الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 البداية والنهاية - ابن كثير ج 10

البداية والنهاية

ابن كثير ج 10


[ 1 ]

البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 ه‍ حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء العاشر دار إحياء التراث العربي

[ 3 ]

خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك قال الواقدي: بويع له بالخلافة يوم مات عمه هشام بن عبد الملك يوم الاربعاء لست خلون من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة. وقال هشام بن الكلبي: بويع له يوم السبت في ربيع الآخر، وكان عمره إذ ذاك أربعا وثلاثين سنة (1). وكان سبب ولايته أن أباه يزيد بن عبد الملك كان قد جعل الامر من بعده لاخيه هشام ثم من بعده لولده الوليد هذا، فلما ولي هشام أكرم ابن أخيه الوليد حتى ظهر عليه أمر الشراب وخلطاء السوء ومجالس اللهو، فأراد هشام أن يقطع ذلك عنه فأمره على الحج سنة ست (2) عشرة ومائة، فأخذ معه كلاب الصيد خفية من عمه، حتى يقال إنه جعلها في صناديق فسقط منها صندوق فيه كلب فسمع صوته فأحالوا ذلك على الجمال فضرب على ذلك. قالوا: واصطنع الوليد قبة على قدر الكعبة، ومن عزمه أن ينصب تلك القبة فوق سطح الكعبة ويجلس هو وأصحابه هنالك، واستصحب معه الخمور وآلات الملاهي وغير ذلك من المنكرات، فلما وصل إلى مكة هاب أن يفعل ما كان قد عزم عليه، من الجلوس فوق ظهر الكعبة خوفا من الناس ومن إنكارهم عليه ذلك، فلما تحقق عمه ذلك منه نهاه مرارا فلم ينته، واستمر على حاله القبيح، وعلى فعله الردئ، فعزم عمه على خلعه من الخلافة - وليته فعل - وأن يولي بعده مسلمة بن هشام، وأجابه إلى ذلك جماعة من الامراء، ومن أخواله، ومن أهل المدينة ومن غيرهم، وليت ذلك تم. ولكن لم ينتظم حتى قام هشام يوما للوليد: ويحك ! والله ما أدري أعلى الاسلام أنت أم لا، فإنك لم تدع شيئا من المنكرات إلا أتيته غير متحاش ولا مستتر. فكتب إليه الوليد:


(1) في مروج الذهب 3 / 258: كانت ولايته سنة وشهرين واثنين وعشرين يوما، وقتل هو ابن اربعين سنة، يعني يكون لما تولى الخلافة ابن ثمان وثلاثين وأشهر. (2) في الطبري 8 / 288: تسع عشرة. ولعله سهو منه لانه عاد وذكر أن هشام ولى ابنه مسلمة على الموسم سنة 119. (*)

[ 4 ]

يا أيها السائل عن ديننا * ديني (1) على دين أبي شاكر نشربها صرفا وممزوجة * بالسخن أحيانا وبالفاتر فغضب هشام على ابنه مسلمة، وكان يسمى أبا شاكر، وقال له: تشبه الوليد بن يزيد وأنا أريد أن أرقيك إلا الخلافة، وبعثه على الموسم سنة تسع (2) عشرة ومائة فأظهر النسك والوقار، وقسم بمكة والمدينة أموالا، فقال مولى لاهل المدينة: يا أيها السائل عن ديننا * نحن على دين أبي شاكر الواهب الجرد (3) بأرسانها * ليس بزنديق ولا كافر ووقعت بين هشام وبين الوليد بن يزيد وحشة عظيمة بسبب تعاطي الوليد ما كان يتعاطاه من الفواحش والمنكرات فتنكر له هشام وعزم على خلعه وتولية ولده مسلمة ولاية العهد، ففر منه الوليد إلى الصحراء (4)، وجعلا يتراسلان بأقبح المراسلات، وجعل هشام يتوعده وعيدا شديدا، ويتهدده، ولم يزل كذلك حتى مات هشام والوليد في البرية، فلما كانت الليلة التي قدم في صبيحتها عليه البرد بالخلافة، قلق الوليد تلك الليلة قلقا شديدا، وقال لبعض أصحابه: ويحك قد أخذني الليلة قلق عظيم فاركب لعلنا نبسط، فسارا ميلين يتكلمان في هشام وما يتعلق به، من كتبه إليه بالتهديد والوعيد، ثم رأيا من بعد رهجا وأصواتا وغبارا، ثم انكشف ذلك عن برد يقصدونه بالولاية، فقال لصاحبه: ويحك ! إن هذه رسل هشام، اللهم اعطنا خيرها، فلما اقتربت البرد منه وتبينوه ترجلوا إلى الارض وجاؤوا فسلموا عليه بالخلافة، فبهت وقال: ويحكم أمات هشام ؟ قالوا: نعم، قال: فمن بعثكم ؟ قالوا: سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل، وأعطوه الكتاب فقرأه ثم سألهم عن أحوال الناس وكيف مات عمه هشام، فأخبروه. فكتب من فوره بالاحتياط على أموال هشام وحواصله بالرصافة وقال: ليت هشاما عاش حتى يرى * مكياله الاوفر قد طبعا كلناه بالصاع الذي كاله * وما ظلمناه به إصبعا


(1) في الطبري 8 / 289 وابن الاثير 5 / 265: نحن. قال في الاغاني 7 / 3: ويقال: قال ذلك عبد الصمد بن عبد الاعلى - مؤدبه - ونحله إياه وذكر في الفخري أبياتا كتب بها الوليد إلى هشام ص 134 ومنها فيه وفي الاغاني 7 / 8: كفرت يدا من منعم لو شكرتها * جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن (2) في الاغاني 7 / 4: سبع عشرة. (3) في الاغاني: البزل. والبازل من الابل: الذي استكمل السنة الثامنة وطعن في التاسعة. (4) نزل بالازرق بين أرض بلقين وفزارة على ماء يقال له الاغدف (ابن الاثير 5 / 265 الطبري 8 / 289) وفي الاغاني 7 / 8: بالابرق. (*)

[ 5 ]

وما أتينا ذاك عن بدعة * أحله الفرقان لي أجمعا وقد كان الزهري يحث هشاما على خلع الوليد هذا ويستنهضه في ذلك، فيحجم هشام عن ذلك خوف الفضيحة من الناس، ولئلا تتنكر قلوب الاجناد من أجل ذلك، وكان الوليد يفهم ذلك من الزهري ويبغضه ويتوعده ويتهدده، فيقول له الزهري: ما كان الله ليسلطك علي يا فاسق، ثم مات الزهري قبل ولاية الوليد، ثم فر الوليد من عمه إلى البرية فلم يزل بها حتى مات، فاحتاط على أموال عمه ثم ركب من فوره من البرية وقصد دمشق، واستعمل العمال وجاءته البيعة من الآفاق، وجاءته الوفود، وكتب إليه مروان بن محمد - وهو إذ ذاك نائب أرمينية - يبارك له في خلافة الله له على عباده والتمكين في بلاده، ويهنئه بموت هشام وظفره به، والتحكم في أمواله وحواصله، ويذكر له أنه جدد البيعة له في بلاده وأنهم فرحوا واستبشروا بذلك، ولولا خوفه من الثغر لاستناب عليه وركب بنفسه شوقا إلى رؤيته، ورغبة في مشافهته، ثم إن الوليد سار في الناس سيرة حسنة بادي الرأي وأمر باعطاء الزمنى والمجذومين والعميان لكل إنسان خادما، وأخرج من بيت المال الطيب والتحف لعيالات المسلمين، وزاد في أعطيات الناس، ولا سيما أهل الشام والوفود، وكان كريما ممدحا شاعرا مجيدا، لا يسأل شيئا قط فيقول لا، ومن شعره قوله يمدح نفسه بالكرم: ضمنت لكم إن لم تعقني عوائق * بأن سماء الضر عنكم ستقلع سيوشك إلحاق معا وزيادة * وأعطية مني إليكم (1) تبرع محرمكم ديوانكم وعطاؤكم * به يكتب الكتاب شهرا وتطبع وفي هذه السنة عقد الوليد البيعة لابنه الحكم ثم عثمان، على أن يكونا وليي العهد من بعده، وبعث البيعة إلى يوسف بن عمر أمير العراق وخراسان، فأرسلها إلى نائب خراسان نصر بن سيار، فخطب بذلك نصر خطبة عظيمة بليغة طويلة، ساقها ابن جرير بكمالها، واستوثق للوليد الممالك في المشارق والمغارب، وأخذت البيعة لولديه من بعده في الآفاق، وكتب الوليد إلى نصر بن سيار بالاستقلال بولاية خراسان، ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد فسأله أن يرد إليه ولاية خراسان فردها إليه كما كانت في أيام هشام، وأن يكون نصر بن سيار ونوابه من تحت يده، فكتب عند ذلك يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار يستوفده إلى أمير المؤمنين بأهله وعياله، وأن يكثر من استصحاب الهدايا والتحف. فحمل نصر بن سيار ألف مملوك على الخيل، وألف وصيفة وشيئا كثيرا من أباريق الفضة والذهب، وغير ذلك من التحف، وكتب إليه الوليد يستحثه سريعا ويطلب منه أن يحمل معه طنابير وبرابط ومغنيات وبازات وبراذين فره، وغير ذلك من آلات الطرب والفسق، فكره الناس ذلك منه وكرهوه. وقال المنجمون لنصر بن سيار: إن الفتنة قريبا ستقع بالشام، فجعل يتثاقل في


(1) في الطبري 8 / 294 وابن الاثير 5 / 268: عليكم. (*)

[ 6 ]

سيره، فلما أن كان ببعض الطريق جاءته البرد فأخبروه بأن الخليفة الوليد قد قتل وهاجت الفتنة العظيمة في الناس بالشام، فعدل بما معه إلى بعض المدن فأقام بها، وبلغه أن يوسف بن عمر قد هرب من العراق واضطربت الامور، وذلك بسبب قتل الخليفة على ما سنذكره، وبالله المستعان. وفي هذه السنة ولى الوليد يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي ولاية المدينة ومكة والطائف وأمره أن يقيم إبراهيم ومحمدا ابني هشام بن إسماعيل المخزومي بالمدينة مهانين لكونهما خالي هشام، ثم يبعث بهما إلى يوسف بن عمر نائب العراق فبعثهما إليه. فما زال يعذبهما حتى ماتا وأخذ منهما أموالا كثيرة. وفي هذه السنة ولى يوسف بن محمد يحيى بن سعيد الانصاري قضاء المدينة، وفيها بعث الوليد بن يزيد إلى أهل قبرص جيشا مع أخيه وقال: خيرهم فمن شاء أن يتحول إلى الشام، ومن شاء أن يتحول إلى الروم، فكان منهم من اختار جوار المسلمين بالشام، ومنهم من انتقل إلى بلاد الروم. قال ابن جرير: وفيها قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب [ مكة ] (1) فلقوا - في قول بعض أهل السير - محمد بن علي فأخبروه بقصة أبي مسلم فقال: أحر هو أم لا ؟ فقالوا: أما هو فيزعم أنه حر، وأما مولاه فيزعم أنه عبده، فاشتروه فأعتقوه، ودفعوا إلى محمد بن علي مائتي ألف درهم وكسوة بثلاثين ألفا، وقال لهم: لعلكم لا تلقوني بعد عامكم هذا، فإن مت فإن صاحبكم إبراهيم بن محمد - يعني ابنه - فإنه ابني، فأوصيكم به. ومات محمد بن علي في مستهل ذي القعدة في هذه السنة بعد أبيه بسبع سنين. وفيها قتل يحيى بن زيد بن علي بخراسان. وحج بالناس فيها يوسف بن محمد الثقفي أمير مكة والمدينة والطائف. وأمير العراق يوسف بن عمر، وأمير خراسان نصر بن سيار، وهو في همة الوفود إلى الوليد بن يزيد أمير المؤمنين بما معه من الهدايا والتحف، فقتل الوليد قبل أن يجتمع به. وممن توفي فيها من الاعيان: محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس أبو عبد الله المدني، وهو أبو السفاح والمنصور، روى عن أبيه وجده وسعيد بن جبير وجماعة، وحدث عنه جماعة منهم ابناه الخليفتان، أبو العباس عبد الله السفاح، وأبو جعفر عبد الله المنصور، وقد كان عبد الله بن محمد بن الحنفية أوصى إليه بالامر من بعده وكان عنده علم بالاخبار، فبشره بأن الخلافة ستكون في ولدك، فدعا إلى نفسه في سنة سبع وثمانين، ولم يزل أمره يتزايد حتى توفي في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها، عن ثلاث وستين سنة، وكان من أحسن الناس شكلا، فأوصى بالامر من بعده لولده إبراهيم، فما أبرم الامر إلا لولده السفاح، فاستلب من بني أمية الامر في سنة ثنتين وثلاثين كما سيأتي.


(1) من الطبري 8 / 299 وابن الاثير 5 / 274 سقطت من الاصل. (*)

[ 7 ]

وأما يحيى بن يزيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فإنه لما قتل أبوه زيد في سنة إحدى وعشرين ومائة، لم يزل يحيى مختفيا في خراسان عند الحريش بن عمرو بن داود ببلخ، حتى مات هشام، فكتب عند ذلك يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار يخبره بأمر يحيى بن زيد، فكتب نصر بن سيار إلى نائب بلخ مع عقيل بن معقل العجلي، فأحضر الحريش فعاقبه ستمائة سوط فلم يدل عليه، وجاء ولد الحريش فدلهم عليه فحبس، فكتب نصر بن سيار إلى يوسف بذلك، فبعث إلى الوليد بن يزيد يخبره بذلك، فكتب الوليد إلى نصر بن سيار يأمره باطلاقه من السجن وإرساله إليه صحبة أصحابه، فأطلقهم وأطلق لهم وجهزهم إلى دمشق، فلما كانوا ببعض الطريق توسم نصر منه غدرا، فبعث إليه جيشا عشرة آلاف فكسرهم يحيى بن زيد، وإنما معه سبعون رجلا، وقتل أميرهم (1) واستلب منهم أموالا كثيرة، ثم جاءه جيش آخر (2) فقتلوه واحتزوا رأسه وقتلوا جميع أصحابه رحمهم الله. ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة فيها كان مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهذه ترجمته هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو العباس الاموي الدمشقي، بويع له بالخلافة بعد عمه هشام في السنة الخالية بعهد من أبيه كما قدمنا. وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفي. وكان مولده سنة تسعين، وقيل ثنتين وتسعين، وقيل سبع وثمانين، وقتل يوم الخميس لليلتين بقيتا في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، ووقعت بسبب ذلك فتنة عظيمة بين الناس بسبب قتله، ومع ذلك إنما قتل لفسقه، وقيل وزندقته. وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة ثنا ابن عياش، حدثني الاوزاعي وغيره عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال: ولد لاخي أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم غلام فسموه الوليد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (سميتموه باسم فراعينكم، ليكونن: في هذه الامة رجل يقال له الوليد، لهو أشد فسادا لهذه الامة من فرعون لقومه " (3). قال الحافظ ابن عساكر: وقد رواه الوليد بن مسلم ومعقل بن زياد ومحمد بن كثير وبشر بن بكر عن الاوزاعي فلم يذكروا عمر في إسناده وأرسلوه، ولم يذكر ابن كثير سعيد بن المسيب، ثم ساق طرقه هذه كلها بأسانيدها وألفاظها. وحكي عن البيهقي أنه قال: هو مرسل حسن، ثم ساق من طريق محمد عن محمد بن عمر بن عطاء، عن زينب بنت أم سلمة عن أمها


(1) وهو عمرو بن زرارة وكان ذلك في بيهق (انظر الطبري 8 / 301 وابن الاثير 5 / 271). (2) وذلك بالجوزجان وقاتله سالم بن أحوز (مروج الذهب 3 / 258 الطبري 8 / 301 ابن الاثير 5 / 271). (3) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 505. (*)

[ 8 ]

قالت: " دخل النبي صلى الله عليه وسلم وعندي غلام من آل المغيرة اسمه الوليد، فقال: من هذا يا أم سلمة ؟ قالت: هذا الوليد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد اتخذتم الوليد خنانا (حسانا) غيروا اسمه، فإنه سيكون في هذه الامة فرعون يقال له الوليد ". وروى ابن عساكر من حديث عبد الله بن محمد بن مسلم، ثنا محمد بن غالب الانطاكي، ثنا محمد بن سليمان بن أبي داود، ثنا صدقة، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزال هذا الامر قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية " (1). مقتله وزوال دولته كان هذا الرجل مجاهرا بالفواحش مصرا عليها، منتهكا محارم الله عز وجل، لا يتحاشى من معصية. وربما اتهمه بعضهم بالزندقة والانحلال من الدين، فالله أعلم، لكن الذي يظهر أنه كان عاصيا شاعرا ماجنا متعاطيا للمعاصي، لا يتحاشاها من أحد، ولا يستحي من أحد، قبل أن يلي الخلافة وبعد أن ولي، وقد روي أن أخاه سليمان كان من جملة من سعى في قتله، قال: أشهد أنه كان شروبا للخمر ما جنا فاسقا، ولقد أرادني على نفسي الفاسق. وحكى المعافى بن زكريا عن ابن دريد، عن أبي حاتم، عن العتبي: أن الوليد بن يزيد نظر إلى نصرانية من حسان نساء النصارى اسمها سفري فأحبها، فبعث يراودها عن نفسها فأبت عليه، فألح عليها وعشقها فلم تطاوعه، فاتفق اجتماع النصارى في بعض كنائسهم لعيد لهم، فذهب الوليد إلى بستان هناك فتنكر وأظهر أنه مصاب، فخرج النساء من الكنيسة إلى ذلك البستان، فرأينه فأحدقن به، فجعل يكلم سفري ويحادثها وتضاحكه ولا تعرفه، حتى اشتفى من النظر إليها، فلما انصرفت قيل لها: ويحك أتدرين من هذا الرجل ؟ فقالت: لا ! فقيل لها هو الوليد. فلما تحققت ذلك حنت عليه بعد ذلك وكانت عليه أحرص منه عليها قبل أن تحن عليه. فقال الوليد في ذلك أبياتا: أضحك (2) فؤادك يا وليد عميدا * صبا قديما للحسان صيودا في حب واضحة العوارض طفلة * برزت لنا نحو الكنيسة عيدا ما زلت أرمقها بعيني وامق * حتى بصرت بها تقبل عودا عود الصليب فويح نفسي من رأى * منكم صليبا مثله معبودا فسألت ربي أن أكون مكانه * وأكون في لهب الجحيم وقودا وقال فيها أيضا لما ظهر أمره وعلم بحاله الناس، وقيل إن هذا وقع قبل أن يلي الخلافة: ألا حبذا سفري وإن قيل إنني * كلفت بنصرانية تشرب الخمرا


(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 467. (2) في حاشية امالي المرتضى 1 / 131: أضحى. (*)

[ 9 ]

يهون علينا أن نظل نهارنا * إلى الليل لا ظهرا نصلي ولا عصرا (1) قال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري المعروف بابن طرار النهرواني بعد إيراده هذه الاشياء: للوليد في نحو هذا من الخلاعة والمجون وسخافة الدين ما يطول ذكره، وقد ناقضناه في أشياء من منظوم شعره المتضمن ركيك ضلاله وكفره. وروى ابن عساكر بسنده أن الوليد سمع بخمار صلف بالحيرة فقصده حتى شرب منه ثلاثة أرطال من الخمر، وهو راكب على فرسه، ومعه اثنان من أصحابه، فلما انصرف أمر للخمار بخمسمائة دينار. وقال القاضي أبو الفرج: أخبار الوليد كثيرة قد جمعها الاخباريون مجموعة ومفردة، وقد جمعت شيئا من سيرته وأخباره، ومن شعره الذي ضمنه ما فجر به من جرأته وسفاهته وحمقه وهزله ومجونه وسخافة دينه، وما صرح به من الالحاد في القرآن العزيز، والكفر بمن أنزله وأنزل عليه، وقد عارضت شعره السخيف بشعر حصيف، وباطله بحق نبيه شريف، وترجيت رضاء الله عزوجل واستيجاب مغفرته. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا سليمان بن أبي شيخ، ثنا صالح بن سليمان، قال: أراد الوليد بن يزيد الحج وقال: أشرب فوق ظهر الكعبة الخمر، فهموا أن يفتكوا به إذا خرج، فجاؤوا إلى خالد بن عبد الله القسري فسألوه أن يكون معهم فأبى، فقالوا له: فاكتم علينا، فقال: أما هذا فنعم، فجاء إلى الوليد فقال: لا تخرج فإني أخاف عليك، فقال: ومن هؤلاء الذين تخافهم علي ؟ قال: لا أخبرك بهم. قال: إن لم تخبرني بهم بعثت بك إلى يوسف بن عمر، قال: وإن بعثت بي إلى يوسف بن عمر، فبعثه إلى يوسف فعاقبه حتى قتله. وذكر ابن جرير أنه لما امتنع أن يعلمه بهم سجنه ثم سلمه إلى يوسف بن عمر يستخلص منه أموال العراق فقتله، وقد قيل إن يوسف لما وفد إلى الوليد اشترى منه خالد بن عبد الله القسري بخمسين ألف ألف يخلصها منه، فما زال يعاقبه ويستخلص منه حتى قتله، فغضب أهل اليمن من قتله، وخرجوا على الوليد. قال الزبير بن بكار: حدثنا مصعب بن عبد الله قال: سمعت أبي يقول: كنت عند المهدي فذكر الوليد بن يزيد فقال رجل في المجلس: كان زنديقا، فقال المهدي: خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق. وقال أحمد بن عمير بن حوصاء الدمشقي: ثنا عبد الرحمن بن الحسن، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا حصين بن الوليد، عن الازهري بن الوليد قال: سمعت أم الدرداء تقول: إذا قتل الخليفة الشاب من بني أمية بين الشام والعراق مظلوما لم يزل طاعة مستخف بها ودم مسفوك على وجه الارض بغير حق. قال الامام أبو جعفر بن جرير الطبري:


(1) في امالي المرتضى: يهون علي أن تظل نهارها * إلى الليل لا أولى نصلي ولا عصرا (*)

[ 10 ]

قتل يزيد بن الوليد الناقص للوليد بن يزيد قد ذكرنا بعض أمر الوليد بن يزيد وخلاعته ومجانته وفسقه وما ذكر عن تهاونه بالصلوات واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته وبعدها. فإنه لم يزدد في الخلافة إلا شرا ولهوا ولذة وركوبا للصيد وشرب المسكر ومنادمة الفساق، فما زادته الخلافة على ما كان قبلها إلا تماديا وغرورا، فثقل ذلك على الامراء والرعية والجند، وكرهوه كراهة شديدة، وكان من أعظم ما جنى على نفسه حتى أورثه ذلك هلاكه، إفساده على نفسه بني عميه هشام والوليد بن عبد الملك مع إفساده اليمانية، وهي أعظم جند خراسان (1)، وذلك أنه لما قتل خالد بن عبد الله القسري وسلمه إلى غريمه يوسف بن عمر الذي هو نائب العراق إذ ذاك، فلم يزل يعاقبه حتى هلك، انقلبوا عليه وتنكروا له وساءهم قتله كما سنذكره في ترجمته. ثم روى ابن جرير بسنده أن الوليد بن يزيد ضرب ابن عمه سليمان بن هشام مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان فحبسه بها، فلم يزل هناك حتى قتل الوليد، وأخذ جارية كانت لآل عمه الوليد بن عبد الملك، فكلمه فيها عمر بن الوليد فقال: لا أردها، فقال: إذا تكثر الصواهل حول عسكرك. وحبس الافقم يزيد بن هشام، وبايع لولديه الحكم وعثمان، وكانا دون البلوغ، فشق ذلك على الناس أيضا ونصحوه فلم ينتصح، ونهوه فلم يرتدع ولم يقبل. قال المدائني في روايته: ثقل ذلك على الناس ورماه بنو هاشم وبنو الوليد بالكفر والزندقة وغشيان أمهات أولاد أبيه، وباللواط وغيره، وقالوا: قد اتخذ مائة جامعة على كل جامعة اسم رجل من بني هاشم ليقتله بها، ورموه بالزندقة، وكان أشدهم فيه قولا يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكان الناس إلى قوله أميل، لانه أظهر النسك والتواضع، ويقول ما يسعنا الرضا بالوليد حتى حمل الناس على الفتك به، قالوا: وانتدب للقيام عليه جماعة من قضاعة واليمانية وخلق من أعيان الامراء وآل الوليد بن عبد الملك، وكان القائم بأعباء ذلك كله والداعي إليه يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وهو من سادات بني أمية، وكان ينسب إلى الصلاح والدين والورع، فبايعه الناس على ذلك، وقد نهاه أخوه العباس بن الوليد فلم يقبل، فقال: والله لو لا أني أخاف عليك لقيدتك وأرسلتك إليه، واتفق خروج الناس من دمشق من وباء وقع بها، فكان ممن خرج الوليد بن يزيد أمير المؤمنين في طائفة من أصحابه نحو المائتين، إلى ناحية مشارف دمشق (2)، فانتظم إلى يزيد بن الوليد أمره وجعل أخوه العباس ينهاه عن ذلك أشد النهي، فلا يقبل، فقال العباس في ذلك: إني أعيذكم بالله من فتن * مثل الجبال تسامى ثم تندفع إن البرية قد ملت سياستكم * فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا


(1) في الطبري 9 / 3: أهل الشام. (2) في ابن الاثير 5 / 286: نزل بالاغدف من عمان (*)

[ 11 ]

لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم * إن الذباب (1) إذا ما ألحمت رتعوا لا تبقرن بأيديكم بطونكم * فثم لا حسرة تغني ولا جزع فلما استوثق ليزيد بن الوليد أمره، وبايعه من بايعه من الناس، قصد دمشق فدخلها في غيبة الوليد فبايعه أكثر أهلها في الليل، وبلغه أن أهل المزة قد بايعوا كبيرهم معاوية بن مصاد، فمضى إليه يزيد ماشيا في نفر من أصحابه، فأصابهم في الطريق خطر شديد، فأتوه فطرقوا بابه ليلا ثم دخلوا فكلمه يزيد في ذلك فبايعه معاوية بن مصاد، ثم رجع يزيد من ليلته إلى دمشق على طريق القناة وهو على حمار أسود، فحلف أصحابه أنه لا يدخل دمشق إلا في السلاح، فلبس سلاحا من تحت ثيابه فدخلها، وكان الوليد قد استناب على دمشق في غيبته عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف الثقفي، وعلى شرطتها أبو العاج كثير بن عبد الله السلمي، فلما كان ليلة الجمعة اجتمع أصحاب يزيد بين العشائين عند باب الفراديس، فلما أذن العشاء الآخرة دخلوا المسجد، فلما لم يبق في المسجد غيرهم بعثوا إلى يزيد بن الوليد فجاءهم فقصدوا باب المقصورة ففتح لهم خادم، فدخلوا فوجدوا أبا العاج وهو سكران، فأخذوا خزائن بيت المال وتسلموا الحواصل، وتقووا بالاسلحة، وأمر يزيد بإغلاق أبواب البلد، وأن لا يفتح إلا لمن يعرف، فلما أصبح الناس قدم أهل الحواضر من كل جانب فدخلوا من سائر أبواب البلد، كل أهل محلة من الباب الذي يليهم، فكثرت الجيوش حول يزيد بن الوليد بن عبد الملك في نصرته، وكلهم قد بايعه بالخلافة. وقد قال فيه بعض العشراء في ذلك: فجاءتهم أنصارهم حين أصبحوا * سكاسكها أهل البيوت الصنادد وكلب فجاءوهم بخيل وعدة * من البيض والابدان ثم السواعد فأكرم بها أحياء أنصار سنة * هم منعوا حرماتها كل جاحد وجاءتهم شيبان والازد شرعا * وعبس ولخم بين حام وذائد وغسان والحيان قيس وتغلب * وأحجم عنها كل وإن وزاهد فما أصبحوا إلا وهم أهل ملكها * قد استوثقوا من كل عات ومارد وبعث يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد في مائتي فارس إلى قطنا (2) ليأتوه بعبد الملك بن محمد بن الحجاج نائب دمشق وله الامان، وكان قد تحصن هناك، فدخلوا عليه فوجدوا عنده خرجين في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار، فلما مروا بالمزة قال أصحاب ابن مصاد: خذ هذا المال فهو خير من يزيد بن الوليد، فقال: لا والله لا تحدث العرب أني أول من خان، ثم أتوا به يزيد بن الوليد فاستخدم من ذلك المال جندا للقتال قريبا من ألفي فارس، وبعث به مع أخيه عبد العزيز بن


(1) في الطبري 9 / 8 وابن الاثير 5 / 284: دئاب... إن الذئاب. (2) في الطبري 9 / 10: قطن، وفي ابن الاثير 5 / 285: ليأخذوه من قصره. (*)

[ 12 ]

الوليد بن عبد الملك خلف الوليد بن يزيد ليأتوا به، وركب بعض موالي الوليد فرسا سابقا فساق به حتى انتهى إلا مولاه من الليل، وقد نفق الفرس من السوق، فأخبره الخبر فلم يصدقه وأمر بضربه، ثم تواترت عليه الاخبار فأشار عليه بعض أصحابه أن يتحول من منزله إلى حمص فإنها حصينة. وقال الابرش سعيد بن الوليد الكلبي: أنزل على قومي بتدمر، فأبى أن يقبل شيئا من ذلك، بل ركب بمن معه، وهو في مائتي فارس، وقصد أصحاب يزيد فالتقوا بثقلة في أثناء الطريق فأخذوه، وجاء الوليد فنزل حصن البخراء الذي كان للنعمان بن بشير، وجاءه رسول العباس بن الوليد إني آتيك - وكان من أنصاره - فأمر الوليد بإبراز سريره فجلس عليه وقال: أعلي يتوثب الرجال وأنا أثب على الاسد وأتخصر للافاعي ؟ وقدم عبد العزيز بن الوليد بمن معه، وإنما كان قد خلص معه من الالفي فارس ثمانمائة فارس، فتصافوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من أصحاب العباس جماعة حملت رؤوسهم إلى الوليد، وقد كان جاء العباس بن الوليد لنصرة الوليد بن يزيد، فبعث إليه أخوه عبد العزيز فجئ به قهرا حتى بايع لاخيه يزيد بن الوليد، واجتمعوا على حرب الوليد بن يزيد، فلما رأى الناس اجتماعهم فروا من الوليد إليهم، وبقي الوليد في دل وقل من الناس، فلجأ إلى الحصن فجاؤوا إليه وأحاطوا به من كل جانب يحاصرونه، فدنا الوليد من باب الحصن فنادى ليكلمني رجل شريف، فكلمه يزيد بن عنبسة السكسكي، فقال الوليد: ألم أدفع الموت (1) عنكم ؟ ألم أعط فقراءكم ؟ ألم أخدم نساءكم (2) ؟ فقال يزيد (3): إنما ننقم عليك انتهاك المحارم وشرب الخمور ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله عزوجل. فقال، حسبك يا أخا السكاسك، لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أحل الله لي لسعة عما ذكرته. ثم قال: أما والله لئن قتلتموني لا ترتقن فتنتكم ولا يلم شعثكم ولا تجتمع كلمتكم. ورجع إلى القصر فجلس ووضع بين يديه مصحفا فنشره وأقبل يقرأ فيه وقال: يوم كيوم عثمان، واستسلم، وتسور عليه أولئك الحائط، فكان أول من نزل إليه يزيد بن عنبسة، فتقدم إليه وإلى جانبه سيف فقال: نحه عنك، فقال الوليد: لو أردت القتال به لكان غير هذا، فأخذ بيده وهو يريد أن يحبسه حتى يبعث به إلى يزيد بن الوليد، فبادره عليه عشرة من الامراء فأقبلوا على الوليد يضربونه على رأسه ووجهه بالسيوف حتى قتلوه (4)، ثم جروه برجله ليخرجوه، فصاحت النسوة فتركوه، واحتز أبو علاقة القضاعي رأسه، واحتاطوا على ما كان معه مما كان خرج به في وجهه ذلك، وبعثوا به إلى يزيد مع عشرة نفر، منهم منصور بن جمهور وروح بن مقبل وبشر مولى كنانة من بني كلب، وعبد الرحمن


(1) في الطبري 9 / 15 وابن الاثير 5 / 287: المؤن. (2) في الطبري وابن الاثير: زمناكم. (3) في الامامة والسياسة 2 / 135: عبد السلام. وذكر كلاما له علاقة بمقتل خالد بن عبد الله القسري. (4) في ابن الاثير 5 / 288: ضربه عبد السلام اللخمي على رأسه وضربه السندي بن زياد بن أبي كبشة في وجهه. ثم احتز رأسه عبد السلام (انظر الطبري). (*)

[ 13 ]

الملقب بوجه الفلس، فلما انتهوا إليه بشروه بقتل الوليد وسلموا عليه بالخلافة، فأطلق لكل رجل من العشرة عشرة آلاف، فقال له روح بن بشر بن مقبل: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الوليد الفاسق، فسجد شكرا لله ورجعت الجيوش إلى يزيد، فكان أول من أخذ يده للمبايعة يزيد بن عنبسة السكسكي فانتزع يده من يده وقال: اللهم إن كان هذا رضى لك فأعني عليه، وكان قد جعل لمن جاءه برأس الوليد مائة ألف درهم، فلما جئ به - وكان ذلك ليلة الجمعة وقيل يوم الاربعاء - لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة. فأمر يزيد بنصب رأسه على رمح وأن يطاف به في البلد، فقيل له إنما ينصب رأس الخارجي، فقال: والله لانصبنه، فشهره في البلد على رمح ثم أودعه عند رجل شهرا ثم بعث به إلى أخيه سليمان بن يزيد، فقال أخوه بعدا له: أشهد أنك كنت شروبا للخمر ماجنا فاسقا ولقد أرادني على نفسي هذا الفاسق وأنا أخوه، لم يأنف من ذلك. وقد قيل إن رأسه لم يزل معلقا بحائط جامع دمشق الشرقي مما يلي الصحن حتى انقضت دولة بني أمية، وقيل إنما كان ذلك أثر دمه، وكان عمره يوم قتل ستا وثلاثين سنة، وقيل ثمانيا وثلاثين، وقيل إحدى وثلاثين، وقيل ثنتان وقيل خمس، وقيل ست وأربعون سنة. ومدة ولايته سنة وستة أشهر على الاشهر، وقيل ثلاثة أشهر. قال ابن جرير: كان شديد البطش طويل أصابع الرجلين، كانت تضرب له سكة الحديد في الارض ويربط فيها خيط إلى رجله ثم يثب على الفرس فيركبها ولا يمس الفرس، فتنقلع تلك السكة من الارض مع وثبته. خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان وهو الملقب بالناقص لنقصه الناس من أعطياتهم ما كان زاده الوليد بن يزيد في أعطياتهم، وهي عشرة عشرة، ورده إياهم إلى ما كانوا عليه في زمن هشام (1)، ويقال إن أول من لقبه بذلك مروان بن محمد، بويع له بالخلافة بعد مقتل الوليد بن يزيد، وذلك ليلة الجمعة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة من هذه السنة - حتى سنة ست وعشرين ومائة - وكان فيه صلاح وورع قبل ذلك، فأول ما عمل انتقاصه من أرزاق الجند ما كان الوليد زادهم، وذلك في كل سنة عشرة عشرة، فسمي الناقص لذلك، ويقال في المثل الاشج والناقص أعدلا خلفاء بني مروان - يعني عمر بن عبد العزيز وهذا - ولكن لم تطل أيامه، فإنه توفي من آخر هذه السنة، واضطربت عليه الامور، وانتشرت الفتن واختلفت كلمة بني مروان فنهض سليمان بن هشام، وكان معتقلا في سجن الوليد بعمان فاستحوز على أموالها وحواصلها، وأقبل إلى دمشق فجعل يلعن الوليد ويعيبه ويرميه بالكفر، فأكرمه يزيد ورد عليه أمواله التي كان أخذها من الوليد، وتزوج يزيد أخت سليمان، وهي أم هشام بنت هشام، ونهض أهل


(1) في فوات الوفيات 4 / 333: قال المدائني: ناقص الوركين، ولذلك قيل له الناقص. (*)

[ 14 ]

حمص إلى دار العباس بن الوليد التي عندهم فهدموها، وحبسوا أهله وبنيه، وهرب هو من حمص فلحق بيزيد بن الوليد إلى دمشق، وأظهر أهل حمص الاخذ بدم الوليد بن يزيد، وأغلقوا أبواب البلد، وأقاموا النوائح والبواكي على الوليد، وكاتبوا الاجناد في طلب الاخذ بالثأر، فأجابهم إلى ذلك طائفة كبيرة منهم، على أن يكون الحكم بن الوليد بن يزيد الذي أخذ له العهد هو الخليفة، وخلعوا نائبهم، وهو مروان بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان، ثم قتلوه وقتلوا ابنه وأمروا عليهم معاوية بن يزيد بن حصين، فلما انتهى خبرهم إلى يزيد بن الوليد كتب إليهم كتابا مع يعقوب بن هانئ، ومضمون الكتاب أنه يدعو إلى أن يكون الامر شورى، فقال عمرو بن قيس: فإذا كان الامر كذلك فقد رضينا بولي عهدنا الحكم بن الوليد، فأخذ يعقوب بلحيته وقال: ويحك ! لو كان هذا الذي تدعو إليه يتيما تحت حجرك لم يحل لك أن تدفع إليه ماله، فكيف أمر الامة، فوثب أهل حمص على رسل يزيد بن الوليد فطردوهم عنهم وأخرجوهم من بين أظهرهم. وقال لهم أبو محمد السفياني: لو قدمت دمشق لم يختلف علي منهم اثنان، فركبوا معه وساروا نحو دمشق وقد أمروا عليهم السفياني، فتلقاهم سليمان بن هشام في جيش كثيف قد جهزهم معه يزيد، وجهز أيضا عبد العزيز بن الوليد (1) في ثلاثة آلاف يكونون عند ثنية العقاب، وجهز هشام بن مصاد المزي في ألف وخمسمائة ليكونوا على عقبة السلمية (2)، فخرج أهل حمص فساروا وتركوا جيش سليمان بن هشام ذات اليسار وتعدوه، فلما سمع بهم سليمان ساق في طلبهم فلحقهم عند السليمانية فجعلوا الزيتون عن أيمانهم والجبل عن شمائلهم والجباب (3) من خلفهم، ولم يبق تخلص إليهم إلا من جهة واحدة، فاقتتلوا هنالك في قبالة الحر قتالا شديدا، فقتل طائفة كثيرة من الفريقين، فبينما هم كذلك إذ جاء عبد العزيز بن الوليد بمن معه فحمل على أهل حمص فاخترق جيشهم حتى ركب التل الذي في وسطهم، وكانت الهزيمة، فهرب أهل حمص وتفرقوا، فأتبعهم الناس يقتلون ويأسرون، ثم تنادوا بالكف عنهم على أن يبايعوا ليزيد بن الوليد، وأسروا منهم جماعة، منهم أبو محمد السفياني ويزيد بن خالد [ بن يزيد ] (4) بن معاوية، ثم ارتحل سليمان وعبد العزيز فنزلا عذراء ومعهم الجيوش وأشراف الناس، وأشراف أهل حمص من الاسارى ومن استجاب من غير أسر، بعدما قتل منهم ثلاثمائة نفس، فدخلوا بهم على يزيد بن الوليد، فأقبل عليهم وأحسن إليهم وصفح عنهم، وأطلق الاعطيات لهم، لا سيما لاشرافهم، وولى عليهم الذي اختاروه وهو معاوية بن يزيد بن الحصين، وطابت عليه أنفسهم، وأقاموا عنده في دمشق سامعين مطيعين له.


(1) في الطبري 9 / 24 وابن الاثير 5 / 293: ابن الحجاج. (2) في الطبري: حقبة السلامية (انظر ابن الاثير). (3) من الطبري، وفي الاصل: والحيات وهو تحريف. (4) من الطبري 9 / 25 وابن الاثير 5 / 294، وقد سقطت من الاصول. (*)

[ 15 ]

وفيها بايع أهل فلسطين يزيد بن سليمان بن عبد الملك، وذلك أن بني سليمان كانت لهم أملاك هناك، وكانوا يتركونها يبذلونها لهم، وكان أهل فلسطين يحبون مجاورتهم، فلما قتل الوليد بن يزيد كتب سعيد بن روح بن زنباع - وكان رئيس تلك الناحية - إلى يزيد بن سليمان بن عبد الملك يدعوهم إلى المبايعة له، فأجابوه إلى ذلك. فلما بلغ أهل الاردن خبرهم بايعوا أيضا محمد بن عبد الملك بن مروان، وأمروه عليهم، فلما انتهى خبرهم إلى يزيد بن الوليد أمير المؤمنين بعث إليهم الجيوش مع سليمان بن هشام في الدماشقة وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني، فصالحهم أهل الاردن أولا ورجعوا إلى الطاعة، وكذلك أهل فلسطين. وكتب يزيد بن الوليد ولاية الامرة بالرملة وتلك النواحي إلى أخيه إبراهيم بن الوليد (1)، واستقرت الممالك هنالك، وقد خطب أمير المؤمنين يزيد بن الوليد الناس بدمشق فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس، أما والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي إني لظلوم لنفسي، إن لم يرحمني ربي فإني هالك، ولكني خرجت غضبا لله ولرسوله ولدينه، وداعيا إلى الله وكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، لما هدمت معالم الدين، وأطفئ نور أهل التقوى، وظهر الجبار العنيد المستحل لكل حرمة، والراكب كل بدعة (2)، مع أنه والله ما كان مصدقا بالكتاب، ولا مؤمنا بيوم الحساب، وإنه لابن عمي في النسب، وكفوي في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، وسعيت فيه حتى أراح الله منه العباد والبلاد، بحول الله وقوته لا بحولي ولا بقوتي. أيها الناس ! إن لكم علي أن لا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكرى نهرا ولا أكثر مالا ولا أعطيه زوجة، ولا ولدا. ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسد ثغر ذلك البلد، وخصاصة أهله بما يغنيهم، فإن فضل عن ذلك فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ممن هو أحوج إليه، ولا أجمركم في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما يجليهم عن بلادهم ويقطع سبلهم (3)، وإن لكم عندي أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن أنا وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أوف لكم أن تخلعوني وإلا أن تستتيبوني، فإن تبت قبلتم مني، وإن


(1) في الطبري 90 / 26 وابن الاثير 5 / 295: استعمل ضبعان بن روح على فلسطين، وابراهيم بن الوليد على الاردن. (2) بعدها في العقد الفريد 2 / 144: فلما رأيت ذلك اشفقت إذ غشيتكم ظلمة لا تقلع على كثير من ذنوبكم وقسوة من قلوبكم واشفقت ان يدعو كثيرا من الناس إلى ما هو عليه فيجيبه من أجابه منكم فاستخرت الله... (الفخري ص 136). (3) في الطبري 9 / 27: نسلكم. (*)

[ 16 ]

علمتم أحدا من أهل الصلاح والدين يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيكم فأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته. أيها الناس ! إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (1)، إنما الطاعة طاعة الله فمن أطاع الله فأطيعوه ما أطاع الله، فإذا عصى أو دعا إلى معصية فهو أهل أن يعصى ولا يطاع، بل يقتل ويهان، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن إمرة العراق لما ظهر منه من الحنق على اليمانية، وهم قوم خالد بن عبد الله القسري، حتى قتل الوليد بن يزيد، وكان قد سجن غالب من ببلاده منهم، وجعل الارصاد على الثغور خوفا من جند الخليفة، فعزله عنها أمير المؤمنين يزيد بن الوليد، وولى عليها منصور بن جمهور مع بلاد السند وسجستان وخراسان، وقد كان منصور بن جمهور أعرابيا جلفا، وكان يدين بمذهب الغيلانية القدرية، ولكن كانت له آثار حسنة، وعناء كثير في مقتل الوليد بن يزيد، فحظي بذلك عند يزيد بن الوليد، ويقال إنه لما فرغ الناس من الوليد ذهب من فوره إلى العراق فأخذ البيعة من أهلها. إلى يزيد، وقرر بالاقاليم نوابا وعمالا وكر راجعا إلى دمشق في آخر رمضان، فلذلك ولاه الخليفة ما ولاه والله أعلم. وأما يوسف بن عمر فإنه فر من العراق فلحق ببلاد البلقاء، فبعث إليه أمير المؤمنين يزيد فأحضره إليه، فلما وقف بين يديه أخذ بلحيته - وكان كبير اللحية جدا، ربما كانت تجاوز سرته وكان قصير القامة - فوبخه وأنبه ثم سجنه وأمر باستخلاص الحقوق منه. ولما انتهى منصور بن جمهور إلى العراق قرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين إليهم في كيفية مقتل الوليد، وأن الله أخذه أخذ عزيز مقتدر، وأنه قد ولى عليهم منصور بن جمهور لما يعلم من شجاعته ومعرفته بالحرب، فبايع أهل العراق ليزيد بن الوليد، وكذلك أهل السند وسجستان. وأما نصر بن سيار نائب خراسان فإنه امتنع من السمع والطاعة لمنصور بن جمهور، وأبى أن ينقاد لاوامره، وقد كان نصر هذا جهز هدايا كبيرة للوليد بن يزيد فاستمرت له. وفي هذه السنة كتب مروان الملقب بالحمار كتابا إلى عمر بن يزيد أخي الوليد بن يزيد، يحثه على القيام بطلب دم أخيه الوليد، وكان مروان يومئذ أميرا على أذربيجان وأرمينية، ثم إن يزيد بن الوليد عزل منصور بن جمهور عن ولاية العراق وولى عليها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وقال له: إن أهل العراق يحبون أباك فقد وليتكها، وذلك في شوال، وكتب له إلى أمراء الشام الذين بالعراق يوصيهم به خشية أن يمتنع منصور بن جمهور من تسليم البلاد إليه، فسلم إليه وسمع وأطاع وسلم. وكتب الخليفة إلى نصر بن سيار باستمراره بولاية خراسان مستقلا بها، فخرج عليه رجل يقال له الكرماني، لانه ولد بكرمان، وهو أبو علي جديع بن علي بن شبيب المعني، واتبعه خلق كثير بحيث أنه كان يشهد الجمعة في نحو من


(1) زيد في الطبري: ولا وفاء له بنقض عهد. (*)

[ 17 ]

ألف وخمسمائة، وكان يسلم على نصر بن سيار ولا يجلس عنده، فتحير نصر بن سيار وأمراؤه فيما يصنع به، فاتفق رأيهم بعد جهد على سجنه، فسجن قريبا من شهر، ثم أطلقه فاجتمع إليه ناس كثير، وجم غفير، وركبوا معه، فبعث إليهم نصر من قاتلهم فقتلهم وقهرهم وكسرهم واستخف جماعات من أهل خراسان بنصر بن سيار وتلاشوا أمره وحرمته، وألحوا عليه في أعطياتهم وأسمعوه غليظ ما يكره وهو على المنبر، بسفارة سلم بن أحوز أدى إليه ذلك، وخرجت الباعة من المسجد الجامع وهو يخطب، وانفض كثير من الناس عنه، فقال لهم نصر فيما قال: والله لقد نشرتكم وطويتكم وطويتكم ونشرتكم فما عندي عشرة منكم على دين، فاتقوا الله فوالله لئن اختلف فيكم سيفان ليتمنين الرجل منكم أن ينخلع من أهله وماله وولده، ولم يكن رآها، ثم تمثل بقول النابغة: فإن يغلب شقاؤكم عليكم * فإني في صلاحكم سعيت وقال الحارث بن عبد الله بن الحشرج بن الورد بن المغيرة الجعد: - أبيت أرعى النجوم مرتفقا * إذا استقلت نحوي (1) أوائلها من فتنة أصبحت مجللة * قد عم أهل الصلاة شاملها من بخراسان والعراق ومن * بالشام كل شجاه شاغلها يمشي السفيه الذي يعنف بال‍ * جهل سواء فيها وعاقلها فالناس منها في لون مظلمة * دهماء ملتجة غياطلها والناس في كربة يكاد لها * تنبذ أولادها حواملها يغدون منها في كل مبهمة * عمياء تمنى لهم غوائلها لا ينظر الناس من (2) عواقبها * إلا التي لا يبين قائلها كرغوة البكر أو كصيحة حب‍ * لى طرقت حولها قوابلها فجاء فينا تزرى (3) بوجهته * فيها خطوب حمر زلازلها وفي هذه السنة أخذ الخليفة البيعة من الامراء وغيرهم بولاية العهد من بعده لاخيه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، ثم من بعد إبراهيم لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان، وذلك بسبب مرضه الذي مات فيه. وكان ذلك في شهر [ ذي ] الحجة منها، وقد حرضه على ذلك جماعة من الامراء والاكابر والوزراء. وفيها عزل يزيد عن إمرة الحجاز يوسف بن محمد الثقفي وولى عليها عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، فقدمها في أواخر ذي القعدة منها، وفيها أظهر مروان الحمار الخلاف


(1) في الطبري: 9 / 38: تجري. (2) في الطبري: في. (3) في الطبري: أزرى. (*)

[ 18 ]

ليزيد بن الوليد، وخرج من بلاد أرمينية يظهر أنه يطلب بدم الوليد بن يزيد، فلما وصل إلى حران أظهر الموافقة وبايع لامير المؤمنين يزيد بن الوليد. وفيها أرسل إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أبا هاشم بكير بن ماهان إلى أرض خراسان، فاجتمع بجماعة من أهل خراسان بمرو، فقرأ عليهم كتاب إبراهيم بن محمد الامام إليه وإليهم، ووصيته، فتلقوا ذلك بالقبول، وأرسلوا معه ما كان عندهم من النفقات. وفي سلخ ذي القعدة، وقيل في سلخ ذي الحجة، وقيل لعشر مضين منه، وقيل بعد الاضحى منها كان وفاة أمير المؤمنين. يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. أبو خالد الاموي، أمير المؤمنين، بويع له بالخلافة أول ما بويع بها في قرية المزة، من قرى دمشق، ثم دخل دمشق فغلب عليها، ثم أرسل الجيوش إلى ابن عمه الوليد بن يزيد فقتله، واستحوذ على الخلافة في أواخر جمادى الآخرة من هذه السنة، وكان يلقب بالناقص لنقصه الناس العشرات التي زادهم إياها الوليد بن يزيد، وقيل إنما سماه بذلك مروان الحمار، وكان يقول: الناقص ابن اليد، وأمه شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد بن كسرى، كسروية. وقال ابن جرير: وأمه شاه آفزيد (1) بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى، وهو القائل: أنا ابن كسرى وأبي مروان * وقيصر جدي وجدي خاقان وإنما قال ذلك لان جده فيروز، وأم أمه بنت قيصر، وأمه شيرويه وهي بنت خاقان ملك الترك، وكانت قد سباها قتيبة بن مسلم، هي وأخت لها فبعثهما إلى الحجاج، فأرسل بهذه إلى الوليد واستبقى عنده الاخرى، فولدت هذه الوليد بن يزيد الناقص هذا، وهذه أخذها الحجاج فكانت عنده بالعراق، وكان مولده في سنة تسعين، وقيل في سنة ست وتسعين، وقد روى عنه الاوزاعي مسألة السلم. وقد ذكرنا كيفية ولايته فيما سلف في هذه السنة، وأنه كان عادلا دينا محبا للخير مبغضا للشر. قاصدا للحق. وقد خرج يوم عيد الفطر من هذه السنة إلى صلاة العيد بين صفين من الخيالة والسيوف مسللة عن يمينه وشماله، ورجع من المصلى إلى الخضراء كذلك، كان رجلا صالحا، يقال في المثل الاشج والناقص أعدلا بني مروان، والمراد عمر بن عبد العزيز وهذا. وقد قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم بن محمد المروزي، عن أبي عثمان الليثي قال: قال يزيد بن الوليد الناقص:


(1) في مروج الذهب 3 / 273: سارية. (*)

[ 19 ]

يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل المسكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإنه داعية الزنا. وقال ابن عبد الحكيم عن الشافعي: لما ولي يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الذي يقال له الناقص دعا الناس إلى القدر وحملهم عليه وقرب غيلان. قاله ابن عساكر. قال: ولعله قرب أصحاب غيلان، لان غيلان قتله هشام بن عبد الملك. وقال محمد بن المبارك: آخر ما تكلم به يزيد بن الوليد الناقص واحزناه واشقاآه. وكان نقش خاتمه العظمة لله. وكانت وفاته بالخضراء (1) من طاعون أصابه، وذلك يوم السبت لسبع مضين من ذي الحجة، وقيل يوم الاضحى منه، وقيل بعده بأيام، وقيل لعشر بقين منه، وقيل في سلخه، وقيل في سلخ ذي القعدة من هذه السنة. وأكثر ما قيل في عمره ست وأربعون سنة، وقيل ثلاثون سنة، وقيل غير ذلك فالله أعلم. وكانت مدة ولايته ستة أشهر على الاشهر، وقيل خمسة أشهر وأيام (2). وصلى عليه أخوه إبراهيم بن الوليد، وهو ولي العهد من بعده رحمه الله. وذكر سعيد بن كثير بن عفير أنه دفن بين باب الجابية وباب الصغير، وقيل إنه دفن بباب الفراديس، وكان أسمر نحيفا حسن الجسم حسن الوجه. وقال علي بن محمد المديني: كان يزيد أسمر طويلا صغير الرأس بوجهه خال، وكان جميلا، في فمه بعض السعة وليس بالمفرط. وحج بالناس فيها عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو نائب الحجاز، وأخوه عبد الله نائب العراق، ونصر بن سيار على نيابة خراسان، والله سبحانه أعلم. وممن توفي في هذه السنة من الاعيان: خالد بن عبد الله بن يزيد ابن أسد بن كرز بن عامر بن عبقري، أبو الهيثم البجلي القسري الدمشقي، أمير مكة والحجاز للوليد ثم لسليمان، وأمير العراقين لهشام خمس عشرة سنة. قال ابن عساكر: كانت داره بدمشق في مربعة القز وتعرف اليوم بدار الشريف اليزيدي، وإليه ينسب الحمام الذي داخل باب توما، روى عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " يا أسد (3) أتحب الجنة ؟ قال: نعم ! قال: فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك ". رواه أبو يعلى عن عثمان بن أبي شيبة عن هيثم عن سيار من أبي الحكم أنه سمعه على المنبر يقول ذلك. وممن روى عنه إسماعيل بن أوسط وإسماعيل بن أبي خالد، وحبيب بن أبي حبيب، وحميد الطويل. وروى أنه روى عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في تكفير المرض الذنوب. وكانت أمه نصرانية، وذكره أبو بكر بن عياش في الاشراف، فيمن أمه نصرانية. وقال


(1) في مروج الذهب 3 / 268 وابن الاعثم 8 / 141: بدمشق. (2) في مدة ولايته ومقدار عمره عندما توفي اختلاف انظر الطبري 9 / 46، ابن الاثير 5 / 310 مروج الذهب 3 / 268 ابن الاعثم 8 / 141 الامامة والسياسة 2 / 136 الفخري ص 136 المعارف ص 160 الاخبار الطوال ص 350. (3) في ابن عساكر 5 / 67: يا يزيد بن أسد. (انظر المعارف ص 175). (*)

[ 20 ]

المدائني: أول ما عرف من رياسته أنه وطأ صبيا بدمشق بفرسه فحمله فأشهد طائفة من الناس أنه هو صاحبه، فإن مات فعليه ديته، وقد استنابه الوليد على الحجاز من سنة تسع وثمانين إلى أن توفي الوليد ثم سليمان، وفي سنة ست ومائة استنابه هشام على العراق إلى سنة عشرين ومائة، وسلمه إلى يوسف بن عمر الذي ولاه مكانه فعاقبه وأخذ منه أموالا ثم أطلقه، وأقام بدمشق إلى المحرم من هذه السنة فسلمه الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر يستخلص منه خمسين ألف ألف، فمات تحت العقوبة البليغة، كسر قدميه ثم ساقيه ثم فخذيه، ثم صدره (1)، فمات ولا يتكلم كلمة واحدة، ولا تأوه حتى خرجت روحه رحمه الله. قال الليثي عن أبيه: خطب خالد القسري يوما فأرتج عليه فقال: أيها الناس ! إن هذا الكلام يجئ أحيانا ويعزب أحيانا، فيتسبب عند مجيئه سببه ويتعذر عند عزوبه مطلبه، وقد يرد إلى السليط بيانه ويثيب إلى الحصر كلامه، وسيعود إلينا ما تحبون، ونعود لكم كما تريدون. وقال الاصمعي وغيره: خطب خالد القسري يوما بواسط فقال: يا أيها الناس تنافسوا في المكارم وسارعوا إلى المغانم واشتروا الحمد بالجود، ولا تكتسبوا بالمطل ذما، ولا تعتدوا بمعروف لم تعجلوه، ومهما تكن لاحد منكم نعمة عند أحد لم يبلغ شكرها فالله أحسن له جزاء، وأجزل عطاء، واعلموا أن حوائج الناس إليكم نعم فلا تملوها فتحول نقما، فإن أفضل المال ما كسب أجرا وأورث ذكرا، ولو رأيتم المعروف لرأيتموه رجلا حسنا جميلا يسر الناس إذا نظروا إليه، ويفوق العالمين. ولو رأيتم البخل لرأيتموه رجلا مشوها قبيحا تنفر منه القلوب وتغض دونه الابصار. إنه من جاد ساد، ومن بخل ذل، وأكرم الناس من أعطى من لا يرجوه، ومن عفا عن قدرة، وأفضل الناس من وصل عن قطيعة، ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته، والفروع عند مغارسها تنمو، وبأصولها تسمو. وروى الاصمعي عن عمر بن الهيثم أن أعرابيا قدم على خالد فأنشده قصيدة امتدحه بها يقول فيها: إليك ابن كرز الخير أقبلت راغبا * لتخبر مني ماؤها وتبددا إلى الماجد البهلول ذي الحلم والندى * وأكرم خلق الله فرعا ومحتدا إذا ما أناس قصروا بفعالهم * نهضت فلم تلق هنالك مفقدا فيا لك بحرا يغمر الناس موجه * إذا يسأل المعروف جاش وأزبدا بلوت ابن عبد الله في كل موطن * فألفيت خير الناس نفسا وأمجدا فلو كان في الدنيا من الناس خالد * لجود بمعروف لكنت مخلدا فلا تحرمني منك ما قد رجوته * فيصبح وجهي كالح اللون أربدا


(1) في الاخبار الطوال ص 348: وضع (يوسف بن عمر) على خالد المضرسة - وهي حجر غليظ جدا خشن الوطئ. وجعل يعذبه بها حتى قتله. (*)

[ 21 ]

قال: فحفظها خالد، فلما اجتمع الناس عند خالد قام الاعرابي ينشدها فابتدره إليها خالد فأنشدها قبله وقال: أيها الشيخ إن هذا شعر قد سبقناك إليه. فنهض الشيخ فولى ذاهبا فأتبعه خالد من يسمع ما يقول فإذا هو ينشد هذه الابيات: ألا في سبيل الله ما كنت أرتجي * لديه وما لاقيت من نكد الجهد دخلت على بحر يجرد بماله * ويعطي كثير المال في طلب الحمد فخالفني الجد المشوم لشقوتي * وقاربني نحسي وفارقني سعدي فلو كان لي رزق لديه لنلته * ولكنه أمر من الواحد الفرد فرده خالد وأعلمه بما كان يقول فأمر له بعشرة آلاف درهم. وقال الاصمعي: سأل أعرابي خالدا القسري أن يملا له جرابه دقيقا فأمر بملئه له دراهم، فقيل للاعرابي حين خرج: ما فعل معك ؟ فقال: سألته بما أشتهي فأمر لي بما يشتهي هو. وقال بعضهم: بينما خالد يسير في موكبه إذ تلقاه أعرابي فسأله أن يضرب عنقه، فقال ويحك ولم ؟ أقطعت السبيل ؟ أأخرجت يدا من طاعة ؟ فكل ذلك يقول لا ! قال: فلم ؟ قال: من الفقر والفاقة. فقال: سل حاجتك، قال ثلاثين ألفا. فقال خالد: ما ربح أحد مثل ما ربحت اليوم، إني وضعت في نفسي أن يسألني مائة ألف فسأل ثلاثين فربحت سبعين. ارجعوا بنا اليوم، وأمر له بثلاثين ألفا. وكان إذا جلس يوضع [ المال ] بين يديه ويقول: إن هذه الاموال ودائع لا بد من تفرقتها. وسقط خاتم لجاريته رابعة يساوي ثلاثين ألفا، في بالوعة الدار، فسألت أن تؤتى بمن يخرجه، فقال: إن يدك أكرم علي من أن تلبسه بعد ما صار إلى هذا الموضع القذر، وأمر لها بخمسة آلاف دينار بدله. وقد كان لرابعة هذه من الحلى شئ عظيم، من جملة ذلك يا قوتة وجوهرة، كل واحد بثلاثة وسبعين ألف دينار. وقد روى البخاري في كتاب أفعال العباد، وابن أبي حاتم في كتاب السنة، وغير واحد ممن صنف في كتب السنة أن خالد بن عبد الله القسري خطب الناس في عيد أضحى فقال: أيها الناس، ضحوا يقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرا، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر. قال غير واحد من الائمة: ؟ الجعد بن درهم من أهل الشام، وهو مؤدب مروان الحمار، ولهذا يقال له مروان الجعدي، فنسب إليه، وهو شيخ الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية الذين يقولون إن الله في كل مكان بذاته، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وكان الجعد بن درهم قد تلفى هذا المذهب الخبيث عن رجل يقال له أبان بن سمعان، وأخذه أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم، عن خاله لبيد بن أعصم اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط وماشطة وجف طلعة ذكر له، وتحت راعوفة ببئر ذي أروان كان ماؤها نقاعة الحناء. وقد ثبت الحديث بذلك في الصحيحين وغيرهما. وجاء في بعض الاحاديث أن الله أنزل بسبب ذلك سورتي المعوذتين.

[ 22 ]

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا محمد بن يزيد الرفاعي سمعت أبا بكر بن عياش قال: رأيت خالدا القسري حين أتي بالمغيرة وأصحابه، وقد وضع له سرير في المسجد، فجلس عليه ثم أمر برجل من أصحابه فضربت عنقه ثم قال للمغيرة: أحيه - وكان المغيرة يزعم أنه يحيي الموتى - فقال: والله أصلحك الله ما أحيي الموتى. قال: لتحيينه أو لاضربن عنقك. قال: والله ما أقدر على ذلك. ثم أمر بطن قصب فأضرموا فيه نارا ثم قال للمغيرة: اعتنقه، فأبى، فعدا رجل من أصحابه فاعتنقه، قال أبو بكر: فرأيت النار تأكله وهو يشير بالسبابة. قال خالد: هذا والله أحق بالرياسة منك. ثم قتله وقتل أصحابه. وقال المدائني: أتي خالد بن عبد الله برجل تنبأ بالكوفة فقيل له ما علامة نبوتك ؟ قال: قد نزل علي قرآن، قال: إنا أعطياك الكماهر، فصل لربك ولا تجاهر. ولا تطع كل كافر وفاجر. فأمر به فصلب فقال وهو يصلب: إنا أعطيناك العمود، فصل لربك على عود، فأنا ضامن لك ألا تعود. وقال المبرد: أتي خالد بشاب قد وجد في دار قوم وادعى عليه السرقة، فسأله فاعترف فأمر بقطع يده فتقدمت حسناء فقالت: أخالد قد أوطأت والله عثرة * وما العاشق المسكين فينا بسارق أقر بما لم يجنه غير أنه * رأى القطع أولى من فضيحة عاشق فأمر خالد بإحضار أبيها فزوجها من ذلك الغلام وأمهرها عنه عشرة آلاف درهم. وقال الاصمعي: دخل أعرابي على خالد فقال: إني قد مدحتك ببيتين ولست أنشدهما إلا بعشرة آلاف وخادم، فقال: نعم ! فأنشأ يقول: لزمت نعم حتى كأنك لم تكن * سمعت من الاشياء شيئا سوى نعم وأنكرت لا حتى كأنك لم تكن * سمعت بها في سالف الدهر والامم قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم وخادم يحملها. قال: ودخل عليه أعرابي فقال له: سل حاجتك فقال: مائة ألف. فقال: أكثرت حط منها. قال: أضع تسعين ألفا، فتعجب منه خالد فقال: أيها الامير سألتك على قدرك ووضعت على قدري، فقال له: لن تغلبني أبدا، وأمر له بمائة ألف، قال: ودخل عليه أعرابي، فقال: إني قد قلت فيك شعرا وأنا أستصغره فيك، فقال: قل فأنشأ يقول: تعرضت لي بالجود حتى نعشتني * وأعطيتني حتى ظننتك (1) تلعب فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى * حليف الندى ما للندى عنك مذهب فقال: سل حاجتك. قال: علي خمسون ألف دينار، فقال: قد أمرت لك بها وأضعفتها لك،


(1) في وفيات الاعيان 2 / 227: حسبتك. (*)

[ 23 ]

فأعطاه مائة ألف. قال أبو الطيب محمد بن إسحاق بن يحيى الوساي: دخل أعرابي على خالد القسري، فأنشده: كتبت نعم بيابك فهي تدعو * إليك الناس مسفرة النقاب وقلت للا عليك بباب غيري * فإنك لن ترى أبدا ببابي قال فأعطاه على كل بيت خمسين ألفا. وقد قال فيه ابن معين: كان رجل سوء يقع في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وذكر الاصمعي عن أبيه: أن خالدا (1) حفر بئرا بمكة ادعى فضلها على زمزم، وله في رواية عنه تفضيل الخليفة على الرسول (2)، وهذا كفر إلا أن يريد بكلامه غير ما يبدو منه والله أعلم. والذي يظهر أن هذا لا يصح عنه، فإنه كان قائما في إطفاء الضلال والبدع كما قدمنا من قتله للجعد بن درهم وغيره من أهل الالحاد، وقد نسب إليه صاحب العقد أشياء لا تصح، لان صاحب العقد كان فيه تشيع شنيع ومغالاة في أهل البيت، وربما لا يفهم أحد من كلامه ما فيه من التشيع، وقد اغتر به شيخنا الذهبي فمدحه بالحفظ وغيره. وقد ذكر ابن جرير وابن عساكر وغيرهما: أن الوليد بن يزيد كان قد عزم على الحج في إمارته فمن نيته أن يشرب الخمر على ظهر الكعبة، فلما بلغ ذلك جماعة من الامراء اجتمعوا على قتله وتولية غيره من الجماعة، فحذر خالد أمير المؤمنين منهم، فسأله أن يسميهم فأبى عليه فعاقبه عقابا شديدا، ثم بعث به إلى يوسف بن عمر فعاقبه حتى مات شر قتلة وأسوأها، وذلك في محرم من هذه السنة - أعني سنة ست وعشرين ومائة - وذكر القاضي ابن خلكان في الوفيات وقال: كان متهما في دينه، وقد بنى لامه كنيسة في داره، قال فيه بعض الشعراء وقال صاحب الاعيان كان في نسبه يهود فانتموا إلى القرب، وكان يقرب [ من ] شق وسطيح. قال القاضي ابن خلكان: وقد كانا ابني خالة، وعاش كل منهما ستمائة، وولدا في يوم واحد، وذلك يوم ماتت طريفة بنت الحر بعدما تفلت في فم كل منهما وقالت: إنه سيقوم مقامي في الكهانة، ثم ماتت من يومها. وممن توفي في هذه السنة جبلة بن سحيم ودراج أبو السمح وسعيد بن مسروق في قول، وسليمان بن حبيب المحاربي، قاضي دمشق، وعبد الرحمن بن قاسم شيخ مالك وعبيد الله بن أبي يزيد وعمرو بن دينار. وقد ذكرنا تراجمهم في كتابنا التكميل.


(1) في الاغاني 22 / 18: كان الوليد قد حفر بئرا بين ثنية ذي طوى وثنية الحجون. (2) عن عطاء بن مسلم قال قال خالد بن عبد الله وذكر النبي صلى الله عليه وسلم: أيما أكرم عندكم على الرجل رسوله في حاجته أو خليفته في أهله ؟ (انظر الاغاني 22 / 18). كأنه بسؤاله يعتقد أن الخليفة خليفة الله ونسي أن الخليفة خليفة رسول الله فعليه لا مجال للمقارنة ! ؟ (*)

[ 24 ]

ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائة استهلت هذه السنة والخليفة إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بوصية أخيه يزيد الناقص إليه، وبايعه الامراء بذلك، وجميع أهل الشام إلا أهل حمص فلم يبايعوه، وقد تقدم أن مروان بن محمد الملقب بالحمار كان نائبا بأذربيجان وأرمينية، وتلك كانت لابيه من قبله، وكان نقم على يزيد بن الوليد في قتله الوليد بن يزيد، وأقبل في طلب دم الوليد، فلما انتهى إلى حران أناب وبايع يزيد بن الوليد، فلم يلبث إلا قليلا حتى بلغه موته، فأقبل في أهل الجزيرة حتى وصل قنسرين فحاصر أهلها فنزلوا على طاعته، ثم أقبل إلى حمص وعليها عبد العزيز بن الحجاج من جهة أمير المؤمنين إبراهيم بن الوليد فحاصرهم حتى يبايعوا لابراهيم بن الوليد، وقد أصروا على عدم مبايعته، فلما بلغ عبد العزيز قرب مروان بن محمد ترحل عنها، وقدم مروان إليها فبايعوه وساروا معه قاصدين دمشق، ومعهم جند الجزيرة وجند قنسرين، فتوجه مروان إلى دمشق في ثمانين ألفا، وقد بعث إبراهيم بن الوليد بن هشام بن عبد الملك في مائة وعشرين ألفا، فالتقى الجيشان عند عين الجر (1) من البقاع، فدعاهم مروان إلى الكف عن القتال وأن يتخلوا عن ابني الوليد بن يزيد وهما الحكم وعثمان اللذان قد أخذ العهد لهما، وكان يزيد قد سجنهما بدمشق، فأبوا عليه ذلك، فاقتتلوا قتالا شديدا من حين ارتفاع النهار إلى العصر، وبعث مروان سرية (2) تأتي جيش ابن هشام من ورائهم، فتم لهم ما أرادوه، وأقبلوا من ورائهم يكبرون، وحمل الآخرون من تلقاهم عليهم، فكانت الهزيمة في أصحاب سليمان، فقتل منهم أهل حمص خلقا كثيرا، واستبيح عسكرهم، وكان مقدار ما قتل من أهل دمشق في ذلك اليوم قريبا من سبعة عشر ألفا أو ثمانية عشر ألفا وأسر منهم مثلهم، فأخذ عليهم مروان البيعة للغلامين ابني الوليد، الحكم وعثمان، وأطلقهم كلهم سوى رجلين وهما يزيد بن العقار والوليد بن مصاد الكلبيان، فضربهما بين يديه بالسياط وحبسهما فماتا في السجن، لانهما كانا ممن باشر قتل الوليد بن يزيد حين قتل. وأما سليمان وبقية أصحابه فإنهم استمروا منهزمين، فما أصبح لهم الصبح إلا بدمشق فأخبروا أمير المؤمنين إبراهيم بن الوليد بما وقع، فاجتمع معهم رؤوس الامراء في ذلك الوقت وهم عبد العزيز بن الحجاج يزيد بن خالد بن عبد الله القسري، وأبو علاقة السكسكي، والاصبغ بن ذؤالة الكلبي ونظراؤهم، على أن يعمدوا إلى قتل ابني الوليد الحكم وعثمان، خشية أن يليا الخلافة فيهلكا من عاداهما وقتل أباهما، فبعثوا إليهما يزيد بن خالد بن عبد الله القسري، فعمد إلى السجن وفيه الحكم وعثمان ابنا الوليد وقد بلغا، ويقال وولد لاحدهما ولد فشدخها بالعمد، وقتل يوسف بن عمر - وكان مسجونا معهما - وكان في سجنهما أيضا أبو محمد السفياني فهرب فدخل في بيت داخل


(1) في المعارف ص 161: بأرض الغوطة. (2) في ابن الاثير 5 / 322 والطبري 9 / 47: ثلاثة آلاف فارس. (*)

[ 25 ]

السجن وجعل وراء الباب ردما (1)، فحاصروه فامتنع، فأتوا بنار ليحرقوا الباب. ثم اشتغلوا عن ذلك بقدوم مروان بن محمد وأصحابه إلى دمشق في طلب المنهزمين. دخول مروان الحمار دمشق وولايته الخلافة لما أقبل مروان بمن معه من الجنود من عين الجر واقترب من دمشق وقد انهزم أهلها بين يديه بالامس، هرب إبراهيم بن الوليد وعمد سليمان بن هشام إلى بيت المال ففتحه وأنفق ما فيه على أصحابه ومن اتبعه من الجيوش، وثار موالي الوليد بن يزيد إلى دار عبد العزيز بن الحجاج فقتلوه فيها وانتهبوها ونبشوا قبر يزيد بن الوليد وصلبوه على باب الجابية، ودخل مروان بن محمد دمشق فنزل في أعاليها وأتي بالغلامين الحكم وعثمان وهما مقتولان وكذلك يوسف بن عمر فدفنوه. وأتي بأبي محمد السفياني وهو في حبوله (2) فسلم على مروان بالخلافة فقال مروان: مه، فقال: إن هذين الغلامين جعلاها لك من بعدهما ثم أنشد قصيدة قالها الحكم في السجن وهي طويلة منها قوله: ألا من مبلغ مروان عني * وعمي الغمر طال بذا حنينا بأني قد ظلمت وصار قومي * على قتل الوليد متابعينا (3) فإن أهلك أنا وولي عهدي * فمروان أمير المؤمنينا ثم قال أبو محمد السفياني لمروان: ابسط يدك، فكان أول من بايعه بالخلافة، فمعاوية بن يزيد بن حصين بن نمير ثم بايعه رؤوس أهل الشام من أهل دمشق وحمص وغيرهم، ثم قال لهم مروان: اختاروا أمراء نوليهم عليكم، فاختار أهل كل بلد أميرا فولاه عليهم، فعلى دمشق زامل بن عمرو الجبراني، وعلى حمص عبد الله بن شجرة الكندي، وعلى الاردن الوليد بن معاوية بن مروان، وعلى فلسطين ثابت بن نعيم الجذامي. ولما استوت الشام لمروان بن محمد رجع إلى حران وعند ذلك طلب منه إبراهيم بن الوليد الذي كان خليفة وابن عمه سلميان بن هشام الامان فأمنهما، وقدم عليه سليمان بن هشام في أهل تدمر فبايعوه، ثم لما استقر مروان في حران أقام فيها ثلاثة أشهر فانتقض عليه ما كان انبرم له من مبايعة أهل الشام، فنقض أهل حمص وغيرهم، فأرسل إلى أهل حمص جيشا فوافوهم ليلة عيد الفطر من هذه السنة، وقدم مروان إليها بعد الفطر بيومين، فنازلها مروان في جنود كثيرة، ومعه يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع، وسليمان بن هشام، وهما عنده مكرمان خصيصان لا


(1) في ابن الاثير 5 / 322: اغلقه فلم يقدروا على فتحه. وفي الطبري 9 / 48: فأغلقه وألقى خلفه الفرش والوسائد واعتمد على الباب فلم يقدر عليه فتحه. (2) في الطبري: في كبوله، وفي ابن الاثير: في قيوده. (3) في ابن الاثير: 5 / 323: مشايعينا. (*)

[ 26 ]

يجلس إلا بهما وقت الغداء والعشاء، فلما حاصر حمص نادوه إنا على طاعتك، فقال: افتحوا باب البلد ففتحوه. ثم كان منهم بعض القتال فقتل منهم نحو الخمسمائة أو الستمائة، فأمر بهم فصلبوا حول البلد، وأمر بهدم بعض سورها. وأما أهل دمشق فأما أهل الغوطة فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو وأمروا عليهم يزيد بن خالد القسري وثبت في المدينة نائبها، فبعث إليه أمير المؤمنين مروان بن حمص عسكرا نحو عشرة آلاف، فلما اقتربوا من دشمق خرج النائب فيمن معه والتقوا هم والعسكر بأهل الغوطة فهزموهم وحرقوا المزة وقرى أخرى معها، واستجار يزيد بن خالد القسري وأبو علاقة الكلبي برجل من أهل المزة من لخم، فدل عليهم زامل بن عمرو فقتلهما وبعث برأسيهما إلى أمير المؤمنين مروان وهو بحمص. وخرج ثابت بن نعيم في أهل فلسطين على الخليفة وأتوا طبرية فحاصروها، فبعث الخليفة إليهم جيشا فأجلوهم عنها واستباحوا عسكرهم، وفر ثابت بن نعيم هاربا إلى فلسطين فاتبعه الامير أبو الورد فهزمه ثانية وتفرق عنه أصحابه، وأسر أبو الورد ثلاثة من أولاده فبعث بهم إلى الخليفة وهم جرحى فأمر بمداواتهم، ثم كتب أمير المؤمنين إلى نائب فلسطين وهو الرماحس (1) بن عبد العزيز الكناني يأمره بطلب ثابت بن نعيم حيث كان، فما زال يتلطف به حتى أخذه أسيرا، وذلك بعد شهرين، فبعثه إلى الخليفة وأمر بقطع يديه ورجليه، وكذلك جماعة كانوا معه، وبعث بهم إلى دمشق فأقيموا على باب مسجدها، لان أهل دمشق كانوا قد أرجفوا بأن ثابت بن نعيم ذهب إلى ديار مصر فتغلب عليها وقتل نائب مروان فيها، فأرسل إليهم مقطع اليدين والرجلين ليعرفوا بطلان ما كانوا به أرجفوا. وأقام الخليفة مروان بدير أيوب عليه السلام مدة حتى بايع لابنه عبد الله ثم عبيد الله وزوجهما ابنتي هشام، وهما أم هشام وعائشة، وكان مجمعا حافلا وعقدا هائلا، ومبايعة عامة، ولكن لم تكن في نفس الامر تامة. وقدم الخليفة إلى دمشق وأمر بثابت وأصحابه بعد ما كانوا تقطعوا أن يصلبوا على أبواب البلد، ولم يستبق منهم أحدا إلا واحدا وهو عمرو بن الحارث الكلبي، وكان عنده فيما زعم علم بودايع كان ثابت بن نعيم أودعها عند أقوام. واستوسق أمر الشام لمروان ما عدا تدمر، فسار من دمشق فنزل القسطل من أرض حمص، وبلغه أن أهل تدمر قد غوروا ما بينه وبينهم من المياه، فاشتد غضبه عليهم ومعه جحافل من الجيوش، فتكلم الابرش بن الوليد وكانوا قومه فسأل منه أن يرسل إليهم أولا ليعذر إليهم، فبعث عمرو بن الوليد أخا الابرش، فلما قدم عليهم لم يلتفتوا إليه ولا سمعوا له قولا فرجع، فهم الخليفة أن يبعث الجنود فسأله الابرش أن يذهب إليهم بنفسه فأرسله، فلما قدم عليهم الابرش كلمهم واستما لهم إلى السمع والطاعة، فأجابه أكثرهم وامتنع بعضهم، فكتب إلى الخليفة يعلمه بما وقع، فأمره الخليفة أن يهدم بعض سورها، وأن يقبل بمن أطاعه منهم إليه، ففعل. فلما حضروا عنده سار بمن معه من الجنود نحو الرصافة على طريق البرية، ومعه من الرؤوس إبراهيم بن الوليد المخلوع، وسليمان بن هشام، وجماعة من ولد الوليد ويزيد وسليمان، فأقام


(1) في القاموس المحيط للفيروزا بادي: الرماحس بن عبد العزى بن الرماحس كان على شرطة مروان بن محمد. (*)

[ 27 ]

بالرصافة أياما ثم شخص إلى البرية، فاستأذنه سليمان بن هشام أن يقيم هناك أياما ليستريح ويجم ظهره فأذن له، فانحدر مروان فنزل عند واسط على شط الفرات فأقام ثلاثا ثم مضى إلى قرقيسيا، وابن هبيرة بها ليبعثه إلى العراق لمحاربة الضحاك بن قيس الشيباني الخارجي الحروري، واشتغل مروان بهذا الامر، وأقبل عشرة آلاف فارس ممن كان مروان قد بعثهم في بعض السرايا، فاجتازوا بالرصافة وفيها سليمان بن هشام بن عبد الملك الذي كان استأذن الخليفة في المقام هنا للراحة، فدعوه إلى البيعة له وخلع مروان بن محمد ومحاربته، فاستنزله الشيطان فأجابهم إلى ذلك، وخلع مروان وسار بالجيوش إلى قنسرين، وكاتب أهل الشام فانفضوا إليه من كل وجه، وكتب سليمان إلى ابن هبيرة الذي جهزه مروان لقتال الضحاك بن قيس الخارجي يأمره بالمسير إليه، فالتف إليه نحو من سبعين ألفا، وبعث مروان إليهم عيسى بن مسلم في نحو من سبعين ألفا فالتقوا بأرض قنسرين فاقتتلوا قتالا شديدا، وجاء مروان والناس في الحرب فقاتلهم أشد القتال فهزمهم وقتل يومئذ إبراهيم بن سليمان بن هشام، وكان أكبر ولده، وقتل منهم نيفا وثلاثين ألف، وذهب سليمان مغلوبا فأتى حمص فالتف عليه من انهزم من الجيش فعسكر بهم فيها، وبنى ما كان مروان هدم من سورها. فجاءهم مروان فحاصرهم بها ونصب عليهم نيفا وثمانين منجنيقا، فمكث كذلك ثمانية (1) أشهر يرميهم ليلا ونهارا، ويخرجون إليه كل يوم ويقاتلون ثم يرجعون. هذا وقد ذهب سليمان وطائفة من الجيش معه إلى تدمر وقد اعترضوا جيش مروان في الطريق وهموا بالفتك به وأن ينتهبوه فلم يمكنهم ذلك، وتهيأ لهم مروان فقاتلهم فقتلوا من جيشه قريبا من ستة آلاف وهم تسعمائة، وانصرفوا إلى تدمر، ولزم مروان محاصرة حمص كمال عشرة أشهر، فلما تتابع عليهم البلاء، ولزمهم الذل، سألوه أن يؤمنهم فأبى إلا أن ينزلوا على حكمه، ثم سألوه الامان على أن يمكنوه من سعيد بن هشام وابنيه مروان وعثمان ومن السكسكي الذي كان حبس معه، ومن حبشي كان يفتري عليه ويشتمه فأجابهم إلى ذلك فأمنهم وقتل أولئك، ثم سار إلى الضحاك، وكان عبد الله بن عمر بن عبد العزيز نائب العراق قد صالح الضحاك الخارجي على ما بيده من الكوفة وأعمالها، وجاءت خيول مروان قاصدة إلى الكوفة، فتلقاهم نائبها من جهة الضحاك - ملحان الشيباني - فقاتلهم فتقل ملحان، واستناب الضحاك عليها المثنى بن عمران من بني عائذة، وسار الضحاك في ذي القعدة إلى الموصل، وسار ابن هبيرة إلى الكوفة فانتزعها من أيدي الخوارج، وأرسل الضحاك جيشا إلى الكوفة فلم يجد شيئا. وفي هذه السنة خرج الضحاك بن قيس الشيباني، وكان سبب خروجه أن رجلا يقال له سعيد بن بهدل - وكان خارجيا - اغتنم غفلة الناس واشتغالهم بمقتل الوليد بن يزيد، فثار في جماعة من الخوارج بالعراق، فالتف عليه أربعة آلاف - ولم تجتمع قبلها لخارجي - فقصدتهم الجيوش فاقتتلوا معهم، فتارة يكسرون وتارة يكسرون، ثم مات سعيد بن بهدل في طاعون أصابه، واستخلف على


(1) في الطبري 9 / 64 وابن الاثير 5 / 333: عشرة أشهر. (*)

[ 28 ]

الخوارج من بعده الضحاك بن قيس هذا، فالتف أصحابه عليه، والتقى هو وجيش كثير فغلبت الخوارج وقتلوا خلقا كثيرا، منهم عاصم بن عمر بن عبد العزيز - أخو أمير العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز - فرثاه بأشعار. ثم قصد الضحاك بطائفة من أصحابه مروان فاجتاز بالكوفة، فنهض إليه أهلها فكسرهم ودخل الكوفة فاستحوذ عليها، واستناب بها رجلا اسمه حسان، ثم استناب ملحان الشيباني في شعبان من هذه السنة، وسار هو في طلب عبد الله بن عمر بن عبد العزيز نائب العراق، فالتقوا فجرت بينهم حروب كثيرة يطول ذكرها وتفصيلها. وفي هذه السنة اجتمعت جماعة من الدعاة إلى بني العباس عند إبراهيم بن محمد الامام ومعهم أبو مسلم الخراساني، فدفعوا إليه نفقات كثيرة، وأعطوه خمس أموالهم، ولم ينتظم لهم أمر في هذه السنة لكثرة الشرور المنتشرة، والفتن الواقعة بين الناس. وفي هذه السنة خرج بالكوفة [ عبد الله بن ] (1) معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فدعا إلى نفسه وخرج إلى محاربة أمير العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فجرت بينهما حروب يطول ذكرها، ثم أجلاه عنها فلحق بالجبال فتغلب عليها. وفي هذه السنة خرج الحارث بن سريج الذي كان لحق ببلاد الترك ومالاهم على المسلمين فمن الله عليه بالهداية ووفقه حتى خرج إلى بلاد الشام، وكان ذلك عن دعاء يزيد بن الوليد إلى الرجوع إلى الاسلام وأهله فأجابه إلى ذلك، وخرج إلى خراسان فأكرمه نصر بن سيار نائب سورة (2)، واستمر الحارث بن سريج على الدعوة إلى الكتاب والسنة وطاعة الامام، وعنده بعض المناوأة لنصر بن سيار. قال الواقدي وأبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز أمير الحجاز ومكة والمدينة والطائف، وأمير العراق نضر بن سعيد الحرشي، وقد خرج عليه الضحاك الحروري، وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز. وأمير خراسان نصر بن سيار، وقد خرج عليه الكرماني والحارث بن سريج. وممن توفي في هذه السنة: بكر بن الاشج وسعد بن إبراهيم وعبد الله بن دينار وعبد الملك بن مالك الجزري وعمير بن هانئ ومالك بن دينار ووهب بن كيسان وأبو إسحاق السبيعي. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائة فيها كان مقتل الحارث بن سريج، وكان سبب ذلك أن يزيد بن الوليد الناقص كان قد كتب إليه كتاب أمان، حتى خرج من بلاد الترك وصار إلى المسلمين ورجع عن موالاة المشركين إلى نصرة


(1) سقطت من الاصل واستدركت من الطبري وابن الاثير والفخري ومروج الذهب. (2) كذا بالاصول، وفيه تحريف ولعل الصواب: نائب خراسان. (*)

[ 29 ]

الاسلام وأهله. وأنه وقع بينه وبين نصر بن سيار نائب خراسان وحشة ومنافسات كثيرة يطول ذكرها، فلما صارت الخلافة إلى مروان بن محمد استوحش الحارث بن سريج من ذلك. وتولى ابن هبيرة نيابة العراق، وجاءت البيعة لمروان، فامتنع الحارث من قبولها وتكلم في مروان، وجاءه مسلمة (1) بن أحوز أمير الشرطة، وجماعة من رؤوس الاجناد والامراء، وطلبوا منه أن يكف لسانه ويده، وأن لا يفرق جماعة المسلمين، فأبى وبرز ناحية عن الناس، ودعا نصر بن سيار إلى ما هو عليه من الدعوة إلى الكتاب والسنة فامتنع نصر من موافقته، واستمر هو على خروجه على الاسلام. وأمر الجهم بن صفوان مولى بني راسب ويكنى بأبي محرز - وهو الذي نسبت إليه الفرقة الجهمية (2) - أن يقرأ كتابا فيه سيرة الحارث على الناس، وكان الحارث يقول أنا صاحب الرايات السود. فبعث إليه نصر يقول: لئن كنت ذاك فلعمري إنكم الذين تخربون سور دمشق وتزيلون بني أمية، فخذ مني خمسمائة رأس ومائة بعير، وإن كنت غيره فقد أهلكت عشيرتك. فبعث إليه الحارث يقول: لعمري إن هذا لكائن. فقال له نصر: فابدأ بالكرماني أولا، ثم سر إلى الري، وأنا في طاعتك إذا وصلتها. ثم تناظر نصر والحارث ورضيا أن يحكم بينهما مقاتل بن حيان والجهم بن صفوان فحكما أن يعزل نصر ويكون الامر شورى. فامتنع نصر من قبول ذلك، ولزم الجهم بن صفوان وغير قراءة سيرة الحارث على الناس في الجامع والطرق، فاستجاب له خلق كثير، وجم غفير فعند ذلك انتدب لقتاله جماعات من الجيوش عن أمر نصر بن سيار، فقصدوه فحارب دونه أصحابه، فقتل منهم طائفة كثيرة منهم الجهم بن صفوان، طعنه رجل في فيه فقتله، ويقال بل أسر الجهم فأوقف بين يدي سلم بن أحوز فأمر بقتله، فقال: إن لي أمانا من أبيك، فقال: ما كان له أن يؤمنك، ولو فعل ما أمنتك، ولو ملات هذه الملاءة كواكب، وأنزلت عيسى بن مريم، ما نجوت، والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك. وأمر ابن ميسر فقتله. ثم اتفق الحارث بن سريج والكرماني على نصر ومخالفته، والدعوة إلى الكتاب والسنة واتباع أئمة الهدى وتحريم المنكرات إلى غير ذلك مما جاءت به الشريعة، ثم اختلفا فيما بينهما واقتتلا قتالا شديدا، فغلب الكرماني وانهزم أصحاب الحارث. وكان راكبا على بغل فتحول إلى فرس فحرنت أن تمشي، وهرب عنه أصحابه ولم يبق معه منهم سوى مائة، فأدركه أصحاب الكرماني فقتلوه تحت شجرة زيتون، وقيل تحت شجرة عبيرا (3). وذلك يوم الاحد لست بقين من رجب من هذه السنة وقتل معه مائة من أصحابه، واحتاط الكرماني على حواصله وأمواله، وأخذ أموال من خرج معه أيضا، وأمر


(1) في الطبري 9 / 66: سلم، وفي ابن الاثير 5 / 343: سالم. (2) الجهمية: قالت بالاجبار والاضطرار إلى الاعمال، وانكروا الاستطاعات كلها، وزعموا أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعمت أن الايمان هو المعرفة بالله فقط وان الكفر هو الجهل به فقط وان لا فعل ولا قول ولا عمل لاحد غير الله تعالى. وانما تنسب الاعمال إلى المخلوقين على المجاز. (الفرق بين الفرق ص 158). (3) في ابن الاثير 5 / 346: غبيراء. (*)

[ 30 ]

بصلب الحارث بلا رأس على باب مرو، ولما بلغ نصر بن سيار مقتل الحارث قال في ذلك: يا مدخل الذل على قومه * بعدا وسحقا لك من هالك شؤمك أردى مضرا كلها * وغض من قومك بالحارك ما كانت الازد وأشياعها * تطمع في عمرو ولا مالك ولا بني سعد إذ ألجموا * كل طمر لونه حالك وقد أجابه عباد (1) بن الحارث بن سريج فيما قال: ألا يا نصر قد برح الخفاء * وقد طال التمني والرجاء وأصبحت المزون بأرض مرو * تقضي في الحكومة ما تشاء يجوز قضاؤها في كل حكم * على مضر وإن جار القضاء وحمير في مجالسها قعود * ترقرق في رقابهم الدماء فإن مضر بذا رضيت وذلت * فطال لها المذلة والشقاء وإن هي أعتبت فيها وإلا * فحل على عساكرها العفاء وفي هذه السنة بعث إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أبا مسلم الخراساني إلى خراسان وكتب معه كتبا إلى شيعتهم بها: إن هذا أبا مسلم فاسمعوا له وأطيعوا، وقد وليته على ما غلب عليه من أرض خراسان. فلما تقدم أبو مسلم خراسان وقرأ على أصحابه هذا الكتاب، لم يلتفتوا إليه ولم يعملوا به وأعرضوا عنه ونبذوه وراء ظهورهم، فرجع إلى إبراهيم بن محمد أيام الموسم، فاشتكاهم إليه وأخبره بما قابلوه من المخالفة، فقال له: يا عبد الرحمن ! إنك رجل منا أهل البيت، إرجع إليهم وعليك بهذا الحي من اليمن فأكرمهم وانزل بين أظهرهم فإن الله لا يتمم هذا الامر إلا بهم. ثم حذره من بقية الاحياء (2) وقال له: إن استطعت أن لا تدع بتلك البلاد لسانا عربيا فافعل، ومن بلغ من أبنائهم خمسة أشبار واتهمته فاقتله، وعليك بذاك الشيخ فلا تقصه - يعني سليمان بن كثير - وسيأتي ما كان من أمر أبي مسلم الخراساني فيما بعد إن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة قتل الضحاك بن قيس الخارجي في قول أبي مخنف، وكان سبب ذلك أن الضحاك حاصر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بواسط ووافقه على محاصرته منصور بن جمهور، فكتب عبد الله بن عمر بن عبد العزيز إليه: إنه لا فائدة لك في محاصرتي ولكن عليك بمروان بن محمد فسر إليه، فا


(1) من الطبري 5 / 74 وفي الاصول عتاب، وفي نسخة غياث. (2) ربيعة ومضر (الطبري - ابن الاثير - الامامة والسياسة). (*)

[ 31 ]

قتلته اتبعتك. فاصطلحا على مخالفة مروان بن محمد أمير المؤمنين، فلما اجتاز الضحاك بالموصل كاتبه أهلها فمال إليهم فدخلها، وقتل نائبها (1) واستحوذ عليها، وبلغ ذلك مروان وهو محاصر حمص، ومشغول بأهلها وعدم مبايعتهم إياه، فكتب إلى ابنه عبد الله بن مروان - وكان الضحاك قد التف عليه مائة ألف وعشرون ألفا فحاصروا نصيبين - وساق مروان في طلبه فالتقيا هنالك (2)، فاقتتلا قتالا شديدا فقتل الضحاك في المعركة وحجز الليل بين الفريقين، وفقد أصحاب الضحاك الضحاك وشكوا في أمره حتى أخبرهم من رآه قد قتل، فبكوا عليه وناحوا، وجاء الخبر إلى مروان فبعث إلى المعركة بالمشاعل ومن يعرف مكانه بين القتلى، وجاء الخبر إلى مروان وهو مقتول، وفي رأسه ووجهه نحو من عشرين ضربة، فأمروا برأسه فطيف به في مدائن الجزيرة. واستخلف الضحاك على جيشه من بعده رجلا يقال له الخيبري (3)، فالتف عليه بقية جيش الضحاك، والتف مع الخيبري سليمان بن هشام بن عبد الملك وأهل بيته ومواليه، والجيش الذين كانوا قد بايعوه في السنة الماضية على الخلافة، وخلعوا مروان بن محمد عن الخلافة لاجله، فلما أصبحوا اقتتلوا مع مروان، فحمل الخيبري في أربعمائة من شجعان أصحابه على مروان، وهو في القلب، فكر منهزما واتبعوه حتى أخرجوه من الجيش، ودخلوا عسكره وجلس الخيبري على فرشه، هذا وميمنة مروان ثابتة وعليها ابنه عبد الله، وميسرته أيضا ثابتة وعليها إسحاق بن مسلم العقيلي. ولما رأى عبد الله العسكر فارين مع الخيبري، وأن الميمنة والميسرة من جهتهم باقيتان طمعوا فيه فأقبلوا إليه بعمد الخيام فقتلوه بها، وبلغ قتله مروان وقد سار عن الجيش نحوا من خمسة أميال أو ستة، فرجع مسرورا وانهزم أصحاب الضحاك، وقد ولوا عليهم شيبان (4)، فقصدهم مروان بعد ذلك بمكان يقال له الكراديس فهزمهم. وفيها بعث مروان الحمار على إمارة العراق يزيد بن عمر بن هبيرة ليقاتل من بها من الخوارج. وفي هذه السنة حج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو نائب المدينة ومكة والطائف، وأمير العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، وأمير خراسان نصر بن سيار. وممن توفي في هذه السنة بكر بن سوادة وجابر الجعفي والجهم بن صفوان، مقتولا كما تقدم، والحارث بن سريج أحد كبراء الامراء، وقد تقدم شئ من ترجمته، وعاصم بن عبدلة، وأبو حصين عثمان بن عاصم، ويزيد بن أبي حبيب، وأبو التياح يزيد بن حميد، وأبو حمزة النعنبعي، وأبو الزبير المكي وأبو عمران الجوني وأبو قبيل المغافري. وقد ذكرنا تراجمهم في التكميل.


(1) وهو القطران بن أكمه من بني شيبان من أهل الجزيرة (ابن الاثير 5 / 349 الطبري 9 / 76). (2) في موضع يقال له الغز من أرض كفرتوثا. من أعمال ماردين. (3) في ابن الاثير 5 / 350: ولما قتل الضحاك أصبح أهل عسكره فبايعوا الخيبري (انظر الطبري) وفي مروج الذهب 3 / 291: نصبت الخوارج بعد قتل الضحاك عليها الحري الشيباني. (4) في مروج الذهب 3 / 291: شيبان الشيباني أبو الذلفاء، وفي ابن الاثير 5 / 353: أبو الدلف اليشكري. (*)

[ 32 ]

ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائة فيها اجتمعت الخوارج بعد الخيبري على شيبان بن عبد العزيز بن الحليس اليشكري الخارجي فأشار عليهم سليمان بن هشام أن يتحصنوا بالموصل ويجعلوها منزلا لهم، فتحولوا إليها وتبعهم مروان بن محمد أمير المؤمنين، فعسكروا بظاهرها وخندقوا عليهم مما يلي جيش مروان. وقد خندق مروان على جيشه أيضا من ناحيتهم، وأقام سنة (1) يحاصرهم ويقتتلون في كل يوم بكرة وعشية، وظفر مروان بابن أخ لسليمان بن هشام، وهو أمية بن معاوية بن هشام، أسره بعض جيشه، فأمر به فقطعت يداه ثم ضرب عنقه، وعمه سليمان والجيش ينظرون إليه. وكتب مروان إلى نائبه بالعراق يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بقتال الخوارج الذين في بلاده. فجرت له معهم وقعات عديدة، فظفر بهم ابن هبيرة. وأباد خضراءهم ولم يبق لهم بقية بالعراق، واستنقذ الكوفة من أيدي الخوارج، وكان عليها المثنى بن عمران العائذي - عائذة قريش - في رمضان من هذه السنة، وكتب مروان إلى ابن هبيرة لما فرغ من الخوارج أن يمده بعمار بن صبارة (2) - وكان من الشجعان - فبعثه إليه في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف، فأرسلت إليه سرية في أربعة آلاف فاعترضوه في الطريق فهزمهم ابن ضبارة وقتل أميرهم الجون بن كلاب الشيباني الخارجي، وأقبل نحو الموصل، ورجع فل الخوارج إليهم. فأشار سليمان بن هشام عليهم أن يرتحلوا عن الموصل، فإنه لم يكن يمكنهم الاقامة بها، ومروان من أمامهم وابن ضبارة من ورائهم، قد قطع عنهم الميرة حتى لم يجدوا شيئا يأكلونه، فارتحلوا عنها وساروا على حلوان إلى الاهواز، فأرسل مروان ابن ضبارة في آثارهم في ثلاثة آلاف، فاتبعهم يقتل من تخلف منهم ويلحقهم في مواطن فيقاتلهم، وما زال وراءهم حتى فرق شملهم شذر مذر، وهلك أميرهم شيبان بن عبد العزيز اليشكري بالاهواز في السنة القابلة، قتله خالد بن مسعود بن جعفر بن خليد الازدي (3). وركب سليمان بن هشام في مواليه وأهل بيته السفن وساروا إلى السند، ورجع مروان من الموصل فأقام بمنزله بحران وقد وجد سرورا بزوال الخوارح، ولكن لم يتم سروره، بل أعقبه القدر من هو أقوى شوكة وأعظم أتباعا، وأشد بأسا من الخوارج، وهو ظهور أبي مسلم الخراساني الداعية إلى دولة بني العباس. أول ظهور أبي مسلم الخراساني وفي هذه السنة ورد كتاب من إبراهيم بن محمد الامام العباسي بطلب أبي مسلم الخراساني من


(1) في الطبري وابن الاثير: ستة أشهر، وقال ابن الاثير 5 / 353: وقيل تسعة أشهر. (2) في الطبري 9 / 80 وابن الاثير: عامر بن ضبارة المري، وقد ضبطناه ضبارة أينما ورد في الخبر. (3) قتله جلندى بن مسعود بن حيفر بن جلندى الازدي (الطبري - ابن الاثير). (*)

[ 33 ]

خراسان، فسار إليه في سبعين من النقباء، لا يمرون ببلد إلا سألوهم إلى أين تذهبون ؟ فيقول أبو مسلم: نريد الحج. وإذا توسم أبو مسلم من بعضهم ميلا إليهم دعاهم إلى ما هم فيه فيجيبه إلى ذلك، فلما كان ببعض الطريق (1) جاء كتاب ثان من إبراهيم الامام إلى أبي مسلم: إني بعثت إليك براية النصر فارجع إلى خراسان وأظهر الدعوة، وأمر قحطبة بن شبيب أن يسير بما معه من الاموال والتحف إلى إبراهيم الامام فيوافيه في الموسم، فرجع أبو مسلم بالكتاب فدخل خراسان (2) في أول يوم من رمضان فرفع الكتاب إلى سليمان بن كثير وفيه: أن أظهر دعوتك وتتربص. فقدموا عليهم أبا مسلم الخراساني داعيا إلى بني العباس، فبعث أبو مسلم دعاته في بلاد خراسان، وأمير خراسان - نصر بن سيار - مشغول بقتال الكرماني، وشيبان بن سلمة الحروري، وقد بلغ من أمره أنه كان يسلم عليه أصحابه بالخلافة في طوائف كثيرة من الخوارج، فظهر أمر أبي مسلم وقصده الناس من كل جانب، فكان ممن قصده في يوم واحد أهل ستين قرية، فأقام هناك اثنين وأربعين يوما، ففتحت على يديه أقاليم كثيرة. ولما كان ليلة الخميس لخمس بقين من رمضان في هذه السنة، عقد أبو مسلم اللواء الذي بعثه إليه الامام، ويدعى الظل، على رمح طوله أربعة عشر ذراعا، وعقد الراية التي بعث بها الامام أيضا، وتدعى السحاب، على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا، وهما سوداوان، وهو يتلو قوله تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) [ الحج: 39 ] ولبس أبو مسلم وسليمان بن كثير ومن أجابهم إلى هذه الدعوة، السواد، وصارت شعارهم، وأوقدوا في هذه الليلة نارا عظيمة يدعون بها أهل تلك النواحي، وكانت علامة بينهم فتجمعوا. ومعنى تسمية إحدى الرايتين بالسحاب أن السحاب كما يطبق جميع الارض كذلك بنو العباس تطبق دعوتهم أهل الارض، ومعنى تسمية الاخرى بالظل أن الارض كما أنها لا تخلو من الظل فكذلك بنو العباس لا تخلو الارض من قائم منهم. وأقبل الناس إلى أبي مسلم من كل جانب، وكثر جيشه. ولما كان يوم عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير ان يصلي بالناس، ونصب له منبرا، وأن يخالف في ذلك بني أمية، ويعمل بالسنة، فنودي للصلاة: الصلاة جامعة، ولم يؤذن ولم يقم خلافا لهم، وبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وكبر ستا في الاولى قبل القراءة، لا أربعا. وخمسا في الثانية لا ثلاثا، خلافا لهم. وابتدأ الخطبة بالذكر والتكبير وختمها بالقراءة، وانصرف الناس من صلاة العيد وقد أعد لهم أبو مسلم طعاما فوضعه بين أيدي الناس، وكتب إلى نصر بن سيار كتابا بدأ فيه بنفسه ثم قال إلى نصر بن سيار. بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد فإن الله عير أقواما في كتابه فقال (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الامم) إلى قوله (تحويلا) [ فاطر: 42 - 43 ] فعظم على نصر أن قدم اسمه على اسمه، وأطال الفكر، وقال: هذا كتاب له جواب.


