الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البداية والنهاية - ابن كثير ج 8

البداية والنهاية

ابن كثير ج 8


[ 1 ]

البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 ه‍ حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء الثامن دار احياء التراث العربي

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم فصل في ذكر شئ من سيرته الفاضلة ومواعظه وقضاياه الفاصلة وخطبه وحكمه التي هي إلى القلوب واصلة قال عبد الوارث: عن أبي عمرو بن العلاء عن أبيه قال: خطب علي الناس فقال: أيها الناس ! والله الذي لا إله إلا هو ما زريت من مالكم قليلا ولا كثيرا إلا هذه - وأخرج قارورة من كم قميصه فيها طيب -. فقال: أهداها إلي الدهقان، - وفي رواية بضم الدال -، وقال: ثم أتى بيت المال فقال: خذوا وأنشأ يقول: أفلح من كانت له قوصرة * يأكل منها كل يوم تمرة وفي رواية: مرة. وفي رواية طوبى لمن كانت له قوصرة (1). وقال حرملة: عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة عن عبد الله بن أبي رزين الغافقي قال: دخلنا مع علي يوم الاضحى فقرب إلينا خزيرة فقلنا: أصلحك الله لو قدمت إلينا هذا البط والاوز، فإن الله قد أكثر الخير فقال: يا بن رزين إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان، قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يطعمها بين الناس ". وقال الامام أحمد: حدثنا حسن وأبو سعيد مولى بني هاشم قالا: ثنا ابن لهيعة، ثنا عبد الله بن هبيرة، عن عبد الله بن رزين أنه قال: دخلت على علي بن أبي طالب، قال حسن يوم الاضحى: فقرب إلينا خزيرة، فقلنا: أصلحك الله لو أطعمتنا هذا البط ؟ - يعني الاوز - فإن الله قد أكثر الخير، قال: يا بن رزين إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان، قصعة يأكلها هو وأهله،


(1) قوصرة: وعاء للتمر، وقد تخفف (قاموس) وتقوصر: دخل بعضه في بعض. (*)

[ 4 ]

وقصعة يضعها بين يدي الناس " (1) وقال أبو عبيد: ثنا عباد بن العوام، عن مروان بن عنترة، عن أبيه قال: دخلت على علي بن أبي طالب بالخورنق وعليه قطيفة وهو يرعد من البرد فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولاهل بيتك نصيبا في هذا المال وأنت ترعد من البرد ؟ فقال: إني والله لا أرزأ من مالكم شيئا، وهذه القطيفة هي التي خرجت بها من بيتي - أو قال من المدينة - وقال أبو نعيم: سمعت سفيان الثوري يقول: ما بنى علي لبنة ولا قصبة على لبنة، وإن كان ليؤتى بحبوبه من المدينة في جراب. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان أبو حسان عن مجمع بن سمعان التيمي قال: خرج علي بن أبي طالب بسيفه إلى السوق فقال: من يشتري مني سيفي هذا ؟ فلو كان عندي أربعة دراهم أشتري بها إزارا ما بعته. وقال الزبير بن بكار: حدثني سفيان عن جعفر قال - أظنه عن أبيه - إن عليا كان إذا لبس قميصا مد يده في كمه فما فضل من الكم عن أصابعه قطعه وقال: ليس للكم فضل عن الاصابع. وقال أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم عن ابن عباس قال: اشترى علي قميصا بثلاثة دراهم وهو خليفة وقطع كمه من موضع الرسغين، وقال: الحمد لله الذي هذا من رياشه. وروى الامام أحمد في الزهد: عن عباد بن العوام، عن هلال بن حبان، عن مولى لابي غصين قال: رأيت عليا خرج فأتى رجلا من أصحاب الكرابيس فقال له: عندك قميص سنبلاني ؟ قال: فأخرج إليه قميصا فلبسه فإذا هو إلى نصف ساقيه، فنظر عن يمينه وعن شماله فقال: ما أرى إلا قدرا حسنا، بكم هذا ؟ قال: بأربعة دراهم يا أمير المؤمنين، قال: فحلها من إزاره فدفعها إليه ثم انطلق. وقال محمد بن سعد: أنا الفضل بن دكين أنا الحسن (2) بن جرموز عن أبيه قال: رأيت عليا وهو يخرج من القصر وعليه قبطيتان (3) إزار إلى نصف الساق ورداء مشمر قريب منه، ومعه درة له يمشي بها في الاسواق ويأمر الناس بتقوى الله وحسن البيع ويقول: أوفوا الكيل والميزان، ويقول: لا تنفخوا اللحم. وقال عبد الله بن المبارك في الزهد: أنا رجل حدثني صالح بن ميثم، ثنا يزيد بن وهب الجهني قال: خرج علينا علي بن أبي طالب ذات يوم وعليه بردان متزر بأحدهما مرتد بالآخر قد أرخى جانب إزاره ورفع جانبا، قد رفع إزاره بخرقة فمر به أعرابي فقال: أيها الانسان البس من هذه الثياب فإنك ميت أو مقتول. فقال: أيها الاعرابي إنما ألبس هذين الثوبين ليكونا أبعد لي من الزهو، وخيرا لي في صلاتي، وسنة للمؤمن. قال عبد بن حميد: ثنا محمد بن عبيد، ثنا المختار بن نافع، عن أبي مطر قال: خرجت من المسجد فإذا رجل ينادي من خلفي: إرفع إزارك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لك، وخذ من رأسك إن كنت مسلما، فمشيت خلفه وهو مؤتزر بإزار


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 1 / 78. (2) في ابن سعد 3 / 28: الحر. (3) في ابن سعد: قطريتان، وثياب قطرية بالكسر: على غير قياس (قاموس). (*)

[ 5 ]

ومرتد برداء ومعه الدرة كأنه أعرابي بدوي فقلت: من هذا ؟ فقال لي رجل: أراك غريبا بهذا البلد. فقلت: أجل أنا رجل من أهل البصرة، فقال: هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين حتى انتهى إلى دار بني أبي معيط وهو يسوق الابل، فقال: بيعوا ولا تحلفوا فإن اليمين تنفق السلعة وتمحق البركة، ثم أتى أصحاب التمر فإذا خادم تبكي فقال: ما يبكيك ؟ فقالت: باعني هذا الرجل تمرا بدرهم فرده موالي فأبى أن يقبله، فقال له علي: خذ تمرك واعطها درهما فإنها ليس لها أمر، فدفعه، فقلت: أتدري من هذا ؟ فقال: لا فقلت: هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فصبت تمره وأعطاها درهما. ثم قال الرجل: أحب أن ترضى عني يا أمير المؤمنين، قال: ما أرضاني عنك إذا أوفيت الناس حقوقهم، ثم مر مجتازا بأصحاب التمر فقال: يا أصحاب التمر اطعموا المساكين يرب كسبكم. ثم مر مجتازا ومعه المسلمون حتى انتهى إلى أصحاب السمك فقال: لا يباع في سوقنا طافي. ثم أتى دار فرات - وهي سوق الكرابيس - فأتى شيخا فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم، فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، ثم آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئا، فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم وكمه ما بين الرسغين إلى الكعبين يقول في لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي. فقيل له: يا أمير المؤمنين هذا شئ ترويه عن نفسك أو شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: لا ! بل شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الكسوة. فجاء أبو الغلام صاحب الثوب فقيل له: يا فلان قد باع ابنك اليوم من أمير المؤمنين قميصا بثلاثة دراهم، قال: أفلا أخذت منه درهمين ؟ فأخذ منه أبوه درهما ثم جاء به إلى أمير المؤمنين وهو جالس مع المسلمين على باب الرحبة فقال: امسك هذا الدرهم. فقال: ما شأن هذا الدرهم ؟ فقال إنما ثمن القميص درهمين، فقال: باعني رضاي وأخذ رضاه. وقال عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي عن الشعبي قال: وجد علي بن أبي طالب درعه عند رجل نصراني فأقبل به إلى شريح يخاصمه، قال: فجاء علي حتى جلس جنب شريح وقال: يا شريح لو كان خصمي مسلما ما جلست إلا معه، ولكنه نصراني وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كنتم وإياهم في طريق فاضطروهم إلى مضايقه، وصغروا بهم كما صغر الله بهم من غير أن تطغوا " ثم قال: هذا الدرع درعي ولم أبع ولم أهب، فقال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين ؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فالتفت شريح إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين هل من بينة ؟ فضحك علي وقال أصاب شريح، مالي بينة، فقضى بها شريح للنصراني، قال فأخذه النصراني ومشى خطأ ثم رجع فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الانبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه يقضي عليه، أشهد إن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين فخرجت من بعيرك الاورق. فقال: أما إذ أسلمت فهي لك، وحمله على فرس. قال الشعبي: فأخبرني من رآه يقاتل الخوارج يوم النهروان. وقال سعيد بن عبيد عن علي بن ربيعة: جاء جعدة بن هبيرة إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين يأتيك الرجلان أنت أحب إلى

[ 6 ]

أحدهما من أهله وماله، والآخر لو يستطيع أن يذبحك لذبحك، فتقضي لهذا على هذا ؟ قال: فلهزه علي وقال: إن هذا شئ لو كان لي فعلت، ولكن إنما ذا شئ لله. وقال أبو القاسم البغوي: حدثني جدي ثنا علي بن هاشم عن صالح بياع الاكسية عن جدته قالت: رأيت عليا اشترى تمرا بدرهم فحمله في محلفته فقال رجل: يا أمير المؤمنين ألا تحمله عنك ؟ فقال: أبو العيال أحق بحمله. وعن أبي هاشم عن زاذان قال: كان علي يمشي في الاسواق وحده وهو خليفة يرشد الضال ويعين الضعيف ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ * (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا) * [ القصص: 83 ]، ثم يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس. وعن عبادة بن زياد، عن صالح بن أبي الاسود، عمن حدثه أنه رأى عليا قد ركب حمارا ودلى رجليه إلى موضع واحد ثم قال: أنا الذي أهنت الدنيا. وقال يحيى بن معين: عن علي بن الجعد عن الحسن بن صالح قال: تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز فقال قائلون: فلان، وقال قائلون: فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب. وقال هشام بن حسان: بينا نحن عند الحسن البصري إذ أقبل رجل من الازارقة فقال: يا أبا سعيد ما تقول في علي بن أبي طالب ؟ قال: فاحمرت وجنتا الحسن وقال: رحم الله عليا، إن عليا كان سهما لله صائبا في أعدائه، وكان في محلة العلم أشرفها وأقربها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رهباني هذه الامة، لم يكن لمال الله بالسروقة، ولا في أمر الله بالنومة، أعطى القرآن عزائمه وعمله وعلمه، فكان منه في رياض مونقة، وأعلام بينة، ذاك علي بن أبي طالب يالكع. وقال هشيم عن يسار عن عمار. قال: حدث رجل علي بن أبي طالب بحديث فكذبه فما قام حتى عمي: وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني شريح بن يونس، ثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن عمار الحضرمي، عن زاذان، أبي عمر: أن رجلا حدث عليا بحديث فقال: ما أراك إلا قد كذبتني، قال: لم أفعل قال: أدعو عليك إن كنت كذبت، قال: ادع ! فدعا فما برح حتى عمي. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا خلف بن سالم، ثنا محمد بن بشر، عن أبي مكين قال: مررت أنا وخالي أبو أمية على دار في محل حي من مراد، قال: ترى هذه الدار ؟ قلت: نعم ! قال: فإن عليا مر عليها وهم يبنونها فسقطت عليه قطعة فشجته فدعا الله أن لا يكمل بناؤها، قال: فما وضعت عليها لبنة، قال: فكنت فيمن يمر عليها لا تشبه الدور. وقال ابن أبي الدنيا: حدثني عبد الله بن يونس بن بكر الشيباني، عن أبيه، عن عبد الغفار بن القاسم الانصاري، عن أبي بشير الشيباني. قال شهدت الجمل مع مولاي فما رأيت يوما قط أكثر ساعدا نادرا وقدما نادرة من يومئذ، ولا مرر ؟ بدار الوليد قط إلا ذكرت يوم الجمل قال: فحدثني الحكم بن عيينة أن عليا دعا يوم الجمل فقال اللهم خذ أيديهم وأقدامهم. ومن كلامه الحسن رضي الله عنه. قال ابن أبي الدنيا: حدثنا علي بن الجعد، أنا عمرو

[ 7 ]

شمر، حدثني إسماعيل السدي، سمعت أبا أراكة يقول: صليت مع علي صلاة الفجر فلما انفتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما أرى اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون صفرا شعثا غبرا بين أعينهم كأمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تنبل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين، ثم نهض فما رئي بعد ذلك مفترا يضحك حتى قتله ابن ملجم عدو الله الفاسق. وقال وكيع: عن عمرو بن منبه، عن أوفى بن دلهم، عن علي بن أبي طالب أنه قال: تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا تكونوا من أهله، فإنه يأتي من بعدكم زمان ينكر فيه من الحق تسعة أعشاره، وإنه لا ينجو منه إلا كل أواب منيب، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم ليسوا بالعجل المذابيع البذر، ثم قال: ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد أتت مقبلة، ولكل واحدة بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا وإن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الارض بساطا، والتراب فراشا، والماء طيبا، ألا من اشتاق إلى الآخرة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن طلب الجنة سارع إلى الطاعات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، ألا إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وأهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة لعقبى راحة طويلة، أما الليل فصافون أقدمهم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم. وأما النهار فظماء حلماء بررة أتقياء، كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض، وخولطوا ولقد خالط القوم أمر عظيم. وعن الاصبغ بن نباتة قال: صعد علي ذات يوم المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر الموت فقال: عباد الله الموت ليس منه فوت، إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، فالنجا النجا، والوحا الوحا، إن وراءكم طالب حثيث القبر فاحذورا ضغطته وظلمته ووحشته، ألا وإن القبر حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الدود، أنا بيت الوحشة، ألا وإن وراء ذلك يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير، * (وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) * [ الحج: 2 ] ألا وإن وراء ذلك ما هو أشد منه، نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وحليها ومقامعها حديد، وماؤها صديد، وخازنها مالك ليس لله فيه رحمة. قال: ثم بكى وبكى المسلمون حوله، ثم قال: ألا وإن وراء ذلك جنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين، جعلنا الله وإياكم من المتقين، وأجارنا وإياكم من العذاب الاليم. ورواه ليث بن أبي سليم عن مجاهد: حدثني من سمع عليا فذكر نحوه. وقال وكيع عن عمرو بن منبه عن أوفى بن دلهم قال: خطب علي فقال: أما بعد فإن الدنيا

[ 8 ]

قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم وغدا السباق، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل (1)، فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خاب عمله، ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا وإنه لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها (2)، وإنه من لم ينفعه الحق ضره بالباطل، ومن لم يستقم به الهدى حاد به الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن، وذللتم على الزاد، ألا أيها الناس إنما الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، ألا إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم. أيها الناس: أحسنوا في أعماركم تحفظوا في أعقابكم، فإن الله وعد جنته من أطاعه، وأوعد ناره من عصاه. إنها نار لا يهدأ زفيرها، ولا يفك أسيرها، ولا يجبر كسيرها، حرها شديد، وقعرها بعيد، وماؤها صديد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الامل. وفي رواية فإن اتباع الهوى يصد عن الحق، وإن طول الامل ينسي الآخرة. وعن عاصم بن ضمرة قال: ذم رجل الدنيا عند علي فقال علي: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنا وزاد لمن تزود منها، ومهبط وحي الله، ومصلى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت بغيلها، ونادت بفراقها، وشابت بشرورها السرور، وببلائها الرغبة فيها والحرص عليها ترغيبا وترهيبا، فيا أيها الذام للدنيا المعلل نفسه بالامالي متى خدعتك الدنيا أو متى اشتدمت إليك ؟ أبمصارع آبائك في البلا ؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم مرضت بيديك، وعللت بكفيك، ممن تطلب له الشفاء، وتستوصف له الاطباء، لا يغني عنه دواؤك، ولا ينفعه بكاؤك. وقال سفيان الثوري والاعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري. قال: جاء رجل إلى علي فأطراه - وكان يبغض عليا - فقال له: لست كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك. وروى ابن عساكر أن رجلا قال لعلي: ثبتك الله قال: على صدرك. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا سفيان بن عيينة عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، قال قال علي: إن الامر ينزل إلى السماء كقطر المطر لكل نفس ما كتب الله لها من زيادة أو نقصان في نفس أو أهل أو مال، فمن رأى نقصا في نفسه أو أهله أو ماله، ورأى لغيره عثرة فلا يكونن ذلك له فتنة، فإن المسلم ما لم يعش دناه يظهر تخشعا لها إذا ذكرت، ويغرى به لئام الناس، كالبائس العالم ينتظر أول فورة من قداحه توجب له المغنم، وتدفع عنه المغرم فكذلك المسلم البرئ من الخيانة بين إحدى الحسنيين، إذا ما دعا الله، فما عند


(1) بعدها في النهج شرح محمد عبده ص 125: فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله. ولم يضرره أجله. (2) قال شارح النهج محمد عبده: من العجائب الذي لم ير له مثيل أن ينام طالب الجنة في عظمها واستكمال أسباب السعادة فيها، وأن ينام الهارب من النار في هولها واستجماعها أسباب الشقاء. (*)

[ 9 ]

الله خير له، وإما أن يرزقه الله مالا فإذا هو ذو أهل ومال ومعه حسبه ودينه، وإما أن يعطيه الله في الآخرة فالآخرة خير وأبقى، الحرث حرثان فحرث الدنيا المال والتقوى، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهما الله تعالى لاقوام. قال سفيان الثوري: ومن يحسن أن يتكلم بهذا الكلام إلا علي ؟ وقال عن زبيد اليامي عن مهاجر العامري قال: كتب علي بن أبي طالب عهدا لبعض أصحابه (1) على بلد فيه: أما بعد فلا تطولن حجابك (2) على رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة الضيق، وقلة علم بالامور، والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيضعف عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما يواري عنه الناس به من الامور، وليس على القوم (3) سمات يعرف بها ضروب الصدق من الكذب، فتحصن من الادخال في الحقوق بلين الحجاب، فإنما أنت أحد الرجلين، إما امرؤ شحت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من حق واجب عليك أن تعطيه ؟ وخلق كريم تسديه ؟ وإما مبتلى بالمنع والشح فما أسرع زوال نعمتك، وما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا يئسوا من ذلك (4)، مع أن أكثر حاجات الناس إليك مالا مؤنة فيه عليك من شكاية مظلمة أو طلب انصاف، فانتفع بما وصفت لك واقتصر على حظك ورشدك إن شاء الله. وقال المدائني: كتب علي إلى بعض عماله: رويدا فكأن قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيع التوبة، والظالم الرجعة. وقال هشيم: أنا عمر بن أبي زائدة عن الشعبي قال: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان علي يقول الشعر، وكان علي أشعر الثلاثة. ورواه هشام بن عمار عن إبراهيم بن أعين عن عمر بن أبي زائدة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي فذكره. وقال أبو بكر بن دريد قال: وأخبرنا عن دماد عن أبي عبيدة قال: كتب معاوية إلى علي: يا أبا الحسن إن لي فضائل كثيرة، وكان أبي سيدا في الجاهلية، وصرت ملكا في الاسلام، وأنا صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخال المؤمنين، وكاتب الوحي. فقال علي: ابا الفضائل يفخر علي ابن آكلة الاكباد ؟ ثم قال: اكتب يا غلام: محمد النبي أخي وصهري * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحي * يطير مع الملائكة ابن أمي


(1) العهد الذي كتبه للاشتر النخعي لما ولاه - رضي الله عنه - على مصر وأعمالها وهو أطول عهد وأجمع كتبه. انظر نصه في نهج البلاغة شرح محمد عبده ص 599 وما بعدها. (2) في النهج: احتجابك. (3) في النهج: الحق. وسمات جمع سمة. أي ليس للحق علامات ظاهرة يتميز بها الصدق من الكذب وإنما يعرف ذلك بالامتحان ولا يكون إلا بالمحافظة. (4) في النهج: بذلك، والبذل: العطاء. (*)

[ 10 ]

وبنت محمد سكني وعرسي * مسوط لحمها بدمي ولحمي (1) وسبطا أحمد ولداي منها * فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الاسلام طرا * صغيرا ما بلغت أوان حلمي (2) قال فقال معاوية: اخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام فيميلون إلى ابن أبي طالب. وهذا منقطع بين أبي عبيدة وزمان علي ومعاوية. وقال الزبير بن بكار وغيره: حدثني بكر بن حارثة عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله قال: سمعت عليا ينشد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع: أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي * معه ربيت وسبطاه هما ولدي جدي وجد رسول الله منفرد * وفاطم زوجتي لا قول ذي فند صدقته وجميع الناس في بهم * من الضلالة والاشراك والنكد فالحمد لله شكرا لا شريك له * البر بالعبد والباقى بلا أمد قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " صدقت يا علي " وهذا بهذا الاسناد منكر والشعر فيه ركاكة، وبكر هذا لا يقبل منه تفرده بهذا السند والمتن والله أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق أبي زكريا الرملي: ثنا يزيد بن هارون، عن نوح بن قيس، عن سلامة الكندي عن الاصبغ ابن نباتة عن علي أنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فرفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله وشكرتك، وإن أنت لم تقضها حمدت الله وعذرتك. فقال علي: اكتب حاجتك على الارض فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك، فكتب: إني محتاج، فقال علي: علي بحلة، فأتي بها فأخذها الرجل فلبسها، ثم أنشأ يقول: كسوتني حلة تبلى محاسنها * فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا إن نلت حسن ثنائي نلت مكرمة * ولست أبغي بما قد قلته بدلا إن الثناء ليحيى ذكر صاحبه * كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا لا تزهد الدهر في خير تواقعه * فكل عبد سيجزي بالذي عملا فقال علي: علي بالدنانير فأتي بمائة دينار فدفعها إليه، قال الاصبغ: فقلت يا أمير المؤمنين حلة ومائة دينار ؟ قال: نعم ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أنزلوا الناس منازلهم " وهذه منزلة هذا الرجل عندي. وروى الخطيب البغدادي من طريق أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن


(1) مسوط: مختلط. (2) طرا: طلوع الشارب. (*)

[ 11 ]

نبيط بن شريط عن أبيه عن جده قال: قال علي بن أبي طالب: إذا اشتملت على الناس القلوب * وضاق بما به الصدر الرحيب وأوطنت المكاره واطمأنت * وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجها * ولا أغنى بحيلته الاريب أتاك على قنوط منك غوث * يمن به القريب المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت * فموصول بها الفرج القريب ومما أنشده أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لامير المؤمنين علي بن أبي طالب: ألا فاصبر على الحدث الجليل * وداو جواك بالصبر الجميل ولا تجزع فإن أعسرت يوما * فقد أيسرت في الدهر الطويل ولا تظنن بربك ظن سوء * فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار * وقول الله أصدق كل قبل فلو أن العقول تجر رزقا * لكان الرزق عند ذوي العقول فكم من مؤمن قد جاع يوما * سيروى من رحيق السلسبيل فمن هوان الدنيا على الله أنه سبحانه يجيع المؤمن مع نفاسته، ويشبع الكلب مع خساسته، والكافر يأكل ويشرب، ويلبس ويتمتع، والمؤمن يجوع ويعرى، وذلك لحكمة اقتضتها حكمة أحكم الحاكمين. ومما أنشده علي بن جعفر الوراق لامير المؤمنين علي بن أبي طالب: أجد الثياب إذا اكتسيت فإنها * زين الرجال بها تعز وتكرم ودع التواضع في الثياب تخشعا * فالله يعلم ما تجن وتكتم فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة * عند الاله وأنت عبد مجرم وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن * تخشى الاله وتتقي ما يحرم وهذا كما جاء في الحديث: " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ثيابكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " وقال الثوري: ليس الزهد في الدنيا بلبس العبا ولا بأكل الخشن، إنما الزهد في الدنيا قصر الامل. وقال أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الاكبر المبرد: كان مكتوبا على سيف علي: للناس حرص على الدنيا وتدبير * وفي مراد الهوى عقل وتشمير وإن أتوا طاعة لله ربهم * فالعقل منهم عن الطاعات مأسور لاجل هذا وذاك الحرص قد مزجت * صفاء عيشاتها هم وتكدير لم يرزقوها بعقل عند ما قسمت * لكنهم رزقوها بالمقادير

[ 12 ]

كمن من أديب لبيب لا تساعده * ومائق نال دنياه بتقصير لو كان عن قوة أو عن مغالبة * طار البزاة بأرزاق العصافير وقال الاصمعي: ثنا سلمة بن بلال، عن مجالد، عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب لرجل كره له صحبة رجل: فلا تصحب أخا الجه‍ * - ل وإياك وإياه فكم من جاهل جاهل * أودى حليما حين آخاه يقاس المرء بالمر * ء وإذا ما المرء ماشه وللشئ على الشي * مقاييس وأشباه وللقلب على القل‍ * - ب دليل حين يلقاه وعن عمرو بن العلاء عن أبيه قال: وقف علي على قبر فاطمة وأنشأ يقول: ذكرت أبا أروى فبت كأنني * برد الهموم الماضيات وكيل لكل اجتماع من خليلين فرقة * وكل الذي قبل الممات قليل وإن افتقادي واحدا بعد واحد * دليل على أن لا يدوم خليل سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي * ويحدث بعدي للخليل خليل إذا انقطعت يوما من العيش مدتي * فإن غناء الباكيات قليل وأنشد بعضهم لعلي رضي الله عنه: حقيق بالتواضع من يموت * ويكفي المرء من دنياه قوت فما للمرء يصبح ذا هموم * وحرص ليس تدركه النعوت صنيع مليكنا حسن جميل * وما أرزاقه عنا تفوت فيا هذا سترحل عن قليل * إلى قوم كلامهم السكوت وهذا الفصل يطول استقصاؤه وقد ذكرنا منه ما فيه مقنع لمن أراده ولله الحمد والمنة. وقال حماد بن سلمة عن أيوب السختياني أنه قال: من أحب أبا بكر فقد أقام الدين ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب عليا فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق. غريبة من الغرائب وآبدة من الاوابد قال ابن أبي خيثمة: ثنا أحمد بن منصور ثنا سيار ثنا عبد الرزاق قال: قال معمر مرة وأنا مستقبله وتبسم وليس معنا أحد فقلت له: ما شأنك ؟ قال: عجبت من أهل الكوفة كأن الكوفة

[ 13 ]

إنما بنيت على حب علي، ما كلمت أحدا منهم إلا وجدت المقتصد منهم الذي يفضل عليا على أبي بكر وعمر، منهم سفيان الثوري، قال: فقلت لمعمر ورأيته ؟ - كأني أعظمت ذاك - فقال معمر: وما ذاك ؟ لو أن رجلا قال: علي أفضل عندي منهما ما عبته إذا ذكر فضلهما ولو أن رجلا قال: عمر عندي أفضل من علي وأبي بكر ما عنفته. قال عبد الرزاق: فذكرت ذلك لوكيع بن الجراح ونحن خاليين فاستهالها من سفيان وضحك وقال: لم يكن سفيان يبلغ بنا هذا الحد، ولكنه أفضى إلى معمر بما لم يفض إلينا، وكنت أقول لسفيان: يا أبا عبد الله أرأيت إن فضلنا عليا على أبي بكر وعمر ما تقول في ذلك ؟ فيسكت ساعة ثم يقول: أخشى أن يكون ذلك طعنا على أبي بكر وعمر ولكنا نقف. قال عبد الرزاق: وأما ابن التيمي - يعني معتمرا - فقال: سمعت أبي يقول: فضل علي بن أبي طالب بمائة منقبة وشاركهم في مناقبهم، وعثمان أحب إلي منه. هكذا رواه ابن عساكر في تاريخه بسنده عن ابن أبي خيثمة به. وهذا الكلام فيه تخبيط كثير ولعله اشتبه على معمر فإن المشهور عن بعض الكوفيين تقديم علي على عثمان، فأما على الشيخين فلا، ولا يخفى فضل الشيخين على سائر الصحابة إلا على غبي، فكيف يخفى على هؤلاء الائمة ؟ بل قد قال غير واحد من العلماء - كأيوب والدار قطني - من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والانصار. وهذا الكلام حق وصدق وصحيح ومليح. وقال يعقوب بن أبي سفيان: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الاريسي ثنا إبراهيم بن سعيد، عن شعبة عن أبي عون - محمد بن عبد الله الثقفي - عن أبي صالح الحنفي قال: رأيت علي بن أبي طالب أخذ المصحف فوضعه على رأسه حتى أني لارى ورقه يتقعقع قال ثم قال: اللهم إنهم منعوني أن أقوم في الامة بما فيه فأعطني ثواب ما فيه، ثم قال: اللهم إني قد مللتهم وملوني وأبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير طبيعتي وخلقي وأخلاق لم تكن تعرف لي، اللهم فأبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني، اللهم أمت قلوبهم موت الملح في الماء. قال إبراهيم: - يعني أهل الكوفة - وقال ابن أبي الدنيا: حدثني عبد الرحمن بن صالح، ثنا عمرو بن هشام الخبي، عن أبي خباب عن أبي عوف الثقفي، عن أبي عبد الرحمن السلمي. قال: قال لي الحسن بن علي، قال لي علي: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنح لي الليلة في منامي فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الاود واللد ؟ قال: ادع عليهم فقلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني، فخرج فضربه الرجل - الاود العوج واللد الخصومة - وقد قدمنا الحديث الوارد بالاخبار بقتله وأنه يخضب لحيته من قرن رأسه، فوقع كما أخبر صلوات الله وسلامه على رسوله، وروى أبو داود في كتاب القدر: أنه لما كان أيام الخوارج كان أصحاب علي يحرسونه كل ليلة عشرة - يبيتون في المسجد بالسلاح - فرآهم علي فقال: ما يجلسكم ؟ فقالوا: نحرسك، فقال: من أهل السماء ؟ ثم قال: إنه لا يكون في الارض شئ حتى يقضى في السماء، وإن علي من الله جنة حصينة. وفي رواية: وإن الرجل جنة محصونة، وإنه ليس من الناس أحد إلا وقد وكل به ملك فلا تريده دابة ولا شئ إلا قال: اتقه اتقه، فإذا جاء

[ 14 ]

لقدر خلا عنه، وفي رواية: ملكان يدفعان عنه فإذا جاء القدر خليا عنه، وإنه لا يجد عبد حلاوة الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وكان علي يدخل المسجد كل ليلة فيصلي فيه، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها قلق تلك الليلة وجمع أهله فلما خرج إلى المسجد صرخ الاوز في وجهه فسكتوهن عنه فقال: ذروهن فإنهن نوائح، فلما خرج إلى المسجد ضربه ابن ملجم فكان ما ذكرنا قبل. فقال الناس: يا أمير المؤمنين ألا نقتل مرادا كلها ؟ فقال: لا ولكن احبسوه وأحسنوا إساره، فإن مت فاقتلوه وإن عشت فالجروح قصاص. وجعلت أم كلثوم بنت علي تقول: مالي ولصلاة الغداة، قتل زوجي عمر أمير المؤمنين صلاة الغداة، وقتل أبي أمير المؤمنين صلاة الغداة، رضي الله عنها. وقيل لعلي: ألا تستخلف ؟ فقال: لا ولكن أترككم كما ترككم رسول الله، فإن يرد الله بكم خيرا يجمعكم على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا اعتراف منه في آخر وقت الدنيا بفضل الصديق. وقد ثبت عنه بالتواتر أن خطب بالكوفة في أيام خلافته ودار إمارته، فقال: أيها الناس إن خير هذه الامة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر ولو شئت أن أسمي الثالث لسميت. وعنه أنه قال وهو نازل من المنبر: ثم عثمان ثم عثمان. ولما مات علي ولي غسله ودفنه أهله، وصلى عليه ابنه الحسن وكبر أربعا، وقيل أكثر من ذلك. ودفن علي بدار الخلافة بالكوفة وقيل تجاه الجامع من القبلة في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة، بحذاء باب الوراقين وقيل بظاهر الكوفة، وقيل بالكناسة، وقيل دفن بالبرية. وقال شريك القاضي وأبو نعيم الفضل بن دكين: نقله الحسن بن علي بعد صلحه مع معاوية من الكوفة فدفنه بالمدينة بالبقيع إلى جانب فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عيسى بن دآب: بل لما تحملوا به حملوه في صندق على بعير، فلما مروا به ببلاد طئ أضلوا ذلك البعير فأخذته طئ تحسب فيه مالا، فلما وجدوا بالصندوق ميتا دفنوه في بلادهم فلا يعرف قبره إلى الآن، والمشهور أن قبره إلى الآن بالكوفة كما ذكر عبد الملك بن عمران أن خالد بن عبد الله القسري - نائب بني أمية في زمان هشام - لما هدم دورا ليبنيها وجد قبرا فيه شيخ أبيض الرأس واللحية فإذا هو علي، فأراد أن يحرقه بالنار فقيل له: أيها الامير إن بني أمية لا يريدون منك هذا كله، فلفه في قباطي ودفنه هناك. قالوا: فلا يقدر أحد أن يسكن تلك الدار التي هو فيها إلا ارتحل منها. رواه ابن عساكر. ثم إن الحسن بن علي استحضر عبد الرحمن بن ملجم من السجن، فأحضر الناس النفط والبواري ليحرقوه، فقالوا لهم أولاد علي: دعونا نشتفي منه، فقطعت يداه ورجلاه فلم يجزع ولا فتر عن الذكر، ثم كحلت عيناه وهو في ذلك يذكر الله وقرأ سورة اقرأ باسم ربك إلى آخرها، وإن عينيه لتسيلان على خديه، ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعا شديدا، فقيل له في ذلك فقال: إني أخاف أن أمكث في الدنيا فواقا لا أذكر الله فيه. فقتل عند ذلك وحرق بالنار، قبحه الله. قال محمد بن سعد: كان ابن ملجم رجلا أسمر حسن الوجه أبلج، شعره مع شحمة أذنه، في جبهته أثر السجود. قال العلماء: ولم ينتظر بقتله بلوغ العباس بن علي فإنه كان صغيرا

[ 15 ]

يوم قتل أبوه، قالوا: لانه كان قتل محاربة لا قصاصا والله أعلم. وكان طعن علي يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين بلا خلاف فقيل مات من يومه وقيل يوم الاحد التاسع عشر منه، قال الفلاس: وقيل ضرب ليلة إحدى وعشرين ومات ليلة أربع وعشرين عن بضع أو ثمان وخمسين سنة، وقيل عن ثلاث وستين سنة وهو المشهور، قاله محمد بن الحنفية، وأبو جعفر الباقر، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو بكر بن عياش. وقال بعضهم: عن ثلاث أو أربع وستين سنة، وعن أبي جعفر الباقر خمس وستين سنة. وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وقيل أربع سنين وثمانية أشهر وثلاثة وعشرين يوما، رضي الله عنه. وقال جرير عن مغيرة قال: لما جاء نعي علي بن أبي طالب إلى معاوية وهو نائم مع امرأته فاختة بنت قرطة في يوم صائف، جلس وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وجعل يبكي فقالت له فاختة: أنت بالامس تطعن عليه واليوم تبكي عليه، فقال: ويحك إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره. وذكر ابن أبي الدنيا - في كتاب مكائد الشيطان - أن رجلا من أهل الشام من أمراء معاوية غضب ذات ليلة على ابنه فأخرجه من منزله، فخرج الغلام لا يدري أين يذهب، فجلس وراء الباب من خارج فنام ساعة ثم استيقظ وبابه يخمشه هر أسود بري، فخرج إليه الهر الذي في منزلهم فقال له البري: ويحك ! افتح فقال: لا أستطيع، فقال: ويحكم ائتني بشئ أتبلغ به فإني جائع وأنا تعبان، هذا أوان مجيئي من الكوفة، وقد حدث الليلة حدث عظيم، قتل علي بن أبي طالب، قال: فقال له الهر الاهلي: والله إنه ليس ها هنا شئ إلا وقد ذكروا اسم الله عليه، غير سفود كانوا يشوون عليه اللحم، فقال: ائتني به، فجاء به فجعل يلحسه حتى أخذ حاجته وانصرف، وذلك بمرأى من الغلام ومسمع، فقام إلى الباب فطرقه فخرج إليه أبوه فقال: من ؟ فقال له: افتح، فقال: ويحك مالك ؟ فقال: افتح، ففتح فقص عليه خبر ما رأى، فقال له: ويحك أمنام هذا ؟ قال: لا والله، قال: ويحك ! أفأصابك جنون بعدي ؟ قال لا والله، ولكن الامر كما وصفت لك، فاذهب إلى معاوية الآن فاتخذ عنده بما قلت لك، فذهب الرجل فاستأذن على معاوية فأخبره خبر ما ذكر له ولده. فأرخوا ذلك عندهم قبل مجئ البرد، ولما جاءت البرد وجدوا ما أخبروهم به مطابقا لما كان أخبر به أبو الغلام، هذا ملخص ما ذكره. وقال أبو القاسم: ثنا علي بن الجعد ثنا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عمرو بن الاصم قال: قلت للحسين بن علي: إن هذه الشيعة يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: كذبوا والله ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه ولا قسمنا ماله. ورواه أسباط بن محمد عن مطرف عن إسحاق عن عمرو بن الاصم عن الحسن بن علي بنحوه. خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه قد ذكرنا أن عليا رضي الله عنه لما ضربه ابن ملجم قالوا له: استخلف يا أمير المؤمنين فقال لا ولكن أدعكم كما ترككم رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني بغير استخلاف - فإن يرد الله بكم خيرا يجمعكم

[ 16 ]

على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفي وصلى عليه ابنه الحسن - لانه أكبر بنيه رضي الله عنهم - ودفن كما ذكرنا بدار الامارة على الصحيح من أقوال الناس، فلما فرغ من شأنه كان أول من تقدم إلى الحسن بن علي رضي الله عنه قيس بن سعد بن عبادة فقال له. ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه، فسكت الحسن فبايعه ثم بايعه الناس بعده، وكان ذلك يوم مات علي، وكان موته يوم ضرب على قول وهو يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وقيل إنما مات بعد الطعنة بيومين، وقيل مات في العشر الاخير من رمضان، ومن يومئذ ولي الحسن بن علي، وكان قيس بن سعد على إمرة أذربيجان، تحت يده أربعون ألف مقاتل، قد بايعوا عليا على الموت، فلما مات علي ألح قيس بن سعد على الحسن في النفير لقتال أهل الشام، فعزل قيسا عن إمرة أذربيجان، وولى عبيد الله بن عباس عليها، ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدا، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعا عظيما لم يسمع بمثله، فأمر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثني عشر ألفا (1) بين يديه، وسار هو بالجيوش في أثره قاصدا بلاد الشام، ليقاتل معاوية وأهل الشام فلما اجتاز بالمدائن (2) نزلها وقدم المقدمة بين يديه، فبينما هو في المدائن معسكرا بظاهرها، إذ صرخ في الناس صارخ: ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل، فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم بعضا حتى انتهبوا سرادق الحسن، حتى نازعوه بساطا كان جالسا عليه، وطعنه (3) بعضهم حين ركب طعنة أثبتوه وأشوته فكرههم الحسن كراهية شديدة، وركب فدخل القصر الابيض من المدائن فنزله وهو جريح، وكان عامله على المدائن سعد (4) بن مسعود الثقفي - أخو أبي عبيد صاحب يوم الجسر - فلما استقر الجيش بالقصر قال المختار بن أبي عبيد قبحه الله لعمه سعد (5) بن مسعود: هل لك في الشرف والغنى ؟ قال: ماذا ؟ قال: تأخذ الحسن بن علي فتقيده وتبعثه إلى معاوية، فقال له عمه: قبحكم الله وقبح ما جئت به، أغدر بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ولما رأى الحسن بن علي تفرق جيشه عليه مقتهم وكتب عند ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان - وكان قد ركب في أهل الشام فنزل مسكن - يراوضه على الصلح بينهما، فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة، فقدما عليه الكوفة فبذلا له ما


(1) في فتوح ابن الاعثم 4 / 154: في ألف رجل. (2) المدائن: كانت رأس الجسر صوب فارس والبلاد المتاخمة لها، وهي بموقعها الجغرافي النقطة الوحيدة التي تحمي الخطوط الثلاث التي تصل كلا من الكوفة والبصرة وفارس بالاخرى، وتقف بقيمتها العسكرية درءا في وجه الاحداث التي تنذر بها ظروف الحرب، واتخذها الحسن مقرا لقيادته العليا ليستقبل عندها نجدات الجيوش من الاقطار القريبة منه. (3) في فتوح ابن الاعثم 4 / 155: سنان بن جراح من بني أسد. وفي الاخبار الطوال ص 217: الجراح بن قبيصة من بني أسد. (4) كذا بالاصل والطبري 6 / 92 وجمهرة انساب العرب ص 257، وفي الاخبار الطوال: سعيد. (*)

[ 17 ]

أراد من الاموال، فاشترط أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف درهم، وأن يكون خراج دار أبجرد له، وأن لا يسب علي وهو يسمع، فإذا فعل ذلك نزل عن الامرة لمعاوية، ويحقن الدماء بين المسلمين. فاصطلحوا على ذلك واجتمعت الكلمة على معاوية على ما سيأتي بيانه وتفصيله، وقد لام الحسين لاخيه الحسن على هذا الرأي فلم يقبل منه، والصواب مع الحسن رضي الله عنه كما سنذكر دليله قريبا. وبعث الحسن بن علي إلى أمير المقدمة قيس بن سعد أن يسمع ويطيع، فأبى قيس بن سعد من قبول ذلك، وخرج عن طاعتهما جميعا، واعتزل بمن أطاعه ثم راجع الامر فبايع معاوية بعد قريب كما سنذكره. ثم المشهور أن مبايعة الحسن لمعاوية كانت في سنة أربعين، ولهذا يقال له عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على معاوية، والمشهور عند ابن جرير وغيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى وأربعين كما سنذكره إن شاء الله، وحج بالناس في هذه السنة - أعني سنة أربعين - المغيرة بن شعبة، وزعم ابن جرير فيما رواه عن إسماعيل بن راشد أن المغيرة بن شعبة افتعل كتابا على لسان معاوية ليلي إمرة الحج عامئذ، وبادر إلى ذلك عتبة بن أبي سفيان، وكان معه كتاب من أخيه بأمرة الحج، فتعجل المغيرة فوقف بالناس يوم الثامن ليسبق عتبة إلى الامرة. وهذا الذي نقله ابن جرير لا يقبل، ولا يظن بالمغيرة رضي الله عنه ذلك، وإنما نبهنا على ذلك ليعلم أنه باطل، فإن الصحابة أجل قدرا من هذا، ولكن هذه نزعة شيعية. قال ابن جرير: وفي هذه السنة بويع لمعاوية بايلياء - يعني لما مات علي - قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين لانه لم يبق له عندهم منازع، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن علي رضي الله عنه ليمانعوا به أهل الشام فلم يتم لهم ما أرادوه وما حاولوه، وإنما كان خذلانهم من قبل تدبيرهم وآرائهم المختلفة المخالفة لامرائهم، ولو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم الله به عليهم من مبايعتهم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد المسلمين، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم. والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا " (1) وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الاول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه توفي في ربيع الاول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل النبوة صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليما. وقد مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صنيعه هذا وهو تركه الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الامة، فنزل عن الخلافة وجعل الملك بيد معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد. وهذا المدح قد ذكرناه وسنورده في حديث أبي بكرة الثقفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر يوما وجلس الحسن بن علي إلى جانبه، فجعل ينظر إلى الناس مرة وإليه أخرى ثم قال:


(1) رواه الامام أحمد في مسنده 5 / 220، ومن طريق أبي بكرة رواه أبو داود في السنة 4 / 211 والترمذي في الفتن 4 / 503 والامام أحمد 4 / 273. (*)

[ 18 ]

" أيها الناس إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " (1) رواه البخاري. سنة إحدى وأربعين قال ابن جرير: فيها سلم الحسن بن علي الامر لمعاوية بن أبي سفيان. ثم روى عن الزهري أنه قال: لما بايع أهل العراق الحسن بن علي طفق يشترط عليهم أنهم سامعون مطيعون مسالمون [ من سالمت ] محاربون [ من حاربت ] فارتاب به أهل العراق وقالوا: ما هذا لكم بصاحب ؟ فما كان عن قريب حتى طعنوه فأشووه فازداد لهم بغضا وازداد منهم ذعرا (2)، فعند ذلك عرف تفرقهم واختلافهم عليه وكتب إلى معاوية يسالمه ويراسله في الصلح بينه وبينه على ما يختاران. وقال البخاري في كتاب الصلح: حدثنا عبد الله بن محمد ثنا سفيان عن أبي موسى. قال: سمعت الحسن يقول: " استقبل والله الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص: إني لارى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال معاوية - وكان والله خير الرجلين -: إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس ؟ من لي بضعفتهم ؟ من لي بنسائهم، فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس - عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر - قال: اذهبا إلى هذا الرجل فأعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الامة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسالمك. قال: فمن لي بهذا ؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه " (3)،


(1) رواه الامام أحمد في مسنده 5 / 49. والبخاري في كتاب الصلح. باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن ابني هذا سيد... 3 / 244 الطبعة الاميرية. وأعاده في علامات النبوة في كتاب المناقب. ورواه المسعودي في مروج الذهب 2 / 478. (2) ما بين معكوفتين من الطبري 6 / 93. وقال غيره ان خطبته كانت بعد وصوله إلى المدائن فتوح ابن الاعثم 4 / 154. والاخبار الطوال ص 216. (3) صورة معاهدة الصلح التي وقعها الفريقان. وقد أخذناها من مصادرها حرفيا: المادة الاولى: تسليم الامر إلى معاوية، على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله [ المدائني فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 4 / 8 ] وبسيرة الخلفاء الصالحين [ فتح الباري فيما رواه ابن عقيل في النصائح الكافية ص 156 ط 1 ]. المادة الثانية: أن يكون الامر للحسن من بعده [ تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 194 والاصابة 2 / 12 و 13 الامامة والسياسة ص 150 دائرة معارف وجدي 3 / 443 ] وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد [ المدائني فيما يرويه عنه ابن أبي الحديد ج 4 / 8 والفصول المهمة لابن الصباغ وغيرهما ]. المادة الثالثة: أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة وأن لا يذكر عليا إلا بخير [ الاصفهاني مقاتل = (*)

[ 19 ]

قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". قال البخاري: قال لي علي بن المديني: إنما ثبت عندنا سماع الحسن بن أبي بكرة بهذا الحديث (1). قلت: وقد روى هذا الحديث البخاري في كتاب الفتن عن علي بن عبد الله - وهو ابن المديني - وفي فضائل الحسن عن صدقة بن الفضل ثلاثتهم عن سفيان. ورواه أحمد عن سفيان - وهو ابن عيينة - عن إسرائيل بن موسى البصري به. ورواه أيضا في دلائل النبوة عن عبد الله بن محمد - وهو ابن أبي شيبة - ويحيى بن آدم كلاهما عن حسين بن علي الجعفي عن إسرائيل عن الحسن وهو البصري به. وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث حماد بن زيد عن علي بن زيد عن الحسن البصري به. ورواه أبو داود أيضا والترمذي من طريق أشعث عن الحسن به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه النسائي من طريق عرف الاعرابي وغيره عن الحسن البصري مرسلا. وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق أنا معمر أخبرني من سمع الحسن يحدث عن أبي بكرة قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا يوما والحسن بن علي في حجره فيقبل على أصحابه فيحدثهم ثم يقبل عل الحسن فيقبله ثم قال: " إن ابني هذا سيد إن يعش يصلح بين طائفتين من المسلمين " قال الحافظ ابن عساكر: كذا رواه معمر ولم يسم الذي حدثه به عن الحسن، وقد رواه جماعة عن الحسن منهم أبو موسى إسرائيل، ويونس بن عبيد، ومنصور بن زاذان، وعلي بن زيد، وهشام بن حسان، وأشعث بن سوار، والمبارك بن فضالة، وعمرو بن عبيد القدري. ثم شرع ابن عساكر في تطريق هذه الروايات كلها فأفاد وأجاد قلت: والظاهر أن معمرا رواه عن عمرو بن عبيد فلم يفصح باسمه. وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار عنه وسماه، ورواه أحمد بن هاشم عن مبارك بن فضالة عن الحسن بن أبي بكرة فذكر الحديث قال الحسن: فوالله والله بعد أن يولى لم يهراق في خلافته ملء محجمة بدم، قال شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه: وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أم سلمة. وقد روي هذا الحديث من طريق


= الطالبيين ص 26 شرح النهج ص 4 / 15 وقال آخرون أنه أجابه على أن لا يشتم عليا وهو يسمع، وقال ابن الاثير: ثم لم يف به أيضا ]. المادة الرابعة: يسلم ما في بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف للحسن، وله خراج دار ابجرد [ الطبري 6 / 92 الامامة والسياسة ص 200 وفي الاخبار الطوال ص 218: أن يحمل لاخيه الحسين في كل عام ألفي ألف، ويفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس ]. المادة الخامسة: أن لا يأخذ أحدا من أهل العراق بإجنة، وأن يؤمن الاسود والاحمر ويحتمل ما يكون من هفواتهم [ الدينوري في الاخبار الطوال ص 218 ] وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم [ فتوح ابن الاعثم 4 / 160 ]. (1) انظر حاشية 1 ص 18. (*)

[ 20 ]

جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحسن: " إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين ". وكذا رواه عبد الرحمن بن معمر عن الاعمش به. وقال أبو يعلى: ثنا أبو بكر ثنا زيد بن الحباب، ثنا محمد بن صالح التمار المدني، ثنا محمد بن مسلم بن أبي مريم، عن سعيد بن أبي سعيد المدني قال: كنا مع أبي هريرة إذ جاء الحسن بن علي قد سلم علينا قال: فتبعه [ فلحقه ] وقال: وعليك السلام يا سيدي، وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه سيد " وقال أبو الحسن علي بن المديني: كان تسليم الحسن الامر لمعاوية في الخامس من ربيع الاول سنة إحدى وأربعين، وقال غيره: في ربيع الآخر. ويقال في غرة جمادى الاولى فالله أعلم. قال: وحينئذ دخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها بعد البيعة. وذكر ابن جرير أن عمرو بن العاص أشار على معاوية أن يأمر الحسن بن علي أن يخطب الناس ويعلمهم بنزوله عن الامر لمعاوية، فأمر معاوية الحسن فقام في الناس خطيبا فقال في خطبته بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم: أما بعد أيها الناس ! فإن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الامر مدة، والدنيا دول، وإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: * (وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) * (1)، فلما قالها غضب معاوية وأمره بالجلوس، وعتب على عمرو بن العاص في إشارته بذلك، ولم يزل في نفسه لذلك والله أعلم. فأما الحديث الذي قال أبو عيسى الترمذي في جامعه: حدثنا محمد بن غيلان، ثنا أبو داود الطيالسي ثنا القاسم بن الفضل الحداني، عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين - أو يا مسود وجوه المؤمنين - فقال: لا تؤنبني رحمك الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأي بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت: * (إنا أعطيناك الكوثر) * [ الكوثر: 1 ] يا محمد - يعني نهرا في الجنة - ونزلت: * (إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر) * [ القدر: 1 - 3 ] يملكها بعدك بنو أمية يا محمد، قال الفضل (2): فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص (3). ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل وهو ثقة وثقه يحيى القطان وابن مهدي، قال: وشيخه يوسف بن سعد، ويقال يوسف بن ماذن - رجل مجهول - قال: ولا يعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه، فإنه حديث غريب بل منكر جدا، وقد تكلمنا عليه في كتاب التفسير بما فيه كفاية وبينا


(1) سورة الانبياء الآية 111 وفي فتوح ابن الاعثم 4 / 163 باختلاف يسير. وانظر الخطبة في الطبري 6 / 93 الكامل 3 / 407 الامامة والسياسة ص 163. (2) في الترمذي: قال القاسم. (3) أخرجه الترمذي في التفسير - 86 باب ح‍ 3350 ص 5 / 444 وروى جزءا منه ابن الاثير في الكامل: 3 / 407. قال الالوسي في تفسير روح المعاني 9 / 422: وقد سمعت ما يدل على أن الالف إشارة إلى ملك بني أمية وكان على ما قال القاسم بن الفضل ألف شهر لا يزيد يوم ولا ينقص يوم. (*)

[ 21 ]

وجه نكارته، وناقشنا القاسم بن الفضل فيما ذكره، فمن أراد ذلك فليراجع التفسير والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: ثنا إبراهيم بن مخلد بن جعفر، ثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكمي، ثنا عباس بن محمد، ثنا أسود بن عامر، ثنا زهير بن معاوية، ثنا أبو روق الهمداني، ثنا أبو العريف قال: كنا في مقدمة الحسن بن علي اثنا عشر ألفا بمسكن (1)، مستميتين من الجد على قتال أهل الشام، وعلينا أبو الغمر طه فلما جاءنا بصلح الحسن بن علي كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ، فلما قدم الحسن بن علي الكوفة قال له رجل منا يقال له أبو عامر سعيد بن النتل (2): السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: لا تقل هذا يا عامر ! لست بمذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك. ولما تسلم معاوية البلاد ودخل الكوفة وخطب بها واجتمعت عليه الكلمة في سائر الاقاليم والآفاق، ورجع إليه قيس بن سعد أحد دهاة العرب - وقد كان عزم على الشقاق - وحصل على بيعة معاوية عامئذ الاجماع والاتفاق، ترحل الحسن بن علي ومعه أخوه الحسين وبقية إخوتهم وابن عمهم عبد الله بن جعفر من أرض العراق إلى أرض المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وجعل كلما مر بحي من شيعتهم يبكتونه على ما صنع من نزوله عن الامر لمعاوية، وهو في ذلك هو البار الراشد الممدوح، وليس يجد في صدره حرجا ولا تلوما ولا ندما، بل هو راض بذلك مستبشر به، وإن كان قد ساء هذا خلقا من ذويه وأهله وشيعتهم، ولا سيما بعد ذلك بمدد وهلم جرا إلى يومنا هذا. والحق في ذلك اتباع السنة ومدحه فيما حقن به دماء الامة، كما مدحه على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في الحديث الصحيح ولله الحمد والمنة. وسيأتي فضائل الحسن عند ذكر وفاته رضي الله عنه وأرضاه، وجعل جنات الفردوس متقلبه ومثواه، وقد فعل. وقال محمد بن سعد: أنا أبو نعيم ثنا شريك عن عاصم عن أبي رزين. قال: خطبنا الحسن بن علي يوم جمعة فقرأ سورة إبراهيم على المنبر حتى ختمها. وروى ابن عساكر عن الحسن أنه كان يقرأ كل ليلة سورة الكهف في لوح مكتوب يدور معه حيث دار من بيوت أزواجه قبل أن ينام وهو في الفراش رضي الله عنه. معاوية بن أبي سفيان وملكه قد تقدم في الحديث أن الخلافة بعده عليه السلام ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا، وقد انقضت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي، فأيام معاوية أول الملك، فهو أول ملوك الاسلام وخيارهم. قال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أحمد بن يونس، ثنا الفضيل بن


(1) مسكن: بفتح أوله واسكان ثانيه وكسر ثالثه، الموضع الذي التقى الجمعان به، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ كان في أراضيها مواطن معمورة بالمزارع والسكان وقرى مشهورة كثيرة منها أوانا وعكبرا والعلث، وموقعها اليوم لا يعدو هذه السهول الواقعة بين قرية سميكة وقرية بلد دون سامراء. (2) في الاخبار الطوال ص 220: سفيان بن ليلى، وفي فتوح ابن الاعثم: 4 / 166: سفيان بن الليل البهمي. (*)

[ 22 ]

عياض. عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي ثعلبة الخشني، عن معاذ بن جبل وأبي عبيدة قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذا الامر بدا رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكا عضوضا، ثم كائن عتوا وجبرية وفسادا في الارض، يستحلون الحرير والفروج والخمور ويرزقون على ذلك وينصرون حتى يلقوا الله عزوجل " (1) إسناده جيد. وقد ذكرنا في دلائل النبوة الحديث الوارد من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر وفيه ضعف عن عبد الملك بن عمير قال قال معاوية: والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي: " يا معاوية إن ملكت فأحسن ". رواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن العباس بن محمد عن محمد بن سابق، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن إسماعيل، ثم قال البيهقي: وله شواهد من وجوه أخر، منها حديث عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص، عن جده سعيد أن معاوية أخذ الاداوة فتبع رسول الله فنظر إليه فقال له: " يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله واعدل " قال معاوية: فما زلت أظن أني مبتلى بعمل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) ومنها حديث راشد بن سعد عن معاوية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم " (3) قال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفعه الله بها. ثم روى البيهقي من طريق هشيم عن العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الخلافة بالمدينة، والملك بالشام " غريب جدا، وروي من طريق أبي إدريس، عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينا أنا نائم رأيت الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام، وإن الايمان حين تقع الفتنة بالشام ". وقد رواه سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن يونس بن ميسرة عن عبد الله بن عمرو. ورواه الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان، عن سليمان (4) عن عامر بن أبي أمامة. وروى يعقوب بن سفيان، عن نصر بن محمد بن سليمان السلمي الحمصي، عن أبيه عن عبد الله بن قيس، سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت عمودا من نور خرج من تحت رأسي ساطعا حتى استقر بالشام ". وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، عن عبد الله بن صفوان قال قال رجل يوم صفين: اللهم العن أهل الشام، فقال له علي: لا تسب أهل الشام فإن بها الابدال فإن بها الابدال فإن بها الابدال. وقد روى هذا الحديث من وجه آخر مرفوعا (5).


