الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 البداية والنهاية - ابن كثير ج 14

البداية والنهاية

ابن كثير ج 14


[ 1 ]

البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 ه‍. حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء الرابع عشر دار إحياء التراث العربي

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وستمائة استهلت والخليفة الحاكم العباسي وسلطان البلاد المنصور لاجين ونائبه بمصر مملوكه سيف الدين منكوتمر، وقاضي الشافعية تقي الدين بن دقيق العيد، والحنفي حسام الدين الرازي، والمالكي والحنبلي كما تقدم، ونائب الشام سيف الدين قبجق المنصوري، وقضاة الشام هم المذكورون في التي قبلها، والوزير تقي الدين توبة، والخطيب بدر الدين بن جماعة. ولما كان في أثناء المحرم رجعت طائفة من الجيش من بلاد سيس بسبب المرض الذي أصاب بعضهم، فجاء كتاب السلطان بالعتب الاكيد والوعيد الشديد لهم، وأن الجيش يخرج جميعا صحبة نائب السلطنة قبجق إلى هناك ونصب مشانق لمن تأخر بعذر أو غيره، فخرج نائب السلطنة الامير سيف الدين قبجق وصحبته الجيوش وخرج أهل البلد للفرجة على الاطلاب على ما جرت به العادة، فبرز نائب السلطنة في أبهة عظيمة فدعت له العامة وكانوا يحبونه، واستمر الجيش سائرين قاصدين بلاد سيس، فلما وصلوا إلى حمص بلغ الامير سيف الدين قبجق وجماعة من الامراء أن السلطان قد تغلت خاطره بسبب سعي منكوتمر فيهم (1)، وعلموا أن السلطان لا يخالفه لمحبته له، فاتفق جماعة منهم على الدخول إلى بلاد التتر والنجاة بأنفسهم، فساقوا من حمص فيمن أطاعهم، وهم قبجق وبزلي وبكتمر السلحدار والايلي، واستمروا ذاهبين، فرجع كثير من الجيش إلى دمشق، وتخبطت الامور وتأسفت لعوام على قبجق لحسن سيرته، وذلك في ربيع الآخر من هذه السنة فإنا لله وإنا إليه راجعون.


(1) ذكر المقريزي في السلوك 1 / 833 وما بعدها: أن منكوتمر أمل أن يكون ولي عهد السلطان لاجين خاصة أن السلطان كان قد مرض ولم يكن له ولد ذكر وليا لعهده فعمل على ابعاد منافسيه من الامراء الذين بمصر وتمكن من السعي بهم والقبض عليهم، كما مر معنا في السنة السابقة، وبدا أن السلطان يميل إلى الاحتجاب وتفويض أمور السلطنة إلى منكوتمر. وبقي عليه أزاحة أمراء الشام وإقامة غيرهم من مماليك السلطان وفي مصر والشام - ليتمكن من مراده.

[ 4 ]

ذكر مقتل المنصور لاجين وعود الملك إلى محمد بن قلاوون لما كان يوم السبت التاسع عشر من ربيع الآخر وصل جماعة من البريدية وأخبروه بقتل السلطان الملك المنصور لاجين ونائبه سيف الدين منكوتمر، وأن ذلك كان ليلة الجمعة حادي عشره، على يد الامير سيف الدين كرجي الاشرفي (1) ومن وافقه من الامراء، وذلك بحضور القاضي حسام الدين الحنفي وهو جالس في خدمته يتحدثان، وقيل كانا يلعبان بالشطرنج، فلم يشعرا إلا وقد دخلوا عليهم فبادروا إلى السلطان بسرعة جهرة ليلة الجمعة فقتلوه وقتل نائبه صبرا صبيحة يوم الجمعة وألقي على مزبلة، واتفق الامراء على إعادة ابن أستاذهم الملك الناصر محمد بن قلاوون، فأرسلوا وراءه، وكان بالكرك ونادوا له بالقاهرة، وخطب له على المنابر قبل قدومه، وجاءت الكتب إلى نائب الشام قبجق فوجدوه قد فر خوفا من غائلة لاجين، فسارت إليه البريدية فلم يدركوه إلا وقد لحق بالمغول عند رأس العين، من أعمال ماردين، وتفارط الحال ولا قوة إلا بالله. وكان الذي شمر العزم وراءهم وساق ليردهم الامير سيف الدين بلبان، وقام بأعباء البلد نائب القلعة علم الدين أرجواش، والامير سيف الدين جاعان، واحتاطوا على ما كان له اختصاص بتلك الدولة، وكان منهم جمال الدين يوسف الرومي محتسب البلد، وناظر المارستان، ثم أطلق بعد مدة وأعيد إلى وظائفه، واحتيط أيضا على سيف الدين جاعان وحسام الدين لاجين والي البر، وأدخلا القلعة، وقتل بمصر الامير سيف الدين (2) طغجي، وكان قد ناب عن الناصر أربعة أيام، وكرجي الذي تولى قتل لاجين فقتلا وألقيا على المزابل، وجعل الناس من العامة وغيرهم يتأملون صورة طغجي، وكان جميل الصورة، ثم بعد الدلال والمال والملك وارتهم هناك قبور، فدفن السلطان لاجين وعند رجليه نائبه منكوتمر، ودفن الباقون في مضاجعهم هنالك. وجاءت البشائر بدخول الملك الناصر إلى مصر يوم السبت رابع جمادى الاولى (3)، وكان يوما مشهودا، ودقت البشائر ودخل القضاة وأكابر الدولة إلى القلعة، وبويع بحضرة علم الدين أرجواش، وخطب له على المنابر بدمشق وغيرها بحضرة أكابر العلماء والقضاة والامراء، وجاء الخبر بانه قد ركب وشق القاهرة وعليه خلعة الخليفة، والجيش معه مشاة، فضربت البشائر


(1) وهو كرجي بن عبد الله، مقدم المماليك البرجية وهو الذي قتل حسام الدين لاجين فقتله أعوان المنصور لاجين (السلوك 1 / 868 عقد الجمان حوادث سنة 698 ه‍).

(2) طغجي، ويقال طقجي بن عبد الله (بالقاف) كان أميرا في دولة العادل كتبغا.

(3) قال أبو الفداء في مختصره 4 / 140 واستقر على سرير ملكه يوم السبت رابع عشر جمادى الاولى وفي السلوك 1 / 872: يوم الاثنين سادسه، وجددت له البيعة، وقال في مكان آخر 1 / 869: فأقام التخت بقلعة الجبل خاليا من سلطان (بين مقتل طغجي ووصول الملك الناصر) خمسة وعشرين يوما.

[ 5 ]

أيضا. وجاءت مراسيمه فقرئت على السدة وفيها الرفق بالرعايا والامر بالاحسان إليهم، فدعوا له، وقدم الامير جمال الدين آقوش الافرم نائبا على دمشق، فدخلها يوم الاربعاء قبل العصر ثاني عشرين جمادى الاولى، فنزل بدار السعادة على العادة، وفرح الناس بقدومه، وأشعلوا له الشموع، وكذلك يوم الجمعة أشعلوا له لما جاء إلى صلاة الجمعة بالمقصورة. وبعد أيام أفرج عن جاعان ولاجين والي البر، وعادا إلى ما كانا عليه، واستقر الامير حسام الدين الاستادار أتابكا للعساكر المصرية، والامير سيف الدين سلار نائبا بمصر، وأخرج الاعسر في رمضان من الحبس وولي الوزارة بمصر، وأخرج قراسنقر المنصوري من الحبس وأعطي نيابة الصبيبة، ثم لما مات صاحب حماة الملك المظفر نقل قراسنقر إليها. وكان قد وقع في أواخر دولة لاجين بعد خروج قبجق من البلد محنة للشيخ تقي الدين بن تيمية قام عليه جماعة من الفقهاء وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي، فلم يحضر فنودي في البلد في العقيدة التي كان قد سأله عنها أهل حماة المسماة بالحموية، فانتصر له الامير سيف الدين جاعان، وأرسل يطلب الذين قاموا عنده فاختفى كثير منهم، وضرب جماعة ممن نادى على العقيدة فسكت الباقون، فلما كان يوم الجمعة عمل الشيخ تقي الدين الميعاد بالجامع على عادته، وفسر في قوله تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) [ القلم: 4 ] ثم اجتمع بالقاضي إمام الدين يوم السبت واجتمع عنده جماعة من الفضلاء وبحثوا في الحموية وناقشوه في أماكن فيها، فأجاب عنها بما أسكتهم بعد كلام كثير، ثم ذهب الشيخ تقي الدين وقد تمهدت الامور، وسكنت الاحوال، وكان القاضي إمام الدين معتقده حسنا ومقصده صالحا. وفيها وقف علم الدين سنجر الدويدار رواقه داخل باب الفرج مدرسة ودار الحديث، وولى مشيخته الشيخ علاء الدين بن العطار وحضر عنده القضاة والاعيان، وعمل لهم ضيافة، وأفرج عن قراسنقر. وفي يوم السبت حادي عشر شوال فتح مشهد عثمان الذي جدده ناصر الدين بن عبد السلام ناظر الجامع، وأضاف إليه مقصورة الخدم من شماليه، وجعل له إماما راتبا، وحاكي به مشهد علي بن الحسين زين العابدين. وفي العشر الاولى من ذي الحجة عاد القاضي حسام الدين الرازي إلى قضاء الشام، وعزل عن قضاء مصر، وعزل ولده عن قضاء الشام. وفيها في ذي القعدة كثرت الاراجيف بقصد التتر بلاد الشام وبالله المستعان. وممن توفي فيها عن الاعيان: الشيخ نظام الدين أحمد بن الشيخ جمال الدين محمود بن أحمد بن عبد السلام الحصري الحنفي، مدرس النورية ثامن المحرم، ودفن في تاسعه يوم الجمعة في مقابر الصوفية، كان فاضلا، ناب في الحكم

[ 6 ]

في وقت ودرس بالنورية بعد أبيه، ثم درس بعده الشيخ شمس الدين بن الصدر سليمان بن النقيب. المفسر الشيخ العالم الزاهد جمال الدين أبو (1) عبد الله محمد بن سليمان بن حسن بن الحسين البلخي، ثم المقدسي الحنفي، ولد في النصف من شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة بالقدس، واشتغل بالقاهرة وأقام مدة بالجامع الازهر ودرس في بعض المدارس هناك، ثم انتقل إلى القدس فاستوطنه إلى أن مات في المحرم منها، وكان شيخا فاضلا في التفسير، وله فيه مصنف حافل كبير جمع فيه خمسين مصنفا من التفسير، وكان الناس يقصدون زيارته بالقدس الشريف ويتبركون به. الشيخ أبو يعقوب المغربي المقيم بالقدس كان الناس يجتمعون به وهو منقطع بالمسجد الاقصى، وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يقول فيه: هو على طريقة ابن عربي وابن سبعين، توفي في المحرم من هذه السنة. التقي توبة الوزير تقي الدين توبة بن علي بن مهاجر بن شجاع بن توبة الربعي التكريتي، ولد سنة عشرين وستمائة يوم عرفة بعرفة، وتنقل بالخدم إلى أن صار وزيرا بدمشق مرات عديدة (2)، حتى توفي ليلة الخميس ثاني (3) جمادى الآخر ة، وصلي عليه غدوة بالجامع وسوق الخيل، ودفن بتربته تجاه دار الحديث الاشرفية بالسفح، وحضر جنازته القضاة والاعيان، وياشر بعده نظر الدواوين فخر الدين بن الشيرجي، وأخذ أمين الدين بن الهلال نظر الخزانة. الامير الكبير شمس الدين بيسرى، كان من أكابر الامراء المتقدمين في خدمة الملوك، من زمن قلاوون وهلم جرا، توفي في السجن بقلعة مصر، وعمل له عزاء بالجامع الاموي، وحضره نائب السلطنة الافرم والقضاة والاعيان.


(1) من السلوك 1 / 881 وتذكره النبيه 1 / 215 والوافي 3 / 136 وفي الاصل: جمال الدين عبد الله بن محمد... وانظر عقد الجمان للعيني حوادث سنة 698 ه‍.

(2) في السلوك 1 / 881، وتذكره النبيه. 1 / 217: سبع مرات.

(3) في السلوك 1 / 881: ثامن. (*)

[ 7 ]

السلطان الملك المظفر تقي الدين محمود بن ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة، وابن ملوكها كابرا عن كابر، توفي يوم الخميس الحادي والعشرين ين من ذي القعدة، ودفن ليلة الجمعة (1). الملك الاوحد نجم الدين يوسف بن الملك داود بن المعظم ناظر القدس، توفي به ليلة الثلاثاء 4 رابع (2) ذي القعدة ودفن برباطه عند باب حطة عن سبعين سنة، وحضر جنازته خلق كثير، وكان من خيار أبناء الملوك دينا وفضيلة وإحسانا إلى الضعفاء. القاضي شهاب الدين يوسف ابن الصالح محب (3) الدين بن النحاس أحد رؤساء الحنفية، ومدرس الزنجانية والظاهرية، توفي ببستانه بالمزة ثالث عشر ذي الحجة، ودرس بعده بالزنجانية القاضي جلال الدين بن حسام الدين. الصاحب نصر الدين أبو الغنائم سالم بن محمد بن سالم بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى التغلبي، كان أحسن حالا من أخيه القاضي نجم الدين، وقد سمع الحديث وأسمعه، كان صدرا معظما، ولي نظر الدواوين ونظر الخزانة، ثم ترك المناصب وحج وجاور بمكة، ثم قدم دمشق فأقام بها دون السنة ومات، توفي يوم الجمعة ثامن وعشرين ذي الحجة، وصلي عليه بعد الجمعة بالجامع، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون، وعمل عزاؤه بالصاحبية. ياقوت بن عبد الله أبو الدر المستعصمي الكاتب، لقبه جمال الدين، وأصله رومي، كان فاضلا مليح الخط


(1) ومولده بحماه ليلة الاحد 15 محرم سنة 659 ه‍ ومدة ملكه خمس عشرة سنة وشهرا ويوما. ومات وله إحدى وأربعين سنة، وبعد وفاته خرجت حماة عن البيت التقوي وتولاها - كما مر - شمس الدين قراسنقر المنصوري. (السلوك 1 / 881 تذكرة النبيه 1 / 214).

(2) في السلوك 1 / 881: في رابع عشري ذي الحجة بالقدس.

(3) في السلوك 1 / 882: محي الدين.

[ 8 ]

مشهورا بذلك كتب ختما حسانا، وكتب الناس عليه ببغداد، وتوفي بها في هذه السنة، وله شعر رائق، فمنه ما أورده البرزالي في تاريخه عنه: تجدد الشمس شوقي كلما طلعت * إلى محياك يا سمعي ويا بصري (1) وأسهر الليل في أنس بلا ونس * إذ طيب ذكراك في ظلماته يسري (2) وكل يوم مضى لا أراك به * فلست محتسبا ماضيه من عمري ليلي نهار إذا ما درت في خلدي * لان ذكرك نور القلب والبصر ثم دخلت سنة تسع وتسعين وستمائة وفيها كانت وقعة قازان (3)، وذلك أن هذه السنة استهلت والخليفة والسلطان هما المذكوران في التي قبلها، ونائب مصر سلار، ونائب الشام آقوش الافرم، وسائر الحكام هم المذكورون في التي قبلها، وقد تواترت الاخبار بقصد التتار بلاد الشام، وقد خاف الناس من ذلك خوفا شديدا، وجفل الناس من بلاد حلب وحماة، وبلغ كري الخيل من حماة إلى دمشق نحو المائتي درهم، فلما كان يوم الثلاثاء ثاني المحرم ضربت البشائر بسبب خروج السلطان من مصر قاصدا الشام، فلما كان يوم الجمعة ثامن ربيع الاول دخل السلطان إلى دمشق في مطر شديد ووحل كثير، ومع هذا خرج الناس لتلقيه، وكان قد أقام بغزة قريبا من شهرين، وذلك لما بلغه قدوم التتار إلى الشام، فتهيأ لذلك وجاء فدخل دمشق فنزل بالطارمة، وزينت له والبلد، وكثرت له الادعية وكان وقتا شديدا، وحالا صعبا، وامتلا البلد من الجافين النازحين عن بلادهم، وجلس الاعسر وزير الدولة وطالب العمال واقترضوا أموال الايتام وأموال الاسرى لاجل تقوية الجيش وخرج السلطان بالجيش من دمشق يوم الاحد سابع عشر ربيع الاول ولم يتخلف أحد من الجيوش، وخرج معهم خلق كثير من المتطوعة، وأخذ الناس في الدعاء والقنوت في الصلوات بالجامع وغيره، وتضرعوا واستغاثوا وابتهلوا إلى الله بالادعية. وقعة قازان لما وصل السلطان إلى وادي الخزندار عند وادي سلمية، فالتقى التتر هناك يوم الاربعاء


(1) عجزه في عقد الجمان (وفيات سنة 698 ه‍): إلى محياك يا شمسي ويا قمري. (2) في تذكرة النبيه 1 / 219: واسهر الليل ذا أنس بوحشته * إذ طيب ذكرك في ظلمائه سمري وفي درة الاسلاك لابن حبيب ص 145: وأسمر الليل... * في أنفاسه سمري (3) كذا بالاصل ومختصر أبي الفداء، وفي السلوك 1 / 882 وتذكرة النبيه 1 / 220: غازان. (*)

[ 9 ]

السابع والعشرين (1) من ربيع الاول فالتقوا معهم فكسروا المسلمين وولى السلطان هاربا فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقتل جماعة من الامراء وغيرهم ومن العوام خلق كثير، وفقد في المعركة قاضي قضاة الحنفية (2)، وقد صبروا وأبلوا بلاء حسنا، ولكن كان أمر الله قدرا مقدورا، فولى المسلمون لا يلوي أحد على أحد، ثم كانت العاقبة بعد ذلك للمتقين، غير أنه رجعت العساكر على أعقابها للديار المصرية واجتاز كثير منهم على دمشق، وأهل دمشق في خوف شديد على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، ثم إنهم استكانوا واستسلموا للقضاء والقدر، وماذا يجدي الحذر إذا نزل القدر، ورجع السلطان في طائفة من الجيش على ناحية بعلبك والبقاع، وأبواب دمشق مغلقة، والقلعة محصنة والغلاء شديد والحال ضيق وفرج الله قريب، وقد هرب جماعة من أعيان البلد وغيرهم إلى مصر، كالقاضي إمام الدين الشافعي، وقاضي المالكية الزواوي، وتاج الدين الشيرازي، وعلم الدين الصوابي والي البر، وجمال الدين بن النحاس والي المدينة، والمحتسب وغيرهم من التجار والعوام، وبقي البلد شاغرا ليس فيهم حاكم سوى نائب القلعة. وفي ليلة الاحد ثاني ربيع الاول كسر المحبوسون بحبس ابا الصغير الحبس وخرجوا منه على حمية، وتفرقوا في البلد، وكانوا قريبا من مائتي رجل فنهبوا ما قدروا عليه وجاءوا إلى باب الجابية فكسروا أقفال الباب البراني وخرجوا منه إلى بر البلد، فتفرقوا حيث شاؤوا لا يقدر أحد على ردهم، وعاثت الحرافشة في ظاهر البلد فكسروا أبواب البساتين وقلعوا من الابواب والشبابيك شيئا كثيرا، وباعوا ذلك بأرخص الاثمان، هذا وسلطان التتار قد قصد دمشق بعد الوقعة، فاجتمع أعيان البلد (3) والشيخ تقي الدين بن تيمية في مشهد علي واتفقوا على المسير إلى قازان لتلقيه، وأخذ الامان منه لاهل دمشق، فتوجهوا يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر فاجتمعوا به عند النبك (4)، وكلمه الشيخ تقي الدين كلاما قويا شديدا فيهم مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين ولله الحمد. ودخل المسلمون ليلتئذ من جهة قازان فنزلوا بالبدرانية وغلقت أبواب البلد سوى باب توما، وخطب الخطيب بالجامع يوم الجمعة، ولم يذكر سلطانا في خطبته، وبعد الصلاة قدم الامير إسماعيل ومعه جماعة من الرسل فنزلوا ببستان الظاهر عند الطرن. وحضر الفرمان بالامان وطيف به في البلد، وقرئ يوم السبت ثامن الشهر بمقصورة الخطابة، ونثر شئ من الذهب والفضة.


(1) في السلوك 1 / 886: ثامن عشريه (انظر تذكرة النبيه 1 / 220 ومختصر أبي الفداء 4 / 43).

(2) وهو حسام الدين حسن بن أحمد الرومي الحنفي.

(3) ومنهم: قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، والشريف زين الدين.. بن عدنان، والصاحب فخر الدين.. بن الشيرجي، وعز الدين حمزة بن القلانسي... وغيرهم. (السلوك 1 / 889) زاد ابن إياس في بدائع الزهور 1 / 1 / 404: والقاضي نجم الدين بن الصصري، والقاضي عز الدين بن الزكي، والقاضي جلال الدين القزويني..

(4) النبك: قرية بين حمص ودمشق (معجم البلدان).

[ 10 ]

وفي ثاني يوم من المناداة بالامان طلبت الخيول والسلاح والاموال المخبأة عند الناس من جهة الدولة، وجلس ديوان الاستخلاص إذ ذاك بالمدرسة القيمرية، وفي يوم الاثنين عاشر الشهر قدم سيف الدين قبجق المنصوري فنزل في الميدان واقترب جيش التتر وكثر العيث في ظاهر البلد، وقتل جماعة وغلت الاسعار بالبلد جدا، وأرسل قبجق إلى نائب القلعة ليسلمها إلى التتر فامتنع أرجواش من ذلك أشد الامتناع، فجمع له قبجق أعيان البلد فكلموه أيضا فلم يجبهم إلى ذلك، وصمم على ترك تسليمها إليهم وبها عين تطرف، فإن الشيخ تقي الدين بن تيمية أرسل إلى نائب القلعة يقول له ذلك، لو لم يبق فيها إلا حجر واحد فلا تسلمهم ذلك إن استطعت، وكان في ذلك مصلحة عظيمة لاهل الشام فإن الله حفظ لهم هذا الحصن والمعقل الذي جعله الله حرزا لاهل الشام التي لا تزال دار إيمان وسنة، حتى ينزل بها عيسى ابن مريم. وفي يوم دخول قبجق إلى دمشق دخل السلطان ونائبه سلار إلى مصر كما جاءت البطاقة بذلك إلى القلعة، ودقت البشائر بها فقوي جأش الناس بعض قوة، ولكن الامر كما قال: كيف السبيل إلى سعاد ودونها * قلل الجبال ودونهن حتوف الرجل حافية وما لي مركب * والكف صفر والطريق مخوف وفي يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر خطب لقازان على منبر دمشق بحضور المغول بالمقصورة ودعي له على السدة بعد الصلاة وقرئ عليها مرسوم بنيابة قبجق على الشام، وذهب إليه الاعيان فهنؤه بذلك، فأظهر الكرامة وأنه في تعب عظيم مع التتر، ونزل شيخ المشايخ محمود بن علي الشيباني بالمدرسة العادلية الكبيرة. وفي يوم السبت النصف النصف من ربيع الآخر شرعت التتار وصاحب سيس في نهب الصالحية ومسجد الاسدية ومسجد خاتون ودار الحديث الاشرفية بها واحترق جامع التوبة بالعقيبية، وكان هذا من جهة الكرج والارمن من النصارى الذين هم مع التتار قبحهم الله. وسبوا من أهلها خلقا كثيرا وجما غفيرا، وجاء أكثر الناس إلى رباط الحنابلة فاحتاطت به التتار فحماه منهم شيخ الشيوخ المذكور، وأعطى في الساكن مال له صورة ثم أقحموا عليه فسبوا منه خلقا كثيرا من بنات المشايخ وأولادهم فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما نكب دير الحنابلة في ثاني جمادى الاولى قتلوا خلقا من الرجال وأسروا من النساء كثيرا، ونال قاضي القضاة تقي الدين أذى كثير، ويقال إنهم قتلوا من أهل الصالحية قريبا من أربعمائة، وأسروا نحوا من أربعة آلاف أسير، ونهبت كتب كثيرة من الرباط الناصري والضيائية، وخزانة ابن البزوري، وكانت تباع وهي مكتوب عليها الوقفية، وفعلوا بالمزة مثل ما فعلوا بالصالحية، وكذلك بداريا وبغيرها، وتحصن الناس منهم في الجامع بداريا ففتحوه قسرا وقتلوا منهم خلقا وسبوا نساءهم وأولادهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وخرج الشيخ ابن تيمية في جماعة من أصحابه يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر إلى ملك

[ 11 ]

التتر وعاد بعد يومين ولم يتفق اجتماعه به، حجبه عنه الوزير سعد الدين والرشيد مشير الدولة المسلماني ابن يهودي، والتزما له بقضاء الشغل، وذكرا له أن التتر لم يحصل لكثير منهم شئ إلى الآن، ولا بد لهم من شئ، واشتهر بالبلد أن التتر يريدون دخول دمشق فانزعج الناس لذلك وخافوا خوفا شديدا، وأرادوا الخروج منها والهرب على وجوههم، وأين الفرار ولات حين مناص، وقد أخذ من البلد فوق العشرة آلاف فرس، ثم فرضت أموال كثيرة على البلد موزعة على أهل الاسواق كل سوق بحسبه من المال، فلا قوة إلا بالله. وشرع التتر في عمل مجانيق بالجامع ليرموا بها القلعة من صحن الجامع، وغلقت أبوابه ونزل التتار في مشاهده يحرسون أخشاب المجانيق، وينهبون ما حوله من الاسواق، وأحرق أرجوان ما حول القلعة من الابنية، كدار الحديث الاشرفية وغير ذلك، إلى حد العادلية الكبيرة، وأحرق دار السعادة لئلا يتمكنوا من محاصرة القلعة من أعاليها، ولزم الناس منازلهم لئلا يسخروا في طم الخندق، وكانت الطرقات لا يرى بها أحد إلا القليل، والجامع لا يصلي فيه أحد إلا اليسير، ويوم الجمعة لا يتكامل فيه الصف الاول وما بعده إلا بجهد جهيد، ومن خرج من منزله في ضرورة يخرج بثياب زيهم ثم يعود سريعا، ويظن أنه لا يعود إلى أهله، وأهل البلد قد أذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. والمصادرات والتراسيم والعقوبات عمالة في أكابر أهل البلد ليلا ونهارا، حتى أخذ منهم شئ كثير من الاموال والاوقاف، كالجامع وغيره، ثم جاء مرسوم بصيانة الجامع وتوفير أوقافه وصرف ما كان يؤخذ بخزائن السلاح وإلى الحجاز، وقرئ ذلك المرسوم بعد صلاة الجمعة بالجامع في تاسع عشر (1) جمادى الاولى، وفي ذلك اليوم توجه السلطان قازان وترك نوابه بالشام في ستين ألف مقاتل نحو بلاد العراق، وجاء كتابه إنا قد تركنا نوابنا بالشام في ستين ألف مقاتل، وفي عزمنا العود إليها في زمن الخريف، والدخول إلى الديار المصرية وفتحها، وقد أعجزتهم القلعة أن يصلوا إلى حجر منها، وخرج سيف الدين قبجق لتوديع قطلوشاه نائب قازان وسار وراءه وضربت البشائر بالقلعة فرحا لرحيلهم، ولم تفتح القلعة، وأرسل أرجواش ثاني يوم من خروج قبجق القلعية إلى الجامع فكسروا أخشاب المنجنيقات المنصوبة به، وعادوا إلى القلعة سريعا سالمين، واستصحبوا معهم جماعة ممن كانوا يلوذون بالتتر قهرا إلى القلعة، منهم الشريف القمي، وهو شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم المرتضي العلوي، وجاءت الرسل من قبجق إلى دمشق فنادوا بها طيبوا أنفسكم وافتحوا دكاكينكم وتهيئوا غدا لتلقي سلطان الشام سيف الدين قبجق، فخرج الناس إلى أماكنهم فأشرفوا عليها فرأوا ما بها من الفساد والدمار، وانفك رؤساء البلد من التراسيم بعد ما ذاقوا شيئا كثيرا. قال الشيخ علم الدين البرزالي: ذكر لي الشيخ وجيه الدين بن المنجا أنه حمل إلى خزانة قازان


(1) في السلوك 1 / 895: ثاني عشر (انظر بدائع الزهور 1 / 1 / 404).

[ 12 ]

ثلاثة آلاف ألف وستمائه ألف درهم، سوى ما تمحق من التراسيم والبراطيل وما أخذ غيره من الامراء والوزراء، وأن شيخ المشايخ حصل له نحو من ستمائة ألف درهم، والاصيل بن النصير الطوسي مائة ألف (1)، والصفي السخاوي (2) ثمانون ألفا، وعاد سيف الدين قبجق إلى دمشق يوم الخميس بعد الظهر خامس عشرين جمادى الاولى ومعه الالبكي وجماعة، وبين يديه السيوف مسللة وعلى رأسه عصابة فنزل بالقصر ونودي بالبلد نائبكم قبجق قد جاء فافتحوا دكاكينكم واعملوا معاشكم ولا يغرر أحد بنفسه هذا الزمان والاسعار في غاية الغلاء والقلة، قد بلغت الغرارة إلى أربعمائة، واللحم بنحو العشرة، والخبز كل رطل بدرهمين ونصف، والعشرة الدقيق بنحو الاربعين، والجبن الاوقية بدرهم، والبيض كل خمسة بدرهم، ثم فرج عنهم في أواخر الشهر، ولما كان في أواخر الشهر نادى قبجق بالبلد أن يخرج الناس إلى قراهم وأمر جماعة وانضاف إليه خلق من الاجناد، وكثرت الاراجيف على بابه، وعظم شأنه ودقت البشائر بالقلعة وعلى باب باب قبجق يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة، وركب قبجق بالعصائب في البلد والشاويشية بين يديه، وجهز نحوا من ألف فارس نحو خربة اللصوص، ومشى مشي الملوك في الولايات وتأمير الامراء والمراسيم العالية النافذة، وصار كما قال الشاعر: يالك من قنبرة بمعمري * خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري ثم إنه ضمن الخمارات ومواضع الزنا من الحانات وغيرها، وجعلت دار ابن جرادة خارج من باب توما خمارة وحانة أيضا، وصار له على ذلك في كل يوم ألف درهم، وهي التي دمرته ومحقت آثاره وأخذ أموالا أخر من أوقاف المدارس وغيرها، ورجع بولاي من جهة الاغوار وقد عاث في الارض فسادا، ونهب البلاد وخرب ومعه طائفة من التتر كثيرة، وقد خربوا قرى كثيرة، وقتلوا من أهلها وسبواخلقا من أطفالها، وجبى لبولاي من دمشق أيضا جباية أخرى، وخرج طائفة من القلعة فقتلوا طائفة من التتر ونهبوهم، وقتل جماعة من المسلمين في غبون ذلك، وأخذوا طائفة ممن كان يلوذ بالتتر ورسم قبجق لخطيب البلد وجماعة من الاعيان أن يدخلوا القلعة فيتكلموا مع نائبها في المصالحة فدخلوا عليه يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة، فكلموه وبالغوا معه فلم يجب إلى ذلك وقد أجاد وأحسن وأرجل في ذلك بيض الله وجهه. وفي ثامن رجب طلب قبجق القضاة والاعيان فحلفهم على المناصحة للدولة المحمودية - يعني قازان - فحلفوا له، وفي هذا اليوم خرج الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى مخيم بولاي فاجتمع به في


(1) في السلوك 1 / 894: مائتي ألف درهم.

(2) في السلوك 1 / 894: السنجاري، وأخذ مائة ألف درهم.

[ 13 ]

فكاك من كان معه من أسارى المسلمين، فاستنقذ كثيرا منهم من أيديهم، وأقام عنده ثلاثة أيام ثم عاد، ثم راح إليه جماعة من أعيان دمشق ثم عا دوا من عنده فشلحوا عند باب شرقي وأخذ ثيابهم وعمائمهم ورجعوا في شر حالة، ثم بعث في طلبهم فاختفى أكثرهم وتغيبوا عنه، ونودي بالجامع بعد الصلاة ثالث رجب من جهة نائب القلعة بأن العساكر المصرية قادمة إلى الشام، وفي عشية يوم السبت رحل بولاي وأصحابه من التتر وانشمروا عن دمشق وقد أراح الله منهم وساروا من على عقبة دمر فعاثوا في تلك النواحي فسادا، ولم يأت سابع الشهر وفي حواشي البلد منهم أحد، وقد أزاح الله عز وجل شرهم عن العباد والبلاد، ونادى قبجق في الناس قد أمنت الطرقات ولم يبق بالشام من التتر أحد، وصلى قبجق يوم الجمعة عاشر رجب بالمقصورة، ومعه جماعة عليهم لامة الحرب من السيوف والقسي والتراكيش فيها النشاب، وأمنت البلاد، وخرج الناس للفرجة في غيض السفرجل على عادتهم فعاثت عليهم طائفة من التتر، فلما رأوهم رجعوا إلى البلد هاربين مسرعين، ونهب بعض الناس بعضا ومنهم من ألقى نفسه في النهر، وإنما كانت هذه ا الطائفة مجتازين ليس لهم قرار، وتقلق قبجق من البلد ثم إنه خرج منها في جماعة من رؤسائها وأعيانها منهم عز الدين ين القلانسي ليتلقوا الجيش المصري وذلك أن جيش مصر خرج إلى الشام في تاسع رجب وجاءت البريدية بذلك، وبقي البلد ليس به أحد، ونادى أرجواش في البلد احفظوا الاسوار وأخرجوا ما كان عندكم من الاسلحة ولا تهملوا الاسوار والابواب، ولا يبيتن أحد إلا على السور، ومن بات في داره شنق، فاجتمع الناس على الاسوار لحفظ البلاد، وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يدور كل ليلة على الاسوار يحرض الناس على الصبر والقتال ويتلو عليهم آيات الجهاد والرباط. وفي يوم الجمعة سابع عشر رجب أعيدت الخطبة بدمشق لصاحب مصر ففرح الناس بذلك، وكان يخطب لقازان بدمشق وغيرها من بلاد الشام مائة يوم سواء. وفي بكرة يوم الجمعة المذكور دار الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله وأصحابه على الخمارات والحانات فكسروا آنية الخمور وشققوا الظروف (1) وأراقوا الخمور، وعزروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه الفواحش، ففرح الناس بذلك، ونودي يوم السبت ثامن عشر رجب بأن تزين البلد لقدوم العساكر المصرية، وفتح باب الفرج مضافا إلى باب النصر يوم الاحد تاسع عشر رجب، ففرح الناس بذلك وانفرجوا لانهم لم يكونوا يدخلون إلا من باب النصر،، وقدم الجيش الشامي صحبة نائب دمشق جمال الدين آقوش الافرم يوم السبت عاشر شعبان، وثاني يوم دخل بقية العساكر وفيهم الاميران شمس الدين قراسنقر المنصوري وسيف الدين قطلبك في تجمل، وفي هذا اليوم فتح باب العريش، وفيه درس القاضي جلال الدين القزويني بالامينية عوضا عن أخيه قاضي


(1) الظروف، جمع ظرف، وهو الوعاء وكل ما يستقر فيه غيره (محيط المحيط).

[ 14 ]

القضاء إمام الدين توفي بمصر، وفي يوم الاثنين والثلاثاء والاربعاء تكامل دخول العساكر صحبة نائب مصر سيف الدين سلار، وفي خدمته الملك العادل كتبغا، وسيف الدين الطراخي في تجمل باهر، ونزلوا في المرج، وكان السلطان قد خرج عازما على المجئ فوصل إلى الصالحية ثم عاد إلى مصر. وفي يوم الخميس النصف من شعبان أعيد القاضي بدر الدين بن جماعة إلى قضاء القضاة بدمشق مع الخطابة بعد إمام الدين، ولبس معه في هذا اليوم أمين الدين العجمي خلعة الحسبة، وفي يوم سابع عشره لبس خلعة نظر الدواوين تاج الدين الشيرازي عوضا عن فخر الدين بن الشيرجي، ولبس أقبجاشد الدواوين في باب الوزير شمس الدين سنقر الاعسر، وباشر الامير عز الدين أيبك الدويدار النجيبي ولاية البر، بعد ما جعل من أمراء الطبلخانة، ودرس الشيخ كمال الدين بن الزملكاني بأم الصالح عوضا عن جلال الدين القزويني يوم الاحد الحادي والعشرين من شعبان، وفي هذا اليوم ولي قضاء الحنفية شمس الدين بن الصفي الحريري عوضا عن حسام الدين الرومي، فقد يوم المعركة في ثاني رمضان، ورفعت الستائر عن القلعة في ثالث رمضان. وفي مستهل رمضان جلس الامير سيف الدين سلار بدار العدل في الميدان الاخضر وعنده القضاة والامراء يوم السبت، وفي السبت الآخر خلع على عز الدين القلانسي خلعة سنية وجعل ولده عماد الدين شاهدا في الخزانة. وفي هذا اليوم رجع سلار بالعساكر إلى مصر وانصرفت العساكر الشامية إلى مواضعها وبلدانها. وفي يوم الاثنين عاشر رمضان درس علي بن الصفي بن أبي القاسم البصراوي الحنفي بالمدينة المقدمية. وفي شوال فيها عرفت جماعة ممن كان يلوذ بالتتر ويؤذي المسلمين، وشنق منهم طائفة وسمر آخرون وكحل بعضهم وقطعت ألسن وجرت أمور كثيرة. وفي منتصف شوال درس بالدولعية قاضي القضاة جمال الدين الزرعي نائب الحكم عوضا عن جمال الدين بن الباجريقي، وفي يوم الجمعة العشرين منه ركب نائب السلطنة جمال الدين آقوش الافرم في جيش دمشق إلى جبال الجرد وكسروان، وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه خلق كثير من المتطوعة والحوارنة لقتال أهل تلك الناحية، بسبب فساد نيتهم وعقائدهم وكفرهم وضلالهم، وما كانوا عاملوا به العساكر لما كسرهم التتر وهربوا حين اجتازوا ببلادهم، وثبوا عليهم ونهبوهم وأخذوا أسلحتهم وخيولهم، وقتلوا كثيرا منهم، فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤساؤهم إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستتابهم وبين للكثير منهم الصواب وحصل بذلك خير كثير، وانتصار كبير على أولئك المفسدين، والتزموا برد ما كانوا أخذوه من أموال الجيش، وقرر عليهم أموالا كثيرة يحملونها إلى بيت المال، وأقطعت أراضيهم وضياعهم، ولم يكونوا قبل ذلك يدخلون في طاعة الجند ولا يلتزمون أحكام الملة، ولا يديدون دين الحق، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، وعاد نائب السلطنة يوم الاحد ثالث عشر

[ 15 ]

ذي القعدة وتلقاه الناس بالشموع إلى طريق بعلبك وسط النهار. وفي يوم الاربعاء سادس عشره نودي في البلد أن يعلق الناس الاسلحة بالدكاكين، وأن يتعلم الناس الرمي فعملت الاماجات في أماكن كثيرة من البلد، وعلقت الاسلحة بالاسواق، ورسم قاضي القضاة بعمل الاماجات في المدارس، وأن يتعلم الفقهاء الرمي ويستعدوا لقتال العدو إن حضر، وبالله المستعان. وفي الحادي والعشرين من ذي القعدة استعرض نائب السلطنة أهل الاسواق بين يديه وجعل على كل سوق مقدما وحوله أهل سوقه، وفي الخميس رابع عشرينه عرضت الاشراف مع نقيبهم نظام الملك الحسيني بالعدد والتجمل الحسن، وكان يوما مشهودا، ومما كان من الحوادث في هذه السنة أن جدد إمام راتب عند رأس قبر زكريا، وهو الفقيه شرف الدين أبو بكر الحموي، وحضر عنده يوم عاشوراء القاضي إمام الدين الشافعي، وحسام الدين الحنفي وجماعة، ولم تطل مدته إلا شهورا ثم عاد الحموي إلى بلده وبطلت هذه الوظيفة إلى الآن ولله الحمد. وممن توفي فيها من الاعيان: القاضي حسام الدين أبو الفضائل الحسن بن القاضي تاج الدين أبي المفاخر أحمد بن الحسن أنو شروان الرازي الحنفي، ولي قضاء ملطية مدة عشرين سنة، ثم قدم دمشق فوليها مدة، ثم انتقل إلى مصر فوليها مدة، وولده جلال الدين بالشام ثم صار إلى الشام فعاد إلى الحكم بها، ثم لما خرج الجيش إلى لقاء قازان بوادي الخزندار عند وادي سلمية خرج معهم فقد من الصف ولم يدر ما خبره، وقد قارب السبعين، وكان فاضلا بارعا رئيسا، له نظم حسن، ومولده بإقسيس (1) من بلاد الروم في المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة فقد يوم الاربعاء الرابع والعشرين (2) من ربيع الاول منها، وقد قتل يومئذ عدة من مشاهير الامراء ثم ولي بعده القضاء شمس الدين الحريري (3). القاضي الامام العالي إمام الدين أبو المعالي عمر بن القاضي سعد الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن الشيخ إمام الدين أبي حفص عمر بن أحمد بن محمد القزويني الشافعي، قدم دمشق هو وأخوه جلال الدين


(1) في تذكرة النبيه 1 / 227: أقسرا، وقيل: قصرا، وهي من بلاد الروم بينهما وبين قونية ثلاث مراحل (تقويم البلدان ص 382).

(2) في السلوك 1 / 906: السابع عشري ربيع الاول.

(3) وهو محمد بن عثمان بن أبي الحسن الحنفي الانصاري، وقد تولى قضاء القضاة في شعبان، وكانت وفاته سنة 72 ه‍.

[ 16 ]

فقررا في مدارس، ثم انتزع إمام الدين قضاء القضاة بدمشق من بدر الدين بن جماعة كما تقدم في سنة سبع وسبعين، وناب عنه أخوه، وكان جميل الاخلاق كثير الاحسان رئيسا، قليل الاذى، ولما أزف قدوم التتار سافر إلى مصر، فلما وصل إليها لم يقم بها سوى أسبوع وتوفي ودفن بالقرب من قبة الشافعي عن ست وأربعين سنة، وصار المنصب إلى بدر الدين بن جماعة، مضافا إلى ما بيده من الخطابة وغيرها، ودرس أخوه بعده بالامينية. المسند المعمر الرحلة شرف الدين أحمد بن هبة الله بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن عساكر الدمشقي، وله سنة أربع عشرة وستمائة، وسمع الحديث وروى، توفي خامس عشر (1) جمادى الاولى عن خمس وثمانين سنة. الخطيب الامام العالم موفق الدين أبو المعالي محمد بن محمد بن الفضل النهرواني القضاعي الحموي، خطيب حماة، ثم خطب بدمشق عوضا عن الفاروثي، ودرس بالغزالية ثم عزل بابن جماعة، وعاد إلى بلده، ثم قدم دمشق عام قازان فمات بها. الصدر شمس الدين محمد بن سليمان (2) بن حمايل بن علي المقدسي المعروف بابن غانم، وكان من أعيان الناس وأكثرهم مرؤة، ودرس بالعصرونية (3)، توفي وقد جاوز الثمانين كان من الكتاب المشهورين المشكورين، وهو والد الصدر علاء الدين بن غانم: الشيخ جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن عمر بن عثمان الباجريقي (4) الشافعي، أقام مدة بالموصل يشتغل ويفتي،


(1) في شذرات الذهب 5 / 445: في الخامس والعشرين من أحد الجمادين.

(2) كذا بالاصل، والسلوك 1 / 906 وفي تاريخ الاسلام للذهبي (سلمان).

(3) المدرسة العصرونية بدمشق أنشأها فقيه الشام شرف الدين أبو سعيد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون (الدارس 1 / 391).

(4) الباجريقي نسبة إلى بلدة باجريق قرية شمال العراق بين البقعاء ونصيبين (معجم البلدان).

[ 17 ]

ثم قدم دمشق عام قازان فمات بها، وكان قد أقام بها مدة كذلك، ودرس بالقليجية والدولعية، وناب في الخطابة ودرس بالغزالية نيابة عن الشمس الايكي، وكان قليل الكلام مجموعا عن الناس، وهو والد الشمس محمد المنسوب إلى الزندقة والانحلال، وله أتباع ينسبون إلى ما ينسب إليه، ويعكفون على ما كان يعكف عليه، وقد حدث جمال الدين المذكور بجامع الاصول عن بعض أصحاب مصنفات ابن الاثير، وله نظم ونثر حسن، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة سبعمائة من الهجرة النبوية استهلت والخليفة والسلطان ونواب البلاد والحكام بها هم المذكورون في التي قبلها، غير الشافعي والحنفي، ولما كان ثالث المحرم جلس المستخرج لاستخلاص أجرة أربعة أشهر عن جميع أملاك الناس وأوقافهم بدمشق، فهرب أكثر الناس من البلد، وجرت خبطة قوية وشق ذلك على الناس جدا. وفي مستهل صفر وردت أخبار بقصد التتر بلاد الشام، وأنهم عازمون على دخول مصر، فانزعج الناس لذلك وازدادوا ضعفا على ضعفهم، وطاشت عقولهم وألبابهم، وشرع الناس في الهرب إلى بلاد مصر والكرك والشوبك والحصون المنيعة، فبلغت الحمارة إلى مصر خمسمائة وبيع الجمل بألف والحمار بخمسمائة، وبيعت الامتعة والثياب والغلات بأرخص الاثمان، وجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية في ثاني صفر بمجلسه في الجامع وحرض الناس على القتال، وساق لهم الآيات والاحاديث الواردة في ذلك، ونهى عن الاسراع في الفرار، ورغب في إنفاق الاموال في الذب عن المسلمين وبلادهم وأموالهم، وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل الله كان خيرا، وأوجب جهاد التتر حتما في هذه الكرة، وتابع المجالس في ذلك، ونودي في البلاد لا يسافر أحد إلا بمرسوم وورقة فتوقف الناس عن السير وسكن جأشهم، وتحدث الناس بخروج السلطان من القاهرة بالعساكر ودقت البشائر لخروجه، لكن كان قد خرج جماعة من بيوتات دمشق كبيت ابن صصرى وبيت ابن فضل الله وابن منجا وابن سويد وابن الزملكاني وابن جماعة. وفي أول ربيع الآخر قوي الارجاف بأمر التتر، وجاء الخبر بأنهم قد وصلوا إلى البيرة ونودي في البلد أن تخرج العامة من العسكر، وجاء مرسوم النائب من المرج بذلك، فاستعرضوا في أثناء الشهر فعرض نحو خمسة آلاف من العامة بالعدة والاسلحة على قدر طاقتهم، وقنت الخطيب ابن جماعة في الصلوات كلها، واتبعه أئمة المساجد، وأشاع المرجفون بأن التتر قد وصلوا إلى حلب وأن نائب حلب تقهقر إلى حماة، ونودي في البلد بتطييب قلوب الناس وإقبالهم على معايشهم، وأن السلطان والعساكر واصلة، وأبطل ديوان المستخرج وأقيموا، ولكن كانوا قد استخرجوا أكثر مما

[ 18 ]

أمروا به وبقيت بواقي على الناس الذين قد اختفوا فعفى عما بقي، ولم يرد ما سلف، لا جرم أن عواقب هذه الافعال خسر ونكر، وأن أصحابها لا يفلحون، ثم جاءت الاخبار بأن سلطان مصر رجع عائدا إلى مصر بعد أن خرج منها قاصدا الشام (1)، فكثر الخوف واشتد الحال، وكثرت الامطار جدا، وصار بالطرقات من الاوحال والسيول ما يحول بين المرء وبين ما يريده من الانتشار في الارض والذهاب فيها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وخرج كثير من الناس خفافا وثقالا يتحملون بأهليهم وأولادهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وجعلوا يحملون الصغار في الوحل الشديد والمشقة على الدواب والرقاب، وقد ضعفت الدواب من قلة العلف مع كثرة الامطار والزلق والبرد الشديد والجوع وقلة الشئ فلا حول ولا قوة إلا بالله. واستهل جمادى الاولى والناس على خطة صعبة من الخوف، وتأخر السلطان واقرب العدو، وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في مستهل هذا الشهر وكان يوم السبت إلى نائب الشام في المرج فثبتهم وقوى جأشهم وطيب قلوبهم ووعدهم النصر والظفر على الاعداء، وتلا قوله تعالى (ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور) [ الحج: 60 ] وبات عند العسكر ليلة الاحد ثم عاد إلى دمشق وقد سأله النائب والامراء أن يركب على البزيد ؟ إلى مصر يستحث السلطان على المجئ فساق وراء السلطان، وكان السلطان قد وصل إلى الساحل فلم يدركه إلا وقد دخل القاهرة وتفارط الحال، ولكنه استحثهم على تجهيز العساكر إلى الشام إن كان لهم به حاجة، وقال لهم فيما قال: إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الامن، ولم يزل بهم حتى جردت العساكر إلى الشام، ثم قال لهم: لو قدر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه واستنصركم أهله وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم، وقوى جأشهم وضمن لهم النصر هذه الكرة، فخرجوا إلى الشام، فلما تواصلت العساكر إلى الشام فرح الناس فرحا شديدا بعد أن كانوا قد يئسوا من أنفسهم وأهليهم وأموالهم، ثم قويت الاراجيف بوصول التتر، وتحقق عود السلطان إلى مصر، ونادى ابن النحاس متولي البلد في الناس من قدر على السفر فلا يقعد بدمشق، فتصايح النساء والولدان، ورهق الناس ذلة عظيمة وخمدة، وزلزلوا زلزالا شديدا، وغلقت الاسواق وتيقنوا أن لا ناصر لهم إلا الله عز وجل، وأن نائب الشام لما كان فيه قوة مع السلطان عام أول لم يقو على التقاء جيش التتر فكيف به الآن وقد عزم على الهرب ؟ ويقولون: ما بقي أهل دمشق إلا


(1) جاء في بدائع الزهور 1 / 1 / 409: قيل في سبب رجوعه - (من غزة - إلى مصر) - أن العسكر تقلب عليه هنالك، وطلبوا منه نفقة ثانية لان التبن والشعير كان لا يوجد أصلا. (انظر السلوك 1 / 908 ومختصر أبي الفداء 4 / 45).

[ 19 ]

طعمة العدو، ودخل كثير من الناس إلى البراري والقفار والمغر بأهاليهم من الكبار والصغار، ونودي في الناس من كانت نيته الجهاد فليلتحق بالجيش فقد اقترب وصول التتر، ولم يبق بدمشق من أكابرها إلا القليل، وسافر ابن جماعة والحريري وابن صصرى وابن منجا، وقد سبقهم بيوتهم إلى مصر، وجاءت الاخبار بوصول التتر إلى سرقين وخرج الشيخ زين الدين الفارقي والشيخ إبراهيم الرقي وابن قوام وشرف الدين بن تيمية وابن خبارة إلى نائب السلطنة الافرم فقووا عزمه على ملاقاة العدو، واجتمعوا بمهنا أمير العرب فحضروه على قتال العدو فأجابهم بالسمع والطاعة، وقويت نياتهم على ذلك، وخرج طلب سلار من دمشق إلى ناحية المرج، واستعدوا للحرب والقتال بنيات صادقة. ورجع الشيخ تقي الدين بن تيمية من الديار المصرية في السابع والعشرين من جمادى الاولى على البريد، وأقام بقلعة مصر ثمانية أيام يحثهم على الجهاد والخروج إلى العدو، وقد اجتمع بالسلطان والوزير وأعيان الدولة فأجابوه إلى الخروج، وقد غلت الاسعار بدمشق جدا، حتى بيع خاروفان بخمسمائة درهم، واشتد الحال، ثم جاءت الاخبار بأن ملك التتار قد خاض الفرات راجعا عامه ذلك لضعف جيشه وقلة عددهم، فطابت النفوس لذلك وسكن الناس، وعادوا إلى منازلهم منشرحين آمنين مستبشرين. ولما جاءت الاخبار بعدم وصول التتار إلى الشام في جمادى الآخرة تراجعت أنفس الناس إليهم وعاد نائب السلطنة إلى دمشق، وكان مخيما في المرج من مدة إربعه أشهر متتابعة، وهو من أعظم الرباط، وتراجع الناس إلى أوطانهم: وكان الشيخ زين الدين الفارقي قد درس بالناصرية لغيبة مدرسها كمال الدين بن الشريشي بالكرك هاربا، ثم عاد إليها في رمضان، وفي أواخر الشهر درس ابن الزكي بالدولعية عوضا عن جمال الدين الزرعي لغيبته. وفي يوم الاثنين قرئت شروط الذمة على أهل الذمة وألزم بها واتفقت الكلمة على عزلهم عن الجهات، وأخذوا بالصغار، ونودي بذلك في البلد وألزم النصارى بالعمائم الزرق، واليهود بالصفر، والسامرة (1) بالحمر، فحصل بذلك خير كثير وتميزوا عن المسلمين، وفي عاشر رمضان جاء المرسوم بالمشاركة بين أرجواش والامير سيف الدين أقبجا في نيابة القلعة، وأن يركب كل واحد منهما يوما، ويكون الآخر بالقلعة يوما، فامتنع أرجواش من ذلك. وفي شوال درس بالاقبالية الشيخ شهاب الدين بن المجد عوضا عن علاء الدين القونوي بحكم إقامته بالقاهرة، وفي يوم الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة عزل شمس الدين بن الحريري عن قضاء الحنفية بالقاضي جلال الدين بن حسام الدين على قاعدته وقاعدة أبيه، وذلك باتفاق من الوزير شمس الدين سنقر الاعسر ونائب السلطان الافرم. وفيها وصلت رسل ملك


(1) السامرة أو السمرة طائفة من اليهود، وهم أتباع السامري الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله: (واضلهم السامري) انظر صبح الاعشى 13 / 268 المواعظ والاعتبار 2 / 472.

[ 20 ]

التتار إلى دمشق (1)، فأنزلوا بالقلعة ثم ساروا إلى مصر. وممن توفي فيها من الاعيان. الشيخ حسن الكردي المقيم بالشاغور في بستان له يأكل من غلته ويطعم من ورد عليه، وكان يزار، فلما احتضر اغتسل وأخذ من شعره واستقبل القبلة وركع ركعات، ثم توفي رحمه الله يوم الاثنين الرابع من جمادى الاولى، وقد جاوز المائة سنة. الطواشي صفي الدين جوهر التفليسي المحدث، اعتنى بسماع الحديث وتحصيل الاجزاء وكان حسن الخلق صالحا لين الجانب رجلا حاميا زكيا، ووقف أجزاءه التي ملكها على المحدثين. الامير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء بن محمد الهيدباني (2) الاربلي متولي دمشق، كان له فضائل كثيرة في التواريخ والشعر وربما جمع شيئا في ذلك، وكان يسكن بدرب سعور فعرف به، فيقال درب ابن أبي الهيجاء، وهو أول منزل نزلناه حين قدمنا دمشق في سنة ست وسبعمائة، ختم الله لي بخير في عافية آمين، توفي ابن أبي الهيجاء في طريق مصر وله ثمانون سنة، وكان مشكورا السيرة حسن المحاصرة. الامير جمال الدين آقوش الشريفي والي الولاة بالبلاد القبلية، توفي في شوال وكانت له هيبة وسطوة وحرمة. ثم دخلت سنة إحدى وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها، والامير سيف الدين سلار بالشام، ونائب دمشق الافرم، وفي أولها عزل الامير قطلبك عن نيابة البلاد الساحلية وتولاها الامير سيف الدين


(1) وكان وصولهم إلى دمشق يوم الثلاثاء ثالث عشري ذي القعدة، وهم نحو عشرين رجلا، حمل منهم ثلاثة إلى مصر في ثامن عشرية (انظر السلوك 1 / 910).

(2) في السلوك 1 / 918: الهمذاني.

[ 21 ]

استدمر، وعزل عن وزار مصر شمس الدين الاعسر، وتولى سيف الدين أقجبا المنصوري نيابة غزة، وجعل عوضه بالقلعة الامير سيف الدين بها در السيجري، وهو من الرحبة، وفي صفر (1) رجعت رسل ملك التتر من مصر إلى دمشق فتلقاهم نائب السلطنة والجيش والعامة في نصف صفر ولي تدريس النور ية الشيخ صدر الدين علي البصراوي الحنفي عوضا عن الشيخ ولي الدين السمرقندي وإنما كان وليها ستة أيام ودرس بها أربعة دروس بعد بني الصدر سليمان، توفي وكان من كبار الصالحين، يصلي كل يوم مائة ركعة، وفي يوم الاربعاء تاسع عشر ربيع الاول جلس قاضي القضاة وخطيب الخطباء بدر الدين بن جماعة بالخانقاه الشمساطية شيخ الشيوخ بها عن طلب الصوفية له بذلك، ورغبتهم فيه، وذلك بعد وفاة الشيخ يوسف بن حمويه الحموي، وفرحت الصوفية به وجلسوا حوله، ولم تجتمع هذه المناصب لغيره قبله، ولا بلغنا أنها اجتمعت إلى أحد بعده إلى زماننا هذا: القضاء والخطابة ومشيخة الشيوخ. وفي يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الاول قتل الفتح أحمد بن الثقفي (2) بالديار المصرية، حكم فيه القاضي زين الدين بن مخلوف المالكي بما ثبت عنده من تنقيصه للشريعة واستهزائه بالآيات المحكمات، ومعارضة المشتبهات بعضها ببعض، يذكر عنه أنه كان يحل المحرمات من اللواط والخمر وغير ذلك، لمن كان يجتمع فيه من الفسقة من الترك وغيرهم من الجهلة، هذا وقد كان له اشتغال وهيئة جميلة في الظاهر، وبزته ولبسته جيدة، ولما أوقف عند شباك دار الحديث الكاملية بين القصرين استغاث بالقاضي تقي الدين بن دقيق العيد فقال: ما تعرف مني ؟ فقال: أعرف منك الفضيلة، ولكن حكمك إلى القاضي زين الدين، فأمر القاضي للوالي أن يضرب عنقه، فضرب عنقه وطيف برأسه في البلد، ونودي عليه هذا جزاء من طعن في الله ورسوله. قال البر زالي في تاريخه: وفي وسط شهر ربيع الاول ورد كتاب من بلاد حماة من جهة قاضيها يخبر فيه أنه وقع في هذه الايام ببارين من عمل حماة برد كبار على صور الحيوانات مختلفة شتى، سباع وحيات وعقارب وطيور ومعز ونساء، ورجال في أوساطهم حوائص، وأن ذلك ثبت بمحضر عند قاضي الناحية، ثم نقل ثبوته إلى قاضي حماة. وفي يوم الثلاثاء عاشر ربيع الآخر شنق الشيخ علي الحوير الي بواب الظاهرية على بابها، وذلك أنه اعترف بقتل الشيخ زين الدين السمرقندي. وفي النصف منه حضر القاضي بدر الدين بن جماعة تدريس الناصرية الجوانية عوضا عن كمال الدين بن الشريشي، وذلك أنه ثبت محضر أنها لقاضي الشافعية بدمشق، فانتزعها من يد ابن الشريشي. وفي يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الاولى قدم الصدر علاء الدين بن شرف الدين بن


(1) في السلوك 1 / 918: في المحرم عادت رسل غازان مع رسل السلطان بجوابه، وانظر نسخة كتاب ملك التتار إلى السلطان وجوابه عليه في السلوك ملحق رقم 14 (1 / 1016).

(2) في السلوك 1 / 923: البققي، وانظر تفاصيل هذه القضية فيه صفحة 925.

[ 22 ]

القلانسي على أهله من التتر بعد أسر سنتين وأياما وقد حبس مدة ثم لطف الله به وتلطف حتى تخلص منهم ورجع إلى أهله، ففرحوا به. وفي سادس جمادى الآخرة قدم البريد من القاهرة وأخبر بوفاة أمير المؤمنين الخليفة الحاكم بأمر الله العباسي، وأن ولده ولي الخلافة من بعده، وهو أبو الربيع سليمان، ولقب بالمستكفي بالله، وأنه حضر جنازته الناس كلهم مشاة، ودفن بالقرب من الست نفيسة، وله أربعون سنة في الخلافة، وقدم مع البريد تقليد بالقضاء لشمس الدين الحريري الحنفي، ونظر الدواوين لشرف الدين بن مزهر، واستمرت الخاتونية الجوانية بيد القاضي جلال الدين بن حسام الدين بإذن نائب السلطنة. وفي يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة خطب للخليفة المستكفي بالله وترحم على والده بجامع دمشق وأعيدت الناصرية إلى ابن الشريشي وعزل عنها ابن جماعة ودرس بها يوم الاربعاء الرابع عشر من جمادى الآخرة وفي شوال قدم إلى الشام جراد عظيم أكل الزرع والثمار وجرد الاشجار حتى صارت مثل العصي، ولم يعهد مثل هذا، وفي هذا الشهر عقد مجلس لليهود الخيابرة وألزموا بأداء الجزية أسوة أمثالهم من اليهود، فأحضروا كتابا معهم يزعمون أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجزية عنهم، فلما وقف عليه الفقهاء تبينوا أنه مكذوب مفتعل لما فيه من الالفاظ الركيكة، والتواريخ المحبطة، واللحن الفاحش، وحاققهم عليه شيخ الاسلام ابن تيمية، وبين لهم خطأهم وكذبهم، وأنه مزور مكذوب، فأنابوا إلى أداء الجزية، وخافوا من أن تستعاد منهم الشؤون الماضية. قلت: وقد وقفت أنا على هذا الكتاب فرأيت فيها شهادة سعد بن معاذ عام خيبر، وقد توفي سعد قبل ذلك بنحو من سنتين، وفيه: وكتب علي بن أبي طالب وهذا لحن لا يصدر عن أمير المؤمنين علي، لان علم النحو إنما أسند إليه من طريق أبي الاسود الدؤلي عنه، وقد جمعت فيه جزءا مفردا، وذكرت ما جرى فيه أيام القاضي الماوردي، وكتاب أصحابنا في ذلك العصر، وقد ذكره في الحاوي وصاحب الشامل في كتابه وغير واحد، وبينها ؟ خطأه ولله الحمد والمنة. وفي هذا الشهر ثار جماعة من الحسدة على الشيخ تقي الدين بن تيمية وشكوا منه أنه يقيم الحدود ويعزر ويحلق رؤوس الصبيان، وتكلم هو أيضا فيمن يشكو منه ذلك، وبين خطأهم، ثم سكنت الامور. وفي ذي القعدة ضربت البشائر بقلعة دمشق أياما بسبب فتح أماكن من بلاد سيس عنوة، ففتحها المسلمون ولله الحمد. وفيه قدم عز الدين بن ميسر على نظر الدواوين عوضا عن ابن مزهر. وفي يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة حضر عبد السيد بن المهذب ديان اليهود إلى دار العدل ومعه أولاده فأسلموا كلهم، فأكرمهم نائب السلطنة وأمر أن يركب بخلعة وخلفه الدبادب تضرب والبوقات إلى داره، وعمل ليلتئذ ختمة عظمية حضرها القضاة والعلماء، وأسلم على يديه جماعة كبيرة من اليهود، وخرجوا يوم العيد كلهم يكبرون مع المسلمين، وأكرمهم الناس إكراما زائدا.

[ 23 ]

وقدمت رسل ملك التتار في سابع عشر ذي الحجة فنزلوا بالقلعة وسافروا إلى القاهرة بعد ثلاثة أيام (1) وبعد مسيرهم بيومين مات أرجواس، وبعد موته بيومين قدم الجيش من بلاد سيس وقد فتحوا جانبا منها، فخرج نائب السلطنة والجيش لتلقيهم، وخرج الناس للفرجة على العادة، وفرحوا بقدومهم ونصرهم. وممن توفي فيها من الاعيان: أمير المؤمنين الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن المسترشد بالله الهاشمي العباسي البغدادي المصري، بويع بالخلافة بالدولة الظاهر ية في أول سنة إحدى وستين وستمائة، فاستكمل أربعين سنة (2) في الخلافة، وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الاولى، وصلي عليه وقت صلاة العصر بسوق الخيل، وحضر جنازته الاعيان والدولة كلهم مشاة. وكان قد عهد بالخلافة إلى ولده المذكور أبي الربيع سليمان. خلافة المستكفي بالله أمير المؤمنين ابن الحاكم بأمر الله العباسي لما عهد إليه كتب تقليده وقرئ بحضرة السلطان والدولة يوم الاحد العشرين من ذى الحجة (3) من هذه السنة، وخطب له على المنابر بالبلاد المصرية والشامية، وسارت بذلك البريدية إلى جميع البلاد الاسلامية. وتوفي فيها: الامير عز الدين أيبك بن عبد الله النجيبي الدويدار والي دمشق، وأحد أمراء الطبلخانة بها، وكان مشكور السيرة، ولم تطل مدته، ودفن بقاسيون، توفي يوم الثلاثاء سادس عشر ربيع الاول.


(1) تقدم أن قدومهم إلى دمشق كان في أواخر سنة 700 ه‍ انظر حاشية رقم 1 صفحة 20 - 21.

(2) في بدائع الزهور 1 / 410: نيفا وأربعين، وفي تذكرة النبيه 1 / 240: أربعين سنة وشهورا.

(3) كذا بالاصل، والسلوك للمقريز وهو خطأ واضح، والصواب " جمادى الاولى " وهو ما تشير إليه التفاصيل السابقة.

[ 24 ]

الشيخ الامام العالم شرف الدين أبو الحسن (1) علي بن الشيخ الامام العالم العلامة الحافظ الفقيه تقي الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ أبي الحسن (2) أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن محمد اليونيني البعلبكي وكان أكبر من أخيه الشيخ قطب الدين ابن الشيخ الفقيه، ولد شرف الدين سنة إحدى وعشرين وستمائة فأسمعه أبوه الكثير، واشتغل وتفقه، وكان عابدا عاملا كثير الخشوع، دخل عليه إنسان وهو بخزانة الكتب فجعل يضربه بعصا في رأسه ثم بسكين فبقي متمرضا أياما، ثم توفي إلى رحمة الله يوم الخميس حادي عشر رمضان ببعلبك، ودفن بباب بطحا، وتأسف الناس عليه لعلمه وعمله وحفظه الاحاديث وتودده إلى الناس وتواضعه وحسن سمته ومرؤته تغمده الله برحمته. الصدر ضياء الدين أحمد بن الحسين ابن شيخ السلامية، والد القاضي قطب الدين موسى الذي تولى فيما بعد نظر الجيش بالشام وبمصر أيضا، توفي يوم الثلاثاء عشرين ذي القعدة ودفن بقاسيون، وعمل عزاؤه بالرواحية. الامير الكبير المرابط المجاهد علم الدين أرجواش بن عبد الله المنصوري، نائب القلعة بالشام، كان ذا هيبة وهمة وشهامة وقصد صالح، قدر الله على يديه حفظ معقل المسلمين لما ملكت التتار الشام أيام قازان، وعصت عليهم القلعة ومنعها الله منهم على يدي هذا الرجل، فإنه التزم أن لا يسلمها إليهم ما دام بها عين تطرف واقتدت بها بقية القلاع الشامية، وكانت وفاته بالقلعة ليلة السبت الثاني والعشرين من ذي الحجة وأخرج منها ضحوة يوم السبت فصلي عليه وحضر نائب السلطنة فمن دونه جنازته، ثم حمل إلى سفح قاسيون ودفن بتربته رحمه الله. الابرقوهي المسند المعمر المصري هو الشيخ الجليل المسند الرحلة، بقية السلف شهاب الدين أبو المعالي أحمد بن إسحاق بن محمد بن المؤيد بن علي بن إسماعيل بن أبي طالب، الابرقوهي الهمداني ثم المصري، ولد بأبرقوه (2) من بلاد شيراز في رجب أو شعبان سنة خمس عشرة وستمائة، وسمع الكثير من الحديث


(1) في السلوك 1 / 924 وتذكرة النبيه 1 / 224: أبو الحسين.

(2) أبرقوه: بلد مشهور بأرض فارس بنواحي أصبهان (معجم البلدان - وتقويم البلدان الفداء ص 324).

[ 25 ]

على المشايخ الكثيرين، وخرجت له مشيخات، وكان شيخا حسنا لطيفا مطيقا، توفي بمكة بعد خروج الحجيج بأربعة أيام رحمه الله. وفيها توفي: صاحب مكة الشريف أبو نمى محمد بن الامير أبي سعد حسن بن علي بن قتادة الحسني صاحب مكة منذ أربعين سنة، وكان حليما وقورا ذا رأي وسياسة وعقل ومرؤة. وفيها ولد كاتبه إسماعيل بن عمر ابن كثير القرشي المصري الشافعي عفا الله عنه، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة اثنتين وسبعمائة من الهجرة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها، وفي يوم الاربعاء ثاني (1) صفر فتحت جزيرة أرواد بالقرب من أنطرسوس، وكانت من أضر الاماكن على أهل السواحل، فجاءتها المراكب من الديار المصرية في البحر وأردفها جيوش طرابلس، ففتحت ولله الحمد نصف النهار، وقتلوا من أهلها قريبا من ألفين، وأسروا قريبا من خمسمائة، وكان فتحها من تمام فتح السواحل، وأراح الله المسلمين من شر أهلها. وفي يوم الخميس السابع عشر من شهر صفر وصل البريد إلى دمشق فأخبر بوفاة قاضي القضاة ابن دقيق العيد، ومعه كتاب من السلطان إلى قاضي القضاة ابن جماعة، فيه تعظيم له واحترام وإكرام يستدعيه إلى قربه ليباشر وظيفة القضاء بمصر على عادته فتهيأ لذلك، ولما خرج خرج معه نائب السلطنة الافرم وأهل الحل والعقد، وأعيان الناس ليودعوه، وستأتي ترجمة ابن دقيق العيد في الوفيات، ولما وصل ابن جماعة إلى مصر أكرمه السلطان إكراما زائدا، وخلع عليه خلعة صوف وبغلة تساوي ثلاثة آلاف درهم، وباشر الحكم بمصر يوم السبت رابع ربيع الاول، ووصلت رسل التتار في أواخر ربيع الاول (2) قاصدين بلاد مصر، وباشر شرف الدين الفزاري مشيخة دار الحديث الظاهرية يوم الخميس ثامن ربيع الآخر عوضا عن شرف الدين الناسخ، وهو أبو حفص عمر بن محمد بن حسن بن خواجا إمام الفارسي، توفي بها عن سبعين سنة، وكان فيه بر ومعروف وأخلاق حسنة، رحمه الله. وذكر الشيخ شرف الدين المذكور درسا مفيدا وحضر عنده جماعة من الاعيان، وفي يوم الجمعة حادي عشر جمادى الاولى خلع على قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى بقضاء الشام عوضا عن ابن جماعة، وعلى الفارقي بالخطابة، وعلى الامير ركن الدين بيبرس العلاوي (3) بشد


(1) في مختصر أبي الفداء 4 / 47: في المحرم، وفي السلوك 1 / 929: ثامن عشر صفر.

(2) في السلوك 1 / 927: في ثامن المحرم قدمت رسل غازان بكتابه فأعيدوا بالجواب.

(3) في السلوك 1 / 929: التلاوي.

[ 26 ]

الدواوين وهنأهم الناس، وحضر نائب السلطنة والاعيان المقصورة لسماع الخطبة، وقرئ تقليد ابن صصرى بعد الصلاة ثم جلس في الشباك الكمالي وقرئ تقليده مرة ثانية، وفي جمادى الاولى وقع بيد نائب السلطنة كتاب مزور فيه أن الشيخ تقي الدين بن تيمية والقاضي شمس الدين بن الحريري وجماعة من الامراء والخواص الذين بباب السلطنة يناصحون التتر ويكاتبوهم، ويريدون تولية قبجق على الشام وأن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني يعلمهم بأحوال الامير جمال الدين الافرم، وكذلك كمال الدين بن العطار، فلما وقف عليه نائب السلطنة عرف أن هذا مفتعل، ففحص عن واضعه فإذا هو فقير كان مجاورا بالبيت الذي كان مجاور محراب الصحابة، يقال له اليعفوري، وآخر معه يقال له أحمد الغناري، وكانا معروفين بالشر والفضول، ووجد معهما مسودة هذا الكتاب، فتحقق نائب السلطنة ذلك فعزرا تعزيرا عنيفا، ثم وسطا بعد ذلك وقطعت يد الكاتب الذي كتب لهما هذا الكتاب، وهو التاج المناديلي. وفي أواخر جمادى الاولى انتقل الامير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصوري إلى نيابة القلعة عوضا عن أرجواش. عجيبة من عجائب البحر قال الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه: قرأت في بعض الكتب الواردة من القاهرة أنه لما كان بتاريخ يوم الخميس رابع جمادى الآخرة ظهرت دابة من البحر عجيبة الخلقة من بحر النيل إلى أرض المنوفية، بين بلاد منية مسعود واصطباري والراهب، وهذه صفتها: لونها لون الجاموس بلا شعر، وأذناها كأذن الجمل (1)، وعيناها وفرجها مثل الناقة، يغطي فرجها ذن‍ ب طوله شبر ونصف [ طرفه ] (2) كذنب السمكة، ورقبتها مثل غلظ [ التليس ] (3) المحشو تبنا، وفمها وشفتاها مثل الكربال (4)، ولها أربعة أنياب اثنان فوق واثنان من أسفل، طول كل واحد دون الشبر في عرض أصبعين، وفي فمها ثمان وأربعون ضرسا وسن مثل بيادق الشطرنج، وطول يديها من باطنها إلى الارض شبران ونصف ومن ركبتها إلى حافرها مثل بطن الثعبان، أصفر مجعد، ودور حافرها مثل السكرجة بأربعة أظافير مثل أظافير الجمل، وعرض ظهرها مقدار ذراعين ونصف، وطولها من فمها إلى ذنبها خمسة عشر قدما وفي بطنها ثلاثة كروش، ولحمها أحمر وزفر مثل السمك، وطعمه كلحم الجمل، وغلظة أربعة أصابع ما تعمل فيه السيوف، وحمل جلدها على خمسة جمال في مقدار ساعة من ثقله على جمل وأحضروه إلى بين يدي السلطان بالقلعة وحشوه تبنا وأقاموه بين يديه والله أعلم.


(1) من السلوك 1 / 929 وفي الاصل: وآذانها كآذان الجمل.

(2) من السلوك.

(3) من السلوك، وفي الاصل: التنين، تصحيف. والتليس معناه هنا الكيس الذي يستعمل لتعبئة الغلال والاتبان، ويقال له تليسة أيضا، وفي محيط المحيط: التليس هي الخصية.

(4) الكربال: مندف القطن، وما تكربل به الحنطة أيضا (محيط المحيط).

[ 27 ]

وفي شهر رجب قويت الاخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فانزعج الناس لذلك واشتد خوفهم جدا، وقنت الخطيب في الصلوات وقرئ البخاري، وشرع الناس في الجفل إلى الديار المصرية والكرك والحصون المنيعة، وتأخر مجئ العساكر المصرية عن إبانها فاشتد لذلك الخوف. وفي شهر رجب باشر نجم الدين بن أبي الطيب نظر الخزانة عوضا عن أمين الدين سليمان، وفي يوم السبت ثالث شعبان باشرمشيخة الشيوخ بعد ابن جماعة القاضي ناصر الدين عبد السلام، وكان جمال الدين الزرعي يسد الوظيفة إلى هذا التاريخ. وفي يوم السبت عاشر شعبان ضربت البشائر بالقلعة وعلى أبواب الامراء بخروج السلطان بالعساكر من مصر لمناجزة التتار المخذولين، وفي هذا اليوم بعينه كانت وقعة عرض (1) (*) وذلك أنه التقى جماعة من أمراء الاسلام فيهم استدمر وبهادر أخي (2) وكجكن وغرلو العادلي، وكل منهم سيف من سيوف الدين في ألف وخمسمائة فارس، وكان التتار في سبعة آلاف فاقتتلوا وصبر المسلمون صبرا جيدا، فنصرهم الله وخذل التتر، فقتلوا منهم خلقا وأسروا آخرين، وولوا عند ذلك مدبرين، وغنم المسلمون منهم غنائم، وعادوا سالمين لم يفقد منهم إلا القليل ممن أكرمه الله بالشهادة، ووقعت البطاقة بذلك، ثم قدمت الاسارى يوم الخميس نصف شعبان، وكان يوم خميس النصارى. أوائل وقعة شقحب وفي ثامن عشر قدمت طائفة كبيرة من جيش المصريين فيهم الامير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والامير حسام الدين لاجين المعروف بالاستادار المنصوري، والامير سيف الدين كراي المنصوري، ثم قدمت بعضهم طائفة أخرى فيهم بدر الدين أمير سلاح وأيبك الخزندار فقويت القلوب واطمأن كثير من الناس، ولكن الناس في حفل عظيم من بلاد حلب وحماة وحمص وتلك النواحي وتقهقر الجيش الحلبي والحموي إلى حمص، ثم خافوا أن يدهمهم التتر فجاؤوا فنزلوا المرج يوم الاحد خامس شعبان، ووصل التتار إلى حمص وبعلبك وعاثوا في تلك الاراضي فسادا، وقلق الناس قلقا عظيما، وخافوا خوفا شديدا، واختبط البلد لتأخر قدوم السلطان ببقية الجيش، وقال الناس لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار لكثرتهم، وإنما سبيلهم أن يتأخروا عنهم مرحلة مرحلة، وتحدث الناس بالاراجيف فاجتمع الامراء يوم الاحد المذكور بالميدان وتحالفوا على لقاء العدو، وشجعوا أنفسهم، ونودي بالبلد أن لا يرحل أحد منه، فسكن الناس وجلس القضاة بالجامع وحلفوا جماعة من الفقهاء والعامة على القتال، وتوجه الشيخ تقي الدين بن تيمية


(1) عرض: بلدة في برية الشام، من أعمال حلب، بين تدمر والرصافة (معجم البلدان). وفي مختصر أبي الفداء 4 / 48 في موضع يقال له: الكوم قريبا من عرض.

(2) في السلوك: 1 / 931 بهادر آص.

[ 28 ]

إلى العسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم في القطيعة فأعلمهم بما تحالف عليه الامراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم، وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يحلف للامراء والناس إنكم في هذه الكرة منصورون، فيقول له الامراء: قل إن شاء الله، فيقول إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى (ومن بغى عليه لينصرنه الله) [ الحج: 6 0 ]. وقد تكلم الناس في كيفية قتال هؤلاء التتر من أي قبيل هو، فإنهم يظهرون الاسلام وليسوا بغاة على الامام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه. فقال الشيخ تقي الدين: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية، ورأوا أنهم أحق بالامر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء والناس لذلك، وكان يقول للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، فتشجع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم ونياتهم ولله الحمد. ولما كان يوم الرابع والعشرين من شعبان خرجت العساكر الشامية فخيمت على الجسورة من ناحية الكسوة، ومعهم القضاة، فصار الناس فيهم فريقين فريق يقولون إنما ساروا ليختاروا موضعا للقتال فإن المرج فيه مياه كثيرة فلا يستطيعون معها القتال، وقال فريق: إنما ساروا لتلك الجهة ليهربوا وليلحقوا بالسلطان. فلما كانت ليلة الخميس ساروا إلى ناحية الكسوة فقويت ظنون الناس في هربهم، وقد وصلت التتار إلى قارة، و قيل إنهم وصلوا إلى القطيعة (1)، فانزعج الناس لذلك شديدا ولم يبق حول القرى والحواضر أحد، وامتلات القلعة والبلد وازدحمت المنازل والطرقات، واضطرب الناس وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية صبيحة يوم الخميس من الشهر المذكور من باب النصر بمشقة كبيرة، وصحبته جماعة ليشهد القتال بنفسه ومن معه، فظنوا إنما خرج هاربا فحصل اللوم من بعض الناس وقالوا أنت منعتنا من الجفل وها أنت هارب من البلد ؟ فلم يرد عليهم وبقي البلد ليس فيه حاكم، وجلس اللصوص والحرافيش فيه وفي بساتين الناس يخربون وينتهبون ما قدروا عليه، ويقطعون المشمش قبل أوانه والباقلاء والقمح وسائر الخضراوات، وحيل بين الناس وبين خبر الجيش، وانقطعت الطرق إلى الكسوة وظهرت الوحشة على البلد والحواضر، وليس للناس شغل غير الصعود إلى المآذن ينظرون يمينا وشمالا، وإلى ناحية الكسوة فتارة يقولون: رأينا غبرة فيخافون أن تكون من التتر، ويتعجبون من الجيش مع كثرتهم وجودة عدتهم وعددهم، أين ذهبوا ؟ فلا يدرون ما فعل الله بهم، فانقطعت الآمال وألح الناس في الدعاء والابتهال وفي الصلوات وفي كل حال، وذلك يوم الخميس التاسع والعشرين من


(1) في مختصر أبي الفداء 4 / 48: القطيفة.

[ 29 ]

شعبان، وكان الناس في خوف ورعب لا يعبر عنه، لكن كان الفرج من ذلك قريبا، ولكن أكثرهم لا يفلحون، كما جاء في حديث أبي رزين " عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب " (1). فلما كان آخر هذا اليوم وصل الامير فخر الدين إياس المرقبي أحد أمراء دمشق، فبشر الناس بخير، هو أن السلطان قد وصل وقت اجتمعت العساكر المصرية والشامية، وقد أرسلني أكشف هل طرق البلد أحد من التتر، فوجد الامر كما يحب لم يطرقها أحد منهم، وذلك أن التتار عرجوا من دمشق إلى ناحية العساكر المصرية، ولم يشتغلوا بالبلد، وقد قالوا إن غلبنا فإن البلد لنا، وإن غلبنا فلا حاجة لنا به، ونودي بالبلد في تطييب الخواطر، وأن السلطان قد وصل، فاطمأن الناس وسكنت قلوبهم، وأثبت الشهر ليلة الجمعة القاضي تقي الدين الحنبلي، فإن السماء كانت مغيمة فعلقت القناديل وصليت التراويح واستبشر الناس بشهر رمضان وبركته، وأصبح الناس يوم الجمعة في هم شديد وخوف أكيد، لانهم لا يعلمون ما خبر الناس. فبينما هم كذلك إذ جاء الامير سيف الدين غرلو العادلي فاجتمع بنائب القلعة ثم عاد سريعا إلى العسكر، ولم يدر أحد ما أخبر به، ووقع الناس في الاراجيف والخوض. صفة وقعة شقحب (2) أصبح الناس يوم السبت (3) على ما كانوا عليه من الخوف وضيق الامر، فرأوا من المآذن سوادا وغبرة من ناحية العسكر والعدو، فغلب على الظنون أن الوقعة في هذا اليوم، فابتهلوا إلى الله عز وجل بالدعاء في المساجد والبلد، وطلع النساء والصغار على الاسطحة وكشفوا رؤوسهم وضج البلد ضجة عظيمة، ووقع في ذلك الوقت مطر عظيم غزير، ثم سكن الناس، فلما كان بعد الظهر قرئت بطاقة بالجامع تتضمن أن في الساعة الثانية من نهار السبت هذا اجتمعت الجيوش الشامية والمصرية مع السلطان في مرج الصفر، وفيها طلب الدعاء من الناس والامر بحفظ القلعة. والتحرز على الاسوار فدعا الناس في المآذن والبلد، وانقضى النهار وكان يوما مزعجا هائلا، وأصبح الناس يوم الاحد يتحدثون بكسر التتر، وخرج الناس إلى ناحية الكسوة فرجعوا ومعهم شئ من المكاسب، ومعهم رؤوس من رؤوس التتر، وصارت كسرة التتار تقوى وتتزايد قليلا قليلا حتى اتضحت جملة، ولكن الناس لما عندهم من شدة الخوف وكثرة التتر لا يصدقون، فلما كان بعد الظهر قرئ كتاب السلطان إلى متولي القلعة يخبر فيه باجتماع الجيش ظهر يوم السبت


(1) في هامش المطبوعة: " في سنن ابن ماجة في كتاب السنة: " ضحك ربنا الخ " والازل: شدة القنوط ". (2) شقحب: قرية في الشمال الغربي من جبل غباغب من أعمال حوران من نواحي دمشق، معجم البلدان، وسلوك المقريزي 1 / 932). (3) وذلك في الثاني من رمضان (مختصر أبي الفداء 4 / 48، السلو / 932 تذكرة النبيه 1 / 246)

[ 30 ]

بشقحب وبالكسوة، ثم جاءت بطاقة بعد العصر من نائب السلطان جمال الدين آقوش الافرم إلى نائب القلعة مضمونها أن الوقعة كانت من العصر يوم السبت إلى الساعة الثانية من يوم الاحد، وأن السيف كان يعمل في رقاب التتر ليلا ونهارا وأنهم هربوا وفروا واعتصموا بالجبال والتلال، وأنه لم يسلم منهم إلا القليل، فأمسى الناس وقد استقرت خواطرهم وتباشروا لهذا الفتح العظيم والنصر المبارك، ودقت البشائر بالقلعة من أول النهار المذكور، ونودي بعد الظهر بإخراج الجفال من القلعة لاجل نزول السلطان بها، وشرعوا في الخروج. وفي يوم الاثنين رابع الشهر رجع الناس من الكسوة إلى دمشق فبشروا الناس بالنصر. وفيه دخل الشيخ تقي الدين بن تيمية البلد ومعه أصحابه من الجهاد، ففرح الناس به ودعوا له وهنأوه بما يسر الله على يديه من الخير، وذلك أنه ندبه العسكر الشامي أن يسير إلى السلطان يستحثه على السير إلى دمشق فسار إليه فحثه على المجئ إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر، فجاء هو وإياه جميعا فسأله السلطان أن يقف معه في معركة القتال، فقال له الشيخ: السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم، وحرض السلطان على القتال وبشره بالنصر وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو إنكم منصورون عليهم في هذه المرة، فيقول له الامراء: قل إن شاء الله، فيقول إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم وأفطر هو أيضا، وكان يدور على الاجناد والامراء فيأكل من شئ معه في يده ليعلمهم أن افطارهم ليتقووا على القتال أفضل فيأكل الناس، وكان يتأول في الشاميين قوله صلى الله عليه وسلم " إنكم ملاقوا العدو غدا، والفطر أقوى لكم " (1) فعزم عليهم في الفطر عام الفتح كما في حديث أبي سعيد الخدري. وكان الخليفة أبو الربيع سليمان في صحبة السلطان، ولما اصطفت العساكر والتحم القتال ثبت السلطان ثباتا عظيما، وأمر بجواده فقيد حتى لا يهرب، وبايع الله تعالى في ذلك الموقف، وجرت خطوب عظيمة، وقتل جماعة من سادات الامراء يومئذ، منهم الامير حسام الدين لاجين الرومي أستاذ دار السلطان، وثمانية من الامراء المتقدمين معه (2)، وصلاح الدين بن الملك السعيد الكامل بن السعيد بن الصالح إسماعيل، وخلق من كبار الامراء، ثم نزل النصر على المسلمين قريب العصر يومئذ، واستظهر المسلمون عليهم ولله الحمد والمنة. فلما جاء الليل لجأ التتر إلى اقتحام التلول والجبال والآكام، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب، ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلا الله عز


(1) أخرجه الترمذي في كتاب الصوم - باب في الرخصة للمحارب في الافطار.

(2) ذكر المقريزي منهم في السلوك 1 / 933: أوليا بن قرمان وسنقر الكافري وايدمر الشمسي القشاش، وأقوش الشمسي الحاجب، والحسام علي بن باخل، وزاد في بدائع الزهور 1 / 1 / 41 4:.. والامير أيدمر المعروف بالرفا، والامير أيدمر نقيب الجيوش، والامير علاء الدين بن التركماني، والامير بهادر الدكاجكي.

[ 31 ]

وجل، وجعلوا يجيئون بهم في الحبال فتضرب أعناقهم، ثم اقتحم منهم جماعة الهزيمة فنجا منهم قليل، ثم كانوا يتساقطون في الاودية والمهالك، ثم بعد ذلك غرق منهم جماعة في الفرات بسبب الظلام، وكشف الله بذلك عن المسلمين غمة عظيمة شديدة، ولله الحمد والمنة. ودخل السلطان إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رمضان وبين يديه الخليفة، وزينت البلد، وفرح كل واحد من أهل الجمعة والسبت والاحد، فنزل السلطان في القصر الابلق والميدان، ثم تحول إلى القلعة سوم الخميس وصلى بها الجمعة وخلع على نواب البلاد وأمرهم بالرجوع إلى بلادهم، واستقرت الخواطر، وذهب اليأس وطابت قلوب الناس، وعزل السلطان ابن النحاس عن ولاية المدينة وجعل مكانه الامير علاء الدين أيدغدي أمير علم، وعزل صارم الدين إبراهيم والي الخاص عن ولاية البر وجعل مكانه الامير حسام الدين لاجين الصغير، ثم عاد السلطان إلى الديار المصرية يوم الثلاثاء ثالث شوال بعد أن صام رمضان وعيد بدمشق. وطلب الصوفية من نائب دمشق الافرم أن يولي عليهم مشيخة الشيوخ للشيخ صفي الدين الهندي، فأذن له في المباشرة يوم الجمعة سادس شوال عوضا عن ناصر الدين بن عبد السلام، ودخل السلطان القاهرة يوم الثلاثاء ثالث عشرين شوال، وكان يوما مشهودا، وزينت القاهرة. وفيها جاءت زلزلة عظيمة يوم الخميس بكرة الثالث والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، وكان جمهورها بالديار المصرية، تلاطمت بسببها البحار فكسرت المراكب وتهدمت الدور ومات خلق كثير لا يعلمهم إلا الله، وشققت الحيطان ولم ير مثلها في هذه الاعصار، وكان منها بالشام طائفة لكن كان ذلك أخف من سائر البلاد غيرها. وفي ذي الحجة باشر الشيخ أبو الوليد بن الحاج الاشبيلي المالكي إمام محراب المالكية بجامع دمشق بعد وفاة الشيخ شمس الدين محمد الصنهاجي. وممن توفي فيها من الاعيان: ابن دقيق العيد (1) (*) الشيخ الامام العالم العلامة الحافظ قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد القشيري المصري، ولد يوم السبت الخامس والعشرين من شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة بساحل مدينة ينبع من أرض الحجاز، سمع الكثير ورحل في طلب الحديث وخرج وصنف فيه إسنادا ومتنا مصنفات عديدة، فريدة مفيدة، وانتهت إليه رياسة العلم في زمانه، وفاق أقرانه ورحل إليه


(1) واسمه محمد بن الشيخ مجد الدين أبي الحسن علي بن وهب بن مطيع القشيري الشافعي (السلوك 1 / 948 تذكرة النبيه 1 / 254 الطالع السعيد ص 336 شذرات الذهب 6 / 5 الوافي 4 / 193 الدرر الكامنة 4 / 210).

[ 32 ]

الطلبة ودرس في أماكن كثيرة، ثم ولي القضاء الديار المصرية في سنة خمس وتسعين وستمائة، ومشيخة دار الحديث الكاملية، وقد اجتمع به الشيخ تقي الدين بن تيمية، فقال له تقي الدين بن دقيق العيد لما رأى تلك العلوم منه: ما أظن بقي يخلق مثلك، ومان وقورا قليل الكلام غزير الفوائد كثير العلوم في ديانة ونزاهة، وله شعر رائق، توفي يوم الجمعة حادي عشر شهر صفر، وصلي عليه يوم الجمعة المذكور بسوق الخيل وحضر جنازته نائب السلطنة والامراء، ودفن بالقرانة الصغرى رحمه الله. الشيخ برهان الدين الاسكندري إبراهيم بن فلاح بن محمد بن حاتم، سمع الحديث وكان دينا فاضلا، ولد سنة ست وثلاثين وستمائة، وتوفي يوم الثلاثاء رابع وعشرين شوال عن خمس وستين سنة. وبعد شهور بسواء (1) كانت وفاة: الصدر جمال الدين بن العطار كاتب الدرج منذ أربعين سنة، أبو العباس أحمد بن أبي الفتح بن محمود بن أبي الوحش أسد ابن سلامة بن فتيان الشيباني، كان من خيار الناس وأحسنهم تقية، ودفن بتربة لهم تحت الكهف بسفح قاسيون، وتأسف الناس عليه لاحسانه إليهم رحمه الله. الملك العادل زين الدين كتبغا توفي بحماة نائبا عليها بعد صرخد يوم الجمعة يوم عيد الاضحى ونقل إلى تربته بسفح قاسيون غربي الرباط الناصري، يقال لها العادلية، وهي تربة مليحة ذات شبابيك وبوابة ومأذنة، وله عليها أوقاف دارة على وظائف من قراءة وأذان وإمامة وغير ذلك، وكان من كبار الامراء المنصورية، وقد ملك البلاد بعد مقتل الاشرف خليل بن المنصور، ثم انتزع الملك منه لاجين وجلس في قلعة دمشق، ثم تحول إلى صرخد وكان بها إلى أن قتل لاجين وأخذ الملك الناصر بن قلاوون، فاستنابه بحماة حتى كانت وفاته كما ذكرنا، وكان من خيار الملوك وأعدلهم وأكثرهم برا، وكان من خيار الامراء والنواب رحمه الله (2).


(1) وذلك رابع عشرين ذي القعدة (السلوك 1 / 946).

(2) وهو السلطان الملك زين الدين كتبغا المنصوري، مرض في حماه وطال مرضه واسترخى حتى لم يقدر على حركة يديه ورجليه ومات عن بضع وخمسين سنة فتولى نيابة حماه بعده الامير سيف الدين قبجاق المنصوري نائب الشوبك (السلوك 1 / 947 تذكرة النبيه 1 / 254).

[ 33 ]

تم دخلت سنة ثلاث وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها. وفي صفر تولى الشيخ كمال الدين بن الشريشي نظارة الجامع الاموى وخلع عليه وباشره مباشرة مشكوره، وساوى بين الناس وعزل نفسه في رجب منها. وفي شهر صفر تولى الشيخ شمس الدين الذهبي خطابة كفر بطنا وأقام بها. ولما توفي الشيخ زين الدين الفارقي في هذه السنة كان نائب السلطنة في نواحي البلقاء يكشف بعض الامور، فلما قدم تكلموا معه في وظائف الفارقي فعين الخطابة لشرف الدين الفزاري، وعين الشامية البرانية ودار الحديث للشيخ كمال الدين بن الشريشي، وذلك بإشارة الشيخ تقي الدين بن تيمية، وأخذ منه الناصرية للشيخ كمال الدين بن الزملكاني ورسم بكتابة التواقيع بذلك، وباشر الشيخ شرف الدين الامامة والخطابة، وفرح الناس به لحسن قراءته وطيب صوته وجودة سيرته، فلما كان بكرة يوم الاثنين ثاني عشرين ربيع الاول وصل البريد من مصر صحبة الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وقد سبقه مرسوم السلطان له بجميع جهات الفارقي مضافا إلى ما بيده من التدريس، فاجتمع بنائب السلطنة بالقصر، وخرج من عنده إلى الجامع ففتح له باب دار الخطابة فنزلها وجاءه الناس يهنؤنه، وحضر عنده القراء والمؤذنون، وصلى بالناس العصر وباشر الامامة يومين فأظهر الناس التألم من صلاته وخطابته، وسعوا فيه إلى نائب السلطنة فمنعه من الخطابة وأقره على التداريس ودار الحديث، وجاء توقيع سلطاني للشيخ شرف الدين الفزاري بالخطابة، فخطب يوم الجمعة سابع عشر جمادى الاولى، وخلع عليه بطرحة، وفرح الناس به، وأخذ الشيخ كمال الدين بن الزملكاني تدريس الشامية البرانية من يد ابن الوكيل، وباشرها في مستهل جمادى الاولى واستقرت دار الحديث بيد ابن الوكيل مع مدرستيه الاوليتين، وأظنهما العذراوية والشامية الجوانية. ووصل البريد في ثاني عشر جمادى الاولى بإعادة السنجري إلى نيابة القلعة وتولية نائبها الامير سيف الدين الجوكندراني نيابة حمص عوضا عن عز الدين الحموي، توفي. وفي يوم السبت ثاني عشر رمضان قدمت ثلاثة آلاف فارس من مصر وأضيف إليها ألفان من دمشق وساروا وأخذوا معهم نائب حمص الجوكندراني ووصلوا إلى حماة فصحبهم نائبها الامير سيف الدين قبجق، وجاء إليهم استدمر نائب طرابلس، وأنضاف إليهم قراسنقر نائب حلب وانفصلوا كلهم عنها فافترقوا فرقتين فرقة سارت صحبة قبجق إلى ناحية ملطية، وقلعة الروم، والفرقة الاخرى صحبة قراسنقر حتى دخلوا الدربندات وحاصروا تل حمدون فتسلموه عنوة في ثالث ذي القعدة بعد حصار طويل، فدقت البشائر بدمشق لذلك، ووقع مع صاحب سيس على أن يكون للمسلمين من نهر جيهان إلى حلب وبلاد ما وراء النهر إلى ناحيتهم لهم، وأن يعجلوا حمل سنتين، ووقعت الهدنة على ذلك، وذلك بعد أن قتل خلق من أمراء الارمن ورؤسائهم، وعادت العساكر إلى دمشق مؤيدين

[ 34 ]

منصورين، ثم توجهت العساكر المصرية صحبة مقدمهم أمير سلاح إلى مصر. وفي أواخر السنة كان موت قازان وتولية أخيه خربندا (1). وهو ملك التتار قازان واسمه محمود بن أرغون بن أبغا، وذلك في رابع عشر شوال أو حادي عشره أو ثالث عشره، بالقرب من همدان ونقل إلى تربته بيبرين بمكان يسمى الشام، ويقال إنه مات مسموما، وقام في الملك بعده أخوه خربندا محمد بن أرغون، ولقبوه الملك غياث الدين، وخطب له على منابر العراق وخراسان وتلك البلاد. وحج في هذه السنة الامير سيف الدين سلار نائب مصر وفي صحبته أربعون أميرا، وجميع أولاد الامراء، وحج معهم وزير مصر الامير عز الدين البغدادي، وتولى مكانه بالبركة ناصر الدين محمد الشيخي، وخرج سلار في أبهة عظيمة جدا، وأمير ركب المصريين الحاج إباق الحسامي، وترك الشيخ صفي الدين مشيخة الشيوخ فوليها القاضي عبد الكريم بن قاضي القضاة محيي الدين ابن الزكي، وحضر الخانقاه يوم الجمعة الحادي عشر من ذي القعدة وحضر عنده ابن صصرى وعز الدين القلانسي، والصاحب ابن ميسر، والمحتسب وجماعة. وفي ذي القعدة وصل من التتر مقدم كبير قد هرب منهم إلى بلاد الاسلام وهو الامير بدر الدين جنكي (2) بن البابا، وفي صحبته نحو من عشرة، فحضروا الجمعة في الجامع، وتوجهوا إلى مصر، فأكرم وأعطي إمرة ألف، وكان مقامه ببلاد آمد، وكان يناصح السلطان ويكاتبه ويطلعه على عورات التتر، فلهذا عظم شأنه في الدولة الناصرية. وممن توفي فيها من أعيان ملك التتر قازان. الشيخ القدوة العابد أبو إسحاق أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن معالي بن عبد الكريم الرقي الحنبلي، كان أصله من بلاد الشرق، ومولده بالرقة في سنة سبع وأربعين وستمائة، واشتغل وحصل وسمع شيئا من الحديث، وقدم دمشق فسكن بالمأذنة الشرقية في أسفلها بأهله إلى جانب الطهارة بالجامع، وكان معظما عند الخاص والعام، فصيح العبارة كثير العبادة، خشن العيش حسن المجالسة لطيف الكلام كثير التلاوة، قوي التوجه من أفراد العالم، عارفا بالتفسير والحديث والفقه والاصلين، وله


(1) هو: خدابندا، والعامة تطلق عليه خربندا واسمه بالعربية عبد الله، وعندما ولي السلطة تسمى باسم أولجاتيو محمد خدا بندا. وكان قد جلس على تخت الملك في ثالث عشري ذي الحجة من هذه السنة ومات سنة 716 ه‍ (السلوك 1 / 954 الدرر الكامنة 3 / 468 تذكرة النبيه 1 / 257 النجوم الزاهرة 9 / 238).

(2) في السلوك 1 / 950: جنغلى.

[ 35 ]

مصنفات وخطب، وله شعر حسن، توفي بمنزله ليلة الجمعة خامس عشر المحرم وصلي عليه عقيب الجمعة ونق‍ إلى تربة الشيخ أبي عمر بالسفح، وكانت جنازته حافة رحمه الله وأكرم مثواه. وفي هذا الشهر توفي الامير زين الدين قراجا أستاذ دار الافرم ودفن بتربته بميدان الحصا عند النهر. والشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد السلام عرف بابن الحبلى، وكان من خيار الناس يتردد إلى عكا أياما حين ما كانت في أيدي الفرنج، في فكاك أسارى المسلمين، جزاه الله خيرا وعتقه من النار وأدخله الجنة برحمته. الخطيب ضياء الدين أبو محمد عبد الرحمن بن الخطيب جمال الدين أبي الفرج عبد الوهاب بن علي بن أحمد بن عقيل السلمي خطيب بعلبك نحوا من ستين سنة، هو ووالده، ولد سنة أربع عشرة وستمائة وسمع الكثير وتفرد عن القزويني، وكان رجلا جيدا حسن القراءة من كبار العدول، توفي ليلة الاثنين ثالث صفر، ودفن بباب سطحا. الشيخ زين الدين الفارقي عبد الله بن مروان بن عبد الله بن فهر (1) بن الحسن، أبو محمد الفارقي شيخ الشافعية، ولد سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، واشتغل ودرس بعدة مدارس، وأفتى مدة طويلة وكانت له همة وشهامة وصرامة، وكان يباشر الاوقاف جيدا، وهو الذي عمر دار الحديث بعد خرابها بيد قازان، وقد باشرها سبعة وعشرين سنة من بعد النواوي إلى حين وفاته، وكانت معه الشامية البرانية وخطابة الجامع الاموي تسعة أشهر، باشر به الخطابة قبل وفاته، وقد انتقل إلى دار الخطابة وتوفي بها يوم الجمعة بعد العصر (2)، وصلي عليه ضحوة السبت، صلى عليه ابن صصرى عند باب الخطابة وبسوق الخيل قاضي الحنفية شمس الدين بن الحريري، وعند جامع الصالحية قاضي الحنابلة تقي الدين سليمان، ودفن بتربة أهله شمالي تربة الشيخ أبي عمر رحمه الله، وباشر بعده الخطابة شرف الدين الفزاري ومشيخة دار الحديث ابن الوكيل، والشامية البرانية ابن الزملكاني وقد تقدم ذلك.


(1) في السلوك 1 / 957: فير، وفي شذرات الذهب، عن الدرر الكامنة: فيروز / 8.

(2) وذلك في حادي عشري صفر (السلوك 1 / 957).

[ 36 ]

الامير الكبير عز الدين أيبك الحموي ناب بدمشق مدة ثم عزل عنها إلى صرخد، ثم نقل قبل موته بشهر إلى نيابة حمص، وتوفي بها يوم العشرين (1) من ربيع الآخر، ونقل إلى تربته بالسفح غربي زاوية ابن قوام، وإليه ينسب الحمام بمسجد القصب الذي يقال له حمام الحموي، عمره في أيام نيابته. الوزير فتح الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد بن محمد بن نصر بن صقر القرشي المخزومي ابن القيسراني، كان شيخا جليلا أديبا شاعرا مجودا من بيت رياسة ووزارة، ولي وزارة دمشق مدة ثم أقام بمصر موقعا مدة، وكان له اعتناء بعلوم الحديث وسماعه، وله مصنف في أسماء الصحابة (2) الذين خرج لهم في الصحيحين، وأورد شيئا من أحاديثهم في مجلدين كبيرين موقوفين بالمدرسة الناصرية بدمشق، وكان له مذاكرة جيدة محررة باللفظ والمعنى، وقد خرج عنه الحافظ الدمياطي، وهو آخر من توفي من شيخوخه، توفي بالقاهرة في يوم الجمعة الحادي والعشرين (3) من ربيع الآخر، وأصلهم من قيسارية الشام. وكان جده موفق الدين أبو البقاء خالد وزيرا لنور الدين الشهيد، وكان من الكتاب المجيدين المتقنين، له كتابة جيدة محررة جدا، توفي في أيام صلاح الدين سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وأبوه محمد بن نصر بن صقر ولد بعكة قبل أخذ الفرنج لهاسنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فلما أخذت بعد السبعين وأربعمائة انتقل أهلهم إلى حلب وكانوا بها، وكان شاعرا مطبقا له ديوان مشهور، وكان له معرفة جيدة بالنجوم وعلم الهيئة وغير ذلك. ترجمة والد ابن كثير مؤلف هذا التاريخ وفيها توفي الوالد وهو الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير بن ضوبن كثير بن ضو ابن درع القرشي من بني حصلة، وهم ينتسبون إلى الشرف وبأيديهم نسب، وقف على بعضها شيخنا المزي فأعجبه ذلك وابتهج به، فصار يكتب في نسبي بسبب ذلك: القرشي، من قرية يقال لها الشركوين غربي بصرى، بينها وبين أذرعات، ولد بها في حدود سنة أربعين وستمائة، واشتغل بالعلم عند أخواله بني عقبة ببصرى، فقرأ البداية في مذهب أبي حنيفة، وحفظ جمل


(1) في السلوك 1 / 956: التاسع عشر.

(2) هو كتاب " معرفة الصحابة " كشف الظنون لحاجي خليفة 2 / 1739.

(3) في السلوك 1 / 957: خامس عشري ربيع الآخرة، وفي تذكرة النبيه 1 / 261: في ربيع الآخرة، وكان مولده سنة ثلاث وعشرين وستمائة، عاش ثمانين سنة.