(1) في الطبري 9 / 82: أتاه وهو بقومس. (انظر ابن الاثير 5 / 357). (2) الطبري وابن الاثير: مرو. (*)

[ 34 ]

قال ابن جرير: ثم بعث نصر بن سيار خيلا عظيمة لمحاربة أبي مسلم، وذلك بعد ظهوره بثمانية عشر شهرا، فأرسل أبو مسلم إليهم مالك بن الهيثم الخزاعي، فالتقوا (1)، فدعاهم مالك إلى الرضا عن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا ذلك، فتصافوا من أول النهار إلى العصر، فجاء إلى مالك مدد فقوي فظفر بهم مالك، وكان هذا أول موقف اقتتل فيه جند بني العباس وجند بني أمية. وفي هذه السنة غلب خازم بن خزيمة على مرو الروذ وقتل عاملها من جهة نصر بن سيار، وهو بشر بن جعفر السعدي، وكتب بالفتح إلى أبي مسلم، وكان أبو مسلم إذ ذاك شابا حدثا قد اختاره إبراهيم لدعوتهم. وذلك لشهامته وصرامته، وقوة فهمه وجودة ذهنه، وأصله من سواد الكوفة، وكان مولى لادريس بن معقل العجلي، فاشتراه بعض دعاة بني العباس بأربعمائة درهم، ثم أخذه محمد بن علي ثم آل ولاؤه لآل العباس، وزوجه إبراهيم الامام بابنة أبي النجم إسماعيل بن عمران، وأصدقها عنه وكتب إلى دعاتهم بخراسان والعراق أن يسمعوا منه، فامتثلوا أمره، وقد كانوا في السنة الماضية قبل هذه السنة ردوا عليه أمره لصغره فيهم، فلما كانت هذه السنة أكد الامام كتابه إليهم في الوصاة به وطاعته، وكان في ذلك الخير له ولهم (وكان أمر الله قدرا مقدورا) [ الاحزاب: 38 ] ولما فشا أمر أبي مسلم بخراسان تعاقدت طوائف من العرب الذين بها على حربه ومقاتلته، ولم يكره الكرماني وشيبان لانهما خرجا على نصر وأبو مسلم مخالف لنصر كحالهما، وهو مع ذلك يدعو إلى خلع مروان الحمار، وقد طلب نصر من شيبان أن يكون معه على حرب أبي مسلم، أو يكف عنه حتى يتفرغ لحربه، فإذا قتل أبا مسلم عادا إلى عداوتهما، فأجابه إلى ذلك، فبلغ ذلك أبا مسلم فبعث إلى الكرماني يعلمه بذلك فلام الكرماني شيبان على ذلك، وثناه عن ذلك، وبعث أبو مسلم إلى هراة النضر بن نعيم فأخذها من عاملها عيسى بن عقيل الليثي، وكتب إلى أبي مسلم بذلك، وجاء عاملها إلى نصر هاربا، ثم إن شيبان وادع نصر بن سيار سنة على ترك الحرب بينه وبينه، وذلك عن كره من الكرماني، فبعث ابن الكرماني إلى أبي مسلم إني معك على قتال نصر، وركب أبو مسلم في خدمة الكرماني فاتفقا على حرب نصر ومخالفته، وتحول أبو مسلم إلى موضع فسيح وكثر جنده وعظم جيشه، واستعمل على الحرس والشرط والرسائل والديوان (2) وغير ذلك مما يحتاج إليه الملك عمالا، وجعل القاسم بن مجاشع التميمي - وكان أحد النقباء - على القضاء وكان يصلي بأبي مسلم الصلوات، ويقص بعض القصص فيذكر محاسن بني هاشم ويذم بني أمية. ثم تحول أبو مسلم إلى قرية يقال لها بالين، وكان في مكان منخفض، فخشي أن يقطع عنه نصر بن سيار الماء، وذلك في سادس ذي الحجة من هذه السنة، وصلى بهم يوم النحر القاضي القاسم بن مجاشع، وصار نصر بن سيار في جحافل كالسحاب قاصدا


(1) التقوا بقرية تدعى آلين. (2) جعل أبو سلم على الشرط مالك بن الهيثم وعلى الحرس خالد بن عثمان وعلى ديوان الجند كامل بن مظفر وعلى الرسائل أسلم بن صبيح. (*)

[ 35 ]

قتال أبي مسلم، واستخلف على البلاد نوابا وكان من أمرهما ما سنذكره في السنة الآتية. مقتل ابن الكرماني ونشبت الحرب بين نصر بن سيار وبين ابن الكرماني - وهو جديع بن علي الكرماني - فقتل بينهما من الفريقين خلق كثير، وجعل أبو مسلم يكاتب كلا من الطائفتين ويستميلهم إليه، يكتب إلى نصر وإلى ابن الكرماني: إن الامام قد أوصاني بكم خيرا ولست أعدوا رأيه فيكم، وكتب إلى الكور يدعو إلى بني العباس فاستجاب له خلق كثير وجم غفير، وأقبل أبو مسلم فنزل بين خندق نصر وخندق ابن الكراماني، فهابه الفريقان جميعا، وكتب نصر بن سيار إلى مروان يعلمه بأمر أبي مسلم، وكثرة من معه، وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، وكتب في جملة كتابه: أرى بين الرماد وميض جمر * وأحرى (1) أن يكون له ضرام فإن النار بالعيدان تذكى * وإن الحرب مبدؤها (2) الكلام فقلت من التعجب ليت شعري * أيقاظ أمية أم نيام ؟ فكتب إليه مروان: الشاهد يرى ما لا يراه الغائب، فقال نصر: إن صاحبكم قد أخبركم أن لا نصر عنده. وبعضهم يرويها بلفظ آخر: - أرى خلل الرماد وميض نار * فيوشك أن يكون لها ضرام فإن النار بالعيدان تذكى * وإن الحرب أولها كلام فإن لم يطفها عقلاء قوم * يكون وقودها جئث وهام أقول من التعجب لت شعري * أيقاظ أمية أم نيام ؟ فإن كانوا لحينهم نياما * فقل قوموا فقد حان القيام (3)


(1) في الطبري 9 / 92: فأحج، وفي ابن الاثير 5 / 365: وميض نار وأخشى. وفي مروج الذهب 3 / 291 و الفخري ص 144 والاخبار الطوال ص 357: ويوشك وفي ابن الاعثم 8 / 156: أرى خلل الرماد وميض جمر * أحاذر أن يكون لها اضطرام (2) في الطبري والفخري بالعودين تذكى... أولها. وفي ابن الاعثم: فإن النار كالزندين تورى * وان الفعل يقدمه الكلام (3) في مروج الذهب وابن الاعثم. وليس البيت في الطبري وابن الاثير: فإن يك قومنا أضحوا نياما * فقل: قوموا فقد حان القيام (*)

[ 36 ]

قال ابن خلكان: وهذا كما قال بعض علوية الكوفة حين خرج محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن الحسين على المنصور أخي السفاح: ارى نارا تشب على بقاع * لها في كل ناحية شعاع وقد رقدت بنو العباس عنها * وباتت وهي آمنة رتاع كما رقدت أمية ثم هبت * تدافع حين لا يغني الدفاع وكتب نصر بن سيار أيضا إلى نائب العراق يزيد بن عمر بن هبيرة يستمده وكتب إليه: أبلغ يزيد وخير القول أصدقه * وقد تحققت (1) أن لا خير في الكذب بأن أرض خراسان (2) رأيت بها * بيضا إذا أفرخت حدثت بالعجب فراخ عامين إلا أنها كبرت * ولم يطرن وقد سربلن بالزغب فإن يطرن ولم يحتل لهن بها * يلهبن نيران حرب أيما لهب فبعث ابن هبيرة (3) بكتاب نصر إلى مروان، واتفق في وصول الكتاب إليه أن وجدوا رسولا من جهة إبراهيم الامام ومعه كتاب منه إلى أبي مسلم، وهو يشتمه فيه ويسبه، ويأمره أن يناهض نصر ابن سيار وابن الكرماني، ولا يترك هناك من يحسن العربية. فعند ذلك بعث مروان وهو مقيم بحران كتابا إلى نائبه بدمشق وهو الوليد بن معاوية بن عبد الملك، يأمره فيه أن يذهب (4) إلى الحميمة، وهي البلدة التي فيها إبراهيم بن محمد الامام، فيقيدوه ويرسله إليه. فبعث نائب دمشق إلى نائب البلقاء فذهب إلى مسجد البلدة المذكورة فوجد إبراهيم الامام جالسا فقيده وأرسل به إلى دمشق، فبعثه نائب دمشق من فوره إلى مروان، فأمر به فسجن ثم قتل كما سيأتي. وأما أبو مسلم فإنه لما توسط بين جيش نصر وابن الكرماني، كاتب ابن الكرماني: إني معك فمال إليه، فكتب إليه نصر ويحك لا تغتر فإنه إنما يريد قتلك وقتل أصحابك، فهلم حتى نكتب كتابا بيننا بالموادعة، فدخل ابن الكرماني داره ثم خرج إلى الرحبة في مائة فارس، وبعث إلى نصر هلم حتى


(1) في الطبري: وقد تبينت، وفي ابن الاثير: وقد تيقنت. (2) في الطبري وابن الاثير: أن خراسان أرض................. * بيضا لو أفرخ حدثت بالعجب وفي ابن الاعثم 8 / 158: هذي خراسان... (3) في ابن الاعثم 8 / 159: فلم يلتفت ابن هبيرة إلى كتاب نصر وجعل يقول: وما أصنع وما أبالي بخراسان إذا سلمت لي العراق. وفي مروج الذهب 3 / 293: فلم يجبه يزيد بن عمر عن كتابه، وتشاغل بدفع فتن العراق. (4) في الطبري 9 / 92 والاخبار الطوال ص 357: كتب إليه يأمره أن يكتب إلى عامله بالبلقاء أن يسير إلى الحميمة - وهي بلد من أعمال عمان في أطراف الشام كانت منزل بني العباس - (انظر الامامة والسياسة 2 / 139). (*)

[ 37 ]

نتكاتب، فأبصر نصر غرة من ابن الكرماني فنهض إليه في خلق كثير، فحملوا عليه فقتلوه وقتلوا من جماعته جماعة، وقتل ابن الكرماني في المعركة، طعنه رجل في خاصرته فخر عن دابته، ثم أمر نصر بصلبه وصلب معه جماعة، وصلب معه سمكة، وانضاف ولده إلى أبي مسلم الخراساني ومعه طوائف من الناس من أصحاب ابن الكرماني، فصاروا كتفا واحدا على نصر. قال ابن جرير: وفي هذه السنة تغلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على فارس وكورها، وعلى حلوان وقومس وأصبهان والري، بعد حرب يطول ذكرها، ثم التقى عامر بن ضبارة معه باصطخر فهزمه ابن ضبارة وأسر من أصحابه أربعين ألفا. فكان منهم عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، فنسبه ابن ضبارة وقال له: ما جاء بك مع ابن معاوية وقد علمت خلافه لامير المؤمنين ؟ فقال: كان علي دين فأتيته فيه. فقام إليه [ حرب بن ] قطن بن وهب الهلالي فاستوهبه منه وقال: هو ابن أختنا فوهبه له، وقال: ما كنت لاقدم على رجل من قريش، ثم استعلم ابن ضبارة منه أخبار ابن معاوية فذمه ورماه هو وأصحابه باللواط، وجئ من الاسارى بمائة غلام عليهم الثياب المصبغة، وقد كان يعمل معهم الفاحشة، وحمل ابن ضبارة عبد الله بن علي على البريد لابن هبيرة ليخبره بما أخبر بن ابن ضبارة عن ابن معاوية. وقد كتب الله عز وجل أن زوال ملك بني أمية يكون على يدي هذا الرجل، وهو عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، ولا يشعر واحد منهم بذلك. قال ابن جرير: وفي هذه السنة ولي الموسم أبو حمزة الخارجي فأظهر التحكم والمخالفة لمروان، وتبرأ منه. فراسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ أمير مكة والمدينة والطائف، وإليه أمر الحجيج في هذه السنة، ثم صالحهم على الامان إلى يوم النفر، فوقفوا على حدة بين الناس بعرفات، ثم تحيزوا عنهم، فلما كان يوم النفر الاول تعجل عبد الواحد وترك مكة فدخلها الخارجي بغير قتال، فقال بعض الشعراء في ذلك: - زار الحجيج عصابة قد خالفوا * دين إلاله ففر عبد الواحد ترك الحلائل والامارة هاربا * ومضى يخبط كالبعير الشارد لو كان والده تنصل عرقه * لصفت موارده بعرق الوارد (1) ولما رجع عبد الواحد إلى المدينة شرع في تجهيز السرايا إلى قتال الخارجي، وبذل النفقات وزاد في أعطية الاجناد، وسيرهم سريعا. وكان أمير العراق يزيد بن هبيرة، وأمير خراسان نصر بن سيار، وقد استحوذ على بعض بلاده أبو مسلم الخراساني. وممن توفي فيها من الاعيان: سالم أبو النضر، وعلي بن زيد بن جدعان، في قول، ويحيى بن أبي كثير. وقد ذكرنا تراجمهم في التكميل ولله الحمد.


(1) في الطبري 8 / 96: لصفت مضاربه بعرق الوالد. (*)

[ 38 ]

سنة ثلاثين ومائة في يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الاول منها، دخل أبو مسلم الخراساني مرو، ونزل دار الامارة بها، وانتزعها من يد نصر بن سيار، وذلك بمساعدة علي بن الكرماني، وهرب نصر بن سيار في شرذمة قليلة من الناس، نحو من ثلاثة آلاف، ومعه امرأته المرزبانة، حتى لحق سرخس وترك امرأته وراءه، ونجا بنفسه، واستفحل أمر أبي مسلم جدا، والتفت عليه العساكر. مقتل شيبان بن سلمة الحروري ولما هرب نصر بن سيار بقي شيبان وكان ممالئا له على أبي مسلم، فبعث إليه أبو مسلم رسلا فحبسهم فأرسل أبو مسلم إلى بسام بن إبراهيم مولى بني ليث يأمره أن يركب إلى شيبان فيقاتله، فسار إليه فاقتتلا فهزمه بسام فقتله واتبع أصحابه يقتلهم ويأسرهم، ثم قتل أبو مسلم عليا وعثمان ابني الكرماني، ثم وجه أبو مسلم أبا داود إلى بلخ فأخذها من زياد بن عبد الرحمن القشيري، وأخذ منهم أموالا جزيلة. ثم إن أبا مسلم اتفق مع أبي داود على قتل عثمان بن الكرماني في يوم كذا، وفي ذلك اليوم بعينه يقتل أبو مسلم علي بن جديع الكرماني، فوقع ذلك كذلك. وفي هذه السنة وجه أبو مسلم قحطبة بن شبيب إلى نيسابور لقتال نصر بن سيار، ومع قحطبة جماعة من كبار الامراء، منهم خالد بن برمك. فالتقوا مع تميم بن نصر بن سيار وقد وجهه أبوه لقتالهم بطوس، فقتل قحطبة من أصحاب نصر نحوا من سبعة عشر ألفا في المعركة، وقد كان أبو مسلم بعث إلى قحطبة مددا نحو عشرة آلاف فارس، عليهم علي بن معقل، فاقتتلوا فقتلوا من أصحاب نصر خلقا كثيرا، وقتلوا تميم بن نصر، وغنموا أموالا جزيلة جدا، ثم إن يزيد بن عمر بن هبيرة نائب مروان على العراق بعث سرية مددا لنصر بن سيار، فالتقى معهم قحطبة في مستهل ذي الحجة، وذلك يوم الجمعة. فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم جند بني أمية، وقتل من أهل الشام وغيرهم عشرة آلاف، منهم نباتة بن حنظلة عامل جرجان، فبعث قحطبة برأسه إلى أبي مسلم. ذكر دخول أبي حمزة الخارجي المدينة النبوية واستيلائه عليها قال ابن جرير: وفي هذه السنة كانت وقعة بقديد بين أبي حمزة الخارجي الذي كان عام أول في أيام الموسم، فقتل من أهل المدينة من قريش خلقا كثيرا، ثم دخل المدينة وهرب نائبها عبد الواحد بن سليمان، فقتل الخارجي من أهلها خلقا، وذلك لتسع عشرة ليلة خلت من صفر من هذه السنة، ثم خطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوبخ أهل المدينة، فقال: يا أهل المدينة إني مررت بكم أيام الاحول - يعني هشام بن عبد الملك - وقد أصابتكم عاهة في ثماركم فكتبتم إليه تسألونه أن يضع الخرص

[ 39 ]

عنكم فوضعه، فزاد غنيكم غنى وزاد فقيركم فقرا، فكتبتم إليه جزاك الله خيرا، فلا جزاه الله خيرا. في كلام طويل. فأقام عندهم ثلاثة أشهر بقية صفر وشهري ربيع وبعض جمادى الاول فيما قال الواقدي وغيره. وقد روى المدائني أن أبا حمزة رقي يوما منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: تعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من بلادنا بطرا ولا أشرا، ولا لدولة نريد أن نخوض فيها النار، وإنما أخرجنا من ديارنا أنا رأينا مصابيح الحق طمست، وضعف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، فلما رأينا ذلك ضاقت علينا الارض بما رحبت، وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن، وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله (ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الارض) [ الاحقاف: 32 ] أقبلنا من قبائل شتى، النفر منا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافا واحدا قليلون مستضعفون في الارض، فآوانا الله وأيدنا بنصره، فأصبحنا والله بنعمة الله إخوانا، ثم لقينا رجالكم بقديد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكم بني مروان، فشتان لعمر الله بين الغي والرشد، ثم أقبلوا نحونا يهرعون قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليه ظنه فاتبعوه، وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب، بكل مهند ذي رونق، فدارت رحانا واستدارت رحاهم، بضرب يرتاب منه المبطلون، وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا (ويشف صدور قوم مؤمنين) [ التوبة: 14 ] يا أهل المدينة أولكم خير أول، وآخركم شر آخر، يا أهل المدينة الناس منا ونحن منهم، إلا مشركا عابد وثن أو كافرا أهل كتاب، أو إماما جائرا. يا أهل المدينة من زعم أن الله يكلف نفسا فوق طاقتها، أو يسألها ما لم يؤتها، فهو لله عدو، وأنا له حرب. يا أهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله في كتابه على القوي والضعيف، فجاء تاسع ليس له منها ولا سهم واحد، فأخذها لنفسه، مكابرا محاربا لربه، يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي قلتم شباب أحداث، وأعراب جفاة أجلاف، ويحكم فهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا أحداثا، شبابا والله مكتهلون في شبابهم، غضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن السعي في الباطل أقدامهم، قد باعوا لله أنفسا تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفا من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة. فلما نظروا إلى السيوف قد انتضيت، وإلى الرماح قد شرعت، وإلى السهام قد فوقت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفوا والله وعيد الكتيبة لوعيد الله في القرآن، ولم يستخفوا وعيد الله لوعيد الكتيبة، فطوبى لهم وحسن مآب، فكم من عين في مناقير الطير طال ما فاضت في جوف الليل من خشية الله، وطال ما بكت خالية من خوف الله، وكم من يد زالت عن مفصلها طال ما ضربت في سبيل الله وجاهدت أعداء الله. وطال ما اعتمد بها صاحبها في طاعة الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله من تقصيري، وما توفيقي إلا بالله. ثم روى المدائني عن العباس عن هارون عن جده قال: كان أبو حمزة الخارجي قد أحسن السيرة في أهل المدينة فمالوا إليه حتى سمعوه [ يقول ]: برح الخفا أين عن بابك نذهب [ ثم قال ]: من زنا فهو

[ 40 ]

كافر، ومن سرق فهو كافر، فعند ذلك أبضغوه ورجعوا عن محبته. وأقام بالمدينة حتى بعث مروان الحمار عبد الملك بن محمد بن عطية أحد بني سعد في خيل أهل الشام أربعة آلاف، قد انتخبها مروان من جيشه، وأعطى كل رجل منهم مائة دينار وفرسا عربية، وبغلا لثقله، وأمره أن يقاتله ولا يرجع عنه، ولو لم يلحقه إلا باليمن فليتبعه إليها، وليقاتل نائب صنعاء عبد الله بن يحيى. فسار ابن عطية حتى بلغ وادي القرى فتلقاه أبو حمزة الخارجي قاصدا قتال مروان بالشام، فاقتتلوا هنالك إلى الليل، فقال له: ويحك يا بن عطية ! إن الله قد جعل الليل سكنا فأخر إلى غد، فأبى عليه أن يقلع عن قتاله، فما زال يقاتلهم حتى كسرهم فولوا ورجع فلهم إلى المدينة، فنهض إليهم أهل المدينة فقتلوا منهم خلقا كثيرا، ودخل ابن عطية المدينة، وقد انهزم جيش أبي حمزة عنها، فيقال إنه أقام بها شهرا ثم استخلف عليها، ثم استخلف على مكة وسار إلى اليمن فخرج إليه عبد الله بن يحيى نائب صنعاء، فاقتتلا فقتله ابن عطية وبعث برأسه إلى مروان وجاء كتاب مروان إليه يأمره بإقامة الحج للناس في هذه السنة، ويستعجله في المسير إلى مكة. فخرج من صنعاء في اثني عشر راكبا، وترك جيشه بصنعاء، ومعه خرج فيه أربعون ألف دينار، فلما كان ببعض الطريق نزل منزلا إذ أقبل إليه أميران يقال لهما ابنا جمانة من سادات تلك الناحية، فقالوا ويحكم أنتم لصوص. فقال: أنا ابن عطية وهذا كتاب أمير المؤمنين إلي بأمرة الحج، فنحن نعجل السير لندرك الموسم، فقالوا: هذا باطل، ثم حملوا عليهم فقتلوا ابن عطية وأصحابه ولم يفلت منهم إلا رجل واحد، وأخذوا ما معهم من المال. قال أبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة محمد بن عبد الملك بن مروان، وقد جعلت إليه إمرة المدينة ومكة والطائف، ونائب العراق ابن هبيرة، وإمرة خراسان إلى نصر بن سيار، غير أن أبا مسلم قد استحوذ على مدن وقرى كثيرة من خراسان، وقد أرسل نصر إلى ابن هبيرة يستمده بعشرة آلاف قبل أن لا يكفيه مائة ألف، وكتب أيضا إلى مروان يستمده، فكتب مروان إلى ابن هبيرة يمده بما أراد. وممن توفي فيها من الاعيان شعيب بن الحبحاب، وعبد العزيز بن صهيب، وعبد العزيز بن رفيع، وكعب بن علقمة، ومحمد بن المنكدر. والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة في المحرم منها وجه قحطبة بن شبيب ولده الحسن إلى قوميس لقتال نصر بن سيار، وأردفه بالامداد، فخامر بعضهم إلى نصر وارتحل نصر فنزل الري، فأقام بها يومين ثم مرض فسار منها إلى همدان. فلما كان بساوه (1) قريبا من همدان توفي لمضي ثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الاول من هذه


(1) كذا بالاصل والطبري وابن الاثير والاخبار الطوال ومروج الذهب: ساوة. وفي ابن الاعثم 8 / 170: فسطانة موضع على تسعة فراسخ من الري - ولم نجده - وساوة مدينة حسنة بين الري = (*)

[ 41 ]

السنة، عن خمس وثمانين سنة. فلما مات نصر تمكن أبو مسلم وأصحابه من بلاد خراسان، وقويت شوكتهم جدا، وسار قحطبة من جرجان، وقدم أمامه زياد بن زرارة القشيري، وكان قد ندم على اتباع أبي مسلم، فترك الجيش وأخذ جماعة معه وسلك طريق أصبهان ليأتي ابن ضبارة، فبعث قحطبة وراءه جيشا فقتلوا عامة أصحابه، وأقبل قحطبة وراءه فقدم قومس وقد افتتحها ابنه الحسن فأقام بها، وبعث ابنه بين يديه إلى الري ثم ساق وراءه فوجده قد افتتحها فأقام بها وكتب إلى أبي مسلم بذلك. وارتحل أبو مسلم من مرو فنزل نيسابور واستفحل أمره، وبعث قحطبة بعد دخوله الري ابنه الحسن بين يديه إلى همدان، فلما اقترب منها خرج منها مالك بن أدهم وجماعة من أجناد الشام وخراسان، فنزلوا نهاوند، فافتتح الحسن همدان ثم سار وارءهم إلى نهاوند، وبعث إليه أبوه بالامداد فحاصرهم حتى افتتحها. وفي هذه السنة مات عامر بن ضبارة، وكان سبب ذلك أن ابن هبيرة كتب إليه أن يسير إلى قحطبة وأمده بالعساكر (1)، فسار ابن ضبارة حتى التقى مع قطحبة في عشرين ألفا، فلما تواجه الفريقان رفع قحطبة وأصحابه المصاحف ونادى المنادي: يا أهل الشام، إنا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف، فشتموا المنادي وشتموا قحطبة، فأمر قحطبة أصحابه أن يحملوا عليهم، فلم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزم أصحاب ابن ضبارة، واتبعهم أصحاب قحطبة فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وقتلوا ابن ضبارة في العسكر [ لشجاعته فإنه لم يول ] وأخذوا من عسكرهم ما لا يحد ولا يوصف. وفيها حاصر قحطبة نهاوند حصارا شديدا حتى سأله أهل الشام الذين بها أن يمهل أهلها حتى يفتحوا له الباب، ففتحوا له الباب وأخذوا لهم منه أمانا، فقال لهم من بها من أهل خراسان: ما فعلتم ؟ فقالوا: أخذنا لنا ولكم أمانا، فخرجوا ظانين أنهم في أمان، فقال قحطبة للامراء الذين معه: كل من حصل عنده أسير من الخراسانيين فليضرب عنقه وليأتنا برأسه، ففعلوا ذلك ولم يبق ممن كان هرب من أبي مسلم أحد، وأطلق الشاميين وأوفى لهم عهدهم وأخذ عليهم الميثاق أن لا يمالئوا عليه عدوا. ثم بعث قحطبة أبا عون إلى شهر زور، عن أمر أبي مسلم في ثلاثين ألفا فافتتحها، وقتل نائبها عثمان بن سفيان. وقيل لم يقتل بل تحول إلى الموصل والجزيرة وبعث إلى قحطبة بذلك، ولما بلغ مروان خبر قحطبة وأبي مسلم وما وقع من أمرهما، تحول مروان من حران فنزل بمكان يقال له الزاب الاكبر.


= وهمدان في وسط (معجم البلدان) وقيل هي مدنية في بلاد فارس الوسطى، واقعة على الطريق بين قزوين والقرم. (1) في ابن الاثير 5 / 398 وابن الاعثم 8 / 172 كان عسكره مائة ألف. (وفي الطبري 9 / 113) وفي رواية في الطبري وابن الاثير: خمسين ومائة ألف. (*)

[ 42 ]

وفيها قصد قحطبة في جيش كثيف نائب العراق يزيد بن عمر بن هبيرة. فلما اقترب منه تقهقر ابن هبيرة إلى ورائه، وما زال يتقهقر إلى أن جاوز الفرات، وجاء قحطبة فجازها وراءه، وكان من أمرهما ما سنذكره في السنة الآتية إن شاء الله تعالى. ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومائة في المحرم منها جاز قحطبة بن شبيب الفرات ومعه الجنود والفرسان، وابن هبيرة مخيم على فم الفرات مما يلي الفلوجة، في خلق كثير وجم غفير، وقد أمده مروان بجنود كثيرة (1)، وانضاف إليه كل من انهزم من جيش ابن ضبارة. ثم إن قحطبة عدل إلى الكوفة ليأخذها، فاتبعه ابن هبيرة. فلما كانت ليلة الاربعاء لثمان مضين من المحرم اقتتلوا قتالا شديدا وكثر القتل في الفريقين، ثم ولى أهل الشام منهزمين واتبعهم أهل خراسان، وفقد قحطبة من الناس فأخبرهم رجل أنه قتل وأوصى أن يكون أمير الناس من بعده ولده الحسن، ولم يكن الحسن حاضرا، فبايعوا حميد بن قحطبة لاخيه الحسن وذهب البريد إلى الحسن ليحضر. وقتل في هذه الليلة جماعة من الامراء. والذي قتل قحطبة معن بن زائدة، ويحيى بن حصين. وقيل بل قتله رجل ممن كان معه آخذا بثأر ابني نصر بن سيار فالله أعلم. ووجد قحطبة في القتلى فدفن هنالك (2)، وجاء الحسن بن قحطبة فسار نحو الكوفة، وقد خرج بها محمد بن خالد بن عبد الله القسري ودعا إلى بني العباس وسود، وكان خروجه ليلة عاشوراء المحرم من هذه السنة، وأخرج عاملها من جهة ابن هبيرة، وهو زياد بن صالح الحارثي، وتحول محمد بن خالد إلى قصر الامارة فقصده حوثرة في عشرين ألفا من جهة ابن هبيرة، فلما اقترب من الكوفة أصحاب حوثرة يذهبون إلى محمد بن خالد فيبايعونه لبني العباس، فلما رأى حوثرة ذلك ارتحل إلى واسط، ويقال بل دخل الحسن بن قحطبة الكوفة، وكان قحطبة قد جعل في وصيته أن تكون وزارة الخلافة إلى أبي سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع الكوفي الخلال، وهو بالكوفة، فلما قدموا عليه أشار أن يذهب الحسن بن قحطبة في جماعة من الامراء إلى قتال ابن هبيرة بواسط، وأن يذهب أخوه حميد إلى المدائن، وبعث البعوث إلى كل جانب يفتتحونها، وفتحوا البصرة، افتتحها مسلم بن قتيبة لابن هبيرة، فلما قتل ابن هبيرة جاء أبو مالك عبد الله بن أسيد الخزاعي فأخذ البصرة لابي مسلم الخراساني. وفي هذه السنة ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر منها، أخذت البيعة لابي العباس


(1) أمده مروان بعشرين ألفا عليهم حوثرة بن سهيل الباهلي (الطبري). (2) في ابن الاثير 5 / 404: وجدوه في جدول وحرب بن سالم بن احوز قتيلين فظنوا أن كل واحد منهما قتل صاحبه.. وفي الاخبار الطوال ص 369: وفقد قحطبة بن شبيب فلم يدر أين ذهب. وفي ابن الاعثم 8 / 176: انهار الجرف من تحت قوائم الفرس فسقط به في الفرات فغرق ولم يعلم به أحد من أصحابه. (*)

[ 43 ]

السفاح، وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. قاله أبو معشر وهشام بن الكلبي. وقال الواقدي: في جمادى الاولى من هذه السنة فالله أعلم. ذكر مقتل إبراهيم بن محمد الامام قد ذكرنا في سنة تسع وعشرين ومائة أن مروان اطلع على كتاب من إبراهيم الامام إلى أبي مسلم الخراساني، يأمره فيه بأن لا يبقي أحدا بأرض خراسان ممن يتكلم بالعربية إلا أباده، فلما وقف مروان على ذلك سأل عن إبراهيم فقيل له هو بالبلقاء، فكتب إلى نائب دمشق أن يحضره فبعث نائب دمشق بريدا ومعه صفته ونعته (1)، فذهب الرسول فوجد أخاه أبا العباس السفاح، فاعتقد أنه هو فأخذه فقيل له: إنه ليس به، وإنما هو أخوه، فدل على إبراهيم فأخذه وذهب معه بأم ولد له كان يحبها، وأوصى إلى أهله أن يكون الخليفة من بعده أخوه أبو العباس السفاح، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة، فارتحلوا من يومهم إليها، منهم أعمامه الستة وهم: عبد الله، وداود، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، وعبد الصمد، بنو علي، وأخواه أبو العباس السفاح، ومحمد ابنا محمد بن علي، وابناه محمد وعبد الوهاب ابنا إبراهيم الامام الممسوك، وخلق سواهم. فلما دخلوا الكوفة أنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد، مولى بني هاشم، وكتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة من القواد والامراء، ثم ارتحل بهم إلى موضع آخر، ثم لم يزل ينقلهم من مكان إلى مكان حتى فتحت البلاد. ثم بويع للسفاح. وأما إبراهيم بن محمد الامام فإنه سير به إلى أمير المؤمنين في ذلك الزمان مروان بن محمد وهو بحران فحبسه، وما زال في السجن إلى هذه السنة، فمات في صفر منها في السجن، عن ثمان وأربعين سنة. وقيل إنه غم بمرققة وضعت على وجهه حتى مات عن إحدى وخمسين سنة، وصلى عليه رجل يقال له بهلول (2) ابن صفوان، وقيل إنه هدم عليه بيت حتى مات، وقيل بل سقي لبنا مسموما فمات (3)، وقيل إن إبراهيم الامام شهد الموسم عام إحدى وثلاثين، واشتهر أمره هنالك لانه وقف في أبهة عظيمة، ونجائب كثيرة، وحرمة وافرة، فأنهى أمره إلى مروان وقيل له: إن أبا مسلم يدعو الناس إلى هذا ويسمونه الخليفة، فعبث إليه في المحرم من سنة ثنتين وثلاثين وقتله في صفر من هذه السنة، وهذا أصح مما تقدم: وقيل إنه إنما أخذه من الكوفة لا من حميمة البلقاء فالله أعلم. وقد كان إبراهيم هذا كريما جوادا له فضائل وفواضل، وروى الحديث عن أبيه عن جده، وأبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وعنه أخواه عبد الله السفاح، أبو جعفر عبد الله المنصور، وأبو


(1) انظر حاشية 4 صفحة 36. (2) في الطبري 9 / 133: المهلهل. (3) في مروج الذهب 3 / 296: جعلوا رأسه في جراب كان معهم فيه نورة مسحوقة (خليط من الكلس والزرنيخ) فاضطرب ساعة ثم خمد. وفي رواية في الطبري 9 / 132: قال بعضهم لم يقتل مات بالطاعون. (*)

[ 44 ]

سلمة عبد الرحمن بن مسلم الخراساني، ومالك بن هاشم. ومن كلامه الحسن: الكامل المروءة من أحرز دينه ووصل رحمه، واجتنب ما يلام عليه. خلافة أبي العباس السفاح لما بلغ أهل الكوفة مقتل إبراهيم بن محمد، أراد أبو سلمة الخلال أن يحول الخلافة إلى آل علي بن أبي طالب، فغلبه بقية النقباء والامراء، وأحضروا أبا العباس السفاح وسلموا عليه بالخلافة، وذلك بالكوفة، وكان عمره إذ ذاك ستا وعشرين سنة. وكان أول من سلم عليه بالخلافة أبو سلمة الخلال، وذلك ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة، فلما كان وقت صلاة الجمعة خرج السفاح على برذون أبلق، والجنود ملبسة معه، حتى دخل دار الامارة، ثم خرج إلى المسجد الجامع وصلى بالناس، ثم صعد المنبر وبايعه الناس وهو على المنبر في أعلاه، وعمه داود بن علي واقف دونه بثلاث درج، وتكلم السفاح، وكان أول ما نطق به أن قال: الحمد لله الذي اصطفى الاسلام لنفسه دينا، وكرمه وشرفه وعظمه، واختاره لنا، وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه والقوام به والذابين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها، خصنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته، ووضعنا بالاسلام وأهله في الموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الاسلام كتابا يتلى عليهم. فقال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) [ الاحزاب: 33 ] وقال: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) [ الشورى: 23 ] وقال: (وأنذر عشيرتك الاقربين) [ الشعراء: 214 ] وقال: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين) [ الحشر: 7 ] الآية. فأعلمهم عزوجل فصلنا وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفئ والغنيمة نصيبنا تكرمة لنا، وتفضلة علينا، والله ذو الفضل العظيم. وزعمت السبائية (1) الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم. أيها الناس بنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصرهم (2) بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا، ورفع بنا الخسيسة، وأتم النقيصة وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة في دنياهم، وإخوانا على سرر متقابلين في أخراهم، فتح الله علينا ذلك منة ومنحة بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما قبضه إليه قام بذلك الامر بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحووا مواريث الامم فعدلوا فيها،


(1) عن الطبري وابن الاثير. وفي الاصل السبابية تحريف. والسبئية زعمت بأن عليا صار إلها بحلول روح الاله فيه، وهي من جملة الفرق الحلولية وغرضها القصد إلى افساد القول بتوحيد الصانع (الفرق بين الفرق ص 193 - 194). (2) من الطبري وابن الاثير. وفي الاصل ونصرهم وهو تحريف. (*)

[ 45 ]

ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصا منها. ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها لانفسهم، وتداولوها. فجاروا فيها واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينا (فلما آسفونا انتقمنا منهم) فانتزع منهم ما بأيديهم بأيدينا، ورد الله علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا، وتولى أمرنا والقيام بنصرنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الارض، وختم بنا كما افتتح بنا، وإني لارجو [ أن ] لا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا، وأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح الهائج (1) والثائر المبير. وكان به وعك فاشتد عليه حتى جلس على المنبر ونهض عمه داود فقال: الحمد لله شكرا الذي أهلك عدونا وأصار إلينا ميراثنا من بيتنا (2). أيها الناس: الآن انقشعت حنادس الظلمات وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، فطلعت شمس الخلافة من مطلعها، ورجع الحق إلى نصابه، إلى أهل نبيكم أهل الرأفة والرحمة والعطف عليكم، أيها الناس إنا والله ما خرجنا لهذا الامر لنكنز لجينا ولا عقيانا ولا لنحفر نهرا ولا لنبني قصرا ولا لنجمع ذهبا ولا فضة، وإنما أخرجتنا الانفة من انتزاع حقنا والغضب لبني عمنا، ولسوء سيرة بني أمية فيكم، واستذلالهم لكم، واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم، فلكم علينا ذمة الله وذمة رسوله وذمة العباس، أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل بكتاب الله، ونسير في العامة والخاصة بسيرة رسول الله، تبا تبا لبني أمية وبني مروان، آثروا العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام وظلموا الانام، وارتكبوا المحارم وغشوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنتهم في البلاد التي بها استلذوا تسربل الاوزار، وتجلبب الآصار، ومرحوا في أعنة المعاصي، وركضوا في ميادين الغي، جهلا منهم باستدراج الله، وعميا عن أخذ الله، وأمنا لمكر الله، فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث ومزقوا كل ممزق، فبعدا للقوم الضالمين. وأدان الله من مروان، وقد غره بالله الغرور، أرسل عدو الله في عنانه حتى عثر جواده في فضل خطامه، أظن عدو الله أن لن يقدر عليه أحد ؟ فنادى حزبه وجمع جنده ورمى بكتائبه فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته من مكر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحق ضلاله، وأحل دائرة السوء به، وأحاط به خطيئته، ورد إلينا حقنا وآوانا. أيها الناس ! إن أمير المؤمنين نصره الله نصرا عزيزا، إنما غاد إلى المنبر بعد صلاة الجمعة لانه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك، فادعوا الله لامير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن، وخليفة الشيطان، المتبع للسفلة الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون المتوكل على الله المقتدي بالابرار الاخيار الذين أصلحوا الارض بعد فسادها بمعالم الهدى، ومناهج التقى. قال فعج الناس له


(1) في الطبري وابن الاثير: المبيح. (2) في الطبري وابن الاثير: نبينا (صلى الله عليه وسلم). (*)

[ 46 ]

بالدعاء ثم قال: واعلموا يا أهل الكوفة أنه لم يصعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا - وأشار بيده إلى السفاح - واعلموا أن هذا الامر فينا ليس بخارج عنا، حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم عليه السلام، والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا. ثم نزل أبو العباس وداود حتى دخلا القصر. ثم دخل الناس يبايعون إلى العصر، ثم من بعد العصر إلى الليل. ثم إن أبا العباس خرج فعسكر بظاهر الكوفة (1) واستخلف عليها عمه داود، وبعث عمه عبد الله بن علي إلى أبي عون بن يزيد، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة. وهو يومئذ بواسط يحاصر ابن هبيرة، وبعث يحيى بن [ جعفر بن ] تمام بن العباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالاهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطواف (2). وأقام هو بالعكسر أشهرا، ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية في قصر الامارة، وقد تنكر لابي سلمة الخلال، وذلك لما كان بلغه عنه من العدول بالخلافة عن ابن العباس إلى آل علي بن أبي طالب والله سبحانه وتعالى أعلم. مقتل مروان بن محمد بن مروان آخر خلفاء بني امية، وتحول الخلافة إلى بني العباس مأخوذ من قوله تعالى: (والله يؤتى ملكه من يشاء) [ البقرة: 246 ] وقوله (قل اللهم مالك الملك) الآية [ آل عمران: 26 ]. وقد ذكرنا أن مروان لما بلغه خبر أبي مسلم وأتباعه وما جرى بأرض خراسان، تحول من حران فنزل على نهر قريب من الموصل، يقال له الزاب من أرض الجزيرة ثم لما بلغه أن السفاح قد بويع له بالكوفة والتفت عليه الجنود، واجتمع له أمره، شق عليه جدا، وجمع جنوده فتقدم إليه أبو عون بن أبي يزيد (3) في جيش كثيف وهو أحد أمراء السفاح، فنازله على الزاب وجاءته الامداد من جهة السفاح، ثم ندب السفاح الناس ممن يلي القتال من أهل بيته، فانتدب له عبد الله بن علي فقال: سر على بركة الله، فسار في جنود كثيرة فقدم على أبي عون فتحول له أبو عون عن سرادقه وخلاه له وما فيه، وجعل عبد الله بن علي على شرطته حياش بن حبيب الطائي، ونصير بن المحتفز، ووجه أبو العباس موسى بن كعب في ثلاثين رجلا على البريد إلى عبد الله بن علي يحثه على مناجزة مروان، والمبادرة إلى قتاله ونزاله قبل أن تحدث أمور، وتبرد نيران الحرب. فتقدم عبد الله بن علي بجنوده حتى واجه جيش مروان، ونهض مروان في


(1) في الطبري 9 / 129 وابن الاثير 5 / 416: بحمام أعين. (2) في الطبري: طريف. (3) في الطبري: أبو عون عبد الملك بن يزيد الازدي (انظر بن الاثير 5 / 417 وابن الاعثم 8 / 182 ومروج الذهب 3 / 310). (*)

[ 47 ]

جنوده وتصاف الفريقان في أول النهار، ويقال إنه كان مع مروان يومئذ مائة ألف وخمسون ألفا، ويقال مائة وعشرون ألفا، وكان عبد الله بن علي في عشرين ألفا. فقال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس يومئذ ولم يقاتلونا كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم أرسل مروان إلى عبد الله بن علي يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زريق، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله، وكان ذلك يوم السبت لاحدى عشر ليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة، فقال مروان: قفوا لا تبتدئون بقتال، وجعل ينظر إلى الشمس فخالفه الوليد بن معاوية بن مروان - وهو ختن مروان على ابنته - فحمل، فغضب مروان فشتمه فقاتل أهل الميمنة فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن علي، فقاتل موسى بن كعب لعبد الله بن علي، فأمر الناس فنزلوا ونودي الارض الارض، فنزلوا وأشرعوا الرماح وجثوا على الركب وقاتلوهم، وجعل أهل الشام يتأخرون كأنما يدفعون، وجعل عبد الله يمشي قدما، وجعل يقول: يا رب حتى متى نقتل فيك، ونادى: يا أهل خراسان، يا شارات إبراهيم الامام، يا محمد يا منصور، واشتد القتال جدا بين الناس، فلا تسمع إلا وقعا كالمرازب على النحاس، فأرسل مروان إلى قضاعة يأمرهم بالنزول فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا، وأرسل إلى السكاسك أن احملوا فقالوا: قل لبني عامر أن يحملوا، فأرسل إلى السكون أن احملوا فقالوا: قل إلى غطفان فليحملوا. فقال لصاحب شرطته: انزل فقال لا والله لا أجعل نفسي غرضا. قال: أما والله لاسوءنك. قال: وددت والله لو قدرت على ذلك. ويقال: إنه قال ذلك لابن هبيرة. قالوا: ثم انهزم أهل الشام واتبعتهم أهل خراسان في أدبارهم يقتلون ويأسرون، وكان من غرق من أهل الشام أكثر ممن قتل وكان في جملة من غرق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع (1)، وقد أمر عبد الله بن علي بعقد الجسر، واستخراج من غرق في الماء، وجعل يتلو قوله تعالى: (وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون) [ البقرة: 50 ] وأقام عبد الله بن علي في موضع المعركة سبعة أيام، وقد قال رجل من ولد سعيد بن العاص في مروان وفراره يومئذ: لج الفرار بمروان فقلت له * عاد الظلوم ظليما همه الهرب أين الفرار وترك الملك إذ (2) ذهبت * عنك الهوينا فلا دين ولا حسب فراشه الحلم فرعون العقاب وإن * تطلب نداه فكلب دونه كلب واحتاز عبد الله ما في معسكر مروان من الاموال والامتعة والحواصل، ولم يجد فيه امرأة سوى


(1) 1) في مروج الذهب 3 / 297: غرق من بني أمية ثلثمائة رجل. (1) في ابن الاعثم 8 / 184: إن. (2) (*)

[ 48 ]

جارية كانت لعبد الله بن مروان، وكتب إلى أبي العباس السفاح بما فتح الله عليه من النصر، وما حصل لهم من الاموال. فصلى السفاح ركعتين شكرا لله عز وجل، وأطلق لكل من حضر الوقعة خمسمائة خمسمائة، ورفع في أرزاقهم إلى ثمانين، وجعل يتلو قوله (فلما فصل طالوت بالجنود) الآية [ البقرة: 249 ]. صفة مقتل مروان لما انهزم مروان سار لا يلوي على أحد، فأقام عبد الله بن علي في مقام المعركة سبعة أيام، ثم سار خلفه بمن معه من الجنود، وذلك عن أمر السفاح له بذلك، فلما مر مروان بحران اجتازها وأخرج أبا محمد السفياني من سجنه، واستخلف عليها أبان بن يزيد - وهو ابن أخته (1)، وزوج ابنته أم عثمان - فلما قدم عبد الله على حران خرج إليه أبان بن يزيد مسودا فأمنه عبد الله بن علي وأقره على عمله، وهدم الدار التي سجن فيها إبراهيم الامام، واجتاز مروان قنسرين قاصدا حمص، فلما جاءها خرج إليه أهلها بالاسواق والمعايش، فأقام بها يومين أو ثلاثة ثم شخص منها، فلما رأى أهل حمص قلة من معه اتبعوه ليقتلوه ونهبوا ما معه، وقالوا: مرعوب مهزوم، فأدركوه بواد عند حمص فأكمن لهم أميرين، فلما تلاحقوا بمروان عطف عليهم فناشدهم أن يرجعوا فأبوا إلا مقاتلته، فثار القتال بينهم وثار الكمينان من ورائهم، فانهزم الحمصيون، وجاء مروان إلى دمشق وعلى نيابتها من جهته زوج ابنته الوليد بن معاوية بن مروان، فتركه بها واجتاز عنها قاصدا إلى الديار المصرية، وجعل عبد الله بن علي لا يمر ببلد وقد سودوا فيبايعونه ويعطيهم الامان، ولما وصل إلى قنسرين وصل إليه أخوه عبد الصمد بن علي في أربعة آلف، قد بعثهم السفاح مددا له، ثم سار عبد الله حتى أتى حمص، ثم سار منها إلى بعلبك، ثم منها حتى أتى دمشق من ناحية المزة فنزل بها يومين أو ثلاثة، ثم وصل إليه أخوه صالح بن علي في ثمانية آلاف مددا من السفاح، فنزل صالح بمرج عذراء، ولما جاء عبد الله بن علي دمشق نزل على الباب الشرقي، ونزل صالح أخوه على باب الجابية، ونزل أبو عون على باب كيسان، ونزل بسام على الباب الصغير، وحميد بن قحطبة على باب توما، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس، فحاصرها أياما ثم افتتحها يوم الاربعاء لعشر خلون من رمضان هذه السنة، فقتل من أهلها خلقا كثيرا وأباحها ثلاث ساعات، وهدم سورها، ويقال إن أهل دمشق لما حاصرهم عبد الله اختلفوا فيما بينهم، ما بين عباسي وأموي، فاقتتلوا فقتل بعضهم بعضا، وقتلوا نائبهم ثم سلموا البلد وكان أول من صعد السور من ناحية الباب الشرقي رجل يقال له عبد الله الطائي، ومن ناحية الباب الصغير بسام بن إبراهيم، ثم أبيحت دمشق ثلاث ساعات حتى قيل إنه قتل بها في هذه المدة نحوا من خمسين ألفا.


(1) هو إبان بن يزيد بن محمد بن مروان ابن اخ مروان (انظر الطبري - ابن الاثير). (*)

[ 49 ]

وذكر ابن عساكر في ترجمة عبيد بن الحسن الاعرج من ولد جعفر بن أبي طالب، وكان أميرا على خمسة آلاف، مع عبد الله بن علي في حصار دمشق، أنهم أقاموا محاصريها خمسة أشهر، وقيل مائة يوم، وقيل شهرا ونصفا، وأن البلد كان قد حصنه نائب مروان تحصينا عظيما، ولكن اختلف أهلها فيما بينهم بسبب اليمانية والمضرية، وكان ذلك سبب الفتح، حتى أنهم جعلوا في كل مسجد محرابين للقبلتين حتى في المسجد الجامع منبرين، وإمامين يخطبان يوم الجمعة على المنبرين، وهذا من عجيب ما وقع، وغريب ما اتفق، وفظيع ما أحدث بسبب الفتنة والهوى والعصبية، نسأل الله السلامة والعافية. وقد بسط ذلك ابن عساكر في هذه الترجمة المذكورة، وذكر في ترجمة محمد بن سليمان بن عبد الله النوفلي قال: كنت مع عبد الله بن علي أول ما دخل دمشق، دخلها بالسيف، وأباح القتل فيها ثلاث ساعات، وجعل جامعها سبعين يوما اسطبلا لدوابه وجماله، ثم نبش قبور بني أمية فلم يجد في قبر معاوية إلا خيطا أسود مثل الهباء، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجد جمجمة، وكان يجد في القبر العضو بعد العضو، إلا هشام بن عبد الملك فإنه وجده صحيحا لم يبل منه غير أرنبة أنفه، فضربه بالسياط وهو ميت وصلبه أياما ثم أحرقه ودق رماده ثم ذره في الريح، وذلك أن هشاما كان قد ضرب أخاه محمد بن علي، حين كان قد اتهم بقتل ولد له صغير، سبعمائة سوط، ثم نفاه إلى الحميمة بالبلقاء. قال: ثم تتبع عبد الله بن علي بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم، فقتل منهم في يوم واحد اثنين وتسعين ألفا عند نهر بالرملة، وبسط عليهم الانطاع ومد عليهم سماطا فأكل وهم يختلجون تحته، وهذا من الجبروت والظلم الذي يجازيه الله عليه، وقد مضى ولم يدم له ما أراده ورجاه، كما سيأتي في ترجمته. وأرسل امرأة هشام بن عبد الملك وهي عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية صاحبة الخال، مع نفر من الخراسانية إلى البرية ماشية حافية حاشرة عن وجهها وجسدها عن ثيابها ثم قتلوها. ثم أحرق ما وجده من عظم ميت منهم. وأقام بها عبد الله خمسة عشر يوما. وقد استدعى بالاوزاعي فأوقف بين يديه فقال له: يا أبا عمرو ما تقول في هذا الذي صنعناه ؟ قال فقلت له: لا أدري، غير أنه قد حدثني يحيى بن سعيد الانصاري عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما الاعمال بالنيات " فذكر الحديث. قال الاوزاعي: وانتظرت رأسي أن يسقط بين رجلي ثم أخرجت، وبعث إلي بمائة دينار. ثم سار وراء مروان فنزل على نهر الكسوة ووجه يحيى بن جعفر الهاشمي نائبا على دمشق، ثم سار فنزل مرج الروم، ثم أتى نهر أبي فطرس فوجد مروان قد هرب فدخل مصر، وجاءه كتاب السفاح: ابعث صالح بن علي في طلب مروان وأقم أنت بالشام نائبا عليها، فسار صالح يطلب مروان في ذي القعدة من هذه السنة، معه أبو عمر وعامر بن إسماعيل، فنزل على ساحل البحر وجمع ما هناك من السفن وبلغه أن مروان قد نزل الفرما، وقيل الفيوم، فجعل يسير على الساحل والسفن تقاد معه في البحر حتى أتى العريش، ثم سار حتى نزل على النيل ثم سار إلى الصعيد، فعبر مروان النيل وقطع الجسر

[ 50 ]

وحرق ما حوله من العلف والطعام، ومضى صالح في طلبه. فالتقى بخيل لمروان فهزمهم، ثم جعل كلما التقوا مع خيل لمروان يهزمونهم حتى سألوا بعض من أسروا عن مروان فدلهم عليه، وإذا به في كنيسة أبو صير، فوافوه من آخر الليل فانهزم من معه من الجند وخرج إليهم مروان في نفر يسر معه فأحاطوا به حتى قتلوه، طعنه رجل من أهل البصرة يقال له معود (1)، ولا يعرفه حتى قال رجل صرع أمير المؤمنين، فابتدره رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان فاحتز رأسه، فبعث به عامر بن إسماعيل أمير هذه السرية إلى أبي عون، فبعث به أبو عون إلى صالح بن علي، فبعث به صالح مع رجل يقال له خزيمة بن يزيد بن هانئ كان على شرطته، لامير المؤمنين السفاح. وكان مقتل مروان يوم الاحد لثلاث بقين من ذي الحجة، وقيل يوم الخميس لست مضين منها سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وكانت خلافته خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام على المشهور، واختلفوا في سنه فقيل أربعون سنة، وقيل ست وقيل ثمان وخمسون سنة، وقيل ستون وقيل اثنتان وقيل ثلاث وقيل تسع وستون سنة، وقيل ثمانون فالله أعلم. ثم إن صالح بن علي سار إلى الشام واستخلف على مصر أبا عون بن أبي يزيد والله سبحانه أعلم. وهذا شئ من ترجمة مروان الحمار وهو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، القرشي الاموي، أبو عبد الملك أمير المؤمنين آخر خلفاء بني أمية، وأمه أمة كردية يقال لها لبابة (2)، وكانت لابراهيم بن الاشتر النخعي، أخذها محمد بن مروان يوم قتله فاستولدها مروان هذا، ويقال إنها كانت أولا لمصعب بن الزبير، وقد كانت دار مروان هذا في سوق الاكافين، قاله ابن عساكر. بويع له بالخلافة بعد قتل الوليد بن يزيد، وبعد موت يزيد بن الوليد، ثم قدم دمشق وخلع إبراهيم بن الوليد، واستمر له الامر في نصف صفر سنة سبع وعشرين ومائة. وقال أبو معشر: بويع له بالخلافة في ربيع الاول سنة تسع وعشرين ومائة، وكان يقال له مروان الجعدي، نسبة إلى رأي الجعد بن درهم، وتلقب بالحمار (3)، وهو آخر من ملك من بني أمية، وكانت خلافته خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، وقيل خمس سنين وشهرا، وبقي بعد أن بويع للسفاح تسعة أشهر، وكان أبيض مشربا حمرة، أزرق العينين، كبير


(1) في الطبري 9 / 136: المغود، وفي ابن الاعثم 8 / 188 قتله محمد بن شهاب المازني وفي الاخبار الطوال ص 367: قتله عامر بن إسماعيل. (2) في مروج الذهب 3 / 282: ريا وقيل طرونة. (3) قيل لقب بالحمار لثباته في الحرب (فوات الوفيات 4 / 128). (*)

[ 51 ]

اللحية، ضخم الهامة، ربعة، ولم يكن يخضب. ولاه هشام نيابة أذربيجان وأرمينية والجزيرة، في سنة أربع عشرة ومائة، ففتح بلادا كثيرة وحصونا متعددة في سنين كثيرة، وكان لا يفارق الغزو في سبيل الله، وقاتل طوائف من الناس الكفار ومن الترك والخزر واللان وغيرهم، فكسرهم وقهرهم، وقد كان شجاعا بطلا مقداما حازم الرأي، لولا أن جنده خذلوه بتقدير الله عز وجل لما له في ذلك من حكمة سلب الخلافة لشجاعته وصرامته. ولكن من يخذل الله يخذل، ومن يهن الله فماله من مكرم. قال الزبير بن بكار: عن عمه مصعب بن عبد الله: كان بنو أمية يرون أنه تذهب منهم الخلافة إذا وليها من أمه أمة، فلما وليها مروان هذا أخذت منهم في سنه ثنتين وثلاثين ومائة. وقد قال الحافظ ابن عساكر: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الحسين، أخبرنا سهل بن بشر، أنبأ الخليل بن هبة الله بن الخليل، أنبأ عبد الوهاب الكلابي: حدثنا أبو الجهم أحمد بن الحسين، أنبأ العباس بن الوليد بن صبح، ثنا عباس بن يحيى أبو الحارث، حدثني الهيثم بن حميد، حدثني راشد بن داود، عن أسماء عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال الخلافة في بني أمية يتلقفونها تلقف الغلمان الكرة، فإذا خرجت من أيديهم فلا خير في عيش ". هكذا أورده ابن عساكر وهو منكر جدا، وقد سأل الرشيد أبا بكر بن عياش: من خير الخلفاء نحن أو بنو أمية ؟ فقال: هم كانوا أنفع للناس، وأنتم أقوم للصلاة، فأعطاه ستة آلاف. قالوا وقد كان مروان هذا كثير المروءة كثير العجب، يعجبه اللهو والطرب، ولكنه كان يشتغل عن ذلك بالحرب. قال ابن عساكر: قرأت بخط أبي الحسين علي بن مقلد بن نصر بن منقذ بن الامير في مجموع له: كتب مروان بن محمد إلى جارية له تركها بالرملة عند ذهابه إلى مصر منهزما: وما زال يدعوني إلى الصبر ما أرى * فآبى ويدنيني الذي لك في صدري وكان عزيزا أن تبيتي وبيننا * حجاب فقد أمسيت مني على عشر وأنكاهما والله للقلب فاعلمي * إذا زدت مثليها فصرت على شهر وأعظم من هذين والله أنني * أخاف بأن لا نلتقي آخر الدهر سأبكيك لا مستبقيا فيض عبرة * ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر وقال بعضهم: اجتاز مروان وهو هارب براهب فاطلع عليه الراهب فسلم عليه فقال له: يا راهب هل عندك علم بالزمان ؟ قال: نعم ! عندي من تلونه ألوان. قال: هل تبلغ الدنيا من الانسان أن تجعله مملوكا بعد أن كان مالكا ؟ قال: نعم ! قال: فكيف ؟ قال: بحبه لها وحرصه على نيل شهواتها وتضييع الحزم وترك انتهاز الفرص. فإن كنت تحبها فإن عبدها من أحبها، قال: فما السبيل إلى العتق ؟ قال: ببغضها والتجافي عنها. قال: هذا ما لا يكون. قال الراهب: أما إنه سيكون، فبادر بالهرب منها قبل أن تسلبها. قال: هل تعرفني ؟ قال: نعم ! أنت ملك العرب مروان، تقتل في بلاد السودان:

[ 52 ]

وتدفن بلا أكفان، فلولا أن الموت في طلبك لدللتك على موضع هربك. قال بعض الناس: كان يقال في ذلك الزمان يقتل ع بن ع بن ع م بن م بن م يعنون يقتل عبد الله بن علي بن عباس مروان بن محمد بن مروان. وقال بعضهم: جلس مروان يوما وقد أحيط به وعلى رأسه خادم له قائم، فقال مروان لبعض من يخاطبه: ألا ترى ما نحن فيه ؟ لهفي على أيد ما ذكرت، ونعم ما شكرت، ودولة ما نصرت. فقال له الخادم: يا أمير المؤمنين من ترك القليل حتى يكثر، والصغير حتى يكبر، والخفي حتى يظهر، وأخر فعل اليوم لغد، حل به أكثر من هذا. فقال مروان: هذا القول أشد علي من فقد الخلافة. وقد قيل إن مروان قتل يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وقد جاوز الستين وبلغ الثمانين. وقيل إنما عاش أربعين سنة. والصحيح الاول. وهو آخر خلفاء بني أمية به انقضت دولتهم. ما ورد في انقضاء دولة بني أمية وابتداء بني العباس من الاخبار النبوية قال العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا بلغ بنو العاص أربعين رجلا اتخذوا دين الله دغلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا " (1). ورواه الاعمش عن عطية عن أبي سعيد مرفوعا بنحوه، وروى ابن لهيعة عن أبي قبيل عن ابن وهب أنه كان عند معاوية فدخل عليه مروان بن الحكم فتكلم في حاجة فقال: اقض حاجتي فإني لابو عشرة، وأخو عشرة وعم عشرة. فلما أدبر مروان قال معاوية لابن عباس وهو معه على السرير: أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباد الله خولا، وكتاب الله دغلا، فإذا بلغوا سبعة وتسعين (2) وأربعمائة، كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة ". فقال ابن عباس: اللهم نعم ؟ فلما أدبر مروان قال معاوية: أنشدك بالله يا بن عباس أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا فقال: " أبو الجبابرة الاربعة ". فقال ابن عباس: اللهم نعم. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا القاسم بن الفضل ثنا يوسف بن مازن الراسبي قال: قام رجل إلى الحسين بن علي فقال: يا مسود وجوه المؤمنين ! فقال الحسين: لا تؤنبني رحمك الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلا رجلا فساءه ذلك فنزلت (إنا أعطيناك الكوثر) [ الكوثر: 1 ] وهو نهر في الجنة، ونزلت (إنا أنزلناه في ليلة القدر) السورة إلى قوله: (خير من ألف شهر) [ القدر: 1 - 3 ] مملكة بني أمية. قال: فحسبنا ذلك


(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 507. (2) في دلائل البيهقي 6 / 508: تسعة. (*)

[ 53 ]

فإذا هو كما قال لا يزيد ولا ينقص (1). وقد رواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبي داود الطيالسي ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، وهو ثقة وثقه يحيى القطان وابن مهدي. قال: وشيخه يوسف بن سعد ويقال يوسف بن مازن، رجل مجهول، ولا يعرف هذا بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه. وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث القاسم بن الفضل الحداني، وقد تكلمت على نكارة هذا الحديث في التفسير بكلام مبسوط، وإنما يكون متجها إذا قيل إن دولتهم ألف شهر بأن نسقط منها أيام ابن الزبير، وذلك أن معاوية بويع به مستقلا بالملك في سنة أربعين، وهي عام الجماعة حين سلم إليه الحسن بن علي الامر بعد ستة أشهر من قتل علي، ثم زالت الخلافة عن بني أمية في هذه السنة، وهي سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وذلك ثنتان وتسعون سنة، وإذا أسقط منها تسع سنين خلافة ابن الزبير بقي ثلاث وثمانون سنة، وهي مباينة لما ورد في هذا الحديث، ولكن ليس هذا الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أنه فسر هذه الآية بهذا العدد، وإنما هذا من قول بعض الرواة، وقد تكلمنا على ذلك مطولا في التفسير، وتقدم في الدلائل أيضا تقريره والله أعلم. وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد، عن سفيان الثوري، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رأيت بني أمية يصعدون منبري فشق ذلك علي فأنزلت: إنا أنزلناه في ليلة القدر " فيه ضعف وإرسال. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا يحيى بن معين، ثنا عبد الله بن نمير، عن سفيان الثوري، عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب في قوله (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) [ الاسراء: 60 ] قال: رأى ناسا من بني أمية على المنابر فساءه ذلك، فقيل له: إنما هي دنيا يعطونها وتضمحل عن قليل فسرى عنه (2). وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم رأى فلانا وهو من بعض بني أمية على المنبر يخطب الناس فشق ذلك عليه فأنزل الله (وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) [ الانبياء: 111 ] وقال مالك بن دينار: سمعت أبا الجوزاء يقول والله ليعزن الله ملك بني أمية كما أعز ملك من كان قبلهم، ثم ليذلن ملكهم كما أذل ملك من كان قبلهم، ثم تلا قوله تعالى: (وتلك الايام نداولها بين الناس) [ آل عمران: 140 ]. وقال ابن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم بن سعيد، ثنا أبو أسامة، ثنا عمر بن حمزة، أخبرني عمر بن سيف مولى لعثمان بن عفان قال: سمعت سعيد بن المسيب وهو يقول لابي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة - وذكروا بني أمية - فقال: لا يكون هلاكهم إلا بينهم. قالوا كيف ؟


(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 510 والترمذي في التفسير. باب تفسير سورة القدر ح‍ (3350) ص (5 / 444 - 445)، ورواه الحاكم في مستدركه وابن جرير الطبري كلهم من حديث القاسم بن الفضل، وفي الحديث: قام رجل إلى الحسن، وليس الحسين وكان ذلك بعد صلحه مع معاوية، فلعل اقحام اسم الحسين في الحديث سهو من الناسخ. (2) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 509. (*)

[ 54 ]

وتنكسر ثم قاتله حميد بن قحطبة نائب الجزيرة، فهزمه ملبد وتحصن منه حميد في بعض الحصون ثم صالحه حميد بن قحطبة على مائة ألف فدفعها إليه وقبلها ملبد وتقلع عنه. وحج بالناس في هذه السنة عم الخليفة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس قاله الواقدي. وكان نائب الموصل - يعني عم المنصور - وعلى نيابة الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سليمان بن علي، وعلى الجزيرة حميد بن قحطبة، وعلى مصر صالح بن علي، وعلى خراسان أبو داود إبراهيم بن خالد، وعلى الحجاز زياد بن عبد الله (1). ولم يكن للناس في هذه السنة صائفة لشغل الخليفة بسنباذ وغيره. ومن مشاهير من توفي فيها أبو مسلم الخراساني كما تقدم، ويزيد بن أبي زياد أحد من تكلم فيه كما ذكرناه في التكميل، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة فيها دخل قسطنطين ملك الروم ملطية عنوة فهدم سورها وعفا عمن قدر عليه من مقاتليها. وفيها غزا الصائفة صالح بن علي نائب مصر، فبنى ما كان هدم ملك الروم من سور ملطية، وأطلق لاخيه عيسى بن علي أربعين ألف دينار، وكذلك أعطى لابن أخيه العباس بن محمد بن علي أربعين ألف دينار. وفيها بايع عبد الله بن علي الذي كسره أبو مسلم وانهزم إلى البصرة واستجار بأخيه سليمان بن علي، حتى بايع للخليفة في هذه السنة ورجع إلى طاعته. ولكن حبس في سجن بغداد كما سيأتي. وفيها خلع جهور بن مرار العجلي الخليفة المنصور بعدما كسر سنباذ (2) واستحوذ على حواصله وعلى أموال أبي مسلم، فقويت نفسه بذلك وظن أنه لا يقدر عليه بعد، فأرسل إليه الخليفة محمد بن الاشعث الخزاعي في جيش كثيف فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم جهور وقتل عامة من معه، وأخذ ما كان معه من الاموال والحواصل والذخائر، ثم لحقوه فقتلوه. وفيها قتل الملبد الخارجي على يدي خازم بن خزيمة في ثمانية آلاف، وقتل من أصحاب الملبد ما يزيد على ألف وانهزم بقيتهم. قال الواقدي: وحج بالناس فيها الفضل بن علي، والنواب فيها هم المذكورون بالتي قبلها. وممن توفي فيها من الاعيان زيد بن واقد، والعلاء بن عبد الرحمن، وليث بن أبي سليم في قول. وفيها كانت خلافة (3) الداخل من بني أمية إلى بلاد الاندلس وهو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الهاشمي. قلت: ليس هو بهاشمي إنما هو من بني أمية ويسمى أمويا،


(1) في الطبري وابن الاثير: زياد على المدينة، وعلى مكة العباس بن عبد الله بن معبد ومات خلال الموسم فضم اسماعيل عمله إلى زياد. (2) في مروج الذهب 3 / 360: بسنفاد. (3) في الطبري 9 / 171: روى خبر خلافته في حوادث سنة 139. (*)

[ 55 ]

عن أبي معاوية، عن الاعمش عن عطية، عن أبي سعيد. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن، يقال له السفاح، يعطي المال حثيا " (1). وقال عبد الرزاق: حدثنا الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقتتل عند حرتكم هذه ثلاثة كلهم ولد خليفة لا تصير إلا واحد منهم، ثم تقبل الرايات من خراسان فيقتلونكم مقتلة لم ير مثلها. ثم ذكر شيئا فإذا كان كذلك فأتوه ولو حبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي " (2). ورواه بعضهم عن ثوبان فوقفه وهو أشبه والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثني يحيى بن غيلان وقتيبة بن سعيد قالا: ثنا راشد بن سعد، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب عن قبيصة هو ابن ذؤيب، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يخرج من خراسان رايات سود لا يردها شئ حتى تنصب بايليا " (3). وقد رواه البيهقي في الدلائل من حديث راشد بن سعد المصري، وهو ضعيف. ثم قال: قد روي قريبا من هذا عن كعب الاحبار وهو أشبه. ثم رواه عن كعب أيضا قال: " تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا الشام، ويقتل الله على أيديهم كل جبار وعدو لهم ". وروى إبراهيم بن الحسين، عن ابن أبي أويس، عن ابن أبي ذؤيب، عن محمد بن عبد الرحمن العامري، عن سهل (4) عن أبيه، عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس: " فيكم النبوة وفيكم المملكة ". وروى عبد الله بن أحمد: عن ابن معين، عن عبيد بن أبي قرة، عن الليث، عن أبي قبيل، عن أبي ميسرة مولى العباس قال سمعت العباس يقول: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال: " انظر هل ترى في السماء من شئ ؟ قلت: نعم ! قال: ما ترى ؟ قلت: الثريا، قال: أما إنه سيملك هذه الامة بعددها من صلبك ". قال البخاري: عبيد بن أبي قرة لا يتابع على حديثه. وروى ابن عدي من طريق سويد بن سعيد، عن حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: " مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل وأنا أظنه دحية الكلبي، فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لوسخ الثياب، وسيلبس ولده من بعده السواد " (5). وهذا منكر من هذا


(1) المصدر السابق. (2) أخرجه ابن ماجه في سننه 2 / 1367 وفيه: الرايات السود. والحديث في اسناده أبي قلابة الرقاشي الضرير واسمه عبد اللك بن محمد بن عبد الله الرقاشي كان يحدث من حفظه فكثرت الاوهام في حديثه. وقال الدار قطني: صدوق (التهذيب 6 / 419). (3) أخرجه أحمد في مسنده 2 / 365. والترمذي في الفتن 4 / 531 وفيه رشدين بن سعد المهري المصري قالوا فيه: ليس بشئ (قاله ابن معين) وقال أبو زرعة: ضعيف. وقال النسائي: متروك وقال ابن حبان: يقلب المناكير في أخباره على مستقيم حديثه. وانظر دلائل النبوة للبيهقي ج 6 / 516 - 517. (4) في البيهقي: سهيل وهو سهيل بن أبي صالح. (5) دلائل البيهقي 6 / 518. (*)

[ 56 ]

الوجه، ولا شك أن بني العباس كان السواد من شعارهم، أخذوا ذلك من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء، فأخذوا بذلك وجعلوه شعارهم في الاعياد والجمع والمحافل. وكذلك كان جندهم لا بد أن يكون على أحدهم شئ من السواد، ومن ذلك الشربوش الذي يلبسه الامراء إذا خلع عليهم. وكذلك دخل عبد الله بن علي دمشق يوم دخلها وعليه السواد، فجعل النساء والغلمان يعجبون من لباسه، وكان دخوله من باب كيسان. وقد خطب الناس يوم الجمعة وصلى بهم وعليه السواد. وقد روى ابن عساكر عن بعض الخراسانية قال: لما صلى عبد الله بن علي بالناس يوم الجمعة صلى إلى جانبي رجل فقال: الله أكبر، سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، انظروا إلى عبد الله بن علي ما أقبح وجهه وأشنع سواده ؟ ! وشعارهم إلى يومك هذا كما تراه على الخطباء يوم الجمعة والاعياد. استقرار أبي العباس السفاح واستقلاله بالخلافة وما اعتمده في أيامه من السيرة الحسنة قد تقدم أنه أول ما بويع به بالخلافة بالكوفة يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الآخر، وقيل الاول من هذه السنة، سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ثم جرد الجيوش إلى مروان فطردوه عن المملكة وأجلوه عنها، وما زالوا خلفه حتى قتلوه ببوصير من بلاد الصعيد، بأرض مصر، في العشر الاخير من ذي الحجة من هذه السنة على ما تقدم بيانه، وحينئذ استقل السفاح بالخلافة واستقرت يده على بلاد العراق وخراسان والحجاز والشام والديار المصرية، خلا بلاد الاندلس، فإنه لم يحكم عليها ولا وصل سلطانه إليها، وذلك أن بعض من دخلها من بني أمية استحوذ عليها وملكها كما سيأتي بيانه. وقد خرج على السفاح في هذه السنة طوائف، فمنهم أهل قنسرين بعد ما بايعوه على يدي عمه عبد الله بن علي وأقر عليهم أميرهم مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي، وكان من أصحاب مروان وأمرائه، فخلع السفاح ولبس البياض، وحمل أهل البلد على ذلك فوافقوه، وكان السفاح يومئذ بالحيرة، وعبد الله بن علي مشغول بالبلقاء يقاتل بها حبيب بن مرة المزي ومن وافقه من أهل البلقاء والبثنية وحوران على خلع السفاح، فلما بلغه عن أهل قنسرين ما فعلوا صالح حبيب بن مرة وسار نحو قنسرين، فلما اجتاز بدمشق - وكان بها أهله وثقله - استخلف عليها أبا غانم عبد الحميد بن ربعي الكناني (1) في أربعة آلاف، فلما جاوز البلد وانتهى إلى حمص، نهض أهل دمشق مع رجل يقال له عثمان بن عبد الاعلى بن سراقة فخلعوا السفاح وبيضوا وقتلوا الامير أبا غانم وقتلوا جماعة من أصحابه وانتهبوا ثقل عبد الله بن علي وحواصله، ولم يتعرضوا لاهله. وتفاقم الامر على عبد الله وذلك


(1) في الطبري 9 / 138 وابن الاثير 5 / 433: الطائي. (*)

[ 57 ]

أن أهل قنسرين تراسلوا مع أهل حمص وتزمروا واجتمعوا على أبي محمد السفياني، وهو أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فبايعوه بالخلافة وقام معه نحو من أربعين ألفا فقصدهم عبد الله بن علي فالتقوا بمرج الاخرم، فاقتتلوا مع مقدمة السفياني وعليها أبو الورد فاقتتلوا قتالا شديدا وهزموا عبد الصمد وقتل من الفريقين ألوف، فتقدم إليهم عبد الله بن علي ومعه حميد بن قحطبة فاقتتلوا قتالا شديدا جدا، وجعل أصحاب عبد الله يفرون وهو ثابت وهو حميد. وما زال حتى هزم أصحاب أبي الورد، وثبت أبو الورد في خمسمائة فارس من أهل بيته وقومه، فقتلوا جميعا وهرب أبو محمد السفياني ومن معه حتى لحقوا بتدمر، وأمن عبد الله أهل قنسرين وسودوا وبايعوه ورجعوا إلى الطاعة، ثم كر عبد الله راجعا إلى دمشق وقد بلغه ما صنعوا، فلما دنا منها تفرقوا عنها ولم يكن منهم قتال فأمنهم ودخلوا في الطاعة. وأما أبو محمد السفياني فإنه ما زال مضيعا ومشتتا حتى لحق بأرض الحجاز فقاتله نائب أبي جعفر المنصور في أيام المنصور (1)، فقتله وبعث برأسه وبإبنين له أخذهما أسيرين فأطلقهما المنصور في أيامه. وقد قيل إن وقعة السفياني يوم الثلاثاء آخر يوم من ذي الحجة سنة ثنتين وثلاثين ومائة فالله أعلم. وممن خلع السفاح أيضا أهل الجزيرة حين بلغهم أن أهل قنسرين خلعوا، فوافقوهم وبيضوا وركبوا إلى نائب حران من جهة السفاح - وهو موسى بن كعب - وكان في ثلاثة آلاف قد اعتصم بالبلد، فحاصروه قريبا من شهرين، ثم بعث السفاح أخاه أبا جعفر المنصور فيمن كان بواسط محاصري ابن هبيرة، فمر في مسيرة إلى حران بقرقيسيا وقد بيضوا فغلقوا أبوابها دونه، ثم مر بالرقة وعليها بكار بن مسلم (2) وهم كذلك، ثم بحاجر وعليها إسحاق بن مسلم فيمن معه من أهل الجزيرة يحاصرونها فرحل إسحاق عنها إلى الرها، وخرج موسى بن كعب فيمن معه من جند حران فتلقاه المنصور ودخلوا في جيشه، وقدم بكار بن مسلم على أخيه إسحاق بن مسلم بالرها فوجهه إلى جماعة ربيعة بدارا وماردين، ورئيسهم حروري يقال له بريكة، فصارا حزبا واحدا، فقصد إليهم أبو جعفر فقاتلهم قتالا شديدا، فقتل بريكة في المعركة، وهرب بكار إلى أخيه بالرها، فاستخلفه بها ومضى بمعظم العسكر [ حتى نزل ] سميساط وخندق على عسكره، وأقبل أبو جعفر فحاصر بكارا بالرها، وجرت له معه وقعات. ر ؟ ب السفاح إلى عمه عبد الله بن علي أن يسير إلى سميساط وقد اجتمع على إسحاق بن مسلم ستون ألفا من أهل الجزيرة، فسار إليهم عبد الله واجتمع إليه أبو جعفر المنصور، فكاتبهم إسحاق وطلب منهم الامان فأجابوه إلى ذلك، على إذن أمير المؤمنين. وولى السفاح أخاه أبا جعفر المنصور الجزيرة وأذربيجان وأرمينية، فلم يزل عليها حتى أفضت إليه الخلافة بعد أخيه، ويقال


(1) وهو زياد بن عبيد الله الحارثي. (2) في ابن الاثير 5 / 435: سلم، ورد كذلك في الخبر. (*)

[ 58 ]

إن إسحاق بن مسلم العقيلي إنما طلب الامان لما تحقق أن مروان قد قتل، وذلك بعد مضي سبعة أشهر وهو محاصر، وقد كان صاحبا لابي جعفر المنصور فآمنه. وفي هذه السنة ذهب أبو جعفر المنصور عن أمر أخيه السفاح إلى أبي مسلم الخراساني وهو أميرها، ليستطلع رأيه في قتل أبي سلمة، لانه كان يريد أن يصرف الخلافة عنهم، فيسأله هل ذلك كان عن ممالاة أبي مسلم لابي سلمة في ذلك أم لا ؟ فسكت القوم، فقال السفاح: لئن كان هذا عن رأيه إنا لبعر (1) بلاء عظيم، إلا أن يدفعه الله عنا. قال أبو جعفر: فقال لي أخي: ما ترى ؟ فقلت: الرأي رأيك. فقال: إنه ليس أحد أخص بأبي مسلم منك، فاذهب إليه فاعلم لي علمه، فإن كان عن رأيه احتلنا له، وإن لم يكن عن رأيه طابت أنفسنا. قال أبو جعفر: فخرجت إليه قاصدا على وجل. قال المنصور: فلما وصلت إلى الري إذا كتاب أبي مسلم إلى نائبها يستحثني إليه في المسير، فازددت وجلا، فلما انتهيت إلى نيسابور إذا كتابه يستحثني أيضا وقال لنائبها: لا تدعه يقر ساعة واحدة. فإن أرضك بها خوارج، فانشرحت لذلك فلما صرت من مرو على فرسخين، خرج يتلقاني ومعه الناس، فلما واجهني ترجل فقبل يدي، فأمرته فركب. فلما دخلت مرو نزلت في داره فمكث ثلاثا لا يسألني في أي شئ جئت، فلما كان في اليوم الرابع سألني ما أقدمك ؟ فأخبرته بالامر. فقال: أفعلها أبو سلمة ؟ أنا أكفيكموه. فدعا مرار بن أنس الضبي فقال: اذهب إلى الكوفة فحيث لقيت أبا سلمة فاقتله، وانته في ذلك إلى رأي الامام. فقدم مرار الكوفة الهاشمية، وكان أبو سلمة يسمر عند السفاح، فلما خرج قتله مرار وشاع أن الخوارج قتلوه، وغلقت البلد. ثم صلى عليه يحيى بن محمد بن علي أخو أمير المؤمنين، ودفن بالهاشمية، وكان يقال له وزير آل محمد. ويقال لابي مسلم أمير آل محمد. قال الشاعر (2). إن الوزير وزير ال محمد * أودى فمن يشناك كان وزيرا ويقال إن أبا جعفر إنما سار إلى أبي مسلم بعد قتل أبي سلمة وكان معه ثلاثون رجلا على البريد، منهم الحجاج بن أرطاة، وإسحاق بن الفضل الهاشمي، وجماعة من السادات. ولما رجع أبو جعفر من خراسان قال لاخيه: لست بخليفة ما دام أبو مسلم حيا حتى تقتله، لما رأى من طاعة العساكر له، فقال له السفاح: اكتمها فسكت. ثم إن السفاح بعث أخاه أبا جعفر إلى قتال ابن هبيرة بواسط، فلما اجتاز بالحسن بن قحطبة أخذه معه، فلما أحيط بابن هبيرة كتب إلى محمد بن عبد الله بن حسن ليبايع له بالخلافة فأبطأ عليه جوابه، فمال إلى مصالحة أبي جعفر، فاستأذن أبو جعفر أخاه السفاح في ذلك فأذن


(1) في الطبري 9 / 140: ليعرض، وفي ابن الاثير 5 / 437: لنعرفن. (2) وهو سليمان بن المهاجر البجلي، وقبله في مروج الذهب: إن المساءة قد تسر وربما * كان السرور بما كرهت جديرا (*)

[ 59 ]

له في المصالحة (1)، فكتب له أبو جعفر كتابا بالصلح (2)، فمكث ابن هبيرة يشاور فيه العلماء أربعين يوما. ثم خرج يزيد بن عمر بن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة من البخارية، فلما دنا من سرادق أبي جعفر هم أن يدخل بفرسه فقال الحاجب سلام: انزل أبا خالد. فنزل. وكان حول السرادق عشرة آلاف من أهل خراسان، ثم أذن له في الدخول فقال: أنا ومن معي ؟ قال: لا بل أنت وحدك، فدخل ووضعت له وسادة فجلس عليها، فحادثه أبو جعفر ساعة ثم خرج من عنده فأتبعه أبو جعفر بصره، ثم جعل يأتيه يوما بعد يوم في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل، فشكوا ذلك إلى أبي جعفر فقال أبو جعفر للحاجب: مره فليأت في حاشيته، فكان يأتي في ثلاثين نفسا، فقال الحاجب: كأنك تأتي متأهبا (3) ؟ فقال: لو أمرتموني بالمشي لمشيت إليكم، ثم كان يأتي في ثلاثة أنفس. وقد خاطب ابن هبيرة يوما لابي جعفر فقال له في غبون كلامه: يا هناه - أو قال يا أيها المرء - ثم اعتذر إليه بأنه قد سبق لسانه إلى ذلك، فأعذره. وقد كان السفاح كتب إلى أبي مسلم يستشيره في مصالحة ابن هبيرة فنهاه عن ذلك، وكان السفاح لا يقطع أمرا دونه، فلما وقع الصلح على يدي أبي جعفر لم يحب السفاح ذلك ولم يعجبه، وكتب إلى أبي جعفر يأمره بقتله، فراجعه أبو جعفر مرارا لا يفيده ذلك شيئا، حتى جاء كتاب السفاح أن اقتله لا محالة، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كيف يعطي الامان وينكث ؟ هذا فعل الجبابرة. وأقسم عليه في ذلك. فأرسل إليه أبو جعفر طائفة من الخراسانية فدخلوا عليه وعنده ابنه داود وفي حجره صبي صغير، وحوله مواليه وحاجبه، فدافع عنه ابنه حتى قتل وقتل خلق من مواليه، وخلصوا إليه، فألقى الصبي من حجره وخر ساجدا فقتل وهو ساجد، واضطرب الناس، فنادى أبو جعفر في الناس بالامان إلا (4) عبد الملك بن بشر وخالد بن سلمة المخزومي وعمر (5) بن ذر. فسكن الناس ثم استؤمن لبعض هؤلاء وقتل بعضا. وفي هذه السنة بعث أبو مسلم الخراساني محمد بن الاشعث إلى فارس، وأمره أن يأخذ عمال أبي سلمة الخلال فيضرب أعناقهم، ففعل ذلك. وفيها ولى السفاح أخاه يحيى بن محمد الموصل وأعمالها، وولى عمه داود مكة والمدينة واليمن واليمامة، وعزله عن الكوفة وولى مكانه عليها عيسى بن موسى، وولى قضاءها ابن أبي ليلى، وكان على نيابة البصرة سفيان بن معاوية المهلبي، وعلى


(1) في الاخبار الطوال ص 373: فكتب أبو العباس - ردا على كتاب أبي جعفر - لا حكم لابن هبيرة عندي إلا السيف. فكتم أبو جعفر الكتاب عن جميع الناس. (2) نسخة كتاب الصلح في الامامة والسياسة 2 / 152. (3) في الطبري 9 / 145: مباهيا. (4) في الطبري وابن الاثير والاخبار الطوال: إلا الحكم بن عبد الملك بن بشر وفي الامامة والسياسة 2 / 157 الحكم بن عبد الله بن بشر. (2) (5) الاخبار الطوال ص 357: محمد بن ذر. وفي الامامة والسياسة: عمرو بن ذر ولم يذكر خالدا. (*)

[ 60 ]

قضائها الحجاج بن أرطاة، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى فارس محمد بن الاشعث. وعلى أرمينية وأذربيجان والجزيرة أبو جعفر المنصور، وعلى الشام وأعمالها عبد الله بن علي عم السفاح، وعلى مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد. وعلى خراسان وأعمالها أبو مسلم الخراساني، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك. وحج بالناس فيها داود بن علي. ذكر من توفي فيها من الاعيان مروان بن محمد بن مروان بن الحكم أبو عبد الملك الاموي، آخر خلفاء بني أمية، فقتل في العشر الاخير من ذي الحجة من هذه السنة كما تقدم ذلك مبسوطا، ووزيره عبد الحميد بن يحيى بن سعد مولى بني عامر بن لؤي، الكاتب البليغ الذي يضرب به المثل، فيقال وفتحت الرسائل بعبد الحميد، وختمت بابن العميد. وكان إماما في الكتابة وجميع فنونها، وهو القدوة فيها. وله رسائل في ألف ورقة، وأصله من قيسارية ثم سكن الشام، وتعلم هذا الشأن من سالم مولى هشام بن عبد الملك وكان يعقوب بن داود وزير المهدي يكتب بين يديه، وعليه تخرج، وكان ابنه إسماعيل بن عبد الحميد ماهرا في الكتابة أيضا، وقد كان أولا يعلم الصبيان ثم تقلبت به الاحوال أن صار وزيرا لمروان، وقتله السفاح ومثل به، وكان اللائق بمثله العفو عنه. ومن مستجاد كلامه: العلم شجرة ثمرتها الالفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة. ومن كلامه وقد رأى رجلا (1) يكتب خطا رديئا فقال: أطل جلفة قلمك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها. قال الرجل: ففعلت ذلك فجاد خطي. وسأله رجل أن يكتب له كتابا إلى بعض الاكابر يوصيه به، فكتب إليه: حق موصل كتابي إليك كحقه علي إذ رآك موضعا لامله، ورآني أهلا لحاجته، وقد قضيت أنا حاجته فصدق أنت أمله. وكان كثيرا ما ينشد هذا البيت: - إذا خرج الكتاب كان دويهم * قسيا وأقلام القسي لها نبلا وأبو سلمة حفص بن سليمان، هو أول من وزر لآل العباس، قتله أبو مسلم بالانبار عن أمر السفاح، بعد ولايته بأربعة أشهر، في شهر رجب. وكان ذا هيئة فاضلا حسن المفاكهة، وكان السفاح يأنس به ويحب مسامرته لطيب محاضرته، ولكن توهم ميله لآل علي فدس أبو مسلم عليه من قتله غيلة كما تقدم، فأنشد السفاح عند قتله: إلى النار فليذهب ومن كان مثله * على أي شئ فاتنا منه نأسف كان يقال له وزير آل محمد، ويعرف بالخلال، لسكناه بدرب الخلالين بالكوفة، وهو أول من سمي بالوزير وقد حكى ابن خلكان: عن ابن قتيبة أن اشتقاق الوزير من الوزر وهو الحمل، فكأن السلطان حمله أثقالا لاستناده إلى رأيه، كما يلجأ الخائف إلى جبل يعتصم به.


(1) في هامش المطبوعة: هو ابراهيم بن جبلة. (*)

[ 61 ]

ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة فيها ولى السفاح عمه سليمان البصرة وأعمالها، وكور دجلة والبحرين وعمان. ووجه عمه إسماعيل بن علي إلى كور الاهواز. وفيها قتل داود بن علي من بمكة والمدينة من بني أمية، وفيها توفي داود بن علي بالمدينة في شهر ربيع الاول، واستخلف ابنه موسى على عمله، وكانت ولايته على الحجاز ثلاثة أشهر، فلما بلغ السفاح موته استناب على الحجاز خاله زياد بن عبيد الله بن (1) عبد الدار الحارثي، وولى اليمن لابن خاله محمد بن يزيد بن عبيد الله بن عبد الدار (2)، وجعل إمرة الشام لعميه عبد الله وصالح بني علي، وأقر أبا عون على الديار المصرية نائبا. وفيها توجه محمد بن الاشعث إلى إفريقية فقاتلهم قتالا شديدا حتى فتحها. وفيها خرج شريك بن شيخ المهري ببخارى على أبي مسلم وقال: ما على هذا بايعنا آل محمد، على سفك والدماء وقتل الانفس ؟ واتبعه على ذلك نحو من ثلاثين ألفا، فبعث إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقاتله فقتله. وفيها عزل السفاح أخاه يحيى بن محمد عن الموصل، وولى عليه عمه إسماعيل. وفيها ولى الصائفة من جهته صالح بن علي سعيد بن عبيد الله وغزا ما وراء الدروب. وحج بالناس خال السفاح زياد بن عبيد الله بن عبد الدار (1) الحارثي. ونواب البلاد هم الذين كانوا في التي قبلها سوى من ذكرنا أنه عزل. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة فيها خلع بسام بن إبراهيم بن بسام الطاعة وخرج على السفاح، فبعث إليه خازم بن خزيمة فقاتله فقتل عامة أصحابه، واستباح عسكره. ورجع فمر يملا من بني عبد الدار (3) أخوال السفاح فسألهم عن بعض ما فيه نصرة للخليفة، فلم يردوا عليه، واستهانوا به، وأمر بضرب أعناقهم - وكانوا قريبا من عشرين رجلا ومثلهم من مواليهم - فاستعدى بنو عبد الدار (4) على خازم بن خزيمة إلى السفاح، وقالوا: قتل هؤلاء بلا ذنب، فهم السفاح بقتله فأشار عليه بعض الامراء بأن لا يقتله ولكن ليبعثه مبعثا صعبا، فإن سلم فذاك، وإن قتل كان الذي أراد. فبعثه إلى عمان وكان بها طائفة من الخوارج قد تمردوا وجهز معه سبعمائة رجل، وكتب إلى عمه سليمان بالبصرة أن يحملهم في السفن إلى


(1) في الطبري 9 / 147: زياد بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، وفي ابن الاثير 5 / 448: زياد بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي. (2) في الطبري وابن الاثير: عبد المدان. (3) في الطبري وابن الاثير: عبد المدان. (4) انظر الحاشية السابقة. (*)

[ 62 ]

عمان ففعل، فقاتل الخوارج فكسرهم وقهرهم واستحوذ على ما هنالك من البلاد، وقتل أمير الخوارج الصفرية وهو الجلندى، وقتل من أصحابه وأنصاره نحوا من عشرة آلاف، وبعث برؤوسهم إلى البصرة، فبعث بها نائب البصرة إلى الخليفة. ثم بعد أشهر كتب إليه السفاح أن يرجع فرجع سالما غانما منصورا. وفيها غزا أبو مسلم بلاد الصفد وغزا أبو داود (1) أحد نواب أبي مسلم بلاد كش، فقتل خلقا كثيرا وغنم من الاواني الصينية المنقوشة بالذهب شيئا كثيرا جدا. وفيها بعث السفاح موسى بن كعب إلى منصور بن جمهور وهو بالهند في اثني عشر ألفا، فالتقاه موسى بن كعب وهو في ثلاثة آلاف فهزمه واستباح عسكره. وفيها مات عامل اليمن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد الدار (2)، فاستخلف السفاح عليها عمه (3)، وهو خال الخليفة. وفيها تحول السفاح من الحيرة إلى الانبار. وحج بالناس نائب الكوفة عيسى بن موسى، ونواب الاقاليم هم هم. وفيها توفي من الاعيان أبو هارون العبدي، وعمارة بن جوين، ويزيد بن يزيد بن جابر الدمشقي والله أعلم. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة فيها خرج زياد بن صالح من وراء نهر بلخ على أبي مسلم فأظفره الله بهم فبدد شملهم واستقر أمره بتلك النواحي. وحج بالناس فيها سليمان بن علي نائب البصرة. والنواب هم المذكورون قبلها. وممن توفي فيها من الاعيان: يزيد بن سنان، وأبو عقيل زهرة بن معبد، وعطاء الخراساني. ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة فيها قدم أبو مسلم من خراسان على السفاح، وذلك بعد استئذانه الخليفة في القدوم عليه، فكتب إليه أن يقدم في خمسمائة من الجند، فكتب إليه: إني قد وترت الناس، وإني أخشى من قلة الخمسمائة. فكبت إليه أن يقدم في ألف، فقدم في ثمانية آلاف، فرقهم وأخذ معه من الاموال والتحف والهدايا شيئا كثيرا. ولما قدم لم يكن معه سوى ألف من الجند، فتلقاه القواد والامراء إلى مسافة بعيدة. ولما دخل على السفاح أكرمه وعظمه واحترمه وأنزله قريبا منه، وكان يأتي إلى الخلافة كل يوم، واستأذن الخليفة في الحج فأذن له، وقال: لولا أني عينت الحج لاخي أبي جعفر لامرتك على الحج. وكان الذي بين أبي جعفر وأبي مسلم خرابا (4) وكان يبغضه، وذلك لما رأى ما هو فيه من الحرمة


(1) وهو خالد بن ابراهيم. (2) انظر الحاشية 3 ص 61. (3) علي بن الربيع بن عبد الله الحارثي. (4) في الطبري وابن الاثير: متباعدا. (*)

[ 63 ]

حين قدم عليه نيسابور في البيعة للسفاح وللمنصور بعده، فحار في أمره لذلك، فحقد عليه المنصور وأشار على السفاح بقتله، فأمره بكتم ذلك. وحين قدم أمره بقتله أيضا وحرضه على ذلك، فقال له السفاح: قد علمت بلاءه معنا وخدمته لنا فقال أبو جعفر: يا أمير المؤمنين إنما ذلك بدولتنا، والله لو أرسلت سنورا لسمعوا لها وأطاعوا، وإنك إن لم تتعش به تغدى بك هو، فقال له: كيف السبيل إلى ذلك ؟ فقال: إذا دخل عليك فحادثه ثم أجئ أنا من ورائه فأضربه بالسيف. قال: كيف بمن معه ؟ قال: هم أذل وأقل. فأذن له في قتله، فلما دخل أبو مسلم على السفاح ندم على ما كان أذن لاخيه فيه، فبعث إليه الخادم يقول له: إن ذاك الذي بينك وبينه ندم عليه فلا تفعله. فلما جاءه الخادم وجده محتبيا بالسيف قد تهيأ لما يريد من قتل أبي مسلم. فلما نهاه عن ذلك غضب أبو جعفر غضبا شديدا. وفيها حج بالناس أبو جعفر المنصور عن ولاية أخيه السفاح، وسار معه إلى الحجاز أبو مسلم الخراساني عن أمر الخليفة، وأذن له في الحج، فلما رجعا من الحج وكانا بذات عرق جاء الخبر إلى أبي جعفر - وكان يسير قبل أبي مسلم بمرحلة - بموت أخيه السفاح، فكتب إلى أبي مسلم أن قد حدث أمر فالعجل العجل، فلما استعلم أبو مسلم الخبر عجل السير وراءه، فلحقه إلى الكوفة. وكانت بيعة المنصور على ما سيأتي بيانه وتفصيله قريبا والله سبحانه وتعالى أعلم. ترجمة أبي العباس السفاح أول خلفاء بني العباس هو عبد الله السفاح - ويقال له المرتضى، والقاسم أيضا - ابن محمد بن الامام بن علي السجاد ابن عبد الله الحبر بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أمير المؤمنين، وأمه ريطة - ويقال رايطة - بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان (1) الحارثي، كان مولد السفاح بالحميمة من أرض الشراة من البلقاء بالشام، ونشأ بها حتى أخذ مروان أخاه إبراهيم الامام فانتقلوا إلى الكوفة. بويع له بالخلافة بعد مقتل أخيه في حياة مروان يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الاول بالكوفة كما تقدم. وتوفي بالجدري بالانبار يوم الاحد الحادي عشر، وقيل الثالث عشر من ذي الحجة سن ست وثلاثين ومائة، وكان عمره ثلاثا، وقيل ثنتين، وقيل إحدى وثلاثين سنة، وقيل ثمان وعشرين سنة. قال غير واحد. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر، وكان أبيض جميلا طويلا، أقنى الانف، جعد الشعر، حسن اللحية، حسن الوجه، فصيح الكلام، حسن الرأي، جيد البديهة. دخل عليه في أول ولايته عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ومعه مصحف وعند السفاح وجوه بني هاشم من أهل بيته وغيرهم، فقال له: يا أمير المؤمنين أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف. قال: فأشفق عليه الحاضرون أن يعجل السفاح عليه بشئ أو يترك جوابه فيبقى ذلك مسبة عليه وعليهم. فأقبل السفاح عليه غير مغضب ولا منزعج، فقال: إن جدك عليا، كان خيرا مني وأعدل، وقد ولي هذا


(1) في الاصل عبد الدار، (انظر الطبري - ومروج الذهب وابن الاثير). (*)

[ 64 ]

الامر فأعطى جديك الحسن والحسين وكانا خيرا منك، شيئا قد أعطيتكه وزدتك عليه، فما كان هذا جزائي منك. قال: فما رد عليه عبد الله بن حسن جوابا، وتعجب الناس من سرعة جوابه وجدته وجودته على البديهة. وقد قال الامام أحمد في مسنده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن الاعمش، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن رجل يقال له السفاح، يكون إعطاؤه المال حثيا) (1) وكذا رواه زائدة وأبو معاوية عن الاعمش به. وهذا الحديث في إسناده عطية العوفي وقد تكلموا فيه. وفي أن المراد بهذا الحديث هذا السفاح نظر والله أعلم. وقد ذكرنا فيما تقدم عند زوال دولة بني أمية أخبارا وآثارا في مثل هذا المعني. وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن سلمة بن محمد بن هشام، أخبرني محمد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثني داود بن عيسى، عن أبيه، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - وهو والد السفاح - قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من النصارى فقال له عمر: من تجدون الخليفة بعد سليمان ؟ قال له: أنت. فأقبل عمر بن عبد العزيز عليه فقال له: زدني من بيانك. فقال ثم آخر، إلى أن ذكر خلافة بني أمية إلى آخرها. قال محمد بن علي: فلما كان بعد ذلك جعلت ذلك النصراني في بالي فرأيته يوما فأمرت غلامي أن يحبسه علي، وذهبت إلى منزلي فسألته عما يكون في خلفاء بني أمية فذكرهم واحدا واحدا، وتجاوز عن مروان بن محمد. قلت: ثم من ؟ قال: ثم ابن الحارثية، وهو ابنك. قال: وكان ابني ابن الحارثية إذ ذاك حملا قال ووفد أهل المدينة على السفاح فبادروا إلى تقبيل يده غير عمران بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع العدوي، فإنه لم يقبل يده، وإنما حياه بالخلافة فقط. وقال: والله يا أمير المؤمنين لو كان تقبيلها يزيدك رفعة ويزيدني وسيلة إليك ما سبقني إليها أحد من هؤلاء، وإني لغني عما لا أجر فيه، وربما قادنا عمله إلى الوزر ثم جلس. قال: فوالله ما نقصه ذلك عنده حظا من حظ أصحابه، بل أحبه وزاده. وذكر القاضي المعافى بن زكريا: أن السفاح بعث رجلا ينادي في عسكر مروان بهذين البيتين ليلا ثم رجع (2): يا آل مروان إن الله مهلككم * ومبدل أمنكم خوفا وتشريدا لا عمر الله من أنسالكم أحدا * وبثكم في بلاد الخوف تطريدا وروى الخطيب البغدادي أن السفاح نظر يوما في المرآة - وكان من أجمل الناس وجها - فقال: اللهم لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك: أنا الخليفة الشاب، ولكن أقول: اللهم عمرني طويلا في طاعتك ممتعا بالعافية. فما استتم كلامه حتى سمع غلاما يقول لآخر: الاجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام. فتطير


(1) مسند الامام احمد 3 / 80. (2) قال ابن الاثير 5 / 460: قال ابن النقاح بيتين من الشعر، وذكرهما. (*)

[ 65 ]

من كلامه وقال: حسبي الله لا قوة إلا بالله عليه توكلت وبه أستعين. فمات بعد شهرين وخمسة أيام. وذكر محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي: أن الرشيد أمر ابنه أن يسمع من إسحاق بن عيسى بن علي ما يرويه عن أبيه في قصة السفاح، فأخبره عن أبيه عيسى أنه دخل على السفاح يوم عرفة بكرة فوجده صائما، فأمره أن يحادثه في يومه هذا ثم يختم ذلك بفطره عنده. قال: فحادثته حتى أخذه النوم فقمت عنه وقلت: أقيل في منزلي ثم أجئ بعد ذلك. فذهبت فنمت قليلا ثم قمت فأقبلت إلى داره فإذا على بابه بشير يبشر بفتح السند وبيعتهم للخليفة وتسليم الامور إلى نوابه. قال: فحمدت الله الذي وفقني في الدخول عليه بهذه البشارة، فدخلت الدار فإذا بشير آخر معه بشارة بفتح إفريقية، فحمدت الله فدخلت عليه فبشرته بذلك وهو يسرح لحيته بعد الوضوء، فسقط المشط من يده ثم قال: سبحان الله، كل شئ بائد سواه، نعيت والله إلي نفسي، حدثني إبراهيم الامام عن أبي هشام عن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقدم علي في مدينتي هذه وافدان وافد السند والآخر وافد إفريقية بسمعهم وطاعتهم وبيعتهم، فلا يمضي بعد ذلك ثلاثة أيام حتى أموت. قال: وقد أتاني الوافدان فأعظم الله أجرك يا عم في ابن أخيك. فقلت: كلا، يا أمير المؤمنين إن شاء الله. قال: بلى إن شاء الله ! لئن كانت الدنيا حبيبة إلي فالآخرة أحب إلي، ولقاء ربي خير لي، وصحة الرواية عن رسول الله بذلك أحب إلي منها، والله ما كذبت ولا كذبت. ثم نهض فدخل منزله وأمرني بالجلوس، فلما جاء المؤذن يعلمه بوقت الظهر خرج الخادم يعلمني أن أصلي عنه، وكذلك العصر والمغرب والعشاء، وبت هناك، فلما كان وقت السحر أتاني الخادم بكتاب معه يأمرني أن أصلي عنه الصبح والعيد ثم أرجع إلى داره، وفيه يقول: يا عم إذا مت فلا تعلم الناس بموتي حتى تقرأ عليهم هذا الكتاب فيبايعوا لمن فيه. قال: فصليت بالناس ثم رجعت إليه فإذا ليس به بأس، ثم دخلت عليه من آخر النهار فإذا هو على حاله غير أنه قد خرجت في وجهه حبتان صغيرتان، ثم كبرتا، ثم صار في وجهه حب صغار بيض يقال إنه جدري، ثم بكرت إليه في اليوم الثاني فإذا هو قد هجر وذهبت عنه معرفتي ومعرفة غيري، ثم رجعت إليه بالعشي فإذا هو انتفخ حتى صار مثل الزق، وتوفي اليوم الثالث من أيام التشريق، فسجيته كما أمرني، وخرجت إلى الناس فقرأت عليهم كتابه فإذا فيه: من عبد الله أمير المؤمنين إلى الاولياء وجماعة المسلمين، سلام عليكم أما بعد فقد قلد أمير المؤمنين الخلافة عليكم بعد وفاته أخاه فاسمعوا وأطيعوا، وقد قلدها من بعده عيسى بن موسى إن كان. قال: فاختلف الناس في قوله " إن كان " قيل إن كان أهلا لها. وقال آخرون إن كان حيا. وهذا القول الثاني هو الصواب، ذكره الخطيب وابن عساكر مطولا. وهذا ملخص منه. وفيه ذكر الحديث المرفوع وهو منكر جدا. وذكر ابن عساكر أن الطبيب دخل عليه فأخذ بيده فأنشأ يقول عند ذلك: أنظر إلى ضعف الحرا * ك وذله بعد السكون ينبيك أن بيانه * هذا مقدمة المنون فقال له الطبيب: أنت صالح. فأنشأ يقول:

[ 66 ]

يبشرني بأني ذو صلاح * يبين له وبي داء دفين لقد أيقنت أني غير باق * ولا شك إذا وضح اليقين قال بعض أهل العلم: كان آخر ما تكلم به السفاح: الملك لله الحي القيوم، ملك الملوك، وجبار الجبابرة. وكان نقش خاتمه الله ثقة عبد الله. وكان موته بالجدري في يوم الاحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة بالانبار العتيقة، عن ثلاث وثلاثين سنة. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر على أشهر الاقوال. وصلى عليه عمه عيسى بن علي. ودفن في قصر الامارة من الانبار. وترك تسع جبات وأربعة أقمصة وخمس سراويلات وأربعة طيالسة وثلاثة مطارف خز. وقد ترجمه ابن عساكر فذكر بعض ما أوردناه والله أعلم. وممن توفي فيها من الاعيان السفاح كما تقدم، وأشعث بن سوار، وجعفر بن أبي ربيعة، وحصين بن عبد الرحمن، وربيعة الراعي، وزيد بن أسلم، وعبد الملك بن عمير، وعبد الله بن أبي جعفر، وعطاء بن السائب. وقد ذكرنا تراجمهم في التكميل ولله الحمد. خلافة أبي جعفر المنصور واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قد تقدم أنه لما مات السفاح كان في الحجاز فبلغه موته وهو بذات عرق راجعا من الحج، وكان معه أبو مسلم الخراساني، فعجل السير وعزاه أبو مسلم في أخيه، فبكى المنصور عند ذلك، فقال له: أتبكي وقد جاءتك الخلافة ؟ أنا أكفيكها إن شاء الله. فسرى عنه، وأمر زياد بن عبيد الله أن يرجع إلى مكة واليا عليها، وكان السفاح قد عزله عنها بالعباس بن عبد الله بن معبد بن عباس فأقر، عليها، والنواب على أعمالهم حتى انسلخت هذه السنة، وقد كان عبد الله بن علي قدم على ابن أخيه السفاح الانبار فأمره على الصائفة، فركب في جيوش عظيمة إلى بلاد الروم، فلما كان ببعض الطريق بلغه موت السفاح فكر راجعا إلى حران، ودعا إلى نفسه، وزعم أن السفاح كان عهد إليه حين بعثه إلى الشام أن يكون ولي العهد من بعده، فالتفت عليه جيوش عظيمة، وكان من أمره ما سنذكره في السنة الآتية إن شاء الله تعالى. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة ذكر خروج عبد الله بن علي على ابن أخيه المنصور لما رجع أبو جعفر المنصور من الحج بعد موت أخيه السفاح، دخل الكوفة فخطب بأهلها يوم

[ 67 ]

الجمعة وصلى بهم، ثم ارتحل منها إلى الانبار وقد أخذت له البيعة من أهل العراق وخراسان وسائر البلاد سوى الشام، وقد ضبط عيسى بن علي بيوت الاموال والحواصل للمنصور حتى قدم، فسلم إليه الامر، وكتب إلى عمه عبد الله بن علي يعلمه بوفاة السفاح، فلا بلغه الخبر نادى في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع إليه الامراء والناس، فقرأ عليهم وفاة السفاح، ثم قام فيهم خطيبا فذكر أن السفاح كان عهد إليه حين بعثه إلى مروان أنه إن كسره كان الامر إليه من بعده، وشهد له بذلك بعض أمراء العراق، ونهضوا إليه فبايعوه، ورجع إلى حران فتسلمها من نائب المنصور بعد محاصرة أربعين ليلة، وقتل مقاتل العكي نائبها. فلما بلغ المنصور ما كان من أمر عمه بعث إليه أبا مسلم الخراساني ومعه جماعة من الامراء وقد تحصن عبد الله بن علي بحران، وأرصد عنده ما يحتاج إليه من الاطعمة والسلاح شيئا كثيرا جدا، فسار إليه أبو مسلم الخراساني وعلى مقدمته مالك بن هيثم الخزاعي، فلما تحقق عبد الله قدوم أبي مسلم إليه خشي من جيش العراق أن لا يناصحوه، فقتل منهم سبعة عشر ألفا، وأراد قتل حميد بن قحطبة فهرب منه إلى أبي مسلم، فركب عبد الله بن علي فنزل نصيبين وخندق حول عسكره، وأقبل أبو مسلم فنزل ناحية وكتب إلى عبد الله: إني لم أومر بقتالك، وإنما بعثني أمير المؤمنين واليا على الشام فأنا أريدها. فخاف جنود الشام من هذا الكلام فقالوا: إنا نخاف على ذرارينا وديارنا وأموالنا، فنحن نذهب إليها نمنعهم منه. فقال عبد الله: ويحكم ! والله إنه لم يأت إلا لقتالنا. فأبوا إلا أن يرتحلوا نحو الشام، فتحول عبد الله من منزله ذلك وقصد ناحية الشام، فنهض أبو مسلم فنزل موضعه وغور ما حوله من المياه - وكان موضع عبد الله الذي تحول منه موضعا جيدا جدا - فاحتاج عبد الله وأصحابه فنزلوا في موضع أبي مسلم فوجدوه منزلا رديئا، ثم أنشأ أبو مسلم القتال فحاربهم خمسة أشهر، وكان على خيل عبد الله أخوه عبد الصمد بن علي، وعلى ميمنته بكار بن مسلم (1) العقيلي، وعلى ميسرته حبيب بن سويد الاسدي. وعلى ميمنة أبي مسلم الحسن بن قحطبة، وعلى ميسرته أبو نصر خازم بن خزيم (2)، وقد جرت بينهم وقعات وقتل منهم جماعات في أيام نحسات، وكان أبو مسلم إذا حمل يرتجز ويقول: من كان ينوي أهله فلا رجع * فر من الموت وفي الموت وقع وكان يعمل له عرش فيكون فيه إذا التقى الجيشان فما رأى في جيشه من خلل أرسل فأصلحه. فلما كان يوم الثلاثاء أو الاربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فمكر بهم أبو مسلم ! بعث إلى الحسن بن قحطبة أمير الميمنة فأمره أن يتحول بمن معه إلا القليل إلى الميسرة، فلما رأى ذلك أهل الشام انحازوا إلى الميمنة بإزاء الميسرة التي تعمرت، فأرسل حينئذ أبو مسلم إلى القلب


(1) في ابن الاثير 5 / 466: سلم. (2) في ابن الاثير والطبري: خزيمة. (*)

[ 68 ]

أن يحمل بمن بقي في الميمنة على ميسرة أهل الشام فحطموهم، فجال أهل القلب والميمنة من الشاميين فحمل الخراسانيون على أهل الشام وكانت الهزيمة، وانهزم عبد الله بن علي بعد تلوم، واحتاز أبو مسلم ما كان في معسكرهم، وأمن أبو مسلم بقية الناس فلم يقتل منهم أحدا، وكتب إلى المنصور بذلك، فأرسل المنصور مولاه أبا الخصيب (1) ليحصي ما وجدوا في معسكر عبد الله، فغضب من ذلك أبو مسلم الخراساني. واستوسقت الممالك لابي جعفر المنصور، ومضى عبد الله بن علي وأخوه عبد الصمد على وجهيهما، فلما مرا بالرصافة أقام بها عبد الصمد، فلما رجع أبو الخصيب وجده بها فأخذه معه مقيدا في الحديد فأدخله على المنصور فدفعه إلى عيسى بن موسى فاستأمن له المنصور، وقيل بل استأمن له إسماعيل به علي. وأما عبد الله بن علي فإنه ذهب إلى أخيه سليمان بن علي بالبصرة فأقام عنده زمانا مختفيا (2)، ثم علم به المنصور فبعث إليه فسجنه [ في بيت بني أسامة على الملح ثم أطلق عليه الماء فذاب الملح وسقط البيت على عبد الله فمات. وهذه من بعض دواهي المنصور والله سبحانه أعلم ] (3). فلبث في السجن سبع سنين ثم سقط عليه في البيت الذي هو فيه فمات كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. مهلك أبي مسلم الخراساني في هذه السنة أيضا لما فرغ أبو مسلم من الحج سبق الناس بمرحلة فجاءه خبر السفاح في الطريق فكتب إلى أبي جعفر يعزيه في أخيه ولم يهنئه بالخلافة، ولا رجع إليه. فغضب المنصور من ذلك مع ما كان قد أضمر له من السوء إذا أفضت إليه الخلافة، وقيل إن المنصور هو الذي كان قد تقدم بين يدي الحج بمرحلة، وأنه لما جاءه خبر موت أخيه كتب إلى أبي مسلم يستعجله في السير كما قدمنا. فقال لابي أيوب: أكتب له كتابا غليظا، فلما بلغه الكتاب أرسل يهنئه بالخلافة وانقمع من ذلك. وقال بعض الامراء للمنصور: إنا نرى أن لا تجامعه في الطريق فإن معه من الجنود من لا يخالفه. وهم له أهيب، وعلى طاعته أحرص، وليس معك أحد، فأخذ المنصور برأيه ثم كان من أمره في مبايعته لابي جعفر ما ذكرنا، ثم بعثه إلى عمه عبد الله فكسره كما تقدم، وقد بعث في غبون ذلك الحسن بن قحطبة لابي أيوب كاتب رسائل المنصور يشافهه ويخبره بأن أبا مسلم متهم عند أبي جعفر، فإنه إذا جاءه كتاب منه يقرأه ثم يلوي شدقيه ويرمي بالكتاب إلى أبي نصر ويضحكان استهزاء، فقال أبو أيوب: إن تهمة أبي مسلم عندنا أظهر من هذا. ولما بعث أبو جعفر مولاه أبا الخصيب يقطين ليحتاط على ما أصيب من معسكر عبد الله من الاموال والجواهر الثمينة وغيرها، غضب أبو مسلم فشتم أبا جعفر وهم بأبي


(1) في مروج الذهب 3 / 355: يقطين بن موسى (وانظر الامامة والسياسة 2 / 130، وابن الاعثم 8 / 219). (2) في الامامة والسياسة 2 / 160: اسره أبو مسلم وبعث به إلى أبي جعفر. (3) ما بين معكوفين زيادة قال في هامش المطبوعة: وجدت زيادة بهامش نسخة الاستانة. وانظر الفخري ص 168 (*)

[ 69 ]

الخصيب، حتى قيل له: إنه رسول فتركه ورجع. فلما قدم أخبر المنصور بما كان وبما هم به أبو مسلم من قتله، فغضب المنصور وخشي أن يذهب أبو مسلم إلى خراسان فيشق عليه تحصيله بعد ذلك، وأن تحدث حوادث، فكتب إليه مع يقطين إني قد وليتك الشام ومصر وهما خير من خراسان. فابعث إلى مصر من شئت وأقم أنت بالشام، لتكون أقرب إلى أمير المؤمنين، إذا أراد لقاءك كنت منه قريبا. فغضب أبو مسلم وقال: قد ولاني الشام ومصر، ولي ولاية خراسان، فإذا أذهب إليها وأستخلف على الشام ومصر (1). فكتب إلى المنصور بذلك فقلق المنصور من ذلك كثيرا. ورجع أبو مسلم من الشام قاصدا خراسان وهو عازم على مخالفة المنصور. فخرج المنصور من الانبار إلى المدائن وكتب إلى أبي مسلم بالمسير إليه، فكتب إليه أبو مسلم وهو على الزاب عازم على الدخول إلى خراسان: إنه لم يبق لامير المؤمنين عدو إلا أمكنه الله منه، وقد كان نروي عن ملوك آل ساسان أن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء. فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، حريون بالسمع والطاعة غير أنها من بعيد حيث يقارنها السلامة. فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن عبيدك، وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إراداتها نقضت ما أبرمت من عهدك ضنا بنفسي عن مقامات الذل والاهانة. فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى أبي مسلم: قد فهمت كتابك وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة إلى ملوكهم الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، وإنما راحتهم في تبدد نظام الجماعة، فلم سويت نفسك بهم وأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الامر على ما أنت به، وليس مع الشريطة التي أوجبت منك سمع ولا طاعة، وقد حمل أمير المؤمنين عيسى بن موسى إليك رسالة ليسكن إليها قلبك إن أصغيت إليها، وأسأله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك، فإنه لم يجد بابا يفسد به نيتك أوكد عنده من هذا ولا أقرب من طبه من الباب الذي فتحه عليك. ويقال إن أبا مسلم كتب إلى المنصور: أما بعد فإني اتخذت رجلا إماما ودليلا على ما افترض الله على خلقه، وكان في محلة العلم نازلا وفي قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا، فاستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعا في قليل قد تعافاه (2) الله إلى خلقه، وكان كالذي دلى بغرور، وأمرني أن أجرد السيف وأرفع المرحمة ولا أقبل المعذرة ولا أقيل العثرة، ففعلت توطيدا لسلطانكم حتى عرفكم الله من كان يجهلكم، وأطاعكم من كان عدوكم، وأظهركم الله بي بعد الاخفاء والحقارة والذل، ثم استنقذني الله بالتوبة. فإن يعف عني فقديما عرف به ونسب إليه، وإن يعاقبني فبما قدمت يداي، وما الله بظلام للعبيد. ذكره المدائني عن شيوخه.


