * (مقتل ابن حازم بخراسان وولاية بكير بن وشاح عليها) * قد تقدم لنا خلاف بنى تميم على ابن حازم بخراسان وانهم كانوا على ثلاث فرق وكف فرقتين منهم وبقى يقاتل الفرقة الثالثة من نيسابور وعليهم بجير بن ورقاء الصريمى فلما قتل مصعب بعث عبد الملك إلى حازم يدعوه إلى البيعة ويطعمه خراسان سبع سنين وبعث الكتاب مع رجل من بنى عامر بن صعصعة فقال ابن حازم لو لا الفتنة بين سليم وعامر ولكن كل كتابك فأكله وكان بكير بن وشاح التميمي خليفة بن حازم على مرو فكتب إليه عبد الملك بعهده على خراسان ورغبه بالمطالع ان انتهى فخلع ابن الزبير ودعا إلى عبد الملك وأجابه أهل مرو وبلغ ابن حازم فخاف أن يأتيه بكير ويجتمع عليه أهل مرو وأهل نيسابور فترك بجيرا وارتحل عنه إلى مرو ويزيد ابنه يترمد فأتبعه بجير ولحقه قريبا من مرو واقتتلوا فقتل ابن حازم طعنه بجير وآخران معه فصرعوه وقعد أحدهم على صدره فقطع رأسه وبعث بجير البشير بذلك إلى عبد الملك وترك الرأس

[ 37 ]

وجاء بكير بن وشاح في أهل مرو وأراد انفاذ الرأس إلى عبد الملك وأنه الذى قتل ابن حازم وأقام في ولاية خراسان وقيل ان ذلك انما كان بعد قتل ابن الزبير وأن عبد الملك أنفذ رأسه إلى ابن حازم ودعاه إلى البيعة فغسل الرأس وكفنه وبعثه إلى ابن الزبير بالمدينة وكان من شأنه مع الرسول ومع بجير وبكير ما ذكرناه (كان) عبد الملك لما بويع بالشأم بعث إلى المدينة عروة بن أنيف في ستة آلاف من أهل الشأم وأمره أن يسكن بالعرصة ولا يدخل المدينة وعامل ابن الزبير يومئذ على المدينة الحرث بن حاطب بن الحرث بن معمر الجمحى فهرب الحرث وأقام ابن أنيف شهرا يصلى بالناس الجمعة بالمدينة ويعود إلى معسكره ثم رجع ابن أنيف إلى الشأم ورجع الحرث إلى المدينة وبعث ابن الزبير سليمان بن خالد الدورقى على خيبر وفدك ثم بعث عبد الملك إلى الحجاز عبد الملك بن الحرث بن الحكم في أربعة آلاف فنزل وادى القرى وبعث سرية إلى سليمان بخيبر وهرب وأدركوه فقتلوه ومن معه وأقاموا بخيبر وعليهم ابن القمقام وذكر لعبد الملك ذلك فاغتم وقال قتلوا رجلا صالحا بغير ذنب ثم عزل ابن الزبير الحرث بن حاطب عن المدينة وولى مكانه جابر بن الاسود بن عوف الزهري فبعث جابر إلى خيبر أبا بكر بن أبى قيس في ستمائة فانهزم ابن القمقام وأصحابه أمامه وقتلوا صبرا ثم بعث عبد الملك طارق بن عمر مولى عثمان وأمره أن ينزل بين ايلة ووادى القرى ويعمل كما يعمل عمال ابن الزبير من الانتشار وليسد خللا ان ظهر له بالحجاز فبعث طارق خيلا إلى أبى بكير بخيبر واقتتلوا فأصيب أبو بكير في مائتين من أصحابه وكتب ابن الزبير إلى القباع وهو عامله على البصرة يستمده ألفى فارس إلى المدينة فبعثهم القباع وأمر ابن الزبير جابر بن الاسود أن يسيرهم إلى قتال طارق ففعل ولقيهم طارق فهزمهم وقتل مقدمهم وقتل من أصحابه خلقا وأجهز على جريحهم ولم يستبق أسيرهم ورجع إلى وادى القرى ثم عزل ابن الزبير جابرا عن المدينة واستعمل طلحة بن عبد الله بن عوف وهو طلحة النداء وذلك سنة سبعين فلم يزل على المدينة حتى أخرجه طارق ولما قتل عبد الملك مصعبا ودخل الكوفة وبعث منها الحجاج بن يوسف الثقفى في ثلاثة آلاف من أهل الشأم لقتال ابن الزبير وكتب معه بالامان لابن الزبير ومن معه ان أطاعوا فسار في جمادى سنة اثنتين وسبعين فلم يتعرض للمدينة ونزل الطائف وكان يبعث الخيل إلى عرفة ويلقاهم هناك خيل ابن الزبير فينهزمون دائما وتعود خيل الحجاج بالظفر ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بضعف ابن الزبير وتفرق أصحابه ويستأذنه في دخول الحرم لحصار ابن الزبير ويستمده فكتب عبد الملك إلى طارق يأمره باللحاق

[ 38 ]

بالحجاج فقدم المدينة في ذى القعدة سنة اثنتين وسبعين وأخرج عنها طلحة النداء عامل ابن الزبير وولى مكانه رجلا من أهل الشأم وسار إلى الحجاج بمكة في خمسة آلاف ولما قدم الحجاج مكة أحرم بحجة ونزل بئر ميمون وحج بالناس ولم يطف ولا سعى وحصر ابن الزبير عن عرفة فنحر بدنة بمكة ولم يمنع الحاج من الطواف والسعى ثم نصب الحجاج المنجنيق على أبى قبيس ورمى به الكعبة وكان ابن عمر قد حج تلك السنة فبعث إلى الحجاج بالكف عن المنجنيق لاجل الطائفين ففعل ونادى منادى الحجاج عند الافاضة انصرفوا فانا نعود بالحجارة على ابن الزبير ورمى بالمنجنيق على الكعبة وألحت الصواعق عليهم في يومين وقتلت من أصحاب الشأم رجالا فذعروا فقال لهم الحجاج لا شك فهذه صواعق تهامه وان الفتح قد حضر فابشروا ثم أصابت الصواعق من أصحاب ابن الزبير فسرى عن أهل الشأم فكانت الحجارة تقع بين يدى ابن الزبير وهو يصلى فلا ينصرف ولم يزل القتال بينهم وغلت الاسعار وأصاب الناس مجاعة شديدة حتى ذبح ابن الزبير فرسه وقسم لحمها في أصحابه وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم والمد من الذرة بعشرين وبيوت ابن الزبير مملوأة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا ولا ينفق منها الا ما يمسك الرمق يقوى بها نفوس أصحابه ثم أجهدهم الحصار وبعث الحجاج إلى أصحاب ابن الزبير بالامان فخرج إليه منهم نحو عشرة آلاف وافترق الناس عنه وكان ممن فارقه ابناه حمزة وحبيب وأقام ابنه الزبير حتى قتل معه وحرض الناس الحجاج وقال قد ترون قلة أصحاب ابن الزبير وما هم فيه من الجهد والضيق فتقدموا وملؤا ما بين الحجون والابواء فدخل ابن الزبير على أمه أسماء وقال يا أمه قد خذلني الناس حتى ولدى والقوم يعطوننى ما أردت من الدنيا فما رأيك فقالت له أنت أعلم بنفسك ان كنت على حق وتدعو إليه فامض له فقد قتل عليه أصحابك ولا تمكن من رقبتك وقد بلغت بها علمين بين بنى أمية وان كنت انما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ومن قتل معك وان قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فليس هذا فعل الاحرار ولا أهل الدين فقال يا أمه أخاف أن يمثلوا بى ويصلبونى فقالت يا بنى الشاة إذا ذبحت لا تتألم بالسلخ فامض على بصيرتك واستعن بالله فقبل رأسها وقال هذا رأيى والذى خرجت به داعيا إلى يومى هذا وما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة وما أخرجنى الا الغضب لله وأن تستحل حرماته ولكن أحببت أن أعلم رأيك فقد زدتيني بصيرة وانى يا أمه في يومى هذا مقتول فلا يشتد حزنك وسلمى لامر الله فان ابنك لم يتعمد اتيان منكر ولا عمد بفاحشة ولم يجر ولم يغدر ولم يظلم ولم يقر على الظلم ولم يكن آثر عندي من رضا الله تعالى اللهم لا أقر هذا تزكية لنفسي لكن تعزية لامى حتى تسلو عنى فقالت انى لارجو

[ 39 ]