[ 37 ]

الزجاجي، وعني بالنحو والعربية واللغة، وحفظ أشعار العرب حتى كان يقول الشعر الجيد الفائق الرائق في المدح والمراثي وقليل من الهجاء، وقرر بمدارس بصرى بمنزل الناقة شمالي البلد حيث يزار، وهو المبرك المشهور عند الناس والله أعلم بصحة ذلك، ثم انتقل إلى خطابة القرية شرقي بصرى وتمذهب للشافعي، وأخذ عن النواوي والشيخ تقي الدين الفزاري، وكان يكرمه ويحترمه فيما أخبرني شيخنا العلامة ابن الزملكاني، فأقام بها نحوا من ثنتي عشرة سنة، ثم تحول إلى خطابة مجيدل القرية التي منها الوالدة، فأقاما بها مدة طويلة في خير وكفاية وتلاوة كثيرة، وكان يخطب جيدا، وله مقول عند الناس، ولكلامه وقع لديانته وفصاحته وحلاوته، وكان يؤثر الاقامة في البلاد لما يرى فيها من الرفق ووجود الحلال له ولعياله، وقد ولد له عدة أولاد من الوالدة ومن أخرى قبلها، أكبرهم إسماعيل ثم يونس وإدريس، ثم من الوالدة عبد الوهاب وعبد العزيز ومحمد وأخوات عدة، ثم أنا أصغرهم، وسميت باسم الاخ إسماعيل لانه كان قد قدم دمشق فاشتغل بها بعد أن حفظ القرآن على والده وقرأ مقدمة في النحو، وحفظ التنبيه وشرحه على العلامة تاج الدين الفزاري وحصل المنتخب في أصول الفقه، قاله لي شيخنا ابن الزملكاني، ثم إنه سقط من سطح الشامية البرانية فمكث أياما ومات، فوجد الوالد عليه وجدا كثيرا ورثاه بأبيات كثيرة، فلما ولدت له أنا بعد ذلك سماني باسمه، فأكبر أولاده إسماعيل وآخرهم وأصغرهم إسماعيل، فرحم الله من سلف وختم بخير لمن بقي، توفي والدي في شهر جمادى الاولى سنة ثلاث وسبعمائة، في قرية مجيدل القرية، ودفن بمقبرتها الشمالية عند الزيتون وكنت إذ ذاك صغيرا ابن ثلاث سنين أو نحوها لا أدركه إلا كالحلم، ثم تحولنا من بعده في سنة سبع وسبعمائة إلى دمشق صحبة كمال الدين عبد الوهاب، وقد كان لنا شقيقا، وبنا رفيقا شفوقا، وقد تأخرت وفاته إلى سنة خمسين، فاشتغلت على يديه في العلم فيسر الله تعالى منه ما يسر، وسهل منه ما تعسر والله أعلم. وقد قال شيخنا الحافظ علم الدين البرزالي في معجمه فيما أخبرني عنه شمس الدين محمد بن سعد المقدسي مخرجه له، ومن خط المحدث شمس الدين بن سعد هذا نقلت، وكذلك وقفت على خط الحافظ البرزالي مثله في السفينة الثانية من السفن الكبار: قال عمر بن كثير القرشي خطيب القرية وهي قرية من أعمال بصرى رجل فاضل له نظم جيد ويحفظ كثيرا من اللغز وله همة وقوة. كتبت عنه من شعره بحضور شيخنا تاج الدين الفزاري. وتوفي في جمادى الاولى سنة ثلاث وسبعمائة بمجيدل القرية من عمل بصرى، أنشدنا الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير القرشي خطيب القرية بها لنفسه في منتصف شعبان من سنة سبع وثمانين وستمائة: نأى النوم عن جفني فبت مسهدا * أخا كلف حلف الصبابة موجدا سمير الثريا والنجوم مدلها * فمن ولهي خلت الكواكب ركدا طريحا على فرش الصبابة والاسى * فما ضركم لو كنتم لي عودا

[ 38 ]

تقلبني أيدي الغرام بلوعة * أرى النار من تلقائها لي أبردا ومزق صبري بعد جيران حاجز * سعير غرام بات في القلب موقدا فأمطرته دمعي لعل زفيره * يقل فزادته الدموع توقدا فبت بليل نابغي ولا أرى * على النأي من بعد الاحبة صعدا فيا لك من ليل تباعدا فجره * علي إلى أن خلته قد تخلدا غراما ووجدا لا يحد أقله * بأهيف معسول المراشف أغيدا له طلعة كالبدر زان جمالها * بطرة شعر حالك اللون أسودا يهز من القد الرشيق مثقفا * ويشهر من جفينه سيفا مهندا وفي ورد خديه وآس عذاره * وضوء ثناياه فنيت تجلدا غدا كل حسن دونه متقاصرا * وأضحى له رب الجمال موحدا إذا مارنا واهتزا عند لقائه سباك، فلم تملك لسانا ولا يدا وتسجد إجلالا له وكرامة * وتقسم قد أمسيت في الحسن أوحدا ورب أخي كفر تأمل حسنه * فأسلم من إجلاله وتشهدا وأنكر عيسى والصليب ومريما * وأصبح يهوى بعد بغد محمدا أيا كعبة الحسن التي طاف حولها * فؤادي، أما للصد عندك من فدا ؟ قنعت بطيف من خيالك طارق * وقد كنت لا أرضى بوصلك سرمدا فقد شفني شوق تجاوزا حده * وحسبك من شوق تجاوز واعتدا سألتك إلا ما مررت بحينا * بفضلك يا رب الملاحة والندا لعل جفوني أن تغيض دموعها * ويسكن قلب مذ هجرت فما هدا غلطت بهجراني ولو كنت صبيا * لما صدك الواشون عني ولا العدا وعدتها ثلات وعشرون بيتا والله يغفر له ما صنع من الشعر. ثم دخلت سنة أربع وسبعمائة استهلت والخليفة والسلطان والحكام والمباشرون هم المذكرون في التي قبلها، وفي يوم الاحد ثالث ربيع الاول حضرت الدروس والوظائف التي أنشأها الامير بيبرس الجاشنكير المنصوري بجامع الحاكم بعد أن جدده من خرابه بالزلزلة التي طرأت على ديار مصر في آخر سنة ثنتين وسبعمائة، وجعل القضاة الاربعة عم المدرسين للمذاهب، وشيخ الحديث سعد الدين الحارثي، وشيخ النحو أثير الدين أبو حيان، وشيخ القراءات السبع الشيخ نور الدين الشطنوفي، وشيخ إفادة العلوم الشيخ علاء الدين القونوي. وفي جمادى الآخرة باشر الامير ركن الدين بيبرس الحجوبية مع الامير سيف الدين بكتمر، وصارا حاجبين كبيرين في دمشق. وفي رجب أحضر إلى

[ 39 ]

الشيخ تقي الدين بن تيمية شيخ كان يلبس دلقا كبيرا متسعا جدا يسمى المجاهد إبراهيم القطان، فأمر الشيخ بتقطيع ذلك الدلق فتناهبه الناس من كل جانب وقطعوه حتى لم يدعوا فيه شيئا وأمر بحلق رأسه، وكان ذا شعر، وقلم أظافره وكانوا طوالا جدا، وحف شاربه المسبل على فمه المخالف للسنة، واستتابه من كلام الفحش وأكل ما يغير العقل من الحشيشة وما لا يجوز من المحرمات وغيرها. وبعده استحضر الشيخ محمد الخباز البلاسي فاستتابه أيضا عن أكل المحرمات ومخالطة أهل الذمة، وكتب عليه مكتوبا أن لا يتكلم في تعبير المنامات ولا في غيرها بما لا علم له به. وفي هذا الشهر بعينه راح الشيخ تقي الدين ين تيمية إلى مسجد النارنج (1) وأمر أصحابه ومعهم حجارون بقطع صخرة كانت هناك بنهر قلوط تزار وينذر لها، فقطعها وأرح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيما، وبهذا وأمثالها حسدوه وأبرزوا له العداوة، وكذلك كلامه بابن عربي وأتباعه، فحسد على ذلك وعودي، ومع هذا لم تأخذه في الله لومة لائم، ولا بالى، ولم يصلوا إليه بمكروه، وأكثر ما نالوا منه الحبس مع أنه لم ينقطع في بحث لا بمصر ولا بالشام، ولم يتوجه لهم عليه ما يشين وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه كما سيأتي، وإلى الله إياب الخلق وعليه حسابهم. وفي رجب جلس قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى بالمدرسة العادلية الكبيرة وعملت التخوت بعد ما جددت عمارة المدرسة، ولم يكن أحد يحكم بها بعد وقعة قازان بسبب خرابها، وجاء المرسوم للشيخ برهان الدين الفزاري بوكالة بيت المال فلم يقبل، وللشيخ كمال الدين بن الزملكاني بنظر الخزانة فقبل وخلع عليه بطرحة، وحظر بها يوم الجمعة، وهاتان الوظيفتان كانتا مع نجم الدين بن أبي الطيب توفي إلى رحمة الله. وفي شعبان سعى جماعة في تبطيل الوقيد ليلة النصف وأخذوا خطوط العلماء في ذلك، وتكلموا مع نائب السلطنة فلم يتفق ذلك، بل أشعلوا وصليت صلاة ليلة النصف أيضا. وفي خامس رمضان وصل الشيخ كمال الدين بن الشريشي من مصر بوكالة بيت المال، ولبس الخلعة سابع رمضان، وحضر عند ابن صصرى بالشباك الكمالي. وفي سابع شوال عزل وزير مصر ناصر الدين بن الشيخي وقطع إقطاعه ورسم عليه وعوقب إلى أن مات في ذي القعدة، وتولى الوزارة سعد الدين محمد بن محمد ابن عطاء وخلع عليه. وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي القعدة حكم قاضي القضاة جمال الدين الزواوي بقتل الشمس محمد بن جمال الدين بن عبد الرحمن الباجريقي، وإراقة دمه وإن تاب وإن أسلم، بعد إثبات محضر عليه يتضمن كفر الباجريقي المذكور، وكان ممن شهد فيه عليه الشيخ مجد الدين التونسي النحوي الشافعي، فهرب الباجريقي إلى بلاد الشرق (2) فمكث بها مدة


(1) من بدائع الزهور، وفي الاصل " التاريخ "، وذكر ابن إياس هذه الحادثة في حوادث سنة 702 ه‍ (1 / 1 / 417).

(2) اقام مدة بمصر بالجامع الازهر - بعد الحكم عليه - ثم هرب إلى دمشق ونزل القابون قرب دمشق واقام به إلى أن مات سنة 724 ه‍. وله ستون سنة (شذرات الذهب 6 / 64 الوافي 3 / 249 ابن حجر الدرر الكامنة 4 / 130).

[ 40 ]

سنين ثم جاء بعد موت الحاكم المذكور كما سيأتي. وفي ذي القعدة كان نائب السلطنة في الصيد فقصدهم في الليل طائفة من الاعراب فقاتلهم الامراء فقتلوا من العرب نحو النصف، وتوغل في العرب أمير يقال له سيف الدين بهادر تمر احتقارا بالعرب، فضربه واحد منهم برمح فقتله، فكرت الامراء عليهم فقتلوا منهم خلقا أيضا، وأخذوا واحد منهم زعموا أنه هو الذي قتله فصلب تحت القلعة، ودفن الامير المذكور بقبر الست. وفي ذي القعدة تكلم الشيخ شمس الدين بن النقيب وجماعة من العلماء في الفتاوى الصادرة من الشيخ علاء الدين بن العطار شيخ دار الحديث النورية والقوصية، وأنها مخالفة لمذهب الشافعي، وفيها تخبيط كثير، فتوهم من ذلك وراح إلى الحنفي فحقن دمه وأبقاه على وظائفه، ثم بلغ ذلك نائب السلطنة فأنكر على المنكرين عليه، ورسم عليهم ثم اصطلحوا، ورسم نائب السلطنة أن لا تثار الفتن بين الفقهاء. وفي مستهل ذي الحجة ركب الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه جماعة من أصحابه إلى جبل الجرد والكسروانيين ومعه نقيب الاشراف زين الدين بن عدنان فاستنابوا خلقا منهم وألزموهم بشرائع الاسلام ورجع مؤيدا منصورا. وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ تاج الدين بن شمس الدين بن الرفاعي شيخ الاحمدية بأم عبيدة من مدة مديدة، وعنه تكتب إجازات الفقراء، ودفن هناك عند سلفه بالبطائح. الصدر نجم الدين بن عمر ابن أبي القاسم بن عبد المنعم بن محمد بن الحسن بن أبي الكتائب بن محمد بن أبي الطيب، وكيل بيت المال وناظر الخزانة، وقد ولي في وقت نظر المارستان النوري وغير ذلك، وكان مشكور السيرة رجلا جيدا، وقد سمع الحديث وروى أيضا، توفي ليلة الثلاثاء الخامس عشر من جمادى الآخرة، ودفن بتربتهم بباب الصغير. ثم دخلت سنة خمس وسبعمائة استهلت والخليفة المستكفي والسلطان الملك الناصر، والمباشرون هم المذكورون فيما مضى، وجاء الخبر أن جماعة من التتر كمنوا لجيش حلب وقتلوا منهم خلقا من الاعيان وغيرهم، وكثر النوح ببلاد حلب بسبب ذلك. وفي مستهل المحرم حكم جلال الدين القزويني أخو قاضي القضاة إمام الدين نيابة عن ابن صصرى، وفي ثانيه خرج نائب السلطنة بمن بقي من الجيوش

[ 41 ]

الشامية، وقد كان تقدم بين يديه طائفة من الجيش مع ابن تيمية في ثاني المحرم، فساروا إلى بلاد الجرد والرفض والتيامنة فخرج نائب السلطنة الافرم بنفسه بعد خروج الشيخ لغزوهم، فنصرهم الله عليهم وأبادوا خلقا كثيرا منهم ومن فرقتهم الضالة، ووطئوا أراضي كثيرة من صنع بلادهم، وعاد نائب السلطنة إلى دمشق في صحبته الشيخ ابن تيمية والجيش، وقد حصل بسبب شهود الشيخ هذه الغزوة خير كثير، وأبان الشيخ علما وشجاعة في هذه الغزوة، وقد امتلات قلوب أعدائه حسدا له وغما. وفي مستهل جمادى الاولى قدم القاضي أمين الدين أبو بكر بن القاضي وجيه الدين عبد العظيم بن الرفاقي المصري من القاهرة على نظر الدواوين بدمشق، عوضا عن عز الدين بن مبشر. ما جرى للشيخ تقي الدين بن تيمية مع الاحمدية وكيف عقدت له المجالس الثلاثة وفي يوم السبت تاسع جمادى الاولى حضر جماعة كثيرة من الفقراء الاحمدية إلى نائب السلطنة بالقصر الابلق وحضر الشيخ تقي الدين بن تيمية فسألوا من نائب السلطنة بحضرة الامراء أن يكف الشيخ تقي الدين إمارته عنهم، وأن يسلم لهم حالهم، فقال لهم الشيخ: هذا ما يمكن. ولا بد لكل أحد أن يدخل تحت الكتاب والسنة، قولا وفعلا، ومن خرج عنهما وجب الانكار عليه. فأرادوا أن يفعلوا شيئا من أحوالهم الشيطانية التي يتعاطونها في سماعاتهم، فقال الشيخ تلك أحوال شيطانية باطلة، وأكثر أحوالهم من باب الحيل والبهتان، ومن أراد منهم أن يدخل النار فليدخل أولا إلى الحمام وليغسل جسده غسلا جيدا ويدلكه بالخل والاشنان ثم يدخل بعد ذلك إلى النار إن كان صادقا، ولو فرض أن أحدا من أهل البدع دخل النار بعد أن يغتسل فإن ذلك لا يدل على صلاحه ولا على كرامته، بل حاله من أحوال الدجاجلة المخالفة للشريعة إذا كان صاحبها على السنة، فما الظن بخلاف ذلك، فابتدر شيخ المنيبع الشيخ الصالح وقال: نحن أحوالنا إنما تنفق عند التتر ليست تنفق عند الشرع، فضبط الحاضرون عليه تلك الكلمة، وكثر الانكار عليهم من كل أحد، ثم اتفق الحال على أنهم يخلعون الاطواق الحديد من رقابهم، وأن من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه. وصنف الشيخ جزءا في طريقة الاحمدية، وبين فيه أحوالهم ومسالكهم وتخيلاتهم، وما في طريقتهم من مقبول ومردود بالكتاب، وأظهر الله السنة على يديه وأخمد بدعتهم ولله الحمد والمنة. وفي العشر الاوسط من هذا الشهر خلع على جلال الدين بن معبد وعز الدين خطاب، وسيف الدين بكتمر مملوك بكتاش الحسامي بالامرة ولبس التشاريف، وركبوا بها وسلموا لهم جبل الجرد والكسروان والبقاع. وفي يوم الخميس ثالث رجب خرج الناس للاستسقاء إلى سطح المزة

[ 42 ]

ونصبوا هناك منبرا وخرج نائب السلطنة وجميع الناس من القضاة والعلماء والفقراء، وكان مشهدا هائلا وخطبة عظيمة بليغة، فاستسقوا فلم يسقوا يومهم ذلك. أول المجالس الثلاثة لشيخ الاسلام ابن تيمية وفي يوم الاثنين ثامن رجب حضر القضاة والعلماء وفيهم الشيخ تقي الدين بن تيمية عند نائب السلطنة بالقصر وقرئت عقيدة الشيخ تقي الدين الواسطية، وحصل بحث في أماكن منها، وأخرت مواضع إلى المجلس الثاني، فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور وحضر الشيخ صفي الدين الهندي، وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلاما كثيرا، ولكن ساقيته لاطمت بحرا، ثم اصطلحوا على أن يكون الشيخ كمال الدين بن الزملكاني هو الذي يحاققه من غير مسامحة، فتناظرا في ذلك، وشكر الناس من فضائل الشيخ كمال الدين بن الزملكاني وجودة ذهنه وحسن بحثه حيث قاوم ابن تيمية في البحث، وتكلم معه، ثم انفصل الحال على قبول العقيدة، وعاد الشيخ إلى منزله معظما مكرما، وبلغني أن العامة حملوا له الشمع من باب النصر إلى القصاعين على جاري عادتهم في أمثال هذه الاشياء، وكان الحامل على هذه الاجتماعات كتاب ورد من السلطان في ذلك، كان الباعث على إرساله قاضي المالكية ابن مخلوف، والشيخ نصر المنبجي شيخ الجاشنكير وغيرهما من أعدائه، وذلك أن الشيخ تقي الدين بن تيمية كان يتكلم في المنجبي وينسبه إلى اعتقاد ابن عربي وكان للشيخ تقي الدين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له ومحبتهم له وكثرة أتباعه وقيامه في الحق، وعلمه وعمله، ثم وقع بدمشق خبط كثير وتشويش بسبب غيبة نائب السلطنة، وطلب القاضي جماعة من أصحاب الشيخ وعزر بعضهم ثم اتفق أن الشيخ جمال الدين المزي الحافظ قرأ فصلا بالرد على الجهمية من كتاب أفعال العباد للبخاري تحت قبة النسر بعد قراءة ميعاد البخاري بسبب الاستسقاء، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وشكاه إلى قاضي الشافعي ابن صصرى، وكان عدو الشيخ فسجن المزي، فبلغ الشيخ تقي الدين فتألم لذلك وذهب إلى السجن فأخرجه منه بنفسه، وراح إلى القصر فوجد القاضي هنالك، فتقاولا بسبب الشيخ جمال الدين المزي، فحلف ابن صصرى لا بد أن يعيده إلى السجن وإلا عزل نفسه فأمر النائب بإعادته تطييبا لقلب القاضي فحبسه عنده في القوصية أياما ثم أطلقه. ولما قدم نائب السلطنة ذكر له الشيخ تقي الدين ما جرى في حقه وحق أصحابه في غيبته، فتألم النائب لذلك ونادى في البلد أن لا يتكلم أحد في العقائد، ومن عاد إلى تلك الحال ماله ودمه ورتبت داره وحانوته، فسكنت الامور. وقد رأيت فصلا من كلام الشيخ تقي الدين في كيفية ما وقع في هذه المجالس الثلاثة من المناظرات. ثم عقد المجلس الثالث في يوم سابع شعبان بالقصر واجتمع جماعة على الرضى بالعقيدة المذكورة وفي هذا اليوم عزل ابن صصرى نفسه عن الحكم بسبب كلام سمعه من بعض الحاضرين

[ 43 ]

في المجلس المذكور، وهو من الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، ثم جاء كتاب السلطان في السادس والعشرين من شعبان فيه إعادة ابن صصرى إلى القضاء، وذلك بإشارة المنبجي، وفي الكتاب إنا كنا سمعنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدين بن تيمية، وقد بلغنا ما عقد له من المجالس، وأنه على مذهب السلف وإنما أردنا بذلك براءة ساحته مما نسب إليه، ثم جاء كتاب آخر في خامس رمضان يوم الاثنين وفيه الكشف عن ما كان وقع للشيخ تقي الدين بن تيمية في أيام جاغان، والقاضي إمام الدين القزويني وأن يحمل هو والقاضي ابن صصرى إلى مصر، فتوجها على البريد نحو مصر، وخرج مع الشيخ خلق من أصحابه وبكوا وخافوا عليه من أعدائه، وأشار عليه نائب السلطنة ابن الافرم بترك الذهاب إلى مصر، وقال له أنا أكاتب السلطان في ذلك وأصلح القضايا، فامتنع الشيخ من ذلك، وذكر له أن في توجهه لمصر مصلحة كبيرة، ومصالح كثيرة، فلما توجه لمصر ازدحم الناس لوداعه ورؤيته حتى انتشروا من باب داره إلى قرب الجسورة، فيما بين دمشق والكسوة، وهم فيما بين باك وحزين ومتفرج ومتنزه ومزاحم متغال فيه. فلما كان يوم السبت دخل الشيخ تقي الدين غزة فعمل في جامعها مجلسا عظيما، ثم دخلا معا إلى القاهرة والقلوب معه وبه متعلقة، فدخلا مصر يوم الاثنين الثاني والعشرين من رمضان، وقيل انهما دخلاها يوم الخميس، فلما كان يوم الجمعة بعد الصلاة عقد للشيخ مجلس بالقلعة اجتمع فيه القضاة وأكابر الدولة وأراد أن يتكلم على عادته فلم يتمكن من البحث والكلام، وانتدب له الشمس ابن عدنان خصما احتسابا، وادعى عليه عند ابن مخلوف المالكي أنه يقول إن الله فوق العرش حقيقة، وأن الله يتكلم بحرف وصوت، فسأله القاضي جوابه فأخذ الشيخ في حمد الله والثناء عليه، فقيل له أجب ما جئنا بك لتخطب، فقال: ومن الحاكم في ؟ فقيل له: القاضي المالكي. فقال له الشيخ كيف تحكم في وأنت خصمي، فغضب غضبا شديدا وانزعج وأقيم مرسما عليه وحبس في برج أياما ثم نقل منه ليلة العيد إلى الحبس المعروف بالجب، هو وأخوه شرف الدين عبد الله وزين الدين عبد الرحمن. وأما ابن صصرى فإنه جدد له توقيع بالقضاء بإشارة المنبجي شيخ الجاشنكير حاكم مصر، وعاد إلى دمشق يوم الجمعة سادس ذي القعدة والقولب له ماقتة، والنفوس منه نافرة، وقرئ تقليده بالجامع وبعده قرئ كتاب فيه الحط على الشيخ تقي الدين ومخالفته في العقيدة، وأن ينادى بذلك في البلاد الشامية، وألزم أهل مذهبه بمخالفته، وكذلك وقع بمصر، قام عليه جاشنكير وشيخه نصر المنبجي، وساعدهم جماعة كثيرة من الفقهاء والفقراء، وجرت فتن كثيرة منتشرة، نعوذ بالله من الفتن، وحصل للحنابلة بالديار المصرية إهانة عظيمة كثيرة، وذلك أن قاضيهم كان قليل العلم مزجى البضاعة، وهو شرف الدين الحراني، فلذلك نال أصحابهم ما نالهم، وصارت حالهم حالهم، وفي شهر رمضان جاء كتاب من مقدم الخدام بالحرم النبوي يستأذن السلطان في بيع طائفة من قناديل الحرم النبوي لينفق ذلك ببناء مأذنة عند باب السلام الذي عند المطهرة، فرسم

[ 44 ]

له بذلك، وكان في جملة القناديل قنديلان من ذهب زنتهما ألف دينار، فباع ذلك وشرع في بنائها وولي سراج الدين عمر قضاءها مع الخطابة فشق ذلك على الروافض. وفي يوم الخميس ثاني عشر ذي القعدة وصل البريد من مصر بتولية القضاء لشمس الدين محمد بن إبراهيم بن داود الاذرعي الحنفي قضاء الحنفية عوضا عن شمس الدين بن الحسيني معزولا وبتولية الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين الفزاري خطابة دمشق عوضا عن عمه الشيخ شرف الدين توفي إلى رحمة الله، فخلع عليهما بذلك وباشرا في يوم الجمعة ثالث عشر الشهر وخطب الشيخ برهان الدين خطبة حسنة حضرها الناس والاعيان، ثم بعد خمسة أيام عزل نفسه عن الخطابة وآثر بقاءه على تدريس البدرائية حين بلغه أنها طلبت لتأخذ منه، فبقي منصب الخطابة شاغرا بقاءه على تدريس البادرائية حين بلغه أنها طلبت لتؤخذ منه، فبقي منصب الخطابة شاغرا ونائب الخطيب يصلي بالناس ويخطب، ودخل عيد الاضحى وليس للناس خطيب، وقد كاتب نائب السلطنة في ذلك فجاء المرسوم بإلزامه بذلك، وفيه: لعلمنا بأهليته وكفايته واستمراره على ما بيده من تدريس البادرائية، فباشرها القيسي جمال الدين بن الرحبي، سعى في البادرائية فأخذها وباشرها في صفر من السنة الآتية بتوقيع سلطاني، فعزل الفزاري نفسه عن الخطابة ولزم بيته، فراسله نائب السلطنة بذلك، فصمم على العزل وأنه لا يعود إليها أبدا، وذكر أنه عجز عنها، فلما تحقق نائب السلطنة ذلك أعاد إليه مدرسته وكتب له بها توقيعا بالعشر الاول من ذي الحجة وخلع على شمس الدين الخطيري بنظر الخزانة عوضا عن ابن الزملكاني. وحج بالناس الامير شرف الدين حسن بن حيدر. وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ عيسى بن الشيخ سيف الدين الرحبي ابن سابق بن الشيخ يونس القيسي ودفن بزاويتهم التي بالشرق الشمالي بدمشق غربي الوراقة والعزية يوم الثلاثاء سابع المحرم. الملك الاوحد ابن الملك تقي الدين شادي بن الملك الزاهر مجير الدين داود بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شادي، توفي بجبل الجرد في آخر نهار الاربعاء ثاني صفر، وله من العمر سبع وخمسون سنة فنقل إلى تربتهم بالسفح، وكان من خيار الملوك والدولة معظما عند الملوك والامراء، وكان يحفظ القرآن وله معرفة بعلوم، ولديه فضائل. الصدر علاء الدين علي بن معالي الانصاري الحراني الحاسب، يعرف بابن الزريز، وكان فاضلا بارعا في

[ 45 ]

صناعة الحساب انتفع به جماعة، توفي في آخر هذه السنة فجأة ودفن بقاسيون، وقد أخذت الحساب عن الحاضري عن علاء الدين الطيوري عنه. الخطيب شرف الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزاري، الشيخ الامام العلامة أخو العلامة شيخ الشافعية تاج الدين عبد الرحمن، ولد سنة ثلاثين وسمع الحديث الكثير، وانتفع على المشايخ في ذلك العصر كابن الصلاح وابن السخاوي وغيرهما، وتفقه وأفتى وناظر وبرع وساد أقرانه، وكان أستاذا في العربية واللغة والقراءات وإيراد الاحاديث النبوية، والتردد إلى المشايخ للقراءة عليهم، وكان فصيح العبارة حلو المحاضرة، لا تمل مجالسته، وقد درس بالطبية، وبالرباط الناصري مدة، ثم تحول عنه إلى خطابة جامع جراح، ثم انتقل إلى خطابة جامع دمشق بعد الفارقي في سنة ثلاث ولم يزل به حتى توفي يوم الاربعاء عشية التاسع من شوال، عن خمس وسبعين سنة، وصلي عليه صبيحة يوم الخميس على باب الخطابة، ودفن عند أبيه وأخيه بباب الصغير رحمهم الله، وولي الخطابة ابن أخيه. شيخنا العلامة برهان الدين الحافظ الكبير الدمياطي وهو الشيخ الامام العالم الحافظ شيخ المحدثين شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف ابن أبي الحسن بن شرف بن الخضر بن موسى الدمياطي، حامل لواء هذا الفن - أعني صناعة الحديث وعلم اللغة - في زمانه مع كبر السن والقدر، وعلو الاسناد وكثرة الرواية، وجودة الدراية، وحسن التآليف وانتشار التصانيف، وتردد الطلبة إليه من سائر الآفاق، ومولده في آخر سنة ثلاث عشرة وستمائة، وقد كان أول سماعه في سنة ثنتين وثلاثين بالاسكندرية، سمع الكثير على المشايخ ورحل وطاف وحصل وجمع فأوعى، ولكن ما منع ولا بخل، بل بذل وصنف ونشر العلم، وولي المناصب بالديار المصرية، وانتفع الناس به كثيرا، وجمع معجما لمشايخه الذين لقيهم بالشام والحجاز والجزيرة والعراق وديار مصر يزيدون على ألف وثلثمائة شيخ، وهو مجلدان، وله ؟ الاربعون المتباينة الاسناد وغيرها وله كتاب في الصلاة والوسطى مفيد جدا، ومصنف في صيام ستة ؟ أيام من شوال أفاد فيه وأجاد، وجمع ما لم يسبق إليه، وله كتاب الذكر والتسبيح عقيب الصلوات، وكتاب التسلي في الاغتباط بثواب من يقدم من الافراط، وغير ذلك من الفوائد الحسان، ولم يزل في إسماع الحديث إلى أن أدركته وفاته وهو صائم في مجلس الاملاء غشي عليه فحمل إلى منزله فمات من ساعته يوم الاحد عاشر ذي القعدة بالقاهرة، ودفن من الغد بمقابر باب النصر وكانت جنازته حافلة جدا رحمه الله تعالى.

[ 46 ]

ثم دخلت سنة ست وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها والشيخ تقي الدين بن تيمية مسجون بالجب من قلعة الجبل، وفي يوم الاربعاء جاء البريد بتولية الخطابة للشيخ شمس الدين (1) إمام الكلاسة وذلك في ربيع الاول، وهنئ بذلك فأظهر التكره لذلك والضعف عنه، ولم يحصل له مباشرة لغيبة نائب السلطنة في الصيد، فلما حضر أذن له فباشر يوم الجمعة العشرين من الشهر، فأول صلاة صلاها الصبح يوم الجمعة، ثم خلع عليه وخطب بها يومئذ، وفي يوم الاربعاء ثامن عشر ربيع الاول باشر نيابة الحكم عن القاضي نجم الدين أحمد بن عبد المحسن بن حسن المعروف بالدمشقي عوضا عن تاج الدين بن صالح بن تامر بن خان الجعبري، وكان معمرا قديم الهجرة كثير الفضائل، دينا ورعا، جيد المعاشرة، وكان وقد ولي الحكم في سنة سبع وخمسين وستمائة، فلما ولي ابن صصرى كره بيابته. وفي يوم الاحد العشرين من ربيع الآخر قدم البريد من القاهرة ومعه تجديد توقيع للقاضي شمس الدين الازرعي الحنفي، فظن الناس أنه بولاية القضاء لابن الحريري فذهبوا ليهنئوه مع البريد إلى الظاهرية، واجتمع الناس لقراءة التقليد على العادة فشرع الشيخ علم الدين البرزالي في قراءته فلما وصل إلى الاسم تبين له أنه ليس له وأنه للازرعي، فبطل القارئ وقام الناس مع البريدي إلى الازرعي، وحصلت كسرة وخمدة على الحريري والحاضرين، ووصل مع البريدي أيضا كتاب فيه طلب الشيخ كمال الدين بن الزملكاني إلى القاهرة، فتوهم من ذلك وخاف أصحابه عليه بسبب انتسابه إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية، فتلطف به نائب السلطنة، ودارى عنه حتى أعفي من الحضور إلى مصر، ولله الحمد. وفي يوم الخميس تاسع جمادى الاولى دخل الشيخ ابن براق إلى دمشق وبصحبته مائة فقير كلهم محلقي ذقونهم موفري شواربهم عكس ما وردت به السنة، وعلى رؤوسهم قرون لبابيد. ومعهم أجراس وكعاب وجواكين خشب، فنزلوا بالمنيبع وحضروا الجمعة برواق الحنابلة، ثم توجهوا نحو القدس فزاروا، ثم استأذنوا في الدخول إلى الديار المصرية فلم يؤذن لهم، فعادوا إلى دمشق فصاموا بها رمضان ثم انشمروا راجعين إلى بلاد الشرق، إذ لم يجدوا بدمشق قبولا، وقد كان شيخهم براق روميا من بعض قرى دوقات من أبناء الاربعين، وقد كانت له منزلة عند قازان ومكانة، وذلك أنه سلط عليه نمرا فزجره فهرب منه وتركه، فحظي عنده وأعطاه في يوم واحد ثلاثين ألفا ففرقها كلها فأحبه، ومن طريقة أصحابه أنهم لا يقطعون لهم صلاة، ومن ترك صلاة ضربوه أربعين جلدة، وكان يزعم أن طريقه الذي سلكه إنما سلكه ليخرب على نفسه، ويرى أنه زي المسخرة، وأن هذا هو الذي يليق بالدنيا، والمقصود إنما هو الباطن والقلب وعمارة ذلك، ونحن إنما نحكم بالظاهر، والله أعلم بالسرائر.


(1) وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الخلاطي، مولده سنة 644 ه‍ ووفاته هذه السنة في شوال منها.

[ 47 ]

وفي يوم الاربعاء سادس جمادى الآخر حضر مدرس النجيبية بهاء الدين يوسف بن كمال الدين أحمد بن عبد العزيز العجمي الحلبي، عوضا عن الشيخ ضياء الدين الطوسي توفي، وحضر عنده ابن صصرى وجماعة من الفضلاء، وفي هذه السنة صليت صلاة الرغائب في النصف بجامع دمشق بعد أن كانت قد أبطلها ابن تيمية منذ أربع سنين، ولما كانت ليلة النصف حضر الحاجب ركن الدين بيبرس العلائي ومنع الناس من الوصول إلى الجامع ليلتئذ، وغلقت أبوابه فبات كثير من الناس في الطرقات وحصل للناس أذى كثير، وإنما أراد صيانة الجامع من اللغو والرفث، والتخطيط. وفي سابع عشر رمضان حكم القاضي تقي الدين الحنبلي بحقن دم محمد الباجريقي، وأثبت عنده محضرا بعداوة ما بينه وبين الشهود الستة الذين شهدوا عليه عند المالكي، حين حكم بإراقة دمه، وممن شهد بهذه العداوة ناصر الدين بن عبد السلام وزين الدين بن الشريف عدنان، وقطب الدين ابن شيخ السلامية وغيرهم. وفيها باشر كمال الدين بن الزملكاني نظر ديوان ملك الامراء عوضا عن شهاب الدين الحنفي، وذلك في آخر رمضان، وخلع عليه بطيلسان وخلعة، وحضر بها دار العدل. وفي ليلة عيد الفطر أحضر الامير سيف الدين سلار نائب مصر القضاة الثلاثة وجماعة من الفقهاء فالقضاة الشافعي والمالكي والحنفي، والفقهاء الباجي والجزري والنمراوي، وتكلموا في إخراج الشيخ تقي الدين بن تيمية من الحبس، فاشترط بعض الحاضرين عليه شروطا بذلك، منها أنه يلتزم بالرجوع عن بعض العقيدة وأرسلوا إليه ليحضر ليتكلموا معه في ذلك، فامتنع من الحضور وصمم، وتكررت الرسل إليه ست مرات، فصمم على عدم الحضور، ولم يلتفت إليهم ولم يعدهم شيئا، فطال عليهم المجلس فتفرقوا وانصرفوا غير مأجورين. وفي يوم الاربعاء ثاني شوال أذن نائب السلطنة الافرم للقاضي جلال الدين (1) القزويني أن يصلي بالناس ويخطب بجامع دمشق عوضا عن الشيخ شمس الدين إمام الكلاسة توفي، فصلى الظهر يومئذ وخطب الجمعة واستمر بالامامة والخطابة حتى وصل توقيعه بذلك من القاهرة، وفي مستهل ذي القعدة حضر نائب السلطنة والقضاة والامراء والاعيان وشكرت خطبته. وفي مستهل ذي القعدة كمل بناء الجامع الذي ابتناه وعمره الامير جمال الدين نائب السلطنة الافرم عند الرباط الناصري بالصالحية، ورتب فيه خطيبا يخطب يوم الجمعة وهو القاضي شمس الدين محمد بن العز الحنفي، وحضر نائب السلطنة والقضاة وشكرت خطبة الخطيب به، ومد الصاحب شهاب الدين الحنفي سماطا بعد صلاة بالجامع المذكور وهو الذي كان الساعي في عمارته، والمستحث عليها، فجاء في غاية الاتقان والحسن، تقبل الله منهم.


(1) وهو محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن أبي دلف العجلي القزويني، كانت وفاته سنة 739 ه‍. (الدرر الكامنة 4 / 120 الوافي 3 / 242).

[ 48 ]

وفي ثالث ذي القعدة استناب اصصرى القاضي صدر الدين سليمان بن هلال بن شبل الجعبري خطيب داريا في الحكم عوضا عن جلال الدين القزويني، بسبب اشتغاله بالخطابة عن الحكم، وفي يوم الجمعة التاسع والعشرين من ذي القعدة قدم قاضي القضاة صدر الدين أبو الحسن علي بن الشيخ صفي الدين الحنفي البصراوي إلى دمشق من القاهرة متوليا قضاء الحنفية عوضا عن الازرعي، مع ما بيده من تدريس النورية والمقدمية وخرج الناس لتلقيه وهنأوه، وحكم بالنورية وقرئ تقليده بالمقصورة الكندية في الزاوية الشرقية، من جامع بني أمية. وفي ذي الحجة ولي الامير عز الدين بن صبرة على البلاد القبلية والي الولاة، عوضا عن الامير جمال الدين آقوش الرستمي، بحكم ولايته شد الدواوين بدمشق، وجاء كتاب من السلطان بولاية وكالته للرئيس عز الدين بن حمزة القلانسي عوضا عن ابن عمه شرف الدين، فكره ذلك. وفي اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة أخبر نائب السلطنة بوصول كتاب من الشيخ تقي الدين من الحبس الذي يقال له: الجب، فأرسل في طلبه فجئ به فقرئ على الناس فجعل يشكر الشيخ ويثني عليه وعلى علمه وديانته وشجاعته وزهده، وقال: ما رأيت مثله، وإذا هو كتاب مشتمل على ما هو عليه في السجن من التوجه إلى الله، وأنه لم يقبل من أحد شيئا لا من النفقات السلطانية ولا من الكسوة ولا من الادرارات ولا غيرها، ولا تدنس بشئ من ذلك. وفي هذا الشهر يوم الخميس السابع والعشرين منه طلب أخوا الشيخ تقي الدين شرف الدين وزين الدين من الحبس إلى مجلس نائب السلطان سلار، وحضر ابن مخلوف المالكي وطال بينهم كلام كثير فظهر شرف الدين بالحجة على القاضي المالكي بالنقل والدليل والمعرفة، وخطأه في مواضع أدعى فيها دعاوى باطلة، وكان الكلام في مسألة العرش ومسألة الكلام، وفي مسألة النزول. وفي يوم الجمعة ثاني عشرين ذي الحجة وصل على البريد من مصر نصر الدين محمد بن الشيخ فخر الدين ابن أخي قاضي القضاة البصراوي، وزوج ابنته على الحسبة بدمشق عوضا عن جمال الدين يوسف العجمي وخلع عليه بطيلسان ولبس الخلعة ودار بها في البلد في مستهل سنة سبع وسبعمائة، وفي هذه السنة عمر في حرم مكة بنحو مائة ألف. وحج بالناس من الشام الامير ركن الدين بيبرس المجنون. وممن توفي فيها من الاعيان: القاضي تاج الدين صالح بن أحمد (1) بن خامد بن علي الجعدي الشافعي نائب الحكم بدمشق ومفيد ؟


(1) في تذكرة النبيه 1 / 275: ثامر.

[ 49 ]

الناصرية، كان ثقة دينا عدلا مرضيا زاهدا، حكم من سنة سبع وخمسين وستمائة، له فضائل وعلوم، وكان حسن الشكل والهيئة، توفي في ربيع الاول عن ست وسبعين سنة، ودفن بالسفح وناب في الحكم بعده نجم الدين الدمشقي. الشيخ ضياء الدين الطوسي أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن علي الشافعي مدرس النجيبية شارح الحاوي (1)، ومختصر (2) ابن الحاجب كان شيخا فاضلا بارعا، وأعاد في الناصرية أيضا، توفي يوم الاربعاء بعد مرجعه من الحمام تاسع عشر من جمادى الاولى، وصلي عليه يوم الخميس ظاهر باب النصر، وحضر نائب السلطنة وجماعة من الامراء والاعيان، ودفن بالصوفية، ودرس بعده بالمدرسة بهاء الدين بن العجمي. الشيخ جمال الدين إبراهيم بن محمد بن سعد الطيبي المعروف بابن السوابلي، والسوابل الطاسات. كان معظما ببلاد الشرق جدا، كان تاجرا كبيرا توفي في هذا الشهر المذكور. الشيخ الجليل سيف الدين الرجيحي ابن سابق بن هلال بن يونس شيخ اليونسية بمقامهم، صلي عليه سادس رجب بالجامع ثم أعيد إلى داره التي سكنها داخل باب توما، وتعرف بدار أمين الدولة فدفن بها، وحضر جنازته خلق كثير من الاعيان والقضاة والامراء، وكانت له حرمة كبيرة عند الدولة وعند طائفته، وكان ضخم الهامة جدا محلوق الشعر، وخلف أموالا وأولادا. الامير فارس الدين الروادي توفي في العشر الاخير من رمضان، وكان قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بأيام وهو يقول له: أنت مغفور لك، أو نحو هذا، وهو من أمراء حسام الدين لاجين. الشيخ العابد خطيب دمشق شمس الدين شمس الدين محمد بن الشيخ أحمد بن عثمان الخلاطي إمام الكلاسة، كان شيخا حسنا


(1) هو كتاب الحاوي الصغير في الفروع لعبد الغفار بن عبد الكريم القزويني المتوفى سنة 668 ه‍. وقد شرحه الطوسي وسماه المصباح (كشف الظنون لحاجي خليفة 6 / 625 مرآة الجنان 4 / 167).

(2) وهو مختصر كتاب منتهى السؤل والامل في علمي الاصول والجدل لابن الحاجب (كشف الظنون 2 / 1625).

[ 50 ]

بهي المنظر كثير العبادة، عليه سكون ووقار، باشر إمامة الكلاسة قريبا من اربعين سنة ثم طلب إلى أن يكون خطيبا بدمشق بالجامع من غير سؤال منه ولا طلب، فباشرها ستة أشهر ونصف أحسن مباشرة، وكان حسن الصوت طيب النغمة عارفا بصناعة الموسيقى، مع ديانة وعبادة، وقد سمع الحديث توفي فجأة بدار الخطابة يوم الاربعاء ثامن شوال عن ثنتين وستين سنة، وصلي عليه بالجامع وقد امتلا بالناس، ثم صلي عليه بسوق الخيل وحضر نائب السلطنة والامراء والعامة، وقد غلقت الاسواق ثم حمل إلى سفح قاسيون رحمه الله. ثم دخلت سنة سبع وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها، والشيخ تقي الدين بن تيمية معتقل في قلعة الجبل بمصر، وفي أوائل المحرم أظهر السلطان الملك الناصر الغضب على الامير ابن سلار والجاشنكير وامتنع من العلامة (1) وأغلق القلعة وتحصن فيها، ولزم الاميران بيوتهما، واجتمع عليهما جماعة من الامراء وحوصرت القلعة وجرت خبطة عظيمة، وغلقت الاسواق، ثم راسلوا السلطان فتأطدت الامور وسكنت الشرور على دخن، وتنافر قلوب. وقوي الاميران أكثر مما كانا قبل ذلك وركب السلطان ووقع الصلح على دخن. وفي المحرم وقعت الحرب بن التتر وبين أهل كيلان (2)، وذلك أن ملك التتر طلب منهم أن يجعلوا في بلادهم طريقا إلى عسكره فامتنعوا من ذلك، فأرسل ملك التتر خربندا جيشا كثيفا ستين ألفا من المقاتلة، أربعين ألفا مع قطلوشاه وعشرين ألفا مع جوبان، فأمهلهم أهل كيلان حتى توسطوا بلادهم، ثم أرسلوا عليهم خليجا من البحر ورموهم بالنفط فغرق كثير منهم واحترق آخرون، وقتلوا بأيديهم طائفة كثيرة، فلم يفلت منهم إلا القليل، وكان فيمن قتل أمير التتر الكبير قطلوشاه، فاشتد غضب خربندا على أهل كيلان، ولكنه فرح بقتل قطلوشاه فإنه كان يريد قتل خربندا فكفى أمره عنهم، ثم قتل بعده بولاي. ثم إن ملك التتر أرسل الشيخ براق الذي قدم الشام فيما تقدم إلى أهل كيلان يبلغهم عنه رسالة فقتلوه وأراحوا الناس منه، وبلادهم من أحصن البلاد وأطيبها لا تستطاع، وهم أهل سنة وأكثرهم حنابلة لا يستطيع مبتدع أن يسكن بين أظهرهم. وفي يوم الجمعة رابع عشر صفر اجتمع القضاة بدر الدين بن جماعة بالشيخ تقي الدين بن تيمية في دار الاوحدي من قلعة الجبل، وطال بينهما الكلام ثم تفرقا قبل الصلاة، والشيخ تقي الدين مصمم على عدم الخروج من السجن، فلما كان يوم الجمعة الثالث والعشرين


(1) العلامة: هي ما يكتبه السلطان بخطه على صورة اصطلاحية. وكان لكل سلطان علامة وتوقيع (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 253، المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 / 211 وصبح الاعشى 6 / 314).

(2) كيلان أو جيلان: غربي طبرستان (معجم البلدان، وتقويم البلدان لابي الفداء ص 426).

[ 51 ]

من ربيع الاول جاء الامير حسام الدين مهنا بن عيسى ملك العرب إلى السجن بنفسه وأقسم على الشيخ تقي الدين ليخرجن إليه، فلما خرج أقسم عليه ليأتين معه إلى دار سلار، فاجتمع به بعض الفقهاء بدار سلار وجرت بينهم بحوث كثيرة. ثم فرقت بينهم الصلاة، ثم اجتمعوا إلى المغرب وبات الشيخ تقي الدين عند سلار، ثم اجتمعوا يوم الاحد بمرسوم السلطان جميع النهار، ولم يحضر أحد من القضاة بل اجتمع من الفقهاء خلق كثير، أكثر من كل يوم، منهم الفقيه نجم الدين بن رفع وعلاء الدين التاجي، وفخر الدين ابن بنت أبي سعد، وعز الدين النمراوي، وشمس الدين بن عدنان وجماعة من الفقهاء وطلبوا القضاة فاعتذروا بأعذار، بعضهم بالمرض، وبعضهم بغيره، لمعرفتهم بما ابن تيمية منطوي عليه من العلوم والادلة، وأن أحدا من الحاضرين لا يطيقه، فقبل عذرهم نائب السلطنة ولم يكلفهم الحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم أو بفصل المجلس على خير، وبات الشيخ عند نائب السلطنة وجاء الامير حسام الدين مهنا يريد أن يستصحب الشيخ تقي الدين معه إلى دمشق، فأشار سلار بإقامة الشيخ بمصر عنده ليرى الناس فضله وعلمه، وينتفع الناس به ويشتغلوا عليه. وكتب الشيخ كتابا إلى الشام يتضمن ما وقع له من الامور. قال البرزالي: وفي شوال منها شكى الصوفية بالقاهرة على الشيخ تقي الدين وكلموه في ابن عربي وغيره إلى الدولة، فردوا الامر في ذلك إلى القاضي الشافعي، فعقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء بأشياء فلم يثبت عليه منها شئ، لكنه قال لا يستغاث إلا بالله، لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبارة، ولكن يتوسل به ويتشفع به إلى الله (1) فبعض الحاضرين قال ليس عليه في هذا شئ، ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة أن هذا فيه قلة أدب، فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فقال القاضي قد قلت له ما يقال لمثله، ثم إن الدولة خيروه بين أشياء إما أن يسير إلى دمشق أو الاسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزما ما شرط، فأجاب أصحابه إلى ما اختاروا جبرا لخواطرهم، فركب خيل البريد ليلة الثامن عشر من شوال ثم أرسلوا خلفه من الغد بريدا آخرا، فردوه وحضر عند قاضي القضاة ابن جماعة وعنده جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: إن الدولة ما ترضى إلا بالحبس، فقال القاضي وفيه مصلحة له، واستناب شمس الدين التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه بالحبس فامتنع وقال: ما ثبت عليه شي، فأذن لنور الدين الزواوي المالكي فتحير، فلما رأى الشيخ توقفهم في حبسه قال أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فقال نور الدين الزواوي: يكوفي موضع يصلح لمثله فقيل له الدولة ما ترضى إلا بمسمى الحبس، فأرسل إلى حبس القضاة في المكان الذي كان فيه تقي الدين ابن بنت الاعز حين سجن، وأذن له أن يكون عنده من يخدمه، وكان ذلك كله بإشارة نصر المنبجي لوجاهته في الدولة، فإنه كان قد استحوذ على عقل الجاشنكير الذي تسلطن فيما بعد، وغيره من الدولة، والسلطان مقهور معه،


(1) في هامش المطبوعة: " المعروف في كتب ابن تيمية وترجمته لابن عبد الهادي: أنه لا يجيز هذا. ".

[ 52 ]

واستمر الشيخ في الحبس يستفتي ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة التي لا يستطيعها الفقهاء من الامراء وأعيان الناس، فيكتب عليها بما يحير العقول من الكتاب والسنة. ثم عقد للشيخ مجلس بالصالحية بعمد ذلك كله، ونزل الشيخ بالقاهرة بدار ابن شقير، وأكب الناس على الاجتماع به ليلا ونهارا. وفي سادس رجب باشر الشيخ كمال الدين بن الزملكاني نظر ديوان المارستان عوضا عن يوسف العجمي توفي، وكان محتسبا بدمشق مدة فأخذها منه نجم الدين بن البصراوي قبل هذا بستة أشهر، وكان العجمي موصوفا بالامانة. وفي ليلة النصف من شعبان أبطلت صلاة ليلة النصف لكونها بدعة وصين الجامع من الغوغاء والرعاع، وحصل بذلك خير كثير ولله الحمد والمنة. وفي رمضان قدم الصدر نجم الدين البصراوي ومعه توقيع بنظر الخزانة عوضا عن شمس الدين الخطيري مضافا إلى ما بيده من الحبسة، ووقع في أواخر رمضان مطر قوي شديد، وكان الناس لهم مدة لم يمطروا، فأستبشروا بذلك، ورخصت الاسعار، ولم يمكن الناس الخروج إلى المصلى من كثرة المطر، فصلوا بالجامع، وحضر النائب السلطنة فصلى بالمقصورة، وخرج المحمل، وأمير الحج عامئذ سيف الدين بلبان البدري التتري. وفيها حج القاضي شرف الدين البارزي من حماة. وفي ذي الحجة وقع حريق عظيم بالقرب من الظاهرية مبدأه من الفرن تجاهها الذي يقال له فرن العوتية، ثم لطف الله وكف شرها وشررها. قلت: وفي هذه السنة كان قدومنا من بصرى إلى دمشق بعد وفاة الوالد، وكان أول ما سكنا بدرب سعور الذي يقال له درب ابن أبي الهيجاء بالصاغة العتيقة عند الطوريين، ونسأل الله حسن العاقبة والخاتمة آمين. وممن توفي فيها من الاعيان: الامير ركن الدين بيبرس العجمي الصالحي، المعروف بالجالق (1) كا رأس الجمدارية في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب وأمره الملك الظاهر. كان من أكابر الدولة كثير الاموال، توفي بالرملة لانه كان في قسم إقطاعه في نصف جمادى الاولى، ونقل إلى القدس فدفن به. الشيخ صالح الاحمدي الرفاعي شيخ المينبع، كان التتر يكرمونه لما قدموا دمشق، ولما جاء قطلوشاه نائب التتر نزل عنده،


(1) الجالق: بفتح الجيم، وهي كلمة تركية: اسم للفرس الحاد المزاج الكثير اللعب.

[ 53 ]

وهو الذي قال للشيخ تقي الدين بن تيمية بالقصر: نحن ما ينفق حالنا إلا عند التتر، وأما عند الشرع فلا. ثم دخلت سنة ثمان وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها، والشيخ تقي الدين قد أخرج من الحبس، والناس قد عكفوا عليه زيارة وتعلما واستفتاء وغير ذلك، وفي مستهل ربيع الاول أفرج عن الامير نجم الدين خضر بن الملك الظاهر، فأخرج من البرج وسكن دار الافرم بالقاهرة، ثم كانت وفاته في خامس رجب من هذه السنة. وفي أواخر جمادى الاولى تولى نظر ديوان ملك الامراء زين الدين الشريف ابن عدنان عوضا عن ابن الزملكاني، ثم أضيف إليه نظر الجامع أيضا عوضا عن ابن الخطيري، وتولى نجم الدين بن الدمشقي نظر الايتام عوضا عن نجم الدين بن هلال. وفي رمضان عزل الصاحب أمين الدين الرفاقي عن نظر الدواوين بدمشق وسافر إلى مصر. وفيها عزل كمال الدين بن الشريشي نفسه عن وكالة بيت المال وصمم على الاستمرار على العزل وعرض عليه العود فلم يقبل، وحملت إليه الخلعة لما خلع على المباشرين فلم يلبسها، واستمر معزولا إلى يوم عاشوراء من السنة الآتية، فجدد تقليده وخلع عليه في الدولة الجديدة. وفيها خرج الملك الناصر محمد بن قلاوون من الديار المصرية قاصدا الحج، وذلك في السادس والعشرين (1) من رمضان، وخرج معه جماعة من الامراء لتوديعه فردهم، ولما اجتاز بالكرك عدل إليها فنصب له الجسر، فلما توسطه كسر به (2) فسلم من كان أمامه وقفز به الفرس فسلم، وسقط من كان وراءه وكانوا خمسين فمات منهم أربعة (3) وتهشم أكثرهم في الوادي الذي تحت الجسر، وبقي نائب الكرك الامير جمال الدين آقوش خجلا يتوهم أن يكون هذا يظنه السلطان عن قصد، وكان قد عمل للسلطان ضيافة غرم عليها أربعة عشر ألفا فلم يقع الموقع لاشتغال السلطان بهم وما جرى له ولاصحابه ثم خلع على النائب وأذن له في الانصراف إلى مصر فسافر، واشتغل السلطان بتدبير المملكة في الكرك وحدها، وكان يحضر دار العدل ويباشر الامور بنفسه، وقدمت عليه زوجته من مصر، فذكرت له ما كانوا فيه من ضيق الحال وقلة النفقات.


(1) في السلوك 2 / 43: في الخامس والعشرين، وفي تذكرة النبيه 1 / 286: في شوال. وفي بدائع الزهور 1 / 421 في خامس عشرينه وفي مختصر أبي الفداء 4 / 54: يوم السبت الخامس والعشرين من رمضان.

(2) يعلل المقريزي وابن تغردى بردى ذلك قالا: ومد الجسر، وكان له مدة سنين لم يمد، وقد ساس خشبه لطول مكثه، فلما عبرت عليه الدواب وأتى السلطان في آخره انكسر (السلوك 2 / 44 النجوم الزاهرة 8 / 176).

(3) في مختصر أخبار البشر 4 / 55 والنجوم الزاهرة 8 / 177: " لم يهلك من المماليك غير شخص واحد لم يكن من الخواص " وانظر بدائع الزهور 1 / 422.

[ 54 ]

ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير بشيخ (1) المنبجي عدو ابن تيمية لما استقر الملك ناصر بالكرك وعزم على الاقامة بها كتب كتابا إلى الديار المصرية يتضمن عزل نفسه عن المملكة (2)، فأثبت ذلك‍ على القضاة بمصر، ثم نفذ على قضاة الشام وبويع الامير ركن الدين بيبرس الجاشنكير في السلطنة في الثالث والعشرين من شوال يوم السبت بعد العصر، بدار الامير سيف الدين سلار، اجتمع بها أعيان الدولة من الامراء وغيرهم وبايعوه وخاطبوه بالملك المظفر، وركب إلى القلعة ومشوا بين يديه، وجلس على سرير المملكة بالقلعة، ودقت البشائر وسارت البريدية بذلك إلى سائر البلدان. وفي مستهل ذي القعدة وصل الامير عز الدين البغدادي إلى دمشق فاجتمع بنائب السلطنة والقضاة والامراء والاعيان بالقصر الابلق فقرأ عليهم كتاب الناصر إلى أهل مصر، وأنه قد نزل عن الملك وأعرض عنه، فأثبته القضاة وامتنع الحنبلي من إثباته وقال: ليس أحد يترك الملك مختارا، ولو لا أنه مضطهد ما تركه، فعزل وأقيم غيره، واستحلفهم للسلطان الملك المظفر، وكتبت العلامة على القلعة، وألقابه على محال المملكة، ودقت البشائر وزينت البلد، ولما قرئ كتاب الملك الناصر على الامراء بالقصر، وفيه: إني قد صحبت الناس عشر سنين ثم اخترت المقام بالكرك، تباكى جماعة من الامراء وبايعوا كالمكرهين، وتولى مكان الامير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الامير سيف الدين بن علي، ومكان ترعكي سيف الدين بنخاص، ومكان بنخاص الامير جمال الدين آقوش الذي كان نائب الكرك، وخطب للمظفر يوم الجمعة على المنابر بدمشق وغيرها، وحضر نائب السلطنة الافرم والقضاة، وجاءت الخلع وتقليد نائب السلطنة في تاسع عشر ذي القعدة، وقرأ تقليد النائب كاتب السر القاضي محيي الدين بن فضل الله بالقصر بحضرة الامراء، وعليهم الخلع كلهم. وركب المظفر بالخلعة السوداء الخليفية، والعمامة المدورة والدولة بين يديه عليهم الخلع يوم السبت سابع ذي القعدة، والصاحب ضياء الدين النساي حامل تقليد السلطان من جهة الخليفة في كيس أطلس أسود، وأوله: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ويقال إنه خلع في القاهرة قريب ألف خلعة


(1) كذا بالاصل. في هامش المطبوعة: ولعلها " بسعي " أو نحوها.

(2) مضمون كتاب السلطان إلى الامراء في النجوم الزاهرة 8 / 180 ويرى أبو الفداء أن السبب هو: استيلاء سلار وبيبرس الجاشنكير على المملكة واستبداد هما بالامور وتجاوز الحد في الانفراد بالاموال والامر والنهى ولم يتركا لمولانا السلطان غير الاسم مع ما كان منهما من محاصرة مولانا السلطان في القلعة وغير ذلك مما لا تنكمش النفس منه (مختصر أخبار البشر 4 / 55 وانظر بدائع الزهور 1 / 421). ويشير ابن أيبك في كنز الدرر 9 / 157: إلى اختلاف هذا الكتاب وتزويره على الناصر محمد بن قلاوون قائلا: " وكانوا قد اختلفوا على مولانا السلطان كتابا كثير التزوير والبهتان.. وقرئ ذلك الكتاب المزور الوارد بزعمهم عن ذلك الملك البدر المصور، وكان القارئ له باعلان وإظهار بهاء الدين أرسلان الدوادار.

[ 55 ]

ومائتي خلعة، وكان يوما مشهودا، وفرح بنفسه أياما يسير ة، وكذا شيخه المنبجي، ثم أزال الله عنهما نعمته سريعا. وفيها خطب ابن جماعة بالقلعة وباشر الشيخ علاء الدين القونوي تدريس الشريفية. وممن توفي فيها من الاعيان. الشيخ الصالح عثمان الحلبوني أصله من صعيد مصر، فأقام مدة بقرية حلبون وغيرها من تلك الناحية، ومكث مدة لا يأكل الخبز، واجتمع عليه جماعة من المريدين وتوفي بقرية برارة (1) في أواخر المحرم، ودفن بها وحضر جنازته نائب الشام والقضاة وجماعة من الاعيان. الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن محمد بن كثير الحراني الحنيلي إمام مسجد عطية، ويعرف بابن القري روى الحديث وكان فقيها بمدارس الحنابلة. ولد بحران سنة ربع وثلاثين وستمائة، وتوفي بدمشق في العشر الاخير من رمضان، ودفن بسفح قاسيون، وتوفي قبله الشيخ زين الدين الحراني بغزة، وعمل عزاؤه بدمشق رحمهما الله. السيد الشريف زين الدين أبو علي الحسن (2) بن محمد بن عدنان الحسيني نقيب الاشراف، كان فاضلا بارعا فصيحا متكلما، يعرف طريقة الاعتزال ويباحث الامامية، ويناظر على ذلك بحضرة القضاة وغيرهم، وقد باشر قبل وفاته بقليل نظر الجامع ونظر ديوان الافرم، توفي يوم الخامس من ذي القعدة عن خمس وخمسين سنة، ودفن بتربتهم بباب الصغير. الشيخ الجليل ظهير الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الفضل بن منعة البغدادي، شيخ الحرم الشريف بمكة بعد عمه عفيف الدين منصور بن منعة، وقد سمع الحديث وأقام ببغداد مدة طويلة، ثم سار إلى مكة، بعد وفاة عمه، فتولى مشيخة الحرم إلى أن توفي (3).


(1) في شذرات الذهب 6 / 17: برزة.

(2) في تذكرة النبيه 1 / 290: الحسين.

(3) في شذرات الذهب 6 / 17: توفي بالمهجم من نواحي اليمن عن بو سبعين سنة

[ 56 ]

ثم دخلت سنة تسع وسبعائة استهلت وخليفة الوقت المستكفي أمير المؤمنين بن الحاكم بأمر الله العباسي، وسلطان البلاد الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، ونائبه بمصر الامير سيف الدين سلار، وبالشام آقوش الافرم، وقضاة مصر والشام هم المذكورون في التي قبلها. وفي ليلة سلخ صفر توجه الشيخ تقي الدين بن تيمية من القاهرة إلى الاسكندرية صحبة أمير مقدم، فأدخله دار السلطان وأنزله في برج منها فسيح الاكناف، فكان الناس يدخلون عليه ويشتغلون في سائر العلوم، ثم كان بعد ذلك يحضر الجمعات ويعمل المواعيد على عادته في الجامع، وكان دخوله إلى الاسكندرية يوم الاحد، وبعد عشرة أيام وصل خبره إلى دمشق فحصل عليه تألم وخافوا عليه غائلة الجاشنكير وشيخه المنبجي، فتضاعف له الدعاء، وذلك أنهم لم يمكنوا أحدا من أصحابه أن يخرج معه إلى الاسكندرية، فضاقت له الصدور، وذلك إنه تمكن منه عدوه نصر المنبجي. وكان سبب عداوته له أن الشيخ تقي الدين كان ينال من الجاشنكير ومن شيخه نصر المنبجي، ويقول: زالت أيامه وانتهت رياسته، وقرب انقضاء أجله، ويتكلم فيهما وفي ابن عربي وأتباعه، فأرادوا أن يسيروه إلى الاسكندرية كهيئة المنفي لعل أحدا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غيلة، فما زاد ذلك الناس إلا محبة فيه وقربا منه وانتفاعا به واشتغالا عليه، وحنوا وكرامة له. وجاء كتاب من أخيه يقول فيه: إن الاخ الكريم قد نزل بالثغر المحروس على نية الرباط، فإن أعداء الله قصدوا بذلك أمورا يكيدونه بها ويكيدون الاسلام وأهله، وكانت تلك كرامة في حقنا، وظنوا أن ذلك يؤدي إلى هلاك الشيخ فانقلبت عليهم مقاصدهم الخبيثة وانعكست من كل الوجوه، وأصبحوا وأمسوا وما زالوا عند الله وعند الناس العارفين سود الوجوه يتقطعون حسرات وندما على ما فعلوا، وانقلب أهل الثغر أجمعين إلى الاخ مقبلين عليه مكرمين له وفي كل وقت ينشر من كتاب الله وسنة رسوله ما تقر به أعين المؤمنين، وذلك شجي في حلوق الاعداء واتفق أنه وجد بالاسكندرية إبليس قد باض فيها وفرخ وأضل بها فرق السبعينية والعربية فمزق الله بقدومه عليهم شملهم، وشتت جموعهم شذر مذر، وهتك أستارهم وفضحهم، واستتاب جماعة كثيرة منهم، وتوب رئيسا من رؤسائهم واستقر عند عامة المؤمنين وخواصهم من أمير وقاض وفقيه، ومفت وشيخ وجماعة المجتهدين، إلا من شذ من الاغمار الجهال، مع الذلة والصغار - مجبة الشيخ وتعظيمه وقبول كلامه والرجوع إلى أمره ونهيه، فعلت كلمة الله بها على أعداء الله ورسوله، ولعنوا سرا وجهرا وباطنا وظاهرا، في مجامع الناس بأسمائهم الخاصة بهم، وصار ذلك عند نصر المنبجي المقيم المقعد، ونزل به من الخوف والذل ما لا يعبر عنه، وذكر كلاما كثيرا. والمقصود أن الشيخ تقي الدين أقام بثغر الاسكندرية ثمانية أشهر مقيما ببرج متسع مليح نظيف له شباكان أحدهما إلى جهة البحر والآخر إلى جهة المدينة، وكان يدخل عليه من شاء،

[ 57 ]

ويتردد إليه الاكابر والاعيان والفقهاء، يقرأون عليه ويستفيدون منه، وهو في أطيب عيش وأشرح صدر. وفي آخر ربيع الاول عزل الشيخ كمال الدين بن الزملكاني عن نظر المارستان بسبب انتمائه إلى ابن تيمية بإشارة المنبجي، وباشره شمس الدين عبد القادر بن الخطيري. وفي يوم الثلاثاء ثالث ربيع الآخر ولي قضاء الحنابلة بمصر الشيخ الامام الحافظ سعد الدين أبو محمود مسعود بن أحمد بن مسعود بن زين الدين الحارثي، شيخ الحديث بمصر، بعد وفاة القاضي شرف الدين أبي محمد عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر بن أبي بكر الحراني. وفي جمادى الاولى برزت المراسيم السلطانية المظفرية إلى البلاد السواحلية بإبطال الخمور وتخريب الحانات ونفي أهلها، ففعل ذلك وفرح المسلمون بذلك فرحا شديدا. وفي مستهل جمادى الآخرة وصل بريد بتولية قضاء الحنابلة بدمشق للشيخ شهاب الدين أحمد بن شريف الدين حسن بن الحافظ جمال الدين أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي، عوضا عن التقي سليمان بن حمزة بسبب تكلمه في نزول الملك الناصر عن الملك، وأنه إنما نزل عنه مضطهدا بذلك، ليس بمختار، وقد صدق فيما قال. وفي عشرين جمادى الآخرة وصل البريد بولاية شد الدواوين للامير سيف الدين بكتمر الحاجب، عوضا عن الرستمي فلم يقبل، وبنظر الخزانة للامير عز الدين أحمد بن زين الدين محمد بن أحمد بن محمود المعروف بابن القلانسي، فباشرهما وعزل عنها البصراوي محتسب البلد. وفي هذا الشهر باشر قاضي القضاة ابن جماعة مشيخة سعيد السعداء بالقاهرة بطلب الصوفية له، ورضوا منه بالحضور عندهم في الجمعة مرة واحدة، وعزل عنها الشيخ كريم الدين الايكي، لانه عزل منها الشهود، فثاروا عليه وكتبوا في حقه محاضر بأشياء قادحة في الدين، فرسم بصرفه عنهم، وعومل بنظير ما كان يعامل به الناس، ومن جملة ذلك قيامه على شيخ الاسلام ابن تيمية وافتراؤه عليه الكذب، مع جهله وقلة ورعه، فعجل الله له هذا الخزي على يدي أصحابه وأصدقائه جزاء وفاقا. وفي شهر رجب كثر الخوف بدمشق وانتقل الناس من ظاهرها إلى داخلها، وسبب ذلك أن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ركب من الكرك قاصدا دمشق يطلب عوده إلى الملك، وقد مالاه جماعة من الامراء وكاتبوه في الباطن وناصحوه، وقفز إليه جماعة من أمراء المصريين، وتحدث الناس بسفر نائب دمشق الافرم إلى القاهرة، وأن يكون مع الجم الغفير، فاضطرب الناس ولم تفتح أبواب البلد إلى ارتفاع النهار، وتخبطت الامور، فاجتمع القضاة وكثير من الامراء بالقصر وجددوا البيعة للملك المظفر، وفي آخر نهار السبت غلقت أبواب البلد بعد العصر وازدحم الناس بباب النصر وحصل لهم تعب عظيم، وازدحم البلد بأهل القرى وكثر الناس بالبلد، وجاء البريد بوصول الملك الناصر إلى الخمان، فانزعج نائب الشام لذلك وأظهر أنه يريد قتاله ومنعه من دخول

[ 58 ]

البلد، وقفز إليه الاميران ركن الدين بيبرس المجنون، وبيبرس العلمي، وركب إليه الامير سيف الدين بكتمر حاجب الحجاب يشير عليه بالرجوع، ويخبره بأنه لا طاقة له بقتال المصريين، ولحقه الامير سيف الدين بهادرا يشير عليه بمثل ذلك، ثم عاد إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رجب وأخبره أن السلطان الملك الناصر قد عاد إلى الكرك، فسكن الناس ورجع نائب السلطنة إلى القصر، وتراجع بعض الناس إلى مساكنهم، واستقروا بها. صفة عود الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون إلى الملك وزوال دولة المظفر الجاشنكير بيبرس وخذلانه وخذلان شيخه نصر المنبجي الاتحادي الحلولي لما كان ثالث عشر (1) شعبان جاء الخبر بقدوم الملك الناصر إلى دمشق، فساق إليه الاميران سيف الدين قطلوبك والحاج بهادر إلى الكرك، وحضاه على المجئ إليها، واضطرب نائب دمشق وركب في جماعة من أتباعه على الهجن في سادس عشر شعبان ومعه ابن صبح صاحب شقيف أرنون (2)، وهيئت بدمشق أبهة السلطنة والاقامات اللائقة به، والعصائب والكوسات، وركب من الكرك في أبهة عظيمة، وأرسل الامان إلى الافرم، ودعا له المؤذنون في المأذنة ليلة الاثنين سابع عشر شعبان، وصبح بالدعاء له والسرور بذكره، ونودى في الناس بالامان، وأن يفتحوا دكاكينهم ويأمنوا في أوطانهم، وشرع الناس في الزينة ودقت البشائر ونام الناس في الاسطحة ليلة الثلاثاء ليتفرجوا على السلطان حين يدخل البلد، وخرج القضاة، والامراء والاعيان لتلقيه. قال كاتبه ابن كثير: وكنت فيمن شاهد دخوله يوم الثلاثاء وسط النهار في أبهة عظيمة وبسط له من عند المصلى وعليه أبهة الملك وبسطت الشقاق الحرير تحت أقدام فرسه، كلما جاوز شقة طويت من ورائه، والجد على رأسه والامراء السلحدارية عن يمينه وشماله، وبين يديه، والناس يدعون له ويضجون بذلك ضجيجا عاليا، وكان يوما مشهودا. قال الشيخ علم الدين البرزالي: وكان على السلطان يومئذ عمامة بيضاء، وكلوثة حمراء، وكان الذي حمل الغاشية على رأس السلطان الحاج بهادر وعليه خلعة معظمة مذهبة بفرو فاخم. ولما وصل إلى القلعة نصب له الجسر ونزل إليها نائبها الامير سيف الدين السنجري، فقبل الارض بين يديه، فأشار إليه إني الآن لا أنزل ههنا، وسار بفرسه إلى جهة القصر الابلق (3) والامراء بين يديه، فخطب له يوم الجمعة.


(1) في النجوم الزاهرة 8 / 265: يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان.

(2) من الجوهر الثمين 2 / 140 وفي الاصل " أربون ".

(3) القصر الابلق: بدمشق. أنشأه السلطان الملك الظاهر بيبرس سنة 666 ه‍ بالميدان الاخضر على نهر بردى. =

[ 59 ]

وفي بكرة يوم السبت الثاني والعشرين من الشهر وصل الامير جمال الدين آقوش الافرم نائب دمشق مطيعا للسلطان، فقبل الارض بين يديه، فترجل له السلطان وأكرمه وأذن له في مباشرة النيابة على عادته وفرح الناس بطاعة الافرم له، ووصل إليه أيضا الامير سيف الدين قبجق نائب حماة، والامير سيف الدين استدمر نائب طرابلس يوم الاثنين الرابع والعشرين من شعبان، وخرج الناس لتلقيهما، وتلقاهما السلطان كما تلقى الافرم. وفي هذا اليوم رسم السلطان بتقليد قضاء الحنابلة وعوده إلى تقي الدين سليمان، وهنأه الناس وجاء إلى السلطان إلى القصر فسلم عليه ومضى إلى الجوزية وكم بها ثلاثة أشهر، وأقيمت الجمعة الثانية بالميدان وحضر السلطان والقضاة إلى جانبه، وأكابر الامراء والدولة، وكثير من العامة. وفي هذا اليوم وصل إلى السلطان الامير قراسنقر المنصوري نائب حلب وخرج دهليز السلطان يوم الخميس رابع رمضان ومعه القضاة والقراء وقت العصر، وأقيمت الجمعة خامس رمضان بالميدان أيضا، ثم خرج السلطان من دمشق يوم الثلاثاء تاسع رمضان، وفي صحبته ابن صصرى وصدر الدين الحنفي قاضي العساكر، والخطيب جلال الدين، والشيخ كمال الدين بن الزملكاني، والموقعون وديوان الجيش وجيش الشام بكماله قد اجتمعوا عليه من سائر مدنه وأقاليمه بنوابه وأمرائه، فلما انتهى السلطان إلى غزة دخلها في أبهة عظيمة، وتلقاه الامير سيف الدين بهادر هو وجماعة من أمراء المصريين، فأخبروه أن الملك المظفر قد خلع نفسه من المملكة، ثم تواتر قدوم الامراء من مصر إلى السلطان، وأخبروه بذلك، فطابت قلوب الشاميين واستبشروا بذلك ودقت البشائر وتأخر مجئ البريد بصورة الناصري. واتفق في يوم هذا العيد أنه خرج نائب الخطيب الشيخ تقي الدين الجزري المعروف بالمقضاي في السناجق إلى المصلى على العادة، واستناب في البلد الشيخ مجد الدين التونسي، فلما وصلوا إلى المصلى وجدوا خطيب المصلى قد شرع في الصلاة فنصبت السناجق في صحن المصلى وصلى بينهما تقي الدين المقضاي ثم خطب، وكذلك فعل ابن حسان داخل المصلى، فعقد فيه صلاتان وخطبتان يومئذ، ولم يتفق مثل هذا فيما نعلم. وكان دخول السلطان الملك الناصر إلى قلعة الجبل آخر يوم عيد الفطر من هذه السنة، ورسم لسلار أن يسافر إلى الشوبك، واستناب بمصر الامير سيف الدين بكتمر الجوكندار الذي كان نائب صفد، وبالشام الامير قراسنقر المنصوري، وذلك في العشرين من شوال، واستوزر الصاحب فخر الدين الخليلي بعدها بيومين، وباشر القاضي فخر الدين كاتب الممالك نظر الجيوش بمصر بعد بهاء الدين عبد الله بن أحمد بن علي بن المظفر الحلي، توفي ليلة الجمعة عاشر شوال،


= وأشرف على عمارته الامير أقوش النجيبي نائب دمشق، وظل عامرا تنزله الملوك إلى أن هدمه تيمورلنك سنة 803 ه‍. (السلوك 1 / 561 خطط الشام 5 / 285). ]

[ 60 ]

وكان من صدور المصريين وأعيان الكبار، وقد روى شيئا من الحديث، وصرف الامير جمال الدين آقوش الافرم إلى نيابه صرخد وقدم إلى دمشق الامير زين الدين كتبغا رأس نوبة الجمدارية شد الدواوين، وأستاذ دار الاستادارية عوضا عن سيف الدين أقجبا، وتغيرت الدولة وانقلبت قلبة عظيمة. قال الشيخ علم الدين البرزالي: ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقي الدين بن تيمية من الاسكندرية معززا مكرما مبجلا، فوجه إليه في ثاني يوم من شوال بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر وخرج مع الشيخ خلق من الاسكندرية يودعونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقاه ومشى إليه في مجلس حفل، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشيخ إلى القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والامراء والجند وكثير من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه، فقال أنا حاللت كل من أذاني. قلت: وقد أخبرني القاضي جمال الدين بن القلانسي بتفاصيل هذا المجلس وما وقع فيه من تعظيمه وإكرامه مما حصل له من الشكر والمدح من السلطان والحاضرين من الامراء، وكذلك أخبرني بذلك قاضي القضاة منصور الدين الحنفي، ولكن أخبار ابن القلانسي أكثر تفصيلا، وذلك أنه كان إذ ذاك قاضي العساكر، وكلاهما كان حاضرا هذا المجلس، ذكر لي أن السلطان لما قدم عليه الشيخ تقي الدين بن تيمية نهض قائما للشيخ أول ما رآه، ومشى له إلى طرف الايوان (1) واعتنقا هناك هنيهة، ثم أخذ معه ساعة إلى طبقة فيها شباك إلى بستان فجلسا ساعة يتحدثان، ثم جاء ويد الشيخ في يد السلطان، فجلس السلطان وعن يمينه ابن جماعة قاضي مصر، وعن يساره ابن الخليلي والوزير، وتحته ابن صصرى، ثم صدر الدين علي الحنفي، وجلس الشيخ تقي الدين بين يدي السلطان على طرف طراحته، وتكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم، وأنهم قد التزموا للديوان بسبع مائة ألف في كل سنة، زيادة على الحالية، فسكت الناس وكان فيهم قضاة مصر والشام وكبار العلماء من أهل مصر والشام من جملتهم ابن الزملكاني. قال ابن القلانسي: وأنا في مجلس السلطان إلى جنب ابن الزملكاني، فلم يتكلم أحد من العلماء ولا من القضاة، فقال لهم السلطان: ما تقولون ؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلم أحد، فجثى الشيخ تقي الدين على ركبتيه وتكلم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ ورد على الوزير ما قاله ردا عنيفا، وجعل يرفع صوته والسلطان يتلافاه ويسكته بترفق وتؤدة وتوقير. وبالغ


(1) الايوان: أنشاه المنصور قلاوون ثم جدده الاشرف خليل واستمر جلوس نائب دار العدل به، فلما عمل الملك الناصر محمد بن قلاوون الروك، أمر بهدمه وأعاد بناءه وزاد فيه وأنشأ به قبة جليلة.. (خطط المقريزي 2 / 206) وقد اندثر هذا الايوان وبني مكانه جامع محمد علي باشا الكبير وملحقاته بقلعة الجبل بالقاهرة.

[ 61 ]

الشيخ في الكلام، وقال ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله، ولا بقريب منه، وبالغ في التشنيع على من يوافق في ذلك. وقال للسلطان: حاشاك أن يكون أول مجلس جلسته في أبهة الملك تنصر فيه أهل الذمة لاجل حطام الدنيا الفانية، فاذكر نعمة الله عليك إذ رد ملكك إليك، وكبت عدوك ونصرك على أعدائك فذكر أن الجاشنكير هو الذي جدد عليهم ذلك، فقال: والذي فعله الجاشنكير كان من مراسيمك لانه إنما كان نائبا لك، فأعجب السلطان ذلك واستمر بهم على ذلك، وجرت فصول يطول ذكرها. وقد كان السلطان أعلم بالشيخ من جميع الحاضرين، ودينه وزينته وقيامه بالحق وشجاعته، وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جالسا فيه، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم عزله من الملك ومبايعة الجاشنكير، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضا، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن ينال أحدا منهم بسوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارا، فقال الشيخ من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح. قال وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا، ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة وعاد إلى بث العلم ونشره، وأقبلت الخلق عليه ورحلوا إليه يشتغلون عليه ويستفتونه ويجيبهم بالكتابة والقول، وجاء الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال: قد جعلت الكل في حل، وبعث الشيخ كتابا إلى أهله يذكر ما هو فيه من نعم الله وخيره الكثير، ويطلب منهم جملة من كتب العلم التي له ويستعينوا على ذلك بجمال الدين المزي، فإنه يدري كيف يستخرج له ما يريده من الكتب التي أشار إليها، وقال في هذا الكتاب: والحق كل ماله في علو وازدياد وانتصار، والباطل في انخفاض وسفول واضحلال، وقد أذل الله رقاب الخصوم، وطلب أكابرهم من السلم ما يطول وصفه، وقد اشترطنا عليهم من الشروط ما فيه عز الاسلام والسنة، وما فيه قمع الباطل والبدعة، وقد دخلوا تحت ذلك كله وامتنعنا من قبول ذلك منهم، حتى يظهر إلى الفعل، فلم نثق لهم بقول ولا عهد، ولم نجبهم إلى مطلوبهم حتى يصير المشروط معمولا، والمذكور مفعولا، ويظهر من عز الاسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم، وذكر كلاما طويلا يتضمن ما جرى له مع السلطان في قمع اليهود والنصارى وذلهم، وتركهم على ما هم عليه من الذلة والصغار والله سبحانه أعلم.

[ 62 ]

وفي شوال أمسك السلطان جماعة من الامراء قريبا من عشرين (1) أميرا، وفي سادس عشر شوال وقع بين أهل حوران من قيس ويمن فقتل منهم مقتلة عظيمة جدا، قتل من الفريقين نحو من ألف نفس بالقرب من السوداء، وهم يسمونها السويداء، وكانت الكسرة على يمن فهربوا من قيس حتى دخل كثير منهم إلى دمشق في أسوأ الحال وأضعفه، وهربت قيس خوفا من الدولة، وبقيت القرى خالية والزروع سائبة. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي يوم الاربعاء سادس ذي القعدة قدم الامير سيف الدين قبجق المنصوري نائبا على حلب فنزل القصر ومعه جماعة من أمراء المصريين، ثم سافر إلى حلب بمن معه من الامراء والاجناد واجتاز الامير سيف الدين بهادر بدمشق ذاهبا إلى طرابلس نائبا والفتوحات السواحلية عوضا عن الامير سيف الدين استدمر، ووصل جماعة ممن كان قد سافر مع السلطان إلى مصر في ذي القعدة منهم قاضي قضاة الحنفية صدر الدين، ومحيي الدين بن فضل الله وغيرهما، فقمت وجلست يوما إلى القاضي صدر الدين الحنفي بعد مجيئه من مصر فقال لي: أتحب ابن تيمية ؟ قلت: نعم، فقال لي وهو يضحك: والله لقد أحببت شيئا مليحا، وذكر لي قريبا مما ذكر ابن القلانسي، لكن سياق ابن القلانسي أتم. مقتل الجاشنكيري كان قد فر الخبيث في جماعة من أصحابه، فلما خرج الامير سيف الدين قراسنقر المنصوري من مصر متوجها إلى نيابة الشام عوضا عن الافرم، فلما كان بغزة في سابع ذي القعدة ضرب حلقة لاجل الصيد، فوقع في وسطها الجاشنكير في ثلاثمائة من أصحابه فأحيط بهم وتفرق عنه أصحابه فأمسكوه ورجع معه قراسنقر وسيف الدين بهادر على الهجن، فلما كان بالخطارة تلقاهم استدمر فتسلمه منهم ورجعا إلى عسكرهم، ودخل به استدمر على السلطان فعاتبه ولامه، وكان آخر العهد به (2)، قتل ودفن بالقرافة (3) ولم ينفعه شيخه المنبجي ولا أمواله، بل قتل شر قتلة ودخل قراسنقر دمشق يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذي القعدة فنزل بالقصر، وكان في صحبته ابن صصرى وابن الزملكاني وابن القلانسي وعلاء الدين بن غانم وخلق من الامراء المصريين والشاميين، وكان الخطيب جلال الدين القزويني قد وصل قبلهم يوم الخميس الثاني والعشرين من


(1) في بدائع الزهور 1 / 435: أربعة عشر أميرا، وفي تذكرة النبيه 2 / 21: اثنان وعشرون أميرا. ومثله في النجوم الزاهرة 9 / 12 وزاد: " ولم يفلت سوى جوكتمر بن بهادر رأس نوبة ".

(2) في بدائع الزهور 1 / 434: خنق حتى مات وقضى نحبه - بين يدي السلطان - وكانت وفاته يوم الخميس رابع عشر ذي القعدة (انظر السلوك 2 / 71 وعقد الجمان حوادث سنة 709).

(3) في بدائع الزهور 1 / 434: رسم بنقله، ودفنه في خانقته التي أنشأها عند الدرب الاصفر، بالقرب من خانقة سعيد السعداء، فدفن بها في أواخر سنة 709 ه‍.

[ 63 ]

الشهر، وخطب يوم الجمعة على عادته، فلما كان يوم الجمعة الاخرى وهو التاسع والعشرون من الشهر خطب بجامع دمشق القاضي بدر الدين محمد بن عثمان بن يوسف بن حداد الحنبلي عن إذن نائب السلطنة، وقرئ تقليده على المنبر بعد الصلاة بحضرة القضاة والاكابر والاعيان، وخلع عليه عقيب ذلك خلعة سنية، واستمر يباشر الامامة والخطابة اثنين وأربعين يوما، ثم أعيد الخطيب جلال الدين بمرسوم سلطاني وباشر يوم الخميس ثاني عشر المحرم من السنة الآتية. وفي ذي الحجة درس كمال الدين بن الشيرازي بالمدرسة الشامية البرانية، انتزعها من يد الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وذلك أن استدمر ساعده على ذلك. وفيها أظهر ملك التتر خربندا الرفض في بلاده، وأمر الخطباء أولا أن لا يذكروا في خطبتهم إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأهل بيته، ولما وصل خطيب بلاد الازج إلى هذا الموضع من خطبته بكى بكاءا شديدا وبكى الناس معه ونزل ولم يتمكن من إتمام الخطبة، فأقيم من أتمها عنه وصلى بالناس وظهر على الناس بتلك البلاد من أهل السنة أهل البدعة فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولم يحج فيها أحد من أهل الشام بسبب تخبيط الدولة وكثرة الاختلاف. وممن توفي فيها من الاعيان. الخطيب ناصر الدين أبو الهدى أحمد بن الخطيب بدر الدين يحيى بن الشيخ عز الدين بن عبد السلام خطيب العقيبة بداره بها وقد باشر نظر الجامع الاموي وغير ذلك، توفي يوم الاربعاء النصف من المحرم، وصلي عليه بجامع العقيبة، ودفن عند والده بباب الصغير، وقد روى الحديث وباشر الخطابة بعد والده بدر الدين وحضر عنده نائب السلطنة والقضاة والاعيان. قاضي الحنابلة بمصر شرف الدين أبو محمد عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر بن أبي بكر الحراني ولد بحران سنة خمس وأربعين وستمائة، وسمع الحديث وقدم مصر فباشر نظر الخزانة وتدريس الصالحية ثم أضيف إليه القضاء، وكان مشكور السيرة كثير المكارم توفي ليلة الجمعة رابع عشر ربيع الاول ودفن بالقرافة، وولي بعده سعد الدين الحارثي (1) كما تقدم. الشيخ نجم الدين أيوب بن سليمان بن مظفر المصري المعروف بمؤذن النجيبي، كان رئيس المؤذنين بجامع


(1) الحارثي: نسبة إلى الحارثية، احدى قرى بغداد (درة الاسلاك ص 190).

[ 64 ]

دمشق ونقيب الخطباء، وكان حسن الشكل رفيع الصوت، واستمر بذلك نحوا من خمسين سنة إلى أن توفي في مستهل جمادى الاولى. وفي هذا الشهر توفي: الامير شمس الدين سنقر الاعسر المنصوري تولى الوزارة بمصر مع شد الدواوين معا، وباشر شد الدواوين بالشام مرات، وله دار وبستان بدمشق مشهوران به، وكان فيه نهضة وله همة عالية وأموال كثيرة، توفي بمصر. الامير جمال الدين آقوش بن عبد الله الرسيمي شاد الدواوين بدمشق، وكان قبل ذلك والي الولاة بالجهة القبلية بعد الشريفي، وكانت له سطوة توفي يوم الاحد تاسع عشر جمادى الاولى ودفن ضحوة بالقبة التي بناهاتجاه قبة الشيخ رسلان، وكان فيه كفاية وخبرة. وباشر بعده شد الدواوين أقبجا. وفي شعبان أو في رجب توفي: التاج [ أحمد ] (1) بن سعيد الدولة وكان مسلمانيا وكان سفير الدولة، وكانت له مكانة عند الجاشنكير بسبب صحبته لنصر المنبجي شيخ الجاشنكير، وقد عرضت عليه الوزارة فلم يقبل، ولما توفي تولى وظيفته ابن أخته كريم الدين الكبير. الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي المكرم بن نصر الاصبهاني رئيس المؤذنين بالجامع الاموي، ولد سنة اثنتين وستمائة، وسمع الحديث وباشر وظيفة الاذان من سنة خمس وأربعين إلى أن توفي ليلة الثلاثاء خامس ذي القعدة، وكان رجلا جيدا والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة عشر وسبعمائة استهلت وخليفة الوقت المستكفي بالله أبو الربيع سليمان العباسي، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون، والشيخ تقي الدين بن تيمية بمصر معظما مكرما، ونائب مصر الامير سيف الدين بكتمر أمير خزندار، وقضاته هم المذكورون في التي قبلها، سوى الحنبلي


(1) من تذكرة النبيه 2 / 27، انظر السلوك 2 / 85 والنجوم الزاهرة 8 / 279.

[ 65 ]

فإنه سعد الدين الحارثي، والوزير بمصر فخر الدين الخليلي، وناظر الجيوش فخر الدين كاتب المماليك، ونائب الشام قراسنقر المنصوري، وقضاة دمشق هم هم، ونائب حلب قبجق، ونائب طرابلس الحاج بهادر والافرم بصرخد. وفي محرم منها باشر الشيخ أمين الدين سالم بن أبي الدرين وكيل بيت المال إمام مسجد هشام تدريس الشامية الجوانية (1)، والشيخ صدر الدين سليمان بن موسى الكردي تدريس العذراوية، كلاهما انتزعها من ابن الوكيل بسبب إقامته بمصر وكان قد وفد إلى المظفر فألزمه رواتب لانتمائه إلى المنبجي، ثم عاد بتوقيع سلطاني إلى مدرستيه، فأقام بهما شهرا أو سبعة وعشرين يوما، ثم استعاداهما منه ورجعتا إلى المدرسين الاولين: الامين سالم، والصدر الكردي، ورجع الخطيب جلال الدين إلى الخطابة في سابع عشر المحرم، وعزل عنها البدر بن الحداد، وباشر الصاحب شمس الدين نظر الجامع والاسرى والاوقاف قاطبة يوم الاثنين، ثم خلع عليه وأضيف إليه شرف الدين بن صصرى في نظر الجامع، وكان ناظره مستقلا به قبلهما. وفي يوم عاشوراء قدم استدمر إلى دمشق متوليا نيابة حماة، وسافر إليها بعد سبعة أيام. وفي المحرم باشر بدر الدين بن الحداد نظر المارستان عوضا عن شمس الدين بن الخطيري ووقعت منازعة بين صدر الدين بن المرحل وبين الصدر سليمان الكردي بسبب العذراوية، وكتبوا إلى الوكيل محضرا يتضمن من القبائح والفضائح والكفريات على ابن الوكيل، فبادر ابن الوكيل إلى القاضي تقي الدين سليمان الحنبلي، فحكم بإسلامه وحقن دمه، وحكم بإسقاط التعزير عنه والحكم بعدالته واستحقاقه إلى المناصب. وكانت هذه هفوة من الحنبلي، ولكن خرجت عنه المدرستان العذراوية لسليمان الكردي، والشامية الجوانية للامين سالم، ولم يبق معه سوى دار الحديث الاشرفية. وفي ليلة الاثنين السابع من صفر وصل النجم محمد بن عثمان البصراوي من مصر متوليا الوزارة بالشام، ومعه توقيع بالحسبة لاخيه فخر الدين سليمان، فباشرا المنصبين بالجامع، ونزلا بدرب سفون الذي يقال له درب ابن أبي الهيجاء، ثم انتقل الوزير إلى دار الاعسر عند باب البريد، واستمر نظر الخزانة لعز الدين بن القلانسي أخي الشيخ جلال الدين. وفي مستهل ربيع الاول باشر القاضي جمال الدين الزرعي قضاء القضاة بمصر عوضا عن ابن جماعة، وكان قد أخذ منه قبل ذلك في ذي الحجة مشيخة الشيوخ، وأعيدت إلى الكريم الايكي، وأخذت منه الخطابة أيضا. وجاء البريد إلى الشام بطلب القاضي شمس الدين بن الحريري لقضاء الديار المصرية، فسار في العشرين من ربيع الاول وخرج معه جماعة لتوديعه، فلما قدم على


(1) المدرسة الشامية الجوانية بدمشق أنشأتها ست الشام بنت نجم الدين أيوب أخت صلاح الدين الايوبي (الدارس 1 / 301).

[ 66 ]

السلطان أكرمه وعظمه وولاه قضاء الحنفية وتدريس الناصرية والصالحية، وجامع الحاكم، وعزل عن ذلك القاضي شمس الدين السروجي فمكث أياما ثم مات. وفي نصف هذا الشهر مسك من دمشق سبعة أمراء ومن القاهرة أربعة عشر أميرا. وفي ربيع الآخر اهتم السلطان بطلب الامير سيف الدين سلار فحضر هو بنفسه إليه فعاتبه ثم استخلص منه أمواله وحواصله في مدة شهر، ثم قتل بعد ذلك (1) فوجد معه من الاموال والحيوان والاملاك والاسلحة والمماليك والبغال والحمير أيضا والرباع شيئا كثيرا، وأما الجواهر والذهب والفضة فشئ لا يحد ولا يوصف في كثرته (2)، وحاصل الامر أنه قد استأثر لنفسه طائفة كبيرة من بيت المال (3) وأموال المسلمين تجري إليه، ويقال إنه كان مع ذلك كثير العطاء كريما محببا إلى الدولة والرعية والله أعلم. وقد باش‍ نيابة السلطنة بمصر من سنة ثمان وتسعين إلى أن قتل يوم الاربعاء رابع عشرين هذا الشهر، ودفن بتربته ليلة الخميس بالقرافة، سامحه الله. وفي ربيع الآخر درس القاضي شمس الدين بن المعز الحنفي بالظاهرية عوضا عن شمس الدين الحريري، وحضر عنده خاله الصدر علي قاضي قضاة الحنفية وبقية القضاة والاعيان. وفي هذا الشهر كان الامير سيف الدين استدمر قد قدم دمشق لبعض أشغاله، وكان له حنو على الشيخ صدر الدين بن الوكيل، فاستنجز له مرسوما بنظر دار الحديث وتدريس العذراوية، فلم يباشر ذلك حتى سافر استدمر، فاتفق أنه وقعت له بعد يومين كائنة بدار ابن درباس بالصالحية، وذكر أنه وجد عنده شئ من المنكرات، واجتمع عليه جماعة من أهل الصالحية مع الحنابلة وغيرهم، وبلغ ذلك نائب السلطنة فكاتب فيه، فورد الجواب بعزله عن المناصب الدينية، فخرجت عنه دار الحديث الاشرفية وبقي بدمشق وليس بيده وظيفة لذلك، فلما كان في آخر رمضان سافر إلى حلب فقرر له نائبها استدمر شيئا على الجامع، ثم ولاه تدريسا هناك وأحسن إليه، وكان الامير استدمر قد انتقل إلى نيابة حلب في جمادى الآخرة عوضا عن سيف الدين قبجق توفي، وباشر مملكة حماة بعده الامير عماد الدين إسماعيل بن الافضل علي بن محمود بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وانتقل جمال الدين آقوش الافرم من صرخد إلى نيابة طرابلس عوضا عن الحاج بهادر. وفي يوم الخميس سادس عشر


(1) في تذكرة النبيه 2 / 29: اعتقل ومنع من الزاد - في سلخ ربيع الآخرة - فمات بعد أيام جوعا. (انظر بدائع الزهور 1 / 436 السلوك 1 / 873).

(2) انظر تفاصيل فيما صودر به من أموال وأملاك وغيرها بدائع الزهور 1 / 436 - 437 وفيه: قال بعض المؤرخين: عجبت من أمر سلار في جمع هذه الاموال العظيمة، وكانت مدته في نيابة السلطنة إحدى عشرة سنة، فكيف حوى هذه الاموال العظيمة في هذه المدة اليسيرة ؟ (ص 438). (3) كانت مفاتيح بيت المال بيده عندما توجه الملك الناصر إلى الكرك، فالارجح أنه اصطفى لنفسه ما قدر عليه (بدائع الزهور 1 / 438).

[ 67 ]

شعبان بالشيخ كمال الدين بن الزملكاني مشيخة دار الحديث الاشرفية عوضا عن ابن الوكيع، وأخذ في التفسير والحديث والفقه، فذكر من ذلك دروسا حسنة، ثم لم يستمر بها سوى خمسة عشر يوما حتى انتزعها منه كمال الدين الشريشي فباشرها يوم الاحد ثالث شهر رمضان. وفي شعبان رسم قراسنقر نائب الشام بتوسعة المقصورة، فأخرت سدة المؤذنين إلى الركنين المؤخرين تحت قبة النسر، ومنعت الجنائز من دخول الجامع أياما ثم أذن في دخولهم. وفي خامس رمضان قدم فخر الدين إياس كان نائبا في قلعة الروم إلى دمشق شاد الدواوين عوضا عن زين الدين كتبغا المنصوري. وفي شوال باشر الشيخ علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي مشيخة الشيوخ بالديار المصرية عوضا عن الشيخ كريم الدين عبد الكريم بن الحسين الايكي توفي، وكان له تحرير وهمة، وخلع على القونوي خلعة سنية، وحضر سعيد السعداء بها. وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة خلع على الصاحب عز الدين القلانسي خلعة الوزراء بالشام عوضا عن النجم البصراوي بحكم إقطاعه إمرة عشرة وإعراضه عن الوزارة. وفي يوم الاربعاء سادس عشر ذي القعدة عاد الشيخ كمال الدين بن الزملكاني إلى تدريس الشامية البرانية. وفي هذا اليوم لبس تقي الدين ابن الصاحب شمس الدين بن السلعوس خلعة النظر على الجامع الاموي، ومسك الامير سيف الدين استدمر نائب حلب في ثاني ذي الحجة ودخل إلى مصر، وكذلك مسك نائب البيرة سيف الدين ضرغام بعده بليال. وممن توفي فيها من الاعيان: قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي الحنفي، شارح الهداية (1)، كان بارعا في علوم شتى، وولي الحكم بمصر مدة وعزل قبل موته بأيام، توفي يوم الخميس ثاني عشر ربيع الآخر ودفن بقرب الشافعي وله اعتراضات على الشيخ تقي الدين بن تيمية في علم الكلام، أضحك فيها على نفسه، وقد رد عليه الشيخ تقي الدين في مجلدات، وأبطل حجته * وفيها توفي سلار مقتولا كما تقدم. الصاحب أمين الدولة أبو بكر بن الوجيه عبد العظيم بن يوسف المعروف بابن الرقاقي * والحاج بهادر نائب


(1) وهو " الهداية في الفروع " لشيخ الاسلام برهان الدين بن علي بن أبي بكر المرغيناني الحنفي المتوفى سنة 593 ه‍ ولكنه لم يكمله ثم أكمله سعد الدين محمد الديري المتوفى سنة 867 ه‍ / كشف الظنون 2 / 2031، 2033.

[ 68 ]

طرابلس مات بها. والامير سيف الدين قبجق نائب حلب مات بها ودفن بتربته بحماه، ثاني جمادى الآخرة (1) وكان شهما شجاعا، وقد ولي نيابة دمشق في أيام لاجين، ثم قفز إلى التتر خوفا من لاجين ثم جاء مع التتر. وكان على يديه فرج المسلمين كما ذكرنا عام قازان، ثم تنقلت به الاحوال إلى أن مات بحلب، ثم وليها بعده استدمر ومات أيضا في آخر السنة. وفيها توفي: الشيخ كريم الدين بن الحسين الايكي شيخ الشيوخ بمصر، كان له صلة بالامراء، وقد عزل مرة عن المشيخة بابن جماعة، توفي ليلة السبت سابع شوال بخانقاه سعيد السعداء، وتولاها بعده الشيخ علاء الدين القونوي كما تقدم. الفقيه عز الدين عبد الجليل النمراوي الشافعي، كان فاضلا بارعا، وقد صحب سلار نائب مصر وارتفع في الدنيا بسببه. ابن الرفعة هو الامام العلامة نجم الدين أحمد بن محمد شارح التنبيه (2)، وله غير ذلك، وكان فقيها فاضلا وإماما في علوم كثيرة رحمهم الله. ثم دخلت سنة إحدى عشرة وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها غير الوزير بمصر فإنه عزل وتولى سيف الدين بكتمر وزيرا، والنجم البصراوي عزل أيضا بعز الدين القلانسي، وقد انتقل الافرم إلى نيابة طرابلس بإشارة ابن تيمية على السلطان بذلك، ونائب حماة الملك المؤيد عماد الدين على قاعدة أسلافه، وقد مات نائب حلب استدمر وهي شاغرة عن نائب فيها، وأرغون الدوادار الناصري قد وصل إلى دمشق لتسفير قراسنقر منها إلى حلب وإحضار سيف الدين كراي إلى نيابة دمشق،


(1) في تذكرة النبيه 2 / 29: الاولى (انظر السلوك 2 / 96 النجوم الزاهرة 9 / 216).

(2) وهو كتاب التنبيه في فروع الشافعية للشيخ أبي إسحاق ابراهيم بن علي الفقيه الشيرازي الشافعي المتوفى سنة 476 ه‍ شرحه ابن الرفعة وسماه " كفاية التنبيه في شرح التنبيه " انظر كشف الظنون 1 / 489.

[ 69 ]

وغالب العساكر بحلب والاعراب محدقة بأطراف البلاد، فخرج قراسنقر المنصوري من دمشق في ثالث المحرم في جميع حواصله وحاشيته وأتباعه، وخرج الجيش لتوديعه، وسار معه أرغون لتقريره بحلب وجاء المرسوم إلى نائب القلعة الامير سيف الدين بهادر السنجري أن يتكلم في أمور دمشق إلى أن يأتيه نائب، فحضر عنده الوزير والموقعون وباشر النيابة، وقويت شوكته وقويت شوكة الوزير إلى أن ولي ولايات عديدة منها لابن أخيه عماد الدين نظر الاسرار، واستمر في يده، وقدم نائب السلطنة سيف الدين كراي المنصوري إلى دمشق نائبا عليها. وفي يوم الخميس الحادي عشرين من المحرم خرج الناس لتلقيه وأوقدوا الشموع، وأعيدت مقصورة الخطابة إلى مكانها رابع عشرين المحرم، وانفرج الناس ولبس النجم البصراوي خلعة الامرة يوم الخميس ثالث عشر صفر على قاعدة الوزراء بالطرحة، وركب مع المقدمين الكبار وهو أمير عشرة بأقطاع يضاهي إقطاع كبار الطبلخانات. وفي يوم الاربعاء سابع عشر ربيع الاول جلس القضاة الاربعة بالجامع لانفاذ أمر الشهود بسبب تزوير وقع من بعضهم، فاطلع عليه نائب السلطنة فغضب وأمر بذلك، فلم يكن منه كبير شئ، ولم يتغير حال. وفي هذا اليوم ولي الشريف نقيب الاشراف أمين الدين جعفر بن محمد بن محيي الدين عدنان نظر الدواوين عوضا عن شهاب الدين الواسطي، وأعيد تقي الدين بن الزكي إلى مشيخة الشيوخ. وفيه ولي ابن جماعة تدريس الناصرية بالقاهرة، وضياء الدين النسائي تدريس الشافعي، والميعاد العام بجامع طولون، ونظر الاحباس أيضا. وولي الوزارة بمصر أمين الملك أبو سعيد (1) عوضا عن سيف الدين بكتمر الحاجب في ربيع الآخر (2). وفي هذا الشهر احتيط على الوزير عز الدين بن القلانسي بدمشق، ورسم عليه مدة شهرين، وكان نائب السلطنة كثير الحنق عليه، ثم أفرج عنه وأعيد بدر الدين بن جماعة إلى الحكم بديار مصر في حادي عشر ربيع الآخر، مع تدريس دار الحديث الكاملية، وجامع طولون والصالحية والناصرية، وجعل له إقبال كثير من السلطان، واستقر جمال الدين الزرعي على قضاء العسكر وتدريس جامع الحاكم، ورسم له أن يجلس مع القضاة بين الحنفي والحنبلي عند السلطان. وفي مستهل جمادي الاولى أشهد القاضي نجم الدين الدمشقي نائب ابن صصرى على نفسه بالحكم ببطلان البيع في الملك الذي اشتراه ابن القلانسي من تركة المنصوري في الرمثا والثوجة والفصالية لكونه بدون ثمن المثل، ونفذه بقيه الحكام، وأحضر ابن القلانسي إلى دار السعادة


(1) وهو الامير ركن الدين بيبرس الدواداري المنصوري، المؤرخ المعروف صاحب كتاب زبدة الفكرة وإليه تنسب المدرسة الدوادارية وكانت وفاته سنة 725 ه‍ (انظر تذكرة النبيه 2 / 39 وبدائع الزهور 1 / 440 ومختصر أبي الفداء 4 / 65).

(2) في تذكرة النبيه: جمادى الاولى.

[ 70 ]

وادعى عليه بريع ذلك، ورسم عليه بها، ثم حكم قاضي القضاة تقي الدين الحنبلي بصحة هذا البيع وبنقض ما حكم به الدمشقي، ثم نفذ بقية الحكام ما حكم به الحنبلي. وفي هذا الشهر قرر على أهل دمشق ألف وخمسمائة فارس لكل فارس خمسمائة درهم، وضربت على الاملاك والاوقاف، فتألم الناس من ذلك تألما عظيما وسعى إلى الخطيب جلال الدين فسعى إلى القضاة واجتمع الناس بكرة يوم الاثنين ثالث عشر الشهر واحتفلوا بالاجتماع وأخرجوا معهم المصحف العثماني والاثر النبوي والسناجق الخليفية، ووقفوا في الموكب فلما رآهم كراي تغيظ عليهم وشتم القاضي والخطيب، وضرب مجد الدين التونسي ورسم عليهم ثم أطلقهم بضمان وكفالة، فتألم الناس من ذلك كثيرا، فلم يمهله الله إلا عشرة أيام فجاءه الامر فجأة فعزل وحبس، ففرح الناس بذلك فرحا شديدا، ويقال إن الشيخ تقي الدين بلغه ذلك الخبر عن أهل الشام فأخبر السلطان بذلك فبعث من فوره فمسكه شر مسكة، وصفة مسكه أن تقدم الامير سيف الدين أرغون الدوادار فنزل في القصر، فلما كان يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الاولى خلع على الامير سيف الدين كراي خلعة سنية، فلبسها وقبل العتبة، وحضر الموكب ومد السماط، فقيد بحضرة الامراء وحمل على البريد إلى الكرك بصحبة غرلو العادلي، وبيبرس المجنون. وخرج عز الدين القلانسي من الترسيم من دار السعادة، فصلى في الجامع الظهر ثم عاد إلى داره وقد أوقدت له الشموع ودعا له الناس، ثم رجع إلى دار الحديث الاشرفية فجلس فيها نحوا من عشرين يوما، حتى قدم الامير جمال الدين نائب الكرك. وفي هذا الشهر مسك نائب صفت (1) الامير سيف الدين بكتمر أمير خزندار، وعوض عنه بالكرك بيبرس الدوادار المنصوري، ومسك نائب غزة، وعوض عنه بالجاولي، فاجتمع في حبس الكرك استدمر نائب حلب، وبكتمر نائب مصر (2)، وكراي نائب دمشق، والذي كان نائب صفت (1)، وقلطتمز نائب غزة وبنخاص. وقدم جمال الدين آقوش المنصوري الذي كان نائب الكرك عن نيابة دمشق إليها في يوم الاربعاء رابع عشر ربيع الآخر، وتلقاه الناس وأشعلت له الشموع، وفي صحبته الخطيري لتقريره في النيابة، وقد باشر نيابة الكرك من سنة تسعين وستمائة إلى سنة تسع وسبعمائة وله بها آثار حسنة، وخرج عز الدين القلانسي لتلقي النائب. وقرئ يوم الجمعة كتاب السلطان على السدة بحضرة النائب والقضاة والاعيان، وفيه الامر بالاحسان إلى الرعية وإطلاق البواقي التي كانت قد فرضت عليهم أيام كراي، فكثرت الادعية للسلطان وفرح الناس. وفي يوم الاثنين التاسع عشر خلع على الامير سيف الدين بهادراص بنيابة صفت (1) (*) فقبل العتبة وسار إليها يوم الثلاثاء، وفيه لبس الصدر بدر الدين بن أبي الفوارس خلعة نظر الدواوين


(1) كذا بالاصل، وهي صفد مدينة بجبال عاملة المطلة على حمص (معجم البلدان).

(2) انظر سبب القبض عليه النجوم الزاهرة 9 / 24 - 25 وكنز الدر (ج 9) الدر الفاخر في سيرة الملك الناصر ص 212 لابن أيبك الدواداري.

