الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تاريخ ابن خلدون ق2 - ابن خلدون ج 2

تاريخ ابن خلدون ق2

ابن خلدون ج 2


[ 1 ]

بقية الجزء الثاني من تاريخ ابن خلدون م

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم [ أمر النبوة والهجرة في هذه الطبقة الثالثة وما كان من اجتماع العرب على الاسلام بعد الا باية والحرب ] لما استقر أمر قريش بمكة على ما استقر وافترقت قبائل مضر في أدنى مدن الشام والعراق وما دونهما من الحجاز فكانوا ظعونا واحياء وكان جميعهم بمسغبة وفى جهد من العيش بحرب بلادهم وحرب فارس والروم على تلول العراق والشام وأربابهما ينزلون حاميتهم بثغورها ويجهزون كتائبهم بتخومها ويولون على العرب من رجالاتهم وبيوت العصائب منهم من يسومهم القهر ويحملهم على الانقياد حتى يؤتوا جباية السلطان الاعظم وإتاوة ملك العرب ويؤدوا ما عليهم من الدماء والطوائل من يسترهن أبناءهم على السلم وكف العادية ومن انتجاع الارباب وميرة الاقوات والعساكر من وراء ذلك توقع بمن منع الخراج وتستأصل من يروم الفساد وكان أمر مضر راجعا في ذلك إلى ملوك كندة بنى حجر آكل المرار منذ ولاه عليهم تبع حسان كما ذكرناه ولم يكن في العرب ملك الا في آل المنذر بالحيرة للفرس وفى آل جهينة بالشأم للروم وفى بنى حجر هؤلاء على مضر والحجاز وكانت قبائل مضر مع ذلك بل وسائر العرب أهل بغى والحاد وقطع للارحام وتنافس في الردى واعراض عن ذكر الله فكانت عبادتهم الاوثان والحجارة وأكلهم العقارب والخنافس والحيات

[ 3 ]

والجعلان وأشرف طعامهم أوبار الابل إذا أمروها في الحرارة في الدم وأعظم عزهم وفادة على آل المنذر وآل جهينة وبنى جعفر ونجعة من ملوكهم وانما كان تنافسهم المؤودة والسائبة والوصيلة والحامي فلما تأذن الله بظهورهم واشرأبت إلى الشرف هوادى ايامهم وتم أمر الله في اعلاء امرهم وهبت ريح دولتهم وملة الله فيهم تبدت تباشير الصباح من أمرهم وأونس الخير والرشد في خلالهم وأبدل الله بالطيب الخبيث من احوالهم وشرهم واستبدلوا بالذل عزا وبالمآثم متابا وبالشر خيرا ثم بالضلالة هدى وبالمسغبة شبعا وريا وايالة وملكا وإذا أراد الله أمرا يسر أسبابه فكان لهم من العز والظهور قبل المبعث ما كان وأوقع بنو شيبان وسائر بكر بن وائل وعبس بن غطفان بطيئ وهم يومئذ ولاة العرب بالحيرة وأميرها منهم قبيصة بن اياس ومعه الباهوت صاحب مسلحة كسرى فأوقعوا بهم الوقعة المشهورة بذى قار والتحمت عساكر الفرس وأخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالمدينة ليومها وقال اليوم انتصفت العرب من العجم وبى نصروا ووفد حاجب بن زرارة من بنى تميم على كسرى في طلب الانتجاع والمبرة بقومه في اباب العراق فطلب الاساورة منه الرهن على عادتهم فاعطاهم قوسه واستكبر عن استرهان ولده توقعوا منه عجزا عما سواها وانتقلت خلال الخير من العجم ورجالات فارس فصارت اغلب في العرب حتى كان الواحد منهم همه بخلافه وشرفه وغلب الشر والسفسفة على أهل دول العجم وانظر فيما كتب به عمر إلى أبى عبيد بن المثنى حين وجهه إلى حرب فارس انك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والحيرة تقدم على أقوام قد جرؤا على الشر فعلموه وتناسوا الخير فجهلوه فانظر كيف تكون اه‍ وتنافست العرب في الخلال وتنازعوا في المجد والشرف حسبما هو مذكور في ايامهم وأخبارهم وكان حظ قريش من ذلك أوفر على نسبة حظهم من مبعثه وعلى ما كانوا ينتحلونه من هدى آبائهم وانظر ما وقع في حلف الفضول حيث اجتمع بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة وبنو تميم فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس الا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته وسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول (وفى الصحيح) عن طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب ان لى به حمر النعم ولو دعى به في الاسلام لاجبت ثم القى الله في قلوبهم التماس الدين وانكار ما عليه قومهم من عبادة الاوثان حتى لقد اجتمع ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وعثمان بن الحويرث بن أسد وزيد بن عمرو بن نفيل من بنى عدى بن كعب عم عمر بن الخطاب وعبيد الله بن جحش من بنى أسد بن خزيمة وتلاوموا في عبادة الاحجار والاوثان

[ 4 ]

وتواصوا بالنفر في البلدان بالتماس الحنيفية دين ابراهيم نبيهم فاما ورقة فاستحكم في النصرانية وابتغى من أهلها الكتب حتى علم من أهل الكتاب وأما عبيد الله بن جحش فاقام على ما هو عليه حتى جاء الاسلام فأسلم وهاجر إلى الحبشة فتنصر وهلك نصرانيا وكان يمر بالمهاجرين بأرض الحبشة فيقول فقحنا وصأصأتم أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر مثل ما يقال في الجر وإذا فتح عينيه فقح وإذا أراد ولم يقدر صأصأ واما عثمان ابن الحويرث فقدم على ملك الروم قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده وأما زيد بن عمرو فما هم ان يدخل في دين ولا اتبع كتابا واعتزل الاوثان والذبائح والميتة والدم ونهى عن قتل المؤودة وقال اعبد رب ابراهيم وصرح بعيب آلهتهم وكان يقول اللهم لو انى أعلم أي الوجوه أحب اليك لعبدتك ولكن لا اعلم ثم يسجد على راحته وقال ابنه سعيد وابن عمه عمر بن الخطاب يا رسول الله استغفر الله لزيد بن عمرو قال نعم انه يبعث أمة واحدة ثم تحدث الكهان والحزاة قبل النبوة وانها كائنة في العرب وان ملكهم سيظهر وتحدث أهل الكتاب من اليهود والنصارى بما في التوراة والانجيل من بعث محمد وامته وظهرت كرامة الله بقريش ومكة في أصحاب الفيل ارهاصا بين يدى مبعثه ثم ذهب ملك الحبشة من اليمن على يد ابن ذى يزن من بقية التبابعة ووفد عليه عبد المطلب يهنيه عند استرجاعه ملك قومه من أيدى الحبشة فبشره ابن ذى يزن بظهور نبى من العرب وأنه من ولده في قصة معروفة وتحين الامر لنفسه كثير من رؤساء العرب يظنه فيه ونفروا إلى الرهبان والاحبار من أهل الكتاب يسألونهم ببلدتهم علم ذلك مثل أمية بن أبى الصلت الشقى وما وقع له في سفره إلى الشام مع أبى سفيان بن حرب وسؤاله الرهبان ومفاوضته ابا سفيان فيما وقف عليه من ذلك يظن ان الامر له أو لاشراف قريش من بنى عبد مناف حتى تبين لهما خلاف ذلك في قصة معروفة (ثم رجمت) الشياطين عن استماع خبر السماء في أمره واصغى الكون لاستماع أنبائه * (المولد الكريم وبدء الوحى) * ثم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الاول لاربعين سنة من ملك كسرى أنو شروان وقيل لثمان وأربعين ولثمانمائة واثنتين وثمانين لذى القرنين وكان عبد الله أبوه غائبا بالشأم وانصرف فهلك بالمدينة وولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مهلكه بأشهر قلائل وقيل غير ذلك وكفله جده عبد المطلب بن هاشم وكفالة الله من ورائه والتمس له الرضعاء واسترضع في بنى سعد من بنى هوازن ثم في بنى نصر بن سعد ارضعته منهم حليمة بنت ابى ذؤيب عبد الله ابن الحرث بن شحنة بن رزاح بن ناضرة بن خصفة بن قيس وكان ظئره منهم الحارث

[ 5 ]

ابن عبد العزى وقد مر ذكرهما في بنى عامر بن صعصعة وكان أهله يتوسمون فيه علامات الخير والكرامات من الله ولما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شق الملكين بطنه واستخراج العلقة السوداء من قلبه وغسلهم حشاه وقلبه بالثلج ما كان وذلك لرابعة من مولده وهو خلف البيوت يرعى الغنم فرجع إلى البيت منتقع اللون وظهرت حليمة على شأنه فخافت أن يكون أصابه شئ من اللمم فرجعته إلى أمه واسترابت آمنة برجعها اياه بعد حرصها على كفالته فأخبرتها الخبر فقالت كلا والله لست أخشى عليه وذكرت من دلائل كرامة الله له وبه كثيرا وأزارته أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف ابن زهرة أخوال جده عبد المطلب من بنى عدى بن النجار بالمدينة وكانوا اخوالا لها أيضا وهلك عبد المطلب لثمان سنين من ولادته وعهد به إلى ابنه أبى طالب فأحسن ولايته وكفالته وكان شأنه في رضاعه وشبابه ومرباه عجبا وتولى حفظه وكلاءته من مفارقة أحوال الجاهلية وعصمته من التلبس بشئ منها حتى لقد ثبت أنه مر بعرس مع شباب قريش فلما دخل على القوم أصابه غشى النوم فما آفاق حتى طلعت الشمس وافترقوا ووقع له ذلك أكثر من مرة وحمل الحجارة مع عمه العباس لبنيان الكعبة وهما صبيان فأشار عليه العباس بحملها في ازاره فوضعه على عاتقه وحمل الحجارة فيه وانكشف فلما حملها على عاتقه سقط مغشيا عليه ثم عاد فسقط فاشتمل ازاره وحمل الحجارة كما كان يحملها وكانت بركاته تظهر بقومه وأهل بيته ورضعائه في شؤنهم كلها وحمله عمه أبو طالب إلى الشأم وهو ابن ثلاث عشرة وقيل ابن سبع عشرة فمروا ببحيرا الراهب عند بصرى فعاين الغمامة تظله والشجر تسجد له فدعا القوم وأخبرهم بنبوته وبكثير من شأنه في قصة مشهورة ثم خرج ثانية إلى الشأم تاجرا بمال خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى مع غلامها ميسرة ومروا بنسطور الراهب فرآى ملكين يظلانه من الشمس فأخبر ميسرة بشأنه فأخبر بذلك خديجة فعرضت نفسها عليه وجاء أبو طالب فخطبها إلى أبيها فزوجه وحضر الملا من قريش وقام أبو طالب خطيبا فقال الحمد لله الذى جعلنا من ذرية ابراهيم وزرع اسمعيل وضئضى معد وعنصر مضر وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا امناء بيته وسواس حرمه وجعلنا الحكام على الناس وان ابن أخى محمد بن عبد الله من قد علمتم قرابته وهو لا يوزن بأحد الا رجح به فان كان في المال قل فان المال ظل زائل وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من مالى كذا وكذا وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن خمس وعشرين سنة وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة وشهد بنيان الكعبة لخمس وثلاثين من مولده حين أجمع كل قريش على هدمها وبنائها ولما انتهوا

[ 6 ]

إلى الحجر تنازعوا أيهم يضعه وتداعوا للقتال وتحالف بنو عبد الدار على الموت ثم اجتمعوا وتشاوروا وقال أبو أمية حكموا أول داخل من باب المسجد فتراضوا على ذلك ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هذا الامين وبذلك كانوا يسمونه فتراضوا به وحكموه فبسط ثوبا ووضع فيه الحجر وأعطى قريشا أطراف الثوب فرفعوه حتى أدنوه من مكانه ووضعه عليه السلام بيده وكانوا أربعة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس والاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى وأبو حذيفة بن المغيرة بن عمر بن مخزوم وقيس بن عدى السهمى ثم استمر على أكمل الزكاء والطهارة في أخلاقه وكان يعرف بالامين وظهرت كرامة الله فيه وكان إذا أبعد في الخلاء لا يمر بحجر ولا شجر الا ويسلم عليه * (بدء الوحى) * ثم بدئ بالرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح ثم تحدث الناس بشأن ظهوره ونبوته ثم حببت إليه العبادة والخلوة بها فكان يتزود للانفراد حتى جاء الوحى بحراء لاربعين سنة من مولده وقيل لثلاث وأربعين وهى حالة يغيب فيها عن جلسائه وهو كائن معهم فأحيانا يتمثل له الملك رجلا فيكلمه ويعى قوله وأحيانا يلقى عليه القول ويصيبه أحوال الغيبة عن الحاضرين من الغط والعرق وتصببه كما ورد في الصحيح من أخباره قال وهو أشد على فيفصم عنى وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمني فأعى ما يقول فأصابته تلك الحالة بغار حرا وألقى عليه اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذى علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم وأخبر بذلك كما وقع في الصحيح وآمنت به خديجة وصدقته وحفظت عليه الشأن ثم خوطب بالصلاة وأراه جبريل طهرها ثم صلى به وأراه سائر افعالها ثم كان شأن الاسراء من مكة إلى بيت المقدس من الارض إلى السماء السابعة والى سدرة المنتهى وأوحى إليه ما أوحى ثم آمن به على ابن عمه أبى طالب وكان في كفالته من أزمة أصابت قريشا وكفل العباس جعفرا أخاه فجعفر اسن عيال أبى طالب فأدركه الاسلام وهو في كفالته فآمن وكان يصلى معه في الشعاب مختفيا من أبيه حتى إذا ظهر عليهما أبو طالب دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا أستطيع فراق دينى ودين آبائى ولكن لا ينهض اليك شئ تكره ما بقيت وقال لعلى الزمه فانه لا يدعو الا لخير فكان أول من أسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى ثم أبو بكر وعلى بن أبى طالب كما ذكرنا وزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال بن حمامة مولى أبى بكر ثم عمر بن عنبسة السلمى وخالد بن سعيد بن العاصى بن أمية ثم أسلم بعد ذلك قوم من قريش اختارهم الله لصحابته من سائر قومهم وشهد

[ 7 ]

لكثير منهم بالجنة وكان أبو بكر محببا سهلا وكانت رجالات قريش تألفه فأسلم على يديه من بنى أمية عثمان بن عفان بن أبى العاصى بن أمية ومن عشيرة بنى عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو ومن بنى زهرة بن قصى سعد بن أبى وقاص واسمه مالك بن وهب بن عبد مناف بن زهرة وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحرث بن زهرة ومن بنى أسد بن عبد العزى الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد وهو ابن صفية عمة النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم من بنى الحرث بن فهر أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحرث ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة ابن كعب أبو سلمة عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ومن بنى جمح بن عمرو ابن هصيص بن كعب عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح واخواه قدامة ومن بنى عدى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد الله بن قرط بن رياح بن عدى وزوجته فاطمة أخت عمر بن الخطاب بن نفيل وأبوه زيد هو الذى رفض الاوثان في الجاهلية ودان بالتوحيد وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه يبعث يوم القيامة أمة وحده ثم أسلم عمير أخو سعد بن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود رضى الله عنه ابن غافل بن حبيب بن شمخ ابن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحرث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة حليف بنى زهرة كان يرعى غنم عقبة بن ابى معيط وكان سبب اسلامه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلب من غنمه شاة حائلا فدرت ثم أسلم جعفر بن أبى طالب بن عبد المطلب وامرأته أسماء بنت عميس بن النعمان ابن كعب بن ملك بن قحافة الخثعمي والسائب بن عثمان بن مظعون وأبو حذيفة بن عتبة ابن ربيعة بن عبد شمس واسمه مهشم وعامر بن فهيرة أزدى وفهيرة أمه مولاة أبى بكر وافد بن عبد الله بن عبد مناف تميمي من حلفاء بنى عدى وعمار ابن ياسر عنسى بن مذحج مولى أبى مخزوم وصهيب بن سنان من بنى النمر بن قاسط حليف بنى جدعان ودخل الناس في الدين أرسالا وفشا الاسلام وهم ينتحلون به ويذهبون إلى الشعاب فيصلون (ثم أمر) رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بأمره ويدعو إلى دينه بعد ثلاث سنين من مبدأ الوحى فصعد على الصفا ونادى يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقال لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني قالوا بلى قال فانى نذير لكم بين يدى عذاب شديد ثم نزل قوله وأنذر عشيرتك الاقربين وتردد إليه الوحى بالنذارة فجمع بنى عبد المطلب وهم يومئذ أربعون على طعام صنعه لهم على ابن أبى طالب بأمره ودعاهم إلى الاسلام ورغبهم وحذرهم وسمعوا كلامه وافترقوا (ثم) ان قريشا حين صدع وسب الآلهة وعابها نكروا ذلك منه ونابذوه واجمعوا على عداوته فقام أبو طالب دونه محاميا ومانعا ومشت إليه رجال قريش

[ 8 ]

يدعونه إلى النصفة عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وأبو البخترى (3) بن هشام بن الحرث بن أسد بن عبد العزى والاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وأبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة ابن أخى الوليد والعاصي بن وائل بن هشام بن سعد بن سهم ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن على بن حذيفة بن سعد بن سهم والاسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة فكلموا أبا طالب وعادوه فردهم ردا جميلا ثم عادوا إليه فسألوه النصفة فدعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته بمحضرهم وعرضوا عليه قولهم فتلا عليهم القرآن وأيأسهم من نفسه وقال لابي طالب يا عماه لا أترك هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك فيه واستعبر وظن ان أبا طالب بدا له في أمره فرق له أبو طالب وقال يا ابن أخى قل ما أحببت فوالله لا أسلمك أبدا * (هجرة الحبشة) * ثم افترق أمر قريش وتعاهد بنو هاشم وبنو المطلب مع أبى طالب على القيام دون النبي صلى الله عليه وسلم ووثب كل قبيلة على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم واشتد عليهم العذاب فامرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى أرض الحبشة فرارا بدينهم وكان قريش يتعاهدونها بالتجارة فيحمدونها فخرج عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة مراغما لابيه وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو بن عامر بن لؤى والزبير بن العوام ومصعب بن عمير بن عبد شمس وابو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى العامري من بنى عامر بن لؤى وسهيل ابن بيضاء من بنى الحرث بن فهر وعبد الله بن مسعود وعامر بن ربيعة العنزي حليف بنى عدى وهو من عنز بن وائل ليس من عنزة وامرأته ليلى بنت أبى خيثمة فهؤلاء الاحد عشر رجلا كانوا أول من هاجر إلى أرض الحبشة وتتابع المسلمون من بعد ذلك ولحق بهم جعفر بن أبى طالب وغيره من المسلمين وخرجت قريش في آثار الاولين إلى البحر فلم يدركوهم وقدموا إلى أرض الحبشة فكانوا بها وتتابع المسلمون في اللحاق بهم يقال ان المهاجرين إلى أرض الحبشة بلغوا ثلاثة وثمانين رجلا فلما رأت قريش النبي صلى الله عليه وسلم قد امتنع بعمه وعشيرته وانهم لا يسلمونه طفقوا يرمونه عند الناس ممن يفد على مكة بالسحر والكهانة والجنون والشعر يرومون بذلك صدهم عن الدخول في دينه ثم انتدب جماعة منهم لمجاهرته صلى الله عليه وسلم بالعداوة والاذاية منهم عمه أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب أحد المستهزئين وابن عمه أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وعقبة بن أبى معيط أحد المستهزئين وأبو سفيان من المستهزئين والحكم بن أبى العاصى بن أمية من المستهزئين أيضا والنضر بن

[ 9 ]

الحرث من بنى عبد الدار والاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى من المستهزئين وابنه زمعة وأبو البخترى العاصى بن هشام والاسود بن عبد يغوث وأبو جهل بن هشام وأخوه العاصى وعمهما الوليد وابن عمهم قيس بن الفاكه بن المغيرة وزهير بن أبى أمية بن المغيرة والعاصي بن وائل السهمى وابنا عمه نبيه ومنبه وأمية وأبى ابنا خلف ابن جمح وأقاموا يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتعرضون له بالاستهزاء والاذاية حتى لقد كان بعضهم ينال منه بيده وبلغ عمه حمزة يوما ان أبا جهل بن هشام تعرض له يوما بمثل ذلك وكان قوى الشكيمة فلم ينشب ان جاء إلى المسجد وأبو جهل في نادى قريش حتى وقف على رأسه وضربه وشجه وقال له تشتم محمدا وأنا على دينه وثار رجال بنى مخزوم إليه فصدهم أبو جهل وقال دعوه فانى سببت ابن أخيه سبا قبيحا ومضى حمزة على اسلامه وعلمت قريش ان جانب المسلمين قد اعتز بحمزة فكفوا بعض الشر بمكانه فيهم ثم اجتمعوا وبعثوا عمرو بن العاصى وعبد الله بن أبى ربيعة إلى النجاشي ليسلم إليهم من هاجر إلى أرضه من المسلمين فنكر النجاشي رسالتهما وردهما مقبوحين (ثم أسلم) عمر بن الخطاب وكان سبب اسلامه انه بلغه ان أخته فاطمة اسلمت مع زوجها سعيد ابن عمه زيد وان خباب بن الارت عندهما يعلمهما القرآن فجاء اليهما منكرا وضرب أخته فشجها فلما رأت الدم قالت قد أسلمنا وتابعنا محمدا فافعل ما بدا لك وخرج إليه خباب من بعض زوايا البيت فذكره ووعظه وحضرته الانابة فقال له اقرأ على من هذا القرآن فقرأ سورة طه وأدركته الخشية فقال له كيف تصنعون إذا اردتم الاسلام فقالوا له وأروه الطهور ثم سأل على مكان النبي صلى الله عليه وسلم فدل عليه فطرقهم في مكانهم وخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال مالك يا ابن الخطاب فقال يا رسول الله جئت مسلما ثم تشهد شهادة الحق ودعاهم إلى الصلاة عند الكعبة فخرجوا وصلوا هنا لك واعتز المسلمون باسلامه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه اللهم أعز الاسلام بأحد العمرين يعنيه أو أبا جهل ولما رأت قريش فشو الاسلام وظهوره أهمهم ذلك فاجتمعوا وتعاقدوا على بنى هاشم وبنى المطلب ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم وكتبوا بذلك صحيفة وضعوها في الكعبة وانحاز بنو هاشم وبنو المطلب كلهم كافرهم ومؤمنهم فصاروا في شعب أبى طالب محصورين متجنبين حاشا أبى لهب فانه كان مع قريش على قومهم فبقوا كذلك ثلاث سنين لا يصل إليهم شئ ممن أراد صلتهم إلا سرا ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل على شأنه من الدعاء إلى الله والوحى عليه متتابع إلى أن قام في نقض الصحيفة رجال من قريش كان أحسنهم في ذلك أثرا هشام بن عمرو بن الحرث من بنى حسل بن عامر بن

[ 10 ]

لؤى لقى زهير بن أبى أمية بن المغيرة وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فعيره باسلامه أخواله إلى ما هم فيه فأجاب إلى نقض الصحيفة ثم مضى إلى مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف وذكر رحم هاشم والمطلب ثم إلى أبى البخترى (3) بن هشام وزمعة بن الاسود فأجابوا كلهم وقاموا في نقض الصحيفة وقد بلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصحيفة أكلت الارضة كتابتها كلها حاشا أسماء الله فقاموا بأجمعهم فوجدوها كما قال فخزوا ونقض حكمها ثم أجمع أبو بكر الهجرة وخرج لذلك فلقيه ابن الدغنة فرده ثم اتصل بالمهاجرين في أرض الحبشة خبر كاذب بأن قريشا قد أسلموا فرجع إلى مكة قوم منهم عثمان بن عفان وزوجته وأبو حذيفة وامرأته وعبد الله بن عتبة بن غزوان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف ومصعب بن عمير وأخوه والمقداد بن عمرو وعبد الله بن مسعود وأبو سلمة بن عبد الاسد وامرأته أم المؤمنين وسلمة بن هشام بن المعيرة وعمار بن ياسر وبنو مظعون عبد الله وقدامة وعثمان وابنه السائب وخنيس ابن حذافة وهشام بن العاصى وعامر بن ربيعة وامرأته وعبد الله بن مخرمة من بنى عامر بن لؤى وعبد الله بن سهل بن السكران بن عمرو وسعد بن خولة وأبو عبيدة بن الجراح وسهيل بن بيضاء وعمرو بن أبى سرح فوجدوا المسلمين بمكة على ما كانوا عليه مع قريش من الصبر على أذاهم ودخلوا إلى مكة بعضهم مختفيا وبعضهم بالجوار فأقاموا إلى أن كانت الهجرة إلى المدينة بعد أن مات بعضهم بمكة ثم هلك أبو طالب وخديجة وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين فعظمت المصيبة وأقدم عليه سفهاء قريش بالاذاية والاستهزاء والقاء القاذورة في مصلاه فخرج إلى الطائف يدعوهم إلى الاسلام والنصرة والمعونة وجلس إلى عبد يا ليل بن عمر بن عمير وأخويه مسعود وحبيب وهم يومئذ سادات ثقيف واشرافهم وكلمهم فأساؤا الرد ويئس منهم فأوصاهم بالكتمان فلم يقبلوا واغروا به سفاءهم فاتبعوه حتى الجاؤه إلى حائط عتبة وشيبة ابني ربيعة فأوى إلى ظله حتى اطمأن ثم رفع طرفه إلى السماء يدعو اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتى وهوانى على الناس أنت أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين أنت ربى إلى من تكلني إلى بغيض يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمرى ان لم يكن بك على غضب فلا أبالى ولكن عافيتك أوسع لى أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بى غضبك أو يحل على سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة الا بك (ولما) انصرف من الطائف إلى مكة بات بنخلة وقام يصلى من جوف الليل فمر به نفر من الجن وسمعوا القرآن ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة في جوار المطعم ابن عدى بعد أن عرض ذلك على غيره من رؤساء قريش فاعتذروا بما قبله منهم ثم قدم

[ 11 ]

عليه الطفيل بن عمرو الدوسى فأسلم ودعا قومه فأسلم بعضهم ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له علامة للهداية فجعل في وجهه نورا ثم دعا له فنقله إلى سوطه وكان يعرف بذى النور قال ابن حزم ثم كان الاسراء إلى بيت المقدس ثم إلى السموات ولقى من لقى من الانبياء ورآى جنة المأوى وسدرة المنتهى في السماء السادسة وفرضت الصلاة في تلك الليلة (وعند الطبري) الاسراء وفرض الصلاة كان أول الوحى ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على وفود العرب في الموسم يأتيهم في منازلهم ليعرض عليهم الاسلام ويدعوهم إلى نصره ويتلو عليهم القرآن وقريش مع ذلك يتعرضونهم بالمقابح ان قبلوا منه وأكثرهم في ذلك أبو لهب وكان من الذين عرض عليهم في الموسم بنو عامر بن صعصعة من مضر وبنو شيبان وبنو حنيفة من ربيعة وكندة من قحطان وكلب من قضاعة وغيرهم من قبائل العرب فكان منهم من يحسن الاستماع والعذر ومنهم من يعرض ويصرح بالاذاية ومنهم من يشترط الملك الذى ليس هو من سبيله فيرد صلى الله عليه وسلم الامر إلى الله ولم يكن فيهم أقبح ردا من بنى حنيفة وقد ذخر الله الخير في ذلك كله للانصار فقدم سويد بن الصامت أخو بنى عمرو ابن عوف بن الاوس فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فلم يبعد ولم يجب وانصرف إلى المدينة فقتل في بعض حروبهم وذلك قبل بعاث ثم قدم بمكة أبو الحيسر أنس ابن رافع في فتية من قومه من بنى عبد الاشهل يطلبون الحلف فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فقال اياس بن معاذ منهم وكان شابا حدثا هذا والله خير مما جئنا له فانتهره أبو الحيسر فسكت ثم انصرفوا إلى بلادهم ولم يتم لهم الحلف ومات اياس فيقال انه مات سلما ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لقى عند العقبة في الموسم ستة نفر من الخزرج وهم أبو امامة اسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النجار وعوف بن الحرث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم وهو ابن عفراء ورافع ابن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زيد بن مالك بن غضبة بن جشم بن الخزرج وطبقة بن عامر بن حيدرة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن على بن أسد ابن مراد بن يزيد بن جشم وعقبة بن عامر بن نابى بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة وجابر بن عبد الله بن رئاب بن نعمان بن سلمة بن عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام وكان من صنع الله لهم أن اليهود جيرانهم كانوا يقولون ان نبيا يبعث وقد أظل زمانه فقال بعضهم لبعض هذا والله النبي الذى تحدثكم به اليهود فلا يسبقونا إليه فآمنوا وأسلموا وقالوا انا قد قدمنا فيهم حروبا فننصرف وندعوهم إلى ما دعوتنا إليه فعسى الله أن يجمع كلمتهم بك فلا

[ 12 ]

يكون أحد اعز منك فانصرفوا إلى المدينة ودعوا إلى الاسلام حتى فشا فيهم ولم تبق دار من دور الانصار الا وفيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام القابل قدم مكة من الانصار اثنا عشر رجلا منهم خمسة من الستة الذى ذكرناهم ما عدا جابر بن عبد الله فانه لم يحضرها وسبعة من غيرهم وهم معاذ بن الحرث أخو عوف بن الحرث المذكور وقيل انه ابن عفراء وذكوان بن عبد قيس بن خالدة وخالد بن مخلد بن عامر بن زريق وعبادة بن الصامت بن قيس بن اصرم بن فهد بن ثعلبة بن صرمة بن اصرم بن عمرو ابن عبادة بن عصيبة من بنى حبيب والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف هؤلاء عشرة من الخزرج ومن الاوس أبو الهيثم مالك بن التيهان وهو من بنى عبد الاشهل بن جشم بن الحرث بن الخزرج بن عمر ابن مالك بن اوس وعويم بن ساعدة من بنى عمرو بن عوف بن مالك من الاوس بن حارثة فبايع هؤلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة على بيعة النساء وذلك قبل أن يفرض الحرب على الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يفتروا الكذب فلما حان انصرافهم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير يدعوهم إلى الاسلام ويعلم من أسلم منهم القران والشرائع فنزل بالمدينة على أسعد بن زرارة وكان مصعب يؤمهم وأسلم على يديه خلق كثير من الانصار وكان سعد بن معاذ وأسعد بن زرارة ابنا الخالة فجاء سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير إلى اسعد بن زرارة وكان جارا لبنى عبد الاشهل فانكروا عليه فهداهما الله إلى الاسلام وأسلم باسلامهما جميع بنى عبد الاشهل في يوم واحد الرجال والنساء ولم تبق دار من دور الانصار الا وفيها المسلمون رجال ونساء حاشا بنى أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف بطون من الاوس وكانوا في عوالي المدينة فأسلم منهم قوم سيدهم أبو قيس صيفي بن الاسلت الشاعر فوقف بهم عن الاسلام حتى كان الخندق فأسلموا كلهم * (العقبة الثانية) * ثم رجع مصعب المذكور ابن عمير إلى مكة وخرج معه إلى الموسم جماعة ممن أسلم من الانصار للقاء النبي صلى الله عليه وسلم في جملة قوم منهم لم يسلموا بعد فوافوا مكة وواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق ووافوا ليلة ميعادهم إلى العقبة متسللين عن رحالهم سرا ممن حضر من كفار قومهم وحضر معهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر وأسلم تلك الليلة فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه ما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأزرهم وان يرحل إليهم هو وأصحابه

[ 13 ]

وحضر العباس بن عبد المطلب وكان على دين قومه بعد وانما توثق للنبى صلى الله عليه وسلم وكان للبراء بن معرور في تلك الليلة المقام المحمود في الاخلاص والتوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أول من بايع وكانت عدة الذين بايعوا تلك الليلة ثلاثا وسبعين رجلا وامرأتين واختار منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنى عشر نقيبا يكونون على قومهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس وقال لهم أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي فمن الخزرج من أهل العقبة الاولى أسعد بن زرارة ورافع بن مالك وعبادة بن الصامت ومن غيرهم سعد بن الربيع بن عمر بن أبى زهير بن مالك بن امرئ القيس ومالك بن مالك وثعلبة ابن كعب بن الخزرج وعبد الله بن رواحة بن امرئ القيس والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدى بن غنم بن كعب بن سلمة وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن لودان بن عبدود بن يزيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة وثلاثة من الاوس وهم أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن الاوس ورفاعة بن المنذر بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس وقد قدم أبو الهيثم بن التيهان مكان رفاعة هذا والله أعلم (ولما تمت هذه البيعة) أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى رحالهم فرجعوا ونمى الخبر إلى قريش فغدت الجلة منهم على الانصار في رحالهم فعاتبوهم فأنكروا ذلك وحلفوا لهم وقال لهم عبد الله بن أبى ابن سلول ما كان قومي ليتفقوا على مثل هذا وأنا لا أعلمه فانصرفوا عنه وتفرق الناس من منى وعلمت قريش صحة الخبر فخرجوا في طلبهم فأدركوا سعد بن عبادة فجاؤا به إلى مكة يضربونه ويجرونه بشعره حتى نادى بجبير بن مطعم والحرث بن أمية وكان يجيرهما ببلده فخلصاه مما كان فيه وقد كانت قريش قبل ذلك سمعوا صائحا يصيح ليلا على جبل أبى قبيس فان يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف مخالف - فقال أبو سفيان السعدان سعد بكر وسعد هذيم فلما كان في الليلة القابلة سمعوه يقول أيا سعد سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف - * اجيبا إلى داعى الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف - * فان ثواب الله للطالب الهدى * جنان من الفردوس ذات رفارف - فقال هما والله سعد بن عبادة وسعد بن معاذ (ولما فشا) الاسلام بالمدينة وطفق أهلها

[ 14 ]

يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تعاقدت على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم فأصابهم من ذلك جهد شديد ثم نزل قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فلما تمت بيعة الانصار على ما وصفناه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم اصحابه ممن هو بمكة بالهجرة إلى المدينة فخرجوا أرسالا وأول من خرج أبو سلمة بن عبد الاسد ونزل في قبا ثم هاجر عامر بن ربيعة حليف بنى عدى بامرأته ليلى بنت أبى خيثمة بن غانم ثم هاجر جميع بنى جحش من بنى أسد بن خزيمة ونزلوا بقبا ثم عكاشة بن محصن وجماعة من بنى اسد حلفاء بنى أمية كانت فيهم زينب بنت جحش أم المؤمنين واختاها حمنة وأم حبيبة ثم هاجر عمر بن الخطاب وعياش بن أبى ربيعة في عشرين راكبا فنزلوا في العوالي في بنى امية بن زيد وكان يصلى بهم سالم مولى أبى حذيفة وجاء أبو جهل ابن هشام فخادع عياش بن أبى ربيعة ورده إلى مكة فحبسوه حتى تخلص بعد حين ورجع وهاجر مع عمر أخوه زيد وسعيدا بن عمه زيد وصهره على بنته حفصة أم المؤمنين خنيس بن حذافة السهمى وجماعة من حلفاء بنى عدى نزلوا بقبا على رفاعة بن عبد المنذر من بنى عوف بن عمرو ثم هاجر طلحة بن عبيد الله فنزل هو وصهيب بن سنان على حبيب بن اساف في بنى الحرث بن الخزرج بالسلم وقيل بل نزل طلحة على اسعد بن زرارة ثم هاجر حمزة بن عبد المطلب ومعه زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحليفه أبو مرثد كناز بن حصن الغنوى فنزلوا في بنى عمرو بن عوف بقبا على كلثوم بن الهدم ونزل جماعة من بنى المطلب بن عبد مناف فيهم مسطح بن اثاثة ومعه خباب بن الارت مولى عتبة بن غزوان في بنى المسحلان بقبا ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع في بنى الحرث بن الخزرج ونزل الزبير بن العوام وأبو سبرة بن أبى رهم ابن عبد العزى على المنذر بن محمد بن عتبة بن احيحة الجلاح في دار بنى جحجبا ونزل مصعب ابن عمير على سعد بن معاذ في بنى عبد الاشهل ونزل أبو حذيفة بن عتبة ومولاه سالم وعتبة ابن غزوان المازنى على عباد بن بشر من بنى عبد الاشهل ولم يكن سالم عتيق إبى حذيفة وانما أعتقته امرأة من الاوس كانت زوجا لابي حذيفة اسمها نبيثة بنت معاذ فتبناه ونسب إليه ونزل عثمان بن عفان في بنى النجار على اوس أخى حسان بن ثابت ولم يبق أحد من المسلمين بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أبو بكر وعلى بن أبى طالب فانهما أقاما بأمره وكان صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يؤذن له في الهجرة * (الهجرة) * ولما علمت قريش ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صار له شيعة وأنصار من غيرهم وانه مجمع على اللحاق بهم وان إصحابه من المهاجرين سبقوه إليهم تشاوروا ما يصنعون في

[ 15 ]

أمره واجتمعت لذلك مشيختهم في دار الندوة عتبة وشيبة وأبو سفيان من بنى أمية وطعيمة بن عدى وجبير بن مطعم والحارث بن عامر من بنى نوفل والنضر بن الحارث من بنى عبد الدار وأبو جهل من بنى مخزوم ونبيه ومنبه ابنا الحجاج من بنى سهم وأمية بن خلف من بنى جمح ومعهم من لا يعد من قريش فتشاوروا في حبسه أو اخراجه عنهم ثم اتفقوا على أن يتخيروا من كل قبيلة منهم فتى شابا جلدا فيقتلونه جميعا فيتفرق دمه في القبائل ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب جميعهم واستعدوا لذلك من ليلتهم وجاء الوحى بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآى أرصدهم على باب منزله أمر على بن أبى طالب ان ينام على فراشه ويتوشح ببرده ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فطمس الله تعالى على ابصارهم ووضع على رؤسهم ترابا وأقاموا طول ليلهم فلما أصبحوا خرج إليهم على فعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نجا وتواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبى بكر الصديق واستأجر عبد الله بن اريقط الدولي من بنى بكر بن عبد منات ليدل بهما إلى المدينة وينكب عن الطريق العظمى وكان كافرا وحليفا للعاصي بن وائل لكنهما وثقا بامره وكان دليلا بالطرق وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خوخة في ظهر دار أبى بكر ليلا وأتيا الغار الذى في جبل ثور باسفل مكة فدخلا فيه وكان عبد الله بن أبى بكر يأتيهما بالاخبار وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر وراعى غنمه يريح غنمه عليهما ليلا ليأخذا حاجتهما من لبنها وأسماء بنت أبى بكر تأتيهما بالطعام وتقفى عامرا بالغنم اثر عبد الله ولما فقدته قريش اتبعوه ومعهم القاثف فقاف الاثر حتى وقف عند الغار وقال هنا انقطع الاثر وإذا بنسج العنكبوت على فم الغار فاطمأنوا إلى ذلك ورجعوا وجعلوا مائة ناقة لمن ردهما عليهم ثم اتاهما عبد الله بن اريقط بعد ثلاث براحلتهما فركبا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة واتتهما أسماء بسفرة لهما وشقت نطاقها وربطت السفرة فسميت ذات النطاقين وحمل أبو بكر جميع ماله نحو ستة آلاف درهم ومروا بسراقة بن مالك بن جعشم فاتبعهم ليردهم ولما رأوه دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت قوائم فرسه في الارض فنادى بالامان وان يقفوا له وطلب من النبي أن يكتب له كتابا فكتبه أبو بكر بأمره وسلك الدليل من أسفل مكة على الساحل أسفل من عسفان وامج واجاز قديدا إلى العرج ثم إلى قبا من عوالي المدينة ووردوها قريبا من الزوال يوم الاثنين لاثنتى عشرة خلت من ربيع الاول وخرج الانصار يتلقونه وقد كانوا ينتظرونه حتى إذا قلصت الظلال رجعوا إلى بيوتهم فتلقوه مع أبى بكر في ظل نخلة ونزل عليه السلام بقبا على سعد بن خيثمة وقيل على كلثوم بن الهدم ونزل أبو بكر بالسخ في بنى الحرث بن خزرج على خبيب بن اسد

[ 16 ]

وقيل على خارجة بن زيد ولحق بهم على رضى الله عنه من مكة بعد أن رد الودائع للناس التى كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزل معه بقبا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا لك أياما ثم نهض لما أمر الله وأدركته الجمعة في بنى سالم بن عوف فصلاها في المسجد هنا لك ورغب إليه رجال بنى سالم أن يقيم عندهم وتبادروا إلى خطام ناقته اغتناما لبركته فقال عليه السلام خلوا سبيلها فانها مأمورة ثم مشى والانصار حواليه إلى أن مر بدار بنى بياضة فتبادر إليه رجالهم يبتدرون خطام الناقة فقال دعوها فانها مأمورة ثم مر بدار بنى ساعدة فتلقاه رجال وفيهم سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ودعوه كذلك وقال لهم مثل ما قال للآخرين ثم إلى دار بنى حارثة بن الخزرج فتلقاه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة ثم مر ببنى عدى بن النجار اخوال عبد المطلب ففعلوا وقال لهم مثل ذلك إلى أن أتى دار بنى مالك بن النجار فبركت ناقته على باب مسجده اليوم وهو يومئذ لغلامين منهم في حجر معاذ بن عفراء اسمهما سهل وسهيل وفيه خرب ونخل وقبور للمشركين ومربد ثم بركت الناقة وبقى على ظهرها ولم ينزل فقامت ومشت غير بعيد ولم يثنها ثم التفتت خلفها ورجعت إلى مكانها الاول فبركت واستقرت ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وحمل أبو أيوب رحله إلى داره فنزل عليه وسأل عن المربد وأراد أن يتخذه مسجدا فاشتراه من بنى النجار بعد أن وهبوه اياه فأبى من قبوله ثم أمر بالقبور فنبشت وبالنخل فقطعت وبنى المسجد باللبن وجعل عضادتيه الحجارة وسواريه جذوع النخل وسقفه الجريد وعمل فيه المسلمون حسبة لله عزوجل ثم وادع اليهود وكتب بينه وبينهم كتاب صلح وموادعة شرط فيه لهم وعليهم ثم مات اسعد بن زرارة وكان نقيبا لبنى النجار فطلبوا اقامة نقيب مكانه فقال أنا نقيبكم ولم يخص بها منهم آخر دون آخر فكانت من مناقبهم ثم لما رجع عبد الله بن اريقط إلى مكة اخبر عبد الله بن أبى بكر بمكانه فخرج ومعه عائشة أخته وامها أم رومان ومعهم طلحة بن عبيد الله فقدموا المدينة وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بنت أبى بكر وبنى بها في منزل أبى بكر بالسنح وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع إلى بناته وزوجته سودة بنت زمعة فحملاهن إليه من مكة وبلغ الخبر بموت أبى احيحة والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل من مشيخة قريش ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار فآخى بين جعفر بن أبى طالب وهو بالحبشة ومعاذ بن جبل وبين أبى بكر الصديق وخارجة بن زيد وبين عمر بن الخطاب وعثمان بن مالك من بنى سالم وبين أبى عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وبين الزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك

[ 17 ]

وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت أخى حسان وبين سعيد بن زيد وأبى بن كعب وبين معصب بن عمير وابى أيوب وبين أبى حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر بن وقش من بنى عبد الاشهل وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان العنسى حليف بنى عبد الاشهل وقيل بل ثابت بن قيس ابن شماس وبين أبى ذر الغفاري والمنذر بن عمرو من بنى ساعدة وبين حاطب ابن أبى بلتعة حليف بنى أسد بن عبد العزى وعويم بن ساعدة من بنى عمرو بن عوف وبين سلمان الفارسى وأبى الدرداء وعمير بن بلتعة من بنى الحرث بن الخزرج (3) وبين بلال ابن حمامة وأبى رويحة الخثعمي (ثم) فرضت الزكاة ويقال وزيد في صلاة الحاضر ركعتين فصارت أربعا بعد ان كانت ركعتين سفرا وحضرا ثم أسلم عبد الله بن سلام وكفر جمهور اليهود وظهر قوم من الاوس والخزرج منافقون يظهرون الاسلام مراعاة لقومهم من الانصار ويصرون الكفر وكان رؤسهم من الخزرج عبد الله بن ابى ابن سلول والجد بن قيس ومن الاوس الحرث بن سهيل بن الصامت وعباد بن حنيف ومربع ابن قيظى وأخوه أوس من أهل مسجد الضرار وكان قوم من اليهود أيضا تعوذوا بالاسلام وهم يبطنون الكفر منهم سعد بن حنيس وزيد بن اللصيت ورافع بن خزيمة ورفاعة ابن زيد بن التابوت وكنانة بن خبورا (الابواء) ولما كان شهر صفر بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة خرج في مائتين من أصحابه يريد قريشا وبنى ضمرة واستعمل على المدينة سعد بن عبادة فبلغ ودان والابواء ولم يلقهم واعترضه مخشى بن عمرو سيد بنى ضمرة بن عبد منات بن كنانة وسأله موادعة قومه فعقد له ورجع إلى المدينة ولم يلق حربا وهى أول غزاة غزاها بنفسه ويسمى بالابواء وبودان المكانان اللذان انتهى اليهما وهما متقاربان بنحو ستة أميال وكان صاحب اللواء فيها حمزة بن عبد المطلب (بواط) ثم بلغه أن عير قريش نحو ألفين وخمسمائة فيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش ذاهبة إلى مكة فخرج في ربيع الاخر لاعتراضها واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون وقال الطبري سعد بن معاذ فانتهى إلى بواط ولم يلقهم ورجع إلى المدينة (العشيرة) ثم خرج في جمادى الاولى غازيا قريشا واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الاسد فسلك عن جانب من الطريق إلى أن لقى الطريق بصخيرات اليمام إلى العشيرة من بطن ينبع فأقام هنا لك بقية جمادى الاولى وليلة من جمادى الثانية ووادع بنى مدلج ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا (بدر الاولى) وأقام بعد العشيرة نحو عشر ليال ثم أغار كرز بن جابر الفهرى على سرح المدينة فخرج في طلبه حتى بلغ ناحية بدر وفاته كرز فرجع المدينة (البعوث) وفى هذه الغزوات كلها غزا بنفسه وبعث فيما بينها بعوثا نذكرها (فمنها) بعث حمزة بعد الابواء بعثه في ثلاثين راكبا من المهاجرين إلى سيف البحر فلقى أبا جهل

[ 18 ]

في ثلثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنى ولم يكن قتال (ومنها) بعث عبيدة بن الحرث بن المطلب في ستين راكبا وثمانين من المهاجرين فبلغ ثنية المرار ولقى بها جمعا عظيما من قريش كان عليهم عكرمة بن أبى جهل وقيل مكرز بن حفص ابن الاخيف ولم يكن بينهم قتال وكان مع الكفار يومئذ من المسلمين المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان خرجا مع الكفار ليجدا السبيل إلى اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم فهربا إلى المسلمين وجاآ معهم وكان بعث حمزة وعبيدة متقاربين واختلف أيهما كان قبل الا أنهما أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم (وقال) الطبري ان بعث حمزة كان قبل ودان في شوال لسبعة أشهر من الهجرة (ومنها) بعث سعد بن أبى وقاص في ثمانية رهط من المهاجرين يطلب كرز بن جابر حين أغار على سرح المدينة فبلغ المرار ورجع (ومنها) بعث عبد الله بن جحش مرجعه من بدر الاولى في شهر رجب بعثه بثمانية من المهاجرين وهم أبو حذيفة بن عتبة وعكاشة بن محصن بن أسد بن خزيمة وعتبة بن غزوان بن مازن بن منصور وسعد بن أبى وقاص وعامر بن ربيعة العنزي حليف بنى عدى وواقد بن عبد الله بن زيد مناة بن تميم وخالد بن البكير وسعد بن ليث وسهيل بن بيضا من فهر بن مالك وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ولا يكره أحدا من أصحابه (فلما) قرأ الكتاب بعد يومين وجد فيه أن تمضى حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف وترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم فأخبر أصحابه وقال حتى ننزل النخلة بين مكة والطائف ومن أحب الشهادة فلينهض ولا أستكره أحدا فمضوا كلهم وضل لسعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان في بعض الطريق بعير لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ونفر الباقون إلى نخلة فمرت بهم عير لقريش تحمل تجارة فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان بن عبد الله بن المغيرة واخوه نوفل والحكم بن كيسان مولاهم وذلك آخر يوم من رجب فتشاور المسلمون وتحرج بعضهم الشهر الحرام ثم اتفقوا واغتنموا الفرصة فيهم فرمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي فقتله وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت نوفل وقدموا بالعير والاسيرين وقد أخرجوا الخمس فعزلوه فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم فعلهم ذلك في الشهر الحرام فسقط في أيديهم ثم أنزل الله تعالى يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية إلى قوله حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا فسرى عنهم وقبض النبي صلى عليه وسلم الخمس وقسم الغنيمة وقبل الفداء في الاسيرين وأسلم الحكم بن كيسان منهما ورجع سعد وعتبة سالمين إلى المدينة وهذه أول غنيمة غنمت في الاسلام وأول غنيمة خمست في الاسلام وقتل عمرو بن الحضرمي هو الذى هيج وقعة بدر الثانية

[ 19 ]

(صرف القبلة) ثم صرفت القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة خطب بذلك على المنبر وسمعه بعض الانصار فقام فصلى ركعتين إلى الكعبة قاله ابن حزم وقيل على رأس ثمانية عشر شهرا وقيل ستة عشر ولم يقل غير ذلك (بدر الثانية) فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إلى رمضان من السنة الثانية ثم بلغه ان عير القريش فيها أموال عظيمة مقبلة من الشام إلى مكة معها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش عميدهم أبو سفيان ومعه عمرو بن العاصى ومخرمة بن نوفل فندب عليه السلام المسلمين إلى هذه العير وأمر من كان ظهره حاضرا بالخروج ولم يحتفل في الحشد لانه لم يظن قتالا واتصل خروجه بأبى سفيان فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى أهل مكة يستنفرهم لعيرهم فنفروا وارعبوا الا يسيرا منهم أبو لهب وخرج صلى الله عليه وسلم لثمان خلون من رمضان واستخلف على الصلاة عمرو بن أم مكتوم ورد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة ودفع اللواء إلى معصب بن عمير ودفع إلى على راية والى رجل من الانصار أخرى يقال كانتا سوداوين وكان مع أصحابه صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعون بعيرا يعتقبونها فقط وجعل على الساقة قيس بن أبى صعصعة من بنى النجار وراية الانصار يومئذ مع سعد بن معاذ فسلكوا نقب المدينة إلى ذى الحليفة ثم انتهوا إلى صخيرات يمام ثم إلى بئر الروحاء ثم رجعوا ذات اليمين عن الطريق إلى الصفراء (وبعث) عليه السلام قبلها بسبس بن عمرو الجهنى حليف بنى ساعدة وعدى بن أبى الزغباء الجهنى حليف بنى النجار إلى بدر يتجسسون أخبار أبى سفيان وغيره ثم تنكب عن الصفراء يمينا وخرج على وادى دقران فبلغه خروج قريش ونفيرهم فاستشار أصحابه فتكلم المهاجرون وأحسنوا وهو يريد ما يقوله الانصار وفهموا ذلك فتكلم سعد بن معاذ وكان فيما قال لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك فسر بنا يا رسول الله على بركة الله فسر بذلك وقال سيروا وأبشروا فان الله قد وعدني احدى الطائفتين ثم ارتحلوا من دقران إلى قريب من بدر وبعث عليا والزبير وسعدا في نفر يلتمسون الخبر فأصابوا غلامين لقريش فأتوا بهما وهو عليه السلام قائم يصلى وقالوا نحن سقاة قريش فكذبوهما كراهية في الخبر ورجاء أن يكونا من العير للغنيمة وقلة المؤنة فجعلوا يضربونهما فيقولان نحن من العير فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكر عليهم وقال للغلامين أخبرانى أين قريش فاخبراه أنهم وراء الكثيب وانهم ينحرون يوما عشرا من الابل ويوما تسعا فقال عليه السلام القوم بين التسعمائة والالف وقد كان بسبس وعدى الجهنيان مضيا يتجسسان ولا خبر حتى نزلا وأناخا قرب الماء واستقيا في شن لهما ومجدى بن عمرو من جهينة بقربهما فسمع عدى جارية

[ 20 ]

من جواري الحى تقول لصاحبتها العير تأتى غدا أو بعد غد وأعمل لهم وأقضيك الذى لك وجاءت إلى مجدي بن عمرو فصدقها فرجع بسبس وعدى بالخبر وجاء أبو سفيان بعدهما يتجسس الخبر فقال لمجدي هل أحسست أحدا فقال راكبين أناخا يميلان لهذا التل فاستقيا الماء ونهضا فأتى أبو سفيان مناخهما وفتت من أبعار رواحلهما فقال هذه والله علائف يثرب فرجع سريعا وقد حذر وتنكب بالعير إلى طريق الساحل فنجا واوصى إلى قريش بانا قد نجونا بالعير فارجعوا فقال أبو جهل والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر ونقيم به ثلاثا وتهابنا العرب أبدا ورجع الاخنس بن شريق بجميع بنى زهرة وكان حليفهم ومطاعا فيهم وقال انما خرجتم تمنعون أموالكم وقد نجت فارجعوا وكان بنو عدى لم ينفروا مع القوم فلم يشهد بدرا من قريش عدوى ولا زهرى وسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا إلى ماء بدر وثبطهم عنه مطر نزل وبله مما يليهم وأصاب مما يلى المسلمين دهس الوادي وأعانهم على السير فنزل عليه السلام على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة فقال له الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح آلله أنزلك بهذا المنزل فلا نتحول عنه ام قصدت الحرب والمكيدة فقال عليه السلام لا بل هو الرأى والحرب فقال يا رسول الله ليس هذا بمنزل وانما نأتى أدنى ماء من القوم فننزله ونبني عليه حوضا فنملؤه ونعور القلب كلها فنكون قد منعناهم الماء فاستحسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بنوا له عريشا يكون فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتيه من ربه النصر ومشى يريهم مصارع القوم واحدا واحدا ولما نزل قريش مما يليهم بعثوا عمير بن وهب الجمحى يحزر له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلا فيهم فارسان الزبير والمقداد فحزرهم وانصرف وخبرهم الخبر ورام حكيم بن حزام وعتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريش ولا يكون الحرب فأبى أبو جهل وساعده المشركون وتواقفت الفئتان وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف بيده ورجع إلى العريش ومعه أبو بكر وحده وطفق يدعو ويلح وأبو بكر يقاوله ويقول في دعائه اللهم ان تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض اللهم أنجز لى ما وعدتني وسعد بن معاذ وقوم معه من الانصار على باب العريش يحمونه وأخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انتبه فقال أبشر يا أبا بكر فقد أتى نصر الله ثم خرج يحرض الناس ورمى في وجوه القوم بحفنة من حصى وهو يقول شاهت الوجوه ثم تزاحفوا فخرج عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد يطلبون البراز فخرج إليهم عبيدة بن الحرث وحمزة بن عبد المطلب وعلى بن أبى طالب فقتل حمزة وعلى شيبة والوليد وضرب عتبة عبيدة فقطع رجله فمات وجاء حمزة وعلى إلى عتبة فقتلاه وقد كان برز إليهم عوف ومعوذ ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة من الانصار فابوا

[ 21 ]

الا قومهم وجال القوم جولة فهزم المشركون وقتل منهم يومئذ سبعون رجلا فمن مشاهيرهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وحنظلة بن أبى سفيان بن حرب وابنا سعيد بن العاصى عبيدة والعاصي والحرث بن عامر بن نوفل وابن عمه طعيمة بن عدى وزمعة بن الاسود وابنه الحرث وأخوه عقيل بن الاسود وابن عمه أبو البخترى بن هشام ونوفل بن خويلد بن أسد وأبو جهل بن هشام اشترك فيه معاذ ومعوذ ابنا عفراء ووجده عبد الله بن مسعود وبه رمق فحز رأسه وأخوه العاصى بن هشام وابن عمهما مسعود ابن أمية وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وابن عمه وأبو قيس بن الفاكه ونبيه ومنبه ابنا الحجاج والعاصي بن منبه وأمية بن خلف وابنه على وعمير بن عثمان عم طلحة (وأسر العباس بن عبد المطلب) وعقيل بن أبى طالب ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب والسائب بن عبد يزيد من بنى المطلب وعمرو بن أبى سفيان بن حرب وأبو العاصى بن الربيع وخالد بن أسيد بن أبى العيص وعدى بن الخيار من بنى نوفل وعثمان بن عبد شمس ابن عم عتبة بن غزوان وأبو عزيز أخو مصعب بن عمير وخالد بن هشام بن المغيرة وابن عمه رفاعة بن أبى رفاعة وأمية بن أبى حذيفة بن المغيرة والوليد بن الوليد أخو خالد وعبد الله وعمرو ابنا أبى بن خلف وسهيل بن عمرو في آخرين مذكورين في كتب السير (واستشهد) من المسلمين من المهاجرين عبيدة بن الحرث بن المطلب وعمير بن أبى وقاص وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعى حليف بنى زهرة وصفوان بن بيضاء من بنى الحرث ابن فهر ومهجع مولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أصابه سهم فقتله وعاقل بن البكير الليثى حليف بنى عدى من الانصار ثم من الاوس سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد المنذر ومن الخزرج يزيد بن الحارث بن الخزرج وعمير بن الحمام من بنى سلمة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحض على الجهاد ويرغب في الجنة وفى يده تمرات يأكلهن فقال بخ بخ أما بينى وبين الجنة الا أن يقتلنى هؤلاء ثم رمى بهن وقاتل حتى قتل ورافع بن المعلى من بنى حبيب بن عبد حارثة وحارثة بن سراقة من بنى النجار وعوف ومعوذ ابنا عفراء (ثم انجلت الحرب) وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى المشركين فسحبوا إلى القليب وطم عليهم التراب وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن مبدول بن عمر ابن غنم بن مازن بن النجار ثم انصرف إلى المدينة فلما نزل الصفراء قسم الغنائم كما أمر الله وضرب عنق النضر بن الحرث بن كلدة من بنى عبد الدار ثم نزل عرق الظبية فضرب عنق عقبة بن أبى معيظ بن أبى عمرو بن أمية وكان في الاسارى ومر إلى المدينة فدخلها لثمان بقين من رمضان (الكدر) وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه إلى المدينة اجتماع غطفان فخرج يريد بنى سليم بعد سبع ليال من منصرفه واستخلف على

[ 22 ]

المدينة سباع بن عرفطة الغفاري أو ابن أم مكتوم فبلغ ماء يقال له الكدر وأقام عليه ثلاثة أيام ثم انصرف ولم يلق حربا وقيل انه أصاب من نعمهم ورجع بالغنيمة وانه بعث غالب بن عبد الله الليثى في سرية فنالوا منهم وانصرفوا بالغنيمة وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذى الحجة وفدى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر أسارى بدر (السويق) ثم ان أبا سفيان لما انصرف من بدر نذر أن يغزو المدينة فخرج في مائتي راكب حتى أتى بنى النضير ليلا فتوارى عنه حيى بن أخطب ولقيه سلام بن مشكم وقراه وأعلمه بخبر الناس ثم رجع ومر باطراف المدينة فحرق نخلا وقتل رجلين في حرث لهما فنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون واستعمل على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر وبلغ الكدر وفاته أبو سفيان والمشركون وقد طرحوا السويق من أزوادهم ليتخففوا فاخذها المسلمون فسميت لذلك غزوة السويق وكانت في ذى الحجة بعد بدر بشهرين (ذى أمر) ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر المحرم غازيا غطفان واستعمل على المدينة عثمان بن عفان فأقام بنجد صفر وانصرف ولم يلق حربا (بحران) ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر ربيع الاول يريد قريشا واستخلف ابن أم مكتوم فبلغ بحران معدنا في الحجاز ولم يلق حربا وأقام هنالك إلى جمادى الثانية من السنة الثالثة وانصرف إلى المدينة (قتل كعب بن الاشرف) وكان كعب بن الاشرف رجلا من طيئ وأمه من يهود بنى النضير ولما أصيب أصحاب بدر وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة مبشرين إلى المدينة جعل يقول ويلكم أحق هذا وهؤلاء اشراف العرب وملوك الناس وان كان محمد أصاب هؤلاء فبطن الارض خير من ظهرها ثم قدم مكة ونزل على المطلب بن أبى وداعة السهمى وعنده عاتكة بنت أسيد بن أبى العيص بن أمية فجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الاشعار ويبكى على أصحاب القليب ثم رجع إلى المدينة فشبب بعاتكة ثم شبب بنساء المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يقتل كعب بن الاشرف فانتدب لذلك محمد بن مسلمة وملكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة من بنى عبد الاشهل أخو كعب من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش والحرث بن بشر بن معاذ وأبو عبس بن جبر من بنى حارثة وتقدم إليه ملكان بن سلامة وأظهر له انحرافا عن النبي صلى الله عليه وسلم عن اذن منه وشكا إليه ضيق الحال ورام أن يبيعه وأصحابه طعاما ويرهنون سلاحهم فأجاب إلى ذلك ورجع إلى أصحابه فخرجوا وشيعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد في ليلة قمراء وأتوا كعبا فخرج إليهم من حصنه ومشوا غير بعيد ثم وضعوا عليه سيوفهم ووضع محمد بن مسلمة معولا كان معه في ثنته

[ 23 ]

فقتله وصاح عدو الله صيحة شديدة انذعر لها أهل الحصون التى حواليه وأوقدوا النيران ونجا القوم وقد جرح منهم الحرث بن أوس ببعض سيوفهم فنزفه الدم وتأخر ثم وافاهم بحرة العريض آخر الليل وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلى وأخبروه وتفل على جرح الحرث فبرأ وأذن للمسلمين في قتل اليهود لما بلغه أنهم خافوا من هذه الفعلة وأسلم حينئذ حويصة بن مسعود وقد كان أسلم قبله أخوه محيصة بسبب قتل بعضهم (غزوة بنى قينقاع) وكان بنو قينقاع لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر وقف بسوق بنى قينقاع في بعض الايام فوعظهم وذكرهم ما يعرفون من أمره في كتابهم وحذرهم ما أصاب قريشا من البطشة فأساؤا الرد وقالوا لا يغرنك انك لقيت قوما لا يعرفون الحرب فأصبت منهم والله لئن جربتنا لتعلمن أنا نحن الناس فأنزل الله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء وقيل بل قتل مسلم يهوديا بسوقهم في حق فثاروا على المسلمين ونقضوا العهد ونزلت الآية فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعمل على المدينة بشير بن عبد المنذر وقيل أبا لبابة وكانوا في طرف المدينة في سبعمائة مقاتل منهم ثلثمائة دارع ولم يكن لهم زرع ولا نخل انما كانوا تجارا وصاغة يعملون بأموالهم وهم قوم عبد الله بن سلام فحصرهم عليه السلام خمس عشرة ليلة لا يكلم احدا منهم حتى نزلوا على حكمه فكتفهم ليقتلوا فشفع فيهم عبد الله بن أبى ابن سلول وألح في الرغبة حتى حقن له رسول الله صلى الله عليه وسلم دماءهم ثم أمر باجلائهم وأخذ ما كان لهم من سلاح وضياع وأمر عبادة بن الصامت فمضى بهم إلى ظاهر ديارهم ولحقوا بخيبر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس من الغنائم وهو أول خمس أخذه ثم انصرف إلى المدينة وحضر الاضحى فصلى بالناس في الصحراء وذبح بيده شاتين ويقال أنهما أول أضحيته صلى الله عليه وسلم (سرية زيد بن حارثة إلى قردة) وكانت قريش من بعد بدر قد تخوفوا من اعتراض المسلمين عيرهم في طريق الشأم وصاروا يسلكون طريق العراق وخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب وصفوان بن امية واستجاروا بفرات بن حيان من بكر بن وائل فخرج بهم في الشتاء وسلك بهم على طريق العراق وانتهى خبر العير إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما فيها من المال وآنية الفضة فبعث زيد بن حارثة في سرية فاعترضهم وظفر بالعير واتى بفرات بن حيان العجلى أسيرا فتعوذ بالاسلام وأسلم وكان خمس هذه الغنيمة عشرين ألفا (قتل ابن أبى الحقيق) كان سلام بن أبى الحقيق هذا من يهود خيبر وكنيته أبو رافع وكان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويحزب عليهم الاحزاب مثل أو قريبا من كعب بن الاشرف وكان الاوس والخزرج يتصاولان تصاول الفحلين في طاعة

[ 24 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم والذب عنه والنيل من أعدائه لا يفعل أحد القبيلتين شيئا من ذلك الا فعل الآخرون مثله وكان الاوس قد قتلوا كعب بن الاشرف كما ذكرناه فاستأذن الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل ابن أبى الحقيق نظير ابن الاشرف في الكفر والعداوة فأذن لهم فخرج إليهم من الخزرج ثم من بنى سلمة ثمانية نفر منهم عبد الله بن عقيل ومسعر بن سنان وأبو قتادة والحرث بن ربعى الخزاعى من حلفائهم في آخرين وأمر عليهم عبد الله بن عقيل ونهاهم ان يقتلوا وليدا أو امرأة وخرجوا في منتصف جمادى الاخرة من سنة ثلاث فقدموا خيبر وأتوا دار ابن أبى الحقيق في علية له بعد ان انصرف عنه سمره ونام وقد أغلقوا الابواب من حيث أفضوا كلها عليهم ونادوه ليعرفوا مكانه بصوته ثم تعاوروه بسيوفهم حتى قتلوه وخرجوا من القصر وأقاموا ظاهره حتى قام الناعي على سور القصر فاستيقنوا موته وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر وكان أحدهم قد سقط من درج العلية فأصابه كسر في ساقه فمسح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرأ * (غزوة أحد) * وكانت قريش بعد واقعة بدر قد توامروا وطلبوا من أصحاب العير أن يعينوهم بالمال ليتجهزوا به لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعانوهم وخرجت قريش باحابيشها وحلفائها وذلك في شوال من سنة ثلاث واحتملوا الظعن التماسا للحفيظة وأن لا يفروا وأقبلوا حتى نزلوا ذا الحليفة قرب أحد ببطن السبخة مقابل المدينة على شفير واد هنا لك وذلك في رابع شوال وكانوا في ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس وقائدهم أبو سفيان ومعهم خمس عشرة امرأة بالدفوف يبكين قتلى بدر وأشار صلى الله عليه وسلم على أصحابه بان يتحصنوا بالمدينة ولا يخرجوا وان جاؤا قاتلوهم على أفواه الازقة وأقر ذلك على رأى عبد الله بن أبى ابن سلول وألح قوم من فضلاء المسلمين ممن أكرمه الله بالشهادة فلبس لامته وخرج وقدم أولئك الذين ألحوا عليه وقالوا يا رسول الله ان شئت فاقعد فقال ما ينبغى لنبى إذا لبس لامته ان يضعها حتى يقاتل وخرج في الف من اصحابه واستعمل ابن ام مكتوم على الصلاة ببقية المسلمين بالمدينة فلما سار بين المدينة وأحد انخزل عنه عبد الله بن ابى في ثلث الناس مغاضبا لمخالفة رأيه في المقام وسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حرة بنى حارثة ومر بين الحوائط وأبو خيثمة من بنى حارثة يدل به حتى نزل الشعب من أحد مستندا إلى الجبل وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع المسلمين وتهيأ للقتال في سبعمائة فيهم خمسون فارسا وخمسون راميا وأمر على الرماة عبد الله بن جبير من بنى عمرو بن عوف والاوس اخو خوات ورتبهم

[ 25 ]

خلف الجيش ينصحون بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من خلفهم ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير من بنى عبد الدار وأجاز يومئذ سمرة بن جندب الفزارى ورافع بن خديج من بنى حارثة في الرماة وسنهما خمسة عشر عاما ورد اسامة بن زيد وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومن بنى مالك بن النجار زيد بن ثابت وعمرو بن حرام ومن بنى حارثة البراء بن عازب وأسيد ابن ظهير ورد عرابة بن أوس وزيد بن ارقم وأبا سعيد الخدرى سن جميعهم يومئذ أربعة عشر عاما وجعلت قريش على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبى جهل وأعطى عليه السلام سيفه بحقه إلى أبى دجانة سماك بن خرشة من بنى ساعدة وكان شجاعا بطلا يختال عند الحرب وكان مع قريش ذلك اليوم والد حنظلة غسيل الملائكة أبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان في طليعة وكان في الجاهلية قد ترهب وتنسك فلما جاء الاسلام غلب عليه الشقاء وفر إلى مكة في رجال من الاوس وشهد أحدا مع الكفار وكان يعد قريش في انحراف الاوس إليه لما انه سيدهم فلم يصدق ظنه ولما ناداهم وعرفوه قالوا لا أنعم الله لك علينا يا فاسق فقاتل المسلمين قتالا شديدا وأبلى يومئذ حمزة وطلحة وشيبة وأبو دجانة والنضر بن أنس بلاء شديدا وأصيب جماعة من الانصار مقبلين غير مدبرين واشتد القتال وانهزم قريش أولا فخلت الرماة عن مراكزهم وكر المشركون كرة وقد فقدوا متابعة الرماة فانكشف المسلمون واستشهد منهم من أكرمه الله ووصل العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتل مصعب بن عمير صاحب اللواء دونه حتى قتل وجرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر وهشمت البيضة في رأسه يقال ان الذى تولى ذلك عتبة بن أبى وقاص وعمرو بن قميئة الليثى وشد حنظلة الغسيل على أبى سفيان ليقتله فاعترضه شداد بن الاسود الليثى من شعوب فقتله وكان جنبا فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة غسلته وأكبت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط من بعض حفر هناك فأخذ على بيده واحتضنه طلحة حتى قام ومص الدم من جرحه مالك بن سنان الخدرى والد ابى سعيد ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه صلى الله عليه وسلم فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح فندرت ثنيتاه فصاراهتم ولحق المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وكر دونه نفر من المسلمين فقتلوا كلهم وكان آخرهم عمار بن يزيد بن السكن ثم قاتل طلحة حتى أجهض المشركون وأبو دجانة يلى النبي صلى الله عليه وسلم بظهره وتقع فيه النبل فلا يتحرك وأصيبت عين قتادة بن النعمان من بنى ظفر فرجع وهى على وجنته فردها عليه السلام بيده فصحت وكانت أحسن عينيه وانتهى النضر بن أنس إلى جماعة من الصحابة وقد دهشوا وقالوا قتل

[ 26 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فما تصنعون في الحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه ثم استقبل الناس وقاتل حتى قتل ووجد به سبعون ضربه وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف عشرين جراحة بعضها في رجله فعرج منها وقتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم قتله وحشى مولى جبير بن مطعم بن عدى وكان قد جاعله على ذلك بعتقه فرآه يبارز سباع بن عبد العزى فرماه بحربته من حيث لا يشعر فقتله ونادى الشيطان ألا ان محمدا قد قتل لان عمرو بن قميئة كان قد قتل مصعب بن عمير يظن أنه النبي صلى الله عليه وسلم وضربته أم عمارة نسيبة بنت كعب بن أبى مازن ضربات فتوفى منها بدرعيه وخشى المسلمون لما أصابه ووهنوا لصريخ الشيطان ثم ان كعب بن مالك الشاعر من بنى سلمة عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى بأعلى صوته يبشر الناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له أنصت فاجتمع عليه المسلمون ونهضوا معه نحو الشعب فيهم أبو بكر وعمر وعلى والزبير والحرث بن الصمة الانصاري وغيرهم وأدركه أبى بن خلف في الشعب فتناول صلى الله عليه وسلم الحربة من الحرث بن الصمة وطعنه بها في عنقه فكر أبى منهزما وقال له المشركون ما بك من بأس فقال والله لو بصق على لقتلني وكان صلى الله عليه وسلم قد توعده بالقتل فمات عدو الله بسرف مرجعهم إلى مكة ثم جاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء فغسل وجهه ونهض فاستوى على صخرة من الجبل وحانت الصلاة فصلى بهم قعودا وغفر الله للمنهزمين من المسلمين ونزل ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان الآية وكان منهم عثمان بن عفان وعثمان بن أبى عقبة الانصاري واستشهد في ذلك اليوم حمزة كما ذكرناه وعبد الله بن جحش ومصعب بن عمير في خمسة وستين معظمهم من الانصار وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفنوا بدمائهم وثيابهم في مضاجعهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم وقتل من المشركين اثنان وعشرون منهم الوليد بن العاصى بن هشام وأبو أمية بن أبى حذيفة بن المغيرة وهشام بن أبى حذيفة بن المغيرة وأبو عزة عمرو بن عبد الله بن جمح وكان أسر يوم بدر فمن عليه وأطلقه بلا فداء على أن لا يعين عليه فنقض العهد وأسر يوم أحد وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه صبرا وأبى بن خلف قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وصعد أبو سفيان الجبل حتى أطل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونادى بأعلى صوته الحرب سجال يوم أحد بيوم بدر اعل هبل وانصرف وهو يقول موعدكم العام القابل فقال عليه السلام قولوا له هو بيننا وبينكم ثم سار المشركون إلى مكة ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وكانت هند وصواحبها قد جدعنه وبقرن عن كبده فلاكتها ولم تسغها ويقال انه لما رآى ذلك في حمزة قال لئن أظفرني الله بقريش

[ 27 ]

لامثلن بثلاثين منهم ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة ويقال انه قال لعلى لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا (حمراء الاسد) ولما كان يوم أحد سادس عشر شوال وهو صبيحة يوم أحد أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج لطلب العدو وأن لا يخرج الا من حضر معه بالامس وفسح لجابر بن عبد الله ممن سواهم فخرج وخرجوا على ما بهم من الجهد والجراح وصار عليه السلام متجلدا مرهبا للعدو وانتهى إلى حمراء الاسد على ثمانية أميال من المدينة وأقام بها ثلاثا ومر به هناك معبد بن أبى معبد الخزاعى سائرا إلى مكة ولقى أبا سفيان وكفار قريش بالروحاء فأخبرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم وكانوا يرومون الرجوع إلى المدينة ففت ذلك في أعضادهم وعادوا إلى مكة (بعث الرجيع) ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر متم الثلاثة من الهجرة نفر من عضل والقارة بنى الهون من خزيمة اخوة بنى أسد فذكروا أن فيهم اسلاما ورغبوا أن يبعث فيهم من يفقههم في الدين فبعث معهم ستة رجال من أصحابه مرثد بن أبى مرثد الغنوى وخالد بن البكير الليثى وعاصم بن ثابت بن أبى الافلح من بنى عمرو بن عوف وخبيب بن عدى من بنى جحجبا بن كلفة وزيد بن الدثنة بن بياضة بن عامر وعبد الله ابن طارق حليف بنى ظفر وأمر عليهم مرثدا منهم ونهضوا مع القوم حتى إذا كانوا بالرجيع وهو ماء لهذيل قريبا من عسفان غدروا بهم واستصرخوا هذيلا عليهم فغشوهم في رحالهم ففزعوا إلى القتال فأمنوهم وقالوا انا نريد نصيب بكم فداء من أهل مكة فامتنع مرثد وخالد وعاصم من أمنهم وقاتلوا حتى قتلوا ورموا رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت نذرت أن تشرب فيه الخمر لما قتل ابنيها من بنى عبد الدار يوم أحد فأرسل الله الدبر فحمت عاصما منهم فتركوه إلى الليل فجاء السيل فاحتمله وأما الآخرون فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة ولما كانوا بمر الظهران انتزع ابن طارق يده من القران وأخذ سيفة فرموه بالحجارة فمات وجاؤا بخبيب وزيد إلى مكه فباعوهما إلى قريش فقتلوهما صبرا (غزوة بئر معونة) وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر هذا ملاعب الاسنة أبو براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة فدعاه إلى الاسلام فلم يسلم ولم يبعد وقال يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال انى أخاف عليهم فقال أبو براء أنا لهم جار فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو من بنى ساعدة في أربعين من المسلمين وقيل في سبعين منهم الحرث بن الصمة وحرام بن ملحان خال أنس وعامر بن فهيرة ونافع بن بديل بن ورقاء فنزلوا بئر معونة بين أرض بنى عامر