أن يكون عزائى فيك جميلا ان تقدمتني احتسبتك وان ظفرت سررت بظفرك ثم قالت اخرج حتى أنظر ما يصير أمرك جزاك الله خيرا قال فلا تدعى الدعاء لى فدعت له وودعها وودعته ولما عانقته للوداع وقعت يدها على الدرع فقالت ما هذا صنيع من يريد ما تريد فقال ما لبستها الا لاشد منك فقالت انه لا يشد منى فنزعها وقالت له البس نيابك مشمرة ثم خرج فحمل على أهل الشأم حملة منكرة فقتل منهم ثم انكشف هو وأصحابه وأشار عليه بعضهم بالفرار فقال بئس الشيخ اذن أنا في الاسلام إذا واقعت قوما فقتلوا ثم فررت عن مثل مصارعهم وامتلات أبواب المسجد بأهل الشأم والحجاج وطارق بناحية الابطح إلى المروة وابن الزبير يحمل على هؤلاء وعلى هؤلاء وينادى أبا صفوان لعبد الله ابن صفوان بن أمية بن خلف فيجيبه من جانب المعترك ولما رأى الحجاج احجام الناس عن ابن الزبير غضب وترجل وحمل إلى صاحب الراية بين يديه فتقدم ابن الزبير إليهم وكشفهم عنه ورجع فصلى ركعتين عند المقام وحملوا على صاحب الراية فقتلوه عند باب بنى شيبة وأخذوا الراية ثم قاتلهم وابن مطيع معه حتى قتل ويقال أصابته جراحة فمات منها بعد أيام ويقال انه قال لاصحابه يوم قتل يا آل الزبير أو طبتم لى نفسا عن أنفسكم كاهل بيت من العرب اصطلمنه في الله فلا يرعكم وقع السيوف فان ألم الدواء في الجرح أشد من ألم وقعها صونوا سيوفكم بما تصونون وجوهكم وغضوا أبصاركم عن البارقة وليشغل كل امرئ قرنه ولا تسألوا عنى ومن كان سائلا فانى في الرحيل الاول ثم حمل حتى بلغ الحجون فأصابته حجارة في وجهه فأرغش لها ودمى وجهه ثم قاتل قتالا شديدا وقتل في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين وحمل رأسه إلى الحجاج فسجد وكبر أهل الشأم وثار الحجاج وطارق حتى وقفا عليه وبعث الحجاج برأسه ورأس عبد الله ابن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى عبد الملك وصلب جثته منكسة على ثنية الحجون اليمنى وبعثت إليه أسماء في دفنه فأبى وكتب إليه عبد الملك يلومه على ذلك فخلى بينها وبينه ولما قتل عبد الله ركب أخوه عروة وسبق الحجاج إلى عبد الملك فرحب به وأجلسه على سريره وجرى ذكر عبد الله فقال عروة انه كان فقال عبد الملك وما فعل قال قتل فخر ساجدا ثم أخبره عروة ان الحجاج صلبه فاستوهب جثته لامه فقال نعم وكتب إلى الحجاج يتكر عليه صلبه فبعث بجثته إلى أمه وصلى عليه عروة ودفنه وماتت أمه بعده قريبا ولما فرغ الحجاج من ابن الزبير دخل إلى مكة فبايعه أهلها لعبد الملك وأمر بكنس المسجد من الحجارة والدم وسار إلى المدينة وكانت من عمله فأقام بها شهرين وأساء إلى أهلها وقال أنتم قتلة عثمان وختم أيدى جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم كما يفعل بأهل الذمة منهم جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وسهل

[ 40 ]

ابن سعد ثم عاد إلى مكة ونقلت عنه في ذم المدينة أقوال قبيحة أمره فيها إلى الله وقيل ان ولاية الحجاج المدينة وما دخل منها كانت سنة أربع وسبعين وان عبد الملك عزل عنها طارقا واستعمله ثم هدم الحجاج بناء الكعبة الذى بناه ابن الزبير وأخرج الحجر منه وأعاده إلى البناء الذى أقره عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصدق ابن الزبير في الحديث الذى رواه عن عائشة فلما صح عنده بعد ذلك قال وددت انى تركته وما تحمل * (ولاية المهلب حرب الازارقة) * ولما عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة واستعمل مكانه أخاه بشر بن مروان وجمع له المصرين أمره أن يبعث المهلب إلى حرب الازارقة فيمن ينتخبه من أهل البصرة ويتركه وراءه في الحرب وأن يبعث من أهل الكوفة رجلا شريفا معروفا بالبأس والنجدة والتجربة في جيش كثيف إلى المهلب فيتبعوا الخوارج حتى يهلكوهم فأرسل المهلب جديع بن سعيد بن قبيصة ينتخب الناس من الديوان وشق على بشر ان امرأة المهلب جاءت من عند عبد الملك فغص به ودعا عبد الرحمن بن مختف فأعلمه منزلته عنده وقال انى أوليك جيش الكوفة بحرب الازارقة فكن عند حسن ظنى بك ثم أخذ يغريه بالمهلب وأن لا يقبل رأيه ولا مشورته فأظهر له الوفاق وسار إلى المهلب فنزلوا رامهرمز ولقى بها الخوارج فحدق عليه على ميل من المهلب حيث يتراءى العسكران ثم أتاهم نعى بشر بن مروان لعشر ليال من مقدمهم وانه استخلف على البصرة خالد بن عبد الله بن خالد فافترق الناس من أهل المصرين إلى بلادهم ونزلوا الاهواز وكتب إليهم خالد بن عبد الله يتهددهم ويحذرهم عقوبة عبد الملك ان لم يرجعوا إلى المهلب فلم يلتفتوا إليه ومضوا إلى الكوفة واستأذنوا عمر بن حريث في الدخول ولم يأذن لهم فدخلوا وأضربوا عن اذنه * (ولاية أسد بن عبد الله على خراسان) * ولما ولى بكير بن وشاح على خراسان اختلف عليه بطون تميم وأقاموا في العصبية له وعليه سنتين وخاف أهل خراسان أن تفسد البلاد ويقهرهم العدو فكتبوا إلى عبد الملك بذلك وأنها لا تصلح الا على رجل من قريش واستشار أصحابه فقال له أمية بن عبيد الله ابن خالد بن أسيد نزكيهم برجل منك فقال لولا انهز امك عن أبى فديك كنت لها فاعتذر وحلف ان الناس خذلوه ولم يجد مقاتلا فانحزت بالعصبة التى بقيت من المسلمين عن الهلكة وقد كتب اليك خالد بن عبد الله بعذري وقد علمه الناس فولاه خراسان (ولما) سمع بكير بن وشاح بمسيرة بعث إلى بجير بن ورقاء وهو في حبسه كما مر فأبى وأشار عليه بعض أصحابه أن يقبل مخافة القتل فقبل وصالح بكير أو بعث إليه بكير بأربعين ألفا

[ 41 ]

على أن لا يقاتله فلما قارب أمية نيسابور سار إليه بجير وعرفه عن أمور خراسان وما يحسن به طاعة أهلها وحذره غدر بكير وجاء معه إلى مرو فلم يعرض أمية لبكير ولا لعماله وعرض عليه شرطته فأبى وقال لا أحمل الجزية اليوم وقد كانت تحمل إلى بالامس وأراد أن يوليه بعض النواحى من خراسان فحذره بجير منه ثم ولى أمية ابنه عبد الله على سجستان فنزل بستا وغزا رتبيل الذى ملك على الترك بعد المقتول الاول وكان هائبا للمسلمين فراسلهم في الصلح وبعث ألف ألف وبعث بهدايا ورقيق فأبى عبد الله من قبولها وطلب الزيادة فجلا رتبيل عن البلاد حتى أوغل فيها عبد الله ثم أخذ عليه الشعاب والمضايق حتى سأل منه الصلح وأن يخلى عينه عن المسلمين فشرط رتبيل عليه ثلثمائة ألف درهم والعهد بأن لا يغزو بلادهم فأعطاه ذلك وبلغ الخبر بذلك عبد الملك فعزله * (ولاية الحجاج العراق) * ثم ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف على الكوفة والبصرة سنة خمسة وسبعين وأرسل إليه وهو بالمدينة يأمره بالمسير إلى العراق فسار على النجب في اثنى عشر راكبا حتى قدم الكوفة في شهر رمضان وقد كان بشر بعث المهلب إلى الخوارج فدخل المسجد وصعد المنبر وقال على بالناس فظنوه من بعض الخوارج فهموا به حتى تناول عمير بن ضابى البرجمى الحصباء وأراد أن يحصبه فلما تكلم جعل الحصباء يسقط من يديه وهو لا يشعر به ثم حضر الناس فكشف الحجاج عن وجهه وخطب خطبته المعروفة ذكرها الناس واحسن من أوردها المبرد في الكامل يتهدد فيها أهل الكوفة ويتوعدهم عن النخلف عن المهلب ثم نزل وحضر الناس عنده للعطاء واللحاق بالمهلب فقام إليه عمير ابن ضابى وقال أنا شيخ كبير عليل وابنى هذا أشد منى فقال هذا خير لنا منك قال ومن أنت قال عمير بن ضابى قال الذى غزا عثمان في داره قال نعم فقال يا عدو الله إلى عثمان بدلا قال انه حبس أبى وكان شيخا كبيرا فقال انى لا احب حياتك ان في قتلك صلاح المصرين وأمر به فقتل ونهب ماله وقيل ان عنبسة بن سعيد بن العاص هو الذى أغرى به الحجاج حين دخل عليه ثم أمر الحجاج مناديه فنادى ألا ان ابن ضابى تخلف بعد ثالثة من النداء فأمرنا بقتله وذمة الله بريئة ممن بات الليلة من جند المهلب فتسأل الناس إلى المهلب وهو بدار هرمز وجاءه العرفاء فأخذوا كتبه بموافاة العسكر ثم بعث الحجاج على البصرة الحكم بن أيوب الثقفى وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله وبلغه الخبر فقسم في أهل البصرة ألف ألف وخرج عنها ويقال ان الحجاج أول من عاقب على التخلف عن البعوث بالقتل قال الشعبى كان الرجل إذا أخل بوجهه الذى يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلى تنزع عمامته ويقام بين الناس فلما ولى مصعب أضاف إليه