[ 71 ]

بدمشق مشاركا للشريف ابن عدنان وبعد ذلك بيومين قدم تقليد عز الدين بن القلانسي وكالة السلطان على ما كان عليه، وأنه إعفي عن الوزارة لكراهته لذلك. وفي رجب باشر ابن السلعوس نظر الاوقاف عوضا عن شمس الدين عدنان. وفي شعبان ركب نائب السلطنة بنفسه إلى أبواب السجون فأطلق المحبوسين بنفسه، فتضاعف له الادعية في الاسواق وغيرها. وفي هذا اليوم قدم الصاحب عز الدين بن القلانسي من مصر فاجتمع بالنائب وخلع عليه ومعه كتاب يتضمن احترامه وإكرامه واستمراره على وكالة السلطان، ونظر الخاص والانكار لما ثبت عليه بدمشق، وأن السلطان لم يعلم بذلك ولا وكل فيه، وكان المساعد له على ذلك كريم الدين ناظر الخاص السلطاني، والامير سيف الدين أرغون الدوادار. وفي شعبان منع ابن صصرى الشهود والعقاد من جهته، وامتنع غيرهم أيضا وردهم المالكي. وفي رمضان جاء البريد بتولية زين الدين كتبغا المنصوري حجوبية الحجاب، والامير بدر الدين ملتوبات القرماني شد الدواوين عوضا عن طوغان، وخلع عليهما معا، وفيها ركب بهادر السنجري نائب قلعة دمشق على البريد إلى مصر وتولاها سيف الدين بلبان البدري، ثم عاد السنجري في آخر النهار على نيابة البيرة، فسار إليها وجاء الخبر بأنه قد احتيط على جماعة من قصاد المسلمين ببغداد، فقتل منهم ابن العقاب وابن البدر، وخلص عبيدة وجاء سالما. وخرج المحمل في شوال وأمير الحاج الامير علاء الدين طيبغا أخو بهادراص. وفي آخر ذي القعدة جاء الخبر بأن الامير قراسنقر رجع من طريق الحجاز بعد أن وصل إلى بركة زيرا، وأنه لحق بمهنا بن عيسى فاستجار به خائفا على نفسه ومعه جماعة من خواصه، ثم سار من هناك إلى التتر بعد ذلك كله، وصحبه الافرم والزردكش (1). وفي العشرين من ذي القعدة وصل الامير سيف الدين أرغون في خمسة آلاف إلى دمشق وتوجهوا إلى ناحية حمص، وتلك النواحي. وفي سابع ذي الحجة وصل الشيخ كمال الدين بن الشريشي من مصر مستمرا على وكالته ومعه توقيع بقضاء العسكر الشامي، وخلع عليه في يوم عرفة. وفي هذا اليوم وصلت ثلاثة آلاف عليهم سيف الدين ملي من الديار المصرية فتوجهوا وراء أصحابهم إلى البلاد الشمالية. وفي آخر الشهر وصل شهاب الدين الكاشنغري من القاهرة ومعه توقيع بمشيخة الشيوخ، فنزل في الخانقاه وباشرها بحضرة القضاة والاعيان، وانفصل ابن الزكي عنها. وفيه باشر الصدر علاء الدين بن تاج الدين بن الاثير كتابة السر بمصر، وعزل عنها شرف الدين بن فضل الله، إلى كتابة


(1) قيل كان ذلك في ربيع الاول من السنة التالية 712 ه‍. راجع السلوك 2 / 115 كنز الدرر 9 / 218، 235 المختصر في أخبار البشر 4 / 66.

[ 72 ]

السر بدمشق عوضا عن أخيه محيي الدين، واستمر محيي الدين على كتابة الدست (1) بمعلوم أيضا والله أعلم. ومن توفي فيها من الاعيان. الشيخ الرئيس بدر الدين محمد بن رئيس الاطباء أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن طرخان الانصاري من سلالة سعد بن معاذ السويدي، من سويداء حوران، سمع الحديث وبرع في الطب، توفي في ربيع الاول ببستانه بقرب الشبلية، ودفن في تربة له في قبة فيها عن ستين سنة. الشيخ شعبان بن أبي بكر بن عمر الاربلي شيخ الحلبية بجامع بني أمية، كان صالحا مباركا فيه خير كثير، كان كثير العبادة وإيجاد الراحة للفقراء، وكانت جنازته حافلة جدا، صلي عليه بالجامع بعد ظهر يوم السبت تاسع عشرين رجب ودفن بالصوفية وله سبع وثمانون سنة، وروى شيئا من الحديث وخرجت له مشيخة حضرها الاكابر رحمه الله. الشيخ ناصر الدين يحيى بن إبراهيم ابن محمد بن عبد العزيز العثماني، خادم المصحف العثماني نحوا من ثلاثين سنة، وصلي عليه بعد الجمعة سابع رمضان ودفن بالصوفية، وكان لنائب السلطنة الافرم فيه اعتقاد ووصلة منه افتقاد، وبلغ خمسا وستين سنة. الشيخ الصالح الجليل القدوة أبو عبد الله محمد بن الشيخ القدوة إبراهيم بن الشيخ عبد الله الاموي، توفي في العشرين من رمضان بسفح قاسيون، وحضر الامراء والقضاء والصدور جنازته وصلي عليه بالجامع المظفري، ثم دفن عند والده وغلق يومئذ سوق الصالحية له، وكانت له وجاهة عند الناس وشفاعة مقبولة، وكان عنده فضيلة وفيه تودد، وجمع أجزاء في أخبار جيدة، وسمع الحديث وقارب السبعين رحمه الله.


(1) الدست: وظيفة من أجل الوظائف وأسناها وأنفسها وأعلاها والقائم بها سفير الرعية إلى الملك في حاجتهم، منفذ آمر مليكه ونهيه، مبلغ ذا الحاجة من أنعامه جوده وبره، ويتولى هذه الوظيفة كاتب الدست (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 136).

[ 73 ]

ابن الوحيد الكاتب هو الصدر شرف الدين أبو عبد الله محمد بن شريف بن يوسف الزرعي (1) المعروف بابن الوحيد، كان موقعا بالقاهرة وله معرفة بالانشاء وبلغ الغاية في الكتابة في زمانه، وانتفع الناس به، وكان فاضلا مقداما شجاعا، توفي بالمارستان المنصوري بمصر سادس عشر شوال (2). الامير ناصر الدين محمد بن عماد الدين حسن بن النسائي أحد أمراء الطبلخانات، وهو حاكم البندق، ولي ذلك بعد سيف الدين بلبان، توفي في العشرين الاخر من رمضان. التميمي الداري توفي يوم عيد الفطر ودفن بالقرافة الصغرى، وقد ولي الوزارة بمصر، وكان خبيرا كافيا، مان معزولا، وقد سمع الحديث وسمع عليه بعض الطلبة. وفي ذي القعدة جاء الخبر إلى دمشق بوفاة الامير الكبير استدمر وبنخاص في السجن بقلعة الكرك. القاضي الامام العلامة الحافظ سعد الدين مسعود الحارثي الحنبلي الحاكم بمصر، سمع الحديث، وجمع وخرج وصنف، وكانت له يد طولى في هذه الصناعة والاسانيد والمتون، وشرح قطعة من سنن أبي داود فأجاد وأفاد، وحسن الاسناد، رحمه الله تعالى، والله أعلم. ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها، وفي خامس المحرم توجه الامير عز الدين ازدمر الزردكاش وأميران معه إلى الافرم، وساروا بأجمعهم حتى لحقوا بقراسنقر وهو عند مهنا، وكاتبوا السلطان وكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار، وجاء البريد في صفر بالاحتياط على حواصل الافرم وقراسنقر والزرد كاش وجميع ما يتعلق بهم، وقطع خبز مهنا وجعل مكانه في الامرة


(1) الزرعي: نسبة إلى مدينة زرع احدى مدن حوران (تقويم البلدان لابي الفداء ص 259).

(2) في تذكرة النبيه 2 / 43: في شعبان، وكان مولده بدمشق سنة 647 ه‍.

[ 74 ]

أخاه محمدا، وعادت العساكر صحبة أرغون (1) من البلاد الشمالية، وقد حصل عند الناس من قراسنقر وأصحابه هم وغم وحزن، وقدم سودي (2) من مصر على نيابة حلب فاجتاز بدمشق فخرج الناس والجيش لتلقيه، وحضر السماط وقرئ المنشور بطلب جمال الدين نائب دمشق إلى مصر، فركب من ساعته على البريد إلى مصر وتكلم في نيابته لغيبة لاجين. وطلب في هذا اليوم قطب الدين موسى شيخ السلامية ناظر الجيش إلى مصر، فركب في آخر النهار إليها فتولى بها نظر الجيش عوضا عن فخر الدين الكاتب كاتب المماليك بحكم عزله ومصادرته وأخذ أمواله الكثيرة منه، في عاشر ربيع الاول. وفي الحادي عشر منه باشر الحكم للحنابلة بمصر القاضي تقي الدين أحمد بن المعز عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسي، وهو ابن بنت الشيخ شمس الدين بن العماد أول قضاة الحنابلة، وقدم الامير سيف الدين تمر على نيابة طرابلس ؟ عوضا عن الافرم بحكم هربه إلى التتر. وفي ربيع الآخر مسك بيبرس العلائي نائب حمص وبيبرس المجنون وطوغان وجماعة آخرون من الامراء ستة في نهار واحد وسيروا إلى الكرك معتقلين بها. وفيه مسك نائب مصر الامير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري، وولي بعده أرغون الدوادار، ومسك نائب الشام جمال الدين نائب الكرك وشمس الدين سنقر الكمالي حاجب بمصر، وخمسة أمراء آخرون وحبسوا كلهم بقلعة الكرك، في برج هناك. وفيه وقع حريق داخل باب السلامية احترق فيه دور كثيرة منها دار ابن أبي الفوارس، ودار الشريف القباني. نيابة تنكز على الشام في يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر دخل الامير سيف الدين تنكز بن عبد الله المالكي الناصري نائبا على دمشق بعد مسك نائب الكرك ومعه جماعة من مماليك السلطان منهم الحاج ارقطاي على حيز بيبرس العلائي، وخرج الناس لتلقيه وفرحوا به كثيرا، ونزل بدار السعادة ووقع عند قدومه مصر فرح عظيم، وكان ذلك اليوم يوم الرابع والعشرين من آب، وحضر يوم الجمعة الخطبة بالمقصورة وأشعلت له الشموع في طريقه، وجاء توقيع لابن صصرى بإعادة قضاء العسكر إليه، وأن ينظر الاوقاف فلا يشاركه أحد في الاستنابة في البلاد الشامية على عادة من تقدمه من قضاة الشافعية، وجاء مرسوم لشمس الدين أبي طالب بن حميد بنظر الجيش عوضا عن ابن شيخ السلامية بحكم إقامته بمصر، ثم بعد أيام وصل الصدر معين الدين هبة الله بن خشيش ناظر الجيش وجعل ابن حميد بوظيفة ابن الصدر، وسافر ابن البدر على نظر جيش طرابلس، وتولى


(1) وهو أرغون شاه بن عبد الله الدوادار الناصري، الامير سيف الدين، ولي نيابة السلطنة في الديار المصرية في جمادى الاولى وكانت وفاته سنة 731 ه‍ (الدرر 1 / 374 شذرات 6 / 95).

(2) وهو الامير سيف الدين، سودي بن عبد الله الناصري من مماليك الملك الناصر محمد ومن خواص توفي سنة 714 ه‍. (النجوم الزاهرة 9 / 229 الدرر الكامنة 2 / 275.

[ 75 ]

أرغون نيابة مصر وعاد فخر الدين كاتب المماليك إلى وظيفته مع استمرار قطب الدين ابن شيخ السلامية مباشرا معه. وفي هذا الشهر قام الشيخ محمد بن قوام ومعه جماعة من الصالحين على ابن زهرة المغربي الذي كان يتكلم بالكلاسة وكتبوا عليه محضرا يتضمن استهانته بالمصحف، وأنه يتكلم في أهل العلم، فأحضر إلى دار العدل فاستسلم وحقن دمه وعزر تعزيرا بليغا عنيفا وطيف به في البلد باطنه وظاهره، وهو مكشوف الرأس ووجهه مقلوب وظهره مضروب، ينادى عليه هذا جزاء من يتكلم في العلم بغير معرفة، ثم حبس وأطلق فهرب إلى القاهرة، ثم عاد على البريد في شعبان ورجع إلى ما كان عليه. وفيها قدم بهادراص من نيابة صفد إلى دمشق وهنأه الناس، وفيها قدم كتاب من السلطان إلى دمشق أن لا يولي أحد بمال ولا برشوة فإن ذلك يفضي إلى ولاية من لا يستحق الولاية، وإلى ولاية غير الاهل، فقرأه ابن الزملكاني على السدة وبلغه عنه ابن حبيب المؤذن، وكان سبب ذلك الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله. وفي رجب وشعبان حصل للناس خوف بدمشق بسبب أن التتر قد تحركوا للمجئ إلى الشام، فانزعج الناس من ذلك وخافوا، وتحول كثير منهم إلى البلد، وازدحموا في الابواب، وذلك في شهر رمضان وكثرت الاراجيف بأنهم قد وصلوا إلى الرحبة (1)، وكذلك جرى واشتهر بأن ذلك بإشارة قراسنقر وذويه فالله أعلم. وفي رمضان جاء كتاب السلطان أن من قتل لا يجني أحد عليه، بل يتبع القاتل حتى يقتص منه بحكم الشرع الشريف، فقرأه ابن الزملكاني على السدة بحضرة نائب السلطنة ابن تنكز وسببه ابن تيمية، هو أمر بذلك وبالكتاب الاول قبله. وفي أول رمضان وصل التتر إلى الرحبة فحاصروها عشرين يوما (2) وقاتلهم نائبها الامير بدر الدين موسى الازدكشي خمسة أيام قتالا عظيما، ومنعهم منها فأشار رشيد الدولة بأن ينزلوا إلى خدمة السلطان خربندا ويهدوا له هدية ويطلبون منه العفو، فنزل القاضي نجم الدين إسحاق وأهدوا له خمسة رؤوس خيل، وعشرة أباليج سكر، فقبل ذلك ورجع إلى بلاده، وكانت بلاد حلب وحماه وحمص قد أجلوا منها وخرب أكثرها ثم رجعوا إليها لما تحققوا رجوع التتر عن الرحبة، وطابت الاخبار وسكنت النفوس ودقت البشائر وتركت الائمة القنوت، وخطب الخطيب يوم العيد وذكر الناس بهذه النعمة. وكان سبب رجوع التتر قلة العلف وعلاء الاسعار وموت كثير منهم، وأشار على سلطانهم بالرجوع الرشيد وجوبان. وفي ثامن شوال دقت البشائر بدمشق بسبب خروج السلطان من مصر لاجل ملاقاة التتر.


(1) الرحبة: (رحبة مالك بن طرحة): مدينة على شاطئ الفرات بين الرقة وبغداد (تقويم البلدان ص 280 - معجم البلدان).

(2) في مختصر أبي الفداء 4 / 70: نحو شهر، وفي تذكرة النبيه 2 / 45: ثلاثة وعشرين يوما.

[ 76 ]

وخرج الركب في نصف شوال وأميرهم حسام الدين الصغير، الذي كان والي البر، وقدمت العساكر المصرية أرسالا، وكان قدوم السلطان ودخوله دمشق ثالث عشرين شوال، واحتفل الناس لدخوله ونزل القلعة وزينت البلد وضربت البشائر، ثم انتقل بعد ليلتئذ إلى القصر وصلى الجمعة بالجامع بالمقصورة وخلع على الخطيب، وجلس في دار العدل يوم الاثنين، وقدم وزيره أمين الملك يوم الثلاثاء عشرين الشهر، وقدم صحبة السلطان الشيخ الامام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية إلى دمشق يوم الاربعاء مستهل ذي القعدة وكانت غيبته عنها سبع سنين، ومعه أخواه وجماعة من أصحابه، وخرج خلق كثير لتلقيه وسروا بقدومه وعافيته ورؤيته، واستبشروا به حتى خرج خلق من النساء أيضا لرؤيته، وقد كان السلطان صحبه معه من مصر فخرج معه بنية الغزاة، فلما تحقق عدم الغزاة وأن التتر رجعوا إلى بلادهم فارق الجيش من غزة وزار القدس وأقام به أياما، ثم سافر على عجلون وبلاد السواد وزرع، ووصل دمشق في أول يوم من ذي القعدة، فدخلها فوجد السلطان قد توجه إلى الحجاز الشريف في أربعين أميرا من خواصه يوم الخميس ثاني ذي القعدة، ثم إن الشيخ بعد وصوله إلى دمشق واستقراره بها لم يزل ملازما لاشتغال الناس في سائر العلوم ونشر العلم وتصنيف الكتب وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطولة والاجتهاد في الاحكام الشرعية ففي بعض الاحكام يفتي بما أدى إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الاربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور في مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف. فلما سار السلطان إلى الحج فرق العساكر والجيوش بالشام وترك أرغون بدمشق. وفي يوم الجمعة لبس الشيخ كمال الدين الزملكاني خلعة وكاة بيت المال عوضا عن ابن الشريشي، وحضر بها الشباك وتكلم وزير السلطان في البلد، وطلب أموالا كثيرة وصادر وضرب بالمقارع وأهان جماعة من الرؤساء منهم ابن فضل الله محيي الدين. وفيه عين شهاب الدين بن جهبل لتدريس الصلاحية بالمقدس عوضا عن نجم الدين داود الكردي توفي، وقد كان مدرسا من نحو ثلاثين سنة. فسافر ابن جهبل إلى القدس بعد عيد الاضحى. وفيها مات ملك القفجاق المسمى طغطاي خان، وكان له من الملك ثلاث وعشرون سنة، وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة، وكان شهما شجاعا لى دين التتر في عبادة الاصنام والكواكب، يعظم المجسمة والحكماء والاطباء ويكرم المسلمين أكثر من جميع الطوائف، كان جيشه هائلا لا يجسر أحد على قتاله لكثرة جيشه وقوتهم وعددهم، ويقال إنه جرد مرة تجريدة من كل عشرة من جيشه واحدا فبلغت التجريدة ومائتي ألف وخمسين ألفا، توفي في رمضان منها وقام في الملك من بعده ابن أخيه أزبك خان، وكان مسلما فأظهر دين الاسلام ببلاده، وقتل خلقا من

[ 77 ]

أمراء الكفرة وعلت الشرائع المحمدية على سائر الشرائع هناك ولله الحمد والمنة على الاسلام والسنة. وممن توفي فيها من الاعيان. الملك المنصور صاحب ماردين وهو نجم الدين أبو الفتح غازي بن الملك المظفر قرارسلان بن الملك السعيد نجم الدين غازي بن الملك المنصور ناصر الدين ارتق بن غازي بن المني بن تمرتاش بن غازي بن أرتق الاريفي ؟ أصحاب ماردين من عدة سنين، كان شيخا حسنا مهيبا كامل الخلقة بدينا سمينا إذا ركب يكون خلفه محفة. خوفا من أن يمسه لغوب فيركب فيها، توفي في تاسع ربيع الآخر ودفن بمدرسته تحت القلعة، وقد بلغ من العمر فوق السبعين، ومكث في الملك قريبا من عشرين سنة، وقام من بعده في الملك ولده العادل فمكث سبعة عشر (1) يوما، ثم ملك أخوه المنصور (2). وفيها مات: الامير سيف الدين قطلوبك الشيخي كان من أمراء دمشق الكبار. الشيخ الصالح نور الدين أبو الحسن على بن محمد بن هارون بن محمد بن علي بن حميد الثعلبي الدمشقي، قارئ الحديث بالقاهرة ومسندها، روى عن ابن الزبيدي وابن الليثي (3) وجعفر الهمداني وابن الشيرازي وخلق، وقد خرج له الامام العلامة تقي السبكي مشيخة، وكان رجلا صالحا توفي بكرة الثلاثاء تاسع عشر ربيع الآخر، وكانت جنازته حافلة. الامير الكبير الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك الناصر داود بن المعظم، سمع الحديث وكان رجلا متواضعا توفي بمصر ثاني عشر رجب، ودفن بالقاهرة.


(1) في مختصر أخبار البشر 4 / 67: نحو ثلاثة عشر يوما، وفي تذكرة النبيه 2 / 48: مات بعد أيام.

(2) في مختصر أبي الفداء وتذكرة النبيه: الملك الصالح واستقر أمره وتوفي سنة 766 - وانظر الدرر 2 / 301 ترجمة 1969.

(3) في شذرات الذهب 6 / 31: ابن اللتي.

[ 78 ]

قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن داود بن حازم الازرعي (1) الحنفي، كان فاضلا درس وأفتى قضاء الحنفية بدمشق سنة ثم عزل واستمر على تدريس الشبلية (2) مدة ثم سافر إلى مصر فأقام بسعيد السعداء خمسه أيام وتوفي يوم الاربعاء ثاني عشرين رجب فالله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وسبعمائة استهلت والحكام هم هم، والسلطان في الحجاز لم يقدم بعد، وقد قدم الامير سيف الدين تجليس يوم السبت مستهل المحرم من الحجاز وأخبر بسلامة السلطان وأنه فارقه من المدينة النبوية، أنه قد قارب البلاد، فدقت البشائر فرحا بسلامته، ثم جاء البريد فأخبر بدخوله إلى الكرك ثاني المحرم يوم الاحد، فلما كان يوم الثلاثاء حادي عشر المحرم دخل دمشق وقد خرج الناس لتلقيه على العادة، وقد رأيته مرجعه من هذه الحجة على شفته ورقة قد ألصقها عليها، فنزل بالقصر وصلى الجمعة رابع عشر المحرم بمقصورة الخطابة، وكذلك الجمعة التي تليها، ولعب في الميدان بالكرة يوم السبت النصف من المحرم، وولي نظر الدواوين للصاحب شمس الدين غبريال يوم الاحد حادي عشر المحرم وشد الدواوين لفخر الدين إياس الاعسري عوضا عن القرماني، وسافر القرماني إلى نيابة الرحبة وخلع عليهما وعلى وزيره، وخلع على إبن صصرى وعلى الفخر كاتب المماليك، وكان مع السلطان في الحج، وولى شرف الدين بن صصرى حجابة الديوان وباشر فخر الدين ابن شيخ السلامية نظر الجامع، وباشر بهاء الدين بن عليم نظر الاوقاف، والمنكورسي شد الاوقاف. وتوجه السلطان راجعا إلى الديار المصرية بكرة الخميس السابع والعشرين من المحرم، وتقدمت الجيوش بين يديه ومعه. وفي أواخر صفر اجتاز على البريد في الرسلية إلى مهنا الشيخ صدر الدين الوكيل به مهنا والامير علاء الدين الطنبغا فاجتمعوا به في تدمر ثم عاد الطنبغا وابن الوكيل إلى القاهرة. وفي جمادى الآخرة مسك أمين الملك وجماعة من الكبار معه وصودروا بأموال كثيرة، وأقيم عوضه بدر الدين بن التركماني الذي كان والي الخزانة. وفي رجب كملت أربعة مناجيق واحد لقلعة دمشق وثلاثة تحمل إلى الكرك، ورمي باثنين على باب الميدان وحضر نائب السلطنة تنكز والعامة وفي شعبان تكامل حفر النهر الذي عمله سودي نائب حلب بها، وكان طوله من نهر


(1) في تذكرة النبيه 2 / 52 ودرة الاسلاك ص 194 والدرر 3 / 365: محمد بن ابراهيم بن إبراهيم بن داود بن حازم الاذرعي. والاذرعي نسبة إلى أذرعات في أطراف الشام بجوار أرض البلقاء وعمان (معجم البلدان)

(2) الشبلية، وهي المدرسة الشبلية البرانية أنشأها شبل الدولة الحسامي محمد بن لاجين ولدست الشام المتوفى سنة 623 ه‍ (الدارس 1 / 530).

[ 79 ]

الساجور إلى نهر قويق أربعين ألف ذراع في عرض ذراعين وعمق ذراعين، وغرم عليه ثلثمائة ألف درهم، وعمل بالعدل ولم يظلم فيه أحدا. وفي يوم السبت ثامت شوال خرج الركب من دمشق وأميره سيف الدين بلباي التتري، وحج صاحب حماة في هذه السنة وخلق من الروم والغرباء. وفي يوم السبت السادس والعشرين من ذي الحجة وصل القاضي قطب الدين موسى ابن شيخ السلامية من مصر على نظر الجيوش الشامية كما كان قبل ذلك، وراح معين الدين بن الخشيش إلى مصر في رمضان صحبة الصاحب شمس الدين بن غبريال وبعد وصول ناظر الجيوش بيومين وصلت البشائر بمقتضى إزالة الاقطاعات لما رآه السلطان بعد نظره في ذلك أربعة أشهر. وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ الامام المحدث فخر الدين أبو عمر وعثمان (1) بن محمد بن عثمان بن أبي بكر بن داود التوزري (2) بمكة يوم الاحد حادي ربيع الآخر، وقد سمع الكثير، وأجازه خلق يزيدون على ألف شيخ، وقرأ الكتب الكبار وغيرها، وقرأ صحيح البخاي أكثر من ثلاثين مرة رحمه الله. عز الدين محمد بن العدل شهاب الدين أحمد بن عمر بن إلياس الرهاوي، كان يباشر استيفاء الاوقاف وغير ذلك، وكان من أخصاء أمين الملك، فلما مسك بمصر أرسل إلى هذا وهو معتقل بالعذراوية ليحضر على البريد فمرض فمات بالمدرسة العذراوية ليلة الخميس التاسع عشر من جمادى الآخرة، وله من العمر خمس وثلاثون سنة، وكان قد سمع من ابن طبرزد الكندي، ودفن من الغد بباب الصغير، وترك من بعده ولدين ذكرين جمال الدين محمد، وعز الدين. الشيخ الكبير المقرئ شمس الدين المقصاي، هو أبو بكر بن عمر بن السبع الجزري المعروف بالمقصاي نائب الخطيب وكان يقرئ الناس بالقراءات السبع وغيرها من الشواذ، وله إلمام بالنحو، وفيه ورع


(1) من تذكرة النبيه 2 / 57 وشذرات الذهب 6 / 33، وفي الاصل عفان تحريف.

(2) من شذرات الذهب والدرر 3 / 64 وفي الاصل: التوزي تحريف. والتوزري نسبة إلى مدينة توزر من بلاد الجريد بأفريقيا (تونس) (تقويم البلدان ص 144، معجم البلدان).

[ 80 ]

واجتهاد، توفي ليلة السبت حادي عشرين جمادى الآخرة ودفن من الغد بسفح قاسيون تجاه الرباط الناصري، وقد جاوز الثمانين رحمه الله. ثم دخلت سنة أربع عشرة وسبعمائة استهلت والحكام هم هم في التي قبلها إلا الوزير أمين الملك فمكانه بدر الدين التركماني وفي رابع المحرم عاد الصاحب شمس الدين غبريال من مصر على نظر الدواوين وتلقاه أصحابه وفي عاشر المحرم يوم الجمعة قرئ كتاب السلطان على السدة بحضرة نائب السلطنة والقضاة والامراء يتضمن بإطلاق البواقي (1) من سنة ثمان وتسعين وستمائة إلى آخر سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، فتضاعفت الادعية للسلطان وكان القارئ جمال الدين بن القلانسي ومبلغه صدر الدين بن صبح المؤذن، ثم قرئ في الجمعة الاخرى مرسوم آخر فيه الافراج عن المسجونين وأن لا يؤخذ من كل واحد إلا نصف درهم، ومرسوم آخر فيه إطلاق السخر في الغصب وغيره من الفلاحين، قرأه ابن الزملكاني وبلغه عنه أمين الدين محمد بن مؤذن النجيبي. وفي المحرم استحضر السلطان إلى بين يديه الفقيه نور الدين علي البكري وهم بقتله شفع فيه الامراء فنفاه ومنعه من الكلام في الفتوى والعلم، وكان قد هرب لما طلب من جهة الشيخ تقي الدين بن تيمية فهرب واختفى، وشفع فيه أيضا، ثم لما ظفر به السلطان الآن وأراد قتله شفع فيه الامراء فنفاه ومنعه من الكلام والفتوى، وذلك لاجترائه وتسرعه على التكفير والقتل والجهل الحامل له على هذا وغيره. وفي يوم الجمعة مستهل صفر قرأ ابن الزملكاني كتابا سلطانيا على السدة بحضرة نائب السلطان القاضي وفيه الامر بإبطال ضمان القواسير وضمان النبيذ وغير ذلك، فدعا الناس للسلطان. وفي أواخر ربيع الاول اجتمع القضاة بالجامع للنظر في أمر الشهود ونهوهم عن الجلوس في المساجد، وأن لا يكون أحد منهم في مركزين، وأن لا يتولوا ثبات الكتب ولا يأخذوا أجرا على أداء الشهادة وأن لا يغتابوا أحدا وأن يتناصفوا في المعيشة ثم جلسوا مرة ثانية لذلك وتواعدوا ثالثة فلم يتفق اجتماعهم، ولم يقطع أحد من مركزه. وفي يوم الاربعاء الخامس والعشرين منه عقد مجلس في دار ابن صصرى لبدر الدين بن بضيان وأنكر عليه شئ من القراءات فالتزم بترك الاداء ؟ بالكلية ثم استأذن بعد أيام في الاقراء فأذن له فجلس بين الظهر والعصر بالجامع وصارت له حلقة على العادة. وفي منتصف رجب توفي نائب حلب الامير سيف الدين سودي ودفن بتربته (2) (*) وولى مكانه علاء الدين الطنبغا الصالحي


(1) البواقي هو ما يتأخر كل سنة عند الضمان والمتقبلين من مال الخراج (المواعظ والاعتبار 1 / 85).

(2) وتربته بنيت له خارج باب المقام، وهو جبانة حلب جنوب جبل جوشن وعرفت الناحية بالمقام لوجود مقام لابراهيم عليه السلام بها (تذكرة النبيه 2 / 58 ومعجم البلدان " مادة حلب ").

[ 81 ]

الحاجب بمصر، قبل هذه النيابة. وفي تاسع شعبان خلع على الشريف شرف الدين عدنان بنقابة الاشراف بعد والده أمين الدين جعفر توفي في الشهر الماضي. وفي خامس شوال دفن الملك شمس الدين دوباج بن ملكشاه بن رستم صاحب كيلان بتربته المشهورة بسفح قاسيون، وكان قد قصد الحج في هذا العام، فلما كان بغباغب أدركته منيته يوم السبت السادس عشرين رمضان فحمل إلى دمشق وصلي عليه ودفن في هذه التربة (1) (*)، اشتريت له وتممت وجاءت حسنة وهي مشهورة عند المكارية شرقي الجامع المظفري، وكان له في مملكة كيلان خمس (2) وعشرون سنة، وعمر أربعا وخمسين سنة، وأوصى أن يحج عنه جماعة ففعل ذلك وخرج الركب في ثالث شوال وأميره سيف الدين سنقر الابراهيمي، وقاضيه محيي الدين قاضي الزبداني. وفي يوم الخميس سابع ذي القعدة قدم القاضي بدر الدين بن الحداد من القاهرة متوليا حسبة دمشق فخلع عليه عوضا عن فخر الدين سليمان البصراوي، وعزل فسافر سريعا إلى البرية ليشتري خيلا للسلطان يقدمها رشوة على المنصب المذكور، فاتفق موته في البرية في سابع عشر الشهر المذكور، وحمل إلى بصرى فدفن بها عند أجداده في ثامن ذي القعدة، وكان شابا حسنا كريم الاخلاق حسن الشكل. وفي أواخره مسك نائب صفد بلبان طوباي المنصوري وسجن وتولى مكانه سيف الدين بلباي البدري. وفي سادس ذي الحجة تولى ولاية البر الامير علاء الدين علي بن محمود بن معبد البعلبكي عوضا عن شرف الدين عيس بن البركاسي، وفي يوم عيد الاضحى وصل الامير علاء الدين بن صبح من مصر وقد أخرج عنه فسلم عليه الامراء. وفي هذا الشهر أعيد أمين الملك إلى نظر النظار بمصر فخلع على الصاحب بهاء الدين النسائي بنظر الخزانة عوضا عن سعد الدين حسن بن الاقفاصي. وفيه وردت البريدية بأمر السلطان للجيوش الشامية بالمسير إلى حلب وأن يكون مقدم العساكر كلها تنكز نائب الشام، وقدم من مصر ستة آلاف مقاتل عليهم الامير سيف الدين بكتمر الابو بكري، وفيهم تجليس وبدر الدين الوزيري، وكتشلي وابن طيبرس وشاطي وابن سلار وغيرهم، فتقدموا إلى البلاد الحلبية بين يدي نائب الشام تنكز. وممن توفي فيها من الاعيان: سودي نائب حلب في رجب ودفن بتربته، وهو الذي كان السبب في إجراء نهر إليها، غرم عليه ثلثمائة ألف درهم، وكان مشكور السيرة حميد الطريقة رحمه الله. وفي شعبان توفي:


(1) في تذكرة النبيه 2 / 63: بناحية الصالحية، والصالحية قرية في لحف جبل قاسيون المطل على دمشق (معجم البلدان).

(2) في الاصل: خمسة.

[ 82 ]

الصاحب شرف الدين يعقوب بن مزهر وكان بارا بأهله وقرابته رحمه الله (1). والشيخ رشيد أبو الفداء إسماعيل (2) أبو محمد القرشي الحنفي المعروف بابن المعلم، كان من أعلام الفقهاء والمفتيين، ولديه علوم شتى وفوائد وفرائد، وعنده زهد وانقطاع عن الناس، وقد درس بالبلخية مدة ثم تركها لولده وسار إلى مصر فأقام بها، وعرض عليه قضاء دمشق فلم يقبل، وقد جاوز السبعين (3) (*) من العمر، توفي سحر يوم الاربعاء رجب ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى. وفي شوال توفي: الشيخ سليمان التركماني الموله الذي كان يجلس على مصطبته بالعلبيين، وكان قبل ذلك مقيما بطهارة باب البريد، وكان لا يتحاشى من النجاسات ولا يتقيها، ولا يصلي الصلوات ولا يأتيها، وكان بعض الناس من الهمج له فيه عقيدة قاعدة الهمج الرعاع الذي هم أتباع كل ناعق من المولهين والمجانين، ويزعمون أنه يكاشف وأنه رجل صالح، ودفن بباب الصغير في يوم كثير الثلج. وفي يوم عرفة توفيت: الشيخة الصالحة العابدة الناسكة أم زينب فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح بن محمد البغدادية بظاهر القاهرة، وشهدها خلق كثير، وكانت من العالمات الفاضلات، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقوم على الاحمدية في مواخاتهم النساء والمردان، وتنكر أحوالهم وأصول أهل البدع وغيرهم، وتفعل من ذلك ما لا تقدر عليه الرجال، وقد كانت تحضر مجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستفادت منه ذلك وغيره، وقد سمعت الشيخ تقي الدين يثني عليها ويصفها بالفضيلة والعلم، ويذكر عنها أنها كانت تستحضر كثيرا من المغنى أو أكثره، وأنه كان يستعد لها من كثرة مسائلها وحسن سؤالاتها وسرعة فهمها، وهي التي ختمت نساء كثيرا القرآن، منهن أم زوجتي عائشة بنت صديق، زوجة الشيخ


(1) مولده بنابلس سنة 628 ه‍ كان ناظر الدواوين بحلب عاش نيفا وثمانين سنة مات في شعبان (تذكرة النبيه 2 / 62 والنجوم الزاهرة 9 / 277 الدرر 5 / 211).

(2) وهو اسماعيل بن عثمان بن المعلم القرشي الدمشقي (السلوك 2 / 140 الدرر 1 / 394).

(3) في تذكرة النبيه 2 / 61: إحدى وتسعين سنة.

[ 83 ]

جمال الدين المزي، وهي التي أقرأت ابتنها زوجتي أمة الرحيم زينب رحمهن الله وأكرمهن برحمته وجنته آمين. ثم دخلت سنة خمش عشرة وسبعمائة استهلت والحكام في البلاد هم المذكورون في التي قبلها. فتح ملطية في يوم الاثنين مستهل المحرم خرج سيف الدين تنكز في الجيوش قاصدا ملطية (1) وخرجت الاطلاب (2) على راياتها وأبرزوا ما عندهم من العدد وآلات الحرب، وكان يوما مشهودا، وخرج مع الجيش ابن صصرى لانه قاضي العساكر وقاضي قضاة الشامية، فساروا حتى خلوا حلب في الحادي عشر من الشهر، ومنها وصلوا في السادس عشر إلى بلاد الروم إلى ملطية، فشرعوا في محاصرتها في الحادي والعشرين من المحرم، وقد حصنت ومنعت وغلقت أبوابها، فلما رأوا كثرة الجيش نزل متوليها وقاضيها وطلبوا الامان فأمنوا المسلمين ودخلوها، فقتلوا من الارمن خلقا ومن النصارى وأسروا ذرية كثيرة، وتعدى ذلك إلى بعض المسلمين وغنموا شيئا كثيرا، وأخذت أموال كثير من المسلمين ورجعوا عنها بعد ثلاثة أيام يوم الاربعاء رابع عشرين المحرم إلى عين تاب إلى مرج دابق، وزينت دمشق ودقت البشائر. وفي أول صفر رحل نائب ملطية متوجها إلى السلطان. وفي نصف الشهر وصل قاضيها الشريف شمس الدين ومعه خلق من المسلمين من أهلها، وفي بكرة نهار الجمعة سادس عشر ربيع الاول دخل تنكز دمشق وفي خدمته الجيوش الشامية والمصرية، وخرج الناس للفرجة عليهم على العادة، وأقام المصريون قليلا ثم ترحلوا إلى القاهرة. وقد كانت ملطية إقطاعا للجوبان أطلقها له ملك التتر فاستناب بها رجلا كرديا فتعدى وأساء وظلم، وكاتب أهلها السلطان الناصر وأحبوا أن يكونوا من رعيته، فلما ساروا إليها وأخذوها وفعلوا ما فعلوا فيها جاءها بعد ذلك الجوبان فعمرها ورد إليها خلقا من الارمن وغيرهم. وفي التاسع عشر من هذا الشهر وصل إلينا بمسك بكتمر الحاجب وأيدغدي شقير وغيرهما وكان ذلك يوم الخميس مستهل هذا الشهر، وذلك أنهم اتفقوا على السلطان فبلغه الخبر


(1) ملطية: مدينة قديمة، شمالي أعالي الفرات، جنوب سيواس (تقويم البلدان ص 384، ومعجم البلدان).

(2) الاطلاب، مفردها طلب، لفظ كردي معناه الامير الذي يقود مائتي فارس في ميدان القتال، ويطلق كذلك على قائد المئة أو السبعين، أول ما استعمل في مصر والشام أيام صلاح الدين، ثم عدل مدلوله فأصبح يطلق على الكتيبة من الجيش (السلوك 1 / 248 حاشية 2) وعن سبب غزو ملطية انظر السلوك للمقريزي ج 2 / 1 / 14 3 ومختصر أبي الفداء 4 / 74.

[ 84 ]

فمسكهم واحتيط على أموالهم وحواصلهم، وظهر لبكتمر أموال كثيرة وأمتعة وأخشاب وحواصل كثيرة وقدم مجليس من القاهرة فاجتاز بدمشق إلى ناحية طرابلس ثم قدم سريعا ومعه الامير سيف الدين تمير نائب طرابلس تحت الحوطة، ومسك بدمشق الامير سيف الدين بهادراص المنصوري فحمل الاول إلى القاهرة، وجعل مكانه في نيابة طرابلس كسناي، وحمل الثاني وحزن الناس عليه ودعوا له. وفي يوم الخميس الحادي والعشرين من ربيع الآخر قدم عز الدين بن مبشر دمشق محتسبا وناظر الاوقاف وانصرف ابن الحداد عن الحسبة، وبهاء الدين عن نظر الاوقاف. وفي ليلة الاثنين ثالث عشر جمادى الاولى وقع حريق قبالة مسجد الشنباشي داخل باب الصغير، احترق فيه دكاكين ودور وأموال وأمتعة. وفي يوم الاربعاء سادس عشر جمادى الآخرة درس قاضي ملطية الشريف شمس الدين بالمدرسة الاختونية البرانية عوضا عن قاضي القضاة الحنفي البصروي، وحضر عنده الاعيان، وهو رجل له فضيلة وخلق حسن، كان قاضيا بملطية وخطيبا بها نحوا من عشرين سنة. وفي يوم الخميس رابع جمادى الآخرة أعيد ابن الحداد إلى الحسبة واستمر ابن مبشر ناظر الاوقاف. وفي يوم الاربعاء تاسع جمادى الآخرة درس ابن صصرى بالاتابكية عوضا عن الشيخ صفي الدين الهندي. في يوم الاربعاء الآخر حضر ابن الزملكاني درس الظاهرية الجوانية عوضا عن الهندي أيضا بحكم وفاته كما ستأتي ترجمته. وفي أو اخر رجب أخرج الامير آقوش نائب الكرك من سجن القاهرة وأعيد إلى الامرة. وفي شعبان توجه خمسة آلاف من بلاد حلب فأغاروا على بلاد آمد، وفتحوا بلدانا كثيرة، وقتلوا وسبوا وعادوا سالمين، وخمسوا ما سبوا فبلغ سهم الخمس أربعة آلاف رأس وكسور. وفي أواخر رمضان وصل قراسنقر المنصوري إلى بغداد ومعه زوجته الخاتون بنت أبغا ملك التتر، وجاء في خدمته خربندا واستأذنه في الغارة على أطراف بلاد المسلمين فلم يأذن له، ووثب عليه رجل فداوي من جهة صاحب مصر فلم يقدر عليه وقتل الفداوي وفي يوم الاربعاء سادس عشر رمضان درس بالعادلية الصغيرة الفقيه الامام فخر الدين محمد بن علي المصري المعروف بابن كاتب قطلوبك، بمقتضى نزول مدرسها كمال الدين بن الزملكاني له عنها، وحضر عنده القضاة والاعيان والخطيب وابن الزملكاني أيضا. وفي هذا الشهر كملت عمارة القيسارية المعروفة بالدهشة عند الوراقين واللبادين وسكنها التجار، فتميزت بذلك أوقاف الجامع، وذلك بمباشرة الصاحب شمس الدين. وفي ثامن شوال قتل أحمد الزومي ؟ شهد عليه بالعظائم من ترك الواجبات واستحلال المحرمات واستهانته وتنقيصه بالكتاب والسنة، فحكم المالكي بإراقة دمه وإن أسلم، فاعتقل ثم قتل. وفي هذا اليوم كان خروج الركب الشامي وأميره سيف الدين طقتمر وقاضيه قاضي ملطية. وحج فيه قاضي حماة وحلب وماردين ومحيي الدين كاتب ملك الامراء تنكز وصهره فخر الدين المصري. وممن توفي فيها من الاعيان:

[ 85 ]

شرف الدين أبو عبد الله محمد بن العدل عماد الدين محمد بن أبي الفضل محمد بن أبي الفتح نصر الله بن المظفر بن أسعد بن حمزة بن أسد (1) بن علي بن محمد التميمي الدمشقي ابن القلانسي، ولد سنة ست وأربعين وستمائة وباشر نظر الخاص. وقد شهد قبل ذلك في القيمة ثم تركها، وقد ترك أولادا وأموالا جمة، توفي ليلة السبت ثاني عشر صفر ودفن بقاسيون. الشيخ صفي الدين الهندي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن محمد الارموي الشافعي المتكلم، ولد بالهند سنة أربع وأربعين وستمائة، واشتغل على جده لامه، وكان فاضلا، وخرج من دهلي في رجب سنة سبع وستين فحج وجاور بمكة أشهرا ثم دخل اليمن فأعطاه ملكها المظفر أربعمائة دينار، ثم دخل مصر فأقام بها أربع سنين، ثم سافر إلى الروم على طريق إنطاكية فأقام إحدى عشرة سنة بقونية وبسيواس خمسا وبقيسارية سنة، واجتمع بالقاضي سراج الدين فأكرمه، ثم قدم إلى دمشق في سنة خمس وثمانين فأقام بها واستوطنها ودرس بالرواحية والدولعية والظاهرية والاتابكية (2) وصنف في الاصول والكلام، وتصدى للاشتغال والافتاء، ووقف كتبه بدار الحديث الاشرفية وكان فيه بر وصلة، توفي ليلة الثلاثاء تاسع عشرين صفر (3) ودفن بمقابر الصوفية، ولم يكن معه وقت موته سوى الظاهرية وبها مات، فدرس بعده فيها ابن الزملكاني، وأخذ ابن صصرى الاتابكية. القاضي المسند المعمر الرحلة تقي الدين سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي الحاكم بدمشق ولد في نصف رجب سنة ثمان وعشرين وستمائة، وسمع الحديث الكثير وقرأ بنفسه وتفقه وبرع، وولي الحكم وحدث، وكان من خيار الناس وأحسنهم خلقا وأكثرهم مرؤة، توفي فجأة بعد مرجعه من البلد وحكمه بالجوزية، فلما صار إلى منزله بالدير تغيرت حاله ومات عقيب صلاة المغرب ليلة الاثنين حادي عشرين ذي القعدة، ودفن من الغد بتربة جده، وحضر جنازته خلق كثير وجم غفير رحمه الله.


(1) في تذكرة النبيه 2 / 67: أسعد.

(2) الاتابكية بدمشق أنشأتها خاتون بنت عز الدين مسعود المتوفاة سنة 640 ه‍ (الدارس 1 / 129).

(3) في تذكرة النبيه 2 / 72، وفي شذرات الذهب 6 / 37: توفي بدمشق.

[ 86 ]

الشيخ علي بن الشيخ علي الحريري كان مقدما في طائفته، مات أبوه وعمره سنتان، توفي في قرية نسر في جمادى الاولى. الحكيم الفاضل البارع بهاء الدين عبد السيد بن المهذب إسحاق بن يحيى الطبيب الكحال المتشرف بالاسلام، ثم قرأ القرآن جميعه لانه أسلم على بصيرة، وأسلم على يديه خلق كثير من قومه وغيرهم، وكان مباركا على نفسه وعليهم، وكان قبل ذلك ديان اليهود، فهداه الله تعالى، وتوفي يوم الاحد سادس جمادى الآخرة ودفن من يومه بسفح قاسيون، أسلم على يدي شيخ الاسلام ابن تيمية لما بين له بطلان دينهم وما هم عليه وما بدلوه من كتابهم وحرفوه من الكلم عن مواضعه رحمه الله. ثم دخلت سنة ست عشرة وسبعمائة استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها غير الحنبلي بدمشق فإنه توفي في السنة الماضية. وفي المحرم تكملت تفرقة المثالات السلطانية بمصر بمقتضى إزالة الاجناد، وعرض الجيش على السلطان، وأبطل السلطان المكس بسائر البلاد القبلية والشامية. وفيه وقعت فتنة بين الحنابلة والشافعية بسبب العقائد، وترافعوا إلى دمشق فحضروا بدار السعادة عند نائب السلطنة تنكز فأصلح بينهم، وانفصل الحال على خير من غير محاققة ولا تشويش على أحد من الفريقين، وذلك يوم الثلاثاء سادس عشر المحرم. وفي يوم الاحد سادس عشر صفر قرئ تقليد قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع الحنبلي، بقضاء الحنابلة والنظر بأوقافهم عوضا عن تقي الدين سليمان بحكم وفاته رحمه الله (1)، وتاريخ التقليد من سادس ذي الحجة، وقرئ بالجامع الاموي بحضور القضاة والصاحب والاعيان، ثم مشوا معه وعليه الخلعة إلى دار السعادة فسلم على النائب وراح إلى الصالحية، ثم نزل من الغد إلى الجوزية فحكم بها على عادة من تقدمه، واستناب بعد أيام الشيخ شرف الدين بن الحافظ. وفي يوم الاثنين سابع صفر وصل الشيخ كمال الدين بن الشريشي من مصر على البريد ومعه توقيع بعود الوكالة إليه، فخلع عليه وسلم على النائب والخلعة عليه. وفي هذا الشهر مسك الوزير عز الدين بن القلانسي واعتقل بالعذراوية وصودر بخمسين ألفا ثم أطلق له ما كان أخد منه وانفصل من ديوان نظر الخاص. وفي ربيع الآخر وصل من مصر فضل بن عيسى وأجري له ولابن أخيه موسى بن مهنا إقطاعات صيدا، وذلك بسبب دخول مهنا إلى بلاد التتر واجتماعهم بملكهم خربندا. وفي يوم الاثنين سادس عشر جمادى الاولى باشر ابن صصرى مشيخة الشيوخ بالسميساطية


(1) كانت وفاته في ذي القعدة سنة 715 ه‍ عن ثمان وثمانين سنة (تذكره النبيه 2 / 71).

[ 87 ]

بسؤال الصوفية وطلبهم له من نائب السلطنة، فحضرها وحضر عنده الاعيان في هذا اليوم عوضا عن الشريف شهاب الدين أبي القاسم محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحيم بن عبد الكريم بن محمد بن علي بن الحسن بن الحسين بن يحيى بن موسى بن جعفر الصادق، وهو الكاشنغر، توفي عن ثلاث وستين سنة ودفن بالصوفية. وفي جمادى الآخرة باشر بهاء الدين إبراهيم بن جمال الدين يحيى الحنفي المعروف بابن علية وهو ناظر ديوان النائب بالشام نظر الدواوين عوضا عن شمس الدين محمد بن عبد القادر الخطيري الحاسب الكاسب توفي، وقد كان مباشرا عدة من الجهات الكبار، مثل نظر الخزانة ونظر الجامع ونظر المارستان وغير ذلك، واستمر نظر المارستان من يومئذ بأيدي ديوان نائب السلطنة من كان، وصارت عادة مستمرة. وفي رجب (1) نقل صاحب حمص الامير شهاب الدين قرطاي إلى نيابة طرابلس عوضا عن الامير سيف الدين التركستاني بحكم وفاته، وولي الامير سيف الدين إرقطاي نيابة حمص، وتولى نيابة الكرك سيف الدين طقطاي الناصري عوضا عن سيف الدين تيبغا. وفي يوم الاربعاء عاشر رجب درس بالنجيبية القاضي شمس الدين الدمشقي عوضا عن بهاء الدين يوسف بن جمال (2) الدين أحمد بن الظاهري العجمي الحلبي، سبط الصاحب كمال الدين ابن العديم، توفي ودفن عند خاله ووالده بتربة العديم. وفي أواخر شعبان وصل القاضي شمس الدين بن عز الدين يحيى الحراني أخو قاضي قضاة الحنابلة بمصر شرف الدين عبد الغني، إلى دمشق متوليا نظر الاوقاف بها عوضا عن الصاحب عز الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن مبشر، توفي في مستهل رجب بدمشق، وقد باشر نظر الدواوين بها وبمصر والحسبة وبالاسكندرية وغير ذلك، ولم يكن بقي معه في آخر وقت سوى نظر الاوقاف بدمشق، وقد قارب الثمانين ودفن بقاسيون. وفي آخر شوال خرج الركب الشامي وأميرهم سيف الدين أرغون السلحدار الناصري الساكن عند دار الطراز بدمشق، وحج من مصر سيف الدين الدوادار وقاضي القضاة ابن جماعة، وقد زار القدس الشريف في هذه السنة بعد وفاة ولده الخطيب جمال الدين عبد الله، وكان قد رأس وعظم شأنه. وفي ذي القعدة سار الامير سيف الدين تنكز إلى زيارة القدس فغاب عشرين يوما، وفيه وصل الامير سيف الدين بكتمر الحاجب إلى دمشق من مصر وقد كان معتقلا في السجن فأطلق وأكرم وولي نيابة صفد فسار إليها بعد ما قضى أشغاله بدمشق، ونقل القاضي حسام الدين القزويني (3) من قضاء صفد إلى قضاء طرابلس، وأعيدت ولاية قضاء صفد إلى قاضي دمشق فولى


(1) في مختصر أخبار البشر 4 / 80: تاسع عشر ربيع الآخر.

(2) في تذكرة النبيه 2 / 79.

(3) وهو أبو محمد، الحسن بن معين الدين أبي البركات بن رمضان بن الحسن القرمي الشافعي، وكانت وفاته سنة 746 ه‍ (الدرر الكامنة 2 / 97 تذكرة النبيه 2 / 75).

[ 88 ]

فيها ابن صصرى شرف الدين الهاوندي، وكان متواليا طرابلس قبل ذلك، ووصل مع بكتمر الحاجب الطواشي ظهير الدين مختار المعروف بالزرعي، متواليا الخزانة بالقلعة عوضا عن الطواشي ظهير الدين مختار البلستين توفي. وفي هذا الشهر أعني ذا القعدة وصلت الاخبار بموت ملك التتر خربندا محمد بن أرغون بن أبغا بن هولاكوقان ملك العراق وخراسان وعراق العجم والروم وأذربيجان والبلاد الارمينية وديار بكر. توفي في السابع والعشرين من رمضان ودفن بتربته بالمدينة التي أنشأها، التي يقال لها السلطانية وقد جاوز الثلاثين من العمر، وكان موصوفا بالكرم ومحبا للهو واللعب والعمائر، وأظهر الرفض، أقام سنة على السنه ثم تحول إلى الرفض أقام شعائره في بلاده وحظي عنده الشيخ جمال الدين بن مطهر الحلي، تلميذ نصير الدين الطوسي، وأقطعه عدة بلاد، ولم يزل على هذا المذهب الفاسد إلى أن مات في هذه السنة، وقد جرت في أيامه فتن كبار ومصائب عظام، فأراح الله منه العباد والبلاد، وقام في الملك بعده ولده أبو سعيد وله إحدى عشرة سنة (1)، ومدبر الجيوش والممالك له الامير جوبان، واستمر في الوزارة على شاه التبريزي، وأخذ أهل دولته بالمصادرة وقتل الاعيان ممن اتهمهم بقتل أبيه مسموما، ولعب كثير من الناس به في أول دولته ثم عدل إلى العدل وإقامة السنة، فأمر بإقامة الخطبة بالترضى عن الشيخين أولا ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، ففرح الناس بذلك وسكنت بذلك الفتن والشرور والقتال الذي كان بين أهل تلك البلاد وبهراة وأصبهان وبغداد وإربل وساوه وغير ذلك، وكان صاحب مكة الامير خميصة (1) ابن أبي نمي الحسني، قد قصد ملك التتر خربندا لينصره على أهل مكة فساعده الروافض هناك وجهزوا معه جيشا كثيفا من خراسان، فلما مات خربندا لبطل ذلك بالكلية، وعاد خميصة (2) خائبا خاسئا. وفي صحبته أمير من كبار الروافض من التتر يقال له الدلقندي (3)، وقد جمع لخميصة أموالا كثيرة ليقيم بها الرفض في بلاد الحجاز، فوقع بهما الامير محمد بن عيسى أخو مهنا، وقد كان في بلاد التتر أيضا ومعه جماعة من العرب، فقهرهما ومن كان معهما، ونهب ماكان معهما من الاموال وحضرت الرجال، وبلغت أخبار ذلك إلى الدولة الاسلامية فرضى عنه الملك الناصر وأهل دولته، وغسل ذلك ذنبه عنده، فاستدعى به السلطان إلى حضرته فحضر سامعا مطيعا، فأكرمه نائب الشام، فلما وصل إلى السلطان أكرمه أيضا، ثم إنه استفتى الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكذلك أرسل إليه السلطان يسأله عن الاموال التي أخذت من الدلقندي (2)، فأفتاهم أنها


(1) في مختصر أخبار البشر 4 / 81: نحو عشر سنين.

(2) في مختصر أخبار البشر 4 / 80: حمضة.

(3) في تاريخ أبي الفداء: 4 / 81: الدرفندي.

[ 89 ]

تصرف في المصالح التي يعنفعها على المسلمين، لانها كانت معدة لعناد الحق ونصرة أهل البدعة على السنة. وممن توفي فيها من الاعيان: عز الدين المبشر، والشهاب الكاشنغري شيخ الشيوخ والبهاء العجمي مدرس النجيبية. وفيها قتل خطيب المزة قتله رجل جبلي ضربه بفأس اللحام في رأسه في السوق فبقي أياما ومات، وأخذ القاتل فشنق في السوق الذي قتل فيه، وذلك يوم الاحد ثالث عشر ربيع الآخر، ودفن هناك وقد جاوز الستين. الشرف صالح بن محمد بن عربشاه ابن أبي بكر الهمداني، مات في جمادى الآخرة ودفن بمقابر النيرب، وكان مشهورا بطيب القراءة وحسن السيرة، وقد سمع الحديث وروى جزءا. ابن عرفه صاحب التذكرة الكندية الشيخ الامام المقرئ المحدث النحوي الاديب علاء الدين علي بن المظفر بن إبراهيم بن عمر بن زيد هبة الله الكندي الاسكندراني، ثم الدمشقي، مع الحديث على أزيد من مائتي شيخ وقرأ القراءات السبع، وحصل علوما جيدة، ونظم الشعر الحسن الرائق الفائق، وجمع كتابا في نحو من خمسين مجلدا، فيه علوم جمة أكثرها أدبيات سماها التذكرة الكندية (1)، وقفها بالسميساطية وكتب حسنا وحسب جيدا، وخدم في عدة خدم، وولي مشيخة دار الحديث النفيسية في مدة عشر سنين وقرأ صحيح البخار مرات عديدة، وأسمع الحديث، وكان يلوذ بشيخ الاسلام ابن تيمية، وتوفي ببستان عند قبة المسجد ليلة الاربعاء سابع عشر رجب، ودفن بالمزة عن ست وسبعين سنة. الطواشي ظهير الدين مختار البكنسي الخزندار بالقلعة وأحد أمراء الطبلخانات بدمشق، كان، زكيا خبيرا فاضلا، يحفظ القرآن ويؤديه بصوت طيب، ووقف مكتبا للايتام على باب قلعة دمشق، ورتب لهم الكسوة والجامكية، وكان يمتحنهم بنفسه ويفرح بهم، وعمل تربة خارج باب الجابية ووقف عليها القريتين وبنى عندها مسجدا حسنا ووقفه بإمام وهي من أوائل ما عمل من الترب بذلك الخط، ودفن بها في


(1) ويقال لها التذكرة العلائية (كشف الظنون 1 / 389).

[ 90 ]

يوم الخميس عاشر شعبان رحمه الله، وكان حسن الشكل والاخلاق، عليه سكينة ووقار وهيبة وله وجاهة في الدولة سامحه الله، وولي بعده الخزانة سميه ظهير الدين مختار الزرعي. الامير بدر الدين محمد بن الوزيري، كان من الامراء المقدمين، ولديه فضيلة ومعرفة وخبرة، وقد ناب عن السلطان بدار العدل مرة بمصر، وكان حاجب الميسرة، وتكلم في الاوقاف وفيما يتعلق بالقضاة والمدرسين، ثم نقل إلى دمشق فمات بها في سادس عشر شعبان، ودفن بميدان الحصى فوق خان النجيبي، وخلف تركة عظيمة. الشيخة الصالحة ست الوزراء بنت عمر بن أسعد بن المنجا، راوية صحيح البخاري وغيره، جاوزت التسعين سنة، وكانت من الصالحات، توفيت ليلة الخميس ثامن عشر شعبان ودفنت بتربتهم فوق جامع المظفري بقاسيون. القاضي محب الدين أبو الحسن ابن قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد، استنابه أبوه في أيامه وزوجه بابنة الحاكم بأمر الله، ودرس بالكهارية (1) ورأس بعد أبيه، وكانت وفاته يوم الاثنين تاسع عشر رمضان، وقد قارب الستين، ودفن عند أبيه بالقرافة. الشيخة الصالحة ست المنعم بنت عبد الرحمن بن علي بن عبدوس الحرانية، والدة الشيخ تقي بن تيمية عمرت فوق السبعين سنة، ولم ترزق بنتا قط، توفيت يوم الاربعاء العشرين من شوال ودفنت بالصوفية وحضر جنازتها خلق كثير وجم غفير رحمها الله. الشيخ نجم موسى بن علي بن محمد الجيلي ثم الدمشقي، الكاتب الفاضل المعروف بابن البصيص، شيخ صناعة الكتابة في


(1) المدرسة الكهارية بالقاهرة بدرب الكهارية بجوار حارة الجودرية المسلوك إليه من القماحية (المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 / 41).

[ 91 ]

زمانه لاسيما في المزوج والمثلث، وقد أقام يكتب الناس خمسين سنة، وأنا ممن كتب عليه أثابه الله. وكان شيخا حسنا بهي المنظر يشعر جيدا، توفي يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة ودفن بمقابر الباب الصغير وله خمس وستون سنة. الشيخ تقي الدين الموصلي أبو بكر بن أبي الكرم شيخ القراءة عند محراب الصحابة، وشيخ ميعاد ابن عامر مدة طويلة وقد انتفع الناس به نحوا من خمسين سنة في التلقين والقراءات، وختم خلقا كثيرا، وكان يقصد لذلك ويجمع تصديقات يقولها الصبيان ليالي ختمهم، وقد سمع الحديث وكان خيرا دينا، توفي ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي القعدة، ودفن بباب الصغير رحمه الله. الشيخ الصالح الزاهد المقري أبو عبد الله محمد بن الخطيب سلامة بن سالم بن الحسن بن ينبوب الماليني، أحد الصلحاء المشهورين بجامع دمشق، سمع الحديث وأقرأ الناس نحوا من خمسين سنة، وكان يفصح الاولاد في الحروف الصعبة، وكان مبتلى في فمه يحمل طاسة تحت فمه من كثر ما يسيل منه من الريال وغيره وقد جاوز الثمانين بأربع سنين، توفي بالمدرسة الصارمية يوم الاحد ثاني عشر ذي القعدة، ودفن بباب الصغير بالقرب من القندلاوي، وحضر جنازته خلق كثير جدا نحوا من عشرة آلاف رحمه الله تعالى. الشيخ الصدر ابن الوكيل هو العلامة أبو عبد الله محمد بن الشيخ الامام مفتي المسلمين زين الدين عمر بن مكي بن عبد الصمد المعروف بابن المرحل وبابن الوكيل شيخ الشافعية في زمانه، وأشهرهم في وقته بالفضيلة وكثرة الاشتغال والمطالعة والتحصيل والافتنان بالعلوم العديدة، وقد أجاد معرفة المذهب والاصلين، ولم يكن بالنحو بذاك القوي، وكان يقع منه اللحن الكثير، مع أنه قرأ منه المفصل للزمخشري، وكانت له محفوظات كثيرة، ولد في شوال سنة خمس ستين وستمائة، وسمع الحديث على المشايخ، من ذلك مسند أحمد على ابن علان، والكتب الستة، وقرئ عليه قطعة كبيرة من صحيح مسلم بدار الحديث عن الامير الاربلي والعامري والمزي، وكان يتكلم على الحديث بكلام مجموع من علوم كثيرة، من الطب والفلسفة وعلم الكلام، وليس ذلك بعلم، وعلوم الاوائل، وكان يكثر من ذلك، وكان يقول الشعر جيدا، وله ديوان مجموع مشتمل على أشياء لطيفة، وكان له أصحاب يحسدونه ويحبونه، وآخرون يحسدونه ويبغضونه، وكانوا يتكلمون فيه بأشياء ويرمونه

[ 92 ]

بالعظائم، وقد كان مسرفا على نفسه قد ألقى جلباب الحياء فيما يتعاطاه من القاذورات والفواحش، وكان ينصب العداوة للشيخ ابن تيمية ويناظره في كثير من المحافل والمجالس، وكان يعترف للشيخ تقي الدين بالعلوم الباهرة ويثني عليه، ولكنه كان يجاحف عن مذهبه وناحيته وهواه، وينافح عن طائفته. وقد كان شيخ الاسلام ابن تيمية يثني عليه وعلى علومه وفضائله ويشهد له بالاسلام إذا قيل له عن أفعاله وأعماله القبيحة، وكان يقول: كان مخلطا على نفسه متبعا مراد الشيطان منه، يميل إلى الشهوة والمحاضرة، ولم يكن كما يقول فيه بعض أصحابه ممن يحسده ويتكلم فيه هذا أو ما هو في معناه. وقد درس بعدة مدارس بمصر والشام، ودرس بدمشق بالشاميتين والعذراوية ودار الحديث الاشرفية وولي في وقت الخطابة أيام يسيرة كما تقدم، ثم قام الخلق عليه وأخرجوها من يده، ولم يرق منبرها، ثم خالط نائب السلطنة الافرم فجرت له أمور لا يمكن ذكرها ولا يحسبن من القبائح ثم آل به الحال على أن عزم على الانتقال من دمشق إلى حلب لاستحوازه على قلب نائبها، فأقام بها ودرس، ثم تردد في الرسلية بين السلطان ومهنا صحبة أرغون والطنبغا، ثم استقر به المنزل بمصر ودرس فيها بمشهد الحسين إلى أن توفي بها بكرة نهار الاربعاء رابع عشرين ذي الحجة (1) (*) بداره قريبا من جامع الحاكم، ودفن من يومه قريبا من الشيخ محمد بن أبي جمرة بتربة القاضي ناظر الجيش بالقرافة، ولما بلغت وفاته دمشق صلي عليه بجامعها صلاة الغائب بعد الجمعة ثالث المحرم من السنة الآتية، ورثاه جماعة منهم ابن غانم علاء الدين، والقجقازي والصفدي، لانهم كانوا من عشرائه. وفي يوم عرفة توفي: الشيخ عماد الدين إسماعيل الفوعي وكيل قجليس، وهو الذي بنى له الباشورة على باب الصغير بالبرانية الغربية، وكانت فيه نهضة وكفاية، وكان من بيت الرفض، اتفق أنه استحضره نائب السلطنة فضربه بين يديه، وقام النائب إليه بنفسه فجعل يضربه بالمهاميز في وجهه فرفع من بين يديه وهو تالف فمات في يوم عرفة، ودفن من يومه بسفح قاسيون وله دار ظاهر باب الفراديس. ثم دخلت سنة سبع عشرة وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها. وفي صفر شرع في عمارة الجامع الذي أنشأه ملك الامراء تنكز نائب الشام ظاهر باب النصر تجاه حكر السماق، على نهر بانياس بدمشق،


(1) في تذكرة النبيه 2 / 77: توفي في شوال.

[ 93 ]

وتردد القضاة والعلماء في تحرير قبلته، فاستقر الحال في أمرها على ما قاله الشيخ تقي الدين بن تيمية في يوم الاحد الخامس والعشرين منه، وشرعوا في بنائه بأمر السلطان، ومساعدته لنائبه في ذلك. وفي صفر هذا جاء سيل عظيم بمدينة بعلبك أهلك خلقا كثيرا من الناس، وخرب دورا وعمائر كثيرة، وذلك في يوم الثلاثاء سابع وعشرين صفر. وملخص ذلك أنه قبل ذلك جاءهم رعد وبرق عظيم معهما برد ومطر، فسالت الاودية، ثم جاءهم بعده سيل هائل خسف من سور البلد من جهة الشمال شرق مقدار أربعين ذراعا، مع أن سمك الحائط خمسة أذرع، وحمل برجا صحيحا ومعه من جانبيه مدينتين، فحمله كما هو حتى مر فحفر في الارض نحو خمسمائة ذراع سعة ثلاثين ذراعا، وحمل السيل ذلك إلى غربي البلد، لا يمر على شئ إلا أتلفه، ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فأتلف ما يزيد على ثلثها، ودخل الجامع فارتفع فيه على قامة ونصف، ثم قوي على حائطه الغربي فأخر به وأتلف جميع ما فيه الحواصل والكتب والمصاحف وأتلف شيئا كثيرا من رباغ الجامع، وهلك تحت الهدم خلق كثير من الرجال والنساء والاطفال، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وغرق في الجامع الشيخ علي بن محمد بن الشيخ علي الحريري هو وجماعة معه من الفقراء، ويقال كان من جملة من هلك في هذه الكائنة من أهل بعلبك مائة وأربعة وأربعون نفسا سوى الغرباء، وجملة الدور التي خربها والحوانيت التي أتلفها نحو من ستمائة دار وحانوت، وجملة البساتين التي جرف أشجارها عشرون بستانا، ومن الطواحين ثمانية سوى الجامع والامينية وأما الاماكن التي دخلها وأتلف ما فيها ولم تخرب فكثير جدا. وفي هذه السنة زاد النيل زيادة عظيمة لم يسمع بمثلها من مدد، وغرق بلادا كثيرة، وهلك فيها ناس كثير أيضا، وغرق منية السيرج فهلك للناس فيها شئ كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي مستهل ربيع الآخر منها أغار جيش حلب على مدينة آمد فنهبوا وسبوا وعادوا سالمين. وفي يوم السبت تاسع وعشرين منه قدم قاضي المالكية إلى الشام من مصر وهو الامام العلامة فخر الدين أبو العباس أحمد بن سلامة بن أحمد بن أحمد بن سلامة الاسكندري المالكي، على قضاء دمشق عوضا عن قاضي القضاة جمال الدين الزواوي لضعفه واشتداد مرضه، فالتقاه القضاة والاعيان، وقرئ تقليده بالجامع ثاني يوم وصوله، وهو مؤرخ بثاني عشر الشهر، وقدم نائبه الفقيه نور الدين السخاوي درس بالجامع في جمادى الاولى، وحضر عنده الاعيان، وشكرت فضائله وعلومه ونزاهته وصرامته وديانته، وبعد ذلك بتسعة أيام توفي الزواوي المعزول، وقد باشر القضاء بدمشق ثلاثين سنة. وفيها أفرج عن الامير سيف الدين بهادرآص من سجن الكرك وحمل إلى القاهرة وأكرمه السلطان، وكان سجنه بها مطاوعة لاشارة نائب الشام بسبب ما كان وقع بينهما بملطية. وخرج المحمل في يوم الخميس تاسع شوال، وأمير الحج سيف الدين كجكني

[ 94 ]

المنصوري. وممن حج قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى وابن أخيه شرف الدين وكمال الدين بن الشيرازي والقاضي جلال الدين الحنفي والشيخ شرف الدين بن تيمية وخلق. وفي سادس هذا الشهر درس بالجاروضيه (1) القاضي جلال الدين محمد بن الشيخ كمال الدين الشريشي بعد وفاة الشيخ شرف الدين بن أبي سلام، وحضر عنده الاعيان. وفي التاسع عشر منه درس ابن الزملكانى بالعذراوية عوضا عن ابن سلام، وفيه درس الشيخ شرف الدين بن تيمية بالحنبلية عن إذن أخيه له بذلك بعد وفاة أخيهما لامهما بدر الدين قاسم بن محمد بن خالد، ثم سافر الشيخ شرف الدين إلى الحج، وحضر الشيخ تقي الدين الدرس بنفسه، وحضر عنده خلق كثير من الاعيان وغيرهم حتى عاد أخوه، وبعد عوده أيضا، وجاءت الاخبار بأنه قد أبطلت الخمور والفواحش كلها من بلاد السواحل وطرابلس وغيرها، ووضعت مكوس كثيرة عن الناس هنالك، وبنيت بقرى النصيرية في كل قرية مسجد ولله الحمد والمنة. وفي بكرة نهار الثلاثاء الثامن والعشرين من شوال وصل الشيخ الامام العلامة شيخ الكتاب شهاب الدين محمود بن سليمان الحلبي على البريد من مصر إلى دمشق متوليا كتابة السر بها، عوضا عن شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله توفي إلى رحمة الله. وفي ذي القعدة يوم الاحد درس بالصمصامية التي جددت للمالكية وقد وقف عليها صاحب شمس الدين غبريال درسا، ودرس بها فقهاء، وعين تدريسها لنائب الحكم الفقيه نور الدين علي بن عبد البصير المالكي، وحضر عنده القضاة والاعيان، وممن حضر عنده الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكان يعرفه من اسكندرية، وفيه درس بالدخوارية الشيخ جمال الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد الكحال، ورتب في رياسة الطب عوضا عن أمين الدين سليمان الطبيب، بمرسوم نائب السلطنة تنكز، واختاره لذلك. واتفق أنه في هذا الشهر تجمع جماعة من التجار بماردين وانضاف إليهم خلق من الجفال من الغلا قاصدين بلاد الشام، حتى إذا كانوا بمرحلتين من رأس العين لحقهم ستون فارسا من التتار فمالوا عليهم بالنشاب وقتلوهم عن آخرهم، ولم يبق منهم سوى صبيانهم نحو سبعين صبيا، فقالوا من يقتل هؤلاء ؟ فقال واحد منهم: أنا بشرط أن تنفلوني بمال من الغنيمة فقتلهم كلهم عن آخرهم، وكان جملة من قتل من التجار ستمائة، ومن الجفلان ثلثمائة من المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وردموا بهم خمس صهاريج هناك حتى امتلات بهم رحمهم الله، ولم يسلم من الجميع سوى رجل واحد تركماني، هرب وجاء إلى رأس العين فأخبر الناس بما رأى وشاهد من هذا الامر الفظيع المؤلم الوجيع، فاجتهد متسلم ديار بكر سوياي في


(1) كذا بالاصل، وفي الدارس 1 / 225 وتذكرة النبيه 2 / 87: الجاروخية: وهي بدمشق أنشأها جاروخ التركماني الملقب بسيف الدين، بناهم برسم الامام محمود بن المبارك المعروف بالمجير الواسطي البغدادي المتوفى سنة 592 ه‍.

[ 95 ]

طلب أولئك التتر حتى أهلكهم عن آخرهم، ولم يبق منهم سوى رجلين، لا جمع لله بهم شملا وا ؟ بهم مرحبا ولا أهلا. آمين يا رب العالمين. صفة خروج المهدى الضال بأرض جبلة وفي هذه السنة خرجت النصيرية (1) عن الطاعة وكان من بينهم رجل سموه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله، وتارة يدعي علي بن أبي طالب فاطر السموات والارض، تعالى الله عما ؟ يقولون علوا كبيرا. وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد، وخرج يكفر المسلمين وأن النصيرية على الحق، واحتوى هذا الرجل على عقول كثير من كبار النصيرية الضلال، وعين لكل إنسان منهم تقدمة ألف، وبلادا كثيرة ونيابات، وحملوا على مدينة جبلة فدخلوها وقتلو خلقا من أهلها، وخرجوا منها يقولون لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان. وسبوا الشيخين، وصاح أهل البلد واإسلاماه، واسلطاناه، وا أميراه، فلم يكن لهم يومئذ ناصر ولا منجد، وجعلوا يبكون ويتضرعون إلى الله عزوجل، فجمع هذا الضال تلك الاموال فقسمها على أصحابه وأتباعه قبحهم الله أجمعين. وقال لهم لم يبق للمسلمين ذكر ولا دولة، ولو لم يبق معي سوى عشرة نفر لملكنا البلاد كلها. ونادى في تلك البلاد إن المقاسمة بالعشر لا غير ليرغب فيه، وأمر أصحابه بخراب المساجد واتخاذها خمارات، وكانوا يقولون لم أسروه من المسلمين: قل لا إله إلا علي، واسجد لآلهك المهدي، الذي يحيي ويميت حتى يحقن دمك. ويكتب لك فرمان، وتجهزوا وعملوا أمرا عظيما جدا، فجردت إليهم العساكر فهزموهم وقتلو منهم خلقا كثيرا، وجما غفيرا، وقتل المهدي أضلهم وهو يكون يوم القيامة مقدمهم إلى عذاب السعير، كما قال تعالى (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد، كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير. ذلك بما قدمت يداك) الآية [ الحج 3 - 7 ]. وفيها حج الامير حسام الدين مهنا وولده سليمان في ستة آلاف، وأخوه محمد بن عيسى في أربعة آلاف، ولم يجتمع منها بأحد من المصريين ولا الشاميين، وقد كان في المصريين قجليس وغيره والله أعلم. وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله المنتزه، كان فاضلا، وكتب حسنا، نسخ التنبيه


(1) النصيرية: فرقة ينسبون إلى نصير غلام علي بن أبي طالب (رض) وهم يعتقدون بألوهيته (صبح الاعشى 13 / 249).

[ 96 ]

والعمدة وغير ذلك، وكان الناس ينتفعون به ويقابلون عليه ذلك ويصححون عليه، ويجلسون إليه عند صندوق كان له في الجامع، توفي ليلة الاثنين سادس محرم ودفن بالصوفية، وقد صححت عليه في العمدة وغيره. الشيخ شهاب الدين الرومي أحمد بن محمد بن إبراهيم بن المراغي، درس بالمعينية (1)، وأم بمحراب الحنفية بمقصورتهم الغربية إذ كان محرابهم هناك، وتولى مشيخة الخاتونية (2)، وكان يؤم بنائب السلطان الافرم، وكان يقرأ حسنا بصوت ملح، وكانت له مكانة عنده، وربما راح إليه الافرم ماشيا حتى يدخل عليه زاويته التي أنشأها بالشرق الشمالي على الميدان الكبير، ولما توفي بالمحرم ودفن بالصوفية قام ولداه عماد الدين وشرف الدين بوظائفه. الشيخ الصالح العدل قمر الدين عثمان بن أبي الوفا بن نعمة الله الاعزازي، كان ذاثروة من المال كثير المرؤة والبلاوة أدى الامانة في ستين ألف دينار وجواهر لا يعلم بها إلا الله عزوجل، بعد ما مات صاحبها مجردا في الغزاة وهو عز الدين الجراحي نائب غزة، أودعه إياها فأداها إلى أهلها أثابه الله، ولهذا لما مات يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الآخر حضر جنازته خلق لا يعلمهم إلا الله تعالى، حتى قيل إنهم لم يجتمعوا في مثلها قبل ذلك، ودفن بباب الصغير رحمه الله. قاضي القضاة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن يوسف (3) الزواوي قاضي المالكية بدمشق، من سنة سبع وثمانين وستمائة، قدم مصر من المغرب واشتغل بها وأخذ عن مشايخها منهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ثم قدم دمشق قاضيا في سنة سبع وثمانين وستمائة، وكان مولده تقريبا في سنة تسع وعشرين وستمائة (4). وأقام شعار مذهب مالك وعمر الصمصامية في أيامه وجدد


(1) المدرسة المعينية: بدمشق أنشأها معين الدين أنر سنة 555 ه‍ (الدارس 1 / 588).

(2) وهي الخانقاه الخاتونية: منسوبة إلى خاتون بنت معين الدين أنر، زوجة نور الدين محمود، والمتوفاة سنة 581 ه‍ (الدارس 507 1 و 2 / 149).

(3) في تذكرة النبيه 2 / 82: سومر.

(4) ذكر النويري في نهاية الارب 30 ورقة 114 انه ولد سنة 626 ه‍ وذكر ابن حبيب في تذكرته 2 / 83 ولادته سنة 630 ه‍.

[ 97 ]

عمارة النورية، وحدث بصحيح مسلم وموطا مالك عن يحيى بن يحيى عن مالك، وكتاب الشفا (1) للقاضي عياض، وعزل قبل وفاته بعشرين يوما عن القضاء، وهذا من خيره حيث لم يمت قاضيا، توفي بالمدرسة الصمصامية يوم الخميس التاسع من جمادى الآخرة، وصلي عليه بعد الجمعة ودفن بمقابر باب الصغير تجاه مسجد النارنج (2) وحضر الناس جنازته وأثنوا عليه خيرا، وقد جاوز الثمانين كمالك رحمه الله. ولم يبلغ إلى سبعة عشر من عمره على مقتضى مذهبه أيضا. القاضي الصدر الرئيس رئيس الكتاب شرف الدين أبو محمد عبد الوهاب بن جمال الدين فضل الله بن الحلي (3) القرشي العدوي العمري، ولد سنة تسع (4) وعشرين وستمائة وسمع الحديث وخدم وارتفعت منزلته حتى كتب الانشاء بمصر، ثم نقل إلى كتابة السر بدمشق إن أن توفي في ثامن رمضان، ودفن بقاسيون، وقد قارب التسعين (5)، وهو ممتع بحواسه وقواه، وكانت له عقيدة حسنة في العلماء، ولا سيما في ابن تيمية وفي الصلحاء رحمه الله. وقد رثاه الشهاب محمود كاتب السر بعد بدمشق، وعلاء الدين بن غانم وجمال الدين بن نابتة. الفقيه الامام العالم المناظر شرف الدين أبو عبد الله الحسين بن الامام كمال الدين علي بن إسحاق بن سلام الدمشقي الشافعي ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة، واشتغل وبرع وحصل ودرس بالجاروخية (6) والعذراوية، وأعاد بالظاهرية وأفتى بدار العدل، وكان واسع الصدر كثير الهمة كريم النفس مشكورا في فهمه وخطه وحفظه وفصاحته ومناظرته، توفي في رابع عشرين رمضان وترك أولادا ودينا كثيرا، فوفته عنه زوجته بنت زويزان تقبل الله منها وأحسن إليها. الصاحب أنيس الملوك بدر الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الاربلي، ولد سنة ثمان وثلاثين وستمائة، واشتغل


(1) وهو كتاب الشفا في تعريف حقوق المصطفى، للامام الحافظ أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض القاضي اليحصبي المتوفى سنة 544 ه‍ (كشف الظنون 2 / 1052 وشذرات الذهب 4 / 138).

(2) في الاصل: التاريخ تحريف.

(3) في شذرات الذهب 6 / 46 وتذكرة النبيه 2 / 83: مجلى وانظر الدرر 3 / 42 وفوات الوفيات 2 / 421.

(4) في فوات الوفيات 2 / 421: ثلاث وعشرين (انظر تذكرة النبيه 2 / 83).

(5) في تذكرة النبيه 2 / 421: أربع وتسعين (السلوك 2 / 179 الدرر الكامنة 3 / 42).

(6) في الاصل الجاروضية: وتقدمت الاشارة إليها.

[ 98 ]

بالادب فحصل على جانب جيد منه وارتزق عند الملوك به. فمن رفيق شعره ما أورده الشيخ علم الدين في ترجمته قوله: ومدامة حمراء (1) تش‍ * به خد من أهوى ودمعي يسعى بها قمر أعز * ز علي من نظري وسمعي وقوله في مغنية: وعزيزة هيفاء ناعمة الصبا * طوع العناق مريضة الاجفان (2) غنت وماس قوامها فكأنها ال‍ * ورقاء تسجع فوق غصن البان الصدر الرئيس شرف الدين محمد بن جمال الدين إبراهيم ابن شرف الدين عبد الرحمن بن أمين الدين سالم بن الحافظ بهاء الدين الحسن بن هبة الله ابن محفوظ بن صصرى، ذهب إلى الحجاز الشريف، فلما كانوا ببردى اعتراه مرض ولم يزل به حتى مات، توفي بمكة وهو محرم ملب، فشهد الناس جنازته وغبطوه بهذه الموتة، وكانت وفاته يوم الجمعة آخر النهار السابع ذي الحجة ودفن ضحى يوم السبت بمقبرة بباب الحجون رحمه الله تعالى وأكرم مثواه. ثم دخلت سنة ثمان عشرة وسبعمائة الخليفة والسلطان هما هما، وكذلك النواب والقضاة سوى المالكي بدمشق فإنه العلامة فخر الدين بن سلامة بعد القاضي جمال الدين الزواوي رحمه الله. ووصلت الاخبار في المحرم من بلاد الجزيرة وبلاد الشرق سنجار والموصل وماردين وتلك النواحي بغلاء عظميم وفناء شديد ؟، وقلة الامطار، وخوف التتار، وعدم الاقوات وغلاء الاسعار، وقلة النفقات، وزوال النعم، وحلول النقم، بحيث إنهم أكلوا ما وجدوه من الجمادات والحيوانات والميتات، وباعوا حتى أولادهم وأهاليهم، فبيع الولد بخمسين درهما وأقل من ذلك، حتى إن كثيرا كانوا لا يشترون من أولاد المسلمين، وكانت المرأة تصرح بأنها نصرانية ليشتري منها ولدها لتنتفع بثمنه ويحصل له من يطعمه


(1) من تذكرة النبيه 2 / 88 ودرة الاسلاك ص 88 وفي الاصل: ومدامة خمر تشبه خد من * أهوى ودمعي يسقي بها قمر أعز علي من سمعي ومن بصري

(2) في تذكرة النبيه: وغريرة هيفاء باهرة السنا طوع العناق مريضة الاجفان وفي الدرر 2 / 8: سقيمة الاجفان.

[ 99 ]

فيعيش، وتأمن عليه من الهلاك فإنالله وإنا إليه راجعون. ووقعت أحوال صعبة يطول ذكرها، وتنبو الاسماع عن وصفها، وقد ترحلت منهم فرقة قريب الاربعمائة إلى ناحية مراغة فسقط عليهم ثلج أهلكهم عن آخرهم، وصحبت طائفة منهم فرقة من التتار، فلما انتهوا إلى عقبة صعدها التتار ثم منعوهم أن يصعدوها لئلا يتكلفوا بهم فماتوا عن آخرهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. وفي بكرة الاثنين السابع من صفر قدم القاضي كريم الدين عبد الكريم بن العلم هبة الله وكيل الخاص السلطاني بالبلاد جميعها، قدم إلى دمشق فنزل بدار السعادة وأقام بها أربعة أيام وأمر ببناء جامع القبيبات، الذي يقال له جامع كريم الدين، وراح لزيارة بيت المقدس، وتصدق بصدقات كثيره وافرة، وشرع ببناء جامع بعد سفره، وفي ثاني صفر جاءت ريح شديدة ببلاد طرابلس على ذوق تركمان فأهلكت لهم كثيرا من الامتعة، وقتلت أميرا منه يقال له طرالي وزوجته وابنتيه وابني ابنيه وجاريته وأحد عشر نفسا، وقتلت جمالا كثيرة وغيرها، وكسرت الامتعة والاثاث وكانت ترفع البعير في الهواء مقدار عشرة أرماح ثم تلقيه مقطعا، ثم سقط بعد ذلك مطر شديد وبرد عظيم بحيث أتلف زروعا كثيرة في قرى عديدة حنجو من أربعة وعشرين قرية، حتى أنها لا ترد بدارها. وفي صفر أخرج الامير سيف الدين طغاي الحاصلي إلى نيابة صفد (1) فأقيم بها شهرين ثم مسك، والصاحب أمين الدين إلى نظر الاوقاف بطرابلس على معلوم وافر. قال الشيخ علم الدين وفي يوم الخميس منتصف ربيع الاول اجتمع قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم بالشيخ الامام العلامة تقي الدين بن تيمية وأشار عليه في ترك الافتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فقبل الشيخ نصيحته وأجاب إلى ما أشار به، رعاية لخاطره وخواطر الجماعة المفتيين، ثم ورد البريد في مستهل جمادى الاولى بكتاب من السلطان فيه منع الشيخ تقي الدين من الافتاء في مسألة الحلف بالطلاق وانعقد بذلك مجلس، وانفصل الحال على ما رسم به السلطان، ونودي به في البلد، وكان قبل قدوم المرسوم قد اجتمع بالقاضي ابن مسلم الحنبلي جماعة من المفتيين الكبار، وقالوا له أن ينصح الشيخ في ترك الافتاء في مسألة الطلاق، فعلم الشيخ نصيحته، وأنه إنما قصد بذلك ترك ثوران فتنة وشر. وفي عاشره جاء البريد إلى صفد (1) بمسك سيف الدين طغاي، وتولية بدر الدين القرماني نيابة حمص. وفي هذا الشهر كان مقتل رشيد الدولة فضل الله بن أبي الخير بن عالي الهمداني، كان أصله يهوديا عطارا، فتقدم بالطب وشملته السعادة حتى كان عند خربندا الجزء الذي لا يتجزأ، وعلت رتبته وكلمته، وتولى مناصب الوزراء، وحصل له من الاموال والاملاك والسعادة ما لا يحد ولا يوصف وكان قد أظهر الاسلام، وكانت لديه فضائل جمة، وقد فسر القرآن وصنف كتبا كثيرة،


(1) في الاصل: صفت.

[ 100 ]

وكان له أولاد وثروة عظيمة، وبلغ الثمانين من العمر، وكانت له يد جيدة يوم الرحبة، فإنه صانع عن المسلمين وأتقن القضيه في رجوع ملك التتار عن البلاد الشامية، سنة ثنتي عشرة كما تقدم، وكان يناصح الاسلام، ولكن قد نال منه خلق كثير من الناس واتهموه على الدين وتكلموا في تفسيره هذا، ولا شك أنه كان مخبطا مخلطا، وليس لديه علم نافع، ولا عمل صالح. ولما تولى أبو سعيد المملكة عزله وبقي مدة خاملا ثم استدعاه جوبان وقال له: أنت سقيت السلطان خربندا سما ؟ فقال له: أنا كنت في غاية الحقارة والذلة، فصرت في أيامه وأيام أبيه في غاية العظمة والعزة، فكيف أعمد إلى سقيه والحالة هذه ؟ فأحضرت الاطباء فذكروا صورة مرض خربندا وصفته، وأن الرشيد أشار بإسهاله لما عنده في باطنه من الحواصل، فانطلق باطنه نحوا من سبعين مجلسا، فمات بذلك على وجه أنه أخطأ في الطب. فقال: فأنت إذا قتلته، فقتله وولده إبراهيم واحتيط على حواصله وأمواله، فبلغت شيئا كثيرا، وقطعت أعضاؤه وحمل كل جزء منها إلى بلدة، ونودي على رأسه بتبريز هذا رأس اليهودي الذي بدل كلام الله لعنه الله، ثم أحترقت جثته، وكان القائم عليه علي شاه. وفي هذا الشهر - أعني جمادى الاولى - تولى قضاء المالكية بمصر تقي الدين الاخنائي (1) (*) عوضا عن زين الدين بن مخلوف توفي عن أربع وثمانين سنة (2)، وله في الحكم ثلاث وثلاثون سنة. وفي يوم الخميس عاشر رجب لبس صلاح الدين يوسف بن الملك الاوحد خلعة الامرة بمرسوم السلطان، وفي آخر رجب جاء سيل عظيم بظاهر حمص خرب شيئا كثيرا، وجاء إلى البلد ليدخلها فمنعه الخندق. وفي شعبان تكامل بناء الجامع الذي عمره تنكز ظاهر باب النصر، وأقيمت الجمعة فيه عاشر شعبان، وخطب فيه الشيخ نجم الدين علي بن داود بن يحيى الحنفي المعروف بالفقجازي، من مشاهير الفضلاء ذوي الفنون المتعددة، وحضر نائب السلطنة والقضاة والاعيان والقراء والمنشدون وكان يوما مشهودا. وفي يوم الجمعة التي يليها خطب بجامع القبيبات الذي أنشأه كريم الدين وكيل السلطان، وحضر فيه القضاة والاعيان، وخطب فيه الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الواحد بن يوسف بن الرزين الحراني الاسدي الحنبلي، وهو من الصالحين الكبار، ذوي الزهادة والعبادة والنسك والتوجه وطيب الصوت وحسن السمت. وفي حادي عشر رمضان خرج الشيخ شمس الدين بن النقيب إلى حمص حاكما بها مطلوبا مولى مرغوبا فيه، وخرج الناس لتوديعه.


(1) هو تقي الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران بن رحمة السعدي الاخنائي المالكي المتوفى سنة 750 ه‍ وهو شقيق علم الدين محمد المتوفى سنة 732 ه‍ (انظر النجوم الزاهرة 10 / 247 الدرر 4 / 27).

(2) في السلوك 2 / 1 / 188 والنجوم الزاهرة 9 / 242: ولد سنة 620 فيكون له 98 سنة، وفي تذكر النبيه 2 / 93: مات وهو من أبناء التسعين.

[ 101 ]

وفي هذا الشهر حصل سيل عظيم بسلمية ومثله بالشوبك، وخرج المحمل في شوال وأمير الركب الامير علاء الدين بن معبد والي البر، وقاضيه زين الدين ابن قاضي الخليل الحاكم بحلب. وممن حج في هذه السنة من الاعيان: الشيخ برهان الدين الفزاري وكمال الدين بن الشريشي وولده وبدر الدين بن العطار. وفي الحادي والعشرين من ذي الحجة انتقل الامير فخر الدين إياس الاعسري من شد الدواوين بدمشق إلى طرابلس أميرا. وفي يوم الجمعة السابع عشر ذي الحجة أقيمت الجمعة في الجامع الذي أنشأه الصاحب شمس الدين غبريال ناظر الدواوين بدمشق خارج باب شرقي، إلى جانب ضرار بن الازور بالقرب من محلة القساطلة، وخطب فيه الشيخ شمس الدين محمد بن التدمري المعروف بالنيرباني، وهو من كبار الصالحين ذوي العبادة والزهادة، وهو من أصحاب شيخ الاسلام ابن تيمية، وحضره الصاحب المذكور وجماعة من القضاة والاعيان. وفي يوم الاثنين والعشرين من ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي المحدث الحافظ بتربة أم الصالح عوضا عن كمال الدين بن الشريشي توفي بطريق الحجاز في شوال، وقد كان له في مشيختها ثلاث وثلاثون سنة، وحضر عند الذهبي جماعة من القضاة. وفي يوم الثلاثاء صبيحة هذا الدرس أحضر الفقيه زين الدين بن عبيدان الحنبلي من بعلبك وحوقق على منام رآه زعم أنه راه بين النائم واليقظان، وفيه تخطيط وتخبيط وكلام كثير لا يصدر عن مستقيم المزاج، كان كتبه بخطه وبعثه لي بعض أصحابه، فاستسلمه القاضي الشافعي حقن دمه وعزره، ونودي عليه في البلد ومنع من الفتوى وعقود الانكحة، ثم أطلق. وفي يوم الاربعاء بكرة باشر بدر الدين محمد بن بضحان مشيخة الاقراء يتربة أم الصالح عوضا عن الشيخ مجد الدين التونسي توفي، وحضر عنده الاعيان الفضلاء، وقد حضرته يومئذ، وقبل ذلك باشر مشيخة الاقراء بالاشرفية عوضا عنه أيضا الشيخ محمد بن خروف الموصلي. وفي يوم الخميس ثالث عشرين ذي الحجة باشرالشيخ الامام العلامة الحافظ الحجة شيخنا ومفيدنا أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي مشيخة دار الحديث الاشرفية عوضا عن كمال الدين بن الشريشي، ولم يحضر عنده كبير أحد، لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك، مع أنه لم يتولها أحد قبله أحق بها منه، ولا أحفظ منه، وما عليه منهم ؟ إذ لم يحضروا عنده فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده، وبعدهم عنه أنس والله أعلم. وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ الصالح العابد الناسك الورع الزاهد القدوة بقية السلف وقدوة الخلف أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح عمر بن السيد القدوة الناسك الكبير العارف أبي بكر بن قوام بن علي بن قوام البالسي، ولد سنة خمسين

[ 102 ]

وستمائة ببالس (1)، وسمع من أصحاب ابن طبرزد، وكان شيخا جليلا بشوش الوجه حسن السمت، مقصدا لكل أحد كثير، الوقار عليه سيما العبادة والخير، وكان يوم قازان في جملة من كان مع الشيخ تقي الدين بن تيمية لما تكلم مع قازان، فحكى عن كلام شيخ الاسلام تقي الدين لقازان وشجاعته وجرأته عليه، وأنه قال لترجمانه قل للقان: أنت تزعم أنك مسلم ومعك مؤذنون وقاض وإمام وشيخ على ما بلغنا فغزوتنا وبلغت بلادنا على ماذا ؟ وأبوك وجدك هلاكو كانا كافرين وما غزوا بلاد الاسلام، بل عاهدوا قومنا، وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت. قال: وجرت له مع قازان وقطلوشاه وبولاي أمور ونوب، قام ابن تيمية فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله عزوجل. قال وقرب إلى الجماعة طعاما فأكلوا منه إلا ابن تيمية فقيل له ألا تأكل ؟ فقال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس، قال: ثم إن قازان طلب منه الدعاء فقال في دعائه " اللهم إن كان هذا عبدك محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا وليكون الدين كله لك فانصره وأيده وملكه البلاد والعباد، وإن كان إنما قام رياء وسمعة وطلبا للدنيا ولتكون كلمته هي العليا وليذل الاسلام وأهله فأخذ له وزلزله ودمره وأقطع دبره " قال: وقازان يؤمن على دعائه، ويرفع يديه. قال: فجعلنا نجمع ثيابنا خوفا من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله. قال: فلما خرجنا من عنده قال له قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى وغيره: كدت أن تهلكنا وتهلك نفسك، والله لا نصحبك من هنا، فقال: وأنا والله لا أصحبكم. قال: فانطلقنا عصبة وتأخر هو في خاصة نفسه ومعه جماعة من أصحابه، فتسامعت به والخواقين والامراء من أصحاب قازان فأتوه يتبركون بدعائه، وهو سائر إلى دمشق، وينظرون إليه، قال والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلثمائة فارس في ركابه، وكنت أنا من جملة من كان معه، وأما أولئك الذي أبوا أن يصحبوه فخرج عليهم جماعه من التتر فشلحوهم عن آخرهم، هذا كلام أو نحوه، وقد سمعت هذه الحكاية من جماعة غيره، وقد تقدم ذلك. توفي الشيخ محمد بن قوام ليلة الاثنين الثاني والعشرين من صفر بالزاوية المعروفة بهم غربي الصالحية والناصرية والعادلية، وصلي عليه بها ودفن بها وحضر جنازته ودفنه خلق كثير وجم غفير، وكان من جملة الجمع الشيخ تقي بن تيمية، لانه كان يحبه كثيرا، ولم يكن للشيخ محمد مرتب على الدولة ولا غيرهم، ولا لزاويته مرتب ولا وقف، وقد عرض عليه ذلك غير مرة فلم يقبل، وكان يزار، وكان لديه علم وفضائل جمة، وكان فهمه صحيحا، وكانت له معرفة تامة، وكان حسن العقيدة وطويته صحيحة محبا للحديث وآثار السلف، كثير التلاوة والجمعية على الله عزوجل، وقد صنف جزءا فيه أخبار جيدة، رحمه الله وبل ثراه بوابل الرحمة آمين.


(1) بالس بلدة بالشام بين حلب والرقة (معجم البلدان).

[ 103 ]

الشيخ الصالح الاديب البارع الشاعر المجيد تقي الدين أبو محمد عبد الله بن الشيخ أحمد بن تمام بن حسان البلي (1) ثم الصالحي الحنبلي، أخو الشيخ محمد بن تمام، وله سنة خمس وثلاثين وستمائة وسمع الحديث، وصحب الفضلاء، وكان حسن الشكل والخلق، طيب النفس مليح المجاورة والمجالسة، كثير المفاكهة، أقام مدة بالحجاز واجتمع بان سبعين وبالتقي الحوراني، وأخذ النحو عن ابن مالك وابنه بدر الدين وصحبه مدة، وقد صحبه الشهاب محمود مدة خمسين سنة، وكان يثني عليه بالزهد والفراغ من الدنيا، توفي ليلة السبت الثالث من ربيع الآخر ودفن بالسفح، وقد أورد الشيخ علم الدين البرزالي في ترجمته قطعة من شعره. فمن ذلك قوله: أسكان المعاهد من فؤادي * لكم في خافق منه سكون أكرر فيكم أبدا حديثي * فيحلو والحديث له شجون وأنظمه عقيقا من دموعي * فتنشره المحاجر والجفون وأبتكر المعاني في هواكم * وفيكم كل قافية تهون وأسأل عنكم البكاء سرا * وسر هواكم سر مصون وأغتبق النسيم لان فيه * شمائل من معاطفكم تبين فكم لي في محبتكم غرام * وكم لي في الغرام بكم فنون ؟ قاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم بن منعم بن خلف النويري المالكي الحاكم بالديار المصرية، سنة أربع وثلاثين وستمائة (2)، وسمع الحديث واشتغل وحصل، وولي الحكم بعد ابن شاش سنة خمس وثمانين، وطالت أيامه إلى هذا العام، وكان عزير المرؤة والاحتمال والاحسان إلى الفقهاء والشهود، ومن يقصده، توفي ليلة الاربعاء حادي عشر جمادى الآخرة ودفن بسفح المقطم بمصر، وتولي الحكم بعده بمصر تقي الدين الاخنائي المالكي. الشيخ إبراهيم بن أبي العلاء المقري الصيب المشهور المعروف بابن شعلان، وكان رجلا جيدا في شهود المسمارية،


(1) في الدرر وشذرات الذهب: التلي.

(2) انظر حاشية 2 صفحة 100

[ 104 ]

ويقصد للختمات لصيت صوته، توفي يوم الجمعة وهو كهل ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن بسفح قاسيون. الشيخ الامام العالم الزاهد أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن عبد الله بن أبي جعفر أحمد بن خلف بن إبراهيم بن أبي عيسى بن الحاج النجيبي القرطبي ثم الاشبيلي، ولد بإشبيلية سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وقد كان أهله بيت العلم والخطابة والقضاء بمدينة قرطبة، فلما أخذها الفرنج انتقلوا إلى إشبيلية وتمحقت أموالهم وكتبهم، وصادر ابن الاحمر جده القاضي بعشرين ألف دينار، ومات أبوه وجده في سنة إحدى وأربعين وستمائة، ونشأ يتيما ثم حج وأقبل إلى الشام فاستقام بدمشق من سنة أربع وثمانين، وسمع من ابن البخاري وغيره، وكتب بيده نحوا من مائة مجلد، إعانة لولديه أبي عمرو وأبي عبد الله على الاشتغال، ثم كانت وفاته بالمدرسة الصلاحية يوم الجمعة وقت الاذان ثامن عشر رجب، وصلي عليه بعد العصر ودفن عند القندلاوي، بباب الصغير بدمشق، وحضر جنازته خلق كثير. الشيخ كمال الدين ابن الشريشي أحمد ابن الامام العلامة جمال الدين بن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن محد بن سحمان البكري الوايلي الشريشي، كان أبوه مالكيا كما تقدم، واشتغل هو في مذهب الشافعي فبرع وحصل علوما كثيرة، وكان خبيرا بالكتابة مع ذلك، وسمع الحديث وكتب الطباق بنفسه، وأفتى ودرس وناظر وباشر بعدة مدارس ومناصب كبار، أول ما باشر مشيخة دار الحديث بتربة أم الصالح بعد والده من سنة خمس وثمانين وستمائة إلى أن توفي، وناب في الحكم عن ابن جماعة. ثم ترك ذلك وولي وكالة بيت المال وقضاء العسكر ونظر الجامع مرات، ودرس بالشامية البرانية ودرس بالناصرية (1) عشرين سنة، ثم انتزعها من يده ابن جماعة وزين الدين الفارقي، فاستعادها منهما وباشر مشيخة الرباط الناصري بقاسيون مدة، ومشيخة دار الحديث الاشرفية ؟ ثمان سنين، وكان مشكور السيرة فيما يولي من الجهات كلها، وقد عزم في هذه السنه على الحج فخرج بأهله فأدركته منيته بالحسا في سلخ شوال من هذه السنة، ودفن هناك رحمه الله، وتولى بعده الوكالة جمال الدين بن القلانسي، ودرس بالناصرية كمال الدين بن الشيرازي، وبدار الحديث الاشر فية


(1) تطلق الناصرية بدمشق على دار الحديث الناصرية وهي المدرسة الناصرية البرانية، والمدرسة الناصرية الجوانية، وقد درس بها الشريشي، وأنشأ كلاهما الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن الظاهر غازي بن صلاح الدين بن أيوب المتوفى سنة 659 ه‍ (الدارس 1 / 115، 459).

[ 105 ]

الحافظ جمال الدين المزي، وبأم الصالح الشيخ شمس الدين الذهبي، وبالرباط الناصري ولده جمال الدين. الشهاب المقري أحمد بن أبي بكر بن أحمد البغدادي نقيب الاشراف المتعممين، كان عنده فضائل جمة نثرا ونظما مما يناسب الوقائع وما يحضر فيه من التهاني والتعازي، ويعرف الموسيقى والشعبذة، وضرب الرمل، ويحضر المجالس المشتملة على اللهو والمسكر واللعب والبسط، ثم انقطع عن ذلك كله لكبر سنه وهو مما يقال فيه وفي أمثاله: ذهبت عن توبته سائلا * وجدتها توبة إفلاس وكان مولده بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وتوفي ليلة السبت خامس ذي القعدة ودفن بمقابر باب الصغير في قبر أعده لنفسه عن خمس وثمانين سنة، سامحه الله. قاضي القضاة فخر الدين أبو العباس أحمد بن تاج الدين أبي الخير سلامة بن زين الدين أبي العباس أحمد بن سلامة (1) الاسكندري المالكي، ولد سنة إحدى وسبعين (2) وستمائة، وبرع في علوم كثيرة، وولي نيابة الحكم في الاسكندرية فحمدت سيرته وديانته وصرامته، ثم قدم على قضاء الشام للمالكية في السنة الماضية فباشرها أحسن مباشرة ؟ سنة ونصفا، إلى أن توفي بالصمصامية بكرة الاربعاء مستهل ذي الحجة، ودفن إلى جانب القندلاوي بباب الصغير، وحضر جنازته خلق كثير، وشكره الناس وأثنوا عليه رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة تسع عشرة وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها، وفي ليلة مستهل محرم هبت ريح شديدة بدمشق سقط بسببها شئ من الجدران، واقتلعت أشجارا كثيرة. وفي يوم الثلاثاء سادس عشرين المحرم خلع على جمال الدين بن القلانسي بوكالة بيت المال عوضا عن ابن الشريشي، وفي يوم الاربعاء الخامس من صفر درس بالناصرية الجوانية ابن صصرى عوضا عن ابن الشريشي أيضا، وحضر عنده الناس على العادة. وفي عاشره باشر شد الدواوين جمال الدين آقوش الرحبي عوضا


(1) من تذكرة النبيه 2 / 82، 92 وشذرات الذهب 6 / 47 والسلوك 2 / 182، وفي الاصل: سلام.

(2) في السلوك 2 / 187: سنة 641 ه‍.

