الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ
 
أ ب ت  ...




تاريخ ابن خلدون ق1 - ابن خلدون ج 2

تاريخ ابن خلدون ق1

ابن خلدون ج 2


[ 1 ]

[ تاريخ ابن خلدون ] المسمى بكتاب العبر، وديوان المبتدإ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر لوحيد عصره العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المغربي المتوفى سنة 808 هجرية الجزء الثاني 1391 ه‍. - 1971 م. منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص. ب. 7120

[ 2 ]

(بسم الله الرحمن الرحيم) (الكتاب الثاني في اخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدا الخليقة إلى هذا العهد) وفيه ذكر معاصريهم من الامم المشاهير مثل السريانيين والنبط والكلدانيين والفرس والقبط وبني اسرائيل وبني يونان والروم والالمام باخبار دولهم ويتقدم الكلام في ذلك مقدمتان احداهما في أمم العالم وانسابهم على الجملة الثانية في كيفية اوضاع الانساب في هذا الكتاب * (المقدمة الاولى في أمم العالم واختلاف أجيالهم والكلام على الجملة في انسابهم) * اعلم أن الله سبحانه وتعالى اعتمر هذا العالم بخلقه وكرم بنى آدم باستخلافهم في أرضه وبثهم في نواحيها لتمام حكمته وخالف بين أممهم وأجيالهم اظهارا لآياته فيتعارفون بالانساب ويختلفون باللغات والالوان ويتمايزون بالسير والمذاهب والاخلاق ويفترقون بالنحل والاديان والاقاليم والجهات فمنهم العرب والفرس والروم وبنو اسرائيل والبربر ومنهم الصقالبة والحبش والزنج ومنهم أهل الهند وأهل بابل وأهل الصين وأهل اليمن وأهل مصر وأهل المغرب ومنهم المسلمون والنصارى واليهود والصابئة والمجوس ومنهم أهل الوبر وهم أصحاب الخيام والحلل وأهل المدر وهم

[ 3 ]

أصحاب المجاشر والقرى والاطم ومنهم البدو الظواهر والحضر الاهلون ومنهم العرب أهل البيان والفصاحة والعجم أهل الرطانة بالعبرانية والفارسية والاغريقية واللطينية والبربرية خالف أجناسهم وأحوالهم وألسنتهم وألوانهم ليتم أمر الله في اعتمار أرضه بما يتوزعونه من وظائف الرزق وحاجات المعاش بحسب خصوصياتهم ونحلهم فتظهر آثار القدرة وعجائب الصنعة وآيات الوحدانية ان في ذلك لآيات للعالمين (واعلم) أن الامتياز بالنسب أضعف المميزات لهذه الاجيال والامم لخفائه واندراسه بدروس الزمان وذهابه ولهذا كان الاختلاف كثيرا ما يقع في نسب الجيل الواحد أو الامة الواحدة إذا اتصلت مع الايام وتشعبت بطونها على الاحقاب كما وقع في نسب كثير من أهل العالم مثل اليونانيين والفرس والبربر وقحطان من العرب فإذا اختلفت الانساب واختلفت فيها المذاهب وتباينت الدعاوى استظهر كل ناسب على صحة ما ادعاه بشواهد الاحوال والمتعارف من المقارنات في الزمان والمكان وما يرجع إلى ذلك من خصائص القبائل وسمات الشعوب والفرق التى تكون فيهم منتقلة متعاقبة في بنيهم (وسئل) مالك رحمه الله تعالى عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك وقال من أين يعلم ذلك فقيل له فالى اسمعيل فأنكر ذلك وقال من يخبره به وعلى هذا درج كثير من علماء السلف وكره أيضا أن يرفع في انساب الانبياء مثل أن يقال ابراهيم بن فلان بن فلان وقال من يخبره به وكان بعضهم إذا تلا قوله تعالى والذين من بعدهم لا يعلمهم الا الله قال كذب النسابون واحتجوا أيضا بحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال من ههنا كذب النسابون واحتجوا أيضا بما ثبت فيه أنه علم لا ينفع وجهالة لا تضر إلى غير ذلك من الاستدلالات (وذهب) كثير من أئمة المحدثين والفقهاء مثل ابن اسحق والطبري والبخاري إلى جواز الرفع في الانساب ولم يكرهوه محتجين بعمل السلف فقد كان أبو بكر رضى الله عنه أنسب قريش لقريش ومضر بل ولسائر العرب وكذا ابن عباس وجبير بن مطعم وعقيل بن أبى طالب وكان من بعدهم ابن شهاب والزهرى وابن سيرين وكثير من التابعين قالوا وتدعو الحاجة إليه في كثير من المسائل الشرعية مثل تعصيب الوراثة وولاية النكاح والعاقلة في الديات والعلم بنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه القرشى الهاشمي الذى كان بمكة وهاجر إلى المدينة فان هذا من فروض الايمان ولا يعذر الجاهل به وكذا الخلافة عند من يشترط النسب فيها وكذا من يفرق في الحرية والاسترقاق بين العرب والعجم فهذا كله يدعو إلى معرفة الانساب ويؤكد فضل هذا العلم وشرفه فلا ينبغى أن يكون ممنوعا وأما حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ نسبه إلى عدنان قال

[ 4 ]

من ههنا كذب النسابون يعنى من عدنان فقد أنكر السهيلي روايته من طريق ابن عباس مرفوعا وقال الاصح انه موقوف على ابن مسعود وخرج السهيلي عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال معد ابن عدنان بن أدد بن زيد بن البرى بن اعراق الثرى قال وفسرت أم سلمة زيدا بأنه الهميسع والبرى بأنه نبت أو نابت واعراق الثرى بأنه اسمعيل واسمعيل هو ابن ابراهيم وابراهيم لم تأكله النار كما لا تأكل الثرى ورد السهيلي تفسير أم سلمة وهو الصحيح وقال انما معناه معنى قوله صلى الله عليه وسلم كلكم بنو آدم وادم من تراب لا يريد أن الهميسع ومن دونه ابن لاسمعيل لصلبه وعضد ذلك باتفاق الاخبار على بعد المدة بين عدنان واسمعيل التى تستحيل في العادة إن يكون فيها بينهما أربعة آباء أو سبعة أو عشرة أو عشرون لان المدة أطول من هذا كله كما نذكره في نسب عدنان فلم يبق في الحديث متمسك لاحد من الفريقين وأما ما رووه من أن النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر فقد ضعف الائمة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مثل الجرجاني وأبى محمد بن حزم وأبى عمر بن عبد البر والحق في الباب أن كل واحد من المذهبين ليس على اطلاقه فان الانساب القريبة التى يمكن التوصل إلى معرفتها لا يضر الاشتغال بها لدعوى الحاجة إليها في الامور الشرعية من التعصيب والولاية والعاقلة وفرض الايمان بمعرفة النبي صلى الله عليه وسلم ونسب الخلافة والتفرقة بين العرب والعجم في الحرية والاسترقاق عند من يشترط ذلك كما مر كله وفي الامور العادية أيضا تثبت به اللحمة الطبيعية التى تكون بها المدافعة والمطالبة ومنفعة ذلك في اقامة الملك والدين ظاهرة وقد كان صلى الله عليه وسلم واصحابه ينسبون إلى مضر ويتساءلون عن ذلك وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وهذا كله ظاهر في النسب القريب وأما الانساب البعيدة العسرة المدرك التي لا يوقف عليها الا بالشواهد والمقارنات لبعد الزمان وطول الاحقاب أو لا يوقف عليها رأسا لدروس الاجيال فهذا قد ينبغى أن يكون له وجه في الكراهة كما ذهب إليه من ذهب من أهل العلم مثل مالك وغيره لانه شغل الانسان بما لا يعنيه وهذا وجه قوله صلى الله عليه وسلم فيما بعد عدنان من ههنا كذب النسابون لانها أحقاب متطاولة ومعالم دارسة لا تثلج الصدور باليقين في شئ منها مع أن علمها لا ينفع وجهلها لا يضر كما نقل والله الهادى إلى الصواب (ولنأخذ) الآن في الكلام في أنساب العالم على الجملة ونترك تفصيل كل واحد منها إلى مكانه فنقول ان النسابين كلهم اتفقوا على ان الاب الاول للخليقة هو آدم عليه السلام كما وقع في التنزيل الا ما يذكره ضعفاء الاخباريين من أن الجن والطم

[ 5 ]

أمتان كانتا فيما زعموا من قبل آدم وهو ضعيف متروك وليس لدينا من أخبار آدم وذريته الا ما وقع في المصحف الكريم وهو معروف بين الائمة واتفقوا على أن الارض عمرت بنسله أحقابا وأجيالا بعد أجيال إلى عصر نوح عليه السلام وإنه كان فيهم أنبياء مثل شيث وادريس وملوك في تلك الاجيال معدودون وطوائف مشهورون بالنحل مثل الكلدانيين ومعناه الموحدون ومثل السريانيين وهم المشركون وزعموا أن أمم الصابئة منهم وأنهم من ولد صابئ بن لمك بن أخنوخ وكان نحلتهم في الكواكب والقيام لها كلها واستنزال روحانيتها وأن من حزبهم الكلدانيين أي الموحدين وقد ألف أبو اسحق الصابى الكاتب مقالة في أنسابهم ونحلتهم وذكر أخبارهم أيضا داهر مؤرخ السريانيين والبابا الصابى الحرانى وذكروا استيلاءهم على العالم وجملا من نواميسهم وقد اند رسوا وانقطع أثرهم وقد يقال ان السريانيين من أهل تلك الاجيال وكذلك النمروذ والازدهاق وهو المسمى بالضحاك من ملوك الفرس وليس ذلك بصحيح عند المحققين واتفقوا على أن الطوفان الذى كان في زمن نوح وبدعوته ذهب بعمران الارض أجمع بما كان من خراب المعمور ومهلك الذين ركبوا معه في السفينة ولم يعقبوا فصار أهل الارض كلهم من نسله وعاد أبا ثانيا للخليقة وهو نوح بن لامك ويقال لمك بن متوشلخ بفتح اللام وسكونها ابن خنوخ ويقال أخنوح ويقال أشنخ ويقال اخنخ وهو ادريس النبي فيما قاله ابن اسحق ابن يرد ويقال بيرد ابن مهلائيل ويقال ماهلايل بن فاين ويقال قينن بن أنوش ويقال يانش بن شيث بن آدم ومعنى شيث عطية الله هكذا نسبه ابن اسحق وغيره من الائمة وكذا وقع في التوراة نسبه وليس فيه اختلاف بين الائمة ونقل ابن اسحق ان خنوخ الواقع اسمه في هذا النسب هو ادريس النبي صلوات الله عليه وهو خلاف ما عليه الاكثر من النسابين فان ادريس عندهم ليس بجد لنوح ولا في عمود نسبه وقد زعم الحكماء الاقدمون أيضا أن ادريس هو هرمس المشهور بالامامة في الحكمة عندهم وكذلك يقال ان الصابئة من ولد صابئ بن لامك وهو أخو نوح عليه السلام وقيل ان صابئ متوشلخ جده (واعلم) أن الخلاف الذى في ضبط هذه الاسماء انما عرض في مخارج الحروف فان هذه الاسماء انما أخذها العرب من أهل التوراة ومخارج الحروف في لغتهم غير مخارجها في لغة العرب فإذا وقع الحرف متوسطا بين حرفين من لغة العرب فترده العرب تارة إلى هذا وتارة إلى هذا وكذلك اشباع الحركات قد تحذفه العرب إذا نقلت كلام العجم فمن ههنا اختلف الضبط في هذه الاسماء (واعلم) أن الفرس والهند لا يعرفون الطوفان وبعض الفرس يقولون كان ببابل فقط (واعلم) أن آدم هو كيومرث وهو

[ 6 ]

نهاية نسبهم فيما يزعمون وأن افريدون الملك في آبائهم هو نوح وانه بعث لازدهاق وهو الضحاك فلبسه الملك وقبله كما يذكر بعد في أخبارهم وقد تترجح صحة هذه الانساب من التوراة وكذلك قصص الانبياء الاقدمين إذ أخذت عن مسلمى يهودا ومن نسخ صحيحة من التوراة يغلب على الظن صحتها وقد وقعت العناية في التوراة بنسب موسى عليه السلام واسرائيل وشعوب الاسباط ونسب ما بينهم وبين آدم صلوات الله عليه والنسب والقصص أمر لا يدخله النسخ فلم يبق الا تحرى النسخ الصحيحة والنقل المعتبر وأما ما يقال من ان علماءهم بدلوا مواضع من التوراة بحسب أغراضهم في ديانتهم فقد قال ابن عباس على ما نقل عنه البخاري في صحيحه ان ذلك بعيد وقال معاذ الله ان تعمد أمة من الامم إلى كتابها المنزل على نبيها فتبدله أو ما في معناه قال وانما بدلوه وحرفوه بالتأويل ويشهد لذلك قوله تعالى وعندهم التوراة فيها حكم الله ولو بدلوا من التوراة ألفاظها لم يكن عندهم التوراة التى فيها حكم الله وما وقع في القرآن الكريم من نسبة التحريف والتبديل فيها إليهم فانما المعنى به التأويل اللهم الا أن يطرقها التبديل في الكلمات على طريق الغفلة وعدم الضبط وتحريف من لا يحسن الكتابة بنسخها فذلك يمكن في العادة لا سيما وملكهم قد ذهب وجماعتهم انتشرت في الآفاق واستوى الضابط منهم وغير الضابط والعالم والجاهل ولم يكن وازع يحفظ لهم ذلك لذهاب القدرة بذهاب الملك فتطرق من أجل ذلك إلى صحف التوراة في الغالب تبديل وتحريف غير معتمد من علمائهم وأحبارهم ويمكن مع ذلك الوقوف على الصحيح منها إذا تحرى القاصد لذلك بالبحث عنه ثم اتفق النسابون ونقلة المفسرين على أن ولد نوح الذين تفرعت الامم منهم ثلاثة سام وحام ويافث وقد وقع ذكرهم في التوراة وأن يافث أكبرهم وحام الاصغر وسام الاوسط وخرج الطبري في الباب أحاديث مرفوعة بمثل ذلك وأن سام أبو العرب ويافث أبو الروم وحام أبو الحبش والزنج وفي بعضها السودان وفي بعضها سام أبو العرب وفارس والروم ويافث أبو الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج وحام أبو القبط والسودان والبربر ومثله عن ابن المسيب ووهب بن منبه وهذه الاحاديث وان صحت فانما الانساب فيها مجملة ولا بد من نقل ما ذكره المحققون في تفريع أنساب الامم من هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا وكذلك نقل الطبري أنه كان لنوح ولد اسمه كنعان وهو الذي هلك في الطوفان قال وتسميه العرب يام وآخر مات قبل الطوفان اسمه عابر وقال هشام كان له ولد اسمه بو ناطر والعقب انما هو من الثلاثة على ما أجمع عليه الناس وصحت به الاخبار فأما سام فمن ولده العرب على اختلافهم وابراهيم وبنوه صلوات الله عليهم باتفاق النسابين والخلاف بينهم انما هو في تفاريع ذلك أو في

[ 7 ]

نسب غير العرب إلى سام (فالذي نقله ابن اسحق) أن سام بن نوح كان له من الولد خمسة وهم ازفحشذ ولاوذ وإرم وأشوذ وغليم وكذا وقع ذكر هذه الخمسة في التوراة وان بنى أشوذ هم أهل الموصل وبنى غليم أهل خوزستان ومنها الاهواز ولم يذكر في التوراة ولد لاوذ وقال ابن اسحق وكان للاوذ اربعة من الولد وهم طسم وعمليق وجرجان وفارس قال ومن العماليق أمة جاسم فمنهم بنو لف وبنو هزان وبنو مطر وبنو الازرق ومنهم بديل وراحل وظفار ومنهم الكنعانيون وبرابرة الشأم وفراعنة مصر وعن غير ابن اسحق أن عبد بن ضخم وأميم من ولد لاوذ قال ابن اسحق وكانت طسم والعماليق وأميم وجاسم يتكلمون بالعربية وفارس يجاورونهم إلى المشرق ويتكلمون بالفارسية (قال) وولد إرم عوص وكاثر وعبيل ومن ولد عوص عاد ومنزلهم بالرمال والاحقاف إلى حضر موت ومن ولد كاثر ثمود وجديس ومنزل ثمود بالحجر بين الشأم والحجاز (وقال) هشام بن الكلبى عبيل بن عوص أخو عاد وقال ابن حزم عن قدماء النسابين ان لاوذ هو ابن إرم بن سام أخو عوص وكاثر قال فعلى هذا يكون جديس وثمود اخوين وطسم وعملاق أخوين أبناء عم لحام وكلهم بنو عم عاد قال ويذكرون أن عبد بن ضخم ابن إرم وأن أميم بن لاوذ ابن إرم قال الطبري وفهم الله لسان العربية عادا وثمود وعبيل وطسم وجديس وأميم وعمليق وهم العرب العاربة وربما يقال ان من العرب العاربة يقطن ايضا ويسمون أيضا العرب البائدة ولم يبق على وجه الارض منهم أحد قال وكان يقال عاد ارم فلما هلكوا قيل ثمود ارم ثم هلكوا فقيل لسائر ولد ارم ارمان وهم النبط وقال هشام بن محمد الكلبى ان النبط بنو نبيط بن ماش بن ارم والسريان بنو سريان بن نبط (وذكر) أيضا أن فارس من ولد أشوذ بن سام وقال فيه فارس ابن طبراش بن أشوذ وقيل انهم من أميم بن لاوذ وقيل ابن غليم (وفى التوراة) ذكر ملك الاهواز واسمه كرد لا عمرو من بنى غليم والاهواز متصلة ببلاد فارس فلعل هذا القائل ظن أن أهل أهواز هم فارس والصحيح أنهم من ولد يافث كما يذكر وقال أيضا ان البربر من ولد عمليق بن لاوذ وأنهم بنو تميلة من مارب بن قاران بن عمر بن عمليق والصحيح أنهم من كنعان بن حام كما يذكر وذكر في التوراة ولد ارم أربعة عوص وكاثر وماش ويقال مشح والرابع حول ولم يقع عند بنى اسرائيل في تفسير هذا شئ الا أن الجرامقة من ولد كاثر وقد قيل ان الكرد والديلم من العرب وهو قول مرغوب عنه وقال ابن سعيد كان لاشوذ أربعة من الولد ايران ونبيط وجرموق وباسل فمن ايران الفرس والكرد والخزر ومن نبيط النبط والسريان ومن جرموق الجرامقة وأهل الموصل ومن باسل الديلم وأهل الجبل قال الطبري ومن ولد ازفحشذ العبرانيون وبنو عابر بن شالخ بن ازفخشذ وهكذا نسبه

[ 8 ]

في التوراة وفي غيره أن شالخ ابن قينن بن أزفحشذ وانما لم يذكر قينن في التوراة لانه كان ساحرا وادعى الالوهية (وعند بعضهم) أن النمروذ من ولد ازفحشذ وهو ضعيف وفى التوراة ان عابر ولد اثنين من الولد هما فالغ ويقطن وعند المحققين من النسابة أن يقطن هو قحطان عربته العرب هكذا ومن فالغ ابراهيم عليه السلام وشعوبه ويأتى ذكرهم ومن يقطن شعوب كثيرة ففى التوراة ذكر ثلاثة من الولد له وهم المرذاذ ومعربه ومضاض وهم جرهم وارم وهم حضور وسالف وهم اهل السلفات وسبا وهم أهل اليمن من حمير والتبابعة وكهلان وهدرماوت وهم حضرموت هؤلاء خمسة وثمانية أخرى ننقل أسماءهم وهى عبرانية ولم نقف على تفسير شئ منها ولا يعلم من أي البطون هم وهم بباراح وأوزال ودفلا وعوثال وافيمايل وأيوفير وحويلا ويوفاف وعند النسابين أن جرهم من ولد يقطن فلا أدرى من أيهم وقال هشام بن الكلبى ان الهند والسند من نوفير بن يقطن والله اعلم

[ 10 ]

وأما يافث فمن ولده الترك والصين والصقالبة ويأجوج ومأجوج باتفاق من النسابين وفى آخرين خلاف كما يذكر وكان له من الولد على ما وقع في التوراة سبعة وهم كومر وياوان وماذاى وماغوغ وقطوبال وماشخ وطيراش وعدهم ابن اسحق هكذا وحذف ماذاى ولم يذكر كومر وتوغرما واشبان وريغاث هكذا في نص التوراة ووقع في الاسرائيليات أن توغرما هم الخزر وأن اشبان هم الصقالبة وأن ريغاث هم الافرنج ويقال لهم برنسوس والخزر هم التركمان وشعوب الترك كلهم من بنى كومر ولم يذكروا من أي الثلاثة هم والظاهر أنهم من توغرما ونسبهم ابن سعيد إلى الترك ابن عامور بن سويل بن يافث والظاهر أنه غلط وأن عامور هو كومر صحف عليه وهم أجناس كثيرة منهم الطغرغر وهم التتر والخطا وكانوا بأرض طمغاج والخزلقية والغز الذين كان منهم السلجوقية والهياطلة الذين كان منهم الخلج ويقال للهياطلة الصغد أيضا ومن أجناس الترك الغور والخزر والقفچاق ويقال الخفشاخ ومنهم يمك والعلان ويقال الازو منهم الشركس وأزكش ومن ماغوغ عند الاسرائيليين يأجوج ومأجوج وقال ابن اسحق انهم من كومر ومن ماذاى الديلم ويسمون في اللسان العبراني ماهان ومنهم أيضا همذان وجعلهم بعض الاسرائيليين من بنى همذان بن يافث وعد همذان ثامنا للسبعة المذكورين من ولده وأما ياوان واسمه يونان فعند الاسرائيليين انه كان له من الولد أربعة وهم داود بن واليشاوكيتم وترشيش وأن كيتم من هؤلاء الاربعة هو أبو الروم والباقى يونان وأن ترشيش أهل طرسوس وأما قعلوبال فهم أهل الصين من المشرق واللمان من المغرب ويقال ان أهل افريقية قبل البربر منهم وأن الافرنج أيضا منهم ويقال أيضا ان أهل الاندلس قديما منهم وأما ماشخ فكان ولده عند الاسرائيليين بخراسان وقد انقرضوا لهذا العهد فيما يظهر وعند بعض النسابين أن الاشبان منهم وأما طيراش فهم الفرس عند الاسرائيليين وربما قال غيرهم انهم من كومر وأن الخزر والترك من طيراش وأن الصقالبة وبرجان والاشبان من ياوان وأن يأجوج ومأجوج من كومر وهى كلها مزاعم بعيدة عن الصواب وقال اهروشيوش مؤرخ الروم ان القوط والطين من ما غوغ وهذا آخر الكلام في أنساب يافث

[ 12 ]