[ 42 ]

حلق الرؤس واللحى فلما ولى بشر أضاف إليه تعليق الرجل بمسمارين في يده في حائط فيخرق المسماران يده وربما مات فلما جاءا حجاج ترك ذلك كله وجعل عقوبة من تخلى بمكانه من الثغر أو البعث القتل ثم ولى الحجاج على السند سعيد بن أسلم بن زرعة فخرج عليه معاوية بن الحرث الكلابي العلاقى وأخوه فغلباه على البلاد وقتلاه فأرسل الحجاج مجاعة بن سعيد التميمي مكانه فغلب على النغر وغزا وفتح فتوحات بمكران لسنة من ولايته * (وقوع أهل البصرة بالحجاج) * ثم خرج الحجاج من الكوفة واستخلف عليها عروة بن المغيرة بن شعبة وسار إلى البصرة وقدمها وخطب كما خطب بالكوفة وتوعد على القعود عن المهلب كما توعد فأتاه شريك ابن عمرو السكرى وكان به فتق فاعتذر به وبأن بشر بن مروان قبل عذره بذلك وأحضر عطاءه ليرد لبيت المال فضرب الحجاج عنقه وتتابع الناس مزدحمين إلى المهلب ثم سار حتى كان بينه وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا وأقام يشد ظهره وقال يا أهل المصرين هذا والله مكانكم حتى يهلك الله الخوارج ثم قطع لهم الزيادة التى زادها مصعب في الاعطية وكانت مائة مائة وقال لسنا نجيزها فقال عبد الله بن الجارود انما هي زيادة عبد الملك وقد أجازها أخوه بشر بأمره فانتهره الحجاج فقال انى لك ناصح وانه قول من ورائي فمكث الحجاج أشهر الا يذكر الزيادة ثم أعاد القول فيها فرد عليه ابن الجارود مثل الرد الاول فقال له مضفلة بن كرب العبدى سمعا وطاعة للامير فيما أحببنا وكرهنا وليس لنا أن نرد عليه فانتهره ابن الجارود وشتمه وأتى الوجوه إلى عبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعى وقالوا ان هذا الرجل مجمع على نقص هذه الزيادة وانا نبايعك على اخراجه من العراق ونكتب إلى عبد الملك أن يولى علينا غيره والا خلعناه وهو يخافنا ما دامت الخوارج في العراق فبايعوه سرا وتعاهدوا وبلغ الحجاج أمرهم فاحتاط وجد ثم خرجوا في ربيع سنة ستة وسبعين وركب عبد الله بن الجارود في عبد قيس على راياتهم ولم يبق مع الحجاج الا خاصته وأهل بيته وبعث الحجاج يستدعيه فأفحش في القول لرسوله وصرح بخلع الحجاج فقال له الرسول تهلك قومك وعشيرتك وأبلغه تهديد الحجاج اياه فضرب وأخرج وقال لولا انك رسول لقتلتك ثم زحف ابن الجارود في الناس حتى غشى فسطاطه فنهبوا ما فيه من المتاع وأخذوا زجاجته وانصرفوا عنها فكان رأيهم أن يخرجوه ولا يقتلوه وقال الغضبان بن أبى القبعثرى الشيباني لابن الجارود لا ترجع عنه وحرضه على معالجته فقال إلى الغداة وكان مع الحجاج عثمان بن قطن وزياد ابن عمر العتكى صاحب الشرطة بالبصرة فاستشارهما فأشار زياد بأن يستامن القوم

[ 43 ]

ويلحق بأمير المؤمنين وأشار عثمان بالثبات ولو كان دونه الموت وقال لا تخرج إلى أمير المؤمنين من العراق بعد أن رقاك إلى ما رقاك وفعلت ما فعلت بابن الزبير والحجاز فقبل رأى عثمان وحقد على زياد في اشارته وجاءه عامر بن مسمع بقول قد أخذلك الامان من الناس فجعل الحجاج يغالطه رافعا صوته عليه ليسمع الناس ويقول والله لا آمنهم حتى تؤتوني بالهذيل بن عمران وعبد الله بن حكيم ثم أرسل لى عبيد بن كعب الفهرى ان ائتنى فامنعني فقال له ان أتيتني منعتك فأبى وبعث إلى محمد بن عمير بن عطارد وعبد الله بن حكيم بمثل ذلك وأجابوه مثله ثم ان عباد الحصين الجفطى مر بابن الجارود والهذيل وعبد الله بن حكيم يتناجون فطلب الدخول معهم فأبوا وغضب وسار إلى الحجاج وجاءه قتيبة بن مسلم في بنى أعصر للحمية القتيبية ثم جاءه سيرة بن على الكلابي وسعيد بن أسلم الكلابي وجعفر بن عبد الرحمن بن مختف الازدي فثابت إليه نفسه وعلم أنه قد امتنع وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع ان شئت أتيتك وان شئت أقمت وثبطت عنك فأجابه أن أقم فلما أصبح إذا حوله ستة آلاف وقال ابن الجارود لعبد الله ابن زياد بن ضبيان ما الرأى قال تركته أمس ولم يبق الا الصبر ثم تراجعوا وعبى ابن الجارود وأصحابه على ميمنة الهذيل وعلى ميسرته سعيد بن أسلم وحمل ابن الجارود حتى حاصر أصحاب الحجاج وعطف الحجاج عليه فقارب ابن الجارود ان يظفر ثم أصابه سهم غرب فوقع ميتا ونادى منادى الحجاج بأمان الناس الا الهذيل وابن حكيم وأمر أن لا يتبع المنهزمون ولحق ابن ضبيان بعمار فهلك هنالك وبعث الحجاج برأس ابن الجارود ورأس ثمانية عشر من أصحابه إلى الملك ونصبت ليراها الخوارج فيتأسوا من الاختلاف وحبس الحجاج عبيد بن كعب ومحمد بن عمير لامتناعهما من الاتيان إليه وحبس ابن القبعثرى لتحريضه عليه فأطلقه عبد الملك وكان فيمن قتل مع ابن الجارود عبد الله بن أنس بن مالك فقال الحجاج لا أرى أنسا يعين على ودخل البصرة وأخذ ماله وجاءه أنس فأساء عليه وأفحش في كلمة في شتمه وكتب أنس إلى عبد الملك يشكوه فكتب عبد الملك إلى الحجاج يشتمه ويغلظ عليه في التهديد على ما فعل بأنس وأن تجئ إلى منزله وتتنصل إليه والا نبعث من يضرب ظهرك ويهتك سترك قالوا وجعل الحجاج في قراءته يتغير ويرتعد وجبينه يرشح عرقا ثم جاء إلى أنس بن مالك واعتذر إليه وفى عقب هذه الواقعة خرج الزنج بفرات البصرة وقد كانوا خرجوا قبل ذلك أيام مصعب ولم يكونوا بالكثير وأفسدوا النمار والزروع ثم جمع لهم خالد بن عبد الله فافترقوا قبل أن ينال منهم وقتل بعضهم وصلبه فلما كانت هذه الواقعة قدموا عليهم رجلا منهم اسمه رياح ويلقب بشير زنجى أي أسد الزنج وأفسدوا فلما فرغ الحجاج من ابن الجارود أمر زياد

[ 44 ]