[ 28 ]

وحرة بنى سليم وبعثوا حرام بن ملحان بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل فقتله ولم ينظر في كتابه واستعدى عليهم بنى عامر فأبوا الجوار أبى براء اياهم فاستعدى بنى سليم فنهضت منهم عصية ورعل وذكوان وقتلوهم عن آخرهم وكان سرحهم إلى جانب منهم ومعهم المنذر بن أحيحة من بنى الجلاح وعمرو بن أمية الضمرى فنظرا إلى الطير تحوم على العسكر فأسرعا إلى أصحابهما فوجداهم في مضاجعهم فاما المنذر بن أحيحة فقاتل حتى قتل وأما عمرو بن أمية فجز عامر بن الطفيل ناصيته حين علم أنه من مضر لرقبة كانت على أمه وذلك لعشر بقين من صفر وكانت مع الرجيع في شهر واحد ولما رجع عمرو بن أمية لقى في طريقه رجلين من بنى كلاب أو بنى سليم فنزلا معه في ظل كان فيه معهما عهد من النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم به عمرو فانتسبا له في بنى عامر أو سليم فعدا عليهما لما ناما وقتلهما وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال لقد قتلت قتيلين لادينهما (غزوة بنى النضير) ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى النضير مستعينا بهم في دية هذين القتيلين فأجابوا وقعد عليه السلام مع أبى بكر وعمر وعلى ونفر من أصحابه إلى جدار من جدرانهم وأراد بنو النضير رجلا منهم على الصعود إلى ظهر البيت ليلقى على النبي صلى الله عليه وسلم صخرة فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب منهم وأوحى الله بذلك إلى نبيه فقام ولم يشعر أحدا ممن معه واستبطأوه واتبعوه إلى المدينة فأخبرهم عن وحى الله بما أراد به يهود وأمر من أصحابه بالتهيؤ لحربهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ونهض في شهر ربيع الاول أول السنة الرابعة من الهجرة فتحصنوا منه بالحصون فحاصرهم ست ليال وأمر بقطع النخل واحراقها ودس إليهم عبد الله بن أبى والمنافقون إنا معكم قتلتم أو أخرجتم فغروهم بذلك ثم خذلوهم كرها وأسلموهم وسأل عبد الله من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكف عن دمائهم ويجليهم بما حملت الابل من أموالهم الا السلاح واحتمل إلى خيبر من أكابرهم حيى بن أخطب وابن ابى الحقيق فدانت لهم خيبر ومنهم من سار إلى الشأم وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموالهم بين المهاجرين الاولين خاصة وأعطى منها ابا دجانة وسهل بن حنيف كانا فقيرين وأسلم من بنى النضير يامين بن عمير بن جحاش وسعيد بن وهب فأحرزا أموالهما باسلامهما وفى هذه الغزاة نزلت سورة الحشر (ذات الرقاع) وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بنى النضير إلى جمادى من السنة الرابعة ثم غزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري وقيل عثمان بن عفان ونهض حتى نزل نجدا فلقى بها جمعا من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب الا أنهم خاف بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين

[ 29 ]

صلاة الخوف وسميت ذات الرقاع لان أقدامهم نقبت وكانوا يلقون عليها الخرق وقال الواقدي لان الجبل الذى نزلوا به كان به سواد وبياض وحمرة رقاعا فسميت بذلك وزعم أنها كانت في المحرم (غزوة بدر الصغرى الموعد) كان أبو سفيان نادى يوم أحد كما قدمناه بموعد بدر من قابل وأجابوه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان في شعبان من هذه السنة الرابعة خرج لميعاده واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبى ابن سلول ونزل في بدر وأقام هناك ثمان ليال وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل الظهران أو عسفان ثم بدا له في الرجوع واعتذر بان العام عام جدب غزوة دومة الجندل) خرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الاول من السنة الخامسة وخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وسببها أنه عليه السلام بلغه ان جمعا تجمعوا بها فغزاهم ثم انصرفوا من طريقه قبل أن يبلغ دومة الجندل ولم يلق حربا (وفيها) وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن أن يرعى بأراضى المدينة لان بلاده كانت أجدبت وكانت هذه قد أخصبت بسحابة وقعت فأذن له في رعيها (غزوة الخندق) كانت في شوال من السنة الخامسة والصحيح أنها في الرابعة ويقويه ان ابن عمر يقول ردنى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة ثم أجازني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فليس بينهما الا سنة واحدة وهو الصحيح فهى قبل دومة الجندل بلا شك وكان سببها ان نفرا من اليهود منهم سلام بن أبى الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وسلام بن مشكم وحيى بن أخطب من بنى النضير وهود ابن قيس وأبو عمارة من بنى وائل لما انجلى بنو النضير إلى خيبر خرجوا إلى مكة يحزبون الاحزاب ويحرضون على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرغبون من اشرأب إلى ذلك بالمال فأجابهم أهل مكة إلى ذلك ثم مضوا إلى غطفان وخرج بهم عيينة بن حصن على أشجع وخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وغيرهم ولما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بحفر الخندق على المدينة وعمل فيه بيده والمسلمون معه ويقال ان سلمان أشار به ثم أقبلت الاحزاب حتى نزلوا بظاهر المدينة بجانب أحد وخرج عليه السلام في ثلاثة آلاف من المسلمين وقيل في تسعمائة فقط وهو راجل بلا شك وخلف على المدينة ابن أم مكتوم فنزل بسطح سلع والخندق بينه وبين القوم وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في الاطام وكان بنو قريظة مواد عين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم حيى وأغراهم فنقضوا العهد ومالوا مع الاحزاب وبلغ أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث سعد بن معاذ وسعد ابن عبادة وخوات بن جبير وعبد الله بن رواحة يستخبرون الامر فوجدوهم مكاشفين

[ 30 ]

بالغدر والنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فشاتمهم سعد بن معاذ وكانوا أحلافه وانصرفوا وكان صلى الله عليه وسلم قد أمرهم ان وجدوا الغدر حقا أن يخبروه تعريضا لئلا يفتوا في أعضاد الناس فلما جاؤا إليه قالوا يا رسول الله عضل والقارة يريدون غدرهم بأصحاب الرجيع فعظم الامر وأحيط بالمسلمين من كل جهة وهم بالفشل بنو حارثة وبنو سلمة معتذرين بأن بيوتهم عورة خارج المدينة ثم ثبتهم الله ودام الحصار على المسلمين قريبا من شهر ولم تكن حرب ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن والحرث بن عوف أن يرجعا ولهما ثلثا ثمار المدينة وشاور في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فأبيا وقالا يا رسول الله أشئ أمرك الله به فلا بد منه أم شئ تحبه فتصدقه فتصنعه لك أم شئ تصنعه لنا فقال بل أصنعه لكم انى رأيت ان العرب رمتكم عن قوس واحدة فقال سعد بن معاذ قد كنا معهم على الشرك والاوثان ولا يطمعون منا بثمرة الا شراء وبيعا فحين أكرمنا الله بالاسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم الا السيف فصلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمادى الامر وظهر فوارس من قريش إلى الخندق وفيهم عكرمة بن أبى جهل وعمرو بن عبدود من بنى عامر بن لؤى وضرار بن الخطاب من بنى محارب فلما راوا الخندق قالوا هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها ثم اقتحموا من مكان ضيق حتى جالت خيلهم بين الخندق وسلع ودعوا إلى البراز وقتل على بن أبى طالب عمرو بن عبدود ورجعوا إلى قومهم من حيث دخلوا ورمى في بعض تلك الايام سعد بن معاذ بسهم فقطع عنه الاكحل يقال رماه حبان بن قيس بن العرقة وقيل أبو أسامة الجشمى حليف بنى مخزوم ويروى أنه لما أصيب جعل يدعو اللهم ان كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فلا قوم أحب إلى أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وأخرجوه وان كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها إلى شهادة ولا تمتنى حتى تقر عينى من بنى قريظة ثم اشتد الحال وأتى نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فقال يا رسول الله انى أسلمت ولم يعلم قومي فمرنى بما تشاء فقال أنما أنت رجل واحد فخذل عنا ان استطعت فان الحرب خدعة فخرج فأتى بنى قريظة وكان صديقهم في الجاهلية فنقم لهم في قريش وغطفان وانهم ان لم يكن الظفر لحقوا ببلادهم وتركوكم ولا تقدرون على التحول عن بلدكم ولا طاقة لكم بمحمد وأصحابه فاستوثقوا منهم برهن أبنائهم حتى يصابروا معكم ثم أتى أبا سفيان وقريشا فقال لهم ان اليهود قد ندموا وراسلوا محمدا في المواعدة على أن يسترهنوا أبناءكم ويدفعوهم إليه ثم أتى غطفان وقال لهم مثل ما قال لقريش فأرسل أبو سفيان وغطفان إلى بنى قريظة في ليلة سبت انا لسنا بدار مقام

[ 31 ]

فأعدوا للقتال فاعتذر اليهود بالسبت وقالوا مع ذلك لا نقاتل حتى تعطونا أبناءكم فصدق القوم خبر نعيم وردوا إليهم بالاباية من الرهن والحث على الخروج فصدق أيضا بنو قريظة خبر نعيم وأبوا القتال وأرسل الله على قريش وغطفان ريحا عظيمة أكفأت قدورهم وآنيتهم وقلعت أبنيتهم وخيامهم وبعث عليه السلام حذيفة بن اليمان عينا فأتاه بخبر رحيلهم وأصبح وقد ذهب الاحزاب ورجع إلى المدينة (غزوة بنى قريظة) ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه جبريل بالنهوض إلى بنى قريظة وذلك بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم فأمر المسلمين أن لا يصلى أحد العصر الا في بنى قريظة وخرج وأعطى الراية على بن أبى طالب واستخلف ابن أم مكتوم وحاصرهم صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد احدى ثلاث إما الاسلام وإما تبييت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة السبت ليكون الناس آمنين منهم واما قتل الذرارى والنساء ثم الاستماتة فأبوا كل ذلك وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر بن عمرو بن عوف لانهم كانوا حلفاء الاوس فأرسله واجتمع إليه الرجال والنساء والصبيان فقالوا يا أبا لبابة ترى لنا أن ننزل على حكم محمد قال نعم وأشار بيده في حلقه انه الذبح ثم رجع فندم وعلم أنه أذنب فانطلق على وجهه ولم يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وربط نفسه إلى عمود في المسجد ينتظر توبة الله عليه وعاهد الله أن لا يدخل أرض بنى قريظة مكانا خان فيه ربه ونبيه وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو أتانى لاستغفرت له فاما بعد ما فعل فما أنا بالذى أطلقه حتى يتوب الله عليه فنزلت توبته فتولى عليه السلام اطلاقه بيده بعد أن أقام مرتبطا بالجذع ست ليال لا يحل الا للصلاة ثم نزل بنو قريظة على حكم النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم بعضهم ليلة نزولهم وهم نفر أربعة من هذيل اخوة قريظة والنضير وفر عنهم عمرو بن سعد القرظى ولم يكن دخل معهم في نقض العهد فلم يعلم أين وقع ولما نزل بنو قريظة على حكمه صلى الله عليه وسلم طلب الاوس أن يفعل فيهم ما فعل بالخزرج في بنى النضير فقال لهم ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى قال فذلك إلى سعد بن معاذ وكان جريحا منذ يوم الخندق وقد أنزله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة في المسجد ليعوده من قريب فأتى به على حمار فلما أقبل على المجلس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم قوموا إلى سيدكم ثم قالوا يا سعد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك حكم مواليك فقال سعد عليكم بذلك عهد الله وميثاقه قالوا نعم قال فانى أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتسبى الذرارى والنساء وتقسم الاموال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ثم أنه أمر فأخرجوا

[ 32 ]

إلى سوق المدينة وخندق لهم بها خنادق وضربت أعناقهم فيها وهم بين الستمائة والسبعمائة رجل وقتلت فيهم امرأة واحدة بنانة امرأة الحكم القرظى وكانت طرحت على خلاد بن سويد بن الصامت رحى من فوق الحائط فقتلته وأمر عليه السلام بقتل من أنبت منهم ووهب لثابت بن قيس بن الشماس ولد الزبير بن باطا فاستحيا منهم عبد الرحمن بن الزبير كانت له صحبة وبعد أن كان ثابت استوهب من النبي صلى الله عليه وسلم الزبير وأهله وماله فوهبه ذلك فمر الزبير عليه يده وأبى الا الشد مع قومه اغتباطا بهم قبحه الله ووهب عليه السلام لام المنذر بنت قيس من بنى النجار رفاعة ابن سموأل القرظى فأسلم رفاعة وله صحبة وقسم صلى الله عليه وسلم أموال بنى قريظة فأسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما وكانت خيل المسلمين يومئذ ستة وثلاثين فارسا ووقع في سهم النبي صلى الله عليه وسلم من سبيهم ريحانة بن عمرو بن خنافة من بنى عمرو بن قريظة فلم تزل في ملكه حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فتح بنى قريظة آخر ذى القعدة من السنة الرابعة ولما تم أمرهم قد أجيبت دعوة سعد بن معاذ فانفجر عرقه ومات فكان ممن استشهد يوم الخندق في سبعة آخرين من الانصار وأصيب من المشركين يوم الخندق أربعة من قريش فيهم عمرو بن عبدود وابنه حسل ونوفل بن عبد الله بن المغيرة ولم تغز كفار قريش المسلمين مذ يوم الخندق ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الاولى من السنة الخامسة لستة أشهر من فتح بنى قريظة فقصد بنى لحيان يطالب بثار عاصم بن ثابت وخبيب بن عدى وأهل الرجيع وذلك إثر رجوعه من دومة الجندل فسلك على طريق الشأم أولا ثم أخذ ذات اليسار إلى صخيرات اليمام ثم رجع إلى طريق مكة وأجد السير حتى نزل منازل لبنى بين أمج وعسفان فوجدهم قد حذروا وامتنعوا بالجبال وفاتتهم الغرة فيهم فخرج في مائتي راكب إلى المدينة (غزوة الغابة وذى قرد) وبعد قفوله والمسلمين إلى المدينة بليال أغار عيينة بن حصن الفزارى في بنى عبد الله من غطفان فاستلحموا لقاح النبي صلى الله عليه وسلم بالغابة وكان فيها رجل من بنى غفار وامرأته فقتلوا الرجل وحملوا المرأة ونذر بهم سلمة بن عمرو بن الاكوع الاسلمي وكان ناهضا فعلا ثنية الوداع وصاح بأعلى صوته نذيرا بهم ثم اتبعهم واستنقذ ما كان بأيديهم ولما وقعت الصيحة بالمدينة ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم ولحق به المقداد بن الاسود وعباد بن بشر وسعد بن زيد من بنى عبد الاشهل وعكاشة بن محصن ومحرز بن نضلة الاسدي وأبو قتادة من بنى سلمة في جماعة من المهاجرين والانصار وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد وانطلقوا في اتباعهم حتى أدركوهم فكانت بينهم جولة قتل فيها محرز بن نضلة قتله عبد الرحمن بن

[ 33 ]

عيينة وكان أول من لحق بهم ثم ولى المشركون منهزمين وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء يقال له ذو قرد فأقام عليه ليلة ويومها ونحر ناقة من لقاحه المسترجعة ثم قفل إلى المدينة (غزاة بنى المصطلق) وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شعبان من هذه السنة السادسة ثم غزا بنى المصطلق من خزاعة لما بلغه أنهم مجتمعون له وقائدهم الحرث بن أبى ضرار أبو جويرية أم المؤمنين فخرج إليهم واستخلف أبا رذ الغفاري وقيل نميلة بن عبد الله الليثى ولقيهم بالمر يسيع من مياههم ما بين قديد والساحل فتزاحفوا وهزمهم الله وقتل من قتل منهم وسبى النساء والذرية وكانت منهم جويرية بنت الحرث سيدهم ووقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها وأدى عليه السلام عنها وأعتقها وتزوجها واصيب في هذه الغزاة هشام بن صبابة الليثى من بنى ليث بن بكر قتله رجل من رهط عبادة بن الصامت غلطا يظنه من العدو وفى مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الغزاة وفيها قال عبد الله بن أبى ابن سلول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل لمشاجرة وقعت بين جهجاه بن مسعود الغفاري أجير عمر بن الخطاب وبين سنان ابن وافد الجهنى حليف بنى عوف بن الخزرج فتثاوروا وتباهوا فقال ما قال وسمع زيد ابن أرقم مقالته وبلغها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت سورة المنافقين وتبرأ منه ابنه عبد الله وقال يا رسول الله أنت والله الاعز وهو الاذل وان شئت والله أخرجته ثم اعترض أباه عند المدينة وقال والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن له وحينئذ دخل وقال يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبى وانى أخشى أن تأمر غيرى فلا تدعني نفسي أن أقاتله وان قتلته قتلت مؤمنا بكافر ولكن مرنى بذلك فأنا والله أحمل اليك رأسه فجزاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا وأخبره انه لا يصل إلى أبيه سوء (وفيها) قال أهل الافك ما قالوا في شأن عائشة مما لا حاجة بنا إلى ذكره وهو معروف في كتب السير وقد أنزل الله القرآن الحكيم ببراءتها وتشريفها وقد وقع في الصحيح أن مراجعته وقعت في ذلك بين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وهو وهم ينبغى التنبيه عليه لان سعد بن معاذ مات بعد فتح بنى قريظة بلا شك داخل السنة الرابعة وغزوة بنى المصطلق في شعبان من السنة السادسة بعد عشرين شهرا من موت سعد والملاحاة بين الرجلين كانت بعد غزوة بنى المصطلق بأزيد من خمسين ليلة والذى ذكر ابن اسحق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله وغيره ان المقاول لسعد بن عبادة انما هو أسيد بن الحضير والله أعلم (ولما) علم المسلمون ان النبي صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية أعتقوا كل من كان في أيديهم من بنى المصطلق أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق بسببها مائة من أهل بيتها ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بنى

[ 34 ]

المصطلق بعد اسلامهم بعامين الوليد بن عقبة بن أبى معيط لقبض صدقاتهم فخرجوا يتلقونه فخافهم على نفسه ورجع وأخبر أنهم هموا بقتله فتشاور المسلمون في غدرهم ثم جاء وفدهم منكرين ما كان من رجوع الوليد قبل لقيهم وأنهم انما خرجوا تلقية وكرامة وروده فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منهم ونزل قوله تعالى يأيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق الآية (عمرة الحديبية) ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في السادسة وفى ذى القعدة منها معتمرا بعد بنى المصطلق بشهرين واستنفر الاعراب حوالى المدينة فأبطأ أكثرهم فخرج بمن معه من المهاجرين والانصار واتبعه من العرب فيما بين الثلثمائة بعد الالف إلى الخمسمائة وساق الهدى وأحرم من المدينة ليعلم الناس أنه لا يريد حربا وبلغ ذلك قريشا فأجمعوا على صده عن البيت وقتاله دونها وقدموا خالد بن الوليد في خيل إلى كراع الغميم وورد خبرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان فسلك على ثنية المرار حتى نزل الحديبية من أسفل مكة وجاء من ورائهم فكر خالد في خيله إلى مكة فلما جاء صلى الله عليه وسلم إلى مكة بركت ناقته فقال الناس خلات فقال ما خلات وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال والذى نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونى فيها صلة الرحم الا أعطيتهم اياها ثم نزل واشتكى الناس فقد الماء فأعطاهم سهما من كنانته غرزوه في بعض القلب من الوادي فجاش الماء حتى كفى جميع الجيش يقال نزل به البراء بن عازب ثم جرت السفراء بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش وبعث عثمان بن عفان بينهما رسولا وشاع الخبر ان المشركين قتلوه فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وجلس تحت شجرة فبايعوه على الموت وأن لا يفروا وهى بيعة الرضوان وضرب عليه السلام بيسراه على يمينه وقال هذه عن عثمان ثم كان سهيل بن عمرو آخر من جاء من قريش فقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن ينصرف عامه ذلك ويأتى من قابل معتمرا ويدخل مكة وأصحابه بلا سلاح حاشا السيوف في القرب فيقيم بها ثلاثا ولا يزيد وعلى أن يتصل الصلح عشرة أعوام يتداخل فيه الناس ويأمن بعضهم بعضا وعلى أن من هاجر من الكفار إلى المسلمين من رجل أو امرأة أن يرد إلى قومه ومن ارتد من المسلمين إليهم لم يردوه فعظم ذلك على المسلمين حتى تكلم فيه بعضهم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم أن هذا الصلح سبب لامن الناس وظهور الاسلام وان الله يجعل فيه فرجا للمسلمين وهو أعلم بما علمه ربه وكتب الصحيفة على وكتب في صدرها هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى سهيل عن ذلك وقال لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك

[ 35 ]

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا أن يمحوها فأبى وتناول هو الصحيفة بيده ومحا ذلك وكتب محمد بن عبد الله (ولا يقع في ذهنك من أمر هذه الكتابة ريب فانها قد ثبتت في الصحيح وما يعترض في الوهم من ان كتابته قادحة في المعجزة فهو باطل لان هذه الكتابة إذا وقعت من غير معرفة بأوضاع الحروف ولا قوانين الخط واشكالها بقيت الامية على ما كانت عليه وكانت هذه الكتابة الخاصة من احدى المعجزات انتهى ثم أتى أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده وكان قد أسلم فقال سهيل هذا أول ما نقاضي عليه فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيه وعظم ذلك على المسلمين وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا جندل ان الله سيجعل له فرجا وبينما هم يكتبون الكتاب إذ جاءت سرية من جهة قريش قيل ما بين الثلاثين والاربعين يريدون الايقاع بالمسلمين فأخذتهم خيول المسلمين وجاؤا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقهم فإليهم ينسب العتقيون (ولما تم الصلح وكتابه) أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحروا ويحلقوا فتوقفوا فغضب حتى شكى إلى زوجته أم سلمة فقالت يا رسول الله اخرج وانحر واحلق فانهم تابعوك فخرج ونحر وحلق رأسه حينئذ خراش بن أمية الخزاعى ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وما فتح من قبله فتح كان أعظم من هذا الفتح قال الزهري لما كان القتال حيث لا يلتقى الناس فلما كانت الهدنة ووضعت لحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضا فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالاسلام أحدا يفعل شيئا الا دخل عليه فلقد دخل في ذينك السنتين في الاسلام مثلما كان قبل ذلك أو أكثر (ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لحقه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية هاربا وكان قد أسلم وحبسه قومه بمكة وهو ثقفي من حلفاء بنى زهرة فبعث إليه الازهر بن عبد عوف عم عبد الرحمن بن عوف والاخنس بن شريق سيد بنى زهرة رجلا من بنى عامر بن لؤى مع مولى لهم فأسلمه النبي صلى الله عليه وسلم فاحتملاه فلما نزلوا بذى الحليفة أخذ أبو بصير السيف من أحد الرجلين ثم ضرب به العامري فقتله وفر الآخر وأتى أبو بصير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله قد وفت ذمتك وأطلقنى الله فقال عليه السلام ويلمه (3) مسعر حرب لو كان له رجال ففطن أبو بصير من لحن هذا القول أنه سيرده وخرج إلى سيف البحر على طريق قريش إلى الشأم وانضاف إليه جمهور من يفر عن قريش ممن أراد الاسلام فآذوا قريشا وقطعوا على رفاقهم وسابلتهم فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يضمهم بالمدينة ثم هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط وجاء فيها أخواها عمارة والوليد فمنع الله من رد النساء وفسخ ذلك الشرط المكتتب ثم نسخت براءة ذلك كله وحرم الله حينئذ

[ 36 ]

على المسلمين امساك الكوافر في عصمتهم فانفسخ نكاحهن * (ارسال الرسل إلى الملوك) * ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين الحديبية ووفاته رجالا من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم دعاة إلى الله عزوجل فبعث سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود أخا بنى عامر بن لؤى إلى هوذة بن على صاحب اليمامة وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر ابن ساوى أخى بنى عبد القيس صاحب البحرين وعمرو بن العاصى إلى جيفر بن جلندى ابن عامر بن جلندى صاحب عمان وبعث حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الاسكندرية فأدى إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى المقوقس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جوار منهن مارية أم ابراهيم ابنه وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبى إلى قيصر وهو هرقل ملك الروم فوصل إلى بصرى وبعثه صاحب بصرى إلى هرقل وكان يرى في ملاحمهم أن ملك الختان قد ظهر فقرأ الكتاب وإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم السلام على من اتبع الهدى أما بعد أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فان توليت فانما عليك اثم الاريسيين وفى رواية اثم الاكارين عليك تعيا بحمله فطلب من في مملكته من قوم النبي صلى الله عليه وسلم فأحضروا له من غزة وكان فيهم أبو سفيان فسأله كما وقع في الصحيح فأجابه وسلم أحواله وتفرس صحة أمره وعرض على الروم اتباعه فأبوا ونفروا فلاطفهم بالقول وأقصر (ويروى) عن ابن اسحق أنه عرض عليهم الجزية فأبوا فعرض عليهم أن يصالحوا بأرض سورية (قالوا وهى أرض فلسطين والاردن ودمشق وحمص وما دون الدرب وما كان وراء الدرب فهو الشأم) فأبوا (قال ابن اسحق) وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب الاسدي أخا بنى أسد بن خزيمة إلى الحرث بن شمر الغساني صاحب دمشق وكتب معه السلام على من اتبع الهدى وآمن به أدعوك إلى ان تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك فلما قرأ الكتاب قال من ينزع ملكى أنا سائر إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم باد ملكه (قال) وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبى طالب وأصحابه وكتب معه كتابا بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم عظيم الحبشة سلام عليك فانى أحمد اليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم الطيبة البتول الحصينة فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه وانى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته تتبعني وتؤمن بالذى جاءني فانى رسول

[ 37 ]

الله وقد بعثت اليك ابن عمى جعفرا ومعه نفر من المسلمين فإذا جاؤك فاقرهم ودع النجرى وانى أدعوك وجنودك إلى الله فلقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدى فكتب إليه النجاشي إلى محمد رسول الله من النجاشي الاصحم ابن الحر سلام عليك يا رسول الله من الله ورحمة الله وبركاته أحمد الله الذى لا اله الا هو الذى هدانا للاسلام أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والارض ما نزيد بالرأى على ما ذكرت انه كما قلت وقد عرفنا ما بعثت به الينا وقد قرينا ابن عمك وأصحابه فأشهد انك رسول الله صادقا مصدقا فقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت لله رب العالمين وقد بعثت اليك بابنى أرخا الاصحم فانى لا أملك الا نفسي ان شئت ان آتيك فعلت يا رسول الله فانى أشهد ان الذى تقول حق والسلام عليك يا رسول الله فذكر انه بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة فغرقت بهم (وقد جاء) انه أرسل إلى النجاشي ليزوجه أم حبيبة وبعث إليها بالخطبة جاريته فأعطتها أوضاحا وفتخا ووكلت خالد بن سعيد بن العاصى فزوجها ودفع النجاشي إلى خالد بن سعيد أربعمائة دينار لصداقها وجاءت إليها بها الجارية فأعطتها منها خمسين مثقالا فردت الجارية ذلك بأمر النجاشي وكانت الجارية صاحبة دهنه وثيابه وبعث إليها نساء النجاشي بما عندهن من عود وعنبر وأركبها في سفينتين مع بقية المهاجرين فلقوا النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر وبلغ أبا سفيان تزويج أم حبيبة منه فقال ذلك الفحل الذى لا يقدع انفه (وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السنة إلى كسرى وبعث بالكتاب عبد الله بن حذافة السهمى وفيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسله أما بعد فانى رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيا أسلم تسلم فان أبيت فعليك اثم المجوس فمزق كسرى كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مزق الله ملكه وفى رواية ابن اسحق بعد قوله وآمن بالله ورسله واشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاية الله فانى أنا رسول الله إلى الناس كافة لانذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فان أبيت فاثم الاريسيين عليك (قال) فلما قرأه مزقه وقال يكتب إلى هذا وهو عبدى (قال) ثم كتب كسرى إلى باذان وهو عامله على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الذى بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به فبعث باذان قهرمانه بانويه وكان حاسبا كاتبا بكتاب فارس ومعه خرخسرة من الفرس وكتب إليه معهما أن ينصرف إلى كسرى وقال لقهرمانه اختبر الرجل وعرفني بأمره وأول ما قدما الطائف سألا

[ 38 ]

عنه فقيل هو بالمدينة وفرح من سمع بذلك من قريش وكانوا بالطائف وقالوا قطب له كسرى وقد كفيتموه وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فكلمه بانويه وقال ان شاهنشاه قد كتب إلى الملك باذان أن يبعث اليك من يأتيه بك وبعثنى لتنطلق معى ويكتب معه فينفعك وأن أبيت فهو من علمت ويهلك قومك ويخرب بلادك وكانا قد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالا أمرنا به ربنا يعنون به كسرى فقال لهما لكن ربى أمرنى باعفاء لحيتى وقص شاربى لم أوخرهما إلى غد وجاءه الوحى بأن الله سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله ليلة كذا من شهر كذا لعشر مضين من جمادى الاولى سنة سبع فدعاهما وأخبرهما فقالا هل تدرى ما تقول يحزنانه عاقبة هذا القول فقال اذهبا وأخبراه بذلك عنى وقولا له ان دينى وسلطاني يبلغ ما بلغ ملك كسرى وان أسلمت أعطيتك ما تحت يدك وملكتك على قومك من الابناء وأعطى خرخسرة منطقة فيها ذهب وفضة كان بعض الملوك أهداها له فقد ما على باذان وأخبراه فقال ما هذا كلام ملك ما أرى الرجل الا نبيا كما يقول ونحن ننتظر مقالته فلم ينشب باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه أما بعد فانى قد قتلت كسرى ولم أقتله الا غضبا لفارس لما كان استحل من قتل اشرافهم وتسخيرهم في ثغورهم فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لى الطاعة ممن قبلك وأنظر الرجل الذى كان كسرى كتب فيه اليك فلا تهجه حتى يأتيك أمرى فيه فلما بلغ باذان الكتاب وأسلمت الابناء معه من فارس ممن كان منهم باليمن وكانت حمير تسمى خرخسرة ذا المفخرة للمنطقة التى أعطاه اياها النبي صلى الله عليه وسلم والمنطقة بلسانهم المفخرة وقد كان بانويه قال لباذان ما كلمت رجلا قط أهيب عندي منه فقال هل معه شرط قال لا (قال الواقدي) وكتب إلى المقوقس عظيم القبط يدعوه إلى الاسلام فلم يسلم * (غزوة خيبر) * ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا إلى خيبر في بقية المحرم آخر السنة السادسة (3) وهو في ألف وأربعمائة راجل ومائتي فارس واستخلف نميلة بن عبد الله الليثى وأعطى راية لعلى بن أبى طالب وسلك على الصهباء حتى نزل بواديها إلى الرجيع فحيل بينهم وبين غطفان وقد كانوا أرادوا امداد يهود خيبر فلما خرجوا لذلك قذف الله في قلوبهم الرعب لحس سمعوه من ورائهم فانصرفوا وأقاموا في أماكنهم وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح حصون خيبر حصنا حصنا فافتتح أولا منها حصن ناعم وألقيت على محمود بن سلمة من أعلاه رحى فقتلته ثم افتتح القموص حصن ابن أبى الحقيق وأصيب منهم سبايا كانت منهن صفية بنت حيى بن أخطب وكانت

[ 39 ]

عروسا عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق فوهبها عليه السلام لدحية ثم ابتاعها منه بسبعة أرؤس ووضعها عند أم سلمة حتى اعتدت وأسلمت ثم أعتقها وتزوجها ثم فتح حصن الصعب بن معاذ ولم يكن بخيبر أكثر طعاما وود كامنه وآخر ما افتتح من حصونهم الوطيح والسلالم حصرهما بضع عشرة ليلة ودفع إلى على الراية في حصار بعض حصونهم ففتحه وكان أرمد فتفل في عينه صلى الله عليه وسلم فبرأ وكان فتح بعض خيبر عنوة وبعضها وهو الاكثر صلحا على الجلاء فقسمها صلى الله عليه وسلم وأقر اليهود على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم ولهم النصف من كل ما تخرج من زرع أو تمر يقرهم على ذلك ما بدا له فبقوا على ذلك إلى آخر خلافة عمر فبلغه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذى مات فيه لا يبقى دينان بأرض العرب فأمر باجلائهم عن خيبر وغيرها من بلاد العرب وأخذ المسلمون ضياعهم من مغانم خيبر فتصرفوا فيها وكان متولى قسمتها بين أصحابها جابر بن صخر من بنى سلمة وزيد بن ثابت من بنى النجار واستشهد من المسلمين جماعة تنيف على العشرين من المهاجرين والانصار منهم عامر ابن الاكوع وغيره (وفى هذه الغزاة) حرمت لحوم الحمر الاهلية فأكفئت القدور وهى تفور بلحمها (وفيها) أهدت اليهودية زينب بنت الحرث امرأة سلام بن مشكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية وجعلت السم في الذراع منها وكان أحب اللحم إليه فتناوله ولاك منه مضغة ثم لفظها وقال ان هذا العظم يخبرني أنه مسموم وأكل معه بشر بن البراء بن معرور وازدرد لقمته فمات منها ثم دعا باليهودية فاعترفت ولم يقتلها لاسلامها حينئذ على ما قيل ويقال انه دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها (قدوم مهاجرة الحبشة) وكان مهاجرة الحبشة قد جاء جماعة منهم إلى مكة قبل الهجرة حين سمعوا باسلام قريش ثم هاجروا إلى المدينة وجاء آخرون منهم قبل خيبر بسنتين ثم جاء بقيتهم اثر فتح خيبر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشي في شأنهم ليقدمهم عليه فقدم جعفر بن أبى طالب وامرأته اسماء بنت عميس وبنوهما عبد الله ومحمد وعون وخالد بن سعيد بن العاصى بن أمية وامرأته أمينة بنت خلفا وابناهما سعيد وأم خالد وعمرو بن سعيد بن العاصى ومعيف بن أبى فاطمة حليف أبى سعيد بن العاصى ولى بيت المال لعمر وأبو موسى الاشعري حليف آل عتبة بن ربيعة والاسود بن نوفل بن خويلد ابن أخى خديجة وجهم بن قيس بن شرحبيل ابن عبد الدار وابناه عمر وخزيمة والحرث بن خالد بن صخر بن تميم وعثمان بن ربيعة بن اهبان من بنى جمح ومحنية بن حذاء الزبيدى حليف بنى سهم ولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاخماس ومعمر بن عبد الله بن نضلة من بنى عدى وأبو حاطب بن عمرو بن عبد

[ 40 ]

شمس بن عامر بن لؤى وأبى عمرو مالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس فكان هؤلاء آخر من بقى بأرض الحبشة ولما قدم جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر قبل ما بين عينيه والتزمه وقال ما أدرى بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر * (فتح فدك ووادى القرى) * ولما اتصل بأهل فدك شان أهل خيبر بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسالونه الامان على أن يتركوا الاموال فأجابهم إلى ذلك فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فلم يقسمها ووضعها حيث أمره الله ثم انصرف عن خيبر إلى وادى القرى فافتتحها عنوة وقسمها وقتل به غلامه مدعما قال فيه لما شهد له الناس بالجنة كلا ان الشملة التى أخذها يوم خيبر من المغانم قبل القسم لتشتعل عليه نارا ثم رحل إلى المدينة في شهر صفر * (عمرة القضاء) * وأقام صلى الله عليه وسلم بعد خيبر إلى انقضاء شوال من السنة السابعة ثم خرج في ذى القعدة لقضاء العمرة التى عاهده عليها قريش يوم الحديبية وعقد لها الصلح وخرج ملا من قريش عن مكة عداوة لله ولرسوله وكرها في لقائه فقضى عمرته وتزوج بعد احلاله بميمونة بنت الحرث من بنى هلال ابن عامر خالة ابن عباس وخالد بن الوليد وأراد أن يبنى بها وقد تمت الثلاث التى عاهده قريش على المقام بها وأوصوا إليه بالخروج وأعجلوه عن ذلك فبنى بها بسرف * (غزوة جيش الامراء) * وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منصرفه من عمرة القضاء إلى جمادى الاولى من السنة الثامنة ثم بعث الامراء إلى الشام وقد كان أسلم قبل ذلك عمرو بن العاصى وخالد ابن الوليد وعثمان بن طلحة بن أبى طلحة وهم من كبراء قريش وقد كان عمرو بن العاصى مضى عن قريش إلى النجاشي يطلبه في المهاجرين الذين عنده ولقى هنا لك عمرو بن أمية الضمرى وافد النبي صلى الله عليه وسلم فغضب النجاشي لما كلمه في ذلك فوفقه الله ورئ الحق فأسلم وكتم اسلامه ورجع إلى قريش ولقى خالد بن الوليد فأخبره فتفاوضا ثم هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاسلما وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدا مع بعث الشأم وأمر على الجيش مولاه زيد بن حارثة نحوا من ثلاثة آلاف وقال ان أصابه قدر فالامير جعفر بن أبى طالب فان أصابه قدر فالامير عبد الله بن رواحة فان أصيب فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه أميرا عليهم وشيعهم صلى الله عليه وسلم

[ 41 ]

وودعهم ونهضوا عتى انتهوا إلى معان من أرض الشأم فأتاهم الخبر بأن هرقل ملك الروم قد نزل مؤاب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ومائة ألف من نصارى العرب البادين هنا لك من لخم وجذام وقبائل قضاعة من بهرا وبلى والقيس وعليهم مالك بن زاحلة من بنى اراشة فأقام المسلمون في معان ليلتين يتشاورون في الكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتظار أمره ومدده ثم قال لهم عبد الله بن رواحة أنتم انما خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة الا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به فانطلقوا إلى جموع هرقل عند قرية مؤتة ورتبوا الميمنة والميسرة واقتتلوا فقتل زيد بن حارثة ملاقيا بصدره الرماح والراية في يده فأخذها جعفر بن أبى طالب وعقر فرسه ثم قاتل حتى قطعت يمينه فأخذها بيساره فقطعت كذلك وكان ابن ثلاث وثلاثين سنة فأخذها عبد الله بن رواحة وتردد عن النزول بعض الشئ ثم صمم إلى العدو فقاتل حتى قتل فأخذ الراية ثابت بن أفرم من بنى العجلان وناولها لخالد بن الوليد فانحاز بالمسلمين وانذر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل هؤلاء الامراء قبل ورود الخبر وفى يوم قتلهم واستشهد مع الامراء جماعة من المسلمين يزيدون على العشرة أكرمهم الله بالشهادة ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأحزنه موت جعفر ولقيهم خارج المدينة وحمل عبد الله بن جعفر بين يديه على دابته وهو صبى وبكى عليه واستغفر له وقال أبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة فسمى ذا الجناحين * (فتح مكة) * كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عقد الصلح بينه وبين قريش في الحديبية أدخل خزاعة في عقده المؤمن منهم والكافر وأدخلت قريش بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة في عقدها وكانت بينهم تراث في الجاهلية وذحول كان فيها الاول للاسود بن رزن من بنى الدئل بن بكر بن عبد مناة وثارهم عند خزاعة لما قتلت حليفهم مالك بن عباد الحضرمي وكانوا قد عدوا على رجل من خزاعة فقتلوه في مالك بن عباد حليفهم وعدت خزاعة على سلمى وكلثوم وذؤيب بنى الاسود بن رزن فقتلوهم وهم اشراف بنى كنانة وجاء الاسلام فاشتغل الناس به ونسوا إمر هذه الدماء فلما انعقد هذا الصلح من الحديبية وأمن الناس بعضهم بعضا فاغتنم بنو الدئل هذه الفرصة في ادراك الثار من خزاعة بقتلهم بنى الاسود بن رزن وخرج نوفل بن معاوية الدؤلى فيمن أطاعه من بنى بكر بن عبد مناة وليس كلهم تابعه وخرج معه بعضهم وخرجوا منهم وانحجزوا في دور مكة ودخلوا دار بديل بن ورقاء الخزاعى ورجع بنو بكر وقد انتقض العهد فركب بديل بن ورقاء وعمرو بن سالم في وفد من قومهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 42 ]

مستغيثين مما أصابهم به بنو الدئل بن عبد مناة وقريش فأجاب صلى الله عليه وسلم صريخهم وأخبرهم بأن أبا سفيان يأتي يشد العقد ويزيد في المدة وانه يرجع بغير حاجة وكان ذلك سببا للفتح وندم قريش على ما فعلوا فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليؤكد العقد ويزيد في المدة ولقى بديل بن ورقاء بعسفان فكتمه الخبر وورى له عن وجهه وأتى أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة فطوت دونه فراش النبي صلى الله عليه وسلم وقالت لا يجلس عليه مشرك فقال لها قد أصابك بعدى شر يا بنية ثم أتى المسجد وكلم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فذهب إلى أبى بكر وكلمه أن يتكلم في ذلك فأبى فلقى عمر فقال والله لو لم أجد الا الذر لجاهدتكم به فدخل على على بن أبى طالب وعنده فاطمة وابنه الحسن صبيا فكلمه فيما أتى له فقال على ما نستطيع أن نكلمه في أمر عزم عليه فقال لفاطمة يا بنت محمد أما تأمري أبنك هذا ليجير بين الناس فقالت لا يجير أحد على رسول الله فقال له على يا أبا سفيان أنت سيد بنى كنانة فقم وأجر وارجع إلى أرضك فقال ترى ذلك مغنيا عنى شيئا قال ما أظنه ولكن لا اجد لك سواه فقام أبو سفيان في المسجد فنادى ألا انى قد أجرت بين الناس ثم ذهب إلى مكة وأخبر قريشا فقالوا ما جئت بشئ وما زاد ابن أبى طالب على ان لعب بك ثم أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم انه سائر إلى مكة وأمر الناس بأن يتجهزوا ودعا الله ان يطمس الاخبار عن قريش وكتب إليهم حاطب بن أبى بلتعة بالخبر مع ظعينة قاصدة إلى مكة فأوحى الله إليه بذلك فبعث عليا والزبير والمقداد إلى الظعينة فأدركوها بروضة خاخ وفتشوا رحلها فلم يجدوا شيئا وقالوا رسول الله أصدق فقال على لتخرجن الكتاب أو لتلقين الحوائج فأخرجته من بين قرون رأسها فلما قرئ على النبي صلى الله عليه وسلم قال ما هذا يا حاطب فقال يا رسول الله والله ما شككت في الاسلام ولكني ملصق في قريس فأردت عندهم يدا يحفظوني بها في مخلف أهلى وولدى فقال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فانى قد غفرت لكم وخرج صلى الله عليه وسلم لعشر خلون من رمضان من السنة الثامنة في عشرة آلاف فيهم من سليم ألف رجل وقيل سبعمائة ومن مزينة ألف ومن غفار أربعمائة ومن أسلم أربعمائة وطوائف من قريش واسد وتميم وغيرهم من سائر القبائل جموع وكتائب الله من المهاجرين والانصار واستخلف أبارهم الغفاري على المدينة ولقيه العباس بذى الحليفة وقيل بالجحفة مهاجرا فبعث رحله إلى المدينة وانصرف معه غازيا ولقيه بنيق العقاب أبو سفيان بن الحرث وعبد الله بن أبى أمية مهاجرين واستأذنا فلم يؤذن لهما وكلمته أم سلمة فأذن لهما وأسلما فسار

[ 43 ]

حتى نزل مر الظهران وقد طوى الله أخباره عن قريش الا انهم يتوجسون الخيفة وخشى العباس تلاف قريش ان فاجأهم الجيش قبل ان يستأمنوا فركب بغلة النبي صلى الله عليه وسلم وذهب يتحسس وقد خرج أبو سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم ابن حزام يتحسسون الخبر وبينما العباس قد اتى الاراك ليلقى من السابلة من ينذر أهل مكة ذسمع صوت أبى سفيان وبديل وقد أبصرا نيران العساكر فيقول بديل نيران بنى خزاعة فيقول أبو سفيان خزاعة اذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها فقال العباس هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس والله ان ظفر بك ليقتلنك واصباح قريش فارتدف خلفي ونهض به إلى المعسكر ومر بعمر فخرج يشتد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد فسبقه العباس على البغلة ودخل على أثره فقال يا رسول الله هذا عدو الله أبو سفيان أمكن الله منه بلا عهد فدعني أضرب عنقه فقال العباس قد اجرته فزأره عمر فقال العباس لو كان من بنى عدى ما قلت هذا ولكنه من عبد مناف فقال عمر والله لاسلامك كان أحب إلى من اسلام الخطاب لانى أعرف انه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس يحمله إلى رحله ويأتيه به صباحا فلما اتى به قال له صلى الله عليه وسلم ألم يأن لك أن تعلم ان لا اله الا الله فقال بأبى انت وامى ما احلمك واكرمك واوصلك والله لقد علمت لو كان معه اله غيره أغنى عنا فقال ويحك ألم يأن لك ان تعلم انى رسول الله قال بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك اما هذه ففى النفس منها شئ فقال له العباس ويحك أسلم قبل أن يضرب عنقك فأسلم فقال العباس يا رسول الله ان أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا قال نعم من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ثم أمر العباس أن يوقف أبا سفيان بخطم الوادي ليرى جنود الله ففعل ذلك ومرت به القبائل قبيلة قبيلة إلى ان جاء مركب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والانصار عليهم الدروع البيض فقال من هؤلاء فقال العباس هذا رسول الله في المهاجرين والانصار فقال لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما فقال يا أبا سفيان انها النبوة فقال هي إذا فقال له العباس النجاء إلى قومك فأتى مكة وأخبرهم بما أحاط بهم وبقول النبي صلى الله عليه وسلم من أتى المسجد أو دار أبى سفيان أو اغلق بابه ورتب الجيش واعطى سعد بن عبادة الراية فذهب يقول اليوم يوم الملحمه * اليوم تستحل الحرمه * وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر عليا ان يأخذ الراية منه ويقال أمر الزبير وكان على الميمنة خالد بن الوليد وفيها اسلم وغفار ومزينة وجهينة وعلى الميسرة الزبير وعلى المقدمة أبو

[ 44 ]

عبيدة بن الجراح وسرب رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيوش من ذى طوى وامرهم بالدخول إلى مكة الزبير من اعلاها وخالد من أسفلها وان يقاتلوا من تعرض لهم وكان عكرمة بن أبى جهل وصفوان بن امية وسهيل بن عمرو قد جمعوا للقتال فناوشتهم أصحاب خالد القتال واستشهد من المسلمين كرز بن جابر من بنى محارب وخنيس بن خالد من خزاعة وسلمة بن جهينة وانهزم المشركون وقتل منهم ثلاثة عشر وأمن النبي صلى الله عليه وسلم سائر الناس وكان الفتح لعشر بقين من رمضان واهدر دم جماعة من المشركين سماهم يومئذ منهم عبد العزى بن خطل من بنى تيم الادرم ابن غالب كان قد اسلم وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا ومعه رجل من المشركين فقتله وارتد ولحق بمكة وتعلق يوم الفتح باستار الكعبة فقتله سعد بن حريث المخزومى وابو برزة الاسلمي (ومنهم) عبد الله بن سعد بن أبى سرح كان يكتب للنبى صلى الله عليه وسلم ثم ارتد ولحق بمكة ونميت عنه اقوال فاختفى يوم الفتح وأتى به عثمان بن عفان وهو اخوه من الرضاعة فاستأمن له فسكت عليه السلام ساعة ثم امنه فلما خرج قالا لاصحابه هلا ضربتم عنقه فقال له بعض الانصار هلا أومأت إلى فقال ما كان لنبى ان تكون له خائنة الاعين ولم يظهر بعد اسلامه الا خير وصلاح واستعمله عمر وعثمان (ومنهم) الحويرث بن نفيل 3 من بنى عبد قصى كان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقتله على بن أبى طالب يوم الفتح (ومنهم) مقيس بن صبابة كان هاجر في غزوة الخندق ثم عدا على رجل من الانصار كان قتل أخاه قبل ذلك غلطا ووداه فقتله وفر إلى مكة مرتدا فقتله يوم الفتح نميلة بن عبد الله الليثى وهو ابن عمه (ومنهم) قينتا ابن خطل كانتا تغنيان بهجو النبي صلى الله عليه وسلم فقتلت احداهما واستؤمن للاخرى فأمنها (ومنهم) مولاة لبنى عبد المطلب اسمها سارة واستؤمن لها فأمنها رسول الله صلى الله عليه وسلم واستجار رجلان من بنى مخزوم بأم هانئ بنت أبى طالب يقال انهما الحرث بن هشام وزهير بن أبى أمية اخو أم سلمة فأمنتهما وامضى رسول الله صلى الله عليه وسلم امانها فأسلما ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وطاف بالكعبة وأخذ المفتاح من عثمان بن طلحة بعد ان مانعت دونه ام عثمان ثم اسلمته فدخل الكعبة ومعه اسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة وابقى له حجابة البيت فهى في ولد شيبة إلى اليوم وامر بكسر الصور داخل الكعبة وخارجها وبكسر الاصنام حواليها ومر عليها وهى مشدودة بالرصاص يشير إليها بقضيب في يده وهو يقول جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا فما بقى منهم صنم الا خر على وجهه وأمر بلالا فأذن على ظهر الكعبة ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بباب الكعبة ثانى يوم الفتح وخطب خطبته المعروفة

[ 45 ]

ووضع مآثر الجاهلية الا سدانة البيت وسقاية الحاج وأخبر ان مكة لم تحل لاحد قبله ولا بعده وانما أحلت له ساعة من نهار ثم عادت كحرمتها بالامس ثم قال لا اله الا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ألا ان كل مأثورة أو دم أو مال يدعى في الجاهلية فهو تحت قدمى هاتين الا سدانة الكعبة وسقاية الحاج ألا وان قتل الخطا مثل العمد بالسوط والعصا فيهما الدية مغلظة منها اربعون في بطونها أولادها يا معشر قريش ان الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم خلق من تراب ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى إلى خبير يا معشر قريش ويا أهل مكة ما ترون انى فاعل فيكم قالوا خيرا أخ كريم ثم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء وأعتقهم على الاسلام وجلس لهم فيما قيل على الصفا فبايعوه على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا ولما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء أمر عمر بن الخطاب أن يبايعهن واستغفر لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه كان لا يمس امرأة حلالا ولا حراما وهرب صفوان بن أمية إلى اليمن واتبعه عمير بن وهب من قومه بأمان النبي صلى الله عليه وسلم له فرجع وأنظره أربعة أشهر وهرب ابن الزبير الشاعر إلى نجران ورجع فأسلم وهرب هبيرة بن أبى وهب المخزومى زوج ام هانئ إلى اليمن فمات هنا لك كافرا ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم السرايا حول مكة ولم يأمرهم بقتال وفى جملتهم خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة فقتل منهم واخذ ذلك عليه وبعث إليهم عليا بمال فودى لهم قتلاهم ورد عليهم ما أخذ لهم ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدا إلى العزى بيت بنخلة كانت مضر من قريش تعظمه وكنانة وغيرهم وسدنته بنو شيبان من بنى سليم حلفاء بنى هاشم فهدمه ثم ان الانصار توقفوا إلى أن يقيم صلى الله عليه وسلم داره بعد ان فتحها فأغمهم ذلك وخرجوا له فخطبهم صلى الله عليه وسلم وأخبرهم ان المحيا محياهم والممات مماتهم فسكتوا لذلك واطمأنوا * (غزوة حنين) * وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ليلة وهو يقصر الصلاة فبلغه ان هوازن وثقيف جمعوا له وهم عامدون إلى مكة وقد نزلوا حنينا وكانوا حين سمعوا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يظنون انه انما يريدهم فاجتمعت هوازن إلى مالك ابن عوف من بنى نضير وقد أوعب معه بنى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن وبنى جشم بن معاوية وبنى سعد بن بكر وناسا من بنى هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية والاحلاف وبنى مالك بن ثقيف بن بكر ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب وفى جشم دريد بن

[ 46 ]

الصمة بن بكر بن علقمة بن خزاعة بن أزية بن جشم رئيسهم وسيدهم شيخ كبير ليس فيه الا ليؤتم برأيه ومعرفته وفى ثقيف سيدان ليس لهم في الاحلاف الا قارب بن الاسود ابن مسعود بن معتب وفى بنى مالك ذو الخمار سبيع بن الحرث بن مالك وأخوه أحمر وجميع أمر الناس إلى مالك بن عوف فلما أتاهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة اقبلوا عامدين إليه وأسار مالك مع الناس اموالهم ونساءهم وابناءهم يرى انه أثبت لموقفهم فنزلوا باوطاس فقال دريد بن الصمة لمالك ما لى أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير ويعار الشاء وبكاء الصغير فقال أموال الناس وابناءهم سقنا معهم ليقاتلوا عنها فقال راعى ضان والله وهل يرد المنهزم شئ ان كانت لك لم ينفعك الا رجل بسلاحه وان كانت عليه فضحت في أهلك ومالك ثم سال عن كعب وكلاب وأسف لغيابهم وأنكر على مالك رأيه ذلك وقال لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا ارفعهم إلى ممتنع بلادهم ثم ألق الصبيان على متون الخيل فان كانت لك لحق بك من وراءك وان كانت لغيرك كنت قد أحرزت أهلك ومالك و أبى عليه مالك واتبعه هوازن ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبى حدرد الاسلمي يستعلم خبر القوم فجاءه وأطلعه على جلية الخبر وأنهم قاصدون إليه فاستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية مائة درع وقيل أربعمائة وخرج في اثنى عشر ألفا من المسلمين عشرة آلاف الذين صحبوه من المدينة والفان من مسلمة الفتح واستعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية ومضى لوجهه وفى جملة من اتبعه عباس بن مرداس والضحاك بن سفيان الكلابي وجموع من عبس وذبيان ومزينة وبنى أسد ومر في طريقه بشجرة سدر خضراء وكان لهم في الجاهلية مثلها يطوف بها الاعراب ويعظمونها ويسمونها ذات انواط فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات انواط كما لهم ذات انواط فقال لهم قلتم كما قال قوم موسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة والذى نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم واجرم من ذلك ثم نهض حتى أتى وادى حنين من أودية تهامة أول يوم من شوال من السنة الثامنة وهو وادى حزن فتوسطوه في غبش الصبح وقد كنت هوازن في جانبيه فحملوا على المسلمين حملة رجل واحد فولى المسلمون لا يلوى احد على أحد وناداهم صلى الله عليه وسلم فلم يرجعوا وثبت معه أبو بكر وعمر وعلى والعباس وأبو سفيان بن الحرث وابنه جعفر والفضل وقثم ابنا العباس وجماعة سواهم والنبى صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء دلدل والعباس آخذ بشكائمها وكان جهير الصوت فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينادى بالانصار وأصحاب الشجرة قيل وبالمهاجرين فلما سمعوا الصوت وذهبوا ليرجعوا فصدهم ازدحام الناس

[ 47 ]

عن أن يثنوا رواحلهم فاستقاموا وتناولوا سيوفهم وتراسهم واقتحموا عن الرواحل راجعين إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد اجتمع منهم حواليه نحو المائة فاستقبلوا هوازن والناس متلاحقون واشتدت الحرب وحمى الوطيس وقذف الله في قلوب هوازن الرعب حين وصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يملكوا أنفسهم فولوا منهزمين ولحق آخر الناس واسري هوازن مغلولة بين يديه وغنم المسلمون عيالهم وأموالهم واستحر القتل في بنى مالك من ثقيف فقتل منهم يومئذ سبعون رجلا في جملتهم ذو الخمار وأخوه عثمان ابنا عبد الله بن ربيعة بن الحرث بن حبيب سيداهم واما قارب بن الاسود سيد الاحلاف من ثقيف ففر بقومه منذ أول الامر وترك رايته فلم يقتل منهم أحد ولحق بعضهم بنخلة وهرب مالك بن عوف النصرى مع جماعة من قومه فدخلوا الطائف مع ثقيف وانحازت طوائف هوازن إلى اوطاس واتبعتهم طائفة من خيل المسلمين الذين توجهوا من نخلة فأدركوا فيهم دريد بن الصمة فقتلوه يقال قتله ربيعة بن رفيع بن اهبان بن ثعلبة بن يربوع بن سماك بن عوف بن امرئ القيس وبعث صلى الله عليه وسلم إلى من اجتمع بأوطاس من هوازن أبا عامر الاشعري عم أبى موسى فقاتلهم وقتل بسهم رماه به سلمة بن دريد بن الصمة فاخذ أبو موسى الراية وشد على قاتل عمه فقتله وانهزم المشركون واستحر القتل في بنى رباب من بنى نصر بن معاوية وانفضت جموع أهل هوازن كلها واستشهد من المسلمين يوم الخميس أربعة منهم ايمن بن أم أيمن أخو اسامة لامه ويزيد بن زمعة بن الاسود وسراقة بن الحرث من بنى العجلان وأبو عامر الاشعري * (حصار الطائف) * ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا والاموال فحبست بالجعرانة بنظر مسعود بن عمرو الغفاري وسار من فوره إلى الطائف فحاصر بها ثقيف خمس عشرة ليلة وقاتلوا من وراء الحصون وأسلم من كان حولهم من الناس وجاءت وفودهم إليه وقد كان مر في طريقه بحصن مالك بن عوف النصرى فأمر بهدمه ونزل على اطم لبعض ثقيف فتمنع فيه صاحبه فأمر بهدمه فأخرب وتحصنت ثقيف وقد كان عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة من ساداتهم ذهبا إلى جرش يتعلمان صنعة المجانيق والدبابات للحصار لما أحسوا من قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم اياهم فلم يشهدا الحصار ولا حنينا قبله وحاصرهم المسلمون بضع عشرة أو بضعا وعشرين ليلة واستشهد بعضهم بالنبل ورماهم صلى الله عليه وسلم بالمنجنيق ودخل نفر من المسلمين تحت دبابة ودنوا إلى سور الطائف فصبوا عليهم سكك الحديد المحماة ورموهم بالنبل فأصابوا منهم

[ 48 ]

قوما وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع اعنابهم ورغب إليه ابن الاسود بن مسعود في ماله وكان بعيدا من الطائف وكف عنه ثم دخل إلى الطائف وتركهم ونزل أبو بكرة فأسلم واستشهد من المسلمين في حصاره سعيد بن سعيد بن العاصى وعبد الله ابن أبى أمية بن المغيرة اخو أم سلمة وعبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي حليف بنى عدى في آخرين قريبا من اثنى عشر فيهم أربعة من الانصار ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة وأتاه هناك وفد هوازن مسلمين راغبين فخيرهم بين العيال والابناء والاموال فاختاروا العيال والابناء وكلموا المسلمين في ذلك بامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم وقال المهاجرون والانصار ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم وامتنع الاقرع بن حابس وعيينة بن حصن ان يردا عليهم ما وقع لهما من الفئ وساعدهم قومهم وامتنع العباس بن مرداس كذلك وخالف بنو سليم وقالوا ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعوض رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم تطب نفسه عن نصيبه ورد عليهم نساءهم وابناءهم بأجمعهم وكان عدد سبى هوازن ستة آلاف بين ذكر وانثى فيهن الشيما أخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وهى بنت الحرث بن عبد العزى من بنى سعد بن بكر من هوازن وأكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسن إليها وخيرها فاختارت قومها فردها إليهم وقسم الاموال بين المسلمين ثم أعطى من نصيبه من خمس الخمس قوما يستألفهم على الاسلام من قريش وغيرهم فمنهم من أعطاه مائة مائة ومنهم خمسين خمسين ومنهم ما بين ذلك ويسمون المؤلفة وهم مذكورون في كتب السير يقاربون الاربعين (منهم) أبو سفيان وابنه معاوية وحكيم بن حزام وصفوان بن أمية ومالك بن عوف وغيرهم (ومنهم) عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر والاقرع بن حابس وهما من اصحاب المائة واعطى عباس بن مرداس دونهما فانشده أبياته المعروفة يتسخط فيها فقال اقطعوا عنى لسانه فأتموا إليه المائة ولما أعطى المؤلفة قلوبهم وجد الانصار في أنفسهم إذ لم يعطهم مثل ذلك وتكلم شبانهم مع ما كانوا يظنون انه إذا فتح الله عليه بلده يرجع إلى قومه ويتركهم فجمعهم ووعظهم وذكرهم وقال انما أعطى قوما حديثى عهد بالاسلام أتألفهم عليه أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاء والبعير وتنصرفوا برسول الله إلى رحالكم لولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار ولو سلك الانصار شعبا وسلك الناس شعبا لسلكت شعب الانصار فرضوا وافترقوا ثم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة إلى مكة ثم رجع إلى المدينة فدخلها لست بقين من ذى القعدة من السنة الثامنة لشهرين ونصف من خروجه واستعمل على

[ 49 ]

مكة عتاب بن أسيد شابا ينيف عمره على عشرين وكان غلبه الورع والزهد فأقام الحج بالمسلمين في سنته وهو أول أمير أقام حج الاسلام وحج المشركون على مشاعرهم (وخلف) بمكة معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القران (وبعث) بن عمرو العاصى إلى جيفر وعبد ابني الجلندى من الازد بعمان مصدقا فأطاعوا له بذلك واستعمل صلى الله عليه وسلم مالك بن عوف على من أسلم من قومه ومن سلم منهم وماله حوالى الطائف من ثقيف وأمره بمغادرة الطائف من التضييق عليهم ففعل حتى جاؤا مسلمين كما يذكر بعد وحسن اسلام المؤلفة قلوبهم ممن اسلم يوم الفتح أو بعده وان كانوا متفاوتين في ذلك (ووفد) على النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن زهير فاهدر دمه وضاقت به الارض وجاء فاسلم وأنشد النبي صلى الله عليه وسلم قصيدته المعروفة بمدحه التى أولها * بانت سعاد فقلبي اليوم متبول الخ وأعطاه بردة في ثواب مدحه فاشتراها معاوية وورثته بعد موته وصار الخلفاء يتوارثونها شعارا (ووفد) في سنة تسع على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بنو أسد فأسلموا وكان منهم ضرار بن الازور وقالوا قدمنا يا رسول الله قبل أن يرسل الينا فنزلت يمنون عليك أن أسلموا الآية ووفد فيها وفدتين في شهر ربيع الاول ونزلوا على رويفع بن ثابت البلوى وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد منصرفه من الطائف في ذى الحجة إلى شهر رجب من السنة التاسعة (ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم) وكان في غزواته كثيرا ما يورى بغير الجهة التى يقصدها على طريقة الحرب الا ما كان من هذه الغزاة لعسرها بشدة الحرب وبعد البلاد وفصل الفواكه وقلة الظلال وكثرة العدو الذين يصدون وتجهز الناس على ما في أنفسهم من استثقال ذلك وطفق المنافقون يثبطونهم عن الغزو وكان نفر منهم يجتمعون في بيت بعض اليهود فامر طلحة بن عبيد الله أن يخرب عليهم البيت فخربها واستأذن ابن قيس من بنى سلمة في القعود فأذن له واعرض عنه وتدرب كثير من المسلمين بالانفاق والحملان وكان من أعظمهم في ذلك عثمان بن عفان يقال انه انفق فيها ألف دينار وحمل على تسعمائة بعير ومائة فرس وجهز ركابا وجاء بعض المسلمين يستحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجد ما يحملهم عليه فنزلوا باكين لذلك وحمل بعضهم يامين بن عمير النضرى وهما أبو ليلى بن كعب من بنى مازن بن النجار وعبد الله بن المغفل المزني واعتذر المخلفون من الاعراب فعذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نهض وخلف على المدينة محمد بن مسلمة وقيل بل سباع بن عرفطة وقيل بل على بن أبى طالب وخرج معه عبد الله بن أبى ابن سلول في عدد وعدة فلما سار صلى الله عليه وسلم تخلف هو فيمن تخلف من المنافقين ومر صلى الله عليه وسلم على ديار ثمود فأمر ان لا يستعمل ماؤها

[ 50 ]

ويعلف ما عجن منه للابل واذن لهم في بئر الناقة وأمر ان لا يدخلوا عليهم بيوتهم الا باكين ونهى أن يخرج أحد منفردا عن صاحبه فخرج رجلان من بنى ساعدة خنق أحدهما فمسح عليه فشفى والآخر رمته الريح في جبل طى فردوه بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وضل صلى الله عليه وسلم ناقته في بعض الطريق فقال أحد المنافقين محمد يدعى علم خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال والله لا أعلم الا ما علمني الله وان الناقة بموضع كذا وكان قد أوحى إليه بها فوجدوها ثم (وكان) قائل هذا القول زيد بن اللصيت من بنى قينقاع وقيل انه تاب بعد ذلك وفضح الوحى قوما من المنافقين كان يخذلون الناس ويهولون عليهم أمر الروم فتاب منهم مخشى بن جهير ودعا أن يكفر عنه بشهادة يخفى مكانه فقتل يوم اليمامة (ولما) انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحينة بن رؤبة صاحب ايلة وأهل جرباء وأذرح فصالحوا على الجزية وكتب لكل كتابا (وبعث) صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى اكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا وأخبر أنه يجده يصيد البقر واتفق ان بقر الوحش باتت تهد القصر بقرونها فنشط أكيدر لصيدها وخرج ليلا فوافق وصوله خالدا فأخذه وبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنه وصالحه على الجزية ورده وأقام بتبوك عشرين ليلة ثم انصرف وكان في طريقه ماء قليل نهى أن يسبق إليه أحد فسبق رجلان واستنفذا ما فيه فنكر عليهما ذلك ثم وضع يده تحت وشله فصب ما شاء الله أن يصب ونضح به الوشل ودعا فجاش الماء حتى كفى العسكر (و لما) قرب المدينة بساعة من نهار أنفذ مالك بن الدخشم من بنى سالم ومعن بن عدى من بنى العجلان إلى مسجد الضرار فأحرقاه وهدماه وقد كان جماعة من المنافقين بنوه وأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فسألوه الصلاة فيه فقال انا على سفر ولو قدمنا أتيناكم فصلينا لكم فيه فلما رجع أمر بهدمه (وفى هذه الغزاة) تخلف كعب بن مالك من بنى سلمة ومرارة بن الربيع من بنى عمرو بن عوف وهلال بن أمية بن واقف وكانوا صالحين فنهى صلى الله عليه وسلم عن كلامهم خمسين يوما ثم نزلت توبتهم وكان المتخلفون من غير عذر نيفا وثلاثين رجلا وكان وصوله صلى الله عليه وسلم من تبوك في رمضان سنة تسع (وفيه) كانت وفادة ثقيف واسلامهم ونزل الكثير من سورة براءة في شأن المنافقين وما قالوه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها صلى الله عليه وسلم * (اسلام عروة بن مسعود ثم وفد ثقيف وهدم اللات) * كان صلى الله عليه وسلم لما أفرج عن الطائف وارتحل المدينة اتبعه عروة بن مسعود

[ 51 ]

سيدهم فأدركه في طريقه وأسلم ورجع يدعو قومه فرمى بسهم في سطح بيته وهو يؤذن للصلاة فمات ومنع قومه من الطلب بدمه وقال هي شهادة ساقها الله إلى واوصى ان يدفن مع شهداء المسلمين ثم قدم ابنه أبو المليح وقارب بن الاسود بن مسعود فأسلما وضيق مالك بن عوف على ثقيف واستباح سرحهم وقطع سابلتهم وبلغهم رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك وعلموا ان لا طاقة لهم بحرب العرب وفزعوا إلى عبد ياليل بن عمرو بن عمير فشرط عليهم أن يبعثوا معه رجالا منهم ليحضروا مشهده خشية على نفسه مما نزل بعروة فبعثوا معه رجلين من احلاف قومه وثلاثا من بنى مالك فخرج بهم عبد يا ليل وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من السنة التاسعة يريدون البيعة والاسلام فضرب لهم قبة في المسجد وكان خالد بن سعيد بن العاصى يمشى في أمرهم وهو الذى كتب كتابهم بخطه وكانوا لا يأكلون طعاما يأتيهم حتى يأكل منه خالد وسألوه أن يدع لهم اللات ثلاث سنين رغبا لنسائهم وابنائهم حتى يأنسوا فابى وسألوه أن يعفيهم من الصلاة فقال لا خير في دين لا صلاة فيه فسألوه أن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم فقال اما هذه فسنكفيكم منها فأسلموا وكتب لهم وأمر عليهم عثمان بن أبى العاصى اصغرهم سنا لانه كان حريصا على الفقه وتعلم القرآن ثم رجعوا إلى بلادهم وخرج معه أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم اللات وتأخر أبو سفيان حتى دخل المغيرة فتناولها بيده ليهدمها وقام بنو معتب دونه خشية عليه ثم جاء أبو سفيان وجمع ما كان لها من الحلى وقضى منه دين عروة والاسود ابني مسعود كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقسم الباقي * (الوفود) * ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك وأسلمت ثقيف ضربت إليه وفود العرب من كل وجه حتى لقد سميت سنة الوفود (قال ابن اسحق) وانما كانت العرب تتربص بالاسلام أمر هذا الحى من قريش وأمر النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ان قريشا كانوا امام الناس وهاديهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد اسمعيل وقادتهم لا ينكرون لهم وكانت قريش هي التى نصبت لحربه وخلافه فلما استفتحت مكة ودانت قريش ودخلها الاسلام عرفت العرب انهم لا طاقة لهم بحربه وعداوته فدخلوا في دينه أفواجا يضربون إليه من كل وجه انتهى (فأول) من قدم إليه بعد تبوك وفد بنى تميم وفيه من رؤسهم عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس من بنى دارم بن مالك والحتات بن زيد والاقرع بن حابس والزبرقان بن بدر من بنى سعد وقيس بن عاصم وعمرو بن الاهتم وهما من بنى منقر ونعيم بن زيد ومعهم عيينة بن حصن

[ 52 ]

الفزارى وقد كان الاقرع وعيينة شهدا فتح مكة وخيبر وحصار الطائف ثم جاآ مع وفد بنى تميم فلما دخلوا المسجد ونادوا من وراء الحجرات فنزلت الآيات في انكار ذلك عليهم ولما خرج قالوا جئنا نفاخرك بخطيبنا وشاعرنا فأذن لهم فخطب عطارد وفاخر ويقال والاقرع بن حابس ثم أنشد الزبرقان بن بدر شعرا بالمفاخرة ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن الشماس من بنى الحرث بن الخزرج فخطب وحسان بن ثابت فأنشد مساجلين لهم فاذعنوا للخطبة والشعر والسؤدد والحلم وقالوا هذا الرجل هو مؤيد من الله خطيبه أخطب من خطيبنا وشاعره أشعر من شاعرنا وأصواتهم أعلى من أصواتنا ثم اسلموا واحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم جوائزهم وهذا كان شأنه مع الوفود ينزلهم إذا قدموا ويجهزهم إذا رحلوا (ثم قدم) على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر رمضان مقدمه من تبوك كتاب ملوك حمير مع رسولهم ومع الحرث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين وهمدان ومعافر (وبعث زرعة) ابن ذى يزن رسوله مالك بن مرة الرهاوى باسلامهم ومفارقة الشرك وأهله وكتب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم كتابه (وبعث إلى ذى يزن) معاذ بن جبل مع رسوله مالك ابن مرة يجمع الصدقات واوصاهم برسله معاذ واصحابه ثم مات عبد الله بن أبى ابن سلول في ذى القعدة ونعى رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي وانه مات في رجب قبل تبوك (وقدم) وفد بهرا في ثلاثة عشر رجلا ونزلوا على المقداد بن عمرو وجاء بهم فأسلموا وأجازهم وانصرفوا (وقدم) وفد بنى البكاء ثلاثة نفر منهم (وقدم) وفد بنى فزارة بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن وابن أخيه الحر بن قيس فأسلموا (ووفد) عدى بن حاتم من طى فأسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث قبل تبوك إلى بلاد طى على بن ابى طالب في سرية فأغار عليهم واصيب حاتم وسبيت ابنته وغنم سيفين في بيت اصنامهم كانتا من قربان الحرث بن ابى شمر وكان عدى قد هرب قبل ذلك ولحق ببلاد قضاعة بالشام فرارا من جيوش المسلمين وجوارا لاهل دينه من النصارى واقام بينهم ولما سيقت ابنة حاتم جعلت في الحظيرة بباب المسجد التى كانت السبايا تحبس بها ومر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته ان يمن عليها فقال قد فعلت ولا تعجلى حتى تجدى ذائقة من قومك يبلغك إلى بلادك ثم اذنينى قالت فأقمت حتى قدم ركب من بنى قضاعة وأنا اريد ان آتى اخى بالشام فعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكساني وحملنى وزودني وخرجت معهم فقدمت الشام فلما لقيها عدى تلاوما ساعة ثم قال لها ماذا ترين في أمرى مع هذا الرجل فأشارت عليه باللحاق به فوفد وأكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخله إلى بيته وأجلسه على وسادته بعد ان استوقفته في طريقه

[ 53 ]

امرأة فوقف لها فعلم عدى انه ليس بملك وانه نبى ثم أخبره عن أخذه المرباع من قومه ولا يحل له فازداد استبصارا فيه ثم قال لعله انما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم فيوشك ان يفيض المال فيهم حتى لا يوجد من يأخذه أو لعله يمنعك ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فو الله ليوشكن ان تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف أو لعلك انما يمنعك من الدخول فيه انك ترى الملك والسلطان لغيرهم فيوشك ان تسمع بالقصور البيض من بابل قد فتحت فأسلم عدى وانصرف إلى قومه ثم أنزل الله على نبيه الاربعين آية من أول براءة في نبذ هذا العهد الذى بينه وبين المشركين ان لا يصدوا عن البيت ونهوا ان يقرب المسجد الحرام مشرك بعد ذلك وان لا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فيتم له إلى مدته وأجلهم أربعة اشهر من يوم النحر فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآيات أبا بكر وأمره على اقامة الحج بالموسم من هذه السنة فبلغ ذا الحليفة فأتبعه بعلى فأخذها منه فرجع أبو بكر مشفقا ان يكون نزل فيه قرآن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل شئ ولكن لا يبلغ عنى غيرى أو رجل منى فسار أبو بكر على الحج وعلى على الاذان ببراءة فحج أبو بكر بالناس وهم على حج الجاهلية وقام على عند العقبة يوم الاضحى فأذن بالآية التى جاء بها (قال) الطبري وفى هذه السنة فرضت الصدقات لقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها الآية (وفيها) قدم وفد ثعلبة بن سعد ووفد سعد هذيم من قضاعة قال الطبري (وفيها) بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا فاستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جاء به من الاسلام وذكر التوحيد والصلاة والزكوة والصيام والحج واحدة واحدة حتى إذا فرغ تشهد واسلم وقال لاودى هذه الفرائض وأجتنب ما نهيت عنه ثم لا أزيد عليها ولا انقص فلما انصرف قال صلى الله عليه وسلم ان صدق دخل الجنة ثم قدم على قومه فأسلموا كلهم يوم قدومه (و الذى عليه الجمهور) ان قدوم ضمام وقصته كانت سنة خمس (ثم دخلت) سنة عشر فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في ربيع أو جمادى في سرية اربعمائة إلى نجران وما حولها يدعو بنى الحرث بن كعب إلى الاسلام ويقاتلهم ان لم يفعلوا فأسلموا واجابوا داعيته وبعث الرسل في كل وجه فأسلم الناس فكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه بأن يقدم مع وفدهم فاقبل خالد ومعه وفد بنى الحرث بن كعب منهم قيس بن الحصين ذو القصة ويزيد بن عبد المدان ويزيد بن المحجل وعبد الله بن قراد الزيادي وشداد بن عبد الله الضبابى وعمرو بن عبد الله الضبابى فأكرمهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم بم كنتم تغلبون

[ 54 ]