(وأما) حام فمن ولده السودان والهند والسند والقبط وكنعان باتفاق وفى آخرين خلاف نذكره وكان له على ما وقع في التوراة أربعة من الولد وهم مصر ويقول بعضهم مصرايم وكنعان وكوش وقوط فمن ولد مصر عند الاسرائيليين فتروسيم وكسلوحيم ووقع في التوراة فلشنين منهما معا ولم يتعين من أحدهما وبنو فلشنين الذين كان منهم جالوت ومن ولد مصر عندهم كفتورع ويقولون هم أهل دمياط ووقع الانقلوس ابن أخت قيطش الذى خرب القدس في الجلوة الكبرى على اليهود قال ان كفتورع هو قبطقاى ويظهر من هذه الصيغة انهم القبط لما بين الاسمين من الشبه ومن ولد مصر عناميم وكان لهم نواحى اسكندرية وهم أيضا بفتوحيم ولوديم ولهابيم ولم يقع الينا تفسير هذه الاسماء وأما كنعان بن حام فذكر من ولده في التوراة أحد عشر منهم صيدون ولهم ناحية صيدا وايمورى وكرساش وكانوا بالشأم وانتقلوا عندما غلبهم عليه يوشع إلى افريقية فأقاموا بها ومن كنعان أيضا بيوسا وكانوا ببيت المقدس وهربوا أمام داود عليه السلام حين غلبهم عليه إلى افريقية والمغرب وأقاموا بها والظاهر أن البربر من هؤلاء المنتقلين أولا وآخرا الا أن المحققين من نسابتهم على أنهم من ولد مازيغ ابن كنعان فلعل مازيغ ينتسب إلى هؤلاء ومن كنعان أيضا حيث الذين كان ملكهم عوج بن عناق ومنهم عرفان وأروادى وخوى ولهم نابلس وسبا ولهم طرابلس وضمارى ولهم حمص وحما ولهم انطاكية وكانت تسمى حما باسمهم وأما كوش بن حام فذكر له في التوراة خمسة من الولد وهم سفنا وسبا وجويلا ورعما وسفخا ومن ولد رعماشاو وهم السند ودادان وهم الهند وفيها أن النمروذ من ولد كوش ولم يعينه وفى تفاسيرها أن جويلازويلة وهم أهل برقة وأما أهل اليمن من ولد سبأ وأما قوط فعند أكثر الاسرائيليين أن القبط منهم ونقل الطبري عن ابن اسحق أن الهند والسند والحبشة من بنى السودان من ولد كوش وان النوبة وفزان وزغاوة والزنج منهم من كنعان وقال ابن سعيد أجناس السودان كلهم من ولد حام ونسب ثلاثة منهم إلى ثلاثة سماهم من ولد غير هؤلاء الحبشة إلى حبش والنوبة إلى نوابة أو نوى والزنج إلى زنج ولم يسم أحدا من آباء الاجناس الباقية وهؤلاء الثلاثة الذين ذكروا لم يعرفوا من ولد حام فلعلهم من أعقابهم أو لعلها أسماء أجناس وقال هشام بن محمد الكلبى ان النمروذ هو ابن كوش بن كنعان وقال أهروشيوش مؤرخ الروم ان سبا وأهل افريقية يعنى البربر من جويلا بن كوش ويسمى يضول وهذا والله أعلم غلط لانه مر أن يضول في التوراة من ولد يافث ولذلك ذكر أن حبشة المغرب من دادان بن رعما من ولد مصر بن حام بنو قبط بن لاب بن مصر اه‍ الكلام في بنى حام وهذا آخر الكلام في أنساب أمم العالم على الجملة والخلاف الذى في تفاصيلها يذكر في أماكنه والله ولى العون والتوفيق

[ 14 ]

* (المقدمة الثانية في كيفية وضع الانساب في كتابنا لاهل الدول وغيرهم) * اعلم أن الانساب تتشعب دائما وذلك أن الرجل قد يكون له من الولد ثلاثة أو أربعة أو أكثر ويكون لكل واحد منهم كذلك وكل واحد منهم فرع ناشئ عن أصل أو فرع أو عن فرع فرع فصارت بمثابة الاغصان للشجرة تكون قائمة على ساق واحدة هي أصلها والفروع عن جانبها ولكل واحد من الفروع فروع أخرى إلى أن تنتهى إلى الغابة فلذلك اخترنا بعد الكلام على الانساب للامة وشعوبها أن نضع ذلك على شكل شجرة نجعل أصلها وعمود نسبها باسم الاعظم من أولئك الشعوب ومن له التقدم عليهم فيجعل عمود نسبه أصلا لها وتفرع الشعوب الاخرى عن جانبه من كل جهة كأنها فروع لتلك الشجرة حتى تتصل تلك الانساب عمودا وفروعا بأصلها الجامع لها ظاهرة للعيان في صفحة واحدة فترسم في الخيال دفعة ويكون ذلك أعون على تصور الانساب وتشعبها فان الصور الحسية أقرب إلى الارتسام في الخيال من المعاني المتعلقة ثم لما كانت هذه الامم كلها لها دول وسلطان اعتمدنا بالقصد الاول ذكر الملوك منهم في تلك الشجرات متصلة أنسابهم إلى الجد الذى يجمعهم بعد أن نرسم على كل واحد منهم رتبته في تعاقبهم واحدا بعد واحد بحروف أ ب ج د فالالف للاول والباء للثاني والجيم للثالث والدال للرابع والهاء للخامس وهلم جرا ونهاية الاجداد لاهل تلك الدولة في الآخر منهم ويكون للاول غصون وفروع في كل جهة عنه فإذا نظرت في الشجرة علمت أنساب الملوك في كل دولة وترتبهم بتلك الحروف واحدا بعد واحد والله أعلم بالصواب [ القول في أجيال العرب وأوليتها واختلاف طبقاتهم وتعاقبها وأنساب كل طبقة منها ] اعلم أن العرب منهم الامة الراحلة الناجعة أهل الخيام لسكناهم والخيل لركوبهم والانعام لكسبهم يقومون عليها ويقتاتون من ألبانها ويتخذون الدف ء والاثاث من أوبارها وأشعارها ويحملون أثقالهم على ظهورها يتنازلون حللا مفترقة ويبتغون الرزق في غالب أحوالهم من القنص ويختطف الناس من السبل ويتقلبون دائما في المجالات فرارا من حمارة القيظ تارة وصبارة البرد أخرى وانتجاعا لمراعى غنمهم وارتيادا لمصالح ابلهم الكفيلة بمعاشهم وحمل أثقالهم ودفئهم ومنافعهم فاختصوا لذلك بسكنى الاقليم الثالث ما بين البحر المحيط من المغرب إلى اقصى اليمن وحدود الهند من المشرق فعمروا اليمن والحجاز ونجد أو تهامة وما وراء ذلك مما دخلوا إليه في المائة الخامسة كما ذكروه من مصر وصحارى برقة وتلولها وقسنطينة وافريقية وزاغا

[ 15 ]

والمغرب الاقصى والسوس لاختصاص هذه البلاد بالرمال والقفار المحيطة بالارياف والتلول والارياف الآهلة بمن سواهم من الامم في فصل الربيع وزخرف الارض لرعى الكلا والعشب في منابتها والتنقل في نواحيها إلى فصل الصيف لمدة الاقوات في سنتهم من حبوبها وربما يلحق أهل العمران اثناء ذلك معرات من اضرارهم بافساد السابلة ورعى الزرع مخضرا وانتهابه قائما وحصيدا الا ما حاطته الدولة وذادت عنه الحامية في الممالك التى للسلطان عليهم فيها ثم ينحدرون في فصل الخريف إلى القفار لرعى شجرها ونتاج ابلهم في رمالها وما أحاط به عملهم من مصالحها وفرارا بأنفسهم وظعائنهم من أذى البرد إلى دفاء مشاتيها فلا يزالون في كل عام مترددين بين الريف والصحراء ما بين الاقليم الثالث والرابع صاعدين ومنحدرين على ممر الايام شعارهم لبس المخيط في الغالب ولبس العمائم تيجانا على رؤسهم يرسلون من أطرافها عذبات يتلثم قوم منهم بفضلها وهم عرب المشرق وقوم يلفون منها الليت والاخدع قبل لبسها ثم يتلثمون بما تحت أذقانهم من فضلها وهم عرب المغرب حاكوا بها عمائم زناتة من أمم البربر قبلهم وكذلك لقنوا منهم في حمل السلاح اعتقال الرماح الخطية وهجروا تنكب القسى وكان المعروف لاولهم ومن بالمشرق لهذا العهد منهم استعمال الامرين ثم ان العرب لم يزالوا موسومين بين الامم بالبيان في الكلام والفصاحة في المنطق والذلاقة في اللسان ولذلك سموا بهذا الاسم فانه مشتق من الابانة لقولهم أعرب الرجل عما في ضميره إذا أبان عنه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم الثيب تعرب عن نفسها والبيان سمتهم بين الامم منذ كانوا وانظر قصة كسرى لما طلب من خليفته على العرب النعمان بن المنذر أن يوفد عليه من كبرائهم وخطبائهم من رضى لذلك فاختار منهم وفدا أوفده عليه وكان من خبره واستغراب ما جاؤا به من البيان ما هو معروف فهذه كلها شعائرهم وسماتهم وأغلبها عليهم اتخاذ الابل والقيام على نتاجها وطلب الانتجاع بها لارتياد مراعيها ومفاحص توليدها بما كان معاشهم منها فالعرب أهل هذه الشعار من أجيال الآدميين كما أن الشاوية أهل القيام على الشاة والبقر لما كان معاشهم فيها فلهذا لا يختصمون بنسب واحد بعينه الا بالعرض ولذلك كان النسب في بعضهم مجهولا عند الاكثر وفى بعضهم خفيا على الجمهور وربما تكون هذه السمات والشعائر في أهل نسب آخر فيدعون باسم العرب الا أنهم في الغالب يكونون أقرب إلى الاولين من غيرهم وهذا الانتقال لا يكون الا في أزمنة متطاولة وأحقاب متداولة ولذلك يعرض في الانساب ما يعرض من الجهل والخفاء (واعلم) أن جيل العرب بعد الطوفان وعصر نوح عليه السلام كان في عاد الاولى وثمود والعمالقة وطسم وجديس وأميم وجرهم وحضرموت ومن ينتمى

[ 16 ]

إليهم من العرب العاربة من أبناء سام بن نوح ثم لما انقرضت تلك العصور وذهب أولئك الامم وأبادهم الله بما شاء من قدرته وصار هذا الجيل في آخرين ممن قرب من نسبهم من حمير وكهلان وأعقابهم من التبابعة ومن إليهم من العرب المستعربة من أبناء عابر بن شالخ بن أزفحشذ بن سام ثم لما تطاولت تلك العصور وتعاقبت وكان بنو فالغ بن عابر أعالم من بين ولده واختص الله بالنبوة منهم ابراهيم بن تارخ وهو آزر بن ناحور بن ساروخ بن أرغو بن فالغ وكان من شأنه مع نمروذ ما قصه القران ثم كان من هجرته إلى الحجاز ما هو مذكور وتخلف ابنه اسمعيل مع أمه هاجر بالحجر قربانا لله ومرت بها رفقة من جرهم في تلك المفازة فخالطوها ونشأ اسمعيل بينهم وربى في أحيائهم وتعلم لغتهم العربية بعد ان كان أبوه أعجميا ثم كان بناء البيت كما قصه القران ثم بعثه الله إلى جرهم والعمالقة الذين كانوا بالحجاز فآمن كثير منهم واتبعوه ثم عظم نسله وكثر وصار بالجيل آخر من ربيعة ومضر ومن إليهم من إياد وعك وشعوب نزار وعدنان وسائر ولد اسمعيل وهم العرب التابعة للعرب ثم انقرض أولئك الشعوب في أحقاب طويلة وانقرض ما كان لهم من الدولة في الاسلام وخالطوا العجم بما كان لهم من التغلب عليهم ففسدت لغة أعقابهم في آماد متطاولة وبقى خلفهم أحياء بادين في القفار والرمال والخلاء من الارض تارة والعمران تارة وقبائل بالمشرق والمغرب والحجاز واليمن وبلاد الصعيد والنوبة والحبشة وبلاد الشأم والعراق والبحرين وبلاد فارس والسند وكرمان وخراسان أمم لا يأخذها الحصر والضبط قد كاثروا أمم الارض لهذا العهد شرقا وغربا واعتزوا عليهم فهم اليوم أكثر أهل العالم وأملك لامرهم من جميع الامم ولما كانت لغتهم مستعجمة على اللسان المضرى الذى نزل به القران وهو لسان سلفهم سميناهم لذلك العرب المستعجمة فهذه أجيال العرب منذ مبدا الخليقة ولهذا العهد في أربع طبقات متعاقبة كان لكل طبقة منها عصور وأجيال ودول وأحياء وقعت العناية بها دون من سواهم من الامم لكثرة أجيالهم واتساع النطاق من ملكهم فلنذكر لكل طبقة أحوال جيلها وبعض أيامهم ودولهم ومن كان على عهدهم من ملوك الامم ودولهم ليتبين لك بذلك مراتب الاجيال في الخليقة كيف تعاقبت والله سبحانه وتعالى ولى العون [ برنامج بما تضمنه الكتاب من الدول في هذه الطبقات الاربع على ترتيبها والدول المعاصرين من العجم في كل خليقة منها ] فنبدأ أولا بذكر الطبقة الاولى وهم العرب العارية ونذكر انسابهم ومواطنهم وما كان لهم من الملك والدولة ثم الطبقة الثانية وهم العرب المستعربة من بنى حمير بن سبا

[ 17 ]

ونذكر أنسابهم وما كان لهم من الملك باليمن في التبابعة وأعقابهم ثم نرجع إلى ذكر معاصرهم من العجم وهم ملوك بابل من السريانيين ثم ملوك الموصل ونينوى من الجرامقة ثم القبط وملوكهم بمصر ثم بنى اسرائيل ودولهم ببيت المقدس قبل تخريب بختنصر وبعده وبالصابئة ثم الفرس ودولهم الاولى والثانية ثم يونان ودولهم الاسكندر وقومه ثم الروم ودولهم في القياصرة وغيرهم ثم نرجع إلى ذكر الطبقة الثالثة وهم العرب التابعة للعرب من قضاعة وقحطان وعدنان وشعبيها العظيمين ربيعة ومضر فنبدأ بقضاعة وأنسابهم وما كان لهم من الملك البدوى في آل النعمان بالحيرة والعراق ومن زاحمهم فيها من ملوك كندة بنى حجر آكل المرار ثم ما كان لهم أيضا من الملك البدوى بالشأم في بنى جفنة بالبلقاء والاوس والخزرج بالمدينة النبوية ثم عدنان وأنسابهم وما كان لهم من الملك بمكة في قريش ثم ما شرفهم الله به وجيل الآدميين أجمع من النبوة وذكر الهجرة والسير النبوية ثم نذكر ما أكرمهم الله به من الخلافة والملك فنترجم للخلفاء الاربعة وما كان على عصرهم من الردة والفتوحات والفتن ثم نذكر خلفاء الاسلام من بنى أمية وما كان لعهدهم من أمر الخوارج ثم نذكر خلفاء الشيعة وما كان لهم من الدول في الاسلام فالاولى الدولة العظيمة لبنى العباس التى انتشرت في أكثر ممالك الاسلام ثم دولة العلوية المزاحمين لها بعد صدر منها وهى دولة الادراسة بالمغرب الاقصى ثم دولة العبيدية من الاسماعيلية بالقيروان ومصر ثم القرامطة بالبحرين ثم دعاة طبرستان والديلم ثم ما كان من هؤلاء العلوية بالحجاز ثم نذكر بنى أمية المنازعين لبنى العباس بالاندلس وما كان لهم من الدولة هنا لك والطوائف من بعدهم ثم نرجع إلى ذكر المستبدين بالدعوة العباسية بالمغرب والنواحى وهم بنو الاغلب بافريقية وبنو حمدان بالشأم وبنو المقلد بالموصل وبنو صالح ابن كلاب بحلب وبنو مروان بديار بكر وبنو أسد بالحلة وبنو زياد باليمن وبنو هود بالاندلس ثم نرجع إلى القائمين بالدعوة العبيدية بالنواحي وهم الصليحيون باليمن وبنو أبى الحسن الكلبى بصقلية وصنهاجة بالمغرب ثم نرجع إلى المستبدين بالدعوة العباسية من العجم في النواحى وهم بنو طولون بمصر ومن بعدهم بنو طغج وبنو الصفار بفارس وسجستان وبنو سامان فيما وراء النهر وبنو سبكتكين في غزنه وخراسان وغوربة في غزنة والهند وبنو حسنويه من الكرد في خراسان ثم نرجع إلى ذكر المستبدين على الخلفاء ببغداد من العجم وهم أهل الدولتين العظيمتين القائمتين بملك الاسلام من بعد العرب وهم بنو بويه من الديلم والسلجوقية من الترك ثم نرجع إلى ملوك السلجوقية المستبدين بالنواحي وهم بنو طغتكين بالشأم وبنو قطلمش ببلاد الروم وبنو خوارزم شاه ببلاد

[ 18 ]

العجم وما وراء النهر وبنو سقمان بخلاط وارمينيه وبنو ارتق بماردين وبنو زنكى بالشأم وبنو أيوب بمصر والشأم ثم الترك الذين ورثوا ملكهم هنالك وبنو رسول باليمن ثم نرجع إلى ذكر التتر من الترك القائمين على دولة الاسلام والملصين للخلافة العباسية ثم ما كان من دخولهم في دين الاسلام وقيامهم بالملك بالنواحي وهم بنو هولاكو بالعراق وبنو ذو شيخان بالشمال وبنو ارتنا ببلاد الروم ومن بعد بنى هولاكو بنو الشيخ حسن ببغداد وتوريز وبنو المظفر باصبهان وشيراز وكرمان وبعد بنى ارتنا ملوك بنى عثمان من التركمان ببلاد الروم وما وراءها ثم نرجع إلى الطبقة الرابعة من المغرب وهم المستعجمة ومن له ملك بدوى منهم بالمغرب والمشرق ثم نخرج بعد ذكر ذلك إلى ذكر البربر ودولهم بالمغرب لانهم كانوا من شرط كتابنا وهنا لك نذكر برنامج دولهم والله سبحانه اعلم [ الطبقة الاولى من العرب وهم العرب العارية وذكر نسبهم والالمام بملكهم ودولهم على الجملة ] هذه الامة اقدم الامم من بعد قوم نوح وأعظمهم قدرة وأشدهم قوة وآثارا في الارض وأول أجيال العرب من الخليقة فيما سمعناه لان اخبار القرون الماضية من قبلهم يمتنع اطلاعنا عليها لتطاول الاحقاب ودروسها الا ما يقصه علينا الكتاب ويؤثر عن الانبياء بوحى الله إليهم وما سوى ذلك من الاخبار الازلية فمنقطع الاسناد ولذلك كان المعتمد عند الاثبات في أخبارهم ما تنطق به آية القران في قصص الانبياء الاقدمين أو ما ينقله زعماء المفسرين في تفسيرها من أخبارهم وذكر دولهم وحروبهم ينقلون ذلك عن السلف من التابعين الذين أخذوا عن الصحابة أو سمعوه ممن هاجر إلى الاسلام من أحبار اليهود وعلمائهم أهل التوراة أقدم الصحف المنزلة فيما علمناه وما سوى ذلك من حطام المفسرين وأساطير القصص وكتب بدء الخليقة فلا نعول على شئ منه وان وجد لمشاهير العلماء تأليف مثل كتاب الياقوتية للطبري والبدء للكسائي فانما نحوا فيها منحى القصاص وجروا على أساليبهم ولم يلتزموا فيها الصحة ولا ضمنوا لنا الوثوق بها فلا ينبغى التعويل عليها وتترك وشأنها وأخبار هذا الجيل من العرب وان لم يقع لها ذكر في التوراة الا أن بنى اسرائيل من بين أهل الكتاب أقرب إليهم عصرا وأوعى لاخبارهم فلذلك يعتمد نقل المهاجرة منهم لاخبار هذا الجيل ثم ان هذه الامم على ما نقل كان لهم ملوك ودول فملوك جزيرة العرب وهى الارض التى أحاط بها بحر الهند من جنوبها وخليج الحبشة من غربها وخليج فارس من شرقها وفيها اليمن والحجاز والشحر وحضر موت وامتد ملكهم فيها إلى الشأم ومصر في شعوب منهم على ما يذكر

[ 19 ]

ويقال انهم انتقلوا إلى جزيرة العرب من بابل لما زاحمهم فيها بنو حام فسكنوا جزيرة العرب بادية مخيمين ثم كان لكل فرقة منهم ملوك وآطام وقصور حسبما نذكره إلى أن غلب عليهم بنو يعرب بن قحطان وهؤلاء العرب العاربة شعوب كثيرة وهم عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وعبيل وعبد ضحم وجرهم وحضر موت وحضورا والسلفات وسمى أهل هذا الجيل العرب العاربة إما بمعنى الرساخة في العروبية كما يقال ليل أليل وصوم صائم أو بمعنى الفاعلة للعروبية والمبتدعة لها بما كانت أول أجيالها وقد تسمى البائدة أيضا بمعنى الهالكة لانه لم يبق على وجه الارض أحد من نسلهم (فأما عاد) وهم بنو عاد بن عوص بن إرم بن سام فكانت مواطنهم الاولى باحقاف الرمل بين اليمن وعمان إلى حضر موت والشحر وكان أبوهم عاد فيما يقال أول من ملك من العرب وطال عمره وكثر ولده له أربعة آلاف ولد ذكر لصلبه وتزوج ألف امرأة وعاش ألف سنة ومائتي سنة وقال البيهقى انه عاش ثلثمائة سنة وملك بعده بنوه الثلاثة شديد وبعده شداد وبعده ارم وذكر المسعودي ان الذى ملك من بعد عاد وشداد منهم هو الذى سار في الممالك واستولى على كثير من بلاد الشأم والهند والعراق وقال الزمخشري ان شدادا هو الذى بنى مدينة ارم في صحارى عدن وشيدها بصخور الذهب وأساطين الياقوت والزبر جديحا كى بها الجنة لما سمع وصفها طغيانا منه وعتوا ويقال ان بانى ارم هذه هو إرم بن عاد وذكر ابن سعيد عن البيهقى أن بانى ارم هو ارم بن شداد بن عاد الاكبر والصحيح أنه ليس هناك مدينة اسمها ارم وانما هذا من خرافات القصاص وانما ينقله ضعفاء المفسرين وارم المذكورة في قوله تعالى ارم ذات العماد القبيلة لا البلد (وذكر المسعودي) أن ملك عوص كان ثلثمائة وان الذى ملك من بعده ابنه عاد بن عوص وان جيرون بن سعد بن عاد كان من ملوكهم وانه الذى اختط مدينة دمشق ومصرها وجمع عمد الرخام والمرمر إليها وسماها ارم ومن أبواب مدينة دمشق إلى هذا العهد باب جيرون وذكره الشعراء في معاهدها قال الشاعر النخل فالقصر فالحماء بينهما * أشهى إلى القلب من أبواب جيرون وهذا البيت في الصوت الاول من كتاب الاغانى وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق جيرون ويزيد اخوان هما ابنا سعد بن لقمان بن عاد وبهما عرف باب جيرون ونهر يزيد والصحيح أن باب جيرون انما سمى باسم مولى من موالى سليمان عليه السلام في دولة بنى اسرائيل جيرون كان ظاهرا في دولتهم (وذكر ابن سعيد) في أخبار القبط ان شداد بن بداد بن هداد بن شداد بن عاد حارب بعضا من القبط وغلب على أسافل مصر ونزل الاسكندرية وبنى بها حينئذ مدينة مذكورة في التوراة يقال لها أون ثم

[ 20 ]