بن عمر صاحب الشرطة أن يبعث إليهم من يقاتلهم وبعث ابنه حفصا في جيش فقتلوه وانهزم أصحابه فبعث جيشا فهزم الزنج وأبادهم * (مقتل ابن مختف وحرب الخوارج) * كان المهلب وعبد الرحمن بن مختف واقفين للخوارج برامهرمز فلما أمدهم الحجاج بالعساكر من الكوفة والبصرة تأخر الخوارج من رامهرمز إلى كازرون وأتبعهم العساكر حتى نزلوا بهم وخندق المهلب على نفسه وقال ابن مختف وأصحابه خدمنا سيوفنا فبيتهم الخوارج وأصابوا الغرة في ابن مختف فقاتل هو وأصحابه حتى قتلوا هكذا حديث أهل البصرة وأما أهل الكوفة فذكروا أنهم لما ناهضوا الخوارج اشتد القتال بينهم ومال الخوارج على المهلب فاضطروه إلى معسكره وأمده عبد الرحمن بالخيل والرجال ولما رأى الخوارج مدده تركوا من يشغل المهلب وقصدوا عبد الرحمن فقاتلوه وانكشفوا عنه وصبر في سبعين من قومه فثابوا إلى عتاب بن ورقاء وقد أمره الحجاج أن يسمع للمهلب فثقل ذلك عليه فلم يحسن بينهما العشر وكان يتراءف في الكلام وربما أغلظ له المهلب فأرسل عتاب إلى الحجاج يسأله القعود وكان حرب الخوارج وشبيب قد اتسع عليه فصادفا منه ذلك مرقعا واستقدمه وأمره أن يترك العسكر مع المهلب فولى المهلب عليهم ابنه حبيبا وأقام يقاتلهم بنيسابور نحوا من سنة وتحركت الخوارج على الحجاج من لدن سنة ستة وسبعين إلى سنة ثمان وشغل بحربهم وأول من خرج منهم صالح بن سرح من بنى تميم بعث إليه العساكر فقتل فولوا عليهم شبيبا واتبعه كثير من بنى شيبان وبعث إليهم الحجاج العساكر مع الحرث بن عميرة ثم مع سفيان الخثعمي ثم انحدر ابن سعيد فهزموها وأقبل شبيب إلى الكوفة فحاربهم الحجاج وامتنع ثم سرح عليه العساكر وبعث في أثرهم عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث فهزموهم ثم بعث عتاب ابن ورقاء وزهرة ابن حوبة مددا لهم فانهزموا وقتل عتاب وزهرة ثم قتل شبيب واختلف الخوارج بينهم وقتل منهم جماعة كما يذكر ذلك كله في أخبارهم * (ضرب السكة لاسلامية) * كان عبد الملك كتب في صدر كتابه إلى الروم قل هو الله أحد وذكر النبي مع التاريخ فنكر ذلك ملك الروم وقال اتركوه والا ذكرنا نبيكم في دنانيرنا بما تكرهونه فعظم ذلك عليه واستشار الناس فأشار عليه خالد بن يزيد بضرب السكة وترك دنانيرهم ففعل ثم نقش الحجاج فيها قل هو الله أحد فكره الناس ذلك لانه قد يمسها غير الطاهر ثم بالغ في تحليص الذهب والفضة من الغش وزاد ابن هبيرة أيام يزيد بن عبد الملك عليه ثم زاد خالد القسرى عليهم في ذلك أيام هشام ثم أفرط يوسف بن عمر من بعدهم في المبالغة

[ 45 ]

وامتحان العيار وضرب عليه فكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بنى أمية ثم أمر المنصور أن لا يقبل في الخراج غيرها وسميت النقود الاولى مكروهة أما لعدم جودتها أو لما نقش عليها الحجاج وكرهه وكانت دراهم العجم مختلفة بالصغر والكبر فكان منها مثقال وزن عشرين قيراطا واثنى عشر وعشرة قراريط وهى انصاف المثاقيل فجمعوا قراريط الانصاف الثلاثة فكانت اثنين وأربعين فجعلوا ثلثها وهو اثنا عشر قيراطا وزن الدرهم العربي فكانت كل عشرة دراهم تزن سبعة مثاقيل وقيل ان مصعب بن الزبير ضرب دراهم قليلة أيام أخيه عبد الله والاصح أن عبد الملك أول من ضرب السكة في الاسلام * (مقتل بكير بن وشاح بخراسان) * قد تقدم لنا عزل بكير عن خراسان وولاية أمية بن عبيد الله بن خالد بن أسيد سنة أربع وسبعين وأن بكيرا أقام في سلطان أمية بخراسان وكان يكرمه ويدعوه لولاية ما شاء من أعمال خراسان فلا يجيب وانه ولاه طخارستان وتجهز لها فيه بجير بن ورقاء فمنعه ثم أمره بالتجهز لغزو ما وراء النهر فحذره منه بجير فرده فغضب بكير ثم تجهز أمية لغزو غارا وموسى ابن عبد الله ابن حازم لترمذ واستخلف ابنه على خراسان لما أراد قطع النهر قال لبكير ارجع إلى مرو فاكفنيها فقد وليتكها وقم بأمر ابن حازم فانى أخشى أن لا يضبطها فانتخب من وثق به من أصحابه ورجع وأشار عليه صاحبه عتاب بأن يحرق السفن ويرجع إلى مرو فيخلع أمية ووافقه الاحنف بن عبد الله العنبري على ذلك فقال لهم بكير اخشى على من معى قالوا نأتيك من أهل مرو بمن تشاء قال يهلك المسلمون قال ناد في الناس برفع الخراج فيكونون معك قال فيهلك أمية وأصحابه قال لهم عدد وعدد يقاتلون عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين فأحرق بكير السفن ورجع إلى مرو فخلع أمية وحبس ابنه وبلغ الخبر أمية فصالح أهل الشام بخارى ورجع وأمر باتخاذ السفن وعبر وجاءه موسى بن عبد الله بن حازم من مددوا له وبعث شماس ابن ورقاء في ثمانمائة في مقدمته فبيته بكير وهزمه فبعث مكانه ثابت بن عطية فهزمه ثم التقى أمية وبكير فاقتتلوا أياما ثم انهزم بكير إلى مرو وحاصره أمية أياما حتى سأل الصلح على ولاية ما شاء من خراسان وأن يقضى عنه أربعمائة ألف دينه ويصل أصحابه ولا يقبل فيه سعاية بجير فتم الصلح ودخل أمية مدينة مرو وأعاد بكيرا إلى ما كان عليه من الكرامة وأعطى عتاب العدابى عشرين ألفا وعزل بجير عن شرطته بعطا بن أبى السائب وقيل ان بكيرا لم يصحب أمية إلى النهر وانما استخلفه على مرو فلما عبر أمية النهر خلع وفعل ما فعل ثم ان بجيرا سعى بأمية بأن بكيرا دعاه إلى الخلاف وشهد عليه جماعة

[ 46 ]

من أصحابه وأن معه ابني أخيه فقبض عليه أمية وقتله وقتل معه ابني أخيه وذلك سنة سبع وسبعين ثم عبر النهر لغزو بلخ فحصره الترك حتى جهد هو وعسكره وأشرفوا على الهلاك ثم نجوا ورجعوا إلى مرو * (مقتل بجير بن زياد) * ولما قتل بكير بسعاية بجير بن ورقاء تعاقد بنو سعد بن عوف من تميم وهم عشيرته على الطلب بدمه وخرج فتى منهم من البادية اسمه شمردل وقدم خراسان ووقف يوما على بجير فطعنه فصرعه ولم يمت وقتل شمردل وجاء مكانه صعصعة بن حرب العوفى ومضى إلى سجستان وجاور قرابة بجير مدة وانتسب إلى خنفية ثم قال لهم ان لى بخراسان ميراثا فاكتبوا إلى بجير يعيننى فكتبوا له وجاء إليه وأخبره بنسبه وميراثه وأقام عنده شهرا يحضر باب المهلب وقد أنس به وأمن غائلته وجاء صعصعة يوما وهو عند المهلب في قميص ورداء ودنا ليكلمه فطعنه ومات من الغد وقال صعصعة فمنعته مقاعس وقالوا أخذ بثاره فحمل المهلب دم صعصعة وجعل دم بجير ببكير وقيل ان المهلب بعثه إلى بجير فقتله والله أعلم وكان ذلك سنة احدى وثمانين * (ولاية الحجاج على خراسان وسجستان) * وفى سنة ثمان وسبعين عزل عبد الملك أمية بن عبد الله عن خراسان وسجستان وضمهما إلى الحجاج بن يوسف فبعث المهلب بن أبى صفرة على خراسان وقد كان فرغ من حرب الازارقة فاستدعاه وأجلسه معه على السرير وأحسن إلى أهل البلاد من أصحابه وزادهم وبعث عبيد الله بن أبى بكرة على سجستان فأما المهلب فقدم ابنه حبيبا إلى خراسان فلم يعرض لامية ولا لعماله حتى قدم أبوه المهلب بعد سنة من ولايته وسار في خمسة الاف وقطع النهر الغربي وما وراء النهر وعلى مقدمته أبو الادهم الرماني في ثلاثة آلاف فنزل على كش وجاءه ابن عمر الختن يستنجده على ابن عمه فبعث معه ابنه يزيد فبيت ابن العم عساكر الختن وقتل الملك وجاء صر يريد قلعتهم حتى صالحوا بما رضى ورجع وبعث المهلب ابنه حبيبا في أربعة آلاف ووافى صاحب بخارى في أربعين ألفا وكبس بعض جنده في قرية فقتلهم وأحرقها ورجع إلى أبيه وأفام المهلب يحاصر كش سنتين حتى صالحوه على فدية وأما عبد الله بن أبى بكرة فأقام بسجستان ورتبيل على صلحه يؤدى الخراج ثم امتنع فأمر الحجاج ابن أبى بكرة فعزوه واستباحوا بلاده فسار في أهل المصرين وعلى أهل الكوفة شريح بن هانئ من أصحاب على فدخل بلاد رتبيل وتوغل فيها حتى كانوا على ثمانية عشر فرسخا من مدينتهم وأثخن واستباح وخرب القرى والحصون ثم أخذ الترك عليهم القرى والشعاب حتى ظنوا الهلكة

[ 47 ]