[ 106 ]

عن فخر الدين إياس، وكان آقوش متولي دمشق من سنة سبع وسبعمائة، وولي مكانه الامير علم الدين طرقش الساكن بالعقبية، وفي هذا اليوم نودي بالبلد بصوم الناس لاجل الخروج إلى الاستسقاء، وشرع في قراءة البخاري وتهيأ الناس ودعوا عقيب الصلوات وبعد الخطب، وابتهلوا إلى الله في الاستسقاء، فلما كان يوم السبت منتصف صفر، وكان سابع نيسان، خرج أهل البلد برمتهم إلى عند مسجد القدم، وخرج نائب السلطنة والامراء مشاة يبكون ويتضرعون، واجتمع الناس هنالك وكان مشهدا عظيما، وخطب بالناس القاضي صدر الدين سليمان الجعفري وأمن الناس على دعائه، فلما أصبح الناس من اليوم الثاني جاءهم الغيث بإذن الله ورحمته ورأفته لا بحولهم ولا بقوتهم، ففرح الناس فرحا شديدا وعم البلاد كلها ولله الحمد والمنة، وحده لا شريك له. وفي أواخر الشهر شرعوا بإصلاح رخام الجامع وترميمه وحلي أبوابه وتحسين ما فيه. وفي رابع عشر ربيع الآخر درس بالناصرية الجوانية ابن الشيرازي بتوقيع سلطاني، وأخذها من ابن صصرى وباشرها إلى أن مات. وفي يوم الخميس سادس عشر جمادى الاولى باشر ابن شيخ السلامية فخر الدين أخو ناظر الجيش الحسبة بدمشق عوضا عن ابن الحداد، وباشر ابن الحداد نظر الجامع بدلا عن ابن الشيخ السلامية، وخلع على كل منهما. وفي بكرة الثلاثاء خامس جمادى الآخره قدم من مصر إلى دمشق قاضي القضاة شرف الدين أبو عبد الله محمد إلى قاضي القضاة معين الدين أبي بكر بن الشيخ زكي الدين ظافر الهمداني المالكي، على قضاء المالكية بالشام، عوضا عن ابن سلامة توفي، وكان بينهما ستة أشهر، ولكن تقليد هذا مؤرخ بآخر ربيع الاول، ولبس الخلعة وقرئ تقليده بالجامع. وفي هذا الشهر درس بالخاتونية البرانية القاضي بدر الدين بن نويرة الحنفي، وعمره خمس وعشرون سنة، عوضا عن القاضي شمس الدين محمد قاضي ملطية توفي. وفي يوم السبت خامس رمضان وصل إلى دمشق سيل عظيم أتلف شيئا كبيرا، وارتفع حتى دخل باب الفرج، ووصل إلى العقبية، وانزعج الناس له، وانتقلوا من أماكنهم، ولم تطل مدته لان أصله كان مطرا وقع بأرض وابل السوق والحسينية. وفي هذا اليوم باشر طرقشي شد الدواوين بعد موت جمال الدين الرحبي، وباشر ولاية المدينة صارم الدين الجوكندار، وخلع عليهما. ولما كان يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من رمضان اجتمع القضاة وأعيان الفقهاء عند نائب السلطنة بدار السعادة وقرئ عليهم كتاب من السلطان يتضمن منع الشيخ تقي الدين بن تيمية من الفتيا بمسألة الطلاق، وانفصل المجلس على تأكيد المنع من ذلك. وفي يوم الجمعة تاسع شوال خطب القاضي صدر الدين الداراني عوضا عن بدر الدين بن ناصر الدين بن عبد السلام، بجامع جراح، وكان فيه خطيبا قبله فتولاه بدر الدين حسن العقرباني واستمر ولده في خطابة داريا التي كانت بيد أبيه من بعده. وفي يوم السبت عشره خرج الركب وأميرهم عز الدين أيبك

[ 107 ]

المنصوري أمير علم، وحج فيها صدر الدين قاضي القضاة الحنفي، وبرهان الدين بن عبد الحق، وشرف الدين بن تيمية، ونجم الدين الدمشقي وهو قاضي الركب، ورضي الدين المنطيقي، وشمس الدين بن الزريز خطيب جامع القبيبات، وعبد الله بن رشيق المالكي وغيرهم. وفيها حج سلطان الاسلام الملك الناصر محمد بن قلاوون ومعه جمع كثير من الامراء، ووكيله كريم الدين وفخر الدين كاتب المماليك، وكاتب السر ابن الاثير، وقاضي القضاة ابن جماعة، وصاحب حماة الملك عماد الدين، والصاحب شمس الدين غبريال، في خدمة السلطان وكان في خدمته خلق كثير من الاعيان. وفيها كانت وقعة عظيمة بين التتار بسبب أن ملكهم أبا سعيد كان قد ضاق ذرعا بجوبان وعجز عن مسكه، فانتدب له جماعة من الامراء عن أمره، منهم أبو يحيى خال أبيه، ودقماق وقرشي وغيرهم من أكابر الدولة، وأرادوا كبس جوبان فهرب وجاء إلى السلطان فأنهى إليه ما كان منهم، وفي صحبته الوزير علي شاه، ولم يزل بالسلطان حتى رضي عن جوبان وأمده بجيش كثيف، وركب السلطان معه أيضا والتقوا مع أولئك فكسروهم وأسروهم، وتحكم فيهم جوبان فقتل منهم إلى آخر هذه السنة نحوا من أربعين أميرا. وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ المقري شهاب الدين أبو عبد الله الحسين بن سليمان بن فزارة (1) بن بدر الكفري الحنفي، ولد تقريبا في سنة سبع وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث وقرأ بنفسه كتاب الترمذي، وقرأ القراءات وتفرد بها مدة يشتغل الناس عليه، وجمع عليه السبع أكثر من عشرين طالبا، وكان يعرف النحو والادب وفنونا كثيرة وكانت مجالسته حسنة، وله فوائد كثيرة، درس بالطرخانية أكثر من أربعين سنة، وناب في الحكم عن الاذرعي مدة ولايته، وكان خيرا مباركا أضر في آخر عمره، وانقطع في بيته، مواظبا على التلاوة والذكر وإقراء القرآن إلى أن توفي ثالث عشر جمادى الاولى، وصلي عليه بعد الظهر يومئذ بجامع دمشق، ودفن بقاسيون رحمه الله. وفي هذا الشهر جاء خبر بموت: الشيخ الامام تاج الدين عبد الرحمن بن محمد بن أبي حامد التبريزي الشافعي المعروف بالافضلي، بعد رجوعه من


(1) من غاية النهاية 1 / 241، وفي الاصل: الحسن بن سليمان بن خزارة تصحيف.

[ 108 ]

الحج ببغداد في العشر الاول من صفر، وكان صالحا فقيها مباركا، وكان ينكر على رشيد الدولة ويحط عليه، ولما قتل قال: كان قتله أنفع من قتل مائة ألف نصراني، وكان رشيد الدولة يريد أن يترضاه فلم يقبل، وكان لا يقبل من أحد شيئا، ولما توفي دفن بتربة الشونيزي، وكان قد قارب الستين رحمه الله. محيي الدين محمد بن مفضل بن فضل الله المصري كاتب ملك الامراء، ومستوفي الاوقاف، كان مشكور السيرة محببا للعلماء والصلحاء، فيه كرم وخدمة كثيرة للناس، توفي في رابع عشرين من جمادى الاولى ودفن بتربة ابن هلال بسفح قاسيون وله ست وأربعون سنة، وباشر بعده في وظيفته أمين الدين بن نحاس. الامير الكبير غرلو (1) بن عبد الله العادلي كان من أكابر الدولة ومن الامراء المقدمين الالوف (2)، وقد ناب بدمشق عن أستاذه الملك العادل كتبغا نحوا من ثلاثة أشهر في سنة خمس وسبعين وستمائة، وأول سنة ست وتسعين، واستمر أميرا كبيرا إلى أن توفي في سابع جمادى الاولى يوم الخميس ودفن بتربته بشمالي جامع المظفري بقاسيون، وكان شهما شجاعا ناصحا للاسلام وأهله، مات في عشر الستين. الامير جمال الدين أقوش الرحبي المنصوري، والي دمشق مدة طويلة، كان أصله من قرى إربل، وكان نصرانيا فسبي وبيع من نائب الرحبة، ثم انتقل إلى الملك المنصور فأعتقه وأمره، وتولى الولاية بدمشق نحوا من إحدى عشرة سنة ثم انتقل إلى شد الدواوين مدة أربعة أشهر، وكان محبوبا إلى العامة مدة ولايته. الخطيب صلاح الدين يوسف بن محمد بن عبد اللطيف بن المعتزل (3) الحموي، له تصانيف وفوائد، وكان


(1) في السلوك 2 / 199: ورد: أغرلو، وفي المنهل الصافي، النجوم الزاهرة 9 / 245 والدرر 1 / 418 ورد: أغزلو.

(2) مقدم الالف (مقدمو ألوف) وظيفتهم تسمى تقدمة أو تقادم ألف أو ألوف أي تحت قيادتهم ألف من أمراء المئين. أو ألوف من الجنود، وقد وصل عود هؤلاء الامراء الكبار أربعة وعشرون، ولهم رئيس يسمى: رأس مقدمي الالوف (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 319).

(3) في الدرر الكامنة 5 / 245 ودرة الاسلاك ص 218 وتذكرة النبيه 2 / 105: ابن مغيزل.

[ 109 ]

خطيب جامع السوق الاسفل بحماة، وسمع من ابن طبرزد، توفي في جمادى الآخرة. العلامة فخر الدين أبو عمرو عثمان بن علي بن يحيى بن هبة الله بن إبراهيم بن المسلم بن علي الانصاري الشافعي المعروف بابن بنت أبي سعد المصري، سمع الحديث وكان من بقايا العلماء، وناب في الحكم بالقاهرة، وولي مكانه في ميعاد جامع طولون الشيخ علاء الدين القونوي شيخ الشيوخ، وفي ميعاد الجامع الازهر شمس الدين بن علان، كانت وفاته ليلة الاحد الرابع والعشرين من جمادى الآخرة، ودفن بمصر وله من العمر سبعون سنة. الشيخ الصالح العابد أبو الفتح نصر بن سليمان (1) (*) بن عمر المنبجي (2)، له زاوية بالحسينية يزار فيها ولا يخرج منها إلا إلى الجمعة، سمع الحديث، توفي يوم الثلاثاء بعد العصر السادس والعشرين من جمادى الآخرة ودفن من الغد بزاويته المذكورة رحمه الله. الشيخ الصالح المعمر الرحلة عيسى بن عبد الرحمن بن معالي بن أحمد بن إسماعيل بن عطاف بن مبارك بن علي بن أبي الجيش المقدسي الصالح المطعم، راوي صحيح البخاري وغيره، وقد سمع الكثير من مشايخ عدة وترجمه الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه توفي ليلة السبت رابع عشر ذي الحجة، وصلي عليه بعد الظهر في اليوم المذكور بالجامع المظفري، ودفن بالساحة بالقرب من تربة المولهين، وله أربع وسبعون سنة رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة عشرين وسبعمائة استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها، وكان السلطان في هذه السنة في الحج، وعاد إلى القاهرة يوم السبت ثاني عشر المحرم، ودقت البشائر، ورجع الصاحب شمس الدين على طريق الشام وصحبته الامير ناصر الدين الخازندار، وعاد صاحب حماة مع السلطان إلى


(1) في تذكره النبيه 2 / 105: سلمان.

(2) من السلوك 2 / 199 والنجوم الزاهرة 9 / 214 وشذرات الذهب 6 / 52 وتذكرة النبيه. وفي الاصل: الكبجي تصحيف، والمنبجى نسبة إلى منبج وهي مدينة كبيرة تقع بين الفرات وحلب (معجم البلدان).

[ 110 ]

القاهرة، وأنعم عليه السلطان ولقب بالملك المؤيد، ورسم أن يخطب له على منابرها وأعمالها، وأن يخطب بالمقام العالي المولوي السلطاني الملكي المؤيدي، على ما كان عليه عمه المنصور. وفيها عمر ابن المرجاني شهاب الدين مسجد الخيف وأنفق عليه نحوا من عشرين ألفا. وفي المحرم استقال أمين الدين من نظر طرابلس وأقام بالقدس. وفي آخر صفر باشر نيابة الحكم المالكي القاضي شمس الدين محمد بن أحمد القفصي، وكان قد قام مع قاضي القضاة شرف الدين من مصر. وفي يوم الاثنين الخامس والعشرين من ربيع الاول ضربت عنق شخص يقال له عبد الله (1) الرومي وكان غلاما لبعض التجار، وكان قد لزم الجامع، ثم ادعى النبوة واستتيب فلم يرجع فضربت عنقه وكان أشقر أزرق العينين جاهلا، وكان قد خالطه شيطان حسن له ذلك، واضطرب عقله في نفس الامر وهو في نفسه شيطان إنسي. وفي يوم الاثنين ثاني ربيع الآخر عقد عقد السلطان على المرأة التي قدمت من بلاد القبجاق، وهي من بنات الملوك (2)، وخلع على القاضي بدر الدين بن جماعة وكاتب السر وكريم الدين وجماعة الامراء، ووصلت العساكر في هذا الشهر إلى بلاد سيس وغرق في بحر جاهان (3) من عساكر طرابلس نحو من ألف فارس، وجاءت مراسيم السلطان في هذا اليوم إلى الشام في الاحتياط على أخبار آل مهنا وإخراجهم من بلاد الاسلام، وذلك لغضب السلطان عليهم لعدم قدوم والدهم مهنا على السلطان. وفي يوم الاربعاء رابع عشرين جمادى الاولى درس بالركنية الشيخ محيي الدين الاسمر الحنفي وأخذت منه الجوهرية لشمس الدين البرقي الاعرج، وتدريس جامع القلعة لعماد الدين بن محيي الدين الطرسوسي، الذي ولي قضاء الحنفية بعد هذا، وأخذ من البرقي إمامة مسجد نور الدين له بحارة اليهود، ولعماد الدين بن الكيال، وإمامة الربوة الشيخ محمد الصبيبي. وفي جمادى الآخرة اجتمعت الجيوش الاسلامية بأرض حلب نحوا من عشرين ألفا، عليهم كلهم نائب حلب الطنبغا وفيهم نائب طرابلس شهاب الدين قرطبة، فدخلوا بلاد الارمن من اسكندرونة ففتحوا الثغر ثم تل حمدان ثم خاضوا جاهان فغرق منهم جماعة ثم سلم الله من وصلوا إلى سيس فحاصروها وضيقوا على أهلها وأحرقوا دار الملك التي في البلد، وقطعوا أشجار البساتين وساقوا الابقار والجواميس والاغنام وكذلك فعلوا بطرسوس، وخربوا الضياع والاماكن وأحرقوا الزروع ثم رجعوا فخاضوا


(1) في تذكرة النبيه 2 / 108: يدعى الجبار وهو من مماليك ركن الدين بيبرس التاجي، وفي نهاية الارب: 3 ورقة 136 اسمه: أقبجا.

(2) اختلفت المصادر في اسمها، وهي ابنة أخي أزبك خان صاحب الموصل فحضرت من بلاد الشرق إلى مصر في محفة مرقومة بالذهب، ثم طلقها - بعد ذلك - فتزوجها الامير منكلي فالامير صوصون، فالامير عمر بن أرغون النائب (كنز الدرر 9 / 302 السلوك 2 / 203 بدائع الزهور 1 / 1 / 4 51 وفيه انها ابنة أزبك خان).

(3) في مختصر أخبار البشر 4 / 88 وتذكرة النبيه 2 / 106: جيحان، وجيحان نهر يمر ببلاد سيس (تقويم البلدان ص 50).

[ 111 ]

النهر المذكور فلم يغرق منهم أحد، وأخرجوا بعد رجوعهم مهنا وأولاده من بلادهم وساقوا خلفه إلى عانة وحديثه ثم بلغ الجيوش موت صاحب سيس (1) وقيام ولده من بعده، فشنوا الغارات على بلاده وتابعوها وغنموا وأسروا إلا في المرة الرابعة فإنه قتل منهم جماعة. وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة ببلاد المغرب بين المسلمين والفرنج فنصر الله المسلمين على أعدائهم فقتلوا منهم خمسين ألفا وأسروا خمسة آلاف، وكان في جملة القتلى خمسة وعشرين ملكا من ملوك الافرنج، وغنموا شيئا كثيرا من الاموال، يقال كان من جملة ما غنموا سبعون قنطارا من الذهب والفضة، وإنما كان جيش الاسلام يومئذ ألفين وخمسمائة فارس غير الرماة، ولم يقتل منهم سوى أحد (2) عشر قتيلا، وهذا من غريب ما وقع وعجيب ما سمع. وفي يوم الخميس ثاني عشرين رجب عقد مجلس بدار السعادة للشيخ تقي الدين بن تيمية بحضرة نائب السلطنة، وحضر فيه القضاة والمفتيون من المذاهب، وحضر الشيخ وعاتبوه على العود إلى الافتاء بمسألة الطلاق ثم حبس في القلعة فبقي فيها خمسة أشهر وثمانية عشر يوما، ثم ورد مرسوم من السلطان بإخراجه يوم الاثنين يوم عاشوراء من سنة إحدى وعشرين كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وبعد ذلك بأربعة أيام أضيف شد الاوقاف إلى الامير علا الدين بن معبد إلى ما بيده من ولاية البر وعزل بدر الدين المنكورسي عن الشام. وفي آخر شعبان مسك الامير علاء الدين الجاولي نائب غزة وحمل إلى الاسكندرية لانه اتهم أنه يريد الدخول إلى دار اليمن، واحتيط على حواصله وأمواله، وكان له بر وإحسان وأوقاف، وقد بنى بغزة جامعا حسنا مليحا. وفي هذا الشهر أراق ملك التتر أبو سعيد الخمور وأبطل الحانات، وأظهر العدل والاحسان إلى الرعايا، وذلك أنه أصابهم برد عظيم وجاءهم سيل هائل فلجأوا إلى الله عز وجل، وابتهلوا إليه فسلموا فتابوا وأنابوا وعملوا الخير عقيب ذلك. وفي العشر الاول من شوال جرى الماء بالنهر الكريمي الذي اشتراه كريم الدين (3) بخمسة وأربعين ألفا وأجراه في جدول إلى جامعه بالقبيبات فعاش به الناس، وحصل به أنس إلى أهل تلك الناحية، ونصبت عليه الاشجار والبساتين، وعمل حوض كبير تجاه الجامع من الغرب يشرب منه الناس والدواب، وهو حوض كبير وعمل مطهرة، وحصل بذلك نفع كثير، ورفق زائد أثابه الله. وخرج الركب في حادي عشر شوال وأميره الملك صلاح الدين بن الاوحد، وفيه زين الدين كتبغا الحاجب، وكمال الدين الزملكاني والقاضي شمس الدين بن المعز، وقاضي حماة شر ف الدين البازري، وقطب الدين ابن شيخ السلامية وبدر الدين بن العطار، وعلاء الدين بن غانم، ونور الدين


(1) وهوأوشين بن ليفون وكان مريضا، مات في جمادى الاولى (مختصر أخبار البشر 4 / 89).

(2) في الاصل: إحدى.

(3) وهو القاضي كريم الدين عبد الكريم بن المعلم هبة الله، صاحب جامع الكريمي بالقبيبات.

[ 112 ]

السخاوي، وهو قاضي الركب. ومن المصريين قاضي الحنفية ابن الحريري، وقاضي الحنابلة ومجد الدين حرمي والشرف عيسى المالكي، وهو قاضي الركب. وفيه كملت عمارة الحمام الذي عمره الجيبغا غربي دار الطعم ودخله الناس. وفي أواخر ذي الحجة وصل إلى دمشق من عند ملك التتر الخواجه مجد الدين إسماعيل بن محمد بن ياقوت السلامي، وفي صحبته هدايا وتحف لصاحب مصر من ملك التتر، وأشهر أنه إنما جاء ليصلح بين المسلمين والتتر، فتلقاه الجند والدولة، ونزل بدار السعادة يوما واحدا، ثم سار إلى مصر. وفيها وقف الناس بعرفات موقفا عظيما لم يعهد مثله، أتوه من جميع أقطار الارض، وكان من العراقيين محامل كثيرة منها محمل قوم ما عليه من الذهب واللآلئ بألف ألف دينار مصرية، وهذا أمر عجيب. وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ إبراهيم الدهستاني وكان قد أسن وعمر، وكان يذكر أن عمره حين أخذت التتر بغداد أربعين سنة، وكان يحضر الجمعه هو وأصحابه تحت قبة النسر، إلى أن توفي ليلة الاربعين السابع والعشرين من ربيع الآخر بزاويته التى عند سوق الخيل بدمشق، ودفن بها وله من العمر مائة وأربع سنين، كما قال، فالله أعلم. الشيخ محمد بن محمود بن علي الشحام المقرئ شيخ ميعاد ابن عامر، كان شيخا حسنا بهيا مواظبا على تلاوة القرآن إلى أن توفي في ليلة توفي الدهستاني المذكور أو قبله بليلة رحمهما الله. الشيخ شمس الدين ابن الصائغ اللغوي هو أبو عبد الله محمد بن حسين بن سباع بن أبي بكر الجذامي المصري الاصل، ثم انتقل إلى دمشق، ولد تقريبا سنة خمس وأربعين وستمائة بمصر، وسمع الحديث وكان أديبا فاضلا بارعا بالنظم والنثر، وعلم العروض والبديع والنحو واللغة، وقد اختصر صحاح الجوهري، وشرح مقصورة ابن دريد، وله قصيدة تائية تشتمل على ألفي بيت فأكثر، ذكر فيها العلوم والصنائع، وكان حسن الاخلاق لطيف المحاورة والمحاضرة ؟، وكان يسكن بين درب الحبالين والفراش عند بستان القط توفي بداره يوم الاثنين ثالث شعبان ودفن بباب الصغير.

[ 113 ]

ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها. وفي أول يوم منها فتح حمام الزيت الذي في رأس درب الحجر، جدد عمارته رجل ساوي بعد ما كان قد درس ودثر من زمان الخوارزمية من نحو ثمانين سنة، وهو حمام جيد متسع. وفي سادس المحرم وصلت هدية من ملك التتار أبي سعيد إلى السلطان صناديق وتحف ودقيق. وفي يوم عاشوراء خرج الشيخ تقي الدين بن تيمية من القلعة بمرسوم السلطان وتوجه إلى داره، وكانت مدة إقامته خمسة أشهر وثمانية عشر يوما رحمه الله. وفي رابع ربيع الآخر وصل إلى دمشق القاضي كريم الدين وكيل السلطان فنزل بدار السعادة وقدم قاضي القضاة تقي الدين بن عوض الحاكم الحنبلي بمصر وهو ناظر الخزانة أيضا، فنزل بالعادلية الكبيرة التي للشافعية، فأقام بها أياما، ثم توجه إلى مصر: جاء في بعض أشغال السلطان وزار القدس. وفي هذا الشهر كان السلطان قد حفر بركة قريبا من الميدان وكان من جوارها كنيسة فأمر الوالي بهدمها، فلما هدمت تسلط الحرافيش وغيرهم على الكنائس بمصر يهدمون ما قدروا عليه، فانزعج السلطان لذلك وسأل القضاة ماذا يجب على من تعاطى ذلك منهم ؟ فقالوا: يعزر، فأخرج جماعة من السجون ممن وجب عليه قتل فقطع وصلب وحرم وحزم وعاقب، موهما أنه إنما عاقب من تعاطى تخريب ذلك، فسكن الناس وأمنت النصارى وظهروا بعد ما كانوا قد اختفوا أياما. وفيها ثارت الحرامية ببغداد ونهبوا سوق الثلاثاء وقت الظهر، فثار الناس وراءهم وقتلوا منهم قريبا من مائة وأسروا آخرين. قال الشيخ علم الدين البرزالي ومن خطه نقلت: وفي يوم الاربعاء السادس من جمادى الاولى خرج القضاة والاعيان والمفتيون إلى القابون ووقفوا على قبلة الجامع الذي أمر ببنائه القاضي كريم الدين وكيل السلطان بالمكان المذكور، وحرروا قبلته واتفقوا على أن تكون مثل قبلة جامع دمشق. وفيه وقعت مراجعة من الامير جوبان أحد المقدمين الكبار بدمشق، وبين نائب السلطنة تنكز، فمسك جوبان ورفع إلى القلعة ليلتان، ثم حول إلى القاهرة فعوقب في ذلك، ثم أعطي خبزا يليق به. وذكر علم الدين أن في هذا اليوم وقع حريق عظيم في القاهرة في الدور الحسنة والاماكن المليحة المرتفقة، وبعض المساجد، وحصل للناس مشقة عظيمة من ذلك، وقنتوا في الصلوات ثم كشفوا عن القضية فإذا هو من قبل النصارى بسبب ما كان أحرق من كنائسهم وهدم، فقتل السلطان بعضهم (1) وألزم النصارى أن يلبسوا الزرقاء على رؤوسهم وثيابهم كلها


(1) في تذكرة النبيه 2 / 121: " قتل منهم ستة، وأسلم عدة " وانظر تفاصيل عن الحريق في عقد الجمان حوادث سنة 720 ه‍ والسلوك 2 / 2 / 220.

[ 114 ]

وأن يحملوا الاجراس في الحمامات، وأن لا يستخدموا في شئ من الجهات، فسكن الامر وبطل الحريق. وفي جمادى الآخرة خرب ملك التتار أبو سعيد البازار وزوج الخواطئ وأراق الخمور وعاقب في ذلك العقوبة، وفرح المسلمون بذلك ودعوا له رحمه الله وسامحه. وفي الثالث عشر من جمادى الآخرة أقيمت الجمعة بجامع القصب وخطب به الشيخ علي المناخلي. وفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة فتح الحمام الذي أنشأه تنكز تجاه جامعه، وأكري في كل يوم بأربعين درهما لحسنه وكثرة ضوئه ورخامه. وفي يوم السبت تاسع عشر رجب خربت كنيسة القرائيين (1) التي تجاه حارة اليهود بعد إثبات كونها محدثة وجاءت المراسيم السلطانية بذلك. وفي أواخر رجب نفذت الهدايا من السلطان إلى أبي سعيد ملك التتار، صحبة الخواجا مجد الدين السلامي، وفيها خمسون جملا وخيول وحمار عتابي. وفي منتصف رمضان أقيمت الجمعة بالجامع الكريمي بالقابون وشهدها يومئذ القضاة والصاحب وجماعة من الاعيان. قال الشيخ علم الدين: وقدم دمشق الشيخ قوام الدين أمير كاتب ابن الامير العميد عمر الاكفاني القازاني، مدرس مشهد الامام أبي حنيفة ببغداد، في أول رمضان، وقد حج في هذه السنة وتوجه إلى مصر وأقام بها أشهرا ثم مر بدمشق متوجها إلى بغداد فنزل بالخاتونية الحنفية، وهو ذو فنون وبحث وأدب وفقه. وخرج الركب الشامي يوم الاثنين عاشر شوال وأميره شمس الدين حمزة التركماني، وقاضيه نجم الدين الدمشقي. وفيها حج تنكز نائب الشام وفي صحبته جماعة من أهله، وقدم من مصر الامير ركن الدين بيبرس الحاجب لينوب عنه إلى أن يرجع، فنزل بالنجيبية البرانية. وممن حج فيها الخطيب جلال الدين القزويني وعز الدين حمزة بن القلانسي، وابن العز شمس الدين الحنفي، وجلال الدين بن حسام الدين الحنفي، وبهاء الدين بن علية، وعلم الدين البرزالي ودرس ابن جماعة بزاوية الشافعي يوم الاربعاء ثامن عشر شوال عوضا عن شهاب الدين أحمد بن محمد الانصاري لسوء تصرفه، وخلع على ابن جماعة، وحضر عنده من الاعيان والعامة ما نشأ به جمعية الجمعة وأشعلت له شموع كثيرة وفرح الناس بزوال المعزول. قال البرزالي ومن خطه نقلت: وفي يوم الاحد سادس عشر شوال ذكر الدرس الامام العلامة تقي الدين السبكي المحدث بالمدرسة الهكارية عوضا عن ابن الانصاري أيضا، وحضر عنده جماعة منهم القونوي، وروى في الدرس حديث المتبايعين بالخيار، عن قاضي القضاة ابن جماعة. وفي شوال عزل علاء الدين بن معبد عن ولاية البر وشد الاوقاف، وتولى ولاية الولاة بالبلاد القبلية بحوران عوضا عن بكتمر لسفره إلى الحجاز، وباشر أخوه بدر الدين شد الاوقاف، والامير علم


(1) وهم طائفة من اليهود، انظر تفاصيل عن هذه الطائفة في (صبح الاعشى 11 / 387، 13 / 256).

[ 115 ]

الدين الطرقشي ولاية البر مع شد الدواوين، وتوجه ابن الانصاري إلى حلب متوليا وكالة بيت المال عوضا عن ناصر الدين أخي شرف الدين يعقوب ناظر حلب، بحكم ولاية التاج المذكور نظر الكرك. وفي يوم عيد الفطر ركب الامير تمرتاش بن جوبان نائب أبي سعيد على بلاد الروم في قيسارية في جيش كثيف من التتار والتركمان والقرمان، ودخل بلاد سيس فقتل وسبى وحرق وخرب، وكان قد أرسل لنائب حلب الطنبغا ليجهز له جيوشا ليكونون عونا له على ذلك، فلم يمكنه ذلك بغير مرسوم السلطان. وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ الصالح المقري بقية السلف عفيف الدين أبو محمد عبد الله بن عبد الحق بن عبد الله بن عبد الواحد بن علي القرشي المخزومي الدلاصي شيخ الجرم بمكة، أقام فيه أزيد من ستين سنة، يقرئ الناس القرآن احتسابا، وكانت وفاته ليلة الجمعة الرابع عشر من محرم بمكة، وله أزيد من تسعين سنة رحمه الله. الشيخ الفاضل شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم الهمداني، أبوه الصالحي المعروف بالسكاكيني، ولد سنة خمس وثلاثين وستمائة بالصالحية، وقرأ بالروايات، واشتغل في مقدمة في النحو، ونظم قويا وسمع الحديث، وخرج له الفخر ابن البعلبكي جزءا عن شيوخه، ثم دخل في التشيع فقرأ على أبي صالح الحلي شيخ الشيعة، وصحب عدنان وقرأ عليه أولاده، وطلبه أمير المدينة النبوية الامير منصور بن حماد فأقام عنده نحوا من سبع سنين، ثم عاد إلى دمشق وقد ضعف وثقل سمعه، وله سؤال في الخبر أجابه به الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكل فيه عنه غيره، وظهر له بعد موته كتاب فيها انتصار لليهود وأهل الاديان الفاسدة فغسله تقي الدين السبكي لما قدم دمشق قاضيا، وكان بخطه، ولما مات لم يشهد جنازته القاضي شمس الدين بن مسلم. توفي يوم الجمعة سادس عشر صفر، ودفن بسفح قاسيون، وقتل ابنه قيماز على قذفه أمهات المؤمنين عائشة وغيرها رضي الله عنهن وقبح قاذفهن. وفي يوم الجمعه مستهل رمضان صلي بدمشق على غائبين وهم الشيخ نجم الدين عبد الله بن محمد الاصبهاني، توفي بمكة، وعلى جماعة توفوا بالمدينة النبوية منهم عبد الله (1) بن أبي القاسم بن


(1) في تذكرة النبيه 2 / 119 ودرة الاسلاك ص 226: أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون اليعمري.

[ 116 ]

فرحون مدرس المالكية بها، والشيخ يحيى الكردي، والشيخ حسن المغربي السقا. الشيخ الامام العالم علاء الدين علي بن سعيد بن سالم الانصاري، إمام مشهد علي من جامع دمشق، كان بشوش الوجه متواضعا حسن الصوت بالقراءة ملازما لاقراء الكتاب العزيز بالجامع، وكان يؤم نائب السلطنة ولده العلامة، بهاء الدين محمد بن علي مدرس الامينية، ومحتسب دمشق. توفي ليلة الاثنين رابع رمضان ودفن بسفح قاسيون. الامير حاجب الحجاب زين الدين كتبغا المنصوري، حاجب دمشق، كان من خيار الامراء وأكثرهم برا للفقراء، يحب الختم والمواعيد والمواليد، وسماع الحديث، ويلزم أهله ويحسن إليهم، وكان ملازما لشيخنا أبي العباس بن تيمية كثيرا، وكان يحج ويتصدق، توفي يوم الجمعة آخر النهار ثامن عشر شوال، ودفن من الغد بتربته قبلي القبيبات، وشهده خلق كثير وأثنوا عليه رحمه الله. والشيخ بهاء الدين بن المقدسي والشيخ سعد الدين أبي زكريا يحيى المقدسي، والد الشيخ شمس الدين محمد بن سعد المحدث المشهور. وسيف الدين الناسخ المنادي على الكتب. والشيخ أحمد الحرام المقرئ على الجنائز، وكان يكرر على التنبيه، ويسأل عن أشياء منها ما هو حسن ومنها ما ليس بحسن. ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وسبعمائة استهلت وأرباب الولايات هم المذكورون في التي قبلها، سوى والي البر بدمشق فإنه علم الدين طرقشي، وقد صرف ابن معبد إلى ولاية حوران لشهامته وصرامته وديانته وأمانته. وفي المحرم حصلت زلزلة عظيمة بدمشق، وقى الله شرها، وقدم تنكز من الحجاز ليلة الثلاثاء حادي عشر المحرم، وكانت مدة غيبته ثلاثة أشهر، وقدم ليلا لئلا يتكلف أحد لقدومه، وسافر نائب الغيبة عنه قبله بيومين لئلا يكلفه بهدية ولا غيرها، وقدم مغلطاي عبد الواحد الجحدار أحد الامراء بمصر بخلعة سنية من السلطان لتنكز فلبسها وقبل العتبة على العادة، وفي يوم الاربعاء سادس صفر درس الشيخ نجم الدين القفجازي بالظاهرية للحنفية، وهو خطيب جامع تنكز، وحضر عنده القضاة والاعيان، ودرس في قوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) [ النساء: 58 ] وذلك بعد وفاة القاضي شمس الدين بن العز الحنفي، توفي مرجعه من الحجاز، وتولى بعده نيابة القضاء عماد الدين الطرسوسي، وهو زوج ابنته، وكان ينوب عنه في حال غيبته، فاستمر بعده، ثم ولي الحكم بعده، مستنيبه فيها. وفيه قدم الخوارزمي حاجبا

[ 117 ]

عوضا عن كتبغا، وفي ربيع الاول قدم إلى دمشق الشيخ قوام الدين مسعود بن الشيخ برهان الدين محمد بن الشيخ شرف الدين محمد الكرماني الحنفي، فنزل بالقصاعين وتردد إليه الطلبة ودخل إلى نائب السلطنة واجتمع به وهو شاب مولده سنة إحدى وسبعين وقد اجتمعت به، وكان عنده مشاركة في الفروع والاصول ودعوا أوسع من محصوله، وكانت لابيه وجده مصنفات، ثم صار بعد مدة إلى مصر ومات بها كما سيأتي. وفي ربيع الاول تكامل فتح إياس (1) ومعاملتها وانتزاعها من أيدي الارمن، وأخذ البرج الاطلس (2) بينه وبينها في البحر رمية ونصف، فأخذه المسلمون بإذن الله وخربوه، وكانت أبوابه مطلية بالحديد والرصاص، وعرض سوره ثلاثة عشر ذراعا بالنجار، وغنم المسلمون غنائم كثيرة جدا، وحاصروا كواره فقوي عليهم الحر والذباب، فرسم السلطان بعودهم، فحرقوا ما كان معهم من المجانيق وأخذوا حديدها وأقبلوا سالمين غانمين، وكان معهم خلق كثير من المتطوعين. وفي يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الاولى كمل بسط داخل الجامع فاتسع على الناس، ولكن حصل حرج بحمل الامتعة على خلاف العادة، فإن الناس كانوا يمرون وسط الرواق ويخرجون من باب البرادة، ومن شاء استمر يمشي إلى الباب الآخر بنعليه، ولم يكن ممنوعا سوى المقصورة لا يمكن أحد الدخول إليها بالمداسات، بخلاف باقي الرواقات، فأمر نائب السلطنة بتكميل بسطه بإشارة ناظره إلى مراحل. وفي جمادى الآخرة رجعت العساكر من بلاد سيس ومقدمهم أقوش نائب الكرك. وفي آخر رجب باشر القاضي محيي الدين بن إسماعيل بن جهبل نيابة الحكم عن ابن صصرى عوضا عن الداراني الجعفري، واستغنى الداراني بخطبة جامع العقبية عنها. وفي ثالث رجب ركب نائب السلطنة إلى خدمة السلطان فأكرمه وخلع عليه، وعاد في أول شعبان ففرح به الناس. وفي رجب كملت عمارة الحمام الذي بناه الامير علاء الدين بن صبيح جوار داره شمالي الشامية البرانية. وفي يوم الاثنين تاسع شعبان عقد الامير سيف الدين أبو بكر بن أرغون نائب السلطنة عقده على ابنة الناصر، وختن في هذا اليوم جماعة من أولاد الامراء بين يديه، وماد سماطا عظيما، ونثرت الفضة على رؤوس المطهرين، وكان يوما مشهودا، ورسم السلطان في هذا اليوم وضع المكس عن المأكولات (3) بمكة، وعوض صاحبها عن ذلك بإقطاع في بلد الصعيد (4).


(1) أياس: من بلاد الارمن على ساحل البحر (تقويم البلدان لابي الفداء ص 248).

(2) وهو أحد ثلاثة أبرجة وهي: الاطلس والشمعة والاياس (تذكرة النبيه 2 / 124).

(3) يعني بذلك مكس الغلال، انظر السلوك 2 / 236 والمواعظ والاعتبار 1 / 88.

(4) عوضه بثلثي بلد دماميل، أو دمامين وهي من البلاد القديمة بمركز قوص، وتعرف حاليا باسم المفرجية نسبة إلى الشيخ مفرج بن موفق بن عبد الله الدماميني المتوفى سنة 648 (انظر القاموس الجغرافي لمحمد رمزي ج 4 / 2 / 185).

[ 118 ]

وفي أواخر رمضان كملت عمارة الحمام الذي بناه بهاء الدين بن عليم بزقاق الماجية من قاسيون بالقرب من سكنه، وانتفع به أهل تلك الناحية ومن جاورهم. وخرج الركب الشامي يوم الخميس ثام شوال وأميره سيف الدين بلبطي نائب الرحبة، وكان سكنه داخل باب الجابية بدرب ابن صبرة، وقاضيه شمس الدين بن النقيب قاضي حمص. وممن توفي فيها من الاعيان: القاضي شمس الدين بن العز الحنفي أبو عبد الله محمد بن الشيخ شرف الدين أبي البركات محمد بن الشيخ عز الدين أبي العز صالح بن أبي العز بن وهيب بن عطاء بن جبير بن كابن بن وهيب الاذرعي الحنفي، أحد مشايخ الحنفية وأئمتهم وفصلائهم في فنون من العلوم متعددة، حكم نيابة نحوا من عشرين سنة، وكان سديد الاحكام محمود السيرة جيد الطريقة كريم الاخلاق، كثير البر والصلة والاحسان إلى أصحابه وغيرهم، وخطب في جامع الافرم مدة، وهو أول من خطب به، ودرس بالمعظمية واليغمورية والقليجية (1) والظاهرية، وكان ناظر أوقافها، وأذن للناس بالافتاء، وكان كبيرا معظما مهيبا، توفي بعد مرجعه من الحج بأيام قلائل، يوم الخميس سلخ المحرم، وصلي عليه يومئذ بعد الظهر بجامع الافرم ودفن عند المعظمية عند أقاربه، وكانت جنازته حافلة، وشهد له الناس بالخير وغبطوه لهذه الموتة رحمه الله. ودرس بعده في الظاهرية نجم الدين الفقجازي، وفي المعظمية والقليجية والخطابة بالافرم ابنه علاء الدين، وباشر بعده نيابة الحكم القاضي عماد الدين الطرسوسي، مدرس القلعة. الشيخ الامام العالم أبو إسحاق بقية السلف رضي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطبري المكي الشافعي، إمام المقام (2) أكثر من خمسين سنة، سمع الحديث من شيوخ بلده والواردين إليها ولم يكن له رحلة، وكان يفتي الناس من مدة طويلة، ويذكر أنه اختصر شرح السنة للبغوي. توفي يوم السبت بعد الظهر ثامن ربيع الاول بمكة، ودفن من الغد، وكان من أئمة المشايخ.


(1) المدرسة القليجية بدمشق، أوصى بوقفها الامير سيف الدين علي بن قليج السوري المتوفى سنة 643 ه‍ (الدارس 1 / 569).

(2) وهو مقام ابراهيم عليه السلام بالمسجد الحرام بمكة.

[ 119 ]

شيخنا العلامة الزاهد ركن الدين بقية السلف ركن الدين أبويحيى زكريا بن يوسف بن حماد البجلي الشافعي، نائب الخطابة، ومدرس الطيبية والاسدية، وله حلقة للاشتغال بالجامع، يحضر بها عنده الطلبة، كان يشتغل في الفرائض وغيرها، مواظبا على ذلك، توفي يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الاولى عن سبعين سنة، ودفن قريبا من شيخه تاج الدين الفزاري رحمه الله. نصير الدين أبو محمد عبد الله بن وجيه الدين أبي عبد الله علي بن محمد بن علي بن أبي طالب بن سويد ابن معالي بن محمد بن أبي بكر الربعي التغلبي التكريتي أحد صدور دمشق، قدم أبوه قبله إليها وعظم في أيام الظاهر وقبله، وكان مولده في حدود خمسين وستمائة، ولهم الاموال الكثيرة والنعمة الباذخة، توفي يوم الخميس عشرين رجب، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون رحمه الله. وفي يوم الاحد حادي عشر شوال توفي: شمس الدين محمد بن المغربي التاجر السفار، باني خان الصنمين الذي على جادة الطريق للسبيل رحمه الله وتقبل منه، وهو في أحسن الاماكن وأنفعها. الشيخ الجليل نجم الدين نجم الدين أبو عبد الله الحسين بن محمد بن إسماعيل القرشي المعروف بان عنقود المصري، كانت له وجاهة وإقدام على الدولة، توفي بكرة الجمعة ثالث عشرين شوال، ودفن بزاويته، وقام بعده فيها ابن أخيه. شمس الدين محمد بن الحسن ابن الشيخ الفقيه محيي الدين أبو الهدى أحمد بن الشيخ شهاب الدين أبي شامة، ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة فأسمعه أبوه على المشايخ وقرأ القرآن واشتغل بالفقه وكان ينسخ ويكثر التلاوة ويحضر المدارس والسبع الكبير، توفي في سابع عشرين شوال، ودفن عند والده بمقابر باب الفراديس.

[ 120 ]

الشيخ العابد جلال الدين جلال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن زين الدين محمد بن أحمد بن محمود بن محمد العقيلي المعروف بابن القلانسي، ولد سنة أربع وخمسين وستمائة، وسمع على ابن عبد الدائم جزء ابن عرفة، ورواه غير مرة، وسمع على غيره أيضا، واشتغل بصناعة الكتابة والانشاء ثم انقطع وترك ذلك كله وأقبل على العبادة والزهادة، وبنى له الامراء بمصر زاوية وترددوا إليه، وكان فيها بشاشة وفصاحة، وكان ثقيل السمع، ثم انتقل إلى القدس وقدم دمشق مرة فاجتمع به الناس وأكرموه، وحدث بها ثم عاد إلى القدس وتوفي بها ليلة الاحد ثالث ذي القعدة، ودفن بمقابر ماملي رحمه الله، وهو خال المحتسب عز الدين بن القلانسي، وهذا خال الصاحب تقي الدين بن مراحل. الشيخ الامام قطب الدين محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر السنباطي المصري، اختصر الروضة (1) وصنف كتاب التعجيز ودرس بالفاضلية (2) وناب في الحكم بمصر، وكان من أعيان الفقهاء، توفي يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة عن سبعين سنة، وحضر بعده تدريس الفاضلية ضياء الدين المنادي، نائب الحكم بالقاهرة وحضر عنده ابن جماعة، والاعيان والله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة استهلت بيوم الاحد في كانون الاصم، والحكام هم المذكورون في التي قبلها، غير أن والي البر بدمشق هو الامير علاء الدين علي بن الحسن المرواني، باشرها في صفر من السنة الماضية. وفي صفر من هذه السنة باشر ولاية المدينة الامير شهاب الدين بن يرق عوضا عن صارم الدين الجو كنداري وفي صفر عوفي القاضي كريم الدين وكيل السلطان من مرض كان قد أصابه، فزينت القاهرة وأشعلت الشموع وجمع الفقراء بالمارستان المنصوري ليأخذوا من صدقته، فمات بعضهم من الزحام في سلخ ربيع الاول، ودرس الامام العلامة المحدث تقي الدين السبكي الشافعي بالمنصورية بالقاهرة عوضا عن قاضي جمال الدين الزرعي، بمقتضى انتقاله إلى دمشق، وحضر عنده علاء الدين شيخ الشيوخ القونوي الشافعي عوضا عن النجم ابن صصرى، في يوم الجمعة رابع جمادى الاولى، فنزل العادلية وقد قدم على القضاة ومشيخة الشيوخ وقضاء العساكر وتدريس العادلية والغزالية والاتابكية.


(1) وهو كتاب الروضة في الفروع للامام يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة 676 ه‍ (كشف الظنون 1 / 929).

(2) المدرسة الفاضلية بالقاهرة بناها القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني سنة 580 ه‍ ووقفها على الشافعية والمالكية (انظر المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 / 396).

[ 121 ]

وفي يوم الاحد مسك القاضي كريم الدين بن عبد الكريم بن هبة الله بن السديد (1) وكيل السلطان وكان قد بلغ من المنزلة والمكانة عند السلطان ما لم يصل إليه غيره من الوزراء الكبار، واحتيط على أمواله وحواصله، ورسم عليه عند نائب السلطنة، ثم رسم له أن يكون بتربته التي بالقرافة، ثم نفي إلى الشوبك وأنعم عليه بشئ من المال، ثم أذن له بالاقامة بالقدس الشريف برباطه. ومسك ابن أخيه كريم الدين الصغير ناظر الدواوين، وأخذت أمواله وحبس في البرج، وفرح العامة بذلك ودعوا للسلطان بسبب مسكهما، ثم أخرج إلى صفد (2). وطلب من القدس أمين الملك عبد الله (3) فولي الوزارة بمصر، وخلع عليه عودا على بدء، وفرح العامة بذلك وأشعلوا له الشموع، وطلب الصاحب بدر الدين غبريال من دمشق فركب ومعه أموال كثيرة، ثم خول أموال كريم الدين الكبير، وعاد إلى دمشق مكرما، وقدم القاضي معين الدين بن الحشيشي على نظر الجيوش الشامية عوضا عن القطب ابن شيخ السلامية عزل منها، ورسم عليه في العذراوية نحوا من عشرين يوما ثم أذن له في الانصراف إلى منزله مصروفا عنها. وفي جمادى الاولى عزل طرقشي عن شد الدواوين وتولاها الامير بكتمر. وفي ثاني جمادى الآخرة باشر ابن جهبل نيابة الحكم عن الزرعي، وكان قد باشر قبلها بأيام نظر الايتام عوضا عن ابن هلال. وفي شعبان أعيد الطرقشي إلى الشد وسافر بكتمر إلى نيابة الاسكندرية، وكان بها إلى أن توفي. وفي رمضان قدم جماعة من حجاج الشرق وفيهم بنت الملك أبغا بن هولاكو، وأخت أرغون وعمة قازان وخربندا، فأكرمت وأنزلت بالقصر الابلق، وأجريت عليها الاقامات والنفقات إلى أوان الحج، وخرج الركب يوم الاثنين ثامن شوال وأميره قطلجا الايوبكري، الذي بالقصاعين وقاضي الركب شمس الدين قاضي القضاة ابن مسلم الحنبلي، وحج معهم جمال الدين المزي، وعماد الدين بن الشيرجي، وأمين الدين الوافي، وفخر الدين البعلبكي، وجماعة، وفوض الحكم في ذلك إلى شرف الدين بن سعد الدين بن نجيح. كذا أخبرني شهاب الدين الظاهري. ومن المصريين قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وولده عز الدين وفخر الدين كاتب المماليك، وشمس الدين الحارثي، وشهاب الدين الاذرعي، وعلاء الدين الفارسي.


(1) في البداية المطبوعة: الشديد، تصحيف، وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 453 أنه تغير عليه ورسم السلطان بنفيه إلى الشوبك في سنة 722 ه‍. وعن سبب القبض عليه انظر عقد الجمان حوادث سنة 723 ه‍ والسلوك 2 / 1 / 244 والدرر 3 / 15 وفي هذه المصادر ان السبب حسد الامراء وغيرهم له لقوة تمكنه من السلطان وكثرة ماله وسعة عطائه. وذكر في النجوم الزاهرة 9 / 72 ان السبب في مسكه كان بسبب ما أحدثه النصارى من حرائق آنذاك في مصر والقاهرة.

(2) في الاصل: صت.

(3) وهو أمين الملك عبد الله بن الغنام قرر في الوزارة يوم الاحد 24 ربيع الآخرة وظل إلى يوم الخميس ثامن رمضان من السنة التالية ثم عزل بعلاء الدين مغلطاي (انظر السلوك 2 / 256 وكنز الدرر 9 / 312).

[ 122 ]

وفي شوال باشر تقي الدين السبكي مشيخة دار الحديث الظاهرية بالقاهرة بعد زكي الدين المنادي ويقال له عبد العظيم بن الحافظ شرف الدين الدمياطي، ثم انتزعت من السبكي لفتح الدين بن سيد الناس اليعمري، باشرها في ذي القعدة. وفي يوم الخميس مستهل ذي الحجة خلع على قطب الدين ابن شيخ السلامية وأعيد إلى نظر الجيش مصاحبا لمعين الدين بن الحشيشي، ثم بعد مدة مديدة استقل قطب الدين بالنظر وحده وعزل ابن حشيش. وممن توفي فيها من الاعيان: الامام المؤرخ كمال الدين الفوطي أبو الفضل عبد الرزاق بن أحمد بن محمد بن أحمد بن الفوطي عمر بن أبي المعالي الشيباني البغدادي، المعروف بابن الفوطي، وهو حده لامه، ولد سنة اثنتين وأربعين وستمائة ببغداد، وأسر في واقعة التتار ثم تخلص من الاسر، فكان مشارفا على الكتب بالمستنصرية، وقد صنف تاريخا في خمس وخمسين مجلدا، وآخر في نحو عشرين، وله مصنفات كثيرة، وشعر حسن، وقد سمع الحسن من محيي الدين بن الجوزي، توفي ثالث المحرم ودفن بالشونيزية. قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى أبو العباس أحمد بن العدل عماد الدين بن محمد بن العدل أمين الدين سالم بن الحافظ المحدث بهاء الدين أبي المواهب بن هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن صصرى التغلبي الربعي الشافعي قاضي القضاة بالشام، ولد في ذي القعدة سنة خمس وخمسين وستمائة، وسمع الحديث واشتغل وحصل وكتب عن القاضي شمس الدين بن خلكان وفيات الاعيان، وسمعها عليه، وتفقه بالشيخ تاج الدين الفزاري، وعلى أخيه شرف الدين في النحو، وكان له يد في الانشاء وحسن العبارة، ودرس بالعادلية الصغيرة سنة ثنتين وثمانين، وبالامينية سنة تسعين، وبالغزالية سنة أربع وتسعين، وتولى قضاء العساكر في دولة العادل كتبغا، ثم تولى قضاء الشام سنة ثنتين وسبعمائة، بعد ابن جماعة حين طلب لقضاء مصر، بعد ابن دقيق العيد. ثم أضيف إليه مشيخة الشيوخ مع تدريس العادلية والغزالية والاتابكية، وكلها مناصب دنيوية انسلخ منها وانسلخت منه، ومضى عنها وتركها لغيره، وأكبر أمنيته بعد وفاته أنه لم يكن تولاها وهي متاع قليل من حبيب مفارق، وقد كان رئيسا محتشما وقورا كريما جميل الاخلاق، معظما عند السلطان والدولة، توفي فجأة ببستانه بالسهم ليلة الخميس سادس عشر ربيع الاول وصلي عليه بالجامع المظفري، وحضر منازته نائب السلطنة والقضاة والامراء والاعيان، وكانت جنازته حافلة ودفن بتربتهم عند الركنية.

[ 123 ]

علاء الدين علي بن محمد ابن عثمان بن أحمد بن أبي المنى بن محمد بن نحلة الدمشقي الشافعي، ولد سنة ثمان وخمسين وستمائة وقرأ المحرر، ولازم الشيخ زين الدين الفارقي ودرس بالدولعية والركنية، وناظر بيت المال، وابتنى دارا حسنة إلى جانب الركنية، ومات وتركها في ربيع الاول، ودرس بعده بالدولعية القاضي جمال الدين بن جملة، وبالركنية القاضي ركن الدين الخراساني. وفي ربيع الاول قتل: الشيخ ضياء الدين عبد الله الزربندي النحوي، وكان قد اضطرب عقله فسافر من دمشق إلى القاهرة فأشار شيخ الشيوخ القونوي فأودع بالمارستان فلم يوافق ثم دخل إلى القلعة وبيده سيف مسلول فقتل نصرانيا، فحمل إلى السلطان وظنوه جاسوسا فأمر بشنقه فشنق، وكنت ممن اشتغل عليه في النحو. الشيخ الصالح المقري الفاضل شهاب الدين أحمد بن الطبيب بن عبيد الله الحلي العزيزي الفوارسي المعروف بابن الحلبية، سمع من خطيب مرداو ابن عبد الدائم، واشتغل وحصل وقرأ الناس، وكانت وفاته في ربيع الاول عن ثمان وسبعين سنة، ودفن بالسفح. شهاب الدين أحمد بن محمد ابن قطينة الذرعي التاجر المشهور بكثرة الاموال والبضائع والمتاجر، قيل بلغت زكاة ماله في سنة قازان خمسة وعشرين ألف دينار، وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن بتربته التي بباب بستانه المسمى بالمرفع عند ثورا، في طريق القابون، وهي تربة هائلة، وكانت له أملاك. القاضي الامام جمال الدين أبو بكر بن عباس (1) بن عبد الله الخابوري، قاضي بعلبك، وأكبر أصحاب الشيخ تاج الدين الفزاري (2) (*)، قدم من بعلبك ليلتقي بالقاضي الذرعي فمات بالمدرسة البادرائية لبلة السبت


(1) في تذكرة النبيه 2 / 135 والدرر 1 / 485: عياش.

(2) وهو عبد الرحمن بن ابراهيم بن سباع الفزاري الامام العلامة مفتي الاسلام، توفي سنة 690 ه‍.

[ 124 ]

سابع جمادى الاولى ودفن بقاسيون، وله من العمر سبعون سنه اضغاث حلم. الشيخ المعمر المسن جمال الدين عمر بن الياس بن الرشيد البعلبكي التاجر، ولد سنة ثنتين وستمائة وتوفي في ثاني عشر جمادى الاولى عن مائة وعشرين سنة، ودفن بمطحا رحمه الله. الشيخ الامام المحدث صفي الدين [ القرافي ] صفي الدين أبو الثناء محمود بن أبي بكر محمد الحسني (1) (*) بن يحيى بن الحسين الارموي، الصوفي، ولد سنة ست وأربعين وستمائة، وسمع الكثير ورحل وطلب وكتب الكثير، وذيل على النهاية لابن الاثير، وكان قد قرأ التنبيه واشتغل في اللغة فحصل منها طرفا جيدا، ثم اضطرب عقله في سنة سبع وسبعين وغلبت عليه السوداء، وكان يفيق منها في بعض الاحيان فيذاكر صحيصا ثم يعترضه المرض المذكور، ولم يزل كذلك حتى توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة في المارستان النوري، ودفن بباب الصغير. الخاتون المصونة خاتون بنت الملك الصالح إسماعيل بن العادل بن أبي بكر بن أيوب بن شادي بدارها. وتعرف بدار كافور، كانت رئيسة محترمة، ولم تتزوج قط، وليس في طبقتها من بني أيوب غيرها في هذا الحين، توفيت يوم الخميس الحادي والعشرين من شعبان، ودفنت بتربة أم الصالح رحمها الله. شيخنا الجليل المعمر الرحلة بهاء الدين بهاء الدين أبو القاسم بن الشيخ بدر الدين أبي غالب المظفر بن نجم الدين أبي الثناء محمود ابن الامام تاج الامناء أبي الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر الدمشقي الطبيب المعمر، ولد سنة تسع وعشرين وستمائة، سمع حضورا وسماعا على الكثير من المشايخ، وقد خرج له الحافظ علم الدين البرزالي مشيخة سمعناها عليه في سنة وفاته، وكذلك خرج له الحافظ صلاح الدين العلائي عوالي من حديثه، وكتب له المحدث المفيد ناصر الدين بن طغرلبك مشيخة في سبع مجلدات تشتمل على خمسمائة وسبعين شيخا، سماعا وإجازة،


(1) في تذكرة النبيه 2 / 138 زاد في عامود نسبه:... محمد الحسني بن حامد بن أبي بكر بن محمد..

[ 125 ]

وقرئت عليه فسمعها الحافظ وغيرهم. قال البرزالي: وقد قرأت عليه ثلاثا وعشرين مجلدا بحذف المكررات. ومن الاجزاء خمسمائة وخمسين جزء بالمكررات. قال: وكان قد اشتغل بالطب، وكان يعالج الناس بغير أجرة، وكان يحفظ كثيرا من الاحاديث والحكايات والاشعار، وله نظم، وخدم من عدة جهات الكتابة، ثم ترك ذلك ولزم بيته وإسماع الحديث، وتفرد في آخر عمره في أشياء كثيرة، وكان سهلا في التسميع، ووقف آخر عمره داره دار حديث، وخص الحافظ البرزالي والمزي بشئ من بره، وكانت وفاته يوم الاثنين وقت الظهر خامس وعشرين شعبان، ودفن بقاسيون رحمه الله. الوزير ثم الامير نجم الدين حمد (1) بن الشيخ فخر الدين عثمان بن أبي القاسم البصراوي الحنفي، درس ببصرى بعد عمه القاضي صدر الدين الحنفي، ثم ولي الحسبة بدمشق ونظر الخزانة، ثم ولي الوزارة، ثم سأل الاقامة منها فعوض بأمرية عشرة عنها بإقطاع هائل، وعومل في ذلك معاملة الوزارة في حرمته ولبسته، حتى كانت وفاته ببصرى يوم الخميس ثامن عشرين شعبان، ودفن هناك، وكان كريما ممدحا وهاب نهابا كثير الصدقة والاحسان إلى الناس، ترك أموالا وأولادا ثم تفانوا كلهم بعده وتفرقت أمواله، ونكحت نساؤه وسكنت منازله. الامير صارم الدين بن قراسنقر الجوكندار مشد الخاص، ثم ولي بدمشق ولاية ثم عزل عنها قبل موته بستة أشهر، توفي تاسع رمضان ودفن بتربته المشرفة المبيضة شرقي مسجد النارنج (2) كان قد أعدها لنفسه. الشيخ أحمد الاعقف الحريري شهاب الدين أحمد بن حامد بن سعيد التنوخي الحريري، ولد سنة أربع وأربعين وستمائة، واشتغل في صباه على الشيخ تاج الدين الفزاري في التنبيه، ثم صحب الحريرية وخدمهم ولزم مصاحبة الشيخ نجم الدين بن إسرائيل، وسمع الحديث، وحج غير مرة، وكان مليح الشكل كثير التودد إلى الناس، حسن الاخلاق، توفي يوم الاحد ثالث عشرين رمضان بزاويته بالمزة، ودفن بمقبرة المزة، وكانت جنازته حافلة.


(1) في شذرات الذهب 6 / 62: محمد.

(2) في البداية المطبوعة: التاريخ تصحيف، وقد تقدمت الاشارة إليه.

[ 126 ]

وفي يوم الجمعة ثامن عشرين رمضان صلي بدمشق على غائب وهو الشيخ هارون المقدسي توفي ببعلبك في العشر الاخير من رمضان، وكان صالحا مشهورا عند الفقراء. وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة توفي: الشيخ المقري أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن يوسف بن غصن (1) الانصاري القصري ثم السبتي بالقدس، ودفن بماملي، وكانت له جنازة حافلة حضرها كريم الدين والناس مشاة، ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وكان شيخا مهيبا أحمر اللحية من الحناء، اجتمعت به وبحثت معه في هذه السنة حين زرت القدس الشريف، وهي أول زيارة زرته، وكان مالكي المذهب، قد قرأ الموطأ في ثمانية أشهر، وأخذ النحو عن أبي الربيع شارح المجمل للزجاجي من طريق شريح. شيخنا الاصيل شمس الدين شمس الدين أبو نصر محمد بن عماد الدين أبي الفضل محمد بن شمس الدين أبي نصر محمد ابن هبة الله بن محمد بن يحيى بن بندار بن مميل الشيرازي، مولده في شوال تسع وعشرين وستمائة، وسمع الكثير وأسمع وأفاد في علية شيخنا المزي تغمده الله برحمته، قرأ عليه عدة أجزاء بنفسه أثابه الله، وكان شيخنا حسنا خيرا مباركا متواضعا، يذهب الربعات والمصاحف، له في ذلك يد طولى، ولم يتدنس بشئ من الولايات، ولا تدنس بشئ من وظائف المدارس ولا الشهادات، إلى أن توفي في يوم عرفة ببستانه من المزة، وصلي عليه بجامعها ودفن بتربتها رحمه الله. الشيخ العابد أبو بكر أبو بكر بن أيوب بن سعد الذرعي الحنبلي، قيم الجوزية، كان رجلا صالحا متعبدا قليل التكلف، وكان فاضلا، وقد سمع شيئا من دلائل النبوة عن الرشيدي العامري، توفي فجأة ليلة الاحد سابع عشر ذي الحجة بالمدرسة الجوزية، وصلي عليه بعد الظهر بالجامع، ودفن بباب الصغير وكانت جنازته حافلة، وأثنى عليه الناس خيرا رحمه الله، وهو والد العلامة شمس الدين محمد بن قيم الجوزية صاحب المصنفات الكثيرة النافعة الكافية. الامير علاء الدين بن شرف الدين محمود بن إسماعيل بن معبد البعلبكي أحد أمراء الطبلخانات، كان والده تاجرا ببعلبك


(1) من غاية النهاية لابن الاثير 2 / 47: عصر تحريف.

[ 127 ]

فنشأ ولده هذا واتصل بالدولة، وعلت منزلته، حتى أعطي طبلخانة وباشر ولاية البريد بدمشق مع شد الاوقاف ثم صرف إلى ولاية الولاة بحوران، فأعترضه المرض، وكان سبط البدن عبله، فسأل أن يقال فأجيب فأقام ببستانه بالمزة إلى أن توفي في خامس عشرين ذي الحجة، وصلي عليه هناك، ودفن بمقبرة المزة، وكان من خيار الامراء وأحسنهم، مع ديانة وخير سامحه الله. وفي هذا اليوم توفي: الفقيه الناسك شرف الدين الحراني شرف الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن سعد الله بن عبد الاحد بن سعد الله بن عبد القاهر بن عبد الواحد (1) بن عمر الحراني، المعروف بابن النجيح، توفي في وادي بني سالم، فحمل إلى المدينة فغسل وصلي عليه في الروضة ودفن بالبقيع شرقي قبر عقيل، فغبطه الناس في هذه الموتة وهذا القبر، رحمه الله، وكان من ؟ غبطه الشيخ شمس الدين بن مسلم قاضي الحنابلة، فمات بعده ودفن عنده وذلك بعده بثلاث سنين رحمهما الله. وجاء يوم حضر جنازة الشيخ شرف الدين محمد المذكور شرف الدين بن أبي العز الحنفي قبل ذلك بجمعة، مرجعه من الحج بعد انفصاله عن مكة بمرحلتين فغبط الميت المذكور بتلك الموتة فرزق مثلها بالمدينة، وقد كان شرف الدين بن نجيح هذا قد صحب شيخنا العلام تقي الدين بن تيمية، وكان معه في مواطن كبار صعبه لايستطيع الاقدام عليها إلا الابطال الخلص الخواص، وسجن معه، وكان من أكبر خدامه وخواص أصحابه، ينال فيه الاذى وأوذي بسببه مرات، وكل ما له في ازدياد محبة فيه وصبرا على أذى أعدائه، وقد كان هذا الرجل في نفسه وعند الناس جيدا مشكور السيرة جيد العقل والفهم، عظيم الديانة والزهد، ولهذا كانت عاقبته هذه الموتة عقيب الحج، وصلي عليه بروضة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفن بالبقيع بقيع الفرقد بالمدينة النبوية، فختم له بصالح عمله، وقد كان كثير من السلف يتمنى أن يموت عقيب عمل صالح يعمله، وكان له جنازة حافلة رحمه الله تعالى، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة أربع وعشرين وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها: الخليفة المستكفي بالله أبو الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله العباسي، وسلطان البلاد الملك الناصر، ونائبه بمصر سيف الدين أرغون ووزيره أمين الملك، وقضاته بمصر هم المذكورون في التي قبلها، ونائبه بالشام تنكز، وقضاة الشام الشافعي جمال الدين الزرعي، والحنفي الصدر علي البصراوي، والمالكي شرف الدين الهمداني،


(1) في شذرات الذهب 6 / 61: عبدالاحد.

[ 128 ]

والحنبلي شمس الدين بن مسلم، وخطيب الاموي جلال الدين القزويني، ووكيل بيت المال جمال الدين بن القلانسي، ومحتسب البلد فخر الدين ابن شيخ السلامية، وناظر الدواوين شمس الدين غبريال ومشد الدواوين علم الدين طرقشي، وناظر الجيش قطب الدين ابن شيخ السلامية، ومعين الدين بن الخشيش، وكاتب السر شهاب الدين محمود، ونقيب الاشراف شرف الدين بن عدنان، وناظر الجامع بدر الدين بن الحداد، وناظر الخزانة عز الدين بن القلانسي، ووالي البر علاء الدين بن المرواني، ووالي دمشق شهاب الدين برق. وفي خامس عشر ربيع الاول باشر عز الدين بن القلانسي الحسبة عوضا عن ابن شيخ السلامية مع نظر الخزانة، وفي هذا الشهر حمل كريم الدين وكيل السلطان من القدس إلى الديار المصرية فاعتقل ثم أخذت منه أموال وذخائر كثيرة، ثم نفي إلى الصعيد وأجري عليه نفقات سلطانية له ولمن معه من عياله، وطلب كريم الدين الصغير وصودر بأموال جمة. وفي يوم الجمعة الحادي عشر من ربيع الآخر قرئ كتاب السلطان بالمقصورة من الجامع الاموي بحضرة نائب السلطنة والقضاة، يتضمن إطلاق مكس الغلة (1) بالشام المحروس جميعه، فكثرت الادعية للسلطان، وقدم البريد إلى نائب الشام يوم الجمعة خامس عشرين ربيع الآخر بعزل قاضي الشافعية الزرعي، فبلغه ذلك فامتنع بنفسه من الحكم، وأقام بالعادلية بعد العزل خمسة عشر يوما ثم انتقل منها إلى الاتابكية، واستمرت بيده مشيخة الشيوخ وتدريس الاتابكية، واستدعى نائب السلطان شيخنا الامام الزاهد برهان الدين الفزاري، فعرض عليه القضاء فامتنع، فألح عليه بكل ممكن فأبى وخرج من عنده فأرسل في أثره الاعيان إلى مدرسته فدخلوا عليه بكل حيلة فامتنع من قبول الولاية، وصمم أشد التصميم، جزاه الله خيرا عن مرؤته، فلما كان يوم الجمعة جاء البريد فأخبر بتوليته قضاء الشام، وفي هذا اليوم خلع على تقي الدين سليمان بن مراجل بنظر الجامع عوضا عن بدر الدين بن الحداد توفي، وأخذ من ابن مراجل نظر المارستان الصغير لبدر الدين بن العطار، وخسف القمر ليلة الخميس للنصف من جمادى الآخرة بعد العشاء، فصلى الخطيب صلاة الكسوف بأربعة سور: ق، واقتربت، والواقعة، والقيامة، ثم صلى العشاء ثم خطب بعدها ثم أصبح فصلى بالناس الصبح ثم ركب على البريد إلى مصر فرزق من السلطان فتولاه وولاه بعد أيام القضاء ثم كر راجعا إلى الشام فدخل دمشق في خامس رجب على القضاء مع الخطابة وتدريس العادلية والغزالية، فباشر ذلك كله، وأخذت منه الامينية فدرس فيها جمال الدين بن القلانسي، مع وكالة بيت المال، وأضيف إليه قضاء العساكر وخوطب بقاضي القضاة جلال الدين القزويني.


(1) كذا بالاصل والسلوك 2 / 254 وفي تذكرة النبيه 2 / 143: رسم بابطال مكس الغلة بالديار المصرية والبلاد الشامية، ومكس الغلة هو على كل غرارة ثلاثة دراهم (انظر مواعظ الاعتبار 1 / 88 والسلوك 2 / 254).

[ 129 ]

وفيها قدم ملك التكرور (1) إلى القاهرة بسبب الحج في خامس عشرين رجب، فنزل بالقرافة ومعه من المغاربة والخدم نحو من عشرين ألفا، ومعهم ذهب كثير بحيث إنه نزل سعر الذهب درهمين في كل مثقال، ويقال له الملك الاشرف موسى بن أبي بكر، وهو شاب جميل الصورة، له مملكة متسعة مسيرة ثلاث سنين، ويذكر أن تحت يده أربعة وعشرين (2) ملكا، كل ملك تحت يده خلق وعساكر، ولما دخل قلعة الجبل ليسلم على السلطان أمر بتقبيل الارض فامتنع من ذلك، فأكرمه السلطان، ولم يمكن من الجلوس أيضا حتى خرج من بين يدي السلطان وأحضر له حصان أشهب بزناري أطلس أصفر، وهيئت له هجن وآلات كثيرة تليق بمثله، وأرسل هو إلى السلطان أيضا بهدايا كثيرة من جملتها أربعون ألف دينار، وإلى النائب بنحو عشرة آلاف دينار، وتحف كثيرة. وفي شعبان ورمضان زاد النيل بمصر زيادة عظيمة، لم ير مثلها من نحو مائة سنة أو أزيد منها ومكث على الاراضي نحو ثلاثة ونصف، وغرق أقصابا كثيرة، ولكن كان نفعه أعظم من ضره. وفي يوم الخميس ثامن عشر شعبان استناب القاضي جلال الدين القزويني نائبين في الحكم، وهما يوسف بن إبراهيم بن جملة المحجي الصالحي، وقد ولي القضاء فيما بعد ذلك كما سيأتي، ومحمد بن علي بن إبراهيم المصري، وحكما يومئذ، ومن الغد جاء البريد ومعه تقليد قضاء حلب للشيخ كمال الدين بن الزمكاني، فاستدعاه نائب السلطنة وفاوضه في ذلك فامتنع، فراجعه النائب ثم راجع السلطان فجاء البريد في ثاني عشر رمضان بإمضاء الولاية فشرع للتأهب لبلاد حلب، وتمادى في ذلك حتى كان خروجه إليها في بكرة يوم الخميس رابع عشر شوال، ودخل حلب يوم الثلاثاء سادس عشرين شوال فأكرم إكراما زائدا، ودرس بها وألقى علوما أكبر من تلك البلاد، وحصل لهم الشرف بفنونه وفوائده، وحصل لاهل الشام الاسف على دروسه الانيقة الفائقة، وما أحسن ما قال الشاعر وهو شمس الدين محمد الحناط في قصيدة له مطولة أولها قوله: أسفت لفقدك جلق الفيحاء * وتباشرت بقدومك الشهباء وفي ثاني عشر رمضان عزل أمين الملك عن وزارة مصر وأضيفت الوزارة إلى الامير علاء الدين مغلطاي الحمالي، أستاذ دار السلطان. وفي أواخر رمضان طلب الصاحب شمس الدين غبريال إلى القاهرة فولي بها نظر الدواوين عوضا عن كريم الدين الصغير، وقدم كريم الدين المذكور إلى دمشق في شوال، فنزل بدار العدل من القصاعين. وولي سيف الدين قديدار ولاية مصر، وهو شهم سفاك


(1) يقصد بالتكرور دولة مالي الاسلامية أو دولة الماندنجو، فالتكرور أقليم من أقاليم الدولة (صبح الاعشى 5 / 282). والتكرور أو تكاررة أو تكارنة تستعمل في المشرق للدلالة على جميع سكان السودان الاوسط والغربي.

(2) في تذكرة النبيه 2 / 142: أربعة عشر.

[ 130 ]

للدماء، فأراق الخمور وأحرق الحشيشة وأمسك الشطار، واستقامت به أحوال القاهرة ومصر، وكان هذا الرجل ملازما لابن تيمية مدة مقامه بمصر. وفي رمضان قدم إلى مصر الشيخ نجم الدين عبد الرحيم بن الشحام الموصلي من بلاد السلطان أزبك. وعنده فنون من علم الطب وغيره، ومعه كتاب بالوصية به فأعطي تدريس الظاهرية البرانية نزل له عنها جمال الدين بن القلانسي، فباشرها في مستهل ذي الحجة، ثم درس بالجاروضية (1). ثم خرج الركب في تاسع شوال وأميره كوكنجبار المحمدي، وقاضيه شهاب الدين الظاهري. وممن خرج إلى الحج برهان الدين الفزاري، وشهاب الدين قرطاي الناصري نائب طرابلس، وصاروحا وشهرى وغيرهم. وفي نصف شوال زاد السلطان في عدة الفقهاء بمدرسته الناصرية، كان فيها من كل مذهب ثلاثون ثلاثون، فزادهم إلى أربعة وخمسين من كل مذهب، وزادهم في الجوامك أيضا. وفي الثالث والعشرين منه وجد كريم الدين الكبير وكيل السلطان قد شنق نفسه داخل خزانة له قد أغلقها عليه من داخل: ربط حلقه في حبل وكان تحت رجليه قفص فدفع القفص برجليه فمات في مدينة أسوان، وستأتي ترجمته. وفي سابع عشر ذي القعدة زينت دمشق بسبب عافية السلطان من مرض كان قد أشفى منه على الموت، وفي ذي القعدة درس جمال الدين بن القلانسي بالظاهرية الجوانية عوضا عن ابن الزملكاني، سافر على قضاء حلب، وحضر عنده القاضي القزويني، وجاء كتاب صادق من بغداد إلى المولى شمس بن حسان يذكر فيه أن الامير جوبان أعطى الامير محمد حسيناه قدحا فيه خمر ليشربه، فامتنع من ذلك أشد الامتناع، فألح عليه وأقسم فأبى أشد الاباء، فقال له إن لم تشربها وإلا كلفتك أن تحمل ثلاثين تومانا، فقال: نعم أحمل ولا أشربها، فكتب عليه حجة بذلك، وخرج من عنده إلى أمير آخر يقال له: بكتي، فاستقرض منه ذلك المال ثلاثين تومانا فأبى أن يقرضه إلا بربح عشرة توامين، فاتفقا على ذلك، فبعث بكتي إلى جوبان يقول له: المال الذي طلبته من حسيناه عندي فإن رسمت حملته إلى الخزانة الشريفة، وإن رسمت تفرقه على الجيش. فأرسل جوبان إلى محمد حسيناه فأحضره عنده فقال له: تزن أربعين تومانا ولا تشرب قدحا من خمر ؟ قال: نعم، فأعجبه ذلك منه ومزق الحجة المكتوبة عليه، وحظي عنده وحكمه في أموره كلها، وولاه ولايات كتابه، وحصل لجوبان إقلاع ورجوع عن كثير مما كان يتعاطاه، رحم الله حسيناه. وفي هذه السنة كانت فتنة بأصبهان قتل بسببها ألوف من أهلها، واستمرت الحرب بينهم شهورا. وفيها كان غلاء مفرط بدمشق، بلغت الغرارة مائتين وعشرين، وقلت الاقوات. ولو لا أن الله أقام الناس من يحمل لهم الغلة من مصر لاشتد الغلاء وزاد أضعاف ذلك، فكان مات أكثر


(1) تقدم أنها المدرسة الجاروخية نسبة إلى جاروخ التركي.

[ 131 ]

الناس، واستمر ذلك مدة شهور من هذه السنة، وإلى أثناء سنة خمس وعشرين، حتى قدمت الغلات ورخصت الاسعار ولله الحمد والمنة. وممن توفي فيها من الاعيان: توفي في مستهل المحرم: بدر الدين بن ممدوح بن أحمد الحنفي قاضي قلعة الروم بالحجاز الشريف، وقد كان عبدا صالحا، حج مرات عديدة، وربما أحرم من قلعة الروم أو حرم بيت المقدس، وصلي عليه بدمشق صلاه الغائب، وعلى شرف الدين ابن العز وعلى شرف الدين بن نجيح توفوا في أقل من نصف شهر كلهم بطريق الحجاز بعد فراغهم من الحج وذلك أنهم غبطوا ابن نجيح صاحب الشيخ تقي الدين بن تيمية بتلك الموتة كما تقدم، فرزقوها فماتوا عقيب عملهم الصالح بعد الحج. الحجة الكبيرة خوندا بنت مكية زوجة الملك الناصر، وقد كانت زوجة أخيه الملك الاشرف ثم هجرها الناصر وأخرجها من القلعة، وكانت جنازتها حافلة، ودفنت بتربتها التي أنشأتها. الشيخ محمد بن جعفر بن فرعوش ويقال له اللباد ويعرف بالمؤله، كان يقرئ الناس بجامع نحوا من أربعين سنة، وقد قرأت عليه شيئا من القراءات، وكان يعلم الصغار عقد الراء والحروف المتقنة كالراء ونحوها، وكان متقللا من الدنيا لا يقتني شيئا، وليس له بيت ولا خزانة، إنما كان يأكل في السوق وينام في الجامع، توفي في مستهل صفر وقد جاوز السبعين، ودفن في باب الفراديس رحمه الله. وفي هذا اليوم توفي بمصر. الشيخ أيوب السعودي وقد قارب المائة، أدرك الشيخ أبا السعود وكانت جنازته مشهودة. ودفن بتربة شيخه بالقرافة وكتب عنه قاضي القضاة تقي الدين السبكي في حياته، وذكر الشيخ أبو بكر الرحبي أنه لم ير مثل جنازته بالقاهرة منذ سكنها رحمه الله. الشيخ الامام الزاهد نور الدين أبو الحسن علي بن يعقوب بن جبريل البكري المصري الشافعي، له تصانيف، وقرأ مسند

[ 132 ]

الشافعي على وزيرة بنت المنجا، ثم إنه أقام بمصر، وقد كان في جملة من ينكر على شيخ الاسلام ابن تيمية، أراد بعض الدولة قتله فهرب واختفى عنده كما تقدم لما كان ابن تيمية مقيما بمصر، وما مثاله إلا مثال ساقية ضعيفة كدرة لا طمت بحرا عظيما صافيا، أو رملة أرادت زوال جبل، وقد أضحك العقلاء عليه، وقد أرا السلطان قتله فشفع فيه بعض الامراء، ثم أنكر مرة شيئا على الدولة فنفي من القاهرة إلى بلدة يقال لها: ديروط، فكان بها حتى توفي يوم الاثنين سابع ربيع الآخر، ودفن بالقرافة، وكانت جنازته مشهورة غير مشهودة، وكان شيخه ينكر عليه إنكاره على ابن تيمية، ويقول له أنت لا تحسن أن تتكلم. الشيخ محمد الباجريقي الذي تنسب إليه الفرقة الضالة الباجريقية، والمشهور عنه أنكار الصانع جل جلاله، وتقدست أسماؤه، وقد كان والده جمال الدين بن عبد الرحيم بن عمر الموصلي رجلا صالحا من علماء الشافعية ودرس في أماكن بدمشق، ونشأ ولده هذا بين الفقهاء واشتغل بعض شئ ثم أقبل على السلوك ورزم جماعة يعتقدونه ويزورونه ويرزقونه ممن هو على طريقه، وآخرون لا يفهمونه، ثم حكم القاضي المالكي بإراقة دمه فهرب إلى الشرق، ثم إنه أثبت عداوة بينه وبين الشهود فحكم الحنبلي بحقن دمه فأقام بالقابون مدة سنين حين كانت وفاته ليلة الاربعاء سادس عشر ربيع الآخر، ودفن بالقرب من مغارة الدم بسفح قاسيون في قبة في أعلى ذيل الجبل تحت المغارة، وله من العمر ستون سنة. شيخنا القاضي أبو زكريا محيي الدين أبو زكريا يحيى بن الفاضل جمال الدين إسحاق بن خليل بن فارس الشيباني الشافعي اشتغل على النواوي ولازم ابن المقدسي، وولي الحكم بزرع وغيرها، ثم قام بدمشق يشتغل في الجامع، ودرس في الصارمية وأعاد في مدارس عدة إلى أن توفي في سلخ ربيع الآخر ودفن بقاسيون وقد قارب الثمانين رحمه الله، وسمع كثيرا وخرج له الذهبي شيئا وسمعنا عليه الدارقطني وغيره. الفقيه الكبير الصدر الامام العالم الخطيب بالجامع بدر الدين أبو عبد الله محمد بن عثمان بن يوسف بن محمد بن الحداد الآمدي الحنبلي، سمع الحديث واشتغل وحفظ المحرر في مذهب أحمد وبرع على ابن حمدان وشرحه عليه في مدة سنين وقد كان ابن حمدان يثني عليه كثيرا وعلى ذهنه وذكائه، ثم اشتغل بالكتابة ولزم خدمة الامير

[ 133 ]

قراسنقر بحلب، فولاه نظر الاوقاف وخطابة حلب بجامعها الاعظم، ثم لما صار إلى دمشق ولاه خطابة الاموي فاستمر خطيبا فيها اثنين وأربعين يوما، ثم أعيد إليها جلال الدين القزويني، ثم ولي نظر المارستان والحسبة ونظر الجامع الاموي، وعين لقضاء الحنابلة في وقت، ثم توفي ليلة الاربعاء سابع جمادى الآخرة ودفن بباب الصغير رحمه الله. الكاتب المفيد قطب الدين أحمد بن مفضل بن فضل الله المصري، أخو محيي الدين كاتب تنكز، والد الصاحب علم الدين كان خبيرا بالكتابة وقد ولي استيفاء الاوقاف بعد أخيه، وكان أسن من أخيه، وهو الذي علمه صناعة الكتابة وغيرها، توفي ليلة الاثنين ثاني رجب وعمل عزاؤه بالسميساطية، وكان مباشر أوقافها. الامير الكبير ملك العرب محمد بن عيسى بن مهنا أخو مهنا، توفي بسلمية يوم السبت سابع رجب، وقد جاوز الستين كان مليح الشكل حسن السيرة عاملا عارفا رحمه الله. وفي هذا الشهر وصل الخبر إلى دمشق بموت: الوزير الكبير علي شاه بن أبي بكر التبريزي وزير أبي سعيد بعد قتل سعد الدين الساوي، وكان شيخا جليلا فيه دين وخير، وحمل إلى تبريز فدفن بها في الشهر الماضي رحمه الله. الامير سيف الدين بكتمر والي الولاة صاحب الاوقاف في بلدان شتى: من ذلك مدرسة بالصلب، وله درس بمدرسة أبي عمر وغير ذلك، توفي بالاسكندرية، وهو نائبها خامس رمضان رحمه الله. شرف الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ الامام العلامة زين الدين بن المنجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي الحنبلي، أخو قاضي القضاة علاء الدين، سمع الحديث ودرس وأفتى، وصحب الشيخ تقي

[ 134 ]

الدين بن تيمية، وكان فيه دين ومودة وكرم وقضاء حقوق كثيرة، توفي ليلة الاثنين رابع شوال، وكان مولده في سنة خمس وسبعين وستمائة، ودفن بتربتهم بالصالحية. الشيخ حسن الكردي الموله كان يخالط النجاسات والقاذورات، ويمشي حافيا، وربما تكلم بشئ من الهذيانات التي تشبه علم المغيبات، وللناس فيه اعتقاد كما هو المعروف من أهل العمى والضلالات، مات في شوال. كريم الدين الذي كان وكيل السلطان عبد الكريم بن العلم هبة الله المسلماني، حصل له من الاموال والتقدم والمكانة الخطيرة عند السلطان ما لم يحصل لغيره في دولة الاتراك، وقد وقف الجامعين بدمشق أحدهما جامع القبيبات والحوض الكبير الذي تجاه باب الجامع، واشترى له نهر ماء بخمسين ألفا، فانتفع به الناس انتفاعا كثيرا، ووجدوا رفقا. والثاني الجامع الذي بالقابون. وله صدقات كثيرة تقبل الله منه وعفا عنه، وقد مسك في آخر عمره ثم صودر ونفي إلى الشوبك، ثم إلى القدس، ثم الصعيد فخنق نفسه كما قيل بعمامته بمدينة أسوان (1)، وذلك في الثالث والعشرين من شوال، وقد كان حسن الشكل تام القامة، ووجد له بعد موته ذخائر كثيرة سامحه الله. الشيخ الامام العالم علاء الدين علي بن إبراهيم بن داود بن سليمان بن العطار، شيخ دار الحديث النورية، ومدرس القوصية بالجامع، ولد يوم عيد الفطر سنة أربع وخمسين وستمائة، وسمع الحديث واشتغل على الشيخ محيي الدين النواوي ولازمه حتى كان يقال له مختصر النواوي، وله مصنفات وفوائد ومجاميع وتخاريج، وباشر مشيخة النورية من سنة أربع وتسعين إلى هذه السنة، مدة ثلاثين سنة، توفي يوم الاثنين منها مستهل ذي الحجة فولي بعده النورية علم الدين البرزالي، وتولى الغوصية شهاب الدين بن حرز الله وصلي عليه بالجامع ودفن بقاسيون رحمه الله، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها، وأولها يوم الاربعاء. وفي خامس صفر


(1) في تذكرة النبيه 2 / 133: بمدينة قوص، وفيه ذكر وفاته سنة 723، وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 453 ذكر وفاته سنة 722.

[ 135 ]

منها قدم إلى دمشق الشيخ شمس الدين محمود الاصبهاني بعد مرجعه من الحج وزيارة القدس الشريف وهو رجل فاضل له مصنفات منها: شرح مختصر (1) ابن الحاجب، وشرح التجويد (2) وغير ذلك، ثم إنه شرح الحاجبية أيضا وجمع له تفسيرا بعد صيرورته إلى مصر، ولما قدم إلى دمشق أكرم واشتغل عليه الطلبة، وكان حظيا عند القاضي جلال الدين القزويني، ثم إنه ترك الكل وصار يتردد إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية وسمع عليه من مصنفاته ورده على أهل الكلام، ولازمه مدة فلما مات الشيخ تقي الدين تحول إلى مصر وجمع التفسير. وفي ربيع الاول حرد السلطان تجريدة نحو خمسة آلاف إلى اليمن لخروج عمه عليه (3)، وصحبتهم خلق كثير من الحجاج، منه الشيخ فخر الدين النويري. وفيها منع شهاب الدين بن مري البعلبكي من الكلام على الناس بمصر، على طريقة الشيخ تقي الدين بن تيمية، وعزره القاضي المالكي بسبب الاستغاثة، وحضر المذكور بين يدي السلطان وأثنى عليه جماعة من الامراء، مسفر إلى الشام بأهله فنزل ببلاد الخليل، ثم انتزح إلى بلاد الشرق وأقام بسنجار وماردين ومعاملتهما يتكلم ويعظ الناس إلى أن مات رحمه الله كما سنذكره. وفي ربيع الآخر عاد نائب الشام من مصر وقد أكرمه السلطان والامراء. وفي جمادى الاولى وقع بمصر مطر لم يسمع بمثله بحيث زاد النيل بسببه أربع أصابع، وتغير أياما. وفيه زادت دجلة ببغداد حتى غرقت ما حول بغداد وانحصر الناس بها ستة أيام لم تفتح أبوابها، وبقيت مثل السفينة في وسط البحر، وغرق خلق كثير من الفلاحين وغيرهم، وتلف للناس ما يعلمه إلا الله، وودع أهل البلد بعضهم بعضا، ولجأوا إلى الله تعالى وحملوا المصاحف على رؤوسهم في شدة الشوق في أنفسهم حتى القضاة والاعيان، وكان وقتا عجيبا، ثم لطف الله بهم فغيض الماء وتناقص، وتراجع الناس إلى ما كانوا عليه من أمورهم الجائرة وغير الجائرة، وذكر بعضهم أنه غرق بالجانب الغربي نحو من ستة آلاف وستمائة بيت، وإلى عشر سنين لا يرجع ما غرق.


(1) وهو مختصر منتهى السؤل والامل في علم الاصول والجدل للشيخ عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (كشف الظنون 2 / 1625).

(2) وهو تجريد الكلام للعلامة محمد بن محمد الطوسي، نصير الدين (كشف الظنون 1 / 346).

(3) وهو الملك المجاهد علي بن المؤيد داود بن المظفر يوسف بن المنصور عمر بن علي بن رسول. وقد حكم اليمن في الفترة من 721 - 764 (انظر الدرر 3 / 18 مختصر أخبار البشر 4 / 94). وفي سبب تجريده هذه الحملة قولان: الاول: ان التجريدة جاءت بناء على طلب الملك واكثاره من ترغيب السلطان في المال الذي باليمن. فاجتمعوا إليه فور وصولهم وألبسوه خلع السلطنة ثم رجعوا إلى الديار المصرية. والآخر: انه بلغ السلطان اضطراب حال اليمن وفساد الرعية فأرسل إليها جيشا، وخوفا من هذا الجيش واستيحاشه منه - تمنع الملك المؤيد في قلعة تعز وعصى بها ولم يكن مع الجيش إلا مرسوما بمساعدته وتقرير ولايته فتركوه وعادوا إلى الديار المصرية. (تذكرة النبيه 2 / 149 مختصر أخبار البشر 4 / 94 كنز الدرر 9 / 318 السلوك 2 / 259).

[ 136 ]

وفي أوائل جمادى الآخرة فتح السلطان خانقاه سرياقوس التي أنشأها وساق إليها خليجا وبنى عندها محلة، وحضر السلطان بها ومعه القضاة والاعيان والامراء وغيرهم، ووليها مجد الدين الاقصرائي، وعمل السلطان بها وليمة كبيرة، وسمع على قاضي القضاة ابن جماعة عشرين حديثا بقراءة ولده عز الدين بحضرة الدولة منهم أرغون النائب، وشيخ الشيوخ القونوي وغيرهم، وخلع على القارئ عز الدين وأثنوا عليه ثناء زائدا، وأجلس مكرما، وخلع أيضا على والده ابن جماعة وعلى المالكي وشيخ الشيوخ، وعلى مجد الدين الاقصرائي شيخ الخانقاه المذكورة وغيرهم. وفي يوم الاربعاء رابع عشر رجب درس بقبة المنصورية في الحديث الشيخ زين الدين بن الكتاني الدمشقي، بإشارة نائب الكرك وأرغون، وحضر عنده الناس، وكان فقيها جيدا، وأما الحديث فليس من فنه ولا من شغله. وفي أواخر رجب قدم الشيخ زين الدين بن عبد الله بن المرحل من مصر على تدريس الشامية البرانية، وكانت بيد ابن الزملكاني فانتقل إلى قضاء حلب، فدرس بها في خامس شعبان وحضر القاضي الشافعي وجماعة. وفي سلخ رجب قدم القاضي عز الدين بن بدر الدين بن جماعة من مصر ومعه ولده، وفي صحبته الشيخ جمال الدين الدمياطي وجماعة من الطلبة بسبب سماع الحديث، فقرأ بنفسه وقرأ الناس له واعتنوا بأمره، وسمعنا معهم وبقراءته شيئا كثيرا، نفعهم الله بما قرأوا وبما سمعوا، ونفع بهم. وفي يوم الاربعاء ثاني عشر شوال درس الشيخ شمس الدين بن الاصبهاني، بالرواحية بعد ذهاب ابن الزملكاني إلى حلب، وحضر عند القضاة والاعيان، وكان فيهم شيخ الاسلام ابن تيمية، وجرى يومئذ بحث في العام إذا خص، وفي الاستثناء بعد النفي ووقع انتشار وطال الكلام في ذلك المجلس، وتكلم الشيخ تقي الدين كلاما أبهت الحاضرين، وتأخر ثبوت عيد الفطر إلى قريب يوم العيد، فلما ثبت دقت البشائر وصلى الخطيب العيد من الغد بالجامع، ولم يخرج الناس إلى المصلى، وتغضب الناس على المؤذنين وسجن بعضهم. وخرج الركب في عاشره وأميره صلاح الدين بن أيبك الطويل، وفي الركب صلاح الدين بن أوحد، والمنكورسي، وقاضيه شهاب الدين الظاهر. وفي سابع عشره درس الرباط الناصري بقاسيون حسام الدين القزويني الذي كان قاضي طرابلس، قايضه بها جمال الدين الشريشني إلى تدريس المسرورية (0 1)، وكان قد جاء توقيعه بالعذراوية والظاهرية فوقف في طريقه قاضي القضاة جمال الدين ونائباه ابن جملة والفخر المصري، وعقد له ولكمال الدين بن الشيرازي مجلسا، ومعه توقيع بالشامية البرانية، فعطل الامر عليهما لانهما لم يظهرا استحقاقهما في ذلك المجلس، فصارت المدرستان العذراوية والشامية لابن المرحل كما ذكرنا، وعظم القزويني


(1) المدرسة السرورية: بدمشق أنشأها الطواشي شمس الدين الخواص مسرور في العصر الفاطمي (الدارس 1 / 455).

[ 137 ]

بالمسرورية فقايض منها لابن الشريشي إلى الرباط الناصري، فدرس به في هذا اليوم وحضر عنده القاضي جلال الدين، ودرس بعده ابن الشريشي بالمسرورية وحضر عنده الناس أيضا. وفيه عادت التجريدة اليمنية وقد فقد منهم خلق كثير من الغلمان وغيرهم، فحبس مقدمهم الكبير ركن الدين بيبرس لسوء سيرته فيهم (1). وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ إبراهيم الصباح وهو إبراهيم بن منير البعلبكي، كان مشهورا بالصلاح مقيما بالمأذنة الشرقية، توفي ليلة الاربعاء مستهل المحرم ودفن بالباب الصغير، وكانت جنازته حافلة، حمله الناس على رؤوس الاصابع، وكان ملازما لمجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية. إبراهيم الموله الذي يقال له القميني لاقامته بالقمامين خارج باب شرقي، وربما كاشف بعض العوام، ومع هذا لم يكن من أهل الصلاة، وقد استتابه الشيخ تقي الدين بن تيمية وضربه على ترك الصلوات ومخالطة القاذورات، وجمع النساء والرجال حوله في الاماكن النجسة. توفي كهلا في هذا الشهر. الشيخ عفيف الدين محمد بن عمر بن عثمان بن عمر الصقلي ثم الدمشقي، إمام مسجد الرأس، آخر من حدث عن ابن الصلاح ببعض سنن البيهقي، سمعنا عليه شيئا منها، توفي في صفر. الشيخ الصالح العابد الزاهد الناسك عبد الله بن موسى بن أحمد الجزري، الذي كان مقيما [ بزاوية ] (2) أبي بكر من جامع


(1) تقدم أن الملك المؤيد أثار في وجه الجيش الصعوبات، فوجدوا مشقة عظيمة من العطش والجوع فانتشروا ينهبون ما يجدونه في أيدي الناس، وخرجوا إلى جبل صبر فتخطف أهله جمالهم وغلمانهم ورموا عليهم بالمقاليع.. مما جعلهم يقبضون على نائب المملكة ويوسطونه في تهامة وقد علقوه في شجرة.. (المختصر في أخبار البشر 4 / 94 كنز الدرر 9 / 318 السلوك 2 / 259). (2) بياض بالاصل، اختل بسببه المعنى، ولعل ما أثبتناه قريب من الصحة والصواب.

[ 138 ]

دمشق، كان من الصالحين الكبار مباركا خيرا، عليه سكينة ووقار، وكانت له مطالعة كثيرة، وله فهم جيد وعقل جيد، وكان من الملازمين لمجالس الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكان ينقل من كلامه أشياء كثيرة ويفهمها يعجز عنها الفقهاء. توفي يوم الاثنين سادس عشرين صفر، وصلي عليه بالجامع ودفن بباب الصغير وكانت جنازته حافلة محمودة. الشيخ الصالح الكبير المعمر الرجل الصالح تقي الدين بن الصائغ المقري المصري، الشافعي من بقي من مشايخ القراء وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن علي بن سالم بن مكي، توفي في صفر ودفن بالقرافة وكانت جنازته حافلة، قارب التسعين ولم يبق له منها سوى سنة واحدة، وقد قرأ عليه غير واحد وهو ممن طال عمره (1) وحسن عمله. الشيخ الامام صدر الدين أبو زكريا يحيى بن علي بن تمام بن موسى الانصاري السبكي الشافعي، سمع الحديث وبرع في الاصول والفقه، ودرس بالسيفية وباشرها بعده ابن أخيه تقي الدين السبكي الذي تولى قضاء الشام فيما بعد. الشهاب محمود هو الصدر الكبير الشيخ الامام العالم العلامة شيخ صناعة الانشاء الذي لم يكن بعد القاضي الفاضل مثله في صنعه الانشاء، وله خصائص ليس للفاضل من كثرة النظم والقصائد المطولة الحسنة البليغة، فهو شهاب الدين أبو الثنا محمود بن سلمان بن فهد الحلبي ثم الدمشقي، ولد سنة أربع وأربعين وستمائة بحلب، وسمع الحديث وعني باللغة والادب والشعر وكان كثير الفضائل بارعا في علم الانشاء نظما ونثرا، وله في ذلك كتب ومصنفات حسنة فائقة، وقد مكث في ديوان الانشاء نحوا من خمسين سنة، ثم ولي كتابة السر بدمشق نحوا من ثمان سنين إلى أن توفي ليلة السبت ثاني عشرين شعبان في منزله قرب باب النطفانيين وهي دار القاضي الفاضل وصلي عليه بالجامع ودفن بتربة له أنشأها بالقرب من اليغمورية وقد جاوز الثمانين رحمه الله. شيخنا عفيف الدين الامدي عفيف الدين إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل الآمدي ثم الدمشقي


(1) ولد في ثامن عشر جمادى الاولى سنة 636 ه‍. وتوفي ثامن عشر صفر (غاية النهاية 2 / 65).

[ 139 ]

الحنفي شيخ دار الحديث الظاهرية، ولد في حدود الاربعين وستمائة، وسمع الحديث على جماعة كثيرين، منهم يوسف بن خليل ومجد الدين بن تيمية، وكان شيخنا حسنا بهي المنظر سهل الاسماع يحب الرواية ولديه فضيلة، توفي ليلة الاثنين ثاني عشرين رمضان، ودفن بقاسيون، وهو والد فخر الدين ناظر الجيوش والجامع. وقبله بيوم توفي الصدر معين الدين يوسف بن زغيب الرحبي أحد كبار التجار الامناء. وفي رمضان توفي.. البدر العوام وهو محمد بن علي البابا الحلبي، وكان فردا في العوم، وطيب الاخلاق، انتفع به جماعة من التجار في بحر اليمن كان معهم فغرق بهم الركب، فلجأوا إلى صخرة في البحر، وكانوا ثلاثة عشر، ثم إنه غطس فاستخرج لهم أموالا من قرار بعد أن أفلسوا وكادوا أن يهلكوا، وكان فيه ديانة وصيانة، وقد قرأ القرآن وحج عشر مرات، وعاش ثمانيا وثمانين سنة رحمه الله، وكان يسمع الشيخ تقي الدين بن تيمية كثيرا. وفيه توفي: الشهاب أحمد بن عثمان الامشاطي الاديب في الازجان والموشحات والمواليا والدوبيت والبلاليق، وكان أستاذ أهل ذمة الصناعة مات في عشر الستين. القاضي الامام العالم الزاهد صدر الدين سليمان بن هلال بن شبل بن فلاح بن خصيب الجعفري الشافعي المعروف بخطيب داريا، ولد سنة ثنتين وأربعين وستمائة، بقرية سرا من عمل السواد، وقدم مع والده فقرأ بالصالحية القرآن على الشيخ نصر بن عبيد، وسمع الحديث وتفقه على الشيخ محيي الدين النووي، والشيخ تاج الدين الفزاري، وتولى خطابة داريا وأعاد بالناصرية، وتولى نيابة القضاء لابن صصرى مدة، وكان متزهدا لا يتنعم بحمام ولا كتان ولا غيره، ولم يغير ما اعتاده في البر، وكان متواضعا، وهو الذي استسقى بالناس في سنة تسع عشرة فسقوا كما ذكرنا، وكان يذكر له نسبا إلى جعفر الطيار، بينه وبينه عشرة (1) آباء، ثم ولي خطابة العقيبية فترك نيابة الحكم وقال هذه تكفي إلى أن توفي ليلة الخميس ثامن ذي القعدة، ودفن بباب الصغير، وكانت جنازته مشهورة رحمه الله، وتولي بعده الخطابة ولده شهاب الدين.


(1) في شذرات الذهب 6 / 67: ثلاثة عشر.

[ 140 ]

أحمد بن صبيح المؤذن الرئيس بالعروس بجامع دمشق مع البرهان بدر الدين أبو عبد الله محمد بن صبيح بن عبد الله التفليسي مولاهم المقري المؤذن، كان من أحسن الناس صوتا في زمانه، وأطيبهم نغمة، ولد سنة ثنتين وخمسين وستمائة تقريبا، وسمع الحديث في سنة سبع وخمسين، وممن سمع عليه ابن عبد الدائم وغيره من المشايخ، وحدث وكان رجلا حسنا، أبوه مولى لامرأة اسمها شامة بنت كامل الدين التفليسي، امرأة فخر الدين الكرخي، وباشر مشارفة الجامع وقراءة المصحف، وأذن عند نائب السلطنة مدة، وتوفي في ذي الحجة بالطواويس، وصلي عليه بجامع العقيبية، ودفن بمقابر باب الفراديس. خطاب باني خان خطاب الذي بين الكسوة وغباغب. الامير الكبير عز الدين خطاب بن محمود بن رتقش العراقي، كان شيخنا كبيرا له ثروة من المال كبيرة، وأملاك وأموال، وله حمام بحكر السماق، وقد عمر الخان المشهور به بعد موته إلى ناحية الكتف المصري، مما يلي غباغب، وهو برج الصفر، وقد حصل لكثير من المسافرين به رفق، توفي ليلة سبع عشرة ربيع الآخر ودفن بتربته بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى. وفي ذي القعدة منها توفي رجل آخر اسمه: ركن الدين خطاب بن الصاحب كمال الدين أحمد ابن أخت ابن خطاب الرومي السيواسي، له خانقاه ببلده بسيواس، عليها أوقاف كثيرة وبر وصدقة، توفي وهو ذاهب إلى الحجاز الشريف بالكرك، ودفن بالقرب من جعفر وأصحابه بمؤتة رحمه الله. وفي العشر الاخير من ذي القعدة توفي: بدر الدين أبو عبد الله محمد بن كمال الدين أحمد بن أبي الفتح بن أبي الوحش أسد بن سلامة بن سليمان بن فتيان الشيباني المعروف بابن العطار، ولد سنة سبعين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، وكتب الخط المنسوب واشتغل بالتنبيه ونظم الشعر، وولي كتابة الدرج، ثم نظر الجيش ونظر الاشراف، وكانت له حظوة في أيام الافرم، ثم حصل له خمول قليل، وكان مترفا منعما له ثروة ورياسة وتواضع وحسن سيرة، ودفن بسفح قاسيون بتربتهم رحمه الله.

[ 141 ]

القاضي محيي الدين أبو محمد بن الحسن بن محمد بن عمار بن فتوح الحارثي، قاضي الزبداني مدة طويلة، ثم ولي قضاء الكرك وبها مات في العشرين من ذي الحجة، وكان مولده سنة خمس وأربعين وستمائة، وقد سمع الحديث واشتغل، وكان حسن الاخلاق متواضعا، وهو والد الشيخ جمال الدين بن قاضي الزبداني مدرس الظاهرية رحمه الله. ثم دخلت سنة ست وعشرين وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها، سوى كاتب سر دمشق شهاب الدين محمود فإنه توفي، وولي المنصب من بعده ولده الصدر شمس الدين. و فيها تحول التجار في قماش النساء المخيط من الدهشة التي للجامع إلى دهشة سوق علي. وفي يوم الاربعاء ثامن المحرم باشر مشيخة الحديث الظاهرية الشيخ شهاب الدين بن جهبل بعد وفاة العفيف إسحاق وترك تدريس الصلاحية بالقدس الشريف، واختار دمشق، وحضر عند القضاة والاعيان. وفي أولها فتح الحمام الذي بناه الامير سيف الدين جوبان بجوار داره بالقرب من دار الجالق، وله بابان أحدهما إلى جهة مسجد الوزير، وحصل به نفع. وفي يوم الاثنين ثاني صفر قدم الصاحب غبريال من مصر على البريد متوليا نظر الدواوين بدمشق على عادته، وانفصل عنها الكريم الصغير، وفرح الناس به. وفي يوم الثلاثاء حادي عشرين ربيع الاول بكرة ضربت عنق ناصر بن الشرف أبي الفضل بن إسماعيل بن الهيثي بسوق الخيل على كفره واستهانته واستهتاره بآيات الله، وصحبته الزنادقة كالنجم بن خلكان، والشمس محمد الباجريقي، وابن المعمار البغدادي، وكل فيهم انحلال وزندقة مشهور بها بين الناس. قال الشيخ علم الدين البرزالي: وربما زاد هذا المذكور المضروب العنق عليهم بالكفر التلاعب بدين الاسلام، والاستهانة بالنبوة والقرآن. قال وحضر قتله العلماء والاكابر وأعيان الدولة. قال: وكان هذا الرجل في أول أمره قد حفظ التنبيه، وكان يقرأ في الختم بصوت حسن، وعنده نباهة وفهم، وكان منزلا في المدارس والترب، ثم إنه انسلخ من ذلك جميعه، وكان قتله عزا للاسلام وذلا للزنادقة وأهل البدع. قلت: وقد شهدت قتله، وكان شيخنا أبو العباس بن تيمية حاضرا يومئذ، وقد أتاه وقرعه على ما كان يصدر منه قبل قتله، ثم ضربت عنقه وأنا شاهد ذلك. وفي شهر ربيع الاول رسم في إخراج الكلاب من مدينة دمشق فجعلوا في الخندق من جهة باب الصغير من ناحية باب شرقي، الذكور على حدة والاناث على حدة، وألزم أصحاب

[ 142 ]

الدكاكين بذلك، وشددوا في أمرهم أياما. وفي ربيع الاول ولي الشيخ علاء الدين المقدسي معيد البادرانية مشيخة الصلاحية بالقدس الشريف، وسافر إليها. وفي جمادى الآخرة عزل قرطاي عن ولاية طرابلس ووليها طينال وأقر قرطاي على خبز القرماني بدمشق بحكم سجن القرماني بقلعة دمشق. قال البرزالي: وفي يوم الاثنين عند العصر سادس عشر شعبان اعتقل الشيخ الامام العالم العلامة تقي الدين بن تيمية بقلعة دمشق، حضر إليه من جهة نائب السلطنة تنكز مشدا الاوقاف وابن الخطيري أحد الحجاب بدمشق، وأخبراه أن مرسوم السلطان ورد بذلك، وأحضرا معهما مركوبا ليركبه، وأظهر السرور والفرح بذلك، وقال أنا كنت منتظرا لذلك، وهذا فيه خير كثير ومصلحة كبيرة، وركبوا جميعا من داره إلى باب القلعة، وأخليت له قاعة وأجرى إليها الماء ورسم له بالاقامة فيها، وأقام معه أخوه زين الدين يخدمه بإذن السلطان، ورسم له ما يقوم بكفايته. قال البرزالي: وفي يوم الجمعة عاشر الشهر المذكور قرئ بجامع دمشق الكتاب السلطاني الوارد باعتقاله ومنه من الفتيا، وهذه الواقعة سببها فتيا وجدت بخطه في السفر وإعمال المطي إلى زيارة قبور الانبياء عليهم الصلاة والسلام، وقبور الصالحين. وقال: وفي يوم الاربعاء منتصف شعبان أمر قاضي القضاة الشافعي في حبس جماعة من أصحاب الشيخ تقي الدين في سجن الحكم، وذلك بمرسوم نائب السلطنة وإذنه له فيه، فما تقتضيه الشريعة في أمرهم، وعزر (1) جماعة منهم على دواب ونودي عليهم ثم أطلقوا، سوى شمس الدين محمد بن قيم الجوزية فإنه حبس بالقلعة، وسكتت القضية. قال وفي أول رمضان وصلت الاخبار إلى دمشق أنه أجريت عين ماء إلى مكة شرفها الله وانتفع الناس بها انتفاعا عظيما، وهذه العين تعرف قديما بعين باذان، أجراها جوبان من بلاد بعيدة حتى دخلت إلى نفس مكة، ووصلت إلى عند الصفا وباب إبراهيم، واستقى الناس منها فقيرهم وغنيهم وضعيفهم وشريفهم، كلهم فيها سواء، وارتفق أهل مكة بذلك رفقا كثيرا ولله الحمد والمنة. وكانوا قد شرعوا في حفرها وتجديدها في أوائل هذه السنة إلى العشر الاخر من جمادى الاولى، واتفق أن في هذه السنة كانت الآبار التي بمكة قد يبست وقل ماؤها، وقل ماء زمزم أيضا، فلو لا أن الله تعالى لطف بالناس بإجراء هذه القناة لنزح عن مكة أهلها، أو هلك كثير مما يقيم بها. وأما الحجيج في أيام الموسم فحصل لهم بها رفق عظيم زائد عن الوصف، كما شاهدنا ذلك في سنة إحدى وثلاثين عام حججنا. وجاء كتاب السلطان إلى نائبه بمكة بإخراج الزيديين من المسجد الحرام، وأن لا يكون لهم فيه إمام ولا مجتمع، ففعل ذلك.


(1) عزر، أدب، والتعزير: التأديب، وتعزير المذنب تأديبه على ذنب ارتكبه، لم تشرع فيه الحدود بعقوبة ثابتة، ولذا تختلف العقوبة فيه بحسب المذنب والذنب المرتكب (انظر الماوردي: الاحكام السلطانية ص 224 وما بعدها).