هلك في حروبهم وجمع القبط اخوتهم من البربر والسودان وأخرجوا العرب من ملك مصر (ثم لما اتصل ملك عاد) وعظم طغيانهم وعتوهم انتحلوا عبادة الاصنام والاوثان من الحجارة والخشب ويقال ان ذلك لانتحالهم دين الصابئة فبعث الله إليهم أخاهم هودا وهو فيما ذكر المسعودي والطبري هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد وفي كتاب البدء لابن حبيب رباح ابن حرب بن عاد وبعضهم يقول هود بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ فوعظهم وكان ملوكهم لعهده الخلجان ولقمان بن عاد بن عاديا بن صدا بن عاد فآمن به لقمان وقومه وكفر الخلجان وامتنع هود بعشيرته من عاد وحبس الله عنهم المطر ثلاث سنين وبعثوا الوفود من قومهم إلى مكة يستسقون لهم وكان في الوفد على ما قاله الطبري نعيم بن هزال بن هزيل بن عبيل بن صدا بن عاد وقيل ابن عنز منهم وحلقمة بن الخسرى ومرثد بن سعد بن عنز وكان ممن آمن بهود واتبعه وكان بمكة من عاد هؤلاء معاوية بن بكر وقومه وكانت هزيلة أخت معاوية عند نعيم بن هزال وولدت له عبيدا وعمرا وعامرا فلما وصل الوفد إلى مكة مروا بمعاوية بن بكر وابنه بكر ونزل الوفد عليه ثم تبعهم لقمان بن عاد وأقاموا عند معاوية وقومه شهرا لما بينهم من الخؤلة ومكثوا يشربون وتغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية بن بكر وابنه بكر ثم غنتاهم شعرا تذكرهم بأمرهم فانبعثوا ومضوا إلى الاستسقاء وتخلف عنهم لقمان بن عاد ومرثد بن سعد فدعوا في استسقائهم وتضرعوا وأنشأ الله السحب ونودى بهم ان اختاروا فاختاروا سوداء من السحب وأنذورا بعذابها فمضت إلى قومهم وهلكوا كما قصه القران (وفي خبر الطبري) ان الوفد لما رجعوا إلى معاوية بن بكر لقيهم خبر مهلك قومهم هنا لك وان هودا بساحل لبحر وان الخلجان ملكهم قد هلك بالريح فيمن هلك وان الريح كانت تدخل تحت الرجل فتحمله حتى تقطعوا في الجبال وتقلع الشجر وترفع البيوت حتى هلكوا أجمعون انتهى كلام الطبري (ثم ملك لقمان ورهطه) من قوم عاد واتصل لهم الملك فيما يقال ألف سنة أو يزيد وانتقل ملكه إلى ولده لقمان وذكر البخاري في تاريخه ان الذى كان يأخذ كل سفينة غصبا هو هدد بن بدد بن الخلجان بن عاد بن رقيم ابن عابر بن عاد الاكبر وأن المدينة بساحل برقة اه‍ ولم يزل ملكهم متصلا إلى أن غلبهم عليه يعرب بن قحطان واعتصموا بجبال حضر موت إلى أن انقرضوا وقال صاحب زجار ان ملكهم عاد بن رقيم بن عابر بن عاد الاكبر هو الذى حارب يعرب بن قحطان وكان كافرا يعبد القمر وانه كان على عهد نوح وهذا بعيد لان بعثة هود كانت عند استفحال دولتهم أو عند مبتدئها وغلب يعرب كان عند انقراضها وكذلك هدد الذى ذكر البخاري انه ملك برقة انما هو حافد الخلجان الذى اعتصم آخرهم بجبل حضر موت

[ 21 ]

وخبر البخاري مقدم وقال على بن عبد العزيز الحرجانى وكان من ملوك عاد يعمر بن شداد وعبد أبهر بن معد يكرب بن شمد بن شداد بن عاد وحناد بن مياد بن شمد بن شداد وملوك آخرون أبادهم الله والبقاء لله وحده (فأما عبيل) وهم اخوان عاد بن عوص فيما قاله الكلبى واخوان عوص بن ارم فيما قاله الطبري وكانت ديارهم بالجحفة بين مكة والمدينة وأهلكهم السيل وكان الذى اختط يثرب منهم هكذا قال المسعودي وقال هو يثرب بن بائلة بن مهلهل بن عبيل وقال السهيلي ان الذى اختط يثرب من العماليق وهو يثرب بن مهلايل بن عوص بن عمليق (وأما عبد ضخم بن ارم) فقال الطبري كانوا يسكنون الطائف وهلكوا فيمكن هلك من ذلك الجيل وقال غيره انهم أول من كتب بالخط العربي

[ 23 ]

(وأما ثمود) وهم بنو ثمود بن كاثر بن ارم فكانت ديارهم بالحجر ووادى القرى فيما بين الحجاز والشأم وكانوا ينحتون بيوتهم في الجبال ويقال لان أعمارهم كانت تطول فيأتى البلاء والخراب على بيوتهم فنحتوها لذلك في الصخر وهى لهذا العهد وقد مر بها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ونهى عن دخولها كما في الصحيح وفيه اشارة إلى أنها بيوت ثمود أهل ذلك الجيل ويشهد ذلك ببطلان ما يذهب إليه القصاص ووقع مثله للمسعودي من أن أهل تلك الاجيال كانت أجسامهم مفرطة في الطول والعظم وهذه البيوت المشاهدة المنسوبة إليهم بكلام الصادق صلوات الله عليه يشهد بأنهم في طولهم وعظم حجراتهم مثلنا سواء فلا أقدم من عادوا أهل أجيالهم فيما بلغنا ويقال ان أول ملوكهم كان عابر بن ارم بن ثمود ملك عليهم مائتي سنة ثم كان من بعده جندع بن عمرو بن الدبيل بن ارم بن ثمود ويقال ملك نحوا من ثلثمائة سنة وفي أيامه كانت بعثة صالح عليه السلام وهو صالح بن عبيل بن أسف بن شالخ بن عبيل بن كاثر بن ثمود وكانوا أهل كفر وبغى وعبادة أوثان فدعاهم صالح إلى الدين والتوحيد قال الطبري فلما جاءهم بذلك كفروا وطلبوا الآيات فخرج بهم إلى هضبة من الارض فتمخضت عن الناقة ونهاهم أن يتعرضوا لها بعقر أو هلكة وأخبرهم مع ذلك انهم عاقروها ولابد ورأس عليهم قدار بن سالف وكان صالح وصف لهم عاقر الناقة بصفة قدار هذا ولما طال النذير عليهم من صالح سئموه وهموا بقتله وكان يأوى إلى مسجد خارج ملائهم فكمن له رهط منهم تحت صخرة في طريقه ليقتلوه فانطنقت عليهم وهلكوا وحنقوا ومضوا إلى الناقة ورماها قدار بسهم في ضرعها وقتلها ولجأ فصيلها إلى الجبل فلم يدركوه وأقبل صالح وقد تخوف عليهم العذاب فلما رآه الفصيل أقبل إليه ورغا ثلاث رغا آت فأنذرهم صالح ثلاثا وفي صبح الرابعة صعقوا بصيحة من السماء تقطعت بها قلوبهم فأصبحوا جاثمين وهلك جميعهم حيث كانوا من الارض الا رجلا كان في الحرم منعه الله من العذاب قيل من هو يا رسول الله قال أبو رغال ويقال ان صالحا أقام عشرين سنة ينذرهم وتوفى ابن ثمان وخمسين سنة وفي الصحيح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في غزوة تبوك بقرى ثمود فنهى عن استعمال مياههم وقال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم الا وأنتم باكون أن يصيبكم ما أصابهم اه‍ كلام الطبري (وقال الجرجاني) كان من ملوكهم دوبان بن يمنع ملك الاسكندرية وموهب بن مرة بن رحيب وكان عظيم الملك وأخوه هوبيل بن مرة كذلك وفيما ذكره المفسرون انهم أول من نحت الجبال والصخور وانهم بنوا ألفا وسبعمائة مدينة وفي هذا ما فيه ثم هبوا بما كسبوا ودرجوا في الغابرين وهلكوا ويقال ان من بقاياهم أهل الرس الذين كان نبيهم حنظلة بن صفوان وليس

[ 24 ]

ذلك بصحيح وأهل الرس هم حضور ويأتى ذكرهم في بنى فالغ بن عابر وكذلك يزعم بعض النسابة أن ثقيفا من بقايا ثمود هؤلاء وهو مردود وكان الحجاج بن يوسف إذا سمع ذلك يقول كذبوا وقال والله جل من قائل يقول وثمود فما أبقى أي أهلكهم فما أبقى أحدا منهم وأهل التوراة لا يعرفون شيأ من أخبار عاد ولا ثمود لانهم لم يقع لهم ذكر في التوراة ولا لهود ولا لصالح عليهما السلام بل ولا لاحد من العرب العاربة لان سياق الاخبار في التوراة عن أولئك الامم انما هو لمن كان في عمود النسب ما بين موسى وآدم صلوات الله عليهم وليس لاحد من آباء هؤلاء الاجيال ذكر في عمود ذلك النسب فلم يذكروا فيها (وأما جديس وطسم) فعند ابن الكلبى أن جديسا لارم بن سام وديارهم اليمامة وهم اخوان لثمود بن كاثر ولذلك ذكرهم بعدهم وان طسما للاوذ بن سام وديارهم بالبحرين وعند الطبري انهما معا للاذ وديارهم باليمامة ولهذين الاثنين خبر مشهور ينبغى سياقه عند ذكرهم قال الطبري عن هشام بن محمد الكلبى بسنده إلى ابن اسحق وغيره من علماء العرب ان طسما وجديسا كانوا من ساكنى اليمامة وهى إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها خيرا وثمارا وحدائق وقصورا وكان ملك طسم غشوما لا ينهاه شئ عن هواه ويقال له عملوق وكان مصر الجديس مستذلا لهم حتى كانت البكر من جديس لا تهدى إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها وكان السبب في ذلك أن امرأة منهم كان اسمها هزيلة طلقها زوجها وأخذ ولده منها فأمر عملوق ببيعها وأخذ زوجها الخمس من ثمنها فقالت شعرا تتظلم منه فأمر أن لا تزوج منهم امرأة حتى يفترعها فقاموا كذلك حتى تزوجت الشموس وهى عفيرة ابنة غفار بن جديس أخت الاسود فافتضها عملوق فقال الاسود بن غفار لرؤساء جديس قد ترون ما نحن فيه من الذل والعار الذى ينبغى للكلاب ان تعافه فأطيعوني أدعوكم إلى عز الدهر فقالوا وما ذاك قال اصنع للملك وقومه دعوة فإذا جاؤا يعنى طسما نهضنا إليهم باسيافنا فنقتلهم فاجمعوا على ذلك ودفنوا سيوفهم في الرمل ودعوا عملوقا وقومه فلما حضروا قتلوهم فافنوهم وقتل الاسود عملوقا وأفلت رباح بن مرة بن طسم فأتى حسان بن تبع مستغيثا فنهض حسان في حمير لاغاثته حتى كان من اليمامة على ثلاث مراحل قال لهم رباح ان لى أختا مزوجة في جديس اسمها اليمامة ليس على وجه الارض أبصر منها وانها لتبصر الراكب على ثلاث مراحل وأخاف أن تنظر القوم فأمر كل رجل أن يقلع شجرة فيجعلها في يده ويسير كأنه خلفها ففعلوا وبصرت بهم اليمامة فقالت لجديس لقد سارت اليكم حمير وانى أرى رجلا من وراء شجرة بيده كتف يتعرقها أو نعل يخصفها فاستبعدوا ذلك ولم يحفلوا به وصبحهم حسان وجنوده

[ 25 ]

من حمير فأبادهم وخرب حصونهم وبلادهم وهرب الاسود بن غفار إلى جبلى طى فأقام بهما ودعا تبع باليمامة أخت رباح التى ابصرتهم فقلع عينها ويقال انه وجد بها عروقا سودا زعمت أن ذلك من اكتحالها بالاثمد وكانت تلك البلد تسمى جو فسميت باليمامة اسم تلك المرأة قال أبو الفرج الاصبهاني وكانت طى تسكن الجرف من أرض اليمن وهى اليوم محلة مراد وهمدان وسيدهم يومئذ سامة بن لؤى بن الغوث بن طى وكان الوادي مسبعة وهم قليل عددهم وكان يجتاز بهم بعير في زمن الخريف ويذهب ثم يجئ من قابل ولا يعرفون مقره وكانت الازد قد خرجت أيام سيل العرم واستوحشت طى فظعنوا على أثرهم وقالوا لسامة هذا البعير انما يأتي من الريف والخصب لان في بعره النوى فلما جاءهم زمن الخريف اتبعوه يسيرون لسيره حتى هبط عن الجبلين وهجموا على النخل في الشعاب وعلى المواشى وإذا هم بالاسود بن غفار في بعض تلك الشعاب فهالهم خلقه وتخوفوه ونزلوا ناحية ونفضوا الطريق فلم يروا أحدا فأمر سامة ابنه الغوث بقتل الاسود فجاء إليه فعجب من صغر خلقه وقال من أين أقبلتم قال من اليمن وأخبره خبر البعير ثم رماه فقتله واقامت طى بالجبلين بعده وذكر الطبري عن غير ابن اسحق أن تبع الذى أوقع بجديس هو والد حسان هذا وهو ثبان أسعد أبو كرب بن ملكى كرب ويأتى ذكره في ملوك اليمن ان شاء الله تعالى انتهى كلام الطبري وقال غيره ان حسان بن تبع لما سار بحمير إلى طسم بعث على مقدمته إليهم عبد كلال بن منوب بن حجر بن ذى رعين من أقيال حمير فسلك بهم رباح بن مرة الرمل وكانت الزرقاء أخت رباح ناكحا في طسم وتسمى عنزة واليمامة وكانت تبصر على البعد فأنذرتهم فلم يقبلوا وصبح عبد بن كلال جديسا إلى آخر القصة وبقيت اليمامة بعد طسم يبابا لا يأكل ثمرها الا عوافي الطير والسباع حتى نزلها بنو حنيفة وكانوا بعثوا رائدهم عبيد بن ثعلبة الحنفي يرتاد لهم في البلاد فلما أكل من ذلك الثمر قال ان هذا الطعام وحجر بعصاه على موضع قصبة اليمامة فسميت حجرا واستوطنها بنو حنيفة وبها صبحهم الاسلام كما يأتي في أخبارهم ان شاء الله تعالى

[ 27 ]

(وأما العمالقة) فهم بنو عمليق بن لاوذو بهم يضرب المثل في الطول والجثمان قال الطبري عمليق أبو العمالقة كلهم أمم تفرقت في البلاد فكان أهل المشرق وأهل عمان البحرين وأهل الحجاز منهم وكانت الفراعنة بمصر منهم وكانت الجبابرة بالشأم الذين يقال لهم الكنعانيون منهم وكان الذين بالبحرين وعمان والمدينة يسمون جاسم وكان بالمدينة من جاسم هؤلاء بنو لف وبنو سعد بن هزال وبنو مطر وبنو الازرق وكان بنجد منهم بديل وراحل وغفار وبالحجاز منهم إلى تيما بنو الارقم ويسكنون مع ذلك نجدا وكان ملكهم يسمى الارقم قال وكان بالطائف بنو عبد ضخم بن عاد الاول انتهى (وقال ابن سعيد) فيما نقله عن كتب التواريخ التى اطلع عليها في خزانة الكتب بدار الخلافة من بغداد قال كانت مواطن العمالقة تهامة من أرض الحجاز فنزلوها أيام خروجهم من العراق أمام النماردة من بنى حام ولم يزالوا كذلك إلى أن جاء اسمعيل صلوات الله عليه وآمن به من آمن منهم وتطرد لهم الملك إلى أن كان منهم السميدع بن لاوذ بن عمليق وفي أيامه خرجت العمالقة من الحرم أخرجتهم جرهم من قبائل قحطان فتفرقوا ونزل بمكان المدينة منهم بنو عبيل بن مهلايل بن عوص بن عمليق فعرفت به ونزل أرض ايلة ابن هومر بن عمليق واتصل ملكها في ولده وكان السميدع سمة لمن ملك منهم إلى ان كان آخرهم السميدع بن هومر الذى قتله يوشع لما زحف بنو اسرائيل إلى الشأم بعد موسى صلوات الله عليه فكان معظم حروبهم مع هؤلاء العمالقة هنالك فغلبه يوشع وأسره وملك أريحا قاعدة الشأم وهى قرب بيت المقدس ومكانها معروف لهذا العهد ثم بعث من بنى اسرائيل بعثا إلى الحجاز فملكوه وانتزعوه من أيدى العمالقة ملوكه ونزعوا يثرب وبلادها وخيبر ومن بقاياهم يهود قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع وسائر يهود الحجاز على ما نذكره ثم كان لهم ملك بعد ذلك في دولة الروم وملكوا أذينة ابن السميدع على مشارف الشأم والجزيرة من ثغورهم وأنزلوهم في التخوم ما بينهم وبين فارس وهذا الملك أذينة بن السميدع هو الذى ذكره الشاعر في قوله أزال أذينة عن ملكه * وأخرج عن أهله ذا يزن وكان من بعده حسان بن أذينه ومن بعده طرف بن حسان بن يدياه نسبة إلى أمه وبعده عمرو بن طرف وكان بينه وبين جذيمة الابرش حروب وقتله جذيمة واستولى على ملكهم وكان آخرا من العمالقة كما نذكر ذلك في موضعه ومن هؤلاء العمالقة فيما يزعمون عمالقة مصر وان بعض ملوك القبط استنصر بملك العمالقة بالشأم لعهده واسمه الوليد بن دومغ ويقال ثوران بن اراشة بن فادان بن عمرو بن عملاق فجاء معه ملك مصر واستعبد القبط (قال الجرجاني) ومن ثم ملك العماليق مصر ويقال ان منهم فرعون ابراهيم وهو سنان

[ 28 ]

ابن الاشل بن عبيد بن عولج بن عمليق وفرعون يوسف أيضا منهم وهو الريان بن الوليد بن فوران وفرعون موسى كذلك وهو الوليد بن مصعب بن أبى أهون بن الهلوان ويقال أنه قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن فاران وكان الذى ملك مصر بعد الريان بن الوليد طاشم بن معدان اه‍ كلام الجرجاني (وقال غيره) الريان فرعون يوسف وهو الذى تسميه القبط نقراوش وان وزيره كان اطفير وهو العزيز وأنه آمن بيوسف وان أرض الفيوم كانت مغايض للماء فدبرها يوسف بالوحى والحكمة حتى صارت أعز الديار المصرية وملك بعده ابنه دارم بن الريان وبعده ابنه معدا نوس فاستعبد بنى اسرائيل (قال الكلبى) ويذكر القبط أنه فرعون موسى وذكر أهل الاثر انه الوليد بن مصعب وأنه كان نجارا من غير بيت الملك فاستولى إلى أن ولى حرس السلطان ثم غلب عليه ثم استبد بعده وعليه انقرض أمر العمالقة ولما غرق في اتباع موسى صلوات الله عليه رجع الملك إلى القبط فولوا من بيت ملكهم دلوكه العجوز كما نذكره في أخبارهم ان شاء الله تعالى وأما بنو اسرائيل فليس عندهم ذكر لعمالقة الحجاز وعندهم ان عمالقة الشأم من ولد عملاق بن اليفاذ بتفخيم الفاء ابن عيصو أو عيصاب أو العيص بن اسحق بن ابراهيم عليه السلام وفراعنة مصر منهم على الرأيين (وأما) الكنعانيون الذين ذكر الطبري انهم من العمالقة فهم عند الاسرائيليين من كنعان ابن حام وكانوا قد انتشروا ببلاد الشأم وملكوها وكان معهم فيها بنو عيصو المذكورون ويقال لهم بنو يدوم ومن أيديهم جميعا ابتزها بنو اسرائيل عند المجئ أيام يوشع بن نون ولذلك تزعم زناتة المغرب أنهم من هؤلاء العمالقة وليس بصحيح (وأما أميم) فهم اخوان عملاق بن لاوذ قال السهيلي يقال بفتح الهمزة وكسر الميم وبضم الهمزة وفتح الميم وهو أكثر ووجدت بخط بعض المشاهير أميم بتشديد الميم ويذكر أنهم أول من بنى البنيان واتخذ البيوت والاطام من الحجارة وسقفوا بالخشب وكانت ديارهم فيما يقال أرض فارس ولذلك زعم بعض نسابة الفرس أنهم من اميم وان كيومرث الذين ينسبون إليه هو ابن اميم بن لاوذ وليس بصحيح وكان من شعوبهم وبار بن اميم نزلوا رمل عالج بين اليمامة والشحر وسالت عليهم الريح فهلكوا

[ 30 ]

(وأما العرب) البايدة من بنى أرفخشد بن بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد فهم جرهم وحضورا وحضر موت والسلف (فأما حضورا) فكانت ديارهم بالرس وكانوا أهل كفر وعبادة أوثان وبعث إليهم نبى منهم اسمه شعيب بن دى مهرع فكذبوه وهلكوا كما هلك غيرهم من الامم (وأما جرهم) فكانت ديارهم باليمن وكانوا يتكلمون بالعبرانية وقال البيهقى ان يعرب بن قحطان لما غلب عادا على اليمن وملكه من أيديهم ولى اخوته على الاقاليم وولى جرهم على الحجاز وولى بلاد عاد الاولى وهى الشحر عاد بن قحطان فعرفت به وولى عمان يقطن بن قحطان انتهى كلام البيهقى وقيل انما نزلت جرهم الحجاز ثم بنى قطور بن كر كر بن عملاق لقحط أصاب اليمن فلم يزالوا بمكة إلى أن كان شأن اسمعيل عليه السلام ونبوته فآمنوا به وقاموا بأمره وورثوا ولاية البيت عنه حتى غلبهم عليه خزاعة وكتانة فخرجت جرهم من مكة ورجعوا إلى ديارهم باليمن إلى أن هلكوا (وأما حضر موت) فمعدودون في العرب العاربة لقرب ازمانهم وليسوا من العرب البايدة لانهم باقون في الاجيال المتأخرة الا أن يقال ان جمهورهم قد ذهب من بعد عصورهم الاولى واندرجوا في كندة وصاروا من عدادهم فهم بهذا الاعتبار قد هلكوا وبادوا والله أعلم وقال على بن عبد العزيز انه كان فيهم ملوك التبابعة في علو الصيت ونهاية الذكر قال وذكر جماعة من العلماء أن أول من انبسط ملكه منهم وارتفع ذكره عمرو الاشنب بن ربيعة بن يرام بن حضر موت ثم خلفه ابنه نمر الازج فملك مائة سنة وقاتل العمالقة ثم ملك كريب ذو كراب ثم نمر الازج مائة وثلاثا وثلاثين سنة وهلك اخوته في ملكه ثم ملك مرثد ذو مروان بن كريب مائة وأربعين سنة وكان يسكن مارب ثم تحول إلى حضر موت ثم ملك علقمة ذو قيعان بن مرثد ذى مروان بحضر موت ثلاثين سنة ثم ملك ذو عيل بن ذى قيعان عشر سنين وسكن صنعا وغزا الصين فقتل ملكها وأخذ سيفه ذا النور ثم ملك ذو عيل بن ذى عيل بحضر موت عشر سنين ولما شخص سنان ذوا لم لغز والصين تحول ذو عيل إلى صنعا واشتدت وطأته وكان أول من غز الروم من ملوك اليمن وأول من أدخل الحرير والديباج إلى اليمن ثم ملك بدعات بن ذى عيل بحضر موت أربع سنين ثم ملك بدعيل بن بدعات وبنى حصونا وخلف آثارا ثم ملك بديع ذو عيل ثم ملك حماد بن بدعيل بحضر موت فانشأ حصنه المعقرب وغزا فارس في عهد سابور ذى الاكتاف وخرب وسبى ودام ملكه ثمانين سنة وكان أول من اتخذ الحجاب من ملوكهم ثم ملك يشرح ذو الملك بن ودب بن ذى حماد بن عاد من بلاد حضر موت مائة سنة وكان أول من رتب الرواتب وأقام الحرس والروابط ثم ملك منعم ابن ذى الملك دثار بن جذيمة بن منعم ثم يشرح بن جذيمة بن منعم ثم نمر بن يشرح ثم ساجن