من يقاتلكم في الجاهلية قالوا كنا نجتمع ولا نفترق ولا نبدأ أحدا بظلم قال صدقتم فأسلموا وأمر عليهم قيس بن الحصين ورجعوا صدر ذى القعدة من سنة عشر ثم أتبعهم عمرو بن حزم من بنى النجار ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة وكتب إليه كتابا عهد إليه فيه عهده وأمره بأمره وأقام عاملا على نجران وهذا الكتاب وقع في السير مرويا واعتمده الفقهاء في الاستدلالات وفيه مآخذ كثيرة للاحكام الفقهية ونصه بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله ورسوله يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عهدا من محمد النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن آمره بتقوى الله في أمره كله فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وآمره ان ياخذ بالحق كما أمره الله وان يبشر الناس بالخير ويأمرهم به ويعلم الناس القرآن ويفهمهم فيه وأن ينهى الناس فلا يمس القرآن انسان الا وهو طاهر وان يخبر الناس بالذى لهم والذى عليهم ويلين للناس في الحق ويشتد عليهم في الظلم فان الله حرم الظلم ونهى عنه فقال ألا لعنة الله على الظالمين وأن يبشر الناس بالجنة وبعملها وينذر الناس النار وعملها ويستألف الناس حتى يتفقهوا في الدين ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه وما أمر الله به والحج الاكبر والحج الاصغر وهو العمرة وينهى الناس أن يصلى أحد في ثوب واحد صغير الا أن يكون واسعا يثنى طرفيه على عاتقيه وينهى ان يحتبى أحد في ثوب واحد ويفضى بفرجه إلى السماء وينهى أن يقص أحد شعر رأسه إذا عفا في قفاه وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له فمن لم يدع إلى الله ودعا القبائل والعشائر فليعطفوه بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له ويأمر الناس باسباغ الوضوء في وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين وان يمسحوا برؤوسهم كما أمرهم الله وآمره بالصلاة لوقتها واتمام الركوع والسجود وأن يغلس بالصبح ويهجر بالهاجرة حتى تميل الشمس وصلاة العصر والشمس في الارض مدبرة والمغرب حين يقبل الليل لا يؤخر حتى تبدو نجوم السماء والعشاء أول الليل وآمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودى لها والغسل عند الرواح إليها وآمره أن يأخذ من الغنائم خمس الله وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين أو سقت السماء وعلى ما سقى الغرب نصف العشر وفى كل عشر من الابل شاتان وفى كل عشرين اربع شياه وفى كل أربعين من البقر بقرة وفى كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة فانها فريضة الله التى افترض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو خير له وانه من أسلم من يهودى أو نصراني اسلاما خالصا من

[ 55 ]

نفسه ودان بدين الاسلام فانه من المؤمنين له مثل ما لهم وعليه ما عليهم ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فانه لا يرد عنها وعليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه ثيابا فمن أدى ذلك فان له ذمة الله وذمة رسوله ومن منع ذلك فانه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمته وبركاته (وقدم وفد غسان) في رمضان من هذه السنة العاشرة في ثلاثة نفر فاسلموا وانصرفوا إلى قومهم فلم يجيبوا إلى الاسلام فكتموا أمرهم وهلك اثنان منهم ولقى الثالث أبو عبيدة عامر باليرموك فأخبره باسلامه (وقدم عليه) وفد عامر عشرة نفر فأسلموا وتعلموا شرائع الاسلام واقرأهم أبى القرآن وانصرفوا (وقدم) في شوال وفد سلامان سبعة نفر رئيسهم حبيب فاسلموا وتعلموا الفرائض وانصرفوا (وفيها) قدم وفد أزدجرش وفد فيهم صرد بن عبد الله الازدي في عشرة من قومه ونزلوا على فروة بن عمرو وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلموا صردا على من أسلم منهم وأن يجاهد المشركين حوله فحاصر جرش ومن بها من خثعم وقبائل اليمن وكانت مدينة حصينة اجتمع إليها أهل اليمن حين سمعوا بزحف المسلمين فحاصرهم شهرا ثم قفل عنهم فظنوا انه انهزم فاتبعوه إلى جبل شكر فصف وحمل عليهم ونال منهم وكانوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رائدين وأخبرهما ذلك اليوم بواقعة شكر وقال ان بدن الله لتنحر عنده الآن فرجعا إلى قومهما واخبراهم بذلك وأسلموا وحمى لهم حمى حول قريتهم (وفيها) كان اسلام همدان ووفادتهم على يد على رضى الله عنه وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاسلام فمكت ستة أشهر لا يجيبونه فبعث عليه السلام على بن أبى طالب وأمره أن يقفل خالدا فلما بلغ على أوائل اليمن جمعوا له فلما لقوه صفوا فقدم على الانذار وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان كلها في ذلك اليوم وكتب بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسجد لله شكرا ثم قال السلام على همدان ثلاث مرات ثم تتابع أهل اليمن على الاسلام وقدمت وفودهم وكان عمرو بن معد يكرب الزبيدى قال لقيس بن مكشوح المرادى اذهب بنا إلى هذا الرجل فلن يخفى علينا أمره فأبى قيس من ذلك فقدم عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وكان فروة بن مسيك المرادى على زبيد لانه وفد قبل عمرو مفارقا لملوك كندة فأسلم ونزل على سعد بن عبادة وتعلم القرآن وفرائض الاسلام واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد وزبيد ومذحج كلها وبعث معه خالد بن سعيد بن العاصى على الصدقة فكان معه في بلاده حتى كانت الوفاة (وفى هذه السنة) قدم وفد عبد القيس يقدمهم الجارود بن عمرو وكانوا على دين النصرانية فأسلموا ورجعوا إلى

[ 56 ]

قومهم ولما كانت الوفاة وارتد عبد القيس ونصبوا المنذر بن النعمان بن المنذر الذى يسمى الغرور ثبت الجارود على الاسلام وكان له المقام المحمود وهلك قبل ان يراجعوا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدى فأسلم وحسن اسلامه وهلك بعد الوفاة وقبل ردة أهل البحرين والعلاء أمير عنده لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين (وفى) هذه السنة قدم وفد بنى حنيفة في سنة عشر فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب ورجال بن عنفوة وطلق بن على بن قيس وعليهم سلمان بن حنظلة فأسلموا وأقاموا أياما يتعلمون القرآن من أبى بن كعب ورجال يتعلم وطلق يؤذن لهم ومسيلمة في الرحال وذكروا للنبى صلى الله عليه وسلم مكانه في رحالهم فأجازه وقال ليس بشركم مكانا لحفظه رحالكم فقال مسيلمة عرف ان الامر لى من بعده ثم ادعى مسيلمة بعد ذلك النبوة وشهد له طلق ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اشركه في الامر فافتتن الناس به كما سنذكره (وفيها) قدم وفد كندة يقدمهم الاشعث بن قيس في بضعة عشر وقيل في ستين وقيل في ثمانين وعليهم الديباج والحرير وأسلموا ونهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنه فتركوه وقال له اشعث نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار فضحك وقال ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحرث وكانا تاجرين فإذا ساحا في أرض العرب قال نحن بنو آكل المرار فيعتز بذلك لان لهم عليه ولادة من الامهات ثم قال لهم لا نحن بنو النضر بن كنانة فانتفوا منا ولا ننتفى من أبينا (وقدم) مع وفد كنانة وفد حضر موت وهم بنو وليعة وملوكهم جد ومخوس ومشرح وأبضعة فأسلموا ودعا لمخوس بازالة الرتة من لسانه (وقدم وائل بن حجر) راغبا في الاسلام فدعا له ومسح رأسه ونودى الصلاة جامعة سرورا بقدومه وامر معاوية ان ينزله بالحرة فمشى معه وكان راكبا فقال له معاوية اعطني نعلك أتوقى بها الرمضاء فقال ما كنت لالبسها وقد لبستها وفى رواية لا يبلغ أهل اليمن ان سوقة لبس نعل ملك فقال اردفني قال لست من ارداف الملوك ثم قال ان الرمضاء قد احرقت قدمى قال امش في ظل ناقتي كفاك به شرفا ويقال انه وفد على معاوية في خلافته فأكرمه وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب محمد النبي لوائل بن حجر قيل حضر موت انك ان أسلمت لك ما في يديك من الارض والحصون ويؤخذ منك من كل عشر واحدة ينظر في ذلك ذوا عدل وجعلت لك ألا تظلم فيها معلم الدين والنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون أشهاد عليه قال عياض (وفيه) إلى الاقيال العباهلة والاوراع المشابيب (وفيه) في التيعة شاة لا مقورة الالياط ولا ضناك وأنطوا الثبجة وفى السيوب الخمس ومن زنى ممبكر

[ 57 ]

فاصقعوه مائة واستوفضوه عاما ومن زنى ممثيب فضرجوه بالاضاميم ولا توصيم في الدين ولا غمة في فرائض الله وكل مسكر حرام ووائل بن حجر يترفل على الاقيال (و فيها) قدم وفد محارب في عشرة نفر فأسلموا (وفيها) قدم وفد الرها من مذحج في خمسة عشر نفرا وأهدوا فرسا فاسلموا وتعلموا القرآن وانصرفوا ثم قدم نفر منهم وحجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفى فأوصى لهم بمائة وسق من خيبر جارية عليهم من الكتيبة وباعوها من معاوية (وفيها) قدم وفد نجران النصارى في سبعين راكبا يقدمهم أميرهم العاقب عبد المسيح من كندة وأسقفهم أبو حارثة من بكر بن وائل والسيد الايهم وجادلوا عن دينهم فنزل صدر سورة آل عمران وآية المباهلة فأبوا منها وفرقوا وسألوا الصلح وكتب لهم به على ألف حلة في صفر وألف في رجب وعلى دروع ورماح وخيل وحمل ثلاثين من كل صنف وطلبوا ان يبعث معهم واليا يحكم بينهم فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح ثم جاء العاقب والسيد وأسلما (وفيها) قدم وفد الصدف من حضر موت في بضعة عشر نفرا فأسلموا وعلمهم أوقات الصلاة وذلك في حجة الوداع (وفى هذه السنة) قدم وفد عبس قال ابن الكلبى وفد منهم رجل واحد فأسلم ورجع ومات في طريقه وقال الطبري وفيها وفد عدى بن حاتم في شعبان انتهى (وفيها) قدم وفد خولان عشرة نفر فأسلموا وهدموا صنمهم وكان وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر رفاعة بن زيد الضبيبى من جذام وأهدى غلاما فاسلم وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا يدعوهم إلى الاسلام فأسلموا ولم يلبث ان قفل دحية بن خليفة الكلبى منصرفا من عند هرقل حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ومعه تجارة فأغار عليه الهنيد بن عوض وقومه بنو الضليع من بطون جذام فأصابوا كل شئ معه وبلغ ذلك مسلمين من بنى الضبيب فاستنقذوا ما أخذه الهنيد وابنه وردوه على دحية وقدم دحية على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فبعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في جيش من المسلمين فأغار عليهم بالقضقاض من حرة الرمل وقتلوا الهنيد وابنه في جماعة وكان معهم ناس من بنى الضبيب فاستباحوهم معهم وقتلوهم فركب رفاعة بن زيد ومعه أبو زيد بن عمر ومن قومه في جماعة منهم فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم واخبروه الخبر فقال كيف اصنع بالقتلى فقالوا يا رسول الله اطلق لنا من كان حيا فبعث معهم على بن ابى طالب وحمله على جمل واعطاه سيفه فلحقه بفيفاء الفحلتين وامره برد اموالهم فردها (وفى هذه السنة) قدم وفد عامر بن صعصعة فيهم عامر بن الطفيل بن مالك وأربد بن ربيعة بن مالك فقال له عامر يا محمد اجعل لى الامر بعدك قال ليس ذلك لك ولا لقومك قال اجعل لى الوبر ولك المدر قال لا

[ 58 ]

ولكن أجعل لك أعنة الخيل فانك امرؤ فارس فقال لاملانها عليك خيلا ورجلا ثم ولوا فقال اللهم اكفنيهم اللهم اهد عامرا وأغن الاسلام عن عامر (وذكر) ابن اسحق والطبري انهما أرادا الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقدروا عليه في قصة ذكرها أهل الصحيح ثم رجعوا إلى بلادهم فاخذه الطاعون في عنقه فمات في طريقه في أحياء بنى سلول وأصابت أخاه أربد صاعقة بعد ذلك ثم قدم علقمة بن علاثة بن عوف وعوف بن خالد بن ربيعة وابنه فاسلموا (وفيها) قدم وفد طيئ في خمسة عشر نفرا يقدمهم سيدهم زيد الخيل وقبيصة بن الاسود من بنى نبهان فأسلموا وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير واقطع له بئرا وارضين معها وكتب له بذلك ومات في مرجعه (وفى هذه السنة) ادعى مسيلمة النبوة وانه أشرك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الامر وكتب إليه من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك فانى قد أشركت في الامر معك وان لنا نصف الارض ولقريش نصف الارض ولكن قريش قوم لا يعدلون وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى اما بعد فان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قال الطبري وقد قيل ان ذلك كان بعد منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوراع كما نذكر * (حجة الوداع) * ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حجة الوداع في خمس ليال بقين من ذى القعدة ومعه من اشراف الناس ومائة من الابل عريا ودخل مكة يوم الاحد لاربع خلون من ذى الحجة ولقيه على بن أبى طالب بصدقات نجران فحج معه وعلم صلى الله عليه وسلم الناس بمناسكهم واسترحمهم وخطب الناس بعرفة خطبته التى بين فيها ما بين حمد الله واثنى عليه ثم قال ايها الناس اسمعوا قولى فانى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا أيها الناس ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى ان تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وحرمة شهركم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن اعمالكم وقد بلغت فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وان كان ربا فهو موضوع ولكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله انه لا ربا ان ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله وان كل دم في الجاهلية موضوع كله وان أول دم يوضع دم ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب وكان مسترضعا في بنى ليث فقتله بنو هذيل فهو أول ما ابدأ من دم الجاهلية أيها الناس ان الشيطان قد يئس من أن يعبد بارضكم هذه أبدا ولكنه رضى ان يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم انما النسئ

[ 59 ]

زيادة في الكفر إلى فيحلوا ما حرم الله ألا وان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض وان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الفرد الذى بين جمادى وشعبان أما بعد أيها الناس فان لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا لكم عليهن ان لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه وعليهن ان لا يأتين بفاحشة مبينة فان فعلن فان الله قد أذن لكم ان تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فان انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيرا فانهن عندكم عوان لا يملكن لانفسهن شيئا وانكم انما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاعقلوا أيها الناس واسمعوا قولى فانى قد بلغت قولى وتركت فيكم ما ان استعصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه أيها الناس اسمعوا قولى واعلموا ان كل مسلم أخو المسلم وان المسلمين اخوة فلا يحل لامرئ من مال أخيه الا ما أعطاه اياه عن طيب نفس فلا تظلموا أنفسكم ألا هل بلغت فذكر انهم قالوا اللهم نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اشهد (وكانت) هذه الحجة تسمى حجة البلاغ وحجة الوداع لانه لم يحج بعدها وكان قد حج قبل ذلك حجتين واعتمر مع حجة الوداع عمرة فتلك ثلاث ثم انصرف إلى المدينة في بقية ذى الحجة من العاشرة * (العمال على النواحى) * كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلم باذان عامل كسرى على اليمن وأسلمت اليمن أمره على جميع مخاليفها ولم يشرك معه فيها أحدا حتى مات وبلغه موته منصرفه من حجة الوداع فقسم عمله على جماعة من أصحابه فولى صنعاء ابنه شهر بن باذان وعلى مأرب ابا موسى الاشعري وعلى الجند يعلى بن أمية وعلى همدان عامر بن شهر الهمداني وعلى غك والاشعريين الطاهر بن أبى هالة وعلى ما بين نجران وزمع وزبيد خالد بن سعيد بن العاصى وعلى نجران عمرو بن حزم وعلى بلاد حضر موت زياد بن لبيد البياضى وعلى السكاسك والسكون عكاشة بن ثور بن أصفر الغوثى وعلى معاوية بن كندة عبد الله المهاجر بن ابى أمية واشتكى المهاجر فلم يذهب فكان زياد بن لبيد يقوم على عمله وبعث معاذ بن جبل معلما لاهل اليمن وحضرموت وكان قبل ذلك قد بعث على الصدقات عدى بن حاتم على صدقة طيئ وأسد ومالك بن نويرة على صدقات بنى حنظلة وقسم صدقة بنى سعد بين رجلين منهم وبعث العلاء بن الحضرمي على البحرين وبعث على بن أبى طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم وجزيتهم ويقدم عليه بها فوافاه من حجة الوداع كما مر

[ 60 ]

(خبر العنسى) كان الاسود العنسى واسمه عبهلة بن كعب ولقبه ذو الخمار وكان كاهنا مشعوذا يفعل الاعاجيب ويخلب بحلاوة منطقه وكانت داره كهف حنار بها ولد ونشا وادعى النبوة وكاتب مذحجا عامة فأجابوه ووعدوه نجران فوثبوا بها وأخرجوا عمرو بن حزم وخالد بن سعيد بن العاصى وأقاموه في عملها ووثب قيس بن عبد يغوث على فروة بن مسيك وهو على مراد فأجلوه وسار الاسود في سبعمائة فارس إلى شهر ابن باذان بصنعاء فلقيه شهر بن باذان فهزمه الاسود فقتله وغلب على ما بين صنعاء وحضر موت إلى اعمال الطائف إلى البحرين من قبل عدن وجعل يطير استطارة الحريق وعامله المسلمون بالتقية وارتد كثير من أهل اليمن وكان عمرو بن معدى كرب مع خالد بن سعيد بن العاصى فخالفه واستجاب للاسود فسار إليه خالد ولقيه فاختلفا ضربتين فقطع خالد سيفه الصمصامة وأخذها ونزل عمرو عن فرسه وفتك في الخيل ولحق عمرو بن الاسود فولاه على مذحج وكان أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث المرادى وأمر الابناء إلى فيروز ودادويه وتزوج امرأة شهر بن باذان واستفحل أمرء وخرج معاذ بن جبل هاربا ومر بأبى موسى في مأرب فخرج معه ولحقا بحضرموت ونزل معاذ في السكون وأبو موسى في السكاسك ولحق عمرو بن حزم وخالد بن سعيد بالمدينة وأقام الطاهر بن أبى هالة ببلاد عك حيال صنعاء فلما ملك الاسود اليمن واستفحل استخف بقيس بن عبد يغوث وبفيروز ودادويه وكانت ابنة عم فيروز هي زوجة شهر ابن باذان التى تزوجها الاسود بعد مقتله واسمها أزاد وبلغ الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكتب مع وبر بن يحنس إلى الابناء وابى موسى ومعاذ والطاهر يأمرهم فيه أن يعملوا في أمر الاسود بالغيلة أو المصادمة ويبلغ منه من يروم عنده دينا أو نجدة وقام معاذ والابناء في ذلك فداخلوا قيس بن عبد يغوث في أمره فأجاب ثم داخل فيروز بنت عمه زوجة الاسود فواعدته قتله وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن شهر الهمداني وبعث جرير بن عبد الله إلى ذى الكلاع وذى أمر ان وذى ظليم من أهل ناحيته والى أهل نجران من عربهم ونصاراهم واعترضوا الاسود ومشوا وتنحوا إلى مكان واحد وأخبر الاسود شيطانه بغدر قيس وفيروز ودادويه فعاتبهم وهم بهم ففروا إلى امرأته وواعدتهم أن ينقبوا البيت من ظهره ويدخلوا فيبيتوه ففعلوا ذلك ودخل فيروز ومعه قيس ففتل عنقه ثم ذبحه فنادى بالاذان عند طلوع الفجر ونادى دادويه بشعار الاسلام وأقام وبر بن يحنس الصلاة واهتاج الناس مسلمهم وكافرهم وماج بعضهم في بعض واختطف الكثير من أصحابه صبيانا من ابناء المسلمين وبرزوا وتركوا

[ 61 ]

كثيرا من ابنائهم ثم تراسلوا في رد كل ما بيده وأقاموا يترددون فيما بين صنعاء ونجران وخلصت صنعاء والجنود وتراجع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى اعمالهم وتنافسوا الامارة في صنعاء ثم اتفقوا على معاذ فصلى بهم وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر وكان قد أتى خبر الواقعة من السماء فقال في غداتها قتل العنسى البارحة قتله رجل مبارك وهو فيروز ثم قدمت الرسل وقد توفى النبي صلى الله عليه وسلم (بعث اسامة) ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع آخر ذى الحجة ضرب على الناس في شهر المحرم بعثا إلى الشام وأمر عليهم مولاه اسامة بن زيد بن حارثة أمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم إلى الاردن من أرض فلسطين ومشارف الشام فتجهز الناس وأوعب معه المهاجرون الاولون فبينا الناس على ذلك ابتدأ صلى الله عليه وسلم بشكواه التى قبضه الله فيها إلى كرامته ورحمته وتكلم المنافقون في شان الكرامة وبلغ الخبر بارتداد الاسود ومسيلمة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصبا رأسه من الصداع وقال انى رأيت البارحة في نومى أن في عضدي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفتختهما فطارا فأولتهما هذين الكذابين صاحب اليمامة وصاحب اليمن وقد بلغني ان أقواما تكلموا في امارة اسامة ان يطعنوا في امارته لقد طعنوا في امارة أبيه من قبله وان كان أبوه لحقيقا بالامارة وانه لحقيق بها انفروا فبعث اسامة فضرب اسامة بالجرف وتمهل وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفاه الله قبل توجه اسامة (أخبار الاسود ومسيلمة وطليحة) كان النبي صلى الله عليه وسلم بعدما قضى حجة الوداع تحلل به السيرة فاشتكى وطارت الاخبار بذلك فوثب الاسود باليمن كما مر ووثب مسيلمة باليمامة ثم وثب طليحه بن خويلد في بنى أسد يدعى كلهم النبوة وحاربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسل والكتب إلى عماله ومن ثبت على اسلامه من قومهم أن يجدوا في جهادهم فأصيب الاسود قبل وفاته بيوم ولم يشغله ما كان فيه من الوجع عن أمر الله والذب عن دينه فبعث إلى المسلمين من العرب في كل ناحية من نواحى هؤلاء الكذابين يأمرهم بجهادهم وجاء كتاب مسيلمة إليه فأجابه كما مر وجاء ابن أخى طليحة يطلب الموادعة فدعا عليه صلى الله عليه وسلم حتى كان من حكم الله فيهم بعده ما كان (مرضه صلى الله وسلم عليه) أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ان الله نعى إليه نفسه بقوله إذا جاء نصر الله والفتح إلى آخر السورة ثم بدأه الوجع لليلتين بقيتا من صفر وتمادى به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استقر به في بيت ميمونة فاستأذن نساءه أن يمرض في بيت عائشة فأذن له وخرج على الناس فخطبهم وتحلل منهم وصلى على شهداء أحد واستغفر لهم ثم قال لهم ان عبدا من عباد الله

[ 62 ]

خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده وفهمها أبو بكر فبكى فقال بل نفديك بانفسنا وأبنائنا فقال على رسلك يا أبا بكر ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فرحب بهم وعيناه تدمعان ودعا لهم كثيرا وقال أوصيكم بتقوى الله وأوصى الله بكم وأستخلفه عليكم وأودعكم إليه انى لكم نذير وبشير ألا تعلوا على الله في بلاده وعباده فانه قال لى ولكم تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين وقال أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (ثم سألوه) عن مغسله فقال الادنون من أهلى (وسألوه) عن الكفن فقال في ثيابي هذه أو ثياب مصر أو حلة يمانية (وسألوه) عن الصلاة عليه فقال ضعوني على سريري في بيتى على شفير قبري ثم اخرجوا عنى ساعة حتى تصل على الملائكة ثم ادخلوا فوجا بعد فوج فصلوا وليبدأ رجال أهلى ثم نساؤهم (وسالوه) عمن يدخله القبر قال أهلى ثم قال أئتونى بدواة وقرطاس اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده فتنازعوا وقال بعضهم أهجر يستفهم ثم ذهبوا يعيدون عليه ثم قال دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه (وأوصى بثلاث) أن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب وان يجيزوا الوفد كما كان يجيزهم وسكت عن الثالثة أو نسيها الراوى وأوصى بالانصار فقال انهم كرشى وعيبتى التى أويت إليها فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم قد أصبحتم يا معشر المهاجرين تزيدون والانصار لا يزيدون ثم قال سدوا هذه الابواب في المسجد الا باب أبى بكر فانى لا أعلم أمرأ أفضل يدا عندي في الصحبة من أبى بكر ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة اخاء وايمان حتى يجمعنا الله عنده ثم ثقل به الوجع وأغمى عليه فاجتمع إليه نساؤه وبنوه وأهل بيته والعباس وعلى ثم حضر وقت الصلاة فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة انه رجل أسيف لا يستطيع أن يقوم مقامك فمر عمر فامتنع عمر وصلى أبو بكر ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة فخرج فلما أحس أبو بكر تأخر فجذبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقامه مكانه وقرأ من حيث انتهى أبو بكر ثم كان أبو بكر يصلى بصلاته والناس بصلاة أبى بكر قيل صلوا كذلك سبع عشرة صلاة وكان يدخل يده في القدح وهو في في النزع فيمسح وجهه بالماء ويقول اللهم أعنى على سكرات الموت فلما كان يوم الاثنين وهو يوم وفاته خرج إلى صلاة الصبح عاصبا رأسه وأبو بكر يصلى فنكص عن صلاته ورده رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وصلى قاعدا عن يمينه ثم أقبل على الناس بعد الصلاة فوعظهم وذكرهم (ولما فرغ من كلامه) قال له أبو بكر انى أراك أصبحت بنعمة الله وفضله كما نحب وخرج إلى أهله في السنح ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته فاضطجع في حجرة عائشة ودخل عبد الرحمن بن أبى بكر عليه وفى يده سواك

[ 63 ]

أخضر فنظر إليه وعرفت عائشة انه يريده قالت فمضغته حتى لان وأعطيته اياه فاستن به ثم وضعه ثم ثقل في حجري فذهبت انظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول الرفيق الاعلى من الجنة فعلمت انه خير فاختار (وكانت تقول) قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحرى وذلك نصف نهار يوم الاثنين لليلتين من شهر ربيع الاول ودفن من الغد نصف النهار من يوم الثلاثاء ونادى النعى في الناس بموته وأبو بكر غائب في أهله بالسنح وعمر حاضر فقام في الناس وقال ان رجالا من المنافقين زعموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وانه لم يمت وانه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وليرجعن فيقطعن أيدى رجال وأرجلهم وأقبل أبو بكر حين بلغه الخبر فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكشف عن وجهه وقبله وقال بأبى انت وامى قد ذقت الموتة التى كتب الله عليك ولن يصيبك بعدها موتة أبدا وخرج إلى عمر وهو يتكلم فقال أنصت فأبى وأقبل على الناس يتكلم فجاؤا إليه وتركوا عمر فحمد الله وأثنى عليه وقال أيها الناس من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حى لا يموت ثم تلا وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل الآية فكأن الناس لم يعلموا ان هذه الآية في المنزل قال عمر فما هو الا أن سمعت أبا بكر يتلوها فوقعت إلى الارض ما تحملني رجلاى وعرفت انه قد مات وقيل تلا معها انك ميت وانهم ميتون الآية وبينما هم كذلك إذ جاء رجل يسعى بخبر الانصار انهم اجتمعوا في سقيفة بنى ساعدة يبايعون سعد بن عبادة ويقولون منا أمير ومن قريش أمير فانطلق أبو بكر وعمرو وجماعة المهاجرين إليهم وأقام على وعباس وابناه الفضل وقثم واسامة بن زيد يتولون تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسله على مسنده إلى ظهره والعباس وابناه يقلبونه معه واسامة وشقران يصبان الماء وعلى يدلك من وراء القميص لا يفضى إلى بشرته بعد ان كانوا اختلفوا في تجهيزه ثم أصابتهم سنة فخفقوا وسمعوا من وراء البيت ان اغسلوه وعليه ثيابه ففعلوا ثم كفنوه في ثوبين صحاريين وبرد حبرة ادرج فيهن ادراجا واستدعوا حفارين أحدهما يلحد والآخر يشق ثم بعث اليهما العباس رجلين وقال اللهم خر لرسولك فجاء الذى يلحد وهو أبو طلحة زيد بن سهل كان يحفر لاهل المدينة فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم (ولما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء) وضع على سرير بيته واختلفوا أيدفن في مسجده أو بيته فقال أبو بكر سمعته صلى الله عليه وسلم يقول ما قبض نبى الا يدفن حيث قبض فرفع فراشه الذى قبض عليه وحفر له تحته ودخل الناس يصلون عليه أفواجا الرجال ثم النساء ثم الصبيان ثم العبيد لا يؤم أحدهم أحدا ثم دفن من وسط الليل ليلة الاربعاء وعن عائشة لاثنتى عشرة ليلة من ربيع الاول فكملت سنو الهجرة عشر

[ 64 ]

سنين كوامل وتوفى وهو ابن ثلاث وستين سنة وقيل خمس وستين سنة وقيل ستين * (خبر السقيفة) * لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتاع الحاضرون لفقده حتى ظن انه لم يمت واجتمعت الانصار في سقيفة بنى ساعدة يبايعون سعد بن عبادة وهم يرون ان الامر لهم بما آووا ونصروا وبلغ الخبر إلى أبى بكر وعمر فجاؤا إليهم ومعهم أبو عبيدة ولقيهم عاصم بن عدى وعويم بن ساعدة فأرادوهم على الرجوع وخفضوا عليهم الشان فأبوا الا أن يأتوهم فأتوهم في مكانهم ذلك فأعجلوهم عن شأنهم وغلبوهم عليه جماحا وموعظة (وقال أبو بكر) نحن أولياء النبي وعشيرته وأحق الناس بأمره ولا ننازع في ذلك وأنتم لكم حق السابقة والنصرة فنحن الامراء وأنتم الوزراء (وقال) الحباب بن المنذر بن الجموح منا أمير ومنكم أمير وان أبو افاجلوهم يا معشر الانصار عن البلاد فبأسيافكم دان الناس لهذا الدين وان شئتم أعدناها جذعة أنا جذيلها المحكك وعذيفها المرجب (وقال عمر) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانا بكم كما تعلمون ولو كنتم الامراء لاوصاكم بنا ثم وقعت ملاحاة بين عمر وابن المنذر وأبو عبيدة يخفضهما اتقوا الله يا معشر الانصار أنتم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدل وغير فقام بشير بن سعد بن النعمان بن كعب بن الخزرج فقال ألا ان محمدا من قريش وقومه أحق وأولى ونحن وان كنا أولى فضل في الجهاد وسابقة في الدين فما أردنا بذلك الا رضى الله وطاعة نبيه فلا نبتغى به من الدنيا عوضا ولا نستطيل به على الناس فقال الحباب بن المنذر نفست والله عن ابن عمك يا بشير فقال لا والله ولكن كرهت ان أنازع قوما حقهم فاشار أبو بكر إلى عمر وأبى عبيدة فامتنعا وبايعا أبا بكر وسبقهما إليه بشير بن سعد ثم تناجى الاوس فيما بينهم وكان فيهم اسيد بن حضير أحد النقباء وكرهوا امارة الخزرج عليهم وذهبوا إلى بيعة أبى بكر فبايعوه وأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطأون سعد بن عبادة فقال ناس من أصحابه اتقوا سعدا لا تقتلوه فقال عمر اقتلوه قتله الله وتماسكا فقال أبو بكر مهلا يا عمر الرفق هنا ابلغ فاعرض عمر ثم طلب سعد في البيعة فأبى وأشار بشير بن سعد بتركه وقال انما هو رجل واحد فأقام سعد لا يجتمع معهم في الصلاة ولا يفيض معهم في الحديث حتى هلك أبو بكر ونقل الطبري أن سعدا بايع يومئذ وفى أخبارهم انه لحق بالشام فلم يزل هنا لك حتى مات وان الجن قتلته وينشدون البيتين الشهيرين وهما نحن قتلنا سيد الخز * رج سعد بن عباده فرميناه بسهم‍ * - ين فلم نخط فؤاده -

[ 65 ]

{ الخبر عن الخلافة الاسلامية في هذه الطبقة وما كان فيها من الردة والفتوحات وما حدث بعد ذلك من الفتن والحروب في الاسلام ثم الاتفاق والجماعة } ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أمر السقيفة كما قدمناه اجمع المهاجرون والانصار على بيعة أبى بكر ولم يخالف إلا سعد إن صح خلافه فلم يلتفت إليه لشذوذه وكان من أول ما اعتمده إنفاذ بعث اسامة وقد ارتدت العرب إما القبيلة مستوعبة وإما بعض منها ونجم النفاق والمسلمون كالغنم في الليلة الممطرة لقلتهم وكثرة عدوهم واظلام الجو بفقد نبيهم ووقف اسامة بالناس ورغب من عمر التخلف عن هذا البعث والمقام مع أبى بكر شفقة من أن يدهمه أمر وقالت له الانصار فان أبى الا المضى فليول علينا أسن من أسامة فابلغ عمر ذلك كله أبا بكر فقام وقعد وقال لا أترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أخرج وأنفذه ثم خرج حتى أتاهم فأشخصهم وشيعهم وأذن لعمر في الشخوص وقال أوصيكم بعشر فاحفظوها على لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الطفل ولا الشيخ ولا المرأة ولا تغرقوا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا الا للاكل وإذا مررتم بقوم فرغوا انفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له وإذا لقيتم أقواما فحصوا أواسط رؤسهم وتركوا حولها فتل العصاب فاضربوا بالسيف ما فحصوا عنه فإذا قرب عليكم الطعام فاذكروا اسم الله عليه وكلوا يا أسامة اصنع ما أمرك به نبى الله ببلاد قضاعة ثم أنت آفل ولا تقصر في شئ من امر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ودعه من الجرف ورجع وقد كان بعث معه من القبائل من حول المدينة الذين لهم الهجرة في ديارهم وحبس من بقى منهم فصار مسالح حول قبائلهم ومضى اسامة مغذا وانتهى لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم وبعث الجنود في بلاد قضاعة وأغار على أبنى فسبى وغنم ورجع لاربعين يوما وقيل لسبعين ولم يحدث أبو بكر في مغيبه شيئا وقد جاء الخبر بارتداد العرب عامة وخاصة الا قريشا وثقيفا واستغلظ أمر مسيلمة واجتمع على طليحة عوام طيئ وأسد وارتدت غطفان وتوقفت هوازن فأمسكوا الصدقة وارتد خواص من بنى سليم وكذا سائر الناس بكل مكان وقدمت رسل النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن واليمامة وبنى أسد ومن الامراء من كل مكان بانتقاض العرب عامة أو خاصة وحاربهم بالكتب والرسل وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة فعاجلته عبس وذبيان ونزلوا في الابرق ونزل آخرون بذى القصة ومعهم حبال من بنى أسد ومن انتسب إليهم من بنى كنانة وبعثوا وفدا إلى أبى بكر نزلوا على وجوه من الناس يطلبون الاقتصار على الصلاة دون الزكاة فأبى أبو بكر من ذلك وجعل على أنقاب المدينة عليا والزبير وطلحة وعبد الله

[ 66 ]

ابن مسعود وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد ورجع وفد المرتدين وأخبروا قومهم بقلة أهل المدينة فأغاروا على من كان بانقاب المدينة فبعثوا إلى أبى بكر فخرج في أهل المسجد على النواضح فهربوا والمسلمون في اتباعهم إلى ذى خشب ثم نفروا ابل المسلمين بلعبات اتخذوها فنفرت ورجعت بهم وهم لا يملكونها إلى المدينة ولم يصبهم شئ وظن القوم بالمسلمين الوهن فبعثوا إلى أهل ذى القصة يستقدمونهم ثم خرج أبو بكر في التعبية وعلى ميمنته النعمان بن مقرن وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن وعلى الساقة سويد بن مقرن وطلع عليهم مع الفجر واقتتلوا فما ذر قرن الشمس الا وقد هزموهم وغنموا ما معهم من الظهر وقتل حبال واتبعهم أبو بكر إلى ذى القصة فجهز بها النعمان بن مقرن في عدد ورجع إلى المدينة ووثب بنو ذبيان وعبس على من كان فيهم من المسلمين فقتلوهم وفعل ذلك غيرهم من المرتدين وحلف أبو بكر ليقتلن من المشركين مثل من قتلوه من المسلمين وزيادة واعتز المسلمون بوقعة أبى بكر وطرقت المدينة صدقات وقدم أسامة فاستخلفه أبو بكر على المدينة وخرج في نفر إلى ذى خشب والى ذى القصة ثم سار حتى نزل على أهل الربذة بالابرق وبها عبس وذبيان وبنو بكر من كنانة وثعلبة بن سعد ومن يليهم من مرة فاقتتلوا وانهزم القوم وأقام أبو بكر على الابرق وحرم تلك البلاد على بنى ذبيان ثم رجع المدينة (ردة اليمن) توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى مكة وبنى كنانة عتاب ابن أسيد وعلى الطائف وأرضها عثمان بن أبى العاص على المدر ومالك بن عوف على الوبر وعلى عجز هوازن عكرمة بن أبى جهل وعلى نجران وأرضها عمرو بن حزم على الصلاة وأبو سفيان بن حرب على الصدقات وعلى ما بين زمع وزبيد إلى نجران خالد بن سعيد بن العاص وعلى همدان كلها عامر بن شهر الهمداني وعلى صنعاء فيروز الديلمى ومسانده دادويه وقيس بن مكشوح المرادى رجعوا إليها بعد قتل الاسود وعلى الجند يعلى بن أمية وعلى مأرب أبو موسى الاشعري وعلى الاشعريين وعك الطاهر بن أبى هالة وعلى حضر موت زياد بن لبيد البياضى وعكاشة بن ثور بن أصفر الغوثى وعلى كندة المهاجر بن أبى أمية وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب عليه في غزوة تبوك فاسترضته له أم سلمة وولاه على كندة ومرض فلم يصل إليها وأقام زياد بن لبيد ينوب عنه وكان معاذ ابن جبل يعلم القرآن باليمن يتنقل على هؤلاء وعلى هؤلاء في أعمالهم وثار الاسود في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربه بالرسل وبالكتب فقتله الله وعاد الاسلام في اليمن كما كان فلما بلغهم الموت انتقضت اليمن وارتد أهلها في جميع النواحى وكانت الفالة من جند العنسى بين نجران وصنعاء لا يأوون إلى أحد ورجع عمرو بن حزم إلى المدينة واتبعه خالد بن سعيد وكان عمرو بن معد يكرب بالجبال حيال فروة بن مسيك

[ 67 ]

وابن مكشوح وتحيل في قتل الابناء فيروز ودادويه وخشنش والاستبداد بصنعاء وبعث إلى الفالة من جيش الاسود يغريهم بالابناء ويعدهم المظاهرة عليهم فجاؤا إليه وخشى الابناء غائلتهم وفزعوا إليه فأظهر لهم المناصحة وهيا طعاما فجمعهم له ليغدر بهم فظفر بدادويه وهرب فيروز وخشنش وخرج قيس في أثرهما فامتنعا بخولان أخوال فيروز وثار قيس بصنعاء وجبى ما حولها وجمع الفالة من جنود الاسود إليه وكتب فيروز إلى أبى بكر بالخبر فكتب له بولاية صنعاء وكتب إلى الطاهر بن أبى هالة باعانته والى عكاشة بن ثور بأن يجمع أهل تهامة ويقيم بمكانه وكتب إلى ذى الكلاع سميفع وذى ظليم حوشب وذى تبان شهر باعانة الابناء وطاعة فيروز وان الجند يأتيهم وأرسل إليهم قيس بن مكشوح يغريهم بالابناء فاعتزل الفريقان واتبعت عوامهم قيس بن مكشوح في شأنه وعمد قيس إلى عيلات الابناء الذين مع فيروز فغر بهم واخرجهم من اليمن في البر والبحر وعرضهم للنهبى فأرسل فيروز إلى بنى عقيل بن ربيعة والى عك يستصرخهم فاعترضوا عيال فيروز والابناء الذين معه فاستنقذوهم وقتلوا من كان معه وجاؤا إلى فيروز فقاتلوا معه قيس بن مكشوح دون صنعاء فهزموه ورجع إلى المكان الذى كان به مع فالة الاسود العنسى وانضاف قيس إلى عمرو بن معد يكرب وهو مرتد منذ تنبأ الاسود العنسى وقام حيال فروة بن مسيك وقد كان فروة وعمرو أسلما وكذلك قيس واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم قيسا على صدقات مراد وكان عمرو قد فارق قومه سعد العشيرة مع بنى زبيد واحلافها وانحاز إليهم فأسلم معهم وكان فيهم فلما انتقض الاسود واتبعه عوام مذحج كان عمرو فيمن اتبعه وأقام فروة فيمن معه على الاسلام فولى الاسود عمرا وجعله بحياله وكانت كندة قد ارتدوا وتابعوا الاسود العنسى بسبب ما وقع بينهم وبين زياد الكندى في أمر فريضة من فرائض الصدقة أطلقها بعض بنى عمرو بن معاوية بعد أن وقع عليها ميسم الصدقة غلطا فقاتلهم زياد وهزمهم فاتفق بنو معاوية على منع الصدقة والردة الا شراحيل بن السمط وابنه وأشير على زياد بمعاجلتهم قبل أن ينضم إليهم بعض السكاسك وحضر موت وأبضعة وجمد ومشرح ومخوس وأختهم العمردة وهرب الباقون ورجع زياد بالسبي والغنائم ومر بالاشعث بن قيس وبنى الحرث بن معاوية واستغاث نساء السبى فغار الاشعث وتنقذهم ثم جمع بنى معاوية كلهم ومن أطاعه من السكاسك وحضر موت وأقام على ردته وكان أبو بكر قد حارب أهل الردة أولا بالكتب والرسل ولم يرسل إلى من ارتد وابتدأ بالمهاجرين والانصار ثم استنفر كلا على من يليه حتى فرغ من آخر أمور الناس لا يستعين بمرتد وكتب إلى عتاب بن أسيد بمكة وعثمان بن أبى العاصى بالطائف بركوب

[ 68 ]

من ارتد بمن لم يرتد وثبت على الاسلام من أهل عملهما وقد كان اجتمع بتهامة أو شاب من مدلج وخزاعة فبعث عتاب إليهم ففرقهم وقتلهم واجتمع بشنوءة جمع من الازد وخثعم وبجيلة فبعث إليهم عثمان بن أبى العاصى من فرقهم وقتلهم واجتمع بطريق الساحل من تهامة جموع من عك والاشعريين فسار إليهم الطاهر بن أبى هالة ومعه مسروق العكى فهزموهم وقتلوهم وأقام بالاجناد ينتظر أمر أبى بكر ومعه مسروق العكى وبعث أهل نجران من بنى الافعى الذين كانوا بها قبل بنى الحرث وهم في أربعين ألف مقاتل وجاء وفدهم يطلبون امضاء العهد الذى بأيديهم من النبي صلى الله عليه وسلم فامضاه أبو بكر الا ما نسخه الوحى بأن لا يترك دينان بارض العرب ورجعت رسل النبي صلى الله عليه وسلم الذين كان بعثهم عند انتقاض الاسود العنسى وهم جرير بن عبد الله والاقرع ووبر بن يحنس فرد أبو بكر جريرا ليستنفر من ثبت على الاسلام على من ارتد ويقاتل خثعم الذين غضبوا لهدم ذى الخلصة فيقتلهم ويقيم بنجران فنفذ لما أمره به ولم يمر به أحد الا رجال قليل تتبعهم بالقتل وسار إلى نجران وكتب أبو بكر إلى عثمان بن أبى العاص أن يضرب البعوث على مخاليف أهل الطائف فضرب على كل مخلاف عشرين وأمر عليهم أخاه وكتب إلى عتاب بن أسيد أن يضرب على مكة وعملها خمسمائة بعث وأمر عليهم أخاه خالدا وأقاموا ينتظرون ثم أمر المهاجر بن أبى أمية بان يسير إلى اليمن ليصلح من أمره ثم ينفذ إلى عمله وأمره بقتال من بين نجران وأقصى اليمن ففصل لذلك ومر بمكة والطائف فسار معهم خالد بن أسيد وعبد الرحمن بن أبى العاص بمن معهما ومر بجرير بن عبد الله وعكاشة بن ثور فضمهما إليه ثم مر بنجران وانضم إليه فروة بن مسيك وجاءه عمرو بن معد يكرب وقيس بن مكشوح فأوثقهما وبعث بهما إلى أبى بكر وسار إلى لقائه فتتبعهم بالقتل ولم يؤمنهم فقتلوا بكل سبيل وحضر قيس عند أبى بكر فحظر قتل دادويه ولم يجد أمرا جليا في أمره وتاب عمرو بن معد يكرب واستقال فاقالهما وردهما وسار المهاجر حتى نزل صنعاء وتتبع شذاذ القبائل فقتل من قدر على وقبل توبة من رجع إليه وكتب إلى أبى بكر بدخوله صنعاء فجاءه الجواب بأن يسير إلى كندة مع عكرمة بن أبى جهل وقد جاءه من ناحية عمان ومعه خلق كثير من مهرة والازد وناجية وعبد القيس وقوم من مالك بن كنانة وبنى العنبر وقدم أبين وأقام بها لاجتماع النخع وحمير ثم سار مع المهاجر إلى كندة وكتب زياد إلى المهاجر يستحثه فلقيه الكتاب بالمفازة بين مأرب وحضر موت فاستخلف عكرمة على الناس وتعجل إلى زياد ونهدوا إلى كندة وعليهم الاشعث بن قيس فهزموهم وقتلوهم وفروا إلى النجير حصن لهم فتحصنوا فيه مع من استغووه من السكاسك وشذاذ السكون وحضر موت وسدوا

[ 69 ]

عليهم الطريق الا واحدة جاء عكرمة بعدهم فسدها وقطعوا عنهم المدد وخرجوا مستميتين في بعض الايام فغلبوهم وأحرجوهم واستأمن الاشعث إلى عكرمة بما كانت أسماء بنت النعمان بن الجون تحته فخرج إليه وجاء به إلى المهاجر وأمنه في أهله وماله وتسعة من قومه على أن يفتح لهم الباب فاقتحمه المسلمون وقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية فكان في السبى الف امرأة فلما فرغ من النجير دعا بكتاب الامان من الاشعث وإذا هو قد كتب غرض نفسه في التسعة رجلا من أصحابه فأوثقه كتافا وبعث به إلى أبى بكر ينظر في أمره فقدم مع السبايا والاسرى فقال له أبو بكر أقتلك قال انى راودت القوم على عشرة وأتيناهم بالكتاب مختومة فقال أبو بكر انما الصلح على من كان في الصحيفة واما غير ذلك فهو مردود فقال يا أبا بكر احتسب في وأقلني واقبل اسلامي ورد على زوجتى وقد كان تزوج أم فروة أخت أبى بكر حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرها إلى أن يرجع فأطلقه أبو بكر وقبل اسلامه ورد عليه زوجته وقال ليبلغني عنك خير ثم خلى عن القوم فذهبوا وقسم الانفال * (بعث الجيوش للمرتدين) * لما قدم أسامة ببعث الشأم على أبى بكر استخلفه على المدينة ومضى إلى الربذة فهزم بنى عبس وذبيان وكنانة بالابرق ورجع إلى المدينة كما قدمناه حتى إذا استجم جند أسامة وتاب من حوالى المدينة خرج إلى ذى القصة على بريد من تلقاء نجد فعقد فيها أحد عشر لواء على أحد عشر جندا لقتال اهل الردة وأمر كل واحد باستنفار من يليه من المسلمين من كل قبيلة وترك بعضها لحماية البلاد فعقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة وبعده لمالك بن نويرة بالبطاح ولعكرمة بن أبى جهل وأمره بمسيلمة واليمامة ثم أردفه بشرحبيل ابن حسنة وقال له إذا فرغت من اليمامة فسر إلى قتال قضاعة ثم تمضى إلى كندة بحضر موت ولخالد بن سعيد بن العاصى وقد كان قدم بعد الوفاة إلى المدينة من اليمن وترك أعماله فبعثه إلى مشارف الشأم ولعمرو بن العاصى إلى قتال المرتدة من قضاعة ولحذيفة بن محصن وعرفجة بن هرثمة فحذيفة لاهل دبا وعرفجة لمهرة وكل واحد منهما أمير في عمله على صاحبه ولطريفة بن حاجز وبعثه إلى بنى سليم ومن معهم من هوازن ولسويد بن مقرن وبعثه إلى تهامة اليمن وللعلاء بن الحضرمي وبعثه إلى البحرين وكتب إلى الامراء عهودهم بنص واحد بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من أبى بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الاسلام وعهد إليه ان يتقى الله ما استطاع في أمره كله سره وجهره وأمره بالجد في أمر الله ومجاهدة من تولى عنه ورجع عن الاسلام إلى أمانى الشيطان بعد أن يعذر إليهم

[ 70 ]

فيدعوهم بدعاية الاسلام فان اجابوه أمسك عنهم وان لم يجيبوه شن غارته عليهم حتى يقروا له ثم ينبئهم بالذى عليهم والذى لهم فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذى لهم لا ينظرهم ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم فمن أجاب إلى أمر الله عزوجل وأقر له قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف وانما يقاتل من كفر بالله على الاقرار بما جاء من عند الله فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل وكان الله حسيبه بعد فيما استسر به ومن لم يجب إلى داعية الله قتل وقوتل حيث كان وحيث بلغ مراغمة لا يقبل الله من أحد شيئا مما أعطى الا الاسلام فمن أجابه وأقر قبل منه وأعانه ومن أبى قاتله فان أظهره الله عليه عزوجل قتلهم فيه كل قتلة بالسلاح والنيران ثم قسم ما أفاء الله عليه الا الخمس فانه يبلغناه ويمنع أصحابه العجلة والفساد وأن لا يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم ويعلم ما هم لئلا يكونوا عيونا ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ويتفقدهم ولا يعجل بعضهم عن بعض ويستوصى بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول انتهى (وكتب) إلى كل من بعث إليه الجنود من المرتدة كتابا واحدا في نسخ كثيرة على يد رسل تقدموا بين أيديهم نصه بعد البسملة هذا عهد من أبى بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بلغه كتابي هذا من عامة أو خاصة أقام على الاسلام أو رجع عنه سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع إلى الضلالة والهوى فانى أحمد اليكم الله الذى لا اله الا هو وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأو من بما جاء به وأكفر من أبى وأجاهده أما بعد ثم قرر أمر النبوة ووفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطنب في الموعظة ثم قال وانى بعثت اليكم فلانا في جيش من المهاجرين والانصار والتابعين باحسان وأمرته ألا يقاتل أحدا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحا قبل منه وأعانه ومن أبى أمرته أن يقاتله على ذلك ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه فمن اتبعه فهو خير له ومن تركه فلن يعجز الله وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم والداعية الاذان فإذا أذن المسلمون فأذنوا كفوا عنهم وان لم يؤذنوا فاسألوهم بما عليهم فان أبوا عاجلوهم وان أقروا قبل منهم وحملهم على ما ينبغى لهم انتهى فنفذت الرسل بالكتب أمام الجنود وخرجت الامراء ومعهم العهود وكان أول ما بدأ به خالد طليحة وبنى أسد * (خبر طليحة) * كان طليحة قد ارتد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان كاهنا فادعى النبوة واتبعه أفاريق من بنى اسرائيل ونزل سميراء وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرار ابن الازور إلى قتاله مع جماعة فاجتمع عليهم المسلمون وهم ضرار بمناجزته فاتى الخبر

[ 71 ]

بموت النبي صلى الله عليه وسلم فاستطار أمر طليحة واجتمعت إليه غطفان وهوازن وطيئ وفر ضرار ومن معه من العمال إلى المدينة وقدمت وفودهم على أبى بكر في الموادعة على ترك الزكاة فأبى من ذلك وخرج كما قدمناه إلى غطفان وأوقع بهم بذى القصة فانضموا بعد الهزيمة إلى طليحة وبنى أسد ببزاخة وكذلك فعلت طيئ وأقامت بنو عامر وهوازن ينتظرون وحمل خالد إلى طليحة ومعه عيينة بن حصن على بزاخة من مياه بنى أسد وأظهر أنه يقصد خيبر ثم ينزل إلى سلمى وأجأ فيبدأ بطيئ وكان عدى بن حاتم قد خرج معه في الجيش فقال له أنا أجمع لك قبائل طى يصحبونك إلى عدوك وسار إليهم فجاء بهم وبعث خالد عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم من الانصار طليعة ولقيهما طليحة وأخوه فقتلاهما ومر بهما المسلمون فعظم عليهم قتلهما ثم عبى خالد كتائبه وثابت ابن قيس على الانصار وعدى بن حاتم على طى ولقى القوم فقاتلهم وعيينة بن حصن مع طليحة في سبعمائة من غطفان واشتد المجال بينهم وطليحة في عباءة يتكذب لهم في انتظار الوحى فجاء عيينة بعد ما ضجر من القتال وقال هل جاءك أحد بعد قال لا ثم راجعه ثانية ثم ثالثة فقال جاء وقال ان لك رحى كرحاه وحديثا لا تنساه فقال عيينة يا بنى فزارة الرجل كذاب وانصرف فانهزموا وقتل من قتل وأسلم الناس طليحة فوثب على فرسه واحتقب امرأته فنجا بها إلى الشأم ونزل في كلب من قضاعة على النقع حتى أسلمت أسد وغطفان فأسلم ثم خرج معتمرا أيام عمر ولقيه بالمدينة فبايعه وبعثه في عساكر الشأم فابلى في الفتح ولم يصب عيالات بنى أسد في واقعة بزاخة شى لانهم كانوا أخرجوهم في الحصون عند واسط وأسلموا خشية على ذراريهم * (خبر هوازن وسليم وبنى عامر) * كان بنو عامر ينتظرون أمر طليحة وما تصنع أسد وغطفان حتى أحيط بهم وكان قرة بن هبيرة في كعب وعلقمة بن علاثة في كلاب وكان علقمة قد ارتد بعد فتح الطائف ولما قبض النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى قومه وبلغ أبا بكر خبره فبعث إليه سرية مع القعقاع ابن عمرو ومن بنى تميم فأغار عليهم فأفلت وجاء بأهله وولده وقومه فأسلموا وكان قرة بن هبيرة قد لقى عمرو بن العاصى منصرفه من عمان بعد الوفاة وأضافه وقال له اتركوا الزكاة فان العرب لا تدين لكم بالاتاوة فغضب لها عمرو وأسمعه وأبلغها أبا بكر فلما أوقع خالد ببنى أسد وغطفان وكانت هوازن وسليم وعامر ينتظرون أمرهم فجاؤا إلى خالد وأسلموا وقبل منهم الاسلام الا من عدا على أحد من المسلمين أيام الردة فانه تتبعهم فأحرق وقمط ورضخ بالحجارة ورمى من رؤس الجبال ولما فرغ من أمر بنى عامر أوثق عيينة بن حصن وقرة بن هبيرة وبعث بهما إلى أبى بكر فتجاوز لهما حقن دماءهما ثم اجتمعت قبائل

[ 72 ]

غطفان إلى سلمى بنت مالك بن حذيفة من بدر بن ظفر في الحوأب فنزلوا إليها وتذامروا وكانت سلمى هذه قد سبيت قبل وأعتقتها عائشة وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوما وقد دخل عليها وهى في نسوة ببيت عائشة فقال ان احداكن تستنبح كلاب الحوأب وفعلت ذلك واجتمع إليها الفلال من غطفان وهوازن وسليم وطى وأسد وبلغ ذلك خالدا وهو يتبع الثأر ويأخذ الصدقات فسار إليهم وقاتلهم وسلمى واقفة على جملها حتى عقر وقتلت وقتل حول هودجها مائة رجل فانهزموا وبعث خالد بالفتح على أثره بعده بعشرين ليلة وأما بنو سليم فكان الفجاءة بن عبد يا ليل قدم على أبى بكر يستعينه مدعيا اسلامه ويضمن له قتال أهل الردة فأعطاه وأمره وخرج إلى الجون وارتد وبعث نجبة بن أبى المثنى من بنى الشريد وأمره بشن الغارة على المسلمين في سليم وهوازن فبعث أبو بكر إلى طريفة بن حاجز قائده على جرهم وأعانه بعبد الله بن قيس الحاسبى فنهضا إليه ولقياه فقتل نجبة وهرب الفجاءة فلحقه طريفة فأسره وجاء به إلى أبى بكر فأوقد له في مصلى المدينة حطبا ثم رمى به في النار مقموطا وفاءت بنو سليم كلهم وفاء معهم أبو شجرة بن عبد العزى أبو الخنساء وكان فيمن ارتد * (خبر بنى تميم وسجاح) * قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعماله في بنى تميم الزبرقان بن بدر على الرباب وعوف والابناء وقيس بن عاصم على المقاعس والبطون وصفوان بن صفوان وسبرة بن عمرو على بنى عمرو ووكيع بن مالك على بنى مالك ومالك بن نويرة على حنظلة فجاء صفوان إلى أبى بكر حين بلغته الوفاة بصدقات بنى عمرو وجاء الزبرقان بصدقات أصحابه وخالفه قيس بن عاصم في المقاعس والبطون لانه كان ينتظره وبقى من أسلم منهم متشاغلا بمن تربص أو ارتاب وبينما هم على ذلك فجئتهم سجاح بنت الحارث بن سويد من بنى عقفان أحد بطون تغلب وكانت تنبأت بعد الوفاة واتبعها الهذيل بن عمران في بنى تغلب وعقبة ابن هلال في النمر والسليل بن قيس في شيبان وزياد بن بلال وكان الهذيل نصرانيا فترك دينه إلى دينها وأقبلت من الجزيرة في هذه الجموع قاصدة المدينة لتغزو أبا بكر والمسلمين وانتهت إلى الجرف فدهم بنى تميم أمر عظيم لما كانوا عليه من اختلاف الكلمة فوادعها مالك بن نويرة وثناها عن الغزو وحرضها على بنى تميم ففروا امامها ورجع إليها وكيع بن مالك واجتمعت الرباب وضبة فهزموا أصحاب سجاح وأسروا منهم ثم اصطلحوا وسارت سجاح فيمن معها تريد المدينة فبلغت النباج فاعترضهم بنو الهجيم فيمن ناشب إليهم من بنى عمرو واغاروا عليهم فأسر الهذيل وعقبة ثم تحاجزوا على أن تطلق اسراهم ويرجعوا ولا يجتازوا عليهم ورجع عن سجاح مالك بن نويرة ووكيع بن مالك إلى

[ 73 ]

قومهم ويئست سجاح واصحابها من الجواز عليهم ونهدت إلى بنى حنيفة وسار معها من تميم الزبرقان بن بدر وعطارد بن حاجب وعمرو بن الاهتم وغيلان بن حريث وشبث ابن ربعى ونظراؤهم وصانعها مسيلمة بما كان فيه من مزاحمة ثمامة بن اثال له في اليمامة وزحف شرحبيل بن حسنة والمسلمون إليه فاهدى لها واستأمنها وكانت نصرانية أخذت الدين من نصارى تغلب فقال لها مسيلمة نصف الارض لنا ونصف الارض لقريش لكنهم لم يعدلوا فقد جعلت نصفهم لك ويقال انها جاءت إليه واستأمنته وخرج إليها من الحصن إلى قبة ضربت لها بعد أن جمرها 3 فدخل إليها وتحرك الحرس حوالى القبة فسجع لها وسجعت له من أسجاع الفرية فشهدت له بالنبوة وخطبها لنفسه فتزوجته وأقامت عنده ثلاثا ورجعت اقومها فعذلوها في التزويج على غير صداق فرجعت إليه فقال لها ناد في أصحابك انى وضعت عنهم صلاة الفجر والعتمة مما فرض عليهم محمد وصالحته على أن يحمل لها النصف من غلات اليمامة فأخذته وسألت أن يسلفها النصف للعام القابل ودفعت الهذيل وعقبه لغضبه فهم على ذلك وإذا بخالد بن الوليد وعساكره قد أقبلوا فانفضت جموعهم وافترقوا ولحقت سجاح بالجزيرة فلم تزل في بنى تغلب حتى نقل معاوية عام الجماعة بنى عقفان عشيرتها إلى الكوفة وأسلمت حينئذ سجاح وحسن اسلامها ولما افترق وفد الزبرقان والاقرع على أبى بكر وقالا اجعل لنا خراج البحرين ونحن نضمن لك أمرها ففعل وكتب لهم بذلك وكان طلحة بن عبيد الله يتردد بينهم في ذلك فجاء إلى عمر ليشهد في الكتاب فمزقه ومحاه وغضب طلحة وقال لابي بكر رضى الله عنه أنت الامير أم عمر رضى الله عنه فقال عمر غير ان الطاعة لى وشهد الاقرع والزبرقان مع خالد اليمامة والمشاهد كلها ثم مضى الاقرع مع شرحبيل إلى دومة * (البطاح ومالك بن نويرة) * لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة وراجع بنو تميم الاسلام أقام مالك بن نويرة متحيرا في أمره واجتمع إليه من تميم بنو حنظلة واجتمعوا بالبطاح فسار إليهم خالد بعد ان تقاعد عنه الانصار يسألونه انتظار أبى بكر فأبى الا انتهاز الفرصة من هؤلاء فرجعوا إلى اتباعه ولحقوا به وكان مالك بن نويرة لما تردد في أمره فرق بنى حنظلة في أموالهم ونهاهم عن القتال ورجع إلى منزله ولما قدم خالد بعث السرايا يدعون إلى الاسلام ويأتون بمن لم يجب أن يقتلوه فجاؤا بمالك بن نويرة في نفر معه من بنى ثعلبة بن يربوع واختلفت السرية فيهم فشهد أبو قتادة أنهم أذنوا وصلوا فحبسهم عند ضرار بن الازور وكانت ليلة ممطرة فنادى مناديه أن أدفئوا أسراكم وكانت في لغة كنانة كناية

[ 74 ]

عن القتل فبادر ضرار بقتلهم وكان كنانيا وسمع خالد الواعية فخرج متأسفا وقد فرغوا منهم وأنكر عليه أبو قتادة فزجره خالد فغضب ولحق بأبى بكر ويقال انهم لما جاؤا بهم إلى خالد خاطبه مالك بقوله فعل صاحبكم شان صاحبكم فقال له خالد أو ليس لك بصاحب ثم قتله وأصحابه كلهم ثم قدم خالد على أبى بكر وأشار عمر أن يقيد منه بمالك بن نويرة أو يعزله فأبى وقال ما كنت أشيم سيفا سله الله على الكافرين وودى مالكا وأصحابه ورد خالدا إلى عمله * (خبر مسيلمة واليمامة) * لما بعث أبو بكر عكرمة بن أبى جهل إلى مسيلمة وأتبعه شرحبيل استعجل عكرمة فانهزم وكتب إلى أبى بكر بالخبر فكتب إليه لا ترجع فتوهن الناس وامض إلى حذيفة وعرفجة فقاتلوا مهرة وأهل عمان فإذا فرغتم فامض أنت وجنودك واستنفروا من مررتم عليه حتى تلقوا المهاجر بن أبى أمية باليمن وحضر موت وكتب إلى شرحبيل يمضى إلى خالد فإذا فرغتم فامض أنت إلى قضاعة فكن مع عمرو بن العاصى على من ارتد منهم ولما فرغ خالد من البطاح ورضى عنه أبو بكر بعثه نحو مسيلمة وأوعب معه الناس وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد وعلى الانصار ثابت بن قيس والبراء بن عازب وتعجل خالد إلى البطاح وانتظر البعوث حتى قدمت عليه فنهض إلى اليمامة وبنو حذيفة يومئذ كثير يقال أربعون ألف مقاتل متفرقين في قراها وحجرها وتعجل شرحبيل كما فعل عكرمة بقتال مسيلمة فنكب وجاء خالد فلامه على ذلك ثم جاء خليط من عند أبى بكر مددا لخالد ليكون ردءا له من خلفه ففرت جموع كانت تجمعت هنا لك من فلال سجاح وكان مسيلمة قد جعل لها جعلا وكان الرجال بن عنفوة من اشراف بنى حنيفة شهد لمسيلمة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشركه معه في الامر لان الرجال كان قد هاجر وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ القرآن وتفقه في الدين فلما ارتد مسيلمة بعثه النبي صلى الله عليه وسلم معلما لاهل اليمامة ومشغبا على مسيلمة فكان أعظم فتنة على بنى حنيفة منه واتبع مسيلمة على شأنه وشهد له وكان يؤذن لمسيلمة ويشهد له بالرسالة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فعظم شأنه فيهم وكان مسيلمة ينتهى إلى أمره وكان مسيلمة يسجع لهم باسجاع كثيرة يزعم أنها قرآن يأتيه ويأتى بمخارق يزعم أنها معجزات فيقع منها ضد المقصود ولما بلغ مسيلمة وبنى حنيفة دنو خالد خرجوا وعسكروا في منتهى ريف اليمامة واستنفروا الناس فنفروا إليهم وأقبل خالد ولقيه شرحبيل بن حسنة فجعله على مقدمته حتى إذا كان على ليلة من القوم هجموا على مجاعة في سرية أربعين أو ستين راجعين من بلاد بنى عامر وبنى تميم يثأرون فيهم

[ 75 ]

فوجدوهم دون ثنية اليمامة فقتلوهم أجمعين وقيل له استبق مجاعة بن مرارة ان كنت تريد اليمامة فاستبقي ثم سار خالد ونازل بنى حنيفة ومسيلمة والرجال على مقدمة مسيلمة واشتدت الحرب وانكشف المسلمون حتى دخل بنو حنيفة خباء خالد ومجاعة بها اسير مع ام متمم 3 وزوجة خالد فدافعهم عنها مجاعة وقال نعمت الحرة ثم تراجع المسلمون وكروا على بنى حنيفة فقال المحكم بن الطفيل ادخلوا الحديقة يا بنى حنيفة فانى أمنع أدباركم فقاتل ساعة ثم قتله عبد الرحمن بن أبى بكر ثم تذامر المسلمون وقاتل ثابت بن قيس فقتل ثم زيد بن الخطاب ثم أبو حذيفة ثم سالم مولاه ثم البراء اخو أنس بن مالك وكان تأخذه عند الحرب رعدة حتى ينتفض ويقعد عليه الرجال حتى يبول ثم يثور كالاسد فقاتل وفعل الافاعيل ثم هزم الله العدو وألجاهم المسلمون إلى الحديقة وفيها مسيلمة فقال البراء ألقونى عليهم من أعلى الجدار فاقتحم وقاتلهم على باب الحديقة ودخل المسلمون عليهم فقتل مسيلمة وهو مربذ متساند لا يعقل من الغيظ وكان زيد بن الخطاب قتل الرجال بن عنفوة وكان خالد لما نازل بنى حنيفة ومسيلمة ودارت الرحى عليه طلب البراز فقتل جماعة ثم دعا مسيلمة للبراز والكلام محادثة يحاول فيه غرة وشيطانه يوسوس إليه ثم ركبه خالد فأرهقه وأدبروا وزالوا عن مراكزهم وركبهم المسلمون فانهزم وتطاير الناس عن مسيلمة بعد أن قالوا له أين ما كنت تعدنا فقال قاتلوا على أحسابكم وأتاه وحشى فرماه بحربته فقتل واقتحم الناس عليه حديقة الموت من حيطانها وأبوابها فقتل فيها سبعة عشر ألف مقاتل من بنى حنيفة وجاء خالد بمجاعة ووقفه على القتلى ليريه مسيلمة فمر بمحكم فقال هو ذا فقال مجاعة هذا والله خير منه ثم أراه مسيلمة رويجل دميم أخينس فقال خالد هذا الذى فعل فيكم ما فعل فقال مجاعة قد كان ذلك وانه والله ما جاءك الا سرعان الناس وان جماهيرهم في الحصون فهلم أصالحك على قومي وقد كان خالد التقط من دون الحصون ما جاء من مال ونساء وصبيان ونادى بالنزول عليها فلما قال له مجاعة ذلك قال له أصالحك على ما دون النفوس وانطلق يشاورهم فأفرغ السلاح على النساء ووقفن بالسور ثم رجع إليه وقال أبوا أن يجيزوا ذلك ونظر خالد إلى رؤس الحصون قد اسودت والمسلمون قد نهكتهم الحرب وقد قتل من الانصار ما ينيف على الثلثمائة وستين ومن المهاجرين مثلها ومن التابعين لهم مثلها أو يزيدون وقد فشت الجراحات فيمن بقى فجنح إلى السلم فصالحه على الصفراء والبيضاء ونصف السبى والحلقة وحائط ومزرعة من كل قرية فابوا فصالحهم على الربع فصالحوه وفتحت الحصون فلم يجد فيها الا النساء والصبيان فقال خالد خدعتني يا مجاعة فقال قومي ولم أستطع الا ما صنعت فعقد له وخيرهم ثلاثا فقال له سلمة بن عمير لا نقبل

[ 76 ]

صلحا ونعتصم بالحصون ونبعث إلى أهل القرى فالطعام كثير والشتاء قد حضر فتشاءم مجاعة برأيه وقال لهم لولا انى خدعت القوم ما أجابوا إلى هذا فخرج معه سبعة من وجوه القوم وصالحوا خالدا وكتب لهم وخرجوا إلى خالد للبيعة والبراءة مما كانوا عليه وقد أضمر سلمة بن عمير الفتك بخالد فطرده حين وقعت عينه عليه واطلع أصحابه على غدره فأوثقوه وحبسوه ثم أفلت فاتبعوه وقتلوه وكان أبو بكر بعث إلى خالد مع سلمة بن وقش ان أظفره الله أن يقتل من جرت عليه الموسى من بنى حنيفة فوجده قد صالحهم فأتم عقده معهم ووفى لهم وبعث وفدا منهم إلى أبى بكر باسلامهم فلقيهم وسالهم عن اسجاع مسيلمة فقصوها عليه فقال سبحان الله هذا الكلام ما خرج من إل ولا بر فأين يذهب بكم عن أحلامكم وردهم إلى قومهم * (ردة الحطم وأهل البحرين) * لما فرغ خالد من اليمامة ارتحل عنها إلى واد من أوديتها وكانت عبد القيس وبكر بن وائل وغيرهم من أحياء ربيعة قد ارتدوا بعد الوفاة وكذا المنذر بن ساوى من بعدها بقليل فأما عبد القيس فردهم الجارود بن المعلى وكان قد وفد وأسلم ودعا قومه فأسلموا فلما بلغهم خبر الوفاة ارتدوا وقالوا لو كان نبيا ما مات فقال لهم الجارود تعلمون أن لله أنبياء من قبله ولم تروهم وتعلمون أنهم ماتوا ومحمد صلى الله عليه وسلم قد مات ثم تشهد فتشهدوا معه وثبتوا على اسلامهم وخلوا بين سائر ربيعة وبين المنذر بن ساوى والمسلمين (وقال) ابن اسحق كان أبو بكر بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاه فلما كانت الوفاة وارتدت ربيعة ونصبوا المنذر بن النعمان بن المنذر وكان يسمى المغرور فأقاموه ملكا كما كان قومه بالحيرة وثبت الجارود وعبد القيس على الاسلام واستمر بكر بن وائل على الردة وخرج الحطم بن ربيعة اخو بنى قيس بن ثعلبة حتى نزل بين الغطيف وهجر وبعث إلى دارين فأقاموا ليجعل عبد القيس بينه وبينهم وأرسل إلى المغرور بن سويد أخى النعمان بن المنذر وبعثه إلى جوائى وقال اثبت فان ظفرت ملكتك بالبحرين حتى تكون كالنعمان بالحيرة فحاصره المسلمون بجوائى وجاء العلاء بن الحضرمي لقتال أهل الردة بالبحرين ومر باليمامة فاستنفر ثمامة بن أثال في مسلمة بن حنيفة وكان مترددا وألحق عكرمة بعمان ومهرة وأمر شرحبيل بالمقام حيث هو يغاور مع عمرو بن العاصى أهل الردة من قضاعة عمر ويغاور سعدا وبلق وشرحبيل يغاور كلبا ولفها ثم مر ببلاد بنى تميم فاستقبله بنو الرباب وبنو عمرو ومالك بن نويرة بالبطاح يقاتلهم ووكيع بن مالك يواقف عمرو بن العاصى وقيس بن عاصم من المقاعس والبطون يواقف الزبرقان بن بدر والابناء وعوف وقد أطاعوه على الاسلام وحنظلة

[ 77 ]

متوقفون فلما رآى قيس بن عاصم تلقى الرباب وبنى عمر وقدم وجاء بالصدقات إلى العلاء وخرج معه لقتال البحرين فسار مع العلاء من بنى تميم مثل عسكره ونزل هجر وبعث إلى الجارود أن ينازل بعبد القيس الحطم وقومه مما يليه واجتمع المشركون إلى الحطم الا أهل دارين والمسلمون إلى العلاء وخندقوا واقتتلوا وسمعوا في بعض الليالى ضوضأة شديدة أي جلبة وصياحا وبعثوا من يأتيهم بخبرها فجاءهم بأن القوم سكارى فبيتوهم ووضعوا السيوف فيهم واقتحموا الخندق وفر القوم هرابا فمترد وناج ومقتول ومأسور وقتل قيس بن عاصم الحطم بن ربيعة ولحق جابر بن بجير وضربه فقطع عصبه ومات وأسر عفيف بن المنذر والمغرور بن سويد وقال للعلاء أجرني فقال له العلاء أنت غررت بالناس فقال لكنى أنا مغرور ثم أرسل وأقام بهجر ويقال ان المغرور اسمه وليس هو بلقب وقتل المغرور بن سويد بن المنذر وقسم الانفال بين الناس وأعطى عفيف بن المنذر وقيس بن عاصم وثمامة بن أثال من أسلاب القوم وثيابهم وقصد الفلال دارين وركبوا السفين إليها ورجع الآخرون إلى قومهم وكتب العلاء إلى من أقام على اسلامه من بكر بن وائل بالقعود لاهل الردة في السبل والى خصفة التميمي والمثنى بن حارثة بمثل ذلك فرجعوا إلى دارين وجمعهم الله بها ثم لما جاءته كتب بكر بن وائل وعلم حسن اسلامهم أمر أن يؤتى من خلفه على أهل البحرين ثم لما ندب الناس إلى دارين وأن يستعرضوا البحر فارتحلوا واقتحموا البحر على الظهر وكلهم يدعو يا أرحم الراحمين يا كريم يا حليم يا أحد يا صمد يا حى يا محيى الموتى يا حى يا قيوم لا اله الا أنت يا ربنا ثم أجازوا الخليج يمشون على مثل رمل مشيا فوقها ما يغمر اخفاف الابل في مسيرة يوم وليلة فلقوا العدو واقتتلوا وما تركوا بدارين مخبرا وسبوا الذرارى واستاقوا الاموال وبلغ نفل الفارس ستة آلاف والراجل ألفين ورجع العلاء إلى البحرين وضرب الاسلام بجرانه ثم ارجف المرجفون بأن أبا شيبان وثعلبة والحر قد جمعهم مفروق الشيباني على الردة فوثق العلاء باللهازم وتقاربهم وكانوا مجمعين على نصره وأقبل العلاء بالناس فرجعوا إلى مراحب المقام وقفل ثمامة بن أثال فيهم ومروا بقيس بن ثعلبة بن بكر ابن وائل فرأوا خميصة الخطم عليه فقالوا هو قتله فقال لم أقتله ولكن الامير نفلنيها فلم يقبلوا وقتلوه وكتب العلاء إلى أبى بكر بهزيمة أهل الخندق وقتل الخطم قتله زيد وسميفع فكتب إليه أبو بكر ان بلغك عن بنى ثعلبة ما خاض فيه المرجفون فابعث إليهم جندا وأوصهم وشرد بهم من خلفهم * (ردة أهل عمان ومهرة واليمن) * نبغ بعمان بعد الوفاة رجل من الازد يقال له لقيط بن مالك الازدي يسامى في الجاهلية

[ 78 ]