(1) في ابن الاعثم 8 / 220: رمى بكتاب المنصور من يده وتمثل: الق الصحيفة لاتبال وإن يكن * مكرا كمثل صحيفة المتلمس (2) في ابن الاثير: نعاه. (*)

[ 70 ]

وبعث المنصور إليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي (1) - وقد كان أوحد أهل زمانه - في جماعة من الامراء، وأمره أن يكلم أبا مسلم باللين كلاما يقدر عليه، وأن يكون في جملة ما يكلمه به أنه يريد رفع قدرك وعلو منزلتك والاطلاقات لك، فإن جاء بهذا فذاك، وإن أبي فقل هو برئ من العباس إن شققت العصا وذهبت على وجهك ليدركنك بنفسه وليقا تلنك دون غيره، ولو خضت البحر الخضم لخاضه خلفك حتى يدركك فيقتلك أو يموت قبل ذلك. ولا تقل له هذا حتى تيأس من رجوعه بالتي هي أحسن. فلما قدم عليه أمراء المنصور بحلوان دخلوا عليه ولاموه فيما هم به من منابذة أمير المؤمنين، وما هو فيه من مخالفته، ورغبوه في الرجوع إلى الطاعة، فشاور ذوي الرأي من أمرائه فكلهم نهاه عن الرجوع إليه، وأشاروا بأن يقيم في الري فتكون خراسان تحت حكمه، وجنوده طوعا له، فإن استقام له الخليفة وإلا كان في عز ومنعة من الجند. فعند ذلك أرسل أبو مسلم إلى أمراء المنصور فقال لهم: ارجعو إلى صاحبكم فلست ألقاه. فلما استيأسوا منه قالوا له ذلك الكلام الذي كان المنصور أمرهم به. فلما سمع ذلك كسره جدا وقال قوموا عني الساعة. وكان أبو مسلم قد استخلف على خراسان أبا داود إبراهيم بن خالد، فكتب إليه المنصور في غيبة أبي مسلم حين اتهم: إن ولاية خراسان لك ما بقيت، فقد وليتكها وعزلت عنها أبا مسلم. فعند ذلك كتب أبو داود إلى أبي مسلم حين بلغه ما عليه من منابذة الخليفة: إنه ليس يليق بنا منابذة خلفاء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارجع إلى إمامك سامعا مطيعا والسلام. فزاده ذلك كسرا أيضا فبعث إليهم أبو مسلم: إني سأبعث إليه أبا إسحاق وهو ممن أثق به. فبعث أبا إسحاق إلى المنصور فأكرمه ووعده بنيابة العراق إن هو رده. فلما رجع إليه أبو إسحاق قال له: ما وراءك ؟ قال: رأيتهم معظمين لك يعرفون قدرك. فغره ذلك وعزم على الذهاب إلى الخليفة، فاستشار أميرا يقال له نيزك، فنهاه، فصمم على الذهاب، فلما رآه نيزك عازما على الذهاب تمثل بقول الشاعر: ما للرجال مع القضاء محالة * ذهب القضاء بحيلة الاقوام ثم قال له: احفظ عني واحدة. قال: وما هي ؟ قال: إذا دخلت عليه فاقتله ثم بايع من شئت بالخلافة فإن الناس لا يخالفونك. وكتب أبو مسلم إلى المنصور يعلمه بقدومه عليه. قال أبو أيوب كاتب الرسائل: فدخلت على المنصور وهو جالس في خباء شعر جالس في مصلاه بعد العصر، وبين يديه كتاب فألقاه إلى فإذا هو كتاب أبي مسلم يعلمه بالقدوم عليه، ثم قال الخليفة: والله لئن ملات عيني منه لاقتلنه. قال أبو أيوب: فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون. وبت تلك الليلة لا يأتيني نوم، أفكر في هذه الواقعة، وقلت: إن دخل أبو مسلم خائفا ربما يبدو منه شر إلى الخليفة، والمصلحة تقتضي أن


(1) في ابن الاثير 5 / 471: كتب المنصور كتابا وبعثه مع أبي حميد المرورذي. وفي ابن الاعثم نسخة كتاب جواب أبي جعفر على كتاب أبي مسلم 8 / 223. وفي الفخري ص 169: وأرسل المنصور الكتب على يد رجل عاقل من أصحابه. (*)

[ 71 ]

يدخل آمنا ليتمكن منه الخليفة. فلما أصبحت طلبت رجلا من الامراء (1) وقلت له: هل لك أن تتولى مدينة كسكر فإنها مغلة في هذه السنة ؟ فقال: ومن لي بذلك ؟ فقلت له: فاذهب إلى أبي مسلم فتلقاه في الطريق فاطلب منه أن يوليك تلك البلد، فإن أمير المؤمنين يريد أن يوليه ما وراء بابه ويستريح لنفسه. واستأذنت المنصور له أن يذهب إلى أبي مسلم فأذن له، وقال له: سلم عليه وقل له: إنا بالاشواق إليه. فسار ذلك الرجل - وهو سلمة بن فلان - (2) إلى أبي مسلم فأخبره باشتياق الخليفة إليه، فسره ذلك وانشرح، وإنما هو غرور ومكر به، فلما سمع أبو مسلم بذلك عجل السير إلى منيته، فلما قرب من المدائن أمر الخليفة القواد والامراء أن يتلقوه، وكان دخوله على المنصور من آخر ذلك اليوم، وقد أشار أبو أيوب على المنصور أن يؤخر قتله في ساعته هذه إلى الغد، فقبل ذلك منه. فلما دخل أبو مسلم على المنصور من العشي أظهر له الكرامة والتعظيم، ثم قال: اذهب فأرح نفسك وادخل الحمام، فإذا كان الغد فأتني. فخرج من عنده وجاءه الناس يسلمون عليه، فلما كان الغد طلب الخليفة بعض الامراء فقال له: كيف بلائي عندك ؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين لو أمرتني أن أقتل نفسي لقتلتها. قال: فكيف بك لو أمرتك بقتل أبي مسلم ؟ قال: فوجم ساعة ثم قال له أبو أيوب: ما لك لا تتكلم ؟ فقال قولة ضعيفة: أقتله. ثم اختار له من عيون الحرس أربعة فحرضهم على قتله، وقال لهم: كونوا من وراء الرواق فإذا صفقت بيدي فاخرجوا عليه فاقتلوه. ثم أرسل المنصور إلى أبي مسلم رسلا تترى يتبع بعضها بعضا، فأقبل (3) أبو مسلم فدخل دار الخلافة ثم دخل على الخليفة وهو يبتسم، فلما وقف بين يديه جعل المنصور يعاتبه في الذي صنع واحدة واحدة، فيعتذر عن ذلك كله. ثم قال: يا أمير المؤمنين أرجو أن تكون نفسك قد طابت علي. فقال المنصور: أما والله ما زادني هذا إلا غيظا عليك. ثم ضرب بإحدى يديه على الاخرى فخرج عثمان وأصحابه فضربوه بالسيوف حتى قتلوه ولفوه في عباءة ثم أمر بإلقائه في دجلة، وكان آخر العهد به، وكان مقتله في يوم الاربعاء لاربع بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة. وكان من جملة ما عاتبه به المنصور أن قال: كتبت إلي مرات تبدأ بنفسك، وأرسلت تخطب عمتي أمينة (4)، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس إلى غير ذلك. فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين لا يقال لي هذا وقد سعيت في أمركم بما علمه كل أحد. فقال: ويلك ! لو قامت في ذلك أمة


(1) هو سلمة بن سعيد بن جابر (انظر الطبري وابن الاثير). (2) كذا بالاصول، انظر الحاشية السابقة. (3) في الاخبار الطوال ص 380: فلما كان في اليوم الرابع... وفي مروج الذهب 3 / 356: ركب أبو مسلم مرارا إلى المنصور وهو لا يظهر له شيئا. وفي الامامة والسياسة 2 / 161: فأقام أياما يأتي أبا جعفر كل يوم... وفي ابن الاعثم 8 / 225: فأقام كذلك ثلاثة أيام فلما كان في اليوم الرابع... (4) كذا في الاصول والطبري، وفي ابن الاثير 5 / 475 والاخبار الطوال ص 381: آمنة. وفي ابن خلكان 3 / 154: آسية. (*)

[ 72 ]

سوداء لاتمه الله لجدنا وحيطتنا. ثم قال: والله لاقتلنك. فقال: استبقني يا أمير المؤمنين لاعدائك. فقال: وأي عدو لي أعدى منك. ثم أمر بقتله كما تقدم: فقال له بعض الامراء: يا أمير المؤمنين الآن صرت خليفة. ويقال إن المنصور أنشد عند ذلك: فألقت عصاها واستقر بها النوى * كما قر علينا بالاياب المسافر وذكر ابن خلكان أن المنصور لما أراد قتل أبي مسلم تحير في أمره هل يستشير أحدا في ذلك أو يستبد هو به لئلا يشيع وينشر، ثم استشار واحدا من نصحاء أصحابه فقال: يا أمير المؤمنين قال الله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) [ الانبياء: 22 ] فقال له: لقد أودعتها أذنا واعية. ثم عزم على ذلك. ترجمة أبي مسلم الخراساني هو عبد الرحمن بن مسلم أبو مسلم صاحب دولة بني العباس، ويقال له أمير آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الخطيب: يقال له عبد الرحمن بن شيرون بن اسفنديار أبو مسلم المروزي، صاحب الدولة العباسية، يروي عن أبي الزبير وثابت البناني وإبراهيم وعبد الله ابني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، زاد ابن عساكر في شيوخه محمد بن علي وعبد الرحمن بن حرملة وعكرمة مولى ابن عباس. قال ابن عساكر: روى عنه إبراهيم بن ميمون الصائغ، وبشر والد مصعب بن بشر، وعبد الله بن شبرمة وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن منيب المروزي وقديد بن منيع صهر أبي مسلم. قال الخطيب: وكان أبو مسلم فاتكا ذا رأي وعقل وتدبير وحزم، قتله أبو جعفر المنصور بالمدائن. وقال أبو نعيم الاصبهاني في تاريخ أصبهان: كان اسمه عبد الرحمن بن عثمان بن يسار، قيل إنه ولد بأصبهان، وروي عن السدي وغيره، وقيل كان اسمه إبراهيم بن عثمان بن يسار بن سندوس (1) بن حوذون، من ولد بزرجمهر، وكان يكنى أبا إسحاق، ونشأ بالكوفة وكان أبوه أوصى به إلى عيسى بن موسى السراج، فحمله إلى الكوفة وهو ابن سبع سنين، فلما بعثه إبراهيم بن محمد الامام إلى خراسان قال له: غير اسمك وكنيتك. فتسمى عبد الرحمن بن مسلم، واكتنى بأبي مسلم، فسار إلى خراسان وهو ابن سبع عشرة سنة راكبا على حمار بأكاف، وأعطاه إبراهيم بن محمد نفقة، فدخل خراسان وهو كذلك، ثم آل به الحال حتى صارت له خراسان بأزمتها وحذافيرها، وذكر أنه في ذهابه إليها عدا رجل من بعض الحانات فقطع ذنب حماره، فلما تمكن أبو مسلم جعل ذلك المكان دكا فكان بعد ذلك خرابا. وذكر بعضهم أنه أصابه سبي في صغره وأنه اشتراه بعض دعاة بني العباس بأربعمائة درهم، ثم إن إبراهيم بن محمد الامام استوهبه واشتراه فانتمى إليه وزوجه إبراهيم بنت أبي النجم


(1) في وفيات الاعيان 3 / 145: شذوس بن جودرن. (*)

[ 73 ]

إسماعيل الطائي، أحد دعاتهم، لما بعثه إلى خراسان، وأصدقها عنه أربعمائة درهم فولد لابي مسلم بنتان إحداهما أسماء أعقبت، وفاطمة لم تعقب. وقد تقدم ذكر كيفية استقلال أبي مسلم بأمور خراسان في سنة تسع وعشرين ومائة، وكيف نشر دعوة بني العباس، وقد كان ذا هيبة وصرامة وإقدام وتسرع في الامور. وقد روى ابن عساكر بإسناده: أن رجلا قام إلى أبي مسلم وهو يخطب فقال: ما هذا السواد الذي أرى عليك ؟ فقال: حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء ". وهذه ثياب الهيئة وثياب الدولة. يا غلام اضرب عنقه. وروى من حديث عبد الله بن منيب عنه عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أراد هوان قريش أهانه الله ". وقد كان إبراهيم بن ميمون الصائغ من أصحابه وجلسائه في زمن الدعوة، وكان يعده إذا ظهر أن يقيم الحدود، فلما تمكن أبو مسلم ألح عليه إبراهيم بن ميمون في القيام بما وعده به حتى أحرجه، فأمر بضرب عنقه، وقال له: لم لا كنت تنكر على نصر بن سيار وهو يعمل أواني الخمر من الذهب فيبعثها إلى بني أمية ؟ فقال له: إن أولئك لم يقربوني من أنفسهم ويعدوني منها ما وعدتني أنت. وقد رأى بعضهم لابراهيم بن ميمون هذا منازل عالية في الجنة بصبره على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه كان آمرا ناهيا قائما في ذلك، فقتله أبو مسلم رحمه الله. وقد ذكرنا طاعة أبي مسلم للسفاح واعتناءه بأمره وامتثال مراسيمه، فلما صار الامر إلى المنصور استخف به واحتقره، ومع هذا بعثه المنصور إلى عمه عبد الله إلى الشام فكسره واستنقذ منه الشام وردها إلى حكم المنصور. ثم شمخت نفسه على المنصور وهم بقتله، ففطن لذلك المنصور مع ما كان مبطنا له من البغضة، وقد سأل أخاه السفاح غير مرة أن يقتله كما تقدم ذلك فأبي عليه، فلما تولى المنصور ما زال يماكره ويخادعه حتى قدم عليه فقتله. قال بعضهم: كتب المنصور إلى أبي مسلم: أما بعد فإنه يرين على القلوب ويطبع عليها المعاصي، فع أيها الطائش، وأفق أيها الكسران، وانتبه أيها النائم، فإنك مغرور بأضغاث أحلام كاذبة، في برزخ دنيا قد غرت من كان قبلك وسم بها سوالف القرون (هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا) [ مريم: 98 ] وإن الله لا يعجزه من هرب، ولا يفوته من طلب، فلا تغتر بمن معك من شيعتي وأهل دعوتي، فكأنهم قد صالوا عليك بعد أن صالوا معك، إن أنت خلعت الطاعة وفارقت الجماعة وبدا لك من الله ما لم تكن تحتسب، مهلا مهلا، احذر البغي أبا مسلم فإنه من بغى واعتدى تخلى الله عنه، ونصر عليه من يصرعه لليدين والفم، واحذر أن تكون سنة في الذين قد خلوا من قبلك، ومثلة لمن يأتي بعدك، فقد قامت الحجة وأعذرت إليك وإلى أهل طاعتي فيك. قال تعالى: (وأتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) [ الاعراف: 174 ]. فأجابه أبو مسلم: أما بعد فقد قرأت كتابك فرأيتك فيه للصواب مجانبا، وعن الحق حائدا إذ

[ 74 ]

تضرب فيه الامثال على غير أشكالها، وكتبت إلي فيه آيات منزلة من الله للكافرين، وما يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وإنني والله ما انسلخت من آيات الله، ولكنني يا عبد الله بن محمد كنت رجلا متأولا فيكم من القرآن آيات أوجبت لكم بها الولاية والطاعة، فأتممت بأخوين من قبلك ثم بك من بعدهما، فكنت لهما شيعة متدينا أحسبني هاديا مهتديا، وأخطأت في التأويل وقدما أخطأ المتأولون، وقد قال تعالى: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم) [ الانعام: 54 ] وإن أخاك السفاح ظهر في صورة مهدي وكان ضالا فأمرني أن أجد السيف وأقتل بالظنة وأقدم بالشبهة وأرفع الرحمة ولا أقيل العثرة، فوترت أهل الدنيا في طاعتكم، وتوطئة سلطانكم، حتى عرفكم الله من كان جهلكم. ثم إن الله سبحانه تداركني منه بالندم واستنقذني بالتوبة، فإن يعف عني ويصفح فإنه كان للاوابين غفورا، وإن يعاقبني فبذنوني وما ربك بظلام للعبيد. فكتب إليه المنصور: أما بعد أيها المجرم العاصي، فإن أخي كان إمام هدى يدعو إلى الله على بينة من ربه (1)، فأوضح لك السبيل، وحملك على المنهج السديد، فلو بأخي اقتديت لما كنت عن الحق حائدا، وعن الشيطان وأوامره صادرا، ولكنه لم يسنح لك أمران إلا كنت لارشدهما تاركا، ولاغواهما راكبا، تقتل قتل الفراعنة، وتبطش بطش الجبابرة، وتحكم بالجور حكم المفسدين، وتبذر المال وتضعه في غير مواضعه فعل المسرفين، ثم من خبري أيها الفاسق أني قد وليت موسى بن كعب خراسان، وأمرته أن يقيم بنيسابور، فإن أردت خراسان لقيك بمن معه من قوادي وشيعتي، وأنا موجه للقائك أقرانك، فاجمع كيدك وأمرك غير مسدد ولا موفق، وحسب أمير المؤمنين ومن اتبعه الله ونعم الوكيل (2). ولم يزل المنصور يراسله تارة بالرغبة وتارة بالرهبة، ويستخف أحلام من حوله من الامراء والرسل الذين يبعثهم أبو مسلم إلى المنصور ويعدهم، حتى حسنوا لابي مسلم في رأيه القدوم عليه سوى أمير معه يقال له نيزك، فإنه لم يوافق على ذلك، فلما رأى أبا مسلم وقد انطاع لهم أنشد عند ذلك البيت المتقدم، وهو: ما للرجال مع القضاء محالة * ذهب القضاء بحيلة الاقوام وأشار عليه بأن يقتل المنصور ويستخلف بدله فلم يمكنه ذلك، فإنه لما قدم المدائن تلقاه الامراء عن أمر الخليفة، فما وصل إلا آخر النهار، وقد أشار أبو أيوب كاتب الرسائل أن لا يقتله يومه هذا كما تقدم فلما وقف بين يدي الخليفة أكرمه وعظمه وأظهر احترامه، وقال: اذهب الليلة فأذهب عنك


(1) في ابن الاعثم 8 / 223: على بصيرة ويقين من أمره. (2) راجع حاشية 1 صفحة 70. (*)

[ 75 ]

وعثاء السفر ثم ائتني من الغد. فلما كان الغد أرصد له من الامراء من يقتله، منهم عثمان بن نهيك، وشبيب بن واج، فقتلوه كما تقدم. ويقال بل أقام أياما يظهر له المنصور الاكرام والاحترام، ثم نشق منه الوحشة فخاف أبو مسلم واستشفع بعيسى بن موسى واستجار به، وقال: إني أخافه على نفسي. فقال: لا بأس عليك فانطلق فإني آت وراءك، أنت في ذمتي حتى آتيك، - ولم يكن مع عيسى خبر بما يريد به الخليفة - فجاء أبو مسلم يستأذن على المنصور فقالوا له: اجلس ههنا فإن أمير المؤمنين يتوضأ، فجلس وهو يود أن يطول مجلسه ليجئ عيسى بن موسى فأبطأ، وأذن له الخليفة فدخل عليه فجعل يعاتبه في أشياء صدرت منه فيعتذر عنها جيدا، حتى قال له: فلم قتلت سليمان بن كثير، وإبراهيم بن ميمون، وفلانا وفلانا ؟ قال: لانهم عصوني وخالفوا أمري. فغضب عند ذلك المنصور وقال: ويحك ! أنت تقتل إذا عصيت، وأنا لا أقتلك وقد عصيتني ؟ وصفق بيديه وكانت الاشارة بينه وبين المرصدين لقتله -، فتبادروا إليه ليقتلوه فضربه أحدهم فقطع حمائل سيفه، فقال: يا أمير المؤمنين استبقني لاعدائك، فقال: وأي عدو لي أعدى منك. ثم زجرهم المنصور فقطعوه قطعا ولفوه في عباءة، ودخل عيسى بن موسى على إثر ذلك فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال: هذا أبو مسلم، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال له المنصور: احمد الله الذي هجمت علي نعمة، ولم تهجم علي نقمة، ففي ذلك يقول أبو دلامة: أبا مسلم (1) ما غير الله نعمة * على عبده حتى يغيرها العبد أبا مسلم خوفتني القتل فانتحى * عليك بما خوفتني الاسد الورد وذكر ابن جرير: أن المنصور تقدم إلى عثمان بن نهيك وشبيب بن واج وأبي حنيفة حرب بن قيس وآخر من الحرس أن يكونوا قريبا منه، فإذا دخل عليه أبو مسلم وخاطبه وضرب بإحدى يديه على الاخرى فليقتلوه. فلما دخل عليه أبو مسلم قال له المنصور: ما فعل السيفان (2) اللذان أصبتهما من عبد الله بن علي ؟ فقال: هذا أحدهما. فقال: أرنيه، فناوله السيف فوضعه تحت ركبته ثم قال له: ما حملك على أن تكتب لابي عبد الله السفاح تنهاه عن الموات، أردت أن تعلمنا الدين ؟ قال: إنني ظننت أن أخذه لا يحل، فلما جاءني كتاب أمير المؤمنين علمت أنه وأهل بيته معدن العلم. قال: فلم تقدمت علي في طريق الحج ؟ قال: كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس، فتقدمت التماس الرفق. قال: فلم لا رجعت إلي حين أتاك خبر موت أبي العباس ؟ قال: كرهت التضييق على الناس في طريق الحج، وعرفت أنا سنجتمع بالكوفة، وليس عليك مني خلاف. قال: فجارية عبد الله بن علي أردت أن تتخذها لنفسك ؟ قال: لا ! ولكن خفت أن تضيع فحملتها في قبة ووكلت بها من يحفظها. ثم قال


(1) في وفيات الاعيان 3 / 155 أبا مجرم. في الموضعين. (2) في الطبري 9 / 166: نصلين (وانظر ابن الاثير 5 / 475). (*)

[ 76 ]

له: ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك والكاتب إلي تخطب آمنة (1) بنت علي ؟ وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس ؟ هذا كله ويد المنصور في يده يعركها ويقبلها ويتعذر، ثم قال له: فما حملك على مراغمتي ودخولك إلى خراسان ؟ قال: خفت أن يكون دخلك مني شئ فأردت أن أدخل خراسان وأكتب إليك بعذري. قال: فلم قتلت سليمان بن كثير وكان من نقبائنا ودعاتنا قبلك ؟ قال: أراد خلافي. فقال: ويحك وأنت أردت خلافي وعصيتني، قتلني الله إن لم أقتلك. ثم ضربه بعمود الخيمة وخرج إليه أولئك فضربه عثمان فقطع حمائل سيفه، وضربه شبيب فقطع رجله، وحمل عليه بقيتهم بالسيوف، والمنصور يصيح: ويحكم اضربوه قطع الله أيديكم. ثم ذبحوه وقطعوه قطعا قطعا، ثم ألقي في دجلة. ويروى أن المنصور لما قتله وقف عليه فقال: رحمك الله أبا مسلم، بايعتنا فبايعناك، وعاهدتنا وعاهدناك، ووفيت لنا فوفينا لك، وإنا بايعناك على أن لا يخرج علينا أحد في هذه الايام إلا قتلناه، فخرجت علينا فقتلناك، وحكمنا علينا حكمك على نفسك لنا. ويقال إن المنصور قال: الحمد لله الذي أرانا يومك يا عدو الله. قال ابن جرير وقال المنصور عند ذلك: زعمت أن الدين لا يقتضى * فاستوف بالكيل أبا مجرم سقيت كأسا كنت تسقي بها * أمر في الحلق من العلقم ثم إن المنصور خطب في الناس بعد قتل أبي مسلم فقال: أيها الناس، لا تنفروا أطيار النعم بترك الشكر، فتحل بكم النقم، ولا تسروا غش الائمة فإن أحدا لا يسر منكم شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه، وطوالع نظره وإنا لن نجهل حقوقكم ما عرفتم حقنا، ولا ننسى الاحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا، ومن نازعنا هذا القميص أوطأنا أم رأسه، حتى يستقيم رجالكم، وترتدع عمالكم. وإن هذا الغمر أبا مسلم بايع على أنه من نكث بيعتنا وأظهر غشنا فقد أباحنا دمه، فنكث وغدر وفجر وكفر، فحكمنا عليه لانفسنا حكمه على غيره لنا، وإن أبا مسلم أحسن مبتديا وأساء منتهيا، وأخذ من الناس بنا لنفسه أكثر مما أعطانا. ورجح قبيح باطنه على حسن ظاهره، وعلمنا من خبث سريرته وفساد نيته ما لو علم اللائم لنا فيه لما لام، ولو اطلع على ما اطلعنا عليه منه لعذرنا في قتله، وعنفنا في إمهاله، وما زال ينقض بيعته ويخفر ذمته حتى أحل لنا عقوبته وأباحنا دمه، فحكمنا فيه حكمه في غيره ممن شق العصا، ولم يمنعنا الحق له من إمضاء الحق فيه (2)، وما أحسن ما قال النابغة الذبياني للنعمان - يعني ابن المنذر -: فمن أطاعك فانفعه بطاعته * كما أطاعك والله على الرشد ومن عصاك فعاقبه معاقبة * تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد


(1) انظر حاشية 4 صفحة 71. (2) نسخة خطبة أبي جعفر منصور في مروج الذهب 3 / 358. وابن الاثير 5 / 478 - 479 باختلاف. (*)

[ 77 ]

وقد روى البيهقي عن الحاكم بسنده: أن عبد الله بن المبارك سئل عن أبي مسلم أهو خير أم الحجاج ؟ فقال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيرا من أحد، ولكن كان الحجاج شرا منه، قد اتهمه بعضهم على الاسلام، ورموه بالزندقة، ولم أر فيما ذكروه عن أبي مسلم ما يدل على ذلك، بل على أنه كان ممن يخاف الله من ذنوبه، وقد ادعى التوبة فيما كان منه من سفك الدماء في إقامة الدولة العباسية والله أعلم بأمره. وقد روى الخطيب عنه أنه قال: ارتديت الصبر، وآثرت الكفاف، وحالفت الاحزان والاشجان، وشامخت المقادير والاحكام، حتى بلغت غاية همتي، وأدركت نهاية بغيتي. ثم أنشأ يقول: قد نلت بالعزم (1) والكتمان ما عجزت * عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا ما زلت أضربهم بالسيف فانتبهوا * من رقدة (2) لم ينمها قبلهم أحد وطفت أسعى عليهم في ديارهم * والقوم في ملكهم (3) في الشام قد رقدوا ومن رعى غنما في أرض مسبعة * ونام عنها تولى رعيها الاسد وقد كان قتل أبي مسلم بالمدائن يوم الاربعاء لسبع خلون، وقيل لخمس بقين، وقيل لاربع، وقيل لليلتين بقيتا من شعبان من هذه السنة - أعني سنة سبع وثلاثين ومائة - قال بعضهم: كان ابتداء ظهوره في رمضان من سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل في شعبان سنة سبع وعشرين ومائة. وزعم بعضهم أنه قتل ببغداد في سنة أربعين، وهذا غلط من قائله، فإن بغداد لم تكن بنيت بعد كما ذكره الخطيب في تاريخ بغداد، ورد هذا القول. ثم إن المنصور شرع في تأليف أصحاب أبي مسلم بالاعطية والرغبة والرهبة والولايات، واستدعى أبا إسحاق - وكان من أعز أصحاب أبي مسلم - وكان على شرطة أبي مسلم، وهم بضرب عنقه فقال: يا أمير المؤمنين والله ما أمنت قط إلا في هذا اليوم، وما من يوم كنت أدخل عليه (4) إلا تحنطت ولبست كفني. ثم كشف عن ثيابه التي تلي جسده فإذا هو محنط وعليه أدراع أكفان، فرق له المنصور وأطلقه. وذكر ابن جرير أن أبا مسلم قتل في حروبه وما كان يتعاطاه لاجل دولة بني العباس ستمائة ألف


(1) في وفيات الاعيان 3 / 152: أدركت بالحزم. وفي ابن الاثير 5 / 480: قد نلت بالحزم. (2) في الوفيات: حتى ضربتهم................ * من نومه.................... (3) في الوفيات: ما زلت أسعى بجهدي في دمارهم * والقوم في غفلة....... (4) في الاصل عليك تحريف. (*)

[ 78 ]

صنبرا زيادة عن من قتل بغير ذلك. وقد قال للمنصور وهو يعاتبه على ما كان يصنعه: يا أمير المؤمنين لا يقال لي هذا بعد بلائي وما كان مني. فقال له: يابن الخبيثة، لو كانت أمة مكانك لاجزأت ناحيتها، إنما عملت ما عملت بدولتنا وبريحنا، لو كان ذلك إليك لما وصلت إلى فتيل. ولما قتله المنصور لف في كساء وهو مقطع إربا إربا، فدخل عيسى بن موسى فقال: يا أمير المؤمنين أين أبو مسلم ؟ قال: قد كان هاهنا آنفا. فقال: يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ونصيحته ورأي إبراهيم الامام فيه. فقال له: يا أنوك (1) والله ما أعلم في الارض عدوا أعدى لك منه، ها هو ذاك في البساط. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال له المنصور: خلع الله قلبك ! وهل كان لكم مكان أو سلطان أو أمر أو نهي مع أبي مسلم ؟ ثم استدعى المنصور برؤوس الامراء فجعل يستشيرهم في قتل أبي مسلم قبل أن يعلموا بقتله، فكلهم يشير بقتله، ومنهم من كان إذا تكلم أسر كلامه خوفا من أبي مسلم لئلا ينقل إليه، فلما أطلعهم عن قتله أفزعهم ذلك وأظهروا سرورا كثيرا. ثم خطب المنصور الناس بذلك كما تقدم. ثم كتب المنصور إلى نائب أبي مسلم على أمواله وحواصله (2) بكتاب على لسان أبي مسلم أن يقدم بجميع ما عنده من الحواصل والذخائر والاموال والجواهر، وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم بكماله، مطبوعا بكل فص الخاتم، فلما رآه الخازن استراب في الامر، وقد كان أبو مسلم تقدم إلى خازنه أنه إذا جاءك كتابي فإن رأيته مختوما بنصف الفص فامض لما فيه، فإني إنما أختم بنصف فصه على كتبي، وإذا جاءك الكتاب مختوما عليه بكماله فلا تقبل ولا تمض ما فيه. فامتنع عند ذلك خازنه أن يقبل ما بعث به المنصور، فأرسل المنصور بعد ذلك إليه من أخذ جميع ذلك وقتل ذلك الرجل الخازن (3)، وكتب المنصور إلى أبي داود إبراهيم بن خالد بأمرة خراسان كما وعده قبل ذلك عوضا عن أبي مسلم. وفي هذه السنة خرج سنباذ يطلب بدم أبي مسلم، وقد كان سنباذ هذا مجوسيا تغلب على قومس وأصبهان، ويسمى بفيروز اصبهبذ، فبعث إليه أبو جعفر المنصور جيشا هم عشرة آلاف فارس عليهم جهور (4) بن مرار العجلي - فالتقوا بين همذان والري بالمفازة، فهزم جهور لسنباذ وقتل من أصحابه ستين ألفا وسبى ذراريهم ونساءهم، وقتل سنباذ بعد ذلك فكانت أيامه سبعين يوما. وأخذ ما كان استحوذ عليه من أموال أبي مسلم التي كانت بالري. وخرج في هذه السنة أيضا رجل يقال له ملبد [ بن حرمة الشيباني ] في ألف من الخوارج بالجزيرة فجهز إليه المنصور جيوشا متعددة كثيفة كلها تنفر منه


(1) الانوك: الاحمق. (2) وهو أبو نصر مالك بن الهيثم. (3) في الطبري 9 / 168 وابن الاثير 5 / 478 قدم أبو نصر على المنصور بعد أن أخلى سبيله زهير بن التركي فاعتذر من أبي جعفر فعفا عنه. وزاد في الامامة والسياسة 2 / 164: وولاه الموصل. (4) في ابن الاثير 5 / 481: جمهور. (*)

[ 79 ]

وتنكسر ثم قاتله حميد بن قحطبة نائب الجزيرة، فهزمه ملبد وتحصن منه حميد في بعض الحصون ثم صالحه حميد بن قحطبة على مائة ألف فدفعها إليه وقبلها ملبد وتقلع عنه. وحج بالناس في هذه السنة عم الخليفة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس قاله الواقدي. وكان نائب الموصل - يعني عم المنصور وعلى نيابة الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سليمان بن علي، وعلى الجزيرة حميد بن قحطبة، وعلى مصر صالح بن علي، وعلى خراسان أبو داود إبراهيم بن خالد، وعلى الحجاز زياد بن عبد الله (1). ولم يكن للناس في هذه السنة صائفة لشغل الخليفة بسنباذ وغيره. ومن مشاهير من توفي فيها أبو مسلم الخراساني كما تقدم، ويزيد بن أبي زياد أحد من تكلم فيه كما ذكرناه في التكميل، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة فيها دخل قسطنطين ملك الروم ملطية عنوة فهدم سورها وعفا عمن قدر عليه من مقاتليها. وفيها غزا الصائفة صالح بن علي نائب مصر، فبنى ما كان هدم ملك الروم من سور ملطية، وأطلق لاخيه عيسى بن علي أربعين ألف دينار، وكذلك أعطى لابن أخيه العباس بن محمد بن علي أربعين ألف دينار. وفيها بايع عبد الله بن علي الذي كسره أبو مسلم وانهزم إلى البصرة واستجار بأخيه سليمان بن علي، حتى بايع للخليفة في هذه السنة ورجع إلى طاعته. ولكن حبس في سجن بغداد كما سيأتي. وفيها خلع جهور بن مرار العجلي الخليفة المنصور بعدما كسر سنباذ (2) واستحوذ على حواصله وعلى أموال أبي مسلم، فقويت نفسه بذلك وظن أنه لا يقدر عليه بعد، فأرسل إليه الخليفة محمد بن الاشعث الخزاعي في جيش كثيف فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم جهور وقتل عامة من معه، وأخذ ما كان معه من الاموال والحواصل والذخائر، ثم لحقوه فقتلوه. وفيها قتل الملبد الخارجي على يدي خازم بن خزيمة في ثمانية آلاف، وقتل من أصحاب الملبد ما يزيد على ألف وانهزم بقيتهم. قال الواقدي: وحج بالناس فيها الفضل بن علي، والنواب فيها هم المذكورون بالتي قبلها. وممن توفي فيها من الاعيان زيد بن واقد، والعلاء بن عبد الرحمن، وليث بن أبي سليم في قول. وفيها كانت خلافة (3) الداخل من بني أمية إلى بلاد الاندلس وهو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الهاشمي. قلت: ليس هو بهاشمي إنما هو من بني أمية ويسمى أمويا،


(1) في الطبري وابن الاثير: زياد على المدينة، وعلى مكة العباس بن عبد الله بن معبد ومات خلال الموسم فضل اسماعيل عمله إلى زياد. (2) في مروج الذهب 3 / 360: بسنفاد. (3) في الطبري 9 / 171: روى خبر خلافته في حوادث سنة 139. (*)

[ 80 ]

كان قد دخل إلى بلاد المغرب فرارا من عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، فاجتاز بمن معه من أصحابه الذين فروا معه بقوم يقتتلون على عصبية اليمانية والمضرية، فبعث مولاه بدرا إليهم فاستمالهم إليه فبايعوه ودخل بهم ففتح بلاد الاندلس واستحوذ عليها وانتزعها من نائبها يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري وقتله. وسكن عبد الرحمن قرطبة واستمر في خلافته في تلك البلاد من هذه السنة إلى سنة ثنتين وسبعين ومائة. فتوفي فيها وله في الملك أربع وثلاثون سنة وأشهر. ثم قام من بعده ولده هشام ست سنين وأشهرا. ثم مات فولي بعده الحكم بن هشام ستا وعشرين سنة وأشهرا ثم مات. ثم ولي بعده ولده عبد الرحمن بن الحكم ثلاثا وثلاثين سنة ثم مات. ثم ولي بعده محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ستا وعشرين سنة. ثم ابنه المنذر بن محمد، ثم أخوه عبد الله بن محمد بن المنذر. وكانت أيامه بعد الثلاثمائة بدهر، ثم زالت تلك الدولة كما سنذكره من زوال تلك السنون وأهلها وما قضوا فيها من النعيم والعيش الرغيد والنساء الحسان ثم انقضت تلك السنوات وأهلها كأنهم على ميعاد، ثم أضحوا كأنهم ورق جف ألوت عليه الصبا والذبول. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة فيها أكمل صالح بن علي بناء ملطية ثم غزا الصائفة على طريق الحديث، فوغل في بلاد الروم، وغزا معه أختاه أم عيسى ولبابة ابنتا علي، وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن يجاهدا في سبيل الله عز وجل. وفيها كان الفداء الذي حصل بين المنصور وبين ملك الروم، فاستنقذ بعض أسرى المسلمين ثم لم يكن للناس صائفة في هذه السنة إلى سنة ست وأربعين، وذلك لاشتغال المنصور بأمر ابني عبد الله بن حسن كما سنذكره. ولكن ذكر بعضهم (1) أن الحسن بن قحطبة غزا الصائفة مع عبد الوهاب بن إبراهيم الامام سنة أربعين فالله أعلم. وفيها وسع المنصور المسجد الحرام، وكانت هذه السنة خصبة جدا - أي كثيرة الخصب فكان يقال لها السنة الخصبة - وقيل إنما كان ذلك في سنة أربعين. وفيها عزل المنصور عمه سليمان عن إمرة البصرة، فاختفى عبد الله بن علي وأصحابه خوفا على أنفسهم، فبعث المنصور إلى نائبه على البصرة، وهو سفيان بن معاوية، يستحثه في إحضار عبد الله بن علي إليه، فبعثه في أحصابه فقتل بعضهم وسجن عبد الله بن علي عمه، وبعث بقية أصحابه إلى أبي داود نائب خراسان فقتلهم هناك. وحج بالناس فيها العباس بن علي بن عبد الله بن عباس. وفيها توفي عمرو بن مجاهد، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، ويونس بن عبيد، أحد العباد وصاحب الحسن البصري.


(1) انظر ابن الاثير 5 / 500. (*)

[ 81 ]

ثم دخلت سنة أربعين ومائة فيها ثار جماعة من الجند على أبي داود نائب خراسان، وحاصروا داره، فأشرف عليهم وجعل يستغيث بجنده ليحضروا إليه، واتكأ على آجرة في الحائط فانكسرت به فسقط فانكسر ظهره فمات، فخلفه على خراسان عاصم (1)، صاحب الشرطة حتى قدم الامير من جهة الخليفة عليها، وهو عبد الجبار بن عبد الرحمن الازدي، فتسلم بلاد خراسان، وقتل جماعة من الامراء لانه بلغه عنهم أنهم يدعون إلى خلافة آل علي بن أبي طالب، وحبس آخرين، وأخذ نواب أبي داود بجباية الاموال المنكسرة عندهم. وفيها حج بالناس الخليفة المنصور أحرم من الحيرة ورجع بعد انقضاء الحج إلى المدينة، ثم رحل إلى بيت المقدس فزاره، ثم سلك الشام إلى الرقة، ثم سار إلى الهاشمية - هاشمية الكوفة - ونواب الاقاليم هم المذكورون في التي قبلها، سوى خراسان فإنه مات نائبها أبو داود، فخلفه مكانه عبد الجبار الازدي. وفيها توفي داود بن أبي هند، وأبو حازم سلمة بن دينار، وسهيل بن أبي صالح، وعمارة بن غزية بن قيس السكوني. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة فيها خرجت طائفة يقال لها الراوندية على المنصور. ذكر ابن جرير عن المدائني: أن أصلهم من خراسان، وهم على رأي أبي مسلم الخراساني، كانوا يقولون بالتناسخ، ويزعمون أن روح آدم انتقلت إلى عثمان بن نهيك، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم أبو جعفر المنصور. وأن الهيثم بن معاوية جبريل، قبحهم الله. قال ابن جرير: فأتوا يوما قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون: هذا قصر ربنا، فأرسل المنصور إلى رؤسائهم فحبس منهم مائتين، فغضبوا من ذلك وقالوا: علام تحبسهم ؟ ثم عمدوا إلى نعش فحملوه على كواهلهم وليس عليه أحد، واجتمعوا حوله كأنهم يشيعون جنازة، واجتازوا بباب السجن، فألقوا النعش ودخلوا السجن قهرا واستخرجوا من فيه من أصحابهم، وقصدوا نحو المنصور وهم في ستمائة، فتنادى الناس وغلقت أبواب البلد، وخرج المنصور من القصر ماشيا، لانه لم يجد دابة يركبها، ثم جئ بدابة فركبها وقصد نحو الراوندية وجاء الناس من كل ناحية، وجاء معن بن زائدة، فلما رأى المنصور ترجل وأخذ بلجام دابة المنصور، وقال: يا أمير المؤمنين ارجع ! نحن نكفيكهم. فأبى وقام أهل الاسواق إليهم فقاتلوهم، وجاءت الجيوش فالتفوا عليهم من كل ناحية


(1) في ابن الاثير 5 / 498 والطبري 9 / 173: عصام. (*)

[ 82 ]

فحصدوهم عن اخرهم، ولم يبق منهم بقية. وجرحوا عثمان بن نهيك بسهم بين كتفيه، فمرض أياما ثم مات، فصلى عليه الخليفة، وقام على قبره حتى دفن ودعا له، وولى أخاه عيسى بن نهيك على الحرس، وكان ذلك كله بالمدينة الهاشمية من الكوفة. ولما فرغ المنصور من قتال الراوندية ذلك اليوم صلى بالناس الظهر في آخر وقتها، ثم أتي بالطعام فقال أين معن من زائدة ؟ وأمسك عن الطعام حتى جاء معن فأجلسه إلى جنبه، ثم أخذ في شكره لمن بحضرته لما رأى من شهامته يومئذ. فقال معن: والله يا أمير المؤمنين لقد جئت وإني لوجل، فلما رأيت استهانتك بهم وإقدامك عليهم قوي قلبي واطمأن، وما ظننت أن أحدا يكون في الحرب هكذا، فذاك الذي شجعني يا أمير المؤمنين. فأمر له المنصور بعشرة آف ور ؟ ي عنه وولاه اليمن. وكان معن بن زائدة قبل ذلك مختفيا، لانه قاتل المسودة مع ابن هبيرة، فلم يظهر إلا في هذا اليوم. فلما رأى الخليفة صدقة في قتاله رضي عنه. ويقال: إن المنصور قال عن نفسه: أخطأت في ثلاث: قتلت أبا مسلم وأنا في جماعة قليلة، وحين خرجت إلى الشام ولو اختلف سيفان بالعراق لذهبت الخلافة، ويوم الراوندية لو أصابني سهم غرب لذهبت ضياعا. وهذا من حزمه وصرامته. وفي هذه السنة ولى المنصور ابنه محمدا العهد من بعده ودعاه بالمهدي وولاه بلاد خراسان وعزل عنها عبد الجبار بن عبد الرحمن، وذلك أنه قتل خلقا من شيعة الخليفة، فشكاه المنصور إلى أبي أيوب كاتب الرسائل فقال: يا أمير المؤمنين أكتب إليه ليبعث جيشا كثيفا من خراسان إلى غزو الروم، فإذا خرجوا بعثت إليه من شئت فأخرجوه من بلاد خراسان ذليلا. فكتب إليه المنصور بذلك، فرد الجواب بأن بلاد خراسان قد عائت بها الاتراك، ومتى خرج منها جيش خيف عليها وفسد أمرها. فقال المنصور لابي أيوب: ماذا ترى ؟ قال: فاكتب إليه: إن بلاد خراسان أحق بالمدد لثغور المسلمين من غيرها، وقد جهزت إليك بالجنود. فكتب إليه أيضا: إن بلاد خراسان ضيقة في هذا العام أقواتها، ومتى دخلها جيش أفسدها. فقال الخليفة لابي أيوب: ما تقول ؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا رجل قد أبدى صفحته وخلع فلا تناظره. فحينئذ بعث المنصور ابنه محمدا المهدي ليقيم بالري، فبعث المهدي بين يديه خازم بن خزيمة مقدمة إلى عبد الجبار، فما زال به يخدعه ومن معه حتى هرب من معه وأخذوه هو فأركبوه بعيرا محولا وجهه إلى ناحية ذنب البعير. وسيروه كذلك في البلاد حتى أقدموه على المنصور ومعه ابنه وجماعة من أهله، فضرب المنصور عنقه وسير ابنه ومن معه إلى جزيرة (1) في طرف اليمن، فأسرتهم الهنود بعد ذلك، ثم فودي بعضهم بعد ذلك. واستقر المهدي نائبا على خراسان، وأمره أبوه أن يغزو طبرستان، وأن يحارب الاصبهبذ بمن معه من الجنود وأمده بجيش عليهم عمر بن العلاء، وكان من أعلم الناس بحرب طبرستان، وهو الذي يقول فيه الشاعر (2):


(1) وهي دهلك (الطبري ابن الاثير). (2) وهو بشار بن برد. (*)

[ 83 ]

فقل للخليفة إن جئته * نصيحا ولا خير في المتهم إذا أيقظتك حروب العدى * فنبه لها عمرا ثم نم فتى لا بنام على دمنة * ولا يشرب الماء إلا بدم فلما تواقفت الجيوش على طبرستان فتحوها وحصروا الاصبهبذ حتى ألجأوه إلى قلعته فصالحهم على ما فيها من الذخائر، وكتب المهدي إلى أبيه بذلك، ودخل الاصبهبذ بلاد الديلم فمات هناك. وكسروا أيضا ملك الترك الذي يقال له المصمغان، وأسروا أمما من الذراري، فهذا فتح طبرستان الاول. وفيها فرغ بناء المصيصة على يدي جبريل بن يحيى الخراساني، وفيها رابط محمد بن إبراهيم الامام ببلاد ملطية. وفيها عزل المنصور زياد بن عبيد الله عن إمرة الحجاز وولى المدينة محمد بن خالد القسري وقدمها في رجب. وولى مكة والطائف الهيثم بن معاوية العكي (1). وفيها توفي موسى بن كعب وهو على شرطة المنصور. وعلى مصر من كان عليها في السنة الماضية، ثم ولى مصر محمد بن الاشعث ثم عزله عنها وولى عليها نوفل بن الفرات. وحج بالناس فيها صالح بن علي وهو نائب قنسرين وحمص ودمشق، وبقية البلاد عليها من ذكرنا في التي قبلها والله أعلم. وفيها توفي أبان بن تغلب، وموسى بن عقبة، صاحب المغازي، وأبو إسحاق الشيباني في قول والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين ومائة فيها خلع عيينة بن موسى بن كعب نائب السند الخليفة، فجهز إليه العساكر صحبة عمر بن حفص بن أبي صفرة، وولاه السند والهند، فحاربه عمر بن حفص وقهره على الارض وتسلمها منه. وفيها نكث أصبهبذ طبرستان العهد الذي كان بينه وبين المسلمين، وقتل طائفة ممن كان بطبرستان، فجهز إليه الخليفة الجيوش صحبة خازم بن خزيمة، وروح بن حاتم، ومعهم مرزوق أبو الخصيب، مولى المنصور، فحاصروه مدة طويلة، فلما أعيالهم فتح الحصن الذي هو فيه احتالوا عليه، وذلك أن أبا الخصيب قال: اضربوني واحلقوا رأسي ولحيتي، ففعلوا ذلك، فذهب إليه كأنه مغاضب للمسلمين قد ضربوه وحلقوا لحيته، فدخل الحصن ففرح به الاصبهبذ وأكرمه وقربه، وجعل أبو الخصيب يظهر له النصح والخدمة حتى خدعه، وحظي عنده جدا وجعله من جملة من يتولى فتح الحصن وغلقه، فلما تمكن من ذلك كاتب المسلمين وأعلمهم (2) أنه في الليلة الفلانية يفتح لهم، فاقتربوا من الباب حتى


(1) في الطبري وابن الاثير: العتكي. (2) كتب كتابا وصيره في نشابة ورماها إليهم... (الطبري - ابن الاثير) (*)

[ 84 ]

أفتحه لكم، فلما كانت تلك الليلة فتح لهم باب الحصن فدخلوا فقتلوا من فيه من المقاتلة وسبوا الذرية وامتص الاصبهبذ خاتما مسموما فمات. وكان فيمن أسروا يومئذ أم منصور بن المهدي، وأم إبراهيم بن المهدي، وكانتا من بنات الملوك الحسان. وفيها بنى المنصور لاهل البصرة قبلتهم التي يصلون عندها بالجبان (1)، وتولى بناءها سلمة بن سعيد بن جابر نائب الفرات والابلة. وصام المنصور شهر رمضان بالبصرة وصلى بالناس العيد في ذلك المصلى. وفيها عزل المنصور نوفل بن الفرات عن إمرة مصر وولى عليها حميد بن قحطبة. وحج بالناس فيها إسماعيل بن علي. وفيها توفي سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عم الخليفة ونائب البصرة. كان ذلك يوم السبت لسبع بقين من جمادى الآخرة، وهو ابن تسع وخمسين سنة، وصلى عليه أخوه عبد الصمد. روى عن أبيه وعكرمة وأبي بردة بن أبي موسى. وعنه جماعة منهم بنوه جعفر، ومحمد، وزينب والاصمعي. وكان قد شاب وهو ابن عشرين سنة وخضب لحيته من الشيب في ذلك السن، وكان كريما جوادا ممدحا. كان يعتق عشية عرفة في كل سنة مائة نسمة، وبلغت صلاته لبني هاشم وسائر قريش والانصار خمسة آلاف ألف واطلع يوما من قصره فرأى نسوة يغزلن في دار من دور البصرة، فاتفق في نظره هذا إليهن أن قالت واحدة منهن: لو أن الامير نظر إلينا واطلع على حالنا فأغنانا عن الغزل ؟ فنهض من فوره فجعل يدور في قصره ويجمع من حلى نسائه من الذهب والجواهر وغيرها ما ملا به منديلا كبيرا، ثم دلاه إليهن ونثر عليهن من الدنانير والدراهم شيئا كثيرا، فماتت إحداهن من شدة الفرح، فأعطى ديتها وما تركته من ذلك لورثتها. وقد ولي الحج في أيام السفاح، وولي البصرة أيام المنصور، وكان من خيار بني العباس، وهو أخو إسماعيل وداود وصالح وعبد الصمد وعبد الله وعيسى ومحمد، وهو عم السفاح والمنصور. وممن توفي فيها من الاعيان خالد الحذاء، وعاصم الاحول، وعمرو بن عبيد القدري في قول (2). وهو عمرو بن عبيد بن ثوبان (3)، ويقال ابن كيسان، التيمي مولاهم أبو عثمان البصري، من أبناء فارس، شيخ القدرية والمعتزلة. روى الحديث عن الحسن البصري وعبيد الله بن أنس، وأبي العالية وأبي قلابة، وعنه الحمادان وسفيان بن عيينة والاعمش - وكان من أقرانه - وعبد الوارث بن


(1) في الطبري: الحمان، وفي معجم البلدان: جمان: محلة بالبصرة سميت بالقبيلة وهم بنو حمان بن سعد بن زيد مناة بن تميم. (2) في مروج الذهب 3 / 371: مات سنة أربع وأربعين (انظر أمالي المرتضى 1 / 169). (3) في مروج الذهب ووفيات الاعيان 3 / 460: بن باب، مولى بني عقيل ثم آل عرادة بن يربوع بن مالك (وفي المروج: مولى بني تميم). (*)

[ 85 ]

سعيد، وهارون بن موسى، ويحيى القطان، ويزيد بن زريع. قال الامام أحمد بن حنبل: ليس بأهل أن يحدث عنه. وقال علي بن المديني ويحيى بن معين: ليس بشئ، وزاد ابن معين وكان رجل سوء وكان من الدهرية الذين يقولون إنما الناس مثل الزرع. وقال الفلاس: متروك صاحب بدعة. كان يحيى القطان يحدثنا عنه ثم تركه وكان ابن مهدي لا يحدث عنه. وقال أبو حاتم: متروك. وقال النسائي ليس بثقة. وقال شعبة عن يونس بن عبيد: كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث. وقال حماد بن سلمة: قال لي حميد: لا تأخذ عنه فإنه كان يكذب على الحسن البصري. وكذا قال أيوب وعوف وابن عون. وقال أيوب: ما كنت أعدله عقلا، وقال مطر الوراق: والله لا أصدقه في شئ. وقال ابن المبارك: إنما تركوا حديثه لانه كان يدعو إلى القدر. وقد ضعفه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل، وأثنى عليه آخرون في عبادته وزهده وتقشفه. قال الحسن البصري: هذا سيد شباب القراء ما لم يحدث. قالوا: فأحدث والله أشد الحدث. وقال ابن حبان: كان من أهل الورع والعبادة إلى أن أحدث ما أحدث واعتزل مجلس الحبس هو وجماعة معه فسموا المعتزلة، وكان يشتم الصحابة ويكذب في الحديث، وهما لا تعمدا. وقد روي عنه أنه قال: إن كانت تبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ فما تعد منه على ابن آدم حجة. وروى له حديث ابن مسعود: حدثنا الصادق المصدوق " أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما " حتى قال: " فيؤمر بأربع كلمات. رزقه وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد " إلى آخره. فقال: لو سمعت الاعمش يرويه لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما أحببته، ولو سمعته من ابن مسعود لما قبلته، ولو سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت ما على هذا أخذت علينا الميثاق. وهذا من أقبح الكفر، لعنه الله إن كان قال هذا. وإذا كان مكذوبا عليه فعلى من كذبه عليه ما يستحقه وقد قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: أيها الطالب علما * إيت حماد بن زيد فخذ العلم بحلم * ثم قيده بقيد وذر البدعة من * آثار عمرو بن عبيد وقال ابن عدي: كان عمرو يغر الناس بتقشفه، وهو مذموم ضعيف الحديث جدا، معلن بالبدع. وقال الدار قطني: ضعيف الحديث. وقال الخطيب البغدادي: جالس الحسن واشتهر بصحبته ثم أزاله واصل بن عطاء عن مذهب أهل السنة وقال بالقدر ودعا إليه، واعتزل أصحاب الحديث، وكان له سمت وإظهار زهد. وقد قيل: إنه وواصل بن عطاء ولدا سنة ثمانين، وحكى البخاري أن عمرا مات سنة ثنتين أو ثلاث وأربعين ومائة بطريق مكة، وقد كان عمرو محظيا عند أبي جعفر المنصور، كان المنصور يحبه ويعظمه لانه كان يفد على المنصور مع القراء فيعطيهم المنصور فيأخذون، ولا يأخذ عمرو منه شيئا، وكان يسأله أن يقبل كما يقبل أصحابه فلا يقبل منه، فكان ذلك مما يغر المنصور ويروج به عليه حاله، لان المنصور كان بخيلا وكان يعجبه ذلك منه وينشد:

[ 86 ]

كلكم يمشي رويد * كلكم يطلب صيد * غير عمرو بن عبيد ولو تبصر المنصور لعلم أن كل واحد من أولئك القراء خير من ملء الارض مثل عمرو بن عبيد، والزهد لا يدل على صلاح، فإن بعض الرهبان قد يكون عنده من الزهد ما لا يطيقه عمرو ولا كثير من المسلمين في زمانه. وقد روينا عن إسماعيل بن خالد القعنبي قال: رأيت الحسن بن جعفر في المنام بعد ما مات بعبادان فقال لي: أيوب ويونس وابن عون في الجنة. قلت: فعمرو بن عبيد ؟ قال: في النار. ثم رآه مرة ثانية ويروى ثالثة، فيسأله فيقول له مثل ذلك. وقد رؤيت له منامات قبيحة، وقد أطال شيخنا في تهذيبه في ترجمته ولخصنا حاصلها في كتابنا التكميل، وأشرنا ههنا إلى نبذ من حاله ليعرف فلا يغتر به والله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة فيها ندب المنصور الناس إلى غزو الديلم، لانهم قتلوا من المسلمين خلقا، وأمر أهل الكوفة والبصرة من كان منهم يقدر على عشرة آلاف فصاعدا فليذهب مع الجيش إلى الديلم، فانتدب خلق كثير وجم غفير لذلك. وحج بالناس عيسى بن موسى نائب الكوفة وأعمالها. وفيها توفي حجاج الصواف، وحميد بن رؤية الطويل، وسليمان بن طرخان التيمي، وقد ذكرناه في التي قبلها، وعمرو بن عبيد في قول، وليث بن أبي سليم على الصحيح. ويحيى بن سعيد الانصاري. ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة فيها سار محمد بن أبي العباس السفاح عن أمر عمه المنصور إلى بلاد الديلم ومعه الجيوش من الكوفة والبصرة وواسط والموصل والجزيرة. وفيها قدم محمد بن [ أبي ] جعفر المنصور المهدي على أبيه من بلاد خراسان ودخل بابنة عمه رايطة (1) بنت السفاح بالحيرة. وفيها حج بالناس أبو جعفر المنصور واستخلف على الحيرة والعسكر خازم بن خزيمة، وولى رباح بن عثمان المزني (2) المدينة وعزل عنها محمد بن خالد القسري، وتلقى الناس أبا جعفر المنصور إلى أثناء طريق مكة في حجه في سنة أربع وأربعين ومائة. وكان في جملة من تلقاه عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، فأجلسه المنصور معه على السماط، ثم جعل يحادثه بإقبال زائد بحيث أن المنصور اشتغل بذلك عن عامة غدائه، وسأله عن أبنيه إبراهيم ومحمد لم لا جاءاني مع الناس ؟ فحلف عبد الله بن حسن أنه لا يدري أين صارا من أرض الله. وصدق في ذلك، وما ذاك إلا أن محمد بن عبد الله بن حسن كان قد بايعه جماعة


(1) في ابن الاثير 5 / 513 والطبري 9 / 180: ريطة. (2) في الطبري وابن الاثير: المري. (*)

[ 87 ]

من أهل الحجاز في أواخر دولة مروان الحمار بالخلافة وخلع مروان، وكان في جملة من بايعه على ذلك أبو جعفر المنصور، وذلك قبل تحويل الدولة إلى بني العباس، فلما صارت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور خاف محمد بن عبد الله بن الحسن وأخوه إبراهيم منه خوفا شديدا. وذلك لان المنصور توهم منهما أنهما لا بد أن يخرجا عليه كما أرادا أن يخرجا على مروان، والذي توهم منه المنصور وقع فيه، فذهبا هربا في البلاد الشاسعة فصارا إلى اليمن، ثم سارا إلى الهند فاختفيا بها، فدل على مكانهما الحسن بن زيد فهربا إلى موضع آخر، فاستدل عليه الحسن بن زيد ودل عليهما، ثم كذلك. وانتصب إلبا عليهما عند المنصور. والعجب منه أنه من أتباعهما. واجتهد المنصور بكل طريق على تحصيلهما فلم يتفق له ذلك، وإلى الآن. فلما سأل أباهما عنهما حلف أنه لا يدري أين صارا من أرض الله، ثم ألح المنصور على عبد الله في طلب ولديه فغضب عبد الله من ذلك وقال: والله لو كانا تحت قدمي ما دللتك عليهما. فغضب المنصور وأمر بسجنه وأمر ببيع رقيقه وأمواله، فلبث في السجن ثلاث سنين، وأشاروا على المنصور بحبس بني حسن عن آخرهم فحبسهم، وجد في طلب إبراهيم ومحمد جدا، هذا وهما يحضران الحج في غالب السنين ويكمنان في المدينة في غالب الاوقات، ولا يشعر بهما من ينم عليهما ولله الحمد. والمنصور يعزل نائبا عن المدينة ويولي عليها غيره ويحرضه على إمساكهما والفحص عنهما، وبذل الاموال في طلبهما، وتعجزه المقادير عنهما لما يريده الله عز وجل. وقد واطأهما على أمرهما أمير من أمراء المنصور يقال له أبو العساكر خالد بن حسان، فعزموا في بعض الحجات على الفتك بالمنصور بين الصفا والمروة، فنهاهم عبد الله بن حسن لشرف البقعة. وقد اطلع المنصور على ذلك وعلم بما مالاهما ذلك الامير، فعذبه حتى أقر بما كانوا تمالؤا عليه من الفتك به. فقال: وما الذي صرفكم عن ذلك ؟ فقال: عبد الله بن حسن نهانا عن ذلك، فأمر به الخليفة فغيب في الارض فلم يظهر حتى الآن (1). وقد استشار المنصور من يعلم من أمرائه ووزارئه من ذوي الرأي في أمر ابني عبد الله بن حسن، وبعث الجواسيس والقصاد في البلاد فلم يقع لهما على خبر، ولا ظهر لهما على عين ولا أثر، والله غالب على أمره. وقد جاء محمد بن عبد الله بن حسن إلى أمه فقال يا أمه ! إني قد شفقت على أبي وعمومتي، ولقد هممت أن أضع يدي في يد هؤلاء لاريح أهلي. فذهبت أمه إلى السجن فعرضت عليهم ما قال ابنها، فقالوا: لا ولا كرامة، بل نصبر على أمره فلعل الله أن يفتح على يديه خيرا، ونحن نصبر وفرجنا بيد الله إن شاء فرج عنا، وإن شاء ضيق. وتمالؤا كلهم على ذلك رحمهم الله. وفيها نقل آل حسن من حبس المدينة إلى حبس بالعراق وفي أرجلهم القيود، وفي أعناقهم الاغلال. وكان ابتداء تقييدهم من الربذة بأمر أبي جعفر المنصور، وقد أشخص معهم محمد بن عبد


(1) في الطبري 9 / 191 وابن الاثير 5 / 518: لم يظفر به المنصور فإنه لحق بمحمد بن عبد الله بن محمد. (*)

[ 88 ]

الله العثماني، وكان أخا عبد الله بن حسن لامه، وكانت ابنته تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وقد حملت قريبا، فاستحضره الخليفة وقال: قد حلفت بالعتاق والطلاق إنك لم تغشني، وهذه ابنتك حامل، فإن كان من زوجها فقد حبلت منه وأنت تعلم به، وإن كان من غيره فأنت ديوث. فأجابه العثماني بجواب أحفظه به، فأمر به فجردت عنه ثيابه فإذا جسمه مثل الفضة النقية، ثم ضربه بين يديه مائة وخمسين سوطا، منها ثلاثون فوق رأسه، أصاب أحدها عينه فسالت، ثم رده إلى السجن وقد بقي كأنه عبد أسود من زرقة الضرب، وتراكم الدماء فوق جلده، فأجلس إلى جانب أخيه لامه عبد الله بن حسن، فاستسقى ماء فما جسر أحد أن يسقيه حتى سقاه خراساني من جملة الجلاوزة الموكلين بهم. ثم ركب المنصور هودجه وأركبوا أولئك في محامل ضيقة، وعليهم القيود والاغلال، فاجتاز بهم المنصور وهو في هودجه، فناداه عبد الله بن حسن: والله يا أبا جعفر ما هكذا صنعنا بأسرائكهم يوم بدر، فأخسأ ذلك المنصور وثقل عليه ونفر عنهم. ولما انتهوا إلى العراق حبسوا بالهاشمية، وكان فيهم محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وكان جميلا فتيا، فكان الناس يذهبون لينظروا إلى حسنه وجماله. وكان يقال له: الديباح الاصغر، فأحضره المنصور بين يديه وقال له: أما لاقتلنك قتلة ما قتلتها أحدا. ثم ألقاه بين إسطوانتين وسد عليه حتى مات. فعلى المنصور ما يستحقه من عذاب الله ولعنته. وقد هلك كثير منهم في السجن حتى فرج عنهم بعد هلاك المنصور على ما سنذكره. فكان فيمن هلك في الجسن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وقد قيل والاظهر أنه قتل صبرا، وأخوه إبراهيم بن الحسن وغيرهما، وقل من خرج منهم من الحبس، وقد جعلهم المنصور في سجن لا يسمعون فيه أذانا، ولا يعرفون فيه وقت صلاة إلا بالتلاوة، ثم بعث أهل خراسان يشفعون في محمد بن عبد الله العثماني، فأمر به فضربت عنقه وأرسل برأسه إلى أهل خراسان، لا جزاه الله خيرا، ورحم الله محمد بن عبد الله العثماني. وهو محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان الاموي رحمه الله، أبو عبد الله المدني المعروف بالديباج، لحسن وجهه. وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي، روى الحديث عن أبيه وأمه وخارجة بن زيد وطاوس وأبي الزناد والزهري ونافع وغيرهم، وحدث عنه جماعة، ووثقه النسائي وابن حبان، وكان أخا عبد الله بن حسن لامه، وكانت ابنته رقية زوجة ابن أخيه إبراهيم بن عبد الله، وكانت من أحسن النساء، وبسببها قتله أبو جعفر المنصور في هذه السنة. وكان كريما جوادا ممدحا. قال الزبير بن بكار: أنشدني سليمان بن عباس السعدي لابي وجزة السعدي يمدحه: وجدنا المحض الابيض من قريش * فتى بين الخليفة والرسول أتاك المجد من هنا وهناك * وكنت له بمعتلج السيول فما للمجد دونك من مبيت * وما للمجد دونك من مقيل ولا يمضي وراءك يبتغيه * ولا هو قابل بك من بديل

[ 89 ]

ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائة فمما كان فيها من الاحداث مخرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة وأخيه إبراهيم بالبصرة، على ما سنبينه إن شاء الله. أما محمد فإنه خرج على أثر ذهاب أبي جعفر المنصور بأهله بني حسن من المدينة إلى العراق على الصفة والنعت الذي تقدم ذكره، وسجنهم في مكان ساء مستقرا ومقاما، لا يسمعون فيه أذانا ولا يعرفون فيه دخول أوقات صلوات إلا بالاذكار والتلاوة. وقد مات أكثر أكابرهم هنالك رحمهم الله. هذا كله ومحمد الذي يطلبه مختف بالمدينة، حتى أنه في بعض الاحيان اختفى في بئر نزل في مائه كله إلا رأسه، وباقيه مغمور بالماء، وقد تواعد هو وأخوه وقتا معينا يظهران فيه، هو بالمدينة وإبراهيم بالبصرة، ولم يزل الناس - أهل المدينة وغيرهم - يؤنبون محمد بن عبد الله في اختفائه وعدم ظهوره حتى عزم على الخروج، وذلك لما أضر به شدة الاختفاء وكثرة إلحاح رياح نائب المدينة في طلبه ليلا ونهارا، فلما اشتد به الامر وضاق الحال واعد أصحابه على الظهور في الليلة الفلانية، فلما كانت تلك الليلة جاء بعض الوشاة (1) إلى متولي المدينة فأعلمه بذلك، فضاق ذرعا وانزعج لذلك انزعاجا شديدا، وركب في جحافله فطاف بالمدينة وحول دار مروان، وهم مجتمعون بها، فلم يشعر بهم. فلما رجع إلى منزله بعث إلى بني حسين بن علي فجمعهم ومعهم رؤوس من سادات قريش وغيرهم، فوعظهم وأنبهم وقال: يا معشر أهل المدينة، أمير المؤمنين يتطلب هذا الرجل في المشارق والمغارب وهو بين أظهركم، ثم ما كفاكم حتى بايعتموه على السمع والطاعة ؟ والله لا يبلغني عن أحد منكم خرج معه إلا ضربت عنقه. فأنكر الذين هم هنالك حاضرون أن يكون عندهم علم أو شعور بشئ من هذا، وقالوا: نحن نأتيك برجال مسلحين يقاتلون دونك إن وقع شئ من ذلك. فنهضوا فجاؤوه بجماعة مسلحين فاستأذنوه في دخولهم عليه، فقال: لا إذن لهم إني أخشى أن يكون ذلك خديعة. فجلس أولئك على الباب ومكث الناس جلوسا حول الامير وهو واجم لا يتكلم إلا قليلا حتى ذهبت طائفة من الليل، ثم ما فجئ الناس إلا وأصحاب محمد بن عبد الله قد ظهروا وأعلنوا بالتكبير، فانزعج الناس في جوف الليل، وأشار بعض الناس على الامير أن يضرب أعناق بني حسين، فقال أحدهم: علام ونحن مقرون بالطاعة ؟ واشتغل الامير عنهم بما فجأه من الامر، فاغتنموا الغفلة ونهضوا سراعا فتسوروا جدار الدار وألقوا أنفسهم على كناسة هنالك. وأقبل محمد بن عبد الله بن حسن في مائتين (2) وخمسين، فمر بالسجن فأخرج من فيه، وجاء دار الامارة فحاصرها فافتتحها ومسك الامير رياح بن عثمان نائب المدينة فسجنه في دار مروان، وسجن معه ابن مسلم بن عقبة، وهو الذي أشار بقتل بني حسين في أول هذه الليلة فنجوا وأحيط به، وأصبح محمد بن عبد الله بن حسن وقد استظهر على المدينة ودان له أهلها، فصلى بالناس الصبح وقرأ


(1) وهو سليمان بن عبد الله بن أبي سبرة (الطبري - ابن الاثير). (2) في ابن الاثير 5 / 530: مائة. (*)

[ 90 ]

فيها سورة إنا فتحنا لك فتحا مبينا. وأسفرت هذه الليلة عن مستهل رجب من هذه السنة. وقد خطب محمد بن عبد الله أهل المدينة في هذا اليوم، فتكلم في بني العباس وذكر عنهم أشياء ذمهم بها، وأخبرهم أنه لم ينزل بلدا من البلدان إلا وقد بايعوه على السمع والطاعة (1)، فبايعه أهل المدينة كلهم إلا القليل. وقد روى ابن جرير عن الامام مالك: أنه أفتى الناس بمبايعته، فقيل له: فإن في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما كنتم مكرهين وليس لمكره بيعة. فبايعه الناس عند ذلك عن قول مالك، ولزم مالك بيته. وقد قال إسماعيل بن عبد الله بن جعفر حين دعاه إلى بيعته: يا بن أخي إنك مقتول. فارتدع بعض الناس عنه واستمر جمهورهم معه، فاستناب عليهم عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي، وعلى شرطتها عثمان بن عبد الله (2) بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الله (3) بن مسور بن مخرمة، وتلقب بالمهدي طمعا أن يكون هو المذكور في الاحاديث فلم يكن به، ولا تم له ما رجاه ولا تمناه، فإنا لله. وقد ارتحل بعض أهل المدينة (4) عنها ليلة دخلها، فطوى المراحل البعيدة إلى المنصور في سبع ليال، فورد عليه فوجده نائما في الليل، فقال للربيع الحاجب: استأذن على الخليفة، فقال: إنه لا يوقظ في هذه الساعة. فقال: إنه لا بد من ذلك فأخبر الخليفة فخرج فقال: ويحك ! ما وراءك ؟ فقال: إنه خرج ابن حسن بالمدينة. فلم يظهر المنصور لذلك اكتراثا وانزعاجا، بل قال: أنت رأيته ؟ قال: نعم ! فقال: هلك والله وأهلك معه من اتبعه ثم أمر بالرجل فسجن، ثم جاءت الاخبار بذلك فتواترت. فأطلقه المنصور وأطلق له عن كل ليلة ألف درهم فأعطاه سبعة (5) آلاف درهم. ولما تحقق المنصور الامر من خروجه ضاق ذرعا، فقال له بعض المنجمين: يا أمير المؤمنين لا عليك منه، فوالله لو ملك الارض بحذافيرها فإنه لا يقيم أكثر من سبعين يوما. ثم أمر المنصور جميع رؤوس الامراء أن يذهبوا إلى السجن فيجتمعوا بعبد الله بن حسن - والد محمد - فيخبروه بما وقع من خروج ولده ويسمعوا ما يقول لهم. فلما دخلوا عليه أخبروه بذلك فقال: ما ترون ابن سلامة فاعلا ؟ - يعني المنصور - فقالوا: لا ندري. فقال: والله لقد قتل صاحبكم البخل ينبغي له أن ينفق الاموال


(1) نص خطبته في ابن الاثير 5 / 531. وتاريخ الطبري 9 / 204 - 205. (2) في الطبري وابن الاثير: عبيد الله (3) في الطبري وابن الاثير: عبد الرحمن. (4) وهو رجل من آل أويس بن أبي سرح العامري عامر بن لؤي، اسمه الحسين بن صخر (ابن الاثير 5 / 533 - الطبري 9 / 208). (5) في الطبري وابن الاثير: تسعة آلاف درهم عن كل ليلة ألف درهم، لانه قضى تسع ليال من المدينة إلى أبي جعفر. (*)

[ 91 ]

ويستخدم الرجال، فإن ظهر فاسترجاع ما أنفق سهل، وإلا لم يكن لصاحبكم شئ في الخزائن وكان ما خزن لغيره. فرجعوا إلى الخليفة فأخبروه بذلك، وأشار الناس على الخليفة بمناجزته، فاستدعى عيسى بن موسى فندبه إلى ذلك، ثم قال: إني سأكتب إليه كتابا أنذره به قبل قتاله فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم ! من عبد الله بن عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمد بن عبد الله: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا) الآية إلى قوله: (فاعلموا أن الله غفور رحيم) [ المائدة: 33 - 34 ] ثم قال: فلك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله، إن أنت رجعت إلى الطاعة لاومننك ومن اتبعك، ولاعطينك ألف ألف درهم، ولادعنك تقيم في أحب البلاد إليك، ولاقضين لك جميع حوائجك، في كلام طويل. فكتب إليه محمد جواب كتابه: من عبد الله المهدي محمد بن عبد الله بن حسن: (بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون، إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين، وتريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) [ القصص: 1 - 5 ] ثم قال: وإني أعرض عليك من الامان مثل ما عرضت علي، فأنا أحق بهذا الامر منكم، وأنتم إنما وصلتم إليه بنا، فإن عليا كان الوصي وكان الامام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء ؟ ونحن أشرف أهل الارض نسبا، فرسول الله خير الناس وهو جدنا، وجدتنا خديجة وهي أفضل زوجاته، وفاطمة ابنته أمنا وهي أكرم بناته، وإن هاشما ولد عليا مرتين، وإن حسنا ولده عبد المطلب مرتين، وهو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد أبي مرتين، وإني أوسط بني هاشم نسبا (1)، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وأخفهم عذابا في النار. فأنا أولى بالامر منك، وأولى بالعهد وأوفى به منك، فإنك تعطي العهد ثم تنكث ولا تفي، كما فعلت بابن هبيرة فإنك أعطيته العهد ثم غدرت به، ولا أشد عذابا من إمام غادر، وكذلك فعلت بعمك عبد الله بن علي، وأبي مسلم الخراساني. ولو أعلم أنك تصدق لاجبتك لما دعوتني إليه، ولكن الوفاء بالعهد من مثلك لمثلي بعيد والسلام. فكتب إليه أبو جعفر جواب ذلك في كتاب طويل حاصله: أما بعد فقد قرأت كتابك فإذا جل فخرك وإدلالك قرابة النساء لتضل به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبية والاؤلياء، وقد أنزل الله (وأنذر عشيرتك الاقربين) [ الشعراء: 214 ] وكان له حينئذ أربعة أعمام، فاستجاب له اثنان أحدهما جدنا، وكفر اثنان أحدهما أبوك - يعني جده أبا طالب - فقطع الله ولايتهما منه ولم يجعل بينهما إلا ولا ذمة، وقد أنزل الله في عدم إسلام أبي طالب (إنك لا


(1) زيد في الطبري وابن الاثير: وأصرحهم أبا، لم تعرق في العجم، ولم تنازع في أمهات الاولاد... (*)

[ 92 ]

تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) [ القصص: 56 ] وقد فخرت به وأنه أخف أهل النار عذابا، وليس في الشر خيار، ولا ينبغي لمؤمن أن يفخر بأهل النار، وفخرت بأن عليا ولده هاشم مرتين. وأن حسنا ولده عبد المطلب مرتين، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولده عبد الله مرة واحدة، وقولك إنك لم تلدك أمهات أولاد، فهذا إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية، وهو خير منك، وعلي بن الحسن من أم ولد وهو خير منك، وكذلك ابنه محمد بن علي، وابنه جعفر بن محمد، جداتهما أمهات أولاد وهما خير منك، وأما قولك بنو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) [ الاحزاب: 40 ] وقد جاءت السنة التي لا خلاف فيها بين المسلمين أن الجد أبا الام والخال والخالة لا يورثون، ولم يكن لفاطمة ميراث من رسول الله صلى الله عليه وسلم بنص الحديث. وقد مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوك حاضر فلم يأمره بالصلاة بالناس، بل أمر غيره. ولما توفي لم يعدل الناس بأبي بكر وعمر أحدا، ثم قدموا عليه عثمان في الشورى والخلافة، ثم لما قتل عثمان اتهمه بعضهم به، وقاتله طلحة والزبير على ذلك، وامتنع سعد من مبايعته ثم بعد ذلك معاوية، ثم طلبها أبوك وقاتل عليها الرجال، ثم اتفق على التحكيم فلم يف به، ثم صارت إلى الحسن فباعها بخرق ودراهم، وأقام بالحجاز يأخذ مالا من غير حله، وسلم الامر إلى غير أهله، وترك شيعته في أيدي بني أمية ومعاوية. فإن كانت لكم فقد تركتموها وبعتموها بثمنها. ثم خرج عمك حسين على ابن مرجانة وكان الناس معه عليه حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه، ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل، وحرقوكم بالنار، وحملوا نساءكم على الابل كالسبايا إلى الشام، حتى خرجنا عليهم نحن فأخذنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم، وأورثناكم أرضهم وديارهم، وذكرنا فضل سلفكم، فجعلت ذلك حجة علينا، وظننت أنا إنما ذكرنا فضله على أمثاله على حمزة والعباس وجعفر، وليس الامر كما زعمت، فإن هؤلاء مضوا ولم يدخلوا في الفتن، وسلموا من الدنيا فلم تنقصهم شيئا، فاستوفوا ثوابهم كاملا، وابتلى بذلك أبوك. وكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلوات المكتوبات، فأحيينا ذكره وذكرنا فضله وعنفناهم بما نالوا منه، وقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية بسقاية الحجيج الاعظم، وخدمة زمزم، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا بها. ولما قحط الناس زمن عمر استسقى بأبينا العباس، وتوسل به إلى ربه وأبوك حاضر، وقد علمت أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا العباس، فالسقاية سقايته، والوراثة وراثته، والخلافة في ولده، فلم يبق شرف في الجاهلية والاسلام إلا والعباس وارثه ومورثه، في كلام طويل فيه بحث ومناظرة وفصاحة. وقد استقصاه ابن جرير (1) بطوله والله سبحانه أعلم.


(1) انظر الطبري 9 / 211 وما بعدها وابن الاثير 5 / 538 باختلاف في بعض الالفاظ وزيادة ونقصان بعض العبارات. (*)

[ 93 ]

فصل مقتل محمد بن عبد الله بن حسن بعث محمد بن عبد الله بن حسن في غبون ذلك رسولا إلى أهل الشام يدعوهم إلى بيعته وخلافته فأبوا قبول ذلك منه، وقالوا: قد ضجرنا من الحروب ومللنا من القتال. وجعل يستميل رؤوس اهل المدينة، فمنهم من أجابه ومنهم من امتنع عليه، وقال له بعضهم: كيف أبايعك وقد ظهرت في بلد ليس فيه مال تستعين به على استخدام الرجال ؟ ولزم بعضهم منزله فلم يخرج حتى قتل محمد. وبعث محمد هذا الحسين (1) بن معاوية بن سبعين رجلا ونحوا من عشرة فوارس إلى مكة نائبا إن هو دخلها فساروا إليها، فلما بلغ أهلها قدومهم خرجوا إليهم في ألوف من المقاتلة، فقال لهم الحسن بن معاوية علام تقاتلون وقد مات أبو جعفر ؟ فقال السري بن عبد الله زعيم أهل مكة: إن برده جاءتنا من أربع ليال وقد أرسلت إليه كتابا فأنا أنتظر جوابه إلى أربع، فإن كان ما تقولون حقا سلمتكم البلد وعلي مؤنة رجالكم وخيلكم. فامتنع الحسن بن معاوية من الانتظار وأبى إلا المناجزة، وحلف لا يبيت الليلة إلا بمكة، إلا أن يموت. وأرسل إلى السري أن أبرز من الحرم إلى الحل حتى لا تراق الدماء في الحرم. فلم يخرج، فتقدموا إليهم فصافوهم فحمل عليه الحسن وأصحابه حملة واحدة فهزموهم وقتلوا منهم نحو سبعة، ودخلوا مكة. فلما أصبحوا خطب الحسن بن معاوية الناس وأغراهم بأبي جعفر، ودعاهم إلى محمد بن عبد الله بن حسن المهدي. خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن وظهر بالبصرة أيضا إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وجاء البريد إلى أخيه محمد فانتهى إليه ليلا فاستؤذن له عليه وهو بدار مروان فطرق بابها. فقال: اللهم إني أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن. ثم خرج فأخبر أصحابه عن أخيه فاستبشروا جدا وفرحوا كثرا، وكان يقول للناس بعد صلاة الصبح والمغرب: ادعو الله لاخوانكم أهل البصرة، وللحسن بن معاوية بمكة، واستنصروه على أعدائكم. وأما ما كان من المنصور فإنه جهز الجيوش إلى محمد بن عبد الله بن حسن، صحبة عيسى بن موسى عشرة آلاف فارس من الشجعان المنتخبين، منهم محمد بن أبي العباس السفاح، وجعفر بن حنظلة البهراني، وحميد بن قحطبة، وكان المنصور قد استشاره فيه فقال: يا أمير المؤمنين ادع بمن شئت ممن تثق به من مواليك فابعث بهم إلى وادي القرى يمنعونهم من ميرة الشام، فيموت هو ومن معه


(1) في الطبري وابن الاثير: الحسن. (*)

[ 94 ]

جوعا، فإنه ببلد ليس فيه مال ولا رجال ولا كراع ولا سلاح. وقدم بين يديه كثير بن الحصين العبدي وقد قال المنصور لعيسى بن موسى حين ودعه: يا عيسى ! إني أبعثك إلى جنبي هذين، فإن ظفرت بالرجل فشم سيفك وناد في الناس بالامان وإن تغيب فضمنهم إياه حتى يأتوك به، فإنهم أعلم بمذاهبه. وكتب معه كتبا إلى رؤساء قريش والانصار من أهل المدينة يدفعها إليهم خفية يدعوهم إلى الرجوع إلى الطاعة. فلما اقترب عيسى بن موسى من المدينة بعث الكتب مع رجل فأخذه حرس محمد بن عبد الله بن حسن فوجدوا معه تلك الكتب فدفعوها إلى محمد فاستحضر جماعة من أولئك فعاقبهم وضربهم ضربا شديدا وقيدهم قيودا ثقالا، وأودعهم السجن. ثم إن محمدا استشار أصحابه بالقيام بالمدينة حتى يأتي عيسى بن موسى فيحاصرهم بها، أو أنه يخرج بمن معه فيقاتل أهل العراق ؟ فمنهم من أشار بهذا، ومنهم من أشار بذاك، ثم اتفق الرأي على المقام بالمدينة، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم ندم يوم احد على الخروج منها، ثم اتفقوا على حفر خندق حول المدينة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاحزاب، فأجاب إلى ذلك كله، وحفر مع الناس في الخندق بيده اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ظهر لهم لبنة من الخندق الذي حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففرحوا بذلك وكبروا وبشروه بالنصر. وكان محمد حاضرا عليه قباء أبيض وفي وسطه منطقة، وكان شكلا ضخما أسمر عظيم الهامة. ولما نزل عيسى بن موسى الاعوص واقترب من المدينة، صعد محمد بن عبد الله المنبر فخطب الناس وحثهم على الجهاد - وكانوا قريبا من مائة ألف - فقال لهم في جملة ما قال: إني جعلتكم في حل من بيعتي، فمن أحب منكم أن يقيم عليها فعل. ومن أحب أن يتركها فعل. فتسلل كثير منهم أو أكثرهم عنه، ولم يبق إلا شرذمة قليلة معه، وخرج أكثر أهل المدينة بأهليهم منها لئلا يشهدوا القتال بها، فنزلوا الاعراض ورؤوس الجبال. وقد بعث محمد أبا الليث (1) ليردهم عن الخروج فلم يمكنه ذلك في أكثرهم، واستمروا ذاهبين. وقال محمد لرجل اتأخذ سيفا ورمحا وترد هؤلاء الذين خرجوا من المدينة ؟ فقال: نعم إن أعطيتني رمحا أطعنهم وهم بالاعراض، وسيفا أضربهم وهم في رؤوس الجبال فعلت. فسكت محمد ثم قال لي: ويحك ؟ إن أهل الشام والعراق وخراسان قد بيضوا - يعني لبسوا البياض - موافقة لي وخلعوا السواد. فقال: وماذا ينفعني أن لو بقيت الدنيا زبدة بيضاء - وأنا في مثل صوفة الدواة، وهذا عيسى بن موسى نازل بالاعوص. ثم جاء عيسى بن موسى فنزل قريبا من المدينة، على ميل منها، فقال له دليله ابن الاصم: إني أخشى إذا كشفتموهم أن يرجعوا إلى معسكرهم سريعا قبل أن تدركهم الخيل. ثم ارتحل به فأنزله الجرف على سقاية سليمان بن عبد الملك على أربعة أميال من المدينة، وذلك يوم السبت لصبح اثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان من هذه السنة. وقال: إن الراجل إذا هرب لا يقدر على الهرولة أكثر من ميلين أو ثلاثة فتدركه الخيل. وأرسل عيسى بن موسى خمسمائة فارس فنزلوا عند الشجرة في طريق مكة، وقال لهم هذا


(1) في الطبري 9 / 220 وابن الاثير 5 / 545: أبا القلمس. (*)

[ 95 ]

الرجل إن هرب فليس له ملجأ إلا مكة، فحولوا بينه وبينها. ثم أرسل عيسى إلى محمد يدعوه إلى السمع والطاعة لامير المؤمنين المنصور، وأنه قد أعطاه الامان له ولاهل بيته إن هو أجابه. فقال محمد للرسول: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك. ثم بعث إلى عيسى بن موسى يقول له: إني أدعوك إلى كتاب الله وسنة رسوله، فاحذر أن تمتنع فأقتلك فتكون شر قتيل، أو تقتلني فتكون قتلت من دعاك إلى الله ورسوله. ثم جعلت الرسل تتردد بينهما ثلاثة أيام. هذا يدعو هذا، وهذا يدعو هذا. وجعل عيسى بن موسى يقف في كل يوم من هذه الايام الثلاثة على الثنية عند سلع فينادي: يا أهل المدينة إن دماءكم علينا حرام فمن جاءنا فوقف تحت رايتنا فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، فليس لنا في قتالكم أرب، وإنما نريد محمدا وحده لنذهب به إلى الخليفة. فجعلوا يسبونه وينالون من أمه، ويكلمونه بكلام شنيع، ويخاطبونه مخاطبة فظيعة، وقالوا له: هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا ونحن معه، نقاتل دونه. فلما كان اليوم الثالث أتاهم في خيل ورجال وسلاح ورماح لم ير مثلها، فناداه يا محمد ! إن أمير المؤمنين أمرني أن لا أقاتلك حتى أدعوك إلى الطاعة، فإن فعلت أمنك وقضى دينك وأعطاك أموالا وأراضي، وإن أبيت قاتلتك فقد دعوتك غير مرة. فناداه محمد: إن ليس لكم عندي إلا القتال. فنشبت الحرب حينئذ بينهم، وكان جيش عيسى بن موسى فوق أربعة آلاف، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة، وعلى ميمنته محمد بن السفاح، وعلى ميسرته داود بن كرار، وعلى الساقة الهيثم بن شعبة، ومعهم عدد لم ير مثلها. وفرق عيسى أصحابه في كل قطر طائفة. وكان محمد وأصحابه على عدة أصحاب أهل بدر، واقتتل الفريقان قتالا شديدا جدا، وترجل محمد إلى الارض فيقال إنه قتل بيده من جيش عيسى بن موسى سبعين رجلا من أبطالهم، وأحاط بهم أهل العراق فقتلوا طائفة من أصحاب محمد بن عبد الله بن حسن، فاقتحموا عليهم الخندق الذي كانوا حفروه وعملوا أبوابا على قدره، وقيل إنهم ردموه بحدائج الجمال حتى أمكنهم أن يجوزوه، وقد يكونون فعلوا هذا موضع منه، وهذا في موضع آخر والله أعلم. ولم تزل الحرب ناشبة بينهم حتى صليت العصر. فلما صلى محمد العصر نزلوا إلى مسيل الوادي بسلع فكسر جفن سيفه وعقر فرسه وفعل أصحابه مثله وصبروا أنفسهم للقتال وحميت الحرب حينئذ جدا، فاستظهر أهل العراق، ورفعوا راية سوداء فوق سلع، ثم دنوا إلى المدينة فدخلوها ونصبوا راية سوداء فوق مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأى ذلك أصحاب محمد تنادوا: أخذت المدينة، وهربوا وبقي محمد في شرذمة قليلة جدا ثم بقي وحده وليس معه أحد، وفي يده سيف صلت يضرب به من تقدم إليه، فكان لا يقوم له شئ إلا أنامه، حتى قتل خلقا من أهل العراق من الشجعان، ويقال إنه كان في يده يومئذ ذو الفقار ثم تكاثر عليه الناس فتقدم إليه رجل فضربه بسيفه تحت شحمة أذنه اليمنى فسقط لركبتيه وجعل يحمي

[ 96 ]

نفسه ويقول: ويحكم ابن نبيكم مجروح مظلوم. وجعل حميد بن قحطبة يقول: ويحكم ! دعوه لا تقتلوه، فأحجم عنه الناس وتقدم حميد بن قحطبة فحز رأسه وذهب به إلى عيسى بن موسى فوضعه بين يديه. وكان حميد قد حلف أن يقتله متى رآه، فما أدركه إلا كذلك ولو كان على حاله وقوته لما استطاعه حميد ولا غيره من الجيش. وكان مقتل محمد بن عبد الله بن حسن عند أحجار الزيت يوم الاثنين بعد العصر، لاربع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، وقال عيسى بن موسى لاصحابه حين وضع رأسه بين يديه: ما تقولون فيه ؟ فنال منه أقوام وتكلموا فيه، فقال رجل: كذبتم والله ! لقد كان صواما قواما، ولكنه خالف أمير المؤمنين وشق عصى المسلمين فقتلناه على ذلك. فسكتوا حينئذ. وأما سيفه ذو الفقار فإنه صار إلى بني العباس يتوارثونه حتى جربه بعضهم فضرب به كلبا فانقطع. ذكره ابن جرير وغيره. وقد بلغ المنصور في غبون هذا الامر أن محمدا فر من الحرب فقال: هذا لا يكون، فإنا أهل بيت لا نفر. وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن راشد، حدثني أبو الحجاج قال: إني لقائم على رأس المنصور وهو يسألني عن مخرج محمد، إذ بلغه أن عيسى بن موسى قد انهزم وكان متكئا فجلس فضرب بقضيب معه مصلاه وقال: كلا وأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء ؟ ما أنى لذلك بعد. وبعث عيسى بن موسى بالبشارة إلى المنصور مع القاسم بن الحسن وبالرأس مع ابن أبي الكرام، وأمر بدفن الجثة فدفن بالبقيع، وأمر بأصحابه الذين قتلوا معه فصلبوا صفين ظاهر المدينة ثلاثة أيام ثم طرحوا على مقبرة اليهود عند سلع. ثم نقلوا إلى خندق هناك. وأخذ أموال بني حسن كلها فسوغها له المنصور، ويقال إنه ردها بعد ذلك إليهم، حكاه ابن جرير. ونودي في أهل المدينة بالامان فأصبح الناس في أسواقهم، وترفع عيسى بن موسى في الجيش إلى الجرف من مطر أصاب الناس يوم قتل محمد، وجعل ينتاب المسجد من الجرف، وأقام بالمدينة إلى اليوم التاسع عشر من رمضان، ثم خرج منها قاصدا مكة وكان بها الحسن بن معاوية بن جهة محمد وكان محمد قد كتب إليه يقدم عليه، فلما خرج من مكة وكان ببعض الطريق تلقته الاخبار بقتل محمد، فاستمر فارا إلى البصرة إلى أخي محمد إبراهيم بن عبد الله، الذي كان قد خرج بها ثم قتل بعد أخيه في هذه السنة على ما سنذكره. ولما جئ المنصور برأس محمد بن عبد الله بن حسن فوضع بين يديه أمر به فطيف به في طبق أبيض ثم طيف به في الاقاليم بعد ذلك، ثم شرع المنصور في استدعاء من خرج مع محمد من أشراف أهل المدينة، فمنهم من قتله ومنهم من ضربه ضربا مبرحا، ومنهم من عفا عنه. ولما توجه عيسى إلى مكة استناب على المدينة كثير بن حصين، فاستمر بها شهرا حتى بعث المنصور على نيابتها عبد الله بن الربيع، فعاث جنده في المدينة فصاروا إذا اشتروا من الناس شيئا لا يعطونهم ثمنه، وإن طولبوا بذاك ضربوا المطالب وخوفوه بالقتل، فثار عليهم طائفة من السودان واجتمعوا ونفخوا في بوق لهم فاجتمع

[ 97 ]

على صوته كل أسود في المدينة، وحملوا عليهم حملة واحدة وهم ذاهبون إلى الجمعة، لسبع بقين من ذي الحجة من هذه السنة، وقيل لخمس بقين من شوال منها، فقتلوا من الجند طائفة كثيرة المزاريق وغيرها، وهرب الامير عبد الله بن الربيع وترك صلاة الجمعة. وكان رؤوس السودان: وثيق ويعقل ورمقة (1) وحديا وعنقود، ومسعر، وأبو النار. فلما رجع عبد الله بن الربيع ركب في جنوده والتقى مع السودان فهزموه أيضا فلحقوه بالبقيع فألقى لهم رداءه يشغلهم فيه حتى نجا بنفسه ومن اتبعه، فلحق ببطن نخل على ليلتين من المدينة، ووقع السودان على طعام للمنصور كان مخزونا في دار مروان قد قدم به في البحر فنهبوه ونهبوا ما للجند الذين بالمدينة من دقيق وسويق وغيره، وباعوا ذلك بأرخص ثمن (2). وذهب الخبر إلى المنصور بما كان من أمر السودان، وخاف أهل المدينة من معرة ذلك، فاجتمعوا وخطبهم ابن أبي سبرة - وكان مسجونا - فصعد المنبر وفي رجليه القيود، فحثهم على السمع والطاعة للمنصور، وخوفهم شر ما صنعه مواليهم، فاتفق رأيهم على أن يكفوا مواليهم ويفرقوهم ويذهبوا إلى أميرهم فيردوه إلى عمله، ففعلوا ذلك، فسكن الامر وهدأ الناس وانطفأت الشرور، ورجع عبد الله بن الربيع إلى المدينة فقطع يد وثيق وأبي النار ويعقل ومسعر. ذكر خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة كان إبراهيم قد هرب إلى البصرة فنزل في بني ضبيعة من أهل البصرة، في دار الحارث بن عيسى، وكان لا يرى بالنهار، وكان قدومه إليها بعد أن طاف بلادا كثيرة جدا، وجرت عليه وعلى أخيه خطوب شديدة هائلة، وانعقد أسباب هلاكهما في أوقات متعددة، ثم كان آخر ما استقر أمره بالبصرة في سنة ثلاث وأربعين ومائة، بعد منصرف الحجيج. وقيل إن قدومه إليها كان في مستهل رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، بعثه أخوه إليها بعد ظهوره بالمدينة، قاله الواقدي. قال: وكان يدعو في السر إلى أخيه، فلما قتل أخوه أظهر الدعوة إلى نفسه في شوال من هذه السنة، والمشهور أنه قدمها في حياة أخيه ودعا إلى نفسه كما تقدم والله أعلم. ولما قدم البصرة نزل عند يحيى بن زياد بن حسان (3) النبطي، فاختفى عنده هذه المدة كلها، حتى ظهر في هذه السنة في دار أبي فروة، وكان أول من بايعه نميلة بن مرة، وعبد الله (4) بن سفيان، وعبد الواحد بن زياد، وعمر بن سلمة الهجيمي، وعبيد الله بن يحيى بن حصين الرقاشي. وندبوا الناس إليه فاستجاب له خلق كثير فتحول إلى دار أبي مروان في وسط البصرة، واستفحل أمره، وبايعه


(1) في ابن الاثير 5 / 556: زمعة. (2) بيع حمل الدقيق بدرهمين، وراوية الزيت بأربعة دراهم (الطبري - ابن الاثير). (3) في ابن الاثير 5 / 563: حيان. (4) في ابن الاثير، وفي الطبري 9 / 247: عفو الله. (*)

[ 98 ]

فئام من الناس، وتفاقم الخطب به، وبلغ خبره إلى المنصور فأزداد غما إلى غمه بأخيه محمد، وذلك لانه ظهر قبل مقتل أخيه وإنما كان سبب تعجيله الظهور كتاب أخيه إليه فامتثل أمره ودعا إلى نفسه، فانتظم أمره بالبصرة، وكان نائبها من جهة المنصور سفيان بن معاوية وكان ممالئا لابراهيم هذا في الباطن، ويبلغه أخباره فلا يكترث بها، ويكذب من أخبره ويود أن يتضح أمر إبراهيم، وقد أمده المنصور بأميرين من أهل خراسان معهما ألفا فارس، وراجل، فأنزلهما عنده ليتقوى بهما على محاربة إبراهيم، وتحول المنصور من بغداد - وكان قد شرع في عمارتها - إلى الكوفة، وجعل كلما اتهم رجلا من أهل الكوفة في أمر إبراهيم بعث إليه من يقتله في الليل في منزله، وكان الفرافصة العجلي قد هم بالوثوب بالكوفة فلم يمكنه ذلك لمكان المنصور بها، وجعل الناس يقصدون البصرة من كل فج لمبايعة إبراهيم، ويفدون إليها جماعات وفرادى، وجعل المنصور يرصد لهم المسالح فيقتلونهم في الطريق ويأتونه برؤوسهم فيصلبها بالكوفة ليتعظ بها الناس. وأرسل المنصور إلى حرب الراوندي - وكان مرابطا بالجزيرة في ألفي فارس لقتال الخوارج - يستدعيه إليه إلى الكوفة، فأقبل بمن معه فاجتاز ببلدة بها أنصار لابراهيم فقالوا له: لا ندعك تجتاز، لان المنصور إنما دعاك لقتال إبراهيم. فقال: ويحكم ! دعوني، فأبوا فقاتلهم فقتل منهم خمسمائة وأرسل برؤوسهم إلى المنصور. فقال: هذا أول الفتح. ولما كانت ليلة الاثنين مستهل رمضان من هذه السنة، خرج إبراهيم في الليل إلى مقبرة بني يشكر في بضعة عشر فارسا، وقدم في هذه الليلة أبو حماد الابرص في ألفي فارس مددا لسفيان بن معاوية، فأنزلهم الامير في القصر، ومال إبراهيم وأصحابه على دواب أولئك الجيش وأسلحتهم فأخذوها جميعا، فتقووا بها، فكان هذا أول ما أصاب. وما أصبح الصباح إلا وقد استظهر جدا، فصلى بالناس صلاة الصبح في المسجد الجامع، والتف الخلائق عليه ما بين ناظر وناصر، وتحصن سفيان بن معاوية نائب الخليفة بقصر الامارة وحبس عنده الجنود فحاصرهم إبراهيم، فطلب سفيان بن معاوية من إبراهيم الامان فأعطاه الامان، ودخل إبراهيم قصر الامارة فبسطت له حصير ليجلس عليها في مقدم إيوان القصر، فهبت الريح فقلبت الحصير ظهرا لبطن، فتطير الناس بذلك، فقال إبراهيم: إنا لا نتطير. وجلس على ظهر الحصير، وأمر بحبس سفيان بن معاوية مقيدا وأراد بذلك براءة ساحته عند المنصور، واستحوذ على ما كان في بيت المال فإذا فيه ستمائة ألف، وقيل ألفا ألف. فقوي بذلك جدا. وكان في البصرة جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي، وهما إبنا عم الخليفة المنصور، فركبا في ستمائة فارس إليه فهزمهما، وأركب إبراهيم المضاء بن القاسم في ثمانية عشر فارسا وثلاثين راجلا فهزم ستمائة فارس كانت لهما. وآمن من بقي منهم، وبعث إبراهيم إلى أهل الاهواز فبايعوه وأطاعوه، وأرسل إلى نائبها مائتي فارس عليهم المغيرة فخرج إليه محمد بن الحصين نائب البلاد في أربعة آلاف فارس فهزمه المغيرة واستحوذ على البلاد، وبعث إبراهيم إلى بلاد فارس فأخذها، وكذلك واسط والمدائن والسواد، واستفحل أمره جدا، ولكن لما جاءه نعي أخيه محمد انكسر جدا، وصلى بالناس يوم العيد وهو مكسور. قال بعضهم: والله لقد رأيت الموت في وجهه وهو يخطب الناس فنعى إلى

[ 99 ]

الناس أخاه محمدا، فازداد الناس حنقا على المنصور وأصبح فعسكر بالناس واستناب على البصرة نميلة وخلف ابنه حسنا معه. ولما بلغ المنصور خبره تحير في أمره وجعل يتأسف على ما فرق من جنده في الممالك، وكان قد بعث مع ابنه المهدي ثلاثين ألفا إلى الري، وبعث مع محمد بن الاشعث إلى إفريقية أربعين ألفا والباقون مع عيسى بن موسى بالحجاز، ولم يبق مع المنصور سوى ألفي فارس. وكان يأمر بالنيران الكثيرة فتوقد ليلا، فيحسب الناظر إليها أن ثم جندا كثيرا. ثم كتب المنصور إلى عيسى بن موسى: إذا قرأت كتابي هذا فأقبل من فورك ودع كل ما أنت فيه. فلم ينشب أن أقبل إليه فقال له: اذهب إلى إبراهيم بالبصرة ولا يهولنك كثرة من معه، فإنهم جملا بني هاشم المقتولان جميعا، فابسط يدك وثق بما عندك وستذكر ما أقول لك فكان الامر كما قال المنصور. وكتب المنصور إلى ابنه المهدي أن يوجه خازم بن خزيمة في أربعة آلاف إلى الاهواز، فذهب إليها فأخرج منها نائب إبراهيم - وهو المغيرة - وأباحها ثلاثة أيام، ورجع المغيرة إلى البصرة، وكذلك بعث إلى كل كورة من هذه الكور التي نقضت بيعته جندا يردون أهلها إلى الطاعة. قالوا: ولزم المنصور موضع مصلاه فلا يبرح منه ليلا ونهارا في ثياب بذلة قد اتسخت، فلم يزل مقيما هناك بضعا وخمسين يوما حتى فتح الله عليه. وقد قيل له في غبون ذلك: إن نساءك قد خبثت نفسهن لغيبتك عنهن. فانتهر القائل وقال: ويحك ليست هذه أيام نساء، حتى أرى رأس إبراهيم بين يدي، أو يحمل رأسي إليه. وقال بعضهم: دخلت على المنصور وهو مهموم من كثرة ما وقع من الشرور، وهو لا يستطيع أن يتابع الكلام من كثرة همه، وما تفتق عليه من الفتوق والخروق، وهو مع ذلك قد أعد لكل أمر ما يسد خلله به، وقد خرجت عن يده البصرة والاهواز وأرض فارس والمدائن وأرض السواد، وفي الكوفة عنده مائة ألف مغمدة سيوفها تنتظر به صيحة واحدة، فيثبون مع إبراهيم، وهو مع ذلك يعرك النوائب ويمرسها ولم تقعد به نفسه وهو كما قال الشاعر: نفس عصام سودت عصاما * وعلمته الكر والاقداما فصيرته ملكا هماما وأقبل إبراهيم بعساكر من البصرة إلى الكوفة في مائة ألف مقاتل فأرسل إليه المنصور عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفا، وعلى مقدمته حيمد بن قحطبة في ثلاثة آلاف. وجاء إبراهيم فنزل في باخمرى (1) في جحافل عظيمة، فقال له بعض الامراء: إنك قد اقتربت من المنصور فلو أنك سرت إليه بطائفة من جيشك لاخذت بقفاه فإنه ليس عنده من الجيوش ما يردون عنه. وقال آخرون: إن الاولى أن نناجز هؤلاء الذين بأزائنا، ثم هو في قبضتنا. فثناهم ذلك عن الرأي الاول. ولو فعله لتم لهم


(1) وهي من الكوفة على ستة عشر فرسخا من أرض الطف. (*)

[ 100 ]

الامر. ثم قال بعضهم: خندق حول الجيش. وقال آخرون: إن هذا الجيش لا يحتاج إلى خندق حوله، فترك ذلك. ثم أشار بعضهم أن يبيت جيش عيسى بن موسى فقال إبراهيم: أنا لا أرى ذلك، فتركه. ثم أشار آخرون بأن يجعل جيشه كراديس فإن غلب كردوس ثبت الآخر، وقال آخرون: الاولى أن نقاتل صفوفا لقوله تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) [ الصف: 4 ]. والامر لله وما شاء فعل ولو ساروا إلى الكوفة وبيتوا الجيش أو جعل جيشه كراديس لتم له الامر مع تقدير الله تعالى. وأقبل الجيشان فتصافوا في باخمرى وهي على ستة عشر فرسخا من الكوفة فاقتتلوا بها قتالا شديدا فانهزم حميد بن قحطبة بمن معه من المقدمة، فجعل عيسى يناشدهم الله في الرجوع والكرة فلا يلوي عليه أحد، وثبت عيسى بن موسى في مائة رجل من أهله، فقيل له: لو تنحيت من مكانك هذا لئلا يحطمك جيش إبراهيم فقال والله لا أزول منه حتى يفتح الله لي أو أقتل ها هنا. وكان المنصور قد تقدم إليه بما أخبره به بعض المنجمين أن الناس يكون لهم جولة عن عيسى بن موسى ثم يقومون إليه وتكون العاقبة له، فاستمر المنهزمون ذاهبين فانتهوا إلى نهر بين جبلين فلم يمكنهم خوضه فكروا راجعين بأجمعهم، وكان أول راجع حميد بن قحطبة الذي كان أول من انهزم. ثم اجتلدواهم وأصحاب إبراهيم فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل من كلا الفريقين خلق كثير، ثم انهزم أصحاب إبراهيم وثبت هو في خمسمائة، وقيل في أربعمائة، وقيل في تسعين رجلا، واستظهر عيسى بن موسى وأصحابه، وقتل إبراهيم في جملة من قتل واختلط رأسه مع رؤوس أصحابه، فجعل حميد يأتي بالرؤوس إلى عيسى بن موسى حتى عرفوا رأس إبراهيم فبعثوه مع البشير إلى المنصور، وكان نيبخت المنجم قد دخل على المنصور قبل مجئ الرأس فأخبره أن إبراهيم مقتول فلم يصدقه، فقال: يا أمير المؤمنين إن لم تصدقني فاحبسني فإن لم يكن الامر كما ذكرت فاقتلني. فبينا هو عنده إذ جاء البشير بهزيمة جيش إبراهيم، ولما جئ بالرأس تمثل المنصور ببيت معقر بن أوس بن حمار البارقي: فألقت عصاها واستقر (2) بها النوى * كما قر عينا بالاياب المسافر وقيل إن المنصور لما رأى الرأس بكى حتى جعلت دموعه تسقط على الرأس وقال: والله لقد كنت لهذا كارها، ولكنك ابتليت بي وابتليت بك. ثم أمر بالرأس فنصب بالسوق. وأقطع نيبخت المنجم الكذاب ألفي جريب. فهذا المنجم إن كان قد أصاب في قضية واحدة فقد أخطأ في أشياء كثيرة، فهم كذبة كفرة وقد كان المنصور في ضلال مع منجمه هذا، وقد ورث الملوك اعتقاد أقوال المنجمين وذلك ضلال لا يجوز. وذكر صالح مولى المنصور قال: لما جئ برأس إبراهيم جلس المنصور مجلسا عاما وجعل الناس


(1) في الطبري 9 / 259: واستقرت. (*)

[ 101 ]

يدخلون عليه فيهنئونه وينالون من إبراهيم ويقبحون الكلام فيه ابتغاء مرضاة المنصور، والمنصور ساكت متغير اللون لا يتكلم، حتى دخل جعفر بن حنظلة البهراني (1) فوقف فسلم ثم قال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرط فيه من حقك. قال: فاصفر لون المنصور وأقبل عليه وقال له: يا أبا خالد مرحبا وأهلا، ههنا فاجلس. فعلم الناس أن ذلك وقع منه موقعا جيدا. فجعل كل من جاء يقول كما قال جعفر بن حنظلة. قال أبو نعيم الفضل بن دكين: كان مقتل إبراهيم في يوم الخميس لخمس بقين من ذي الحجة (2) من هذه السنة. ذكر من توفي فيها من الاعيان فمن أعيان أهل البيت عبد الله بن حسن وابناه محمد وإبراهيم، وأخوه حسن بن حسن، وأخوه لامه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان الملقب بالديباج. وقد تقدمت ترجمته. وأما أخوه عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي فتابعي، روى عن أبيه وأمه فاطمة بنت الحسين وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو صحابي جليل، وغيرهم. وروى عنه جماعة منهم سفيان الثوري والدرا وردي ومالك، وكان معظما عند العلماء، وكان عابدا كبير القدر. قال يحيى بن معين: كان ثقة صدوقا، وفد على عمر بن عبد العزيز فأكرمه، ووفد على السفاح فعظمه وأعطاه ألف ألف درهم، فلما ولي المنصور عامله بعكس ذلك، وكذلك أولاده وأهله، وقد مضوا جميعا والتقوا عند الله عزوجل، وأخذه المنصور وأهل بيته مقيدين مغلولين مهانين من المدينة إلى الهاشمية، فأودعهم السجن الضيق كما قدمنا، فمات أكثرهم فيه، فكان عبد الله بن حسن هذا أول من مات فيه بعد خروج ولده محمد بالمدينة، وقد قيل إنه قتل في السجن عمدا. وكان عمره يوم مات خمسا وسبعين سنة، وصلى عليه أخوه لامه الحسن بن الحسن بن علي. ثم مات بعده أخوه حسن فصلى عليه أخوه لامه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. ثم قتل بعدهما وحمل رأسه إلى خراسان كما تقدم. وأما ابنه محمد الذي خرج بالمدينة فروى عن أبيه ونافع، وعن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة في كيفية الهوي إلى السجود، وحدث عن جماعة، ووثقه النسائي وابن حبان وقال البخاري: لا يتابع على حديثه. وقد ذكر أن أمه حملت به أربع سنين، وكان طويلا سمينا أسمر ضحما ذا همة سامية، وسطوة عالية وشجاعة باهرة، قتل بالمدينة في منتصف رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، وله خمس وأربعون سنة. وقد حملوا برأسه إلى المنصور، وطيف به في الاقاليم.