فصالحهم عبيد الله على الخروج من أرضهم على أن يعطيهم سبعمائة ألف درهم ونكر ذلك عليه شريح وأبى الا القتال وحرض من الناس ورجع وقتل حير قتل في ناس من أصحابه ونجا الباقون وخرجوا من بلاد رتبيل ولقيهم الناس بالاطعمة فكانوا يموتون إذا شبعوا فجعلوا يطعمونهم السمن قليلا قليلا حتى استمروا وكتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في غزو بلاد رتبيل فأذن له فجهز عشرين ألف فارس من الكوفة وعشرين ألفا من البصرة واختار أهل الغنى والشجاعة وأزاح عللهم وأنفق فيهم ألفى ألف سوى أعطياتهم وأخذهم بالخيل الرائعة والسلاح الكامل وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث وكان يبغضه ويقول أريد قتله ويخبر الشعبى بذلك عبد الرحمن فيقول أنا أزيله عن سلطانه فلما بعثه على ذلك الجيش تنصح أخوه اسمعيل للحجاج وقال لا نبعثه فانى أخشى خلافه فقال هو أهيب لى من أن يخالف أمرى وسار عبد الرحمن في الجيش وقدم سجستان واستنفرهم وحذر العقوبة لمن يتعدى وساروا جميعا إلى بلاد رتبيل وبذل الخراج فلم يقبل منه ودخل بلاده فحواها شيأ فشيا وبعث عماله عليها ورجع المصالح بالنواحي والارصاد على العقاب والشعاب وامتلات أيد الناس من الغنائم ومنع من التوغل في البلاد إلى قابل وقد قيل في بعث عبد الرحمن بن الاشعث غير هذا وهو أن الحجاج كان قد أنزل هميان بن عدى السدى مسلحة بكرمان ان احتاج إليه عامل السند وسجستان فمضى هميان فبعث الحجاج عبد الرحمن بن الاشعث فهزمه وقام بموضعه ثم مات عبد الله بن أبى بكرة فولاه الحجاج مكانه وجهز إليه هذا الجيش وكان يسمى جيش الطواويس لحسن زيهم * (أخبار ابن الاشعث ومقتله) * ولما وصل كتاب ابن الاشعث إلى الحجاج كتب إليه يوبخه على القعود عن التوغل ويأمره بالمضي لما أمره به من هدم حصونهم وقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأعاد عليه الكتاب بذلك ثانيا وثالثا وقال له ان مضيت والا فأخوك اسحق أمير الناس فجمع عبد الرحمن الناس ورد الرأى عليهم وقال قد كنا عزمنا جميعا على ترك التوغل في بلد العدو ورأينا رأيا وكتبت بذلك إلى الحجاج وهذا كتابه يستعجزني ويستضعفني ويأمرني بالتوغل بكم وأنا رجل منكم فثار الناس وقالوا لا نسمع ولا نطيع للحجاج وقال أبو الطفيل عامر بن واثلة الكنانى اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا الامير عبد الرحمن فتنادى الناس من كل جانب فعلنا فعلنا وقال عبد المؤمن بن شيث بن ربعى انصرفوا إلى عدو الله الحجاج فانفوه عن بلادكم ووثب الناس إلى عبد الرحمن على خلع الحجاج ونفيه من العراق وعلى النصرة له ولم يذكر عبد الملك وصالح عبد الرحمن رتبيل على أنه ان ظهر

[ 48 ]

فلا خراج على رتبيل ما بقى من الدهر وان هزم منعه فمن يريده وجعل عبد الرحمن على سبت عياض بن هميان الشيباني وعلى روبى عبد الله بن عامر التميمي وعلى كرمان حرثة ابن عمر التميمي ثم سار إلى العراق في جموعه وأعشى همدان بين يديه يجرى بمدحه وذم الحجاج وعلى مقدمته عطية بن عمير العيرنى ولما بلغ فارس بدا للناس في أمر عبد الملك وقالوا إذا خلعنا الحجاج فقد خلعناه فخلعه الناس وبايعوا عبد الرحمن على السنة وعلى جهاد أهل الضلالة والخلين وخلعهم وكتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره ويستمده وكتب المهلب إلى الحجاج بأن لا يعترض أهل العراق حتى يسقطوا إلى أهليهم فنكر كتابه واتهمه وجند عبد الملك الجند إلى الحجاج فساروا إليه متتابعين وسار الحجاج من البصرة فنزل تستر وبعث مقدمة خيل فهزمهم أصحاب عبد الرحمن بعد قتال شديد وقتل منهم جمعا كثيرا وذلك في أضحى احدى وثمانين وأجفل الحجاج إلى البصرة ثم تأخر عنها إلى الغاوية وراجع كتاب المهلب فعلم نصيحته ودخل عبد الرحمن البصرة فبايعه أهلها وسائر نواحيها لان الحجاج كان اشتد على الناس في الخراج وأمر من دخل الامصار أن يرجع إلى القرى يستوفى الجزية فنكر ذلك الناس وجعل القرى يبكون منه فلما قدم عبد الرحمن بايعوه على حرب الحجاج وخلع عبد الملك ثم اشتد القتال بينهم في المحرم سنة اثنتين وثمانين وتزاحفوا على حرب الحجاج وخلع عبد الملك وانهزم أهل العراق وقصدوا الكوفة وانهزم منهم خلق كثير وفشا القتل في القرى فقتل منهم عقبة بن عبد الغافر الازدي في جماعة استلحموا معه وقتل الحجاج بعد الهزيمة منهم عشرة آلاف وكان هذا اليوم يسمى يوم الراوية واجتمع من بقى بالبصرة على عبد الرحمن ابن عباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب وبايعوه فقاتل بهم الحجاج خمس ليال ثم لحق بابن الاشعث بالكوفة ربيعة طائفة من أهل البصرة ولما جاء عبد الرحمن الكوفة وخليفة الحجاج عليها عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله الحضرمي وثب به مطر بن ناجية من بنى تميم مع أهل الكوفة فاستولى على القصر وأخرجه فلما وصل ابن الاشعث لقيه أهل الكوفة واحتف به همدان وجاء إلى القصر فمنعه مطر فصعد الناس القصر وأخذوه فحبسه عبد الرحمن وملك الكوفة ثم ان الحجاج استعمل على البصرة الحكم بن أيوب الثقفى ورجع إلى الكوفة فنزل دويرفيرة ونزل عبد الرحمن دير الجماجم واجتمع إلى كل واحد أمداده وخندق على نفسه وبعث عبد الملك ابنه عبد الله وأخاه محمدا في جند كثيف وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق عزل الحجاج ويجرى عليهم اعطياتهم كاهل الشأم وينزل عبد الرحمن إلى أي بلد شاء عاملا لعبد الملك فوجم الحجاج لذلك وكتب إلى عبد الملك ان هذا ممن يزيدهم جراءة وذكره بقضية عثمان

[ 49 ]

وسعيد بن العاص فأبى عبد الملك من رأيه وعرض عبد الله ومحمد بن مروان ما جاء به عبد الملك وتشاور أهل العراق بينهم وأشار عليهم عبد الرحمن بقبول ذلك وأن العزة لهم على عبد الملك لا تزول فتواثبوا من كل جانب منكرين لذلك ومجددين الخلع وتقدمهم في ذلك عبد الله بن دواب السلمى وعمير بن تيجان ثم برزوا للقتال وجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبى وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمى وعلى الخيل سفيان بن الابرد الكلبى وعلى الرجالة عبد الله بن حبيب الحكمى وجعل عبد الرحمن على ميمنته الحجاج بن حارثة لخثعمي وعلى ميسرته الابرد بن قرة التميمي وعلى خيله عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب وعلى رجالته محمد بن سعد بن أبى وقاص وعلى مجنبته عبد الله بن رزم الحرشى وعلى القرى جبلة زخر بن قيس الجعفي وفيهم سعيد بن جبير وعامر الشعبى وأبو البحترى الطائى وعبد الرحمن بن أبى ليلى ثم أقاموا يتزاحفون كل يوم ويقتتلون بقية سنتهم وكتيبة القرى معروفة بالصبر يحملون عليها فلا تنتقص فعبى الحجاج ثلاث كتائب مع الجراح بن عبد الله الحكمى وحملوا على القرى ثلاث حملات وجبلة يحرض القرى ويبيتهم والشعبى وسعيد بن جبير كذلك ثم حملوا على الكتائب ففرقوها وأزالوها عن مكانها وتأخر جبلة عنهم ليكون لهم فئة يرجعون إليه وأبصره الوليد بن نجيب الكلبى فقصده في جماعة من أهل الشأم وقتله وجئ برأسه إلى الحجاج وقدموا عليهم مكانه وظهر القتل في القرى ثم اقتتلوا بعد ذلك ما يزيد على مائة يوم كثر فيها القتلى والمبارزة ثم اقتتلوا يوما في منتصف جمادى الآخرة وحمل سفيان ابن الابرد في ميمنة الحجاج على ميسرة عبد الرحمن فانهزم الابرد بن قرة من غبر قتال فتقوضت صفوف الميمنة وركبهم أصحاب الحجاج ثم انهزم عبد الرحمن وأصحابه ومضى الحجاج إلى الكوفة ومحمد بن مرو إلى الموصل وعبد الله بن عبد الملك إلى الشأم وأخذ الحجاج الناس على أن يشهدوا على أنفسهم بالكفر وقتل من أبى ذلك ودعا بكميل ابن زياد صاحب على فقتله لاقتصاصه ثم أقام بالكوفة شهرا وأنزل أهل الشأم في بيوت أهل الكوفة ولحق ابن الاشعث بالبصرة فاجتمع إليه جموع المنهزمين ومعه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة ولحق به محمد بن سعيد بن أبى وقاص بالمدائن وسار نحو الحجاج ومعه بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني كان قدم عليه قبل الهزيمة من الرى وكان انتقض بها ثم غلب عليها ولحق بعبد الرحمن فكان معه وبايع عبد الرحمن خلق كثير على الموت ونزل مسكن وخندق عليه وعلى أصحابه والحجاج قبالتهم وقاتلهم خالد بن جرير بن عبد الله وكان قدم من خراسان في بعث الكوفة فقاتلهم خمسة عشر يوما من شعبان أشد قتال وقتل زياد بن غنيم القينى وكان على مالح الحجاج فهد منهم