الجلندى فدفع عنها الملكين اللذين كانا بها وهما جيفر وعبد آبنا الجلندى فارتد وادعى النبوة وتغلب على عمان ودفع عنها الملكين وبعث جيفر إلى أبى بكر بالخبر فبعث أبو بكر حذيفة بن محصن من حمير وعرفجة البارقى حذيفة إلى عمان وعرفجة إلى مهرة وان اجتمعا فالامير صاحب العمل وأمرهما أن يكاتبا جيفرا ويأخذا برأيه وقد كان بعث عكرمة إلى اليمامة ومسيلمة ووقعت عليه النكبة كما مر فأمره بالمسير إلى حذيفة وعرفجة ليقاتل معهما عمان ومهرة ويتوجه إذا فرغ من ذلك إلى اليمن فمضى عكرمة فلحق بهما قبل أن يصلا إلى عمان وقد عهد إليهم أبو بكر أن ينتهوا إلى رأى عكرمة فراسلوا جيفرا وعبدا وبلغ لقيطا مجئ الجيوش فعسكر بمدينة دبا وعسكر جيفر وعبد بصحار واستقدموا عكرمة وحذيفة وعرفجة وكاتبوا رؤساء الدين فقدموا بجيوشهم ثم صمدوا إلى لقيط وأصحابه فقاتلوهم وقد أقام لقيط عياله وراء صفوفه وهم المسلمون بالهزيمة حتى جاءهم مددهم من بنى ناجية وعليهم الحريث ابن راشد ومن عبد القيس وعليهم سنجار بن صرصار فانهزم العدو وظفر المسلمون وقتلوا منهم نحوا من عشرة آلاف وسبوا الذرارى والنساء وتم الفتح وقسموا الانفال وبعثوا بالخمس إلى أبى بكر مع عرفجة وكان الخمس ثمانمائة رأس وأقام حذيفة بعمان وسار عكرمة إلى مهرة وقد استنفر أهل عمان ومن حولها من ناحيته الازد وعبد القيس وبنى سعيد من تميم فاقتحم مهرة بلادهم وهم على فرقتين يتنازعان الرياسة فأجابه أحد الفريقين وسار إلى الآخرين فهزمهم وقتل رئيسهم وأصابوا منهم ألفى نجيبة وأفاد المسلمون قوة بغنيمتهم وأجاب أهل تلك النواحى إلى الاسلام وهم أهل نجد والروضة والساطى والحرائر والمرو اللسان وأهل جبرة وظهور الشحر والفرات وذات الخيم فاجتمعوا كلهم على الاسلام وبعث إلى أبى بكر بذلك مع البشير وسارعوا إلى اليمن للقاء المهاجر بن أبى امية كما عهد إليه أبو بكر * (بعوث العراق وصلح الحيرة) * ولما فرغ خالد من امر اليمامة بعث إليه أبو بكر في المحرم من سنة ثنتى عشرة فأمره بالمسير إلى العراق وفرج الهند وهى الابلة منتهى بحر فارس في جهة الشمال قرب البصرة فيتألف أهل فارس ومن في مملكتهم من الامم فسار من اليمامة وقيل قدم على أبى بكر ثم سار من المدينة وانتهى إلى قرية بالسواد وهى بانقيا وبرسوما وصاحبهما جابان فجاء صلوبا فصالحهم على عشرة آلاف دينار فقبضها خالد ثم سار إلى الحيرة وخرج إليه اشرافها مع اياس بن قبيصة الطائى الامير عليها بعد النعمان بن المنذر فدعاهم إلى الاسلام أو الجزية أو المناجزة فصالحوه على تسعين ألف درهم وقيل انما أمره أبو بكر

[ 79 ]

أن يبدأ بالابلة ويدخل من أسفل العراق وكتب إلى عياض بن غنم أن يبدأ بالمضيخ ويدخل من أعلى العراق وأمر خالدا بالقعقاع بن عمرو التميمي وعياض بن عوف الحمى وقد كان المثنى بن حارثة الشيباني استأذن أبا بكر في غزو العراق فأذن له فكان يغزوهم قبل قدوم خالد فكتب أبو بكر إليه والى حرملة ومدعور وسلمان أن يلحقوا بخالد بالابلة وكانوا في ثمانية آلاف فارس ومع خالد عشرة آلاف فسار خالد في أول مقدمته المثنى وبعده عدى بن حاتم وجاء هو بعدهما على مسيرة يوم بين كل عسكر وواعدهما الحفير ليجتمعوا به ويصادموا عدوهم وكان صاحب ذلك الفرج من أساورة الفرس اسمه هرمز وكان يحارب العرب في البر والهند في البحر فكتب إلى أردشير كسرى بالخبر وتعجل هو إلى الكواظم في سرعان أصحابه حتى نزل الحفير وجعل على مجنبتيه قباذ وأنو شجان يناسبانه في أردشير الاكبر واقترنوا بالسلاسل لئلا يفروا وأروا خالدا أنهم سبقوا إلى الحفير فمال إلى كاظمة فسبقه هرمز إليها أيضا وكان للعرب على هرمز حنق لسوء مجاورته وقدم خالد فنزل قبالتهم على غير ماء وقال جالدوهم على الماء فان الله جاعله لاصبر الفريقين ثم أرسل الله سحابة فأغدرت من ورائهم ولما حطوا أثقالهم قدم خالد ودعا إلى النزال فبزر إليه هرمز وترجلا ثم اختلفا ضربتين فاحتضنه خالد وحمل أصحاب هرمز للغدر به فلم يشغله ذلك عن قتله وحمل القعقاع ابن عمرو فقتلهم وانهزم أهل فارس وركبهم المسلمون وسميت الواقعة ذات السلاسل وأخذ خالد سلب هرمز وكانت قلنسوته بمائة ألف وبعث بالفتح والاخماس إلى أبى بكر وسار فنزل بمكان البصرة وبعث المثنى بن حارثة في آثار العدو فحاصر حصن المرأة وفتحه وأسلمت فتزوجها وبعث معقل بن مقرن إلى الابلة ففتحها عتبة بن غزوان أيام عمر سنة أربع عشرة ولم يتعرض خالد وأصحابه إلى الفلاحين وتركهم وعمارة البلاد كما أمرهم أبو بكر وكان كسرى اردشير لما جاءه كتاب هرمز بمسير خالد أمره بقارن بن فريانس فسار إلى المدار ولما انتهى إلى المدار لقيه المنهزمون من هرمز ومعهم قباذ وأنو شجان فتذامروا ورجعوا ونزلوا النهر وسار إليهم خالد واقتتلوا وبرزقان فقتله معقل بن الاعشى بن النباش وقتل عاصم أنو شجان وقتل عدى قباذ وانهزمت الفرس وقتل منهم نحو ثلاثين الفا سوى من غرق ومنعت المياه المسلمين من طلبهم وكانت الغنيمة عظيمة وأخذ الجزية من الفلاحين وصاروا في ذمة ولم يقاتل المسلمين من الفرس بعد قارن أعظم منه وتسمى هذه الوقعة بالثنى وهو النهر ولما جاء الخبر إلى اردشير بالهزيمة بعد الاندر زغر وكان فارسا من مولدي السواد فارسل في اثره عسكرا مع بهمن حاذويه وحشد الاندر زغر ما بين الحيرة وكسكر من عرب الضاحية

[ 80 ]

والدهاقين وعسكروا بالولجة وسار إليهم خالد فقاتلهم وصبروا ثم جاءهم كمين من خلفهم فانهزموا ومات الاندر زغر عطشا وبذل خالد الامان للفلاحين فصاروا ذمة وسبى ذرارى المقاتلة ومن أعانهم وأصاب اثنين من نصارى بنى وائل أحدهما جابر بن بجير والآخر ابن عبد الاسود من عجل فأسرهما وغضب بكر وائل لذلك فاجتمعوا على الليس وعليهم عبد الاسود العجلى فكتب أردشير إلى بهمن حاذويه وقد أقام بعد الهزيمة كتابا يأمره بالمسير إلى نصارى العرب بالليس فيكون معهم إلى أن يقدم عليهم جابان من المرازبة فقدم بهمن على اردشير ليشاوره وخالفه جابان إلى نصارى العرب من عجل وتيم اللات وضبيعه وعرب الضاحية من الحيرة وهم مجتمعون على الليس وسار إليهم خالد حين بلغه خبرهم ولا مشعر لهم بجابان فلما حط الاثقال سار إليهم وطلب المبارزة فبرز إليه مالك بن قيس فقتله خالد واشتد القتال بينهم وسائر المشركين ينتظرون قدوم بهمن ثم انهزموا واستأسر الكثير منهم وقتلهم خالد حتى سال النهر بالدم وسمى نهر الدم ووقف على طعام الاعاجم وكانوا قعودا للاكل فنفله المسلمين وجعل العرب يتساءلون عن الرقاق يحسبونه رقاعا وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا ولما فرغ من الليس سار إلى أمعيشيا فغزا أهلها وأعجلهم أن ينقلوا أموالهم فغنم جميع ما فيها وخربها * (فتح الحيرة) * ثم سافر خالد إلى الحيرة وحمل الرجال والاثقال في السفن وخرج ابن زيان من الحيرة ومعه الازادية فعسكر عند الغريين وأرسل ابنه ليقاطع الماء عن السفن فوقفت على الارض وسار إليه خالد فلقيه على فرات باذقلا فقتله وجميع من معه وسار نحو أبيه على الحيرة فهرب بغير قتال لما كان بلغه من موت اردشير كسرى وقتل ابنه ونزل خالد منزله بالغريين وحاصر قصور الحيرة وافتتح الديور وصاح القسيسون والرهبان بأهل القصور فرجعوا على الا باية وخرج ابن قبيصة من القصر الابيض وعمرو بن عبد المسيح بن قيس ابن حيان بن بقيلة وكان معمرا وسأله خالد عن عجيبة قد رآها فقال رأيت القرى ما بين دمشق والحيرة تسافر بينهما المرأة فلا تتزود الا رغيفا واحدا ثم جاءه واستقرب منه ورآى مع خادمه كيسا فيه سم فأخذه خالد ونثره في يده وقال ما هذا قال خشيت أن تكونوا على غير ما وجدت فيكون الموت أحب إلى من مكروه أدخله على قومي فقال له خالد لن تموت نفس حتى تأتى على أجلها ثم قال باسم الله الذى لا يضر مع اسمه شئ وابتلع السم فوعك ساعة ثم قام كأنما نشط من عقال فقال عبد المسيح لتبلغن ما اردتم ما دام أحد منكم هكذا ثم صالحهم على مائة أو مائتين وتسعين ألفا وعلى كرامة 3 بنت عبد المسيح لشريك كان النبي صلى الله عليه وسلم عرف بها إذا فتحت الحيرة فأخذها

[ 81 ]

شريك وافتدت منه بألف درهم وكتب لهم بالصلح وذلك في أول سنة ثنتى عشرة * (فتح ما وراء الحيرة) * كان الدهاقين يتربصون بخالد ما يصنع بأهل الحيرة فلما صالحهم واستقاموا له جاءته الدهاقين من كل ناحية فصالحوه عما يلى الحيرة من الفلاليح وغيرها على ألف ألف وقيل على ألفى ألف سوى جباية كسرى وبعث خالد ضرار بن الازور وضرار بن الخطاب والقعقاع بن عمرو والمثنى بن حارثة وعيينة بن الشماس فكانوا في الثغور وأمرهم بالغارة فمخروا السواد كله إلى شاطئ دجلة وكتب إلى ملوك فارس أما بعد فالحمد لله الذى حل نظامكم ووهن كيدكم وفرق كلمتكم ولو لم نفعل ذلك كان شرا لكم فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم والا كان ذلك وأنتم كارهون على أيدى قوم يحبون الموت كما تحبون الحيوة وكتب إلى المرازبة أما بعد فالحمد لله الذى فض حدتكم وفرق كلمتكم وجفل حرمكم وكسر شوكتم فأسلموا تسلموا والا فاعتقدوا منى الذمة وأدوا الجزية والا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون شر الخمر انتهى وكان العجم مختلفين بموت اردشير وقد أزالوا بهمن حادويه فيمن سيره في العساكر فجبى خالد خراج السواد في خمسين ليلة وغلب العجم عليه وأقام بالحيرة سنة يصعد ويصوب والفرس حائرون فيمن يملكونه ولم يجدوا من يجتمعون عليه لان سيرين كان قتل جميع من تناسب إلى بهرام جور (فلما وصل) كتاب خالد تكلم نساء آل كسرى وولوا الفر خزاد بن البندوان إلى أن يجدوا من يجتمعون عليه ووصل جرير بن عبد الله البجلى إلى خالد بعد فتح الحيرة وكان مع خالد بن سعيد بن العاص بالشام ثم قدم على أبى بكر فكلمه أن يجمع له قومه كما وعده النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا أوزاعا متفرقين في العرب فسخط ذلك منه أبو بكر فقال تكلمني بما لا يعنى وأنت ترى ما نحن فيه من فارس والروم وأمره بالمسير إلى خالد فقدم عليه بعد فتح الحيرة * (فتح الانبار وعين التمر) (وتسمى هذه الغزوة ذات العيون) * ثم سار خالد على تعبيته إلى الانبار وعلى مقدمته الاقرع بن حابس وكان بالانبار شيرزاد صاحب ساباط فحاصرهم ورشقوهم بالنبال حتى فقأوا منهم ألف عين ثم نحر ضعاف الابل وألقاها في الخندق حتى ردمه بها وجاز هو وأصحابه فوقها فاجتمع المسلمون والكفار في الخندق وصالح شيرزاد على أن يلحقوه بمأمنه ويخلى لهم عن البلد وما فيها فلحق ببهمن حادويه ثم استخلف خالد على الانبار الزبرقان بن بدر وسار إلى عين التمر وبها بهرام بن بهرام جوبين في جمع عظيم من العجم وعقبة بن أبى عقبة في جمع عظيم من

[ 82 ]

العرب وحولهم طوائف من النمر وتغلب وإياد وغيرهم من العرب وقال عقبة لبهرام دعنا وخالدا فالعرب أعرف بقتال العرب فتركه لذلك واتقى به وسار عقبة إلى خالد وحمل خالد عليه وهو يقيم صفوفه فاحتضنه وأخذه أسيرا وانهزم العسكر عن غير قتال وأسر أكثرهم وبلغ الخبر إلى بهرام فهرب وترك الحصن وتحصن به المنهزمون واستأمنوا لخالد فأبى فنزلوا على حكمه فقتلهم أجمعين وعقبة معهم وغنم ما في الحصن وسبى عيالهم وأولادهم وأخذ من البيعة وهى الكنيسة غلمانا كانوا يتعلمون الانجيل ففرقهم في الناس منهم سيرين أبو محمد ونصير أبو موسى وحمران مولى عثمان وبعث إلى أبى بكر بالفتح والخمس وقتل من المسلمين عمير بن رباب السهمى من مهاجرة الحبشة وبشير بن سعد والد النعمان ولما فرغ خالد من عين التمر وافق وصول كتاب عياض ابن غنم وهو على من بازائه من نصارى العرب بناحية دومة الجندل وهم بهرام وكلب وغسان وتنوخ والضجاعم وكانت رياسة دومة لاكيدر بن عبد الملك والجودى بن ربيعة يقتسمانها وأشار أكيدر بصلح خالد فلم يقبلوا منه فخرج عنهم وبلغ خالد مسيره فأرسل من اعترضه فقتله وأخذ ما معه وسار خالد فنزل دومة وعياض عليها من الجهة الاخرى وخرج الجودى لقتال خالد وأخرج طائفة أخرى لقتال عياض فانهزموا من الجهتين إلى الحصن فأغلق دونهم وقتل الجودى وافتتح الحصن عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية * (الوقائع بالعراق) * وأقام خالد بدومة الجندل فطمع الاعاجم في الحيرة وملاهم عرب الجزيرة غضبا لعقبة فخرج اسواران إلى الانبار وانتهيا إلى الحصيد والخنافس فبعث القعقاع من الحيرة عسكرين حالا بينهما وبين الريف ثم جاء خالد إلى الحيرة فعجل القعقاع بن عمرو وأبا ليلى بن فدكى إلى لقائهما بالحصيد فقتل من العجم مقتلة عظيمة وقتل الاسواران وغنم المسلمون ما في الحصيد وانهزمت الاعاجم إلى الخنافس وبها البهبوذان من الاساورة وسار أبو ليلى في اتباعهم فهزم البهبوذان إلى المضيخ وكان بها الهذيل بن عمران وربيعة بن بجير من عرب الجزيرة غضبا لعقبة وجاآ مددا لاهل الحصيد فكتب خالد إلى القعقاع وأبى ليلى وواعدهما المضيخ وسار إليهم فتواقفا هنالك وأغاروا على الهذيل ومن معه من ثلاثة أوجه فاكثروا فيهم القتل ففر الهذيل في قليل وكان مع الهذيل عبد العزيز بن أبى رهم من أوس مناة ولبيد بن جرير وكانا أسلما وكتب لهما أبو بكر باسلامهما فقتلا في المعركة فوداهما أبو بكر وأوصى بأولادهما وكان عمر يعتمد بقتلهما وقتل مالك بن نويرة على خالد ولما فرغ خالد من الهذيل

[ 83 ]

بالمضيخ وعد القعقاع وأبا ليلى إلى الثنى شرقي الرصافة ليغير على ربيعة بن بجير التغلبي صاحب الهذيل الذى جاء معه لمدد الفرس ويبيتهم فلم يلق منهم أحدا ثم اتبع الهذيل بعد مفره من المضيخ إلى اليسير وقد لحق هنا لك بعتاب بن اسيد فبيتهم خالد قبل أن يصل إليهم خبر ربيعة فقتل منهم مقتلة عظيمة وسار إلى الرصافة وبها هلال بن عقبة فتفرق عنه أصحابه وهرب فلم يلق بها خالد أحدا ثم سار خالد إلى الرضاب والى الفراض وهى تخوم الشام والعراق والجزيرة فحميت الروم واستعانوا بمن يليهم من مسالح فارس واجتمعت ومعهم تغلب واياد والنمر وساروا إلى خالد وطلبوا منه العبور فقال اعبروا أسفل منا فعبروا وامتاز الروم من العرب فانهزمت الروم ذلك اليوم وقتل منهم نحو من مائة ألف وأقام خالد على الفراض إلى ذى القعدة ثم أذن للناس بالرجوع إلى الحيرة وجعل شجرة بن الاغر على الساقة وخرج من الفراض حاجا مكتتما بحجه وذهب يتعسف في البلاد حتى أتى مكة فحج ورجع فوافى الحيرة مع جنده وشجرة بن الاغر معهم ولم يعلم بحجه الا من أعلمه به وعتب به أبو بكر في ذلك لما سمعه وكانت عقوبته اياه ان صرفه من غزو العراق إلى الشام ثم شن خالد بن الوليد الغارات على نواحى السواد فاغار هو على سوق بغداد وعلى قطربل وعقر قوما ومسكن وبادروبا وحج أبو بكر في هذه السنة واستخلف على المدينة عثمان بن عفان * (بعوث الشام) * وكان من أول عمل أبى بكر بعد عوده من الحج ان بعث خالد بن سعيد بن العاصى في الجنود إلى الشام أول سنة ثلاث عشرة وقيل انما بعثه إلى الشام لما بعث خالد بن الوليد إلى العراق أول السنة التى قبلها ثم عذله قبل أن يسير لانه كان لما قدم من اليمن عند الوفاة تخلف عن بيعة أبى بكر اياما وغدا على على وعثمان فعزلهما على الاستكانة لتيم وهما رؤس بنى عبد مناف فنهاه على وبلغت الشيخين فلما ولاه أبو بكر عقد له عمر فعزله وأمره ان يقيم بتيماء ويدعو من حوله من العرب إلى الجهاد حتى يأتيه أمره فاجتمعت إليه جموع كثيرة وبلغ الروم خبره فضربوا البعث على العرب الضاحية بالشام من بهرا وسليح وكلب وغسان ولخم وجذام وسار إليهم خالد فغلبهم على منازلهم وافترقوا وكتب له أبو بكر بالاقدام فسار متقدما ولقيه البطريق ماهان من بطارقة الروم فهزمه خالد واستلحم الكثير من جنوده وكتب إلى أبى بكر يستمده ووافق كتابه المستنفرين وفيهم ذو الكلاع ومعه حمير وعكرمة بن أبى جهل ومن معه من تهامة والشحر وعمان والبحرين فبعثهم إليه وحينئذ اهتم أبو بكر بالشام وكان عمرو بن العاصى لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما إلى عمان وعده أن يعيده إلى عمله

[ 84 ]

عند فراغه من أمر عمان فلما جاء بعد الوفاة أعاده إليها أبو بكر انجازا لوعده صلى الله عليه وسلم تسليما وهى صدقات سعد هذيم وبنى عذرة فبعث إليه الآن يأمره باللحاق بخالد بن سعيد لجهاد الروم وأن يقصد فلسطين وبعث أيضا إلى الوليد بن عقبة وكان على صدقات قضاعة وولاه الاردن وأمر يزيد بن أبى سفيان على جمهور من انتدب إليه فيهم سهيل بن عمرو واشباهه وأمر أبا عبيدة بن الجراح على جميعهم وعين له حمص وأوصى كل واحد منهم ولما وصل المدد إلى خالد بن سعيد وبلغه توجه الامراء تعجل للقاء الروم قبلهم فاستطرد له ماهان ودخل دمشق واقتحم خالد الشام ومعه ذو الكلاع وعكرمة والوليد حتى نزل مرج الصفر 3 عند دمشق فانطوت مسالح ماهان عليه وسدوا الطريق دونه وزحف إليه ماهان ولقى ابنه سعيدا في طريقه فقتلوه وبلغ الخبر أباه خالدا فهرب فيمن معه وانتهى إلى ذى المروة قرب المدينة وأقام عكرمة ردءا من خلفهم فرد عنهم الروم فأقام قريبا من الشام وجاء شرحبيل بن حسنة إلى أبى بكر وافدا من العراق من عند خالد فندب معه الناس وبعثه مكان الوليد إلى اردن ومر بخالد ففصل ببعض أصحابه ثم بعث أبو بكر معاوية وأمره باللحاق بأخيه يزيد واذن لخالد ابن سعيد بدخول المدينة وزحف الامراء في العساكر نحو الشام فعبى هرقل عساكر الروم ونزل حمص بعد ان أشار على الروم بعدم قتال العرب ومصالحتهم على ما يريدون فأبوا ولجوا ثم فرقهم على أمراء المسلمين فبعث شقيقه تدارق في تسعين ألفا نحو عمرو ابن العاصى بفلسطين وبعث جرجة ابن نوذر نحو يزيد بن أبى سفيان وبعث الدراقص نحو شرحبيل بن حسنة بالاردن وبعث القيقلان بن نسطورس في ستين ألفا نحو أبى عبيدة بالجابية فهابهم المسلمون ثم رأوا ان الاجتماع اليق بهم وبلغ كتاب أبى بكر بذلك فاجتمعوا باليرموك احدا وعشرين ألفا وأمر هرقل ايضا باجتماع جنوده ووعدهم بوصول ملحان إليهم ردءا فاجتمعوا بحيال المسلمين والوادى خندق بينهم فأقاموا بازائه ثلاثة أشهر واستمدوا أبا بكر فكتب إلى خالد بن الوليد أن يستخلف على العراق المثنى بن حارثة ويلحق بهم وامره على جند الشام * (بعوث الشام) * ولما استمد المسلمون أبا بكر بعث إليهم خالد بن الوليد من العراق واستحثه في السير إليهم فنفذ خالد لذلك واوفى المسلمين مكانهم عندما وافى ماهان والروم أيضا وولى خالد قباله وولى الامراء قبل الآخرين ازاءهم فهزم ماهان وتتابع الروم على الهزيمة وكانوا مائتين وأربعين ألفا وتقسموا بين القتل والغرق في الواقوصة والهوى في الخندق وقتل صناديد الروم وفرسانهم وقتل تدارق أخو هرقل وانتهت الهزيمة

[ 85 ]

إلى هرقل وهو دون حمص فارتحل وأخلد إلى ما وراءها لتكون بينه وبين المسلمين وأصر عليها وعلى دمشق ويقال ان المسلمين كانوا يومئذ ستة وأربعين ألفا سبعة وعشرين منها مع الامراء وثلاثة آلاف من امداد أهل العراق مع خالد بن الوليد وستة آلاف ثبتوا مع عكرمة ردءا بعد خالد بن سعيد وان خالد بن سعيد سماهم كراديس ستة وثلاثين كردوسا لما راى الروم لقبوا كراديس وكان كل كردوس ألفا وكان ذلك في شهر جمادى وان أبا سفيان بن حرب أبلى يومئذ بلاء حسنا بسعيه وتحريضه (قالوا) وبينما الناس في القتال قدم البريد من المدينة بموت أبى بكر وولاية عمر فأسره إلى خالد وكتمه عن الناس ثم خرج جرجه من أمراء الروم فطلب خالدا وسأله عن أمره وأمر الاسلام فوعظه خالد فاستبصر وأسلم وكانت وهنا على الروم ثم زحف خالد بجماعة من المسلمين فيهم جرجه فقتل من يومه واستشهد عكرمة بن أبى جهل وابنه عمرو واصيبت عين أبى سفيان واستشهد سلمة بن هشام وعمرو وأبان ابنا سعيد وهشام بن العاصى وهبار بن سفيان والطفيل بن عمرو وأثبت خالد بن سعيد فلا يعلم أين مات بعد ويقال استشهد في مرج الصفر في الوقعة الاولى ويقال ان خالدا لما جاء من العراق مددا للمسلمين بالشام طلب من الادلاء ان يغوروا به حتى يخرج من وراء الروم فسلك به رافع بن عمرو الطائى من فزارة في بلاد كلب حتى خرج إلى الشام ونحر فيها الابل وأغار على مضيخ فوجد به رفقة فقتلهم وأسلبهم وكان الحرث بن الايهم وغسان قد اجتمعوا بمرج راهط فسلك إليهم واستباحهم ثم نزل بصرى ففتحها ثم سار منها إلى المسلمين بالواقوصة فشهد معهم اليرموك ويقال ان خالدا لما جاء من العراق إلى الشام لقى أمراء المسلمين ببصرى فحاصروها جميعا حتى فتحوها على الجزيه ثم ساروا جميعا إلى فلسطين مددا لعمرو بن العاصى وعمرو بالغور والروم بجلق مع تدارق أخى هرقل وكشفوا عن جلق إلى أجنادين وراء الرملة شرقا ثم تزاحف الناس فاقتتلوا وانهزم الروم وذلك في منتصف جمادى الاولى من السنة وقتل فيها تدارق ثم رجع هرقل ولقى المسلمين بالفاقوصة عند اليرموك فكانت واقعة اليرموك كما قدمنا في رجب بعد اجنادين وبلغت المسلمين وفاة أبى بكر وانها كانت لثمان بقين من جمادى الآخرة * (خلافة عمر رضى الله عنه) * ولما احتضر أبو بكر عهد إلى عمر رضى الله عنهما بالامر من بعده بعد ان شاور عليه طلحة وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم وأخبرهم بما يريد فيه فأثنوا على رأيه فأشرف على الناس وقال انى قد استخلفت عمر ولم آل لكم نصحا فاسمعوا له وأطيعوا ودعا عثمان فأمره فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمد

[ 86 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة في الحال التى يؤمن فيها الكافر ويوقن فيها الفاجر انى استعملت عليكم عمر بن الخطاب ولم آل لكم خيرا فان صبر وعدل فذلك علمي به ورأيى فيه وان جار وبدل فلا علم لى بالغيب والخير أردت ولكل امرئ ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون فكان أول ما أنفذه من الامور عزل خالد عن امارة الجيوش بالشام وتولية أبى عبيدة وجاء الخبر بذلك والمسلمون مواقفون عدوهم في اليرموك فكتم أبو عبيدة الامر كله فلما انقضى أمر اليرموك كما مر سار المسلمون إلى فحل من ارض الاردن وبها رافضة الروم وخالد على مقدمة الناس فقاتلوا الروم * (فتح دمشق) * واقتحموها عنوة وذلك في ذى القعدة ولحقت رافضة الروم بدمشق وعليها ماهان من البطارقة فحاصرهم المسلمون حتى فتحوا دمشق وأظهر أبو عبيدة إمارته وعزل خالد وقال سببه ان أبا بكر كان يسخط خالد بن سعيد والوليد بن عقبة من أجل فرارهما كما مر فلما ولى عمر رضى الله عنه اباح لهما دخول المدينة ثم بعثهما مع الناس إلى الشام ولما فرغ أمر اليرموك وساروا إلى فحل وبلغ عمر خبر اليرموك فكتب فعزل خالد بن الوليد وعمرو بن العاصى حتى يصير الحرب إلى فلسطين فيتولاها عمرو وان خالدا قدم على عمر بعد العزل وذلك بعد فتح دمشق وانهم ساروا إلى فحل فاقتحموها ثم ساروا إلى دمشق وعليها نسطاس بن نسطورس فحاصروها سبعين ليلة وقيل ستة أشهر من نواحيها الاربع خالد وأبو عبيدة ويزيد وعمرو كل واحد على ناحية وقد جعلوا بينهم وبين هرقل مدينة حمص ومن دونها ذو الكلاع في جيش من المسلمين وبعث هرقل المدد إلى دمشق وكان فيهم ذو الكلاع فسقط في أيديهم وقدموا على دخول دمشق وطمع المسلمون فيهم واستغفلهم خالد في بعض الليالى فتسور سورهم من ناحيته وقتل الوليد وفتح الباب واقتحم البلد وكبر وقتلوا جميع من لقوه وفزع أهل النواحى إلى الامراء الذين يلونهم فنادوا لهم الصلح والدخول فدخلوا من نواحيهم صلحا فأجريت ناحية خالد على الصلح مثلهم (قال سيف) وبعثوا إلى عمر بالفتح فوصل كتابه بأن يصرف جند العراق إلى العراق فخرجوا وعليهم هاشم بن عتبة وعلى مقدمته القعقاع وخرج الامراء إلى فحل وأقام يزيد بن أبى سفيان بدمشق وكان الفتح في رجب سنة أربع عشرة وبعث يزيد دحية الكلبى إلى تدمر وأبا الا زاهر القشيرى إلى حوران والبثنة فصالحوهما ووليا عليهما ووصل الامراء إلى فحل فبيتهم الروم فظفر المسلمون بهم وهزموهم فقتل منهم ثمانون ألفا وكان على الناس في وقعة فحل شرحبيل بن حسنة

[ 87 ]

فسار بهم إلى بيسان وحاصرها فقتل مقاتلتها وصالحه الباقون فقبل منهم وكان أبو الاعور السلمى على طبرية محاصرا لها فلما بلغهم شان بيسان صالحوه فكمل فتح الاردن صلحا ونزلت القواد في مدائنها وقراها وكتبوا إلى عمر بالفتح (وزعم الواقدي) ان اليرموك كانت سنة خمس عشرة وان هرقل انتقل فيها من انطاكية إلى قسطنطينية وان اليرموك كانت آخر الوقائع (والذى تقدم لنا من رواية سيف) ان اليرموك كانت سنة ثلاث عشرة وان البريد بوفاة أبى بكر قدم يوم هربت الروم فيه وان الامراء بعد اليرموك ساروا إلى دمشق ففتحوها ثم كانت بعدها وقعة فحل ثم وقائع أخرى قبل شخوص هرقل والله أعلم * (خبر المثنى بالعراق بعد مسير خالد إلى الشام) * لما وصل كتاب أبى بكر إلى خالد بعد رجوعه من حجه بأن ينصرف إلى الشام أميرا على المسلمين بها ويخرج في شطر الناس ويرجع بهم إذا فتح الله عليه إلى العراق ويترك الشطر الثاني بالعراق مع المثنى بن حارثة وفعل ذلك خالد ومضى لوجهه وأقام المثنى بالحيرة ورتب المصالح واستقام أهل فارس بعد خروج خالد بقليل على شهريرار ابن شيرين بن شهريار ممن يناسبه إلى كسرى أبى سابور وذلك سنة ثلاث عشرة فبعث إلى الحيرة هرمز فاقتتلوا هنا لك قتالا شديدا بعدوة الضراء وعار الفيل بين الصفوف فقتله المثنى وناس معه وانهزم أهل فارس واتبعهم المسلمون يقتلونهم حتى انتهوا إلى المدينة ومات شهريار اثر ذلك وبقى ما دون دجلة من السواد في أيدى المسلمين ثم اجتمع أهل فارس من بعد شهريار على آزرميدخت ولم ينفذ لها أمر فخلعت وملك سابور بن شهريار وقام بأمره الفرخزاذ بن البندوان وزوجه آزرميدخت فغضب وبعث إلى سياوخش وكان من كبار الاساورة وشكت إليه فأشار عليها بالقبول وجاءه ليلة العرس فقتل الفرخزاذ ومن معه ونهض إلى سابور فحاصره ثم اقتحم عليه فقتله وملكت آزرميدخت وتشاغل بذلك آل ملكها حتى انتهى شأن أبى بكر وصار السواد في سلطانه وتشاغل أهل فارس عن دفاع المسلمين عنه ولما أبطأ خبر أبى بكر على المثنى استخلف المثنى على الناس بشر بن الخصاصية وخرج نحو المدينة يستعلم ويستأذن فقدم وأبو بكر يجود بنفسه وقد عهد إلى عمر وأخبره الخبر فأحضر عمر وأوصاه أن يندب الناس مع المثنى وان يصرف أصحاب خالد من الشام إلى العراق فقال عمر يرحم الله ابا بكر علم انه تستر في امارة خالد فأمرني بصرف أصحابه ولم يذكره * (ولاية أبى عبيد بن مسعود على العراق ومقتله) *

[ 88 ]

ولما ولى عمر ندب الناس مع المثنى بن حارثة أياما وكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود وقال عمر للناس ان الحجاز ليس لكم بدار الا النجعة ولا يقوى عليه أهله الا بذلك أين المهاجرون عن موعد الله سيروا في الارض التى وعدكم الله في الكتب أن يورثكموها فقال ليظهره على الدين كله فالله مظهر دينه ومعز ناصره ومولى أهله مواريث الامم أين عباد الله الصالحون فانتدب أبو عبيد الثقفى ثم سعد بن عبيد الانصاري ثم سليط ابن قيس فولى أبا عبيد على البعث لسبقه وقال اسمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واشكرهم في الامر ولا تجتهد مسرعا بل اتئد فانها الحرب والحرب لا يصلحها الا الرجل المكيث الذى يعرف الفرصة والكف ولم يمنعنى ان اؤمر سليطا الا لسرعته إلى الحرب وفى السرعة إلى الحرب إلا عن بيان ضياع والله لولا سرعته لامرته فكان بعث أبى عبيد هذا أول بعث بعثه عمر ثم بعث بعده يعلى بن أمية إلى اليمن وأمره باجلاء أهل نجران لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك في مرضه وقال أخبرهم أنا نجليهم بأمر الله ورسوله أن لا يترك دينان بأرض العرب ثم نعطيهم أرضا كارضهم وفاء بذمتهم كما أمر الله (قالوا) فخرج أبو عبيد مع المثنى بن حارثة وسعد وسليط إلى العراق وقد كانت بوران بنت كسرى كما اختلفت الناس بالمدائن عدلت بينهم حتى يصطلحوا فلما قتل الفرخزاذ بن البندوان وملكت آزرميدخت اختلف أهل فارس واشتغلوا عن المسلمين غيبة المثنى كلها فبعثت بوران إلى رستم تستحثه للقدوم وكان على فرج خراسان فأقبل في الناس إلى المدائن وعزم الفرخزاذ وفقأ عين آزرميدخت ونصب بوران فملكته وأحضرت مرازبة فارس فأسلموا له ورضوا به وتوجته وسبق المثنى إلى الحيرة ولحقه أبو عبيد ومن معه وكتب رستم إلى دهاقين السواد أن يثوروا بالمسلمين وبعث في كل رستاق رجلا لذلك فكان في فرات باذقلا جابان وفى كسكر نرسى وبعث جند المصادمة المثنى فساروا واجتمعوا أسفل الفرات وخرج المثنى من الحيرة خوفا ان يؤتى من خلفه فقدم عليه أبو عبيد ونزل جابان النمارق ومعه جمع عظيم فلقيه أبو عبيد هناك وهزم الله أهل فارس وأسر جابان ثم اطلق وساروا في المنهزمين حتى دخلوا كسكر وكان بها نرسى ابن خالة كسرى فجمع الفالة إلى عسكره وسار إليهم أبو عبيد من النمارق في تعبيته وكان على مجنبتى نرسى نفدويه وشيرويه ابنا بسطام خال كسرى واتصلت هزيمة جابان ببوران ورستم فبعثوا الجالنوس مددا النرسى وعاجلهم أبو عبيد فالتقوا أسفل من كسكر فاشتد القتال وانهزمت الفرس وهرب نرسى وغنم المسلمون ما في عسكره وبعث أبو عبيد المثنى وعاصما فهزموا من كان تجمع من أهل الرساتيق وخربوا وسبوا وأخذوا الجزية من أهل السواد وهم يتربصون

[ 89 ]

قدوم الجالنوس ولما سمع به أبو عبيد سار إليه على تعبيته فانهزم الجالنوس وهرب ورجع أبو عبيد فنزل الحيرة وقد كان عمر قال له انك تقدم على ارض المكر والخديعة والخيانة والخزى تقدم على قوم تجروا على الشر فعلموه وتناسوا الخير فجهلوه فانظر كيف تكون واحرز لسانك ولا تفش سرك فان صاحب السر ما ضبط متحصن لا يؤتى من وجه يكرهه وإذا ضيعه كان بمضيعة ولما رجع الجالنوس إلى رستم بعث بهمن حادويه ذا الحاجب إلى الحيرة فأقبل ومعه درفش كابيان راية كسرى عرض ثمانية أذرع في طول اثنى عشر من جلود النمر فنزل في الناطف على الفرات وأقبل أبو عبيد فنزل عدوته وقعد إلى ان نصبوا للفريقين جسرا على الفرات وخيرهم بهمن حادويه في عبوره أو عبورهم فاختار أبو عبيد العبور وأجاز إليهم وماجت الارض بالمقاتلة ونفرت خيول المسلمين وكراديسهم من الفيله وأمر بالتخفيف عن الخيل فترجل أبو عبيد والناس وصافحوا العدو بالسيوف ودافعتهم الفيلة فقطعوا وضنها فسقطت رحالها وقتل من كان عليها وقابل أبو عبيد فيلا منهم فوطئه بيده وقام عليه فأهلكه وقاتلهم الناس ثم انهزموا عن المثنى وسبقه بعض المسلمين إلى الجسر فقطعه وقال موتوا أو تظفروا وتواثب بعضهم الفرات فغرقوا وأقام المثنى وناس معه مثل عروة بن زيد الخيل وأبى محجن الثقفى وانظارهم وقاتل أبو زيد الطائى كان نصرانيا قدم الحيرة لبعض أمره فحضر مع المثنى وقاتل حينئذ حمية ونادى المثنى الذين عبروا من المسلمين فعقدوا الجسر وأجاز بالناس وكان آخر من قتل عند الجسر سليط بن قيس فانفض أصحابه إلى المدينة وبقى المثنى في فله جريحا وبلغ الخبر إلى عمر فشق عليه وعذر المنهزمين وهلك من المسلمين يومئذ أربعة آلاف قتلى وغرقي وهرب ألفان وبقيت ثلاثة آلاف وبينما بهمن حادويه يروم العبور خلف المسلمين أتاه الخبر بأن الفرس ثاروا برستم مع الفيرزان فرجع إلى المدائن وكانت الوقعة في مدائن سنة ثلاث عشرة ولما رجع بهمن حادويه اتبعه جابان ومعه مردارشاه وخرج المثنى في أثرهما فلما أشرف عليهما أتياه يظنان انه هارب فأخذهما أسيرين وخرج أهل الليس على أصحابهما فأتوه بهم اسرى وعقدوا معه مهادنة وقتل جميع الاسرى (ولما) بلغ عمر رضى الله عنه وقعة أبى عبيد بالجسر ندب الناس إلى المثنى وكان فيمن ندب بجيلة وأمرهم إلى جرير بن عبد الله لانه الذى جمعهم من القبائل بعد ان كانوا مفترقين ووعده النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وشغل عن ذلك أبو بكر بأمر الردة ووفى له عمر به وسيره مددا للمثنى بالعراق وبعث عصمة بن عبد الله الضبى وكتب إلى أهل الردة بأن يوافوا المثنى وبعث المثنى الرسل فيمن يليه من العرب فوافوا في جموع عظيمة حتى نصارى النمر جاؤه وعليهم أنس بن

[ 90 ]

هلال وقالوا نقاتل مع قومنا وبلغ الخبر إلى رستم والفيرزان فبعثا مهران الهمداني إلى الحيرة والمثنى بين القادسية وخفان فلما بلغه الخبر استبقى فرات باذقلا وكتب بالخبر إلى جرير وعصمة ان يقصدا العذيب مما يلى الكوفة فاجتمعوا هنا لك ومهران قبالتهم عدوة الفرات وتركوا له العبور فأجاز إليهم وسار إليه المثنى في التعبية وعلى مجنبتيه مهران مرزبان الحيرة من الازدبة ومردارشاه ووقف المثنى على الرايات يحرض الناس فأعجلتهم فارس وخالطوهم وركدت حربهم واشتدت ثم حمل المثنى على مهران فأزاله عن مركزه وأصيب مسعود أخو المثنى وخالط المثنى القلب ووثب المجنبات على المجنبات قبالتهم فانهزمت الفرس وسبقهم المثنى إلى الحسر فهربوا مصعدين ومنحدرين واستلحمتهم خيول المسلمين وقتل فيها مائة ألف أو يزيدون وأحصى مائة رجل من المسلمين قتل كل واحد منهم عشرة وتبعهم المسلمون إلى الليل وأرسل المثنى في آثار الفرس فبلغوا ساباط فغنموا وسبوا ساباط واستباحوا القرى وسخروا السواد بينهم وبين دجله لا يلقون مانعا ورجع المنهزمون إلى رستم فاستهانوا ورضوا أن يتركوا ما وراء دجلة ثم خرج المثنى من الحيرة واستخلف بشير بن الخصاصية وسار نحو السواد ونزل الليس من قرى الانبار فسميت الغزاة غزاة الانبار الآخرة وغزاة الليس الآخرة وجاءت إلى المثنى عيون فدلته على سوق الخنافس وسوق بغداد وان سوق الخنافس اقرب ويجتمع بها تجار المدائن والسواد وخفراؤهم ربيعة وقضاعة فركب إليها واغار عليها يوم سوق فاشتف السوق وما فيها وسلب الخفراء ورجع إلى الانبار فأتوه بالعلوفة والزاد وأخذ منهم ادلاء تظهر له المدائن وسار بهم إلى بغداد ليلا وصبح السوق فوضع فيهم السيف وأخذ ما شاء من الذهب والفضة والجيد من كل شئ ثم رجع إلى الانبار وبعث المضارب العجلى إلى الركان وبه جماعة من تغلب فهربوا عنه ولحقهم المضارب فقتل في أخرياتهم وأكثر ثم سرح فرات بن حيان التغلبي وعتيبة بن النهاس للاغارة على احياء من تغلب بصفين ثم اتبعهما المثنى بنفسه فوجدوا احياء صفين قد هربوا عنها فعبر المثنى إلى الجزيرة وفنى زادهم وأكلوا رواحلهم وادركوا عيرا من أهل خفان فحضر نفر من تغلب فاخذوا العير ودلهم أحد الخفراء على حى من تغلب ساروا إليه يومهم وهجموا عليهم فقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية واستاقوا الاموال وكان هذا الحى بوادي الرويحلة فاشترى اسراهم من كان هنا لك من ربيعة بنصيبهم من الفئ واعتقوهم وكانت ربيعة لا تسبى في الجاهلية ولما سمع المثنى ان جميع من يملك البلاد قد انتجع شاطئ دجلة خرج في اتباعهم فأدركهم بتكريت فغنم ما شاء وعاد إلى الانبار ومضى عتيبة وفرات حتى أغارا

[ 91 ]

على النمر وتغلب بصفين وتمكن رعب المسلمين من قلوب أهل فارس وملكوا ما بين الفرات ودجلة * (أخبار القادسية) * ولما دهم أهل فارس من المسلمين بالسواد ما دهمهم وهم مختلفون بين رستم والفيرزان واجتمع عظماؤهم وقالوا لهما إما ان تجتمعا والا فنحن لكما حرب فقد عرضتمونا للهلكة وما بعد بغداد وتكريت إلى المدار فأطاعا لذلك وفزعوا إلى بوران يسألونها في ولد من كسرى يولونه عليهم فأحضرت لهم النساء والسرارى وبسطوا عليهن العذاب فذكروا لهم غلاما من شهريار بن كسرى اسمه يزدجرد أخذته أمه عندما قتل شيرويه أبناء أبيه فسألوا أمه عنه فدلتهم عليه عند اخواله كانت اودعته عندهم حينئذ فجاؤا به ابن احدى وعشرين سنة فملكوه واجتمعوا عليه وتبارى المرازبة في طاعته وعين المسالح والجنود لكل ثغر ومنها الحيرة والابلة والانبار وخرجوا إليها من المدائن وكتب المثنى بذلك إلى عمر وبينما هو ينتظر الجواب انتقض أهل السواد وكفروا وخرج المثنى إلى ذى قار ونزل الناس في عسكر واحد ولما وصل كتابه إلى عمر قال والله لاضربن ملوك العجم بملوك العرب فلم يدع رئيسا ولاذا رأى وشرف وبسطة ولا خطيبا ولا شاعرا الا رماهم به فرماهم بوجوه الناس وكتب إلى المثنى يأمره بخروج المسلمين من بين العجم والتفرق في المياه بحيالهم وان يدعو الفرسان واهل النجدات من ربيعة ومضر ويحضرهم طوعا وكرها فنزل المسلمون بالحلة وسروا إلى عصى وهو جبل البصرة متناظرين وكتب إلى عماله على العرب ان يبعثوا إليه من كانت له نجدة أو فرس أو سلاح أو رأى وخرج إلى الحج فحج سنة ثلاث عشرة ورجع فجاءته افواجهم إلى المدينة ومن كان أقرب إلى العراق انضم إلى المثنى فلما اجتمعت عنده امداد العرب خرج من المدينة واستخلف عليها عليا وعسكر على صرار من ضواحيها وبعث على المقدمة طلحة وجعل على المجنبتين عبد الرحمن والزبير وانبهم أمره على الناس ولم يطلق أحد سؤاله فسأله عثمان فأحضر الناس واستشارهم في المسير إلى العراق فقال العامة سر نحن معك فوافقهم ثم رجع إلى اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحضر عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن واستشارهم فأشاروا بمقامه وأن يبعث رجلا بعده آخر من الصحابة بالجنود حتى يفتح الله على المسلمين ويهلك عدوهم فقبل ذلك ورآى فيه الصواب وعين لذلك سعد بن أبى وقاص وكان على صدقات هوازن فأحضره وولاه حرب العراق وأوصاه وقال يا سعد بن أم سعد لا يغرنك من الله أن يقال خال رسول الله وصاحب رسول الله فان الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكنه

[ 92 ]

يمحو السيئ بالحسن وليس بين الله وبين أحد نسب الا بطاعته فالناس في دين الله سواء الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة فانظر الامر الذى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزمه فالزمه وعليك بالصبر ثم سرحه في أربعة آلاف ممن اجتمع إليه فيهم حميضة بن النعمان بن حميضة على بارق وعمرو بن معدى كرب وابو سبرة بن أبى رهم على مذحج ويزيد بن الحرث الصدائى على عذرة وجنب ومسلية وبشر بن عبد الله الهلالي على قيس عيلان والحصين بن نمير ومعاوية بن حديج على السكون وكندة ثم أمر بعد خروجه بألفى يمانى وألفى فخري وسار سعد وبلغه في طريقه بزرود أن المثنى مات من جراحة انتقضت وانه استخلف على الناس بشير بن الخصاصة وكانت جموع المثنى ثلاثة آلاف وكذلك أربعة آلاف من تميم والرباب وأقاموا وعمر ضرب على بنى أسد أن ينزلوا على حد أرضهم فنزلوا في ثلاثة آلاف وأقاموا بين سعد والمثنى وسار سعد إلى سيراف فنزلها واجتمعت إليه العساكر ولحقه الاشعث بن قيس ومعه ثلاثون الفا ولم يكن أحد أجرأ على الفرس من ربيعة ثم عبى سعد كتائب من سيراف وأمر الامراء وعرف على كل عشرة عريفا وجعل الرايات لاهل السابقة ورتب المقدمة والساقة والمجنبات والطلائع وكل ذلك بأمر عمر ورأيه وبعث في المقدمة زهرة بن عبد الله بن قتادة الحيوى من بنى تميم فانتهى إلى العذيب وعلى اليمامة عبد الله بن المعتمر وعلى الميسرة شرحبيل بن السمط وخليفة بن خالد بن عرفطة حليف بنى عبد شمس وعاصم بن عمر التميمي وسواد بن مالك التميمي على الطلائع وسلمان بن ربيعة الباهلى على المجردة ثم سار على التعبية ولقيه المهنى بن حارثة الشيباني بسيراف وقد كان بعد موت أخيه المثنى سار بذى قار إلى قابوس بن المنذر بالقادسية وقد بعث الفرس إليها يستنفرون العرب فبيته المهنى واستلحمه ومن معه ورجع إلى ذى قار وجاء إلى سعد بالخبر ليعلمه بوصية المثنى إليه ان لا تدخلوا بلاد فارس وقاتلوهم على حد أرضهم بادئ حجر من أرض العرب فان يظهر الله المسلمين فلهم ما وراءهم والا رجعتم إلى فئة ثم تكونوا أعلم بسبيهم وأجرأ على أرضهم إلى ان يرد الله الكرب فترحم سعد ومن معه على المثنى وولى أخاه المهنى على عمله وتزوج سلمى زوجته ووصله كتاب عمر بمثل رأى المثنى يسأله من سيراف ونزل العرب ثم أتى القادسية فنزلها بحيال القنطرة بين العتيق والخندق ووصله كتاب عمر يؤكد عليهم في الوفاء بالانبار ولو كان اشارة أو ملاعبة 2 وكان زهرة في المقدمة فبعث سرية للاغارة على الحيرة عليها بكر بن عبد الله الليثى وإذا أخت مرزبان الحيرة تزف إلى زوجها فحمل بكير على ابن الازادية فقتله وحملوا الاثقال والعروس في ثلاثين امرأة ومائة من التوابع ومعهم ما لا يعرف

[ 93 ]

قيمته ورجع بالغنائم فصبح سعد بالعذيب فقسمه في المسلمين ولما رجع سعد القادسية أقام بها شهرا يشن الغارات بين كسكر والانبار ولم يأته خبر عن الفرس وقد بلغت اخبارهم إلى يزدجرد وأن ما بين الحيرة والفرات قد نهب وخرب فأحضر رستم ودفعه لهذا الوجه فتقاعد عنه وقال ليس هذا من الرأى وبعث الجيوش يعقب بعضها بعضا أولى من مصادمة مرة فأبى يزدجرد الا مسيره لذلك فعسكر رستم بساباط وكتب سعد بذلك إلى عمر فكتب إليه لا يكترثنك ما ياتيك عنهم واستعن بالله وتوكل عليه وابعث رجالا من أهل الراى والجلد يدعونه فان الله جاعل ذلك وهنا لهم فأرسل سعد نفرا منهم النعمان بن مقرن وقيس بن زرارة والاشعث بن قيس وفرات بن حيان وعاصم بن عمر وعمرو بن معدى كرب والمغيرة بن شعبة والمهنى بن حارثة فقدموا على يزدجرد وتركوا رستم واجتمعوا واجتمع الناس ينظرون إليهم والى خيولهم ويردوهم فأحضرهم يزدجرد وقال لترجمانه سلهم ما جاء بكم وما أولعكم بغزونا وبلادنا من أجل أنا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا فتكلم النعمان بن مقرن بعد ان استأذن أصحابه وقال ما معناه ان الله رحمنا وأرسل الينا رسولا صفته كذا يدعونا إلى كذا ووعدنا بكذا فأجابه منا قوم وتباعد قوم ثم أمر أن نجاهد من خالفه من العرب فدخلوا معه على وجهين مكره اغتبط وطائع ازداد حتى اجتمعنا عليه وعرفنا فضل ما جاء به ثم امرنا بجهاد من يلينا من الامم ودعائهم إلى الانصاف فان أبيتم فأمر أهون من ذلك وهو الجزية فان أبيتم فالمناجزة فقال يزدجرد لا أعلم في الارض امة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا اسوأ ذات بين منكم وقد كان أهل الضواحى يكفونا أمركم ولا تطمعوا ان تقوموا للفرس فان كان بكم جهد اعطيناكم قوتا وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم فقال قيس بن زرارة هؤلاء أشراف العرب والاشراف يستحيون من الاشراف وأنا اكلمك وهم يشهدون فاما ما ذكرت من سوء الحال فكما وصفت وأشد ثم ذكر من عيش العرب ورحمة الله بهم بارسال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما قال النعمان الخ ثم قال له اختر إما الجزية عن يد وأنت صاغر أو السيف والا فنج نفسك بالاسلام فقال يزدجرد لو قتل أحد الرسل قبلى لقتلتكم ثم استدعى بوقر من تراب وحمل على أعظمهم وقال ارجعوا إلى صاحبكم وأعلموه انى مرسل رستم حتى يدفنكم أجمعين في خندق القادسية ثم يدوخ بلادكم أعظم من تدويخ سابور فقام عاصم بن عمر فحمل التراب على عنقه وقال انا أشرف هؤلاء ولما رجع إلى سعد فقال أبشر فقد أعطانا الله تراب أرضهم وعجب رستم من محاورتهم وأخبر يزدجرد بما قاله عاصم بن عمر فبعث في اثرهم إلى الحيرة فأعجزوهم ثم أغار سواد بن مالك التميمي بعد مسير الوفد إلى يزدجرد على الفراض

[ 94 ]

فاستاق ثلثمائة دابة بين بغل وحمار وقدرو آخرها سمكا وصبح بها العسكر فقسمه سعد في الناس وواصلوا السرايا والبعوث لطلب اللحم وأما الطعام فكان عندهم كثيرا وسار رستم إلى ساباط في ستين ألفا وعلى مقدمته الجالنوس في أربعين ألفا وساقته عشرون ألفا وفى الميمنة الهرمزان وفى الميسرة مهران بن بهرام الرازي وحمل ثلاثة وثلاثين فيلا ثمانية عشر في القلب وخمسة عشر في الجنبين ثم سار حتى نزل كوثى فأتى برجل من العرب فقال له رستم ما جاء بكم وما تطلبون فقال نطلب وعد الله بأرضكم وابنائكم ان لم تسلموا قال رستم فان قتلتم دون ذلك قال من قتل دخل الجنة ومن بقى انجزه الله وعده قال رستم فنحن إذا وضعنا في أيديكم فقال أعمالكم وضعتكم وأسلمكم الله بها فلا يغرنك من ترى حولك فلست تحاول الناس انما تحاول القضاء والقدر فغضب وأمر به فضربت عنقه وسار فنزل الفرس وفشا من عسكره المنكر وغصبوا الرعايا اموالهم وابناءهم حتى نادى رستم منهم بالويل وقال صدق والله العربي وأتى ببعضهم فضرب عنقه ثم سار حتى نزل الحيرة ودعا أهلها فعزرهم وهم بهم فقال ابن بقيلة لا تجمع علينا أن تعجز عن نصرتنا وتلومنا على الدفع عن أنفسنا وأرسل سعد السرايا إلى السواد وسمع بهم رستم فبعث لاعتراضهم الفرس وبلغ ذلك سعدا فأمدهم بعاصم بن عمر فجاءهم وخيل فارس تحتوشهم فلما رأوا عاصم هربوا وجاء عاصم بالغنائم ثم أرسل سعد عمرو بن معدى كرب وطليحة الاسدي طليعة فلما ساروا فرسخا وبعضه لقوا المسالح فرجع عمرو ومضى طليحة حتى وصل عسكر رستم وبات فيه وهتك اطناب خيمة أو خيمتين واقتاد بعض الخيل وخرج يعدو به فرسه ونذر به الفرس فركبوا في طلبه إلى أن أصبح وهم في أثره فكر على فارس فقتله ثم آخر وأسر الرابع وشارف عسكر المسلمين فرجعوا عنه ودخل طليحة على سعد بالفارسي ولم يخلف بعده فيهم مثله فأسلم ولزم طليحة ثم سار رستم فنزل القادسية بعد ستة أشهر من المدائن وكان يطاول خوفا وتقية والملك يستحثه وكان رآى في منامه كأن ملكا نزل من السماء ومعه النبي صلى الله عليه وسلم وعمر وأخذ الملك سلا ح اهل فارس فختمه ثم دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودفعه النبي إلى عمر فحزن لذلك اهل فارس في سيره (ولما) وصل القادسية وقف على العتيق حيال عسكر المسلمين والناس يتلاحقون حتى أغتموا من كثرتهم وركب رستم غداة تلك الليلة وصعد مع النهر وصوب حتى وقف على القنطرة وأرسل إلى زهرة فواقفه وعرض له بالصلح وقال كنتم جيراننا وكنا نحسن اليكم ونحفظكم ويقرر صنيعهم مع العرب ويقول زهرة ليس أمرنا بذلك وانما طلبنا الآخرة وقد كنا كما ذكرت إلى أن بعث الله فينا رسولا

[ 95 ]

دعانا إلى دين الحق فأجبناه وقال قد سلطتكم على من لم يدن به وأنا منتقم بكم منهم وأجعل لكم الغلبة فقال رستم وما هو دين الحق فقال الشهادتان واخراج الناس من عبادة الخلق إلى عبادة الله وأنتم اخوان في ذلك فقال رستم فان أجبنا إلى هذا ترجعون فقال إى والله فانصرف عنه رستم ودعا رجال فارس وذكر ذلك لهم فأنفوا وأرسل إلى سعد أن ابعث لنا رجلا نكلمه ويكلمنا فبعث إليهم ربعى بن عامر وحبسوه على القنطرة حتى أعلموا رستم فجلس على سرير من ذهب وبسط النمارق والوسائد منسوجة بالذهب وأقبل ربعى على فرسه وسيفه في خرقة ورمحه مشدودة بعصب وقدم حتى انتهى إلى البساط ووطئه بفرسه ثم نزل وربطها بوسادتين شقهما وجعل الحبل فيهما فلم يقبلوا ذلك وأظهروا التهاون ثم أخذ عباءة بعيره فاشتملها وأشاروا إليه بوضع سلاحه فقال لو أتيتكم فعلت كذا بأمركم وانما دعوتموني ثم أقبل يتوكأ على رمحه ويقارب خطوه حتى أفسد ما مر عليه من البسط ثم دنا من رستم وجلس على الارض وركز رمحه على البساط وقال إنا لا نقعد على زينتكم فقال له الترجمان ما جاء بكم فقال الله بعثنا لنخرج عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الاديان إلى عدل الاسلام وأرسلنا بدينه إلى خلقه فمن قبله قبلنا منه وتركناه وأرضه ومن أبى قاتلناه حتى نفئ إلى الجنة أو الظفر فقال رستم هل لكم أن تؤخروا هذا الامر حتى ننظر فيه قال نعم كم أحب اليك يوما أو يومين قال لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا فقال إن مما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نمكن الاعداء أكثر من ثلاث فانظر في أمرك وأمرهم واختر اما الاسلام وندعك وأرضك أو الجزية فنقبل ونكف عنك وان احتجت الينا نصرناك أو المنابذة في الرابع ان تنبذ وأنا كفيل بهذا عن أصحابي قال أسيد هم أنت قال لا ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجيز بعضهم عن بعض يجيز ادناهم على اعلاهم فخلا رستم برؤوساء قومه وقال رأيتم كلاما قط مثل كلام هذا الرجل فأروه الاستخفاف بشأنه وثيابه فقال ويحكم انما أنظر إلى الرأى والكلام والسيرة والعرب تستخف اللباس وتصون الاحساب ثم أرسل إلى سعد أن ابعث الينا ذلك الرجل فبعث إليهم حذيفة بن محصن ففعل كما فعل الاول ولم ينزل عن فرسه وتكلم وأجاب مثل الاول فقال له ما قعد بالاول عنا فقال أميرنا يعدل بيننا في الشدة والرخاء وهذه نوبتي فقال رستم والمواعدة إلى متى فقال إلى ثلاث من أمس وانصرف وحاص رستم باصحابه يعجبهم من شأن القوم وبعث في الغد عن آخر فجاءه المغيرة بن شعبة فلما وصل إليهم وهم على زيهم وبسطهم على غلوة من مجلس رستم فجاء المغيرة حتى جلس معه على سريره فأنزلوه فقال لا أرى قوما أسفه منا معشر العرب لا نستعبد

[ 96 ]

بعضنا بعضا فظننتكم كذلك وكان احسن بكم ان تخبروني أن بعضكم أرباب بعض مع انى لم آتكم وانما دعوتموني فقد علمت انكم مغلوبون ولم يقم ملك على هذه السيرة فقالت السفلة صدق والله العربي وقالت الاساطين لقد رمانا بكلام لا تزال عبيدنا ينزعون إليه قاتل الله من يصغر أمر هذه الامة ثم تكلم رستم فعظم من أمر فارس بل من شان فارس وسلطانهم وصغر أمر العرب وقال كانت عيشتكم سيئة وكنتم تقصدونا في الجدب فنردكم بشئ من التمر والشعير ولم يحملكم على ما صنعتم إلا ما بكم من الجهد ونحن نعطى أميركم كسوة وبغلا وألف درهم وكل رجل منكم حمل تمر وتنصرفون فلست اشتهى قتلكم فتكلم المغيرة وخطب فقال اما الذى وصفتنا به من سوء الحال والضيق والاختلاف فنعرفه ولا ننكره والدنيا دول والشدة بعدها الرخاء ولو شكرتم ما آتاكم الله لكان شكركم قليلا عما أوتيتم وقد أسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال وان الله بعث فينا رسولا ثم ذكر مثل ما تقدم إلى التخيير بين الاسلام أو الجزية أو القتال ثم قال وان عيالنا ذاقوا طعام بلادكم فقالوا لا صبر لنا عنه فقال رستم إذا تموتون دونها فقال المغيرة يدخل من قتل منا الجنة ويظفر من بقى منا بكم فاستشاط غضبا وحلف ان لا يقع الصلح أبدا حتى أقتلكم أجمعين وانصرف المغيرة وخلا رستم بأهل فارس وعرض عليهم مصالحة القوم وحذرهم عاقبة حربهم فلجوا وبعث إليه سعد يعرض عليه الاسلام ويرغب فأجابه بمثل ما كان يقول لاولئك من الامتنان على العرب والتعريض بالمطامع فلم يتفق شئ من رأيهم فقال رستم تعبرون الينا أم نعبر اليكم فقالوا بل اعبروا وأرسل إليهم سعد بذلك وأرادوا القنطرة فقال سعد لا ولا كرامة لا نرد عليكم شيئا غلبناكم عليه فأبى فأتوا يسكرون العتيق بالتراب والقصب والبرادع حتى جعلوا جسرا ثم عبر رستم ونصب له سريره وجلس عليه وضرب طيارة وعبر عسكره وجعل الفيلة في القلب والمجنبتين عليها الصناديق والرجال والرايات امثال الحصون وجعل الجالنوس بينه وبين الميمنة والفيرزان بينه وبين الميسرة ورتب يزدجرد الرجال بين المدائن والقادسية وما بينه وبين رستم رجلا على كل دعوة تنتقل إليه ينبئهم أخبار رستم في أسرع وقت ثم أخذ المسلمون مصافهم واختط سعد قصره وكان به عرق النساء وأصابته معه دماميل لا يستطيع معها الجلوس فصعد على سطح القصر راكبا على وسادة في صدره وأشرف على الناس وعاب ذلك عليه بعض الناس فنزل واعتذر إليهم وأراهم القروح في جسده فعذروه واستخلف خالد بن عرفطة على الناس وحبس من شغب عليه في القصر وقيدهم وكان فيهم أبو محجن الثقفى وقيل انما حبسه بسبب الخمر ثم خطب الناس وحثهم على الجهاد وذكرهم بوعد الله وذلك في المحرم سنة أربع عشرة وأخبرهم انه استخلف

[ 97 ]

خالد بن عرفطة وأرسل جماعة من أهل الرأى لتحريض الناس على القتال مثل المغيرة وحذيفة وعاصم وطليحة وقيس وغالب وعمرو ومن الشعراء الشماخ والحطيئة والعبدى بل وعبدة بن الطيب وغيرهم ففعلوا ثم أمر بقراءة الانفال فشهت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها فلما فرغت القراءة قال سعد الزموا مواقفكم فإذا صليتم الظهر فانى مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا فإذا سمعتم الثانية فكبروا وأتموا عدتكم فإذا سمعتم الثالثة فكبروا ونشطوا الناس فإذا سمعتم الرابعة فازحفوا حتى تخالطوا عدوكم وقولوا لا حول ولا قوة الا بالله (فلما كبر الثالثة) برز أهل النجدات فأشبوا القتال وخرج امثالهم من الفرس فاعتوروا الطعن والضرب وارتجزوا الشعر وأول من أسر في ذلك اليوم هرمز من ملوك الكبار وكان متوجا أسره غالب بن عبد الله الاسدي فدفعه إلى سعد ورجع إلى الحرب وطلب البراز أسوار منهم فبرز إليه عمرو بن معدى كرب فأخذه وجلده الارض فذبحه وسلب سواريه ومنطقته ثم حملوا الفيلة على المسلمين وامالوها على بجيلة فثقلت عليهم فارسل سعد إلى بنى اسد أن يدافعوا عنهم فجاءه طليحة بن خويلد وحمل بن مالك فردوا الفيلة وخرج على طليحة عظيم منهم فقتله طليحة وعير الاشعث بن قيس كندة بما يفعله بنو أسد فاستشاطوا ونهدوا معه فأزالوا الذين بازائهم وحين رأى الفرس ما لقى الناس والفيلة من بنى أسد حملوا عليهم جميعا وفيهم ذو الحاجب والجالنوس وكبر سعد الرابعة فزحف المسلمون وثبت بنو أسد ودارت رحى الحرب عليهم وحملت الفيول على الميمنة والميسرة ونفرت خيول المسلمين منها فأرسل سعد إلى عاصم بن عمر هل من حيلة لهذه الفيلة فبعث الرماة يرشقونها بالنبل واشتد لردها آخرون يقطعون الوضن وخرج عاصم بجميعهم ورحى الحرب على أسد واشتد عواء الفيلة ووقعت الصناديق فهلك أصحابها ونفس عن أسد أن أصيب منهم خمسمائة وردوا فارس إلى مواقفهم ثم اقتتلوا إلى هدء من الليل وكان هذا اليوم الاول وهو يوم الرماة ولما أصبح دفن القتلى وأسلم الجرحى إلى نساء يقمن عليهم وإذا بنواصي الخيل طالعة من الشام كان عمر بعد فتح دمشق عزل خالد ابن الوليد عن جند العراق وأمر أبا عبيدة أن يؤمر عليهم هاشم بن عتبة يردهم إلى العراق فخرج بهم هاشم وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو فقام القعقاع على الناس صبيحة ذلك اليوم يوم اغواث وقد عهد إلى أصحابه أن يقطعوا اعشارا بين كل عشرين مد البصر وكانوا ألفا فسلم على الناس وبشرهم بالجنود وعرضهم على القتال وطلب البراز فخرج إليه ذو الحاجب فعرفه القعقاع ونادى بالثار لاصحاب الجسر وتضاربا فقتله القعقاع وسر الناس بقتله ووهنت الاعاجم لذلك ثم طلب البراز فخرج إليه الفيرزان

[ 98 ]

والبندوان وأكثر المسلمون القتل في الفرس وأخذوا الفيلة عن القتال لان ثوابتها تكسرت بالامس فاستانفوا حملها وجعل القعقاع ابلا وجعل عليها البراقع واركبها عشرة عشرة وأطاف عليها الخيول تحملها وحملها على خيل الفرس فنفرت منها وركبتهم خيول المسلمين ولقى الفرس من الابل أعظم مما لقى المسلمون من الفيلة وبرز القعقاع يومئذ في ثلاثين فارسا في ثلاثين حملة فقتلهم كان آخرهم بزرجمهر الهمداني وبارز الاعور بن قطنة شهريار سجستان فقتل كل واحد منهما صاحبه (ولما) انتصف النهار تزاحف الناس فاقتتلوا إلى انتصاف الليل وقتلوا عامة اعلام فارس ثم أصبحوا في اليوم الثالث على مواقفهم بين الصفين ومن المسلمين ألفا جريح وقتيل ومن المشركين عشرة آلاف فدفن المسلمون موتاهم وأسلموا الجرحى إلى النساء ووكلوا النساء والصبيان بحفر القبور وبقى قتلى المشركين بين الصفين وبات القعقاع يسرب أصحابه إلى حيث فارقهم بالامس وأوصاهم إذا طلعت الشمس أن يقبلوا مائة مائة يجدد بذلك الناس وجاء بينهما بلحق هاشم بن عتبة فلما ذر قرن الشمس أقبل أصحاب القعقاع فتقدموا والمسلمون يكبرون فتزاحفت الكتائب طعنا وهربا وما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى لحق هاشم فعبى أصحابه سبعين سبعين وكان فيهم قيس بن المكشوح فلما خالط القلب كبر وكبر المسلمون ثم كبر فخرق الصفوف إلى العتيق ثم عاد وقد أصبح الفرس على مواقفهم وأعادوا الصناديق على الفيلة وأحدقوا الرجال بها يحمونها أن تقطع وضنها وأقام الفرسان يحمون الرجالة فلم تنفر خيل المسلمين منها وكان هذا اليوم يوم عماس وكان شديدا الا أن الطائفتين فيه سواء وأبلى فيه قيس بن المكشوح وعمرو ابن معدى كرب ثم زحفت الفيلة وفرقت بين الكتائب وأرسل سعد إلى القعقاع وعاصم أن اكفيانى الابيض وكان بازائهما والى محمل والذميل أن اكفيانى الاجرب وكان بازائهما فحملوا على الفيلين فقتل الابيض ومن كان عليه وقطع مشفر الاجرب وفقئت عينه وضرب سائسه الذميل بالطيرزين فأفلت جريحا وتحير الاجرب بين الطائفتين وألقى نفسه في العتيق واتبعته الفيلة وخرقت صفوف الاعاجم في اثره وقصدت المدائن بثوابتها وهلك جميع من فيها وخلص المسلمون والفرس فاختلفوا على سواء إلى المساء واقتتلوا بقية ليلتهم وتسمى ليلة الهرير فأرسل سعد طليحة وعمر إلى مخاضة أسفل السكر يقومون عليها خشية ان يؤتى المسلمون منها فتشاوروا ان يأتوا الاعاجم من خلفهم فجاء طليحة وراء العسكر وكبر فارتاع أهل فارس فأغار عمرو أسفل المخاضة ورجع وزاحفهم الناس دون اذن سعد وأول من زاحفهم من الناس دون اذن سعد زاحفهم القعقاع وقومه فحمل عليهم ثم حمل بنو أسد ثم النخع ثم بجيلة ثم كندة

[ 99 ]

وسعد يقول في كل واحدة اللهم اغفر لهم وانصرهم وقد كان قال لهم إذا كبرت ثلاثا فاحملوا فلما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضا صلاة العشاء واختلطوا وصليل الحديد كصوت القرن إلى الصباح وركدت الحرب وانقطعت الاخبار والاصوات عن سعد ورستم وأقبل سعد على الدعاء وسمع نصف الليل صوت القعقاع في جماعة من الرؤساء إلى رستم حتى خالطوا صفة مع الصبح فحمل الناس من كل جهة على من يليهم واقتتلوا إلى قائم الظهيرة فناجر الفيرزان والهرمزان بعض الشئ وانفرج القلب وهبت ريح عاصف فقلبت طيارة رستم عن سريره فهوت في العتيق وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير وقد قام رستم عنه فاستظل في ظل بغل وحمله وضرب هلال بن علقمة الحمل فوقع احد العدلين على رستم فكسر ظهره وضربه هلال ضربة نفحت مسكا ضرب نحو العتيق فرمى بنفسه فيه فاقتحم هلال وجره برجله فقتله وصعد السرير وقال قتلت رستم ورب الكعبة الى إلى فأطافوا به وكبروا وقيل ان هلالا لما قصد رستم رماه بسهم فاثبت قدمه بالركاب ثم حمل عليه فقتله واحتز رأسه ونادى في الناس قتلت رستم فانهزم قلب المشركين وقام الجالنوس على الردم ونادى الفرس إلى العبور وتهافت المقترنون بالسلاسل في العتيق وكانوا ثلاثين فهلكوا وأخذ ضرار بن الخطاب راية الفرس العظيمة وهى درفش كابيان فعوض منها ثلاثين ألفا وكانت قيمتها ألف ألف ومائة ألف ألف وقتل ذلك اليوم من الاعاجم عشرة آلاف في المعركة وقتل من المشركين في ذلك اليوم ستة آلاف دفنوا بالخندق سوى ألفين وخمسمائة قتلوا ليلة الهرير وجمع من الاسلاب والاموال ما لم يجمع قبله ولا بعده مثله ونفل سعد هلال بن علقمة سلب رستم وأمر القعقاع وشرحبيل باتباع العدو وقد كان خرج زهرة بن حيوة قبلها في آثارهم فلحق الجالنوس يجمع المنهزمين فقتله وأخذ سلبه فتوقف سعد من عطائه وكتب إلى عمر فكتب إليه تعمد إلى مثل زهرة وقد صلى بمثل ما صلى به وقد بقى عليك من حربك ما بقى تفسد قلبه أمض له سلبه وفضله على أصحابه في العطاء بخمسمائة ولحق سلمان بن ربيعة الباهلى وأخذه عبد الرحمن بطائفة من الفرس قد استماتوا فقتلوهم واستمات بعد الهزيمة بضعة وثلاثون رئيسا من المسلمين فقتلوهم أجمعين وكان ممن هرب من أمراء الفرس الهرمزان وأهود وزاد بن بيهس وقارن وممن استمات فقتل شهريار بن كبارا وأسر المدمرون والفردان الاهوازي وحشر شوم الهمداني وكتب سعد إلى عمر بالفتح وبمن أصيب من المسلمين وكان عمر يسأل الركبان حين يصبح إلى انتصاف النهار ثم يرجع إلى أهله فلما ألقى البشير قال من أين فأخبره فقال حدثنى فقال هزم الله المشركين ففرح

[ 100 ]

بذلك وأقام المسلمون بالقادسية ينتظرون كتاب عمر إلى أن وصلهم بالاقامة وكانت وقعة القادسية سنة أربع عشرة وقيل خمس عشرة وقيل ست عشرة * (فتح المدائن وجلولاء بعدها) * ولما انهزم أهل فارس بالقادسية انتهوا إلى بابل وفيهم بقايا الرؤساء النخيزجان ومهران الاهوازي والهرمزان واشباههم واستعملوا عليهم الفيرزان واقام سعد بعد الفتح شهرين وسار بأمر عمر إلى المدائن وخلف العيال بالعتيق في جند كثيف حامية لهم وقدم بين يديه زهرة بن حيوة وشرحبيل بن السمط وعبد الله بن المعتمر ولقيهم بعض عساكر الفرس برستن فهزموهم حتى لحقوا ببابل ثم جاء سعد وسار في التعبية ونزلوا على الفيرزان ومن معه ببابل فخرجوا وقاتلوا المسلمين فانهزموا وافترقوا فرقتين ولحق الهرمزان بالاهواز والفيرزان بنهاوند وبها كنوز كسرى وسار النخيزجان ومهران إلى المدائن فتحصنوا وقطعوا الجسر ثم سار سعد من بابل على التعبية وزهرة في المقدمة وقدم بين يديه بكير بن عبد الله الليثى وكثير بن شهاب السبيعى حتى عبرا ولحقا بأخريات القوم فقتلا في طريقهما اسوارين من أساورتهم ثم تقدموا إلى كوثى وعليها شهريار فخرج لقتالهم فقتل وانهزم أصحابه فافترقوا في البلاد وجاء سعد فنفل قاتله سلبه وتقدم زهرة إلى ساباط فصالحه أهلها على الجزية وهزم كتيبة كسرى ثم نزلوا جميعا نهر شير من المدائن ولما عاينوا الايوان كبروا وقالوا هذا أبيض كسرى هذا ما وعد الله وكان نزولهم عليها ذا الحجة سنة خمس عشرة فحاصروها ثلاثة أشهر ثم اقتحموها وكانت خيولهم تغير على النواحى وعهد إليهم عمر أن من أجاب من الفلاحين ولم يعن عليهم فذلك أمانه ومن هرب فأدرك فشأنكم به ودخل الدهاقين من غربي دجلة وأهل السواد كلهم في أمان المسلمين واغتبطوا بملكهم واشتد الحصار على نهر شير ونصبوا عليها المجانيق واستلحموهم في المواطن وخرج بعض المرازبة يطلب البراز فقاتله زهرة بن حيوة فقتلا معا ويقال ان زهرة قتله شبيب الخارجي ايام الحجاج ولما ضاق بهم الحصار ركب إليهم الناس بعض الايام فلم يروا على الاسوار أحدا الا رجلا يشير إليهم فقال ما بقى بالمدينة أحد وقد صاروا إلى المدينة القصوى التى فيها الايوان فدخل سعد والمسلمون وأرادوا العبور إليهم فوجدوهم جمعوا المعابر عندهم فأقام أياما من صبر ودله بعض العلوج على مخاضة في دجلة فتردد فقال له اقدم فلا تأتى عليك ثلاثة الا ويزدجرد قد ذهب بكل شئ فيها فعزم سعد على العبور وخطب الناس وندبهم إلى العبور ورغبهم وندب من يجيز أن لا يحئ الفراض حتى يجيز إليه الناس فانتدب عاصم بن عمر في ستمائة واقتحموا دجلة فلقيهم أمثالهم من الفرس عند