(1) رواه البيهقي في الدلائل عن أبي داود الطيالسي عن جرير بن حازم عن ليث. 6 / 340. (2) أخرجه الامام أحمد في المسند 4 / 101. (3) أخرجه أبو داود في كتاب الادب ح‍ 4888 ص 4 / 272. (4) في الدلائل 6 / 448: سليم بن عامر. (5) انظر دلائل البيهقي - باب ما جاء في إخباره بملك معاوية بن أبي سفيان ج 6 / 446 - 447 قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: في مسند أحمد جملة من الاحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها ولا يجب الاحتجاج بها وقد شغلت (*)

[ 23 ]

فضل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي أبو عبد الرحمن القرشي الاموي، خال المؤمنين، وكاتب وحي رب العالمين، أسلم هو وأبوه وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يوم الفتح. وقد روي عن معاوية أنه قال: أسلمت يوم عمرة القضاء ولكني كتمت إسلامي من أبي إلى يوم الفتح، وقد كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية، وآلت إليه رياسة قريش بعد يوم بدر، فكان هو أمير الحروب من ذلك الجانب، وكان رئيسا مطاعا ذا مال جزيل، ولما أسلم قال: يا رسول الله مرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: " نعم، قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال: نعم " ثم سأل أن يزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنته، وهي عزة بنت أبي سفيان واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فلم يقع ذلك، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا يحل له. وقد تكلمنا على هذا الحديث في غير موضع، وأفردنا له مصنفا على حدة ولله الحمد والمنة. والمقصود أن معاوية كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع غيره من كتاب الوحي رضي الله عنهم. ولما فتحت الشام ولاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان، وأقره على ذلك عثمان بن عفان وزاده بلادا أخرى، وهو الذي بنى القبة الخضراء بدمشق وسكنها أربعين سنة، قاله الحافظ ابن عساكر. ولما ولي علي بن أبي طالب الخلافة أشار عليه كثير من أمرائه ممن باشر قتل عثمان أن يعزل معاوية عن الشام ويولي عليها سهل بن حنيف فعزله فلم ينتظم عزله والتف عليه جماعة من أهل الشام ومانع عليا عنها وقد قال: لا أبايعه حتى يسلمني قتلة عثمان فإنه قتل مظلوما، وقد قال الله تعالى: * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * [ الاسراء: 33 ]. وروى الطبراني عن ابن عباس أنه قال: ما زلت موقنا أن معاوية يلي الملك من هذه الآية. أوردنا سنده ومتنه عند تفسير هذه الآية. فلما امتنع معاوية من البيعة لعلي حتى يسلمه القتلة، كان من صفين ما قدمنا ذكره، ثم آل الامر إلى التحكيم، فكان من أمر عمرو بن العاص وأبي موسى ما أسلفناه من قوة جانب أهل الشام في الصعدة الظاهرة، واستفحل أمر معاوية، ولم يزل أمر علي في اختلاف مع أصحابه حتى قتله ابن ملجم كما تقدم، فعند ذلك بايع أهل العراق الحسن بن علي، وبايع أهل الشام لمعاوية بن أبي سفيان. ثم ركب الحسن في جنود العراق عن غير إرادة منه، وركب معاوية في أهل الشام. فلما تواجه الجيشان وتقابل الفريقان سعى الناس بينهما في الصلح فانتهى الحال إلى أن خلع الحسن نفسه من الخلافة وسلم الملك إلى معاوية بن أبي سفيان، وكان ذلك في ربيع الاول من هذه السنة - أعني سنة إحدى وأربعين - ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعد ما بايعه الناس - واستوثقت


= مسألة الابدال كثيرا من العلماء وللتوسع انظر المقاصد الحسنة للسخاوي. والحاوي للفتاوى للسيوطي، واللالئ المصنوعة. (*)

[ 24 ]

له الممالك شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وسمي هذا العام عام الجامعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة، فولى معاوية قضاء الشام لفضالة بن عبيد (1)، ثم بعده لابي إدريس الخولاني. وكان على شرطته قيس بن حمزة، وكان كاتبه وصاحب أمره سرحون بن منصور الرومي، ويقال إنه أول من اتخذ الحرس وأول من حزم الكتب وختمها، وكان أول الاحداث في دولته رضي الله عنه. خروج طائفة من الخوارج عليه وكان سبب ذلك أن معاوية لما دخل الكوفة وخرج الحسن وأهله منها قاصدين إلى الحجاز، قالت فرقة من الخوارج - نحو من خمسمائة -: جاء مالا يشك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه، فساروا حتى قربوا من الكوفة وعليهم فروة بن نوفل، فبعث إليهم معاوية خيلا من أهل الشام فطردوا الشاميين، فقال معاوية: لا أمان لكم عندي حتى تكفوا بوائقكم، فخرجوا إلى الخوارج فقالت لهم الخوارج: ويلكم ما تبغون ؟ أليس معاوية عدوكم وعدونا ؟ فدعونا حتى نقاتله فإن أصبناه كنا قد كفيناكموه، وإن أصبنا كنتم قد كفيتمونا. فقالوا: لا والله حتى نقاتلكم، فقالت الخوارج: يرحم الله إخواننا من أهل النهروان كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، فاقتتلوا فهزمهم أهل الكوفة وطردوهم، ثم إن معاوية أراد أن يستخلف على الكوفة عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له المغيرة بن شعبة: توليه الكوفة وأباه مصر وتبقى أنت بين لحيي (2) الاسد ؟ فثناه عن ذلك وولى عليها المغيرة بن شعبة، فاجتمع عمرو بن العاص بمعاوية فقال: اتجعل المغيرة على الخراج ؟ هلا وليت الخراج رجلا آخر ؟ فعزله عن الخراج وولاه على الصلاة، فقال المغيرة لعمرو في ذلك، فقال له: ألست المشير على أمير المؤمنين في عبد الله بن عمرو ؟ قال: بلى ! قال: فهذه بتلك. وفي هذه السنة وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها وتغلب عليها، فبعث معاوية جيشا ليقتلوه ومن معه (3)، فجاء أبو بكرة الثقفي إلى معاوية فسأله في الصفح والعفو، فعفى عنهم وأطلقهم وولى على البصرة بسر بن أبي أرطاة، فتسلط على أولاد رياد يريد قتلهم، وذلك أن معاوية كتب إلى أبيهم ليحضر إليه فلبث، فكتب إليه بسر: لئن لم تسرع إلى أمير المؤمنين وإلا قتلت بنيك (4)، فبعث أبو بكرة إلى معاوية في ذلك. وقد قال معاوية لابي بكرة: هل من عهد تعهده إلينا ؟ قال:


(1) قال في الاستيعاب 3 / 197 هامش الاصابة: ولاه على قضاء دمشق يوم خروجه إلى صفين. (2) كذا بالاصل والطبري، وفي الكامل 3 / 412: نابي الاسد. (3) في الطبري 6 / 96 والكامل 3 / 414: بعث بسر بن أبي أرطأة، وفي فتوح ابن الاعثم 4 / 168: عمرو بن أبي أرطأة. (4) وقد أخذ بسر الاكابر منهم: عبد الرحمن وعبيد الله وعباد. وقال في مروج الذهب 3 / 7: أخذ ولديه عبيد الله وسالما. (*)

[ 25 ]

نعم ! أعهد إليك يا أمير المؤمنين أن تنظر لنفسك ورعيتك وتعمل صالحا فإنك قد تقلدت عظيما، خلافة الله في خلقه، فاتق الله فإن لك غاية لا تعدوها، ومن ورائك طالب حثيث وأوشك أن يبلغ المدى فيلحق الطالب، فتصير إلى من يسألك عما كنت فيه، وهو أعلم به منك، وإنما هي محاسبة وتوقيف، فلا تؤثرن على رضا الله شيئا. ثم ولى معاوية في آخر هذه السنة البصرة لعبد الله بن عامر، وذلك أن معاوية أراد أن يوليها لعتبة بن أبي سفيان فقال له ابن عامر: إن لي بها أموالا وودائع، وإن لم تولينها هلكت، فولاه إياها وأجابه إلى سؤاله في ذلك. قال أبو معشر: وحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان، وقال الواقدي: إنما حج بهم عنبسة بن أبي سفيان فالله أعلم. من أعيان من توفي هذا العام رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان شهد العقبة وبدرا وما بعد ذلك. ركانة بن عبد العزيز ابن هشام بن عبد المطلب القرشي، وهو الذي صارعه النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه، وكان هذا من أشد الرجال، وكان غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم له من المعجزات كما قدمنا في دلائل النبوة، أسلم عام الفتح، وقيل قبل ذلك بمكة فالله أعلم. صفوان بن أمية ابن خلف بن وهب بن حذافة بن (1) وهب القرشي، أحد الرؤساء تقدم أنه هرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، ثم جاء فأسلم وحسن إسلامه، وكان الذي استأمن له عمير بن وهب الجمحي. وكان صاحبه وصديقه في الجاهلية كما تقدم، وقدم به في وقت صلاة العصر فاستأمن له فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشهر، واستعار منه أدرعا وسلاحا ومالا. وحضر صفوان حنينا مشركا، ثم أسلم ودخل الايمان قلبه، فكان من سادات المسلمين كما كان من سادات الجاهلية. قال الواقدي: ثم لم يزل مقيما بمكة حتى توفي بها في أول خلافة معاوية (2). عثمان بن طلحة ابن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار العبدري الحجبي، أسلم هو وخالد بن الوليد


(1) في الاصابة 2 / 187: ابن جمح أبو وهب جمحي. وكذلك في الاستيعاب 2 / 183 هامش الاصابة. (2) في الاستيعاب: مات سنة اثنتين وأربعين وهو ما قاله ابن الاثير في الكامل، 3 / 424، وقال في الاصابة: مات بمكة في آخر خلافة عثمان. (*)

[ 26 ]

وعمرو بن العاص في أول سنة ثمان قبل الفتح. وقد روى الواقدي حديثا طويلا عنه في صفة إسلامه، وهو الذي أخذ منه رسول الله مفتاح الكعبة عام الفتح ثم رده إليه وهو يتلو قوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) * [ النساء: 58 ] وقال له: " خذها يا عثمان خالدة تالدة لا ينتزعها منكم إلا ظالم ". وكان علي قد طلبها فمنعه من ذلك. قال الواقدي: نزل المدينة حياة رسول الله، فلما مات نزل بمكة فلم يزل بها حتى مات في أول خلافة معاوية. عمرو بن الاسود السكوني كان من العباد الزهاد، وكانت له حلة بمائتي درهم يلبسها إذا قام إلى صلاة الليل، وكان إذا خرج إلى المسجد وضع يمينه على شماله مخافة الخيلاء، روى عن معاذ، وعبادة بن الصامت، والعرباض بن سارية وغيرهم، وقال أحمد في الزهد: ثنا أبو اليمان ثنا ابن بكر عن حكيم بن عمير، وضمرة بن حبيب: قالا: قال عمر بن الخطاب: من سره أن ينظر إلى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هدى عمرو بن الاسود. عاتكة بنت زيد ابن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، وهي أخت سعيد بن زيد أحد العشرة، أسلمت وهاجرت وكانت من حسان النساء وعبادهن، تزوجها عبيد الله بن أبي بكر فتتيم بها، فلما قتل في غزوة الطائف آلت أن لا تزوج بعده، فبعث إليها عمر بن الخطاب - وهو ابن عمها - فتزوجها، فلما قتل عنها خلف بعده عليها الزبير بن العوام، فقتل بوادي السباع، فبعث إليها علي بن أبي طالب يخطبها فقالت: إني أخشى عليك أن تقتل، فأبت أن تتزوجه ولو تزوجته لقتل عنها أيضا، فإنها لم تزل حتى ماتت في أول خلافة معاوية في هذه السنة رحمها الله. سنة ثنتين وأربعين فيها غزا المسلمون اللان والروم فقتلوا من أمرائهم وبطارقتهم خلقا كثيرا، وغنموا وسلموا، وفيها ولي معاوية مروان بن الحكم نيابة المدينة، وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى قضائها شريح القاضي، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وعلى خراسان قيس بن الهيثم من قبل عبد الله بن عامر. وفي هذه السنة تحركت الخوارج الذين كانوا قد عفى عنهم علي يوم النهروان، وقد عوفي جرحاهم وثابت إليهم قواهم، فلما بلغهم مقتل علي ترحموا على قاتله ابن ملجم وقال قائلهم: لا يقطع الله يدا علت قذال (1) علي بالسيف، وجعلوا يحمدون الله على قتل علي، ثم عزموا على الخروج على الناس وتوافقوا على الامر بالمعروف


(1) القذال: جماع مؤخر الرأس، والخارجي القائل هو سالم بن ربيعة العبسي. (*)

[ 27 ]

والنهي عن المنكر فيما يزعمون. وفي هذه السنة قدم زياد بن أبيه على معاوية - وكان قد امتنع عليه قريبا من سنة في قلعة عرفت به يقال لها قلعة زياد - فكتب إليه معاوية: ما يحملك على أن تهلك نفسك ؟ أقدم علي فأخبرني بما صار إليك من أموال فارس وما صرفت منها وما بقي عندك فائتني به وأنت آمن، فان شئت أن تقيم عندنا فعلت وإلا ذهبت حيث ما شئت من الارض فأنت آمن. فعند ذلك أزمع زياد السير إلى معاوية، فبلغ المغيرة قدمه فخشي أن يجتمع بمعاوية قبله، فسار نحو دمشق إلى معاوية فسبقه زياد إلى معاوية بشهر فقال معاوية للمغيرة: ما هذا وهو أبعد منك وأنت جئدت بعده بشهر ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه ينتظر الزيادة وأنا أنتظر النقصان، فأكرم معاوية زيادا وقبض ما كان معه من الاموال وصدقه فيما صرفه. سنة ثلاث وأربعين فيها غزا بسر بن أبي أرطاة بلاد الروم فتوغل فيها حتى بلغ مدينة قسطنطينية، وشتى ببلادهم فيما زعمه الواقدي، وأنكر غيره ذلك وقالوا: لم يكن بها مشتى لاحد قط فالله أعلم. قال ابن جرير: وفيها مات عمرو بن العاص بمصر، ومحمد بن مسلمة، قلت: وسنذكر ترجمة كل منهما في آخرها، فولى معاوية بعد عمرو بن العاص على ديار مصر ولده عبد الله بن عمرو، قال الواقدي: فعمل له عليها سنتين. وقد كانت في هذه السنة - أعين سنة ثلاث وأربعين - وقعة عظيمة بين الخوارج وجند الكوفة، وذلك أنهم صمموا - كما قدمنا - على الخروج على الناس في هذا الحين، فاجتمعوا في قريب من ثلثمائة عليهم المستورد بن علقمة (1)، فجهز عليهم المغيرة بن شعبة جندا عليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، فصار إليهم وقدم بين يديه أبا الرواع (2) في طليعة هي ثلثمائة على عدة الخوارج، فلقيهم أبو الرواع (2) بمكان يقال له المذار (3): فاقتتلوا معهم فهزمهم الخوارج ثم كروا عليهم فهزمتهم الخوارج، ولكن لم يقتل أحد منهم، فلزموا مكانهم في مقاتلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار غربت فيه الشمس، فنزل وصلى بأصحابه، ثم شرع في مدح أبي الرواع فقال له: أيها الامير إن لهم شدات منكرة، فكن أنت ردأ الناس، ومر الفرسان فليقاتلوا بين يديك، فقال معقل بن قيس: نعم ما رأيت، فما كان إلا ريثما قال له ذلك حتى حملت الخوارج على معقل وأصحابه، فانجفل عنه عامة أصحابه، فترجل عند ذلك معقل بن قيس وقال: يا معشر المسلمين الارض الارض، فترجل


(1) في ابن الاثير 3 / 421 علفة وفي سائر المراجع علفة بفتح اللام المشددة. التيمي من تيم الرباب تاريخ الطبري 6 / 100. (2) في الكامل والطبري: أبو الرواغ الشاكري. (3) المذار: في ميسان بين واسط والبصرة وهي قصبة ميسان بينها وبين البصرة مقدار أربعة أيام. (*)

[ 28 ]

معه جماعة من الفرسان والشجعان قريب من مائتي فارس، منهم أبو الرواع الشاكري، فحمل عليهم المستورد بن علقمة (1) بأصحابه فاستقبلوهم بالرماح والسيوف، ولحق بقية الجيش بعض الفرسان فدمرهم وعيرهم وأنبهم على الفرار فرجع الناس إلى معقل وهو يقاتل الخوارج بمن معه من الانصار قتالا شديدا، والناس يتراجعون في أثناء الليل، فصفهم معقل بن قيس ميمنة وميسرة ورتبهم وقال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم، فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج فرجعوا من حيث أتوا، فسار معقل في طلبهم وقدم بين يديه أبا الرواع في ستمائة فالتقوا بهم عند طلوع الشمس فثار إليهم الخوارج فتبارزوا ساعة، ثم حملوا حملة رجل واحد فصبر لهم أبو الرواع بمن معه، وجعل يدمرهم ويعيرهم ويؤنبهم على الفرار ويحثهم على الصبر فصبروا وصدقوا في الثبات حتى ردوا الخوارج إلى أماكنهم، فلما رأت الخوارج ذلك خافوا من هجوم معقل عليهم فما يكون دون قتلهم شئ، فهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة ووقعوا في أرض نهر شير (2)، وتبعهم أبو الرواع ولحقه معقل بن قيس، ووصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة فركب إليهم شريك بن عبيد (3) - نائب المدائن - ولحقهم أبو الرواع بمن معه من المقدمة. وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة. وممن توفي بها عمرو بن العاص ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهما. أما عمرو بن العاص [ فهو عمرو بن العاص ] بن وائل بن هشام بن سعد (4) بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي، أبو عبد الله، ويقال أبو محمد، أحد رؤساء قريش في الجاهلية، وهو الذي أرسلوه إلى النجاشي ليرد عليهم من هاجر من المسلمين إلى بلاده فلم يجبهم إلى ذلك لعدله، ووعظ عمرو بن العاص في ذلك، فيقال إنه أسلم على يديه والصحيح أنه إنما أسلم قبل الفتح بستة أشهر هو وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة العبدري. وكان أحد أمراء الاسلام، وهو أمير ذات السلاسل، وأمده رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدد عليهم أبو عبيدة ومعه الصديق وعمر الفاروق، واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمان فلم يزل عليها مدة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقره عليها الصديق، وقد قال الترمذي: ثنا قتيبة، ثنا ابن لهيعة، ثنا مشرح بن عاهان، عن عقبة بن عامر. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص " (5) وقال


(1) انظر حاشية 1 ص 27. (2) في الطبري 6 / 111 والكامل 3 / 430: بهر سير. (3) في الطبري والكامل: سماك بن عبيد. (4) في الاصابة 3 / 2 والاستيعاب على هامش الاصابة 2 / 508: ابن هاشم بن سعيد، وفي مروج المسعودي 3 / 28: ابن وائل بن سهم بن سعيد بن سعد. (5) أخرجه الترمذي في المناقب ح‍ 3844 ص 5 / 687. (*)

[ 29 ]

أيضا: ثنا إسحاق بن منصور ثنا أبو أسامة عن نافع عن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة. قال: قال طلحة بن عبيد الله: سمعت رسول الله يقول: " إن عمرو بن العاص من صالحي قريش " (1) وفي الحديث الآخر: " ابنا العاص مؤمنان " وفي الحديث الآخر: " نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله ". رووه في فضائل عمرو بن العاص. ثم إن الصديق بعثه في جملة من بعث من أمراء الجيش إلى الشام فكان ممن شهد تلك الحروب، وكانت له الآراء السديدة، والمواقف الحميدة، والاحوال السعيدة. ثم بعثه عمر إلى مصر فافتتحها واستنابه عليها، وأقره فيها عثمان بن عفان أربع سنين ثم عزله كما قدمناه، وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فاعتزل عمرو بفلسطين وبقي في نفسه من عثمان رضي الله عنهما. فلما قتل سار إلى معاوية فشهد مواقفه كلها بصفين وغيرها، وكان هو أحد الحكمين. ثم لما أن استرجع معاوية مصر وانتزعها من يد محمد بن أبي بكر، استعمل عمرو بن العاص عليها فلم يزل نائبها إلى أن مات في هذه السنة على المشهور، وقيل إنه توفي سنة سبع وأربعين، وقيل سنة ثمان وأربعين. وقيل سنة إحدى وخمسين رحمه الله. وقد كان معدودا من دعاة العرب وشجعانهم وذوي آرائهم. وله أمثال حسنة وأشعار جيدة. وقد روي عنه أنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل، ومن شعره: إذا المرء لم يترك طعاما يحبه * ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما قضى وطرا منه وغادر سبة * إذا ذكرت أمثالها تملا الفما وقال الامام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق ثنا عبد الله - يعني ابن المبارك - أنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه قال: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى فقال له ابنه عبد الله: لم تبكي ؟ أجزعا على الموت ؟ فقال: لا والله ولكن مما بعد الموت، فقال له: قد كنت على خير، فجعل يذكره صحبة رسول الله وفتوحه الشام، فقال عمرو: تركت أفضل من ذلك كله شهادة أن لا إله إلا الله، إني كنت على ثلاثة أطباق ليس فيها طبق إلا عرفت نفسي فيه، كنت أول قريش كافرا، وكنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو مت حينئذ وجبت لي النار، فلما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أشد الناس حياء منه، فما ملات عيني من رسول الله ولا راجعته فيما أريد حتى لحق بالله حياء، فلو مت يومئذ قال الناس: هنيئا لعمرو أسلم وكان على خير فمات عليه نرجو له الجنة. ثم تلبست بعد ذلك بالسلطان. وأشياء فلا أدري علي أم لي، فإذا مت فلا تبكين علي باكية، ولا يتبعني مادح ولا نار، وشدوا علي إزاري فإني مخاصم، وشنوا علي التراب شنا (2)، فإن جنبي الايمن ليس أحق بالتراب من جنبي الايسر، ولا تجعلن في قبري خشبة


(1) المصدر السابق ح‍ 3845. (2) في المسند 4 / 199: وسنوا علي التراب سنا، وكذا قال القاضي: بالمعجمة والمهملة قال: وهو الصب، وبالمهملة: الصب بسهولة، وبالمعجمة التفريق. (*)

[ 30 ]

ولا حجرا، وإذا واريتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور أستأنس بكم. وقد روى مسلم هذا الحديث في صحيحه من حديث يزيد بن أبي حبيب باسناده نحوه وفيه زيادات على هذا السياق، فمنها قوله: كي أستأنس بكم لانظر ماذا أراجع رسل ربي عز وجل (1). وفي رواية أنه بعد هذا حول وجهه إلى الجدار وجعل يقول: اللهم أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فما انتهينا، ولا يسعنا إلا عفوك. وفي رواية أنه وضع يده على موضع الغل من عنقه ورفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم لا قوي فانتصر، ولا برئ فأعتذر، ولا مستنكر بل مستغفر، لا إله إلا أنت، فلم يزل يرددها حتى مات رضي الله عنه. وأما محمد بن مسلمة الانصاري [ فقد ] أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، شهد بدرا وما بعدها إلا تبوك فإنه استخلفه رسول الله على المدينة في قوله، وقيل استخلفه في قرقرة الكدر، وكان فيمن قتل كعب بن الاشرف اليهودي، وقيل إنه الذي قتل مرحبا اليهودي يوم خيبر أيضا. وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على نحو من خمس عشرة سرية، وكان ممن اعتزل تلك الحروب بالجمل وصفين ونحو ذلك، واتخذ سيفا من خشب. وقد ورد في حديث قدمناه أنه أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وخرج إلى الربذة. وكان من سادات الصحابة، وكان هو رسول عمر إلى عماله وهو الذي شاطرهم عن أمره (2)، وله وقائع عظيمة وصيانة وأمانة بليغة، رضي الله عنه، واستعمله على صدقات جهينة، وقيل إنه توفي سنة ست أو سبع وأربعين، وقيل غير ذلك. وقد جاوز السبعين، وترك بعده عشرة ذكور وست بنات، وكان أسمر شديد السمرة طويلا أصلع رضي الله عنه. وممن توفي فيها عبد الله بن سلام أبو يوسف الاسرائيلي أحد أحبار اليهود، أسلم حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: لما قدم رسول الله المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل إليه، فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: " أيها الناس افشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الارحام تدخلوا الجنة بسلام ". وقد ذكرنا صفة إسلامه أول الهجرة، وماذا سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاسئلة النافعة الحسنة، رضي الله عنه. وهو ممن شهد له رسول الله بالجنة، وهو ممن يقطع له بدخولها. سنة أربع وأربعين فيها غزا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم ومعه المسلمون وشتوا هنالك، وفيها غزا


(1) أخرجه أحمد في مسنده 4 / 199 ومسلم في صحيحه في الايمان (54) باب. ح‍ 192 ص 1 / 112. (2) تقدم أن عمر أرسله إلى سعد بن أبي وقاص لما بلغه أنه بنى قصرا في الكوفة وجعل عليه بابا وقال انقطع الصوت. (*)

[ 31 ]

بسر بن أبي أرطاة في البحر، وفيها عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة، وذلك أنه ظهر فيها الفساد وكان لين العريكة سهلا، يقال إنه كان لا يقطع لصا ويريد أن يتألف الناس، فذهب عبد الله بن أبي أوفى المعروف بابن الكوا فشكاه إلى معاوية، فعزل معاوية ابن عامر عن البصرة وبعث إليه الحرث بن عبد الله الازدي، ويقال إن معاوية استدعاه إليه ليزوره فقدم ابن عامر على معاوية دمشق فأكرمه ورده على عمله، فلما ودعه قال له معاوية: ثلاث أسألكهن فقل هي لك وأنا ابن أم حكيم، ترد علي عملي ولا تغضب، قال ابن عامر: قد فعلت، قال معاوية: وتهب لي مالك بعرفة، قال: قد فعلت. قال: وتهب لي دورك بمكة، قال: قد فعلت. فقال له معاوية: وصلتك رحما، فقال ابن عامر: يا أمير المؤمنين وإني سائلك ثلاثا فقل هي لك وأنا ابن هند، قال: ترد علي مالي بعرفة، قال: قد فعلت قال ولا تحاسب لي عاملا ولا أميرا، قال: قد فعلت، قال: وتنكحني ابنتك هندا، قال: قد فعلت. ويقال إن معاوية خيره بين هذه الثلاث وبين الولاية على البصرة فاختار هذه الثلاث واعتزل عن البصرة. قال ابن جرير: وفي هذه السنة استلحق معاوية زياد بن أبيه فألحقه بأبي سفيان، وذلك أن رجلا (1) شهد على إقرار أبي سفيان أنه عاهر بسمية أم زياد في الجاهلية، وأنها حملت بزياد هذا منه، فلما استلحقه معاوية قيل له زياد بن أبي سفيان، وقد كان الحسن البصري ينكر هذا الاستلحاق ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " (2). وقال أحمد: ثا هشيم، ثنا خالد عن أبي عثمان قال: لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت: ما هذا الذي صنعتم ؟ سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت أذني رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من ادعى أبا في الاسلام غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام " (3) فقال أبو بكرة: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجاه من حديث أبي عثمان عنهما. قلت: أبو بكرة واسمه نفيع وأمه سمية أيضا. وحج بالناس في هذه السنة معاوية، وفيها عمل معاوية المقصورة بالشام، ومروان مثلها بالمدينة. وفي هذه السنة توفيت أم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين، واسمها رملة أخت معاوية، أسلمت قديما وهاجرت هي وزوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر هناك زوجها، ثبتت على دينها رضي الله عنها، وحبيبة هي أكبر أولادها منه، ولدتها بالحبشة وقيل بمكة قبل الهجرة، ومات زوجها هنالك لعنه الله وقبحه. ولما تأيمت من زوجها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن


(1) في الاخبار الطوال ص 219: شهد أبو مريم السلولي وكان في الجاهلية خمارا بالطائف أن أبا سفيان وقع على سمية بعدما كان الحارث قد أعتقها، وشهد رجل آخر من بني المصطلق اسمه يزيد أنه سمع أبا سفيان يقول: أن زياد من نطفة أقرها في رحم أمه سمية. (2) أخرجه البخاري في المغازي ح‍ 4303 فتح الباري 8 / 24. (3) أخرجه أحمد في المسند ج 1 / 169، 5 / 46. (*)

[ 32 ]

أمية الضمري إلى النجاشي فزوجها منه، وولى العقد خالد بن سعيد بن العاص، وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار وحملها إليه في سنة سبع، ولما جاء أبوها عام الفتح ليشهد العقد دخل عليها فثنت عنه فراش رسول الله فقال لها: والله يا بنية ما أدري أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه ؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله وأنت رجل مشرك، فقال لها: والله يا بنية لقد لقيت بعدي شرا. وقد كانت من سيدات أمهات المؤمنين ومن العابدات الورعات رضي الله عنها. قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عوف بن الحارث قال: سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة عند موتها فقالت: قد يكون بيننا ما يكون بين الضرائر. فقلت: يغفر الله لي ولك، ما كان من ذلك كله وتجاوزت وحاللتك، فقالت: سررتيني سرك الله. وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك. سنة خمس وأربعين فيها ولى معاوية البصرة للحارث بن عبد الله الازدي، ثم عزله بعد أربعة أشهر، وولى زيادا فقدم زياد الكوفة، وعليها المغيرة فأقام بها ليأتيه رسول معاوية بولاية البصرة، فظن المغيرة أنه قد جاء على إمرة الكوفة فبعث إليه وائل بن حجر ليعلم خبره فاجتمع به فلم يقدر منه على شئ، فجاء البريد إلى زياد أن يسير إلى البصرة، واستعمله على خراسان وسجستان ثم جمع له الهند والبحرين وعمان. ودخل زياد البصرة في مستهل جمادى الاول فقام في أول خطبة خطبها - وقد وجد الفسق ظاهرا - فقال فيها: أيها الناس كأنكم لم تسمعوا ما أعد الله من الثواب لاهل الطاعة، والعذاب لاهل المعصية تكونون كمن طرقت جبينه الدنيا وفسدت مسامعه الشهوات (1)، فاختار الفانية على الباقية. ثم ما زال يقيم أمر السلطان ويجرد السيف حتى خافه الناس خوفا عظيما، وتركوا ما كانوا فيه من المعاصي الظاهرة، واستعان بجماعة من الصحابة، وولى عمران بن حصين القضاء بالبصرة، وولى الحكم بن عمرو الغفاري نيابة خراسان، وولى سمرة بن جندب وعبد الرحمن بن سمرة وأنس بن مالك، وكان حازم الرأي ذا هيبة داهية، وكان مفوها فصيحا بليغا. قال الشعبي: ما سمعت متكلما قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا من أن يسئ إلا زيادا فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما، وقد كانت له وجاهة عند عمر بن الخطاب. وفي هذه السنة غزا الحكم بن عمر ونائب زياد على خراسان جبل الاسل عن أمر زياد فقتل منهم خلقا كثيرا وغنم أموالا جمة، فكتب إليه زياد: إن أمير المؤمنين قد جاء كتابه أن يصطفى له كل صفراء


(1) في الطبري 6 / 124 والكامل 3 / 448: كمن طرفت عينه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات. وانظر فيهما الخطبة كاملة - وهي الخطبة البتراء - وفي البيان والتبيين للجاحظ 2 / 71 - 72. والعقد الفريد 4 / 172 - 174، (طبع القاهرة 1953) وفي تهذيب ابن عساكر 5 / 412 وفتوح ابن الاعثم 4 / 176 - 177. (*)

[ 33 ]

وبيضاء - يعني الذهب والفضة - يجمع كله من هذه الغنيمة لبيت المال. فكتب الحكم بن عمرو: إن كتاب الله مقدم على كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو كانت السموات والارض على عدو فاتقى الله يجعل له مخرجا، ثم نادى في الناس: أن اغدوا على قسم غنيمتكم، فقسمها بينهم وخالف زيادا فيما كتب إليه عن معاوية: وعز الخمس كما أمر الله ورسوله، ثم قال الحكم: إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، فمات بمرو من خراسان رضي الله عنه (1). قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وكان نائب المدينة. وفي هذه السنة توفي زيد بن ثابت الانصاري أحد كتاب الوحي، وقد ذكرنا ترجمته فيهم في أواخر السيرة، وهو الذي كتب هذا المصحف الامام الذي بالشام عن أمر عثمان بن عفان، وهو خط جيد قوي جدا فيما رأيته، وقد كان زيد بن ثابت من أشد الناس ذكاءا تعلم لسان يهود وكتابهم في خمسة عشر يوما، قال أبو الحسن بن البراء: تعلم الفارسية من رسول كسرى في ثمانية عشر يوما، وتعلم الحبشية والرومية والقبطية من خدام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الواقدي: وأول مشاهده الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة. وفي الحديث الذي رواه أحمد والنسائي: " وأعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت ". وقد استعمله عمر بن الخطاب على القضاء، وقال مسروق: كان زيد بن ثابت من الراسخين، وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس أنه أخذ لزيد بن ثابت بالركاب فقال له: تنح يا بن عم رسول الله، فقال: لا ! هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا. وقال الاعمش عن ثابت عن عبيد قال: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في بيته ومن أذمها إذا خرج إلى الرجال. وقال محمد بن سيرين: خرج زيد بن ثابت إلى الصلاة فوجد الناس راجعين منها فتوارى عنهم، وقال: من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله. مات في هذه السنة وقيل في سنة خمس وخمسين، والصحيح الاول، وقد قارب الستين وصلى عليه مروان، وقال ابن عباس: لقد مات اليوم عالم كبير. وقال أبو هريرة: مات حبر هذه الامة. وفيها مات سلمة بن سلامة بن وقش عن سبعين، وقد شهد بدرا وما بعدها ولا عقب له. وعاصم بن عدي، وقد استخلفه رسول الله حين خرج إلى بدر على قبا وأهل العالية، وشهد أحدا وما بعدها، وتوفي عن خمس وعشرين ومائة (2)، وقد بعثه رسول الله هو ومالك بن الدخشم إلى مسجد الضرار فحرقاه. وفيها توفيت حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين، وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت خنيس بن حذافة السهمي، وهاجرت معه إلى المدينة فتوفي عنها بعد بدر، فلما انقضت عدتها


(1) انظر الخبر في صفوة الصفوة 1 / 279 وفتوح ابن الاعثم 4 / 200 - 201. (2) في الكامل 3 / 452: مائة وعشرين سنة وفي الاصابة 2 / 246: مائة وخمس عشرة وقيل مائة وعشرين سنة. (*)

[ 34 ]

عرضها أبوها على عثمان بعد وفاة زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يتزوجها، فعرضها على أبي بكر فلم يرد عليه شيئا، فما كان عن قريب حتى خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها، فعاتب عمر أبا بكر بعد ذلك في ذلك فقال له أبو بكر: إن رسول الله كان قد ذكرها فما كنت لافشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لتزوجتها. وقد روينا في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها. وفي رواية أن جبريل أمره بمراجعتها، وقال: إنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة. وقد أجمع الجمهور أنها توفيت في شعبان من هذه السنة عن ستين سنة، وقيل إنها توفيت أيام عثمان والاول أصح. سنة ست وأربعين فيها شتى المسلمون ببلاد الروم مع أميرهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقيل كان أميرهم غيره والله أعلم. وحج بالناس فيها عتبة بن أبي سفيان أخو معاوية، والعمال على البلاد هم المتقدم ذكرهم. وممن توفي في هذه السنة سالم بن عمير أحد البكائين المذكورين في القرآن، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد كلها. سراقة بن كعب شهد بدرا وما بعدها (1) عبد الرحمن بن خالد بن الوليد القرشي المخزومي، وكان من الشجعان المعروفين والابطال المشهورين كأبيه، وكان قد عظم ببلاد الشام لذلك حتى خاف منه معاوية، ومات وهو مسموم رحمه الله وأكرم مثواه، قال ابن منده وأبو نعيم الاصبهاني: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى ابن عساكر من طريق أبي عمر أن عمرو بن قيس روى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة ببين الكتفين قال البخاري: وهو منقطع - يعني مرسلا - وكان كعب بن جعيل مداحا له ولاخويه مهاجر وعبد الله. وقال الزبير بن بكار: كان عظيم القدر في أهل الشام، شهد صفين مع معاوية. وقال ابن سميع: كان يلي الصوائف زمن معاوية، وقد حفظ عن معاوية. وقد ذكر ابن جرير وغيره أن رجلا يقال له ابن أثال - وكان رئيس الذمة بأرض حمص - (2) سقاه شربة فيها سم فمات، وزعم بعضهم أن ذلك عن أمر معاوية له في


(1) قال ابن الكلبي استشهد باليمامة، وفي الاستيعاب هامش الاصابة 2 / 119: توفي في خلافة معاوية. (2) في الاصابة 3 / 68 والاستيعاب على هامش الاصابة 2 / 409 ان ابن أثال كان طبيبا، وقد مرض عبد الرحمن، فأمره معاوية أن يسقيه شرابا مسموما فسقاه فمات، وفي الاصابة كان نصرانيا أما ابن عبد البر فقال: يهوديا، في الشام. (*)

[ 35 ]

ذلك ولا يصح. ورثاه بعضهم فقال: أبوك الذي قاد الجيوش مغريا * إلى الروم لما أعطت الخرج فارس وكم من فتى نبهته بعد هجعة * بقرع لجام وهو أكتع ناعس وما يستوي الصفان صف لخالد * وصف عليه من دمشق البرانس وقد ذكروا أن خالد (1) بن عبد الرحمن بن خالد قدم المدينة فقال له عروة بن الزبير: ما فعل ابن أثال ؟ فسكت، ثم رجع إلى حمص فثار على ابن أثال فقتله، فقال: قد كفيتك إياه ولكن ما فعل ابن جرموز ؟ فسكت عروة ومحمد بن مسلمة في قول، وقد تقدم (هرم بن حبان العبدي) وهو أحد عمال عمر بن الخطاب، ولقي أويسا القرني وكان من عقلاء الناس وعلمائهم، ويقال إنه لما دفن جاءت سحابة فروت قبره وحده، ونبت العشب عليه من وقته والله أعلم. سنة سبع وأربعين فيها شتى المسلمون ببلاد الروم، وفيها عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص عن ديار مصر وولى عليها معاوية بن خديج، وحج بالناس عتبة، وقيل أخوه عنبسة بن أبي سفيان فالله أعلم. وممن توفى فيها قيس بن عاصم المنقري، كان من سادات الناس في الجاهلية والاسلام، وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية والاسلام، وذلك أنه سكر يوما فعبث بذات محرم منه فهربت منه، فلما أصبح قيل له في ذلك فقال في ذلك: رأيت الخمر منقصة وفيها * مقابح تفضح الرجل الكريما (2) فلا والله أشربها حياتي * ولا أشفى بها أبدا سقيما وكان إسلامه مع وفد بني تميم، وفي بعض الاحاديث أن رسول الله قال: " هذا سيد أهل الوبر " وكان جوادا ممدحا كريما وهو الذي يقول فيه الشاعر: وما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما (3) وقال الاصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء وأبا سفيان بن العلاء يقولان: قيل


(1) في الاصابة والاستيعاب: قتله بدمشق المهاجر بن خالد بن الوليد - أخو عبد الرحمن -. (2) في الاستيعاب هامش الاصابة 3 / 233: رأيت الخمر صالحة وفيها * خصال تفسد الرجل الحليما (3) نسبه ابن عبد البر إلى عبدة بن الطبيب، وذكر قبله بيتين. وهو قول ابن حجر في الاصابة. (*)

[ 36 ]

للاحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم ؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري، لقد اختلفنا إليه في الحكم كما يختلف إلى الفقهاء، فبينا نحن عنده يوما وهو قاعد بفنائه محتب بكسائه أتته جماعة فيهم مقتول ومكتوف فقالوا: هذا ابنك قتله ابن أخيك، قال: فوالله ما حل حبوته حتى فرغ من كلامه، ثم التفت إلى ابن له في المسجد فقال: اطلق عن ابن عمك، ووار أخاك واحمل إلى أمه مائة من الابل فإنها غريبة، ويقال إنه لما حضرته الوفاة جلس حوله بنوه - وكانوا اثنين وثلاثين ذكرا - فقال لهم: يا بني سودوا عليكم أكبركم تخلفوا أباكم، ولا تسودوا أصغركم فيزدري بكم أكفاؤكم، وعليكم بالمال واصطناعه فإنه نعم ما يهبه الكريم، ويستغني به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الناس فإنها من أخس مكسبة الرجل، ولا تنوحوا علي فإن رسول الله لم ينح عليه (1)، ولا تدفنوني حيث يشعر بكر بن وائل، فإني كنت أعاديهم في الجاهلية. وفيه يقول الشاعر: عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحما تحية من أوليته منك منة * إذا ذكرت مثلتها تملا الفما (2) فما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما ثم دخلت سنة ثمان وأربعين فيها شتى أبو عبد الرحمن القتبي (3) بالمسلمين ببلاد انطاكية، وفيها غزا عقبة بن عامر بأهل مصر البحر، وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة. سنة تسع وأربعين فيها غزا يزيد بن معاوية بلاد الروم حتى بلغ قسطنطينية ومعه جماعات من سادات الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبو أيوب الانصاري. وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أول جيش يغزون مدينة قيصر مغفور لهم " فكان هذا الجيش أول من غزاها، وما وصلوا إليها حتى بلغوا الجهد. وفيها توفى أبو أيوب خالد بن زيد الانصاري، وقيل لم يمت في هذه الغزوة بل بعدها سنة إحدى أو ثنتين أو ثلاث وخمسين كما سيأتي. وفيها عزل معاوية مروان عن المدينة وولى عليها سعيد بن العاص، فاستقضى سعيد عليها أبا سلمة بن عبد الرحمن. وفيها شتى مالك بن هبيرة الفزاري بأرض الروم، وفيها كانت غزوة فضالة بن


(1) انظر وصيته في الاصابة 3 / 253 والاستيعاب / على هامش الاصابة 3 / 234 ومسند أحمد 5 / 61. (2) في الاستيعاب: تحية....... نعمة * إذا زار عن شحط بلادك سلما (3) في الطبري 6 / 130 والكامل 3 / 457: القيني. (*)

[ 37 ]

عبيد (1)، وشتى هنالك، ففتح البلد وغنم شيئا كثيرا. وفيها كانت صائفة عبد الله بن كرز. وفيها وقع الطاعون بالكوفة فخرج منها المغيرة فارا، فلما ارتفع الطاعون رجع إليها فأصابه الطاعون فمات، والصحيح أنه مات سنة خمسين كما سيأتي، فجمع معاوية لزياد الكوفة إلى البصرة، فكان أول من جمع له بينهما، فكان يقيم في هذه ستة أشهر وهذه ستة أشهر، وكان يستخلف على البصرة سمرة بن جندب. وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص. ذكر من توفي في هذه السنة من الاعيان الحسن بن علي بن أبي طالب أبو محمد القرشي الهاشمي، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ابنته فاطمة الزهراء، وريحانته، وأشبه خلق الله به في وجهه، ولد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فحنكه رسول الله بريقه وسماه حسنا، وهو أكبر ولد أبويه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا شديدا حتى كان يقبل ذبيبته وهو صغير، وربما مص لسانه واعتنقه وداعبه، وربما جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد في الصلاة فيركب على ظهره فيقره على ذلك ويطيل السجود من أجله، وربما صعد معه إلى المنبر، وقد ثبت في الحديث أنه عليه السلام بينما هو يخطب إذ رأى الحسن والحسين مقبلين فنزل إليهما فاحتضنهما وأخذهما معه إلى المنبر وقال: " صدق الله * (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) * [ التغابن: 15 ] إني رأيت هذين يمشيان ويعثران فلم أملك أن نزلت إليهما " ثم قال: " إنكم لمن روح الله وإنكم لتبجلون وتحببون ". وقد ثبت في صحيح البخاري: عن أبي عاصم، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث أن أبا بكر صلى بهم العصر بعد وفاة رسول الله بليال ثم خرج هو وعلي يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلمان فاحتمله على عنقه وجعل يقول: " يا بابي شبه النبي، ليس شبيها بعلي ". قال: وعلي يضحك (2). وروى سفيان الثوري وغير واحد قالوا: ثنا وكيع، ثنا إسماعيل بن أبي خالد سمعت أبا جحيفة يقول: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكان الحسن بن علي يشبهه ". ورواه البخاري ومسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد قال وكيع: لم يسمع إسماعيل من أبي جحيفة إلا هذا الحديث. وقال أحمد: ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا زمعة، عن ابن أبي مليكة قالت: كانت فاطمة تنقر للحسن بن علي وتقول: يا بابي شبه النبي ليس شبيها بعلي. وقال عبد الرزاق وغيره: عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: كان الحسن بن علي أشبههم وجها برسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه أحمد عن عبد الرزاق بنحوه، وقال


(1) في الطبري 6 / 130: غزا جربة. وفي الكامل 3 / 458: جربة. (2) رواه البخاري في المناقب (23) باب. فتح الباري 6 / 563 وأخرجه في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب مناقب الحسن والحسين. وأخرجه الامام أحمد في مسنده 1 / 8. (*)

[ 38 ]

أحمد: ثنا حجاج ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن هانئ عن علي قال: " الحسن أشبه برسول الله ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله ما أسفل من ذلك " (1). ورواه الترمذي من حديث إسرائيل وقال حسن غريب. وقال أبو داود الطيالسي: ثنا قيس عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس به ما أسفل من ذلك. وقد روي عن ابن عباس وابن الزبير أن الحسن بن علي كان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أحمد: ثنا حازم بن الفضيل، ثنا معتمر عن أبيه قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن أبي عثمان النهدي يحدثه أبو عثمان عن أسامة بن زيد قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الاخرى ثم يضمنا ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما " (2). وكذا رواه البخاري عن النهدي عن محمد بن الفضيل أخو حازم به، وعن علي بن المديني عن يحيى القطان، عن سليمان التيمي، عن أبي تميمة، عن أبي عثمان عن أسامة، وأخرجه أيضا عن موسى بن إسماعيل ومسدد عن معتمر عن أبيه عن أبي عثمان عن أسامة فلم يذكر أبا تميمة والله أعلم. وفي رواية: " اللهم إني أحبهما فأحبهما ". وقال شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي عاتقه وهو يقول: " اللهم إني أحبه فأحبه " (3). أخرجاه من حديثه شعبة. ورواه علي بن الجعد عن فضيل بن مرزوق عن عدي عن البراء، فزاد " وأحب من أحبه " وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال أحمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن بن علي: " اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه " (5). ورواه مسلم عن أحمد وأخرجاه من حديث شعبة. وقال أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا ورقاء، عن عبيد الله بن أبي يزيد عن نافع بن جبير عن أبي هريرة. قال: " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سوق من أسواق المدينة فانصرف وانصرفت معه، فجاء إلى فناء فاطمة فقال أي لكع أي لكع أي لكع فلم يجبه أحد، فانصرف وانصرفت معه إلى فناء فقعد، قال: فجاء الحسن بن علي - قال أبو هريرة: ظننا أن أمه حبسته لتجعل في عنقه السخاب - فلما دخل التزمه رسول الله والتزم هو رسول الله، ثم قال: إني أحبه وأحب من يحبه " (5) ثلاث مرات. وأخرجاه من حديث سفيان بن


(1) أخرجه الترمذي في المناقب (31) باب. ح‍ 3779 ص 5 / 660 والامام أحمد في مسنده 1 / 90. (2) أخرجه الامام أحمد في مسنده 5 / 205 وأخرجه البخاري في فضائل الصحابة ح‍ 3747 فتح الباري 7 / 94. (3) فتح الباري 7 / 94 ح‍ 3749. ومسلم في فضائل الصحابة ح‍ 56 ص 4 / 1882. والترمذي في المناقب ح‍ 3783 ص 5 / 661. (4) أخرجه أحمد في المسند 2 / 249، 331 ومسلم في فضائل الصحابة ح‍ (56) ص 4 / 1882. (5) مسند أحمد 4 / 284. ومسلم ح‍ 57. - لكع: المراد هنا الصغير. (*)

[ 39 ]

عيينة عن عبد الله به. وقال أحمد: ثنا حماد الخياط، ثنا هشام بن سعد، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن أبي هريرة. قال: " خرج رسول الله إلى سوق بني قينقاع متكئا على يدي فطاف فيها، ثم رجع فاحتبى في المسجد وقال: أين لكاع ؟ ادعوا لي لكاع، فجاء الحسن فاشتد حتى وثب في حبوته فأدخل فمه في فمه ثم قال: اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه " (1) ثلاثا، قال أبو هريرة: ما رأيت الحسن إلا فاضت عيني، أو قال: دمعت عيني أو بكيت - وهذا على شرط مسلم ولم يخرجوه. وقد رواه الثوري عن نعيم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة فذكر مثله أو نحوه. ورواه معاوية بن أبي برود، عن أبيه، عن أبي هريرة بنحوه وفيه زيادة. وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي نحوا من هذا. ورواه عثمان بن أبي اللباب عن ابن أبي مليكة، عن عائشة بنحوه وفيه زيادة. وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي نحوا من هذا السياق. وقال سفيان الثوري وغيره عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي حازم عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني " غريب من هذا الوجه. وقال أحمد: ثنا ابن نمير ثنا الحجاج - يعني ابن دينار - عن جعفر بن إياس عن عبد الرحمن بن مسعود عن أبي هريرة قال: " خرج علينا رسول الله ومعه حسن وحسين، هذا على عاتقه وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول الله إنك لتحبهما، فقال: من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني " (2). تفرد به أحمد. وقال أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر عن عبد الله قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فجاء الحسن والحسين فجعلا يتوثبان على ظهره إذا سجد، فأراد الناس زجرهما فلما سلم قال للناس: هذان ابناي، من أحبهما فقد أحبني ". ورواه النسائي من حديث عبيد الله بن موسى عن علي بن صالح عن عاصم به. وقد ورد عن عائشة وأم سلمة أمي المؤمنين أن رسول الله اشتمل على الحسن والحسين وأمهما وأبيهما فقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " وقال محمد بن سعد: ثنا محمد بن عبد الله الاسدي ثنا شريك عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله. قال قال رسول الله: " من سره أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسن بن علي " وقد رواه وكيع عن الربيع بن سعد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر فذكر مثله، وإسناده لا بأس به، ولم يخرجوه. وجاء من حديث علي وأبي سعيد وبريدة أن رسول الله قال: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما ". وقال أبو القاسم البغوي: ثنا داود بن عمر ثنا إسماعيل بن عياش حدثني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعد بن راشد عن


= سخاب: جمع سخب، وهو قلادة من القرنفل والمسك والعود ونموها يعمل على هيئة السبحة ويجعل قلادة للصبيان والجواري، وقيل هو خيط فيه خرز، سمي سخابا لصوت خرزه عند حركته. (1) مسند أحمد 4 / 249، 331. (2) مسند أحمد ج 2 / 288، 440، 531. (*)

[ 40 ]

يعلى بن مرة. قال: " جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله فجاء أحدهما قبل الآخر فجعل يده تحت رقبته ثم ضمه إلى إبطه، ثم جاء الآخر فجعل يده إلى الاخرى في رقبته ثم ضمه إلى إبطه، وقبل هذا ثم قبل هذا ثم قال: اللهم إني أحبهما فأحبهما، ثم قال: أيها الناس إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة " وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن ابن أبي خيثم، عن محمد بن الاسود بن خلف عن أبيه " أن رسول الله أخذ حسنا فقبله ثم أقبل عليهم فقال: إن الولد مبخلة مجبنة " وقال ابن خزيمة: ثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي ثنا زيد بن الحباب ح وقال أبو يعلى أبو خيثمة: ثنا زيد بن الحباب حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجاء (1) الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذهما فوضعهما في حجره (2) على المنبر، ثم قال: صدق الله ! إنما أموالكم وأولادكم فتنة، رأيت هذين الصبيين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته " (3). وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الحسين بن واقد، وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وقد رواه محمد الضمري عن زيد بن أرقم فذكر القصة للحسن وحده: وفي حديث عبد الله بن شداد عن أبيه " أن رسول الله صلى بهم إحدى صلاتي العشي فسجد سجدة أطال فيها السجود، فلما سلم قال الناس له في ذلك، قال: إن ابني هذا - يعني الحسن - ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته ". وقال الترمذي عن أبي الزبير عن جابر قال: " دخلت على رسول الله وهو حامل الحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما على أربع، فقلت: نعم الحمل حملكما فقال: ونعم العدلان هما " على شرط مسلم ولم يخرجوه، وقال أبو يعلى: ثنا أبو هاشم ثنا أبو عامر ثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة عن ابن عباس. قال: " خرج رسول الله وهو حامل الحسن على عاتقه فقال له رجل: يا غلام نعم المركب ركبت، فقال رسول الله: ونعم الراكب هو " (4). وقال أحمد: حدثنا تليد بن سليمان، ثنا أبو الحجاف، عن أبي حازم عن أبي هريرة. قال: " نظر رسول الله إلى علي وحسن وحسين وفاطمة فقال: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم " (5). وقد رواه النسائي من حديث أبي نعيم، وابن ماجه من حديث وكيع كلاهما عن سفيان الثوري عن أبي الحجاف داود بن أبي عوف، قال وكيع: وكان مريضا - عن أبي حازم عن أبي هريرة أن رسول الله قال عن الحسن والحسين: " من أحبهما فقد أحبني،


(1) في صحيح ابن خزيمة: فأقبل. (2) في ابن خزيمة والترمذي: بين يديه. (3) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه أبواب الاذان والخطبة (65) باب ح‍ (1801) ص 3 / 152 والترمذي في المناقب ح‍ 3774 ص 5 / 658. (4) صحيح الترمذي - المناقب ح‍ 3784 ص 5 / 661. (5) مسند أحمد ج 2 / 442. (*)

[ 41 ]

ومن أبغضهما فقد أبغضني " وقد رواه أسباط عن السدي عن صبيح مولي أم سلمة عن زيد بن أرقم فذكره. وقال بقية عن بجير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب قال: سمعت رسول الله يقول: " الحسن مني والحسين من علي " فيه نكارة لفظا ومعنى. وقال أحمد: ثنا محمد بن أبي عدي عن ابن عوف عن عمير بن إسحاق. قال: " كنت مع الحسن بن علي فلقينا أبو هريرة فقال: أرني أقبل منك حيث رأيت رسول الله يقبل، فقال: بقميصه، قال: فقيل سرته " تفرد به أحمد، ثم رواه عن إسماعيل بن علية عن ابن عوف. وقال أحمد: ثنا هاشم بن القاسم، عن جرير، عن عبد الرحمن أبي عوف الجرشي، عن معاوية. قال: " رأيت رسول الله يمص لسانه - أو قال شفته يعني الحسن بن علي - وإنه لن يعذب لسان أو شفتان يمصهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ". تفرد به أحمد، وقد ثبت في الصحيح عن أبي بكرة. وروى أحمد عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". وقد تقدم هذا الحديث في دلائل النبوة، وتقدم قريبا عند نزول الحسن لمعاوية عن الخلافة، ووقع ذلك تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم. هذا، وكذلك ذكرناه في كتاب دلائل النبوة ولله الحمد والمنة. وقد كان الصديق يجله ويعظمه ويكرمه ويحبه ويتفداه، وكذلك عمر بن الخطاب، فروى الواقدي عن موسى بن محمد ابن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه، عمر لما عمل الديوان فرض للحسن والحسين مع أهل بدر في خمسة آلاف خمسة آلاف، وكذلك كان عثمان بن عفان يكرم الحسن والحسين ويحبهما. وقد كان الحسن بن علي يوم الدار - وعثمان بن عفان محصور - عنده ومعه السيف متقلدا به يحاجف عن عثمان فخشي عثمان عليه فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييبا لقلب علي، وخوفا عليه رضي الله عنهم. وكان علي يكرم الحسن إكراما زائدا، ويعظمه ويبجله وقد قال له يوما: يا بني ألا تخطب حتى أسمعك ؟ فقال: إني أستحي أن أخطب وأنا أراك، فذهب علي فجلس حيث لا يراه الحسن ثم قام الحسن في الناس خطيبا وعلي يسمع، فأدى خطبة بليغة فصيحة فلما انصرف جعل علي يقول: ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. وقد كان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا، ويرى هذا من النعم عليه. وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما، رضي الله عنهما وأرضاهما. وكان ابن الزبير يقول: والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي. وقال غيره: كان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول الله يجلس في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ويجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيسلم عليهن وربما أتحفنه ثم ينصرف إلى منزله. ولما نزل لمعاوية عن الخلافة من ورعه صيانة لدماء المسلمين، كان له على معاوية في كل عام جائزة، وكان يفد إليه، فربما أجازه بأربعمائة ألف درهم، وراتبه في كل سنة مائة ألف، فانقطع سنة عن الذهاب وجاء وقت الجائزة فاحتاج الحسن إليها - وكان من أكرم الناس - فأراد أن يكتب إلى معاوية ليبعث بها إليه، فلما نام تلك الليلة رأى رسول الله في المنام فقال له: يا بني أتكتب إلى مخلوق بحاجتك ؟ وعلمه دعاء يدعو به " فترك الحسن ما كان هم به من الكتابة، فذكره معاوية

[ 42 ]

وافتقده، وقال: ابعثوا إليه بمائتي ألف فلعل له ضرورة في تركه القدوم علينا، فحملت إليه من غير سؤال. قال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: الحسن بن علي مدني ثقة. حكاه ابن عساكر في تاريخه، قالوا: وقاسم الله ماله ثلاث مرات، وخرج من ماله مرتين، وحج خمسا وعشرين مرة ماشيا وإن الجنائب لتقاد بين يديه. وروى ذلك البيهقي من طريق عبيد الله بن عمير عن ابن عباس. وقال علي بن زيد بن جدعان: وقد علق البخاري في صحيحه أنه حج ماشيا والجنائب تقاد بين يديه، وروى داود بن رشيد، عن حفص، عن جعفر بن محمد عن أبيه. قال: حج الحسن بن علي ماشيا والجنائب تقاد بين يديه ونجائبه تقاد إلى جنبه. وقال العباس بن الفضل، عن القاسم، عن محمد بن علي قال: قال الحسن بن علي: إني لاستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة إلى المدينة على رجليه، قالوا: وكان يقرأ في بعض خطبه سورة إبراهيم، وكان يقرأ كل ليلة سورة الكهف قبل أن ينام، يقرأها من لوح كان يدور معه حيث كان من بيوت نسائه، فيقرأه بعدما يدخل في الفراش قبل أن ينام رضي الله عنه. وقد كان من الكرم على جانب عظيم، قال محمد بن سيرين: ربما أجاز الحسن بن علي الرجل الواحد بمائة ألف. وقال سعيد بن عبد العزيز: سمع الحسن رجلا إلى جانبه يدعو الله أن يملكه عشرة آلاف درهم، فقام إلى منزله فبعث بها إليه. وذكروا أن الحسن رأى غلاما أسود يأكل من رغيف لقمة ويطعم كلبا هناك لقمة، فقال له: ما حملك على هذا ؟ فقال: إني أستحي منه أن آكل ولا أطعمه، فقال له الحسن: لا تبرح من مكانك حتى آتيك، فذهب إلى سيده فاشتراه واشترى الحائط الذي هو فيه، فأعتقه وملكه الحائط، فقال الغلام: يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له. قالوا: وكان كثير التزوج، وكان لا يفارقه أربع حرائر، وكان مطلاقا مصداقا، يقال إنه أحصن سبعين امرأة، وذكروا أنه طلق امرأتين في يوم، واحدة من بني أسد وأخرى من بني فزارة - فزارية - وبعث إلى كل واحدة منهما بعشرة آلاف وبزقاق من عسل، وقال للغلام: اسمع ما تقول كل واحدة منهما، فأما الفزارية فقالت: جزاه الله خيرا، ودعت له، وأما الاسدية فقالت. متاع قليل من حبيب مفارق. فرجع الغلام إليه بذلك، فارتجع الاسدية وترك الفزارية. وقد كان علي يقول لاهل الكوفة: لا تزوجوه فإنه مطلاق، فيقولون والله يا أمير المؤمنين لو خطب إلينا كل يوم لزوجناه منا من شاء ابتغاء في صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكروا أنه نام مع امرأته خولة بنت منظور الفزاري - وقيل هند بنت سهيل - فوق إجار فعمدت المرأة فربطت رجله بخمارها إلى خلخالها، فلما استيقظ قال لها: ما هذا ؟ فقالت: خشيت أن تقوم من وسن النوم فتسقط فأكون أشأم سخلة على العرب. فأعجبه ذلك منها، واستمر بها سبعة أيام بعد ذلك. وقال أبو جعفر الباقر: جاء رجل إلى الحسين بن علي فاستعان به في حاجة فوجده معتكفا فاعتذر إليه، فذهب إلى الحسن فاستعان به فقضى حاجته، وقال: لقضاء حاجة أخ لي في الله أحب إلي من اعتكاف شهر. وقال هشيم: عن منصور، عن ابن سيرين قال: كان الحسن بن علي لا يدعو إلى طعامه

[ 43 ]

أحدا يقول: هو أهون من أن يدعى إليه أحد. وقال أبو جعفر: قال علي يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن بن علي فإنه مطلاق، فقال رجل من همذان: والله لنزوجنه، فما رضي أمسك وما كره طلق. وقال أبو بكر الخرائطي - في كتاب مكارم الاخلاق -: ثنا ابن المنذر - هو إبراهيم - ثنا القواريري ثنا عبد الاعلى، عن هشام، عن محمد بن سيرين قال: تزوج الحسن بن علي امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. وقال عبد الرزاق: عن الثوري، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، عن الحسن بن سعد عن أبيه قال: متع الحسن بن علي امرأتين بعشرين ألفا وزقاق من عسل، فقالت إحداهما - وأراها الحنفية - متاع قليل من حبيب مفارق. وقال الواقدي: حدثني علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين قال: كان الحسن بن علي مطلاقا للنساء، وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه. وقال جويرية بن أسماء: لما مات الحسن بكى عليه مروان في جنازته، فقال له الحسين: أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه ؟ فقال: إني كنت أفعل إلى أحلم من هذا، وأشار هو إلى الجبل. وقال محمد بن سعد: أنا إسماعيل بن إبراهيم الاسدي، عن ابن عون، عن محمد بن إسحاق قال: ما تكلم عندي أحد كان أحب إلي إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن علي، وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة، فإنه كان بينه وبين عمرو بن عثمان خصومة فقال: ليس له عندنا إلا ما رغم أنفه، فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه قط. قال محمد بن سعد: وأنا الفضل بن دكين أنا مساور الجصاص عن رزين بن سوار. قال: كان بين الحسن ومروان خصومة فجعل مروان يغلظ للحسن وحسن ساكت، فامتخط مروان بيمينه، فقال له الحسن: ويحك ! أما علمت أن اليمنى للوجه، والشمال للفرج ؟ أف لك، فسكت مروان. وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد قيل للحسن بن علي: إن أبا زر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة، فقال: رحم الله أبا زر أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن أن يكون في غير الحالة التي اختار الله له. وهذا أحد الوقوف على الرضا بما تعرف به القضاء. وقال أبو بكر محمد بن كيسان الاصم: قال الحسن ذات يوم لاصحابه: إني أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي مالا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا عن سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه، وكان خارجا عن سلطان جهله فلا يمد يدا إلا على ثقة المنفعة، ولا يخطو خطاة إلا لحسنة، وكان لا يسخط ولا يتبرم، وكان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على الصمت، كان أكثر دهره صامتا، فإذا قال يذر القائلين، وكان لا يشارك في دعوى، ولا يدخل في مراء، ولا يدلي بحجة، حتى يرى قاضيا يقول مالا يفعل، ويفعل مالا يقول، تفضلا وتكرما، كان لا يغفل عن إخوانه، ولا يستخص بشئ دونهم. كان لا يكرم أحدا فيما يقع العذر بمثله، كان إذا ابتداه أمران لا يرى أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه. رواه ابن عساكر والخطيب. وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري: ثنا بدر بن الهيثم

[ 44 ]

الحضرمي، ثنا علي بن المنذر الطريفي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا محمد بن عبد الله أبو رجاء - من أهل تستر - ثنا شعبة بن الحجاج الواسطي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الحارث الاعور أن عليا سأل ابنه - يعني الحسن - عن أشياء من المروءة فقال: يا بني ما السداد ؟ قال: يا أبة السداد دفع المنكر بالمعروف، قال: فما الشرف ؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة. قال: فما المروءة ؟ قال: العفاف واصلاح المرء ماله. قال: فما الدنيئة ؟ قال: النظر في اليسير ومنع الحقير. قال: فما اللوم ؟ قال: احتراز المرء نفسه وبذله عرسه. قال: فما السماحة ؟ قال: البذل في العسر واليسر. قال: فما الشح ؟ قال: أن ترى ما في يديك سرفا وما أنفقته تلفا. قال: فما الاخاء ؟ قال: الوفاء في الشدة والرخاء. قال: فما الجبن ؟ قال: الجرأة على الصديق والنكول عن العدو. قال: فما الغنيمة ؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا. قال: فما الحلم ؟ قال كظم الغيظ وملك النفس. قال: فما الغنى ؟ قال: رضى النفس بما قسم الله لها وإن قل، فإنما الغنى غنى النفس. قال: فما الفقر ؟ قال: شره النفس في كل شئ. قال: فما المنعة ؟ قال: شدة البأس ومقارعة أشد الناس. قال: فما الذل ؟ قال: الفزع عند المصدوقية ؟ قال: فما الجرأة ؟ قال: موافقة الاقران. قال: فما الكلفة ؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك. قال: فما المجد ؟ قال: أن تعطي في الغرم وأن تعفو عن الجرم. قال: فما العقل ؟ قال: حفظ القلب كل ما استرعيته. قال: فما الخرق ؟ قال: معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك. قال: فما الثناء ؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح. قال: فما الحزم ؟ قال: طول الاناة، والرفق بالولاة، والاحتراس من الناس بسوء الظن هو الحزم قال: فما الشرف ؟ قال: موافقة الاخوان، وحفظ الجيران. قال فما السفه ؟ قال: اتباع الدناة، ومصاحبة الغواة. قال: فما الغفلة ؟ قال: تركك المسجد وطاعتك المفسد. قال: فما الحرمان ؟ قال: تركك حظك وقد عرض عليك. قال: فمن السيد ؟ قال: الاحمق في المال المتهاون بعرضه، يشتم فلا يجيب المتحرن بأمر العشيرة هو السيد. قال ثم قال علي: يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أفضل من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا عقل كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع كالكف، ولا عبادة كالتفكر، ولا إيمان كالحياء، ورأس الايمان الصبر، وآفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة الحلم السفه، وآفة العبادة الفترة، وآفة الطرف الصلف، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الجمال الخيلاء، وآفة الحب الفخر " ثم قال علي: يا بني لا تستخفن برجل تراه أبدا، فإن كان أكبر منك فعده أباك، وإن كان مثلك فهو أخوك، وإن كان أصغر منك فاحسب أنه ابنك. فهذا ما سأل علي ابنه عن أشياء من المرؤة. قال القاضي أبو الفرج: ففي هذا الخبر من الحكمة وجزيل الفائدة ما ينتفع به من راعاه، وحفظه ووعاه، وعمل به وأدب نفسه بالعمل عليه، وهذبها بالرجوع إليه، وتتوفر فائدته بالوقوف عنده. وفيما رواه أمير المؤمنين وأضعافه عن النبي صلى الله عليه وسلم

[ 45 ]

مالا غنى لكل لبيب عليم، وقدرة حكيم، عن حفظه وتأمله، والمسعود من هدي لتلقيه، والمجدود من وفق لامتثاله وتقبله. قلت: ولكن إسناد هذا الاثر وما فيه من الحديث المرفوع ضعيف، ومثل هذه الالفاظ في عبارتها ما يدل ما في بعضها من النكارة على أنه ليس بمحفوظ والله أعلم. وقد ذكر الاصمعي والعتبي والمدائني وغيرهم: أن معاوية سأل الحسن عن أشياء تشبه هذا فأجابه بنحو ما تقدم، لكن هذا السياق أطول بكثير مما تقدم فالله أعلم. وقال علي بن العباس الطبراني: كان على خاتم الحسن بن علي مكتوبا: قدم لنفسك ما استطعت من التقى * إن المنية نازلة بك يا فتى أصبحت ذا فرح كأنك لا ترى * أحباب قلبك في المقابر والبلى قال الامام أحمد: حدثنا مطلب بن زياد بن محمد، ثنا محمد بن أبان، قال: قال الحسن بن علي لبنيه وبني أخيه: " تعلموا فإنكم صغار قوم اليوم وتكونوا كبارهم غدا، فمن لم يحفظ منكم فليكتب ". رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن أحمد عن أبيه. وقال محمد بن سعد: ثنا الحسن بن موسى وأحمد بن يونس قالا: ثنا زهير بن معاوية، ثنا أبو إسحاق، عن عمرو الاصم، قال قلت للحسن بن علي: إن هذه الشيعة تزعم أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، قال: كذبوا والله ! ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه ولا اقتسمنا ماله. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني أبو علي سويد الطحان، ثنا علي بن عاصم، ثنا أبو ريحانة، عن سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " فقال رجل كان حاضرا في المجلس: قد دخلت من هذه الثلاثين ستة شهور في خلافة معاوية. فقال: من ها هنا أتيت تلك الشهور كانت البيعة للحسن بن علي، بايعه أربعون ألفا أو اثنان وأربعون ألفا. وقال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: بايع الحسن تسعون ألفا فزهد في الخلافة وصالح معاوية ولم يسل في أيامه محجمة من دم. وقال ابن أبي خيثمة: وحدثنا أبي، ثنا وهب بن جرير قال: قال أبي: فلما قتل علي بايع أهل الكوفة الحسن بن علي وأطاعوه وأحبوه أشد من حبهم لابيه. وقال ابن أبي خيثمة: ثنا هارون بن معروف، ثنا ضمرة عن ابن شوذب. قال: لما قتل علي سار الحسن في أهل العراق وسار معاوية في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن جعل العهد للحسن من بعده. قال: فكان أصحاب الحسن يقولون: يا عار المؤمنين، قال: فيقول لهم: العار خير من النار. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا العباس بن هشام، عن أبيه قال: لما قتل علي بايع الناس الحسن بن علي فوليها سبعة وأحد عشر يوما. وقال غير عباس: بايع الحسن أهل الكوفة، وبايع أهل الشام معاوية بايلياء بعد قتل علي، وبويع بيعة العامة ببيت المقدس يوم الجمعة من آخر سنة أربعين، ثم لقي الحسن معاوية بمسكن - من سواد الكوفة - في سنة إحدى وأربعين فاصطلحا، وبايع الحسن معاوية. وقال غيره: كان صلحهما ودخول معاوية الكوفة في ربيع الاول من سنة إحدى وأربعين. وقد تكلمنا على تفصيل ذلك فيما تقدم بما أغنى عن إعادته ها هنا.