[ 50 ]

ثم أبا بكر والقتال وحل بسطام بن مصقلة بن هبيرة في أربعة آلاف من فرسان الكوفة والبصرة كسروا جفون سيوفهم وحملوا على أهل الشأم فكشفوهم مرارا وأحاط بهم الرماة ولحقوا فقتلوا وحمل عبد الملك بن المهلب على أصحاب عبد الرحمن فكشفوهم ثم حمل أصحاب الحجاج من كل جانب فانهزم عبد الرحمن وأصحابه وقتل عبد الرحمن بن أبى ليلى الفقيه وأبو البحترى الطائى ومعلى بن الاشعث نحو سجستان ويقال ان بعض الاعراب جاء إلى الحجاج فدله على طريق من وراء معسكر ابن الاشعث فبعث معه أربعة آلاف جاؤا من ورائه وأصبح الحجاج فقاتله واستطرد له حتى نهب معسكره وأقبلت السرية من الليل إلى معسكر ابن الاشعث وكان الغرقى منهم أكثر من القتلى وجاء الحجاج إلى المعسكر فقتل من وجد فيه وكان عدة القتلى أربعة آلاف منهم عبد الله بن شداد بن الهادى وبسطام بن مصقلة وعمر بن ربيعة الرقاشى وبشر بن المنذر ابن الجارود وغيرهم (ولما سار) ابن الاشعث إلى سجستان أتبعه الحجاج بالعساكر وعليهم عمارة بن تميم اللخمى ومعهم محمد بن الحجاج فأدركوه بالسوس فقاتلوه وانهزم إلى سابور واجتمع إليه الاكراد وقاتلوا العساكر قتالا شديدا فهزم وخرج عمارة ولحق ابن الاشعث بكرمان فلقيه عامله بها وهيأ له النزول فنزل ثم رحل إلى زرنج فمنعه عامله من الدخول فحاصرها أياما ثم سار إلى بست وعليها من قبله عياض بن هميان ابن هشام السلوبى الشيباني ثم استغفله فأوثقه وكان رتبيل ملك الترك قد سار ليستقبله ونزل على بست وتهدد عياضا فأطلقه وحمل رتبيل إلى بلاده وأنزله عنده واجتمع المنهزمون فاتفقوا على قصد خراسان لينموا بعشائرهم وقصدوا للصلاة عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحرث وكتبوا إلى عبد الرحمن بن الاشعث يستقدمونه فقدم عليهم وثناهم عن قصد خراسان مخافة من سطوة يزيد بن المهلب وأن يجتمع أهل الشأم وأهل خراسان فأبوا وقالوا بل يكثر بها تابعنا فسار معهم إلى هراة فهرب عنهم عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة فخشى الانتقاض وقال انما أتيتكم وأمركم جميعا وأنا الآن منصرف إلى صاحبي الذى جئت من عنده يعنى رتبيل ورجع عنهم في قليل وبقى معظم العسكر مع عبد الرحمن بن العباس بسجستان فجمع بابن الاشعث وسار إلى خراسان في عشرين ألفا ونزل هراة ولقوا الرقاد فقتلوه وبعث إليه يزيد بن المهلب بالرحلة من البلاد فقال انما نزلنا لنستريح ونرتحل ثم أخذ في الجباية وسار نحوه يزيد بن المهلب والتقوا فافترق أصحاب عبد الرحمن عنه وصبرت معه طائفة ثم انهزموا وأمر يزيد بالكف عنهم وغنم ما في عسكرهم وأسر جماعة منهم فيهم محمد بن سعد ابن أبى وقاص وعمر بن موسى بن عبد الله بن معمر وعباس بن الاسود بن عوف والهلقام

[ 51 ]

ابن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة وفيروز وأبو اعلج مولى عبيد الله بن معمر وسوار ابن مروان وعبد الله بن طلحة الطلحات وعبد الله بن فضالة الزهراني الازدي ولحق عبد الرحمن بن العباس بالسند وأتى ابن سمرة إلى مرو وانصرف يزيد إلى مرو وبعث بالاسرى إلى الحجاج مع سيده بن نجدة وقال له أخوه حبيب ألا تبعث عبد الرحمن بن طلحة فان له عندنا يدين وقد ودى عن المهلب أبوه طلحة مائة ألف فتركه وترك عبد الله بن فضالة لانه من الازد وبعث الباقين وقدموا عليه بمكان واسط قبل بنائها فدعا بفيروز وقال ما أخرجك مع هؤلاء وليس بينك وبينهم نسب قال فتنة عمت الناس قال اكتب اموالك فكتب ألفى ألف وأكثر فقال للحجاج وأنا آمن على دمى قال لا والله لتؤدينها ثم أقتلك قال لا تجمع مالى ودمى وأمر به فنحى ثم أحضر محمد بن سعد بن أبى وقاص فوبخه طويلا ثم أمر به فقتل ثم دعا بعمر بن موسى فوبخه ولاطفه في العذر فلم يقبل ثم أمر به فقتل ثم أحضر الهلقام بن نعيم فوبخه وقال ابن الاشعث طلب الممالك فما الذى طلبت أنت قال أن توليني العراق مكانك فأمر به فقتل ثم أحضر عبد الله ابن عامر فعذله في عبد الله يزيد بن المهلب لانه أطلق قومه من الاسر وقاد نحوه مطرا فأطرف الحجاج ثم قال ما أنت وذاك ثم أمر به فقتل فلم يزل في نفسه من يزيد حتى عزله ثم أمر بفيروز فعذب ولما أحس بالموت قال أظهروني للناس ليردوا على ودائعي فلما ظهر نادى من كان لى عنده شئ فهو في حل فأمر به فقتل وأمر بقتل عمر بن فهر الكندى وكان شريفا وأحضر أعشى همدان واستنشده قصيدته بين الاثلج وبين قيس وفيها تحريض ابن الاشعث وأصحابه فقال ليست هذه وانما التى بين الاثلج وبين قيس بارق على روى الدال فأنشده فلما بلغ قوله بخ بخ للوالدة وللمولود قال والله لا تبخبخ بعدها أبدا وقتل (وسأل الحجاج) عن الشعبى فقال له يزيد بن أبى مسلم انه لحق بالرى فكتب إلى قتيبة بن مسلم وهو عامله على الرى بارسال الشعبى فقدم على الحجاج سنة ثلاث وثمانين وكان ابن أبى مسلم له صديقا فأشار عليه بحسن الاعتذار فلما دخل على الحجاج سلم عليه بالامرة وقال وايم الله لا أقول الا الحق قد والله حرضنا وجهدنا فما كنا أقوياء فجرة ولا أتقياء بررة وقد نصرك الله وظفرت فان سطوت فبذنوبنا وان عفوت فبحلمك والحجة لك علينا فقال الحجاج هذا والله أحب إلى ممن يقول ما شهدت ولا فعلت وسيفه يقطر من دمائنا ثم أمنه وانصرف (ولما ظفر الحجاج) بابن الاشعث وهزمه لحق كثير من المنهزمين بعمر بن الصلت وقد كان غلب على الرى في تلك الفتنة فلما اجتمعوا أرادوا أن يحظوا عند الحجاج ويمحوا عن أنفسهم ذنب الجماجم فأشاروا على عمر بخلع الحجاج فامتنع فدسوا عليه أباه فأجاب ولما سار قتيبة إلى الرى خرجوا مع عمر لقتاله

[ 52 ]