[ 31 ]

المسمى بن نمر وفي أيامه تغلبت الحبشة على اليمن هذه قبائل هذا الجيل من العرب العاربة وما كانوا عليه من الكثرة والملك إلى أن انقرضوا وأزال الله من أمرهم بالقحطانية كما نحن ذاكروه ولم نغفل منهم الا من لم يصلنا ذكره من خبره والله وارث الارض ومن عليها (وأما جرهم) فقال ابن سعيد انهم امتان أمة على عهد عاد وأمة من ولد جرهم بن قحطان ولما ملك يعرب بن قحطان اليمن ملك أخوه جرهم الحجاز ثم ملك من بعده ابنه عبد يا ليل ثم بعده ابنه عبد المدان بن جرهم ثم ابنه نفيلة بن عبد المدان ثم ابنه عبد المسيح ابن نفيلة ثم ابنه مضاض ابن عبد المسيح ثم ابنه الحرث ثم ملك من بعده جرهم بن عبد يا ليل ثم بعده ابنه عمرو بن الحرث ثم أخوه بشير بن الحرث ثم مضاض بن عمرو بن مضاض قال وهذه الامة الثانية هم الذين بعث إليهم اسمعيل عليه السلام وتزوج فيهم انتهى

[ 33 ]

(وأما بنو سبا) بن يقطن فلم يبيدوا وكان لهم بعد تلك الاجيال البائدة أجيال باليمن منهم حمير وكهلان وملوك التبابعة وهم أهل الطبقة الثانية وفي مسند الامام أحمد أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل هو فروة بن مسيك المرادى عن سبا أرجل هو أو امرأة أم أرض فقال بل رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة والشأم أربعة فأما اليمانيون فمذ حج وكندة والازد والاشعر وأنمار وحمير وأما الشاميون فلخم وجذام وعاملة وغسان وثبت أن أباهم قحطان كان يتكلم بالعربية ولقنها عن الاجيال قبله فكانت لغة بنيه ولذلك سمو العرب المستعربة ولم يكن في آباء قحطان من لدن نوح عليه السلام إليه من يتكلم بالعربية وكذلك كان أخوه فالغ وبنوه انما يتكلمون بالعجمية إلى أن جاء اسمعيل بن ابراهيم صلوات الله عليهما فتعلم العربية من جرهم فكانت لغة بنيه وهم أهل الطبقة الثالثة المسمون بالعرب التابعة للعرب فلنذكر هذا النسب لينتظم أجياله مع الاجيال السابقة واللاحقة ونستوفى أنساب الامم منها [ الخبر عن ابراهيم أبى الانبياء عليهم السلام ونسبه إلى فالغ بن عابر وذكر أولاده صلوات الله عليهم وأحوالهم ] ولنذكر الآن أهل هذا النسب ما بين اسمعيل ونوح عليهما السلام ومن كان منهم أو من اخوانهم أو أبنائهم من الانبياء والشعوب والملوك وما كان لاسمعيل صلوات الله عليه من الولد ونختم هذه الطبقة الاولى بذكرهم وان كانوا عجما في لغاتهم الا أنهم أصون الخليقة في أنسابهم وكل البشر على بعض الآراء من أعقابهم وهم مع ذلك معاصرون لهذه الطبقة فيتسق الكلام فيهم على شرط كتابنا ويتميز بذكر أخبارهم أحوال الطبقات التى بعدهم على الوفاء والكمال (فنبدأ أولا) بذكر عمود هذا النسب على التوالى ثم نرجع إلى أخبارهم واسمعيل صلوات الله عليه هو ابن ابراهيم بن آزر وهو تارح وآزر اسم لصنمه لقب به ابن ناحور بن ساروخ بالخاء أو بالغين ابن عابر أو عنبر بن شالح أو شليخ بن ارفخشد بن سام بن نوح وهذه الاسماء الاعجمية كلها منقولة من التوراة ولغتها عبرانية ومخارج حروفها في الغالب مغايرة لمخارج الحروف العربية وقد يجئ الحرف منها بين حرفين من العربية فترده العرب إلى أحد ذينك الحرفين وفي مخرجه فيتغير عن أصله ولذلك تكون فيها امالة متوسطة أو محضة فيصير إلى حرف العلة الذى بعده من ياء أو واو فلذلك تنقل الكلمة منها على اختلاف والا فشأن الاعلام أن لا تختلف وقال الطبري ان بين شالخ وارفخشد أبا آخر اسمه قينن وسقط ذكره من التوراة لانه كان ساحرا وادعى الالوهية وقال ابن حزم في كتب

[ 34 ]

النصارى ان بين فالغ وعابر أبا آخر اسمه ملكيصدق وهو أبو فالغ (واعلم) أن نوحا صلوات الله عليه بلغ عمره يوم الطوفان ستمائة سنة وعاش بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة فكانت جملة لك تسعمائة وخمسين سنة ألف سنة الا خمسين وهذا نص المصحف الكريم وكذا وقع في التوراة بعينه ومن الغريب الواقع في التوراة أن عمر ابراهيم كان يوم وفاة نوح ثلاثا وخمسين سنة لانه قال ان أرفخشذ ولد لسام بعد سنتين من الطوفان ولما بلغ خمسا وثلاثين سنة ولد له ابنه شالخ وبعد ثلاثين سنة ولد ابنه عابر وبلغ عابر أربعا وثلاثين سنة فولد ابنه فالغ وبلغ فالغ ثلاثين سنة فولد له أرغو وبلغ أرغو ثنتين وثلاثين سنة فولد شاروغ وبلغ شاروغ ثلاثين سنة فولد ناحور وبلغ ناحور تسعا وعشرين سنة فولد تارح وبلغ تارح خمسا وسبعين سنة فولد ابراهيم وجملة هذه السنين من الطوفان إلى ولادة ابراهيم مائتان وسبع وتسعون سنة وعمر نوح بعد الطوفان ثلثمائة وخمسون سنة فيكون ابراهيم بعد وفاة نوح ابن ثلاث وخمسين سنة فيكون لقى نوحا صلوات الله عليهما وخالطه وأخذ عنه وهو على رأى بعضهم أب لجميع الشعوب من بعده فلذلك كان الاب الثالث للخليقة من بعد آدم ونوح صلوات الله عليهم أجمعين اه‍ (وفي كتاب البدء) ونقله ابن سعيد ان أول من ملك الارض من ولد نوح كنعان بن كوش بن حام فسار من أرض كنعان بالشأم إلى أرض بابل فبنى مدينة بابل اثنى عشر فرسخا في مثلها وورث ملكه ابنه النمرود بن كنعان وعظم سلطانه في الارض وطال عمره وغلب على أكثر المعمور وأخذ بدين الصابئة وخالفه الكلدانيون منهم في التوحيد وأسمائه ومال معهم بنو سام وكان سام قد نزل بشرقي الدجلة وكان وصى أبيه في الدين والتوحيد وورث ذلك ابنه أرفخشذ ومعنى أرفخشذ مصباح مضئ فاشتغل بالعبادة ودعاه الكلدانيون إلى القيام بالتوحيد فامتنع ثم قام من بعده ابنه شالخ وعاش طويلا وقام من بعده بأمره ابنه عابر كذلك وخرج مع الكلدانيين على النمرود منكرا لعبادة الهيا كل فغلبه نمروذ وأخرجه من كوثا فلحق هو ومن معه من الحلفاء بالجزيرة وهى مدينة المجدل بين الفرات ودجلة وعابر هذا هو أبو العبرانيين الذين تكلموا بالعبرانية واستفحل ملكه بالمجدل قال ابن سعيد وورث من بعده ابنه فالغ وهو الذى قسم الارض بين ولد نوح وفي زمانه بنى النمروذ الصرح ببابل وكان من أمره ما نصه القرآن وقام بأمر فالغ من بعده ابنه ملكان فيما زعموا وغلبه الجرامقة والنبط على ملكه وقام بالمجدل في ملكهم إلى أن هلك وخلف ابنه أتيا ويقال له الخضر وأما أرغو بن فالغ فعبر إلى كلو إذا ودخل في دين النبط وهى بدعة الصابئة وولد له منهم

[ 35 ]

ابنه شاروخ ثم بعده ناحور بن شاروخ ثم بعده تارح بن ناحور الذى سمى آزر واستخلص النمروذ آزر وقدمه على بيت الاصنام والنمروذ من ملوك الجرامقة واسمه هاصد بن كوش انتهى كلام ابن سعيد وولد لتارح وهو آزر على ما وقع في التوراة ثلاثة من الولد ابراهيم وناحور وهاران ومات هاران في حياة أبيه تارح وترك ابنه لوطا فهو ابن أخى ابراهيم قال الطبري ولد ابراهيم الخليل قيل بناحية كوثا من السواد وهو قول ابن اسحق وقيل بحران وقيل ببابل وعامة السلف انه ولد على عهد نمروذ بن كنعان بن كوش بن سام وكان الكهان يتحدثون بولادة رجل يخالف الدين ويكسر الاصنام والاوثان فأمر بذبح الولدان فولدته أمه وتركته بمغارة في فلاة من الارض حتى كبر وشب ورأى في الكواكب ما رآه وكملت نبوته فأحضرته إلى أبيه ودعاه إلى التوحيد فامتنع وكسر ابراهيم الاصنام وأحضر عند نمروذ وقذفه في النار فصارت بردا وسلاما وخرج منها ولم تعد عليه كما نص ذلك القرآن ثم تدبر النمروذ في أمره وطلب من ابراهيم أن يقرب قربانا يفتدى مما دعاه إليه فقال له ابراهيم لن يقبل منك الا الايمان فقال لا أستطيع وترك ابراهيم وشأنه ثم أمر الله ابراهيم بالخروج من أرض الكلدانيين ببابل فخرج به أبوه تارح ومعهما على ما في التوراة ابنه ناحور بن تارح وزوجته ملكا بنت أخيه هاران وحافده لوط بن هاران قال في التوراة وكنته سارة يعنى زوج ابراهيم فقيل انها أخت ملكا بنت هاران بن تارح وقيل بنت ملك حران طعنت على قومها في الدين فتزوجها ابراهيم على أن لا يضرها ويرد هذا ما في التوراة انها خرجت معهم من أرض الكلدانيين إلى حران فتزوجها وقيل انها بنت هاران ابن ناحور وهاران عم ابراهيم قاله السهيلي فأقاموا بحران ومات بها أبوه تارح وعمره مائتا سنة وخمس سنين ثم أمر بالخروج إلى أرض الكنعانيين ووعده الله بأن تكون أثرا لبنيه وأنهم يكثرون مثل حصى الارض فنزل بمكان بيت المقدس وهو ابن خمس وسبعين سنة ثم أصاب بلد الكنعانيين مجاعة فخرج ابراهيم في أهل بيته وقدم مصر ووصف لفرعون ملك القبط جمال امرأته سارة فأحضرها عنده ولما هم بها يبست يده على صدره فطلب منها الاقالة فدعت له الله فانطلقت يده ويقال عاود ذلك ثلاثا يصاب في كلها وتدعو له فردها إلى ابراهيم واستخدمها هاجر قال الطبري والملك الذى أراد سارة هو سنان بن علوان وهو أخو الضحاك والظاهر أنه من ملوك القبط ثم ساروا إلى أرض كنعان بالشام ويقال ان هاجر أهداها ملك الاردن لسارة وكان اسمه فيما قال الضبى صلاوق وأنه انتزع سارة من ابراهيم ولما هم بها صرع مكانه وسأله في الدعاء فدعت له فأفاق فردها إلى ابراهيم وأخدمها هاجر أمة كانت لبعض ملوك القبط ولما

[ 36 ]

عاد ابراهيم إلى أرض كنعان نزل جيرون وهو مدفنه المسمى بالخليل وكانت معظمة تعظمها الصابئة وتسكب عليها الزيت للقربان وتزعم أنها هيكل المشترى والزهرة فسماها العبرانيون ايليا ومعناه بيت الله ثم ان لوطا فارق ابراهيم عليه السلام لكثرة مواشيهما وتابعهما وضيق المرعى فنزل المؤتفكة بناحية فلسطين وهى بلاد العدور المعروف بعدور صقر وكانت هناك على ما نقله المحققون خمس قرى سدوم ووجدهم على ارتكاب الفواحش فدعاهم إلى الدين ونهاهم عن المخالفة فكذبوه وعتوا وأقام فيهم داعيا إلى الله إلى أن هلكوا كما قصه القرآن وخرج لوط مع عساكر كنعان وفلسطين للقاء ملوك الشرق حين زحفوا إلى أرض الشام وكانوا أربعة ملوك ملك الاهواز زمن بنى غليم بن سام واسمه كرز لا عامر وملك بابل واسمه في التوراة شنعا واسمه امرا قيل ويقال هو نمروذ وملك الاستار وما أدرى معنى هذه اللفظة واسمه أريوح وملك كوتم ومعناه ملك أمم أو جماعة واسمه تزعال وكان ملوك كنعان الذين خرجوا إليهم خمسة على عدد القرى الخمسة وذلك أن ملك الاهواز كان استعبدهم ثنتى عشرة سنة ثم عصوا فزحف إليهم واستجاش بالملوك المذكورين معه فأصابوا من أهل جبال يسعين إلى فاران التى في البرية وكان بها يومئذ الجويون من شعوب كنعان أيضا وخرج ملك سدوم وأصحابه لمدافعتهم فانهزم هو والملوك الذين معه من أهل سدوم وسباهم ملك الاهواز ومن معه من الملوك وأسروا لوطا وسبوا أهله وغنموا ماشيته وبلغ الخبر ابراهيم عليه السلام فاتبعهم في ولده ومواليه نحوا من ثلثمائة وثمانية عشر ولحقهم بظاهر دمشق فدهمهم فانفضوا وخلص لوطا في تلك الوقعة وجاء بأهله ومواشيه وتلقاهم ملك سدوم واستعظم فعلهم ثم أوحى الله إلى ابراهيم ان هذه الارض أرض الكنعانيين التى أنت بها ملكتها لك ولذريتك وأكثرهم مثل حصى الارض وأن ذريتك يسكنون في أرض ليست لهم أربعمائة سنة ويرجع الحقب الرابع إلى هنا ثم ان سارة وهبت مملوكتها هاجر القبطية لابراهيم عليه السلام لعشر سنين من مجيئهم من مصر وقالت لعل الله يرزقك منها ولدا وكان ابراهيم قد سأل الله أن يهب له ولدا فوعده به وكانت سارة قد كبرت وعقمت عن الولد فولدت هاجر لابراهيم اسمعيل عليهما السلام لست وثمانين من عمره وأوحى الله إليه انى قد باركت عليه وكثرته ويولد له اثنا عشر ولدا ويكون رئيسا لشعب عظيم وأدركت سارة الغيرة من هاجر وطلبت منه اخراجها وأمره الله أن يطيع سارة في أمرها فهاجر بها إلى مكة ووضعها وابنها بمكان زمزم عند دوحة هنالك وانطلق فقالت له هاجر آلله أمرك قال نعم فقالت إذا لا يضيعنا وانطلق ابراهيم وعطش اسمعيل بعد ذلك عطشا شديدا وأقامت هاجر تتردد بين الصفا

[ 37 ]

والمروة إلى أن صعدت عليها سبع مرات لعلها تجد شيأ ثم أتته وهو يفحص برجليه فنبعت زمزم (وعن السدى) انه تركه في مكان الحجر واتخذ فيه عريشا وأن جبريل هو الذى همزله الماء بعقبه وأخبر هاجر أنها عين يشرب بها ضيفان الله وأن أبا هذا الغلام سيجئ ويبنيان بيتا لله هذا مكانه ثم مرت رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم أقبلوا من كداء ونزلوا أسفل مكة فرأوا الطير حائمة فقالوا لا نعلم بهذا الوادي ماء ثم أشرفوا فرأوا المرأة ونزلوا معها هنا لك (وعن ابن عباس) كانت أحياؤها قريبا من ذلك المكان فلما رأوا الطير تحوم عليه أقبلوا إليه فوجدوهما فنزلوا معهما حتى كان بها أهل أبيات منهم وشب اسمعيل بينهم وتعلم اللغة العربية منهم وأعجبهم وزوجوه امرأة منهم وماتت أمه هاجر فدفنها في الحجر ولما رجع ابراهيم وأقام في أهله بالشأم وبالغ أهل المؤتفكة في العصيان والفاحشة ودعاهم لوط فكذبوه وأقام على ذلك قال الطبري فأرسل الله رسولا من الملائكة لاهلاكهم ومروا بابراهيم فأضافهم وخدمهم وكان من ضحك سارة وبشارة الملائكة لها باسحق وابنه يعقوب ما قصه القرآن وكانت البشارة باسحق وابراهيم ابن مائة سنة وسارة بنت تسعين وفي التوراة انه أمر أن يحرر ولده اسمعيل لثلاث عشرة سنة من عمره وكل من في بيته من الاحرار فكان ذلك لتسع وتسعين من عمر ابراهيم وقال له ذلك عهد بينى وبينك وذريتك ثم أهلك الله المؤتفكة ونجى لوطا إلى أرض الشام فكان بها مع عمه ابراهيم صلوات الله عليهما وولدت سارة اسحق وأمر الله ابراهيم بعد ولادة اسمعيل واسحق ببناء بيت يعبد فيه ويذكر ولم يعرف مكانه فجعل له علامة تسير معه حتى وقفت به على الموضع يقال انها ريح لينة لها رأسان تسير معه حتى تكون بالموضع ويقال بل بعث معه جبريل لذلك حتى أراه الموضع وكان ابراهيم يعتاد اسمعيل لزيارته ويقال انه كان يستأذن سارة في ذلك وأنها شرطت عليه أن لا يقيم عندهم وأن ابراهيم وجد امرأة لاسمعيل في غيبة منه وكانت من العماليق وهى عمارة بنت سعيد بن أسامة بن اكيل فرآها فظة غليظة فأوصاها لاسمعيل بان يحول عتبة بابه فلما قصت عليه الخبر والوصية قال ذلك أبى يأمرنى أن أطلقك فطلقها وتزوج بعدها السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمى وخالفه ابراهيم إلى بيته فتسهلت له بالاذن وأحسنت التحية وقربت الوضوء والطعام فأوصاها لاسمعيل بأنى قد رضيت عتبة بابك ولما قصت عليه الوصية قال ذلك أبى يأمرنى بامساكك فأمسكها ثم جاء ابراهيم مرة ثالثة وقد أمره الله ببناء البيت وأمر اسمعيل باعانته فرفعوها من القواعد وتم بناؤها وأذن في الناس بالحج ثم زوج لوط ابنته من مدين بن ابراهيم عليهما السلام وجعل الله في نسلها البركة فكان منهم أهل مدين

[ 38 ]

الامة المعروفة ثم ابتلى الله ابراهيم بذبح ابنه في رؤيا رآها وهى وحى وكانت الفدية ونجى الله ذلك الولد كما قص في القرآن واختلف في ذلك الذبيح من ولديه فقيل اسمعيل وقيل اسحق وذهب إلى كلا القولين جماعة من الصحابة والتابعين فالقول باسمعيل لابن عباس وابن عمر والشعبى ومجاهد والحسن ومحمد بن كعب القرظى وقد يحتجون له بقوله صلى الله عليه وسلم أنا ابن الذبيحين ولا تقوى الحجة به لان عم الرجل قد يجعل أباه بضرب من التجوز لا سيما في مثل هذا الفخر ويحتجون أيضا بقوله تعالى فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب ولو كان ذبيحا في زمن الصبا لم تصح البشارة بابن يكون له لان الذبح في الصبا ينافى وجود الولد ولا تقوم من ذلك حجة لان البشارة انما وقعت على وفق العلم بأنه لا يذبح وانما كان ابتلاء لابراهيم والقول باسحق للعباس وعمر وعلى وابن مسعود وكعب الاحبار وزيد بن أسلم ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير وعطا والزهرى ومكحول والسدى وقتادة (وقال الطبري) والراجح أنه اسحق لان نص القرآن يقتضى أن الذبيح هو المبشر به ولم يبشر ابراهيم بولد الا من زوجته سارة مع أن البشارة وقعت اجابة لدعائه عند مهاجره من أرض بابل وقوله انى ذاهب إلى ربى سيهدين ثم قال عقبه رب هب لى من الصالحين ثم قال عقبه فبشرناه بغلام حليم وذلك كله كان قبل هاجر لان هاجر انما ملكتها سارة بمصر وملكتها لابراهيم بعد ذلك بعشر سنين فالمبشر به قبل ذلك كله انما هو ابن سارة فهو الذبيح بهذه الدلالة القاطعة وبشارة الملائكة لسارة بعد ذلك حين كانوا ضيوفا عند ابراهيم في مسيرهم لاهلاك سدوم انما كان تجديدا للبشارة المتقدمة اه‍ ثم توفيت سارة لمائة وسبع وعشرين من عمرها وذلك في قرية جيرون من بلاد بنى حبيب الكنعانيين فطلب ابراهيم منهم مقبرة لها فوهبه عفرون بن صخر مغارة كانت في مزرعته فامتنع من قبولها الا بالثمن فأجاب إلى ذلك واعطاه ابراهيم أربعمائة مثقال فضة ودفن فيها سارة وتزوج ابراهيم من بعدها قطورا بنت يقطان من الكنعانيين وقال السهيلي قنطورا بزيادة نون بين القاف والطاء وهذا الاسم أعجمى وطاؤه قريبة من التاء فولدت له كما هو مذكور في التوراة ستة من الولد وهم زمران يقشان مدان مدين أشبق شوخ ثم وقع في التوراة ذكر أولادهم فولد يقشان سبا ودذان وولد دذان أشور ثم ولطو سيح ولاميم وولد مدين عيفا وعيفين وحنوخ وافيداع والزاعا هذا آخر ولده من قنطورا في التوراة وقال السهيلي كان لابراهيم عليه السلام أولاد آخرون خمسة من امرأة اسمها حجين أو حجون بنت أهيب وهم كبسان وفروخ وأميم ولوطان ونافس ولما ذكر الطبري بنى قنطورا الستة وسمى منهم يقشان قال بعده وسائرهم من الاخرى وهى دعوة ثم قال ومن

[ 39 ]

يقشان جيل البربر اه‍ فولد ابراهيم على هذا ثلاثة عشر فاسمعيل من هاجر واسحق من سارة وستة من قنطورا كما ذكر في التوراة والخمسة بنو حجين عند السهيلي أو رعوة عند الطبري وكان ابراهيم عليه السلام قد عهد لابنه اسحق أن لا يتزوج في الكنعانيين وأكد العهد والوصية بذلك لمولاه القائم على أموره ثم بعثه إلى حران مهاجرهم الاول فخطب من ابن أخيه بتويل بن ناحور بن آزر بنته رفقا فزوجها أبوها واحتملها ومن معها من الجوارى وجاء بها إلى اسحق في حياة أبيه وعمره يومئذ أربعون سنة فتزوجها وولدت له يعقوب وعيصو توءمين وسنذكر خبرهما ثم قبض الله نبيه ابراهيم صلوات الله عليه بمكان هجرته من أرض كنعان وهو ابن مائة وخمس وسبعين سنة ودفن مع سارة في مغارة عفرون الحبيبى وعرف بالخليل لهذا العهد ثم جعل الله في ذريته النبوة والكتاب آخر الدهر فاسمعيل سكن مع جرهم بمكة وتزوج فيهم وتعلم لغتهم وتكلم بها وصار أبا لمن بعده من أجيال العرب وبعثه الله إلى جرهم والعمالقة الذين كانوا بمكة وإلى أهل اليمن فآمن بعض وكفر بعض ثم قبضه الله إليه وخلف ولده بين جرهم وكانوا على ما ذكر في التوراة اثنى عشر أكبرهم بنايوت وهو الذى تقوله العرب نابت ونبت ثم قيذار وأدبيل وبسام ومشمع وذوما ومسا وحراه وقيما وبطور ونافس وقدما (قال ابن اسحق) وعاش فيما ذكر مائة وثلاثين سنة ودفن في الحجر مع أمه هاجر ويقال آجر وفي التوراة أنه قبض ابن مائة وسبع وثلاثين سنة وأن شيعته سكنوا من حويلا إلى شور قبالة مصر من مدخل أثور وسكنوا على حذر شيع اخوته وحويلا عند أهل التوراة هي جنوب برقة والوا ومنها قريبة من الياء وشور هي أرض الحجاز واثور بلاد الموصل والجزيرة ثم ولى أمر البيت من بعد اسمعيل ابنه نابت وأقام ولده بمكة مع أخوالهم جرهم حتى تشعبوا وكثر نسلهم وتعددت بطونهم من عدنان في عداد معد ثم بطون معد في ربيعة ومضر وإياد وأنمار بنى نزار بن معد فضاقت بهم مكة على ما نذكره عند ذكر قريش وأخبار ملكهم بمكة فكانت بطون عدنان هذه كلها من ولد اسمعيل لابنه نابت وقيل لقيذار ولم يذكر النسابون نسلا من ولده الآخرين وتشعبت من اسمعيل أيضا عند جماعة من أهل العلم بالنسب بطون قحطان كلها فيكون على هذا أبا لجميع العرب بعده (وأما اسحق) فأقام بمكانه من فلسطين وعمرو عمى بعد الكثير من عمره وبارك على ولده يعقوب فغضب بذلك أخوه عيصو وهم بقتله فأشارت عليه رفقا بنت بتويل بالسير إلى حران عند خاله لابان بن بتويل فأقام عنده وزوجه بنتيه فزوجه أولا الكبرى واسمها ليا وأخدمها جاريتها زلفة ثم من بعدها أختها الصغرى واسمها راحيل وأخدمها جاريتها بلها وأول من ولد منهن ليا ولدت له روبيل ثم شمعون ثم لاوى ثم يهوذا وكانت راحيل لا تحبل

[ 40 ]

فوهبت جاريتها بلها ليعقوب لتلد منه فولدت له دان ثم نفتالى ولما فعلت ذلك راحيل وهبت أختها ليا ليعقوب عليه السلام جاريتها زلفة فولدت له كاد وآشر ثم ولدت ليا من بعد ذلك يساخر ثم زبولون فكمل له بذلك عشرة من الولد ثم دعت راحيل الله عزوجل أن يهب لها ولدا من يعقوب فولدت يوسف وقد كملت له بحران عشرون سنة ثم أمر بالرحيل إلى أرض كنعان التى وعدوا بملكها فارتحل وخرج لابان في اتباعه وعزم له في المقام عنده فأبى فودعه وانصرف إلى حران وسار يعقوب لوجهه حتى إذا قرب من بلد عيصو وهو جبل يسعين بأرض الكرك والشوبك لهذا العهد اعترضه عيصو لتلقيه وكرامته فأهدى إليه يعقوب من ماشيته هدية احتفل فيها وتودد إليه بالخضوع والتضرع فذهب ما كان عند عيصو وأوحى الله إليه بأن يكون اسمه اسرائيل ومر على أرشاليم وهى بيت المقدس فاشترى هنالك مزرعة ضرب فيها فسطاطه وأمر ببناء مرجح سماه ايل في مكان الصخرة ثم حملت راحيل هنا لك فولدت له بنيامين وماتت من نفاسه ودفنها في بيت لحم ثم جاء إلى أبيه اسحق بقرية جيرون من أرض كنعان فأقام عنده ومات اسحق عليه السلام لمائة وثمانين سنة من عمره ودفن مع أبيه في المغارة وأقام يعقوب بمكانه وولده عنده وشب يوسف عليه السلام على غير حالهم من كرامة الله به وقص عليهم رؤياه التى بشر الله فيها بأمره فغصوا به وخرجوا معه إلى الصيد فألقوه في الجب واستخرجه السيارة الذين مروا به بعد ذلك وباعوه للعرب بعشرين مثقالا ويقال ان الذى تولى بيعه هو مالك بن دعر بن واين بن عيفا بن مدين واشتراه من العرب عزيز مصر وهو وزيرها أو صاحب شرطتها قال ابن اسحق واسمه اطفير بن رجيب وقيل قوطفير وكان ملكها يومئذ من العماليق الريان بن الوليد بن دومغ وربى يوسف عليه السلام في بيت العزيز فكان من شأنه مع امرأته زليخا ومكثه في السجن وتعبيره الرؤيا للمحبوسين من أصحاب الملك ما هو مذكور في الكتاب الكريم ثم استعمله ملك مصر عند ما خشى السنة والغلاء على خزائن الزرع في سائر مملكته بقدر جمعها وتصريف الارزاق منها وأطلق يده بذلك في جميع أعماله وألبسه خاتمه وحمله على مركبه ويوسف لذلك العهد ابن ثلاثين سنة فقيل عزل اطفير العزيز وولاه وقيل بل مات اطفير فتزوج زليخا وتولى عمله وكان ذلك سببا لانتظام شمله بأبيه واخوته لما أصابتهم السنة بأرض كنعان وجاء بعضهم للميرة وكال لهم يوسف عليه السلام ورد عليهم بضاعتهم وطالبهم بحضور أخيهم فكان ذلك كله سببا لاجتماعه بأبيه يعقوب بعد أن كبر وعمى (قال ابن اسحق) كان ذلك لعشرين سنة من مغيبه ولما وصل يعقوب إلى بلبيس قريبا من مصر خرج يوسف ليلقاه ويقال خرج فرعون معه وأطلق لهم أرض بلبيس يسكنون بها وينتفعون

[ 41 ]

وكان وصول يعقوب صلوات الله عليه في سبعين راكبا من بنيه ومعه أيوب النبي من بنى عيصو وهو أيوب بن برحما بن زبرج بن رعويل بن عيصو واستقروا جميعا بمصر ثم قبض يعقوب صلوات الله عليه لسبع عشرة سنة من مقدمه ولمائة وأربعين من عمره وحمله يوسف صلوات الله عليه إلى أرض فلسطين وخرج معه أكابر مصر وشيوخها باذن من فرعون واعترضهم بعض الكنعانيين في طريقهم فأوقعوا بهم وانتهوا إلى مدفن ابراهيم واسحق عليهما السلام فدفنوه في المغارة عندهما وانتقلوا إلى مصر وأقام يوسف صلوات الله عليه بعد موت أبيه ومعه اخوته إلى أن أدركته الوفاة فقبض لمائة وعشرين سنة من عمره وأدرج في تابوت وختم عليه ودفن في بعض مجارى النيل وكان يوسف أوصى أن يحمل عند خروج بنى اسرائيل إلى أرض اليفاع فيدفن هنا لك ولم تزل وصيته محفوظة عندهم إلى أن حمله موسى صلوات الله عليه عند خروجه ببنى اسرائيل من مصر ولما قبض يوسف صلوات الله عليه وبقى من بقى من الاسباط اخوته وبنيه تحت سلطان الفراعنة بمصر تشعب نسلهم وتعددوا إلى أن كاثروا أهل الدولة وارتابوا بهم فاستعبدوهم قال المسعودي دخل يعقوب إلى مصر مع ولده الاسباط وأولادهم حين أتوا إلى يوسف في سبعين راكبا وكان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى صلوات الله عليه نحوا من مائتين وعشر سنين فتداولهم ملوك القبط والعمالقة بمصر ثم أحصاهم موسى في التيه وعد من يطيق حمل السلاح من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستمائة ألف ويزيدون وقد ذكرنا ما في هذا العدد من الوهم والغلو في مقدمة الكتاب فلا نطول به ووقوعه في نص التوراة لا يقضى بتحقيق هذا العدد لان المقام للمبالغة فلا تكون اعداده نصوصا وكان ليوسف صلوات الله عليه من الولد كثير الا ان المعروف منهم اثنان افراثيم ومنشى وهما معدودان في الاسباط لان يعقوب صلوات الله عليه ادركهما وبارك عليهما وجعلهما من جملة ولده وقد يزعم بعض من لا تحقيق عنده أن يوسف صلوات الله عليه استقل آخرا بملك مصر وينسب لبعض ضعفة المفسرين ومعتمدهم في ذلك قول يوسف عليه السلام في دعائه رب قد آتيتني من الملك ولا دليل لهم في ذلك لان كل من ملك شيئا ولو في خاصة نفسه فاستيلاؤه يسمى ملكا حتى البيت والفرس والخادم فكيف من ملك التصرف ولو كان في شعب واحد منها فهو ملك وقد كان العرب يسمون أهل القرى والمدائن ملوكا مثل هجر ومعان ودومة الجندل فما ظنك بوزير مصر لذلك العهد وفى تلك الدولة وقد كان في الخلافة العباسية تسمى ولاة الاطراف وعمالها ملوكا فلا استدلال لهم في هذه الصيغة وأخرى أيضا فيما يستدلون به من قوله تعالى وكذلك مكنا ليوسف في الارض أن لا يكون

[ 42 ]

لهم فيه مستند لان التمكين يكون بغير الملك ونص القرآن انما هو بولايته على أمور الزرع في جمعه وتفريقه كما قال تعالى اجعلني على خزائن الارض انى حفيظ عليم ومساق القصة كلها انه مرؤس في تلك الدولة بقرائن الحال كلها لا ما يتوهم من تلك اللفظة الواقعة في دعائه فلا نعدل عن النص المحفوف بالقرائن إلى هذا المتوهم الضعيف وأيضا فالقصة في التوراة قد وقعت صريحة في أنه لم يكن ملكا ولا صار إليه ملك وأيضا فالامر الطبيعي من الشوكة والقطامة له يدفع أن يكون حصل له ملك لانه انما كان في تلك الدولة قبل أن يأتي إليه اخوته منفردا لا يملك الا نفسه ولا يتأتى الملك في هذا الحال وقد تقدم ذلك في مقدمة الكتاب والله أعلم (وأما عيصو) بن اسحق فسكن جبال بنى يسعين من بنى جوى احدى شعوب كنعان وهى جبال الشراة بين تبوك وفلسطين وتعرف اليوم ببلاد كرك والشوبك وكان من شعوبهم هناك على ما في التوراة بنو لوطان وبنو شوبال وبنو صمقون وبنو عنا وبنو ديشوق وبنو يصد وبنو ديسان سبعة شعوب ومن بنى ديشون الاشبان فسكن عيصو بينهم بتلك البلاد وتزوج منهم من بنات عنا بن يسعين من جوى وهى أهليقاما وتزوج أيضا من بنات حى من الكنعانيين عاذا بنت ايلول وباسمت بنت اسمعيل عليه السلام وكان له من الولد خمسة مذكورون في التوراة أكبرهم اليفاز بالفاء المفخمة واشباع حركتها وزاى معجمة من بعدها من عاذا بنت ايلول ثم رعويل من باسمت بنت اسمعيل ثم يعوش ويعلام وقورح من اهليقاما بنت عنا وولد اليفاز ستة من الولد تيمال وأومار وصفو وكعتام وقتال وعمالق السادس لسرية اسمها تمتاع وهى شقيقة لوطان بن يسعين وولد رعويل بن عيصو أربعة من الولد ناحة وزيدم وشتما ومرا هكذا وقع ذكر ولد العيص وولدهم في التوراة وفيها أن العيص اسمه أروم فلذلك قيل لهم بنو أروم ولبعض الاسرائيليين أن أروم اسم لذلك الجبل ومعناه بالعبرانية الجبل الاحمر الذى لا نبات به وقد يقع لبعض المؤرخين أن القياصرة ملوك الروم من ولد عيصو وقال الطبري ان الروم وفارس من ولد رعويل ابن باسمت وليس ذلك كله بصحيح ورأيته في كتاب يوسف بن كرمون مؤرخ العمارة الثانية ببيت المقدس قبيل الجلوة الكبرى وكان من كهنوتينا اليهود وهو قريب من الغلط (قال ابن حزم) في كتاب الجمهرة وكان لاسحق عليه السلام ابن آخر غير يعقوب اسمه عيصاب أو عيصو كان بنوه يسكنون جبال الشراه بين الشأم والحجاز وقد بادوا جملة الا أن قوما يذكرون أن الروم من ولده وهذا خطأ وانما وقع لهم هذا الغلط لان موضعهم كان يقال له أروم فظنوا أن الروم من ذلك الموضع وليس كذلك لان الروم انما نسبوا إلى رومس بانى رومة فان ظن ظان أن قول النبي صلى الله عليه وسلم للحر بن

[ 43 ]

قيس هل لك في بلاد بنى الاصفر العام وذلك في غزوة تبوك يدل على أن الروم من بنى الاصفر وهو عيصاب المذكور فليس كما ظن وقول النبي صلى الله عليه وسلم حق وانما عنى عليه السلام بنى عيصاب على الحقيقة لا الروم لان مغزاه عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوة كان إلى ناحية الشراة مسكن القوم المذكورين اه‍ كلام ابن حزم وزعم اهروشيوش مؤرخ الروم أن أم الفينان وهاؤا وعالوم وقدوح الاربعة من بنات كاتيم ابن ياوان ابن يافث والاول أصح لانه نص التوراة ثم كثر نسل بنى عيصو بأرض يسعين وغلبوا الجويين على تلك البلاد وغلبوا بنى مدين أيضا على بلادهم إلى ايلة وتداول فيهم ملوك وعظماء كان منهم فالغ بن ساعور وبعده يودب ابن زيدح ثم كان منهم هداد بن مداد الذى أخرج بنى مدين عن مواطنهم ثم كان فيهم بعده ملوك إلى أن زحف يوشع إلى الشأم وفتح أريحاء وما بعدها وانتزع الملك من جميع الامم الذين كانوا هنا لك ثم استلحمهم بختنصر عندما ملك أرض القدس ولحق بعضهم بأرض يونان وبعضهم بافريقية وأما عمالق بن اليفاز فمن عقبه عند الاسرائيليين عمالقة الشأم وفي قول فراعنة مصر من القبط ونساب العرب يأبون من ذلك ونسبوهم إلى عملاق بن لاوذ كما مر ثم بنو يروم وكنعان ولم يبق منهم عين تطرف والله الباقي بعد فناء خلقه (وأما مدين) بن ابراهيم فتزوج بابنة لوط وجعل الله في نسلها البركة وكان له من الولد خمسة عيفا وعيفين وحنوخ وانيداغ والزاعا وقد تقدم ذكرهم في ولد ابراهيم من قنطورا فكان منهم مدين أمة كبيرة ذات بطون وشعوب وكانوا من أكبر قبائل الشأم وأكثرهم عددا وكانت مواطنهم تجاور أرض معان من أطراف الشأم مما يلى الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط وكان لهم تغلب بتلك الارض فعتوا وبغوا وعبدوا الآلهة وكانوا يقطعون السبل ويبخسون في المكيال وبعث الله فيهم شعيبا نبيا منهم وهو ابن نويل بن رعويل ابن عيا بن مدين قال المسعودي مدين هؤلاء من ولد المحضر بن جندل بن يعصب بن مدين وأن شعيبا أخوهم في النسب وكانوا ملوكا عدة يسمون بكلمات أبجد إلى آخرها وفيه نظر وقال ابن حبيب في كتاب البدء هو شعيب بن نويب بن أحزم بن مدين (وقال) السهيلي شعيب بن عيفا ويقال ابن صيفون وشعيب هذا هو شعيب موسى الذى هاجر إليه من مصر أيام القبط واستأجره على انكاح ابنته اياه على أن يخدمه ثمانى سنين وأخذ عنه آداب الكتاب والنبوة حسبما يأتي عند ذكر موسى صلوات الله عليهما واخبار بنى اسرائيل وقال الصيمري الذى استأجر موسى وزوجه هو بثر بن رعويل ووقع في التوراة أن اسمه يبثر وان رعويل أباه أو عمه هو الذى تولى عقد النكاح وكان لمدين هؤلاء مع بنى اسرائيل حروب بالشأم ثم تغلب عليهم بنو اسرائيل

[ 44 ]

وانقرضوا جميعا (وأما لوط) بن هاران أخى ابراهيم عليهما السلام فقد تقدم من خبره مع قومه ما ذكرناه هنا لك ولما نجا بعد هلاكهم لحق بأرض فلسطين فكان بها مع ابراهيم إلى أن قبضه الله وكان له من الولد على ما ذكر في التوراة عمون بتشديد الميم واشباع حركتها بالضم ونون بعدها وموآيى باشباع ضمة الميم واشباع فتحة الهمزة بعدها وياء تحتية وبعدها ياء ساكنة هوائيه وجعل الله في نسلهما البركة حتى كانوا من أكثر قبائل الشأم وكانت مساكنهم بأرض البلقاء ومدائنها في بلد موآيى ومعان وما والاهما وكانت لهم مع بنى اسرائيل حروب نذكرها في أخبارهم وكان منهم بلعام بن باعور ابن رسيوم بن برسيم بن موآيى وقصته مع ملك كنعان حين طلبه في الدعاء على بنى اسرائيل أيام موسى صلوات الله عليه وأن دعاءه صرف إلى الكنعانيين مذكورة في التوراة ونوردها في موضعها (وأما ناحور) أخو ابراهيم عليه السلام فقد تقدم ذكره أنه هاجر مع ابراهيم عليه السلام من بابل إلى حران ثم إلى الارض المقدسة فكان معه هنا لك وكانت زوجته ملكا بنت أخيه هاران وملكا هده هي أخت سارة زوج ابراهيم عليه السلام وأم اسحق وكان لناحور من ملكا على ما وقع في نص التوراة ثمانية من الولد عوص وبوص وقمويل وهو أبو الارمن وكاس ومنه الكسدانيون الذين كان منهم بختنصر وملوك بابل وحذو وبلداس وبلداف ويثويل وكان له من سرية اسمها أد وما أربعة من الولد وهم طالج وكاحم وتاخش وماعخا هؤلاء ولد ناحور أخى ابراهيم كلهم مذكورون في التوراة وهم اثنا عشر ولدا وهؤلاء كلهم بادوا وانقرضوا ولم يبق منهم الا الارمن من قمويل بن ناحورا أخى ابراهيم عليه السلام بن آزر وهم لهذا العهد على دين النصرانية ومواطنهم في ارمينية شرقي القسطنطينية والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين وهذا آخر الكلام في الطبقة الاولى من العرب ومن عاصرهم من الامم ولنرجع إلى أهل الطبقة الثانية وهم العرب المستعربة والله سبحانه وتعالى الكفيل بالاعانة

[ 46 ]

* (الطبقة الثانية من العرب وهم العرب المستعربة وذكر أنسابهم وايامهم وملوكهم والالمام ببعض الدول التى كانت على عهدهم) * وانما سمى أهل هذه الطبقة بهذا الاسم لان السمات والشعائر العربية لما انتقلت إليهم ممن قبلهم اعتبرت فيها الصيرورة بمعنى أنهم صاروا إلى حال لم يكن عليها أهل نسبهم وهى اللغة العربية التى تكلموا بها فهو من استفعل بمعنى الصيرورة من قولهم استنوق الجمل واستحجر الطين وأهل الطبقة الاولى لما كانوا أقدم الامم فيما يعلم جيلا كانت اللغة العربية لهم بالاصالة وقيل العاربة (واعلم أن أهل هذا الجيل من العرب) يعرفون باليمنية والسبائية وقد تقدم أن نسابة بنى اسرائيل يزعمون أن أباهم سبا من ولد كوش بن كنعان ونسابة العرب يأبون ذلك ويدفعونه والصحيح الذى عليه كافتهم أنهم من قحطان وأن سبا هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان وقال ابن اسحق يعرب بن يشجب فقدم وأخر وقال ابن ماكولا على ما نقل عنه السهيلي اسم قحطان مهزم وبين النسابة خلاف في نسب قحطان فقيل هو ابن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام أخو فالغ ويقطن ولم يقع له ذكر في التوراة وانما ذكر فالغ ويقطن وقيل هو معرب يقطن لانه اسم أعجمى والعرب تتصرف في الاسماء الاعجمية بتبديل حروفها وتغييرها وتقديم بعضها على بعض وقيل ان قحطان ابن يمن بن قيدار وقيل ان قحطان من ولد اسمعيل وأصح ما قيل في هذا انه قحطان بن يمن بن قيدر ويقال الهميسع بن يمن بن قيدار وان يمن هذا سميت به اليمن وقال ابن هشام أن يعرب ابن قحطان كان يسمى يمنا وبه سميت اليمن فعلى القول بان قحطان من ولد اسمعيل تكون العرب كلهم من ولده لان عدنان وقحطان يستوعبان شعوب العرب كلها وقد احتج لذلك من ذهب إليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرماة الانصار ارموا يا بنى اسمعيل فان أباكم كان راميا والانصار من ولد سبا وهو ابن قحطان وقيل انما قال ذلك لقوم من اسلم من أفصى اخوة خزاعة بن حارثة بناء على أن نسبهم في سبا وقال السهيلي ولا حجة في شئ منهما لانه إذا كانت العرب كلها من ولد اسمعيل فهذا من السهيلي جنوح إلى القول بمفهوم اللقب وهو ضعيف ثم قال والصحيح أن هذا القول انما كان منه صلى الله عليه وسلم لاسلم كما قدمناه وانما أراد ان خزاعة من معد ابن الياس بن مضر وليسوا من سبا ولا من قحطان كما هو الصحيح في نسبهم على ما يأتي واحتجوا أيضا لذلك بأن قحطان لم يقع له ذكر في التوراة كما تقدم فدل على أنه ليس من ولد عابر فترجح القول بأنه من اسماعيل وهذا مردود بما تقدم أن قحطان معرب يقطن وهو الصحيح وليس بين الناس خلاف في أن قحطان أبو اليمن كلهم ويقال انه أول من

[ 47 ]

تكلم بالعربية ومعناه من أهل هذا الجيل الذين هم العرب المستعربة من اليمنية والا فقد كان للعرب جيل آخر وهم العرب العاربة ومنهم تعلم قحطان تلك اللغة العربية ضرورة ولا يمكن أن يتكلم بها من ذات نفسه وكان بنو قحطان هؤلاء معاصرين لاخوانهم من العرب العاربة ومظاهرين لهم على أمورهم ولم يزالوا مجتمعين في مجالات البادية مبعدين عن رتبة الملك وترفهه الذى كانوا لاولئك فأصبحوا بمنحاة من الهرم الذى يسوق إليه الترف والنضارة فتشعبت في أرض الفضا فصائلهم وتعدد في جو القفر أفخاذهم وعشائرهم ونمى عددهم وكثرت اخوانهم من العمالقة في آخر ذلك الجيل وزاحموهم بمناكبهم واستجدوا خلق الدولة بما استأنفوه من عزهم وكانت الدولة لبنى قحطان متصلة فيهم وكان يعرب بن قحطان من أعاظم ملوك العرب يقال انه أول من حياه قومه بتحية الملك قال ابن سعيد وهو الذى ملك بلاد اليمن وغلب عليها قوم عاد وغلب العمالقة على الحجاز وولى اخوته على جميع أعمالهم فولى جرهما على الحجاز وعاد بن قحطان على الشحر وحضر موت بن قحطان على جبال الشحر وعمان ابن قحطان على بلاد عمان هكذا ذكر البيهقى (وقال ابن حزم) وعد لقحطان عشرة من الولد وانه لم يعقب منهم أحد ثم ذكر ابنين منهم دخلوا في حمير ثم ذكر الحرث بن قحطان وقال فولد فيما يقال له لاسور وهم رهط حنظلة بن صفوان نبى الرس والرس ما بين نجران إلى اليمن ومن حضر موت إلى اليمامة ثم ذكر يعرب بن قحطان وقال فيهم الحميرية والعداد انتهى قال ابن سعيد وملك بعد يعرب ابنه يشجب وقيل اسمه يمن واستبد اعمامه بما في أيديهم من الممالك وملك بعده ابنه عبد شمس وقيل عابر ويسمى سبا لانه قيل انه أول من سن السبى وبنى مدينة سبا وسد مارب وقال صاحب التيجان انه غزا الاقطار وبنى مدينة عين شمس باقليم مصر وولى عليها ابنه بابليون وكان لسبا من الولد كثير وأشهرهم حمير وكهلان اللذان منهما الامتان العظيمتان من اليمنية أهل الكثرة والملك والعز وملك حمير منهم أعظمه وكان منهم التبابعة كما يذكر في أخبارهم وعد ابن حزم في ولده زيدان وابنه نجران بن زيدان وبه سميت البلد ولما هلك سبا قام بالملك بعده ابنه حمير ويعرف بالعرنجج وقيل هو أول من تتوج بالذهب ويقال انه ملك خمسين سنة وكان له من الولد ستة فيما قال السهيلي واثل ومالك وزيد وعامر وعوف وسعد وقال أبو محمد بن حزم الهميسع ومالك وزيد وواثل ومشروح ومعد يكرب وأوس ومره وعاش فيما قال السهيلي ثلثمائة سنة وملك بعده ابنه واثل وتغلب أخوه مالك بن حمير على عمان فكانت بينهما حروب وقال ابن سعيد ان الذى ملك بعد حمير أخوه كهلان ومن بعده واثل بن حمير ثم من بعد واثل السكسك بن واثل وكان مالك بن حمير قد هلك وغلب

[ 48 ]

على عمان بعده ابنه قضاعة فحاربه السكسك وأخرجه عنها وملك بعده ابنه يعفر بن السكسك وخرجت عليه الخوارج وحاربه مالك بن الحاف بن قضاعة وطالت الفتنة بينهما وهلك يعفر وخلف ابنه النعمان حملا ويعرف بالمعافر واستبد عليه من بنى حمير ماران بن عوف بن حمير ويعرف بذى رياش وكان صاحب البحرين فنزل نجران واشتغل بحرب مالك بن الحاف بن قضاعة ولما كبر النعمان حبس ذا رياش واستبد بأمره وطال عمره وملك بعده ابنه أسجم بن المعافر فاضطربت أحوال حمير وصار ملكهم طوائف إلى أن استقر في الرايش وبنيه التبابعة كما نذكره ويقال ان بنى كهلان تداولوا الملك مع حمير هؤلاء وملك منهم جبار بن غالب بن كهلان وملك أيضا من شعوب قحطان نجران بن زيد بن يعرب بن قحطان وملك من حمير هؤلاء ثم من بنى الهميسع بن حمير أبين بن زهير بن الغوث بن أبين بن الهميسع واليه نسب عرب أبين من بلاد اليمن وملك منهم أيضا عبد شمس بن واثل بن الغوث بن حيران بن قطن بن عريب بن زهير بن أبين بن الهميسع بن حمير ثم ملك من اعقابه شداد بن الملطاط بن عمرو بن ذى هرم بن الصوان بن عبد شمس وبعده أخوه لقمان ثم أخوهما ذو شدد وهداد ومداثر وبعده ابنه الصعب ويقال انه ذو القرنين وبعده أخوه الحرث بن ذى شدد وهو الرائش جد الملوك التبابعة وملك في حمير أيضا من بنى الهميسع من بنى عبد شمس هؤلاء حسان بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس قال أبو المنذر هشام بن الكلبى في كتاب الانساب ونقلته من أصل عتيق بخط القاضى المحدث أبى القاسم بن عبد الرحمن بن حبيش قال ذكر الكلبى عن رجل من حمير من ذى الكلاع قال أقبل قيس يحرق موضعا باليمن فأبدى عن ازج فدخل فيه فوجد سريرا عليه رجل ميت وعليه جباب وشى مذهبة في رأسه تاج وبين يديه محجن من ذهب وفي رأسه ياقوتة حمراء وإذا لوح مكتوب فيه بسم الله رب حمير أنا حسان بن عمرو القيل مات في زمان هيد وما هيد هلك فيها اثنا عشر ألف قبيل فكنت اخرهم قبيلا فابتنيت ذا شعبين ليجيرني من الموت فاخفرني اه‍ كلامه وقال الطبري وقيل ان أول من ملك اليمن من حمير شمر بن الاملوك كان لعهد موسى عليه السلام وبنى طفار وأخرج منها العمالقة ويقال كان من عمال الفرس على اليمن انتهى الكلام في أخبار حمير الاولى والله سبحانه وتعالى ولى العون

[ 50 ]

* (الخبر عن ملوك التبابعة من حمير وأوليتهم باليمن ومصاير أمورهم) * هؤلاء الملوك من ولد عبد شمس بن واثل بن الغوث باتفاق من النسابين وقد مر نسبه إلى حمير وكانت مدائن ملكهم صنعاء ومأرب على ثلاث مراحل منها وكان بها السد ضربته بلقيس ملكة من ملوكهم سدا ما بين جبلين بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والامطار وتركت فيه خروقا على قدر ما يحتاجون إليه في سقيهم وهو الذى يسمى العرم والسكر وهو جمع لا واحد له من لفظه قال الجعدى من سبأ الحاضرين مأرب إذ * يبنون من دون سيله العرما - أي السد ويقال ان الذى بنى السد هو حمير أبو القبائل اليمنية كلها قال الاعشى ففى ذلك للمؤتسى اسوة * مآرب غطى عليه العرم - رخام بناه لهم حمير * إذا جاءه من رامه لم يرم - وقيل بناه لقمان الاكبر ابن عاد كما قاله المسعودي وقال جعله فرسخا في فرسخ وجعل له ثلاثين شعبا وقيل وهو الاليق والاصوب انه من بناء سبا بن يشجب وانه ساق إليه سبعين واديا ومات قبل اتمامه فأتمه ملوك حمير من بعده وانما رجحناه لان المباني العظيمة والهيا كل الشامخة لا يستقل بها الواحد كما قدمنا في الكتاب الاول فأقاموا في جناته عن اليمين والشمال كما وصف القرآن ودولتهم يومئذ أوفر ما كانت وأترف وابذخ وأعلى يدا وأظهر فلما طغوا وأعرضوا سلط الله عليهم الخلد وهو الجرذ فنقبه من أسفله فأجحفهم السيل وأغرق جناتهم وخربت أرضهم وتمزق ملكهم وصاروا أحاديث وكان هؤلاء التبابعة ملوكا عدة في عصور متعاقبة وأحقاب متطاولة لم يضبطهم الحصر ولا تقيدت منهم الشوارد وربما كانوا يتجاوزون ملك اليمن إلى ما بعد عنهم من العراق والهند والمغرب تارة ويقتصرون على يمنهم أخرى فاختلفت أحوالهم واتفقت أسماء كثيرة من ملوكهم ووقع اللبس في نقل أيامهم ودولهم فلنأت بما صح منها متحريا جهد الاستطاعة عن طموس من الفكر واقتفاء التقاييد المرجوع إليها والاصول المعتمد على نقلها وعدم الوقوف على أخبارهم مدونة في كتاب واحد والله المستعان (قال) السهيلي معنى تبع الملك المتبع وقال صاحب المحكم التبابعة ملوك اليمن واحدهم تبع لانهم يتبع بعضهم بعضا كلما هلك واحد قام آخر تابعا له في سيرته وزادوا الباء في التبابعة لارادة النسب قال الزمخشري قيل لملوك اليمن التبابعة لانهم يتبعون كما قيل الاقيال لانهم يتقيلون قال المسعودي ولم يكونوا يسمون الملك منهم تبعا حتى يملك اليمن والشحر وحضر موت وقيل حتى يتبعه بنو جشم بن عبد شمس ومن لم يكن له شئ من الامرين فيسمى ملكا ولا يقال له تبع (وأول ملوك التبابعة) باتفاق من

[ 51 ]

المؤرخين الحرث الرائش وانما سمى الرائش لانه راش الناس بالعطاء واختلف الناس في نسبه بعد اتفاقهم على أنه من ولد واثل بن الغوث بن حيران بن قطن بن عريب بن زهير ابن ابين بن الهميسع بن حمير فقال ابن اسحق وأبو المنذر بن الكلبى ان قيسا ابن معاوية ابن جشم فابن اسحق يقول في نسبه إلى سبا الحرث بن عدى بن صيفي وابن الكلبى يقول الحرث بن قيس بن صيفي وقال السهيلي هو الحرث بن همال بن ذى سدد بن الملطاط بن عمرو بن ذى يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن واثل وجشم جد سبا هو ابن عبد شمس هذا عند المسعودي وعند بعضهم انه أخوه وانهما معا ابنا واثل وذكر المسعودي عن عبيد ابن شرية الجرهمى وقد سأله معاوية عن ملوك اليمن في خبر طويل ونسب الحرث منهم فقال هو الحرث بن شدد بن الملطاط بن عمرو وأما الطبري فاختلف نسبه في نسب الحرث فمرة قال وبيت ملك التبابعة في سبا الاصغر ونسبه كما مر وقال في موضع آخر والحرث بن ذى شدد هو الرائش جدا لملوك التبابعة فجعله إلى شدد ولم ينسبه إلى قيس ولا عدى من ولد سبا وكذلك اضطرب أبو محمد بن حزم في نسبه في الجمهرة مرة إلى الملطاط ومرة إلى سبا الاصغر والظاهر أنه تبع في ذلك الطبري والله أعلم وملك الحرث الرائش فيما قالوا مائة وخمسا وعشرين سنة وكان يسمى تبعا وكان مؤمنا فيما قال السهيلي ثم ملك بعده ابنه ابرهة ذو المنار مائة وثمانين سنة قال المسعودي وقال ابن هشام أبرهة ذو المنار هو ابن الصعب بن ذى مداثر بن الملطاط وسمى ذا المنار لانه رفع المنار ليهتدى به ثم ملك من بعده أفريقش بن أبرهة مائة وستين سنة وقال ابن حزم هو افريقش بن قيس بن صيفي أخو الحرث الرائش وهو الذى ذهب بقبائل العرب إلى افريقية وبه سميت وساق البربر إليها من أرض كنعان مر بها عندما غلبهم يوشع وقتلهم فاحتمل الفل منهم وساقهم إلى افريقية فأنزلهم بها وقتل ملكها جرجير ويقال انه الذى سمى البرابرة بهذا الاسم لانه لما افتتح المغرب وسمع رطانتهم قال ما أكثر بربرتهم فسموا البرابرة والبربرة في لغة العرب هي اختلاط أصوات غير مفهومة ومنه بربرة الاسد ولما رجع من غزو المغرب ترك هنالك من قبائل حمير صنهاجة وكتامة فهم إلى الآن بها وليسوا من نسب البربر قاله الطبري والجرجاني والمسعودي وابن الكلبى والسهيلى وجميع النسابين ثم ملك من بعد افريقش أخوه العبد بن ابرهة وهو ذو الاذعار عند المسعودي قال سمى بذلك لكثرة ذعر الناس من جوره وملك خمسا وعشرين سنة وكان على عهد سليمان بن داود وقبله بقليل وغزا ديار المغرب وسار إليه كيقاوس بن كنعان ملك فارس فبارزة وانهزم كيقاوس وأسره ذو الاذعار حتى استنقذه بعد حين من يده وزيره رستم زحف إليه بجموع فارس إلى اليمن وحارب ذا الاذعار فغلبه واستخلص كيقاوس من أسره كما نذكره في أخبار ملوك

[ 52 ]

فارس وقال الطبري ان ذا الاذعار اسمه عمرو بن ابرهة ذى المنار بن الحرث الرائش بن قيس بن صيفي بن سبا الاصغر انتهى وكان مهلك ذى الاذعار فيما ذكر ابن هشام مسموما على يد الملكة بلقيس وملك من بعده الهد هاد بن شرحبيل بن عمرو بن ذى الاذعار وهو ذو الصرح وملك ستا أو عشرا فيما قال المسعودي وملكت بعده ابنته بلقيس سبع سنين وقال الطبري ان اسم بلقيس يلقمه بنت اليشرح بن الحرث بن قيس انتهى ثم غلبهم سليمان عليه السلام على اليمن كما وقع في القرآن فيقال تزوجها ويقال بل عزلها في التأيم فتزوجت سدد بن زرعة بن سبا وأقاموا في ملك سليمان وابنه أربعا وعشرين سنة ثم قام بملكهم ناشر بن عمرو ذى الاذعار ويعرف بناشر النعم لفظين مركبين جعلا اسما واحدا كذا ضبطه الجرجاني وقال السهيلي ناشر بن عمرو ثم قال ويقال ناشر النعم وفي كتاب المسعودي نافس بن عمرو ولعله تصحيف ونسبه إلى عمرو ذى الاذعار وليس يتحقق في هذه الانساب كلها أنها للصلب فان الآماد طويلة والاحقاب بعيدة وقد يكون بين اثنين منهما عدد من الآباء وقد يكون ملصقا به وقال هشام بن الكلبى ان ملك اليمن صار بعد بلقيس إلى ناشر بن عمرو بن يعفر الذى يقال له ياسر أنعم لانعامه عليهم بما جمع من أمرهم وقوى من ملكهم وزعم أهل اليمن أنه سار غازيا إلى المغرب فبلغ وادى الرمل ولم يبلغه أحد ولم يجد فيه مجازا لكثرة الرمل وعبر بعض أصحابه فلم يرجعوا فأمر بصنم من نحاس نصب على شفير الوادي وكتب في صدره بالخط المسند هذا الصنم لياسر أنعم الحميرى ليس وراءه مذهب * فلا يتكلف أحد ذلك فيعطب انتهى ثم ملك بعد ياسر هذا ابنه شمر مرعش سمى بذلك لارتعاش كان به ويقال انه وطئ أرض العراق وفارس وخراسان وافتتح مدائنها وخرب مدينة الصغد وراء جيحون فقالت العجم شمر كنداى شمر خرب وبنى مدينة هنالك فسميت باسمه هذا وعربته العرب فصار سمرقند ويقال انه الذى قاتل قباذ ملك الفرس وأسره وأنه الذى حير الحيرة وكان ملكه مائة وستين سنة وذكر بعض الاخباريين أنه ملك بلاد الروم وأنه الذى استعمل عليهم ماهان قيصر فهلك وملك بعده ابنه دقيوس وقال السهيلي في شمر مرعش الذى سميت به سمرقند انه شمر بن مالك ومالك هو الاملوك الذى قيل فيه فنقب عن الاملوك واهتف بذكره * وعش دار عز لا يغالبه الدهر - وهذا غلط من السهيلي فانهم مجمعون على أن الاملوك كان لعهد موسى صلوات الله عليه وشمر من أعقاب ذى الاذعار الذى كان على عهد سليمان فلا يصح ذلك الا أن يكون شمر ابرهة ويكون أول دولة التبابعة ثم ملك على التبابعة بعد شمر مرعش تبع الاقرن واسمه زيد (قال السهيلي) وهو ابن شمر مرعش وقال الطبري انه ابن عمرو ذى الاذعار

[ 53 ]

وقال السهيلي انما سمى الاقرن لشامة كانت في قرنه وملك ثلاثا وخمسين سنة وقال المسعودي ثلاثا وستين ثم ملك من بعده ابنه كلكيكرب وكان مضعفا ولم يغز قط إلى أن مات وملك بعده ابنه تبان أسعد أبو كرب ويقال هو تبع الآخر وهو المشهور من ملوك التبابعة وعند الطبري أن الذى بعد ياسر ينعم بن عمرو ذى الاذعار تبع الاقران أخوه ثم بعد تبع الاقرن شمر مرعش بن ياسر ينعم ثم من بعده تبع الاصغر وهو تبان أسعد أبو كرب هذا هو تبع الآخر وهو المشهور من ملوك التبابعة وقال الطبري ويقال له الرائد وكان على عهد يستاسب وحافده أردشير يمن ابن ابنه اسفنديار من ملوك الفرس وانه شخص من اليمن غازيا ومر بالحيرة فتحير عسكره هنالك فسمى الحيرة وخلف قوما من الازد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة فأقاموا هنا لك وبنو الاطام واجتمع إليهم ناس من طيرة وكلب والسكون واياد والحرث بن كعب ثم توجه الانبار ثم الموصل ثم اذربيجان ولقى الترك فهزمهم وقتل وسبى ثم رجع إلى اليمن وهابته الملوك وهادنه ملوك الهند ثم رجع لغزو الترك وبعث ابنه حسان إلى الصغد وابنه يعفر إلى الروم وابن أخيه شمر ذى الجناح إلى الفرس وان شمر لقى كيقباذ ملك الفرس فهزمه وملك سمرقند وقتله وجاز إلى الصين فوجد أخاه حسان قد سبقه إليها فأثخنا في القتل والسبي وانصرفا بما معهما من الغنائم إلى أبيهما وبعث ابنه يعفر إلى القسطنطينية فتلقوه بالجزية والاتاوة فسار إلى رومة وحصرها ووقع الطاعون في عسكره فاستضعفهم الروم ووثبوا عليهم فقتلوهم ولم يفلت منهم أحد ثم رجع إلى اليمن ويقال انه ترك ببلاد الصين قوما من حمير وانهم بها لهذا العهد وانه ترك ضعفاء الناس بظاهر الكوفة فتحيروا هنا لك وأقاموا معهم من كل قبائل العرب (وقال ابن اسحق) ان الذى سار إلى المشرق من التبابعة تبع الآخر وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد الاقرن ابن عمرو ذى الاذعار وتبان أسعد هو حسان تبع وهو فيما يقال أول من كسا الكعبة وذكر ابن اسحق الملا والوصائل وأوصى ولاته من جرهم بتطهيرها وجعل لها بابا ومفتاحا وذكر ابن اسحق أنه أخذ بدين اليهودية وذكر في سبب تهوده انه لما غزا إلى المشرق مر بالمدينة يثرب فملكها وخلف ابنه فيهم فعدوا عليه وقتلوه غيلة ورئيسهم يومئذ عمرو بن الطلة من بنى النجار فلما أقبل من المشرق وجعل طريقه على المدينة مجمعا على خرابها فجمع هذا الحى من أبناء قيلة لقتاله فقاتلهم وبينما هم على ذلك جاءه حبران من أحبار يهود من بنى قريظة وقالا له لا تفعل فانك لن تقدر وانها مهاجر نبى قرشي يخرج آخر الزمان فتكون قرارا له وانه أعجب بهما واتبعهما على دينهما ثم مضى لوجهه ولقيه دون مكة نفر من هذيل وأغروه بمال الكعبة وما فيها

[ 54 ]

من الجواهر والكنوز فنهاه الحبران عن ذلك وقالا له انما أراد هؤلاء هلاكك فقتل النفر من الهذليين وقدم مكة فأمره الحبران بالطواف بها والخضوع ثم كساها كما تقدم وأمر ولاتها من جرهم بتطهيرها من الدماء والحيض وسائر النجاسات وجعل لها بابا ومفتاحا ثم سار إلى اليمن وقد ذكر قومه ما أخذ به من دين اليهودية وكانوا يعبدون الاوثان فتعرضوا لمنعه ثم حاكموه إلى النار التى كانوا يتحاكمون إليها فتأكل الظالم وتدع المظلوم وجاؤا بأوثانهم وخرج الحبران متقلدان المصاحف ودخل الحميريون فأكلتهم وأوثانهم وخرج الحبران منها ترشح وجوههم وجباههم عرقا فآمنت حمير عند ذلك وأجمعوا على اتباع اليهودية ونقل السهيلي عن ابن قتيبة في هذه الحكاية ان غزاة تبع هذه انما هي استصراخة أبناء قيلة على اليهود فانهم كانوا نزلوا مع اليهود حين أخرجوهم من اليمن على شروط فنقضت عليهم اليهود فاستغاثوا بتبع فعند ذلك قدمها وقد قيل ان الذى استصرخه ابناء قيلة على اليهود انما هو أبو جبلة من ملوك غسان بالشأم جاء به مالك بن عجلان فقتل اليهود بالمدينة وكان من الخزرج كما نذكر بعد ويعضد هذا ان مالك بن عجلان بعيد عن عهد تبع بكثير يقال انه كان قبل الاسلام بسبعمائة سنة ذكره ابن قتيبة وحكى المسعودي في أخبار تبع هذا ان أسعد أبا كرب سار في الارض ووطأ الممالك وذللها ووطئ أرض العراق في ملك الطوائف وعميد الطوائف يومئذ خرداد بن سابور فلقى ملكا من ملوك الطوائف اسمه قباذ وليس قباذ بن فيروز فانهزم قباذ وملك أبو كرب العراق والشأم والحجاز وفي ذلك يقول تبع أبو كرب إذ حسينا جيادنا من دماء * ثم سرنا بها مسيرا بعيدا - واستبحنا بالخيل خيل قباد * وابن اقليد جاءنا مصفودا - وكسونا البيت الذى حرم الله * ملاء منضدا وبرودا وأقمنا به من الشهر عشرا * وجعلنا لبابه اقليدا - * (وقال أيضا) * لست بالتبع اليماني ان لم * تركض الخيل في سواد العراق - أو تؤدى ربيعة الخرج قسرا * لم يعقها عوائق العواق - وقد كانت لكندة معه وقائع وحروب حتى غلبهم حجر بن عمرو بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة من ملوك كهلان فدانوا له ورجع أبو كرب إلى اليمن فقتله حمير وكان ملكه ثلثمائة وعشرين سنة ثم ملك من بعد أبى كرب هذا فيما قال ابن اسحق ربيعة بن نصر بن الحرث بن نمارة بن لخم ولخم أخو جذام وقال ابن