[ 46 ]

وحاصل ذلك أنه اصطلح مع معاوية على أن يأخذ ما في بيت المال الذي بالكوفة، فوفى له معاوية بذلك فإذا فيه خمسة آلاف ألف، وقيل سبعة آلاف ألف، وعلى أن يكون خراج، وقيل دار ابجرد له في كل عام، فامتنع أهل تلك الناحية عن أداء الخراج إليه، فعوضه معاوية عن كل ستة آلاف ألف درهم في كل عام، فلم يزل يتناولها مع ماله في كل زيارة من الجوائز والتحف والهدايا، إلى أن توفي في هذا العام. وقال محمد بن سعد عن هودة بن خليفة، عن عوف، عن محمد بن سيرين قال: لما دخل معاوية الكوفة وبايعه الحسن بن علي قال أصحاب معاوية لمعاوية: مر الحسن بن علي أن يخطب، فإنه حديث السن عيي، فلعله يتلعثم فيتضع في قلوب الناس. فأمره فقام فاختطب فقال في خطبته: " أيها الناس لو اتبعتم بين جابلق وجابرس رجلا جده نبي غيري وغير أخي لم تجدوه، وإنا قد أعطينا بيعتنا معاوية ورأينا أن حقن دماء المسلمين خير من إهراقها، والله ما أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " - وأشار إلى معاوية - فغضب من ذلك وقال: ما أردت من هذه ؟ قال: أردت منها ما أراد الله منها. فصعد معاوية وخطب بعده. وقد رواه غير واحد وقدمنا أن معاوية عتب على أصحابه. وقال محمد بن سعد: ثنا أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة عن يزيد قال: سمعت جبير بن نفير الحضرمي يحدث عن أبيه قال: قلت للحسن بن علي: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة ؟ فقال: كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله، ثم أثيرها ثانيا من أهل الحجاز. وقال محمد بن سعد: أنا علي بن محمد عن إبراهيم بن محمد عن زيد بن أسلم قال: دخل رجل على الحسن بن علي وهو بالمدينة وفي يده صحيفة فقال: ما هذه ؟ فقال: ابن معاوية يعدنيها ويتوعد، قال: قد كنت على النصف منه، قال: أجل ولكن خشيت أن يجئ يوم القيامة سبعون ألفا، أو ثمانون ألفا، أو أكثر أو أقل، تنضح أوداجهم دما، كلهم يستعدي الله فيم هريق دمه. وقال الاصمعي عن سلام بن مسكين عن عمران بن عبد الله. قال: رأى الحسن بن علي في منامه أنه مكتوب بين عينيه، * (قل هو الله أحد) * ففرح بذلك فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال: إن كان رأى هذه الرؤيا فقل ما بقي من أجله. قال: فلم يلبث الحسن بن علي بعد ذلك إلا أياما حتى مات. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا عبد الرحمن بن صالح العتكي ومحمد ؟ ؟ عثمان العجلي قالا: ثنا أبو أسامة عن ابن عون عن عمير بن إسحاق. قال: دخلت أنا ورجل آخر من قريش على الحسن بن علي فقام فدخل المخرج ثم خرج فقال: لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود، ولقد سقيت السم مرارا وما سقيت مرة هي أشد من هذه. قال: وجعل يقول لذلك الرجل: سلني قبل أن لا تسألني، فقال ما أسألك شيئا يعافيك الله، قال: فخرجنا من عنده ثم عدنا إليه من الغد. وقد أخذ في السوق فجاء حسين حتى قعد عند رأسه، فقال: أي أخي ! من صاحبك ؟ قال: تريد قتله، قال: نعم ! قال لئن كان صاحبي الذي أظن لله أشد نقمة. وفي رواية: فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وإن لم يكنه ما أحب أن تقتل بي بريئا. ورواه

[ 47 ]

محمد بن سعد عن ابن علية عن ابن عون. وقال محمد بن عمر الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور. قالت: الحسن سقي مرارا كل ذلك يفلت منه، حتى كانت المرة الآخرة التي مات فيها فإنه كان يختلف كبده، فلما مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهرا. وقال الواقدي: وحدثنا عبدة بنت نائل عن عائشة قالت: حد نساء بني هاشم على الحسن بن علي سنة. قال الواقدي: وحدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الله بن حسن قال: كان الحسن بن علي كثير نكاح النساء، وكان قل ما يحظين عنده، وكان قل امرأة تزوجها إلا أحبته وضنت به، فيقال إنه كان سقي سما، ثم أفلت، ثم سقي فأفلت ثم كانت الآخرة توفي فيها، فلما حضرته الوفاة قال الطبيب وهو يختلف إليه: هذا رجل قطع السم إمعاءه، فقال الحسين: يا أبا محمد أخبرني من سقاك ؟ قال: ولم يا أخي ؟ قال: أقتله والله قبل أن أدفنك ولا أقدر عليه أو يكون بأرض أتكلف الشخوص إليه. فقال: يا أخي إنما هذه الدنيا ليال فانية، دعه حتى التقي أنا وهو عند الله، وأبى أن يسميه. وقد سمعت بعض من يقول: كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما. قال محمد بن سعد: وأنا يحيى بن حمال أنا أبو عوانة عن المغيرة عن أم موسى أن جعدة بنت الاشعث بن قيس سقت الحسن السم فاشتكى منه شكاة، قال فكان يوضع تحت طشت ويرفع آخر نحوا من أربعين يوما. وروى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الاشعث أن سمي الحسن وأنا أتزوجك بعده، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إليه فقال: إنا والله لم نرضك للحسن أفنرضاك لانفسنا ؟ وعندي أن هذا ليس بصحيح، وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الاولى والاحرى، وقد قال كثير نمرة في ذلك: يا جعد بكيه ولا تسأمي * بكاء حق ليس بالباطل لن تستري البيت على مثله * في الناس من حاف ولا ناعل أعني الذي أسلمه أهله * للزمن المستخرج الماحل كان إذا شبت له ناره * يرفعها بالنسب الماثل كيما يراها بائس مرمل * أو فرد قوم ليس بالآهل تغلي بني اللحم حتى إذا * أنضج لم تغل على آكل قال سفيان بن عيينة عن رقبة بن مصقلة قال: لما احتضر الحسن بن علي قال: أخرجوني إلى الصحن أنظر في ملكوت السموات. فأخرجوا فراشه فرفع رأسه فنظر فقال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الانفس علي، قال: فكان مما صنع الله له أنه احتسب نفسه عنده. وقال عبد الرحمن بن مهدي: لما اشتد بسفيان الثوري المرض جزع جزعا شديدا فدخل عليه مرحوم بن عبد العزيز فقال: ما هذا الجزع يا أبا عبد الله ؟ تقدم على رب عبدته ستين سنة، صمت له، صليت له، حججت له، قال فسري عن الثوري. وقال أبو نعيم: لما اشتد

[ 48 ]

بالحسن بن علي الوجع جزع فدخل عليه رجل فقال له: يا أبا محمد ما هذا الجزع ؟ ما هو إلا أن تفارق روحك جسدك فتقدم على أبويك علي وفاطمة، وعلى جديك النبي صلى الله عليه وسلم وخديجة، وعلى أعمامك حمزة وجعفر، وعلى أخوالك القاسم الطيب ومطهر وإبراهيم، وعلى خالاتك رقية وأم كلثوم وزينب، قال: فسرى عنه. وفي رواية أن القائل له ذلك الحسين، وأن الحسن قال له: يا أخي إني أدخل في أمر من أمر الله لم أدخل في مثله، وأرى خلقا من خلق الله لم أر مثله قط قال: فبكى الحسين رضي الله عنهما. رواه عباس الدوري عن ابن معين، ورواه بعضهم عن جعفر بن محمد عن أبيه فذكر نحوهما. وقال الواقدي: ثنا إبراهيم بن الفضل، عن أبي عتيق قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: شهدنا حسن بن علي يوم مات وكادت الفتنة تقع بين الحسين بن علي ومروان بن الحكم، وكان الحسن قد عهد إلى أخيه أن يدفن مع رسول الله، فإن خاف أن يكون في ذلك قتال أو شر فليدفن بالبقيع، فأبى مروان أن يدعه - ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية - ولم يزل مروان عدوا لبني هاشم حتى مات، قال جابر: فكلمت يومئذ حسين بن علي فقلت: يا أبا عبد الله اتق الله ولا تثر فتنة فإن أخاك كان لا يحب ما ترى، فادفنه بالبقيع مع أمه ففعل. ثم روى الواقدي: حدثني عبد الله بن نانع، عن أبيه، عن عمر قال حضرت موت الحسن بن علي فقلت للحسين بن علي اتق الله ولا تثر فتنة ولا تسفك الدماء: وادفن أخاك إلى جانب أمه، فإن أخاك قد عهد بذلك إليك، قال ففعل الحسين. وقد روى الواقدي عن أبي هريرة نحوا من هذا، وفي رواية أن الحسن بعث يستأذن عائشة في ذلك فأذنت له، فلما مات لبس الحسين السلاح وتسلح بنو أمية وقالوا: لا ندعه يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيدفن عثمان بالبقيع ويدفن الحسن بن علي في الحجرة ؟ فلما خاف الناس وقوع الفتنة أشار سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وجابر وابن عمر على الحسين أن لا يقاتل فامتثل ودفن أخاه قريبا من قبر أمه بالبقيع، رضي الله عنه. وقال سفيان الثوري عن سالم بن أبي حفصة عن أبي حازم قال: رأيت الحسين بن علي قدم يومئذ سعيد بن العاص فصلى على الحسن وقال: لولا أنها سنة ما قدمته. وقال محمد بن إسحاق: حدثني مساور مولى بني سعد بن بكر قال: رأيت أبا هريرة قائما على مسجد رسول الله يوم مات الحسن بن علي وهو ينادي بأعلا صوته: يا أيها الناس مات اليوم حب رسول الله فابكوا. وقد اجتمع الناس لجنازته حتى ما كان البقيع يسع أحدا من الزحام. وقد بكاه الرجال والنساء سبعا، واستمر نساء بني هاشم ينحن عليه شهرا، وحدت نساء بني هاشم عليه سنة. قال يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد بن يحيى ثنا سفيان عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قتل علي وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ومات لها حسن، وقتل لها الحسين رضي الله عنهم. وقال شعبة عن أبي بكر بن حفص قال: توفي سعد والحسن بن علي في أيام بعدما مضى من إمارة معاوية عشر سنين. وقال علية، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: توفي الحسن وهو ابن سبع وأربعين، وكذا قال غير واحد وهو أصح. والمشهور أنه مات سنة تسع وأربعين كما ذكرنا، وقال آخرون:

[ 49 ]

مات سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين أو ثمان وخمسين. سنة خمسين من الهجرة ففي هذه السنة توفي أبو موسى الاشعري في قول، والصحيح سنة ثنتين وخمسين كما سيأتي. فيها حج بالناس معاوية، وقيل ابنه يزيد، وكان نائب المدينة في هذه السنة سعيد بن العاص، وعلى الكوفة والبصرة والمشرق وسجستان وفارس والسند والهند زياد. وفي هذه السنة اشتكى بنو نهشل على الفرزدق إلى زياد فهرب منه إلى المدينة، وكان سبب ذلك أنه عرض بمعاوية في قصيدة له فتطلبه زياد أشد الطلب ففر منه إلى المدينة، فاستجار بسعيد بن العاص، وقال في ذلك أشعارا، ولم يزل فيما بين مكة والمدينة حتى توفي زياد فرجع إلى بلاده، وقد طول ابن جرير هذه القصة. وقد ذكر ابن جرير في هذه السنة من الحوادث ما رواه من طريق الواقدي: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه أن معاوية كان قد عزم على تحويل المنبر النبوي من المدينة إلى دمشق وأن يأخذ العصاة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسكها في يده إذا خطب فيقف على المنبر وهو ممسكها، حتى قال أبو هريرة وجابر بن عبد الله: يا أمير المؤمنين نذكرك الله أن تفعل هذا فإن هذا، لا يصلح أن يخرج المنبر من موضع وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يخرج عصاه من المدينة. فترك ذلك معاوية ولكن زاد في المنبر ست درجات واعتذر إلى الناس. ثم روى الواقدي أن عبد الملك بن مروان في أيامه عزم على ذلك أيضا فقيل له: إن معاوية كان قد عزم على هذا ثم ترك، وأنه لما حرك المنبر خسفت الشمس فترك. ثم لما حج الوليد بن عبد الملك أراد ذلك أيضا فقيل له: إن معاوية وأباك أرادا ذلك ثم تركاه، وكان السبب في تركه أن سعيد بن المسيب كلم عمر بن عبد العزيز أن يكلمه في ذلك ويعظه فترك. ثم لما حج سليمان أخبره عمر بن عبد العزيز بما كان عزم عليه الوليد، وأن سعيد بن المسيب نهاه عن ذلك، فقال: ما أحب أن يذكر هذا عن عبد الملك ولا عن الوليد، وما يكون لنا أن نفعل هذا، مالنا وله، وقد أخذنا الدنيا فهي في أيدينا فنريد أن نعمد إلى علم من أعلام الاسلام يفد إليه الناس فنحمله إلى ما قبلنا. هذا ما لا يصلح رحمه الله. وفي هذه السنة عزل معاوية عن مصر معاوية بن خديج وولى عليها من إفريقية مسلمة بن مخلد، وفيها افتتح عقبة بن نافع الفهري عن أمر معاوية بلاد إفريقية، واختط القيروان - وكان غيضة تأوي إليها السباع والوحوش والحيات العظام، فدعا الله تعالى فلم يبق فيها شئ من ذلك حتى أن السباع صارت تخرج منها تحمل أولادها، والحيات يخرجن من أجحارهن هوارب - فأسلم خلق كثير من البربر فبنى في مكانها القيروان. وفيها غزا بسر بن أبي أرطاة وسفيان بن عوف أرض الروم، وفيها غزا فضالة بن عبيد البحر، وفيها توفي مدلاج بن عمرو السلمي صحابي جليل شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر له ذكرا في الصحابة.

[ 50 ]

صفية بنت حيي بن أخطب ابن شعبة (1) بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج (2) بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن نحوم، أم المؤمنين النضرية من سلالة هارون عليه السلام، وكانت مع أبيها وابن عمها أخطب بالمدينة، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ساروا إلى خيبر، وقتل أبوها مع بني قريظة صبرا كما قدمنا فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر كانت في جملة السبي فوقعت في سهم دحية بن خليفة الكلبي، فذكر لها جمالها وأنها بنت ملكهم، فاصطفاها لنفسه وعوضه منها وأسلمت وأعتقها وتزوجها، فلما حلت بالصهباء (3) بنى بها، وكانت ماشطتها أم سليم، وقد كانت تحت ابن عمها كنانة بن أبي الحقيق فقتل في المعركة، ووجد رسول الله بخدها لطمة فقال: ما هذه ؟ فقالت: إني رأيت كأن القمر أقبل من يثرب فسقط في حجري فقصيت المنام على ابن عمي فلطمني وقال: تتمنين أن يتزوجك ملك يثرب ؟ فهذه من لطمته. وكانت من سيدات النساء عبادة وورعا وزهادة وبرا وصدقة، رضي الله عنها وأرضاها. قال الواقدي: توفيت سنة خمسين وقال غيره سنة ست وثلاثين، والاول أصح. وأما أم شريك الانصارية ويقال العامرية فهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقيل قبلها وقيل لم يقبلها، ولم تتزوج حتى مات (4) رضي الله عنها وهي التي سقيت بدلو من السماء لما منعها المشركون الماء فأسلموا عند ذلك، واسمها غزية، وقيل عزيلة بني عامر على الصحيح، قال ابن الجوزي: ماتت سنة خمسين ولم أره لغيره. وأما عمرو بن أمية الضمري فصحابي جليل أسلم بعد أحد، وأول مشاهده بئر معونة، وكان ساعي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى النجاشي في تزويج أم حبيبة وأن يأتي بمن بقي من المسلمين، وله أفعال حسنة، وآثار محمودة، رضي الله عنه توفي في خلافة معاوية. وذكر أبو الفرج بن الجوزي - في كتابه المنتظم - أن في هذه السنة توفي جبير بن مطعم وحسان بن ثابت، والحكم بن عمرو الغفاري، ودحية بن خليفة الكلبي، وعقيل بن أبي


(1) في ابن سعد 8 / 120: سعية، وفي الاصابة والاستيعاب 4 / 346: سعنة. (2) سقط من عامود النسب في الاصابة. (3) الصهباء: وهي على بريد من خيبر. (4) في ابن سعد 8 / 154 والاصابة 4 / 466: ماتت. (*)

[ 51 ]

طالب، وعمرو بن أمية الضمري بدري، وكعب بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي، وأم شريك الانصارية. رضي الله عنهم أجمعين. أما جبير بن مطعم ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي أبو محمد وقيل أبو عدي المدني، فإنه قدم وهو مشرك في فداء أسارى بدر، فلما سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة الطور * (أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون) * [ الطور: 35 ] دخل في قلبه الاسلام، ثم أسلم عام خيبر، وقيل زمن الفتح، والاول أصح، وكان من سادات قريش وأعلمها بالانساب، أخذ ذلك عن الصديق والمشهور أنه توفي سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة تسع وخمسين. وأما حسان بن ثابت شاعر الاسلام فالصحيح أنه توفي سنة أربع وخمسين كما سيأتي. وأما الحكم بن عمرو بن مجدع الغفاري أخو رافع بن عمرو، ويقال له الحكم بن الاقرع، فصحابي جليل له عند البخاري حديث واحد في النهي عن لحوم الحمر الانسية، استنابه زياد بن أبيه على غزو جبل الاشل (1) فغنم شيئا كثيرا، فجاء كتاب زياد إليه على لسان معاوية أن يصطفي من الغنيمة لمعاوية ما فيها من الذهب والفضة لبيت ماله فرد عليه: إن كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، أو لم يسمع لقوله عليه السلام: " لا طاعة لمخلوق في معصية الله " ؟ وقسم في الناس غنائمهم، فيقال إنه حبس إلى أن مات بمرو في هذه السنة وقيل في سنة إحدى وخمسين رحمه الله. وأما دحية بن خليفة الكلبي فصحابي جليل، كان جميل الصورة، فلهذا كان جبريل يأتي كثيرا في صورته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى قيصر، أسلم قديما ولكن لم يشهد بدرا، وشهد ما بعدها، ثم شهد اليرموك وأقام بالمزة - غربي دمشق - إلى أن مات في خلافة معاوية. وفيها توفي عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي أبو سعيد العبشمي، أسلم يوم الفتح، وقيل شهد مؤتة، وغزا خراسان، وافتتح سجستان وكابل وغيرها، وكانت له


(1) في صفة الصفوة 1 / 279 وفتوح ابن الاعثم 4 / 200 ولاه بلاد خراسان، فخرج فلم يزل من مدينة إلى مدينة يتقدم حتى نزل مرو. (*)

[ 52 ]

دار بدمشق وأقام بالبصرة، وقيل بمرو، قال محمد بن سعد وغير واحد: مات بالبصرة سنة خمسين، وقيل سنة إحدى وخمسين، وصلى عليه زياد، وترك عدة من الذكور، وكان اسمه في الجاهلية عبد كلال، وقيل عبد كلوب (1)، وقيل عبد الكعبة، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن. وهو كان أحد السفيرين بين معاوية والحسن رضي الله عنهما، وفيها توفي عثمان بن أبي العاص الثقفي، أبو عبد الله الطائفي، له ولاخيه الحكم صحبة، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف فاستعمله رسول الله على الطائف، وأمره عليها أبو بكر وعمر، فكان أميرهم وإمامهم مدة طويلة حتى مات سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين رضي الله عنه. وأما عقيل بن أبي طالب أخو علي فكان أكبر من جعفر بعشر سنين وجعفر أكبر من علي بعشر سنين كما أن طالب أكبر من عقيل بعشر، وكلهم أسلم إلا طالبا، أسلم عقيل قبل (2) الحديبية وشهد مؤتة، وكان من أنسب قريش، وكان قد ورث أقرباءه الذين هاجروا وتركوا أموالهم بمكة، ومات في خلافة معاوية. وفيها كانت وفاة عمرو بن الحمق بن الكاهن الخزاعي، أسلم قبل الفتح، وهاجر، وقيل: إنه إنما أسلم عام حجة الوداع، وورد في حديث أن رسول الله دعا له أن يمتعه الله بشبابه، فبقي ثمانين سنة لا يرى في لحيته شعرة بيضاء، ومع هذا كان أحد الاربعة الذين دخلوا على عثمان، ثم صار بعد ذلك من شيعة علي، فشهد معه الجمل وصفين، وكان من جملة من أعان حجر بن عدي فتطلبه زياد فهرب إلى الموصل، فبعث معاوية إلى نائبها فوجدوه قد اختفى في غار فنهشته حية فمات فقطع رأسه فبعث به إلى معاوية، فطيف به في الشام وغيرها، فكان أول رأس طيف به. ثم بعث معاوية برأسه إلى زوجته آمنة بنت الشريد - وكانت في سجنه - فألقي في حجرها، فوضعت كفها على جبينه ولثمت فمه وقالت: غيبتموه عني طويلا، ثم أهديتموه إلي قتيلا فأهلا بها من هدية غير قالية ولا مقيلة. وأما كعب بن مالك الانصاري السلمي شاعر الاسلام فأسلم قديما وشهد العقبة ولم يشهد بدرا كما ثبت في الصحيحين في سياق توبة الله عليه فإنه كان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم من تخلفهم عن غزوة تبوك كما ذكرنا ذلك مفصلا في التفسير، وكما تقدم في غزوة تبوك. وغلط ابن الكلبي في قوله إنه شهد بدرا، وفي قوله إنه توفي


(1) في الاصابة 2 / 401: عبد كلول. (2) في الاصابة 2 / 494 والاستيعاب على هامش الاصابة 3 / 157: أسلم قبل الحديبية. (*)

[ 53 ]

قبل إحدى وأربعين، فإن الواقدي - وهو أعلم منه - قال توفي سنة خمسين، وقال القاسم بن عدي سنة إحدى وخمسين رضي الله عنه. المغيرة بن شعبة ابن أبي عامر بن مسعود أبو عيسي ويقال أبو عبد الله الثقفي، وعروة بن مسعود الثقفي عم أبيه، كان المغيرة من دهاة العرب، وذوي آرائها، أسلم عام الخندق بعد ما قتل ثلاثة عشر من ثقيف، مرجعهم من عند المقوقس وأخذ أموالهم فغرم دياتهم عروة بن مسعود، وشهد الحديبية، وكان واقفا يوم الصلح على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف صلتا، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إسلام أهل الطائف هو وأبو سفيان بن حرب فهدما اللات، وقدمنا كيفية هدمهما إياها، وبعثه الصديق إلى البحرين، وشهد اليمامة واليرموك فأصيبت عينه يومئذ، وقيل بل نظر إلى الشمس وهي كاسفة فذهب ضوء عينه، وشهد القادسية، وولاه عمر فتوحا كثيرة، منها همدان وميسان، وهو الذي كان رسول سعد إلى رستم فكلمه بذلك الكلام البليغ فاستنابه عمر على البصرة، فلما شهد عليه بالزنا ولم يثبت عزله عنها وولاه الكوفة، واستمر به عثمان حينا ثم عزله، فبقي معتزلا حتى كان أمر الحكمين فلحق بمعاوية، فلما قتل علي وصالح معاوية الحسن ودخل الكوفة ولاه عليها فلم يزل أميرها حتى مات في هذه السنة على المشهور. قاله محمد بن سعد وغيره. وقال الخطيب: أجمع الناس على ذلك، وذلك في رمضان منها عن سبعين سنة، وقال أبو عبيد: مات سنة تسع وأربعين، وقال: ابن عبد البر: سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة ست وثلاثين وهو غلط. قال محمد بن سعد: وكان أصهب الشعر جدا، أكشف، مقلص الشفتين، أهتم ضخم الهامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، وكان يفرق رأسه أربعة قرون. وقال الشعبي: القضاة أربعة أبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وأبو موسى. والدهاة أربعة، معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد، وقال الزهري: الدهاة في الفتنة خمسة، معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وكان معتزلا، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء، وكانا مع علي. قلت: والشيعة يقولون: الاشباح خمسة. رسول الله، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، والاضداد خمسة أبو بكر، وعمر، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة. وقال الشعبي: سمعت المغيرة يقول: ما غلبني أحد إلا فتى مرة أردت أن أتزوج امرأة فاستشرته فيها فقال: أيها الامير ! لا أرى لك أن تتزوجها، فقلت له: لم ؟ فقال: إني رأيت رجلا يقبلها. ثم بلغني عنه أنه تزوجها، فقلت له: ألم تزعم أنك رأيت رجلا يقبلها ؟ فقال: نعم ! ورأيت أباها يقبلها وهي صغيرة. وقال أيضا: سمعت قبيصة بن جابر يقول: صحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها. وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: كان المغيرة بن شعبة يقول: صاحب

[ 54 ]

المرأة الواحدة يحيض معها ويمرض معها، وصاحب المرأتين بين نارين يشتعلان، وصاحب الاربعة قرير العين، وكان يتزوج أربعة معا ويطلقهن معا، وقال عبد الله بن نافع الصائغ أحصن المغيرة ثلثمائة امرأة. وقال غيره: ألف امرأة وقيل مائة امرأة. وقيل ثمانين امرأة. جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية وكان سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع، وهي غزوة المصطلق، وكان أبوها ملكهم فأسلمت فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها، وكانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس وكاتبها فأتت رسول الله تستعينه في كتابتها فقال: " أو خير من ذلك " ؟ قالت: وما هو يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: " أشتريك وأعتقك وأتزوجك " فأعتقها فقال الناس أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقوا ما بأيديهم من سبي بني المصطلق نحوا من مائة أهل بيت، فقالت عائشة: لا أعلم امرأة أعظم بركة على أهلها منها. وكان اسمها برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية. وكانت امرأة ملاحة - أي حلوة الكلام - توفيت في هذا العام سنة خمسين كما ذكره ابن الجوزي وغيره عن خمس وستين سنة، وقال الواقدي: سنة ست وخمسين رضي الله عنها وأرضاها، والله أعلم. سنة إحدى وخمسين فيها كان مقتل حجر بن عدي بن جبل بن عدي بن ربيعة بن معاوية الاكبر (1) بن الحارث بن معاوية (2) بن ثور بن بزيغ بن كندي الكوفي، ويقال له حجر الخير، ويقال له حجر بن الادبر، لان أباه عديا طعن موليا فسمي الادبر، وهو من كندة من رؤساء أهل الكوفة، قال ابن عساكر: وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع عليا وعمارا وشراحيل بن مرة، ويقال شرحبيل بن مرة. وروى عنه أبو ليلى مولاه، وعبد الرحمن بن عباس، وأبو البختري الطائي. وغزا الشام في الجيش الذين افتتحوا عذراء (3)، وشهد صفين مع علي أميرا، وقيل بعذراء من قرا دمشق، ومسجد قبره بها معروف. ثم ساق ابن عساكر بأسانيده إلى حجر يذكر طرفا صالحا من روايته عن علي وغيره، وقد ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة، وذكر له وفادة، ثم ذكره في الاول من تابعي أهل الكوفة. قال: وكان ثقة معروفا، ولم يرو عن غير علي شيئا. قال ابن عساكر: بل قد روى عن عمار وشراحيل بن مرة، وقال أبو أحمد العسكري: أكثر المحدثين لا يصححون له صحبة، شهد القادسية وافتتح برج عذراء، وشهد الجمل وصفين، وكان مع علي حجر الخير وهو حجر بن عدي هذا - وحجر الشرف - وهو حجر بن يزيد بن سلمة بن مرة - وقال المرزباني:


(1) في ابن سعد 6 / 217 والاصابة 1 / 314: الاكرمين. (2) في ابن سعد: معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع الكندي... (3) في ابن سعد 6 / 217 مرج عذرى. (*)

[ 55 ]

قد روي أن حجر بن عدي وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخيه هانئ بن عدي، وكان هذا الرجل من عباد الناس وزهادهم، وكان بارا بأمه، وكان كثير الصلاة والصيام، قال أبو معشر: ما أحدث قط إلا توضأ، ولا توضأ إلا صلى ركعتين. هكذا قال غير واحد من الناس. وقد قال الامام أحمد: حدثنا يعلى بن عبيد، حدثني الاعمش عن أبي إسحاق. قال: قال سلمان لحجر: يا بن أم حجر لو تقطعت أعضاؤك ما بلغت الايمان، وكان إذ كان المغيرة بن شعبة على الكوفة إذا ذكر عليا في خطبته يتنقصه بعد مدح عثمان وشيعته فيغضب حجر هذا ويظهر الانكار عليه، ولكن كان المغيرة فيه حلم وإناة فكان يصفح عنه ويعظه فيما بينه وبينه، ويحذره غب هذا الصنيع، فإن معارضة السلطان شديد وبالها، فلم يرجع حجر عن ذلك. فلما كان في آخر أيام المغيرة قام حجر يوما، فأنكر عليه في الخطبة وصاح به وذمه بتأخيره العطاء عن الناس، وقام معه فئام الناس لقيامه، يصدقونه ويشنعون على المغيرة، ودخل المغيرة بعد الصلاة قصر الامارة ودخل معه جمهور الامراء، فأشاروا عليه بردع حجر هذا عما تعاطاه من شق العصى والقيام على الامير، وذمروه وحثوه على التنكيل فصفح عنه وحلم به. وذكر يونس بن عبيد أن معاوية كتب إلى المغيرة يستمده بمال يبعثه من بيت المال، فبعث عيرا تحمل مالا فاعترض لها حجر، فأمسك بزمام أولها وقال: لا والله حتى يوفى كل ذي حق حقه. فقال شباب ثقيف للمغيرة: ألا نأتيك برأسه ؟ فقال: ما كنت لافعلن ذلك بحجر، فتركه، فلما بلغ معاوية ذلك عزل المغيرة وولى زيادا، والصحيح أنه لم يعزل المغيرة حتى مات، فلما توفي المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وجمعت الكوفة مع البصرة لزياد دخلها وقد التف على حجر جماعات من شيعة علي يقولون أمره ويشدون على يده، ويسبون معاوية ويتبرأون منه، فلما كان أول خطبة خطبها زياد بالكوفة، ذكر في آخرها فضل عثمان وذم من قتله أو أعان على قتله. فقام حجر كما كان يقوم في أيام المغيرة، وتكلم بنحو مما قال المغيرة، فلم يعرض له زياد، ثم ركب زياد إلى البصرة، وأراد أن يأخذ حجرا معه إلى البصرة لئلا يحدث حدثا، فقال: إني مريض، فقال: والله إنك لمريض الدين والقلب والعقل، والله لئن أحدثت شيئا لاسعين في قتلك، ثم سار زياد إلى البصرة فبلغه أن حجرا وأصحابه أنكروا على نائبه بالكوفة - وهو عمرو بن حريث - وحصبوه وهو على المنبر يوم الجمعة، فركب زياد إلى الكوفة فنزل في القصر ثم خرج إلى المنبر وعليه قباء سندس، ومطرف خز أحمر، قد فرق شعره، وحجر جالس وحوله أصحابه أكثر ما كانوا يومئذ، وكان من لبس من أصحابه يومئذ نحو من ثلاثة آلاف، وجلسوا حوله في المسجد في الحديد والسلاح، فخطب زياد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن غب البغي والغي وخيم، وإن هؤلاء أمنوني فاجترأوا علي، وايم الله لئن لم تستقيموا لادواينكم بدوائكم، ثم قال: ما أنا بشئ إن لم أمنع ساحة الكوفة من حجر وأصحابه وأدعه نكالا لمن بعده، ويل أمك يا حجر، سقط بك العشاء على سرحان. ثم قال: أبلغ نصيحة أن راعي إبلها * سقط العشاء به على سرحان

[ 56 ]

وجعل زياد يقول في خطبته: إن من حق أمير المؤمنين - يعني كذا وكذا - فأخذ حجر كفا حصباء فحصبه وقال: كذبت ! عليك لعنة الله. فانحدر زياد فصلى، ثم دخل القصر واستحضر حجرا، ويقال إن زيادا لما خطب طول الخطبة وأخر الصلاة فقال له حجر: الصلاة، فمضى في خطبته، فلما خشي فوت الصلاة عمد إلى كف من حصباء ونادى الصلاة، وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس، فلما انصرف من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثر عليه، فكتب إليه معاوية: أن شده في الحديد واحمله إلي، فبعث إليه زياد وإلى الشرطة - وهو شداد بن الهيثم - ومعه أعوانه فقال له: أن الامير يطلبك، فامتنع من الحضور إلى زياد، وقام دونه أصحابه، فرجع الوالي إلى زياد فأعلمه، فاستنهض زياد جماعات من القبائل فركبوا مع الوالي إلى حجر وأصحابه فكان بينهم قتال بالحجارة والعصي، فعجزوا عنه، فندب محمد بن الاشعث وأمهله ثلاثا وجهز معه جيشا، فركبوا في طلبه ولم يزالوا حتى أحضروه إلى زياد (1)، وما أغنى عنه قومه ولا من كان يظن أن ينصره فعند ذلك قيده زياد وسجنه عشرة أيام وبعث به إلى معاوية، وبعث معه جماعة يشهدون عليه أنه سب الخليفة، وأنه حارب الامير، وأنه يقول: إن هذا الامر لا يصلح إلا في آل علي بن أبي طالب. وكان من جملة الشهود عليه (2) أبو بردة بن أبي موسى، ووائل بن حجر، وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وإسحاق، وإسماعيل، وموسى بنو طلحة بن عبيد الله، والمنذر بن الزبير، وكثير بن شهاب، وثابت بن ربعي، في سبعين ويقال: إنه كتبت شهادة شريح القاضي فيهم، وإنه أنكر ذلك وقال: إنما قلت لزياد: إنه كان صواما قواما (3)، ثم بعث زياد حجرا وأصحابه مع وائل بن حجر، وكثير بن شهاب إلى الشام. وكان مع حجر بن عدي بن جبلة الكندي، من أصحابه جماعة، قيل عشرون وقيل أربعة عشر رجلا (4)، منهم الارقم بن عبد الله الكندي وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، وكريم بن عفيف الخثعمي، وعاصم بن عوف البجلي وورقاء بن سمي البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان العريان (5) - من بني تميم - ومحرز بن شهاب التميمي، وعبيد الله بن حوية السعدي التميمي أيضا. فهؤلاء أصحابه الذين وصلوا معه، فساروا بهم إلى


(1) أما الطبري 6 / 143 ان حجر بن عدي لم يقاوم، وحاول قوم منعه، فقال: لا ولكن سمع وطاعة، وفي الاخبار الطوال ص 223: أن جرير بن عبد الله جاء بحجر إلى زياد بعد أن أعطاه أمانه وأن يبعث به إلى معاوية حتى يرى فيه رأيه. (2) في الاخبار الطوال ص 224: بعث زياد بثلاثة نفر من الشهود: أبو بردة بن أبي موسى، وشريح بن هانئ الحارثي وأبو هنيدة القيني. وانظر في أسماء الشهود. الطبري 6 / 150 - 151. (3) انظر الطبري: 6 / 151. (4) في الطبري 6 / 150 جمع من أصحاب حجر اثنى عشر رجلا والمسعودي 3 / 3: حمله ومعه تسعة نفر من أصحابه من أهل الكوفة، وأربعة من غيرها. (5) في الكامل 3 / 483: العنزيين وفي الطبري 6 / 152: العنزيان. (*)

[ 57 ]

الشام. ثم إن زيادا أتبعهم برجلين آخرين، عتبة بن الاخنس من بني سعد، وسعد بن عمران (1) الهمداني، فكملوا أربعة عشر رجلا، فيقال: إن حجرا لما دخل على معاوية قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فغضب معاوية غضبا شديدا وأمر بضرب عنقه هو ومن معه، ويقال إن معاوية ركب فتلقاهم في مرج عذراء، ويقال: بل بعث إليهم من تلقاهم إلى عذراء تحت الثنية - ثنية العقاب - فقتلوا هناك. وكان الذين بعث إليهم ثلاثة وهم هدبة بن فياض القضاعي، وحضير بن عبد الله الكلابي، وأبو شريف البدوي فجاؤوا إليهم فبات حجر وأصحابه يصلون طول الليل، فلما صلوا الصبح قتلوهم، وهذا هو الاشهر. والله أعلم. وذكر محمد بن سعد أنهم دخلوا عليه ثم ردهم فقتلوا بعذراء، وكان معاوية قد استشار الناس فيهم حتى وصل بهم إلى برج عذراء فمن مشير بقتلهم، ومن مشير بتفريقهم في البلاد، فكتب معاوية إلى زياد كتابا آخر في أمرهم، فأشار عليه بقتلهم إن كان له حاجة في ملك العراق، فعند ذلك أمر بقتلهم، فاستوهب منه الامراء واحدا بعد واحد حتى استوهبوا منه ستة، وقتل منهم ستة أولهم حجر بن عدي، ورجع آخر فعفى عنه معاوية، وبعث بآخر نال من عثمان وزعم أنه أول من جار في الكلم ومدح عليا، فبعث به معاوية إلى زياد وقال له: لم تبعث إلي فيهم أردى من هذا. فلما وصل إلى زياد ألقاه في الناطف حيا - وهو عبد الرحمن بن حسان الفري. وهذه تسمية الذين قتلوا بعذراء: حجر بن عدي، وشريك بن شداد، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة، ومحرز بن شهاب المنقري، وكدام بن حيان. ومن الناس من يزعم أنهم مدفونون بمسجد القصب في عرفة، والصحيح بعذراء، ويذكر أن حجرا لما أرادوا قتله قال: دعوني حتى أتوضأ، فقالوا: توضأ، فقال: دعوني حتى أصلي ركعتين فصلاهما وخفف فيهما، ثم قال: لولا أن يقولوا ما بي جزع من الموت لطولتهما. ثم قال: قد تقدم لهما صلوات كثيرة. ثم قدموه للقتل وقد حفرت قبورهم ونشرت أكفانهم، فلما تقدم إليه السياف ارتعدت فرائصه فقيل له: إنك قلت لست بجازع، فقال: ومالي لا أجزع وأنا أرى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا. فأرسلها مثلا. ثم تقدم إليه السياف. وهو أبو شريف البدوي، وقيل تقدم إليه رجل أعور فقال له: امدد عنقك، فقال: لا أعين على قتل نفسي، فضربه فقتله. وكان قد أوصى أن يدفن في قيوده، ففعل به ذلك، وقيل: بل صلوا عليه وغسلوه. وروي أن الحسن بن علي. قال: أصلوا عليه ودفنوه في قيوده، قالوا: نعم ! قال: حجهم والله. والظاهر أن الحسين قائل هذا، فإن حجرا قتل في سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة ثلاث وخمسين، وعلى كل تقدير فالحسن قد مات قبله والله أعلم. فقتلوه رحمه الله وسامحه. وروينا أن معاوية لما دخل على أم المؤمنين عائشة فسلم عليها من وراء الحجاب - وذلك بعد مقتله حجرا وأصحابه - قالت له: أين ذهب عنك حلمك يا معاوية حين قتلت حجرا وأصحابه ؟ فقال لها: فقدته حين غاب عني من قومي مثلك يا أماه. ثم قال لها: فكيف بري بك يا أمه ؟


(1) في الكامل والطبري: نمران. (*)

[ 58 ]

فقالت: إنك بي لبار، فقال: يكفيني هذا عند الله، وغدا لي ولحجر موقف بين يدي الله عز وجل. وفي رواية أنه قال: إنما قتله الذين شهدوا عليه. وروى ابن جرير: أن معاوية جعل يغرغر بالموت وهو يقول: إن يومي بك يا حجر بن عدي لطويل، قالها ثلاثا. فالله أعلم. وقال محمد بن سعد في الطبقات: ذكر بعض أهل العلم أن حجرا وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخيه هانئ بن عدي، - وكان من أصحاب علي - فلما قدم زياد بن أبي سفيان واليا على الكوفة دعا بحجر بن عدي فقال: تعلم أني أعرفك وقد كنت أنا وأباك (1) على أمر قد علمت - يعني من حب علي - وأنه قد جاء غير ذلك، وإني أنشدك الله أن تقطر لي من دمك قطرة فأستفرغه كله، املك عليك لسانك، وليسعك منزلك، وهذا سريري فهو مجلسك، وحوائجك مقضية لدي، فاكفني نفسك فإني أعرف عجلتك، فأنشدك الله في نفسك، وإياك (2) وهذه السقطة وهؤلاء السفهاء أن يستنزلوك عن رأيك. فقال حجر: قد فهمت، ثم انصرف إلى منزله، فأتاه الشيعة فقالوا: ما قال لك ؟ قال: قال لي كذا وكذا. وسار زياد إلى البصرة ثم جعلوا يترددون إليه يقولون له: أنت شيخنا، وإذا جاء المسجد مشوا معه، فأرسل إليه عمرو بن حريث - نائب زياد على الكوفة - يقول: ما هذه الجماعة وقد أعطيت الامير ما قد علمت ؟ فقال للرسول: إنهم ينكرون ما أنتم عليه، إليك وراءك أوسع لك. فكتب عمرو بن حريث إلى زياد: إن كان لك حاجة بالكوفة فالعجل العجل، فأعجل زياد السير إلى الكوفة، فلما وصل بعث إليه عدي بن حاتم، وجرير بن عبد الله البجلي، وخالد بن عرفطة في جماعة من أشراف الكوفة لينهوه عن هذه الجماعة، فأتوه فجعلوا يحدثونه ولا يرد عليهم شيئا، بل جعل يقول: يا غلام أعلفت البكر ؟ لبكر مربوط في الدار - فقال له عدي بن حاتم: أمجنون أنت ؟ نكلمك وأنت تقول: أعلفت البكر، ثم قال عدي لاصحابه: ما كنت أظن هذا البائس بلغ به الضعف كل ما أرى. ثم نهضوا فأخبروا زيادا ببعض الخبر وكتموه بعضا، وحسنوا أمره وسألوه الرفق به فلم يقبل، بل بعث إليه الشرط والمحاربة فأتي به وبأصحابه، فقال له: مالك ويلك ؟ قال: إني على بيعتي لمعاوية، فجمع زياد سبعين من أهل الكوفة فقال: اكتبوا شهادتكم على حجر وأصحابه، ففعلوا، ثم أوفدهم إلى معاوية، وبلغ الخبر عائشة فأرسلت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية تسأله أن يخلي سبيلهم، فلما دخلوا على معاوية قرأ كتاب زياد فقال معاوية: اخرجوا بهم إلى عذراء فاقتلوهم هناك، فذهبوا بهم ثم قتلوا منهم سبعة، ثم جاء رسول معاوية بالتخلية عنهم، وأن يطلقوهم كلهم، فوجدوا قد قتلوا منهم سبعة وأطلقوا السبعة الباقين، ولكن كان حجر فيمن قتل في السبعة


(1) في ابن سعد 6 / 218: وإياك على ما قد علمت. (2) العبارة في الطبقات: وإياك وهذه السفلة وهؤلاء السفهاء أن يستزلوك عن رأيك فإنك لو هنت علي أو استخففت بحقك لم أخصك بهذا من نفسي. (*)

[ 59 ]

الاول، وكان قد سألهم أن يصلي ركعتين قبل أن يقتلوه، فصلى ركعتين فطول فيهما، وقال إنهما لاخف صلاة صليتها. وجاء رسول عائشة بعد ما فرغ من شأنهم. فلما حج معاوية قالت له عائشة: أين عزب عنك حلمك حين قتلت حجرا ؟ فقال: حين غاب عني مثلك من قومي. ويروى أن عبد الرحمن بن الحارث قال لمعاوية: أقتلت حجر بن الادبر ؟ فقال معاوية: قتله أحب إلي من أن أقتل معه مائة ألف. وقد ذكر ابن جرير وغيره عن حجر بن عدي وأصحابه أنهم كانوا ينالون من عثمان ويطلقون فيه مقالة الجور، وينتقدون على الامراء، ويسارعون في الانكار عليهم، ويبالغون في ذلك، ويتولون شيعة علي، ويتشددون في الدين. ويروى أنه لما أخذ في قيوده سائرا من الكوفة إلى الشام تلقته بناته في الطريق وهن يبكين، فمال نحوهن: فقال إن الذي يطعمكم ويكسوكم هو الله وهو باق لكن بعدي، فعليكن بتقوى الله وعبادته، وإني أما أن أقتل في وجهي وهي شهادة، أو أن أرجع إليكن مكرما، والله خليفتي عليكم. ثم انصرف مع أصحابه في قيوده، ويقال إنه أوصى أن يدفن في قيوده ففعل ذلك به، ولكن صلوا عليهم ودفنوهم مستقبل القبلة رحمهم الله وسامحهم. وقد قالت امرأة من المتشيعات ترثي حجرا - وهي هند بنت زيد بن مخرمة الانصارية - ويقال إنها لهند أخت حجر (1). فالله أعلم. ترفع أيها القمر المنير * تبصر هل ترى حجرا يسير يسير إلى معاوية بن حرب * ليقتله كما زعم الامير (2) يرى قتل الخيار عليه حقا * له من شر أمته وزير ألا يا ليت حجرا مات يوما * ولم ينحر كما نحر البعير (3) تجبرت الجبابر بعد حجر * وطاب لها الخورنق والسدير وأصبحت البلاد له محولا * كأن لم يحيها مزن مطير (4) ألا يا حجر حجر بن (5) عدي * تلقتك السلامة والسرور أخاف عليك ما أردى عديا * وشيخا في دمشق له زبير (6) فإن تهلك فكل زعيم (7) قوم * من الدنيا إلى هلك يصير فرضوا أن الآله عليك ميتا * وجنات بها نعم وحور


(11) وفي الاخبار الطوال ص 223: فأنشأت أم حجر تقول: (2) كذا في الاصل والطبري والكامل والمسعودي، وفي ابن سعد 6 / 220: الخبير. (3) سقط والبيت الذي قبله من الطبقات والكامل، وأثبته المسعودي في المروج والطبري في تاريخه. (4) في ابن سعد: يوما، وسقط البيت من المسعودي. (5) في الطبري والكامل والمسعودي وابن سعد: بني. (6) في المصادر السابقة: زئير. (7) كذا بالاصل والطبري والكامل. وفي الطبقات والمسعودي: عميد. (*)

[ 60 ]

وذكر ابن عساكر له مراث كثيرة. وقال يعقوب بن سفيان: حدثني حرملة أنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن أبي الاسود قال: دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء، حجرا وأصحابه ؟ فقال: يا أم المؤمنين إني رأيت في قتلهم صلاحا للامة، وفي مقامهم فسادا للامة، فقالت: سمعت رسول الله يقول: " سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء " (1). وهذا إسناد ضعيف منقطع. وقد رواه عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة عن أبي الاسود أن عائشة قالت: بلغني أنه سيقتل بعذراء أناس يغضب الله لهم وأهل السماء. وقال يعقوب: حدثني ابن لهيعة حدثني الحارث بن يزيد عن عبد الله بن رزين (2) الغافقي. قال: سمعت عليا يقول: يا أهل العراق سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء، مثلهم كمثل أصحاب الاخدود، قال: يقتل حجر وأصحابه (3) - ابن لهيعة ضعيف -. وروى الامام أحمد: عن ابن علية عن ابن عون عن نافع قال: كان ابن عمر في السوق فنعي له حجر فأطلق حبوته وقام وغلب عليه النحيب. وروى أحمد: عن عفان، عن ابن علية عن أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة - أو غيره - قال لما قدم معاوية المدينة دخل على عائشة فقالت: أقتلت حجرا ؟ فقال: يا أم المؤمنين إني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خير من استحيائه في فسادهم. وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب عن مروان. قال: دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة فقالت: يا معاوية قتلت حجرا وأصحابه وفعلت الذي فعلت، أما خشيت أن أخبأ لك رجلا يقتلك ؟ فقال: لا، إني في بيت الامان، سمعت رسول الله يقول: " الايمان ضد الفتك لا يفتك مؤمن " (4). يا أم المؤمنين كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك وأمرك ؟ قالت: صالح. قال: فدعيني وحجرا حتى نلتقي عند ربنا عز وجل (4). وفي رواية أنها حجبته وقالت: لا يدخل علي أبدا، فلم يزل يتلطف حتى دخل فلامته في قتله حجرا، فلم يزل يعتذر حتى عذرته. وفي رواية: أنها كانت تتوعده وتقول: لولا يغلبنا سفهاؤنا لكان لي ولمعاوية في قتله حجرا شأن، فلما اعتذر إليها عذرته. وذكر ابن الجوزي في المنتظم أنه توفي في هذه السنة من الاكابر جرير بن عبد الله البجلي، وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث، وحارثة بن النعمان، وحجر بن عدي، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن أنيس، وأبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي، رضي الله عنهم.


(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 456 والفسوي في المعرفة والتاريخ 3 / 421. (2) في البيهقي والفسوي زرير، الغافقي المصري ثقة متشيع من الثانية مات سنة ثمانين أو بعدها (تقريب التهذيب 1 / 307 / 415). (3) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 456 والفسوي في المعرفة والتاريخ 3 / 431. وقال البيهقي معقبا: " علي لا يقول مثل هذا إلا بأن يكون سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روي عن عائشة باسناد مرسل مرفوعا ". (4) المصدر السابق. (*)

[ 61 ]

فأما جرير بن عبد الله البجلي فأسلم بعد نزول المائدة، وكان إسلامه في رمضان سنة عشر، وكان قدومه ورسول الله يخطب، وكان قد قال في خطبته: " إنه يقدم عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن، وإن على وجهه مسحة ملك " (1)، فلما دخل نظر الناس إليه فكان كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبروه بذلك فحمد الله تعالى. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جالسه بسط له رداءه وقال: " إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه " (2) وبعثه رسول الله إلى ذي الخلصة - وكان بيتا تعظمه دوس في الجاهلية - فذكر أنه لا يثبت على الخيل، فضرب في صدره وقال: " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا " (3) فذهب فهدمه. وفي الصحيحين أنه قال: ما حجبني رسول الله منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم. وكان عمر بن الخطاب يقول: جرير يوسف هذه الامة. وقال عبد الملك بن عمير: رأيت جريرا كأن وجهه شقة قمر. وقال الشعبي: كان جرير هو وجماعة مع عمر في بيت. فاشتم عمر من بعضهم ريحا، فقال: عزمت على صاحب هذه الريح لما قام فتوضأ، فقال جرير: أو نقوم كلنا فنتوضأ يا أمير المؤمنين ؟ فقال عمر: نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد أنت في الاسلام. وقد كان عاملا لعثمان على همدان، يقال إنه أصيبت عينه هناك، فلما قتل عثمان اعتزل عليا ومعاوية، ولم يزل مقيما بالجزيرة حتى توفي بالسراة، سنة إحدى وخمسين، قاله الواقدي، وقيل سنة أربع، وقيل سنة ست وخمسين. قال ابن جرير: وفي هذه السنة ولي زياد على خراسان بعد موت الحكم بن عمرو الربيع بن زياد الحارثي ففتح بلخ صلحا، وكانوا قد غلقوها بعدما صالحهم الاحنف، وفتح قوهستان عنوة، وكان عندها أتراك فقتلهم ولم يبق منهم إلا ترك طرخان، فقتله قتيبة بن مسلم بعد ذلك كما سيأتي. وفي هذه السنة غزا الربيع ما وراء النهر فغنم وسلم، وكان قد قطع ما وراء النهر قبله الحكم بن عمرو، وكان أول من شرب من النهر غلام للحكم، فسقى سيده وتوضأ الحكم وصلى وراء النهر ركعتين ثم رجع، فلما كان الربيع هذا غزا ما وراء النهر فغنم وسلم. وفي هذه السنة حج بالناس يزيد بن معاوية فيما قاله أبو معشر والواقدي. وأما جعفر بن أبي سفيان بن عبد المطلب فأسلم مع أبيه حين تلقياه بين مكة والمدينة عام الفتح، فلما ردهما قال أبو سفيان: والله لئن لم يأذن لي عليه لآخذن بيد هذا فأذهبن في الارض فلا يدري أين أذهب، فلما بلغ ذلك رسول الله


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 4 / 360 - 364. (2) رواه الطبراني وابن سعد عن جرير، والبيهقي في الدلائل 5 / 347. (3) الحديث أخرجه البخاري في الجهاد (154) باب ح‍ (3020) فتح الباري 6 / 154 وفي المغازي (62) باب. ح‍ (4355) فتح الباري 8 / 70 ومسلم في فضائل الصحابة (29) باب. ح‍ (137) ص (4 / 1926). (*)

[ 62 ]

رق له وأذن له وقبل إسلامهما فأسلما إسلاما حسنا، بعد ما كان أبو سفيان يؤذي رسول الله أذى كثيرا، وشهد حنينا، وكان ممن ثبت يومئذ رضي الله عنهما. وأما حارثة بن النعمان الانصاري النجاري فشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد، وكان من فضلاء الصحابة، وروى أنه رأى جبريل مع رسول الله بالمقاعد يتحدثان بعد خيبر، وأنه رآه يوم بني قريظة في صورة دحية. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع قراءته في الجنة. قال محمد بن سعد: حدثنا عبد الرحمن بن يونس ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ثنا محمد بن عثمان عن أبيه أن حارثة بن النعمان كان قد كف بصره فجعل خيطا من مصلاه إلى باب حجرته، فإذا جاءه المسكين أخذ من ذلك التمر ثم أخذ يمسك بذلك الخيط حتى يضع ذلك في يد المسكين، وكان أهله يقولون له: نحن نكفيك ذلك، فيقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " مناولة المسكين تقي ميتة السوء ". وأما حجر بن عدي فقد تقدمت قصته مبسوطة. وأما سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي فهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهو ابن عم عمر بن الخطاب، وأخته عاتكة زوجة عمر، وأخت عمر فاطمة زوجة سعيد، أسلم قبل عمر وزوجته فاطمة، وهاجرا، وكان من سادات الصحابة قال عروة والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والواقدي وغير واحد: لم يشهد بدرا لانه قد كان بعثه رسول الله هو وطلحة بن عبيد الله بين يديه يتجسسان أخبار قريش فلم يرجعا حتى فرغ من بدر، فضرب لهما رسول الله بسهمهما وأجرهما، ولم يذكره عمر في أهل الشورى لئلا يحابى بسبب قرابته من عمر فيولى فتركه لذلك، وإلا فهو ممن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة في جملة العشرة، كما صحت بذلك الاحاديث المتعددة الصحيحة، ولم يتول بعده ولاية، وما زال كذلك حتى مات بالكوفة، وقيل بالمدينة وهو الاصح، قال الفلاس وغيره، سنة إحدى وخمسين وقيل سنة ثنتين وخمسين والله أعلم. وكان رجلا طوالا أشعر، وقد غسله سعد، وحمل من العقيق على رقاب الرجال إلى المدينة، وكان عمره يومئذ بضعا وسبعين سنة. وأما عبد الله أنيس بن الجهني أبو يحيى المدني فصحابي جليل شهد العقبة ولم يشهد بدرا. وشهد ما بعدها، وكان هو ومعاذ يكسران أصنام الانصار، له في الصحيح حديث أن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، وهو الذي بعثه رسول الله إلى خالد بن سفيان الهذلي فقتله بعرنة (1) وأعطاه رسول الله مخصره وقال: " هذه آية ما


(1) عرنة: بوزن همزة، واد بحذاء عرفات (معجم البلدان). (*)

[ 63 ]

بيني وبينك يوم القيامة " فأمر بها فدفنت معه في أكفانه. وقد ذكر ابن الجوزي أنه توفي سنة إحدى وخمسين، وقال غيره سنة أربع وخمسين وقيل سنة ثمانين. وأما أبو بكرة نفيع بن الحارث ابن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة الثقفي فصحابي جليل كبير القدر، ويقال كان اسمه مسروح وإنما قيل له أبو بكرة لانه تدلى في بكرة يوم الطائف فأعتقه رسول الله وكل مولى فر إليهم يومئذ. وأمه سمية هي أم زياد، وكانا ممن شهد على المغيرة بالزنا هو وأخوه زياد ومعهما سهل بن معبد، ونافع بن الحارث فلما تلكأ زياد في الشهادة جلد عمر الثلاثة الباقين ثم استتابهم فتابوا إلا أبا بكرة فإنه صمم على الشهادة، وقال المغيرة: يا أمير المؤمنين اشفني من هذا العبد، فنهره عمر وقال له: اسكت ! لو كملت الشهادة لرجمتك بأحجارك، وكان أبو بكرة خير هؤلاء الشهود وكان ممن اعتزل الفتن فلم يكن في خيرهما، ومات في هذه السنة، وقيل قبلها بسنة، وقيل بعدها بسنة وصلى عليه أبو برزة الاسلمي، وكان قد آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيها توفيت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء سنة سبع، قال ابن عباس - وكان ابن أختها أم الفضل لبابة بنت الحارث -: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم، وثبت في صحيح مسلم عنها أنهما كانا حلالين، وقولهما مقدم عند الاكثرين على قوله. وروى الترمذي عن أبي رافع - وكان السفير بينهما - أنهما كانا حلالين. ويقال كان اسمها برة فسماها رسول الله ميمونة، وتوفيت بسرف بين مكة والمدينة حيث بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السنة، وقيل في سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ست وستين، والمشهور الاول، وصلى عليها ابن أختها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين ففيها غزا بلاد الروم وشتى بها سفيان بن عوف الازدي فمات هنالك، واستخلف على الجند بعده عبد الله بن مسعدة الفزاري، وقيل إن الذي كان أمير الغزو ببلاد الروم هذه السنة بسر بن أبي أرطاة ومعه سفيان بن عوف. وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص نائب المدينة، قاله أبو معشر والواقدي وغيرهما. وغزا الصائفة محمد بن عبد الله الثقفي. وعمال الامصار في هذه السنة عمالها في السنة الماضية. ذكر من توفي فيها من الاعيان خالد بن زيد بن كليب أبو أيوب الانصاري الخزرجي شهد بدرا والعقبة والمشاهد كلها، وشهد مع علي قتال

[ 64 ]

الحرورية، وفي داره كان نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة فأقام عنده شهرا حتى بنى المسجد ومساكنه حوله، ثم تحول إليها، وقد كان أبو أيوب أنزل رسول الله في اسفل داره ثم تحرج من أن يعلو فوقه، فسأل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصعد إلى العلو ويكون هو وأم أيوب في السفل فأجابه. وقد روينا عن ابن عباس أنه قدم عليه أبو أيوب البصرة وهو نائبها فخرج له عن داره وأنزله بها، فلما أراد الانصراف خرج له عن كل شئ بها، وزاده تحفا وخدما كثيرا أربعين ألفا، وأربعين عبدا إكراما له لما كان أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره، وقد كان من أكبر الشرف له. وهو القائل لزوجته أم أيوب - حين قالت له: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة - ؟ فقال: أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ فقالت: لا والله فقال: والله لهي خير منك، فأنزل الله: * (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا) * الآية [ النور: 12 ]. وكانت وفاته ببلاد الروم قريبا من سور قسطنطينية من هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. وكان في جيش يزيد بن معاوية، وإليه أوصى، وهو الذي صلى عليه. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عثمان، ثنا همام، ثنا أبو عاصم، عن رجل من أهل مكة أن يزيد بن معاوية كان أميرا على الجيش الذي غزا فيه أبو أيوب، فدخل عليه عند الموت فقال له: إذا أنا مت فاقرأوا على الناس مني السلام وأخبروهم أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من مات لا يشرك بالله شيئا جعله الله في الجنة " (1). ولينطلقوا فيبعدوا بي في أرض الروم ما استطاعوا. قال: فحدث الناس لما مات أبو أيوب فأسلم الناس وانطلقوا بجنازته. وقال أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن الاعمش، عن أبي ظبيان قال: غزا أبو أيوب مع يزيد بن معاوية قال: فقال إذا مت فأدخلوني في أرض العدو فادفنوني تحت أقدامكم حيث تلقون العدو. قال: ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ". ورواه أحمد عن ابن نمير ويعلى بن عبيد عن الاعمش سمعت أبا ظبيان فذكره، وقال فيه: سأحدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا حالي هذا ما حدثتكموه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ": وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى حدثني محمد بن قيس - قاضي عمر بن عبد العزيز - عن أبي صرمة عن أبي أيوب الانصاري أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت عنكم شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: " لولا أنكم تذنبون لخلق الله قوما يذنبون فيغفر لهم " (2). وعندي أن هذا الحديث والذي قبله هو الذي حمل يزيد بن معاوية على طرف من الارجاء، وركب بسببه أفعالا كثيرة أنكرت عليه كما سنذكره في ترجمته والله تعالى أعلم.


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده: 1 / 382، 425، 3 / 79، 391، 4 / 322، 346، 404، 5 / 166، 241، 416، 419، 423، 6 / 450. (2) مسند الامام أحمد ج 5 / 414. (*)

[ 65 ]

قال الواقدي: مات أبو أيوب بأرض الروم سنة ثنتين وخمسين ودفن عند القسطنطينية وقبره هنالك يستسقي به الروم إذا قحطوا، وقيل: إنه مدفون في حائط القسطنطينية وعلى قبره مزار ومسجد وهم يعظمونه، وقال أبو زرعة الدمشقي: توفي سنة خمس وخمسين، والاول أثبت والله أعلم. وقال أبو بكر بن خلاد: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا داود بن المحبر، ثنا ميسرة بن عبد ربه، عن موسى بن عبيدة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب الانصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: " إن الرجلين ليتوجهان إلى المسجد فيصليان فينصرف أحدهما وصلاته أوزن من صلاة الآخر، وينصرف الآخر وما تعدل صلاته مثقال ذرة، إذا كان أورعهما عن محارم الله وأحرصهما على المسارعة إلى الخير ". وعن أبي أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل سأله أن يعلمه ويوجز فقال له: " إذا صليت صلاة فصل صلاة مودع، ولا تكلمن بكلام تعتذر منه، واجمع اليأس مما في أيدي الناس ". وفيها كانت وفاة أبي موسى عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن غز (1) بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجية بن جماهر بن الاشعر الاشعري، أسلم ببلاده وقدم مع جعفر وأصحابه عام خيبر، وذكر محمد بن إسحاق أنه هاجر أولا إلى مكة ثم هاجر إلى اليمن، وليس هذا بالمشهور، وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع معاذ على اليمن، واستنابه عمر على البصرة، وفتح تستر، وشهد خطبة عمر بالجابية، وولاه عثمان الكوفة، وكان أحد الحكمين بين علي ومعاوية، فلما اجتمعا خدع عمر وأبا موسى، وكان من قراء الصحابة وفقهائهم، وكان أحسن الصحابة صوتا في زمانه، قال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار أطيب من صوت أبي موسى وثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود " (2). وكان عمر يقول له: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، فيقرأ وهم يسمعون. وقال الشعبي: كتب عمر في وصيته أن لا يقر لي عامل أكثر من سنة إلا أبا موسى فليقر أربع سنين. وذكر ابن الجوزي في المنتظم أنه توفي في هذه السنة، وهو قول بعضهم، وقيل إنه توفي قبلها بسنة، وقيل في سنة ثنتين وأربعين، وقيل غير ذلك والله أعلم. وكانت وفاته بمكة لما اعتزل الناس بعد التحكيم، وقيل بمكان يقال له: الثوية على ميلين من الكوفة. وكان قصيرا نحيف الجسم أسبط، أي لا لحية له، رضي الله عنه. وذكر ابن الجوزي أنه توفي في هذه السنة أيضا من الصحابة. عبد الله بن المغفل المزني وكان أحد البكائين، وأحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة ليفقهوا الناس، وهو أول


(1) في ابن سعد 4 / 105: عنز. (2) روى الحديث ابن سعد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعاده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن طريق عروة عن عائشة عن النبي انظر الطبقات 4 / 107. (*)

[ 66 ]

من دخل تستر من المسلمين حين فتحها. لكن الصحيح ما حكاه البخاري عن مسدد أنه توفي سنة سبع وخمسين. وقال ابن عبد البر: توفي سنة ستين، وقال غيره: سنة إحدى وستين فالله أعلم. ويروى عنه أنه رأى في منامه كأن القيامة قد قامت وكان هناك مكان من وصل إليه نجا، فجعل يحاول الوصول إليه فقيل له: أتريد أن تصل إليه وعندك ما عندك من الدنيا ؟ فاستيقظ فعمد إلى عيبة عنده فيها ذهب كثير فلم يصبح عليه الصباح إلا وقد فرقها في المساكين والمحاويج والاقارب رضي الله عنه. وفيها توفي عمران بن حصين بن عبيد ابن خلف أبو نجيد الخزاعي، أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر وشهد غزوات، وكان من سادات الصحابة، استقضاه عبد الله بن عامر على البصرة فحكم له بها، ثم استعفاه فأعفاه، ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة، قال الحسن: وابن سيرين البصري: ما قدم البصرة راكب خير منه، وقد كانت الملائكة تسلم عليه فلما اكتوى انقطع عنه سلامهم ثم عادوا قبل موته بقليل فكانوا يسلمون عليه رضي الله عنه وعن أبيه. كعب بن عجزة الانصاري أبو محمد المدني صحابي جليل وهو الذي نزلت فيه آية الفدية في الحج. مات في هذه السنة، وقيل قبلها بسنة عن خمس أو سبع وسبعين سنة. معاوية بن خديج ابن جفنة بن قتيرة الكندي الخولاني المصري، صحابي على قول الاكثرين، وذكره ابن حبان في التابعين من الثقاة، والصحيح الاول، شهد فتح مصر، وهو الذي وفد إلى عمر بفتح الاسكندرية، وشهد مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح قتال البربر، وذهبت عينه يومئذ، وولي حروبا كثيرة في بلاد المغرب، وكان عثمانيا في أيام علي ببلاد مصر، ولم يبايع عليا بالكلية، فلما أخذ معاوية بن أبي سفيان مصر أكرمه ثم استنابه بها عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه ناب بها بعد أبيه سنتين ثم عزله معاوية وولى معاوية بن خديج هذا، فلم يزل بمصر حتى مات بها في هذه السنة. هانئ بن نيار أبو بردة البلوي المخصوص بذبح العناق وإجزائها عن غيرها من الاضاحي، وشهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها وكانت راية بني حارثة معه يوم الفتح رضي الله عنه.