[ 143 ]

وفي يوم الثلاثاء رابع شعبان درس بالشامية الجوانية شهاب الدين أحمد بن جهبل، حضر عنده القاضي القزويني الشافعي وجماعة عوضا عن الشيخ أمين الدين سالم بن أبي الدر إمام مسجد ابن هشام توفي، ثم بعد أيام جاء توقيع بولاية القاضي الشافعي فباشرها في عشرين رمضان. وفي عاشر شوال خرج الركب الشامي وأميره سيف الدين جوبان، وحج عامئذ القاضي شمس الدين ابن مسلم قاضي قضاة الحنابلة، وبدر الدين ابن قاضي القضاة جلال الدين القزويني، ومعه تحف وهدايا وأمور تتعلق بالامير سيف الدين أرغون نائب مصر، فإنه حج في هذه السنة ومعه أولاده وزوجته بنت السلطان، وحج فخر الدين ابن شيخ السلامية، وصدر الدين المالكي، وفخر الدين البعلبكي وغيره. وفي يوم الاربعاء عاشر ذي القعدة درس بالحنبلية برهان الدين أحمد بن هلال الزرعي الحنبلي، بدلا عن شيخ الاسلام ابن تيمية، وحضر عنده القاضي الشافعي وجماعة من الفقهاء وشق ذلك على كثير من أصحاب الشيخ تقي الدين، وكان ابن الخطيري الحاجب قد دخل على الشيخ تقي الدين قبل هذا اليوم فاجتمع به وسأله عن أشياء بأمرنائب السلطنة. ثم يوم الخميس دخل القاضي بدر الدين بن جملة وناصر الدين مشد الاوقاف، وسألاه عن مضمون قوله في مسألة الزيارة، فكتب ذلك في درج وكتب تحته قاضي الشافعية بدمشق: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية إلى أن قال: وإنما المحز جعله زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبور الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصية بالاجماع مقطوعا بها، فانظر الآن هذا التحريف على شيخ الاسلام، فإن جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع زيارة قبور الانبياء والصالحين، وإنما فيه ذكر قولين في شد الرحل والسفر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شد رحل إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى، والشيخ لم يمنع الزيارة الخالية عن شد رحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض إلى هذه الزيارة في هذه الوجه في الفتيا، ولا قال إنها معصية، ولا حكى الاجماع على المنع منها، ولا هو جاهل قول الرسول " زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة " (1) والله سبحانه لا يخفى عليه شئ، ولا يخفى عليه خافية، (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) [ الشعراء: 227 ]. وفي يوم الاحد رابع ذي القعدة فتحت المدرسة الحمصية تجاه الشامية الجوانية، ودرس بها محيي الدين الطرابلسي قاضي هكار، وتلقب بأبي رباح، وحضر عنده القاضي الشافعي. وفي ذي القعدة سافر القاضي جمال الدين الزرعي من الاتابكية إلى مصر، ونزل عن تدريسها لمحيي الدين


(1) أخرجه مسلم في الجنائز ح‍ (108) والترمذي في الجنائز باب (60) والنسائي في الجنائز باب (101) وابن ماجه في الجنائز باب 47 و 48.

[ 144 ]

ابن جهبل. وفي ثاني ذي الحجة درس بالنجيبية ابن قاضي الزبداني عوضا عن الدمشقي نائب الحكم مات بالمدرسة المذكورة. وممن توفي فيها من الاعيان: ابن المطهر الشيعي جمال الدين أبو منصور حسن بن يوسف بن مطهر الحلي (1) العراقي الشيعي، شيخ الروافض بتلك النواحي، وله التصانيف الكثيرة، يقال تزيد على مائة وعشرين مجلدا، وعدتها خمسة وخمسون مصنفا، في الفقه والنحو الاصول والفلسفة والرفض وغير ذلك من كبار وصغار، وأشهرها بين الطلبة شرح ابن الحاجب في أصول الفقه، وليس بذاك الفائق، ورأيت له مجلدين في أصول الفقه على طريقة المحصول والاحكام، فلا بأس بها فإنها مشتملة على نقل كثير وتوجيه جيد، وله كتاب منهاج الاستقامة في إثبات الامامة، خبط فيه في المعقول والمنقول، ولم يدر كيف يتوجه، إذ خرج عن الاستقامة. وقد انتدب في الرد عليه الشيخ الامام العلامة شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس بن تيمية في مجلدات أتى فيها بما يبهر العقول من الاشياء المليحة الحسنة، وهو كتاب حافل. ولد ابن المطهر الذي لم تطهر خلائقه ولم يتطهر من دنس الرفض ليلة الجمعة سابع عشرين رمضان سنة ثمان وأربعين وستمائة، وتوفي ليلة الجمعة عشرين محرم من هذه السنة، وكان اشتغاله ببغداد وغيرها من البلاد، واشتغل على نصير الطوسي، وعلى غيره، ولما ترفض الملك خربندا حظي عنده ابن المطهر وساد جدا وأقطعه بلادا كثيرة. الشمس الكاتب محمد بن أسد الحراني المعروف بالنجار، كان يجلس ليكتب الناس عليه بالمدرسة القليجية، توفي في ربيع الآخر ودفن بباب الصغير. العز حسن بن أحمد بن زفر الاربلي ثم الدمشقي، كان يعرف طرفا صالحا من النحو والحديث والتاريخ، وكان مقيما بدويره حمد صوفيا بها، وكان حسن المجالسة أثنى عليه البرزالي في نقله وحسن معرفته، مات بالمارستان الصغير في جمادى الآخرة ودفن بباب الصغير عن ثلاث وستين سنة.


(1) الحلي نسبة إلى الحلة - وبها توفي - وهي قرية مشهورة في طرف بغداد (معجم البلدان).

[ 145 ]

الشيخ الامام أمين الدين سالم بن أبي الدر عبد الرحمن بن عبد الله الدمشقي الشافعي مدرس الشامية الجوانية، أخذها من ابن الوكيل قهرا وهو إمام مسجد ابن هشام، ومحدث الكرسي به، كان مولده في سنة خمس وأربعين وستمائة، اشتغل وحصل وأثنى عليه النووي وغيره، وأعاد وأفتى ودرس، وكان خبيرا بالمحاكمات، وكان فيه مروءة وعصبيه لمن يقصده، توفي في شعبان ودفن بباب الصغير. الشيخ حماد وهو الشيخ الصالح العابد الزاهد حماد الحلبي القطان، كان كثير التلاوة والصلوات، مواظبا على الاقامة بجامع التوبة (1) بالعقيبية بالزاوية الغربية الشمالية، يقرئ القرآن ويكثر الصيام ويتردد الناس إلى زيارته، مات وقد جاوز السبعين سنة على هذا القدم، توفي ليلة الاثنين عشرين شعبان ودفن بباب الصغير، وكان جنازته حافلة رحمه الله. الشيخ قطب الدين اليونيني وهو الشيخ الامام العالم بقية السلف، قطب الدين أبو الفتح موسى ابن الشيخ الفقيه الحافظ الكبير شيخ الاسلام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن محمد البعلبكي اليونيني الحنبلي، ولد سنة أربعين وستمائة بدار الفضل بدمشق، وسمع الكثير وأحضره والده المشايخ واستجاز له وبحث واختصر مرآة الزمان للسبط (2)، وذيل عليها ذيلا حسنا مرتبا أفاد فيه وأجاد بعبارة حسنة سهلة، بإنصاف وستر، وأتى فيه بأشياء حسنة وأشياء فائقة رائقه، وكان كثير التلاوة حسن الهيئة متقللا في ملبسه ومأكله، توفي ليلة الخميس ثالث عشر شوال ودفن بباب سطحا عند أخيه الشيخ شرف الدين رحمهما الله. قاضي القضاة ابن مسلم شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع بن جعفر الصالحي الحنبلي، ولد سنة ستين (3) وستمائة، ومات أبوه - وكان من الصالحين - سنة ثمان وستين، فنشأ يتيما فقيرا


(1) جامع التوبة بالعقيبة بدمشق، أنشأه الملك الاشرف موسى بن الملك العادل أبو بكر بن أيوب سنة 632 ه‍ (الدارس في تاريخ المدارس 2 / 426).

(2) يوسف قزاوغلي المعروف بسبط ابن الجوزي وقد تقدمت وفاته سنة 654 ه‍ (كشف الظنون 1647 2).

(3) في تذكرة النبيه 2 / 164 ذكر انه ولد سنة 662 ه‍. (شذرات الذهب 6 / 73).

[ 146 ]

لا مال له، ثم اشتغل وحصل وسمع الكثير وانتصب للافادة والاشتغال، فطار ذكره، فلما مات التقي سليمان (1) سنة خمس عشرة ولي قضاء الحنابلة، فباشره أتم مباشرة، وخرجت له تخاريج كثيرة، فلما كانت هذه السنة خرج للحج فمرض في الطريق فورد المدينة النبوية على ساكنها رسول الله أفضل الصلاة والسلام، يوم الاثنين الثالث والعشرين من ذي القعدة فزار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى في مسجده وكان بالاشواق إلى ذلك، وكان قد تمنى ذلك لما مات ابن نجيح، فمات في عشية ذلك اليوم يوم الثلاثاء وصلي عليه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالروضة، ودفن بالبقيع إلى جانب قبر شرف الدين بن نجيح، الذي كان قد غبطه بموته هناك سنة حج هو وهو قبل هذه الحجة شرقي قبر عقيل رحمهم الله، وولي بعده القضاء عز الدين بن التقي سليمان. القاضي نجم الدين أحمد بن عبد المحسن بن حسن بن معالي الدمشقي الشافعي، ولد سنة تسع وأربعين واشتغل على تاج الدين الفزاري وحصل وبرع وولي الاعادة ثم الحكم بالقدس، ثم عاد إلى دمشق فدرس بالنجيبية، وناب في الحكم عن ابن صصرى مدة، توفي بالنجيبية المذكورة يوم الاحد ثامن عشرين ذي القعدة، وصلي عليه العصر بالجامع، ودفن بباب الصغير. ابن قاضي شهبة الشيخ الامام العالم شيخ الطلبة ومفيدهم كمال الدين أبو محمد عبد الوهاب بن ذؤيب الاسدي الشهبي الشافعي، ولد بحوران في سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وقدم دمشق واشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري، ولازمه وانتفع به، وأعاد بحلقته، وتخرج به، وكذلك لازم أخاه الشيخ شرف الدين، وأخذ عنه النحو واللغة، وكان بارعا في الفقه والنحو، له حلقة يشتغل فيها تجاه محراب الحنابلة، وكان يعتكف جميع شهر رمضان، ولم يتزوج قط، وكان حسن الهيئة والشيبة، حسن العيش والملبس متقللا من الدنيا، له معلوم يقوم بكفايته من إعادات وفقاهات وتصدير بالجامع، ولم يدرس قط ولا أفتى، مع أنه كان ممن يصلح أن يأذن في الافتاء، ولكنه كان يتورع عن ذلك، وقد سمع الكثير: سمع المسند للامام أحمد وغير ذلك، توفي بالمدرسة المجاهدية - وبها كانت إقامته - ليلة الثلاثاء حادي عشرين ذي الحجة، وصلي عليه بعد صلاة الظهر، ودفن بمقابر باب الصغير، وفيها كانت وفاة:


(1) وهو أبو الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر أحمد بن قدامة المقدسي.

[ 147 ]

الشرف يعقوب بن فارس الجعبري التاجر بفرجة ابن عمود، وكان يحفظ القرآن ويؤم بمسجد القصب، ويصحب الشيخ تقي الدين بن تيمية والقاضي نجم الدين الدمشقي، وقد حصل أموالا وأملاكا وثروة، وهو والد صاحبنا الشيخ الفقيه المفضل المحصل الزكي بدر الدين محمد، خال الولد عمر إن شاء الله. وفيها توفي: الحاج أبو بكر بن تيمراز الصيرفي كانت له أموال كثيرة ودائرة ومكارم وصدقات، ولكنه انكسر في آخر عمره، وكاد أن ينكشف فجبره الله بالوفاة رحمه الله. ثم دخلت سنة سبع وعشرين وسبعمائة استهلت بيوم الجمعة والحكام: الخليفة والسلطان والنواب والقضاة والمباشرون هم المذكورون في التي قبلها سوى الحنبلي كما تقدم، وفي العشر من المحرم دخل مصر أرغون نائب مصر فمسك في حادي عشر وحبس، ثم أطلق أياما وبعثه السلطان إلى نائب حلب فاجتاز بدمشق بكرة الجمعة ثاني عشرين المحرم، فأنزله نائب السلطنة بداره المجاورة لجامعه، فبات بها ثم سافر إلى حلب، وقد كان قبله بيوم قد سافر من دمشق الجاي الدوادار إلى مصر، وصحبته نائب حلب علاء الدين الطنبغا معزولا عنها إلى حجوبية الحجاب بمصر. وفي يوم الجمعة التاسع عشر ربيع الاول قرئ تقليد قاضي الحنابلة عز الدين محمد بن التقي سليمان بن حمزة المقدسي، عوضا عن ابن مسلم بمقصورة الخطابة بحضرة القضاة والاعيان، وحكم وقرئ قبل ذلك بالصالحية. وفي أواخر هذا الشهر وصل البريد بتولية ابن النقيب (1) الحاكم بحمص قضاء القضاة بطرابلس، ونقل الذي بها إلى حمص نائبا عن قاضي دمشق، وهو ناصر بن محمود الزرعي. وفي سادس عشر ربيع الآخر عاد تنكز من مصر إلى الشام، وقد حصل له تكريم من السلطان وفي ربيع الاول حصلت زلزلة بالشام وقي الله شرها. وفي يوم الخميس مستهل جمادى الاولى باشر نيابة الحنبلي القاضي برهان الدين الزرعي، وحضر عنده جماعة من القضاة. وفي يوم الجمعة منتصف جمادى الآخرة جاء البريد بطلب القاضي القزويني الشافعي إلى مصر، فدخلها في مستهل رجب، فخلع عليه بقضاء قضاة مصر مع تدريس الناصرية والصالحية ودار الحديث الكاملية، عوضا عن بدر الدين بن جماعة لاجل كبر سنه، وضعف نفسه، وضرر عينيه، فجبروا


(1) وهو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن ابراهيم بن النقيب (تذكرة النبيه 2 / 174).

[ 148 ]

خاطره فرتب له ألف درهم وعشرة أرادب قمح في الشهر، مع تدريس زاوية الشافعي، وأرسل ولده بدر الدين إلى دمشق خطيبا بالاموي، وعلى تدريس الشامية البرانية، على قاعدة والده جلال الدين القزويني في ذلك، فخلع عليه في أواخر رجب ثامن عشرين وحضر عنده الاعيان. وفي رجب كان عرس الامير سيف الدين قوصون الساقي الناصري، على بنت السلطان، وكان وقتا مشهودا، خلع على الامراء والاكابر. وفي صبيحة هذه الليلة عقد عقد الامير شهاب الدين أحمد بن الامير بكتمر الساقي، على بنت تنكز نائب الشام، وكان السلطان وكيل أبيها تنكز والعاقد ابن الحريري. وخلع عليه وأدخلت في ذي الحجة من هذه السنة في كلفة كثيرة. وفي رجب جرت فتنة كبيرة بالاسكندرية في سابع رجب، وذلك أن رجلا من المسلمين قد تخاصم هو ورجل من الفرنج، على باب البحر، فضرب أحدهما الآخر بنعل، فرفع الامر إلى الوالي فأمر بغلق باب البلد بعد العصر، فقال له الناس: إن لنا أموالا وعبيدا ظاهر البلد، وقد أغلقت الباب قبل وقته. ففتحه فخرج الناس في زحمة عظيمة، فقتل منهم نحو عشرة ونهبت عمائم وثياب وغير ذلك، وكان ذلك ليلة الجمعة فلما أصبح الناس ذهبوا إلى دار الوالي فأحرقوها وثلاث دور لبعض الظلمة، وجرت أحوال صعبة، ونهبت أموال، وكسرت العامة باب سجن الوالي فخرج منه من فيه، فبلغ نائب السلطنة فاعتقد النائب أنه السجن الذي فيه الامراء، فأمر بوضع السيف في البلد وتخريبه، ثم إن الخبر بلغ السلطان فأرسل الوزير طيبغا الجمالي سريعا فضرب وصادر، وضرب القاضي ونائبه وعزلهم، وأهان خلقا من الاكابر وصادرهم بأموال كثيرة جدا، وعزل المتولي ثم أعيد، ثم تولى القضاء بهاء الدين علم الدين الاخنائي الشافعي الذي تولى دمشق فيما بعد، وعزل قضاة الاسكندرية المالكي ونائباه، ووضعت السلاسل في أعناقهم وأهينوا، وضرب ابن السني غير مرة. وفي يوم السبت عشرين شعبان وصل إلى دمشق قاضي قضاة حلب ابن الزملكاني على البريد فأقام بدمشق أربعة أيام ثم سار إلى مصر ليتولى قضاء قضاة الشام بحضرة السلطان، فاتفق موته قبل وصوله إلى القاهرة (وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب) [ سبأ: 54 ]. وفي يوم الجمعة سادس عشرين شعبان باشر صدر الدين المالكي مشيخة الشيوخ مضافا إلى قضاء قضاة المالكية، وحضر الناس عنده، وقرئ تقليده بذلك بعد انفصال الزرعي عنها إلى مصر. وفي نصف رمضان وصل قاضي الحنفية بدمشق لقضاء القضاة عماد الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد الطرسوسي، الذي كان نائبا لقاضي القضاة صدر الدين علي البصروي، فخلفه بعده بالمنصب، وقرئ تقليده بالجامع، وخلع عليه وباشر الحكم، واستناب القاضي عماد الدين بن العز، ودرس بالنورية مع القضاء، وشكرت سيرته. وفي رمضان قدم جماعة من الاسارى مع تجار الفرنج فأنزلوا بالمدرسة العادلية الكبيرة

[ 149 ]

واستفكوا من ديوان الاسرى بنحو من ستين ألفا، وكثرت الادعية لمن كان السبب في ذلك. وفي ثامن شوال خرج الركب الشامي إلى الحجاز وأميره سيف الدين بالبان المحمدي، وقاضيه بدر الدين محمد بن محمد قاضي حران. وفي شوال وصل تقليد قضاء الشافعية بدمشق لبدر الدين ابن قاضي القضاة بن عز الدين الصائغ والخلعة معه، فامتنع من ذلك أشد الامتناع، وصمم، وألح عليه الدولة فلم يقبل وكثر بكاؤه وتغير مزاجه واغتاظ، فلما أصر على ذلك راجع تنكز السلطان في ذلك، فلما كان شهر ذي القعدة اشتهر تولية علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي (1) قضاء الشام، فسار إليها من مصر وزار القدس ودخل دمشق يوم الاثنين سابع عشرين ذي القعدة، فاجتمع بنائب السلطنة ولبس الخلعة وركب مع الحجاب والدولة إلى العادلية، فقرئ تقليده بها وحكم بها على العادة، وفرح الناس به وبحسن سمته وطيب لفظه وملاحة شمائله وتودده، وولي بعده مشيخة الشيوخ بمصر مجد الدين الاقصرائي الصوفي شيخ سرياقوس. وفي يوم السبت ثالث عشرين ذي القعدة لبس القاضي محيي الدين بن فضل الله الخلعة بكتابة السر عوضا عن ابن الشهاب محمود، واستمر ولده شرف الدين في كتابة الدست (2). وفي هذه السنة تولى قضاء حلب عوضا عن ابن الزملكاني القاضي فخر الدين البازري. وفي العشر الاول من ذي الحجة كمل ترخيم الجامع الاموي أعني حائطه الشمالي وجاء تنكز حتى نظر إليه فأعجبه ذلك، وشكر ناظره تقي الدين بن مراجل. وفي يوم الاضحى جاء سيل عظيم إلى مدينة بلبيس فهرب أهلها منها وتعطلت الصلاة والاضاحي فيها، ولم ير مثله من مدة سنين متطاولة، وخرب شيئا كثيرا من حواضرها وبساتينها فإنا لله وإنا إليه راجعون. وممن توفي فيها من الاعيان: الامير أبو يحيى زكريا بن أحمد بن محمد بن عبد الواحد أبي حفص الهنتاني الجياني (3) المغربي، أمير بلاد المغرب. ولد بتونس قبل سنة خمسين وستمائة، وقرأ الفقه والعربية، وكان ملوك تونس تعظمه وتكرمه، لانه من بيت الملك والامرة والوزارة. ثم بايعه أهل تونس على الملك في سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وكان شجاعا مقداما، وهو أول من أبطل ذكر ابن التومرت من الخطبة، مع أن


(1) القونوي: نسبة إلى مدينة قونية بآسيا الصغرى، وتوفي سنة 729 ه‍.

(2) وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 458 انه تم عزل محيي الدين عن كتابة السر، واستقر بها شرف الدين بن الشهاب محمود.

(3) كذا بالاصل، وفي شذرات الذهب 6 / 76 وتذكرة النبيه 2 / 176: اللحياني.

[ 150 ]

جده أبا حفص الهنتاني كان من أصحاب ابن التومرت. توفي في المحرم من هذه السنة بمدينة الاسكندرية. رحمه الله. الشيخ الصالح ضياء الدين ضياء الدين أبو الفدا إسماعيل بن رضي الدين أبي الفضل المسلم بن الحسن بن نصر الدمشقي، المعروف بابن الحموي، كان هو وأبوه وجده من الكتاب المشهورين المشكورين، وكان هو كثير التلاوة والصلاة والصيام والبر والصدقة والاحسان إلى الفقراء والاغنياء. ولد سنة خمس وثلاثين وستمائة وسمع الحديث الكثير وخرج له البرزالي مشيخة سمعناها عليه، وكان من صدور أهل دمشق، توفي يوم الجمعة رابع عشر صفر، وصلي عليه ضحوة بوم السبت، ودفن بباب الصغير، وحج وجاور وأقام بالقدس مدة. مات وله ثنتان وسبعون سنة رحمه الله، وقد ذكر والده أنه حين ولد له فتح المصحف يتفاءل فإذا قوله (الحمد الله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) [ إبراهيم: 39 ] فسماه إسماعيل. ثم ولد له آخر فسماه إسحاق، وهذا من الانفاق الحسن رحمهم الله تعالى. الشيخ علي المحارفي علي بن أحمد بن هوس الهلالي، أصل جده من قرية إيل البسوق، وأقام والده بالقدس، وحج هو مرة وجاور بمكة سنة ثم حج، وكان رجلا صالحا مشهورا، ويعرف بالمحارفي، لانه كان يحرف الازقة ويصلح الرصفان لله تعالى، وكان يكثر التهليل والذكر جهرة، وكان عليه هيبة ووقار، ويتكلم كلاما فيه تخويف وتحذير من النار، وعواقب الردى، وكان ملازما لمجالس ابن تيمية، وكانت وفاته يوم الثلاثاء ثالث عشرين ربيع الاول، ودفن بتربة الشيخ موفق الدين بالسفح، وكانت جنازته حافلة جدا رحمه الله. الملك الكامل ناصر الدين أبو المعالي محمد بن الملك السعيد فتح الدين عبد الملك بن السلطان الملك الصالح إسماعيل أبي الجيش بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب أحد أكابر الامراء وأبناء الملوك، كان من محاسن البلد ذكاء وفطنة وحسن عشرة ولطافة كلام، بحيث يسرد كثيرا من الكلام بمنزلة الامثال من قوة ذهنه وحذاقة فهمه، وكان رئيسا من أجواد الناس، توفي عشية الاربعاء عشرين جمادى الاولى (1)


(1) في تذكرة النبيه 2 / 177: جمادى الآخرة، وفيها كان مولده بظهر الحجاز الشريف سنة 653 ه‍. مات وقد جاوز السبعين.

[ 151 ]

وصلي عليه ظهر الخميس بصحن الجامع تحت النسر، ثم أرادوا دفنه عند جده لامه الملك الكامل فلم يتيسر ذلك فدفن بتربة أم الصالح سامحه الله، وكان له سماع كثير سمعنا عليه منه، وكان يحفظ تاريخا جيدا، وقام ولده الامير صلاح الدين مكانه في إمرة الطبلخانة، وجعل أخوه في عشرته ولبسا الخلع السلطانية بذلك. الشيخ الامام نجم الدين أحمد بن محمد بن أبي الحزم القرشي المخزومي القمولي (1)، كان من أعيان الشافعية، وشرح الوسيط (2) (*) وشرح الحاجبية في مجلدين، ودرس وحكم بمصر، وكان محتسبا بها أيضا، وكان مشكور السيرة فيها، وقد تولى بعده الحكم نجم الدين بن عقيل، والحسبة ناصر الدين بن قار السبقوق، توفي في رجب وقد جاوز الثمانين، ودفن بالقرافة رحمه الله. الشيخ الصالح أبو القاسم عبد الرحمن بن موسى بن خلف الحزامي، أحد مشاهير الصالحين بمصر، توفي بالروضة وحمل إلى شاطئ النيل، وصلي عليه وحمل على الرؤوس والاصابع، ودفن عند ابن أبي حمزة، وقد قارب الثمانين، وكان ممن يقصد إلى الزيارة رحمه الله. القاضي عز الدين عبد العزيز بن أحمد بن عثمان بن عيسى بن عمر الخضر الهكاري الشافعي، قاضي المحلة، كان من خيار القضاة، وله تصنيف على حديث المجامع في رمضان، يقال إنه استنبط فيه ألف حكم. توفي في رمضان، وقد كان حصل كتبا جيدة منها التهذيب لشيخنا المزي. الشيخ كمال الدين بن الزملكاني (3) شيخ الشافعية بالشام وغيرها، انتهت إليه رياسة المذهب تدريسا وإفتاء ومناظرة، ويقال في


(1) من تذكرة النبيه وشذرات الذهب، وفي الاصل: " التمولي " تحريف. والقمولي: نسبة إلى قمولة بلد بصعيد مصر، وهي من الاعمال القوصية (القاموس الجغرافي 4 / 183).

(2) وهو كتاب الوسيط في الفروع للامام أبي حامد الغزالي الشافعي المتوفى سنة 505 (كشف الظنون 2 / 2008).

(3) وهو كمال الدين محمد بن علي بن الواحد بن عبد الكريم بن خلف بن نبهان الانصاري الزملكاني الشافعي (شذرات الذهب 6 / 78 وبدائع الزهور 1 / 1 / 458 وتذكرة النبيه 2 / 172).

[ 152 ]

نسبه السماكي نسبة إلى أبي دجانة سماك بن خرشة والله أعلم. ولد ليلة الاثنين ثامن شوال سنة ست (1) وستين وستمائة، وسمع الكثير واشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري، وفي الاصول على القاضي بهاء الدين بن الزكي، وفي النحو على بدر الدين بن ملك وغيرهم، وبرع وحصل وساد أقرانه من أهل مذهبه، وحاز قصب السبق عليهم بذهنه الوقاد في تحصيل العلم الذي أسهره ومنعه الرقاد وعبارته التي هي أشهى من كل شئ معتاد، وخطه الذي هو أنضر من أزاهير الوهاد، وقد درس بعدة مدارس بدمشق، وباشر عدة جهات كبار، كنظر الخزانة ونظر المارستان النوري وديوان الملك السعيد، ووكالة بيت المال. وله تعاليق مفيدة واختيارات حميدة سديدة، ومناظرات سعيدة. ومما علقه قطعة كبيرة من شرح المنهاج للنووي، ومجلد في الرد على الشيخ تقي الدين بن تيمية في مسألة الطلاق وغير ذلك، وأما دروسه في المحافل فلم أسمع أحدا من الناس درس أحسن منها ولا أحلى من عبارته، وحسن تقريره، وجودة احترازاته، وصحة ذهنه وقوة قريحته وحسن نظمه، وقد درس بالشامية البرانية والعذراوية الجوانية والرواحية والمسرورية، فكان يعطي كل واحدة منهن حقها بحيث كان يكاد ينسخ بكل واحد من تلك الدروس ما قبله من حسنه وفصاحته، ولا يهيله تعداد الدروس وكثرة الفقهاء والفضلاء، بل كلما كان الجمع أكثر والفضلاء أكبر كان الدرس أنضر وأبهر وأحلى وأنصح وأفصح. ثم لما انتقل إلى قضاء حلب وما معه من المدارس العديدة عامله معاملة مثلها، وأوسع بالفضيلة جميع أهلها، وسمعوا من العلوم ما لم يسمعوا هم ولا آباؤهم. ثم طلب إلى الديار المصرية ليولي الشامية دار السنة النبوية فعاجلته المنية قبل وصوله إليها، فمرض وهو سائر على البريد تسعة أيام، ثم عقب المرض بحراق الحمام فقبضه هاذم اللذات، وحال بينه وبين سائر الشهوات والارادات، والاعمال بالنيات. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه، وكان من نيته الخبيثة إذا رجع إلى الشام متوليا أن يؤذي شيخ الاسلام ابن تيمية فدعا عليه فلم يبلغ أمله ومراده، فتوفي في سحر يوم الاربعاء سادس عشر شهر رمضان بمدينة بلبيس، وحمل إلى القاهرة ودفن بالقرافة ليلة الخميس جوار قبة الشافعي تغمدها الله برحمته. الحاج علي المؤذن المشهور بالجامع الاموي الحاج علي بن فرج بن أبي الفضل الكتاني، كان أبوه من خيار المؤذنين، فيه صلاح ودين وله قبول عند الناس، وكان حسن الصوت جهوره، وفيه تودد وخدم وكرم، وحج غير مرة وسمع من أبي عمر وغيره، توفي ليلة الاربعاء ثالث ذي القعدة وصلي عليه غدوة، ودفن بباب الصغير. وفي ذي القعدة توفي:


(1) في بدائع الزهور وتذكرة النبيه: سبع وستين. (انظر شذرات الذهب 6 / 7 8).

[ 153 ]

الشيخ فضل بن الشيخ الرجيحي التونسي وأجلس أخوه يوسف مكانه بالزاوية. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة في ذي القعدة منها كانت وفاة شيخ الاسلام أبي العباس أحمد بن تيمية قدس الله روحه كما ستأتي ترجمة وفاته في الوفيات إن شاء الله تعالى. استهلت هذه السنة وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها سوى نائب مصر وقاضي حلب. وفي يوم الاربعاء ثاني المحرم درس بحلقة صاحب حمص الشيخ الحافظ صلاح الدين العلائي، نزل له عنها شيخنا الحافظ المزي، وحضر عنده الفقهاء والقضاة والاعيان، وذكر درسا حسنا مفيدا. وفي يوم الجمعة رابع المحرم حضر قاضي القضاة علاء الدين القونوي مشيخة الشيوخ بالسمساطية عوضا عن القاضي المالكي شرف الدين، وحضر عنده الفقهاء والصوفية على العادة. وفي يوم الاحد ثامن عشر صفر درس بالمسرورية تقي الدين عبد الرحمن بن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني عوضا عن جمال الدين بن الشريشي بحكم انتقاله إلى قضاء حمص، وحضر الناس عنده وترحموا على والده. وفي يوم الاحد خامس عشرين صفر وصل إلى دمشق الامير الكبير صاحب بلاد الروم تمرتاش ابن جوبان، قاصدا إلى مصر، فخرج نائب السلطنة. والجيش إلى تلقيه، وهو شاب حسن الصورة تام الشكل مليح الوجه. ولما انتهى إلى السلطان بمصر أكرمه وأعطاه تقدمة ألف، وفرق أصحابه على الامراء وأكرموا إكراما زائدا، وكان سبب قدومه إلى مصر أن صاحب العراق الملك أبا سعيد (1) كان قد قتل أخاه جواجا رمشتق في شوال من السنة الماضية، فهم والده جوبان بمحاربة السلطان أبي سعيد فلم يتمكن من ذلك (2)، وكان جوبان إذ ذاك مدبر الممالك، فخا ف تمرتاش هذا عند ذلك من السلطان ففر هاربا بدمه إلى السلطان الناصر بمصر. وفي ربيع الاول توجه نائب الشام سيف الدين تنكز إلى الديار المصرية لزيارة السلطان فأكرمه واحترمه واشترى في هذه السفرة دار الفلوس التي بالقرب من البزوريين والجوزية، وهي شرقيها، وقد كان سوق البزورية اليوم يسمى سوق القمح، فاشترى هذه الدار وعمرها دارا هائلة ليس


(1) وهو أبو سعيد بهادر بن خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو ولي الحكم نحو عشرين سنة 716 - 736 ه‍ (الدرر الكامنة 2 / 34 معجم زامباور 2 / 362).

(2) ثم قتله صاحب هراة (مختصر أخبار البشر 4 / 96 وفي تذكرة النبيه تم قتله هذه السنة 728 ه‍).

[ 154 ]

بدمشق دار أحسن منها، وسماها دار الذهب، وهدم حمام سويد تلقاءها وجعله دار قرآن وحديث في غاية الحسن أيضا، ووقف عليها أماكن ورتب فيها المشايخ والطلبة كما سيأتي تفصيله في موضعه، واجتاز برجوعه من مصر بالقدس الشريف وزاره وأمر ببناء حمام به، وبناء دار حديث أيضا به، وخانقاه كما يأتي بيانه. وفي آخر ربيع الاول وصلت القناة إلى القدس التي أمر بعمارتها وتجديدها سيف الدين تنكز قطلبك، فقام بعمارتها مع ولاة تلك النواحي، وفرح المسلمون بها ودخلت حتى إلى شط المسجد الاقصى، وعمل به بركة هائلة، وهي مرخمة ما بين الصخرة والاقصى، وكان ابتداء عملها من شوال من السنة الماضية. وفي هذه المدة عمر سقوف شرافات المسجد الحرام وإيوانه، وعمرت بمكة طهارة مما يلي باب بني شيبة. قال البرزالي: وفي هذا الشهر كملت عمارة الحمام الذي بسوق باب توما، وله بابان. وفي ربيع الآخر نقض الترخيم الذي بحائط جامع دمشق القبلي من جهة الغرب مما يلي باب الزيادة، فوجدوا الحائط متجافيا فخيف من أمره، وحضر تنكز بنفسه ومعه القضاة وأرباب الخبرة، فاتفق رأيهم على نقضه وإصلاحه، وذلك يوم الجمعة بعد الصلاة سابع عشرين ربيع الآخر وكتب نائب السلطنة إلى السلطان يعلمه بذلك ويستأذنه في عمارته، فجاء المرسوم بالاذن بذلك، فشرع في نقضه يوم الجمعة خامس عشرين جمادى الاولى، وشرعوا في عمارته يوم الاحد تاسع جمادى الآخرة، وعمل محراب فيما بين الزيادة ومقصورة الخطابة يضاهي محراب الصحابة، ثم جدوا ولازموا في عمارته، وتبرع كثير من الناس بالعمل فيه من سائر الناس، فكان يعمل فيه كل من مائة رجل، حتى كملت عمارة الجدار وأعيدت طاقاته وسقوفه في العشرين من رجب وذلك بهمة تقي الدين بن مراجل وهذا من العجب فإنه نقض الجدار وما يسامته من السقف، وأعيد في مدة لا يتخيل إلى أحد أن عمله يفرغ فيما يقارب هذه المدة جزما، وساعدهم على سرعة الاعادة حجارة وجدوها في أساس الصومعة الغربية التي عند الغزالية، وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة كما في الغربية والشرقية القبلتين منه فأبيدت السماليتين قديما ولم يبق منهما من مدة ألوف من السنين سوى أس هذا المأذنة الغربية الشمالية، فكانت من أكبر العون على إعادة هذا الجدار سريعا. ومن العجب أن ناظر الجامع ابن مراجل لم ينقص أحدا من أرباب المرتبات على الجامع شيئا مع هذه العمارة. وفي ليلة السبت خامس جمادى الاولى وقع حريق عظيم بالقرايين واتصل بالرماحين، واحترقت القيسارية والمسجد الذي هناك، وهلك للناس شئ كثير من الفرا والجوخ والاقمشة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي يوم الجمعة عاشره بعد الصلاة صلي على القاضي شمس الدين بن الحريري قاضي قضاة الحنفية بمصر، وصلي عليه صلاة الغائب بدمشق. وفي هذا اليوم قدم البريد يطلب برهان

[ 155 ]

الدين بن عبد الحق الحنفي إلى مصر ليلي القضاء بها بعد ابن الحريري، فخرج مسافرا إليها، ودخل مصر في خامس عشرين جمادى الاولى، واجتمع بالسلطان فولاه القضاء وأكرمه وخلع عليه وأعطاه بغلة بزناري، وحكم بالمدرسة الصالحية بحضرة القضاة والحجاب، ورسم له بجميع جهات ابن الحريري. وفي يوم الاثنين تاسع جمادى الآخرة أخرج ما كان عند الشيخ تقي الدين بن تيمية من الكتب والاوراق والدواة والقلم، ومنع من الكتب والمطالعة، وحملت كتبه في مستهل رجب إلى خزانة الكتب بالعادلية الكبيرة. قال البرزالي: وكانت نحو ستين مجلدا، وأربع عشرة ربطة كراريس، فنظر القضاة والفقهاء فيها وتفوقوها بينهم، وكان سبب ذلك أنه أجاب لما كان رد عليه التقي ابن الاخنائي المالكي في مسألة الزيارة فرد عليه الشيخ تقي الدين واستجهله وأعلمه أنه قليل البضاعة في العلم، فطلع الاخنائي إلى السلطان وشكاه، فرسم السلطان عند ذلك بإخراج ما عنده من ذلك وكان ما كان، كما ذكرنا. وفي أواخره رسم لعلاء الدين بن القلانسي في الدست، مكان أخيه جمال الدين توقيرا لخاطره عن المباشرة، وأن يكون معلومه على قضاء العساكر والوكالة، وخلع عليهما بذلك. وفي يوم الثلاثاء ثالث عشرين رجب رسم للائمة الثلاثة الحنفي والمالكي والحنبلي بالصلاة في الحائط القبلي من الاموي، فعين المحراب الجديد الذي بين الزيادة والمقصورة للامام الحنفي، وعين محراب الصحابة للمالكي وعين محراب مقصورة الخضر الذي كان يصلي فيه المالكي للحنبلي، وعوض إمام محراب الصحابة بالكلاسة، وكان قبل ذلك في حال العمارة قد بلغ محراب الحنفية من المقصورة المعروفة بهم، ومحراب الحنابلة من خلفهم في الرواق الثالث الغربي وكانا بين الاعمدة، فنقلت تلك المحاريب، وعوضوا بالمحاريب المستقرة بالحائط القبلي واستقر الامر كذلك. وفي العشرين من شعبان مسك الامير تمرتاش بن جوبان الذي أتى هاربا إلى السلطان الناصر بمصر وجماعة من أصحابه، وحبسوا بقلعة مصر، فلما كان ثاني (1) شوال أظهر موته، يقال إنه قتله السلطان وأرسل رأسه إلى أبي سعيد صاحب العراق ابن خربندا ملك التتار. وفي يوم الاثنين ثاني شوال خرج الركب الشامي وأميره فخر الدين عثمان بن شمس الدين


(1) في مختصر أخبار البشر 4 / 99: رابع شوال. وعن سبب قتله قال: أن أبا سعيد كاتب السلطان في أمر تمرتاش بحكم الصلح، إلى جانب أن السلطان قد بلغه عنه انه أخذ أموال أهل بلاد الروم وظلمهم الظلم الفاحش، وحضور أباجي رسول أبي سعيد فبالغ في طلب تمرتاش فاقتضت المصلحة إعدامه، فأعدم بحضور أباجي (وانظر السلوك 2 / 292 النجوم الزاهرة 9 / 272).

[ 156 ]

لؤلؤ الحلبي أحد أمراء دمشق، وقاضيه قاضي قضاة الحنابلة عز الدين بن التقي سليمان. وممن حج الامير حسام الدين الشبمقدار، والامير قبجق والامير حسام الدين بن النجيبي وتقي الدين بن السلعوس وبدر الدين بن الصائغ وابنا جهبل والفخر المصري، والشيخ علم الدين البرزالي، وشهاب الدين الطاهري. وقبل ذلك بيوم حكم القاضي المنفلوطي الذي كان حاكما ببعلبك بدمشق نيابة عن شيخه قاضي القضاة علاء الدين القونوي، وكان مشكور السيرة، تألم أهل بعلبلك لفقده، فحكم بدمشق عوضا عن القونوي بسبب عزمه على الحج، ثم لما رجع الفخر من الحج عاد إلى الحكم واستمر المنفلوطي يحكم أيضا، فصاروا ثلاث نواب: ابن جملة والفخر المصري والمنفلوطي. وسافر ابن الحشيشي في ثاني عشرين شوال إلى القاهرة لينوب عن القاضي فخر الدين كاتب المماليك إلى حين رجوعه من الحجاز، فلما وصل ولى حجابة ديوان الجيش، واستمر هناك، واستقل قطب الدين ابن الشيخ السلامية بنظر الجيش بدمشق على عادته. وفي شوال خلع على أمين الملك بالديار المصرية وولي نظر الدواوين فباشره شهرا ويومين وعزل عنه. وفاة شيخ الاسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية قال الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه: وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة توفي الشيخ الامام العالم العلم العلامة الفقيه الحافظ الزاهد العابد القدوة شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن شيخنا الامام العلامة المفتي شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم ابن الشيخ الامام شيخ الاسلام أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم محمد بن الخضر بن محمد ابن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني ثم الدمشقي، بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوسا بها، وحضر جمع كثير إلى القلعة، وأذن لهم في الدخول عليه، وجلس جماعة عنده قبل الغسل وقرأوا القرآن وتبركوا برؤيته وتقبيله، ثم انصرفوا، ثم حضر جماعة من النساء ففعلن مثل ذلك ثم انصرفن واقتصروا على من يغسله، فلما فرغ من غسله أخرج ثم اجتمع الخلق بالقلعة والطريق إلى الجامع وامتلا بالجامع أيضا وصحنه والكلاسة وباب البريد وباب الساعات إلى باب اللبادين والغوارة، وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك ووضعت في الجامع، والجند قد احتاطوا بها يحفظونها من الناس من شدة الزحام، وصلي عليه أولا بالقلعة، تقدم في الصلاة عليه أولا الشيخ محمد بن تمام، ثم صلي عليه بالجامع الاموي عقيب صلاة الظهر، وقد تضاعف اجتماع الناس على ما تقدم ذكره، ثم تزايد الجمع إلى أن ضاقت الرحاب والازقة والاسواق بأهلها ومن فيها، ثم حمل بعد أن يصلي عليه على الرؤوس والاصابع، وخرج النعش به من باب البريد واشتد الزحام وعلت الاصوات بالبكاء والنحيب والترحم عليه والثناء والدعاء له، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم وثيابهم، وذهبت النعال من أرجل

[ 157 ]

الناس وقباقيبهم ومناديل وعمائم لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى تمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام فيها، لكن كان معظم الزحام من الابواب الاربعة: باب الفرج الذي أخرجت منه الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية. وعظم الامر بسوق الخيل وتضاعف الخلق وكثر الناس، ووضعت الجنازة هناك وتقدم للصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن، فلم قضيت الصلاة حمل إلى مقبرة الصوفية فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله رحمهما الله، وكان دفنه قبل العصر بيسير، وذلك من كثرة من يأتي ويصلي عليه من أهل البساتين وأهل الغوطة وأهل القرى وغيرهم، وأغلق الناس حوانيتهم ولم يتخلف عن الحضور إلا من هو عاجز عن الحضور، مع الترحم والدعاء له، وأنه لو قدر ما تخلف، وحضر نساء كثيرات بحيث حزرن بخمسة عشر ألف امرأة، غير اللاتي كن على الاسطحة وغيرهن، الجميع يترحمن ويبكين عليه فما قيل. وأما الرجال فحرزوا بستين ألفا إلى مائة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مائتي ألف وشرب جماع الماء الذي فضل من غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غسل به، ودفع في الخيط الذي كان فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل مائة وخمسون درهما، وقيل إن الطاقية التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهما. وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء كثير، وتضرع وختمت له ختمات كثيرة بالصالحية وبالبلد، وتردد الناس إلى قبره أياما كثيرة ليلا ونهارا يبيتون عنده ويصبحون، ورئيت له منامات صالحة كثيرة، ورثاه جماعة بقصائد جمة. وكان مولده يوم الاثنين عاشر ربيع الاول بحران سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، فسمع الحديث من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وابن عبدان والشيخ شمس الدين الحنبلي، والشيخ شمس الدين بن عطاء الحنفي، والشيخ جمال الدين بن الصيرفي، ومجد الدين بن عساكر والشيخ جمال الدين البغدادي والنجيب بن المقداد، وابن أبي الخير، وابن علان وابن أبي بكر اليهودي والكمال عبد الرحيم والفخر علي وابن شيبان والشرف ابن القواس، وزينب بنت مكي، وخلق كثير سمع منهم الحديث، وقرأ بنفسه الكثير وطلب الحديث وكتب الطباق والاثبات ولازم السماع بنفسه مدة سنين، وقل أن سمع شيئا إلا حفظه، ثم اشتغل بالعلوم، وكان ذكيا كثير المحفوظ فصار إماما في التفسير وما يتعلق به عارفا بالفقه، فيقال إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذي كانوا في زمانه وغيره، وكان عالما باختلاف العلماء، عالما في الاصول والفروع والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، وما قطع في مجلس ولا تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه، ورآه عارفا به متقنا له، وأما الحديث فكان حامل رايته حافظا له مميزا بين صحيحه وسقيمه، عارفا برجاله متضلعا من ذلك، وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الاصول والفروع، كمل منها جملة وبيضت

[ 158 ]

وكتبت عنه وقرئت عليه أو بعضها، وجملة كبيرة لم يكملها، وجملة كملها ولم تبيض إلى الآن. وأثنى عليه وعلى علومه وفضائله جماعة من علماء عصره، مثل القاضي الخويي، وابن دقيق العيد، وابن النحاس، والقاضي الحنفي قاضي قضاة مصر ابن الحريري وابن الزملكاني وغيرهم، ووجدت بخط ابن الزملكاني أنه قال: اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها، وأن له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتدين، وكتب على تصنيف له هذه الابيات: ماذا يقول الواصفون له * وصفاته جلت عن الحصر هو حجة لله قاهرة * هو بيننا (1) أعجوبة الدهر هو آية في الخلق ظاهرة (2) * أنوارها أربت على الفجر وهذا الثناء عليه، وكان عمره يومئذ نحو ستين سنة، وكان بيني وبينه مودة وصحبة من الصغر، وسماع الحديث والطلب من نحو سنة وله فضائل كثيرة، وأسماء مصنفاته وسيرته وما جرى بينه وبين الفقهاء والدولة وحبسه مرات وأحواله لا يحتمل ذكر جميعها هذا الموضع، وهذا الكتاب. ولما مات كنت غائبا عن دمشق بطريق الحجاز، ثم بلغنا خبر موته بعد وفاته بأكثر من خمسين يوما لما وصلنا إلى تبوك، وحصل التأسف لفقده رحمه الله تعالى. هذا لفظه في هذا الموضع من تاريخه. ثم ذكر الشيخ علم الدين بعد إيراد هذه الترجمة جنازة أبي بكر بن أبي داود وعظمها، وجنازة الامام أحمد ببغداد وشهرتها، وقال الامام أبو عثمان الصابوني: سمعت أبا عبد الرحمن السيوفي يقول: حضرت جنازة أبي الفتح القواس الزاهد مع الشيخ أبي الحسن الدار قطني فلما بلغ إلى ذلك الجمع العظيم أقبل علينا وقال سمعت أبا سهل بن زياد القطان يقول سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول سمعت أبي يقول: قولوا لاهل البدع بيننا وبينكم الجنائز، قال ولا شك أن جنازة أحمد ابن حنبل كانت هائلة عظيمة، بسبب كثرة أهل بلده واجتماعهم لذلك، وتعظيمهم له، وأن الدولة كانت تحبه، والشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله توفي ببلدة دمشق، وأهلها لا يعشرون أهل بغداد حينئذ كثرة، ولكنهم اجتمعوا لجنازته اجتماعا لو جمعهم سلطان قاهر، وديوان حاصر لما بلغوا هذه الكثرة التي اجتمعوها في جنازته، وانتهوا إليها. هذا مع أن الرجل مات بالقلعة محبوسا من جهة السلطان، وكثير من الفقهاء والفقراء يذكرون عنه للناس أشياء كثيرة، مما ينفر منها طباع أهل


(1) في تذكرة النبيه 2 / 187: هو بيت.

(2) في عقد الجمان وفيات سنة 728 ه‍ وشذرات الذهب 6 / 83: هو آية للخلق ظاهرة.

[ 159 ]

الاديان، فضلا عن أهل الاسلام. وهذه كانت جنازته. قال: وقد اتفق موته في سحر ليلة الاثنين المذكور، فذكر ذلك مؤذن القلعة على المنارة بها وتكلم به الحراس على الابرجة، فما أصبح الناس إلا وقد تسامعوا بهذا الخطيب العظيم والامر الجسيم، فبادر الناس على الفور إلى الاجتماع حول القلعة من كل مكان أمكنهم المجئ منه، حتى من الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الاسواق شيئا، ولا فتحوا كثيرا من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أوائل النهار على العادة، وكان نائب السلطنة تنكز قد ذهب يتصيد في بعض الامكنة، فحارت الدولة ماذا يصنعون، وجاء الصاحب شمس الدين غبريال نائب القلعة فعزاه فيه، وجلس عنده، وفتح باب القلعة لمن يدخل من الخواص والاصحاب والاحباب، فاجتمع عند الشيخ في قاعته خلق من أخصاء أصحابه من الدولة وغيرهم من أهل البلد والصالحية، فجلسوا عنده يبكون ويثنون * على مثل ليلى يقتل المرء نفسه * وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي رحمه الله، وكشفت عن وجه الشيخ ونظرت إليه وقبلته، وعلى رأسه عمامة بعذب مغروزة وقد علاه الشيب أكثر مما فارقناه. وأخبر الحاضرين أخوه زين الدين عبد الرحمن أنه قرأ هو والشيخ منذ دخل القلعة ثمانين ختمة وشرعا في الحادية والثمانين، فانتهينا فيها إلى آخر اقتربت الساعة (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر) [ القمر: 55 ] فشرع عند ذلك الشيخان الصالحان الخيران عبد الله بن المحب وعبد الله الزرعي الضرير - وكان الشيخ رحمه الله يحب قراءتهما - فابتدآ من أول سورة الرحمن حتى ختموا القرآن وأنا حاضر أسمع وأرى. ثم شرعوا في غسل الشيخ وخرجت إلى مسجد هناك ولم يدعوا عنده إلا من ساعد في غسله، منهم شيخنا الحافظ المزي وجماعة من كبار الصالحين والاخيار، أهل العلم والايمان، فما فرغ منه حتى امتلات القلعة وضج الناس بالبكا والثناء والدعاء والترحم، ثم ساروا به إلى الجامع فسلكوا طريق العمادية على العادلية الكبيرة، ثم عطفوا على ثلث الناطفانيين، وذلك أن سويقة باب البريد كانت قد هدمت لتصلح، ودخلوا بالجنازة إلى الجامع الاموي، والخلائق فيه بين يدي الجنازة وخلفها وعن يمينها وشمالها ما لا يحصي عدتهم إلا الله تعالى، فصرخ صارخ وصاح صائح هكذا تكون جنائز أئمة السنة فتباكى الناس وضجوا عند سماع هذا الصارخ ووضع الشيخ في موضع الجنائز مما يلي المقصورة، وجلس الناس من كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف، بل مرصوصين رصا لا يتمكن أحد من السجود إلا بكلفة جو الجامع وبرى الازقة والاسواق، وذلك قبل أذان الظهر بقليل، وجاء الناس من كل مكان، وقوي خلق الصيام لانهم لا يتفرغون في هذا اليوم لاكل ولا لشرب، وكثر الناس كثرة لا تحد ولا توصف، فلما فرغ من أذان الظهر أقيمت الصلاة عقبه على السدة خلاف العادة، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب لغيبة الخطيب بمصر فصلى عليه إماما، وهو الشيخ علاء الدين الخراط، ثم خرج الناس من كل مكان من أبواب الجامع والبلد كما ذكرنا، واجتموا

[ 160 ]

بسوق الخيل، ومن الناس من تعجل بعد أن صلى في الجامع إلى مقابر الصوفية، والناس في بكاء وتهليل في مخافته كل واحد بنفسه، وفي ثناء وتأسف، والنساء فوق الاسطحة من هناك إلى المقبرة يبكين ويدعين ويقلن هذا العالم. وبالجملة كان يوما مشهودا لم يعهد مثله بدمشق إلا أن يكون في زمن بني أمية حين كان الناس كثيرين، وكانت دار الخلافة، ثم دفن عند أخيه قريبا من أذان العصر على التحديد، ولا يمكن أحد حصر من حضر الجنازة، وتقريب ذلك أنه عبارة عمن أمكنه الحضور من أهل البلد وحواضره ولم يتخلف من الناس إلا القليل من الصغار والمخدرات، وما علمت أحدا من أهل العلم إلا النفر اليسير تخلف عن الحضور في جنازته، وهم ثلاثة أنفس: وهم ابن جملة، والصدر، والقفجاري، وهؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداته فاختفوا من الناس خوفا على أنفسهم، بحيث إنهم علموا متى خرجوا قتلوا وأهلكهم الناس، وتردد شيخنا الامام العلامة برهان الدين الفزاري إلى قبره في الايام الثلاثة وكذلك جماعة من علماء الشافعية، وكان برهان الدين الفزاري يأتي راكبا على حماره وعليه الجلالة والوقار رحمه الله. وعملت له ختمات كثيرة ورئيت له منامات صالحة عجيبة، ورثي بأشعار كثيرة وقصائد مطولة جدا. وقد أفردت له تراجم كثيرة، وصنف في ذلك جماعة من الفضلاء وغيرهم، وسألخص من مجموع ذلك ترجمة وجيزة في ذكر مناقبه وفضائله وشجاعته وكرمه ونصحه وزهادته وعبادته وعلومه المتنوعة الكثيرة المجودة وصفاته الكبار والصغار، التي احتوت على غالب العلوم ومفرداته في الاختيارات التي نصرها بالكتاب والسنة وأفتى بها. وبالجملة كان رحمه الله من كبار العلماء وممن يخطئ ويصيب ولكن خطأه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي، وخطأه أيضا مغفور له كما في صحيح البخاري: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر " فهو مأجور. وقال الامام مالك بن أنس: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر. وفي سادس عشرين ذي القعدة نقل تنكز حواصله وأمواله من دار الذهب داخل باب الفراديس إلى الدار التي أنشأها، تعرف بدار فلوس، فسميت دار الذهب، وعزل خزنداره ناصر الدين محمد ابن عيسى، وولي مكانه مملوكه أباجي. وفي ثامن عشرين ذي القعدة جاء إلى مدينة عجلون سيل عظيم من أول النهار إلى وقت العصر، فهدم من جامعها وأسواقها ورباعها ودورها شيئا كثيرا، وغرق سبعة نفر، وهلك للناس شئ كثير من الاموال والغلات والامتعة والمواشي ما يقارب قيمته ألف ألف درهم (1) وإنا لله وإنا إليه راجعون.


(1) في تذكرة النبيه 2 / 190: خمسمائة ألف درهم.

[ 161 ]

وفي يوم الاحد ثامن عشر ذي الحجة ألزم القاضي الشافعي الشيخ علاء الدين القونوي جماعة الشهود بسائر المراكز أن يرسلوا في عمائمهم العذبات ليتميزوا بذلك عن عوام الناس، ففعلوا ذلك أياما ثم تضرروا من ذلك فأرخص لهم في تركها، ومنهم من اشتمر بها. وفي يوم الثلاثاء عشرين ذي الحجة أفرج عن الشيخ الامام العالم العلامة أبي عبد الله شمس الدين بن قيم الجوزية، وكان معتقلا بالقلعة أيضا، من بعد اعتقال الشيخ تقي الدين بأيام من شعبان سنة ست وعشرين إلى هذا الحين، وجاء الخبر بأن السلطان أفرج عن الجاولي والامير فرج بن قراسنقر، ولاجين المنصوري، وأحضروا بعد العيد بين يديه، وخلع عليهم. وفيه وصل الخبر بموت الامير الكبير جوبان نائب السلطان أبي سعيد على تلك البلاد، ووفاة قراسنقر المنصوري أيضا كلاهما في القعدة من هذه السنة. وجوبان هذا هو الذي ساق القناة الواصلة إلى المسجد الحرام، وقد غرم عليها أموالا جزيلة كثيرة، وله تربة بالمدينة النبوية، ومدرسة مشهورة، وله أثار حسنة، وكان جيد الاسلام له همه عالية وقد دبر الممالك في أيام أبي سعيد مدة طويلة على السداد، ثم أراد أبو سعيد مسكه فتخلص من ذلك كما ذكرنا، ثم إن أبا سعيد قتل ابنه خواجا رمشق في السنة الماضية ففر ابنه الآخر تمرتاش هاربا إلى سلطان مصر، فآواه شهرا ثم ترددت الرسل بين الملكين في قتله فقتله صاحب مصر فيما قيل وأرسل برأسه إليه، ثم توفي أبوه بعده بقليل، والله أعلم بالسرائر. وإما قراسنقر المنصوري فهو من جماعة كبار أمراء مصر والشام، وكان من جملة من قتل الاشرف خليل بن المنصور كما تقدم، ثم ولي نيابة مصر مدة، ثم صار إلى نيابة دمشق ثم إلى نيابة حلب، ثم فر إلى التتر هو الافرم والزركاشي فآواهم ملك التتار خربندا وأكرمهم وأقطعهم بلادا كثيرة، وتزوج قراسنقر بنت هولاكو ثم كانت وفاته بمراغة (1) بلده التي كان حاكما بها في هذه السنة، وله نحو تسعين (2) سنة والله أعلم. وممن توفي فيها من الاعيان شيخ الاسلام العلامة تقي الدين بن تيمية كما تقدم ذكر ذلك في الحوادث وسنفرد له ترجمة على حدة إن شاء الله تعالى. الشريف العالم عز الدين عز الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد المحسن العلوي الحسيني العراقي الاسكندري الشافعي، سمع الكثير وحفظ الوجيز في الفقه، والايضاح في النحو، وكان زاهدا متقللا من الدنيا وبلغ تسعين سنة وعقله وعلمه وذهنه ثابت متيقظ، ولد سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وتوفي يوم الجمعة خامس المحرم، ودفن بالاسكندرية بين المادين رحمه الله.


(1) مراغة: بلدة مشهور وعظيمة، من أشهر بلاد أذربيجان (تقويم البلدان لابي الفداء ص 399).

(2) في تذكرة النبيه 2 / 183: سبعين.

[ 162 ]

الشمس محمد بن عيسى التكريدي كانت فيه شهامه وحزامه، وكان يكون بين يدي الشيخ تقي الدين بن تيمية كالمنفذ لما يأمر به وينهى عنه. ويرسله الامراء وغير هم في الامور المهمة، وله معرفة وفهم بتبليغ رسالته على أتم الوجوه توفي في الخامس صفر بالقبيبات ودفن عند الجامع الكريمي رحمه الله تعالى. الشيخ أبو بكر الصالحالي أبو بكر بن شرف بن محسن بن معن بن عمان الصالحي، ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وسمع الكثير صحبة الشيخ تقي الدين بن تيمية والمزي، كان ممن يحب الشيخ تقي الدين، وكان معهما كالخادم لهما، وكان فقيرا ذا عيال يتناول من الزكاة والصدقات ما يقوم بأوده، وأقام في آخر عمره بحمص، وكان فصيحا مفوها، له تعاليق وتصانيف في الاصول وغيرها، وكان له عبادة وفيه خير وصلاح، وكان يتكلم على الناس بعد صلاة الجمعة إلى العصر من حفظه، وقد اجتمعت بأمره صحبة شيخنا المزي حين قدم من حمص فكان قوي العبارة فصيحها متوسطا بالعلم، له ميل إلى التصوف والكلام في الاحوال والاعمال والقلوب وغير ذلك، وكان يكثر ذكر الشيخ تقي الدين بن تيمية. توفي بحمص في الثاني والعشرين من صفر من هذه السنة، وقد كان الشيخ يحض الناس على الاحسان إليه، وكان يعطيه ويرفده. ابن الدواليبي البغدادي الشيخ الصالح العالم العابد الرحلة المسند المعمر عفيف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المحسن بن أبي الحسين (1) بن عبد الغفار البغدادي الارجي الحنبلي المعروف بابن الدواليبي، شيخ دار الحديث المستنصرية (2)، ولد في ربيع الاول سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وسمع الكثير، وله إجازات عالية، واشتغل بحفظ الخرقي، وكان فاضلا في النحو وغيره، وله شعر حسن، وكان رجلا صالحا جاوز التسعين وصار رحلة العراق، وتوفي يوم الخميس رابع جمادى الاولى ودفن بمقبرة الامام أحمد مقابر الشهداء رحمه الله، وقد أجازني فيمن أجاز من مشايخ بغداد ولله الحمد. قاضي القضاة شمس الدين ابن الحريري أبو عبد الله محمد بن صفي الدين أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن عبد الوهاب الانصاري


(1) في تذكرة النبيه 2 / 184 وشذرات الذهب 6 / 88: أبي الحسن.

(2) المدرسة المستنصرية ببغداد، أنشأها الخليفة المستنصر بالله أبو جعفر المنصور المتوفى سنة 640 ه‍ ووقفها على المذاهب الاربعة، وهي أول مدرسة في الدولة الاسلامية تدرس المذاهب الاربعة (شذرات الذهب 6 / 209) وقد بدأ بتشييدها سنة 625 وانتهى من بنائها سنة 631 ه‍.

[ 163 ]

الحنفي، ولد سنة ثلاث وخمسين، وسمع الحديث واشتغل وقرأ الهداية، وكان فقيها جيدا، ودرس بأماكن كثيرة (1) بدمشق، ثم ولي القضاء بها، ثم خطب إلى قضاء الديار المصرية فاستمر بها مدة طويلة محفوظ العرض، لا يقبل من أحد هدية ولا تأخذه في الحكم لومة لائم، وكان يقول إن لم يكن ابن تيمية شيخ الاسلام فمن ؟ وقال لبعض أصحابه: أتحب الشيخ تقي الدين ؟ قال: نعم، قال: والله لقد أحببت شيئا مليحا. توفي رحمه الله يوم السبت رابع جمادى الآخرة ودفن بالقرافة، وكان قد عين لمنصبه القاضي برهان الدين بن عبد الحق فنفذت وصيته بذلك، وأرسل إليه إلى دمشق فأحضر فباشر الحكم بعده وجميع جهاته. الشيخ الامام العالم المقري شهاب الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الامام تقي الدين محمد بن جبارة بن عبد الولي بن جبارة المقدسي المرداوي الحنبلي، شارح الشاطبية، ولد سنة تسع وأربعين وستمائة، وسمع الكثير وعني بفن القراءات فبرز فيه، وانتفع الناس به، وقد أقام بمصر مدة واشتغل بها على الفزاري في أصول الفقه، وتوفي بالقدس رابع رجب رحمه الله، كان يعد من الصلحاء الاخيار، سمع عن خطيب مردا وغيره. ابن العاقولي البغدادي الشيخ الامام العلامة جمال الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن حماد بن تائب (2) لواسطي العاقولي ثم البغدادي الشافعي، مدر س المستنصرية مدة طويلة نحوا من أربعين سنة، وباشر نظر الاوقاف وعين لقضاء القضاة في وقت. ولد ليلة الاحد عاشر رجب سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث وبرع واشتغل وأفتى من سنة سبع وخمسين إلى أن مات، وذلك مدة إحدى وسبعين سنة، وهذا شئ غريب جدا، وكان قوي النفس له وجاهة في الدولة، فكم كشف كربة عن الناس بسعيه وقصده، توفي ليلة الاربعاء رابع عشرين شوال، وقد جاوز التسعين سنة، ودفن بداره، وكان قد وقفها على شيخ وعشرة صبيان يسمعون القرآن ويحفظونه، ووقف عليها أملاكه كلها. تقبل الله منه ورحمه، ودرس بعده بالمستنصرية قاضي القضاة قطب الدين. الشيخ الصالح شمس الدين السلامي شمس الدين محمد بن داود بن محمد بن ساب، السلامي البغدادي، أحد ذوي اليسار،


(1) درس بالصادرية والظاهرية والخاتونية الجوانية والبرانية (تذكرة النبيه 2 / 182).

(2) في تذكرة النبيه 2 / 188: ثابت.

[ 164 ]

وله بر تام بأهل العلم، ولا سيما أصحاب الشيخ تقي الدين، وقد وقف كتبا كثيرة، وحج مرات، وتوفي ليلة الاحد رابع عشرين ذي القعدة بعد وفاة الشيخ تقي الدين بأربعة أيام، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة ودفن باب الصغير رحمه الله وأكرم مثواه. وفي هذه الليلة توفيت الوالدة مريم بنت فرج بن علي بن قرية كان الوالد خطيبها، وهي مجيدل القرية سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وصلي عليها بعد الجمعة ودفنت بالصوفية شرقي قبر الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمهما الله تعالى. ثم دخلت سنة تسع وعشرين وسبعمائة استهلت والخليفه والحكام هم المباشرون في التي قبلها، غير أن قطب الدين ابن الشيخ السلامية اشتغل بنظر الجيش. وفي المحرم طلب القاضي محيي الدين بن فضل الله كاتب سر دمشق وولده شهاب الدين، وشرف الدين بن شمس الدين بن الشهاب محمود إلى مصر على البريد، فباشر القاضي الصدر الكبير محيي الدين المذكور كتابة السر بها عوضا عن علاء الدين بن الاثير لمرض اعتراه، وأقام عنده ولده شهاب الدين، وأقبل شرف الدين الشهاب محمود إلى دمشق على كتابة السر عوضا عن ابن فضل الله. وفيه ذهب ناصر الدين مشد الاوقاف ناظرا على القدس والخليل، فعمر هنالك عمارات كثيرة لملك الامراء تنكز، وفتح في الاقصى شباكين عن يمين المحراب وشماله وجاء الامير نجم الدين داود بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن يوسف بن الزيبق من شد الدواوين بحمص إلى شدها بدمشق. وفي الحادي والعشرين من صفر كمل ترخيم الحائط القبلي من جامع دمشق وبسط الجامه جميعه، وصلى الناس الجمعة به من الغد، وفتح باب الزيادة، وكان له أياما مغلقا وذلك في مباشرة تقي الدين بن مراجل. وفي ربيع الآخر قدم من مصر أولاد الامير شمس الدين قراسنقر إلى دمشق فسكنوا في دار أبيهم داخل باب الفراديس، في دهليز المقدمية، وأعيدت عليهم أملاكهم المخلفة عن أبيهم، وكانت تحت الحوطة، فلما مات في تلك البلاد أفرج عنها أو أكثرها. وفي يوم الجمعة آخر شهر ربيع الآخر أنزل الامير جوبان وولده من قلعة المدينة النبوية وهما ميتان مصبران في توابيتهما، فصلي عليهما بالمسجد النبوي، ثم دفنا بالبقيع عن مرسوم السلطان، وكان مراد جوبان أن يدفن في مدرسته فلم يمكن من ذلك. وفي هذا اليوم صلي بالمدينة النبوية على الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله، وعلى القاضي نجم الدين البالسي المصري صلاة الغائب. وفي يوم الاثنين منتصف جمادى الآخرة درس القاضي شهاب الدين أحمد بن جهبل بالمدرسة البادرائية عوضا عن شيخنا برهان الدين الفزاري توفي إلى رحمة الله تعالى، وأخذ مشيخة دار الحديث منه الحافظ شمس الدين الذهبي، وحضرها في يوم

[ 165 ]

الاربعاء سابع عشره، ونزل عن خطابة بطنا للشيخ جمال الدين الملاتي المالكي، فخطب بها يوم الجمعة تاسع عشره. وفي أواخر هذا الشهر قدم نائب حلب الامير سيف الدين أرغون إلى دمشق قاصدا باب السلطان، فتلقاه نائب دمشق وأنزله بداره التي عند جامعه، ثم سار نحو مصر فغاب نحوا من أربعين يوما، ثم عاد راجعا إلى نيابة حلب. وفي عاشر رجب طلب الصاحب تقي الدين ابن عمر بن الوزير شمس الدين بن السلعوس إلى مصر فولي نظر الدواوين بها حتى مات عن قريب. وخرج الركب يوم السبت تاسع شوال وأميره سيف الدين بلطي، وقاضيه شهاب الدين القيمري وفي الحجاج زوجة ملك الامراء تنكز، وفي خدمتها الطواشي شبل الدولة وصدر الدين المالكي، وصلاح الدين ابن أخي الصاحب تقي الدين توبة، وأخوه شرف الدين، والشيخ علي المغربي، والشيخ عبد الله الضرير وجماعة. وفي بكرة الاربعاء ثالث شوال جلس القاضي ضياء الدين علي بن سليم بن ربيعة للحكم بالعادلية الكبيرة نيابة عن قاضي القضاة القونوي، وعوضا عن الفخر المصري بحكم نزوله عن ذلك وإعراضه عنه تاسع عشر رمضان من هذه السنة. وفي يوم الجمعة سادس ذي القعدة بعد أذان الجمعة صعد إلى منبر جامع الحكم بمصر شخص من مماليك الجاولي يقال له أرصى، فادعى أنه المهدي وسجع سجعات يسيرة على رأي الكهان، فأنزل في شرخيبة، وذلك قبل حضور الخطيب بالجامع المذكور. وفي ذي القعدة وما قبله وما بعده من أواخر هذه السنة وأوائل الاخرى وسعت الطرقات والاسواق داخل دمشق وخارجها، مثل سوق السلاح والرصيف والسوق الكبير وباب البريد ومسجد القصب إلى الزنجبيلية (1)، وخارج باب الجابية إلى مسجد الدبان، وغير ذلك من الاماكن التي كانت تضيق عن سلوك الناس، وذلك بأمر تنكز، وأمر بإصلاح القنوات، واستراح الناس من ترتيش الماء عليهم بالنجاسات. ثم في العشر الاخير من ذي الحجة رسم بقتل الكلاب فقتل منه شئ كثير جدا، ثم جمعوا خارج باب الصغير مما يلي باب كيسان في الخندق، وفرق بين الذكور منهم والاناث ليموتوا سريعا، ولا يتوالدوا، وكانت الجيف والميتات تنقل إليهم فاستراح الناس من النجاسة من الماء والكلاب، وتوسعت لهم الطرقات. وفي يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة حضر مشيخة الشيوخ بالسمساطية قاضي القضاة شرف الدين المالكي بعد وفاة قاضي القضاة القونوي الشافعي، وقرئ تقليده بالسبحة بها وحضره الاعيان وأعيد إلى ما كان عليه.


(1) المدرسة الزنجبيلية (الزنجيلية) هي المدرسة الزنجارية، أنشأها الامير عثمان بن علي الزنجيلي (الزنجبيلي) المتوفى سنة 626 ه‍. (الدارس 1 / 526).

[ 166 ]

وممن توفي فيها من الاعيان: الامام العالم نجم الدين نجم الدين أبو عبد الله محمد بن عقيل بن أبي الحسن بن عقيل البالسي الشافعي، شارح التنبيه (1)، ولد سنة ستين وستمائة، وسمع الحديث واشتغل بالفقه وغيره من فنون العلم، فبرع فيها ولازم ابن دقيق العيد وناب عنه في الحكم، ودرس بالمغربية والطيبرسية وجامع مصر، وكان مشهورا بالفضيلة والديانة وملازمة الاشتغال. توفي ليلة الخميس رابع عشر المحرم ودفن بالقرافة، وكانت جنازته حافلة، رحمه الله. الامير سيف الدين قطلوبك التشنكير الرومي كان من أكابر الامراء وولي الحجوبية في وقت، وهو الذي عمر القناة بالقدس، توفي يوم الاثنين سابع ربيع الاول ودفن بتربته شمال باب الفراديس، وهي مشهورة حسنة، وحضر جنازته بسوق الخيل النائب والامراء. محدث اليمن شرف الدين أحمد بن فقيه زبيد أبي الحسين بن منصور الشماخي المذحجي، روى عن المكيين وغيرهم، وبلغت شيوخه خمسمائة أو أزيد، وكان رحلة تلك البلاد ومفيدها الخير، وكان فاضلا في صناعة الحديث والفقه وغير ذلك، توفي في ربيع الاول من هذه السنة. نجم الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الواحد أبو محمد بن المسلم أحد رؤساء دمشق المشهورين، له بيت كبير ونسب عريق، ورياسة باذخة وكرم زائد، باشر نظر الايتام مدة، وسمع الكثير وحدث، وكان لديه فضائل وفوائد، وله الثروة الكثيرة، وله سنة تسع وأربعين وستمائة، ومات يوم الاثنين ضحوة خامس ربيع الآخر، وصلي عليه بعد الظهر بالاموي، ودفن بسفح قاسيون بتربة أعدها لنفسه، وقبران عنده، وكتب على قبره (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) الآية [ الزمر: 53 ]، وسمعنا عليه الموطأ وغيره.


(1) وهو كتاب التنبيه في فروع الشافعية للشيخ أبي إسحاق ابراهيم بن علي الفقيه الشافعي المتوفى سنة 476 ه‍ (كشف الظنون 1 / 489).

[ 167 ]

الامير بكتمر الحاجب صاحب الحمام المشهور خارج باب النصر في طريق مقابر الصوفية من ناحية الميدان، كانت وفاته بالقاهرة في عشرين ربيع الآخر، ودفن بمدرسته التي أنشأها إلى جانب داره هناك. الشيخ شرف الدين عيسى بن محمد بن قراجا بن سليمان السهروردي الصوفي الواعظ، له شعر ومعرفة بالالحان والانغام، ومن شعره قوله: بشراك يا سعد هذا الحي قد بانا * فحلها سيبطل الابل والبانا (1) منازل ما وردنا طيب منزلها * حتى شربنا كؤوس الموت أحيانا متنا غراما وشوقا في المسير لها * فمنذوا في نسيم القرب أحيانا توفي في ربيع الآخر. شيخنا العلامة برهان الدين الفزاري هو الشيخ الامام العالم العلامة شيخ المذهب وعلمه ومفيد أهله، شيخ الاسلام مفتي الفرق بقية السلف برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن الشيخ تاج الدين أبي محمد عبد الرحمن ابن الشيخ الامام المقري المفتي برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزاري المصري الشافعي، ولد في ربيع الاول سنة ستين وستمائة، وسمع الحديث واشتغل على أبيه وأعاد في حلقته وبرع وساد أقرانه، وسائر أهل زمانه من أهل مذهبه في دارية المذهب ونقله وتحريره، ثم كان في منصب أبيه في التدريس بالبادرائية، وأشغل الطلبة بالجامع الاموي فانتفع به المسلمون، وقد عرضت عليه المناصب الكبار فأباها، فمن ذلك أنه باشر الخطابة بعد عمه العلامة شرف الدين مدة ثم تركها وعاد إلى البادرائية، وعرض عليه قضاء قضاة الشام بعد ابن صصرى وألح نائب الشام عليه بنفسه وأعوانه من الدولة فلم يقبل، وصمم وامتنع أشد الامتناع، وكان مقبلا على شأنه عارفا بزمانه مستغرقا أوقاته في الاشتغال والعبادة ليلا ونهارا، كثير المطالعة وإسماع الحديث، وقد سمعنا عليه صحيح مسلم وغيره، وكان يدرس بالمدرسة المذكورة، وله تعليق كثير على التنبيه، فيه من الفوائد ما ليس يوجد في غيره، وله تعليق على مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه، وله مصنفات في غير ذلك كبار. وبالجملة فلم أر شافعيا من مشايخنا مثله، وكان حسن الشكل عليه البهاء والجلالة والوقار، حسن الاخلاق، فيه حدة ثم يعود قريبا، وكرمه زائد


(1) كذا بالاصل، العجز غير مستقيم الوزن.

[ 168 ]

وإحسانه إلى الطلبة كثير، وكان لا يقتني شيئا ويصرف مرتبه وجامكية مدرسته في مصالحه، وقد درس بالادرائية من سنة سبعين وستمائة إلى عامه هذا، توفي بكرة يوم الجمعة سابع جمادى الاولى بالمدرسة المذكورة، وصلي عليه عقب الجمعة بالجامع وحملت جنازته على الرؤوس وأطراف الانامل، وكانت حافلة، ودفن عند أبيه وعمه وذويه بباب الصغير رحمه الله تعالى. الشيخ الامام العالم الزاهد الورع مجد الدين إسماعيل الحراني الحنبلي، ولد سنة ثمان (1) وأربعين وستمائة، وقرأ القراءات وسمع الحديث في دمشق حين انتقل مع أهله إليها سنة إحدى وسبعين، واشتغل على الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، ولازمه وانتفع به، وبرع في الفقه وصحة النقل وكثرة الصمت عما لا يعنيه، ولم يزل مواظبا على جهاته ووظائفه لا ينقطع عنها إلا من عذر شرعي، إلى أن توفي ليلة الاحد تاسع جمادى الاولى ودفن بباب الصغير رحمه الله. وفي هذا الحين توفي: الصاحب شرف الدين يعقوب بن عبد الله (2) الذي كان ناظر الدواوين بحلب، ثم انتقل إلى نظرها بطرابلس. توفي بحماة، وكان محبا للعلماء وأهل الخير، وفيه كرم وإحسان، وهو والد القاضي ناصر الدين كاتب السر بدمشق، وقاضي العساكر الحلبية ومشيخة الشيوخ بالسمساطية، ومدرس الاسدية بحلب، والناصرية والشامية الجوانية بدمشق. القاضي معين الدين هبة الله بن علم الدين مسعود بن أبي المعالي عبد الله بن أبي الفضل بن الخشيشي (3) الكاتب وناظر الجيش بمصر في بعض الاحيان، ثم بدمشق مدة طويلة مستقلا ومشاركا لقطب الدين ابن شيخ السلامية، وكان خبيرا بذلك يحفظه على ذهنه، وكانت له يد جيدة في العربية والادب والحساب وله نظم جيد، وفيه تردد وتواضع. توفي بمصر (4) في نصف جمادى الآخرة ودفن بتربة الفخر كاتب المماليك.


(1) في شذرات الذهب 6 / 89: سنة خمس أو ست وأربعين وستمائة.

(2) في تذكرة النبيه 2 / 196 ورد اسمه: يعقوب بن عبد الكريم المصري.

(3) في تذكرة النبيه 2 / 197 وشذرات الذهب 6 / 92: ابن حشيش.

(4) في تذكرة النبيه 2 / 197: بالقاهرة، ومولده سنة 666 ه‍.

[ 169 ]

قاضي القضاة علاء الدين القونوي علاء الدين القونوي، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي التبريزي الشافعي ولد بمدينة قونية في سنة ثمان وستين وستمائة تقريبا واشتغل هناك، وقدم دمشق سنة ثلاث وتسعين، وهو معدود من الفضلاء فازداد بها اشتغالا، وسمع الحديث وتصدر للاشتغال بجامعها ودرس بالاقبالية ثم سافر إلى مصر فدرس بها في عدة مدارس كبار، وولي مسيخة الشيوخ بها وبدمشق، ولم يزل يشتغل بها وينفع الطلبة إلى أن قدم دمشق قاضيا عليها في سنة سبع وعشرين، وله تصانيف في الفقه وغيره، وكان يحرز علوما كثيرة منها النحو والتصريف والاصلان والفقه، وله معرفة جيدة بكشاف الزمخشري، وفهم الحديث، وفيه إنصاف كثير وأوصاف حسنة، وتعظيم لاهل العلم، وخرجت له مشيخة سمعناها عليه، وكان يتواضع لشيخنا المزي كثيرا، توفي ببستانه بالسهم يوم سبت بعد العصر رابع عشر ذي القعدة، وصلي عليه من الغد، ودفن بسفح قاسيون سامحه الله. الامير حسام الدين لاجين المنصور الحسامي ويعرف بلاجين الصغير، ولي البر بدمشق مدة، ثم نيابة غزة ثم نيابة البيرة، وبها مات في ذي القعدة، ودفن هناك، وكان ابنتى تربة لزوجته ظاهر باب شرقي فلم يتفق دفنه بها (وما تدري نفس بأي أرض تموت) [ لقمان: 34 ]. الصاحب عز الدين أبو يعلى حمزة بن مؤيد الدين أبي المعالي أسعد بن عز الدين أبي غالب المظفر ابن الوزير مؤيد الدين أبي المعالي بن أسعد بن العميد أبي يعلى بن حمزة بن أسد بن علي بن محمد التميمي الدمشقي بن القلانسي، أحد رؤساء دمشق الكبار، ولد سنة تسع وأربعين وستمائة، وسمع الحديث من جماعة، ورواه وسمعنا عليه، وله رياسة باذخة وأصالة كثيرة وأملاك هائلة كافية لما يحتاج إليه من أمور الدنيا ولم يزل معه صناعة للوظائف إلى أن ألزم بوكالة بيت السلطان ثم بالوزارة في سنة عشر كما تقدم، ثم عزل، وقد صودر في بعض الاحيان، وكانت له مكارم على الخواص والكبار، وله إحسان إلى الفقراء والمحتاجين. ولم يزل معظما وجيها عند الدولة من النواب والملوك والامراء وغيرهم إلى أن توفي ببستانه ليلة السبت سادس الحجة، وصلي عليه من الغد ودفن بتربته بسفح قاسيون، وله في الاملحية رباط حسن بمأذنة، وفيه دار حديث وبر وصدقة رحمه الله. ثم دخلت سنة ثلاثون وسبعمائة استهلت بالاربعاء والحكام بالبلاد هم المذكورون بالتي قبلها سوى الشافعي فإنه توفي وولي

[ 170 ]

مكانه في رابع المحرم منها علم الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران السبكي الاخنائي الشافعي وقدم دمشق في الرابع والعشرين منه صحبة نائب السلطنة تنكز، وقد زار القدس وحضر معه تدريس التنكزية التي أنشأها بها. ولما قدم دمشق نزل بالعادلية الكبيرة على العادة، ودرس بها وبالغزالية، واستمر نيابة المنفلوطي، ثم استناب زين الدين بن المرحل، وفي صفر باشر شرف الدين محمود بن الخطيري شد الاوقاف وانفصل عنها نجم الدين بن الزيبق إلى ولاية نابلس. وفي ربيع الآخر شرع بترخيم الجانب الشرقي من الاموي نسبة الجانب الغربي، وشاور ابن مراجل النائب والقاضي على جمع الفصوص من سائر الجامع في الحائط القبلي، فرسما له بذلك. وفي يوم. الجمعة أقيمت الجمعة في إيوان الشافعية بالمدرسة الصالحية بمصر، وكان الذي أنشأها ذلك الامير جمال الدين نائب الكرك، بعد أن استفتى العلماء في ذلك. وفي ربيع الآخر تولى القضاء بحلب شمس الدين بن النقيب (1) عوضا عن فخر الدين بن البارزي (2)، توفي، وولي شمس الدين بن مجد البعلبكي قضاء طرابلس عوضا عن ابن النقيب. وفي آخر جمادى الاولى باشر نيابة الحكم عن الاخنائي محيي الدين بن جميل عوضا عن المنفلوطي توفي وفي هذا الشهر وقف الامير الوزير علاء الدين مغلطاي الناصري مدرسة على الحنفية وفيها صوفية أيضا، ودرس بها القاضي علاء الدين بن التركماني، وسكنها الفقهاء. وفي جمادى الآخرة زينت البلاد المصرية والشامية ودقت البشائر بسبب عافية السلطان من وقعة انصدعت منها يده، وخلع على الامراء والاطباء بمصر، وأطلقت الحبوس. وفي جمادى الآخرة قدم على السلطان رسل من الفرنج (3) يطلبون منه بعض البلاد الساحلية فقال لهم: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، ثم سيرهم إلى بلادهم خاسئين. وفي يوم الاحد سادس رجب حضر الدرس الذي أنشأه القاضي فخر الدين كاتب المماليك على الحنفية بمحرابهم بجامع دمشق، ودرس به الشيخ شهاب الدين ابن قاضي الحصين، أخو قاضي القضاة برهان الدين بن عبد الحق بالديار المصرية، وحضر عنده القضاة والاعيان، وانصرفوا من عنده إلى عند ابن أخيه صلاح الدين بالجوهرية، ودرس بها عوضا عن حموه شمس الدين بن الزكي نزل له عنها وفي آخر رجب خطب بالجامع الذي أنشأها الامير سيف الدين


(1) وهو قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ بدر الدين أبي بكر بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن نجدة بن حمدان النقيب المتوفى سنة 745 ه‍.

(2) وهو أبو عمرو عثمان بن كمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن ابراهيم بن هبة الله بن البارزي الجهني الحموي الشافعي، توفي فجأة بعد وضوئه لصلاة العصر في صفر، وكان مولده سنة 668 ه‍.

(3) وهم رسل فيليب السادس ملك فرنسا، وقد بلغ عددهم 120 رجلا، وطالبوا السلطان ناصر محمد بتسليم القدس وسواحل الشام (انظر السلوك 2 / 2 / 319).

[ 171 ]

ألماس (1) الحاجب ظاهر القاهرة بالشارع، وخطب بالجامع الذي أنشأه قوصون (2) بين جامع طولون والصالحية، يوم الجمعة حادي عشر رمضان وحضر السلطان وأعيان الامراء الخطبة، خطب به يومئذ قاضي القضاة جلال الدين القزويني الشافعي، وخلع عليه خلعة سنية، واستقل في خطابته بدر الدين بن شكري. وخرج الركب الشامي يوم السبت حادي عشر شوال وأميره سيف الدين المرساوي صهر بلبان البيري، وقاضيه شهاب الدين ابن المجد عبد الله مدرس الاقبالية، ثم تولى قضاء القضاة كما سيأتي، وممن حج في هذه السنة رضي الدين بن المنطيقي، والشمس الاردبيلي شيخ الجاروخية (3) (*) وصفي الدين بن الحريري، وشمس الدين ابن خطيب بيروذ، والشيخ محمد النيرباني وغيرهم، فلما قضوا مناسكهم رجعوا إلى مكة لطوا ف الوداع، فبينما هم في سماع الخطبة إذ سمعوا جلبة الخيل من بني حسن وعبيدهم، قد حطموا على الناس في المسجد الحرام، فثار إلى قتالهم الاتراك فاقتتلوا فقتل أمير من الطبلخانات بمصر، يقال له سيف الدين جخدار وابنه خليل، ومملوك له، وأمير عشيرة يقال له الباجي، وجماعة من الرجال والنساء ونهبت أموال كثيرة، ووقعت خبطة عظيمة في المسجد، وتهارب الناس إلى منازلهم بأبيار الزاهر، وما كادوا يصلون إليها وما أكملت الجمعة إلا بعد جهد، فإنا لله وإنا إليه راجعون. واجتمعت الامراء كلهم على الرجعة إلى مكة للاخذ بالثأر منهم، ثم كروا راجعين وتبعهم العبيد حتى وصلوا إلى مخيم الحجيج، وكادوا ينهبون الناس عامة جهرة، وصار أهل البيت في آخر الزمان يصدون الناس عن المسجد الحرام، وبنو الاتراك هم الذين ينصرون الاسلام وأهله ويكفون الاذية عنهم بأنفسهم وأموالهم، كما قال تعالى (إن أولياؤه إلا المتقون) [ الانفال: 34 ]. وممن توفي فيها من الاعيان: علاء الدين بن الاثير كاتب السر بمصر، علي بن أحمد بن سعيد بن محمد بن الاثير الحلبي الاصل، ثم المصري، كانت له حرمة ووجاهة وأموال وثروة ومكانة عند السلطان، حتى ضربه الفالج في آخر عمره فانعزل عن الوظيفة وباشرها ابن فضل الله في حياته.


(1) في الاصل، الماشي، وهو ألماس بن عبد الله الحاجب الناصري، الامير سيف الدين، قتل سنة 734 ه‍ كما في السلوك 2 / 365 والدرر 1 / 438 وفي درة الاسلاك ص 279 ذكر انه توفي سنة 733، وعن جامع ألماس انظر المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 / 307).

(2) هو قوصون بن عبد الله الناصري الساقي، الامير سيف الدين، قتل في الحبس بالاسكندرية سنة 742 (النجوم الزاهرة 10 / 75 وعن جامعه انظر المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 / 307).

(3) في الاصل، الجاروضية وقد تقدمت الاشارة إليها

[ 172 ]

الوزير العالم أبو القاسم محمد بن محمد بن سهل بن محمد بن سهل الازدي الغرناطي الاندلسي، من بيت الرياسة والحشمة ببلاد المغرب، قدم علينا إلى دمشق في جمادى الاولى سنة أربع وعشرين، وهو بعزم الحج، سمعت بقراءته صحيح مسلم في تسعة مجالس على الشيخ نجم الدين بن العسقلاني. قراءة صحيحة، ثم كانت وفاته في القاهرة في ثاني عشرين المحرم، وكانت له فضائل كثيرة في الفقه والنحو والتاريخ والاصول، وكان عالي الهمة شريف النفس محترما ببلاده جدا، بحيث إنه يولي الملوك ويعزلهم، ولم يل هو مباشرة شئ ولا أهل بيته، وإنما كان يلقب بالوزير مجازا. شيخنا الصالح العباد الناسك الخاشع شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح العابد شرف الدين أبي الحسن بن حسين ابن غيلان البعلبكي الحنبلي، إمام مسجد السلالين بدار البطيخ العتيقة، سمع الحديث وأسمعه، وكان يقرئ القرآن طرفي النهار، وعليه ختمت القرآن في سنة أحد عشر وسبعمائة، وكان من الصالحين الكبار، والعباد الاخيار، توفي يوم السبت سادس صفر وصلي عليه بالجامع ودفن بباب الصغير، وكانت جنازته حافلة. وفي هذا الشهر - أعني صفر - كانت وفاة والي القاهرة القديدار وله آثار غريبة ومشهورة. بهادرآص الامير الكبير رأس ميمنة الشام، سيف الدين بهادرآص المنصوري أكبر أمراء دمشق، وممن طال عمره في الحشمة والثروة، وهو ممن اجتمعت فيه الآية الكريمة (زين للناس حب الشهوات من النساء) الآية [ آل عمران: 14 ]، وقد كان محببا إلى العامة، وله بر وصدقة وإحسان، توفي ليلة الثلاثاء ودفن بتربته خارج الجابية، وهي مشهورة أيضا. الحجار ابن الشحنة الشيخ الكبير المسند المعمر الرحلة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب بن نعمة بن حسن بن علي بن بيان الدير مقرني ثم الصالحي الحجار المعروف بابن الشحنة، سمع البخاري على الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة بقاسيون، وإنما ظهر سماعه سنة ست وسبعمائة ففرح بذلك المحدثون وأكثروا السماع عليه، فقرئ البخاري عليه نحوا من ستين (1) مرة وغيره، وسمعنا


(1) في تذكرة النبيه 2 / 200: سبعين مرة.

[ 173 ]

عليه بدار الحديث الاشرفية في أيام الشتويات نحوا من خمسمائة جزء بالاجازات والسماع، وسماعه من الزبيدي وابن اللتي، وله إجازة من بغداد فيها مائة وثمانية وثلاثون شيخا من العوالي المسندين، وقد مكث مدة مقدم الحجارين نحوا من خمس وعشرين سنة، ثم كان يخيط في آخر عمره، واستقرت عليه جامكيته لما اشتغل بإسماع الحديث، وقد سمع عليه السلطان الملك الناصر، وخلع عليه وألبسه الخلعة بيده، وسمع عليه من أهل الديار المصرية والشامية أمم لا يحصون كثيرا، وانتفع الناس بذلك، وكان شيخا حسنا بهي المنظر سليم الصدر ممتعا بحواسه وقواه، فإنه عاش مائة سنة محققا، وزاد عليها، لانه سمع البخاري من الزبيدي في سنة ثلاثين وستمائة وأسمعه هو في ثلاثين وسبعمائة في تاسع صفر بجامع دمشق، وسمعنا عليه يومئذ ولله الحمد، ويقال إنه أدرك موت المعظم عيسى بن العادل لما توفي، والناس يسمعهم يقولون مات المعظم، وقد كانت وفاة المعظم في سنة أربع وعشرين وستمائة، وتوفي الحجار يوم الاثنين خامس عشرين صفر من هذه السنة، وصلي عليه بالمظفري يوم الثلاثاء ودفن بتربة له عند زاوية الدومي، بجوار جامع الافرم. وكانت جنازته حافلة رحمه الله. الشيخ نجم الدين بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن أبي نصر المحصل المعروف بابن الشحام، اشتغل ببلده ثم سافر وأقام بمدينة سراي من مملكة إربل، ثم قدم دمشق في سنة أربع وعشرين فدرس بالظاهرية البرانية ثم بالجاروخية، وأضيف إليه مشيخة رباط القصر، ثم نزل عن ذلك لزوج ابنته نور الدين الاردبيلي، توفي في ربيع الاول وكان يعرف طرفا من الفقه والطب. الشيخ إبراهيم الهدمة أصله كردي من بلاد المشرق، فقدم الشام، وأقام بين القدس والخليل، في أرض كانت مواتا فأحياها وغرسها وزرع فيها أنواعا، وكان يقصد للزيارة، ويحكي الناس عنه كرامات صالحة، وقد بلغ مائة سنة، وتزوج في آخر عمره ورزق أولادا صالحين توفي في جمادى الآخرة رحمه الله. الست صاحبة التربة بباب الخواصين الخوندة المعظمة المحجة المحرمة: ستيته بنت الامير سيف الدين كركاي المنصوري، زوجة نائب الشام تنكز، توفيت بدار الذهب وصلي عليها بالجامع ثالث رجب، ودفنت بالتربة التي أمرت بإنشائها بباب الخواصين، وفيها مسجد وإلى جانبها رباط

[ 174 ]

للنساء ومكتب للايتام. وفيها صدقات وبر وصلات، وقراء عليها، كل ذلك أمرت به، وكانت قد حجت في العام الماضي رحمها الله. قاضي قضاة طرابلس شمس الدين محمد بن عيسى بن محمود البعلبكي المعروف بابن المجد الشافعي، اشتغل ببلده وبرع في فنون كثيرة، وأقام بدمشق مدة يدرس بالقوصية وبالجامع، ويؤم بمدرسة أم الصالح، ثم انتقل إلى قضاء طرابلس فأقام بها أربعة أشهر، ثم توفي سادس رمضان وتولاها بعده ولده تقي الدين وهو أحد الفضلاء المشهورين، ولم تطل مدته حتى عزل عنها وأخرج منها. الشيخ الصالح عبد الله بن أبي القاسم بن يوسف بن أبي القاسم الحوراني، شيخ طائفتهم وإليه مرجع زاويتهم بحوران، كان عنده تفقه بعض شئ، وزهادة ويزار، وله أصحاب يخدمونه، وبلغ السبعين سنة، وخرج لتوديع بعض أهله إلى ناحية الكرك من ناحية الحجاز فأدركه الموت هناك، فمات في أول ذي القعدة. الشيخ حسن بن علي ابن أحمد الانصاري الضرير كان بفرد عين أولا، ثم عمي جملة، وكان يقرأ القرآن ويكثر التلاوة ثم انقطع إلى المنارة الشرقية، وكان يحضر السماعات ويستمع ويتواجد، ولكثير من الناس فيه اعتقاد على ذلك، ولمجاورته في الجامع وكثرة تلاوته وصلاته والله يسامحه، توفي يوم السبت في العشر الاول من ذي الحجة بالمأذنة الشرقية، وصلي عليه بالجامع، ودفن بباب الصغير. محيي الدين أبو الثناء محمود ابن الصدر شرف الدين القلانسي، توفي في ذي الحجة ببستانه، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون وهو جد الصدر جلال الدين بن القلانسي، وأخيه علاء، وهم ثلاثتهم رؤساء. الشاب الرئيس صلاح الدين يوسف بن القاضي قطب الدين موسى ابن شيخ السلامية، ناظر الجيش أبوه، نشأ هذا الشاب في نعمة وحشمة وترفه وعشرة واجتماع بالاصحاب، توفي يوم السبت تاسع

[ 175 ]

عشرين ذي الحجة فاستراح من حشمته وعشرته إن لم تكن وبالا عليه، ودفن بتربتهم تجاه الناصرية بالسفح، وتأسف عليه أبواه ومعارفه وأصحابه سامحه الله. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها، وقد ذكرنا ما كان من عبيد مكة إلى الحجاج، وأنه قتل من المصريين أميران، فلما بلغ الخبر السلطان عظم عليه ذلك، وامتنع من الاكل على السماط فيما يقال أياما، ثم جرد ستمائة فارس وقيل ألفا، والاول أصح، وأرسل إلى الشام أن يجرد مقدما آخر، فجرد الامير سيف الدين الجي بغا العادلي. وخرج من دمشق يوم دخلها الركب في سادس عشرين المحرم، وأمر أن يسير إلى إيلة ليجتمع مع المصريين، وأن يسيروا جميعا إلى الحجاز. وفي يوم الاربعاء تاسع صفر وصل نهر الساجور (1) إلى مدينة حلب، وخرج نائب حلب أرغون ومعه الامراء مشاة إليه في تهليل وتكبير وتحميد، يتلقون هذ النهر، ولم يكن أحد من المعالي ولا غيرهم أن يتكلم بغير ذكر الله تعالى، وفرح الناس بوصوله إليهم فرحا شديدا، وكانوا قد وسعوا في تحصيله من أماكن بعيدة احتاجوا فيها إلى نقب الجبال، وفيها ضخور ضخام وعقدوا له قناطر على الاودية، وما وصل إلا بعد جهد جهيد، وأمر شديد، فلله الحمد وحده لا شريك له. وحين رجع نائب حلب أرغون مرض مرضا شديدا ومات (2) رحمه الله. وفي سابع صفر وسع تنكز الطرقات بالشام ظاهر باب الجابية، وخرب كل ما يضيق الطرقات. وفي ثاني ربيع الاول لبس علاء الدين القلانسي خلعة سنية لمباشرة نظر الدواوين ديوان ملك الامراء، وديوان نظر المارستان، عوضا عن ابن العادل، ورجع ابن العادل إلى حجابة الديوان الكبير. وفي يوم ثاني ربيع الاول لبس عماد الدين بن الشيرازي خلعة نظر الاموي عوضا عن ابن مراجل عزل عنه لا إلى بدل عنه، وباشر جمال الدين بن القويرة نظر الاسرى بدلا عن ابن الشيرازي. وفي يوم الخميس آخر ربيع الاول لبس القاضي شرف الدين بن عبد الله بن شرف الدين حسن بن الحافظ أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي خلعة قضاء الحنابلة عوضا عن عز الدين بن التقي سليمان، توفي رحمه الله، وركب من دار السعادة إلى الجامع، فقرئ تقليده تحت النسر بحضرة القضاة والاعيان، ثم ذهب إلى الجوزية فحكم بها، ثم إلى الصالحية وهو لابس الخلعة، واستناب يومئذ ابن أخيه النقي عبد الله بن شهاب الدين أحمد. وفي


(1) نهر الساجور: نهر بمنبج (معجم البلدان).

(2) وكانت وفاته في ربيع الاول (مختصر أخبار البشر 4 / 102 - شذرات الذهب 6 / 95 - تذكرة النبيه 2 / 211).

[ 176 ]

سلخ ربيع الآخر اجتاز الامير علاء الدين الطنبغا بدمشق وهو ذاهب إلى بلاد حلب نائبا عليها، عوضا عن أرغون توفي إلى رحمة الله، وقد تلقاه النائب والجيش. وفي مستهل جمادى الاولى حضر الامير الشريف رميثة بن أبي نمي إلى مكة، فقرئ تقليده بأمرة مكة من جهة السلطان، صحبة التجريدة (1)، وخلع عليه وبايعه الامراء المجردون من مصر والشام داخل الكعبة، وقد كان وصول التجاريد إلى مكة في سابع ربيع الاول (2)، فأقاموا بباب المعلى، وحصل لهم خير كثير من الصلاة والطواف، وكانت الاسعار رخيصة معهم. وفي يوم السبت سابع ربيع الآخر خلع على القاضي عز الدين بن بدر الدين بن جماعة بوكالة السلطان ونظر جامع طولون ونظر الناصرية، وهنأه الناس عوضا عن التاج ابن إسحاق عبد الوهاب، توفي ودفن بالقرافة. وفي هذا الشهر تولى عماد الدين ابن قاضي القضاة الاخنائي تدريس الصارمية وهو صغير بعد وفاة النجم هاشم بن عبد الله البعلبكي الشافعي، وحضرها في رجب وحضر عنده الناس خدمة لابيه، وفي حادي عشرين جمادي الآخرة رجعت التجريدة من الحجاز صحبة الامير سيف الدين الجي بغا، وكانت غيبتهم خمسة أشهر وأياما (3) وأقاموا بمكة شهرا واحدا ويوما واحدا وحصل للعرب منهم رعب شديد، وخوف أكيد، وعزلوا عن مكة عطية وولوا أخاه رميثة وصلوا وطافوا واعتمروا، ومنهم من أقام هناك ليحج. وفي ثاني رجب خلع على ابن أبي الطيب بنظر ديوان بيت المال عوضا عن ابن الصاين توفي. وفي أوائل شعبان حصل بدمشق هواء شديد مزعج كسر كثيرا من الاشجار والاغصان، وألقى بعض الحيطان والجدران، وسكن بعد ساعة بإذن الله، فلما كان كان يوم تاسعه سقط برد كبار مقدار بيض الحمام، وكسر بعض جامات الحمام. وفي شهر شعبان هذا خطب بالمدرسة المعزية على شاطئ النيل أنشأها الامير سيف الدين طغزدمر، أمير مجلس الناصري، وكان الخطيب عز الدين عبد الرحيم بن الفرات الحنفي. وفي نصف رمضان قدم الشيخ تاج الدين عمر بن علي بن سالم الملحي بن الفاكهاني المالكي، نزل عند القاضي الشافعي، وسمع عليه شيئا من مصنفاته، وخرج إلى الحج عامئذ مع الشاميين، وزار القدس قبل وصوله إلى دمشق. وفي هذا الشهر وطئ سوق الخيل وركبت فيه حصبات كثيرة، وعمل فيه نحو من أربعمائة نفس في أربعة أيام حتى ساووه وأصلحوه، وقد كان قبل ذلك يكون فيها مياه كثيرة، وملقات. وفيه أصلح سوق الدقيق داخل باب الجابية إلى الثابتية وسقف عليه السقوف.


(1) التجريدة دوريات منظمة لمنع قرصنة العدو في البحر، أو فرقة من الجيش (التعريف بمصطلحات صبح الاعشى ص 73).

(2) في مختصر أخبار البشر 4 / 103: سابع عشر ربيع الآخرة.

(3) في مختصر اخبار البشر 4 / 103: خمسة اشهر سوى اربعة أيام.

[ 177 ]

وخر الركب الشامي يوم الاثنين ثامن شوال وأميره عز الدين أيبك، أمير علم، وقاضيه شهاب الدين الظاهري. وممن حج فيه شهاب الدين بن جهبل وأبو النسر وابن جملة والفخر المصري والصدر المالكي وشرف الدين الكفوي الحنفي، والبهاء ابن إمام المشهد وجلال الدين الاعيالي ناظر الايتام، وشمس الدين الكردي، وفخر الدين البعلبكي، ومجد الدين بن أبي المجد، وشمس الدين بن قيم الجوزية، وشمس الدين ابن خطيب بيرة، وشرف الدين قاسم العجلوني، وتاج الدين بن الفاكهاني والشيخ عمر السلاوي وكاتبه إسماعيل بن كثير، وآخرون من سائر المذاهب، حتى كان الشيخ بدر الدين يقول: اجتمع في ركابنا هذا أربعمائة فقيه وأربع مدارس وخانقاه، ودار حديث، وقد كان معنا من المفتيين ثلاثة عشر نفسا، وكان في المصريين جماعة من الفقهاء منهم قاضي المالكية تقي الدين الاخنائي، وفخر الدين النويري، وشمس الدين بن الحارثي، ومجد الدين الاقصرائي، وشيخ الشيوخ الشيخ محمد المرشدي. وفي ركب العراق الشيخ أحمد السروجي أشد وكان من المشاهير. وفي الشاميين الشيخ علي الواسطي صحبة ابن المرجاني، وأمير المصريين مغلطاي الجمالي الذي كان وزيرا في وقت، وكان إذ ذاك مريضا، ومررنا بعين تبوك وقد أصلحت في هذه السنة، وصينت إمن دوس الجمال والجمالين، وصار ماؤها في غاية الحسن والصفاء والطيب، وكانت وقفة الجمعة ومطرنا بالطواف، وكانت سنة مرخصة آمنة. وفي نصف ذي الحجة رجع تنكز من ناحية قلعة جعبر، وكان في خدمته أكثر الجيش الشامي، وأظهر أبهة عظيمة في تلك النواحي. وفي سادس عشر ذي الحجة وصل توقيع القاضي علاء الدين بن القلانسي بجميع جهات أخيه جمال الدين بحكم وفاته مضافا إلى جهاته، فاجتمع له من المناصب الكبار ما لم يجتمع لغيره من الرؤساء في هذه الاعصار، فمن ذلك: وكالة بيت المال، وقضاء العسكر وكتابة الدست، ووكالة ملك الامراء، ونظر البمارستان، ونظر الحرمين، ونظر ديوان السعيد، وتدريس الامينية (1) والظاهرية (2) والعصرونية (3) وغير ذلك انتهى. وممن توفي فيها من الاعيان: قاضي القضاة عز الدين المقدسي عز الدين أبو عبد الله محمد بن قاضي القضاة تقي الدين سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر


(1) المدرسة الامينية: أول مدرسة للشافعية بدمشق أنشأها أتابك العساكر بدمشق ابن الدولة كمشتكين بن عبد الله الطغتكيني المتوفى سنة 541 (الدارس في تاريخ المدارس 1 / 178).

(2) هي الظاهرية الجوانية التي أنشأها الملك الظاهر بيبرس وكانت للحنفية والشافعية، قيل إن أول من درس بها زكي الدين أبو إسحاق من المالكية (الدارس 1 / 348 كرد علي: خطط الشام 6 / 82).

(3) العصرونية بدمشق أنشأها فقيه الشام عبد الله بن محمد بن أبي عصرون المتوفى سنة 585 (الدارس 1 / 391).

[ 178 ]

ابن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي، ولد سنة خمس وستين وستمائة، وسمع الحديث واشتغل على والده واستنابه في أيام ولايته، فلما ولي ابن مسلم (1) لزم بيته يحصر درس الجوزية ودار الحديث الاشرفية بالجبل ويأوي إلى بيته، فلما توفي ابن مسلم ولي قضاء الحنابلة بعده نحوا من أربع سنين، وكان فيه تواضع وتودد وقضاء لحوائج الناس، وكانت وفاته يوم الاربعاء تاسع صفر، وكان يوما مطيرا، ومع هذا شهد الناس جنازته، ودفن بتربتهم رحمهم الله، وولي بعده نائبه شرف الدين ابن الحافظ، وقد قارب الثمانين. وفي نصف صفر توفي: الامير سيف الدين قجليس سيف النعمة، وقد كان سمع على الحجار ووزيرة بالقدس الشريف. وفي منتصف صفر (2) توفي الامير الكبير سيف الدين أرغون بن عبد الله الدويدار الناصري، وقد عمل على نيابة مصر مدة طويلة، ثم غضب عليه السلطان فأرسله إلى نيابة حلب، فمكث بها مدة ثم توفي بها في سابع ربيع الاول، ودفن بتربة اشتراها بحلب، وقد كان عنده فهم وفقه، وفيه ديانة واتباع للشريعة، وقد سمع البخاري على الحجار وكتبه جميعه بخطه، وأذن له بعض العلماء في الافتاء، وكان يميل إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية وهو بمصر، توفي ولم يكمل الخمسين سنة، وكان يكره اللهو رحمه الله. ولما خرج يلتقي نهر الساجور خرج في ذل ومسكنة، وخرج معه الامراء كذلك مشاة في تكبير وتهليل وتحميد، ومنع المغاني ومنت اللهو واللعب في ذلك رحمه الله. القاضي ضياء الدين أبو الحسن علي بن سليم بن ربيع (3) بن سليمان الاذرعي (4) الشافعي، تنقل في ولاية الاقضية بمدارس كثيرة، مدة ستين سنة، وحكم بطرابلس وعجلون وزرع وغيرها، وحكم بدمشق نيابة عن القونوي نحوا من شهر، وكان عنده فضيلة وله نظم كثير. نظم التنبيه في نحو ستة عشر (5) ألف بيت، وتصحيحها في ألف وثلثمائة بيت، وله مدائح ومواليا وأزجال وغير ذلك، ثم كانت وفاته بالرملة يوم الجمعة ثالث عشرين ربيع الاول عن خمس وثمانين سنة رحمه


(1) وهو محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع بن جعفر الصالحي الحنبلي المتوفى سنة 729 ه‍.

(2) كذا بالاصل وهو تصحيف، وسيرد بعد قليل وفاته في ربيع الاول

(3) في تذكرة النبيه 2 / 212 وشذرات الذهب 6 / 96 والدرر 3 / 123: ربيعة.

(4) في البداية المطبوعة: الازرعي وهتحريف، والاذرعي نسبة إلى أذرعات: وهي بلد في أطراف الشام يجاور البلقاء وعمان. (معجم البلدان).

(5) في الاصل ست عشرة.

[ 179 ]

الله، وله عدة أولاد منهم عبد الرزاق أحد الفضلاءة، وهو ممن جمع بين علمي الشريعة والطبيعة. أبو دبوس عثمان بن سعيد المغربي تملك في وقت بلاد قابس ثم تغلب عليه جماعة فاتنزعوها منه فقصد مصر فأقام بها وأقطع اقطاعا، وكان يركب مع الجند في زي المغاربة متقلدا سيفا، وكان حسن الهيئة يواظب على الخدمة إلى أن توفي في جمادى الاولى. الامام العلامة ضياالدين أبو العباس أحمد بن قطب الدين محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر السنباطي الشافعي، مدرس لحسامية ونائب الحكم بمصر، وأعاد في أماكن كثيرة، وتفقه على والده، توفي في جمادى الآخرة وتولى الحسامية بعده ناصر الدين التبريزي. الصدر الكبير تاج الدين الكارمي المعروف بان الرهايلي، كان أكبر تجار دمشق الكارمية وبمصر، توفي في جمادى الآخرة، يقال إنه خلف مائة ألف دينار غير البضائع والاثاث والاملاك. الامام العلامة فخر الدين عثمان بن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان بن المارداني التركماني الحنفي شرخ فخر الدين هذا الجامع (1) وألقاه دروسا في مائة كراس، توفي في رجب وله إحدى وسبعون سنة، كان شجاعا عالما فاضلا، وقورا فصيحا حسن المفاكهة، وله نظم حسن. وولي بعده المنصورية (2) (*) ولده تاج الدين. تقي الدين عمر ابن الوزير شمس الدين محمد بن عثمان بن السلعوس، كان صغيرا لما مات أبوه تحت العقوبة، ثم نشأ في الخدم ثم


(1) وهو كتاب " الجامع الكبير في الفروع " للامام محمد بن الحسن الشيباني المتوفي سنة 187 ه‍ (كشف الظنون 1 / 569).

(2) المدرسة المنصورية بالقاهرة، أنشأها الملك منصور قلاوون الصالحي، وهي داخل باب المارستان المنصوري الكبير (انظر المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 / 379).

[ 180 ]

طلبه السلطان في آخر وقت فولاه نظر الدواوين بمصر، فباشره يوما واحدا وحضر بين يدي السلطان يوم الخميس، ثم خرج من عنده وقد اضطرب حاله فما وصل إلى منزله إلا في محفة، ومات بكرة يوم السبت سادس عشرين ذي القعدة، وصلي عليه بجامع عمرو بن العاص، ودفن عند والده بالقرافة وكانت جنازته حافلة. جمال الدين أبو العباس أحمد بن شرف الدين بن جمال الدين محمد بن أبي الفتح نصر الله بن أسد بن حمزة بم أسد ابن علي بن محمد التميمي الدمشقي بن القلانسي، قاضي العساكر ووكيل بيت المال ومدرس الامينية وغيرها حفظ التنبيه ثم المحرر للرافعي، وكا يستحضره، واشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري، وتقدم لطلب العلم والرئاسة، وباشر جهات كبارا، ودرس بأماكن وتفرد في وقته بالرياسة والبيت والمناصب الدينية والدنيوية، وكان فيه تواضع وحسن سمت وتودد وإحسان وبر بأهل العلم والفقراء والصالحين وهو ممن أذن له في الافتاء وكتب إنشاء ذلك وأنا حاضر على البديهة فأفاد وأجاد، وأحسن التعبير وعظم في عيني. توفي يوم الاثنين ثامن عشرين ذي القعدة، ودفن بتربتهم بالسفح، وقد سمع الحديث على جماعة من المشايخ وخرج له فخر الدين البعلبكي مشيخة سمعناها عليه رحمه الله. ثم دخلت سنة اثنتي وثلاثين وسيعمائة استهلت وحكام البلاد هم هم، وفي أولها فتحت القيسارية التي كانت مسبك الفولاذ جوا باب الصغير حولها تنكز قيسارية ببركة. وفي يوم الاربعاء ذكر الدرس بالامينية والظاهرية علاء الدين بن القلانسي عوضا عن أخيه جمال الدين، وذكر ابن أخيه أمين الدين محمد بن جمال الدين الدرس في العصرونية، تركها له عمه، وحضر عندهما جماعة من الاعيان. وفي تاسع المحرم جاء إلى حمص سيل عظيم غرق بسببه خلق كثير وجم غفير، وهلك للناس أشياء كثيرة. وممن مات فيه نحو مائتي امرأة (1) بحمام النائب، كن مجتمعات على عروس أو عروسين فهلكن جميعا. وفي صفر أمر تنكز ببياض الجدران المقابلة لسوق الخيل إلى باب الفراديس، وأمر بتجديد خان الظاهر، فغرم عليه نحوا من سبعين ألفا. وفي هذا الشهر وصل تابوت لاجين الصغير من البيرة فدفن بتربته خارج باب شرقي. وفي تاسع ربيع الآخر حضر الدرس بالقيمازية عماد الدين الطرسوسي الحنفي عوضا عن الشيخ رضي الدين المنطيقي، توفي، وحضر عنده القضاة


(1) في مختصر أخبار البشر 4 / 104، مات بحمام تنكز نحو مائتي امرأة وصغير وصغيرة وجماعة رجال دخلوا ليخلصوا النساء (انظر تذكرة النبيه 2 / 219).

[ 181 ]

والاعيان. وفي أول ربيع الآخر خلع على الملك الافضل محمد (1) بن الملك المؤيد صاحب حماة وولاة السلطان الملك الناصر مكان أبيه بحكم وفاته، وركب بمصر بالعصائب (2) والشبابة والغاشية أمامه. وفي نصف هذا الشهر سافر الشيخ شمس الدين الاصفهاني شارح المختصر ومدرس الرواحية إلى الديار المصرية على خيل البريد وفارق دمشق وأهلها واستوطن القاهرة. وفي يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة خطب بالجامع الذي أنشأه الامير سيف الدين آل ملك واستقر فيه خطيبا نور الدين علي بن شبيب الحنبلي. وفيه أرسل السلطان جماعة من الامراء إلى الصعيد فأحاطوا على ستمائة رجل ممن كان يقطع الطريق فأتلف بعضهم. وفي جماى الآخرة تولى شد الدواوين بدمشق نور الدين بن الخشاب عوضا عن الطرقشي. وفي يوم الاربعاء حادي عشر رجب خلع على قاضي القضاة علاء الدين بن الشيخ زين الدين بن المنجا بقضاء الحنابلة عوضا عن شرف الدين بن الحافظ، وقرئ تقليده بالجامع، وحضر القضاة والاعيان. وفي اليوم الثاني استناب برهان الدين الزرعي. وفي رجب باشر شمس الدين موسى بن التاج إسحاق نظر الجيوش بمصر عوضا عن فخر الدين (3) كاتب المماليك توفي، وباشر ألنشو مكانه في نظر الخاص، وخلع عليه بطرحه، فلما كان في شعبان عزل هو وأخوه العلم ناظر الدواوين وصودروا وضربوا ضربا عظيما، وتولى نظر الجيش المكين بن قروينة، ونظر الدواوين أخوه شمس الدين بن قروينة. وفي شعبان كان عرش أنوك، ويقال كان اسمه محمد بن السلطان الملك الناصر، على بنت الامير سيف الدين بكتمر الساقي، وكان جهازها بألف ألف دينار، وذبح في هذا العرس من الاغنام والدجاج والاوز والخيل والبقر نحو من عشرين ألفا، وحملت حلوى بنحو ثمانية عشر ألف قنطار، وحمل له من الشمع ثلاثة آلاف قنطار (4)، قاله الشيخ أبو بكر، وكان هذا العرس ليلة الجمعة حادي عشر شعبان. وفي شعبان هذا حول القاضي محيي الدين بن فضل الله من كتابة السر بمصر إلى كتابة السر بالشام، ونقل شرف الدين بن شمس الدين بن الشهاب محمود إلى كتابة السر بمصر، وأقيمت الجمعة بالشامية البرانية في خامس عشر شعبان، وحضرها القضاة والامراء، وخطب بها الشيخ زين الدين عبدالنور المغربي وذلك بإشارة الامير حسام الدين اليشمقدار الحاجب بالشام، ثم خطب عنه كمال الدين بن الزكي، وفيه أمر نائب السلطنة


(1) من مختصر أخبار البشر 4 / 104 وتذكرة النبيه 2 / 225 والدرر 4 / 8، وفي الاصل: علي تصحيف. وقد ولي حكم حماه حتى عزله الاشرف كجك سنة 742 ه‍ وقرره أمير مائة بدمشق فتوفي في نفس السنة.

(2) العصائب جمع عصابة وهي راية عظيمة من حرير أصفر مطرزة بالذهب عليها ألقابه واسمه (صبح الاعشى 4 / 7).

(3) وهو فخر الدين محمد بن فضل الله المصري ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية، مولده في حدود 660 (الدرر 4 / 255 تذكرة النبيه 2 / 227).

(4) في مختصر أخبار البشر 4 / 106: ألف قنطار من الشمع، وفي تذكرة النبيه 2 / 221: ثلاثة الآف شمعة.

[ 182 ]

بتبييض البيوت من سوق الخيل إلى ميدان الحصا، ففعل ذلك. وفيه زادت الفرات زيادة عظيمة لم يسمع بمثلها، واستمرت نحوا من اثني عشر يوما فأتلفت بالرحبة أموالا كثيرة، وكسرت الجسر الذي عند دير بسر، وغلت الاسعار هناك فشرعوا في إصلاح الجسر، ثم انكسر مرة ثانية. وفي يوم السبت تاسع شوال خرج الركب الشامي وأميره سيف الدين أوزان، وقاضيه جمال الدين بن الشريشي، وهو قاضي حمص الآن، وحج السلطان في هذه السنة وصحبته قاضي القضاة القزويني وعز الدين بن جماعة، وموفق الدين الحنبلي، وسبعون أميرا. وفي ليلة الخميس حادي عشرين شوال رسم على الصاحب عز الدين غبريال بالمدرسة النجيبية الجوانية، وصودر وأخذت منه أموال كثيرة، وأفرج عنه في المحرم من السنة الآتية. وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ عبد الرحمن بن أبي محمد بن محمد ابن سلطان القرامذي، أحد المشاهير بالعبادة والزهادة وملازمة الجامع الاموي، وكثرة التلاوة والذكر، وله أصحاب يجلسون إليه، وله مع هذا ثروة وأملاك، توفي في مستهل المحرم عن خمس أو ست وثمانين سنة، ودفن بباب الصغير، وكان قد سمع الحديث واشتغل بالعلم ثم ترك ذلك واشتغل بالعبادة إلى أن مات. الملك المؤيد صاحب حماه عماد الدين إسماعيل بن الملك الافضل نور الدين علي بن الملك المظفر تقي الدين محمود بن الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، كانت له فضائل كثيرة في علوم متعددة من الفقه والهيئة والطب وغير ذلك، وله مصنفات عديدة، منها تاريخ حافل في مجلدين كبيرين، وله نظم الحاوي وغير ذلك، وكان يحب العلماء ويشاركهم في فنون كثيرة، وكان من فضلاء بني أيوب، ولي ملك حماه من سنة إحدى وعشرين إلى هذا الحين، وكان الملك الناصر يكرمه ويعظمه، وولي بعده ولده الافضل علي (1) (*)، توفي في سحر يوم الخميس ثامن عشرين المحرم، ودفن ضحوة عند والديه بظاهر حماه. القاضي الامام تاج الدين السعدي تاج الدين أبو القاسم عبد الغفار بن محمد بن عبد الكافي بن عوض بن سنان بن عبد الله


(1) انظر حاشية 1 ص 181. (وانظر بدائع الزهور 1 / 463).

[ 183 ]

السعدي الفقيه الشافعي، سمع الكثير وخرج لنفسه معجما في ثلات مجلدات، وقرأ بنفسه الكثير، وكتب الخط الجيد، وكان متقنا عارفا بهذا الفن، يقال إنه كتب بخطه نحوا من خمسمائة مجلد، وقد كان شافعيا مفتيا، ومع هذا ناب في وقت عن القاضي الحنبلي، وولي مشيخة الحديث بالمدرسة الصاحبية، وتوفي بمصر في مستهل ربيع الاول عن ثنتين وثمانين سنة، رحمه الله. الشيخ رضي الدين بن سليمان (1) (*) المنطقي الحنفي، أصله من أب كرم، من بلاد قونية، وأقام بحماه ثم بدمشق. ودرس بالقيمازية، وكان فاضلا في المنطق والجدل، واشتغل عليه جماعة في ذلك، وبلغ من العمر ستا ثمانين سنة، وحج سبع مرات، توفي ليلة الجمعة سادس عشرين ربيع الاول، وصلي عليه بعد الصلاة ودفن بالصوفية. وفي ربيع الاول توفي: الامام علاء الدين طنبغا (2) ودفن بتربته بالصالحية. وكذلك الامير سيف الدين زولاق، ودفن بتربته أيضا. قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي، ولد سنة ست وأربعين وستمائة، وباشر نيابة ابن مسلم مدة، ثم ولي القضاء في السنة الماضية، ثم كانت وفاته فجأة في مستهل جمادى الاولى ليلة الخميس، ودفن من الغد بتربة الشيخ أبي عمر. الشيخ ياقوت الحبشي الشاذلي الاسكندراني، بلغ الثمانين، وكان له أتباع، وأصحاب منهم شمس الدين بن اللبان الفقيه الشافعي، وكان يعظمه ويطريه وينسب إليه مبالغات الله أعلم بصحتها وكذبها، توفي في جماد وكانت جنازته حافلة جدا.


(1) وهو ابراهيم بن سليمان الرومي الحنفي المعروف بالمنطقي.

(2) من مختصر أخبار البشر 4 / 105، وفي الاصل: طيبغا. وهو علاء الدين الطنبغا الصالحي العلائي السلحدار عمل نيابة حمص ثم غزة وبها مات (الدرر 1 / 436).

[ 184 ]

النقيب ناصح الدين محمد بن عبد الرحيم بن قاسم بن إسماعيل الدمشقي، نقيب المتعممين، تتلمذ أولا للشهاب المقري ثم كان بعده في المحافل العزاء والهناء، وكان يعرف هذ الفن جيدا، وكان كثير الطلب من الناس، ويطلبه الناس لذلك، ومع هذا مات وعليه ديون كثيرة، توفي في أواخر رجب. القاضي فخر الدين كاتب المماليك وهو محمد بن فضل الله ناظر الجيوش بمصر، أصله قبطي فأسلم وحسن إسلامه، وكانت له أوقاف كثيرة، وبر وإحسان إلى أهل العلم، وكان صدرا معظما، حصل له من السلطان حظ وافر، وقد جاوز السبعين وإليه تنسب الفخرية بالقدس الشريف، توفي في نصف رجب واحتيط على أمواله وأملاكه بعد وفاته رحمه الله. الامير سيف الدين الجاي الدويدآر الملكي الناصري كان فقيها حنفيا فاضلا، كتب بخطه ربعة وحصل كتبا كثيرة معتبرة، وكان كثير الاحسان إلى أهل العلم، توفي في سلخ رجب رحمه الله. الطبيب الماهر الحاذق الفاضل أمين الدين سليمان بن داود بن سليمان، كان رئيس الاطباء بدمشق ومدرسهم مدة، ثم عزل بجمال الدين بن الشهاب الكحال مدة قبل موته لامر تعصب عليه فيه نائب السلطنة، توفي يوم السبت سادس عشرين شوال ودفن بالقبيبات. الشيخ الامام العالم المقري شيخ القراء برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر إبراهيم بن خليل الجعبري، ثم الخليلي الشافعي، صاحب المصنفات الكثيرة في القراءات وغيرها، ولد سنة أربعين وستمائة بقلعة جعبر، واشتغل ببغداد، ثم قدم دمشق وأقام ببلد الخليل نحو أربعين سنة يقرئ الناس، وشرح الشاطبية وسمع الحديث، وكانت له إجازة من يوسف بن خليل الحافظ، وصنف بالعربية والعروض والقراءات نظما ونثرا، وكان من المشايخ المشهورين بالفضائل والرياسة والخير والديانة

[ 185 ]

والعفة والصيانة، توفي يوم الاحد خامس شهر رمضان، ودفن ببلد الخليل تحت الزيتونة، وله ثنتان وتسعون سنة رحمه الله. قاضي القضاة علم الدين أبو عبد الله محمد بن القاضي شمس الدين أبي بكر بن عيسى بن بدران بن رحمة الاخنائي السعدي المصري الشافعي الحاكم بدمشق وأعمالها، كان عفيفا نزها ذكيا سار العبارة محبا للفضائل، معظما لاهلها كثير الاسماع الحديث في العادلية الكبيرة، توفي يوم الجمعة ثالث عشر ذي القعدة ودفن بسفح قاسيون عند زوجته تجاه تربة العادل كتبغا من ناحية الجبل. قطب الدين موسى ابن أحمد بن الحسين ابن شيخ السلامية ناظر الجيوش الشامية، كانت له ثروة وأموال كثيرة، وله فضائل وإفضال وكرم وإحسان إلى أهل الخير، وكان مقصدا في المهمات، توفي يوم الثلاثاء ثاني [ ذي ] الحجة وقد جاوز السبعين، ودفن بتربته تجاه الناصرية بقاسيون، وهو والد الشيخ الامام العلامة عز الدين حمزة مدرس الحنبلية (1). ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة استهلت يوم الاربعاء والحكام هو المذكورون في التي قبلها، وليس للشافعية قاض، وقاضي الحنفية عماد الدين الطرسوسي، وقاضي المالكية شرف الدين الهمداني، وقاضي الحنابلة علاء الدين بن المنجا، وكاتب السر محيي الدين بن فضل الله، وناظر الجامع عماد الدين بن الشيرازي. وفي ثاني المحرم قدم البشير بسلامة السلطان من الحجاز وباقتراب وصوله إلى البلاد، فدقت البشائر وزينت البلد. وأخبر البشير بوفاة الامير سف الدين بكتمر الساقي وولده شهاب الدين أحمد وهما راجعان في الطريق، بعد أن حجا قريبا من مصر: الوالد أولا، ثم من بعده ابنه (2) بثلاثة أيام بعيون القصب، ثم نقلا إلى تربتهما بالقرافة (3)، ووجد لبكتمر من الاموال والجواهر


(1) وهي المدرسة الحنبلية الشريفة، بدمشق (الدارس 2 / 60 خطط الشام 6 / 100).

(2) في الاصل، أبوه تحريف، وما أثبتناه يقتضيه السياق - انظر بدائع الزهور 1 / 1 / 464.

(3) في بدائع الزهور 1 / 1 / 464: مات بكتمر بعيون القصب ودفن بها، ومات ولده أحمد بنخل ودفن بها. وفي السنة التالية رسم السلطان بنقلهما ودفنا في الخانقاه بالقرافة الصغرى وعن سبب موت بكتمر وولده - وهو صهر السلطان =.

[ 186 ]

واللآلي والقماش والامتعة والحواصل شئ كثير، لا يكا ينحصر ولا ينضبط، وأفرج عن الصاحب شمس الدين غبريال في المحرم، وطلب في صفر إلى مصر فتوجه على خيل البريد، واحتيط على أهله بعد مسيره وأخذت منهم أموال كثيرة لبيت المال. وفي أواخر صفر قدم الصاحب أمين الملك (1) على نظر الدواوين بدمشق عوضا عن غبريال، وبعده بأربعة أيام قدم القاضي فخر الدين بن الحلي على نظر الجيش بعد وفاة قطب الدين ابن شيخ السلامية. وفي نصف ربيع الاول لبس ابن جملة خلعة القضاء للشافعية بدمشق بدار السعادة، ثم جاء إلى الجامع وهي عليه، وذهب إلى العادلية وقرئ تقليده بها بحضرة الاعيان، ودرس بالعادلية والغزالية يوم الاربعاء ثاني عشر الشهر المذكور. وفي يوم الاثنين رابع عشرينه حضر ابن أخيه جمال الدين محمود إعادة القيمرية نزل له عنها، ثم استنابه بعد ذلك في المجلس، وخرج إلى العادلية فحكم بها، ثم لم يستمر بعد ذلك، عزل عن النيابة بيومه، واستناب بعده جمال الدين إبراهيم بن شمس الدين محمد بن يوسف الحسباني، وله همة وعنده نزاهة وخبرة بالاحكام. وفي ربيع الاول ولي شهاب قرطاي نيابة طرابلس وعزل عنها طينال (2) إلى نيابة غزة وتولى نائ‍ ب غزة حمص، وحصل للذي جاء بتقاليدهم مائة ألف درهم منهم، وفي ربيع الآخر أعيد القاضي محيي الدين بن فضل الله وولده إلى كتابة سر مصر، ورجع شرف الدين بن الشهاب محمود إلى كتابة سر الشام كما كان. وفي منتصف هذا الشهر ولي نقابة الاشراف عماد الين موسى الحسيني عوضا عن أخيه شرف الين عدنان توفي في الشهر الماضي ودفن بتربتهم عند مسجد الدبان. وفيه درس الفخر المصري بالدولعية عوضا عن ابن جملة بحكم ولايته القضاء. وفي خامس عشرين رجب درس بالبادرائية القاضي علاء الدين علي بن شريف ويعرف بابن الوحيد، عوضا عن ابن جهبل توفي في الشهر الماضي، وحضر عنده القضاة والاعيان، وكنت إذ ذاك بالقدس أنا والشيخ شمس الدين بن عبد الهادي وآخرون، وفيه رسم السلطان الملك الناصر =


زوح أخته - أنه بلغ السلطان أن بكتمر يقصد الوثوب عليه هناك، فدس عليه من أسقاه سما. وكان الاتابكي بكتمر يحجر على السلطان إذا رأى منه الجور في حق الرعية، وكان السلطان يخشى منه ولا يخالفه فيما يأمره به، وكان لا يتصرف في شئ من أمور المملكة إلا بعد مشورة الاتابكي بكتمر. ولما صار صاحب الحل والعقد في دولة الملك الناصر ثقل أمره عليه إلى الغاية (تذكرة النبيه 2 / 236). ولما لم يمكن السلطان من القبض عليه دس عليه من سقاه السم (بدائع الزهور 1 / 1 / 236).

(1) كذا بالاصل، والصواب أمين الدين، ففي دولة المماليك جرت العادة على تغيير أسماء رجال الدولة من القبط الذين أسلموا باضافة الاسم الاصلي إلى لفظ الدين (صبح الاعشى 5 / 490).

(2) في الاصل طبلان تصحيف، وهو طينال الاشرفي الحاجب، سيف الدين الناصري المتوفي سنة 743 (الدرر 2 / 334 السلوك 2 / 637.

[ 187 ]

بالمنع من رمي البندق، وأن لا تباع قسيها ولا تعمل، وذلك لافساد رماة البندق أولاد الناس، وأن الغالب على من تعاناه اللواط والفسق وقلة الدين، ونودي بذلك في البلاد المصرية والشامية. قال البرزالي: وفي نصف شعبان أمر السلطان بتسليم المنجمين إلى والي القاهرة فضربوا وحبسوا لافسادهم حال النساء، فمات منهم أربعة تحت العقوبة، وثلاثة من المسلمين ونصراني، وكتب إلي بذلك الشيخ أبو بكر الرحبي. وفي أول رمضان وصل البريد بتولية الامير فخر الين ابن الشمس لؤلؤ ولاية البر بدمشق بعد وفاة شهاب الدين بن المرواني، ووصل كتاب من مكة إلى دمشق في رمضان يذكر فيه أنها وقعت صواعق ببلاد الحجاز فقتلت جماعة متفرقين في أماكن شتى، وأمطار كثيرة جدا، وجاء البريد في رابع رمضان بتولية القاضي محيي الدين بن جميل قضاء طرابلس فذهب إليها، ودرس ابن المجد عبد الله بالرواحية عوضا عن الاصبهاني بحكم إقامته بمصر. وفي آخر رمضان أفرج عن الصاحب علاء الدين وأخيه شمس الدين موسى بن التاج إسحاق بعد سجنهما سنة ونصفا. وخرج الركب الشامي يوم الخميس عاشر شوال وأميره بدر الدين بن معبد وقاضيه علاء الدين بن منصور مدرس الحنفية بمدرسة تنكز، وفي الحجاج صدر الدين المالكي، وشهاب الدين الظهيري، ومحيي الدين بن الاعقف وآخرون وفي يوم الاحد ثالث عشرة درس بالاتابكية ابن جملة عوضا عن ابن جميل تولى قضاء طرابلس، وفي يوم الاحد عشرينه حكم القاضي شمس الدين محمد بن كامل التدمري، الذي كان في خطابة الخليل بدمشق نيابة عن ابن جملة، وفرح الناس بدينه وفضيلته. وفي ذي القعدة مسك تنكز دواداره ناصر الدين محمد، وكان عنده بمكانة عظيمة جدا، وضربه بين يديه ضربا مبرحا، واستخلص منه أموالا كثيرة، ثم حسبه بالقلعة ثم نفاه إلى القدس، وضرب جماعة من أصحابه منهم علاء الدين بن مقلد حاجب العرب، وقطع لسانه مرتين، ومات وتغيرت الدولة وجاءت دولة أخرى مقدمها عنده حمزة الذي كان سميره وعشيره في هذه المدة الاخيرة، وانزاحت النعمة عن الدوادار ناصر الدين وذويه ومن يليه. وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرين ذي القعدة ركب على الكعبة باب حديد أرسله السلطان مرصعا من البسط (1) الاحمر كأنه آبنوس، مركب عليه صفائح من فضة زنتها خمسة وثلاثون ألفا وثلثمائة وكسر، وقلع الباب العتيق، وهو من خشب الساج (2)، وعليه صفائح تسلمها بنو


(1) كذا بالاصل، وفي تذكرة النبيه 2 / 246: السنط، والسنط قرظ ينبت في الصعيد، وهو أجود حطب يستوقد به الناس (لسان العرب).

(2) في تذكرة النبيه 2 / 247: من خشب الساسم، قال في حاشية رقم 2: وهو خشب أسود يشبه الابنوس.

[ 188 ]

شيبة، وكان زنتها ستين رطلا فباعوها كل درهم بدرهمين، لاجل التبرك. وهذا خطأ وهو ربا وكان ينبغي أن يبيعوها بالذهب لئلا يحصل ربا بذلك - وترك خشب الباب العتيق داخل الكعبة، وعليه اسم صاحب اليمن في الفردتين، واحدة عليها: اللهم يا ولي يا علي اغفر ليوسف بن عمر ابن علي. وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ العالم تقي الدين محمود علي ابن محمود بن مقبل الدقوقي أبو الثناء البغدادي محدث بغداد منذ خمسين سنة، يقرأ لهم الحديث وقد ولي مشيخة الحديث بالمستنصرية، وكان ضابطا محصلا بارعا، وكان يعظ ويتكلم في الاعزية والاهنية، وكان فردا في زمانه وبلاده رحمه الله، توفي في المحرم وله قريب السبعين سنة، وشهد جنازته خلق كثير، ودفن بتربة الامام أحمد، ولم يخلف درهما واحدا، وله قصيدتان رثا بهما الشيخ تقي الدين بن تيمية كتب بهما إلى الشيخ الحافظ البرزالي رحمه الله تعالى. الشيخ الامام العالم عز القضاة فخر الدين أبو محمد عبد الواحد بن منصور بن محمد بن المنير المالكي الاسكندري، أحد الفضلاء المشهورين، له تفسير في ست مجلدات، وقصائد في رسول الله صلى الله عليه وسلم حسنة، وله في كان وكان، وقد سمع الكثير وروى، توفي في جماد الاولى عن ثنتين وثمانين سنة، ودفن بالاسكندرية رحمه الله. ابن جماعة قاضي القضاة العالم شيخ الاسلام بدر الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الامام الزاهد أبي إسحاق إبراهيم ابن سعد الله بن جماعة بن حازم بن صخر الكناني الحموي الاصل، ولد ليلة السبت رابع ربيع لآخر سنة تسع وثلاثين وستمائة بحماة، وسمع الحديث واشتغل بالعلم، وحصل علوما متعددة، وتقدم وساد أقرانه، وباشر تدريس القيمرية، ثم ولي الحكم والخطابة بالقدس الشريف، ثم نقل منه إلى قضاء مصر في الايام الاشرفية، ثم باشر تداريس كباريها في ذلك الوقت، ثم ولي قضاء الشام وجمع له معه الخطابة ومشيخة الشيوخ وتدريس العادلية وغيرها مدة طويلة، كل هذا مع الرياسة والديانة والصيانة والورع، وكف الاذى، وله التصانيف الفائقة النافعة، وجمع له خطبا كان يخطب بها في طيب صوت فيها وفي قراءته في المحراب وغيره، ثم نقل إلى قضاء الديار المصرية بعد وفاة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فلم يزل حاكما بها إلى أن أضر

[ 189 ]

وكبر وضعفت أحواله، فاستقال فأقيل وتولى مكانه القزويني، وبقيت منه بعض الجهات ورتبت له الرواتب الكثيرة الدارة إلى أن توفي ليلة الاثنين بعد عشاء الآخرة حادي عشرين جمادى الاولى، وقد أكمل أربعا وتسعين سنة وشهرا وأياما، وصلي عليه من الغ‍ الظهر بالجامع الناصري بمصر، ودفن بالقرافة، وكانت جنازته حافلة هائلة رحمه الله. الشيخ الامام الفاضل مفتي المسلمين شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محيي الدين يحيى بن تاج الدين إسماعيل بن طاهر بن نصر الله بن جهبل الحلبي الاصل ثم الدمشقي الشافعي، كان من أعيان الفقهاء، ولد سنة سبعين وستمائة واشتغل بالعلم ولزم المشايخ ولزم الشيخ الصدر بن الوكيل، ودرس بالصلاحية (1) بالقدس، ثم تركها إلى دمشق فباشر مشيخة دار الحديث الظاهرية مدة، ثم ولي مشيخة البادرائية فترك الظاهرية وأقام بتدريس البادرائية إلى أن مات، ولم يأخذ معلوما من واحدة منهما، توفي يوم الخميس بعد العصر تاسع جمادى الآخرة وصلي عليه بعد الصلاة ودفن بالصوفية، وكانت جنازته حافلة. تاج الدين عبد الرحمن بن أيوب مغسل الموتى في سنة ستين وستمائة، يقال إنه غسل ستين ألف ميت، وتوفي في رجب وقد جاوز الثمانين. الشيخ فخر الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد العظيم بن السقطي الشافعي، كان مباشرا شهادة الخزانة، وناب في الحكم عند باب النصر ودفن بالقرافة. الامام الفاضل مجموع الفضائل شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الوهاب البكري، نسبة إلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه، كان لطيف المعاني ناسخا مطيقا يكتب في ثلاث كراريس، وكتب البخاري ثماني مرات ويقابله ويجلده ويبيع النسخة من ذلك بألف ونحوه، وقد جمع تاريخا في ثلاثين مجلدا، وكان


(1) المدرسة الصلاحية بالقدس أوقفها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب للفقهاء الشافعية سنة 588 (محمد كرد علي: خطط الشام 6 / 122).

[ 190 ]

ينسخه ويبيعه أيضا بأزيد من ألف، وذكر أن له كتابا سماه منتهى الارب في علم الادب في ثلاثين مجلدا أيضا وبالجملة كام نادرا في وقته، توفي يوم الجمعة عشرين رمضان رحمه الله. الشيخ الصالح الزاهد الناسك الكثير الحج علي بن الحسن بن أحمد الواسطي المشهور بالخير والصلاح، وكثرة العبادة والتلاوة والحج، يقال إنه حج أزيد من أربعين حجة، وكانت عليه مهابة ولديه فضيلة، توفي وهو محرم يوم الثلاثاء ثامن عشرين ذي القعدة، وقد قارب الثمانين رحمه الله. الامير عز الدين إبراهيم بن عبد الرحمن ابن أحمد بن القواس، كان مباشرا الشد في بعض الجهات السلطانية، وله دار حسنة بالعقيبة الصغيرة، فلما جاءت الوفاة أوصى أن تجعل مدرسة، ووقف عليها أوقافا، وجعل تدريسها للشيخ عماد الدين الكردي الشافعي، توفي يوم الاربعاء عشرين [ ذي ] الحجة. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وسبعمائة استهلت بيوم الاحد وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها. وفي يوم الجمعة ثاني ربيع الاول أقيمت الجمعة بالخاتونية البرانية، وخطب بها شمس الدين النجار المؤذن المؤقت بالاموي، وترك خطابة جامع القابون. وفي مستهل هذا الشهر سافر الامير شمس الدين محمد التدمري إلى القدس حاكما به، وعزل عن نيابة الحكم بدمشق. وفي ثالثه قدم من مصر زين الدين عبد الرحيم ابن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بخطابة القدس، فخلع عليه من دمشق ثم سافر إليها. وفي آخر ربيع الاول باشر الامير ناصر الدين بن بكتاش الحسامي شد الاوقاف عوضا عن شرف الدين محمود بن الخطيري، سافر بأهله إلى مصر أميرا نيابة بها عن أخيه بدر الدين مسعود، وعزل القاضي علاء الدين بن القلانسي، وسائر الدواوين والمباشرين الذين في باب ملك الامراء تنكز وصودروا بمائتي ألف درهم، واستدعي من غزة ناظرها جمال الدين يوسف صهر السني المستوفي، فباشر نظر ديوان النائب ونظر المارستان النوري أيضا على العادة. وفي شهر ربيع الاول أمر تنكز بإصلاح باب توما فشرع فيه بابه عشرة أذرع، وجددت حجارته وحديده في أسرع وقت، وفي هذا الوقت حصل بدمشق سيل خرب بعض الجدران ثم تناقص، وفي أوائل ربيع الآخر قدم من مصر جمال الدين آقوش نائب الكرك مجتازا إلى طرابلس

[ 191 ]

نائبها عوضا عن قرطاي (1) توفي. وفي جمادى الاولى طلب القاضي شهاب الدين بن المجد عبد الله إلى دار السعادة فولي وكالة بيت المال عوضا عن بن القلانسي، ووصل تقليده من مصر بذلك، وهنأه الناس. وفيه طلب الامير نجم الدين بن الزيبق من ولاية نابلس فولي شد الدواوين بدمشق، وقد شغر منصبه شهورا بعد ابن الخشاب. وفي رمضان خطب الشيخ بدر الدين أبو اليسر بن الصائغ بالقدس عوضا عن زين الدين بن جماعة لاعراضه عنها واختياره العود إلى بلده. قضية القاضي ابن جملة لما كان في العشر الاخير من رمضان وقع بين القاضي ابن جملة وبين الظهير شيخ مالك الامراء - وكان هو السفير في تولية ابن جملة القضاء - فوقع بينهما منافسة ومحاققة في أمور كانت بينه وبين الدوادار المتقدم ذكره ناصر الدين، فحلف كل واحد منهما على خلاف ما حلف به الآخر عليه، وتفاضلا من دار السعادة في المسجد، فلما رجع القاضي إلى منزله بالعادلية أرسل إليه الشيخ الظهير ليحكم فيه بما فيه المصلحة، وذلك عن مرسوم النائب، وكأنه خديعة في الباطن وإظهارا لنصرة القاضي عليه في الظاهر، فبدر به القاضي بادي الرأي فعزره بين يديه، ثم خرج من عنده فتسلمه أعوان ابن جملة فطافوا به البلد على حمار يوم الاربعاء سابع عشرين رمضان، وضربوه ضربا عنيفا، ونادوا عليه: هذا جزاء من يكذب ويفتات على الشرع، فتألم الناس له لكونه في الصيام. وفي العشر الاخير من رمضان، يوم سبع وعشرين، وهو شيخ كبير صائم، فيقال: إنه ضرب يومئذ ألفين ومائة وإحدى وسبعين درة والله أعلم، فما أمسى حتى استفتى على القاضي المذكور وداروا على المشايخ بسبب ذلك عن مرسوم النائب، فلما كان يوم تاسع عشرين رمضان عقد نائب السلطنة بين يديه بدار السعادة مجلسا حافلا بالقضاة وأعيان المفتيين من سائر المذاهب، وأحضر ابن حملة قاضي الشافعية والمجلس قد احتفل بأهله، ولم يأذنوا لابن جملة في الجلوس، بل قام قائما ثم أجلس بعد ساعة جيدة في طرف الحلقة، إلى جانب المحفة التي فيها الشيخ الظهير، وادعى عليه عند بقية القضاة أنه حكم فيه لنفسه، واعتدى عليه في العقوبة، وأفاض الحاضرون في ذلك، وانتشر الكلام وفهموا من نفس النائب الحط على ابن جملة، والميل عنه بعد أن كان إليه، فما انفصل المجلس حتى حكم القاضي شرف الدين المالكي بفسقه وعزله وسجنه، فانفض المجلى على ذلك، ورسم على ابن جملة بالعذراوية ثم نقل إلى القلعة جزاء وفاقا والحمد لله وحده، وكان له في القضاء سنة ونصف إلا أياما، وكان يباشر الاحكام جيدا،


(1) هو قرطاي بن عبد الله الاشرفي المنصوري الجوكندار، الامير شهاب الدين الناصري، كان كبيرا خبيرا، عمر بطرابلس مدرسة محكمة البناء في غاية الحسن " وهي المدرسة القرطائية " وهي من أفخم مدارس طرابلس وبها دفن.

[ 192 ]

وكذا الاقاف المتعلقة به، وفيه نزاهة وتمييز الاوقاف بين الفقهاء والفقراء، وفيه صرامة وشهامة وإقدام، لكنه أخطأ في هذه الواقعة، وتعدى فيها فآل إلى هذا. وخرج الركب يوم الاثنين عاشر شوال وأميره الجي بغا وقاضيه مجد الدين بن حيان المصري. وفي يوم الاثنين رابع عشرينه درس بالاقبالية الحنفية نجم الدين ابن قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي الحنفي عوضا عن شمس الدين محمد بن عثمان بن محمد الاصبهاني بن العجمي الحبطي، ويعرف بابن الحنبلي، وكان فاضلا دينا متقشفا كثير الوسوسة في الماء جدا، وأما المدارس مكانه وهو نجم الدين بن الحنفي فإنه ابن خمس عشرة سنة، وهو في النباهة والفهم، وحسن الاشتغال والشكل والوقار، بحيث غبط الحاضرون كلهم أباه على ذلك، ولذا آل أمره أن تولى قضاء القضاة في حياة أبيه، نزل له عنه وحمدت سيرته وأحكامه. وفي هذا الشهر أثبت محضر في حق الصاحب شمس الدين غبريال المتوفى هذه السنة أنه كان يشتري أملاكا من بيت المال ويوقفها ويتصرف فيها تصرف الملاك بنفسه، وشهد بذلك كمال الدين الشيرازي وابن أخيه عماد الدين وعلاء الدين القلانسي وابن خاله عماد الدين القلانسي، وعز الدين بن المنجا، وتقي الدين بن مراجل، وكمال الدين بن الغويرة، وأثبت على القاضي برهان الدين الزرعي الحنبلي ونفذه بقية القضاة، وامتنع المحتسب عز الدين بن القلانسي من الشهادة فرسم عليه بالعذراوية قريبا من شهر، ثم أفرج عنه وعزل عن الحسبة، واستمر على نظر الخزانة. وفي يوم الاحد ثامن عشرين ذي القعدة حملت خلعة القضاء إلى الشيخ شهاب الدين بن المجد وكيل بيت المال يومئذ، فلبسها وركب إلى دار السعادة وقرئ تقليده بحضرة نائب السلطنة والقضاة ثم رجع إلى مدرسته الاقبالية فقرئ بها أيضا وحكم بين خصمين، وكتب على أوراق السائلين، ودرس بالعادلية والغزالية والاتابكيتين مع تدريس الاقبالية عوضا عن ابن جملة. وفي يوم الجمعة حضر الامير حسام الدين مهنا بن عيسى وفي صحبته صاحب حماة الافضل، فتلقاهما تنكز وأكرمهما، وصليا الجمعة عند النائب ثم توجها إلى مصر، فتلقاهما أعيان الامراء وأكرم السلطان منها بن عيسى وأطلق له أموالا جزيلة كثيرة، من الذهب والفضة والقماش، وأقطعه عدة قرى ورسم له بالعود إلى أهله، ففرح الناس بذلك، قالوا وكان جميع ما أنعم به عليه السلطان قيمة مائة ألف دينار، وخلع عليه وعلى أصحابه مائة سبعين خلعة. وفي يوم الاحد سادس [ ذي ] الحجة حضر درس الرواحية الفخر المصري عوضا عن قاضي القضاة ابن المجد وحضر عنده القضاة الاربعة وأعيان الفضلاء. وفي يوم عرفة خلع على نجم

[ 193 ]

الدين بن أبي الطيب بوكالة بيت المال، عوضا عن ابن المجد، وعلى عماد الدين بن الشيرازي بالحسبة عوضا عن عز الدين بن القلانسي وخرج الثلاثة من دار السعادة بالطرحات. وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ الاجل التاجر بدر الدين بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله عتيق النقيب شجاع الدين إدريس، وكان رجلا حسنا يتجر في الجوخ، مات فجأة عصر يوم الخميس خامس محرم، وخلف أولادا وثروة، ودفن بباب الصغير، وله بروصدقة ومعروف، وسبع بمسجد ابن هشام. الصدر أمين الدين محمد بن فخر الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن أبي العيش الانصاري الدمشقي باني المسجد المشهور بالربوة، على حافة بردى، والطهارة الحجارة إلى جانبه، والسوق الذي هناك، وله بجامع النيرب ميعاد. ولد سنة ثمان وخمسين وستمائة، وسمع البخاري وحدث به، وكان من أكابر التجار ذوي اليسار، توفي بكر ة الجمعة سادس المحرم ودفن بتربته بقاسيون رحمه الله. الخطيب الامام العالم عماد الدين أبو حفص عمر الخطيب، ظهير الدين عبد الرحيم بن يحيى بن إبراهيم بن علي ابن جعفر بن عبد الله بن الحسن القرشي الزهري النابلسي، خطيب القدس، وقاضي طرابلس مدة طويلة، ثم جمع له بين خطابة القدس وقضائها، وله اشتغال وفيه فضيلة، وشرح صحيح مسلم في مجلدات، وكان سريع الحفظ سريع الكتابة، توفي ليلة الثلاثاء عاشر المحرم ودفن بماملا رحمه الله. الصدر شمس الدين محمد بن إسماعيل بن حماد التاجر بقيسارية الشرب، كتب المنسوب وانتفع به الناس، وولي التجار لامانته وديانته، وكانت له معرفة ومطالعة في الكتب، توفى تاسع صفر عن نحو ستين سنة. ودفن بقاسيون رحمه الله.

[ 194 ]

جمال الدين قاضي القضاة الزرعي هو أبو الربيع سليمان بن الخطيب مجد الدين (1) عمر بن سالم بن عمر بن عثمان الاذرعي الشافعي ولد سنة خمس وأربعين وستمائة بأذرعات، واشتغل بدمشق فحصل، وناب في الحكم بزرع مدة فعرف بالزرعي لذلك، وإنما هو من أذرعات وأصله من بلاد المغرب، ثم ناب بدمشق ثم انتقل إلى مصر فناب في الحكم بها، ثم استقل بولاية القضاء بها نحوا من سنة، ولي قضاء الشام مدة مع مشيخة نحوا من سنة، ثم عزل وبقي على مشيخة الشيوخ نحوا من سنة مع تدريس الاتابكية، ثم تحول إلى مصر فولي بها التدريس وقضاء العسكر، ثم توفي بها يوم الاحد سادس صفر وقد قارب السبعين رحمه الله، وقد خرج له البرزالي مشيخة سمعناها عليه وهو بدمشق عن اثنتين وعشرين شيخا. الشيخ الامام العالم الزاهد زين الدين أبو محمد عبد الرحمن بن محمود بن عبيدان البعلبكي الحنبلي، أحد فضلاء الحنابلة، ومن صنف في الحديث والفقه والتصوف وأعمال القلوب وغير ذلك، كان فاضلا له أعمال كثيرة، وقد وقعت له كائنة في أيام الظاهر أنه أصيب في عقله أو زوال فكره، أو قد عمل على الرياضة فاحترق باطنه من الجوع، فرأى خيالات لا حقيقة لها فاعتقد أنها أمر خارجي، وإنما هو خيال فكري فاسد. وكانت وفاته في نصف صفر ببعلبك، ودفن بباب سطحا ولم يكمل الستين، وصلي عليه بدمشق صلاة الغائب، وعلى القاضي الزرعي معا. الامير شهاب الدين نائب طرابلس له أوقاف وصدقات، وبروصلات، توفي بطرابلس يوم الجمعة ثامن عشر صفر ودفن هناك رحمه الله. الشيخ عبد الله بن يوسف بن أبي بكر الاسعردي الموقت كان فاضلا في صناعة الميقات وعلم الاصطرلاب وما جرى مجراه، بارعا في ذلك، غير أنه لا ينفع به لسوء أخلاقه وشراستها، ثم إنه ضعف بصره فسقط من قيسارية بحسى عشية السبت عاشر ربيع الاول، ودفن بباب الصغير.


(1) في تذكرة النبيه 2 / 249: سراج الدين، وفي النجوم الزاهرة 9 / 4 ذكره مجد الدين.

[ 195 ]

الامير سيف الدين بلبان طرفا بن عبد الله الناصري، كان من المقدمين بدمشق، وجرت له فصول يطول ذكرها، ثم توفي بداره عند مأذنة فيروز ليلة الابعاء حادي عشرين ربيع الاول، ودفن بتربة اتخذها إلى جانب داره، ووقف عليها مقرئين، وبنى عندها مسجدا بإمام ومؤذن. شمس الدين محمد بن يحيى بن محمد بن قاضي حران ناظر الاوقاف بدمشق، مات الليلة التي مات فيها الذي قبله، ودفن بقاسيون، وتولى مكانه عماد الدين الشيرازي. الشيخ الامام ذو الفنون تاج الدين أبو حفص عمر بن علي بن سالم بن عبد الله اللخمي الاسكندراني، المعروف بابن الفاكهاني، ولد سنة أربع وخمسين وستمائة، وسمع الحديث واشتغل بالفقه على مذهب مالك، وبرع وتقدم بمعرفة النحو وغيره، وله مصنفات في أشياء متفرقة، قدم دمشق في سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة في أيام الاخنائي، فأنزله في دار السعادة وسمعنا عليه ومعه، وحج من دمشق عامئذ وسمع عليه في الطريق، ورجع إلى بلاده، توفي ليلة الجمعة سابع جمادى الاولى، وصلي عليه بدمشق حين بلغهم خبر موته. الشيخ الصالح العابد الناسك أيمن أمين الدين أيمن بن محمد، وكان يذكر أن اسمه محمد بن محمد إلى سبعة (1) عشر نفسا كلهم اسمه محمد، وقد جاور بالمدينة مدة سنين إلى أن توفي ليلة الخميس ثامن ربيع الاول، ودفن بالبقيع وصلي عليه بدمشق صلاة الغائب. الشيخ نجم الدين القباني الحموي عبد الرحمن بن الحسن بن يحيى اللخمي القبابي، قرية من قرى أشمون الرمان، أقام بحماة في زاوية يزار ويلتمس دعاؤه، وكان عابدا ورعا زاهدا آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، حسن الطريقة إلى أن توفي بها آخر نهار الاثنين رابع عشر رجب، عن ست وستين سنة، وكانت جنازته حافلة هائلة جدا، ودفن شمالي حماة، وكان عنده فضيلة، واشتغل على مذهب الامام أحمد بن حنبل، وله كلام حسن يؤثر عنه رحمه الله.


(1) في الاصل سبع.

[ 196 ]

الشيخ فتح الدين بن سيد الناس الحافظ العلامة البارع، فتح الدين بن أبي الفتح محمد بن الامام أبي عمروا محمد بن الامام الحافظ الخطيب أبي بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس الربعي اليعمري الاندلسي الاشبيلي ثم المصري، ولد في العشر الاول من ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وستمائة، وسمع الكثير وأجاز له الرواية عنهم جماعات من المشايخ، ودخل دمشق سنة تسعين فسمع من الكندي وغيره، واشتغل بالعلم فبرع وساد أقرانه في علوم شتى من الحديث والفقه والنحو من العربية، وعلم السير والتواريخ وغير ذلك من الفنون، وقد جمع سيرة حسنة في مجلدين، وشرح قطعة حسنة من أول جامع الترمذي، رأيت منها مجلدا بخطه الحسن، وقد حرر وحبر وأفاد وأجاد، ولم يسلم من بعض الانتقاد، وله الشعر الرائق والفائق، والنثر الموافق، والبلاغة التامة، وحسن الترصيف والتصنيف، وجودة البديهية، وحسن الطويلة، وله العقيدة السالفية الموضوعة على الآي والاخبار والآثار والاقتفاء بالآثار النبوية، ويذكر عنه سوء أدب في أشياء أخر (1) سامحه الله فيها، وله مدائح في رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان، وكان شيخ الحديث بالظاهرية بمصر، وخطب بجامع الخندق، ولم يكن في مصر في مجموعه مثله في حفظ الاسانيد والمتون والعلل والفقه والملح والاشعار والحكايات، توفي فجأة يوم السبت حادي عشر شعبان، وصلي عليه من الغد، وكانت جنازته حافلة، ودفن عند ابن أبي حمزة رحمه الله. القاضي مجد الدين بن حرمي ابن قاسم بن يوسف العامري الفاقوسي الشافعي، وكيل بيت المال، ومدرس الشافعي وغيره، كانت له همة ونهضة، وعلت سنه وهو مع ذلك يحفظ ويشغل ويشتغل، ويلقي الدروس من حفظه إلى أن توفي ثاني ذي الحجة، وولي تدريس الشافعي بعده شمس الدين بن القماح، والقطبية بهاء الدين بن عقيل، والوكالة نجم الدين الاسعردي المحتسب، وهو كان وكيل بيت الظاهر. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وسبعمائة استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها، وناظر الجامع عز الدين بن المنجا. والمحتسب عماد الدين الشيرازي وغيرهم. وفي مستهل المحرم يوم الخميس درس بأم الصالح الشيخ خطيب تبرور عوضا عن قاضي القضاة شهاب الدين بن المجد، وحضر عنده القضاة والاعيان. وفي سادس رجع مهنا بن عيسى من عند السلطان فتلقاه النائب والجيش، وعاد


(1) العبارة في شذرات الذهب 6 / 109: " وتذكر عنه شؤون أخر الله يتولاه فيها ".

[ 197 ]

إلى أهله في عز وعافية. وفيه أمر السلطان بعمارة جامع القلعة وتوسيعه، وعمارة جامع مصر العتيق. وقدم إلى دمشق القاضي جمال الدين محمد (1) بن عماد الدين بن الاثير كاتب سر بها عوضا عن ابن الشهاب محمود (2). ووقع في هذا لشهر والذي بعده موت كثير في الناس بالخانوق. وفي ربيع الاول مسك الامير نجم الدين بن الزيبق مشد الدواوين، وصودر وبيعت خيوله وحواصله، وتولاه بعده سيف الدين تمر مملوك بكتمر الحاجب، وهو مشاد الزكاة. وفيه كملت عمارة حمام الامير شمس الدين حمزة الذي تمكن عند تكنز بعد ناصر الدين الدوادار، ثم وقعت الشناعة عليه بسبب ظلمه في عمارة هذا الحمام فقابله النائب على ذلك وانتصف للناس منه، وضربه بين يديه وضربه بالبندق بيده في وجهه، وسائر جسده، ثم أودعه القلعة ثم نقله إلى بحيرة طبرية فغرقه فيها، وعزل الامير جمال الدين نائب الكرك عن نيابة طرابلس حسب سؤاله في ذلك، وراح إليها طيغال وقدم نائب الكرك إلى دمشق وقد رسم له بالاقامة في سلخد، فلما تلقاه نائب السلطنة والجيش نزل في دار السعادة وأخذ سيفه بها نقل إلى القلعة، ثم نقل إلى صفد (3) ثم إلى الاسكندرية، ثم كان آخر العهد به. وفي جمادى الاولى احتيط على دار الامير بكتمر الحاجب الحسامي بالقاهرة، ونبشت وأخذ منها شئ كثير جدا، وكان جد أولاده نائب الكرك المذكور. وفي يوم السبت تاسع جمادى الآخرة باشر حسام الدين أبو بكر بن الامير عز الدين أيبك النجيبي شد الاوقاف عوضا عن ابن بكتاش، اعتقل، وخلع على المتولي وهنأه الناس. وفي منتصف هذا الشهر علق الستر الجديد على خزانة المصحف العثماني، وهو من خز طويلة ثمانية أذرع وعرضه أربعة أذرع ونصف، غرم عليه أربعة آلاف وخمسمائة، وعمل في مدة سنة ونصف. وخرج الركب الشامي يوم الخميس تاسع شوال وأميره علاء الدين المرسي، وقاضيه شهاب الدين الظاهري. وفيه رجع جيش حلب إليها وكانوا عشرة آلاف سوى من تبعهم من التركمان، وكانوا في بلاد أذنة وطرسوس وإياس، وقد خربوا وقتلوا خلقا كثيرا، ولم يعدم منهم سوى رجل واحد غرق بنهر جاهان، ولكن كان قتل الكفار من كان عندهم من المسلمين نحوا من ألف رجل، يوم عيد الفطر فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيه وقع حريق عظيم بحماة فاحترق منه أسواق كثيرة، وأملاك وأوقاف، وهلكت أموال


(1) ذكره صاحب مختصر أخبار البشر 4 / 114 وتذكرة النبيه 2 / 258: جمال الدين عبد الله بن القاضي كمال الدين محمد بن المولى عماد الدين إسماعيل بن أحمد بن سعيد بن الاثير المتوفى سنة 778 (انظر شذرات الذهب 6 / 257).

(2) وهو حفيد الامام شهاب الدين محمود بن سلمان الحلبي، المولى شهاب الدين أبي بكر بن شمس الدين محمد. المتوفى سنة 744 ه‍ (مختصر أخبار البشر 4 / 115 تذكرة النبيه 2 / 258)

(3) في الاصل صفت.

[ 198 ]

لا تحصر، وكذلك احترق أكثر مدينة إنطاكية، فتألم المسلمون لذلك. وفي ذي الحجة خرب المسجد الذى كان في الطريق بين باب النصر وبين باب الجابية، عن حكم القضاة بأمر نائب السلطنة، وبنى غربيه مسجد أحسن وأنفع من الاول. وتوفي فيها من الاعيان: الشيخ الصالح المعمر رئيس المؤذنين بجامع دمشق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد الواني، ولد سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وسمع الحديث، وروى، وكان حسن الصوت والشكل، محببا إلى العوام، توفي يوم الخميس سادس صفر ودفن الصغير، وقام من بعده في الرياسة ولده أمين الدين محمد الواني المحدث المفيد، وتوفي بعده ببضع (1) وأربعين يوما رحمهما الله. الكاتب المطبق المجود المحرر بهاء الدين محمود ابن خطيب بعلبك محيي الدين محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب السلمي، ولد سنة ثمان وثمانين وستمائة، واعتنى بهذه الصناعة فبرع فيها، وتقدم على أهل زمانه قاطبة في النسخ وبقية الاقلام، وكان حسن الشكل طيب الاخلاق، طيب الصوت حسن التودد، توفي في سلخ ربيع الاول ودفن بتربة الشيخ أبي عمر رحمه الله. علاء الدين السنجاري واقف دار القرآن عند باب الناطفانيين شمالس الاموي بدمشق، علي بن إسماعيل بن محمود كان أحد التجار الصدق الاخيار، ذوي اليسار المسارعين إلى الخيرات، توفي بالقاهرة ليلة الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن عند قبر القاضي شمس الدين بن الحريري. العدل نجم الدين التاجر عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الرحمن الرحبي باني التربة المشهورة بالمزة، وقد جعل لها مسجدا ووقف عليها أوقافا دارة، وصدقات هناك، وكان من أخيار أبناء جنسه، عدل مرضى


(1) في شذرات الذهب 6 / 111: مات بعد والده بشهر، وكان مولده - كما في تذكرة النبيه - سنة 684 ه‍ بدمشق وانظر الدرر 3 / 379.

[ 199 ]

عند جميع الحكام، وترك أولادا وأموالا جمة، ودارا هائلة، وبساتين بالمزة، وكانت وفاته يوم الاربعاء سابع عشرين جمادى الآخرة ودفن بتربته المذكورة بالمزة رحمه الله. الشيخ الامام الحافظ قطب الدين أبو محمد عبد الكريم بن عبد النور بن منير بن عبد الكريم بن علي بن عبد الحق بن عبد الصمد بن عبدالنور الحلبي الاصل ثم المصري، أحد مشاهير المحدثين بها، والقائمين بحفظ الحديث وروايته وتدوينه وشرحه والكلام عليه، ولد سنة أربع وستين وستمائة بحلب، وقرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث وقرأ الشاطبية والالفية، وبرع في فن الحديث، وكان حنفي المذهب وكتب كثيرا وصنف شرحا لاكثر البخاري، وجمع تاريخا لمصر ولم يكملهما، وتكلم على السيرة التي جمعها الحافظ عبد الغني وخرج لنفسه أربعين حديثا متباينة الاسناد، وكان حسن الاخلاق مطرحا للكلفة طاهر اللسان كثير المطالعة والاشتغال، إلى أن توفي يوم الاحد سلخ رجب، ودفن من الغد مستهل شعبان عند خاله نصر المنبجي، وخلف تسعة أولاد رحمه الله. القاضي الامام زين الدين أبو محمد عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف السبكي، قاضي المحلة، ووالده العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، سمع من ابن الانماطي وابن خطيب المزة، وحدث وتوفي تاسع شعبان، وتبعته زوجته ناصرية بنت القاضي جمال الدين إبراهيم بن الحسين السبكي، ودفنت القرافة، وقد سمعت من ابن الصابوني شيئا من سنن النسائي، وكذلك إبنتها محمدية، وقد توفيت قبلها. تاج الدين علي بن إبرهيم ابن عبد الكريم المصري، ويعرف بكاتب قطلبك، وهو والد العلامة فخر الدين شيخ الشافعية ومدرسهم في عدة مدارس، ووالده هذا لم يزل في الخدمة والكتابة إلى أن توفي عنده بالعادلية الصغيرة ليلة الثلاثاء ثالث عشر شعبان، وصلي عليه من الغد بالجامع، ودفن بباب الصغير. الشيخ الصالح عبد الكافي ويعرف بعبيد بن أبي الرجال بن حسين بن سلطان بن خليفة المنيني، ويعرف بابن أبي

[ 200 ]

الازرق، مولده في سنة أربع وأربعين وستمائة بقريته من بلاد بعلبك، ثم أقام بقرية منين، وكان مشهورا بالصلاح وقرئ عليه شئ من الحديث وجاوز التسعين. الشيخ محمد بن عبد الحق ابن شعبان بن علي الانصاري، المعروف بالسياح، له زاوية بسفح قاسيون بالوادي الشمالي مشهورة به، وكان قد بلغ التسعين، وسمع الحديث وأسمعه، وكانت له معرفة بالامور وعنده بعض مكاشفة، وهو رجل حسن، توفي أواخر شوال من هذه السنة. الامير سلطان العرب حسام الدين مهنا بن عيسى بن مهنا، أمير العرب بالشام، وهم يزعمون أنهم من سلالة جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، من ذرية الولد الذي جاء من العباسة أخت الرشيد فالله أعلم. وقد كان كبير القدر محترما عند الملوك كلهم، بالشام ومصر والعراق، وكان دينا خيرا متحيزا للحق، وخلف أولادا وورثة وأموالا كثيرة، وقد بلغ سنا عالية، وكان يحب الشيخ تقي الدين بن تيمية حبا زائدا، هو وذريته وعربه، وله عندهم منزلة وحرمة وإكرام، يسمعون قوله ويمتثلونه، وهو الذي نهاهم أن يغير بعضهم على بعض، وعرفهم أن ذلك حرام، وله في ذلك مصنف جليل، وكانت وفاة مهنا هذا ببلاد سلمية (1) في ثامن عشر ذي القعدة، ودفن هناك رحمه الله. الشيخ الزاهد فضل العجلوني فضل بن عيسى بن قنديل العجلوني الحنبلي المقيم بالمسمارية، أصله ؟ بلاد حبراحي، كان متقللا من الدنيا يلبس ثيابا طوالا وعمامة هائلة، وهي بأرخص الاثمان، وكان يعرف تعبير الرؤيا ويقصد لذلك، وكان لا يقبل من أحد شيئا، وقد عرضت عليه وظائف بجوامك كثيرة فلم يقبلها. بل رضي بالرغيد الهني من العيش الخشن إلى أن توفي في ذي الحجة، وله نحو تسعين سنة، ودفن بالقرب من قبر الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمهما الله، وكانت جنازته حافلة جدا.


(1) سلمية: من أعمال حماة، وكانت تعد من أعمال حمص (تقويم البلدان لابي الفداء ص 264، معجم البلدان ياقوت الحموي).

[ 201 ]

ثم دخلت سنة ست وثلاثين وسبعمائة استهلت بيوم الجمعة والحكام هم المذكورون في التي قبلها. وفي أول يوم منها ركب تنكز إلى قلعة جعبر ومعه الجيش والمناجنيق فغابوا شهرا وخمسة أيام وعادوا سالمين. وفي ثامن صفر فتحت الخانقاه التي أنشأها سيف الدين قوصون الناصري خارج باب القرافة (1)، وتولى مشيختها الشيخ شمس الدين الاصبهاني المتكلم. وفي عاشر صفر خرج ابن جملة من السجن بالقلعة وجاءت الاخبار بموت ملك التتار أبي سعيد بن خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولى بن جنكزخان، في يوم الخميس ثاني عشر ربيع الآخر بدار السلطنة بقراباغ، وهي منزلهم في الشتاء، ثم نقل إلى تربته بمدينته التي أنشأها قريبا من السلطانية (2) مدينة أبيه، وقد كان من خيار ملوك التتار وأحسنهم طريقة وأثبتهم على السنة وأقومهم بها، وقد عز أهل السنة بزمانه وذلت الرافضة، بخلاف دولة أبيه، ثم من بعده لم يقم للتتار قائمة، بل اختلفوا فتفرقوا شذر مذر إلى زماننا هذا، وكان القائم من بعده بالامر ارتكاوون من ذرية أبغا، ولم يستمر له الامر إلا قليلا (3). وفي يوم الاربعاء عاشر جمادى الاولى درس بالناصرية الجوانية بدر الدين الاردبيلي عوضا عن كمال الدين بن الشيرازي توفي، وحضر عنده القضاة. وفيه درس بالظاهرية البرانية الشيخ الامام المقري سيف الدين أبو بكر الحريري عوضا عن بدر الدين الاردبيلي، تركها لما حصلت له الناصرية الجوانية، وبعده بيوم درس بالنجيبية كاتبه إسماعيل بن كثير عوضا عن الشيخ جمال الدين ابن قاضي الزبداني تركها حين تعين له تدريس الظاهرية الجوانية، وحضر عنده القضاة والاعيان وكان درسا حافلا أثنى عليه الحاضرون وتعجبوا من جمعه وترتيبه، وكان ذلك في تفسير قوله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [ فاطر: 28 ] وانساق الكلام إلى مسألة ربا الفضل وفي يوم الاحد رابع عشره ذكر الدرس بالظاهرية المذكورة ابن قاضي الزبداني عوضا عن علاء الدين بن القلانسي توفي، وحضر عنده القضاة والاعيان، وكان يوما مطيرا. وفي أول جمادى الآخرة وقع غلاء شديد بديار مصر واشتد ذلك إلى شهر رمضان، وتوجه خلق كثير في رجب إلى مكة نحوا من ألفين وخمسمائة، منهم عز الدين بن جماعة، وفخر الدين النويري وحسن السلامي، وأبو الفتح السلامي، وخلق وفي رجب كملت عمارة جسر باب الفرج وعمل عليه باشورة (4) ورسم باستمرار فتحه إلى بعد العشاء الآخرة كبقية سائر الابواب،


(1) وتقع شمال القرافة مما يلي قلعة الجبل تجاه جامع قوصون (المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 / 325) وهي محكمة البناء حسنة العمارة والترتيب.

(2) السلطانية: وهي فنغرلان، وهي مدينة محدثة بناها خربندا بن ارغون، وجعلها عاصمة ملكه وهي بالقرب من جبال كيلان (تقويم البلدان لابي الفداء ص 306).

(3) لم يتم له الامر، فاستمر مدة يسيرة نحو شهرين.

(4) في الاصل " باسورة " تحريف. والباشورة بناء ذو منعطفات أمام كل باب أو خلفه، يقصد به تعويق هجوم =.

[ 202 ]

وكان قبل ذلك يغلق من المغرب. وفي سلخ رجب أقيمت الجمعة بالجامع الذي أنشأه نجم الدين ابن خيلخان تجاه باب كيسان من القبلة، وخطب فيه الشيخ الامام العلامة شمس الدين ابن قيم الجوزية. وفي ثاني شعبان باشركتابة السر بدمشق القاضي علم الدين محمد بن قطب الدين أحمد ابن مفضل، عوضا عن كمال الدين (1) ابن الاثير، عزل وراح إلى مصر. وفي يوم الاربعاء رابع رمضان ذكر الدرس بالامينية الشيخ بهاء الدين ابن إمام المشهد عوضا عن علاء الدين بن القلانسي. وفي العشرين منه خلع على الصدر نجم الدين بن أبي الطيب بنظر الخزانة مضافا إلى ما بيده من وكالة بيت المال، بعد وفاة ابن القلانسي بشهور. وخرج الركب الشامي يوم الاثنين ثامن شوال وأميره قطلودمر الخليلي. وممن حج فيه قاضي طرابلس محيي الدين بن جهبل، والفخر المصري، وابن قاضي الزبداني، وابن العز الحنفي، وابن غانم والسخاوي وابن قيم الجوزية، وناصر الدين بن البربوه الحنفي، وجاءت الاخبار بوقعة جرت بين التتار قتل فيها خلق كثير منهم، وانتصر علي باشا وسلطانه الذى كان قد أقامه، وهو موسى كاوون على اربا كاوون وأصحابه، فقتل هو ووزيره ابن رشيد الدولة، وجرت خطوب كثيرة طويلة، وضربت البشائر بدمشق. وفي ذي القعدة خلع على ناظر الجامع الشيخ عز الدين بن المنجا بسبب إكماله البطائن في الرواق الشمالي والغربي والشرقي، ولم يكن قبل ذلك له بطائن. وفي يوم الاربعاء سابع الحجة ذكر الدرس بالشبلية القاضي نجم الدين ابن قاضى القضاة عماد الدين الطرسوسي الحنفي، وهو ابن سبع عشرة سنة، وحضر عند القضاة والاعيان، وشكروا من فضله ونباهته، وفرحوا لابيه فيه. وفيها عزل ابن النقيب عن قضاء حلب ووليها ابن خطيب جبرين (2)، وولي الحسبة بالقاهرة ضياء الدين يوسف بن أبي بكر بن محمد خطيب بيت الابار، خلع عليه السلطان. وفي ذي القعدة رسم السلطان باعتقال الخليفة المستكفي وأهله، وأن يمنعوا من الاجتماع، فآل أمرهم كما كان أيام الظاهر والمنصور (3).


= العساكر على الباب وقت الحصار، وتعويق دخول الخيل إلى المدينة في مجموعة كبيرة دفعة واحدة. وفي معجم دوزي: الباشورة والجمع بواشير: هي الحائط الظاهري من الحصن يختفي وراءه الجند عند القتال. (انظر ألفاظ الحنفا ص 180 حاشية 3).

(1) كذا بالاصل، وقد تقدم انه جمال الدين عبد الله بن كمال الدين محمد.. انظر صفحة 197 حاشية رقم 1.

(2) في الاصل " جسرين " تصحيف، وجبرين قرية من قرى حلب، وابن خطيب جبرين هو: قاضي القضاة فخر الدين أبو محمد عثمان بن الخطيب زين الدين أبي الحسن علي بن عثمان بن اسماعيل الطائي الشافعي المتوفى سنة 739 ه‍. (الدرر 3 / 58).

(3) استمر منعه عن الناس ومنعهم من الاجتماع بالخليفة نحو خمسة أشهر حتى شفع فيه بعض الامراء عند السلطان فرسم له بالنزول إلى مناظر الكبش، على عادته والسكن بها. (بدائع الزهور 1 / 1 / 472).

[ 203 ]

وممن توفي فيها من الاعيان: السلطان أبو سعيد ابن خربندا وكان آخر من اجتمع شمل التتار عليه، ثم تفرقوا من بعده (1). الشيخ البندنيجي شمس الدين علي بن محمد بن ممدود بن عيسى البندنيجي الصوفي، قدم علينا من بغداد شيخا كبيرا راويا لاشياء كثيرة، فيها صحيح مسلم والترمذي وغير ذلك، وعنده فوائد، وله سنة أربع وأربعين وستمائة، وكان والده محدثا فأسمعه أشياء كثيرة على مشايخ عدة، وكان موته بدمشق رابع المحرم. قاضي قضاة بغداد قطب الدين أبو الفضائل محمد بن عمر بن الفضل التبريزي الشافعي المعروف بالاجوس، سمع شيئا من الحديث واشتغل بالفقه والاصول والمنطق والعربية والمعاني والبيان، وكان بارعا في فنون كثيرة ودرس بالمستنصرية بعد العاقولي. وفي مدارس كبار، وكان حسن الخلق كثير الخير على الفقراء والضعفاء، متواضعا يكتب حسنا أيضا، توفي في آخر المحرم ودفن بتربة له عند داره ببغداد رحمه الله (2). الامير صارم الدين إبراهيم بن محمد بن أبي القاسم بن أبي الزهر، المعروف بالمغزال، كانت له مطالعة وعنده شئ من التاريخ، ويحاضر جيدا، ولما توفي يوم الجمعة وقت الصلاة السادس والعشرين من المحرم دفن بتربة له عند حمام العديم. الامير علاء الدين مغلطاي الخازن نائب القلعة وصاحب التربة تجاه الجامع المظفري من الغرب، كان رجلا جيدا، له أوقاف وبر وصدقات، توفي يوم الجمعة بكرة عاشر صفر، ودفن بتربته المذكورة.


(1) قال في مختصر أخبار البشر 4 / 118 مات وله بضع وثلاثون سنة - وفي تذكرة النبيه 2 / 272: ثلاثون - وكانت دولته عشرين سنة.

(2) كان مولده سنة 668 ه‍ بتبريز وتوفي ببغداد (تذكرة النبيه 2 / 2 66).

[ 204 ]

القاضي كمال الدين أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن هبة الله بن الشيرازي الدمشقي، ولد سنة سبعين، وسمع الحديث وتفقه على الشيخ تاج الدين الفزاري، والشيخ زين الدين الفارقي، وحفظ مختصر المزني (1) ودرس في وقت بالبادرائية، وفي وقت بالشامية البرانية، ثم ولي تدريس الناصرية الجوانية مدة سنين إلى حين وفاته، وكان صدرا كبيرا، ذكر لقضاء قضاة دمشق غير مرة، وكان حسن المباشرة والشكل، توفي في ثالث صفر ودفن بتربتهم بسفح قاسيون رحمه الله. الامير ناصر الدين محمد بن الملك المسعود جلال الدين عبد الله بن الملك الصالح إسماعيل بن العادل، كان شيخا مسنا قد اعتنى بصحيح البخاري يختصره، وله فهم جيد ولديه فضيلة، وكان يسكن المزة وبها توفي ليلة السبت خامس عشرين صفر، وله أربع وسبعون سنة، ودفن بتربتهم بالمزة رحمه الله. علاء الدين علي بن شرف الدين محمد بن القلانسي قاضي العسكر ووكيل بيت المال، وموقع الدست، ومدرس الامينية (2) والظاهرية وغير ذلك من المناصب، ثم سلبها كلها سوى التدريسين، وبقي معزولا إلى حين أن توفي بكرة السبت خامس وعشرين صفر، ودفن بتربتهم. عز الدين أحمد بن الشيج زين الدين محمد بن أحمد بن محمود العقيلي، ويعرف بابن القلانسي، محتسب دمشق وناظر الخزانة، كان محمود المباشرة، ثم عزل عن الحسبة واستمر بالخزانة إلى أن توفي يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الاولى ودفن بقاسيون. الشيخ علي بن أبي المجد بن شرف بن أحمد الحمصي ثم الدمشقي مؤذن البربوة خمسا وأربعين سنة، وله ديوان شعر وتعاليق وأشياء كثيرة مما ينكر أمرها، وكان محمولا في دينه، توفي في جمادى الاولى أيضا.


(1) وهو مختصر المزني في فروع الشافعية، لاسماعيل بن يحيى المزني المتوفى سنة 264 ه‍ (كشف الظنون 2 / 1635).

(2) المدرسة الامينية بدمشق، نشأها يمين الدين كمشتكين أتابك العساكر بدمشق، المتوفى سنة 541 ه‍ (الدارس 1 / 178).

[ 205 ]

الامير شهاب الدين بن برق (1) متولي دمشق، شهد جنازته خلق كثير، توفي ثاني شعبان ودفن بالصالحية وأثنى عليه الناس. الامير فخر الدين ابن الشمس لؤلؤ متولي البر، كان مشكورا أيضا، توفي رابع شعبان، وكان شيخا كبيرا، توفي ببستانه ببيت لهيا ودفن بتربته هناك وترك ذرية كثيرة رحمه الله. عماد الدين إسماعيل ابن شرف الدين محمد بن الوزير فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد (2) بن خالد بن صغير ابن القيسراني، أحد كتاب الدست، وكان من خيار الناس، محببا إلى الفقراء والصالحين، وفيه مروءة كثيرة، وكتب بمصر ثم صار إلى حلب كاتب سرها، ثم انتقل إلى دمشق فأقام بها إلى أن مات ليلة الاحد ثالث عشر القعدة، وصلي عليه من الغد بجامع دمشق، ودفن بالصوفية عن خمس وستين سنة، وقد سمع شيئا من الحديث على الابرقوهي وغيره. وفي ذي القعدة توفي شهاب الدين ابن القديسة المحدث بطريق الحجاز الشريف. وفي ذي الحجة توفي الشمس محمد المؤذن المعروف بالنجار ويعرف بالبتي، وكان يتكلم وينشد في المحافل والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وسبعمائة استهلت بيوم الجمعة والخليفة المستكفي بالله قد اعتقله السلطان الملك الناصر، ومنعه من الاجتماع بالناس، ونائب الشام تنكز بن عبد الله الناصري، والقضاة والمباشرون هم المذكورون في التي قبلها، سوى كاتب السر فإنه علم الدين بن القطب، ووالي البر الامير بدر الدين بن قطلوبك بن شنشنكير، ووالي المدينة حسام الدين طرقطاي الجو كنداري. وفي أول منها يوم الجمعة وصلت الاخبار بأن علي باشا كسر جيشه، وقيل إنه قتل،


(1) وهو أحمد بن سيف الدين أبي بكر بن برق الدمشقي، ولي دمشق ثلاث عشرة سنة توفي وله 64 سنة (شذرات الذهب 6 / 113).

(2) في تذكرة النبيه 2 / 60: محمد.

[ 206 ]

ووصلت كتب الحجاج في الثاني والعشرين من المحرم تصف مشقة كثيرة حصلت للحجاج من موت الجمال وإلقاء الاحمال ومشي كثير من النساء والرجال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله على كل حال. وفي آخر المحرم قدم إلى دمشق القاضي حسام الدين حسن بن محمد الغوري قاضي بغداد، وكان والوزير نجم الدين محمود بن علي بن شروان الكردي، وشرف الدين عثمان بن حسن البلدي فأقاموا ثلاثة أيام ثم توجهوا إلى مصر فحصل لهم قبول تام من السلطان، فاستقضى الاول على الحنفية كما سيأتي، واستوزر الثاني وأمر الثالث. وفي يوم عاشوراء أحضر شمس الدين محمد ابن الشيخ شهاب الدين بن اللبان الفقيه الشافعي إلى مجلس الحكم الجلالي، وحضر معه شهاب الدين بن فضل الله مجد الدين الاقصرائي شيخ الشيوخ، وشهاب الدين الاصبهاني، فادعى عليه بأشياء منكرة من الحلول والاتحاد والغلو في القرمطة وغير ذلك، فأقر ببعضها فحكم عليه بحقن دمه ثم توسط في أمره وأبقيت عليه جهاته، ومنع من الكلام على الناس، وقام في صفه جماعة من الامراء والاعيان. وفي صفر احترق بقصر حجاج حريق عظيم أتلف دورا ودكاكين عديدة. وفي ربيع الاول ولد للسلطان ولد فدقت البشائر وزينت البلد أياما. وفي منتصف ربيع الآخر أمر الامير صارم الدين إبراهيم الحاجب الساكن تجاه جامع كريم الدين طبلخاناه، وهو من كبار أصحاب الشيخ تقي الدين رحمه الله، وله مقاصد حسنة صالحة، وهو في نفسه رجل جيد. وفيه أفرج عن الخليفة المستكفي وأطلق من البرج في حادي عشرين ربيع الآخر ولزم بيته (1). وفي يوم الجمعة عشرين جمادى الآخرة أقيمت الجمعة في جامعين بمصر، أحدهما أنشأه الامير عز الدين أيدمر بن عبد الله الخطيري، ومات بعد ذلك بإثني عشر يوما رحمه الله، والثاني أنشأته امرأة يقال لها الست حدق دادة السلطان الناصر عند قنطرة السباع. وفي شعبان سافر القاضي شهاب الدين أحمد بن شرف بن منصور النائب في الحكم بدمشق إلى قضاء طرابلس، وناب بعده الشيخ شهاب الدين أحمد بن النقيب البعلبكي. وفيه خلع على عز الدين بن جماعة بوكالة بيت المال بمصر، وعلى ضياء الدين ابن الخطيب بيت الابار بالحسبة بالقاهرة، مع ما بيده من نظر الاوقاف وغيره. وفيه أمر الامير ناظر القدس بطلب لخاناه ثم عاد إلى دمشق. وفي عاشر رمضان قدمت من مصر مقدمتان ألفان إلى دمشق سائرة إلى بلاد سيس، وفيهم علاء الدين (2)، فاجتمع به أهل العلم وهو من أفاضل الحنفية، وله مصنفات في الحديث وغيره. وخر الركب الشامي يوم الاثنين عاشر شوال وأميره بهادر قبجق، وقاضيه محيي الدين


انظر صفحة 202 حاشية رقم 3

[ 207 ]

الطرابلسي مدرس الحمصية، وفي الركب تقي الدين شيخ الشيوخ وعماد الدين بن الشيرازي، ونجم الدين الطرسوسي، وجمال الدين المرداوي، وصاحبه شمس الدين بن مفلح، والصدر المالكي والشرف ابن القيسراني، والشيخ خالد المقيم عند دار الطعم، وجمال الدين بن الشهاب محمود. وفي ذي القعدة وصلت الاخبار بأن الجيش تسلموا من بلاد سيس سبع قلاع (1)، وحصل لهم خير كثير ولله الحمد، وفرح المسلمون بذلك. وفيه كانت وقعة هائلة بين التتار انتصر فيها الشيخ وذووه. وفيها (2) نفى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليفة وأهله وذويه، وكانوا قريبا من مائة نفس إلى بلاد قوص، ورتب لهم هناك ما يقوم بمصالحهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وممن توفي فيها من الاعيان: الشيخ علاء الدين بن غانم أبو الحسن علي بن محمد بن سليمان بن حمائل بن علي المقدسي (3) أحد كبار المشهورين بالفضائل وحسن الترسل، وكثرة الادب والاشعار والمروءة التامة، مولده سنة إحدى وخمسين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، وحفظ القرآن والتنبيه، وباشر الجهات، وقصده الناس في الامور المهمات وكان كثير الاحسان إلى الخاص والعام. توفي مرجعه من الحج في منزلة تبوك يوم الخميس ثالث عشر المحرم، ودفن هناك رحمه الله، ثم تبعه أخوه شهاب الدين أحمد في شهر رمضان، وكان أصغر منه سنا بسنة، وكان فاضلا أيضا بارعا كثير الدعابة.


(1) ذكر الخبر ابن حبيب في تذكرة النبيه 2 / 279 قال: " وتسلم المسلمون القلاع العامرة - شرقي نهر جيحان - وهي قلاع: إياس وكاورا وسوندكار والهارونية ونجيمة " وزاد عليها أبو الفداء في مختصره 4 / 118.. والمصيصة وباناس والنقير ".

(2) ذكر صاحب بدائع الزهور 1 / 1 / 474 أن: " ذلك يوم السبت ثاني عشر ذي الحجة سنة 738 ه‍ (انظر تذكرة النبيه 2 / 297 ومختصر أخبار البشر 4 / 122) وقال صاحب البدائع: فهو أول خليفة نفي من مصر من غير جنحة ولا سبب، فشق ذلك على الناس ولم يستحسنوا منه هذه الفعلة. وتابع قائلا -: وكان سبب ذلك أن الخليفة رفعت إليه قصة بأن شخصا له على الملك الناصر دعوة شرعية فكتب عليها الخليفة " ليحضر أو ليوكل " وأرسلها إلى الملك الناصر، فلما قرأها شق ذلك عليه، وبقي في خاطره منه، فتغافل عنه مدة ثم رسم بإخراجه إلى قوص - إحدى قرى الصعيد وذكر صاحب السلوك سببا آخر في ذلك انظر 2 / 416 - 417.

(3) في شذرات الذهب 6 / 114: المنشي.

[ 208 ]

الشرف محمود الحريري المؤذن بالجامع الاموي، بنى حماما بالنيرب، ومات في آخر المحرم. الشيخ الصالح العابد ناصر الدين [ محمد ] بن الشيخ إبراهيم بن معضاد بن شداد بن ماجد بن مالك الجعبري ثم المصري، ولد سنة خمسين وستمائة بقلعة جعبر، وسمع صحيح مسلم وغيره، وكان يتكلم على الناس ويعظهم ويستحضر أشياء كثيرة من التفسير وغيره، وكان فيه صلاح وعبادة، توفي في الربع والعشرين من المحرم، ودفن بزاويتهم عند والده خارج باب النصر. الشيخ شهاب الدين عبد الحق الحنفي أحمد بن علي بن أحمد بن علي بن يوسف ابن قاضي الحنفيين ويعرف بابن عبد الحق الحنفي، شيخ المذهب ومدرس الحنفية وغيرها، وكان بارعا فاضلا دينا، توفي في ربيع الاول. الشيخ عماد الدين إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة المقدسي النابلسي الحنبلي الامام العالم العابد شيخ الحنابلة بها وفقيههم من مدة طويلة، توفي في ربيع الاول. الشيخ الامام العابد الناسك محب الدين عبد الله بن أحمد بن المحب عبد الله بن أحمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الحنبلي، سمع كثير وقرأ بنفسه، وكتب الطباق وانتفع الناس به، وكانت له مجالس وعظ من الكتاب والسنة في الجامع الاموي وغيره، وله صوت طيب بالقراءة جدا، وعليه روح وسمينة ووقار، وكانت مواعيده مفيدة ينتفع بها الناس، وكان شيخ الاسلام تقي الدين بن تيمية يحبه ويحب قراءته، توفي يوم الاثنين سابع ربيع الاول، وكانت جنازته حافلة، ودفن بقاسيون وشهد الناس له بخير، رحمه الله تعالى، وبلغ خمسا وخمسين سنة. المحدث البارع المحصل المفيد المجيد ناصر الدين محمد بن طغربل بن عبد الله الصيرفي أبوه، الخوارزمي الاصل، سمع الكثير

[ 209 ]

وقرأ بنفسه، وكان سريع القراءة، وقرأ الكتب الكبار والصغار، وجمع وخرج شيئا كثيرا، وكان بارعا في هذا الشأن، رجل فأدركته منيته بحماة يوم السبت ثاني ربيع الاول، ودفن من الغد بمقابر طيبة رحمه الله. شيخنا الامام العالم العابد شمس الدين أبو محمد عبد الله بن العفيف محمد بن الشيخ تقي الدين يوسف بن عبد المنعم ابن نعمة المقدسي النابلسي الحنبلي، إمام مسجد الحنابلة بها، ولد سنة سبع وأربعين وستمائة، وسمع الكثير وكان كثير العبادة حسن الصوت، عليه البهاء والوقار وحسن الشكل والسمت، قرأت عليه عام ثلاث وثلاثين وسبعمائة مرجعنا من القدس كثيرا من الاجزاء والفوائد، وهو والد صاحبنا الشيخ جمال الدين يوسف أحد مفتية الحنابلة وغيرهم، والمشهورين بالخير والصلاح، توفي يوم الخميس ثاني عشرين ربيع الآخر ودفن هناك رحمه الله. الشيخ محمد بن عبد الله بن المجد إبراهيم المرشدي المقيم بمنية مرشد (1)، يقصده الناس للزيارة، ويضيف الناس على حسب مراتبهم وينفق نفقات كثيرة جدا، ولم يكن يأخذ من أحد شيئا فيما يبدوا للناس، والله أعلم بحاله، وأصله من قرية دهروط (2)، وأقام بالقاهرة مدة واشتغل بها، ويقال إنه قرأ التنبيه في الفقه، ثم انقطع بمنية مرشد واشتهر أمره في الناس وحج مرات، وكان إذا دخل القاهرة يزدحم عليه الناس، ثم كانت وفاته يوم الخميس ثامن رمضان ودفن بزاويته، وصلي عليه بالقاهرة ودمشق وغيرها. الامير أسد الدين عبد القادر بن المغيث عبد العزيز بن الملك المعظم عيسى بن العادل، ولد سنة ثنتين وأربعين وستمائة، وسمع الكثير وأسمع، وكان يأتي كل سنة من مصر إلى دمشق ويكرم أهل الحديث، ولم يبق من بعده من بني أيوب أعلا سنا منه، توفي بالرملة في سلخ رمضان رحمه الله. الشيخ الصالح الفاضل حسن بن إبراهيم بن حسن الحاكي الحكري إمام مسجد هناك، ومذكر الناس في كل


(1) في تذكرة النبيه 2 / 279: بديروط.

(2) ديروط (دهروط) من القرى القديمة وكانت تابعة لثغر الاسكندرية ثم لمركز رشيد، وحاليا تابعة لمركز المحمودية (القاموس الجغرافي 2 / 2 / 270).

[ 210 ]

جمعة، ولديه فضائل، وفي كلامه نفع كثير إلى أن توفي في العشرين من شوال، ولم ير الناس مثل جنازته بديار مصر رحمه الله. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة استهلت بيوم الاربعاء والخليفة المستكفي منفي ببلاد قوص (1)، ومعه أهله وذووه، ومن يلوذ به، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن الملك المنصور، ولا نائب بديار مصر ولا وزير، ونائبه بدمشق تنكز، وقضاة البلاد ونوابها ومباشروها هم المذكورون في التي قبلها. وفي ثالث ربيع الاول رسم السلطان بتسفير علي ومحمد ابني داود بن سليمان بن داود بن العاضد آخر خلفاء الفاظميين إلى الفيوم يقيمون به. وفي يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر عزل القاضي علم الدين ابن القطب عن كتابة السر وضرب وصودر، ونكب بسببه القاضي فخر الدين المصري، وعزل عن مدرسته الدولعية وأخذها ابن جملة، والعادلية الصغيرة باشرها ابن النقيب، ورسم عليه بالعذراوية مائة يوم، وأخذ شئ من ماله. وفي ليلة الاحد ثالث عشرين ربيع الاول بعد المغرب هبت ريح شديدة بمصر وأعقبها رعد وبرق وبرد بقدر الجوز، وهذا شئ لم يشاهدوا مثله من أعصار متطاولة بتلك البلاد. وفي عاشر جمادى الاولى استهل الغيث بمكة من أول الليل، فلما انتصف الليل جاء سيل عظيم هائل لم ير مثله من دهر طويل، فخرب دورا كثيرة نحوا من ثلاثين أو أكثر، وغرق جماعة وكسر أبواب المسجد، ودخل الكعبة وارتفع فيها نحوا من ذراع أو أكثر، وجرى أمر عظيم حكاه الشيخ عفيف الدين الطبري. وفي سابع عشرين من جمادى الاولى عزل القاضي جلال الدين (2) عن قضاء مصر، واتفق وصول خبر موت قاضي الشام ابن المجد (3) بعد أن عزل بيسير، فولاه السلطان قضاء الشام فسار إليها راجعا عودا على بدء، ثم عزل السلطان برهان الدين بن عبد الحق قاضي الحنفية، وعزل قاضي الحنابلة تقي الدين، ورسم على ولده صدر الدين بأداء ديوان الناس إليهم، وكانت قريبا من ثلثمائة ألف، فلما كان يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة بعد سفر جلال الدين بخمسة أيام طلب السلطان أعيان الفقهاء إلى بين يديه فسألهم عن من يصلح للقضاء بمصر فوقع الاختيار على القاضي عز الدين بن جماعة، فولاه في الساعة الراهنة، وولى قضاء الحنفية لحسام الدين حسن بن محمد الغوري قاضي بغداد، وخرجا من بين يديه إلى المدرسة الصالحية (4)،


(1) انظر ما سبق ص 207 حاشية رقم 2

(2) وهو جلال الدين أبو المعالي محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني الشافعي.

(3) وهو قاضي القضاة شهاب الدين أبي عبد الله محمد بن مجد الدين عبد الله بن الحسين بن علي الاربلي الدمشقي الشافعي.

(4) المدرسة الصالحية بالقاهرة وهي على يمنة الطالب إلى بين القصرين وباب النصر والخانقاه وخان برجوان والطرق المتفرقة، أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب. وقد بدأ ببنائها سنة 639 ه‍. (تذكرة النبيه 1 / 342).

[ 211 ]

وعليهما الخلع، ونزل عز الدين بن جماعة عن دار الحديث الكاملية لصاحبه الشيخ عماد الدين الدمياطي، فدرس فيها وأورد حديث " إنما الاعمال بالنيات ". بسنده، وتكلم عليه. وعزل أكثر نواب الحكم واستمر بعضهم، واستمر بالمنادي الذي أشار بتوليته. ولما كان يوم خامس عشرين منه ولي قضاء الحنابلة الامام العالم موفق الدين أبو محمد عبد الله بن محمد عبد الملك المقدسي عوضا عن المعزول، ولم يبق من القضاة سوى الاخنائي المالكي. وفي رمضان فتحت الصبابية التي أنشأها شمس الدين بن تقي الدين بن الصباب التاجر دار قرآن ودار حديث، وقد كانت خربة شنيعة قبل ذلك. وفي رمضان باشر علاء الدين علي ابن القاضي محيي الدين بن فضل الله كتابة السر بمصر بعد وفاة أبيه كما سيأتي ترجمته، وخلع عليه وعلى أخيه بدر الدين، ورسم لهما أن يحضرا مجلس السلطان، وذهب أخوه شهاب الدين إلى الحج. وفي هذا الشهر سقط بالجانب الغربي من مصر برد كالبيض وكالرمان، فأتلف شيئا كثيرا، ذكر ذلك البرزالي ونقله من كتاب الشهاب الدمياطي. وفي ثالث عشرين رمضان درس بالقبة المنصورية بمشيخة الحديث شهاب الدين العسجدي عوضا عن زين الدين الكناني توفي، فأورد حديثا من مسند الشافعي بروايته عن الجاولي بسنده، ثم صرف عنها بالحجة بالشيخ أثير الدين أبي حيان، فساق حديثا عن شيخه ابن الزبير ودعا للسلطان وحضر عنده القضاة والاعيان، وكان مجلسا حافلا. وفي ذي القعدة حضر تدريس الشامية البرانية قاضي القضاة شمس الدين بن النقيب عوضا عن القاضي جمال الدين بن جملة توفي، وحضر خلق كثير من الفقهاء والاعيان، وكان مجلسا حافلا. وفي ثاني ذي الحجة درس بالعادلية الصغيرة تاج الدين عبد الرحيم ابن قاضي القضاة جلال الدين القزويني عوضا عن الشيخ شمس الدين بن النقيب بحكم ولايته الشامية البرانية، وحضر عنده القضاة والاعيان. وفي هذا الشهر درس القاضي صدر الدين بن القاضي جلال الدين بالاتابكية، وأخوه الخطيب بدر الدين بالغزالية والعادلية نيابة عن أبيه. انتهى والله أعلم. وممن توفي فيها من الاعيان: الامير الكبير بدر الدين محمد بن فخر الدين عيسى بن التركماني باني جامع المقياس بديار مصر في أيام وزارته بها، ثم عزل أميرا إلى الشام، ثم رجع إلى مصر إلى أن توفي بها في خامس ربيع الآخرة، وكان مشكورا رحمه الله. انتهى.

[ 212 ]

قاضي القضاة شهاب الدين محمد بن المجد بن عبد الله بن الحسين بن علي الرازي الربلي الاصل، ثم الدمشقي الشافعي، قاضي الشافعية بدمشق، ولد سنه ثنتين وستين وستمائة، واشتغل وبرع وحصل وأفتى سنة ثلاث وتسعين، ودرس بالاقبالية ثم الرواحية وتربة أم الصالح، وولي وكالة بيت المال، ثم صار قاضي قضاة الشام إلى أن توفي بمستهل جمادى الاولى (1) بالمدرسة العادلية، ودفن بمقابر باب الصغير رحمه الله. الشيخ الامام العالم ابن المرحل زين الدين محمد بن عبد الله بن الشيخ زين الدين عمر بن مكي بن عبد الصمد بن المرحل مدرس الشامية البرانية والعذراوية بدمشق، وكان قبل ذلك بمشهد الحسين، وكان فاضلا بارعا فقيها أصوليا مناظرا، حسن الشكل طيب الاخلاق، دينا صينا، وناب في وقت بدمشق عن علم الدين الاخنائي فحمدت سيرته، وكانت وفاته ليلة الاربعاء تاسع عشر رجب، ودفن من الغد عند مسجد الديان في تربة لهم هناك، وحضر جنازته القاضي جلال الدين، وكان قد قدم من الديار المصرية له يومان فقط، وقدم بعده القاضي برهان الدين عبد الحق بخمسة أيام، هو وأهله وأولاده أيضا، وباشر بعده تدريس الشامية البرانية قاضي القضاة جمال الدين بن جملة، ثم كانت وفاته بعده بشهور، وذلك يوم الخميس رابع عشر ذي القعدة. وهذه ترجمته في تاريخ الشيخ علم الدين البرزالي: قاضي القضاة جمال الدين الصالحي جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن إبراهيم بن جمله بن مسلم بن همام (2) بن حسين بن يوسف الصالحي الشافعي المحجي والده، بالمدرسة السرورية وصلي عليه عقيب الظهر يوم الخميس رابع عشر ذي الحجة، ودفن بسفح قاسيون، ومولده في أوائل سنة ثنتين وثمانين وستمائة، وسمع من ابن البخاري وغيره، وحدث وكان رجلا فاضلا في فنون، اشتغل وحصل وأفتى وأعاد ودرس، وله فضائل جمة ومباحث وفوائد وهمة عالية وحرمة وافرة، وفيه تودد وإحسان وقضاء للحقوق، وولي القضاء بدمشق نيابة واستقلالا، ودرس بمدارس كبار، ومات وهو مدرس الشامية البرانية، وحضر جنازته خلق كثير من الاعيان رحمه الله.


(1) في تذكرة النبيه 2 / 289: جمادى الآخرة.

(2) في تذكرة النبيه 2 / 29 2 وشذرات الذهب 6 / 119: تمام.

[ 213 ]

شيخ الاسلام قاضي القضاة ابن البارزي شرف الدين أبو القاسم هبة الله بن قاضي القضاة نجم الدين عبد الرحيم بن القاضي شمس الدين أبي الطاهر إبراهيم بن هبة الله بن مسلم بن هبة الله الجهيني الحموي، المعروف بابن البارزي قاضي القضاة بحماة، صاحب التصانيف الكثيرة المفيدة في الفنون العديدة، ولد في خامس رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة، وسمع الكثير وحصل فنونا كثيرة، وصنف كتبا جما كثيرة (1)، وكان حسن الاخلاق كثير المحاضرة حسن الاعتقاد في الصالحين، وكان معظما عند الناس، وأذن الجماعة من البلد في الافتاء، وعمي في آخر عمره وهو يحكم مع ذلك مدة، ثم نزل عن المنصب لحفيده نجم الدين عبد الرحيم بن إبراهيم، وهو في ذلك لا يقطع نظره عن المنصب، وكانت وفاته ليلة الاربعاء العشرين من ذي القعدة بعد أن صلى العشاء والوتر، فلم تفته فريضة ولا نافلة، وصلي عليه من الغد ودفن بعقبة نقيرين، وله من العمر ثلاث وتسعون سنة. الشيخ الامام العالم شهاب الدين أحمد بن البرهان شيخ الحنفية بحلب، شارح الجامع الكبير، وكان رجلا صالحا منقطعا عن الناس، وانتفع الناس به، وكانت وفاته ليلة الجمعة الثامن والعشرين من رجب، وكانت له معرفة بالعربية والقراءات، ومشاركات في علوم أخر رحمه الله، والله أعلم. القاضي محيي الدين بن فضل الله كاتب السر هو أبو المعالي يحيى بن فضل الله بن المحلي بن دعجان بن خلف العدوي العمر ي، ولد في حادي عشر شوال سنة خمس وأربعين وستمائة بالكرك، وسمع الحديث وأسمعه، وكان صدرا كبيرا معظما في الدولة في حياة أخيه شرف الدين وبعده، وكتب السر بالشام وبالديار المصرية، وكانت وفاته ليلة الاربعاء تاسع رمضان بديار مصر، ودفن من الغد بالقرافة وتولى المنصب بعده، ولده علاء الدين، وهو أصغر أولاده الثلاثة المعينين لهذا المنصب. الشيخ الامام العلامة ابن الكتاني زين الدين بن الكتاني، شيخ الشافعية بديار مصر، وهو أبو حفص عمر بن أبي الحزم بن


(1) من مصنفاته: الاحكام على أبواب التنبيه، والاساس في معرفة آلة الناس، وتمييز التعجيز في الفروع، روضات جنات المحبين في تفسير القرآن المبين، وأسرار التنزيل، وتيسير الفتاوي من تحرير الحاوي (هدية العارفين 2 / 507).

[ 214 ]

عبد الرحمن بن يونس الدمشقي الاصل، ولد بالقاهرة في حدود سنة ثلاث وخمسين وستمائة، واشتغل بدمشق ثم رحل إلى مصر واستوطنها وتولى بها بعض الاقضية بالحكر، ثم ناب عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد فحمد ت سيرته، ودرس بمدارس كبار، ولي مشيخة دار الحديث بالقبة المنصورية (1)، وكان بارعا فاضلا، عنده فوائد كثيرة جدا، غير أنه كان سئ الاخلاق منقبضا عن الناس، لم يتزوج قط، وكان حسن الشكل بهي المنظر، يأكل الطيبات ويلبس اللين من الثياب، وله فوائد وزوائد على الروضة (2) وغيرها، وكان فيه استهتار لبعض العلماء فالله يسامحه، وكانت وفاته يوم الثلاثاء المنتصف من رمضان، ودفن بالقرافة رحمه الله انتهى. الشيخ الامام العلامة ابن القويع ركن الدين بن القويع، أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الجليل الوسي الهاشمي الجعفري التونسي المالكي، المعروف بابن القويع، كان من أعيان الفضلاء وسادة الاذكياء، ممن جمع الفنون الكثيرة والعلوم الاخروية الدينية الشرعية الطيبة، وكان مدرسا بالمنكود مرية، وله وظيفة في المارستان المنصوري، وبها توفي في بكرة السابع عشر من ذي الحجة، وترك مالا وأثاثا ورثه بيت المال. وهذا آخر ما أرخه شيخنا الحافظ علم الدين البرزالي في كتابه الذي ذيل به على تاريخ الشيخ شهاب الدين أبي شامة المقدسي، وقد ذيلت على تاريخه إلى زماننا هذا، وكان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الاربعاء من جمادى الآخرة من سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، أحسن الله خاتمتها آمين. وإلى هنا انتهى ما كتبته من لدن خلق آدم إلى زماننا هذا ولله الحمد والمنة. وما أحسن ما قال الحريري. وإن تجد عيبا فسد الخللا * فجل من لا عيب فيه وعلا كتبه إسماعيل بن كثير بن صنو القرشي الشافعي عفا الله عنه آمين. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وسبعمائة استهلت وسلطان الاسلام بالديار المصرية وما والاها والديار الشامية وما والاها والحرمين الشريفين الملك الناصر بن الملك المنصور قلاوون، ولا نائب له لا وزير أيضا


(1) قال المقريزي في المواعظ: كان بالقبة المنصورية دروس للفقهاء على المذاهب الاربعة (2 / 380).

(2) وهو كتاب الروضة في الفروع " روضة الطالبين وعمدة المتقين) للامام يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة 676 ه‍ (كشف الظنون 1 / 929).

[ 215 ]

بمصر، وقضاة مصر، أما الشافعي فقاضي القضاة عز الدين ابن قاضي القضاة صدر الدين محمد ابن إبراهيم بن جماعة، وأما الحنفي فقاضي القضاة حسام الدين الغوري، حسن بن محمد، وأما المالكي فتقي الدين الاخنائي، وأما الحنبلي فموفق الدين بن نجا المقدسي، ونائب الشام الامير سيف الدين تنكز وقضاته جلال الدين القزويني الشافعي المعزول عن الديار المصرية، والحنفي عماد الدين الطرسوسي، والمالكي شرف الدين الهمداني، والحنبلي علاء الدين بن المنجا التنوخي. ومما حدث في هذه السنة إكمال دار الحديث السكرية وباشر مشيخة الحديث بها الشيخ الامام الحافظ مؤرخ الاسلام محمد بن شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، وقرر فيها ثلاثون محدثا لكل منهم جراى وجامكية كل شهر سبعة دراهم ونصف رطل خبز، وقرر للشيخ ثلاثون ورطل خبز، وقرر فيها ثلاثون نفرا يقرأون القرآن ؟ لكل عشرة شيخ، ولكل واحد من القراء نظير ما للمحدثين، ورتب لها إمام وقارئ حديث ونواب، ولقارئ الحديث عشرون درهما وثمان أواق خبز، وجاءت في غاية الحسن في شكالاتها وبنائها، وهي تجاه دار الذهب التي أنشأها الواقف الامير تنكز، ووقف عليها عدة أماكن: منها سوق القشاشيين بباب الفرج، طوله عشرون ذراعا شرقا وغربا. سماه في كتاب الوقف، وبندر زيدين، وحمام بحمص وهو الحمام القديم، ووقف عليها حصصا في قرايا أخر، ولكنه تغلب على ما عدا القشاشيين، وبندر زيدين، وحمام حمص. وفيها قدم القاضي تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي من الديار المصرية حاكما على دمشق وأعمالها، وفرح الناس به، ودخل الناس يسلمون عليه لعلمه وديانته وأمانته، ونزل بالعادلية الكبيرة على عادة من تقدمه، ودرس بالغزالية والاتابكية، واستناب ابن عمه القاضي بهاء الدين أبو البقاء، ثم استناب ابن عمه أبا الفتح، وكانت ولايته الشام بعد وفاة قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحيم القزويني الشافعي، على ما سيأتي بيانه في الوفيات من هذه السنة. وممن توفي فيها من الاعيان في المحرم سنة تسع وثلاثين وسبعمائة: العلامة قاضي القضاة فخر الدين عثمان بن الزين علي بن عثمان الحلبي، ابن خطيب جبرين (1) الشافعي، ولي قضاء حلب وكان إماما صنف شرح مختصر ابن الحاجب في الفقه، وشرح البديع لابن الساعاتي، وله فوائد


(1) في الاصل جسرين، تحريف، وجبرين قرية من قرى حلب.

[ 216 ]

غزيرة ومصنفات جليلة، تولى حلب بعد عزل الشيخ ابن النقيب، ثم طلبه السلطان فمات هو وولده الكمال وله بضع وسبعون سنة. وممن توفي فيها: قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الشافعي، قدم هو وأخوه أيام التتر من بلادهم إلى دمشق، وهما فاضلان، بعد التسعين وستمائة فدرس إمام الدين في تربة أم الصالح وأعاد جلال الدين بالباد رائية عند الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين شيخ الشافعية، ثم تقلبت بهم الاحوال إلى أن ولي إمام الدين قضاء الشافعية بدمشق، انتزع له من يد القاضي بدر الدين بن جماعة، ثم هرب سنة قازان إلى الديار المصرية مع الناس فمات هنالك، وأعيد ابن جماعة إلى القضاء، وخلت خطابة البلد سنة ثلاث وسبعمائة، فوليها جلال الدين المذكور، ثم ولي القضاء بدمشق سنة خمس وعشرين مع الخطابة، ثم انتقل إلى الديار المصرية سنة سبع وعشرين بعد أن عجر قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بسبب الضرر في عينيه فلما كان في سنة ثمان وثلاثين تعصب عليه السلطان الملك الناصر بسبب أمور يطول شرحها، ونفاه إلى الشام، واتفق موت قاضي القضاة شهاب الدين بن المجد عبد الله كما تقدم، فولاه السلطان قضاء الشام عودا على بدء، فاستناب ولده بدر الدين على نيابة القضاء الذي هو خطيب دمشق، كانت وفاته في أواخر هذه السنة، ودفن بالصوفية، وكانت له يد طولى في المعاني والبيان، ويفتي كثيرا، وله مصنفات في المعاني (1) ومصنف مشهور اختصر فيه المفتاح للسكاكي، وكان مجموع الفضائل، مات وكان عمره قريبا من السبعين أو جاوزها (2). وممن توفي فيها رابع [ ذي ] الحجة يوم الاحد: الشيخ الامام الحافظ ابن البرزالي علم الدين أبو محمد القاسم بن محمد بن البرزالي مؤرخ الشام الشافعي، ولد سنة وفاة الشيخ ابن أبي شامة سنة خمس وستين وستمائة، وقد كتب تاريخا ذيل به على الشيخ شهاب الدين، من حين وفاته ومولد البرزالي إلى أن توفي في هذه السنة، وهو محرم، فغسل وكفن ولم يستر رأسه، وحمله الناس على نعشه وهم يبكون حوله، وكان يوما مشهودا، وسمع الكثير أزيد من ألف شيخ، وخرج له المحدث شمس الدين بن سعد مشيخة لم يكملها، وقرأ شيئا كثيرا،


(1) هو كتاب تصانيف الايضاح على صاحب المفتاح في المعاني والبيان، ومن مؤلفاته المشذر المرجاني من شعر الارجاني (هدية العارفين 2 / 150).

(2) كان مولده سنة 666 بالموصل، مات في جمادى الاولى وله ثلاث وسبعون سنة (تذكرة النبيه 2 / 299).