[ 101 ]

الفراض وشدوا عليهم فانهزموا وقتل أكثرهم وعوروا من الطعن في العيون وعاينهم المسلمون على الفراض فاقتحموا في اثرهم يصيحون نستعين بالله ونتوكل عليه حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم وساروا في دجلة وقد طبقوا ما بين عدوتيها وخيلهم سابحة بهم وهم يهينمون تارة ويتحادثون أخرى حتى أجازوا البحر ولم يفقدوا شيئا الا قدحا لبعضهم غلبت صاحبه عليه جرية الماء وألقته الريح إلى الشاطئ ورآى الفرس عساكر المسلمين قد أجازوا البحر فخرجوا هاربين إلى حلوان وكان يزدجرد قدم إليها قبل ذلك عياله ورفعوا ما قدروا عليه من عرض المتاع وخفيفه ومن بيت المال والنساء والذراري وتركوا بالمدائن من الثياب والامتعة والآنية والالطاف مالا تحصر قيمته وكان في بيت المال ثلاثة آلاف ألف ألف ألف مكررة ثلاث مرات تكون جملتها ثلاثة آلاف قنطار من الدنانير وكان رستم عند مسيره إلى القادسية حمل نصفها لنفقات العساكر وابقى النصف واقتحمت العساكر المدينة تجول في سككها لا يلقون بها أحدا وأرز سائر الناس إلى القصر الابيض حتى توثقوا لانفسهم على الجزية ونزل سعد القصر الابيض واتخذ الايوان به مصلى ولم يغير ما فيه من التماثيل ولما دخله قرأ كم تركوا من جنات وعيون الآية وصلى فيه صلاة الفتح ثمانى ركعات لا يفصل بينهن وأتم الصلاة بنية الاقامة وسرح زهرة بن حيوة في آثار الاعاجم إلى النهروان وقراها من كل جهة وجعل على الاخماس عمرو بن عمرو بن مقرن وعلى القسم سلمان بن ربيعة الباهلى وجمع ما كان في القصر والايوان والدور وما نهبه أهل المدائن عند الهزيمة ووجدوا حلية كسرى ثيابه وخرزاته وتاجه ودرعه التى كان يجلس فيها للمباهاة أخذ ذلك من أيدى الهاربين على بغلين وأخذ منهم أيضا وقر بغل من السيوف وآخر من الدروع والمغافر منسوبة كلها درع هرقل وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وبهرام جور وسياوخش والنعمان بن المنذر وسيف كسرى وهرمز وقباذ وفيروز وهرقل وخاقان وداهر وبهرام وسياوخش والنعمان أحضرها القعقاع وخيره في الاسياف فاختار سيف هرقل وأعطاه درع بهرام وبعث إلى عمر سيف كسرى والنعمان وتاج كسرى وحليته وثيابه ليراها الناس وقسم سعد الفئ بين المسلمين بعد ما خمسه وكانوا ستين ألفا فصار للفارس اثنا عشر ألفا وكلهم كان فارسا ليس فيهم راجل ونفل من الاخماس في أهل البلاد وقسم في المنازل بين الناس واستدعى العيالات من العتيق فأنزلهم الدور ولم يزالوا بالمدائن حتى تم فتح جلولاء وحلوان وتكريت والموصل واختطت الكوفة فتحولوا إليها وارسل في الخمس كل شئ يعجب العرب منهم أن يضع إليهم وحضر إليهم نهار كسرى وهو الغطف وهو بساط طوله

[ 102 ]

ستون ذراعا في مثلها مقدار مزرعة جريب في أرضه وهى منسوجة بالذهب طرقا كالانهار وتماثيل خلالها بصدف الدر والياقوت وفى حافاتها كالارض المزدرعة والمقبلة بالنبات ورقها من الحرير على قضبان الذهب وزهره حبات الذهب والفضة وثمره الجوهر كانت الاكاسرة يبسطونه في الايوان في فصل الشتاء عند فقدان الرياحين يشربون عليه فلما قدمت الاخماس على عمر قسمها في الناس ثم قال أشيروا في هذا القصب فاختلفوا وأشاروا على نفسه فقطعه بينهم فأصاب على قطعة منه باعها بعشرين ألفا ولم تكن بأجودها وولى عمر سعد بن أبى وقاص على الصلاة والحرب فيما غلب عليه وولى حذيفة بن اليمان على سقى الفرات وعثمان بن حنيف على سقى دجلة ولما انتهى الفرس بالهرب إلى جلولاء وافترقت الطرق من هنا لك بأهل آذربيجان والباب وأهل الجبال وفارس وقفوا هنا لك خشية الافتراق واجتمعوا على مهران الرازي وخندقوا على أنفسهم وأحاطوا الخندق بجسره الحديد وتقدم يزدجرد إلى حلوان وبلغ ذلك سعدا فكاتب عمر بذلك يأمره ان يسرح بجلولاء هاشم ابن أخيه عتبة في اثنى عشر ألفا وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو وان يولى القعقاع بعد الفتح ما بين السواد والجبل فسار هاشم من المدائن لذلك في وجوه المسلمين واعلام العرب حتى قدم جلولاء فأحاط بهم وحاصرهم في خنادقهم وزاحفوهم ثمانين يوما ينصرون عليهم في كلها والمدد متصل من ههنا وههنا ثم قاتلهم آخر الايام فقتلوا منهم أكثر من ليلة الهرير وأرسل الله عليهم ريحا وظلمة فسقط فرسانهم في الخندق وجعلوه طرقا مما يليهم ففسد حصنه وشعر المسلمون بذلك فجاء القعقاع إلى الخندق فوقف على بابه وشاع في الناس أنه أخذ في الخندق فحمل الناس حملة واحدة انهزم المشركون لها وافترقوا ومروا بالجسرة التى تحصنوا بها فعقرت دوابهم فترجلوا ولم يفلت منهم الا القليل يقال انه قتل منهم يومئذ مائة ألف واتبعهم القعقاع بالطلب إلى خانقين وأجفل يزدجرد من حلوان إلى الرى واستخلف عليها حشر شوم وجاء القعقاع إلى حلوان فبرز إليه حشر شوم وعلى مقدمته الرمى فقتله القعقاع وهرب حشر شوم من ورائه وملك القعقاع حلوان وكتب إلى عمر بالفتح واستأذنوا في اتباعهم فأبى وقال وددت أن بين السواد والجبل سدا حصينا من ريف السواد فقد آثرت سلامة المسلمين على الانفال واحصيت الغنيمة فكانت ثلاثين ألف ألف فقسمها سلمان بن ربيعة يقال انه أصاب الفارس تسعة آلاف وتسعة من الدواب وبعثوا بالاخماس إلى عمر مع زياد ابن أبيه فلما قدم الخمس قال عمر والله لا يجنه سقف حتى أقسمه فجعله في المسجد وبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن ارقم يحرسانه ولما أصبح جاء في الناس ونظر إلى ياقوتة وجوهرة فبكى فقال عبد الرحمن بن عوف

[ 103 ]

ما يبكيك يا أمير المؤمنين وهذا موطن شكر قال والله ما أعطى الله هذا قوما الا تحاسدوا وتباغضوا فيلقى الله بأسهم بينهم ومنع عمر من قسمة السواد ما بين حلوان والقادسية فاقره حبسا واشترى جرير بعضه بشاطئ الفرات فرد عمر الشراء (ولما) رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن بلغهم ان أدين بن الهرامون جمع جمعا وجاء بهم إلى السهل فبعث إليه ضرار بن الخطاب في جيش فلقيهم بما سبدان فهزمهم وأسر أدين فقتله وانتهى في طلبهم إلى النهروان وفتح ما سبدان عنوة ورد إليها أهلها ونزل بها فكانت أحد فروج الكوفة وقيل كان فتحها بعد نهاوند والله سبحانه أعلم * (ولاية عتبة بن غزوان على البصرة) * كان عمر عندما بعث المثنى إلى الحيرة بعث قطبة بن قتادة السدوسى إلى البصرة فكان يغير بتلك الناحية ثم استمد عمر فبعث إليه شريح بن عامر بن سعد بن بكر فأقبل إلى البصرة ومضى إلى الاهواز ولقيه مسلحة الاعاجم فقتلوه فبعث عمر عتبة بن غزوان واليا على تلك الناحية وكتب إلى العلاء بن الحضرمي أن يمده بعرفجة بن هرثمة وأمره أن يقيم بالتخوم بين أرض العرب وأرض العجم فانتهى إلى حيال الجسر وبلغ صاحب الفرات خبرهم فأقبل في أربعة آلاف وعتبة في خمسمائة والتقوا فقتلوا الاعاجم أجمعين وأسروا صاحب الفرات ثم نزل البصرة في ربيع سنة أربع عشرة وقيل أن البصرة بصرت سنة ست عشرة بعد جلولاء وتكريت أرسل سعد إليها عتبة فأقام بها شهرا وخرج إليه أهل الابلة وكانت مرفأ للسفن من الصين فهزمهم عتبة وأحجرهم في المدينة ورجع إلى عسكره ورعب الفرس فخرجوا عن الابلة وحملوا ما خف وادخلوا المدينة وعبروا النهر ودخلها المسلمون فغنموا ما فيها واقتسموه ثم اختط البصرة وبدأ بالمسجد فبناه بالقصب وجمع لهم أهل دست ميان فلقيهم عتبة فهزمهم وأخذ مرزبانها أسيرا وأخذ قتادة منطقته فبعث بها إلى عمر وسأل عنهم فقيل له انثالت عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة فرغب الناس في البصرة وأتوها ثم سار عتبة إلى عمر بعد أن بعث مجاشع بن مسعود في جيش إلى الفرات واستخلف المغيرة بن شعبة على الصلاة إلى قدوم مجاشع وجاء الف بيكان من عظماء الفرس إلى المسلمين ولقيهم المغيرة بن شعبة بالمرغاب وبينما هم في القتال إذ لحق بهم النساء وقد اتخذن خمرهن رايات فانهزم الاعاجم وكتبوا بالفتح إلى عمر فرد عتبة إلى عمله فمات في طريقه وقيل ان امارة عتبة كانت سنة خمس عشرة وقيل ست عشرة فوليها ستة أشهر واستعمل عمر بعده المغيرة بن شعبة سنتين فلما رمى بما رمى به عزله واستعمل أبا موسى وقيل استعمل بعد عتبة أبا سبرة وبعده المغيرة

[ 104 ]

* (وقعة مرج الروم وفتوح مدائن الشام بعدها) * لما انهزم الروم بفحل سار أبو عبيدة وخالد إلى حمص واجتمعوا بذى الكلاع في طريقهم وبعث هرقل توذر البطريق للقائهم فنزلوا جميعا بمرج الروم وكان توذر بازاء خالد وشمس بطريق آخر بازاء أبى عبيدة وأمسوا متباريين ثم أصبح فلم يجدوا توذر وسار إلى دمشق واتبعه خالد واستقبله يزيد من دمشق فقاتله وجاء خالد من خلفه فلم يفلت منهم الا القليل وغنموا ما معهم وقاتل شمس أبو عبيدة بعد مسير خالد فانهزم الروم وقتلوا واتبعهم أبو عبيدة إلى حمص ومعه خالد فبلغ ذلك هرقل فبعث بطريق حمص إليها وسار هو في الرهاء فحاصر أبو عبيدة حمص حتى طلبوا الامان فصالحهم وكان هرقل يعدهم في حصارهم المدد وأمر أهل الجزيرة بامدادهم فساروا لذلك وبعث سعد بن أبى وقاص العساكر من العراق فحاصروا هيت وقرقيسيا فرجع أهل الجزيرة إلى بلادهم ويئس أهل حمص من المدد فصالحوا على صلح أهل دمشق وأنزل أبو عبيدة فيها السمط بن الاسود في بنى معاوية من كندة والاشعث بن ميناس في السكون والمقداد في بلى وغيرهم وولى عليهم أبو عبيدة عبادة بن الصامت وصار إلى حماة فصالحوه على الجزية عن رؤسهم والخراج عن أرضهم ثم سار نحو شيزر فصالحوا كذلك ثم إلى المعرة كذلك ويقال معرة النعمان وهو النعمان بن بشير الانصاري ثم سار إلى اللاذقية ففتحها عنوة ثم سلمية أيضا ثم أرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى قنسرين فاعترضه ميناس عظيم الروم بعد هرقل فهزمهم خالد وأثخن فيهم ونازل قنسرين حتى افتتحها عنوة وخربها وأدرب إلى هرقل من نا حينه وأدرب عياض بن غنم لذلك وأدرب عمر بن مالك من الكوفة إلى قرقيسيا وأدرب عبد الله بن المعتمر من الموصل فارتحل هرقل إلى القسطنطينية من أمدها وأخذ أهل الحصون بين الاسكندرية وطرسوس وشعبها أن ينتفع المسلمون بعمارتها ولما بلغ عمر صنيع خالد قال امر خالد نفسه يرحم الله أبا بكر هو كان أعلم منى بالرجال وقد كان عزل خالدا والمثنى بن حارثة خشية أن يداخلهما كبر من تعظيم فوكلوا إليه ثم رجع عن رأيه في المثنى عند قيامه بعد أبى عبيد وفى خالد بعد قنسرين فرجع خالد إلى امارته (ولما) فرغ أبو عبيدة من قنسرين سار إلى حلب وبلغه ان أهل قنسرين غدروا فبعث إليهم السمط الكندى فحاصرهم وفتح وغنم ووصل أبو عبيدة إلى خناصر حلب وهو موضع قريب منها يجمع أصنافا من العرب فصالحوا على الجزية ثم أسلموا بعد ذلك ثم أتى حلب وكان على مقدمته عياض بن غنم الفهرى فحاصرهم حتى صالحوه على الامان وأجاز ذلك أبو عبيدة وقيل صولحوا على مقاسمة الدور والكنائس وقيل انتقلوا إلى انطاكية حتى صالحوا ورجعوا إلى حلب

[ 105 ]

ثم سار أبو عبيدة من حلب إلى انطاكية وبها جمع كبير من فل قنسرين وغيرهم ولقوه قريبا منها فهزموهم وأحجرهم وحاصرهم حتى صالحوه على الجلاء أو الجزية ورحل عنهم ثم نقضوا فبعث أبو عبيدة إليهم عياض بن غنم وحبيب بن مسلمة ففتحاها على الصلح الاول وكانت عظيمة الذكر فكتب عمر إلى أبى عبيدة أن يرتب فيها حامية مرابطة ولا يؤخر عنهم العطاء ثم بلغ أبا عبيدة أن جمعا بالروم بين معرة مصرين وحلب فسار إليهم فهزمهم وقتل بطارقتهم وأمعن بل وأثخن فيهم وفتح معرة مصرين على صلح حلب وجالت خيوله فبلغت سرمين وتيرى وغلبوا على جميع أرض قنسرين وانطاكية ثم فتح حلب ثانية وسار يريد قورس وعلى مقدمته عياض فصالحوه على صلح انطاكية وبث خيله ففتح تل نزار وما يليه ثم فتح منبج على يد سلمان بن ربيعة الباهلى ثم بعث عياضا إلى دلوك وعينتاب فصالحهم على مثل منبج واشترط عليهم أن يكونوا عونا للمسلمين وولى أبو عبيدة على كل ما فتح من الكور عاملا وضم إليه جماعة وشحن الثغور المخوفة بالحامية واستولى المسلمون على الشام من هذه الناحية إلى الفرات وعاد أبو عبيدة إلى فلسطين وبعث أبو عبيدة جيشا مع ميسرة بن مسروق العبسى فسلكوا درب تفليس إلى بلاد الروم فلقى جمعا للروم ومعهم عرب من غسان وتنوخ وإياد يريدون اللحاق بهرقل فاوقع بهم وأثخن فيهم ولحق به على انطاكية مالك بن الاشتر النخعي مددا فرجعوا جميعا إلى أبى عبيدة وبعث أبو عبيدة جيشا آخر إلى مرعش مع خالد بن الوليد ففتحها على اجلاء أهلها بالامان وخربها وبعث جيشا آخر مع حبيب بن مسلمة إلى حصن الحرث كذلك وفى خلل ذلك فتحت قيسارية بعث إليها يزيد بن أبى سفيان أخاه معاوية بأمر عمر فسار إليها وحاصرهم بعد أن هزمهم وبلغت قتلاهم في الهزائم ثمانين ألفا وفتحها آخرا وكان علقمة بن مجزز على غزة وفيها القبفار من بطارقة الروم (3) * (وقعة أجنادين وفتح بيسان والاردن وبيت المقدس) * لما انصرف أبو عبيدة وخالد إلى حمص بعد واقعة مرج الروم نزل عمرو وشرحبيل على أهل بيسان فافتتحها وصالح أهل الاردن واجتمع عسكر الروم باجنادين وغزة وبيسان وعليهم أرطبون من بطارقة الروم فسار عمرو وشرحبيل إليهم واستخلف على الاردن أبا الاعور السلمى وكان الارطبون قد أنزل بالرملة جندا عظيما من الروم وبيت المقدس كذلك وبعث عمرو علقمة بن حكيم الفراسى ومسرور بن العكى لقتال بيت المقدس وبعث أبا أيوب المالكى إلى قتال أهل الرملة وكان معاوية محاصرا لاهل قيسارية فشغل جميعهم عنه ثم زحف عمرو إلى الارطبون واقتتلوا كيوم اليرموك أو أشد وانهزم ارطبون إلى بيت المقدس وأفرج له المسلمون الذين كانوا يحاصرونها حتى دخل

[ 106 ]

ورجعوا إلى عمرو وقد نزل أجنادين وقد تقدم لنا ذكر هذه الوقعة قبل اليرموك على قول من جعلها قبلها وهذا على قول من جعلها بعدها ولما دخل ارطبون بيت المقدس فتح عمرو غزة وقيل كان فتحها في خلافة أبى بكر ثم فتح سبسطية وفيها قبر يحيى بن زكريا وفتح نابلس على الجزية ثم فتح مدينة لد ثم عمواس وبيت حبرين ويافا ورفح وسائر مدائن الاردن وبعث إلى الارطبون فطلب أن يصالح كأهل الشام ويتولى العقد عمر وكتبوا إليه بذلك فسار عن المدينة واستخلف على بن أبى طالب بعد أن عذله في مسيره فأبى وقد كان واعد أمراء الاجناد هنا لك فلقيه يزيد ثم أبو عبيدة ثم خالد على الخيول عليهم الديباج والحرير فنزل ورماهم بالحجارة وقال أتستقبلوني في هذا الزى وانما شبعتم منذ سنتين والله لو كان على رأس الماءين لاستبدلت بكم فقالوا انها يلامقة وأن علينا السلاح فسكت ودخل الجابية وجاءه أهل بيت المقدس وقد هرب ارطبون عنهم إلى مصر فصالحوه على الجزية وفتحوها له وكذلك أهل الرملة وولى علقمة بن حكيم على نصف فلسطين وأسكنه الرملة وعلقمة بن مجزز على النصف الآخر وأسكنه بيت المقدس وضم عمرا وشرحبيل إليه فلقياه بالجابية وركب عمر إلى بيت المقدس فدخلها وكشف عن الصخرة وأمر ببناء المسجد عليها وذلك سنة خمس عشرة وقيل سنة ست عشرة ولحق ارطبون بمصر مع من أبى الصلح من الروم حتى هلك في فتح مصر وقيل انما لحق بالروم وهلك في بعض الصوائف ثم فرق عمر العطاء ودون الدواوين سنة خمس عشرة ورتب ذلك على السابقة (ولما) أعطى صفوان بن أمية والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو أقل من غيرهم قالوا لا والله لا يكون أحد أكرم منا فقال أنما أعطيت على سابقة الاسلام لا على الاحساب قالوا فنعم إذا وخرجوا إلى الشام فلم يزالوا مجاهدين حتى أصيبوا (ولما وضع عمر الدواوين) قال له على وعبد الرحمن ابدأ بنفسك قال لا بل بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الاقرب فالاقرب ورتب ذلك على مراتب ففرض خمسة آلاف ثم أربعة ثم ثلاثة ثم ألفين وخمسمائة ثم ألفين ثم ألفا واحدا ثم خمسمائة ثم ثلثمائة ثم مائتين وخمسين ثم مائتين وأعطى نساء النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف لكل واحدة وفضل عائشة بألفين وجعل النساء على مراتب فلاهل بدر خمسمائة ثم أربعمائة ثم ثلثمائة ثم مائتين والصبيان مائة مائة والمساكين جريبين في الشهر ولم يترك في بيت المال شيئا وسئل في ذلك فأبى وقال هي فتنة لمن بعدى وسأل الصحابة في قوته من بيت المال فأذنوا له وسألوه في الزيادة على لسان حفصة ابنته متكتمين عنه فغضب وامتنع وسألها عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيشه وملبسه وفراشه فأخبرته بالكفاف من ذلك فقال والله لاضعن الفضول مواضعها

[ 107 ]

ولا تبلغن بالترجية وانما مثلى ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقا وتزود الاول فبلغ المنزل واتبعه الآخر مقتديا به كذلك ثم جاء الثالث بعدهما فان اقتفى طريقهما وزادهما لحق بهما والا لم يبلغهما (وفتحت) في جمادى من هذه السنة تكريت لان أهل الجزيرة كانوا قد اجتمعوا إلى المرزبان الذى كان بها وهم من الروم وإياد وتغلب والنمر ومعهم المشهارجة ليحموا أرض الجزيرة من ورائهم فسرح إليهم سعد بن أبى وقاص بأمر عمر كاتبه عبد الله بن المعتمر وعلى مقدمته ربعى بن الافكل وعلى الخيل عرفجة بن هرثمة فحاصروهم أربعين يوما وداخلوا العرب الذين معهم فكانوا يطلعونهم على أحوال الروم ثم يئس الروم من أمرهم واعتزموا على ركوب السفن في دجلة للنجاة فبعث العرب بذلك إلى المسلمين وسألوهم الامان فاجابوهم على أن يسلموا فأسلموا وواعدوهم الثبات والتكبير وأن يأخذوا على الروم أبواب البحر مما يلى دجلة ففعلوا ولما سمع الروم التكبير من جهة البحر ظنوا أن المسلمين استداروا من هناك فخرجوا إلى الناحية التى فيها المسلمون فأخذتهم السيوف من الجهتين ولم يفلت الا من أسلم من قبائل ربيعة من تغلب والنمر وإياد وقسمت الغنائم فكان للفارس ثلاثة آلاف درهم وللراجل ألف ويقال أن عبد الله بن المعتمر بعث ربعى بن الافكل بعهد عمر إلى الموصل ونينوى وهما حصنان على دجلة من شرقيها وغربيها فسار في تغلب وإياد والنمر وسبقوه إلى الحصنين فأجابوا إلى الصلح وسار واذمة وقيل بل الذى فتح الموصل عتبة بن فرقد سنة عشرين وأنه ملك نينوى وهو الشرقي عنوة وصالحوا أهل الموصل وهو الغربي على الجزية وفتح معها جبل الاكراد وجميع أعمال الموصل وقيل انما بعث عتبة بن فرقد عياض بن غنم عندما فتح الجزيرة على ما نذكره والله أعلم * (مسير هرقل إلى حمص وفتح الجزيرة وأرمينية) * كان أهل الجزيرة قد راسلوا هرقل وأغروه بالشام وأن يبعث الجنود إلى حمص وواعدوه المدد وبعثوا الجنود إلى أهل هيت مما يلى العراق فأرسل سعد عمر بن مالك ابن جبير بن مطعم في جند وعلى مقدمته الحرث بن يزيد العامري فسار إلى هيت وحاصرهم فلما رآى اعتصامهم بخندقهم حجر عليهم الحرث بن يزيد وخرج في نصف العسكر وجاء قرقيسيا على غرة فأجابوا إلى الجزية وكتب إلى الحرث أن يخندق على عسكر الجزيرة فبيت حتى سألوا المسالمة والعود إلى بلادهم فتركهم ولحق بعمر بن مالك ولما اعتزم هرقل على قصد حمص وبلغ الخبر أبا عبيدة ضم إليه مسالحه وعسكر بفنائها وأقبل إليه خالد من قنسرين وكتبوا إلى عمر بخبر هرقل فكتب إلى سعد أن يذهب بل أن يندب الناس مع القعقاع بن عمرو ويسرحهم من يومهم فان أبا عبيدة

[ 108 ]

قد أحيط به وأن يسرح سهيل بن عدى إلى الرقة فان أهل الجزيرة هم الذين استدعوا الروم إلى حمص وأن يسرح عبد الله بن عتبان إلى نصيبين ثم يقصد حران والرها وأن يسرح الوليد بن عقبة إلى عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ وأن يكون عياض بن غنم على أمراء الجزيرة هؤلاء ان كانت حرب فمضى القعقاع من يومه في أربعة آلاف إلى حمص وسار عياض بن غنم وأمراء الجزيرة كل أمير إلى كورته وخرج عمر من المدينة فأتى الجابية يريد حمص مغيثا لابي عبيدة ولما سمع أهل الجزيرة خبر الجنود فارقوا هرقل ورجعوا إلى بلادهم وزحف أبو عبيدة إلى الروم فانهزموا وقدم القعقاع من العراق بعد الوقعة بثلاث وكتبوا إلى عمر بالفتح فكتب إليهم أن أشركوا أهل العرب في الغنيمة وسار عياض بن غنم إلى الجزيرة وبعث سهيل بن عدى إلى الرقة عند ما انقبضوا عن هرقل فنهضوا معه الا إياد بن نزار فانهم دخلوا أرض الروم ثم بعث عياض بن سهيل وعبد الله يضمهما إليه وسار بالناس إلى حران فأجابوه إلى الجزية ثم سرح سهيلا وعبد الله إلى الرها فأجابوا إلى الجزية وكمل فتح الجزيرة وكتب أبو عبيدة إلى عمر لما رجع من الجابية وانصرف معه خالد أن يضم إليه عياض بن غنم مكانه ففعل وولى حبيب بن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها والوليد بن عقبة على عربها (ولما) بلغ عمر دخول إياد إلى بلاد الروم كتب إلى هرقل بلغني أن حيا من أحياء العرب تركوا دارنا وأتوا دارك فو الله لتخرجنهم أو لنخرجن النصارى إليك فأخرجهم هرقل وتفرق منهم أربعة آلاف فيما يلى الشام والجزيرة وأبى الوليد بن عقبة أن يقبل منهم الا الاسلام فكتب إليه عمر انما ذلك في جزيرة العرب إلى تل التى فيها مكة والمدينة واليمن فدعهم على أن لا ينصروا وليدا ولا يمنعوا أحدا منهم من الاسلام ثم وفدوا إلى عمر في أن يضع عنهم اسم الجزية فجعلها الصدقة مضاعفة ثم عزل الوليد عنهم لسطوته وعزتهم وأمر عليهم فرات بن حيان وهند بن عمر الجملى وقال ابن اسحق ان فتح الجزيرة كان سنة تسع عشرة وان سعدا بعث إليها الجند مع عياض بن غنم وفيهم ابنه عمر مع عياض بن غنم ففتح عمر مع عياض الرها وصالحت حران وافتتح أبو موسى نصيبين وبعث عثمان بن أبى العاصى إلى ارمينية فصالحوه على الجزية ثم كان فتح قيسارية من فلسطين فتكون الجزيرة على هذا من فتوح أهل العراق والاكثر أنها من فتوح أهل الشام وان أبا عبيدة سير عياض بن غنم إليها وقيل بل استخلفه لما توفى فولاه عمر على حمص وقنسرين والجزيرة فسار إليها سنة ثمان عشرة في خمسة آلاف فانتهت طائفة إلى الرقة فحاصروها حتى صالحوه على الجزية والخراج على الفلاحين ثم سار إلى حران فجهز عليها صفوان بن المعطل وحبيب بن مسلمة وسار هو

[ 109 ]

إلى الرها فحاصرها حتى صالحوه ثم رجع إلى حران وصالحهم كذلك ثم فتح سميساط وسروج ورأس كيفا فصالحوه على منبج كذلك ثم آمد ثم ميا فارقين ثم كفرتوثا ثم نصيبين ثم ماردين ثم الموصل وفتح أحد حصنيها ثم سار إلى ارزن الروم ففتحها ودخل الدرب إلى بدليس ثم خلاط فصالحوه وانتهى إلى أطراف أرمينية ثم عاد إلى الرقة ومضى إلى حمص فمات واستعمل عمر عمير بن سعد الانصاري ففتح رأس عين وقيل ان عياضا هو الذى أرسله وقيل ان أبا موسى الاشعري هو الذى افتتح رأس عين بعد وفاة عياض بولاية عمر وقبل ان خالدا حضر فتح الجزيرة مع عياض ودخل الحمام بآمد فاطلى بشئ فيه خمر وقيل لم يسر خالد تحت لواء أحد بعد أبى عبيدة (ولما) فتح عياض سميساط بعث حبيب بن مسلمة إلى ملطية ففتحها عنوة أيضا ورتب فيها الجند وولى عليها ولما أدرب عياض بن غنم من الجابية فرجع عمر إلى المدينة سنة سبع عشرة وعلى حمص أبو عبيدة وعلى قنسرين خالد بن الوليد من تحته وعلى دمشق يزيد وعلى الاردن معاوية وعلى فلسطين علقمة بن مجزز وعلى السواحل عبد الله بن قيس وشاع في الناس ما أصاب خالد مع عياض بن غنم من الاموال فانتجعه رجال منهم الاشعث بن قيس وأجازه بعشرة آلاف وبلغ ذلك عمر مع ما بلغه في آمد من تدلكه بالخمر فكتب إلى أبى عبيدة أن يقيمه في المجلس وينزع عنه قلنسوته ويعقله بعمامته ويسأله من أين أجاز الاشعث فان كان من ماله فقد أسرف فاعزله واضمم اليك عمله فاستدعاه أبو عبيدة وجمع الناس وجلس على المنبر وسأل البريد خالدا فلم يجبه فقام بلال وأنفذ فيه أمر عمر وسأله فقال من مالى فاطلقه وأعاد قلنسوته وعمامته ثم استدعاه عمر فقال من أين هذا الثراء قال من الانفال والسهمان وما زاد على ستين ألفا فهو لك فجمع ماله فزاد عشرين فجعلها في بيت المال ثم استصلحه وفى سنة سبع عشرة هده اعتمر عمر ووسع في المسجد وأقام بمكة عشرين ليلة وهدم على من أبى البيع دورهم لذلك وكانت العمارة في رجب وتولاها مخرمة بن نوفل والازهر بن عبد عوف وحويطب بن عبد العزى وسعيد بن يربوع واستأذنه أهل المياه أن يبنوا المنازل بين مكة والمدينة فأذن لهم على شرط أن ابن السبيل أحق بالظل والماء * (غزو فارس من البحرين وعزل العلاء عن البصرة ثم المغيرة وولاية أبى موسى) * كان العلاء بن الحضرمي على البحرين أيام أبى بكر ثم عزله عمر بقدامة بن مظعون ثم أعاده وكان العلاء يناوى سعد بن أبى وقاص ووقع له في قتال أهل الردة ما وقع فلما ظفر سعد بالقادسية كانت أعظم من فعل العلاء فأراد أن يؤثر في الفرس شيئا فندب الناس إلى فارس وأجابوه وفرقهم اجنادا بين الجارود بن المعلى والسوار بن همام وخليد بن

[ 110 ]

المنذر وأمره على جميعهم وحمله في البحر إلى فارس بغير اذن من عمر لانه كان ينهى عن ذلك وأبو بكر قبله خوف الغرق فخرجت الجنود إلى اصطخر وبازائهم الهربذ في أهل فارس وحالوا بينهم وبين سفنهم فخاطبهم خليد وقال انما جئتم لمحاربتهم والسفن والارض لمن غلب ثم ناهدوهم واقتتلوا بطاوس وقتل الجارود والسوار وأمر خالد أصحابه أن يقاتلوا رجالة وقتل من الفرس مقتلة عظيمة ثم خرج المسلمون نحو البصرة وأخذ الفرس عليهم الطرق فعسكروا وامتنعوا وبلغ ذلك عمر فأرسل إلى عتبة بالبصرة يأمره بانفاذ جيش كثيف إلى المسلمين بفارس قبل أن يهلكوا وأمر العلاء بالانصراف عن البحرين إلى سعد بمن معه فأرسل عتبة الجنود اثنى عشر ألف مقاتل فيهم عاصم بن عمرو وعرفجة بن هرثمة والاحنف بن قيس وامثالهم وعليهم أبو سبرة بن أبى رهم من عامر بن لؤى فساحل بالناس حتى لقوا خليدا والعسكر وقد تداعى إليهم بعد وقعة طاوس أهل فارس من كل ناحية فاقتتلوا وانهزم المشركون وقتلوا ثم انكفؤا بما أصابوا من الغنائم واستحثهم عتبة بالرجوع فرجعوا إلى البصرة ثم استأذن عتبة في الحج فأذن له عمر فحج ثم استعفاه فأبى وعزم عليه ليرجعن إلى عمله فانصرف ومات ببطن نخلة على رأس ثلاث سنين من مفارقة سعد واستخلف على عمله أبا سبرة بن أبى وهم فأقره عمر بقية السنة ثم استعمل المغيرة بن شعبة عليها وكان بينه وبين أبى بكرة منافرة وكانا متجاورين في مشربتين ينفذ البصر من احداهما إلى الاخرى من كوتين فزعموا ان أبا بكرة وزياد ابن أبيه وهو أخوه لامه وآخرين معهما عاينوا المغيرة على حالة قذفوه بها وادعوا الشهادة ومنعه أبو بكرة من الصلاة وبعثوا إلى عمر فبعث أبا موسى أميرا في تسعة وعشرين من الصحابة فيهم أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر ومعهم كتاب عمر إلى المغيرة اما بعد فقد بلغني عنك نبأ عظيم وبعثت أبا موسى أميرا فسلم إليه ما في يدك والعجل ولما استحضرهم عمر اختلفوا في الشهادة ولم يستكملها زياد فجلد الثلاثة ثم عزل أبا موسى عن البصرة بعمر بن سراقة ثم صرفه إلى الكوفة ورد أبا موسى فأقام عليه * (بناء البصرة والكوفة) * وفى هذه السنة وهى اربع عشرة بلغ عمر أن العرب تغيرت ألوانهم ورآى ذلك في وجوه وفودهم فسألهم فقالوا وخومة البلاد غيرتنا وقيل ان حذيفة وكان مع سعد كتب بذلك إلى عمر فسأل عمر سعدا فقال غيرتهم وخومة البلاد والعرب لا يوافقها من البلاد الا ما وافق ابلها فكتب إليه أن يبعث سلمان وحذيفة شرقية فلم يرضيا الا بقعة الكوفة فصليا فيها ودعيا أن تكون منزل ثبات ورجع إلى سعد فكتب إلى القعقاع

[ 111 ]

وعبد الله بن المعتمر أن يستخلفا على جندهما ويحضرا وارتحل من المدائن فنزل الكوفة في المحرم سنة سبع عشرة لسنتين وشهرين من وقعة القادسية ولثلاث سنين وثمانية أشهر من ولاية عمر وكتب إلى عمر انى قد نزلت الكوفة بين الحيرة والفرات بريا بحريا بين الجلاء والنصر وخيرت الناس بينهما وبين المدائن ومن أعجبته تلك جعلته فيها مسلحة فلما استقروا بالكوفة ثاب إليهم ما فقدوه من حالهم ونزل أهل البصرة أيضا منازلهم في وقت واحد مع أهل الكوفة بعد ثلاث مرات نزلوها من قبل واستأذنوا جميعا في بنيان القصب فكتب عمر ان العسكرة أشد لحربكم وأذكر لكم وما أحب أن أخالفكم فابتنوا بالقصب ثم وقع الحريق في القصرين فاستأذنوا في البناء باللبن فقال افعلوا ولا يزيد أحد على ثلاثة بيوت ولا تطاولوا في البنيان والزموا السنة تلزمكم الدولة وكان على تنزيل الكوفة أبو هياج بن مالك وعلى تنزيل البصرة أبو المحرب عاصم ابن الدلف وكانت ثغور الكوفة أربعة حلوان وعليها القعقاع وما سبدان وعليها ضرار بن الخطاب وقرقيسيا وعليها عمر بن مالك والموصل وعليها عبد الله بن المعتمر ويكون بها خلفاؤهم إذا غابوا * (فتح الاهواز والسوس بعدها) * لما انهزم الهرمزان يوم القادسية قصد خوزستان وهى قاعدة الاهواز فملكها وملك سائر الاهواز وكان أصله منهم من البيوتات السبعة في فارس وأقام يغير على أهل ميسان ودست ميسان من ثغور البصرة يأتي إليها من منادر ونهر تيرى من ثغور الاهواز واستمد عتبة بن غزوان سعدا فأمده بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود فنزلا بين ثغور البصرة وثغور الاهواز وبعث عتبة بن غزوان سلمى بن القين وحرملة بن مريطة بن بنى العدوية بن حنظلة فنزلا على ثغور البصرة بميسان ودعوا بنى العم بن مالك وكانوا ينزلون خراسان فأهل البلاد يأمنونهم فاستجابوا وجاء منهم غالب الوائلي وكليب بن وائل الكلبى فلقيا سلمى وحرملة وواعداهما الثورة بمنادر ونهر تيرى ونهض سلمى وحرملة يوم الموعد في التعبية وأنهضا نعيما والتقوا هم والهرمزان وسلمى على أهل البصرة ونعيم على أهل الكوفة وأقبل اليهما المدد من قبل غالب وكليب وقد ملك منادر ونهر تيرى فانهزم الهرمزان وقتل المسلمون من أهل فارس مقتلة وانتهوا في اتباعهم إلى شاطئ دجيل وملكوا ما دونها وعبر الهرمزان جسر سوق الاهواز وصار دجيل بينه وبين المسلمين ثم طلب الهرمزان الصلح فصالحوه على الاهواز كلها ما خلا نهر تيرى ومنادر وما غلبوا عليه من سوق الاهواز فانه لا يرد وبقيت المسالح على نهر تيرى ومنادر وفيهما غالب وكليب ثم وقع بينهما وبين الهرمزان اختلاف في التخم ووافقهما سلمى

[ 112 ]

وحرملة فنقض الهرمزان ومنع ما قبله وكثف جنوده بالاكراد وبعث عتبة بن غزوان حرقوص بن زهير السعدى لقتاله فانهزم وسار إلى رام هرمز وفتح حرقوص سوق الاهواز ونزل بها واتسقت له البلاد إلى تستر ووضع الجزية وكتب بالفتح وبعث في أثر الهرمزان جزء بن معاوية فانتهى إلى قرية الشغر ثم إلى دورق فملكها وأقام بالبلاد وعمرها وطلب الهرمزان الصلح على ما بقى من البلاد ونزل حرقوص جبل الاهواز وكان يزدجرد في خلال ذلك يمد ويحرض أهل فارس حتى اجتمعوا وتعاهدوا مع أهل الاهواز على النصرة وبلغت الاخبار حرقوصا وجزءا وسلمى وحرملة فكتبوا إلى عمر فكتب إلى سعد أن يبعث جندا كثيفا مع النعمان بن مقرن ينزلون منازل الهرمزان وكتب إلى أبى موسى أن يبعث كذلك جندا كثيفا مع سعد بن عدى أخى سهيل ويكون فيهم البراء بن مالك ومجزأة بن ثور وعرفجة بن هرثمة وغيرهم وعلى الجندين أبو سبرة بن أبى رهم فخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة فخلف حرقوصا وسلمى وحرملة إلى الهرمزان وهو برام هرمز فلما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشده ولقيه فانهزم ولحق بتستر وجاء النعمان إلى رام هرمز فنزلها وجاء أهل البصرة من بعده فلحقهم خبر الواقعة بسوق الاهواز فساروا حتى أتوا تستر ولحقهم النعمان فاجتمعوا على تستر وبها الهرمزان وأمدهم عمر بابى موسى جعله على أهل البصرة فحاصروهم أشهرا وأكثروا فيهم القتل وزاحفهم المشركون ثمانين زحفا سجالا ثم انهزموا في آخرها واقتحم المسلمون خنادقهم وأحاطوا بها وضاق عليهم الحصار فاستأمن بعضهم من داخل البلد بمكتوب في سهم على أن يدلهم على مدخل يدخلون منه فانتدب لهم طائفة ودخلوا المدينة من مدخل الماء وملكوها وقتلوا المقاتلة وتحصن الهرمزان بالقلعة فأطافوا بها واستنزلوه على حكم عمر وأوثقوه واقتسموا الفئ فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف والراجل ألف وقتل من المسلمين في تلك الليلة البراء بن مالك ومجزاة بن ثور قتلهما الهرمزان ثم خرج أبو سبرة في أثر المنهزمين ومعه النعمان وأبو موسى فنزلوا على السوس وسار زر بن عبد الله الفقيمى إلى جند يسابور فنزل عليها وكتب عمر إلى أبى موسى الاشعري بالرجوع إلى البصرة وأمر مكانه الاسود بن ربيعة بن مالك صحابي يسمى المقترب وأرسل أبو سبرة بالهرمزان إلى عمر في وفد منهم أنس بن مالك والاحنف بن قيس فقدموا به المدينة وألبسوه كسوته من الديباج المذهب وتاجه مرصعا بالياقوت وحليته ليراه المسلمون فلما رآه عمر أمر بنزع ما عليه وقال يا هرمزان كيف رأيت أمر الله وعاقبة الغدر فقال يا عمر إنا واياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بينا وبينكم فغلبناكم فلما صار الآن معكم غلبتمونا قال فما حجتك وما عذرك

[ 113 ]

في الانتقاض مرة بعد أخرى قال أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك قال لا تخف ذلك ثم استقى فأتى بالماء فقال أخاف أن أقتل وأنا أشرب فقال لا بأس عليك حتى تشربه فألقاه من يده وقال لا حاجة لى في الماء وقد أمنتنى قال كذبت قال أنس صدق يا أمير المؤمنين فقد قلت له لا بأس عليك حتى تخبرني وحتى تشربه وصدق الناس فأقبل عمر على الهرمزان وقال خدعتني لا والله الا أن تسلم فاسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة واستأذنه الاحنف بن قيس في الانسياح في بلاد فارس وقال لا يزالون في الانتقاض حتى يهلك ملكهم فأذن له (ولما) لحق أبو سبرة بالسوس ونزل عليها وبها شهريار أخو الهرمزان فأحاط بها ومعه المقترب بن ربيعة في جند البصرة فسأل أهل السوس الصلح فأجابوهم وسار النعمان بن مقرن بأهل الكوفة إلى نهاوند وقد اجتمع بها الاعاجم وسار المقترب إلى زر بن عبد الله على جند يسابور فحاصروها مدة ثم رمى السهم بالامان من خارج على الجزية فخرجوا لذلك فناكرهم المسلمون فإذا عبد فعل ذلك أصله منهم فأمضى عمر أمانه وقيل في فتح السوس إن يزدجرد سار بعد وقعة جلولاء فنزل اصطخر ومعه سباه في سبعين ألفا من فارس فبعثه إلى السوس ونزل الكلبانية وبعث الهرمزان إلى تستر ثم كانت واقعة أبى موسى فحاصرهم فصالحوه على الجزية وسار إلى هرمز ثم إلى تستر ونزل سباه بين رام هرمز وتستر وحمل أصحابه على صلح أبى موسى ثم على الاسلام على أن يقاتلوا الاعاجم ولا يقتلوا العرب ويمنعهم هو من العرب ويلحقوا بأشراف العطاء فأعطاهم ذلك عمر وأسلموا وشهد وافتح تستر ومضى سباه إلى بعض الحصون في زى العجم فغدرهم وفتحه للمسلمين وكان فتح تستر وما بعدها سنة سبع عشرة وقيل ست عشرة * (مسير المسلمين إلى الجهات للفتح) * لما جاء الاحنف بن قيس بالهرمزان إلى عمر قال له يا أمير المؤمنين لا يزال أهل فارس يقاتلون ما دام ملكهم فيهم فلو أذنت بالانسياح في بلادهم فأزلنا ملكهم انقطع رجاؤهم فأمر أبا موسى أن يسير من البصرة غير بعيد ويقيم حتى يأتي أمره ثم بعث إليه مع سهيل بن عدى بألوية الامراء الذين يسيرون في بلاد العجم لواء خراسان للاحنف بن قيس ولواء أردشير خرة وسابور لمجاشع بن مسعود السلمى ولواء اصطخر لعثمان بن أبى العاصى الثقفى ولواء فسا ودارا بجرد لسارية بن زنيم الكنانى ولواء كرمان لسهيل بن عدى ولواء سجستان لعاصم بن عمرو ولواء مكران للحكم بن عمير التغلبي ولم يتهيأ مسيرهم إلى سنة ثمان عشرة ويقال سنة احدى وعشرين أو اثنين وعشرين ثم ساروا في بلاد العجم وفتحوا كما يذكر بعد

[ 114 ]

* (مجاعة عام الرمادة وطاعون عمواس) * وأصاب الناس سنة ثمان عشرة قحط شديد وجدب أعقب جوعا بعد العهد بمثله مع طاعون أتى على جميع الناس وحلف عمر لا يذوق السمن واللبن حتى يحيا الناس وكتب إلى الامراء بالامصار يستمدهم لاهل المدينة فجاء أبو عبيدة باربعة آلاف راحلة من الطعام وأصلح عمرو بن العاصى بحر القلزم وراسل فيه الطعام من مصر فرخص السعر واستقى عمر بالناس فخطب الناس وصلى ثم قام وأخذ بيد العباس وتوسل به ثم بكى وجثا على ركبتيه يدعوا لى أن مطر الناس وهلك بالطاعون أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبى سفيان والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو وابنه عتبة في آخرين أمثالهم وتفانى الناس بالشأم وكتب عمر إلى أبى عبيدة أن يرتفع بالمسلمين من الارض التى هو بها فدعا أبا موسى يرتاد له منزلا ومات قبل رحيله وسار عمر بالناس إلى الشام وانتهى إلى سرغ ولقيه أمراء الاجناد وأخبروه بشدة الوباء واختلف الناس عليه في قدومه فقبل اشارة العود ورجع وأخبر عبد الرحمن بن عوف بما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الوباء فقال إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه أخرجاه في الصحيحين (ولما) هلك يزيد ولى عمر على دمشق مكانه أخاه معاوية بن أبى سفيان وعلى الارض شرحبيل بن حسنة ولما فحش أثر الطاعون بالشأم أجمع عمر على المسير إليه ليقسم مواريث المسلمين ويتطوف على الثغور ففعل ذلك ورجع واستقضى في سنة ثمان عشرة على الكوفة شريح بن الحرث الكندى وعلى البصرة كعب بن سوار الازدي وحج في هذه السنة ويقال أن فتح جلولا والمدائن والجزيرة كان في هذه السنة وقد تقدم ذكر ذلك وكذلك فتح قيسارية على يد معاوية وقيل سنة عشرين (فتح مصر) ولما فتح عمر بيت المقدس استأذنه عمرو بن العاصى في فتح مصر فأغزاه ثم اتبعه الزبير بن العوام فساروا سنة عشرين أو احدى أو اثنين أو خمس فاقتحموا باب اليون ثم ساروا في قرى الريف إلى مصر ولقيهم الجاثليق أبو مريم والاسقف قد بعثه المقوقس وجاء أبو مريم إلى عمرو فعرض الجزية والمنع وأخبره بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم وأجلهم ثلاثا ورجعوا إلى المقوقس وارطبون أمير الروم فأبى من ذلك ارطبون وعزم على الحرب وبيت المسلمين فهزموه وجنده ونازلوا عين شمس وهى المطرية وبعثوا لحصار الفرما أبرهه بن الصباح ولحصار الاسكندرية عوف

[ 115 ]

ابن مالك وراسلهم أهل البلاد وانتظروا عين شمس فحاصرهم عمرو والزبير مدة حتى صالحوهما على الجزية وأجروا ما أخذوا قبل ذلك عنوة فجرى الصلح وشرطوا رد السبايا فأمضاه لهم عمر بن الخطاب على أن يجيز السبايا في الاسلام وكتب العهد بينهم ونصه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عمرو بن العاصى أهل مصر من الامان على أنفسهم ودمهم وأموالهم وكافتهم وصاعهم ومدهم وعددهم لا يزيد شئ في ذلك ولا ينقص ولا يساكنهم النوب وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف وعليه ممن جنى نصرتهم فان أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزى بقدرهم وذمتنا ممن أبى برية وان نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله ما لهم وعليه ما عليهم ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه ويخرج من سلطاننا وعليهم ما عليهم اثلاثا في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا وكذا وكذا فرسا على ان لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه وكتب وردان وحضر هذا نص الكتاب منقولا من الطبري قال فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح ونزل المسلمون الفسطاط وجاء أبو مريم الجاثليق يطلب السبايا التى بعد المعركة في أيام الاجل فأبى عمرو من ردها وقال أغاروا وقاتلوا وقسمتهم في الناس وبلغ الخبر إلى عمر فقال من يقاتل في أيام الاجل فله الامن وبعث بهم إلى الرباق فردهم عليهم ثم سار عمرو إلى الاسكندرية فاجتمع له من بينها وبين الفسطاط من الروم والقبط فهزمهم وأثخن فيهم ونازل الاسكندرية وبها المقوقس وسأله الهدنة إلى مدة فلم يجبه وحاصرهم ثلاثة أشهر ثم فتحها عنوة وغنم ما فيها وجعلهم ذمة وقيل ان المقوقس صالح عمرا على اثنى عشر ألف دينار على أن يخرج من يخرج ويقيم من يقيم باختيارهم وجعل عمرو فيها جندا (ولما) تم فتح مصر والاسكندرية أغزى عمرو العساكر إلى النوبة فلم يظفروا فلما كان أيام عثمان وعبد الله بن أبى سرح على مصر صالحهم على عدة رؤس في كل سنة ويهدى إليهم المسلمون طعاما وكسوة فاستمر ذلك فيها * (وقعة نهاوند وما كان بعدها من الفتوحات) * لما فتحت الاهواز ويزدجرد بمرو كاتبوه واستنجدوه فبعث إلى الملوك ما بين الباب والسند وخراسان وحلوان يستمدهم فأجابوه واجتمعوا إلى نهاوند وعلى الفرس القيرزان في مائة وخمسين ألف مقاتل وكان سعد بن أبى وقاص قد ألب أقوام عليه من

[ 116 ]

عسكره وشكوا إلى عمر فبعث محمد بن مسلمة في الكشف عن أمره فلم يسمع الا خيرا سوى مقالة من بنى عبس فاستقدمه محمد إلى عمرو خبره الخبر وقال كيف تصلى يا سعد قال أطيل الاولتين وأحذف الاخيرتين قال هكذا الظن بك ثم قال من خليفتك على الكوفة قال عبد الله بن عبد الله بن عتبان فأقره وشافهه بخبر الاعاجم وأشار بالانسياح ليكون أهيب على العدو فجمع عمر الناس واستشارهم بالمسير بنفسه فمن موافق ومخالف إلى أن اتفق رأيهم على أن يبعث الجنود ويقيم ردءا لهم وكان ذلك رأى على وعثمان وطلحة وغيرهم فولى على حربهم النعمان بن مقرن المزني وكان على جند الكوفة بعد انصرافهم من حصار السوس وأمره أن يصير إلى ماه لتجتمع الجيوش عليه ويسير بهم إلى القيرزان ومن معه وكتب إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان أن يستنفر الناس مع النعمان فبعثهم مع حذيفة بن اليمان ومعه نعيم بن مقرن وكتب إلى المقترب وحرملة وزر الذين كانوا بالاهواز وفتحوا السوس وجند يسابور ان يقيموا بتخوم اصبهان وفارس ويقطعوا المدد عن أهل نهاوند واجتمع الناس على النعمان وفيهم حذيفة وجرير والمغيرة وابن عمر وأمثالهم وأرسل النعمان طليحة وعمرو بن معد يكرب طليعة ورجع عمرو من طريقه وانتهى طليحة إلى نهاوند ونفض الطرق فلم يلق بها أحدا وأخبر الناس فرحل النعمان وعبى المسلمين ثلاثين ألفا وجعل على مقدمته نعيم بن مقرن وعلى مجنبتيه حذيفة بن اليمان وسويد بن مقرن وعلى المجردة القعقاع وعلى الساقة مجاشع بن مسعود ومع القيرزان كتائبه وعلى مجنبتيه الزردق وبهمن جادويه مكان ذى الحاجب وقد توافي إليهم بنهاوند كل من غاب من القادسية من أبطالهم فلما ترا آى الجمعان كبر المسلمون وحطت العرب الاثقال وتبادر اشراف الكوفة إلى فسطاط النعمان فبنوه حذيفة بن اليمان والمغيرة بن شعبة وعقبة بن عمرو وجرير بن عبد الله وحنظلة الكاتب وبشير بن الحضاصية والاشعث بن قيس ووائل بن حجر وسعيد بن قيس الهمداني ثم تزاحفوا للقتال يوم الاربعاء والخميس والحرب سجال ثم أحجروهم في خنادقهم يوم الجمعة وحاصروهم أياما وسئم المسلمون اعتصامهم بالخنادق وتشاوروا وأشار طليحة باستخراجهم للمناجزة بالاستطراد فناشبهم القعقاع فبرزوا إليه كأنهم حبال حديد قد تواثقوا ان لا يفروا وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا ينهزموا فلما بارزوا استطرد لهم حتى فارقوا الخنادق وقد ثبت لهم المسلمون ونزل الصبر ثم وقف النعمان على الكتائب وحرض المسلمين ودعا لنفسه بالشهادة وقال إذا كبرت الثالثة فاحملوا ثم كبر وحمل عند الزوال وتجاول الناس ساعة وركدت الحرب ثم انفض الاعاجم وانهزموا وقتلوا ما بين الظهر والعتمة حتى سالت أرض المعركة دما تزلق فيه المشاة حتى زلق فيه النعمان وصرع وقيل بل

[ 117 ]

أصابه سهم فسجاه أخوه نعيم بثوب وتناول الراية حذيفة بعهده وتواصوا بكتمان موته وذهب الاعاجم ليلا وعميت عليهم المذاهب وعقرهم حسك الحديد ووقعوا في اللهب الذى أعدوه في عسكرهم فمات منهم أكثر من مائة ألف منها نحو ثلاثين ألفا في المعركة وهرب القيرزان بعد ان صرع إلى همذان واتبعه نعيم بن مقرن فادركه بالثنية دونها وقد سدتها الاحمال وترجل وصعد في الجبل وكان نعيم قد قدم القعقاع أمامه فاعترضه وقتله المسلمون على الثنية ودخل الفل همذان وبها خسر شنوم فنزل المسلمون عليها مع نعيم والقعقاع ودخل المسلمون نهاوند يوم الوقعة وغنموا ما فيها وجمعوه إلى صاحب الاقباض السائب بن الاقرع وولى على الجند حذيفة بعهد النعمان إليه ثم جاء الهربذ صاحب بيت النار إلى حذيفة فأمنه وأخرج له سفطين مملو أين جوهرا نفيسا كانا من دخائر كسرى أودعهما عنده البخرجان فنقلهما المسلمون وبعث الخمس مع السائب إلى عمر وأخبره بالواقعة وبالفتح وبمن استشهد فبكى وبالسفطين فقال ضعهما في بيت المال والحق بجندك قال السائب ثم لحقني رسوله بالكوفة فردني إليه فلما رأني قال مالى وللسائب ما هو الا أن نمت الليلة التى خرجت فيها فباتت الملائكة تسحبني إلى السفطين يشتعلان نارا يتوعدوني بالكى ان لم أقسمهما فخذهما عنى وبعهما في أرزاق المسلمين فبعتهما بالكوفة من عمرو بن حريث المخزومى بالفى ألف درهم وباعهما عمرو بأرض الاعاجم بضعفهما فكان له بالكوفة مال وكان سهم الفارس بنهاوند ستة آلاف والراجل ألفين ولم يكن للفرس من بعدها اجتماع وكان أبو لؤلؤة قاتل عمر من أهل نهاوند حصل في أسر الروم وأسره الفرس منهم فكان إذا لقى سبى نهاوند بالمدينة يبكى ويقول أكل عمر كبدي وكان أبو موسى الاشعري قد حضر نهاوند على أهل البصرة فلما انصرف مر بالدينور فحاصرها خمسة أيام ثم صالحوه على الجزية وسار إلى أهل شيروان فصالحوه كذلك وبعث السائب بن الاقرع إلى الصيمرة ففتحها صلحا ولما اشتد الحصار بأهل همذان بعث خسر شنوم إلى نعيم والقعقاع في الصلح على قبول الجزية فأجابوه إلى ذلك ثم اقتدى أهل الماهين وهم الملوك الذين جاؤا لنصرة يزدجرد وأهل همذان وبعثوا إلى حذيفة فصالحوه وأمر عمر بالانسياح في بلاد الاعاجم وعزل عبد الله بن عبد الله ابن عتبان عن الكوفة وبعثه في وجه آخر وولى مكانه ابن حنظلة حليف بنى عبد قصى واستعفى فاعفاه وولى عمار بن ياسر واستدعى ابن مسعود من حمص فبعثه معه معلما لاهل الكوفة وأمدهم بأبى موسى وأمد أهل البصرة مكانه بعبد الله بن عبد الله ثم بعثه إلى اصبهان مكان حذيفة وولى على البصرة عمرو بن سراقة ثم انتقض أهل همذان فبعث إلى نعيم بن مقرن فحاصرهم وصار بعد فتحها إلى خراسان وبعث عتبة بن فرقد وبكر

[ 118 ]

ابن عبد الله إلى اذربيجان يدخل أحدهما من حلوان والآخر من الموصل ولما فصل عبد الله بن عبد الله بن عتبان إلى اصبهان وكان من الصحابة من وجوه الانصار حليف بنى الحبلى فأمده بأبى موسى وجعل على مجنبتيه عبد الله بن ورقاء الرياحي وعصمة بن عبد الله فسار إلى نهاوند ورجع حذيفة إلى عمله على ما سقت دجلة فسار عبد الله بمن معه ومن تبعه من عند النعمان نحو اصبهان وعلى جندها الاسبيدان وعلى مقدمته شهريار ابن جادويه في جمع عظيم برستاق اصبهان فاقتتلوا وبارز عبد الله بن ورقاء شهريار فقتله وانهزم أهل اصبهان وصالحهم الاسبيدان على ذلك الرستاق ثم ساروا إلى اصبهان وتسمى جى وملكها الفادوسفان فصالحهم على الجزية والخيار بين المقام والذهاب وقال ولكم أرض من ذهب وقدم أبو موسى على عبد الله من ناحية الاهواز فدخل معه اصبهان وكتبوا إلى عمر بالفتح فكتب إلى عبد الله أن يسير إلى سهيل بن عدى لقتال كرمان فاستخلف على اصبهان السائب بن الاقرع ولحق بسهيل قبل أن يصل كرمان وقد قيل أن النعمان بن مقرن حضر فتح اصبهان أرسله إليها عمر من المدينة واستجاش له أهل الكوفة فقتل في حرب اصبهان والصحيح أن النعمان قتل بنهاوند وافتتح أبو موسى قم وقاشان ثم ولى عمر على الكوفة سنة احدى وعشرين المغيرة بن شعبة وعزل عمارا * (فتح همذان) * كان أهل همذان قد صالح عليهم حشر شنوم القعقاع ونعيما وضمنهما ثم انتقض فكتب عمر إلى نعيم أن يقصدها فودع حذيفة ورجع إليها من الطريق على تعبيته فاستولى على بلادها أجمع حتى صالحوا على الجزية وقيل ان فتحها كان سنة أربع وعشرين فبينما نعيم يجول في نواحى همذان إذ جاء الخبر بخروج الديلم وأهل الرى واسفنديار أخو رستم بأهل اذربيجان فاستخلف نعيم على همذان يزيد بن قيس الهمداني وسار إليهم فاقتتلوا وانهزم الفرس وكانت واقعتها مثل نهاوند واعظم وكتبوا إلى عمر بالفتح فامر نعيما بقصد الرى والمقام بها بعد فتحها وقيل ان المغيرة بن شعبة أرسل من الكوفة جرير بن عبد الله إلى همذان ففتحها صلحا وغلب على أرضها وقيل تولاها بنفسه وجرير على مقدمته ولما فتح جرير همذان بعث البراء بن عازب إلى قزوين ففتح ما قبلها وسار إليها فاستنجدوا بالديلم فوعدوهم ثم جاء البراء في المسلمين فخرجوا لقتالهم والديلم وقوف على الجبل ينظرون فيئس أهل قزوين منهم وصالحوا البراء على صلح أبهر قبلها ثم غزا البراء الديلم وجيلان * (فتح الرى) *

[ 119 ]

ولما انصرف نعيم من واقعته سار إلى الرى وخرج إليه أبو الفرخان من أهلها في الصلح وأبى ذلك ملكها سياوخش بن مهران بن بهرام جوبين واستمد أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان فأمدوه والتقوا مع نعيم فشغلوا به عن المدينة وقد كان خلفهم أبو فرخان ودخل المدينة من الليل ومعه المنذر بن عمرو أخو نعيم فلم يشعروا وهم مواقفون لنعيم الا بالتكبير من ورائهم فانهزموا وقتلوا وافاء الله على المسلمين بالرى مثل ما كان بالمدائن وصالحه أبو الفرخان الزبينى على البلاد فلم يزل شرفهم في عقبه وأخرب نعيم مدينتهم العتيقة وأمر ببناء أخرى وكتب إلى عمر بالفتح وصالحه أهل دنباوند على الجزية فقبل منهم (ولما) بعث بالاخماس إلى عمر كتب إليه بارسال أخيه سويد إلى قومس ومعه هند بن عمرو الجملى فسار فلم يقم له أحد وأخذها سلما وعسكر بها وكاتبه الفل الذين بطبرستان وبالمفاوز فصالحوه على الجزية ثم سار إلى جرجان وعسكر فيها ببسطام وصالحه ملكها على الجزية وتلقاه مرزبان صول قبل جرجان فكان معه حتى جبى الخراج وأراه فروجها وسدها وقيل كان فتحها سنة ثلاثين أيام عثمان ثم أرسل سويد إلى الاصبهبذ صاحب طبرستان على الموادعة فقبل وعقد له بذلك * (فتح اذربيجان) * ولما افتتح نعيم الرى أمره عمر أن يبعث سماك بن خرشة الانصاري إلى اذربيجان ممدا لبكير بن عبد الله وكان بكير بن عبد الله عندما سار إلى اذربيجان لقى بالجبال اسفنديار ابن فرخزاد مهزوما من واقعة نعيم من ماح رود دون همذان وهو أخو رستم فهزمه بكير وأسره فقال له أمسكنى عندك فأصالح لك على البلاد والا فروا إلى الجبال وتركوها وتحصن من تحصن إلى يوم ما فأمسكه وسارت البلاد صلحا الا الحصون وقدم عليه سماك وهو في مثل ذلك وقد افتتح ما يليه وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه وكتب بكير إلى عمر يستأذنه في التقدم فأذن له أن يتقدم نحو الباب وان يستخلف على ما افتتح فاستخلف عتبة بن فرقد وجمع له عمر اذربيجان كلها فولى عتبة سماك بن خرشة على ما افتتحه بكير وكان بهرام بن الفرخزاد قصد طريق عتبة وأقام به في عسكره مقتصدا معترضا له فلقيه عتبة وهزمه وبلغ خبر الاسفنديار وهو أسير عند بكير فصالحه واتبعه أهل اذربيجان كلهم وكتب بكير وعتبة بذلك إلى عمر وبعثوا بالاخماس فكتب عمر لاهل اذربيجان كتاب الصلح ثم غزا عتبة بن فرقد شهرزور والصامغان ففتحهما بعد قتال على الجزية والخراج وقتل خلقا من الاكراد وكتب إلى عمران فتوحي بلغت اذربيجان فولاه اياها وولى هرثمة بن عرفجة الموصل * (فتح الباب) *

[ 120 ]

ولما أمر عمر بكير بن عبد الله بغزو الباب والتقدم إليها بعث سراقه بن عمرو على حربها فسار من البصرة وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة وعلى احدى مجنبتيه ابن أسيد الغفاري وعلى الاخرى بكير بن عبد الله المتقدم وعلى المقاسم سلمان بن ربيعة الباهلى ورد أبا موسى الاشعري إلى البصرة مكان سراقة ثم أمد سراقة بحبيب بن مسلمة من الجزيرة وجعل مكانه زياد بن حنظلة وسار سراقة من أذربيجان فلما وصل عبد الرحمن بن ربيعة في مقدمته على الباب والملك بها يومئذ شهريار من ولد شهريرار الذى أفسد بنى اسرائيل وأعرى الشأم منهم فكاتبه شهريار واستأمنه على أن يأتي فحضر وطلب الصلح والموادعة على أن تكون جزيته النصر والطاعة للمسلمين قال ولا تسومونا الجزية فتوهنونا لعدوكم فسيره عبد الرحمن إلى سراقة فقبل منه وقال لا بد من الجزية على من يقيم ولا يحارب العدو فأجاب وكتبوا إلى عمر فأجاز ذلك * (فتح موقان وجبال ارمينية) * ولما فرغ سراقة من الباب بعث امراء إلى ما يليه من الجبال المحيطة بارمينية فارسل بكير بن عبد الله إلى موقان وحبيب بن مسلمة إلى تفليس وحذيفه بن اليمان إلى جبال اللان وسلمان بن ربيعة إلى الوجه الآخر وكتب بالخبر إلى عمر فلم يرج تمام ذلك لانه فرج عظيم ثم بلغه موت سراقة واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة فأقره عمر على فرج الباب وأمره بغزو الترك ولم يفتح أحد من أولئك الامراء الا بكير بن عبد الله فانه فتح موقان ثم تراجعوا على الجزية دينارا عن كل حالم * (غزو الترك) * ولما أمر عبد الرحمن بن ربيعة بغزو الترك سار حتى جاء الباب وسار معه شهريار فغزا بلنجر وهم قوم من الترك ففروا منه وتحصنوا وبلغت خيله على مائتي فرسخ من بلنجر وعاد بالظفر والغنائم ولم يزل يردد الغزو فيهم إلى أيام عثمان فتذامر الترك وكانوا يعتقدون ان المسلمين لا يقتلون لان الملائكة معهم فأصابوا في هذه الغزاة رجلا من المسلمين على غرة فقتلوه وتجاسروا وقاتل عبد الرحمن فقتل وانكشف أصحابه وأخذ الراية أخوه سلمان فخرج بالناس ومعه أبو هريرة الدوسى فسلكوا على جيلان إلى جرجان * (فتح خراسان) * ولما عقدت الالوية للامراء للانسياح في بلاد فارس كان الاحنف بن قيس منهم بخراسان وقد تقدم ان يزدجرد سار بعد جلولاء إلى الرى وبها ابان جادويه من

[ 121 ]

مرازبته فاكرهه على خاتمه وكتب الضحاك بما اقترح من ذخائر يزدجرد وختم عليها وبعث بها إلى سعد فردها عليه على حكم الصلح الذى عقد له ثم سار يزدجرد والناس معه إلى اصبهان ثم إلى كرمان ثم رجع إلى مرو من خراسان فنزلها وأمن من العرب وكاتب الهرمزان وأهل فارس بالاهواز والقيرزان وأهل الجبال فنكثوا جميعا وهزمهم الله وخذلهم وأذن عمر للمسلمين بالانسياح في بلادهم وأمر الامراء كما قدمناه وعقد لهم الالوية فسار الاحنف إلى خراسان سنة ثمان عشرة وقيل ثنتين وعشرين فدخلها من الطبسين وافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان العبدى ثم سار إلى مرو الشاهجان وأرسل إلى نيسابور مطرف بن عبد الله بن الشخير والى سرخس الحرث بن حسان ودرج يزدجرد من مرو الشاهجان إلى مرو الروذ فملكها الاحنف ولحقه مدد أهل الكوفة هنا لك فسار إلى مرو الروذ واستخلف على الشاهجان حارثة ابن النعمان الباهلى وجعل مدد الكوفة في مقدمته والتقوا هم ويزدجرد على بلخ فهزموه وعبر النهر فلحقهم الاحنف وقد فتح الله عليهم ودخل أهل خراسان في الصلح ما بين نيسابور وطخارستان وولى على طخارستان ربعى بن عامر وعاد إلى مرو الروذ فنزلها وكتب إلى عمر بالفتح فكتب إليه أن يقتصر على ما دون النهر وكان يزدجرد وهو بمرو الروذ قد استنجد ملوك الامم وكتب إلى ملك الصين والى خاقان ملك الترك والى ملك الصغد فلما عبر يزدجرد النهر مهزوما أنجده خاقان في الترك وأهل فرغانة والصغد فرجع يزدجرد وخاقان إلى خراسان فنزلا بلخ ورجع أهل الكوفة إلى الاحنف بمرو الروذ ونزل المشركون عليه ثم رحل ونزل سفح الجبل في عشرين ألفا من أهل البصرة وأهل الكوفة وتحصن العسكران بالخنادق وأقاموا يقاتلون أياما وصحبهم الاحنف ليلة وقد خرج فارس من الترك يضرب بطبله ويتلوه اثنان كذلك ثم يخرج العسكر بعدهم عادة لهم فقتل الاحنف الاول ثم الثاني ثم الثالث فلما مر بهم خاقان تشاءم وتطير ورجع ادراجه فارتحل وعاد إلى بلخ وبلغ الخبر إلى يزدجرد وكان على مرو الشاهجان محاصر الحارثة بن النعمان ومن معه فجمع خزائنه وأجمع اللحاق بخاقان على بلخ فمنعه أهل فارس وحملوه على صلح المسلمين والركون إليهم وأنهم أو في ذمة من الترك فابى من ذلك وقاتلهم فهزموه واستولوا على الخزائن ولحق بخاقان وعبروا النهر إلى فرغانة واقام يزدجرد ببلد الترك أيام عمر كلها إلى ان كفر أهل خراسان أيام عثمان ثم جاء أهل فارس إلى الاحنف ودفعوا إليه الخزائن والاموال وصالحوه واغتبطوا بملكة المسلمين وقسم الاحنف الغنائم فأصاب الفارس ما أصابه يوم القادسية ثم نزل الاحنف بلخ وأنزل أهل الكوفة في كورها الاربع ورجع إلى مرو الروذ فنزلها وكتب بالفتح إلى عمر

[ 122 ]

وكان يزدجرد لما عبر النهر لقى رسوله الذى بعثه إلى ملك الصين قد رده إليه يسأله أن يصف له المسلمين الذين فعلوا به هذه الافاعيل مع قلة عددهم ويسأل عن وفائهم ودعوتهم وطاعة أمرائهم ووقوفهم عند الحدود ومآكلهم وشرابهم وملابسهم ومراكبهم فكتب إليه بذلك كله وكتب إليه ملك الصين أن يسالمهم فانهم لا يقوم لهم شئ بما قام نردبل 2 فأقام يزدجرد بفرغانة بعهد من خاقان (ولما) وصل الخبر إلى عمر خطب الناس وقال ألا وان ملك المجوسية قد ذهب فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم ألا وأن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون فلا تبدلوا فيستبدل الله بكم غيركم فانى لا أخاف على هذه الامة أن تؤتى الا من قبلكم * (فتوح فارس) * ولما خرج الامراء الذين توجهوا إلى فارس من البصرة افترقوا وسار كل أمير إلى جهته وبلغ ذلك أهل فارس فافترقوا إلى بلدانهم وكانت تلك هزيمتهم وشتاتهم وقصد مجاشع بن مسعود من الامراء سابور وأردشير خرة فاعترضه الفرس دونهما بتوج فقتلهم وأثخن فيهم وافتتح توج واستباحها وصالحهم على الجزية وأرسل بالفتح والاخماس إلى عمر فكانت واقعة توج هذه ثانية لواقعة العلاء بن الحضرمي عليهم أيام طاوس ثم دعوا إلى الجزية فرجعوا وأقروا بها (اصطخر) وقصد عثمان بن أبى العاصى اصطخر فزحفوا إليه بجور فهزمهم وأثخن فيهم وفتح جور واصطخر ووضع عليهم الجزية وأجابه الهربذ إليها وكان ناس منهم فروا فتراجعوا إليها وبعث بالفتح والخمس إلى عمر ثم فتح كازرون والنو بندجان وغلب على أرضها ولحق به أبو موسى فافتتحا مدينة شيراز وأرجان على الجزية والخراج وقصد عثمان جنابة ففتحها ولقى الفرس بناحية جهرم فهزمهم وفتحها ثم نقض شهرك في أول خلافة عثمان فبعث عثمان بن أبى العاص ابنه وأخاه الحكم وأتته الامداد من البصرة وعليهم عبيد الله بن معمر وشبل بن معبد والتقوا بأرض فارس فانهزم شهرك وقتله الحكم بن أبى العاصى وقيل سوار بن همام العبدى وقيل ان ابن شهرك حمل على سوار فقتله ويقال أن اصطخر كانت سنة ثمان وعشرين وقيل تسع وعشرين وقيل أن عثمان ابن أبى العاصى أرسل اخاه الحكم من البحرين إلى فارس في ألفين فسار إلى توج وعلى مجنبته الجارود وأبو صفرة والد المهلب وكان كسرى أرسل شهرك في الجنود إلى لقائهم فالتقوا بتوج وهزمهم إلى سابور وقتل شهرك وحاصروا مدينة سابور حتى صالح عليها ملكها واستعانوا به على قتال اصطخر ثم مات عمر رضى الله عنه وبعث عثمان بن

[ 123 ]