[ 67 ]

ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ففيها غزا عبد الرحمن بن أم الحكم بلاد الروم وشتى بها، وفيها افتتح المسلمون وعليهم جنادة بن أبي أمية جزيرة رودس فأقام بها طائفة من المسلمين كانوة أشد شئ على الكفار، يعترضون لهم في البحر ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يدر عليهم الارزاق والاعطيات الجزيلة، وكانوا على حذر شديد من الفرنج، يبيتون في حصن عظيم عنده فيه حوائجهم ودوابهم وحواصلهم، ولهم نواطير على البحر ينذرونهم إن قدم عدو أو كادهم أحد، وما زالوا كذلك حتى كانت إمرة يزيد بن معاوية بعد أبيه، فحولهم من تلك الجزيرة، وقد كانت للمسلمين بها أموال كثيرة وزراعات غزيرة. وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص والي المدينة أيضا، قاله أبو معشر والواقدي. وفي هذه السنة توفي جبلة بن الايهم الغساني كما ستأتي ترجمته في آخر هذه التراجم. وفيها توفي الربيع بن زياد الحارثي، اختلف في صحبته وكان نائب زياد على خراسان، وكان قد ذكر حجر بن عدي فأسف عليه، وقال: والله لو ثارت العرب له لما قتل صبرا ولكن أقرت العرب فذلت، ثم لما كان يوم الجمعة دعا الله على المنبر أن يقبضه إليه فما عاش إلى الجمعة الاخرى، واستخلف على عمله ابنه عبد الله بن الربيع فأقره زياد على ذلك، فمات بعد ذلك بشهرين، واستخلف على عملهم بخراسان خليد بن عبد الله الحنفي فأقره زياد. رويفع بن ثابت صحابي جليل شهد فتح مصر، وله آثار جيدة في فتح بلاد المغرب، ومات ببرقة واليا من جهة مسلمة بن مخلد نائب مصر. وفي هذه السنة أيضا توفي زياد بن أبي سفيان ويقال له: زياد بن أبيه وزياد بن سمية - وهي أمه - في رمضان من هذه السنة مطعونا (1)، وكان سبب ذلك أنه كتب إلى معاوية يقول له: إني قد ضبطت لك العراق بشمالي ويميني فارغة، فارع لي ذلك، وهو يعرض له أن يستنيبه على بلاد الحجاز أيضا، فلما بلغ أهل الحجاز جاؤوا إلى عبد الله بن عمر فشكوا إليه ذلك، وخافوا أن يلي عليهم زياد، فيعسفهم كما عسف أهل العراق، فقام ابن عمر فاستقبل القبلة فدعا على زياد والناس يؤمنون، فطعن زياد بالعراق في يده فضاق ذرعا بذلك، واستشار شريحا القاضي في قطع


(1) في مروج الذهب 3 / 32: خرجت في كفه بثرة ثم حكها ثم سرت واسودت فصارت أكلة سوداء فهلك لذلك. وفي فتوح ابن الاعثم 4 / 203: فخرج به خراج في إبهام يده وفشا ذلك الخراج في يده اليمنى حتى ثقلت يده... واشتد به الامر ولقي جهدا شديدا ثم مات بعد ذلك. (*)

[ 68 ]

يده، فقال له شريح: إني لا أرى ذلك، فإنه إن لم يكن في الاجل فسحة لقيت الله أجذم قد قطعت يدك خوفا من لقائه، وإن كان لك أجل بقيت في الناس أجذم فيعير ولدك بذلك. فصرفه عن ذلك، فلما خرج شريح من عنده عاتبه بعض الناس: وقالوا: هلا تركته فقطع يده ؟ ! فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المستشار مؤتمن ". ويقال إن زيادا جعل يقول: أأنام أنا والطاعون في فراش واحد ؟ فعزم على قطع يده، فلما جئ بالمكاوي والحديد خاف من ذلك فترك ذلك، وذكر أنه جمع مائة وخمسين طبيبا ليداووه مما يجد من الحر في باطنه، منهم ثلاثة ممن كان يطب كسرى بن هرمز، فعجزوا عن رد القدر المحتوم والامر المحموم، فمات في ثالث شهر رمضان في هذه السنة، وقد قام في إمرة العراق خمس سنين. ودفن بالثوية خارج الكوفة، وقد كان برز منها قاصدا إلى الحجاز أميرا عليها، فلما بلغ خبر موته عبد الله بن عمر قال: اذهب إليك يا بن سمية، فلا الدنيا بقيت لك، ولا الآخرة أدركت. قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني أبي عن هشام بن محمد حدثني يحيى بن ثعلبة أبو المقدم الانصاري عن أمه عن عائشة عن أبيها عبد الرحمن بن السائب الانصاري. قال: جمع زياد أهل الكوفة فملا منهم المسجد والرحبة والقصر ليعرض عليهم البراءة من علي بن أبي طالب، قال عبد الرحمن: فإني لمع نفر من أصحابي من الانصار، والناس في أمر عظيم من ذلك وفي حصر، قال: فهومت تهويمة - أي نعست نعسة - فرأيت شيئا أقبل طويل العنق، له عنق مثل عنق البعير، أهدب أهدل فقلت: ما أنت ؟ فقال: أنا النقاد ذو الرقبة، بعثت إلى صاحب هذا القصر، فاستيقظت فزعا فقلت لاصحابي: هل رأيتم ما رأيت ؟ قالوا: لا ! فأخبرتهم، وخرج علينا خارج من القصر فقال: إن الامير يقول لكم: انصرفوا عني: فإني عنكم مشغول. وإذا الطاعون قد أصابه. وروى ابن أبي الدنيا أن زيادا لما ولي الكوفة سأل عن أعبدها فدل على رجل يقال له أبو المغيرة الحميري، فجاء به فقال له: الزم بيتك ولا تخرج منه وأنا أعطيك من المال ما شئت، فقال: لو أعطيتني ملك الارض ما تركت خروجي لصلاة الجماعة. فقال الزم الجماعة ولا تتكلم بشئ. فقال: لا أستطيع ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأمر به فضربت عنقه. ولما احتضر قال له ابنه: يا أبة قد هيأت لك ستين ثوبا أكفنك فيها، فقال يا بني قد دنا من أبيك أمر إما لباس خير من لباسه وإما سلب سريع. وهذا غريب جدا. صعصعة بن ناجية ابن عفان (1) بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، كان سيدا في الجاهلية وفي الاسلام، يقال إنه أحيى في الجاهلية ثلثمائة وستين موءودة، وقيل أربعمائة، وقيل ستا وتسعين موءودة، فلما


(1) في الاصابة 2 / 186 والاستيعاب على هامش الاصابة 2 / 194: عقال. (*)

[ 69 ]

أسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لك أجر ذلك إذ من الله عليكم بالاسلام ". ويروى عنه أنه أول ما أحيى المؤودة أنه ذهب في طلب ناقتين شردتا له، قال: فبينما أنا في الليل أسير، إذ أنا بنار تضئ مرة وتخبو أخرى. فجعلت لا أهتدي إليها، فقلت: اللهم لك علي إن أوصلتني إليها أن أدفع عن أهلها ضيما إن وجدته بهم، قال فوصلت إليها وإذا شيخ كبير يوقد نارا وعنده نسوة مجتمعات، فقلت: ما أنتن ؟ فقلن: إن هذه امرأة قد حبستنا منذ ثلاث، تطلق ولم تخلص، فقال الشيخ صاحب المنزل: وما خبرك ؟ فقلت: إني في طلب ناقتين ندتا لي، فقال: قد وجدتهما، إنهما لفي إبلنا، قال فنزلت عنده ؟ قال: فما هو إلا أن نزلت إذ قلن: وضعت، فقال الشيخ: إن كان ذكرا فارتحلوا، وإن كان أنثى فلا تسمعنني صوتها، فقلت: علام تقتل ولدك ورزقه على الله ؟ فقال: لا حاجة لي بها، فقلت: أنا أفتديها منك وأتركها عندك حتى تبين عنك أو تموت. قال: بكم ؟ قلت. بإحدى ناقتي، قال: لا ! قلت فبهما، قال: لا: إلا أن تزيدني بعيرك هذا فإني أراه شابا حسن اللون، قلت: نعم على أن تردني إلى أهلي، قال: نعم، فلما خرجت من عندهم رأيت أن الذي صنعته نعمة من الله من بها علي هداني إليها، فجعلت لله علي أن لا أجد موءودة إلا افتديتها كما افتديت هذه، قال: فما جاء الاسلام حتى أحييت مائة موءودة إلا أربعا (1)، ونزل القرآن بتحريم ذلك على المسلمين. وممن توفي في هذه السنة من المشاهير المذكورين جبلة بن الايهم الغساني ملك نصارى العرب وهو جبلة بن الايهم بن جبلة بن الحارث بن أبي شمر، واسمه المنذر بن الحارث، وهو ابن مارية ذات القرطين، وهو ابن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، واسمه كعب أبو عامر بن حارثة بن امرئ القيس، ومارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، ويقال غير ذلك في نسبه، وكنيته جبلة أبو المنذر الغساني الجفني، وكان ملك غسان، وهم نصارى العرب أيام هرقل، وغسان أولاد عم الانصار أوسها وخزرجها، وكان جبلة آخر ملوك غسان، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب مع شجاع بن وهب يدعوه إلى الاسلام فأسلم وكتب باسلامه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عساكر: إنه لم يسلم قط، وهكذا صرح به الواحدي وسعيد بن عبد العزيز. وقال الواقدي: شهد اليرموك مع الروم أيام عمر بن الخطاب ثم أسلم بعد ذلك في أيام عمر، فاتفق أنه وطئ رداء رجل من مزينة بدمشق فلطمه ذلك المزني، فدفعه أصحاب جبلة إلى أبي عبيدة فقالوا: هذا لطم جبلة، قال أبو عبيدة: فيلطمه جبلة: فقالوا: أو ما يقتل ؟ قال


(1) في الاصل: أربعة، وهو خطأ. (*)

[ 70 ]

لا ! قالوا: فما تقطع يده ؟ قال لا، إنما أمر الله بالقود، فقال جبلة: أترون أني جاعل وجهي (1) بدلا لوجه مازني جاء من ناحية المدينة ؟ بئس الدين هذا، ثم ارتد نصرانيا وترحل بأهله حتى دخل أرض الروم، فبلغ ذلك عمر فشق عليه وقال لحسان: إن صديقك جبلة ارتد عن الاسلام، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: ولم ؟ قال لطمه رجل من مزينة فقال: وحق له، فقام إليه عمر بالدرة فضربه. ورواه الواقدي عن معمر وغيره عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس وساق ذلك بأسانيده إلى جماعة من الصحابة. وهذا القول هو أشهر الاقوال. وقد روى ابن الكلبي وغيره: أن عمر لما بلغه إسلام جبلة فرح بإسلامه، ثم بعث يستدعيه ليراه بالمدينة، وقيل بل استأذنه جبلة في القدوم عليه فأذن له فركب في خلق كثير من قومه، قيل مائة وخمسين راكبا، وقيل خمسمائة، وتلقته هدايا عمر ونزله قبل أن يصل إلى المدينة بمراحل، وكان يوم دخوله يوما مشهودا دخلها وقد ألبس خيوله قلائد الذهب والفضة، ولبس تاجا على رأسه مرصعا باللآلي والجواهر، وفيه قرطا مارية جدته، وخرج أهل المدينة رجالهم ونساؤهم ينظرون إليه، فلما سلم على عمر رحب به عمر وأدنى مجلسه، وشهد الحج مع عمر في هذه السنة، فبينما هو يطوف بالكعبة إذ وطئ إزاره رجل من بني فزارة فانحل، فرفع جبلة يده فهشم أنف ذلك الرجل، ومن الناس من يقول: إنه قلع عينه، فاستعدى عليه الفزاري إلى عمر ومعه خلق كثير من بني فزارة، فاستحضره عمر فاعترف جبلة، فقال له عمر: أقدته منك. فقال: كيف وأنا ملك وهو سوقة ؟ فقال: إن الاسلام جمعك وإياه فلست تفضله إلا بالتقوى، فقال جبلة: قد كنت أظن أن أكون في الاسلام أعز مني في الجاهلية، فقال عمر: دع ذا عنك، فإنك إن لم ترض الرجل أقدته منك، فقال إذا أتنصر، فقال إن تنصرت ضربت عنقك، فلما رأى الحد: قال سأنظر في أمري هذه الليلة، فانصرف من عند عمر، فلما ادلهم الليل ركب في قومه ومن أطاعه فسار إلى الشام ثم دخل بلاد الروم ودخل على هرقل في مدينة القسطنطينية فرحب به هرقل وأقطعه بلادا كثيرة، وأجرى عليه أرزاقا جزيلة، وأهدى إليه هدايا جميلة، وجعله من سماره، فمكث عنده دهرا. ثم إن عمر كتب كتابا إلى هرقل مع رجل يقال له جثامة بن مساحق الكناني، فلما بلغ هرقل كتاب عمر بن الخطاب قال له هرقل: هل لقيت ابن عمك جبلة ؟ قال: لا ! قال فالقه، فذكر اجتماعه به وما هو فيه من النعمة والسرور والحبور الدنيوي، في لباسه وفرشه ومجلسه وطيبه وجواريه، حواليه الحسان من الخدم والقيان، ومطعمه وشرابه وسروره وداره التي تعوض بها عن دار الاسلام، وذكر أنه دعاه إلى الاسلام والعود إلى الشام فقال: أبعد ما كان مني من الارتداد ؟ فقال: نعم ! إن الاشعث بن قيس ارتد وقاتلهم بالسيوف، ثم لما رجع إلى الحق قبله منه وزوجه الصديق بأخته أم فروة، قال: فالتهى عنه بالطعام والشراب، وعرض عليه الخمر فأبى عليه، وشرب جبلة من الخمر شيئا كثيرا حتى سكر ثم أمر جواريه المغنيات فغنينه بالعيدان من قول حسان يمدح بني عمه


(1) في ابن سعد 1 / 265: إني جاعل وجهي ندا لوجه جدي جاء من عمق. (*)

[ 71 ]

من غسان والشعر في والد جبلة هذا الحيوان: لله در عصابة نادمتهم * يوما بجلق في الزمان الاول أولاد جفنة حول قبر أبيهم * قبر ابن مارية الكريم المفضل يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل بيض الوجوه كريمة أحسابهم * شم الانوف من الطراز الاول يغشون حتى ما تهر كلابهم * لا يسألون عن السواد المقبل قال: فأعجبه قولهن ذلك، ثم قال: هذا شعر حسان بن ثابت الانصاري فينا وفي ملكنا، ثم قال لي: كيف حاله ؟ قلت: تركته ضريرا شيخا كبيرا، ثم قال لهن: أطربنني فاندفعن يغنين لحسان أيضا: لمن الديار أوحشت بمغان * بين أعلا اليرموك فالصمان فالقريات من بلامس فداري‍ * ا فكساء لقصور الدواني (1) فقفا جاسم فأودية الص‍ * - فر مغنى قبائل وهجان تلك دار العزيز بعد أنيس * وحلوك عظيمة الاركان صلوات المسيح في ذلك الدي‍ * - ر دعاء القسيس والرهبان ذاك مغنى لآهل جفنة في الده‍ * - ر محاه تعاقب الازمان (2) قد أراني هناك حق مكين * عند ذي التاج مجلسي ومكاني ثكلت أمهم وقد ثكلتهم * يوم حلوا بحارث الحولاني وقددنا الفصح فالولائد ينظم‍ * - ن سراعا أكلة المرجان ثم قال: هذا لابن الفريعة حسان بن ثابت فينا وفي ملكنا وفي منازلنا بأكناف غوطة دمشق، قال: ثم سكت طويلا، ثم قال لهن: بكينني، فوضعن عيدانهن ونكسن رؤوسهن وقلن: تنصرت الاشراف من عار لطمة * وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفني فيها اللجاج ونخوة * وبعت بها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتني * رجعت إلى القول الذي قاله عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة * وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة * أجالس قومي ذاهب السمع والبصر أدين بما دانوا به من شريعة * وقد يصبر العود الكبير على الدبر


(1) في الديوان: والاعرج خير الآنام. (2) في مروج الذهب 2 / 118... الدهر وحقا تصرف الازمان. (*)

[ 72 ]

قال: فوضع يده على وجهه فبكى حتى بل لحيته بدموعه وبكيت معه، ثم استدعى بخمسمائة دينار هرقلية فقال: خذ هذه فأوصلها إلى حسان بن ثابت، وجاء بأخرى فقال: خذ هذه لك، فقلت: لا حاجة لي فيها ولا أقبل منك شيئا وقد ارتددت عن الاسلام، فيقال: إنه أضافها إلى التي لحسان، فبعث بألف دينار هرقلية، ثم قال له: أبلغ عمر بن الخطاب مني السلام وسائر المسلمين، فلما قدمت على عمر أخبرته خبره فقال: ورأيته يشرب الخمر ؟ قلت: نعم ! وقال: أبعده الله، تعجل فانية بباقية فما ربحت تجارته. ثم قال: وما الذي وجه به لحسان ؟ قلت: خمسمائة دينار هرقلية، فدعا حسانا فدفعها إليه، فأخذها وهو يقول: إن ابن جفنة من بقية معشر * لم يغرهم آباؤهم باللوم لم ينسني بالشام إذ هو ربها * كلا ولا متنصرا بالروم يعطي الجزيل ولا يراه عنده * إلا كبعض عطية المحروم وأتيته يوما فقرب مجلسي * وسقا فرواني من المذموم ثم لما كان في هذه السنة من أيام معاوية بعث معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري رسولا إلى ملك الروم، فاجتمع بجبلة بن الايهم فرأى ما هو فيه من السعادة الدنيوية والاموال من الخدم والحشم والذهب والخيول، فقال له جبلة: لو أعلم أن معاوية يقطعني أرض البثينة فإنها منازلنا، وعشرين قرينة من غوطة دمشق ويفرض لجماعتنا، ويحسن جوائزنا، لرجعت إلى الشام. فأخبر عبد الله بن مسعدة معاوية بقوله، فقال معاوية: أنا أعطيه ذلك، وكتب إليه كتابا مع البريد بذلك، فما أدركه البريد إلا وقد مات في هذه السنة قبحه الله. وذكر أكثر هذه الاخبار الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في المنتظم، وأرخ وفاته هذه السنة، - أعني سنة ثلاث وخمسين - وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه فأطال الترجمة وأفاد، ثم قال في آخرها: بلغني أن جبلة توفي في خلافة معاوية بأرض الروم بعد سنة أربعين من الهجرة. سنة أربع وخمسين ففيها كان شتى محمد بن مالك بأرض الروم، وغزا الصائفة معن بن يزيد السلمي، وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن إمرة المدينة ورد إليها مروان بن الحكم، وكتب إليه أن يهدم دار سعيد بن العاص، ويصطفي أمواله التي بأرض الحجاز، فجاء مروان إلى دار سعيد ليهدمها فقال سعيد: ما كنت لتفعل ذلك، فقال: إن أمير المؤمنين كتب إلي بذلك، ولو كتب إليك في داري لفعلته. فقام سعيد فأخرج إليه كتاب معاوية إليه حين ولاه المدينة أن يهدم دار مروان ويصطفي ماله، وذكر أنه لم يزل بحاجف دونه حتى صرف ذلك عنه، فلما رأى مروان الكتاب إلى سعيد بذلك، ثناه ذلك عن سعيد، ولم يزل يدافع عنه حتى تركه معاوية في داره وأقر عليه أمواله. وفيها عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة، وكان زياد استخلفه عليها فأقره معاوية ستة أشهر،

[ 73 ]

وولى عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان. وروى ابن جرير وغيره عن سمرة أنه قال لما عزله معاوية: لعن الله معاوية لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا. وهذا لا يصح عنه. وأقر عبد الله بن خالد بن أسيد على نيابة الكوفة، وكان زياد قد استخلفه عليها فأبقاه معاوية. وقدم في هذه السنة عبيد الله بن زياد على معاوية فأكرمه وسأله عن نواب أبيه على البلاد فأخبره عنهم، ثم ولاه إمرة خراسان وهو ابن خمس وعشرين سنة، فسار إلى مقاطعته وتجهز من فوره غاديا إليها، فقطع النهر إلى جبال بخارا، ففتح (1) رامس ونصف بيكند - وهما من معامة بخارا - ولقي الترك هناك فقاتلهم قتالا شديدا وهزمهم هزيمة فظيعة بحيث إن المسلمين أعجلوا امرأة الملك أن تلبس خفيها، فلبست واحدة وتركت أخرى، فأخذها المسلمون فقوموا جواهرها (2) بمائتي ألف درهم، وغنموا مع ذلك غنائم كثيرة، وأقام عبيد الله بخراسان سنتين. وفي هذه السنة حج بالناس مروان بن الحكم نائب المدينة. وكان على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، وقيل: بل كان عليها الضحاك بن قيس، وكان على البصرة عبد الله بن غيلان. ذكر من توفي فيها من الاعيان أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي أبو محمد المدني مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مولاه، وحبه وابن حبه، وأمه بركة أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته، ولاه رسول الله الامرة بعد مقتل أبيه فطعن بعض الناس في إمرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمرة أبيه من قبله، وايم الله إن كان لخليقا بالامارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي بعده ". وثبت في صحيح البخاري عنه: " أن رسول الله كان يجلس الحسن على فخذه ويجلس أسامة على فخذه الاخرى ويقول: اللهم إني أحبهما فأحبهما ". وفضائله كثيرة. توفي رسول الله وعمره تسع عشرة سنة، وكان عمر إذا لقيه يقول: السلام عليك أيها الامير. وصحح أبو عمر بن عبد البر أنه توفي في هذه السنة، وقال غيره سنة ثمان أو تسع وخمسين، وقيل توفي بعد مقتل عثمان. فالله أعلم. ثوبان بن مجدد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدمت ترجمته في مواليه ومن كان يخدمه عليه السلام، أصله من العرب


(1) في الطبري 6 / 167: فتح راميثن ونصف بيكند، وفي الكامل 3 / 499 فتح رامني ونسف وبيكند وهي من بخارى. قال الاصطخري: ونسف فإنها مدينة ولها قهندز وربض ولها أبواب أربعة وهي على مدرج بخارى وبلخ. (معجم البلدان). (2) في الطبري: فقوم الجورب، وفي الكامل: لبست أحد خفيها وبقي الآخر فأخذه المسلمون فقوم بمائتي ألف درهم. (*)

[ 74 ]

فأصابه سبي فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه، فلزم رسول الله سفرا وحضرا، فلما مات أقام بالرملة ثم انتقل إلى حمص فابتنى بها دارا ولم يزل بها حتى مات في هذه السنة على الصحيح، وقيل سنة أربع وأربعين وهو غلط، ويقال إنه توفي بمصر، والصحيح بحمص. جبير بن مطعم تقدم أنه توفي سنة خمسين. الحارث بن ربعي أبو قتادة الانصاري، وقال الواقدي: اسمه النعمان بن ربعي، وقال غيره: عمرو بن ربعي وهو أبو قتادة الانصاري السلمي المدني فارس الاسلام، شهد أحدا وما بعدها، وكان له يوم ذي قرد سعي مشكور كما قدمنا هناك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة بن الاكوع ". وزعم أبو أحمد الحاكم أنه شهد بدرا وليس بمعروف، وقال أبو سعيد الخدري: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة الانصاري أن رسول الله قال لعمار: " تقتلك الفئة الباغية ". قال الواقدي وغير واحد: توفي في هذه السنة - يعني سنة أربع وخمسين - بالمدينة عن سبعين سنة، وزعم الهيثم بن عدي وغيره أنه توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه علي بن أبي طالب. وهذا غريب. حكيم بن حزام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الاسدي أبو خالد المكي، أمه فاختة بنت زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، وعمته خديجة بن خويلد، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم أولاده سوى إبراهيم. ولدته أمه في جوف الكعبة قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وذلك أنها دخلت تزور فضربها الطلق وهي في الكعبة فوضعته على نطع، وكان شديد المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما كان بنو هاشم وبنو المطلب في الشعب لا يبايعوا ولا يناكحوا، كان حكيم يقبل بالعير يقدم من الشام فيشتريها بكمالها، ثم يذهب بها فيضرب أدبارها حتى يلج الشعب يحمل الطعام والكسوة تكرمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعمته خديجة بنت خويلد. وهو الذي اشترى زيد بن حارثة فابتاعته منه عمته خديجة فوهبته لرسول الله فأعتقه، وكان اشترى حلة ذي يزن فأهداها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلبسها، قال: فما رأيت شيئا أحسن منه فيها. ومع هذا ما أسلم إلا يوم الفتح هو وأولاده كلهم، قال البخاري وغيره: عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الاسلام ستين سنة، وكان من سادات قريش وكرمائهم وأعلمهم بالنسب، وكان كثير الصدقة والبر والعتاقة، فلما أسلم سأل عن ذلك رسول الله فقال: " أسلمت على ما أسلمت من خير ". وقد كان حكيم

[ 75 ]

شهد مع المشركين بدرا وتقدم إلى الحوض فكاد حمزة أن يقتله، فما سحب إلا سحبا بين يديه، فلهذا كان إذا اجتهد في اليمين يقول: لا والذي نجاني يوم بدر. ولما ركب رسول الله إلى فتح مكة ومعه الجنود بمر الظهران خرج حكيم وأبو سفيان يتجسسان الاخبار، فلقيهما العباس، فأخذ أبا سفيان فأجاره وأخذ له أمانا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم أبو سفيان ليلتئذ كرها، ومن صبيحة ذلك اليوم أسلم حكيم وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، وأعطاه مائة من الابل ثم سأله فأعطاه، ثم قال: " يا حكيم إن هذه المال حلوة خضرة، وإنه من أخذه بسخاوة بورك له فيه، ومن أخذه باسراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع ". فقال حكيم: والذي بعثك بالحق لا أرزأ بعدك أبدا، فلم يرزأ أحد بعده، وكان أبو بكر يعرض عليه العطاء فيأبى، وكان عمر يعرض عليه العطاء فيأبى فيشهد عليه المسلمين، ومع هذا كان من أغنى الناس، مات الزبير يوم مات ولحكيم عليه مائة ألف، وقد كان بيده حين أسلم الرفادة ودار الندوة فباعها بعد من معاوية بمائة ألف، وفي رواية بأربعين ألف دينار، فقال له ابن الزبير: بعت مكرمة قريش ؟ فقال له حكيم: ابن أخي ذهبت المكارم فلا كرم إلا التقوى، يا بن أخي إني اشتريتها في الجاهلية بزق خمر، ولاشترين بها دارا في الجنة، أشهدك أني قد جعلتها في سبيل الله، وهذه الدار كانت لقريش بمنزلة دار العدل، وكان لا يدخلها أحد إلا وقد صار سنة أربعين سنة، إلا حكيم بن حزام فإنه دخلها وهو ابن خمس عشرة سنة، ذكره الزبير بن بكار، وذكر الزبير أن حكيما حج عاما فأهدى مائة بدنة مجللة، وألف شاة، وأوقف معه بعرفات مائة وصيف في أعناقهم أطوقة الفضة، وقد نقش فيها: هؤلاء عتقاء الله عن حكيم بن حزام، فأعتقهم وأهدى جميع تلك الانعام رضي الله عنه. توفي حكيم في هذه السنة على الصحيح، وقيل غير ذلك وله مائة وعشرون سنة. حويطب بن عبد العزى العامري صحابي جليل، أسلم عام الفتح، وكان قد عمر دهرا طويلا، ولهذا جعله عمر في النفر الذين جددوا أنصاب الحرم، وقد شهد بدرا مع المشركين، ورأى الملائكة يومئذ بين السماء والارض، وشهد الحديبية وسعى في الصلح، فلما كان عمرة القضاء كان هو وسهيل هما اللذان امرا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج من مكة، فأمر بلالا أن لا تغرب الشمس وبمكة أحد من أصحابه، قال: وفي كل هذه المواطن أهم بالاسلام ويأبى الله إلا ما يريد، فلما كان زمن الفتح خفت خوفا شديدا وهربت فلحقني أبو ذر - وكان لي خليلا في الجاهلية -. فقال: يا حويطب مالك ؟ فقلت: خائف، فقال: لا تخف فإنه أبر الناس: وأوصل الناس، وأنا لك جار فاقدم معي، فرجعت معه فوقف بي على رسول الله وهو بالبطحاء ومعه أبو بكر وعمر، وقد علمني أبو ذر أن أقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فلما قلت ذلك قال: " حويطب " ؟ قلت: نعم ! شهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: " الحمد لله الذي هداك " وسر بذلك

[ 76 ]

واستقرضني مالا فأقرضته أربعين ألفا، وشهدت معه حنينا والطائف، وأعطاني من غنائم حنين مائة بعير. ثم قدم حويطب بعد ذلك المدينة فنزلها وله بها دار، ولما ولى عليها مروان بن الحكم جاءه حويطب وحكيم بن حزام، ومخرمة بن نوفل، فسلموا عليه وجعلوا يتحدثون عنده ثم تفرقوا، ثم اجتمع حويطب بمروان يوما آخر فسأله مروان عن عمره فأخبره، فقال له: تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الاحداث. فقال حويطب: الله المستعان، والله لقد هممت بالاسلام غير مرة كل ذلك يعوقني أبوك يقول تضع شرفك وتدع دين آبائك لدين محدث ؟ وتصير تابعا ؟ قال: فاسكت مروان وندم على ما كان قال له، ثم قال حويطب: أما كان أخبرك عثمان ما كان لقي من أبيك حين أسلم ؟ قال: فازداد مروان غما. وكان حويطب ممن شهد دفن عثمان، واشترى منه معاوية داره بمكة بأربعين ألف دينار فاستكثرها الناس، فقال: وما هي في رجل له خمسة من العيال ؟ قال الشافعي: كان حويطب جيد الاسلام، وكان أكثر قريش ريعا جاهليا. وقال الواقدي: عاش حويطب في الجاهلية ستين سنة، وفي الاسلام ستين سنة، ومات حويطب في هذه السنة بالمدينة وله مائة وعشرون سنة. وقال غيره: توفي بالشام. له حديث واحد رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث السائب بن يزيد عنه عن عبد الله بن السعدي عن عمر في العمالة، وهو من عزيز الحديث لانه اجتمع فيه أربعة من الصحابة رضي الله عنهم. معبد (1) بن يربوع بن عنكثة ابن عامر بن مخزوم، أسلم عام الفتح، وشهد حنينا، وأعطاه رسول الله خمسين من الابل، وكان اسمه صرما، وفي رواية أصرم، فسماه معبدا، وكان في جملة النفر الذين أمرهم عمر بتجديد أنصاب الحرم، وقد أصيب بصره بعد ذلك فأتاه عمر يعزيه فيه، رواه البخاري. قال الواقدي وخليفة وغير واحد: مات في هذه السنة بالمدينة، وقيل بمكة وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل أكثر من ذلك. مرة بن شراحيل الهمذاني يقال له مرة الطيب، ومرة الخير، روى عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وغيرهم، كان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، فلما كبر صلى أربعمائة ركعة، ويقال إنه سجد حتى أكل التراب جبهته، فلما مات رئي في المنام - وقد صار ذلك المكان نورا - فقيل له: أين منزلك ؟ فقال: بدار لا يظعن أهلها ولا يموتون. النعيمان بن عمرو ابن رفاعة بن الحر، شهد بدرا وما بعدها، ويقال إنه الذي كان يؤتى به في الشراب، فقال


(1) في الاصابة والاستيعاب 2 / 51: سعيد. (*)

[ 77 ]

رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ". سودة بن زمعة القرشية العامرية أم المؤمنين، تزوجها رسول الله بعد خديجة، وكانت قبله عند السكران بن عمر وأخي سهيل بن عمرو، فلما كبرت هم رسول الله بطلاقها، ويقال إنه طلقها، فسألته أن يبقيها في نسائه وتهب يومها لعائشة، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله: * (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا) * الآية [ النساء: 128 ]، وكانت ذات عبادة وورع وزهادة، قالت عائشة: ما من امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها غير أن فيها حدة تسرع منها الفيئة. ذكر ابن الجوزي وفاتها في هذه السنة، وقال ابن أبي خيثمة: توفيت في آخر خلافة عمر بن الخطاب. فالله أعلم. ثم دخلت سنة خمس وخمسين فيها عزل معاوية عبد الله بن غيلان عن البصرة وولى عليها عبيد الله بن زياد (1)، وكان سبب عزل معاوية بن غيلان عن البصرة أنه كان يخطب الناس فحصبه رجل من بني ضبة فأمر بقطع يده، فجاء قومه إليه فقالوا له: إنه متى بلغ أمير المؤمنين أنك قطعت يده في هذا الصنع فعل به وبقومه نظير ما فعل بحجر بن عدي، فاكتب لنا كتابا أنك قطعت يده في شبهة، فكتب لهم فتركوه عندهم حينا ثم جاؤوا معاوية فقالوا له: إن نائبك قطع يد صاحبنا في شبهة فأقدنا منه، قال: لا سبيل إلى القود من نوابي ولكن الدية، فأعطاهم الدية وعزل ابن غيلان، وقال لهم: اختاروا من تريدون، فذكروا رجالا فقال: لا ! ولكن أولي عليكم ابن أخي عبيد الله بن زياد، فولاه فاستخلف ابن زياد على خراسان أسلم بن زرعة (2)، فلم يغز ولم يفتح شيئا، وولى قضاء البصرة لزرارة بن أوفى ثم عزله وولى ابن أذينة، وولى شرطتها عبد الله بن الحصين. وحج بالناس في السنة مروان بن الحكم نائب المدينة. وفيها عزل معاوية عبد الله بن خالد بن أسيد عن الكوفة وولى عليها الضحاك بن قيس رضي الله عنه. ذكر من توفي من الاعيان في هذه السنة أرقم بن أبي الارقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أسلم قديما، يقال سابع سبعة، وكانت


(1) قال في فتوح ابن الاعثم 4 / 204: ولى عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص بن أمية على البصرة وبعده ولى عبيد الله البصرة، وقد تقدم أن عبد الله بن خالد بن أسيد كان على الكوفة. (2) في فتوح ابن الاعثم 4 / 205: واستخلف عليها رجلا يقال له خويلد بن طريف بن قرة الحنفي. (*)

[ 78 ]

داره كهفا للمسلمين يأوي إليها رسول الله ومن أسلم من قريش، وكانت عند الصفا وقد صارت فيما بعد ذلك للمهدي فوهبها لامرأته الخيزران أم موسى الهادي وهارون الرشيد، فبنتها وجددتها فعرفت بها، ثم صارت لغيرها (1)، وقد شهد الارقم بدرا وما بعدها من المشاهد، ومات بالمدينة في هذه السنة، وصلى عليه سعد بن أبي وقاص أوصى به رضي الله عنهما، وله بضع وثمانون سنة. سحبان بن زفر بن إياس ابن عبد شمس بن الاجب الباهلي الوائلي، الذي يضرب بفصاحته المثل، فيقال: أفصح من سحبان وائل، ووائل هو ابن معد بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار، وباهلة امرأة مالك بن أعصر، ينسب إليها ولدها، وهي باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة. قال ابن عساكر: سحبان المعروف بسحبان وائل، بلغني أنه وفد إلى معاوية فتكلم فقال معاوية: أنت الشيخ ؟ فقال: إي والله وغير ذلك، ولم يزد ابن عساكر على هذا، وقد نسبه ابن الجوزي في كتابه المنتظم كما ذكرنا، ثم قال: وكان بليغا يضرب المثل بفصاحته، دخل يوما على معاوية وعنده خطباء القبائل، فلما رأوه خرجوا لعلمهم بقصورهم عنه، فقال سحبان: لقد علم الحي اليمانون أنني * إذا قلت أما بعد أني خطيبها فقال له معاوية: اخطب ! فقال: أنظروا لي عصى تقيم من أودي، فقالوا: وماذا تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين ؟ فقال: ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه، فأخذها وتكلم من الظهر إلى أن قاربت العصر، ما تنحنح ولا سعل ولا توقف ولا ابتدأ في معنى فخرج عنه وقد بقيت عليه بقية فيه، فقال معاوية: الصلاة ! فقال: الصلاة أمامك، ألسنا في تحميد وتمجيد وعظة وتنبيه، وتذكير ووعد ووعيد ؟ فقال معاوية: أنت أخطب العرب، قال: العرب وحدها ؟ بل أخطب الجن والانس. قال: كذلك أنت. سعد بن أبي وقاص واسمه مالك بن أهيب (2) بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، أبو إسحاق القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذي توفي رسول الله وهو عنهم راض، أسلم قديما، قالوا: وكان يوم أسلم عمره سبع عشرة سنة. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الاسلام سابع سبعة، وهو الذي كوف الكوفة ونفى عنها الاعاجم، وكان مجاب الدعوة، وهاجر وشهد بدرا وما بعدها، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان فارسا شجاعا من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم،


(1) قال ابن سعد: صارت لجعفر بن موسى ثم سكنها أصحاب الشطوي والعدني ثم اشترى عامتها أو أكثرها غسان بن عباد من ولد موسى بن جعفر (3 / 244). (2) في ابن سعد 3 / 137: وهيب. (*)

[ 79 ]

وكان في أيام الصديق معظما جليل المقدار، وكذلك في أيام عمر، وقد استنابه على الكوفة، وهو الذي فتح المدائن، وكانت بين يديه وقعة جلولاء. وكان سيدا مطاعا، وعزله عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة، ولكن لمصلحة ظهرت لعمر في ذلك. وقد ذكره في الستة أصحاب الشورى، ثم ولاه عثمان بعدها ثم عزله عنها. وقال الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: شهد سعد بن أبي وقاص وابن عمر دومة الجندل يوم الحكمين (1). وثبت في صحيح مسلم أنه ابنه عمر جاء إليه وهو معتزل في إبله فقال: الناس يتنازعون الامارة وأنت هاهنا ؟ فقال: يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي ". قال ابن عساكر: ذكر بعض أهل العلم أن ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص جاءه فقال له: يا عم ها هنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الامر، فقال: أريد من مائة ألف سيفا واحدا إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا، وإذا ضربت به الكافر قطع. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: حدثني زكريا بن عمر وأن سعد بن أبي وقاص وفد على معاوية فأقام عنده شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر، وقال غيره: فبايعه وما سأله سعد شيئا إلا أعطاه إياه. قال أبو يعلى: حدثنا زهير ثنا إسماعيل بن علية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم. قال: قال سعد: إني لاول رجل رمى بسهم في المشركين، وما جمع رسول الله أبويه لاحد قبلي، ولقد سمعته يقول: " ارم فداك أبي وأمي ". وقال أحمد: حدثنا يزيد بن هارون ثنا إسماعيل عن قيس سمعت سعد بن مالك يقول: والله إني لاول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله وما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر، حتى أن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الدين، لقد خبت إذا وضل عملي. وقد رواه شعبة ووكيع غير واحد عن إسماعيل بن أبي خالد به. وقال أحمد: حدثنا ابن سعيد عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن سعيد بن المسيب عن سعد. قال: " جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه يوم أحد ". ورواه أحمد أيضا عن غندر، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد الانصاري. وقد رواه الليث وغير واحد عن يحيى الانصاري. ورواه غير واحد عن سعيد بن المسيب عن سعد. ورواه الناس من حديث عامر بن سعد عن أبيه. وفي بعض الروايات " فداك أبي وأمي " وفي رواية: " فقال أرم وأنت الغلام الحزور " قال سعيد: وكان سعد جيد الرمي. وقال الاعمش عن أبي خالد عن جابر بن سمرة. قال: أول الناس رمى بسهم في سبيل الله سعد رضي الله عنه. وقال أحمد: حدثنا وكيع ثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الله بن شداد سمعت عليا يقول: " ما سمعت رسول الله يفدي أحدا بأبويه إلا سعد بن مالك، وإني سمعته يقول له يوم أحد: ارم سعد فداك أمي وأبي ". ورواه البخاري عن أبي نعيم عن مسعر عن سعد بن إبراهيم به. ورواه شعبة عن


(1) تقدم التعليق، انظر اجتماع الحكمين أبي موسى وعمرو بن العاص في الجزء السابع من هذا الكتاب. (*)

[ 80 ]

سعد بن إبراهيم، ورواه سفيان بن عيينة وغير واحد عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب فذكره. وقال عبد الرزاق: أنا معمر عن أيوب أنه سمع عائشة بنت سعد تقول: أنا بنت المهاجر الذي فداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالابوين. وقال الواقدي: حدثني عبيدة بن نابل عن عائشة بنت سعد عن أبيها. قال: " لقد رأيتني أرمي بالسهم يوم أحد فيرده علي رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه، حتى كان بعد ذلك فظننت أنه ملك ". وقال أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، ثنا إبراهيم، عن سعد، عن أبيه عن سعد بن أبي وقاص. قال: " لقد رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن يساره يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد ". ورواه الواقدي: حدثني إسحاق بن أبي عبد الله عن عبد العزيز - جد ابن أبي عون - عن زياد مولى سعد عن سعد - قال: " رأيت رجلين يوم بدر يقاتلان عن رسول الله أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإني لاراه ينظر إلى ذا مرة وإلى ذا مرة مسرورا بما ظفره الله عز وجل ". وقال سفيان عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود عن أبيه. قال اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر فيما أصبنا من الغنيمة، فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشئ. وقال الاعمش عن إبراهيم بن علقمة عن ابن مسعود. قال: لقد رأيت سعد بن أبي وقاص يوم بدر يقاتل قتال الفارس للراجل. وقال مالك، عن يحيى بن سعيد: أنه سمع عبد الله بن عامر يقول قالت عائشة بات رسول الله أرقا ذات ليلة ثم قال: " ليت رجلا صالحا يحرسني الليلة ؟ قلت: إذ سمعنا صوت السلاح، فقال: من هذا ؟ قال: أنا سعد بن أبي وقاص، أنا أحرسك يا رسول الله، قالت: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ". أخرجاه من حديث يحيى بن سعيد. وفي رواية " فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام " وقال أحمد: حدثنا قتيبة، ثنا رشدين بن سعد، عن يحيى بن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله قال: " أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة، فدخل سعد بن أبي وقاص ". وقال أبو يعلى: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الله بن قيس الرقاشي الخراز، بصري: ثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر. قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يدخل عليكم من ذا الباب رجل من أهل الجنة، قال فليس منا أحد إلا وهو يتمنى أن يكون من أهل بيته، فإذا سعد بن أبي وقاص قد طلع ". وقال حرملة، عن ابن وهب أخبرني حيوة أخبرني عقيل عن ابن شهاب: حدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك. قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة، فاطلع سعد بن أبي وقاص، حتى إذا كان الغد قال رسول الله مثل ذلك، قال فاطلع سعد بن أبي وقاص على ترتيبه الاول، حتى إذا كان الغد قال رسول الله مثل ذلك، قال فطلع على ترتيبه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثار عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني غاضبت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاث ليال، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تنحل يميني فعلت، قال أنس: فزعم عبد الله بن

[ 81 ]

عمرو أنه بات معه ليلة حتى إذا كان الفجر فلم يقم تلك الليلة شيئا، غير أنه كان إذا انقلب على فراشه ذكر الله وكبره حتى يقوم مع الفجر، فإذا صلى المكتوبة أسبغ الوضوء وأتمه ثم يصبح مفطرا، قال عبد الله بن عمرو: فرمقته ثلاث ليال وأيامهن لا يزيد على ذلك، غير أني لا أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أحتقر عمله، قلت: إنه لم يكن بيني وبين أبي غضبت ولا هجر، ولكني سمعت رسول الله قال ذلك ثلاث مرات في ثلاث مجالس: " يطلع عليكم رجل من أهل الجنة " فاطلعت أنت أولئك المرات الثلاث، فأردت أن آوي إليك حتى أنظر ما عملك فأقتدي بك لانال ما نلت، فلم أرك تعمل كثير عمل، ما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ؟ فقال: ما هو إلا الذي رأيت. قال: فلما رأيت ذلك انصرفت فدعا بي حين وليت، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي سوءا لاحد من المسلمين، ولا أنوي له شرا ولا أقوله. قال قلت: هذه التي بلغت بك وهي التي لا أطيق. وهكذا رواه صالح المزي عن عمرو بن دينار - مولى الزبير - عن سالم عن أبيه فذكر مثل رواية أنس بن مالك. وثبت في صحيح مسلم من طريق سفيان الثوري عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد في قوله تعالى: * (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) * [ الانعام: 52 ] نزلت في ستة، أنا وابن مسعود منهم وفي رواية أنزل الله في: * (وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم) * [ العنكبوت: 8 ] وذلك أنه لما أسلم امتنعت أمه من الطعام والشراب أياما، فقال لها: تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشئ، إن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي. فنزلت هذه الآية. وأما حديث الشهادة للعشرة بالجنة فثبت في الصحيح عن سعيد بن زيد. وجاء من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة في قصة حراء ذكر سعد بن أبي وقاص منهم. وقال هشيم وغير واحد عن مجالد عن الشعبي عن جابر. قال: كنا مع رسول الله فأقبل سعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا خالي فليرني امرؤ خاله ". رواه الترمذي. وقال الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا عبد الوهاب بن الضحاك، ثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن ماعز التميمي عن جابر. قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل سعد فقال: " هذا خالي ". وثبت في الصحيح من حديث مالك وغيره عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه " أن رسول الله جاءه يعوده عام حجة الوداع من وجع اشتد به. فقلت: يا رسول الله إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال: لا ! قلت: فالشطر يا رسول الله ؟ قال: لا ! قلت: فالثلث ؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك. قلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي ؟ فقال إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. ثم قال: اللهم أمض لاصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، لكن

[ 82 ]

البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله إن مات بمكة ". ورواه أحمد عن يحيى بن سعيد، عن الجعد بن أوس، عن عائشة بنت سعد عن أبيها فذكر نحوه، وفيه قال: " فوضع يده على جبهته فمسح وجهه وصدره وبطنه وقال: اللهم اشف سعدا وأتم له هجرته ". قال سعد: فما زلت يخيل إلي أني أجد على كبدي حتى الساعة. وقال ابن وهب: حدثني موسى بن علي بن رباح عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد سعدا فقال: " اللهم أذهب عنه الباس، إله الناس، ملك الناس، أنت الشافي لا شافي له إلا أنت، بسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك، من حسد وعين، أللهم أصح قلبه وجسمه، واكشف سقمه وأجب دعوته ". وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن بكر بن الاشج قال: سألت عامر بن سعد عن قول رسول الله لسعد: " وعسى أن تبقى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون ". فقال: أمر سعد على العراق فقتل قوما على الردة فضرهم، واستتاب قوما كانوا سجعوا سجع مسيلمة الكذاب فتابوا فانتفعوا به. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة ثنا معاذ بن رفاعة حدثني علي بن زيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة. قال: جلسنا إلى رسول الله فذكرنا ورققنا، فبكى سعد بن أبي قاص فأكثر البكاء وقال: يا ليتني مت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا سعد إن كنت للجنة خلقت فما طال عمرك أو حسن من عملك فهو خير لك ". وقال موسى بن عقبة وغيره: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن سعد. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم سدد رميته وأجب دعوته ". ورواه سيار بن بشير، عن قيس، عن أبي بكر الصديق. قال: سمع رسول الله يقول لسعد: " اللهم سدد سهمه وأجب دعوته، وحببه إلى عبادك ". وروي من حديث ابن عباس، وفي رواية محمد بن عائد الدمشقي عن الهيثم بن حميد، عن مطعم، عن المقدام وغيره أن سعدا قال: يا رسول الله ادع الله أن يجيب دعوتي فقال: " إنه لا يستجيب الله دعوة عبد حتى يطيب مطعمه، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يطيب مطعمي فدعا له ". قالوا: فكان سعيد يتورع من السنبلة يجدها في زرعه فيردها من حيث أخذت. وقد كان كذلك مجاب الدعوة لا يكاد يدعو بدعاء إلا استجيب له، فمن أشهر ذلك ما روي في الصحيحين من طريق عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سلمة: أن أهل الكوفة شكوا سعدا إلى عمر في كل شئ حتى قالوا: لا يحسن يصلي، فقال سعد: أما إني لا آلو أن أصلي بهم صلاة رسول الله، أطيل الاوليين وأحذف الاخرتين، فقال: الظن بك يا أبا إسحاق، وكان قد بعث من يسأل عنه بمحال الكوفة، فجعلوا لا يسألون أهل مسجد إلا أثنوا خيرا، حتى مروا بمسجد لبني عبس فقام رجل منهم يقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة فقال: إن سعدا كان لا يسير في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية القضية، فبلغ سعدا فقال: اللهم إن كان عبدك هذا قام مقام رياء وسمعة فأطل عمره وأدم فقره، وأعم بصره وعرضه للفتن، قال: فأنا رأيته بعد ذلك شيخا كبيرا قد سقطت حاجباه على عينيه يقف في الطريق فيغمز الجواري فيقال له، فيقول: شيخ مفتون أصابته دعوة سعد. وفي رواية غريبة أنه

[ 83 ]

أدرك فتنة المختار بن أبي عبيد فقتل فيها. وقال الطبراني: ثنا يوسف القاضي ثنا عمرو بن مرزوق ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم، عن سعيد بن المسيب. قال: خرجت جارية لسعد يقال لها زبراء، وعليها قميص جديد فكشفتها الريح فشد عليها عمر بالدرة، وجاء سعد ليمنعه فتناوله عمر بالدرة فذهب سعد يدعو على عمر، فناوله الدرة وقال: اقتص مني فعفى عن عمر. وروي أيضا أنه كان بين سعد وابن مسعود كلام فهم سعد أن يدعو عليه فخاف ابن مسعود وجعل يشتد في الهرب. وقال سفيان بن عيينة: لما كان يوم القادسية كان سعد على الناس وقد أصابته جراح فلم يشهد يوم الفتح، فقال رجل من بجيلة: ألم تر أن الله أظهر دينه * وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد أيمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهن أيم فقال سعد: اللهم اكفنا يده ولسانه. فجاءه سهم غرب فأصابه فخرس ويبست يداه جميعا. وقد أسند زياد البكائي وسيف بن عمر عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، عن ابن عمر فذكر مثله، وفيه: ثم خرج سعد فأرى الناس ما به من القروح في ظهره ليعتذر إليهم. وقال هشيم عن أبي بلح عن مصعب بن سعد أن رجلا نال من علي فنهاه سعد فلم ينته، فقال سعد: أدعو عليك، فلما ينته، فدعا الله عليه حتى جاء بعير ناد فتخبطه. وجاء من وجه آخر عن عامر بن سعد أن سعدا رأى جماعة عكوفا على رجل فأدخل رأسه من بين اثنين فإذا هو يسب عليا وطلحة والزبير، فنهاه عن ذلك فلم ينته، فقال: أدعو عليك، فقال الرجل: تتهددني كأنك نبي ؟ فانصرف سعد فدخل دار آل فلان فتوضأ وصلى ركعتين ثم رفع يديه فقال: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواما قد سبق لهم منك سابقة الحسنى، وأنه قد أسخطك سبه إياهم، فاجعله اليوم آية وعبرة. قال: فخرجت بختية نادة من دار آل فلان لا يردها شئ حتى دخلت بين أضعاف الناس، فافترق الناس فأخذته بين قوائمها، فلم يزل تتخبطه حتى مات. قال: فلقد رأيت الناس يشتدون وراء سعد يقولون: استجاب الله دعاءك يا أبا إسحاق. ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب فذكر نحوه وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر القرشي ثنا عبد الرزاق عن أبيه عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف أن امرأة كانت تطلع على سعد فنهاها فلم تنته، فاطلعت يوما وهو يتوضأ فقال: شاه وجهك، فعاد وجهها في قفاها. وقال كثير النوري: عن عبد الله بن بديل قال: دخل سعد على معاوية فقال له: مالك لم تقاتل معنا ؟ فقال: إني مرت بي ريح مظلمة فقلت: اخ اخ. فأنخت راحلتي حتى انجلت عني ثم عرفت الطريق فسرت، فقال معاوية: ليس في كتاب الله: اخ اخ. ولكن قال الله تعالى: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) * [ الحجرات: 9 ] فوالله ما كنت مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة على الباغية. فقال سعد: ما كنت لاقاتل رجلا قال له

[ 84 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ". فقال معاوية: من سمع هذا معك ؟ فقال: فلان وفلان وأم سلمة. فقال معاوية: أما إني لو سمعته منه صلى الله عليه وسلم لما قاتلت عليا. وفي رواية من وجه آخر أن هذا الكلام كان بينهما وهما بالمدينة في حجة حجها معاوية، وأنهما قاما إلى أم سلمة فسألاها فحدثتهما بما حدث به سعد، فقال معاوية: لو سمعت هذا قبل هذا اليوم لكنت خادما لعلي حتى يموت أو أموت. وفي إسناد هذا ضعف والله أعلم. وقد روي عن سعد أنه سمع رجلا يتكلم في علي وفي خالد فقال: إنه لم يبلغ ما بيننا إلى ديننا. وقال محمد بن سيرين: طاف سعد على تسع جوار في ليلة فلما انتهى إلى العاشرة أخذه النوم فاستحيت أن توقظه. ومن كلامه الحسن أنه قال لابنه مصعب: يا بني إذا طلبت شيئا فاطلبه بالقناعة، فإنه من لا قناعة له لم يغنه المال. وقال حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد. قال: كان رأس أبي في حجري وهو يقضي فبكيت، فقال: ما يبكيك يا بني ؟ والله إن الله لا يعذبني أبدا، وإني من أهل الجنة. إن الله يدين للمؤمنين بحسناتهم فاعملوا لله، وأما الكفار فيخفف عنهم بحسناتهم، فإذا نفدت قال: ليطلب كل عامل ثواب عمله ممن عمل له. وقال الزهري: لما حضرت سعدا الوفاة دعا بخلق جبة فقال: كفنوني في هذه فإني لقيت فيها المشركين يوم بدر، وإنما خبأتها لهذا اليوم. وكانت وفاة سعد بالعقيق خارج المدينة، فحمل إلى المدينة على أعناق الرجال فصلى عليه مروان، وصلى بصلاته أمهات المؤمنين الباقيات الصالحات، ودفن بالبقيع، وكان ذلك في هذه السنة - سنة خمس وخمسين - على المشهور الذي عليه الاكثرون، وقد جاوز الثمانين على الصحيح. قال علي بن المديني: وهو آخر العشرة وفاة. وقال غيره: كان آخر المهاجرين وفاة، رضي الله عنه وعنهم أجمعين. وقال الهيثم بن عدي: سنة خمسين، وقال أبو معشر وأبو نعيم مغيث بن المحرر: توفي سعد سنة ثمان وخمسين، زاد مغيث: وفيها توفي الحسن بن علي وعائشة وأم سلمة، والصحيح الاول - خمس وخمسين - قالوا وكان قصيرا غليظا شثن الكفين أفطس أشعر الجسد، يخضب بالسواد، وكان ميراثه مائتي ألف وخمسين ألفا. فضالة بن عبيد الانصاري الاوسي أول مشاهده أحد، وشهد بيعة الرضوان، ودخل الشام، وتولى القضاء بدمشق في أيام معاوية بعد أبي الدرداء. قال أبو عبيد: مات سنة ثلاث وخمسين. وقال غيره: سنة سبع وستين، وقال ابن الجوزي في المنتظم: توفي في هذه السنة والله أعلم.

[ 85 ]

قثم بن العباس بن عبد المطلب كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، تولى نيابة المدينة في أيام علي، وشهد فتح سمرقند فاستشهد بها. كعب بن عمرو أبو اليسر الانصاري السلمي، شهد العقبة وبدرا، وأسر يومئذ العباس بن عبد المطلب، وشهد ما بعد ذلك من المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو حاتم وغيره: مات سنة خمس وخمسين، زاد غيره: وهو آخر من مات من أهل بدر. ثم دخلت سنة ست وخمسين وذلك في أيام معاوية، ففيها شتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم، وقيل عبد الرحمن بن مسعود، ويقال فيها غزا في البحر يزيد بن سمرة (1)، وفي البر عياض بن الحارث. وفيها اعتمر معاوية في رجب، وحج بالناس فيها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وفيها ولى معاوية سعيد بن عثمان بلاد خراسان (2)، وعزل عنها عبيد الله بن زياد، فسار سعيد إلى خراسان والتقى مع الترك عند صغد سمرقند، فقتل منهم خلقا كثيرا، واستشهد معه جماعة منهم فيما قيل قثم بن العباس بن عبد المطلب. قال ابن جرير: سأل سعيد بن عثمان بن عفان معاوية أن يوليه خراسان فقال: إن بها عبيد الله بن زياد، فقال: أما لقد اصطنعك أبي ورقاك حتى بلغت باصطناعه المدى الذي لا يجارى إليه ولا يسامى، فما شكرت بلاءه ولا جازيته بآلائه، وقدمت علي هذا - يعني يزيد بن معاوية - وبايعت له، ووالله لانا خير منه أبا وأما ونفسا. فقال له معاوية: أما بلاء أبيك عندي فقد يحق علي الجزاء به، وقد كان من شكري لذلك أني طلبت بدمه حتى تكشفت الامور، ولست بلائم لنفسي في التشمير، وأما فضل أبيك على أبيه، فأبوك والله خير مني وأقرب برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما فضل أمك على أمه فما لا ينكر، فإن امرأة من قريش خير من امرأة من كلب (3)، وأما فضلك عليه فوالله ما أحب أن الغوطة دحست ليزيد رجالا مثلك (4) - يعني أن الغوطة لو ملئت رجالا مثل سعيد بن عثمان كان يزيد خيرا وأحب إلي منهم. فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين ابن عمك وأنت


(1) في الطبري 6 / 168 يزيد بن شجرة الرهاوي، وفي الكامل: 3 / 503 يزيد بن شجرة. (2) في فتوح ابن الاعثم 4 / 186: ولاه خراسان وكان زياد - لا يزال حيا - على البصرة والكوفة، وكتب إلى زياد أن يفرض لسعيد فرضا وأن يقويه بالمال والسلاح وأن لا يجعل له في ذلك علة. (3) كذا بالاصل والطبري والكامل، وفي فتوح ابن الاعثم 4 / 185: من اليمن. (4) في فتوح ابن الاعثم: فوالله يا بن أخ ! ما يسرني أن حبلا مدلى فيما بيني وبين العراق فنظم لي فيه أمثالك بيزيد. (*)

[ 86 ]

أحق من نظر في أمره، وقد عتب عليك في فأعتبه. فولاه حرب خراسان، فأتى سمرقند فخرج إليه أهل الصغد من الترك فقاتلهم وهزمهم وحصرهم في مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهنا خمسين غلاما يكونون في يده من أبناء عظمائهم، فأقام بالترمذ ولم يف لهم، وجاء بالغلمان الرهن معه إلى المدينة. وفيها دعا معاوية الناس إلى البيعة ليزيد ولده أن يكون ولي عهده من بعده، - وكان قد عزم قبل ذلك على هذا في حياة المغيرة بن شعبة - فروى ابن جرير: من طريق الشعبي، أن المغيرة كان قد قدم على معاوية وأعفاه من إمرة الكوفة فأعفاه لكبره وضعفه، وعزم على توليتها سعيد بن العاص، فلما بلغ ذلك المغيرة كأنه ندم، فجاء إلى يزيد بن معاوية فأشار عليه بأن يسأل من أبيه أن يكون ولي العهد، فسأل ذلك من أبيه فقال: من أمرك بهذا ؟ قال: المغيرة، فأعجب ذلك معاوية من المغيرة ورده إلى عمل الكوفة، وأمره أن يسعى في ذلك، فعند ذلك سعى المغيرة في توطيد ذلك، وكتب معاوية إلى زياد يستشيره في ذلك، فكره زياد ذلك لما يعلم من لعب يزيد وإقباله على اللعب والصيد، فبعث إليه من يثني رأيه عن ذلك، وهو عبيد بن كعب بن النميري - وكان صاحبا أكيدا لزياد - فسار إلى دمشق فاجتمع بيزيد أولا، فكلمه عن زياد وأشار عليه بأن لا يطلب ذلك، فإن تركه خير له من السعي فيه، فانزجر يزيد عما يريد من ذلك، واجتمع بأبيه واتفقا على ترك ذلك في هذا الوقت، فلما مات زياد وكانت هذه السنة، شرع معاوية في نظم ذلك والدعاء إليه، وعقد البيعة لولده يزيد، وكتب إلى الآفاق بذلك، فبايع له الناس في سائر الاقاليم، إلا عبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر والحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وابن عباس، فركب معاوية إلى مكة معتمرا، فلما اجتاز بالمدينة - مرجعه من مكة - استدعى كل واحد من هؤلاء الخمسة فأوعده وتهدده بانفراده، فكان من أشدهم عليه ردا وأجلدهم في الكلام، عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وكان ألينهم كلاما عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثم خطب معاوية وهؤلاء حضور تحت منبره، وبايع الناس ليزيد وهم قعود ولم يوافقوا ولم يظهروا خلافا، لما تهددهم وتوعدهم (1)، فاتسقت البيعة ليزيد في سائر البلاد، ووفدت الوفود من سائر الاقاليم إلى يزيد، فكان فيمن قدم الاحنف بن قيس، فأمره معاوية أن يحادث يزيد، فجلسا ثم خرج الاحنف فقال له معاوية: ماذا رأيت من ابن أخيك ؟ فقال: إنا نخاف الله إن كذبنا ونخافكم إن صدقنا، وأنت أعلم به في ليله ونهاره، وسره وعلانيته، ومدخله ومخرجه، وأنت أعلم به بما


(1) قال ابن الاثير في الكامل 3 / 510: إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس فأحمل ذلك وأصفح، وإني قائم بمقالة فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه فلا يبقين رجل إلا على نفسه. ثم دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين مع كل واحد سيف، فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفيهما. وقال ابن الاعثم في فتوحه 4 / 247: قال معاوية عزمت أن أتكلم على المنبر بكلام والمبقي في ذلك الوقت إنما يبقي على نفسه من أهل الشام وأنتم أعلم وقد أعذر من أنذر. (*)

[ 87 ]

أردت، وإنما علينا أن نسمع ونطيع، وعليك أن تنصح للامة. وقد كان معاوية لما صالح الحسن عهد للحسن بالامر من بعده، فلما مات الحسن قوي أمر يزيد عند معاوية، ورأى أنه لذلك أهلا، وذاك من شدة محبة الوالد لولده، ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية، وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته، وكان ظن أن لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في هذا المعنى، ولهذا قال لعبد الله بن عمر فيما خاطبه به: إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع، فقال له ابن عمر: إذا بايعه الناس كلهم بايعته ولو كان عبدا مجدع الاطراف. وقد عاتب معاوية في ولايته يزيد، سعيد بن عثمان بن عفان وطلب منه أن يوليه مكانه، وقال له سعيد فيما قال: إن أبي لم يزل معتنيا بك حتى بلغت ذروة المجد والشرف، وقد قدمت ولدك علي وأنا خير منه أبا وأما ونفسا. فقال له: أما ما ذكرت من إحسان أبيك إلي فإنه أمر لا ينكر، وأما كون أبيك خير من أبيه فحق وأمك قرشية وأمه كلبية فهي خير منها، وأما كونك خيرا منه فوالله لو ملئت إلى الغوطة رجالا مثلك لكان يزيد أحب إلي منكم كلكم. وروينا عن معاوية أنه قال يوما في خطبته: اللهم إن كنت تعلم أني وليته لانه فيما أراه أهل لذلك فأتمم له ما وليته، وإن كنت وليته لاني أحبه فلا تتمم له ما وليته. وذكر الحافظ ابن عساكر: أن معاوية كان قد سمر ليلة فتكلم أصحابه في المرأة التي يكون ولدها نجيبا، فذكروا صفة المرأة التي يكون ولدها نجيبا: فقال معاوية: وددت لو عرفت بامرأة تكون بهذه المئابة ؟ فقال أحد جلسائه: قد وجدت ذلك يا أمير المؤمنين. قال: ومن ؟ قال: ابنتي يا أمير المؤمنين. فتزوجها معاوية فولدت له يزيد بن معاوية فجاء نجيبا ذكيا حاذقا. ثم خطب امرأة أخرى فحظيت عنده وولدت له غلاما آخر، وهجر أم يزيد فكانت عنده في جنب داره، فبينما هو في النظارة ومعه امرأته الاخرى، إذ نظر إلى أم يزيد وهي تسرحه، فقالت امرأته: قبحها الله وقبح ما تسرح. فقال: ولم ؟ فوالله إن ولدها أنجب من ولدك، وإن أحببت بينت لك ذلك، ثم استدعى ولدها فقال له: إن أمير المؤمنين قد عن له أن يطلق لك ما تتمناه عليه فاطلب مني ما شئت. فقال: أسأل من أمير المؤمنين أن يطلق لي كلابا للصيد وخيلا ورجالا يكونون معي في الصيد. فقال: قد أمرنا لك بذلك، ثم استدعى يزيد فقال له كما قال لاخيه، فقال يزيد: أو يعفيني أمير المؤمنين في هذا الوقت عن هذا ؟ فقال: لابد لك أن تسأل حاجتك ؟ فقال: أسأل - وأطال الله عمر أمير المؤمنين - أن أكون ولي عهده من بعده، فإنه بلغني أن عدل يوم في الرعية كعبادة خمسمائة عام. فقال: قد أجبتك إلى ذلك، ثم قال لامرأته: كيف رأيت ؟ فعلمت وتحققت فضل يزيد على ولدها. وقد ذكر ابن الجوزي في هذه السنة وفاة أم حرام بنت ملحان الانصارية امرأة عبادة بن عبادة بن الصامت، والصحيح الذي لم يذكر العلماء غيره أنها توفيت سنة سبع وعشرين، في خلافة عثمان، وكانت هي وزوجها مع معاوية حين دخل قبرص، وقصتها بغلتها فماتت هناك وقبرها بقبرص، والعجب أن ابن الجوزي أورد في ترجمتها حديثها المخرج في الصحيحين في قيلولة

[ 88 ]

النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها، ورؤياه في منامه قوما من أمته يركبون ثبج البحر مثل الملوك على الاسرة غزاة في سبيل الله، وأنها سألته أن يدعو لها أن تكون منهم فدعا لها، ثم نام فرأى كذلك، فقالت: ادعو الله أن يجعلني منهم، فقال " لا ! أنت من الاولين " وهم الذين فتحوا قبرص فكانت معهم، وذلك في سنة سبع وعشرين، ولم تكن من الآخرين الذين غزوا بلاد الروم سنة إحدى وخمسين مع يزيد بن معاوية ومعهم أبو أيوب، وقد توفي هناك فقبره قريب من سور قسطنطينية وقد ذكرنا هذا مقرارا في دلائل النبوة. سنة سبع وخمسين فيها كان مشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم، قال الواقدي: وفي شوالها عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة (1)، وولى عليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان (2)، وهو الذي حج بالناس في هذه السنة، لانه صارت إليه إمرة المدينة، وكان على الكوفة الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى خراسان سعيد بن عثمان. قال ابن الجوزي: وفيها توفي عثمان بن حنيف الانصاري الاوسي، وهو أخو عبادة وسهل ابني حنيف، بعثه عمر لمساحة خراج السواد بالعراق، واستنابه عمر على الكوفة، فلما قدم طلحة والزبير صحبة عائشة وامتنع من تسليم دار الامارة، نتفت لحيته وحواجبه وأشفار عينيه ومثل به، فلما جاء علي وسلمه البلد قال له: يا أمير المؤمنين فارقتك ذا لحية واجتمعت بك أمرد، فتبسم علي رضي الله عنه وقال: لك أجر ذلك عند الله، وله في المسند والسنن حديث الاعمى الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ليرد الله عليه ضوء بصره فرده الله عليه، وله حديث آخر عند النسائي، ولم أر أحدا أرخ وفاته بهذه السنة سوى ابن الجوزي والله أعلم. سنة ثمان وخمسين فيها غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم، قال الواقدي: وفيها قيل شتى يزيد بن


(1) قال المسعودي في مروج الذهب 3 / 35: أن مروان بن الحكم قدم دمشق، لما كتب إليه معاوية وهو عامله على المدينة يأمره بمبايعة يزيد وأخذ البيعة له على من قبله، واعلن معارضته لبيعة يزيد، فجعله معاوية وليا لعهد يزيد ورده إلى المدينة، ثم إنه عزله عنها ولم يف لمروان بما جعل له من ولاية عهد يزيد. ولم يشر الطبري وابن الاثير وابن الاعثم إلى هذا الموقف. أما ابن قتيبة قال: أن مروان لما قرأ كتاب معاوية أبى من ذلك، وأبته قريش فكتب لمعاوية أن قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك ابنك، فر رأيك، فلما بلغ معاوية كتاب مروان عرف أن ذلك من قبله. فكتب إليه يأمره أن يعتزل عن عمله. فجاءه مروان مع قومه وأهل بيته... فقال له معاوية: إليك عهد عهده وأنت نظير أمير المؤمنين بعده (الامامة والسياسة) 1 / 176 - 177. (2) في الامامة والسياسة 1 / 177 سعيد بن العاص. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: أن ذلك كان سنة ثمان واربعين ثم عزله وولاها مروان ثم عزله وولى الوليد بن عتبة. (*)

[ 89 ]

شجرة في البحر، وقيل: بل غزا البحر وبلاد الروم جنادة بن أبي أمية، وقيل: إنما شتى بأرض الروم عمرو بن يزيد الجهني. قال أبو معشر والواقدي: وحج بالناس فيها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وفيها ولى معاوية الكوفة لعبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان بن ربيعة الثقفي، ابن أم الحكم، وأم الحكم هي أخت معاوية، وعزل عنها الضحاك بن قيس، فولى ابن أم الحكم على شرطته زائدة بن قدامة، وخرجت الخوارج في أيام ابن أم الحكم، وكان رئيسهم في هذه الوقعة حيان بن ضبيان السلمي، فبعث إليهم جيشا فقتلوا الخوارج جميعا، ثم إن ابن أم الحكم أساء السيرة في أهل الكوفة فأخرجوه من بين أظهرهم طريدا، فرجع إلى خاله معاوية فذكر له ذلك، فقال: لاولينك مصرا هو خير لك، فولاه مصر، فلما سار إليها تلقاه معاوية بن خديج على مرحلتين من مصر، فقال له: ارجع إلى خالك معاوية، فلعمري لا ندعك تدخلها فتسير فيها وفينا سيرتك في إخواننا أهل الكوفة، فرجع ابن أم الحكم إلى معاوية ولحقه معاوية بن خديج وافدا على معاوية، فلما دخل عليه وجده عنده أخته أم الحكم، وهي أم عبد الرحمن الذي طرده أهل الكوفة وأهل مصر، فلما رآه معاوية قال: بخ بخ، هذا معاوية بن خديج، فقالت أم الحكم: لامر حبابه، تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال معاوية بن خديج: على رسلك يا أم الحكم، أما والله لقد تزوجت فما أكرمت، وولدت فما أنجبت، أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا أهل الكوفة، فما كان الله ليريه ذلك، ولو فعل ذلك لضربناه ضربا يطأطئ منه رأسه، - أو قال لضربنا ما صاصا منه - وإن كره ذلك الجالس - يعني معاوية - فالتفت إليها معاوية فقال: كفى. قصة غريبة ذكرها ابن الجوزي في كتابه المنتظم بسنده، وهو أن شابا من بني عذرة جرت له قصة مع ابن أم الحكم، وملخصها أن معاوية بينما هو يوما على السماط إذا شاب من بني عذرة قد تمثل بين يديه فأنشده شعرا مضمونه التشوق إلى زوجته سعاد، فاستدناه معاوية واستحكاه عن أمره، فقال: يا أمير المؤمنين إني كنت مزوجا بابنة عم لي، وكان لي إبل وغنم، وأنفقت ذلك عليها، فلما قل ما بيدي رغب عني أبوها وشكاني إلى عاملك بالكوفة، ابن أم الحكم، وبلغه جمالها فحبسني في الحديد وحملني على أن أطلقها، فلما انقضت عدتها أعطاها عاملك عشرة آلاف درهم فزوجه إياها، وقد أتيتك يا أمير المؤمنين وأنت غياث المحزون الملهوف المكروب، وسند المسلوب، فهل من فرج ؟ ثم بكى وأنشأ يقول: في القلب مني نار * والنار فيها شرار والجسم مني نحيل * واللون فيه اصفرار والعين تبكي بشجو * فدمعها مدرار

[ 90 ]

والحب ذا عبر * فيه الطبيب يحار حملت فيه عظيما * فما عليه اصطبار فليس ليلي بليل * ولا نهاري نهار قال: فرق له معاوية وكتب إلى ابن أم الحكم يؤنبه على ذلك ويعيبه عليه، ويأمره بطلاقها فولا واحدا، فلما جاءه كتاب معاوية تنفس الصعداء وقال: وددت أن أمير المؤمنين خلى بيني وبينها سنة ثم عرضني على السيف، وجعل يؤامر نفسه على طلاقها فلا يقدر على ذلك ولا تجيبه نفسه، وجعل البريد الذي ورد عليه بالكتاب يستحثه، فطلقها وأخرجها عنه وسيرها مع الوفد إلى معاوية، فلما وقفت بين يديه رأى منظرا جميلا، فلما استنطقها فإذا أفصح الناس وأحلاهم كلاما، وأكملهم جمالا ودلالا، فقال لابن عمها: يا أعرابي هل من سلو عنها بأفضل الرغبة ؟ قال: نعم إذا فرقت بين رأسي وجسدي ثم أنشأ يقول: لا تجعلني والامثال تضرب بي * كالمستغيث من الرمضاء بالنار اردد سعاد على حيران مكتئب * يمسي ويصبح في هم وتذكار قد شفه قلق ما مثله قلق * وأسعر القلب منه أي إسعار والله والله لا أنسى محبتها * حتى أغيب في رمسي وأحجاري كيف السلو وقد هام الفؤاد بها * وأصبح القلب عنها غير صبار ؟ فقال معاوية: فإنا نخيرها بيني وبينك وبين ابن أم الحكم فأنشأت تقول: هذا وإن اصبح في إطار * وكان في نقص من اليسار أحب عندي من أبي وجاري * وصاحب الدرهم والدينار أخشى إذا غدرت حر النار قال: فضحك معاوية وأمر له بعشرة آلاف درهم ومركب ووطاء، ولما انقضت عدتها زوجه بها وسلمها إليه. حذفنا منها أشعارا كثيرة مطولة. وجرت في هذه السنة فصول طويلة بين عبيد الله بن زياد والخوارج، فقتل منهم خلقا كثيرا وجما غفيرا، وحبس منهم آخرين، وكان صارما كأبيه مقداما في أمرهم والله سبحانه وتعالى أعلم. ذكر من توفي فيها من الاعيان توفي في هذا العام سعيد بن العاص (1) بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي


(1) وهو سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص... (*)

[ 91 ]

الاموي، قتل أبوه يوم بدر كافرا، قتله علي بن أبي طالب، ونشأ سعيد في حجر عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان عمر سعيد يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين (1)، وكان من سادات المسلمين والاجواد المشهورين، وكان جده سعيد بن العاص - ويكنى بأبي أجنحة - (2) رئيسا في قريش، يقال له ذو التاج، لانه كان إذا اعتم لا يعتم أحد (3) يومئذ إعظاما له، وكان سعيد هذا من عمال عمر على السواد، وجعله عثمان فيمن يكتب المصاحف لفصاحته، وكان أشبه الناس لحية برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في جملة الاثني عشر رجلا، الذين يستخرجون القرآن ويعلمونه ويكتبونه، منهم أبي بن كعب، وزيد بن ثابت. واستنابه عثمان على الكوفة بعد عزله الوليد بن عقبة، فافتتح طبرستان وجرجان، ونقض العهد أهل أذربيجان فغزاهم ففتحها، فلما مات عثمان اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل ولا صفين، فلما استقر الامر لمعاوية وفد إليه فعتب عليه فاعتذر إليه فعذره في كلام طويل جدا، وولاه المدينة مرتين، وعزله عنها مرتين بمروان بن الحكم، وكان سعيد هذا لا يسب عليا، ومروان يسبه، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عمر بن الخطاب، وعثمان، وعائشة، وعنه ابناه عمرو بن سعيد الاشدق وأبو سعيد وسالم بن عبد الله بن عمر، وعروة بن الزبير، وغيرهم، وليس له في المسند ولا في الكتب الستة شئ. وقد كان حسن السيرة، جيد السريرة، وكان كثيرا ما يجمع أصحابه في كل جمعة فيطعمهم ويكسوهم الحلل، ويرسل إلى بيوتهم بالهدايا والتحف والبر الكثير، وكان يصر الصرر فيضعها بين يدي المصلين من ذوي الحاجات في المسجد. قال ابن عساكر: وقد كانت له دار بدمشق تعرف بعده بدار نعيم، وحمام نعيم، بنواحي الديماس، ثم رجع إلى المدينة فأقام بها إلى أن مات، وكان كريما جوادا ممدحا. ثم أورد شيئا من حديثه من طريق يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو سعيد الجعفي ثنا عبد الله بن الاجلح ثنا هشام بن عروة عن أبيه أن سعيد بن العاص قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خياركم في الاسلام خياركم في الجاهلية " وفي طريق الزبير بن بكار: حدثني رجل عن عبد العزيز بن أبان حدثني خالد بن سعيد عن أبيه عن ابن عمر قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببرد. فقالت: إني نذرت أن أعطي هذا الثوب أكرم العرب، فقال: " اعطه هذا الغلام " - يعني سعيد بن العاص - وهو واقف، فلذلك سميت الثياب السعيدية وأنشد الفرزدق قوله فيه: ترى الغر الجحاجح من قريش * إذا ما الخطب (4) في الحدثان عالا


(1) قال ابن عبد البر في الاستيعاب: ولد عام الهجرة وقيل سنة احدى (هامش الاصابة 2 / 9 وأسد الغابة 2 / 310). (2) في الاصابة: أبي أحيحة (وانظر أسد الغابة 2 / 309). (3) في أسد الغابة: لا يعتم أحد بلون عمامته... (4) في الاستيعاب: الامر. (*)

[ 92 ]

قياما ينظرون إلى سعيد * كأنهم يرون به هلالا وذكر أن عثمان عزل عن الكوفة المغيرة وولاها سعد بن أبي وقاص، ثم عزله وولاها الوليد بن عتبة، ثم عزله وولى سعيد بن العاص، فأقام بها حينا، ولم تحمد سيرته فيهم ولم يحبوه، ثم ركب مالك بن الحارث - وهو الاشتر النخعي - في جماعة إلى عثمان وسألوه أن يعزل عنهم سعيدا فلم يعزله، وكان عنده بالمدينة فبعثه إليهم، وسبق الاشتر إلى الكوفة فخطب الناس وحثهم على منعه من الدخول إليهم، وركب الاشتر في جيش يمنعوه من الدخول، قيل تلقوه إلى العذيب، - وقد نزل سعيد بالرعثة - (3) فمنعوه من الدخول إليهم، ولم يزالوا به حتى ردوه إلى عثمان، وولى الاشتر أبا موسى الاشعري على الصلاة والثغر وحذيفة بن اليمان على الفئ، فأجاز ذلك أهل الكوفة وبعثوا إلى عثمان في ذلك فأمضاه وسره ذلك فيما أظهره، ولكن هذا كان أول وهن دخل على عثمان. وأقام سعيد بن العاص بالمدينة حتى كان زمن حصر عثمان فكان عنده بالدار، ثم لما ركب طلحة والزبير مع عائشة من مكة يريدون قتلة عثمان ركب معهم، ثم انفرد عنهم هو والمغيرة بن شعبة وغيرهما، فأقام بالطائف حتى انقضت تلك الحروب كلها، ثم ولاه معاوية إمرة المدينة سنة تسع وأربعين، وعزل مروان فأقام سبعا ثم رد مروان. وقال عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال: بعثني زياد في شغل إلى معاوية، فلما فرغت من أموري قلت: يا أمير المؤمنين لم يكن الامر من بعدك ؟ فسكت ساعة ثم قال. يكون بين جماعة، إما كريم قريش سعيد بن العاص، وإما فتى قريش، حياء ودهاء وسخاء، عبد الله بن عامر، وإما الحسن بن علي فرجل سيد كريم، وإما القارئ لكتاب الله الفقيه في دين الله، الشديد في حدود الله، مروان بن الحكم، وأما رجل فقيه عبد الله بن عمر، وإما رجل يتردد الشريعة مع دواهي السباع ويروغ روغان الثعلب فعبد الله بن الزبير. وروينا أنه استسقى يوما في بعض طرق المدينة، فأخرج له رجل من دار ماء فشرب، ثم بعد حين رأى ذلك يعرض داره للبيع فسأل عنه لم يبيع داره ؟ فقالوا: عليه دين أربعة آلاف دينار، فبعث إلى غريمه فقال: هي لك علي، وأرسل إلى صاحب الدار فقال: استمتع بدارك. وكان رجل من القراء الذين يجالسونه قد افتقر وأصابته فاقة شديدة، فقالت له امرأته: إن أميرنا هذا يوصف بكرم، فلو ذكرت له حالك فلعله يسمح لك بشئ ؟ فقال: ويحك ! لا تحلقي وجهي، فألحت عليه في ذلك، فجاء فجلس إليه، فلما انصرف الناس عنه مكث الرجل جالسا في مكانه، فقال له سعيد: أظن جلوسك لحاجة ؟ فسكت الرجل، فقال سعيد لغلمانه: انصرفوا، ثم قال له سعيد: لم يبق غيرك وغيرك، فسكت، فأطفأ المصباح ثم قال له: رحمك الله لست ترى وجهي فاذكر حاجتك، فقال: أصلح الله الامير أصابتنا فاقة وحاجة فأحببت ذكرها لك فاستحييت، فقال له: إذا أصبحت فالق وكيلي فلانا، فلما أصبح الرجل لقي الوكيل فقال له الوكيل: إن الامير قد أمر لك بشئ فأت بمن يحمله معك، فقال: ما عندي من يحمله، ثم انصرف الرجل إلى امرأته فلامها وقال: حملتيني على بذل

[ 93 ]

وجهي للامير، فقد أمر لي بشئ يحتاج إلى من يحمله، وما أراه أمر لي إلا بدقيق أو طعام، ولو كان مالا لما احتاج إلى من يحمله، ولاعطانيه. فقالت المرأة: فمهما أعطاك فإنه يقوتنا فخذه، فرجع الرجل إلى الوكيل فقال له الوكيل: إني أخبرت الامير أنه ليس لك أحد يحمله، وقد أرسل بهؤلاء الثلاثة السودان يحملونه معك، فذهب الرجل، فلما وصل إلى منزله إذا على رأس كل واحد منهم عشرة آلاف دراهم، فقال للغلمان: ضعوا ما معكم وانصرفوا، فقالوا: إن الامير قد أطلقنا لك، فإنه ما بعث مع خادم هدية إلى أحد إلا كان الخادم الذي يحملها من جملتها، قال: فحسن حال ذلك الرجل. وذكر ابن عساكر: أن زياد بن أبي سفيان بعث إلى سعيد بن العاص هدايا وأموالا وكتابا ذكر فيه أنه يخطب إليه ابنته أم عثمان من آمنة بنت جرير بن عبد الله البجلي، فلما وصلت الهدايا والاموال والكتاب قرأه، ثم فرق الهدايا في جلسائه، ثم كتب إليه كتابا لطيفا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم ! قال الله تعالى: * (كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى) * [ العلق: 6 ] والسلام. وروينا أن سعيدا خطب أم كلثوم بنت علي من فاطمة، التي كانت تحت عمر بن الخطاب، فأجابت إلى ذلك وشاورت أخويها فكرها ذلك، وفي رواية إنما كره ذلك الحسين وأجاب الحسن، فهيأت دارها ونصبت سريرا وتواعدوا للكتاب، وأمرت ابنها زيد بن عمر أن يزوجها منه، فبعث إليها بمائة ألف، وفي رواية بمائتي ألف مهرا، واجتمع عنده أصحابه ليذهبوا معه، فقال: إني أكره أن أخرج أمي فاطمة، فترك التزويج وأطلق جميع ذلك المال لها. وقال ابن معين وعبد الاعلى بن حماد: سأل أعرابي سعيد بن العاص فأمر له بخمسمائة، فقال الخادم: خمسمائة درهم أو دينار ؟ فقال: إنما أمرتك بخمسمائة درهم، وإذ قد جاش في نفسك أنها دنانير فادفع إليه خمسمائة دينار، فلما قبضها الاعرابي جلس يبكي، فقال له: مالك ؟ ألم تقبض نوالك ؟ قال: بلى والله ! ولكن أبكي على الارض كيف تأكل مثلك. وقال عبد الحميد بن جعفر: جاء رجل في حمالة أربع ديات سأل فيها أهل المدينة، فقيل: له عليك بالحسن بن علي، أو عبد الله بن جعفر، أو سعيد بن العاص، أو عبد الله بن عباس، فانطلق إلى المسجد فإذا سعيد داخل إليه، فقال: من هذا ؟ قيل: سعيد بن العاص، فقصده فذكر له ما أقدمه، فتركه حتى انصرف من المسجد إلى المنزل فقال للاعرابي: إئت بمن يحمل معك ؟ فقال: رحمك الله ! إنما سألتك مالا لا تمرا، فقال: أعرف، إئت بمن يحمل معك ؟ فأعطاه أربعين ألفا فأخذها الاعرابي وانصرف ولم يسأل غيره. وقال سعيد بن العاص لابنه: يا بني أجر لله المعروف إذا لم يكن ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك الرجل تكاد ترى دمه في وجهه، أو جاءك مخاطرا لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فوالله لو خرجت له من جميع مالك ما كافأته. وقال سعيد: لجليسي على ثلاث، إذا دنا رحبت به، وإذ جلس أوسعت له، وإذا حدث أقبلت عليه. وقال أيضا: يا بني لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنئ فتهون عليه، وفي رواية فيجترئ عليك. وخطب يوما فقال: من رزقه الله رزقا حسنا فليكن أسعد الناس به، إنما يتركه لاحد رجلين، إما مصلح فيسعد بما جمعت له وتخيب أنت،

[ 94 ]

والمصلح لا يقل عليه شئ، وإما مفسد فلا يبقى له شئ. فقال أبو معاوية: جمع أبو عثمان طرف الكلام. وروى الاصمعي عن حكيم بن قيس. قال سعيد بن العاص: موطنان لا أستحيي من رفقي فيهما والتأني عندهما، مخاطبتي جاهلا أو سفيها، وعند مسألتي حاجة لنفسي. ودخلت عليه امرأة من العابدات وهو أمير الكوفة فأكرمها وأحسن إليها، فقالت: لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا زالت المنة لك في أعناق الكرام، وإذا أزال عن كريم نعمة جعلك سببا لردها عليه. وقد كان له عشرة من الولد ذكورا وإناثا، وكانت إحدى زوجاته أم البنين بنت الحكم بن أبي العاص - أخت مروان بن الحكم - ولما حضرت سعيدا الوفاة جمع بنيه وقال لهم: لا يفقدن أصحابي غير وجهي، وصلوهم بما كنت أصلهم به، وأجروا عليهم ما كنت أجري عليهم، واكفوهم مؤنة الطلب، فإن الرجل إذا طلب الحاجة اضطربت أركانه، وارتعدت فرائصه مخافة أن يرد، فوالله لرجل يتململ على فراشه يراكم موضعا لحاجته أعظم منة عليكم مما تعطونه. ثم أوصاهم بوصايا كثيرة، منها أن يوفوا ما عليه من الدين والوعود، وأن لا يزوجوا أخوانهم إلا من الاكفاء، وأن يسودوا أكبرهم. فتكفل بذلك كله ابنه عمرو بن سعيد الاشدق، فلما مات دفنه بالبقيع ثم ركب عمرو إلى معاوية فعزاه فيه واسترجع معاوية وحزن عليه وقال: هل ترك من دين عليه ؟ قال: نعم ! قال: وكم هو ؟ قال: ثلثمائة ألف درهم، وفي رواية ثلاثة آلاف ألف درهم (1)، فقال معاوية: هي علي ! فقال ابنه: يا أمير المؤمنين، إنه أوصاني أن لا أقضي دينه إلا من ثمن أراضيه، فاشترى منه معاوية أراضي بمبلغ الدين، وسأل منه عمرو أن يحملها إلى المدينة فحملها له، ثم شرع عمرو يقضي ما على أبيه من الدين حتى لم يبق أحد، فكان من جملة من طالبه شاب معه رقعة من أديم فيها عشرون ألفا، فقال له عمرو: كيف استحققت هذه على أبي ؟ فقال الشاب: إنه كان يوما يمشي وحده فأحببت أن أكون معه حتى يصل إلى منزله، فقال: ابغني رقعة من أدم، فذهبت إلى الجزارين فأتيته بهذه فكتب لي فيها هذا المبلغ، واعتذر بأنه ليس عنده اليوم شئ. فدفع إليه عمرو ذلك المال وزاده شيئا كثيرا، ويروى أن معاوية قال لعمرو بن سعيد: من ترك مثلك لم يمت، ثم قال: رحم الله أبا عثمان: قد مات من هو أكبر مني ومن هو أصغر مني، وأنشد قول الشاعر: إذا سار من دون امرئ وأمامه * وأوحش من إخوانه فهو سائر وكانت وفاة سعيد بن العاص في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. وقال بعضهم: كانت وفاته قبل عبد الله بن عامر بجمعة. شداد بن أوس بن ثابت ابن المنذر بن حرام، أبو يعلى الانصاري الخزرجي، صحابي جليل، وهو ابن أخي


(1) في أسد الغابة 2 / 311 والاصابة 2 / 48: ثمانون ألف دينار. (*)

[ 95 ]

حسان بن ثابت. وحكى ابن منده عن موسى بن عقبة أنه قال: شهد بدرا. قال ابن منده وهو وهم، وكان من الاجتهاد في العبادة على جانب عظيم، كان إذا أخذ مضجعه تعلق على فراشه ويتقلب عليه ويتلوى كما تتلوى الحية ويقول: اللهم إن خوف النار قد أقلقني، ثم يقوم إلى صلاته. قال عبادة بن الصامت: كان شداد من الذين أوتوا العلم والحلم. نزل شداد فلسطين وبيت المقدس، ومات في هذه السنة عن خمس وسبعين سنة، وقيل: مات سنة أربع وستين، وقيل سنة إحدى وأربعين. فالله أعلم. عبد الله بن عامر ابن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي، ابن خال عثمان بن عفان، ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفل في فيه، فجعل يبتلع ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " إنه لمسقاء "، فكان لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء، وكان كريما ممدحا ميمون النقيبة، استنابه عثمان على البصرة بعد أبي موسى، وولاه بلاد فارس بعد عثمان بن أبي العاص، وعمره إذا ذاك خمسا وعشرين سنة، ففتح خراسان كلها، وأطراف فارس وسجستان وكرمان وبلاد غزنة، وقتل كسرى ملك الملوك في أيامه - وهو يزدجرد - ثم أحرم عبد الله بن عامر بحجة، وقيل بعمرة من تلك البلاد شكرا لله عز وجل، وفرق في أهل المدينة أموالا كثيرة جزيلة، وهو أول من لبس الخز بالبصرة، والله سبحانه وتعالى أعلم. وهو أول من اتخذ الحياض (1) بعرفة وأجرى إليها الماء المعين والعين، ولم يزل على البصرة حتى قتل عثمان، فأخذ أموال بيت المال وتلقى بها طلحة والزبير وحضر معهم الجمل، ثم سار إلى دمشق، ولم يسمع له بذكر في صفين، ولكن ولاه معاوية البصرة بعد صلحه مع الحسن، وتوفي في هذه السنة بأرضه بعرفات، وأوصى إلى عبد الله بن الزبير. له حديث واحد، وليس له في الكتب شئ، روى مصعب الزبيري عن أبيه عن حنظلة بن قيس عن عبد الله بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل دون ماله فهو شهيد " وقد زوجه معاوية بابنته هند، وكانت جميلة، فكانت تلي خدمته بنفسها من محبتها له، فنظر يوما في المرآة فرأى صباحة وجهها وشيبة في لحيته فطلقها، وبعث إلى أبيها أن يزوجها بشاب كأن وجهه ورقة مصحف. توفي في هذه السنة وقيل بعدها بسنة. عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما وهو أكبر ولد أبي بكر الصديق، قاله الزبير بن بكار، قال: وكانت فيه دعابة، وأمه أم رومان، وأم عائشة فهو شقيقها، بارز يوم بدر وأخذ مع المشركين، وأراد قتل أبيه أبي بكر، فتقدم إليه أبوه أبو بكر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمتعنا بنفسك " ثم أسلم عبد الرحمن بعد ذلك في


(1) في الاصابة: السقايات، والحياض والسقايات، الاحواض. (*)

[ 96 ]

الهدنة، وهاجر قبل الفتح، ورزقه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر كل سنة أربعين وسقا، وكان من سادات المسلمين، وهو الذي دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات وعائشة مسندته إلى صدرها، ومع عبد الرحمن سواك رطب فأخذه بصره، فأخذت عائشة ذلك السواك فقضمته وطيبته، ثم دفعته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به أحسن استنان ثم قال: " اللهم في الرفيق الاعلا ". ثم قضى. قالت: فجمع الله بين ريقي وريقه، ومات بين سحري ونحري، في بيتي ويومي لم أظلم فيه أحدا. وقد شهد عبد الرحمن فتح اليمامة وقتل يومئذ سبعة، وهو الذي قتل محكم بن الطفيل. صديق مسيلمة على باطله - كان محكم واقفا في ثلمة حائط فرماه عبد الرحمن فسقط محكم، فدخل المسلمون من الثلمة فخلصوا إلى مسيلمة فقتلوه. وقد شهد فتح الشام، وكان معظما بين أهل الاسلام ونفل ليلى بنت الجودي ملك عرب الشام، نفله إياها خالد بن الوليد عن أمر عمر بن الخطاب كما سنذكره مفصلا. وقد قال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي بكر - ولم يجرب عليه كذبة قط - ذكر عنه حكاية أنه لما جاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة، قال عبد الرحمن لمروان: جعلتموها والله هرقلية وكسروية - يعني جعلتم ملك الملك لمن بعده من ولده - فقال له مروان: اسكت فإنك أنت الذي أنزل الله فيك: * (والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج) * [ الاحقاف: 17 ] فقالت عائشة: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، إلا أنه أنزل عذري، ويروى أنها بعثت إلى مروان تعتبه وتؤنبه وتخبره بخبر فيه ذم له ولابيه لا يصح عنها، قال الزبير بن بكار: حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري عن أبيه عن جده. قال: بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد بن معاوية، فردها عبد الرحمن وأبى أن يأخذها، وقال: أبيع ديني بدنياي ؟ وخرج إلى مكة فمات بها. وقال أبو زرعة الدمشقي: ثنا أبو مسهر ثنا مالك قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نومة نامها. ورواه أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد فذكره وزاد: فأعتقت عنه عائشة رقابا. ورواه الثوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم فذكره. ولما توفي كانت وفاته بمكان يقال له الحبشي - على ستة أميال من مكة، وقيل اثني عشر ميلا - فحمله الرجال على أعناقهم حتى دفن بأعلى مكة، فلما قدمت عائشة مكة زارته وقالت: أما والله لو شهدتك لم أبك عليك، ولو كنت عندك لم أنقلك من موضعك الذي مت فيه، ثم تمثلت بشعر متمم بن نويرة في أخيه مالك: وكنا كندماني جذيمة برهة (1) * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالك * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا رواه الترمذي وغيره. وروى ابن سعد أن ابن عمر مرة رأى فسطاطا مضروبا على قبر


(1) في الاستيعاب وأسد الغابة حقبة. (*)

[ 97 ]

عبد الرحمن - ضربته عائشة بعدما ارتحلت - فأمر ابن عمر بنزعه وقال: إنما يظله عمله. وكانت وفاته في هذا العام في قول كثير من علماء التاريخ، ويقال إن عبد الرحمن توفي سنة ثلاث وخمسين قاله الواقدي وكاتبه محمد بن سعد وأبو عبيد وغير واحد، وقيل سنة أربع وخمسين فالله أعلم. قصته مع ليلى بنت الجودي ملك عرب الشام قال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك الحزامي عن أبيه أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قدم الشام في تجارة - يعني في زمان جاهليته - فرأى امرأة يقال لها ليلى ابنة الجودي على طنفسة لها وحولها ولائدها فأعجبته، قال ابن عساكر: رآها بأرض بصرى فقال فيها: تذكرت ليلى والسماوة دونها * فمال ابنة الجودي ليلى وماليا وأنى تعاطى قلبه حارثية * تؤمن بصرى أو تحل الحوابيا وإني بلاقيها (1) بلى ولعلها * إن الناس حجوا قابلا أن توافيا قال: فلما بعث عمر بن الخطاب جيشه إلى الشام قال للامير على الجيش: إن ظفرت بليلى بنت الجودي عنوة فادفعها إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فظفر بها فدفعها إليه فأعجب بها وآثرها على نسائه حتى جعلن يشكونها إلى عائشة، فعاتبته عائشة على ذلك، فقال: والله كأني أرشف بأنيابها (2) حب الرمان، فأصابها وجع سقط له فوها فجفاها حتى شكته إلى عائشة، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن لقد أحببت ليلى فأفرطت، وأبغضتها فأفرطت، فإما أن تنصفها وإما أن تجهزها إلى أهلها. قال الزبيري: وحدثني عبد الله بن نافع عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه. قال: إن عمر بن الخطاب نفل عبد الرحمن بن أبي بكر ليلى بنت الجودي حين فتح دمشق، وكانت ابنة ملك دمشق - يعني ابنة ملك العرب الذين حول دمشق - والله أعلم. عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أصغر من أخيه عبد الله بسنة، وأمها أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، وكان عبيد الله كريما جميلا وسيما يشبه أباه في الجمال، روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان يصف عبد الله وعبيد الله وكثيرا صفا ويقول: من سبق إلي فله كذا، فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم ". وقد استنابه علي بن أبي طالب في


(1) في الاصابة 2 / 408 وأسد الغابة 3 / 305: وأنى تلاقيها... (2) في أسد الغابة: أرشف من ثناياها. (*)

[ 98 ]

أيام خلافته على اليمن. وحج بالناس سنة ست وثلاثين وسنة سبع وثلاثين، فلما كان سنة ثمان وثلاثين اختلف هو ويزيد بن سمرة (1) الرهاوي الذي قدم على الحج من جهة معاوية، ثم اصطلحا على شيبة بن عثمان الحجبي، فأقام للناس الحج عامئذ، ثم لما صارت الشوكة لمعاوية تسلط على عبيد الله بسر بن أبي أرطاة فقتل له ولدين، وجرت أمور باليمن قد ذكرنا بعضها. وكان يقدم هو وأخوه عببد الله المدينة فيوسعهم عبد الله علما، ويوسعهم عبيد الله كرما. وقد روي أنه نزل في مسير له مع مولى له على خيمة رجل من الاعراب، فلما رآه الاعرابي أعظمه وأجله، ورأى حسنه وشكله، فقال لامرأته: ويحك ماذا عندك لضيفنا هذا ؟ فقالت: ليس عندنا إلا هذه الشويهة التي حياة ابنتك من لبنها، فقال: إنها لابد من ذبحها، فقالت: أتقتل ابنتك ؟ فقال: وإن، فأخذ الشفرة والشاة وجعل يذبحها ويسلخها وهو يقول مرتجزا: يا جارتي لا توقظي البنية * إن توقظيها تنتحب عليه وتنزع الشفرة من يديه ثم هيأها طعاما فوضعها بين يدي عبيد الله ومولاه فعشاهما، وكان عبيد الله قد سمع محاورته لامرأته في الشاة، فلما أراد الارتحال قال لمولاه: ويلك ماذا معك من المال ؟ فقال: معي خمسمائة دينار فضلت من نفقتك، فقال: ادفعها إلى الاعرابي، فقال: سبحان الله ! تعطيه خمسمائة دينار وإنما ذبح لك شاة واحدة تساوي خمسة دراهم ؟ فقال: ويحك والله لهو أسخى منا وأجود، لانا إنما أعطيناه بعض ما نملك، وجاد هو علينا بجميع ما يملك، وآثرنا على مهجة نفسه وولده. فبلغ ذلك معاوية فقال: لله در عبيد الله، من أي بيضة خرج ؟. ومن أي شئ درج. قال خليفة بن خياط: توفي سنة ثمان وخمسين. وقال غيره: توفي في أيام يزيد بن معاوية، قال أبو عبيد القاسم بن سلام ! توفي في سنة سبع وثمانين، وكانت وفاته بالمدينة، وقيل باليمن، وله حديث واحد، قال أحمد: ثنا هشيم، ثنا يحيى بن [ أبي ] إسحاق، عن سليمان بن يسار، عن عبيد الله بن عباس قال: جاءت العميصا - أو الرميصا - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها تزعم أنه لا يصل إليها، فما كان إلا يسيرا حتى جاء زوجها فزعم أنها كاذبة، وأنها تريد أن ترجع إلى زوجها الاول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس لك ذلك حتى يذوق عسيلتك رجل غيره " (2) وأخرجه النسائي عن علي بن حجرة عن هشيم به. وممن توفي فيها: أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق وزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحب أزواجه إليه، المبرأة من فوق سبع سموات رضي الله


(1) في الاستيعاب 2 / 430 وأسد الغابة 3 / 340: شجرة. (2) مسند أحمد ج 1 / 214. (*)

[ 99 ]

عنها، وعن أبيها. وأمها هي أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، تكنى عائشة بأم عبد الله، قيل كناها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن أختها عبد الله بن الزبير، وقيل إنها أسقطت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطا فسماه عبد الله، ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها، ولم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها، ولم يكن في أزواجه أحب إليه منها، تزوجها بمكة بعد وفاة خديجة، وقد أتاه الملك بها في المنام في سرقة من حريرة، مرتين أو ثلاثا، فيقول: هذه زوجتك. قال: " فأكشف عنك فإذا هي أنت، فأقول، إن يكن هذا من عند الله يمضه، فخطبها من أبيها فقال: يا رسول الله أو تحل لك ؟ قال: نعم ! قال: أو لست أخوك ؟ قال: بلى في الاسلام، وهي لي حلال، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضيت عنده ". وقد قدمنا ذلك في أول السيرة، وكان ذلك قبل الهجرة بسنتين، وقيل بسنة ونصف، وقيل بثلاث سنين، وكان عمرها إذ ذاك ست سنين ثم دخل بها وهي بنت تسع سنين بعد بدر، في شوال من سنة ثنتين من الهجرة فأحبها. ولما تكلم فيها أهل الافك بالزور والبهتان، غار الله لها فأنزل براءتها في عشر آيات من القرآن تتلى على تعاقب الزمان. وقد ذكرنا ذلك مفصلا فيما سلف، وشرحنا الآيات والاحاديث الواردة في ذلك في غزوة المريسيع، وبسطنا ذلك أيضا في كتاب التفسير بما فيه كفاية ومقنع، ولله الحمد والمنة. وقد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها، واختلفوا في بقية أمهات المؤمنين، هل يكفر من قذفهن أم لا ؟ على قولين، وأصحهما أنه يكفر، لان المقذوفة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى إنما غضب لها لانها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي وغيرها منهن سواء. ومن خصائصها رضي الله عنها أنها كان لها في القسم يومان يومها ويوم سودة حين وهبتها ذلك تقربا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه مات في يومها وفي بيتها وبين سحرها ونحرها، وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا، وأول ساعة من الآخرة، ودفن في بيتها. وقد قال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن إسماعيل عن مصعب بن إسحاق بن طلحة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: " إنه ليهون علي أني رأيت بياض كف عائشة في الجنة " (1) تفرد به أحمد. وهذا في غاية ما يكون من المحبة العظيمة أنه يرتاح لانه رأى بياض كفها أمامه في الجنة. ومن خصائصها أنها أعلم نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي أعلم النساء على الاطلاق. قال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواجه، وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة. وقال عروة: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة، ولم ترو امرأة ولا رجل غير أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاحاديث بقدر روايتها رضي الله عنها، وقال أبو موسى الاشعري: " ما أشكل علينا أصحاب محمد حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما " (2). رواه الترمذي، وقال أبو الضحى عن مسروق: رأيت


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 6 / 138. (2) رواه الترمذي في المناقب ح‍ 3883 ص 5 / 705. (*)

[ 100 ]

مشيخة أصحاب محمد الاكابر يسألونها عن الفرائض. فأما ما يلهج به كثير من الفقهاء وعلماء الاصول من إيراد حديث: " خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء " (1) فإنه ليس له أصل ولا هو مثبت في شئ من أصول الاسلام، وسألت عنه شيخنا أبا الحجاج المزي فقال: لا أصل له. ثم لم يكن في النساء أعلم من تلميذاتها عمرة بنت عبد الرحمن، وحفصة بنت سيرين، وعائشة بنت طلحة. وقد تفردت أم المؤمنين عائشة بمسائل عن الصحابة لم توجد إلا عندها، وانفردت باختيارات أيضا وردت أخبار بخلافها بنوع من التأويل. وقد جمع ذلك غير واحد من الائمة، فمن ذلك قال الشعبي: كان مسروق إذا حدث عن عائشة قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله المبرأة من فوق سبع سموات. وثبت في صحيح البخاري من حديث أبي عثمان النهدي عن عمرو بن العاص. قال: " قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك ؟ قال: عائشة، قلت: ومن الرجال ؟ قال: أبوها " وفي صحيح البخاري أيضا عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " (2) وقد استدل كثير من العلماء ممن ذهب إلى تفضيل عائشة على خديجة بهذا الحديث، قال: فإنه دخل فيه سائر النساء الثلاث المذكورات وغيرهن، ويعضد ذلك أيضا الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا إسماعيل بن خليل ثنا، علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة. قالت: " استأذنت هالة بنت خويلد - أخت خديجة - على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: اللهم هالة، قالت عائشة: فغرت وقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر الاول، قد أبدلك الله خيرا منها ؟ " هكذا رواه البخاري، فأما ما يروى فيه من الزيادة: " والله ما أبدلني خيرا منها " فليس يصح سندها. وقد ذكرنا ذلك مطولا عند وفاة خديجة، وذكرنا حجة من ذهب إلى تفضيلها على عائشة بما أغنى عن إعادتها ههنا. وروى البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما: " يا عائش هذا جبرئيل يقرئك السلام، فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى مالا أرى " (1) وثبت في صحيح البخاري أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة، فاجتمع أزواجه إلى أم سلمة وقلن لها: قولي له يأمر الناس أن يهدوا له حيث كان، فقالت أم سلمة: فلما دخل علي قلت له ذلك فأعرض عني، ثم قلن لها ذلك فقالت له فأعرض عنها، ثم لما دار إليها قالت له فقال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي في بيت وأنا في لحاف امرأة منكن


(1) رواه الترمذي في المناقب ح‍ 3885 ص 5 / 706. (2) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة ح‍ 3770 فتح الباري 7 / 106 والترمذي في المناقب ح‍ 3887 ص 5 / 706. (*)

[ 101 ]

غيرها " (1) وذكر أنهن بعثن فاطمة ابنته إليه فقالت: " إن نساءك ينشدونك العدل في ابنة أبي بكر بن أبي قحافة، فقال: يا بنية ألا تحبين من أحب ؟ قالت: قلت بلى ! قال: فأحبي هذه ". ثم بعثن زينب بنت جحش فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة فتكلمت زينب ونالت من عائشة، فانتصرت عائشة منها وكلمتها حتى أفحمتها، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عائشة ويقول: " إنها ابنة أبي بكر ". وذكرنا أن عمارا لما جاء يستصرخ الناس ويستنفرهم إلى قتال طلحة والزبير أيام الجمل، صعد هو والحسن بن علي على منبر الكوفة، فسمع عمار رجلا ينال من عائشة فقال له: اسكت مقبوحا منبوذا، والله إنها لزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا وفي الآخرة، ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أو إياها (2). وقال الامام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، ثنا عبد الله بن خثيم، حدثني عبد الله بن أبي مليكة أنه حدثه ذكوان - حاجب عائشة - أنه جاء عبد الله بن عباس يستأذن على عائشة فجئت - وعند رأسها عبد الله ابن أخيها عبد الرحمن - فقلت: هذا ابن عباس يستأذن، فأكب عليها ابن أخيها عبد الله فقال: هذا عبد الله بن عباس يستأذن - وهي تموت - فقالت: دعني من ابن عباس، فقال: يا أماه ! ! إن ابن عباس من صالح بنيك يسلم عليك ويودعك، فقالت: ائذن له إن شئت، قال فأدخلته، فلما جلس قال: أبشري فقالت: بماذا ؟ فقال: ما بينك وبين أن تلقي محمدا والاحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، وكنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيبا، وسقطت قلادتك ليلة الابواء فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبح الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله آية التيمم، فكان ذلك في سببك، وما أنزل الله من الرخصة لهذه الامة، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات، جاء بها الروح الامين، فأصبح ليس مسجد من مساجد الله إلا يتلى فيه آناء الليل وآناء النهار، فقالت: دعني منك يا بن عباس، والذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسيا منسيا. والاحاديث في فضائلها ومناقبها كثيرة جدا. وقد كانت وفاتها في هذا العام سنة ثمان وخمسين وقيل قبله بسنة، وقيل بعده بسنة، والمشهور في رمضان منه وقيل في شوال، والاشهر ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان، وأوصت أن تدفن بالبقيع ليلا، وصلى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر، ونزل في قبرها خمسة، وهم عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام، من أختها أسماء بنت أبي بكر، والقاسم وعبد الله ابنا أخيها محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان عمرها يومئذ سبعا وستين سنة، لانه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرها ثمان عشرة سنة، وكان عمرها عام الهجرة ثمان سنين أو تسع سنين، فالله أعلم ورضي الله تعالى عن أبيها وعن الصحابة أجمعين.


(1) فتح الباري - كتاب المناقب ح‍ 3775 ص 7 / 107 وفي الترمذي - المناقب ح‍ 3879 ص 5 / 703 كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. (2) فتح الباري 7 / 106 كتاب المناقب ح‍ 3772. (*)

[ 102 ]

ثم دخلت سنة تسع وخمسين فيها شتى عمرو بن مرة الجهني في أرض الروم في البر، قاله الواقدي، ولم يكن فيها غزو في البحر، وقال غيره: بل غزا في البحر عامئذ جنادة بن أبي أمية. وفيها عزل معاوية ابن أم الحكم عن الكوفة لسوء سيرته فيهم، وولى عليهم النعمان بن بشير. وفيها ولى معاوية عبد الرحمن بن زياد ولاية خراسان وعزل عنها سعيد بن عثمان بن عفان، فصار عبيد الله على البصرة، وأخوه عبد الرحمن هذا على خراسان، وعباد بن زياد على سجستان، ولم يزل عبد الرحمن عليها واليا إلى زمن يزيد، فقدم عليه بعد مقتل الحسين فقال له: كم قدمت به من هذا المال ؟ قال: عشرون ألف ألف، فقال له: إن شئت حاسبناك، وإن شئت سوغناكها وعزلناك عنها، على أن تعطي عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم، قال: بل سوغها، وأما عبد الله بن جعفر فأعطيه ما قلت ومثلها معها، فعزله وولى غيره، وبعث عبد الرحمن بن زياد إلى عبد الله بن جعفر بألف ألف درهم، وقال: خمسمائة ألف من جهة أمير المؤمنين، وخمسمائة ألف من قبلي. وفي هذه السنة وفد عبيد الله بن زياد على معاوية ومعه أشراف أهل البصرة والعراق، فاستأذن لهم عبد الله عليه على منازلهم منه، وكان آخر من أدخله على معاوية الاحنف بن قيس، - ولم يكن عبيد الله يجله - فلما رأى معاوية الاحنف رحب به وعظمه وأجله وأجلسه معه على السرير، ورفع منزلته، ثم تكلم القوم فأثنوا على عبيد الله والاحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك يا أبا بحر لا تتكلم ؟ فقال له: إن تكلمت خالفت القوم، فقال معاوية: انهضوا فقد عزلته عنكم فاطلبوا واليا ترضونه، فمكثوا أياما يترددون إلى أشراف بني أمية، يسألون كل واحد أن يتولى عليهم فلم يقبل أحد منهم ذلك، ثم جمعهم معاوية فقال: من اخترتم ؟ فاختلفوا عليه، والاحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك لا تتكلم ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد غير أهل بيتك فرأيك فقال معاوية: قد أعدته إليكم. وقال ابن جرير: قال الاحنف: يا أمير المؤمنين إن وليت علينا من أهل بيتك فإنا لا نعدل بعبيد الله بن زياد أحدا، وإن وليت علينا من غيرهم فانظر لنا في ذلك. فقال معاوية: قد أعدته إليكم. ثم إن معاوية أوصى عبيد الله بن زياد بالاحنف خيرا، وقبح رأيه فيه وفي مباعدته، فكان الاحنف بعد ذلك أخص أصحاب عبيد الله، ولما وقعت الفتنة لم يف لعبيد الله غير الاحنف بن قيس، والله أعلم. قصة يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري مع ابني زياد عبيد الله وعباد ذكر ابن جرير عن أبي عبيدة معمر بن المثنى وغيره أن هذا الرجل كان شاعرا، وكان مع عباد بن زياد بسجستان، فاشتغل عنه بحرب الترك، وضاق على الناس علف الدواب، فقال ابن مفرغ شعرا يهجو به ابن زياد على ما كان منه فقال: ألا ليت اللحى كانت حشيشا * فنعلفها خيول المسلمينا

[ 103 ]

وكان عباد بن زياد عظيم اللحية كبيرها جدا، فبلغه ذلك فغضب وتطلبه فهرب منه وقال فيه قصائده يهجوه بها كثيرة فمن ذلك قوله: إذا أودى معاوية بن حرب * فبشر شعب قعبك بانصداع فأشهد أن أمك لم تباشر * أبا سفيان واضعة القناع ولكن كان أمرا فيه لبس * على خوف (1) شديد وارتياع وقال أيضا: ألا أبلغ معاوية بن حرب * مغلغلة من الرجل اليماني أتغضب أن يقال أبوك عف * وترضى أن يقال أبوك زاني فأشهد أن رحمك من زياد * كرحم الفيل من ولد الاتان فكتب عباد بن زياد إلى أخيه عبيد الله وهو وافد على معاوية بهذه الابيات، فقرأها عبيد الله على معاوية واستأذنه في قتله، فقال: لا تقتله، ولكن أدبه ولا تبلغ به القتل، فلما رجع عبيد الله إلى البصرة استحضره وكان قد استجار بوالد زوجة عبيد الله بن زياد، وهو المنذر بن الجارود، وكانت ابنته بحرية عند عبيد الله، فأجاره وآواه إلى داره، وجاء الجارود مسلما على عبيد الله، وبعث عبيد الله الشرط إلى دار المنذر فجاؤوا بابن مفرغ فأوقف بين يديه، فقال المنذر: إني قد أجرته، فقال: يمدحك ويمدح أباك فترضى به، ويهجوني ويهجو أبي ثم تجيره علي، ثم أمر عبيد الله بابن مفرغ فسقي دواء مسهلا وحملوه على حمار عليه إكاف وجعلوا يطوفون به في الاسواق وهو يسلح والناس ينظرون إليه، ثم أمر به فنفي إلى سجستان إلى عند أخيه عباد، فقال ابن مفرغ لعبيد الله بن زياد: يغسل الماء ما صنعت وقولي * راسخ منك في العظام البوالي فلما أمر عبيد الله بنفي ابن مفرغ إلى سجستان، كلم اليمانيون معاوية في أمر ابن مفرغ، وأنه إنما بعثه إلى أخيه ليقتله، فبعث معاوية إلى ابن مفرغ وأحضره، فلما وقفت بين يديه بكى وشكى إلى معاوية ما فعل به ابن زياد، فقال له معاوية: إنك هجوته، ألست القائل كذا ؟ ألست القائل كذا ؟ فأنكر أن يكون قال من ذلك شيئا، وذكر أن القائل ذلك هو عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان، وأحب أن يسندها إلي، فغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم ومنعه العطاء حتى يرضى عنه عبيد الله بن زياد، وأنشد ابن مفرغ ما قاله في الطريق في معاوية يخاطب راحلته:


(1) في الطبري والكامل: وجل. (*)

[ 104 ]

عدس ما لعباد عليك إمارة * نجوت وهذا تحملين طليق لعمري لقد نجاك من هوة الردى * إمام وحبل للانام وثيق سأشكر ما أوليت من حسن نعمة * ومثلي بشكر المنعمين حقيق فقال له معاوية: أما لو كنا نحن الذين هجوتنا لم يكن من أذانا شئ يصل إليك، ولم نتعرض لذلك، فقال: يا أمير المؤمنين إنه ارتكب في ما لم يرتكب مسلم من مسلم على غير حدث ولا جرم، قال: ألست القائل كذا ؟ ألست القائل كذا ؟ فقد عفونا عن جرمك، أما إنك لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شئ فانظر الآن من تخاطب ومن تشاكل، فليس كل أحد يحتمل الهجاء، ولا تعامل أحدا إلا بالحسنى، وانظر لنفسك أي البلاد أحب إليك تقيم بها حتى نبعثك إليها، فاختار الموصل فأرسله إليها، ثم استأذن عبيد الله في القدوم إلى البصرة والمقام بها فأذن له. ثم إن عبد الرحمن ركب إلى عبيد الله فاسترضاه فرضي عنه وأنشده عبد الرحمن: لانت زيادة في آل حرب * أحب إلي من إحدى بناني أراك أخا وعما وابن عم * فلا أدري بغيب ما تراني فقال له عبيد الله: أراك والله شاعر سوء، ثم رضي عنه وأعاد إليه ما كان منعه من العطاء. قال أبو معشر والواقدي: وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وكان نائب المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى الكوفة النعمان بن بشير، وقاضيها شريح، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى سجستان عباد بن زياد، وعلى كرمان شريك بن الاعور الحارثي، من قبل عبيد الله بن زياد. من توفي في هذه السنة من الاعيان قال ابن الجوزي: توفي فيها أسامة بن زيد، والصحيح قبلها كما تقدم. الحطيئة الشاعر واسمه جرول (1) بن مالك بن جرول بن مالك بن جوية بن مخزوم بن مالك بن قطيعة بن عيسى بن مليكة، الشاعر الملقب بالحطيئة لقصره (2)، أدرك الجاهلية وأسلم في زمن الصديق،


(1) في الاصابة 1 / 378: جرول بن أوس بن مالك بن حيوة بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس العبسي. (انظر الاغاني 2 / 157 طبقات ابن سلام: 93 الشعر والشعراء: 238). (2) في الاغاني 2 / 157 والاصابة 1 / 378: لقب بالحطيئة لانه ضرط ضرطة بين قوم، فقيل له، ما هذا ؟ فقال: إنما هي حطيئة: فسمي الحطيئة. والحطيئة تصغير حطأة: فعلة من قولهم حطأ حطأ إذا ضرط (تاج العروس). (*)

[ 105 ]

وكان كثير الهجاء حتى يقال إنه هجا أباه وأمه، وخاله وعمه، ونفسه وعرسه، فمما قال في أمه قوله: تنحي فاقعدي عني بعيدا (1) * أراح الله منك العالمينا أغربالا إذا استودعت سرا * وكانونا على المتحدثينا (2) جزاك الله شرا من عجوز * ولقاك العقوق من البنينا وقال في أبيه وعمه وخاله: لحاك الله ثم لحاك حقا * أبا ولحاك من عم وخال فنعم الشيخ أنت لدى المخازي * وبئس الشيخ أنت لدي المعالي ومما قال في نفسه يذمها (3): أبت شفتاي اليوم أن تتكلما * بشر فما أدري لمن أنا قائله ؟ أرى لي وجها شوه (4) الله خلقه * فقبح من وجه وقبح حامله وقد شكاه الناس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فأحضره وحبسه، وكان سبب ذلك أن الزبرقان بن بدر شكاه لعمر أنه قال له يهجوه: دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فقال له عمر: ما أراه هجاك، أما ترضى أن تكون طاعما كاسيا ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه لا يكون هجاء أشد من هذا، فبعث عمر إلى حسان بن ثابت فسأله عن ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين ما هجاه ولكن سلح عليه، فعند ذلك حبسه عمر وقال: يا خبيث لاشغلنك عن أعراض المسلمين، ثم شفع فيه عمرو بن العاص فأخرجه وأخذ عليه العهد أن لا يهجو الناس واستتابه، ويقال إنه أراد أن يقطع لسانه فشفعوا فيه حتى أطلقه، وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك بن عثمان الحرامي عن عبد الله بن مصعب حدثني عن ربيعة بن عثمان عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: أمر عمر بإخراج الحطيئة من الحبس وقد كلمه فيه عمرو بن العاص وغيره، فأخرج وأنا حاضر فأنشأ يقول:


(1) في الكامل للمبرد 1 / 354 وفوات الوفيات 1 / 276 والاغاني 2 / 163: تنحي فاجلسي عني بعيدا... (2) الكانون: قيل النمام، وقيل الثقيل، وقيل الذي إذا دخل على القوم كنوا حديثهم منه وقيل هو المصطلي. وقيل الغربال: النمام أيضا. (3) في الكامل للمبرد وقوات الوفيات: اطلع في حوض ماء فرأس وجهه فقال: (4) في الكامل للمبرد وفوات الوفيات: قبح. (*)

[ 106 ]

ماذا تقول لافراخ بذي مرخ (1) * زغب (2) الحواصل لا ماء ولا شجر غادرت كاسبهم في قعر مظلمة * فارحم هداك مليك الناس يا عمر (3) أنت الامام الذي من بعد صاحبه * ألقى إليك مقاليد النهى البشر لم يؤثروك بها إذ قدموك لها * لكن لانفسهم كانت بك الاثر (4) فامنن على صبية بالرمل مسكنهم * بين الاباطح يغشاهم بها القدر (5) نفسي فداؤك كم بيني وبينهم * من عرض وادية يعمى بها الخبر قال: فلما قال الحطيئة: ماذا تقول الافراخ بذي مرخ، بكى عمر، فقال عمرو بن العاص: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أعدل من رجل يبكي على تركه الحطيئة. ثم ذكروا أنه أراد قطع لسان الحطيئة لئلا يهجو به الناس فأجلسه على كرسي وجئ بالموسى، فقال الناس: لا يعود يا أمير المؤمنين وأشاروا إليه قل: لا أعود، فقال له عمر النجا، فلما ولى قال له عمر: ارجع يا حطيئة، فرجع فقال له: كأني بك عند شاب من قريش قد كسر لك نمرقة، وبسط لك أخرى، وقال: يا حطيئة غننا، فاندفعت تغنيه بأعراض الناس، قال أسلم: فرأيت الحطيئة بعد ذلك عند عبيد الله بن عمرو وقد كسر له نمرقة وبسط له أخرى، وقال: يا حطيئة غننا فاندفع حطيئة يغني، فقلت له: يا حطيئة أتذكر يوم عمر حين قال لك ما قال ؟ ففزع وقال: رحم الله ذلك المرء، لو كان حيا ما فعلنا هذا، فقلت لعبيد الله: إني سمعت أباك يقول كذا وكذا فكنت أنت ذلك الرجل، وقال الزبير: حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال قال عمر للحطيئة: دع قول الشعر. قال لا أستطيع، قال: لم ؟ قال: هو مأكلة عيالي، وعلة لساني، قال: فدع المدحة المجحفة، قال: وما هي يا أمير المؤمنين ؟ قال تقول بنو فلان أفضل من بني فلان، امدح ولا تفضل، فقال: أنت أشعر مني يا أمير المؤمنين. ومن مديحه الجيد المشهور قوله: أقلوا عليهم لا أبا لابيكم * من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا أولئك قومي إن بنوا أحسنوا البنا * وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها * وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا


(1) مرخ: قال ياقوت: واد بين فدك والوابشية كثير الشجر. ويروى بذي أمر: موضع بنجد من ديار غطفان. (2) في الكامل للمبرد: حمر. (3) في الاغاني 2 / 186 وفوات الوفيات 12 / 277 والكامل للمبرد 1 / 353: ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة... فاغفر عليك سلام الله يا عمر (4) الاثر: جمع أثرة وهي المكرمة، وفي الديوان: كانت بها الخير. (5) في الاغاني: أهلي... من عرض داوية... والداوية والدوية: الفلاة الواسعة. (*)

[ 107 ]

قالوا: ولما احتضر الحطيئة قيل له أوص قال أوصيكم بالشعر، ثم قال: الشعر صعب وطويل سلمه * إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلت به إلى الحضيض قدمه * والشعر لا يستطبعه من يظلمه أراد أن يعربه فأعجمه قال أبو الفرج بن الجوزي في المنتظم. توفي الحطيئة في هذه السنة، وذكر أيضا فيها وفاة عبد الله بن عامر بن كريز، وقد تقدم في التي قبلها. عبد الله بن مالك بن القشب واسمه جندب بن نضلة بن عبد الله بن رافع الازدي، أبو محمد حليف بني عبد المطلب، المعروف بابن بجينة، وهي أمه بحينة بنت الارث، واسمه الحارث بن المطلب بن عبد مناف، أسلم قديما، وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ناسكا قواما صواما، وكان ممن يسرد صوم الدهر كله، قال ابن سعد: كان ينزل بطن ريم على ثلاثين ميلا من المدينة، ومات في عمل مروان في المرة الثانية، ما بين سنة أربع وخمسين إلى ثمان وخمسين، والعجب أن ابن الجوزي نقل من كلام محمد بن سعد، ثم إنه ذكر وفاته في هذه السنة - يعني سنة تسع وخمسين فالله أعلم. قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي صحابي جليل كأبيه، له في الصحيحين حديث، وهو القيام للجنازة، وله في المسند حديث في صوم عاشوراء، وحديث غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دارهم وغير ذلك، وخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وثبت في صحيح البخاري عن أنس قال: كان قيس بن سعد من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الامير. وحمل لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات، واستعمله على الصدقة، ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح ومعه ثلثمائة من المهاجرين والانصار، فأصابهم ذلك الجهد الكثير فنحر لهم قيس بن سعد تسع جزائر، حتى وجدوا تلك الدابة على سيف البحر فأكلوا منها، وأقاموا عليها شهرا حتى سمنوا، وكان قيس سيدا مطاعا كريما ممدحا شجاعا، ولاه علي نيابة مصر، وكان يقاوم بدهائه وخديعته وسياسته لمعاوية وعمرو بن العاص، ولم يزل معاوية يعمل عليه حتى عزله علي عن مصر وولى عليها محمد بن أبي بكر الصديق، فاستخفه معاوية، ولم يزل حتى أخذ منه مصر كما قدمنا. وأقام قيس عند علي فشهد معه صفين والنهروان ولزمه حتى قتل ثم صار إلى المدينة، فلما اجتمعت الكلمة على معاوية جاءه ليبايعه كما بايعه أصحابه، قال عبد الرزاق عن ابن عيينة قال قدم قيس بن سعد على معاوية فقال له معاوية: وأنت يا قيس تلجم علي مع من ألجم ؟ أما والله لقد كنت أحب أن لا تأتيني هذا اليوم إلا وقد ظفر بك ظفر من أظافري موجع، فقال له قيس: وأنا والله قد كنت كارها أن أقوم في هذا المقام

[ 108 ]

فأحييك بهذه التحية، فقال له معاوية: ولم ؟ وهل أنت إلا حبر من أحبار اليهود ؟ فقال له قيس: وأنت يا معاوية كنت صنما من أصنام الجاهلية، دخلت في الاسلام كارها، وخرجت منه طائعا، فقال معاوية: اللهم غفرا، مد يدك، فقال له قيس بن سعد: إن شئت. زدت وزدت. وقال موسى بن عقبة: قالت عجوز لقيس: أشكو إليك قلة فأر بيتي، فقال قيس: ما أحسن هذه الكناية ! ! املاوا بيتها خبزا ولحما وسمنا وتمرا. وقال غيره: كانت له صحفة يدار بها حيث دار، وكان ينادي له مناد: هلموا إلى اللحم والثريد وكان أبوه وجده من قبله يفعلان كفعله، وقال عروة بن الزبير: باع قيس بن سعد من معاوية أرضا بتسعين ألفا، فقدم المدينة فنادى مناديه: من أراد القرض فليأت، فأقرض منها خمسين ألفا وأطلق الباقي، ثم مرض بعد ذلك فقل عواده، فقال لزوجته - قريبة بنت أبي عتيق أخت أبي بكر الصديق - إني أرى قلة من عادني في مرضي هذا، وإني لارى ذلك من أجل مالي على الناس من القرض، فبعث إلى كل رجل ممن كان له عليه دين بصكه المكتوب عليه، فوهبهم ماله عليهم، وقيل: إنه أمر مناديه فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو منه في حل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد، وكان ؟ قول: اللهم ارزقني مالا وفعالا، فإنه لا يصلح الفعال إلا بالمال. وقال سفيان الثوري: اقترض رجل من قيس بن سعد ثلاثين ألفا فلما جاء ليوفيه إياها قال له قيس: إنا قوم ما أعطينا أحدا شيئا فنرجع فيه. وقال الهيثم بن عدي: اختلف ثلاثة عند الكعبة في أكرم أهل زمانهم، فقال أحدهم: عبد الله بن جعفر، وقال الآخر: قيس بن سعد، وقال الآخر: عرابة الاوسي، فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة، فقال لهم رجل: فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه وليحكم على العيان. فذهب صاحب عبد الله بن جعفر إليه فوجده قد وضع رجله في الغرز ليذهب إلى ضيعة له، فقال له: يا بن عم رسول الله ابن سبيل ومنقطع به، قال: فأخرج رجله من الغرز وقال: ضع رجلك واستو عليها فهي لك بما عليها، وخذ ما في الحقيبة ولا تخدعن عن السيف فإنه من سيوف علي، فرجع إلى أصحابه بناقة عظيمة وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار، ومطارف من خز وغير ذلك، وأجل ذلك سيف علي بن أبي طالب. ومضى صاحب قيس بن سعد إليه فوجده نائما، فقالت له الجارية: ما حاجتك إليه ؟ قال: ابن سبيل ومنقطع به، قالت: فحاجتك أيسر من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم، واذهب إلى مولانا في معاطن الابل فخذ لك ناقة وعبدا، واذهب راشدا. فلما استيقظ قيس من نومه أخبرته الجارية بما صنعت فأعتقها شكرا على صنيعها ذلك، وقال: هلا أيقظتيني حتى أعطيه ما يكفيه أبدا، فلعل الذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته. وذهب صاحب عرابة الاوسي إليه فوجده وقد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكأ على عبدين له - وكان قد كف بصره - فقال له: يا عرابة، فقال: قل، فقال: ابن سبيل ومنقطع به، قال: فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه، باليمنى على اليسرى، ثم قال أوه أوه، والله ما أصبحت ولا

[ 109 ]

أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئا، ولكن خذ هذين العبدين، قال: ما كنت لافعل، فقال: إن لم تأخذهما فهما حران، فإن شئت فأعتق، وإن شئت فخذ. وأقبل يلتمس الحائط بيده، قال: فأخذهما وجاء بهما إلى صاحبيه، قال فحكم الناس على أن ابن جعفر قد جاد بمال عظيم، وأن ذلك ليس بمستنكر له، إلا أن السيف أجلها. وأن قيسا أحد الاجواد حكم مملوكته في ماله بغير علمه واستحسن فعلها وعتقها شكرا لها على ما فعلت، وأجمعوا على أن أسخى الثلاثة عرابة الاوسي، لانه جاد بجميع ما يملكه، وذلك جهد من مقل. وقال سفيان الثوري عن عمرو عن أبي صالح قال: قسم سعد بن عبادة ماله بين أولاده وخرج إلى الشام فمات بها، فولد له ولد بعد وفاته، فجاء أبو بكر وعمر إلى قيس بن سعد فقالا: إن أباك قسم ماله ولم يعلم بحال هذا الولد إذ كان حملا، فاقسموا له معكم، فقال قيس: إني لا أغير ما فعله سعد ولكن نصيبي له. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين فذكره. ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عطاء فذكره. وقال ابن أبي خيثمة: ثنا أبو نعيم ثنا مسعر، عن معبد بن خالد. قال: كان قيس بن سعد لا يزال هكذا رافعا أصبعه المسبحة - يعني يدعو - وقال هشام بن عمار: ثنا الجراح بن مليح ثنا أبو رافع عن قيس بن سعد. قال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " المكر والخديعة في النار ": لكنت من أمكر هذه الامة. وقال الزهري: دهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وقيس بن سعد، وعبد الله بن بديل وكانا مع علي، وكان المغيرة معتزلا بالطائف حتى حكم الخصمان فصارا إلى معاوية. وقد تقدم أن محمد بن أبي حذيفة كان قد تغلب على مصر وأخرج منها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، نائب عثمان بعد عمرو بن العاص، فأقره عليها علي مدة يسيرة ثم عزله بقيس بن سعد، فلما دخلها سار فيها سيرة حسنة وضبطها، وذلك سنة ست وثلاثين، فثقل أمره على معاوية وعمرو بن العاص، فكاتباه ليكون معهما على علي فامتنع وأظهر للناس مناصحته لهما، وفي الباطن هو مع علي، فبلغ ذلك عليا فعزله وبعث إلى مصر الاشتر النخعي فمات الاشتر في الرملة قبل أن يصل إليها، فبعث علي محمد بن أبي بكر فخف أمره على معاوية وعمرو، فلم يزالا حتى أخذا منه الديار المصرية، وقتل محمد بن أبي بكر هذا وأحرق في جيفة حمار. ثم سسار قيس إلى المدينة، ثم سار إلى علي بن أبي طالب إلى العراق، فكان معه في حروبه حتى قتل علي، ثم كان مع الحسن بن علي حين سار إلى معاوية ليقاتله، فكان قيس على مقدمة الجيش، فلما بايع الحسن معاوية ساء قيسا ذلك وما أحبه، وامتنع من طاعته معاوية، ثم ارتحل إلى المدينة، ثم قدم على معاوية في وفد من الانصار فبايع معاوية بعد معاتبة شديدة وقعت بينهما، وكلام فيه غلظة، ثم أكرمه معاوية وقدمه وحظي عنده، فبينما هو مع الوفد عند معاوية إذ قدم كتاب ملك الروم على معاوية وفيه: أن ابعث إلي بسراويل أطول رجل في العرب، فقال معاوية: ما أرنا إلا قد احتجنا إلا سراويلك ؟ - وكان قيس مديد القامة جدا لا يصل أطول الرجال إلى صدره - فقام قيس فتنحى

[ 110 ]

ثم خلع سراويله فألقاها إلى معاوية فقال له معاوية: لو ذهبت إلى منزلك ثم أرسلت بها إلينا، فأنشأ قيس يقول عند ذلك: أردت بها كي يعلم الناس أنها * سراويل قيس والوفود شهود وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه * سراويل غادي سمد وثمود وإني من الحي اليماني لسيد * وما الناس إلا سيد ومسود فكدهم بمثلي إن مثلي عليهم * شديد وخلقي في الرحال مديد وفضلني في الناس أصل ووالد * وباع به أعلو الرجال مديد قال: فأمر معاوية أطول رجل في الوفد فوضعها على أنفه فوقعت بالارض، وفي رواية أن ملك الروم بعث إلى معاوية برجلين من جيشه يزعم أن أحدهما أقوى الروم، والآخر أطول الروم فانظر هل في قومك من يفوقهما في قوة هذا وطول هذا ؟ فإن كان في قومك من يفوقهما بعثت إليك من الاسارى كذا وكذا، ومن التحف كذا وكذا، وإن لم يكن في جيشك من هو أقوى وأطول منهما فهادني ثلاث سنين. فلما حضرا عند معاوية قال: من لهذا القوي ؟ فقالوا: ماله إلا أحد رجلين، إما محمد بن الحنفية، أو عبد الله بن الزبير، فجئ بمحمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب، فلما اجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية: أتعلم فيم أرسلت إليك ؟ قال: لا ! فذكر له أمر الرومي وشدة بأسه، فقال للرومي: إما أن تجلس لي أو أجلس إليك وتناولني يدك أو أناولك يدي، فأينا قدر على أن يقيم الآخر من مكانه غلبه، وإلا فقد غلب. فقال له: ماذا تريد ؟ تجلس أو أجلس ؟ فقال له الرومي: بل اجلس أنت، فجلس محمد بن الحنفية وأعطى الرومي يده فاجتهد الرومي بكل ما يقدر عليه من القوة أن يزيله من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك، ولا وجد إليه سبيلا، فغلب الرومي: عند ذلك، وظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم أنه قد غلب، ثم قام محمد بن الحنفية فقال للرومي اجلس لي، فجلس وأعطى محمدا يده فما أمهله أن أقامه سريعا، ورفعه في الهواء ثم ألقاه على الارض فسر بذلك معاوية سرورا عظيما، ونهض قيس بن سعد فتنحى عن الناس ثم خلع سراويله وأعطاها لذلك الرومي الطويل فلبسها فبلغت إلى ثدييه وأطرافها تخط بالارض، فاعترف الرومي بالغلب، وبعث ملكهم ما كان التزمه لمعاوية، وعاتب الانصار قيس بن سعد في خلعه سراويله بحضرة الناس فقال: ذلك الشعر المتقدم معتذرا به إليهم، وليكون ذلك ألزم للحجة التي تقوم على الروم، وأقطع لما حاولوه. ورواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: كان قيس بن سعد رجلا ضخما جسيما صغير الرأس له لحية في ذقنه، وكان إذا ركب الحمار العالي خطت رجلاه الارض، وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغير واحد: توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية. وذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، فتبعناه في ذلك.

[ 111 ]

معقل بن يسار المزني صحابي جليل، شهد الحديبية، وكان هو الذي كان يرفع أغصان الشجرة عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبايع الناس تحتها، وكانت من السمر، وهي المذكورة في القرآن في قوله تعالى: * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) * [ الفتح: 18 ] وقد ولاه عمر إمرة البصرة فحفر بها النهر المنسوب إليه، فيقال نهر معقل، وله بها دار، قال الحسن البصري: دخل عبيد الله بن زياد على معقل بن يسار يعوده في مرضه الذي مات فيه، فقال له معقل: إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو لم أكن على حالتي هذه لم أحدثك به، سمعته يقول: " من استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة لم يجد رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة مائة عام ". وممن توفي في هذه السنة: أبو هريرة الدوسي رضي الله عنه وقد اختلف في اسمه في الجاهلية والاسلام، واسم أبيه على أقوال متعددة (1)، وقد بسطنا أكثرها في كتابنا التكميل، وقد بسط ذلك ابن عساكر في تاريخه، والاشهر أن اسمه عبد الرحمن بن صخر وهو من الازد، ثم من دوس. ويقال: كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، وقيل عبد نهم، وقيل عبد غنم، ويكنى بأبي الاسود، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وقيل عبد الرحمن، وكناه بأبي هريرة، وروى عنه أنه قال: وجدت هريرة وحشية فأخذت أولادها فقال لي أبي: ما هذه في حجرك ؟ فأخبرته، فقال: أنت أبو هريرة. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " أبا هر " وثبت أنه قال له: " يا أبا هريرة " قال محمد بن سعد وابن الكلبي والطبراني: اسم أمه ميمونة بنت صفيح بن الحارث (2) بن أبي صعب بن هبة بن سعد بن ثعلبة، أسلمت وماتت مسلمة. وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير الطيب، وكان من حفاظ الصحابة، وروى عن أبي بكر وعمر وأبي بن كعب، وأسامة بن زيد، ونضرة بن أبي نضرة، والفضل بن العباس، وكعب الاحبار، وعائشة أم المؤمنين. وحدث عنه خلائق من أهل العلم قد ذكرناهم مرتبين على حروف المعجم في التكميل، كما ذكره شيخنا في تهذيبه. قال البخاري: روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم، من الصحابة والتابعين وغيرهم. وقال عمرو بن علي الفلاس: كان ينزل المدينة وكان إسلامه سنة خيبر: قال الواقدي: وكان بذي الحليفة له دار، وقال غيره: كان آدم اللون، بعيد ما بين المنكبين، ذا طفرتين، أقرن


(1) انظر الاصابة 4 / 202 والاستيعاب على هامش الاصابة 4 / 202 طبقات ابن سعد 4 / 325 صفة الصفوة 1 / 685 أسد الغابة 5 / 315. (2) في ابن سعد: الحارث بن شابي بن أبي صعب بن هنية. (*)

[ 112 ]

الثنيتين. وقال أبو داود الطيالسي وغير واحد عن أبي خلدة، خالد بن دينار عن أبي العالية عن أبي هريرة قال: لما أسلمت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ممن أنت ؟ فقلت: من دوس، فوضع يده على جبهته وقال: ما كنت أرى أن في دوس رجلا فيه خير " وقال الزهري عن سعيد عن أبي هريرة قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وروى عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل عن قيس. قال: قال أبو هريرة: جئت يوم خيبر بعدما فرغوا من القتال. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد بن أبي مريم ثنا الدراوردي. قال: حدثني خيثم، عن عراك بن مالك، عن أبيه عن أبي هريرة. قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، قال أبو هريرة: وقدمت المدينة فهاجروا فصليت الصبح وراء سباع فقرأ في السجدة الاولى سورة مريم، وفي الثانية ويل للمطففين، قال أبو هريرة: فقلت في نفسي: ويل لابي فلان، لرجل كان بأرض الازد - وكان له مكيالان مكيال يكيل به لنفسه، ومكيال يبخس به الناس ". وقد ثبت في صحيح البخاري أنه ضل غلام له في الليلة التي اجتمع في صبيحتها برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه جعل ينشد: يا ليلة من طولها وعنائها * على أنها من دارة الكفر نجت فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " هذا غلامك " ؟ فقال هو حر لوجه الله عز وجل. وقد لزم أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه، فلم يفارقه في حضر ولا سفر، وكان أحرص شئ على سماع الحديث منه، وتفقه عنه، وكان يلزمه على شبع بطنه. وقال أبو هريرة - وقد تمخط يوما في قميص له كتان - بخ بخ، أبو هريرة يمتخط في الكتان، لقد رأيتني أخر فيما بين المنبر والحجر من الجوع، فيمر المار فيقول: به جنون وما بي إلا الجوع، والله الذي لا إله إلا هو لقد كنت أعتمد بكبدي على الارض من الجوع، وأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد كنت أستقرئ أحدهم الآية وأنا أعلم بها منه، وما بي إلا أن يستتبعني إلى منزله فيطعمني شيئا، وذكر الحديث اللبن مع أهل الصفة كما قدمناه في دلائل النبوة. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، ثنا عكرمة بن عامر، حدثني أبو كثير - وهو يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة السحيمي الاعمى - حدثني أبو هريرة. قال: والله ما خلق الله مؤمنا يسمع بي ولا يراني إلا أحبني، قلت: وما عملك بذلك يا أبا هريرة ؟ قال: إن أمي كانت امرأة مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الاسلام وكانت تأبى علي، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الاسلام فكانت تأبى علي، وإني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال: " اللهم اهد أم أبي هريرة " فخرجت أعدو أبشرها بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، فلما أتيت الباب إذا هو مجاف، وسمعت خضخضة (خشخشة) وسمعت خشف رجل - يعني وقعها - فقالت: يا أبا هريرة كما أنت، ثم فتحت الباب وقد لبست درعها وعجلت عن خمارها أن تلبسه، وقالت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن

[ 113 ]

محمدا عبده ورسوله، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن، فقلت: يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله دعاءك، قد هدى الله أم أبي هريرة، وقلت: يا رسول الله ادعو الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين، فقال: اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما " قال أبو هريرة: فما خلق الله من مؤمن يسمع بي ولا يراني أو يرى أمي إلا وهو يحبني (1). وقد رواه مسلم من حديث عكرمة عن عمار نحوه. وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته من إيراد هذا الخبر عنه على رؤوس الناس في الجوامع المتعددة في سائر الاقاليم في الانصات يوم الجمعة بين يدي الخطبة، والامام على المنبر، وهذا من تقدير الله العزيز العليم، ومحبة الناس له رضي الله عنه. وقال هشام بن عمار: حدثنا سعيد، ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن المقبري، عن سالم مولى النضريين: أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما محمد بشر أغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فأيما رجل من المسلمين آذيته أو شتمته أو جلدته فاجعلها له قربة بها عندك يوم القيامة " قال أبو هريرة: لقد رفع علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما الدرة ليضربني بها فلان يكون ضربني بها أحب إلي من حمر النعم، ذلك بأني أرجو أن أكون مؤمنا وأن يستجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته، وقال ابن أبي ذيب، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثا كثيرا فأنساه، فقال: " ابسط رداءك، فبسطته، ثم قال: ضمه فضممته فما نسيت حديثا بعد " (2) رواه البخاري. وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري عن عبد الرحمن الاعرج. قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الموعد إني كنت امرأ مسكينا أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق في الاسواق، وكانت الانصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما مجلسا فقال: " من بسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئا سمعه مني ". فبسطت بردة علي حتى قضى مقالته ثم قبضتها إلي فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئا سمعته منه بعد ذلك (3). وقد رواه ابن وهب عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وله طرق أخر عنه. وقد قيل إن هذا كان خاصا بتلك المقالة لم ينس منها شيئا، بدليل أنه نسي بعض الاحاديث كما هو مصرح في الصحيح، حيث نسي حديث " لا عدوى ولا طيرة " مع حديثه " لا يورد ممرض على مصح " وقيل: إن هذا كان عاما في


(1) أخرجه مسلم في صحيحه في فضائل الصحابة (35) باب ح‍ 158 ص (1938). وأخرجه الامام أحمد في مسنده ج 2 / 320. (2) أخرجه البخاري في كتاب العلم باب (42) وفي المناقب باب (28) ح‍ 3648 فتح الباري 6 / 633 والترمذي في المناقب ح‍ 3835 ص 5 / 684. (3) مسند أحمد ج 2 / 240. (*)

[ 114 ]

تلك المقالة وغيرها والله أعلم. وقال الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنه قال: " يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ فقال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن أحدا لا يسألني عن هذا الحديث أول منك، لما رأيت من حرصك على الناس، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه " (1) ورواه البخاري من حديث عمرو بن أبي عمرو به. وقال ابن أبي ذيب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه قال: " حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم " رواه البخاري من حديث ابن أبي ذيب، ورواه غير واحد عن أبي هريرة، وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، وردوا ما أخبر به من الحق، كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني. وقد يتمسك بهذا الحديث طوائف من أهل الاهواء والبدع الباطلة، والاعمال الفاسدة، ويسندون ذلك إلى هذا الجواب الذي لم يقله أبو هريرة، ويعتقدون أن ما هم عليه كان في هذا الجواب الذي لم يخبر به أبو هريرة، وما من مبطل مع تضاد أقوالهم إلا وهو يدعي هذا وكلهم يكذبون، فإذا لم يكن أبو هريرة قد أخبر به فمن علمه بعده ؟ وإنما كان الذي فيه شئ من الفتن والملاحم كما أخبر بها هو وغيره من الصحابة، مما ذكرناه ومما سنذكره في كتاب الفتن والملاحم. وقال حماد بن زيد: حدثنا عمرو بن عبيد الانصاري، ثنا أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم أن مروان دعا أبا هريرة وأقعده خلف السرير، وجعل مروان يسأل وجعلت أكتب عنه، حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به وأقعده من وراء الحجاب فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر. وروى أبو بكر بن عياش وغيره عن الاعمش عن أبي صالح. قال: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن بأفضلهم. وقال الربيع قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. وقال أبو القاسم البغوي. حدثنا أبو خيثمة ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال: تواعد الناس ليلة من الليالي إلى قبة من قباب معاوية فاجتمعوا فيها، فقام أبو هريرة فحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح. وقال سفيان بن عيينة، عن معمر، عن وهب بن منبه، عن أخيه همام بن منبه. قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا عنه عني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب. وقال أبو زرعة الدمشقي: حدثني محمد بن زرعة الرعيني، ثنا مروان بن محمد، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبد الله، عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول


(1) رواه البخاري في كتاب العلم (33) باب. وأعاده في الرقاق (51) باب. وأخرجه الامام أحمد في مسنده 2 / 373. (*)

[ 115 ]

لابي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولالحقنك بأرض دوس، وقال لكعب الاحبار: لتتركن الحديث عن الاول أو لالحقنك بأرض القردة. قال أبو زرعة، وسمعت أبا مسهر يذكره عن سعيد بن عبد العزيز نحوا منه ولم يسنده، وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الاحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك. وقد جاء أن عمر أذن له بعد ذلك في التحديث، فقال مسدد: حدثنا خالد الطحان، ثنا يحيى بن عبد الله، عن أبيه عن أبي هريرة. قال: بلغ عمر حديثي فأرسل إلي فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت فلان ؟ قال قلت: نعم ! وقد علمت لم تسألني عن ذلك ؟ قال: ولم سألتك ؟ قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " قال: أما إذا فاذهب فحدث. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان ثنا عبد الواحد - يعني ابن زياد - ثنا عاصم بن كليب حدثني أبي. قال: سمعت أبا هريرة يقول - وكان يبتدئ حديثه بأن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق: " من كذب علي عامدا فليتبوأ مقعده من النار ". وروى مثله من وجه آخر عنه. وقال ابن وهب: حدثني يحيى بن أيوب عن محمد بن عجلان. أنا أبا هريرة كان يقول: إني لاحدث أحاديث لو تكلمت بها في زمان عمر أو عند عمر لشج رأسي. وقال صالح بن أبي الاخضر، عن الزهري، عن أبي سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض عمر، وقال محمد بن يحيى الذهلي، ثنا عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري. قال قال عمر: أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فيما يعمل به. قال ثم يقول أبو هريرة: أفكنت محدثكم بهذه الاحاديث وعمر حي ؟ أما والله إذا لايقنت أن المحففة ستباشر ظهري، فإن عمر كان يقول، اشتغلوا بالقرآن فإن القرآن كلام الله، ولهذا لما بعث أبا موسى إلى العراق قال له: إنك تأتي قوما لهم في مساجدهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فدعهم على ما هم عليه، ولا تشغلهم بالاحاديث، وأنا شريكك في ذلك. هذا معروف عن عمر رضي الله عنه. وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر. أنه مر بأبي هريرة وهو يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد ". فقال له ابن عمر: أبا هر انظر ما تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق به إلى عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط فإن شهد دفنها فله قيراطان " ؟ فقالت: اللهم نعم. فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس بالوادي وصفق بالاسواق، إني إنما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها، أو أكلة يطعمنيها، فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هر كنت ألزمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا

[ 116 ]

بحديثه (1). وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه. قال: كنت مع ابن عمر في جنازة أبي هريرة وهو يمشي أمامها ويكثر الترحم عليه، ويقول: كان ممن يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين (2). وقد روي أن عائشة تأولت أحاديث كثيرة من أبي هريرة ووهمته في بعضها، وفي الصحيح أنها عابت عليه سرد الحديث، أي الاكثار منه في الساعة الواحدة. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا بشر بن الوليد الكندي، ثنا إسحاق بن سعد، عن سعيد أن عائشة قالت لابي هريرة: أكثرت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة، قال: إني والله ما كنت تشغلني عنه المكحلة والخضاب، ولكن أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي. قالت: لعله. وقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم الشامي، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع أن رجلا من قريش أتى أبا هريرة في حلة وهو يتبختر فيها، فقال: يا أبا هريرة إنك تكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئا ؟ قال: والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب * (لتبيننه للناس ولا يكتمونه) * [ آل عمران: 187 ] ما حدثتكم بشئ، سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: " إن رجلا ممن كان قبلكم بينما هو يتبختر في حلة إذ خسف الله به الارض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة " (3). فوالله ما أدري لعله كان من قومك أو من رهطك - شك أبو يعلى - وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر، حدثني كثير ين زيد، عن الوليد بن رباح. قال: سمعت أبا هريرة يقول لمروان: والله ما أنت بوال، وإن الوالي لغيرك فدعه - يعني حين أرادوا يدفنون الحسن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولكن تدخل فيما لا يعنيك، إنما يريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك - يعني معاوية - قال: فأقبل عليه مروان مغضبا فقال: يا أبا هريرة إن الناس قد قالوا إنك أكثرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث، وإنما قدمت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، فقال أبو هريرة: نعم ! قدمت ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر سنة سبع، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة سنوات، وأقمت معه حتى توفي، أدور معه في بيوت نسائه وأخدمه، وأنا والله يومئذ مقل، وأصلي خلفه وأحج وأغزو معه، فكنت والله أعلم الناس بحديثه، قد والله سبقني قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش والانصار، وكانوا يعرفون لزومي له فيسألوني عن حديثه، منهم عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فلا والله ما يخفى علي كل حديث كان بالمدينة، وكل من أحب الله ورسوله، وكل من كانت له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة، وكل صاحب له، وكان أبو بكر صاحبه في الغار وغيره، وقد أخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يساكنه - يعرض بأبي مروان الحكم بن العاص -.


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 5 / 276. (2) طبقات ابن سعد 4 / 340. (3) أخرجه البخاري في اللباس (5) باب. وفي أحاديث الانبياء (54) باب. ومسلم في اللباس (49) باب. والنسائي في الزينة (101) باب. وابن ماجه في الفتن باب (22). والدارمي في المقدمة (40) وأحمد في المسند 2 / 66، 267، 315، 390، 413، 456، 467، 531، 3 / 40. (*)

[ 117 ]

ثم قال أبو هريرة: ليسألني أبو عبد الملك عن هذا وأشباهه فإنه يجد عندي منه علما جما ومقالا، قال: فوالله ما زال مروان يقصر عن أبي هريرة ويتقيه بعد ذلك ويخافه ويخاف جوابه. وفي رواية أن أبا هريرة قال لمروان: إني أسلمت وهاجرت اختيارا وطوعا، وأحببت رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا شديدا، وأنتم أهل الدار وموضع الدعوة، أخرجتم الداعي من أرضه، وآذيتموه وأصحابه، وتأخر إسلامكم عن إسلامي إلى الوقت المكروه إليكم. فندم مروان على كلامه له واتقاه. وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا هارون بن معروف ثنا محمد بن سلمة ثنا محمد بن إسحاق عن عمر أو عثمان بن عروة عن أبيه - يعني عروة بن الزبير بن العوام - قال: قال لي أبي الزبير: ادنني من هذا اليماني - يعني أبا هريرة - فإنه يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدث، وجعل الزبير يقول: صدق، كذب صدق، كذب. قال: قلت يا أبة ما قولك صدق كذب ؟ قال: يا بني أما أن يكون سمع هذه الاحاديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أشك، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه. وقال علي بن المديني عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي اليسر بن أبي عامر. قال: كنت عند طلحة بن عبيد الله إذ دخل رجل فقال: يا أبا محمد والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، أم يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يسمع، أو ما لم يقل ؟ فقال طلحة. والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قوما أغنياء، لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار ثم نرجع، وكان هو مسكينا لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يدور معه حيث ما دار، فما شك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع (1). وقد رواه الترمذي بنحوه. وقال شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه قال: سمعت أبا أيوب يحدث عن أبي هريرة فقيل له: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدث عن أبي هريرة ؟ فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإني إن أحدث عنه أحب إلي من أن أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني ما لم أسمعه منه - وقال مسلم بن الحجاج: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ثنا مروان الدمشقي عن الليث بن سعد، حدثني بكير بن الاشج. قال: قال لنا بشر بن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحدثنا عن كعب الاحبار ثم يقوم فأسمع بعض ما كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب، فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث، وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس - أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يميز هذا من هذا - ذكره ابن عساكر. وكان شعبة يشير بهذا إلى حديثه


(1) أخرجه الترمذي في المناقب ح‍ (3837) ص 5 / 684 وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن اسحاق. (*)

[ 118 ]

" من أصبح جنبا فلا صيام له " فإنه لما حوقق عليه قال: أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال شريك عن مغيرة عن إبراهيم. قال: كان أصحابنا يدعون من حديث أبي هريرة، وروى الاعمش عن إبراهيم. قال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة، وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أحاديث أبي هريرة شيئا، وما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة، إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حث على عمل صالح، أو نهي عن شر جاء القرآن به. وقد انتصر ابن عساكر لابي هريرة ورد هذا الذي قاله إبراهيم النخعي. وقد قال ما قاله إبراهيم طائفة من الكوفيين، والجمهور على خلافهم. وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم. قال حماد بن زيد: عن عباس الجريري، عن أبي عثمان النهدي. قال: كان أبو هريرة يقوم ثلث الليل. وامرأته ثلثه، وابنته ثلثه، يقوم هذا ثم يوقظ هذا، ثم يوقظ هذا هذا (1). وفي الصحيحين عنه أنه قال: " أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام ": وقال ابن جريج عمن حدثه. قال قال أبو هريرة: إني أجزئ الليل ثلاثة أجزاء فجزءا لقراءة القرآن، وجزءا أنام فيه، وجزءا أتذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن سعد: ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا إسحاق بن عثمان القرشي، ثنا أبو أيوب. قال كان لابي هريرة مسجد في مخدعه، ومسجد في بيته، ومسجد في حجرته، ومسجد على باب داره، إذا خرج صلى فيها جميعها، وإذا دخل صلى فيها جميعا. وقال عكرمة: كان أبو هريرة يسبح كل ليلة ثنتي عشرة ألف تسبيحة، يقول: أسبح على قدر ديتي. وقال هشيم عن يعلى بن عطاء، عن ميمون بن أبي ميسرة. قال: كانت لابي هريرة صيحتان في كل يوم، أول النهار صيحة يقول: ذهب الليل وجاء النهار وعرض آل فرعون على النار، وإذا كان العشي يقول: ذهب النهار وجاء الليل وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا موسى بن عبيدة، عن زياد بن ثوبان، عن أبي هريرة. قال: لا تغبطن فاجرا بنعمة فإن من ورائه طالبا حثيثا طلبه، جهنم كلما خبث زدناهم سعيرا. وقال ابن لهيعة عن أبي يونس، عن أبي هريرة أنه صلى بالناس يوما فلما اسلم رفع صوته فقال: الحمد لله الذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة إماما، بعدما كان أجيرا لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجله. وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي: ثنا عفان، ثنا سليم بن حيان قال: سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة قال: نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا وأحتطب إذا نزلوا، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما


(1) في صفة الصفوة عن أبي عثمان النهدي قال: كان هو وامرأته وخادمه يتعقبون الليل أثلاثا (أي يتناوبون) يصلي هذا ثم يوقظ هذا ويصلي هذا ثم يوقظ هذا 1 / 692. (*)

[ 119 ]

وجعل أبا هريرة إماما، ثم يقول: والله يا أهل الاسلام إن كانت إجارتي معهم إلا على كسرة يابسة، وعقبة في ليلة غبراء مظلمة، ثم زوجنيها الله فكنت أركب إذا ركبوا، وأخذم إذا خدموا، وأنزل إذا نزلوا. وقال إبراهيم بن يعقوب الجورجاني: حدثنا الحجاج بن نصر ثنا هلال بن عبد الرحمن الحنفي، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبي سلمة. قال قال أبو هريرة وأبو ذر: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعا، وباب نعلمه علمنا به أو لم نعمل به، أحب إلينا من مائة ركعة تطوعا، وقالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا جاء طالب العلم الموت وهو على هذه الحال مات وهو شهيد " وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وروى غير واحد عن أبي هريرة أنه كان يتعوذ في سجوده أن يزني أو يسرق، أو يكفر أو يعمل كبيرة. فقيل له: أتخاف ذلك ؟ فقال: ما يؤمنني وإبليس حي، ومصرف القلوب يصرفها كيف يشاء ؟. وقالت له ابنته: يا أبة إن النبات يعيرنني يقلن: لم لا يحليك أبوك بالذهب ؟ فقال: يا بنية قولي لهن. إن أبي يخشى على حر اللهب وقال أبو هريرة أتيت عمر بن الخطاب فقمت له وهو يسبح بعد الصلاة فانتظرته فلما انصرف دنوت منه فقلت. اقرئني آيات من كتاب الله، قال: وما أريد إلا الطعام، قال فأقرأني آيات من سورة آل عمران، فلما بلغ أهله دخل وتركني على الباب، فقلت: ينزع ثيابه ثم يأمر لي بطعام، فلم أر شيئا، فلما طال علي قمت فمشيت فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمني فقال: " يا أبا هريرة إن خلوف فمك الليلة لشديد ؟ فقلت: أجل يا رسول الله، لقد ظللت صائما وما أفطرت بعد، وما أجد ما أفطر عليه، قال: فانطلق، فانطلقت معه حتى أتى بيته فدعا جارية له سوداء فقال: إيتنا بتلك القصعة، فأتينا بقصعة فيها وضر من طعام أراه شعيرا قد أكل وبقي في جوانبها بعضه وهو يسير، فسميت وجعلت أتتبعه فأكلت حتى شبعت ". وقال الطبراني: ثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين أنا أبا هريرة قال لابنته: لا تلبسي الذهب فإني أخشى عليك حر اللهب. وقد روي هذا عن أبي هريرة من طرق. وقال الامام أحمد: حدثنا حجاج، ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي الربيع عن أبي هريرة أنه قال: إن هذه الكناسة مهلكة دنياكم وآخرتكم - يعني الشهوات وما يأكلونه - وروى الطبراني عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب دعاه ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال: أتكره العمل وقد عمل من هو خير منك ؟ - أو قال: قد طلبه من هو خير منك - ؟ قال: من ؟ قال: يوسف عليه السلام فقال أبو هريرة: يوسف نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، فأخشى ثلاثا أو اثنتين. فقال عمر: أفلا قلت خمسا ؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينزع مالي، ويشتم عرضي. وقال سعيد بن أبي هند، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " ألا تسألني من هذه الغنائم التي سألني أصحابك ؟ فقلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله، قال: فنزع نمرة على ظهري فبسطها بيني وبينه حتى كأني إلى القمل يدب عليها، فحدثني حتى إذا استوعب حديثه قال: اجمعها إليك

[ 120 ]

فصرها، فأصبحت لا أسقط حرفا مما حدثني ". وقال أبو عثمان النهدي: قلت لابي هريرة: كيف تصوم ؟ قال: أصوم أول الشهر ثلاثا فإن حدث بي حدث كان لي أجر شهري. وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي عثمان النهدي: أنا أبا هريرة كان في سفر ومعه قوم فلما نزلوا وضعوا السفرة وبعثوا إليه ليأكل معهم فقال: إني صائم، فلما كادوا أن يفرغوا من أكلهم جاء فجعل يأكل، فجعل القوم ينظرون إلى رسولهم الذي أرسلوه إليه، فقال لهم: أراكم تنظرون إلي، قد والله أخبرني أنه صائم، فقال أبو هريرة: صدق، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " صوم شهر صوم الصبر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر ". وقد صمت ثلاثة أيام من أول الشهر فأنا مفطر في تخفيف الله، صائم في تضعيف الله عز وجل. وروى الامام أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا إسماعيل، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة أنه كان هو وأصحاب له إذا صاموا يجلسون في المسجد وقالوا نطهر صيامنا. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو عبيدة الحداد حدثنا عثمان الشحام، أبو سلمة، ثنا فرقد السبخي قال: كان أبو هريرة يطوف بالبيت وهو يقول: ويل لي من بطني، إن أشبعته كهظني، وإن أجعته أضعفني. وروى الامام أحمد عن عكرمة قال: قال أبو هريرة: إني لاستغفر الله عز وجل وأتوب إليه كل يوم اثنتي عشرة ألف مرة، وذلك على قدر ديتي: وروى عبد الله بن أحمد عن أبي هريرة: أنه كان له خى فيه اثنا عشر ألف عقدة يسبح به قبل أن ينام. وفي رواية ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به، وهو أصح من الذي قبله. ولما حضره الموت بكى فقيل له: ما يبكيك ؟ فقال: ما أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بعد سفري وقلة زادي، وإني أصبحت في صعود ومهبط على جنة ونار، لا أدري إلى أيهما يؤخذ بي. وروى قتيبة بن سعيد، ثنا الفرج بن فضالة، عن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: " إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم " وروى الطبراني عن معمر قال: بلغني عن أبي هريرة أنه كان إذا مر به جنازة قال روحوا فإنا غادون، أو اغدوا فإنا رائحون، موعظة بليغة، وعقلة سريعة، يذهب الاول ويبقى الآخر لا عقل له. وقال الحافظ أبو بكر بن مالك: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبو بكر ليث بن خالد البجلي، ثنا عبد المؤمن بن عبد الله السدوسي. قال: سمعت أبن يزيد المديني يقول: قام أبو هريرة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم دون مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتبة، فقال: ويل للعرب من شر قد اقترب، ويل لهم من إمارة الصبيان، يحكمون فيهم بالهوى ويقتلون بالغضب. وقال الامام أحمد: حدثنا علي بن ثابت، عن أسامة بن زيد، عن أبي زياد - مولى ابن عباس - عن أبي هريرة قال: كانت لي خمس عشرة ثمرة فأفطرت على خمس وتسحرت بخمس وأبقيت خمسا لفطري. وقال أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا إسماعيل - يعني العبدي - عن أبي المتوكل: أن أبا هريرة كانت لهم زنجية قد غمتهم بعملها، فرفع عليها السوط ثم قال: لولا القصاص يوم القيامة لاغشينك به، ولكن سأبيعك ممن يوفيني ثمنك، أحوج ما أكون إليه، اذهبي فأنت حرة لله عز وجل. وروى حماد بن سلمة: عن

[ 121 ]

أيوب عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: أن أبا هريرة مرض فدخلت عليه أعوده فقلت: اللهم اشف أبا هريرة، فقال: اللهم لا ترجعها، ثم قال: يا أبا سلمة يوشك أن يأتي على الناس زمان يكون الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الاحمر. وروى عطاء عن أبي هريرة قال: إذا رأيتم ستا فإن كانت نفس أحدكم في يده فليرسلها، فلذلك أتمنى الموت أخاف أن تدركني، إذا أمرت السفهاء، وبيع الحكم، وتهون بالدم، وقطعت الارحام، وكثرت الجلاوزة، ونشأ نشو يتخذون القرآن مزامير. وقال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث، عن يزيد بن زياد القرظي: أن ثعلبة بن أبي مالك القرظي حدثه أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمتي حطب - وهو يومئذ أمير لمروان بن الحكم - فقال: أوسع الطريق للامير يا بن أبي مالك، فقلت يرحمك الله يكفي هذا ! فقال: أوسع الطريق للامير والحزمة عليه. وله فضائل ومناقب كثيرة وكلام حسن ومواعظ جمة، أسلم كما قدمنا عام خيبر، فلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه إلا حين بعثه مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، ووصاه به، فجعله العلاء مؤذنا بين يديه، وقال له أبو هريرة: لا تسبقني بآمين أيها الامير. وقد استعمله عمر بن الخطاب عليها في أيام إمارته، وقاسمه مع جملة العمال. قال عبد الرزاق: حدثنا معمر: عن أيوب، عن ابن سيرين. أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذا الاموال أي عدو الله وعدو كتابه ؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكن عدو من عاداهما. فقال: فمن أين هي لك ؟ قال: خيل نتجت، وغلة ورقيق لي، وأعطية تتابعت علي. فنظروا فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل وقد طلبه من كان خيرا منك ؟ طلبه يوسف عليه السلام، فقال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أمية وأخشى ثلاثا واثنين، قال عمر: فهلا قلت خمسة ؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، أو يضرب ظهري، وينزع مالي، ويشتم عرضي. وذكر غيره أن عمر غرمه في العمالة الاولى اثنى عشر ألفا فلهذا امتنع في الثانية. وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن محمد بن زياد. قال: كان معاوية يبعث أبا هريرة على المدينة فإذا غضب عليه عزله وولى مروان بن الحكم، فإذا جاء أبو هريرة إلى مروان حجبه عنه، فعزل مروان ورجع أبو هريرة، فقال لمولاه: من جاءك فلا ترده واحجب مروان، فلما جاء مروان دفع الغلام في صدره فلما دخل إلا بعد جهد جهيد، فلما دخل قال: إن الغلام حجبنا عنك، فقال له أبو هريرة: إنك أحق الناس أن لا تغضب من ذلك. والمعروف أن مروان هو الذي كان يستنيب أبا هريرة في إمرة المدينة، ولكن كان يكون عن إذن معاوية في ذلك والله أعلم. وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة فيركب الحمار ويلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الامير - يعني نفسه - وكان يمر بالصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الاعراب، وهو أمير، فلا يشعرون إلا وقد ألقى نفسه بينهم

[ 122 ]

ويضرب برجليه كأنه مجنون، يريد بذلك أن يضحكهم، فيفزع الصبيان منه ويفرون عنه ههنا وههنا يتضاحكون. قال أبو رافع: وربما دعاني أبو هريرة إلى عشائه بالليل فيقول: دع العراق للامير - يعني قطع اللحم - قال: فأنظر فإذا هو ثريد بالزيت. وقال ابن وهب: حدثني عمرو بن الحارث، عن يزيد بن زياد القرظي أن ثعلبة بن أبي مالك حدثه أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة مروان فقال: أوسع الطريق للامير يا بن أبي مالك. فقلت: أصلحك الله تلقى هذا، فقال: أوسع الطريق للامير والحزمة عليه. وقد تقدم هذا. وروى نحوه من غير وجه. وقال أبو الزعيزعة كاتب مروان: بعث مروان إلى أبي هريرة بمائة دينار، فلما كان الغد بعث إليه: إني غلطت ولم أردك بها، وإني إنما أردت غيرك. فقال أبو هريرة: قد أخرجتها فإذا خرج عطائي فخذها منه - وكان قد تصدق بها - وإنما أراد مروان اختباره. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الاعلا بن عبد الجبار، ثنا حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: كان معاوية إذا أعطى أبا هريرة سكت، وإذا أمسك عنه تكلم. وروى غير واحد عن أبي هريرة أنه جاءه شاب فقال: يا أبا هريرة إني أصبحت صائما فدخلت على أبي فجاءني بخبز ولحم فأكلت ناسيا، فقال: طعمة أطعمكها الله لا عليك، قال: ثم دخلت دارا لاهلي فجئ بلبن لقحة فشربته ناسيا، قال: لا عليك، قال: ثم نمت فاستيقظت فشربت ماء، وفي رواية وجامعت ناسيا، فقال أبو هريرة: إنك يا بن أخي لم تعتد الصيام. وقال غير واحد: كان أبو هريرة إذا رأى الجنازة قال: روحوا فإنا غادون، أو اغدوا فإنا رائحون. وروى غير واحد أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل له: ما يبكيك ؟ قال: على قلة الزاد وشدة المفازة، وأنا على عقبة هبوط إما إلى جنة إو إلى نار فما أدري إلى أيهما أصير. وقال مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري. قال: دخل مروان على أبي هريرة في مرضه الذي مات فيه فقال: شفاك الله يا أبا هريرة، فقال أبو هريرة: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي. قال: فما بلغ مروان أصحاب القطن حتى مات أبو هريرة وقال يعقوب بن سفيان عن دحيم، عن الوليد بن جابر، عن عمير بن هانئ. قال قال أبو هريرة: اللهم لا تدركني سنة ستين، قال: فتوفي فيها أو قبلها بسنة، وهكذا قال الواقدي: إنه توفي سنة تسع وخمسين، عن ثمان وسبعين سنة، قال الواقدي: وهو الذي صلى على عائشة في رمضان، وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع وخمسين، ثم توفي أبو هريرة بعدهما فيها، كذا قال، والصواب أن أم سلمة تأخرت بعد أبي هريرة. وقد قال غير واحد: إنه توفي سنة تسع وخمسين وقيل ثمان، وقيل سبع وخمسين، والمشهور تسع وخمسين. قالوا: وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان نائب المدينة، وفي القوم ابن عمر وأبو سعيد وخلق من الصحابة وغيرهم، وكان ذلك عند صلاة العصر، وكانت وفاته في داره بالعقيق، فحمل إلى المدينة فصلي عليه، ثم دفن بالبقيع رحمه الله ورضي عنه. وكتب الوليد بن عتبة إلى معاوية بوفاة أبي هريرة، فكتب إليه معاوية: أن انظروا ورثته فأحسن إليهم، واصرف إليهم عشرة آلاف درهم، وأحسن جوارهم، واعمل إليهم معروفا، فإنه كان ممن نصر عثمان، وكان معه في الدار رحمهما الله تعالى.

[ 123 ]

سنة ستين من الهجرة النبوية فيها كانت غزوة مالك بن عبد الله مدينة سورية، قال الواقدي: وفيها دخل جنادة بن أبي أمية جزيرة رودس، وفيها أخذ معاوية البيعة ليزيد من الوفد الذين قدموا صحبة عبيد الله بن زياد إلى دمشق، وفيها مرض معاوية مرضه الذي توفي فيه في رجب منها كما سنبينه. فروى ابن جرير: من طريق أبي مخنف: حدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة أن معاوية لما مرض مرضته التي هلك فيها، دعا ابنه يزيد فقال: يا بني إني قد كفيتك الرحلة والرجال (1). ووطأت لك الاشياء، وذللت لك الاعزاء (2)، وأخضعت لك أعناق العرب، وإني لا أتخوف أن ينازعك هذا الامر الذي أسسته إلا أربعة نفر، الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر. كذا قال: والصحيح أن عبد الرحمن كان قد توفي قبل موت معاوية بسنتين كما قدمنا، فاما ابن عمر فهو رجل ثقة قد وقدته العبادة، وإذا لم يبق أحد غيره بايعك، وأما الحسين فإن أهل العراق خلفه لا يدعونه حتى يخرجونه عليك، فإن خرج فظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحما ماسة، وحقا عظيما. وأما ابن أبي بكر فهو رجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله، ليست له همة إلا في النساء واللهو. وأما الذي يجثم لك جثوم الاسد، ويراوغك روغان الثعلب، وإذا أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إربا إربا. قال غير واحد: فحين حضرت معاوية الوفاة كان يزيد في الصيد (3)، فاستدعى معاوية الضحاك بن قيس الفهري - وكان على شرطة دمشق - ومسلم بن عقبة فأوصى إليهما أن يبلغا يزيد السلام ويقولان له يتوصى بأهل الحجاز، وإن سأله أهل العراق في كل يوم أن يعزل عنهم عاملا ويولي عليهم عاملا فليفعل، فعزل واحد أحب إليك من أن يسل عليك مائة ألف سيف، وأن يتوصى بأهل الشام، وأن يجعلهم أنصاره، وأن يعرف لهم حقهم، ولست أخاف عليه من قريش سوى ثلاثة، الحسين، وابن عمر، وابن الزبير. ولم يذكر عبد الرحمن بن أبي بكر، وهذا أصح، فأما ابن عمر فقد وقدته العبادة، وأما الحسين فرجل ضعيف (4) وأرجو أن يكفيكه الله تعالى بمن قتل أباه وخذل أخاه، وإن له رحما ماسة وحقا عظيما،


(1) في الطبري 6 / 179: الرحلة والترحال، وفي الكامل 4 / 6: الشدة والترحال. وفي ابن الاعثم: الجد والترحال. (2) في الطبري والكامل: الاعداء. وفي فتوح ابن الاعثم: ولقد وطأت لك يا بني البلاد، وذللت لك رقاب العرب الصعاب... (وزاد انظر الفتوح ج 4 / 259). (3) في الاخبار الطوال ص 226: أن يزيد بن معاوية كان غائبا عن دمشق، وقد أبطأ عليه فدفع الكتاب إلى الضحاك ومسلم بن عقبة... ثم عاد يزيد، فأعاد عليه الوصية ثم قضى. وقال في الامامة والسياسة 1 / 203: أن يزيد قدم دمشق بعد موت أبيه. (4) في الطبري والكامل: خفيف. (*)

[ 124 ]

وقرابة من محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه، فإن قدرت عليه فاصفح عنه فإني لو صاحبته عفوت عنه. وأما ابن الزبير فإنه خب ضب فإن شخص لك فانبذ إليه أن يلتمس منك صلحا،: فإن فعل فاقبل منه، واصفح عن دماء قومك ما استطعت (1). وكان موت معاوية لاستهلال رجب من هذه السنة، قاله هشام بن الكلبي. وقيل للنصف منه، قاله الواقدي. وقيل يوم الخميس لثمان بقين منه، قاله المدائني. قال ابن جرير: وأجمعوا على أنه هلك في رجب منها، وكان مدة ملكه استقلالا من جمادى سنة إحدى وأربعين حين بايعه الحسن بن علي باذرج، فذلك تسع عشرة سنة وثلاث أشهر، وكان نائبا في الشام عشرين سنة تقريبا، وقيل غير ذلك: وكان عمره ثلاثا وسبعين سنة، وقيل خمسا وسبعين سنة، وقيل ثمانيا وسبعين سنة، وقيل خمسا وثمانين سنة (2)، وسيأتي بقية الكلام في آخر ترجمته. وقال أبو السكن زكريا بن يحيى: حدثني عم أبي زحر بن حصين، عن جده حميد بن منهب. قال: كانت هند بنت عتبة عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، وكان الفاكه من فتيان قريش، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا ذلك البيت يوما فاضطجع الفاكه وهند فيه في وقت القائلة، ثم خرج الفاكه لبعض شأنه، وأقبل رجل ممن كان يغشاه فولج البيت فلما رأى المرأة فيه ولى هاربا، ورآه الفاكه وهو خارج من البيت، فأقبل إلى هند وهي مضطجعة فضربها برجله وقال: من هذا الذي كان عندك ؟ قالت: ما رأيت أحدا ولا انتبهت حتى أنبهتني أنت، فقال لها: الحقي بأبيك، وتكلم فيها الناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك القالة، فانبئيني نبأك، فإن يكن الرجل عليك صادقا دسست إليه من يقتله فينقطع عنك القالة، وإن يك كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن، فعند ذلك حلفت هند لابيها بما كانوا يحلفون في الجاهلية إنه لكاذب عليها، فقال عتبة بن ربيعة للفاكه: يا هذا إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم، وعار كبير، لا يغسله الماء، وقد جعلتنا في العرب بمكان ذلة ومنقصة، ولولا أنك مني ذو قرابة لقتلتك، ولكن سأحاكمك إلى كاهن اليمن. فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، فخرج الفاكه في بعض جماعة من بني - مخزوم أقاربه - وخرج عتبة في جماعة من بني عبدمناف، وخرجوا بهند ونسوة معها من أقاربهم، ثم ساروا قاصدين بلاد اليمن، فلما شارفوا بلاد الكاهن قالوا غدا نأتي الكاهن، فلما سمعت هند ذلك تنكرت حالها وتغير وجهها، وأخذت في البكاء، فقال لها أبوها: يا بنية قد أرى ما بك من تنكر الحال، وكثرة البكاء، وما ذاك أراه عندك إلا لمكروه أحدثتيه، وعمل اقترفتيه، فهلا كان هذا قبل أن يشيع في الناس ويشتهر مسيرنا ؟ فقالت: والله يا أبتاه ما هذا الذي تراه مني لمكروه وقع مني، وإني لبريئة،


(1) انظر كتاب العهد (الوصية) في الطبري 6 / 179 - 180 الكامل 4 / 5 - 6 الاخبار الطوال 226 فتوح ابن الاعثم 4 / 256 وما بعدها. والبيان والتبيين 2 / 107. (2) في مدة عمره ومدة خلافته اختلاف انظر الطبري 6 / 180 - 181 الكامل 4 / 76. والاصابة 3 / 433 - 434 والاستيعاب على هامش الاصابة 3 / 398. وأسد الغابة 4 / 386. (*)

[ 125 ]

ولكن هذا الذي تراه من الحزن وتغير الحال هو أني أعلم أنكم تأتون هذا الكاهن وهو بشر يخطئ ويصيب، وأخاف أن يخطئ في أمري بشئ يكون عاره على إلى آخر الدهر، ولا آمنه أن يسمني ميسما تكون علي سبة في العرب. فقال لها أبوها: لا تخافي فإني سوف أختبره وأمتحنه قبل أن يتكلم في شأنك وأمرك، فإن أخطأ فيما أمتحنه به لم أدعه يتكلم في أمرك. ثم إنه انفرد عن القوم - وكان راكبا مهرا - حتى توارى عنهم خلف رابية فنزل عن فرسه ثم صفر له حتى أدلى، ثم أخذ حبة بر فأدخلها في إحليل المهر، وأوكى عليها بسير حتى أحكم ربطها، ثم صفر له حتى اجتمع إحليله، ثم أتى القوم فظنوا أنه ذهب ليقضي حاجة له، ثم أتى الكاهن فلما قدموا عليه أكرمهم ونحر لهم، فقال له عتبة: إنا قد جئناك في أمر، ولكن لا أدعك تتكلم فيه حتى تبين لنا ما خبأت لك، فإني قد خبأت لك خبيئا فانظر ما هو، فأخبرنا به. قال الكاهن: ثمرة في كمرة، قال: أريد أبين من هذا، قال: حبات بر في إحليل مهر، قال: صدقت فخذ لما جئناك له، أنظر في أمر هؤلاء النسوة، فأجلس النساء خلفه وهند معهم لا يعرفها، ثم جعل يدنو من إحداهن فيضرب كتفها ويبريها ويقول: انهضي، حتى دنا من هند فضرب كتفها وقال انهضي حصان رزان، غير رسخا ولا زانية، ولتلدن ملكا يقال له معاوية. فوثب إليها الفكه فأخذ بيدها، فنترت يدها من يده وقالت له: إليك عني، والله لا يجمع رأسي ورأسك وسادة، والله لاحرصن أن يكون هذا الملك من غيرك، فتزوجها أبو سفيان بن حرب فجاءت منه بمعاوية هذا. وفي رواية أن أباها هو الذي قال للفاكه ذلك والله سبحانه أعلم. وهذه ترجمة معاوية وذكر شئ من أيامه وما ورد في مناقبه وفضائله وهو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، القرشي الاموي، أبو عبد الرحمن، خال المؤمنين، وكاتب وحي رسول الله رب العالمين. وأمه هند بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أسلم معاوية عام الفتح، وروي عنه أنه قال: أسلمت يوم القضية ولكن كتمت إسلامي من أبي، ثم علم بذلك فقال لي: هذا أخوك يزيد وهو خير منك على دين قومه، فقلت له: لم آل نفسي جهدا. قال معاوية: ولقد دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء وإني لمصدق به، ثم لما دخل عام الفتح أظهرت إسلامي فجئته فرحب بي، وكتبت بين يديه. قال الواقدي: وشهد معه حنينا، وأعطاه مائة من الابل، وأربعين أوقية من ذهب، وزنها بلال، وشهد اليمامة. وزعم بعضهم أنه هو الذي قتل مسيلمة، حكاه ابن عساكر، وقد يكون له شرك في قتله، وإنما الذي طعنه وحشي، وجلله أبو دجانة سماك بن خرشة بالسيف، وكان أبوه من سادات قريش، وتفرد بالسؤدد بعد يوم بدر، ثم لما أسلم حسن بعد ذلك إسلامه، وكان له مواقف شريفة، وآثار محمودة في يوم اليرموك وما قبله وما بعده، وصحب معاوية

[ 126 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب الوحي بين يديه مع الكتاب، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، قال أبو بكر بن أبي الدنيا: كان معاوية طويلا أبيض جميلا، إذا ضحك انقلبت شفته العليا، وكان يخضب. حدثني محمد بن يزيد الازدي، ثنا أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز، عن أبي عبد رب قال: رأيت معاوية يصفر لحيته كأنها الذهب. وقال غيره: كان أبيض طويلا أجلح أبيض الرأس واللحية يخضبهما بالحناء والكتم. وقد أصابته لوقة في آخر عمره، فكان يستر وجهه ويقول: رحم الله عبدا دعا لي بالعافية، فقد رميت في أحسني وما يبدو مني ولولا هواي في يزيد لابصرت رشدي، وكان حليما وقورا رئيسا سيدا في الناس، كريما عادلا شهما. وقال المدائني عن صالح بن كيسان قال: رأى بعض متفرسي العرب معاوية وهو صبي صغير، فقال: إني لاظن هذا الغلام سيسود قومه، فقالت هند: ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه. وقال الشافعي قال أبو هريرة: رأيت هندا بمكة كأن وجهها فلقة قمر، وخلفها من عجيزتها مثل الرجال الجالس، ومعها صبي يلعب، فمر رجل فنظر إليه فقال: إني لارى غلاما إن عاش ليسودن قومه، فقالت هند: إن لم يسد إلا قومه فأماته الله، وهو معاوية بن أبي سفيان. وقال محمد بن سعد: أنبأنا علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف قال: نظر أبو سفيان يوما إلى معاوية وهو غلام فقال لهند: إن ابني هذا لعظيم الرأس، وإنه لخليق أن يسود قومه، فقالت هند: قومه فقط، ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة. وكانت هند تحمله وهو صغير وتقول: إن بني معرق كريم * محبب في أهله حليم ليس بفاحش ولا لئيم * ولا ضجور ولا سؤوم صخر بني فهر به زعيم * لا يخلف الظن ولا يخيم قال: فلما ولى عمر يزيد بن أبي سفيان ما ولاه من الشام، خرج إليه معاوية فقال أبو سفيان لهند: كيف رأيت صار ابنك تابعا لابني ؟ فقالت: إن اضطربت خيل العرب فستعلم أين يقع ابنك مما يكون فيه ابني، فلما مات يزيد بن أبي سفيان سنة بضع عشرة، وجاء البريد إلى عمر بموته، رد عمر البريد إلى الشام بولاية معاوية مكان أخيه يزيد، ثم عزى أبا سفيان في ابنه يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين من وليت مكانه ؟ قال أخوه معاوية، قال: وصلت رحما يا أمير المؤمنين. وقالت هند لمعاوية فيما كتبت به إليه: والله يا بني إنه قل أن تلد حرة مثلك، وإن هذا الرجل قد استنهضك في هذا الامر، فاعمل بطاعته فيما أحببت وكرهت. وقال له أبوه: يا بني إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخرنا فرفعهم سبقهم وقدمهم عند الله وعند رسوله، وقصر بنا تأخيرنا فصاروا قادة وسادة. وصرنا أتباعا، وقد ولوك جسيما من أمورهم فلا تخالفهم، فإنك تجري إلى أمد فنافس فإن بلغته أورثته عقبك، فلم يزل معاوية نائبا على الشام في الدولة العمرية والعثمانية مدة خلافة عثمان، وافتتح في سنة سبع وعشرين جزيرة قبرص وسكنها المسلمون قريبا

[ 127 ]

من ستين سنة في أيامه ومن بعده، ولم تزل الفتوحات والجهاد قائما على ساقه في أيامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها، فلما كان من أمره وأمر أمير المؤمنين علي ما كان، لم يقع في تلك الايام فتح بالكلية، لا على يديه ولا على يدي علي، وطمع في معاوية ملك الروم بعد أن كان قد أخشاه وأذله، وقهر جنده ودحاهم، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه، فكتب معاوية إليه: والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لاصطلحن أنا وابن عمي عليك ولاخرجنك من جميع بلادك، ولاضيقن عليك الارض بما رحبت. فعند ذلك خاف ملك الروم وانكف، وبعث يطلب الهدنة. ثم كان من أمر التحكيم ما كان، وكذلك ما بعده إلى وقت اصطلاحه مع الحسن بن علي كما تقدم، فانعقدت الكلمة على معاوية، وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين كما قدمنا، فلم يزل مستقلا بالامر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية. والغنائم ترد إليه من أطراف الارض، والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو. وقد ثبت في صحيح مسلم: من طريق عكرمة بن عمار، عن أبي زميل: سماك بن الوليد، عن ابن عباس. قال قال أبو سفيان: يا رسول الله ثلاثا أعطنيهن، قال: نعم، قال: تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم ! قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال: نعم: وذكر الثالثة وهو أنه أراد أن يزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنته الاخرى عزة بنت أبي سفيان، واستعان على ذلك باختها أم حبيبة، فقال: " إن ذلك لا يحل لي " (1) وقد تكلمنا على ذلك في جزء مفرد، وذكرنا أقوال الائمة واعتذارهم عنه ولله الحمد. والمقصود منه أن معاوية كان من جملة الكتاب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يكتبون الوحي. وروى الامام أحمد ومسلم والحاكم في مستدركه من طريق أبي عوانة - الوضاح بن عبد الله اليشكري - عن أبي حمزة عمران بن أبي عطاء عن ابن عباس. قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلي، فاختبأت على باب فجاءني فخطاني خطاة أو خطاتين (2)، ثم قال " اذهب فادع لي معاوية - وكان يكتب الوحي - قال: فذهبت فدعوته له فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة (40) باب. ح‍ 168 وعند مسلم: قال عندي أحسن العرب وأجمله: أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. هذا الحديث من الاحاديث المشهورة بالاشكال ووجهه أن أبا سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة وهذا لا خلاف فيه ومتعارف عليه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تزوج بأم حبيبة قبل ذلك بزمن طويل - تزوجها سنة ست - وقيل سنة سبع - واختلفوا اين تزوجها - قال ابن سعد زوجه إياها النجاشي وهي في الحبشة وقدم بها خالد بن سعيد بن العاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم - وغيره قال بعد قدومها من الحبشة إلى المدينة، والجمهور: بالحبشة. هنا الارجح صوابية ما أثبتنا من أن أبا سفيان عرض أن يزوجه ابنته عزة. (2) في صحيح مسلم: فحطأني حطأة: أي قفدني، وهو الضرب باليد مبسوطة بين الكتفين. (*)

[ 128 ]

فقلت إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه، فأتيته الثانية فقيل: إنه يأكل فأخبرته، فقال في الثالثة: لا أشبع الله بطنه " قال: فما شبع بعدها (1)، وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميرا، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير ويصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا ويقول والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك. وأما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة " (2). فركب مسلم من الحديث الاول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك. وقال المسيب بن واضح عن أبي إسحاق الفزاري، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس. قال: " أتى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اقرئ معاوية السلام واستوص به خيرا، فإنه أمين الله على كتابه ووحيه ونعم الامين. ثم أورده ابن عساكر من وجه آخر عن عبد الملك بن أبي سليمان، ثم أورده أيضا من رواية علي وجابر بن عبد الله " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار جبريل في استكتابه معاوية، فقال: استكتبه فإنه أمين ". ولكن في الاسانيد إليهما غرابة، ثم أورد عن علي في ذلك غرائب كثيرة عن غيره أيضا. وقال أبو عوانة عن سليمان عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الاقمر الزبيدي، عن عبد الله بن عمرو. قال: كان معاوية يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد الصيدلاني ثنا السري، عن عاصم، ثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، عن أبيه عن هشام بن عروة، عن عائشة. قالت: لما كان يوم أم حبيبة من النبي صلى الله عليه وسلم، دق الباب داق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " انظروا من هذا ؟ قالوا: معاوية، قال: ائذنوا له، فدخل وعلى أذنه قلم يخط به، فقال: ما هذا القلم على أذنك يا معاوية ؟ قال: قلم أعددته لله ولرسوله، فقال له: جزاك الله عن نبيك خيرا، والله ما استكتبتك إلا بوحي من الله، وما أفعل من صغيرة ولا كبيرة إلا بوحي من الله، كيف بك لو قمصك الله قميصا - يعني الخلافة - ؟ فقامت أم حبيبة فجلست بين يديه وقالت: يا رسول الله وإن الله مقمصه قميصا ؟ قال: نعم ! ولكن فيه هنات وهنات. فقالت: يا رسول الله فادع الله له، فقال: اللهم اهده بالهدى، وجنبه الردى، واغفر له في الآخرة والاولى ". قال الطبراني تفرد به السري، عن عاصم عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، عن هشام. وقد أورد ابن عساكر بعد هذا أحاديث كثيرة موضوعة، والعجب منه مع حفظه واطلاعه كيف لا ينبه عليها وعلى نكارتها وضعف رجالها والله الموفق للصواب. وقد أوردنا من طريق أبي هريرة وأنس وواثلة بن الاسقع مرفوعا: " الامناء ثلاثة، جبريل، وأنا


(1) أخرجه أحمد في مسنده 1 / 291، 335 ومسلم في البر والصلة (25) باب ح‍ (96) ص (2010). (2) أخرجه مسلم في البر والصلة (25) باب ح‍ (95) ص (2009) عن أنس بن مالك. (*)

[ 129 ]

ومعاوية " ولا يصح من جميع وجوهه، ومن رواية ابن عباس: " الامناء سبعة، القلم، واللوح، وإسرافيل، وميكائيل، وجبريل، وأنا، ومعاوية " وهذا أنكر من الاحاديث التي قبله، وأضعف إسنادا. قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية - يعني ابن صالح - عن يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رهم، عن العرباض بن سارية السلمي. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى السحور في شهر رمضان: هلم إلى الغداء المبارك، ثم سمعته يقول: اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب " (1). تفرد به أحمد. ورواه ابن جرير من حديث ابن مهدي، وكذلك رواه أسد بن موسى، وبشر بن السري، وعبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، باسناده مثله. وفي رواية بشر بن السري " وأدخله الجنة " ورواه ابن عدي وغيره من حديث عثمان بن عبد الرحمن الجمحي، عن عطاء، عن ابن عباس. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب ". وقال محمد بن سعد: ثنا سليمان بن حرب والحسين بن موسى الاشيب قال: ثنا أبو هلال محمد بن سليم، ثنا جبلة بن عطية، عن مسلمة بن مخلد، وقال الاشهب: قال أبو هلال أو عن رجل عن مسلمة بن مخلد، وقال سليمان بن حرب أو حدثه مسلمة عن رجل أنه رأى معاوية يأكل فقال لعمرو بن العاص: إن ابن عمك هذا لمخضد: قال أما أني أقول لك هذا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم علمه الكتاب ومكن له في البلاد وقه العذاب ". وقد أرسله غير واحد من التابعين منهم الزهري، وعروة بن رويم، وجرير بن عثمان الرحبي الحمصي، ويونس بن ميسرة بن حلبس. وقال الطبراني: ثنا أبو زرعة وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقيان قالا: ثنا أبو مسهر، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية: " اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب " قال ابن عساكر: وهذا غريب، والمحفوظ بهذا الاسناد حديث العرباض الذي تقدم، ثم روي من طريق الطبراني عن أبي زرعة، عن أبي مسهر، عن سعيد، عن ربيعة، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمعاوية: " اللهم اجعله هاديا مهديا واهده واهد به " وقال الامام أحمد: حدثنا علي بن بحر، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر معاوية فقال: " اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به " (2) وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يحيى، عن أبي مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز به. وقال حسن غريب. وقد رواه عمر بن عبد الواحد، ومحمد بن سليمان الحراني كما رواه الوليد بن مسلم وأبو مسهر عن سعيد، عن ربيعة بن يزيد عن


(1) مسند أحمد ج 4 / 127. (2) أخرجه أحمد في مسنده ج 4 / 216، 365 والترمذي في المناقب ح‍ (3842) ص 5 / 687. (*)

[ 130 ]

عبد الرحمن بن أبي عميرة. ورواه محمد بن المصفى عن مروان بن محمد الطاطري عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن ابن أبي عميرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لمعاوية فقال: " اللهم علمه العلم، واجعله هاديا مهديا، واهده واهد به " وقد رواه سلمة بن شبيب وصفوان بن صالح وعيسى بن هلال وأبو الازهر عن مروان الطاطري، ولم يذكروا أبا إدريس في إسناده. ورواه الطبراني عن عبدان بن أحمد، عن علي بن سهل الرملي، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني. أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر معاوية فقال: " اللهم اجعله هاديا مهديا واهده " قال ابن عساكر: وقول الجماعة هو الصواب. وقد اعتنى ابن عساكر بهذا الحديث وأطنب فيه وأطيب وأطرب، وأفاد وأجاد، وأحسن الانتقاد، فرحمه الله، كم له من موطن قد تبرز فيه على غيره من الحفاظ والنقاد. وقال الترمذي: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس الخولاني قال: لما عزل عمر بن الخطاب عمير بن سعد عن الشام وولى معاوية قال الناس: عزل عمر عميرا وولى معاوية، فقال عمر: لا تذكروا معاوية إلا بخبر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم اهد به " (1) تفرد به الترمذي وقال: غريب. وعمرو بن واقد ضعيف، هكذا ذكره أصحاب الاطراف في مسند عمير بن سعد الانصاري. وعندي أنه ينبغي أن يكون من رواية عمر بن الخطاب، ويكون الصواب فقال عمر: لا تذكروا معاوية إلا بخير، ليكون عذرا له في توليته له. ومما يقوي هذا أن هشام بن عمار قال: حدثنا ابن أبي السائب - وهو عبد العزيز بن الوليد بن سليمان - قال: وسمعت أبي يذكر أن عمر بن الخطاب ولى معاوية بن أبي سفيان فقالوا: ولى حدث السن، فقال: تلومونني في ولايته، وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به " وهذا منقطع يقويه ما قبله. قال الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا نعيم بن حماد، ثنا محمد بن شعيب بن سابور، ثنا مروان بن جناح، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن عبد الله بن بسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استشار أبا بكر وعمر في أمر فقال: أشيروا علي، فقالا: الله ورسوله أعلم، فقال: ادعوا معاوية ؟ فقال أبو بكر وعمر: أما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين من رجال قريش ما يتقنون أمرهم، حتى يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غلام من غلمان قريش ؟ فقال: ادعوا لي معاوية فدعي له، فلما وقف بين يديه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحضروه أمركم وأشهدوه أمركم، فإنه قوي أمين ". ورواه بعضهم عن نعيم وزاد " وحملوه أمركم ". ثم ساق ابن عساكر أحاديث كثيرة


(1) صحيح الترمذي - كتاب المناقب ح‍ (3843) ص 5 / 687 وفيه: عزل عمر عمير بن سعيد عن حمص. (*)

[ 131 ]

موضوعة بلا شك في فضل معاوية، أضربنا عنها صفحا، واكتفينا بما أوردناه من الاحاديث الصحاح والحسان والمستجادات عما سواها من الموضوعات والمنكرات. ثم قال ابن عساكر: وأصح ما روي في فضل معاوية حديث أبي جمرة عن ابن عباس " أنه كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلم " أخرجه مسلم في صحيحه، وبعده حديث العرباض: " اللهم علم معاوية الكتاب " وبعده حديث ابن أبي عميرة: " اللهم اجعله هاديا مهديا " قلت: وقد قال البخاري في كتاب المناقب (1): ذكر معاوية بن أبي سفيان: حدثنا الحسن بن بشر، ثنا المعافى، عن عثمان بن الاسود، عن ابن أبي مليكة قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس (2)، فأتى ابن عباس، فقال: أوتر معاوية بركعة بعد العشاء، فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثنا ابن أبي مريم ثنا نافع بن عمر، ثنا ابن أبي مليكة. قال: قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية ؟ فإنه ما أوتر إلا بواحدة ! قال: أصاب، إنه فقيه. ثنا عمرو بن عباس ثنا جعفر ثنا شعبة، عن أبي التياح قال: سمعت حمران بن أبان (3) عن معاوية. قال: إنكم لتصلون صلاة، لقد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيناه يصليهما، ولقد نهى عنهما - يعني الركعتين بعد العصر - ثم قال البخاري بعد ذلك (4): ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة: حدثنا عبدان ثنا عبد الله يونس عن الزهري حدثني عروة أن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة - امرأة أبي سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله ما كان على ظهر الارض من أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من أهل خبائك [ ثم ما أصبح اليوم على ظهر الارض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك ] (5)، فقال: وأيضا والذي نفسي بيده. فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك، فهل علي من حرج أن أطعم من الذي له عيالنا ؟ قال: لا إلا بالمعروف ". فالمدحة في قوله: " وأيضا والذي نفسي بيده " وهو أنه كان يود أن هند وأهلها وكل كافر يذلوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحب أن يعزوا فأعزهم الله - يعني أهل خبائها. وقال الامام أحمد: حدثنا روح، ثنا أبو أمية، عمرو بن يحيى بن سعيد قال. سمعت جدي يحدث أن معاوية أخذ الاداوة بعد أبي هريرة فتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها - وكان أبو هريرة قد


(1) كذا بالاصل، أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة 28 باب ح‍ 3764 - 3765. فتح الباري 7 / 104. (2) وهو كريب، قاله محمد بن نصر المروزي في كتاب الوتر. (3) في نسخ البداية المطبوعة: حمدان عن أبان تحريف. (4) في كتاب مناقب الانصار 23 باب. فتح الباري 7 / 141. حديث (3825). (5) ما بين معكوفتين زيادة من البخاري. (*)

[ 132 ]

اشتكى - فبينما هو يوضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رفع رأسه إليه مرة أو مرتين وهو يتوضأ فقال: يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله واعدل. قال معاوية فما زلت أظن أني سأبتلي بعمل لقول النبي صلى الله عليه وسلم حتى ابتليت " (1). تفرد به أحمد، ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا، عن أبي إسحاق الهمذاني، سعيد بن زنبور بن ثابت، عن عمرو بن يحيى بن سعيد. ورواه ابن منده من حديث بشر بن الحكم عن عمرو بن يحيى به. وقال أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد، ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جده عن معاوية قال: " اتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء، فلما توضأ نظر إلي فقال: يا معاوية إن وليت أمرا فاتق واعدل، فما زلت أظن أني مبتلى بعمل حتى وليت ". ورواه غالب القطان عن الحسن. قال: سمعت معاوية يخطب وهو يقول: " صببت يوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه فرفع رأسه إلي فقال: أما إنك ستلي أمر أمتي بعدي، فإذا كان ذلك فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم، وقال: فما زلت أرجو حتى قمت مقامي هذا ". وروى البيهقي عن الحاكم بسنده إلى إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عمير. قال قال معاوية: والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ملكت فأحسن " قال البيهقي: إسماعيل بن إبراهيم (2) هذا ضعيف، إلا أن للحديث شواهد (3). وروى ابن عساكر باسناده عن نعيم بن حماد: ثنا محمد بن حرب، عن أبي بكر بن أبي مريم، ثنا محمد بن زياد، عن عوف بن مالك الاشجعي قال: " بينما أنا راقد في كنيسة يوحنا - وهي يومئذ مسجد يصلى فيها - إذا انتبهت من نومي فإذا أنا بأسد يمشي بين يدي، فوثبت إلى سلاحي، فقال الاسد: مه ! إنما أرسلت إليك برسالة لتبلغها، قلت: ومن أرسلك ؟ قال: الله أرسلني إليك لتبلغ معاوية السلام وتعلمه أنه من أهل الجنة، فقلت له. ومن معاوية ؟ قال: معاوية بن أبي سفيان " ورواه الطبراني عن أبي يزيد القراطيسي عن المعلى بن الوليد القعقاعي، عن محمد بن حبيب الخولاني، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، وفيه ضعف وهذا غريب جدا، ولعل الجميع مناما، ويكون قوله: إذا انتبهت من نومي مدرجا لم يضبطه ابن أبي مريم، والله أعلم. وقال محمد بن عائذ، عن الوليد، عن ابن لهيعة، عن يونس عن الزهري. قال: قدم عمر الجابية فنزع شرحبيل وأمر عمرو بن العاص بالمسير إلى مصر، ونفى الشام على أميرين أبي عبيدة ويزيد، ثم توفي أبو عبيدة فاستخلف عياض بن غنم، ثم توفي يزيد فأمر معاوية مكانه، ثم نعاه عمر لابي سفيان، فقال لابي سفيان: احتسب يزيد بن أبي سفيان، قال: من أمرت مكانه ؟


(1) مسند أحمد ج 4 / 101. (2) اسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي - كان فاحش الخطأ، ضعفه غير واحد، قال البخاري: فيه نظر، وذكره العقيلي في الضعفاء الكبير (1 / 73) وابن حيان في المجروحين (1 / 122). (3) دلائل البيهقي 6 / 446. (*)

[ 133 ]

قال: معاوية، فقال: وصلت رحما يا أمير المؤمنين، فكان معاوية على الشام، وعمير بن سعد حتى قتل عمر، رضي الله عنهم. وقال محمد بن إسحاق: مات أبو عبيدة في طاعون عمواس واستخلف معاذا، فمات معاذ واستخلف يزيد بن أبي سفيان، فمات واستخلف أخاه معاوية فأقره عمر، وولى عمرو بن العاص فلسطين والاردن، ومعاوية دمشق وبعلبك والبلقاء، وولى سعد بن عامر بن جذيم حمص، ثم جمع الشام كلها لمعاوية بن أبي سفيان، ثم أمره عثمان بن عفان على الشام. وقال إسماعيل بن أمية: أفرد عمر معاوية بامرة الشام، وجعل له في كل شهر ثمانين دينارا. والصواب أن الذي جمع لمعاوية الشام كلها عثمان بن عفان، وأما عمر فإنه إنما ولاه بعض أعمالها. وقال بعضهم: لما عزيت هند في يزيد بن أبي سفيان - ولم يكن منها - قيل لها: إنه قد جعل معاوية أميرا مكانه، فقالت: أو مثل معاوية يجعل خلفا من أحد ؟ فوالله لو أن العرب اجتمعت متوافرة ثم رمي به فيها لخرج من أي أعراضها (نواحيها) شاء. وقال آخرون: ذكر معاوية عند عمر فقال: دعوا فتى قريش وابن سيدها، إنه لمن يضحك في الغضب ولا ينال منه إلا على الرضا، ومن لا يؤخذ من فوق رأسه إلا من تحت قدميه. وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن قدامة الجوهري، حدثني عبد العزيز بن يحيى، عن شيخ له. قال: لما قدم عمر بن الخطاب الشام تلقاه معاوية في موكب عظيم، فلما دنا من عمر قال له: أنت صاحب الموكب ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: هذا حالك مع ما بلغني من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك ؟ قال: هو ما بلغك من ذلك. قال: ولم تفعل هذا ؟ لقد هممت أن آمرك بالمشي حافيا إلى بلاد الحجاز، قال: يا أمير المؤمنين إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للاسلام وأهله ويرهبهم به، فإن أمرتني فعلت، وإن نهيتني انتهيت. فقال له عمر: يا معاوية ما سألتك عن شئ إلا تركتني في مثل رواجب الضرس، لئن كان ما قلت حقا إنه لرأي أريت (1)، ولئن كان باطلا إنه لخديعة أديت. قال: فمرني يا أمير المؤمنين بما شئت، قال: لا آمرك ولا أنهاك. فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه ؟ ! فقال عمر: لحسن موارده ومصادره جشمناه ما جشمناه. وفي رواية أن معاوية تلقى عمر حين قدم الشام، ومعاوية في موكب كثيف، فاجتاز بعمر وهو وعبد الرحمن بن عوف راكبان على حمار، ولم يشعر بهما، فقيل له: إنك جاوزت أمير المؤمنين، فرجع، فلما رأى عمر ترجل وجعل يقول له ما ذكرنا، فقال عبد الرحمن بن عوف: ما أحسن ما صدر عما أوردته فيه يا أمير المؤمنين ؟ ! فقال: من أجل ذلك جشمناه ما جشمناه. وقال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: أخبرنا محمد بن ذئب، عن مسلم بن جندب، عن أسلم مولى عمر قال: قدم علينا معاوية وهو أبيض نص وباص، أبض الناس وأجملهم،


(1) في الاستيعاب هامش الاصابة 3 / 397: أريب وإن كان باطلا أنه لخدعة أديب. (*)

[ 134 ]

فخرج إلى الحج مع عمر، فكان عمر ينظر إليه فيعجب منه، ثم يضع أصبعه على متن معاوية ثم يرفعها عن مثل الشراك، فيقول: بخ بخ، نحن إذا خير الناس، أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة. فقال معاوية: يا أمير المؤمنين سأحدثك أنا بأرض الحمامات والريف والشهوات، فقال عمر: سأحدثك ما بك إلا إلطافك نفسك بأطيب الطعام وتصبحك حتى تضرب الشمس متنيك، وذووا الحاجات وراء الباب. فقال: يا أمير المؤمنين علمني أمتثل. قال: فلما جئنا ذا طوى أخرج معاوية حلة فلبسها، فوجد عمر منها ريحا كأنه ريح طيب، فقال: يعمد أحدكم فيخرج حاجا مقلا حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمة أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما ؟ ! فقال معاوية: إنما لبستهما لادخل فيهما على عشيرتي وقومي، والله لقد بلغني أذاك ههنا وبالشام، فالله يعلم أني لقد عرفت الحياء فيه، ثم نزع معاوية ثوبيه ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني أبي، عن هشام بن محمد، عن أبي عبد الرحمن المدني. قال: كان عمر بن الخطاب إذا رأى معاوية قال: هذا كسرى العرب (1). وهكذا حكى المدائني عن عمر أنه قال ذلك. وقال عمرو بن يحيى بن سعيد الاموي، عن جده. قال: دخل معاوية على عمر وعليه حلة خضراء، فنظر إليها الصحابة، فلما رأى ذلك عمر وثب إليه بالدرة فجعل يضربه بها، وجعل معاوية يقول: يا أمير المؤمنين الله الله في، فرجع عمر إلى مجلسه فقال له القوم: لم ضربته يا أمير المؤمنين ؟ وما في قومك مثله ؟ فقال: والله ما رأيت إلا خيرا، وما بلغني إلا خير، ولو بلغني غير ذلك لكان مني إليه غير ما رأيتم، ولكن رأيته - وأشار بيده - فأحببت أن أضع منه ما شمخ. وقد قال أبو داود: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا يحيى بن حمزة، ثنا ابن أبي مريم أن القاسم بن مخيمرة أخبره، أن أبا مريم الازدي أخبره. قال: دخلت على معاوية فقال: ما أنعمنا بك أبا فلان - وهي كلمة تقولها العرب - فقلت: حديث سمعته أخبرك به، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره ". قال: فجعل معاوية حين سمع هذا الحديث رجلا على حوائج الناس (2). ورواه الترمذي وغيره. وقال الامام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، ثنا حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز. قال: خرج معاوية على الناس فقاموا له فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار " (3). وفي رواية. قال: خرج معاوية على ابن