(1) في ابن الاثير 5 / 571: الدارمي.. (2) في الطبري 9 / 259 وابن الاثير 5 / 570: يوم الاثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة. (*)

[ 102 ]

وأما أخوه إبراهيم فكان ظهوره بالبصرة بعد ظهور أخيه بالمدينة وكان مقتله بعد مقتل أخيه في ذي الحجة من هذه السنة وليس له شئ في الكتب الستة، وحكى أبو داود السجستاني عن أبي عوانة أنه قال: كان إبراهيم وأخوه محمد خارجين. قال داود: ليس كما قال، هذا رأي الزيدية قلت: وقد حكي عن جماعة من العلماء والائمة أنهم مالوا إلى ظهورهما. وفيها توفي من المشاهير والاعيان الاجلح بن عبد الله، وإسماعيل بن أبي خالد في قول، وحبيب بن الشهيد، وعبد الملك بن أبي سليمان، وعمرو مولى عفرة، ويحيى بن الحارث الذماري، ويحيى بن سعيد أبو حيان التيمي، ورؤبة ابن العجاج والعجاج لقب واسمه أبو الشعثاء عبد الله بن رؤبة، وأبو محمد التميمي البصري، الراجز بن الراجز، ولكل منهما ديوان رجز، وكل منهما بارع في فنه لا يجارى ولا يماري، عالم باللغة. وعبد الله بن المقفع الكاتب المفوه، أسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح والمنصور، وكتب له، وله رسائل وألفاظ صحيحة، وكان متهما بالزندقة، وهو الذي صنف كتاب كليلة ودمنة، ويقال: بل هو الذي عربها من المجوسية إلى العربية. قال المهدي: ما وجد كتاب زندقة إلا وأصله من ابن المقفع، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد. قالوا ونسي الجاحظ وهو رابعهم. وكان مع هذا فاضلا بارعا فصيحا. قال الاصمعي: قيل لابن المقفع بن أدبك ؟ قال: نفسي، إذا رأيت من غيري قبيحا أبيته، وإذا رأيت حسنا أتيته. ومن كلامه: شربت من الخطب ريا، ولم أضبط لها رويا، فغاضت ثم فاضت، فلا هي نظاما، ولا نسيت غيرها كلاما. وكان قتل ابن المقفع على يد سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة نائب البصرة، وذلك أنه كان يعبث به ويسب أمه، وإنما كان يسميه ابن المعلم، وكان كبير الانف، وكان إذا دخل عليه يقول: السلام عليكما - على سبيل التهكم - وقال لسفيان بن معاوية مرة: ما ندمت على سكوت قط. فقال: صدقت، الخرس لك خير من كلامك. ثم اتفق أن المنصور غضب على ابن المقفع فكتب إلى نائبه سفيان بن معاوية هذا أن يقتله، فأخذه فأحمى له تنورا وجعل يقطعه إربا إربا ويلقيه في ذلك التنور حتى حرقه كله وهو ينظر إلى أطرافه كيف تقطع ثم تحرق، وقيل غير ذلك في صفة قتله. قال ابن خلكان: ومنهم من يقول إن ابن المقفع نسب إلى بيع القفاع وهي من الجريد كالزنبيل بلا آذان، والصحيح أنه ابن المقفع وهو أبو دارويه كان الحجاج قد استعمله على الخراج فخان فعاقبه حتى تقفعت يداه والله أعلم. وفيها خرج الترك والخزر بباب الابواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة. وحج بالناس في هذه السنة نائب المدينة عبد الله بن الربيع الحارثي. وعلى الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة مسلم بن قتيبة وعلى مصر يزيد بن حاتم.

[ 103 ]

ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة فيها تكامل بناء مدينة السلام بغداد، وسكنها المنصور في صفر من هذه السنة، وكان مقيما قبل ذلك بالهاشمية المتاخمة للكوفة، وكان قد شرع في بنائها في السنة الخارجة، وقيل في سنة أربع وأربعين ومائة فالله أعلم. وقد كان السبب الباعث له على بنائها أن الراوندية لما وثبوا عليه بالكوفة ووقاه الله شرهم، بقيت منهم بقية فخشي على جنده منهم، فخرج من الكوفة يرتاد لهم. موضعا لبناء مدينة، فسار في الارض حتى بلغ الجزيرة فلم ير موضعا أحسن لوضع المدينة من موضع بغداد الذي هي فيه الآن، وذلك بأنه موضع يغدا إليه ويراح بخيرات ما حوله في البر والبحر، وهو محصن بدجلة والفرات من ههنا وههنا، لا يقدر أحد أن يتوصل إلى موضع الخليفة إلا على جسر، وقد بات به المنصور قبل بنائه ليالي فرأى الرياح تهب به ليلا ونهارا من غير انجعار ولا غبار، ورأى طيب تلك البقعة وطيب هوائها، وقد كان في موضعها قرى وديور لعباد النصارى وغيرهم - ذكر ذلك مفصلا بأسمائه وتعداده أبو جعفر ابن جرير - فحينئذ أمر المنصور باختطاطها فرسموها له بالرماد فمشى في طرقها ومسالكها فأعجبه ذلك، ثم سلم كل ربع منها لامير يقوم على بنائه، وأحضر من كل البلاد فعالا وصناعا ومهندسين، فاجتمع عنده ألوف منهم، ثم كان هو أول من وضع لبنة فيها بيده وقال: بسم الله والحمد لله، والارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ثم قال: ابنوا على بركة الله. وأمر ببنائها مدورة سمك سورها من أسفله خمسون ذراعا، ومن أعلاه عشرون ذراعا، وجعل لها ثمانية أبواب في السور البراني، ومثلها في الجواني، وليس كل واحد تجاه الآخر، ولكن جعله أزور عن الذي يليه، ولهذا سميت بغداد الزوراء، لازورار أبوابها بعضها عن بعض، وقيل سميت بذلك لانحراف دجلة عندها. وبنى قصر الامارة في وسط البلد ليكون الناس منه على حد سواء، واختط المسجد الجامع إلى جانب القصر، وكان الذي وضع قبلته الحجاج بن أرطاة. وقال ابن جرير: ويقال إن في قبلته انحرافا يحتاج المصلي فيه أن ينحرف إلى ناحية باب البصرة، وذكر أن [ قبلة ] (1) مسجد الرصافة أقرب إلى الصواب منه لانه بني قبل القصر، وجامع المدينة بني على القصر، فاختلت قبلته بسبب ذلك. وذكر ابن جرير عن سليمان بن مجالد أن المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت على القضاء بها فأبى وامتنع فحلف المنصور أن يتولى له، وحلف أبو حنيفة أن لا يتولى له، فولاه القيام بأمر المدينة وضرب اللبن، وأخذ الرجال بالعمل، فتولى ذلك حتى فرغوا من استتمام حائط المدينة مما يلي الخندق، وكان استتمامه في سنة أربع وأربعين ومائة. قال ابن جرير: وذكر عن الهيثم بن عدي: أن المنصور عرض


(1) من الطبري 9 / 261. (*)

[ 104 ]

على أبي حنيفة القضاء والمظالم فامتنع، فحلف أن لا يقلع عنه حتى يعمل له، فأخبر بذلك أبو حنيفة فدعا بقصبة فعد اللبن ليبر بذلك يمين أبي جعفر، ومات أبو حنيفة ببغداد بعد ذلك. وذكر أن خالد ابن برمك هو الذي أشار على المنصور ببنائها، وأنه كان مستحثا فيها للصناع، وقد شاور المنصور الامراء في نقل القصر الابيض من المدائن إلى بغداد لاجل قصر الامارة بها، فقالوا: لا تفعل فإنه آية في العالم، وفيه مصلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. فخالفهم ونقل منه شيئا كثيرا فلم يف ما تحصل منه بأجرة ما يصرف في حمله فتركه، ونقل أبواب قصر واسط إلى أبواب قصر الامارة ببغداد. وقد كان الحجاج نقل حجارته من مدينة هناك (1) كانت من بناء سليمان بن داود، وكانت الجن قد عملت تلك الابواب، وهي حجارة هائلة. وقد كانت الاسواق وضجيجها تسمع من قصر الامارة، فكانت أصواب الباعة وهو سات الاسواق تسمع منه، فعاب ذلك بعض بطارقة النصارى ممن قدم في بعض الرسائل من الروم، فأمر المنصور بنقل الاسواق من هناك إلى موضع آخر (2)، وأمر بتوسعة الطرقات أربعين ذراعا في أربعين ذراعا، ومن بنى في شئ من ذلك هدم. قال ابن جرير: وذكر عن عيسى بن المنصور أنه قال: وجدت في خزائن المنصور في الكتب أنه أنفق على بناء مدينة السلام ومسجدها الجامع وقصر الذهب بها والاسواق وغير ذلك، أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف وثلاثة وثمانين ألف درهم، وكان أجرة الاستاذ من البنائين كل يوم قيراط فضة، وأجرة الصانع من الحبتين إلى الثلاثة. قال الخطيب البغدادي: وقد رأيت ذلك في بعض الكتب، وحكى عن بعضهم أنه قال: أنفق عليه ثمانية عشر ألف ألف فالله أعلم. وذكر ابن جرير أن المنصور ناقص أحد المهندسين (3) الذي بنى له بيتا حسنا في قصر الامارة فنقصه درهما عما ساومه، وأنه حاسب بعض المستحثين على الذي كان عنده ففضل عنده خمسة عشر درهما فحبسه حتى جاء بها وأحضرها وكان شحيحا. قال الخطيب: وبناها مدورة، ولا يعرف في أقطار الارض مدينة مدورة سواها، ووضع أساسها في وقت اختاره له نوبخت المنجم. ثم ذكر عن بعض المنجمين قال: قال لي المنصور لما فرغ من بناء بغداد: خذ الطالع لها، فنطرت في طالعها - وكان المشتري في القوس - فأخبرته بما تدل عليه النجوم، من طول زمانها، وكثرة عمارتها، وانصباب الدنيا إليها وفقر الناس إلى ما فيها. قال: ثم قلت له: وأبشرك يا أمير المؤمنين أنه لا يموت فيها أحد من الخلفاء أبدا. قال: فرأيته يبتسم ثم قال: الحمد لله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وذكر عن بعض الشعراء أنه قال في ذلك شعرا منه:


(1) يقال لها مدينة الزند ورد، وفي معجم البلدان (بغداد): بزند ورد (2) قال ابن الاثير 5 / 574: وقيل: إنما أخرجهم لان الغرباء يطرقونها ويبيتون فيها وربما كان فيهم الجاسوس. ومن يتعرف الاخبار أو أن يفتح أبواب المدينة ليلا لموضع السوق (انظر الطبري 9 / 262). (3) وهو خالد بن الصلت وكان أبو جعفر قد ولاه النفقة على أحد أرباع المدينة وهي تبنى. (*)

[ 105 ]

قضى ربها أن لا يموت خليفة * بها إنه ما شاء في خلقه يقضي (1) وقد قرره على هذا الخطأ الخطيب وسلم ذلك ولم ينقضه بشئ بل قرره مع اطلاعه ومعرفته. قال: وزعم بعض الناس أن الامين قتل بدرب الانبار منها فذكرت ذلك للقاضي أبي القاسم علي بن حسن التنوخي فقال: محمد الامين لم يقتل بالمدينة، وإنما كان قد نزل في سفينة إلى دجلة ليتنزه فقبض عليه في وسط دجلة وقتل هناك. ذكر ذلك الصولي وغيره. وذكر عن بعض مشايخ بغداد أنه قال: اتساع بغداد مائة وثلاثون جريبا، وذلك بقدر ميلين في ميلين، قال الامام أحمد، بغداد من الصراة إلى باب التبن. وذكر الخطيب أن بين كل بابين من أبوابها الثمانية ميلا، وقيل أقل من ذلك. وذكر الخطيب صفة قصر الامارة وأن القبة الخضراء طولها (2) ثمانون ذراعا، على رأسها تمثال فرس عليه فارس في يده رمح يدور به فأي جهة استقبلها واستمر مستقبلها، علم السلطان أن في تلك الجهة قد وقع حدث فلم يلبث أن يأتي الخليفة خبره (3). وهذه القبة وهي على مجلس في صدر إيوان المحكمة وطوله ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا. وقد سقطت هذه القبة في ليلة برد ومطر ورعد وبرق، ليلة الثلاثاء لسبع خلون من شهر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وذكر الخطيب البغدادي أنه كان يباع في بغداد في أيام المنصور الكبش الغنم بدرهم والحمل بأربعة دوانق، وينادى على لحم الغنم كل ستين رطلا بدرهم، ولحم البقر كل تسعين رطلا بدرهم، والتمر كل ستين رطلا بدرهم، والزيت ستة عشر رطلا بدرهم، والسمن ثمانية أرطال بدرهم، والعسل عشرة أرطال بدرهم. ولهذا الامن والرخص كثر ساكنوها وعظم أهلوها وكثر الدارج في أسواقها وأزقتها، حتى كان المار لا يستطيع أن يجتاز في أسواقها لكثرة زحام أهلها. قال بعض الامراء وقد رجع من السوق: طال والله ما طردت خلف الارانب في هذا المكان. وذكر الخطيب أن المنصور جلس يوما في قصرة فسمع ضجة عظيمة ثم أخرى ثم أخرى فقال للربيع الحاجب: ما هذا ؟ فكشف فإذا بقرة قد نفرت من جازرها هاربة في الاسواق، فقال الرومي: يا أمير المؤمنين إنك بنيت بناء لم يبنه أحد قبلك، وفيه ثلاثة عيوب، بعده من الماء، وقرب الاسواق


(1) البيت في معجم البلدان (بغداد) ونسبه إلى عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفي. (2) في معجم البلدان: علوها. (3) هذا من المستحيل والكذب الفاحش، وهذا من أقوال سحرة مصر وطلسمات بليناس فأما الملة الاسلامية تجل عن مثل هذه الخرافات، ولو كان ذلك لوجب أن لا يزال خارجي يخرج في كل وقت لانها لا بد أن تتوجه (القبة) إلى وجه من الوجوه. (*)

[ 106 ]

منه، وليس عنده خضره، والعين خضرة تحب الخضرة (1). فلم يرفع بها المنصور رأسا ثم أمر بتغيير ذلك، ثم بعد ذلك ساق إليها الماء وبنى عندها البساتين، وحول الاسواق من ثم إلى الكرخ. قال يعقوب بن سفيان: كمل بناء بغداد في سنة ست وأربعين ومائة، وفي سنة سبع وخمسين حول الاسواق إلى باب الكرخ وباب الشعير وباب المحول وأمر بتوسعة الاسواق أربعين ألفا، وبعد شهرين من ذلك شرع في بناء قصره المسمى بالخلد، فكمل سنة ثمان وخمسين ومائة. وجعل أمر ذلك إلى رجل يقال له الوضاح، وبنى للعامة جامعا للصلاة والجمعة لئلا يدخلوا إلى جامع المنصور، فأما دار الخلافة التي كانت ببغداد بعد ذلك فإنها كانت للحسن بن سهل، فانتقلت من بعده إلى بوران زوجة المأمون، فطلبها منها المعتضد - وقيل المعتمد - فأنعمت له بها، ثم استنظرته أياما حتى تنتقل منها فأنطرها، فشرعت في تلك الايام في ترميمها وتبييضها وتحسينها، ثم فرشتها بأنواع الفرش والبسط، وعلقت فيها أنواع الستور، وأرصدت فيها ما ينبغي للخلافة من الجواري والخدم، وألبستهم أنواع الملابس، وجعلت في الخزائن ما ينبغي من أنواع الاطعمة والمأكل، وجعلت في بعض بيوتها من أنواع الاموال والذخائر، ثم أرسلت بمفاتيحها إليه، ثم دخلها فوجد فيها ما أرصدته بها، فهاله ذلك واستعظمه جدا، وكان أول خليفة سكنها وبنى عليها سورا. ذكره الخطيب. وأما التاج فبناه المكتفي على دجلة وحوله القباب والمجالس والميدان والثريا وحير الوحوش. وذكر الخطيب صفة دار الشجرة التي كانت في زمن المقتدر بالله، وما فيها من الفرش والستور والخدم والمماليك والحشمة الباهرة، والدنيا الظاهرة، وأنها كان بها إحد عشر ألف طواشي، وسبعمائة حاجب. وأما المماليك فألوف لا يحصون كثرة، وسيأتي ذكر ذلك مفصلا في أيامهم ودولتهم التي ذهبت كأنها أحلام نوم، بعد سنة ثلثمائة. وذكر الخطيب دار الملك التي بالمخرم، وذكر الجوامع التي تقام فيها الجمعات، وذكر الانهار والجسور التي بها، وما كان في ذلك في زمن المنصور، وما أحدث بعده إلى زمانه، وأنشد لبعض الشعراء في جسور بغداد التي على دجلة: يوم سرقنا العيش فيه خلسة * في مجلس بفناء دجلة مفرد رق الهواء برقة وقدامة * فغدوت رقا للزمان المسعد فكأن دجلة طيلسان أبيض * والجسر فيها كالطراز الاسود


(1) في ذلك قال عبد الله بن المعتز: ببلاد فيها الركايا علي‍ * هن أكاليل من بعوض تعوم جوها في الشتاء والصيف دخا * ن كثيف وماؤها محموم ويح دار الملك التي تنفخ المس‍ * ك إذا ما جرى عليه النسيم (*)

[ 107 ]

وقال آخر: يا حبذا جسر على متن دجلة * بإتقان تأسيس وحسن ورونق جمال وحسن للعراق ونزهة * وسلوة من أضناه فرط التشوق تراه إذا ما جئته متأملا * كسطر عبير خط في وسط مهرق أو العاج فيه الابنوس مرقش * مثال فيول تحتها أرض زئبق وذكر الصولي، قال: ذكر أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد أن ذرع بغداد من الجانبين ثلاثة وخمسون ألف جريب، وأن الجانب الشرقي ستة وعشرون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا وأن عدة حماماتها ستون ألف حمام، وأقل ما في كل حمام منها خمسة نفر حمامي وقيم وزبال ووقاد وسقاء، وأن بإزاء كل حمام خمسة مساجد، فذلك ثلاثمائة ألف مسجد، وأقل ما يكون في كل مسجد خمسة نفر - يعني إماما وقيما ومأذونا ومأمومين - ثم تناقصت بعد ذلك، ثم دثرت بعد ذلك حتى صارت كأنها خربة صورة ومعنى. على ما سيأتي بيانه في موضعه. وقال الحافظ أبو بكر البغدادي: لم يكن لبغداد نظير في الدنيا في جلالة قدرها، وفخامة أمرها، وكثرة علمائها وأعلامها، وتمييز خواصها وعوامها، وعظم أقطارها، وسعة أطرارها، وكثرة دورها ودروبها ومنازلها وشوارعها ومساجدها وحماماتها وخاناتها، وطيب هوائها وعذوبة مائها وبرد ظلالها واعتدال صيفها وشتائها، وصحة ربيعها وخريفها، وأكثر ما كانت عمارة وأهلا في أيام الرشيد، ثم ذكر تناقص أحوالها وهلم جرا إلى زمانه. قلت: وكذا من بعده إلى زماننا هذا، ولا سيما في أيام هولاكو بن تولى بن جنكز بن خان التركي الذي وضع معالمها وقتل خليفتها وعالمها وخرب دورها وهدم قصورها وأباد الخواص والعوام من أهلها في ذلك العام، وأخذ الاموال والحواصل، ونهب الذراري والاصائل، وأورث بها حزنا يعدد به في المبكرات والاصائل، وصيرها مثلة في الاقاليم، وعبرة لكل معتبر عليم، وتذكرة لكل ذي عقل مستقيم، وبدلت بعد تلاوة القرآن بالنغمات والالحان، وإنشاد الاشعار، وكان، وكان. وبعد سماع الاحاديث النبوية بدرس الفلسفة اليونانية، والمناهج الكلامية والتأ ويلات القرمطية، وبعد العلماء بالاطباء، وبعد الخليفة العباسي بشر الولاة من الاناسي، وبعد الرياسة والنباهة بالخساسة والسفاهة، وبعد الطلبة المشتغلين بالظلمة والعيارين، وبعد العلم بالفقه والحديث وتعبير الرؤيا، بالموشح ودوبيت ومواليا. وما أصابهم ذلك إلا ببعض ذنوبهم (وما ربك بظلام للعبيد) [ فصلت: 46 ] والتحول منها في هذه الازمان لكثرة ما فيها من المنكرات الحسية والمعنوية، وأكل الحشيشة، والانتقال عنها إلى بلاد الشام الذي تكفل الله بأهلها أفضل وأكمل وأجمل. وقد روى الامام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، وشرار أهل الشام إلى العراق " (1).


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 5 / 249. (*)

[ 108 ]

ما ورد في مدينة بغداد من الآثار وما فيها من الاخبار فيها أربع لغات بغداد وبغداذ (1) بإهمال الدال الثانية وإعجامها، وبغدان بالنون آخره وبالميم مع ذلك أولا مغدان، وهي كلمة أعجمية قيل إنها مركبة من بغ وداد فقيل بغ بستان وداد اسم رجل، وقيل بغ اسم صنم وقيل شيطان وداد عطية أي عطية الصنم، ولهذا كره عبد الله بن المبارك والاصمعي وغيرهما تسميتها بغداد وإنما يقال لها مدينة السلام، وكذا أسماها بانيها أبو جعفر المنصور، لان دجلة كان يقال لها وادي السلام، ومنهم من يسميها الزوراء. فروى الخطيب البغدادي من طريق عمار بن سيف - وهو متهم - قال: سمعت عاصم الاحول يحدث عن سفيان الثوري، عن أبي عثمان، عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة تجبى إليها خزائن الارض، وملوكها جبابرة، فلهي أسرع ذهابا في الارض من الوتد الحديد في الارض الرخوة ". قال الخطيب: وقد رواه عن عاصم الاحول سيف ابن أخت سفيان الثوري، وهو أخو عمار بن سيف. قلت: وكلاهما ضعيف متهم يرمى بالكذب، ومحمد بن جابر اليماني ضعيف، وأبو شهاب الحناطي ضعيف. وروى عن سفيان الثوري عن عاصم من طرق ثم أسند ذلك كله. وأورد من طريق يحيى بن معين عن يحيى بن أبي كثير عن عمار بن سيف عن الثوري عن عاصم عن أبي عثمان عن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أحمد ويحيى: ليس لهذا الحديث أصل. وقال أحمد: ما حدث به إنسان ثقة، وقد علله الخطيب من جميع طرقه وساقه أيضا من طريق عمار بن سيف عن الثوري عن أبي عبيدة حميد الطويل، عن أنس بن مالك، ولا يصح أيضا. ومن طريق عمر بن يحيى عن سفيان عن قيس بن مسلم عن ربعي عن حذيفة مرفوعا بنحوه، ولا يصح. ومن غير وجه عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وثوبان وابن عباس، وفي بعضها ذكر السفياني " وأنه يخربها " ولا يصح إسناد شئ من هذه الاحاديث. وقد أوردها الخطيب بأسانيدها وألفاظها، وفي كل منها نكارة، وأقرب ما فيها عن كعب الاحبار وقد جاء في آثار عن كتب متقدمة أن بانيها يقال له مقلاص (2) وذو الدوانيق لبخله.


(1) البصريون لا يجيزون بغداذ وقالوا: ليس في كلام العرب كلمة فيها دال بعدها ذال، وقيل في بغداد سبع لغات: بغداد وبغدان مغداد ومغدان وبغداذ ومغداذ وبغدين. (2) مقلاص اسم لص كانت تضرب به الامثال، وكان أبو جعفر المنصور صبيا سرق غزلا لعجوز، كانت تخدمه. وباعه لينفق على أتراب له. فلما علمت بفعلته سمته مقلاصا وغلب عليه هذا اللقب في صغره ثم ذهب عنه. (الفخري ص 162.. معجم البلدان 1 / 459). (*)

[ 109 ]

فصل محاسن بغداد ومساويها وما روي في ذلك عن الائمة قال يونس بن عبد الاعلى الصدفي: قال لي الشافعي: هل رأيت بغداد ؟ قلت لا ! فقال: ما رأيت الدنيا. وقال الشافعي: ما دخلت بلدا قط إلا عددته سفرا، إلا بغداد فإني حين دخلتها عددتها وطنا. وقال بعضهم (1): الدنيا بادية وبغداد حاضرتها. وقال ابن علية: ما رأيت أعقل في طلب الحديث من أهل بغداد، ولا أحسن دعة منهم. وقال ابن مجاهد: رأيت أبا عمرو بن العلاء في النوم فقلت: ما فعل الله بك ؟ فقال لي: دعني من هذا، من أقام ببغداد على السنة والجماعة ومات نقل من جنة إلى جنة. وقال أبو بكر بن عياش: الاسلام ببغداد، وإنها لصيادة تصيد الرجال، ومن لم يرها لم ير الدنيا. وقال أبو معاوية: بغداد دار دنيا وآخرة. وقال بعضهم: من محاسن الاسلام يوم الجمعة ببغداد، وصلاة التراويح بمكة، ويوم العيد بطرسوس. قال الخطيب: من شهد يوم الجمعة بمدينة السلام عظم الله في قلبه محل الاسلام، لان مشايخنا كانوا يقولون يوم الجمعة ببغداد كيوم العيد في غيرها من البلاد. وقال بعضهم: كنت أواظب على الجمعة بجامع المنصور فعرض لي شغل فصليت في غيره فرأيت في المنام كأن قائلا يقول: تركت الصلاة في جامع المدينة وإنه ليصلي فيه كل جمعة سبعون وليا. وقال آخر: أردت الانتقال من بغداد فرأيت كأن قائلا يقول في المنام: أتنتقل من بلد فيه عشرة آلاف ولي لله عز وجل ؟ وقال بعضهم: رأيت كأن ملكين أتيا بغداد فقال أحدهما لصاحبه: اقلبها. فقد حق القول عليها: فقال الآخر كيف أقلب ببلد يختم فيها القرآن كل ليلة خمسة آلاف ختمة ؟ وقال أبو مسهر: عن سعيد بن عبد العزيز بن سليمان بن موسى قال: إذا كان علم الرجل حجازيا وخلقه عراقيا وصلاته شامية فقد كمل. وقالت زبيدة لمنصور النمري قل شعرا تحبب فيه بغداد إلي. فقد اختار عليها الرافقة فقال: ماذا ببغداد من طيب الافانين * ومن منازه للدنيا وللدين تحيي الرياح بها الرمضى إذا نسمت * وجوشت بين أغصان الرياحين قال: فأعطته ألفي دينار. وقال الخطيب: وقرأت في كتاب طاهر بن مظفر بن طاهر الخازن بخطه من شعره: سقى الله صوب الغاديات محلة * ببغداد بين الكرخ فالخلد فالجسر هي البلدة الحسناء خصت لاهلها * بأشياء لم يجمعن مذكن في مصر هواء رقيق في اعتدال وصحة * وماء له طعم ألذ من الخمر


(1) وهو قول أبو اسحاق الزجاج: بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية. (*)

[ 110 ]

ودجلتها شطان قد نظما لنا * بتاج إلى تاج وقصر إلى قصر ثراها كمسك والمياه كفضة * وحصباؤها مثل اليواقيت والدر وقد أورد الخطيب في هذا أشعارا كثيرة وفيما ذكرنا كفاية. وقد كان الفراغ من بناء بغداد في هذه السنة - أعني سنة ست وأربعين ومائة - وقيل في سنة ثمان وأربعين، وقيل إن خندقها وسورها كملا في سنة سبع وأربعين، ولم يزل المنصور يزيد فيها ويتأنق في بنائها حتى كان آخر ما بنى فيها قصر الخلد، فظن أنه يخلد فيها، أو أنها تخلد فلا تخرب، فعند كماله مات. وقد خربت بغداد مرات كما سيأتي بيانه. قال ابن جرير: وفي هذه السنة عزل المنصور سلم بن قتيبة عن البصرة وولى عليها محمد بن سليمان بن علي، وذلك لانه كتب إلى سلم يأمره بهدم بيوت الذين بايعوا إبراهيم بن عبد الله بن حسن فتوانى في ذلك فعزله، وبعث ابن عمه محمد بن سليمان فعاث بها فسادا، وهدم دورا كثيرة. وعزل عبد الله بن الربيع عن إمرة المدينة وولى عليها جعفر بن سليمان، وعزل عن مكة السري بن عبد الله وولى عليها عبد الصمد بن علي. قال: وحج بالناس في هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي قاله الواقدي وغيره. قال: وفيها غزا الصائفة من بلاد الروم جعفر بن حنظلة البهراني. وفيها توفي من الاعيان أشعث بن عبد الملك، وهشام بن السائب الكلبي، وهشام بن عروة. ويزيد ابن أبي عبيد في قول. ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة فيها أغار اشتر خان الخوارزمي في جيش من الاتراك على ناحية أرمينية فدخلوا تفليس وقتلوا خلقا كثيرا وأسروا كثيرا من المسلمين وأهل الذمة، وممن قتل يومئذ حرب بن عبد الله الراوندي الذي تنسب إليه الحربية (1) ببغداد، وكان مقيما بالموصل في ألفين لمقابلة الخوارج، فأرسله المنصور لمساعدة المسلمين ببلاد أرمينية، وكان في جيش جبريل بن يحيى، فهزم جبريل وقتل حرب رحمه الله. وفي هذه السنة كان مهلك عبد الله بن علي عم المنصور. وهو الذي أخذ الشام من أيدي بني أمية، كان عليها واليا حتى مات السفاح، فلما مات دعا إلى نفسه فبعث إليه المنصور أبا مسلم الخراساني فهزمه أبو مسلم وهرب عبد الله إلى عند أخيه سليمان بن علي والي البصرة فاختفى عنده مدة ثم ظهر المنصور على أمره فاستدعى به وسجنه، فلما كان في هذه السنة عزم المنصور على الحج فطلب عمه عيسى بن موسى - وكان ولي العهد من بعد المنصور عن وصية


(1) الحربية: اتباع عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي قالت إن روح الاله تناسخت في الانبياء والائمة إلى أن انتقلت إلى عبد الله بن حرب الكندي (الفرق بين الفرق ص 185). (*)

[ 111 ]

السفاح - وسلم إليه عمه عبد الله بن علي (1) وقال له: إن هذا عدوي وعدوك، فاقتله في غيبتي عنك ولا تتواني. وسار المنصور إلى الحج وجعل يكتب إليه من الطريق يستحثه في ذلك ويقول له: ماذا صنعت فيما أودعت إليك فيه ؟ مرة بعد مرة. وأما عيسى بن موسى فإنه لما تسلم عمه حار في أمره وشاور بعض أهله فأشار بعضهم ممن له رأي أن المصلحة تقتضي أن لا تقتله وابقه عندك وأظهر قتله فإنا نخشى أن يطالبك به جهرة فتقول: قتلته، فيأمر بالقود فتدعي أنه أمرك بقتله بالسر بينك وبينه فتعجز عن إثبات ذلك فيقتلك به، وإنما يريد المنصور قتله وقتلك ليستريح منكما معا. فتغير عيسى بن موسى عند ذلك وأخفى عمه وأظهر أنه قتله. فلما رجع المنصور من الحج أمر أهله أن يدخلوا عليه ويشفعوا في عمه عبد الله بن علي، وألحوا في ذلك فأجابهم إلى ذلك، واستدعى عيسى بن موسى وقال له: إن هؤلاء شفعوا في عبد الله بن علي وقد أجبتهم إلى ذلك فسلمه إليهم. فقال عيسى: وأين عبد الله ؟ ذاك قتلته منذ أمرتني. فقال المنصور: لم آمرك بذلك، وجحد ذلك وأن يكون تقدم إليه منه أمره في ذلك، فأحضر عيسى الكتب التي كتبها إليه المنصور مرة بعد مرة في ذلك فأنكر أن يكون أراد ذلك، وصمم على الانكار، وصمم عيسى بن موسى أنه قد قتله، فأمر المنصور عند ذلك بقتل عيسى بن موسى قصاصا بعبد الله، فخرج به بنو هاشم ليقتلوه، فلما جاؤوا بالسيف قال: ردوني إلى الخليفة، فردوه إليه فقال له: إن عمك حاضر ولم أقتله، فقال: هلم به. فأحضره فسقط في يد الخليفة وأمر بسجنه بدار جدرانها مبنية على ملح، فلما كان من الليل أرسل على جدرانها الماء فسقط عليه البناء فهلك. ثم إن المنصور خلع عيسى بن موسى عن ولاية العهد وقدم عليه ابنه المهدي، وكان يجلسه فوق عيسى بن موسى عن يمينه، ثم كان لا يلتفت إلى عيسى بن موسى ويهينه في الاذن والمشورة والدخول عليه والخروج من عنده، ثم ما زال يقصيه ويبعده ويتهدده ويتوعده حتى خلع نفسه بنفسه، وبايع لمحمد ابن منصور وأعطاه المنصور على ذلك نحوا من اثني عشر ألف ألف درهم، وانصلح أمر عيسى بن موسى وبنيه عند المنصور، وأقبل عليه بعدما كان قد أعرض عنه. وكان قد جرت بينهما قبل ذلك مكاتبات في ذلك كثيرة جدا، ومراودات في تمهيد البيعة لابنه المهدي وخلع عيسى نفسه، وأن العامة لا يعدلون بالمهدي أحدا. وكذلك الامراء والخواص. ولم يزل به حتى أجاب إلى ذلك مكرها، فعوضه عن ذلك ما ذكرنا، وسارت بيعة المهدي في الآفاق شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وفرح المنصور بذلك فرحا شديدا، واستقرت الخلافة في ذريته إلى زماننا هذا، فلم يكن خليفة من بني العباس إلا من سلالته (ذلك تقدير العزيز العليم) [ الانعام: 96 ]. وفيها توفي عبيد الله بن عمر العمري، وهاشم بن هاشم، وهشام بن حسان صاحب الحسن البصري.


(1) في الطبري 9 / 264 وابن الاثير 5 / 581: كان ذلك بعد أن خلع عيسى بن موسى نفسه من ولاية عهد المنصور بأشهر. (*)

[ 112 ]

ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة فيها بعث المنصور حميد بن قحطبة لغزو الترك الذين عاثوا في السنة الماضية ببلاد تفليس، فلم يجد منهم أحدا فإنهم انشمروا إلى بلادهم. وحج بالناس فيها جعفر بن أبي جعفر (1)، ونواب البلاد فيها هم المذكورون في التي قبلها. وفيها توفي جعفر بن محمد الصادق المنسوب إليه كتاب اختلاج الاعضاء وهو مكذوب عليه. وفيها توفي سليمان بن مهران الاعمش أحد مشايخ الحديث في ربيع الاول منها، وعمرو بن الحارث، والعوام بن حوشب، والزبيدي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. ومحمد بن عجلان. ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة فيها فرغ من بناء سور بغداد وخندقها. وفيها غزا الصائفة العباس بن محمد فدخل بلاد الروم ومعه الحسن (2) بن قحطبة ومحمد بن الاشعث. ومات محمد بن الاشعث في الطريق. وفيها حج بالناس محمد بن إبراهيم بن [ محمد بن ] علي وولاه المنصور على مكة والحجاز عوضا عن عمه عبد الصمد بن علي. وعمال الامصار فيها هم الذين كانوا في السنة قبلها. وفيها توفي زكريا بن أبي زائدة، وكهمس بن الحسن، والمثنى بن الصباح. وعيسى بن عمرو أبو عمرو الثقفي البصري النحوي شيخ سيبويه. يقال إنه من موالي خالد بن الوليد، وإنما نزل في ثقيف فنسب إليهم. كان إماما كبيرا جليلا في اللغة والنحو والقراءات، أخذ ذلك عن عبيد الله بن كثير وابن المحيص وعبد الله بن أبي إسحاق، وسمع الحسن البصري وغيرهم. وعنه الخليل بن أحمد والاصمعي وسيبويه. ولزمه وعرف به وانتفع به، وأخذ كتابه الذي سماه بالجامع فزاد عليه وبسطه، فهو كتاب سيبويه اليوم، وإنما هو كتاب شيخه، وكان سيبويه يسأل شيخه الخليل بن أحمد عما أشكل عليه فيه، فسأله الخليل أيضا عما صنف عيسى بن عمر فقال: جمع بضعا وسبعين كتابا ذهبت كلها إلا كتاب الاكمال، وهو بأرض فارس. وهو الذي أشتغل فيه وأسألك عن غوامضه، فأطرق الخليل ساعة ثم أنشد: ذهب النحو جميعا كله * غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع * وهما للناس شمس وقمر وقد كان عيسى يغرب ويتقعر في عبارته جدا. وقد حكى الجوهري عنه في الصحاح: أنه سقط يوما عن حماره فاجتمع عليه الناس فقال: ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي مرة (3) ؟ افرنقعوا


(1) في ابن الاثير 5 / 589: أبو جعفر المنصور. (2) من الطبري 9 / 276 وابن الاثير 5 / 590 وفي الاصل: الحسين وهو تحريف. (3) في رواية ابن خلكان 3 / 487 عن الصحاح: جنة (وانظر الصحاح ص 66 و 1258). (*)

[ 113 ]

عني. معناه: ما لكم تجمعتم علي تجمعكم على مجنون ؟ انكشفوا عني. وقال غيره: كان به ضيق النفس فسقط بسببه فاعتقد الناس أنه مصروع. فجعلوا يعودونه ويقرأون عليه، فلما أفاق من غشيته قال، ما قال: فقال بعضهم: إني حسبته - يتكلم بالفارسية - وذكر ابن خلكان أنه كان صاحبا لابي عمرو بن العلاء، وأن عيسى بن عمر قال يوما لابي عمرو بن العلاء: أنا أفصح من معد بن عدنان. فقال له أبو عمرو كيف تقرأ هذا البيت: قد كن يخبأن الوجوه تسترا * فاليوم حين بدأن للنظار (1) أو بدين ؟ فقال بدين. فقال أبو عمرو: أخطأت، ولو قال: بدأن لاخطأ أيضا. وإنما أراد أبو عمرو تغليطه، وإنما الصواب بدون من بدا يبدو إذا ظهر، وبدأ يبدأ إذا شرع في الشئ. ثم دخلت سنة خمسين ومائة من الهجرة فيها خرج رجل من الكفرة يقال له أستاذسيس في بلاد خراسان فاستحوذ على أكثرها، والتف معه نحو من ثلاثمائة ألف، وقتلوا من المسلمين هنالك خلقا كثيرا، وهزموا الجيوش التي في تلك البلاد، وسبوا خلقا كثيرا، وتحكم الفساد بسببهم، وتفاقم أمرهم، فوجه المنصور خازم بن خزيمة إلى ابنه المهدي ليوليه حرب تلك البلاد، ويضم إليه من الاجناد ما يقاوم أولئك. فنهض المهدي في ذلك نهضة هاشمية، وجمع لخازم بن خزيمة الامرة على تلك البلاد والجيوش، وبعثه في نحو من أربعين ألفا، فسار إليهم وما زال يراوغهم ويماكرهم ويعمل الخديعة فيهم حتى فاجأهم بالحرب، وواجههم بالطعن والضرب، فقتل منهم نحوا من سبعين ألفا، وأسر منهم أربعة عشر ألفا، وهرب ملكهم استاذسيس فتحرز في جبل، فجاء خازم إلى تحت الجبل وقتل أولئك الاسرى كلهم ولم يزل يحاصره حتى نزل على حكم بعض الامراء، فحكم أن يقيد بالحديد هو وأهل بيته، وأن يعتق من معه من الاجناد - وكانوا ثلاثين ألفا - ففعل خازم ذلك كله وأطلق لكل واحد ممن كان مع استاذسيس ثوبين، وكتب بما وقع من الفتح إلى المهدي، فكتب المهدي بذلك إلى أبيه المنصور. وفيها عزل الخليفة عن إمرة المدينة جعفر بن سليمان وولاها الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وفيها حج بالناس عبد الصمد بن علي عم الخليفة. وتوفي فيهما جعفر ابن أمير المؤمنين المنصور ودفن أولا بمقابر بني هاشم من بغداد، ثم نقل منها إلى موضع آخر. وفيها توفي عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أحد أئمة أهل الحجاز، ويقال إنه أول من جمع السنن. وعثمان بن الاسود، وعمر بن محمد بن زيد. وفيها توفي الامام أبو حنيفة.


(1) البيت للربيع بن زياد العبسي. (*)

[ 114 ]

ذكر ترجمته هو الامام أبو حنيفة واسمه النعمان بن ثابت التيمي مولاهم الكوفي (1)، فقيه العراق، وأحد أئمة الاسلام، والسادة الاعلام، وأحد أركان العلماء، وأحد الائمة الاربعة أصحاب المذاهب المتنوعة، وهو أقدمهم وفاة، لانه أدرك عصر الصحابة، ورأى أنس بن مالك، قيل وغيره. وذكر بعضهم أنه روى عن سبعة من الصحابة فالله أعلم (2). وروى عن جماعة من التابعين منهم: الحكم وحماد بن أبي سليمان، وسلمة بن كهيل، وعامر الشعبي، وعكرمة، وعطاء، وقتادة، والزهري، ونافع مولى ابن عمر، ويحيى بن سعيد - الانصاري وأبو إسحاق السبيعي. وروى عنه جماعة منهم ابنه حماد وإبراهيم بن طهمان، وإسحاق بن يوسف الازرق، وأسد بن عمرو القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وحمزة الزيات، وداود الطائي، وزفر، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، ومحمد بن الحسن الشيباني، وهشيم، ووكيع، وأبو يوسف القاضي. قال يحيى بن معين: كان ثقة، وكان من أهل الصدق ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيا. وقد كان يحيى بن سعيد يختار قوله في الفتوى، وكان يحيى يقول: لا نكذب الله ! ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. وقال عبد الله بن المبارك: لو لا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس. وقال في الشافعي: رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته. وقال الشافعي: من أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، ومن أراد السير فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد الحديث فهو عيال على مالك، ومن أراد التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان. وقال عبد الله بن داود الحريبي: ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لابي حنيفة، لحفظه الفقه والسنن عليهم. وقال سفيان الثوري وابن المبارك: كان أبو حنيفة أفقه أهل الارض في زمانه. وقال أبو نعيم: كان صاحب غوص في المسائل. وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل الارض. وروى الخطيب بسنده عن أسد بن عمرو أن أبا حنيفة كان يصلي بالليل ويقرأ القرآن في كل ليلة، ويبكي حتى يرحمه جيرانه. ومكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء، وختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين ألف مرة، وكانت وفاته في رجب من هذه السنة - أعني سنة خمسين ومائة - وعن ابن معين سنة إحدى وخمسين. وقال غيره: سنة ثلاث وخمسين. والصحيح الاول.


(1) مولى لبني تيم الله بن ثعلبة من بكر بن وائل. (2) في وفيات الاعيان 5 / 406: أدرك أبعة من الصحابة وهم: أنس بن مالك و عبد الله بن أبي أوفى وسهل بن سعد الساعدي وأبو الطفيل عامر بن واثلة ولم يلق أحدا منهم ولا أخذ عنهم. قال الخطيب في تاريخ بغداد 13 / 324 والذهبي في التذكرة 1 / 168: رأى أنس غير مرة. (*)

[ 115 ]

وكان مولده في سنة ثمانين فتم له من العمر سبعون سنة، وصلى عليه ببغداد ست مرات لكثرة الزحام، وقبره هناك رحمه الله. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة فيها عزل المنصور عمر بن حفص عن السند وولى عليها هشام بن عمرو التغلبي، وكان سبب عزله عنها أن محمد بن عبد الله بن حسن لما ظهر بعث ابنه عبد الله الملقب بالاشتر ومعه جماعة بهدية وخيول عتاق إلى عمر بن حفص هذا إلى السند فقبلها، فدعوه إلى ؟ وة أبيه محمد بن عبد الله بن حسن في السر فأجابهم إلى ذلك ولبسوا البياض. ولما جاء خبر مقتل محمد بن عبد الله بالمدينة سقط في أيديهم وأخذوا في الاعتذار إلى عبد الله بن محمد، فقال له عبد الله: إني أخشى على نفسي. فقال: إني سأبعثك إلى ملك من المشركين في جوار أرضنا، وإنه من أشد الناس تعظيما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه متى عرفك أنك من سلالته أحبك. فأجابه إلى ذلك، وسار عبد الله بن محمد إلى ذلك الملك وكان عنده آمنا، وصار عبد الله يركب في موكب من الزيدية ويتصيد في جحفل من الجنود، وانضم إليه خلق وقدم عليه طوائف من الزيدية. وأما المنصور فإنه بعث يعتب على عمر بن حفص نائب السند، فقال رجل من الامراء ابعثني إليه واجعل القضية مسندة إلي، فإني سأعتذر إليه من ذلك، فإن سلمت وإلا كنت فداءك وفداء من عندك من الامراء. فأرسله سفيرا في القضية إلى المنصور، فلما وقف بين يدي المنصور أمر بضرب عنقه، وكتب إلى عمر بن حفص بعزله عن السند وولاه بلاد إفريقية عوضا عن أميرها، ولما وجه المنصور هشام بن عمرو إلى السند أمره أن يجتهد في تحصيل عبد الله بن محمد، فجعل يتوانى في ذلك، فبعث إليه المنصور يستحثه في ذلك، ثم اتفق الحال أن سيفا أخا هشام بن عمرو لقي عبد الله بن محمد في بعض الاماكن فاقتتلوا فقتل عبد الله وأصحابه جميعا واشتبه عليهم مكانه في القتلى فلم يقدروا عليه. فكتب هشام بن عمرو إلى المنصور يعلمه يقتله، فبعث يشكره على ذلك ويأمره بقتال الملك الذي آواه، ويعلمه أن عبد الله كان قد تسرى بجارية هنالك وأولدها ولدا أسماه محمدا، فإذا ظفرت بالملك فاحتفظ بالغلام فنهض هشام بن عمرو إلى ذلك الملك فقاتله فغلبه وقهره على بلاده وأمواله وحواصله، وبعث بالفتح والاخماس وبذلك الغلام والملك إلى المنصور، ففرح المنصور بذلك وبعث بذلك الغلام إلى المدينة، وكتب المنصور إلى نائبها يعلمه بصحة نسبه، ويأمره أن يلحقه بأهله يكون عندهم لئلا يضيع نسبه، فهو الذي يقال له أبو الحسن بن الاشتر. وفي هذه السنة قدم المهدي بن المنصور على أبيه من خراسان فتلقاه أبوه والامراء والاكابر إلى أثناء الطريق، وقدم بعد ذلك نواب البلاد والشام وغيرها للسلام عليه وتهنئته بالسلامة والنصر. وحمل إليه من الهدايا والتحف ما لا يحد ولا يوصف.

[ 116 ]

بناء الرصافة قال ابن جرير: وفي هذه السنة شرع المنصور في بناء الرصافة لابنه المهدي بعد مقدمه من خراسان، وهي في الجانب الشرقي من بغداد، وجعل لها سورا وخندقا، وعمل عندها ميدانا وبستانا، وأجرى إليها الماء من نهر المهدي. قال ابن جرير: وفيها جدد المنصور البيعة لنفسه ثم لولده المهدي من بعده، ولعيسى بن موسى من بعدهما، وجاء الامراء والخواص فبايعوا وجعلوا يقبلون يد المنصور ويد ابنه ويلمسون يد عيسى بن موسى ولا يقبلونها. قال الواقدي: وولى المنصور معن بن زائدة سجستان. وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، وهو نائب مكة والطائف، وعلى المدينة الحسن بن زيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة جابر بن زيد الكلابي، وعلى مصر زيد ابن حاتم. ونائب خراسان حميد بن قحطبة، ونائب سجستان معن بن زائدة. وغزا الصائفة فيها عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد. وفيها توفي حنظلة بن أبي سفيان، وعبد الله بن عون، ومحمد بن إسحاق بن يسار، صاحب السيرة النبوية التي جمعها وجعلها علما يهتدى به، وفخرا يستجلى به، والناس كلهم عيال عليه في ذلك، كما قال الشافعي وغيره من الائمة. ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين ومائة فيها عزل المنصور عن إمرة مصر يزيد بن حاتم وولاها محمد بن سعيد، وبعث إلى نائب إفريقية وكان قد بلغه أنه عصى وخالف، فلما جئ به أمر بضرب عنقه (1). وعزل عن البصر، جابر بن زيد الكلابي وولاها يزيد بن منصور. وفيها قتلت الخوارج معن بن زائدة بسجستان. وفيها توفي عباد بن منصور، ويونس بن يزيد الايلي. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسون ومائة وفيها غضب المنصور على كاتبه أبي أيوب المورياني (2) وسجنه وسجن أخاه خالدا وبني أخيه


(1) وهو هاشم بن الاساجيج كما في الاثير - وفي الطبري ابن الاشتاخنج -. (2) المورياني نسبة إلى قرية موريان من قرى الاهواز. وكان المنصور قد اشتراه صبيا قبل الخلافة وثقفه رآه السفاح مرة فأعجبه فاحتبسه عنده ثم اعتقه. واختص أبو أيوب بالسفاح طيلة خلافته. ثم قلده الخليفة المنصور وزارته - ورغم أن أبا أيوب كان لبيبا بصيرا بالامور عاقلا فطنا ذكيا - فإن هيبة المنصور كانت تصغر هيبة الوزراء وكان لا = (*)

[ 117 ]

الاربعة سعيدا ومسعودا ومخلدا ومحمدا، وطالبهم بالاموال الكثرة. وكان سبب ذلك ما ذكره ابن عساكر في ترجمة أبي جعفر المنصور، وهو أنه كان في زمن شبيبته قد ورد الموصل وهو فقير لا شئ له ولا معه شئ، فأجر نفسه من بعض الملاحين حتى اكتسب شيئا تزوج به امرأة، ثم جعل يعدها ويمينها أنه من بيت سيصير الملك إليهم سريعا، فاتفق حبلها منه، ثم تطلبه بنو أمية فهرب عنها وتركها حاملا، ووضع عندها رقعة فيها نسبته، وأنه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأمرها إذا بلغها أمره أن تأتيه، وإذا ولدت غلاما أن تسميه جعفرا. فولدت غلاما فسمته جعفرا. ونشأ الغلام فتعلم الكتابة وغوى العربية والادب، وأتقن ذلك إتقانا جيدا، ثم آل الامر إلى بني العباس، فسألت عن السفاح فإذا هو ليس صاحبها، ثم قام المنصور وصار الولد إلى بغداد فاختلط بكتاب الرسائل فأعجب به أبو أيوب المورياني صاحب ديوان الانشاء للمنصور، وحظي عنده وقدمه على غيره، فاتفق حضوره معه بين يدي الخليفة فجعل الخليفة يلاحظه، ثم بعث يوما الخادم ليأتيه بكاتب فدخل ومعه ذلك الغلام، فكتب بين يدي المنصور كتابا وجعل الخليفة ينظر إليه ويتأمله، ثم سأله عن اسمه فأخبره أنه جعفر، فقال: ابن من ؟ فسكت الغلام، فقال: مالك لا تتكلم ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن من خبري كيت وكيت، فتغير وجه الخليفة ثم سأله عن أمه فأخبره، وسأله عن أحوال بلد الموصل فجعل يخبره والغلام يتعجب. ثم قام إليه الخليفة فاحتضنه وقال: أنت ابني. ثم بعثه بعقد ثمين ومال جزيل وكتاب إلى أمه يعلمها بحقيقة الامر وحال الولد. وخرج الغلام ومعه ذلك من باب سر الخليفة فأحرز ذلك ثم جاء إلى أبي أيوب فقال: ما بطأ بك عند الخليفة ؟ فقال: إنه استكتبني في رسائل كثيرة، ثم تقاولا، ثم فارقه الغلام مغضبا ونهض من فوره فاستأجر إلى الموصل ليعلم أمه ويحملها وأهلها إلى بغداد، إلى أبيه الخليفة. فسار مراحل، ثم سأل عنه أبو أيوب فقيل سافر فظن أبو أيوب أنه قد أفشى شيئا من أسراره إلى الخليفة وفر منه، فبعث في طلبه رسولا وقال: حيث وجدته فرده علي. فسار الرسول في طلبه فوجده في بعض المنازل فخنقه وألقاه في بئر وأخذ ما كان معه فرجع به إلى أبي أيوب. فلما وقف أبو أيوب على الكتاب أسقط في يده وندم على بعثه خلفه. وانتظر الخليفة عود ولده إليه واستبطأه وكشف عن خبره فإذا رسول أبي أيوب قد لحقه وقتله. فحينئذ استحضر أبا أيوب وألزمه بأموال عظيمة، وما زال في العقوبة حتى أخذ جميع أمواله وحواصله ثم قتله، وجعل يقول: هذا قتل حبيبي. وكان المنصور كلما ذكر ولده حزن عليه حزنا شديدا. وفيها خرجت الخوارج من الصفرية وغيرهم ببلاد إفريقية. فاجتمع منهم ثلاثمائة ألف وخمسون ألفا، ما بين فارس وراجل، وعليهم أبو حاتم الانماطي، وأبو عباد (1). وانضم إليهم أبو قرة


= يظهر لهم أبهة ولا رونق. وغضب عليه المنصور فقتله وفي سبب قتله أقوال - انظر الطبري 9 / 284 - ابن الاثير 5 / 609 الفخري ص 176. (1) في البيان المغرب 1 / 77: أبو حاتم الاباضي وأبو غادي، وفي الطبري: أبو عاد. (*)

[ 118 ]

الصفري (1) في أربعين ألفا، فقاتلوا نائب إفريقية فهزموا جيشه وقتلوه، وهو عمر بن [ حفص بن ] (2) عثمان بن أبي صفرة الذي كان نائب السند كما تقدم، قتله هؤلاء الخوارج رحمه الله. وأكثرت الخوارج الفساد في البلاد، وقتلوا الحريم والاولاد. وفيها ألزم المنصور الناس بلبس قلانس سود طوال جدا، حتى كانوا يستعينون على رفعها من داخلها بالقضيب، فقال أبو دلامة الشاعر في ذلك: وكنا نرجي من إمام زيادة * فزاد الامام المرتجى (3) في القلانس تراها على هام الرجال كأنها * دنان يهود جللت بالبرانس وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى الحجوري فأسر خلقا كثيرا من الروم ينيف على ستة آلاف أسير، وغنم أموالا جزيلة. وحج بالناس المهدي بن المنصور وهو ولي العهد الملقب بالمهدي. وكان على نيابة مكة والطائف محمد بن إبراهيم، وعلى المدينة الحسن بن زيد وعلى الكوفة محمد بن سليمان وعلى البصرة يزيد بن منصور، وعلى مصر محمد بن سعيد. وذكر الواقدي أن يزيد بن منصور كان ولاه المنصور في هذه السنة اليمن. فالله أعلم. وفيها توفي أبان بن صمعة، وأسامة بن زيد الليثي، وثور بن يزيد الحمصي، والحسن بن عمارة، وقطر بن خليفة، ومعمر وهشام بن الغازي والله أعلم. ثم دخلت سنة أبع وخمسين ومائة فيها دخل المنصور بلاد الشام وزار بيت المقدس وجهز يزيد بن حاتم في خمسين ألفا وولاه بلاد إفريقية، وأمره بقتال الخوارج، وأنفق على هذا الجيش نحوا من ثلاث وستين ألف (4) درهم، وغزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي. وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم. ونواب البلاد والاقاليم هم المذكورون في التي قبلها، سوى البصرة فعليها عبد الملك بن أيوب بن ظبيان. وفيها توفي أبو أيوب الكاتب وأخوه خالد، وأمر المنصور ببني أخيه أن تقطع أيديهم وأرجلهم ثم تضرب بعد ذلك أعناقهم ففعل ذلك بهم. وفيها توفي:


(1) في ابن عذارى: اليفرني أمير تلمسان. (2) من الطبري 9 / 284. (3) في الطبري: المصطفى. (4) في الطبري 9 / 285: ألف ألف درهم.

[ 119 ]

أشعب الطامع (1) وهو أشعب بن جبير أبو العلاء، ويقال أبو إسحاق المديني، ويقال له أبو حميدة. وكان أبوه مولى لآل الزبير، قتله المختار، وهو خال الواقدي (2). روى عن عبد الله بن جعفر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في اليمين ". وأبان بن عثمان، وسالم وعكرمة، وكان ظريفا ماجنا يحبه أهل زمانه لخلاعته وطمعه، وكان حميد الغناء، وقد وفد على الوليد بن يزيد دمشق فترجمه ابن عساكر ترجمة ذكر عنه فيها أشياء مضحكة، وأسند عن حديثين. وروى عنه أنه سئل يوما أن يحدث فقال: حدثني عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خصلتان من عمل بهما دخل الجنة " ثم سكت فقيل له: وما هما ؟ فقال: نسي عكرمة الواحدة ونسيت أنا الاخرى. وكان سالم بن عبد الله بن عمر يستخفه ويستحليه ويضحك منه ويأخذه معه إلى الغابة، وكذلك كان غيره من أكابر الناس. وقال الشافعي: عبث الولدان يوما بأشعب فقال لهم: إن ههنا أناسا يفرقون الجوز - ليطردهم عنه - فتسارع الصبيان إلى ذلك، فلما رآهم مسرعين قال: لعله حق فتبعهم. وقال له رجل: ما بلغ من طمعك ؟ فقال: ما زفت عروس بالمدينة إلا رجوت أن تزف إلي فأكسح داري وأنظف بابي وأكنس بيتي. واجتاز يوما برجل يصنع طبقا من قبش فقال له: زد فيه طورا أو طورين لعله أن يهدي يوما لنا فيه هدية. وروى ابن عساكر أن أشعب غنى يوما لسالم بن عبد الله بن عمر قول بعض الشعراء: مضين بها والبدر يشبه وجهها * مطهرة الاثواب والدين وافر لها حسب زاك وعرض مهذب * وعن كل مكروه من الامر زاجر من الخفرات البيض لم تلق ريبة * ولم يستملها عن تقى الله شاعر فقال له سالم: أحسنت فزدنا. فغناه: ألمت بنا والليل داج كأنه * جناح غراب عنه قد نفض القطرا فقلت أعطار ثوى في رحالنا * وما علمت ليلى سوى ريحها عطرا فقال له: أحسنت ولو لا أن يتحدث الناس لاجزلت لك الجائزة، وإنك من الامر لبمكان وفيها توفي جعفر بن برقان، والحكم بن أبان، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر، وقرة بن خالد، وأبو عمرو بن العلاء أحد أئمة القراء، واسمه كنيته، وقيل اسمه ريان والصحيح الاول.


(1) انظر ترجمته في وفيات الاعيان 2 / 471 (شعيب) فوات الوفيات 1 / 197 الاغاني 19 / 134 - تهذيب ابن عساكر 3 / 75 تاريخ بغداد 7 / 37 ميزان الاعتدال 1 / 258 المحاسن والمساوئ ص 597 أخبار الظرفاء ص 31 ثمار القلوب ص (150). (2) في وفيات الاعيان وفوات الوفيات: خال الاصمعي. (*)

[ 120 ]

وهو أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التميمي المازني البصري، وقيل غير ذلك في نسبه، كان علامة زمانه في الفقه والنحو وعلم القراءات، وكان من كبار العلماء العاملين، يقال إنه كتب ملء بيت من كلام العرب، ثم تزهد فأحرق ذلك كله، ثم راجع الامر الاول فلم يكن عنده إلا ما كان يحفظه من كلام العرب، وكان قد لقي خلقا كثيرا من أعراب الجاهلية، كان مقدما أيام الحسن البصري ومن بعده. ومن اختياراته في العربية قوله في تفسيره الغرة في الجنين: إنها لا يقبل فيها إلا أبيض غلاما كان أو جارية. فهم ذلك من قوله عليه السلام: " غرة عبد أو أمة " ولو أريد أي عبد كان أو جارية لما قيده بالغرة، وإنما الغرة البياض. قال ابن خلكان: وهذا غريب ولا أعلم هل يوافقه قول أحد من الائمة المجتهدين أم لا. وذكر عنه أنه كان إذا دخل شهر رمضان لا ينشد بيتا من الشعر حتى ينسلخ، وإنما كان يقرأ القرآن وأنه كان يشتري له كل يوم كوزا جديدا وريحانا طريا، وقد صحبه الاصمعي نحوا من عشر سنين. كانت وفاته في هذه السنة، وقيل في سنة ست وخمسين، وقيل تسع وخمسين فالله أعلم. وقد قارب التسعين، وقيل إنه جاوزها فالله أعلم. وقبره بالشام وقيل بالكوفة فالله أعلم. وقد روى ابن عساكر في ترجمه صالح بن علي بن عبد الله بن العباس عن أبيه عن جده عبد الله ابن عباس مرفوعا " لان يربي أحدكم بعد أربع وخمسين ومائة جرو كلب خير له من أن يربي ولدا لصلبه ". وهذا منكر جدا وفي إسناده نظر. ذكره من طريق تمام عن خيثمة بن سليمان، عن محمد بن عوف الحمصي، عن أبي المغيرة عبد الله بن السمط، عن صالح به، وعبد الله بن السمط هذا لا أعرفه، وفد ذكره شيخنا الحافظ الذهبي في كتابه الميزان وقال: روي عن صالح بن علي حديثا موضوعا. ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة فيها دخل يزيد بن حاتم بلاد إفريقية فافتتحها عودا على بدء، وقتل من كان فيها ممن تغلب عليها من الخوارج، وقتل أمراءهم وأسر كبراءهم وأذل أشرافهم واستبدل أهل تلك البلاد بالخوف أمنا وسلامة، وبالاهانة كرامة، وكان من جملة من قتل من أمرائهم أبو حاتم وأبو عباد (1) الخارجيان. ثم لما استقامت له وبه الامور في البلدان دخل بعد ذلك بلاد القيروان فمهدها وأقر أهلها وقرر أمورها وأزال محذورها والله سبحانه أعلم.


(1) في ابن عذاري 1 / 78: أبو غادي. (*)

[ 121 ]

بناء الرافقة وهي المدينة المشهورة وفيها أمر المنصور ببناء الرافقة على منوال بناء بغداد في هذه السنة، وأمر فيها ببناء سور وعمل خندق حول الكوفة، وأخذ ما غرم على ذلك من أموال أهلها، من كل إنسان من أهل اليسار أربعين درهما. وقد فرضها أولا خمسة دراهم، خمسة دراهم، ثم جباها أربعين أربعين، فقال في ذلك بعضهم: يا لقومي ما رأينا * من (1) أمير المؤمنينا قسم الخمسة فينا * وجبانا أربعينا وفيها غزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي. وفيها طلب ملك الروم الصلح من المنصور على أن يحمل إليه الجزية. وفيها عزل المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة وغرمه أموالا كثيرة. وفيها عزل محمد بن سليمان بن علي عن إمرة الكوفة، فقيل لامور بلغته عنه في تعاطي منكرات، وأمور لا تليق بالعمال، وقيل لقتله محمد (2) بن أبي العوجاء - وقد كان ابن أبي العوجاء هذا زنديقا - يقال إنه لما أمر بضرب عنقه اعترف على نفسه بوضع أربعة آلاف حديث يحل فيها الحرام ويحرم فيها الحلال، ويصوم الناس يوم الفطر ويفطرهم في أيام الصيام، فأراد المنصور أن يجعل قتله له ذنبا فعزله به، وإنما أراد أن يقيده منه، فقال له عيسى بن موسى: يا أمير المؤمنين له تعزله بهذا ولا تقتله به، فإنه إنما قتله على الزندقة، ومتى عزلته به شكره العامة وذموك، فتركه حينا ثم عزله وولى مكانه على الكوفة عمرو ابن زهير. وفيها عزل عن المدينة الحسن بن زيد وولى عليها عمه عبد الصمد بن علي، وجعل معه فليح ابن سليمان مشرفا عليه. وعلى إمرة مكة محمد بن إبراهيم بن محمد، وعلى البصرة الهيثم بن معاوية، وعلى مصر محمد بن سعيد، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم. وفيها توفي صفوان بن عمرو وعثمان بن أبي العاتكة الدمشقيان، وعثمان بن عطاء، ومسعر بن كدام. حماد الراوية وهو ابن أبي ليلى ميسرة - ويقال سابور - بن المبارك بن عبيد الديلمي الكوفي، مولى بكير (3) بن زيد الخيل الطائي، كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها ولغاتها، وهو الذي جمع السبع المعلقات الطوال، وإنما سمي الراوية لكثرة روايته الشعر عن العرب، اختبره الوليد بن يزيد بن


(1) من الطبري 9 / 286 وابن الاثير 6 / 5 وفي الاصل: في. (2) في الطبري 9 / 286 وابن الاثير 6 / 7: عبد الكريم. (3) في المعارف لابن قتيبة ص 235: مكنف. (*)

[ 122 ]

عبد الملك أمير المؤمنين في ذلك فأنشده تسعا وعشرين قصيدة على حروف المعجم، كل قصيدة نحوا من مائة بيت، وزعم أنه لا يسمى شاعر من شعراء العرب إلا أنشد له ما لا يحفظه غيره. فأطلق له مائة ألف درهم. وذكر أبو محمد الحريري في كتابه درة الغواص (1): أن هشام بن عبد الملك استدعاه من العراق من نائبه يوسف بن عمر، فلما دخل عليه إذا هو في دار قوراء مرخمة بالرخام والذهب، وإذا عنده جاريتان حسنتان جدا، فاستنشده شيئا فأنشده، فقال له: سل حاجتك: فقال: كائنة ما كانت يا أمير المؤمنين ؟ فقال: وما هي ؟ فقال تطلق لي إحدى هاتين الجاريتين. فقال: هما وما عليهما لك، وأخلاه في بعض داره وأطلق له مائة ألف درهم. هذا ملخص الحكاية، والظاهر أن هذا الخليفة إنما هو الوليد بن يزيد، فإنه ذكر أنه شرب معه الخمر، وهشام لم يكن يشرب. ولم يكن نائبه على العراق يوسف بن عمر، إنما كان نائبه خالد بن عبد الله القسري، وبعده يوسف بن عمر بن عبد العزيز. كانت وفاة حماد في هذه السنة عن ستين سنة. قال ابن خلكان: وقيل إنه أدرك أول خلافة المهدي في سنة ثمان وخمسين فالله أعلم. وفيها قتل حماد عجرد على الزندقة. وهو حماد بن عمر ين يوسف (2) بن كليب الكوفي، ويقال إنه واسطي، مولى بني سواد (3)، وكان شاعرا ماجنا ظريفا زنديقا متهما على الاسلام، وقد أدرك الدولتين الاموية والعباسية، ولم يشتهر إلا في أيام بني العباس، وكان بينه وبين بشار بن برد مهاجاة كثيرة، وقد قتل بشار هذا على الزندقة أيضا كما سيأتي، ودفن مع حماد هذا في قبره (4)، وقيل إن حمادا عجرد مات سنة ثمان وخمسين، وقيل إحدى وستين ومائة فالله أعلم. ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة فيها ظفر الهيثم بن معاوية نائب المنصور على البصرة، بعمرو بن شداد الذي كان عاملا لابراهيم بن محمد (5) على فارس، فقيل: أمر فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه ثم صلب. وفيها عزل المنصور الهيثم بن معاوية هذا الذي فعل هذه الفعلة عن البصرة وولى عليها قاضيها سوار بن عبد الله، فجمع له بين القضاء والصلاة، وجعل على شرطتها وأحداثها سعيد بن دعلج، ورجع الهيثم بن


(1) انظر درة الغواص ص 177. والقصة في تهذيب ابن عساكر ووفيات الاعيان 2 / 207. (2) في وفيات الاعيان 2 / 210: يونس. (3) سوأة بن عامر بن صعصعة المعروف بعجرد. (4) كتب على قبريهما أبو هشام الباهلي: قد تبع الاعمى قفا عجرد * فأصبحا جارين في دار صارا جميعا في يدي مالك * في النار أو الكافر في النار (5) في الطبري وابن الاثير: عبد الله. (*)

[ 123 ]

معاوية قاتل عمرو بن شداد إلى بغداد فمت فيها فجأة في هذه السنة، وهو على بطن جارية له، وصلى عليه المنصور ودفن في مقابر بني هاشم، ويقال إنه أصابته دعوة عمر بن شداد الذي قتله تلك القتلة، فليتق العبد الظلم. وحج بالناس العباس بن محمد أخو المنصور. ونواب البلادهم المذكورون في التي قبلها. وعلى فارس والاهواز وكور دجلة عمارة بن حمزة، وعلى كرمان والسند هشام بن عمرو. وفيها توفي حمزة الزيات في قول. وهو أحد القراء المشهورين والعباد المذكورين، وإليه تنسب المدود الطويلة في القراءة اصطلاحا من عنده، وقد تلكم فيه بسببها بعض الائمة وأنكروها عليه. وسعيد بن أبي عروبة، وهو أول من جمع السنن في قول، وعبد الله بن شوذب، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقي، وعمر بن ذر. ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة فيها بنى المنصور قصره المسمى بالخلد في بغداد، تفاؤلا بالتخليد في الدنيا، فعند كماله مات وخرب القصر من بعده، وكان المستحث في عمارته أبان بن صدقة، والربيع مولى المنصور وهو حاجبه. وفيها حول المنصور الاسواق من قرب دار الامارة إلى باب الكرخ. وقد ذكرنا فيما تقدم سبب ذلك. وفيها أمر بتوسعة الطرقات. وفيها أمر بعمل جسر عند باب الشعير. وفيها استعرض المنصور جنده وهم ملبسون السلاح وهو أيضا لابس سلاحا عظيما، وكان ذلك عند دجلة. وفيها عزل عن السند هشام بن عمرو وولى عليها سعيد (1) بن الخليل. وفيها غزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي فأوغل في بلاد الروم، وبعث سنانا مولى البطال مقدمة بين يديه ففتح حصونا وسبى وغنم. وفيها حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي. ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها. وفيها توفي الحسين بن واقد، والامام الجليل علامة الوقت أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الاوزاعي فقيه أهل الشام وإمامهم. وقد بقي أهل دمشق وما حولها من البلاد على مذهبه نحوا من مائتين وعشرين سنة. شئ من ترجمة الاوزاعي رحمه الله هو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد (2) أبو عمرو الاوزاعي. والاوزاع بطن من حمير وهو من أنفسهم، قاله محمد بن سعد. وقال غيره: لم يكن من أنفسهم وإنما نزل في محلة الاوزاع، وهي قرية خارج باب الفراديس من قرى دمشق، وهو ابن عم يحيى بن عمرو الشيباني. قال أبو زرعة: وأصله


(1) في الطبري 9 / 288 وابن الاثير: 6 / 13: معبد. (2) في ابن خلكان 3 / 127: يحمد. (*)

[ 124 ]

من سبي السند فنزل الاوزاع فغلب عليه النسبة إليها. وقال غيره: ولد ببعلبك ونشأ بالبقاع يتيما في حجر أمه، وكانت تنتقل به من بلد إلى بلد، وتأدب بنفسه، فلم يكن في أبناء الملوك والخلفاء والوزراء والتجار وغيرهم أعقل منه، ولا أورع ولا أعلم، ولا أفصح ولا أوقر ولا أحلم، ولا أكثر صمتا منه، ما تكلم بكلمة إلا كان المتعين على من سمعها من جلسائه أن يكتبها عنه، من حسنها، وكان يعاني الرسائل والكتابة، وقد اكتتب مرة في بعث إلى اليمامة فسمع من يحيى بن أبي كثير وانقطع إليه فأرشده إلى الرحلة إلى البصرة ليسمع من الحسن وابن سيرين. فسار إليها فوجد الحسن قد توفي من شهرين ووجد ابن سيرين مريضا، فجعل يتردد لعيادته، فقوي المرض به ومات ولم يسمع منه الاوزاعي شيئا. ثم جاء فنزل دمشق بمحلة الاوزاع خارج باب الفراديس، وساد أهلها في زمانه وسائر البلاد في الفقه والحديث والمغازي وغير ذلك من علوم الاسلام. وقد أدرك خلقا من التابعين وغيرهم، وحدث عنه جماعات من سادات المسلمين، كمالك بن أنس والثوري والزهري، وهو من شيوخه. وأثنى عليه غير واحد من الائمة، وأجمع المسلمون على عدالته وإمامته. قال مالك: كان الاوزاعي إماما يقتدى به. وقال سفيان بن عيينة وغيره: كان الاوزاعي إمام أهل زمانه، وقد حج مرة فدخل مكة وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله، ومالك بن أنس يسوق به، والثوري يقول: أفسحوا للشيخ حتى أجلساه عند الكعبة، وجلسا بين يديه يأخذان عنه. وقد تذاكر مالك والاوزاعي مرة بالمدينة من الظهر حتى صليا العصر، ومن العصر حتى صليا المغرب، فغمره الاوزاعي في المغازي، وغمره مالك في الفقه. أو في شئ من الفقه. وتناظر الاوزاعي والثوري في مسجد الخيف في مسألة رفع اليدين في الركوع والرفع منه. فاحتج الاوزاعي على الرفع في ذلك بما رواه عن الزهري عن سالم عن أبيه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الركوع والرفع منه ". واحتج الثوري على ذلك بحديث يزيد بن أبي زياد. فغضب الاوزاعي وقال: تعارض حديث الزهري بحديث يزيد بن أبي زياد وهو رجل ضعيف ؟ فاحمر وجه الثوري، فقال الاوزاعي: لعلك كرهت ما قلت ؟ قال: نعم. قال: فقم بنا حتى نلتعن عند الركن أينا على الحق. فسكت الثوري. وقال هقل بن زياد: أفتى الاوزاعي في سبعين ألف مسألة بحدثنا. وأخبرنا. وقال أبو زرعة: روي عنه ستون ألف مسألة. وقال غيرهما: أفتى في سنة ثلاث عشرة ومائة وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، ثم لم يزل يفتي حتى مات وعقله زاك. وقال يحيى القطان عن مالك: اجتمع عندي الاوزاعي والثوري وأبو حنيفة فقلت: أيهم أرجح ؟ قال: الاوزاعي. وقال محمد بن عجلان: لم أر أحدا أنصح للمسلمين من الاوزاعي. وقال غيره: ما رئي الاوزاعي ضاحكا مقهقها قط، ولقد كان يعظ الناس فلا يبقى أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه، وما رأيناه يبكي في مجلسه قط وكان إذا خلى بكى حتى يرحم. وقال يحيى بن معين: العلماء أربعة: الثوري، وأبو حنيفة ومالك، والاوزاعي. قال أبو حاتم: كان ثقة متبعا لما سمع. قالوا: وكان الاوزاعي لا يلحن في كلامه، وكانت كتبه ترد على المنصور فينظر فيها ويتأملها ويتعجب من فصاحتها وحلاوة عبارتها. وقد قال المنصور يوما لاحظي كتابه عنده - وهو سليمان بن مجالد -: ينبغي أن نجيب الاوزاعي على ذلك

[ 125 ]

دائما، لنستعين بكلامه فيما نكاتب به إلى الآفاق إلى من لا يعرف كلام الاوزاعي. فقال: والله يا أمير المؤمنين لا يقدر أحد من أهل الارض على مثل كلامه ولا على شئ منه. وقال الوليد بن مسلم: كان الاوزاعي إذا صلى الصبح جلس يذكر الله سبحانه حتى تطلع الشمس، وكان يأثر عن السلف ذلك. قال: ثم يقومون فيتذاكرون في الفقه والحديث. وقال الاوزاعي: رأيت رب العزة في المنام فقال: أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فقلت: بفضلك أي رب. ثم قلت: يا رب أمتني على الاسلام. فقال: وعلى السنة. وقال محمد بن شعيب بن شابور: قال لي شيخ بجامع دمشق: أنا ميت في يوم كذا وكذا. فلما كان في ذلك اليوم رأيته في صحن الجامع يتفلى، فقال لي: اذهب إلى سرير الموتى فاحرزه لي عندك قبل أن تسبق إليه. فقلت: ما تقول ؟ فقال: هو ما أقول لك، وإني رأيت كأن قائلا يقول فلان قدري وفلان كذا وعثمان بن العاتكة نعم الرجل، وأبو عمرو الاوزاعي خير من يمشي على وجه الارض، وأنت ميت في يوم كذا وكذا. قال محمد بن شعيب: فما جاء الظهر حتى مات وصلينا عليه بعدها وأخرجت جنازته. ذكر ذلك ابن عساكر. وكان الاوزاعي رحمه الله كثير العبادة حسن الصلاة ورعا ناسكا طويل الصمت، وكان يقول: من أطال القيام في صلاة الليل هون الله عليه طول القيام يوم القيامة، أخذ ذلك من قوله تعالى: (ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا، إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا) [ الانسان: 26 - 27 ] وقال الوليد بن مسلم: ما رأيت أحدا أشد اجتهادا من الاوزاعي في العبادة. وقال غيره: حج فما نام على الراحلة، إنما هو في صلاة، فإذا نعس استند إلى القتب، وكان من شدة الخشوع كأنه أعمى. ودخلت امرأة على امرأة الاوزاعي فرأت الحصير الذي يصلي عليه مبلولا فقالت لها: لعل الصلبي بال ههنا. فقالت: هذا أثر دموع الشيخ من بكائه في سجوده، هكذا يصبح كل يوم. وقال الاوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وأقوال الرجال وإن زخرفوه وحسنوه، فإن الامر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم. وقال أيضا: اصبر على السنة وقف حيث يقف القوم، وقل ما قالوا وكف عما كفوا، وليسعك ما وسعهم. وقال: العلم ما جاء عن أصحاب محمد، وما لم يجئ عنهم فليس بعلم. وكان يقول: لا يجتمع حب علي وعثمان إلا في قلب مؤمن. وإذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم باب الجدل وسد عنهم باب العلم والعمل. قالوا: وكان الاوزاعي من أكرم الناس وأسخاهم، وكان له في بيت المال على الخلفاء أقطاع صار إليه من بني أمية وقد وصل إليه من خلفاء بني أمية وأقاربهم وبني العباس نحو من سبعين ألف دينار، فلم يمسك منها شيئا، ولا اقتنى شيئا من عقار ولا غيره، ولا ترك يوم مات سوى سبعة (1) دنانير كانت جهازه، بل كان ينفق ذلك كله في سبيل الله وفي الفقراء والمساكين. ولما دخل عبد الله بن علي - عم السفاح الذي أجلى بني أمية عن الشام، وأزال الله سبحانه دولتهم على يده - دمشق فطلب الاوزاعي فتغيب عنه ثلاثة أيام ثم حضر بين يديه. قال الاوزاعي:


(1) في تذكرة الحفاظ 1 / 183: ستة دنانير. (*)

[ 126 ]

دخلت عليه وهو على سرير وفي يده خيزرانة والمسودة عن يمينه وشماله، ومعهم السيوف مصلتة - والعمد الحديد - فسلمت عليه فلم يرد ونكت بتلك الخيزرانة التي في يده ثم قال: يا أوزاعي ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن العباد والبلاد ؟ أجهادا ورباطا هو ؟ قال: فقلت: أيها الامير سمعت يحيى بن سعيد الانصاري يقول: سمعت محمد بن إبراهيم التيمي يقول: سمعت علقمة بن وقاص يقول سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". قال: فنكت بالخيزرانة أشد مما كانت ينكت، وجعل من حوله يقبضون أيديهم على قبضات سيوفهم، ثم قال: يا أوزاعي ما تقول في دماء بني أمية ؟ فقلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة ". فنكت بها أشد من ذلك ثم قال: ما تقول في أموالهم ؟ فقلت: إن كانت في أيديهم حراما فهي حرام عليك أيضا، وإن كانت لهم حلالا فلا تحل لك إلا بطريق شرعي. فنكت أشد مما كان ينكت قبل ذلك ثم قال: ألا نوليك القضاء ؟ فقلت: إن أسلافك لم يكونوا يشقون علي في ذلك، وإني أحب أن يتم ما ابتدؤني به من الاحسان. فقال: كأنك تحب الانصراف ؟ فقلت: إن ورائي حرما وهم محتاجون إلى القيام عليهن وسترهن، وقلوبهن مشغولة بسببي. قال: وانتظرت رأسي أن يسقط بين يدي، فأمرني بالانصراف. فلا خرجت إذا برسوله من ورائي، وإذا معه مائتا دينار، فقال يقول لك الامير: استنفق هذه. قال: فتصدقت بها، وإنما أخذتها خوفا. قال: وكان في تلك الايام الثلاثة صائما فيقال إن الامير لما بلغه ذلك عرض عليه الفطر عنده فأبى أن يفطر عنده. قالوا: ثم رحل الاوزاعي من دمشق فنزل بيروت مرابطا بأهله وأولاده، قال الاوزاعي: وأعجبني في بيروت أني مررت بقبورها فإذا امرأة سوداء في القبور فقلت لها: أين العمارة ياهنتاه ؟ فقالت: إن أردت العمارة فهي هذه - وأشارت إلى القبور - وإن كنت تريد الخراب فأمامك - وأشارت إلى البلد - فعزمت على الاقامة بها. وقال محمد بن كثير: سمعت الاوزاعي يقول: خرجت يوما إلى الصحراء فإذا رجل جراد وإذا شخص راكب على جرادة منها وعليه سلاح الحديد، وكلما قال بيده هكذا إلى جهة مال الجراد مع يده، وهو يقول: الدنيا باطل باطل باطل، وما فيها باطل باطل باطل. وقال الاوزاعي: كان عندنا رجل يخرج يوم الجمعة إلى الصيد ولا ينتظر الجمعة فخسف ببغلته فلم يبق منها إلا أذناها، وخرج الاوزاعي يوما من باب مسجد بيروت وهناك دكان فيه رجل يبيع الناطف وإلى جانبه رجل يبيع البصل وهو يقول: يا بصل أحلى من العسل، أو قال أحلى من الناطف. فقال الاوزاعي: سبحان الله ! أيظن هذا أن شيئا من الكذب يباح ؟ فكأن هذا ما يرى في الكذب بأسا.

[ 127 ]

وقال الواقدي: قال لاوزاعي كنا قبل اليوم نضحك ونلعب، أما إذا صرنا أئمة يقتدى بنا فلا نرى أن يسعنا ذلك، وينبغي أن نتحفظ. وكتب إلى أخ له: أما بعد فقد أحيط بك من كل جانب، وإنه يسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والقيام بين يديه، وأن يكون آخر العهد بك والسلام. وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن إدريس سمعت أبا صالح - كاتب الليث - يذكر عن الهقل ابن زياد عن الاوزاعي أنه وعظ فقال في موعظته: أيها الناس، تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة، التي تطلع الافئدة، فإنكم في دار الثواء فيها قليل، وأنتم عما قليل عنها راحلون، خلائف بعد القرون الماضية الذين استقبلوا من الدنيا آنقها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعمارا وأمد أجساما، وأعظم أحلاما، وأكثر أموالا وأولادا، فخددوا الجبال وجابوا الصخر بالواد، وتنقلوا في البلاد، مؤيدين ببطش شديد، وأجساد كالعماد، فما لبثت الايام والليالي أن طوت آثارهم، وأخربت منازلهم وديارهم، وأنست ذكرهم، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع له ركزا ؟ كانوا بلهو الامل آمنين، وعن ميقات يوم موتهم غافلين، فآبوا إياب قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله، فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين، وأصبح الباقون المتخلفون يبصرون في نعمة الله وينظرون في آثار نقمته، وزوال نعمته عمن تقدمهم من الهالكين ينظرون والله في مساكن خالية خاوية، قد كانت بالعز محفوفة، وبالنعم معروفة، والقلوب إليها مصروفة، والاعين نحوها ناظرة، فأصبحت آية للذين يخافون العذاب الاليم، وعبرة لمن يخشى. وأصبحتم بعدهم في أجل منقوص ودنيا منقوصة، في زمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه وخيره وصفوه، فلم يبق منه إلا جمة شر، وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير، وإرسال فتن وتتابع زلازل، ورذالة خلف بهم ظهر الفساد في البر والبحر، يضيقون الديار ويغلون الاسعار بما يرتكبونه من العار والشنار، فلا تكونوا أشباها لمن خدعه الامل، وغره طول الاجل، ولعبت به الاماني، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن إذا دعي بدر، وإذا نهي انتهى، وعقل مثواه فمهد لنفسه. وقد اجتمع الاوزاعي بالمنصور حين دخل الشام ووعظه وأحبه المنصور وعظمه، ولما أراد الانصراف من بين يديه استأذنه أن لا يلبس السواد فأذن له، فلما خرج قال المنصور للربيع الحاجب: الحقه فاسأله لم كره لبس السواد ؟ ولا تعلمه أني قلت لك. فسأله الربيع فقال: لاني لم أر محرما أحرم فيه، ولا ميتا كفن فيه، ولا عروسا جليت فيه، فلهذا أكرهه. وقد كان الاوزاعي في الشام معظما مكرما أمره أعز عندهم من أمر السلطان، وقد هم به بعض الولاة مرة فقال له أصحابه: دعه عنك والله لو أمر أهل الشام أن يقتلوك لقتلوك. ولما مات جلس على قبره بعض الولاة فقال: رحمك الله، فوالله لقد كنت أخاف منك أكثر مما أخاف من الذي ولاني - يعني المنصور - وقال ابن العشرين: ما مات الاوزاعي حتى جلس وحده وسمع شتمه بأذنه.

[ 128 ]

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي قال: كنت جالسا عند الثوري فجاءه رجل فقال: رأيت كأن ريحانة من الغرب - يعني قلعت - قال: إن صدقت رؤياك فقد مات الاوزاعي. فكتبوا ذلك فجاء موت الاوزاعي في ذلك اليوم. وقال أبو مسهر: بلغنا أن سبب موته أن امرأته أغلقت عليه باب حمام فمات فيه، ولم تكن عامدة ذلك، فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة. قال: وما خلف ذهبا ولا فضة ولا عقارا، ولا متاعا إلا ستة وثمانين (1)، فضلت من عطائه. وكان قد اكتتب في ديوان الساحل. وقال غيره: كان الذي أغلق عليه باب الحمام صاحب الحمام، أغلقه وذهب لحاجة له ثم جاء ففتح الحمام فوجده ميتا قد وضع يده اليمنى تحت خده وهو مستقبل القبلة رحمه الله. قلت: لا خلاف أنه مات ببيروت مرابطا، واختلفوا في سنه ووفاته، فروى يعقوب بن سفيان عن سلمة قال: قال أحمد: رأيت الاوزاعي وتوفي سنة خمسين ومائة. قال العباس بن الوليد البيروتي: توفي يوم الاحد أول النهار لليلتين بقيتا من صفر سنة سبع وخمسين ومائة، وهو الذي عليه الجمهور وهو الصحيح، وهو قول أبي مسهر وهشام بن عمار والوليد بن مسلم - في أصح الروايات عنه - ويحيى بن معين ودحيم وخليفة بن خياط وأبي عبيد وسعيد بن عبد العزيز وغير واحد. قال العباس بن الوليد: ولم يبلغ سبعين سنة. وقال غيره: جاوز السبعين، والصحيح سبع وستون سنة، لان ميلاده في سنة ثمان وثمانين على الصحيح. وقيل إنه ولد سنة ثلاث وسبعين، وهذا ضعيف. وقد رآه بعضهم في المنام فقال له: دلني على عمل يقربني إلى الله. فقال: ما رأيت في الجنة درجة أعلا من درجة العلماء العاملين، ثم المحزونين. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة فيها تكامل بناء قصر المنصور المسمى بالخلد وسكنه أياما يسيرة ثم مات وتركه، وفيها مات طاغية الروم. وفيها وجه المنصور ابنه المهدي إلى الرقة وأمره بعزل موسى بن كعب عن الموصل، وأن يولي عليها خالد بن برمك، وكان ذلك بعد نكتة غريبة اتفقت ليحيى بن خالد، وذلك أن المنصور كان قد غضب على خالد بن برمك، وألزمه بحمل ثلاثة آلاف ألف، فضاق ذرعا بذلك، ولم يبق له مال ولا حال وعجز عن أكثرها، وقد أجله ثلاثة أيام، وأن يحمل ذلك في هذه الثلاثة الايام وإلا فدمه هدر فجعل يرسل ابنه يحيى إلى أصحابه من الامراء يستقرض منهم، فكان منهم من أعطاه مائة الف، ومنهم أقل وأكثر. قال يحيى بن خالد: فبينا أنا ذات يوم من تلك الايام الثلاثة على جسر بغداد، وأنا مهموم في تحصيل ما طلب منا مما لا طاقة لنا به، إذ وثب إلي زاجر من أولئك الذين يكونون عند الجسر


(1) راجع حاشية 1 ص 125. (*)

[ 129 ]

من الطرقية، فقال لي: ابشر، فلم ألتفت إليه، فتقدم إلي حتى أخذ بلجام فرسي ثم قال لي: أنت مهموم، ليفرجن الله همك ولتمرن غدا في هذا الموضع واللواء بين يديك، فإن كان ما قلت لك حقا فلي عليك خمسة آلاف. فقلت: نعم. ولو قال خمسون ألفا لقلت نعم، لبعد ذلك عندي. وذهبت لشأني، وقد بقي علينا من الحمل ثلاثمائة ألف فورد الخبر إلى المنصور بانتقاض الموصل وانتشار الاكراد فيها، فاستشار المنصور الامراء من يصلح للموصل ؟ فأشار بعضهم بخالد بن برمك، فقال له المنصور: أو يصلح لذلك بعد ما فعلنا به ؟ فقال: نعم ! وأنا الضامن أنه يصلح لها، فأمر بإحضاره فولاه إياها ووضع عنه بقية ما كان عليه، وعقد له اللواء، وولى ابنه يحيى أذربيجان وخرج الناس في خدمتهما. قال يحيى: فمررنا بالجسر فثار لي ذلك الزاجر فطالبني بما وعدته به، فأمرت له به فقبض خمسة آلاف. وفي هذه السنة خرج المنصور إلى الحج فساق الهدي معه، فلما جاوز الكوفة بمراحل أخذه وجعه الذي مات به وكان عنده سوء مزاج فاشتد عليه من شدة الحر وركوبه في الهواجر، وأخذه إسهال وأفرط به، فقوي مرضه، ودخل مكه فتوفي بها (1) ليلة السبت لست مضين من ذي الحجة، وصلي عليه ودفن بكدا عند ثنية باب المعلاة التي بأعلا مكة، وكان عمره يومئذ ثلاثا وقيل أربعا وقيل خمسا وستين، وقيل إنه بلغ ثمانيا وستين سنة فالله أعلم. وقد كتم الربيع الحاجب موته حتى أخذ البيعة للمهدي من القواد وروؤس بني هاشم، ثم دفن. وكان الذي صلى عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي (2)، وهو الذي أقام الناس الحج في هذه السنة. ترجمة المنصور هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو جعفر المنصور. وكان أكبر من أخيه أبي العباس السفاح، وأمه أم ولد اسمها سلامة. روى عن جده عن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه " أورده ابن عساكر من طريق محمد بن إبراهيم السلمي عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن أبيه المنصور به، بويع له بالخلافة بعد أخيه في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وعمره يومئذ إحدى وأربعون سنة، لانه ولد في سنة خمس وتسعين على المشهور في صفر (3) منها بالحميمة من بلاد البلقاء، وكانت خلافته ثنتين وعشرين سنة إلا أياما (4)، وكان أسمر


(1) نزل الابطح عند بئر ميمون (الطبري - ابن الاثير - الاخبار الطوال - مروج الذهب). (2) في ابن الاثيري 6 / 21 والطبري 9 / 293 والاخبار الطوال ص 385: صلى عليه عيسى بن موسى. (3) في مروج الذهب 3 / 344: في ذي الحجة. (4) في مروج الذهب 3 / 344: إلا تسعة أيام. وقال ابن الكلبي: إلا أربعة وعشرين يوما. وقال الواقدي: إلا ستة أيام. وقال أبو معشر: إلا ثلاثة أيام. وقال ابن الاعثم 8 / 239: إلا سبعة أيام. (*)

[ 130 ]

اللون موفر اللمة خفيف اللحية، رحب الجبهة، أقنى الانف، أعين كأن عينيه لسانان ناطقان، يخالطه أبهة الملك، وتقبله القلوب، وتتبعه العيون، يعرف الشرف في مواضعه، والعنف في صورته، والليث في مشيته، هكذا وصفه بعض من رآه. وقد صح عن ابن عباس أنه قال: " منا السفاح والمنصور " وفي رواية " حتى نسلمها إلى عيسى بن مريم ". وقد روي مرفوعا ولا يصح ولا وقفه أيضا. وذكر الخطيب أن أمه سلامة قالت: رأيت حين حملت به كأنه خرج مني أسد فزأر واقفا على يديه، فما بقي أسد حتى جاء فسجد له. وقد رأى المنصور في صغره مناما غريبا كان يقول: ينبغي أن يكتب في ألواح الذهب، ويعلق في أعماق الصبيان. قال: رأيت كأني في المسجد الحرام وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة والناس مجتمعون حولها، فخرج من عنده مناد: أين عبد الله ؟ فقام أخي السفاح يتخطى الرجال حتى جاء باب الكعبة فأخذ بيده فأدخله إياها، فما لبث أن خرج ومعه لواء أسود. ثم نودي أين عبد الله ؟ فقمت أنا وعمي عبد الله بن علي نستبق، فسبقته إلى باب الكعبة فدخلتها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وبلال، فعقد لي لواء وأوصاني بأمته وعممني عمامة كورها ثلاثة وعشرون كورا، وقال: " خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة ". وقد اتفق سجن النمصور في أيام بني أمية فاجتمع به نوبخت المنجم وتوسم فيه الرياسة فقال له: ممن تكون ؟ فقال: من بني العباس، فلما عرف منه نسبه وكنيته قال: أنت الخليفة الذي تلي الارض. فقال له: ويحك ماذا تقول ؟ فقال: هو ما أقول لك، فضع لي خطك في هذه الرقعة أن تعطيني شيئا إذا وليت. فكتب له، فلما ولي أكرمه المنصور وأعطاه وأسلم نوبخت على يديه، وكان قبل ذلك مجوسيا. ثم كان من أخص أصحاب المنصور. وقد حج المنصور بالناس سنة أربعين ومائة، وأحرم من الحيرة، وفي سنة أربع وأربعين، وفي سنة سبع وأربعين. وفي سنة ثنتين وخمسين، ثم في هذه السنة التي مات فيها. وبنى بغداد والرصافة والرافقة وقصره الخلد. قال الربيع بن يونس الحاجب: سمعت المنصور يقول: الخلفاء أربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. والملوك أربعة: معاوية وعبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك، وأنا. وقال مالك: قال لي المنصور: من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت: أبو بكر. وعمر. فقال: أصبت وذلك رأي أمير المؤمنين. وعن إسماعيل البهري قال: سمعت المنصور على منبر عرفة يوم عرفة يقول: أيها الناس ! إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على ماله أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله عليه قفلا فإن شاء أن يفتحني لاعطياتكم وقسم أرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلني عليه قفلني. فارغبوا إلى الله أيها الناس وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهبكم فيه من فضله ما أعلمكم به في كتابه، إذ يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) [ المائدة: 3 ]. أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والاحسان إليكم ويفتحني لاعطياتكم وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم، فإنه سميع مجيب.

[ 131 ]

وقد خطب يوما فاعترضه رجل وهو يثني على الله عز وجل، فقال: يا أمير المؤمنين أذكر من أنت ذاكره، واتق الله فيما تأتيه وتذره. فسكت المنصور حتى انتهى كلام الرجل فقال: أعوذ بالله أن أكون ممن قال الله عزوجل فيه (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم) [ البقرة: 206 ] أو أن أكون جبارا عصيا، أيها الناس ! إن الموعظة علينا نزلت ومن عندنا نبتت. ثم قال للرجل: ما أظنك في مقالتك هذه تريد وجه الله، وإنما أردت أن يقال عنك وعظ أمير المؤمنين، أيها الناس: لا يغرنكم هذا فتفعلوا كفعله ثم أمر به فاحتفظ به وعاد إلى خطبته فأكملها، ثم قال لمن هو عنده: أعرض عليه الدنيا فإن قبلها فأعلمني، وإن ردها فأعلمني، فما زال به الرجل الذي هو عنده حتى أخذ المال ومال إلى الدنيا فولاه الحسبة والمظالم وأدخله على الخليفة في بزة حسنة، وثياب وشارة وهيئة دنيوية، فقال له الخليفة: ويحك ! لو كنت محقا مريدا وجه الله بما قلت على رؤوس الناس لما قبلت شيئا مما أرى، ولكن أردت أن يقال عنك إنك وعظت أمير المؤمنين، وخرجت عليه، ثم أمر به فضربت عنقه. وقد قال المنصور لابنه المهدي: إن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة. والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص (1) الناس عقلا من ظلم من هو دونه. وقال أيضا: يا بني استدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتأليف، والنصر بالتواضع والرحمة للناس، ولا تنس نصيبك من الدنيا ونصيبك من رحمة الله. وحضر عنده مبارك بن فضالة يوما وقد أمر برجل أن يضرب عنقه وأحضر النطع والسيف، فقال له مبارك: سمعت الحسين يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم من كان أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا " فأمر بالعفو عن ذلك الرجل. ثم أخذ يعدد على جلسائه عظيم جرائم ذلك الرجل وما صنعه. وقال الاصمعي: أتي المنصور برجل ليعاقبه فقال: يا أمير المؤمنين الانتقام عدل والعفو فضل، وتعوذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، وأدنى القسمين، دون أرفع الدرجتين. قال فعفا عنه. وقال الاصمعي: قال المنصور لرجل من أهل الشام: أحمد الله يا أعرابي الذي دفع عنكم الطاعون بولايتنا. فقال إن الله لا يجمع علينا حشفا وسوء كيل، ولايتكم والطاعون. والحكايات في ذكر حلمه وعفوه كثيرة جدا. ودخل بعض الزهاد على المنصور فقال: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها، واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة، واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده. قال: فأفحم المنصور قوله وأمر له بمال فقال: لو احتجت إلى مالك لما وعظتك ودخل عمرو بن عبيد القدري على المنصور فأكرمه وعظمه وقربه وسأله عن أهله وعياله، ثم قال له: عظني. فقرأ عليه سورة الفجر إلى (إن ربك لبالمرصاد) [ الفجر: 14 ] فبكى المنصور بكاء شديدا حتى كأنه لم يسمع بهذه الآيات قبل ذلك، ثم قال له: زدني. فقال: إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك


(1) في الطبري 9 / 300 وأعجا (*)

[ 132 ]

ببعضها، وإن هذا الامر كان لمن قبلك ثم صار إليك ثم هو صائر لمن بعدك، واذكر ليلة تسفر عن يوم القيامة. فبكى المنصور أشد من بكائه الاول حتى اختلفت أجفانه. فقال له سليمان بن مجالد: رفقا بأمير المؤمنين. فقال عمرو: وماذا على أمير المؤمنين أن يبكي من خشية الله عز وجل. ثم أمر له المنصور بعشرة آلاف درهم فقال: لا حاجة لي فيها. فقال المنصور: والله لتأخذنها. فقال: والله لا آخذنها. فقال له المهدي وهو جالس في سواده وسيفه إلى جانب أبيه: أيحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت ؟ فالتفت إلى المنصور فقال: ومن هذا ؟ فقال: هذا ابني محمد ولى العهد من بعدي. فقال عمرو: إنك سميته اسما لم يستحقه لعمله، وألبسته لبوسا ما هو لبوس الابرار، ولقد مهدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه. ثم التفت إلى المهدي فقال: يا بن أخي ! إذا حلف أبوك وحلف عمك فلان يحنث أبوك أيسر من أن يحنث عمك، لان أباك أقدر على الكفارة من عمك. ثم قال المنصور: يا أبا عثمان هل من حاجة ؟ قال: نعم ! قال: وما هي ؟ قال: لا تبعث إلي حتى آتيك. ولا تعطني حتى أسألك. فقال المنصور: إذا والله لا نلتقي. فقال عمرو: عن حاجتي سألتني. فودعه وانصرف. فلما ولى أمده بصره وهو يقول: كلكم يمشي (1) رويد * كلكلم يطلب (2) صيد غير عمرو بن عبيد ويقال إن عمرو بن عبيد أنشد المنصور قصيدة في موعظته إياه وهي قوله. يا أيهذا الذي قد غره الامل * ودون ما يأمل التنغيص والاجل ألا ترى إنما الدنيا وزينتها * كمنزل الركب حلوا ثمت ارتحلوا حتوفها رصد وعيشها نكد * وصفوها كدر وملكها دول تظل تقرع بالروعات ساكنها * فما يسوغ له لين ولا جذل كأنه للمنايا والردى غرض * تظل فيه بنات الدهر تنتقل (3) تديره ما تدور به دوائرها * منها المصيب ومنها المخطئ الزلل والنفس هاربة والموت يطلبها * وكل عسرة رجل عندها جلل (4) والمرء يسعى بما يسعى (5) لوارثه * والقبر وارث ما يسعى له الرجل


(1) في أمالى المرتضى 1 / 176: ماش. (2) في أمالي المرتضى: طالب. (3) في مروج الذهب 3 / 371: تنتضل. (4) في مروج الذهب:...................... يرصدها * وكل عثرة.................. زلل (5) في مروج الذهب: لما يبقى. (*)

[ 133 ]

وقال ابن دريد عن الرياشي عن محمد بن سلام قال: رأت جارية للمنصور ثوبه مرقوعا فقالت: خليفة وقميص مرقوع ؟ قال: ويحك أما سمعت ما قال ابن هرمة: قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه * خلق وبعض قميصه مرقوع وقال بعض الزهاد (1) للمنصور: اذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة مثلها، واذكر ليلة تمخض عن يوم القيامة لا ليلة بعدها فأفحم المنصور قوله فأمر له بمال. فقال: لو احتجت إلى مالك ما وعظتك. ومن شعره لما عزم على قتل أبي مسلم: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة * فإن فساد الرأي أن يترددا ولا تمهل الاعداء يوما لغدرة * وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا ولما قتله ورآه طريحا بين يديه قال: قد اكتنفتك خلات ثلاث * جلبن عليك محتوم الحمام خلافك وامتناعك من يميني * وقودك للجماهير العظام ومن شعره أيضا: المرء يأمل أن يعي‍ * ش وطول عمر قد يضره تبلى بشاشته ويب‍ * قى بعد حلو العيش مره وتخونه الايام حتى * لا يرى شيئا يسره كم شامت به إن هلك‍ * ت وقائل لله دره قالوا: وكان المنصور في أول النهار يتصدى للامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولايات والعزل والنظر في مصالح العامة، فإذا صلى الظهر دخل منزله واستراح إلى العصر، فإذا صلاها جلس لاهل بيته ونظر في مصالحهم الخاصة، فإذا صلى العشاء نظر في الكتب والرسائل الواردة من الآفاق، وجلس عنده من يسامره إلى ثلث الليل، ثم يقوم إلى أهله فينام في فراشه إلى الثلث الآخر، فيقوم إلى وضوئه وصلاته حتى يتفجر الصباح، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيجلس في إيوانه. وقد ولى بعض العمال على بلد فبلغه أنه قد تصدى للصيد وأعد لذلك كلابا وبزاة، فكتب إليه ثكلتك أمك وعشيرتك، ويحك إنا إنما استكفيناك واستعملناك على أمور المسلمين، ولم نستكفك أمور الوحوش في البراري، فسلم ما تلي من عملنا إلى فلان والحق بأهلك ملوما مدحورا. وأتي يوما بخارجي قد هزم جيوش المنصور غير مرة فلما وقف بين يديه قال له المنصور: ويحك


(1) هو عمرو بن عبيد كما في مروج الذهب وامالي المرتضى ووفيات الاعيان. (*)

[ 134 ]

يابن الفاعلة ! مثلك يهزم الجيوش ؟ فقال الخارجي: ويلك سوأة لك بيني وبينك أمس السيف والقتل واليوم القذف والسب، وما يؤمنك أن أرد عليك وقد يئست من الحياة فما أستقبلها أبدا. قال فاستحيى منه المنصور وأطلقه. فما رأى له وجها إلى الحول. وقال لابنه لما ولاه العهد: يا بني ائتدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والنصر بالتواضع، والتألف بالطاعة، ولا تنس نصيبك من الدنيا ونصيبك من رحمة الله. وقال أيضا: يا بني ليس العاقل من يحتال للامر الذي وقع فيه حتى يخرج منه، ولكن العاقل الذي يحتال للامر الذي غشيه حتى لا يقع فيه. وقال المنصور: يا بني لا تجلس مجلسا إلا وعندك من أهل الحديث من يحدثك، فإن الزهري قال: علم الحديث ذكر لا يحبه إلا ذكران الرجال، ولا يكرهه إلا مؤنثوهم، وصدق أخو زهرة. وقد كان المنصور في شبيبته يطلب العلم من مظانه والحديث والفقه فنال جانبا جيدا وطرفا صالحا، وقد قيل له يوما: يا أمير المؤمنين هل بقي شئ من اللذات لم تنله ؟ قال: شئ واحد، قالوا: وما هو ؟ قال: قول المحدث للشيخ من ذكرت رحمك الله. فاجتمع وزراؤه وكتابه وجلسوا حوله وقالوا: ليمل علينا أمير المؤمنين شيئا من الحديث، فقال: لستم بهم، إنما هم الدنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم، رواد الآفاق وقطاع المسافات، تارة بالعراق وتارة بالحجاز، وتارة بالشام، وتارة باليمن. فهؤلاء نقلة الحديث. وقال يوما لابنه المهدي: كم عندك من دابة ؟ فقال لا أدري. فقال: هذا هو التقصير، فأنت لامر الخلافة أشد تضييعا فاتق الله يا بني. وقالت خالصة إحدى حظيات المهدي: دخلت يوما على المنصور وهو يشتكي ضرسه ويداه على صدغيه فقال لي: كم عندك من المال يا خالصة ؟ فقلت ألف درهم. فقال: ضعي يدك على رأسي واحلفي، فقلت: عندي عشرة آلاف دينار. قال: اذهبي فاحمليها إلي. قالت: فذهبت حتى دخلت على سيدي المهدي وهو مع زوجته الخيزران فشكوت ذلك إليه فوكزني برجله وقال: ويحك ! إنه ليس له وجع ولكني سألته بالامس مالا فتمارض، وإنه لا يسعك إلا ما أمرك به. فذهبت إليه خالصة ومعها عشرة آلاف دينار، فاستدعى بالمهدي فقال له: تشكو الحاجة وهذا كله عند خالصة ؟ وقال المنصور لخازنه: إذا علمت بمجئ المهدي فائتني بخلقان الثياب قبل أن يجئ، فجاء بها فوضعها بين يديه ودخل المهدي والمنصور يقلبها، فجعل المهدي يضحك، فقال: يا بني من ليس له خلق ليس له جديد، وقد حضر الشتاء فنحتاج نعين العيال والولد. فقال المهدي: علي كسوة أمير المؤمنين وعياله، فقال: دونك فافعل. وذكر ابن جرير عن الهيثم: أن المنصور أطلق في يوم واحد لبعض أعمامه ألف ألف درهم وفي هذا اليوم فرق في ؟ يته عشرة آلاف درهم، ولا يعلم خليفة فرق مثل هذا في يوم واحد. وقرأ بعض الفراء عند المنصور (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) [ النساء: 37 ] فقال: والله لو لا أن المال حصن للسلطان ودعامة للدين والدنيا وعزهما ما بت ليلة واحدة وأنا أحرز منه دينارا ولا درهما لما

[ 135 ]

أجد لبذل المال من اللذة، ولما أعلم في إعطائه من جزيل المثوبة. وقرأ عنده قاري آخر (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) الآية. فقال: ما أحسن ما أدبنا ربنا عز وجل. وقال المنصور: سمعت أبي يقول سمعت علي بن عبد الله يقول: سادة أهل الدنيا في الدنيا الاسخياء، وسادة أهل الآخرة في الآخرة الاتقياء. ولما عزم المنصور على الحج في هذه السنة دعا ولده المهدي فأوصاه في خاصة نفسه وبأهل بيته وبسائر المسلمين خيرا، وعلمه كيف تفعل الاشياء وتسد الثغور، وأوصاه بوصايا يطول بسطها وحرج عليه أن لا يفتح شيئا من خزائن المسلمين حتى يتحقق وفاته فإن بها من الاموال ما يكفي المسلمين لو لم يجب إليهم من الخراج درهم عشر سنين، وعهد إليه أن يقضي ما عليه من الدين هو ثلاثمائة ألف دينار (1)، فإنه لم ير قضاءها من بيت المال. فامتثل المهدي ذلك كله. وأحرم المنصور بحج وعمرة من الرصافة وساق بدنه وقال: يا بني إني ولدت في ذي الحجة وقد وقع لي أن أموت في ذي الحجة، وهذا الذي جرأني على الحج عامي هذا. وودعه وسار واعتراه مرض الموت في أثناء الطريق فما دخل مكة إلا وهو ثقيل جدا، فلما كان بآخر منزل نزله دون مكة إذا في صدر منزله مكتوب: (بسم الله الرحمن الرحيم). أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت * سنوك وأمر الله لا بد واقع (2) أبا جعفر هل كاهن أو منجم * لك اليوم من كرب (3) المنية مانع فدعا بالحجبة فأقرأهم ذلك فلم يروا شيئا فعرف أن أجله قد نعي إليه. قالوا: ورأى المنصور في منامه ويقال بل هتف به هاتف وهو يقول: أما ورب السكون والحرك * إن المنايا كثيرة الشرك عليك يا نفس إن أسأت وإن * أحسنت (4) يا نفس كان ذلك لك ما اختلف الليل والنهار ولا * دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل السلطان عن ملك * إذا انقضى ملكه إلى ملك حتى يصيرانه إلى ملك * ما عز سلطانه بمشترك ذاك بديع السماء والارض والمر * سي لجبال المسخر الفلك


(1) في الطبري 9 / 319: درهم. (2) في مروج الذهب 3 / 375 نازل وفي ابن الاعثم 8 / 237: لا شك واقع. (3) في الطبري 9 / 321 وابن الاثير 6 / 22: حر. وعجزة في مروج الذهب 3 / 375:................... يرد قضاء الله أم أنت جاهل ؟ (4) في الطبري 9 / 322: أحسنت بالقصد كل... (*)

[ 136 ]

فقال المنصور: هذا أوان حضور أجلي وانقضاء عمري. وكان قد رأى قبل ذلك في قصره الخلد الذي بناه وتأنق فيه مناما أفزعه فقال للربيع: ويحك يا ربيع ! لقد رأيت مناما هالني، رأيت قائلا وقف في باب هذا القصر وهو يقول: كأني بهذا القصر قد باد أهله * وأوحش منه أهله (1) ومنازله وصار رئيس (2) القصر من بعد بهجة * إلى جدث يبني عليه (3) جنادله فما أقام في الخلد إلا أقل من سنة حتى مرض في طريق الحج، ودخل مكة مدنفا ثقيلا. وكانت وفاته ليلة السبت لست وقيل لسبع مضين من ذي الحجة، وكان آخر ما تكلم به أن قال: اللهم بارك لي في لقائك. وقيل: إنه قال يا رب إن كنت عصيتك في أمور كثيرة فقد أطعتك في أحب الاشياء إليك شهادة أن لا إله إلا الله مخلصا. ثم مات. وكان نقش خاتمه. الله ثقة عبد الله وبه يؤمن. وكان عمره يوم وفاته ثلاثا وستين سنة على المشهور، منها ثنتان وعشرون سنة خليفة. ودفن بباب المعلاة رحمه الله. قال ابن جرير: ومما رثي به قول سلم الخاشر الشاعر: عجبا للذي نعى الناعيان * كيف فاهت بموته الشفتان ملك أن عدا (4) على الدهر يوما * أصبح الدهر ساقطا للجران ليت كفا حثت عليه ترابا * لم تعد في يمينها ببنان حين دانت له البلاد على العس‍ * ف وأغضى من خوفه الثقلان أين رب الزوراء قد قلدته ال‍ * ملك عشرين حجة واثنتان إنما المرء كالزناد إذا ما * أخذته قوادح النيران ليس يثني هواه زجر ولا يق‍ * دح في حبله ذوو الاذهان قلدته أعنة الملك حتى * قاد أعداءه بغير عنان يكسر الطرف دونه وترى الاي‍ * دي من خوفه على الاذقان ضم أطراف ملكه ثم أضحى * خلف أقصاهم ودون الداني هاشمي التشمير لا يحمل الثق‍ * ل على غارب الشرود الهدان ذو أناة ينسى لها الخائف الخو * ف وعزم يلوي بكل جنان


(1) في الطبري 10 / 12 وابن الاثير 6 / 81 ومروج الذهب 3 / 395: ربعه. وفي تاريخ اليعقوبي 2 / 402: ركنه (2) في المراجع: عميد. (3) في الطبري وابن الاثير ومروج الذهب: وملك إلى قبر عليه... وبعده في المراجع: فلم يبق إلا ذكره وحديثه * تنادي عليه معولات حلائله (4) في الطبري 9 / 318: غدا. (*)

[ 137 ]

ذهبت دونه النفوس حذارا * غير أن الارواح في الابدان وقد دفن عند باب المعلاة بمكة ولا يعرف قبره لانه أعمي قبره، فإن الربيع الحاجب حفر مائة قبر ودفنه في غيرها لئلا يعرف. أولاد المنصور محمد المهدي وهو ولي عهده، وجعفر الاكبر مات في حياته، وأمهما أروى بنت منصور. وعيسى، ويعقوب، وسليمان، وأمهم فاطمة بنت محمد بن ولد طلحة بن عبيد الله. وجعفر الاصغر من أم ولد كردية (1)، وصالح المسكين من أم ولد رومية - يقال لها قالي الفراشة - والقاسم من أم ولد أيضا. والعالية من امرأة من بني أمية. خلافة المهدي بن منصور لما مات أبوه بمكة لست أو لسبع مضين من ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ومائة أخذت البيعة للمهدي من رؤوس بني هاشم والقواد الذين هم مع المنصور في الحج قبل دفنه، وبعث الربيع الحاجب بالبيعة مع البرد إلى المهدي وهو ببغداد، فدخل عليه البريد بذلك يوم الثلاثاء النصف من ذي الحجة، فسلم عليه بالخلافة وأعطاه الكتب بالبيعة، وبايعه أهل بغداد، ونفذت بيعته إلى سائر الآفاق. وذكر ابن جرير: أن المنصور قبل موته بيوم تحامل وتساند واستدعى بالامراء فجدد البيعة لابنه المهدي، فتسارعوا إلى ذلك وتبادروا إليه. وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن وضية عمه المنصور، وهو الذي صلى عليه، وقيل إن الذي صلى على المنصور عيسى بن موسى ولي العهد من بعد المهدي، والصحيح الاول، لانه كان نائب مكة والطائف، وعلى إمرة المدينة عبد الصمد بن علي، وعلى الكوفة عمرو بن زهير الضبي - أخو المسيب بن زهير أمير الشرطة للخليفة وعلى خراسان حميد بن قحطبة، وعلى خراج البصرة وأرضها عمارة بن حمزة، وعلى صلاتها وقضائها عبد الله (2) بن الحسن العنبري، وعلى أحداثها سعيد بن دعلج. قال الواقدي: وأصاب الناس في هذه السنة وباء شديد فتوفي فيه خلق كثير وجم غفير، منهم أفلح بن حميد، وحيوة بن شريح، ومعاوية بن صالح بمكة، وزفر بن الهذيل بن قيس بن سليم ثم ساق نسبه إلى معد بن عدنان، يقال له التميمي العنبري الكوفي الفقيه الحنفي، أقدم أصحاب أبي


(1) وهو الذي اتهم أبو أيوب المورياني بقتله وكان قتله سببا في نكبة أبي أيوب (انظر الطبري - ابن الاثير - الفخري) (2) في الطبري 9 / 326 وابن الاثير 6 / 26: عبيد الله. (*)

[ 138 ]

حنيفة وفاة، وأكثرهم استعمالا للقياس، وكان عابدا، اشتغل بعلم الحديث ثم غلب عليه الفقه والقياس. ولد سنة ست عشرة ومائة، وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائة عن ثنتين وأربعين سنة رحمه الله وإيانا. ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة استهلت هذه السنة وخليفة الناس أبو عبد الله محمد بن المنصور المهدي، فبعث في أولها العباس بن محمد إلى بلاد الروم في جيش كثيف، وركب معهم مشيعا لهم، فساروا إليها فافتتحوا مدينة عظيمة للروم، وغنمو غنائم كثيرة ورجعوا سالمين لم يفقد منهم أحد. وفيها توفي حميد بن قحطبة نائب خراسان، فولى المهدي مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد، وولى حمزة بن مالك سجستان، وولى جبريل بن يحيى سمرقند. وفيها بنى المهدي الرصافة وخندقها. وفيها جهز جيشا كثيفا إلى بلاد الهند فوصلوا إليها في السنة الآتية، وكان من أمرهم ما سنذكره. وفيها توفي نائب السند معبد بن الخليل فولى المهدي مكانه روح بن حاتم بمشورة وزيره أبي عبد الله (1). وفيها أطلق المهدي من كان في السجون إلا من كان محبوسا على دم، أو من سعى في الارض فسادا، أو من كان عنده حق لاحد. وكان في جملة من أخرج من المطبق يعقوب بن داود مولى بني سليم، والحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وأمر بصيرروة حسن هذا إلى نصير الخادم ليحترز عليه. وكان الحسن قد عزم على الهرب من السجن قبل خروجه منه، فلما خرج يعقوب بن داود ناصح الخليفة بما كان عزم عليه فنقله من السجن وأودعه عند نصير الخادم ليحتاط عليه، وحظي يعقوب بن داود عند المهدي جدا حتى صار يدخل عليه في الليل بلا استئذان، وجعله على أمور كثيرة، وأطلق له مائة ألف درهم. وما زال عنده كذلك حتى تمكن المهدي من الحسن بن إبراهيم فسقطت منزلة يعقوب عنده. وقد عزل المهدي نوابا كثيرة عن البلاد وولى بدلهم. وفي هذه السنة تزوج المهدي بابنة عمه أم عبد الله بنت صالح بن علي، وأعتق جاريته الخيزران وتزوجها أيضا، وهي أم الرشيد. وفيها وقع حريق عظيم في السفن التي في دجلة بغداد. ولما ولي المهدي سأل عيسى بن موسى - وكان ولي العهد من بعده - أن يخلع نفسه من الامر فامتنع على المهدي، وسأل المهدي أن يقيم بأرض الكوفة في ضيعة له فأذن له، وكان قد استقر على إمرة الكوفة روح بن حاتم، فكتب إلى المهدي: إن عيسى بن موسى لا يأتي الجمعة ولا الجماعة مع الناس إلا شهرين من السنة، وإنه إذا جاء يدخل بدوابه إلى داخل باب المسجد فتروث دوابه حيث يصلى الناس. فكتب إليه المهدي أن يعمل خشبا على أفواه السكك حتى لا يصل الناس إلى المسجد إلا


(1) في الطبري وابن الاثير: أبي عبيد الله. وهو معاوية بن يسار فإنه جمع له حاصل المملكة ورتب الديوان وقرر القواعد، وكان أوحد الناس حذقا وعلما وخبرة. وكان كاتبه ونائبه قبل الخلافة، غلب على أموره فأصبح الخليفة المهدي لا يعصي له قولا. وكان شديد التكبر والتجبر. (*)

[ 139 ]

مشاة. فعلم بذلك عيسى بن موسى فاشترى قبل الجمعة دار المختار بن أبي عبيدة من ورثته - وكانت ملاصقة للمسجد - وكان يأتي إليها من يوم الخميس، فإذا كان يوم الجمعة ركب حمارا إلى باب المسجد فنزل إلى هناك وشهد الصلاة مع الناس وأقام بالكلية بالكوفة بأهله، ثم ألح المهدي عليه في أن يخلع نفسه وتوعده إن لم يفعل، ووعده إن فعل فأجابه إلى ذلك فأعطاه أقطاعا عظيمة، وأعطاه من المال عشرة آلاف ألف، وقيل عشرين ألف ألف، وبايع المهدي لولديه من بعده موسى الهادي، ثم هارون الرشيد كما سيأتي. وحج بالناس يزيد بن منصور خال المهدي، وكان نائبا على اليمن فولاه الموسم واستقدمه عليه شوقا إليه، وغالب نواب البلاد عزلهم المهدي، غير أن إفريقية مع يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سليمان أبو ضمرة، وعلى خراسان أبو عون، وعلى السند بسطام بن عمرو، وعلى الاهواز وفارس عمارة بن حمزة، وعلى اليمن رجاء بن روح، وعلى اليمامة بشر بن المنذر، وعلى الجزيرة الفضل بن صالح، وعلى المدينة عبيد الله بن صفوان الجمحي، وعلى مكة والطائف إبراهيم بن يحيى، وعلى أحداث الكوفة إسحاق بن الصباح الكندي، وعلى خراجها ثابت بن موسى، وعلى قضائها شريك بن عبد الله النخعي، وعلى أحداث البصرة عمارة بن حمزة وعلى صلاتها عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري، وعلى قضائها عبيد الله بن الحسن العنبري. وفيها توفي عبد العزيز بن أبي رواد، وعكرمة بن عمار، ومالك بن مغول، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذيب المدني: نظير مالك بن أنس في الفقه، وربما أنكر على مالك أشياء ترك الاخذ فيها ببعض الاحاديث، كان يراها مالك من إجماع أهل المدينة وغير ذلك من المسائل. ثم دخلت سنة ستين ومائة فيها خرج رجل بخراسان على المهدي منكرا عليه أحواله وسيرته وما يتعاطاه، يقال له يوسف البرم، والتف عليه خلق كثير، وتفاقم الامر وعظم الخطب به، فتوجه إليه يزيد بن مزيد فلقيه فاقتتلا قتالا شديدا حتى تنازلا وتعانقا، فأسر يزيد بن مزيد يوسف هذا، وأسر جماعة من أصحابه فبعثهم إلى المهدي فأدخلوا عليه، وقد حملوا على جمال محولة وجوههم إلى ناحية أذناب الابل، فأمر الخليفة هرثمة أن يقطع يدي يوسف ورجليه ثم تضرب عنقه وأعناق من معه وصلبهم على جسر دجلة الاكبر مما يلي عسكر المهدي وأطفأ الله ثائرتهم وكفى شرهم. البيعة لموسى الهادي ذكرنا أن المهدي ألح على عيسى بن موسى أن يخلع نفسه وهو مع كله ذلك يمتنع وهو مقيم بالكوفة، فبعث إليه المهدي أحد القواد الكبار وهو أبو هريرة محمد بن فروخ في ألف من أصحابه

[ 140 ]

لاحضاره إليه، وأمر كل واحد منهم أن يحمل طبلا، فإذا واجهوا الكوفة عند إضاءة الفجر ضرب كل واحد منهم على طبله، ففعلوا ذلك فارتجت الكوفة، وخاف عيسى بن موسى، فلما انتهوا إليه دعوه إلى حضرة الخليفة فأظهر أنه يشتكي، فلم يقبلوا ذلك منه بل أخذوه معهم فدخلوا به على الخليفة في يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم من هذه السنة، فاجتمع عليه وجوه بني هاشم والقضاة والاعيان وسألوه في ذلك وهو يمتنع، ثم لم يزل الناس به بالرغبة والرهبة حتى أجاب في يوم الجمعة (1) لاربع مضين (2) من المحرم بعد العصر. وبويع لولدي المهدي موسى وهارون الرشيد صباحة يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم وجلس المهدي في قبة عظيمة في إيوان الخلافة، ودخل الامراء فبايعوا ثم نهض فصعد المنبر وجلس ابنه موسى الهادي تحته، وقام عيسى بن موسى على أول درجة، وخطب المهدي فأعلم الناس بما وقع من خلع عيسى بن موسى نفسه وأنه قد حلل الناس من الايمان التي له في أعناقهم وجعل ذلك إلى موسى الهادي. فصدق عيسى بن موسى ذلك وبايع المهدي على ذلك. ثم نهض الناس فبايعوا الخليفة على حسب مراتبهم وأسنانهم، وكتب على عيسى بن موسى مكتوبا مؤكدا بالايمان البالغة من الطلاق والعتاق (3)، وأشهد عليه جماعة الامراء والوزراء وأعيان بني هاشم وغيرهم وأعطاه ما ذكرنا من الاموال وغيرها. وفيها دخل عبد الملك بن شهاب المسمعي مدينة بإربد من الهند في جحفل كبير فحاصروها ونصبوا عليها المجانيق، ورموها بالنفط فأحرقوا منها طائفة، وهلك بشر كثير من أهلها، وفتحوها عنوة وأرادوا الانصراف فلم يمكنهم ذلك لاعتلاء البحر، فأقاموا هنالك فأصابهم داء في أفواههم يقال له حمام قر فمات منهم ألف نفس منهم الربيع بن صبيح، فلما أمكنهم المسير ركبوا في البحر فهاجت عليهم ريح فغرق طائفة أيضا، ووصل بقيتهم إلى البصرة ومعهم سبي كثير، فيهم بنت ملكهم. وفيها حكم المهدي بإلحاق ولد أبي بكرة الثقفي إلا ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع نسبهم من ثقيف، وكتب بذلك كتابا إلى والي البصرة (4). وقطع نسبه من زياد ومن نسب نافع ففي ذلك يقول بعض الشعراء وهو خالد النجار: إن زيادا ونافعا وأبا * بكرة عندي من أعجب العجب ذا قرشي كما يقول وذا * مولى وهذا بزعمه عربي وقد ذكر ابن جرير أن نائب البصرة لم ينفذ ذلك.


(1) في الطبري 9 / 332: يوم الاربعاء. (2) في الطبري 9 / 332 وفي ابن الاثير 6 / 45: بقين. (3) نسخة الكتاب في الطبري ج 9 / 333. وأشهد عليه أربعمائة وثلاثون من بني هاشم ومن الموالي والصحابة من قريش والوزراء والكتاب والقضاة. (4) نسخة الكتاب في تاريخ الطبري 9 / 335. (*)

[ 141 ]

وفي هذه السنة حج بالناس المهدي واستخلف على بغداد ابنه موسى الهادي، واستصحب معه ابنه هارون الرشيد وخلقا من الامراء منهم ؟ توب بن داود على منزلته ومكانته، وكان الحسن بن إبراهيم قد هرب من الخادم فلحق بأرض الحجاز، فاستأمن له يعقوب بن داود فأحسن المهدي صلته وأجزل جائزته، وفرق المهدي في أهل مكة مالا كثيرا جدا، كان قد قدم معه بثلاثين ألف ألف درهم ومائة ألف ثوب، وجاء من مصر ثلثمائة ألف دينار ومن اليمن مائتا ألف دينار، فأعطاها كلها في أهل مكة والمدينة. وشكت الحجبة إلى المهدي أنهم يخافون على الكعبة أن تنهدم من كثرة ما عليها من الكساوي، فأمر بتجريدها، فلما انتهوا إلى كساوي هشام بن عبد الملك وجدها من ديباج ثخين جدا، فأمر بإزالتها وبقيت كساوي الخلفاء قبله وبعده، فلما جردها طلاها بالخع (2) وكساها كسوة حسنة جدا، ويقال إنه استفتى مالكا في إعادة الكعبة إلى ما كانت عليه من بناية ابن الزبير، فقال مالك: دعها فإني أخشى أن يتخذها الملوك معلبة. فتركها على ما هي. وحمل له محمد بن سليمان نائب البصرة الثلج إلى مكة، وكان أول خليفة حمل له الثلج إليها. ولما دخل المدينة وسع المسجد النبوي، وكان فيه مقصورة فأزالها وأراد أن ينقص من المنبر ما كان زاده معاوية بن أبي سفيان فقال له مالك: إنه يخشى أن ينكسر خشبه العتيق إذا زعزع، فتركه. وتزوج من المدينة رقية بنت عمرو العثمانية، وانتخب من أهلها خمسمائة من أعيانها ليكونوا حوله حرسا بالعراق وأنصارا وأجرى عليهم أرزاقا غير أعطياتهم وأقطعهم أقطاعا معروفة بهم. وفيها توفي الربيع بن صبيح، وسفيان بن حسين، أحد أصحاب الزهري، وشعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الازدي أبو بسطام الواسطي، ثم انتقل إلى البصرة. رأى شعبة الحسن وابن سيرين، وروى عن أمم من التابعين (2) وحدث عنه خلق (3) من مشايخه وأقرانه وأئمة الاسلام. وهو شيخ المحدثين الملقب فيهم بأمير المؤمنين قاله الثوري. وقال يحيى بن معين: هو إمام المتقين، وكان في غاية الزهد والورع والتقشف والحفظ وحسن الطريقة. وقال الشافعي: لولاه ما عرف الحديث بالعراق. وقال الامام أحمد: كان أمة وحده في هذا الشأن، ولم يكن في زمانه مثله. وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأمونا حجة صاحب حديث. وقال وكيع: إني لارجو أن يرفع الله لشعبة في الجنة درجات بذبه عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال صالح بن محمد بن حرزة: كان شعبة أول من تكلم في الرجال تبعه يحيى القطان ثم أحمد وابن معين. وقال ابن مهدي: ما رأيت أعقل من مالك، ولا أشد


(1) من الطبري 9 / 337 وفي الاصل خلوف. والخلوق ضرب من الطيب (قاموس). (2) سمع من الحسن ومعاوية بن قرة وعمرو بن مرة والحكم وسلمة بن كهيل وأنس بن سيرين ويحيى بن أبي كثير وقتادة ويونس بن عبيد وأيوب وخالد الحذاء وغيرهم. تذكرة الحفاظ. صفة الصفوة. (3) منهم أيوب السختياني وابن اسحاق وسفيان الثوري وابن المبارك وغندر وآدم وعفان بن مسلم وأبو داود وسليمان بن حرب وعلي بن الجعد وغيره. (تذكرة الحفاظ 1 / 193). (*)

[ 142 ]

تقشفا من شعبة، ولا أنصح للامة من ابن المبارك، ولا أحفظ للحديث من الثوري. وقال مسلم بن إبراهيم: ما دخلت على شعبة في وقت صلاة إلا ورأيته يصلي، وكان أبا للفقراء وأما لهم. وقال النضر ابن شميل: ما رأيت أرحم بمسكين منه، كان إذا رأى مسكينا لا يزال ينظر إليه حتى يغيب عنه. وقال غيره: ما رأيت أعبد منه لقد عبد الله حتى لصق جلده بعظمه. وقال يحيى القطان: ما رأيت أرق للمسكين منه، كان يدخل المسكين في منزله فيعطيه ما أمكنه. قال محمد بن سعد وغيره: مات في أول سنة ستين ومائة في البصرة عن ثمان وسبعين سنة. ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة فيها غزا الصائفة ثمامة بن الوليد فنزل دابق، وجاشت الروم عليه فلم يتمكن المسلمون من الدخول إليها بسبب ذلك. وفيها أمر المهدي بحفر الركايا وعمل المصانع وبناء القصور في طريق مكة وولى يقطين بن موسى على ذلك، فلم يزل يعمل في ذلك إلى سنة إحدى وسبعين ومائة، مقدار عشر سنين، حتى صارت طريق الحجاز من العراق من أرفق الطرقات وآمنها وأطيبها. وفيها وسع المهدي جامع البصرة من قبلته وغربه. وفيها كتب إلى الآفاق أن لا تبقى مقصورة في مسجد جماعة، وأن تقصر المنابر إلى مقدار منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل ذلك في المدائن كلها. وفيها اتضعت منزلة أبي عبيد الله وزير المهدي وظهرت عنده خيانته فضم إليه المهدي من يشرف عليه، وكان ممن ضم إليه إسماعيل بن علية، ثم أبعده وأقصاه وأخرجه من معسكره. وفيها ولى القضاء عافية بن يزيد الازدي وكان يحكم هو وابن علاثة في عسكر المهدي بالرصافة. وفيها خرج رجل يقال له المقنع بخراسان في قرية في قرى مرو، وكان يقول بالتناسخ واتبعه على ذلك خلق كثير، فجهز إليه المهدي عدة من أمرائه وأنفذ إليه جيوشا كثيرة، منهم معاذ بن مسلم أمير خراسان، وكان من أمره وأمرهم ما سنذكره. وحج بالناس فيها موسى الهادي بن المهدي. وفيها توفي إسرائيل بن يونس بن إسحاق السبيعي وزائدة بن قدامة وسفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أحد أئمة الاسلام وعبادهم والمقتدى به أبو عبد الله الكوفي. روى عن غير واحد من التابعين (1) وروى عنه خلق من الائمة وغيرهم، قال شعبة وأبو عاصم وسفيان بن عيينة ويحيى بن معين وغير واحد: هو أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف شيخ ومائة شيخ هو أفضلهم. وقال أيوب: ما رأيت كوفيا أفضله عليه. وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أفضل منه. وقال عبد الله: ما رأيت أفقه من الثوري. وقال شعبة: ساد الناس بالورع والعلم. وقال: أصحاب المذاهب ثلاثة: ابن عباس في زمانه والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه. وقال الامام أحمد: لا يتقدمه في قلبي أحد. ثم قال: تدري من الامام ؟ الامام سفيان الثوري. وقال عبد الرزاق: سمعت الثوري يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فخانني حتى


(1) حدث عن أبيه وزبيد بن الحارث وحبيب بن أبي ثابت والاسود بن قيس وزياد بن علاقة ومحارب بن دثار. (*)

[ 143 ]

إني لامر بالحائك يتغنى فأسد أذني مخافة أن أحفظ ما يقول. وقال: لان أترك عشرة آلاف دينار يحاسبني الله عليها أحل إلي من أن أحتاج إلى الناس. قال محمد بن سعد: أجمعوا أنه توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، وكان عمره يوم مات أربعا وستين سنة، ورآه بعضهم في المنام يطير في الجنة من نخلة إلى نخلة، ومن شجرة إلى شجرة، وهو يقرأ (الحمد لله الذي صدقنا وعده) [ الزمر: 74 ] الآية. وقال: إذا ترأس الرجل سريعا أخر بكثير من العلم. وممن توفي فيها: أبو دلامة زند (1) بن الجون الشاعر الماجن، أحد الظرفاء، أصله من الكوفة وأقام ببغداد وحظي عند المنصور لانه كان يضحكه وينشده الاشعار ويمدحه، حضر يوما جنازة امرأة المنصور - وكانت ابنة عمه - يقال لها حمادة بنت عيسى، وكان المنصور قد حزن عليها، فلما سووا عليها التراب وكان أبو دلامة حاضرا، فقال له المنصور: ويحك يا أبا دلامة، ما أعددت لهذا اليوم ؟ فقال: ابنة عم أمير المؤمنين. فضحك المنصور حتى استلقى، ثم قال: ويحك فضحتنا. ودخل يوما على المهدي يهنئه بقدومه من سفره وأنشده: إنى حلفت (2) لئن رأيتك سالما * بقرى العراق وأنت ذو وفر لتصلين على النبي محمد * ولتملان دراهما حجري فقال المهدي: أما الاول فنعم، نصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأما الثاني فلا. فقال: يا أمير المؤمنين هما كلمتان فلا تفرق بينهما. فأمر أن يملا حجره دراهم، ثم قال له: قم ! فقال: ينخرق منها قميصي فأفرغت منه في أكياسها ثم قام فحملها وذهب. وذكر عنه ابن خلكان أنه مرض ابن له فداواه طبيب فلما عوفي قال له: ليس عندنا ما نعطيك، ولكن ادع على فلان اليهودي بمبلغ ما تستحقه عندنا من أجرتك حتى أشهد أنا وولدي عليه بالمبلغ المذكور. قال: فذهب الطبيب إلى قاضي الكوفة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى - وقيل ابن شبرمة - فادعى عليه عنده فأنكر اليهودي فشهد عليه أبو دلامة وابنه، فلم يستطع القاضي أن يرد شهادتهما وخاف من طلب التزكية فأعطى الطبيب المدعي


(1) من وفيات الاعيان 2 / 320 والاغاني 10 / 235 وترجمته في تاريخ بغداد 8 / 488 والشعر والشعراء / 660 وطبقات ابن المعتز ص / 54 ومعجم الادباء 11 / 165 والمؤتلف: 231 ومعاهد التنصيص 2 / 211. وورد اسمه في الاصل زيد وهو تحريف. قال في الاغاني: أكثر الناس يصحف اسمه (زيد) وذلك خطأ وهو زند بالنون. وهو كوفي أسود مولى لبني أسد. (2). في الاغاني 10 / 253: نذرت. (*)

[ 144 ]

المال من عنده وأطلق اليهودي. وجمع القاضي بين المصالح. توفي أبو دلامة في هذه السنة، وقيل إنه أدرك خلافة الرشيد سنة سبعين فالله أعلم. ثم دخلت سنة ثنتين وستين ومائة فيها خرج عبد السلام بن هاشم اليشكري بأرض قنسرين واتبعه خلق كثير، وقويت شوكته فقاتله جماعة من الامراء فلم يقدروا عليه، وجهز إليه المهدي جيوشا وأنفق فيهم أموالا فهزمهم مرات ثم آل الامر به أن قتل بعد ذلك. وفيها غزا الصائفة الحسن بن قحطبة في ثمانين ألفا (1) من المرتزقة سوى المتطوعة، فدمر الروم وحرق بلدانا كثيرة، وخرب أماكن وأسر خلقا من الذراري. وكذلك غزا يزيد بن أبي أسيد (2) السلمي بلاد الروم من باب قاليقلا فغنم وسلم وسبى خلقا كثيرا. وفيها خرجت طائفة بجرجان فلبسوا الحمرة مع رجل يقال له عبد القهار، فغزاه عمرو بن العلاء من طبرستان فقهر عبد القهار وقتله وأصحابه. وفيها أجرى المهدي الارزاق في سائر الاقاليم والآفاق على المجذمين والمحبوسين، وهذه مثوبة عظيمة ومكرمة جسيمة. وفيها حج بالناس إبراهيم بن جعفر بن المنصور. وفيها توفي من الاعيان: إبراهيم بن أدهم أحد مشاهير العباد وأكابر الزهاد. كانت له همة عالية في ذلك رحمه الله. فهو إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد (3) بن عامر بن إسحاق التميمي، ويقال له العجلي، أصله من بلخ ثم سكن الشام ودخل دمشق، وروى الحديث عن أبيه والاعمش ومحمد بن زياد صاحب أبي هريرة وأبي إسحاق السبيعي وخلق (4). وحدث عنه خلق منهم بقية والثوري وأبو إسحاق الفزاري ومحمد بن حميد. وحكى عنه الاوزاعي. وروى ابن عساكر من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الجزري عن إبراهيم بن أدهم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة. قال: " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي جالسا فقلت: يا رسول الله إنك تصلي جالسا فما أصابك ؟ قال: الجوع يا أبا هريرة. قال: فبكيت فقال: لا تبك فإن شدة يوم القيامة لا تصيب الجائع إذا احتسب في دار الدنيا ". ومن طريق بقية عن إبراهيم بن أدهم حدثني إبو إسحاق الهمداني، عن عمارة بن غزية، عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


(1) في الطبري 9 / 342: ثلاثين. (2) في الطبري، وابن الاثير 6 / 58: يزيد بن أسيد. (3) في وفيات الاعيان 1 / 31 وفوات الوفيات 1 / 13: يزيد بن جابر أبو اسحاق (انظر صفة الصفوة 4 / 152). (4) زيد في الوفيات: أبو حازم وقتادة ومالك بن دينار (انظر صفة الصفوة 4 / 158). (*)

[ 145 ]

" إن الفتنة تجئ فتنسف العباد نسفا، وينجو العالم منها بعلمه ". قال النسائي: إبراهيم بن أدهم ثقة مأمون أحد الزهاد. وذكر أبو نعيم وغيره أنه كان ابن ملك من ملوك خراسان، وكان قد حبب إليه الصيد، قال: فخرجت مرة فأثرت ثعلبا فهتف بي هاتف من قربوس سرجي: ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت. قال: فوقفت وقلت: انتهيت انتهيت، جاءني نذير من رب العالمين. فرجعت إلى أهلي فخليت عن فرسي وجئت إلى بعض رعاة أبي فأخذت منه جبة وكساء ثم ألقيت ثيابي إليه، ثم أقبلت إلى العراق فعملت بها أياما فلم يصف لي بها الحلال، فسألت بعض المشايخ عن الحلال فأرشدني إلى بلاد الشام فأتيت طرسوس فعملت بها أياما أنظر البساتين وأحصد الحصاد، وكان يقول: ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام. أفر بديني ما شاهق إلى شاهق ومن جبل إلى جبل، فمن يراني يقول: هو موسوس. ثم دخل البادية ودخل مكة وصحب الثوري والفضيل بن عياض ودخل الشام ومات بها، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه مثل الحصاد وعمل الفاعل وحفظ البساتين وغير ذلك وما روي عنه: أنه وجد رجلا في البادية فعلمه اسم الله الاعظم فكان يدعو به حتى رأى الخضر فقال له: إنما علمك أخي داود اسم الله الاعظم، ذكره القشيري وابن عساكر عنه بإسناد لا يصح. وفيه أنه قال له: إن إلياس علمك اسم الله الاعظم. وقال إبراهيم: أطب مطعمك ولا عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار. وذكر أبو نعيم عنه: أنه كان أكثر دعائه اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك. وقيل له إن اللحم قد غلا فقال: ارخصوه أي لا تشتروه فإنه يرخص. وقال بعضهم (1): هتف به الهاتف من فوقه يا إبراهيم ما هذا العبث (أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) [ المؤمنون: 115 ] اتق الله وعليك بالزاد ليوم القيامة (2). فنزل عن دابته ورفض الدنيا وأخذ في عمل الآخرة. وروى ابن عساكر بإسناد فيه نظر في ابتداء أمره قال: بينما أنا يوما في منظرة لي ببلخ وإذا شيخ حسن الهيئة حسن اللحية قد استظل بظلها فأخذ بمجامع قلبي، فأمرت غلاما فدعاه فدخل فعرضت عليه الطعام فأبى فقلت: من أين أقبلت ؟ قال: من وراء النهر. قتل: أين تريد ؟ قال الحج. قلت: في هذا الوقت ؟ - وقد كان أول يوم من ذي الحجة أو ثانيه - فقال: يفعل الله ما يشاء. فقلت: الصحبة. قال: إن أحببت ذلك فموعدك الليل، فلما كان الليل جاءني فقال: قم بسم الله فأخذت ثياب سفري وسرنا نمشي كأنما الارض تجذب من تحتنا، ونحن نمر على البلدان ونقول: هذه فلانة هذه فلانة، فإذا كان الصباح فارقني ويقول: موعدك الليل، فإذا كان الليل جاءني ففعلنا مثل ذلك. فانتهينا إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ثم سرنا إلى مكة فجئناها ليلا فقضينا الحج مع الناس ثم رجعنا إلى الشام فزرنا بيت المقدس


(1) وهي رواية يونس بن سليمان البلخي كما في صفة الصفوة 4 / 152. (2) في صفة الصفوة: الفاقة. (*)

[ 146 ]

وقال: إني عازم على المقام بالشام، ثم رجعت أنا إلى بلدي بلخ كسائر الضعفاء حتى رجعنا إليها ولم أسأله عن اسمه، فكان ذلك أول أمري. وروي من وجه آخر فيه نظر. وقال أبو حاتم الرازي: عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري قال: كان إبراهيم بن أدهم يشبه الخليل، ولو كان في الصحابة كان رجلا فاضلا له سرائر وما رأيته يظهر تسبيحا ولا شيئا ولا أكل مع أحد طعاما إلا كان آخر من يرفع يديه. وقال عبد الله بن المبارك: كان إبراهيم رجلا فاضلا له سرائر ومعاملات بينه وبين الله عز وجل وما رأيته يظهر تسبيحا ولا شيئا من عمله، ولا أكل مع أحد طعاما إلا كان آخر من يرفع يده. وقال بشر بن الحارث الحافي: أربعة رفعهم الله بطيب المطعم، إبراهيم بن أدهم، وسليمان بن الخواص ووهيب بن الورد، ويوسف بن أسباط. وروى ابن عساكر من طريق معاوية بن حفص قال: إنما سمع إبراهيم بن أدهم حديثا واحدا فأخذ به فساد أهل زمانه. قال: حدثنا منصور، عن ربعي بن خراش قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل يحبني الله عليه ويحبني الناس قال: " إذا أردت أن يحبك الله فابغض الدنيا، وإذا أردت أن يحبك الناس فما كان عندك من فضولها فانبذه إليهم " وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو الربيع عن إدريس قال: جلس إبراهيم إلى بعض العلماء فجعلوا يتذاكرون الحديث وإبراهيم ساكت، ثم قال: حدثنا منصور ثم سكت فلم ينطق بحرف حتى قام من ذلك المجلس: فعاتبه بعض أصحابه في ذلك ! فقال: إني لاخشى مضرة ذلك المجلس في قلبي إلى اليوم. وقال رشدين بن سعد: مر إبراهيم بن أدهم بالاوزاعي وحوله حلقة فقال: لو أن هذه الحلقة على أبي هريرة لعجز عنهم. فقام الاوزاعي وتركهم. وقال إبراهيم بن بشار: قيل لابن أدهم: لم تركت الحديث ؟ فقال: إني مشغول عنه بثلاث، بالشكر على النعم، وبالاستغفار من الذنوب، وبالاستعداد للموت، ثم صاح وغشي عليه فسمعوا هاتفا يقول: لا تدخلوا بيني وبين أوليائي. وقال أبو حنيفة يوما لابراهيم بن أدهم: قد رزقت من العبادة شيئا صالحا فليكن العلم من بالك فإنه رأس العبادة وقوام الدين. فقال له إبراهيم: وأنت فليكن العبادة والعمل بالعلم من بالك وإلا هلكت. وقال إبراهيم: ماذا أنعم الله على الفقراء لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ولا عن حج ولا عن جهاد ولا عن صلة رحم، إنما يسأل ويحاسب هؤلاء المساكين الاغنياء. وقال شقيق بن إبراهيم: لقيت ابن أدهم بالشام وقد كنت رأيته بالعراق وبين يديه ثلاثون شاكريا. فقلت له: تركت ملك خراسان، وخرجت من نعمتك ؟ فقال: اسكت ما تهنيت بالعيش إلا ههنا، أفر بديني من شاهق إلى شاهق، فمن يراني يقول هو موسوس أو حمال (1) أو ملاح، ثم قال: بلغني أنه يؤتى بالفقير يوم القيامة


(1) في صفة الصفوة 4 / 155: جمال. (*)

[ 147 ]

فيوقف بين يدي الله فيقول له: يا عبدي مالك لم تحج ؟ فيقول: يا رب لم تعطني شيئا أحج به. فيقول الله: صدق عبدي اذهبوا به إلى الجنة. وقال أقمت بالشام أربعا وعشرين سنة لم أقم بها لجهاد ولا رباط إنما نزلتها لاشبع من خبز حلال. وقال: الحزن حزنان حزن لك وحزن عليك، فحزنك على الآخرة لك. وحزنك على الدنيا وزينتها عليك. وقال: الزهد ثلاثة، واجب، ومستحب، وزهد سلامة، فأما الواجب فالزهد في الحرام، والزهد عن الشهوات الحلال مستحب، والزهد عن الشبهات سلامة. وكان هو وأصحابه يمنعون أنفسهم الحمام والماء البارد والحذاء ولا يجعلون في ملحهم أبزارا، وكان إذا جلس على سفرة فيها طعام طيب رمى بطيبها إلى أصحابه وأكل هو الخبز والزيتون. وقال: قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تورث الغم والجزع. وقال له رجل: هذه جبة أحب أن تقبلها مني. فقال: إن كنت غنيا قبلتها، وإن كنت فقيرا لم أقبلها. قال: أنا غني. قال: كم عندك ؟ قال: ألفان. قال: تود أن تكون أربعة آلاف ؟ قال: نعم، قال فأنت فقير، لا أقبلها منك. وقيل له: لو تزوجت ؟ فقال: لو أمكنني أن أطلق نفسي لطلقتها. ومكث بمكة خمسة عشر يوما لا شئ له ولم يكن له زاد سوى الرمل بالماء، وصلى بوضوء واحد خمس عشرة صلاة، وأكل يوما على حافة الشريعة (1) كسيرات مبلولة بالماء وضعها بين يديه أبو يوسف الغسولي، فأكل منها ثم قام فشرب من الشريعة ثم جاء واستلقى على قفاه وقال: يا أبا يوسف لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا بالسيوف أيام الحياة على ما نحن فيه من لذيذ العيش. فقال له أبو يوسف: طلب القوم الراحة والنعيم فأخطأوا الطريق المستقيم. فتبسم إبراهيم وقال: من أين لك هذا الكلام ؟ وبينما هو بالمصيصة (2) في جماعة من أصحابه إذ جاءه راكب فقال: أيكم إبراهيم بن أدهم ؟ فأرشد إليه، فقال: يا سيدي أنا غلامك، وإن أباك قد مات وترك مالا هو عند القاضي، وقد جئتك بعشرة آلاف درهم لتنفقها عليك إلى بلخ، وفرس وبغلة. فسكت إبراهيم طويلا ثم رفع رأسه فقال: إن كنت صادقا فالدراهم والفرس والغلة لك، ولا تخبر به أحدا. ويقال: إنه ذهب بعد ذلك إلى بلخ وأخذ المال من الحاكم وجعله كله في سبيل الله. وكان معه بعض أصحابه فمكثوا شهرين لم يحصل لهم شئ يأكلونه، فقال له إبراهيم: ادخل إلى هذه الغيضة - وكان ذلك في يوم شات - قال: فدخلت فوجدت شجرة عليها خوخ كثير فملات منه جرابي ثم خرجت، فقال: ما معك ؟ قلت: خوخ. فقال: يا ضعيف اليقين ! لو صبرت لوجدت رطبا جنيا، كما رزقت مريم بنت عمران. وشكا إليه بعض أصحابه الجوع فصلى ركعتين فإذا حوله دنانير كثيرة فقال لصاحبه: خذ منها دينارا، فأخذه واشترى لهم به طعاما. وذكروا أنه كان يعمل


(1) وكان ذلك على نهر الاردن وهو بطريقه إلى الاسكندرية. صفة الصفوة 4 / 153. (2) المصيصة: مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس والمصيصة أيضا قرية من قرى دمشق قرب بيت لهيا (معجم البلدان) والرواية في صفة الصوفة 4 / 156 باختلاف. (*)

[ 148 ]

بالفاعل ثم يذهب فيشتري البيض والزبدة وتارة الشواء والجوذبان والخبيص فيطعمه أصحابه وهو صائم، فإذا أفطر يأكل من ردئ الطعام ويحرم نفسه المطعم الطيب ليبر به الناس تأليفا لهم وتحببا وتوددا إليهم. وأضاف الاوزاعي إبراهيم بن أدهم فقصر إبراهيم في الاكل فقال: مالك قصرت ؟ فقال: لانك قصرت في الطعام. ثم عمل إبراهيم طعاما كثيرا ودعا الاوزاعي فقال الاوزاعي: أما تخاف أن يكون سرفا ؟ فقال: لا ! إنما السرف ما كان في معصية الله، فأما ما أنفقه الرجل على إخوانه فهو من الدين. وذكروا أنه حصد مرة بعشرين دينارا، فجلس مرة عند حجام وهو وصاحب له ليحلق رؤوسهم ويحجمهم، فكأنه تبرم بهم واشتغل عنهم بغيرهم، فتأذى صاحبه من ذلك ثم أقبل عليهم الحجام فقال: ماذا تريدون ؟ قال إبراهيم: أريد أن تحلق رأسي وتحجمني، ففعل ذلك فأعطاه إبراهيم العشرين دينارا، وقال: أردت أن لا تحقر بعدها فقيرا أبدا. وقال مضاء بن عيسى: ما فاق إبراهيم أصحابه بصوم ولا صلاة ولكن بالصدق والسخاء. وكان إبراهيم يقول: فروا من الناس كفراركم من الاسد الضاري، ولا تخلفوا عن الجمعة والجماعة. وكان إذا سافر مع أحد من أصحابه يحدثه إبراهيم، وكان إذا حضر في مجلس فكأنما على رؤوسهم الطير هيبة له وإجلالا. وربما تسامر هو وسفيان الثوري في الليلة الشاتية إلى الصباح، وكان الثوري يتحرز معه في الكلام. ورأى رجلا قيل له: هذا قاتل خالك، فذهب إليه فسلم عليه وأهدى له وقال: بلغني أن الرجل لا يبلغ درجة اليقين حتى يأمنه عدوه. وقال له رجل: طوبى لك أفنيت عمرك في العبادة وتركت الدنيا والزوجات. فقال: ألك عيال ؟ قال: نعم. فقال: لروعة الرجل صاله يعني في بعض الاحيان من الفاقة - أفضل من عبادة كذا وكذا سنة. ورآه الاوزاعي ببيروت ؟ عنقه حزمة حطب فقال: يا أبا إسحاق إن إخوانك يكفونك هذا. فقال له: اسكت يا أبا عمرو ! بلغني أنه إذا وقف الرجل موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة. وخرج ابن أدهم من بيت المقدس فمر بطريق فأخذته المسلحة في الطريق فقالوا: أنت عبد ؟ قال: نعم. قالوا: آبق ؟ قال: نعم. فسجنوه. فبلغ أهل بيت المقدس خبره فجاؤوا برمتهم إلى نائب طبرية فقالوا: علام سجنت إبراهيم بن أدهم ؟ قال: ما سجنته. قالوا: بلى هو في سجنك. فاستحضره فقال: علام سجنت. فقال: سل المسلحة، قالوا: أنت عبد ؟ قلت: نعم وأنا عبد الله. قالوا: آبق ؟ قلت: نعم وأنا عبد آبق من ذنوبي. فخلى سبيله. وذكروا أنه مر مع رفقة فإذا الاسد على الطريق فتقدم إليه إبراهيم بن أدهم فقال له: يا قسورة إن كنت أمرت فينا بشئ فامض لما أمرت به وإلا فعودك على بدئك. قالوا: فولى السبع ذاهبا يضرب بذنبه، ثم أقبل علينا إبراهيم فقال: قولوا: اللهم راعنا بعينك التي لا تنام، واكنفنا بكنفك الذي لا

[ 149 ]

يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا الله، يا الله، يا الله. قال خلف بن تميم: فما زلت أقولها منذ سمعتها فما عرض لي لص ولا غيره. وقد روي لهذا شواهد من وجوه أخر. وروي أنه كان يصلي ذات ليلة فجاءه أسد ثلاثة فتقدم إليه أحدهم فشم ثيابه ثم ذهب فربض قريبا منه، وجاء الثاني ففعل مثل ذلك، وجاء الثالث ففعل مثل ذلك، واستمر إبراهيم في صلاته، فلما كان وقت السحر قال لهم: إن كنتم أمرتم بشئ فهلموا، وإلا فانصرفوا، فانصرفوا. وصعد مرة جبلا بمكة ومعه جماعة فقال لهم: لو أن وليا من أولياء الله قال لجبل زل لزال. فتحرك الجبل تحته فوكزه برجله وقال: اسكن فإنما ضربتت مثلا لاصحابي. وكان الجبل أبا قبيس. وركب مرة سفينة فأخذهم الموج من كل مكان فلف إبراهيم رأسه بكسائه واضطجع وعج أصحاب السفينة بالضجيج والدعاء، وأيقظوه وقالوا: ألا ترى ما نحن فيه من الشدة ؟ فقال: ليس هذه شدة، وإنما الشدة الحاجة إلى الناس. ثم قال: اللهم أريتنا قدرتك فأرنا عفوك. فصار البحر كأنه قدح زيت. وكان قد طالبه صاحب السفينة بأجرة حمله دينارين وألح عليه، فقال له: اذهب معي حتى أعطيك ديناريك، فأتى به إلى جزيرة في البحر فتوضأ إبراهيم وصلى ركعتين ودعا وإذا ما حوله قد ملئ دنانير، فقال له: خذ حقك ولا تزد ولا تذكر هذا لاحد. وقال حذيفة المرعشي: أويت أنا وإبراهيم إلى مسجد خراب بالكوفة، وكان قد مضى علينا أيام لم نأكل فيها شيئا، فقال لي: كأنك جائع. قلت: نعم. فأخذ رقعة فكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم أنت المقصود إليه بكل حال، المشار إليه بكل معنى، أنا حامد أنا ذاكر أنا شاكر * أنا جائع أنا حاسر أنا عاري هي ستة وأنا الضمين لنصفها * فكن الضمين لنصفها يا باري مدحي لغيرك وهج نار خضتها * فأجز عبيدك من دخول النار ثم قال لي: اخرج بهذه الرقعة ولا تعلق قلبك بغير الله سبحانه وتعالى، وادفع هذه الرقعة لاول رجل تلقاه. فخرجت فإذا رجل على بغلة فدفعتها إليه فلما قرأها بكى ودفع إلي ستمائة دينار وانصرف، فسألت رجلا من هذا الذي على البغلة ؟ فقالوا: هو رجل نصراني. فجئت إبراهيم فأخبرته فقال: الآن يجئ مسلم. فما كان غير قريب حتى جاء فأكب على رأس ابراهيم وأسلم. وكان إبراهيم يقول: دارنا أمامنا وحياتنا بعد وفاتنا. فإما إلى الجنة وإما إلى النار. مثل لبصرك حضور ملك الموت وأعوانه لقبض روحك وانظر كيف تكون حينئذ، ومثل له هول المضجع ومسألة منكر ونكير وانظر كيف تكون. ومثل له القيامة وأهوالها وأفزاعها والعرض والحساب، وانظر كيف تكون. ثم صرخ صرخة خر مغشيا عليه. ونظر إلى رجل من أصحابه يضحك فقال له: لا تطمع فيما لا يكون، ولا تنس ما يكون. فقيل له: كيف هذا يا أبا إسحاق ؟ فقال: لا تطمع في البقاء والموت يطلبك، فكيف يضحك من يموت ولا يدري أين يذهب به إلى جنة أم إلى نار ؟ ولا تنس ما

[ 150 ]

يكون الموت يأتيك صباحا أو مساء. ثم قال: أوه أوه ! ثم خر مغشيا عليه. وكان يقول: ما لنا نشكو ففرنا إلى مثلنا ولا نسأل كشفه من ربنا. ثم يقول: ثكلت عبدا أمه أحب الدنيا ونسي ما في خزائن مولاه وقال: إذا كنت بالليل نائما وبالنهار هائما وفي المعاصي دائما فكيف ترضى من هو بأمورك قائما. ورآه بعض أصحابه وهو بمسجد بيروت وهو يبكي ويضرب بيديه على رأسه، فقال: ما يبكيك ؟ فقال: ذكرت يوما تتقلب فيه القلوب والابصار. وقال: إنك كلما أمعنت النظر في مرآة التوبة بان لك قبح شين المعصية. وكتب إلى الثوري: من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أطلق بصره طال أسفه، ومن أطلق أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه. وسأله بعض الولاة من أين معيشتك ؟ فأنشأ يقول: نرقع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع وكان كثيرا ما يتمثل بهذه الابيات: لما توعد الدنيا به من شرورها * يكون بكاء الطفل ساعة يوضع وإلا فما يبكيه منها وإنها * لاروح مما كان فيه وأوسع إذا أبصر الدنيا استهل كأنما * يرى ما سيلقى من أذاها ويسمع وكان يتمثل أيضا: رأيت الذنوب تميت القلوب * ويورثها الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب * وخير لنفسك عصيانها وما أفسد الدين إلا ملوك * وأحبار سوء ورهبانها وباعوا النفوس فلم يربحوا * ولم يغل بالبيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة * تبين لذي اللب أنتانها وقال: إنما يتم الورع بتسوية كل الخلق في قلبك، والاشتغال عن عيوبهم بذنبك، وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل، فكر في ذنبك وتب إلى ربك ينبت الورع في قلبك، واقطع الطمع إلا من ربك. وقال: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك، ذم مولانا الدنيا فمدحناها، وأبغضها فأحببناها، وزهدنا فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها، ووعدكم خراب الدنيا فحصنتموها، ونهاكم عن طلبها فطلبتموها، وأنذركم الكنوز فكنزتموها، دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها، فأحببتم مسرعين مناديها، خدعتكم بغرورها، ومنتكم فانقدتم خاضعين لامانيها تتمرغون في زهراتها وزخارفها، وتتنعمون في لذاتها وتتقلبون في شهواتها، وتتلوثون بتبعاتها، تنبشون بمخالب الحرص عن خزائنها، وتحفرون بمعاول الطمع في معادنها. وشكى إليه رجل كثرة عياله فقال: ابعث

[ 151 ]

إلي منهم من لا زرقه على الله. فسكت الرجل. وقال: مررت في بعض جبال فإذا حجر مكتوب عليه بالعربية: كل حي وإن بقي * فمن العيش يستقي فاعمل اليوم واجتهد * واحذر الموت يا شقي قال: فبينا أنا واقف أقرأ وأبكي، وإذا برجل أشعر أغبر عليه مدرعة من شعر فسلم وقال: مم تبكي ؟ فقلت: من هذا. فأخذ بيدي ومضى غير بعيد فإذا بصخرة عظيمة مثل المحراب فقال اقرأ وابك ولا تقصر. وقام هو يصلي فإذا في أعلاه نقش بين عربي: لا تبغين جاها وجاهك ساقط * عند المليك وكن لجاهك مصلحا وفي الجانب الآخر نقش بين عربي: من لم يثق بالقضاء والقدر * لاقى هموما كثيرة الضرر وفي الجانب الايسر منه نقش بين عربي: ما أزين التقى وما أقبح الخنا * وكل مأخوذ بما جنا * وعند الله الجزا وفي أسفل المحراب فوق الارض بذراع أو أكثر: إنما الفوز والغنى * في تقى الله والعمل قال: فلما فرغت من القراءة التفت فإذا ليس الرجل هناك، فما أدري انصرف أم حجب عني. وقال: أثقل الاعمال في الميزان أثقلها على الابدان، ومن وفى العمل وفى له الاجر، ومن لم يعمل رحل من الدنيا إلى الآخرة بلا قليل ولا كثير. وقال: كل سلطان لا يكون عادلا فهو واللص بمنزلة واحدة، وكل عالم لا يكون ورعا فهو والذئب بمنزلة واحدة، وكل من خدم سوى الله فهو والكلب بمنزلة واحدة. وقال: ما ينبغي لمن ذل الله في طاعته أن يذل لغير الله في مجاعته، فكيف بمن هو يتقلب في نعم الله وكفايته ؟ وقال: أعربنا في كلامنا فلم نلحن، ولحنا في أعمالنا فلم نعرب. وقال: كنا إذا رأينا الشاب يتكلم في المجلس أيسنا من خيره. وقال: جانبوا الناس ولا تنقطعوا عن جمعة ولا جماعة. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسن بن محمد بن زامين الاسترابادي قال: أنبأ عبد الله بن محمد الحميدي الشيرازي، أنبأ القاضي أحمد بن خرزاد الاهوازي، حدثني علي بن محمد القصوي، حدثني أحمد بن محمد الحلبي، سمعت سريا السقطي يقول: سمعت بشر بن الحارث الحافي يقول: قال إبراهيم بن أدهم: وقفت على راهب فأشرف علي فقلت له: عظني فأنشأ يقول:

[ 152 ]

خذ عن الناس جانبا * كن بعدوك راهبا إن دهرا أظلني * قد أراني العجائبا قلب الناس كيف شئ‍ * ت تجدهم عقاربا قال بشر فقلت لابراهيم: هذه موعظة الراهب لك، فعظني أنت. فأنشأ يقول: توحش من الاخوان لا تبغ مونسا * ولا تتخذ خلا ولا تبغ صاحبا وكن سامري الفعل من نسل آدم * وكن أوحديا ما قدرت مجانبا فقد فسد الاخوان والحب والاخا * فلست ترى إلا مذوقا وكاذبا فقلت ولولا أن يقال مدهده * وتنكر حالاتي لقد صرت راهبا قال سري: فقلت لبشر: هذه موعظة إبراهيم لك فعظني أنت، فقال: عليك بالخمول ولزوم بيتك. فقلت بلغني عن الحسن أنه قال: لولا الليل وملاقاة الاخوان ما باليت متى مت. فأنشأ بشر يقول: يا من يسر برؤية الاخوان * مهلا أمنت مكايد الشيطان خلت القلوب من المعاد وذكره * وتشاغلوا بالحرص والخسران صارت مجالس من ترى وحديثهم * في هتك مستور وموت جنان قال الحلبي فقلت لسري: هذه موعظة بشر فعظني أنت. فقال: عليك بالاخمال فقلت أحب ذاك، فأنشأ يقول: يا من يروم بزعمه إخمالا * إن كان حقا فاستعد خصالا ترك المجالس والتذاكر يا أخي * واجعل خروجك للصلاة خيال بل كن بها حيا كأنك ميت * لا يرتجى منه القريب وصالا قال علي بن محمد القصري: قلت للحلبي هذه موعظة سري لك فعظني أنت. فقال: يا أخي أحب الاعمال إلى الله ما صعد إليه من قلب زاهد في الدنيا، فازهد في الدنيا يحبك الله. ثم أنشأ يقول: أنت في دار شتات * فتأهب لشتاتك واجعل الدنيا كيوم * صمته عن شهواتك واجعل الفطر إذا * ما صمته يوم وفاتك قال ابن خرزاد فقلت لعلي: هذه موعظة الحلبي لك فعطني أنت. فقال لي: احفظ وقتك

[ 153 ]

واسخ بنفسك لله عز وجل، وانزع قيمة الاشياء من قلبك يصفو لك بذلك سرك ويذكو به ذكرك. ثم أنشدني: حياتك أنفاس تعد فكلما * مضى نفس منها انتقصت به جزءا فتصبح في نقص وتمسي بمثله * وما لك معقول تحس به رزءا يميتك ما يحييك في كل ساعة * ويحدوك حاد ما يزيد بك الهزءا قال أبو محمد قلت لاحمد: هذه موعظة علي لك فعظني. فقال: يا أخي عليك بلزوم الطاعة وإياك أن تفارق باب القناعة، وأصلح مثواك، ولا تؤثر هواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، واشتغل بما يعنيك بترك ما لا يعنيك. ثم أنشدني: ندمت على ما كان مني ندامة * ومن يتبع ما تشتهي النفس يندم فخافوا لكيما تأمنوا بعد موتكم * ستلقون ربا عادلا ليس يظلم فليس لمغرور بدنياه زاجر * سيندم إن زلت به النعل فاعلموا قال ابن زامين فقلت لابي محمد: هذه موعظة أحمد لك فعظني أنت. فقال: اعلم رحمك الله أن الله عز وجل ينزل العبيد حيث نزلت قلوبهم بهمومها، فانظر أن ينزل قلبك، واعلم أن الله سبحانه يقرب من القلوب على حسب ما تقرب منه. وتقرب منه على حسب ما قرب إليها. فانظر من القريب من قلبك. وأنشدني: قلوب رجال في الحجاب نزول * وأرواحهم فيما هناك حلول تروح نعيم الانس في عز قربه * بأفراد توحيد الجليل تحول لهم بفناء القرب من محض بره * عوائد بذل خطبهن جليل قال الخطيب: فقلت لابن زامين: هذه موعظة الحميدي لك فعظني أنت. فقال: اتق الله وثق به ولا تتهمه فإن اختياره لك خير من اختيارك لنفسك وأنشدني: اتخذ الله صاحبا * ودع الناس جانبا جرب الناس كيف شئ‍ * ت تجدهم عقاربا قال أبو الفرج غيث الصوري: فقلت للخطيب: هذه موعظة ابن زامين لك فعظني أنت. فقال: احذر نفسك التي هي أعدى أعدائك أن تتابعها على هواها، فذاك أعضل دائك، واستشرف الخوف من الله تعالى بخلافها، وكرر على قلبك ذكر نعوتها وأوصافها، فإنها الامارة بالسوء والفحشاء والموردة من أطاعها موارد العطب والبلاء، واعمد في جميع أمورك إلى تحري الصدق، ولا تتبع الهوى

[ 154 ]

فيضلك عن سبيل الله. وقد ضمن الله لمن خالف هواه أن يجعل جنة الخلد قراره ومأواه ثم أنشد لنفسه: إن كنت تبغي الرشاد محضا * في أمر دنياك والمعاد فخالف النفس في هواها * إن الهوى جامع الفساد قال ابن عساكر: المحفوظ أن إبراهيم بن أدهم توفي سنة ثنتين وستين ومائة. وقال غيره: إحدى وستين وقيل سنة ثلاث. والصحيح ما قاله ابن عساكر والله أعلم. وذكروا أنه توفي في جزيرة من جزائر بحر الروم وهو مرابط، وأنه ذهب إلى الخلاء ليلة مات نحوا من عشرين مرة، وفي كل مرة يجدد الوضوء بعد هذا، وكان به البطن، فلما كانت غشية الموت قال: أوتروا لي قوسي، فأوتروه فقبض عليه فمات وهو قابض عليه يريد الرمي به إلى العدو رحمه الله وأكرم مثواه. وقد قال أبو سعيد بن الاعرابي: حدثنا محمد بن علي بن يزيد الصائغ قال: سمعت الشافعي يقول: كان سفيان معجبا به: أجاعتهم الدنيا فخافوا ولم يزل * كذلك ذو التقوى عن العيش ملجما أخو طئ داود منهم ومسعر * ومنهم وهيب والعريب ابن أدهما وفي ابن سعيد قدوة البر والنهى * وفي الوارث الفاروق صدقا مقدما وحسبك منهم بالفضيل مع ابنه * ويوسف إن لم يأل أن يتسلما أولئك أصحابي وأهل مودتي * فصلى عليهم ذو الجلال وسلما فما ضر ذا التقوى نصال أسنة * وما زال ذو التقوى أعز وأكرما وما زالت التقوى تريك على الفتى * إذا محض التقوى من العز ميسما وروى البخاري في كتاب الادب عن إبراهيم بن أدهم وأخرج الترمذي في جامعه حديثا معلقا في المسح على الخفين. والله سبحانه أعلم. وفيها توفي أبو سليمان داود بن نصير الطائي الكوفي الفقيه الزاهد، أخذ الفقه عن أبي حنيفة. قال سفيان بن عيينة: ثم ترك داود الفقه وأقبل على العبادة ودفن كتبه. قال عبد الله بن المبارك: وهل الامر إلا ما كان عليه داود الطائي. وقال ابن معين: كان ثقة، وفد على المهدي ببغداد ثم عاد إلى الكوفة. ذكره الخطيب البغدادي. وقال: مات في سنة ستين ومائة، وقيل في سنة ست وخمسين ومائة. وقد ذكر شيخنا الذهبي في تاريخه أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة ثنتين وستين ومائة. فالله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة فيها حصر المقنع الزنديق الذي كان قد نبغ بخراسان وقال بالتناسخ، واتبعه على جهالته

[ 155 ]

وضلالته خلق من الطغام وسفهاء الانام، والسفلة من العوام، فلما كان في هذا العام لجأ إلى قلعة كش فحاصره سعيد الحريثي (1) فألح عليه في الحصار، فلما أحس بالغلبة تحسى سما وسم نساءه فماتوا جميعا، عليهم لعائن الله. ودخل الجيش الاسلامي قلعته فاحتزوا رأسه وبعثوا به إلى المهدي، وكان المهدي بحلب. قال ابن خلكان: كان اسم المقنع عطاء، وقيل جكيم، والاول أشهر (2). وكان أولا قصارا ثم ادعى الربوبية، مع أنه كان أعور قبيح المنظر، وكان يتخذ له وجها من ذهب (3)، وتابعه على جهالته خلق كثير، وكان يرى الناس قمرا يرى من مسيرة شهرين ثم يغيب، فعظم اعتقادهم له ومنعوه بالسلاح، وكان يزعم - لعنة الله وتعالى عما يقولون علوا كبيرا - أن الله ظهر في صورة آدم، ولهذا سجدت له الملائكة، ثم في نوح، ثم في الانبياء واحدا واحدا، ثم تحول إلى أبي مسلم الخراساني، ثم تحول إليه. ولما حاصروه المسلمون في قلعته التي كان جددها بناحية كش مما وراء النهر ويقال لها سنام (4)، تحسى هو ونساؤه سما فماتوا واستحوذ المسلمون على حواصله وأمواله. وفيها جهز المهدي البعوث من خراسان وغيرها من البلاد لغزو الروم، وأمر على الجميع ولده هارون الرشيد، وخرج من بغداد مشيعا له، فسار معه مراحل (5) واستخلف على بغداد ولده موسى الهادي، وكان في هذا الجيش الحسن (6) بن قحطبة والربيع الحاجب وخالد بن برمك - وهو مثل الوزير للرشيد ولي العهد - ويحيى بن خالد - وهو كاتبه وإليه النفقات - وما زال المهدي مع ولده مشيعا له حتى بلغ الرشيد إلى بلاد الروم، وارتاد هناك المدينة المسماة بالمهدية في بلاد الروم، ثم رجع إلى الشام وزار بيت المقدس، فسار الرشيد إلى بلاد الروم في جحافل عظيمة، وفتح الله عليهم فتوحات كثيرة، وغنموا أموالا جزيلة جدا، وكان لخالد بن برمك في ذلك أثر جميل لم يكن لغيره، وبعثوا بالبشارة مع سليمان بن برمك إلى المهدي فأكرمه المهدي وأجزل عطاءه. وفيها عزل المهدي عمه عبد الصمد بن علي عن الجزيرة وولى عليها زفر بن عاصم الهلالي، ثم عزله وولى عبد الله بن صالح بن علي. وفيها ولى المهدي ولده هارون الرشيد بلاد المغرب وأذربيجان وأرمينية، وجعل على رسائله يحيى بن خالد بن برمك، وولى وعزل جماعة من النواب. وحج بالناس فيها علي بن المهدي.


(1) في الطبري 9 / 342: الحرشي. (2) في الاثار الباقية ص 211: اسمه هاشم بن حكيم. (3) قيل له المقنع لانه كان لا يسفر عن وجهه بل اتخذ وجها من ذهب تقنع به فقد كان مشوه الخلق. (4) في المشترك 254 لياقوت: وسنام أربعة مواضع والموضع الرابع منها سنام قلعة عمرها المقنع الخارجي بما وراء النهر. قال ابن خلكان: انها من رستاق كش. (5) عسكر بالبردان (انظر الطبري 9 / 342 - ابن الاثير 6 / 60). (6) من الطبري وابن الاثير، وفي الاصل: الحسين وهو تحريف. (*)

[ 156 ]

وفيها توفي إبراهيم بن طهمان، وحريز بن عثمان الحمصي الرحبي، وموسى بن علي اللخمي المصري وشعيب بن أبي حمزة، وعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس عم السفاح، وإليه ينسب قصر عيسى، ونهر عيسى ببغداد، قال يحيى بن معين: كان له مذهب جميل، وكان معتزلا للسلطان. توفي في هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة. وهمام بن يحيى، ويحيى بن أبي أيوب المصري، وعبيدة بنت أبي كلاب العابدة، بكت من خشية الله أربعين سنة حتى عميت. وكانت تقول: أشتهي الموت فإني أخشى أن أجني على نفسي جناية تكون سبب هلاكي يوم القيامة. ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة فيها غزا عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بلاد الروم، فأقبل إليه ميخائيل البطريق في نحو من تسعين ألفا، فيهم طازاذ الارمني البطريق ففشل عنه عبد الكبير ومنع المسلمين من القتال وانصرف راجعا - فأراد المهدي ضرب عنقه فكلم فيه فحبسه في المطبق. وفي يوم الاربعاء في أواخر ذي القعدة أسس المهدي قصرا من لبن بعيسا باذ، ثم عزم على الذهاب إلى الحج فأصابه حمى فرجع من أثناء الطريق، فعطش الناس في الرجعة حتى كاد بعضهم يهلك، فغضب المهدي على يقطين صاحب المصانع، وبعث من حيث رجع المهلب بن صالح بن أبي جعفر ليحج بالناس فحج بهم عامئذ. وفيها توفي شيبان بن عبد الرحمن النحوي، وعبد العزيز (1) بن أبي سلمة الماجشون، ومبارك بن فضالة صاحب الحسن البصري. ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة فيها جهز المهدي ولده الرشيد لغزو الصائفة، وأنفذ معه من الجيوش خمسة وتسعين ألفا وسبعمائة وثلاثة وتسعين رجلا، وكان معه من النفقة مائة ألف دينار، وأربعة (2) وتسعون ألف دينار، وأربعمائة وخمسون دينارا، ومن الفضة (3) إحدى وعشرون ألف ألف وأربعمائة ألف، وأربعة عشر ألفا وثمانمائة درهم. قال ابن جرير. فبلغ بجنوده خليج البحر الذي على القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذ أغسطة امرأة أليون، ومعها ابنها في حجرها من الملك الذي توفي عنها، فطلبت الصلح من الرشيد على أن تدفع له سبعين ألف دينار في كل سنة، فقبل ذلك منها، وذلك بعد ما قتل من الروم في الوقائع أربعة وخمسين ألفا وأسر من الذراري خمسة آلاف رأس وستمائة وأربعة (4) وأربعين رأسا،


(1) في ابن الاثير 6 / 65: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون. (2) في ابن الاثير: وثلاثة. (3) في الطبري وابن الاثير: ومن الورق. (4) في الطبري وابن الاثير: وثلاثة. (*)

[ 157 ]

وقتل من الاسرى ألفي قتيل صبرا، وغنم من الدواب بأدواتها عشرين ألف فرس، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس. وبيع البرذون بدرهم والبغل بأقل من عشرة دراهم، والدرع بأقل من درهم وعشرون سيفا بدرهم. فقال في ذلك مروان بن أبي حفصة: أطفت بقسطنطينية الروم مسندا * إليها القنا حتى اكتسى الذل سورها وما رمتها حتى أتتك ملوكها * بجزيتها والحرب تغلي قدورها وحج بالناس صالح بن أبي جعفر المنصور، وفيها توفي سليمان بن المغيرة، وعبد الله بن العلاء بن دبر، وعبد الرحمن بن نائب بن ثوبان. ووهب بن خالد. ثم دخلت سنة ست وستين ومائة في المحرم منها قدم الرشيد من بلاد الروم فدخل بغداد في أبهة عظيمة ومعه الروم يحملون الجزية من الذهب وغيره. وفيها أخذ المهدي البيعة لولده هارون من بعد موسى الهادي، ولقب بالرشيد. وفيها سخط المهدي على يعقوب بن داود وكان قد حظي عنده حتى استوزره وارتفعت منزلته في الوزارة حتى فوض إليه جميع أمر الخلافة، وفي ذلك يقول بشار بن برد: بني أمية هبوا طال نومكم * إن الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فاطلبوا * خليفة الله بين الخمر (1) والعود فلم تزل السعاة والوشاة بينه وبين الخليفة حتى أخرجوه عليه، وكلما سعوا به إليه دخل إليه فأصلح أمره معه، حتى وقع من أمره ما سأذكره، وهو أنه دخل ذات يوم على المهدي في مجلس عظيم قد فرش بأنواع الفرش وألوان الحرير، وحول ذلك المكان أصحان مزهرة بأنواع الازاهير، فقال: يا يعقوب كيف رأيت مجلسنا هذا ؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت أحسن منه. فقال: هو لك بما فيه، وهذه الجارية ليتم بها سرورك، ولي إليك حاجة أحب أن تقضيها. قلت: وما هي يا أمير المؤمنين ؟ فقال: حتى تقول نعم. فقلت: نعم ! وعلى السمع والطاعة. فقال ! الله ؟ فقلت: ألله. قال: وحياة رأسي قلت وحياة رأسك. فقال: ضع يدك على رأسي وقل ذلك، ففعلت. فقال: إن ههنا رجلا من العلويين أحب أن تكفينيه، والظاهر أن الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب. فقلت: نعم، فقال: وعجل علي، ثم أمر بتحويل ما في ذلك المجلس إلى منزلي وأمر لي بمائة ألف درهم وتلك الجارية، فما فرحت بشئ فرحي بها. فلما صارت


(1) في الطبري 10 / 4: وابن الاثير 6 / 70: بين الدف والعود، وفي الفخري ص 185: بين الناي والعود وفي الاغاني 3 / 243: بين الزق. (*)

[ 158 ]

بمنزلي حجبتها في جانب الدار في خدر، فأمرت بذلك العلوي فجئ به فجلس إلي فتكلم، فما رأيت أعقل منه ولا أفهم. ثم قال لي: يا يعقوب تلقى الله بدمي وأنا رجل من ولد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت: لا والله ولكن اذهب حيث شئت وأين شئت. فقال: إني أختار بلاد كذا وكذا. فقلت: أذهب كيف شئت، ولا يظهرن عليك المهدي فتهلك وأهلك. فخرج من عندي وجهزت معه رجلين يسفرانه ويوصلانه بعض البلاد، ولم أشعر بأن الجارية قد أحاطت علما بما جرى، وأنها كالجاسوس علي، فبعثت بخامدها إلى المهدي فأعلمته بما جرى، فبعث المهدي إلى تلك الطريق فردوا ذلك العلوي فحبسه عنده في بيت من دار الخلافة، وأرسل إلي من اليوم الثاني فذهب إليه ولم أشعر من أمر العلوي بشئ، فلما دخلت عليه قال: ما فعل العلوي ؟ قلت: مات. قال: ألله ! قلت ألله. قال: فضع يدل على رأسي واحلف بحياته، ففعلت. فقال يا غلام أخرج ما في (1) هذا البيت، فخرج العلوي فأسقط في يدي، فقال المهدي: دمك لي حلال. ثم أمر به فألقي في بئر في المطبق. قال يعقوب: فكنت في مكان لا أسمع فيه ولا أبصر، فذهب بصري وطال شعري حتى ثرث مثل البهائم، ثم مضت علي مدد متطاولة، فبينما أنا ذات يوم إذ دعيت فخرجت من البئر فقيل لي: سلم على أمير المؤمنين. فسلمت وأنا أظنه المهدي، فلما ذكرت المهدي قال: رحم الله المهدي. فقلت: الهادي ؟ فقال: رحم الله الهادي. فقلت: الرشيد ؟ قال: نعم. فقلت: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما حل بي من الضعف والعلة، فإن رأيت أن تطلقني. فقال: أين تريد ؟ قلت: مكة. فقال: اذهب راشدا، فسار إلى مكة فما لبث بها إلا قليلا حتى مات رحمه الله تعالى. وقد كان يعقوب هذا يعظ المهدي في تعاطيه شرب النبيذ بين يديه، وكثرة سماع الغناء فكان يلومه على ذلك ويقول: ما على هذا استوزرتني، ولا على هذا صحبتك، أبعد الصلوات الخمس في المسجد الحرام يشرب الخمر ويغني بين يديك ؟ فيقول له المهدي: فقد سمع عبد الله بن جعفر، فقال له يعقوب: إن ذلك لم يكن له من حسناته، ولو كان هذا قربة لكان كلما داوم عليه العبد أفضل. وفي ذلك يقول بعض الشعراء حثا للمهدي على ذلك: فدع عنك يعقوب بن داود جانبا * وأقبل على صهباء طيبة النشر وفيها ذهب المهدي إلى قصره المسمى بعيسا باذ - بني له بالآجر بعد القصر الاول الذي بناه باللبن - فسكنه وضرب هناك الدراهم والدنانير. وفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن ولم يفعل أحد هذا قبل هذه السنة. وفيها خرج موسى الهادي إلى جرجان. وفيها ولى القضاء أبا يوسف (2) صاحب أبي حنيفة. وفيها حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد عامل الكوفة. ولم يكن


(1) في الفخري ص 186: من في هذا البيت. (2) وهو يعقوب بن ابراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حبنة الانصاري. (*)

[ 159 ]

في هذه السنة صائفة للهدنة التي كانت بين الرشيد وبين الروم. وفيها توفي صدقة بن عبد الله السمين، وأبو الاشهب العطاردي، وأبو بكر النهشلي، وعفير بن معدان. ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة فيها وجه المهدي ابنه موسى الهادي إلى جرجان في جيش كثيف لم ير مثله، وجعل على رسائله أبان بن صدقة. وفيها توفي عيسى بن موسى الذي كان ولي العهد من بعد المهدي: مات بالكوفة فأشهد نائبها روح بن حاتم على وفاته القاضي وجماعة من الاعيان. ثم دفن. وكان قد امتنع من الصلاة عليه فكتب إليه المهدي يعنفه أشد التعنيف، وأمر بمحاسبته على عمله. وفيها عزل المهدي أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله عن ديوان الرسائل وولاه الربيع بن يونس الحاجب، فاستخلف فيه سعيد بن واقد وكان أبو عبيد الله يدخل على مرتبته. وفيها وقع وباء شديد وسعال كثير ببغداد والبصرة، وأظلمت الدنيا حتى كانت كالليل حتى تعالى النهار، وكان ذلك لليال (1) بقين من ذي الحجة من هذه السنة. وفيها تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق فاستحضرهم وقتلهم صبرا بين يديه، وكان المتولي أمر مزنادقة عمر الكلواذي. وفيها أمر المهدي بزيادة كثيرة في المسجد الحرام، فدخل في ذلك دور كثيرة، وولى ذلك ليقطين بن موسى الموكل بأمر الحرمين، فلم يزل في عمارة ذلك حتى مات المهدي كما سيأتي. ولم يكن للناس صائفة للهدنة. وحج بالناس نائب المدينة إبراهيم بن [ يحيى بن ] (2) محمد وتوفي بعد فراغه من الحج بأيام. وولى مكانه إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس. وممن توفي فيها من الاعيان بشار بن برد أبو معاذ الشاعر مولى عقيل، ولد أعمى، وقال الشعر وهو دون عشر سنين، وله التشبيهات التي لم يهتد إليها البصراء. وقد أثنى عليه الاصمعي والجاحظ وأبو تمام وأبو عبيدة، وقال له ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر. فلما بلغ المهدي أنه هجاه وشهد عليه قوم أنه زنديق أمر به فضرب حتى مات عن بضع وسبعين سنة. وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات، فقال: بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي مولاهم، وقد نسبه صاحب الاغاني فأطال نسبه. وهو بصري قدم بغداد أصله من طخارستان (3)، وكان ضخما عظيم الخلق، وشعره في أول طبقات المولدين، ومن شعره البيت المشهور:


(1) في ابن الاثير 6 / 76: لثلاث ليال مضين. (2) من الطبري وابن الاثير ومروج الذهب. (3) طخارستان: ناحية كبيرة مشتملة على بلدان وراء نهر بلخ على جيحون خرج منها جماعة من العلماء. (*)

[ 160 ]

هل تعلمين وراء الحب منزلة * تدنى إليك فإن الحب أقصاني وقوله: أنا والله أشتهي سحر عيني‍ * ك وأخشى مصارع العشاق وله: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة * والاذن تعشق قبل العين أحيانا قالوا لم لا نرى عينيك (1) قلت لهم * الاذن كالعين تروى القلب مكانا وله: إذا بلغ الرأي التشاور (2) فاستعن * بحزم نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة * فريش (3) الخوافي قوة للقوادم وما خير كف أمسك الغل أختها * وما خير سيف لم يؤيد بقائم كان بشار يمدح المهدي حتى وشى إليه الوزير أنه هجاه وقذفه ونسبه إلى شئ من الزندقة، وأنه يقول بتفضيل النار على التراب، وعذر إبليس في السجود لآدم، وأنه أنشد: الارض مظلمة والنار مشرقة * والنار معبودة مذ كانت النار فأمر المهدي بضربه فضرب حتى مات. ويقال: إنه غرق ثم نقل إلى البصرة في هذه السنة. وفيها توفي الحسن بن صالح بن حيي، وحماد بن سلمة، والربيع بن مسلم، وسعيد بن عبد العزيز بن مسلم، وعتبة الغلام: وهو عتبة بن أبان بن صمعة أحد العباد المشهورين البكائين المذكورين، كان يأكل من عمل يده في الخوص، ويصوم الدهر ويفطر على الخبز والملح. والقاسم الحذاء، وأبو هلال محمد بن سليم، ومحمد بن طلحة، وأبو حمزة اليشكري محمد بن ميمون. ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة فيها في رمضان منها نقضت الروم ما بينهم وبين المسلمين من الصلح الذي عقده هارون الرشيد عن أمر أبيه المهدي، ولم يستمروا على الصلح إلا ثنتين وثلاثين شهرا، فبعث نائب الجزيرة خيلا إلى


(1) في وفيات الاعيان 1 / 272: قالوا بمن لا ترى تهذي........... * الاذن كالعين توفي............. (2) في وفيات الاعيان، والاغاني 3 / 157: المشورة............ * برأي (3) في الاغاني: فإن. (*)

[ 161 ]

الروم فقتلوا وأسروا وغنموا وسلموا. وفيها اتخذ المهدي دواوين الازمة (1) ولم يكن بنو أمية يعرفون ذلك. وفيها حج بالناس علي بن محمد المهدي الذي يقال له ابن ريطة. وفيها توفي الحسن بن زيد (2) بن حسن بن علي [ بن علي ] (3) بن أبي طالب، ولاه المنصور المدينة خمس سنين، ثم غضب عليه فضربه وحبسه وأخذ جميع ماله. وحماد عجرد. كان ظريفا ماجنا شاعرا، وكان ممن يعاشر الوليد بن يزيد ويهاجي بشار بن برد. وقدم على المهدي ونزل الكوفة واتهم بالزندقة. قال ابن قتيبة في طبقات الشعراء: ثلاثة حمادون بالكوفة يرمون بالزندقة حماد الرواية، وحماد عجرد، وحماد بن الزبرقان النحوي. وكانوا يتشاعرون ويتماجنون. وخارجة بن مصعب، وعبد الله بن الحسن بن الحصين بن أبي الحسن البصري، قاضي البصرة بعد سوار. سمع خالدا الحذاء وداود بن أبي هند، وسعيدا الجريري. وروى عنه ابن مهدي. وكان ثقة فقيها له اختيارات تعزى إليه غريبة في الاصول والفروع، وقد سئل عن مسألة فأخطأ في الجواب فقال له قائل: الحكم فيها كذا وكذا. فأطرق ساعة ثم قال: إذا أرجع وأنا صاغر، لان أكون ذنبا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسا في الباطل. توفي في ذي القعدة من هذه السنة، وقيل بعد ذلك بعشر سنين فالله أعلم. غوث بن سليمان بن زياد بن ربيعة أبو يحيى الجرمي، قاضي مصر، كان من خيار الحكام، ولي الديار المصرية ثلاث مرات في أيام المنصور والمهدي. وفليح بن سليمان، وقيس بن الربيع في قول، ومحمد بن عبد الله بن علاثة بن علقمة بن مالك، أبو اليسر العقيلي، قاضي الجانب الشرقي من بغداد للمهدي، هو وعافية بن يزيد. وكان يقال لابن علاثة قاضي الجن، لانه كانت بئر يصاب من أخذ منها شيئا فقال: أيها الجن ! إنا حكمنا أن لكم الليل ولنا النهار. فكان من أخذ منها شيئا في النهار لم يصبه شئ. قال ابن معين: كان ثقة. وقال البخاري: في حفظه شئ. ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة فيها في المحرم منها توفي المهدي بن المنصور بمكان يقال له ما سبذان، بالحمى، وقيل مسموما وقيل عضه فرس فمات. وهذه ترجمته هو محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو عبد الله المهدي، أمير المؤمنين


(1) كان ديوان الازمة - واحدها الزمام - من أهم دواوين الدولة - ويشبه ديوان المحاسبة اليوم - وكانت مهنة صاحب هذا الديوان جمع ضرائب بلاد العراق أغنى أقاليم الدولة العباسية وتقديم حساب الضرائب في الاقاليم الاخرى. ومن اختصاصاته أيضا جمع الضرائب النوعية المسماة بالمعادن وكانت تجمع لرجل يضبطها بزمام يكون له على كل ديوان - وقد جمعها عمر بن بزيع - فيتخذ دواوين الازمة ويولي على كل منها رجلا. (2) في نسخ المطبوعة: يزيد. (3) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (*)

[ 162 ]

وإنما لقب بالمهدي رجاء أن يكون الموعود به في الاحاديث فلم يكن به، وإن اشتركا في الاسم فقد افترقا في الفعل، ذاك يأتي في آخر الزمان عند فساد الدنيا فيملا الارض عدلا كما ملئت جورا وظلما. وقد قيل إن في أيامه ينزل عيسى بن مريم بدمشق كما سيأتي ذلك في أحاديث الفتن والملاحم. وقد جاء في حديث من طريق عثمان بن عفان: أن المهدي من بني العباس، وجاء موقوفا على ابن عباس وكعب الاحبار ولا يصح، وبتقدير صحة ذلك لا يلزم أن يكون على التعيين، وقد ورد في حديث آخر أن المهدي من ولد فاطمة فهو يعارض هذا والله أعلم. وأم المهدي بن المنصور أم موسى بنت منصور بن عبد الله الحميري. روى عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر ببسم الله الرحمن الرحيم ". رواه عنه يحيى بن حمزة النهشلي قاضي دمشق، وذكر أنه صلى خلف المهدي حين قدم دمشق فجهر في السورتين بالبسملة، وأسند ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه غير واحد عن يحيى بن حمزة، ورواه المهدي عن المبارك بن فضالة، ورواه عنه أيضا جعفر بن سليمان الضبعي، ومحمد بن عبد الله الرقاشي، وأبو سفيان سعيد بن يحيى بن مهدي. وكان مولد المهدي في سنة ست أو سبع وعشرين ومائة، أو في سنة إحدى وعشرين ومائة ولي الخلافة بعد موت أبيه في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وعمره إذ ذاك ثلاث وثلاثون سنة، ولد بالحميمة من أرض البلقاء، وتوفي في المحرم من هذه السنة أعني سنة تسع وستين ومائة عن ثلاث أو ثمان وأربعين سنة، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا وبعض شهر، وكان أسمر طويلا جعد الشعر، على إحدى عينيه نكتة بيضاء، قيل على عينه اليمنى، وقيل اليسرى. قال الربيع الحاجب: رأيت المهدي يصلي في ليلة مقمرة في بهو له عليه ثياب حسنة، فما أدري هو أحسن أم القمر، أم بهوه، أم ثيابه. فقرأ (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم) [ محمد: 22 ] الآية. ثم أمرني فأحضرت رجلا من أقاربه كما مسجونا فأطلقه (1). ولما جاء خبر موت أبيه بمكة كما تقدم، كتم الامر يومين ثم نودي في الناس يوم الخميس الصلاة جامعة، فقام فيهم خطيبا فأعلمهم موت أبيه وقال: إن أمير المؤمنين دعي فأجاب فعند الله أحتسب أمير المؤمنين وأستعينه على خلافة المسلمين. ثم بايعه الناس بالخلافة يومئذ. وقد عزاه أبو دلامة وهنأه في قصيدة له يقول فيها: عيناي واحدة ترى مسرورة * بأميرها جذلا وأخرى تذرف تبكي وتضحك تارة ويسوءها * ما أنكرت ويسرها ما تعرف فيسوءها موت الخليفة محرما * ويسرها أن قام هذا الارأف ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى * شعرا أرجله وآخر ينتف هلك الخليفة يال أمة أحمد * وأتاكم من بعده من يخلف أهدى لهذا الله فضل خلافة * ولذاك جنات النعيم تزخرف


(1) وهو موسى بن جعفر - انظر الطبري 10 / 15 وابن الاثير 6 / 85. (*)

[ 163 ]

وقد قال المهدي يوما في خطبة: أيها الناس أسروا مثلما تعلنون من طاعتنا تهنكم العافية، وتحمدوا العاقبة، واخفضوا جناح الطاعة لمن ينشر معدلته فيكم، ويطوي ثوب الاصر عنكم. وأهال عليكم السلامة ولين المعيشة من حيث أراه الله، مقدما ذلك على فعل من تقدمه، والله لاعفين عمري من عقوبتكم، ولاحملن نفسي على الاحسان إليكم. قال: فأشرقت وجوه الناس من حسن كلامه. ثم استخرج حواصل أبيه من الذهب والفضة التي كانت لا تحد ولا توصف كثرة، ففرقها في الناس، ولم يعط أهله ومواليه منها شيئا، بل أجرى لهم أرزاقا بحسب كفايتهم من بيت المال، لكل واحد خمسمائة في الشهر غير الاعطيات. وقد كان أبوه حريصا على توفير بيت المال، وإنما كان ينفق في السنة ألفي درهم من مال السراة. وأمر المهدي ببناء مسجد الرصافة وعمل خندق وسور حولها، وبني مدنا ذكرناها فيما تقدم. وذكر له عن شريك بن عبد الله القاضي أنه لا يرى الصلاة خلفه، فأحضره فتكلم معه ثم قال له المهدي في جملة كلامه: يا بن الزانية ! فقال له شريك: مه مه يا أمير المؤمنين فلقد كانت صوامة قوامة. فقال له. يا زنديق لاقتلنك. فضحك شريك، فقال: يا أمير المؤمنين إن للزنادقة علامات وذكروا أنه هاجت ريح شديدة، فدخل المهدي بيتا في داره فألزق خده بالتراب وقال: اللهم إن كنت أنا المطلوب بهذه العقوبة دون الناس فها أنا ذا بين يديك، اللهم لا تشمت بي الاعداء من أهل الاديان. فلم يزل كذلك حتى انجلت. ودخل عليه رجل يوما ومعه نعل فقال: هذه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهديتها لك. فقال: هاتها، فناوله إياها، فقبلها ووضعها على عينيه وأمر له بعشرة آلاف درهم. فلما انصرف الرجل قال المهدي: والله إني لاعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير هذه النعل، فضلا عن أن يلبسها، ولكن لو رددته لذهب يقول للناس: أهديت إليه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها علي، فتصدقه الناس، لان العامة تميل إلى أمثالها، ومن شأنهم نصر الضعيف على القوي وإن كان ظالما، فاشترينا لسانه بعشرة آلاف درهم، ورأينا هذا أرجح وأصلح. واشتهر عنه أنه كان يحب اللعب بالحمام والسباق بينها، فدخل عليه جماعة من المحدثين فيهم عتاب بن إبراهيم فحدثه بحديث أبي هريرة: " لا سبق إلا في خف أو نعل أو حافر ". وزاد في الحديث " أو جناح " فأمر له بعشرة آلاف. ولما خرج قال: والله إني لاعلم أن عتابا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر بالحمام فذبح ولم يذكر عتابا بعدها. وقال الواقدي: دخلت على المهدي يوما فحدثته بأحاديث فكتبها عني ثم قام فدخل بيوت نسائه ثم خرج وهو ممتلئ غيظا فقلت: مالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: دخلت على الخيزران فقامت إلي ومزقت ثوبي وقالت: ما رأيت منك خيرا، وإني والله يا واقدي إنما اشتريتها من نخاس، وقد نالت عندي ما نالت، وقد بايعت لو لديها بأمرة المؤمنين من بعدي. فقلت: يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنهن يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام ". وقال: " خيركم خيركم

[ 164 ]

لاهله وأنا خيركم لاهله، وقد خلقت المرأة من ضلع أعوج إن قومته كسرته " (1). وحدثته في هذا الباب بكلام حضرني. فأمر لي بألفي دينار، فلما وافيت المنزل إذا رسول الخيزران قد لحقني بألفي دينار إلا عشرة دنانير، وإذا معه أثواب أخر، وبعثت تشكرني وتثني علي معروفا. وذكروا أن المهدي كان قد أهدر دم رجل من أهل الكوفة وجعل لمن جاء به مائة ألف، فدخل الرجل بغداد متنكرا فلقيه رجل فأخذ بمجامع ثوبه ونادى: هذا طلبة أمير المؤمنين. وجعل الرجل يريد أن ينفلت منه فلا يقدر، فبينا هما، يتجاذبان وقد اجتمع الناس عليهما، إذ مر أمير في موكبه - وهو معن بن زائدة (2) - فقال الرجل ! يا أبا الوليد خائف مستجير. فقال معن: ويلك مالك وله ؟ فقال هذا طلبة أمير المؤمنين، جعل لمن جاء به مائة ألف. قال معن: أما علمت أني قد أجرته ؟ أرسله من يدك. ثم أمر بعض غلمانه فترجل وأركبه وذهب به إلى منزله، وانطلق ذلك الرجل إلى باب الخليفة وأنهى إليهم الخبر، فبلغ المهدي فأرسل إلى معن فدخل عليه فسلم فلم يرد عليه السلام وقال: يا معن أبلغ من أمرك أن تجير علي ؟ قال: نعم، قال: ونعم أيضا ! قال: نعم ! قد قتلت في دولتكم أربعة آلاف مصل فلا يجار لي رجل واحد ؟ فأطرق المهدي ثم رفع رأسه إليه وقال: قد أجرنا من أجرت يا معن. فقال: يا أمير المؤمنين إن الرجل ضعيف، فأمر له بثلاثين ألفا. فقال: إن جريمته عظيمة وإن جوائز الخلفاء على قدر جرائم الرعية. فأمر له بمائة ألف، فحملت بين يدي معن إلى ذلك الرجل، فقال له معن: خذ المال وادع لامير المؤمنين وأصلح نيتك في المستقبل. وقدم المهدي مرة البصرة فخرج ليصلي بالناس فجاء أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين مر هؤلاء فلينتظروني حتى أتوضأ - يعني المؤذنين - فأمرهم بانتظاره، ووقف المهدي في المحراب لم يكبر حتى قيل له هذا الاعرابي قد جاء. فكبر، فتعجب الناس من سماحة أخلاقه. وقدم أعرابي ومعه كتاب مختوم فجعل يقول: هذا كتاب أمير المؤمنين إلي، أين الرجل الذي يقال له الربيع الحاجب ؟ فأخذ الكتاب وجاء به إلى الخليفة وأوقف الاعرابي وفتح الكتاب فإذا هو قطعة أديم فيها كتابة ضعيفة، والاعرابي يزعم أن هذا خط الخليفة، فتبسم المهدي وقال: صدق الاعرابي، هذا خطي، إني خرجت يوما إلى الصيد فضعت عن الجيش وأقبل الليل فتعوذت بتعويذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع لي نار من بعيد فقصدتها فإذا هذا الشيخ وامرأته في خباء يوقدان نارا، فسلمت عليهما فردا السلام وفرش لي كساء وسقاني مذقة من لبن مشوب بماء، فما شربت شيئا إلا وهي أطيب منه، ونمت نومة على تلك العباءة ما أذكر أني نمت أحلى منها. فقام إلى شويهة له فذبحها فسمعت امرأته تقول له: عمدت إلى مكسبك ومعيشة أولادك


(1) أخرجه ابن ماجه في النكاح (50) والدارمي في النكاح (55). (2) تقدم أن معن بن زائدة قد قتله الخوارج بسجستان سنة 152، وقيل سنة إحدى وخمسين ومائة إن صح وفاته فيكون اقحام اسمه سهوا من الناسخ، فابن خلكان ذكر وفاته سنة اثنتين وخمسين ومائة أيضا وسيذكره المؤلف فيمن توفي من الاعيان - انظر حواديث سنة 182 ه‍. (*)

[ 165 ]

فذبحتها، هلكت نفسك وعيالك. فما التفت إليها، واستيقظت فاشتويت من لحم تلك الشويهة وقلت له: أعندك شئ أكتب لك فيه كتابا ؟ فأتاني بهذه القطعة فكتبت له بعود من ذلك الرماد خمسمائة ألف، وإنما أردت خمسين ألفا، والله لانفذنها له كلها ولو لم يكن في بيت المال سواها. فأمر له بخمسمائة ألف فقبضها الاعرابي واستمر مقيما في ذلك الموضع في طريق الحاج من ناحية الانبار، فجعل يقري الضيف ومن مر به من الناس، فعرف منزله بمنزل مضيف أمير المؤمنين المهدي. وعن سوار - صاحب رحبة سوار - قال: انصرفت يوما من عند المهدي فجئت منزلي فوضع لي الغداء فلم تقبل نفسي عليه، فدخلت خلوتي لانام في القائلة فلم يأخذني نوم، فاستدعيت بعض حظاياي لا تلهى بها فلم تنبسط نفسي إليها، فنهضت فخرجت من المنزل وركبت بغلتي فما جاوزت الدار إلا قليلا حتى لقيني رجل ومعه ألفا درهم، فقلت: من أين هذه ؟ فقال: من ملك الجديد. فاستصحبته معي وسرت في أزقة بغداد لا تشاغل عما أنا فيه من الضجر، فحانت صلاة العصر عند مسجد في بعض الحارات، فنزلت لاصلي فيه، فلما قضيت الصلاة إذا برجل أعمى قد أخذ بثيابي فقال: إن لي إليك حاجة، فقلت: وما حاجتك ؟ فقال: إني رجل ضرير ولكنني لما شممت رائحة طيبك ظننت أنك من أهل النعمة والثروة، فأحببت أن أفضي إليك بحاجتي. فقلت: وما هي ؟ فقال: إن هذا القصر الذي تجاه المسجد كان لابي فسافر منه إلى خراسان فباعه وأخذني معه وأنا صغير، فافترقنا هناك وأصابني أنا الضرر، فرجعنا إلى بغداد بعد أن مات أبي، فجئت إلى صاحب هذا القصر أطلب منه شيئا أتبلغ به لعلي أجتمع بسوار، فإنه كان صاحبا لابي، فلعله أن يكون عنده سعة يجود منها علي. فقلت: ومن أبوك ؟ فذكر رجلا كان أصحب الناس إلي، فقلت: إني أنا سوار صاحب أبيك، وقد منعني الله يومك هذا النوم والقرار والاكل والراحة حتى أخرجني من منزلي لاجتمع بك، وأجلسني بين يديك، وأمرت وكيلي فدفع له الالفي الدرهم التي معه، وقلت له: إذا كان الغد فأت منزلي في مكان كذا وكذا. وركبت فجئت دار الخلافة وقلت: ما أتحف المهدي الليلة في السمر بأغرب من هذا. فلما قصصت عليه القصة تعجب من ذلك جدا وأمر لذلك الاعمى بألفي دينار، وقال لي: هل عليك دين ؟ قلت: نعم ! قال: كم ؟ قلت: خمسون ألف دينار. فسكت وحادثني ساعة ثم لما قمت من بين يديه فوصلت إلى المنزل إذا الحمالون قد سبقوني بخمسين ألف دينار وألفي دينار للاعمي، فانتظرت الاعمى أن يجئ في ذلك اليوم فتأخر فلما أمسيت عدت إلى المهدي فقال: قد فكرت في أمرك فوجدتك إذا قضيت دينك لم يبق معك شئ، وقد أمرت لك بخمسين ألف دينار أخرى. فلما كان اليوم الثالث جاءني الاعمى فقلت: قد رزقني الله بسببك خيرا كثيرا، ودفعت له الالفي الدينار التي من عند الخليفة وزدته ألفي دينار من عندي أيضا. ووقفت امرأة للمهدي فقالت: يا عصبة رسول الله اقض حاجتي. فقال المهدي: ما سمعتها من أحد غيرها، اقضوا حاجتها واعطوها عشرة آلاف درهم. ودخل ابن الخياط على المهدي فامتدحه

[ 166 ]

فأمر له بخمسين ألف درهم ففرقها ابن الخياط وأنشأ يقول: أخذت (1) بكفي كفه أبتغي الغنى * ولم أدر أن الجود من كفه يعدي فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى * أفدت، وأعداني فبددت (2) ما عندي قال: فبلغ ذلك المهدي فأعطاه بدل كل درهم دينارا. وبالجملة فإن للمهدي مآثر ومحاسن كثيرة، وقد كانت وفاته بما سبذان، كان قد خرج إليها ليبعث إلى ابنه الهادي ليحضر إليه من جرجان حتى يخلعه من ولاية العهد ويجعله بعد هارون الرشيد، فامتنع الهادي من ذلك، فركب المهدي إليه قاصدا إحضاره، فلما كان بماسبذان مات بها. وكان قد رأى في النوم وهو بقصره ببغداد - المسمى بقصر السلامة - كأن شيخا وقف بباب القصر، ويقال إنه سمع هاتفا يقول: كأني بهذا القصر قد باد أهله * وأوحش منه ربعه ومنازله وصار عميد القوم من بعد بهجة * وملك إلى قبر عليه جنادله ولم يبق إلا ذكره وحديثه * تنادي عليه معولات حلائله فما عاش بعدها إلا عشرا حتى مات. وروي أنه لما قال له الهاتف: كأني بهذا القصر قد باد أهله * وقد درست أعلامه ومنازله فأجابه المهدي: كذاك أمور الناس يبلى جديدها * وكل فتى يوما ستبلى فعائله فقال الهاتف: تزود من الدنيا فإنك ميت * وإنك مسؤول فما أنت قائله فأجابه المهدي: أقول بأن الله حق شهدته * وذلك قول ليس تحصى فضائله فقال الهاتف: تزود من الدنيا فإنك راحل * وقد أزف الامر الذي بك نازل فأجابه المهدي: متى ذاك خبرني هديت فإنني * سأفعل ما قد قلت لي وأعاجله فقال الهاتف: تلبث ثلاثا بعد عشرين ليلة * إلى منتهى شهر وما أنت كامله


(1) في وفيات الاعيان 4 / 401: لمست. (2) في الوفيات: فضيعت. (*)

[ 167 ]

قالوا: فلم يعش بعدها إلا تسعا وعشرين يوما حتي مات رحمه الله تعالى. وقد ذكر ابن جرير اختلافا في سبب موته، فقيل إنه ساق خلف ظبي والكلاب بين يديه فدخل الظبي إلى خربة فدخلت الكلاب وراءه وجاء الفرس فحمل بمشواره فدخل الخربة فكسر ظهره، وكانت وفاته بسبب ذلك. وقيل إن بعض حظاياه بعثت إلى أخرى لبنا مسموما فمر الرسول بالمهدي فأكل منه فمات. وقيل بل بعثت إليها بصينية فيها الكمثري وفي أعلاها واحدة كبيرة مسمومة وكان المهدي يعجبه الكمثري، فمرت به الجارية ومعها تلك الصينية فأخذ التي في أعلاها فأكلها فمات من ساعته، فجعلت الحظية تندبه وتقول: واأمير المؤمنيناه، أردت أن يكون لي وحدي فقتلته بيدي. وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة - أعني سنة تسع وستين ومائة - وله من العمر ثلاث وأربعون سنة على المشهور، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا وكسورا، ورثاه الشعراء بمراثي كثيرة قد ذكرها ابن جرير وابن عساكر. وفيها توفي عبيد الله بن إياد (1)، ونافع بن عمر الجمحي (2)، ونافع بن أبي نعيم القارئ (3). خلافة موسى الهادي بن المهدي توفي أبوه في المحرم من أول سنة تسع وستين ومائة وكان ولي العهد من بعد أبيه، وكان أبوه قد عزم قبل موته على تقديم أخيه الرشيد عليه في ولاية العهد، فلم يتفق ذلك حتى مات المهدي بماسبذان. وكان الهادي إذ ذاك بجرجان، فهم بعض الدولة منهم الربيع الحاجب وطائفة من القواد على تقديم الرشيد عليه والمبايعة له، وكان الرشيد حاضرا ببغداد، عزموا على النفقة على الجند لذلك تنفيذا لما رآه المهدي من ذلك. فأسرع الهادي السير من جرجان إلى بغداد حين بلغه الخبر، فساق منها إليها في عشرين يوما، فدخل بغداد وقام في الناس خطيبا، وأخذ البيعة منهم فبايعوه، وتغيب الربيع الحاجب فتطلبه الهادي حتى حضر بين يديه، فعفا عنه وأحسن إليه وأقره على حجو بيته، وزاده الوزارة وولايات أخر. وشرع الهادي في تطلب الزنادقة من الآفاق فقتل منهم طائفة كثيرة، واقتدى في ذلك


(1) من شذرات الذهب 1 / 270 وفي الاصل زياد وهو تحريف. وهو عبيد الله بن إياد بن لقيط الكوفي كان عريف قومه بني سدوس. قال في المغني: ثقة. (2) وهو نافع بن عمر الجمحي القرشي المكي، محدث مكة حافظ ثبت. قال صاحب المغني: حجة وقال أحمد: ثقة ثبت. وقال ابن سعد: ثقة فيه شئ. (3) وهو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي بالولاء المدني أحد القراء السبعة أصله من أصبهان انتهت إليه رئاسة القراءة في المدينة، أقرأ الناس دهرا طويلا، وكان أسود اللون حالكا صبيح الوجه حسن الخلق. قال فيه ابن مجاهد: كان عالما بوجوه القراءات متبعا لآثار الائمة الماضين ببلده. وقال أحمد: كانت تؤخذ عنه القراءة وليس بشئ في الحديث. (*)

[ 168 ]

أبيه، وقد كان موسى الهادي من أفكه الناس مع أصحابه في الخلوة، فإذا جلس في مقام الخلافة كانوا لا يستطيعون النظر إليه، لما يعلوه من المهابة والرياسة، وكان شابا حسنا وقورا مهيبا. وفيها - أعني سنة تسع وستين ومائة - خرج بالمدينة الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وذلك أنه أصبح يوما وقد لبس البياض وجلس في المسجد النبوي، وجاء الناس إلى الصلاة فلما رأوه ولوا راجعين، والتف عليه جماعة فبايعوه على الكتاب والسنة والرضى من أهل البيت. وكان سبب خروجه أن متوليها خرج منها إلى بغداد ليهنئ الخليفة بالولاية ويعزيه في أبيه. ثم جرت أمور اقتضت خروجه، والتف عليه جماعة وجعلوا مأواهم المسجد النبوي، ومنعوا الناس من الصلاة فيه، ولم يجبه أهل المدينة إلى ما أراده، بل جعلوا يدعون عليه لانتهاكه المسجد، حتى ذكر أنهم كانوا يقذرون في جنبات المسجد، وقد اقتتلوا مع المسودة مرات فقتل من هؤلاء وهؤلاء. ثم ارتحل إلى مكة فأقام بها إلى زمن الحج، فبعث إليه الهادي جيشا فقاتلوه بعد فراغ الناس من الموسم فقتلوه وقتلوا طائفة من أصحابه، وهرب بقيتهم وتفرقوا شذر مذر. فكان مدة خروجه إلى أن قتل تسعة أشهر وثمانية عشر يوما، وقد كان كريما من أجود الناس. دخل يوما على المهدي فأطلق له أربعين ألف دينار ففرقها في أهله وأصدقائه من أهل بغداد والكوفة، ثم خرج من الكوفة وما عليه قميص، إنما كان عليه فروة وليس تحتها قميص. وفيها حج بالناس سليمان بن أبي جعفر عم الخليفة. وغزا الصائفة من طريق درب الراهب معتوق (1) بن يحيى في جحفل كثيف، وقد أقبلت الروم مع بطريقها فبلغوا الحدث. وفيها توفي الحسين بن علي بن حسن بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب قتل في أيام التشريق (1) كما تقدم. والربيع بن يونس الحاجب مولى المنصور، وكان حاجبه ووزيره، وقد وزر للمهدي والهادي، وكان بعضهم يطعن في نسبه. وقد أورد الخطيب في ترجمته حديثا من طريقه ولكنه منكر، وفي صحته عنه نظر. وقد ولي الحجوبية بعده ولده الفضل بن الربيع، ولاه إياها الهادي. ثم دخلت سنة سبعين ومائة من الهجرة النبوية وفيها عزم الهادي على خلع أخيه هارون الرشيد من الخلافة وولاية العهد لابنه جعفر بن الهادي فانقاد هارون لذلك ولم يظهر منازعة بل أجاب، واستدعى الهادي جماعة من الامراء فأجابوه إلى ذلك، وأبت ذلك أمهما الخيزران، وكانت تميل إلى ابنها هارون أكثر من موسى، وكان الهادي قد منعها من التصرف في شئ من المملكة لذلك، بعد ما كانت قد استحوذت عليه في أول ولايته، وانقلبت الدول


(1) في الطبري 10 / 32 وابن الاثير 6 / 94: معيوف. (2) في الطبري وابن الاثير: يوم التروية. وانظر مروج الذهب 3 / 400. (*)

[ 169 ]

إلى بابها والامراء إلى جنابها، فحلف الهادي لئن عاد أمير إلى بابها ليضربن عنقه ولا يقبل منه شفاعة، فامتنعت من الكلام في ذلك، وحلفت لا تكلمه أبدا، وانتقلت عنه إلى منزل آخر. وألح هو على أخيه هارون في الخلع وبعث إلى يحيى بن خالد بن برمك - وكان من أكابر الامراء الذين هم في صف الرشيد - فقال له: ماذا ترى فيما أريد من خلع هارون وتولية ابني جعفر ؟ فقال له خالد: إني أخشى أن تهون الايمان على الناس، ولكن المصلحة تقتضي أن تجعل جعفرا ولي العهد من بعد هارون، وأيضا فإني أخشى أن لا يجيب أكثر الناس إلى البيعة لجعفر، لانه دون البلوغ، فيتفاقم الامر ويختلف الناس. فأطرق مليا - وكان ذلك ليلا - ثم أمر بسجنه ثم أطلقه. وجاء يوما إليه أخوه هارون الرشيد فجلس عن يمينه بعيدا، فجعل الهادي ينظر إليه مليا ثم قال: يا هارون ! تطمع أن تكون وليا للعهد حقا ؟ فقال: إي والله، ولئن كان ذلك لاصلن من قطعت، ولانصفن من ظلمت، ولازوجن بنيك من بناتي. فقال ذاك الظن بك. فقام إليه هارون ليقبل يده فحلف الهادي ليجلس معه على السرير فجلس معه، ثم أمر له بألف ألف دينار، وأن يدخل الخزائن فيأخذ منها ما أراد، وإذا جاء الخراج دفع إليه نصفه. ففعل ذلك كله ورضي الهادي عن الرشيد. ثم سافر الهادي إلى حديثة الموصل بعد الصلح، ثم عاد منها فمات بعيساباذ ليلة الجمعة للنصف من ربيع الاول (1)، وقيل لآخر سنة سبعين ومائة، وله من العمر ثلاث وعشرون سنة (2)، وكانت خلافته ستة أشهر (3) وثلاثة وعشرون يوما. وكان طويلا جميلا، أبيض، بشفته العليا تقلص. وقد توفي هذه الليلة خليفة وهو الهادي، وولي خليفة وهو الرشيد، وولد خليفة وهو المأمون بن الرشيد. وقد قالت الخيزران أمهما في أول الليل: إنه بلغني أن يولد خليفة ويموت خليفة ويولى خليفة. يقال إنها سمعت ذلك من الاوزاعي قبل ذلك بمدة، وقد سرها ذلك جدا. ويقال: إنها سمت ولدها الهادي خوفا منه على ابنها الرشيد، ولانه كان قد أبعدها وأقصاها وقرب حظيته خالصة وأدناها فالله أعلم. وهذا ذكر شئ من ترجمة الهادي هو موسى بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أبو محمد


(1) في الطبري 10 / 38: ليلة الجمعة لاربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول. وفي مروج الذهب 3 / 397: لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الاول. (2) اختلف في عمره يوم توفي: قيل اربع وعشرين سنة وقيل ثمان وعشرين سنة وقيل ستا وعشرين سنة (انظر الطبري وابن الاثير حوادث سنة 170 - ومروج الذهب - والاخبار الطوال ص 386. وابن الاعثم 8 / 243). (3) في مدة خلافته اختلاف انظر مروج الذهب 3 / 397. ابن الاثير 6 / 101 الطبري 10 / 38 ابن الاعثم 8 / 243 الاخبار الطوال ص 386. (*)

[ 170 ]

الهادي. ولي الخلافة في محرم سنة تسع وستين ومائة. ومات في النصف من ربيع الاول أو الآخر سنة سبعين ومائة، وله من العمر ثلاث، وقيل أربع، وقيل ست وعشرون سنة، والصحيح الاول، ويقال إنه لم يل الخلافة أحد قبله في سنه، وكان حسنا جميلا طويلا، أبيض، وكان قوي البأس يثب على الدابة وعليه درعان، وكان أبوه يسميه ريحانتي. ذكر عيسى بن دأب قال: كنت يوما عند الهادي إذ جئ بطست فيه رأس جاريتين قد ذبحا وقطعا، لم أر أحسن صورا منهما، ولا مثل شعورهما، وفي شعورهما اللآلئ والجواهر منضدة، ولا رأيت مثل طيب ريحهما. فقال لنا الخليفة: أتدرون ما شأن هاتين ؟ قلت: لا. فقال: إنه ذكر أنه تركب إحداهما الاخرى يفعلان الفاحشة، فأمرت الخادم فرصدهما ثم جاءني فقال: إنهما مجتمعتان، فجئت فوجدتهما في لحاف واحد وهما على الفاحشة، فأمرت بحز رقابهما. ثم أمر برفع رؤوسهما من بين يديه ورجع إلى حديثه الاول كأنه لم يصنع شيئا. وكان شهما خبيرا بالملك كريما، ومن كلامه: ما أصلح الملك بمثل تعجيل العقوبة للجاني، والعفو عن الزلات، ليقل الطمع عن الملك. وغضب يوما على رجل فاسترضى عنه فرضي، فشرع الرجل يعتذر فقال الهادي: إن الرضا كفاك مؤنة الاعتذار. وعزى رجلا في ولده فقال له: سرك وهو عدو وفتنة، وساءك وهو صلاة ورحمة. وروى الزبير بن بكار أن مروان بن أبي حفصة أنشد الهادي قصيدة له منها قوله: تشابه يوما بأسه ونواله * فما أحد يدري لايهما الفضل فقال له الهادي: أيما أحب إليك ؟ ثلاثون ألفا معجلة أو مائة ألف تدور في الدواوين ؟ فقال: يا أمير المؤمنين أو أحسن من ذلك ؟ قال: وما هو ؟ قال: تكون ألفا معجلة ومائة ألف تدور بالدواوين. فقال الهادي: أو أحسن من ذلك، نعجل الجميع لك. فأمر له بمائة ألف وثلاثين ألفا معجلة. قال الخطيب البغدادي: حدثني الازهري ثنا سهل بن أحمد الديباجي، ثنا الصولي، ثنا الغلابي، حدثني محمد بن عبد الرحمن التيمي المكي، حدثني المطلب بن عكاشة المزني قال: قدمنا على أبي محمد الهادي شهودا على رجل منا أنه شتم قريشا وتخطى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس لنا مجلسا أحضر فيه فقهاء أهل زمانه ومن كان بالحضرة على بابه، وأحضر الرجل وأحضرنا فشهدنا عليه بما سمعنا منه. فتغير وجه الهادي ثم نكس رأسه ثم رفعه ثم قال: إني سمعت أبي المهدي يحدث عن أبيه المنصور، عن أبيه علي بن عبد الله بن عباس قال: من أهان قريشا أهانه الله، وأنت يا عدو الله لم ترض بأن أذيت قريشا حتى تخطيت إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أضربوا عنقه. فما برحنا حتى قتل. توفي الهادي من ربيع الاول من هذه السنة، وصلى عليه أخوه هارون، ودفن في قصر بناه وسماه الابيض بعيساباذ من الجانب الشرقي من بغداد، وكان له من الولد تسعة، سبعة ذكور وابنتان، فالذكور جعفر، وعباس، وعبد الله، وإسحاق، وإسماعيل، وسليمان، وموسى الاعمى، الذي ولد بعد وفاته فسمي باسم أبيه. والبنتان هما أم عيسى التي تزوجها المأمون، وأم العباس تلقب توبة (1).


(1) في ابن الاثير 6 / 101: نونة. (*)

[ 171 ]

خلافة هارون الرشيد بن المهدي بويع له بالخلافة ليلة مات أخوه، وذلك ليلة الجمعة للنصف من ربيع الاول سنة سبعين ومائة وكان عمر الرشيد يومئذ ثنتان وعشرين سنة، فبعث إلى يحيى بن خالد بن برمك فأخرجه من السجن، وقد كان الهادي عزم تلك الليلة على قتله وقتل هارون الرشيد، وكان الرشيد ابنه من الرضاعة (1)، فولاه حينئذ الوزارة، وولى يوسف بن القاسم بن صبيح كتابة الانشاء. وكان هو الذي قام خطيبا بين يديه حتى أخذت البيعة له على المنبر بعيساباذ (2)، ويقال إنه لما مات الهادي في الليل جاء يحيى بن خالد بن برمك إلى الرشيد فوجده نائما فقال: قم يا أمير المؤمنين. فقال له الرشيد: كم تروعني، لو سمعك هذا الرجل لكان ذلك أكبر ذنوبي عنده ؟ فقال: قد مات الرجل. فجلس هارون فقال: أشر علي في الولايات، فجعل يذكر ولايات الاقاليم لرجال يسميهم فيوليهم الرشيد، فبينما هما كذلك إذ جاء آخر فقال: أبشر يا أمير المؤمنين فقد ولد لك الساعة غلام. فقال: هو عبد الله وهو المأمون. ثم أصبح فصلى على أخيه الهادي، ودفنه بعيساباذ، وحلف لا يصلي الظهر إلا ببغداد. فلما فرغ من الجنازة أمر بضرب عنق أبي عصمة القائد لانه كان مع جعفر بن الهادي، فزاحموا الرشيد على جسر فقال أبو عصمة: اصبر وقف حتى يجوز ولي العهد. فقال الرشيد: السمع والطاعة للامير. فجاز جعفر وأبو عصمة ووقف الرشيد مكسورا ذليلا. فلما ولي أمر بضرب عنق أبي عصمة، ثم سار إلى بغداد. فلما انتهى إلى جسر بغداد استدعى بالغواصين فقال إني سقط مني ههنا خاتم كان والدي المهدي قد اشتراه لي بمائة ألف، فلما كان من أيام بعث إلى الهادي يطلبه فألقيته إلى الرسول فسقط ههنا. فغاص الغواصون وراءه فوجدوه فسر به الرشيد سرورا كثيرا. ولما ولى الرشيد يحيى بن خالد الوزارة قال له: قد فوضت إليك أمر الرعية وخلعت ذلك من عنقي وجعلته في عنقك، فول من رأيت واعزل من رأيت. ففي ذلك يقول إبراهيم بن الموصلي: ألم تر أن الشمس كانت سقيمة * فلما ولي هارون أشرق نورها بيمن أمين هارون ذي الندي * فهارون واليها ويحيى وزيرها ثم إن هارون أمر يحيى بن خالد أن لا يقطع أمرا بمشاورة والدته الخيزران. فكانت هي المشاورة في الامور كلها، فتبرم وتحل وتمضي وتحكم. وفيها أمر الرشيد بسهم ذوي القربى أن يقسم بين بني هاشم على السواء. وفيها تتبع الرشيد خلقا من الزنادقة فقتل منهم طائفة كثيرة. وفيها خرج عليه بعض أهل البيت. وفيها ولد الامين


(1) كان مولد الفضل بن يحيى قبله بسبعة أيام فجعلت أم الفضل زينب بنت منير ترضع الرشيد بلبان الفضل والخيزران أم الرشيد ترضع الفضل من لبان الرشيد (الطبري - ابن الاثير). (2) نص خطبته في الطبري 10 / 49. (*)

[ 172 ]

محمد بن الرشيد ابن زبيدة. وذلك يوم الجمعة لست (1) عشرة ليلة خلت من شوال من هذه السنة. وفيها كمل بناء مدينة طرسوس على يدي فرج الخادم التركي ونزلها الناس. وفيها حج بالناس أمير المؤمنين الرشيد، وأعطى أهل الحرمين أموالا كثيرة، ويقال إنه غزا في هذه السنة أيضا. وفي ذلك يقول داود بن رزين الشاعر: بهارون لاح النور في كل بلدة * وقام به في عدل سيرته النهج إمام بذات الله أصبح شغله * وأكثر ما يعنى به الغزو والحج تضيق عيون الناس عن نور وجهه * إذا ما بدا للناس منظره البلج وإن أمين الله هارون ذا الندا * ينيل الذي يرجوه أضعاف ما يرجو وغزا الصائفة فيها سليمان بن عبد الله البكائي. ذكر من توفي فيها من الاعيان الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدي، ويقال الفرهودي الازدي، شيخ النحاة، وعنه أخذ سيبويه والنضر بن شميل، وغير واحد من أكابرهم، وهو الذي اخترع علم العروض. قسمه إلى خمس دوائر وفرعه إلى خمسة عشر بحرا، وزاد الاخفش فيه بحرا آخر وهو الخبب، وقد قال بعض الشعراء: قد كان شعر الورى صحيحا * من قبل أن يخلق الخليل وقد كان له معرفة بعلم النغم، وله فيه تصنيف أيضا، وله كتاب العين في اللغة، ابتدأه وأكمله النضر بن شميل وأضرابه من أصحاب الخليل، كمؤرج السدوسي، ونصر بن علي الجهضمي. فلم يناسبوا ما وضعه الخليل. وقد وضع ابن درستويه كتابا وصف فيه ما وقع لهم من الخلل فأفاد. وقد كان الخليل رجلا صالحا عاقلا وقورا كاملا، وكان متقللا من الدنيا جدا، صبورا على خشونة العيش وضيقه، وكان يقول: لا يجاوز همي ما وراء بابي، وكان ظريفا حسن الخلق، وذكر أنه اشتغل رجل عليه في العروض وكان بعيد الذهن فيه. قال: فقلت له يوما: كيف تقطع هذا البيت ؟ إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع فشرع معي في تقطيعه على قدر معرفته، ثم إنه نهض من عندي فلم يعد إلي، وكأنه فهم ما أشرت إليه. ويقال إنه لم يسم أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأحمد سوى أبيه. روى ذلك عن أحمد بن أبي خيثمة والله أعلم. ولد الخليل سنة مائة من الهجرة، ومات بالبصرة سنة سبعين ومائة على المشهور، وقيل سنة


(1) في الطبري 10 / 50: لثلاث. (*)

[ 173 ]

ستين، وزعم ابن الجوزي في كتابه شذور العقود أنه توفي سنة ثلاثين ومائة، وهذا غريب جدا والمشهور الاول. وفيها توقي الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي (1) مولاهم، المصري المؤدب راوية الشافعي، وآخر من روى عنه. وكان رجلا صالحا تفرس فيه الشافعي وفي البويطي والمزني وابن عبد الحكم العلم فوافق ذلك ما وقع في نفس الامر ومن شعر الربيع هذا: صبرا جميلا ما أسرع الفرجا * من صدق الله في الامور نجا من خشي الله لم ينله أذى * ومن رجا الله كان حيث رجا فأما الربيع بن سليمان بن داود الجيزي فإنه روى عن الشافعي أيضا. وقد مات في سنة ست وخمسين ومائتين والله أعلم. ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة فيها أضاف الرشيد الخاتم إلى يحيى بن خالد مع الوزارة. وفيها قتل الرشيد أبا هريرة محمد بن فروخ نائب الجزيرة صبرا في قصر الخلد بين يديه. وفيها خرج الفضل بن سعيد الحروري فقتل. وفيها قدم روح بن حاتم نائب إفريقية. وفيها خرجت الخيزران إلى مكة فأقامت بها إلى أن شهدت الحج، وكان الذي حج بالناس فيها عبد الصمد بن علي عم الخلفاء. ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين ومائة فيها وضع الرشيد عن أهل العراق العشر الذي كان يؤخذ منهم بعد النصف. وفيها خرج الرشيد من بغداد يرتاد له موضعا يسكنه غير بغداد فتشوش فرجع. وفيها حج بالناس يعقوب بن أبي جعفر المنصور عم الرشيد. وفيها غزا الصائفة إسحاق بن سليمان بن علي. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة فيها توفي بالبصرة محمد بن سليمان فأمر الرشيد بالاحتياط على حواصله التي تصلح للخلفاء،


(1) المرادي: نسبة إلى مراد وهي قبيلة كبيرة باليمن. قال في وفيات الاعيان 2 / 292: مات سنة سبعين ومائتين بمصر، ولعل اسمه وقع سهوا هنا. فالربيع بن يونس وزير الهادي كان قد مات سنة 170 (انظر وفيات الاعيان 2 / 299 ومروج الذهب 3 / 400 وقال الطبري مات سنة تسع وستين ومائة). (*)

[ 174 ]

فوجدوا من ذلك شيئا كثيرا من الذهب والفضة والامتعة وغير ذلك، فنضدوه ليستعان بن على الحرب وعلى مصالح المسلمين. وهو محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وأمه أم حسن بنت جعفر بن حسن بن حسن بن علي، وكان من رجالات قريش وشجعانهم. جمع له المنصور بين البصرة والكوفة، وزوجه المهدي ابنته العباسة، وكان له من الاموال شئ كثير، كان دخله في كل يوم مائة ألف. وكان له خاتم من ياقوت أحمر لم ير مثله. وروى الحديث عن أبيه عن جده الاكبر، وهو حديث مرفوع في مسح رأس اليتيم إلى مقدم رأسه، ومسح رأس من له أب إلى مؤخر رأسه. وقد وفد على الرشيد فهناه بالخلافة فأكرمه وعظمه وزاده في عمله شيئا كثيرا. ولما أراد الخروج خرج معه الرشيد يشيعه إلى كلواذا. توفي في جمادي الآخرة من هذه السنة عن إحدى وخمسين سنة، وقد أرسل الرشيد من اصطفى من ماله الصامت فوجد له من الذهب ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الدراهم ستة آلاف ألف، خارجا عن الاملاك. وقد ذكر ابن جرير أن وفاته ووفاة الخيزران في يوم واحد، وقد وقفت جارية من جواريه على قبره فأنشأت تقول: أمسى التراب لمن هويت مبيتا * الق التراب فقل له حييتا إنا نحبك يا تراب وما بنا * إلا كرامة من عليه حثيتا وفيها توفيت الخيزران جارية المهدي وأم أمير المؤمنين الهادي والرشيد، اشتراها المهدي وحظيت عنده جدا ثم أعتقها وتزوجها وولدت له خليفتين: موسى الهادي والرشيد. ولم يتفق هذا لغيرها من النساء إلا الولادة بنت العباس العبسية، زوجة عبد الملك بن مروان، وهي أم الوليد وسليمان. وكذلك لشاه فرند بنت فيروز بن يزدجرد، ولدت لمولاها الوليد بن عبد الملك: يزيد (1) وإبراهيم. وكلاهما ولي الخلافة. وقد روي من طريق الخيزران عن مولاها المهدي عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من اتقى الله وقاه كل شئ ". ولما عرضت الخيزران على المهدي ليشتريها أعجبته إلا دقة في ساقيها، فقال لها: يا جارية إنك لعلى غاية المنى والجمال لو لا دقة ساقيك وخموشهما. فقالت: يا أمير المؤمنين إنك أحوج ما تكون إليهما لا تراهما فاستحسن جوابها واشتراها وحظيت عنده جدا. وقد حجت الخيزران مرة في حياة المهدي فكتب إليها وهي بمكة يستوحش لها ويتشوق إليها بهذا الشعر: نحن في غاية السرور ولكن * ليس إلا بكم يتم السرور عيب ما نحن فيه يا أهل ودي * أنكم غيب ونحن حضور فأجدوا في السير بل إن قدرتم * أن تطيروا مع الرياح فطيروا


(1) في الاصل مروان وهو تحريف والصواب ما أثبتناه، وانظر حاشية 1 ص 18. (*)

[ 175 ]

فأجابته أو أمرت من أجابه: قد أتانا الذي وصفت من الشو * ق فكدنا وما قدرنا نظير ليت أن الرياح كن يؤدين * ما قد يكن الضمير لم أزل صبة فإن كنت بعدي * في سرور فدام ذاك السرور وذكروا أنه أهدى إليها محمد بن سليمان نائب البصرة الذي مات في اليوم الذي ماتت فيه مائة وصيفة، مع كل وصيفة جام من فضة مملوء مسكا. فكتبت إليه: إن كان ما بعثته ثمنا عن ظننا فيك فظننا فيك أكثر مما بعثت، وقد بخستنا في الثمن، وإن كنت تريد به زيادة المودة فقد اتهمتني في المودة. وردت ذلك عليه. وقد اشترت الدار المشهورة بها بمكة المعروفة بدار الخيزران، فزادتها في المسجد الحرام. وكان مغل ضياعها في كل سنة ألف (1) ألف وستين ألفا، واتفق موتها ببغداد ليلة الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة. وخرج ابنها الرشيد في جنازتها وهو حامل سريرها يخب في الطين. فلما انتهى إلى المقبرة أتي بماء فغسل رجليه ولبس خفا وصلى عليها، ونزل لحدها. فلما خرج من القبر أتي بسرير فجلس عليه واستدعى بالفضل بن الربيع فولاه الخانم والنفقات. وأنشد الرشيد قول ابن نويرة حين دفن أمه الخيزران: وكنا كندماني جذيمة برهة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وفيها توفيت: غادر: جارية كانت لموسى الهادي، كان يحبها حبا شديدا جدا، وكانت تحسن الغناء جدا، فبينما هي يوما تغنيه إذ أخذته فكرة غيبته عنها وتغير لونه، فسأله بعض الحاضرين: ما هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال: أخذتني فكرة أني أموت وأخي هارون يتولى الخلافة بعدي ويتزوج جاريتي هذه. ففداه الحاضرون ودعوا له بطول العمر. ثم استدعى أخاه هارون فأخبره بما وقع فعوذه الرشيد من ذلك، فاستحلفه الهادي بالايمان المغلظة من الطلاق والعتاق والحج ماشيا حافيا أن لا يتزوجها، فحلف له واستحلف الجارية كذلك فحلفت له، فلم يكن إلا أقل من شهرين حتى مات، ثم خطبها الرشيد فقالت: كيف بالايمان التي حلفناها أنا وأنت ؟ فقال: إني أكفر عني وعنك. فتزوجها وحظيت عنده جدا، حتى كانت تنام في حجره فلا يتحرك خشية أن يزعجها. فبينما هي ذات ليلة نائمة إذ انتبهت مذعورة تبكي، فقال لها: ما شأنك ؟ فقالت: يا أمير المؤمنين رأيت الهادي في منامي هذا وهو يقول:


(1) في مروج الذهب 3 / 413: مائة ألف ألف وستين ألف درهم. (*)

[ 176 ]

أخلفت عهدي بعد ما * جاورت سكان المقابر ونسيتني وحنثت في * أيمانك الكذب الفواجر ونكحت غادرة أخي * صدق الذي سماك غادر أمسيت في أهل البلى * وعددت في الموتى الغوابر لا يهنك الالف الجدي‍ * د ولا تدر عنك الدوائر ولحقت بي قبل الصبا * ح وصرت حيث غدوت صائر فقال لها الرشيد: أضغاث أحلام. فقالت: كلا والله يا أمير المؤمنين، فكأنما كتبت هذه الابيات في قلبي. ثم ما زالت ترتعد وتضطرب حتى ماتت قبل الصباح. وفيها ماتت: هيلانة جارية الرشيد، وهو الذي سماها هيلانة لكثرة قولها هي لانه. قال الاصمعي: وكان لها محبا، وكانت قبله لخالد بن يحيى بن برمك، فدخل الرشيد يوما منزله قبل الخلافة فاعترضته في طريقه وقالت: أما لنا منك نصيب ؟ فقال: وكيف السبيل إلى ذلك ؟ فقالت: استوهبني من هذا الشيخ. فاستوهبها من يحيى بن خالد فوهبها له وحظيت عنده، ومكثت عنده ثلاث سنين ثم توفيت فحزن عليها حزنا شديدا ورثاها وكان من قوله فيها: قد قلت لما ضمنوك الثرى * وجالت الحسرة في صدري اذهب فلاق الله لا سرني * بعدك شئ آخر الدهر وقال العباس بن الاحنف في موتها: يا من تباشرت القبور بموتها * قصد الزمان مساءتي فرماك أبغي الانيس فما أرى لي مؤنسا * إلا التردد حيث كنت أراك قال: فأمر له الرشيد بأربعين ألفا، لكل بيت عشرة آلاف، فالله أعلم. ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة من الهجرة فيها وقعت عصبية بالشام وتخبيط من أهلها. وفيها استقضى الرشيد يوسف ابن القاضي أبي يوسف وأبوه حي. وفيها غزا الصائفة عبد الملك بن صالح فدخل بلاد الروم. وفيها حج بالناس الرشيد، فلما اقترب من مكة بلغه أن فيها وباء فلم يدخل مكة حتى كان وقت الوقوف وقف ثم جاء المزدلفة ثم منى ثم دخل مكة فطاف وسعى ثم ارتحل ولم ينزل بها.

[ 177 ]

ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة فيها أخذ الرشيد بولاية العهد من بعده لولده محمد بن زبيدة وسماه الامين، وعمره إذ ذاك خمس سنين، فقال في ذلك سلم الخاسر: قد وفق الله الخليفة إذ بنى * بيت الخلافة للهجان الازهر فهو الخليفة عن أبيه وجده * شهدا عليه بمنظر وبمخبر قد بايع الثقلان في مهد الهدى * لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر وقد كان الرشيد يتوسم النجابة والرجاحة في عبد الله المأمون، ويقول: والله إن فيه حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة نفس الهادي. ولو شئت أن أقول الرابعة مني لقلت، وإني لاقدم محمد بن زبيدة وإني لاعلم أنه متبع هواه ولكن لا أستطيع غير ذلك. ثم أنشأ يقول: لقد بان وجه الرأي لي غير أنني * غلبت على الامر الذي كان أحزما وكيف يرد الدر في الضرع بعدما * نوزع حتى صار نهبا مقسما أخاف التواء الامر بعد استوائه * وأن ينقض الامر الذي كان أبرما وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح، في قول الواقدي. وحج بالناس الرشيد. وفيها سار يحيى بن عبد الله بن حسن إلى الديلم وتحرك هناك. وفيها توفي من الاعيان: شعوانة العابدة الزاهدة كانت أمة سوداء كثيرة العبادة روي عنها كلمات حسان، وقد سألها الفضيل بن عياض الدعاء فقالت: أما بينك وبينه ما إن دعوته استجاب لك ؟ فشهق الفضيل ووقع مغشيا عليه. وفيها توفي: الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم قال ابن خلكان: كان مولى قيس بن رفاعة وهو مولى عبد الرحمن بن مسافر الفهمي، كان الليث إمام الديار المصرية بلا مدافعة، وولد بقرقشندة من بلاد مصر سنة أربع وتسعين. وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة، ونشأ بالديار المصرية. وقال ابن خلكان: أصله من قلقشندة (1) وضبطه بلامين الثانية متحركة. وحكى عن بعضهم أنه كان جيد الذهن، وأنه ولي القضاء بمصر فلم يحمدوا


(1) قلقشندة: قرية من قرى الوجه البحري من القاهرة، بينها وبين القاهرة مقدار ثلاثة فراسخ وقرقشندة: قرية بأسفل مصر بالريف ولد بها الليث بن سعد، وأهل بيته يقولون إن أصله من الفرس من أهل أصبهان (معجم البلدان 4 / 327). (*)

[ 178 ]

ذهنه بعد ذلك، ولد سنة أربع وعشرين ومائة، وذلك غريب جدا. وذكروا أنه كان يدخله من ملكه في كل سنة آلاف دينار. وقال آخرون: كان يدخله من الغلة في كل سنة ثمانون ألف دينار، وما وجبت عليه زكاة، وكان إماما في الفقه والحديث والعربية. قال الشافعي: كان الليث أفقه من مالك إلا أنه ضيعه أصحابه. وبعث إليه مالك يستهديه شيئا من العصفر لاجل جهاز ابنته، فبعث إليه بثلاثين حملا، فاستعمل منه مالك حاجته وباع منه بخمسمائة دينار، وبقييت عنده منه بقية. وحج مرة فأهدى له مالك طبقا فيه رطب فرد الطبق وفيه ألف دينار. وكان يهب للرجل من أصحابه من العلماء الالف دينار وما يقارب ذلك. وكان يخرج إلى الاسكندرية في البحر هو وأصحابه في مركب ومطبخه في مركب. ومناقبه كثيرة جدا. وحكى ابن خلكان أنه سمع قائلا يقول يوم مات الليث: ذهب الليث فلا ليث لكم * ومضى العلم غريبا وقبر فالتفتوا فلم يروا أحدا. وفيها توفي: المنذر بن عبد الله بن المنذر القرشي، عرض عليه المهدي أن يلي القضاء ويعطيه من بيت المال مائة ألف درهم، فقال: إني عاهدت الله أن لامألي شيئا، وأعيذ أمير المؤمنين بالله أن أخيس بعهدي. فقال له المهدي: الله ؟ قال: الله. قال: انطلق فقد أعفيتك. ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة فيها كان ظهور يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ببلاد الديلم، واتبعه خلق كثير وجم غفير، وقويت شوكته، وارتحل إليه الناس من الكور والامصار، فانزعج لذلك الرشيد وقلق من أمره، فندب إليه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في خمسين ألفا، وولاه كور الجبل والري وجرجان وطبرستان وقومس وغير ذلك. فسار الفضل بن يحيى إلى تلك الناحية في أبهة عظيمة، وكتب الرشيد تلحقه مع البرد في كل منزلة، وأنواع التحف والبر، وكاتب الرشيد صاحب الديلم ووعده بألف ألف درهم إن هو سهل خروج يحيى إليهم، وكتب الفضل إلى يحيى بن عبد الله يعده ويمنيه ويؤمله ويرجيه، وأنه إن خرج إليه أن يقيم له العذر عند الرشيد. فامتنع يحيى أن يخرج إليهم حتى يكتب له الرشيد كتاب أمان بيده. فكتب الفضل إلى الرشيد بذلك ففرح الرشيد ووقع منه موقعا عظيما. وكتب الامان بيده وأشهد عليه القضاة والفقهاء ومشيخة بني هاشم، منهم عبد الصمد بن علي (1)، وبعث الامان وأرسل معه جوائز وتحفا كثيرة إليهم، ليدفعوا ذلك جميعه إليه.


(1) وذكر الطبري منهم: والعباس بن محمد ومحمد بن ابراهيم وموسى بن عيسى 10 / 55. (*)

[ 179 ]

ففعلوا وسلمه إليه فدخلوا به بغداد، وتلقاه الرشيد وأكرمه وأجزل له في العطاء، وخدمه آل برمك خدمة عظيمة، بحيث أن يحيى بن خالد كان يقول: خدمته بنفسي وولدي: وعظم الفضل عند الرشيد جدا بهذه الفعلة حيث سعى بالصلح بين العباسيين والفاطميين، ففي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة يمدح الفضل بن يحيى ويشكره على صنيعه هذا: ظفرت فلا شلت يد برمكية * رتقت بها الفتق الذي بين هاشم على حين أعيا الراتقين التئامه * فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم فأصحبت قد فازت يداك بخطة * من المجد باق ذكرها في المواسم وما زال قدح الملك يخرج فائزا * لكم كلما ضمت قداح المساهم قالوا: ثم إن الرشيد تنكر ليحيى بن عبد الله بن حسن وتغير عليه، ويقال: إنه سجنه ثم استحضره وعنده جماعات من الهاشميين، وأحضر الامان الذي بعث به إليه فسأل الرشيد محمد بن الحسن عن هذا الامان أصحيح هو ؟ قال: نعم ! فتغيظ الرشيد عليه. وقال أبو البختري: ليس هذا الامان بشئ فأحكم فيه بما شئت، ومزق الامان. وبصق فيه أبو البختري، وأقبل الرشيد على يحيى (1) ابن عبد الله فقال: هيه هيه، وهو يبسم تبسم الغضب، وقال: إن الناس يزعمون أنا سممناك. فقال يحيى: يا أمير المؤمنين إن لنا قرابة ورحما وحقا، فعلام تعذبني وتحبسني ؟ فرق له الرشيد، فاعترض بكار (2) بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين لا يغرنك هذا الكلام من هذا، فإنه عاص شاق، وإنما هذا منه مكر وخبث. وقد أفسد علينا مدينتنا وأظهر فيها العصيان فقال له يحيى: ومن أنتم عافاكم الله ؟ وإنما هاجر أبوك إلى المدينة بآبائي وآباء هذا ثم قال يحيى: يا أمير المؤمنين لقد جاءني هذا حين قتل أخي محمد بن عبد الله فقال: لعن الله قاتله، وأنشدني فيه نحوا من عشرين بيتا، وقال لي، إن تحركت إلى هذا الامر فأنا من يبايعك، وما يمنعك أن تلحق بالبصرة وأيدينا معك ؟ قال: فتغير وجه الرشيد ووجه الزبيري وأنكر وشرع يحلف بالايمان المغلظة إنه لكاذب في ذلك، وتحير الرشيد. ثم قال ليحيى: أتحفظ شيئا من المرثية ؟ قال: نعم. وأنشده منها جانبا (3). فازداد الزبيري في الانكار، فقال له يحيى بن عبد الله، فقل: إن كنت كاذبا فقد برئت من حول الله وقوته، ووكلني الله إلى حولي وقوتي. فامتنع من الحلف بذلك، فعزم عليه الرشيد وتغيظ عليه، فحلف بذلك


(1) في مروج الذهب 3 / 417: ذكره وسماه موسى بن عبد الله، ثم قال: وقيل إن صاحب هذا الخبر هو يحيى بن عبد الله. (2) في الطبري 10 / 56: بكار بن عبد الله مصعب (انظر مورج الذهب 3 / 417 وفيه: عبد الله بن مصعب). (3) في مروج الذهب 3 / 417 ذكر منها: قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا * إن الخلافة فيكم يا بني حسن في شعر طويل. (*)

[ 180 ]

فما كان إلا أن خرج من عند الرشيد فرماه الله بالفالج فمات من ساعته. ويقال إن امرأته غمت وجهه بمخدة فقتله الله. ثم إن الرشيد أطلق يحيى بن عبد الله وأطلق له مائة ألف دينار، ويقال إنما حبسه بعض يوم وقيل ثلاثة أيام. وكان جملة ما وصله من المال من الرشيد أربعمائة ألف دينار من بيت المال، وعاش بعد ذلك كله شهرا واحدا ثم مات رحمه الله (1). وفيها وقعت فتنة عظيمة بالشام بين النزارية، وهم قيس، واليمانية وهم يمن، وهذا كان أول بدو أمر العشيرتين بحوران، وهم قيس ويمن، أعادوا ما كانوا عليه في الجاهلية في هذا الآن. وقتل منهم في هذه السنة بشر كثير. وكان على نيابة الشام كلها من جهة الرشيد ابن عمه موسى بن عيسى، وقيل عبد الصمد بن علي فالله أعلم. وكان على نيابة دمشق بخصوصها سندي بن سهل أحد موالي جعفر المنصور، وقد هدم سور دمشق حين ثارت الفتنة خوفا من أن يتغلب عليها أبو الهيذام المزي (2) رأس القيسية، وقد كان مزي هذا دميم الخلق. قال الجاحظ: وكان لا يحلف المكاري ولا الملاح ولا الحائك، ويقول: القول قولهم، ويستخير الله في الحمال ومعلم الكتاب. وقد توفي سنة أربع ومائتين (3). فلما تفاقم الامر بعث الرشيد من جهته موسى بن يحيى بن خالد ومعه جماعة من القواد ورؤوس الكتاب، فأصلحوا بين الناس وهدأت الفتنة واستقام أمر الرعية، وحملوا جماعات من رؤوس الفتنة إلى الرشيد فرد أمرهم إلى يحيى بن خالد فعفا عنهم وأطلقهم، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: قد هاجت الشام هيجا * يشيب رأس وليده فصب موسى عليها * بخيله وجنوده فدانت الشام لما * أتى بسنح وحيده هذا الجواد الذي ب‍ * ذ كل جود بجوده أعداه جود أبيه * يحيى وجود جدوده فجاد موسى بن يحيى * بطارف وتليده ونال موسى ذرى المج‍ * د وهو حشو مهوده خصصته بمديحي * منثوره وقصيده


(1) في الفخري ص 195: قتل يحيى في الحبس شر قتلة، وفي مروج الذهب 3 / 419: ألقي في بركة فيها سباع ف‍ جوعت فامسكت عن أكله فبني عليه ركن بالجص والحجر وهو حي. (2) واسمه عامر بن عمارة بن خريم الناعم بن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان المري أحد فرسان العرب المشهورين. (3) في ابن الاثير 6 / 133: مات أبو الهيذام سنة اثنتين وثمانين ومائة. (*)

[ 181 ]

من البرامك عودا * له فأكرم بعوده حووا على الشعر طرا * خفيفه ومديده وفيها عزل الرشيد الغظريف بن عطاء عن خراسان وولاها حمزة بن مالك بن الهيثم الخزاعي الملقب بالعروس. وفيها ولى الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد نيابة مصر، فاستناب عليها جعفر عمر بن مهران، وكان ردئ الخلق ردئ الشكل زمن الكف أحول، وكان سبب ولايته إياها أن نائبها موسى بن عيسى كان قد عزم على خلع الرشيد. فقال الرشيد: والله لاعزلنه ولاولين عليها أحسن (1) الناس. فاستدعى عمر بن مهران هذا فولاه عليها عن نائبه جعفر بن يحيى البرمكي. فسار إليها على بغل وغلامه أبو درة على بغل آخر، فدخلها كذلك فانتهى إلى مجلس نائبها موسى بن عيسى فجلس في أخريات الناس، فلما انفض الناس أقبل عليه موسى بن عيسى وهو لا يعرف من هو، فقال: ألك حاجة يا شيخ ؟ قال: نعم أصلح الله الامير. ثم دفع الكتب إليه فلما قرأها قال: أنت عمر بن مهران ؟ قال: نعم ! قال: لعن الله فرعون حين قال: (أليس لي ملك مصر) [ الزخرف: 51 ] ثم سلم إليه العمل وارتحل منها، وأقبل عمر بن مهران على عمله، وكان لا يقبل شيئا من الهدايا إلا ما كان ذهبا أو فضة أو قماشا، ثم يكتب على كل هدية اسم مهديها، ثم يطالب بالخراج ويلح في طلبه عليهم، وكان بعضهم يماطله به، فأقسم لا يماطله أحد إلا فعل به وفعل. فجمع من ذلك شيئا كثيرا، وكان يبعث ما جمعه إلى بغداد، ومن ما طله بعثه إلى بغداد. فتأدب الناس معه. ثم جاءهم القسط الثاني فعجز كثير منهم عن الاداء فجعل يستحضر ما كانوا أدوه إليه من الهدايا، فإن كان نقدا أداه عنهم، وإن كان برا باعه وأداه عنهم، وقال لهم: إني إنما ادخرت هذا لكم إلى وقت حاجتكم. ثم أكمل استخراج جميع الخراج بديار مصر ولم يفعل ذلك أحد قبله، ثم انصرف عنها لانه كان قد شرط على الرشيد أنه إذا مهد البلاد وجبى الخراج، فذاك إذنه في الانصراف. ولم يكن معه بالديار المصرية جيش ولا غيره سوى مولاه أبو درة وحاجبه، وهو منفذ أموره. وفيها غزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك ففتح حصنا. وفيها حجت زبيدة زوجة الرشيد ومعها أخوها، وكان أمير الحج سليمان بن أبي جعفر المنصور عم الرشيد. وفيها توفي: إبراهيم بن صالح ابن علي بن عبد الله بن عباس، كان أميرا على مصر، توفي في شعبان. وإبراهيم بن هرمة كان شاعرا. وهو إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة أبو إسحاق الفهري المدني، وفد على المنصور في وفد أهل المدينة حين استوفدهم عليه، فجلسوا إلى ستر دون المنصور، يرى الناس من ورائه ولا يرونه، وأبو الخصيب الحاجب واقف يقول: يا أمير المؤمنين هذا فلان الخطيب، فيأمره فيخطب،


(1) في الطبري 10 / 61 وابن الاثير 6 / 126: أخس وهو أصوب. (*)

[ 182 ]

ويقول: هذا فلان الشاعر فيأمره فينشد. حتى كان من آخرهم ابن هرمة هذا، فسمعته يقول: لا مرحبا ولا أهلا ولا أنعم الله بك عينا. قال: فقلت: هلكت، ثم استنشدني فأنشدته قصديتي التي أقول فيها: سرى ثوبه عند الصبا المتجابل (1) * وقرب للبين الخليط المزايل حتى انتهيت إلى قولي: فأما الذي أمنته يأمن الردى * وأما الذي حاولت بالثكل ثاكل قال: فأمر برفع الحجاب فإذا وجهه كأنه فلقة قمر، فاستنشدني بقية القصيدة وأمر لي بالقرب بين يديه، والجلوس إليه، ثم قال: ويحك يا إبراهيم ! لولا ذنوب بلغتني عنك لفضلتك على أصحابك، فقلت: يا أمير المؤمنين كل ذنب بلغك عني لم تعف عنه فأنا مقر به. قال: فتناول المخصرة فضربني بها ضربتين وأمر لي بعشرة آلاف وخلعة وعفا عني وألحقني بنظرائي. وكان من جملة ما نقم المنصور عليه قوله: ومهما الام (2) على حبهم * فإني أحب بني فاطمه بني بنت من جاء بالمحكما * ت وبالدين وبالسنة القائمة فلست أبالي بحبي لهم * سواهم من النعم السائمة قال الاخفش. قال لنا ثعلب قال الاصمعي: ختمت الشعراء بابن هرمة. ذكر وفاته في هذه السنة أبو الفرج ابن الجوزي (3). وفيها توفي الجراح بن مليح والد وكيع بن الجراح، وسعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن جميل أبو عبد الله المديني، ولي قضاء بغداد سبع عشرة سنة لعسكر المهدي، وثقه ابن معين وغيره. وفيها توفي: صالح بن بشير المري أحد العباد والزهاد، كان كثير البكاء وكان يعظ فيحضر مجلسه سفيان الثوري وغيره من العلماء، ويقول: سفيان هذا نذير قوم، وقد استدعاه المهدي ليحضر عنده فجاء إليه راكبا على حمار فدنا من بساط الخليفة وهو راكب فأمر الخليفة ابنيه - وليي العهد من بعده موسى الهادي وهارون


(1) كذا بالاصل ولعل فيه تحريفا. (2) لم يجزم الفعل هنا، وهو شاذ لضرورات الشعر. (3) في خزانة الادب 1 / 425: مات في خلافة الرشيد بعد الخمسين ومائة تقريبا. وقال في الذريعة 1 / 314: وفي سنتي ولادته ووفاته خلاف. (*)

[ 183 ]

الرشيد - أن يقوما إليه لينزلاه عن دابته، فابتدراه فأنزلاه، فأقبل صالح على نفسه فقال: لقد خبت وخسرت إن أنا داهنت ولم اصدع بالحق في هذا اليوم، وفي هذا المقام. ثم جلس إلى المهدي فوعظه موعظة بليغة حتى أبكاه، ثم قال له: اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خصم من خالفه في أمته، ومن كان محمد خصمه كان الله خصمه، فأعد لمخاصمة الله ومخاصمة رسوله حججا تضمن لك النجاة، وإلا فاستسلم للهلكة، واعلم أن أبطا الصرعى نهضة صريع هوى بدعته، وأعلم أن الله قاهر فوق عباده، وأن أثبت الناس قدما آخذهم بكتاب الله وسنة رسوله، وكلام طويل. فبكى المهدي وأمر بكتابة ذلك الكلام في دواوينه. وفيها توفي عبد الملك بن محمد بن محمد بن أبي بكر عمرو بن حزم قدم قاضيا بالعراق. وفرج بن فضالة التنوخي الحمصي، كان على بيت المال ببغداد في خلافة الرشيد، فتوفي في هذه السنة، وكان مولده سنة ثمان وثمانين فمات وله ثمان وثمانون سنة. ومن مناقبه أن المنصور دخل يوما إلى قصر الذهب فقام الناس إلا فرج بن فضالة فقال له وقد غضب عليه: لم لم تقم ؟ قال: خفت أن سيألني الله عن ذلك ويسألك لم رضيت بذلك، وقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم القيام للناس. قال: فبكى المنصور وقربه وقضى حوائجه. والمسيب بن زهير بن عمرو أبو سلمة الضبي، كان والي الشرطة ببغداد في أيام المنصور والمهدي والرشيد، وولي خراسان مرة للمهدي. عاش ستا وتسعين سنة. والوضاح بن عبد الله أبو عوانة السري مولاهم، كان من أئمة المشايخ في الرواية. توفي في هذه السنة وقد جاوز الثمانين. ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة فيها عزل الرشيد جعفر البرمكي عن مصر وولى عليها إسحاق بن سليمان، وعزل حمزة بن مالك عن خراسان وولى عليها الفضل بن يحيى البرمكي مضافا إلى ما كان بيده من الاعمال بالري وسجستان وغير ذلك. وذكر الواقدي أنه أصاب الناس ريح شديدة وظلمة في أواخر المحرم من هذه السنة، وكذلك في أواخر صفر منها. وفيها حج بالناس الرشيد وفيها توفي (شريك بن عبد الله) القاضي الكوفي النخعي، سمع أبا إسحاق وغير واحد، وكان مشكورا في حكمه وتنفيذ الاحكام، وكان لا يجلس للحكم حتى يتغدى ثم يخرج ورقة من خفه فينظر فيها ثم يأمر بتقديم الخصومة إليه، فحرص بعض أصحابه على قراءة ما في تلك الورقة فإذا فيها يا شريك بن عبد الله اذكر الصراط وحدته يا شريك بن عبد الله اذكر الموقف بين يدي الله عز وجل. كانت وفاته يوم السبت مستهل ذي القعدة منها. وفيها توفي عبد الواحد بن زيد، ومحمد بن مسلم وموسى بن أعين.

[ 184 ]

ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة فيها وثبت طائفة من الحوفية (1) من قيس وقضاعة على عامل مصر إسحاق بن سليمان فقاتلوه وجرت فتنة عظيمة فبعث الرشيد هرثمة بن أعين نائب فلسطين في خلق من الامراء مددا لاسحاق، فقاتلوهم حتى أذعنوا بالطاعة وأدوا ما عليهم من الخراج والوظائف، واستمر هرثمة نائبا على مصر نحوا من شهر عوضا عن إسحاق بن سليمان، ثم عزله الرشيد عنها وولى عليها عبد الملك بن صالح. وفيها وثبت طائفة من أهل إفريقية فقتلوا الفضل بن روح بن حاتم وأخرجوا من كان بها من آل المهلب، فبعث إليهم الرشيد هرثمة فرجعوا إلى الطاعة على يديه. وفيها فوض الرشيد أمور الخلافة كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك. وفيها خرج الوليد بن طريف بالجزيرة وحكم بها وقتل خلقا من أهلها، ثم مضى منها إلى أرمينية فكان من أمره ما سنذكره. وفيها سار الفضل بن يحيى إلى خراسان فأحسن السيرة فيها وبنى فيها الربط والمساجد، وغزا ما وراء النهر، واتخذ بها جندا من العجم سماهم العباسية، وجعل ولاءهم له، وكانوا نحوا من خمسمائة ألف، وبعث منهم نحوا من عشرين ألفا إلى بغداد، فكانوا يعرفون بها بالكرمينية (2)، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة: ما الفضل إلا شهاب لا أفول له * عند الحروب إذا ما تأفل الشهب حمام على ملك غر سهمهم * من الوراثة في أيديهم سبب أمست يد لبني ساقي الحجيج بها * كتائب ما لها في غيرهم أرب كتائب لبني العباس قد عرفت * ما ألف الفضل منها العجم والعرب أثبت خمس مئين في عدادهم * من الالوف التي أحصت لها الكتب يقارعون عن القوم الذين هم * أولى بأحمد في الفرقان إن نسبوا إن الجواد ابن يحيى الفضل لاورق * يبقى على جود كفيه ولا ذهب ما مر يوم له مذ شد مئزره * إلا تمول أقوام بما يهب كم غاية في الندى والبأس أحرزها * للطالبين مداها دونها تعب يعطي النهي (3) حين لا يعطي الجواد ولا * ينبو إذا سلت الهندية القضب ولا الرضى والرضى لله غايته * إلى سوى الحق يدعوه ولا الغضب قد فاض عرفك حتى ما يعادله * غيث ولا بحر له حدب وكان قد أنشده قبل خروجه إلى خراسان:


(1) وكان سبب ذلك أن اسحاق زاد على المزارعين في الخراج - ما كان يقبله غيره من الامراء - زيادة أجحفت بهم فخرج عليه أهل الحوف مطالبين برد الخراج إلى سابق عهده. (2) في الطبري 10 / 63: الكرنبية. (3) في الطبري: اللهى. (*)

[ 185 ]

ألم تر أن الجود من يد (1) آدم * تحدر حتى صار في راحة الفضل إذا ما أبو العباس سحت (2) سماؤه * فيا لك من هطل ويا لك من ويل وقال فيه أيضا: إذا أم طفل راعها جوع طفلها * دعته باسم الفضل فاعتصم الطفل ليحيى بك الاسلام إنك عزه * وإنك من قوم صغيرهم كهل قال فأمر له بمائة ألف درهم. ذكره ابن جرير. وقال سلم الخاسر فيهم أيضا: وكيف تخاف من بؤس بدار * يجاورها (3) البرامكة البحور وقوم منهم الفضل بن يحيى * نفير ما يوازنه نفير له يومان يوم ندى وبأس * كأن الدهر بينهما أسير إذا ما البرمكي غدا ابن عشر * فهمته أمير أو وزير وقد اتفق للفضل في هذه السفرة إلى خراسان أشياء غريبة، وفتح بلادا كثيرة، منها كابل وما وراء النهر، وقهر ملك الترك وكان ممتنعا، وأطلق أموالا جزيلة جدا، ثم قفل راجعا إلى بغداد، فلما اقترب منها خرج الرشيد ووجوه الناس إليه، وقدم عليه الشعراء والخطباء وأكابر الناس، فجعل يطلق الالف ألف، والخمسمائة ألف ونحوها، وأنفذ في ذلك من الاحوال شيئا كثيرا لا يمكن حصره إلا بتعب وكلفة، وقد دخل عليه بعض الشعراء (4) والبدر موضوعة بين يديه وهي تفرق على الناس فقال: كفى الله بالفضل بن يحى بن خالد * وجود يديه بخل كل بخيل فأمر له بمال جزيل. وغزا الصائفة في هذه السنة معاوية بن زفر بن عاصم. وغزا الشاتية سليمان بن راشد. وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس نائب مكة. وفيها توفي جعفر بن سليمان، وعنتر بن القاسم، وعبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم القاضي ببغداد، وصلى عليه الرشيد ودفن بها، وقد قيل إنه مات في التي قبلها فالله أعلم.


(1) في الطبري: لدن. (2) في الطبري: راحت. (3) في الطبري: تكنفها. (4) ذكره الطبري 10 / 65: حفص بن مسلم. (*)

[ 186 ]

ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة فيها كان قدوم الفضل بن يحيى من خراسان وقد استخلف عليها عمر بن جميل (1)، فولى الرشيد عليها منصور بن يزيد بن منصور الحميري. وفيها عزل الرشيد (2) خالد بن برمك عن الحجوبة وردها إلى الفضل بن الربيع. وفيها خرج بخراسان حمزة بن أترك السجستاني، وكان من أمره ما سيأتي طرف منه. وفيها رجع الوليد بن طريف الشاري إلى الجزيرة واشتدت شوكته وكثر أتباعه، فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فراوغه حتى قتله وتفرق أصحابه، فقالت الفارعة في أخيها الوليد بن طريف ترثيه: أيا شجر الخابور ما لك مورقا * كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يحب الزاد الا من التقى * ولا المال إلا من قنا وسيوف وفيها خرج الرشيد معتمرا من بغداد شكرا لله عز وجل، فلما قضى عمرته أقام بالمدينة حتى حج بالناس في هذه السنة، فمشى من مكة إلى منى ثم إلى عرفات، وشهد المشاهد والمشاعر كلها ماشيا، ثم انصرف إلى بغداد على طريق البصرة. وفيها توفي: إسماعيل بن محمد ابن يزيد بن ربيعة أبو هاشم الحميري الملقب بالسيد، كان من الشعراء المشهورين المبرزين فيه، ولكنه كان رافضيا خبيثا، وشيعيا غثيثا، وكان ممن يشرب الخمر ويقول بالرجعة - أي بالدور - قال يوما لرجل: أقرضني دينارا ولك عندي مائة دينار إذا رجعنا إلى الدنيا. فقال له الرجل: إني أخشى أن تعود كلبا أو خنزيرا فيذهب ديناري. وكان قبحه الله يسب الصحابة في شعره. قال الاصمعي: ولو لا ذلك ما قدمت عليه أحدا في طبقته، ولا سيما الشيخين وابنيهما. وقد أورد ابن الجوزي شيئا من شعره في ذلك كرهت أن أذكره لبشاعته وشناعته، وقد اسود وجهه عند الموت وأصابه كرب شديد جدا. ولما مات لم يدفنوه لسبه الصحابة رضي الله عنهم. وفيها توفي: حماد بن زيد أحد أئمة الحديث. وخالد بن عبد الله أحد الصلحاء، كان من سادات المسلمين، اشترى


(1) في الطبري 1 / 65: عمرو بن شرحبيل. (2) في الطبري: عزل الرشيد محمد بن خالد بن برمك، والمشهور أن خالد والده كان قد مات سنة خمس وستين ومائة (انظر شذرات الذهب 1 / 261). (*)

[ 187 ]

نفسه من الله أربع مرات. ومالك بن أنس الامام، والهقل بن زياد صاحب الاوزاعي، وأبو الاحوص. وكلهم قد ذكرناهم في التكميل. والامام مالك هو أشهرهم وهو أحد الائمة الاربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فهو مالك بن أنس بن مالك بن عامر بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيلان بن حشد بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح الحميري، أبو عبد الله المدني إمام دار الهجرة في زمانه، روى مالك عن غير واحد من التابعين (1)، وحدث عنه خلق من الائمة، منهم السفيانان، وشعبة، وابن المبارك، والاوزاعي، وابن مهدي وابن جريج والليث والشافعي والزهري شيخه، ويحيى بن سعيد الانصاري وهو شيخه، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن يحيى الاندلسي، ويحيى بن يحيى النيسابوري. قال البخاري: أصح الاسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال سفيان بن عيينة: ما كان أشد انتقاده للرجال. وقال يحيى بن معين: كل من روى عنه مالك فهو ثقة، إلا أبا أمية. وقال غير واحد: هو أثبت أصحاب نافع والزهري. وقال الشافعي: إذا جاء الحديث فمالك النجم. وقال: من أراد الحديث فهو عيال على مالك. ومناقبه كثيرة جدا، وثناء الائمة عليه أكثر من أن يحصر في هذا المكان. قال أبو مصعب: سمعت مالكا يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك. وكان إذا أراد أن يحدث تنظف وتطيب وسرح لحيته ولبس أحسن ثيابه، وكان يلبس حسنا. وكان نقش خاتمه حسبي الله ونعم الوكيل، وكان إذا دخل منزله قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وكان منزله مبسوطا بأنواع المفارش. ومن وقت خروج محمد بن عبد الله بن حسن لزم مالك بيته فلم يكن يأتي أحدا لا لعزاء ولا لهناء، ولا يخرج لجمعة ولا لجماعة، ويقول: ما كل ما يعلم يقال، وليس كل أحد يقدر على الاعتذار ولما احتضر قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم جعل يقول: لله الامر من قبل ومن بعد، ثم قبض في ليلة أربعة عشر من صفر، وقيل من ربيع الاول من هذه السنة، وله خمس وثمانون سنة. قال الواقدي: بلغ سبعين سنة ودفن بالبقيع. وقد روى الترمذي عن سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة: " يوشك أن يضرب الناس أكباد الابل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة ". ثم قال: هذا حديث حسن. وقد روى عن ابن عيينة أنه قال: هو مالك بن أنس. وكذا قال عبد الرزاق. وعن ابن عيينة رواية أنه عبد العزيز بن عبد الله العمري. وقد ترجمه ابن خلكان في الوفيات فأطنب وأتى بفوائد جمة.


(1) حدث عن نافع والمقبري ونعيم المجمر والزهري وعامر بن عبد الله وابن المنكدر وعبد الله بن دينار (تذكرة الحفاظ 1 / 207). (*)

[ 188 ]

ثم دخلت سنة ثمانين ومائة فيها هاجت الفتنة بالشام بين النزارية واليمنية، فانزعج الرشيد لذلك فندب جعفر البرمكي إلى الشام في جماعة من الامراء والجنود، فدخل الشام فانقاد الناس له ولم يدع جعفر بالشام فرسا ولا سيفا ولا رمحا إلا استلبه من الناس، وأطفأ الله به نار تلك الفتنة. وفي ذلك يقول بعض الشعراء (1): لقد أوقدت بالشام نيران فتنة * فهذا أوان الشام تخمد نارها إذا جاش موج البحر من آل برمك * عليها خبت شهبانها وشرارها رماها أمير المؤمنين بجعفر * وفيه تلافى صدعها وانكسارها (2) رماها بميمون النقيبة ماجد * تراضى به قحطانها ونزارها ثم كر جعفر راجعا إلى بغداد بعد ما استخلف على الشام عيسى العكي، ولما قدم على الرشيد أكرمه وقربه وأدناه، وشرع جعفر يذكر كثرة وحشته له في الشام، ويحمد الله الذي من عليه برجوعه إلى أمير المؤمنين ورؤيته وجهه. وفيها ولى الرشيد جعفرا خراسان وسجستان فاستعمل على ذلك محمد بن الحسن بن قحطبة، ثم عزل الرشيد جعفرا عن خراسان بعد عشرين ليلة. وفيها هدم الرشيد سور الموصل بسبب كثرة الخوارج، وجعل الرشيد جعفرا على الحرس، ونزل الرشيد الرقة واستوطنها واستناب على بغداد ابنه الامين محمدا وولاه العراقين، وعزل هرثمة عن إفريقية واستدعاه إلى بغداد فاستنابه جعفر على الحرس. وفيها كانت بمصر زلزلة شديدة سقط منها رأس منارة الاسكندرية. وفيها خرج بالجزيرة خراشة الشيباني فقتله مسلم بن بكار بن مسلم العقيلي. وفيها ظهرت طائفة بجرجان يقال لها المحمرة لبسوا الحمرة واتبعوا رجلا يقال له عمرو بن محمد العمركي، وكان ينسب إلى الزندقة، فبعث الرشيد يأمر بقتله فقتل وأطفأ الله نارهم في ذلك الوقت. وفيها غزا الصائفة زفر بن عاصم (3). وحج بالناس موسى (4) بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وفيها كانت وفاة جماعة من الاعيان: إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الانصاري قارئ أهل المدينة ومؤدب علي بن المهدي ببغداد. وقد مات علي بن المهدي في هذه السنة أيضا. وقد ولي إمارة الحج غير مرة، وكان أسن من الرشيد بشهور.


(1) نسب الطبري الابيات إلى منصور النمري. (10 / 66) (2) في الطبري: وانجبارها. (3) في الطبري: معاوية بن زفر بن عاصم، وفي ابن الاثير، محمد بن معاوية بن زفر بن عاصم. (4) في الطبري وابن الاثير: موسى بن عيسى بن موسى. (*)

[ 189 ]

حسان بن أبي سنان ابن أبي أوفى بن عوف التنوخي الانباري، ولد سنة ستين، ورأى أنس بن مالك ودعا له فجاء من نسله قضاة ووزراء وصلحاء، وأدرك الدولتين الاموية والعباسية. وكان نصرانيا فأسلم وحسن إسلامه وكان يكتب بالعربية والفارسية والسريانية، وكان يعرب الكتب بين يدي ربيعة لما ولاه السفاح الانبار. وفيها توفي: عبد الوارث بن سعيد البيروتي أحد الثقات وعافية بن يزيد ابن قيس القاضي للمهدي على جانب بغداد الشرقي، هو وابن علاثة، وكانا يحكمان بجامع الرصافة، وكان عافية عابدا زاهدا ورعا، دخل يوم على المهدي في وقت الظهيرة فقال: يا أمير المؤمنين اعفني، فقال له المهدي: ولم أعفيك ؟ هل اعترض عليك أحد من الامراء ؟ فقال له: لا ولكن كان بين اثنين خصومة عندي فعمد أحدهما إلى رطب السكر - وكأنه سمع أني أحبه - فأهدى إلي منه طبقا لا يصلح إلا لامير المؤمنين، فرددته عليه، فلما أصبحنا: وجلسنا إلى الحكومة لم يستويا عندي في قلبي ولا نظري، بل مال قلبي إلى المهدي منهما، هذا مع أني لم أقبل منه ما أهداه فكيف لو قبلت منه ؟ فاعفني عفا الله عنك فأعفاه. وقال الاصمعي: كنت عند الرشيد يوما وعنده عافية وقد أحضره لان قوما استعدوا عليه إلى الرشيد، فجعل الرشيد يوقفه على ما قيل عنه وهو يجيب عما يسأله. وطال المجلس فعطس الخليفة فشمته الناس ولم يشمته عافية، فقال له الرشيد: لم لم تشمتني مع الناس ؟ فقال: لانك لم تحمد الله، واحتج بالحديث في ذلك. فقال له الرشيد: ارجع لعملك فوالله ما كنت لتفعل ما قيل عنك، وأنت لم تسامحني في عطسة لم أحمد الله فيها. ثم رده ردا جميلا إلى ولايته. وفيها توفي: سيبويه إمام النحاة، واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر، المعروف بسيبويه، مولى بني الحارث بن كعب، وقيل مولى آل الربيع بن زياد، وإنما سمي سيبويه لان أمه كانت ترقصه وتقول له ذلك، ومعنى سيبويه رائحة التفاح، وقد كان في ابتداء أمره يصحب أهل الحديث والفقهاء، وكان يستملي على حماد بن سلمة، فلحن يوما فرد عليه قوله فأنف من ذلك، فلزم الخليل بن أحمد فبرع في النحو، ودخل بغداد وناظر الكسائي. وكان سيبويه شابا حسنا جميلا نظيفا، وقد تعلق من كل علم بسبب، وضرب مع كل أهل أدب بسهم، مع حداثة سنه. وقد صنف في النحو كتابا لا يلحق شأوه، وشرحه أئمة النحاة بعده فانغمروا في لجج بحره، واستخرجوا من درره، ولم يبلغوا إلى قعره. وقد زعم ثعلب أنه لم ينفرد بتصنيفه، بل ساعده جماعة في تصنيفه نحوا من أربعين نفسا هو أحدهم، وهو أصول الخليل،

[ 190 ]

فادعاه سيبويه إلى نفسه. وقد استبعد ذلك السيرافي في كتاب طبقات النحاة. قال: وقد أخذ سيبويه اللغات عن أبي الخطاب والاخفش وغيرهما، وكان سيبويه يقول: سعيد بن أبي العروبة، والعروبة يوم الجمعة، وكان يقول: من قال عروبة فقد أخطأ. فذكر ذلك ليونس فقال أصاب لله دره، وقد ارتحل إلى خراسان ليحظى عند طلحة بن طاهر فإنه كان يحب النحو فمرض هناك مرضه الذي توفي فيه فتمثل عند الموت: يؤمل دنيا لتبقى له * فمات المؤمل قبل الامل يربي فسيلا ليبقى له * فعاش الفسيل ومات الرجل ويقال: إنه لما احتضر وضع رأسه في حجر أخيه فدمعت عين أخيه فاستفاق فرآه يبكي فقال: وكنا جميعا فرق الدهر بيننا * إلى الامد الاقصى فمن يأمن الدهرا قال الخطيب البغدادي: يقال إنه توفي وعمره ثنتان وثلاثون سنة. وفيها توفيت: عفيرة العابدة كانت طويلة الحزن كثيرة البكاء. قدم قريب لها من سفر فجعلت تبكي، فقيل لها في ذلك فقالت: لقد ذكرني قدوم هذا الفتى يوم القدوم على الله، فمسرور ومثبور (1). وفيها مات مسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي، كان من أهل مكة، ولقد تكلموا فيه لسوء حفظه. ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة فيها غزا الرشيد بلاد الروم فافتتح حصنا يقال له الصفصاف، فقال في ذلك مروان بن أبي حفصة: إن أمير المؤمنين المنصفا (2) * قد ترك الصفصاف قاعا صفصفا وفيها غزا عبد الملك بن صالح بلاد الروم فبلغ أنقرة وافتتح مطمورة. وفيها تغلبت المحمرة على جرجان (3). وفيها أمر الرشيد أن يكتب في صدور الرسائل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الثناء على الله عز وجل. وفيها حج بالناس الرشيد وتعجل بالنفر، وسأله يحيى بن خالد أن يعفيه من الولاية فأعفاه وأقام يحيى بمكة. وفيها توفي:


(1) مثبور: هالك أو خاسر. (2) في الطبري 10 / 69: المصطفى. (3) في ابن الاثير 6 / 159: خراسان. (*)

[ 191 ]

الحسن بن قحطبة أحد أكابر الامراء، وحمزة بن مالك، ولي إمرة خراسان في أيام الرشيد، وخلف بن خليفة شيخ الحسن بن عرفة عن مائة سنة. وعبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن المروزي، كان أبوه تركيا مولى لرجل من التجار من بني حنظلة من أهل همذان، وكان ابن المبارك إذا قدمها أحسن إلى ولد مولاهم، وكانت أمه خوارزمية، ولد لثمان عشرة ومائة، وسمع إسماعيل بن خالد، والاعمش، وهشام بن عروة، وحميد الطويل، وغيرهم من أئمة التابعين. وحدث عن خلائق من الناس، وكان موصوفا بالحفظ والنفقه والعربية والزهد والكرم والشجاعة والشعر، له التصانيف الحسان، والشعر الحسن المتضمن حكما جمة، وكان كثير الغزو والحج، وكان له رأس مال نحو أربعمائة ألف يدور يتجر به في البلدان، فحيث اجتمع بعالم أحسن إليه، وكان يربو كسبه في كل سنة على مائة ألف ينفقها كلها في أهل العبادة والزهد والعلم، وربما أنفق من رأس ماله. قال سفيان بن عيينة: نظرت في أمره وأمر الصحابة فما رأيتهم يفضلون عليه إلا في صحبتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الارض مثله، وما أعلم خصلة من الخير إلا وقد جعلها الله في ابن المبارك، ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يطعمهم الخبيص وهو الدهر صائم. وقدم مرة الرقة وبها هارون الرشيد، فلما دخلها احتفل الناس به وازدحم الناس حوله، فأشرفت أم ولد للرشيد من قصر هناك فقالت: ما للناس ؟ فقيل لها: قدم رجل من علماء خراسان يقال له عبد الله بن المبارك فانجفل الناس إليه. فقالت المرأة: هذا هو الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي (1) يجمع الناس عليه بالسوط والعصا والرغبة والرهبة. وخرج مرة إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لفته ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة، فقالت أنا وأخي هنا ليس لنا شئ إلا هذا الازار، وليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام. وكان أبونا له مال فظلم وأخذ ماله وقتل. فأمر ابن المبارك برد الاحمال وقال لوكيله: كم معك من النفقة ؟ قال: ألف دينار. فقال: عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو واعطها الباقي. فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع. وكان إذا عزم على الحج يقول لاصحابه: من عزم منكم في هذا العام على الحج فليأتني بنفقته


(1) في صفة الصفوة 4 / 137: الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان.

[ 192 ]

حتى أكون أنا أنفق عليه، فكان يأخذ منهم نفقاتهم ويكتب على كل صرة اسم صاحبها ويجمعها في صندوق، ثم يخرج بهم في أوسع ما يكون من النفقات والركوب، وحسن الخلق والتيسير عليهم، فإذا قضوا حجتهم فيقول لهم: هل أوصاكم أهلوكم بهدية، فيشتري لكل واحد منهم ما وصاه أهله من الهدايا المكية واليمنية وغيرها، فإذا جاؤوا إلى المدينة اشترى لهم منها الهدايا المدنية، فإذا رجعوا إلى بلادهم بعث من أثناء الطريق إلى بيوتهم فأصلحت وبيضت أبوابها ورمم شعثها، فإذا وصلوا إلى البلد عمل وليمة بعد قدومهم ودعاهم فأكلوا وكساهم، ثم دعا بذلك الصندوق ففتحه وأخرج منه تلك الصرر ثم يقسم عليهم أن يأخذ كل واحد نفقته التي عليها اسمه، فيأخذونها وينصرفون إلى منازلهم وهم شاكرون ناشرون لواء الثناء الجميل. وكانت سفرته تحمل على بعير وحدها، وفيها من أنواع المأكول من اللحم والدجاج والحلوى وغير ذلك، ثم يطعم الناس وهو الدهر صائم في الحر الشديد. وسأله مرة سائل فأعطاه درهما فقال له بعض أصحابه: إن هؤلاء يأكلون الشواء والفالوذج، وقد كان يكفيه قطعة. فقال: والله ما ظننت أنه يأكل إلا البقل والخبز، فأما إذا كان يأكل الفالوذج والشواء فإنه لا يكفيه درهم. ثم أمر بعض غلمانه فقال: رده وادفع إليه عشرة دراهم. وفضائله ومناقبه كثيرة جدا. قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على قبوله وجلالته وإمامته وعدله. توفي عبد الله بن المبارك بهيت (1) في هذه السنة في رمضانها عن ثلاث وستين سنة. ومفضل بن فضالة ولي قضاء مصر مرتين، وكان دينا ثقة، فسأل الله أن يذهب عنه الامل فأذهبه، فكان بعد ذلك لا يهنئه العيش ولا شئ من الدنيا، فسأل الله أن يرده عليه فرده فرجع إلى حاله. ويعقوب التائب العابد الكوفي، قال علي بن الموفق عن منصور بن عمار: خرجت ذات ليلة وأنا أظن أني قد أصبحت، فإذا علي ليل، فجلست إلى باب صغير وإذا شاب يبكي وهو يقول: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك ولكن سولت لي نفسي، وغلبتني شقوتي، وغرني سترك المرخى علي فالآن من عذابك من يستنقذني ؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك عني ؟ واسوأتاه على ما مضى من أيامي في معصية ربي، يا ويلي كم أتوب وكم أعود، قد حان لي أن أستحي من ربي عز وجل. قال منصور


(1) هيت: بكسر الهاء، مدينة على الفرات فوق الانبار من أعمال العراق، عندها كانت القوافل تقطع الفرات في طريقها بين بغداد وحلب، واشتهرت قديما بالتمر والقمح والخمر. وبالقرب منها ينابيع النفط. (*)

[ 193 ]

فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [ التحريم: 6 ] قال: فسمعت صوتا واضطرابا شديدا فذهبت لحاجتي، فلما رجعت مررت بذلك الباب فإذا جنازة موضوعة، فسألت عنه فإذا ذاك الفتى قد مات من هذه الآية. ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومائة فيها أخذ الرشيد لولده عبد الله المأمون ولاية العهد من بعد أخيه محمد الامين بن زبيدة، وذلك بالرقة بعد مرجعه من الحج، وضم ابنه المأمون إلى جعفر بن يحيى البرمكي وبعثه إلى بغداد ومعه جماعة من أهل الرشيد خدمة له، وولاه خراسان وما يتصل بها، وسماه المأمون. وفيها رجع يحيى بن خالد البرمكي من مجاورته بمكة إلى بغداد. وفيها غزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ مدينة أصحاب الكهف (1). وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن إليون وملكوا عليهم أمه ريني وتلقب أغسطه. وحج بالناس موسى بن عيسى بن العباس. وفيها توفي من الاعيان إسماعيل بن عياش الحمصي أحد المشاهير من أئمة الشاميين، وفيه كلام. ومروان بن أبي حفصة الشاعر المشهور المشكور. كان يمدح الخلفاء والبرامكة. ومعن بن زائدة حصل من الاموال شيئا كثيرا جدا، وكان مع ذلك من أبخل الناس، لا يكاد يأكل اللحم من بخله، ولا يشعل في بيته سراجا، ولا يلبس من الثياب إلا الكرباسي والفرو الغليظ، وكان رفيقه سلم الخاسر إذا ركب إلى دار الخلافة يأتي على برذون وعليه حلة تساوي ألف دينار، والطيب ينفح من ثيابه، ويأتي هو في شر حالة وأسوئها. وخرج يوما إلى المهدي فقالت امرأة من أهله: إن أطلق لك الخليفة شيئا فاجعل لي منه شيئا. فقال: إن أعطاني مائة ألف درهم فلك درهم. فأعطاه ستين ألفا فأعطاها أربعة دوانيق. توفي ببغداد في هذه السنة، ودفن في مقبرة نصر بن مالك. والقاضي أبو يوسف واسمه يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة (2)، وهي أمه، وأبوه (3) بجير بن


(1) وهي مدينة دفسوس على ما قاله الطبري، وفي ابن الاثير 6 / 161: أفسوس. (2) من وفيات الاعيان 6 / 378 ومصباح السعادة 2 / 211 والمعارف ص 218: وفي الاصل حسنة. وهي حيتة بنت مالك بن بني عمرو بن عوف. (3) في الاستيعاب: أبو سعد هو عوف بن بحير، وفي تاريخ بغداد 14 / 242: هو بجير بن معاوية. وفي مفتاح = (*)

[ 194 ]

معاوية، استصغر يوم أحد، وأبو يوسف كان أكبر أصحاب أبي حنيفة، روى الحديث عن الاعمش وهمام بن عروة ومحمد بن إسحاق ويحيى بن سعيد وغيرهم. وعنه محمد بن الحسن وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين. قال علي بن الجعد: سمعته يقول: توفي أبي وأنا صغير فأسلمتني أمي إلى قصار فكنت أمر على حلقة أبي حنيفة فأجلس فيها، فكانت أمي تتبعني فتأخذ بيدي من الحلقة وتذهب بي إلى القصار، ثم كنت أخالفها في ذلك وأذهب إلى أبي حنيفة، فلما طال ذلك عليها قالت لابي حنيفة: إن هذا صبي يتيم ليس له شئ إلا ما أطعمه من مغزلي، وإنك قد أفسدته علي. فقال لها: اسكتي يا رعناء، ها هوذا يتعلم العلم وسيأكل الفالوذج بدهن الفستق في صحون الفيروزج فقالت له: إنك شيخ قد خرفت. قال أبو يوسف: فلما وليت القضاء - وكان أول من ولاه القضاء الهادي وهو أول من لقب قاضي القضاة، وكان يقال له: قاضي قضاة الدنيا، لانه كان يستنيب في سائر الاقاليم التي يحكم فيها الخليفة -. قال أبو يوسف: فبينا أنا ذات يوم عند الرشيد إذ أتي بفالوذج في صحن فيروزج فقال لي: كل من هذا، فإنه لا يصنع لنا في كل وقت. وقلت: وما هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال: هذا الفالوذج. قال فتبسمت فقال: ما لك تتبسم ؟ فقلت: لا شئ أبقى الله أمير المؤمنين. فقال: لتخبرني. فقصصت عليه القصة فقال: إن العلم ينفع ويرفع في الدنيا والآخرة. ثم قال: رحم الله أبا حنيفة، فلقد كان ينظر بعين عقله ما لا ينظر بعين رأسه. وكان أبو حنيفة يقول عن أبي يوسف: إنه أعلم أصحابه. وقال المزني: كان أبو يوسف أتبعهم للحديث. وقال ابن المديني: كان صدوقا. وقال ابن معين: كان ثقة. وقال أبو زرعة: كان سليما من التجهم. وقال بشار الخفاف: سمعت أبا يوسف يقول: من قال القرآن مخلوق فحرام كلامه، وفرض مباينته، ولا يجوز السلام ولا رده عليه. ومن كلامه الذي ينبغي كتابته بماء الذهب قوله: من طلب المال بالكيما (1) أفلس، ومن تتبع غرائب الحديث كذب، ومن طلب العلم بالكلام تزندق. ولما تناظر هو ومالك بالمدينة بحضرة الرشيد في مسألة الصاع وزكاة الخضراوات احتج مالك بما استدعى به من تلك الصيعان المنقولة عن آبائهم وأسلافهم، وبأنه لم يكن الخضراوات يخرج فيها شئ في زمن الخلفاء الراشدين. فقال أبو يوسف: لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت. وهذا إنصاف منه. وقد كان يحضر في مجلس حكمه العلماء على طبقاتهم، حتى إن أحمد بن حنبل كان شابا وكان


= السعادة أن سعدا استصغره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم أحد، لانه كان لا يأذن للخروج إلى الغزاة إلا للبالغ (انظر المعارف لابن قتيبة ص 218). (1) الكيما: يعني الكيمياء، ولفظ الكيمياء عبراني معرف أصله (كيم يه) ومعنى ذلك آية من الله، وقد اختلف الناس فيها اختلافا شديدا وكثير منهم قائلون بامتناعها إلا ما يفيد الاستعباد. وهو علم يراد به سلب الجواهر المعدنية خواصها، وافادتها خواصا لم تكن لها. (مفتاح السعادة 1 / 317). (*)

[ 195 ]

يحضر مجلسه في أثناء الناس فيتناظرون ويتباحثون، وهو مع ذلك يحكم ويصنف أيضا. وقال: وليت هذا الحكم وأرجو الله أن لا يسألني عن جور ولا ميل إلى أحد، إلا يوما واحدا جاءني رجل فذكر أن له بستانا وأنه في يد أمير المؤمنين، فدخلت إلى أمير المؤمنين فأعلمته فقال: البستان لي اشتراه لي المهدي. فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يحضره لاسمع دعواه. فأحضره فادعى بالبستان فقلت: ما تقول يا أمير المؤمنين ؟ فقال: هو بستاني. فقلت للرجل: قد سمعت ما أجاب. فقال الرجل: يحلف، فقلت أتحلف يا أمير المؤمنين ؟ فقال: لا، فقلت سأعرض عليك اليمين ثلاثا فإن حلفت وإلا حكمت عليك يا أمير المؤمنين. فعرضتها عليه ثلاثا فامتنع فحكمت بالبستان للمدعي. قال: فكنت في أثناء الخصومة أود أن ينفصل ولم يمكني أن أجلس الرجل مع الخليفة. وبعث القاضي أبو يوسف في تسليم البستان إلى الرجل. وروى المعافى بن زكريا الجريري، عن محمد بن أبي الازهر، عن حماد بن أبي إسحاق، عن أبيه عن بشر بن الوليد عن أبي يوسف. قال: بينا أنا ذات ليلة قد نمت في الفراش، إذا رسول الخليفة يطرق الباب، فخرجت منزعجا فقال: أمير المؤمنين يدعوك، فذهبت فإذا هو جالس ومعه عيسى بن جعفر فقال لي الرشيد: إن هذا قد طلبت منه جارية يهبنيها فلم يفعل، أو يبعنيها، وإني أشهدك إن لم يجبني إلى ذلك قتلته. فقلت لعيسى: لم لم تفعل ؟ فقال: إني حالف بالطلاق والعتاق وصدقة مالي كله أن لا أبيعها ولا أهبها. فقال لي الرشيد: فهل له من مخلص (1) ؟ فقلت: نعم يبيعك نصفها ويهبك نصفها (2). فوهبه النصف وباعه النصف بمائة ألف دينار، فقبل منه ذلك وأحضرت الجارية، فلما رآها الرشيد قال: هل لي من سبيل عليها الليلة ؟ قلت: إنها مملوكة ولا بد من استبرائها، إلا أن تعتقها وتتزوجها فإن الحرة لا تستبرأ. قال فأعتقها وتزوجها منه بعشرين ألف دينار، وأمر لي بمائتي ألف درهم وعشرين تختا من ثياب، وأرسلت إلي الجارية بعشرة آلاف دينار. وقال يحيى بن معين: كنت عند أبي يوسف فجاءته هدية من ثياب ديبقي وطيب وفانيل ند وغير ذلك، فذاكرني رجل في إسناد حديث (من أهديت له هدية وعنده قوم جلوس فهم شركاؤه) فقال أبو يوسف: إنما ذاك في الاقط والتمر والزبيب، ولم تكن الهدايا في ذلك الوقت ما ترون، يا غلام ارفع هذا إلى الخزائن، ولم يعطهم منها شيئا. وقال بشر بن غياث المريسي: سمعت أبا يوسف يقول: صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة ثم انصبت علي الدنيا سبع عشرة سنة، وما أظن أجلي إلا أن اقترب. فما مكث بعد ذلك إلا شهورا حتى مات. وقد مات أبو يوسف في ربيع الاول من هذه السنة عن سبع وستين سنة، ومكث في القضاء بعده


(1) في وفيات الاعيان 6 / 385: مخرج. (2) زيد في الوفيات ومفتاح السعادة: فيكون لم يهب ولم يبع. (*)

[ 196 ]

ولده يوسف. وقد كان نائبه على الجانب الشرقي (1) من بغداد. ومن زعم من الرواة أن الشافعي اجتمع بأبي يوسف كما يقوله عبد الله بن محمد البلوي الكذاب في الرحلة التي ساقها الشافعي فقد أخطأ في ذلك، إنما ورد الشافعي بغداد في أول قدمة قدمها إليها في سنة أربع وثمانين. وإنما اجتمع الشافعي بمحمد بن الحسن الشيباني فأحسن إليه وأقبل عليه، ولم يكن بينهما شنآن كما يذكره بعض من لا خبرة له في هذا الشأن والله أعلم. وفيها توفي: يعقوب بن داوود بن طهمان أبو عبد الله مولى عبد الله بن حازم السلمي، استوزره المهدي وحظي عنده جدا، وسلم إليه أزمة الامور، ثم لما أمر بقتل العلوي كما تقدم فأطلقه ونمت عليه تلك الجارية سجنه المهدي في بئر وبنيت عليه قبة، ونبت شعره حتى صار مثل شعور الانعام، وعمي، ويقال بل غشي بصره، ومكث نحوا من خمسة عشر سنة في ذلك البئر لا يرى ضوءا ولا يسمع صوتا إلا في أوقات الصلوات يعلمونه بذلك، ويدلى إليه في كل يوم رغيف وكوز ماء، فمكث كذلك حتى انقضت أيام المهدي وأيام الهادي وصدر من أيام الرشيد، قال يعقوب: فأتاني آت في منامي فقال: عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب فيأمن خائف ويفك عان * ويأتي أهله النائي الغريب فلما أصبحت نوديت فظننت أني أعلم بوقت الصلاة، ودلي إلي حبل وقيل لي: اربط هذا الحبل في وسطك، فأخرجوني، فلما نظرت إلى الضياء لم أبصر شيئا، وأوقفت بين يدي الخليفة فقيل لي: سلم على أمير المؤمنين، فظننته المهدي فسلمت عليه باسمه، فقال: لست به، فقلت الهادي ؟ فقال: لست به. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين الرشيد. فقال: نعم، ثم قال: والله إنه لم يشفع فيك عندي أحد، ولكني البارحة حملت جارية لي صغيرة على عنقي فذكرت حملك إياي على عنقك فرحمت ما أنت فيه من الضيق فأخرجتك. ثم أنعم عليه وأحسن إليه. فغار منه يحيى بن خالد بن برمك، وخشي أن يعيده إلى منزلته التي كان عليها أيام المهدي، وفهم ذلك يعقوب فاستأذن الرشيد في الذهاب إلى مكة فأذن له، فكان بها حتى مات في هذه السنة رحمه الله. وقال: يخشى يحيى أن أرجع إلى الولايات لا والله ما كنت لافعل أبدا، ولو رددت إلى مكاني. وفيها توفي يزيد بن زريع أبو معاوية شيخ الامام أحمد بن حنبل في الحديث، كان ثقة عالما عابدا ورعا، توفي أبوه وكان والي البصرة وترك من المال خمسمائة درهم، فلم يأخذ منها يزيد درهما واحدا، وكان يعمل الخوص بيده ويقتات منه هو وعياله. توفي بالبصرة في هذه السنة، وقيل قبل ذلك فالله أعلم.


(1) في ابن خلكان 6 / 388 ومفتاح السعادة 1 / 211: الغربي. (*)

[ 197 ]

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة فيها خرجت الخزر على الناس من ثلمة أرمينية فعاثوا في تلك البلاد فسادا، وسبوا من المسلمين وأهل الذمة نحوا من مائة ألف، وقتلوا بشرا كثيرا وانهزم نائب أرمينية سعيد بن مسلم (1)، فأرسل الرشيد إليهم خازم بن خزيمة (2) ويزيد بن مزيد في جيوش كثيرة كثيفة، فأصلحوا ما فسد في تلك البلاد. وحج بالناس العباس بن موسى الهادي. وفيها توفي من الاعيان علي بن الفضيل بن عياض في حياة أبيه. كان كثير العبادة والورع والخوف والخشية. ومحمد بن صبيح أبو العباس مولى بني عجل المذكر. ويعرف بابن السماك. روى عن إسماعيل بن أبي خالد والاعمش والثوري وهشام بن عروة وغيرهم، ودخل يوما على الرشيد فقال: إن لك بين يدي الله موقفا فانظر أين منصرفك، إلى الجنة أم النار ؟ فبكى الرشيد حتى كاد يموت. وموسى بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن الهاشمي، ويقال له الكاظم، ولد سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائة، وكان كثير العبادة والمروءة، إذا بلغه عن أحد أنه يؤذيه أرسل إليه بالذهب والتحف، ولد له من الذكور والاناث أربعون نسمة. وأهدي له مرة عبد عصيدة فاشتراه واشترى المزرعة التي هو فيها بألف دينار وأعتقه، ووهب المزرعة له. وقد استدعاه المهدي إلى بغداد فحبسه، فلما كان في بعض الليالي رأى المهدي علي بن أبي طالب وهو يقول له: يا محمد (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم) [ محمد: 22 ] فاستيقظ مذعورا وأمر به فأخرج من السجن ليلا فأجلسه معه وعانقه وأقبل عليه، وأخذ عليه العهد أن لا يخرج عليه ولا على أحد من أولاده، فقال: والله ما هذا من شأني ولا حدثت فيه نفسي، فقال: صدقت. وأمر له بثلاثة آلاف دينار، وأمر به فرد إلى المدينة فما أصبح الصباح إلا وهو على الطريق، فلم يزل بالمدينة حتى كانت خلافة الرشيد فحج، فلما دخل ليسلم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه موسى بن جعفر الكاظم، فقال الرشيد: السلام عليك يا رسول الله يا بن عم. فقال موسى: السلام عليك يا أبت. فقال الرشيد: هذا هو الفخر يا أبا الحسن (3). ثم لم يزل ذلك في نفسه حتى استدعاه في سنة تسع وسبعين وسجنه فأطال سجنه، فكتب إلى موسى رسالة يقول فيها: أما بعد يا أمير المؤمنين إنه لم ينقض عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك يوم من الرخاء، حتى يفضي بنا ذلك إلى


(1) من الطبري 10 / 70 وابن الاثير 6 / 163 وفي الاصل: مسلم. (2) في الطبري وابن الاثير: خزيمة بن خازم. (3) من ابن الاثير 6 / 164 وفي الاصل: أبا الحسن. (*)

[ 198 ]

يوم يخسر فيه المبطلون. توفي لخمس بقين من رجب من هذه السنة (1) ببغداد وقبره هناك مشهور. وفيها توفي: هاشم (2) بن بشير بن أبي حازم القاسم بن دينار أبو معاوية السلمي الواسطي، كان أبوه طباخا للحجاج بن يوسف الثقفي، ثم كان بعد ذلك يبيع الكوامخ (3)، وكان يمنع ابنه من طلب العلم ليساعده على شغله، فأبى إلا أن يسمع الحديث. فاتفق أن هاشما مرض فجاءه أبو شيبة قاضي واسط عائدا له ومعه خلق من الناس، فلما رآه بشير فرح بذلك وقال: يا بني أبلغ من أمرك أن جاء القاضي إلى منزلي ؟ لا أمنعك بعد هذا اليوم من طلب الحديث. كان هاشم من سادات العلماء، وحدث عن مالك وشعبة والثوري وأحمد بن حنبل وخلق غير هؤلاء، وكان من الصلحاء العباد. ومكث يصلي الصبح بوضوء العشاء قبل أن يموت بعشر سنين. ويحيى بن زكريا ابن أبي زائدة قاضي المدائن كان من الائمة الثقات. ويونس بن حبيب أحد النحاة النجباء، أخذ النحو عن أبي عمرو بن العلاء وغيره، وأخذ عنه الكسائي والفراء، وقد كانت له حلقة بالبصرة ينتابها أهل العلم والادب والفصحاء من الحاضرين والغرباء. توفي في هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة (4). ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة فيها رجع الرشيد من الرقة إلى بغداد فأخذ الناس بأداء بقايا الخراج الذي عليهم، وولى رجلا (5) يضرب الناس على ذلك ويحبسهم، وولى على أطراف البلاد. وعزل وولى وقطع ووصل. وخرج بالجزيرة أبو عمرو الشاري فبعث إليه الرشيد من قبله (6) شهر زور. وحج بالناس فيها إبراهيم بن محمد العباسي. وفيها توفي:


(1) في مروج الذهب: 3 / 435: مات سنة ست وثمانين ومائة مسموما ببغداد، وقال الخطيب في تاريخ بغداد: مات في الحبس ودفن في مقابر الشونيزيين خارج القبة. (2) في ابن الاثير 6 / 165: هشيم (انظر شذرات الذهب 1 / 303 وصفة الصفوة 3 / 15). (3) الكوامخ مفردها الكامخ وهو إدام يؤتدم به وخصه بعضهم بالمخللات التي تستعمل لتشهي الطعام. (4) في ابن الاثير 6 / 165: زاد عمره على مائة سنة. (5) ذكره الطبري وهو: عبد الله بن الهيثم بن سام (6 / 70). (6) في الكلام نقص وتمامه من ابن الاثير والطبري: فوجه إليه زهيرا القصاب فقتله في شهرزور. (*)

[ 199 ]

أحمد بن الرشيد (1) كان زاهدا عابدا قد تنسك، وكان لا يأكل إلا من عمل يده في الطين، كان يعمل فاعلا فيه، وليس يملك إلا مروا وزنبيلا - أي مجرفة وقفة - وكان يعمل في كل جمعة بدرهم ودانق يتقوت بهما من الجمعة إلى الجمعة، وكان لا يعمل إلا في يوم السبت فقط. ثم يقبل على العبادة بقية أيام الجمعة. وكان من زبيدة في قول بعضهم، والصحيح أنه من امرأة كان الرشيد قد أحبها فتزوجها فحملت منه بهذا الغلام، ثم إن الرشيد أرسلها إلى البصرة وأعطاها خاتما من يا قوت أحمر، وأشياء نفيسة، وأمرها إذا أفضت إليه الخلافة أن تأتيه. فلما صارت الخلافة إليه لم تأته ولا ولدها، بل اختفيا، وبلغه أنهما ماتا، ولم يكن الامر كذلك، وفحص عنهما فلم يطلع لهما على خبر، فكان هذا الشاب يعمل بيده ويأكل من كدها، ثم رجع إلى بغداد، وكان يعمل في الطين ويأكل مدة زمانية. هذا وهو ابن أمير المؤمنين، ولا يذكر للناس من هو إلى أن اتفق مرضه في دار كان يستعمله في الطين فمرضه عنده، فلما احتضر أخرج الخاتم وقال لصاحب المنزل: اذهب بهذا إلى الرشيد وقل له: صاحب هذا الخاتم يقول لك: إياك أن تموت في سكرتك هذه فتندم حيث لا ينفع نادما ندمه، واحذر انصرافك من بين يدي الله إلى الدارين، وأن يكون آخر العهد بك، فإن ما أنت فيه لو دام لغيرك لم يصل إليك، وسيصير إلى غيرك وقد بلغك أخبار من مضى. قال: فلما مات دفنته وطلبت الحضور عند الخليفة، فلما أوقفت بين يديه قال: ما حاجتك ؟ قلت: هذا الخاتم دفعه إلي رجل وأمرني أن أدفعه إليك، وأوصاني بكلام أقوله لك، فلما نظر الخاتم عرفه فقال: ويحك وأين صاحب هذا الخاتم ؟ قال فقلت: مات يا أمير المؤمنين. ثم ذكرت الكلام الذي أوصاني به، وذكرت له أنه كان يعمل بالفاعل في كل جمعة يوم بدرهم وأربع دوانيق، أو بدرهم ودانق، يتقوت به سائر الجمعة، ثم يقبل على العبادة. قال: فلما سمع هذا الكلام قام فضرب بنفسه الارض وجعل يتمرغ ويتقلب ظهرا لبطن ويقول: والله لقد نصحتني يا بني، ثم بكي، ثم رفع رأسه إلى الرجل وقال: أتعرف قبره ؟ قلت: نعم أنا دفنته. قال: إذا كان العشى فائتني. قال: فأتيته فذهب الى قبره فلم يزل يبكي عنده حتى أصبح، ثم أمر لذلك الرجل بعشرة آلاف درهم. وكتب له ولعياله رزقا. وفيها مات: عبد الله بن مصعب ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشي الاسدي، والد بكار. ألزمه الرشيد بولاية المدينة فقبلها بشروط عدل اشترطها، فأجابه إلى ذلك، ثم أضاف إليه نيابة اليمن، فكان من أعدل الولاة، وكان عمره يوم تولى نحوا من سبعين سنة.


(1) لم يذكر الطبري ولا ابن الاثير في جملة من ذكراه من أولاده. (*)

[ 200 ]

عبد الله بن عبد العزيز العمري (1) أدرك أبا طوالة، وروى عن أبيه وإبراهيم بن سعد، وكان عابدا زاهدا، وعظ الرشيد يوما فأطنب وأطيب. قال له وهو واقف على الصفا: أتنظركم حولها - يعني الكعبة - من الناس ؟ فقال: كثير. فقال: كل منهم يسأل يوم القيامة عن خاصة نفسه، وأنت تسأل عنهم كلهم. فبكى الرشيد بكاء كثيرا، وجعلوا يأتونه بمنديل بعد منديل ينشف به دموعه. ثم قال له: يا هارون إن الرجل ليسرف في ماله فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن يسرف في أموال المسلمين كلهم ؟ ثم تركهم وانصرف والرشيد يبكي. وله معه مواقف محمودة غير هذه. توفي عن ست وستين سنة. ومحمد بن يوسف بن معدان أبو عبد الله الاصبهاني، أدرك التابعين، ثم اشتغل بالعبادة والزهادة. كان عبد الله بن المبارك يسميه عروس الزهاد. وقال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أفضل منه، كان كأنه قد عاين. وقال ابن مهدي: ما رأيت مثله، وكان لا يشترى خبزه من خباز واحد، ولا بقله من بقال واحد، كان لا يشتري إلا ممن لا يعرفه، يقول: أخشى أن يحابوني فأكون ممن يعيش بدينه. وكان لا يضع جنبه للنوم صيفا ولا شتاء. ومات ولم يجاوز الاربعين سنة رحمه الله. ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة فيها قتل أهل طبرستان متوليهم مهرويه الرازي، فولى الرشيد عليهم عبد الله بن سعيد الحرشي. وفيها قتل عبد الرحمن الانباري أبان بن قحطبة الخارجي بمرج القلعة. وفيها عاث حمزة الشاري ببلاد باذغيس من خراسان، فنهض عيسى بن علي بن عيسى إلى عشرة آلاف من جيش حمزة فقتلهم، وسار وراء حمزة إلى كابل وزابلستان. وفيها خرج أبو الخصيب فتغلب على أبيورد وطوس ونيسابور وحاصر مرو وقوي أمره. وفيها توفي يزيد بن يزيد ببرذعة، فولى الرشيد مكانه ابنه أسد بن يزيد. واستأذن الوزير يحيى (2) بن خالد الرشيد في أن يعتمر في رمضان فأذن له، ثم رابط بجنده إلى وقت الحج. وكان أمير الحج في هذه السنة منصور بن محمد بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس. وفيها توفي: عبد الصمد بن علي ابن عبد الله بن عباس عم السفاح والمنصور. ولد سنة أربع ومائة، وكان ضخم الخلق جدا ولم يبدل أسنانه، وكانت أصولها صفيحة واحدة، قال يوما للرشيد: يا أمير المؤمنين هذا المجلس


(1) واسمه عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. (2) كذا بالاصل والطبري، وفي ابن الاثير 6 / 168: جعفر بن يحيى بن خالد. (*)

[ 201 ]

اجتمع فيه عم أمير المؤمنين، وعم عمه، وعم عم عمه، وذلك أن سليمان بن أبي جعفر عم الرشيد، والعباس بن محمد بن علي عم سليمان، وعبد الصمد بن علي السفاح، وتلخيص ذلك أن عبد الصمد عم عم عم الرشيد لانه عم جده. روى عبد الصمد عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن البر والصلة ليطيلان الاعمار، ويعمران الديار، ويثريان الاموال، ولو كان القوم فجارا ". وبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن البر والصلة ليخففان الحساب يوم القيامة " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) [ الرعد: 21 ]. وغير ذلك من الاحاديث. ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، المعروف بالامام، كان علي إمارة الحاج، وإقامة سقايته في خلافة المنصور عدة سنين. توفي ببغداد فصلى عليه الامين في شوال من هذه السنة، ودفن بالعباسية. وفيها توفى من مشايخ الحديث: ضمام (1) بن إسماعيل، وعمرو بن عبيد (2). والمطلب بن زياد (3). والمعافى بن عمران (4). في قول. ويوسف بن الماجشون. وأبو إسحاق الفزاري إمام أهل الشام بعد الاوزاعي في المغازي والعلم والعبادة. ورابعة العدوية وهي رابعة بنت إسماعيل مولاة آل عتيك، العدوية البصرية العابدة المشهورة. ذكرها أبو نعيم في الحلية والرسائل، وابن الجوزي في صفوة الصفوة، والشيخ شهاب الدين السهروردي في المعارف، والقشيري. وأثنى عليها أكثر الناس، وتكلم فيها أبو داود السجستاني، واتهمها بالزندقة، فلعله بلغه عنها أمر. وأنشد لها السهروردي في المعارف: - إني جعلتك في الفؤاد محدثي * وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس موانس * وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وقد ذكروا لها أحوالا وأعمالا صالحة، وصيام نهار وقيام ليل، ورؤيت لها منامات صالحة فالله


(1) من تقريب التهذيب 1 / 374 وشذرات الذهب 1 / 308 وفي الاصل: تمام. وهو ابن اسماعيل بن مالك المرادي أبو اسماعيل المصري قال أبو حاتم: كان صدوقا متعبدا لم يخرجوا له شيئا في الكتب الستة. قال في المغني: لينه بعض الحفاظ. (2) عمرو بن عبيد: الطنافسي الكوفي روى عن زياد بن علاقة والكبار. وثقه أحمد وابن معين. (3) المطلب بن زياد: ابن أبي زهير الثقفي مولاهم الكوفي صدوق. (4) المعافى بن عمران: أبو سعود الازدي عالم أهل الموصل وزاهدهم سمع من ابن جريج وطبقته. قال الثوري فيه: ياقوتة العلماء. وقال ابن سعد: كان ثقة فاضلا صاحب سنة. وقال في تقريب التهذيب: ثقة عابد فقيه. (*)

[ 202 ]

أعلم. توفيت بالقدس الشريف وقبرها شرقيه بالطور. والله أعلم. ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة فيها خرج علي بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبي الخصيب إلى نسا فقاتله بها، وسبى نساءه وذراريه. واستقامت خراسان. وحج بالناس فيها الرشيد ومعه ابناه محمد الامين، وعبد الله المأمون، فبلغ جملة ما أعطى لاهل الحرمين ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار، وذلك أنه كان يعطي الناس فيذهبون إلى الامين فيعطيهم، فيذهبون إلى المأمون فيعطيهم. وكان إلى الامين ولاية الشام والعراق، وإلى المأمون من همدان إلى بلاد المشرق. ثم تابع الرشيد لولده القاسم من بعد ولديه، ولقبه المؤتمن، وولاه الجزيرة والثغور والعواصم، وكان الباعث له على ذلك أن ابنه القاسم هذا كان في حجر عبد الملك بن صالح، فلما بايع الرشيد لولديه كتب إليه: - يا أيها الملك الذي * لو كان نجما كان سعدا اعقد لقاسم بيعة * واقدح له في الملك زندا فالله فرد واحد * فاجعل ولاة العهد فردا ففعل الرشيد ذلك، وقد حمده قوم على ذلك، وذمه آخرون. ولم ينتظم للقاسم هذا أمر، بل اختطفته المنون والاقدار عن بلوغ الامل والاوطار. ولما قضى الرشيد حجه أحضر من معه من الامراء والوزراء، وأحضر وليي العهد محمدا الامين وعبد الله المأمون. وكتب بمضمون ذلك صحيفة، وكتب فيها الامراء والوزراء خطوطهم بالشهادة على ذلك (1)، وأراد الرشيد أن يعلقها في الكعبة فسقطت فقيل: هذا أمر سريع انتقاضه. وكذا وقع كما سيأتي. وقال إبراهيم الموصلي في عقد هذه البيعة في الكعبة: خير الامور مغبة * وأحق أمر بالتمام أمر قضى أحكامه الر * حمن في البلد الحرام وقد أطال القول في هذا المقام أبو جعفر بن جرير وتبعه ابن الجوزي في المنتظم. وفيها توفي من الاعيان أصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم أبو ريان في رمضان منها. وحسان بن إبراهيم قاضي كرمان عن مائة سنة.


(1) انظر نسخة الكتاب في الطبري 10 / 73. (*)

[ 203 ]

وسلم الخاسر الشاعر وهو سلم بن عمرو بن حماد بن عطاء، وإنما قيل له الخاسر لانه باع مصحفا واشترى به ديوان شعر لامرئ القيس، وقيل لانه أنفق مائتي ألف في صناعة الادب (1). وقد كان شاعرا منطقيا له قدرة على الانشاء على حرف واحد، كما قال في موسى الهادي: موسى المطر غيث بكر ثم انهمر كم اعتبر ثم فتر وكم قدر ثم غفر عدل السير باقي الاثر خير البشر فرع مضر بدر بدر لمن نظر هو الوزر لمن حضر والمفتخر لمن غبر. وذكر الخطيب أنه كان على طريقة غير مرضية من المجون والفسق، وأنه كان من تلاميذ بشار ابن برد، وأن نظمه أحسن من نظم بشار، فمما غلب فيه بشارا قوله: من راقب الناس لم يظفر بحاجته * وفاز بالطيبات الفاتك اللهج فقال سلم: من راقب الناس مات غما * وفاز باللذة الجسور فغضب بشار وقال: أخذ معاني كلامي فكسناها ألفاظا أخف من ألفاظي. وقد حصل له من الخلفاء والبرامكة نحوا من أربعين ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك. ولما مات ترك ستة وثلاثين ألف دينار وديعة عند أبي الشمر (2) الغساني، فغنى إبراهيم الموصلي يوما الرشيد فأطر به فقال له: سل. فقال: يا أمير المؤمنين أسألك شيئا ليس فيه من مالك شئ، ولا أرزأوك شيئا سواه. قال: وما هو ؟ فذكر له وديعة سلم الخاسر، وأنه لم يترك وارثا. فأمر له بها (3). ويقال إنها كانت خمسين ألف دينار. والعباس بن محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس عم الرشيد، كان من سادات قريش، ولي إمارة الجزيرة في أيام الرشيد، وقد أطلق له الرشيد في يوم خمسة آلاف درهم، وإليه تنسب العباسية، وبها دفن وعمره خمس وستون سنة، وصلى عليه الامين. ويقطين بن موسى كان أحد الدعاة إلى دولة بني العباس، وكان داهية ذا رأي، وقد احتال مرة حيلة عظيمة لما


(1) في الاغاني 19 / 261 ووفيات الاعيان 2 / 350: لقب بالخاسر لانه باع مصحفا واشترى بثمنه طنبورا. (2) في وفيات الاعيان: أبي السمراء. (3) في الاغاني 19 / 280: ان الرشيد هو الذي أخذ تركة سلم الخاسر وقال: هذا خادمي ونديمي والذي خلفه من مالي، فأنا أحق به. (*)

[ 204 ]

حبس مروان الحمار إبراهيم بن محمد بحران، فتحيرت الشيعة العباسية فيمن يولون، ومن يكون ولي الامر من بعده إن قتل ؟ فذهب يقطين هذا إلى مروان فوقف بين يديه في صورة تاجر فقال: يا أمير المؤمنين إني قد بعث إبراهيم بن محمد بضاعة ولم أقبض ثمنها منه حتى أخذته رسلك، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجمع بيني وبينه لاطالبه بمالي فعل قال: نعم ! فأرسل به إليه مع غلام، فلما رآه قال: يا عدو الله إلى من أوصيت بعدك آخذ مالي منه ؟ فقال له: إلى ابن الحارثية - يعني أخاه عبد الله السفاح - فرجع يقطين إلى الدعاة إلى بني العباس فأعلمهم بما قال، فبايعوا السفاح، فكان من أمره ما ذكرناه. ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة فيها كان مهلك البرامكة على يدي الرشيد، قتل جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، ودمر ديارهم واندرست آثارهم، وذهب صغارهم وكبارهم. وقد اختلف في سبب ذلك على أقوال ذكرها ابن جرير وغيره، قيل إن الرشيد كان قد سلم يحيى بن عبد الله بن حسن إلى جعفر البرمكي ليسجنه عنده، فما زال يحيى يترفق له حتى أطلقه، فنم الفضل بن الربيع ذلك إلى الرشيد فقال له الرشيد: ويلك لا تدخل بيني وبين جعفر، فلعله أطلقه عن أمري وأنا لا أشعر. ثم سأل الرشيد جعفرا عن ذلك فصدقه فتغيظ عليه وحلف ليقتلنه، وكره البرامكة، ثم قتلهم وقلاهم بعد ما كانوا أحظى الناس عنده، وأحبهم إليه، وكانت أم جعفر والفضل أم الرشيد من الرضاعة، وقد جعلهم الرشيد من الرفعة في الدنيا وكثرة المال بسبب ذلك شيئا كثيرا لم يحصل لمن قبلهم من الوزراء ولا لمن بعدهم من الاكابر والرؤساء، بحيث إن جعفرا بنى دارا غرم عليها عشرين ألف ألف درهم، وكان ذلك من جملة ما نقمه عليه الرشيد. ويقال: إنما قتلهم الرشيد لانه كان لا يمر ببلد ولا إقليم ولا قرية ولا مزرعة ولا بستان إلا قيل هذا لجعفر، ويقال إن البرامكة كانوا يريدون إبطال خلافة الرشيد وإظهار الزندقة. وقيل إنما قتلهم بسبب العباسة. ومن العلماء من أنكر ذلك وإن كان ابن جرير قد ذكره. وذكر ابن الجوزي أن الرشيد سئل عن سبب قتله البرامكة فقال: لو أعلم أن قميصي يعلم ذلك لاحرقته. وقد كان جعفر يدخل على الرشيد بغير إذن حتى كان يدخل عليه وهو في الفراش مع حظاياه - وهذه وجاهة ومنزلة عالية - وكان عنده من أحظى العشراء على الشراب المسكر - فإن الرشيد كان يستعمل في أواخر أيام خلافته المسكر - وكان أحب أهله إليه أخته العباسة بنت المهدي، وكان يحضرها معه، وجعفر البرمكي حاضر أيضا معه، فزوجه بها ليحل النظر إليها، واشترط عليه أن لا يطأها. وكان الرشيد ربما قام وتركهما وهما ثملان من الشراب فربما واقعها جعفر فحبلت منه فولدت ولدا وبعثته مع بعض جواريها إلى مكة، وكان يربى بها. وذكر ابن خلكان أن الرشيد لما زوج أخته العباسة من جعفر أحبها حبا شديدا، فراودته عن

[ 205 ]

نفسه فامتنع أشد الامتناع خوفا من الرشيد، فاحتالت عليه - وكانت أمه تهدي له في كل ليلة جمعة جارية حسناء بكرا - فقالت لامه: أدخليني عليه بصفة جارية: فهابت ذلك فتهددتها حتى فعلت ذلك. فلما دخلت عليه لم يتحقق وجهها فواقعها فقالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك ؟ وحملت من تلك الليلة، فدخل على أمه فقال: بعتيني والله برخيص. ثم إن والده يحيى بن خالد جعل يضيق على عيال الرشيد في النفقة حتى شكت زبيدة ذلك إلى الرشيد مرات، ثم أفشت له سر العباسة، فاستشاط غيظا، ولما أخبرته أن الولد قد أرسلت به إلى مكة حج عام ذلك حتى تحقق الامر. ويقال: إن بعض الجواري نمت عليها إلى الرشيد وأخبرته بما وقع، وأن الولد بمكة وعنده جوار وأموال وحلى كثيرة. فلم يصدق حتى حج في السنة الخالية، ثم كشف الامر عن الحال، فإذا هو كما ذكر. وقد حج في هذه السنة التي حج فيها الرشيد يحيى بن خالد، فجعل يدعو عند الكعبة: اللهم إن كان يرضيك عني سلب جميع مالي وولدي وأهلي فافعل ذلك وأبق علي منهم الفضل، ثم خرج. فلما كان عند باب المسجد رجع فقال: اللهم والفضل معهم فإني راض برضاك عني ولا تستثن منهم أحدا. فلما قفل الرشيد من الحج صار إلى الحيرة ثم ركب في السفن إلى العمر (1) من أرض الانبار، فلما كانت ليلة السبت سلخ المحرم من هذه السنة أرسل مسرورا الخادم ومعه حماد بن سالم أبو عصمة في جماعة من الجند، فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلا، فدخل عليه مسرور الخادم وعنده بختيشوع المتطبب، وأبو ركانة الاعمى المغني الكلوذاني، وهو في أمره وسروره، وأبو زكار (2) يغنيه: فلا تبعد فكل فتى سيأتي * عليه الموت يطرق أو يغادي فقال الخادم له: يا أبا الفضل هذا الموت قد طرقك، أجب أمير المؤمنين. فقام إليه يقبل قدميه ويدخل عليه أن يمكنه فيدخل إلى أهله فيوصي إليهم ويودعهم، فقال: أما الدخول فلا سبيل إليه، ولكن أوص. فأوصى وأعتق جميع مماليكه أو جماعة منهم، وجاءت رسل الرشيد تستحثه فأخرج إخراجا عنيفا، فجعلوا يقودونه حتى أتوا به المنزل الذي فيه الرشيد، فحبسه وقيده بقيد حمار، وأعلموا الرشيد بما كان يفعل، فأمر بضرب عنقه، فجاء السياف إلى جعفر فقال: إن أمير المؤمنين قد أمرني أن آتيه برأسك. فقال: يا أبا هاشم لعل أمير المؤمنين سكران، فإذا صحا عاتبك في، فعاوده. فرجع إلى الرشيد فقال: إنه يقول: لعلك مشغول. فقال: يا ماص بظر أمه ائتني


(1) العمر: بضم العين، وفي نسخ البداية المطبوعة الغمر، وقال البكري في معجم ما استعجم: قلاية العمر والعمر عندهم: الدير، والعمر: من السريانية (عمرا) وهي تعني البيت ثم خصصت بالدير. أما القلاية فهي صومعة الراهب. ويضم الدير على هذا عدة قلايات. (2) من الطبري وابن الاثير والفخري. وفي الاصل: أبو ركانة (*)

[ 206 ]

برأسه. فكرر عليه جعفر المقالة فقال الرشيد في الثالثة: برئت من المهدي إن لم تأتني برأسه لابعثن من يأتيني برأسك ورأسه. فرجع إلى جعفر فحز رأسه وأتى به إلى الرشيد فألقاه بين يديه، وأرسل الرشيد من ليلته البرد بالاحتياط على البرامكة جميعهم ببغداد وغيرها،، ومن كان منهم بسبيل. فأخذوا كلهم عن آخرهم. فلم يفلت منهم أحد. وحبس يحيى بن خالد في منزله، وحبس الفضل بن يحيى في منزل آخر وأخذ جميع ما كانوا يملكونه من الدنيا، وبعث الرشيد برأس جعفر وجثته فنصب الرأس عند الجسر الاعلى، وشقت الجثة باثنتين فنصب نصفها الواحد عند الجسر الاسفل، والآخر عند الجسر الآخر، ثم أحرقت بعد ذلك. ونودي في بغداد: أن لا أمان للبرامكة ولا لمن آواهم، إلا محمد بن يحيى بن خالد فإنه مستثنى منهم لنصحه للخليفة. وأتي الرشيد بأنس بن أبي شيخ كان يتهم بالزندقة، وكان مصاحبا لجعفر، فدار بينه وبين الرشيد كلام، ثم أخرج الرشيد من تحت فراسه سيفا وأمر بضرب عنقه به (1). وجعل يتمثل ببيت قيل في قتل أنس قبل ذلك (2): تلمظ السيف من شوق إلى أنس (3) * فالسيف يلحظ والاقدار تنتظر فضربت عنق أنس فسبق السيف الدم فقال الرشيد: رحم الله عبد الله بن مصعب، فقال الناس: إن السيف كان للزبير بن العوام. ثم شحنت السجون بالبرامكة واستلبت أموالهم كلها، وزالت عنهم النعمة. وقد كان الرشيد في اليوم الذي قتل جعفرا في آخره، هو وإياه راكبين في الصيد في أوله، وقد خلا به دون ولاة العهود، وطيبه في ذلك بالغالية بيده، فلما كان وقت المغرب ودعه الرشيد وضمه إليه وقال: لولا أن الليلة ليلة خلوتي بالنساء ما فارقتك، فاذهب إلى منزلك واشرب واطرب وطب عيشا حتى تكون على مثل حالي، فأكون أنا وأنت في اللذة سواء. فقال: والله يا أمير المؤمنين لا أشتهي ذلك إلا معك. فقال: لا ! انصرف إلى منزلك. فانصرف عنه جعفر فما هو إلا أن ذهب الليل بعضه حتى أوقع به من البأس والنكال ما تقدم ذكره. وكان ذلك ليلة السبت آخر ليلة من المحرم، وقيل إنها أول ليلة من صفر في هذه السنة، وكان عمر جعفر إذ ذاك سبعا وثلاثين سنة، ولما جاء الخبر إلى أبيه يحيى بن خالد بقتله قال: قتل الله ابنه. ولما قيل له: قد خربت دارك قال: خرب الله دوره. ويقال: إن يحيى لما نظر إلى دوره وقد هتكت ستورها واستبيحت قصورها، وانتهب ما فيها. قال: هكذا تقوم الساعة. وقد كتب إليه بعض أصحابه يعزيه فيما جرى له، فكتب إليه جواب التعزية: أنا بقضاء الله راض، وباختياره عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم، وما الله بظلام للعبيد. وما يغفر الله أكثر ولله الحمد. وقد أكثر الشعراء من المراثي في


(1) تولى قتله - في رواية للطبري - ابراهيم بن عثمان بن نهيك. (2) نسبه ابن الاعثم لابي كبير الهذلي، والبيت ليس في ديوان الهذليين. (3) في ابن الاعثم 8 / 277: إلى النفس. (*)

[ 207 ]

البرامكة فمن ذلك قول الرقاشي، وقيل إنها لابي نواس (1): الآن استرحنا واستراحت ركابنا * وأمسك من يحدي ومن كان يحتدي (2) فقل للمطايا قد أمنت من السرى * وطي الفيافي فدفدا بعد فدفد وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر * ولن تظفري من بعده بمسود وقل للمطايا بعد فضل: تعطلي * وقل للرزايا كل يوم تجددي ودونك سيفا برمكيا مهندا * أصيب بسيف هاشمي مهند وقال الرقاشي (3)، وقد نظر إلى جعفر وهو على جذعه: أما والله لولا خوف واش * وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا * كما للناس بالحجر استلام فما أبصرت قبلك (4) يا بن يحيى * حساما فله السيف الحسام على اللذات والدنيا جميعا (5) * ودولة آل برمك السلام قال فاستدعاه الرشيد فقال له: كم كان يعطيك جعفر كل عام ؟ قال: ألف دينار. قال: فأمر له بألفي دينار. وقال الزبير بن بكار عن عمه مصعب الزبيري قال: لما قتل الرشيد جعفرا وقفت امرأة على حمار فاره فقالت بلسان فصيح: والله يا جعفر لئن صرت اليوم آية لقد كنت في المكارم غاية، ثم أنشأت تقول (6): ولما رأيت السيف خالط (7) جعفرا * ونادى مناد للخليفة في يحيى بكيت على الدنيا وأيقنت أنما * قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا وما هي إلا دولة بعد دولة * تخول ذا نعمى وتعقب ذا بلوى إذا أنزلت هذا منازل رفعة * من الملك حطت ذا إلى الغاية القصوى قال: ثم حركت حمارها فذهبت فكأنها كانت ريحا لا أثر لها، ولا يعرف أين ذهبت. وذكر ابن الجوزي أن جعفرا كان له جارية يقال لها فتينة مغنية، لم يكن لها في الدنيا نظير، كان


(1) في مروج الذهب 3 / 467 قال: هو أشجع السلمي. (2) في مروج الذهب: يجدي ويجتدي. (3) نسب الطبري الابيات إلى أبي عبد الرحمن العطوي. (4) في شذرات الذهب: مثلك، وليس البيت في الطبري. (5) في الطبري: على الدنيا وساكنها جميعا... (6) نسب ابن خلكان الابيات إلى دعبل بن علي الخزاعي 1 / 340. (7) في وفيات الاعيان: صبح. (*)

[ 208 ]

مشتراها عليه بمن معها من الجواري مائة ألف دينار، فطلبها منه الرشيد فامتنع من ذلك، فلما قتله الرشيد اصطفى تلك الجارية فأحضرها ليلة في مجلس شرابه وعنده جماعة من جلسائه وسماره، فأمر من معها أن يغنين فاندفعت كل واحدة تغني، حتى انتهت النوبة إلى فتينة، فأمرها بالغناء فأسبلت دمعها وقالت: أما بعد السادة فلا. فغضب الرشيد غضبا شديدا، وأمر بعض الحاضرين أن يأخذها إليه فقد وهبها له، ثم لما أراد الانصراف قال له فيما بينه وبينه: لا تطأها. ففهم أنه إنما يريد بذلك كسرها. فلما كان بعد ذلك أحضرها وأظهر أنه قد رضي عنها وأمرها بالغناء فامتنعت وأرسلت دمعها وقالت: أما بعد السادة فلا. فغضب الرشيد أشد من غضبه في المرة الاولى وقال: النطع والسيف، وجاء السياف فوقف على رأسها فقال له الرشيد: إذا أمرتك ثلاثا وعقدت أصابعي ثلاثا فاضرب. ثم قال لها غن: فبكت وقالت: أما بعد السادة فلا. فعقد أصبعه الخنصر، ثم أمرها الثانية فامتنعت، فعقد اثنتين، فارتعد الحاضرون وأشفقوا غاية الاشفاق وأقبلوا عليها يسألونها أن تغني لئلا تقتل نفسها، وأن تجيب أمير المؤمنين إلى ما يريد. ثم أمرها الثالثة فاندفعت تغني كارهة: لما رأيت الدنيا قد درست * أيقنت أن النعيم لم يعد قال فوثب إليها الرشيد وأخذ العود من يدها وأقبل يضرب به وجهها ورأسها حتى تكسر، وأقبلت الدماء وتطايرت الجوار من حولها، وحملت من بين يديه فماتت بعد ثلاث. وروي أن الرشيد كان يقول: لعن الله من أغراني بالبرامكة، فما وجدت بعدهم لذة ولا راحة ولا رجاء، وددت والله أني شطرت نصف عمري وملكي وأني تركتهم على حالهم. وحكى ابن ؟ ن أن جعفرا اشترى جارية من رجل بأربعين ألف دينار، فالتفتت إلى بائعها وقالت: اذكر العهد الذي بيني وبينك، لا تأكل من ثمني شيئا. فبكى سيدها وقال: اشهدوا أنها حرة، وأني قد تزوجتها. فقال جعفر: أشهدوا أن الثمن له أيضا. وكتب إلى نائب له: أما بعد فقد كثر شاكوك، وقل شاكروك، فأما أن تعدل، وإما تعتزل. ومن أحسن ما وقع منه من التلطف في إزالة هم الرشيد، وقد دخل عليه منجم يهودي فأخبره أنه سيموت في هذه السنة، فحمل الرشيدهما عظيما، فدخل عليه جعفر فسأله: ما الخبر ؟ فأخبره بقول اليهودي فاستدعى جعفر اليهودي فقال له: كم بقي لك من العمر ؟ فذكر مدة طويلة. فقال: يا أمير المؤمنين اقتله حتى تعلم كذبه فيما أخبر عن عمره. فأمر الرشيد باليهودي فقتل، وسرى عن الرشيد الذي كان فيه. وبعد مقتل البرامكة قتل الرشيد إبراهيم بن عثمان بن نهيك، وذلك أنه حزن على البرامكة، ولا سيما على جعفر، كان يكثر البكاء عليهم، ثم خرج من حيز البكاء إلى حيز الانتصار لهم والاخذ بثأرهم، وكان إذا شرب في منزله يقول لجاريته: ائتني بسيفي، فيسله ثم يقول: والله لاقتلن قاتله، فأكثر أن يقول ذلك، فخشي ابنه عثمان أن يطلع الخليفة على ذلك فيهلكهم عن آخرهم،

[ 209 ]

ورأى أن أباه لا ينزع عن هذا، فذهب إلى الفضل بن الربيع فأعلمه، فأخبر الفضل الخليفة، فاستدعى به فاستخبره فأخبره، فقال: من يشهد معك عليه ؟ فقال: فلان الخادم فجاء به فشهد، فقال الرشيد: لا يحل قتل أمير كبير بمجرد قول غلام وخصي، لعلهما قد تواطا على ذلك. فأحضره الرشيد معه على الشراب ثم خلا به فقال: ويحك يا إبراهيم ! إن عندي سرا أحب أن أطلعك عليه، أقلقني في الليل والنهار. قال: وما هو ؟ قال: إني ندمت على قتل البرامكة ووددت أني خرجت من نصف ملكي ونصف عمري ولم أكن فعلت بهم ما فعلت، فإني لم أجد بعدهم لذة ولا راحة. فقال: رحمة الله على أبي الفضل - يعني جعفرا - وبكى، وقال: والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله. فقال له: قم لعنك الله، ثم حبسه ثم قتله بعد ثلاثة أيام. وسلم أهله وولده. وفي هذه السنة غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح بسبب أنه بلغه أن يريد الخلافة، واشتد غضبه بسببه على البرامكة الذين هم في الحبوس، ثم سجنه فلم يزل في السجن حتى مات الرشيد فأخرجه الامين وعقد له على نيابة الشام. وفيها ثارت العصبية بالشام بين المضرية والنزارية، فبعث إليهم الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم. وفيها كانت زلزلة عظيمة بالمصيصة فانهدم بعض سورها ونضب ماؤها ساعة من الليل. وفيها بعث الرشيد ولده القاسم على الصائفة، وجعله قربانا ووسيلة بين يديه، وولاه العواصم، فسار إلى بلاد الروم فحاصرهم حتى افتدوا بخلق من الاسارى يطلقونهم ويرجع عنهم، ففعل ذلك. وفيها نقضت الروم الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين، الذي كان عقده الرشيد بينه وبين رني ملكة الروم الملقبة أغسطه. وذلك أن الروم عزلوها عنهم وملكوا عليهم النقفور، وكان شجاعا، يقال إنه من سلالة آل جفنة، فخلعوا رني وسملوا عينيها. فكتب نقفور إلى الرشيد: من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثاله (1) إليها، وذلك من ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إلي ما حملته إليك من الاموال وافتد نفسك به، وإلا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأ هارون الرشيد كتابه أخذه الغضب الشديد حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إليه، ولا يستطيع مخاطبته، وأشفق عليه جلساؤه خوفا منه، ثم استدعى بدواة وكتب على ظهر الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم. قد قرأت كتابك يا بن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام. ثم شخص من فوره وسار حتى نزل بباب هرقلة ففتحها واصطفى ابنة ملكها، وغنم من الاموال شيئا كثيرا، وخرب وأحرق، فطلب نقفور منه الموادعة على خراج يؤديه إليه في كل سنة، فأجابه الرشيد إلى ذلك. فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض الكافر العهد وخان الميثاق، وكان البرد قد اشتد جدا، فلم يقدر أحد أن يجئ فيخبر الرشيد


(1) في ابن الاثير 6 / 185: أضعافها. (*)

[ 210 ]

بذلك لخوفهم على أنفسهم من البرد، حتى يخرج فصل الشتاء. وحج بالناس فيها عبد الله (1) بن عباس بن محمد بن علي. ذكر في توفي فيها من الاعيان جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك أبو الفضل البرمكي الوزير ابن الوزير، ولاه الرشيد الشام وغيرها من البلاد، وبعثه إلى دمشق لما ثارت الفتنة العشيران بحوران بين قيس ويمن، وكان ذلك أول نار ظهرت بين قيس ويمن في بلاد الاسلام، كان خامدا من زمن الجاهلية فأثاروه في هذا الاوان، فلما قدم جعفر بجيشه خمدت الشرور وظهر السرور، وقيلت في ذلك أشعار حسان، قد ذكر ذلك ابن عساكر في ترجمة جعفر من تاريخه منها: - لقد أوقدت في الشام نيران فتنة * فهذا أوان الشام تخمد نارها إذا جاش موج البحر من آل برمك * عليها خبت شهبانها وشرارها رماها أمير المؤمنين بجعفر * وفيه تلاقى صدعها وانجبارها هو الملك المأمول للبر والتقى * وصولاته لا يستطاع خطارها وهي قصيدة طويلة (2)، وكانت له فصاحة وبلاغة وذكاء وكرم زائد، كان أبوه قد ضمه إلى القاضي أبي يوسف فتفقه عليه، وصار له اختصاص بالرشيد، وقد وقع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، ولم يخرج في شئ منها عن موجب الفقه. وقد روى الحديث عن أبيه، عن عبد الحميد الكاتب، عن عبد الملك بن مروان كاتب عثمان، عن زيد بن ثابت كاتب الوحي. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه ". رواه الخطيب وابن عساكر من طريق أبي القاسم الكعبي المتكلم، واسمه عبد الله بن أحمد البلخي - وقد كان كاتبا لاحمد بن زيد - عن أبيه عن عبد الله بن طاهر عن طاهر بن الحسين بن زريق، عن الفضل بن سهل ذي الرياستين عن جعفر بن يحيى به. وقال عمرو بن بحر الجاحظ قال جعفر للرشيد: يا أمير المؤمنين ! قال لي أبي يحيى: إذا أقبلت الدنيا عليك فاعط، وإذا أدبرت فاعط، فإنها لا تبقى، وأنشدني أبي: لا بتخلن بدنيا وهي مقبلة * فليس ينقصها التبذير والسرف فان تولت فأحرى أن تجود بها * فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف قال الخطيب: ولقد كان جعفر من علو القدر ونفاذ الامر وعظم المحل وجلالة المنزلة عند


(1) في الطبري 10 / 94: عبيد الله. وفي مروج الذهب 4 / 455 كالاصل. وقال: وقيل منصور بن المهدي. (2) نسب القصيدة الطبري إلى منصور النمري (10 / 66 - 67). (*)

[ 211 ]

الرشيد على حالة انفرد بها، ولم يشاركه فيها أحد. وكان سمح الاخلاق طلق الوجه ظاهر البشر. أما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فأشهر من أن يذكر. وكان أيضا من ذوي الفصاحة والمذكورين بالبلاغة. وروى ابن عساكر عن مهذب حاجب العباس بن محمد صاحب قطيعة العباس والعباسية أنه أصابته فاقة وضائقة، وكان عليه ديون، فألح عليه المطالبون وعنده سفط فيه جواهر شراؤه عليه ألف ألف، فأتى به جعفرا فعرضه عليه وأخبره بما هو عليه من الثمن، وأخبره بالحاح المطالبين بديونهم، وأنه لم يبق له سوى هذا السفط. فقال: قد اشتريته منك بألف ألف ثم أقبضه المال وقبض السفط منه، وكان ذلك ليلا. ثم أمر من ذهب بالمال إلى منزله وأجلسه معه في السمر تلك الليلة، فلما رجع إلى منزله إذا السفط قد سبقه إلى منزله أيضا. قال فلما أصبحت غدوت إلى جعفر لا تشكر له فوجدته مع أخيه الفضل على باب الرشيد يستأذنان عليه، فقال له جعفر: إني قد ذكرت أمرك للفضل، وقد أمر لك بألف ألف، وما أظنها إلا قد سبقتك إلى منزلك، وسأفاوض فيك أمير المؤمنين. فلما دخل ذكر له أمره وما لحقه من الديون فأمر له بثلاثمائة ألف دينار. وكان جعفر ليلة في سمره عند بعض أصحابه (1) فجاءت الخنفساء فركبت ثياب الرجل فألقاها عنه جعفر وقال: إن الناس يقولون: من قصدته الخنفساء يبشر بمال يصيبه. فأمر له جعفر بألف دينار. ثم عادت الخنفساء، فرجعت إلى الرجل فأمر له بألف دينار أخرى. وحج مرة مع الرشيد فلما كانوا بالمدينة قال لرجل من أصحابه: انظر جارية أشتريها تكون فائقة في الجمال والغناء والدعابة، ففتش الرجل فوجد جارية على النعت فطلب سيدها فيها مالا كثيرا على أن يراها جعفر، فذهب جعفر إلى منزل سيدها فلما رآها أعجب بها، فلما غنته أعجبته أكثر، فساومه صاحبها فيها، فقال له جعفر: قد أحصرنا مالا فإن أعجبك وإلا زدناك، فقال لها سيدها: إني كنت في نعمة وكنت عندي في غاية السرور، وإنه قد انقبض علي حالي، وإني قد أحببت أن أبيعك لهذا الملك، لكي تكوني عنده كما كنت عندي. فقالت له الجارية: والله يا سيدي لو ملكت منك كما ملكت مني لم أبعك بالدنيا وما فيها، وأين ما كنت عاهدتني أن لا تبيعني ولا تأكل من ثمني. فقال سيدها لجعفر وأصحابه: أشهدكم أنها حرة لوجه الله، وأني قد تزوجتها. فلما قال ذلك نهض جعفر وقام أصحابه وأمروا الحمال أن يحمل المال. فقال جعفر: والله لا يتبعني، وقال للرجل: قد ملكتك هذا المال فأنفقه على أهلك، وذهب وتركه. هذا وقد كان يبخل بالنسبة إلى أخيه الفضل، إلا أن الفضل كان أكثر منه مالا. وروى ابن عساكر من طريق الدار قطني بسنده أنه لما أصيب جعفر وجدوا له في جرة ألف دينار، زنة كل دينار


(1) الرواية في ابن خلكان وذكر: أنه كان عنده أبو عبيد الثقفي... وذكر تمام الرواية 1 / 331. (*)

[ 212 ]

مائة دينار، مكتوب على صفحة الدينار جعفر: وأصفر من ضرب دار الملوك * يلوح على وجهه جعفر يزيد على مائة واحدا * متى تعطه معسرا يوسر وقال أحمد بن المعلى الراوية: كتبت عنان جارية الناطفي لجعفر تطلب منه أن يقول لابيه يحيى أن يشير على الرشيد بشرائها، وكتبت إليه هذه الابيات من شعرها في جعفر: - يا لائمي جهلا ألا تقصر * من ذا على حر الهوى يصبر لا تلحني إذا شربت الهوى * صرفا فممزوج الهوى سكر أحاط بي الحب فخلفي له * بحر وقدامي له أبحر تخفق رايات الهوى بالردى * فوقي وحولي للهوى عسكر سيان عندي في الهوى لائم * أقل فيه والذي يكثر أنت المصفى من بني برمك * يا جعفر الخيرات يا جعفر لا يبلغ الواصف في وصفه * ما فيك من فضل ولا يعشر من وفر المال لاغراضه * فجعفر أغراضه أوفر ديباجة الملك على وجهه * وفي يديه العارض الممطر سحت علينا منهما ديمة * ينهل منها الذهب الاحمر لو مسحت كفاه جلمودة * نضر فيها الورق الاخضر لا يستتم المجد إلا فتى * يصبر للبذل كما يصبر يهتز تاج الملك من فوقه * فخرا ويزهى تحته المنبر أشبهه البدر إذا ما بدا * أو غرة في وجهه يزهر والله ما أدري أبدر الدجى * في وجهه أم وجهه أنور يستمطر الزوار منك الندى * وأنت بالزوار تستبشر وكتبت تحت أبياتها حاجتها، فركب من فوره إلى أبيه فأدخله على الخليفة فأشار عليه بشرائها فقال: لا والله لا أشتريها، وقد قال فيها الشعراء فأكثروا، واشتهر أمرها وهي التي يقول فيها أبو نواس: لا يشتريها إلا ابن زانية * أو قلطبان يكون من كانا وعن تمامة بن أشرس قال: بت ليلة مع جعفر بن يحيى بن خالد، فانتبه من منامه يبكي مذعورا فقلت: ما شأنك ؟ قال: رأيت شيخا جاء فأخذ بعضادتي هذا الباب وقال: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر

[ 213 ]

قال فأجبته: بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر قال ثمامة: فلما كانت الليلة القابلة قتله الرشيد ونصب رأسه على الجسر ثم خرج الرشيد فنظر إليه فتأمله ثم أنشأ يقول: تقاضاك دهرك ما أسلفا * وكدر عيشك بعد الصفا فلا تعجبن فإن الزمان * رهين بتفريق ما ألفا قال: فنظرت إلى جعفر وقلت: أما لئن أصبحت اليوم آية فلقد كنت في الكرم والجود غاية، قال: فنظر إلي كأنه جمل صؤول ثم أنشأ يقول: - ما يعجب العالم من جعفر * ما عاينوه فبنا كانا من جعفر أو من أبوه ومن * كانت بنو برمك لولانا ثم حول وجه فرسه وانصرف (1). وقد كان مقتل جعفر ليلة السبت مستهل صفر من سنة سبع وثمانين ومائة، وكان عمره سبعا وثلاثين سنة، ومكث وزيرا سبع عشرة سنة. وقد دخلت عبادة أم جعفر على أناس في يوم عيد أضحى تستمنحهم جلد كبش تدفأ به، فسألوها عن ما كانت فيه من النعمة فقالت: لقد أصبحت في مثل هذا اليوم وإن على رأسي أربعمائة وصيفة، وأقول إن ابني جعفرا عاق لي. وروى الخطيب البغدادي باسناده أن سفيان بن عيينة لما بلغه قتل الرشيد جعفرا وما أحل بالبرامكة، استقبل القبلة وقال: اللهم إن جعفرا كان قد كفاني مؤنة الدنيا فاكفه مؤنة الآخرة. حكاية غريبة ذكر ابن الجوزي في المنتظم أن المأمون بلغه أن رجلا يأتي كل يوم إلى قبور البرامكة فيبكي عليهم ويندبهم، فبعث من جاء به فدخل عليه وقد يئس من الحياة، فقال له: ويحك ! ما يحملك على صنيعك هذا ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنهم أسدوا إلي معروفا وخيرا كثيرا. فقال: وما الذي أسدوه إليك ؟ فقال: أنا المنذر بن المغيرة من أهل دمشق، كنت بدمشق في نعمة عظيمة واسعة، فزالت عني حتى أفضى بي الحال إلى أن بعت داري، ثم لم يبق لي شئ، فأشار بعض أصحابي علي بقصد البرامكة ببغداد، فأتيت أهلي وتحملت بعيالي، فأتيت بغداد ومعي نيف وعشرون امرأة


(1) الرواية في وفيات الاعيان 1 / 339 والعقد الفريد 1 / 22 وذكر أن صاحب الرواية هو يحيى بن خالد. (*)

[ 214 ]

فانزلتهن في مسجد مهجور ثم قصدت مسجدا مأهولا أصلي فيه. فدخلت مسجدا فيه جماعة لم ار أحسن وجوها منهم، فجلست إليهم فجعلت أدبر في نفسي كلاما أطلب به منهم قوتا للعيال الذين معي، فيمنعني من ذلك السؤال الحياء، فبينا أنا كذلك إذا بخادم قد أقبل فدعاهم فقاموا كلهم وقمت معهم، فدخلوا دارا عظيمة، فإذا الوزير يحيى بن خالد جالس فيها فجلسوا حوله، فعقد عقد ابنته عائشة على ابن عم له ونثروا فلق المسك وبنادق العنبر، ثم جاء الخدم إلى كل واحد من الجماعة بصينية من فضة فيها ألف دينار، ومعها فتات المسك، فأخذها القوم ونهضوا وبقيت أنا جالسا، وبين يدي الصينية التي وضعوها لي، وأنا أهاب أن آخذها من عظمتها في نفسي، فقال لي بعض الحاضرين: ألا تأخذها وتذهب ؟ فمددت يدي فأخذتها فأفرغت ذهبها في جيبي وأخذت الصينية تحت إبطي وقمت، وأنا خائف أن تؤخذ مني، فجعلت أتلفت والوزير ينظر إلي وأنا لا أشعر، فلما بلغت الستارة أمرهم فردوني فيئست من المال، فلما رجعت قال لي: ما شأنك خائف ؟ فقصصت عليه خبري، فبكى ثم قال لاولاده: خذوا هذا فضموه إليكم. فجاءني خادم فأخذ مني الصينية والذهب وأقمت عندهم عشرة أيام من ولد إلى ولد، وخاطري كله عند عيالي، ولا يمكنني الانصراف، فلما انقضت العشرة الايام جاءني خادم فقال: ألا تذهب إلى عيالك ؟ فقلت: بلى والله، فقام يمشي أمامي ولم يعطني الذهب والصينية، فقلت: يا ليت هذا كان قبل أن يؤخذ مني الصينية والذهب، يا ليت عيالي رأوا ذلك. فسار يمشي أمامي إلى دار لم أر أحسن منها، فدخلتها فإذا عيالي يتمرغون في الذهب والحرير فيها، وقد بعثوا إلى الدار مائة ألف درهم وعشرة آلاف دينار، وكتابا فيه تمليك الدار بما فيها، وكتابا آخر فيه تمليك قريتين جليلتين، فكنت مع البرامكة في أطيب عيش، فلما أصيبوا أخذ مني عمرو بن مسعدة القريتين وألزمني بخراجهما، فكلما لحقتني فاقة قصدت دورهم وقبورهم فبكيت عليهم. فأمر المأمون برد القريتين، فبكى الشيخ بكاء شديدا فقال المأمون: مالك ؟ ألم استأنف بك جميلا ؟ قال: بلى ! ولكن هو من بركة البرامكة. فقال له المأمون: امض مصاحبا فإن الوفاء مبارك، ومراعاة حسن العهد والصحبة من الايمان. وفيها توفي: الفضيل بن عياض أبو علي التميمي أحد أئمة العباد الزهاد، وهو أحد العلماء والاولياء، ولد بخراسان بكورة دينور (1) وقدم الكوفة وهو كبير، فسمع بها الاعمش ومنصور بن المعتمر وعطاء بن السائب وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم. ثم انتقل إلى مكة فتعبد بها، وكان حسن التلاوة كثير الصلاة والصيام، وكان سيدا جليلا ثقة من أئمة الرواية رحمه الله ورضي عنه. وله مع الرشيد قصة طويلة. وقد روينا ذلك مطولا في كيفية دخول الرشيد عليه منزله، وما قال له الفضيل بن عياض، وعرض


(1) قال ابن سعد: ولد بخراسان. وفي تذكرة الحفاظ 1 / 246 وابن الاثير 6 / 189: ولد بسمرقند ونشأ بأبيورد وفي صفة الصفوة 2 / 237: ولد بخراسان بكورة أبيورد. وانظر مروج الذهب 3 / 434 ووفيات الاعيان 4 / 49. (*)

[ 215 ]

عليه الرشيد المال فأبى أن يقبل منه ذلك (1). توفي بمكة في المحرم من هذه السنة. وذكروا أنه كان شاطرا يقطع الطريق، وكان يتعشق جارية، فبينما هو ذات ليلة يتسور عليها جدارا إذ سمع قارئا يقرأ (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) [ الحديد: 16 ] فقال: بلى ! وتاب وأقلع عما كان عليه. ورجع إلى خربة فبات بها فسمع سفارا يقولون: خذوا حذركم إن فضيلا أمامكم يقطع الطريق، فأمنهم واستمر على توبته حتى كان منه ما كان من السيادة والعبادة والزهادة، ثم صار علما يقتدى به ويهتدى بكلامه وفعاله. قال الفضيل: لو أن الدنيا كلها حلال أحاسب بها لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه، وقال: العمل لاجل الناس شرك، وترك العمل لاجل الناس رياء، والاخلاص أن يعافيك الله منهما. وقال له الرشيد يوما: ما أزهدك، فقال: أنت أزهد مني، لاني أنا زهدت في الدنيا التي هي أقل من جناح بعوضة، وأنت زهدت في الآخرة التي لا قيمة لها، فأنا زاهد في الفاني وأنت زاهد في الباقي. ومن زهد في درة أزهد ممن زهد في بعرة. وقد روى مثل هذا عن أبي حازم أنه قال ذلك لسليمان بن عبد الملك. وقال: لو أن لي دعوة مستجابة لجعلتها للامام، لان به صلاح الرعية، فإذا صلح أمنت العباد والبلاد. وقال: إني لاعصى الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي وامرأتي وفأر بيتي. وقال في قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) [ هود: 7 ]. قال: يعني أخلصه وأصوبه، إن العمل يجب أن يكون خالصا لله، وصوابا على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم. وفيها توفي: بشر بن المفضل، وعبد السلام بن حرب، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وعبد العزيز العمي، وعلي بن عيسى، الامير ببلاد الروم مع القاسم بن الرشيد في الصائفة. ومعتمر بن سليمان وأبو شعيب البراثي الزاهد، وكان أول من سكن براثا في كوخ له يتعبد فيه، فهويته امرأة من بنات الرؤساء فانخلعت مما كانت فيه من الدنيا والسعادة والحشمة، وتزوجته وأقامت معه في كوخه تتعبد حتى ماتا، يقال إن اسمها جوهرة. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة فيها غزا إبراهيم بن إسرائيل (2) الصائفة فدخل بلاد الروم من درب الصفصاف فخرج النقفور


(1) لعل المؤلف ذكر الرواية في كتاب آخر وسها عن ذلك فأثبت ملاحظته هنا ولم يأت على ذكرها في كتابنا. وقد ذكر المسعودي رواية بهذا المعنى بينه وبين الرشيد مروج الذهب: 3 / 434 ووفيات الاعيان 4 / 48. وصفة الصفوة 2 / 245. (2) في الطبري 10 / 95 جبريل وابن الاثير 6 / 190: جبرائيل. (*)

[ 216 ]

للقائه فجرح النقفور ثلاث جراح، وانهزم وقتل من أصحابه أكثر من أربعين ألفا، وغنموا أكثر من أربعة آلاف دابة. وفيها رابط القاسم بن الرشيد بمرج دابق. وفيها حج بالناس الرشيد، وكانت آخر حجاته. وقد قال أبو بكر حين رأى الرشيد منصرفا من الحج - وقد اجتاز بالكوفة - لا يحج الرشيد بعدها، ولا يحج بعده خليفة أبدا. وقد رأى الرشيد بهلول الموله فوعظه موعظة حسنة، فروينا من طريق الفضل بن الربيع الحاجب قال: حججت مع الرشيد فمررنا بالكوفة فإذا بهلول المجنون يهذي، فقلت: اسكت فقد أقبل أمير المؤمنين، فسكت. فلما حاذاه الهودج قال: يا أمير المؤمنين حدثني أيمن بن نائل (1)، ثنا قدامة بن عبد الله العامري قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بمنى على جمل وتحته رحل رث، ولم يكن ثم طرد ولا ضرب ولا إليك إليك. قال الربيع فقلت: يا أمير المؤمنين إنه بهلول، فقال: قد عرفته، قل يا بهلول فقال: هب أن قد ملكت الارض طرا * ودان لك العباد فكان ماذا أليس غدا مصيرك جوف قبر (2) * ويحثو عليك التراب هذا ثم هذا قال: أجدت يا بهلول، أفغيره ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ! من رزقه الله مالا وجمالا فعف في جماله، وواسى في ماله، كتب في ديوان الله من الابرار. قال: فظن أنه يريد شيئا، فقال: إنا أمرنا بقضاء دينك. فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا يقضى دين بدين، اردد الحق إلى أهله واقض دين نفسك من نفسك. قال: إنا أمرنا أن يجري عليك رزق تقتات به. قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنه سبحانه لا يعطيك وينساني. وها أنا قد عشت عمرا لم تجر علي رزقا، انصرف لا حاجه لي في جرايتك. قال: هذه ألف دينار خذها. فقال: ارددها على أصحابها فهو خير لك، وما أصنع أنا بها ؟ انصرف عني فقد آذيتني. قال: فانصرف عنه الرشيد وقد تصاغرت عنده الدنيا. وممن توفي فيها من الاعيان: أبو إسحاق الفزاري إبراهيم بن محمد بن الحارث بن إسماعيل بن خارجة، إمام أهل الشام في المغازي وغير ذلك. أخذ عن الثوري والاوزاعي وغيرهما، توفي في هذه السنة. وقيل قبلها. وإبراهيم الموصلي النديم، وهو إبراهيم بن ماهان بن بهمن أبو إسحاق، أحد الشعراء والمغنين والندماء للرشيد


(1) في صفة الصفوة 2 / 517: نابل. وهو أبو عمران ويقال أبو عمرو الحبشي المكي نزيل عسقلان صدوق يهم، من الخامسة. (انظر تقريب التهذيب 1 / 88). (2) في صفة الصفوة: ترب بدل جوف قبر. (*)

[ 217 ]

وغيره، أصله من الفرس وولد بالكوفة وصحب شبانها وأخذ عنهم الغناء، ثم سافر إلى الموصل ثم عاد إلى الكوفة فقالوا: الموصلي. ثم اتصل بالخلفاء أولهم المهدي وحظي عند الرشيد، وكان من جملة سماره وندمائه ومغنيه، وقد أثرى وكثر ماله جدا، حتى قيل إنه ترك أربعة وعشرين ألف ألف درهم، وكانت له طرف وحكايات غريبة، وكان مولده سنة خمس عشرة (1) ومائة في الكوفة، ونشأ في كفالة بني تميم، فتعلم منهم ونسب إليهم، وكان فاضلا بارعا في صناعة الغناء، وكان مزوجا بأخت المنصور الملقب بزلزل، الذي كان يضرب معه، فإذا غنى هذا وضرب هذا اهتز المجلس. توفي في هذه السنة على الصحيح، وحكى ابن خلكان في الوفيات أنه توفي وأبو العتاهية وأبو عمرو الشيباني ببغداد في يوم واحد من سنة ثلاث عشرة ومائتين. وصحح الاول. ومن قوله في شعره عند احتضاره قوله: مل والله طبيبي * من مقاساة الذي بي سوف أنعى عن قريب * لعدو وحبيب وفيها مات جرير بن عبد الحميد (2)، ورشد (3) بن سعد، وعبدة بن سليمان (4)، وعقبة بن خالد (5)، وعمر بن أيوب العابد أحد مشايخ أحمد بن حنبل، وعيسى بن يونس (6) في قول. ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة فيها رجع الرشيد من الحج وسار إلى الري فولى وعزل. وفيها رد علي بن عيسى إلى ولاية خراسان، وجاءه نواب تلك البلاد بالهدايا والتحف من سائر الاشكال والالوان، ثم عاد إلى بغداد فأدركه عيد الاضحى بقصر اللصوص (7) فضحى عنده، ودخل إلى بغداد لثلاث بقين من ذي الحجة، فلما اجتاز بالجسر أمر بجثة جعفر بن يحيى البرمكي فأحرقت ودفنت، وكانت مصلوبة من حين قتل إلى هذا اليوم، ثم ارتحل الرشيد من بغداد إلى الرقة ليسكنها وهو متأسف على بغداد وطيبها،


(1) في الاغاني 5 / 155 وابن خلكان 1 / 43: خمس وعشرين. (2) وهو جرير بن عبد الحميد الضبي أبو عبد الله مات وله ثمان وسبعون سنة روى عن منصور وطبقته من الكوفيين ورحل إليه الناس لثقته وسعة علمه. (3) وهو رشيدين المهري محدث مصر رجل دين صالح فيه ضعف. قال السيوطي في حسن المحاضرة هو أبو الحجاج المصري من عقيل. روى عن زياد بن فائد وحميد بن هاني وخلق. (4) الكلابي الكوفي، أبو محمد، روى عن عاصم الاحول وطبقته. قال فيه أحمد: ثقة وزيادة مع صلاح وشدة فقر. (5) عقبة بن خالد السكوني روى عن هشام بن عروة وطبقته. (6) أبو عمرو بن يونس بن أبي اسحاق السبيعي. ثقة مأمون، كان بصيرا بالنحو. وكان يغزو سنة ويحج سنة. (7) سمي بذلك لان جيشا من المسلمين نزلوا به فسرقت دوابهم. (*)

[ 218 ]

وإنما مراده بمقامه بالرقة ردع المفسدين بها، وقد قال العباس بن الاحنف في خروجهم من بغداد مع الرشيد: ما أنخنا حتى ارتحلنا فما ن‍ * فرق بين المناخ والارتحال ساءلونا عن حالنا إذ قدمنا * فقرنا وداعهم بالسؤال وفيها فادى الرشيد الاسارى من المسلمين الذين كانوا ببلاد الروم، حتى يقال إنه لم يترك بها أسيرا من المسلمين. فقال فيه بعض الشعراء: وفكت بك الاسرى التي شيدت لها * محابس ما فيها حميم يزورها على حين أعيا المسلمين فكاكها * وقالوا سجون المشركين قبورها وفيها رابط القاسم بن الرشيد بمرج دابق يحاصر الروم. وفيها حج بالناس العباس بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. ذكر من توفي فيها من الاعيان علي بن حمزة بن عبد الله بن فيروز أبو الحسن الاسدي مولاهم، الكوفي المعروف بالكسائي لاحرامه في كساء، وقيل لاشتغاله على حمزة الزيات في كساء، كان نحويا لغويا أحد أئمة القراء، أصله من الكوفة ثم استوطن بغداد، فأدب الرشيد وولده الامين، وقد قرأ على حمزة بن حبيب الزيات قراءته، وكان يقرئ بها، ثم اختار لنفسه قراءة وكان يقرأ بها. وقد روى عن أبي بكر بن عياش وسفيان بن عيينة وغيرهما، وعنه يحيى بن زياد الفراء وأبو عبيد. قال الشافعي: من أراد النحو فهو عيال على الكسائي. أخذ الكسائي عن الخليل صناعة النحو فسأله يوما: عن من أخذت هذا العلم ؟ قال: من بوادي الحجاز. فرحل الكسائي إلى هناك فكتب عن العرب شيئا كثيرا، ثم عاد إلى الخليل فإذا هو قد مات وتصدر في موضعه يونس، فجرت بينهما مناظرات أقر له فيها يونس بالفضل، وأجلسه في موضعه. قال الكسائي: صليت يوما بالرشيد فأعجبتني قراءتي، فغلطت غلطة ما غلطها صبي، أردت أن أقول لعلهم يرجعون، فقلت لعلهم ترجعين، فما تجاسر الرشيد أن يردها. فما سلمت قال: أي لغة هذه ؟ فقلت: إن الجواد قد يعثر. فقال: أما هذا فنعم. وقال بعضهم: لقيت الكسائي فإذا هو مهموم، فقلت: ما لك ؟ فقال: إن يحيى بن خالد قد وجه إلي ليسألني عن أشياء فأخشى من الخطأ، فقلت: قل ما شئت فأنت الكسائي، فقال: قطعه الله - يعني لسانه - إن قلت ما لم أعلم. وقال الكسائي يوما قلت لنجار: بكم هذان البابان ؟ فقال: بسالجيان يا مصفعان. توفي الكسائي في هذه السنة على المشهور، عن سبعين سنة. وكان في صحبة الرشيد ببلاد الري

[ 219 ]

فمات بنواحيها هو ومحمد بن الحسن في يوم واحد، وكان الرشيد يقول: دفنت الفقه والعربية بالري. قال ابن خلكان: وقيل إن الكسائي توفي بطوس سنة ثنتين وثمانين ومائة، وقد رأى بعضهم الكسائي في المنام ووجهه كالبدر فقال: ما فعل بك ربك ؟ فقال: غفر لي بالقرآن. فقلت: ما فعل حمزة ؟ قال: ذاك في عليين، ما نراه إلا كما نرى الكوكب. وفيها توفي: محمد بن الحسن بن زفر أبو عبد الله الشيباني مولاهم، صاحب أبي حنيفة. أصله من قرية (1) من قرى دمشق، قدم أبوه العراق فولد بواسط سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ونشأ بالكوفة فسمع من أبي حنيفة ومسعر والثوري وعمر بن ذر ومالك بن مغول، وكتب عن مالك بن أنس والاوزاعي وأبي يوسف، وسكن بغداد وحدث بها، وكتب عنه الشافعي حين قدمها في سنة أربع وثمانين ومائة، وولاه الرشيد قضاء الرقة ثم عزله. وكان يقول لاهله: لا تسألوني حاجة من حاجات الدنيا فتشغلوا قلبي. وخذوا ما شئتم من مالي فإنه أقل لهمي وأفرغ لقلبي. وقال الشافعي: ما رأيت حبرا سمينا مثله، ولا رأيت أخف روحا منه، ولا أفصح منه. كنت إذا سمعته يقرأ القرآن كأنما ينزل القرآن بلغته. وقال أيضا: ما رأيت أعقل منه، كان يملا العين والقلب، قال الطحاوي: كان الشافعي قد طلب من محمد بن الحسن كتاب السير فلم يجبه إلى الاعارة فكتب إليه: قل للذي لم تر عيناي مثله * حتى كأن من رآه قد رأى من قبله العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله * لعله ببذله لاهله لعله قال: فوجه به إليه في الحال هدية لا عارية. وقال إبراهيم الحربي: قيل لاحمد بن حنبل: هذه المسائل الدقاق من أين هي لك ؟ قال: من كتب محمد بن الحسن رحمه الله. وقد تقدم أنه مات هو والكسائي في يوم واحد من هذه السنة. فقال الرشيد: دفنت اليوم اللغة والفقه جميعا. وكان عمره ثمانية وخمسين سنة. ثم دخلت سنة تسعين ومائة من الهجرة فيها خلع رافع بن ليث بن نصر بن سيار نائب سمرقند الطاعة ودعا إلى نفسه (2)، وتابعه أهل بلده وطائفة كثيرة من تلك الناحية، واستفحل أمره، فسار إليه نائب خراسان علي بن عيسى فهزمه


(1) وهي حرستا على باب دمشق في وسط الغوطة (2) قال في الاخبار الطوال ص 391: وكان سبب خروجه أن علي بن عيسى بن ماهان لما ولي خراسان أساء السيرة. وتحامل على من كان بها من العرب. وأظهر الجور وانظر الطبري 10 / 98 وابن الاثير 6 / 195. (*)

[ 220 ]

رافع وتفاقم الامر به. وفيها سار الرشيد لغزو بلاد الروم لعشر بقين من رجب، وقد لبس على رأسه قلنسوة فقال فيها أبو المعلا الكلابي: فمن يطلب لقاءك أو يرده * فبالحرمين أو أقصى الثغور ففي أرض العدو على طمر * وفي أرض الترفه فوق كور وما حاز الثغور سواك خلق * من المتخلفين على الامور فسار حتى وصل إلى الطوانة فعسكر بها وبعث إليه نقفور بالطاعة وحمل الخراج والجزية حتى عن رأس ولده ورأسه، وأهل مملكته، في كل سنة خمسة عشر ألف دينار، وبعث يطلب من الرشيد جارية قد أسروها وكانت ابنة ملك هرقلة (1)، وكان قد خطبها على ولده، فبعث بها الرشيد مع هدايا وتحف وطيب بعث يطلبه من الرشيد، واشترط عليه الرشيد أن يحمل في كل سنة ثلثمائة ألف دينار، وأن لا يعمر هرقلة. ثم انصرف الرشيد راجعا واستناب على الغزو عقبة بن جعفر ونقض أهل قبرص العهد فغزاهم معيوف بن يحيى، فسبى أهلها وقتل منهم خلقا كثيرا. وخرج رجل من عبد القيس فبعث إليه الرشيد من قتله. وحج بالناس فيها عيسى بن موسى الهادي. من توفي فيها من الاعيان والمشاهير أسد بن عمرو بن عامر أبو المنذر البجلي الكوفي صاحب أبي حنيفة، حكم ببغداد وبواسط، فلما انكف بصره عزل نفسه عن القضاء. قال أحمد بن حنبل: كان صدوقا. ووثقه ابن معين، وتكلم فيه علي بن المديني والبخاري. وسعدون المجنون صام ستين سنة فخف دماغه فسماه الناس مجنونا، وقف يوما على حلقة ذي النون المصري فسمع كلامه فصرخ ثم أنشأ يقول: ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى * ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر وقال الاصمعي: مررت به وهو جالس عند رأس شيخ سكران يذب عنه، فقلت له: ما لي أراك عند رأس هذا الشيخ ؟ فقال: إنه مجنون. فقلت: أنت مجنون أو هو ؟ قال: لا بل هو، لاني صليت الظهر والعصر في جماعة وهو لم يصل جماعة ولا فرادى. وهو مع هذا قد شرب الخمر وأنا لم أشربها. قلت: فهل قلت في هذا شيئا ؟ قال: نعم، ثم أنشأ يقول: تركت النبيذ لاهل النبيذ * وأصبحت أشرب ماء قراحا لان النبيذ يذل العزيز * ويكسو السواد الوجوه الصباحا فإن كان ذا جائزا للشباب * فما العذر منه إذا الشيب لاحا


(1) نسخة كتاب نقفور إلى الرشيد في شأن ابنته الاسيرة في الطبري 10 / 99. (*)

[ 221 ]

قال الاصمعي: فقلت له: صدقت، أنت العاقل وهو المجنون. وعبيدة بن حميد بن صهيب، أبو عبد الرحمن التميمي الكوفي، مؤدب الامين. روى عن الاعمش وغيره، وعنه أحمد بن حنبل. وكان يثني عليه. وفيها توفي: يحيى بن خالد بن برمك أبو علي الوزير والد جعفر البرمكي، ضم إليه المهدي ولده الرشيد فرباه، وأرضعته امرأته مع الفضل بن يحيى، فلما ولي الرشيد عرف له حقه، وكان يقول: قال أبي، قال أبي. وفوض إليه أمور الخلافة وأزمتها، ولم يزل كذلك حتى نكبت البرامكة فقتل جعفر وخلد أباه يحيى في الحبس حتى مات في هذه السنة. وكان كريما فصيحا، ذا رأي سديد، يظهر من أموره خير وصلاح. قال يوما لولده: خذوا من كل شئ طرفا، فإن من جهل شيئا عاداه. وقال لاولاده: أكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون. وكان يقول لهم: إذا أقبلت الدنيا فأنفقوا منها فإنها لا تبقى، وإذا أدبرت فأنفقوا منها فإنها لا تبقى، وكان إذا سأله سائل في الطريق وهو راكب أقل ما يأمر له بمائتي درهم فقال رجل يوما: يا سمي الحصور (1) يحيى * أتيحت لك من فضل ربنا جنتان كل من مر في الطريق عليكم * فله من نوالكم مائتان مائتا درهم لمثلي قليل * هي (2) للفارس العجلان فقال: صدقت. وأمر فسبق به إلى الدار، فلما رجع سأل عنه فإذا هو قد تزوج وهو يريد أن يدخل على أهله فأعطاه صداقها أربعة آلاف، وعن دار أربعة آلاف، وعن الامتعة أربعة آلاف. وكلفة الدخول أربعة آلاف، وأربعة آلاف يستظهر بها. وجاء رجل يوما فسأله شيئا فقال: ويحك لقد جئتني في وقت لا أملك فيه مالا، وقد بعث إلي صاحب لي يطلب مني أن يهدي إلي ما أحب، وقد بلغني أنك تريد أن تبيع جارية لك، وأنك قد أعطيت فيها ثلاثة آلاف دينار، وإني سأطلبها فلا تبعها منه بأقل من ثلاثين ألف دينار. فجاؤوني فبلغوا معي بالمساومة إلى عشرين ألف دينار، فلما سمعتها ضعف قلبي عن ردها، وأجبت إلى بيعها، فأخذها وأخذت العشرين ألف دينار. فأهداها إلى يحيى، فلما اجتمعت بيحيى قال: بكم بعتها ؟ قلت: بعشرين ألف دينار. قال: إنك لخسيس خذ جاريتك إليك وقد بعث إلى صاحب فارس يطلب مني أن أستهديه شيئا، وإني سأطلبها منه فلا تبعها بأقل من خمسين ألف دينار. فجاؤوني فوصلوا في ثمنها إلى ثلاثين ألف دينار، فبعتها منهم. فلما جئته لامني أيضا


(1) الحصور: الذي لم يتزوج، ويحيى المشار إليه هنا هو يحيى بن زكريا. (2) في وفيات الاعيان 6 / 223: هي منكم للقابس. (*)

[ 222 ]

وردها علي، فقلت: أشهدك أنها حرة وأني قد تزوجتها، وقلت: جارية قد أفادتني خمسين ألف دينار لا أفرط فيها بعد اليوم. وذكر الخطيب أن الرشيد طلب من منصور بن زياد عشرة آلاف ألف درهم، ولم يكن عنده منها سوى ألف ألف درهم، فضاق ذرعا، وقد توعده بالقتل وخراب الديار إن لم يحملها في يومه ذلك، فدخل على يحيى بن خالد وذكر أمره فأطلق له خمسة آلاف ألف، واستطلق له من ابنه الفضل ألفي ألف، وقال لابنه: يا بني بلغني أنك تريد أن تشتري بها ضيعة. وهذه ضيعة تغل الشكر وتبقى مدى الدهر. وأخذ له من ابنه جعفر ألف ألف، ومن جاريته دنانير عقدا اشتراه بمائة ألف دينار، وعشرون ألف دينار، وقال للمترسم عليه: قد حسبناه عليك بألفي ألف. فلما عرضت الاموال على الرشيد رد العقد، وكان قد وهبه لجارية يحيى، فلم يعد فيه بعد إذ وهبه. وقال له بعض بنيه وهم في السجن والقيود: يا أبت بعد الامر والنهي والنعمة صرنا إلى هذا الحال، فقال: يا بني دعوة مظلوم سرت بليل ونحن عنها غافلون ولم يغفل الله عنها. ثم أنشأ يقول: رب قوم قد غدوا في نعمة * زمنا والدهر ريان غدق سكت الدهر زمانا عنهم * ثم أبكاهم دما حين نطق وقد كان يحيى بن خالد هذا يجري على سفيان بن عيينة كل شهر ألف درهم، وكان سفيان يدعو له في سجوده يقول: اللهم إنه قد كفاني المؤنة وفرغني للعبادة فاكفه أمر آخرته. فلما مات يحيى رآه بعض أصحابه في المنام فقال: ما فعل الله بك ؟ قال: غفر لي بدعاء سفيان. وقد كانت وفاة يحيى بن خالد رحمه الله في الحبس في الرافقة لثلاث خلون من المحرم من هذه السنة عن سبعين سنة، وصلى عليه ابنه الفضل، ودفن على شط الفرات، وقد وجد في جيبه رقعة مكتوب فيها بخطه: قد تقدم الخصم والمدعا عليه بالاثر، والحاكم الحكم العدل الذي لا يجوز ولا يحتاج إلى بينة. فحملت إلى الرشيد فلما قرأها بكى يومه ذلك، وبقي أياما يتبين الاسى في وجهه. وقد قال بعض الشعراء في يحيى بن خالد: سألت الندا هل أنت حر فقال لا * ولكنني عبد ليحيى بن خالد فقلت شراء قال لا بل وراثة * توارث رقي والد بعد والد (1)


(1) ذكرهما صاحب شذرات الذهب ونسبهما لكلثوم العتابي باختلاف: 1 / 327: سألت الندى والجود حران أنتما ؟ * فقالا: كلانا عبد يحيى بن خالد فقلت: شراء ذلك الملك قال لا * ولكن ارثا والدا بعد والد (*)

[ 223 ]

ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة فيها خرج رجل بسواد العراق يقال له ثروان بن سيف، وجعل يتنقل فيها من بلد إلى بلد، فوجه إليه الرشيد طوق بن مالك فهزمه وجرح ثروان وقتل عامة أصحابه، وكتب بالفتح إلى الرشيد. وفيها خرج بالشام أبو النداء فوجه إليه الرشيد يحيى بن معاذ واستنابه على الشام. وفيها وقع الثلج ببغداد. وفيها غزا بلاد الروم يزيد بن مخلد الهبيري في عشرة آلاف، فأخذت عليه الروم المضيق فقتلوه في خمسين من أصحابه على مرحلتين من طرسوس، وانهزم الباقون، وولى الرشيد غزو الصائفة لهرثمة بن أعين، وضم إليه ثلاثين ألفا فيهم مسرور الخادم، وإليه النفقات. وخرج الرشيد إلى الحدث ليكون قريبا منهم. وأمر الرشيد بهدم الكنائس والديور، وألزم أهل الذمة بتمييز لباسهم وهيآتهم في بغداد وغيرها من البلاد. وفيها عزل الرشيد علي بن موسى عن إمرة خراسان وولاها هرثمة بن أعين. وفيها فتح الرشيد هرقلة في شوال وخربها وسبى أهلها وبث الجيوش والسرايا بأرض الروم إلى عين زربة، والكنيسة السوداء. وكان دخل هرقلة في كل يوم مائة ألف وخمسة وثلاثين ألف مرتزق، وولى حميد بن معيوف سواحل الشام إلى مصر، ودخل جزيرة قبرص فسبى أهلها وحملهم حتى باعهم بالرافقة، فبلغ ثمن الاسقف ألفي دينار، باعهم أبو البختري القاضي. وفيها أسلم الفضل بن سهل على يدي المأمون. وحج بالناس فيها الفضل بن عباس بن محمد بن علي العباسي، وكان والي مكة، ولم يكن للناس بعد هذه السنة صائفة إلى سنة خمس عشرة ومائتين. وفيها توفي من الاعيان: سلمة بن الفضل الابرش (1)، وعبد الرحمن بن القاسم الفقيه الراوي عن مالك بن يونس بن أبي إسحاق، قدم على الرشيد فأمر له بمال جزيل، نحوا من خمسين ألفا فلم يقبله. والفضل بن موسى الشيباني (2). ومحمد بن سلمة (3)، ومحمد بن الحسين المصيصي أحد الزهاد الثقات. قال لم أتكلم بكلمة أحتاج إلى الاعتذار منها منذ خمسين سنة. وفيها توفي معمر الرقي.


(1) قاضي الري وراوي المغازي عن ابن اسحاق مختلف في الاحتجاج ولكنه في ابن اسحاق ثقة. (2) في ابن الاثير 6 / 206: السيناني: نسبة إلى سينان وهي قرية من قرى مرو. وهو مولى بني قطيعة وشيخ مرو ومحدثها. ثقة. (3) الحراني الفقيه محدث حران ومفتيها روى عن هشام بن حسان وطبقته. قال ابن سعد: ثقة فاضل له رواية وفتوى. (*)

[ 224 ]

ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين ومائة فيها دخل هرثمة بن أعين إلى خراسان نائبا عليها، وقبض على علي بن عيسى فأخذ أمواله وحواصله وأركبه على بعير وجهه لذنبه ونادى عليه ببلاد خراسان، وكتب إلى الرشيد بذلك فشكره على ذلك، ثم أرسله إلى الرشيد بعد ذلك فحبس بداره ببغداد. وفيها ولى الرشيد ثابت بن نصر بن مالك نيابة الثغور فدخل بلاد الروم وفتح مطمورة. وفيها كان الصلح بين المسلمين والروم على يد ثابت بن نصر. وفيها خرجت الخرمية بالجبل وبلاد أذربيجان. فوجه الرشيد إليهم عبد الله بن مالك بن الهيثم الخزاعي في عشرة آلاف فارس فقتل منهم خلقا وأسر وسبى ذراريهم، وقدم بهم بغداد فأمر له الرشيد بقتل الرجال منهم، وبالذرية فبيعوا فيها. وكان قد غزاهم قبل ذلك خزيمة بن خازم. وفي ربيع الاول منها قدم الرشيد من الرقة إلى بغداد في السفن وقد استخلف على الرقة ابنه القاسم وبين يديه خزيمة بن خازم، ومن نية الرشيد الذهاب إلى خراسان لغزو رافع بن ليث الذي كان قد خلع الطاعة واستحوذ على بلاد كثيرة من بلاد سمرقند وغيرها، ثم خرج الرشيد في شعبان قاصدا خراسان، واستخلف على بغداد انبه محمدا الامين، وسأل المأمون من أبيه أن يخرج معه خوفا من غدر أخيه الامين، فأذن له فسار معه وقد شكا الرشيد في أثناء الطريق إلى بعض أمرائه جفاء بنيه الثلاثة الذين جعلهم ولاة العهد من بعده، وأراه داء في جسده، وقال إن لكل واحد من الامين والمأمون والقاسم عندي عينا علي، وهم يعدون أنفاسي ويتمنون انقضاء أيامي، وذلك شر لهم لو كانوا يعلمون. فدعا له ذلك الامير ثم أمر له الرشيد بالانصراف إلى عمله وودعه، وكان آخر العهد به. وفيها تحرك ثروان الحروري وقتل عامل السلطان بطف البصرة. وفيها قتل الرشيد الهيصم اليماني. ومات عيسى بن جعفر وهو يريد اللحاق بالرشيد فمات في الطريق. وفيها حج بالناس العباس بن عبد الله بن جعفر بن أبي جعفر المنصور. وفيها توفي: إسماعيل بن جامع ابن إسماعيل بن عبد الله بن المطلب بن أبي وداعة (1) أبو القاسم، أحد المشاهير بالغناء، كان ممن يضرب به المثل، وقد كان أولا يحفظ القرآن ثم صار إلى صناعة الغناء وترك القرآن، وذكر عنه أبو الفرج بن علي بن الحسين صاحب الاغاني حكايات غريبة، من ذلك أنه قال كنت يوما مشرفا من غرفة (2) بحران إذ أقبلت جارية سوداء معها قربة تستقي الماء، فجلست ووضعت قربتها واندفعت تغني:


(1) اسم أبي وداعة: الحارث أسر يوم بدر وفداه ابنه المطلب بأربعة الآف درهم. وهو أول أسير فدي يوم بدر. (2) في الاغاني 6 / 335: مشرعة. والمشرعة مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويستقون. وتسمي العرب المشرعة إذا كان الماء فيها لا انقطاع له كماء الانهار. (*)

[ 225 ]

إلى الله أشكو بخلها وسماحتي * لها عسل مني وتبذل علقما فردي مصاب القلب أنت قتلته * ولا تتركيه هائم القلب مغرما (1) قال: فسمعت ما لا صبر لي عنه ورجوت أن تعيده فقامت وانصرفت، فنزلت وانطلقت وراءها وسألتها أن تعيده فقالت: إن علي خراجا كل يوم درهمين، فأعطيتها درهمين فأعادته فحفظته وسلكته يومي ذلك، فلما أصبحت أنسيته فأقبلت السوداء فسألتها أن تعيده فلم تفعل إلا بدرهمين، ثم قالت: كأنك تستكثر أربعة دراهم، كأني بك وقد أخذت عليه أربعة آلاف دينار. قال فغنيته ليلة للرشيد فأعطاني ألف دينار، ثم استعادنيه ثلاث مرات أخرى وعطاني ثلاثة آلاف دينار، فتبسمت فقال: مم تبسمت ؟ فذكرت له القصة فضحك وألقى إلي كيسا آخر فيه ألف دينار. وقال: لا أكذب السوداء. وحكى عنه أيضا قال: أصبحت يوما بالمدينة وليس معي إلا ثلاثة دراهم، فإذا جارية على رقبتها جرة تريد الركي (2) وهي تسعى وتترنم بصوت شجي: شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا * فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا وذاك لان النوم يغشى عيونهم * سريعا ولا يغشى (3) لنا النوم أعينا إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى * جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا فلو أنهم كانوا يلاقون مثلما * نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا قال: فاستعدته منها وأعطيتها الدراهم الثلاثة فقالت: لتأخذن بدلها ألف دينار، وألف دينار وألف دينار. فأعطاني الرشيد ثلاثة آلاف دينار في ليلة على ذلك الصوت. وفيها توفي: بكر بن النطاح أبو وائل الحنفي البصري الشاعر المشهور، نزل بغداد زمن الرشيد، وكان يخالط أبا العتاهية. قال أبو عفان: أشعر أهل العدل من المحدثين أربعة، أولهم بكر بن النطاح. وقال المبرد: سمعت الحسن بن رجاء يقول اجتمع جماعة من الشعراء ومعهم بكر بن النطاح يتناشدون، فلما فرغوا من طوالهم أنشد بكر بن النطاح لنفسه: ما ضرها لو كتبت بالرضى * فجف جفن العين أو أغمضا شفاعة مردودة عندها * في عاشق يود لو قد قضى يا نفس صبرا واعلمي أنما * يأمل منها مثلما قد مضى


(1) ويروى: ولا تبعدي فيما تجشمت كلثما. (2) الركي: جنس للركية وهي البئر. (3) في الاغاني 6 / 311: سراعا وما يغشى. (*)

[ 226 ]

لم تمرض الاجفان من قاتل * بلحظه إلا لان أمرضا قال: فابتدروه يقبلون رأسه. ولما مات رثاه أبو العتاهية فقال: مات ابن نطاح أبو وائل * بكر فأمسى الشعر قد بانا وفيها توفي بهلول المجنون، كان يأوي إلى مقابر الكوفة، وكان يتكلم بكلمات حسنة، وقد وعظ الرشيد وغيره كما تقدم. وعبد الله بن إدريس الاودي الكوفي، سمع الاعمش وابن جريج وشعبة ومالكا وخلقا سواهم. وروى عنه جماعات من الائمة، وقد استدعاه الرشيد ليوليه القضاء فقال: لا أصلح، وامتنع أشد الامتناع، وكان قد سأل قبله وكيعا فامتنع أيضا، فطلب حفص بن غياث فقبل. وأطلق لكل واحد خمسة آلاف عوضا عن كلفته التي تكلفها في السفر، فلم يقبل وكيع ولا ابن إدريس، وقبل ذلك حفص، فحلف ابن إدريس لا يكلمه أبدا. وحج الرشيد في بعض السنين فاجتاز بالكوفة ومعه القاضي أبو يوسف والامين والمأمون، فأمر الرشيد أن يجتمع شيوخ الحديث ليسمعوا ولديه، فاجتمعوا إلا ابن إدريس هذا، وعيسى بن يونس. فركب الامين والمأمون بعد فراغهما من سماعهما على من اجتمع من المشايخ إلى ابن إدريس فأسمعهما مائة حديث، فقال له المأمون: يا عم إن أردت أعدتها من حفظي، فأذن له فأعادها من حفظه كما سمعها، فتعجب لحفظه. ثم أمر له المأمون بعشرة آلاف فلم يقبلها، فظن أنه استقلها فأضعفها فقال: والله لو ملات لي المسجد مالا إلى سقفه ما قبلت منه شيئا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما احتضر ابن إدريس بكت ابنته فقال: علام تبكي ؟ فقد ختمت في هذا البيت أربعة آلاف ختمة. صعصعة بن سلام ويقال ابن عبد الله أبو عبد الله الدمشقي، ثم تحول إلى الاندلس فاستوطنها في زمن عبد الملك بن معاوية وابنه هشام، وهو أول من أدخل علم الحديث ومذهب الاوزاعي إلى بلاد الاندلس، وولي الصلاة بقرطبة، وفي أيامه غرست الاشجار بالمسجد الجامع هناك كما يراه الاوزاعي والشاميون ويكرهه مالك وأصحابه. وقد روى عن مالك والاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز. وروى عنه جماعة منهم عبد الملك بن حبيب الفقيه، وذكره في كتاب الفقهاء، وذكره ابن يونس في تاريخه - تاريخ مصر - والحميدي في تاريخ الاندلس، وحرر وفاته في هذه السنة. وحكى عن شيخه ابن حزم أن صعصعة هذا أول من أدخل مذهب الاوزاعي إلى الاندلس. وقال ابن يونس: أول من أدخل علم الحديث إليها. وذكر أنه توفي قريبا من سنة ثمانين ومائة، والذي حرره الحميدي في هذه السنة أثبت.

[ 227 ]

علي بن ظبيان أبو الحسن العبسي قاضي الشرقية من بغداد، ولاه الرشيد ذلك. كان ثقة عالما من أصحاب أبي حنيفة، ثم ولاه الرشيد قضاء القضاة، وكان الرشيد يخرج معه إذا خرج من عنده، مات بقوميسين في هذه السنة. العباس بن الاحنف ابن الاسود بن طلحة الشاعر المشهور، كان من عرب خراسان ونشأ ببغداد، وكان لطيفا ظريفا مقبولا حسن الشعر. قال أبو العباس قال عبد الله بن المعتز: لو قيل لي من أحسن الناس شعرا تعرفه ؟ لقلت العباس: قد سحب الناس أذيال الظنون بنا * وفرق الناس فينا قولهم فرقا فكاذب قد رمى بالظن (1) غيركم * وصادق ليس يدري أنه صدقا وقد طلبه الرشيد ذات ليلة في أثناء الليل فانزعج لذلك وخاف نساؤه، فلما وقف بين يدي الرشيد قال له: ويحك إنه قد عن لي بيت في جارية لي فأحببت أن تشفعه بمثله، فقال: يا أمير المؤمنين ما خفت أعظم من هذه الليلة، فقال: ولم ؟ فذكر له دخول الحرس عليه في الليل، ثم جلس حتى سكن روعه ثم قال: ما قلت يا أمير المؤمنين ؟ فقال: حنان قد رأيناها * فلم نر مثلها بشرا يزيدك وجهها حسنا * إذا ما زدته نظرا فقال الرشيد: زد. فقال: إذا ما الليل مال علي‍ * ك بالاظلام واعتكرا ودج فلم تر فجرا (2) * فأبرزها تر قمرا فقال: إنا قد رأيناها، وقد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم. ومن شعره الذي أقر له فيه بشار بن برد وأثبته في سلك الشعراء بسببه قوله: أبكي الذين أذاقوني مودتهم * حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا واستنهضوني فلما قمت منتصبا * بثقل ما حملوني منهم قعدوا


(1) في الاغاني 8 / 367: بالحب. (2) في وفيات الاعيان 3 / 22: قمرا. (*)

[ 228 ]

وله أيضا: وحدثتني يا سعد عنها فزدتني * جنونا فزدني من حديثك يا سعد هواها هوى لم يعرف القلب غيره * فليس له قبل وليس له بعد قال الاصمعي: دخلت على العباس بن الاحنف بالبصرة وهو طريح على فراشه يجود بنفسه وهو يقول: يا بعيد (1) الدار عن وطنه * مفردا يبكي على شجنه كلما جد النحيب (2) به * زادت الاسقام في بدنه ثم أغمي عليه ثم انتبه بصوت طائر على شجرة فقال: ولقد زاد الفؤاد شجا * هاتف (3) يبكي على فننه شاقه ما شاقني (4) فبكى * كلنا يبكي على سكنه قال ثم أغمي عليه أخرى فحركته فإذا هو قد مات. قال الصولي: كانت وفاته في هذه السنة، وقيل بعدها، وقيل قبلها في سنة ثمان وثمانين ومائة فالله أعلم. وزعم بعض المؤرخين أنه بقي بعد الرشيد. عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور أخو زبيدة، كان نائبا على البصرة في أيام الرشيد فمات في أثناء هذه السنة. وفيها توفي: الفضل بن يحيى ابن خالد بن برمك أخو جعفر وأخوته، كان هو والرشيد يتراضعان. أرضعت الخيزران فضلا، وأرضعت أم الفضل وهي زبيدة بنت بن بريه هارون الرشيد. وكانت زبيدة هذه من مولدات بتبين البرية، وقد قال في ذلك بعض الشعراء (5):


(1) في مروج الذهب 4 / 127 ووفيات الاعيان 3 / 26: يا غريب. (2) في مروج الذهب: البكاء به............ * دبت الاسقام.............. (3) في مروج الذهب والوفيات: طائر. (4) في مروج الذهب: شفه ما شفني. (5) هو مروان بن أبي حفصة كما في الفخري ووفيات الاعيان. (*)

[ 229 ]

كفى لك فضلا أن أفضل حرة (1) * غذتك بثدي والخليفة واحد لقد زنت يحيى في المشاهد كلها * كما زان يحيى خالدا في المشاهد قالوا: وكان الفضل أكرم من أخيه جعفر، ولكن كان فيه كبر شديد، وكان عبوسا، وكان جعفر أحسن بشرا منه وأطلق وجها، وأقل عطاء. وكان الناس إليه أميل، ولكن خصلة الكرم تغطي جميع القبائح، فهي تستر تلك الخصلة التي كانت في الفضل. وقد وهب الفضل لطباخه مائة ألف درهم فعابه أبوه على ذلك، فقال: يا أبت إن هذا يصحبني في العسر واليسر والعيش الخشن، واستمر معي في هذا الحال فأحسن صحبتي، وقد قال بعض الشعراء: إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا * من كان يعتادهم في المنزل الخشن ووهب يوما لبعض الادباء عشرة آلاف دينار فبكى الرجل فقال له: مم تبكي، أستقللتها ؟ قال: لا والله، ولكني أبكي أن الارض تأكل مثلك، أو تواري مثلك. وقال علي بن الجهم عن أبيه: أصبحت يوما لا أملك شيئا حتى ولا علف الدابة. فقصدت الفضل بن يحيى، فإذا هو قد أقبل من دار الخلافة في موكب من الناس، فلما رآني رحب بي وقال: هلم. فسرت معه، فلما كان ببعض الطريق سمع غلاما يدعو جارية من دار، وإذا هو يدعوها باسم جارية له يحبها، فانزعج لذلك وشكا إلي ما لقي من ذلك، فقلت: أصابك ما أصاب أخي بني عامر حيث يقول: وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى * فهيج أحزان الفؤاد ولا يدري دعا باسم ليلى غيرها وكأنما * أطار بليلى طائرا كان في صدري فقال: اكتب لي هذين البيتين. قال: فذهبت إلى بقال فرهنت عنده خاتمي على ثمن ورقة وكتبتهما له، فأخذهما وقال: انطلق راشدا. فرجعت إلى منزلي فقال لي غلامي: هات خاتمك حتى نرهنه على طعام لنا وعلف للدابة، فقلت: إني رهنته. فما أمسينا حتى أرسل إلي الفضل بثلاثين ألفا من الذهب، وعشرة آلاف من الورق، أجراه علي كل شهر، وأسلفني شهرا. ودخل على الفضل يوما بعض الاكابر فأكرمه الفضل وأجلسه معه على السرير، فشكا إليه الرجل دينا عليه وسأله أن يكلم في ذلك أمير المؤمنين. فقال: نعم، وكم دينك ؟ قال ثلاثمائة ألف ردهم. فخرج من عنده وهو مهموم لضعف رده عليه، ثم مال إلى بعض إخوانه فاستراح عنده ثم رجع إلى منزله فإذا المال قد سبقه إلى داره. وما أحسن ما قال فيه بعض الشعراء:


(1) في الفخري: كفى لك فخرا أن أكرم حرة. (*)

[ 230 ]

لك الفضل يا فضل بن يحيى بن خالد * وما كل من يدعى بفضل له فضل رأى الله فضلا منك في الناس واسعا * فسماك فضلا فالتقى الاسم والفعل وقد كان الفضل أكبر رتبة عند الرشيد من جعفر، وكان جعفر أحظى عند الرشيد منه وأخص. وقد ولي الفضل أعمالا كبارا، منها نيابة خراسان وغيرها. ولما قتل الرشيد البرامكة وحبسهم جلد الفضل هذا مائة سوط وخلده في الحبس حتى مات في هذه السنة، قبل الرشيد بشهور خمسة في الرقة وصلى عليه بالقصر الذي مات فيه أصحابه، ثم أخرجت جنازته فصلى عليها الناس، ودفن هناك وله خمس وأربعون سنة، وكان سبب موته ثقل أصابه في لسانه اشتد به يوم الخميس ويوم الجمعة، وتوفي قبل أذان الغداة من يوم السبت. قال ابن جرير: وذلك في المحرم من سنة ثلاث وتسعين مائة، وقال ابن الجوزي: في سنة ثنتين وتسعين فالله أعلم. وقد أطال بن خلكان ترجمته وذكر طرفا صالحا من محاسنه ومكارمه، من ذلك أنه ورد بلخ حين كان نائبا على خراسان، وكان بها بيت النار التي كانت تعبدها المجوس، وقد كان جده برمك من خدامها، فهدم بعضه ولم يتمكن من هدمه كله، لقوة إحكامه، وبنى مكانه مسجدا لله تعالى. وذكر أنه كان يتمثل في السجن بهذه الابيات ويبكي: إلى الله فيما نالنا نرفع الشكوى * ففي يده كشف المضرة والبلوى خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها * فلا نحن في الاموات فيها ولا الاحيا إذا جاءنا السجان يوما لجاجة * عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا (1) ومحمد بن أمية الشاعر الكاتب، وهو من بيت كلهم شعراء، وقد اختلط أشعار بعضهم في بعض. ومنصور بن الزبرقان ابن سلمة أبو الفضل النميري الشاعر، امتدح الرشيد، وأصله من الجزيرة وأقام ببغداد ويقال لجده مطعم الكبش الرخم، وذلك أنه أضاف يوما فجعلت الرخم تحوم حولهم، فأمر بكبش يذبح للرخم حتى لا يتأذى بها ضيفانه، ففعل له ذلك. فقال الشاعر فيه: أبوك زعيم بني قاسط * وخالك ذو الكبش يغذي الرخم وله أشعار حسنة، وكان يروي عن كلثوم بن عمرو، وكان شيخه الذي أخذ عنه الغناء.


(1) نسبها ابن خلكان لصالح بن عبد القدوس، وقيل إنها لعلي بن الخليل، وقال غيره هي لابي العتاهية. (*)

[ 231 ]

يوسف بن القاضي أبي يوسف سمع الحديث من السري بن يحيى، ويونس بن أبي إسحاق، ونظر في الرأي وتفقه، وولي قضاء الجانب الشرقي ببغداد في حياة أبيه أبي يوسف، وصلى بالناس الجمعة بجامع المنصور عن أمر الرشيد. توفي في رجب من هذه السنة وهو قاضي ببغداد. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة قال ابن جرير: في المحرم منها توفي الفضل بن يحيى، وقال ابن الجوزي توفي الفضل في سنة ثنتين وتسعين كما تقدم. وما قاله ابن جرير أقرب. قال: وفيها توفي سعيد الجوهري، قال: وفيها وافى الرشيد جرجان وانتهت إليه خزائن علي بن عيسى تحمل على ألف وخمسمائة بعير، وذلك في صفر منها، ثم تحول منها إلى طوس وهو عليل، فلم يزل بها حتى كانت وفاته فيها. وفيها تواقع هرثمة نائب العراق هو ورافع بن الليث فكسره هرثمة وافتتح بخارى وأسر أخاه بشير بن الليث، فبعثه إلى الرشيد وهو بطوس قد ثقل عن السير، فلما وقف بين يديه شرع يترقق له فلم يقبل منه، بل قال: والله لو لم يبق من عمري إلا أن أحرك شفتي بقتلك لقتلتك، ثم دعا بقصاب فجزأه بين يديه أربعة عشر عضوا، ثم رفع الرشيد يديه إلى السماء يدعو الله أن يمكنه من أخيه رافع كما مكنه من أخيه بشير. وفاة الرشيد كان قد رأى وهو بالكوفة رؤيا أفزعته وغمه ذلك، فدخل عليه جبريل بن بختيشوع فقال: ما لك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: رأيت كفا فيها تربة حمراء خرجت من تحت سريري وقائلا يقول: هذه تربة هارون. فهون عليه جبريل أمرها وقال: هذه من أضغاث الاحلام من حديث النفس، فتناسها يا أمير المؤمنين. فلما سار يريد خراسان ومر بطوس واعتقلته العلة بها، ذكر رؤياه فهاله ذلك وقال لجبريل: ويحك ! أما تذكر ما قصصته عليه من الرؤيا ؟ فقال: بلى. فدعا مسرورا الخادم وقال: ائتني بشئ من تربة هذه الارض، فجاءه بتربة حمراء في يده، فلما رآها قال: والله هذه الكف التي رأيت، والتربة التي كانت فيها. قال جبريل: فوالله ما أتت عليه ثلاث حتى توفي، وقد أمر بحفر قبره قبل موته في الدار التي كان فيها، وهي دار حميد بن أبي غانم الطائي، فجعل ينظر إلى قبره وهو يقول: يا بن آدم تصير إلى هذا. ثم أمر أن يقرأوا القرآن في قبره، فقرأوه حتى ختموه وهو في محفة على شفير القبر ولما حضرته الوفاة احتبى بملاءة وجلس يقاسي سكرات الموت، فقال له بعض من حضر: لو اضطجعت كان أهون عليك. فضحك ضحكا صحيحا ثم قال: أما سمعت قول الشاعر: وإني من قوم كرام يزيدهم * شماسا وصبرا شدة الحدثان

[ 232 ]

مات ليلة السبت، وقيل ليلة الاحد مستهل جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، عن خمس، وقيل سبع وأربعين سنة. وكان ملكه ثلاثا وعشرين سنة. وهذه ترجمته هو هارون الرشيد أمير المؤمنين ابن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، القرشي الهاشمي، أبو محمد، ويقال أبو جعفر. وأمه الخيزران أم ولد. كان مولده في شوال سنة ست وقيل سبع، وقيل ثمان وأربعين ومائة، وقيل إنه ولد سنة خمسين ومائة، وبويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي في ربيع الاول سنة سبعين ومائة، بعهد من أبيه المهدي. روى الحديث عن أبيه وجده، وحدث عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتقوا النار ولو بشق تمرة " (1). أورده وهو على المنبر وهو يخطب الناس، وقد حدث عنه ابنه وسليمان الهاشمي والد إسحاق، ونباتة بن عمرو. وكان الرشيد أبيض طويلا سمينا جميلا، وقد غزا الصائفة في حياة أبيه مرارا، وعقد الهدنة بين المسلمين والروم بعد محاصرته القسطنطينية، وقد لقي المسلمون من ذلك جهدا جهيدا وخوفا شديدا، وكان الصلح مع امرأة ليون وهي الملقبة بأغسطه على حمل كثير تبذله للمسلمين في كل عام، ففرح المسلمون بذلك، وكان هذا هو الذي حدا أباه على البيعة له بعد أخيه في سنة وستين ومائة، ثم لما أفضت إليه الخلافة في سنة سبعين كان من أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزوا وحجا، ولهذا قال فيه أبو السعلي (2): فمن يطلب لقاءك أو يرده * فبالحرمين أو أقصى الثغور ففي أرض العدو على طمر * وفي أرض الترفه (3) فوق كور وما حاز الثغور سواك خلق * من المتخلفين على الامور وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم، وإذا حج أحج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة بالنفقة السابغة والكسوة التامة، وكان يحب التشبه بجده أبي جعفر المنصور إلا في العطاء، فإنه كان سريع العطاء جزيله، وكان يحب الفقهاء والشعراء ويعطيهم، ولا


(1) أخرجه البخاري في الادب والزكاة والرقاق والتوحيد، ومسلم في الزكاة ح‍ (66 - 67 - 68 - 70) والترمذي في القيامة (1) والزهد (37) والنسائي والدارمي في الزكاة وابن ماجه في المقدمة (13) والزكاة (38) وأحمد في المسند 1 / 288، 446 و 4 / 256، 358، 6 / 79، 138. (2) في الطبري 10 / 99: أبو المعالي الكلابي. (3) في فوات الوفيات 4 / 225: الثنية. (*)

[ 233 ]

يضيع لديه بر ومعروف، وكان نقش خاتمه لا إله إلا الله. وكان يصلي في كل يوم مائة ركعة تطوعا، إلى أن فارق الدنيا، إلا أن تعرض له علة، وكان ابن أبي مريم هو الذي يضحكه، وكان عنده فضيلة بأخبار الحجاز وغيرها، وكان الرشيد قد أنزله في قصره وخلطه بأهله. نبهه الرشيد يوما إلى صلاة الصبح فقام فتوضأ ثم أدرك الرشيد وهو يقرأ (وما لي لا أعبد الذي فطرني) [ يس: 22 ] فقال ابن أبي مريم: لا أدري والله. فضحك الرشيد وقطع الصلاة، ثم أقبل عليه وقال: ويحك اجتنب الصلاة والقرآن وقل فيما عدا ذلك. ودخل يوما العباس بن محمد على الرشيد ومعه برنية من فضة فيها غالية من أحسن الطيب، فجعل يمدحها ويزيد في شكرها، وسأل من الرشيد أن يقبلها منه فقبلها فاستوهبها منه ابن أبي مريم فوهبها له، فقال له العباس: ويحك ! جئت بشئ منعته نفسي وأهلي وآثرت به أمير المؤمنين سيدي فأخذته. فحلف ابن أبي مريم ليطيبن به استه، ثم أخذ منها شيئا فطلى به استه ودهن جوارحه كلها منها، والرشيد لا يتمالك نفسه من الضحك. ثم قال لخادم قائم عندهم يقال له خاقان: اطلب لي غلامي. فقال الرشيد: ادع له غلامه. فقال له: خذ هذه الغالية واذهب بها إلى ستك فمرها فلتطيب منها إستها حتى أرجع إليها فأنيكها. فذهب الضحك بالرشيد كل مذهب، ثم أقبل ابن أبي مريم على العباس بن محمد فقال له: جئت بهذه الغالية تمدحها عند أمير المؤمنين الذي ما تمطر السماء شيئا ولا تنبت الارض شيئا إلا وهو تحت تصرفه وفي يده ؟ وأعجب من هذا أن قيل لملك الموت: ما أمرك به هذا فأنفذه. وأنت تمدح هذه الغالية عنده كأنه بقال أو خباز أو طباخ أو تمار، فكاد الرشيد يهلك من شدة الضحك. ثم أمر لابن أبي مريم بمائة ألف درهم. وقد شرب الرشيد يوما دواء فسأله ابن أبي مريم أن يلي الحجابة في هذا اليوم، ومهما حصل له كان بينه وبين أمير المؤمنين، فولاه الحجابة، فجاءت الرسل بالهدايا من كل جانب، من عند زبيدة والبرامكة وكبار الامراء، وكان حاصله في هذا اليوم ستين ألف دينار، فسأله الرشيد في اليوم الثاني عما تحصل فأخبره بذلك، فقال له: فأين نصيبي ؟ فقال ابن أبي مريم: قد صالحتك عليه بعشرة آلاف تفاحة. وقد استدعى إليه أبا معاوية الضرير محمد بن حازم ليسمع منه الحديث قال أبو معاوية: ما ذكرت عنده حديثا إلا قال صلى الله وسلم على سيدي، وإذا سمع فيه موعظة بكى حتى يبل الثرى، وأكلت عنده يوما ثم قمت لاغسل يدي فصب الماء علي وأنا لا أراه، ثم قال: يا أبا معاوية أتدري من يصب عليك الماء ؟ قلت: لا. قال: يصب عليك أمير المؤمنين. قال أبو معاوية: فدعوت له، فقال: إنما أردت تعظيم العلم. وحدثه أبو معاوية يوما عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى، فقال عم الرشيد: أين التقيا يا أبا معاوية ؟ فغضب الرشيد من ذلك غضبا شديدا، وقال: أتعترض على الحديث ؟ علي بالنطع والسيف، فأحضر ذلك فقام الناس إليه يشفعون فيه فقال الرشيد: هذه زندقة. ثم أمر بسجنه وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا،

[ 234 ]

فأقسم عمه بالايمان المغلظة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بادرة مني وأنا أستغفر الله وأتوب إليه منها. فأطلقه. وقال بعضهم: دخلت على الرشيد وبين يديه رجل مضروب العنق والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول، فقال الرشيد: قتلته لانه قال القرآن مخلوق، فقتله على ذلك قربة إلى الله عزوجل. وقال بعض أهل العلم: يا أمير المؤمنين انظر هؤلاء الذين يحبون أبا بكر وعمر ويقد مونهما فأكرمهم بعز سلطانك، فقال الرشيد: أو لست كذلك ؟ أنا والله كذلك أحبهما وأحب من يحبهما وأعاقب من يبغضهما. وقال له ابن السماك: إن الله لم يجعل أحدا فوقك فاجتهد أن لا يكون فيهم أحد أطوع إلى الله منك. فقال: لئن كنت أقصرت في الكلام لقد أبلغت في الموعظة. وقال له الفضيل بن عياض - أو غيره - إن الله لم يجعل أحدا من هؤلاء فوقك في الدنيا، فاجهد نفسك أن لا يكون أحد منهم فوقك في الآخرة، فاكدح لنفسك وأعملها في طاعة ربك. ودخل عليه ابن السماك يوما فاستسقى الرشيد فاتي بقلة فيها ماء مبرد فقال لابن السماك: عظني. فقال: يا أمير المؤمنين ! بكم كنت مشتريا هذه الشربة لو منعتها ؟ فقال: بنصف ملكي. فقال: اشرب هنيئا، فلما شرب قال: أرأيت لو منعت خروجها من بدنك بكم كنت تشتري ذلك ؟ قال بنصف ملكي الآخر. فقال: إن ملكا قيمة نصفه شربة ماء، وقيمة نصفه الآخر بولة، لخليق أن لا يتنافس فيه. فبكى هارون. وقال ابن قتيبة: ثنا الرياشي سمعت الاصمعي يقول: دخلت على الرشيد وهو يقلم أظفاره يوم الجمعة فقلت له في ذلك فقال: أخذ الاظفار يوم الخميس من السنة، وبلغني أن أخذها يوم الجمعة ينفي الفقر. فقلت: يا أمير المؤمنين أو تخشى الفقر ؟ فقال: يا أصمعي وهل أحد أخشى للفقر مني ؟. وروى ابن عساكر عن إبراهيم المهدي قال: كنت يوما عند الرشيد فدعا طباخه فقال: أعندك في الطعام لحم جزور ؟ قال: نعم، ألوان منه. فقال: أحضره مع الطعام فلما وضع بين يديه أخذ لقمة منه فوضعها في فيه فضحك جعفر البرمكي، فترك الرشيد مضغ اللقمة وأقبل عليه فقال: مم تضحك ؟ قال: لا شئ يا أمير المؤمنين، ذكرت كلاما بيني وبين جاريتي البارحة. فقال له: بحقي عليك لما أخبرتني به. فقال: حتى تأكل هذه اللقمة، فألقاها من فيه وقال: والله لتخبرني. فقال: يا أمير المؤمنين بكم تقول إن هذا الطعام من لحم الجزور يقوم عليك ؟ قال: بأربعة دراهم. قال: لا والله، يا أمير المؤمنين بل بأربعمائة ألف درهم. قال: وكيف ذلك ؟ قال: إنك طلبت من طباخك لحم جزور قبل هذا اليوم بمدة طويلة فلم يوجد عنده، فقلت: لا يخلون المطبخ من لحم جزور، فنحن ننحر كل يوم جزور لاجل مطبخ أمير المؤمنين، لانا لا نشتري من السوق لحم جزور. فصرف في لحم الجزور من ذلك اليوم إلى هذا اليوم أربعمائة ألف درهم، ولم يطلب أمير المؤمنين لحم جزور إلا هذا

[ 235 ]

اليوم. قال جعفر: فضحكت لان أمير المؤمنين إنما ناله من ذلك هذه اللقمة. فهي على أمير المؤمنين بأربعمائة ألف. قال: فبكى الرشيد بكاء شديدا وأمر برفع السماط من بين يديه، وأقبل على نفسه يوبخها ويقول: هلكت والله يا هارون. ولم يزل يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة الظهر، فخرج فصلى بالناس ثم رجع يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة العصر، وقد أمر بألفي ألف تصرف إلى فقراء الحرمين في كل حرم ألف ألف صدقة، وأمر بآلفي ألف يتصدق بها في جانبي بغداد الغربي والشرقي، وبألف ألف يتصدق بها على فقراء الكوفة والبصرة. ثم خرج إلى صلاة العصر ثم رجع يبكي حتى صلى المغرب، ثم رجع، فدخل عليه أبو يوسف القاضي فقال: ما شأنك يا أمير المؤمنين باكيا في هذا اليوم ؟ فذكر أمره وما صرف من المال الجزيل لاجل شهوته، وإنما ناله منها لقمة. فقال أبو يوسف لجعفر: هل كان ما تذبحونه من الجزور يفسد، أو يأكله الناس ؟ قال: بل يأكله الناس. فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بثواب الله فيما صرفته من المال الذي أكله المسلمون في الايام الماضية، وبما يسره الله عليك من الصدقة، وبما رزقك الله من خشيته وخوفه في هذا اليوم، وقد قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [ الرحمن: 46 ]. فأمر له الرشيد بأربعمائة ألف. ثم استدعى بطعام فأكل منه فكان غداؤه في هذا اليوم عشاء. وقال عمرو بن بحر الجاحظ: اجتمع للرشيد من الجد والهزل ما لم يجتمع لغيره من بعده، كان أبو يوسف قاضيه، والبرامكة وزراءه، وحاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس وأشدهم تعاظما، ونديمه عمر بن العباس بن محمد صاحب العباسية. وشاعره مروان بن أبي حفصة، ومغنيه إبراهيم الموصلي واحد عصره في صناعته، ومضحكه ابن أبي مريم، وزامره برصوما. وزوجته أم جعفر - يعني زبيدة - وكانت أرغب الناس في كل خير وأسرعهم إلى كل بر ومعروف، أدخلت الماء الحرم بعد امتناعه من ذلك، إلى أشياء من المعروف أجراها الله على يدها. وروى الخطيب البغدادي أن الرشيد كان يقول: إنا من قوم عظمت رزيتهم، وحسنت بعثتهم، ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقيت فينا خلافة الله. وبينما الرشيد يطوف يوما بالبيت إذ عرض له رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة، فقال: لا ولا نعمت عين قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني فأمره أن يقول له قولا لينا. وعن شعيب بن حرب قال: رأيت الرشيد في طريق مكة فقلت في نفسي: قد وجب عليك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فخوفتني فقالت: إنه الآن يضرب عنقك. فقلت: لا بد من ذلك، فناديته فقلت: يا هارون ! قد أتعبت الامة والبهائم، فقال: خذوه. فأدخلت عليه وفي يده لت (1) من حديد يلعب به وهو جالس على كرسي،


(1) اللت: مصدر. وهي القدوم والفأس العظيمة. وهي فارسية (محيط المحيط). (*)

[ 236 ]

فقال: ممن الرجل ؟ فقلت: رجل من المسلمين. فقال ثكلتك أمك ممن أنت ؟ فقلت: من الانبار. فقال: ما عملك على أن دعوتني باسمي ؟ قال: فخطر ببالي شئ لم يخطر قبل ذلك، فقلت: أنا أدعو الله باسمه يا الله، أفلا أدعوك باسمك ؟ وهذا الله سبحانه قد دعا أحب خلقه إليه بأسمائهم: يا آدم، يا نوح، يا هود، يا صالح، يا إبراهيم، يا موسى، يا عيسى، يا محمد، وكنى أبغض خلقه إليه فقال: تبت يدا أبي لهب. فقال الرشيد: أخرجوه أخرجوه. وقال له ابن السماك يوما: إنك تموت وحدك وتدخل القبر وحدك، وتبعث منه وحدك، فاحذر المقام بين يدي الله عز وجل، والوقوف بين الجنة والنار، حين يؤخذ بالكظم وتزل القدم، ويقع الندم، فلا توبة تقبل، ولا عثرة تقال، ولا يقبل فداء بمال. فجعل الرشيد يبكي حتى علا صوته فقال يحيى بن خالد له: يا بن السماك ! لقد شققت على أمير المؤمنين الليلة. فقام فخرج من عنده وهو يبكي. وقال له الفضيل بن عياض - في كلام كثير ليلة وعظه بمكة -: يا صبيح الوجه إنك مسؤول عن هؤلاء كلهم، وقد قال تعالى (وتقطعت بهم الاسباب) [ البقرة: 166 ] قال حدثنا ليث عن مجاهد: الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا. فبكى حتى جعل يشهق. وقال الفضيل: استدعاني الرشيد يوما وقد زخرف منازله وأكثر الطعام والشراب واللذات فيها، ثم استدعى أبا العتاهية فقال له: صف لنا ما نحن فيه من العيش والنعم فقال: عش ما بدا لك سالما * في ظل شاهقة القصور تسعى عليك بما اشتهي‍ * ت لدى الرواح إلى البكور فإذا النفوس تقعقعت * عن ضيق حشرجة الصدور فهناك تعلم موقنا * ما كنت إلا في غرور قال: فبكى الرشيد بكاء كثيرا شديدا. فقال له الفضل بن يحيى: دعا أمير المؤمنين تسره فأحزنته ؟ فقال له الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى. ومن وجه آخر أن الرشيد قال لابي العتاهية: عظني بأبيات من الشعر وأوجز فقال: لا تأمن الموت في طرف ولا نفس * ولو تمتعت بالحجاب والحرس واعلم بأن سهام الموت صائبة * لكل مدرع منها ومترس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها * إن السفينة لا تجري على اليبس قال: فخر الرشيد مغشيا عليه. وقد حبس الرشيد مرة أبا العتاهية وأرصد عليه من يأتيه بما يقول، فكتب مرة على جدار الحبس: أما والله إن الظلم شوم (1) * وما زال المسئ هو الظلوم


(1) في ابن الاثير 6 / 220: لؤم. (*)

[ 237 ]

إلى ديان يوم الدين نمضي * وعند الله تجتمع الخصوم قال: فاستدعاه واستجعله في حل ووهبه ألف دينار وأطلقه. وقال الحسن بن أبي الفهم: ثنا محمد بن عباد عن سفيان بن عيينة قال: دخلت على الرشيد فقال: ما خبرك ؟ فقلت: بعين الله ما تخفى البيوت * فقد طال التحمل والسكوت فقال: يا فلان مائة ألف لابن عيينة تغنيه وتغني عقبه، ولا تضر الرشيد شيئا. وقال الاصمعي: كنت مع الرشيد في الحج فمررنا بواد فإذا على شفيره امرأة حسناء بين يديها قصعة وهي تسأل منها وهي تقول: طحطحتنا طحاطح الاعوام * ورمتنا حوادث الايام فأتيناكم نمد أكفا * نائلات لزادكم والطعام فاطلبوا الاجر والمثوبة فينا * أيها الزائرون بيت الحرام من رآني فقد رآني ورحلي * فارحموا غربتي وذل مقامي قال الاصمعي: فذهبت إلى الرشيد فأخبرته بأمرها فجاء بنفسه حتى وقف عليها فسمعها فرحمها وبكى وأمر مسرورا الخادم أن يملا قصعتها ذهبا، فملاها حتى جعلت تفيض يمينا وشمالا. وسمع مرة الرشيد أعرابيا يحدو إبله في طريق الحج: أيها المجمع هما لا تهم * أنت تقضي ولك الحمى تحم كيف ترقيك وقد جف القلم * حطت الصحة منك والسقم فقال الرشيد لبعض خدمه: ما معك ؟ قال: أربعمائة دينار، فقال: ادفعها إلى هذا الاعرابي. فلما قبضها ضرب رفيقه بيده على كتفه وقال متمثلا: وكنت جليس قعقاع بن عمرو * ولا يشقى بقعقاع جليس فأمر الرشيد بعض الخدم أن يعطي المتمثل ما معه من الذهب فإذا معه مائتا دينار. قال أبو عبيد إن [ أصل ] هذا المثل أن معاوية بن أبي سفيان أهديت له هدية جامات من ذهب فرقها على جلسائه وإلى جانبه قعقاع بن عمرو، وإلى جانب القعقاع أعرابي لم يفضل له منها شئ. فأطرق الاعرابي حياء فدفع إليه القعقاع الجام الذي حصل له، فنهض الاعرابي وهو يقول: وكنت جليس قعقاع بن عمرو إلى آخره. وخرج الرشيد يوما من عند زبيدة وهو يضحك فقيل له مم تضحك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: دخلت اليوم إلى هذه المرأة - يعني زبيدة - فأقلت عندها وبت، فما استيقظت إلا على صوت ذهب يصب، قالوا: هذه ثلثمائة ألف دينار قدمت من مصر، فقالت زبيدة: هبها لي يا بن عم، فقلت:

[ 238 ]

هي لك، ثم ما خرجت حتى عربدت علي وقالت: أي خير رأيته منك ؟ وقال الرشيد مرة للمفضل الضبي: ما أحسن ما قيل في الذئب، ولك هذا الخاتم، وشراؤه ألف وستمائة دينار، فأنشد قول الشاعر: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي * بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم فقال: ما قلت هذا إلا لتسلبنا الخاتم. ثم ألقاه إليه فبعثت زبيدة فاشترته منه بألف وستمائة دينار، وبعثت به إلى الرشيد وقالت: إني رأيتك معجبا به. فرده إلى المفضل والدنانير، وقال: ما كنا لنهب شيئا ونرجع فيه. وقال الرشيد يوم للعباس بن الاحنف: أي بيت قالت العرب أرق ؟ فقال: قول جميل في بثينة: ألا ليتني أعمى أصم تقودني * بثينة لا يخفى علي كلامها فقال له الرشيد: أرق منه قولك في مثل هذا: طاف الهوى في عباد الله كلهم * حتى إذا مر بي من بينهم وقفا فقال له العباس: فقولك يا أمير المؤمنين أرق من هذا كله: أما يكفيك أنك تملكيني * وأن الناس كلهم عبيدي وأنك لو قطعت يدي ورجلي * لقلت من الهوى أحسنت زيدي قال: فضحك الرشيد وأعجبه ذلك. ومن شعر الرشيد في ثلاث حظيات كن عنده من الخواص قوله: ملك الثلاث الناشآت (1) عناني * وحللن من قلبي بكل مكان ما لي تطاوعني البرية كلها * وأطيعهن وهن في عصياني ما ذاك إلا أن سلطان الهوى * وبه قوين (2) أعز من سلطاني ومما أورد له صاحب العقد في كتابه: تبدي الصدود وتخفي الحب عاشقة * فالنفس راضية والطرف غضبان وذكر ابن جرير وغيره أنه كان في دار الرشيد من الجواري والحظايا وخدمهن وخدم زوجته وأخواته أربعة آلاف جارية، وأنهن حضرن يوما بين يديه فغنته المطربات منهن فطرب جدا، وأمر بمال


(1) في فوات الوفيات 4 / 226: الانسات... بكل مكان. (2) في فوات الوفيات: غلبن. (*)

[ 239 ]

فنثر عليهن. وكان مبلغ ما حصل لكل واحدة منهن ثلاثة آلاف درهم في ذلك اليوم. رواه ابن عساكر أيضا. وروي أنه اشترى جارية من المدينة فأعجب بها جدا فأمر بإحضار مواليها ومن يلوذ بهم ليقضي حوائجهم، فقدموا عليه بثمانين نفسا فأمر الحاجب - وهو الفضل بن الربيع - أن يتلقاهم ويكتب حوائجهم، فكان فيهم رجل قد أقام بالمدينة لانه كان يهوى تلك الجارية، فبعثت إليه فأتى به فقال له الفضل: ما حاجتك ؟ قال: حاجتي أن يجلسني أمير المؤمنين مع فلانة فأشرب ثلاثة أرطال من خمر، وتغنيني ثلاثة أصوات. فقال: أمجنون أنت ؟ فقال: لا ولكن أعرض حاجتي هذه على أمير المؤمنين. فذكر للرشيد ذلك فأمر بإحضاره وأن تجلس معه الجارية بحيث ينظر إليهما ولا يريانه فجلست على كرسي والخدام بين يديها، وأجلس على كرسي فشرب رطلا وقال لها غنني: خليلي عوجا بارك الله فيكما * وإن لم تكن هند بأرضكما قصدا وقولا لها ليس الضلال أجازنا * ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا غدا يكثر البادون منا ومنكم * وتزداد داري من دياركم بعدا قال: فغنته ثم استعجله الخدم فشرب رطلا آخر، وقال: غنني جعلت فداك: تكلم منا في الوجوه عيوننا * فنحن سكوت والهوى يتكلم ونغضب أحيانا ونرضى بطرفنا * وذلك فيما بيننا ليس يعلم قال: فغنته: ثم شرب رطلا ثالثا وقال: غنني جعلني الله فداك: أحسن ما كنا تفرقنا * وخاننا الدهر وما خنا فليت ذا الدهر لنا مرة * عاد لنا يوما كما كنا قال: ثم قام الشاب إلى درجة هناك ثم ألقى نفسه من أعلاها على أم رأسه فمات. فقال الرشيد: عجل الفتى، والله لو لم يعجل لوهبتها له. وفضائل الرشيد ومكارمه كثيرة جدا. قد ذكر الائمة من ذلك شيئا كثيرا فذكرنا منه أنموذجا صالحا. وقد كان الفضيل بن عياض يقول: ليس موت أحد أعز علينا من موت الرشيد، لما أتخوف بعده من الحوادث، وإني لادعو الله أن يزيد في عمره من عمري قالوا: فلما مات الرشيد وظهرت تلك الفتن والحوادث والاختلافات، وظهر القول بخلق القرآن، فعرفنا ما كان تخوفه الفضيل من ذلك. وقد تقدمت رؤياه لذلك الكف وتلك التربة الحمراء وقائل يقول: هذه تربة أمير المؤمنين. فكان موتا بطوس. وقد روى ابن عساكر أن الرشيد رأى في منامه قائلا يقول: كأني بهذا القصر قد باد أهله. الشعر إلى آخره.