عفان عبيد الله بن معمر مكان عثمان بن أبى العاصى وأقام محاصر اصطخر وأراد ملك سابور الغدر به ثم أحضر وأصابت عبيد الله حجارة منجنيق فمات بها ثم فتحوا المدينة فقتلوا بها بشرا كثيرا منهم (پسا ودرابجرد) وقصد سارية بن زنيم الكنانى من أمراء الانسياح مدينة پسا ودارابجرد فحاصرهم ثم استجاشوا باكراد فارس واقتتلوا بصحراء وقام عمر على المنبر ونادى يا سارية الجبل يشير إلى جبل كان ازاءه أن يسند إليه فسمع ذلك سارية ولجأ إليه ثم انهزم المشركون وأصاب المسلمون مغانمهم وكان فيها سفط جوهر فاستوهبه سارية من الناس وبعث به مع الفتح إلى عمر ولما قدم به الرسول سأله عمر فأخبره عن كل شئ ودفع إليه السفط فأبى الا أن يقسم على الجند فرجع به وقسمه سارية (كرمان) وقصد سهيل بن عدى من أمراء الانسياح كرمان ولحق به عبد الله بن عبد الله بن عتبان وحشد أهل كرمان واستعانوا بالقفص وقاتلوا المسلمين في أدنى أرضهم فهزموهم باذن الله وأخذ المسلمون عليهم الطريق بل الطرق ودخل النسير بن عمرو العجلى إلى جيرفت وقتل في طريقه مرزبان كرمان وعبد الله بن عبد الله مفازة سيرزاد وأصابوا ما أرادوا من ابل وشاء وقيل ان الذى فتح كرمان عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعى ثم أتى الطبسين من كرمان ثم قدم على عمر وقال أقطعنى الطبسين فأراد أن يفعل فقال إنها رستاقان فامتنع (سجستان) وقصد عاصم بن عمرو من الامراء سجستان ولحق به عبد الله بن عمير وقاتلوا أهل سجستان في أدنى أرضهم فهزموهم وحصروهم بزرنج ومخروا أرض سجستان ثم طلبوا الصلح على مدينتهم وأرضها على أن الفدافد حمى وبقى أهل سجستان على الخراج وكانت أعظم من خراسان وأبعد فروجا يقاتلون القندهار والترك وأمما أخرى فلما كان زمن معاوية هرب الشاه من أخيه زنبيل ملك الترك إلى بلد من سجستان يدعى آمل وكان على سجستان سلم بن زياد بن أبى سفيان فعقد له وأنزله آمل وكتب إلى معاوية بذلك فأقره بغير نكير وقال أن هؤلاء قوم غدر واهون ما يجئ منهم إذا وقع اضطراب أن يغلبوا على بلاد آمل باسرها فكان كذلك وكفر الشاه بعد معاوية وغلب على بلاد آمل واعتصم منه زنبيل بمكانه وطمع هو في زرنج فحاصرها حتى جاءت الامداد من البصرة فاجفلوا عنها (مكران) 3 وقصد الحكم بن عمرو التغلبي من أمراء الانسياح بلد مكران ولحق به شهاب بن المخارق وجاء سهيل بن عدى وعبد الله بن عبد الله بن عتبان وانتهوا جميعا إلى دوين وأهل مكران على شاطية وقد أمدهم أهل السند بجيش كثيف ولقيهم المسلمون

[ 124 ]

فهزموهم وأثخنوا فيهم بالقتل واتبعوهم أياما حتى انتهوا إلى النهر ورجعوا إلى مكران فاقاموا بها وبعثوا إلى عمر بالفتح والاخماس مع صحار العبدى وسأله عمر عن البلاد فأثنى عليها شرا فقال والله لا يغزوها جيش لى أبدا وكتب إلى سهيل والحكم أن لا يجوز مكران أحد من جنودكما * (خبر الاكراد) * كان امر أمراء الانسياح لما فصلوا إلى النواحى اجتمع ببيروذ بين نهر تيرى ومنادر من أهل الاهواز جموع من الاعاجم أعظمهم الاكراد وكان عمر قد عهد إلى أبى موسى أن يسير إلى أقصى تخوم البصرة ردءا للامراء المنساحين فجاء إلى بيروذ وقاتل تلك الجموع قتالا شديدا وقاتل المهاجر بن زياد حتى قتل ثم وهن الله المشركين فتحصنوا منه في قلة وذلة فاستخلف أبو موسى عليهم أخاه الربيع بن زياد وسار إلى اصبهان مع المسلمين الذين يحاصرونها حتى إذا فتحت رجع إلى البصرة وفتح الربيع بن زياد بيروذ وغنم ما فيها ولحق به بالبصرة وبعثوا إلى عمر بالفتح والاخماس وأراد ضبة بن محصن العنزي أن يكون في الوفد فلم يجبه أبو موسى فغضب وانطلق شاكيا إلى عمر بانتقائه ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه وأنه أجاز الحطيئة بألف وولى زياد بن أبى سفيان أمور البصرة واعتذر أبو موسى وقبله عمر وكان عمر قد اجتمع إليه جيش من المسلمين فبعث عليهم سلمة بن قيس الاشجعى ودفعهم إلى الجهاد على عادته وأوصاهم فلقوا عدوا من الاكراد المشركين فدعوهم إلى الاسلام أو الجزية فأبوا وقاتلوهم وهزموهم وقتلوا وسبوا وقسموا الغنائم ورآى سلمة جوهرا في سفط فاسترضى المسلمين وبعث به إلى عمر فسأل الرسول عن أمور الناس حتى أخبره بالسفط فغضب وأمر به فوجئ في عنقه وقال اسرع قبل أن تفترق الناس ليقسمه سلمة فيهم فباعه سلمة وقسمه في الناس وكان الفص يباع بخمسة دراهم وقيمته عشرون ألفا * (مقتل عمر وأمر الشورى وبيعة عثمان رضى الله عنه) * كان للمغيرة بن شعبة مولى من نصارى العجم اسمه أبو لؤلؤة وكان يشدد عليه في الخراج فلقى يوما عمر في السوق فشكى إليه وقال أعدني على المغيرة فانه يثقل على في الخراج درهمين في كل يوم قال وما صناعتك قال نجار حداد نقاش فقال ليس ذلك بكثير على هذه الصنائع وقد بلغني انك تقول أصنع رحى تطحن بالريح فاصنع لى رحى قال أصنع لك رحى يتحدث الناس بها أهل المشرق والمغرب وانصرف فقال عمر توعدنى العلج فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة واستوت الصفوف ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر برأسين نصابه في وسطه فضرب عمر ست ضربات احداها تحت سرته وقتل كليبا

[ 125 ]

أرستبلوس وأصحابه وامتنع فقتلوه ووقع فيهم الوباء فمات منهم أمم قال ابن كريون وكان الارمن ببلاد دمشق وحمص وحلب وكانوا في طاعة الروم فانتقضوا عليهم في هذه المدة وحدثت عندهم صاغية إلى الفرس فبعث الروم قائدهم فمقيوس فخرج لذلك من رومية وقدم بين يديه قائده سكانوس فطوع الارمن ولحق دمشق ثم لحقه فمقيوس ونزل بها وتوجهت إليه وجوه اليهود في أثرهم وبعث إليه ارستبلوس من القدس وهرقانوس من مكان حصاره كل واحد منهما يستنجده على أخيه وبعثوا إليه بالاموال والهدايا فأعرض عنها وبعث إلى هرثمة ينهاه عن الدخول بينهما فرحل عن القدس ورحل معه هرقانوس وانظفتر وأعاد ارستبلوس رسله وهداياه من بيت المقدس وألح في الطلب وجاء انظفتر إلى فمقيوس بغير مال ولا هدية فنكث عنه فمقيوس فرجع إلى رغبته ومسح أعطافه وضمن له طاعة هرقانوس الذى هو الكهنوت الاعظم ويحصل بعد ذلك إضعاف ارستبلوس فأجابه فمقيوس على أن يتحيل له في الباطن ويكون ظاهره مع ارستبلوس حتى يتم الامر وعلى أن يحملوا الخراج عند حصول أمرهم فضمن انظفتر ذلك وحضر هرقانوس وارستبلوس عند فمقيوس القائد يتظلم كل واحد من صاحبه فوعدهم بالنظر بينهم إذا حل بالقدس وبعث انظفتر في جميع الرعايا فجاؤا شاكين من ارستبلوس فأمره فمقيوس من انصافهم فغضب لذلك واستوحش وهرب من معسكر فمقيوس وتحصن في القدس وسار فمقيوس في أثره فنزل اريحا ثم القدس وخرج ارستبلوس واستقال فأقاله وبذل له الاموال على أن يعينه على أخيه ويحمل له ما في الهيكل من الاموال والجواهر وبعث معه قائده لذلك فمنعهم الكهنونية وثارت بهم العامة وقتلوا بعض أصحاب القائد وأخرجوه فغضب فمقيوس وتقبض لحيته على ارستبلوس وركب ليقتحم البلد فامتنعت عليه وقتل جماعة من أصحابه فرجع وأقام عليهم ووقعت الحرب بالمدينة بين شيع ارستبلوس وهرقانوس وفتح بعض اليهود الباب لفمقيوس فدخل البلد وملك القصر وامتنع الهيكل عليه فأقام يحاصره أياما وصنع آلة الحصار فهدم بعض أبراجه واقتحمه عنوة ووجد الكهنونية على عبادتهم وقرباتهم مع تلك الحرب ووقف على الهيكل فاستعظمه ولم يمد يده إلى شئ من ذخائره وملك عليهم هرقانوس وضرب عليهم الخراج يحمله كل سنة ورفع يد اليهود عن جميع الامم الذين كانوا في طاعتهم ورد عليهم البلدان التى ملكها بنو حشمناى ورجع إلى رومة واستخلف هرقانوس وانظفتر على المقدس وأنزل معهما قائده سكانوس الذى قدمه لفتح دمشق وبلاد الارمن عندما خرج من رومية وحمل ارستبلوس وابنيه مقيدين معه وهرب الثالث من بنيه وكان يسمى الاسكندر ولحقه فلم يظفر به ولما بعد فمقيوس عن الشأم ذاهبا إلى مكانه خرج هرقانوس وانظفتر إلى

[ 126 ]

العرب ليحملوهم على طاعة الروم فخالفهم الاسكندر بن ارستبلوس إلى المقدس وكان متغيبا بتلك النواحى منذ مغيب أبيه لم يبرح فدخل إلى المقدس وملكه اليهود عليهم وبنى ما هدمه فمقيوس من سور الهيكل واجتمع إليه خلق كثير ورجع هرقانوس وانظفتر فسار إليهم الاسكندر وهزمهم وأثخن في عساكرهم وكان قائد الروم كينانوس قد جاء إلى بلاد الارمن من بعد فمقيوس فلحق به واستنصره على الاسكندر فسار معه إلى القدس وخرج إليهم الاسكندر فهزموه ومضى إلى حصن له يسمى الاسكندرونة واعتصم به وسار هرقانوس إلى القدس فاستولى على ملكه وسار كينانوس قائد الروم إلى الاسكندر فحاصره بحصنه واستأمن إليه فقبله وعفا عنه وأحسن إليه وفى أثناء ذلك هرب ارستبلوس أخو هرقانوس من محبسه برومية وابنه انطقنوس واجتمع إليه فحاربه كينانوس وهزمه وحصل في أسره فرده إلى محبسه برومية ولم يزل هنا لك إلى أن تغلب قيصر على رومية واستحدث الملك في الروم وخرج فمقيوس من رومية إلى نواحى عمله وجمع العساكر لمحاربة قيصر فأطلق ارستبلوس من محبسه وأطلق معه قائدين في اثنى عشر ألف مقاتل وسرحهم إلى الارمن واليهود ليردوهم عن طاعة فمقيوس وكتب فمقيوس إلى انظفتر ببيت المقدس أن يكفيه أمر ارستبلوس فبعث قوما من اليهود لقوه في بلاد الارمن ودسوا له سما في بعض شرابه كان فيه حتفه وقد كان كينانوس كاتب الشيخ صاحب رومية في اطلاق من بقى من ولد ارستبلوس فأطلقهم قال ابن كريون وكان أهل مصر لذلك العهد انتقضوا على ملكهم تلماى وطردوه وامتنعوا من حمل الخراج إلى الروم فسار إليهم واستنفر معه انظفتر فغلبهم وقتلهم ورد تلماى إلى ملكه واستقام أمر مصر ورجع كينانوس إلى بيت المقدس فجدد الملك لهرقانوس وقدم انظفتر مدبر المملكة وسار إلى رومية قال ابن كريون ثم غضبت الفرس على الروم فندبوا إلى ذلك قائدا منهم يسمى عرنبوس وبعثوه لحربهم فمر بالقدس ودخل إلى الهيكل وطالب الكهنون بما فيه من المال وكان يسمى العازر من صلحاء اليهود وفضلائهم فقال له ان كينانوس وفمقيوس لم يفعلوا ذلك بتلك فاشتد عليه فقال أعطيك ثلثمائة من الذهب وتتجافى عن الهيكل ودفع إليه سبيكة ذهب على صورة خشبة كانت تلقى عليها الصور التى تنزل من الهيكل الذى تجدد وكان وزنها ثلثمائة فأخذها ونقض القول وتعدى على الهيكل وأخذ جميع ما فيه من منذ عمارتها من الهدايا والغنائم وقربانات الملوك والامم وجميع آلات القدس وسار إلى لقاء الفرس فحاربوه وهزموه وأخذوا جميع ما كان معه وقتل واستولت الفرس على بلاد الارمن دمشق وحمص وحلب وما إليها وبلغ الخبر إلى الروم فجهزوا قائدا عظيما في عساكر جمة اسمه كسناو فدخل بلاد

[ 127 ]

الارمن الذين كانوا غلبوا عليها وساروا إلى القدس فوجد اليهود يحاربون هرقانوس وانظفتر فأعانهما حتى استقام ملك هرقانوس ثم سار إلى الفرس في عساكره فغلبهم وحملهم على طاعة الروم ورد الملوك الذين كانوا عصوا عليهم إلى الطاعة وكانوا اثنين وعشرين ملكا من الفرس كان فمقيوس قائد الروم هزمهم فلما سار عنهم انتقضوا قال ابن كريون ثم ابتدا أمر القياصرة وملك على الروم يولياس ولقبه قيصر لان أمه ماتت حاملا به عند مخاضها فشق بطنها عنه فلذلك سمى قيصر ومعناه بلغتهم القاطع ويسمى أيضا يولياس باسم الشهر الذى ولد فيه وهو يوليه خامس شهورهم ومعنى هذه اللفظة عندهم الخامس وكان الثلثمائة والعشرون المدبرون أمر الروم والشيخ الذى عليهم قد أحكموا أمرهم مع جماعة الروم على أن لا يقدموا عليهم ملكا وأنهم يعينون للحروب في الجهات قائدا بعد آخر هذا ما اتفقوا عليه النقلة في الحكاية عن أمر الروم وابتداء ملك القياصرة قالوا ولما رأى قيصر هذا الشيخ الذى كان لذلك العهد كبر وشب على غاية من الشجاعة والاقدام فكانوا يبعثونه قائدا على العساكر إلى النواحى فأخرجوه مرة إلى المغرب فدوخ البلاد ورجع فسمت نفسه إلى الملك فامتنعوا له وأخبروه أن هذا سنة آبائهم منذ أحقاب وحدثوه بالسبب الذى فعلوا ذلك لاجله وهو أمر كيوس وانه عهد لاولهم لا ينقض وقد دوخ فمقيوس الشرق وطوع اليهود ولم يطمع في هذا فوثب عليهم قيصر وقتلهم واستولى على ملك الروم منفردا به وسمى قيصر وسار إلى فمقيوس بمصر فظفر به وقتله ورجع فوجد بتلك الجهات قواد فمقيوس فسار إليهم يولياس قيصر ومر ببلاد الارمن فأطاعوه وكان عليهم ملك اسمه مترداث فبعثه قيصر إلى حربهم فسار في الارمن ولقيه هرقانوس ملك اليهود بعسقلان ونفر معه إلى مصر هو وانظفتر ليمحوا بعض ما عرف منهم من موالاة فمقيوس وساروا جميعا إلى مصر ولقيتهم عساكرها واشتد الحرب فحصر بلادهم وكادت الارمن أن ينهزموا فثبت انظفتر وعساكر اليهود وكان لهم الظفر واستولوا على مصر وبلغ الخبر إلى قيصر فشكر لانظفتر حسن بلائه واستدعاه فسار إليه مع ملك الارمن مترداث فقبله وأحسن وعده وكان أنطقنوس بن ارستبلوس قد اتصل بقيصر وشكى بأن هرقانوس قتل أباه حين بعثه أهل رومة لحرب فمقيوس فتحيل عليه هرقانوس وانظفتر وقتلاه مسموما فاحسن انظفتر العذر لقيصر بأنه انما فعل ذلك في خدمة من ملك علينا من الروم وأنما كنت ناصحا لقائدهم فمقيوس بالامس وأنا اليوم أيها الملك لك أنصح وأحب فحسن موقع كلامه من قيصر ورفع منزلته وقدمه على عساكره لحرب الفرس فسار إليه انظفتر وأبلى في تلك الحروب ومناصحة قيصر فلما انقلبوا من بلاد الفرس أعادهم قيصر إلى ملك بيت المقدس على ما كانوا عليه

[ 128 ]

واستقام الملك لهرقانوس وكان خيرا الا انه كان ضعيفا عن لقاء الحروب فتغلب عليه انظفتر واستبد على الدولة وقدم ابنه فسيلو ناظرا في بيت المقدس وابنه هيردوس عاملا على جبل الخليل وكان كما بلغ الحلم واحتازوا الملك من أطرافه وامتلا أهل الدولة منهم حسدا وكثرت السعاية فيهم وكان في أطراف عملهم ثائر من اليهود يسمى حزقيا وكان شجاعا صعلوكا واجتمع إليه أمثاله فكانوا يغيرون على الارمن وينالون منهم وعظمت نكايتهم فيهم فشكى عامل بلاد الارمن وهو سفيوس بن عم قيصر إلى هيردوس وهو بجبل الخليل ما فعله حزقيا وأصحابه في بلادهم فبعث هيردوس إليهم سرية فكبسوهم وقتل حزقيا وغيره منهم وكتب بذلك إلى سفيوس فشكره وأهدى إليه ونكر اليهود ذلك من فعل هيردوس وتظلموا منه عند هرقانوس وطلبوه في القصاص منه فأحضروه في مجلس الاحكام وأحضر السبعين شيخا من اليهود وجاء هيردوس متسلحا ودافع عن نفسه وعلم هرقانوس بغرض الاشياخ ففصلوا المجلس فنكروا ذلك على هرقانوس ولحق هيردوس ببلاد الارمن فقدمه سفيوس على عمله ثم أرسل هرقانوس إلى قيصر يسال تجديد عهود الروم لهم فكتب له بذلك وأمر بأن يحمل أهل الساحل خراجهم إلى بيت المقدس ما بين صيدا وغزة ويحمل أهل صيدا إليها في كل سنة عشرين ألف وسق من القمح وأن يرد على اليهود سائر ما كان بأيديهم إلى الفرات واللاذقية وأعمالها وما كان بنو حشمناى فتحوه عنوة من عدوات الفرات لان فمقيوس كان يتعدى عليهم في ذلك وكتب العهد بذلك في ألواح من نحاس بلسان الروم ويونان وعلقت في أسوار صور وصيدا واستقام أمر هرقانوس قال ابن كريون ثم قتل قيصر ملك الروم وانظفتر وزير هرقانوس المستبد عليه أما قيصر فوثب عليه كيساوس من قواد فمقيوس فقتله وملك وجمع العساكر وعبر البحر إلى بلاد أشيت ففتحها ثم سار إلى القدس وطالبهم بسبعين بدرة من الذهب فجمع له انظفتر وبنوه من اليهود ثم رجع كيساوس إلى مقدونيه فأقام بها وأما انظفتر فان اليهود داخلوا القائد ملكيا الذى كان بين أظهرهم من قبل كيساوس في قتل انظفتر وزير هرقانوس فأجابهم إلى ذلك فدسوا إلى ساقيه سما فقتله وجاء ابنه هيردوس إلى القدس مجمعا قتل هرقانوس فكفه فسيلو عن ذلك وجاء كيساوس من مقدونية إلى صور ولقى هرقانوس وهيردوس وشكوا إليه ما فعله قائده ملكيا من مداخلة اليهود في قتل انظفتر فأذن لهم في قتله فقتلوه ثم زحف كينانوس بن اخى قيصر وقائده انطيوس في العساكر لحرب كيساوس المتوثب على عمه قيصر فلقيهم قريبا من مقدونيه فظفرا به وقتلاه وملك كينانوس مكان عمه وسمى أو غسطس قيصر باسم عمه فأرسل إليه هرقانوس ملك اليهود بهدية وفيها تاج من الذهب مرصع بالجواهر

[ 129 ]

وسأل تجديد العهد لهم وان يطلق السبى الذى سبى منهم أيام كيساوس وان يرد اليهود إلى بلاد يونان وأثينة وأن يجرى لهم ما كان رسم به عمه قيصر فأجابه إلى ذلك كله وسار انطيانوس وأو غشطش قيصر إلى بلاد الارمن بدمشق وحمص فلقته هنا لك كالبطرة ملكة مصر وكانت ساحرة فاستأمنته وتزوجها وحضر عنده هرقانوس ملك اليهود وجاء جماعة من اليهود فشكوا من هيردوس وأخيه فسيلو وتظلموا منهما وأكذبهم ملكهم هرقانوس وأبى عليها وأمر انطيانوس بالقبض على أولئك لشاكين وقتل منهم ورجع هيردوس وأخوه فسار إلى مكانهما ومكان أبيهما من تدبير مملكة هرقانوس وسار انطيانوس إلى بلاد الفرس فدوخها وعاث في نواحيها وقهر ملوكهم وقفل إلى رومة قال ابن كريون وفى خلال ذلك لحق انطقنوس وجماعة من اليهود بالفرس وضمنوا لملكهم أن يحملوا إليه بدرة من الذهب وثمانمائة جارية من بنات اليهود ورؤسائهم يسبيهن له على أن يملكه مكان عمه هرقانوس ويسلمه إليه ويقتل هيردوس وأخاه فسيلو فأجابهم ملك الفرس إلى ذلك وسار في العساكر وفتح بلاد الارمن وقتل من وجد بها من قواد الروم ومقاتلتهم وبعث قائده بعسكر من القدس مع انطقنوس موريا بالصلاة في بيت المقدس والتبرك بالهيكل حتى إذا توسط المدينة ثار بها وأفحش في القتل وبادر هيردوس إلى قصر هرقانوس ليحفظه ومضى فسيلو إلى الحصن يضبطه وتورط من كان بالمدينة من الفرس قتلهم اليهود عن آخرهم وامتنعوا على القائد وفسد ما كان دبره في أمر انطقنوس فرجع إلى استمالة هرقانوس وهيردوس وطلب الطاعة منهم للفرس وانه يتلطف لهم عند الملك في اصلاح حالهم فصغى هرقانوس وفسيلو إلى قوله وخرجوا إليه وارتاب هيردوس وامتنع فارتحل بهما قائد الفرس حتى إذا بلغ الملك ببلاد الارمن تقبض عليهما فمات فسيلو من ليلته وقيد هرقانوس واحتمله إلى بلاده وأشار انطقنوس بقطع أذنه ليمنعه من الكهنونة ولما وصل ملك الفرس إلى بلاده أطلق هرقانوس من الاعتقال وأحسن إليه إلى أن استدعاه هيردوس كما يأتي بعد وبعث ملك الفرس قائده إلى اليهود مع انطقنوس ليملك فخرج هيردوس عن القدس إلى جبل الشراة فترك عياله بالحصن عند أخيه يوسف وسار إلى مصر يريد قيصر فأكرمته كالبطره ملكة مصر وأركبته السفن إلى رومية فدخل بها انطيانوس إلى أو غشطش قيصر وخبره الخبر عن الفرس والقدس فملكه أو غشطش وألبسه التاج وأركبه في رومية في زى الملك والهاتف بين يديه بأن أو غشطش ملكه واحتفل انطيانوس في صنيع له حضره الملك أو غشطش قيصر وشيوخ رومية وكتبوا له العهد في ألواح من نحاس ووضعوا ذلك اليوم التاريخ وهو أول ملك هيردوس وسار انطيانوس بالعسكر إلى الفرس ومعه هيردوس وفارقه من انطاكية وركب البحر إلى القدس لحرب انطقنوس فخرج

[ 130 ]

انطقنوس إلى جبال الشراة للاستيلاء على عيال هيردوس وأقام على حصار الحصن وجاء هيردوس فحاربه وخرج يوسف من الحصن من ورائه فانهزم انطقنوس إلى القدس وهلك أكثر عسكره وحاصره هيردوس وبعث انطقنوس بالاموال إلى قواد العسكر من الروم فلم يجيبوه وأقام هيردوس على حصاره حتى جاءه الخبر عن انطيانوس قائد قيصر انه ظفر بملك الفرس وقتله ودوخ بلادهم وأنه عاد ونزل الفرات فترك هيردوس أخاه يوسف على حصار القدس مع قائد الروم سيساو ومن تبعهم من الارمن وسار للقاء انطيانوس وبلغه وهو بدمشق ان أخاه يوسف قتل في حصار القدس على يد قائده انطقنوس وان العساكر انفضت ورجعوا إلى دمشق وجاء سيساو منهزما قائد انطيانوس بالعساكر وتقدم هيردوس وقد خرج انطقنوس للقائه فهزمه وقتل عامة عسكره واتبعه إلى القدس ووافاه سيساو قائد الروم فحاصروا القدس أياما ثم اقتحموا البلد وتسللوا صاعدين إلى السور وقتلوا الحرس وملكوا المدينة وأفحش سيساو في قتل اليهود فرغب إليه هيردوس في الابقاء وقال له إذا قتلت قومي فعلى من تملكني فرفع القتل عنهم ورد ما نهب وقرب إلى البيت تاجا من الذهب وضعت فيه وحمل إليه هيردوس أموالا ثم عثروا على انطقنوس مختفيا بالمدينة فقيده سيساو القائد وسار به إلى انطيانوس وقد كان سار من الشأم إلى مصر فجاءه بانطقنوس هنا لك ولحق بهم هيردوس وسأل من انطيانوس قتل انطقنوس فقتله واستبد هيردوس بملك اليهود وانقرض ملك بنى حسمناى والبقاء لله وحده (انقراض ملك بنى حسمناى وابتداء ملك هيردوس وبنيه) وكان أول ما افتتح به ملكه ان بعث إلى هرقانوس الذى احتمله الفرس وقطعوا أذنه يستقدمه ليأمن على ملكه من ناحيته ورغبه في الكهنونية التى كان عليها فرغب وحذره ملك الفرس من هيردوس وعزله اليهود الذين معه وأراه أنها خديعة وانه العيب الذى به يمنع الكهنونية فلم يقبل شيئا من ذلك وصغى إلى هيردوس وحسن ظنه به وسار إليه وتلقاه بالكرامة والاعطاء وكان يخاطبه بأبى في الجمع والخلوة وكانت الاسكندرة بنت هرقانوس تحت الاسكندر وابن أخيه ارستبلوس وكانت بنتها منه مريم تحت هيردوس فاطلعتا على ضمير هيردوس من محاولة قتله فخبرتاه بذلك وأشارتا عليه باللحاق بملك العرب ليكون في جواره فخاطبه هرقانوس في ذلك وأن يبعث إليه من رجالاتهم من يخرج به إلى أحيائهم وكان حامل الكتاب من اليهود مضطغنا على هرقانوس لانه قتل أخاه وسلب ماله فوضع الكتاب في يد هيردوس فلما قرأه رده إليه وقال أبلغه إلى ملك العرب وأرجع الجواب إلى فجاءه بالجواب من ملك

[ 131 ]

العرب إلى هرقانوس وانه أسعف وبعث الرجال فالقهم بوصولك إلى فبعث هيردوس من يقبض على الرجال بالمكان الذى عينه وأحضرهم وأحضر حكام البلاد اليهود والسبعين شيخا وأحضر هرقانوس وقرأ عليه الكتاب بخطه فلم يحر جوابا وقامت عليه الحجة وقتله هيردوس لوقته لثمانين سنة من عمره وأربعين من ملكه وهو آخر ملوك بنى حسمناى وكان للاسكندر بن ارستبلوس ابن يسمى ارستبلوس وكان من أجمل الناس صورة وكان في كفالة أمه الاسكندرة وأخته يومئذ تحت هيردوس كما قلناه وكان هيردوس يغص به وكانت أخته وأمهما يؤملان أن يكون كوهنا بالبيت مكان جده هرقانوس وهيردوس يريد نقل الكهنونة عن بنى حسمناى وقدم لها رجلا من عوام الكهنونية وجعله كبير الكهنونية فشق ذلك على الاسكندرة بنت هرقانوس وبنتها مريم زوج هيردوس وكان بين الاسكندرة وكلوبطره ملكة مصر مواصلة ومهاداة وطلبت منها أن تشفع زوجها انطيانوس في ذلك إلى هيردوس فاعتذر له هيردوس بأن الكواهن لا تعزل ولو أردنا ذلك فلا يمكننا أهل الدين من عزله فبعثت بذلك الاسكندرة ودست الاسكندرة إلى الرسول الذى جاء من عند انطيانوس وأتحفته بمال فضمن لهم أن انطيانوس يعزم على هيردوس في بعث ارستبلوس إليه ورجع إلى انطيانوس فرغبه في ذلك ووصف له من جماله وأغراه باستقدامه فبعث فيه انطيانوس إلى هيردوس وهدده بالوحشة ان منعه فعلم أنه يريد منه القبيح فقدمه كهنونا وعزل الاول واعتذر لانطيانوس بأن الكوهن لا يمكن سفره واليهود تنكر ذلك فأغفل انطيانوس الامر ولم يعاود فيه ووكل هيردوس بالاسكندرة بنت هرقانوس عهدته من يراعى أفعالها فاطلع على كتبها إلى كلو بطره أن تبعث إليها السفن والرجال يوصلنها إليها وأن السفن وصلت إلى ساحل يافا وان الاسكندرة صنعت تابوتين لتخرج فيهما هي وابنتها على هيئة الموتى فأرصد هيردوس من جاء بهما من المقابر في تابوتيهما فوبخهما ثم عفا عنهما ثم بلغه أن ارستبلوس حضر في عيد المظال فصعد على المذبح وقد لبس ثياب القدس وازدحم الناس عليه وظهر من ميلهم إليه ومحبتهم ما لا يعبر عنه فغص بذلك واعمل التدبير في قتله فخرج في منتزه له باريحاء في نيسان واستدعى أصحابه وأحضر ارستبلوس فطعموا ولعبوا وانغمسوا في البرك يسبحون وعمد غلمان هيردوس إلى ارستبلوس فغمسوه في الماء حتى شرق وفاض فاغتم الناس لموته وبكى عليه هيردوس ودفنه وكان موته لسبع عشرة سنة من عمره وتأكدت البغضاء بين الاسكندرة وابنتها مريم زوج هيردوس أخت هذا الغريق وبين أم هيردوس وأخته وكثرت شكواهما إليه فلم يشكهما لمكان زوجته مريم وأمها منه قال ابن كريون ثم انتقض انطيانوس على أو غشطش قيصر

[ 132 ]

وذلك انه تزوج كلو بطره وملك مصر وكانت ساحرة فسحرته واستمالته وحملته على قتل ملوك كانوا في طاعة الروم وأخذ بلادهم وأموالهم وسبى نسائهم وأموالهم وأولادهم وكان من جملتهم هيردوس وتوقف فيه خشية من أو غشطش قيصر لانه كان يكرمه بسبب ما صنع في الآخرين فحمله على الانتقاض والعصيان ففعل وجمع العسكر واستدعى هيردوس فجاءه وبعثه إلى قتال العرب وكانوا خالفوا عليه فمضى هيردوس لذلك ومعه أنيثاون قائد كلوبطره وقد دست له أن يجر الهزيمة على هيردوس ليقتل ففعل وثبت هيردوس وتخلص من المعترك بعد حروب صعبة هلك فيها بين الفريقين خلق كثير ورجع هيردوس إلى بيت المقدس فصالح جميع الملوك والامم المجاورين له وامتنع العرب من ذلك فسار إليهم وحاربهم ثم استباحهم بعد أيام ومواقف بذلوا وجمعوا له الاموال وفرض عليهم الخراج في كل سنة ورجع وكان انطيانوس لما بعثه إلى العرب سار هو إلى رومة وكانت بينه وبين أو غشطش قيصر حروب هزمه قيصر في آخرها وقتله وسار إلى مصر فخافه هيردوس على نفسه لما كان منه في طاعة انطيانوس وموالاته ولم يمكنه التخلف عن لقائه فأخرج خدمه من القدس فبعث بأمه وأخته إلى قلعة الشراة لنظر أخيه فرودا وبعث بزوجه مريم وأمه الاسكندرة إلى حصن الاسكندرونة لنظر زوج أخته يوسف ورجل آخر من خالصته من أهل صور اسمه سوما وعهد إليها بقتل زوجته وأمها ان قتله قيصر ثم حمل معه الهدايا وسار إلى قيصر أو غشطش وكان تحقد له صحبة انطيانوس فلما حضر بين يديه عنفه وأزاح التاج عن رأسه وهم بعقابه فتلطف هيردوس في الاعتذار وأن موالاته لانطيانوس انما كان لما أولى من الجميل في السعاية عند الملك وهى أعظم أياديه عندي ولم تكن موالاتي له في عداوتك ولا في حربك ولو كان ذلك وأهلكت نفسي دونه كنت غير ملوم فان الوفاء شأن الكرام فان أزلت عنى التاج فما أزلت عقلي ولا نظرى وان أبقيتنى فأنا محل الصنيعة والشكر فانبسط أو غشطش لكلامه وتوجه كما كان وبعثه على مقدمته إلى مصر فلما ملك مصر وقتل كلو بطره وهب لهيردوس جميع ما كان انطيانوس أعطاها اياه ونفل فأعاد هيردوس إلى ملكه ببيت المقدس وسار إلى رومية قال ابن كريون ولما عاد هيردوس إلى بيت المقدس أعاد حرمه من اماكنهن فعادت زوجته مريم وأمها من حصن الاسكندرونة وفى خدمتها يوسف زوج أخته وسوما الصوري وقد كانا حدثا المرأة وأمها بما أسر اليهما هيردوس وقد كان سلف منه قتل هرقانوس وارستبلوس فشكرتا له وبينما هو آخذ في استمالة زوجته إذ رمتها أخته بالفاحشة مع سوما الصوري في ملاحاة جرت بينهما ولم يصدق ذلك هيردوس للعداوة والثقة بعفة الزوجة ثم جرى منها في بعض الايام وهو في سبيل استمالتها

[ 133 ]

ولقيهم الاحنف فقاتلهم قتالا شديدا ثم انهزموا فقتلوا قتلا ذريعا ورجع الاحنف إلى مرو الروذ وبعث الاقرع بن حابس إلى فلهم بالجوزجان فهزمهم وفتحها عنوة ثم فتح الاحنف الطالقان صلحا والفارياب وقيل فتحها أمير بن أحمر ثم سار الاحنف إلى بلخ وهى مدينة طخارستان فصالحوه على أربعمائة الف وقيل سبعمائة واستعمل عليها أسيد بن المنشمر ثم سار إلى خوارزم على نهر جيحون فامتنعت عليه فرجع إلى بلخ وقد استوفى أسيد قبض المال وكتبوا إلى ابن عامر ولما سار مجاشع بن مسعود إلى كرمان كما ذكرناه وكانوا قد انتقضوا ففتح هميد عنوة وبنى بها قصرا ينسب إليه ثم سار إلى السيرجان وهى مدينة كرمان فحاصرها وفتحها عنوة وحلا كثيرا من أهلها ثم فتح جيرفت عنوة ودوخ نواحى كرمان وأتى القفص وقد تجمع له من العجم من أهل الجلاء وقاتلهم فظفر وركب كثير منهم البحر إلى كرمان وسجستان ثم أنزل العرب في منازلهم وأراضيهم وسار الربيع بن زياد الحارثى بولاية ابن عامر كما قدمناه إلى سجستان فقطع المفازة من كرمان حتى أتى حصن زالق فأغار عليهم يوم المهرجان وأسر دهقانهم فافتدى بما غمر عنزة قاعة من الذهب والفضة وصالحوه على صلح فارس وسار إلى زرنج ولقيه المشركون دونها فهزمهم وقتلهم وفتح حصونا عدة بينها وبينه ثم انتهى إليها وقاتله أهلها فاحجرهم وحاصرهم وبعث مرزبانها في الامان ليحضر فأمنه وجلس له على شلو من أشلاء القتلى وارتفق بآخر وفعل أصحابه مثله فرعب المرزبان من ذلك وصالح على ألف جام من الذهب يحملها ألف وصيف ودخل المسلمون المدينة ثم سار منها إلى وادى سنارود فعبره إلى القرية التى كان رستم الشديد يربط بها فرسه فقاتلهم وظفر بهم وعاد إلى زرنج وأقام بها سنة ثم سار بها إلى ابن عامر واستخلف عليها عاملا فاخرجوه وامتنعوا فكانت ولاية الربيع سنة ونصف سنة سبى فيها أربعين ألف رأس وكان الحسن البصري يكتب له ثم استعمل ابن عامر على سجستان عبد الرحمن بن سمرة فسار إليها وحاصر زرنج حتى صالحوه على الفى ألف درهم والفى وصيف وغلب على ما بينها وبين الكش من ناحية الهند وعلى ما بينها وبين الدادين من ناحية الرخج ولما انتهى إلى بلد الدادين حاصرهم في جبل الزور حتى صالحوه ودخل على الزور وهو صنم من ذهب عيناه ياقوتتان فأخذهما وقطع يده وقال للمرزبان دونك الذهب والجوهر وانما قصدت انه لا يضر ولا ينفع ثم فتح كابل وزابلستان وهى بلاد غزنة فتحها صلحا ثم عاد إلى زرنج إلى أن اضطرب أمر عثمان فاستخلف عليها أمير بن أحمر وانصرف فأخرجه أهلها وانتقضوا ولما كان الفتح لابن عامر في فارس وخراسان وكرمان وسجستان قال له الناس لم يفتح لاحد ما فتح عليك فقال لا جرم لاجعلن شكرى لله على

[ 134 ]

ذلك ان أخرج محرما من موقفي هذا فأحرم بعمرة من نيسابور وقدم على عثمان استخلف على خراسان قيس بن الهيثم فسار قيس في أرض طخارستان ودوخها وامتنع عليه سنجار فافتتحها عنوة * (ولاية سعيد بن العاصى الكوفة) * كان عثمان لاول ولايته قد ولى على الكوفة الوليد بن عقبة استقدمه إليها من عمله بالحزيرة وعلى بنى تغلب ونجرهم من العرب فبقى على ولاية الكوفة خمس سنين وكان أبو زبيد الشاعر قد انقطع إليه من اخواله بنى تغلب ليد أسداها إليه وكان نصرانيا فأسلم على يده وكان يغشاه بالمدينة والكوفة وكان أبو زبيد يشرب الخمر فكان بعض السفهاء يتحدث بذلك في الوليد لملازمته اياه ثم عدا الشباب من الازد بالكوفة على رجل من خزاعة فقتلوه ليلا في بيته وشهد عليهم أبو شريح الخزاعى فقتلهم الوليد فيه بالقسامة وأقام آباؤهم للوليد على حقه وكانوا ممن يتحدثون فيه وجاؤا إلى ابن مسعود بمثل ذلك فقال لا نتبع عورة من استتر عنا وتغيظ الوليد من هذه المقالة وعاتب ابن مسعود عليها ثم عمد أحد أولئك الرهط إلى ساحر قد أتى به الوليد فاستفتى ابن مسعود فيه وأفتى بقتله وحبسه الوليد ثم أطلقه فغضبوا وخرجوا إلى عثمان شاكين من الوليد وانه يشرب الخمر فاستقدمه عثمان وأحضره وقال رأيتموه يشرب قالوا لا وانما رأيناه يقئ الخمر فأمر سعيد بن العاصى فجلده وكان على حاضرا فقال انزعوا خميصته للجلد وقيل ان عليا أمر ابنه الحسن أن يجلده فأبى فجلده عبد الله بن جعفر ولما بلغ أربعين قال أمسك جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة ولما وقعت هذه الواقعة عزل عثمان الوليد عن الكوفة وولى مكانه سعيد بن العاصى بن سعيد بن العاصى بن أمية مات سعيد الاول كافرا وكان يكنى أحيحة وخالد ابنه عم سعيد الثاني ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صنعاء وكان يكتب له واستشهد يوم مرج الصفر وربى سعيد الثاني في حجر عثمان فلما فتح الشام أقام مع معاوية ثم استقدمه عثمان وزوجه وأقام عنده حتى كان من رجال قريش فلما استعمله عثمان وذلك سنة ثلاثين سار إلى الكوفة ومعه الاشتر وأبو خشة الغفاري وجندب بن عبد الله والصعب بن جثامة وكانوا شخصوا مع الوليد ليعينوه فصاروا عليه فلما وصل خطب الناس وحذرهم وتعرف الاحوال وكتب إلى عثمان ان أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم وغلب الروادف والتابعة على أهل الشرف والسابقة فكتب إليه عثمان أن يفضل أهل السابقة ويجعل من جاء بعدهم تبعا ويعرف لكل منزلته ويعطيه حقه فجمع الناس وقرأ عليهم كتاب عثمان وقال أبلغوني حاجة ذى الحاجة وجعل القراء في سمره

[ 135 ]

فلم ترض اهل الكوفة ذلك وفشت المقالة وكتب سعيد إلى عثمان فجمع الناس واستشارهم فقالوا أصبت لا تطمع في الامور من ليس لها باهل فتفسد فقال يا أهل المدينة انى أرى الفتن دبت اليكم وانى أرى أن أتخلص الذى لكم وأنقله اليكم من العراق فقالوا وكيف ذلك قال تبيعونه ممن شئتم بما لكم في الحجاز واليمن ففعلوا ذلك واستخلصوا ما كان لهم بالعراق منهم طلحة ومروان والاشعث بن قيس ورجال من القبائل اشتروا ذلك بأموال كانت لهم بخيبر ومكة والطائف * (غزو طبرستان) * وفى هذه السنة غزا سعيد بن العاصى طبرستان ولم يغزها أحد قبله وقد تقدم ان الاصبهبذ صالح سويد بن مقرن عنها أيام عمر على مال فغزاها سعيد في هذه السنة ومعه ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الحسن والحسين وابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير وحذيفة بن اليمان في غيرهم ووافق خروج ابن عامر من البصرة إلى خراسان فنزل نيسابور ونزل سعيد قومس وهى صلح كان حذيفة صالحهم بعد نهاوند فأتى سعيد جرجان فصالحوه على مائتي ألف ثم أتى متاخمة جرجان على البحر فقاتله أهلها ثم سألوا الامان فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا وفتحوا فقتلهم أجمعين الا رجلا وقتل معه محمد بن الحكم بن أبى عقيل جد يوسف بن عمرو وكان أهل جرجان يعطون الخراج تارة مائة ألف وأخرى مائتين وثلثمائة وربما منعوه ثم امتنعوا وكفروا فانقطع طريق خراسان من ناحية قومس إلا على خوف شديد وصار الطريق إلى خراسان من فارس كما كان من قبل حتى ولى قتيبة بن مسلم خراسان وقدمها يزيد بن المهلب فصالح المرزبان وفتح البحيرة ودهستان وصالح أهل جرجان على صلح سعيد * (غزو حذيفة الباب وأمر المصاحف) * وفى سنة ثلاثين هذه صرف حذيفة من غزو الرى إلى غزو الباب مددا لعبد الرحمن بن ربيعة وأقام له سعيد بن العاصى باذربيجان ردءا حتى عاد بعد مقتل عبد الرحمن كما مر فأخبره بما رآى من اختلاف أهل البلدان في القرآن وان أهل حمص يقولون قراءتنا خير من قراءة غيرنا وأخذناها عن المقداد وأهل دمشق يقولون كذلك وأهل البصرة عن أبى موسى وأهل الكوفة عن ابن مسعود وأنكر ذلك واستعظمه وحذر من الاختلاف في القرآن ووافقه من حضر من الصحابة والتابعين وأنكر عليه أصحاب ابن مسعود فأغلظ عليهم وخطأهم فأغلظ له ابن مسعود فغضب سعيد وافترق المجلس وسار حذيفة إلى عثمان فأخبره وقال أنا النذير العريان فأدرك الامة فجمع عثمان الصحابة فرأوا ما رآه حذيفة فأرسل عثمان إلى حفصة أن ابعثى الينا بالصحف ننسخها

[ 136 ]

وكانت هذه الصحف هي التى كتبت أيام أبى بكر فان القتل لما استحر في القراء يوم اليمامة قال عمر لابي بكر أرى أن تأمر بجمع القرآن لئلا يذهب الكثير منه لفناء القراء فأبى وقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله ثم استبصر ورجع إلى رأى عمر وأمر زيد بن ثابت بجمعه من الرقاع والعسب وصدور الرجال وكتب في الصحف فكانت عند أبى بكر ثم عند عمر ثم عند حفصة وأرسل عثمان فأخذها وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاصى وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف وقال إذا اختلفتم فاكتبوها بلسان قريش ففعلوا ونسخوا المصاحف فبعث إلى كل أفق بمصحف يعتمد عليه وحرق ما سوى ذلك الصحابة في سائر الامصار ونكره عبد الله بن مسعود في الكوفة حتى نحاهم عن ذلك وحملهم عليه * (مقتل يزدجرد) * لما خرج ابن عامر من البصرة إلى فارس فافتتحها هرب يزدجرد من جور وهى اردشير خره في سنة ثلاثين وبعث ابن عامر في إثره مجاشع بن مسعود وقيل هرم بن حيان اليشكرى وقيل العبسى فاتبعه إلى كرمان فهرب إلى خراسان وهلك الجند في طريقهم بالثلج فلم يسلم الا مجاشع ورجع معه وكان مهلكهم على خمسة فراسخ من السيرجان ولحق يزدجرد بمرو ومعه خرزاذ أخو رستم فرجع عنه إلى العراق ووصى به ماهويه مرزبان مرو فسأله في المال فمنعه وخافه على نفسه وعلى مرو واستجاش بالترك فبيتوه وقتل أصحابه وهرب يزدجرد ماشيا إلى شط المرغاب وآوى إلى بيت رجل ينقر الارحاء فلما نام قتله ورماه في النهر وقيل انما بيته أهل مرو ولما جاؤا إلى بيت الرجل أخذوه وضربوه فأقر بقتله فقتلوه وأهله واستخرجوا يزدجرد من النهر وحملوه في تابوت إلى اصطخر فدفن في ناوس هنا لك وقيل ان يزدجرد هرب من وقعة نهاوند إلى أرض اصبهان واستأذن عليه بعض رؤسائها وحجب فضرب البواب وشحه فرحل عن اصبهان إلى الرى وجاء صاحب طبرستان وعرض عليه بلاده فلم يجبه ومضى من فوره ذلك إلى سجستان ثم إلى مرو في ألف فارس وقيل بل أقام بفارس أربع سنين ثم بكرمان سنتين وطلبه دهقانها في شئ فمنعه فطرده عن بلاده وأقام بسجستان خمس سنين ثم نزل خراسان ونزل مرو ومعه الرهن من أولاد الدهاقين وفرخزاذ وكاتب ملوك الصين وفرغانة والخزر وكابل وكان دهقان مرو قد منعه الدخول خوفا من مكره ووكل ابنه بحفظ الابواب فعمد يزدجرد يوما إلى مرو ليدخلها فمنعه ابن الدهقان وأظهر عصيان أبيه في ذلك وقيل بل أراد يزدجرد أن يجعل ابن أخيه دهقانا عليها فعمل في هلاكه وكتب إلى نيزك طرخان يستقدمه لقتل يزدجرد ومصالحة العرب عليه وأن يعطيه كل

[ 137 ]

يوم ألف درهم فكتب نيزك إلى يزدجرد يعده المساعدة على العرب وانه يقدم عليه فيلقاه منفردا عن العسكر وعن فرخزاذ فأجابه إلى ذلك بعد ان امتنع فرخزاذ واتهمه يزدجرد في امتناعه فتركه لشانه بعد أن أخذ خطه برضاه بذلك وسار إلى نيزك فاستقبله بأشياء وجاء به إلى عسكره ثم سأله أن يزوجه ابنته فأنف يزدجرد من ذلك وسبه فعلا رأسه بالمقرعة فركض منهزما وقتل أصحابه وانتهى إلى بيت طحان فمكث فيه ثلاثا لم يطعم ثم عرض عليه الطعام فقال لا أطعم الا بالزمزمة فسأل من زمرم له حتى أكل ووشى المزمزم بأمره إلى بعض الاساورة فبعث إلى الطحان بخنقه والقائه في النهر فأبى من ذلك وجحده فدل عليه ملبسه وعرف المسك فيه فأخذوا ما عليه وخنقوه وألقوه في الماء فجعله أسقف مرو في تابوت ودفنه وقيل بل سار يزدجرد من كرمان قبل وصول العرب إليها إلى مرو في أربعة آلاف على الطبسين وقهستان ولقيه قبل مرو قائدان من الفرس متعاديين فسعى أحدهما في الآخر ووافقه يزدجرد في قتله ونمى الخبر إليه فبيت يزدجرد وعدوه فهرب إلى رحى على فرسخين من مرو وطلب منه الطحان شيئا فأعطاه منطقته فقال انما أحتاج أربعة دراهم فقال ليست معى ثم قام فقتله الطحان وألقى شلوه في الماء وبلغ خبر قتله إلى المطران بمرو فجمع النصارى ووعظهم عليه من حقوق سلفه فدفنوه وبنوا له ناووسا وأقاموا له مأتما بعد عشرين سنة من ملكه ستة عشر منها في محاربة العرب وانقرض ملك الساسانية بموته ويقال ان قتيبة حين فتح الصغد وجد جاريتين من ولد المخدج ابنه كان قد وطئ أمه بمرو فولدت هذا الغلام بعد موته ذاهب الشق فسمى المخدج وولد له أولاد بخراسان ووجد قتيبة هاتين الجاريتين من ولده فبعث بهما إلى الحجاج وبعث بهما إلى الوليد أو باحداهما فولدت له يزيد الناقص * (ظهور الترك بالثغور) * كان الترك والخزر يعتقدون ان المسلمين لا يقتلون لما رأوا من شدتهم وظهورهم في غزواتهم حتى اكمنوا لهم في بعض الغياض فقتلوا بعضهم فتجاسروا على حربهم وكان عبد الرحمن بن ربيعة على ثغور ارمينية إلى الباب واستخلف عليها سراقة بن عمرو وأقره عمر وكان كثير الغزو في بلاد الخزر وكثيرا ما كان يغزو بلنجر وكان عثمان قد نهاه عن ذلك فلم يرجع فغزاهم سنة ثنتين وثلاثين وجاء الترك لمظاهرتهم وتذامروا فاشتدت الحرب بينهم وقتل عبد الرحمن كما مر وافترقوا فرقتين فرقة سارت نحو الباب لقوا سلمان ابن ربيعة قد بعثه سعيد بن العاصى من الكوفة مددا للمسلمين بأمر عثمان فساروا معه وفرقة سلكوا على جيلان وجرجان فيهم سلمان الفارسى وأبو هريرة ثم استعمل

[ 138 ]

سعيد بن العاصى على الباب سلمان بن ربيعة مكان أخيه وبعث معه جندا من أهل الكوفة عليهم حذيفة بن اليمان وأمدهم عثمان بحبيب بن مسلمة في جند الشام وسلمان أمير على الجميع ونازعه حبيب الامارة فوقع الخلاف ثم غزا حذيفة بعد ذلك ثلاث غزوات آخرها عند مقتل عثمان وخرجت جموع الترك سنة ثنتين وثلاثين من ناحية خراسان في أربعين ألفا عليهم قارن من ملوكهم فانتهى إلى الطبسين واجتمع له أهل بادغيس وهراة وقهستان وكان على خراسان يومئذ قيس بن الهيثم السلمى استخلفه عليها ابن عامر عند خروجه إلى مكة محرما فدوخ جهتها وكان معه ابن عمه عبد الله بن حازم فقال لابن عامر اكتب لى على خراسان عهدا إذا خرج منها قيس ففعل فلما أقبلت جموع الترك قال قيس لابن حازم ما ترى قال أرى أن تخرج عن البلاد فان عهد ابن عامر عندي بولايتها فترك منازعته وذهب إلى ابن عامر وقيل أشار عليه أن يخرج إلى ابن عامر يستمده فلما خرج أظهر عهد ابن عامر له بالولاية عند مغيب قيس وسار ابن حازم للقاء الترك في أربعة آلاف ولما التقى الناس أمر جيشه بايقاد النار في اطراف رحالهم فهاج العدو على دهش وغشيهم ابن حازم بالناس متتابعين فانهزموا وأثخن المسلمون فيهم بالقتل والسبي وكتب ابن حازم بالفتح إلى ابن عامر فأقره على خراسان فلم يزل واليا عليها إلى حرب الجمل فأقبل إلى البصرة وبقى أهل البصرة بعد غزوة ابن حازم هذه حتى غزوا المنتقضين من أهلها وعادوا جهزوا كتيبة من أربعة آلاف فارس هناك * (بدء الانتقاض على عثمان رضى الله عنه) * لما استكمل الفتح واستكمل للملة الملك ونزل العرب بالامصار في حدود ما بينهم وبين الامم من البصرة والكوفة والشام ومصر وكان المختصون بصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهديه وآدابه المهاجرين والانصار من قريش وأهل الحجاز ومن ظفر بمثل ذلك من غيرهم وأما سائر العرب من بنى بكر بن وائل وعبد القيس وسائر ربيعة والازد وكندة وتميم وقضاعة وغيرهم فلم يكونوا من تلك الصحبة بمكان الا قليلا منهم وكان لهم في الفتوحات قدم فكانوا يرون ذلك لانفسهم مع ما يدين به فضلاؤهم من تفضيل أهل السابقة من الصحابة ومعرفة حقهم وما كانوا فيه من الذهول والدهش لامر النبوة وتردد الوحى وتنزل الملائكة فلما انحسر ذلك العباب وتوسى الحال بعض الشئ وذل العدو واستفحل الملك كانت عروق الجاهلية تنفض ووجدوا الرياسة عليهم للمجاهدين والانصار من قريش وسواهم فأنفت نفوسهم منه ووافق أيام عثمان فكانوا يظهرون الطعن في ولاته بالامصار والمؤاخذة لهم باللحظات والخطرات والاستبطاء عليهم في الطاعات والتجنى بسؤال الاستبدال منهم والعزل

[ 139 ]

ويفيضون في النكير على عثمان وفشت المقالة في ذلك من أتباعهم وتنادوا بالظلم من الامراء في جهاتهم وانتهت الاخبار بذلك إلى الصحابة بالمدينة فارتابوا لها وأفاضوا في عزل عثمان وحمله على عزل أمرائه وبعث إلى الامصار من يأتيه بصحيح الخبر محمد بن مسلمة إلى الكوفة واسامة بن زيد إلى البصرة وعبد الله بن عمر إلى الشام وعمار بن ياسر إلى مصر وغيرهم إلى سوى هذه فرجعوا إليه فقالوا ما انكرنا شيئا ولا أنكره أعيان المسلمين ولا عوامهم الا عمارا فانه استماله قوم من الاشرار انقطعوا إليه منهم عبد الله بن سبأ ويعرف بابن السوداء كان يهوديا وهاجر أيام عثمان فلم يحسن اسلامه وأخرج من البصرة فلحق بالكوفة ثم بالشام وأخرجوه فلحق بمصر وكان يكثر الطعن على عثمان ويدعو في السر لاهل البيت ويقول ان محمدا يرجع كما يرجع عيسى وعنه أخذ ذلك أهل الرجعة وان عليا وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث لم يجز وصيته وان عثمان أخذ الامر بغير حق ويحرض الناس على القيام في ذلك والطعن على الامراء فاستمال الناس بذلك في الامصار وكاتب به بعضهم بعضا وكان معه خالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر فثبطوا عمارا عن المسير إلى المدينة (وكان مما أنكروه على عثمان) اخراج أبى ذر من الشام ومن المدينة إلى الربذة وكان الذى دعا إلى ذلك شدة الورع من ابى ذر وحمله الناس على شدائد الامور والزهد في الدنيا وانه لا ينبغى لاحد أن يكون عنده أكثر من قوت يومه ويأخذ بالظاهر في ذم الادخار بكنز الذهب والفضة وكان ابن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية ويعيب قوله المال مال الله ويوهم ان في ذلك احتجانه للمال وصرفه على المسلمين حتى عتب أبو ذر معاوية فاستعتب له وقال سأقول مال المسلمين وأتى ابن سبأ إلى أبى الدرداء وعبادة بن الصامت بمثل ذلك فدفعوه وجاء به عبادة إلى معاوية وقال هذا الذى بعث عليك أبا ذر (ولما) كثر ذلك على معاوية شكاه إلى عثمان فاستقدمه وقال له ما لاهل الشام يشكون منك فأخبره فقال يا أبا ذر لا يمكن حمل الناس على الزهد وانما على أن أقضى بينهم بحكم الله وارغبهم في الاقتصاد فقال أبو ذر لا نرضى من الاغنياء حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا للجيران والاخوان ويصلوا القرابة فقال له كعب الاحبار من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه فضربه أبو ذر فشجه وقال يا ابن اليهودية ما أنت وهذا فاستوهب عثمان من كعب شجته فوهبه ثم استأذن أبو ذر عثمان في الخروج من المدينة وقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعا فأذن له ونزل الربذة وبنى بها مسجدا وأقطعه عثمان صرمة من الابل واعطاه مملوكين وأجرى عليه رزقا وكان يتعاهد المدينة فعد أولئك الرهط خروج أبى ذر فيما ينقمونه على عثمان مع ما كان من أعطاء مروان خمس مغانم افريقية

[ 140 ]

والصحيح انه اشتراه بخمسمائة ألف فوضعها عنه (ومما عدوا عليه أيضا) زيادة النداء الثالث على الزوراء يوم الجمعة واتمامه الصلاة في منى وعرفة مع أن الامر في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والشيخين بعده كان على القصر (ولما) سأله عبد الرحمن واحتج عليه بذلك قال له بلغني ان بعض حاج اليمن والجفاة جعل صلاة المقيم ركعتين من أجل صلاتي وقد اتخذت بمكة اهلا ولى بالطائف مال فلم يقبل ذلك عبد الرحمن فقال زوجتك بمكة انما تسكن بسكناك ولو خرجت خرجت ومالك بالطائف على اكثر من مسافة القصر (وأما حاج اليمن) فقد شهدوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم والشيخين بعده وقد كان الاسلام ضرب بجرانه فقال عثمان هذا رأى رأيته فمن الصحابة من تبعه على ذلك ومنهم من خالفه (ومما عدوا عليه) سقوط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من يده في بئر أريس على ميلين من المدينة فلم يوجد (واما الحوادث) التى وقعت في الامصار فمنها قصة الوليد بن عقبة وقد تقدم ذكرها وانه عزله على شرب الخمر واستبدله بسعيد بن العاصى منه وكان وجوه الناس وأهل القادسية يسمرون عنده مثل مالك بن كعب الارحبي والاسود بن يزيد وعلقمة بن قيس من النخع وثابت بن قيس الهمداني وجندب ابن زهير الغامدى وجندب بن كعب الازدي وعروة بن الجعد وعمرو بن الحمق الخزاعى وصعصعة بن صوحان وأخوه زيد وابن الكواء وكميل بن زياد وعمير بن ضابئ وطليحة بن خويلد وكانوا يفيضون في أيام الوقائع وفى أنساب الناس وأخبارهم وربما ينتهون إلى الملاحاة ويخرجون منها إلى المشاتمة والمقاتلة ويعذلهم في ذلك حجاب سعيد بن العاصى فينهرونهم ويضربونهم وقد قيل ان سعيدا قال يوما انما هذا السواد بستان قريش فقال له الاشتر السواد الذى أفاء الله علينا باسيافنا تزعم انه بستان لك ولقومك وخاض القوم في ذلك فأغلظ لهم عبد الرحمن الاسدي صاحب شرطته فوثبوا عليه وضربوه حتى غشى عليه فمنع سعيد بعدها السمر عنده فاجتمعوا في مجالسهم يثلبون سعيدا وعثمان والسفهاء يغشونهم فكتب سعيد وأهل الكوفة إلى عثمان في اخراجهم فكتب أن يلحقوهم بمعاوية وكتب إلى معاوية ان نفرا خلقوا للفتنة فقم عليهم وانههم وان آنست منهم رشدا فاقبل وان أعيوك فارددهم على فأنزلهم معاوية وأجرى عليهم ما كان لهم بالعراق وأقاموا عنده يحضرون مائدته ثم قال لهم يوما أنتم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة وقد أدركتم بالاسلام شرفا وغلبتم الامم وحويتم مواريثهم وقد بلغني انكم نقمتم قريشا ولو لم تكن قريش كنتم أذلة إذ أئمتكم لكم جنة فلا تفترقوا على جنتكم وان أئمتكم يصبرون لكم على الجور ويحملون عنكم المؤنة والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم ولا يحمدكم على الصبر ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على

[ 141 ]

الرعية في حياتكم وبعد وفاتكم فقال له صعصعة منهم أما ما ذكرت من قريش فانها لم تكن أكثر الناس ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا وأما ما ذكرت من الجنة فان الجنة إذا اخترمت خلص الينا فقال معاوية الآن عرفتكم وعلمت ان الذى أغراكم على هذا قلة العقول وأنت خطيبهم ولا أرى لك عقلا أعظم عليك أمر الاسلام وتذكرني الجاهلية أخزى الله قوما عظموا أمركم افقهوا عنى ولا أظنكم تفقهون ثم ذكر شان قريش وان عزها انما كان بالله في الجاهلية والاسلام ولم يكن بكثرة ولا شدة وكانوا على أكرم أحساب وأكمل مروءة وبوأهم الله حرمه فأمنوا فيه مما أصاب العرب والعجم والاسود والاحمر في بلادهم ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وان الله ارتضى له أصحابا كان خيارهم قريشا فبنى الملك عليهم وجعل الخلافة فيهم فلا يصلح ذلك الا بهم ثم قرعهم ووبخهم وهددهم ثم أحضرهم بعد أيام وقال اذهبوا حيث شئتم لا ينفع الله بكم احدا ولا يضره وان أردتم النجاة فالزموا الجماعة ولا تبطرنكم النعمة وسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم وكتب إلى عثمان انه قدم على اقوام ليست لهم عقول ولا أديان أبطرهم العدل انما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة والله مبتليهم ثم فاضحهم وليسوا بالذين ينكون أحدا الا مع غيرهم فانه سعيدا ومن عنده عنهم فخرجوا من عنده قاصدين الجزيرة ومروا بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص فأحضرهم وقال يا ألة الشيطان 3 لا مرحبا بكم ولا أهلا قد رجع الشيطان محسورا وأنتم بعد في نشاط خسر الله عبد الرحمن ان لم يؤدبكم يا معشر من لا أدرى أعرب هم أم عجم ثم مضى في توبيخهم على ما فعلوا وما قالوا لسعيد ومعاوية فهابوا سطوته وطفقوا يقولون نتوب إلى الله أقلنا أقالك الله حتى قال تاب الله عليكم وسرح الاشتر إلى عثمان تائبا فقال له عثمان أحلك حيث تشاء فقال مع عبد الرحمن بن خالد قال ذاك اليك فرجع إليهم وقيل انهم عادوا إلى معاوية من القابلة ودار بينهم وبينه القول وأغلظوا له وأغلظ عليهم وكتب إلى عثمان فأمر أن يردهم إلى سعيد فردهم فأطلقوا ألسنتهم وضج سعيد منهم وكتب إلى عثمان فكتب إليه أن يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد فدار بينهم وبينه ما قدمناه * وحدث بالبصرة مثل ذلك من الطعن وكان بدؤه فيما يقال شأن عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء هاجر إلى الاسلام من اليهودية ونزل على حكيم بن جبلة العبدى وكان يتشيع لاهل البيت ففشت مقالته بالطعن وبلغ ذلك حكيم بن جبلة فأخرجه وأتى الكوفة فأخرج أيضا واستقر بمصر وأقام يكاتب أصحابه بالبصرة ويكاتبونه والمقالات تفشو بالطعن والنكير على الامراء وكان حمران بن أبان أيضا يحقد لعثمان انه ضربه على زواجه امرأة في العدة وسيره إلى البصرة فلزم ابن عامر وكان بالبصرة عامر بن عبد القيس

[ 142 ]

وكان زاهدا متقشفا فأغرى به حمران صاحب ابن عامر فلم يقبل سعايته ثم أذن له عثمان فقدم المدينة ومعه قوم فسعوا بعامر بن عبد القيس انه لا يرى التزويج ولا يأكل اللحم ولا يشهد الجمعة فألحقه عثمان بمعاوية وأقام عنده حتى تبينت براءته وعرف فضله وحقه وقال ارجع إلى صاحبك فقال لا أرجع إلى بلد استحل أهله منى ما استحلوا وأقام بالشام كثير العبادة والانفراد بالسواحل إلى أن هلك (ولما) فشت المقالات بالطعن والارجاف على الامراء اعتزم سعيد بن العاصى على الوفادة على عثمان سنة أربع وثلاثين وكان قبلها قد ولى على الاعمال أمراء من قبله فولى الاشعث بن قيس على اذربيجان وسعيد بن قيس على الرى والنسير العجلى على همذان والسائب بن الاقرع على اصبهان ومالك بن حبيب على ماه وحكيم بن سلامة على الموصل وجرير بن عبد الله على قرقيسيا وسلمان بن ربيعة على الباب وجعل على حلوان عتيبة بن النهاس وعلى الحرب القعقاع بن عمرو فخرجوا لاعمالهم وخرج هو وافدا على عثمان واستخلف عمرو بن حريث وخلت الكوفة من الرؤساء وأظهر الطاعنون أمرهم وخرج بهم يزيد ابن قيس يريد خلع عثمان فبادره القعقاع بن عمرو فقال له انما نستعفي من سعيد وكتب يزيد إلى الرهط الذين عند عبد الرحمن بن خالد بحمص في القدوم فساروا إليه وسبقهم الاشتر ووقف على باب المسجد يوم الجمعة يقول جئتكم من عند عثمان وتركت سعيدا يريده على نقصان نسائكم على مائة درهم ورد أولى البلاء منكم إلى ألفين ويزعم أن فيئكم بستان قريش ثم استخف الناس ونادى يزيد في الناس من شاء أن يلحق بيزيد لرد سعيد فليفعل فخرجوا وذوو الرأى يعذلونهم فلا يسمعون وأقام أشراف الناس وعقلاؤهم مع عمرو بن حريث ونزل يزيد وأصحابه الجزعة قريبا من القادسية لاعتراض سعيد ورده فلما وصل قالوا ارجع فلا حاجة لنا بك قال انما كان يكفيكم أن تبعثوا واحدا إلى والى عثمان رجلا وقال مولى له ما كان ينبغى لسعيد أن يرجع فقتله الاشتر ورجع سعيد إلى عثمان فأخبره بخبر القوم وأنهم يختارون أبا موسى الاشعري فولاه الكوفة وكتب إليهم أما بعد فقد أمرت عليكم من اخترتم وأعفيتكم من سعيد ووالله لاقرضنكم عرضى ولابذلنكم صبرى ولا ستصلحنكم بجهدي (وخطب) أبو موسى الناس وأمرهم بلزوم الجماعة وطاعة عثمان فرضوا ورجع الامراء من قرب الكوفة واستمر أبو موسى على عمله (وقيل) ان أهل الكوفة أجمع رأيهم أن يبعثوا إلى عثمان ويعذلوه فيما نقم عليه فأجمع رأيهم على عامر بن عبد القيس الزاهد وهو عامر بن عبد الله من بنى تميم ثم من بنى العنبر فأتاه وقال له أن ناسا اجتمعوا ونظروا في أعمالك فوجدوك ركبت أمورا عظاما فاتق الله وتب إليه فقال عثمان

[ 143 ]

ألا تسمعون إلى هذا الذى يزعم الناس انه قارئ ثم يجئ يكلمني في المحقرات ووالله لا يدرى أين الله فقال عامر بل والله أنى لادرى إن الله لبالمرصاد فأرسل عثمان إلى معاوية وعبد الله بن أبى سرح وسعيد بن العاصى وعبد الله بن عامر وعمرو بن العاصى وكانوا بطانته دون الناس فجمعهم وشاورهم وقال انكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتى وقد صنع الناس ما رأيتم فطلبوا أن أعزل عمالى وأرجع إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم فقال ابن عامر أرى أن تشغلهم بالجهاد وقال سعيد متى تهلك قادتهم يتفرقوا وقال معاوية اجعل كفالتهم إلى أمرائهم وأنا أكفيك الشام وقال عبد الله استصلحهم بالمال فردهم عثمان إلى أعمالهم وأمرهم بتجهيز الناس في البعوث ليكون لهم فيها شغل ورد سعيدا إلى الكوفة فلقيه الناس بالجزعة وردوه كما ذكرناه وولى أبا موسى وأمر عثمان حذيفة بغزو الباب فسار نحوه (ولما كثر) هذا الطعن في الامصار وتواتر بالمدينة وكثر الكلام في عثمان والطعن عليه وكان له منهم شيعة يذبون عنه مثل زيد بن ثابت وأبى أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت فلم يغنوا عنه واجتمع الناس إلى على بن أبى طالب وكلموه وعددوا عليه ما نقموه فدخل على عثمان وذكر له شأن الناس وما نقموا عليه وذكره بافعال عمر وشدته ولينه هو لعماله وعرض عليه ما يخاف من عواقب ذلك في الدنيا والآخرة فقال له أن المغيرة بن شعبة وليناه وعمر ولاه ومعاوية كذلك وابن عامر تعرفون رحمه وقرابته فقال له على أن عمر كان يطأ على صماخ من ولاه وأنت ترفق بهم وكانوا أخوف لعمر من غلامه يرفأ ومعاوية يستبد عليك ويقول هذا أمر عثمان فلا تغير عليه ثم تكالما طويلا وافترقا وخرج عثمان على اثر ذلك وخطب وعرض بما هو فيه من الناس وطعنهم وما يريدون منه وانهم تجرؤا عليه لرفقه بما لم يتجرؤا بمثله على ابن الخطاب ووافقهم برجوعه في شأنه إلى ما يقدمهم * (حصار عثمان ومقتله رضى الله عنه وأثابه ورفع درجته) * ولما كثرت الاشاعة في الامصار بالطعن على عثمان وعماله وكتب بعضهم إلى بعض في ذلك وتوالت الاخبار بذلك على أهل المدينة جاؤا إلى عثمان وأخبروه فلم يجدوا عنده علما منه وقال أشيروا على وأنتم شهود المؤمنين قالوا تبعث من تثق به إلى الامصار يأتوك بالخبر فأرسل محمد بن مسلمة إلى الكوفة واسامة بن زيد إلى البصرة وعبد الله ابن عمر إلى الشام وغيرهم إلى سواها فرجعوا وقالوا ما أنكرنا شيئا ولا انكره علماء المسلمين ولا عوامهم وتأخر عمار بن ياسر بمصر واستماله ابن السوداء وأصحابه خالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر وكتب عثمان إلى أهل الامصار انى قد رفع إلى

[ 144 ]

أهل المدينة ان عمالى وقع منهم اضرار بالناس وقد أخذتهم بأن يوافوني في كل موسم فمن كان له حق فليحضر يأخذ بحقه منى أو من عمالى أو تصدقوا فان الله يجزى المتصدقين فبكى الناس عند قراءة كتابه عليهم ودعوا له وبعث إلى عمال الامصار فقدموا عليه في الموسم عبد الله بن عامر وابن أبى سرح ومعاوية وأدخل معهم سعيد بن العاصى وعمرا وقال ويحكم ما هذه الشكاية والاذاعة وانى لاخشى والله أن يكونوا صادقين فقالوا له ألم يخبرك رسلك بأن أحدا لم يشافههم بشئ وانما هذه اشاعة لا يحل الاخذ بها واختلفوا في وجه الرأى في ذلك فقال عثمان ان الامر كائن وبابه سيفتح ولا احب أن تكون لاحد على حجة في فتحه وقد علم الله انى لم آل الناس خيرا فسكتوا الناس وبينوا لهم حقوقهم ثم قدم المدينة فدعا عليا وطلحة والزبير ومعاوية حاضر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أنتم ولاة هذا الامر واخترتم صاحبكم يعنى عثمان وقد كبر وأشرف وفشت مقالة خفتها عليكم فما عنيتم فيه من شئ فأنا لكم به ولا تطمعوا الناس في أمركم فانتهره على ثم ذهب عثمان يتكلم وقال اللذان كانا قبلى منعا قرابتهما احتسابا وان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطى قرابته وان قرابتي أهل عيلة وقلة معاش فأعطيتهم فان رأيتم ذلك خطأ فردوه فقالوا أعطيت عبد الله بن خالد بن أسيد خمسين ألفا ومروان خمسة عشر ألفا قال آخذ ذلك منهما فانصرفوا راضين وقال له معاوية اخرج معى إلى الشام قبل أن يهجم عليك ما لا تطيقه قال لا أبتغى بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلا قال فأبعث اليك جندا يقيمون معك قال لا أضيق على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال معاوية لتغتالن ولتعرين قال حسبى الله ونعم الوكيل ثم سار معاوية ومر على على وطلحة والزبير فوصاهم بعثمان وودعهم ومضى وكان المنحرفون عن عثمان بالامصار قد تواعدوا عند مسير الامراء إلى عثمان أن يثبوا عليه في مغيبهم فرجع الامراء ولم يتهيأ لهم ذلك وجاءتهم كتب من المدينة ممن صار إلى مذهبهم في الانحراف عن عثمان أن اقدموا علينا فان الجهاد عندنا فتكاتبوا من امصارهم في القدوم إلى المدينة فخرج المصريون وفيهم عبد الرحمن بن عديس البلوى في خمسمائة وقيل في ألف وفيهم كنانة بن بشر الليثى وسودان بن حمران السكوني وميسرة أو قتيرة بن فلان السكوني وعليهم جميعا الغافقي بن حرب العكى وخرج أهل الكوفة وفيهم زيد بن صوحان العبدى والاشتر النخعي وزياد بن النضر الحارثى وعبد الله بن الاصم العامري وخرج أهل البصرة وفيهم حكيم بن جبلة العبدى وذريح بن عباد وبشر بن شريح القيسي وابن المحرش وعليهم حرقوص بن زهير السعدى وكلهم في مثل عدد أهل مصر وخرجوا جميعا في شوال مظهرين للحج ولما كانوا من المدينة على ثلاث

[ 145 ]

دمه سبعين ألفا فسكن دمه ويشكل أن يحيى كان مع المسيح في عصر واحد باتفاق وأن ذلك كان بعد بختنصر بأحقاب متطاولة وفى هذا ما فيه وفى الاسرائيليات من تأليف يعقوب بن يوسف النجار أن هيردوس قتل زكريا عندما جاء المجوس للبحث عن ايشوع والانذار به وأنه طلب ابنه يوحنا ليقتله مع من قتل من صبيان بيت لحم فهربت به أمه إلى الشقراء واختفت فطالب به أباه زكريا وهو كهنون في الهيكل فقال لا علم لى هو مع أمه فتهدده وقتله ثم قال بعد قتل زكريا بسنة يعقوب بن يوسف إلى أن مات هيردوس (وأما مريم سلام الله عليها) فكانت بالمسجد على حالها من العبادة إلى ان أكرمها الله بالولاية وبين الناس في نبوتها خلاف من أجل خطاب الملئكة لها وعند أهل السنة أن النبوة مختصة بالرجل قاله أبو الحسن الاشعري وغيره وأدلة الفريقين في أماكنها وبشرت الملئكة مريم باصطفاء الله لها وأنها تلد ولدا من غير أب يكون نبيا فعجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة ان الله قادر على ما يشاء فاستكانت وعلمت أنها محنة بما تلقاه من كلام الناس فاحتسبت وفى كتاب يعقوب بن يوسف النجار أن أمها حنة توفيت لثمان سنين من عمر مريم وكان من سنتهم انها ان لم تقبل التزويج يفرض لها من أرزاق الهيكل فأوحى الله إليه أن يجمع أولاد هارون ويردها إليهم فمن ظهرت في عصاه آية تدفعها إليه تكون له شبه زوجة ولا يقربها وحضر الجمع يوسف النجار فخرج من عصاه حمامة بيضاء ووقفت على رأسه فقال له زكريا هذه عزراء الرب تكون لك شبه زوجة ولا تردها فاحتملها متكرها بنت ثنتى عشرة سنة إلى ناصرة فأقامت معه إلى أن خرجت يوما تستسقى من العين فعرض لها الملك أولا وكلمها ثم عاودها وبشرها بولادة عيسى كما نص القرآن فحملت وذهبت إلى زكريا ببيت المقدس فوجدته على الموت وهو يجود بنفسه فرجعت إلى ناصرة ورأى يوسف الحمل فلطم وجهه وخشى الفضيحة مع الكهنونية فيما شرطوا عليه فأخبرته بقول الملك فلم يصدق وعرض له الملك في نومه وأخبره ان الذى بها من روح القدس فاستيقظ وجاء إلى مريم فسجد لها وردها إلى بيتها ويقال ان زكريا حضر لذلك وأقام فيهما سنة اللعان الذى أوصى به موسى فلم يصبهما شئ وبرأهما الله ووقع في انجيل متى ان يوسف خطب مريم ووجدها حاملا قبل أن يجتمعا فعزم على فراقها خوفا من الفضيحة فأمر في نومه أن يقبلها وأخبره الملك بأن المولود من روح القدس وكان يوسف صديقا وولد على فراشه ايشوع انتهى (وقال الطبري) كانت مريم ويوسف بن يعقوب بن عمها وفى رواية عنه أنه ابن خالها وكانوا سدنة في بيت المقدس لا يخرجان منه الا لحاجة الانسان وإذا نفد ماؤهما فيملان من أقرب المياه فمضت مريم يوما وتخلف عنها يوسف ودخلت المغارة التى كانت تعهد أنها للورد