[ 217 ]

وأسمع شيئا كثيرا، وكان له خط حسن، وخلق حسن، وهو مشكور عند القضاة ومشايخه أهل ؟ العلم، سمعت العلامة ابن تيمية يقول: نقل البرزالي نقر في حجر. وكان أصحابه من كل الطوائف يحبونه ويكرمونه، وكان له أولاد ماتوا قبله، وكتبت ابنته فاطمة البخاري في ثلاثة عشر مجلدا فقابله لها، وكان يقرأ فيه على الحافظ المزي تحت القبة، حتى صارت نسختها أصلا معتمدا يكتب منها الناس، وكان شيخ حديث بالنورية وفيها وقف كتبه بدار الحديث السنية، وبدار ؟ الحديث القوصية وفي الجامع وغيره وعلى كراسي الحديث، وكان متواضعا محببا إلى الناس، متوددا إليهم، توفي عن أربع وسبعين سنة رحمه الله. المؤرخ شمس الدين محمد بن إبراهيم الجوزي، جمع تاريخا حافلا، كتب فيه أشياء يستفيد منها الحافظ كالمزي والذهبي والبرزالي يكتبون عنه ويعتمدون على نقله، وكان شيخا قد جاوز الثمانين، وثقل سمعه ؟ وضعف خطه، وهو والد الشيخ ناصر الدين محمد وأخوه مجد الدين. ثم دخلت سنة أربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان المسلمين الملك الناصر، وولاته وقضاته المذكورون في التي قبلها إلا الشافعي بالشام فتوفي القزويني وتولى العلامة السبكي. ومما وقع من الحوادث العظمية الهائلة أن جماعة من رؤس النصارى اجتمعوا في كنيستهم وجمعوا من بينهم مالا جزيلا فدفعوه إلى راهبين قدما عليها من بلاد الروم، يحسنان صنعة النفط، اسم أحدهما ملاني الآخر عازر فعملا كحطا من نفط، وتلطفا حتى عملاه لا يظهر تأثيره إلا بعد أربع ساعات وأكثر من ذلك، فوضعا في شقوق دكاكين التجار في سوق الرجال عند الدهشة في عدة دكاكين من آخر النهار، بحيث لا يشعر أحد بهما، وهما في زي المسلمين، فلما كان في أثناء الليل لم يشعر الناس إلا والنار قد عملت في تلك الدكاكين حتى تعلقت في درابزينات المأذنة الشرقية المتجهة للسوق المذكور، وأحرقت الدرابزينات، وجاء نائب السلطنة تنكز والامراء أمراء الالوف، وصعدوا المنارة وهي تشعل نارا، واحترسوا عن الجامع فلم ينله شئ من الحريق ولله الحمد والمنة، وأما المأذنة فإنها تفجرت أحجارها واحترقت السقالات التي تدل السلالم وأعيد بناؤها بحجارة جدد، وهي المنارة الشرقية التي جاء في الحديث أنه ينزل عليها عيسى ابن مريم كما سيأتي الكلام عليه في نزول عيسى عليه السلام والبلد محاصر بالدجال. والمقصود أن النصارى بعد ليال عمدوا إلى ناحية الجامع من المغرب إلى القيسارية بكمالها، وبما فيها من الاقواس والعدد، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وتطاير شرر النار إلى ما حول

[ 218 ]

القيسارية من الدور والمساكن والمدارس، واحترق جانب من المدرسة الامينية إلى جانب المدرسة المذكورة وما كان مقصودهم إلا وصول النار إلى معبد المسلمين، فحال الله بينهم وبين ما يرومون، وجاء نائب السلطنة والامراء وحالوا بين الحريق والمسجد، جزاهم الله خيرا. ولما تحقق نائب السلطنة أن هذا من فعلهم أمر بمسك رؤس النصارى فأمسك منهم نحوا من ستين رجلا، فأخذوا بالمصادرات (1) والضرب والعقوبات وأنواع المثلات، ثم بعد ذلك صلب منهم أزيد من عشرة (1) على الجمال، وطاف بهم في أرجاء البلاد وجلعوا يتماوتون واحدا بعد واحد، ثم أحرقوا بالنار حتى صارو رمادا لعنهم الله، انتهى والله أعلم. سبب مسك تنكز لما كان يوم الثلاثاء (2) الرابع والعشرين من ذي الحجة جاء الامير طشتمر من صغد مسرعا وركب جيش دمشق ملبسا، ودخل نائب السلطنة من قصره مسرعا إلى دار السعادة، وجاء الجيش فوقفوا على باب النصر، وكان أراد أن يلبس ويقابل فعذلوه في ذلك، وقالوا: المصلحة الخروج إلى السلطان سامعا مطيعا، فخرج بلا سلاح، فلما برز إلى ظاهر البلد التف عليه الفخري وغيره، وأخذوه وذهبوا به إلى ناحية الكسوة، فلما كان عند قبة يلبغا نزلوا وقيدوه وخصاياه من قصره، ثم ركب البريد وهو مقيد وساروا به إلى السلطان، فلما وصل أمر بمسيره إلى الاسكندرية، وسألوا عن ودائعه فأقر ببعض، ثم عوقب حتى أقر بالباقي، ثم قتلوه ودفنوه بالاسكندرية (3)، ثم نقلوه إلى تربته بدمشق رحمه الله، وقد جاوز الستين، وكان عادلا مهيبا عفيف الفرج واليد، والناس في أيامه في غاية الرخص والامن والصيانة فرحمه الله، وبل بالرحمة ثراه.


(1) صودروا بنحو ألف درهم، وصلب منهم عشر نفرا (تذكرة النبيه 2 / 313).

(2) في بدائع الزهور 1 / 1 / 478: يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة. وفي السلوك 2 / 495 والنجوم الزاهرة 9 / 113: نهار الثلاثاء الحادي والعشرين ذي الحجة. وعن سبب القبض عليه أشار في بدائع الزهور إلى تمنعه عن الاجابة إلى طلب السلطان إليه بالمسير إلى القاهرة ورغم تكرار الطلب. أما المقريزي فيرى لتغير السلطان عليه أسبابا أخرى، قال: أنه كان يكتب إلى السلطان يستأذنه في سيره إلى ناحية جعبر، فمنعه السلطان من ذلك لما في تلك البلاد من الغلاء، وألح في الطلب والجواب يرد بمنعه حتى حنق عليه السلطان - فقال تنكز: - والله لقد تغير عقل استاذنا وصار يسمع من الصبيان الذين حوله والله لو سمع مني لكنت أشرت عليه بأن يقيم أحد أولاده وأقوم أنا بتدبير أمره، فكتب بذلك إلى السلطان، وذكر سببا آخر: أن تنكز غضب على بعض مماليك الروم - ومنهم جوبان - فكتب السلطان يشفع بجوبان فلم يجبه تنكز في أمره رغم إلحاحه في أمره فاشتد غضب السلطان عليه.

(3) وكان ذلك يوم الثلاثاء نصف المحرم سنة 741 ه‍ (انظر تاريخ الشجاعي ص 71 - 89 والمصادر السابقة في الحاشية السابقة).

[ 219 ]

وله أوقاف كثيرة من ذلك مرستان بصفد، وجامع بنابلس وعجلون، وجامع بدمشق، ودار الحديث بالقدس ودمشق، ومدرسة وخانقاه بالقدس، ورباط وسوق موقوف على المسجد الاقصى، وفتح شباكا في المسجد. انتهى والله تعالى أعلم. وممن توفي فيها من الاعيان: أمير المؤمنين المستكفي بالله أبو الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله بن العباس أحمد بن أبي علي الحسن بن أبي بكر بن علي ابن أمير المؤمنين المسترشد بالله العباسي، البغدادي الاصل والمولد، مولده سنة ثلاث وثمانين وستمائة أو في التي قبلها، وقرأ واشتغل قليلا، وعهد إليه أبوه بالامر وخطب له عند وفاة والده سنة إحدى وسبعمائة، وفوض جميع ما يتعلق به من الحل والعقد إلى السلطان الملك لناصر، وسار إلى غزو التتر فشهد مصاف شقحب، ودخل دمشق في شعبان سنة اثنتين وسبعمائة وهو راكب مع السلطان، وجميع كبراء الجيش مشاة، ولما أعرض السلطان عن الامر وانعزل بالكرك ؟ التمس الامراء من المستكفي أن يسلطن من ينهض بالملك، فقلد الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير وعقد له اللواء وألبسه خلعة السلطنة، ثم عاد الناصر إلى مصر وعذر الخليفة في فعله، ثم غضب عليه وسيره إلى قوص فتوفي في هذه السنة في قوص في مستهل شعبان. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وسبعمائة استهلت يوم الاربعاء وسلطان المسلمين الملك الناصر محمد بن قلاوون بن الملك المنصور قلاوون، وقضاته بمصر هم المذكورون في التي قبلها، وليس في دمشق نائب سلطنة، وإنما الذي يسد الامور الامير سيف الدين طشتمر الملقب بالحمص الاخضر، الذي جاء بالقبض على الامير سيف الدين تنكز، ثم جاء المرسوم بالرجوع إلى صفد فركب من آخر النهار وتوجه إلى بلده، وحواصل الامير تنكز تحت الحوطة كما هي. وفي صبيحة يوم السبت رابع المحرم من السنة المذكورة قدم من الديار المصرية خمسة أمراء الامير سيف الدين بشتك الناصري ومعه برصبغا الحاجب (1)، وطاشار الدويدار (2) وبنعرا (3)


(1) وهو سيف الدين برسبغا بن عبد الله الحاجب توفي سنة 742 ه‍ (الدرر الكامنة 1 / 474).

(2) وهو سيف الدين طاجار بن عبد الله الناصري الدوادار توفي سنة 742 (النجوم الزاهرة 10 / 75 الدرر 2 / 213).

(3) وقيل بيغرا، وهو سي‍ ف الدين بيغرا الناصري وفاته سنة 754 (الدرر 1 / 514).

[ 220 ]

وبطا (1)، فنزل بشتاك بالقصر الابلق والميادين، وليس معه من مماليكه إلا القليل، وإنما جاء لتجديد البيعة إلى السلطان لما توهموا من ممالاة بعض الامراء لنائب الشام المنفصل، وللحوطة على حواصل الامير سيف الدين تنكز المنفصل عن نيابة الشام وتجهيزها للديار المصرية. وفي صبيحة يوم الاثنين سادسه دخل الامير علاء الدين الطنبغا إلى دمشق نائبا، وتلقاه الناس وبشتك والامراء المصريون، ونزلوا إلى عتبته فقبلوا العتبة الشريفة، ورجعوا معه إلى دار السعادة، وقرئ تقليده. وفي يوم الاثنين ثالث عشره مسك من الامراء المقدمين أميران كبيران الجي بغا العادلي، وطنبغا الحجي، ورفعا إلى القلعة المنصورة واحتيط على حواصلهما. وفي يوم الثلاثاء تحملوا بيت ملك الامراء سيف الدين تنكز وأهله وأولاده إلى الديار المصرية. وفي يوم الاربعاء خامس عشره ركب نائب السلطنة الامير علاء الدين طنبغا ومعه الامير سيف الدين بشتك الناصري والحاجة رقطية وسيف الدين قطلوبغا الفخري وجماعة من الامراء المقدمين واجتموا بسوق الخيل واستدعوا بمملوكي الامير سيف الدين تنكز وهما بغاي وطغاي. فأمر بتوسيطهما فوسطا وعلقا على الخشب ونودي عليهما: هذا جزاء من تجاسر على السلطان الناصر. وفي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين (2) من هذا الشهر كانت وفاة الامير سيف الدين تنكز نائب الشام بقلعة اسكندرية، قيمخنوقا وقيل مسموما (3) وهو الاصح، وقيل غير ذلك، وتأسف الناس عليه كثيرا، وطال حزنهم عليه، وفي كل وقت يتذكرون ما كان منه من الهيبة والصيانة والغيرة على حريم المسلمين ومحارم الاسلام، ومن إقامته على ذوي الحاجات وغيرهم، ويشتد تأسفهم عليه رحمه الله. وقد أخبر القاضي أمين الدين بن القلانسي رحمه الله شيخنا الحافظ العلامة عماد الدين بن كثير رحمه الله أن الامير سيف الدين تنكز مسك يوم الثلاثاء ودخل مصر يوم الثلاثاء ودخل الاسكندرية يوم الثلاثاء وتوفي يوم الثلاثاء وصلي عليه بالاسكندرية ودفن بمقبرتها في الثالث والعشرين من المحرم بالقرب من قبر القباري، وكانت له جنازة جيدة. وفي يوم الخميس سابع شهر صفر قدم الامير سيف الدين طشتمر الذي مسك تنكز إلى دمشق فنزل بوطأة برزة بجيشه ومن معه ثم توجه إلى حلب المحروسة نائبا بها عوضا عن الطنبغا المنفصل عنها. وفي صبيحة يوم الخميس ثالث عشر ربيع الاول نودي في البلد بجنازة الشيخ الصالح العابد


(1) بطا أو بكا، وهو سيف الدين بكا بن عبد الله الخضري الناصري كانت وفاته سنة 743 ه‍ (النجوم الزاهرة 10 / 104 والدرر 1 / 480).

(2) انظر حاشية 3 صفحة 218.

(3) في بدائع الزهور 1 / 1 / 479: بعد سجنه أربعين يوما وهو مقيد، رسم السلطان بخنقه، فأرسل إليه الحاج ابراهيم بن صابر، مقدم الدولة، فخنقه وهو بالسجن.

[ 221 ]

الناسك القدوة الشيخ محمد بن تمام توفي بالصالحية، فذهب الناس إلى جنازته إلى الجامع المظفري، واجتمع الناس على صلاة الظهر فضاق الجامع المذكور عن أن يسعهم، وصلى بالناس في الطرقات وأرجاء الصالحية، وكان الجمع كثيرا جدا لم يشهد الناس جنازة بعد جنازة الشيخ تقي الدين بن تيمية مثلها، لكثرة من حضرها من الناس رجالا ونساء، وفيهم القضاة والاعيان والامراء وجمهور الناس يقاربون عشرين ألفا، وانتظر الناس نائب السلطنة فاشتغل بكتاب ورد عليه من الديار المصرية، فصلى عليه الشيخ بعد صلاة الظهر بالجامع المظفري، ودفن عند أخيه في تربة بين تربة الموفق وبين تربة الشيخ أبي عمر رحمهم الله وإيانا. وفي أول شهر جمادى الاولى توفيت الشيخة العابدة الصالحة العالمة قارئة القرآن أم فاطمة عائشة بنت إبراهيم بن صديق زوجة شيخنا الحافظ جمال الدين المزي عشية يوم الثلاثاء مستهل هذا الشهر وصلي عليها بالجامع صبيحة يوم الاربعاء ودفنت بمقابر الصوفية غربي قبر الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمهم الله. كانت عديمة النظير في نساء زمانها لكثرة عبادتها وتلاوتها وإقرائها القرآن العظيم بفصاحة وبلاغة وأداء صحيح، يعجز كثير من الرجال عن تجويده، وختمت نساء كثيرا، وقرأ عليها من النساء خلق وانتفعن بها وبصلاحها ودينها وزهدها في الدنيا، وتقللها منها، مع طول العمر بلغت ثمانين سنة أنفقتها في طاعة الله صلاة وتلاوة، وكان الشيخ محسنا إليها مطيعا، لا يكاد يخالفها لحبه لها طبعا وشرعا فرحمها الله وقدس روحها، ونور مضجعها بالرحمة آمين. وفي يوم الاربعاء الحادي والعشرين منه درس بمدرسة الشيخ أبي عمر بسفح قاسيون الشيخ الامام شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي، في التدريس البكتمري عوضا عن القاضي برهان الدين الزرعي، وحضر عنده المقادسة وكبار الحنابلة، ولم يتمكن أهل المدينة من الحضور لكثرة المطر والوحل يومئذ. وتكامل عمارة المنارة الشرقية في الجامع الاموي في العشر الاخير من رمضان، واستحسن الناس بناءها وإتقانها، وذكر بعضهم أنه لم يبن في الاسلام منارة مثلها ولله الحمد. ووقع لكثير من الناس في غالب ظنونهم أنها المنارة البيضاء الشرقية التي ذكرت في حديث النواس بن سمعان في نزول عيسى ابن مريم على المنارة البيضاء في شرقي دمشق، فلعل لفظ الحديث انقلب على بعض الرواة، وإنما كان على المنارة الشرقية بدمشق، وهذه المنارة مشهورة بالشرقية لمقابلتها أختها الغربية، والله سبحانه وتعالى أعلم. وفي يوم الثلاثاء سلخ شهر شوال عقد مجلس في دار العدل بدار السعادة وحضرته يومئذ واجتمع القضاة والاعيان على العادة وأحضر يومئذ عثمان الدكاكي قبحه الله تعالى، وادعي عليه بعظائم من القول لم يؤثر مثلها عن الحلاج ولا عن ابن أبي الغدافر السلقماني، وقامت عليه البينة دعوى ؟ الالهية لعنه الله، وأشياء أخر من التنقيص بالانبياء ومخالطته أرباب الريب من الباجريقية

[ 222 ]

وغيرهم من الاتحادية عليهم لعائن الله، ووقع منه في مجلس من إساءة الادب على القاضي الحنبلي وتضمن ذلك تكفيره من المالكية أيضا، فادعى أن له دوافع وقوادح في بعض الشهود، فرد إلى السجن مقيدا مغلولا مقبوحا، أمكن الله منه بقوته وتأييده، ثم لما كان يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي القعدة أحضر عثمان الدكاكي المذكور إلى دار السعادة وأقيم إلى بين يدي الامراء والقضاة وسئل عن القوادح في الشهود فعجز فلم يقدر، وعجز عن ذلك فتوجه عليه الحكم، فسئل القاضي المالكي الحكم عليه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم حكم بإراقة دمه وإن تاب، فأخذ المذكور فضربت رقبته بدمشق بسوق الخيل، ونودي عليه: هذا جزاء من يكون على مذهب الاتحادية، وكان يوما مشهودا بدار السعادة، حضر خلق من الاعيان والمشايخ، وحضر شيخنا جمال الدين المزي الحافظ، وشيخنا الحافظ شمس الدين الذهبي، وتكلما وحرضا في القضية جدا، وشهدا بزندقة المذكور بالاستفاضة، وكذا الشيخ زين الدين أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وخرج القضاة الثلاثة المالكي والحنفي والحنبلي، وهم نفذوا حكمه في المجلس فحضروا قتل المذكور وكنت مباشرا لجميع ذلك من أوله إلى آخره. وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذي القعدة أفرج عن الاميرين العقيلين بالقلعة وهما طنبغا حجا والجي بغا، وكذلك أفرج عن خزاندارية تنكز الذي تأخروا بالقعلة، وفرح الناس بذلك. ذكر وفاة الملك الناصر محمد بن قلاوون في صبيحة يوم الاربعاء السابع والعشرين من ذي الحجة قدم إلى دمشق الامير سيف الدين قطلوبغا الفخري نائب السلطنة وعامة الامراء لتلقيه، وكان قدومه على خيل البريد، فأخبر بوفاة السلطان الملك الناصر، كانت وفاته يوم الاربعاء آخره. وأنه صلي عليه ليلة الجمعة بعد العشاء ودفن مع أبيه الملك المنصور على ولده أنوك، وكان قبل موته أخذ العهد لابنه سيف الدين أبي بكر ولقبه الملك المنصور، فلما دفن السلطان ليلة الجمعة حضره من الامراء قليل، وكان قد ولي عليه الامير علم الدين الجاولي، ورجل آخر منسوب إلى الصلاح يقال له الشيخ عمر بن محمد ابن إبراهيم الجعبري، وشخص آخر من الجبابرية، ودفن كما ذكرنا، ولم يحضر ولده ولي عهده دفنه، ولم يخرج من القلعة ليلتئذ عن مشورة الامراء لئلا يتخبط الناس، وصلي عليه القاضي عز الدين بن جماعة إماما، والجاولي وايدغمش وأمير آخر والقاضي بهاء الدين بن حامد ابن قاضي دمشق السبكي، وجلس الملك المنصور سيف الدنيا والدين أبو المعالي أبو بكر على سرير المملكة. وفي صبيحة يوم الخميس الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، بايعه الجيش المصري، وقدم الفخري لاخذ البيعة من الشاميين، ونزل بالقصر الابلق وبايع الناس

[ 223 ]

للملك المنصور بن الناصر بن المنصور، ودقت البشائر بالقلعة المنصورة بدمشق صبيحة يوم الخميس الثامن والعشرين منه، وفرح الناس بالملك الجديد، وترحموا على الملك ودسوا له وتأسفوا عليه رحمه الله. ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة استهلت بيوم الاحد وسلطان الاسلام بالديار المصرية والبلاد الشامية وما والاها الملك المصنور سيف الدين أبو بكر بن الملك السلطان الناصر ناصر الدين محمد بن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي، ونائب الشام الامير علاء الدين طنبغا وقضاة الشام ومصر هم المذكورون في التي قبلها، وكذا المباشرون سوى الولاة. شهر الله المحرم: ولاية الخليفة الحاكم بأمر خالله وفي هذا اليوم بويع بالخلافة أمير المؤمنين أبو القاسم أحمد بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان العباسي ولبس السواد وجلس مع الملك المنصور على سرير المملكة، وألبسه خلعة سوداء أيضا، فجلسا وعليهما السواد، وخطب الخليفة يومئذ خطبة بليغة فصيحة مشتملة على أشياء من المواعظ والامر بالمعروف والنهي عن المنكر (1)، وخلع يومئذ على جماعة من الامراء والاعيان، وكان يوما مشهودا، وكان أبو القاسم هذا قد عهد إليه أبوه بالخلافة (2)، ولكن لم يمكنه الناصر من ذلك، وولى أبا إسحاق إبراهيم بن أخي أبي الربيع، ولقبه الواثق بالله، وخطب به بالقاهرة جمعة واحدة فعزله المنصور وقرر أبا القاسم هذا، وأمضى العهد ولقبه المستنصر بالله كما ذكرنا. وفي يوم الاحد ثامن المحرم مسك الامير سيف الدين بشتك الناصري آخر النهار، وكان قد كتب تقليده بنيابة الشام وخلع عليه بذلك وبرز ثقله ثم دخل على الملك المنصور ليودعه فرحب به وأجلسه وأحضر طعاما وأكلا، وتأسف الملك على فراقه، وقال: تذهب وتتركني وحدي، ثم قام لتوديعه وذهب بشتك من بين يديه ثماني خطوات أو نحوها، ثم تقدم إليه ثلاثة نفر فقطع أحدهم سيفه من وسطه بسكين، ووضع الآخر يده على فمه وكتفه الآخر، وقيدوه وذلك كله بحضرة السلطان، ثم غيب ولم يدر أحد إلى أين صار، ثم قالوا لمماليكه: اذهبوا أنتم فائتوا بمركوب


(1) نسخة الخطبة في السلوك 2 / 3 / 559.

(2) في بدائع الزهور 1 / 1 / 474: لما خلع من الخلافة، عهد إلى ولده أحمد من بعده، وثبت ذل‍ ك العهد على قاضي قوص - وكان الخليفة المستكفي قد أبعد إلى قوص وأقام بها ثلاث سنين ونصف ومات هناك في شعبان سنة 741 ه‍ - بشهادة أربعين رجلا من العدول. وأما الملك الناصر لم يول أحمد المذكور وتروى أربعة أشهر في أمر من يلي الخلافة إلى أن طلب - على حين غفلة - ابراهيم بن الامام أحمد الحاكم بأمر الله وولاه الخلافة.

[ 224 ]

الامير غدا، فهو بائت عند السلطان. أصبح السلطان وجلس على سرير المملكة وأمر بمسك جماعة من الامراء وتسعة من الكبار، واحتاطوا على حواصله وأمواله وأملاكه، فيقال إنه وجد عنده من الذهب ألف ألف دينار، وسبعمائة ألف دينار. وفاة شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي تمرض أياما يسيرة مرضا لا يشغله عن شهود الجماعة، وحضور الدروس، وإسماع الحديث، فلما كان يوم الجمعة حادي عشر صفر أسمع الحديث إلى قريب وقت الصلاة، ثم دخل منزله ليتوضأ ويذهب للصلاة فاعترضه في باطنه مغص عظيم، ظن أنه قولنج، وما كان إلا طاعون، فلم على حضور الصلاة، فلما فرغنا من الصلاة أخبرت بأنه منقطع، فذهبت إليه فدخلت عليه فإذا هو يرتعد رعدة شديدة من قوة الالم الذي هو فيه، فسألته عن حاله فجعل يكرر الحمد لله، ثم أخبرني بما حصل له من المرض الشديد، وصلى الظهر بنفسه، ودخل إلى الطهارة وتوضأ على البركة، وهو في قوة الوجع ثم اتصل به هذا الحال إلى الغد من يوم السبت، فلما كان وقت الظهر لم أكن حاضره إذ ذاك، لكن أخبرتنا بنته زينب زوجتي أنه لما أذن الظهر تغير ذهنه قليلا، فقالت: يا أبة أذن الظهر، فذكر الله وقال: أريد أن أصلي فتيمم وصلى ثم اضطجع فجعل يقرأ آية الكرسي حتى جعل لا يفيض بها لسانه ثم قبضت روحه بين الصلاتين، رحمه الله يوم السبت ثاني عشر صفر، فلم يمكن تجهيزه تلك الليلة، فلما كان من الغد يوم الاحد ثالث عشر صفر صبيحة ذلك اليوم، غسل وكفن وصلي عليه بالجامع الاموي، وحضر القضاة والاعيان وخلائق لا يحصون كثرة، وخرج بجنازته من باب النصر، وخرج نائب السلطنة الامير علاء الدين طنبغا ومعه ديوان السلطان، والصاحب وكاتب السر وغيرهم من الامراء، فصلوا عليه خارج باب النصر، أمهم عليه القاضي تقي الدين السبكي الشافعي، وهو الذي صلى عليه بالجامع الاموي، ثم ذهب به إلى مقابر الصوفية فدفن هناك إلى جانب زوجته المرأة الصالحة الحافظة لكتاب الله، عائشة بنت إبراهيم بن صديق، غربي قبر تقي الدين بن تيمية رحمهم الله أجمعين. كائنة غريبة جدا قدم يوم الاربعاء الثلاثين من صفر أمير من الديار المصرية ومعه البيعة للملك الاشرف علاء الدين كجك بن الملك الناصر، وذلك بعد عزل أخيه المنصور، لما صدر عنه من الافعال التي ذكر أنه تعاطاها من شرب المسكر وغشيان المنكرات، وتعاطي ما لا يليق به، ومعاشرة الخاصكية من المردان وغيرهم، فتمالا على خلعه كبار الامراء لما رأوا الامر تفاقم إلى الفساد العريض فأحضروا الخليفة الحاكم بأمر الله أبي الربيع سليمان فأثبت بين يديه ما نسب إلى الملك المنصور المذكور من الامور فحينئذ خلعه وخلعه الامراء الكبار وغيرهم، واستبدلوا مكانه أخاه هذا المذكور، وسيروه

[ 225 ]

إذ ذاك إلى قوص مضيقا عليه ومعه إخوة له ثلاثة، وقيل أكثر، وأجلسوا الملك الاشرف هذا على السرير، وناب له الامير سيف الدين قوصون الناصري، واستمرت الامور على السداد وجاءت إلى الشام فبايعه الامراء يوم الاربعاء المذكور، وضربت البشائر عشية الخميس مستهل ربيع الاول وخطب له بدمشق يوم الجمعة بحضرة نائب السلطنة والقضاة والامراء. وفي يوم الاربعاء سابع عشر ربيع الاول حضر بدار الحديث الاشرفية قاضي القضاة تقي الدين السبكي عوضا عن شيخنا الحافظ جمال الدين المزي، ومشيخة دار الحديث النورية عوضا عن ابنه رحمه الله. وفي شهر جمادى الاولى اشتهر أن نائب حلب الامير سيف الدين طشتمر الملقب بالحمص الاخضر قائم في نصرة ابن السلطان الامير أحمد الذي بالكرك، وأنه يستخدم لذلك ويجمع الجموع فالله أعلم. وفي العشر الثاني منه وصلت الجيوش صحبة الامير سيف الدين قطلوبغا الفخري إلى الكرك في طلب ابن السلطان الامير أحمد. وفي هذا الشهر كثر الكلام في أمر الامير أحمد بن الناصر الذي بالكرك، بسبب محاصرة الجيش الذي صحبة الفخري له، واشتهر أن نائب حلب الامير سيف الدين طشتمر الملقب بالحمص الاخضر قائم بجنب أولاد السلطان الذين أخرجوا من الديار المصرية إلى الصعيد، وفي القيام بالمدافعة عن الامير أحمد، ليصرف عنه الجيش، وترك حصاره وعزم بالذهاب إلى الكرك لنصرة أحمد ابن أستاذه، وتهيأ له نائب الشام بدمشق، ونادى في الجيش لملتقاه ومدافعته عما يريد من إقامة الفتنة وشق العصا، واهتم الجند لذلك، وتأهبوا واستعدوا، ولحقهم في ذلك كلفة كثيرة، وانزعج الناس بسبب ذلك وتخوفوا أن تكون فتنة، وحسبوا إن وقع قتال بينهم أن تقوم العشيرات في الجبال وحوران، وتتعطل مصالح الزراعات وغير ذلك، ثم قدم من حلب صاحب السلطان في الرسلية إلى نائب دمشق الامير علاء الدين الطنبغا ومعه مشافهة، فاستمع لها فبعث معه صاحب الميسرة أمان الساقي، فذهبا إلى حلب ثم رجعا في أواخر جمادى الآخرة وتوجها إلى الديار المصرية، واشتهر أن الامر على ما هو عليه حتى توافق على ما ذكر من رجوع أولاد الملك الناصر إلى مصر، ما عدا المنصور، وأن يخلي عن محاصرة الكرك. وفي العشر الاخير من جمادى الاولى توفي مظفر الدين موسى بن مهنا ملك العرب ودفن بتدمر وفي صبيحة يوم الثلاثاء ثاني جمادى الآخرة عند طلوع الشمس توفي الخطيب بدر الدين محمد بن القاضي جلال الدين القزويني بدار الخطابة بعد رجوعه من الديار المصرية كما قدمنا، فخطب جمعة واحدة وصلى بالناس إلى ليلة الجمعة الاخرى ثم مرض فخطب عنه أخوه تاج الدين عبد الرحيم على العادة ثلاثة جمع، وهو مريض إلى أن توفي يومئذ، وتأسف الناس عليه لحسن شكله وصباحة وجهه وحسن ملتقاه وتواضعه، واجتمع الناس للصلاة عليه للظهر فتأخر تجهيزه إلى العصر فصلى عليه بالجامع قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وخرج به الناس إلى الصوفية، وكانت جنازته حافلة جدا، فدفن عند أبيه بالتربة التي أنشأها الخطيب بدر الدين هناك رحمه الله.

[ 226 ]

وفي يوم الجمعة خامس الشهر بعد الصلاة خرج نائب السلطنة الامير علاء الدين الطنبغا وجميع الجيش قاصدين للبلاد الحلبية للقبض على نائب حلب الامير سيف الدين طشتمر، لاجل ما أظهر من القيام مع ابن السلطان الامير أحمد الذي في الكرك، وخرج الناس في يوم شديد المطر كثير الوحل، وكان يوما مشهودا عصيبا، أحسن الله العاقبة. وأمر القاضي تقي الدين السبكي الخطيب المؤذنين بزيادة أذكار على الذي كان سنه فيهم الخطيب بدر الدين من التسبيح والتحميد والتهليل الكثير ثلاثا وثلاثين، فزادهم السبكي قبل ذلك: أستغفر الله العظيم ثلاثا، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام، ثم أثبت ما في صحيح مسلم بعد صلاتي الصبح والمغرب: اللهم أجرنا من النار سبعا، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاثا، وكانوا قبل تلك السنوات قد زادوا بعد التأذين الآية ليلة الجمعة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وآله، يبتدئ الرئيس منفردا ثم يعيد عليه الجماعة بطريقة حسنة، وصار ذلك سببا لاجتماع الناس في صحن الجامع لاستماع ذلك، وكلما كان المبتدئ حسن الصوت كانت الجماعة أكثر اجتماعا، ولكن طال بسبب ذلك الفصل، وتأخرت الصلاة عن أول وقتها. انتهى. كائنة غريبة جدا وفي ليلة الاحد عشية السبت نزل الامير سيف الدين قطلوبغا الفخري بظاهر دمشق بين الجسورة وميدان الحصى بالاطلاب الذين جاؤوا معه من البلاد المصرية لمحاصرة الكرك للقبض على ابن السلطان الامير أحمد بن الناصر، فمكثوا على الثنية محاصرين مضيقين عليه إلى أن توجه نائب الشام إلى حلب، ومضت هذه الايام المذكورة، فما درى الناس إلا وقد جاء الفخري وجموعه، وقد بايعوا الامير أحمد وسموه الناصر بن الناصر، وخلعوا بيعة أخيه الملك الاشرف علاء الدين كجك (1) واعتلوا بصغره، وذكروا إن أتابكة الامير سيف الدين قوصون الناصري قد عدى على ابني السلطان فقتلهما خنقا ببلاد الصعيد (2): جهز إليهما من تولى ذلك، وهما الملك المنصور أبو بكر ورمضان، فتنكر الامير بسبب ذلك، وقالوا هذا يريد أن يجتاح هذا البيت ليتمكن هو من أخذ المملكة، فحموا لذلك وبايعوا ابن أستاذهم وجاؤو ؟ في الذهاب خلف الجيش ليكونوا عونا للامير سيف الدين طشتمر نائب حلب ومن معه، وقد كتبوا إلى الامراء يستميلونهم إلى هذا، ولما نزلوا بظاهر دمشق خرج إليهم من بدمشق من الاكابر والقضاة والمباشرين، مثل والي البر ووالي المدينة وابن سمندار وغيرهم، فلما كان الصباح خرج أهالي دمشق عن بكرة أبيهم، على عادتهم


(1) قال ابن إياس في بدائع الزهور 1 / 491 أن كجك لفظ أعجمي معناه بالعربية: صغير.

(2) انظر تاريخ الشجاعي ص 219 زاد قائلا: وقطعت الرأس وأرسلت إلى قوصون في جمادى الآخرة سنة 742 ه‍. وكان قد خنقه والي قوص. (انظر بدائع الزهور 1 / 3 / 489 زاد وقال: وكان ذلك سببا لزوال أمر الاتابكي قوصون ودماره).

[ 227 ]

في قدوم السلاطين، ودخول الحجاج، بل أكثر من ذلك من بعض الوجوه، وخرج القضاة والصاحب والاعيان والولاة وغيرهم، ودخل الامير سيف الدين قطلوبغا في دست نيابة السلطنة التي فوضها إليه الملك الناصر الجديد وعن يمينه الشافعي، وعن شماله الحنفي على العادة، والجيش كله محدق به في الحديد، والعقارات والبوقات والنشابة السلطانية والسناجق الخليفية والسلطانية تخفق، والناس في الدعاء والثناء للفخري، وهم في غاية الاستبشار والفرح، وربما نال بعض جهلة الناس من النائب الآخر الذي ذهب إلى حلب، ودخلت الاطلاب بعده على ترتيبهم، وكان يوما مشهودا، فنزل شرقي دمشق قريبا من خان لاجين، وبعث في هذا اليوم فرسم على القضاة والصاحب، وأخذ من أموال الايتام وغيرها خمسمائة ألف، وعوضهم عن ذلك بقرية من بيت المال، وكتب بذلك سجلات، واستخدم جيدا، وانضاف إليه من الامراء الذين كانوا قد تخلفوا بدمشق جماعة منهم تمر الساقي مقدم، وابن قراسنقر وابن الكامل وابن المعظم وابن البلدي وغيرهم، وبايع هؤلاء كلهم مع مباشري دمشق للملك الناصر بن الناصر، وأقام الفخري على خان لاجين، وخرج المتعيشون بالصنائع إلى عندهم وضربت البشائر بالقعلة صبيحة يوم الثلاثاء سادس عشر الشهر، ونودي بالبلد إن سلطانكم الملك الناصر أحمد بن الناصر محمد بن قلاوون، ونائبكم سيف الدين قطلوبغا الفخري، وفرح كثير من الناس بذلك، وانضاف إليه نائب صفد وبايعه نائب بعلبك، واستخدموا له رجالا وجندا، ورجع إليه الامير سيف الدين سنجر الجمقدار رأس الميمنة بدمشق، وكان قد تأخر في السفر عن نائب دمشق علاء الدين الطنبغا، بسبب مرض عرض له، فلما قدم الفخري رجع إليه وبايع الناصر بن الناصر، ثم كاتب نائب حماة تغردمر الذي ناب بمصر للملك المنصور، فأجابه إلى ذلك وقدم على العسكر يوم السبت السابع والعشرين من الشهر المذكور، في تجمل عظيم وخزائن كثيرة، وثقل هائل. وفي صبيحة يوم الاحد الثامن والعشرين من الشهر المذكور كسفت الشمس قبل الظهر، وفي صبيحة يوم الاثنين التاسع والعشرين من جمادى الآخرة، قدم نائب غزة الامير آق سنقر في جيش غزة، وهو قريب من ألفين، فدخلوا دمشق وقت الفجر وغدوا إلى معسكر الفخري، فانضافوا إليهم ففرحوا بهم كثيرا، وصار في قريب من خمسة آلاف مقاتل أو يزيدون. استهل شهر رجب الفرد والجماعة من أكابر التجار مطلوبون بسبب أموال طلبها منهم الفخري، يقوي بها جيشه الذي معه، ومبلغ ذلك الذي أراده منهم ألف ألف درهم، ومعه مرسوم الناصر بن الناصر ببيع أملاك الامير سيف الدين قوصون، إتابك الملك الاشرف علاء الدين كجك، ابن الناصر التي بالشام، بسبب إبائه عن مبايعة أحمد بن الناصر، فأشار على الفخري من أشار بأن يباع للتجار من أملاك الخاص، ويجعل مال قوصون من الخاص، فرسم بذلك، وأن يباع للتجار قرية دويه قومت بألف ألف وخمسمائة ألف، ثم لطف الله وأفرج عنهم

[ 228 ]

بعد ليلتين أو ثلاث، وتعرضوا عن ذلك بحواصل قوصون، واستمر الفخري بمن معه ومن أضيف إليه من الامراء والاجناد مقيمين بثنية العقاب، واستخدم من رجال البقاع جماعة كثيرة أكثر من ألف رام، وأميرهم يحفظ أفواه الطرق، وأزف قدوم الامير علاء الدين طنبغا بمن معه من عساكر دمشق، وجمهور الحلبيين وطائفة الطرابلسيين، وتأهب هؤلاء لهم. فلما كان الحادي من الشهر اشتهر أن الطنبغا وصل إلى القسطل وبعث طلائعه فالتقت بطلائع الفخري، ولم يكن بينهم قتال ولله الحمد والمنة وأرسل الفخري إلى القضاة ونوابهم وجماعة من الفقهاء فخرجوا ورجع الشافعي من أثناء الطريق، فلما وصلوا أمرهم بالسعي بينه وبين الطنبغا في الصلح، وأن يوافق الفخري في أمره، وأن يبايع الناصر بن الناصر، فأبى فردهم إليه غير مرة، وكل ذلك يمتنع ؟ عليهم، فلما كان يوم الاثنين رابع عشره عند العصر جاء بريد إلى متولي البلد عند العصر من جهة الفخري يأمره بغلق أبواب البلد، فغلقت الابواب، وذلك لان العساكر توجهوا وتوافقوا للقتال، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وذلك أن الطنبغا لما علم أن جماعة قطلوبغا على ثنية العقاب دار الذروة من ناحية المعيصرة، وجاء بالجيوش من هناك، فاستدار له الامير سيف الدين قطلوبغا الفخري بجماعته إلى ناحيته، ووقف له في طريقه، وحال بينه وبين الوصول إلى البلد، وانزعج الناس انزعاجا عظيما، وغلقت القياسرة والاسواق وخاف الناس بعضهم من بعض أن يكون نهب، فركب متولي البلد الامير ناصر الدين بن بكباشي ومعه أولاده ونوابه والرجالة، فسار في البلد وسكن الناس ودعوا له، فلما كان قريب المغرب فتح لهم باب الجابية ليدخل من هو من أهل البلد، فجرت في الباب على ما قيل زحمة عظيمة، وتسخط الجند على الناس في هذه الليلة، واتفق أنها ليلة الميلاد، وبات المسلمون مهمومون بسبب العسكر واختلافهم فأصبحت أبواب البلد مغلقة في يوم الثلاثاء سوى باب الجابية، والامر على ما هو عليه، فلما كان عشية هذا اليوم تقارب الجيشان واجتمع الطنبغا وأمراؤه، واتفق أمراء دمشق وجمهورهم الذين هم معه على أن لا يقاتلوا مسلما ولا يسلوا في وجه الفخري وأصحابه سيفا، وكان قضاة الشام قد ذهبوا إليه مرارا للصلح، فيأبى عليهم إلا الاستمرار على ما هو عليه، وقويت نفسه عليه انتهى. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. عجيبة من عجائب الدهر فبات الناس متقابلين في هذه الليلة وليس بين الجيشين إلا مقدار ميلين أو ثلاثة، وكانت ليلة مطيرة، فما أصبح الصبح إلا وقد ذهب من جماعة الطنبغا إلى الفخري خلق كثير من أجناد الحلفاء ومن الامراء والاعيان، وطلعت الشمس وارتفعت قليلا فنفذ الطنبغا القضاة وبعض الامراء إلى الفخري يتهدده ويتوعده نفسه عليه. فما ساروا عنه قليلا إلا ساقت العساكر من الميمنة والميسرة من القلب، ومن كل جانب مقفرين إلى الفخري، وذلك لما هم فيه من ضيق

[ 229 ]

العيش وقلة ما بأيديهم من الاطعمة وعلف الدواب، وكثرة ما معهم من الكلف، فرأوا أن هذا حال يطول عليهم، ومقتوا أمرهم غاية المقت، وتطايبت قلوبهم وقلوب أولئك مع أهل البلد على كراهته لقوة نفسه فيما لا يجدي عليه ولا عليهم شيئا، فبايعوا على المخامرة عليه، فلم يبق معه سوى حاشيته في أقل من ساعة واحدة، فلما رأى الحال على هذه الصفة كر راجعا هاربا من حيث جاء وصحبته الامير سيف الدين رقطبة (1) نائب طرابلس، وأميران آخران (2)، والتقت العساكر والامراء، وجاءت البشارة إلى دمشق قبل الظهر ففرح الناس فرحا شديدا جدا، الرجال والنساء والولدان، حتى من لا نوبة له، ودقت البشائر بالقلعة المنصورة، فأرسلوا في طلب من هرب، وجلس الفخري هنالك بقية اليوم يحلف الامراء على أمره الذي جاء له، فحلفوا له، ودخل دمشق عشية يوم الخميس في أبهة عظيمة، وحرمة وافرة، فنزل القصر الابلق ونزل الامير تغردمر بالميدان الكبير، ونزل عمارى بدار السعادة وأخرجوا الموساوي الذي كان معتقلا بالقلعة، وجعلوه مشدا على حوطات حواصل الطنبغا وكان قد تغضب الفخري على جماعة من الامراء منهم الامير حسام الدين السمقدار، أمير حاجب بسبب أنه صاحب لعلاء الدين الطنبغا، فلما وقع ما وقع هرب فيمن هرب، ولكن لم يأت الفخري، بل دخل البلد فتوسط في الامر: لم يذهب مع ذاك ولا جاء مع هذا، ثم إنه استدرك ما فاته فرجع من البار إلى الفخري، وقيل بل رسم عليه حين جاء وهو مهموم جدا، ثم إنه أعطي منديل الامان، وكان معهم كتاب السر القاضي شهاب الدين بن فضل الله، ثم أفرج عنهم، ومنهم الامير سيف الدين حفطية وكان شديد الحنق عليه، فأطلقه من يومه وأعاده إلى الحجوبية، وأظهر مكارم أخلاق عظيمة، ورياسة كبيرة، وكان للقاضي علاء الدين بن المنجا قاضي قضاة الحنابلة في هذه الكائنة سعي مشكور، ومراجعة كبيرة للامير علاء الدين الطنبغا، حتى خيف عليه منه، وخاطر بنفسه معه، فأنجح الله مقصده وسلمه منه، وكبت عدوه ولله الحمد والمنة. وفي يوم السبت السادس والعشرين منه قلد قضاء العساكر المنصورة الشيخ فخر الدين بن الصائغ عوضا عن القاضي الحنفي (3)، الذي كان مع النائب المنفصل، وذلك أنهم نقموا عليه إفتاءه الطنبغا بقتال الفخري، وفرح بولايته أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله، وذلك لانه من أخص من صحبه قديما، وأخذ عنه فوائد كثيرة وعلوما. وفي يوم الاربعاء سلخ رجب آخر النهار قدم الامير قماري (4) من عند الملك الناصر بن


(1) في السلوك 2 / 585: أرقطاي.

(2) وهما: اسنبغا بن بكتمر البوبكري وأيدمر المرقبي من أمراء دمشق (السلوك 585 2).

(3) وهو قاضي القضاة حسام الدين الغوري الحنفي (السلوك 2 / 591).

(4) وهو قماري بن عبد الله الناصري توفي سنة 743 أما في الدرر الكامنة فقد جعل وفاته في أواخر سنة خمس أو أوائل سنة 746 ه‍. (3 / 256).

[ 230 ]

الناصر من الكرك وأخبره بما جرى من أمرهم وأمر الطنبغا، ففرح بذلك وأخبر قماري بقدوم السلطان ففرح الناس بذلك واستعدوا له بآلات المملكة وكثرت مطالبته أرباب الاموال والذمة بالجزية. وفي مستهل رجب من هذه السنة ركب الفخري في دست النيابة بالموكب المنصور، وهو أول ركوبه فيه، وإلى جانبه قماري وعلى قماري خلعة هائلة، وكثر دعاء الناس للفخري يومئذ، وكان يوما مشهودا. وفي هذا اليوم خرج جماعة من المقدمين الالوف إلى الكرك بأخبار ابن السلطان بما جرى: منهم تغردمر وإقبغا عبد الواحد وهو الساقي، وميكلى بغا وغيرهم. وفي يوم السبت ثالثه استدعى الفخري القاضي الشافعي وألح عليه في إحضار الكتب في سلة الحكم التي كانت أخذت من عند الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله من القعلة المنصورة في أيام جلال الدين القزويني، فأحضرها القاضي بعد جهد ومدافعة، وخاف على نفسه منه، فقبضها منه الفخري بالقصر وأذن له في الانصراف من عنده، وهو متغضب عليه، وربما هم بعزله لممانعته إياها، وربما قال قائل هذه فيها كلام يتعلق بمسألة الزيارة، فقال الفخري: كان الشيخ أعلم بالله وبرسوله منكم. واستبشر الفخري بإحضارها إليه واستدعي بأخي الشيخ زين الدين عبد الرحمن، وبالشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن قيم الجوزية وكان له سعي مشكور فيها، فهنأهما بإحضاره الكتب، وبيت الكتب تلك الليلة في خزانته للتبرك وصلى به الشيخ زين الدين أخو الشيخ صلاة المغرب بالقصر، وأكرمه الفخري إكراما زائدا لمحبته الشيخ رحمه الله. وفي يوم الاحد رابعه دقت البشائر بالقلعة وفي باب الميدان لقدوم بشير بالقبض على قوصون بالديار المصرية، واجتمع الناس لذلك واستبشر كثير منهم بذلك، وأقبل جماعة من الامراء إلى الكرك لطاعة الناصر بن الناصر، واجتمعوا مع الامراء الشاميين عند الكرك، وطلبوا منه أن ينزل إليه فأبى وتوهم أن هذه الامور كلها مكيدة ليقبضوه ويسلموه إلى قوصون، وطلب منهم أن ينظر في أمره وردهم إلى دمشق. وفي هذه الايام وما قبلها وما بعدها أخذ الفخري من جماعة التجار بالاسواق وغيرها زكاة أموالهم سنة، فتحصل من ذلك زيادة على مائة ألف وسبعة آلاف، وصودر أهل الذمة بقريب من ذلك زيادة على الجزية التي أخذت منهم عن ثلاث سنين سلفا وتعجيلا، ثم نودي في البلد يوم الاثنين الحادي والعشرين من الشهر مناداة صادرة من الفخري برفع الظلامات والطلبات وإسقاط ما تبقى من الزكاة والمصادرة، غير أنهم احتاطوا على جماعة من المشاة المكثرين ليشتروا منهم بعض أملاك الخاص، والبرهان بن بشارة الحنفي تحت المصادرة والعقوبة على طلب المال الذي وجده في طميرة وجدها فيما ذكر عنه والله أعلم. وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين منه بعد الصلاة دخل الامراء الستة الذين توجهوا نحو الكرك لطلب السلطان أن يقدم إلى دمشق فأبى عليهم في هذا الشهر، ووعدهم وقتا آخر فرجعوا،

[ 231 ]

وخرج الفخري لتلقيهم، فاجتمعوا قبلي جامع القبيبات الكريمي، ودخلوا كلهم إلى دمشق في جمع كثير من الاتراك الامراء والجند، وعليهم خمدة لعدم قدوم السلطان أيده الله. وفي يوم الاحد قدم البريد خلف قماري وغيره من الامراء يطلبهم إلى الكرك، واشتهر أن السلطان رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يأمره بالنزول من الكرك وقبول المملكة، فانشرح الناس لذلك. وتوفي الشيخ عمر بن أبي بكر بن اليثمي البسطي يوم الاربعاء التاسع والعشرين، وكان رجلا صالحا كثير التلاوة والصلاة والصدقة، وحضور مجالس الذكر والحديث، له همه وصولة على الفقراء المتشبهين بالصالحين وليسوا منهم، سمع الحديث من الشيخ فخر الدين بن البخاري وغيره وقرأت عليه عن ابن البخاري مختصر المشيخة، ولازم مجالس الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله، وانتفع به، ودفن بمقابر باب الصغير. وفي شهر رمضان المعظم أوله يوم الجمعة، كان قد نودي في الجيش: آن الرحيل لملتقى السلطان في سابع الشهر، ثم تأخر ذلك إلى بعد العشر، ثم جاء كتاب من السلطان بتأخر ذلك إلى بعد العيد وقدم في عاشر الشهر علاء الدين بن تقي الحنفي، ومعه ولاية من السلطان الناصر بنظر البيمارستان النوري، ومشيخة الربوة ومرتب على الجهات السلطانية، وكان قد قدم قبله القاضي شهاب الدين بن البارزي بقضاء حمص من السلطان أيده الله تعالى، ففرح الناس بذلك حيث تكلم السلطان في المملكة وباشر وأمر وولى ووقع ولله الحمد. وفي يوم الاربعاء ثالث عشره دخل الامير سيف الدين طشتمر الملقب بالحمص الاخضر من البلاد الحلبية إلى دمشق المحروسة، وتلقاه الفخري والامراء والجيش بكماله، ودخل في أبهة حسنة ودعا له الناس وفرحوا بقدومه بعد شتاته في البلاد وهربه من بين يدي الطنبغا حين قصده إلى حلب كما تقدم ذكره. وفي يوم الخميس رابع عشره خرجت الجيوش من دمشق قاصدين إلى غزة لنظرة السلطان حين تخرج من الكرك السعيد، فخرج يومئذ مقدمان: تغردمر واقبغا عبد الواحد فبرزا إلى الكسوة، فلما كان يوم السبت خرج الفخري ومعه طشتمر وجمهور الامراء، ولم يقم بعده بدمشق إلا من احتيج لمقامهم لمهمات المملكة، وخرج معه القضاة الاربعة، وقاضي العساكر والموقعين والمصاحب وكاتب الجيش وخلق كثير. وتوفي الشيخ الصالح العباد الناسك أحمد بن. الملقب بالقصيدة ليلة الاحد الرابع والعشرين من رمضان، وصلي عليه بجامع شكر، ودفن بالصوفية قريبا من قبر الشيخ جمال الدين المزي، تغمدهما الله برحمته، وكان فيه صلاح كثير، ومواظبة على الصلاة في جماعة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر مشكورا عند الناس بالخير، وكان يكثر من خدمة المرضى بالمارستان وغيره، وفيها أيثار وقناعة وتزهد كثير، وله أحوال مشهورة رحمه الله وإيانا.

[ 232 ]

واشتهر في أواخر الشهر المذكور أن السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد خرج من الكرك المحروس صحبة جماعة من العرب والاتراك قاصدا إلى الديار المصرية، ثم تحرر خروجه منها في يوم الاثنين ثامن عشر شهر ؟ المذكور فدخل الديار المصرية بعد أيام. هذا والجيش صامدون إليه، فلما تحقق دخوله مصر حثوا في السير إلى الديار المصرية، وبعث يستحثهم أيضا، واشتهر أنه لم يجلس على سرير الملك حتى يقدم الامراء الشاميون صحبة نائبه الامير سيف الدين قطلوبغا الفخري، ولهذا لم تدق البشائر بالقلاع الشامية ولا غيرها فيما بلغنا. وجاءت الكتب والاخبار من الديار المصرية بأن يوم الاثنين عاشر شوال كان إجلاس السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد على سرير المملكة، صعد هو والخليفة الحاكم بأمر الله أبوا العباس أحمد بن المستكفي فوق المنبر، وهما لابسان السواد، والقضاة تحتهما على درج المنبر بحسب منازلهم، فخطب الخليفة، وخلع الاشرف كجك وولى هذا الناصر، وكان يوما مشهودا، وأظهر ولايته لطشتمر نيابه مصر، والفخري دمشق، وأيدغمش حلب فالله أعلم، ودقت البشائر بدمشق ليلة الجمعة الحادي والعشرين من الشهر المذكور، واستمرت إلى يوم الاثنين مستهل ذي القعدة، وزينت البلد يوم الاحد ثالث عشرين منه، واحتفل الناس بالزينة. وفي يوم الخميس المذكور دخل الامير سيف الدين الملك أحد الرؤس المشهورة بمصر إلى دمشق في طلب نيابة حماة حرسها الله تعالى، فلما كان يوم الجمعة بعد الصلاة ورد البريد من الديار المصرية فأخبر أن طشتمر الحمص الاخضر مسك (1)، فتعجب الناس من هذه الكائنة كثيرا، فخرج من بدمشق من أعيان الامراء أمير الحج وغيره وخيم بوطأة برزه وخرج إلى الحج أمير فأخبره بذلك وأمره عن مرسوم السلطان أن ينوب بدمشق حتى يأتي المرسوم بما يعتمد أمير الحج فأجاب إلى ذلك، وركب في الموكب يوم السبت السادس منه، وأما الفخري فإنه لما تنسم هذا الخبر وتحققه وهو بالزعقة فر في طائفة من مماليكه قريب من ستين أو أكثر، فاحترق وساق سوقا حثيثا وجاءه الطلب من ورائه من الديار المصرية في نحو من ألف فارس، صحبة الاميرين: الطنبغا المارداني، ويبلغا التحناوي، ففاتهما وسبق واعترض له نائب غزة في جنده فلم يقدر عليه، فسلطوا عليه العشيرات ينهبوه فلم يقدروا عليه إلا في شئ يسير، وقتل منهم خلقا، وقصد نحو صاحبه فيما يزعم الامير سيف الدين إيدغمش نائب حلب راجيا منه أن ينصره وأن يوافقه على ما قام بنفسه، فلما وصل أكرمه وأنزله، وبات عنده، فما أصبح قبض عليه وقيده ورده على البريد إلى الديار المصرية، ومعه التراسيم من الامراء وغيرهم.


(1) كذلك يوم السبت عشرين ذي القعدة سنة 742 ه‍ ويرى المقريزي أن السبب في اعتقاله: أنه أكثر من معارضة السلطان بحيث تغلب عليه ورد مراسيمه وصار بتعاظم ويظهر من الترفع على الامراء والاجناد ما لا يحتمل مثله... وانفرد بأمور الدولة (السلوك 2 / 3 / 606 والنجوم الزاهرة نقلا عنه 10 / 63).

[ 233 ]

ولما كان يوم الاثنين سلخ ذي القعدة خرج السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد بن الناصر محمد بن المنصور من الديار المصرية في طائفة من الجيش قاصدا إلى الكرك المحروس، ومعه أمواله جزيلة، وحواصل وأشياء كثيرة، فدخلها يوم الثلاثاء من ذي الحجة وصحبته طشتمر في محفة ممرضا والفخري مقيدا، فاعتقلا بالكرك المحروس، وطلب السلطان آلات من أخشاب ونحوها وحدادين وصناع ونحوها لاصلاح مهمات بالكرك، وطلب أشياء كثيرة من دمشق، فحملت إليه، ولما كان يوم الاحد السابع والعشرين من ذي الحجة ورد الخبر بأن الامير ركن الدين بيبرس الاحمدي النائب بصفد ركب في مماليكه وخدمه ومن أطاعه، وخرج منها فارا بنفسه من القبض عليه، وذكر أن نائب غزة قصده ليقبض عليه بمرسوم السلطان ورد عليه من الكرك، فهرب الاحمدي بسبب ذلك، ولما وصل الخبر إلى دمشق وليس بها نائب انزعج الامراء لذلك، واجتمعوا بدار السعادة، وضربوا في ذلك مشورة ثم جردوا إلى ناحية بعلبك أميرا ليصدوه عن الذهاب إلى البرية. فلما أصبح الصباح من يوم الاثنين جاء الخبر بأنه في نواحي الكسوه، ولا مانع من خلاصه، فركبوا كلهم ونادى المنادي: من تأخر من الجند عن هذا النفير شنق، واستوثقوا في الخروج وقصدوا ناحية الكسوة وبعثوا الرسل إليه، فذكر اعتذارا في خروجه وتخلص منهم، وذهب يوم ذلك، ورجعوا وقد كانوا ملبسين في يوم حار، وليس معهم من الازواد ما يكفيهم سوى يومهم ذلك، فلما كانت ليلة الثلاثاء ركب الامراء في طلبه من ناحية ثنية العقاب، فرجعوا في اليوم الثاني وهو في صحبتهم، ونزل في القصور التي بناها تنكز رحمه الله، في طريق داريا، فأقام بها، وأجروا عليه مرتبا كاملا من الشعير والغنم وما يحتاج إليه مثله، ومعه مماليكه وخدمه، فلما كان يوم الثلاثاء سادس المحرم ورد كتاب من جهة السلطان فقرئ على الامراء بدار السعادة يتضمن إكرامه واحترامه والصفح عنه لتقدم خدمه على السلطان الملك الناصر وابنه الملك المنصور. ولما كان يوم الاربعاء سابع المحرم جاء كتاب إلى الامير ركن الدين بيبرس نائب الغيبة ابن الحاجب ألمش بالقبض على الاحدي، فركب الجيش ملبسين يوم الخميس وأوكبوا بسوق الخيل وراسلوه - وقد ركب في مماليكه بالعدد وأظهر الامتناع - فكان جوابه أن لا أسمع ولا أطيع إلا لمن هو ملك الديار المصرية، فأما من هو مقيم بالكرك ويصدر عنه ما يقال عنه من الافاعيل التي قد سارت بها الركبان، فلا. فلما بلغ الامراء هذا توقفوا في أمره وسكنوا ورجعوا إلى منازلهم، ورجع هو إلى قصره. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة المباركة وسلطان المسلمين الملك الناصر ناصر الدين محمد بن الملك المنصور قلاوون، وهو مقيم بالكرك، قد حاز الحواصل السلطانية من قلعة الجبل إلى قلعة الكرك، ونائبه الديار المصرية الامير سيف الدين آقسنقر السلاري، الذي كان نائبا بغزة، وقضاة

[ 234 ]

الديار المصرية هم المذكورون في السنة الماضية، سوى القاضي الحنفي. وأما دمشق فليس لها نائب إلى حينئذ غير أن الامير ركن الدين بيبرس الحاجب كان استنابه الفخري بدمشق نائب غيبته، فهو الذي يسد الامور مع الحاجب ألمش، وتمر المهمندار، والامير سيف الدين الملقب بحلاوة، والي البر، والامير ناصر الدين بن ركباس متولي البلد، هؤلاء الذي يسدون الاشغال والامور السلطانية، والقضاة هم الذين ذكر ناهم في السنة الخالية، وخطيب البلد تاج الدين عبد الرحيم بن القاضي جلال الدين القزويني، وكاتب السر القاضي شهاب الدين بن فضل الله. واستهلت هذه السنة والامير ركن الدين بيبرس الاحمدي نازل بقصر تنكز بطريق داريا، وكتب السلطان واردة في كل وقت بالاحتياط عليه والقبض، وأن يمسك ويرسل إلى الكرك، هذا والامراء يتوانون في أمره ويسوفون المراسيم، وقتا بعد وقت، وحينا بعد حين، ويحملهم على ذلك أن الاحمدي لا ذنب له، ومتى مسكه تطرف إلى غيره، مع أن السلطان يبلغهم عنه أحوال لا نرضيهم من اللعب والاجتماع مع الاراذل والاطراف ببلد الكرك، مع قتله الفخري وطشتمر قتلا فظيعا، وسلبه أهلهما وسلبه لما على الحريم من الثياب والحلي، وإخراجهم في أسوأ حال من الكرك، وتقريبه النصارى وحضورهم عنده. فحمل الامراء هذه الصفات على أن بعثوا أحدهم يكشف أمره، فلم يصل إليه، ورجع هاربا خائفا، فلما رجع وأخبر الامراء انزعجوا وتشوشوا كثيرا، واجتمعوا بسوق الخيل مرارا وضربوا مشورة بينهم، فاتفقوا على أن يخلعوه، فكتبوا إلى المصريين بذلك، وأعلموا نائب حلب أيدغمش ونواب البلاد، وبقوا متوهمين من هذا الحال كثيرا ومترددين، ومنهم من يصانع في الظاهر وليس معهم في الباطن، وقالوا لا سمع له ولا طاعة حتى يرجع إلى الديار المصرية، ويجلس على سرير المملكة، وجاء كتابه إليهم يعيبهم ويعنفهم في ذلك، فلم يفد، وركب الاحمدي في الموكب وركبوا عن يمينه وشماله وراحوا إليه إلى القصر، فسلموا عليه وخدموه، وتفاقم الامر وعظم الخطب، وحملوا هموما عظيمة خوفا من أن يذهب إلى الديار المصرية فيلف عليه المصريون فيتلف الشاميين، فحمل الناس همهم فالله هو المسؤول أن يحسن العاقبة. فلما كان يوم الاحد السادس والعشرين من المحرم ورد مقدم البريدية ومعه كتب المصريين بأنه لما بلغهم خبر الشاميين كان عندهم من أمر السلطان أضعاف ما حصل عند الشاميين، فبادروا إلى ما كانوا عزموا عليه، ولكن ترددوا خوفا من الشاميين أن يخالفوهم فيه ويتقدموا في صحبة السلطان لقتالهم، فلما اطمأنوا من جهة الشاميين صمموا على عزمهم فخلعوا الناصر أحمد (1) وملكوا عليهم أخاه الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن المنصور، جعله الله مباركا على المسلمين، وأجلسوا على السرير يوم الثلاثاء (2) العشرين من المحرم المذكور، وجاء


(1) وذلك يوم الاربعاء الحادي والعشرين من المحرم كما في السلوك 2 / 618 والنجوم الزاهرة 10 / 70 وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 499: يوم الخميس ثاني عشر شهر المحرم.

(2) في السلوك 1 / 619: يوم الخميس ثاني عشري المحرم.

[ 235 ]

كتابه مسلما على أمراء الشام ومقدميه، وجاءت الكتاب الامراء على الامراء بالسلام والاخبار بذلك ففرح المسلمون وأمراء الشام والخاصة والعامة بذلك فرحا شديدا، ودقت البشائر بالقلعة المنصورة يومئذ، ورسم يتزيين البلد فزين الناس صبيحة الثلاثاء السابع والعشرين منه، ولما كان يوم الجمعة سلخ المحرم خطب بدمشق للملك الصالح عماد الدنيا والدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور. وفي يوم الخميس سادس صفر درس بالصدرية صاحبنا الامام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الذرعي إمام الجوزية، وحضر عنده الشيخ عز الدين بن المنجا الذي نزل له عنها، وجماعة من الفضلاء. وفي يوم الاثنين سادس عشر صفر دخل الامير سيف الدين تغردمر من الديار المصرية، إلى دمشق ذاهبا إلى نيابة حلب المحروسة، فنزل بالقابون. وفي يوم الثلاثاء ثامن عشر صفر توفي الشيخ الامام العالم العامل الزاهد عبد الله بن أبي الوليد المقري المالكي، إمام المالكية، هو وأخوه أبو عمرو، بالجامع الاموي بمحراب الصحابة. توفي ببستان بقية السحف، وصلي عليه بالمصلى ودفن عند أبيه رحمهما الله بمقابر باب الصغير، وحضر جنازته الاعيان والفقهاء والقضاة، وكان رجلا صالحا مجمعا على ديانته وجلالته رحمه الله. وفي يوم الخميس العشرين من صفر دخل الامير ايدغمش نائب السلطنة بدمشق ودخل إليها من ناحية القابون قادما من حلب، وتلقاه الجيش بكماله، وعليه خلعة النيابة، واحتفل الناس له وأشعلوا الشموع، وخرج أهل الذمة من اليهود والنصارى يدعون له ومعهم الشموع، وكان يوما مشهودا، وصلى يوم الجمعة بالمقصورة، من الجامع الاموي، ومعه الامراء والقضاة وقرئ تقليده هناك على السدة وعليه خلعته، ومعه الامير سيف الدين ملكتم الرحولي، وعليه خلعة أيضا. وفي يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من صفر دخل الامير علم الدين الجاولي دمشق المحروسة ذاهبا إلى نيابة حماة المحروسة، وتلقاه نائب السلطنة والامراء إلى مسجد القدم، وراح فنزل بالقابون، وخرج القضاة والاعيان إليه، وسمع عليه من مسند الشافعي فإنه يرويه، وله فيه عمل، ورتبه ترتيبا حسنا ورأيته، وشرحه أيضا، وله أوقاف على الشافعية وغيرهم. وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين منه عقد مجلس بعد الصلاة بالشباك الكمالي من مشهد عثمان بسبب القاضي فخر الدين المصري، وصدر الدين عبد الكريم بن القاضي جلال الدين

[ 236 ]

القزويني، بسبب العادلية الصغيرة، فاتفق الحال على أن نزل صدر الدين عن تدريسها، ونزل فخر الدين عن مائة وخمسين على الجامع. وفي يوم الاحد سلخ الشهر المذكور حضر القاضي فخر الدين المصري ودرس بالعادلية الصغيرة وحضر الناس عنده على العادة، وأخذ في قوله تعالى (هذه بضاعتنا ردت إلينا) [ يوسف: 65 ] وفي آخر شهر ربيع الاول جاء المرسوم من الديار المصرية بأن يخرج تجريدة من دمشق بصحبة الامير حسام الدين السمقدار لحصار الكرك الذي تحصن فيه ابن السلطان أحمد، واستحوذ على ما عنده من الاموال التي أخذها من الخزائن من ديار مصر، وبرز المنجنيق من القلعة إلى قبل جامع القبيبات، فنصب هناك وخرج الناس للتفرج عليه ورمي به ومن نيتهم أن يستصحبوه معهم الحصار. وفي يوم الاربعاء ثاني ربيع الاخر قدم الامير علاء الدين الطنبغا المارداني من الديار المصرية على قاعدته وعادته. وفي يوم الخميس عاشره دخل إلى دمشق الاميران الكبيران ركن الدين بيبرس الاحمدي من طرابلس، وعلم الدين الجاولي من حماة سحرا، وحضرا الموكب ووقفا مكتفين لنائب السلطنة: الاحمدي عن يمينه والجاولي عن يساره، ونزلا ظاهر البلد، ثم بعد أيام يسيرة توجه الاحمدي إلى الديار المصرية على عادته وقاعدته رأس مشورة، وتوجه الجاولي إلى غزة المحروسة نائبا عليها، وكان الامير بدر الدين مسعود بن الخطير على إمرة الطبلخانات بدمشق. وفي يوم الخميس رابع عشره خرجت التجريدة من دمشق سحرا إلى مدينة الكرك، والامير شهاب الدين بن صبح والي الولاة بحوران مشد المجانيق، وخرج الامير سيف الدين بهادر الشمس الملقب بحلاوة والي البر بدمشق إلى ولاية الولاة بحوران. وفي يوم الجمعة ثامن عشره وقع بين النائب والقاضي الشافعي بسبب كتاب ورد من الديار المصرية فيه الوصايا بالقاضي السبكي المذكور ومعه التوقيع بالخطابة له مضافا إلى القضاء وخلعة من الديار المصرية، فتغيظ عليه النائب لاجل أولاد الجلال، لانهم عندهم عائلة كثيرة وهم فقراء، وقد نهاه عن السعي في ذلك، فتقدم إليه يومئذ أن لا يصلي عنده في الشباك الكمالي، فنهض من هناك وصلى في الغزالية. وفي يوم الاحد العشرين منه دخل دمشق الامير سيف الدين أريغا زوج أبنة السلطان الملك الناصر مجتازا ذاهبا إلى طرابلس نائبا بها، في تجمل وأبهة ونجائب وجنائب، وعدة وسرك كامل. وفي يوم الخميس الرابع والعشرين منه دخل الامير بدر الدين ابن الخطيري معزولا عن نيابة غزة المحروسة فأصبح يوم الخميس فركب في الموكب وسير مع نائب السلطنة، ونزل في داره وراح الناس للسلام عليه. وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر صفر زينت البلد لعافية السلطان الملك الصالح

[ 237 ]

لمرض أصابه، ثم شفي منه. وفي يوم الجمعة السادس عشرينه قبل العصر ورد البريد من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة تقي الدين السبكي إليها حاكمها بها، فذهب الناس للسلام عليه ولتوديعه، وذلك بعد ما أرجف الناس به كثيرا، واشتهر أنه سينعقد له مجلس للدعوى عليه بما دفعه من مال الايتام إلى الطنبغا وإلى الفخري، وكتبت فتوى عليه بذلك في تغريمه، وداروا بها على المفتيين فلم يكتب لهم أحد فيها غير القاضي جلال الدين بن حسام الدين الحنفي، رأيت خطه عليها وحده بعد الصلاة، وسئلت في الافتاء عليها فامتنعت، لما فيها من التشويش على الحكام، وفي أول مرسوم نائب السلطان أن يتأمل المفتون هذا السؤال ويفتوابما يقتضيه حكم الشرع الشريف، وكانوا له في نية عجيبة ففرج الله عنه بطلبه إلى الديار المصرية، فسار إليها صحبة البريد ليلة الاحد، وخرج الكبراء والاعيان لتوديعه، وفي خدمته. استهل جمادى الآخرة والتجريدة عمالة إلى الكرك والجيش المجردون من الحلقة قريب من ألف ويزيدون، ولما كان يوم الثلاثاء رابعه بعد الظهر مات الامير علاء الدين أيدغمش نائب السلطنة بالشام المحروس في دار وحده في دار السعادة، فدخلوا عليه وكشفوا أمره وأحصروا وخشوا أن يكون اعتراه سكتة، ويقال إنه شفي فالله أعلم، فانتظروا به إلى الغد احتياطا، فلما أصبح الناس اجتمعوا للصلاة عليه فصلي عليه خارج باب النصر حتى يصلى على الجنائز، وذهبوا به إلى نحو القبلة، ورام بعض أهله أن يدفن في تربة غبريال إلى جانب جامع القبيبات، فلم يمكن ذلك، فدفن قبلي الجامع على حافة الطريق، ولم يتهيأ دفنه إلا إلى بعد الظهر من يومئذ، وعملوا عنده ختمة ليلة الجمعة رحمه الله وسامحه. واشتهر في أوائل هذا الشهر أن الحصار عمال على الكرك، وأن أهل الكرك خرجت طائفة منهم فقتل منهم خلق كثير، وقتل من الجيش واحد في الحصار، فنزل القاضي وجماعة ومعهم شئ من الجوهر، وتراضوا على أن يسلموا البلد، فلما أصبح أهل الحصن تحصنوا ونصبوا المجانيق واستعدوا فلما كان بعد أيام رموا منجنيق فكسروا السهم الذي له، وعجزوا عن نقله فحرقوه برأي أمراء المقدمين، وجرت أمور فظيعة، فالله يحسن العاقبة. ثم وقعت في أواخر هذا الشهر بين الجيش وأهل الكرك وقعة أخرى، وذلك أن جماعة من رجال الكرك خرجوا إلى الجيش ورموهم بالنشاب فخرج الجيش لهم من الخيام ورجعوا مشاة ملبسين بالسلاح فقتلوا من أهل الكرك جماعة من النصارى وغيرهم، وجرح من العسكر خلق، وقتل واحد أو اثنان وأسر الامير سيف الدين أبو بكر بن بهادرآص، وقتل أمير العرب، وأسر

[ 238 ]

اخرون فاعتقلوا بالكرك، وجرت أمور منكرة، ثم بعدها تعرض العسكر راجعين إلى بلادهم لم ينالوا مرادهم منها، وذلك أنهم رقهم البرد الشديد وقلة الزاد، وحاصروا أولئك شديدا بلا فائدة فإن البلد بريد متطاولة ومجانيق، ويشق على الجيش الاقامة هناك في كوانين، والمنجنيق الذي حملوه معهم كسر، فرجعوا ليتأهبوا لذلك. ولما كان في يوم الاربعاء الخامس والعشرين منه قدم من الديار المصرية على البريد القاضي بدر الدين بن فضل الله كاتبا على السر عوضا عن أخيه القاضي شهاب الدين، ومعه كتاب بالاحتياط على حواصل أخيه شهاب الدين، وعلى حواصل القاضي عماد الدين بن الشيرازي المحتسب، فاحتيط على أموالها وأخرج من في ديارهما من الحرم، وضربت الاخشاب على الابواب، ورسم على المحتسب بالعذراوية، فسأل أن يحول إلى دار الحديث الاشرفية فحول إليها. وأما القاضي شهاب الدين، فكان قد خرج ليلتقي الامير سيف الدين تغردمر الحموي، الذي جاء تقليده بنيابة الشام بدمشق وكان بحلب، وجاء هذا الامر وهو في أثناء الطريق، فرسم برجعته ليصادر هو والمحتسب، ولم يدر الناس ما ذنبهما. وفي يوم الاحد ثامن شهر رجب آخر النهار رجع قاضي القضاة تقي الدين السبكي إلى دمشق على القضاء، ومعه تقليد بالخطابة أيضا، وذهب الناس إليه للسلام عليه، ودخل نائب السلطنة الامير سيف الدين تغردمر الحموي بعد العصر الخامس عشرينه من حلب، فتلقاه الامراء إلى طريق القابون، ودعا له الناس دعاء كثيرا، وأحبوه لبغضهم النائب الذي كان قبله، وهو علاء الدين أيدغمش سامحه الله تعالى، فنزل بدار السعادة وحضر الموكب صبيحة يوم الاثنين، واجتمع طائفة من العامة وسألوه أن لا يغير عليهم خطيبهم تاج الدين عبد الرحيم بن جلال الدين، فلم يلتفت إليهم، بل عمل على تقليد القاضي تقي الدين السبكي الخطابة ولبس الخلعة، وأكثر العوام لما سمعوا بذلك الغوغاء، وصاروا يجتمعون حلقا حلقا بعد الصلوات ويكثرون الفرحة في ذلك، لما منع ابن الجلال، ولكن بقي هذا لم يباشر السبكي في المحراب، واشتهر عن العوام كلام كثير، وتوعدوا السبكي بالسفاهة عليه إن خطب، وضاق بذلك ذرعا، ونهوا عن ذلك فلم ينتهوا، وقيل لهم ولكثير منهم: الواجب عليكم السمع والطاعة لاولي الامر، ولو أمر عليكم عبد حبشي. فلم يرعوا، فلما كان يوم الجمعة العشرين منه اشتهر بين العامة بأن القاضي نزل عن الخطابة لابن الجلال، ففرح العوام بذلك وحشدوا في الجامع، وجاء نائب السلطنة إلى المقصورة والامراء معه، وخطب ابن الجلال على العادة، وفرح الناس بذلك وأكثروا من الكلام والهرج، ولما سلم عليهم الخطيب حين صعد ردوا عليه ردا بليغا، وتكلفوا في ذلك

[ 239 ]

وأظهروا بغضة القاضي السبكي، وتجاهروا بذلك، وأسمعوه كلاما كثيرا، ولما قضيت الصلاة قرئ تقليد النيابة على السدة، وخرج الناس فرحى بخطيبهم، لكونه استمر عليهم، واجتمعوا عليه يسلمون ويدعون له. وفي يوم الاربعاء ثالث شعبان درس القاضي برهان الدين بن عبد الحق بالمدرسة العذراوية بمرسوم سلطاني بتوليته وعزل القفجاري، وعقد لهما مجلس يوم الثلاثاء بدار العدل، فرجح جانب القاضي برهان الدين لحاجته وكونه لا وظيفة له. وفي يوم الجمعة خامسه توفي الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن الجزري أحد المسندين المكثرين الصالحين، مات عن خمس وتسعين سنة رحمه الله، وصلي عليه يوم الجمعة بالجامع المظفري ودفن بالرواحية. وفي يوم الاربعاء السابع عشر منه توفي الشيخ الامام العالم العابد الناسك الصالح الشيخ شمس الدين محمد بن الزرير خطيب الجامع الكريمي بالقبيبات، وصلي عليه بعد الظهر يومئذ بالجامع المذكور، ودفن قبلي الجامع المذكور، إلى جانب الطريق من الشرق رحمه الله. واشتهر في أوائل رمضان أن مولودا ولد له رأسان وأربع أيد، وأحضر إلى بين يدي نائب السلطنة، وذهب الناس للنظر إليه في محلة ظاهر باب الفراديس، يقال لها حكى الوزير، وكنت فيمن ذهب إليه في جماعة من الفقهاء يوم الخميس ثالث الشهر المذكور بعد العصر، فأحضروه أبوه - واسم أبيه سعادة - وهو رجل من أهل الجبل، فنظرت إليه فإذاهما ولدان مستقلان، فكل قد اشتبكت أفخاذهما بعضهما ببعض، وركب كل واحد منهما ودخل في الآخر والتحمت فصارت جثة واحدة وهما ميتان، فقالوا أحدهما ذكرا والآخر أنثى، وهما ميتان حال رؤيتي إليهما. وقالوا إنه تأخر موت أحدهما عن الآخر بيومين أو نحوهما، وكتب بذلك محضر جماعة من الشهود. وفي هذا اليوم احتيط على أربعة من الامراء وهم أبناء الكامل صلاح الدين محمد، أمير طبلخانات، وغياث الدين محمد أمير عشرة، وعلاء الدين علي، وابن أيبك الطويل طبلخانات أيضا، وصلاح الدين خليل بن بلبان طرنا طبلخانات أيضا. وذلك بسبب أنهم اتهموا على ممالاة الملك أحمد بن الناصر الذي في الكرك، ومكاتبته، والله أعلم بحالهم، فقيدوا وحملوا إلى القلعة المنصورة من باب اليسر مقابل باب دار السعادة الثلاث الطبلخانات والغياث من بابها الكبير وفرق

[ 240 ]

بينهم في الاماكن. وخرج المحمل يوم الخميس خامس عشره ولبس الخطيب ابن الجلال خلعة استقرار الخطابة في هذا اليوم، وركب بها مع القضاة على عادة الخطباء. وفي هذا الشهر نصب المنجنيق الكبير على باب الميدان الاخضر وطول أكتافه ثمانية عشر ذراعا، وطول سهمه سبعة وعشرون ذراعا، وخرج الناس للفرجة عليه، ورمى به في يوم السبت حجرا زنته ستين رطلا، فبلغ إلى مقابلة القصر من الميدان الكبير، وذكر معلم المجانيق أنه ليس في حصون الاسلام مثله، وأنه عمله الحاج محمد الصالحي ليكون بالكرك، فقدر الله أنه خرج ليحاصر به الكرك، فالله يحسن العاقبة. وفي أواخره أيضا مسك أربعة أمراء، وهم أقبغا عبد الواحد الذي كان مباشرا الاستدارية للملك الناصر الكبير، فصودر في أيام ابنه المنصور، وأخرج إلى الشام فناب بحمص فسار سيرة غير مرضية، وذمه الناس وعزل عنها وأعطي تقدمة ألف (1) بدمشق، وجعل رأس الميمنة، فلما كان في هذه الايام اتهم بممالاة السلطان أحمد بن الناصر الذي بالكرك، فمسك وحمل إلى القلعة ومعه الامير سيف الدين بلو، والامير سيف الدين سلامش، وكلهم بطبلخانات فرفعوا إلى القلعة المنصورة، فالله يحسن العاقبة. وفي هذا الشهر خرج قضاء حمص عن نيابة دمشق بمرسوم سلطاني للقاضي شهاب الدين البارزي، وذلك بعد مناقشة كثيرة وقعت بينه وبين قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وانتصر له بعض الدولة، واستخرج له المرسوم المذكور. وفيه أيضا أفرد قضاء القدس الشريف أيضا باسم القاضي شمس الدين بن سالم الذي كان مباشرها مدة طويلة قبل ذلك نيابة، ثم عزل عنها وبقي مقيما ببلده غزة، ثم أعيد إليها مستقلا بها في هذا الوقت. وفي هذا الشهر رجع القاضي شهاب الدين بن فضل الله من الديار المصرية ومعه توقيع بالمرتب الذي كان له أولا كل شهر ألف درهم، وأقام بعمارته التي أنشأها بسفح قاسيون شرقي الصالحية بقرب حمام النحاس. وفي صبيحة مستهل ذي القعدة خرج المنجنيق قاصدا إلى الكرك على الجمال والعجل، وصحبته الامير صارم الدين إبراهيم المسبقي، أمير حاجب، كان في الدولة السكرية، وهو المقدم عليه يحوطه ويحفظه ويتولى تسييره بطلبه وأصحابه، وتجهز الجيش للذهاب إلى الكرك، وتأهبوا أتم الجهاز، وبرزت أثقالهم إلى ظاهر البلد وضربت الخيام فالله يحسن العاقبة.


(1) في السلوك 2 / 3 / 626: بأمرة مئة بدمشق.

[ 241 ]

وفي يوم الاثنين رابعه توفي الطواشي شبل الدولة كافور السكري، ودفن صبيحة يوم الثلاثاء خامسه في تربته التي أنشأها قديما ظاهر باب الجابية تجاه تربة الطواشي ظهير الدين الخازن بالقلعة، كان قبيل مسجد الدبان رحمه الله، وكان قديما للصاحب تقي الدين توبة التكريتي، ثم اشتراه تنكز بعد مدة طويلة من ابني أخيه صلاح الدين وشرف الدين بمبلغ جيد وعوضهما إقطاعا بزيادة على ما كان بأيديهما، وذلك رغبة في أمواله التي حصلها من أبواب السلطنة، وقد تعصب عليه أستاذه تنكز رحمه الله في وقت وصودر وجرت عليه فصول، ثم سلم بعد ذلك، ولما مات ترك أموالا جزيلة وأوقافا رحمه الله. وخرجت التجريدة يوم الاربعاء سادسه والمقدم عليها الامير بدر الدين بن الخطير ومعه مقدم آخر وهو الامير علاء الدين بن قراسنقر. وفي يوم السبت سلخ هذا الشهر توفي الشاب الحسن شهاب الدين أحمد بن فرج المؤذن بمأذنة العروس، وكان شهيرا بحسن الصوت ذا حظوة عظيمة عند أهل البلد، وكان رحمه الله كما في النفس وزيادة في حسن الصوت الرخيم المطرب، وليس في القراء ولا في المؤذنين قريب منه ولا من يدانيه في وقته، وكان في آخر وقته على طريقة حسنة، وعمل صالح، وانقطاع عن الناس، وإقبال على شأن نفسه فرحمه الله، وأكرم مثواه، وصلي عليه بعد الظهر يومئذ ودفن عند أخيه بمقبرة الصوفية. وفي يوم الخميس خامس ذي الحجة توفي الشيخ بدر الدين بن نصحان شيخ القراء السبع في البلد الشهير بذلك، وصلي عليه بالجامع بعد الظهر يومئذ، ودفن بباب الفراديس رحمه الله. وفي يوم الاحد تاسعه وهو يوم عرفة حضر الاقراء بتربة أم الصالح عوضا عن الشيخ بدر الدين بن نصحان القاضي شهاب الدين أحمد بن النقيب البعلبكي، وحضر عنده جماعة من الفضلاء وبعض القضاة، وكان حضوره بغتة، وكان متمرضا، فألقى شيئا من القراءات والاعراب عند قوله تعالى (ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لانفسهم) [ آل عمران: 178 ] وفي أواخر هذا الشهر غلا السعر جدا وقل الخبز وازدحم الناس على الافران زحمة عظيمة، وبيع خبز الشعير المخلوط بالزيوان والنقارة، وبلغت الغرارة بمائة ستة وثمانين درهما، وتقلص السعر جدا حتى بيع الخبز كل رطل بدرهم، وفوق ذلك بيسير، ودونه بحسب طيبه ورداءته، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكثر السؤال وجاع العال، وضعف كثير من الاسباب والاحوال، ولكن لطف الله عظيم فإن الناس مترقبون مغلا هائلا لم يسمع بمثله من مدة سنين عديدة، وقد اقترب أوانه، وشرع كثير من البلاد في حصاد الشعير وبعض القمح مع كثرة الفول وبوادر التوت، فلولا ذلك لكان غير ذلك، ولكن لطف الله بعباده، وهو الحاكم المتصرف الفعال لما يريد لا إله إلا هو.

[ 242 ]

ثم دخلت سنة أربع وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان المسلمين الملك الناصر عماد الدنيا والدين إسماعيل بن الملك الناصر ناصر الدين محمد بن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي، ونائبه بالديار المصرية الامير سيف الدين آقسنقر السلاري، وقضاته هم هم المتقدم ذكرهم في العام الماضي، ونائبه بدمشق الامير سيف الدين تغردمر الحموي، وقضاته هم المتقدم ذكرهم، وكذلك الصاحب والخطيب وناظر الجامع والخزانة ومشد الاوقاف وولاية المدينة. استهلت والجيوش المصرية والشامية محيطة بحصن الكرك محاصرون ويبالغون في أمره، والمنجنيق منصوب وأنواع آلات الحصار كثيرة، وقد رسم بتجريدة من مصر والشام أيضا تخرج إليها. وفي يوم الخميس عاشر صفر دخلت التجريدة من الكرك إلى دمشق واستمرت التجريدة الجديدة على الكرك ألفان من مصر وألفان من الشام، والمنجنيق منقوض موضوع عند الجيش خارج الكرك، والامور متوفقة على (1) وبرد الحصار بعد رجوع الاحمدي إلى مص 0 ر. وفي يوم السبت ثاني ربيع الاول توفي السيد الشريف عماد الدين الخشاب بالكوشك في درب السيرجي جوار المدرسة العزية، وصلي عليه ضحى بالجامع الاموي، ودفن بمقابر باب الصغير، وكان رجلا شهما كثير العبادة والمحبة للسنة وأهلها، ممن واظب الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله وانتفع به، وكان من جملة أنصاره وأعوانه على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الذي بعثه


(1) كذا بالاصل، وفيه اختل السياق، ولعل الصواب ما أورده المقريزي في السلوك 2 / 653 وما بعدها: - هناك اتصالات تجري بين الناصر أحمد والملك الصالح اسماعيل لمعالجة موضوع حصار الكرك سلميا بينهما، ومع اشتداد الحصار أخذ كثير من الامراء بالفرار من الكرك والالتجاء إلى معسكر الصالح اسماعيل. تخلى أهل الكرك عن الناصر أحمد، وقلة القوت عنده.. فباتت الامور مجمدة في الكرك بانتظار جلاء الاوضاع، ووضوح المواقف لكل من الفريقين المتقاتلين.

[ 243 ]

إلى صيدنايا مع بعض القسيسين فلوث يده بالعذرة وضرب اللحمة التي يعظمونها هنالك، وأهانها غاية الاهانة لقوة إيمانه وشجاعته رحمه الله وإيانا. وفي يوم الخميس سابعه اجتمع الصاحب ومشد الدواوين ووكيل بيت المال، ومشد الاوقاف ومباشروا الجامع ومعهم العمالين بالقول والمعاول، يحفرون إلى جانب السارية عند باب مشهد علي تحت تلك الصخرة التي كانت هناك، وذلك عن قول رجل جاهل، زعم أن هناك مالا مدفونا فشاوروا نائب السلطنة فأمرهم بالحفر، واجتمع الناس والعامة فأمرهم فأخرجوا وأغلقت أبواب الجامع كلها ليتمكنوا من الحفر، ثم حفروا ثانيا وثالثا فلم يجدوا شيئا إلا التراب المحض، واشتهر هذا الحفير في البلد وقصده الناس للنظر إليه والتعجب من أمره، وانفصل الحال على أن حبس هذا الزاعم لهذا المحال، وطم الحفير كما كان. وفي يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الاول قدم قاضي حلب ناصر الدين بن الخشاب على البريد مجتازا إلى دمشق فنزل بالعادلية الكبيرة، وأخبر أنه صلى على المحدث البارع الفاضل الحافظ شمس الدين محمد بن علي بن أيبك السروجي المضري يوم الجمعة ثامن هذا الشهر بحلب رحمه الله ومولده سنة خمس عشرة وسبعمائة، وكان قد أتقن طرفا جيدا في علم الحديث، وحفظ أسماء الرجال، وجمع وخرج. وفي مستهل ربيع الاخر وقع حريق عظيم بسفح قاسيون احترق به سوق الصالحية الذي بالقرب من جامع المظفري، وكانت جملة الدكاكين التي احترقت قريبا من مائة وعشرين دكانا، ولم ير حريق من زمان أكبر منه ولا أعظم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي يوم الجمعة سادسه رسم بأن يذكر بالصلاة يوم الجمعة في سائر مواذن البلد كما يذكر في مواذن الجامع، ففعل ذلك. وفي يوم الثلاثاء عاشره طلب من القاضي تقي الدين السبكي قاضي قضاة الشافعية أن يقرض ديوان السلطان شيئا من أموال الغياب التي تحت يده، فامتنع من ذلك امتناعا كثيرا، فجاء شاد الدواوين وبعض حاشية نائب السلطنة ففتحوا مخزن الايتام وأخذوا منه خمسين ألف درهم قهرا، ودفعوها إلى بعض العرب عما كان تأخر له في الديوان السلطاني، ووقع أمر كثير لم يعهد مثله. وفي يوم الاربعاء عاشر جمادى الاولى توفي صاحبنا الشيخ الامام العالم العلامة الناقد البارع في فنون العلوم شمس الدين محمد بن الشيخ عماد الدين أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي، تغمده الله برحمته، وأسكنه بحبوحة جنته، مرض قريبا من ثلاثة أشهر بقرحة وحمى سل، ثم تفاقم أمره وأفرط به إسهال، وتزايد ضعفه إلى أن توفي يومئذ قبل أذان العصر، فأخبرني والده أن آخر كلامه أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. فصلي عليه يوم الخميس بالجامع المظفري وحضر جنازته قضاة البلد وأعيان الناس من العلماء والامراء والتجار والعامة، وكانت جنازته حافلة مليحة، عليها

[ 244 ]

ضوء ونور، ودفن بالروضة إلى جانب قبر السيف ابن المجد رحمهما الله تعالى، وكان مولده في رجب سنة خمس وسبعمائة فلم يبلغ الاربعين، وحصل من العلوم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار، وتفنن في الحديث والنحو والتصريف والفقه والتفسير والاصلين والتاريخ والقراءات وله مجاميع وتعاليق مفيدة كثيرة، وكان حافظا جيدا لاسماء الرجال، وطرق الحديث، عارفا بالجرح والتعديل، بصيرا بعلل الحديث، حسن الفهم له، جيد المذاكرة صحيح الذهن مستقيما على طريقة السلف، واتباع الكتاب والسنة، مثابرا على فعل الخيرات. وفي يوم الثلاثاء سلخه درس بمحراب الحنابلة صاحبنا الشيخ الامام العلامة شرف الدين بن القاضي شرف الدين الحنبلي في حلقة الثلاثاء عوضا عن القاضي تقي الدين ابن الحافظ رحمه الله، وحضر عنده القضاء والفضلاء، وكان درسا حسنا أخذ في قوله تعالى (إن الله يأمر بالعد والاحسان) [ النحل: 90 ] وخرج إلى مسألة تفضيل بعض الاولاد. وفي يوم الخميس ثاني شهر جمادى الاولى خرجت التجريدة إلى الكرك مقدمان من الامراء، وهما الامير شهاب الدين بن صبح، والامير سيف الدين قلاوون، في أبهة عظيمة وتجمل وجيوش وبقارات، وإزعاج كثيرة. وفي صبيحة يوم الاثنين الحادي والعشرين منه قتل بسوق الخيل حسن بن الشيخ السكاكيني على ما ظهر منه من الرفض الدال على الكفر المحض، شهد عليه عند القاضي شرف الدين المالكي بشهادات كثيرة تدل على كفره، وأنه رافضي جلد، فمن ذلك تكفير الشيخين رضي الله عنهما، وقذفه أمي المؤمين عائشة وحفصة رضي الله عنهما، وزعم أن جبريل غلط فأوحى إلى محمد، وإنما كان مرسلا إلى علي، وغير ذلك من الاقوال الباطلة القبيحة قبحه الله، وقد فعل. وكان والده الشيخ محمد السكاكيني يعرف مذهب الرافضة الشيعة جيدا، وكانت له أسئلة على مذهب أهل الخير، ونظم في ذلك قصيدة أجابه فيها شيخنا الامام العلامة شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله، وذكر غير واحد من أصحاب الشيخ أن السكاكيني ما مات حتى رجع عن مذهبه، وصار إلى قول أهل السنة فالله أعلم. وأخبرت أن ولده حسنا هذا القبيح كان قد أراد قتل أبيه لما أظهر السنة. وفي ليلة الاثنين خامس شهر رجب وصل بدن الامير سيف الدين تنكز نائب الشام كان إلى تربته التي إلى جانب جامعه الذي أنشأه ظاهر باب النصر بدمشق، نقل من الاسكندرية بعد ثلاث سنين ونصف أو أكثر، بشفاعة ابنته زوجة الناصر عند ولده السلطان الملك الصالح، فأذن في ذلك وأرادوا أن يدفن بمدرسته بالقدس الشريف، فلم يمكن، فجئ به إلى تربته بدمشق وعملت له الختم وحضر القضاة والاعيان رحمه الله. وفي يوم الثلاثاء حادي عشر شعبان المبارك توفي صاحبنا الامير صلاح الدين يوسف التكريتي ابن أخي الصاحب تقي الدين بن توبة الوزير، بمنزله بالقصاعين، وكان شابا من أبناء الاربعين،

[ 245 ]

ذا ذكاء وفطنة وكلام وبصيرة جيدة، وكان كثير المحبة إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله، ولاصحابه خصوصا، ولكل من يراه من أهل العلم عموما، وكان فيه إيثار وإحسان ومحبة الفقراء والصالحين، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون رحمه الله، وفي يوم السبت الخامس عشر منه جاءت زلزلة بدمشق لم يشعر بها كثير من الناس لخفتها ولله الحمد والمنة، ثم تواترت الاخبار بأنها شعثت في بلاد حلب شيئا كثيرا من العمران حتى سقط بعض الابراج بقلعة حلب، وكثير من دورها ومساجدها ومشاهدها وجدرانها، وأما في القلاع حولها فكثير جدا، وذكروا أن مدينة منبج لم يبق منها إلا القليل، وأن عامة الساكنين بها هلكوا تحت الردم رحمه الله: وفي أواخر شهر شوال خرجت التجاريد إلى الكرك وهما أميران مقدمان الامير علاء الدين قراسنقر، والامير الحاج بيدمر، وأشتهر في هذه الايام أن أمر الكرك قد ضعف وتفاقم عليهم الامر وضاقت الارزاق عندهم جدا، ونزل منها جماعات من رؤسائها وخاصكية الامير أحمد بن الناصر مخامرين عليه، فسيروا من الصبح إلى قلاوون وصحبتهم مقدمون من الحلقة إلى الديار المصرية، وأخبروا أن الحواصل عند أحمد قد قلت جدا فالله المسؤول أن يحسن العاقبة. وفي ليلة الاربعاء الثامن والعشرين من شهر ذي الحجة توفي القاضي الامام العلامة برهان الدين بن عبد الحق شيخ الحنفية وقاضي القضاة بالديار المصرية مدة طويلة، بعد ابن الحريري، ثم عزل وأقام بدمشق ودرس في أيام تغردمر بالعذراوية لولده القاضي أمين الدين، فذكر بها الدرس يوم الاحد قبل وفاة والده بثلاثة أيام، وكان موت برهان الدين رحمه الله ببستانه من أراضي الارزة بطريق الصالحية، ودفن من الغد بسفح قاسيون بمقبرة الشيخ أبي عمر رحمه الله، وصلي عليه بالجامع المظفري، وحضر جنازته القضاة والاعيان والاكابر رحمه الله. ثم دخلت سنة خمس وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والديار الشامية وما يتعلق بذلك الملك الصالح ابن إسماعيل بن السلطان الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون، وقضاته بالديار المصرية والشامية هم المذكورون في السنة المتقدمة، ونائبه بمصر الحاج سيف الديين ووزيره المتقدم ذكره، وناظر الخاص القاضي مكين الدين، وناظر الجيوش القاضي علم الدين ابن القطب، والمحتسب المتقدم، وشاد الدواوين علم الدين الناصري، وشاد الاوقاف الامير حسام الدين النجيبي، ووكيل بيت المال القاضي علاء الدين شرنوخ، وناظر الخزانة القاضي تقي الدين بن أبي الطيب، وبقية المباشرين والنظار هم المتقدم ذكرهم، وكاتب الدست القاضي بدر الدين بن فضل الله كاتب السر، والقاضي أمين الدين بن القلانسي والقاضي شهاب الدين بن القيسراني، والقاضي شرف الدين بن شمس الدين بن الشهاب محمود، والقاضي علاء الدين شرنوخ.

[ 246 ]

شهر المحرم أوله السبت استهل والحصار واقع بقلعة الكرك، وأما البلد فأخذ واستنيب فيه الامير سيف الدين قبليه، قدم إليها من الديار المصرية، والتجاريد من الديار المصرية ومن دمشق محيطون بالقلعة، والناصر أحمد بن الناصر ممتنع من التسليم، ومن الاجابة إلى الانابة. ومن الدخول في طاعة أخيه، وقد تفاقمت الامور وطالت الحروب، وقتل خلق كثير بسبب ذلك، من الجيوش ومن أهل الكرك، وقد توجهت القضية إلى خير إن شاء الله. وقبل ذلك بأيام يسيرة هرب من قلعة الكرك الامير سيف الدين أبو بكر بن بهادر آص الذي كان أسر في أوائل حصار الكرك، وجماعة من مماليك الناصر أحمد، كان اتهمهم بقتل الشهيب أحمد، الذي كان يعتني به ويحبه، واستبشر الجيوش بنزول أبي بكر من عنده وسلامته من يده، وجهز إلى الديار المصرية معظما، وهذا والمجانيق الثلاثة مسلطة على القلعة من البلد تضرب عليها ليلا ونهارا، وتدمر في بنائها من داخل، فإن سورها لا يؤثر فيه شئ بالكلية، ثم ذكر أن الحصار فتر ولكن مع الاحتياط على أن لا يدخل إلى القعلة ميرة ولا شئ مما يستعينون به على المقام فيها، فالله المسؤول أن يحسن العاقبة. وفي يوم الاربعاء الخامس والعشرين من صفر قدم البريد مسرعا من الكرك فأخبر بفتح القلعة، وأن بابها أحرق، وأن جماعة الامير أحمد بن الناصر استغاثوا بالامان، وخرج أحمد مقيدا وسير على البريد إلى الديار المصرية، وذلك يوم الاثنين بعد الظهر الثالث والعشرين (1) من هذا الشهر، ولله عاقبة الامور وفي صبيحة يوم الجمعة رابع ربيع الاول دقت البشائر بالقلعة، وزينت البلد عن مرسوم السلطان الملك الصالح سرورا بفتح البلد، واجتماع الكلمة عليه، واستمرت الزينة إلى يوم الاثنين سابعه، فرسم برفعها بعد الظهر فتشوش كثير من العوام، وأرجف بعض الناس بأن أحمد قد ظهر أمره وبايعه الامراء الذين هم عنده، وليس لذلك حقيقة، ودخلت الاطلاب من الكرك صبيحة يوم الاحد ثالث عشر ربيع الاول بالطب لخانات والجيوش، واشتهر إعدام أحمد بن الناصر (2). وفي يوم الجمعة حادي عشر ربيع الاول صلي بالجامع الاموي على الشيخ أمين (3) الدين أبي حيان النحوي، شيخ البلاد المصرية من مدة طويلة، وكانت وفاته بمصر عن تسعين سنة وخمسة


(1) في السلوك 2 / 661: ثاني عشرين صفر، وفي بدائع الزهور 1 / 503: ثاني عشرين ذي الحجة.

(2) في السلوك 2 / 662 والنجوم الزاهرة 10 / 93: كان ذلك ليلة الرابع من ربيع الاول سنة 745 ه‍ وفي تاريخ الشجاعي ص 69 وما بعدها: " خنق ليلة السبت سادس ربيع الاول وقطع رأسه واحضرت لاخيه الصالح ودفنت جثته تحت برج الحرص ": وكان الامير منجك - سيف الدين منجك بن عبد الله اليوسفي الناصري المتوفي سنة 776 - قد توجه إليه إلى الكرك دون علم الامراء فوصل إلى الكرك فدخل على الناصر أحمد وخنقه وقطع رأسه - كما في رواية السلوك، أما في بدائع الزهور 1 / 503 فقد كان ذهاب الامير منجك بطلب السلطان وأمره.

(3) في السلوك 2 / 676 وشذرات الذهب 6 / 145: أثير الدين. وهو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الاندلسي الغرناطي النفزي (نفزة إحقبائل البربر).

[ 247 ]

أشهر. ثم اشتهر في ربيع الآخر (1) قتل السلطان أحمد وحز رأسه وقطع يديه، ودفن جثته بالكرك، وحمل رأسه إلى أخيه الملك الصالح إسماعيل، وحضر بين يديه في الرابع والعشرين من هذا الشهر، ففرح الناس بذلك، ودخل الشيخ إحمد الزرعي على السلطان الملك الصالح فطلب منه أشياء كثيرة من تبطيل المظالم ومكوسات وإطلاق طبلخانات للامير ناصر الدين بن بكتاش، وإطلاق أمراء محبوسين بقلعة دمشق وغير ذلك، فأجابه إلى جميع ذلك، وكان جملة المراسيم التي أجيب فيها بضع وثلاثين مرسوما، فلكا كان آخر شهر ربيع الآخر قدمت المراسيم التي سألها الشيخ أحمد من الملك الصالح، فأمضيت كلها، أو كثير منها، وأفرج عن صلاح الدين بن الملك الكامل، والامير سيف الدين بلو، في يوم الخميس سلخ هذا الشهر، ثم روجع في كثير منها وتوقف حالها. وفي هذا الشهر عملت منارة باب الفرج وفتحت مدرسة كانت دارا قديمة فجعلت مدرسة للحنفية ومسجدا، وعملت طهارة عامة، ومصلى للناس، وكل ذلك منسوب إلى الامير سيف الدين تقطم الخليلي أمير حاجب كان، وهو الذي جدد الدار المعروفة به اليوم بالقصاعين. وفي ليلة الاثنين عاشر جمادى الآخرة توفي صاحبنا المحدث تقي الدين محمد بن صدر الدين سليمان الجعبري زوج بنت الشيخ جمال الدين المزي، والد شرف الدين عبد الله، وجمال الدين إبراهيم وغير هم، وكان فقيها بالمدارس، وشاهدا تحت الساعات وغيرها، وعنده فضيلة جيدة في قراءة الحديث وشئ من العربية، وله نظم مستحسن، انقطع يومين وبعض الثالث وتوفي في الليلة المذكورة في وسط الليل، وكنت عنده وقت العشاء الآخر ليلتئذ، وحدثني وضاحكني، وكان خفيف الروح رحمه الله، ثم توفي في بقية ليلته رحمه الله، وكان أشهدني عليه بالتوبة من جميع ما يسخط الله عز وجل، وأنه عازم على ترك الشهود أيضا رحمه الله، صلي عليه ظهر يوم الاثنين، ودفن بمقابر باب الصغير عند أبويه رحمهم الله. وفي يوم الجمعة ثاني عشرين شهر رجب خطب القاضي عماد الدين بن العز الحنفي بجامع تنكز خارج باب النصر عن نزول الشيخ نجم الدين علي بن داود القفجاري له عن ذلك، وأيضا نائب السلطنه الامير سيف الدين تغردمر وحضوره عنده في الجامع المذكور يومئذ. وفي يوم الجمعة تاسع عشرين رجب توفي القاضي الامام العالم جلال الدين أبو العباس أحمد ابن قاضي القضاة حسام الدين الرومي الحنفي، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة بمسجد دمشق، وحضره القضاة والاعيان ودفن بالمدرسة التي أنشأها إلى جانب الزردكاش قريبا من الخاتونية الجوانية، وكان قد ولي قضاء قضاة الحنفية في أيام ولاية أبيه الديار المصرية، وكان مولده سنة


(1) انظر حاشية رقم 2 صفحة 245.