ثم غدروا به فانهزم ولحق بطبرستان وأقره الاصبهبد وأحسن إليه وأرادوا الوتوب على الاصبهبد فشاور أباه وقال قد علمت الاعاجم أنى أشرف منه فمنعه أبوه ودخل قتيبة الرى وكتب الحجاح إلى الاصبهبدان يبعث بهم أو برؤوسهم ففعل ذلك (ولما انصرف) عبد الرحمن بن الاشعث من هراة إلى رتبيل قال له علقمة بن عمر الاودى لا ادخل معك دار الحرب لان رتبيل ان دخل إليه الحجاج فيك وفى أصحابك قتلكم أو اسلمكم إليه ونحن خمسمائة قد تبايعنا على أن نتحصن بمدينة حتى نأمن أو نموت كراما وقدم عليهم مودود البصري وزحف إليهم عمارة بن تميم اللخمى وحاصرهم حتى استأمنوا فخرجوا إليه وقالهم وتتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل في عبد الرحمن يرهبه ويرغبه وكان عبيد بن سميع التميمي من أصحاب ابن الاشعث وكان رسوله إلى رتبيل أولا فانس به رتبيل وزحف عليه وأغرى القاسم بن الاشعث أخاه عبد الرحمن بقتله فخافه وزين لرتبيل أخذ العهد من الحجاج واسلام عبد الرحمن إليه على أن يكف عن أرضه سبع سنين فأجابه رتبيل وخرج إلى عمارة سرا وكتب عمارة إلى الحجاج بذلك فأجاب وكتب له بالكف عنه عشر سنين وبعث إليه رتبيل برأس عبد الرحمن وقيل مات بالسل فقطع رأسه وبعث به وقيل أرسله مقيدا مع ثلاثين من أهل بيته إلى عمارة فألقى عبد الرحمن نفسه من سطح القصر فمات فبعث عمارة برأسه وذلك سنة أربع أو خمس وثمانين قد كنا قدمنا حصار المهلب مدينة كش من وراء النهر فأقام عليها سنتين وكان استخلف على خراسان ابنه المغيرة فمات سنة اثنتين وثمانين فجزع عليه وبعث ابنه يزيد إلى مرو ومكنه في سبعين فارسا ولقيهم في مفازة نسف جمع من الترك يقاربون الخمسمائة فقاتلوهم قتالا شديدا يطلبون ما في أيديهم والمغيرة يمتنع حتى أعطى بعض أصحابه لبعضهم شيأ من المتاع والسلاح ولحقوا بهم ولحق يزيد بمرو ثم سأل أهل كش من المهلب الصلح على مال يعطونه فاسترهن منهم رهنا من أبنائهم في ذلك وانفتل المهلب وخلف حريث بن قطنة مولى خزاعة ليأخذ الفدية ويرد الرهن فلما صار ببلخ كتب إليه لا تخل الرهن وان قبضت الفدية حتى تقدم أرض بلخ لئلا يغيروا عليك فأقرأ صاحب كش كتابه وقال ان عجلت أعطيتك الرهن وأقول له جاء الكتاب بعد اعطائه فعجل صاحب كش بالفدية وأخذ الرهن وعرض له الترك كما عرضوا ليزيد وقاتلهم فقتلهم وأسر منهم أسرى ففدوهم فردا فردا وأطلقهم ولما وصل إلى المهلب ضربه ثلاثين سوطا عقوبة على مخالفة كتابه في الرهن فحلف حريث ابن قطنة ليقتلن المهلب وخاف ثابتا أن كان ذلك المسير إليه فبعث إليه المهلب أخاه

[ 53 ]

ثابت بن قطنة يلاطفه فأبى وحلف ليقتلن المهلب وخاف ثابت ان كان ذلك أن يقتلوا جميعا فأشار عليه باللحاق بموسى بن عبد الله بن حازم فلحق به في ثلثمائة من أصحابهما (ثم هلك المهلب) واستخلف ابنه يزيد وأوصى ابنه حبيبا بالصلاة وأوصى ولده جميعا بالاجتماع والالفة ثم قال أوصيكم بتقوى الله وصله الرحم فانها تنسئ في الاجل وتثرى المال وتكثر العدد وأنهاكم عن القطيعة فانها تعقب النار والذلة والقلة وعليكم بالطاعة والجماعة ولتكن فعالكم أفضل من مقالكم واتقوا الجواب وزلة اللسان فان الرجل تزل قدمه فينعش ويزل لسانه فيهلك واعرفوا لمن يغشاكم حقه فكفى بغدو الرجل ورواحه اليكم تذكرة له وآثروا الجود على البخل وأحبوا العرف واصنعوا المعروف فان الرجل من العرب تعده العدة فيموت فكيف بالصنيعة عنده وعليكم في الحرب بالتؤدة والمكيدة فانها أنفع من الشجاعة وإذا كان اللقاء نزل القضاء وان أخذ الرجل بالحزم فظفر قيل أتى الامر من وجهه فظفر وان لم يظفر قيل ما فرط ولا ضيع ولكن القضاء غالب وعليكم بقراءة القرآن وتعلم السنن وآداب الصالحين واياكم وكثرة الكلام في مجالسكم ثم مات وذلك سنة اثنتين وثمانين (ويقال) انه لما حثهم على الالفة والاجتماع أحضر سهاما محزومة فقال أتكسرون هذه مجتمعة قالوا لا قالوا فتكسرونها مفترقة قالوا نعم قال فهكذا الجماعة واستولى يزيد على خراسان بعد أبيه وكتب له الحجاج بالعهد عليها ثم وضع العيون على بيزك حتى بلغه خروجه عن قلعته فسار إليها وحاصرها ففتحها وغنم ما كان فيها من الاموال والذخائر وكانت من أحصن القلاع وكان بيزك إذا أشرف عليها يسجد لها ولما فتحها كتب إلى الحجاج بالفتح وكان كاتبه يعمر العدواني حليف هذيل فكتب انا لقينا العدو فمنحنا الله أكنافهم فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة ولحقت طائفة برؤس الجبال ومهامه الاودية وأهضام الغيطان وأفناء الانهار فقال الحجاج من بكتب ليزيد قيل يحيى بن يعمر فكتب بحمله على البريد فلما جاءه قال أين ولدت قال بالاهواز قال فمن أين هسذه الفصاحة قال حفظت من أولاد أبى وكان فصيحا قال يلحن عنبسة بن سعيد قال نعم كثيرا قال ففلان قال نعم قال فأنا قال تلحن خفيفا تجعل أن موضع إن وإن موضع أن قال أجلتك ثلاثا وان وجدتك بأرض العراق قتلتك فرجع إلى خراسان * (بناء الحجاج مدينة واسط) * كان الحجاج ينزل أهل الشأم على أهل الكوفة فضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان سنة ثلاث وثمانين وعسكروا قريبا من الكوفة حتى يستتموا ورجع منهم ذات ليلة فتى حديث عهد بعرس بابنة عمه فطرق يته ودق الباب فلم يفتح له الا بعد هنيهة

[ 54 ]

وإذا سكران من أهل الشأم فشكت إليه ابنة عمه مراودته اياها فقال لها ائذنى له فأذنت له وجاء فقتله الفتى وخرج إلى العسكر وقال ابعثى إلى الشاميين وارفعي إليهم صاحبهم فأحضروها عند الحجاج فأخبرته فقال صدقت وقال للشاميين لا قود له ولا عقل فانه قتيل الله إلى النار ثم نادى مناديه لا ينزل أحد على أحد وبعث الرواد فارتادوا له مكان واسط ووجد هناك راهبا ينظف بقعته من النجاسات فقال ما هذه قال نجد في كتبنا أنه ينشأ ههنا مسجد للعبادة فاختط الحجاج مدينة واسط هنالك وبنى المسجد في تلك البقعة * (عزل يزيد عن خراسان) * يقال ان الحجاج وفد إلى عبد الملك ومر في طريقه براهب قيل له ان عنده علما من الحدثان فقال هل تجدون في كتابكم ما أنتم فيه قال نعم فقال مسمى أو موصوفا قال موصوفا قال فما تجدون صفة ملكنا قال صفته كذا قال ثم من قال آخر اسمه الوليد قال ثم من قال آخر اسمه ثقفي قال فمن تجد بعدى قال رجل يدعى يزيد قال أتعرف صفته قال لا أعرف صفته الا أنه يغدر غدرة فوقع في نفس الحجاج أنه يزيد بن المهلب ووجل منه وقدم على عبد الملك ثم عاد إلى خراسان وكتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل المهلب وأنهم زبيرية فكتب إليه ان وفاءهم لآل الزبير يدعوهم إلى الوفاء لى فكتب ليه الحجاج يخوفه غدرهم وما يقول الراهب فكتب إليه عبد الملك انك أكثرت في يزيد فانظر من تولى مكانه فسمى له قتيبة بن مسلم فكتب له أن يوليه وكره الحجاج أن يكاتبه بالعزل فاستقدمه وأمره أن يستخلف أخاه المفضل واستشار يزيد حصين بن المنذر الرقاشى فقال له أقم واعتل وكاتب عبد الملك فانه حسن الرأى فيك نحن أهل بيت بورك لنا في الطاعة وأنا أكره الخلاف وأخذ يتجهز وأبطأ فكتب الحجاج إلى المفضل بولاية خراسان واستلحاق يزيد فقال انه لا يضرك بعدى وانما ولاك مخافة أن امتنع وخرج يزيد في ربيع سنة خمس وثمانين ثم عزل المفضل لتسعة أشهر من ولايته وولى قتيبة بن مسلم وقيل سبب عزل اليزيد أن الحجاج أذل العراق كلهم الا آل المهلب وكان يستقدم يزيد فيعتل عليه بالعدا والحروب وقيل كتب إليه أن يغزو خوارزم فاعتذر إليه بأنها قليلة السلب شديدة الكلف ثم استقدمه بعد ذلك فقال انى أغزو خوارزم فكتب الحجاج لا تغزها فغزاها وأصاب سبيا وصالحه أهلها وانفتل في الشتاء وأصاب الناس البرد فندثروا بلباس الاسرى فبقوا عرايا وقتلهم المفضل ولما ولى المفضل خراسان غزا باذغيس ففتحها وأصاب مغنما فقسمه ثم غزا شومان فغنم وقسم ما أصابه * (مقتل موسى بن حازم) *

[ 55 ]

كان عبد الله بن حازم لما قتل بنى تميم بخراسان وافترقوا عليه فخرج إلى نيسابور وخاف بنو تميم على ثقله بمرو فقال لابنه موسى اقطع نهر بلخ حتى نلتجئ إلى بعض الملوك أو إلى حصن نقيم فيه فسار موسى عن مرو في مائتين وعشرين فارسا واجتمع إليه شبه الاربعمائة وقوم من بنى سليم وأتى قم فقاتله أهلها فظفر بهم وأصاب منهم مالا وقطع النهر وسأل صاحب بخارى أن يأوى إليه فأبى وخافه وبعث إليه بصلة فسار عنه وعرض نفسه على ملوك الترك فأبوا خشية منه وأتى سمرقند فأذن له ملكها طرخون ملك الصغد في المقام فأقام وبلغه قتل أبيه عبد الله بن حازم ولم يزل مقيما بسمرقند وبارز بعض أصحابه يوما بعض الصغد فقتله فأخرجه طرخون عنه فأتى كش فنزلها ولم يطق صاحبها مدافعته واستجاش عليه بطرخون فخرج موسى للقائه وقد اجتمع معه سبعمائة فارس فاقتتلوا إلى الليل ودس موسى بعض أصحابه إلى طرخون يخوفه عاقبة أمره وان كل من يأتي خراسان يطالبه بدمه فقال يرتحل عن كش قال له نعم وكف حتى ارتحل وأتى ترمذ فنزل إلى جانب حصن بها مشرف على النهر وأبى ملك ترمد من تمليكه الحصن فأقام هنالك ولاطف الملك وتودد له وصار يتصيد معه وصنع له الملك يوما طعاما وأحضره في مائة من أصحابه ليأكلوا فلما طعموا امتنعوا من الذهاب وقال موسى هذا الحصن اما بيتى أو قبري وقاتلهم فقتل منهم عدة واستولى على الحصن وأخرج ملك ترمذ ولم يتعرض له ولا لاصحابه ولحق به جمع من أصحاب أبيه فقوى بهم وكان يغير على ما حوله ولما ولى أمية خراسان سار لغزوه وخالفه بكير كما تقدم ثم بعث إليه بعد صلحه مع بكيرا لجيوش مع رجل من خزاعة وحاصروه وعاود ملك ترمذ استنصاره بالترك في جمع كثير ونزلوا عليه من جانب آخر وكان يقاتل العرب أول النهار والترك آخره ثلاثة أشهر ثم بيت الترك ليلة فهزمهم وحوى عسكرهم بما فيه من المال والسلاح ولم يهلك من أصحابه الا ستة عشر رجلا وأصبح الخزاعى والعرب وقد خافوا مثلها وغدا عمر بن خالد بن حصين الكلابي على موسى بن حازم وكان صاحبه فقال انا لا نظفر الا بمكيدة فاضربني وخلنى فضربه خمسين سوطا فلحق بالخزاعى وقال ان ابن حازم اتهمني بعصبيتكم وأنى عين لكم فأمنه الخزاعى وأقام عنده ودخل عليه يوما وهو خال فقال له لا ينبغى أن تكون بغير سلاح فرفع طرف فراشه وأراه سيفا منتضى تحته فضربه عمر حتى قتله ولحق بموسى وتفرق الجيش واستأمن بعضهم موسى ولما ولى المهلب على خراسان قال لبنيه اياكم وموسى فانه ان مات جاء على خراسان أمير من قيس ثم لحق به حريث وثابت ابنا قطنة الخزاعى فكانا معه ولما ولى يزيد أخذ أموالهما وحرمهما وقتل أخاهما للام الحرث بن معقد فسار ثابت إلى

[ 56 ]

طرخون صريخا وكان محببا إلى الترك فغضب له طرخون وجمع له نيزك وملك الصغد وأهل بخارى والصاغان فقدموا مع ثابت إلى موسى وقد اجتمع عليه فل عبد الرحمن ابن عباس من هراة وفل ابن الاشعث من العراق ومن كابل فكان معه نحو ثمانية آلاف فقال له ثابت وحريث سر بنا في هذا العسكر مع الترك فنخرج يزيد من خراسان ونوليك فحذر موسى أن يغلباه على خراسان ونصحه بعض أصحابه في ذلك فقال لهما ان أخرجنا يزيد قدم عامل المدينة عبد الملك ولكنا نخرج عمال يزيد من وراء النهر ويكون لنا فأخرجوهم وانصرف طرخون والترك وقوى أمر العرب بترمذ وجبوا الاموال واستبد ثابت وحريث على موسى وأغراه أصحابه بهما فهم بقتلهما وإذا بجموع العجم قد خرجت إليهم من الهياطلة والتبت والترك فخرج موسى فيمن معه للقتال ووقف ملك الترك على قيل في عشرة آلاف فحمل عليهم حريث ابن قطنة حتى أزالهم عن موضعهم وأصيب بسهم في وجهه وتحاجزوا ثم بيتهم موسى فانهزموا وقتل من الترك خلق كثير ومات منهم قليل ومات حريث بعد يومين ورجع موسى بالظفر والغنيمة وقال له أصحابه قد كفينا أمر حريث فاكفنا أمر ثابت فأبى وبلغ ثابتا بعض ما كانوا يخوضون فيه ودس محمد بن عبد الله الخزاعى عليهم على أنه من سبى الباميان ولا يحسن العربية فاتصل بموسى وكان ينقل إلى ثابت خبر أصحابه فقال لهم ليلة قد أكثرتم على فعلى أي وجه تقتلونه ولا أغدر به فقال له أخوه نوح إذا أتاك غدا عدلنا به إلى بعض الدور فقتلناه قبل أن يصل اليك فقال والله انه لهلاككم وجاء الغلام إلى ثابت بالخبر فخرج من ليلته في عشرين فارسا وأصبحوا ففقدوه وفقدوا الغلام فعلموا أنه كان عينا ونزل ثابت بحشور واجتمع إليه خلق كثير من العرب والعجم وسار إليه موسى وقاتله فحصر ثابتا بالمدينة وأتاه طرخون مددا فرجع موسى إلى ترمذ ثم اجتمع ثابت وطرخون وأهل بخارى ونسف وأهل كش في ثمانين ألفا فحاصروا موسى بترمذ حتى جهد أصحابه وقال يزيد بن هذيل والله لاقتلن ثابتا أو أموت فاستأمن إليه وحذره بعض أصحابه منه فأخذا بنيه قدامة والضحاك رهنا وأقام يزيد يتلمس غرة ثابت ومات ابن الزياد والقصير الخزاعى فخرج إليه ثابت يعزيه وهو بغير سلاح فضربه يزيد على رأسه وهرب وأخذ طرخون قدامة والضحاك ابني يزيد فقتلهما وهلك ثابت لسبعة أيام وقام مكانه من أصحابه ظهير وضعف أمرهم وبيتهم موسى ليلا في ثلثمائة فبعث إليه طرخون كف أصحابك فانا نرحل الغداة فرجع وارتحل طرخون والعجم جميعا ولما ولى المفضل خراسان بعث عثمان بن مسعود في جيش إلى موسى بن حازم وكتب إلى مدرك بن المهلب في بلخ بالمسير معه فعبر النهر

[ 57 ]

في خمسة عشر ألفا وكتب إلى رتبيل والى طرخون أن يكونوا مع عثمان فحاصروا موسى بن حازم فضيقوا عليه شهرين وقد خندق عثمان على معسكره حذر البيات فقال موسى لاصحابه اخرجوا بنا مستميتين واقصدوا الترك فخرجوا وخلف النضر ابن أخيه سليمان في المدينة وقال له ان أنا قتلت فملك المدينة لمدرك بن المهلب دون عثمان وجعل ثلث أصحابه بازاء عثمان وقال لا تقاتلوه الا ان قاتلكم وقصد طرخون وأصحابه وصدقوهم القتال فانهزم طرخون وأخذوا وحجزت الترك والصغد بينهم وبين الحصر فقاتلهم فعقروا فرسه وأردفه مولى له فبصر به عثمان حين وثب فعرفه فقصده وعقروا به الفرس وقتلوه وقتل خلق كثير من العرب وتولى قتل موسى واصل العنبري ونادى منادى عثمان بكف القتل وبالاسر وبعث النضر بن سليمان إلى مدرك بن المهلب فسلم إليه مدينة ترمذ وسلمها مدرك إلى عثمان وكتب المفضل إلى الحجاج بقتل موسى فلم يسره لانه من قيس وكان قتل موسى (1) سنة خمس وثمانين لخمس عشرة سنة من تغلبه على ترمذ * (البيعة للوليد بالعهد) * وكان عبد الملك يروم خلع أخيه عبد العزيز من ولاية العهد والبيعة لابنه الوليد وكان فبيصة ينهاه عن ذلك ويقول لعل الموت يأتيه وتدفع العار عن نفسك وجاءه روح بن زنباع (2) ليلة وكان عنده عظيما ففاوضه في ذلك فقال لو فعلته ما انتطج فيه عنزان فقال نصلح ان شاء الله وأقام روح عنده ودخل عليهما قبيصة بن ذؤيب من جنج الليل وهما نائمان وكان لا يحجب عنه وليه الخاتم والسكة فاخبره بموت عبد العزيز أخيه فقال روح كفانا الله ما نريد ثم ضم مصر إلى ابنه