[ 146 ]

فتمثل لها جبريل بشرا فذهبت لتجزع فقال لها انما أنا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا فاستسقاها وعن وهب بن منبه أنه نفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت على عيسى فكان معها ذو قرابة يسمى يوسف النجار وكان في مسجد بجبل صهيون وكان لخدمته عندهم فضل وكانا يجمرانه ويقمانه وكانا صالحين مجتهدين في العبادة ولما رأى ما بها من الحمل استعظمه وعجب منه لما يعلم من صلاحها وأنها لم تغب قط عنه ثم سألها فردت الامر إلى قدرة الله فسكت وقام بما ينوبها من الخدمة فلما بان حملها أفضت بذلك إلى خالتها ايشاع وكانت إيضا حبلى بيحيى فقالت لها انى أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك ثم أمرت بالخروج من بلدها خشية أن يعيرها قومها ويقتلوا ما في بطنها فاحتملها يوسف إلى مصر وأخذها المخاض في طريقها فوضعته كما قصه القرآن واحتملته على الحمار وأقامت تكتم أمرها من الناس وتتحفظ به حتى بلغ ثنتى عشرة سنة وظهرت عليه الكرامات وشاع خبره فأمرت أن ترجع به إلى ايلياء فرجعت وتتابعت عنه المعجزات وانثال الناس عليه يستشفون ويسألون عن الغيوب قال الطبري وفى خبر السدى انها انما خرجت من المسجد لحيض أصابها فكان نفخ الملك وأن ايشاع خالتها التى سألتها عن الحمل وناظرتها فيه فحجتها بالقدرة وأن الوضع كان في شرقي بيت لحم قريبا من بيت المقدس وهو الذى بنى عليه بعض ملوك الروم البناء الهائل لهذا العهد قال ابن العميد مؤرخ النصارى ولد لثلاثة أشهر من ولادة يحيى بن زكريا ولاحدى وثلاثين من دولة هيردوس الاكبر ولثنتين وأربعين من ملك أو غشطش قيصر وفى الانجيل ان يوسف تزوجها ومضى بها ليكتم أمرها في بيت لحم فوضعته هنا لك ووضعته في مدود لانها لم يكن لها موضع نزل وأن جماعة من المجوس بعثهم ملك الفرس يسألون أين ولد الملك العظيم وجاؤا إلى هيردوس يسألونه وقالوا جئنا لنسجد له وحدثوه بما أخبر الكهان وعلماء النجوم من شأن ظهوره وأنه يولد ببيت لحم من ابن سنتين فما دونها وسمع أو غشطش قيصر بخبر المجوس فكتب إلى هيردوس يسأله فكتب له بمصدوقية خبره وأنه قتل فيمن قتل من الصبيان وكان يوسف النجار قد أمر أن يخرج به إلى مصر فأقام هنا لك ثنتى عشرة سنة وظهر عليه الكرامات وهلك هيردوس الذى كان يطلبه وأمروا بالرجوع إلى ايليا فرجعوا وظهر صدق شعيا النبي في قوله عنه من مصر دعوتك وفى كتاب يعقوب بن يوسف النجار حذرا من أن يكتب كما أمر أو غشطش في بعض أيامه فأجاءها المخاض وهى في طريقها على حمار فصابرته إلى قرية بيت لحم وولدت في غار وسماه ايشوع وأنه لما بلغ سنتين وكان من أمر المجوس ما قدمناه حذر هيردوس من شأنه وأمر أن يقتل الصبيان ببيت لحم فخرج يوسف به وبأمه إلى مصر أمر بذلك في نومه وأقام بمصر سنتين

[ 147 ]

حتى مات هيردوس ثم امر بالرجوع فرجع إلى ناصرة وظهرت عليه الخوارق من احياء الموتى وابراء المعتوهين وخلق الطير وغير ذلك من خوارقه حتى إذا بلغ ثمانى سنين كف عن ذلك ثم جاء يوحنان المعمدان من البرية وهو يحيى بن زكريا ونادى بالتوبة والدعاء إلى الدين وقد كان شعيا أخبر أنه يخرج أيام المسيح وجاء المسيح من الناصرة ولقيه بالاردن فعمده يوحنان وهو ابن ثلاثين سنة ثم خرج إلى البرية واجتهد في العبادة والصلاة والرهبانية واختار تلامذته الاثنى عشر سمعان بطرس وأخوه اندراوس ويعقوب بن زيدي وأخوه يوحنا وفيلبس وبرتولوماوس وتوما ومتى العشار ويعقوب ابن حلفا وتداوس وسمعان القنانى ويهوذا الاسخريوطى وشرع في اظهار المعجزات ثم قبض هيردوس الصغير على يوحنان وهو يحيى بن زكريا لنكيره عليه في زوجة أخيه فقتله ودفن بنابلس ثم شرع المسيح الشرائع من الصلاة والصوم وسائر القربات وحلل وحرم وأنزل عليه الانجيل وظهرت عليه يديه الخوارق والعجائب وشاع ذكره في النواحى واتبعه الكثير من بنى اسرائيل وخافه رؤساء اليهود على دينهم وتوامروا في قتله وجمع عيسى الحواريين فباتوا عنده ليلتين يطعمهم ويبالغ في خدمتهم بما استعظموه قال وانما فعلته لتتأسوا به وقال يعظهم ليكفرن بى بعضكم قبل أن يصيح الديك ثلاثا ويبيعنى أحدكم بثمن بخس وتأكلوا ثمني ثم افترقوا وكان اليهود قد بعثوا العيون عليهم فأخذوا شمعون من الحواريين فتبرأ منهم وتركوه وجاء يهوذا الاسخريوطى وبايعهم على الدلالة عليه بثلاثين درهما وأراهم مكانه الذى كان يبيت فيه وأصبحوا به إلى فلاطش النبطي قائد قيصر على اليهود وحضر جماعة الكهنونية وقالوا هذا يفسد ديننا ويحل نواميسنا ويدعى الملك فاقتله وتوقف فصاحوا به وتوعدوه بابلاغ الامر إلى قيصر فأمر بقتله وكان عيسى قد أبلغ الحواريين بأنه يشبه على اليهود في شأنه فقتل ذلك الشبه وصلب وأقام سبعا وجاءت أمه تبكى عند الخشبة فجاءها عيسى وقال مالك تبكى قالت عليك قال ان الله رفعني ولم يصبنى الا خير وهذا شئ شبه لهم وقولى للحواريين يلقوني بمكان كذا فانطلقوا إليه وأمرهم بتبليغ رسالته في النواحى كما عين لهم من قبل وعند علماء النصارى ان الذى بعث من الحواريين إلى رومة بطرس ومعه بولس من الاتباع ولم يكن حواريا والى أرض السودان والحبشة ويعيرون عن هذه الناحية بالارض التى تأكل أهلها والناس متى العشار واندراوس إلى أرض بابل والمشرق توماس والى أرض افريقية فيلبس والى افسوس قرية أصحاب الكهف يوحناس والى أورشليم وهى بيت المقدس يوحنا والى أرض العرب والحجاز برتلوماوس والى إرض برقة والبربر شمعون القنانانى (قال ابن اسحق) ثم وثب

[ 148 ]

اليهود على بقية الحواريين يعذبونهم ويفتنونهم وسمع قيصر بذلك وكتب إليه فلاطش النبطي قائده باخباره ومعجزاته وبغى اليهود عليه وعلى يوحنان قبله فأمرهم بالكف عن ذلك ويقال قتل بعضهم وانطلق الحواريون إلى الجهات التى بعثهم إليها عيسى فآمن به بعض وكذب بعض ودخل يعقوب أخو يوحنان إلى رومة فقتله غاليوس قيصر وحبس شمعون ثم خلص وسار إلى انطاكية ثم رجع إلى رومة أيام فلوديش قيصر بعد غاليوس واتبعه كثير من الناس وآمن به بعض نساء القياصرة وأخبرها بخبر الصليب فدخلت إلى القدس وأخرجته من تحت الزبل والقمامات بمكان الصلب وغشته بالحرير والذهب وجاءت به إلى رومة (وأما بطرس كبير الحواريين) وبولص اللذان بعثهما عيسى صلوات الله عليه إلى رومة فانهما مكثا هنا لك يقيمان دين النصرانية ثم كتب بطرس الانجيل بالرومية ونسبه إلى مرقص تلميذه وكتب متى انجيله بالعبرانية في بيت المقدس ونقله من بعد ذلك يوحنان بن زبدى إلى رومة وكتب لوقا انجيله بالرومية وبعثه إلى بعض أكابر الروم وكتب يوحنا بن زبدى انجيله برومة ثم اجتمع الرسل الحواريون برومة ووضعوا القوانين الشرعية لدينهم وصيروها بيد اقليمنطس تلميذ بطرس وكتبوا فيها عد الكتب التى يجب قبولها فمن القديمة التوراة خمسة أسفار وكتاب يوشع بن نون وكتاب القضاة وكتاب راعوث وكتاب يهوذا وأسفار الملوك أربعة كتب وسفر بنيامين وسفر المقباسين ثلاثة كتب وكتاب عزرا الامام وكتاب أشير وكتاب قصة هامان وكتاب أيوب الصديق ومزامير داود النبي وكتب ولده سليمان خمسة ونبوات الانبياء الصغار والكبار ستة عشر كتابا وكتاب يشوع بن شارخ ومن الحديثة كتب الانجيل الاربعة وكتب القتاليقون سبع رسائل وكتاب بولس أربع عشرة رسالة والايركسيس وهو قصص الرسل ويسمى افليمد ثمانية كتب تشتمل على كلام الرسل وما أمروا به ونهوا عنه وكتاب النصارى الكبار إلى أساقفتهم الذين يسمون البطارقة ببلاد معينة يعلمون بها دين النصرانية فكان برومة بطرس الرسول الذى بعثه عيسى صلوات الله عليه وكان ببيت المقدس يعقوب النجار وكان بالاسكندرية مرقص تلميذ بطرس وكان ببزنطية وهى قسطنطينية اندرواس الشيخ وكان بانطاكية وكان صاحب هذا الدين عندهم والمقيم لمراسمه يسمونه البترك وهو رئيس الملة وخليفة المسيح فيهم ويبعث نوابه وخلفاءه إلى من بعد عنهم من أمم النصرانية ويسمونه الاسقف أي نائب البطرك ويسمون القزا بالقسيس وصاحب الصلاة بالجاثليق وقومة المسجد بالشمامشة والمنقطع الذى حبس نفسه في الخلوة للعبادة بالراهب والقاضى بالمطران ولم يكن بمصر لذلك العهد أسقف إلى أن جاء دهدس الحادى عشر من أساقفة اسكندرية وكان بطرك أساقفة بمصر وكان الاساقفة يسمون

[ 149 ]

البطرك أبا والقسوس يسمون الاساقفة أبا فوقع الاشتراك في اسم الاب فاخترع اسم البابا لبطرك الاسكندرية ليتميز عن الاسقف في اصطلاح القسوس ومعناه أبو الاباء فاشتهر هذا الاسم ثم انتقل إلى بطرك رومة لانه صاحب كرسى بطرس كبير الحواريين ورسول المسيح وأقام على ذلك لهذا العهد يسمى البابا ثم جاء بعد فلوديش قيصر نيرون قيصر فقتل بطرس كبير الحواريين وبولص اللذين بعثهما عيسى صلوات الله عليه إلى رومة وجعل مكان بطرس أرنوس برومة وقتل مرقص الانجيلى تلميذ بطرس وكان بالاسكندرية يدعو إلى الدين سبع سنين ويبعثه في نواحى مصر وبرقة والمغرب وقتله نيرون وولى بعده حنينيا وهو أول البطاركة عليها بعد الحواريين وثار اليهود في دولته على أسقف بيت المقدس وهو يعقوب النجار وهدموا البيعة ودفنوا الصليب إلى أن أظهرته هيلانة أم قسطنطين كما نذكره بعد وجعل نيرون مكان يعقوب النجار ابن عمه شمعون بن كيافا ثم اختلفت حال القياصرة من بعد ذلك في الاخذ بهذا الدين وتركه كما يأتي في أخبارهم إلى أن جاء قسطنطين بن قسطنطين بانى المدينة المشهورة وكانت في مكانها قبله مدينة صغيرة تسمى بيزنطية وكانت أم هيلانه صالحة فأخذت بدين المسيح لثنتين وعشرين سنة من ملك قسطنطين ابنها وجاءت إلى مكان الصليب فوقفت عليه وترحمت وسألت عن الخشبة التى صلب عليها بزعمهم فأخبرت بما فعل اليهود فيها وانهم دفنوها وجعلوا مكانها مطرحا للقمامة والنجاسة والجيف والقاذورات فاستعظمت ذلك واستخرجت تلك الخشبة التى صلب عليها بزعمهم وقيل من علامتها أن يمسها ذو العاهة فيعافى لوقته فطهرتها وطيبتها وغشتها بالذهب والحرير ورفعتها عندها للتبرك بها وأمرت ببناء كنيسة هائلة بمكان الخشبة تزعم أنها قبره وهى التى تسمى لهذا العهد قمامة وخربت مسجد بنى اسرائيل وأمرت بان تلقى القاذروات والكناسات على الصخرة التى كانت عليها القبة التى هي قبلة اليهود إلى ان أزال ذلك عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه عند فتح بيت المقدس كما نذكره هنالك وكان من ميلاد المسيح إلى وجود الصليب ثلثمائة وثمان وعشرون سنة وأقام هؤلاء النصرانية بطاركتهم وأساقفتهم على اقامة دين المسيح على ما وضعه الحواريون من القوانين والعقائد والاحكام ثم حدث بينهم اختلاف في العقائد وسائر ما ذهبوا إليه من الايمان بالله وصفاته وحاش لله وللمسيح وللحواريين أن يذهبوا إليه وهو معتقدهم التثليث وانما حملهم عليه ظواهر من كلام المسيح في الانجيل لم يهتدوا إلى تأويلها ولا وقفوا على فهم معانيها مثل قول المسيح حين صلب بزعمهم أذهب إلى أبى وأبيكم وقال افعلوا كذا وكذا من البر لتكونوا أبناء أبيكم في السماء وتكونوا تامين كما إن أباكم الذى في السماء تام وقال له في الانجيل انك أنت

[ 150 ]

الابن الوحيد وقال له شمعون الصفا انك ابن الله حقا فلما أثبتوا هذه الابوة من ظاهر هذا اللفظ زعموا أن عيسى ابن مريم من أب قديم وكان اتصاله بمريم تجسد كلمة منه مازجت جسد المسيح وتدرعت به فكان مجموع الكلمة والجسد ابنا وهو ناسوت كلى قديم أزلى وولدت مريم الها أزليا والقتل والصلب وقع على الجسد والكلمة ويعبرون عنهما بالناسوت واللاهوت وأقاموا على هذه العقيدة ووقع بينهم فيها اختلاف وظهرت مبتدعة من النصرانية اختلفت أقوالهم الكفرية كان من أشدهم ابن دنصان ودافعهم هؤلاء الاساقفة والبطاركة عن معتقدهم الذين كانوا يزعمونه حقا وظهر يونس الشميصانى بطرك انطاكية بعد حين أيام افلوديس قيصر فقال بالوحدانية ونفى الكلمة والروح وتبعه جماعة على ذلك ثم مات فرد الاساقفة مقالته وهجروها ولم يزالوا على ذلك إلى أيام قسطنطين بن قسطنطين فتنصر ودخل في دينهم وكان باسكندرية اسكندروس البطرك وكان لعهده اريوش من الاساقفة وكان يذهب إلى حدوث الابن وأنه انما خلق الخلق بتفويض الاب إليه في ذلك فمنعه اسكندروس الدخول إلى الكنيسة وأعلم أن ايمانه فاسد وكتب بذلك إلى سائر الاساقفة والبطاركة في النواحى وفعل ذلك بأسقفين آخرين على مثل رأى أريوش فدفعوا أمرهم إلى قسطنطين وأحضرهم جميعا لتسع عشرة من دولته وتناظروا ولما قال أريوش ان الابن حادث وأن الاب فوض إليه بالخلق وقال الاسكندروس لخلق استحق الالوهية فاستحسن قسطنطين قوله وأذن له أن يشيد بكفر أريوش وطلب الاسكندروس باجتماع النصرانية لتحرير المعتقد الايمانى فجمعهم قسطنطين وكانوا ألفين وثلثمائة وأربعين أسقفا وذلك في مدينة نيقية فسمى المجتمع مجتمع نيقية وكان رئيسهم الاسكندروس بطرك اسكندرية واسطانس بطرك انطاكية ومقاريوس أسقف بيت المقدس وبعث سلطوس بطرك رومة بقسيس حضر معهم لذلك نيابة عنه فتفاوضوا وتناظروا واتفقوا عنهم بعد الاختلاف الكثير على ثلثمائة وثمانية عشر أسقفا على رأى واحد فصار قسطنطين إلى قولهم وأعطى سيفه وخاتمه وباركوا عليه ووضعوا له قوانين الدين والملك ونفى أريوش وأشيد بكفره وكتبوا العقيدة التى اتفق عليها أهل ذلك المجمع ونصها عندهم على ما نقله ابن العميد من مؤرخيهم والشهرستانى في كتاب الملل والنحل وهو نؤمن بالله الواحد الاحد الاب مالك كل شئ وصانع ما يرى وما لا يرى وبالابن الوحيد ايشوع المسيح ابن الله ذكر الخلائق كلها وليس بمصنوع اله حق من جوهر أبيه الذى بيده أتقنت العوالم وكل شئ الذى من أجلنا ومن أجل خلاصنا بعث العوالم وكل شئ الذى نزل من السماء وتجسد من روح القدس وولد من مريم البتول وصلب أيام فيلاطوس ودفن ثم قام في اليوم الثالث

[ 151 ]

وصعد إلى السماء وجلس على يمين أبيه وهو مستعد للمجئ تارة أخرى بالقضاء بين الاحياء والاموات ونؤمن بروح الواحد روح الحق الذى يخرج من أبيه وبعمودية واحدة لغفران الخطايا وبجماعة قدسية مسيحية جاثليقة وبقيام أبداننا بالحياة الدائمة أبد الآبدين انتهى هذا هو اتفاق المجمع الاول الذى هو مجمع نيقية وفيه اشارة إلى حشر الابدان ولا يتفق النصارى عليه وانما يتفقون على حشر الارواح ويسمون هذه العقيدة الامانة ووضعوا معها قوانين الشرائع ويسمونها الهيمايون وتوفى الاسكندروس البطرك بعد هذا المجمع بخمسة أشهر ولما عمرت هلانه أم قسطنطين الكنائس وأحب الملك أن يقدسها ويجمع الاساقفة لذلك وبعث أوشانيوش بطرك القسطنطينية وحضر معهم اثناش بطرك الاسكندرية واجتمعوا في صور وكان أوشانيوش الذى أخرجه اسكندروس مع أريوش من كنيسة اسكندرية وكان بسبب ذلك مجمع نيقية وكتاب الامانة ونفى أريوش حينئذ وأوشانيوش وصاحبهما ولعنوا جاء أوشانيوش من بعد ذلك وأظهر البراءة من أريوش ومن مقالته فقبله قسطنطين وجعله بطركا بالقسطنطينية فلما اجتمعوا في صور وكان فيهم اومانيوش على رأى أريوش فأشار اوشانيوش بطرك القسطنطينية بأن يظاهر اثناش بطرك الاسكندرية عن مقالة أريوش فقال أومانيوش ان أريوش لم يقل ان المسيح خلق العالم وانما قال هو كلمة الله التى بها خلق كما وقع في الانجيل فقال اثناش بطرك الاسكندرية وهذا الكلام أيضا يقتضى أن الابن مخلوق وأنه خلق المخلوقات دون الاب لانه إذا كان يخلق به فالاب لم يخلق شيئا لانه مستعين بغيره والفاعل بغيره محتاج إلى ذلك المتمم فهو في ذاته الخالق والله سبحانه منزه عن ذلك وان زعم أريوش أن الاب يريد الشئ والابن يكونه فقد جعل فعل الابن أتم لان الاب انما له الارادة فقط وللابن الاختراع فهو أتم فلما ظهر بطلان مقالة أريوش وثبوا على اومانيوش المناظر عن مقالة أريوش وضربوه ضربا وجيعا وخلصه ابن أخت الملك ثم قدسوا الكنائس وانفض الجمع وبلغ الخبر إلى قسطنطين فندم على بطركية أوشانيوش بالقسطنطينية وغضب عليه ومات لسنتين من رياسته واجتمع بعد ذلك أصحاب أريوش إلى قسطنطين فحسنوا له تلك المقالة وأن جماعة نيقية ظلموا أريوش وبغوا عليه وصدر عن الحق في قولهم ان الاب مساو للابن في الجوهرية وكاد الملك أن يقبل منهم فكتب إليه كيراش أسقف بيت المقدس يحذره من مقالة أريوش فقبل ورجع واختلف حال ملوك القياصرة بعد قسطنطين في الاخذ بالامانة أو بمقالة أريوش وظهور احدى الطائفتين متى كان الملك على دينهم وأفحش بعض ملوك القياصرة في الحق على مخالفه فقال له بعض العلماء والحكماء لا تنكر المخالفة فالحنفاء يختلفون أيضا وانما هم الخلق

[ 152 ]

يحمدون الله ويصفونه بالصفات بالصفات الكثيرة والله يحب ذلك فسكن بعض الشئ وكان بعضهم يعرض عن الطائفتين ويخلى كل أحد ودينه ثم كان المجمع الثاني بقسطنطينية بعد مجمع نيقية بمائتين وخمسين سنة اجتمعوا للنظر في مقالة مقدونيوس وسليوس بأن جسد المسيح بغير ناسوت وأن اللاهوت أغناه عنها مستدلين بما وقع في الانجيل أن الكلمة صار لحما ولم يقل صار انسانا وجعلا من الاله عظيما وأعظم منه والاب أفضل عظما وقال ان الاب غير محدود في القوة وفى الجوهر فأبطلوا هذه المقالة ولعنوهما وأشادوا بكفرهما وزادوا في الامانة التى قررها جماعة نيقية ما نصه ونؤمن بروح القدس المنتقى من الاب ولعنوا من يزيد بعد ذلك على كلمة الامانة أو ينقص منها ثم كان لهم بعد ذلك بأربعين سنة المجمع الثالث على نسطوريوس البطرك بالقسطنطينية لانه كان يقول ان مريم لم تلد الها وانما ولدت انسانا وانما اتحد به في المشيئة لا في الذات وليس هو الها حقيقة بل بالموهبة والكرامة ويقول بجوهرين وأقنومين وهذا الرأى الذى أظهره نسطوريوس كان رأى ناودوس وديودوس الاسقفين وكان من مقالتهما أن المولود من مريم هو المسيح والمولود من الاب هو الابن الازلي والابن الازلي حل في المسيح المحدث فسمى المسيح ابن الله بالموهبة والكرامة وانما الاتحاد بالمشيئة والارادة فأثبتوا لله ولدين أحدهما بالجوهر والثانى بالنعمة وبلغت مقالة نسطوريوس إلى كرلس بطرك اسكندرية فكتب إلى بطرك رومة وهو اكليمس والى يوحنا وهو بطرك انطاكية والى يونالوس أسقف بيت المقدس فكتبوا إلى نسطوريوس ليدفعوه عن ذلك بالحجة فلم يرجع ولا التفت إلى قولهم فاجتمعوا في مدينة افسيس في مائتين أسقفا للنظر في مقالته فقرروا ابطالها ولعنوه وأشادوا بكفره ووجد عليهم يوحنا بطرك انطاكية حيث لم ينتظروا حضوره فخالفهم ووافق نسطوريوس ثم أصلح بينهم باوداسوس من بعد مدة واتفقوا على نسطوريوس وكتب أساقفة المشارقة أمانتهم وبعثوا بها إلى كرلس فقبلها ونفى نسطوريوس إلى صعيد مصر فنزل اخميم ومات بها لسبع سنين من نزولها وظهرت مقالته في نصارى المشرق وبفارس والعراق والجزيرة والموصل إلى الفرات وكان بعد ذلك باحدى وعشرين سنة المجمع الرابع بمدينة خلقدونية اجتمع فيه ستمائة وأربعة وثلاثون أسقفا من فتيان قيصر للنظر في مقالة ديسقورس بطرك الاسكندرية لانه كان يقول المسيح جوهر من جوهرين وأقنوم من أقنومين وطبيعة من طبيعتين ومشيئة من مشيئتين وكانت الاساقفة والبطاركة لذلك العهد يقولون بجوهرين وطبيعتين ومشيئتين وأقنوم واحد فخالفهم ديسقرس في بعض الاساقفة وكتب خطه بذلك ولعن من يخالفه فأراد مرقيان قيصر قتله فأشارت البطارقة باحضاره وجمع

[ 153 ]

آمن أنا قال نعم قال تركت قوما لا يرضون الا بالقود قال وممن قال منك تركت ستين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان منصوبا على منبر دمشق فقال اللهم انى أبرأ اليك من دم عثمان قد نجا والله قتلة عثمان الا أن يشاء الله ثم رده إلى صاحبه وصاحت السبئية اقتلوا هذا الكلب وافد الكلاب فنادى يآل مضر يا لقيس أحلف بالله ليردنها عليكم أربعة آلاف خصى فانظروا كم الفحول والركاب وتقاووا عليه فمنعته مضر ودس أهل المدينة على على من يأتيهم برأيه في القتال وهو زياد بن حنظلة التميمي وكان منقطعا إليه فجالسه ساعة فقال له على سيروا لغزو الشام فقال لعلى الاناة والرفق أمثل فتمثل متى تجمع القلب الذكى وصار ما * وأنفا حميا تجتنبك المظالم - فعلم ان رأيه القتال ثم جاء إلى القوم الذين دسوه فأخبرهم ثم استأذنه طلحة والزبير في العمرة ولحقا بمكة ثم اعتزم على الخروج إلى الشام ودعا أهل المدينة إلى قتالهم وقال أنصتوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون تفريق جماعتكم لعل الله يصلح بكم ما أفسد أهل الآفاق وتقضون الذى عليكم وأمر الناس بالتجهز إلى الشام ودفع اللواء لمحمد بن الحنفية وولى عبد الله بن عباس ميمنته وعمرو بن أبى سلمة ميسرته ويقال بل عمرو بن سفيان بن عبد الاسد وولى أبا ليلى بن عمرو بن الجراح ابن أخى عبيدة مقدمته ولم يول أحدا ممن خرج على عثمان واستخلف على المدينة تمام بن العباس وعلى مكة قثم بن العباس وكتب إلى قيس بن سعد بمصر وعثمان بن حنيف بالبصرة وأبى موسى بالكوفة ان يندبوا الناس إلى الشام وبينما هو على التجهز للشام إذ أتاه الخبر عن أهل مكة بنحو آخر وانهم على الخلاف فانتقض من الشام * (أمر الجمل) * ولما جاء خبر مكة إلى على قام في الناس وقال ألا إن طلحة والزبير وعائشة قد تمالاوا على نقض إمارتى ودعوا الناس إلى الاصلاح وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم وأكف ان كفوا واقتصد نحوهم وندب أهل المدينة فتثاقلوا وبعث كميلا النخعي فجاءه بعبد الله بن عمر فقال انهض معى فقال أنا من أهل المدينة افعل ما يفعلون قال فأعطني كفيلا بانك لا تخرج قال ولا هذه فتركه ورجع إلى المدينة وخرج إلى مكة وقد أخبر ابنة على أم كلثوم بأنه سمع من أهل المدينة تثاقلهم وانه على طاعة على ويخرج معتمرا وجاء الخبر من الغداة إلى على بأنه خرج إلى الشام فبعث في اثره على كل طريق وماج أهل المدينة وركبت أم كلثوم إلى أبيها وهو في السوق يبعث الرجال ويظاهر في طلبه فحدثته فانصرف عن ذلك ووثق به فيما قاله ورجع إلى أهل المدينة فخاطبهم وحرضهم فرجعوا

[ 154 ]

إلى اجابته وأول من أجابه أبو الهيثم بن التيهان البدرى وخزيمة بن ثابت وليس بذى الشهادتين ولما رأى زياد بن حنظلة تثاقل الناس عن على انتدب إليه وقال من تثاقل عنك فانا نخف معك ونقاتل دونك وكان سبب اجتماعهم بمكة ان عائشة كانت خرجت إلى مكة وعثمان محصور كما قدمناه فقضت نسكها وانقلبت تريد المدينة فلقيت في طريقها رجلا من بنى ليث اخوالها فأخبرها بقتل عثمان وبيعة على فقالت قتل عثمان والله ظلما ولاطلبن بدمه فقال لها الرجل ولم أنت كنت تقولين ما قلت فقالت انهم استتابوه ثم قتلوه وانصرفت إلى مكة وجاءها الناس فقالت ان الغوغاء من أهل الامصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما ونقموا عليه استعمال من حدثت سنه وقد استعمل امثالهم من كان قبله ومواضع من الحمى حماها لهم فتابعهم ونزع لهم عنها فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا بالعدوان فسفكوا الدم الحرام واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام وأخذوا المال الحرام والله لاصبع من عثمان خير من طباق الارض امثالهم ولو أن الذى اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه فقال عبد الله بن عامر الحضرمي وكان عامل مكة لعثمان أنا أول طالب فكان أول مجيب وتبعه بنو أمية وكانوا هربوا إلى مكة بعد قتل عثمان منهم سعيد بن العاصى والوليد بن عقبة وقدم عبد الله بن عامر من البصرة بمال كثير ويعلى بن منية من اليمن بستمائة بعير وستمائة ألف فأناخ بالابطح ثم قدم طلحة والزبير من المدينة فقالت لهما عائشة ما وراء كما قالا تحملنا هرابا من المدينة من غوغاء واعراب غلبوا على خيارهم فلم يمنعوا أنفسهم ولا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا فقالت انهضوا بنا إليهم وقال آخرون نأتى الشام فقال ابن عامر ان معاوية كفاكم الشام فأتوا البصرة فلى بها صنائع ولهم في طلحة هوى فنكروا عليه مجيئه من البصرة واستقام رأيهم على رأيه وقالوا ان الذين معنا لا يطيقون من بالمدينة ويحتجون ببيعة على وإذا أتينا البصرة انهضناهم كما أنهضنا أهل مكة وجاهدنا فاتفقوا ودعوا عبد الله بن عمر إلى النهوض فأبى وقال أنا من أهل المدينة أفعل ما يفعلون وكان أمهات المؤمنين معها على قصد المدينة فلما نهضت إلى البصرة قعدوا عنها وأجابتها حفصة فمنعها أخوها عبد الله وجهزهم ابن عامر بما معه من المال ويعلى بن منية بما معه من المال والظهر ونادوا في الناس بالحملان فحملوا على ستمائة بعير وساروا في ألف من أهل مكة ومن أهل المدينة وتلاحق بهم الناس فكانوا ثلاثة آلاف وبعثت أم الفضل أم عبد الله بن عباس بالخبر استأجرت على كتابها من أبلغه عليا ونهضت عائشة ومن معها وجاء مروان بن الحكم إلى طلحة

[ 155 ]

والزبير فقال على أيكما أسلم بالامرة وأؤذن بالصلاة فقال ابن الزبير على أبى وقال ابن طلحة على أبى فأرسلت عائشة إلى مروان تقول له أتريد أن تفرق أمرنا ليصل بالناس ابن أختى تعنى عبد الله بن الزبير وودع أمهات المؤمنين عائشة من ذات عرق باكيات وأشار سعيد بن العاصى على مروان بن الحكم وأصحابه بادراك ثارهم من عائشة وطلحة والزبير فقالوا نسير لعلنا نقتل قتلة عثمان جميعا ثم جاء إلى طلحة والزبير فقال لمن تجعلان الامر ان ظفرتما قالا لاحدنا الذى تختاره الناس فقال بل اجعلوه لولد عثمان لانكم خرجتم تطلبون بدمه فقالا وكيف ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لابنائهم قال فلا أرانى أسعى الا لاخراجها من بنى عبد مناف فرجع ورجع عبد الله بن خالد ابن أسيد ووافقه المغيرة بن شعبة ومن معه من ثقيف فرجعوا ومضى القوم ومعهم ابان والوليد ابنا عثمان وأركب يعلى بن منية عائشة جملا اسمه عسكر اشتراه بمائة دينار وقيل بثمانين وقيل بل كان لرجل من عرينة عرض لهم بالطريق على جمل فاستبدلوا به جمل عائشة على ان حمله بألف فزادوه أربعمائة درهم وسألوه عن دلالة الطريق فدلهم ومر بهم على الماء الحوأب فنبحتهم كلابه وسألوه عن الماء فعرفهم باسمه فقالت عائشة ردوني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وعنده نساؤه ليت شعرى أيتكن تنبحها كلاب الحوأب ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وأقامت بها يوما وليلة إلى أن قيل النجاء النجاء قد أدرككم على فارتحلوا نحو البصرة فلما كانوا بفنائها لقيهم عمير بن عبد الله التميمي وأشار بأن يتقدم عبد الله بن عامر إليهم فأرسلته عائشة وكتبت معه إلى رجال من البصرة إلى الاحنف بن قيس وسمرة وأمثالهم وأقامت بالحفين تنتظر الجواب ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان ابن حنيف عمران بن حصين وكان رجلا عامة وأبا الاسود الدؤلى وكان رجلا خاصة وقال انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها وعلم من معها فجاآها بالحفين وقالا ان أميرنا بعثنا نسألك عن مسيرك فقالت ان الغوغاء ونزاع القبائل فعلوا ما فعلوا فخرجت في المسلمين أعلمهم بذلك وبالذي فيه الناس وراءنا وما ينبغى من اصلاح هذا الامر ثم قرأت لا خير في كثير من نجواهم الآية ثم عدلا عنها إلى طلحة فقالا ما أقدمك قال الطلب بدم عثمان فقالا ألم تبايع عليا قال بلى والسيف على رأسي وما أستقبل على البيعة ان هو لم يخل بيننا وبين قتلة عثمان وقال لهما الزبير مثل ذلك ورجعا إلى عثمان بن حنيف فاسترجع وقال دارت رحى الاسلام ورب الكعبة ثم قال أشيروا على فقال عمران اعتزل قال بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين فجاءه هشام بن عامر فأشار عليه بالمسالمة والمسامحة حتى يأتي أمر على فأبى ونادى في الناس فلبس السلاح ثم دس من يتكلم في

[ 156 ]

الجمع ليرى ما عندهم فقال رجل ان هؤلاء القوم ان كانوا جاؤا خائفين فبلدهم يأمن فيه الطير وان جاؤا لدم عثمان فما نحن بقتلته فأطيعوني وردوهم من حيث جاؤا فقال الاسود بن سريع السعدى انما جاؤا يستعينون بنا على قتلته منا ومن غيرنا فحصبه الناس فعرف عثمان ان لهم بالبصرة ناصرا وكسره ذلك كله وانتهت عائشة ومن معها إلى المربد وخرج إليها عثمان فيمن معه وحضر أهل البصرة فتكلم طلحة من الميمنة فحمد الله وذكر عثمان وفضله ودعا إلى الطلب بدمه وحث عليه وكذلك الزبير فصدقهما أهل الميمنة وقال أصحاب عثمان من الميسرة بايعتم عليا ثم جئتم تقولون ثم تكلمت عائشة وقالت كان الناس يتجنون على عثمان ويأتوننا بالمدينة فنجدهم فجرة ونجده برا تقيا وهم يحاولون غير ما يظهرون ثم كثروا واقتحموا عليه داره وقتلوه واستحلوا المحرمات بلا ترة ولا عذر ألا وان مما ينبغى لكم ولا ينبغى غيره أخذ قتلة عثمان واقامة كتاب الله ثم قرأت ألم تر إلى الذين أتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم الآية فاختلف أصحاب عثمان عليه ومال بعضهم إلى عائشة ثم افترق الناس وتحاصبوا وانحدرت عائشة إلى المربد وجاءها جارية بن قدامة السعدى فقال يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح انه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك وانه من رآى قتالك يرى قتلك فان كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك وان كنت مكرهة فاستعينى بالله وبالناس على الرجوع وأقبل حكيم بن جبلة وهو على الخيل فأنشب القتال وأشرع أصحاب عائشة رماحهم فاقتتلوا على فم السكة وحجز الليل بينهم وباتوا يتأهبون وعاداهم حكيم بن جبلة فاعترضه رجل من عبد القيس فقتله حكيم ثم قتل امرأة أخرى واقتتلوا إلى أن زال النهار وكثر القتل في أصحاب عثمان بن حنيف ولما عضتهم الحرب تنادوا إلى الصلح وتوادعوا على أن يبعثوا إلى المدينة فان كان طلحة والزبير أكرها سلم لهم عثمان الامر والا رجعا عنه وسار كعب بن سور القاضى إلى أهل المدينة يسألهم عن ذلك فجاءهم يوم جمعة وسألهم فلم يجبه الا اسامة بن زيد فانه قال بايعا مكرهين فضربه الناس حتى كاد يقتل ثم خلصه صهيب وأبو أيوب ومحمد بن مسلمة إلى منزله ورجع كعب وبلغ الخبر بذلك إلى على فكتب إلى عثمان بن حنيف يعجزه ويقول والله ما أكرها على فرقة ولقد أكرها على جماعة وفضل فان كانا يريدان الخلع فلا عذر لهما وان كانا يريدان غير ذلك نظرنا ونظروا ولما جاء كعب بقول أهل المدبية بعث طلحة والزبير إلى عثمان ليجتمع بهما فامتنع واحتج بالكتاب وقال هذا غير ما كنا فيه فجمع طلحة والزبير الناس وجاآ إلى المسجد بعد صلاة العشاء في ليلة ظلماء شاتية وتقدم عبد الرحمن بن عتاب في الوحل فوضع السلاح في

[ 157 ]

الجائية من الزط والسيابحة وهم أربعون رجلا فقاتلوهم وقتلوا عن آخرهم واقتحموا على عثمان فأخرجوه إلى طلحة والزبير وقد نتفوا شعر وجهه كله وبعثا على عائشة بالخبر فقالت خلوا سبيله وقيل أمرت باخراجه وضربه وكان الذى تولى اخراجه وضربه مجاشع بن مسعود وقيل ان الاتفاق انما وقع بينهم على أن يكتبوا إلى على فكتبوا إليه وأقام عثمان يصلى فاستقبلوه ووثبوا عليه فظفروا به وأرادوا قتله ثم استبقوه من أجل الانصار وضربوه وحبسوه ثم خطب طلحة والزبير وقالا يا أهل البصرة توبه بحوبه انما أردنا أن نستعتب عثمان فغلب السفهاء ففتلوه فقالوا لطلحة قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا قال الزبير اما أنا فلم أكاتبكم وأخذ يرمى عليا بقتل عثمان فقال رجل من عبد القيس يا معشر المهاجرين أنتم أول من أجاب داعى الاسلام وكان لكم بذلك الفضل ثم استخلفتم مرارا ولم تشاورونا وقتلتم كذلك ثم بايعتم عليا وجئتم تستعدوننا عليه فماذا الذى نقمتم عليه فهموا بقتله ومنعته عشيرته ثم وثبوا من الغد على قتل عثمان ومن معه فقتلوا منهم سبعين وبلغ حكيم بن جبلة ما فعل بعثمان بن حنيف فجاء لنصره في جماعة من عبد القيس فوجد عبد الله بن الزبير فقال له ما شأنك قال تخلوا عن عثمان وتقيمون على ما كنتم حتى يقدم على ولقد استحللتم الدم الحرام تزعمون الطلب بثار عثمان وهم لم يقتلوه ثم ناجزهم الحرب في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وأقام حكيم أربعة قواد فكان هو بحيال طلحة وذريح بحيال الزبير وابن المحرش بحيال عبد الرحمن بن عتاب وحرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحرث بن هشام وتزاحفوا واستحر القتل فيهم حتى قتل كثير منهم وقتل حكيم وذريح وأفلت حرقوص في فل من أصحابه إلى قومهم بنى سعد وتتبعوهم بالقتل وطالبوا بنى سعد بحرقوص وكانوا عثمانية فاعتزلوا وغضبت عبد القيس كلهم والكثير من بكر بن وائل وأمر طلحة والزبير بالعطاء في أهل الطاعة لهما وقصدت عبد القيس وبكر بيت المال فقاتلوهم ومنعوهم وكتبت عائشة إلى أهل الكوفة بالخبر وأمرتهم أن يثبطوا الناس عن على وأن يقدموا بدم عثمان وكتبت بمثل ذلك إلى اليمامة والمدينة (ولنرجع إلى خبر على) وقد كان لما بلغه خبر طلحة والزبير وعائشة ومسيرهم إلى البصرة دعا أهل المدينة للنصرة وخطبهم فتثاقلوا أولا وأجابه زياد بن حنظلة وأبو الهيثم وخزيمة بن ثابت وليس بذى الشهادتين وأبو قتادة في آخرين وبعثت أم سلمة معه ابن عمها وخرج يسابق طلحة والزبير إلى البصرة ليردهما واستخلف على المدينة تمام بن عباس وقيل سهل بن حنيف وعلى مكة قثم بن عباس وسار في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وسار معه من نشط من الكوفيين والمصريين متخففين في تسعمائة ولقيه

[ 158 ]

عبد الله بن سلام فأخذ بعنانه وقال يا أمير المؤمنين لا تخرج منها فو الله ان خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا فبدر الناس إليه فقال دعوه فنعم الرجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وسار فانتهى إلى الربذة وجاء خبر سبقهم إلى البصرة فأقام يأتمر ما يفعل ولحقه ابنه الحسن وعذله في خروجه وما كان من عصيانه اياه فقال ما الذى عصيتك فيه حين أمرتنى قال أمرتك أن تخرج عند حصار عثمان من المدينة ولا تحضر لقتله ثم عند قتله ألا تبايع حتى تأتيك وفود العرب وبيعة الامصار ثم عند خروج هؤلاء أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فقال أما الخروج من المدينة فلم يكن إليه سبيل وقد كان أحيط بنا كما أحيط بعثمان وأما البيعة فخفنا ضياع الامر والحل والعقد لاهل المدينة لا للعرب ولا للامصار ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أحق بالامر بعده فبايع الناس غيرى واتبعتهم في أبى بكر وعمر وعثمان فقتلوه وبايعوني طائعين غير مكرهين فأنا أقاتل من خالف بمن أطاع إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين وأما القعود عن طلحة والزبير فإذا لم أنظر فيما يلزمنى من هذا الامر فمن ينظر فيه ثم أرسل إلى الكوفة محمد ابن أبى بكر ومحمد بن جعفر يستنفران الناس وأقام بالربذة يحرض وأرسل إلى المدينة في أداته وسلاحه وقال له بعض أصحابه عرفنا بقصدك من القوم قال الاصلاح ان قبلوه والا ننظرهم وان بادرونا امتنعنا ثم جاءه جماعة من طيئ نافرين معه فقبلهم وأثنى عليهم ثم سار من الربذة وعلى مقدمته أبو ليلى بن عمرو بن الجراح ولما انتهى إلى فيد أتته أسد وطيئ وعرضوا عليه النفير معه فقال الزموا قراركم ففى المهاجرين كفاية ولقيه هنا لك رجل من أهل الكوفة من بنى شيبان فسأله عن أبى موسى فقال ان أردت الصلح فهو صاحبه وان أردت القتال فليس بصاحبه فقال والله ما أريد الا الصلح حتى يرد علينا ثم انتهى إلى الثعلبية والاساد فبلغه ما لقى عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة ثم جاءه بذى قار عثمان بن حنيف وأراه ما بوجهه فقال أصبت أجرا وخيرا ان الناس وليهم قبلى رجلان فعملا بالكتاب ثم ثالث فقالوا وفعلوا ثم بايعوني ومنهم طلحة والزبير ثم نكثا وألبا على ومن العجب انقيادهما لابي بكر وعمر وعثمان وخلافهما على والله انهما ليعلمان انى لست دونهم ثم أخذ في الدعاء عليهما وابن وائل هنا لك يعرضون عليه النفير فأجابهم مثل طيئ واسد وبلغه خروج عبد القيس على طلحة والزبير فأثنى عليهم وأما محمد بن أبى بكر ومحمد بن جعفر فبلغا إلى الكوفة ودفعا إلى أبى موسى كتاب على وقاما في الناس بأمره فلم يجبهما أحد وشاوروا أبا موسى في الخروج إلى على فقال الخروج سبيل الدنيا والقعود سبيل الآخرة فقعدوا كلهم وغضب محمد ومحمد وأغلظا لابي موسى فقال لهما والله ان بيعة عثمان لفى عنقي وعنق على وان كان لا بد من القتال فحتى نفرغ من قتلة عثمان حيث

[ 159 ]

كانوا فرجعا إلى على بالخبر وهو بذى قار فرجع على باللائمة على الاشتر وقال أنت صاحبنا في أبى موسى فاذهب انت وابن العباس وأصلح ما أفسدت فقدما على أبى موسى وكلما أستعانا عليه بالناس لم يجب إلى شئ ولم ير الا القعود حتى تنجلي الفتنة ويلتئم الناس فرجع ابن عباس والاشتر إلى على فأرسل على ابنه الحسن وعمار بن ياسر وقال لعمار انطلق فأصلح ما أفسدت فانطلقا حتى دخلا المسجد وخرج أبو موسى فلقى الحسن ابن على فضمه إليه وقال لعمار يا أبا اليقطان أعدوت على أمير المؤمنين فيمن عدا وأحللت نفسك مع الفجار فقال لم أفعل فأقبل الحسن على أبى موسى فقال لم تثبط الناس عنا وما أردنا الا الاصلاح ومثل أمير المؤمنين لا يخاف على شئ قال صدقت بأبى أنت وأمى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الراكب والمسلمون اخوان ودماؤهم وأموالهم حرام فغضب عمار وسبه فسبه آخر وتثاور الناس ثم كفهم أبو موسى وجاء زيد بن صوحان بكتاب عائشة إليه وكتابها إلى أهل الكوفة فقرأهما على الناس في سبيل الانكار عليها فسبه شبث بن ربعى (3) وتهاوى الناس وأبو موسى يكفهم ويأمرهم بلزوم البيوت حتى تنجلي الفتنة ويقول أطيعوني وخلوا قريشا إذ أبوا الا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم حتى ينجلى الامر وناداه زيد بن صوحان باجابة على والقيام بنصرته وتابعه القعقاع بن عمرو فقام بعده فقال لا سبيل إلى الفوضى وهذا أمير المؤمنين ملئ بما ولى وقد دعاكم فانفروا وقال عبد خير مثل ذلك وزاد يا أبا موسى هل تعلم ان طلحة والزبير بايعا قال نعم قال فهل أحدث على ما ينقض البيعة قال لا أدرى قال لا دريت ونحن نتركك حتى تدرى ثم قال سيحان بن صوحان مثل ما قال القعقاع وحرض على طاعة على وقال فانه دعاكم تنظرون ما بينه وبين صاحبيه وهو المأمون على الامة الفقيه في الدين فقال عمار هو دعاكم إلى ذلك لتنظروا في الحق وتقاتلوا معه عليه وقال الحسن أجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم وان أمير المؤمنين يقول ان كنت مظلوما أطيعوني أو ظالما فخذوا منى بالحق والله ان طلحة والزبير أول من بايعني وأول من غدر فأجاب الناس وحرض عدى بن حاتم قومه وحجر بن عدى كذلك فنفر مع الحسن من الكوفة تسعة آلاف سارت منها ستة في البر وباقيهم في الماء وأرسل على بعد مسير الحسن وعمار الاشتر إلى الكوفة فدخلها والناس في المسجد وأبو موسى والحسن وعمار في منازعة معه ومع الناس فجعل الاشتر يمر بالقبائل ويدعوهم إلى القصر حتى انتهى إليه في جماعة الناس فدخله وأبو موسى بالمسجد يخطبهم ويثبطهم والحسن يقول له اعتزل عملنا واترك منبرنا فدخل الاشتر إلى القصر وأمر باخراج غلمان أبى

[ 160 ]

موسى من القصر وجاءه أبو موسى فصاح به الاشتر أخرج لا أم لك وأجله تلك العشية ودخل الناس لينهبوا متاعه فمنعهم الاشتر ونفر الناس مع الحسن كما قلنا وكان الامراء على أهل النفير على كنانة وأسد وتميم والرباب ومزينة معقل بن يسار الرياحي وعلى قبائل قيس سعد بن مسعود الثقفى عم المختار وعلى بكر وتغلب وعلة بن مجدوح الذهلى وعلى مذحج والاشعريين حجر بن عدى وعلى بجيلة وانمار وخثعم والازد محنف بن سليم الازدي ورؤساء الجماعة من الكوفيين القعقاع بن عمرو وسعد بن مالك وهند بن عمرو والهيثم بن شهاب ورؤساء النفار زيد بن صوحان والاشتر وعدى بن حاتم والمسيب بن نجبة ويزيد بن قيس وأمثالهم فقدموا على على بذى قار فركب إليهم ورحب بهم وقال يا أهل الكوفة دعوتكم لتشهدوا معنا اخواننا من أهل البصرة فان يرجعوا فهو الذى نريد وان يلحوا داويناهم بالرفق حتى يبدؤنا بالطلم ولا ندع أمرا فيه الصلاح الا آثرناه على ما فيه الفساد ان شاء الله فاجتمع الناس عنده بذى قار وعبد القيس بأسرها وهم ألوف ينتظرونه ما بينه وبين البصرة ثم دعا القعقاع وكان من الصحابة فأرسله إلى أهل البصرة وقال الق هذين الرجلين فادعهما للالفة والجماعة وعظم عليهما الفرقة وقال له كيف تصنع إذا قالوا ما لا وصاة منى فيه عندك قال نلقاهم بالذى أمرت به فإذا جاء منهم ما ليس عندنا منك رأى فيه اجتهدنا رأينا وكلمناهم كما نسمع ونرى انه ينبغى قال أنت لها فخرج القعقاع فقدم البصرة وبدأ بعائشة وقال أي أمه ما أشخصك قالت أريد الاصلاح بين الناس قال فابعثي إلى طلحة والزبير تسمعى منى ومنهما فبعثت اليهما فجاآ فقال لهما انى سألت ام المؤمنين ما أقدمها فقالت الاصلاح وكذلك قالا قال فأخبرانى ما هو قالا قتلة عثمان فان تركهم ترك للقرآن قال فقد قتلتم منهم ستمائة من أهل البصرة وغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف فان قاتلتم هؤلاء كلهم اجتمعت مضر وربيعة على حربكم فأين الاصلاح قالت عائشة فماذا تقول أنت قال هذا الامر دواؤه التسكين وإذا سكن اختلجوا فاثروا العافية ترزقوها وكونوا مفاتيح خير ولا تعرضونا للبلاء فنتعرض له ويصرعنا واياكم فقالوا قد أصبت وأحسنت فارجع فان قدم على وهو على مثل رأيك صلح هذا الامر فرجع وأخبر عليا فأعجبه وأشرف القوم على الصلح وقد كانت وفود أهل البصرة أقبلوا إلى على قبل رجوع القعقاع وتفاوضوا مع أهل الكوفة واتفقوا جميعا على الاصلاح ثم خطب على الناس وأمرهم بالرحيل من الغد وأن لا يرحل معه أحد ممن أعان على عثمان فاجتمع من أهل مصر ابن السوداء وخالد بن ملجم والاشتر والذين رضوا بمن سار إليه مثل علباء بن الهيثم وعدى بن حاتم وسالم بن ثعلبة القيسي وشريح بن أو في وتشاوروا فيما قال على وقالوا هو أبصر

[ 161 ]

بكتاب الله وأقرب إلى العمل به من أولئك وهو يقول ما يقول وانما معه الذين أعانوا على عثمان فكيف إذا اصطلحوا واجتمعوا ورأوا قلتنا في كثرتهم فقال الاشتر رأيهم والله فينا واحد وأن يصطلحوا فعلى دمائنا فهلموا نثب على طلحة نلحقه بعثمان ثم يرضى منا بالسكون فقال ابن السوداء طلحة وأصحابه نحو من خمسة آلاف وانتم الفان وخمسمائة فلا تجدون إلى ذلك سبيلا وقال علباء بن الهيثم اعتزلوا الفريقين حتى يأتيكم من تقومون به فقال ابن السوداء ود والله الناس لو انفردتم فيتخطفونكم فقال عدى والله ما رضيت ولا كرهت فاما إذ وقع ما وقع ونزل الناس بهذه المنزلة فان لنا خيلا وسلاحا فان أقدمتم أقدمنا وان أحجمتم أحجمنا ثم قال سالم بن ثعلبة وسويد بن اوفى أبرموا امركم ثم تكلم ابن السوداء فقال يا قوم ان عزكم في خلطة الناس فصانعوهم وإذا التقى الناس غدا فانشبوا القتال فلا يجدون بدا منه ويشغلهم الله عما تكرهون وافترقوا على ذلك وأصبح على راحلا حتى نزل على عبد القيس فانضموا إليه وساروا معه فنزل الزاوية وسار من الزاوية إلى البصرة وسار طلحة والزبير وعائشة من الفرضة والتقوا بموضع قصر عبيد الله بن زياد منتصف جمادى الآخرة وتراسلت بكر بن وائل وعبد القيس وجاؤا إلى على رضى الله عنه فكانوا معه وأشار على الزبير بعض أصحابه أن يناجز القتال فاعتذر بما وقع بينه وبين القعقاع وطلب من على رضى الله تعالى عنه أصحابه مثل ذلك فأبى وسئل ما حالنا وحالهم في القتلى فقال ارجو أن لا يقتل منا ومنهم احد نقى قلبه لله الا أدخله الله الجنة ونهى عن قتالهم وبعث إليهم حكيم بن سلام ومالك بن حبيب ان كنتم على ما جاء به القعقاع فكفوا حتى ننزل وننظر في الامر وجاءه الاحنف بن قيس وكان معتزلا عن القوم وقد كان بايع عليا بالمدينة بعد قتل عثمان مرجعه من الحج قال الاحنف ولم أبايعه حتى لقيت طلحة والزبير وعائشة بالمدينة وعثمان محصور وعلمت انه مقتول فقلت لهم من أبايع بعده قالوا عليا فلما رجعت وقد قتل عثمان بايعت عليا فلما جاؤا إلى البصرة دعوني إلى قتال على فحرت في أمرى بين خذلانهم أو خلع طاعتي فقلت ألم تأمروني بمبايعته قالوا نعم لكنه بدل وغير فقلت لا أنقض بيعتى ولا أقاتل أم المؤمنين ولكن أعتزل ونزل بالجلحاء على فرسخين من البصرة في زهاء ستة آلاف فلما قدم على جاءه وخيره بين القتال معه أو كف عشرة آلاف سيف عنه فاختار الكف ونادى في تميم وبنى سعد فأجابوه فاعتزل بهم حتى ظفر على فرجع إليه واتبعه ولما ترا آى الجمعان خرج طلحة والزبير وجاءهم على حتى اختلفت اعناق دوابهم فقال على لقد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا ان كنتما أعددتما عند الله عذرا ألم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمى وأحرم دمكما فهل من حدث أحل لكما دمى

[ 162 ]

قال طلحة ألبت على عثمان قال على يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق فلعن الله قتلة عثمان يا طلحة اما بايعتني قال والسيف على عنقي ثم قال للزبير أتذكر يوم قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقاتلنه وأنت له ظالم قال اللهم نعم ولو ذكرت قبل مسيرى ما سرت ووالله لا أقاتلك أبدا وافترقوا فقال على لاصحابه ان الزبير قد عهد أن لا يقاتلكم ورجع الزبير إلى عائشة وقال ما كنت في موطن منذ عقلت الا وأنا أعرف أمرى غير موطنى هذا قالت فما تريد أن تصنع قال أدعهم وأذهب فقال له ابنه عبد الله خشيت رايات ابن أبى طالب وعلمت ان حامليها فتية انجاد وان تحتها الموت الاحمر فجنبت فأحفظه ذلك وقال حلفت قال كفر عن يمينك فأعتق غلامه مكحولا وقيل انما أراد الرجوع عن القتال حين سمع ان عمار بن ياسر مع على لما ورد ويح عمار تقتله الفئة الباغية وكان أهل البصرة على ثلاث فرق مفترقين مع هؤلاء وهؤلاء وثالثة اعتزلت كالاحنف ابن قيس وعمران بن حصين ونزلت عائشة في الازد ورأسهم صبرة بن شيمان وأشار عليه كعب بن سور بالاعتزال فأبى وكان معها قبائل كثيرة من مضر الرباب وعليهم المنجاب بن راشد وبنو عمرو بن تميم وعليهم أبو الجربا وبنو حنظلة وعليهم هلال بن وكيع وسليم وعليهم مجاشع بن مسعود وبنو عامر وغطفان وعليهم زفر بن الحرث والازد وعليهم صبرة بن شيمان وبكر وعليهم مالك بن مسمع وبنو ناجية وعليهم الخريت بن راشد وهم في نحو ثلاثين ألفا وعلى في عشرين ألفا والناس جميعا متنازلون مضر إلى مضر وربيعة إلى ربيعة ولا يشكون في الصلح وقد ردوا حكيما ومالكا إلى على إنا على ما فارقنا عليه القعقاع وجاء ابن عباس إلى طلحة والزبير ومحمد بن طلحة إلى على وتقارب أمر الصلح وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة يتشاورون واتفقوا على انشاب الحرب بين الناس فغلسوا وما يشعر بهم أحد وقصد مضر إلى مضر وربيعة إلى ربيعة ويمن إلى يمن فوضعوا فيهم السلاح وثار أهل البصرة وثار كل قوم في وجوه أصحابهم وبعث طلحة والزبير عبد الرحمن بن الحرث بن هشام إلى الميمنة وهم ربيعة وعبد الرحمن بن عتاب إلى الميسرة وركبا في القلب وسألا الناس ما هذا فقالوا طرقنا أهل الكوفة ليلا فقال طلحة والزبير ان عليا لا ينتهى حتى يسفك الدماء ثم دفعوا أولئك المقاتلين فسمع على وأهل عسكره الصيحة فقال ما هذا فقيل له أظنه سقط من هنا طرقنا أو نحوه السبيئة بيتوتا ليلا فرددتهم فوجدنا القوم على أهبة فركبونا وثار الناس وركب على وبعث إلى الميمنة والميسرة صاحبها وقال ان طلحة والزبير لا ينتهيان حتى تسفك الدماء ونادى في الناس كفوا وكان رأيهم جميعا في تلك الفتنة أن لا يقتلوا حتى يقيموا الحجة ولا يقتلوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح ولا يستحلوا سلبا وأقبل كعب بن سوار إلى عائشة وقال

[ 163 ]

قد أبى القوم الا القتال فلعل الله يصلح بك فأركبها وألبسوا هودجها الادراع وأوقفوها بحيث تسمع الغوغاء واقتتل الناس حتى انهزم أصحاب الجمل وذهب وأصيب طلحة بسهم في رجله فدخل البصرة ودمه يسيل إلى أن مات وذهب الزبير إلى وادى السباع لما ذكره على فمر بعسكر الاحنف واتبعه عمرو بن الجرموز وكان يسائله حتى إذا قام إلى الصلاة قتله ورجع بفرسه وسلاحه وخاتمه إلى الاحنف فقال والله ما أدرى أحسنت أم أسأت فجاء ابن جرموز إلى على وقال للحاجب استأذن لقاتل الزبير فقال لحاجبه ائذن له وبشره بالنار ولما بلغت الهزيمة البصرة ورأوا الخيل أطافت بالجمل فرجعوا وشبت الحرب كما كانت وقالت عائشة لكعب بن سور وناولته مصحفا تقدم فادعهم إليه واستقبل القوم فقتله السبئية رشقا بالسهم ورموا عائشة في هودجها حتى جأرت بالاستغاثة ثم بالدعاء على قتلة عثمان وضج الناس بالدعاء فقال على ما هذا قالوا عائشة تدعو على قتلة عثمان فقال اللهم العن قتلة عثمان ثم أرسلت عائشة إلى الميمنة والميسرة وحرضتهم وتقدم مضر الكوفة ومضر البصرة فاجتلدوا أمام الجمل حتى ضرسوا وقتل زيد بن صوحان من أهل الكوفة وأخوه سيحان وارتث أخوهما صعصعة وتزاحف الناس وتأخرت يمن الكوفة وربيعتها ثم عادوا فقتل على راياتهم عشرة ثم أخذها يزيد بن قيس فثبت وقتل تحت راية ربيعة زيد وعبد الله بن رقية وأبو عبيدة بن راشد بن سلمى واشتد الامر ولزقت ميمنة الكوفة بقلبهم وميسرة أهل البصرة بقلبهم ومنعت ميمنة هؤلاء ميسرة هؤلاء وميسرة هؤلاء ميمنة هؤلاء وتنادى شجعان مضر من الجانبين بالصبر وقصدوا الاطراف يقطعونها وأصيبت يد عبد الرحمن بن عتاب قبل قتله وقاتل عند الجمل الازد ثم بنو ضبة وبنو عبد مناة وكثر القتل والقطع وصارت المجنبات إلى القلب واستحر القتل إلى الجمل حتى قتل على الخطام أربعون رجلا أو سبعون كلهم من قريش فجرح عبد الله بن الزبير وقتل عبد الرحمن بن عتاب وجندب بن زهير العامري وعبد الله بن حكيم بن حزام ومعه راية قريش قتله الاشتر واعانه فيه عدى بن حاتم وقتل الاسود بن أبى البخترى وهو آخذ بالخطام وبعده عمرو بن الاشرف الازدي في ثلاثة عشر من أهل بيته وجرح مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير سبعا وثلاثين جراحة ما بين طعنة ورمية ونادى على اعقروا الجمل يتفرقوا وضربه رجل فسقط فما كان صوت أشد عجيجا منه وكانت راية الازد من أهل الكوفة مع مخنف بن سليم فقتل فأخذها الصقعب أخوه فقتل ثم أخوهما عبد الله كذلك فأخذها العلاء بن عروة فكان الفتح وهى بيده وكانت راية عبد القيس من أهل الكوفة مع القاسم بن سليم فقتل ومعه زيد وسيحان ابنا صوحان وأخذها عدة فقتلوا

[ 164 ]

منهم عبد الله بن رقية ثم منقذ بن النعمان ودفعها إلى ابنه مرة فكان الفتح وهى بيده وكانت راية بكر بن وائل في بنى ذهل مع الحرث بن حسان فقتل في خمسة من بنى أهله ورجال من بنى محدوج وخمسة وثلاثين من بنى ذهل وقيل في عقر الجمل ان القعقاع دعا الاشتر وقد جاء من القتال عند الجمل إلى العود فلم يجبه وحمل القعقاع والخطام بيد زفر ابن الحرث فأصيب شيوخ من بنى عامر وقال القعقاع لبجير بن دلجة من بنى ضبة وهو من أصحاب على يا بجير صح بقومك يعقروا الجمل قبل أن يصابوا وتصاب أم المؤمنين فضرب ساق البعير فوقع على شقه وأمن القعقاع من يليه واجتمع هو وزفر على قطع بطان البعير وحملا الهودج فوضعاه وهو كالقنفد بالسهام وفر من وراءه وأمر على فنودى لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تدخلوا الدور وأمر بحمل الهودج من بين القتلى وأمر محمد بن أبى بكر أن يضرب عليها قبة وأن ينظر هل بها جراحة فجاء يسألها وقيل لما سقط الجمل أقبل محمد بن أبى بكر إليه ومعه عمار فاحتملا الهودج إلى ناحية ليس قربه أحد وأتاها على فقال كيف أنت يا أمه قالت بخير قال يغفر الله لك قالت ولك وجاء وجوه الناس إليها فيهم القعقاع بن عمرو فسلم عليها وقالت له وددت انى مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة وجاء إلى على فقال له مثل قولها ولما كان الليل أدخلها أخوها محمد بن أبى بكر الصديق البصرة فاقرها في دار عبد الله بن خلف الخزاعى على صفية زوجه بنت الحرث بن أبى طلحة من بنى عبد الدار أم طلحة الطلحات بن عبد الله وتسلل الجرحى من بين القتلى فدخلوا ليلا إلى البصرة وأذن على في دفن القتلى فدفنوا بعد ان أطاف عليهم ورآى كعب بن سور وعبد الرحمن بن عتاب وطلحة بن عبيد الله وهو يقول زعموا انه لم يخرج الينا الا الغوغاء مع أن هؤلاء فيهم ثم صلى على القتلى من الجانبين وأمر بالاطراف فدفنت في قبر عظيم وجمع ما كان في العسكر من كل شئ وبعث به إلى مسجد البصرة وقال من عرف شيئا فليأخذه الا سلاحا عليه سمة السلطان وأحصى القتلى من الجانبين فكانوا عشرة آلاف منهم من ضبة ألف رجل (ولما فرغ على من الوقعة) جاءه الاحنف بن قيس في بنى سعد فقال له تربصت فقال ما أرانى الا قد أحسنت وبأمرك كان ما كان فارفق فان طريقك بعيد وأنت إلى غدا أحوج منك أمس فلا تقل لى مثل هذا فانى لم أزل لك ناصحا ثم دخل البصرة يوم الاثنين فبايعه أهلها على راياتهم حتى الجرحى والمستأمنة وأتاه عبد الرحمن بن أبى بكرة فبايعه وعرض له في عمه زياد بأنه متربص فقال والله انه لمريض وعلى مسرتك لحريص فقال انهض امامى فمضى فلما دخل عليه على اعتذر فقبل عذره واعترض بالمرض قبل عذره وأراده على البصرة فامتنع وقال ولها رجلا من أهلك تسكن إليه الناس وسأشير عليه واشار بابن عباس

[ 165 ]

فولاه وجعل زيادا على الخراج وبيت المال وأمر ابن عباس بموافقته فيما يراه ثم راح على إلى عائشة في دار ابن خلف وكان عبد الله بن خلف قتل في الوقعة فأساءت أمه وبعض النسوة عليه فأعرض عنهن وحرضه بعض أصحابه عليهن فقال ان النساء ضعيفات وكنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات فكيف بهن مسلمات ثم بلغه ان بعض الغوغاء عرض لعائشة بالقول والاساءة فأمر من أحضر له بعضهم وأوجعهم ضربا ثم جهزها على إلى المدينة بما احتاجت إليه وبعثها مع أخيها محمد مع أربعين من نسوة البصرة اختارهن لمرافقتها وأذن للفل ممن خرج عنها ان يرجعوا معها ثم جاء يوم ارتحالها فودعها واستعتبت له واستعتب لها ومشى معها اميالا وشيعها بنوه مسافة يوم وذلك غرة رجب فذهبت إلى مكة فقضت الحج ورجعت إلى المدينة ورجع بنو أمية من الفل ناجين إلى الشام فعتبه بن أبى سفيان وعبد الرحمن ويحيى أخوا مروان خلصوا إلى عصمة بن أبير التيمى إلى أن اندملت جراحهم ثم بعثهم إلى الشام وأما عبد الله بن عامر فخلص إلى بنى حرقوص ومضى من هنا لك وأما مروان بن الحكم فأجاره أيضا مالك بن مسمع وبعثه وقيل كان مع عائشة فلما ذهبت إلى مكة فارقها إلى المدينة وأما ابن الزبير فاختفى بدار بعض الازد وبعث إلى عائشة يعلمها بمكانه فأرسلت أخاها محمدا وجاء إليها به ثم قسم على جميع ما في بيت المال على من شهد معه وكان يزيد على ستمائة ألف فأصاب كل رجل خمسمائة وقال ان أظفركم الله بالشام فلكم مثلها إلى أعطياتكم فخاض السبئية في الطعن عليه بذلك وبتحريم أموالهم مع اراقة دمائهم ورحلوا عنه فأعجلوه عن المقام بالبصرة وارتحل في آثارهم ليقطع عليهم أمرا ان أرادوه وقد قيل في سياق أمر الجمل غير هذا وهو أن عليا لما أرسل محمد بن أبى بكر إلى أبى موسى ليستنفر له أهل الكوفة وامتنع سار هاشم بن عتبة ابن أبى وقاص إلى على بالربذة فأخبره فأعاده إليه يقول له انى لم أو لك الا لتكون من اعواني على الحق فامتنع أبو موسى وكتب إليه هاشم مع المحل بن خليفة الطائى فبعث على ابنه الحسن وعمار بن ياسر يستنفران كما مر وبعث قرظة بن كعب الانصاري أميرا وبعث إليه انى قد بعثت الحسن وعمارا يستنفران الناس وبعثت قرظة بن كعب واليا على الكوفة فاعتزل عملنا مذموما مدحورا وان لم تفعل فقد أمرته أن ينابذك وان ظفر بك أن يقطعك أربا أربا وان الناس تواقفوا للقتال وأمر على من يتقدم بالمصحف يدعوهم إلى ما فيه وان قطع وقتل وحمله بعض الناس وفعل ذلك فقتل وحملت ميمنتهم على ميسرتهم فاقتتلوا ولاذ الناس بجمل عائشة أكثرهم من ضبة والازد ثم انهزموا آخر النهار واستحر في الازد القتل وحمل عمار على الزبير يحوزه بالرمح ثم استلان له وتركه وألقى عبد الله بن الزبير نفسه مع الجرحى

[ 166 ]

وعقر الجمل واحتمل عائشة أخوها محمد فأنزلها وضرب عليها قبة ووقف عليها على يعاتبها فقالت له ملكت فأسحح (3) نعم ما أبليت قومك اليوم فسرحها في جماعة رجال ونساء إلى المدينة وجهزها بما تحتاج إليه هذا أمر الجمل ملخص من كتاب أبى جعفر الطبري اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الاهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرخين وقتل يوم الجمل عبد الرحمن أخو طلحة من الصحابة والمحرز بن حارثة العبشمى وكان عمر ولاه على أهل مكة ومجاشع ومجالد ابنا مسعود مع عائشة وعبد الله ابن حكيم بن حزام وهند بن أبى هالة وهو ابن خديجة قتل مع على وقيل بالبصرة وغيرهم انتهى أمر الجمل (ولما فرغ الناس) من هذه الوقعة اجتمع صعاليك من العرب وعليهم جبلة بن عتاب الحبطى وعمران بن الفضيل البرجمى وقصدوا سجستان وقد نكث أهلها وبعث على إليهم عبد الرحمن بن جرو الطائى فقتلوه فكتب إلى عبد الله بن عباس أن يبعث إلى سجستان واليا فبعث ربعى بن كاس العنبري في أربعة آلاف ومعه الحصين بن أبى الحر فقتل جبلة وانهزموا وضبط ربعى البلاد واستقامت * (انتقاض محمد بن أبى حذيفة بمصر ومقتله) * لما قتل أبو حذيفة بن عتبة يوم اليمامة ترك ابنه محمدا في كفالة عثمان وأحسن تربيته وسكر في بعض الايام فجلده عثمان ثم تنسك وأقبل على العبادة وطلب الولاية من عثمان فقال لست بأهل فاستأذنه على اللحاق بمصر لغزو البحر فأذن له وجهزه ولزمه الناس وعظموه لما رأوا من عبادته ثم غزا مع ابن أبى سرح غزوة الصوارى كما مر فكان يتعرض له بالقدح فيه وفى عثمان بتوليته ويجتمع في ذلك مع محمد بن أبى بكر وشكاهما ابن أبى سرح إلى عثمان فكتب إليه بالتجافي عنهما لوسيلة ذلك بعائشة وهذا تربيته وبعث إلى ابن أبى حذيفة ثلاثين ألف درهم وحمل من الكسوة فوضعهما ابن أبى حذيفة في المسجد وقال يا معشر المسلمين كيف أخادع عن دينى وآخذ الرشوة عليه فازداد أهل مصر تعظيما له وطعنا على عثمان وبايعوه على رياستهم وكتب إليه عثمان يذكره بحقوقه عليه فلم يرده ذلك وما زال يحض الناس عليه حتى خرجوا لحصاره وأقام هو بمصر وخرج ابن أبى سرح إلى عثمان فاستولى هو على مصر وضبطها إلى ان قتل عثمان وبويع على وبايع عمرو بن العاصى لمعاوية وسارا إلى مصر قبل قدوم قيس بن سعد فمنعهما فخدعا محمد حتى خرج إلى العريش فتحصن بها في ألف رجل فحاصراه حتى نزل على حكمهم فقتلوه وفى هذا الخبر بعض الهون لان الصحيح ان عمرا ملك مصر بعد صفين وقيس ولاه على لاول بيعته وقد قيل ان ابن أبى حذيفة لما حوصر عثمان بالمدينة

[ 167 ]

أخرج هو ابن أبى سرح عن مصر وضبطها وأقام ابن أبى سرح بفلسطين حتى جاء الخبر بقتل عثمان وبيعة على وليته قيس بن سعد على مصر فأقام بمعاوية وقيل ان عمرا سار إلى مصر بعد صفين فبرز إليه ابن أبى حذيفة في العساكر وخادعه في الرجوع إلى بيعة على وأن يجتمعا لذلك بالعريش في غير جيش من الجنود ورجع إلى معاوية عمرو فاخبره ثم جاء إلى ميعاده بالعريش وقد استعد بالجنود وأكمنهم خلفه حتى إذا التقيا طلعوا على اثره فتبين ابن أبى حذيفة الغدر فتحصن بقصر العريش إلى أن نزل على حكم عمرو وبعث به إلى معاوية فحبسه إلى أن فر من محبسه فقتل وقيل انما بعثه عمرو إلى معاوية عند مقتل محمد بن أبى بكر وانه أمنه ثم حمله إلى معاوية فحبسه بفلسطين * (ولاية قيس بن سعد على مصر) * كان على قد بعث إلى مصر لاول بيعته قيس بن سعد أميرا في صفر من سنة ست وثلاثين وأذن له في الاكثار من الجنود وأوصاه فقال له لو كنت لا أدخلها الا بجند آتى بهم من المدينة لا أدخلها أبدا فانا أدع لك الجند تبعثهم في وجوهك وخرج في سبعة من أصحابه حتى أتى مصر وقرأ عليهم كتابا يعلمهم بمبايعته وطاعته وانه أميرهم ثم خطب فقال بعد أن حمد الله أيها الناس قد بايعنا خير من نعلم بعد نبينا فبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله فبايعه الناس واستقامت مصر وبعث عليها عماله الا بعض القرى كان فيها قوم يدعون إلى الطلب بدم عثمان مثل يزيد بن الحرث ومسلمة بن مخلد فهادنهم وجبى الخراج وانقضى أمر الجمل وهو بمصر وخشى معاوية أن يسير إليه على في أهل العراق وقيس من ورائه في أهل مصر فكتب إليه يعظم قتل عثمان ويطوقه عليا ويحضه على البراءة من ذلك ومتابعته على أمره على أن يوليه العراقين إذا ظفر ولا يعزله يولى من أراد من أهله الحجاز كذلك ويعطيه ما شاء من الاموال فنظر في أهله بين موافقته أو معاجلته بالحرب فآثر الموافقة فكتب إليه أما بعد فانى لم أقارف شيئا مما ذكرته وما اطلعت لصاحبي على شئ منه وأما متابعتك فانظر فيها وليس هذا مما يسرع إليه وأنا كاف عنك فلا يأتيك شئ من قبلى تكرهه حتى نرى وترى فكتب إليه معاوية انى لم أرك تدنو فأعدك سلما ولا تتباعد فأعدك حربا وليس مثلى يصانع المخادع وينخدع للمكايد ومعه عدد الرجال وأعنة الخيل والسلام فعلم قيس ان المدافعة لا تنفع معه فأظهر له ما في نفسه وكتب إليه بالرد القبيح والشتم والتصريح بفضل على والوعيد فحينئذ أيس معاوية منه وكاده من قبل على فأشاع في الناس ان قيسا شيعة له تأتينا كتبه ورسله ونصائحه وقد ترون ما فعل باخوانكم القائمين بثار عثمان وهو يجرى عليهم من الاعطية والارزاق فأبلغ ذلك إلى على محمد بن أبى بكر ومحمد بن جعفر وعيونه بالشام