(1) في رواية ابن عبد البر أن عمر قال ذلك في معاوية عند قدومه الشام وتلقاه معاوية في موكب عظيم. (2) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج - باب فيما يلزم الامام من أمر الرعية ح‍ (2948) ص (3 / 135). (3) أخرجه الامام أحمد في مسنده 4 / 91. (*)

[ 135 ]

عامر وابن الزبير فقام له ابن عامر ولم يقم له ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: إجلس ! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أحب أن يتمثل له العباد قياما فليبتوأ مقعده من النار ". ورواه أبو داود والترمذي من حديث حبيب بن الشهيد، وقال الترمذي: حديث حسن. وروى أبو داود من حديث الثوري عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد المقري الحمصي، عن معاوية. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم ". قال: كلمة سمعها معاوية نفعه الله بها. تفرد به أحمد - يعني أنه كان جيد السيرة، حسن التجاوز، جميل العفو، كثير الستر رحمه الله تعالى - وثبت في الصحيحين: من حديث الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن معاوية. أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون ". وفي رواية " وهم على ذلك " وقد خطب معاوية بهذا الحديث مرة ثم قال: وهذا مالك بن يخامر يخبر عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهم بالشام - يحث بهذا أهل الشام على مناجزة أهل العراق: " وإن أهل الشام هم الطائفة المنصورة على من خالفها " وهذا مما كان يحتج به معاوية لاهل الشام في قتالهم أهل العراق. وقال الليث بن سعد: فتح معاوية قيسارية سنة تسع عشرة في دولة عمر بن الخطاب. وقال غيره: وفتح قبرص سنة خمس وقيل سبع، وقيل ثمان وعشرين في أيام عثمان. قالوا: وكان عام غزوة المضيق - يعني مضيق القسطنطينية - في سنة ثنتين وثلاثين في أيامه وكان هو الامير على الناس عامئذ. وجمع عثمان لمعاوية جميع الشام، وقيل إن عمر هو الذي جمعها له، والصحيح عثمان. واستقضى معاوية فضالة بن عبيد بعد أبي الدرداء، ثم كان ما كان بينه وبين علي بعد قتل عثمان، على سبيل الاجتهاد والرأي، فجرى بينهما قتال عظيم كما قدمنا، وكان الحق والصواب مع علي، ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفا وخلفا، وقد شهدت الاحاديث الصحيحة بالاسلام للفريقين من الطرفين - أهل العراق وأهل الشام - كما ثبت في الحديث الصحيح " تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين، فيقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق " (1) فكانت المارقة الخوارج، وقتلهم علي وأصحابه، ثم قتل علي فاستقل معاوية بالامر سنة إحدى وأربعين، وكان يغزو الروم في كل سنة مرتين، مرة في الصيف ومرة في الشتاء، ويأمر بجلا من قومه فيحج بالناس، وحج هو سنة خمسين، وحج ابنه يزيد سنة إحدى وخمسين. وفيها أو في التي بعدها أغزاه بلاد الروم فسار معه خلق كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القسطنطينية، وقد ثبت في الصحيح: " أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم ". وقال وكيع عن الاعمش عن أبي صالح. قال: كان الحادي


(1) أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد في الزكاة (47) باب. ح‍ (150) و (151) وفيه: تمرق مارقة عند فرقة المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحق. وفي رواية من طريق أبي أحمد: تقتلهم أقرب الطائفتين من الحق ح‍ (153). ص 2 / 746. (*)

[ 136 ]

يحدو بعثمان فيقول: إن الامير بعده علي * وفي الزبير خلف مرضي فقال كعب: بل هو صاحب البغلة الشهباء - يعني معاوية - فقال: يا أبا إسحاق تقول هذا وههنا علي والزبير وأصحاب محمد ؟ فقال: أنت صاحبها. ورواه سيف عن بدر بن الخليل عن عثمان بن عطية الاسدي عن رجل من بني أسد. قال: ما زال معاوية يطمع فيها منذ سمع الحادي في أيام عثمان يقول: إن الامير بعده علي * وفي الزبير خلف مرضي فقال كعب: كذبت ! بل صاحب البغلة الشهباء بعده - يعني معاوية - فقال له معاوية في ذلك فقال: نعم ! أنت الامير بعده، ولكنها والله لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا، فوقعت في نفس معاوية. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عباد المكي، ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي هارون قال قال عمر: إياكم والفرقة بعدي، فإن فعلتم فإن معاوية بالشام، وستعلمون إذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستبزها دونكم. ورواه الواقدي من وجه آخر عن عمر رضي الله عنه. وقد روى ابن عساكر عن عامر الشعبي: أن عليا حين بعث جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية قبل وقعة صفين - وذلك حين عزم علي على قصد الشام، وجمع الجيوش لذلك - وكتب معه كتابا إلى معاوية يذكر له فيه أنه قد لزمته بيعته، لانه قد بايعه المهاجرون والانصار، فإن لم تبايع استعنت بالله عليك وقاتلتك. وقد أكثرت القول في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله، في كلام طويل. وقد قدمنا أكثره، فقرأ معاوية على الناس وقام جرير فخطب الناس، وأمر في خطبته معاوية بالسمع والطاعة، وحذره من المخالفة والمعاندة، ونهاه عن إيقاع الفتنة بين الناس، وأن يضرب بعضهم بعضا بالسيوف (1). فقال معاوية: انتظر حتى آخذ برأي أهل الشام، فلما كان بعد ذلك أمر معاوية مناديا فنادى في الناس: الصلاة جامعة. فلما اجتمع الناس صعد المنبر فخطب فقال: " الحمد لله الذي جعل الدعائم للاسلام أركانا، والشرائع للايمان برهانا، يتوقد مصباحه (2) بالسنة في الارض المقدسة التي جعلها الله محل الانبياء والصالحين من عباده، فأحلها أهل الشام ورضيهم لها، ورضيها لهم، لما سبق في مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم أولياءه فيها، والقوام بأمره، الذابين عن دينه وحرماته، ثم جعلهم لهذه (3) الامة


(1) انظر خطبة جرير بن عبد الله في فتوح ابن الاعثم 2 / 379 - 380. (2) في ابن الاعثم: مقباسه. (3) في ابن الاعثم: ثم جعل لهذه البلدة الآمنة نظاما ولسننه أعلاما. (*)

[ 137 ]

نظاما، وفي أعلام الخير عظاما، يردع الله بهم الناكثين، ويجمع بهم الالفة بين المؤمنين، والله نستعين على إصلاح ما تشعث من أمور المسلمين، وتباعد بينهم بعد القرب والالفة، اللهم انصرنا على قوم يوقظون نائما، ويخيفون آمنا، ويريدون هراقة دمائنا، وإخافة سبلنا، وقد يعلم الله أنا لا نريد لهم عقابا، ولا نهتك لهم حجابا، غير أن الله الحميد كسانا من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا ما جاوب الصدى، وسقط الندى، وعرف الهدى، وقد علمنا أن الذي حملهم على خلافنا البغي والحسد لنا، فالله نستعين عليهم. أيها الناس ! قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأني خليفة أمير المؤمنين عثمان عليكم، وأني لم أقم رجلا منكم على خزائه قط، وإني ولي عثمان وابن عمه، قال الله تعالى في كتابه: * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * [ الاسراء: 33 ] وقد علمتم أنه قتل مظلوما، وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان. فقال أهل الشام بأجمعهم: بل نطلب بدمه، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه، ووثقوا له أن يبذلوا في ذلك أنفسهم وأموالهم، أو يدركوا بثأره، أو يفني الله أرواحهم قبل ذلك، فلما رأى جرير من طاعة أهل الشام لمعاوية ما رأى، أفزعه ذلك، وعجب منه. وقال معاوية لجرير: إن ولاني علي الشام ومصر بايعته على أن لا يكون لاحد بعده على بيعة، فقال: اكتب إلى علي بما شئت، وأنا أكتب معك، فلما بلغ عليا الكتاب قال: هذه خديعة، وقد سألني المغيرة بن شعبة أن أولي معاوية الشام وأنا بالمدينة فأبيت ذلك * (وما كنت متخذ المضلين عضدا) * [ الكهف: 51 ] ثم كتب إلى جرير بالقدوم عليه، فما قدم إلا وقد اجتمعت العساكر إلى علي، وكتب معاوية إلى عمرو بن العاص - وكان معتزلا بفلسطين حين قتل عثمان - وكان عثمان قد عزله عن مصر فاعتزل بفلسطين، فكتب إليه معاوية يستدعيه ليستشيره في أموره فركب إليه فاجتمعا على حرب علي. وقد قال (1) عقبة بن أبي معيط في كتاب معاوية إلى علي حين سأله نيابة الشام ومصر، فكتب إلى معاوية يؤنبه ويلومه على ذلك ويعرض بأشياء فيه: معاوي إن الشام شامك فاعتصم * بشامك لا تدخل عليك الافاعيا فإن عليا ناظر ما تجيبه * فأهد له حربا يشيب النواصيا


(1) كذا بالاصل، والصواب الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهي من قصيدة وجهها إلى معاوية وإلى أخيه عتبة بن أبي سفيان يعرض فيها بموقف معاوية وحاول تحريك عتبة ومنها: أعتبة حرك من أخيك ولا تكن * فول الهوينا إن أراد مؤاتيا وانك قد اشبهت صخرا ومن يكن * شبيها له يصبح على الناس عاليا وقال في قصيدة أخرى يحرض معاوية فيها: فوالله ما هند بأمك إن مضى ال‍ * - نهار ولم يثأر بعثمان ثائر أيقتل عبد القوم سيد قومه * ولم تقتلوه ليت أمك عاقر الاستيعاب على هامش الاصابة 3 / 636 فتوح ابن الاعثم 2 / 395. (*)

[ 138 ]

وحام عليها بالقتال وبالقنا * ولا تك مخشوش الذراعين وانيا وإلا فسلم إن في الامن راحة * لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا وإن كتابا يا بن حرب كتبته * على طمع جان عليك الدواهيا سألت عليا فيه مالا تناله * ولو نلته لم يبق إلا لياليا إلى أن ترى منه الذي ليس بعدها * بقاء فلا تكثر عليك الامانيا ومثل علي تغترره بخدعة * وقد كان ما خربت من قبل بانيا ولو نشبت أظفاره فيك مرة * فراك ابن هند بعد ما كنت فاريا وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: أنت تنازع عليا أم أنت مثله ؟ فقال: والله إني لاعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالامر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما، وأنا ابن عمه، وأنا أطلب بدمه وأمره إلي ؟ فقولوا له: فليسلم إلي قتلة عثمان وأنا أسلم له أمره. فأتوا عليا فكلموه في ذلك فلم يدفع إليهم أحدا، فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية. وعن عمرو بن شمر عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي وأبي جعفر الباقر. قال: بعث علي رجلا إلى دمشق ينذرهم أن عليا قد نهد في أهل العراق إليكم ليستعلم طاعتكم لمعاوية، فلما قدم أمر معاوية فنودي في الناس: الصلاة جامعة، فملاوا المسجد ثم صعد المنبر فقال في خطبته: إن عليا قد نهد إليكم في أهل العراق فما الرأي ؟ فضرب كل منهم على صدره، ولم يتكلم أحد منهم، ولا رفعوا إليه أبصارهم، وقام ذو الكلاع فقال: يا أمير المؤمنين عليك الرأي وعلينا الفعال، ثم نادى معاوية في الناس: أن اخرجوا إلى معسكركم في ثلاث، فمن تخلف بعدها فقد أحل بنفسه، فاجتمعوا كلهم، فركب ذلك الرجل إلى علي فأخبره، فأمر علي مناديا فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصعد المنبر فقال: إن معاوية قد جمع الناس لحربكم، فما الرأي ؟ فقال كل فريق منهم مقالة، واختلط كلام بعضهم في بعض، فلم يدر علي مما قالوا شيئا، فنزل عن المنبر وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب والله بها ابن آكلة الاكباد. ثم كان من أمر الفريقين بصفين ما كان، كما ذكرناه مبسوطا في سنة ست وثلاثين. وقد قال أبو بكر بن دريد: أنبأنا أبو حاتم عن أبي عبيدة. قال قال معاوية: لقد وضعت رجلي في الركاب وهممت يوم صفين بالهزيمة، فما منعني إلا قول ابن الاطنابة حيث يقول: أبت لي عفتي وأبى بلائي * وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإكراهي على المكروه نفسي * وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي وروى البيهقي عن الامام أحمد أنه قال: الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فقيل له: فمعاوية ؟ قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان علي من علي، ورحم الله معاوية. وقال

[ 139 ]

علي بن المديني: سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما كنت في علي خصلة تقصر به عن الخلافة، ولم يكن في معاوية خصلة ينازع بها عليا. وقيل لشريك القاضي: كان معاوية حليما ؟ فقال: ليس بحليم من سفه الحق وقاتل عليا. رواه ابن عساكر. وقال سفيان الثوري، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه ذكر معاوية وأنه لبى عشية عرفة فقال فيه قولا شديدا، ثم بلغه أن عليا لبى عشية عرفة فتركه. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني عباد بن موسى، ثنا علي بن ثابت الجزري، عن سعيد بن أبي عروبة عن عمر بن عبد العزيز. قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأبو بكر وعمر جالساه عنده، فسلمت عليه وجلست، فبينما أنا جالس إذ أتي بعلي ومعاوية، فأدخلا بيتا وأجيف الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول: قضي لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة. وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية، فقال له: ولم ؟ قال: لانه قاتل عليا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما ؟ رضي الله عنهما. وسئل الامام أحمد عما جرى بين علي ومعاوية فقرأ: * (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) * [ البقرة: 134 ] وكذا قال غير واحد من السلف. وقال الاوزاعي: سئل الحسن عما جرى بين علي وعثمان فقال: كانت لهذا سابقة ولهذا سابقة، ولهذا قرابة ولهذا قرابة، فابتلى هذا وعوفي هذا. وسئل عما جرى بين علي ومعاوية فقال: كانت لهذا قرابة ولهذا قرابة، ولهذا سابقة ولم يكن لهذا سابقة، فابتليا جميعا. وقال كلثوم بن جوشن: سأل النضر أبو عمر الحسن البصري فقال: أبو بكر أفضل أم علي ؟ فقال: سبحان الله ولا سواء، سبقت لعلي سوابق يشركه فيها أبو بكر، وأحدث علي حوادث لم يشركه فيها أبو بكر، أبو بكر أفضل. قال: فعمر أفضل أم علي ؟ فقال: مثل قوله في أبي بكر، ثم قال: عمر أفضل. ثم قال: عثمان أفضل أم علي ؟ فقال مثل قوله الاول، ثم قال: عثمان أفضل. قال: فعلي أفضل أم معاوية ؟ فقال: سبحان الله ولا سواء سبقت لعلي سوابق لم يشركه فيها معاوية، وأحدث علي أحداثا شركه فيها معاوية، علي أفضل من معاوية. وقد روي عن الحسن البصري أنه كان ينقم على معاوية أربعة أشياء، قتاله عليا، وقتله حجر بن عدي، واستلحاقه زياد بن أبيه، ومبايعته ليزيد ابنه. وقال جرير بن عبد الحميد عن مغيرة. قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته ؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم، وفي رواية أنها قالت له بالامس تقاتلنه واليوم تبكينه ؟. قلت: وقد كان مقتل علي في رمضان سنة أربعين، ولهذا قال الليث بن سعد: إن معاوية بويع له بإيليا بيعة الجماعة، ودخل الكوفة سنة أربعين، والصحيح الذي قاله ابن إسحاق والجمهور أنه بويع له بإيليا في رمضان سنة أربعين، حين بلغ أهل الشام مقتل علي، ولكنه إنما

[ 140 ]

دخل الكوفة بعد مصالحة الحسن له في شهر ربيع الاول سنة إحدى وأربعين، وهو عام الجماعة، وذلك بمكان يقال له أدرج، وقيل بمسكن من أرض سواد العراق من ناحية الانبار، فاستقل معاوية بالامر إلى أن مات سنة ستين. قال بعضهم: كان نقش خاتم معاوية: كل عمل ثواب. وقيل بل كان: لا قوة إلا بالله. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسعيد بن منصور قالا: ثنا أبو معاوية ثنا الاعمش عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد. قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة - يعني خارج الكوفة - الجمعة في الضحى ثم خطبنا فقال: ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، قد عرفت أنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لاتأمر عليكم، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون ". رواه محمد بن سعد عن يعلى بن عبيد عن الاعمش به. وقال محمد بن سعد: حدثنا عارم ثنا حماد بن يزيد، عن معمر، عن الزهري، أن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه، ثم إنه بعد عن ذلك. وقال نعيم بن حماد: حدثنا ابن فضيل عن السري بن إسماعيل، عن الشعبي، حدثني سفيان بن الليل قال: قلت للحسن بن علي لما قدم من الكوفة إلى المدينة: يا مذل المؤمنين، قال: لا تقل ذلك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تذهب الايام والليالي حتى يملك معاوية ". فعلمت أن أمر الله واقع، فكرهت أن تهراق بيني وبينه دماء المسلمين. وقال مجالد عن الشعبي عن الحارث الاعور. قال قال علي بعدما رجع من صفين: أيها الناس لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل. وقال ابن عساكر باسناده عن أبي داود الطيالسي: ثنا أيوب بن جابر، عن أبي إسحاق، عن الاسود بن يزيد، قال قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلافة ؟ فقالت: وما تعجب من ذلك ؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة، وكذلك غيره من الكفار. وقال الزهري: حدثني القاسم بن محمد أن معاوية حين قدم المدينة يريد الحج دخل على عائشة فكلمها خاليين لم يشهد كلامهما أحد إلا ذكوان أبو عمر ومولى عائشة، فقالت: أمنت أن أخبأ لك رجلا يقتلك بقتلك أخي محمدا ؟ فقال: صدقتي، فلما قضى معاوية كلامه معها تشهدت عائشة ثم ذكرت ما بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، والذي سن الخلفاء بعده، وحضت معاوية على العدل واتباع أثرهم، فقالت في ذلك فلم يترك له عذرا، فلما قضت مقالتها قال لها معاوية: أنت والله العالمة العاملة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الناصحة المشفقة البليغة الموعظة، حضضت على الخير، وأمرت به، ولم تأمرينا إلا بالذي هو لنا مصلحة، وأنت أهل أن تطاعي. وتكلمت هي ومعاوية كلاما كثيرا. فلما قام معاوية اتكأ على ذكوان وقال: والله ما سمعت خطيبا ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغ من عائشة. وقال محمد بن سعد: حدثنا خالد بن مخلد البجلي، ثنا سليمان بن بلال، حدثني علقمة بن أبي علقمة عن أمه. قالت: قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة فأرسل إلى عائشة: أن ارسلي بانبجانية رسول الله صلى الله عليه وسلم وشعره، فأرسلت به معي أحمله، حتى

[ 141 ]

دخلت به عليه، فأخذ الانبجانية فلبسها، وأخذ شعره فدعا بماء فغسله وشربه وأفاض على جلده. وقال الاصمعي عن الهذلي، عن الشعبي قال: لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقته رجال من وجوه قريش فقالوا: الحمد لله الذي أعز نصرك، وأعلا أمرك. فما رد عليهم جوابا حتى دخل المدينة، فقصد المسجد وعلا المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ! فإني والله ما وليت أمركم حين وليته وأنا أعلم أنكم لا تسرون بولايتي ولا تحبونها، وإني لعالم بما في نفوسكم من ذلك، ولكني خالستكم بسيفي هذا مخالسة، ولقد رمت نفسي على عمل ابن أبي قحافة فلم أجدها تقوم بذلك ولا تقدر عليه، وأردتها على عمل ابن الخطاب فكانت أشد نفورا وأعظم هربا من ذلك، وحاولتها على مثل سنيات عثمان فأبت علي وأين مثل هؤلاء ؟ ومن يقدر على أعمالهم ؟ هيهات أن يدرك فضلهم أحد ممن بعدهم ؟ رحمة الله ورضوانه عليهم، غير أني سلكت بها طريقا لي فيه منفعة، ولكم فيه مثل ذلك. ولكل فيه مواكلة حسنة، ومشاربة جميلة، ما استقامت السيرة وحسنت الطاعة، فإن لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم، والله لا أحمل السيف على من لا سيف معه، ومهما تقدم مما قد علمتموه فقد جعلته دبر أذني، وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فارضوا مني ببعضه، فانها بقاببة قوبها، وإن السيل إذا جاء يبرى، وإن قل أغنى، وإياكم والفتنة فلا تهموا بها، فإنها تفسد المعيشة، وتكدر النعمة، وتورث الاستيصال، أستغفر الله لي ولكم، أستغفر الله. ثم نزل. - قال أهل اللغة: القاببة البيضة، والقوب الفرخ، قابت البيضة تقوب إذا انفلقت عن الفرخ -. والظاهر أن هذه الخطبة كانت عام حج في سنة أربع وأربعين، أو في سنة خمسين، لا في عام الجماعة. وقال الليث: حدثني علوان بن صالح بن كيسان أن معاوية قدم المدينة أول حجة حجها بعد اجتماع الناس عليه، فلقيه الحسن والحسين ورجال من قريش، فتوجه إلى دار عثمان بن عفان، فلما دنا إلى باب الدار صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها، فقال معاوية لمن معه: انصرفوا إلى منازلكم فإن لي حاجة في هذه الدار، فانصرفوا ودخل فسكن عائشة بن عثمان، وأمرها بالكف وقال لها: يا بنت أخي إن الناس أعطونا سلطاننا فأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتحها حقد، فبعناهم هذا بهذا، وباعونا هذا بهذا، فإن أعطيناهم غير ما اشتروا منا شحوا علينا بحقنا وغمطناهم بحقهم، ومع كل إنسان منهم شيعته، وهو يرى مكان شيعته، فإن نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا ؟ وأن تكوني ابنة عثمان أمير المؤمنين أحب إلي أن تكوني أمة من إماء المسلمين، ونعم الخلف أنا لك بعد أبيك. وقد روي ابن عدي من طريق علي بن زيد، وهو ضعيف، عن أبي نضرة عن أبي سعيد، ومن حديث مجالد، وهو ضعيف أيضا، عن أبي الوداك عن أبي سعيد. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ". وأسنده أيضا من طريق الحكم بن ظهير - وهو متروك - عن عاصم عن زر عن ابن مسعود مرفوعا. وهذا الحديث كذب بلا شك، ولو كان صحيحا لبادر الصحابة

[ 142 ]

إلى فعل ذلك، لانهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم. وأرسله عمرو بن عبيد عن الحسن البصري، قال أيوب: وهو كذب ورواه الخطيب البغدادي باسناد مجهول عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا: " إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه (1) فإنه أمين مأمون ". وقد قال أبو زرعة الدمشقي عن دحيم، عن الوليد، عن الاوزاعي قال: أدركت خلافة معاوية عدة من الصحابة منهم أسامة وسعد وجابر وابن عمر وزيد بن ثابت وسلمة بن مخلد وأبو سعيد ورافع بن خديج وأبو أمامة وأنس بن مالك، ورجال أكثر وأطيب ممن سمينا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، ومن الدين جديده، وعرفوا من الاسلام ما لم يعرفه غيرهم، وأخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأويل القرآن. ومن التابعين لهم باحسان ما شاء الله، منهم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الاسود بن عبد يغوث، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن محيريز، وفي أشباه لهم لم ينزعوا يدا من جماعة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال أبو زرعة عن دحيم، عن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز. قال: لما قتل عثمان لم يكن للناس غازية تغزو، حتى كان عام الجماعة فأغزا معاوية أرض الروم ست عشرة غزوة، تذهب سرية في الصيف ويشتوا بأرض الروم، ثم تقفل وتعقبها أخرى، وكان في جملة من أغزى ابنه يزيد ومعه خلق من الصحابة، فجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل بهم راجعا إلى الشام، وكان آخر ما أوصى به معاوية أن قال: شد خناق الروم. وقال ابن وهب عن يونس عن الزهري قال. حج معاوية بالناس في أيام خلافته مرتين، وكانت أيامه عشرين سنة إلا شهرا. وقال أبو بكر بن عياش: حج بالناس معاوية سنة أربع وأربعين، وسنة خمسين. وقال غيره: سنة إحدى وخمسين (2) فالله أعلم. وقال الليث بن سعد: حدثنا بكير عن بشر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال: ما رأيت أحدا بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب - يعني معاوية - وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن ثنا المسور بن مخرمة أنه وفد على معاوية. قال: فلما دخلت عليه - حسبت أنه قال سلمت عليه - فقال: ما فعل طعنك على الائمة يا مسور ؟ قال قلت: ارفضنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له، فقال: لتكلمني بذات نفسك، قال: فلم أدع شيئا أعيبه عليه إلا أخبرته به، فقال: لا تبرأ من الذنوب، فهل لك من ذنوب تخاف أن تهلكك إن لم يغفرها الله لك ؟ قال: قلت: نعم ! إن لي ذنوبا إن لم تغفرها هلكت بسببها، قال: فما الذي يجعلك أحق بأن ترجو أنت المغفرة مني، فوالله لما


(1) كذا بالاصل، وفي هامش المطبوعة: " لعله فاقبلوه بدليل قوله في سياق الكلام: فإنه أمين مأمون، ولا يطعن في الحديث، ويصح المعنى والله أعلم ". (2) في الطبري 6 / 161: حج بالناس سنة إحدى وخمسين يزيد بن معاوية، وقال بعضهم حج يزيد في سنة خمسين وقال بعضهم الآخر حج معاوية. (*)

[ 143 ]

إلي من إصلاح الرعايا وإقامة الحدود والاصلاح بين الناس والجهاد في سبيل الله والامور العظام التي لا يحصيها إلا الله ولا نحصيها أكثر مما تذكر من العيوب والذنوب، وإني لعلى دين يقبل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيئات، والله على ذلك ما كنت لاخير بين الله وغيره إلا اخترت الله على غيره مما سواه، فقال: ففكرت حين قال لي ما قال فعرفت أنه قد خصمني. قال: فكان المسور إذا ذكره بعد ذلك دعا له بخير. وقد رواه شعيب عن الزهري عن عروة عن المسور بنحوه. وقال ابن دريد عن أبي حاتم عن العتبي قال قال معاوية: يأيها الناس ! ما أنا بخيركم وإن منكم لمن هو خير مني، عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما من الافاضل، ولكن عسى أن أكون أنفعكم ولاية، وأنكاكم في عدوكم، وأدركم حلبا. وقد رواه أصحاب محمد عن ابن سعد عن محمد بن مصعب، عن أبي بكر بن أبي مريم عن ثابت مولى معاوية أنه سمع معاوية يقول نحو ذلك. وقال هشام بن عمار خطيب دمشق: حدثنا عمرو بن واقد، ثنا يونس بن حلبس قال سمعت معاوية على منبر دمشق يوم جمعة يقول: أيها الناس اعقلوا قولي، فلن تجدوا أعلم بأمور الدنيا والآخرة مني، أقيموا وجوهكم وصفوفكم في الصلاة، أو ليخالفن الله بين قلوبكم، خذوا على أيدي سفهائكم أو ليسلطن الله عليكم عدوكم فليسومنكم سوء العذاب. تصدقوا ولا يقولن الرجل إني مقل، فإن صدقة المقل أفضل من صدقة الغني، إياكم وقذف المحصنات، وأن يقول الرجل: سمعت وبلغني، فلو قذف أحدكم امرأة على عهد نوح لسئل عنها يوم القيامة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا يزيد بن طهمان الرقاشي ثنا محمد بن سيرين. قال: كان معاوية إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتهم. ورواه أبو القاسم البغوي عن سويد بن سعيد، عن همام بن إسماعيل، عن أبي قبيل. قال: كان معاوية يبعث رجلا يقال له أبو الجيش في كل يوم فيدور على المجالس يسأل هل ولد لاحد مولود ؟ أو قدم أحد من الوفود ؟ فإذا أخبر بذلك أثبت في الديوان - يعني ليجري عليه الرزق - وقال غيره: كان معاوية متواضعا ليس له مجالد إلا كمجالد الصبيان التي يسمونها المخاريق فيضرب بها الناس. وقال هشام بن عمار، عن عمرو بن واقد، عن يونس بن ميسرة بن حلبس. قال: رأيت معاوية في سوق دمشق وهو مردف وراءه وصفيا عليه قميص مرقوع الجيب، وهو يسير في أسواق دمشق، وقال الاعمش عن مجاهد، إنه قال: لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي. وقال هشيم عن العوام عن جبلة بن سحيم، عن ابن عمرو. قال: ما رأيت أحدا أسود من معاوية، قال قلت: ولا عمر ؟ قال: كان عمر خيرا منه، وكان معاوية أسود منه. ورواه أبو سفيان الحيري، عن العوام بن حوشب به. وقال: ما رأيت أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود من معاوية، قيل ولا أبو بكر ؟ قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان خيرا منه، وهو أسود. وروى من طريق عن ابن عمر مثله. وقال عبد الرزاق: عن معمر عن همام سمعت ابن عباس يقول: ما رأيت رجلا كان أخلق بالملك من معاوية، وقال حنبل بن إسحاق:

[ 144 ]

حدثنا أبو نعيم حدثنا ابن أبي عتيبة عن شيخ من أهل المدينة قال قال معاوية. أنا أول الملوك (1). وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا هارون بن معروف حدثنا حمزة عن ابن شوذب قال: كان معاوية يقول أنا أول الملوك وآخر خليفة، قلت: والسنة أن يقال لمعاوية ملك، ولا يقال له خليفة لحديث سفينة: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا " (2). وقال عبد الملك بن مروان يوما وذكر معاوية فقال: ما رأيت مثله في حلمه واحتماله وكرمه. وقال قبيصة بن جابر: ما رأيت أحدا أعظم حلما ولا أكثر سؤددا ولا أبعد أناة ولا ألين مخرجا، ولا أرحب باعا بالمعروف من معاوية. وقال بعضهم: أسمع رجل معاوية كلاما شيئا شديدا، فقيل له لو سطوت عليه ؟ فقال: إني لاستحيي من الله أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي. وفي رواية قال له رجل: يا أمير المؤمنين ما أحلمك ؟ فقال: إني لاستحيي أن يكون جرم أحد أعظم من حلمي. وقال الاصمعي عن الثوري: قال قال معاوية: إني لاستحيي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، أو جهل أكبر من حلمي، أو تكون عورة لا أواريها بستري. وقال الشعبي والاصمعي عن أبيه قالا: جرى بين رجل يقال له أبو الجهم وبين معاوية كلام فتكلم أبو الجهم بكلام فيه غمر لمعاوية، فأطرق معاوية. ثم رفع رأسه فقال: يا أبا الجهم إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبيان، ويأخذ أخذ الاسد، وإن قليله يغلب كثير الناس. ثم أمر معاوية لابي الجهم بمال فقال: أبو الجهم في ذلك يمدح معاوية: نميل على جوانبه كأنا * نميل إذا نميل على أبينا نقلبه لنخبر حالتيه * فنخبر منهما كرما ولينا وقال الاعمش: طاف الحسن بن علي مع معاوية فكان معاوية يمشي بين يديه، فقال الحسن: ما أشبه أليتيه بأليتي هند ؟ ! فالتفت إليه معاوية فقال: أما إن ذلك كان يعجب أبا سفيان. وقال ابن أخته عبد الرحمن بن أبي الحكم لمعاوية: إن فلانا يشتمني، فقال له: طأطئ لها فتمر فتجاوزك. وقال ابن الاعرابي: قال رجل لمعاوية: ما رأيت أنذل منك، فقال معاوية: بلى من واجه الرجال بمثل هذا. وقال أبو عمرو بن العلاء قال معاوية: ما يسرني بذل الكرم حمر


(1) في رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " خلافة نبوة ثلاثين عاما ثم يؤتي الله الملك من يشاء " فقال معاوية: قد رضينا بالملك. أنظر الحديث في سنن أبي داود - كتاب السنة (4 / 211) والترمذي في الفتن 4 / 503 والامام أحمد في المسند 4 / 273 ودلائل البيهقي 6 / 342. (2) أخرجه الامام أحمد 5 / 44 و 5 / 220 وأبو داود في السنة ح‍ (4646) بلفظ خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يأتي الملك من يشاء. ومن طريق يعقوب بن سفيان عن سفينة الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ملك. (*)

[ 145 ]

النعم. وقال: ما يسر بي بذل الحلم عز النصر. وقال بعضهم: قال معاوية: يا بني أمية فارقوا قريشا بالحلم، فوالله لقد كنت ألقى الرجل في الجاهلية فيوسعني شتما وأوسعه حلما، فأرجع وهو لي صديق، إن استنجدته أنجدني، وأثور به فيثور معي، وما وضع الحلم عن شريف شرفه، ولا زاده إلا كرما وقال: آفة الحلم الذل. وقال: لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ الرجل ذلك إلا بقوة الحلم. وقال عبد الله بن الزبير: لله در ابن هند، إن كنا لنفرقه وما الليث على براثنه بأجرأ منه، فيتفارق لنا، وإن كنا لنخدعه وما ابن ليلة من أهل الارض بأدهى منة فيتخادع لنا، والله لوددت أنا متعنا به ما دام في هذا الجبل حجر - وأشار إلى أبي قيس - وقال رجل لمعاوية: من أسود الناس ؟ فقال: أسخاهم نفسا حين سأل، وأحسنهم في المجالس خلقا، وأحلمهم حين يستجهل. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان معاوية يتمثل بهذه الابيات كثيرا: فما قتل السفاهة مثل حلم * يعود به على الجهل الحليم فلا تسفه وإن ملئت غيظا * على أحد فإن الفحش لوم ولا تقطع أخا لك عند ذنب * فإن الذنب يغفره الكريم وقال القاضي الماوردي في الاحكام السلطانية: وحكي أن معاوية أتي بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد من بينهم، فقال: يميني أمير المؤمنين أعيذها * بعفوك أن تلقى مكانا يشينها يدي كانت الحسناء لو تم سترها * ولا تعدم الحسناء عيبا يشيبها فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة * إذا ما شمالي فارقتها يمينها فقال معاوية: كيف أصنع بك ؟ قد قطعنا أصحابك ؟ فقالت أم السارق: يا أمير المؤمنين ! اجعلها في ذنوبك التي تتوب منها. فخلى سبيله، فكان أول جد ترك في الاسلام وعن ابن عباس أنه قال: قد علمت بم غلب معاوية الناس، كانوا إذا طاروا وقع، وإذا وقع طاروا، وقال غيره: كتب معاوية إلى نائبه زياد: إنه لا ينبغي أن يسوس الناس سياسة واحدة باللين فيمرحوا، ولا بالشدة فيحمل الناس على المهالك، ولكن كن أنت للشدة والفظاظة والغلظة، وأنا للين والالفة والرحمة، حتى إذا خاف خائف وجد بابا يدخل منه. وقال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز. قال: قضى معاوية عن عائشة أم المؤمنين ثمانية عشر ألف دينار، وما كان عليها من الدين الذي كانت تعطيه الناس. وقال هشام بن عروة عن أبيه: بعث معاوية إلى أم المؤمنين عائشة بمائة ألف ففرقتها من يومها فلم يبق منها درهم،

[ 146 ]

فقالت لها خادمتها: هلا أبقيت لنا درهما نشتري به لحما تفطري عليه ؟ فقالت: لو ذكرتيني لفعلت (1). وقال عطاء: بعث معاوية إلى عائشة وهي بمكة بطوق قيمته مائة ألف فقبلته. وقال زيد بن الحباب عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة. قال: قدم الحسن بن علي على معاوية فقال له: لاجيزنك بجائزة لم يجزها أحد كان قبلي، فأعطاه أربعمائة ألف ألف (2). ووفد إليه مرة الحسن والحسين فأجازهما على الفور بمائتي ألف، وقال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسين: ولم تعط أحدا أفضل منا. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا يوسف ابن موسى ثنا جرير عن مغيرة. قال: أرسل الحسن بن علي وعبد الله بن جعفر إلى معاوية يسألانه المال، فبعث إليهما - أو إلى كل منهما - بمائة ألف، فبلغ ذلك عليا فقال لهما: ألا تستحيان ؟ رجل نطعن في عينه غدوة وعشية تسألانه المال ؟ فقالا: بل حرمتنا أنت وجاد هولنا. وروى الاصمعي قال: وفد الحسن وعبد الله بن الزبير على معاوية فقال للحسن: مرحبا وأهلا بابن رسول الله، وأمر له بثلاثمائة ألف، وقال لابن الزبير: مرحبا وأهلا بابن عمة رسول الله، وأمر له بمائة ألف. وقال أبو مروان المرواني: بعث معاوية إلى الحسن بن علي بمائة ألف فقسمها على جلسائه، وكانوة عشرة، فأصاب كل واحد عشرة آلاف. وبعث إلى عبد الله بن جعفر بمائة ألف فاستو هبتها منه امرأته فاطمة فأطلقها لها، وبعث إلى مروان بن الحكم بمائة ألف فقسم منها خمسين ألفا وحبس خمسين ألفا، وبعث إلى ابن عمر بمائة ألف ففرق منها تسعين واستبقى عشرة آلاف. فقال معاوية: إنه لمقتصد يحب الاقتصاد. وبعث إلى عبد الله بن الزبير بمائة ألف فقال للرسول: لم جئت بها بالنهار ؟ فلا جئت بها بالليل ؟ ثم حبسها عنده ولم يعط منها أحدا شيئا، فقال معاوية: إنه لخب ضب (3)، كأنك به قد رفع ذنبه وقطع حبله. وقال ابن دآب: كان لعبد الله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، ويقضي له معها مائة حاجة، فقدم عليه عاما فأعطاه المال وقضى له الحاجات، وبقيت منها واحدة، فبينما هو عنده إذ قدم أصبغهند سجستان يطلب من معاوية أن يملكه على تلك البلاد، ووعد من قضى له هذه الحاجة من ماله ألف ألف، فطاف على رؤوس الاشهاد والامراء من أهل الشام وأمراء العراق، ممن قدم مع الاحنف بن قيس، فكلمهم يقولون: عليك بعبد الله بن جعفر، فقصده الدهقان فكلم فيه ابن جعفر معاوية فقضى حاجته تكملة المائة حاجة، وأمر الكتاب فكتب له عهده، وخرج به ابن جعفر إلى الدهقان فسجد له وحمل إليه ألف ألف درهم، فقال له ابن جعفر: اسجد لله واحمل مالك إلى منزلك، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف بالثمن. فبلغ ذلك معاوية فقال: لان يكون يزيد قالها أحب إلي من


(1) في ابن سعد 8 / 66 ذكر الرواية عن هشام بن عروة عن ابن المنكدر عن ام ذرة وفيها أن ابن الزبير بعث بالمائة ألف إلى عائشة. ونقلها ابن حجر في الاصابة عن ابن سعد 4 / 361 ولم يذكر فيها من أرسل إليها المال. (2) الرواية في الاصابة من طريق الحسن بن شقيق وفيه: أربعمائة ألف (1 / 330). (3) خب: خداع. ضب: حاقد. (*)

[ 147 ]

خراج العراق، أبت بنو هاشم إلا كرما، وقال غيره: كان لعبدالله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، فاجتمع عليه في بعض الاوقات دين خمسمائة ألف، فألح عليه غرماؤه فاستنظرهم حتى يقدم على معاوية فيسأله أن يسلفه شيئا من العطاء، فركب إليه فقال له: ما أقدمك يا بن جعفر ؟ فقال: دين ألح علي غرماؤه، فقال: وكم هو ؟ قال: خمسمائة ألف. فقضاها عنه وقال له: إن الالف ألف ستأتيك في وقتها. وقال ابن سعيد: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا ابن هلال عن قتادة. قال قال معاوية: يا عجبا للحسن بن علي ! ! شرب شربة غسل يمانية بماء رومة فقضى نحبه، ثم قال لابن عباس: لا يسؤك الله ولا يحزنك في الحسن بن علي، فقال ابن عباس لمعاوية: لا يحزنني الله ولا يسؤني ما أبقى الله أمير المؤمنين. قال: فأعطاه ألف ألف درهم وعروضا وأشياء، وقال: خذها فاقسمها في أهلك. وقال أبو الحسن المدايني عن سلمة بن محارب قال: قيل لمعاوية أيكم كان أشرف، أنتم أو بنو هاشم ؟ قال: كنا أكثر أشرافا وكانوا هم أشرف، فيهم واحد لم يكن في بني عبد مناف مثل هاشم، فلما هلك كنا أكثر عددا وأكثر اشرافا، وكان فيهم عبد المطلب ولم يكن فينا مثله، فلما مات صرنا أكثر عددا وأكثر أشرافا، ولم يكن فيهم واحد كواحدنا، فلم يكن إلا كقرار العين حتى قالوا: منا نبي، فجاء نبي لم يسمع الاولون والآخرون بمثله، محمد صلى الله عليه وسلم، فمن يدرك هذه الفضيلة وهذا الشرف ؟. وروى ابن أبي خيثمة عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن عمرو بن العاص قص على معاوية مناما رأى فيه أبا بكر وعمر وعثمان وهم يحاسبون على ما ولوه في أيامهم، ورأى معاوية وهو موكل به رجلان يحاسبانه على ما عمل في أيامه، فقال له معاوية: وما رأيت ثم دنانير مصر ؟. وقال ابن دريد عن أبي حاتم عن العتبي. قال: دخل عمرو على معاوية وقد ورد عليه كتاب فيه تعزية له في بعض الصحابة، فاسترجع معاوية فقال عمرو بن العاص: تموت الصالحون وأنت حي * تخطاك المنايا لا تموت فقال له معاوية: أترجو أن أموت وأنت حي * فلست بميت حتى تموت وقال ابن السماك قال معاوية: كل الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها، وقال الزهري عن عبد الملك عن أبي بحرية. قال قال معاوية: المروءة في أربع، العفاف في الاسلام، واستصلاح المال، وحفظ الاخوان، وحفظ الجار. وقال أبو بكر الهذلي: كان معاوية يقول الشعر فلما ولي الخلافة قال له أهله: قد بلغت الغاية فماذا تصنع بالشعر ؟ فارتاح يوما فقال: صرمت سفاهتي وأرحت حلمي * وفي على تحملي اعتراض

[ 148 ]

على أني أجيب إذا دعتني * إلى حاجاتها الحدق المراض وقال مغيرة عن الشعبي: أول من خطب جالسا معاوية حين كثر شحمه وعظم بطنه. وكذا روى عن مغيرة عن إبراهيم أنه قال: أول من خطب جالسا يوم الجمعة معاوية. وقال أبو المليح عن ميمون: أول من جلس على المنبر معاوية واستأذن الناس في الجلوس. وقال قتادة عن سعيد بن المسيب: أول من أذن وأقام يوم الفطر والنحر معاوية. وقال أبو جعفر الباقر: كانت أبواب مكة لا أغلاق لها، وأول من اتخذ لها الابواب معاوية. وقال أبو اليمان عن شعيب عن الزهري: مضت السنة أن لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر، وأول من ورث المسلم من الكافر معاوية، وقضى بذلك بنو أمية بعده، حتى كان عمر بن عبد العزيز فراجع السنة، وأعاد هشام ما قضى به معاوية وبنو أمية من بعده، وبه قال الزهري، ومضت السنة أن دية المعاهد كدية المسلم، وكان معاوية أول من قصرها إلى النصف، وأخذ النصف لنفسه. وقال ابن وهب عن مالك عن الزهري قال: سألت سعيد بن المسيب عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: اسمع يا زهري، من مات حبا لابي بكر وعمر وعثمان وعلي، وشهد للعشرة بالجنة، وترحم على معاوية، كان حقا على الله أن لا يناقشه الحساب. وقال سعيد بن يعقوب الطالقاني: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز. وقال محمد بن يحيى بن سعيد: سئل ابن المبارك عن معاوية فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، فقال خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل له: أيهما أفضل ؟ هو أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز. وقال غيره عن ابن المبارك قال معاوية: عندنا محنة فمن رأيناه ينظر إليه شزرا اتهمناه على القول - يعني الصحابة - وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وغيره: سئل المعافى بن عمران أيهما أفضل ؟ معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فغضب وقال للسائل: أتجعل رجلا من الصحابة مثل رجل من التابعين ؟ معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعوا لي أصحابي وأصهاري، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ". وكذا قال الفضل بن عتيبة. وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: معاوية ستر لاصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه. وقال الميموني قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحسن إذا رأيت رجلا يذكر أحدا من الصحابة بسوء فاتهمه على الاسلام. وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل تنقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال له رافضي ؟ فقال: إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحدا من الصحابة إلا وله داخلة سوء. وقال ابن المبارك عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة. قال: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا إنسانا شتم معاوية، فإنه ضرب أسواطا. وقال بعض السلف: بينما أنا على جبل بالشام إذ سمعت هاتفا يقول: من أبغض الصديق فذاك زنديق، ومن أبغض عمر فإلى جهنم

[ 149 ]

زمرا، ومن أبغض عثمان فذاك خصمه الرحمن، ومن أبغض عليا فذاك خصمه النبي، ومن أبغض معاوية سحبته الزبانية، إلى جهنم الحامية، يرمى به في الحامية الهاوية. وقال بعضهم: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية، إذ جاء رجل فقال عمر: يا رسول الله هذا يتنقصنا، فكأنه انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني لا أتنقص هؤلاء ولكن هذا - يعني معاوية - فقال: " ويلك ! أو ليس هو من أصحابي ؟ قالها ثلاثا، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حربة فناولها معاوية فقال: جابها في لبته " فضربه بها وانتبهت فبكرت إلى منزلي فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات، وهو راشد الكندي. وروى ابن عساكر عن الفضيل بن عياض أنه كان يقول: معاوية من الصحابة، من العلماء الكبار، ولكن ابتلى بحب الدنيا. وقال العتبي: قيل لمعاوية أسرع إليك الشيب ؟ فقال: كيف لا ولا أزال أرى رجلا من العرب قائما على رأسي يلقح لي كلاما يلزمني جوابه، فإن أصبت لم أحمد، وإن أخطأت سارت بها البرود. وقال الشعبي وغيره: أصابت معاوية في آخر عمره لوقة (1)، وروى ابن عساكر في ترجمة خديج الخصي مولى معاوية قال: اشترى معاوية جارية بيضاء جميلة فأدخلتها عليه مجردة، وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها - يعني فرجها - ويقول: هذا المتاع لو كان لي متاع، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا ! ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشي - وكان فقيها - فلما دخل عليه قال: إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد، قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين ! فإنها لا تصلح له، فقال: نعم ما رأيت، قال: ثم وهبها لعبد الله بن مسعدة الفزاري مولى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أسود فقال له: بيض بها ولدك، وهذا من فقه معاوية ونحريه، حيث كان نظر إليها بشهوة، ولكنه استضعف نفسه عنها، فتحرج أن يهبها من ولده يزيد لقوله تعالى: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * [ النساء: 22 ] وقد وافقه على ذلك الفقيه ربيعة بن عمرو الجرشي الدمشقي. وذكر ابن جرير أن عمرو بن العاص قدم في وفد أهل مصر إلى معاوية، فقال لهم في الطريق: إذا دخلتم على معاوية فلا تسلموا عليه بالخلافة فإنه لا يحب ذلك، فلما دخل عليه عمرو قبلهم، قال معاوية لحاجبه: أدخلهم، وأوعز إليه أن يخوفهم في الدخول ويرعبهم، وقال: إني لاظن عمرا قد تقدم إليهم في شئ ؟. فلما أدخلوهم عليه - وقد أهانوهم - جعل أحدهم إذا دخل يقول: السلام عليك يا رسول الله، فلما نهض عمرو من عنده قال: قبحكم الله ! نهيتكم عن أن تسلموا عليه بالخلافة فسلمتم عليه بالنبوة.


(1) قال الجاحظ في البيان والتبيين 3 / 134 لما سقطت ثنيتا معاوية لف وجهه بعمامة، ثم خرج إلى الناس فقال: لئن ابتليت لقد ابتلى الصالحون قبلي، وإني لارجو أن أكون منهم، ولئن عوقبت لقد عوقب الخاطئون قبلي، وما آمن أن أكون منهم ولئن سقط عضوان مني لما بقي أكثر... (*)

[ 150 ]

وذكر أن رجلا سأل من معاوية أن يساعده في بناء داره باثني عشر ألف جذع من الخشب. فقال له معاوية: أين دارك ؟ قال: بالبصرة، قال: وكم اتساعها ؟ قال: فرسخان في فرسخين، قال: لا تقل داري بالبصرة، ولكن قل: البصرة في داري. وذكر أن رجلا دخل بابن معه فجلسا على سماط معاوية فجعل ولده يأكل أكلا ذريعا، فجعل معاوية يلاحظه، وجعل أبوه يريد أن ينهاه عن ذلك فلا يفطن، فلما خرجا لامه أبوه وقطعه عن الدخول، فقال له معاوية ! أين ابنك التلقامة ؟ قال: اشتكى. قال: قد علمت أن أكله سيورثه داء. قال: ونظر معاوية إلى رجل وقف بين يديه يخاطبه وعليه عباءة فجعل يزدريه، فقال: يا أمير المؤمنين إنك لا تخاطب العباءة، إنما يخاطبك من بها. وقال معاوية: أفضل الناس من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا وعد أنجز، وإذا أساء استغفر. وكتب رجل (1) من أهل المدينة إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: إذا الرجال ولدت أولادها * واضطربت من كبر أعضادها وجعلت أسقامها تعتادها * فهي زروع قد دنا حصادها فقال معاوية: نعى إلي نفسي وقال ابن أبي الدنيا: حدثني هارون بن سفيان عن عبد الله السهمي حدثني ثمامة بن كلثوم أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس ! إن من زرع قد استحصد، وإني قد وليتكم ولن يليكم أحد بعدي خير مني، وإنما يليكم من هو شر مني، كما كان من وليكم قبلي خيرا مني (2)، ويا زيد إذا دنا أجلي فول غسلي رجلا لبيبا، فإن اللبيب من الله بمكان، فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقراضة من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي، وأذني وعيني (3)، واجعل ذلك الثوب مما يلي جلدي دون لفافي، ويا يزيد احفظ وصية الله في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جريدتي ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية وأرحم الراحمين. وقال بعضهم: لما احتضر معاوية جعل يقول: لعمري لقد عمرت في الدهر برهة * ودانت لي الدنيا بوقع البواتر وأعطيت حمر المال والحكم والنهى * ولي سلمت كل الملوك الجبابر


(1) في الطبري 6 / 187: زر بن حبيش أو أيمن بن خريم. (2) في الكامل للمبرد 2 / 381: ولن يأتيكم بعدي إلا من أنا خير منه كما لم يكن قبلي إلا من هو خير مني. (3) في ابن الاعثم 4 / 264 قال: اعملوا أني كنت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يقلم أظفاره فأخذت من قلامته فجعلتها في قارورة فهي عندي، وعندي أيضا شئ من شعره، إذا أنا مت وغسلتموني وكفنتموني فقطعوا تلك القلامة فاجعلوها في عيني، واجعلوا الشعر في فمي وأذني.. (*)

[ 151 ]

فأضحى الذي قد كان مما يسرني * كحكم مضى في المزمنات الغوابر فيا ليتني لم أعن في الملك ساعة * ولم أسع في لذات عيش نواضر وكنت كذي طمرين عاش ببلغة * فلم يك حتى زار ضيق المقابر وقال محمد بن سعد: أنبأنا علي بن محمد، عن محمد بن الحكم، عمن حدثه أن معاوية لما احتضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال - كأنه أراد أن يطيب له - لان عمر بن الخطاب قاسم عماله. وذكروا أنه في آخر عمره اشتد به البرد فكان إذا لبس أو تغطى بشئ ثقيل يغمه، فاتخذ له ثوبا من حواصل الطير، ثم ثقل عليه بعد ذلك، فقال: تبا لك من دار، ملكتك أربعين سنة، عشرين أميرا، وعشرين خليفة، ثم هذا حالي فيك، ومصيري منك، تبا للدنيا ولمحبيها. وقال محمد بن سعد: أنبأنا أبو عبيدة، عن أبي يعقوب الثقفي، عن عبد الملك بن عمير. قال: لما ثقل معاوية وتحدث الناس بموته قال لاهله: احشوا عيني إثمدا، وأوسعوا رأسي دهنا، ففعلوا وغرقوا وجهه بالدهن، ثم مهد له مجلس وقال: اسندوني، ثم قال: إيذنوا للناس فليسلموا علي قياما ولا يجلس أحد، فجعل الرجل يدخل فيسلم قائما فيراه مكتحلا متدهنا فيقول متقول الناس إن أمير المؤمنين لما به وهو أصح الناس، فلما خرجوا من عنده قال معاوية في ذلك: وتجلدي للشامتين أريهم * أني لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع (1) قال: وكان به النقابة (2) - يعني لوقة - فمات من يومه (3) ذلك رحمه الله. وقال موسى بن عقبة: لما نزل معاوية الموت قال: يا ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى، ولم أل من هذا الامر شيئا. وقال أبو السائب المخزومي: لما حضرت معاوية الوفاة تمثل بقول الشاعر: إن تناقش يكن نقاشك يا رب * عذابا لا طوق لي بالعذاب أو تجاوز تجاوز العفو واصفح (4) * عن مسئ ذنوبه كالتراب وقال بعضهم: لما احتضر معاوية جعل أهله يقلبونه فقال لهم: أي شيخ تقلبون ؟ إن نجاه الله من عذاب النار غدا.


(1) في ابن الاعثم 4 / 252 كان في عنقه تعويذ فقطعه ورمى به وتمثل بهذا الشعر. (2) في الطبري 6 / 181 والكامل لابن الاثير 4 / 7: وكان به النفاثات، وفي ابن الاعثم كان به اللقوة. (3) في ابن الاعثم: مات بعد خمسة أيام أي يوم الاحد لايام خلت من رجب. (4) في الكامل لابن الاثير 4 / 8: أو تجاوز فأنت رب صفوح، وفي فتوح ابن الاعثم 4 / 264: أو تجاوز فأنت رب رحيم. (*)

[ 152 ]

وقال محمد بن سيرين: جعل معاوية لما احتضر يضع خدا على الارض ثم يقلب وجهه ويضع الخد الآخر ويبكي ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك: * (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) * [ النساء: 48 ] اللهم فاجعلني فيمن تشاء أن تغفر له. وقال العتبي عن أبيه: تمثل معاوية عند موته بقول بعضهم وهو في السياق: هو الموت لا منجا من الموت والذي * نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع ثم قال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك، فإنك واسع المغفرة، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهرب إلا إليك. ورواه ابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة، عن أبي عمرو بن العلاء فذكر مثله، وزاد: ثم مات. وقال غيره: أغمي عليه ثم أفاق فقال لاهله: اتقوا الله فإن الله تعالى يقي من اتقاه، ولا يقي من لا يتقي، ثم مات (1) رحمه الله وقد روى أبو مخنف عن عبد الملك بن نوفل. قال: لما مات معاوية صعد الضحاك بن قيس المنبر فخطب الناس - وأكفان معاوية على يديه - فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن معاوية الذي كان سور العرب وعونهم وجدهم، قطع الله به الفتنة، وملكه على العباد، وفتح به البلاد، ألا إنه قد مات وهذه أكفانه، فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله، ثم هول البرزخ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الاولى. ثم نزل وبعث البريد إلى يزيد بن معاوية يعلمه ويستحثه على المجئ (2). ولا خلاف أنه توفي بدمشق في رجب سنة ستين. فقال جماعة: ليلة الخميس للنصف من رجب سنة ستين، وقيل ليلة الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين. قاله ابن إسحاق وغير واحد، وقيل لاربع خلت من رجب، قاله الليث. وقال سعد بن إبراهيم لمستهل رجب، قال محمد بن إسحاق والشافعي: صلى عليه ابنه يزيد، وقد ورد من غير وجه أنه أوصى إليه أن يكفن في ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كساه إياه، وكان مدخرا عنده لهذا اليوم، وأن يجعل ما عنده من شعره وقلامة أظفاره في فمه وأنفه وعينيه وأذنيه. وقال آخرون: بل كان ابنه يزيد غائبا فصلى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق، ثم دفن فقيل بدار الامارة وهي


(1) في ابن الاعثم 4 / 264: اتقوا الله حق تقاته، فإن تقوى الله جنة حصينة، وويل لمن لم يتق الله ويخاف عذابه وأليم عقابه... ثم توفي من الغد. (2) في الطبري 6 / 183 والكامل لابن الاثير 4 / 9 والفتوح لابن الاعثم 4 / 265: كان يزيد قد خرج في مرض أبيه إلى حوارين الثنية مقتصدا للصيد، ومات معاوية ويزيد ليس بحضرته فكتبوا إليه فأقبل وقد دفن فأتى قبره فصلى عليه وقال: جاء البريد بقرطاس يخب به * فأوجس القلب من قرطاسه فزعا أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه * كانا جميعا فماتا قاطنين معا (*)

[ 153 ]

الخضراء، وقيل بمقابر باب الصغير، وعليه الجمهور فالله أعلم. وكان عمره إذ ذاك ثمانيا وسبعين سنة، وقيل جاوز الثمانين وهو الاشهر والله أعلم. ثم ركب الضحاك بن قيس في جيش وخرج ليتلقى يزيد بن معاوية - وكان يزيد بحوارين - فلما وصلوا إلى ثنية العقاب تلقتهم أثقال يزيد، وإذا يزيد راكب على بختي وعليه الحزن ظاهر، فسلم عليه الناس بالامارة وعزوه في أبيه، وهو يخفض صوته في رده عليهم، والناس صامتون لا يتكلم معه إلا الضحاك بن قيس، فانتهى إلى باب توما، فظن الناس أنه يدخل منه إلى المدينة، فأجازه مع السور حتى انتهى إلى الباب الشرقي، فقيل: يدخل منه لانه باب خالد، فجازه حتى أتى الباب الصغير فعرف الناس أنه قاصد قبر أبيه، فلما وصل إلى باب الصغير ترجل عند القبر ثم دخل فصلى على أبيه بعدما دفن (1) ثم انفتل، فلما خرج من المقبرة أتى بمراكب الخلافة فركب. ثم دخل البلد وأمر فنودي في الناس إن الصلاة جامعة، ودخل الخضراء فاغتسل ولبس ثيابا حسنة ثم خرج فخطب الناس أول خطبة خطبها وهو أمير المؤمنين، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أيها الناس ! إن معاوية كان عبدا من عبيد الله، أنعم الله عليه ثم قبضه إليه، وهو خير ممن بعده ودون من قبله، ولا أزكيه على الله عز وجل فإنه أعلم به، إن عفى عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنبه، وقد وليت الامر من بعده، ولست آسى على طلب، ولا أعتذر من تفريط (2)، وإذا أراد الله شيئا كان. وقال لهم في خطبته هذه: وإن معاوية كان يغزيكم في البحر، وإني لست حاملا أحدا من المسلمين في البحر، وإن معاوية كان يشتيكم بأرض الروم ولست مشتيا أحدا بأرض الروم، وإن معاوية كان يخرج لكم العطاء أثلاثا وأنا أجمعه لكم كله. قال: فافترق الناس عنه وهم لا يفضلون عليه أحدا. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: بعث معاوية وهو مريض إلى ابنه يزيد، فلما جاءه البريد ركب وهو يقول: جاء البريد بقرطاس يخب (3) به * فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم (4) * قال الخليفة أمسى مثقلا وجعا (5) فمادت الارض أو كادت تميد بنا * كأن أغبر من أركانها انقلعا (6)


(1) في فتوح ابن الاعثم 5 / 2: صار إلى دمشق بعد ثلاثة أيام من مدفن معاوية. (2) في ابن الاعثم 5 / 8 ولست أقصر عن طلب حق، ولا أعذر من تفريط في باطل. وانظر خطبة ليزيد بعد موت أبيه في العقد الفريد 2 / 142 و 2 / 250. (3) في ابن الاعثم 5 / 4: يحث به. (4) في الكامل لابن الاثير 4 / 9 والطبري 6 / 182 وابن الاعثم: كتابكم. (5) في الطبري وابن الاثير والعقد الفريد: مثبتا وجعا: وفي ابن الاعثم: مدنفا وجعا. (6) في الطبري وابن الاثير وابن الاعثم: انقطعا. (*)

[ 154 ]

ثم انبعثنا إلى خوص مضمرة (1) * نرمي الفجاج بها ما نأتلي سرعا فما نبالي إذا بلغن أرجلنا * ما مات منهن بالمرمات (2) أو طلعا لما انتهينا وباب الدار منصفق * بصوت رملة ريع القلب فانصدعا من لا تزل (3) نفسه توفي على شرف * توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه * كأنا جميعا خليطا سالمين معا (4) أغر أبلج يستسقي الغمام به * لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا (5) لا يرقع الناس ما أوهى وإن جهدوا * أن يرقعوه ولا يوهون ما رقعا وقال الشافعي: سرق يزيد هذين البيتين من الاعشى، ثم ذكر أنه دخل قبل موت أبيه دمشق وأنه أوصى إليه، وهذا قد قاله ابن إسحاق وغير واحد، ولكن الجمهور على أن يزيد لم يدخل دمشق إلا بعد موت أبيه، وأنه صلى على قبره بالناس كما قدمناه والله أعلم. وقال أبو الورد العنبري يرثي معاوية رضي الله عنه: ألا أنعى معاوية بن حرب * نعاة الحل للشهر الحرام نعاه الناعيات بكل فج * خواضع في الازمة كالسهام فهاتيك النجوم وهن خرس * ينحن على معاوية الهمام وقال أيمن بن خريم يرثيه أيضا (6): رمى الحدثان نسوة آل حرب * بمقدار سمدن له سمودا (7) فرد شعورهن السود بيضا * ورد وجوهن (8) البيض سودا فإنك لو شهدت بكاء هند * ورملة إذ يصفقن (9) الخدودا


(1) في ابن الاثير والعقد الفريد: مزممة. (2) في ابن الاعثم: بالبيداء، والبيت ليس في الطبري وابن الاثير. (3) في ابن الاثير، من لم تزل وفي ابن الاعثم: من لا تزال له نفس على شرف. (4) في ابن الاثير: كانا جميعا فماتا قاطنين معا، وفي ابن الاعثم: كانا يكونان دهرا قاطعين معا وفي العقد الفريد: كذاك كنا جميعا قاطنين معا. وليس البيت في الطبري. (5) في ابن الاعثم: لو صارع الناس عن احلامهم صرعا. (6) في الامالي للقالي 3 / 115 نسبت الابيات للكميت بن معروف الاسدي. (7) في ابن عساكر 3 / 189: بأمر قد سمدن له سمودا. والسمود هنا: الحزن. (8) في الامالي وتاريخ ابن عساكر: خدودهن. (9) في الامالي: إذ تصكان، وفي ابن الاعثم 5 / 2: حين يلطمن. (*)

[ 155 ]

بكيت بكاء معولة قريح (1) * أصاب الدهر واحدها الفريدا ذكر من تزوج من النساء ومن ولد له كان له عبد الرحمن وبه كان يكنى، وعبد الله، وكان ضعيف العقل، وأمهما فاختة بنت قرظة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف، وقد تزوج بأختها منفردة عنها بعدها، وهي كنوة بنت قرظة وهي التي كانت معه حين افتتح قبرص، وتزوج نائلة بنت عمارة الكلبية فأعجبته وقال لميسون بنت بحدل: ادخلي فانظري إلى ابنة عمك، فدخلت فسألها عنها فقالت: إنها لكاملة الجمال، ولكن رأيت تحت سرتها خالا، وإني لارى هذه يقتل زوجها ويوضع رأسه في حجرها. فطلقها معاوية فتزوجها بعده حبيب بن مسلمة الفهري، ثم خلف عليها بعده النعمان بن بشير فقتل ووضع رأسه في حجرها. ومن أشهر أولاده يزيد وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن دلجة بن قنافة الكلبي، وهي التي دخلت على نائلة فأخبرت معاوية عنها بما أخبرته، وكانت حازمة عظيمة الشأن جمالا ورياسة وعقلا ودينا، دخل عليها معاوية يوما ومعه خادم خصي فاستترت منه وقالت: ما هذا الرجل معك ؟ فقال: إنه خصي فاظهري عليه، فقالت: ما كانت المثلة لتحل له ما حرم الله عليه، وحجبته عنها. وفي رواية أنها قالت له: إن مجرد مثلتك له لن تحل ما حرمه الله عليه، فلهذا أولى الله ابنها يزيد الخلافة بعد أبيه. وذكر ابن جرير: أن ميسون هذه ولدت لمعاوية بنتا أخرى يقال لها: أمة رب المشارق، ماتت صغيرة، ورملة تزوجها عمرو بن عثمان بن عفان، كانت دارها بدمشق عند عقبة السمك تجاه زقاق الرمان، قاله ابن عساكر قال: ولها طاحون معروفة إلى الآن، وهند بنت معاوية تزوجها عبد الله بن عامر، فلما أدخلت عليه بالخضراء جوار الجامع أرادها على نفسها فتمنعت عليه وأبت أشد الاباء، فضربها فصرخت، فلما سمع الجواري صوتها صرخن وعلت أصواتهن، فسمع معاوية فنهض إليهن فاستعلمهن ما الخبر ؟ فقلن: سمعنا صوت سيدتنا فصحنا، فدخل فإذا بها تبكي من ضربه، فقال لابن عامر: ويحك ! ! مثل هذه تضرب في مثل هذه الليلة ؟ ثم قال له: اخرج من ههنا، فخرج ابن عامر وخلا بها معاوية فقال لها: يا بنية إنه زوجك الذي أحله الله لك، أو ما سمعت قول الشاعر: من الخفرات البيض أما حرامها * فصعب وأما حلها فذلول ؟ ثم خرج معاوية من عندها وقال لزوجها: ادخل فقد مهدت لك خلقها ووطأته. فدخل ابن عامر فوجدها قد طابت أخلاقها فقضى حاجته منها رحمهم الله تعالى. كان على قضاء معاوية أبو الدرداء بولاية عمر بن الخطاب، فلما حضره الموت أشار على


(1) في الامالي: معولة حزين، وفي تاريخ ابن عساكر: معولة ثكول، وفي ابن الاعثم: موجعة بحزن. (*)

[ 156 ]

معاوية بتولية فضالة بن عبيد، ثم مات فضالة فولى أبا إدريس الخولاني (1). وكان على حرسه رجل من الموالي يقال له المختار وقيل مالك، ويكنى أبا المخارق - مولى لحمير - وكان معاوية أول من اتخذ الحرس، وعلى حجابته سعد مولاه وعلى الشرطة قيس بن حمزة، ثم زميل بن عمرو العذري، ثم الضحاك بن قيس الفهري، وكان صاحب أمره سرجون بن منصور الرومي. وكان معاوية أول من اتخذ ديوان الخاتم وختم الكتب (2). وممن ذكر أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة ستين - (صفوان بن المعطل) بن رخصة بن المؤمل بن خزاعي أبو عمرو، وأول مشاهده المريسيع، وكان في الساقة يومئذ، وهو الذي رماه أهل الافك بأم المؤمنين فبرأه الله وإياها مما قالوا، وكان من سادات المسلمين، وكان ينام نوما شديدا حتى كان ربما طلعت عليه الشمس وهو نائم لا يستيقظ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا استيقظت فصل " وقد قتل صفوان شهيدا. أبو مسلم الخولاني عبد بن ثوب الخولاني من خولان ببلاد اليمن. دعاه الاسود العنسي إلى أن يشهد أنه رسول الله فقال له: أتشهد أني رسول الله ؟ فقال: لا أسمع، أشهد أن محمدا رسول الله، فأجج له نارا وألقاه فيها فلم تضره، وأنجاه الله منها فكان يشبه بابراهيم الخليل، ثم هاجر فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، فقدم على الصديق فأجلسه بينه وبين عمر وقال له عمر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى في أمة محمد من فعل به كما فعل بابراهيم الخليل، وقبله بين عينيه، وكانت له أحوال ومكاشفات والله سبحانه أعلم. ويقال إنه توفي فيها النعمان بن بشير، والاظهر أنه مات بعد ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى. يزيد بن معاوية وما جرى في أيامه بويع له بالخلافة بعد أبيه في رجب سنة ستين، وكان مولده سنة ست وعشرين، فكان يوم بويع ابن أربع وثلاثين سنة، فأقر نواب أبيه على الاقاليم، لم يعزل أحدا منهم، وهذا من ذكائه.