[ 55 ]

هشام ويقال ربيعة بن نصر بن أبى حارثة بن عمرو بن عامر كان أبو حارثة تخلف باليمن بعد خروج أبيه وأقام ربيعة بن نصر ملكا على اليمن بعد هؤلاء التبابعة الذين تقدم ذكرهم ووقع له شأن الرؤيا المشهورة قال الطبري عن ابن اسحق عن بعض أهل العلم ان ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته وفظع بها وبعث في أهل مملكته في الكهنة والسحرة والمنجمين وأهل العيافة فأشاروا عليه باستحضار الكاهنين المشهورين لذلك العهد في اياد وغسان وهماشق وسطيح قال الطبري شق هو أبو صعب شكر بن رهب بن أمول بن يزيد بن قيس عبقر بن انمار وسطيح هو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذيب بن عدى بن مازن بن غسان ولوقوع اسم ذيب في نسبه كان يعرف بالذيبى فأحضرهما وقص عليهما رؤياه وأخبراه بتأويلها أن الحبشة يملكون بلاد اليمن من بعد ربيعة وقحطان بسبعين سنة ثم يخرج عليهم ابن ذى يزن من عدن فيخرجهم ويملك عليهم اليمن ثم تكون النبوة في قريش في بنى غالب بن فهر ووقع في نفس ربيعة أن الذى حدثه الكاهنان من أمر الحبشة كائن فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرداذ فأسكنهم الحيرة ومن بيت ربيعة بن نصر كان النعمان ملك الحيرة وهو النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدى بن ربيعة بن نصر قال ابن اسحق ولما هلك ربيعة بن نصر اجتمع ملك اليمن لحسان بن تبان أسعد أبى كرب قال السهيلي وهو الذى استباح طسما كما ذكرناه وبعث على المقدمة عبد كهلان بن ثيرب ابن ذى حرب بن حارث بن ملك بن عبدان بن حجر بن ذى رعين واسم ذى رعين يريم وهو ابن زيد الجمهور وقد مر نسبه إلى سبا الاصغر وقال السهيلي في أيام حسان تبع كان خروج عمرو بن مزيقيا من اليمن بالازد وهو غلط من السهيلي لان أبا كرب أباه انما غزا المدينة فيما قال هو صريخا للاوس والخزرج على اليهود وهو من غسان ونسبه إلى مزيقيا فعلى هذا يكون الذى استصرخه الاوس والخزرج على اليهود انما هو من ملوك غسان كما يأتي في أخبارهم قال ابن اسحق ولما ملك حسان بن تبع بن تبان أسعد سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب والعجم كما كانت التبابعة تفعل فكرهت حمير وقبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجوع إلى بلادهم فكلموا أخا له كان معهم في العسكر يقال له عمرو وقالوا له اقتل أخاك نملكك وترجع بنا إلى بلادنا فتابعهم على ذلك وخالفه ذو رعين في ذلك ونهى عمرا عن ذلك فلم يقبل وكتب في صحيفة وأودعها عنده ألا من يشترى سهرا بنوم * سعيد من يبيت قرير عين - فأما حمير غدرت وخانت * فمعذرة الاله لذى رعين -

[ 56 ]

ثم قتل عمرو أخاه بعرصة لخم وهى رحبة مالك بن طوق ورجع حمير إلى اليمن فمنع النوم عليه السهر وأجهده ذلك فشكى إلى الاطباء عدم نومه والكهان والعرافين فقالوا ما قتل رجل أخاه الا سلط عليه السهر فجعل يقتل كل من أشار عليه بقتل أخيه ولم يغنه ذلك شيئا وهم بذى رعين فذكره شعره فكانت فيه معذرته ونجاته وكان عمرو هذا يسمى موثبان قال الطبري لوثوبه على أخيه وقال ابن قتيبة لقلة غزوه ولزومه الوثب على الفراش وهلك عمرو هذا لثلاث وستين سنة من ملكه قال الجرجاني والطبري ثم مرج أمر حمير من بعده وتفرقوا وكان ولد حسان تبع صغارا لا يصلحون للملك وكان أكبرهم قد استهوته الجن فوثب على ملك التبابعة عبد كلال موثبا فملك عليهم أربعا وتسعين سنة وكان يدين بالنصرانية ثم رجع ابن حسان تبع من استهواء الجن فملك على التبابعة قال الجرجاني ملك ثلاثا وسبعين سنة وهو تبع الاصغر ذو المغازى والاثار البعيدة قال الطبري وكان أبوه حسان تبع قد زوج بنته من عمرو بن حجر آكل المرار ابن عمرو بن معاوية من ملوك كندة فولدت له ابنه الحرث بن عمرو فكان ابن تبع ابن حسان هذا فبعثه على بلاد معد وملك على العرب بالحيرة مكان آل نصر بن ربيعة قال وانعقد الصلح بينه وبين كيقباد ملك فارس على أن يكون الفرات حدا بينهم ثم أغارت العرب بشرقي الفرات فعاتبه على ذلك فقال لا أقدر على ضبط العرب الا بالمال والجند فأقطعه بلاد امن السواد وكتب الحرث إلى تبع يغريه بملك الفرس وتضعيف أمر كيقباد فغزاهم وقيل ان الذى فعل ذلك هو عمرو بن حجر أبوه الذى ولاه تبع أبو كرب وأنه أغراه بالفرس واستقدمه إلى الحيرة فبعث عساكره مع ولده الثلاثة إلى الصغيد والصين والروم وقد تقدم ذكر ذلك (قال) الجرجاني ثم ملك بعد تبع بن حسان تبع أخوه لامه وهو مدثر بن عبد كلال فملك احدى وأربعين سنة ثم ملك من بعده ابنه وليعة ابن مدثر سبعا وثلاثين سنة ثم ملك من بعده أبرهة بن الصياح بن لهيعة بن شيبة بن مدثر قيلف بن بعلق بن معد يكرب بن عبد الله بن عمرو بن ذى أصبح الحرث بن مالك أخو ذى رعين وكعب أبو سبا الاصغر قال الجرجاني وبعض الناس يزعم ان ابرهة بن الصباح انما ملك تهامة فقط قال ثم ملك من بعده حسان بن عمرو بن تبع بن كلكيكرب سبعا وخمسين سنة ثم ملك لخيتعة ولم يكن من أهل بيت المملكة قال ابن اسحق ولما ملك لخيتعة غلب عليهم وقتل خيارهم وعبث برجالات بيوت المملكة منهم قيل انه كان ينكح ولدان حمير يريد بذلك أن لا يملكوا عليهم وكانوا لا يملكون عليهم من نكح نقله ابن اسحق وقال أقام عليهم مملكا سبعا وعشرين سنة ثم وثب عليه ذو نواس زرعة تبع بن تبان أسعد أبى كرب وهو حسان أبى ذى معاهر فيما قال ابن اسحق وكان صبيا حين قتل

[ 57 ]

حسان ثم ثب غلاما جميلا ذا هيئة وفضل ووضاءة ففتك بالختيعة في خلوة اراده فيها على مثل فعلاته القبيحة وعلمت به حمير وقبائل اليمن فملكوه واجتمعوا عليه وجدد ملك التبابعة وتسمى يوسف وتعصب لدين اليهودية وكانت مدته فيما قال ابن اسحق ثمانية وستين سنة إلى هنا اه‍ ترتيب ابى الحسن الجرجاني ثم قال وقال آخرون ملك بعد افريقش بن أبرهة قيس بن صيفي وبعده الحرث بن قيس بن مياس ثم ماء السماء بن ممروه ثم شرحبيل وهو يصحب بن مالك بن زيد بن غوث بن سعد بن عوف بن على بن الهمال بن المنثلم بن جهيم ثم الصعب بن قرين بن الهمال بن المنثلم ثم زيد بن الهمال ثم ياسر بن الحرث بن عمرو بن يعفر ثم زهير بن عبد شمس أحد بنى صيفي بن سبا الاصغر وكان فاسقا مجرما يفتض ابكار حمير حتى نشأت بلقيس بنت اليشرح بن ذى جدن بن اليشرح بن الحرث بن قيس بن صيفي فقتلته غيلة ثم ملكت ولما أخذها سليمان ملك لمك بن شرحبيل ثم ملك ذو وداغ فقتله ملكيكرب بن تبع بن الاقرن وهو أبو ملك ثم هلك فملك أسعد بن قيس بن زيد بن عمرو ذى الاذعار بن أبرهة ذى المنار بن الرايش بن قيس بن صيفي بن سبا وهو أبو كرب ثم ملك حسان ابنه فقتله عمر وأخوه ووقع الاختلاف في حمير ووثب على عمرو الختيعة ينوف ذو الشناتر وملك ثم قتله ذو نواس بن تبع وملك اه‍ كلام الجرجاني (وزعم ابن سعيد) ونقله من كتب مؤرخي المشرق أن الحرث الرايش هو ابن ذى شدد ويعرف بذى مداثر وأن الذى ملك بعده ابنه الصعب وهو ذو القرنين ثم ابنه أبرهة بن الصعب وهو ذو المنار ثم العبد ذو الاشفار ابن أبرهة بن عمرو ذى الاذعار ابن أبرهة ثم قتلته بلقيس قال في التيجك ان حمير خلعوه وملكوا شرحبيل بن غالب بن المنتاب بن زيد بن يعفر بن السكسك بن واثل وكان بمأرب فجاز به ذو الاذعار وحارب ابنة الهدهاد بن شرحبيل من بعده وابنته بلقيس بنت الهدهاد الملكة من بعده فصالحته على التزويج وقتلته وغلبها سليمان عليه السلام على اليمن إلى أن هلك وابنه رحبعم من بعده واجتمعت حمير من بعده على مالك بن عمرو بن يعفر بن عمرو بن حمير بن المنتاب بن عمرو بن يزيد بن يعفر بن السكسك بن وائل بن حمير وملك بعده ابنه شمر يرعش وهو الذى خرب سمرقند وملك بعده ابنه صيفي بن شمر على اليمن وسار أخوه افريقش بن شمر إلى افريقية بالبربر وكنعان فملكها ثم انتقل الملك إلى كهلان وقام به عمران بن عامر ماء السماء بن حارثة امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الازد وكان كاهنا ولما احتضر عهد إلى أخيه عمرو بن عامر المعروف بمزيقيا وأعلمه بخراب سد مأرب وهلاك اليمن بالسيل فخرج من اليمن بقومه وأصاب اليمن سيل العرم فلم ينتظم لبنى قحطان بيعته واستولى على قصر مأرب من بعده ربيعة بن نصر ثم رأى رؤيا ونذر بملك

[ 58 ]

الحبشة وبعث ولده إلى العراق وكتب إلى سابور الاشعانى فأسكنهم الحيرة وكثرت الخوارج باليمن فاجتمعت حمير على أن تكون لابي كرب أسعد بن عدى بن صيفي فخرج من ظفار وغلب ملوك الطوائف باليمن ودوخ جزيرة العرب وحاصر الاوس والخزرج بالمدينة وحمل حمير على اليهودية وطالت مدته وقتلته حمير وملك بعده ابنه حسان الذى أباد طسما ثم قتله أخوه عمرو بمداخلة حمير وهلك عمرو فملك بعده أخوه لابيه عبد كلال ابن منوب وفي أيامه خلع سابور أكتاف العرب وملك بعده تبع بن حسان وهو الذى بعث ابن أخيه الحرث بن عمرو الكندى إلى أرض بنى معد بن عدنان بالحجار فملك عليهم وملك بعده مرثد بن عبد كلال ثم ابنه وليعة وكثرت الخوارج عليه وغلب أبرهة ابن الصباح على تهامة اليمن وكان في ظفار دار التبابعة حسان بن عمرو بن ابى كرب ثم وثب بعده على ظفار ذو شناتر وقتله ذو نواس كما مر هذا ترتيب ابن سعيد في ملوكهم وعند المسعودي أنه لما هلك كليكرب بن تبع المعروف بالاقرن قال وهو الذى سار قومه نحو خراسان والصغد والصين وولى بعده حسان بن تبع فاستقام له الامر خمسا وعشرين سنة ثم قتله أخوه عمرو بن تبع وملك أربعا وستين سنة ثم تبع أبو كرب وهو الذى غزا يثرب وكسا الكعبة بعد أن أراد هدمها ومنعه الحبران من اليهود وتهود وملك مائة سنة ثم بعده عمرو بن تبع إبى كرب وخلع وملكوا مرثد بن عبد كلال واتصلت الفتن باليمن أربعين سنة ومن بعده وليعة بن مرثد تسعا وثلاثين سنة ومن بعده ابرهة بن الصباح بن وليعة بن مرثد ويدعى شيبة الحمد ثلاثا وتسعين سنة وكانت له سير وقصص ومن بعده عمرو ذو قيفان تسع عشر سنة ومن بعده لخيتعة ذو شناتر ومن بعده ذو نواس وأما ابن الكلبى والطبري وابن حزم فعندهم أن تبع أسعد أبى كرب هو ابن كليكرب ابن زيد الاقرن ابن عمرو بن ذى الاذعار بن ابرهة ذى المنار الرايش بن قيس بن صيفي بن سبا الاصغر وقال السهيلي انه أسقط أسماء كثيرة وملوكا وقال ابن الكلبى وابن حزم ومن ملوك التبابعة افريقش بن صيفي ومنهم شمر يرعش بن ياسر ينعم بن عمرو ذى الاذعار ومنهم بلقيس ابنة اليشرح بن ذى جدن بن ليشرح بن الحرث الرايش بن قيس بن صيفي ثم قال ابن حزم بعد ذكر هؤلاء من التبابعة وفى أنسابهم اختلاف وتخليط وتقديم وتأخير ونقصان وزيادة ولا يصح من كتب أخبار التبابعة وأنسابهم الا طرف يسير لاختلاف رواتهم وبعد العهد اه‍ وقال الطبري لم يكن لملوك اليمن نظام وانما كان الرئيس منهم يكون ملكا على مخلافه لا يتجاوزه وان تجاوز بعضهم عن مخلافه بمسافة يسيرة من غير أن يرث ذلك الملك عن آبائه ولا يرثه أبناؤه عنه انما هو شأن

[ 59 ]

شداد المتلصصة يغيرون على النواحى باستغفال أهلها فإذا قصدهم الطلب لم يكن لهم ثبات وكذلك كان أمر ملوك اليمن يخرج أحدهم من مخلافه بعض الاحيان ويبعد في الغزو والاغارة فيصيب ما يمر به ثم يتشمر عند خوف الطلب زاحفا إلى مكانه من غير أن يدين له أحد من غير مخلافه بالطاعة أو يؤدى إليه خراجا اه‍ (وأما الخبر عن ذى نواس وما بعده) فاتفق أهل الاخبار كلهم ان ذا نواس هو ابن تبان أسعد واسمه زرعة وانه لما تغلب على ملك آبائه التبابعة تسمى يوسف وتعصب لدين اليهودية وحمل عليه قبائل اليمن وأراد أهل نجران عليها وكانوا من بين العرب يدينون بالنصرانية ولهم فضل في الدين واستقامة وكان رئيسهم في ذلك يسمى عبد الله بن الثامر وكان هذا الدين وقع إليهم قديما من بقية أصحاب الحواريين من رجل سقط لهم من ملك التبعية يقال له ميمون نزل فيهم وكان مجتهدا في العبادة مجاب الدعوة وظهرت على يده الكرامات في شفاء المرضى وكان يطلب الخفاء عن الناس جهده وتبعه على دينه رجل من أهل الشام اسمه صالح وخرجا فارين بأنفسهما فلما وطئا بلاد العرب اختطفهما سيارة فباعوهما بنجران وهم يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم ويعلقون عليها في الاعياد من حليهم وثيابهم ويعكفون عليها أياما وافترقا في الدير على رجلين من أهل نجران وأعجب سيد ميمون صلاته ودينه وسأله عن شأنه فدعاه إلى الدين وعبادة الله وان عبادة النخلة باطل وأنه لو دعا معبوده عليها هلكت فقال له سيده ان فعلت دخلنا في دينك فدعا ميمون فأرسل الله ريحا فجعفت النخلة من أصلها وأطبق أهل نجران على اتباع دين عيسى صلوات الله عليه ومن رواية ابن اسحق أن ميمون نزل بقرية من قرى نجران وكان يمر به غلمان أهل نجران يتعلمون من ساحر كان بتلك القرية وفى أولئك الغلمان عبد الله بن الثامر فكان يجلس إلى ميمون ويسمع منه فامن به واتبعه وحصل على معرفة اسم الله الاعظم فكان مجاب الدعوة لذلك واتبعه الناس على دينه وأنكر عليه ملك نجران وهم بقتله فقال له لن تطيق حتى تؤمن وتوحد فآمن ثم قتله فهلك ذلك الملك مكانه واجتمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر وأقام أهل نجران على دين عيسى صلوات الله عليه حتى دخلت عليهم في دينهم الاحداث ردعاهم ذو نواس إلى دين اليهودية فأبوا فسار إليهم في أهل اليمن وعرض عليهم القتل فلم يزدهم الا جماحا فحدد لهم الاخاديد وقتل وحرف حتى أهلك منهم فيما قال ابن اسحق عشرين ألفا أو يزيدون وأفلت منهم رجل من سبا يقال له دوس ذو ثعلبان فسلك الرمل على فرسه وأعجزهم * (ملك الحبشة اليمن) *

[ 60 ]

قال هشام بن محمد الكلبى في سبب غزو ذى نواس أهل نجران أن يهوديا كان بنجران فعدا أهلها على ابنين له فقتلوهما ظلما فرفع أمره إلى ذى نواس وتوسل له باليهودية واستنصره على أهل نجران وهم نصارى فحمى له ولدينه وغزاهم ولما أفلت دوس ذو ثعلبان فقدم على قيصر صاحب الروم يستنصره على ذى نواس وأعلمه بما ركب منهم وأراه الانجيل قد احترق بعضه بالنار فكتب له إلى النجاشي يأمره بنصره وطلب بثاره وبعث معه النجاشي سبعين ألفا من الحبشة وقيل ان صريخ دوس كان أو لا للنجاشي وانه اعتذر إليه بقلة السفن لركوب البحر وكتب إلى قيصر وبعث إليه بالانجيل المحرق فجاءته السفن وأجاز فيها العساكر من الحبشة وأمر عليهم ارباطا رجلا منهم وعهد إليه بقتلهم وسبيهم وخراب بلادهم فخرج ارباط لذلك ومعه ابرهة الاشرم فركبوا البحر ونزلوا ساحل اليمن وجمع ذو نواس حمير ومن أطاعه من أهل اليمن على افتراق واختلاف في الاهواء فلم يكن كبير حرب وانهزموا فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه بفرسه إلى البحر ثم ضربه فدخل فيه وخاض ضحضاح البحر ثم أفضى به إلى غمرة فأقمحه فيه فكان آخر العهد به ووطئ ارباط ليمن بالحبشة وبعث إلى النجاشي بثلث السبى كما عهد له ثم أقام بها فضبطها وأذل رجالات حمير وهدم حصون الملك بها مثل سلجيق وسون وغمدان وقال ذو يزن يرثى حمير وقصور الملك باليمن هونك ليس يرد الدمع ما فاتا * لا تهلكن أسفا في اثر من ماتا - أبعد سون فلا عين ولا أثر * وبعد سلجيق يبنى الناس أبياتا - وفي رواية هشام بن محمد الكلبى أن السفن قدمت على النجاشي من قيصر فحمل فيها الحبش ونزلوا بساحل اليمن واستجاش ذو نواس باقيال حمير فامتنعوا من صريخه وقالوا كل أحد يقاتل عن ناحيته فألقى ذو نواس باليد ولم يكن قتال وأنه سار بهم إلى صنعاء وبعث عماله في النواحى لقبض الاموال وعهد بقتلهم في كل ناحية فقتلوا وبلغ ذلك النجاشي فجهز إلى اليمن سبعين ألفا وعليهم أبرهة فبلغوا صنعاء وهرب ذو نواس واعترض البحر فكان آخر العهد به وملك أبرهة اليمن ولم يبعث إلى النجاشي بشئ وذكر له أنه خلع طاعته فوجه جيشا من أصحابه عليهم أرباط ولما حل بساحته دعاه إلى النصفة والنزال فتبارزا وخدعه أبرهة واكمن عبدا له في موضع المبارزة فلما التقيا ضربه ارباط فشرم أنفه وسمى الاشرم وخالفه العبد من الكمين فضرب أرباطا فأنفذه وبلغ النجاشي خبر ارباط فحلف ليريقن دمه ثم كتب إليه أبرهة واسترضاه فرضى عليه وأقره على عمله وقال ابن اسحق ان ارباط هو الذى قدم اليمن أولا وملكه وانتقض عليه أبرهة من بعد ذلك فكان ما ذكرنا من الحرب بينهما وقتل أرباط وغضب

[ 61 ]

النجاشي لذلك ثم أرضاه واستبد أبرهة بملك اليمن ويقال ان الحبشة لما ملكوا اليمن أمر أبرهة بن الصباح وأقاموا في خدمته قاله ابن سلام وقيل ان ملك حمير لما انقرض أمر التبابعة صار متفرقا في الاذواء من ولد زيد الجمهور وقام بملك اليمن منهم ذو يزن من ولد مالك بن زيد قال ابن حزم واسمه علس بن زيد بن الحرث بن زيد الجمهور وقال ابن الكلبى وأبو الفرج الاصبهاني هو علس بن الحرث بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدى بن مالك بن زيد الجمهور قالوا كلهم ولما ملك ذو يزن بعد مهلك ذى نواس واستبد أمر الحبشة على أهل اليمن طالبوهم بدم النصارى الذين في أهل نجران فساروا إليه وعليهم ارباط ولقيهم فيمن معه فانهزم واعترض البحر فأقحم فرسه وغرق فهلك بعد ذى نواس وولى ابنه مرثد بن ذى يزن مكانه وهو الذى استجاشه امرؤ القيس على بنى أسد وكان من عقب ذى يزن أيضا من هؤلاء الا ذوا علقمة ذو قيفال ابن شراحيل بن ذى يزن وملك مدينة الهون فقتله أهلها من همدان اه‍ ولما استقر أبرهة في ملك اليمن أساء السير في حمير ورؤسائهم وبعث في ريحانة بنت علقمة بن مالك بن زيد بن كهلان فانتزعها من زوجها ابى مرة ابن ذى يزن وقد كانت ولدت منه ابنه معد يكرب وهرب أبو مرة ولحق بأطراف اليمن واصطفى أبرهة ريحانة فولدت له مسروق بن أبرهة وأخته بسباسة وكان لابرهة غلام يسمى عمددة وكان قد ولاه الكثير من أمره فكان يفعل الافاعيل حتى عدا عليه رجل من حمير أو خثعم فقتله وكان حليما فأهدر دمه * (غزو الحبشة الكعبة) * ثم ان أبرهة بنى كنيسة بصنعاء تسمى القليس لم ير مثلها وكتب إلى النجاشي بذلك وإلى قيصر في الصناع والرخام والفسيفسا وقال لست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب وتحدث العرب بذلك فغضب رجل من السادة أحد بنى فقيم ثم أحد بنى مالك وخرج حتى أتى القليس فقعد فيها ولحق بأرضه وبلغ أبرهة وقيل له الرجل من البيت الذى يحج إليه العرب فحلف ليسيرن إليه يهدمه ثم بعث في الناس يدعوهم إلى حج القليس فضرب الداعي في بلاد كنانة بسهم فقتل وأجمع أبرهة على غزو البيت وهدمه فخرج سائرا بالحبشة ومعه الفيل فلقيه ذو نفر الحميرى وقاتله فهزمه وأسره واستبقاه دليلا في أرض العرب قال ابن اسحق ولما مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف فأتوه بالطاعة وبعثوا معه أبا رغال دليلا فأنزله المغمس بين الطائف ومكة فهلك هنا لك ورجمت العرب قبره من بعد ذلك قال جرير إذا مات الفرزدق فارجموه * كما ترمون قبر أبى رغال - ثم بعث أبرهة خيلا من الحبشة فانتهوا إلى مكة واستاقوا أموال أهلها وفيها مائتا بعير

[ 62 ]

لعبد المطلب وهو يومئذ سيد قريش فهموا بقتاله ثم علموا أن لا طاقة لهم به فاقصروا وبعث أبرهة حناطة الحميرى إلى مكة يعلمهم بمقصده من هدم البيت ويؤذنهم بالحرب ان اعترضوا دون ذلك وأخبر عبد المطلب بذلك عن أبرهة فقال له والله ما نريد حربه وهذا بيت الله فان يمنعه فهو بيته وان يخلى عنه فما لنا نحن من دافع ثم انطلق به إلى أبرهة ومر بذى نفر وهو أسير فبعث معه إلى سائس الفيل وكان صديقا لذى نفر فاستأذن له على أبرهة فلما رآه أجله ونزل عن سريره فجلس معه على بساطه وسأله عبد المطلب في الابل فقال له أبرهة هلا سألت في البيت الذى هو دينك ودين آبائك وتركت البعير فقال عبد المطلب أنا رب الابل وللبيت رب سيمنعه فرد عليه ابله قال الطبري وكان فيما زعموا قد ذهب مع عبد المطلب عمرو بن لعاية بن عدى بن الرمل سيد كنانة وخويلد ابن واثلة سيد هذيل وعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة ويرجع عن هدم البيت فأبى عليهم فانصرفوا وجاء عبد المطلب وأمر قريشا بالخروج من مكة إلى الجبال والشعاب للتحرز فيها ثم قام عند الكعبة ممسكا بحلقة الباب ومعه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه وعبد المطلب ينشد ويقول لا هم ان العبد يم‍ * نع رحله فامنع رحالك - لا يغلبن صليبهم * ومحالهم أبدا محالك - وانصر على آل الصلي‍ * - ب وعابديه اليوم آلك - في أبيات معروفة ثم أرسل الله عليهم الطير الابابيل من البحر ترميهم بالحجارة فلا تصيب أحدا منهم الا هلك مكانه وأصابه في موضع الحجر من جسده كالجدري والحصبة فهلك وأصيب أبرهة في جسده بمثل ذلك وسقطت أعضاؤه عضوا عضوا وبعثوا بالفيل ليقدم على مكة فربض ولم يتحرك فنجا واقدم فيل آخر فحصب وبعث الله سيلا مجحفا فذهب بهم وألقاهم في البحر ورجع أبرهة إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فانصدع صدره عن قلبه ومات ولما هلك أبرهة ملك مكانه ابنه يكسوم وبه كان يكنى واستفحل ملكه وأذل حمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة فقتلوا رجالهم ونكحوا نساءهم واستخدموا أبناءهم ثم هلك يكسوم بن أبرهة فملك مكانه أخوه مسروق وساءت سيرته وكثر عسف الحبشة باليمن فخرج ابن ذى يزن واستجاش عليهم بكسرى وقدم اليمن بعساكر الفرس وقتل مسروقا وذهب أمر الحبشة بعد أن توارث ملك اليمن منهم أربعة في ثنتين وسبعين سنة أو لهم ارباط ثم أبرهة ثم ابنه يكسوم ثم أخوه مسروق ابن أبرهة * (قصة سيف بن ذى يزن وملك الفرس على اليمن) *

[ 63 ]

ولما طال البلاء من الحبشة على أهل اليمن خرج سيف بن ذى يزن الحميرى من الاذواء بقية ذلك السلف وعقب أولئك الملوك وديال الدولة الموفض للخمود وقد كان أبرهة انتزع منه زوجته ريحانة بعد أن ولدت منه ابنه معد يكرب كما مر ونسبه فيما قال الكلبى سيف بن ذى يزن بن عافر بن أسلم بن زيد بن سعد بن عوف بن عدى بن مالك بن زيد الجمهور هكذا نسبه ابن الكلبى ومالك بن زيد هو أبو الاذواء فخرج سيف وقدم على قيصر ملك الروم وشكى إليه أمر الحبشة وطلب أن يخرجهم ويبعث على اليمن من شاء من الروم فلم يسعفه عن الحبشة وقال الحبشة على دين النصارى فرجع إلى كسرى وقدم الحيرة على النعمان بن المنذر عامل فارس على الحيرة وما يليها من أرض العرب فشكى إليه واستمهله النعمان إلى حين وفادته على كسرى وأوفد معه وسأله النصر على الحبشة وأن يكون ملك اليمن له فقال بعدت أرضك عن أرضنا أو هي قليلة الخير انما هي شاء وبعير ولا حاجة لنا بذلك ثم كساه وأجازه فنثر دنانير الاجازة ونهبها الناس يوهم الغنى عنها بما في أرضه فأنكر عليه كسرى ذلك فقال جبال أرضى ذهب وفضة وانما جئت لتمنعني من الظلم فرغب كسرى في ذلك وأمهله للنظر في أمره وشاور أهل دولته فقالوا في سجونك رجال حبستهم للقتل ابعثهم معه فان هلكوا كان الذى أردت بهم وان ملكوا كان ملكا ازددته إلى ملكك وأحصوا ثمانمائة وقدم عليهم أفضلهم وأعظمهم بيتا وأكبرهم نسبا وكان وهزر الديلمى (وعند المسعودي) وهشام بن محمد والسهيلى أن كسرى وعده بالنصر ولم ينصره وشغل بحرب الروم وهلك سيف بن ذى يزن عنده وكبر ابنه ابن ريحانة وهو معد يكرب وعرفته أمه بأبيه فخرج ووفد على كسرى يستنجزه في النصرة التى وعد بها أباه وقال له أنا ابن الشيخ اليمنى الذى وعدته فوهبه الدنانير ونثرها إلى آخر القصة وقيل ان الذى وفد على كسرى وأباد الحبشة هو النعمان بن قيس بن عبيد بن سيف بن ذى يزن قالوا ولما كتبت الفرس مع وهزر وكانوا ثمانمائة وقال اين قتيبة كانوا سبعة آلاف وخمسمائة وقال ابن حزم كان وهزر من عقب جاماسب عم أنو شروان فأمره على أصحابه وركبوا البحر ثمان سفائن فغرقت منها سفينتان وخلصت ست إلى ساحل عدن فلما نزلوا بأرض اليمن قال وهزر لسيف ما عندك قال ما شئت من قوس عربي ورجلي مع رجلك حتى نظفر أو نموت قال أنصفت وجمع ابن ذى يزن من استطاع من قومه وسار إليه مسروق بن أبرهة في مائة ألف من الحبشة وأوباش اليمن فتوا قفوا للحرب وأمر وهزر ابنه أن يناوشهم القتال فقتلوه وأحفظه ذلك وقال أرونى ملكهم فأروه اياه على الفيل عليه تاجه وبين عينيه ياقوتة حمراء ثم نزل عن الفيل إلى الفرس ثم إلى البغلة فقال وهزر ركب بنت الحمار ذل وذل ملكه ثم رماه

[ 64 ]

بسهم فصك الياقوتة بين عينيه وتغلغل في دماغه وتنكس عن دابته وداروا به فحمل القوم عليهم وانهزم الحبشة في كل وجه وأقبل وهزر إلى صنعاء ولما أتى بابها قال لا تدخل رايتى منكوسة فهدم الباب ودخل ناصبا رايته فملك اليمن ونفى عنها الحبشة وكتب بذلك إلى كسرى وبعث إليه بالاموال فكتب إليه أن يملك سيف بن ذى يزن على اليمن على فريضة يؤديها كل عام ففعل وانصرف وهزر إلى كسرى وملك سيف اليمن وكان أبوه من ملوكها وخلف وهزر نائبا على اليمن في جماعة من الفرس ضمهم إليه وجعله لنظر ابن ذى يزن وأنزله بصنعاء وانفرد ابن ذى يزن بسلطانه ونزل قصر الملك وهو رأس غمدان يقال ان الضحاك بناه على اسم الزهرة وهو أحد البيوت السبعة الموضوعة على أسماء الكواكب وروحانيتها خرب في خلافة عثمان قاله المسعودي وقال السهيلي كانت صنعاء تسمى أوال وصنعاء اسم بانيها صنعاء بن أوال بن عمير بن عابر بن شالخ ولما استقل ابن ذى يزن بملك اليمن وفدت العرب عليه يهنوه بالملك ولما رجع من سلطان قومه وأباد من عدوهم وكان فيمن وفد عليه مشيخة قريش وعظماء العرب لعهدهم من أبناء اسمعيل وأهل بيتهم المنصوب لحجهم فوفدوا في عشرة من رؤسائهم فيهم عبد المطلب فأعظمهم سيف وأجلهم وأوجب لهم حقهم ووفر من ذلك قسم عبد المطلب من بينهم وسأله عن بنيه حتى ذكر له شأن النبي صلى الله عليه وسلم وكفلته اياه بعد موت عبد الله ابيه عاشر ولد عبد المطلب فأوصاه به وحضه على الابلاغ في القيام عليه والتحفظ به من اليهود وغيرهم وأسر إليه البشرى بنبوته وظهور قريش قومهم على جميع العرب وأسنى جوائز هذا الوفد بما يدل على شرف الدولة وعظمها لبعد غايتها في الهمة وعلو نظرها في كرامة الوفد وبقاء آثار الترف في الصبابة شاهد لشرافة الحال في الاول ذكر صاحب الاعلام وغيره أنه أجاز سائر الوفد بمائة من الابل وعشرة أعبد وعشرة وصائف وعشرة أرطال من الورق والذهب وكرش ملئ من العنبر واضعاف ذلك بعشرة أمثاله لعبد المطلب (قال ابن اسحق) ولما انصرف وهزر إلى كسرى غزا سيف على الحبشة وجعل يقتل ويبقر بطون النساء حتى إذا لم يبق الا القليل جعلهم خولا واتخذ منهم طوابير يسعون بين يديه بالحراب وعظم خوفهم منه فخرج يوما وهم يسعون بين يديه فلما توسطهم وقد انفردوا به عن الناس رموه بالحراب فقتلوه ووثب رجل منهم على الملك وقيل ركب خليفة وهزر فيمن معه من المسلحة واستلحم الحبشة وبلغ ذلك كسرى فبعث وهزر في أربعة آلاف من الفرس وأمره بقتل كل أسود أو منتسب إلى أسود ولو جعدا قططا ففعل وقتل الحبشة حيث كانوا وكتب بذلك إلى كسرى فأمره على اليمن فكان بجبيه له حتى هلك واستضافت حشاية

[ 65 ]

ملك الحميريين بعد مهلك ابن ذى يزن وأهل بيته إلى الفرس وورثوا ملك العرب وسلطان حمير باليمن بعد ان كانوا يزاحمونهم بالمناكب في عراقهم ويجوسونهم بالغزو خلال ديارهم ولم يبق للعرب في الملك رسم ولا طلل الا أقيالا من حمير وقحطان رؤساء في أحيائهم بالبدو لا تعرف لهم طاعة ولا ينفذ لهم في غير ذاتهم أمر الا ما كان لكهلان خوتهم بأرض العرب من ملك آل المنذر من لخم على الحيرة والعراق بتولية فارس وملك آل جفنة من غسان على الشأم بتولية آل قيصر كما يأتي في أخبارهم (وقال الطبري) لما كانت اليمن لكسرى بعث إلى سرنديب من الهند قائدا من قواده ركب إليها البحر في جند كثيف فقتل ملكها واستولى عليها وحمل إلى كسرى منها أموالا عظيمة وجواهر وكان وهزر يبعث العير إلى كسرى بالاموال والطيوب فتمر على طريق البحرين تارة وعلى أرض الحجاز أخرى وعدا بنو تميم في بعض الايام على عيره بطريق البحرين فكتب إلى عامله بالانتقام منهم فقتل منهم خلقا كما يأتي في أخبار كسرى وعدا بنو كنانة على عيره بطريق الحجاز حين مرت بهم وكانت في جوار رجل من أشراف العرب من قيس فكانت حرب الفجار بين قيس وكنانة بسبب ذلك وشهدها النبي صلى الله عليه وسلم وكان ينبل فيها على اعمامه أي يجمع لهم النبل قال الطبري ولما هلك وهزر امر كسرى من بعده على اليمن ابنه المرزبان ثم هلك فامر حافده خرخسرو بن التيجان بن المرزبان ثم سخط عليه وحمل إليه مقيدا ثم أجاره ابن كسرى وخلى سبيله فعزله كسرى وولى باذان فلم يزل إلى أن كانت البعثة وأسلم باذان وفشا الاسلام باليمن كما نذكره عند ذكر الهجرة وأخبار الاسلام باليمن هذا آخر الخبر عن ملوك التبابعة من اليمن ومن ملك بعدهم من الفرس وكان عدد ملوكهم فيما قال المسعودي سبعة وثلاثين ملكا في مدة ثلاثة آلاف ومائتي سنة الا عشرا وقيل أقل من ذلك فكانوا ينزلون مدينة ظفار قال السهيلي زمار وظفار اسمان لمدينة واحدة يقال بناها مالك بن أبرهة وهو الاملوك ويسمى مالك وهو ابن ذى المنار وكان على بابها مكتوب بالقلم الاول في حجر أسود يوم شيدت ظفار فقيل لمن أن‍ * ت فقالت لخير الاخيار - ثم سيلت من بعد ذلك قالت * ان ملكى احابش الاشرار - ثم سيلت بعد من ذلك قالت * ان ملكى لفارس الاحرار - ثم سيلت من بعد ذلك قالت * ان ملكى لقريش التجار - ثم سيلت من بعد ذلك قالت * ان ملكى لخير سنجار - وقليلا ما يلبث القوم فيها * غير تشييدها لحامي البوار - من أسود يلقيهم البحر فيها * تشعل النار في أعالي الجدار -

[ 66 ]

ولم تزل مدينة ظفار هذه منزلا للملوك وكذلك في الاسلام صدر الدولتين وكانت اليمن من أرفع الولايات عندهم بما كانت منازل العرب العاربة ودار الملوك العظماء من التبابعة والاقيال والعباهلة ولما انقضى الكلام في أخبار حمير وملوكهم باليمن من العرب استدعى الكلام ذكر معاصريهم من العجم على شرط كتابنا لنستوعب أخبار الخليقة ونميز حال هذا الجيل العربي من جميع جهاته والامم المشاهير من العجم الذين كانت لهم الدول العظيمة لعهد الطبقة الاولى والثانية من العرب وهم النبط والسريانيون أهل بابل ثم الجرامقة أهل الموصل ثم القبط ثم بنو اسرائيل والفرس ويونان والروم فلنأت الآن بما كان لهم من الملك والدولة وبعض أخبارهم على اختصار والله ولى العون والتوفيق لا رب غيره ولا مأمول الا خيره

[ 68 ]

[ الخبر عن ملوك بابل من النبط والسريانيين وملوك الموصل ونينوى من الجرامقة ] قد تقدم لنا ان ملك الارض من بعد نوح عليه السلام كان لكنعان بن كوش بن حام ثم لابنه النمروذ من بعده وانه كان على بدعة الصابئة وأن بنى سام كانوا حنفاء ينتحلون التوحيد الذى عليه الكلدانيون من قبلهم قال ابن سعيد ومعنى الكلدانيين الموحدين ووقع ذكر النمروذ في التوراة منسوبا إلى كوش بن حام ولم يقع فيها ذكر لكنعان بن كوش فالله أعلم بذلك وقال ابن سعيد أيضا وخرج عابر بن شالخ بن أرفخشد فغلبه وسار من كوثا إلى أرض الجزيرة والموصل فبنى مدينة مجدل هنا لك وأقام بها إلى أن هلك وورث أمره ابنه فالغ من بعده وأصاب النمروذ وقومه على عهد سيدنا ابراهيم عليه السلام ما أصابهم في الصرح وكانت البلبلة وهى المشهورة وقد وقع ذكرها في التوراة ولا أدرى معناها والقول بأن الناس أجمعين كانوا على لغة واحدة فباتوا عليها ثم أصبحوا وقد افترقت لغاتهم قول بعيد في العادة الا أن يكون من خوارق الانبياء فهو معجزة حينئذ ولم ينقلوه كذلك والذى يظهر أنه اشارة إلى التقدير الالهى في خرق العادة وافتراقها وكونها من آياته كما وقع في القرآن الكريم ولا يعقل في أمر البلبلة غير ذلك وقال ابن سعيد سوريان بن نبيط ولاه فالغ على بابل فانتقض عليه وحار به ولما هلك فالغ قام بأمره بعده ابنه ملكان فغلبه سوريان على الجزيرة وملكها هؤلاء الجرامقة اخوانه في النسب بنو جرموق بن أشوذ بن سام وكانت مواطنهم بالجزيرة وكان ابن أخت سوريان منهم الموصل بن جرموق فولاه سوريان على الجزيرة وأخرج بنى عابر منها ولحق ملكان منها بالجبال فأقام هناك ويقال ان الخضر من عقبه واستبد الموصل على خاله سوريان بن نبيط ملك بابل وامتازت مملكة الجرامقة من مملكة النبط وملك بعد الموصل ابنه راتق وكانت له حروب مع النبط وملك من بعده ابنه أثور وبقى ملكها في عقبه وهو مذكور في التوراة وملك بعده ابنه نينوى وبنى المدينة المقابلة للموصل من عدوة دجلة المعروفة باسمه ثم كان من عقبه سنجاريف بن أثور بن نينوى بن أثور وهو الذى بنى مدينة سنجار وغزا بنى اسرائيل فصلبوه على بيت المقدس وقال البيهقى ان الجزيرة ملكها بعد مقتل سنجاريف أخوه ساطرون وهو الذى بنى مدينة الحضر في برية سنجار على نهر الترتار لتولعه بصيد الاسود في غيضاتها وملك من بعده ابنه زان وكان يدين بالصابئة ويقال ان يونس بن متى بعث إليه ويونس من الجرامقة من سبط بنيامين بن اسرائيل من ابنه فآمن به زان بن ساطرون بعد الذى قصه القرآن من شأنه معهم ثم ان بختنصر لما غلب على بابل زحف إليه ودعاه إلى دين الصابئة وشرط له أن يبقيه في ملكه فأجاب ولم يزل على الجزيرة حتى

[ 69 ]

زحف إليه جيوش الفرس مع ارتاق فضمن القيام بالمجوسية على أن يبقوه في ملكه وكتب بذلك ارتاق إلى بهمن فيضمن له فاجابه بأن هذا رجل متلاعب بالاديان فاقتله فقتله ارتاق وانقرض ملكه بعد ألف وثلثمائة سنة فيما قال البيهقى وفي أربعين ملكا منهم وصارت الجزيرة لملوك الفرس والذى عند الاسرائيليين سنجاريف من ملوك نينوى وهم أولاد موصل بن أشوذ بن سام وأنه كان قبله بالموصل ملوك منهم وهم فول وتلفات وبلناص وأنهم ملكوا بلد الاسباط العشرة وهى شورون المعروفة بالسامرة وأنه غرب الاسباط الذين كانوا فيها إلى نواحى اصبهان وخراسان وأسكن أهل كومة وهى الكوفة في شمورون هذه فسلط الله عليهم السباع يفترسونهم في كل ناحية فشكوا ذلك إلى سنجاريف وسألوه أن يخبرهم عن بلد شمورون في قسمة أي كوكب هي كى يتوجهوا إليه ويستنزلوا روحانيته على طريق الصابئة فأعرض عن ذلك وبعث كاهنان إليهم من اليهود فعلموهم دين اليهودية وأخذوا به وهؤلاء عند اليهود هم الشمرة نسبة إلى شمرة وهى شمورون وليس الشمرة عندهم من بنى اسرائيل ولان دينهم صحيح في اليهودية وزحف سنجاريف عندهم إلى بيت المقدس بعد استيلائه على شورمون فحاصرها وداخله العجب بكثرة عساكره فقال لبنى اسرائيل من الذى خلصه الهه من يدى حتى يخلصكم الهكم وفزع ملك بنى اسرائيل إلى نبيهم مدليلا وسأله الدعاء فدعا له وأمنه من شر سنجاريف ونزلت بعسكره في بعض لباليهم آفة سماوية فأصبحوا كلهم قتلى يقال أحصى قتلاهم فكانوا مائة وخمسة وثمانين ألفا ورجع سنجاريف إلى نينوى ثم قتله أولاده في سجوده لمعبوده من الكواكب وولى ابنه أيسرحدون ثم استولى عليهم بعد ذلك بختنصر كما سنذكره في خبره (وأما ملوك بابل) فهم النبط بنو نبيط بن أشوذ بن سام وقال المسعودي نبيط بن ماش بن ارم وكانوا موطنين بأرض بابل وملك منهم سوريان بن نبيط وقال المسعودي هو أحد نبيط بن ماش ملك أرض بابل بولاية من فالغ فلما مات فالغ أظهر بدعة الصابئة وانتحلها بعده ابنه كنعان ويلقب بالنمروذ وملك بعده ابنه كوش وهو نمروذ ابراهيم عليه السلام وهو الذى قدم اباه آزر فاصطفاه هاجر على بيت الاصنام لان أرعو بن فالغ لما هلك أبوه فالغ وكان على دين التوحيد الذى دعاه إليه أبوه عابر رجع حينئذ ارعو إلى كوثا ودخل مع النمارذة في دين الصابئة وتوارثها بنوه إلى آزر بن ناحور فاصطفاه هاجر بن كوش وقدمه على بيت الاصنام وولد له ابراهيم عليه السلام وكان من أمره ما ذكرناه فيما نصه التنزيل ونقله الثقات ثم توالت ملوك النماردة ببابل وكان منهم بختنصر على ما ذهب إليه نصهم ويقال ان الجرامقة وهم أهل نينوى غلبوا على بابل وملكها سنجاريف منهم

[ 70 ]

واستعمل فيها بختنصر من ملوكها ثم انتقض عليه بالجزا والطاعة وغزا بنى اسرائيل ببيت المقدس فاقتحمها عليهم بعد الحصار وأثخن فيهم بالقتل والاسر وقتل ملكهم وخرب مسجدهم وتجاوزهم إلى مصر فملكها ولما هلك بختنصر ملك من بعده فيما ذكروه ابنه نشبت نصر ثم من بعده بنيصر وغزاه ارتاق مرزبان كسرى من ملوك الكينية فقتله وملك بابل وأعمالها وصار النبط والجرامقة رعية للفرس وانقرضت دولة النمارذة ببابل هكذا ذكر ابن سعيد ونقله عن داهر مؤرخ دولة الفرس وجعل السريانيين والن