[ 168 ]

فأعظم ذلك وفاوض فيه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر فقال له عبد الله دع ما يريبك إلى ما لا يريبك واعزله عن مصر ثم جاء كتابه بالكف عن قتال المعتزلين فقال ابن جعفر مره بقتالهم خشية أن تكون هذه ممالاة فكتب إليه يأمره بذلك فلم ير قيس ذلك رأيا وقال متى قاتلناهم ساعدوا عليك عدوك وهم الآن معتزلون والرأى تركهم فقال ابن جعفر يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبى بكر على مصر وكان أخاه لامه واعزل قيسا فبعثه وقيل بعث قبله الاشتر النخعي ومات بالطريق فبعث محمدا ولما قدم محمد على قيس خرج عنها مغضبا إلى المدينة وكان عليها مروان بن الحكم فأخافه فخرج هو وسهل ابن حنيف إلى على وكتب معاوية إلى مروان يعاتبه لو أمددت عليا بمائة ألف مقاتل كان أيسر على من قيس بن سعد (ولما) قدم قيس على على وكشف له عن وجه الخبر قبل عذره وأطاعه في أمره كله وقدم محمد مصر فقرا كتاب على على الناس وخطبهم ثم بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كان قيس وادعهم ادخلوا في طاعتنا أو اخرجوا عن بلادنا فقالوا دعنا حتى ننظر وأخذوا حذرهم ولما انقضت صفين وصار الامر إلى التحكيم بارزوه وبعث العساكر إلى يزيد بن الحرث الكنانى بخربتا وعليهم الحرث بن جمهان فقتلوه ثم بعث آخر فقتلوه * (مبايعة عمرو بن العاصى لمعاوية) * لما أحيط بعثمان خرج عمرو بن العاصى إلى فلسطين ومعه ابناه عبد الله ومحمد فسكن بها هاربا مما توقعه من قتل عثمان إلى أن بلغه الخبر بقتله فارتحل يبكى ويقول كما تقول النساء حتى أتى دمشق فبلغه بيعة على فاشتد عليه الامر وأقام ينتظر ما يصنعه الناس ثم بلغه مسير عائشة وطلحة والزبير فأمل فرجا من أمره ثم جاءه الخبر بوقعة الجمل فارتاب في أمره وسمع ان معاوية بالشام لا يبايع عليا وانه يعظم قتل عثمان فاستشار ابنيه في المسير إليه فقال له ابنه عبد الله توفى النبي صلى الله عليه وسلم والشيخان بعده وهم راضون عنك فأرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس وقال له محمد أنت ناب من أنياب العرب وكيف يجتمع هذا الامر وليس لك فيه صيت فقال يا عبد الله أمرتنى بما هو خير لى في دينى ويا محمد أمرتنى بما هو خير لى في دنياى وشر لى في آخرتي ثم خرج ومعه ابناه حتى قدم على معاوية فوجدوهم يطلبون دم عثمان فقال أنتم على الحق اطلبوا بدم الخليفة المظلوم فأعرض معاوية قليلا ثم رجع إليه وشركه في سلطانه * (أمر صفين) *

[ 169 ]

لما رجع على بعد وقعة الجمل إلى الكوفة مجمعا على قصد الشام بعث إلى جرير بن عبد الله البجلى بهمدان والى الاشعث بن قيس باذربيجان وهما من عمال عثمان بأن ياخذا له البيعة ويحضرا عنده فلما حضرا بعث جريرا إلى معاوية يعلمه ببيعته ونكث طلحة والزبير وحزبهما ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس فلما قدم عليه طاوله في الجواب وحمل أهل الشام ليرى جرير قيامهم في دم عثمان واتهامهم عليا به وكان أهل الشام لما قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان ملوثا بالدم كما قدمناه وبأصابع زوجته نائلة وضع معاوية القميص على المنبر والاصابع من فوقه فمكث الناس يبكون مدة وأقسموا ألا يمسهم ماء الا لجنابة ولا يناموا على فراش حتى يثأروا من عثمان ومن حال دون ذلك قتلوه فرجع جرير بذلك إلى على وعذله الاشتر في بعث جرير وانه طال مقامه حتى تمكن أهل الشام من رأيهم فغضب لذلك جرير ولحق بقرقيسيا واستقدمه معاوية فقدم عليه وقيل ان شرحبيل بن السمط الكندى اشار على معاوية برد جرير لاجل منافسة كانت بينهما منذ أيام عمر وذلك ان شرحبيل كان عمر بن الخطاب بعثه إلى سعد بالعراق ليكون معه فقربه سعد وقدمه ونافسه له أشعث بن قيس فأوصى جريرا عند وفادته على عمر أن ينال من شرحبيل عنده ففعل فبعث عمر شرحبيل إلى الشام فكان يحقد ذلك على جرير فلما جاء إلى معاوية أغراه شرحبيل به وحمله على الطلب بدم عثمان ثم خرج على وعسكر بالنخيلة واستخلف على الكوفة أبا مسعود الانصاري وقدم عليه عبد الله بن عباس في أهل البصرة وتجهز معاوية وأغراه عمرو بقلة عسكر على واضطغان أهل البصرة له بمن قتل منهم وعبى معاوية أهل الشام وعقد لعمرو ولابنيه وغلامه وردان الالوية وبعث على في مقدمته زياد بن النضر الحارثى في ثمانية آلاف وشريح بن هانئ في أربعة آلاف وسار من النخيلة إلى المدائن واستنفر من كان بها من المقاتلة وبعث منها معقل بن قيس في ثلاثة آلاف يسير من الموصل ويوافيه بالرقة وولى على على المدائن سعد بن مسعود الثقفى عم المختار بن أبى عبيد وسار فلما وصل إلى الرقة نصب له جسر فعبر وجاء زياد وشريح من ورائه وكانا سمعا بمسير معاوية وخشيا أن يلقاهما معاوية وبينهما وبين على البحر ورجعا إلى هيت وعبرا الفرات ولحقا بعلى فقدمهما امامه فلما أتيا إلى سور الروم لقيهما أبو الاعور السلمى في جند من أهل الشأم فطاولاه وبعثا إلى على فسرح الاشتر وامره ان يجعلهم على مجنبتيه وقال لا تقاتلهم حتى آتيك وكتب إلى شريح وزياد بطاعته فقدم عليهما وكف عن القتال سائر يومه حتى حمل عليهم أبو الاعور بالعشى فاقتتلوا ساعة وافترقوا ثم خرج من الغداة وخرج إليه من أصحاب الاشتر هاشم بن عتبة المرقال واقتتلوا عامة يومهم

[ 170 ]

وبعث الاشتر سنان بن مالك النخعي إلى أبى الاعور السلمى يدعوه إلى البراز فأبى وحجز بينهم الليل ووافاهم من الغد على وعساكره فقدم الاشتر وانتهى إلى معاوية ولحق به على وكان معاوية قد ملك شريعة الفرات فشكى الناس إلى على العطش فبعث صعصعة بن صوحان إلى معاوية بأنا سرنا ونحن عازمون على الكف عنكم حتى نعذر اليكم فسابقنا جندكم بالقتال ونحن رأينا الكف حتى ندعوك ونحتج عليك وقد منعتم الماء والناس غير منتهين فابعث إلى أصحابك يخلون عن الماء للورد حتى ننظر بيننا وبينكم وان أردت القتال حتى يشرب الغالب فعلنا فأشار عمرو بن العاصى بتخلية الماء لهم وأشار ابن أبى سرح والوليد بن عقبة بمنعهم الماء وعرضا بشتم فتشاتم معهم صعصعة ورجع وأو عز أبى الاعور بمنعهم الماء وجاء الاشعث بن قيس إلى الماء فقاتلهم عليه ثم أمر معاوية أبا الاعور يزيد بن أبى أسد القسرى جد خالد بن عبد الله ثم بعمرو بن العاص بعدهم وأمر على الاشعث بشبث بن ربعى ثم بالاشتر وعليهم أصحاب على وملكوا الماء عليهم وأرادوا منعهم منه فنهاهم على عن ذلك وأقام يومين ثم بعث إلى معاوية أبا عمر وبشير بن عمرو بن محصن الانصاري وسعيد بن قيس الهمداني وشبث ابن ربعى التميمي يدعونه إلى الطاعة وذلك أول ذى الحجة سنة ست وثلثين فدخلوا عليه وتكلم بشير بن عمرو بعد حمد الله والثناء عليه والموعظة الحسنة وناشده الله أن لا يفرق الجماعة ولا يسفك الدماء فقال هلا أوصيت بذلك صاحبك فقال بشير ليس مثلك هو أحق بالامر بالسابقة والقرابة قال فما رأيك قال تجيبه إلى ما دعا إليه من الحق قال معاوية ونترك دم عثمان لا والله لا أفعله أبدا ثم قال شبث بن ربعى يا معاوية انما طلبت دم عثمان تستميل به هؤلاء السفهاء الطغام إلى طاعتك ولقد علمنا انك أبطأت على عثمان بالنصر لطلب هذه المنزلة فاتق الله ودع ما أنت عليه ولا تنازع الامر أهله فأجابه معاوية وأبدع في سبه وقال انصرفوا فليس بينى وبينكم الا السيف فقال له شبث أقسم بالله لنعجلنها لك ورجعوا إلى على بالخبر وأقاموا يقتتلون أيام ذى الحجة كلها عسكر من هؤلاء وعسكر من هؤلاء وكرهوا أن يلقوا جمع أهل العراق بجمع أهل الشأم حذرا من الاستئصال والهلاك ثم جاء المحرم فذهبوا إلى الموادعة حتى ينقضى طمعا في الصلح وبعث إلى معاوية عدى بن حاتم ويزيد بن قيس الارحبي وشبث بن ربعى وزياد ابن خصفة فتكلم عدى بعد الحمد والثناء ودعا إلى الدخول في طاعة على ليجمع الله به الكلمة فلم يبق غيرك ومن معك واحذر يا معاوية أن يصيبك وأصحابك مثل يوم الجمل فقال معاوية كأنك جئت مهددا لا مصلحا هيهات يا عدى أنا ابن حرب والله ما يقعقع لى بالشنان وانك من قتلة عثمان وأرجو أن يقتلك الله به فقال له يزيد بن قيس

[ 171 ]

انما أتيناك رسلا ولا ندع مع ذلك النصح والسعى في الالفة والجماعة وذكر من فضل على واستحقاقه للامر بتقواه وزهده فقال معاوية بعد الحمد والثناء أما الجماعة التى تدعون إليها فهى معنا وأما طاعة صاحبكم فلا نراها لانه قتل خليفتنا وآوى أهل ثارنا ونحن مع ذلك نجيبكم إلى الطاعة والجماعة إذا دفع الينا قتلة عثمان فقال شبث بن ربعى أيسرك يا معاوية أن تقتل عمارا قال نعم بمولاه قال شبث حتى تضيق والله الارض الفضاء عليك فقال معاوية لو كان ذلك لكانت عليك أضيق وافترقوا عن معاوية ثم خلا بزياد بن خصفة وشكى إليه من على وسأله النصر منه بعشيرته وأن يوليه أحد المصرين فأبى وقال انى على بينة من ربى فلن أكون ظهيرا للمجرمين وقام عنه فقال معاوية لعمرو كان قلوبهم قلب رجل واحد ثم بعث معاوية إلى على حبيب بن مسلمة وشرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الاخنس فدخلوا عليه فتكلم حبيب بعد الحمد لله والثناء فقال ان عثمان كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله وينيب إلى أمره فاستثقلتم حياته واستبطأتم موته فقتلتموه فادفع الينا قتلته ان كنت لم تقتله ثم اعتزل أمر الناس فيولوا من اجمعوا عليه فقال على ما أنت وهذا الامر فاسكت فلست بأهل له فقال والله لتراني بحيث تكره فقال وما أنت لا أبقى الله عليك ان ابقيت اذهب فصوب وصعد ثم تكلم بعد الحمد لله والثناء وهداية الناس بمحمد صلى الله عليه وسلم وخلافة الشيخين وحسن سيرتهما وقد وجدنا عليهما أن توليا ونحن أقرب منهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن سمحنا لهما بذلك وولى عثمان فعاب الناس عليه وقتلوه ثم بايعوني مخافة الفرقة فأجبتهم ونكث على رجلان وخالف صاحبكم الذى ليس له مثل سابقتي والعجب من انقيادكم له دون بيت نبيكم ولا ينبغى لكم ذلك وأنا أدعوكم إلى الكتاب والسنة ومعالم الدين وإماتة الباطل واحياء الحق فقالوا نشهد أن عثمان قتل مظلوما فقال لا اقول مظلوما ولا ظالما قالوا فمن لم يقل ذلك فنحن منه برآء وانصرفوا فقرأ على انك لا تسمع الموتى الآية ثم قال لاصحابه لا يكن هؤلاء في ضلالهم أجد منكم في حقكم ثم تنازع عدى بن حاتم في راية طيئ وعامر بن قيس الحزمرى وكان رهطه أكثر من رهط عدى فقال عبد الله بن خليفة البولانى ما فينا أفضل من عدى ولا من أبيه حاتم ولم يكن في الاسلام أفضل من عدى وهو الوافد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأس طيئ في النخيلة والقادسية والمداين وجلولا ونهاوند وتستر وسأل على قومهم فوافقوه على ذلك فقضى بها لعدى ولما انسلخ المحرم نادى على في الناس بالقتال وعبى الكتائب وقال لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا ولا

[ 172 ]

تأخذوا مالا ولا تهيجوا امرأة وان شتمتكم فانهن ضعاف الانفس والقوى ثم حرضهم ودعا لهم وجعل الاشتر على خيل الكوفة وسهل بن حنيف على خيل البصرة وقيس بن سعد على رجالة البصرة وعمار بن ياسر على رجالة الكوفة وهاشم بن عتبة معه الراية ومسعر بن فدكى على القراء وعبى معاوية كتائبه فجعل على الميمنة ذا الكلاع الحميرى وعلى الميسرة حبيب بن مسلمة وعلى المقدمة أبا الاعور وعلى خيل دمشق عمرو بن العاصى وعلى رجالتها مسلم بن عقبة المرى وعلى الناس كلهم الضحاك بن قيس وتبايع رجال من أهل الشأم على الموت فعقلوا أنفسهم بالعمائم في خمسة صفوف فاقتتلوا عامة يومهم وفى اليوم الثاني هاشم بن عتبة وأبو الاعور السلمى وفى اليوم الثالث عمار بن ياسر وعمرو بن العاصى فاقتتلوا أشد قتال وحمل عمار فأزال عمرا عن موضعه وفى اليوم الرابع محمد بن الحنفية وعبيد الله بن عمر بن الخطاب وتداعيا إلى البراز فرد على ابنه وتراجعوا وفى اليوم الخامس عبد الله بن عباس والوليد بن عقبة فاقتتلا كذلك ثم عاد في اليوم السادس الاشتر وحبيب فاقتتلا قتالا شديدا وانصرفا وخطب على الناس عشية يومه وأمرهم بمناهضة القوم بأجمعهم وأن يطيلوا ليلتهم القيام ويكثروا التلاوة ويدعو الله بالنصر والصبر ويرموا غدا في لقائهم بالجد والحزم فبات الناس يصلحون ليلتهم سلاحهم وعبى على الناس ليلته إلى الصباح وزحف وسأل عن القبائل من أهل الشأم وعرف مواقفهم وأمر كل قبيلة أن تكفيه أختها من الشأم ومن ليس منهم أحد بالشأم يصرفهم إلى من ليس منهم أحد بالعراق مثل بجيلة صرفهم إلى لخم وخرج معاوية في أهل الشام فاقتتلوا يوم الاربعاء قتالا شديدا عامة يومهم ثم انصرفوا وغلس على يوم الخميس بالزحف وعلى ميمنته عبد الله بن بديل ابن ورقاء وعلى ميسرته عبد الله بن عباس والقراء مع عمار وقيس بن سعد وعبد الله ابن يزيد والناس على راياتهم ومراكزهم وعلى في القلب بين أهل الكوفة والبصرة ومعه أهل البصرة والكوفة ومعه أهل المدينة من الانصار وخزاعة وكنانة ورفع معاوية قبة عظيمة والقى عليها الثياب وبايعه أكثر أهل الشأم على الموت وأحاط بقبته خيل دمشق وزحف ابن بديل في الميمنة فقاتلهم إلى الظهر وهو يحرض أصحابه ثم كشف خيلهم واضطرهم إلى قبة معاوية وجاء الذين تبايعوا على الموت إلى معاوية فبعثهم إلى حبيب فحمل بهم على ميمنة أهل العراق فانجفل الناس عن ابن بديل الا ثلثمائة أو مائتين من القراء وانتهت الهزيمة إلى على وأمده على بسهل بن حنيف في أهل المدينة فاستقبلهم جموع عظيمة لاهل الشأم فمنعتهم ثم انكشفت مضر من الميسرة وثبتت ربيعة وجاء على يمشى نحوهم فاعترضه أحمر مولى أبى سفيان فحال دونه كيسان مولاه فقتله

[ 173 ]

أحمر فتناول على أحمر من درعه فجذبه وضرب به الارض وكسر منكبيه وعضديه ثم دنا من ربيعة فصبرهم وثبت أقدامهم وتنادوا بينهم أن أصيب بينكم أمير المؤمنين افتضحتم في العرب وكان الاشتر مر به راكضا نحو الميمنة واستقبل الناس منهزمين فأبلغهم مقالة على أين فراركم من الموت الذى لا تعجزوه إلى الحياة التى لا تبقى لكم ثم نادى أنا الاشتر فرجع إليه بعضهم فنادى مذحجا وحرضهم فأجابوه وقصد القوم واستقبله شباب من همدان ثمانمائة أو نحوها وكان قد هلك منهم في ذلك اليوم أحد عشر رئيسا وأصيب منهم ثمانون ومائة وزحف الاشتر نحو الميمنة وتراجع الناس واشتد القتال حتى كشف أهل الشأم وألحقهم بمعاوية عند الاصفرار وانتهى إلى ابن بديل في مائتين أو ثلثمائة من القراء قد لصقوا بالارض فانكشفوا عنهم أهل الشأم وأبصروا اخوانهم وسألوا عن على فقيل لهم هو في الميسرة يقاتل فقال ابن بديل استقدموا بنا ونهاه الاشتر فأبى ومضى نحو معاوية وحوله امثال الجبال تقتل كل من دنا منه حتى وصل إلى معاوية فنهض إليه الناس من كل جانب وأحيط به فقتل وقتل من أصحابه ناس ورجع آخرون مجرحين وأهل الشأم في اتباعهم فبعث الاشتر من نفس عنهم حتى وصلوا إليه وزحف الاشتر في همدان وطوائف من الناس فأزال أهل الشأم عن مواقفهم حتى ألحقهم بالصفوف المعقلة بالعمائم حول معاوية ثم حمل أخرى فصرع منهم أربعة صفوف حتى دعا معاوية بفرسه فركبه وخرج عبد الله بن أبى الحصين الازدي في القراء الذين مع عمار فقاتلوا وتقدم عقبة بن حديد النميري مستميتا ومعه اخوته وقاتلوا حتى قتلوا وتقدم شمر بن ذى الجوشن مبارزا فضرب أدهم بن محرز الباهلى وجهه بالسيف وحمل هو على أدهم فقتله وحمل قيس بن المكشوح 3 ومعه راية بجيلة فقاتل حتى أخذها آخر كذلك ولما رآى على أهل ميمنة أصحابه قد عادوا إلى مواقفهم وكشفوا العدو قبالتهم أقبل إليهم وعذلهم بعض الشئ عن مفرهم وأثنى على وجوههم وقاتل الناس قتالا شديدا وتبارز الشجعان من كل جانب وأقبلت قبائل طيئ والنخع وخرجت حمير من ميمنة أهل الشأم وتقدم ذو الكلاع ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب فقصد ربيعة في ميسرة أهل العراق وعليهم ابن عباس وحملوا عليهم حملة شديدة فثبتت ربيعة وأهل الحفاظ منهم وانهزم الضعفاء والفشلة ثم رجعوا ولحقت بهم عبد القيس وحملوا على حمير فقتل ذو الكلاع وعبيد الله بن عمر وأخذ سيف ذى الكلاع وكان لعمر فلما ملك معاوية العراق أخذه من قاتله ثم خرج عمار بن ياسر وقال اللهم انى لا أعمل اليوم عملا أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقين ثم نادى من سعى في رضوان ربه فلا يرجع إلى مال ولا ولد فأتاه عصابة اقصدوا بنا هؤلاء الذين يطلبون بدم عثمان

[ 174 ]

يخادعون بذلك عما في نفوسهم من الباطل ثم مضى فلا يمر بواد من صفين الا اتبعه من هناك من الصحابة ثم جاء إلى هاشم بن عتبة وكان صاحب الراية فأنهضه حتى دنا من عمرو بن العاصى وقال يا عمرو بعت دينك بمصر تبا لك فقال انما أطلب دم عثمان فقال أشهد أنك لا تطلب وجه الله في كلام كثير من أمثال ذلك وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في عمار تقتله الفئة الباغية ولما قتل عمار حمل على وحمل معه ربيعة ومضر وهمدان حملة منكرة فلم يبق لاهل الشأم صف الا انتقض حتى بلغوا معاوية فناداه على علام يقتل الناس بيننا هلم أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقام له الامر فقال له عمرو أنصفك فقال له معاوية لكنك ما أنصفت وأسر يومئذ جماعة من أصحاب على فترك سبيلهم وكذلك فعل على ومر على بكتيبة من الشأم قد ثبتوا فبعث إليهم محمد ابن الحنفية فأزالهم عن مواقفهم وصرع عبد الله بن كعب المرادى فمر به الاسود بن قيس فأوصاه بتقوى الله والقتال مع على وقال أبلغه عنى السلام وقال له قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك فانه من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره فانه العالي ثم اقتتل الناس إلى الصباح وهى ليلة الجمعة وتسمى ليلة الهرير وعلى يسير بين الصفوف ويحرض كل كتيبة على التقدم حتى أصبح والمعركة كلها خلف ظهره والاشتر في الميمنة وابن عباس في الميسرة والناس يقتتلون من كل جانب وذلك يوم الجمعة ثم ركب الاشتر ودعا الناس إلى الحملة على أهل الشأم فحمل حتى انتهى إلى عسكرهم وقتل صاحب رايتهم وأمده على بالرجال فلما رآى عمرو شدة أهل العراق وخاف على أصحابه الهلاك قال لمعاوية مر الناس يرفعون المصاحف على الرماح ويقولون كتاب الله بيننا وبينكم فان قبلوا ذلك ارتفع عنا القتال وان أبى بعضهم وجدنا في افتراقهم راحة ففعلوا ذلك فقال الناس نجيب إلى كتاب الله فقال لهم على يا عباد الله امضوا على حقكم وقتال عدوكم فان معاوية وابن أبى معيط وحبيبا وابن أبى سرح والضحاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم صحبتهم اطفالا ورجالا فكانوا شر اطفال وشر رجال ويحكم والله ما رفعوها الا مكيدة وخديعة فقالوا لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فلا نقبل فقال انما قتلناهم ليدينوا بكتاب الله فانهم نبذوه فقال له مسعر بن فدك التميمي وزيد بن حصين الطائى في عصابة من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك يا على أجب إلى كتاب الله والا دفعنا برمتك إلى القوم أو فعلنا بك ما فعلنا بابن عفان فقال ان تطيعوني فقاتلوا وان تعصوني فافعلوا ما بدا لكم قالوا فابعث إلى الاشتر وكفه عن القتال فبعث إليه يزيد بن هانئ بذلك فابى وقال قد رجوت أن يفتح الله لى فلما جاء يزيد بذلك ارتج الموقف

[ 175 ]

باللغط وقالوا لعلى ما نراك الا أمرته بقتال فابعث إليه فليأتك ولا اعتزلناك فقال على ويحك يا يزيد قل له أقبل إلى فان الفتنة قد رفعت فقال الرفع المصاحف فقال نعم قال لقد ظننت أن ذلك يوقع فرقة كيف ندع هؤلاء وننصرف والفتح قد وقع فقال يزيد تحب أن تظفر وأمير المؤمنين يسلم على عدوه أو يقتل ثم أقبل إليهم الاشتر واطال عتبهم وقال امهلوني فواقا فقد احسست بالفتح فأبوا فعذلهم وأطال في عذلهم فقالوا دعنا يا أشتر قاتلناهم لله فقال بل خدعتم فانخدعتم ثم كثرت الملاحاة بينهم وتشاتموا فصاح بهم على فكفوا فقال له الاشعث بن قيس ان الناس قد رضوا بما دعوا إليه من حكم القرآن فان شئت أتيت معاوية وسألته ما يريد قال افعل فأتاه وسأله لاى شئ رفعتم المصاحف قال لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به من كتابه تبعثون رجلا ترضونه ونحن آخر ونأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ثم نتبع ما اتفقا عليه فقال الاشعث هذا الحق ورجع إلى على والناس وأخبرهم فقال الناس رضينا وقبلنا ورضى أهل الشأم عمرا وقال الاشعث وأولئك القراء الذين صاروا خوارج رضينا بأبى موسى فقال على لا أرضاه فقال الاشعث ويزيد بن الحصين ومسعر بن فدك لا نرضى الا به قال فانه ليس ثقة قد فارقني وخذل الناس عنى وهرب منى حتى أمنته بعد شهر قالوا لا نريد الا رجلا هو منك ومن معاوية سواء قال فالاشتر قالوا وهل سعر الارض غير الاشتر قال فاصنعوا ما بدا لكم فبعثوا إلى أبى موسى وقد اعتزل القتال فقيل ان الناس قد اصطلحوا فحمد الله قيل وقد جعلوك حكما فاسترجع وجاء أبو موسى إلى العسكر وطلب الاحنف بن قيس من على أن يجعله مع أبى موسى فأبى الناس من ذلك وحضر عمرو بن العاصى عند على لتكتب القضية بحضوره فكتبوا بعد البسملة هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين فقال عمرو ليس هو بأميرنا فقال له الاحنف لا تمحها فانى أتطير بمحوها فمكث مليا ثم قال الاشعث امحها فقال على الله أكبر وذكر قصة الحديبية وفيها انك ستدعى إلى مثلها فتجيبها فقال عمرو سبحان الله نشبه بالكفار ونحن مؤمنون فقال على يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمؤمنين عدوا فقال عمرو والله لا يجمع بينى وبينك مجلس بعد اليوم فقال على أرجو أن يطهر الله مجلسي منك ومن اشباهك وكتب الكتاب هذا ما تقاضى عليه على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان قاضى على على أهل الكوفة ومن معهم ومعاوية على أهل الشأم ومن معهم انا ننزل عند حكم الله وكتابه وان لا يجمع بيننا غيره وان كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيى ما أحيا ونميت ما أمات مما وجد الحكمان في كتاب الله وهما أبو موسى عبد الله ابن قيس وعمرو بن العاصى وما لم يجدا في كتب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة

[ 176 ]

وأخذ الحكمان من على ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهليهما والامة لهما أنصار على الذى يتقاضيان عليه وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاصى عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الامة ولا يورداها في حرب ولا فرقة حتى يقضيا وأجلا القضاء إلى رمضان وأن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه وان مكان قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشأم وشهد رجال من أهل العراق ورجال من أهل الشأم وضعوا خطوطهم في الصحيفة وأبى الاشتر أن يكتب اسمه فيها وحاوره الاشعث في ذلك فأساء الرد عليه وتهدده وكتب الكتاب لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين واتفقوا على أن يوافي على موضع الحكمين بدومة الجندل وبأذرح في شهر رمضان ثم جاء بعض الناس إلى على يحضه على قتال القوم فقال لا يصلح الرجوع بعد الرضى ولا التبديل بعد الاقرار ثم رجع الناس عن صفين ورجع على وخالفت الحرورية وأنكروا تحكيم الرجال ورجعوا على غير الطريق الذى جاؤا فيه حتى جازوا النخيلة ورأوا بيوت الكوفة ومر على بقبر خباب بن الارت توفى بعد خروجه فوقف واسترحم له ثم دخل الكوفة فسمع رجة البكاء في الدور فقال يبكين على القتلى فترحم لهم ولم يزل يذكر الله حتى دخل القصر فلم تدخل الخوارج معه وأتوا حرورا فنزلوا بها في اثنى عشر ألفا وقدموا شبث بن عمر التميمي أمير القتال وعبيد الله بن الكوا اليشكرى أمير الصلاة قالوا البيعة لله عزوجل والامر بالمعروف والنهى عن المنكر والامر شورى بعد الفتح فقالوا للناس بايعتم عليا انكم أولياء من والى وأعداء من عادى وبايع أهل الشأم معاوية على ما أحب وكرهوا فلستم جميعا من الحق في شئ فقال لهم زياد بن النضر والله ما بايعناه الا على الكتاب والسنة لكن لما خالفتموه تعينتم للضلال وتعينا للحق ثم بعث على عبد الله بن عباس إليهم وقال لا تراجعهم حتى آتيك فلم يصبر عن مكالمتهم وقال ما نقمتم من أمر الحكمين وقد أمر الله بهما بين الزوجين فكيف بالامة فقالوا لا يكون هذا بالرأى والقياس فان ذلك جعله الله حكما للعباد وهذا أمضاه كما أمضى حكم الزانى والسارق قال ابن عباس قال الله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم قالوا والاخرى كذلك وليس أمر الصيد والزوجين كدماء المسلمين ثم قالوا له قد كنا بالامس نقاتل عمرو بن العاصى فان كان عدلا فعلى ما قتلناه وان لم يكن عدلا فكيف يسوغ تحكيمه وأنتم قد حكمتم الرجال في أمر معاوية وأصحابه والله تعالى قد أمضى حكمه فيهم أن يقتلوا أو يرجعوا وجعلتم بينكم الموادعة في الكتب وقد قطعها الله بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة ثم جاء على إلى فسطاط يزيد بن قيس منهم بعد ان علم أنهم يرجعون إليه في رأيهم فصلى عنده ركعتين وولاه على اصبهان

[ 177 ]

والرى ثم خرج إليهم وهم في مجلس ابن عباس فقال من زعيمكم قالوا ابن الكوا قال فما هذا الخروج قالوا لحكومتكم يوم صفين قال أنشدكم الله أتعلمون انه لم يكن رأيى وانما كان رأيكم مع انى اشترطت على الحكمين أن يحكما بحكم القرآن فان فعلا فلا ضير وان خالفا فلا خير ونحن برآء من حكمهم قالوا فتحكيم الرجال في الدماء عدل قال انما حكمنا القرآن الا أنه لا ينطق وانما يتكلم به الرجال قالوا فلم جعلتم الاجل بينكم قال لعل الله يأتي فيه بالهدنة بعد افتراق الامة فرجعوا إلى رأيه وقال ادخلوا مصركم فلنمكث ستة أشهر حتى يجبى المال ويسمن الكراع ثم نخرج إلى عدونا فدخلوا من عند آخرهم * (أمر الحكمين) * ولما انقضى الاجل وحان وقت الحكمين بعث على أبا موسى الاشعري في أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ الحارثى ومعهم عبد الله بن عباس يصلى بهم وأوصى شريحا بموعظة عمر فلما سمعها قال متى كنت أقبل مشورة على وأعتد برأيه قال وما يمنعك أن تقبل من سيد المسلمين وأساء الرد عليه فسكت عنه وبعث معاوية عمرو بن العاصى في أربعمائة من أهل الشام والتقوا بأذرح من دومة الجندل فكان أصحاب عمرو أطوع من أصحاب ابن عباس لابن عباس حتى لم يكونوا يسألوه عن كتاب معاوية إذا جاءه ويسأل أهل العراق ابن عباس ويتهمونه وحضر مع الحكمين عبد الله بن عمر وعبد الرحمن ابن أبى بكر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام وعبد الرحمن ابن عبد يغوث الزهري وأبو جهم بن حذيفة العدوى والمغيرة بن شعبة وسعد بن أبى وقاص على خلاف فيه وقيل قدم على حضوره فأحرم بعمرة من بيت المقدس ولما اجتمع الحكمان قال عمرو لابي موسى أتعلم ان عثمان قتل مظلوما وان معاوية وقومه أولياؤه قال بلى قال فما يمنعك منه وهو في قريش كما علمت وان قصرت به السابقة قدمه حسن السياسة وانه صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتبه وصاحبه والطالب بدم عثمان وعرض بالولاية فقال أبو موسى يا عمرو اتق الله واعلم ان هذا الامر ليس بالشرف والا لكان لآل ابرهة بن الصباح وانما هو بالدين والفضل مع انه لو كان بشرف قريش لكان لعلى بن أبى طالب وما كنت لارى لمعاوية طلبه دم عثمان وأوليه وأدع المهاجرين الاولين وما تعريضك بالولاية فلو خرج لى معاوية عن سلطانه ما وليته وما أرتشى في حكم الله ثم دعاه إلى تولية عبد الله بن عمر فقال له عمرو فما يمنعك من ابني وهو من علمت فقال هو رجل صدق ولكنك غمسته في الفتنة فقال عمرو إن هذا الامر لا يصلح الا لرجل له ضرس يأكل ويطعم وكانت في ابن عمر غفلة وكان ابن الزبير بازائه

[ 178 ]

فنبهه لما قال فقال ابن عمر لا أرشو عليها أبدا ثم قال أبو موسى يا ابن العاص ان العرب أسندت أمرها اليك بعد المقارعة بالسيوف فلا تردنهم في فتنة قال له فخبرني ما رأيك قال أرى أن نخلع الرجلين ونجعل الامر شورى يختار المسلمون لانفسهم فقال عمرو الرأى ما رأيت ثم أقبلوا على الناس وهم ينتظرونهم وكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في الكلام لما له من الصحبة والسن فقال يا أبا موسى أعلمهم ان رأينا قد اتفق فقال إنا رأينا أمرا نرجوا الله أن يصلح به الامة فقال له ابن عباس ويحك أظنه خدعك فاجعل له الكلام قبلك فأبى وقال أيها الناس إنا نظرنا في أمر الامة فلم نر أصلح لهم مما اتفقنا عليه وهو أن نخلع عليا ومعاوية ويولى الناس أمرهم من أحبوا وانى قد خلعتهما فولوا من رأيتموه أهلا فقال عمرو ان هذا قد خلع صاحبه وقد خلعته كما خلعه وأثبت معاوية فهو ولى ابن عفان وأحق الناس بمقامه ثم غدا ابن عباس وسعد على ابى موسى باللائمة فقال ما أصنع غدرني ورجع باللائمة على عمرو وقال لا وفقك الله غدرت وفجرت وحمل شريح على عمرو فضربه بالسيف وضربه ابن عمر كذلك وحجز الناس بينهم فلحق أبو موسى بمكة وانصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة ورجع ابن عباس وشريح إلى على بالخبر فكان يقنت إذا صلى الغداة ويقول اللهم العن معاوية وعمرا وحبيبا وعبد الرحمن بن مخلد والضحاك بن قيس والوليد وأبا الاعور وبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت يلعن عليا وابن عباس والحسن والحسين والاشتر (3) * (أمر الخوارج وقتالهم) * ولما اعتزم على أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه زرعة بن البرح الطائى وحرقوص بن زهير السعدى من الخوارج وقالا له تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم وقال على قد كتبنا بيننا وبينهم كتابا وعاهدناهم فقال حرقوص ذلك ذنب تنبغي التوبة منه فقال على ليس بذنب ولكنه عجز من الرأى فقال زرعة لئن لم تدع تحكيم الرجال لا قاتلنك أطلب وجه الله فقال على بؤسا لك كأنى بك قتيلا تسفى عليك الرياح قال وددت لو كان ذلك وخرجا من عنده يناديان لا حكم الا لله وخطب على يوما فتنادوا من جوانب المسجد بهذه الكلمة فقال على الله أكبر كلمة حق أريد بها باطل وخطب ثانيا فقالوا كذلك فقال أما ان لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه ولا الفئ ما دمتم معنا ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا وننتظر فيكم أمر الله ثم اجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبى فوعظهم وحرضهم على الخروج إلى بعض النواحى لانكار هذه البدع وتبعه حرقوص بن زهير في المقالة

[ 179 ]

فقال حمزة بن سنان الاسدي الرأى ما رأيتم لكن لا بد لكم من أمير وراية فعرضوها على زيد بن حصين الطائى ثم حرقوص ثم زهير ثم حمزة بن سنان ثم شريح بن أو في العنسى فأبوا ثم عرضوها على عبد الله بن وهب فأجاب فبايعوه لعشر خلون من شوال وكان يقال له ذو الثفنات ثم اجتمعوا في منزل شريح وتشاوروا وكتب ابن وهب إلى أهل البصرة منهم يستحشدهم على اللحاق بهم ولما اعتزموا على السير تعبدوا ليلة الجمعة ويومها وساروا فخرج معهم طرفة بن عدى بن حاتم الطائى واتبعه أبوه إلى المدائن فلم يقدر عليه فرجع ولقيه عبد الله بن وهب في عشرين فارسا وأراد قتله فمنعه من كان معه من طيئ وأرسل على إلى عامل المدائن سعد بن مسعود بخبرهم فاستخلف ابن أخيه المختار بن عبيد وسار في طلبهم في خمسمائة فارس فتركوا طريقهم وساروا على بغداد ولحقهم سعد بالكرخ مساء وجاءه عبد الله في ثلاثين فارسا وقاتلهم وامتنعوا وأشار أصحابه بتركهم إلى أن يأتي فيهم أمر على فأبى ولما جن عليهم الليل عبر عبد الله إليهم دجلة وسار إلى أصحابه بالنهروان واجتمعت خوارج البصرة في خمسمائة رجل عليهم مسعر بن فدكى التميمي واتبعهم أبو الاسود الدؤلى بأمر ابن عباس ولحقهم فاقتتلوا حتى حجز بينهم الليل فأدلج مسعر بأصحابه فلحق بعبد الله بن وهب بالنهروان ولما خرجت الخوارج بايع على أصحابه على قتالهم ثم انكر شان الحكمين وخطب الناس وقال بعد الحمد لله والموعظة ألا إن هذين الحكمين نبذا حكم القرآن واتبع كل واحد هواه واختلفا في الحكم وكلاهما لم يرشد فاستعدوا للسير إلى الشام وكتب إلى الخوارج بالنهروان بذلك واستحثهم للمسير إلى العدو وقال نحن على الامر الاول الذى كنا عليه فكتبوا إليه انك غضبت لنفسك ولم تغضب لربك فان شهدت على نفسك بالكفر وتبت نظرنا بيننا وبينك والا فقد نابذناك على السواء فيئس على منهم ورآى أن يمضى إلى الشام ويدعهم وقام في الناس يحرضهم لذلك وكتب إلى ابن عباس من معسكره بالنخيلة يأمره بالشخوص بالعساكر والمقام إلى أن يأتي أمره فأشخص ابن عباس الاحنف بن قيس في ألف وخمسمائة ثم خطب ثانية وندب الناس وقال كيف ينفر هذا العدد القليل وأنتم ستون ألف مقاتل ثم تهددهم وأمرهم بالنفير مع جارية بن قدامة السعدى فخرج معه ألف وستمائة ووافوا عليا في ثلاثة آلاف أو يزيدون ثم خطب أهل الكوفة ولاطفهم بالقول وحرضهم وأخبرهم بما فعل أهل البصرة مع كثرتهم وقال ليكتب إلى كل رئيس منكم ما في عشيرته من المقاتلة من أبنائهم ومواليهم فأجابه سعيد بن قيس الهمداني ومعقل بن قيس وعدى بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدى واشراف الناس بالسمع والطاعة وأمروا ذويهم ألا يختلف منهم أحد فكانوا أربعين ألف مقاتل وسبعة عشر

[ 180 ]

ممن بلغ الحلم وانتهت عساكره إلى ثمانية وستين ألفا وبلغه أن الناس يرون تقديم الخوارج فقال لهم ان قتال أهل الشام أهم علينا لانهم يقاتلونكم ليكونوا ملوكا جبارين ويتخذوا عباد الله خولا فرجعوا إلى رأيه وقالوا سر بنا إلى حيث شئت وبينما هو على اعتزام السير إلى أهل الشام بلغه ان خوارج أهل البصرة لقوا عبد الله بن خباب من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من النهروان فعرفهم بنفسه فسألوه عن أبى بكر وعمر فأثنى خيرا ثم عن عثمان في أول خلافته وآخرها فقال كان محقا في الاول والآخر فسألوه عن على قبل التحكيم وبعده فقال هو أعلم بالله وأشد توقيا على دينه فقالوا انك توالى الرجال على أسمائها ثم ذبحوه وبقروا بطن امرأته ثم قتلوا ثلاث نسوة من طيئ فأسف عليا قتلهم عبد الله بن خباب واعتراضهم على الناس فبعث الحرث بن مرة العبدى لينظر فيما بلغه عنهم فقتلوه فقال له أصحابه كيف ندع هؤلاء ونأمن غائلتهم في أموالنا وعيالنا انما نقدم أمرهم على الشام وقام الاشعث بن قيس بمثل ذلك فوافقهم على وسار إليهم وبعث من يقول لهم ادفعوا الينا قتلة اخواننا منكم فنكف عنكم حتى نرجع من قتال العرب (3) لعل الله يردكم إلى خير فقالوا كلنا قتلهم وكلنا مستحل دماءكم ودماءهم ثم جاءهم قيس بن سعد ووعظهم وأبو أيوب الانصاري كذلك ثم جاءهم على فتهددهم وسفه رأيهم ويريهم شأن الحكمين وانهما لما خالفا حكم الكتاب والسنة نبذنا أمرهما ونحن على الامر الاول فقالوا انا كفرنا بالتحكيم وقد تبنا فان تبت أنت فنحن معك وان أبيت فقد نابذناك فقال كيف أحكم على نفسي بالكفر بعد ايمانى وهجرتي وجهادي ثم انصرف عنهم وقيل ان عليا خطبهم وأغلظ عليهم فيما فعلوه من الاستعراض والقتل فتنادوا لا تكلموهم وتأهبوا للقاء الله ثم قصدوا جسر الخوارج ولحقهم على دونه وقد عبى أصحابه وعلى ميمنته حجر بن عدى وعلى ميسرته شبث بن ربعى أو معقل بن قيس وعلى الخيل أبو أيوب وعلى الرجالة أبو قتادة وعلى أهل المدينة سبعمائة أو ثمانمائة قيس بن سعد وعبأت نحوه الخوارج على ميمنتهم زيد بن حصين الطائى وعلى الميسرة شريح بن أو في العنسى وعلى الخيل حمزة بن سنان الاسدي وعلى الرجالة حرقوص بن زهير ودفع على إلى أبى أيوب راية أمانا لهم لمن جاءها ممن لم يقتل ولم يستعرض فناداهم إليها وقال من انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن فاعتزل عنهم فروة بن نوفل الاشجعى في خمسمائة وقال أعتزل حتى يتضح لى أمر في قتال على فنزل الدسكرة وخرج آخرون إلى الكوفة ورجع آخرون إلى على وكانوا أربعة آلاف وبقى منهم ألف وثمانمائة فحمل عليهم على والناس حتى فرقهم على الميمنة والميسرة ثم استقبلتهم الرماة وعطفت عليهم الخيل من المجنبتين ونهض إليهم الرجال بالسلاح فهلكوا كلهم في ساعة واحدة كأنما

[ 181 ]

قيل لهم موتوا وقتل عبد الله بن وهب وزيد بن حصن وحرقوص بن زهير وعبد الله ابن شجرة وشريح بن أو في وأمر على أن يلتمس المخدج في قتلاهم وهو الذى ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في علاماتهم فوجد في القتلى فاعتبر على وكبر واستنصر الناس وأخذ ما في عسكرهم من السلاح والدواب فقسمه بين المسلمين ورد عليهم المتاع والاماء والعبيد ودفن عدى بن حاتم ابنه طرفة ورجالا من المسلمين فنهى على عن ذلك وارتحل ولم يفقد من أصحابه الا سبعة أو نحوهم وشكا إليه الناس الكلال ونفود السهام والرماح وطلبوا الرجوع إلى الكوفة ليستعدوا فانه أقوى على القتال وكان الذى تولى كلامه الاشعث بن قيس فلم يجبه وأقبل فنزل ومنعهم من دخول منازلهم حتى يسيروا إلى عدوهم فتسللوا أيام المقامة إلى البيوت وتركوا المعسكر خاليا فلما رآى على ذلك دخل ثم ندبهم ثانيا فلم ينفروا فأقام أياما ثم كلم رؤساءهم على رأيهم والذى يبطئ بهم فلم ينشط من ذلك الا القليل فخطبهم وأغلظ في عتابهم وأعلمهم بما له عليهم من الطاعة في الحق والنصح فتثاقلوا وسكتوا * (ولاية عمرو بن العاصى مصر) * قد تقدم لنا ما كان من اجتماع العثمانية بنواحي مصر مع معاوية بن حديج السكوني وان محمد بن أبى بكر بعث إليهم العساكر من الفسطاط مع ابن مضاهم فهزموه وقتلوه واضطربت الفتنة بمصر على محمد بن أبى بكر وبلغ ذلك عليا فبعث إلى الاشتر من مكان عمله بالجزيرة وهو نصيبين فبعثه على مصر وقال ليس لها غيرك وبلغ الخبر إلى معاوية وكان طمع في مصر فعلم أنها ستمتنع بالاشتر وجاء الاشتر فنزل على صاحب الخراج بالقلزم فمات هنالك وقيل ان معاوية بعث إلى صاحب القلزم فسمه على أن يسقط عنه الخراج وهذا بعيد وبلغ موته عليا فاسترجع واسترحم وكان محمد بن أبى بكر لما بلغته ولاية الاشتر شق عليه فكتب على يعتذر إليه وانه لم يوله لسوء رأى في محمد وانما هو لما كان يظن فيه من الشدة وقد صار إلى الله ونحن عنه راضون فرضى الله عنه وضاعف له الثواب فاصبر لعدوك وشمر للحرب وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وأكثر من ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفيك ما أهمك ويعينك على ما ولاك فأجابه محمد بالرضى برأيه والطاعة لامره وانه مزمع على حرابة من خالفه ثم لما كان من أمر الحكمين ما كان واختلف أهل العراق على على وبايع أهل الشام معاوية بالخلافة فاراد معاوية صرف عمله إلى مصر لما كان يرجو من الاستعانة على حروبه بخراجها ودعا بطانته أبا الاعور السلمى وحبيب بن مسلمة وبسر بن ارطاة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وشرحبيل بن السمط وشاورهم في شأنها

[ 182 ]

فأشار عليه عمرو بافتتاحها وأشار ببعث الجيش مع حازم صارم يوثق ويجتمع إليه من كان على رأيه من العثمانية وقال معاوية بل الرأى ان نكاتب العثمانية بالوعد ونكاتب العدو بالصلح والتخويف ونأتى الحرب من بعد ذلك ثم قال معاوية انك يا ابن العاصى بورك لك في العجلة وأنا في التؤدة فقال افعل ما تراه واظن الامر لا يصير الا للحرب فكتب معاوية إلى معاوية بن حديج ومسلمة بن مخلد يشكرهما على الخلاف ويحثهما على الحرب والقيام في دم عثمان وفرحا بجوابهما فطلب المدد فجمع أصحابه وأشاروا بذلك فأمر عمرو بن العاصى أن يتجهز إلى مصر في ستة آلاف رجل ووصاه بالتؤدة وترك العجلة فنزل أدنى أرض مصر واجتمعت إليه العثمانية وبعث كتابه وكتاب معاوية إلى محمد بن أبى بكر بالتهديد وأن الناس اجتمعوا عليك وهم مسلموك فاخرج فبعث بالكتابين إلى على فوعده بانفاذ الجيوش وأمره بقتال العدو والصبر فقدم محمد بن أبى بكر كنانة بن بشر في ألفين فبعث معاوية عمرو بن حديج وسرحه في أهل الشام فأحاطوا بكنانة فترجل عن فرسه وقاتل حتى استشهد وجاء الخبر إلى محمد بن أبى بكر فافترق عنه أصحابه وآوى في مفره إلى خربة واستتر في تلك الخربة فقبض عليه فأخذه ابن حديج وجاء به إلى الفسطاط وطلب أخوه عبد الرحمن من عمرو أن يبعث إلى ابن حديج في البقاء عليه فأبى وطلب محمد الماء فمنعه ابن حديج جزاء بما فعل بعثمان ثم أحرقه في جوف حمار بعد أن لعنه ودعا عليه وعلى معاوية وعمرو وكانت عائشة تقنت في الصلاة بالدعاء على قتلته ويقال انه لما انهزم اختفى عند جبلة بن مسروق حتى أحاط به معاوية بن حديج وأصحابه فخرج إليهم فقاتل حتى قتل ولما بلغ الخبر عليا خطب الناس وندبهم إلى اعدائهم وقال اخرجوا بنا إلى الجرعة بين الحيرة والكوفة وخرج من الغد إلى منتصف النهار يمشى إليها حتى نزلها فلم يلحق به أحد فرجع من العشى وجمع اشراف الناس ووبخهم فأجاب مالك بن كعب الارحبي في ألفين فقال سر وما أراك تدركهم فسار خمسا ولقى حجاج بن عرفة الانصاري قادما من مصر فأخبره بقتل محمد وجاء إلى على عبد الرحمن ابن شبث الفزارى وكان عينا له بالشام فأخبره بقتل محمد واستيلاء عمرو على مصر فحزن لذلك وبعث إلى مالك بن كعب أن يرجع بالجيش وخطب الناس فأخبرهم بالخبر وعذلهم على ما كان منهم من التثاقل حتى فات هذا الامر ووبخهم طويلا ثم نزل * (دعاء ابن الحضرمي بالبصرة لمعاوية ومقتله) * ولما فتح معاوية مصر بعث عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة داعيا لهم وقد آنس منهم الطاعة بما كان من مقتل على اياهم يوم الجمل وانهم على رأيه في دم عثمان وأوصاه بالنزول في مصر يتودد إلى الازد وحذره من ربيعة وقال انهم ترائبه يعنى شيعة لعلى

[ 183 ]

فسار ابن الحضرمي حتى قدم البصرة (وكان ابن عباس قد خرج إلى على واستخلف عليها زيادا) ونزل في بنى تميم واجتمع إليه العثمانية فحضهم على الطلب بدم عثمان من على فقال الضحاك بن قيس الهلالي قبح الله ما جئت به وما تدعو إليه تحملنا على الفرقة بعد الاجتماع وعلى الموت ليكون معاوية أميرا فقال له عبد الله بن حازم السلمى اسكت فلست لها بأهل ثم قال لابن الحضرمي نحن انصارك ويدك والقول قولك فقرأ كتاب معاوية يدعوهم إلى رأيه من الطلب بدم عثمان على أن يعمل فيهم بالسنة ويضاعف لهم الاعطية فلما فرغ من قراءته قام الاحنف بن قيس معتزلا وحض عمر بن مرحوم على لزوم البيعة والجماعة وقام العباس بن حجر في مناصرة ابن الحضرمي فقال له المثنى بن مخرمة لا يغرنك ابن صحار وارجع من حيث جئت فقال ابن الحضرمي لصبرة بن شيمان الازدي ألا تنصرنى قال لو نزلت عندي فعلت ودعا زياد أمير البصرة حضين بن المنذر ومالك بن مسمع ورؤس بكر بن وائل إلى المنعة من ابن الحضرمي إلى أن يأتي أمر على فأجاب حضين وتثاقل مالك وكان هواه في بنى أمية فأرسل زياد إلى صبرة بن شيمان يدعوه إلى الجوار بما معه من بيت المال فقال ان حملته إلى دارى أجرتك فتحول إليه ببيت المال والمنبر وكان يصلى الجمعة في مسجد قومه وأراد زياد اختبارهم فبعث إليهم من ينذرهم بمسيره بهم إليهم وأخذ زياد جندا منهم بعد صبره لذلك وقال ان جاؤا جئناهم وكتب زياد إلى على بالخبر فارسل أعين بن ضبيعة ليفرق تميما عن ابن الحضرمي ويقاتل من عصاه بمن أطاعه فجاء لذلك وقاتلهم يوما أو بعض يوم ثم اغتاله قوم فقتلوه ويقال من الخوارج * (ولاية زياد على فارس) * ولما قتل ابن الحضرمي بالبصرة والناس مختلفون على على طمع أهل النواحى من بلاد العجم في كسر الخراج وأخرج أهل فارس عاملهم سهل بن حنيف فاستشار على الناس فأشار عليه جارية بن قدامة بزياد فأمر ابن عباس أن يوليه عليها فبعثه إليها في جيش كثيف فطوى بهم أهل فارس وضرب ببعضهم بعضا وهرب قوم وأقام آخرون وصفت له فارس بغير حرب ثم تقدم إلى كرمان فدوخها مثل ذلك فاستقامت وسكن الناس ونزل اصطخر وسكن قلعة بها تسمى قلعة زياد * (فراق ابن عباس لعلى رضى الله عنهم) * وفى سنة أربعين فارق عبد الله بن عباس عليا ولحق بمكة وذلك انه مر يوما بأبى الاسود ووبخه على أمر فكتب أبو الاسود إلى على بان ابن عباس استتر بأموال الله فاجابه على

[ 184 ]

يشكره على ذلك وكتب لابن عباس ولم يخبره بالكاتب فكتب إليه بكذب ما بلغه من ذلك وانه ضابط للمال حافظ له فكتب إليه على أعلمني ما أخذت ومن أين أخذت وفيما صنعت فكتب إليه ابن عباس فهمت استعظامك لما رفع اليك انى رزأته من هذا المال فابعث إلى عملك ولم يبعث الاموال وقال هذه ارزاقنا واتبعه أهل البصرة ووقفت دونه قيس فرجع صبرة بن شيمان الهمداني بالازد وقال قيس اخواننا وهم خير من المال فأطيعوني وانصرف معهم بكر وعبد القيس ثم انصرف الاحنف بقومه من بنى تميم وحجز بقية تميم عنه ولحق ابن عباس بمكة * (مقتل على) * قتل رضى الله عنه سنة أربعين لسبع عشرة من رمضان وقيل لاحدى عشرة وقيل في ربيع الآخر والاول أصح وكان سبب قتله ان عبد الرحمن بن ملجم المرادى والبرك بن عبدا لله التميمي الصريمى واسمه الحجاج وعمرو بن بكر التميمي السعدى ثلاثتهم من الخوارج لحقوا من فلهم بالحجاز واجتمعوا فتذاكروا ما فيه الناس وعابوا الولاة وترحموا على قتلى النهروان وقالوا ما نصنع بالبقاء بعدهم فلو شرينا أنفسنا وقتلنا أئمة الضلال وأرحنا منهم الناس فقال ابن ملجم وكان من مصر أنا أكفيكم عليا وقال البرك أنا أكفيكم معاوية وقال عمرو بن بكر التميمي أنا أكفيكم عمرو بن العاصى وتعاهدوا أن لا يرجع أحد عن صاحبه حتى يقتله أو يموت واتعدوا لسبع عشرة من رمضان وانطلقوا ولقى ابن ملجم أصحابه بالكوفة فطوى خبره عنهم ثم جاء إلى شبيب بن شجرة من أشجع ودعاه إلى الموافقة في شأنه فقال شبيب ثكلتك أمك فكيف تقدر على قتله قال أكمن له في المسجد في صلاة الغد فان قتلناه والا فهى الشهادة قال ويحك لا أجدني أنشرح لقتله مع سابقته وفضله قال ألم يقتل العباد الصالحين اهل النهروان قال بلى قال فنقتله بمن قتله منهم فأجابه ثم لقى امرأة من تيم الرباب فائقة الجمال قتل أبوها وأخوها يوم النهروان فأخذت قلبه فخطبها فشرطت عليه عبدا وقينة وقتل على فقال كيف يمكن ما أنت تريدين قالت التمس غرته فان قتلته شفيت النفوس والا فهى الشهادة قال والله ما جئت الا لذلك ولك ما سألت قالت سأبعث معك من يشد ظهرك ويساعدك وبعثت معه رجلا من قومها اسمه وردان فلما كانت الليلة التى واعد ابن ملجم أصحابه على قتل على وكانت ليلة الجمعة جاء إلى المسجد ومعه شبيب ووردان وجلسوا مقابل السدة التى يخرج منها على للصلاة فلما خرج ونادى للصلاة علاه شبيب بالسيف فوقع بعضادة الباب وضربه ابن ملجم على مقدم رأسه وقال الحكم لله لا لك يا على ولا لاصحابك وهرب وردان إلى منزله وأخبر بعض أصحابه بالامر فقتله

[ 185 ]

وهرب شبيب مغلسا وصاح الناس به فلحقه رجل من حضر موت فأخذه وجلس عليه والسيف في يد شبيب والناس قد أقبلوا في طلبه وخشى الحضرمي على نفسه لاختلاط الغلس فتركه وذهب في غمار الناس وشد الناس على ابن ملجم واستخلف على على الصلاة جعدة بن هبيرة وهو ابن أخته أم هانئ فصلى الغداة بالناس وأدخل ابن ملجم مكتوفا على على فقال أي عدو الله ما حملك على هذا قال شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه فقال أراك مقتولا به ثم قال ان هلكت فاقتلوه كما قتلني وان بقيت رأيت فيه رأيى يا بنى عبد المطلب لا تحرضون على دماء المسلمين وتقولون قتل أمير المؤمنين لا تقتلوا الا قاتلي يا حسن ان أنا مت من ضربتي هذه فاضربه بسيفه ولا تمثلن بالرجل فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اياكم والمثلة وقالت أم كلثوم لابن ملجم وهو مكتوف وهى تبكى أي عدو الله انه لا بأس على أبى والله مخزيك قال فعلام تبكين والله لقد شريته بألف وضلعته أربعين ولو كانت هذه الضربة بأهل بلد ما بقى منهم أحد وقال جندب بن عبد الله لعلى أنبايع الحسن ان فقدناك قال ما آمركم به ولا أنهاكم أنتم أبصر ثم دعا الحسن والحسين ووصاهما قال أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وان بغتكما ولا تأسفا على شئ زوى منها عنكما وقولا الحق وارحما اليتيم وأعينا الضائع وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكما في الله لومة لائم ثم قال لمحمد بن حنفية انى أوصيك بمثل ذلك وبتوقير أخويك لعظيم حقهما عليك ولا تقطع أمرا دونهما ثم وصاهما بابن الحنفية ثم أعاد على الحسن وصيته ولما حضرته الوفاة كتب وصيته العامة ولم ينطق الا بلا اله الا الله حتى قبض فأحضر الحسن ابن ملجم فقال له هل لك في البقاء على وانى قد عاهدت الله أن اقتل عليا ومعاوية وانى عاهدت الله على الوفاء بالعهد فخل بينى وبين ذلك فان قتلته وبقيت فلك عهد الله أن آتيك فقال لا والله حتى تعاين النار ثم قدمه فقتله واما البرك فانه قعد لمعاوية تلك الليلة فلما خرج للصلاة ضربه بالسيف في أليته واخذ فقال عندي بشرى اتنفعنى ان أخبرتك بها قال نعم قال ان أخا لى قتل عليا هذه الليلة قال فلعله لم يقدر عليه قال بلى ان عليا ليس معه حرس فأمر به معاوية فقتل وأحضر الطبيب فقال ليس الا الكى أو شربة تقطع منك الولد فقال في يزيد وعبد الله ما تقربه عينى والنار لاصبر لى عليها وقد قيل انه أمر بقطع البرك فقطع وأقام إلى أيام زياد فقتله بالبصرة وعند ذلك اتخذ معاوية المقصورة وحرس الليل وقيام الشرط على راسه إذا سجد ويقال ان أول من اتخذ المقصورة مروان بن الحكم سنة أربع وأربعين حين طعنه اليماني وأما عمرو ابن بكر فانه جلس لعمرو بن العاصى تلك الليلة فلم يخرج وكان اشتكى فأمر صاحب

[ 186 ]

شرطته خارجة بن أبى حبيبة بن عامر بن لؤى يصلى بالناس فشد عليه فضربه فقتله وهو يرى أنه عمرو بن العاص فلما أخذوه وأدخلوه على عمرو قال فمن قتلت إذا قالوا خارجة فقال لعمرو بن العاص والله ما ظننته غيرك فقال عمرو أردت عمرا واراد الله خارجه وامر بقتله وتوفى على رضى الله عنه وعلى البصرة عبد الله بن عباس وعلى قضائها أبو الاسود الدؤلى وعلى فارس زياد بن سمية وعلى اليمن عبيد الله بن العباس حتى وقع أمر بسر بن أبى أرطاة وعلى مكة والطائف قثم بن عباس وعلى المدينة أبو أيوب الانصاري وقيل سهل بن حنيف * (بيعة الحسن وتسليمه الامر لمعاوية) * ولما قتل على رضى الله عنه اجتمع أصحابه فبايعوا ابنه الحسن وأول من بايعه قيس ابن سعد وقال ابسط يدك على كتاب الله وسنة رسوله وقتال الملحدين فقال الحسن على كتاب الله وسنة رسوله ويأتيان على كل شرط ثم بايعه الناس فكان يشترط عليهم انكم سامعون مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت فارتابوا وقالوا ما هذا لكم بصاحب وما يريد القتال وبلغ الخبر بمقتل على إلى معاوية فبويع بالخلافة ودعى بأمير المؤمنين وقد كان بويع بها بعد اجتماع الحكمين ولاربعين ليلة بعد مقتل على مات الاشعث بن قيس الكندى من أصحابه ثم مات من أصحاب معاوية شرحبيل بن السمط الكندى وكان على قبل قتله قد تجهز بالمسلمين إلى الشام وبايعه أربعون ألفا من عسكره على الموت فلما بويع الحسن زحف معاوية في أهل الشام إلى الكوفة فسار الحسن في ذلك الجيش للقائه وعلى مقدمته قيس بن سعد في اثنى عشر ألفا وقيل بل كان عبد الله بن عباس على المقدمة وقيس في طلائعه فلما نزل الحسن في المدائن شاع في العسكر ان قيس بن سعد قتل واهتاج الناس وماج بعضهم في بعض وجاؤا إلى سرادق الحسن ونهبوا ما حوله حتى نزعوه بساطه الذى كان عليه واستلبوه رداءه وطعنه بعضهم في فخذه وقامت ربيعة وهمدان دونه واحتملوه على سرير إلى المدائن ودخل إلى القصر وكاد امره ان ينحل فكتب إلى معاوية يذكر له النزول عن الامر على ان يعطيه ما في بيت المال بالكوفة ومبلغه خمسة آلاف ألف ويعطيه خراج دارابجرد من فارس وألا يشتم عليا وهو يسمع وأخبر بذلك أخوه الحسين وعبد الله بن جعفر وعذلاه فلم يرجع اليهما وبلغت صحيفته إلى معاوية فأمسكها وكان قد بعث عبد الله بن عامر وعبد الله بن سمرة إلى الحسن ومعهما صحيفة بيضاء ختم في أسفلها وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة ما شئت فهو لك فاشترط فيها أضعاف ما كان في الصحيفة فلما سلم له وطالبه في الشروط أعطاه ما في الصحيفة الاولى وقال هو الذى طلبت ثم نزعه أهل

[ 187 ]

البصرة خراج دارابجرد وقالوا هو فيئنا لا نعطيه وخطب الحسن أهل العراق وقال سخى نفسي عنكم ثلاث قتل أبى وطعنى وانتهاب بيتى ثم قال ألا وقد أصبحتم بين قبيلين قبيل بصفين يبكون له وقبيل بالنهروان يطلبون بثاره وأما الباقي فخاذل وأما الباكى فثائر وان معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة فان أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله بظبا السيوف وان أردتم الحياة قبلنا وأخذنا لكم الرضى فناداه الناس من كل جانب البقية البقية فأمضى الصلح ثم بايع لمعاوية لستة أشهر من بيعته ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس وكتب الحسن إلى قيس بن سعد يأمره بطاعة معاوية فقام قيس في أصحابه فقال نحن بين القتال مع غير امام أو طاعة امام ضلالة فقال الناس طاعة الامام أولى وانصرفوا إلى معاوية فبايعوه وامتنع قيس وانصرف فلما دخل معاوية الكوفة أشار عليه عمرو بن العاصى ان يقيم الحسن للناس خطيبا ليبدو للناس عيه فلما قدم حمد الله وقال أيها الناس ان الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وان لهذا الامر مدة والدنيا دول والله عزوجل يقول لنبيه وان أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين فقال له معاوية اجلس وعرف أنه خدع في رأيه ثم ارتحل الحسن في أهل بيته وحشمهم إلى المدينة وخرج أهل الكوفة لوداعه باكين فلم يزل مقيما بالمدينة إلى أن هلك سنة تسع وأربعين وقال أبو الفرج الاصبهاني سنة احدى وخمسين وعلى فراشه بالمدينة وما ينقل من ان معاوية دس إليه السم مع زوجه جعدة بنت الاشعث فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية من ذلك وأقام قيس بن سعد على امتناعه من البيعة وكان معاوية قد بعث عبد الله بن عامر في جيش إلى عبيد الله بن عباس لما كتب إليه في الامان بنفسه فلقيه ليلا وأمنه وسار معه إلى معاوية فقام بأمر العسكر بعده قيس بن سعد وتعاقدوا على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة على على دمائهم وأموالهم وما كانوا أصابوا في الفتنة وبلغ الخبر إلى معاوية وأشار عليه عمرو في قتاله وقال معاوية يقتل في ذلك امثالهم من أهل الشام ولا خير فيه ثم بعث إليه بصحيفة ختم في أسفلها وقال اكتب في هذا ما شئت فهو لك فكتب قيس له ولشيعته الامان على ما أصابوا من الدماء والاموال ولم يسأل مالا فأعطاه معاوية ذلك وبايعه قيس والشيعة الذين معه ثم جاء سعد بن أبى وقاص فبايعه واستقر الامر لمعاوية واتفق الجماعة على بيعته وذلك في منتصف سنة احدى وأربعين وسمى ذلك العام عام الجماعة من أجل ذلك ثم خرج عليه الخوارج من كل جهة من بقية أهل النهروان وغيرهم فقاتلهم واستلحمهم كما يأتي في أخبارهم على ما اشترطناه في تأليفنا من افراد الاخبار عن الدول وأهل النحل دولة دولة وطائفة طائفة (وهذا) آخر الكلام في الخلافة الاسلامية وما كان فيها من الردة

[ 188 ]

والفتوحات والحروب ثم الاتفاق والجماعة أوردتها ملخصة عيونها ومجامعها من كتاب محمد بن جرير الطبري وهو تاريخه الكبير فأنه أوثق ما رأيناه في ذلك وأبعد من المطاعن عن الشبه في كبار الامة من خيارهم وعدولهم من الصحابة رضى الله عنهم والتابعين فكثيرا ما يوجد في كلام المؤرخين أخبار فيها مطاعن وشبه في حقهم أكثرها من أهل الاهواء فلا ينبغى أن تسود بها الصحف وأتبعتها بمفردات من غير كتاب الطبري بعد أن تخيرت الصحيح جهد الطاقة وإذا ذكرت شيئا في الاغلب نسبته إلى قائله وقد كان ينبغى أن تلحق دولة معاوية وأخباره بدول الخلفاء وأخبارهم فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة ولا ينظر في ذلك إلى حديث الخلافة بعدى ثلاثون سنة فانه لم يصح والحق ان معاوية في عداد الخلفاء وانما أخره المؤرخون في التأليف عنهم لامرين (الاول) ان الخلافة لعهده كانت مغالبة لاجل ما قدمناه من العصبية التى حدثت لعصره وأما قبل ذلك كانت اختيارا واجتماعا فميزوا بين الحالتين فكان معاوية أول خلفاء المغالبة والعصبية الذين يعبر عنهم أهل الاهواء بالملوك ويشبهون بعضهم ببعض وحاشى الله ان يشبه معاوية بأحد ممن بعده فهو من الخلفاء الراشدين ومن كان تلوه في الدين والفضل من الخلفاء المروانية ممن تلاه في المرتبة كذلك وكذلك من بعدهم من خلفاء بنى العباس ولا يقال ان الملك ادون رتبة من الخلافة فكيف يكون خليفة ملكا (واعلم) ان الملك الذى يخالف بل ينافى الخلافة هو الجبروتية المعبر عنها بالكسروية التى أنكرها عمر على معاوية حين رآى ظواهرها واما الملك الذى هو الغلبة والقهر بالعصبية والشوكة فلا ينافى الخلافة ولا النبوة فقد كان سليمان بن داود وأبوه صلوات الله عليهما نبيين وملكين كانا على غاية الاستقامة في دنياهما وعلى طاعة ربهما عزوجل ومعاوية لم يطلب الملك ولا أبهته للاستكثار من الدنيا وانما ساقه أمر العصبية بطبعها لما استولى المسلمون على الدول كلها وكان هو خليفتهم فدعاهم بما يدعو الملوك إليه قومهم عندما تستفحل العصبية وتدعو لطبيعة الملك وكذلك شأن الخلفاء أهل الدين من بعده إذا دعتهم ضرورة الملك إلى استفحال أحكامه ودواعيه والقانون في ذلك عرض أفعالهم على الصحيح من الاخبار لا بالواهى فمن جرت أفعاله عليها فهو خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في المسلمين ومن خرجت افعاله عن ذلك فهو من ملوك الدنيا وانما سمى خليفة بالمجاز (الامر الثاني) في ذكر معاوية مع خلفاء بنى أمية دون الخلفاء الاربعة انهم كانوا أهل نسب واحد وعظيمهم معاوية فجعل مع أهل نسبه والخلفاء الاولون مختلفو الانساب فجعلوا في نمط واحد وألحق بهم عثمان وان كان من أهل هذا النسب للحوقه بهم قريبا في الفضل والله يحشرنا في زمرتهم ويرحمنا بالاقتداء بهم

[ 189 ]

* (تمت تكملة الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله) * [ الخبر عن الدول الاسلامية ونبدأ منها بدولة بنى أمية معقبة لخلفاء صدر الاسلام وذكر أوليتهم وأخبار دولهم واحدة واحدة إلى انقضائها ] كان لبنى عبد مناف الخ كمل تصحيح هذه البقية في ذى الحجة ختام سنة 1284 وصححها الفقير نصر أبو الوفا الهورينى عفا الله عنه آمين (يقول مصححها) الفقير كان معتمدي في تصحيحها على مراجعة شرح المواهب اللدنية فيما يتعلق بسيرة امام المرسلين وعلى تاريخ ابن كثير وابن الاثير فيما يتعلق بالخلفاء الراشدين والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على خير المخلوقات وآله تم يقول راجى غفران الاوزار ابراهيم الدسوقي عبد الغفار سبب تأخر طبع هذه البقية عدم وجودها بنسخ الديار المصرية وذلك أن هذا التاريخ البديع المثال البعيد المنال الفائق في بابه الرائق لطلابه لما كانت النفوس إلى طبعه مائلة والاعناق إلى حسن طلعته متطاولة لكون نسخه نادرة الوجود والنادر في حكم المفقود وما فيه من النقص والبياض اليسير لا يمنع من طبعه والتكثير لان جلب النفع مقدم على ما سواه والطبع السليم يألفه ويتمناه وما لا يدرك كله لا يترك جله انتدب إلى اختيار طبعه صاحب النخوة الوطنية والطبيعة المدنية والنفس العزيزة الابيه والجبلة التى تأبى الدنيه المقتنص من شوارد صنائع الاوروبيين الرائقة وآلاتهم المحكمة القوانين الفائقة في أيام المعرض اليسيرة ما لم ينله غيره في الاعوام الكثيرة من لم يثن عزيمته عن نفع وطنه مثنى حضرة ناظر المطبعة حسين بيك حسنى فانه كان يقتبس من مخترعاتهم بمجرد النظر ما أطالوا فيه اتعاب الفكر فلله دره ما أسرع نقله وأوسع عقله ولما كمل طبعه وفيه بقية لا توجد بنسخ الديار النيلية شرع يجد ويدأب في البحث عنها والطلب فجعل يفتش عنها في كافة المظان لاجل تخليص

[ 190 ]

الكتاب عن شين النقصان إلى أن بلغ ذلك من غذى بلبان المعارف وتضلع من تليدها والطارف الامير ابن الامير صاحب الفضل الغزير من أجابته المعارف بسعديك حضرة صبحى بيك فتفضل بارسال تلك التكملة البهيه التى هي زهرة التواريخ الاسلاميه بل هي المقصودة بالذات لاحتوائها على سيرة كامل الصفات وخلفائه الراشدين رضى الله عنهم أجمعين على ما فيها من يسير البياض في الاصلاب الذى لا تخلو عنه نسخ هذا الكتاب وكأن هذه البياضات في أصل التصنيف كما هو الغالب فيما لم يبيض من التآليف فبادر حضرة الناظر إلى طبع هذه التكملا وبها صارت النسخ متكاملة فجاءت موفية بالمرام وتمت في ختام ذى الحجة الحرام سنة 1284 أربع وثمانين بعد المائتين والالف من هجرة من خلقه الله على أكمل وصف بالمطبعة الكبرى ذات الآلات المتقنة والصنائع المستحسنة المعجبة بنفسها التائهة على أبناء جنسها في ظل من تعطرت الافواه بطيب ثنائه وبلغ من كل وصف جميل حد انتهائه ومحا ظلم الظلم بسنا صورته القمرية وأثبت مراسم العدل بسيرته العمرية والطارف الامير ابن الامير صاحب الفضل الغزير من أجابته المعارف بسعديك حضرة صبحى بيك فتفضل بارسال تلك التكملة البهيه التى هي زهرة التواريخ الاسلاميه بل هي المقصودة بالذات لاحتوائها على سيرة كامل الصفات وخلفائه الراشدين رضى الله عنهم أجمعين على ما فيها من يسير البياض في الاصلاب الذى لا تخلو عنه نسخ هذا الكتاب وكأن هذه البياضات في أصل التصنيف كما هو الغالب فيما لم يبيض من التآليف فبادر حضرة الناظر إلى طبع هذه التكملا وبها صارت النسخ متكاملة فجاءت موفية بالمرام وتمت في ختام ذى الحجة الحرام سنة 1284 أربع وثمانين بعد المائتين والالف من هجرة من خلقه الله على أكمل وصف بالمطبعة الكبرى ذات الآلات المتقنة والصنائع المستحسنة المعجبة بنفسها التائهة على أبناء جنسها في ظل من تعطرت الافواه بطيب ثنائه وبلغ من كل وصف جميل حد انتهائه ومحا ظلم الظلم بسنا صورته القمرية وأثبت مراسم العدل بسيرته العمرية وأسبل على أهل مملكته غيوث إنعامه واحسانه وشملهم بعظيم رأفته وامتنانه وبسط لهم بساط عدله وحلاهم بحلى جوده وفضله عزيز الديار المصرية وحامى حمى حوزتها النيلية سعادة أفندينا ذى القدر العلى اسمعيل بن ابراهيم بن محمد على أدام الله عز مليك مصر * وأيده بتعزيز ونصر - ولا زالت مغردة عليه * طيور اليمن في بر وبحر - فلا وحياته ما عدل كسرى * يعادل عنده معشار كسر - وما لى حيلة الا دعاء * أرجى نفعه لولى أمرى - وأما مدحه فقصور مثلى * عن الاطناب فيه عين عذرى - اللهم إنا نسألك يا أكرم مسؤل ونتوسل اليك بأعظم نبى وأكرم رسول أن تديم علينا أحكامه وتنشر على هام الخافقين أعلامه وأن تبقى أنجاله الكرام وتحرسهم بعينك التى لا تنام بجاه خاتم الرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية