الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ
 
أ ب ت  ...




تاريخ ابن خلدون ق2 - ابن خلدون ج 2

تاريخ ابن خلدون ق2

ابن خلدون ج 2


[ 1 ]

بقية الجزء الثاني من تاريخ ابن خلدون م

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم [ أمر النبوة والهجرة في هذه الطبقة الثالثة وما كان من اجتماع العرب على الاسلام بعد الا باية والحرب ] لما استقر أمر قريش بمكة على ما استقر وافترقت قبائل مضر في أدنى مدن الشام والعراق وما دونهما من الحجاز فكانوا ظعونا واحياء وكان جميعهم بمسغبة وفى جهد من العيش بحرب بلادهم وحرب فارس والروم على تلول العراق والشام وأربابهما ينزلون حاميتهم بثغورها ويجهزون كتائبهم بتخومها ويولون على العرب من رجالاتهم وبيوت العصائب منهم من يسومهم القهر ويحملهم على الانقياد حتى يؤتوا جباية السلطان الاعظم وإتاوة ملك العرب ويؤدوا ما عليهم من الدماء والطوائل من يسترهن أبناءهم على السلم وكف العادية ومن انتجاع الارباب وميرة الاقوات والعساكر من وراء ذلك توقع بمن منع الخراج وتستأصل من يروم الفساد وكان أمر مضر راجعا في ذلك إلى ملوك كندة بنى حجر آكل المرار منذ ولاه عليهم تبع حسان كما ذكرناه ولم يكن في العرب ملك الا في آل المنذر بالحيرة للفرس وفى آل جهينة بالشأم للروم وفى بنى حجر هؤلاء على مضر والحجاز وكانت قبائل مضر مع ذلك بل وسائر العرب أهل بغى والحاد وقطع للارحام وتنافس في الردى واعراض عن ذكر الله فكانت عبادتهم الاوثان والحجارة وأكلهم العقارب والخنافس والحيات

[ 3 ]

والجعلان وأشرف طعامهم أوبار الابل إذا أمروها في الحرارة في الدم وأعظم عزهم وفادة على آل المنذر وآل جهينة وبنى جعفر ونجعة من ملوكهم وانما كان تنافسهم المؤودة والسائبة والوصيلة والحامي فلما تأذن الله بظهورهم واشرأبت إلى الشرف هوادى ايامهم وتم أمر الله في اعلاء امرهم وهبت ريح دولتهم وملة الله فيهم تبدت تباشير الصباح من أمرهم وأونس الخير والرشد في خلالهم وأبدل الله بالطيب الخبيث من احوالهم وشرهم واستبدلوا بالذل عزا وبالمآثم متابا وبالشر خيرا ثم بالضلالة هدى وبالمسغبة شبعا وريا وايالة وملكا وإذا أراد الله أمرا يسر أسبابه فكان لهم من العز والظهور قبل المبعث ما كان وأوقع بنو شيبان وسائر بكر بن وائل وعبس بن غطفان بطيئ وهم يومئذ ولاة العرب بالحيرة وأميرها منهم قبيصة بن اياس ومعه الباهوت صاحب مسلحة كسرى فأوقعوا بهم الوقعة المشهورة بذى قار والتحمت عساكر الفرس وأخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالمدينة ليومها وقال اليوم انتصفت العرب من العجم وبى نصروا ووفد حاجب بن زرارة من بنى تميم على كسرى في طلب الانتجاع والمبرة بقومه في اباب العراق فطلب الاساورة منه الرهن على عادتهم فاعطاهم قوسه واستكبر عن استرهان ولده توقعوا منه عجزا عما سواها وانتقلت خلال الخير من العجم ورجالات فارس فصارت اغلب في العرب حتى كان الواحد منهم همه بخلافه وشرفه وغلب الشر والسفسفة على أهل دول العجم وانظر فيما كتب به عمر إلى أبى عبيد بن المثنى حين وجهه إلى حرب فارس انك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والحيرة تقدم على أقوام قد جرؤا على الشر فعلموه وتناسوا الخير فجهلوه فانظر كيف تكون اه‍ وتنافست العرب في الخلال وتنازعوا في المجد والشرف حسبما هو مذكور في ايامهم وأخبارهم وكان حظ قريش من ذلك أوفر على نسبة حظهم من مبعثه وعلى ما كانوا ينتحلونه من هدى آبائهم وانظر ما وقع في حلف الفضول حيث اجتمع بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة وبنو تميم فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس الا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته وسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول (وفى الصحيح) عن طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب ان لى به حمر النعم ولو دعى به في الاسلام لاجبت ثم القى الله في قلوبهم التماس الدين وانكار ما عليه قومهم من عبادة الاوثان حتى لقد اجتمع ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وعثمان بن الحويرث بن أسد وزيد بن عمرو بن نفيل من بنى عدى بن كعب عم عمر بن الخطاب وعبيد الله بن جحش من بنى أسد بن خزيمة وتلاوموا في عبادة الاحجار والاوثان

[ 4 ]

وتواصوا بالنفر في البلدان بالتماس الحنيفية دين ابراهيم نبيهم فاما ورقة فاستحكم في النصرانية وابتغى من أهلها الكتب حتى علم من أهل الكتاب وأما عبيد الله بن جحش فاقام على ما هو عليه حتى جاء الاسلام فأسلم وهاجر إلى الحبشة فتنصر وهلك نصرانيا وكان يمر بالمهاجرين بأرض الحبشة فيقول فقحنا وصأصأتم أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر مثل ما يقال في الجر وإذا فتح عينيه فقح وإذا أراد ولم يقدر صأصأ واما عثمان ابن الحويرث فقدم على ملك الروم قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده وأما زيد بن عمرو فما هم ان يدخل في دين ولا اتبع كتابا واعتزل الاوثان والذبائح والميتة والدم ونهى عن قتل المؤودة وقال اعبد رب ابراهيم وصرح بعيب آلهتهم وكان يقول اللهم لو انى أعلم أي الوجوه أحب اليك لعبدتك ولكن لا اعلم ثم يسجد على راحته وقال ابنه سعيد وابن عمه عمر بن الخطاب يا رسول الله استغفر الله لزيد بن عمرو قال نعم انه يبعث أمة واحدة ثم تحدث الكهان والحزاة قبل النبوة وانها كائنة في العرب وان ملكهم سيظهر وتحدث أهل الكتاب من اليهود والنصارى بما في التوراة والانجيل من بعث محمد وامته وظهرت كرامة الله بقريش ومكة في أصحاب الفيل ارهاصا بين يدى مبعثه ثم ذهب ملك الحبشة من اليمن على يد ابن ذى يزن من بقية التبابعة ووفد عليه عبد المطلب يهنيه عند استرجاعه ملك قومه من أيدى الحبشة فبشره ابن ذى يزن بظهور نبى من العرب وأنه من ولده في قصة معروفة وتحين الامر لنفسه كثير من رؤساء العرب يظنه فيه ونفروا إلى الرهبان والاحبار من أهل الكتاب يسألونهم ببلدتهم علم ذلك مثل أمية بن أبى الصلت الشقى وما وقع له في سفره إلى الشام مع أبى سفيان بن حرب وسؤاله الرهبان ومفاوضته ابا سفيان فيما وقف عليه من ذلك يظن ان الامر له أو لاشراف قريش من بنى عبد مناف حتى تبين لهما خلاف ذلك في قصة معروفة (ثم رجمت) الشياطين عن استماع خبر السماء في أمره واصغى الكون لاستماع أنبائه * (المولد الكريم وبدء الوحى) * ثم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الاول لاربعين سنة من ملك كسرى أنو شروان وقيل لثمان وأربعين ولثمانمائة واثنتين وثمانين لذى القرنين وكان عبد الله أبوه غائبا بالشأم وانصرف فهلك بالمدينة وولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مهلكه بأشهر قلائل وقيل غير ذلك وكفله جده عبد المطلب بن هاشم وكفالة الله من ورائه والتمس له الرضعاء واسترضع في بنى سعد من بنى هوازن ثم في بنى نصر بن سعد ارضعته منهم حليمة بنت ابى ذؤيب عبد الله ابن الحرث بن شحنة بن رزاح بن ناضرة بن خصفة بن قيس وكان ظئره منهم الحارث

[ 5 ]

ابن عبد العزى وقد مر ذكرهما في بنى عامر بن صعصعة وكان أهله يتوسمون فيه علامات الخير والكرامات من الله ولما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شق الملكين بطنه واستخراج العلقة السوداء من قلبه وغسلهم حشاه وقلبه بالثلج ما كان وذلك لرابعة من مولده وهو خلف البيوت يرعى الغنم فرجع إلى البيت منتقع اللون وظهرت حليمة على شأنه فخافت أن يكون أصابه شئ من اللمم فرجعته إلى أمه واسترابت آمنة برجعها اياه بعد حرصها على كفالته فأخبرتها الخبر فقالت كلا والله لست أخشى عليه وذكرت من دلائل كرامة الله له وبه كثيرا وأزارته أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف ابن زهرة أخوال جده عبد المطلب من بنى عدى بن النجار بالمدينة وكانوا اخوالا لها أيضا وهلك عبد المطلب لثمان سنين من ولادته وعهد به إلى ابنه أبى طالب فأحسن ولايته وكفالته وكان شأنه في رضاعه وشبابه ومرباه عجبا وتولى حفظه وكلاءته من مفارقة أحوال الجاهلية وعصمته من التلبس بشئ منها حتى لقد ثبت أنه مر بعرس مع شباب قريش فلما دخل على القوم أصابه غشى النوم فما آفاق حتى طلعت الشمس وافترقوا ووقع له ذلك أكثر من مرة وحمل الحجارة مع عمه العباس لبنيان الكعبة وهما صبيان فأشار عليه العباس بحملها في ازاره فوضعه على عاتقه وحمل الحجارة فيه وانكشف فلما حملها على عاتقه سقط مغشيا عليه ثم عاد فسقط فاشتمل ازاره وحمل الحجارة كما كان يحملها وكانت بركاته تظهر بقومه وأهل بيته ورضعائه في شؤنهم كلها وحمله عمه أبو طالب إلى الشأم وهو ابن ثلاث عشرة وقيل ابن سبع عشرة فمروا ببحيرا الراهب عند بصرى فعاين الغمامة تظله والشجر تسجد له فدعا القوم وأخبرهم بنبوته وبكثير من شأنه في قصة مشهورة ثم خرج ثانية إلى الشأم تاجرا بمال خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى مع غلامها ميسرة ومروا بنسطور الراهب فرآى ملكين يظلانه من الشمس فأخبر ميسرة بشأنه فأخبر بذلك خديجة فعرضت نفسها عليه وجاء أبو طالب فخطبها إلى أبيها فزوجه وحضر الملا من قريش وقام أبو طالب خطيبا فقال الحمد لله الذى جعلنا من ذرية ابراهيم وزرع اسمعيل وضئضى معد وعنصر مضر وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا امناء بيته وسواس حرمه وجعلنا الحكام على الناس وان ابن أخى محمد بن عبد الله من قد علمتم قرابته وهو لا يوزن بأحد الا رجح به فان كان في المال قل فان المال ظل زائل وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من مالى كذا وكذا وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن خمس وعشرين سنة وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة وشهد بنيان الكعبة لخمس وثلاثين من مولده حين أجمع كل قريش على هدمها وبنائها ولما انتهوا

[ 6 ]

إلى الحجر تنازعوا أيهم يضعه وتداعوا للقتال وتحالف بنو عبد الدار على الموت ثم اجتمعوا وتشاوروا وقال أبو أمية حكموا أول داخل من باب المسجد فتراضوا على ذلك ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هذا الامين وبذلك كانوا يسمونه فتراضوا به وحكموه فبسط ثوبا ووضع فيه الحجر وأعطى قريشا أطراف الثوب فرفعوه حتى أدنوه من مكانه ووضعه عليه السلام بيده وكانوا أربعة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس والاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى وأبو حذيفة بن المغيرة بن عمر بن مخزوم وقيس بن عدى السهمى ثم استمر على أكمل الزكاء والطهارة في أخلاقه وكان يعرف بالامين وظهرت كرامة الله فيه وكان إذا أبعد في الخلاء لا يمر بحجر ولا شجر الا ويسلم عليه * (بدء الوحى) * ثم بدئ بالرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح ثم تحدث الناس بشأن ظهوره ونبوته ثم حببت إليه العبادة والخلوة بها فكان يتزود للانفراد حتى جاء الوحى بحراء لاربعين سنة من مولده وقيل لثلاث وأربعين وهى حالة يغيب فيها عن جلسائه وهو كائن معهم فأحيانا يتمثل له الملك رجلا فيكلمه ويعى قوله وأحيانا يلقى عليه القول ويصيبه أحوال الغيبة عن الحاضرين من الغط والعرق وتصببه كما ورد في الصحيح من أخباره قال وهو أشد على فيفصم عنى وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمني فأعى ما يقول فأصابته تلك الحالة بغار حرا وألقى عليه اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذى علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم وأخبر بذلك كما وقع في الصحيح وآمنت به خديجة وصدقته وحفظت عليه الشأن ثم خوطب بالصلاة وأراه جبريل طهرها ثم صلى به وأراه سائر افعالها ثم كان شأن الاسراء من مكة إلى بيت المقدس من الارض إلى السماء السابعة والى سدرة المنتهى وأوحى إليه ما أوحى ثم آمن به على ابن عمه أبى طالب وكان في كفالته من أزمة أصابت قريشا وكفل العباس جعفرا أخاه فجعفر اسن عيال أبى طالب فأدركه الاسلام وهو في كفالته فآمن وكان يصلى معه في الشعاب مختفيا من أبيه حتى إذا ظهر عليهما أبو طالب دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا أستطيع فراق دينى ودين آبائى ولكن لا ينهض اليك شئ تكره ما بقيت وقال لعلى الزمه فانه لا يدعو الا لخير فكان أول من أسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى ثم أبو بكر وعلى بن أبى طالب كما ذكرنا وزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال بن حمامة مولى أبى بكر ثم عمر بن عنبسة السلمى وخالد بن سعيد بن العاصى بن أمية ثم أسلم بعد ذلك قوم من قريش اختارهم الله لصحابته من سائر قومهم وشهد

[ 7 ]

لكثير منهم بالجنة وكان أبو بكر محببا سهلا وكانت رجالات قريش تألفه فأسلم على يديه من بنى أمية عثمان بن عفان بن أبى العاصى بن أمية ومن عشيرة بنى عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو ومن بنى زهرة بن قصى سعد بن أبى وقاص واسمه مالك بن وهب بن عبد مناف بن زهرة وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحرث بن زهرة ومن بنى أسد بن عبد العزى الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد وهو ابن صفية عمة النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم من بنى الحرث بن فهر أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحرث ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة ابن كعب أبو سلمة عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ومن بنى جمح بن عمرو ابن هصيص بن كعب عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح واخواه قدامة ومن بنى عدى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد الله بن قرط بن رياح بن عدى وزوجته فاطمة أخت عمر بن الخطاب بن نفيل وأبوه زيد هو الذى رفض الاوثان في الجاهلية ودان بالتوحيد وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه يبعث يوم القيامة أمة وحده ثم أسلم عمير أخو سعد بن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود رضى الله عنه ابن غافل بن حبيب بن شمخ ابن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحرث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة حليف بنى زهرة كان يرعى غنم عقبة بن ابى معيط وكان سبب اسلامه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلب من غنمه شاة حائلا فدرت ثم أسلم جعفر بن أبى طالب بن عبد المطلب وامرأته أسماء بنت عميس بن النعمان ابن كعب بن ملك بن قحافة الخثعمي والسائب بن عثمان بن مظعون وأبو حذيفة بن عتبة ابن ربيعة بن عبد شمس واسمه مهشم وعامر بن فهيرة أزدى وفهيرة أمه مولاة أبى بكر وافد بن عبد الله بن عبد مناف تميمي من حلفاء بنى عدى وعمار ابن ياسر عنسى بن مذحج مولى أبى مخزوم وصهيب بن سنان من بنى النمر بن قاسط حليف بنى جدعان ودخل الناس في الدين أرسالا وفشا الاسلام وهم ينتحلون به ويذهبون إلى الشعاب فيصلون (ثم أمر) رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بأمره ويدعو إلى دينه بعد ثلاث سنين من مبدأ الوحى فصعد على الصفا ونادى يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقال لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني قالوا بلى قال فانى نذير لكم بين يدى عذاب شديد ثم نزل قوله وأنذر عشيرتك الاقربين وتردد إليه الوحى بالنذارة فجمع بنى عبد المطلب وهم يومئذ أربعون على طعام صنعه لهم على ابن أبى طالب بأمره ودعاهم إلى الاسلام ورغبهم وحذرهم وسمعوا كلامه وافترقوا (ثم) ان قريشا حين صدع وسب الآلهة وعابها نكروا ذلك منه ونابذوه واجمعوا على عداوته فقام أبو طالب دونه محاميا ومانعا ومشت إليه رجال قريش

[ 8 ]

يدعونه إلى النصفة عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وأبو البخترى (3) بن هشام بن الحرث بن أسد بن عبد العزى والاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وأبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة ابن أخى الوليد والعاصي بن وائل بن هشام بن سعد بن سهم ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن على بن حذيفة بن سعد بن سهم والاسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة فكلموا أبا طالب وعادوه فردهم ردا جميلا ثم عادوا إليه فسألوه النصفة فدعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته بمحضرهم وعرضوا عليه قولهم فتلا عليهم القرآن وأيأسهم من نفسه وقال لابي طالب يا عماه لا أترك هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك فيه واستعبر وظن ان أبا طالب بدا له في أمره فرق له أبو طالب وقال يا ابن أخى قل ما أحببت فوالله لا أسلمك أبدا * (هجرة الحبشة) * ثم افترق أمر قريش وتعاهد بنو هاشم وبنو المطلب مع أبى طالب على القيام دون النبي صلى الله عليه وسلم ووثب كل قبيلة على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم واشتد عليهم العذاب فامرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى أرض الحبشة فرارا بدينهم وكان قريش يتعاهدونها بالتجارة فيحمدونها فخرج عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة مراغما لابيه وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو بن عامر بن لؤى والزبير بن العوام ومصعب بن عمير بن عبد شمس وابو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى العامري من بنى عامر بن لؤى وسهيل ابن بيضاء من بنى الحرث بن فهر وعبد الله بن مسعود وعامر بن ربيعة العنزي حليف بنى عدى وهو من عنز بن وائل ليس من عنزة وامرأته ليلى بنت أبى خيثمة فهؤلاء الاحد عشر رجلا كانوا أول من هاجر إلى أرض الحبشة وتتابع المسلمون من بعد ذلك ولحق بهم جعفر بن أبى طالب وغيره من المسلمين وخرجت قريش في آثار الاولين إلى البحر فلم يدركوهم وقدموا إلى أرض الحبشة فكانوا بها وتتابع المسلمون في اللحاق بهم يقال ان المهاجرين إلى أرض الحبشة بلغوا ثلاثة وثمانين رجلا فلما رأت قريش النبي صلى الله عليه وسلم قد امتنع بعمه وعشيرته وانهم لا يسلمونه طفقوا يرمونه عند الناس ممن يفد على مكة بالسحر والكهانة والجنون والشعر يرومون بذلك صدهم عن الدخول في دينه ثم انتدب جماعة منهم لمجاهرته صلى الله عليه وسلم بالعداوة والاذاية منهم عمه أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب أحد المستهزئين وابن عمه أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وعقبة بن أبى معيط أحد المستهزئين وأبو سفيان من المستهزئين والحكم بن أبى العاصى بن أمية من المستهزئين أيضا والنضر بن

[ 9 ]

الحرث من بنى عبد الدار والاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى من المستهزئين وابنه زمعة وأبو البخترى العاصى بن هشام والاسود بن عبد يغوث وأبو جهل بن هشام وأخوه العاصى وعمهما الوليد وابن عمهم قيس بن الفاكه بن المغيرة وزهير بن أبى أمية بن المغيرة والعاصي بن وائل السهمى وابنا عمه نبيه ومنبه وأمية وأبى ابنا خلف ابن جمح وأقاموا يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتعرضون له بالاستهزاء والاذاية حتى لقد كان بعضهم ينال منه بيده وبلغ عمه حمزة يوما ان أبا جهل بن هشام تعرض له يوما بمثل ذلك وكان قوى الشكيمة فلم ينشب ان جاء إلى المسجد وأبو جهل في نادى قريش حتى وقف على رأسه وضربه وشجه وقال له تشتم محمدا وأنا على دينه وثار رجال بنى مخزوم إليه فصدهم أبو جهل وقال دعوه فانى سببت ابن أخيه سبا قبيحا ومضى حمزة على اسلامه وعلمت قريش ان جانب المسلمين قد اعتز بحمزة فكفوا بعض الشر بمكانه فيهم ثم اجتمعوا وبعثوا عمرو بن العاصى وعبد الله بن أبى ربيعة إلى النجاشي ليسلم إليهم من هاجر إلى أرضه من المسلمين فنكر النجاشي رسالتهما وردهما مقبوحين (ثم أسلم) عمر بن الخطاب وكان سبب اسلامه انه بلغه ان أخته فاطمة اسلمت مع زوجها سعيد ابن عمه زيد وان خباب بن الارت عندهما يعلمهما القرآن فجاء اليهما منكرا وضرب أخته فشجها فلما رأت الدم قالت قد أسلمنا وتابعنا محمدا فافعل ما بدا لك وخرج إليه خباب من بعض زوايا البيت فذكره ووعظه وحضرته الانابة فقال له اقرأ على من هذا القرآن فقرأ سورة طه وأدركته الخشية فقال له كيف تصنعون إذا اردتم الاسلام فقالوا له وأروه الطهور ثم سأل على مكان النبي صلى الله عليه وسلم فدل عليه فطرقهم في مكانهم وخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال مالك يا ابن الخطاب فقال يا رسول الله جئت مسلما ثم تشهد شهادة الحق ودعاهم إلى الصلاة عند الكعبة فخرجوا وصلوا هنا لك واعتز المسلمون باسلامه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه اللهم أعز الاسلام بأحد العمرين يعنيه أو أبا جهل ولما رأت قريش فشو الاسلام وظهوره أهمهم ذلك فاجتمعوا وتعاقدوا على بنى هاشم وبنى المطلب ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم وكتبوا بذلك صحيفة وضعوها في الكعبة وانحاز بنو هاشم وبنو المطلب كلهم كافرهم ومؤمنهم فصاروا في شعب أبى طالب محصورين متجنبين حاشا أبى لهب فانه كان مع قريش على قومهم فبقوا كذلك ثلاث سنين لا يصل إليهم شئ ممن أراد صلتهم إلا سرا ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل على شأنه من الدعاء إلى الله والوحى عليه متتابع إلى أن قام في نقض الصحيفة رجال من قريش كان أحسنهم في ذلك أثرا هشام بن عمرو بن الحرث من بنى حسل بن عامر بن

[ 10 ]

لؤى لقى زهير بن أبى أمية بن المغيرة وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فعيره باسلامه أخواله إلى ما هم فيه فأجاب إلى نقض الصحيفة ثم مضى إلى مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف وذكر رحم هاشم والمطلب ثم إلى أبى البخترى (3) بن هشام وزمعة بن الاسود فأجابوا كلهم وقاموا في نقض الصحيفة وقد بلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصحيفة أكلت الارضة كتابتها كلها حاشا أسماء الله فقاموا بأجمعهم فوجدوها كما قال فخزوا ونقض حكمها ثم أجمع أبو بكر الهجرة وخرج لذلك فلقيه ابن الدغنة فرده ثم اتصل بالمهاجرين في أرض الحبشة خبر كاذب بأن قريشا قد أسلموا فرجع إلى مكة قوم منهم عثمان بن عفان وزوجته وأبو حذيفة وامرأته وعبد الله بن عتبة بن غزوان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف ومصعب بن عمير وأخوه والمقداد بن عمرو وعبد الله بن مسعود وأبو سلمة بن عبد الاسد وامرأته أم المؤمنين وسلمة بن هشام بن المعيرة وعمار بن ياسر وبنو مظعون عبد الله وقدامة وعثمان وابنه السائب وخنيس ابن حذافة وهشام بن العاصى وعامر بن ربيعة وامرأته وعبد الله بن مخرمة من بنى عامر بن لؤى وعبد الله بن سهل بن السكران بن عمرو وسعد بن خولة وأبو عبيدة بن الجراح وسهيل بن بيضاء وعمرو بن أبى سرح فوجدوا المسلمين بمكة على ما كانوا عليه مع قريش من الصبر على أذاهم ودخلوا إلى مكة بعضهم مختفيا وبعضهم بالجوار فأقاموا إلى أن كانت الهجرة إلى المدينة بعد أن مات بعضهم بمكة ثم هلك أبو طالب وخديجة وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين فعظمت المصيبة وأقدم عليه سفهاء قريش بالاذاية والاستهزاء والقاء القاذورة في مصلاه فخرج إلى الطائف يدعوهم إلى الاسلام والنصرة والمعونة وجلس إلى عبد يا ليل بن عمر بن عمير وأخويه مسعود وحبيب وهم يومئذ سادات ثقيف واشرافهم وكلمهم فأساؤا الرد ويئس منهم فأوصاهم بالكتمان فلم يقبلوا واغروا به سفاءهم فاتبعوه حتى الجاؤه إلى حائط عتبة وشيبة ابني ربيعة فأوى إلى ظله حتى اطمأن ثم رفع طرفه إلى السماء يدعو اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتى وهوانى على الناس أنت أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين أنت ربى إلى من تكلني إلى بغيض يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمرى ان لم يكن بك على غضب فلا أبالى ولكن عافيتك أوسع لى أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بى غضبك أو يحل على سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة الا بك (ولما) انصرف من الطائف إلى مكة بات بنخلة وقام يصلى من جوف الليل فمر به نفر من الجن وسمعوا القرآن ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة في جوار المطعم ابن عدى بعد أن عرض ذلك على غيره من رؤساء قريش فاعتذروا بما قبله منهم ثم قدم

[ 11 ]

عليه الطفيل بن عمرو الدوسى فأسلم ودعا قومه فأسلم بعضهم ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له علامة للهداية فجعل في وجهه نورا ثم دعا له فنقله إلى سوطه وكان يعرف بذى النور قال ابن حزم ثم كان الاسراء إلى بيت المقدس ثم إلى السموات ولقى من لقى من الانبياء ورآى جنة المأوى وسدرة المنتهى في السماء السادسة وفرضت الصلاة في تلك الليلة (وعند الطبري) الاسراء وفرض الصلاة كان أول الوحى ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على وفود العرب في الموسم يأتيهم في منازلهم ليعرض عليهم الاسلام ويدعوهم إلى نصره ويتلو عليهم القرآن وقريش مع ذلك يتعرضونهم بالمقابح ان قبلوا منه وأكثرهم في ذلك أبو لهب وكان من الذين عرض عليهم في الموسم بنو عامر بن صعصعة من مضر وبنو شيبان وبنو حنيفة من ربيعة وكندة من قحطان وكلب من قضاعة وغيرهم من قبائل العرب فكان منهم من يحسن الاستماع والعذر ومنهم من يعرض ويصرح بالاذاية ومنهم من يشترط الملك الذى ليس هو من سبيله فيرد صلى الله عليه وسلم الامر إلى الله ولم يكن فيهم أقبح ردا من بنى حنيفة وقد ذخر الله الخير في ذلك كله للانصار فقدم سويد بن الصامت أخو بنى عمرو ابن عوف بن الاوس فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فلم يبعد ولم يجب وانصرف إلى المدينة فقتل في بعض حروبهم وذلك قبل بعاث ثم قدم بمكة أبو الحيسر أنس ابن رافع في فتية من قومه من بنى عبد الاشهل يطلبون الحلف فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فقال اياس بن معاذ منهم وكان شابا حدثا هذا والله خير مما جئنا له فانتهره أبو الحيسر فسكت ثم انصرفوا إلى بلادهم ولم يتم لهم الحلف ومات اياس فيقال انه مات سلما ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لقى عند العقبة في الموسم ستة نفر من الخزرج وهم أبو امامة اسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النجار وعوف بن الحرث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم وهو ابن عفراء ورافع ابن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زيد بن مالك بن غضبة بن جشم بن الخزرج وطبقة بن عامر بن حيدرة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن على بن أسد ابن مراد بن يزيد بن جشم وعقبة بن عامر بن نابى بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة وجابر بن عبد الله بن رئاب بن نعمان بن سلمة بن عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام وكان من صنع الله لهم أن اليهود جيرانهم كانوا يقولون ان نبيا يبعث وقد أظل زمانه فقال بعضهم لبعض هذا والله النبي الذى تحدثكم به اليهود فلا يسبقونا إليه فآمنوا وأسلموا وقالوا انا قد قدمنا فيهم حروبا فننصرف وندعوهم إلى ما دعوتنا إليه فعسى الله أن يجمع كلمتهم بك فلا

[ 12 ]

يكون أحد اعز منك فانصرفوا إلى المدينة ودعوا إلى الاسلام حتى فشا فيهم ولم تبق دار من دور الانصار الا وفيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام القابل قدم مكة من الانصار اثنا عشر رجلا منهم خمسة من الستة الذى ذكرناهم ما عدا جابر بن عبد الله فانه لم يحضرها وسبعة من غيرهم وهم معاذ بن الحرث أخو عوف بن الحرث المذكور وقيل انه ابن عفراء وذكوان بن عبد قيس بن خالدة وخالد بن مخلد بن عامر بن زريق وعبادة بن الصامت بن قيس بن اصرم بن فهد بن ثعلبة بن صرمة بن اصرم بن عمرو ابن عبادة بن عصيبة من بنى حبيب والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف هؤلاء عشرة من الخزرج ومن الاوس أبو الهيثم مالك بن التيهان وهو من بنى عبد الاشهل بن جشم بن الحرث بن الخزرج بن عمر ابن مالك بن اوس وعويم بن ساعدة من بنى عمرو بن عوف بن مالك من الاوس بن حارثة فبايع هؤلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة على بيعة النساء وذلك قبل أن يفرض الحرب على الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يفتروا الكذب فلما حان انصرافهم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير يدعوهم إلى الاسلام ويعلم من أسلم منهم القران والشرائع فنزل بالمدينة على أسعد بن زرارة وكان مصعب يؤمهم وأسلم على يديه خلق كثير من الانصار وكان سعد بن معاذ وأسعد بن زرارة ابنا الخالة فجاء سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير إلى اسعد بن زرارة وكان جارا لبنى عبد الاشهل فانكروا عليه فهداهما الله إلى الاسلام وأسلم باسلامهما جميع بنى عبد الاشهل في يوم واحد الرجال والنساء ولم تبق دار من دور الانصار الا وفيها المسلمون رجال ونساء حاشا بنى أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف بطون من الاوس وكانوا في عوالي المدينة فأسلم منهم قوم سيدهم أبو قيس صيفي بن الاسلت الشاعر فوقف بهم عن الاسلام حتى كان الخندق فأسلموا كلهم * (العقبة الثانية) * ثم رجع مصعب المذكور ابن عمير إلى مكة وخرج معه إلى الموسم جماعة ممن أسلم من الانصار للقاء النبي صلى الله عليه وسلم في جملة قوم منهم لم يسلموا بعد فوافوا مكة وواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق ووافوا ليلة ميعادهم إلى العقبة متسللين عن رحالهم سرا ممن حضر من كفار قومهم وحضر معهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر وأسلم تلك الليلة فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه ما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأزرهم وان يرحل إليهم هو وأصحابه

[ 13 ]

وحضر العباس بن عبد المطلب وكان على دين قومه بعد وانما توثق للنبى صلى الله عليه وسلم وكان للبراء بن معرور في تلك الليلة المقام المحمود في الاخلاص والتوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أول من بايع وكانت عدة الذين بايعوا تلك الليلة ثلاثا وسبعين رجلا وامرأتين واختار منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنى عشر نقيبا يكونون على قومهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس وقال لهم أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي فمن الخزرج من أهل العقبة الاولى أسعد بن زرارة ورافع بن مالك وعبادة بن الصامت ومن غيرهم سعد بن الربيع بن عمر بن أبى زهير بن مالك بن امرئ القيس ومالك بن مالك وثعلبة ابن كعب بن الخزرج وعبد الله بن رواحة بن امرئ القيس والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن لودان بن عبدود بن يزيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة وثلاثة من الاوس وهم أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن الاوس ورفاعة بن المنذر بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس وقد قدم أبو الهيثم بن التيهان مكان رفاعة هذا والله أعلم (ولما تمت هذه البيعة) أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى رحالهم فرجعوا ونمى الخبر إلى قريش فغدت الجلة منهم على الانصار في رحالهم فعاتبوهم فأنكروا ذلك وحلفوا لهم وقال لهم عبد الله بن أبى ابن سلول ما كان قومي ليتفقوا على مثل هذا وأنا لا أعلمه فانصرفوا عنه وتفرق الناس من منى وعلمت قريش صحة الخبر فخرجوا في طلبهم فأدركوا سعد بن عبادة فجاؤا به إلى مكة يضربونه ويجرونه بشعره حتى نادى بجبير بن مطعم والحرث بن أمية وكان يجيرهما ببلده فخلصاه مما كان فيه وقد كانت قريش قبل ذلك سمعوا صائحا يصيح ليلا على جبل أبى قبيس فان يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف مخالف - فقال أبو سفيان السعدان سعد بكر وسعد هذيم فلما كان في الليلة القابلة سمعوه يقول أيا سعد سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف - * اجيبا إلى داعى الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف - * فان ثواب الله للطالب الهدى * جنان من الفردوس ذات رفارف - فقال هما والله سعد بن عبادة وسعد بن معاذ (ولما فشا) الاسلام بالمدينة وطفق أهلها

[ 14 ]

يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تعاقدت على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم فأصابهم من ذلك جهد شديد ثم نزل قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فلما تمت بيعة الانصار على ما وصفناه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم اصحابه ممن هو بمكة بالهجرة إلى المدينة فخرجوا أرسالا وأول من خرج أبو سلمة بن عبد الاسد ونزل في قبا ثم هاجر عامر بن ربيعة حليف بنى عدى بامرأته ليلى بنت أبى خيثمة بن غانم ثم هاجر جميع بنى جحش من بنى أسد بن خزيمة ونزلوا بقبا ثم عكاشة بن محصن وجماعة من بنى اسد حلفاء بنى أمية كانت فيهم زينب بنت جحش أم المؤمنين واختاها حمنة وأم حبيبة ثم هاجر عمر بن الخطاب وعياش بن أبى ربيعة في عشرين راكبا فنزلوا في العوالي في بنى امية بن زيد وكان يصلى بهم سالم مولى أبى حذيفة وجاء أبو جهل ابن هشام فخادع عياش بن أبى ربيعة ورده إلى مكة فحبسوه حتى تخلص بعد حين ورجع وهاجر مع عمر أخوه زيد وسعيدا بن عمه زيد وصهره على بنته حفصة أم المؤمنين خنيس بن حذافة السهمى وجماعة من حلفاء بنى عدى نزلوا بقبا على رفاعة بن عبد المنذر من بنى عوف بن عمرو ثم هاجر طلحة بن عبيد الله فنزل هو وصهيب بن سنان على حبيب بن اساف في بنى الحرث بن الخزرج بالسلم وقيل بل نزل طلحة على اسعد بن زرارة ثم هاجر حمزة بن عبد المطلب ومعه زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحليفه أبو مرثد كناز بن حصن الغنوى فنزلوا في بنى عمرو بن عوف بقبا على كلثوم بن الهدم ونزل جماعة من بنى المطلب بن عبد مناف فيهم مسطح بن اثاثة ومعه خباب بن الارت مولى عتبة بن غزوان في بنى المسحلان بقبا ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع في بنى الحرث بن الخزرج ونزل الزبير بن العوام وأبو سبرة بن أبى رهم ابن عبد العزى على المنذر بن محمد بن عتبة بن احيحة الجلاح في دار بنى جحجبا ونزل مصعب ابن عمير على سعد بن معاذ في بنى عبد الاشهل ونزل أبو حذيفة بن عتبة ومولاه سالم وعتبة ابن غزوان المازنى على عباد بن بشر من بنى عبد الاشهل ولم يكن سالم عتيق إبى حذيفة وانما أعتقته امرأة من الاوس كانت زوجا لابي حذيفة اسمها نبيثة بنت معاذ فتبناه ونسب إليه ونزل عثمان بن عفان في بنى النجار على اوس أخى حسان بن ثابت ولم يبق أحد من المسلمين بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أبو بكر وعلى بن أبى طالب فانهما أقاما بأمره وكان صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يؤذن له في الهجرة * (الهجرة) * ولما علمت قريش ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صار له شيعة وأنصار من غيرهم وانه مجمع على اللحاق بهم وان إصحابه من المهاجرين سبقوه إليهم تشاوروا ما يصنعون في

[ 15 ]

أمره واجتمعت لذلك مشيختهم في دار الندوة عتبة وشيبة وأبو سفيان من بنى أمية وطعيمة بن عدى وجبير بن مطعم والحارث بن عامر من بنى نوفل والنضر بن الحارث من بنى عبد الدار وأبو جهل من بنى مخزوم ونبيه ومنبه ابنا الحجاج من بنى سهم وأمية بن خلف من بنى جمح ومعهم من لا يعد من قريش فتشاوروا في حبسه أو اخراجه عنهم ثم اتفقوا على أن يتخيروا من كل قبيلة منهم فتى شابا جلدا فيقتلونه جميعا فيتفرق دمه في القبائل ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب جميعهم واستعدوا لذلك من ليلتهم وجاء الوحى بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآى أرصدهم على باب منزله أمر على بن أبى طالب ان ينام على فراشه ويتوشح ببرده ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فطمس الله تعالى على ابصارهم ووضع على رؤسهم ترابا وأقاموا طول ليلهم فلما أصبحوا خرج إليهم على فعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نجا وتواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبى بكر الصديق واستأجر عبد الله بن اريقط الدولي من بنى بكر بن عبد منات ليدل بهما إلى المدينة وينكب عن الطريق العظمى وكان كافرا وحليفا للعاصي بن وائل لكنهما وثقا بامره وكان دليلا بالطرق وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خوخة في ظهر دار أبى بكر ليلا وأتيا الغار الذى في جبل ثور باسفل مكة فدخلا فيه وكان عبد الله بن أبى بكر يأتيهما بالاخبار وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر وراعى غنمه يريح غنمه عليهما ليلا ليأخذا حاجتهما من لبنها وأسماء بنت أبى بكر تأتيهما بالطعام وتقفى عامرا بالغنم اثر عبد الله ولما فقدته قريش اتبعوه ومعهم القاثف فقاف الاثر حتى وقف عند الغار وقال هنا انقطع الاثر وإذا بنسج العنكبوت على فم الغار فاطمأنوا إلى ذلك ورجعوا وجعلوا مائة ناقة لمن ردهما عليهم ثم اتاهما عبد الله بن اريقط بعد ثلاث براحلتهما فركبا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة واتتهما أسماء بسفرة لهما وشقت نطاقها وربطت السفرة فسميت ذات النطاقين وحمل أبو بكر جميع ماله نحو ستة آلاف درهم ومروا بسراقة بن مالك بن جعشم فاتبعهم ليردهم ولما رأوه دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت قوائم فرسه في الارض فنادى بالامان وان يقفوا له وطلب من النبي أن يكتب له كتابا فكتبه أبو بكر بأمره وسلك الدليل من أسفل مكة على الساحل أسفل من عسفان وامج واجاز قديدا إلى العرج ثم إلى قبا من عوالي المدينة ووردوها قريبا من الزوال يوم الاثنين لاثنتى عشرة خلت من ربيع الاول وخرج الانصار يتلقونه وقد كانوا ينتظرونه حتى إذا قلصت الظلال رجعوا إلى بيوتهم فتلقوه مع أبى بكر في ظل نخلة ونزل عليه السلام بقبا على سعد بن خيثمة وقيل على كلثوم بن الهدم ونزل أبو بكر بالسخ في بنى الحرث بن خزرج على خبيب بن اسد

[ 16 ]

وقيل على خارجة بن زيد ولحق بهم على رضى الله عنه من مكة بعد أن رد الودائع للناس التى كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزل معه بقبا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا لك أياما ثم نهض لما أمر الله وأدركته الجمعة في بنى سالم بن عوف فصلاها في المسجد هنا لك ورغب إليه رجال بنى سالم أن يقيم عندهم وتبادروا إلى خطام ناقته اغتناما لبركته فقال عليه السلام خلوا سبيلها فانها مأمورة ثم مشى والانصار حواليه إلى أن مر بدار بنى بياضة فتبادر إليه رجالهم يبتدرون خطام الناقة فقال دعوها فانها مأمورة ثم مر بدار بنى ساعدة فتلقاه رجال وفيهم سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ودعوه كذلك وقال لهم مثل ما قال للآخرين ثم إلى دار بنى حارثة بن الخزرج فتلقاه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة ثم مر ببنى عدى بن النجار اخوال عبد المطلب ففعلوا وقال لهم مثل ذلك إلى أن أتى دار بنى مالك بن النجار فبركت ناقته على باب مسجده اليوم وهو يومئذ لغلامين منهم في حجر معاذ بن عفراء اسمهما سهل وسهيل وفيه خرب ونخل وقبور للمشركين ومربد ثم بركت الناقة وبقى على ظهرها ولم ينزل فقامت ومشت غير بعيد ولم يثنها ثم التفتت خلفها ورجعت إلى مكانها الاول فبركت واستقرت ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وحمل أبو أيوب رحله إلى داره فنزل عليه وسأل عن المربد وأراد أن يتخذه مسجدا فاشتراه من بنى النجار بعد أن وهبوه اياه فأبى من قبوله ثم أمر بالقبور فنبشت وبالنخل فقطعت وبنى المسجد باللبن وجعل عضادتيه الحجارة وسواريه جذوع النخل وسقفه الجريد وعمل فيه المسلمون حسبة لله عزوجل ثم وادع اليهود وكتب بينه وبينهم كتاب صلح وموادعة شرط فيه لهم وعليهم ثم مات اسعد بن زرارة وكان نقيبا لبنى النجار فطلبوا اقامة نقيب مكانه فقال أنا نقيبكم ولم يخص بها منهم آخر دون آخر فكانت من مناقبهم ثم لما رجع عبد الله بن اريقط إلى مكة اخبر عبد الله بن أبى بكر بمكانه فخرج ومعه عائشة أخته وامها أم رومان ومعهم طلحة بن عبيد الله فقدموا المدينة وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بنت أبى بكر وبنى بها في منزل أبى بكر بالسنح وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع إلى بناته وزوجته سودة بنت زمعة فحملاهن إليه من مكة وبلغ الخبر بموت أبى احيحة والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل من مشيخة قريش ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار فآخى بين جعفر بن أبى طالب وهو بالحبشة ومعاذ بن جبل وبين أبى بكر الصديق وخارجة بن زيد وبين عمر بن الخطاب وعثمان بن مالك من بنى سالم وبين أبى عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وبين الزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك

[ 17 ]

وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت أخى حسان وبين سعيد بن زيد وأبى بن كعب وبين معصب بن عمير وابى أيوب وبين أبى حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر بن وقش من بنى عبد الاشهل وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان العنسى حليف بنى عبد الاشهل وقيل بل ثابت بن قيس ابن شماس وبين أبى ذر الغفاري والمنذر بن عمرو من بنى ساعدة وبين حاطب ابن أبى بلتعة حليف بنى أسد بن عبد العزى وعويم بن ساعدة من بنى عمرو بن عوف وبين سلمان الفارسى وأبى الدرداء وعمير بن بلتعة من بنى الحرث بن الخزرج (3) وبين بلال ابن حمامة وأبى رويحة الخثعمي (ثم) فرضت الزكاة ويقال وزيد في صلاة الحاضر ركعتين فصارت أربعا بعد ان كانت ركعتين سفرا وحضرا ثم أسلم عبد الله بن سلام وكفر جمهور اليهود وظهر قوم من الاوس والخزرج منافقون يظهرون الاسلام مراعاة لقومهم من الانصار ويصرون الكفر وكان رؤسهم من الخزرج عبد الله بن ابى ابن سلول والجد بن قيس ومن الاوس الحرث بن سهيل بن الصامت وعباد بن حنيف ومربع ابن قيظى وأخوه أوس من أهل مسجد الضرار وكان قوم من اليهود أيضا تعوذوا بالاسلام وهم يبطنون الكفر منهم سعد بن حنيس وزيد بن اللصيت ورافع بن خزيمة ورفاعة ابن زيد بن التابوت وكنانة بن خبورا (الابواء) ولما كان شهر صفر بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة خرج في مائتين من أصحابه يريد قريشا وبنى ضمرة واستعمل على المدينة سعد بن عبادة فبلغ ودان والابواء ولم يلقهم واعترضه مخشى بن عمرو سيد بنى ضمرة بن عبد منات بن كنانة وسأله موادعة قومه فعقد له ورجع إلى المدينة ولم يلق حربا وهى أول غزاة غزاها بنفسه ويسمى بالابواء وبودان المكانان اللذان انتهى اليهما وهما متقاربان بنحو ستة أميال وكان صاحب اللواء فيها حمزة بن عبد المطلب (بواط) ثم بلغه أن عير قريش نحو ألفين وخمسمائة فيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش ذاهبة إلى مكة فخرج في ربيع الاخر لاعتراضها واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون وقال الطبري سعد بن معاذ فانتهى إلى بواط ولم يلقهم ورجع إلى المدينة (العشيرة) ثم خرج في جمادى الاولى غازيا قريشا واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الاسد فسلك عن جانب من الطريق إلى أن لقى الطريق بصخيرات اليمام إلى العشيرة من بطن ينبع فأقام هنا لك بقية جمادى الاولى وليلة من جمادى الثانية ووادع بنى مدلج ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا (بدر الاولى) وأقام بعد العشيرة نحو عشر ليال ثم أغار كرز بن جابر الفهرى على سرح المدينة فخرج في طلبه حتى بلغ ناحية بدر وفاته كرز فرجع المدينة (البعوث) وفى هذه الغزوات كلها غزا بنفسه وبعث فيما بينها بعوثا نذكرها (فمنها) بعث حمزة بعد الابواء بعثه في ثلاثين راكبا من المهاجرين إلى سيف البحر فلقى أبا جهل

[ 18 ]

في ثلثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنى ولم يكن قتال (ومنها) بعث عبيدة بن الحرث بن المطلب في ستين راكبا وثمانين من المهاجرين فبلغ ثنية المرار ولقى بها جمعا عظيما من قريش كان عليهم عكرمة بن أبى جهل وقيل مكرز بن حفص ابن الاخيف ولم يكن بينهم قتال وكان مع الكفار يومئذ من المسلمين المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان خرجا مع الكفار ليجدا السبيل إلى اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم فهربا إلى المسلمين وجاآ معهم وكان بعث حمزة وعبيدة متقاربين واختلف أيهما كان قبل الا أنهما أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم (وقال) الطبري ان بعث حمزة كان قبل ودان في شوال لسبعة أشهر من الهجرة (ومنها) بعث سعد بن أبى وقاص في ثمانية رهط من المهاجرين يطلب كرز بن جابر حين أغار على سرح المدينة فبلغ المرار ورجع (ومنها) بعث عبد الله بن جحش مرجعه من بدر الاولى في شهر رجب بعثه بثمانية من المهاجرين وهم أبو حذيفة بن عتبة وعكاشة بن محصن بن أسد بن خزيمة وعتبة بن غزوان بن مازن بن منصور وسعد بن أبى وقاص وعامر بن ربيعة العنزي حليف بنى عدى وواقد بن عبد الله بن زيد مناة بن تميم وخالد بن البكير وسعد بن ليث وسهيل بن بيضا من فهر بن مالك وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ولا يكره أحدا من أصحابه (فلما) قرأ الكتاب بعد يومين وجد فيه أن تمضى حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف وترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم فأخبر أصحابه وقال حتى ننزل النخلة بين مكة والطائف ومن أحب الشهادة فلينهض ولا أستكره أحدا فمضوا كلهم وضل لسعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان في بعض الطريق بعير لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ونفر الباقون إلى نخلة فمرت بهم عير لقريش تحمل تجارة فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان بن عبد الله بن المغيرة واخوه نوفل والحكم بن كيسان مولاهم وذلك آخر يوم من رجب فتشاور المسلمون وتحرج بعضهم الشهر الحرام ثم اتفقوا واغتنموا الفرصة فيهم فرمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي فقتله وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت نوفل وقدموا بالعير والاسيرين وقد أخرجوا الخمس فعزلوه فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم فعلهم ذلك في الشهر الحرام فسقط في أيديهم ثم أنزل الله تعالى يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية إلى قوله حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا فسرى عنهم وقبض النبي صلى عليه وسلم الخمس وقسم الغنيمة وقبل الفداء في الاسيرين وأسلم الحكم بن كيسان منهما ورجع سعد وعتبة سالمين إلى المدينة وهذه أول غنيمة غنمت في الاسلام وأول غنيمة خمست في الاسلام وقتل عمرو بن الحضرمي هو الذى هيج وقعة بدر الثانية

[ 19 ]

(صرف القبلة) ثم صرفت القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة خطب بذلك على المنبر وسمعه بعض الانصار فقام فصلى ركعتين إلى الكعبة قاله ابن حزم وقيل على رأس ثمانية عشر شهرا وقيل ستة عشر ولم يقل غير ذلك (بدر الثانية) فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إلى رمضان من السنة الثانية ثم بلغه ان عير القريش فيها أموال عظيمة مقبلة من الشام إلى مكة معها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش عميدهم أبو سفيان ومعه عمرو بن العاصى ومخرمة بن نوفل فندب عليه السلام المسلمين إلى هذه العير وأمر من كان ظهره حاضرا بالخروج ولم يحتفل في الحشد لانه لم يظن قتالا واتصل خروجه بأبى سفيان فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى أهل مكة يستنفرهم لعيرهم فنفروا وارعبوا الا يسيرا منهم أبو لهب وخرج صلى الله عليه وسلم لثمان خلون من رمضان واستخلف على الصلاة عمرو بن أم مكتوم ورد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة ودفع اللواء إلى معصب بن عمير ودفع إلى على راية والى رجل من الانصار أخرى يقال كانتا سوداوين وكان مع أصحابه صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعون بعيرا يعتقبونها فقط وجعل على الساقة قيس بن أبى صعصعة من بنى النجار وراية الانصار يومئذ مع سعد بن معاذ فسلكوا نقب المدينة إلى ذى الحليفة ثم انتهوا إلى صخيرات يمام ثم إلى بئر الروحاء ثم رجعوا ذات اليمين عن الطريق إلى الصفراء (وبعث) عليه السلام قبلها بسبس بن عمرو الجهنى حليف بنى ساعدة وعدى بن أبى الزغباء الجهنى حليف بنى النجار إلى بدر يتجسسون أخبار أبى سفيان وغيره ثم تنكب عن الصفراء يمينا وخرج على وادى دقران فبلغه خروج قريش ونفيرهم فاستشار أصحابه فتكلم المهاجرون وأحسنوا وهو يريد ما يقوله الانصار وفهموا ذلك فتكلم سعد بن معاذ وكان فيما قال لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك فسر بنا يا رسول الله على بركة الله فسر بذلك وقال سيروا وأبشروا فان الله قد وعدني احدى الطائفتين ثم ارتحلوا من دقران إلى قريب من بدر وبعث عليا والزبير وسعدا في نفر يلتمسون الخبر فأصابوا غلامين لقريش فأتوا بهما وهو عليه السلام قائم يصلى وقالوا نحن سقاة قريش فكذبوهما كراهية في الخبر ورجاء أن يكونا من العير للغنيمة وقلة المؤنة فجعلوا يضربونهما فيقولان نحن من العير فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكر عليهم وقال للغلامين أخبرانى أين قريش فاخبراه أنهم وراء الكثيب وانهم ينحرون يوما عشرا من الابل ويوما تسعا فقال عليه السلام القوم بين التسعمائة والالف وقد كان بسبس وعدى الجهنيان مضيا يتجسسان ولا خبر حتى نزلا وأناخا قرب الماء واستقيا في شن لهما ومجدى بن عمرو من جهينة بقربهما فسمع عدى جارية

[ 20 ]

من جواري الحى تقول لصاحبتها العير تأتى غدا أو بعد غد وأعمل لهم وأقضيك الذى لك وجاءت إلى مجدي بن عمرو فصدقها فرجع بسبس وعدى بالخبر وجاء أبو سفيان بعدهما يتجسس الخبر فقال لمجدي هل أحسست أحدا فقال راكبين أناخا يميلان لهذا التل فاستقيا الماء ونهضا فأتى أبو سفيان مناخهما وفتت من أبعار رواحلهما فقال هذه والله علائف يثرب فرجع سريعا وقد حذر وتنكب بالعير إلى طريق الساحل فنجا واوصى إلى قريش بانا قد نجونا بالعير فارجعوا فقال أبو جهل والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر ونقيم به ثلاثا وتهابنا العرب أبدا ورجع الاخنس بن شريق بجميع بنى زهرة وكان حليفهم ومطاعا فيهم وقال انما خرجتم تمنعون أموالكم وقد نجت فارجعوا وكان بنو عدى لم ينفروا مع القوم فلم يشهد بدرا من قريش عدوى ولا زهرى وسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا إلى ماء بدر وثبطهم عنه مطر نزل وبله مما يليهم وأصاب مما يلى المسلمين دهس الوادي وأعانهم على السير فنزل عليه السلام على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة فقال له الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح آلله أنزلك بهذا المنزل فلا نتحول عنه ام قصدت الحرب والمكيدة فقال عليه السلام لا بل هو الرأى والحرب فقال يا رسول الله ليس هذا بمنزل وانما نأتى أدنى ماء من القوم فننزله ونبني عليه حوضا فنملؤه ونعور القلب كلها فنكون قد منعناهم الماء فاستحسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بنوا له عريشا يكون فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتيه من ربه النصر ومشى يريهم مصارع القوم واحدا واحدا ولما نزل قريش مما يليهم بعثوا عمير بن وهب الجمحى يحزر له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلا فيهم فارسان الزبير والمقداد فحزرهم وانصرف وخبرهم الخبر ورام حكيم بن حزام وعتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريش ولا يكون الحرب فأبى أبو جهل وساعده المشركون وتواقفت الفئتان وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف بيده ورجع إلى العريش ومعه أبو بكر وحده وطفق يدعو ويلح وأبو بكر يقاوله ويقول في دعائه اللهم ان تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض اللهم أنجز لى ما وعدتني وسعد بن معاذ وقوم معه من الانصار على باب العريش يحمونه وأخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انتبه فقال أبشر يا أبا بكر فقد أتى نصر الله ثم خرج يحرض الناس ورمى في وجوه القوم بحفنة من حصى وهو يقول شاهت الوجوه ثم تزاحفوا فخرج عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد يطلبون البراز فخرج إليهم عبيدة بن الحرث وحمزة بن عبد المطلب وعلى بن أبى طالب فقتل حمزة وعلى شيبة والوليد وضرب عتبة عبيدة فقطع رجله فمات وجاء حمزة وعلى إلى عتبة فقتلاه وقد كان برز إليهم عوف ومعوذ ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة من الانصار فابوا

[ 21 ]

الا قومهم وجال القوم جولة فهزم المشركون وقتل منهم يومئذ سبعون رجلا فمن مشاهيرهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وحنظلة بن أبى سفيان بن حرب وابنا سعيد بن العاصى عبيدة والعاصي والحرث بن عامر بن نوفل وابن عمه طعيمة بن عدى وزمعة بن الاسود وابنه الحرث وأخوه عقيل بن الاسود وابن عمه أبو البخترى بن هشام ونوفل بن خويلد بن أسد وأبو جهل بن هشام اشترك فيه معاذ ومعوذ ابنا عفراء ووجده عبد الله بن مسعود وبه رمق فحز رأسه وأخوه العاصى بن هشام وابن عمهما مسعود ابن أمية وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وابن عمه وأبو قيس بن الفاكه ونبيه ومنبه ابنا الحجاج والعاصي بن منبه وأمية بن خلف وابنه على وعمير بن عثمان عم طلحة (وأسر العباس بن عبد المطلب) وعقيل بن أبى طالب ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب والسائب بن عبد يزيد من بنى المطلب وعمرو بن أبى سفيان بن حرب وأبو العاصى بن الربيع وخالد بن أسيد بن أبى العيص وعدى بن الخيار من بنى نوفل وعثمان بن عبد شمس ابن عم عتبة بن غزوان وأبو عزيز أخو مصعب بن عمير وخالد بن هشام بن المغيرة وابن عمه رفاعة بن أبى رفاعة وأمية بن أبى حذيفة بن المغيرة والوليد بن الوليد أخو خالد وعبد الله وعمرو ابنا أبى بن خلف وسهيل بن عمرو في آخرين مذكورين في كتب السير (واستشهد) من المسلمين من المهاجرين عبيدة بن الحرث بن المطلب وعمير بن أبى وقاص وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعى حليف بنى زهرة وصفوان بن بيضاء من بنى الحرث ابن فهر ومهجع مولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أصابه سهم فقتله وعاقل بن البكير الليثى حليف بنى عدى من الانصار ثم من الاوس سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد المنذر ومن الخزرج يزيد بن الحارث بن الخزرج وعمير بن الحمام من بنى سلمة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحض على الجهاد ويرغب في الجنة وفى يده تمرات يأكلهن فقال بخ بخ أما بينى وبين الجنة الا أن يقتلنى هؤلاء ثم رمى بهن وقاتل حتى قتل ورافع بن المعلى من بنى حبيب بن عبد حارثة وحارثة بن سراقة من بنى النجار وعوف ومعوذ ابنا عفراء (ثم انجلت الحرب) وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى المشركين فسحبوا إلى القليب وطم عليهم التراب وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن مبدول بن عمر ابن غنم بن مازن بن النجار ثم انصرف إلى المدينة فلما نزل الصفراء قسم الغنائم كما أمر الله وضرب عنق النضر بن الحرث بن كلدة من بنى عبد الدار ثم نزل عرق الظبية فضرب عنق عقبة بن أبى معيظ بن أبى عمرو بن أمية وكان في الاسارى ومر إلى المدينة فدخلها لثمان بقين من رمضان (الكدر) وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه إلى المدينة اجتماع غطفان فخرج يريد بنى سليم بعد سبع ليال من منصرفه واستخلف على

[ 22 ]

المدينة سباع بن عرفطة الغفاري أو ابن أم مكتوم فبلغ ماء يقال له الكدر وأقام عليه ثلاثة أيام ثم انصرف ولم يلق حربا وقيل انه أصاب من نعمهم ورجع بالغنيمة وانه بعث غالب بن عبد الله الليثى في سرية فنالوا منهم وانصرفوا بالغنيمة وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذى الحجة وفدى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر أسارى بدر (السويق) ثم ان أبا سفيان لما انصرف من بدر نذر أن يغزو المدينة فخرج في مائتي راكب حتى أتى بنى النضير ليلا فتوارى عنه حيى بن أخطب ولقيه سلام بن مشكم وقراه وأعلمه بخبر الناس ثم رجع ومر باطراف المدينة فحرق نخلا وقتل رجلين في حرث لهما فنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون واستعمل على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر وبلغ الكدر وفاته أبو سفيان والمشركون وقد طرحوا السويق من أزوادهم ليتخففوا فاخذها المسلمون فسميت لذلك غزوة السويق وكانت في ذى الحجة بعد بدر بشهرين (ذى أمر) ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر المحرم غازيا غطفان واستعمل على المدينة عثمان بن عفان فأقام بنجد صفر وانصرف ولم يلق حربا (بحران) ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر ربيع الاول يريد قريشا واستخلف ابن أم مكتوم فبلغ بحران معدنا في الحجاز ولم يلق حربا وأقام هنالك إلى جمادى الثانية من السنة الثالثة وانصرف إلى المدينة (قتل كعب بن الاشرف) وكان كعب بن الاشرف رجلا من طيئ وأمه من يهود بنى النضير ولما أصيب أصحاب بدر وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة مبشرين إلى المدينة جعل يقول ويلكم أحق هذا وهؤلاء اشراف العرب وملوك الناس وان كان محمد أصاب هؤلاء فبطن الارض خير من ظهرها ثم قدم مكة ونزل على المطلب بن أبى وداعة السهمى وعنده عاتكة بنت أسيد بن أبى العيص بن أمية فجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الاشعار ويبكى على أصحاب القليب ثم رجع إلى المدينة فشبب بعاتكة ثم شبب بنساء المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يقتل كعب بن الاشرف فانتدب لذلك محمد بن مسلمة وملكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة من بنى عبد الاشهل أخو كعب من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش والحرث بن بشر بن معاذ وأبو عبس بن جبر من بنى حارثة وتقدم إليه ملكان بن سلامة وأظهر له انحرافا عن النبي صلى الله عليه وسلم عن اذن منه وشكا إليه ضيق الحال ورام أن يبيعه وأصحابه طعاما ويرهنون سلاحهم فأجاب إلى ذلك ورجع إلى أصحابه فخرجوا وشيعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد في ليلة قمراء وأتوا كعبا فخرج إليهم من حصنه ومشوا غير بعيد ثم وضعوا عليه سيوفهم ووضع محمد بن مسلمة معولا كان معه في ثنته

[ 23 ]

فقتله وصاح عدو الله صيحة شديدة انذعر لها أهل الحصون التى حواليه وأوقدوا النيران ونجا القوم وقد جرح منهم الحرث بن أوس ببعض سيوفهم فنزفه الدم وتأخر ثم وافاهم بحرة العريض آخر الليل وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلى وأخبروه وتفل على جرح الحرث فبرأ وأذن للمسلمين في قتل اليهود لما بلغه أنهم خافوا من هذه الفعلة وأسلم حينئذ حويصة بن مسعود وقد كان أسلم قبله أخوه محيصة بسبب قتل بعضهم (غزوة بنى قينقاع) وكان بنو قينقاع لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر وقف بسوق بنى قينقاع في بعض الايام فوعظهم وذكرهم ما يعرفون من أمره في كتابهم وحذرهم ما أصاب قريشا من البطشة فأساؤا الرد وقالوا لا يغرنك انك لقيت قوما لا يعرفون الحرب فأصبت منهم والله لئن جربتنا لتعلمن أنا نحن الناس فأنزل الله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء وقيل بل قتل مسلم يهوديا بسوقهم في حق فثاروا على المسلمين ونقضوا العهد ونزلت الآية فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعمل على المدينة بشير بن عبد المنذر وقيل أبا لبابة وكانوا في طرف المدينة في سبعمائة مقاتل منهم ثلثمائة دارع ولم يكن لهم زرع ولا نخل انما كانوا تجارا وصاغة يعملون بأموالهم وهم قوم عبد الله بن سلام فحصرهم عليه السلام خمس عشرة ليلة لا يكلم احدا منهم حتى نزلوا على حكمه فكتفهم ليقتلوا فشفع فيهم عبد الله بن أبى ابن سلول وألح في الرغبة حتى حقن له رسول الله صلى الله عليه وسلم دماءهم ثم أمر باجلائهم وأخذ ما كان لهم من سلاح وضياع وأمر عبادة بن الصامت فمضى بهم إلى ظاهر ديارهم ولحقوا بخيبر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس من الغنائم وهو أول خمس أخذه ثم انصرف إلى المدينة وحضر الاضحى فصلى بالناس في الصحراء وذبح بيده شاتين ويقال أنهما أول أضحيته صلى الله عليه وسلم (سرية زيد بن حارثة إلى قردة) وكانت قريش من بعد بدر قد تخوفوا من اعتراض المسلمين عيرهم في طريق الشأم وصاروا يسلكون طريق العراق وخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب وصفوان بن امية واستجاروا بفرات بن حيان من بكر بن وائل فخرج بهم في الشتاء وسلك بهم على طريق العراق وانتهى خبر العير إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما فيها من المال وآنية الفضة فبعث زيد بن حارثة في سرية فاعترضهم وظفر بالعير واتى بفرات بن حيان العجلى أسيرا فتعوذ بالاسلام وأسلم وكان خمس هذه الغنيمة عشرين ألفا (قتل ابن أبى الحقيق) كان سلام بن أبى الحقيق هذا من يهود خيبر وكنيته أبو رافع وكان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويحزب عليهم الاحزاب مثل أو قريبا من كعب بن الاشرف وكان الاوس والخزرج يتصاولان تصاول الفحلين في طاعة

[ 24 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم والذب عنه والنيل من أعدائه لا يفعل أحد القبيلتين شيئا من ذلك الا فعل الآخرون مثله وكان الاوس قد قتلوا كعب بن الاشرف كما ذكرناه فاستأذن الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل ابن أبى الحقيق نظير ابن الاشرف في الكفر والعداوة فأذن لهم فخرج إليهم من الخزرج ثم من بنى سلمة ثمانية نفر منهم عبد الله بن عقيل ومسعر بن سنان وأبو قتادة والحرث بن ربعى الخزاعى من حلفائهم في آخرين وأمر عليهم عبد الله بن عقيل ونهاهم ان يقتلوا وليدا أو امرأة وخرجوا في منتصف جمادى الاخرة من سنة ثلاث فقدموا خيبر وأتوا دار ابن أبى الحقيق في علية له بعد ان انصرف عنه سمره ونام وقد أغلقوا الابواب من حيث أفضوا كلها عليهم ونادوه ليعرفوا مكانه بصوته ثم تعاوروه بسيوفهم حتى قتلوه وخرجوا من القصر وأقاموا ظاهره حتى قام الناعي على سور القصر فاستيقنوا موته وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر وكان أحدهم قد سقط من درج العلية فأصابه كسر في ساقه فمسح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرأ * (غزوة أحد) * وكانت قريش بعد واقعة بدر قد توامروا وطلبوا من أصحاب العير أن يعينوهم بالمال ليتجهزوا به لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعانوهم وخرجت قريش باحابيشها وحلفائها وذلك في شوال من سنة ثلاث واحتملوا الظعن التماسا للحفيظة وأن لا يفروا وأقبلوا حتى نزلوا ذا الحليفة قرب أحد ببطن السبخة مقابل المدينة على شفير واد هنا لك وذلك في رابع شوال وكانوا في ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس وقائدهم أبو سفيان ومعهم خمس عشرة امرأة بالدفوف يبكين قتلى بدر وأشار صلى الله عليه وسلم على أصحابه بان يتحصنوا بالمدينة ولا يخرجوا وان جاؤا قاتلوهم على أفواه الازقة وأقر ذلك على رأى عبد الله بن أبى ابن سلول وألح قوم من فضلاء المسلمين ممن أكرمه الله بالشهادة فلبس لامته وخرج وقدم أولئك الذين ألحوا عليه وقالوا يا رسول الله ان شئت فاقعد فقال ما ينبغى لنبى إذا لبس لامته ان يضعها حتى يقاتل وخرج في الف من اصحابه واستعمل ابن ام مكتوم على الصلاة ببقية المسلمين بالمدينة فلما سار بين المدينة وأحد انخزل عنه عبد الله بن ابى في ثلث الناس مغاضبا لمخالفة رأيه في المقام وسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حرة بنى حارثة ومر بين الحوائط وأبو خيثمة من بنى حارثة يدل به حتى نزل الشعب من أحد مستندا إلى الجبل وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع المسلمين وتهيأ للقتال في سبعمائة فيهم خمسون فارسا وخمسون راميا وأمر على الرماة عبد الله بن جبير من بنى عمرو بن عوف والاوس اخو خوات ورتبهم

[ 25 ]

خلف الجيش ينصحون بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من خلفهم ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير من بنى عبد الدار وأجاز يومئذ سمرة بن جندب الفزارى ورافع بن خديج من بنى حارثة في الرماة وسنهما خمسة عشر عاما ورد اسامة بن زيد وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومن بنى مالك بن النجار زيد بن ثابت وعمرو بن حرام ومن بنى حارثة البراء بن عازب وأسيد ابن ظهير ورد عرابة بن أوس وزيد بن ارقم وأبا سعيد الخدرى سن جميعهم يومئذ أربعة عشر عاما وجعلت قريش على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبى جهل وأعطى عليه السلام سيفه بحقه إلى أبى دجانة سماك بن خرشة من بنى ساعدة وكان شجاعا بطلا يختال عند الحرب وكان مع قريش ذلك اليوم والد حنظلة غسيل الملائكة أبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان في طليعة وكان في الجاهلية قد ترهب وتنسك فلما جاء الاسلام غلب عليه الشقاء وفر إلى مكة في رجال من الاوس وشهد أحدا مع الكفار وكان يعد قريش في انحراف الاوس إليه لما انه سيدهم فلم يصدق ظنه ولما ناداهم وعرفوه قالوا لا أنعم الله لك علينا يا فاسق فقاتل المسلمين قتالا شديدا وأبلى يومئذ حمزة وطلحة وشيبة وأبو دجانة والنضر بن أنس بلاء شديدا وأصيب جماعة من الانصار مقبلين غير مدبرين واشتد القتال وانهزم قريش أولا فخلت الرماة عن مراكزهم وكر المشركون كرة وقد فقدوا متابعة الرماة فانكشف المسلمون واستشهد منهم من أكرمه الله ووصل العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتل مصعب بن عمير صاحب اللواء دونه حتى قتل وجرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر وهشمت البيضة في رأسه يقال ان الذى تولى ذلك عتبة بن أبى وقاص وعمرو بن قميئة الليثى وشد حنظلة الغسيل على أبى سفيان ليقتله فاعترضه شداد بن الاسود الليثى من شعوب فقتله وكان جنبا فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة غسلته وأكبت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط من بعض حفر هناك فأخذ على بيده واحتضنه طلحة حتى قام ومص الدم من جرحه مالك بن سنان الخدرى والد ابى سعيد ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه صلى الله عليه وسلم فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح فندرت ثنيتاه فصاراهتم ولحق المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وكر دونه نفر من المسلمين فقتلوا كلهم وكان آخرهم عمار بن يزيد بن السكن ثم قاتل طلحة حتى أجهض المشركون وأبو دجانة يلى النبي صلى الله عليه وسلم بظهره وتقع فيه النبل فلا يتحرك وأصيبت عين قتادة بن النعمان من بنى ظفر فرجع وهى على وجنته فردها عليه السلام بيده فصحت وكانت أحسن عينيه وانتهى النضر بن أنس إلى جماعة من الصحابة وقد دهشوا وقالوا قتل

[ 26 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فما تصنعون في الحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه ثم استقبل الناس وقاتل حتى قتل ووجد به سبعون ضربه وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف عشرين جراحة بعضها في رجله فعرج منها وقتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم قتله وحشى مولى جبير بن مطعم بن عدى وكان قد جاعله على ذلك بعتقه فرآه يبارز سباع بن عبد العزى فرماه بحربته من حيث لا يشعر فقتله ونادى الشيطان ألا ان محمدا قد قتل لان عمرو بن قميئة كان قد قتل مصعب بن عمير يظن أنه النبي صلى الله عليه وسلم وضربته أم عمارة نسيبة بنت كعب بن أبى مازن ضربات فتوفى منها بدرعيه وخشى المسلمون لما أصابه ووهنوا لصريخ الشيطان ثم ان كعب بن مالك الشاعر من بنى سلمة عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى بأعلى صوته يبشر الناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له أنصت فاجتمع عليه المسلمون ونهضوا معه نحو الشعب فيهم أبو بكر وعمر وعلى والزبير والحرث بن الصمة الانصاري وغيرهم وأدركه أبى بن خلف في الشعب فتناول صلى الله عليه وسلم الحربة من الحرث بن الصمة وطعنه بها في عنقه فكر أبى منهزما وقال له المشركون ما بك من بأس فقال والله لو بصق على لقتلني وكان صلى الله عليه وسلم قد توعده بالقتل فمات عدو الله بسرف مرجعهم إلى مكة ثم جاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء فغسل وجهه ونهض فاستوى على صخرة من الجبل وحانت الصلاة فصلى بهم قعودا وغفر الله للمنهزمين من المسلمين ونزل ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان الآية وكان منهم عثمان بن عفان وعثمان بن أبى عقبة الانصاري واستشهد في ذلك اليوم حمزة كما ذكرناه وعبد الله بن جحش ومصعب بن عمير في خمسة وستين معظمهم من الانصار وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفنوا بدمائهم وثيابهم في مضاجعهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم وقتل من المشركين اثنان وعشرون منهم الوليد بن العاصى بن هشام وأبو أمية بن أبى حذيفة بن المغيرة وهشام بن أبى حذيفة بن المغيرة وأبو عزة عمرو بن عبد الله بن جمح وكان أسر يوم بدر فمن عليه وأطلقه بلا فداء على أن لا يعين عليه فنقض العهد وأسر يوم أحد وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه صبرا وأبى بن خلف قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وصعد أبو سفيان الجبل حتى أطل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونادى بأعلى صوته الحرب سجال يوم أحد بيوم بدر اعل هبل وانصرف وهو يقول موعدكم العام القابل فقال عليه السلام قولوا له هو بيننا وبينكم ثم سار المشركون إلى مكة ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وكانت هند وصواحبها قد جدعنه وبقرن عن كبده فلاكتها ولم تسغها ويقال انه لما رآى ذلك في حمزة قال لئن أظفرني الله بقريش

[ 27 ]

لامثلن بثلاثين منهم ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة ويقال انه قال لعلى لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا (حمراء الاسد) ولما كان يوم أحد سادس عشر شوال وهو صبيحة يوم أحد أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج لطلب العدو وأن لا يخرج الا من حضر معه بالامس وفسح لجابر بن عبد الله ممن سواهم فخرج وخرجوا على ما بهم من الجهد والجراح وصار عليه السلام متجلدا مرهبا للعدو وانتهى إلى حمراء الاسد على ثمانية أميال من المدينة وأقام بها ثلاثا ومر به هناك معبد بن أبى معبد الخزاعى سائرا إلى مكة ولقى أبا سفيان وكفار قريش بالروحاء فأخبرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم وكانوا يرومون الرجوع إلى المدينة ففت ذلك في أعضادهم وعادوا إلى مكة (بعث الرجيع) ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر متم الثلاثة من الهجرة نفر من عضل والقارة بنى الهون من خزيمة اخوة بنى أسد فذكروا أن فيهم اسلاما ورغبوا أن يبعث فيهم من يفقههم في الدين فبعث معهم ستة رجال من أصحابه مرثد بن أبى مرثد الغنوى وخالد بن البكير الليثى وعاصم بن ثابت بن أبى الافلح من بنى عمرو بن عوف وخبيب بن عدى من بنى جحجبا بن كلفة وزيد بن الدثنة بن بياضة بن عامر وعبد الله ابن طارق حليف بنى ظفر وأمر عليهم مرثدا منهم ونهضوا مع القوم حتى إذا كانوا بالرجيع وهو ماء لهذيل قريبا من عسفان غدروا بهم واستصرخوا هذيلا عليهم فغشوهم في رحالهم ففزعوا إلى القتال فأمنوهم وقالوا انا نريد نصيب بكم فداء من أهل مكة فامتنع مرثد وخالد وعاصم من أمنهم وقاتلوا حتى قتلوا ورموا رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت نذرت أن تشرب فيه الخمر لما قتل ابنيها من بنى عبد الدار يوم أحد فأرسل الله الدبر فحمت عاصما منهم فتركوه إلى الليل فجاء السيل فاحتمله وأما الآخرون فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة ولما كانوا بمر الظهران انتزع ابن طارق يده من القران وأخذ سيفة فرموه بالحجارة فمات وجاؤا بخبيب وزيد إلى مكه فباعوهما إلى قريش فقتلوهما صبرا (غزوة بئر معونة) وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر هذا ملاعب الاسنة أبو براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة فدعاه إلى الاسلام فلم يسلم ولم يبعد وقال يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال انى أخاف عليهم فقال أبو براء أنا لهم جار فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو من بنى ساعدة في أربعين من المسلمين وقيل في سبعين منهم الحرث بن الصمة وحرام بن ملحان خال أنس وعامر بن فهيرة ونافع بن بديل بن ورقاء فنزلوا بئر معونة بين أرض بنى عامر

[ 28 ]

وحرة بنى سليم وبعثوا حرام بن ملحان بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل فقتله ولم ينظر في كتابه واستعدى عليهم بنى عامر فأبوا الجوار أبى براء اياهم فاستعدى بنى سليم فنهضت منهم عصية ورعل وذكوان وقتلوهم عن آخرهم وكان سرحهم إلى جانب منهم ومعهم المنذر بن أحيحة من بنى الجلاح وعمرو بن أمية الضمرى فنظرا إلى الطير تحوم على العسكر فأسرعا إلى أصحابهما فوجداهم في مضاجعهم فاما المنذر بن أحيحة فقاتل حتى قتل وأما عمرو بن أمية فجز عامر بن الطفيل ناصيته حين علم أنه من مضر لرقبة كانت على أمه وذلك لعشر بقين من صفر وكانت مع الرجيع في شهر واحد ولما رجع عمرو بن أمية لقى في طريقه رجلين من بنى كلاب أو بنى سليم فنزلا معه في ظل كان فيه معهما عهد من النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم به عمرو فانتسبا له في بنى عامر أو سليم فعدا عليهما لما ناما وقتلهما وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال لقد قتلت قتيلين لادينهما (غزوة بنى النضير) ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى النضير مستعينا بهم في دية هذين القتيلين فأجابوا وقعد عليه السلام مع أبى بكر وعمر وعلى ونفر من أصحابه إلى جدار من جدرانهم وأراد بنو النضير رجلا منهم على الصعود إلى ظهر البيت ليلقى على النبي صلى الله عليه وسلم صخرة فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب منهم وأوحى الله بذلك إلى نبيه فقام ولم يشعر أحدا ممن معه واستبطأوه واتبعوه إلى المدينة فأخبرهم عن وحى الله بما أراد به يهود وأمر من أصحابه بالتهيؤ لحربهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ونهض في شهر ربيع الاول أول السنة الرابعة من الهجرة فتحصنوا منه بالحصون فحاصرهم ست ليال وأمر بقطع النخل واحراقها ودس إليهم عبد الله بن أبى والمنافقون إنا معكم قتلتم أو أخرجتم فغروهم بذلك ثم خذلوهم كرها وأسلموهم وسأل عبد الله من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكف عن دمائهم ويجليهم بما حملت الابل من أموالهم الا السلاح واحتمل إلى خيبر من أكابرهم حيى بن أخطب وابن ابى الحقيق فدانت لهم خيبر ومنهم من سار إلى الشأم وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموالهم بين المهاجرين الاولين خاصة وأعطى منها ابا دجانة وسهل بن حنيف كانا فقيرين وأسلم من بنى النضير يامين بن عمير بن جحاش وسعيد بن وهب فأحرزا أموالهما باسلامهما وفى هذه الغزاة نزلت سورة الحشر (ذات الرقاع) وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بنى النضير إلى جمادى من السنة الرابعة ثم غزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري وقيل عثمان بن عفان ونهض حتى نزل نجدا فلقى بها جمعا من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب الا أنهم خاف بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين

[ 29 ]

صلاة الخوف وسميت ذات الرقاع لان أقدامهم نقبت وكانوا يلقون عليها الخرق وقال الواقدي لان الجبل الذى نزلوا به كان به سواد وبياض وحمرة رقاعا فسميت بذلك وزعم أنها كانت في المحرم (غزوة بدر الصغرى الموعد) كان أبو سفيان نادى يوم أحد كما قدمناه بموعد بدر من قابل وأجابوه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان في شعبان من هذه السنة الرابعة خرج لميعاده واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبى ابن سلول ونزل في بدر وأقام هناك ثمان ليال وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل الظهران أو عسفان ثم بدا له في الرجوع واعتذر بان العام عام جدب غزوة دومة الجندل) خرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الاول من السنة الخامسة وخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وسببها أنه عليه السلام بلغه ان جمعا تجمعوا بها فغزاهم ثم انصرفوا من طريقه قبل أن يبلغ دومة الجندل ولم يلق حربا (وفيها) وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن أن يرعى بأراضى المدينة لان بلاده كانت أجدبت وكانت هذه قد أخصبت بسحابة وقعت فأذن له في رعيها (غزوة الخندق) كانت في شوال من السنة الخامسة والصحيح أنها في الرابعة ويقويه ان ابن عمر يقول ردنى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة ثم أجازني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فليس بينهما الا سنة واحدة وهو الصحيح فهى قبل دومة الجندل بلا شك وكان سببها ان نفرا من اليهود منهم سلام بن أبى الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وسلام بن مشكم وحيى بن أخطب من بنى النضير وهود ابن قيس وأبو عمارة من بنى وائل لما انجلى بنو النضير إلى خيبر خرجوا إلى مكة يحزبون الاحزاب ويحرضون على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرغبون من اشرأب إلى ذلك بالمال فأجابهم أهل مكة إلى ذلك ثم مضوا إلى غطفان وخرج بهم عيينة بن حصن على أشجع وخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وغيرهم ولما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بحفر الخندق على المدينة وعمل فيه بيده والمسلمون معه ويقال ان سلمان أشار به ثم أقبلت الاحزاب حتى نزلوا بظاهر المدينة بجانب أحد وخرج عليه السلام في ثلاثة آلاف من المسلمين وقيل في تسعمائة فقط وهو راجل بلا شك وخلف على المدينة ابن أم مكتوم فنزل بسطح سلع والخندق بينه وبين القوم وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في الاطام وكان بنو قريظة مواد عين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم حيى وأغراهم فنقضوا العهد ومالوا مع الاحزاب وبلغ أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث سعد بن معاذ وسعد ابن عبادة وخوات بن جبير وعبد الله بن رواحة يستخبرون الامر فوجدوهم مكاشفين

[ 30 ]

بالغدر والنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فشاتمهم سعد بن معاذ وكانوا أحلافه وانصرفوا وكان صلى الله عليه وسلم قد أمرهم ان وجدوا الغدر حقا أن يخبروه تعريضا لئلا يفتوا في أعضاد الناس فلما جاؤا إليه قالوا يا رسول الله عضل والقارة يريدون غدرهم بأصحاب الرجيع فعظم الامر وأحيط بالمسلمين من كل جهة وهم بالفشل بنو حارثة وبنو سلمة معتذرين بأن بيوتهم عورة خارج المدينة ثم ثبتهم الله ودام الحصار على المسلمين قريبا من شهر ولم تكن حرب ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن والحرث بن عوف أن يرجعا ولهما ثلثا ثمار المدينة وشاور في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فأبيا وقالا يا رسول الله أشئ أمرك الله به فلا بد منه أم شئ تحبه فتصدقه فتصنعه لك أم شئ تصنعه لنا فقال بل أصنعه لكم انى رأيت ان العرب رمتكم عن قوس واحدة فقال سعد بن معاذ قد كنا معهم على الشرك والاوثان ولا يطمعون منا بثمرة الا شراء وبيعا فحين أكرمنا الله بالاسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم الا السيف فصلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمادى الامر وظهر فوارس من قريش إلى الخندق وفيهم عكرمة بن أبى جهل وعمرو بن عبدود من بنى عامر بن لؤى وضرار بن الخطاب من بنى محارب فلما راوا الخندق قالوا هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها ثم اقتحموا من مكان ضيق حتى جالت خيلهم بين الخندق وسلع ودعوا إلى البراز وقتل على بن أبى طالب عمرو بن عبدود ورجعوا إلى قومهم من حيث دخلوا ورمى في بعض تلك الايام سعد بن معاذ بسهم فقطع عنه الاكحل يقال رماه حبان بن قيس بن العرقة وقيل أبو أسامة الجشمى حليف بنى مخزوم ويروى أنه لما أصيب جعل يدعو اللهم ان كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فلا قوم أحب إلى أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وأخرجوه وان كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها إلى شهادة ولا تمتنى حتى تقر عينى من بنى قريظة ثم اشتد الحال وأتى نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فقال يا رسول الله انى أسلمت ولم يعلم قومي فمرنى بما تشاء فقال أنما أنت رجل واحد فخذل عنا ان استطعت فان الحرب خدعة فخرج فأتى بنى قريظة وكان صديقهم في الجاهلية فنقم لهم في قريش وغطفان وانهم ان لم يكن الظفر لحقوا ببلادهم وتركوكم ولا تقدرون على التحول عن بلدكم ولا طاقة لكم بمحمد وأصحابه فاستوثقوا منهم برهن أبنائهم حتى يصابروا معكم ثم أتى أبا سفيان وقريشا فقال لهم ان اليهود قد ندموا وراسلوا محمدا في المواعدة على أن يسترهنوا أبناءكم ويدفعوهم إليه ثم أتى غطفان وقال لهم مثل ما قال لقريش فأرسل أبو سفيان وغطفان إلى بنى قريظة في ليلة سبت انا لسنا بدار مقام

[ 31 ]

فأعدوا للقتال فاعتذر اليهود بالسبت وقالوا مع ذلك لا نقاتل حتى تعطونا أبناءكم فصدق القوم خبر نعيم وردوا إليهم بالاباية من الرهن والحث على الخروج فصدق أيضا بنو قريظة خبر نعيم وأبوا القتال وأرسل الله على قريش وغطفان ريحا عظيمة أكفأت قدورهم وآنيتهم وقلعت أبنيتهم وخيامهم وبعث عليه السلام حذيفة بن اليمان عينا فأتاه بخبر رحيلهم وأصبح وقد ذهب الاحزاب ورجع إلى المدينة (غزوة بنى قريظة) ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه جبريل بالنهوض إلى بنى قريظة وذلك بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم فأمر المسلمين أن لا يصلى أحد العصر الا في بنى قريظة وخرج وأعطى الراية على بن أبى طالب واستخلف ابن أم مكتوم وحاصرهم صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد احدى ثلاث إما الاسلام وإما تبييت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة السبت ليكون الناس آمنين منهم واما قتل الذرارى والنساء ثم الاستماتة فأبوا كل ذلك وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر بن عمرو بن عوف لانهم كانوا حلفاء الاوس فأرسله واجتمع إليه الرجال والنساء والصبيان فقالوا يا أبا لبابة ترى لنا أن ننزل على حكم محمد قال نعم وأشار بيده في حلقه انه الذبح ثم رجع فندم وعلم أنه أذنب فانطلق على وجهه ولم يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وربط نفسه إلى عمود في المسجد ينتظر توبة الله عليه وعاهد الله أن لا يدخل أرض بنى قريظة مكانا خان فيه ربه ونبيه وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو أتانى لاستغفرت له فاما بعد ما فعل فما أنا بالذى أطلقه حتى يتوب الله عليه فنزلت توبته فتولى عليه السلام اطلاقه بيده بعد أن أقام مرتبطا بالجذع ست ليال لا يحل الا للصلاة ثم نزل بنو قريظة على حكم النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم بعضهم ليلة نزولهم وهم نفر أربعة من هذيل اخوة قريظة والنضير وفر عنهم عمرو بن سعد القرظى ولم يكن دخل معهم في نقض العهد فلم يعلم أين وقع ولما نزل بنو قريظة على حكمه صلى الله عليه وسلم طلب الاوس أن يفعل فيهم ما فعل بالخزرج في بنى النضير فقال لهم ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى قال فذلك إلى سعد بن معاذ وكان جريحا منذ يوم الخندق وقد أنزله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة في المسجد ليعوده من قريب فأتى به على حمار فلما أقبل على المجلس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم قوموا إلى سيدكم ثم قالوا يا سعد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك حكم مواليك فقال سعد عليكم بذلك عهد الله وميثاقه قالوا نعم قال فانى أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتسبى الذرارى والنساء وتقسم الاموال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ثم أنه أمر فأخرجوا

[ 32 ]

إلى سوق المدينة وخندق لهم بها خنادق وضربت أعناقهم فيها وهم بين الستمائة والسبعمائة رجل وقتلت فيهم امرأة واحدة بنانة امرأة الحكم القرظى وكانت طرحت على خلاد بن سويد بن الصامت رحى من فوق الحائط فقتلته وأمر عليه السلام بقتل من أنبت منهم ووهب لثابت بن قيس بن الشماس ولد الزبير بن باطا فاستحيا منهم عبد الرحمن بن الزبير كانت له صحبة وبعد أن كان ثابت استوهب من النبي صلى الله عليه وسلم الزبير وأهله وماله فوهبه ذلك فمر الزبير عليه يده وأبى الا الشد مع قومه اغتباطا بهم قبحه الله ووهب عليه السلام لام المنذر بنت قيس من بنى النجار رفاعة ابن سموأل القرظى فأسلم رفاعة وله صحبة وقسم صلى الله عليه وسلم أموال بنى قريظة فأسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما وكانت خيل المسلمين يومئذ ستة وثلاثين فارسا ووقع في سهم النبي صلى الله عليه وسلم من سبيهم ريحانة بن عمرو بن خنافة من بنى عمرو بن قريظة فلم تزل في ملكه حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فتح بنى قريظة آخر ذى القعدة من السنة الرابعة ولما تم أمرهم قد أجيبت دعوة سعد بن معاذ فانفجر عرقه ومات فكان ممن استشهد يوم الخندق في سبعة آخرين من الانصار وأصيب من المشركين يوم الخندق أربعة من قريش فيهم عمرو بن عبدود وابنه حسل ونوفل بن عبد الله بن المغيرة ولم تغز كفار قريش المسلمين مذ يوم الخندق ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الاولى من السنة الخامسة لستة أشهر من فتح بنى قريظة فقصد بنى لحيان يطالب بثار عاصم بن ثابت وخبيب بن عدى وأهل الرجيع وذلك إثر رجوعه من دومة الجندل فسلك على طريق الشأم أولا ثم أخذ ذات اليسار إلى صخيرات اليمام ثم رجع إلى طريق مكة وأجد السير حتى نزل منازل لبنى بين أمج وعسفان فوجدهم قد حذروا وامتنعوا بالجبال وفاتتهم الغرة فيهم فخرج في مائتي راكب إلى المدينة (غزوة الغابة وذى قرد) وبعد قفوله والمسلمين إلى المدينة بليال أغار عيينة بن حصن الفزارى في بنى عبد الله من غطفان فاستلحموا لقاح النبي صلى الله عليه وسلم بالغابة وكان فيها رجل من بنى غفار وامرأته فقتلوا الرجل وحملوا المرأة ونذر بهم سلمة بن عمرو بن الاكوع الاسلمي وكان ناهضا فعلا ثنية الوداع وصاح بأعلى صوته نذيرا بهم ثم اتبعهم واستنقذ ما كان بأيديهم ولما وقعت الصيحة بالمدينة ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم ولحق به المقداد بن الاسود وعباد بن بشر وسعد بن زيد من بنى عبد الاشهل وعكاشة بن محصن ومحرز بن نضلة الاسدي وأبو قتادة من بنى سلمة في جماعة من المهاجرين والانصار وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد وانطلقوا في اتباعهم حتى أدركوهم فكانت بينهم جولة قتل فيها محرز بن نضلة قتله عبد الرحمن بن

[ 33 ]

عيينة وكان أول من لحق بهم ثم ولى المشركون منهزمين وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء يقال له ذو قرد فأقام عليه ليلة ويومها ونحر ناقة من لقاحه المسترجعة ثم قفل إلى المدينة (غزاة بنى المصطلق) وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شعبان من هذه السنة السادسة ثم غزا بنى المصطلق من خزاعة لما بلغه أنهم مجتمعون له وقائدهم الحرث بن أبى ضرار أبو جويرية أم المؤمنين فخرج إليهم واستخلف أبا رذ الغفاري وقيل نميلة بن عبد الله الليثى ولقيهم بالمر يسيع من مياههم ما بين قديد والساحل فتزاحفوا وهزمهم الله وقتل من قتل منهم وسبى النساء والذرية وكانت منهم جويرية بنت الحرث سيدهم ووقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها وأدى عليه السلام عنها وأعتقها وتزوجها واصيب في هذه الغزاة هشام بن صبابة الليثى من بنى ليث بن بكر قتله رجل من رهط عبادة بن الصامت غلطا يظنه من العدو وفى مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الغزاة وفيها قال عبد الله بن أبى ابن سلول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل لمشاجرة وقعت بين جهجاه بن مسعود الغفاري أجير عمر بن الخطاب وبين سنان ابن وافد الجهنى حليف بنى عوف بن الخزرج فتثاوروا وتباهوا فقال ما قال وسمع زيد ابن أرقم مقالته وبلغها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت سورة المنافقين وتبرأ منه ابنه عبد الله وقال يا رسول الله أنت والله الاعز وهو الاذل وان شئت والله أخرجته ثم اعترض أباه عند المدينة وقال والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن له وحينئذ دخل وقال يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبى وانى أخشى أن تأمر غيرى فلا تدعني نفسي أن أقاتله وان قتلته قتلت مؤمنا بكافر ولكن مرنى بذلك فأنا والله أحمل اليك رأسه فجزاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا وأخبره انه لا يصل إلى أبيه سوء (وفيها) قال أهل الافك ما قالوا في شأن عائشة مما لا حاجة بنا إلى ذكره وهو معروف في كتب السير وقد أنزل الله القرآن الحكيم ببراءتها وتشريفها وقد وقع في الصحيح أن مراجعته وقعت في ذلك بين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وهو وهم ينبغى التنبيه عليه لان سعد بن معاذ مات بعد فتح بنى قريظة بلا شك داخل السنة الرابعة وغزوة بنى المصطلق في شعبان من السنة السادسة بعد عشرين شهرا من موت سعد والملاحاة بين الرجلين كانت بعد غزوة بنى المصطلق بأزيد من خمسين ليلة والذى ذكر ابن اسحق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله وغيره ان المقاول لسعد بن عبادة انما هو أسيد بن الحضير والله أعلم (ولما) علم المسلمون ان النبي صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية أعتقوا كل من كان في أيديهم من بنى المصطلق أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق بسببها مائة من أهل بيتها ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بنى

[ 34 ]

المصطلق بعد اسلامهم بعامين الوليد بن عقبة بن أبى معيط لقبض صدقاتهم فخرجوا يتلقونه فخافهم على نفسه ورجع وأخبر أنهم هموا بقتله فتشاور المسلمون في غدرهم ثم جاء وفدهم منكرين ما كان من رجوع الوليد قبل لقيهم وأنهم انما خرجوا تلقية وكرامة وروده فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منهم ونزل قوله تعالى يأيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق الآية (عمرة الحديبية) ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في السادسة وفى ذى القعدة منها معتمرا بعد بنى المصطلق بشهرين واستنفر الاعراب حوالى المدينة فأبطأ أكثرهم فخرج بمن معه من المهاجرين والانصار واتبعه من العرب فيما بين الثلثمائة بعد الالف إلى الخمسمائة وساق الهدى وأحرم من المدينة ليعلم الناس أنه لا يريد حربا وبلغ ذلك قريشا فأجمعوا على صده عن البيت وقتاله دونها وقدموا خالد بن الوليد في خيل إلى كراع الغميم وورد خبرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان فسلك على ثنية المرار حتى نزل الحديبية من أسفل مكة وجاء من ورائهم فكر خالد في خيله إلى مكة فلما جاء صلى الله عليه وسلم إلى مكة بركت ناقته فقال الناس خلات فقال ما خلات وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال والذى نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونى فيها صلة الرحم الا أعطيتهم اياها ثم نزل واشتكى الناس فقد الماء فأعطاهم سهما من كنانته غرزوه في بعض القلب من الوادي فجاش الماء حتى كفى جميع الجيش يقال نزل به البراء بن عازب ثم جرت السفراء بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش وبعث عثمان بن عفان بينهما رسولا وشاع الخبر ان المشركين قتلوه فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وجلس تحت شجرة فبايعوه على الموت وأن لا يفروا وهى بيعة الرضوان وضرب عليه السلام بيسراه على يمينه وقال هذه عن عثمان ثم كان سهيل بن عمرو آخر من جاء من قريش فقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن ينصرف عامه ذلك ويأتى من قابل معتمرا ويدخل مكة وأصحابه بلا سلاح حاشا السيوف في القرب فيقيم بها ثلاثا ولا يزيد وعلى أن يتصل الصلح عشرة أعوام يتداخل فيه الناس ويأمن بعضهم بعضا وعلى أن من هاجر من الكفار إلى المسلمين من رجل أو امرأة أن يرد إلى قومه ومن ارتد من المسلمين إليهم لم يردوه فعظم ذلك على المسلمين حتى تكلم فيه بعضهم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم أن هذا الصلح سبب لامن الناس وظهور الاسلام وان الله يجعل فيه فرجا للمسلمين وهو أعلم بما علمه ربه وكتب الصحيفة على وكتب في صدرها هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى سهيل عن ذلك وقال لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك

[ 35 ]

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا أن يمحوها فأبى وتناول هو الصحيفة بيده ومحا ذلك وكتب محمد بن عبد الله (ولا يقع في ذهنك من أمر هذه الكتابة ريب فانها قد ثبتت في الصحيح وما يعترض في الوهم من ان كتابته قادحة في المعجزة فهو باطل لان هذه الكتابة إذا وقعت من غير معرفة بأوضاع الحروف ولا قوانين الخط واشكالها بقيت الامية على ما كانت عليه وكانت هذه الكتابة الخاصة من احدى المعجزات انتهى ثم أتى أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده وكان قد أسلم فقال سهيل هذا أول ما نقاضي عليه فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيه وعظم ذلك على المسلمين وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا جندل ان الله سيجعل له فرجا وبينما هم يكتبون الكتاب إذ جاءت سرية من جهة قريش قيل ما بين الثلاثين والاربعين يريدون الايقاع بالمسلمين فأخذتهم خيول المسلمين وجاؤا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقهم فإليهم ينسب العتقيون (ولما تم الصلح وكتابه) أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحروا ويحلقوا فتوقفوا فغضب حتى شكى إلى زوجته أم سلمة فقالت يا رسول الله اخرج وانحر واحلق فانهم تابعوك فخرج ونحر وحلق رأسه حينئذ خراش بن أمية الخزاعى ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وما فتح من قبله فتح كان أعظم من هذا الفتح قال الزهري لما كان القتال حيث لا يلتقى الناس فلما كانت الهدنة ووضعت لحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضا فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالاسلام أحدا يفعل شيئا الا دخل عليه فلقد دخل في ذينك السنتين في الاسلام مثلما كان قبل ذلك أو أكثر (ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لحقه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية هاربا وكان قد أسلم وحبسه قومه بمكة وهو ثقفي من حلفاء بنى زهرة فبعث إليه الازهر بن عبد عوف عم عبد الرحمن بن عوف والاخنس بن شريق سيد بنى زهرة رجلا من بنى عامر بن لؤى مع مولى لهم فأسلمه النبي صلى الله عليه وسلم فاحتملاه فلما نزلوا بذى الحليفة أخذ أبو بصير السيف من أحد الرجلين ثم ضرب به العامري فقتله وفر الآخر وأتى أبو بصير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله قد وفت ذمتك وأطلقنى الله فقال عليه السلام ويلمه (3) مسعر حرب لو كان له رجال ففطن أبو بصير من لحن هذا القول أنه سيرده وخرج إلى سيف البحر على طريق قريش إلى الشأم وانضاف إليه جمهور من يفر عن قريش ممن أراد الاسلام فآذوا قريشا وقطعوا على رفاقهم وسابلتهم فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يضمهم بالمدينة ثم هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط وجاء فيها أخواها عمارة والوليد فمنع الله من رد النساء وفسخ ذلك الشرط المكتتب ثم نسخت براءة ذلك كله وحرم الله حينئذ

[ 36 ]

على المسلمين امساك الكوافر في عصمتهم فانفسخ نكاحهن * (ارسال الرسل إلى الملوك) * ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين الحديبية ووفاته رجالا من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم دعاة إلى الله عزوجل فبعث سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود أخا بنى عامر بن لؤى إلى هوذة بن على صاحب اليمامة وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر ابن ساوى أخى بنى عبد القيس صاحب البحرين وعمرو بن العاصى إلى جيفر بن جلندى ابن عامر بن جلندى صاحب عمان وبعث حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الاسكندرية فأدى إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى المقوقس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جوار منهن مارية أم ابراهيم ابنه وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبى إلى قيصر وهو هرقل ملك الروم فوصل إلى بصرى وبعثه صاحب بصرى إلى هرقل وكان يرى في ملاحمهم أن ملك الختان قد ظهر فقرأ الكتاب وإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم السلام على من اتبع الهدى أما بعد أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فان توليت فانما عليك اثم الاريسيين وفى رواية اثم الاكارين عليك تعيا بحمله فطلب من في مملكته من قوم النبي صلى الله عليه وسلم فأحضروا له من غزة وكان فيهم أبو سفيان فسأله كما وقع في الصحيح فأجابه وسلم أحواله وتفرس صحة أمره وعرض على الروم اتباعه فأبوا ونفروا فلاطفهم بالقول وأقصر (ويروى) عن ابن اسحق أنه عرض عليهم الجزية فأبوا فعرض عليهم أن يصالحوا بأرض سورية (قالوا وهى أرض فلسطين والاردن ودمشق وحمص وما دون الدرب وما كان وراء الدرب فهو الشأم) فأبوا (قال ابن اسحق) وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب الاسدي أخا بنى أسد بن خزيمة إلى الحرث بن شمر الغساني صاحب دمشق وكتب معه السلام على من اتبع الهدى وآمن به أدعوك إلى ان تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك فلما قرأ الكتاب قال من ينزع ملكى أنا سائر إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم باد ملكه (قال) وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبى طالب وأصحابه وكتب معه كتابا بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم عظيم الحبشة سلام عليك فانى أحمد اليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم الطيبة البتول الحصينة فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه وانى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته تتبعني وتؤمن بالذى جاءني فانى رسول

[ 37 ]

الله وقد بعثت اليك ابن عمى جعفرا ومعه نفر من المسلمين فإذا جاؤك فاقرهم ودع النجرى وانى أدعوك وجنودك إلى الله فلقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدى فكتب إليه النجاشي إلى محمد رسول الله من النجاشي الاصحم ابن الحر سلام عليك يا رسول الله من الله ورحمة الله وبركاته أحمد الله الذى لا اله الا هو الذى هدانا للاسلام أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والارض ما نزيد بالرأى على ما ذكرت انه كما قلت وقد عرفنا ما بعثت به الينا وقد قرينا ابن عمك وأصحابه فأشهد انك رسول الله صادقا مصدقا فقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت لله رب العالمين وقد بعثت اليك بابنى أرخا الاصحم فانى لا أملك الا نفسي ان شئت ان آتيك فعلت يا رسول الله فانى أشهد ان الذى تقول حق والسلام عليك يا رسول الله فذكر انه بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة فغرقت بهم (وقد جاء) انه أرسل إلى النجاشي ليزوجه أم حبيبة وبعث إليها بالخطبة جاريته فأعطتها أوضاحا وفتخا ووكلت خالد بن سعيد بن العاصى فزوجها ودفع النجاشي إلى خالد بن سعيد أربعمائة دينار لصداقها وجاءت إليها بها الجارية فأعطتها منها خمسين مثقالا فردت الجارية ذلك بأمر النجاشي وكانت الجارية صاحبة دهنه وثيابه وبعث إليها نساء النجاشي بما عندهن من عود وعنبر وأركبها في سفينتين مع بقية المهاجرين فلقوا النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر وبلغ أبا سفيان تزويج أم حبيبة منه فقال ذلك الفحل الذى لا يقدع انفه (وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السنة إلى كسرى وبعث بالكتاب عبد الله بن حذافة السهمى وفيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسله أما بعد فانى رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيا أسلم تسلم فان أبيت فعليك اثم المجوس فمزق كسرى كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مزق الله ملكه وفى رواية ابن اسحق بعد قوله وآمن بالله ورسله واشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاية الله فانى أنا رسول الله إلى الناس كافة لانذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فان أبيت فاثم الاريسيين عليك (قال) فلما قرأه مزقه وقال يكتب إلى هذا وهو عبدى (قال) ثم كتب كسرى إلى باذان وهو عامله على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الذى بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به فبعث باذان قهرمانه بانويه وكان حاسبا كاتبا بكتاب فارس ومعه خرخسرة من الفرس وكتب إليه معهما أن ينصرف إلى كسرى وقال لقهرمانه اختبر الرجل وعرفني بأمره وأول ما قدما الطائف سألا

[ 38 ]

عنه فقيل هو بالمدينة وفرح من سمع بذلك من قريش وكانوا بالطائف وقالوا قطب له كسرى وقد كفيتموه وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فكلمه بانويه وقال ان شاهنشاه قد كتب إلى الملك باذان أن يبعث اليك من يأتيه بك وبعثنى لتنطلق معى ويكتب معه فينفعك وأن أبيت فهو من علمت ويهلك قومك ويخرب بلادك وكانا قد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالا أمرنا به ربنا يعنون به كسرى فقال لهما لكن ربى أمرنى باعفاء لحيتى وقص شاربى لم أوخرهما إلى غد وجاءه الوحى بأن الله سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله ليلة كذا من شهر كذا لعشر مضين من جمادى الاولى سنة سبع فدعاهما وأخبرهما فقالا هل تدرى ما تقول يحزنانه عاقبة هذا القول فقال اذهبا وأخبراه بذلك عنى وقولا له ان دينى وسلطاني يبلغ ما بلغ ملك كسرى وان أسلمت أعطيتك ما تحت يدك وملكتك على قومك من الابناء وأعطى خرخسرة منطقة فيها ذهب وفضة كان بعض الملوك أهداها له فقد ما على باذان وأخبراه فقال ما هذا كلام ملك ما أرى الرجل الا نبيا كما يقول ونحن ننتظر مقالته فلم ينشب باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه أما بعد فانى قد قتلت كسرى ولم أقتله الا غضبا لفارس لما كان استحل من قتل اشرافهم وتسخيرهم في ثغورهم فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لى الطاعة ممن قبلك وأنظر الرجل الذى كان كسرى كتب فيه اليك فلا تهجه حتى يأتيك أمرى فيه فلما بلغ باذان الكتاب وأسلمت الابناء معه من فارس ممن كان منهم باليمن وكانت حمير تسمى خرخسرة ذا المفخرة للمنطقة التى أعطاه اياها النبي صلى الله عليه وسلم والمنطقة بلسانهم المفخرة وقد كان بانويه قال لباذان ما كلمت رجلا قط أهيب عندي منه فقال هل معه شرط قال لا (قال الواقدي) وكتب إلى المقوقس عظيم القبط يدعوه إلى الاسلام فلم يسلم * (غزوة خيبر) * ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا إلى خيبر في بقية المحرم آخر السنة السادسة (3) وهو في ألف وأربعمائة راجل ومائتي فارس واستخلف نميلة بن عبد الله الليثى وأعطى راية لعلى بن أبى طالب وسلك على الصهباء حتى نزل بواديها إلى الرجيع فحيل بينهم وبين غطفان وقد كانوا أرادوا امداد يهود خيبر فلما خرجوا لذلك قذف الله في قلوبهم الرعب لحس سمعوه من ورائهم فانصرفوا وأقاموا في أماكنهم وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح حصون خيبر حصنا حصنا فافتتح أولا منها حصن ناعم وألقيت على محمود بن سلمة من أعلاه رحى فقتلته ثم افتتح القموص حصن ابن أبى الحقيق وأصيب منهم سبايا كانت منهن صفية بنت حيى بن أخطب وكانت

[ 39 ]

عروسا عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق فوهبها عليه السلام لدحية ثم ابتاعها منه بسبعة أرؤس ووضعها عند أم سلمة حتى اعتدت وأسلمت ثم أعتقها وتزوجها ثم فتح حصن الصعب بن معاذ ولم يكن بخيبر أكثر طعاما وود كامنه وآخر ما افتتح من حصونهم الوطيح والسلالم حصرهما بضع عشرة ليلة ودفع إلى على الراية في حصار بعض حصونهم ففتحه وكان أرمد فتفل في عينه صلى الله عليه وسلم فبرأ وكان فتح بعض خيبر عنوة وبعضها وهو الاكثر صلحا على الجلاء فقسمها صلى الله عليه وسلم وأقر اليهود على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم ولهم النصف من كل ما تخرج من زرع أو تمر يقرهم على ذلك ما بدا له فبقوا على ذلك إلى آخر خلافة عمر فبلغه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذى مات فيه لا يبقى دينان بأرض العرب فأمر باجلائهم عن خيبر وغيرها من بلاد العرب وأخذ المسلمون ضياعهم من مغانم خيبر فتصرفوا فيها وكان متولى قسمتها بين أصحابها جابر بن صخر من بنى سلمة وزيد بن ثابت من بنى النجار واستشهد من المسلمين جماعة تنيف على العشرين من المهاجرين والانصار منهم عامر ابن الاكوع وغيره (وفى هذه الغزاة) حرمت لحوم الحمر الاهلية فأكفئت القدور وهى تفور بلحمها (وفيها) أهدت اليهودية زينب بنت الحرث امرأة سلام بن مشكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية وجعلت السم في الذراع منها وكان أحب اللحم إليه فتناوله ولاك منه مضغة ثم لفظها وقال ان هذا العظم يخبرني أنه مسموم وأكل معه بشر بن البراء بن معرور وازدرد لقمته فمات منها ثم دعا باليهودية فاعترفت ولم يقتلها لاسلامها حينئذ على ما قيل ويقال انه دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها (قدوم مهاجرة الحبشة) وكان مهاجرة الحبشة قد جاء جماعة منهم إلى مكة قبل الهجرة حين سمعوا باسلام قريش ثم هاجروا إلى المدينة وجاء آخرون منهم قبل خيبر بسنتين ثم جاء بقيتهم اثر فتح خيبر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشي في شأنهم ليقدمهم عليه فقدم جعفر بن أبى طالب وامرأته اسماء بنت عميس وبنوهما عبد الله ومحمد وعون وخالد بن سعيد بن العاصى بن أمية وامرأته أمينة بنت خلفا وابناهما سعيد وأم خالد وعمرو بن سعيد بن العاصى ومعيف بن أبى فاطمة حليف أبى سعيد بن العاصى ولى بيت المال لعمر وأبو موسى الاشعري حليف آل عتبة بن ربيعة والاسود بن نوفل بن خويلد ابن أخى خديجة وجهم بن قيس بن شرحبيل ابن عبد الدار وابناه عمر وخزيمة والحرث بن خالد بن صخر بن تميم وعثمان بن ربيعة بن اهبان من بنى جمح ومحنية بن حذاء الزبيدى حليف بنى سهم ولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاخماس ومعمر بن عبد الله بن نضلة من بنى عدى وأبو حاطب بن عمرو بن عبد

[ 40 ]

شمس بن عامر بن لؤى وأبى عمرو مالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس فكان هؤلاء آخر من بقى بأرض الحبشة ولما قدم جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر قبل ما بين عينيه والتزمه وقال ما أدرى بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر * (فتح فدك ووادى القرى) * ولما اتصل بأهل فدك شان أهل خيبر بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسالونه الامان على أن يتركوا الاموال فأجابهم إلى ذلك فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فلم يقسمها ووضعها حيث أمره الله ثم انصرف عن خيبر إلى وادى القرى فافتتحها عنوة وقسمها وقتل به غلامه مدعما قال فيه لما شهد له الناس بالجنة كلا ان الشملة التى أخذها يوم خيبر من المغانم قبل القسم لتشتعل عليه نارا ثم رحل إلى المدينة في شهر صفر * (عمرة القضاء) * وأقام صلى الله عليه وسلم بعد خيبر إلى انقضاء شوال من السنة السابعة ثم خرج في ذى القعدة لقضاء العمرة التى عاهده عليها قريش يوم الحديبية وعقد لها الصلح وخرج ملا من قريش عن مكة عداوة لله ولرسوله وكرها في لقائه فقضى عمرته وتزوج بعد احلاله بميمونة بنت الحرث من بنى هلال ابن عامر خالة ابن عباس وخالد بن الوليد وأراد أن يبنى بها وقد تمت الثلاث التى عاهده قريش على المقام بها وأوصوا إليه بالخروج وأعجلوه عن ذلك فبنى بها بسرف * (غزوة جيش الامراء) * وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منصرفه من عمرة القضاء إلى جمادى الاولى من السنة الثامنة ثم بعث الامراء إلى الشام وقد كان أسلم قبل ذلك عمرو بن العاصى وخالد ابن الوليد وعثمان بن طلحة بن أبى طلحة وهم من كبراء قريش وقد كان عمرو بن العاصى مضى عن قريش إلى النجاشي يطلبه في المهاجرين الذين عنده ولقى هنا لك عمرو بن أمية الضمرى وافد النبي صلى الله عليه وسلم فغضب النجاشي لما كلمه في ذلك فوفقه الله ورئ الحق فأسلم وكتم اسلامه ورجع إلى قريش ولقى خالد بن الوليد فأخبره فتفاوضا ثم هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاسلما وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدا مع بعث الشأم وأمر على الجيش مولاه زيد بن حارثة نحوا من ثلاثة آلاف وقال ان أصابه قدر فالامير جعفر بن أبى طالب فان أصابه قدر فالامير عبد الله بن رواحة فان أصيب فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه أميرا عليهم وشيعهم صلى الله عليه وسلم

[ 41 ]

وودعهم ونهضوا عتى انتهوا إلى معان من أرض الشأم فأتاهم الخبر بأن هرقل ملك الروم قد نزل مؤاب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ومائة ألف من نصارى العرب البادين هنا لك من لخم وجذام وقبائل قضاعة من بهرا وبلى والقيس وعليهم مالك بن زاحلة من بنى اراشة فأقام المسلمون في معان ليلتين يتشاورون في الكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتظار أمره ومدده ثم قال لهم عبد الله بن رواحة أنتم انما خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة الا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به فانطلقوا إلى جموع هرقل عند قرية مؤتة ورتبوا الميمنة والميسرة واقتتلوا فقتل زيد بن حارثة ملاقيا بصدره الرماح والراية في يده فأخذها جعفر بن أبى طالب وعقر فرسه ثم قاتل حتى قطعت يمينه فأخذها بيساره فقطعت كذلك وكان ابن ثلاث وثلاثين سنة فأخذها عبد الله بن رواحة وتردد عن النزول بعض الشئ ثم صمم إلى العدو فقاتل حتى قتل فأخذ الراية ثابت بن أفرم من بنى العجلان وناولها لخالد بن الوليد فانحاز بالمسلمين وانذر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل هؤلاء الامراء قبل ورود الخبر وفى يوم قتلهم واستشهد مع الامراء جماعة من المسلمين يزيدون على العشرة أكرمهم الله بالشهادة ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأحزنه موت جعفر ولقيهم خارج المدينة وحمل عبد الله بن جعفر بين يديه على دابته وهو صبى وبكى عليه واستغفر له وقال أبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة فسمى ذا الجناحين * (فتح مكة) * كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عقد الصلح بينه وبين قريش في الحديبية أدخل خزاعة في عقده المؤمن منهم والكافر وأدخلت قريش بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة في عقدها وكانت بينهم تراث في الجاهلية وذحول كان فيها الاول للاسود بن رزن من بنى الدئل بن بكر بن عبد مناة وثارهم عند خزاعة لما قتلت حليفهم مالك بن عباد الحضرمي وكانوا قد عدوا على رجل من خزاعة فقتلوه في مالك بن عباد حليفهم وعدت خزاعة على سلمى وكلثوم وذؤيب بنى الاسود بن رزن فقتلوهم وهم اشراف بنى كنانة وجاء الاسلام فاشتغل الناس به ونسوا إمر هذه الدماء فلما انعقد هذا الصلح من الحديبية وأمن الناس بعضهم بعضا فاغتنم بنو الدئل هذه الفرصة في ادراك الثار من خزاعة بقتلهم بنى الاسود بن رزن وخرج نوفل بن معاوية الدؤلى فيمن أطاعه من بنى بكر بن عبد مناة وليس كلهم تابعه وخرج معه بعضهم وخرجوا منهم وانحجزوا في دور مكة ودخلوا دار بديل بن ورقاء الخزاعى ورجع بنو بكر وقد انتقض العهد فركب بديل بن ورقاء وعمرو بن سالم في وفد من قومهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 42 ]

مستغيثين مما أصابهم به بنو الدئل بن عبد مناة وقريش فأجاب صلى الله عليه وسلم صريخهم وأخبرهم بأن أبا سفيان يأتي يشد العقد ويزيد في المدة وانه يرجع بغير حاجة وكان ذلك سببا للفتح وندم قريش على ما فعلوا فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليؤكد العقد ويزيد في المدة ولقى بديل بن ورقاء بعسفان فكتمه الخبر وورى له عن وجهه وأتى أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة فطوت دونه فراش النبي صلى الله عليه وسلم وقالت لا يجلس عليه مشرك فقال لها قد أصابك بعدى شر يا بنية ثم أتى المسجد وكلم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فذهب إلى أبى بكر وكلمه أن يتكلم في ذلك فأبى فلقى عمر فقال والله لو لم أجد الا الذر لجاهدتكم به فدخل على على بن أبى طالب وعنده فاطمة وابنه الحسن صبيا فكلمه فيما أتى له فقال على ما نستطيع أن نكلمه في أمر عزم عليه فقال لفاطمة يا بنت محمد أما تأمري أبنك هذا ليجير بين الناس فقالت لا يجير أحد على رسول الله فقال له على يا أبا سفيان أنت سيد بنى كنانة فقم وأجر وارجع إلى أرضك فقال ترى ذلك مغنيا عنى شيئا قال ما أظنه ولكن لا اجد لك سواه فقام أبو سفيان في المسجد فنادى ألا انى قد أجرت بين الناس ثم ذهب إلى مكة وأخبر قريشا فقالوا ما جئت بشئ وما زاد ابن أبى طالب على ان لعب بك ثم أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم انه سائر إلى مكة وأمر الناس بأن يتجهزوا ودعا الله ان يطمس الاخبار عن قريش وكتب إليهم حاطب بن أبى بلتعة بالخبر مع ظعينة قاصدة إلى مكة فأوحى الله إليه بذلك فبعث عليا والزبير والمقداد إلى الظعينة فأدركوها بروضة خاخ وفتشوا رحلها فلم يجدوا شيئا وقالوا رسول الله أصدق فقال على لتخرجن الكتاب أو لتلقين الحوائج فأخرجته من بين قرون رأسها فلما قرئ على النبي صلى الله عليه وسلم قال ما هذا يا حاطب فقال يا رسول الله والله ما شككت في الاسلام ولكني ملصق في قريس فأردت عندهم يدا يحفظوني بها في مخلف أهلى وولدى فقال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فانى قد غفرت لكم وخرج صلى الله عليه وسلم لعشر خلون من رمضان من السنة الثامنة في عشرة آلاف فيهم من سليم ألف رجل وقيل سبعمائة ومن مزينة ألف ومن غفار أربعمائة ومن أسلم أربعمائة وطوائف من قريش واسد وتميم وغيرهم من سائر القبائل جموع وكتائب الله من المهاجرين والانصار واستخلف أبارهم الغفاري على المدينة ولقيه العباس بذى الحليفة وقيل بالجحفة مهاجرا فبعث رحله إلى المدينة وانصرف معه غازيا ولقيه بنيق العقاب أبو سفيان بن الحرث وعبد الله بن أبى أمية مهاجرين واستأذنا فلم يؤذن لهما وكلمته أم سلمة فأذن لهما وأسلما فسار

[ 43 ]

حتى نزل مر الظهران وقد طوى الله أخباره عن قريش الا انهم يتوجسون الخيفة وخشى العباس تلاف قريش ان فاجأهم الجيش قبل ان يستأمنوا فركب بغلة النبي صلى الله عليه وسلم وذهب يتحسس وقد خرج أبو سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم ابن حزام يتحسسون الخبر وبينما العباس قد اتى الاراك ليلقى من السابلة من ينذر أهل مكة ذسمع صوت أبى سفيان وبديل وقد أبصرا نيران العساكر فيقول بديل نيران بنى خزاعة فيقول أبو سفيان خزاعة اذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها فقال العباس هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس والله ان ظفر بك ليقتلنك واصباح قريش فارتدف خلفي ونهض به إلى المعسكر ومر بعمر فخرج يشتد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد فسبقه العباس على البغلة ودخل على أثره فقال يا رسول الله هذا عدو الله أبو سفيان أمكن الله منه بلا عهد فدعني أضرب عنقه فقال العباس قد اجرته فزأره عمر فقال العباس لو كان من بنى عدى ما قلت هذا ولكنه من عبد مناف فقال عمر والله لاسلامك كان أحب إلى من اسلام الخطاب لانى أعرف انه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس يحمله إلى رحله ويأتيه به صباحا فلما اتى به قال له صلى الله عليه وسلم ألم يأن لك أن تعلم ان لا اله الا الله فقال بأبى انت وامى ما احلمك واكرمك واوصلك والله لقد علمت لو كان معه اله غيره أغنى عنا فقال ويحك ألم يأن لك ان تعلم انى رسول الله قال بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك اما هذه ففى النفس منها شئ فقال له العباس ويحك أسلم قبل أن يضرب عنقك فأسلم فقال العباس يا رسول الله ان أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا قال نعم من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ثم أمر العباس أن يوقف أبا سفيان بخطم الوادي ليرى جنود الله ففعل ذلك ومرت به القبائل قبيلة قبيلة إلى ان جاء مركب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والانصار عليهم الدروع البيض فقال من هؤلاء فقال العباس هذا رسول الله في المهاجرين والانصار فقال لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما فقال يا أبا سفيان انها النبوة فقال هي إذا فقال له العباس النجاء إلى قومك فأتى مكة وأخبرهم بما أحاط بهم وبقول النبي صلى الله عليه وسلم من أتى المسجد أو دار أبى سفيان أو اغلق بابه ورتب الجيش واعطى سعد بن عبادة الراية فذهب يقول اليوم يوم الملحمه * اليوم تستحل الحرمه * وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر عليا ان يأخذ الراية منه ويقال أمر الزبير وكان على الميمنة خالد بن الوليد وفيها اسلم وغفار ومزينة وجهينة وعلى الميسرة الزبير وعلى المقدمة أبو

[ 44 ]

عبيدة بن الجراح وسرب رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيوش من ذى طوى وامرهم بالدخول إلى مكة الزبير من اعلاها وخالد من أسفلها وان يقاتلوا من تعرض لهم وكان عكرمة بن أبى جهل وصفوان بن امية وسهيل بن عمرو قد جمعوا للقتال فناوشتهم أصحاب خالد القتال واستشهد من المسلمين كرز بن جابر من بنى محارب وخنيس بن خالد من خزاعة وسلمة بن جهينة وانهزم المشركون وقتل منهم ثلاثة عشر وأمن النبي صلى الله عليه وسلم سائر الناس وكان الفتح لعشر بقين من رمضان واهدر دم جماعة من المشركين سماهم يومئذ منهم عبد العزى بن خطل من بنى تيم الادرم ابن غالب كان قد اسلم وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا ومعه رجل من المشركين فقتله وارتد ولحق بمكة وتعلق يوم الفتح باستار الكعبة فقتله سعد بن حريث المخزومى وابو برزة الاسلمي (ومنهم) عبد الله بن سعد بن أبى سرح كان يكتب للنبى صلى الله عليه وسلم ثم ارتد ولحق بمكة ونميت عنه اقوال فاختفى يوم الفتح وأتى به عثمان بن عفان وهو اخوه من الرضاعة فاستأمن له فسكت عليه السلام ساعة ثم امنه فلما خرج قالا لاصحابه هلا ضربتم عنقه فقال له بعض الانصار هلا أومأت إلى فقال ما كان لنبى ان تكون له خائنة الاعين ولم يظهر بعد اسلامه الا خير وصلاح واستعمله عمر وعثمان (ومنهم) الحويرث بن نفيل 3 من بنى عبد قصى كان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقتله على بن أبى طالب يوم الفتح (ومنهم) مقيس بن صبابة كان هاجر في غزوة الخندق ثم عدا على رجل من الانصار كان قتل أخاه قبل ذلك غلطا ووداه فقتله وفر إلى مكة مرتدا فقتله يوم الفتح نميلة بن عبد الله الليثى وهو ابن عمه (ومنهم) قينتا ابن خطل كانتا تغنيان بهجو النبي صلى الله عليه وسلم فقتلت احداهما واستؤمن للاخرى فأمنها (ومنهم) مولاة لبنى عبد المطلب اسمها سارة واستؤمن لها فأمنها رسول الله صلى الله عليه وسلم واستجار رجلان من بنى مخزوم بأم هانئ بنت أبى طالب يقال انهما الحرث بن هشام وزهير بن أبى أمية اخو أم سلمة فأمنتهما وامضى رسول الله صلى الله عليه وسلم امانها فأسلما ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وطاف بالكعبة وأخذ المفتاح من عثمان بن طلحة بعد ان مانعت دونه ام عثمان ثم اسلمته فدخل الكعبة ومعه اسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة وابقى له حجابة البيت فهى في ولد شيبة إلى اليوم وامر بكسر الصور داخل الكعبة وخارجها وبكسر الاصنام حواليها ومر عليها وهى مشدودة بالرصاص يشير إليها بقضيب في يده وهو يقول جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا فما بقى منهم صنم الا خر على وجهه وأمر بلالا فأذن على ظهر الكعبة ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بباب الكعبة ثانى يوم الفتح وخطب خطبته المعروفة

[ 45 ]

ووضع مآثر الجاهلية الا سدانة البيت وسقاية الحاج وأخبر ان مكة لم تحل لاحد قبله ولا بعده وانما أحلت له ساعة من نهار ثم عادت كحرمتها بالامس ثم قال لا اله الا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ألا ان كل مأثورة أو دم أو مال يدعى في الجاهلية فهو تحت قدمى هاتين الا سدانة الكعبة وسقاية الحاج ألا وان قتل الخطا مثل العمد بالسوط والعصا فيهما الدية مغلظة منها اربعون في بطونها أولادها يا معشر قريش ان الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم خلق من تراب ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى إلى خبير يا معشر قريش ويا أهل مكة ما ترون انى فاعل فيكم قالوا خيرا أخ كريم ثم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء وأعتقهم على الاسلام وجلس لهم فيما قيل على الصفا فبايعوه على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا ولما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء أمر عمر بن الخطاب أن يبايعهن واستغفر لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه كان لا يمس امرأة حلالا ولا حراما وهرب صفوان بن أمية إلى اليمن واتبعه عمير بن وهب من قومه بأمان النبي صلى الله عليه وسلم له فرجع وأنظره أربعة أشهر وهرب ابن الزبير الشاعر إلى نجران ورجع فأسلم وهرب هبيرة بن أبى وهب المخزومى زوج ام هانئ إلى اليمن فمات هنا لك كافرا ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم السرايا حول مكة ولم يأمرهم بقتال وفى جملتهم خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة فقتل منهم واخذ ذلك عليه وبعث إليهم عليا بمال فودى لهم قتلاهم ورد عليهم ما أخذ لهم ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدا إلى العزى بيت بنخلة كانت مضر من قريش تعظمه وكنانة وغيرهم وسدنته بنو شيبان من بنى سليم حلفاء بنى هاشم فهدمه ثم ان الانصار توقفوا إلى أن يقيم صلى الله عليه وسلم داره بعد ان فتحها فأغمهم ذلك وخرجوا له فخطبهم صلى الله عليه وسلم وأخبرهم ان المحيا محياهم والممات مماتهم فسكتوا لذلك واطمأنوا * (غزوة حنين) * وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ليلة وهو يقصر الصلاة فبلغه ان هوازن وثقيف جمعوا له وهم عامدون إلى مكة وقد نزلوا حنينا وكانوا حين سمعوا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يظنون انه انما يريدهم فاجتمعت هوازن إلى مالك ابن عوف من بنى نضير وقد أوعب معه بنى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن وبنى جشم بن معاوية وبنى سعد بن بكر وناسا من بنى هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية والاحلاف وبنى مالك بن ثقيف بن بكر ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب وفى جشم دريد بن

[ 46 ]

الصمة بن بكر بن علقمة بن خزاعة بن أزية بن جشم رئيسهم وسيدهم شيخ كبير ليس فيه الا ليؤتم برأيه ومعرفته وفى ثقيف سيدان ليس لهم في الاحلاف الا قارب بن الاسود ابن مسعود بن معتب وفى بنى مالك ذو الخمار سبيع بن الحرث بن مالك وأخوه أحمر وجميع أمر الناس إلى مالك بن عوف فلما أتاهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة اقبلوا عامدين إليه وأسار مالك مع الناس اموالهم ونساءهم وابناءهم يرى انه أثبت لموقفهم فنزلوا باوطاس فقال دريد بن الصمة لمالك ما لى أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير ويعار الشاء وبكاء الصغير فقال أموال الناس وابناءهم سقنا معهم ليقاتلوا عنها فقال راعى ضان والله وهل يرد المنهزم شئ ان كانت لك لم ينفعك الا رجل بسلاحه وان كانت عليه فضحت في أهلك ومالك ثم سال عن كعب وكلاب وأسف لغيابهم وأنكر على مالك رأيه ذلك وقال لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا ارفعهم إلى ممتنع بلادهم ثم ألق الصبيان على متون الخيل فان كانت لك لحق بك من وراءك وان كانت لغيرك كنت قد أحرزت أهلك ومالك و أبى عليه مالك واتبعه هوازن ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبى حدرد الاسلمي يستعلم خبر القوم فجاءه وأطلعه على جلية الخبر وأنهم قاصدون إليه فاستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية مائة درع وقيل أربعمائة وخرج في اثنى عشر ألفا من المسلمين عشرة آلاف الذين صحبوه من المدينة والفان من مسلمة الفتح واستعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية ومضى لوجهه وفى جملة من اتبعه عباس بن مرداس والضحاك بن سفيان الكلابي وجموع من عبس وذبيان ومزينة وبنى أسد ومر في طريقه بشجرة سدر خضراء وكان لهم في الجاهلية مثلها يطوف بها الاعراب ويعظمونها ويسمونها ذات انواط فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات انواط كما لهم ذات انواط فقال لهم قلتم كما قال قوم موسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة والذى نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم واجرم من ذلك ثم نهض حتى أتى وادى حنين من أودية تهامة أول يوم من شوال من السنة الثامنة وهو وادى حزن فتوسطوه في غبش الصبح وقد كنت هوازن في جانبيه فحملوا على المسلمين حملة رجل واحد فولى المسلمون لا يلوى احد على أحد وناداهم صلى الله عليه وسلم فلم يرجعوا وثبت معه أبو بكر وعمر وعلى والعباس وأبو سفيان بن الحرث وابنه جعفر والفضل وقثم ابنا العباس وجماعة سواهم والنبى صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء دلدل والعباس آخذ بشكائمها وكان جهير الصوت فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينادى بالانصار وأصحاب الشجرة قيل وبالمهاجرين فلما سمعوا الصوت وذهبوا ليرجعوا فصدهم ازدحام الناس

[ 47 ]

عن أن يثنوا رواحلهم فاستقاموا وتناولوا سيوفهم وتراسهم واقتحموا عن الرواحل راجعين إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد اجتمع منهم حواليه نحو المائة فاستقبلوا هوازن والناس متلاحقون واشتدت الحرب وحمى الوطيس وقذف الله في قلوب هوازن الرعب حين وصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يملكوا أنفسهم فولوا منهزمين ولحق آخر الناس واسري هوازن مغلولة بين يديه وغنم المسلمون عيالهم وأموالهم واستحر القتل في بنى مالك من ثقيف فقتل منهم يومئذ سبعون رجلا في جملتهم ذو الخمار وأخوه عثمان ابنا عبد الله بن ربيعة بن الحرث بن حبيب سيداهم واما قارب بن الاسود سيد الاحلاف من ثقيف ففر بقومه منذ أول الامر وترك رايته فلم يقتل منهم أحد ولحق بعضهم بنخلة وهرب مالك بن عوف النصرى مع جماعة من قومه فدخلوا الطائف مع ثقيف وانحازت طوائف هوازن إلى اوطاس واتبعتهم طائفة من خيل المسلمين الذين توجهوا من نخلة فأدركوا فيهم دريد بن الصمة فقتلوه يقال قتله ربيعة بن رفيع بن اهبان بن ثعلبة بن يربوع بن سماك بن عوف بن امرئ القيس وبعث صلى الله عليه وسلم إلى من اجتمع بأوطاس من هوازن أبا عامر الاشعري عم أبى موسى فقاتلهم وقتل بسهم رماه به سلمة بن دريد بن الصمة فاخذ أبو موسى الراية وشد على قاتل عمه فقتله وانهزم المشركون واستحر القتل في بنى رباب من بنى نصر بن معاوية وانفضت جموع أهل هوازن كلها واستشهد من المسلمين يوم الخميس أربعة منهم ايمن بن أم أيمن أخو اسامة لامه ويزيد بن زمعة بن الاسود وسراقة بن الحرث من بنى العجلان وأبو عامر الاشعري * (حصار الطائف) * ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا والاموال فحبست بالجعرانة بنظر مسعود بن عمرو الغفاري وسار من فوره إلى الطائف فحاصر بها ثقيف خمس عشرة ليلة وقاتلوا من وراء الحصون وأسلم من كان حولهم من الناس وجاءت وفودهم إليه وقد كان مر في طريقه بحصن مالك بن عوف النصرى فأمر بهدمه ونزل على اطم لبعض ثقيف فتمنع فيه صاحبه فأمر بهدمه فأخرب وتحصنت ثقيف وقد كان عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة من ساداتهم ذهبا إلى جرش يتعلمان صنعة المجانيق والدبابات للحصار لما أحسوا من قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم اياهم فلم يشهدا الحصار ولا حنينا قبله وحاصرهم المسلمون بضع عشرة أو بضعا وعشرين ليلة واستشهد بعضهم بالنبل ورماهم صلى الله عليه وسلم بالمنجنيق ودخل نفر من المسلمين تحت دبابة ودنوا إلى سور الطائف فصبوا عليهم سكك الحديد المحماة ورموهم بالنبل فأصابوا منهم

[ 48 ]

قوما وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع اعنابهم ورغب إليه ابن الاسود بن مسعود في ماله وكان بعيدا من الطائف وكف عنه ثم دخل إلى الطائف وتركهم ونزل أبو بكرة فأسلم واستشهد من المسلمين في حصاره سعيد بن سعيد بن العاصى وعبد الله ابن أبى أمية بن المغيرة اخو أم سلمة وعبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي حليف بنى عدى في آخرين قريبا من اثنى عشر فيهم أربعة من الانصار ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة وأتاه هناك وفد هوازن مسلمين راغبين فخيرهم بين العيال والابناء والاموال فاختاروا العيال والابناء وكلموا المسلمين في ذلك بامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم وقال المهاجرون والانصار ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم وامتنع الاقرع بن حابس وعيينة بن حصن ان يردا عليهم ما وقع لهما من الفئ وساعدهم قومهم وامتنع العباس بن مرداس كذلك وخالف بنو سليم وقالوا ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعوض رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم تطب نفسه عن نصيبه ورد عليهم نساءهم وابناءهم بأجمعهم وكان عدد سبى هوازن ستة آلاف بين ذكر وانثى فيهن الشيما أخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وهى بنت الحرث بن عبد العزى من بنى سعد بن بكر من هوازن وأكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسن إليها وخيرها فاختارت قومها فردها إليهم وقسم الاموال بين المسلمين ثم أعطى من نصيبه من خمس الخمس قوما يستألفهم على الاسلام من قريش وغيرهم فمنهم من أعطاه مائة مائة ومنهم خمسين خمسين ومنهم ما بين ذلك ويسمون المؤلفة وهم مذكورون في كتب السير يقاربون الاربعين (منهم) أبو سفيان وابنه معاوية وحكيم بن حزام وصفوان بن أمية ومالك بن عوف وغيرهم (ومنهم) عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر والاقرع بن حابس وهما من اصحاب المائة واعطى عباس بن مرداس دونهما فانشده أبياته المعروفة يتسخط فيها فقال اقطعوا عنى لسانه فأتموا إليه المائة ولما أعطى المؤلفة قلوبهم وجد الانصار في أنفسهم إذ لم يعطهم مثل ذلك وتكلم شبانهم مع ما كانوا يظنون انه إذا فتح الله عليه بلده يرجع إلى قومه ويتركهم فجمعهم ووعظهم وذكرهم وقال انما أعطى قوما حديثى عهد بالاسلام أتألفهم عليه أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاء والبعير وتنصرفوا برسول الله إلى رحالكم لولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار ولو سلك الانصار شعبا وسلك الناس شعبا لسلكت شعب الانصار فرضوا وافترقوا ثم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة إلى مكة ثم رجع إلى المدينة فدخلها لست بقين من ذى القعدة من السنة الثامنة لشهرين ونصف من خروجه واستعمل على

[ 49 ]

مكة عتاب بن أسيد شابا ينيف عمره على عشرين وكان غلبه الورع والزهد فأقام الحج بالمسلمين في سنته وهو أول أمير أقام حج الاسلام وحج المشركون على مشاعرهم (وخلف) بمكة معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القران (وبعث) بن عمرو العاصى إلى جيفر وعبد ابني الجلندى من الازد بعمان مصدقا فأطاعوا له بذلك واستعمل صلى الله عليه وسلم مالك بن عوف على من أسلم من قومه ومن سلم منهم وماله حوالى الطائف من ثقيف وأمره بمغادرة الطائف من التضييق عليهم ففعل حتى جاؤا مسلمين كما يذكر بعد وحسن اسلام المؤلفة قلوبهم ممن اسلم يوم الفتح أو بعده وان كانوا متفاوتين في ذلك (ووفد) على النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن زهير فاهدر دمه وضاقت به الارض وجاء فاسلم وأنشد النبي صلى الله عليه وسلم قصيدته المعروفة بمدحه التى أولها * بانت سعاد فقلبي اليوم متبول الخ وأعطاه بردة في ثواب مدحه فاشتراها معاوية وورثته بعد موته وصار الخلفاء يتوارثونها شعارا (ووفد) في سنة تسع على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بنو أسد فأسلموا وكان منهم ضرار بن الازور وقالوا قدمنا يا رسول الله قبل أن يرسل الينا فنزلت يمنون عليك أن أسلموا الآية ووفد فيها وفدتين في شهر ربيع الاول ونزلوا على رويفع بن ثابت البلوى وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد منصرفه من الطائف في ذى الحجة إلى شهر رجب من السنة التاسعة (ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم) وكان في غزواته كثيرا ما يورى بغير الجهة التى يقصدها على طريقة الحرب الا ما كان من هذه الغزاة لعسرها بشدة الحرب وبعد البلاد وفصل الفواكه وقلة الظلال وكثرة العدو الذين يصدون وتجهز الناس على ما في أنفسهم من استثقال ذلك وطفق المنافقون يثبطونهم عن الغزو وكان نفر منهم يجتمعون في بيت بعض اليهود فامر طلحة بن عبيد الله أن يخرب عليهم البيت فخربها واستأذن ابن قيس من بنى سلمة في القعود فأذن له واعرض عنه وتدرب كثير من المسلمين بالانفاق والحملان وكان من أعظمهم في ذلك عثمان بن عفان يقال انه انفق فيها ألف دينار وحمل على تسعمائة بعير ومائة فرس وجهز ركابا وجاء بعض المسلمين يستحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجد ما يحملهم عليه فنزلوا باكين لذلك وحمل بعضهم يامين بن عمير النضرى وهما أبو ليلى بن كعب من بنى مازن بن النجار وعبد الله بن المغفل المزني واعتذر المخلفون من الاعراب فعذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نهض وخلف على المدينة محمد بن مسلمة وقيل بل سباع بن عرفطة وقيل بل على بن أبى طالب وخرج معه عبد الله بن أبى ابن سلول في عدد وعدة فلما سار صلى الله عليه وسلم تخلف هو فيمن تخلف من المنافقين ومر صلى الله عليه وسلم على ديار ثمود فأمر ان لا يستعمل ماؤها

[ 50 ]

ويعلف ما عجن منه للابل واذن لهم في بئر الناقة وأمر ان لا يدخلوا عليهم بيوتهم الا باكين ونهى أن يخرج أحد منفردا عن صاحبه فخرج رجلان من بنى ساعدة خنق أحدهما فمسح عليه فشفى والآخر رمته الريح في جبل طى فردوه بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وضل صلى الله عليه وسلم ناقته في بعض الطريق فقال أحد المنافقين محمد يدعى علم خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال والله لا أعلم الا ما علمني الله وان الناقة بموضع كذا وكان قد أوحى إليه بها فوجدوها ثم (وكان) قائل هذا القول زيد بن اللصيت من بنى قينقاع وقيل انه تاب بعد ذلك وفضح الوحى قوما من المنافقين كان يخذلون الناس ويهولون عليهم أمر الروم فتاب منهم مخشى بن جهير ودعا أن يكفر عنه بشهادة يخفى مكانه فقتل يوم اليمامة (ولما) انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحينة بن رؤبة صاحب ايلة وأهل جرباء وأذرح فصالحوا على الجزية وكتب لكل كتابا (وبعث) صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى اكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا وأخبر أنه يجده يصيد البقر واتفق ان بقر الوحش باتت تهد القصر بقرونها فنشط أكيدر لصيدها وخرج ليلا فوافق وصوله خالدا فأخذه وبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنه وصالحه على الجزية ورده وأقام بتبوك عشرين ليلة ثم انصرف وكان في طريقه ماء قليل نهى أن يسبق إليه أحد فسبق رجلان واستنفذا ما فيه فنكر عليهما ذلك ثم وضع يده تحت وشله فصب ما شاء الله أن يصب ونضح به الوشل ودعا فجاش الماء حتى كفى العسكر (و لما) قرب المدينة بساعة من نهار أنفذ مالك بن الدخشم من بنى سالم ومعن بن عدى من بنى العجلان إلى مسجد الضرار فأحرقاه وهدماه وقد كان جماعة من المنافقين بنوه وأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فسألوه الصلاة فيه فقال انا على سفر ولو قدمنا أتيناكم فصلينا لكم فيه فلما رجع أمر بهدمه (وفى هذه الغزاة) تخلف كعب بن مالك من بنى سلمة ومرارة بن الربيع من بنى عمرو بن عوف وهلال بن أمية بن واقف وكانوا صالحين فنهى صلى الله عليه وسلم عن كلامهم خمسين يوما ثم نزلت توبتهم وكان المتخلفون من غير عذر نيفا وثلاثين رجلا وكان وصوله صلى الله عليه وسلم من تبوك في رمضان سنة تسع (وفيه) كانت وفادة ثقيف واسلامهم ونزل الكثير من سورة براءة في شأن المنافقين وما قالوه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها صلى الله عليه وسلم * (اسلام عروة بن مسعود ثم وفد ثقيف وهدم اللات) * كان صلى الله عليه وسلم لما أفرج عن الطائف وارتحل المدينة اتبعه عروة بن مسعود

[ 51 ]

سيدهم فأدركه في طريقه وأسلم ورجع يدعو قومه فرمى بسهم في سطح بيته وهو يؤذن للصلاة فمات ومنع قومه من الطلب بدمه وقال هي شهادة ساقها الله إلى واوصى ان يدفن مع شهداء المسلمين ثم قدم ابنه أبو المليح وقارب بن الاسود بن مسعود فأسلما وضيق مالك بن عوف على ثقيف واستباح سرحهم وقطع سابلتهم وبلغهم رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك وعلموا ان لا طاقة لهم بحرب العرب وفزعوا إلى عبد ياليل بن عمرو بن عمير فشرط عليهم أن يبعثوا معه رجالا منهم ليحضروا مشهده خشية على نفسه مما نزل بعروة فبعثوا معه رجلين من احلاف قومه وثلاثا من بنى مالك فخرج بهم عبد يا ليل وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من السنة التاسعة يريدون البيعة والاسلام فضرب لهم قبة في المسجد وكان خالد بن سعيد بن العاصى يمشى في أمرهم وهو الذى كتب كتابهم بخطه وكانوا لا يأكلون طعاما يأتيهم حتى يأكل منه خالد وسألوه أن يدع لهم اللات ثلاث سنين رغبا لنسائهم وابنائهم حتى يأنسوا فابى وسألوه أن يعفيهم من الصلاة فقال لا خير في دين لا صلاة فيه فسألوه أن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم فقال اما هذه فسنكفيكم منها فأسلموا وكتب لهم وأمر عليهم عثمان بن أبى العاصى اصغرهم سنا لانه كان حريصا على الفقه وتعلم القرآن ثم رجعوا إلى بلادهم وخرج معه أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم اللات وتأخر أبو سفيان حتى دخل المغيرة فتناولها بيده ليهدمها وقام بنو معتب دونه خشية عليه ثم جاء أبو سفيان وجمع ما كان لها من الحلى وقضى منه دين عروة والاسود ابني مسعود كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقسم الباقي * (الوفود) * ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك وأسلمت ثقيف ضربت إليه وفود العرب من كل وجه حتى لقد سميت سنة الوفود (قال ابن اسحق) وانما كانت العرب تتربص بالاسلام أمر هذا الحى من قريش وأمر النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ان قريشا كانوا امام الناس وهاديهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد اسمعيل وقادتهم لا ينكرون لهم وكانت قريش هي التى نصبت لحربه وخلافه فلما استفتحت مكة ودانت قريش ودخلها الاسلام عرفت العرب انهم لا طاقة لهم بحربه وعداوته فدخلوا في دينه أفواجا يضربون إليه من كل وجه انتهى (فأول) من قدم إليه بعد تبوك وفد بنى تميم وفيه من رؤسهم عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس من بنى دارم بن مالك والحتات بن زيد والاقرع بن حابس والزبرقان بن بدر من بنى سعد وقيس بن عاصم وعمرو بن الاهتم وهما من بنى منقر ونعيم بن زيد ومعهم عيينة بن حصن

[ 52 ]

الفزارى وقد كان الاقرع وعيينة شهدا فتح مكة وخيبر وحصار الطائف ثم جاآ مع وفد بنى تميم فلما دخلوا المسجد ونادوا من وراء الحجرات فنزلت الآيات في انكار ذلك عليهم ولما خرج قالوا جئنا نفاخرك بخطيبنا وشاعرنا فأذن لهم فخطب عطارد وفاخر ويقال والاقرع بن حابس ثم أنشد الزبرقان بن بدر شعرا بالمفاخرة ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن الشماس من بنى الحرث بن الخزرج فخطب وحسان بن ثابت فأنشد مساجلين لهم فاذعنوا للخطبة والشعر والسؤدد والحلم وقالوا هذا الرجل هو مؤيد من الله خطيبه أخطب من خطيبنا وشاعره أشعر من شاعرنا وأصواتهم أعلى من أصواتنا ثم اسلموا واحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم جوائزهم وهذا كان شأنه مع الوفود ينزلهم إذا قدموا ويجهزهم إذا رحلوا (ثم قدم) على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر رمضان مقدمه من تبوك كتاب ملوك حمير مع رسولهم ومع الحرث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين وهمدان ومعافر (وبعث زرعة) ابن ذى يزن رسوله مالك بن مرة الرهاوى باسلامهم ومفارقة الشرك وأهله وكتب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم كتابه (وبعث إلى ذى يزن) معاذ بن جبل مع رسوله مالك ابن مرة يجمع الصدقات واوصاهم برسله معاذ واصحابه ثم مات عبد الله بن أبى ابن سلول في ذى القعدة ونعى رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي وانه مات في رجب قبل تبوك (وقدم) وفد بهرا في ثلاثة عشر رجلا ونزلوا على المقداد بن عمرو وجاء بهم فأسلموا وأجازهم وانصرفوا (وقدم) وفد بنى البكاء ثلاثة نفر منهم (وقدم) وفد بنى فزارة بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن وابن أخيه الحر بن قيس فأسلموا (ووفد) عدى بن حاتم من طى فأسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث قبل تبوك إلى بلاد طى على بن ابى طالب في سرية فأغار عليهم واصيب حاتم وسبيت ابنته وغنم سيفين في بيت اصنامهم كانتا من قربان الحرث بن ابى شمر وكان عدى قد هرب قبل ذلك ولحق ببلاد قضاعة بالشام فرارا من جيوش المسلمين وجوارا لاهل دينه من النصارى واقام بينهم ولما سيقت ابنة حاتم جعلت في الحظيرة بباب المسجد التى كانت السبايا تحبس بها ومر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته ان يمن عليها فقال قد فعلت ولا تعجلى حتى تجدى ذائقة من قومك يبلغك إلى بلادك ثم اذنينى قالت فأقمت حتى قدم ركب من بنى قضاعة وأنا اريد ان آتى اخى بالشام فعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكساني وحملنى وزودني وخرجت معهم فقدمت الشام فلما لقيها عدى تلاوما ساعة ثم قال لها ماذا ترين في أمرى مع هذا الرجل فأشارت عليه باللحاق به فوفد وأكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخله إلى بيته وأجلسه على وسادته بعد ان استوقفته في طريقه

[ 53 ]

امرأة فوقف لها فعلم عدى انه ليس بملك وانه نبى ثم أخبره عن أخذه المرباع من قومه ولا يحل له فازداد استبصارا فيه ثم قال لعله انما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم فيوشك ان يفيض المال فيهم حتى لا يوجد من يأخذه أو لعله يمنعك ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فو الله ليوشكن ان تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف أو لعلك انما يمنعك من الدخول فيه انك ترى الملك والسلطان لغيرهم فيوشك ان تسمع بالقصور البيض من بابل قد فتحت فأسلم عدى وانصرف إلى قومه ثم أنزل الله على نبيه الاربعين آية من أول براءة في نبذ هذا العهد الذى بينه وبين المشركين ان لا يصدوا عن البيت ونهوا ان يقرب المسجد الحرام مشرك بعد ذلك وان لا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فيتم له إلى مدته وأجلهم أربعة اشهر من يوم النحر فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآيات أبا بكر وأمره على اقامة الحج بالموسم من هذه السنة فبلغ ذا الحليفة فأتبعه بعلى فأخذها منه فرجع أبو بكر مشفقا ان يكون نزل فيه قرآن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل شئ ولكن لا يبلغ عنى غيرى أو رجل منى فسار أبو بكر على الحج وعلى على الاذان ببراءة فحج أبو بكر بالناس وهم على حج الجاهلية وقام على عند العقبة يوم الاضحى فأذن بالآية التى جاء بها (قال) الطبري وفى هذه السنة فرضت الصدقات لقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها الآية (وفيها) قدم وفد ثعلبة بن سعد ووفد سعد هذيم من قضاعة قال الطبري (وفيها) بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا فاستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جاء به من الاسلام وذكر التوحيد والصلاة والزكوة والصيام والحج واحدة واحدة حتى إذا فرغ تشهد واسلم وقال لاودى هذه الفرائض وأجتنب ما نهيت عنه ثم لا أزيد عليها ولا انقص فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم ان صدق دخل الجنة ثم قدم على قومه فأسلموا كلهم يوم قدومه (و الذى عليه الجمهور) ان قدوم ضمام وقصته كانت سنة خمس (ثم دخلت) سنة عشر فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في ربيع أو جمادى في سرية اربعمائة إلى نجران وما حولها يدعو بنى الحرث بن كعب إلى الاسلام ويقاتلهم ان لم يفعلوا فأسلموا واجابوا داعيته وبعث الرسل في كل وجه فأسلم الناس فكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه بأن يقدم مع وفدهم فاقبل خالد ومعه وفد بنى الحرث بن كعب منهم قيس بن الحصين ذو القصة ويزيد بن عبد المدان ويزيد بن المحجل وعبد الله بن قراد الزيادي وشداد بن عبد الله الضبابى وعمرو بن عبد الله الضبابى فأكرمهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم بم كنتم تغلبون

[ 54 ]

من يقاتلكم في الجاهلية قالوا كنا نجتمع ولا نفترق ولا نبدأ أحدا بظلم قال صدقتم فأسلموا وأمر عليهم قيس بن الحصين ورجعوا صدر ذى القعدة من سنة عشر ثم أتبعهم عمرو بن حزم من بنى النجار ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة وكتب إليه كتابا عهد إليه فيه عهده وأمره بأمره وأقام عاملا على نجران وهذا الكتاب وقع في السير مرويا واعتمده الفقهاء في الاستدلالات وفيه مآخذ كثيرة للاحكام الفقهية ونصه بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله ورسوله يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عهدا من محمد النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن آمره بتقوى الله في أمره كله فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وآمره ان ياخذ بالحق كما أمره الله وان يبشر الناس بالخير ويأمرهم به ويعلم الناس القرآن ويفهمهم فيه وأن ينهى الناس فلا يمس القرآن انسان الا وهو طاهر وان يخبر الناس بالذى لهم والذى عليهم ويلين للناس في الحق ويشتد عليهم في الظلم فان الله حرم الظلم ونهى عنه فقال ألا لعنة الله على الظالمين وأن يبشر الناس بالجنة وبعملها وينذر الناس النار وعملها ويستألف الناس حتى يتفقهوا في الدين ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه وما أمر الله به والحج الاكبر والحج الاصغر وهو العمرة وينهى الناس أن يصلى أحد في ثوب واحد صغير الا أن يكون واسعا يثنى طرفيه على عاتقيه وينهى ان يحتبى أحد في ثوب واحد ويفضى بفرجه إلى السماء وينهى أن يقص أحد شعر رأسه إذا عفا في قفاه وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له فمن لم يدع إلى الله ودعا القبائل والعشائر فليعطفوه بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له ويأمر الناس باسباغ الوضوء في وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين وان يمسحوا برؤوسهم كما أمرهم الله وآمره بالصلاة لوقتها واتمام الركوع والسجود وأن يغلس بالصبح ويهجر بالهاجرة حتى تميل الشمس وصلاة العصر والشمس في الارض مدبرة والمغرب حين يقبل الليل لا يؤخر حتى تبدو نجوم السماء والعشاء أول الليل وآمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودى لها والغسل عند الرواح إليها وآمره أن يأخذ من الغنائم خمس الله وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين أو سقت السماء وعلى ما سقى الغرب نصف العشر وفى كل عشر من الابل شاتان وفى كل عشرين اربع شياه وفى كل أربعين من البقر بقرة وفى كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة فانها فريضة الله التى افترض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو خير له وانه من أسلم من يهودى أو نصراني اسلاما خالصا من

[ 55 ]

نفسه ودان بدين الاسلام فانه من المؤمنين له مثل ما لهم وعليه ما عليهم ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فانه لا يرد عنها وعليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه ثيابا فمن أدى ذلك فان له ذمة الله وذمة رسوله ومن منع ذلك فانه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمته وبركاته (وقدم وفد غسان) في رمضان من هذه السنة العاشرة في ثلاثة نفر فاسلموا وانصرفوا إلى قومهم فلم يجيبوا إلى الاسلام فكتموا أمرهم وهلك اثنان منهم ولقى الثالث أبو عبيدة عامر باليرموك فأخبره باسلامه (وقدم عليه) وفد عامر عشرة نفر فأسلموا وتعلموا شرائع الاسلام واقرأهم أبى القرآن وانصرفوا (وقدم) في شوال وفد سلامان سبعة نفر رئيسهم حبيب فاسلموا وتعلموا الفرائض وانصرفوا (وفيها) قدم وفد أزدجرش وفد فيهم صرد بن عبد الله الازدي في عشرة من قومه ونزلوا على فروة بن عمرو وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلموا صردا على من أسلم منهم وأن يجاهد المشركين حوله فحاصر جرش ومن بها من خثعم وقبائل اليمن وكانت مدينة حصينة اجتمع إليها أهل اليمن حين سمعوا بزحف المسلمين فحاصرهم شهرا ثم قفل عنهم فظنوا انه انهزم فاتبعوه إلى جبل شكر فصف وحمل عليهم ونال منهم وكانوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رائدين وأخبرهما ذلك اليوم بواقعة شكر وقال ان بدن الله لتنحر عنده الآن فرجعا إلى قومهما واخبراهم بذلك وأسلموا وحمى لهم حمى حول قريتهم (وفيها) كان اسلام همدان ووفادتهم على يد على رضى الله عنه وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ب