[ 240 ]

وقد تقدم أن ذلك إنما رآه أخوه موسى الهادي. وأبوه محمد المهدي فالله أعلم. وقدمنا أنه أمر بحفر قبره في حياته، وأن تقرأ فيه ختمة تامة، وحمل حتى نظر إليه فجعل يقول: إلى هنا تصيريا بن آدم. ويبكي، وأمر أن يوسع عند صدره وأن يمد من عند رجليه، ثم جعل يقول: (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه) [ الحاقة: 28 - 29 ] ويبكي. وقيل: إنه لما احتضر قال: اللهم انفعنا بالاحسان، واغفر لنا الاساءة، يا من لا يموت ارحم من يموت. وكان مرضه بالدم، وقيل بالسل، وجبريل الطبيب يكتم ما به من العلة، فأمر الرشيد رجلا أن يأخذ ماءه في قارورة ويذهب به إلى جبريل فيريه إياه، ولا يذكر له بول من هو، فإن سأله قال: هو بول مريض عندنا. فلما رآه جبريل قال لرجل عنده: هذا مثل ماء ذلك الرجل. ففهم صاحب القارورة من عنى به، فقال له: بالله عليك أخبرني عن حال صاحب هذا الماء. فإن لي عليه مالا، فإن كان به رجاء وإلا أخذت مالي منه. فقال: اذهب فتخلص منه فإنه لا يعيش إلا أياما. فلما جاء وأخبر الرشيد بعث إلى جبريل فتغيب حتى مات الرشيد. وقد قال الرشيد وهو في هذه الحال: إني بطوس مقيم ما لي بطوس حميم * أرجو إلهي لما بي فإنه بي رحيم لقد أتى بي طوسا قضاؤه المحتوم * وليس إلا رضائي والصبر والتسليم مات بطوس يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقيل إنه توفي في جمادى الاولى، وقيل في ربيع الاول، وله من العمر خمس، وقيل سبع، وقيل ثمان وأربعون سنة. ومدة خلافته ثلاث وعشرون سنة وشهر وثمانية عشر يوما. وقيل ثلاثة أشهر. وصلى عليه ابنه صالح ودفن بقرية من قرى طوس يقال لها سناباذ. وقال بعضهم: قرأت على خيام الرشيد بسناباذ والناس منصرفون من طوس من بعد موته: منازل العسكر معمورة * والمنزل الاعظم مهجور خليفة الله بدار البلى * تسعى على أجداثه المور أقبلت العير تباهي به * وانصرفت تندبه العير وقد رثاه أبو الشيص فقال: غربت في الشرق شمس * فلها العينان تدمع ما رأينا قط شمسا * غربت من حيث تطلع وقد رثاه الشعراء بقصائد. قال ابن الجوزي: وقد خلف الرشيد من الميراث ما لم يخلفه أحد من الخلفاء، خلف من الجواهر والاثاث والامتعة سوى الضياع والدور ما قيمته مائة ألف ألف دينار، وخمسة وثلاثون ألف دينار. قال ابن جرير: وكان في بيت المال سبعمائة (1) ألف ألف ونيف.


(1) في الطبري: 10 / 124: تسعمائة. (*)

[ 241 ]

ذكر زوجاته وبنيه وبناته تزوج أمر جعفر زبيدة بنت عمه جعفر بن أبي جعفر المنصور، تزوجها في سنة خمس وستين ومائة في حياة أبيه المهدي، فولدت له محمدا الامين. وماتت زبيدة في سنة ست عشرة (1) ومائتين كما سيأتي. وتزوج [ أمة العزيز ] أم ولد كانت لاخيه موسى الهادي فولدت له علي بن الرشيد. وتزوج أم محمد بنت صالح المسكين، والعباسة بنت عمه سليمان بن أبي جعفر فزفتا إليه في ليلة واحدة سنة سبع وثمانين ومائة بالرقة، وتزوج عزيزة بنت الغطريف، وهي بنت خاله أخي أمه الخيزران، وتزوج ابنة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان العثمانية، ويقال لها الجرشية، لانها ولدت بجرش باليمن. وتوفي عن أربع: زبيدة، وعباسة، وابنة صالح، والعثمانية هذه. وأما الخطايا من الجوار فكثير جدا حتى قال بعضهم: إنه كان في داره أربعة آلاف جارية سراري حسان. وأما أولاده الذكور فمحمد الامين بن زبيدة، وعبد الله المأمون من جارية اسمها مراجل، ومحمد أبو إسحاق المعتصم من أم ولد يقال لها ماردة، والقاسم المؤتمن من جارية يقال لها قصف. وعلي أمه أمة العزيز. وصالح من جارية اسمها رئم. ومحمد أبو يعقوب، ومحمد أبو عيسى، ومحمد أبو العباس، ومحمد أبو علي كل هؤلاء من أمهات أولاد (2). وكان من الاناث سكينة من قصف. وأم حبيب من ماردة، وأروى، وأم الحسن، وأم محمد وهي حمدونة وفاطمة وأمها غصص، وأم سلمة وخديجة، وأم القاسم (3) رملة، وأم علي، وأم الغالية، وريطة كلهن من أمهات أولاد. خلافة محمد الامين لما توفي الرشيد بطوس في جمادى الآخرة من هذه السنة - أعني سنة ثلاث وتسعين ومائة كتب صالح بن الرشيد إلى أخيه ولي العهد من بعد أبيه محمد الامين بن زبيدة وهو ببغداد يعلمه بوفاة أبيه ويعزيه فيه (4)، فوصل الكتاب صحبة رجاء الخادم ومعه الخاتم والقضيب والبردة، يوم الخميس الرابع عشر من جمادى الآخرة، فركب الامين من قصره الخلد إلى قصر أبي جعفر المنصور - وهو قصر الذهب - على شط بغداد، فصلى بالناس ثم صعد المنبر فخطبهم وعزاهم في الرشيد، وبسط آمال الناس ووعدهم الخير. فبايعه الخواص من قومه ووجوه بني هاشم والامراء، وأمر بصرف أعطيات الجند عن سنتين، ثم نزل وأمر عمه سليمان بن جعفر أن يأخذ له البيعة من بقية الناس فلما انتظم أمر


(1) في ابن الاثير 6 / 216: ست وعشرين. (2) زيد في الطبري في أولاده الذكور: محمد أبو سليمان أمه رواح، ومحمد أبو أحمد أمه كتمان. (3) في الطبري وابن الاثير: وام القاسم وأمها حزق ورملة أم جعفر وأمها حلى. (4) في الطبري وابن الاثير: أول الناس أخبر الامين بوفاة أبيه وهنأه بالخلافة هو سلام أبو مسلم نائب صاحب البريد حمويه مولى المهدي وكان حمويه قد أعلم نائبه بالخبر. (*)

[ 242 ]

الامين واستقام حاله حسده أخوه المأمون ووقع الخلف بينهما على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. اختلاف الامين والمأمون كان السبب في ذلك أن الرشيد لما وصل إلى أول بلاد خراسان وهب جميع ما فيها من الحواصل والدواب والسلاح لولده المأمون، وجدد له البيعة، وكان الامين قد بعث بكر بن المعتمر بكتب في خفية ليوصلها إلى الامراء إذا مات الرشيد، فلما توفي الرشيد نفذت الكتب إلى الامراء وإلى صالح بن الرشيد، وفيها كتاب إلى المأمون يأمره بالسمع والطاعة (1)، فأخذ صالح البيعة من الناس إلى الامين، وارتحل الفضل بن الربيع بالجيش إلى بغداد وقد بقي في نفوسهم تحرج من البيعة التي أخذت للمأمون، وكتب إليهم المأمون يدعوهم إلى بيعته فلم يجيبوه، فوقعت الوحشة بين الاخوين، ولكن تحول عامة الجيش إلى الامين، فعند ذلك كتب المأمون إلى أخيه الامين بالسمع والطاعة والتعظيم، وبعث إليه من هدايا خراسان وتحفها من الدواب والمسك وغير ذلك، وهو نائبه عليها، وقد أمر الامين في صبيحة يوم السبت بعد أخذ البيعة يوم الجمعة ببناء ميدانين للصيد، فقال في ذلك بعض الشعراء: بنى أمين الله ميدانا * وصير الساحة بستانا وكانت الغزلان فيه بانا * يهدى إليه فيه غزلانا وفي شعبان من هذه السنة قدمت زبيدة من الرقة بالخزائن وما كان عندها من التحف والقماش من الرشيد، فتلقاها ولدها الامين إلى الانبار ومعه وجوه الناس. وأقر الامين أخاه المأمون على ما تحت يده من بلاد خراسان والري وغير ذلك، وأقر أخاه القاسم على الجزيرة والثغور (2)، وأقر عمال أبيه على البلاد إلا القليل منهم. وفيها مات نقفور ملك الروم، قتله البرجان، وكان ملكه تسع (3) سنين، وأقام بعده ولده استبراق شهرين فمات، فملكهم ميخائيل زوج أخت نقفور لعنهم الله. وفيها تواقع هرثمة نائب خراسان ورافع بن الليث فاستجاش رافع بالترك ثم هربوا وبقي رافع وحده فضعف أمره. وحج بالناس نائب الحجاز داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي. وفيها توفي:


(1) نسخة كتاب الامين إلى المأمون وصالح أخويه في الطبري 10 / 125 - 126. (2) قال ابن الاثير 6 / 226: عزله عن الجزيرة وأقره على قنسرين والعواصم. واستعمل على الجزيرة خزيمة بن خازم. (3) في ابن الاثير: سبع. (*)

[ 243 ]

إسماعيل بن علية وهو من أئمة العلماء والمحدثين الرفعاء، روى عنه الشافعي وأحمد بن حنبل، وقد ولي المظالم ببغداد، وكان ناظر الصدقات بالبصرة، وكان ثقة نبيلا جليلا كبيرا، وكان قليل التبسم وكان يتجر في البز وينفق على عياله منه ويحج منه، ويبر أصحابه منه مثل السفيانين وغيرهما، وقد ولاه الرشيد القضاء فلما بلغ ابن المبارك أنه تولى القضاء كتب إليه يلومه نظما ونثرا، فاستعفي ابن علية من القضاء فأعفاه. وكانت وفاته في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن في مقابر عبد الله بن مالك وفيها مات: محمد بن جعفر الملقب بغندر. روى عن شعبة وسعيد بن أبي عروبة وعن خلق كثير، وعنه جماعة منهم أحمد بن حنبل، وكان ثقة جليلا حافظا متقنا. وقد ذكر عنه حكايات تدل على تغفيله في أمور الدنيا، كانت وفاته بالبصرة في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. وقد لقب بهذا اللقب جماعة من المتقدمين والمتأخرين. وفيها توفي: أبو بكر بن العياش أحد الائمة، سمع أبا إسحاق السبيعي والاعمش وهشام وهمام بن عروة وجماعة. وحدث عنه خلق منهم أحمد بن حنبل. وقال يزيد بن هارون: كان حبرا فاضلا لم يضع جنبه إلى الارض أربعين سنة، قالوا: ومكث ستين سنة يختم القرآن في كل يوم ختمة كاملة، وصام ثمانين رمضانا، وتوفي وله ست وتسعون سنة. ولما احتضر بكى عليه ابنه فقال: يا بني علام تبكي ؟ والله ما أتى أبوك فاحشة قط. ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة فيها خلع أهل حمص نائبهم فعزله عنهم الامين وولى عليهم عبد الله بن سعيد الحرشي فقتل طائفة من وجوه أهلها وحرق نواحيها، فسألوه الامان فأمنهم ثم هاجوا فضرب أعناق كثير منهم أيضا. وفيها عزل الامين أخاه القاسم عن الجزيرة والثغور، وولى على ذلك خزيمة بن خازم، وأمر أخاه بالمقام عنده ببغداد (1). وفيها أمر الامين بالدعاء لولده موسى على المنابر في سائر الامصار، وبالامرة من بعده، وسماه الناطق بالحق، ثم يدعى من بعده لاخيه المأمون ثم لاخيه القاسم، وكان من نية الامين الوفاء لاخويه بما شرط لهما، فلم يزل به الفضل بن الربيع حتى غير نيته في أخويه، وحسن له خلع المأمون


(1) انظر حاشية 2 صفحة 242. (*)

[ 244 ]

والقاسم، وصغر عنده شأن المأمون. وإنما حمله على ذلك خوفه من المأمون إن أفضت إليه الخلافة أن يخلعه من الحجابة. فوافقه الامين على ذلك وأمر بالدعاء لولده موسى وبولاية العهد من بعده، وذلك في ربيع الاول من هذه السنة. فلما بلغ المأمون قطع البريد عنه وترك ضرب اسمه على السكة والطرز، وتنكر للامين. وبعث رافع بن الليث إلى المأمون يسأل منه الامان فأمنه فسار إليه بمن معه فأكرمه المأمون وعظمه، وجاء هرثمة على إثره فتلقاه المأمون ووجوه الناس وولاه الحرس، فلما بلغ الامين أن الجنود التفت على أخيه المأمون ساءه ذلك وأنكره، وكتب إلى المأمون كتابا وأرسل إليه رسلا ثلاثة من أكابر الامراء، سأله أن يجيبه إلى تقديم ولده عليه، وأنه قد سماه الناطق بالحق، فأظهر المأمون الامتناع فشرع الامراء في مطايبته وملاينته، وأن يجيبهم إلى ذلك فأبى كل الاباء، فقال له العباس بن موسى بن عيسى: فقد خلع أبي نفسه فماذا كان ؟ فقال المأمون إن أباك كان امرءا مكروها، ثم لم يزل المأمون يعد العباس ويمنيه حتى بايعه بالخلافة، ثم لما رجع إلى بغداد كان يراسله بما كان من أمر الامين ويناصحه، ولما رجع الرسل إلى الامين أخبروه بما كان من قول أخيه، فعند ذلك صمم الفضل بن الربيع على الامين في خلع المأمون، فخلعه وأمر بالدعاء لولده في سائر البلاد، وأقاموا من يتكلم في المأمون ويذكر مساويه، وبعثوا إلى مكة فأخذوا الكتاب الذي كتبه الرشيد وأودعه في الكعبة فمزقه الامين وأكد البيعة إلى ولده الناطق بالحق على ما ولاه من الاعمال، وجرت بين الامين والمأمون مكاتبات ورسل يطول بسطها. وقد استقصاها ابن جرير في تاريخه (1)، ثم آل بهما الامر إلى أن احتفظ كل منهما على بلاده وحصنها وهيأ الجيوش والجنود وتألف الرعايا. وفيها غدرت الروم بملكهم ميخائيل فراموا خلعه وقتله فترك الملك وترهب وولوا عليهم إليون. وحج بالناس فيها نائب الحجاز داود بن عيسى، وقيل علي بن الرشيد. وفيها توفي من الاعيان: سالم بن سالم: أبو بحر البلخي قدم بغداد وحدث بها عن إبراهيم بن طهمان والثوري. وعنه الحسن بن عرفة. وكان عابدا زاهدا، مكث أربعين سنة لم يفرش له فراش، وصامها كلها إلا يومي العيد، ولم يرفع رأسه إلى السماء، وكان داعية الارجاء ضعيف الحديث، إلا أنه كان رأسا في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان قد قدم بغداد فأنكر على الرشيد وشنع عليه فحبسه وقيده باثني عشر قيدا، فلم يزل أبو معاوية يشفع فيه حتى جعلوه في أربعة قيود، ثم كان يدعو الله أن يرده إلى أهله. فلما توفي الرشيد أطلقته زبيدة فرجع - وكانوا بمكة قد جاؤوا حجاجا - فمرض بمكة واشتهى يوما بردا فسقط في ذلك الوقت برد حين اشتهاه فأكل منه. مات في ذي الحجة من هذه السنة.


(1) انظر تاريخ الطبري 10 / 132 وابن الاثير 6 / 232. (*)

[ 245 ]

وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي كانت غلته في السنة قريبا من خمسين ألفا ينفقها كلها على أهل الحديث. توفي عن أربع وثمانين سنة. وأبو النصر الجهني المصاب كان مقيما بالمدينة النبوية بالصفة من المسجد في الحائط الشمالي منه، وكان طويل السكوت، فإذا سئل أجاب بجواب حسن، ويتكلم بكلمات مفيدة تؤثر عنه وتكتب، وكان يخرج يوم الجمعة قبل الصلاة فيقف على مجامع الناس فيقول: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا) [ لقمان: 33 ] و (يوم لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل) [ البقرة: 48 ] ثم ينتقل إلى جماعة أخرى ثم إلى أخرى، حتى يدخل المسجد فيصلي فيه الجمعة ثم لا يخرج منه حتى يصلى العشاء الآخرة. وقد وعظ مرة هارون الرشيد بكلام حسن فقال: اعلم أن الله سائلك عن أمة نبيه فأعد لذلك جوابا، وقد قال عمر بن الخطاب لو ماتت سخلة بالعراق ضياعا لخشيت أن يسألني الله عنها. فقال الرشيد: إني لست كعمر، وإن دهري ليس كدهره. فقال: ما هذا بمغن عنك شيئا. فأمر له بثلثمائة دينار، فقال: أنا رجل من أهل الصفة فمر بها فلتقسم عليهم وأنا واحد منهم. ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة فيها في صفر منها أمر الامين الناس أن لا يتعاملوا بالدراهم والدنانير التي عليها اسم أخيه المأمون ونهى أن يدعى له على المنابر، وأن يدعى له ولولده من بعده: وفيها تسمى المأمون بإمام المؤمنين. وفي ربيع الآخر فيها عقد الامين لعلي بن عيسى بن ماهان الامارة على الجبل وهمذان وأصبهان وقم وتلك البلاد، وأمره بحرب المأمون وجهز معه جيشا كثيرا، وأنفق فيهم نفقات عظيمة، وأعطاه مائتي ألف دينار، ولولده خمسين ألف دينار وألفي سيف محلى، وستة آلاف ثوب للخلع. فخرج علي بن موسى بن ماهان من بغداد في أربعين ألف مقاتل فارس، ومعه قيد من فضة ليأتي فيه بالمأمون. وخرج الامين معه مشيعا فسار حتى وصل الري فتلقاه الامير طاهر في أربعة آلاف، فجرت بينهم أمرو آل الحال فيها أن اقتتلوا، فقتل علي بن عيسى وانهزم أصحابه وحمل رأسه وجثته إلى الامير طاهر فكتب بذلك إلى وزير المأمون ذي الرياستين، وكان الذي قتل علي بن عيسى رجل يقال له طاهر الصغير فسمي ذا اليمينين، لانه أخذ السيف بيديه الثنتيين فذبح به علي بن عيسى بن ماهان، ففرح بذلك المأمون وذووه، وانتهى الخبر إلى الامين وهو يصيد السمك من دجلة، فقال: ويحك دعني من هذا فإن كوثرا قد صاد

[ 246 ]

سمكتين. ولم أصد بعد شيئا. وأرجف الناس ببغداد وخافوا غائلة هذا الامر، وندم محمد الامين على ما كان منه من نكث العهد وخلع أخيه المأمون، وما وقع من الامر الفظيع. وكان رجوع الخبر إليه في شوال من هذه السنة. ثم جهز عبد الرحمن بن جبلة الانباري (1) في عشرين ألفا من المقاتلة إلى همذان ليقاتلوا طاهر بن الحسين بن مصعب ومن معه من الخراسانية، فلما اقتربوا منهم تواجهوا فتقاتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى بينهم، ثم انهزم أصحاب عبد الرحمن بن جبلة فلجأوا إلى همذان فحاصرهم بها طاهر حتى اضطرهم إلى أن دعوا إلى الصلح، فصالحهم وأمنهم ووفى لهم، وانصرف عبد الرحمن بن جبلة على أن يكون راجعا إلى بغداد، ثم غدروا بأصحاب طاهر وحملوا عليهم (2) وهم غافلون فقتلوا منهم خلقا وصبر لهم أصحاب طاهر ثم نهضوا إليهم وحملوا عليهم فهزموهم وقتل أميرهم عبد الرحمن بن جبلة، وفر أصحابه خائبين. فلما رجعوا إلى بغداد اضطربت الامور وكثرت الاراجيف، وكان ذلك في ذي الحجة من هذه السنة، وطرد طاهر عمال الامين عن قزوين وتلك النواحي، وقوي أمر المأمون جدا بتلك البلاد. وفي ذي الحجة من هذه السنة ظهر أمر السفياني بالشام، واسمه علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فعزل نائب الشام (2) عنها ودعا إلى نفسه، فبعث إليه الامين جيشا فلم يقدموا عليه بل أقاموا بالرقة، ثم كان من أمره ما سنذكره. وحج بالناس فيها نائب الحجاز داود بن عيسى. وفيها كانت وفاة جماعة من الاعيان منهم: إسحاق بن يوسف الازرق أحد أئمة الحديث. روى عنه أحمد وغيره. ومنهم: بكار بن عبد الله ابن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، كان نائب المدينة للرشيد ثنتي عشرة سنة وشهرا، وقد أطلق الرشيد على يديه لاهلها ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، وكان شريفا جوادا معظما. وفيها توفي:


(1) في الطبري 1 / 153: الا بناوي. وفي غيره الانباوي. (2) وذلك بناحية أسد اباذ وهي مدينة بهمذان من ناحية العراق - (الطبري 10 / 156 والاخبار الطوال ص 398). (3) وهو سليمان بن أبي جعفر. (*)

[ 247 ]

أبو نواس الشاعر واسمه الحسن بن هانئ (1) بن صباح بن عبد الله بن الجراح بن هنب بن داود بن غنم بن سليم، ونسبه عبد الله بن سعد إلى الجراح بن عبد الله الحكمي، ويقال له أبو نواس البصري، كان أبوه من أهل دمشق من جند مروان بن محمد، ثم صار إلى الاهواز وتزوج امرأة يقال لها جلبان (2)، فولدت له أبا نواس وابنا آخر يقال له أبا معاذ، ثم صار أبو نواس إلى البصرة فتأدب بها على أبي زيد وأبي عبيدة، وقرأ كتاب سيبويه ولزم خلفا الاحمر، وصحب يونس بن حبيب الجرمي النحوي. وقد قال القاضي ابن خلكان: صحب أبا أسامة وابن الحباب الكوفي، وروى الحديث عن أزهر بن سعد، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الواحد بن زياد، ومعتمر بن سليمان، ويحيى القطان وعنه محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي. وحدث عنه جماعة منهم الشافعي وأحمد بن حنبل وغندر ومشاهير العلماء ومن مشاهير حديثه ما روا محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، فإن حسن الظن بالله ثمن الجنة) (3). وقال محمد بن إبراهيم: دخلنا عليه وهو في الموت فقال له صالح بن علي الهاشمي: يا أبا علي ! أنت اليوم في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وبينك وبين الله هنات، فتب إلى الله من عملك. فقال: إياي تخوف ؟ بالله اسندوني. قال: فأسندناه فقال: حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي شفاعة وإني اختبأت شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي يوم القيامة) (4). ثم قال: أفلا تراني منهم. وقال أبو نواس: ما قلت الشعر حتى رويت عن ستين امرأة منهن خنساء وليلى، فما الظن بالرجال، وقال يعقوب بن السكيت: إذا رويت الشعر عن امرئ القيس والاعشى من أهل الجاهلية، ومن الاسلاميين جرير والفرزدق، ومن المحدثين عن أبي نواس فحسبك. وقد أثنى عليه غير واحد منهم الاصمعي والجاحظ والنظام. قال أبو عمرو الشيباني: لولا أن أبا نواس أفسد شعره بما وضع فيه من الاقذار لاحتججنا به - يعني شعره الذي قاله في الخمريات والمردان، وقد كان يميل إليهم - ونحو ذلك مما هو معروف في شعره. واجتمع طائفة من الشعراء عند المأمون فقيل لهم: أيكم القائل: فلما تحساها وقفنا كأننا * نرى قمرا في الارض يبلغ كوكبا


(1) في وفيات الاعيان 2 / 95: هو الحسن بن هانئ بن عبد الاول بن صباح. (2) من الوفيات، وفي الاصل خلبان. (جلبان معناها: وردة على غصن) وانظر خزانة الاداب 1 / 347. (3) أخرجه مسلم في الجنة ح‍ (81 - 82) وأبو داود في الجنائز (13) وابن ماجه في الزهد (14) وأحمد في المسند 3 / 293، 315، 325، 330، 334، 390. (4) أخرجه الترمذي في القيامة (11) وابن ماجه في الزهد (37) وأحمد في المسند 3 / 213. (*)

[ 248 ]

قالوا: أبو نواس. قال: فأيكم القائل: إذا نزلت دون اللهاة من الفتى * دعي همه عن قلبه برحيل قالوا: أبو نواس. قال: فأيكم القائل: فتمشت في مفاصلهم * كتمشي البرء في السقم قالوا: أبو نواس. قال: فهو أشعركم. وقال سفيان بن عيينة لابن مناذر: ما أشعر ظريفكم أبا نواس في قوله: يا قمرا أبصرت في مأتم * يندب شجوا بين أتراب أبرزه المأتم لي كارها * برغم ذي باب وحجاب يبكي فيذري الدر من عينه * ويلطم الورد بعناب لا زال موتا دأب أحبابه * ولم تزل رؤيته دأبي قال ابن الاعرابي أشعر الناس أبو نواس في قوله: تسترت من دهري بكل جناحه * فعيني ترى دهري وليس يراني فلو تسأل الايام عني ما درت * وأين مكاني ما عرفن مكاني وقال أبو العتاهية: قلت في الزهد عشرين ألف بيت، وددت أن لي مكانها الابيات الثلاثة التي قالها أبو نواس وهي هذه، وكانت مكتوبة على قبره: يا نواسي توقر * أو تغير أو تصبر (1) إن يكن ساءك دهر * فلما سرك أكثر يا كثير الذنب * عفو الله من ذنبك أكبر ومن شعر أبي نواس يمدح بعض الامراء: أوجده الله فما مثله * بطالب ذاك ولا ناشد ليس على الله بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد وأنشد سفيان بن عيينة قول أبي نواس: ما هوى إلا له سبب * يبتدى منه وينشعب فتنت قلبي محجبة * وجهها بالحسن منتقب


(1) في ابن خلكان 2 / 102: وتعز وتصبر. (*)

[ 249 ]

خلته (1) والحسن تأخذه * تنتقي منه وتنتخب فاكتست منه طرائفه * واستردت بعض ما تهب فهي لو صيرت فيه لها * عودة لم يثنها أرب صار جدا ما مزحت به * رب جد جره اللعب فقال ابن عيينة: آمنت بالذي خلقها. وقال ابن دريد قال أبو حاتم: لو أن العامة بدلت هذين البيتين كتبتهما بماء الذهب: ولو أني استزدتك فوق ما بي * من البلوى لاعوزك المزيد ولو عرضت على الموتى حياتي * بعيش مثل عيشي لم يريدوا وقد سمع أبو نواس حديث سهيل عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (القلوب جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف). فنظم ذلك في قصيدة له فقال: إن القلوب لاجناد مجندة * لله في الارض بالاهواء تعترف فما تناكر منها مختلف * وما تعارف منها فهو مؤتلف ودخل يوما أبو نواس مع جماعة من المحدثين على عبد الواحد بن زياد فقال لهم عبد الواحد ليختر كل واحد منكم عشرة أحاديث أحدثه بها، فاختار كل واحد عشرة إلا أبا نواس، فقال له: ما لك لا تختار كما اختاروا ؟ فأنشأ يقول: ولقد كنا روينا * عن سعيد عن قتاده وعن الشعبي والشع‍ * بي شيخ ذو جلاده عن سعيد بن المسي‍ * يب ثم سعد بن عباده وعن الاخيار نحكي‍ * ه وعن أهل الافاده أن من مات محبا * فله أجر شهاده فقال له عبد الواحد: قم عني يا فاجر، لا حدثتك ولا حدثت أحد من هؤلاء من أجلك. فبلغ ذلك مالك بن أنس وإبراهيم بن أبي يحيى فقالا: كان ينبغي أن يحدثه لعل الله أن يصلحه. قلت: وهذا الذي أنشده أبو نواس قد رواه ابن عدي في كامله عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا " من عشق فعف فكتم فمات مات شهيدا ". ومعناه أن من ابتلى بالعشق من غير اختيار منه فصبر وعف عن الفاحشة ولم يفش ذلك فمات بسبب ذلك حصل له أجر كثير. فإن صح هذا كان ذلك له نوع شهادة والله أعلم.


(1) ويروى: تركت (*)

[ 250 ]

وروى الخطيب أيضا أن شعبة لقي أبا نواس فقال له: حدثنا من طرفك، فقال مرتجلا: حدثنا الخفاف عن وائل وخالد الحذاء عن جابر ومسعر عن بعض أصحابه يرفعه الشيخ إلى عامر قالوا جميعا: أيما طفلة علقها ذو خلق طاهر فواصلته ثم دامت له على وصال الحافظ الذاكر، كانت له الجنة مفتوحة يرتع في مرتعها الزاهر، وأي معشوق جفا عاشقا بعد وصال دائم ناصر ! ففي عذاب الله بعدا له نعم وسحقا دائم ذاخر. فقال له شعبة: إنك لجميل الاخلاق، وإني لارجو لك. وأنشد أبو نواس أيضا: يا ساحر المقلتين والجيد * وقاتلي منك بالمواعيد توعدني الوصل ثم تخلفني * ويلاي من خلفك موعودي حدثني الازرق المحدث عن * شهر وعوف (1) عن ابن مسعود ما يخلف الوعد غير كافرة (2) * وكافر في الجحيم مصفود فبلغ ذلك إسحاق بن يوسف الازرق فقال: كذب عدو الله علي وعلى التابعين وعلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وعن سليم بن منصور بن عمار قال: رأيت أبا نواس في مجلس أبي يبكي بكاء شديدا فقلت: إني لارجو أن لا يعذبك الله بعد هذا البكاء فأنشأ يقول: لم أبك في مجلس منصور * شوقا إلى الجنة والحور ولا من القبر وأهواله * ولا من النفخة في الصور ولا من النار وأغلالها * ولا من الخذلان والجور لكن بكائي لكا شادن * تقيه نفسي كل محذور ثم قال: إنما بكيت لبكاء هذا الامرد الذي إلى جانب أبيك - وكان صبيا حسن الصورة يسمع الوعظ فيبكي خوفا من الله عز وجل -. قال: أبو نواس: دعاني يوما بعض الحاكة وألح علي ليضيفني في منزله، ولم يزل بي حتى أجبته فسار إلى منزله وسرت معه فإذا منزل لا بأس به، وقد احتفل الحائل في الطعام وجمع جمعا من الحياك، فأكلنا وشربنا ثم قال: يا سيدي أشتهي أن تقول في جاريتي شيئا من الشعر - وكان مغرما بجارية له - قال فقلت أرنيها حتى أنظم على شكلها وحسنها، فكشف عنها فإذا هي أسمج خلق الله واوحشهم،


(1) في عيون الاخبار 2 / 140: عن......................... * عمرو بن شمر.................. (2) في عيون الاخبار: غير كافره. أي جاحده ولعلها خافره وهو ما يتفق مع السياق بمعنى نقض العهد والغدر به. والابيات ليست في ديوانه المطبوع بمصر سنة 1898 م. (*)

[ 251 ]

سوداء شمطاء ديدانية يسيل لعابها على صدرها. فقلت لسيدها: ما اسمها ؟ فقال تسنيم، فأنشأت أقول: أسهر ليلي حب تسنيم * جارية في الحسن كالبوم كأنما نكهتها كامخ * أو حزمة من حزم الثوم ضرطت من حبي لها ضرطة * أفزعت منها ملك الروم قال فقام الحائك يرقص ويصفق سائر يومه ويفرح ويقول: إنه شبهها والله بملك الروم. ومن شعره أيضا: أبر مني الناس يقولون * بزعمهم كثرت أو زارية (1) إن كنت في النار أم في جنة * ماذا عليكم يا بني الزانيه وبالجملة فقد ذكروا له أمورا كثيرة، ومجونا وأشعارا منكرة، وله في الخمريات والقاذورات والتشبب بالمردان والنسوان أشياء بشعة شنيعة، فمن الناس من يفسقه ويرميه بالفاحشة، ومنهم من يرميه بالزندقة، ومنهم من يقول: كان إنما يخرب على نفسه، والاول أظهر، لما في أشعاره. فأما الزندقة فبعيدة عنه، ولكن كان فيه مجون وخلاعة كثيرة. وقد عزوا إليه في صغره وكبره أشياء منكرة الله أعلم بصحتها، والعامة تنقل عنه أشياء كثيرة لا حقيقة لها. وفي صحن جامع دمشق قبة يفور منها الماء يقول الدماشقة قبة أبي نواس، وهي مبنية بعد موته بأزيد من مائة وخمسين سنة، فما أدري لاي شئ نسبت إليه فالله أعلم بهذا. وقال محمد بن أبي عمر: سمعت أبا نواس يقول: والله ما فتحت سراويلي لحرام قط. وقال له محمد الامين بن الرشيد: أنت زنديق. فقال: يا أمير المؤمنين لست بزنديق وأنا أقول: أصلي الصلاة الخمس في حين وقتها * وأشهد بالتوحيد لله خاضعا وأحسن غسلي إن ركبت جنابة * وإن جاءني المسكين لم أك مانعا وإني وإن حانت من الكاس دعوة * إلى بيعة الساقي أجبت مسارعا وأشربها صرفا على جنب ما عز * وجدي كثير الشحم اصبح راضعا وجوذاب حواري ولوز وسكر * وما زال للخمار ذلك نافعا وأجعل تخليط الروافض كلهم * لنفخة بختيشوع في النار طائعا فقال له الامين: ويحك ! وما الذي الجأك إلى نفخة بختيشوع ؟ فقال: به تمت القافية. فأمر له


(1) البيت فيه تحريف، وفي تاريخ دمشق: يلومني الناس يقولون تب * غرهم كثرة أو زاريه (*)

[ 252 ]

بجائزة. وبختيشوع الذي ذكره هو طبيب الخلفاء. وقال الجاحظ: لا أعرف في كلام الشعراء أرق ولا أحسن من قول أبي نواس حيث يقول: أية نار قدح القادح * وأي جد بلغ المازح لله در الشيب من واعظ * وناصح لو خطئ (1) الناصح يأبى الفتى إلا اتباع الهوى * ومنهج الحق له واضح فاسم بعينيك إلى نسوة * مهورهن العمل الصالح لا يجتلي الحوراء (2) في خدرها * إلا امرؤ ميزانه راجح من اتقى الله فذاك الذي * سبق إليه المتجر الرابح فاغد فما في الدين أغلوطة * ورح لما أنت له رائح وقد استنشده أبو عفان قصيدته التي في أولها: لا تنس ليلى ولا تنظر إلى هند. فلما فرغ منها سجد له أبو عفان، فقال له أبو نواس: والله لا أكلمك مدة. قال: فغمني ذلك، فلما أردت الانصراف قال: متى أراك ؟ فقلت: ألم تقسم ؟ فقال: الدهر أقصر من أن يكون معه هجر. ومن مستجاد شعره قوله: ألا رب وجه في التراب عتيق * ويا رب حسن في التراب رقيق ويا رب حزم في التراب ونجدة * ويا رب رأي في التراب وثيق فقل لقريب الدار إنك ظاعن * إلى سفر نائي المحل سحيق أرى كل حي هالكا وابن هالك * وذا نسب في الهالكين عريق إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدو في لباس صديق وقوله: لا تشرهن فإن الذل في الشره * والعز في الحلم لا في الطيش والسفه وقل لمغتبط في التيه من حمق * لو كنت تعلم ما في التيه لم تته التيه مفسدة للدين منقصة * للعقل مهلكة للعرض فانتبه وجلس أبو العتاهية القاسم بن إسماعيل على دكان وراق فكتب على ظهر دفتر هذه الابيات: أيا عجبا كيف يعصى الال‍ * ه أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شئ له آية * تدل على أنه الواحد


(1) في البيان والتبيين 3 / 165: حظي. (2) في البيان والتبيين: الحسناء. (*)

[ 253 ]

ثم جاء أبو نواس فقرأها فقال: أحسن قائله والله. والله لوددت أنها لي بجميع شئ قلته، لمن هذه ؟ قيل له: لابي العتاهية، فأخذ فكتب في جانبها: سبحان من خلق الخل‍ * ق من ضعف مهين يسوقه من قرار * إلى قرار مكين يخلق شيئا فشيئا * في الحجب دون العيون حتى بدت حركات * مخلوقة في سكون ومن شعره المستجاد قوله: انقطعت شدتي فعفت الملاهي إذ * رمى الشيب مفرقي بالدواهي ونهتني النهى فملت إلى العدل * وأشفقت من مقالة ناهي أيها الغافل المقر على السهو * ولا عذر في المعاد لساهي لا بأعمالنا نطيق خلاصا * يوم تبدو السماء فوق الجباه على أنا على الاساءة والتف‍ * ريط نرجو من حسن عفو الاله وقوله: نموت ونبلي غير أن ذنبوبنا * إذا نحن متنا لا تموت ولا تبلى ألا رب ذي عينين لا تنفعانه * وما تنفع العينان من قلبه أعمى وقوله: لو أن عينا أوهمتها نفسها * يوم الحساب ممثلا لم تطرف سبحان ذي الملكوت أية ليلة * محقت صبيحتها بيوم الموقف كتب الفناء على البرية ربها * فالناس بين مقدم ومخلف وذكر أن أبا نواس لما أراد الاحرام بالحج قال: يا مالكا ما أعدلك مليك كل من ملك * لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك عبدك قد أهل لك أنت له حيث سلك * لولاك يا رب هلك لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك والليل لما أن حلك * والسابحات في الفلك على مجاري تنسلك كل نبي وملك وكل من أهل لك * سبح أو صلى فلك لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك يا مخطئا ما أجهلك * عصيت ربا عدلك وأقدرك وأمهلك عجل وبادر أملك واختم بخير عملك * لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك وقال المعافي بن زكريا الحريري: ثنا محمد بن العباس بن الوليد سمعت أحمد بن يحيى بن ثعلب يقول: دخلت على أحمد بن حنبل فرأيت رجلا تهمه نفسه لا يجب أن يكثر عليه كأن النيران قد سعرت

[ 254 ]

بين يديه، فما زلت أترفق به وتوسلت إليه أني من موالي شيبان حتى كلمني، فقال: في أي شئ نظرت من العلوم ؟ فقلت: في اللغة والشعر. قال: رأيت بالبصرة جماعة يكتبون عن رجل الشعر، قيل لي هذا أبو نواس. فتخللت الناس ورائي فلما جلست إليه أملى علينا: إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل * خلوت ولكن في الخلاء رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة * ولا آثما يخفى عليه يغيب لهونا عن الآثام حتى تتابعت * ذنوب على آثارهن ذنوب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى * ويأذن في توباتنا فنتوب وزاد بعضهم في رواية عن أبي نواس بعد هذه الابيات: أقول إذا ضاقت علي مذاهبي * وحلت بقلبي للهموم ندوب لطول جناياتي وعظم خطيئتي * هلكت وما لي في المتاب نصيب وأغرق في بحر المخافة آيسا * وترجع نفسي تارة فتتوب وتذكرني عفو الكريم عن الورى * فأحيا وأرجو عفوه فأنيب وأخضع في قولي وأرغب سائلا * عسى كاشف البلوى علي يتوب قال ابن طراز الجريري: وقد رويت هذه الابيات لمن ؟ قيل لابي نواس وهي في زهدياته. وقد استشهد بها النحاة في أماكن كثيرة قد ذكرناها. وقال حسن بن الداية: دخلت على أبي نواس وهو في مرض الموت فقلت: عظني. فأنشأ يقول: فكثر (1) ما استطعت من الخطايا * فإنك لاقيا ربا غفورا ستبصر إن وردت عليه عفوا * وتلقى سيدا ملكا قديرا (2) تعض ندامة كفيك مما * تركت مخافة النار الشرورا (3) فقلت: ويحك ! بمثل هذا الحال تعظني بهذه الموعظة ؟ فقال: اسكت حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ادخرت شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي ". وقد تقدم بهذا الاسناد عنه " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ". وقال الربيع وغيره عن الشافعي قال: دخلنا على أبي نواس في اليوم الذي مات فيه وهو يجود بنفسه فقلنا: ما أعددت لهذا اليوم ؟ فأنشأ يقول:


(1) في وفيان الاعيان 2 / 98: تكثر....................... فإنك بالغا (2) في الوفيات: كبيرا. (3) في الوفيات: السرورا. والابيات في باب الزهد من ديوانه. (*)

[ 255 ]

تعاظمني ذنبي فلما قرنته * بعفوك ربي كان عفوك أعظما وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل * تجود وتعفو منة وتكرما ولولاك لم يقدر لابليس عابد * وكيف وقد أغوى صفيك آدما رواه ابن عساكر. وروى أنهم وجدوا عند رأسه رقعة مكتوبا فيها بخطه: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأن عفوك أعظم أدعوك ربي كما أمرت تضرعا * فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم إن كان لا يرجوك (1) إلا محسن * فمن الذي يرجو المسئ المجرم مالي إليك وسيلة إلا الرجا * وجميل عفوك ثم أني مسلم وقال يوسف بن الداية: دخلت عليه وهو في السياق فقلت: كيف تجدك ؟ فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: دب في الفناء سفلا وعلوا * وأراني أموت عضوا فعضوا ليس يمضي من لحظة بي إلا * نقصتني مبرها في جزوا ذهبت جدتي بلذة عيشي * وتذكرت طاعة الله نضوا قد أسأنا كل الاساءة فالل‍ * هم صفحا عنا وغفرا وعفوا ثم مات من ساعته سامحنا الله وإياه آمين. وقد كان نقش خاتمه لا إله إلا الله مخلصا، فأوصى أن يجعل في فمه إذا غسلوه ففعلوا به ذلك. ولما مات لم يجدوا له من المال سوى ثلثمائة درهم وثيابه وأثاثة، وقد كانت وفاته في هذه السنة ببغداد ودفن في مقابر الشونيزى في تل اليهود. وله خمسون سنة. وقيل ستون سنة، وقيل تسع وخمسون سنة. وقد رآه بعض أصحابه في المنام فقال له: ما فعل الله بك ؟ فقال: غفر لي بأبيات قلتها في النرجس: تفكر في نبات الارض وانظر * إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات * بأبصار هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات * بأن الله ليس له شريك وفي رواية عنه أنه قال: غفر لي بأبيات قلتها وهي تحت وسادتي فجاؤوا فوجدوها برقعة في خطه: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت أن عفوك أعظم


(1) في الوفيات 2 / 103: يدعوك....................... فمن الذي يرجو ويدعو المجرم (*)

[ 256 ]

الابيات. وقد تقدمت. وفي رواية لابن عساكر قال بعضهم: رأيته في المنام في هيئة حسنة ونعمة عظيمة فقلت له: ما فعل الله بك ؟ قال: غفر لي، قلت: بماذا وقد كنت مخلطا على نفسك ؟ فقال: جاء ذات ليلة رجل صالح إلى المقابر فبسط رداءه وصلى ركعتين قرأ فيهما ألفي قل هو الله أحد ثم أهدى ثواب ذلك لاهل تلك المقابر فدخلت أنا في جملتهم، فغفر الله لي. وقال ابن خلكان: أول شعر قاله أبو نواس لما صحب أبا أسامة والبة بن الحباب: حامل الهوى تعب يستخفه الطرب * إن بكى يحق له (1) ليس ما به لعب تضحكين لاهية والمحب ينتحب * تعجبين من سقمي صحتي هي العجب وقال المأمون: ما أحسن قوله: وما الناس إلا هالك (2) وابن هالك * وذو نسب في الهالكين عريق إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدو في لباس (3) صديق قال ابن خلكان: وما أشد رجاءه بربه حيث يقول: تحمل ما استطعت من الخطايا * فإنك لاقيا ربا غفورا ستبصر إن قدمت عليه عفوا * وتلقى سيدا ملكا كبيرا تعض ندامة كفيك مما * تركت مخافة النار الشرورا ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة فيها توفي أبو معاوية (4) الضرير أحد مشايخ الحديث الثقات المشهورين. والوليد بن مسلم الدمشقي تلميذ الاوزاعي. وفيها حبس الامين أسد بن يزيد لاجل أنه نقم على الامين لعبه وتهاونه في أمر الرعية، وارتكابه للصيد وغيره في هذا الوقت. وفيها وجه الامين أحمد بن يزيد وعبد الله بن حميد بن قحطبة في أربعين ألفا إلى حلوان لقتال طاهر بن الحسين من جهة المأمون، فلما وصلوا إلى قريب من حلوان خندق طاهر على جيشه خندقا وجعل يعمل الحيلة في إيقاع الفتنة بين الاميرين، فاختلفا فرجعا ولم يقاتلاه، ودخل طاهر إلى حلوان وجاءه كتاب المأمون بتسليم ما تحت يده إلى هرثمة بن أعين، وأن يتوجه هو إلى الاهواز. ففعل ذلك. وفيها رفع المأمون وزيره الفضل بن سهل وولاه أعمالا كبارا وسماه ذا الرياستين. وفيها ولى الامين نيابة الشام لعبد الملك بن صالح بن علي


(1) في الديوان 366: فحق له. (2) في الديوان 192: أرى كل حي هالكا، وفي ابن خلكان 2 / 97: ألا كل حي هالك. (3) في الوفيات: ثياب. (4) وهو محمد بن خازم، قال ابن الاثير مات سنة خمس وتسعين ومائة. (*)

[ 257 ]

- وقد كان أخرجه من سجن الرشيد - وأمره أن يبعث له رجالا وجنودا لقتال طاهر وهرثمة، فلما وصل إلى الرقة أقام بها وكتب إلى رؤساء الشام يتألفهم ويدعوهم إلى الطاعة، فقدم عليه منهم خلق كثير، ثم وقعت حروب كان مبدؤها من أهل حمص، وتفاقم الامر وطال القتال بين الناس، ومات عبد الملك بن صالح هنالك فرجع الجيش إلى بغداد صحبة الحسين بن علي بن ماهان، فتلقاه أهل بغداد بالاكرام، وذلك في شهر رجب من هذه السنة. فلما وصل جاء رسول الامين يطلبه فقال: والله ما أنا بمسامر ولا مضحك، ولا وليت له عملا ولا جبى على يدي مالا، فلماذا يطلبني في هذه الليلة ؟. سبب خلع الامين وكيف أفضت الخلافة إلى أخيه المأمون لما أصبح الحسين بن علي بن ماهان ولم يذهب إلى الامين لما طلبه، وذلك بعد مقدمه بالجيش من الشام، قام في الناس خطيبا وألبهم على الامين، وذكر لعبه وما يتعاطاه من اللهو وغير ذلك من المعاصي، وأنه لا تصلح الخلافة لمن هذا حاله، وأنه يريد أن يوقع البأس بين الناس، ثم حثهم على القيام عليه والنهوض إليه، وندبهم لذلك، فالتف عليه خلق كثير وجم غفير، وبعث محمد الامين إليه خيلا فاقتتلوا مليا من النهار، فأمر الحسين أصحابه بالترجل إلى الارض وأن يقاتلوا بالسيف والرماح، فانهزم جيش الامين وخلعه وأخذ البيعة لعبد الله المأمون، وذلك يوم الاحد الحادي عشر من شهر رجب من هذه السنة، ولما كان يوم الثلاثاء نقل الامين من قصره إلى قصر أبي جعفر وسط بغداد، وضيق عليه وقيده واضطهده، وأمر العباس بن عيسى بن موسى أمه زبيدة أن تنتقل إلى هناك فامتنعت فضربها بالسوط وقهرها على الانتقال فانتقلت مع أولادها، فلما أصبح الناس يوم الاربعاء طلبوا من الحسين بن علي أعطياتهم واختلفوا عليه وصار أهل بغداد فرقتين، فرقة مع الامين وفرقة عليه، فاقتتلوا قتالا شديدا فغلب حزب الخليفة أولئك، وأسروا الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان وقيدوه ودخلوا به على الخليفة ففكوا عنه قيوده وأجلسوه على سريره، فعند ذلك أمر الخليفة من لم يكن معه سلاح من العامة أن يعطى سلاحا من الخزائن، فانتهب الناس الخزائن التي فيها السلاح بسبب ذلك، وأمر الامين فأتي بالحسين بن علي بن عيسى فلامه على ما صدر منه فاعتذر إليه بأن عفو الخليفة حمله على ذلك. فعفا عنه وخلع عليه واستوزره وأعطاه الخاتم وولاه ما وراء بابه، وولاه الحرب وسيره إلى حلوان، فلما وصل إلى الجسر هرب في حاشيته وخدمه فبعث إليه الامين من يرده، فركبت الخيول وراءه فأدركوه فقاتلهم وقاتلوه فقتلوه لمنتصف رجب، وجاؤوا برأسه إلى الامين، وجدد الناس البيعة للامين يوم الجمعة، ولما قتل الحسين بن علي بن عيسى هرب الفضل بن الربيع الحاجب واستحوذ طاهر بن الحسين على أكثر البلاد للمأمون، واستناب بها النواب، وخلع أكثر أهل الاقاليم الامين وبايعوا المأمون، ودنا طاهر إلى المدائن فأخذها مع واسط وأعمالها، واستناب من جهته على الحجاز واليمن والجزيرة والموصل وغير ذلك، ولم يبق مع الامين من البلاد إلا القليل. وفي شعبان منها عقد الامين أربعمائة لواء مع كل لواء أمير، وبعثم لقتال هرثمة، فالتقوا في شهر رمضان فكسرهم هرثمة

[ 258 ]

وأسر مقدمهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك، وبعث به إلى المأمون. وهرب جماعة من جند طاهر فساروا إلى الامين فأعطاهم أموالا كثيرة، وأكرمهم وغلف لحاهم بالغالية فسموا جيش الغالية. ثم ندبهم الامين وأرسل معهم جيشا كثيفا لقتال طاهر فهزمهم طاهر وفرق شملهم، وأخذ ما كان معهم. واقترب طاهر من بغداد فحاصرها وبعث القصاد والجواسيس يلقون الفتنة بين الجند حتى تفرقوا شيعا، ثم وقع بين الجيش وتشعبت الاصاغر على الاكابر واختلفوا على الامين في سادس ذي الحجة فقال بعض البغاددة: قل لامين الله في نفسه * ما شتت الجند سوى الغاليه وطاهر نفسي فدا طاهر (1) * برسله والعدة الكافية أضحى زمام الملك في كفه * مقاتلا للفئة الباغيه يا ناكثا أسلمه نكثه * عيوبه في (2) خبثه فاشيه قد جاءك اليث بشداته * مستكلبا في أسد ضاريه فاهرب ولا مهرب من مثله * إلا إلى النار أو الهاويه فتفرق على الامين شمله، وحار في أمره، وجاء طاهر بن الحسين بجيوشه فنزل على باب الانبار يوم الثلاثاء لثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، واشتد الحال على أهل البلد وأخاف الدعار والشطار أهل الصلاح، وخربت الديار، وثارت الفتنة بين الناس، حتى قاتل الاخ أخاه للاهواء المختلفة، والابن اباه، وجرت شرور عظيمة، واختلفت الاهواء وكثر الفساد والقتل داخل البلد. وحج بالناس فيها العباس بن موسى بن عيسى الهاشمي من قبل طاهر، ودعا للمأمون بالخلافة بمكة والمدينة، وهو أول موسم دعي فيه للمأمون. وفيها توفي بقية بن الوليد الحمصي إمام أهل حمص وفقيهها ومحدثها. وحفص بن غياث القاضي عاش فوق التسعين، ولما احتضر بكى بعض أصحابه فقال له: لا تبك ! والله ما حللت سراويلي على حرام قط، ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من وقع الحكم عليه منهما، قريبا كان أو بعيدا، ملكا أو سوقة. وعبد الله بن مرزوق أبو محمد الزاهد، كان وزيرا للرشيد فترك ذلك كله وتزهد وأوصى عند موته أن يطرح قبل موته على مزبلة لعل الله أن يرحمه.


(1) في الطبري 10 / 172: نفسي تقي طاهرا. (2) في الطبري: من. وفي مروج الذهب 3 / 488: من حينه. (*)

[ 259 ]

أبو شيص الشاعر محمد بن رزين بن سليمان، كان أستاذ الشعراء، وإنشاء الشعر ونظمه أسهل عليه من شرب الماء، كذا قال ابن خلكان وغيره. وكان هو وأبو مسلم بن الوليد - الملقب صريع الغواني - وأبو نواس ودعبل يجتمعون ويتناشدون. وقد عمي أبو الشيص في آخر عمره، ومن جيد شعره قوله: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخر عنه ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة * حبا لذكرك فليلمني اللوم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم * إذ كان حظي منك حظي منهم وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا * ما من يهون عليك ممن تكرم (1) ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة استهلت هذه السنة وقد ألح طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين ومن معهما في حصار بغداد والتضييق على الامين، وهرب القاسم بن الرشيد وعمه منصور بن المهدي إلى المأمون فأكرمهما، وولى أخاه القاسم جرجان، واشتد حصار بغداد ونصب عليها المجانيق والعرادات. وضاق الامين بهم ذرعا، ولم يبق معه ما ينفق في الجند، فاضطر إلى ضرب آنية الفضة والذهب دراهم ودنانير، وهرب كثير من جنده إلى طاهر، وقتل من أهل البلد خلق كثير، وأخذت أموال كثيرة منهم، وبعث الامين إلى قصور كثيرة ودور شهيرة مزخرفة وأماكن ومحال كثيرة فحرقها بالنار لما رأى في ذلك من المصلحة فعل كل هذا فرارا من الموت ولتدوم الخلافة له فلم تدم، وقتل وخربت دياره كما سيأتي قريبا، وفعل طاهر مثل ما فعل الامين حتى كادت بغداد تخرب بكمالها، فقال بعضهم (2) في ذلك: من ذا أصابك يا بغداد بالعين * ألم تكوني زمانا قرة العين ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم * وكان قربهم (3) زينا من الزين صاح الغراب (4) بهم بالبين فافترقوا * ماذا لقيت بهم من لوعة البين استودع الله قوما ما ذكرتهم * إلا تحدر ماء العين (5) من عيني


(1) في الاغاني 16 / 402: يكرم. (2) في الطبري 10 / 175: ففي ذلك يقول العتري - وهو عمرو بن عبد الملك الوراق العتري -، وفي مروج الذهب 3 / 492: فقال الشاعر: (3) في مروج الذهب: كان قربهم............. * وكان مسكنهم............... (4) في مروج الذهب: الزمان. (5) في مروج الذهب: الدمع. (*)

[ 260 ]

كانوا ففرقهم دهر وصدعهم * والدهر يصدع ما بين الفريقين وقد أكثر الشعراء في ذلك. وقد أورد ابن جرير من ذلك طرفا صالحا، وأورد في ذلك قصيدة طويلة جدا بها بسط ما وقع، وهي هول من الاهوال اقتصرناها بالكلية. واستحوذ طاهر على ما في الضياع من الغلات والحواصل للامراء وغيرهم، ودعاهم إلى الامان والبيعة للمأمون فاستجابوا جميعهم، منهم عبد الله بن حميد بن قحطبة، ويحيى بن علي بن ماهان، ومحمد بن أبي العباس الطوسي (1)، وكاتبه خلق من الهاشميين والامراء، وصارت قلوبهم معه. واتفق في بعض الايام أن ظفر أصحاب الامين ببعض أصحاب طاهر فقتلوا منهم طائفة عند قصر صالح، فلما سمع الامين بذلك بطر وأشر وأقبل على اللهو والشرب واللعب، ووكل الامور وتدبيرها إلى محمد بن عيسى بن نهيك، ثم قويت شوكة أصحاب طاهر وضعف جانب الامين جدا، وانحاز الناس إلى جيش طاهر - وكان جانبه آمنا جدا لا يخاف أحد فيه من سرقة ولا نهب ولا غير ذلك - وقد أخذ طاهر أكثر محال بغداد وأرباضها، ومنع الملاحين أن يحملوا طعاما إلى من خالفه، فغلت الاسعار جدا عند من خالفه، وندم من لم يكن خرج من بغداد قبل ذلك، ومنعت التجار من القدوم إلى بغداد بشئ من البضائع أو الدقيق، وصرفت السفن إلى البصرة وغيرها، وجرت بين الفريقين حروب كثيرة، فمن ذلك وقعة درب الحجارة كانت لاصحاب الامين، قتل فيها خلق من أصحاب طاهر كان الرجل من العيارين والحرافشة من البغاددة يأتي عريانا ومعه بارية مقيرة، وتحت كتفه مخلاة فيها حجارة، فإذا ضربه الفارس من بعيد بالسهم اتقاه بباريته فلا يؤذيه، وإذا اقترب منه رماه بحجر في المقلاع أصابه، فهزموهم لذلك. ووقعة الشماسية أسر فيها هرثمة بن أعين، فشق ذلك على طاهر وأمر بعقد جسر على دجلة فوق الشماسية، وعبر طاهر بنفسه ومن معه إلى الجانب الآخر فقاتلهم بنفسه أشد القتال حتى أزالهم عى مواضعهم، واسترد منهم هرثمة وجماعة ممن كانوا أسروهم من أصحابه، فشق ذلك على محمد الامين وقال في ذلك: منيت بأشجع الثقلين قلبا * إذا ما طال ليس كما يطول له مع كل ذي بدد رقيب * يشاهده ويعلم ما يقول فليس بمغفل أمرا عنادا * إذا ما الامر ضيعه الغفول وضعف أمر الامين جدا ولم يبق عنده مال ينفقه على جنده ولا على نفسه، وتفرق أكثر أصحابه عنه، وبقي مضطهدا ذليلا. ثم انقضت هذه السنة بكمالها والناس في بغداد في قلاقل وأهوية مختلفة، وقال وحريق، وسرقات، وساءت بغداد فلم يبق فيها أحد يرد عن أحد كما هي عادة الفتن. وحج بالناس فيها العباس بن موسى الهاشمي من جهة المأمون. وفيها توفي شعيب بن حرب


(1) في ابن الاثير 6 / 273: الطائي، وفي الطبري 10 / 182: محمد بن أبي العاص. (*)

[ 261 ]

أحد الزهاد (1). وعبد الله بن وهب (2) إمام أهل الديار المصرية. وعبد الرحمن بن مسهر أخو علي بن مسهر. وعثمان بن سعيد الملقب بورش أحد القراء المشهورين الرواة عن نافع بن أبي نعيم. ووكيع بن الجراح الرواسي أحد أعلام المحدثين. مات عن ست وستين سنة. ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة فيها خامر خزيمة بن خازم على محمد الامين وأخذ الامان من طاهر. ودخل هرثمة بن أعين من الجانب الشرقي. وفي يوم الاربعاء لثمان خلون من المحرم وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن علي بن عيسى على جسر بغداد فقطعاه ونصبا رايتهما عليه. ودعوا إلى بيعة عبد الله المأمون وخلع محمد الامين، ودخل طاهر يوم الخميس إلى الجانب الشرقي فباشر القتال بنفسه، ونادى بالامان لمن لزم منزله، وجرت عند دار الرقيق والكرخ وغيرهما وقعات، وأحاطوا بمدينة أبي جعفر والخلد وقصر زبيدة، ونصب المجانيق حول السور وحذاء قصر زبيدة، ورماه بالمنجنيق، فخرج الامين بأمه وولده إلى مدينة أبي جعفر، وتفرق عنه عامة الناس في الطريق، لا يلوي أحد على أحد، حتى دخل قصر أبي جعفر وانتقل من الخلد لكثرة ما يأتيه فيه من رمي المنجنيق، وأمر بتحريق ما كان فيه من الاثاث والبسط والامتعة وغير ذلك، ثم حصر حصرا شديدا. ومع هذه الشدة والضيق وإشرافه على الهلاك خرج ذات ليلة في ضوء القمر على شاطئ دجلة واستدعى بنبيذ وجارية فغنته فلم ينطلق لسانها إلا بالفراقيات وذكر الموت وهو يقول: غير هذا، وتذكر نظيره حتى غنته آخر ما غنته: أما ورب السكون والحرك * إن المنايا كثيرة الشرك ما اختلف الليل والنهار ولا * دارت نجوم السماء في الفلك إلا لنقل السلطان (3) من ملك * قد انقضى ملكه إلى ملك وملك ذي العرش دائم أبدا * ليس بفان ولا بمشترك قال: فسبها وأقامها من عنده فعثرت في قدح كان له من بلور فكسرته فتطير بذلك. ولما ذهبت الجارية سمع صارخا يقول (قضي الامر الذي فيه تستفتيان) [ يوسف: 41 ] فقال لجليسه: ويحك ألا


(1) المدائني الزاهد أحد علماء الحديث روى عن مالك بن مغول وطبقته. قال أحمد بن حنبل: حمل على نفسه في الورع. وقال الطيب بن اسماعيل: يأكل خبزا يابسا وهو جلد وعظم. (2) كان مولده سنة 125 ه‍ الفهري مولاهم المقري روى عن ابن جريج وعمرو بن الحرث وخلق. جمع بين الفقه والرواية والعبادة وله تصانيف كثيرة. عرضوا عليه القضاء فاختبأ ولم يقبله. (3) في الطبري 10 / 195 وابن الاثير 6 / 281: النعيم................. * قد زال سلطانه إلى ملك (*)

[ 262 ]

تسمع، فتسمع فلا يسمع شيئا، ثم عاد الصوت بذلك فما كان إلا ليلة أو ليلتان حتى قتل في رابع صفر يوم الاحد، وقل حصل له من الجهد والضيق في حصره شيئا كثيرا بحيث إنه لم يبق له طعام يأكله ولا شراب بحيث إنه جاع ليلة فما أتي برغيف ودجاجة إلا بعد شدة عظيمة، ثم طلب ماء فلم يوجد له فبات عطشانا فلما أصبح قتل قبل أن يشرب الماء. كيفية مقتله لما اشتد به الامر اجتمع عنده من بقي معه من الامراء والخدم والجند، فشاورهم في أمره فقالت طائفة: تذهب بمن بقي معك إلى الجزيرة أو الشام فتتقوى بالاموال وتستخدم الرجال. وقال بعضهم تخرج إلى طاهر وتأخذ منه أمانا وتبايع لاخيك، فإذا فعلت ذلك فإن أخاك سيأمر لك بما يكفيك ويكفي أهلك من أمر الدنيا، وغاية مرادك الدعة والراحة، وذلك يحصل لك تاما. وقال بعضهم: بل هرثمة أولى بأن يأخذ لك منه الامان فإنه مولاكم وهو أحنى عليك. فمال إلى ذلك، فلما كانت ليلة الاحد الرابع من صفر بعد عشاء الآخرة واعد هرثمة أن يخرج إليه، ثم لبس ثياب الخلافة وطيلسانا واستدعى بولديه فشمهما وضمهما إليه وقال: أستودعكما الله، ومسح دموعه بطرف كمه، ثم ركب على فرس سوداء وبين يديه شمعة، فلما انتهى إلى هرثمة أكرمه وعظمه وركبا في حراقة في دجلة، وبلغ ذلك طاهرا فغضب من ذلك وقال: أنا الذي فعلت هذا كله ويذهب إلى غيري، وينسب هذا كله إلى هرثمة ؟ فلحقهما وهما في الحراقة فأمالها أصحابه فغرق من فيها، غير أن الامين سبح إلى الجانب الآخر وأسره بعض الجند. وجاء فأعلم طاهرا فبعث إليه جندا من العجم فجاؤوا إلى البيت الذي هو فيه وعنده بعض أصحابه وهو يقول له: ادن مني فإني أجد وحشة شديدة، وجعل يلتف في ثيابه شديدا وقلبه يخفق خفقانا عظيما، كاد يخرج من صدره. فلما دخل عليه أولئك قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم دنا منه أحدهم (1) فضربه بالسيف على مفرق رأسه فجعل يقول: ويحكم أنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون، الله الله في دمي. فلم يلتفتوا إلى شئ من ذلك، بل تكاثروا عليه وذبحوه من قفاه وهو مكبوب على وجهه وذهبوا برأسه إلى طاهر وتركوا جثته، ثم جاؤوا بكرة إليها فلفوها في جل فرس وذهبوا بها. وذلك ليلة الاحد لاربع ليال خلت من صفر من هذه السنة. شئ من ترجمته هو محمد الامين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور، أبو عبد الله ويقال أبو موسى الهاشمي العباسي، وأمه أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، كان مولده بالرصافة سنة


(1) ويقال له خمارويه غلام لقريش الدنداني مولى طاهر بن الحسين. (الطبري - ابن الاثير) وفي مروج الذهب 3 / 501: قرين الديراني غلام طاهر. (*)

[ 263 ]

سبعين ومائة. قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عياش بن هشام عن أبيه قال: ولد محمد الامين بن هارون الرشيد في شوال سنة سبعين ومائة. وأتته الخلافة بمدينة السلام بغداد لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وقيل ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم (1)، وقتل سنة ثمان وتسعين ومائة، قتله قريش الدنداني، وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين فنصبه على رمح وتلا هذه الآية (في اللهم مالك الملك) [ آل عمران: 26 ] وكانت ولايته أربع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام (2)، وكان طويلا سمينا أبيض أقنى الانف صغير العينين. عظيم الكراديس بعيدا ما بين المنكبين. وقد رماه بعضهم بكثرة اللعب والشرب وقلة الصلاة. وقد ذكر ابن جرير طرفا من سيرته في إكثاره من اقتناء السودان والخصيان، وإعطائه الاموال والجواهر، وأمره بإحضار الملاهي والمغنين من سائر البلاد، وأنه أمر بعمل خمس حراقات على صورة الفيل والاسد والعقاب والحية والفرس، وأنفق على ذلك أموالا جزيلة جدا، وقد امتدحه أبو نواس بشعر أقبح في معناه من صنيع الامين فإنه قال في أوله: سخر الله للامين مطايا * لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سرن برا * سار في الماء راكبا ليث غاب ثم وصف كلا من تلك الحراقات. واعتنى الامين ببنايات هائلة للنزهة وغيرها، وأنفق في ذلك أموالا كثيرة جدا. فكثر النكير عليه بسبب ذلك. وذكر ابن جرير: أنه جلس يوما في مجلس أنفق عليه مالا جزيلا في الخلد، وقد فرش له بأنواع الحرير، ونضد بآنية الذهب والفضة، وأحضر ندماءه وأمر القهرمانة أن تهيئ له مائة جارية حسناء وأمرها أن تبعثهن إليه عشرا بعد عشر يغنينه، فلما جاءت العشر الاول اندفعن يغنين بصوت واحد (3): همو قتلوه كي يكونوا مكانه * كما غدرت يوما بكسرى مرازبه فغضب من ذلك وتبرم وضرب رأسها بالكأس، وأمر بالقهرمانة أن تلقى إلى الاسد فأكلها. ثم استدعى بعشرة فاندفعن يغنين: من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرا يندبنه * يلطمن قبل تبلج الاسحار فطردهن واستدعى بعشر غيرهن، فلما حضرن اندفعن يغنين بصوت واحد:


(1) انظر في ولايته الخلافة الطبري 10 / 208 وابن الاثير 6 / 288 ومروج الذهب 3 / 473 وابن الاعثم 8 / 308 والمعارف ص 167. (2) انظر الطبري 10 / 209 ومروج الذهب 3 / 473 وابن الاثير 6 / 289 وابن الاعثم 8 / 309. (3) في مروج 3 / 479: دعا بجارية من خواص جواريه تسمى ضعفا فغنت، (وانظر الطبري 10 / 218). (*)

[ 264 ]

كليب لعمري كان أكثر ناصرا * وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم (1) فطردهن وقام من فوره وأمر بتخريب ذلك المجلس وتحريق ما فيه. وذكر أنه كان كثير الادب فصيحا يقول الشعر ويعطي عليه الجوائز الكثيرة، وكان شاعره أبا نواس، وقد قال فيه أبو نواس مدائح حسانا، وقد وجده مسجونا في حبس الرشيد مع الزنادقه فأحضره وأطلقه وأطلق له مالا وجعله من ندمائه، ثم حبسه مرة أخرى في شرب الخمر وأطال حبسه ثم أطلقه وأخذ عليه العهد أن لا يشرب الخمر ولا يأتي الذكور من المردان فامتثل ذلك، وكان لا يفعل شيئا من ذلك بعد ما استتابه الامين، وقد تأدب على الكسائي وقرأ عليه القرآن. وروى الخطيب من طريقه حديثا أورده عنه لما عزي في غلام له توفي بمكه فقال: حدثني أبي عن أبيه عن المنصور عن أبيه عن علي بن عبد الله عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما مات محرما حشر ملبيا " (2). وقد قدمنا ما وقع بينه وبين أخيه من الاختلاف والفرقة، حتى أفضى ذلك إلى خلعه وعزله، ثم إلى التضييق عليه، ثم إلى قتله، وأنه حصر في آخر أمره حتى احتاج إلى مصانعة هرثمة، وأنه ألقي في حراقة ثم ألقي منها فسبح إلى الشط الآخر فدخل دار بعض العامة وهو في غاية الخوف والدهش والجوع والعرى، فجعل الرجل يلقنه الصبر والاستغفار، فاشتغل بذلك ساعة من الليل، ثم جاء الطلب وراءه من جهة طاهر بن الحسين بن مصعب، فدخلوا عليه وكان الباب ضيقا فتدافعوا عليه وقام إليهم فجعل يدافعهم عن نفسه بمخدة في يده، فما وصلوا إليه حتى عرقبوه وضربوا رأسه أو خاصرته بالسيوف، ثم ذبحوه وأخذوا رأسه وجثته فأتوا بهما طاهرا، ففرح بذلك فرحا شديدا، وأمر بنصب الرأس فوق رمح هناك حتى أصبح الناس فنظروا إليه فوق الرمح عند باب الانبار، وكثر عدد الناس ينظرون إليه. ثم بعث طاهر برأس الامين مع ابن عمه محمد بن مصعب، وبعث معه بالبردة والقضيب والنعل (3) - وكان من خوص مبطن - فسلمه إلى ذي الرياستين، فدخل به على المأمون على ترس، فلما رآه سجد وأمر لمن جاء به بألف ألف درهم. وقد قال ذو الرياستين حين قدم الرأس يؤلب على طاهر: أمرناه بأن يأتي به أسيرا فأرسل به إلينا عقيرا (4). فقال المأمون: مضى ما مضى. وكتب طاهر إلى المأمون كتابا ذكر فيه صورة ما وقع حتى آل الحال إلى ما آل إليه (5)


(1) البيت للنابغة وهو في ديوانه. (2) الحديث في البخاري صيد 13، 31 وأخرجه في الجنائز (21) والترمذي في الحج (103) والنسائي في الجنائز (41) وابن ماجه في المناسك (89) والدارمي في المناسك (35) ومالك في الموطأ في الحج: (16). (3) في الطبري 10 / 202: المصلى وهو من سعف مبطن. (4) انظر ابن الاعثم 8 / 308، وأما في مروج الذهب 3 / 504 قال: " فقال الفضل بن سهل: الحمد لله يا أمير المؤمنين على النعمة الجليلة، فإن محمدا كان يتمنى أن يراك بحيث رأيته ". (5) نسخة كتاب طاهر في الطبري 10 / 203. (*)

[ 265 ]

ولما قتل الامين هدأت الفتن وخمدت الشرور، وأمن الناس، وطابت النفس، ودخل طاهر بغداد يوم الجمعة وخطبهم خطبة بليغة ذكر فيها آيات كثيرة من القرآن، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأمرهم فيها بالجماعة والسمع والطاعة ثم خرج إلى معسكره فأقام به وأمر بتحويل زبيدة من قصر أبي جعفر إلى قصر الخلد، فخرجت يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الاول من هذه السنة، وبعث بموسى وعبد الله ابني الامين إلى عمهما المأمون بخراسان وكان ذلك رأيا سديدا. وقد وثب طائفة من الجند على طاهر بعد خمسة أيام من مقتل الامين وطلبوا منه أرزاقهم فلم يكن عنده إذ ذاك مال، فتحزبوا واجتمعوا ونهبوا بعض متاعه ونادوا: يا موسى يا منصور، واعتقدوا أن موسى بن الامين الملقب بالناطق هناك، وإذا هو قد سيره إلى عمه. وانحاز طاهر بمن معه من القواد ناحية وعزم على قتالهم بمن معه، ثم رجعوا إليه واعتذروا وندموا، فأمر لهم برزق أربعة أشهر بعشرين ألف دينار اقترضها من بعض الناس، فطابت الخواطر. ثم إن إبراهيم بن المهدي قد أسف على قتل محمد الامين بن زبيدة ورثاه بأبيات، فبلغ ذلك المأمون فبعث إليه يعنفه ويلومه على ذلك. وقد ذكر ابن جرير مراثي كثيرة للناس في الامين، وذكر من أشعار الذين هجوه طرفا، وذكر من شعر طاهر بن الحسين حين قتله قوله: ملك الناس قسرا واقتدارا * وقتلت الجبابرة الكبارا ووجهت الخلافة نحو مرو * إلى المأمون تبتدر ابتدارا خلافة عبد الله المأمون بن الرشيد هارون لما قتل أخوه محمد في رابع صفر من سنة ثمان وتسعين ومائة وقيل في المحرم، استوسقت البيعة شرقا وغربا للمأمون: فولى الحسن بن سهل نيابة العراق وفارس والاهواز والكوفة والبصرة والحجاز واليمن، وبعث نوابه إلى هذه الاقاليم، وكتب إلى طاهر بن الحسين أن ينصرف إلى الرقة لحرب نصر بن شبث، وولاه نيابة الجزيرة والشام والموصل والمغرب. وكتب إلى هرثمة بن أعين بنيابة خراسان. وفيها حج بالناس العباس بن عيسى الهاشمي. وفيها توفي سفيان بن عيينة. وعبد الرحمن بن مهدي. ويحيى القطان (1). فهؤلاء الثلاثة سادة العلماء في الحديث والفقه واسماء الرجال.


(1) سفيان بن عيينة الهلالي مولاهم الكوفي الحافظ شيح الحجاز ونزيل مكة مات وله احدى وتسعون سنة أعلم الناس بالتفسير والسنن وروى عنه الاعمش وابن جريج وشعبة والشافعي وابن المبارك وأحمد وخلق. عبد الرحمن بن مهدي البصري اللؤلؤي، أبو سعيد الحافظ، ركن من اركان الحديث بالعراق مات ابن ثلاث وستين سنة كان فقيها مفتيا عظيم الشأن. يحيى بن سعيد القطان البصري أبو سعيد مات ابن ثمان وسبعين سنة روى عن عطاء بن السائب وحميد وخلق. (*)

[ 266 ]

ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة فيها قدم الحسن بن سهل بغداد نائبا عليها من جهة المأمون، ووجه نوابه إلى بقية أعماله، وتوجه طاهر إلى نيابة الجزيرة والشام ومصر وبلاد المغرب. وسار هرثمة إلى خراسان نائبا عليها، وكان قد خرج في أواخر السنة الماضية في ذي الحجة منها، الحسن الهرش يدعو إلى الرضى من آل محمد، فجبى الاموال وانتهب الانعام وعاث في البلاد فسادا فبعث إليه المأمون جيشا فقتلوه في المحرم من هذه السنة. وفيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة، يدعو إلى الرضى من آل محمد، والعمل بالكتاب والسنة، وهو الذي يقال له ابن طباطبا، وكان القائم بأمره وتدبير الحرب بين يديه أبو السرايا السري بن منصور الشيباني، وقد اتفق أهل الكوفة على موافقته واجتمعوا عليه من كل فج عميق، ووفدت إليه الاعراب من نواحي الكوفة، وكان النائب عليها من جهة الحسن بن سهل سليمان بن أبي جعفر المنصور، فبعث الحسن بن سهل يلومه ويؤنبه على ذلك، وأرسل إليه بعشرة آلاف فارس صحبة زاهر (1) بن زهير بن المسيب، فتقاتلوا خارج الكوفة فهزموا زاهرا واستباحوا جيشه ونهبوا ما كان معه، وذلك يوم الاربعاء سلخ جمادى الآخرة، فلما كان الغد من الوقعة توفي ابن طباطبا أمير الشيعة فجأة، يقال إن أبا السرايا سمه (2) وأقام مكانه غلاما أمرد يقال له: محمد بن محمد (3) بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وانعزل زاهر بمن بقي معه من أصحابه إلى قصر ابن هبيرة، وأرسل الحسن بن سهل مع عبدوس بن محمد أربعة آلاف فارس، صورة مدد لزاهر، فالتقوا هم وأبو السرايا فهزمهم أبو السرايا ولم يفلت من أصحاب عبدوس أحد، وانتشر الطالبيون في تلك البلاد، وضرب أبو السرايا الدراهم والدنانير في الكوفة، ونقش عليه (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا) [ الصف: 4 ] الآية. ثم بعث أبو السرايا جيوشه إلى البصرة وواسط والمدائن فهزموا من فيها من النواب ودخلوها قهرا، وقويت شوكتهم، فأهم ذلك الحسن بن سهل وكتب إلى هرثمة يستدعيه لحرب أبي السرايا فتمنع ثم قدم عليه فخرج إلى أبي السرايا فهزم أبا السرايا غير مرة وطرده حتى رده إلى الكوفة ووثب الطالبيون على دور بني العباس بالكوفة فنهبوها وخربوا ضياعهم، وفعلوا أفعالا قبيحة. وبعث أبو السرايا إلى المدائن فاستجابوا، وبعث إلى أهل مكة حسين ابن حسن الافطس ليقيم لهم الموسم فخاف أن يدخلها جهرة، ولما سمع نائب مكة - وهو داود بن عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس - هرب من مكة طالبا أرض العراق، وبقي الناس بلا إمام فسئل مؤذنها أحمد بن محمد بن الوليد الازرقي أن يصلي بهم فأبى، فقيل لقاضيها محمد بن عبد


(1) سقط اسم زاهر من الطبري وابن الاثير. (2) في ابن الاعثم 8 / 312: أتي به المأمون فأمر به فضرب عنقه صبرا. (3) في مروج الذهب 4 / 31: محمد بن محمد بن يحيى بن زيد. (*)

[ 267 ]

الرحمن المخزومي فامتنع، وقال: لمن أدعو وقد هرب نواب البلاد. فقدم الناس رجلا منهم فصلى بهم الظهر والعصر، وبلغ الخبر إلى حسين الافطس فدخل مكة في عشرة أنفس قبل الغروب فطاف بالبيت، ثم وقف بعرفة ليلا وصلى بالناس الفجر بمردلفة وأقام بقية المناسك في أيام منى، فدفع الناس من عرفة بغير إمام. وفيها توفي إسحاق بن سليمان (1). وابن نمير (2). وابن شابور (3). وعمرو العنبري، والد مطيع البلخي، ويونس بن بكير (4). ثم دخلت سنة مائتين من الهجرة في أول يوم منها جلس حسين بن حسن الافطس على طنفسة مثلثة خلف المقام وأمر بتجريد الكعبة مما عليها من كساوي بني العباس، وقال: نطهرها من كساويهم. وكساها ملاءتين صفراوتين عليهما اسم أبي السرايا، ثم أخذ ما في كنز الكعبة من الاموال، وتتبع ودائع بني العباس فأخذها، حتى أنه أخذ مال ذوي المال ويزعم أنه للمسودة. وهرب منه الناس إلى الجبال، وسبك ما على رؤوس الاساطين من الذهب، وكان ينزل مقدار يسير بعد جهد، وقلعوا ما في المسجد الحرام من الشبابيك وباعوها بالبخس، وأساؤوا السيرة جدا. فلما بلغه مقتل أبي السرايا كتم ذلك وأمر رجلا من الطالبيين شيخا كبيرا، واستمر على سوء السيرة، ثم هرب في سادس عشر المحرم منها، وذلك لما قهر هرثمة أبا السرايا وهزم جيشه وأخرجه ومن معه من الطالبيين من الكوفة، ودخلها هرثمة ومنصور بن المهدي فأمنوا أهلها ولم يتعرضوا لاحد. وسار أبو السرايا بمن معه إلى القادسية، ثم سار منها فاعترضهم بعض جيوش المأمون فهزمهم أيضا وجرح أبو السرايا جراحة منكرة جدا، وهربوا يريدون الجزيرة إلى منزل أبي السرايا برأس العين، فاعترضهم بعض الجيوش أيضا فأسروهم وأتوا بهم الحسن بن سهل وهو بالنهروان حين طردته الحربية، فأمر بضرب عنق أبي السرايا فجزع من ذلك جزعا شديدا جدا وطيف برأسه وأمر بجسده أن يقطع اثنتين وينصب على جسري بغداد، فكان بين خروجه وقتله عشرة أشهر. فبعث الحسن بن سهل محمد بن محمد إلى المأمون مع رأس أبي السرايا. وقال بعض الشعراء: ألم تر ضربة الحسن بن سهل * بسيفك يا أمير المؤمنينا


(1) اسحاق بن سليمان الرازي الكوفي الاصل روى عن ابن أبي ذئب وكان عابدا خاشعا. (2) وهو عبد الله بن نمير الخارفي، أبو هشام الكوفي، صاحب حديث عاش بضعا وثمانين سنة وثقه ابن معين وغيره. والخارفي نسبة إلى خارف بطن من همدان نزلوا الكوفة. (3) ابن شابور من تقريب التهذيب، وفي الاصل ابن سابور، وهو محمد بن شعيب بن شابور الاموي مولاهم الدمشقي نزيل بيروت صدوق كان من علماء المحدثين وعقلائهم المشهورين مات وله 84 سنة. (4) يونس بن بكير: أبو بكر الشيباني الكوفي الحافظ صاحب المغازي. صدوق. قال ابن معين: ثقة وقال أبو زرعة: لا أعلمه مما ينكر عليه في الحديث وقال النسائي: ليس بالقوي. (*)

[ 268 ]

أدارت مرو رأس أبي السرايا * وأبقت عبرة للعالمينا وكان الذي في يده البصرة من الطالبيين زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، ويقال له زيد النار، لكثرة ما حرق من البيوت التي للمسودة، فأسره علي بن سعيد وأمنه وبعث به وبمن معه من القواد إلى اليمن لقتال من هناك من الطالبيين. وفيها خرج باليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، ويقال له الجزار لكثرة من قتل من أهل اليمن، وأخذ من أموالهم. وهو الذي كان بمكة وفعل فيها ما فعل كما تقدم، فلما بلغه قتل أبي السرايا هرب إلى اليمن، فلما بلغ نائب اليمن خبره ترك اليمن وسار إلى خراسان واجتاز بمكة وأخذ أمه منها. واستحوذ إبراهيم هذا على بلاد اليمن وجرت حروب كثيرة يطول ذكرها، ورجع محمد بن جعفر العلوي عما كان بزعمه، وكان قد ادعى الخلافة بمكة، وقال: كنت أظن أن المأمون قد مات وقد تحققت حياته، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه مما كنت ادعيت من ذلك، وقد رجعت إلى الطاعة وأنا رجل من المسلمين. ولما هزم هرثمة أبا السرايا ومن كان معه من ولاة الخلافة وهو محمد بن محمد وشى بعض الناس إلى المأمون أن هرثمة راسل أبا السرايا وهو الذي أمره بالظهور، فاستدعاه المأمون إلى مرو فأمر به فضرب بين يديه ووطئ بطنه ثم رفع إلى الحبس ثم قتل بعد ذلك بأيام، وانطوى خبره بالكلية. ولما وصل خبر قتله إلى بغداد عبثت العامة والحربية بالحسن بن سهل نائب العراق وقالوا: لا نرضى به ولا بعماله ببلادنا، وأقاموا إسحاق بن موسى المهدي نائبا، واجتمع أهل الجانبين على ذلك، والتفت على الحسن بن سهل جماعة من الامراء والاجناد، وأرسل من وافق العامة على ذلك من الامراء يحرضهم على القتال، وجرت الحروب بينهم ثلاثة أيام في شعبان من هذه السنة. ثم اتفق الحال على أن يعطيهم شيئا من أرزاقهم ينفقونها في شهر رمضان، فما زال يمطلهم إلى ذي القعدة حتى يدرك الزرع، فخرج في ذي القعدة زيد بن موسى الذي يقال له زيد النار، ومعه (1) أخو أبي السرايا، وقد كان خروجه هذه المرة بناحية الانبار، فبعث إليه علي بن هشام نائب بغداد عن الحسن بن سهل والحسن بالمدائن إذ ذاك فأخذ وأتي به إلى علي بن هشام، وأطفأ الله ثائرته. وبعث المأمون في هذه السنة يطلب من بقي من العباسيين، وأحصى كم العباسيون فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا، ما بين ذكور وإناث. وفيها قتلت الروم ملكهم إليون، وقد ملكهم سبع سنين، وملكوا عليهم ميخائيل نائبه. وفيها قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل، لانه قال للمأمون: يا أمير الكافرين. فقتل صبرا بين يديه. وفيها حج بالناس محمد بن المعتصم بن هارون الرشيد. وفيها توفي من الاعيان:


(1) من الطبري 10 / 237 وفى الاصل: وهو، تحريف، فزيد النار ليس أخا لابي السرايا. (*)

[ 269 ]

أسباط بن محمد (1) وأبو ضمرة أنس بن عياض (2). وسلم بن قتيبة (3) وعمر بن عبد الواحد (4). وابن أبي فديك. ومبشر بن إسماعيل. ومحمد بن حمير (5). ومعاذ بن هشام (6). ثم دخلت سنة إحدى ومائتين فيها راود أهل بغداد منصور بن المهدي على الخلافة فامتنع من ذلك، فراودوه على أن يكون نائبا للمأمون يدعو له في الخطبة فأجابهم إلى ذلك، وقد أخرجوا علي بن هشام نائب الحسن بن سهل من بين أظهرهم بعد أن جرت حروب كثيرة بسبب ذلك. وفيها عم البلاء بالعيارين والشطار والفساق ببغداد وما حولها من القرى، كانوا يأتون الرجل يسألونه مالا يقرضهم أو يضلهم به فيمتنع عليهم فيأخذون جميع ما في منزله، وربما تعرضوا للغلمان والنسوان، ويأتون أهل القرية فيستاقون من الانعام والمواشي ويأخذون ما شاؤوا من الغلمان والنسوان، ونهبوا أهل قطر بل ولم يدعوا لهم شيئا أصلا، فانتدب لهم رجل يقال له خالد الدريوش، وآخر يقال له سهل بن سلامة أبو حاتم الانصاري من أهل خراسان. والتف عليهم جماعة من العامة فكفوا شرهم وقاتلوهم ومنعوهم من الفساد في الارض، واستقرت الامور كما كانت، وذلك في شعبان ورمضان. وفي شوال منها رجع الحسن بن سهل إلى بغداد وصالح الجند، وانفصل منصور بن المهدي ومن وافقه من الامراء. وفيها ببايع المأمون لعلي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب أن يكون ولي العهد من بعده، وسماه الرضى من آل محمد، وطرح لبس السواد وأمر بلبس الخضرة، فلبسها هو وجنده، وكتب بذلك إلى الآفاق والاقاليم، وكانت مبايعته له يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وذلك أن المأمون رأى أن عليا الرضى خير أهل البيت وليس في بني العباس مثله في عمله ودينه، فجعله ولي عهده من بعده.


(1) اسباط بن محمد، أبو محمد الكوفي: ثقة صاحب حديث روى عن الاعمش وطبقته. قال ابن سعد: ثقة فيه بعض الضعف. (2) أنس بن عياض الليثي المدني محدث المدينة كان من الثقات المتقنين مات وله ست وتسعون سنة. (3) من تقريب التهذيب وشذرات الذهب وفي الاصل مسلم تحريف. أصله خراساني روى بالبصرة عن يونس بن أبي اسحاق وطبقته. (4) السلمي الدمشقي كان من الثقات ولد سنة ثمان عشرة ومائة قرأ القراءات على يحيى الذماري. (5) من التقريب (وفي الاصل جبير تحريف) السلمي. وفي شذرات الذهب السليحي، محدث حمص وثقه ابن معين ودحيم. قال يعقوب الفسوي: ليس بالقوي. (6) معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، صدوق قال ابن معين: ليس بحجة روى عن أبيه وابن عون وطاء (*)

[ 270 ]

بيعة أهل بغداد لابراهيم بن المهدي لما جاء الخبر أن المأمون بايع لعلي الرضى بالولاية من بعده اختلفوا فيما بينهم، فمن مجيب مبايع، ومن آب ممانع، وجمهور العباسيين على الامتناع من ذلك، وقام في ذلك ابنا المهدي إبراهيم ومنصور، فلما كان يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة أظهر العباسيون البيعة لابراهيم بن المهدي ولقبوه المبارك - وكان أسود اللون - ومن بعده لابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهدي، وخلعوا المأمون. فلما كان يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة أرادوا أن يدعوا للمأمون ثم من بعده لابراهيم فقالت العامة: لا تدعوا إلا إلى إبراهيم فقط، واختلفوا واضطربوا فيما بينهم، ولم يصلوا الجمعة، وصلى الناس فرادى أربع ركعات. وفيها افتتح نائب طبرستان جبالها وبلاد اللارز والشيرز. وذكر ابن حزم أن سلما الخاسر قال في ذلك شعرا (1). وقد ذكر ابن الجوزي وغيره أن سلما توفي قبل ذلك بسنين فالله أعلم. وفيها أصاب أهل خراسان والري وأصبهان مجاعة شديدة وغلا الطعام جدا. وفيها تحرك بابك الخرمي واتبعه طوائف من السفلة والجهلة وكان يقول بالتناسخ. وسيأتي ما آل أمره إليه. وفيها حج بالناس إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي. وفيها توفي من الاعيان: أبو أسامة حماد بن أسامة (2). وحماد بن مسعدة وحرسي بن عمارة. وعلي بن عاصم (3). ومحمد بن محمد صاحب أبي السرايا الذي قد كان بايعه أهل الكوفة بعد ابن طباطبا. ثم دخلت سنة ثنتين ومائتين في أول يوم منها بويع لابراهيم بن المهدي بالخلافة ببغداد وخلع المأمون، فلما كان يوم الجمعة خامس المحرم صعد إبراهيم بن المهدي المنبر فبايعه الناس ولقب بالمبارك، وغلب على الكوفة وأرض السواد، وطلب منه الجند أرزاقهم فماطلهم ثم أعطاهم مائتي درهم لكل واحد، وكتب لهم بتعويض من أرض السواد، فخرجوا لا يمرون بشئ إلا انتهبوه، وأخذوا حاصل الفلاح والسلطان، واستناب على الجانب الشرقي العباس بن موسى الهادي، وعلى الجانب الغربي إسحاق بن موسى الهادي. وفيها خرج خارجي يقال له: مهدي بن علوان، فبعث إليهم إبراهيم جيشا عليهم أبو إسحاق المعتصم بن


(1) ذكر الطبري بيتين قال: قالهما سلام الخاسر، ولعله غير سلم الخاسر الشاعر الذي مات في خلافة الرشيد. (2) الكوفي الحافظ مولى بني هاشم، ثبت ثقة توفي وله 81 سنة. (3) الواسطي محدث واسط، كان إماما ورعا صالحا جليل القدر، ضعفه غير واحد لسؤ حفظه مات وله بضع وتسعون سنة. (*)

[ 271 ]

الرشيد في جماعة من الامراء فكسره ورد كيده. وفيها خرج أخو أبي السرايا فبيض بالكوفة فأرسل إليه إبراهيم بن المهدي من قاتله فقتل أخو أبي السرايا وأرسل برأسه إلى إبراهيم، ولما كان ليلة أربع عشرة من ربيع الآخر من هذه السنة ظهرت في السماء حمرة ثم ذهبت وبقي بعدها عمودان أحمران في السماء إلى آخر الليل، وجرت بالكوفة حروب بين أصحاب إبراهيم وأصحاب المأمون، واقتتلوا قتالا شديدا. وعلى أصحاب إبراهيم السواد، وعلى أصحاب المأمون الخضرة، واستمر القتال بينهم إلى أواخر رجب. وفيها ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوع فسجنه، وذلك أنه التف عليه جماعة من الناس يقومون بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن كانوا قد جاوزوا الحد وأنكروا على السلطان ودعوا إلى القيام بالكتاب والسنة، وصار باب داره كأنه باب دار السلطان، عليه السلاح والرجال وغير ذلك من أبهة الملك، فقاتله الجند فكسروا أصحابه فألقى السلاح وصار بين النساء والنظارة ثم اختفى في بعض الدور، فأخذ وجئ به إلى إبراهيم فسجنه سنة كاملة. وفيها أقبل المأمون من خراسان قاصدا العراق، وذلك أن علي بن موسى الرضى أخبر المأمون بما الناس فيه من الفتن والاختلاف بأرض العراق، وبأن الهاشميين قد أنهوا إلى الناس بأن المأمون مسحور ومسجون، وأنهم قد نقموا عليك ببيعتك لعلي بن موسى، وأن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وبين إبراهيم بن المهدي. فاستدعى المأمون بجماعة من أمرائه وأقربائه فسألهم عن ذلك فصدقوا عليا فيما قال، بعد أخذهم الامان منه، وقالوا له: إن الفضل بن سهل حسن لك قتل هرثمة، وقد كان ناصحا لك. فعاجله بقتله، وإن طاهر بن الحسين مهد لك الامور حتى قاد إليك الخلافة بزمامها فطردته إلى الرقة فقعد لا عمل له ولا تستنهضه في أمر، وإن الارض تفتقت بالشرور والفتن من أقطارها. فلما تحقق ذلك المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد، وقد فطن الفضل بن سهل بما تمالا عليه أولئك الناصحون، فضرب قوما ونتف لحى بعضهم. وسار المأمون فلما كان بسرخس عدا قوم على الفضل بن سهل وزير المأمون وهو في الحمام فقتلوه بالسيوف، وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شوال وله ستون سنة، فبعث المأمون في آثارهم فجئ بهم وهم أربعة من المماليك فقتلهم (1)، وكتب إلى أخيه الحسن بن سهل يعزيه فيه، وولاه الوزارة مكانه، وارتحل المأمون من سرخس يوم عيد الفطر نحو العراق وإبراهيم بن المهدي بالمدائن، وفي مقابلته جيش يقاتلونه من جهة المأمون. وفيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، وزوج علي بن موسى الرضى بابنته أم حبيب وزوج ابنه محمد بن علي بن موسى بابنته الاخرى أم الفضل. وحج بالناس إبراهيم بن موسى بن جعفر أخو علي الرضى، ودعا لاخيه بعد المأمون، ثم انصرف بعد الحج إلى اليمن، وقد كان تغلب


(1) ذكرهم ابن الاثير 6 / 347: غالب المسعودي، وقسطنطين الرومي وفرج الديلمي وموفق الصقلبي. (*)

[ 272 ]

عليها حمدويه بن علي بن موسى بن ماهان. وفيها توفي: أيوب بن سويد (1). وضمرة (2). وعمرو بن حبيب (3). والفضل بن سهل الوزير. وأبو يحيى الحماني. ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين فيها وصل المأمون العراق ومر بطوس فنزل بها وأقام عند قبر أبيه أياما من شهر صفر، فلما كان في آخر الشهر أكل علي بن موسى الرضى عنبا فمات فجأة فصلى عليه المأمون ودفنه إلى جانب أبيه الرشيد، وأسف عليه أسفا كثيرا فيما ظهر، وكتب إلى الحسن بن سهل يعزيه فيه ويخبره بما حصل له من الحزن عليه، وكتب إلى بني العباس يقول لهم: إنكم إنما نقمتم علي بسبب توليتي العهد من بعدي لعلي بن موسى الرضى، وها هو قد مات فارجعوا إلى السمع والطاعة. فأجابوه بأغلظ جواب كتب به إلى أحد. وفيها تغلبت الثوار على الحسن بن سهل حتى قيد بالحديد وأودع في بيت، فكتب الامراء بذلك إلى المأمون، فكتب إليهم إني واصل على إثر كتابي هذا. ثم جرت حروب كثيرة بين إبراهيم وأهل بغداد، وتنكروا عليه وأبغضوه. وظهرت الفتن والشطار والفساق ببغداد وتفاقم الحال، وصلوا يوم الجمعة ظهرا، أمهم المؤذنون فيها من غير خطبة، صلوا أربع ركعات، واشتد الامر واختلف الناس فيما بينهم في إبراهيم والمأمون، ثم غلبت المأمونية عليهم. خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي لما كان يوم الجمعة المقبلة دعا الناس للمأمون وخلعوا إبراهيم، وأقبل حميد بن عبد الحميد في جيش من جهة المأمون فحاصر بغداد. وطمع جندها في العطاء إذا قدم فطاوعوه على السمع والطاعة للمأمون. وقد قاتل عيسى بن محمد بن أبي خالد في جماعة من جهة إبراهيم بن المهدي، ثم احتال عيسى حتى صار في أيدي المأمونية أسيرا، ثم آل الحال إلى اختفاء إبراهيم بن المهدي في آخر هذه السنة. وكانت أيامه سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما. وقدم المأمون في هذا الوقت إلى همذان وجيوشه قد استنقذوا بغداد إلى طاعته. وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي. وفيها توفي من الاعيان:


(1) الرملي أبو مسعود الحميري السيباني (نسبة إلى سيبان بطن من حمير) صدوق يخطئ. قال في التقريب مات سنة 193. (2) وهو ضمرة بن ربيعة الفلسطيني، أبو عبد الله دمشقي صدوق يهم قليلا، روى عن الاوزاعي وطبقته. (تقريب التهذيب 1 / 374). (3) في تقريب التهذيب: عمر بن شبيب المسلمي (وانظر شذرات الذهب 2 / 3). (*)

[ 273 ]

علي بن موسى ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، القرشي الهاشمي العلوي الملقب بالرضى، كان المأمون قد هم أن ينزل له عن الخلافة فأبى عليه ذلك، فجعله ولي العهد من بعده كما قدمنا ذلك. توفي في صفر من هذه السنة بطوس. وقد روى الحديث عن أبيه وغيره، وعنه جماعة منهم المأمون وأبو السلط الهروي وأبو عثمان المازني النحوي، وقال سمعته يقول: الله أعدل من أن يكلف العباد ما لا يطيقون، وهم أعجز من أن يفعلوا ما يريدون. ومن شعره: كلنا يأمل مدا في الاجل * والمنايا هن آفات الامل لا تغرنك أباطيل المنى * والزم القصد ودع عنك العلل إنما الدنيا كظل زائل * حل فيه راكب ثم ارتحل ثم دخلت سنة أربع ومائتين فيها كان قدوم المأمون أرض العراق، وذلك أنه مر بجرجان فأقام بها شهرا، ثم سار منها وكان ينزل في المنزل يوما أو يومين، ثم جاء إلى النهروان فأقام بها ثمانية أيام، وقد كتب إلى طاهر بن الحسين وهو بالرقة أن يوافيه إلى النهروان فوافاه بها وتلقاه رؤوس أهل بيته والقواد وجمهور الجيش، فلما كان يوم السبت الآخر دخل بغداد حين ارتفع النهار لاربع عشرة ليلة خلت (1) من صفر، في أبهة عظيمة وجيش عظيم، وعليه وعلى جميع أصحابه وفتيانه الخضرة، فلبس أهل بغداد وجميع بني هاشم الخضرة، ونزل المأمون بالرصافة ثم تحول إلى قصر على دجلة، وجعل الامراء ووجوه الدولة يترددون إلى منزله على العادة، وقد تحول لباس البغاددة إلى الخضرة، وجعلوا يحرقون كل ما يجدونه من السواد، فمكثوا كذلك ثمانية أيام. ثم استعرض حوائج طاهر بن الحسين فكان أول حاجة سألها أن يرجع إلى لباس السواد، فإنه لباس آئابه من دولة ورثة الانبياء. فلما كان السبت الآخر وهو الثامن والعشرين من صفر جلس المأمون للناس وعليه الخضرة، ثم إنه أمر بخلعة سوداء فألبسها طاهرا، ثم ألبس بعده جماعة من الامراء السواد، فلبس الناس السواد وعادوا إلى ذلك، فعلم منهم بذلك الطاعة والموافقة، وقيل إنه مكث يلبس الخضرة بعد قدومه بغداد سبعا وعشرين يوما، فالله أعلم. ولما جاء إليه عمه إبراهيم بن المهدي بعد اختفائه ست سنين وشهورا قال له المأمون: أنت الخليفة الاسود، فأخذ في الاعتذار والاستغفار، ثم قال: أنا الذي مننت عليه يا أمير المؤمنين بالعفو، وأنشد المأمون عند ذلك:


(1) في الطبري 10 / 254: بقيت، وفي ابن الاثير 6 / 304: دخل بغداد منتصف صفر. (*)

[ 274 ]

ليس يزري السواد بالرجل الشه‍ * م ولا بالفتى الاديب الاريب إن يكن للسواد منك (1) نصيب * فبياض الاخلاق منك نصيبي قال ابن خلكان: وقد نظم هذا المعنى بعض المتأخرين وهو نصر الله بن قلاقس (2) الاسكندري فقال: رب سوداء وهي بيضاء فعل * حسد المسك عندها الكافور مثل حب العيون يحسبه النا * س سوادا وإنما هو نور وكان المأمون قد شاور في قتل عمه إبراهيم بن المهدي بعض أصحابه فقال له أحمد بن أبي خالد الوزير الاحول: يا أمير المؤمنين إن قتلته فلك نظراء في ذلك، وإن عفوت عنه فما لك نظير. ثم شرع المأمون في بناء قصور على دجلة إلى جانب قصره، وسكنت الفتن وانزاحت الشرور، وأمر بمقاسمة أهل السواد على الخمسين، وكانوا يقاسمون على النصف. واتخذ القفيز الملحم وهو عشرة مكاكي بالمكوك الاهوازي (3)، ووضع شيئا كثيرا من خراجات بلاد شتى، ورفق بالناس في مواضع كثيرة، وولى أخاه أبا عيسى بن الرشيد الكوفة، وولى أخاه صالحا البصرة، وولى عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله (4) بن العباس بن علي بن أبي طالب نيابة الحرمين، وهو الذي حج بالناس فيها. وواقع يحيى بن معاذ بابك الخرمي فلم يظفر به. وفيها توفي من الاعيان جماعة منهم: أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وقد أفردنا له ترجمة مطولة في أول كتابنا طبقات الشافعيين، ولنذكر ههنا ملخصا من ذلك وبالله المستعان. هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، القرشي المطلبي، والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر (5)، وابنه شافع بن السائب من صغار الصحابة، وأمه أزدية. وقد رأت حين حملت به كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية. وقد ولد الشافعي بغزة، وقيل بعسقلان،


(1) في وفيات الاعيان 1 / 41: فيك. (2) من وفيات الاعيان، وفي الاصل قلانس، وهو شاعر مشهور لقب بالقاضي الاعز. (3) في الطبري وابن الاثير: الهاروني. (4) من الطبري وابن الاثير، وفي الاصل عبيد الله بن الحسين بن عبد الله... (5) كان السائب بن عبيد صاحب راية بني هاشم أسر يوم بدر وكان لا مال له فأطلق دون فدية وأسلم بعد ذلك (مغازي الواقدي 1 / 138). (*)

[ 275 ]

وقيل باليمن سنة خمسين ومائة، ومات أبوه وهو صغير فحملته أمه إلى مكة وهو ابن سنتين لئلا يضيع نسبه، فنشأ بها وقرأ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطأ وهو ابن عشر، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. وقيل ابن ثماني عشرة سنة، أذن له شيخه مسلم بن خالد الزنجي، وعني باللغة والشعر، وأقام في هذيل نحوا من عشر سنين، وقيل عشرين سنة، فتعلم منهم لغات العرب وفصاحتها، وسمع الحديث الكثير على جماعة من المشايخ والائمة، وقرأ بنفسه الموطأ على مالك من حفظه فأعجبته قراءته وهمته، وأخذ عنه علم الحجازيين بعد أخذه عن مسلم بن خالد الزنجي. وروى عنه خلق كثير قد ذكرنا أسماءهم مرتبين على حروف المعجم، وقرأ القرآن على إسماعيل بن قسطنطين عن شبل عن ابن كثير عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله عزوجل. وأخذ الشافعي الفقه عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس وابن الزبير وغيرهما عن جماعة من الصحابة، منهم عمرو بن علي وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وغيرهم. وكلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتفقه أيضا على مالك عن مشايخه، وتفقه به جماعة قد ذكرناهم ومن بعدهم إلى زماننا في تصنيف مفرد. وقد روى ابن أبي حاتم عن أبي بشر الدولابي، عن محمد بن إدريس وراق الحميدي، عن الشافعي أنه ولي الحكم بنجران من أرض اليمن، ثم تعصبوا عليه ووشوا به إلى الرشيد أنه يروم الخلافة، فحمل على بغل في قيد إلى بغداد فدخلها في سنة أربع وثمانين ومائة وعمره ثلاثون سنة، فاجتمع بالرشيد فتناظر هو ومحمد بن الحسن بين يدي الرشيد، وأحسن القول فيه محمد بن الحسن، وتبين للرشيد براءته مما نسب إليه، وأنزله محمد بن الحسن عنده. وكان أبو يوسف قد مات قبل ذلك بسنة، وقيل بسنتين، وأكرمه محمد بن الحسن وكتب عنه الشافعي وقر بعير، ثم أطلق له الرشيد ألفي دينار وقيل خمسة آلاف دينار. وعاد الشافعي إلى مكة ففرق عامة ما حصل له في أهله وذوي رحمه من بني عمه، ثم عاد الشافعي إلى العراق في سنة خمس وتسعين ومائة، فاجتمع به جماعة من العلماء هذه المرة منهم أحمد بن حنبل وأبو ثور والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن شريح البقال، وأبو عبد الرحمن الشافعي، والزعفراني، وغيرهم. ثم رجع إلى مكة ثم رجع إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة، ثم انتقل منها إلى مصر فأقام بها إلى أن مات في هذه السنة، سنة أربع ومائتين. وصنف بها كتابه الام وهو من كتبه الجديدة لانها من رواية الربيع بن سليمان، وهو مصري. وقد زعم إمام الحرمين وغيره أنها من القديم، وهذا بعيد وعجيب من مثله والله أعلم. وقد أثنى على الشافعي غير واحد من كبار الائمة منهم عبد الرحمن بن مهدي وسأله أن يكتب له كتابا في الاصول فكتب له الرسالة، وكان يدعو له في الصلاة دائما، وشيخه مالك بن أنس وقتيبة بن سعيد. وقال: هو إمام. وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وكان يدعو له أيضا في صلاته. وأبو عبيد، وقال: ما رأيت أفصح ولا أعقل ولا أورع من الشافعي. ويحيى بن أكثم القاضي، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن الحسن، وغير واحد ممن يطول ذكرهم وشرح أقوالهم.

[ 276 ]

وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحوا من أربعين سنة، وكان أحمد يقول في الحديث الذي رواه أبو داود من طريق عبد الله بن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها " (1). قال فعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الاولى، والشافعي على رأس المائة الثانية. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا جعفر بن سليمان عن نصر بن معبد الكندي - أو العبدي - عن الجارود عن أبي الاحوص عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملا الارض علما، اللهم إنك إذ أذقت أولها عذابا ووبالا فأذق آخرها نوالا ". وهذا غريب من هذا الوجه، وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه (2). قال أبو نعيم عبد الملك بن محمد الاسفراييني: لا ينطبق هذا إلا على محمد بن إدريس الشافعي. حكاه الخطيب. وقال يحيى بن معين عن الشافعي: هو صدوق لا بأس به. وقال مرة: لو كان الكذب له مباحا مطلقا لكانت مروءته تمنعه أن يكذب. وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول: الشافعي فقيه البدن، صدوق اللسان. وحكى بعضهم عن أبي زرعة أنه قال: ما عند الشافعي حديث غلط فيه. وحكى عن أبي داود نحوه. وقال إمام الائمة محمد بن إسحاق بن خزيمة - وقد سئل هل سنة لم تبلغ الشافعي ؟ - فقال: لا. ومعنى هذا أنها تارة تبلغه بسندها، وتارة مرسلة، وتارة منقطعة كما هو الموجود في كتبه والله أعلم. وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: سميت ببغداد ناصر السنة. وقال أبو ثور: ما رأينا مثل الشافعي ولا هو رأى مثل نفسه. وكذا قال الزعفراني وغيره. وقال داود بن علي الظاهري في كتاب جمعه في فضائل الشافعي: للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره، من شرف نسبه، وصحتة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه وناسخه ومنسوخه، وحفظه الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء وحسن التصنيف، وجودة الاصحاب والتلامذة، مثل أحمد بن حنبل في زهده وورعه، وإقامته على السنة. ثم سرد أعيان أصحابه من البغاددة والمصريين، وكذا عد أبو داود من جملة تلاميذه في الفقه أحمد بن حنبل. وقد كان الشافعي من أعلم الناس بمعاني القرآن والسنة، وأشد الناس نزعا للدلائل منهما، وكان من أحسن الناس قصدا وإخلاصا، كان يقول: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلي شئ منه أبدا فأوجر عليه ولا يحمدوني. وقد قال غير واحد عنه: إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا به ودعوا قولي، فإني أقول به، وإن لم تسمعوا مني. وفي رواية فلا تقلدوني. وفي رواية فلا تلتفتوا إلى قولي. وفي رواية فاضربوا بقولي عرض الحائط، فلا قول لي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال: لان يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه


(1) أخرجه أبو داود في سنته في كتاب الملاحم باب (1). (2) روى الامام أحمد بمعناه عن قتادة بن النعمان عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) 6 / 384 وفيه: لا تسبن قريشا فلعلك أن ترى منهم رجالا تزدري عملك مع أعمالهم وفعلك مع أفعالهم... (*)

[ 277 ]

بشئ من الاهواء. وفي رواية خير من أن يلقاه بعلم الكلام. وقال: لو علم الناس ما في الكلام من الاهواء لفروا منه كما يفرون من الاسد. وقال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في القبائل وينادى عليهم