[ 248 ]

إحدى وخمسين وستمائة، وقدم الشام مع أبيه فأقاموا بها، ثم لما ولي الملك المنصور لاجين ولى أباه قضاء الديار المصرية، وولده هذا قضاء الشام، ثم إنه عزل بعد ذلك واستمر على ثلاث مدارس من خيار مدارس الحنفية ثم حصل له صمم في آخر عمره، وكان ممتعا بحواسه سواه وقواه، وكان يذاكر في العلم وغير ذلك. وفي يوم الاربعاء الرابع والعشرين من شعبان توفي الشيخ نجم الدين علي بن داود القفجاري خطيب جامع تنكز، ومدرس الظاهرية، وقد نزل عنها قبل وفاته بقليل للقاضي عماد الدين بن العز الحنفي، وصلي عليه بالجامع المذكور بعد صلاة الظهر يومئذ، وعند باب النصر وعند جامع جراح ودفن بمقبرة ابن الشيرجي عند والده، وحضره القضاة والاعيان، وكان أستاذا في النحو وله علوم آخر، لكن كان نهاية في النحو والتصريف. وفي هذا اليوم توفي الشيخ الصالح العابد الناسك الشيخ عبد الله الضرير الزرعي، وصلي عليه بعد الظهر بالجامع الاموي وبباب النصر وعند مقابر الصوفية، ودفن بها قريبا من الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله، وكان كثير التلاوة حسنها وصحيحها، كثير العبادة، يقرئ الناس من دهر طويل ويقوم بهم العشر الاخير من رمضان، في محراب الحنابلة بالجامع الاموي رحمه الله. وفي يوم الجمعة ثاني شهر رمضان المعظم توفي الشيخ الامام العالم العامل العابد الزاهد الورع أبو عمر بن أبي الوليد المالكي إمام محراب الصحابة الذي للمالكية، وصلي عليه بعد الصلاة، وحضر جنازته خلق كثير وجم غفير، وتأسف الناس عليه وعلى صلاحه وفتاويه النافعة الكثيرة، ودفن إلى جانب قبر أبيه وأخيه، إلى جانب قبر أبي الغندلاوي المالكي قريبا من مسجد التاريخ رحمه الله، وولي مكانه في المحراب ولده، وهو طفل صغير، فاستنيب له إلى حين صلاحيته، جبره الله ورحم أباه. وفي صبيحة ليلة الثلاثاء سادس رمضان وقع ثلج عظيم لم ير مثله بدمشق من مدة طويلة، وكان الناس محتاجين إلى مطر، فلله الحمد والمنة، وتكاثف الثلج على الاسطحة، وتراكم حتى أعيى الناس أمره ونقلوه عن الاسطحة إلى الازقة يحمل، ثم نودي بالامر بإزالته من الطرقات فإنه سدها وتعطلت معايش كثير من الناس، فعوض الله الضعفاء بعلمهم في الثلج، ولحق الناس كلفة كبيرة وغرامة كثيرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من رمضان صلي بالجامع الاموي على نائب وهو الامير علاء الدين الجاولي، وقد تقدم شئ من ترجمته رحمه الله. وفي أول شوال يوم عيد الفطر وقع فيه ثلج عظيم بحيث لم يتمكن الخطيب من الوصول إلى

[ 249 ]

المصلى، ولا خرج نائب السلطنة، بل اجتمع الامراء والقضاة بدار السعادة، وحضر الخطيب فصلى بهم العيد بها، وكثير من الناس صلوا العيد في البيوت. وفي يوم الاحد الحادي والعشرين من ذي الحجة درس قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي بالشامية البرانية عن الشيخ شمس الدين بن النقيب رحمه الله، وحضر عنده القضاة والاعيان والامراء وخلق من الفضلاء، وأخذ في قوله تعالى (قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب) [ ص: 35 ] وما بعدها. وفي ذي الحجة استفتي في قتل كلاب البلد فكتب جماعة من أهل البلد في ذلك، فرسم بإخراجهم يوم الجمعة من البلد الخامس والعشرين منه، لكن إلى الخندق ظاهر باب الصغير، وكان الاولى قتلهم بالكلية وإحراقهم لئلا تنتن بريحهم على ما أفتى به الامام مالك بن أنس من جواز قتل الكلاب ببلدة معينة للمصلحة، إذا رأى الامام ذلك، ولا يعارض ذلك النهي عن قتل الكلاب، ولهذا كان عثمان بن عفان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام. ثم دخلت سنة ست وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان المسلمين بالديار المصرية والشامية والحرمين والبلاد الحلبية وأعمال ذلك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور، وقضاته بالديار المصرية والشامية هم المذكورون أيضا. وفي يوم الجمعة سادس عشر محرم كملت عمارة الجامع الذي بالمزة الفوقانية الذي جدده وأنشأه الامير بهاء الدين المرجاني، الذي بنى والده مسجد الخيف بمنى وهو جامع حسن متسع فيه روح وانشراح، تقبل الله من بانيه، وعقدت فيه الجمعة بجمع كثير وجم غفير من أهل المزة، ومن حضر من أهل البلد، وكنت أنا الخطيب - يعني الشيخ عماد الدين المصنف تغمده الله برحمته - ولله الحمد والمنة. ووقع كلام وبحث في اشتراط المحلل في المسابقة، وكان سببه أن الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية صنف فيه مصنفا من قبل ذلك، ونصر فيه ما ذهب إليه الشيخ تقي الدين بن تيمية في ذلك، ثم صار يفتي به جماعة من الترك ولا يعزروه إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية، فاعتقد من اعتقد أنه قوله وهو مخالف للائمة الاربعة، فحصل عليه إنكار في ذلك، وطلبه القاضي الشافعي، وحصل كلام في ذلك، وانفصل الحال على أن أظهر الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية الموافقة للجمهور. وفاة الملك الصالح إسماعيل في يوم الاربعاء ثالث شهر ربيع الآخر (1) من هذه السنة أظهر موت السلطان الملك الصالح


(1) كذا بالاصل، وفي الدليل الشافعي 1 / 129 والمنهل الصافي 2 / 426: مات في العشرين من ربيع الاول سنة 746 =

[ 250 ]

ه‍. وفي السلوك 2 / 677 والنجوم الزاهرة 10 / 95: توفي ليلة الخميس رابع ربيع الآخر، وفي بدائع الزهور 1 / 504: " في الحادي والعشرين من ربيع الآخر ". عماد الدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور آخر النهار، وكان قد عهد بالامر إلى أخيه لابويه الملك الكامل سيف (1) الدين أبي الفتوح شعبان، فجلس على سرير المملكة يوم الخميس رابعه، وكان يوما مشهودا، ثم قدم الخبر إلى دمشق عشية الخميس ليلة الجمعة الثاني عشر منه، وكان البريد قد انقطع عن الشام نحو عشرين يوما للشغل بمرض السلطان (2)، فقدم الامير سيف الدين معزا للبيعة للملك الكامل، فركب عليه الجيش لتلقيه، فلما كان صبيحة الجمعة أخذت البيعة من النائب والمقدمين وبقية الامراء والجند للسلطان الملك الكامل بدار السعادة، ودقت البشائر وزين البلد وخطب الخطباء يومئذ للملك الكامل، جعله الله وجها مباركا على المسلمين. وفي صبيحة يوم الاثنين الثاني والعشرين من ربيع الآخر درس القاضي جمال الدين حسين ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي بالمدرسة الشامية البرانية، نزل له أبوه عنها، واستخرج له مرسوما سلطانيا بذلك، فحضر عنده القضاة والاعيان وجماعة من الامراء والفقهاء، وجلس بين أبيه والقاضي الحنفي، وأخذ في الدرس في قوله تعالى (ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) الآيات [ النمل: 15 ]. وتكلم الشريف مجد الدين المتكلم في الدرس بكلام فيها نكارة وبشاعة، فشنع عليه الحاضرون، فاستنيب بعد انقضاء الدرس وحكم بإسلامه، وقد طلب إلى الديار المصرية نائب دمشق الامير سيف الدين تغردمر وهو متمرض، انقطع عن الجمعة بسبب المرض مرات، والبريد يذهب إلى حلب لمجئ نائبها الامير سيف الدين يلبغا لنيابة دمشق، وذكر أن الحاج أرقطيه تعين لنيابة حلب. وفي يوم الجمعة رابع جمادى الاولى خرجت أثقال الامير سيف الدين تغردمر النائب وخيوله وهجنه ومواليه وحواصله وطبل خاناته وأولاده في تجمل عظيم، وأبهة هائلة جدا، وخرجت المحافل والكحارات والمحفات لنسائه وبناته وأهله في هيبة عجيبة، هذا كله وهو بدار السعادة، فلما كان من وقت السحر في يوم السبت خامسه خرج الامير سيف الدين تغر دمر بنفسه إلى الكسوة في محفة لمرضه مصحوبا بالسلامة، فلما طلعت الشمس من يومئذ قدم من حلب أستاذ دار الامير سيف الدين يلبغا اليحياوي (3) فتسلم دار السعادة، وفرح الناس بهم، وذهب الناس للتهنئة والتودد إليهم. * هامش) * (1) في بدائع الزهور 1 / 504: زين الدين.


(2) في السلوك 2 / 676 والنجوم الزاهرة 10 / 94 " تغير مزاجه في مستهل شهر ربيع الاول ولزم الفراش ولم يخرج إلى الخدمة أياما " وفي الجوهر الثمين لابن دقماق 2 / 183: " مرض في العشرين من صفر " وفي مكان آخر قال في السلوك: 2 / 680: اعتراه القولنج.

(3) من السلوك 2 / 755، وفي الاصل: البحناوي، وهو يلبغا بن عبد الله اليحياوي الناصري، سيف الدين المتوفى سنة 748 ه‍. (الدرر 4 / 436 والنجوم الزاهرة 10 / 105).

[ 251 ]

ولما كان يوم السبت الثاني من جمادي الاولى خرج الجيش بكماله لتلقي نائب السلطنة الامير سيف الدين يلبغا فدخل في تجمل عظيم، ثم جاء فنزل عند باب السر، وقبل العتبة على العادة ثم مشى إلى دار السعادة. وفي عشية يوم الاثنين رابع عشره قطع نائب السلطنة ممن وجب قطعه في الحبس ثلاثة عشر رجلا وأضاف إلى قطع اليد وقطع الرجل من كل منهم، لما بلغه أنه تكرر من جناياتهم، وصلب ثلاثة بالمسامير ممن وجب قتله، ففرح الناس بذلك لقمعه المفسدين وأهل الشرور، والعيث والفساد. واشتهر في العشر الاوسط من جمادى الآخرة وفاة الامير سيف الدين تغردمر بعد وصوله إلى الديار المصرية بأيام، وكان ذلك ليلة الخميس مستهل هذا الشهر، وذكر أنه رسم على ولده وأستاذ داره، وطلب منهم مال جزيل، فالله أعلم. وفي يوم الاثنين ثاني عشره توفي القاضي علاء الدين بن العز الحنفي نائب الحكم ببستانه بالصالحية ودفن بها، وذلك بعد عود المدرسة الظاهرية إليه، وأخذه إياها من عمه القاضي عماد الدين إسماعيل، كما قدمنا، ولم يدرس فيها إلا يوما واحدا، وهو متمرض، ثم عاد إلى الصالحية فتمادى به مرضه إلى أن مات رحمه الله. وخرج الركب إلى الحجاز الشريف يوم السبت حادي عشر شوال، وخرج ناس كثير من البلد، ووقع مطر عظيم جدا، ففرح الناس به من جهة أن المطر كان قليلا جدا في شهر رمضان، وهو كانون الاصم، فلما وقع هذا استبشروا به وخافوا على الحجاج ضرره، ثم تداول المطر وتتابع ولله الحمد والمنة، لكن ترحل الحجاج في أوحال كثيرة وزلق كثير، والله المسلم والمعين والحامي. ولما استقل الحجيج ذاهبين وقع عليهم مطر شديد بين الصمين فعوقهم أياما بها، ثم تحاملوا إلى زرع فلم يصلوها إلا بعد جهد جهيد وأمر شديد، ورجع كثير منهم وأكثرهم، وذكروا أشياء عظيمة حصلت لهم من الشدة وقوة الامطار وكثرة الاوحال، ومنهم من كان تقدم إلى أرض بصرى، فحصل لهم رفق بذلك والله المستعان. وقيل إن نساء كثيرة من المخدرات مشين حفاة فيما بين زرع والصميين وبعد ذلك، وكان أمير الحاج سيف الدين ملك آص وقاضيه شهاب الدين بن الشجرة الحاكم بمدينة بعلبك يومئذ والله المستعان، انتهى. ثم دخلت سنة سبع وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان البلاد بالديار المصرية والشامية والحرمين وغير ذلك الملك الكامل سيف الدين شعبان بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون، وليس له بمصر نائب، وقضاة مصر هم المذكورون في التي قبلها، ونائب دمشق الامير سيف الدين يلبغا

[ 252 ]

اليحياوي (1) وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها، إلا أن قاضي القضاة عماد الدين بن إسماعيل الحنفي نزل عن القضاء لولده قاضي القضاة نجم الدين، واستقل بالولاية وتدريس النورية، وبقي والده على تدريس الريحانية (2). وفي يوم الجمعة السادس عشر من المحرم من هذه السنة توفي الشيخ تقي الدين الشيخ الصالح محمد بن الشيخ محمد بن قوام بزاويتهم بالسفح، وصلي عليه الجمعة بجامع الافرم، ثم دفن بالزاوية وحضره القضاة والاعيان وخلق كثير، وكان بينه وبين أخيه ستة أشهر وعشرون يوما، وهذا أشد من ذلك. وفتحت في أول السنة القيسارية التي أنشأها الامير سيف الدين يلبغا نائب السلطنة ظاهر باب الفرج وضمنت ضمانا باهرا بنحو من سبعة آلاف كل شهر، وداخلها قيسارية تجارة في وسطها بركة ومسجد، وظاهرها دكاكين وأعاليها بيوت للسكن. وفي صبيحة يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الاول عقد مجلس بمشهد عثمان للنور الخراساني، وكان يقرأ القرآن في جامع تنكز، ويعلم الناس أشياء من فرائض الوضوء والصلاة، ادعي عليه في أنه تكلم في بعض الائمة الاربعة، وأنه تكلم في شئ من العقائد ويطلق عبارات زائدة على ما ورد به الحديث، وشهد عليه ببعض أشياء متعددة، فاقتضى الحال أن عزر في هذا اليوم، وطيف به في البلد، ثم رد إلى السجن معتقلا. فلما كان يوم الخميس الثاني عشرين منه شفع فيه الامير أحمد بن مهنا ملك العرب عند نائب السلطنة فاستحضره بين يديه وأطلقه إلى أهله وعياله، ولما كان تاريخ يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الاولى صلى نائب السلطنة الامير سيف الدين يلبغا اليحياوي (1) الناصري بجامع تنكز ظاهر دمشق برا باب النصر، وصلى عنده القاضي الشافعي والمالكي وكبار الامراء، ولما أقيمت الصلاة صلى وقعد بعض مماليكه عن الصلاة ومعه السلاح حراسة له، ثم لما انصرف من الصلاة اجتمع بالامراء المذكورين وتشاوروا طويلا، ثم نهض النائب إلى دار السعادة فلما كان آخر النهار برز بخدمه ومماليكه وحشمه ووطاقة وسلاحه وحواصله، ونزل قبلي مسجد القدم وخرج الجند والامراء في آخر النهار وانزعج الناس، واتفق طلوع القمر خاسفا، ثم خرج الجيش ملبسا تحت الثياب وعليه التراكيس بالنشاب والخيول والجنابات، ولا يدري الناس ما الخبر، وكان سبب ذلك أن نائب السلطنة بلغه أن نائب صفد ؟ قد ركب إليه ليقبض عليه (3)،


(1) انظر الحاشية 3 صفحة 249.

(2) وهي المدرسة الريحانية بدمشق. أنشأها خواجا ريحان الطواشي خادم نور الدين محمود بن زنكي في سنة 565 ه‍ (الدارس 1 / 522).

(3) أشار المقريزي إلى سبب تنكر السلطان على الامير يلبغا نائب الشام، وغضب يلبغا على السلطان وذلك أن السلطان قرر السفر إلى الحجاز وأمر الامراء بحمل ما يحتاج إليه: فورد كتاب يلبغا نائب الشام يتضمن خراب بلاد =

[ 253 ]

= الشام مما اتفق بها من أخذ الاموال وانقطاع الجالب إليها وأن الرأي تأخير السفر إلى الحجاز في هذه السنة.. ورأى السلطان ذلك.. ثم غير رأيه تحت ضغط والدته ونسائه وقرر السفر وطلب أن تحمل إليه الاموال وتجدد الطلب على الناس فاشتد الامر على الناس بديار مصر وبلاد الشام وكثر دعاؤهم لماهم فيه من السخر والمغارم. ولما بلغ يلبغا ذلك، وأن السلطان يريد مسكه جمع أمراء دمشق وحلفهم على القيام معه.. وكتبوا بخلع الكامل وظاهروا بالخروج عن طاعته... (السلوك 2 / 707 وما بعدها). فانزعج لذلك وقال: لا أموت إلا على ظهر أفراسي، لا على فراشي، وخرج الجند والامراء خوفا من أن يفوتهم بالفرار، فنزلوا يمنة ويسرة، فلم يذهب من تلك المنزلة بل استمر بها يعمل النيابة ويجتمع بالامراء جماعة وفرادى، ويستميلهم إلى ما هو فيه من الرأي، وهو خلع الملك الكامل شعبان لانه يكثر من مسك الامراء بغير سبب، ويفعل أفعالا لا تيلق بمثله، وذكروا أمورا كثيرة، وأن يولوا أخاه أمير حاجي بن الناصر لحسن شكالته وجميل فعله، ولم يزل يفتلهم في الذروة والغارب حتى أجابوه إلى ذلك، ووافقوه عليه، وسلموا له ما يدعيه، وتابعوا على ما أشار إليه وبايعوه، ثم شرع في البعث إلى نواب البلاد يستميلهم إلى ما مالا عليه الدمشقيون وكثير من المصريين، وشرع أيضا في التصرف في الامور العامة الكلية، وأخرج بعض من كان الملك الكامل اعتقله بالقلعة المنصورة، ورد إليه إقطاع بعد ما بعث الملك الكامل إلى من أقلعه عن منشوره، وعزل وولى وأخذ وأعطى، وطلب التجار يوم الاربعاء ثامن عشره ليباع عليهم غلال الحواصل السلطانية فيدفعوا أثمانها في الحال، ثم يذهبوا فيتسلموها من البلاد البرانية، وحضر عنده القضاة على العادة والامراء والسادة، وهذا كله وهو مخيم بالمكان المذكور، لا يحصره بلد ولا يحويه سور. وفي يوم الخميس رابع جمادى الآخرة خرجت تجريدة نحو عشرة طليعة لتلقي من يقدم من الديار المصرية من الامراء وغيرهم، ببقاء الامر على ما كان عليه، فلم يصدقهم النائب، وربما عاقب بعضهم، ثم رفعهم إلى القلعة، وأهل دمشق ما بين مصدق باختلاف المصريين وما بين قائل السلطان الكامل قائم الصورة مستمر على ما كان عليه، والتجاريد المصرية واصلة قريبا، ولا بد من وقوع خبطة عظيمة. وتشوشت أذهان الناس وأحوالهم بسبب ذلك، والله المسؤول أن يحسن العاقبة. وحاصل القضية أن العامة ما بين تصديق وتكذيب، ونائب السلطنة وخواصه من كبار الامراء على ثقة من أنفسهم، وأن الامراء على خلف شديد في الديار المصرية بين السلطان الكامل شعبان وبين أخيه أمير حاجي، والجمهور مع أخيه أمير حاجي، ثم جاءت الاخبار إلى النائب بأن التجاريد المصرية خرجت تقصد الشام ومن فيه من الجند لتوطد الامر، ثم إنه تراجعت رؤس الامراء في الليل إلى مصر واجتمعوا إلى إخوانهم ممن هو ممالئ لهم على السلطان، فاجتمعوا ودعوا إلى سلطنة أمير حاجي وضربت الطبل خانات وصارت باقي النفوس متجاهرة على نية تأييده،

[ 254 ]

ونابذوا السلطان الكامل، وعدوا عليه مساويه، وقتل بعض الامراء، وفر الكامل وأنصاره فاختيط عليه. وخرج أرغون العلائي زوج ابنته واستظهر أيضا أمير حاجي فأجلسوه على السرير ولقبوه بالملك المظفر (1)، وجاءت الاخبار إلى النائب بذلك، فضربت البشائر عنده، وبعث إلى نائب القلعة فامتنع من ضربها، وكان قد طلب إلى الوطاق فامتنع من الحضور، وأغلق باب القلعة، فانزعج الناس واختبط البلد، وتقلص وجود الخير، وحصنت القلعة ودعوا للكامل بكرة وعشية على العادة، وأرجف العامة بالجيش على عادتهم في كثرة فصولهم، فحصل لبعضهم أذية. فلما كان يوم الاثنين ثامن الشهر قدم نائب حماة إلى دمشق مطيعا لنائب السلطنة في تجمل وأبهة، ثم أجريت له عادة أمثاله. وفي هذا اليوم وقعت بطاقة بقدوم الامير سيف الدين بيغرا حاجب الحجاب بالديار المصرية لاجل البيعة للسلطان الملك المظفر، فدقت البشائر بالوطاق، وأمر بتزيين البلد، فزين الناس وليسوا منشرحين، وأكثرهم يظن أن هذا مكر وخديعة، وأن التجاريد المصرية واصلة قريبا. وامتنع نائب القلعة من دق البشائر وبالغ في تحصين القلعة، وغلق بابها، فلا يفتح إلا الخوخة البرانية والجوانية، وهذا الصنيع هو الذي يشوش خواطر العامة، يقولون: لو كان ثم شئ له صحة كان نائب القلعة يطلع على هذا قبل الوطاق. فلما كان يوم الثلاثاء بعد الزوال قدم الامير سيف الدين بيغرا إلى الوطاق، وقد تلقوه وعظموه، ومعه تقليد النيابة من المظفر إلى الامير سيف الدين يلبغا نائب السلطنة، وكتاب إلى الامراء بالسلام. ففرحوا بذلك وبايعوه وانضمت الكلمة ولله الحمد. وركب بيغرا إلى القلعة فترجل وسل سيفه ودخل إلى نائب القلعة فبايعه سريعا ودقت البشائر في القعلة بعد المغرب، حين بلغه الخبر، وطابت أنفس الناس ثم أصبحت القعلة في الزينة وزادت الزينة في البلد وفرح الناس، فلما كان يوم الخميس حادي عشر الشهر دخل نائب السلطنة من الوطاق إلى البلد والاطلاب بين يديه في تجمل وطبل خانات على عادة العرض، وقد خرج أهل البلد إلى الفرجة، وخرج أهل الذمة بالتوراة، وأشعلت الشموع، وكان يوما مشهودا. وقد صلى في شهر رمضان من هذه السنة بالشامية البرانية صبي عمره ست سنين، وقد رأيته وامتحنته فإذا هو يجيد الحفظ والاداء، وهذا من أغرب ما يكون. وفي العشر الاول من هذا الشهر فرغ من بناء الحمامين الذي بناهما نائب السلطنة بالقرب من الثابتية في خان السلطان العتيق، وما حولها من الرباع والقرب وغير ذلك. وفي يوم الاحد حادي عشره اجتمع نائب السلطنة والقضاة الاربعة ووكيل بيت المال والدولة عند تل المستقين، من أجل أن نائب السلطنة قد عزم على بناء


(1) وذلك يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة، وله من العمر خمس عشرة سنة (السلوك 2 / 714).

[ 255 ]

هذه البقعة جامعا بقدر جامع تنكز، فاشتوروا هنالك، ثم انفصل الحال على أن يعمل، والله ولي التوفيق. وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة صلي على الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن تيمية، أخو الشيخ تقي الدين رحمهما الله. وفي يوم السبت ثاني عشره توفي الشيخ علي القطناني بقطنا، وكان قد اشتهر أمره في هذه السنين، واتبعه جماعة من الفلاحين والشباب المنتمين إلى طريقة أحمد ابن الرفاعي، وعظم أمره وسار ذكره، وقصده الاكابر للزيارة مرات، وكان يقيم السماعات على عادة أمثاله، وله أصحاب يظهرون إشارة باطلة، وأحوالا مفتعلة، وهذا مما كان ينقم عليه بسببه، فإنه إن لم يكن يعلم بحالهم فجاهل، وإن كن يقرهم على ذلك فهو مثلهم، والله سبحانه وتعالى أعلم. وفي أواخر هذا الشهر - أعني ذي الحجة من العيد وما بعده - اهتم ملك الامراء في بناء الجامع الذي بناه تحت القلعة وكان تل المستقين، وهدم ما كان هناك من أبنية، وعملت العجل وأخذت أحجار كثيرة من أرجاء البلد، وأكثر ما أخذت الاحجار من الرحبة التي للمصريين، من تحت المأذنة التي في رأس عقبة الكتاب، وتيسر منها أحجار كثيرة، والاحجار أيضا من جبل قاسيون وحمل على الجمال وغيرها، وكان سلخ هذه السنة - أعني سنة سبع وأربعين وسبعمائة - قد بلغت غرارة القمح إلى مائتين (1) فما دونها، وربما بيعت بأكثر من ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان البلاد المصرية والشامية والحرمين وغير ذلك الملك المظفر أمير حاجي بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، ونائبه بالديار المصرية الامير سيف الدين أرقطيه، وقضاة مصر هم الذين كانوا في الماضية بأعيانهم، ونائبه بالشام المحروسة سيف الدين يلبغا الناصري، وقضاة الشام هم المذكورون في التي قبلها بأعيانهم، غير أن القاضي عماد الدين الحنفي نزل لولده قاضي القضاة نجم الدين، فباشر في حياة أبيه، وحاجب الحجاب فخر الدين إياس. واستهلت هذه السنة ونائب السلطنة في همة عالية في عمارة الجامع الذي قد شرع في بنائه غربي سوق الخيل، بالمكان الذي كان يعرف بالتل المستقين. وفي ثالث المحرم توفي قاضي القضاة شرف الدين محمد بن أبي بكر الهمداني المالكي، وصلي


(1) في السلوك 2 / 72 1: بيع القمح كل غرارة بمائة وسبعين، وبيع الخبز كل رطلين بدرهم، من تأخر المطر بعامة بلاد الشام.

[ 256 ]

عليه بالجامع، ودفن بتربته بميدان الحصا، وتأسف الناس عليه لرياسته وديانته وأخلاقه وإحسانه إلى كثير من الناس رحمه الله. وفي يوم الاحد الرابع والعشرين من المحرم وصل تقليد قضاء المالكية للقاضي جمال الدين المسلاتي الذي كان نائبا للقاضي شرف الدين قبله، وخلع عليه من آخر النهار. وفي شهر ربيع الاول أخذوا لبناء الجامع المجدد بسوق الخيل، أعمدة كثيرة من البلد، فظاهر البلد يعلقون ما فوقه من البناء ثم يأخذونه ويقيمون بدله دعامة وأخذوا من درب الصيقل وأخذوا العمود الذي كان بسوق العلبيين الذي في تلك الدخلة على رأسه مثل الكرة فيها حديد، وقد ذكر الحافظ ابن عساكر أنه كان فيه طلسم لعسر بول الحيوان إذا داروا بالدابة ينحل أراقيها، فلما كان يوم الاحد السابع والعشرين من ربيع الاول من هذه السنة قلعوه من موضعه بعد ما كان له في هذا الموضع نحوا من أربعة آلاف سنة والله أعلم. وقد رأيته في هذا اليوم وهو ممدود في سوق العلبيين على الاخشاب ليجروه إلى الجامع المذكور من السوق الكبير، ويخرجوا به من باب الجابية الكبير فلا إله إلا الله. وفي أواخر شهر ربيع الآخر ارتفع بناء الجامع الذي أنشأه النائب وجفت العين التي كانت تحت جداره حين أسسوه ولله الحمد. وفي سلخ ربيع الآخر وردت الاخبار من الديار المصرية بمسك (1) جماعة من الاعيان الامراء كالحجازي وآقسنقر الناصري، ومن لف لهما، فتحرك الجند بالشام ووقعت خبطة، ثم استهل شهر جمادى الاولى والجند في حركة شديدة، ونائب السلطنة يستدعي الامراء إلى دار السعادة بسبب ما وقع بالديار المصرية، وتعاهد هؤلاء على أن لا يؤذي أحد، وأن يكونوا يدا واحدة، وفي هذا اليوم تحول ملك الامراء من دار السعادة إلى القصر الابلق واحترز لنفسه، وكذلك حاشيته. وفي يوم الاربعاء الرابع عشر منه قدم أمير من الديار المصرية على البريد ومعه كتاب من السلطان فيه التصريح بعزل ملك الامراء يلبغا نائب الشام، فقرئ عليه بحضرة الامراء بالقصر الابلق، فتغمم لذلك وساءه، وفيه طلبه إلى الديار المصرية على البريد ليولى نيابة الديار المصرية،


(1) في السلوك 2 / 729: " قتلا وذلك عصر يوم الاحد تاسع عشر ربيع الآخر، وأمسك الامير بزلار، والامير صمغار، والامير أيتمش عبد الغني، زاد ابن دقماق في الجوهر الثمين 2 / 191: وقرابغا القاسمي. وأشار المقريزي وابن تغردي بردى في النجوم الزاهرة 10 / 158 إلى سبب قتلهما ومسك الاخرين قال: وسبب ذلك أن السلطان لما أخرج اتفاق (العوادة) وغيرها من عنده، وتشاغل عنهن بالحمام، وصار يحضر إلى الدهيشة الاوباش، وتلعب بالعصا لعب صباح ويحضر الشيخ علي بن الكسيح مع حظاياه، فيسخر له، وينقل له أخبار الناس. فشق ذلك على الامراء.. (وتحدثوا بالامر) فاشتد حنقه وأطلق لسانه (أي السلطان) وكان الامير غرلو قد تمكن منه فأعلمه بما وقع فوقع في الامراء وهونهم عليه وجسره على الفتك بهم والقبض على النائب " - الدهيشة: قاعة كبيرة مرتفعة البناء، كانت مفروشة بأنواع البسط والمقاعد الزركش، بناها الملك الصالح اسماعيل بن محمد بن قلاوون سنة 745 ه‍. (السلوك 2 / 212).

[ 257 ]

والظاهر أن ذلك خديعة له، فأظهر الامتناع، أنه لا يذهب إلى الديار المصرية أبدا، وقال: إن كان السلطان قد استكثر علي ولاية دمشق فيوليني أي البلاد شاء، فأنا راض بها. ورد الجواب بذلك، ولما أصبح من الغد وهو يوم الخميس وهو خامس عشره، ركب فخيم قريبا من الجسورة في الموضع االذي خيم فيه عام الاول، وفي الشهر أيضا كما تقدم، فبات ليلة الجمعة وأمر الامراء بنصب الخيام هنالك على عادتهم عام أول. فلما كان يوم الجمعة سادس عشره بعد الصلاة ما شعر الناس إلا والامراء قد اجتمعوا تحت القلعة وأحضروا من القلعة سنجقين سلطانيين أصفرين، ضربوا الطبول حربيا، فاجتمعوا كلهم تحت السنجق السلطاني، ولم يتأخر منهم سوى النائب وذويه كإبنيه وإخوته وحاشيته، والامير سيف الدين قلاوون أحد مقدمي الالوف وخبره أكبر أخبار الامراء بعد النيابة، فبعث إليه الامراء أن هلم إلى السمع والطاعة للسلطان، فامتنع من ذلك وتكررت الرسل بينهم وبينه فلم يقبل، فساروا إليه في الطبل خانات والبوقات ملبسين لامة الحرب، فلما انتهوا إليه وجدوه قد ركب خيوله ملبسا واستعد للهرب، فلما واجههم هرب هو ومن معه وفروا فرار رجل واحد، وساق الجند وراءه فلم يكتنفوا له غبارا، وأقبل العامة وتركمان القبيبات، فانتهبوا ما بقي في معسكره من الشعير والاغنام والخيام، حتى جعلوا يقطعون الخيام والاطناب قطعا قطعا، فعدم له ولاصحابه من الامتعة ما يساوي ألف ألف درهم، وانتدب لطلبه والمسير وراءه الحاجب الكبير الذي قدم من الديار المصرية قريبا شهاب الدين بن صبح، أحد مقدمي الالوف، فسار على طريق الاشرفية ثم عدل إلى ناحية القريتين. ولما كان يوم الاحد قدم الامير فخر الدين إياس صفد فيها فتلقاه الامراء والمقدمون، ثم جاء فنزل القصر وركب من آخر النهار في الجحافل، ولم يترك أحدا من الجند بدمشق إلا ركب معه وساق وراءه يلبغا فانبرا نحو البرية، فجعلت الاعراب يعترضونه من كل جانب، وما زالوا يكفونه حتى سار نحو حماة، فخرج نائبها وقد ضعف أمره جدا، وكل هو ومن معه من كثرة السوق ومصاولة الاعداء من كل جانب، فألقي بيده وأخذ سيفه وسيوف من معه واعتقلوا بحماة، وبعث بالسيوف إلى الديار المصرية، وجاء الخبر إلى دمشق صبيحة يوم الاربعاء رابع عشر هذا الشهر، فضربت البشائر بالقلعة وعلى باب الميادين على العادة، وأحدقت العساكر بحماة من كل جانب ينتظرون ما رسم به السلطان من شأنه، وقام إياس بجيش دمشق على حمص، وكذلك جيش طرابلس، ثم دخلت العساكر راجعة إلى دمشق يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر، وقدم يلبغا وهو مقيد على كديش هو وأبوه وحوله الامراء الموكلون به ومن معه من الجنود، فدخلوا به بعد عشاء الآخرة فاجتازوا به فم السبعة بعد ما غلقت الاسواق، وطفئت السرج، وغلقت الطاقات، ثم مروا على الشيخ رسلان والباب الشرقي على باب الصغير، ثم من عند مسجد الديان على المصلى، واستمروا ذاهبين نحو الديار المصرية، وتواترت البريدية من السلطان بما رسم به في أمره

[ 258 ]

وأصحابه الذين خرجوا معه من الاحتياط على حواصلهم وأموالهم وأملاكهم وغير ذلك، وقدم البريد من الديار المصرية يوم الاربعاء ثالث جمادى الآخرة فأخبر بقتل يلبغا فيما بين قاقون وغبرة، وأخذت رؤوسهما إلى السلطان وكذلك قتل بغبرة الامراء الثلاثة الذين خرجوا من مصر وحاكم الوزير ابن سرد ابن البغدادي، والدوادار طغيتمر وبيدمر البدري، أحد المقدمين، كان قد نقم عليه السلطان ممالاة يلبغا، فأخرجهم من مصر مسلوبين جميع أموالهم وسيرهم إلى الشام، فلما كانوا بغزة لحقهم البريد بقتلهم حيث وجدهم وكذلك رسم بقتل يلبغا حيث التقاه من الطريق، فلما انفصل البريد من غزة التقى يلبغا في طريق وادي فحمة فخنقه ثم احتز رأسه وذهب به إلى السلطان، وقدم أميران من الديار المصرية بالحوطة على حواصل يلبغا وطواشي من بيت المملكة، فتسلم مصاغا وجواهر نفيسة جدا، ورسم ببيع أملاكه وما كان وقفه على الجامع الذي كان قد شرع بعمارته بسوق الخيل، وكان قد اشتهر أنه وقف عليه القيسارية التي كان أنشأها ظاهر باب الفرج، والحمامين المتجاورين ظاهر باب الجابية غربي خان السلطان العتيق، وخصصا في قرايا أخرى كان قد استشهد على نفسه بذلك قبل ذلك فالله أعلم. ثم طلاب بقية أصحابه من حماه فحملوا إلى الديار المصرية وعدم خبرهم، فلا يدرى على أي صفة هلكوا. وفي صبيحة يوم الثلاثاء الثامن عشر (1) من جمادى الآخرة من هذه السنة دخل الامير سيف الدين أرغون شاه دمشق المحروسة نائبا عليها، وكان قدومه من حلب، انفصل عنها وتوجه إليها الامير فخر الدين إياس الحاجب، فدخلها أرغون شاه في أبهة وعليه خلعة وعمامة بطرفين، وهو قريب الشكل من تنكز رحمه الله فنزل دار السعادة وحكم بها، وفيه صرامة وشهامة. وفي يوم الخميس الثالث والعشرين منه صلي على الامير قراسنقر بالجامع الاموي وظاهر باب النصر، وحضر القضاة والاعيان والامراء، ودفن بتربته بميدان الحصا بالقرب من جامع الكريمي وعملت ليلة النصف على العادة من إشعال القناديل ولم يشعل الناس لما هم فيه من الغلاء وتأخر المطر وقلة الغلة، كل رطل إلا وقية بدرهم، وهو متغير، وسائر الاشياء غالية، والزيت كل رطل بأربعة ونصف، ومثله الشيرج والصابون والارز والعنبريس كل رطل بثلاثة، وسائر الاطعمات على هذا النحو، وليس شئ قريب الحال سوى اللحم بدرهمين وربع، ونحو ذلك، وغالب أهل حوران يردون من الاماكن البعيدة ويجلبون القمح للمؤنة والبدار من دمشق، وبيع عندهم القمح المغربل كل مد بأربعة دراهم، وهم في جهد شديد، والله هو المأمول المسؤول وإذا سافر أحد يشق عليه تحصيل الماء لنفسه ولفرسه ودابته، لان المياه التي في الدرب كلها نفذت، وأما القدس فأشد حالا وأبلغ في ذلك. ولما كان العشر الاخير من شعبان من هذه السنة من الله سبحانه وتعالى وله الحمد والمنة على


(1) في السلوك 2 / 737: السابع عشر.

[ 259 ]

عباده بإرسال الغيث المتدارك الذي أحيى العباد والبلاد، وتراجع الناس إلى أوطانهم لوجود الماء في الاودية والغدران، وامتلات بركة زرع بعد أن لم يكن فيها قطرة. وجاءت بذلك البشائر إلى نائب السلطنة، وذكر أن الماء عم البلاد كلها، وأن الثلج على جبل بني هلال كثير، وأما الجبال التي حول دمشق فعليها ثلوج كثيرة جدا، واطمأنت القلوب وحصل فرج شديد ولله الحمد والمنة، وذلك في آخر يوم بقي من تشرين الثاني. وفي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من رمضان توفي الشيخ عز الدين محمد الحنبلي بالصالحية وهو خطيب الجامع المظفري، وكان من الصالحين المشهورين رحمه الله، وكان كثيرا ما يلقن الاموات بعد دفنهم، فلقنه الله حجته وثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. مقتل المظفر وتولية الناصر حسن بن ناصر وفي العشر الاخير من رمضان جاء البريد من نائب غزة إلى نائب دمشق بقتل السلطان الملك المظفر حاجي بن الناصر محمد، وقع بينه وبين الامراء فتحيزوا عنه إلى قبة النصر فخرج إليهم في طائفة قليلة فقتل في الحال (1) وسحب إلى مقبرة هناك، ويقال قطع قطعا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما كان يوم الجمعة آخر النهار ورد من الديار المصرية أمير للبيعة لاخيه السلطان الناصر حسن بن السلطان الناصر محمد بن قلاوون، فدقت البشائر في القلعة المنصورة، وزين البلد بكماله ولله الحمد في السعة الراهنة من أمكن من الناس، وما أصبح صباح يوم السبت إلا زين البلد بكماله ولله الحمد على انتظام الكلمة، واجتماع الالفة. وفي يوم الثلاثاء العشرين من شوال قدم الامير فخر الدين إياس نائب حلب محتاطا عليه، فاجتمع بالنائب في دار السعادة، ثم أدخل القلعة مضيقا عليه، ويقال إنه قد فوض أمره إلى نائب دمشق، فمهما فعل فيه فقد أمضى له، فأقام بالقلعة المنصورة نحوا من جمعة، ثم أركب على البريد ليسار به إلى الديار المصرية، فلم يدر ما فعل به. وفي ليلة الاثنين ثالث شهر ذي القعدة (2) توفي الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الاسلام وشيخ المحدثين شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبي بتربة أم الصالح وصلي عليه يوم الاثنين


(1) وكان ذلك بكرة يوم الاحد ثاني عشر رمضان سنة 748 ه‍ (السلوك 2 / 743 النجوم الزاهرة 10 / 172 وفي بدائع الزهور 1 / 517: يوم الاحد ثاني عشر رمضان).

(2) كذا بالاصل، وسلوك المقريزي 2 / 754 وفي بدائع الزهور 1 / 500 ذكرت وفاته سنة 744 ه‍ وقال: ومن الناس من يذكر وفاته سنة 748 ه‍ قال المقريزي: وكان مولده في ربيع الآخر سنة 673 ه‍.

[ 260 ]

صلاة الظهر في جامع دمشق ودفن بباب الصغير، وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه رحمه الله. وفي يوم الاحد سادس عشر ذي القعدة حضرت تربة أم الصالح رحم الله واقفها عوضا عن الشيخ شمس الدين الذهبي، وحضر جماعة من أعيان الفقهاء وبعض القضاة، وكان درسا مشهودا ولله الحمد والمنة، أوردت فيه حديث أحمد عن الشافعي عن مالك عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما نسمة المؤمن طائر معلق في شجر الجنة حتى يرجعه إلى جسده يوم يبعثه " (1) وفي يوم الاربعاء تاسع عشره أمر نائب السلطنة بجماعة انتهبوا شيئا من الباعة فقطعوا أحد عشر منهم، وسمر عشرة (2) تسميرا تعزيرا وتأديبا انتهى والله أعلم. ثم دخلت سنة تسع وأربعين وسبعمائة استهلت وسلطان البلاد المصرية والشامية الملك الناصر ناصر الدين حسن بن الملك المنصور ونائبه بالديار المصرية الامير سيف الدين يلبغا (3)، ووزيره منجك، وقضاته عز الدين بن جماعة الشافعي وتقي الدين الاخنائي المالكي، وعلاء الدين بن التركماني الحنفي، وموفق الدين المقدسي الحنبلي، وكاتب سره القاضي علاء الدين بن محيي الدين بن فضل الله العمري، ونائب الشام المحروس بدمشق الامير سيف الدين أرغون شاه الناصري، وحاجب الحجاب الامير طيردمر الاسماعيلي، والقضاة بدمشق قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، وقاضي القضاة نجم الدين الحنفي، وقاضي القضاة جلال الدين المسلاتي المالكي، وقاضي القضاة علاء الدين بن منجا الحنبلي، وكاتب سره القاضي ناصر الدين الحلبي الشافعي، وهو قاضي العساكر بحلب، ومدرس الاسدية بها أيضا، مع إقامته بدمشق المحروسة، وتواترت الاخبار بوقوع البلاء في أطراف البلاد، فذكر عن بلاد القرم أمر هائل وموتان فيهم كثير، ثم ذكر أنه انتقل إلى بلاد الفرنج حتى قيل إن أهل قبرص مات أكثرهم أو يقارب ذلك، وكذلك وقع بغزة أمر عظيم، وقد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر نحو من بضعة عشر ألفا (4)، وقرئ البخاري في يوم الجمعة بعد الصلاة سابع ربيع الاول في هذه السنة، وحضر القضاة وجماعة من الناس، وقر أربعة بعد ذلك المقرؤن، ودعا الناس برفع الوباء عن البلاد، وذلك أن الناس لما بلغهم من حلول هذا المرض في السواحل وغيرها من أرجاء البلاد يتوهمون


(1) أخرجه النسائي في الجنائز باب (117)، وابن ماجه في الزهد باب (32)، ومالك في الموطأ في الجنائز، (49)، والامام أحمد في المسند 3 / 455، 456، 460.

(2) في الاصل: عشر.

(3) تقدم مقتله في السنة السابقة، وفي السلوك وبدائع الزهور: بيبغا الناصري أخو منجك وهو غير يلبغا المقتول.

(4) في السلوك 2 / 77 5: زيادة على اثنين وعشرين ألف انسان من ثاني المحرم إلى رابع صفر.

[ 261 ]

ويخافون وقوعه بمدينة دمشق، حماها الله وسلمها مع أنه قد مات جماعة من أهلها بهذا الداء. وفي صبيحة يوم تاسعه اجتمع الناس بمحراب الصحابة وقرأوا متوزعين سورة نوح ثلاثة آلاف مرة وثلثمائة وثلاث (1) وستين مرة، عن رؤيا رجل أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرشده إلى قراءة ذلك كذلك. وفي هذا الشهر أيضا كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين وزاد الاموات كل يوم على المائة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم، ولكنه بالنظر إلى كثرة أهل البلد قليل، وقد توفي في هذه الايام من هذا الشهر خلق كثر وجم غفير، ولا سيما من النساء، فإن الموت فيهم أكثر من الرجال بكثير كثير، وشرع الخطيب في القنوت بسائر الصلوات والدعاء برفع الوباء من المغرب ليلة الجمعة سادس شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وحصل للناس بذلك خضوع وخشوع وتضرع وإنابة، وكثرت الاموات في هذا الشهر جدا، وزادوا على المائتين في كل يوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وتضاعف عدد الموتى منهم، وتعطلت مصالح الناس، وتأخرت الموتى عن إخراجهم، وزاد ضمان الموتى جدا فتضرر الناس ولا سيما الصعاليك، فإنه يؤخذ على الميت شئ كثير جدا، فرسم نائب السلطنة بإبطال ضمان النعوش والمغسلين والحمالين، ونودي بإبطال ذلك في يوم الاثنين سادس عشر ربيع الآخر، ووقف نعوش كثيرة في أرجاء البلد واتسع الناس بذلك، ولكن كثرت الموتى فالله المستعان. وفي يوم الاثنين ثالث والعشرين منه نودي في البلد أن يصوم الناس ثلاثة أيام وأن يخرجوا في اليوم الرابع وهو يوم الجمعة إلى عند مسجد القدم يتضرعون إلى الله ويسألونه في رفع الوباء عنهم، فصام أكثر الناس ونام الناس في الجامع وأحيوا الليل كما يفعلون في شهر رمضان، فلما أصبح الناس يوم الجمعة السابع والعشرين منه خرج الناس يوم الجمعة من كل فج عميق، واليهود والنصارى والسامرة، والشيوخ والعجائز والصبيان، والفقراء والامراء والكبراء والقضاة من بعد صلاة الصبح فما زالوا هنالك يدعون الله تعالى حتى تعالى النهار جدا، وكان يوما مشهودا. وفي يوم الخميس عاشر جمادى الاولى صلى الخطيب بعد صلاة الظهر على ستة عشر ميتا جملة واحدة، فتهول الناس من ذلك وانذعروا، وكان الوباء يومئذ كثيرا ربما يقارب الثلثمائة بالبلد وحواضره فإنا لله وإنا إليه راجعون. وصلى بعد صلاة على خمسة عشر ميتا بجامع دمشق، وصلى على إحدى عشر نفسا رحمهم الله. وفي يوم الاثنين الحادي والعشرين منه رسم نائب السلطنة بقتل الكلاب من البلد، وقد


(1) في الاصل: وثلاثة.

[ 262 ]

كانت كثيرة بأرجاء البلد وربما ضرت الناس وقطعت عليهم الطرقات في أثنا الليل أما تنجيسها الاماكن فكثير قد عم الابتلاء به وشق الاحتراز منه، وقد جمعت جزءا في الاحاديث الورادة في قتلهم، واختلاف الائمة في نسخ ذلك، وقد كان عمر رضي الله عنه يأمر في خطبته بذبح الحمام وقتل الكلاب ونص مالك في رواية ابن وهب على جواز قتل كلاب بلدة بعينها، إذا أذن الامام في ذلك للمصلحة. وفي يوم الاثنين الثامن والعشرين منه توفي زين الدين عبد الرحمن بن شيخنا الحافظ المزي، بدار الحديث النورية وهو شيخنا، ودفن بمقابر الصوفية على والده. وفي منتصف شهر جمادى الآخرة قوي الموت وتزايد وبالله المستعان، ومات خلائق من الخاصة والعامة ممن نعرفهم وغيرهم رحمهم الله وأدخلهم جنته، وبالله المستعان. وكان يصلي في أكثر الايام في الجامع على أزيد من مائة ميت فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبعض الموتى لا يؤتى بهم إلى الجامع، وأما حول البلد وأرجائها فلا يعلم عدد من يموت بها إلا الله عزوجل رحمهم الله آمين. وفي يوم الاثنين السابع والعشرين منه توفي الصدر شمس الدين بن الصباب التاجر السفار باني المدرسة الصبابية، التي هي دار قرآن بالقرب من الظاهرية، وهي قبلي العادلية الكبيرة، وكانت هذه البقعة برهة من الزمان خربة شنيعة، فعمرها هذا الرجل وجعلها دار قرآن ودار حديث للحنابلة، ووقف هو غيره عليها أوقافا جيدة رحمه الله تعالى. وفي يوم الجمعة ثامن شهر رجب صلي بعد الجمعة بالجامع الاموي على غائب: على القاضي علاء الدين ابن قاضي شهبة، ثم صلي على إحدى وأربعين نفسا جملة واحدة، فلم يتسع داخل الجامع لصفهم بل خرجوا ببعض الموتى إلى ظاهر باب السر، وخرج الخطيب والنقيب فصلى عليهم كلهم هناك، وكان وقتا مشهودا، وعبرة عظيمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي هذا اليوم توفي التاجر المسمى بافريدون الذي بنى المدرسة التي بظاهر باب الجابية تجاه تربة بهادرآص، حائطها من حجارة ملونة، وجعلها دارا للقرآن العظيم ووقف عليها أوقافا جيدة، وكان مشهورا مشكورا رحمه الله وأكرم مثواه. وفي يوم السبت ثالث رجب صلي على الشيخ علي المغربي أحد أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية بالجامع الافرمي بسفح قاسيون، ودفن بالسفح رحمه الله، وكانت له عبادة وزهادة وتقشف وورع ولم يتول في هذه الدنيا وظيفة بالكلية، ولم يكن له مال بل كان يأتي بشئ من الفتوح يستنفقه قليلا قليلا، وكان يعاني التصوف، وترك زوجته وثلاثة أولاد رحمه الله. وفي صبيحة يوم الاربعاء سابع رجب صلي على القاضي زين الدين بن النجيح نائب القاضي الحنبلي، بالجامع المظفري، ودفن بسفح قاسيون، وكان مشكورا في القضاء، لديه فضائل

[ 263 ]

كثيرة، وديانة وعبادة، وكان من أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكان قد وقع بينه وبين القاضي الشافعي مشاجرات بسبب أمور، ثم اصطلحا فيما بعد ذلك. وفي يوم الاثنين ثاني عشره بعد أذان الظهر حصل بدمشق وما حولها ريح شديدة أثارت غبارا شديدا اصفر الجو منه ثم اسود حتى أظلمت الدنيا، وبقي الناس في ذلك نحوا من ربع ساعة يستجيرون الله ويستغفرون ويبكون، مع ما هم فيه من شدة الموت الذريع، ورجا الناس أن هذا الحال يكون ختام ما هم فيه من الطاعون، فلم يزدد الامر إلا شدة، وبالله المستعان. وبلغ المصلى عليهم في الجامع الاموي إلى نحو المائة وخمسين، وأكثر من ذلك، خارجا عمن لا يؤتى بهم إليه من أرجاء البلد وممن يموت من أهل الذمة، وأما حواضر البلد وما حولها فأمر كثير، يقال إنه بلغ ألفا في كثير من الايتام، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وصلي بعد الظهر من هذا اليوم بالجامع المظفري على الشيخ إبراهيم بن المحب، الذي كان يحدث في الجامع الاموي وجامع تنكز، وكان مجلسه كثير الجمع لصلاحه وحسن ما كان يؤديه من المواعيد النافعة، ودفن بسفح قاسيون، وكانت جنازته حافلة رحمه الله. وعملت المواعيد بالجامع الاموي ليلة سبع وعشرين من رجب، يقولون ليلة المعراج، ولم يجتمع الناس فيه على العادة لكثرة من مات منهم، ولشغل كثير من الناس بمرضاهم وموتاهم. واتفق في هذه الليلة أنه تأخر جماعة من الناس في الخيم ظاهر البلد فجاؤوا ليدخلوا من باب النصر على عادتهم في ذلك، فكأنه اجتمع خلق منهم بين البابين فهلك كثير منهم كنحو ما يهلك الناس في هذا الحين على الجنائز، فانزعج نائب السلطنة فخرج فوجدهم فأمر بجمعهم، فلما أصبح الناس أمر بتسميرهم ثم عفا عنهم وضرب متولي البلد ضربا شديدا، وسمر نائبه في الليل، وسمر البواب بباب النصر، وأمر أن لا يمشي أحد بعد عشاء الآخرة، ثم تسمح لهم في ذلك. واستهل شهر شعبان والفناء في الناس كثير جدا، وربما أنتنت البلد، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وتوفي الشيخ شمس الدين بن الصلاح مدرس القيمرية الكبيرة بالمطرزيين، يوم الخميس ثالث عشر شعبان وفي يوم الجمعة رابع عشر شعبان صلي بعد الصلاة على جماعة كثيرة، منهم القاضي عماد الدين بن الشيرازي، محتسب البلد، وكان من أكابر روساء دمشق، وولي نظر الجامع مدة، وفي بعض الاوقاف نظر الاوقاف، وجمع له في وقت بينهما ودفن بسفح قاسيون. وفي العشر الاخير من شهر شوال توفي الامير قرابغا دويدار النائب، بداره غربي حكر السماق، وقد أنشأ له إلى جابنها تربة ومسجدا، وهو الذي أنشأ السويقة المجددة عند داره، وعمل لها بابين شرقيا وغربيا، وضمنت بقيمة كثيرة بسبب جاهه، ثم بارت وهجرت لقلة الحاجة إليها، وحضر الامراء والقضاة والاكابر جنازته، ودفن بتربته هناك، وترك أموالا جزيلة وحواصل كثيرة جدا، أخذه مخدومه نائب السلطنة.

[ 264 ]

وفي يوم الثلاثاء سابع شهر ذي القعدة توفي خطيب الجامع، الخطيب تاج الدين عبد الرحيم ابن القاضي جلال الدين محمد بن عبد الرحيم القزويني، بدار الخطابة، مرض يومين وأصابه ما أصاب الناس من الطاعون، وكذلك عامة أهل بيته من جواريه وأولاده، وتبعه أخوه بعد يومين صدر الدين عبد الكريم، وصلي على الخطيب تاج الدين بعد الظهر يومئذ عند باب الخطابة ودفن بتربتهم بالصوفية عند أبيه وأخويه بدر الدين محمد، وجمال الدين عبد الله رحمهم الله. وفي يوم الخميس تاسعه اجتمع القضاة وكثير من الفقهاء المفتيين عند نائب السلطنة بسبب الخطابة، فطلب إلى المجلس الشيخ جمال الدين بن محمود بن جملة فولاه إياها نائب السلطنة، وانتزعت من يده وظائف كان يباشرها، ففرقت على الناس، فولى القاضي بهاء الدين أبو البقاء تدريس الظاهرية البرانية، وتوزع الناس بقية جهاته، ولم يبق بيده سوى الخطابة، وصلى بالناس يومئذ الظهر، ثم خلع عليه في بكرة نهار الجمعة، وصلى بالناس يومئذ وخطبهم على قاعدة الخطباء. وفي يوم عرفة، وكان يوم السبت، توفي القاضي شهاب الدين بن فضل الله كاتب الاسرار الشريفة بالديار المصرية، والبلاد الشامية، ثم عزل عن ذلك ومات وليس يباشر شيئا من ذلك من رياسة وسعادة وأموال جزيلة، وأملاك ومرتبات كثيرة، وعمر دارا هائله بسفح قاسيون بالقرب من الركنية شرقيها ليس بالسفح مثلها، وقد انتهت إليه رياسة الانشاء، وكان يشبه بالقاضي الفاضل في زمانه، وله مصنفات عديدة بعبارات سعيدة، وكان حسن المذاكرة سريع الاستحضار جيد الحفظ فصيح اللسان جميل الاخلاق، يحب العلماء والفقراء، ولم يجاوز الخمسين (1)، توفي بدارهم داخل باب الفراديس، وصلي عليه بالجامع الاموي، ودفن بالسفح مع أبيه وأخيه بالقرب من اليغمورية سامحه الله وغفر له. وفي هذا اليو توفي الشيخ عبد الله بن رشيق المغربي، كاتب مصنفات شيخنا العلامة ابن تيمية، كا أبصر بخط الشيخ منه، إذا عزب شئ منه على الشيخ استخرجه أبو عبد الله هذا، وكان سريع الكتابة لا بأس به، دينا عابدا كثير التلاوة حسن الصلاة، له عيال وعليه ديون رحمه الله وغفر له آمين. ثم دخلت سنة خمسين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان البلاد المصرية والشامية والحرمين وغير ذلك من البلاد الملك الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون، ونائب الديار المصرية مدير ممالكه والاتابك سيف


(1) كان مولده بدمشق في ثالث شوال سنة 700 ه‍ ووفاته بها في تاسع ذي الحجة سنة 749 ه‍ (السلوك 2 / 792).

[ 265 ]

الدين يلبغا (1)، وقضاة الديار المصرية هم المذكورون في التي قبلها، ونائب الشام الامير سيف الدين أرغون شاه الناصري، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها، وكذلك أرباب الوظائف سوى الخطيب وسوى المحتسب. وفي هذه السنة ولله الحمد تقاصر أمر الطاعون جدا ونزل ديوان المواريث إلى العشرين وما حولها بعد أن بلغ الخمسمائة في أثناء سنة تسع وأربعين، ثم تقدم ولكن لم يرتفع بالكلية، فإن في يوم الاربعاء رابع شهر المحرم توفي الفقيه شهاب الدين أحمد بن الثقة هو وابنه وأخوه في ساعة واحدة بهذا المرض، وصلي عليهم جميعا، ودفنوا في قبر واحد رحمهم الله تعالى. وفي يوم الاربعاء الخامس والعشرين من المحرم توفي صاحبنا الشيخ الامام العالم العابد الزاهد الناسك الخاشع ناصر الدين محمد بن محمد بن محمد بن عبد القادر بن الصائغ الشافعي، مدرس العمادية كان رحمه الله لديه فضائل كثيرة على طريقة السلف الصالح، وفيه عبادة كثيرة وتلاوة وقيام ليل وسكون حسن، وخلق حسن، جاوز الاربعين بنحو من ثلاث سنين، رحمه الله وأكرم مثواه. وفي يوم الاربعاء ثالث صفر باشر تقي الدين بن رافع المحدث مشيخة دار الحديث النورية، وحضر عنده جماعة من الفضلاء والقضاة والاعيان، انتهى والله تعالى أعلم. مسك نائب السلطنة أرغون شاه وفي ليلة الخميس الثالث والعشرين من ربيع الاول مسك نائب السلطنة بدمشق الامير سيف الدين أرغون شاه، وكان قد انتقل إلى القصر الابلق بأهله، فما شعر بوسط الليل إلا ونائب طرابلس الامير سيف الدين ألجي بغا المظفري الناصري، ركب إليه في طائفة من الامراء الالوف وغيرهم، فأحاطوا به ودخل عليه من دخل وهو مع جواريه نائم، فخرج إليهم فقبضوا عليه وقيدوه ورسموا عليه، وأصبح الناس أكثرهم لا يشعر بشئ مما وقع، فتحدث الناس بذلك واجتمعت الاتراك إلى الامير سيف الدين ألجي بغا المذكور، ونزل بظاهر البلد، واحتيط على حواصل أرغون شاه، فبات عزيزا وأصبح ذليلا، وأمسى علينا نائب السلطنة فأصبح وقد أحاط به الفقر والمسكنة فسبحان من بيده الامر مالك الملك (يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء) (2) وهذا كما قال الله تعالى (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون. أفأمنوا مكر الله فلا يأمن


(1) تقدم انظر صفحة 259 حاشية رقم 3.

(2) سورة آل عمران الاية 26 وصوابها بالتاء: تؤتي الملك من تشاء... وقد جاءت هنا خطأ بالياء.

[ 266 ]

مكر الله إلا القوم الخاسرون) [ الاعراف: 99 ] ثم لما كان ليلة الجمعة الرابع والعشرين من ربيع الاول (1) أصبح مذبوحا فأثبت محضر بأنه ذبح نفسه فالله تعالى أعلم. كائنة عجيبة غريبة جدا ثم لما كان يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ربيع الاول سنة خمسين وسبعمائة وقع اختلاف بين جيش دمشق وبين الامير سيف الدين ألجي بغا، نائب طرابلس، الذي جاء فأمسك نائب دمشق الامير سيف الدين أرغون شاه الناصري، ليلة الخميس وقتله ليلة الجمعة كما تقدم، وأقام بالميدان الاخضر يستخلص أمواله وحواصله، ويجمعها عنده، فأنكر عليه الامراء الكبار، وأمروه أن يحمل الاموال إلى قلعة السلطان فلم يقبل منهم، فاتهموه في أمره، وشكوا في الكتاب على يده من الامر بمسكه وقتله، وركبوا ملبسين تحت القلعة وأبواب الميادين، وركب هو في أصحابه وهم في دون المائة، وقائل يقول هم ما بين السبعين إلى الثمانين والتسعين، جعلوا يحملون على الجيش حمل المستقتلين، إنما يدافعهم مدافعة المتبرئين، وليس معهم مرسوم بقتلهم ولا قتالهم، فلهذا ولى أكثرهم منهزمين، فخرج جماعة من الجيش حتى بعض الامراء المقدمين، وهو الامير الكبير سيف الدين ألجي بغا العادلي، فقطعت يده اليمنى، وقد قارب التسعين، وقتل آخرون من أجناد الحلقة والمستخدمين، ثم انفصل الحال على أن أخذ ألجي بغا المظفري من خيول أرغون شاه المرتبطة في اسطبله ما أراد، ثم انصرف من ناحية المزة صاغرا على عقبيه، ومعه الاموال التي جمعها من حواصل أرغون شاه، واستمر ذاهبا، ولم يتبعه أحد من الجيش، وصحبته الامير فخر الدين إياس، الذى كان حاجبا، وناب في حلب في العام الماضي، فذهبا بمن معهما إلى طرابلس، وكتب أمراء الشام إلى السلطان يعلمونه بما وقع، فجاء البريد بأنه ليس عند السلطان علم بما وقع بالكلية، وأن الكتاب الذي جاء على يديه مفتعل، وجاء الامر لاربعة آلاف من الجيش الشامي أن يسيروا وراءه ليمسكوه ثم أضيف نائب صفد مقدما على الجميع، فخرجوا في العشر الاول من ربيع الآخر. وفي يوم الاربعاء سادس ربيع الآخر خرجت العساكر في طلب سيف الدين ألجي بغا العادلي في المعركة وهو أحد أمراء الالوف المقدمين، ولما كانت ليلة الخميس سابعه نودي بالبلد على من يقربها من الاجناد أن لا يتأخر أحد عن الخروج بالغد، فأصبحوا في سرعة عظيمة واستنيب في البلد نيابة عن النائب الراتب الامير بدر الدين الخطير، فحكم بدار السعادة على عادة النواب. وفي ليلة السبت بين العشاءين سادس عشره دخل الجيش الذين خرجوا في طلب ألجي بغا المظفري، وهو معهم أسير ذليل حقير، وكذلك الفخر إياس الحاجب مأسور معهم، فأودعا في القلعة مهانين من جسر باب النصر الذي تجاه دار السعادة، وذلك بحضور الامير بدر الدين الخطير


(1) في بدائع الزهور 1 / 1 / 534: رجب.

[ 267 ]

نائب الغيبة، ففرح الناس بذلك فرحا شديدا، ولله الحمد والمنة فلما كان يوم الاثنين الثامن عشر منه خرجا من القلعة إلى سوق الخيل فوسطا بحضرة الجيش، وعلقت جثتهما على الخشب (1) (*) ليراهما الناس، فمكثا أياما ثم أنزلا فدفنا بمقابر المسلمين. وفي أوائل شهر جمادى الآخرة جاء الخبر بموت نائب حلب سيف الدين قطلبشاه ففرح كثير من الناس بموته وذلك لسوء أعماله في مدينة حماة في زمن الطاعون، وذكر أنه كان يحتاط على التركة وإن كان فيها ولد ذكر أو غيره، ويأخذ من أموال الناس جهرة، حتى حصل له منها شئ كثير، ثم نقل إلى حلب بعد نائبها الامير سيف الدين أرقطيه الذي كان عين لنيابة دمشق بعد موت أرغون شاه، وخرج الناس لتلقيه فما هو إلا أن برز منزلة واحدة من حلب فمات بتلك المنزلة (2)، فلما صار قطلبشاه إلى حلب لم يقم بها إلا يسيرا حتى مات، ولم ينتفع بتلك الاموال التي جمعها لا في دنياه ولا في أخراه. ولما كان يوم الخميس الحادي عشر من جمادى الآخرة دخل الامير سيف الدين أيتمش الناصري من الديار المصرية إلى دمشق نائبا عليها، وبين يديه الجيش على العادة، فقبل العتبة ولبس الحياصة (3) والسيف، وأعطي تقليده ومنشوره هنالك، ثم وقف في الموكب على عادة النواب، ورجع إلى دار السعادة وحكم، وفرح الناس به، وهو حسن الشكل تام الخلقة، وكان الشام بلا نائب مستقل قريبا من شهرين ونصف. وفي يوم دخوله حبس أربعة أمراء من الطبلخانات، وهم القاسمي وأولاد آل أبو بكر اعتقلهم في القلعة لممالاتهم ألجي بغا المظفري، على أرغون شاه نائب الشام. وفي يوم الاثنين خامس عشر جمادى الآخرة حكم القاضي نجم الدين بن القاضي عماد الدين الطرسوسي الحنفي، وذلك بتوقيع سلطاني وخلعة من الديار المصرية. وفي يوم الثلاثاء سادس عشر جمادى الآخرة حصل الصلح بين قاضي القضاة تقي الدين السبكي وبين الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية، على يدي الامير سيف الدين بن فضل ملك العرب، في بستان قاضي القضاة، وكان قد نقم عليه إكثاره من الفتيا بمسألة الطلاق. وفي يوم الجمعة السادس والعشرين منه نقلت جثة الامير سيف الدين أرغون شاه من مقابر الصوفية إلى تربة التي أنشأها تحت الطارمة، وشرع في تكميل التربة والمسجد الذي قبلها، وذلك


(1) في السلوك 2 / 803: يوم الخميس حادي عشري ربيع الآخر.

(2) وكان ذلك يوم الاربعاء خامس جمادى الاولى، عن نحو ثمانين سنة.

(3) الحياصة: ويعبر عنها بالمنطقة، ويقال فيها: الحواصة: وهو ما يشد في الوسط وهي من الآلات القديمة، يلبسها الملك الامراء عند إلباسهم الخلع والتشاريف، وتختلف بحسب اختلاف الرتب فمنها ما يكون من ذهب مرصع بالفصوص، ومنها ما ليس كذلك (صبح الاعشى 2 / 134).

[ 268 ]

أنه عاجلته المنية على يد ألجي بغا المظفري قبل إتمامهما، وحين قتلوه ذبحا ودفنوه ليلا في مقابر الصوفية، قريبا من قبر الشيخ تقي الدين بن الصلاح، ثم حول إلى تربته في الليلة المذكورة، وفي يوم السبت تاسع عشر رجب أذن المؤذنون للفجر قبل الوقت بقريب من ساعة، فصلى الناس في الجامع الاموي على عادتهم في ترتيب الائمة، ثم رأوا الوقت باقيا فأعاد الخطيب الفجر بعد صلاة الائمة كلهم، وأقيمت الصلاة ثانيا، وهذا شئ لم يتفق مثله. وفي يوم الخميس ثامن شهر شعبان توفي قاضي القضاة علاء الدين بن منجا الحنبلي بالمسمارية، وصلي عليه الظهر بالجامع الاموي، ثم بظاهر باب النصر، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله. وفي يوم الاثنين رمضان بكرة النهار استدعي الشيخ جمال الدين المرداوي من الصالحية إلى دار السعادة، وكان تقليد القضاء لمذهبه قد وصل إليه قبل ذلك بأيام، فأحضرت الخلعة بين يدي النائب والقضاة الباقين، وأريد على لبسها وقبول الولاية فامتنع، فألحوا عليه فصمم وبالغ في الامتناع وخرج وهو مغضب فراح إلى الصالحية فبالغ الناس في تعظيمه، وبقي القضاة يوم ذلك في دار السعادة، ثم بعثوا إليه بعد الظهر فحضر من الصالحية فلم يزالوا به حتى قبل ولبس الخلعة وخرج إلى الجامع، فقرئ تقليده بعد العصر، واجتمع معه القضاة وهنأه الناس، وفرحوا به لديانته وصيانته وفضيلته وأمانته. وبعد هذا اليوم بأيام حكم الفقيه شمس الدين محمد بن مفلح الحنبلي نيابة عن قاضي القضاة جمال الدين المرداوي المقدسي، وابن مفلح زوج ابنته. وفي العشر الاخير من ذي القعدة حضر الفقيه الامام المحدث المفيد أمين الدين الايجي المالكي مشيخة دار الحديث بالمدرسة الناصرية الجوانية، نزل عنها الصدر أمين الدين بن القلانسي، وكيل بيت المال، وحضر عنده الاكابر والاعيان. وفي أواخر هذه السنة تكامل بناء التربة التي تحت الطارمة المنسوبة إلى الامير سيف الدين أرغون شاه، الذي كان نائب السلطنة بدمشق، وكذلك القبلي منها، وصلى فيها الناس، وكان قبل ذلك مسجدا صغيرا فعمره وكبره، وجاء كأنه جامع تقبل الله منه انتهى. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وسبعمائة استهلت وسلطان الشام ومصر الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون، ونائبه بمصر الامير سيف الين يلبغا (1) وأخوه سيف الدين منجك الوزير، والمشارون جماعة من المقدمين بديار مصر، وقضاة مصر وكاتب السر هم الذين كانوا في السنة الماضية، ونائب الشام الامير سيف الدين أرتيمش الناصري، والقضاة هم القضاة سوى الحنبلي فإنه الشيخ جمال الدين يوسف


(1) في السلوك وبدائع الزهور: بيبغا الناصري.)

[ 269 ]

المرداوي، وكاتب السر، وشيخ الشيوخ تاج الدين، وكاتب الدست هم المتقدمون، وأضيف إليهم شرف الدين عبد الوهاب بن القاضي علاء الدين بن شمرنوخ، والمحتسب القاضي عماد الدين بن العزفور، وشاد الاوقاف الشريف، وناظر الجامع فخر الدين بن العفيف، وخطيب البلد جمال الدين محمود بن جملة رحمه الله. وفي يوم السبت عاشر المحرم نودي بالبلد من جهة نائب السلطان عن كتاب جاءه من الديار المصرية أن لا تلبس النساء الاكمام الطوال العرض، ولا البرد الحرير، ولا شيئا من اللباسات والثياب الثمينة، ولا الاقمشة القصار، وبلغنا أنهم بالديار المصرية شددوا في ذلك جدا، حتى قيل إنهم غرقوا بعض النساء بسبب ذلك فالله أعلم. وجددت وأكملت في أول هذه السنة دار قرآن قبلي تربة امرأة تنكز، بمحلة باب الخواصين حولها، وكانت قاعة صورة مدرسة الطواشي صفي الدين عنبر، مولى ابن حمزة، وهو أحد الكبار الاجواد، تقبل الله منه. وفي يوم الاحد خامس شهر جمادى الاولى فتحت المدرسة الطيبانية التي كانت دارا للامير سيف الدين طيبان بالقرب من الشامية الجوانية، بينها وبين أم الصالح، اشتريت من ثلثه الذي وصى به، وفتحت مدرسة وحول لها شباك إلى الطريق في ضفتها القبلية منها، وحضر الدرس بها في هذا اليوم الشيخ عماد الدين بن شريف الدين ابن عم شيخ كمال الدين بن الزملكاني بوصية الواقف له بذلك، وحضر عنده قاضي القضاة السبكي والمالكي وجماعة من الاعيان، وأخذ في قوله تعالى (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها) الآية [ فاطر: 2 ]. واتفق في ليلة الاحد السادس والعشرين من جمادى الاولى أنه لم يحضر أحد من المؤذنين على السدة في جامع دمشق وقت إقامة الصلاة للمغرب سوى مؤذن واحد، فانتظر من يقيم معه الصلاة فلم يجئ أحد غيره مقدار درجة أو أزيد منها، فأقام هو الصلاة وحده، فلما أحرم الامام بالصلاة تلاحق المؤذنون في أثناء الصلاة حتى بلغوا دون العشرة، وهذا أمر غريب من عدة ثلاثين مؤذن أو أكثر، لم يحضر سوى مؤذن واحد، وقد أخبر خلق من المشايخ أنهم لم يروا نظير هذه الكائنة. وفي يوم الاثنين سابع عشر جمادى الآخرة اجتمع القضاة بمشهد عثمان، وكان الفاضل الحنبلي قد حكم في دار المعتمد الملاصقة لمدرسة الشيخ أبي عمر يلبغا، وكانت وقفا، لتضاف إلى دار القرآن، ووقف عليها أوقاف للفقراء، فمنعه الشافعي من ذلك، من أجل أنه يؤول أمرها أن تكون دار حديث ثم فتحوا بابا آخر وقالوا: هذه الدار لم يستهدم جميعا، وما صادف الحكم محلا، لان مذهب الامام أحمد أن الوقف يباع إذا استهدم بالكلية، ولم يبق ما ينتفق به، فحكم القاضي الحنفي بإثباتها وقفا كما كانت، ونفذه الشافعي والمالكي، وانفصل الحال على ذلك، وجرت أمور طويلة، وأشياء عجيبة. وفي يوم الاربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة أصبح بواب المدرسة المستجدة التي

[ 270 ]

يقال لها الطيبانية إلى جانب أم الصالح مقتولا مذبوحا، وقد أخذت من عنده أموال من المدرسة المذكورة ولم يطلع على فاعل ذلك، وكان البواب رجلا صالحا مشكورا رحمه الله. ترجمة الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية وفي ليلة الخميس ثالث عشر رجب وقت أذان العشاء توفي صاحبنا الشيخ الامام العلامة شمس الدين محمد ين أبي بكر بن أيوب الزرعي، إمام الجوزية، وابن قيمها، وصلي عليه بعد صلاة الظهر من الغد بالجامع الاموي، ودفن عند والدته بمقابر الباب الصغير رحمه الله. ولد في سنة إحدى وتسعين وستمائة وسمع الحديث واشتغل بالعلم، وبرع في العلوم المتعددة، لا سيما علم التفسير والحديث والاصلين، ولما عاد الشيخ تقي الدين بن تيمية من الديار المصرية في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ فأخذ عنه علما جما، مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريدا في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطلب ليلا ونهارا، وكثرة الابتهال. وكان حسن القراءة والخلق، كثير التودد لا يحسد أحدا ولا يؤذية، ولا يستعيبه ولا يحقد على أحد، وكنت من أصحب الناس له وأحب إليه، ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطليها جدا ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الاحيان، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك رحمه الله، وله من التصانيف الكبار والصغار شئ كثير، وكتب بخطه الحسن شيئا كثيرا، واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عشرة من كتب السلف والخلف، وبالجملة كان قليل النصير في مجموعه وأموره وأحواله، والغالب عليه الخير والاخلاق الصالحة، سامحه الله ورحمه، وقد كان متصديا للافتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين بن تيمية، وجرت بسببها فصول يطول بسطها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره، وقد كانت جنازته حافلة رحمه الله، شهدها القضاة والاعيان والصالحون من الخاصة والعامة، وتزاحم الناس على حمل نعشه، وكمل له من العمر ستون سنة رحمه الله. وفي يوم الاثنين ثاني عشر شهر شعبان ذكر الدرس بالصدرية شرف الدين عبد الله بن الشيخ الامام العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية عوضا عن أبيه رحمه الله فأفاد وأجاد، وسرد طرفا صالحا في فضل العلم وأهله، انتهى والله تعالى أعلم. ومن العجائب والغرائب التي لم يتفق مثلها ولم يقع من نحو مائتي سنة وأكثر، أنه بطل الوقيد بجامع دمشق في ليلة النصف من شعبان، فلم يزد في وقيده قنديل واحد على عادة لياليه في سائر السنة ولله الحمد والمنة. وفرح أهل العلم بذلك، وأهل الديانة، وشكر الله تعالى على تبطيل هذه البدعة الشنعاء، التي كان يتولد بسببها شرور كثيرة بالبلد، والاستيجار بالجامع الاموي، وكان ذلك بمرسوم السلطان الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون خلد الله ملكه،

[ 271 ]

وشيدا أركانه وكان الساعي لذلك بالديار المصرية الامير حسام الدين أبو بكر بن النجيبي بيض الله وجهه، وقد كان مقيما في هذا الحين بالديار المصرية، وقد كنت رأيت عنده فتيا عليها خط الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وغيرهما في إبطال هذه البدعة، فأنفذ الله ذلك ولله الحمد والمنة. وقد كانت هذه البدعة قد استقرت بين أظهر الناس من نحو سنة خمسين وأربعمائة وإلى زماننا هذا، وكم سعى فيها من فقيه وقاضي ومفت وعالم وعابد وأمير وزاهد ونائب سلطنة وغيرهم ولم ييسر الله ذلك إلا في عامنا هذا، والمسؤول من الله إطالة عمر هذا السلطان، ليعلم الجهلة الذين استقر في أذهانهم إذا أبطل هذا الوقيد في عام يموت سلطان الوقت، وكان هذا لا حقيقة له ولا دليل عليه إلا مجرد الوهم والخيال. وفي مستهل شهر رمضان اتفق أمر غريب لم يتفق مثله من مدة متطاولة، فيما يتعلق بالفقهاء والمدارس، وهو أنه كان قد توفي ابن الناصح الحنبلي بالصالحية، وكان بيده نصف تدريس الضاحية التي للحنابلة بالصالحية، والنصف الآخر للشيخ شرف الدين ابن القاضي شرف الدين الحنبلي شيخ الحنابلة بدمشق، فاستنجز مرسوما بالنصف الآخر، وكانت بيده ولاية متقدمة من القاضي علاء الدين بن المنجا الحنبلي، فعارضه في ذلك قاضي القضاة جمال الدين المرداوي الحنبلي، وولى فيها نائبه شمس الدين بن مفلح، ودرس بها قاضي القضاة في صدر هذا اليوم، فدخل القضاة الثلاثة الباقون ومعهم الشيخ شرف الدين المذكور إلى نائب السلطنة، وأنهوا إليه صورة الحال، فرسم له بالتدريس، فركب القضاة المذكورون وبعض الحجاب في خدمته إلى المدرسة المذكورة، واجتمع الفضلاء والاعيان، ودرس الشيخ شرف الدين المذكور، وبث فضائل كثيرة، وفرح الناس. وفي شوال كان في جملة من توجه إلى الحج في هذا العام نائب الديار المصرية ومدبر ممالكها الامير سيف الدين يلبغا (1) الناصري، ومعه جماعة من الامراء، فلما استقل الناس ذاهبين نهض جماعة من الامراء على أخيه الامير سيف الدين منجك، وهو وزير المملكة، وأستاذ دار الاستادارية، وهو باب الحوائج في دولتهم، وإليه يرحل ذوو الحاجات بالذهب والهدايا، فأمسكوه (2) وجاءت البريدية إلى الشام في أواخر هذا الشهر بذلك، وبعد أيام يسيرة وصل الامير سيف الدين شيخون، وهو من أكابر الدولة المصرية تحت الترسيم، فأدخل إلى قلعة دمشق، ثم


(1) انظر صفحة 259 و 267.

(2) وكان ذلك يوم السبت الرابع عشر شوال. وتم ذلك في اجتماع دعا إليه السلطان وحضره القضاة والامراء وشد نفسه. وثبت رشده في ذلك اليوم، واستعذر الاوصية من الامراء فأعذروا له في ذلك، وسلموا إليه أمور المملكة، وكان أول ما قام به القبض على جماعة من الامراء وتقييدهم، قال ابن إياس في بدائع الزهور: وهذا أول تصرفه في أمور المملكة (انظر السلوك 2 / 822 وبدائع الزهور 1 / 1 / 536).

[ 272 ]

أخذ منها بعد ليلة فذهب به إلى الاسكندرية فالله أعلم. وجاء البريد بالاحتياط على ديوانه وديوان منجك بالشام وأيس من سلامتهما، وكذلك وردت الاخبار بمسك يلبغا في أثناء الطريق (1)، وأرسل سيفه إلى السلطان، وقدم أمير من الديار المصرية فحلف الامراء بالطاعة إلى السلطان، وكذلك سار إلى حلب فحلف من بها من الامراء ثم عاد إلى دمشق ثم عاد راجعا إلى الديار المصرية، وحصل له من الاموال شئ كثير من النواب والامراء. وفي يوم الخميس العشرين من ذي القعدة مسك الاميران الكبيران الشاميان المقدمان شهاب الدين أحمد بن صبح، وملك آص، من دار السعادة بحضرة نائب السلطنة والامراء ورفعا إلى القلعة المنصورة، سير بهما ماشيين من دار السعادة إلى باب القلعة من ناحية دار الحديث، وقيدا وسجنا بها، وجاء الخبر بأن السلطان استوزر بالديار المصرية القاضي علم الدين زينور (2)، وخلع عليه خلعة سنية، لم يسمع بمثلها من أعصار متقادمة، وباشر وخلع على الامراء والمقدمين، وكذلك خلع على الامير سيف الدين طسبغا وأعيد إلى مباشرة الدويدارية بالديار المصرية، وجعل مقدما. وفي أوائل شهر ذي الحجة اشتهر أن نائب صفد شهاب الدين أحمد بن مشد الشربخانات طلب إلى الديار المصرية فامتنع من إجابة الداعي، ونقض العهد، وحصن قلعتها، وحصل فيها عددا ومددا وادخر أشياء كثيرة بسبب الاقامة بها والامتناع فيها، فجاءت البريدية إلى نائب دمشق يأن يركب هو وجميع جيش دمشق إليه، فتجهز الجيش لذلك وتأهبوا، ثم خرجت الاطلاب على راياتها، فلما برز منها بعض بدا لنائب السلطنة فردهم وكان السلطنة فردهم وكان له خبرة عظيمة، ثم استقر الحال على تجريد أربعة مقدمين بأربعة آلاف إليه (3). وفي يوم الخميس ثاني عشره وقعت كائنة غريبة بمنى وذلك أنه اختلف الامراء المصريون والشاميون مع صاحب اليمن الملك المجاهد (4)، فاقتتلوا قتالا شديدا قريبا من وادي محسر، ثم انجلت الوقعة عن أسر صاحب اليمن الملك المجاهد فحمل مقيدا إلى مصر، كذلك جاءت بها


(1) وكان ذلك يوم الاربعاء السادس والعشرين من ذي القعدة، في الطريق إلى الحج، وكان ذلك في المنزلة وهي بلدة المويلح، وهي على شاطئ البحر الاحمر جنوبي العقبة (انظر السلوك 2 / 827 وانظر حاشية 3 في تلك الصفحة، والنجوم الزاهرة 10 / 223).

(2) في السلوك 2 / 828: زنبور، وكان ذلك يوم الخميس السابع والعشرين ذي القعدة. * (هامش * (3) وانكشف عنه مؤيدوه، فوافق على الطاعة وسلم نفسه لنائب طرابلس بكلمش، وعلم السلطان فطلب إرساله إليه. (السلوك 2 / 831) وقدم إلى الديار المصرية يوم الخميس ثامن عشرين المحرم فأرسل إلى الاسكندرية فسجن بها (السلوك 2 / 837).

(4) وهو علي بن المؤيد داود بن المظفر أبو سعيد المنصوري عمر بن رسول (انظر النجوم الزاهرة 10 / 226).

[ 273 ]

كتب الحجاج وهم أخبروا بذلك. واشتهر في أواخر ذي الحجة أن نائب حلب الامير سيف الدين أرغون الكاملي قد خرج عنها بمماليكه وأصحابه فرام الجيش الحلبي رده فلم يستطيعوا ذلك، وجرح منهم جراحات كثيرة، وقتل جماعة فإنا لله وإنا إليه راجعون، واستمر ذاهبا وكان في أمله فيما ذكر أن يتلقى سيف الدين يلبغا (1) في أثناء طريق الحجاز فيتقدم معه إلى دمشق، وإن كان نائب دمشق قد اشتغل في حصار صفد أن يهجم عليها بغتة فيأخذها، فلما سار بمن معه وأخذته القطاع من كل جانب ونهبت حواصله وبقي تجريدة في نفر يسير من مماليكه، فاجتاز بحماة ليهربه نائبها فأبى عليه، فلما اجتاز بحمص وطن نفسه على المسير إلى السلطان بنفسه، فقدم به نائب حمص وتلقاه بعض الحجاب وبعض مقدمي (2) الالوف ودخل يوم الجمعة بعد الصلاة سابع عشرين الشهر، وهو في أبهة، فنزل بدار السعادة في بعض قاعات الدويدارية انتهى. ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان البلاد الشامية والديار المصرية والحرمين الشريفين وما يلحق بذلك من الاقاليم والبلدان، الملك الناصر حسن بن السلطان الملك محمد بن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي، ونائبه بالديار المصرية يلبغا (1) الملقب بحارس الطير، وهو عوضا عن الامير سيف الدين يلبغا (1) (*) أروش الذي راح إلى بلاد الحجاز، ومعه جماعة من الامراء بقصد الحج الشريف، فعزله السلطان في غيبته وأمسك على شيخون واعتقله وأخذ منجك الوزير، وهو أستاذ دار ومقدم ألف، واصطفى أمواله، واعتاض عنه وولى مكانه في الوزارة القاضي علم الدين بن زينور (3)، واسترجع إلى وظيفة الدويدارية الامير سيف الدين طسبغا الناصري، وكان أميرا بالشام مقيما منذ عزل إلى أن أعيد في أواخر السنة كما تقدم. وأما كاتب السر بمصر وقضاتها فهم المذكورون في التي قبلها. واستهلت هذه السنة ونائب صفد قد حصن القلعة وأعد فيها عدتها وما ينبغي لها من الاطعمات والذخائر والعدد والرجال، وقد نابذ المملكة وحارب، وقد قصدته العساكر من كل جانب من الديار المصرية ودمشق وطرابلس وغيرها، والاخبار قد ضمنت عن يلبغا (1) ومن معه ببلاد الحجاز ما يكون من أمره، ونائب دمشق في احتراز وخوف من أن يأتي إلى بلاد الشام فيدهمها بمن معه، والقلوب وجلة من ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها ورد الخبر أن صاحب اليمن


(1) في السلوك: بيبغا.

(2) في الاصل: مقدمين.

(3) في السلوك: زنبور.

[ 274 ]

حج في هذه السنة فوقع بينه وبين صاحب مكة عجلان بسبب أنه أراد أن يولي عليها أخاه بعيثة، فاشتكى عجلان ذلك إلى أمراء المصريين وكبيرهم إذ ذاك الامير سيف الدين بزلار ومعهم طائفة كثيرة، وقد أمسكوا أخاهم يلبغا (1) وقيدوه، فقوي رأسه عليهم واستخف بهم، فصبروا حتى قضى الحج وفرغ الناس من المناسك، فلما كان يو النفر الاول يوم الخميس تواقفواهم وهو فقتل من الفريقين خلق كثير، والاكثر من اليمنيين، وكانت الوقعة قريبة من وادي محسر، وبقي الحجيج خائفين أن تكون الدائرة على الاتراك فتنهب الاعراب أموالهم وربما قتلوهم، ففرج الله ونصر الاتراك على أهل اليمن ولجأ الملك المجاهد إلى جبل فلم يعصمه من الاتراك، بل أسروه ذليلا حقيرا، وأخذوه مقيدا أسيرا، وجاءت عوام الناس إلى اليمنيين فنهبوا شيئا كثيرا، ولم يتركوا لهم جليلا ولا حقيرا، ولا قليلا ولا كثيرا، واحتاط الامراء على حواصل الملك وأمواله وأمتعته وأثقاله، وساروا بخيله وجماله، وأدلوا على صنديد من رحله ورجاله، واستحضروا معهم طفيلا الذي كان حاصر المدينة النبوية في العام الماضي وقيدوه أيضا، وجعلوا الغل في عنقه، واستاقوه كما يستاق الاسير في وثاقه مصحوبا بهمه وحتفه، وانشمروا عن تلك البلاد إلى ديارهم راجعين، وقد فعلوا فعلة تذكر بعدهم إلى حين. ودخل الركب الشامي إلى دمشق يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من المحرم على العادة المستمرة والقاعدة المستقرة. وفي هذا اليوم قدمت البريدية من تلقاء مدينة صفد مخبرة بأن الامير شهاب الدين أحمد ابن مشد الشرنجاتاه، الذى كان قد تمرد بها وطغى وبغى حتى استحوز عليها وقطع سببها وقتل الفرسان والرجالة، وملاها أطعمة وأسلحة، ومماليكه ورجاله، فعندما تحقق مسك يلبغا (1) أروش وخضعت تلك النفوس، وخمدت ناره وسكن شراره وحار بثاره، ووضح قراره، وأناب إلى التوبة والاقلاع، ورغب إلى السلامة والخلاص، وخشع ولات حين مناص، وأرسل سيفه إلى السلطان، ثم توجه بنفسه على البريد إلى حضرة الملك الناصر والله المسؤول أن يحسن عليه وأن يقبل بقلبه إليه (2). وفي يوم الاحد خامس صفر قدم من الديار المصرية الامير سيف الدين أرغون الكاملي معادا إلى نيابة حلب (3)، وفي صحبته الامير سيف الدين طشبغا الدوادار بالديار المصرية، وهو زوج ابنة نائب الشام، فتلقاه نائب الشام وأعيان الامراء، ونزل طشبغا الدوادار عند زوجته بدار منجى في محلة مسجد القصب التي كانت تعرف بدار حنين بن حندر، وقد جددت في السنة الماضية، وتوجها في الليلة الثانية من قدومها إلى حلب. وفي يوم الاربعاء رابع عشر ربيع الاول اجتمع


(1) في السلوك وبدائع الزهور. بيبغا.

(2) انظر حاشية 3 صفحة 271.

(3) وكان قد وصل إلى الديار المصرية يوم الجمعة خامس المحرم سنة 752.

[ 275 ]

القضاة الثلاثة وطلبوا الحنبلي ليتكلموا معه فيما يتعلق بدار المعتمد التي بجوار مدرسة الشيخ أبي عمر، التي حكم بنقض وقفها وهدم بابها وإضافتها إلى دار القرآن المذكورة، وجاء مرسوم السلطان يوفق ذلك، وكان القاضي الشافعي قد أراد منعه من ذلك، فلما جاء مرسوم السلطان اجتمعوا لذلك، فلم يحضر القاضي الحنبلي، قال: حتى يجئ نائب السلطنة. ولما كان يوم الخميس خامس عشر ربيع الاول حضر القاضي حسين ولد قاضي القضاة تقي الدين السبكي عن أبيه مشيخة دار الحديث الاشرفية وقرئ عليه شئ كان قد خرجه له بعض المحدثين، وشاع في البلد أنه نزل له عنها، وتكلموا في ذلك كلاما كثيرا، وانتشر القول في ذلك، وذكر بعضهم أنه نزل له عن الغزالية والعادلية، واستخلفه في ذلك والله أعلم. وفي سحر ليلة الخميس شهر جمادى الآخرة وقع حريق عظيم بالجوانيين في السوق الكبير واحترقت دكاكين والفواخرة والمناجليين، وفرجة الغرابيل، وإلى درب القلى، ثم إلى قريب درب العميد، وصارت تلك الناحية دكا بلقعا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وجاء نائب السلطنة بعد الاذان إلى هناك ورسم بطفي النار، وجاء المتولي والقاضي الشافعي والحجاب، وشرع الناس في طفي النار، ولو تركوها لاحترقت شيئا كثيرا، ولم يفقد فيما بلغنا أحد من الناس، ولكن هلك للناس شئ كثير من المتاع والاثاث والاملاك وغير ذلك، واحترق للجامع من الرباع في هذا الحريق ما يساوي مائة ألف درهم. انتهى والله أعلم. كائنة غريبة جدا وفي يوم الاحد خامس عشر جمادى الاولى استسلم للقاضي الحنبلي جماعة من اليهود كان قد صدر منهم نوع استهزاء بالاسلام وأهله، فإنهم حملوا رجلا منهم صفة ميت على نعش ويهللون كتهليل المسلمين أمام الميت ويقرأون (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) [ الاخلاص: 1 - 4 ] فسمع بهم من بحارتهم من المسلمين، فأخذوهم إلى ولي الامر نائب السلطنة فدفعهم إلى الحنبلي، فاقتضى الحال استسلامهم فأسلم يومئذ منهم ثلاثة وتبع أحدهم ثلاثة أطفال، وأسلم في اليوم الثاني ثمانية آخرون فأخذهم المسلمون وطافوا بهم في الاسواق يهللون ويكبرون، وأعطاهم أهل الاسواق شيئا كثيرا وراحوا بهم إلى الجامع فصلوا ثم أخذوهم إلى دار السعادة فاستطلقوا لهم شيئا، ورجعوا وهم في ضجيج وتهليل وتقديس، وكان يوما مشهودا ولله الحمد والمنة. انتهى والله أعلم. مملكة السلطان الملك الصالح صلاح الدين بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي في العشر الاوسط من شهر رجب الفرد وردت البريدية من الديار المصرية

[ 276 ]

الملك الناصر حسن بن الناصر بن قلاوون لاختلاف الامراء عليه، واجتماعهم على أخيه الملك الصالح (1)، وأمه صالحة بنت ملك الامراء تنكز الذي كان نائب الشام مدة طويلة، وهو ابن أربع عشرة سنة، وجاءت الامراء للحلف، فدقت البشائر وزين البلد على العادة، وقيل إن الملك الناصر حسن خنق ورجعت الامراء الذين كانوا بإسكندرية مثل شيخون ومنجك وغيرهما، وأرسلوا إلى يلبغا (2) فجئ به من الكرك، وكان مسجونا بها من مرجعه من الحج، فلما عاد إلى الديار المصرية شفع في صاحب اليمن الملك المجاهد الذي كان مسجونا في الكرك فأخرج وعاد إلى الديار الحجازية (3). وأما الامراء الذين كانوا من ناحية السلطان حين مسك معارضة أمير أخور وميكلي بغا الفخري وغيرهما، فاحتيط عليهم وأرسلوا إلى الاسكندرية، وخطب للملك الصالح بجامع دمشق يوم الجمعة السابع عشر من شهر رجب وحضر نائب السلطنة والامراء والقضاة للدعاء له بالمقصورة على العادة. وفي أثناء العشر الاخير من رجب عزل نائب السلطنة سيف الدين أيتمش عن دمشق مطلوبا إلى الديار المصرية فسار إليها يوم الخميس. وفي يوم الاثنين حادي عشر شعبان قدم الامير سيف الدين أرغون الكاملي الذي كان نائبا على الديار الحلبية من هناك، فدخل دمشق في هذا اليوم في أبهة عظيمة، وخرج الامراء والمقدمون وأرباب الوظائف لتلقيه إلى أثناء الطريق، منهم من وصل إلى حلب وحماة وحمص، وجرى في هذا اليوم عجائب لم تر من دهور، واستبشر الناس به لصرامته وشهامته وحدته، وما كان من لين الذي قبله ورخاوته، فنزل دار السعادة على العادة. وفي يوم السبت وقف في موكب هائل قيل إنه لم ير مثله من مدة طويلة، ولما سير إلى ناحية باب الفرج اشتكى إليه ثلاث نسوه على أمير كبير يقال له الطرخاين، فأمر بإنزاله عن فرسه فأنزل وأوقف معهن في الحكومة، واستمر بطلان الوقيد في الجامع الاموي في هذا العام أيضا كالذي قبله، حسب مرسوم السلطان الناصر حسن رحمه الله، ففرح أهل الخير بذلك فرحا شديدا، وهذا شئ


(1) وكان ذلك يوم الاثنين الثامن والعشرين جمادى الاخرة كما عند المقريزي في السلوك 2 / 843 والنجوم الزاهرة 10 / 254: وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 538: يوم الاثنين الثامن عشر جمادى الاخرة. وعلل المقريزي سبب خلعه أنه اتفق مع مماليكه على الامساك ببعض الامراء وسجنهم كما سبق له أن أمسك غيرهم فقاموا - وهم الامير طاز المنصور ي وبيبغا الشمسي وبسغرا الناصري والامير منكلي بغا الفخري - وتوجهوا إلى قبة النصر وطلعوا إليه وعزلوه.

(2) في السلوك: بيبغا، فلما أحضر من الكرك أخلع عليه وقرره نائب حلب (بدائع الزهور 1 / 539).

(3) في السلوك 2 / 838 و 839 قال إن الملك الناصر حسن خلع على المجاهد في تاسع عشرين محرم واذن له أن يتجهز للسفر وفي يوم السبت الثامن عشر من صفر برز الملك المجاهد بثقله إلى الريدانية ليسافر إلى بلاده، ورحل منها في الثالث والعشرين من صفر. ثم أعيد من ينبع واعتقل ثانيا وحبس في الكرك وكان ذلك يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر - وفي يوم السبت تاسع شعبان وصل إلى مصر فخلع عليه ومن الغد رسم له بالعود إلى بلاده عن طريق عيذاب (السلوك 2 / 852 وبدائع الزهور 1 / 537)

[ 277 ]

لم يعهد مثله من ثلثمائة سنة ولله الحمد والمنة، ونودي في البلد في هذا اليوم والذي بعده عن النائب: من وجد سكرانا فلينزله عن فرسه وليأخذ ثيابه، ومن أحضره من الجند إلى دار السعادة فله خبزة، ففرح الناس بذلك واحتجر على الخمارين والعصارين، ورخصت الاعتاب وجادت الاخباز واللحم بعد أن كان بلغ كل رطل أربعة ونصفا، فصار بدرهمين ونصف، وأقل، وأصلحت المعايش من هيبة النائب، وصار له صيت حسن، وذكر جميل في الناس بالعدل وجودة القصد وصحة الفهم وقوة العدل والادراك. وفي يوم الاثنين ثامن عشر شعبان وصل الامير أحمد بن شاد الشريخاناه الذي كان قد عصى في صفد، وكان من أمره ما كان، فاعتقل بالاسكندرية ثم أخرج في هذه الدولة وأعطي نيابة حماة فدخل دمشق في هذا اليوم سائرا إلى حماة، فركب مع النائب مع الموكب وسير عن يمينه ونزل في خدمته إلى دار السعادة، ورحل بين يديه. وفي يوم الخميس الحادي والعشرين منه دخل الامير سيف الدين يلبغا (1) الذي كان نائبا بالديار المصرية، ثم مسك بالحجاز وأودع الكرك، ثم أخرج في هذه الدولة وأعطي نيابة حلب، فتلقاه نائب السلطنة وأنزل دار السعادة حين أضافه. ونزل وطاقه بوطأة برزة وضربت له خيمة بالميدان الاخضر. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك الملك الصالح صلاح الدين، صالح بن السلطان الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون، والخليفة الذي يدعى له المعتضد بأمر الله، ونائب الديار المصرية الامير سيف الدين قبلاي، وقضاة مصر هم المذكورون في التي قبلها، والوزير القاضي ابن زنبور، وأولوا الامر الذين يدبرون المملكة فلا تصدر الامور إلا عن آرائهم لصغر السلطان المذكور (2) جماعة من أعيانهم ثلاثة سيف الدين شيخون، وطاز وحر عيمش، ونائب دمشق الامير سيف الدين أرغون الكاملي، وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها، ونائب البلاد الحلبية الامير سيف الدين يلبغا (1) أروش، ونائب طرابلس الامير سيف الدين بكلمش، ونائب حماة الامير شهاب الدين أحمد بن مشد الشريخانة، ووصل بعض الحجاج إلى دمشق في تاسع الشهر - وهذا نادر - وأخبروا بموت المؤذن شمس الدين ابن سعيد بعد منزلة في المدابغ. وفي ليلة الاثنين سادس عشر صفر في هذه السنة وقع حريق عظيم عند باب جيرون شرقيه


(1) انظر ما سبق حاشية 2.

(2) كان مولده في ربيع الاول سنة 738 ه‍، أي كان له من العمر عندما أقيم سلطانا أربع عشرة سنة. (بدائع الزهور 1 / 538).

[ 278 ]

فاحترق به دكان القفاعي الكبيرة المزخرفة وما حولها، واتسع اتساعا فظيعا، واتصل الحريق بالباب الاصفر من النحاس، فبادر ديوان الجامع إليه فكشطوا ما عليه من النحاس ونقلوه من يومه إلى خزانة الحاصل، بمقصورة الحلبية، بمشهد علي، ثم عدوا عليه يكسرون خشبه بالفؤوس الحداد، والسواعد الشداد، وإذا هو من خشب الصنوبر الذي في غاية ما يكون من القوة والثبات، وتأسف الناس عليه لكونه كان من محاسن البلد ومعالمه. وله في الوجود ما ينيف عن أربعة آلاف سنة. انتهى والله أعلم. ترجمة باب جيرون المشهور بدمشق الذي كان هلاكه وذهابه وكسره في هذه السنة، وهو باب سر في جامع دمشق لم ير باب أوسع ولا أعلى منه، فيما يعرف من الابنية في الدنيا، وله علمان من نحاس أصفر بمسامير نحاس أصفر أيضا بارزة، من عجائب الدنيا، ومحاسن دمشق ومعالمها، وقد تم بناؤها. وقد ذكرته العرب في أشعارها والناس وهو منسوب إلى ملك يقال له جيرون بن سعد بن عاد بن عوص (1) بن إرم بن سام بن نوح، وهو الذي بناه، وكان بناؤه له قبل الخليل عليه السلام، بل قبل ثمود وهود أيضا، على ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه وغيره، وكان فوقه حصن عظيم، وقصر منيف، ويقال بل هو منسوب إلى اسم المارد الذي بناه لسليمان عليه السلام، وكان اسم ذلك المارد جيرون، والاول أظهر وأشهر، فعلى الاول يكون لهذا الباب من المدد المتطاولة ما يقارب خمسة آلاف سنة، ثم كان انجعاف هذا الباب لا من تلقاء نفسه بل بالايدي العادية عليه، بسبب ما ناله من شوط حريق اتصل إليه حريق وقع من جانبه في صبيحة ليلة الاثنين السادس عشر من صفر، سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فتبادر ديوان الجامعية ففرقوا شمله وقضوا ثمله، وعروا جلده النحاس عن بدنه الذي هو من خشب الصنوبر، الذي كأن الصانع قد فرغ منه يومئذ، وقد شاهدت الفؤوس تعمل فيه ولا تكاد تحيل فيه إلا بمشقة، فسبحان الذي خلق الذين بنوه أولا، ثم قدر أهل هذا الزمان على أن هدموه بعد هذه المدد المتطاولة، والامم المتداولة، ولكن لكل أجل كتاب، ولا إله إلا رب العباد. بيان تقدم مدة هذا الباب وزيادتها على مدة أربعة آلا ف سنة بل الخمسة ذكر الحافظ ابن عساكر في أول تاريخه: باب بناء دمشق بسنده عن القاضي يحيى بن حمزة التبلهي الحاكم بها في الزمن المتقدم، وقد كان هذا القاضي من تلاميذ ابن عمر والاوزاعي، قال: لما فتح عبد الله بن علي دمشق بعد حصارها - يعني وانتزعها من أيدي بني أمية وسلبهم


(1) سقط في معجم البلدان. في ذكره عامود نسبه (دمشق).

[ 279 ]

ملكهم - هدموا سور دمشق فوجدوا حجرا مكتوبا عليه باليونانية، فجاء راهب فقرأه لهم، فإذا هو مكتوب عليه: ويك أرم الجبابرة من رامك بسوء قصمه اللهه، إذا وهى منك جيرون الغربي من باب البريد وتلك من خمسة أعين ينقض سورك على يديه، بعد أربعة آلاف سنة تعيشين رغدا، فإذا وهى منك جيرون الشرقي أؤمل لك ممن يعوض لك، قال: فوجدنا الخمسة أعين عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، عين بن عين بن عين بن عين بن عين، فهذا يقتضي أنه كان بسورها سنينا إلى حين إخراجه على يد عبد الله بن علي أربعة آلاف سنة، وقد كان إخرابه له في سنة ثنتين وثلاثين ومائة كما ذكرنا في التاريخ الكبير، فعلى هذا يكون لهذا الباب إلى يوم خرب من هذه السنة - أعني سنة ثنتين وثلاثين ومائة - أربعة آلاف وستمائة وإحدى وعشرين سنة، والله أعلم. وقد ذكر ابن عساكر عن بعضهم أن نوحا عليه السلام هو الذي أسس دمشق بعد حران وذلك بعد مضي الطوفان، وقيل بناها دمسغس غلام ذي القرنين عن إشارته، وقيل عاد (1) الملقب بدمشق وهو غلام الخليل، وقيل غير ذلك من الاقوال، وأظهرها أنها من بناء اليونان، لان محاريب معابدها كانت موجهة إلى القطب الشمالي، ثم كان بعدهم النصارى فصلوا فيها إلى الشرق، ثم كان فيها بعدهم أجمعين أمة المسلمين فصلوا إلى الكعبة المشرفة. وذكر ابن عساكر وغيره: أن أبوابها كانت سبعة كل منها يتخذ عنده عيد لهيكل من الهياكل السبعة، فباب القمر باب السلامة، وكانوا يسمونه باب الفراديس الصغير، ولعطارد باب الفراديس الكبير، وللزهرة باب توما، وللشمس الباب الشرقي، وللمريخ باب الجابية، وللمشتري باب الجابية الصغير، ولزحل باب كيسان. وفي أوائل شهر رجب الفرد اشتهر أن نائب حلب بيبغا (2) أروش اتفق مع نائب طرابلس بكلمش، ونائب حلب أمير أحمد بن مشد الشريخانة على الخروج عن طاعة السلطان (3) حتى يمسك شيخون وطاز، وهما عضد االدولة بالديار المصرية، وبعثوا إلى نائب دمشق وهو الامير سيف الدين أرغو الكاملي فأبى عليهم ذلك، وكاتب إلى الديار المصرية بما وقع من الامر، وانزعج الناس لذلك، وخافوا من غائلة هذا الامر وبالله المستعان. ولما كان يوم الاثنين ثامن الشهر جمع نائب السلطنة الامراء عنده بالقصر الابلق واستحلفهم بيعة أخرى لنائب السلطنة الملك الصالح،


(1) في معجم البلدان (دمشق): العازر - وكان حبشيا وهبه له نمرود بن كنعان، وفي منتخبات تواريخ دمشق ص 1080: غارى

(2) في الاصل " يلبغا " تقدم الاشارة إليه انظر ما سبق. وقد صححت أينما وقعت في الاصل.

(3) زاد ابن أياس في بدائع الزهور 1 / 540: والامير ألطنبغا برناق، نائب صفد - وهو علاء الدين الجاشنكير الدرر الكامنة 1 / 409) (وانظر السلوك 2 / 870).

[ 280 ]

فحلفوا واتفقوا على السمع والطاعة والاستمرار على ذلك. وفي ليلة الاربعاء سابع عشر رجب جاءت الجبلية الذين جمعوهم من البقاع لاجل حفظ ثنية العقاب من قدوم العساكر الحلبية، ومن معهم من أهل طرابلس وحماة، وكان هؤلاء الجبلية قريبا من أربعة آلاف، فحصل بسببهم ضرر كثير على أهل برزة وما جاورهم من الثمار وغيرها. وفي يوم السبت والعشرين منه ركب نائب السلطنة سيف الدين أرغون ومعه الجيوش الدمشقية قاصدين ناحية الكسوه ليلا يقاتلون المسلمين ولم يبق في البلد من الجند أحد، وأصبح الناس وليس لهم نائب ولا عسكر، وخلت الديار منهم، ونائب الغيبة الامير سيف الدين الجي بغا العادلي، وانتقل الناس من البساتين ومن طرف العقيبة وغيرها إلى المدينة، وأكثر الامراء نقلت حواصلهم وأهاليهم إلى القلعة المنصورة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما اقترب دخول الامير بيبغا بمن معه انزعج الناس وانتقل أهل القرى الذين في طريقه، وسرى ذلك إلى أطراف الصالحية والبساتين وحواضر البلد، وغلقت أبواب البلد إلى ما يلي القلعة، كباب النصر وباب الفرج، وكذا باب الفراديس، وخلت أكثر المحال من أهاليهم، ونقلوا حوائجهم وحواصلهم وأنعامهم إلى البلد على الدواب والحمالين، وبلغهم أن أطراف الجيش انتهبوا ما في القرايا في طريقهم من الشعير والتبن وبعض الانعام للاكل. وربما وقع الفساد غير هذا من بعض الجهلة، فخاف الناس كثيرا وتشوشت خواطرهم انتهى. دخول بيبغا أروش إلى دمشق ولما كان يوم الاربعاء (1) الرابع والعشرين من رجب دخل الامير سيف الدين بيبغا أروش نائب حلب إلى دمشق المحروسة بمن معه من العساكر الحلبية وغيرهم وفي صحبته نائب طرابلس الامير سيف الدين بكلمش، ونائب حماة الامير شهاب الدين أحمد، ونائب صفد الامير علاء الدين طيبغا، ملقب برتاق، وكان قد توجه قبله، قيل بيوم، ومعه نواب قلاع كثيرة من بلاد حلب وغيرها، في عدد كثير من الاتراك والتركمان، فوقف في سوق الخيل مكان نواب السلطان تحت القلعة، واستعرض الجيوش الذين وفدوا معه هنالك، فدخلوا في تجمل كثير، ملبسين، وكان عدة من كان معه من أمراء الطبلخانات قريبا من ستين أميرا أو يزيدون أو ينقصون، على ما استفاض عن غير واحد ممن شاهد ذلك، ثم سار قريبا من الزوال للمخيم الذي ضرب له قبل مسجد القدم عند قبة يلبغا، عند الجدول الذي هنالك، وكان يوما مشهودا هائلا، لما عاين الناس من كثرة الجيوش والعدد، وعذر كثير من الناس صاحب دمشق في ذهابه بمن معه لئلا يقابل هؤلاء. فنسأل الله أن يجمع قلوبهم على ما فيه صلاح المسلمين. وقد أرسل إلى نائب القلعة وهو


(1) في السلوك 2 / 871: الخميس الخامس والعشرين.

[ 281 ]

الامير سيف الدين إباجي يطلب منه حواصل أرغون التي عنده (1)، فامتنع عليه أيضا، وقد حصن القلعة وسترها وأرصد فيها الرجال والرماة والعدد، وهيأنها بعض المجانيق ليبعد بها فوق الابرجة، وأمر أهل البلد أن لا يفتحوا الدكاكين ويغلقوا الاسواق، وجعل يغلق أبواب البلد إلا بابا أو بابين منها، واشتد حنق العسكر عليه، وهموا بأشياء كثيرة من الشر، ثم يرعوون عن الناس والله المسلم، غير أن إقبال العسكر وأطرافه قد عاثوا فيما جاوروه من القرايا والبساتين والكروم والزروع فيأخذون ما يأكلون وتأكل دوابهم، وأكثر من ذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون. ونهبت قرايا كثيرة وفجروا نساء وبنات، وعظم الخطب، وأما التجار ومن يذكر بكثرة مال فأكثرهم مختف لا يظهر لما يخشى من المصادرة، نسأل الله أن يحسن عاقبتهم. واستهل شهر شعبان وأهل البلد في خوف شديد، وأهل القرايا والحواضر في نقلة أثاثهم وبقارهم ودوابهم وأبنائهم ونسائهم، وأكثر أبواب البلد مغلقة سوى بابي الفراديس والجابية، وفي كل يوم نسمع بأمور كثيرة من النهب للقرايا والحواضر، حتى انتقل كثير من أهل الصالحية أو أكثرهم، وكذلك من أهل العقيبة وسائر حواضر البلد، فنزلوا عند معارفهم وأصحابهم، ومنهم من نزل على قارعة الطريق بنسائهم وأولادهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال كثير من المشايخ الذي أدركوا زمن قازان: إن هذا الوقت كان أصعب من ذلك لما ترك ا