(1) قال أبو زرعة الدمشقي: جاء بعد فضالة النعمان بن بشير الانصاري ثم بلال بن أبي الدرداء الانصاري وبقي في منصبه إلى وفاة معاوية سنة 60 ه‍. ص 198 - 199 وانظر الذهبي سير أعلام النبلاء ج 2 / 241 والاصابة 3 / 559. (2) في الطبري 6 / 184 والكامل 4 / 11: وحزم الكتب ولم تكن تحزم. وديوان الخاتم شبيه بدائرة السجلات أو الارشيف العام في الوقت الحاضر (وانظر العسكري: الاوائل ج 1 / 157. وقد عين معاوية موظفين مشرفين على هذا الديوان منهم عبد الله بن محصن الحميري وقيل عبيد بن أوس الغساني (الطبري 6 / 184 والكامل 4 / 11 وخليفة بن خياط ص 228). (*)

[ 157 ]

قال هشام بن محمد الكلبي عن أبي مخنف لوط بن يحيى الكوفي في الاخباري: ولي يزيد في هلال رجب سنة ستين، وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وأمير الكوفة النعمان بن بشير، وأمير البصرة عبيد الله بن زياد، وأمير مكة عمرو بن سعيد بن العاص، ولم يكن ليزيد همة حين ولي إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية البيعة ليزيد، فكتب إلى نائب المدينة الوليد بن عتبة (1): " بسم الله الرحمن الرحيم من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد فإن معاوية كان عبدا من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخوله ومكن له، فعاش بقدر ومات بأجل، فرحمه الله، فقد عاش محمودا ومات برا تقيا والسلام (2). وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن الفأرة: أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام. فلما أتاه نعي معاوية فظع به وكبر عليه، فبعث إلى مروان فقرأ عليه الكتاب واستشاره في أمر هؤلاء النفر، فقال: أرى أن تدعوهم قبل أن يعلموا بموت معاوية إلى البيعة (3)، فإن أبوا ضربت أعناقهم. فأرسل من فوره عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان إلى الحسين وابن الزبير - وهما في المسجد - فقال لهما: أجيبا الامير، فقالا: انصرف الآن نأتيه، فلما انصرف عنهما قال الحسين لابن الزبير: إني أرى طاغيتهم قد هلك، قال ابن الزبير: وأنا ما أظن غيره (4). قال: ثم نهض حسين فأخذ معه مواليه (5) وجاء باب الامير فاستأذن فأذن له، فدخل وحده، وأجلس مواليه على الباب، وقال: إن سمعتم أمرا يريبكم فادخلوا، فسلم وجلس ومروان عنده، فناوله الوليد بن عتبة الكتاب ونعى إليه معاوية، فاسترجع وقال: رحم الله معاوية، وعظم لك الاجر، فدعا الامير إلى البيعة فقال له الحسين: إن مثلي لا يبايع سرا، وما أراك تجتزي مني بهذا، ولكن إذا اجتمع الناس دعوتنا معهم فكان أمرا واحدا، فقال له الوليد - وكان يحب العافية - فانصرف على اسم الله حتى تأتينا في جماعة الناس. فقال مروان للوليد: والله لئن فارقك ولم يبايع الساعة ليكثرن القتل بينكم وبينه، فاحبسه ولا تخرجه حتى يبايع وإلا ضربت عنقه، فنهض الحسين وقال: يا بن الزرقاء أنت تقتلني ؟ كذبت والله وأثمت. ثم انصرف إلى داره، فقال مروان للوليد: والله لا تراه بعدها أبدا. فقال الوليد: والله يا مروان ما أحب أن لي الدنيا وما فيها وأني قتلت الحسين، سبحان الله ! أقتل حسينا أن قال


(1) في الامامة والسياسة 1 / 204: خالد بن الحكم. (2) انظر كتابه في فتوح ابن الاعثم باختلاف يسير وفيه زيادة 4 / 10. (3) في الطبري 6 / 189 والكامل لابن الاثير 4 / 14 زيد فيهما: فإنهم إن علموا بموته وثب كل رجل منهم بناحية وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه. (4) ما جعلهما يشكان في وفاة معاوية أن عبد الله أتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس ولا يأتيانه في مثلها (الطبري - ابن الاثير). (5) في فتوح ابن الاعثم 5 / 16: كان في ثلاثين رجلا (*)

[ 158 ]

لا أبايع ؟ والله إني لاظن أن من يقتل الحسين يكون خفيف الميزان يوم القيامة. وبعث الوليد إلى عبد الله بن الزبير فامتنع عليه وماطله يوما وليلة، ثم إن ابن الزبير ركب في مواليه واستصحب معه أخاه جعفرا وسار إلى مكة على طريق الفرع، وبعث الوليد خلف ابن الزبير الرجال (1) والفرسان فلم يقدروا على رده، وقد قال جعفر لاخيه عبد الله وهما سائران متمثلا بقول صبرة الحنظلي: وكل بني أم سيمسون ليلة * ولم يبق من أعقابهم غير واحد فقال: سبحان الله ! ما أردت إلى هذا ؟ فقال: والله ما أردت به شيئا يسوءك، فقال: إن كان إنما جرى على لسانك فهو أكره إلي، قالوا وتطير به. وأما الحسين بن علي فإن الوليد تشاغل عنه بابن الزبير وجعل كلما بعث إليه يقول حتى تنظر وننظر، ثم جمع أهله وبنيه وركب ليلة الاحد لليلتين بقيتا من رجب من هذه السنة (2)، بعد خروج ابن الزبير بليلة، ولم يتخلف عنه أحد من أهله سوى محمد بن الحنفية، فإنه قال له: والله يا أخي لانت أعز أهل الارض علي، وإني ناصح لك لا تدخلن مصرا من هذه الامصار، ولكن اسكن البوادي والرمال، وابعث إلى الناس فإذا بايعوك واجتمعوا عليك فادخل المصر، وإن أبيت إلا سكنى المصر فاذهب إلى مكة، فإن رأيت ما تحب وإلا ترفعت إلى الرمال والجبال فقال له: جزاك الله خيرا فقد نصحت وأشفقت، وسار الحسين إلى مكة فاجتمع هو وابن الزبير بها، وبعث الوليد إلى عبد الله بن عمر فقال: بايع ليزيد، فقال: إذا بايع الناس بايعت، فقال رجل: إنما تريد أن تختلف الناس ويقتتلون حتى يتفانوا، فإذا لم يبق غيرك بايعوك ؟ فقال ابن عمر: لا أحب شيئا مما قلت، ولكن إذا بايع الناس فلم يبق غيري بايعت، وكانوا [ لا ] (2) يتخوفونه. وقال الواقدي: لم يكن ابن عمر بالمدينة حين قدم نعي معاوية، وإنما كان هو وابن عباس بمكة فلقيهما وهما مقبلان منها الحسين وابن الزبير، فقال: ما وراءكما ؟ قالا: موت معاوية والبيعة ليزيد بن معاوية، فقال لهما ابن عمر: اتقيا الله ولا تفرقا بين جماعة المسلمين، وقدم ابن عمر وابن عباس إلى المدينة فلما جاءت البيعة من الامصار بايع ابن عمر مع الناس، وأما الحسين وابن الزبير فإنهما قدما مكة فوجدا بها عمرو بن سعيد بن العاص فخافاه وقالا: إنا جئنا عواذا بهذا البيت. وفي هذه السنة في رمضان منها عزل يزيد بن معاوية الوليد بن عتبة عن إمرة المدينة لتفريطه، وأضافها إلى عمرو بن سعيد بن العاص نائب مكة (4)، فقدم المدينة في رمضان، وقيل


(1) في فتوح ابن الاعثم 5 / 21: دعا حبيب بن كزبر فوجه به في ثلاثين راكبا، وفي الاخبار الطوال ص 228: فوجه في أثره حبيب بن كوين في ثلاثين فارسا. (2) في فتوح ابن الاعثم 5 / 34: لثلاث ليال مضين من شهر شعبان سنة 60 ه‍. (3) من الطبري والكامل. (4) في الامامة والسياسة 1 / 205: عزل عن المدينة خالد بن الحكم وولاها عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وأصبح واليا على المدينة ومكة وعلى الموسم. (*)

[ 159 ]

في ذي القعدة، وكان متآلها متكبرا، وسلط عمرو بن الزبير - وكان عدوا لاخيه عبد الله - على حربه وجرده له، وجعل عمرو بن سعيد يبعث البعوث إلى مكة لحرب ابن الزبير. وقد ثبت في الصحيحين أن أبا شريح الخزاعي قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: إيذن لي أيها الامير أن أحدثك حديثا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي حين تلكم به إنه حمد الله وأثنى عليه وقال: " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، وإنه لم يحل القتال فيها لاحد كان قبلي، ولم تحل لاحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم قد صارت حرمتها اليوم كحرمتها بالامس، فليبلغ الشاهد الغائب ". وفي رواية " فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم " فقيل لابي شريح: ما قال لك ؟ فقال: قال لي نحن أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة (1) (2). قال الواقدي: ولى عمرو بن سعيد شرطة المدينة عمرو بن الزبير فتتبع أصحاب أخيه ومن يهوى هواه، فضربهم ضربا شديدا حتى ضرب من جملة من ضرب أخاه المنذر بن الزبير، وانه لابد أن يأخذ أخاه عبد الله في جامعة (3) من فضة حتى يقدم به على الخليفة، فضرب المنذر بن الزبير، وابنه محمد بن المنذر، وعبد الرحمن بن الاسود بن عبد يغوث وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن عمار بن ياسر وغيرهم، ضربهم من الاربعين إلى الخمسين إلى الستين جلدة، وفر منه عبد الرحمن بن عثمان التيمي، وعبد الرحمن بن عمرو بن سهل في أناس إلى (4) مكة ثم جاء العزم من يزيد إلى عمرو بن سعيد في تطلب ابن الزبير، وأنه لا يقبل منه وإن بايع حتى يؤتى به إلي في جامعة من ذهب أو من فضة تحت برنسه، فلا ترى إلا أنه يسمع صوتها، وكان ابن الزبير قد منع الحارث بن خالد المخزومي من أن يصلي بأهل مكة، وكان نائب عمرو بن سعيد عليها، فحينئذ صمم عمرو على تجهيز سرية إلى مكة بسبب ابن الزبير، فاستشار عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير: من يصلح أن نبعثه إلى مكة لاجل قتاله ؟ فقال


(1) ولا فارا بخربة: هي بفتح الخاء وإسكان الراء، هذا هو المشهور، ويقال بضم الخاء أيضا حكاها القاضي وصاحب المطالع وآخرون وأصلها سرقة الابل، وتطلق على كل خيانة. قال الخليل: هي الفساد في الدين من الخارب، وهو اللص المفسد في الارض. (2) أخرجه البخاري عن سعيد بن شرحبيل عن الليث في المغازي (64) ح‍ (4925) فتح الباري (8 / 20). وأخرجه في العلم باب ليبلغ الشاهد الغائب عن عبد الله بن يوسف، وفي الحج باب لا يعضد شجرة الحرم. عن قتيبة. وأخرجه مسلم عن قتيبة بن سعيد في الحج (15)، (82) باب. ح‍ (446) ص 2 / 987. والترمذي في أول كتاب الحج عن قتيبة وقال حسن صحيح. (3) الجامعة: الغل والقيد، وسميت بالغل لانها تجمع اليدين إلى العنق. (4) من الطبري والكامل، وفي الاصل: من، تحريف. (*)

[ 160 ]

له عمرو بن الزبير: إنك لا تبعث إليه من هو أنكى له مني (1)، فعينه على تلك السرية وجعل على مقدمته أنيس بن عمرو الاسلمي في سبعمائة مقاتل. وقال الواقدي، إنما عينهما يزيد بن معاوية نفسه، وبعث بذلك إلى عمرو بن سعيد، فعسكر أنيس بالجرف وأشار مروان بن الحكم على عمرو بن سعيد أن لا يغزو مكة وأن يترك ابن الزبير بها، فإنه عما قليل إن لم يقتل يمت، فقال أخوه عمرو بن الزبير: والله لنغزونه ولو في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم. فقال مروان: والله إن ذلك ليسرني. فسار أنيس واتبعه عمرو بن الزبير في بقية الجيش - وكانوا ألفين - حتى نزل بالابطح، وقيل بداره عند الصفا، ونزل أنيس بذي طوى، فكان عمرو بن الزبير يصلي بالناس، ويصلي وراءه أخوه عبد الله بن الزبير، وأرسل عمرو إلى أخيه يقول له: بر يمين الخليفة، وأته وفي عنقك جامعة من ذهب أو فضة، ولا تدع الناس يضرب بعضهم بعضا، واتق الله فإنك في بلد حرام. فأرسل عبد الله يقول لاخيه: موعدك المسجد. وبعث عبد الله بن الزبير عبد الله بن صفوان بن أمية في سرية فاقتتلوا مع عمرو بن أنيس الاسلمي فهزموا أنيسا هزيمة قبيحة، وتفرق عن عمرو بن الزبير أصحابه وهرب عمرو إلى دار ابن علقمة، فأجاره أخوه عبيدة بن الزبير، فلامه أخوه عبد الله بن الزبير وقال: تجير من في عنقه حقوق الناس ؟ ثم ضربه بكل من ضربه بالمدينة إلا المنذر بن الزبير وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا من عمرو، وسجنه ومعه عارم، فسمي سجن عارم، وقد قيل إن عمرو بن الزبير مات تحت السياط والله أعلم. قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة في طلب الامارة وكيفية مقتله ولنبدأ قبل ذلك بشئ من ترجمته ثم نتبع الجميع بذكر مناقبه وفضائله. هو الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم أبو عبد الله القرشي الهاشمي، السبط الشهيد بكربلاء ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة الزهراء، وريحانته من الدنيا، ولد بعد أخيه الحسن، وكان مولد الحسن في سنة ثلاث من الهجرة، وقال بعضهم: إنما كان بينهما طهر واحد ومدة الحمل، وولد لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع. وقال قتادة: ولد الحسين لست سنين وخمسة أشهر ونصف (2) من التاريخ، وقتل يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين، وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف، رضي الله عنه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حنكه وتفل في فيه ودعا له وسماه حسينا، وقد كان سماه أبوه قبل ذلك حربا، وقيل جعفرا،


(1) قال في فتوح ابن الاعثم 5 / 284: وكانت بنو أمية يكرمون عمرو بن الزبير لان أمه كانت بنت خالد بن سعيد بن العاص، فهو ابن اختهم. (2) في الاستيعاب نقلا عن قتادة: ولد الحسين بعد الحسن بسنة وعشرة أشهر، لخمس سنين وستة أشهر من التاريخ (هامش الاصابة 1 / 378). (*)

[ 161 ]

وقيل: إنما سماه يوم سابعه وعق عنه. وقال جماعة عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي رضي الله عنه قال: الحسن أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه به ما بين أسفل من ذلك (1)، وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك الحزامي. قال: كان وجه الحسن يشبه وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان جسد الحسين يشبه جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى محمد بن سيرين وأخته حفصة، عن أنس. قال: كنت عند ابن زياد فجئ برأس الحسين فجعل يقول بقضيب في أنف ويقول: ما رأت مثل هذا حسنا، فقلت له: إنه كان من أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال سفيان: قلت لعبيد الله بن زياد: رأيت الحسين ؟ قال: نعم أسود الرأس واللحية إلا شعرات ههنا في مقدم لحيته، فلا أدري أخضب وترك ذلك المكان تشبها برسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يكن شاب منه غير ذلك ؟ وقال ابن جريج: سمعت عمر بن عطاء قال: رأيت الحسين بن علي يصبغ بالوشمة، أما هو فكان ابن ستين سنة، وكان رأسه ولحيته شديدي السواد، فأما الحديث الذي روي من طريقين ضعيفين أن فاطمة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض الموت أن ينحل ولديها شيئا فقال: " أما الحسن فله هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فله جرأتي وجودي " فليس بصحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب المعتبرة، وقد أدرك الحسين من حياة النبي صلى الله عليه وسلم خمس سنين أو نحوها، وروى عنه أحاديث، وقال مسلم بن الحجاج له رؤية من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه قال في الحسن بن علي: إنا تابعي ثقة، وهذا غريب فلان يقول في الحسين إنه تعابي بطريق الاولى. وسنذكر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمهما به، وما كان يظهر من محبتهما والحنو عليهما. والمقصود أن الحسين عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه إلى أن توفي وهو عنه راض، ولكنه كان صغيرا. ثم كان الصديق يكرمه ويعظمه، وكذلك عمر وعثمان، وصحب أباه وروى عنه، وكان معه في مغازيه كلها، في الجمل وصفين، وكان معظما موقرا، ولم يزلا في طاعة أبيه حتى قتل، فلما آلت الخلافة إلى أخيه وأراد أن يصالح شق ذلك عليه ولم يسدد رأي أخيه في ذلك، بل حثه على قتل أهل الشام، فقال له أخوه: والله لقد هممت أن أسجنك في بيت وأطبق عليك بابه حتى أفرغ من هذا الشأن ثم أخرجك. فلما رأى الحسين ذلك سكت وسلم، فلما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكراما زائدا، ويقول لهما: مرحبا وأهلا، ويعطيهما عطاء جزيلا، وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا ابن هند، والله لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي، فقال الحسين: والله لن تعطي أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلا منا. ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه، وقد كان في الجيش الذين غزوا القسطنطينية مع ابن معاوية يزيد، في سنة إحدى وخمسين. ولما أخذت


(1) أخرجه الترمذي في المناقب (31) باب. ح‍ (3779) ص 5 / 660 والامام أحمد في مسنده ج 1 / 90. (*)

[ 162 ]

البيعة ليزيد في حياة معاوية كان الحسين ممن امتنع من مبايعته هو وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن عباس، ثم مات ابن أبي بكر وهو مصمم على ذلك، فلما مات معاوية سنة ستين وبويع ليزيد، بايع ابن عمر وابن عباس، وصمم على المخالفة الحسين وابن الزبير، وخرجا من المدينة فارين إلى مكة فأقاما بها، فعكف الناس على الحسين يفدون إليه ويقدمون عليه ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد، وأما ابن الزبير فإنه لزم مصلاه عند الكعبة، وجعل يتردد في غبون ذلك إلى الحسين في جملة الناس، ولا يمكنه أن يتحرك شئ مما في نفسه مع وجود الحسين، لما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إياه عليه، غير أنه قد تعينت السرايا والبعوث إلى مكة بسببه، ولكن أظفره الله بهم كما تقدم ذلك آنفا، فانقشعت السرايا عن مكة مفلولين وانتصر عبد الله بن الزبير على من أراد هلاكه من اليزيديين، وضرب أخاه عمرا وسجنه واقتص منه وأهانه، وعظم شأن ابن الزبير عند ذلك ببلاد الحجاز، واشتهر أمره وبعد صيته، ومع هذا كله ليس هو معظما عند الناس مثل الحسين، بل الناس إنما ميلهم إلى الحسين لانه السيد الكبير، وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس على وجه الارض يومئذ أحد يساميه ولا يساويه، ولكن الدولة اليزيدية كانت كلها تناوئه. وقد كثر ورود الكتب عليه من بلاد العراق يعدونه إليهم - وذلك حين بلغهم موت معاوية وولاية يزيد، ومصير الحسين إلى مكة فرارا من بيعة يزيد - فكان أول من قدم عليه عبد الله بن سبع الهمداني، وعبد الله بن وال (1)، معهما كتاب (2) فيه السلام والتهنئة بموت معاوية، فقدما على الحسين لعشر مضين من رمضان من هذه السنة، ثم بعثوا بعدها نفرا منهم قيس (3) بن مسهر الضدائي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكوا الارحبي (4)، وعمارة بن عبد الله السلولي (5)، ومعهم نحو من مائة وخمسين (6) كتابا إلى الحسين، ثم بعثوا هانئ بن السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي ومعهما كتاب فيه الاستعجال في السير إليهم، وكتب إليه شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم، وعمرو بن حجاج الزبيدي، ومحمد بن عمر (7) بن


(1) في فتوح ابن الاعثم 5 / 48: عبد الله بن مسمع البكري. (2) في الطبري 6 / 197 والكامل لابن الاثير 4 / 20: اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي وكتبوا كتابا عن نفر منهم: سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وغيرهم (في الكامل: مطهر)... أنظر الكتاب فيهما. وفي فتوح ابن الاعثم 5 / 46 ومقتل الحسين لابي مخنف. (3) في الاخبار الطوال ص 229: بشر بن مسهر الصيداوي. (4) في الاخبار الطوال: عبد الرحمن بن عبيد، وفي الطبري: عبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الارحبي. (5) زاد ابن الاعثم: وعبد الله بن وال، وقد تقدم أنه كان أول الوافدين على الحسين... (6) في الطبري: ثلاثة وخمسين كتابا. وفي الاخبار الطوال: نحو من خمسين كتابا. (7) في الطبري والكامل: عمير، وزادا اسما آخر: وعروة بن قيس (وفي الطبري: عزرة). (*)

[ 163 ]

يحيى التميمي: أما بعد فقد اخضرت الجنان (1) وأينعت الثمار ولطمت الجمام (2)، فإذا شئت فأقدم على جند لك مجندة والسلام عليك. فاجتمعت الرسل كلها بكتبها عند الحسين، وجعلوا يستحثونه ويستقدمونه عليهم ليبايعوه عوضا عن يزيد بن معاوية، ويذكرون في كتبهم أنهم فرحوا بموت معاوية، وينالون منه ويتكلمون في دولته، وأنهم لما يبايعوا أحدا إلى الآن، وأنهم ينتظرون قدومك إليهم ليقدموك عليهم، فعند ذلك بعث ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى العراق (3): ليكشف له حقيقة هذا الامر والاتفاق، فإن كان متحتما وأمرا حازما محكما بعث إليه ليركب في أهل وذويه، ويأتي الكوفة ليظفر بمن يعاديه، وكتب معه كتابا إلى أهل العراق بذلك، فلما سار مسلم من مكة اجتاز بالمدينة فأخذ منها دليلين فسارا به على براري مهجورة المسالك، فكان أحد الدليلين منهما أول هالك، وذلك من شدة العطش، وقد أضلوا الطريق فهلك الدليل الواحد بمكان يقال له المضيق، من بطن خبيت (4)، فتطير به مسلم بن عقيل، فتلبث مسلم على ما هنالك ومات الدليل الآخر فكتب إلى الحسين يستشيره في أمره، فكتب إليه يعزم عليه أن يدخل العراق، وأن يجتمع بأهل الكوفة ليستعلم أمرهم ويستخبر خبرهم. فلما دخل الكوفة نزل على رجل يقال له مسلم بن عوسجة الاسدي، وقيل نزل في دار المختار بن أبي عبيد الثقفي فالله أعلم. فتسامع أهل الكوفة بقدومه فجاؤوا إليه فبايعوه على إمرة الحسين، وحلفوا له لينصرنه بأنفسهم وأموالهم، فاجتمع على بيعته من أهلها اثنا عشر ألفا، ثم تكاثروا حتى بلغوا ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم إلى الحسين ليقدم عليها فقد تمهدت له البيعة والامور، فتجهز الحسين من مكة قاصدا الكوفة كما سنذكره. وانتشر خبرهم حتى بلغ أمير الكوفة النعمان بن بشير خبره رجل بذلك، فجعل يضرب عن ذلك صفحا ولا يعبأ به، ولكنه خطب الناس ونهاهم عن الاختلاف والفتنة، وأمرهم بالائتلاف والسنة، وقال: إني لا أقاتل من لا يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب علي، ولا آخذكم بالظنة، ولكن والله الذي لا إله إلا هو لئن فارقتم إمامكم ونكثتم بيعته لاقاتلنكم ما دام في يدي من سيفي قائمته. فقام إليه رجل يقال له عبد الله بن مسلم بن شعبة (5) الحضرمي فقال له: إن هذا الامر لا يصلح إلا بالغشمة، وإن الذي سلكته أيها الامير مسلك المستضعفين. فقال له النعمان: لان أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الاقوياء الاعزين في معصية الله. ثم نزل فكتب ذلك الرجل إلى يزيد


(1) في الطبري: الجناب. وفي ابن الاعثم: الجنات. (2) في ابن الاعثم: وأينعت الثمار وأعشبت الارض وأورقت الاشجار. (3) في الطبري: فسرحه مع قيس بن مسهر وعمارة بن عبيد السلولي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الارحبي. (4) في الاخبار الطوال: بطن الحربث. البطن: الموضع الغامض من الوادي. والبطون كثيرة. والحربث نبت أسود وزهرته بيضاء وهو من أطيب المراعي. (5) في الطبري والكامل سعيد. وفي الاخبار الطوال ص 231: مسلم بن سعيد الحضرمي. (*)

[ 164 ]

يعلمه بذلك، وكتب إلى يزيد عمارة بن عقبة (1) وعمرو (2) بن سعد بن أبي وقاص، فبث يزيد فعزل النعمان عن الكوفة وضمها إلى عبيد الله بن زياد مع البصرة، وذلك باشارة سرجون مولى (3) يزيد بن معاوية، وكان يزيد يستشيره، فقال سرجون: أكنت قابلا من معاوية ما أشار به لو كان حيا ؟ قال: نعم ! قال: فاقبل مني فإنه ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد، فوله إياها. وكان يزيد يبغض عبيد الله بن زياد، وكان يريد أن يعزله عن البصرة، فولاه البصرة والكوفة معا لما يريده الله به وبغيره. ثم كتب يزيد إلى ابن زياد: إذا قدمت الكوفة فاطلب مسلم بن عقيل فإن قدرت عليه فاقتله أو انفه، وبعث الكتاب مع العهد مع مسلم بن عمرو الباهلي، فسار ابن زياد من البصرة إلى الكوفة، فلما دخل دخلها متلثما بعمامة سوداء (4)، فجعل لا يمر بملا من الناس إلا قال: سلام عليكم. فيقولون: وعليكم السلام مرحبا بابن رسول الله - يظنون أنه الحسين وقد كانوا ينتظرون قدومه - وتكاثر الناس عليه، ودخلها في سبعة عشر راكبا، فقال لهم مسلم بن عمرو من جهة يزيد: تأخروا، هذا الامير عبيد الله بن زياد، فلما علموا ذلك علتهم كآبة وحزن شديد، فتحقق عبيد الله الخبر، ونزل قصر الامارة من الكوفة، فلما استقر أمره أرسل مولى أبي رهم - وقيل كان مولى له يقال له معقل - ومعه ثلاثة آلاف درهم في صورة قاصد من بلاد حمص، وأنه إنما جاء لهذه البيعة، فذهب ذلك المولى فلم يزل يتلطف ويستدل على الدار التي يبايعون بها مسلم بن عقيل حتى دخلها، وهي دار هانئ بن عروة التي تحول إليها من الدار الاولى، فبايع وأدخلوه على مسلم بن عقيل فلزمهم أياما حتى اطلع على جلية أمرهم، فدفع المال إلى أبي ثمامة العامري بأمر مسلم بن عقيل - وكان هو الذي يقبض ما يؤتى به من الاموال ويشتري السلاح - وكان من فرسان العرب، فرجع ذلك المولى وأعلم عبيد الله بالدار وصاحبها، وقد تحول مسلم بن عقيل إلى دار هانئ بن حميد بن عروة المرادي (5)، ثم إلى دار شريك بن الاعور وكان من الامراء الاكابر، وبلغه أن عبيد الله يريد عيادته (6)، فبعث إلى هانئ يقول له: ابعث مسلم بن عقيل حتى يكون في داري


(1) في سمط النجوم العوالي 3 / 59: عمارة بن الوليد. (2) كذا بالاصل والكامل، وفي الطبري: عمر وهو الصواب. (3) في الطبري والكامل: مولى معاوية، وفي ابن الاعثم: غلام أبيه واسمه سرجون. (4) في ابن الاعثم 5 / 65: غبراء، وفي الاخبار الطوال: دخلها وهو متلثم. (5) في ابن الاعثم والاخبار الطوال: هاني بن عروة المذحجي. (6) قيل أن هانئ مرض وأرسل إليه عبيد الله بن زياد أنه يرغب في عيادته (الطبري والكامل) أما في الاخبار الطوال قال: أن شريك بن الاعور نزل دار هانئ ومرض مرضا شديدا وبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فأرسل إليه يعلمه أنه يأتيه عائدا. (ص 234) وفي الطبري والكامل: مرض شريك بعد جمعة من مرض هانئ فجاءه عبيد الله عائدا في منزل هانئ بن عروة. وفي الامامة والسياسة: قال هانئ سوف أتمارض، وإن لي من ابن زياد مكانا، فإذا جاء يعودني فاضرب عنقه 2 / 5. (*)

[ 165 ]

ليقتل عبيد الله إذا جاء يعودني، فبعثه إليه فقال له شريك: كن أنت في الخباء، فإذا جلس عبيد الله فإني أطلب الماء وهي إشارتي إليك، فاخرج فاقتله، فلما جاء عبيد الله جلس على فراش شريك وعنده هانئ بن عروة، وقام من بين يديه غلام يقال له مهران، فتحدث عنده ساعة ثم قال شريك: اسقوني، فتجبن مسلم عن قتله، وخرجت جارية بكوز من ماء فوجدت مسلما في الخباء فاستحيت ورجعت بالماء ثلاثا، ثم قال: اسقوني ولو كان فيه ذهاب نفسي أتحمونني من الماء ؟ ففهم مهران الغدر فغمز مولاه فنهض سريعا وخرج، فقال شريك: أيها الامير، إني أريد أن أوصي إليك، فقال: سأعود ! فخرج به مولاه فأركبه وطرد به - أي ساق به - وجعل يقول له مولاه: إن القوم أرادوا قتلك فقال: ويحك إني بهم لرفيق. فما بالهم ؟ وقال شريك لمسلم: ما منعك أن تخرج فتقتله ؟ قال: حديث بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " الايمان ضد الفتك، لا يفتك مؤمن " (1) وكرهت أن أقتله في بيتك، فقال: أما لو قتلته لجلست في القصر لم يستعد منه أحد وليكفينك أمر البصرة، ولو قتلته لقتلت ظالما فاجرا، ومات شريك بعد ثلاث. ولما انتهى ابن زياد إلى باب القصر وهو متلثم ظنه النعمان بن بشير الحسين قد قدم، فأغلق باب القصر وقال: ما أنا بمسلم إليك أمانتي، فقال له عبيد الله: افتح لافتحته، ففتح وهو يظنه الحسين، فلما تحقق أنه عبيد الله أسقط في يده، فدخل عبيد الله إلى قصر الامارة وأمر مناديا فنادى: إن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخرج إليهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أمير المؤمنين قد ولاني أمركم وثغركم وفيأكم، وأمرني بأنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم، والاحسان إلى سامعكم ومطيعكم، والشدة على مريبكم وعاصيكم، وإنما أنا ممتثل فيكم أمره ومنفذ عهده، ثم نزل وأمر العرفاء أن يكتبوا من عندهم من الزورية (2) وأهل الريب والخلاف والشقاق، وأيما عريف لم يطلعنا على ذلك صلب أو نفي وأسقطت عرافته من الديوان - وكان هانئ أحد الامراء الكبار - ولم يسلم على عبيدالله منذ قدم وتمارض، فذكره عبيد الله وقال: ما بال هانئ لم يأتني مع الامراء ؟ فقالوا: أيها الامير إنه يشتكي، فقال: إنه بلغني أنه يجلس على باب داره. وزعم بعضهم أنه عاده قبل شريك بن الاعور وسلم بن عقيل عنده، وقد هموا بقتله فلم يمكنهم هانئ لكونه في داره، فجاء الامراء إلى هانئ بن عروة فلم يزالوا به حتى أدخلوه على عبيد الله بن زياد، فالتفت عبيد الله إلى القاضي شريح فقال متمثلا بقول الشاعر: أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد فلما سلم هانئ على عبيد الله قال: يا هانئ أين مسلم بن عقيل ؟ قال: لا أدري، فقام


(1) أخرجه أبو داود في الجهاد (باب 157) والامام أحمد في مسنده ج 1 / 166 - 167، 4 / 92 وفيه: الايمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن. (2) في الطبري والكامل: الحرورية. (*)

[ 166 ]

ذلك المولى التميمي الذي دخل دار هانئ في صورة قاصد من حمص فبايع في داره ودفع الدراهم بحضرة هانئ إلى مسلم، فقال: أتعرف هذا ؟ قال: نعم ! فلما رآه هانئ قطع وأسقط في يده، فقال: أصلح الله الامير، والله ما دعوته إلى منزلي، ولكنه جاء فطرح نفسه علي، فقال عبيد الله: فأتني به، فقال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه، فقال: أدنوه مني، فأدنوه فضربه بحربة على وجهه فشجه على حاجبه وكسر أنفه، وتناول هانئ سيف شرطي ليسله فدفع عن ذلك، وقال عبيدالله: قد أحل الله لي دمك، لانك حروري، ثم أمر به فحبسه في جانب الدار وجاء قومه من بني مذحج مع عمرو بن الحجاج فوقفوا على باب القصر يظنون أنه قد قتل، فسمع عبيد الله لهم جلبة، فقال لشريح القاضي وهو عنده: اخرج إليهم فقل لهم: إن الامير لم يحبسه إلا ليسأله عن مسلم بن عقيل، فقال لهم: إن صاحبكم حي وقد ضربه سلطاننا ضربا لم يبلغ نفسه، فانصرفوا ولا تحلوا بأنفسكم ولا بصاحبكم. فتفرقوا إلى منازلهم، وسمع مسلم بن عقيل الخبر فركب ونادى بشعاره " يا منصور أمت " فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة، وكان معه المختار بن أبي عبيد، ومعه راية خضراء، عبد الله بن نوفل بن الحارث براية حمراء، فرتبهم ميمنة وميسرة وسار هو في القلب إلى عبيد الله، وهو يخطب الناس في أمر هانئ ويحذرهم من الاختلاف، وأشراف الناس وأمراؤهم تحت منبره، فبينما هو كذلك إذ جاءت النظارة يقولون: جاء مسلم بن عقيل، فبادر عبيد الله فدخل القصر ومن معه وأغلقوا عليهم الباب، فلما انتهى مسلم إلى باب القصر وقف بجيشه هناك، فأشرف أمراء القبائل الذين عند عبيد الله في القصر، فأشاروا إلى قومهم الذين مع مسلم بالانصراف، وتهددوهم وتوعدوهم، وأخرج عبيد الله بعض الامراء (1) وأمرهم أن يركبوا في الكوفة يخذلون الناس عن مسلم بن عقيل، ففعلوا ذلك، فجعلت المرأة تجئ إلى ابنها وأخيها وتقول له: ارجع إلى البيت، الناس يكفونك ويقول الرجل لابنه وأخيه: كأنك غدا بجنود الشام قد أقبلت فماذا تصنع معهم ؟ فتخاذل الناس وقصروا وتصرموا وانصرفوا عن مسلم بن عقيل حتى لم يبق إلا في خمسمائة نفس، ثم تقالوا حتى بقي في ثلاثمائة ثم تقالوا حتى بقي معه ثلاثون رجلا، فصلى بهم المغرب وقصد أبواب كندة فخرج منها في عشرة، ثم انصرفوا عنه فبقي وحده ليس معه من يدله على الطريق، ولا من يؤانسه بنفسه، ولا من يأويه إلى منزله، فذهب على وجهه واختلط الظلام وهو وحده يتردد في الطريق لا يدري أين يذهب، فأتى بابا فنزل عنده وطرقه فخرجت منه امرأة يقال لها طوعة، كانت أم ولد للاشعث بن قيس، وقد كان لها ابن من غيره يقال له بلال بن أسيد (2)، خرج مع الناس وأمه


(1) منهم كثير بن شهاب الحارثي (وفي الطبري: كثير بن شهاب بن الحصين الحارثي) والقعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي جوشن الضبابي (وفي الطبري: العامري) ومحمد بن الاشعث ولم يذكر ابن الاعثم إلا كثير بن شهاب. (2) كذا بالاصل والطبري والكامل وفي فتوح ابن الاعثم 5 / 88: كانت فيما مضى امرأة قيس الكندي فتزوجها رجل = (*)

[ 167 ]

قائمة بالباب تنتظره، فقال لها مسلم بن عقيل: اسقني ماء فسقته، ثم دخلت وخرجت فوجدته، فقالت: ألم تشرب ؟ قال: بلى ! قالت: فاذهب إلى أهلك عافاك الله، فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أجمله لك، فقام فقال: يا أمة الله ليس لي في هذا البلد منزل ولا عشيرة، فهل إلى أجر ومعروف وفعل نكافئك به بعد اليوم ؟ فقالت: يا عبد الله وما هو ؟ قال أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغروني، فقالت: أنت مسلم ؟ قال: نعم ! قالت ادخل ! فأدخلته بيتا من دارها غير البيت الذي يكون فيه وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعش، فلم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول والخروج، فسألها عن شأنها فقالت: يا بني اله عن هذا، فألح عليها فأخذت عليه أن لا يحدث أحدا، فأخبرته خبر مسلم، فاضطجع إلى الصباح ساكتا لا يتكلم. وأما عبيد الله بن زياد فإنه نزل من القصر بمن معه من الامراء والاشراف بعد العشاء الآخرة فصلى بهم العشاء في المسجد الجامع، ثم خطبهم وطلب منهم مسلم بن عقيل وحث على طلبه، ومن وجده عنده ولم يعلم به فدمه هدر، ومن جاء به فله ديته (1)، وطلب الشرط وحثهم على ذلك وتهددهم. فلما أصبح ابن تلك العجوز ذهب إلى عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث فأعلمه بأن مسلم بن عقيل في دارهم، فجاء عبد الرحمن فسار أباه بذلك وهو عند ابن زياد، فقال ابن زياد: ما الذي سارك به ؟ فأخبره الخبر فنخس بقضيب في جنبه وقال: قم فأتني به الساعة. وبعث ابن زياد عمرو بن حريث المخزومي - وكان صاحب شرطته - ومعه عبد الرحمن ومحمد بن الاشعث في سبعين أو ثمانين فارسا (2)، فلم يشعر مسلم إلا وقد أحيط بالدار التي هو فيها، فدخلوا عليه فقام إليهم بالسيف فأخرجهم من الدار ثلاث مرات، وأصيبت شفته العليا والسفلى، ثم جعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطناب القصب فضاق بهم ذرعا، فخرج إليهم بسيفه فقاتلهم، فأعطاه عبد الرحمن الامان فأمكنه من يده (3)، وجاؤوا ببغلة فأركبوه عليها وسلبوا عنه سيفه فلم يبق يملك من نفسه شيئا، فبكى عند ذلك وعرف أنه مقتول، فيئس من نفسه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال بعض من حوله: إن من يطلب مثل الذي تطلب لا يبكي إذا نزل به هذا، فقال: أما والله لست أبكي على نفسي، ولكن أبكي على الحسين، وآل الحسين، إنه قد خرج إليكم اليوم أو أمس من مكة، ثم التفت إلى محمد بن الاشعث فقال: إن


= من حضرموت يقال له أسد بن البطين فأولدها ولدا يقال له أسد. (1) في ابن الاعثم: له عشرة آلاف درهم والمنزلة الرفيعة من يزيد بن معاوية وله في كل يوم حاجة مقضية. (2) في الطبري والكامل: أمر عبيد الله عمرو بن حريث: أن أبعث مع ابن الاشعث ستين أو سبعين رجلا كلهم من قيس وابعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في ستين أو سبعين من قيس (في مروج الذهب 3 / 72 عبد الله بن العباس السلمي) وفي ابن الاعثم 5 / 92: بعث مع محمد بن الاشعث ثلاثمائة راجل من صناديد أصحابه. (3) أما ابن الاعثم فقال إنه لم يسلم لنفسه بل قاتل فطعن من ورائه طعنة فسقط إلى الارض فأخذ أسيرا (5 / 96) وانظر الامامة والسياسة 2 / 5. (*)

[ 168 ]

استطعت أن تبعث إلى الحسين على لساني تأمره بالرجوع فافعل (1)، فبعث محمد بن الاشعث إلى الحسين يأمره بالرجوع فلم يصدق الرسول في ذلك، وقال: كل ما حم الاله واقع. قالوا: ولما انتهى مسلم بن عقيل إلى باب القصر إذا على بابه جماعة من الامراء من أبناء الصحابة ممن يعرفهم ويعرفونه، ينتظرون أن يؤذن لهم على ابن زياد، ومسلم مخضب بالدماء في وجهه وثيابه، وهو مثخن بالجراح، وهو في غاية العطش، وإذا قلة من ماء بارد هنالك فأراد أن يتناولها ليشرب منها فقال له رجل (2) من أولئك: والله لا تشرب منها حتى تشرب من الحميم، فقال له: ويلك يا ابن ناهلة، أنت أولى بالحميم والخلود في نار الجحيم مني، ثم جلس فتساند إلى الحائط من التعب والكلال والعطش، فبعث عمارة بن عقبة بن أبي معيط (3) مولى له إلى داره فجاء بقلة عليها منديل ومعه قدح، فجعل يفرغ له في القدح ويعطيه فيشرب فلا يستطيع أن يسيغه من كثرة الدماء التي تعلو على الماء مرتين أو ثلاثا، فلما شرب سقطت ثناياه مع الماء فقال: الحمد لله لقد كان بقي لي من الرزق المقسوم شربة ماء، ثم أدخل على ابن زياد، فلما وقف بين يديه لم يسلم عليه، فقال له الحرسي: ألا تسلم على الامير ؟ ! فقال: لا ! إن كان يريد قتلي فلا حاجة لي بالسلام عليه، وإن لم يرد قتلي فسأسلم عليه كثيرا، فأقبل ابن زياد عليه فقال: إيه يا بن عقيل، أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرق كلمتهم وتحمل بعضهم على قتل بعض ؟ قال: كلا لست لذلك أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب. قال: وما أنت وذاك يا فاسق ؟ لم لا كنت تعمل بذلك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر ؟. فقال: أنا أشرب الخمر ؟ ! والله إن الله ليعلم أنك غير صادق، وأنك قلت بغير علم، وأنت أحق بذلك مني، فإني لست كما ذكرت، وإن أولى بها مني من يلغ في دماء المسلمين ولغا، ويقتل النفس التي حرم الله بغير نفس، ويقتل على الغضب والظن، وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئا. فقال له ابن زياد: يا فاسق إن نفسك تمنيك ما حال الله دونك ودونه، ولم يرك أهله، قال: فمن أهله يا بن زياد ؟ قال: أمير المؤمنين يزيد. قال: الحمد لله على كل حال، رضينا بالله حكما بيننا وبينكم. قال: كأنك تظن أن لكم في الامر شيئا ؟ قال: لا والله ما هو بالظن ولكنه اليقين. قال له: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الاسلام من الناس. قال: أما إنك أحق من أحدث في الاسلام ما لم يكن فيه، أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة المكتسبة عن كتابكم وجهالكم. وأقبل ابن زياد يشتمه ويشتم حسينا وعليا، ومسلم ساكت لا يكلمه رواه ابن جرير


(1) في الامامة والسياسة 2 / 6 أوصى عمرو بن سعيد أن يكتب للحسين بما أصابه. (2) في الطبري 6 / 212 والكامل 4 / 34: مسلم بن عمرو الباهلي. (3) في الطبري والكامل: يدعى قيسا، وفي رواية أبي مخنف عن قدامة بن سعد أن عمرو بن حريث بعث غلاما له يدعى سليمان فجاءه بقلة من ماء فسقاه (انظر فتوح ابن الاعثم 5 / 97). (*)

[ 169 ]

عن أبي مخنف وغيره من رواة الشيعة. ثم قال له ابن زياد: إني قاتلك. قال: كذلك ؟ قال: نعم. قال: فدعني أوصي إلى بعض قومي، قال: أوص. فنظر في جلسائه وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص. فقال: يا عمر إن بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة، وهي سر فقم معي إلى ناحية القصر حتى أقولها لك، فأبى أن يقوم معه حتى أذن له ابن زياد، فقام فتنحى قريبا من ابن زياد فقال له مسلم: إن علي دينا في الكوفة سبعمائة درهم فاقضها عني، واستوهب جثتي من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين، فإني كنت قد كتبت إليه أن الناس معه، ولا أراه إلا مقبلا، فقام عمر فعرض على ابن زياد ما قال له فأجاز ذلك له كله (1)، وقال: أما الحسين فإن لم يردنا لا نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه، ثم أمر ابن زياد بمسلم بن عقيل فأصعد إلى أعلا القصر وهو يكبر ويهلل ويسبح ويستغفر ويصلي على ملائكة الله ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا، ثم ضرب عنقه رجل يقال له بكير بن حمران (2)، ثم ألقي رأسه إلى أسفل القصر، وأتبع رأسه بجسده. ثم أمر بهانئ بن عروة المذحجي فضربت عنقه (3) بسوق الغنم، وصلب بمكان من الكوفة يقال له الكناسة، فقال رجل شاعر في ذلك قصيدة (4): فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وابن عقيل أصابهما أمر الامام (5) فأصبحا * أحاديث من يغشى (6) بكل سبيل إلى بطل قد هشم السيف وجهه (7) * وآخر يهوي في طماره (8) قتيل ترى جسدا قد غير الموت لونه * ونضح دم قد سال كل مسيل فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم * فكونوا بغيا (9) أرضيت بقليل


(1) انظر فتوح ابن الاعثم 5 / 100 - 101، والاخبار الطوال ص 241. (2) كذا في الاصل والطبري، وقد ذكر ابن الاعثم أن بكير بن حمران الاحمري قد قتل عندما ذهب ابن الاشعث ليقتاد مسلما من بيت طوعة 5 / 95 وفي الاخبار الطوال ص 241: أحمر بن بكير. وقد كان قتل مسلم يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ذي الحجة سنة ستين. وفي مروج الذهب 3 / 73: بكير الاحمري وكان مسلم قد ضربه وقال له زياد كن أنت الذي تضرب عنقه لتأخذ بثأرك من ضربته. (3) ضربه غلام عبيد الله بن زياد يدعى رشيد. (4) في الطبري والكامل عبد الله بن الزبير الاسدي وقيل الفرزدق وفي الاخبار الطوال ص 242: عبد الرحمن بن الزبير الاسدي. وفي فتوح ابن الاعثم: رجل من بني أسد. وفي مروج الذهب: فقال الشاعر. (5) في الطبري ومروج الذهب: الامير، وفي ابن الاعثم: الاله، وفي مقتل الحسين: ريب المنون وفي الاخبار الطوال: ريب الزمان. (6) في الطبري: يسري، وفي الاخبار الطوال وابن الاعثم ومروج الذهب: يسعى. (7) في ابن الاعثم: رأسه. وفي الاخبار الطوال: أنفه. (8) في ابن الاعثم: من جدار قتيل، وفي الاخبار الطوال: من طمار قتيل. (9) في الطبري: بغايا، وزيد في الطبري ومروج الذهب أبيات أخرى. (*)

[ 170 ]

ثم إن ابن زياد قتل معهما أناسا آخرين، ثم بعث برؤوسهما إلى يزيد بن معاوية إلى الشام، وكتب له كتابا صورة ما وقع من أمرهما (1). وقد كان عبيد الله قبل أن يخرج من البصرة بيوم خطب أهلها خطبة بليغة ووعظهم فيها وحذرهم وأنذرهم من الاختلاف والفتنة والتفرق، وذلك لما رواه هشام بن الكلبي وأبو مخنف عن الصقعب بن زهير عن أبي عثمان النهدي. قال: بعث الحسين مع مولى له يقال له سلمان (2) كتابا إلى أشراف أهل البصرة فيه: أما بعد فإن الله اصطفى محمدا على خلقه وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه إليه وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به، وكنا أهله وأولياءه وورثته وأحق الناس به وبمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحروا الحق فرحم الله وغفر لنا ولهم، وقد بعثت (3) إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، فتسمعوا قولي وتطيعوا أمري، فإن فعلتم أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله. وعندي في صحة هذا عن الحسين نظر، والظاهر أنه مطرز بكلام مزيد من بعض رواة الشيعة. قال: فكل من قرأ ذلك من الاشراف كتمه إلا المنذر بن الجارود فإنه ظن أنه دسيسة من ابن زياد فجاء به إليه، فبعث خلف الرسول الذي جاء به من حسين فضربه عنقه، وصعد عبيد الله بن زياد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فوالله ما بي تقرن الصعبة، وما يقعقع لي بالشنان، وإني (4) لنكال لمن عاداني، وسهام لمن حاربني، أنصف " القارة " (5) من رماها، يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين ولاني الكوفة وأنا غاد إليها الغداة، وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان (6)، وإياكم والخلاف


(1) نص الكتاب في فتوح ابن الاعثم 5 / 108 والطبري 6 / 215. (2) في الطبري 6 / 200: سليمان، وفي كتاب مقتل الحسين: " وكان اسمه ذراع وكان أخ الحسين من الرضاع ". (3) في الطبري 6 / 200: بعثت رسولي إليكم. (4) في الطبري: وإني لنكل لمن عاداني وسم لما حاربني. (5) القارة: قوم رماة من العرب، وفي المثل: قد أنصف القارة من راماها وقد زعموا أن رجلين التقيا أحدهما قاري والآخر أسدي، فقال القاري: إن شئت صارعتك، وإن شئت سابقتك وإن شئت راميتك، فقال: اخترت المراماة، فقال القاري: قد أنصفتني وأنشد: قد أنصفت القارة من راماها * إنا إذا ما فئة نلقاها نرد أولادها على أخراها ثم انتزع له سهما فشك فؤاده. (6) في ابن الاعثم 5 / 64: وقد استخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد وانظر الاخبار الطوال ص 232. (*)

[ 171 ]

والارجاف، فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لاقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الادنى بالاقصى، حتى يستقيم لي الامر (1)، ولا يكن فيكم مخالف ولا مشاقق، أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى، ولم يتنزعني شبه خال ولا عم. ثم خرج من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي فكان من أمره ما تقدم. قال أبو مخنف عن الصقعب بن زهير عن عون بن أبي جحيفة قال: كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة، وقتل يوم الاربعاء لتسع مضين من ذي الحجة (2)، وذلك يوم عرفة سنة ستين، وكان ذلك بعد مخرج الحسين من مكة قاصدا أرض العراق بيوم واحد، وكان خروج الحسين من المدينة إلى مكة يوم الاحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان، فأقام بمكة بقية شعبان ورمضان وشوال و [ ذي ] القعدة، وخرج من مكة لثمان مضين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية، وفي رواية ذكرها ابن جرير أن مسلم بن عقيل لما بكى قال له عبيد الله بن عباس السلمي. إن من يطلب مثل ما تطلب لا يبكي إذا نزل به مثل الذي نزل بك، قال: إني والله ما لنفسي أبكي، وما لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا، ولكنني أبكي لاهلي المقبلين إلى الكوفة، أبكي الحسين وآل حسين، ثم أقبل على محمد بن الاشعث فقال: يا عبد الله ! إني والله أراك ستعجز عن أماني، فهل عندك خير تستطيع أن تبعث رجلا على لساني يبلغ حسينا عني رسالة ؟ فإني لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم أو غدا هو وأهل بيته، وإن ما تراه من جزعي لذلك، فتقول له: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم أسير لا يدري أيصبح أم يمسي حتى يقتل، وهو يقول لك: ارجع بأهلك ولا يغرنك أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأي، فقال ابن الاشعث: والله لافعلن ولاعلمن ابن زياد أني قد أمنتك. قال أبو مخنف: فدعا محمد بن الاشعث إياس بن العباس (3) الطائي من بني مالك بن ثمامة - وكان شاعرا - فقال له: اذهب فالق حسينا فأبلغه هذا الكتاب - وكتب فيه الذي أمره به ابن عقيل - ثم أعطاه راحلة وتكفل له بالقيام بأهله وداره، فخرج حتى لقي الحسين بزبالة، لاربع ليال من الكوفة فأخبره الخبر وأبلغه الرسالة، فقال الحسين: كل ما حم نازل، عند الله نحتسب وأنفسنا وفساد أئمتنا. ولما انتهى مسلم إلى باب القصر وأراد شرب الماء قال له مسلم بن عمرو الباهلي: أتراها ما أبردها ؟ والله لا تذوقها أبدا حتى تذوق الحميم في نار جهنم. فقال له ابن عقيل: ويحك من أنت ؟ قال: أنا من عرف الحق إذ أنكرته، ونصح لامامه


(1) في الطبري: حتى تستقيموا إلي وفي الاخبار الطوال: والبرئ بالسقيم حتى تستقيموا. (2) في الاخبار الطوال ص 242: قتل يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ذي الحجة سنة ستين. (3) في الطبري 6 / 211: العثل. (*)

[ 172 ]

إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيت، أنا مسلم بن عمرو الباهلي. فقال له مسلم: لامك الويل ! ما أجفاك وأفظك، وأغلظك يا بن ناهلة ! ! أنت والله أولى بالحميم ونار الجحيم. صفة مخرج الحسين إلى العراق لما تواترت الكتب إلى الحسين من جهة أهل العراق وتكررت الرسل بينهم وبينه، وجاءه كتاب مسلم بن عقيل بالقدوم عليه بأهله، ثم وقع في غبون ذلك ما وقع من قتل مسلم بن عقيل، والحسين لا يعلم بشئ من ذلك، بل قد عزم على المسير إليهم والقدوم عليهم، فاتفق خروجه من مكة أيام التروية قبل مقتل مسلم بيوم واحد - فإن مسلما قتل يوم عرفة - ولما استشعر الناس خروج أشفقوا عليه من ذلك، وحذروه منه، وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة له بعدم الخروج إلى العراق، وأمروه بالمقام بمكة، وذكروه ما جرى لابيه وأخيه معهم. قال سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس. قال: استشارني الحسين بن علي في الخروج فقلت: لولا أن يزري بي وبك الناس لشبثت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب، فكان الذي رد علي أن قال: لان أقتل في مكان كذا وكذا أحب إلي من أن أقتل بمكة. قال: فكان هذا الذي سلى نفسي عنه. وروى أبو مخنف عن الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة (1) بن سمعان. أن حسينا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه ابن عباس فقال: يا بن عم إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع ؟ فقال: إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى، فقال له ابن عباس: أخبرني إن كان قد دعوك بعدما قتلوا أميرهم ونفوا عدوهم وضبطوا بلادهم فسر إليهم، وإن كان أميرهم حي وهو مقيم عليهم، قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك للفتنة (2) والقتال، ولا آمن عليك أن يستفزوا عليك الناس ويقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الذي دعوك أشد الناس عليك. فقال الحسين: إني أستخير الله وأنظر ما يكون. فخرج ابن عباس عنه، ودخل ابن الزبير فقال له: ما أدري ما تركنا لهؤلاء القوم ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الامر دونهم، أخبرني ما تريد أن تصنع ؟. فقال الحسين: والله لقد حدثت نفسي باتيان الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشرافها بالقدوم عليهم، وأستخير الله. فقال ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها (3). فلما خرج من عنده قال


(1) في الطبري: عتبة. (2) في الطبري 6 / 216 والكامل 4 / 37: إلى الحرب. (3) في الاخبار الطوال 244 أن ابن الزبير أقبل حتى دخل على الحسين: " فقال له: لو أقمت بهذا الحرم وبثثت رسلك في البلدان وكتبت إلى شيعتك في العراق أن يقدموا عليك... وعلي لك المكاتفة والمؤازرة... " وفي مروج الذهب 3 / 69: أن ابن الزبير قال للحسين: أما لو أن لي مثل أنصارك ما عدلت عنها. ثم خاف أن يتهمه (الحسين) فقال: ولو أقمت بمكانك فدعوتنا وأهل الحجاز إلى بيعتك وكنا إليك سراعا. (*)

[ 173 ]

الحسين: قد علم ابن الزبير أنه ليس له من الامر معي شئ، وأن الناس لم يعدلوا بي غيري، فود أني خرجت لتخلو له. فلما كان من العشي أو الغد، جاء ابن عباس إلى الحسين فقال له يا بن عم ! إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غدر فلا تغترن بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ثم أقدم عليهم، وإلا فسر إلى اليمن فإن به حصونا وشعابا، ولابيك به شيعة، وكن عن الناس في معزل، واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب. فقال الحسين: يا بن عم ! والله إني لاعلم أنك ناصح شفيق، ولكني قد أزمعت المسير. فقال له: فإن كنت ولابد سائرا فلا تسر بأولادك ونسائك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال ابن عباس: أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه بالحجاز، فوالله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني وأقمت لفعلت ذلك. قال: ثم خرج من عنده فلقي ابن الزبير فقال قرت عينك يا بن الزبير ؟ ثم قال: يا لك من قنبرة (1) بمعمر * خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري (2) * صيادك اليوم قتيل فابشري ثم قال ابن عباس: هذا حسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز. وقال غير واحد عن شبابة بن سوار. قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الاسدي. قال: سمعت الشعبي يحدث عن ابن عمر أنه كان بمكة فبلغه أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاث ليال، فقال: أين تريد ؟ قال: العراق، وإذا معه طوامير وكتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: لا تأتهم، فأبى. فقال ابن عمر: إني محدثك حديثا، إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما يليها أحد منكم أبدا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فأبى أن يرجع. قال فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: استودعك الله من قتيل. وقال يحيى بن ميعن: حدثنا أبو عبيدة، ثنا سليم بن حيان، عن سعيد بن مينا. قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: عجل حسين قدره، والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني، ببني هاشم فتح هذا الامر، وببني هاشم يختم، فإذا رأيت الهاشمي قد ملك فقد ذهب الزمان. قلت: وهذا مع حديث ابن عمر يدل على أن الفاطميين أدعياء كذبة، لم يكونوا من سلالة فاطمة كما نص عليه غير واحد من الائمة على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله.


(1) في مروج الذهب 3 / 69 والكامل 4 / 39 وابن الاعثم 5 / 114: قبرة. (2) بعده في فتوح ابن الاعثم: قد رفع الفخ فماذا تحذري * لابد من أخذك يوما فاصبري (*)

[ 174 ]

وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان، ثنا عبد الله بن شريك، عن بشر بن غالب. قال قال ابن الزبير للحسين: أين تذهب ؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك ؟ فقال: لان أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي - يعني مكة - وقال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله أخبرني من سمع هشام بن يوسف يقول عن معمر قال: سمعت رجلا يحدث عن الحسين أنه قال لعبد الله بن الزبير: أتتني بيعة أربعين ألفا يحلفون بالطلاق والعتاق إنهم معي، فقال له ابن الزبير: أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك ؟ قال هشام: فسألت معمرا عن الرجل فقال: هو ثقة. قال الزبير: وقال عمي: وزعم بعض الناس أن ابن عباس هو الذي قال هذا. وقد ساق محمد بن سعد كاتب الواقدي هذا سياقا حسنا مبسوطا. فقال: أنبأنا علي بن محمد، عن يحيى بن إسماعيل بن أبي المهاجر، عن أبيه، وعن لوط بن يحيى العامري، عن محمد بن بشير الهمداني وغيره، وعن محمد بن الحجاج عن عبد الملك بن عمير، عن هاورن بن عيسى عن يونس بن إسحاق، عن أبيه، وعن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن مجالد، عن الشعبي. قال محمد بن سعد: وغير هؤلاء قد حدثني أيضا في هذا الحديث بطائفة فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين رضي الله عنه وأرضاه. قالوا: لما بايع الناس معاوية ليزيد كان حسين ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل ذلك يأبى عليهم، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية يطلبون إليه أن يخرج معهم فأبى، وجاء إلى الحسين يعرض عليه أمرهم، فقال له الحسين: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا، ويستطيلوا بنا، ويستنبطوا دماء الناس ودماءنا، فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم، ومرة يجمع الاقامة عنهم. فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله ! إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز بهم فاز بالسهم الاخيب، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف. قال: وقدم المسيب بن عتبة الفزاري في عدة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن، فدعوه إلى خلع معاوية وقالوا: قد علمنا رأيك ورأي أخيك، فقال: إني لارجو أن يعطى الله أخي على نيته في حبه الكف، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين وكتب مروان إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون حسين مرصدا للفتنة، وأظن يومكم من حسين طويلا. فكتب معاوية إلى الحسين: إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد أنبئت أن قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق من قد جربت قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله واذكر الميثاق، فإنك متى تكدني أكدك. فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عني جدير، والحسنات لا يهدي لها إلا الله، وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافا، وما أظن لي عند الله عذرا

[ 175 ]

في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الامة. فقال معاوية: إن أثرنا بأبي عبد الله إلا شرا. وكتب إليه معاوية أيضا في بعض ما بلغه عنه: إني لاظن أن في رأسك نزوة فوددت أني أدركها فأغفرها لك. قالوا: فلما احتضر معاوية دعا يزيد فأوصاه بما أوصأه به، وقال له: انظر حسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله، فإنه أحب الناس إلى الناس، فصل رحمه، وارفق به، يصلح لك أمره، فإن يكن منه شئ فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه. وتوفي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين، وبايع الناس يزيد، فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامري عامر بن لؤي، إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة: أن ادع الناس فبايعهم، وابدأ بوجوه قريش، وليكن أول من تبدأ به الحسين بن علي، فإن أمير المؤمنين عهد إلي في أمرة الرفق به واستصلاحه. فبعث الوليد من ساعته نصف الليل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية، ودعاهما إلى البيعة ليزيد بن معاوية، فقالا: إلى أن نصبح وننظر ما يصنع الناس، ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير وقالا: هو يزيد الذي نعرف، والله ما حدث له عزم ولا مروءة. وقد كان الوليد أغلظ للحسين فشتمه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه، فقال الوليد: إن هجنا بأبي عبد الله إلا شرا. فقال له مروان - أو بعض جلسائه - اقتله، فقال: إن ذلك لدم مضنون به مصون في بني عبد مناف. قالوا: وخرج الحسين وابن الزبير من ليلتهما إلى مكة، وأصبح الناس فغدوا على البيعة ليزيد، وطلب الحسين وابن الزبير فلم يوجدا، فقال المسور بن مخرمة: عجل الحسين وابن الزبير يلفته ويرجيه ليخلو بمكة، فقدما مكة فنزل الحسين دار العباس، ولزم ابن الزبير الحجر، ولبس المعافري وجعل يحرض الناس على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين ويشير عليه أن يقدم العراق، ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك، وكان ابن عباس ينهاه عن ذلك، وقال له عبد الله بن مطيع: إني فداؤك وأبي وأمي، فامتعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا عبيدا وخولا. قالوا: ولقيهما عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وابن أبي ربيعة بالابواء منصرفين من العمرة فقال لهما ابن عمر: أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظرا فإن اجتمع الناس عليه فلم تشذا، وإن افترقوا عليه كان الذي تريدان. وقال ابن عمر للحسين: لا تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها - يعني الدنيا - واعتنقه وبكى وودعه، فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، فرأى من الفتنة وخذلان الناس لهما ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير. وقال له ابن عباس: وأين تريد يا بن فاطمة ؟ فقال: العراق وشيعتي، فقال: إني لكاره لوجهك

[ 176 ]

هذا تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطة وملالة لهم ؟ أذكرك الله أن تغرر بنفسك. وقال أبو سعيد الخدري: غلبني الحسين على الخروج، وقلت له: اتق الله في نفسك والزم بيتك ولا تخرج على إمامك. وقال أبو واقد الليثي: بلغني خروج الحسين بن علي فأدركته بملل (1) فناشدته الله أن لا يخرج فإنه يخرج في غير وجه خروج، إنما خرج يقتل نفسه، فقال: لا أرجع. وقال جابر بن عبد الله: كلمت حسينا فقلت: اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فوالله ما حمدتم ما صنعتم فعصاني. وقال سعيد بن المسيب: لو أن حسينا لم يخرج لكان خيرا له. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: وقد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم، ولكن شجعه على ذلك ابن الزبير. وكتب إليه المسور بن مخرمة: إياك أن تغتر بكتب أهل العراق وبقول ابن الزبير: الحق بهم فإنهم ناصروك. وقال له ابن عباس: لا تبرح الحرم فإنهم إن كانت بهم إليك حاجة فسيضربون إليك أباط الابل حتى يوافوك فتخرج في قوة وعدة. فجزاه خيرا وقال: أستخير الله في ذلك. وكتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنه إن لم يفعل إنما يساق إلى مصرعه. وتقول: أشهد لسمعت عائشة تقول إنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يقتل الحسين بأرض بابل " فلما قرأ كتابها قال: فلابد لي إذا من مصرعي ومضى. وأتاه بكر (2) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له: يا بن عم قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا (3)، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فأذكرك الله في نفسك. فقال. جزاك الله يا بن عم خيرا، مهما يقضي الله من أمر يكن. فقال أبو بكر: إنا لله وإنا إليه راجعون، نحتسب أبا عبد الله عند الله. وكتب إليه عبد الله بن جعفر كتاب يحذره أهل العراق ويناشده الله إن شخص إليهم. فكتب إليه الحسين: إني رأيت رؤيا، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بأمر وأنا ماض له، ولست بمخبر بها أحدا حتى ألاقي عملي (4). وكتب إليه عمرو (5) بن سعيد بن العاص نائب الحرمين: إني أسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يصرفك عما يرديك، بلغني أنك قد عزمت على الشخوص إلى العراق، وإني أعيذك الله من الشقاق، فإنك إن كنت خائفا فاقبل إلي، فلك عندي الامان والبر والصلة. فكتب إليه الحسين: إن كنت أردت


(1) ملل: وهو اسم موضع في طريق مكة بين الحرمين. (2) في الطبري 6 / 215، والكامل 4 / 37 وفتوح ابن الاعثم 5 / 110 عمر بن عبد الرحمن... وفي مروج الذهب 3 / 69: أبو بكر بن الحارث بن هشام، وفي المقتل لابي مخنف: عمر بن الحارث بن عبد الرحمن المخزومي. (3) في الطبري وابن الاثير: عبيد لهذا الدرهم والدينار. (4) نسخة كتاب عبد الله بن جعفر ورد الحسين عليه في فتوح ابن الاعثم 5 / 115 - 116 والطبري 6 / 219. (5) في ابن الاعثم 5 / 116: سعيد بن العاص، وهو خطأ فقد تقدم أن سعيد مات سنة 58 ه‍ في قصره بالعرصة على ثلاثة أميال بالمدينة ودفن بالبقيع. وانظر تهذيب التهذيب 4 / 49. (*)

[ 177 ]

بكتابك بري وصلتي فجزيت خيرا في الدنيا والآخرة، وإنه لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، وخير الامان أمان الله، ولم يؤمن بالله من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانا يوم القيامة عنده (1). قالوا: وكتب يزيد بن معاوية إلى ابن عباس (2) يخبره بخروج الحسين إلى مكة، وأحسبه قد جاءه رجال من أهل المشرق فمنوه الخلافة، وعندك منهم خبر وتجربة، فإن كان قد فعل فقد قطع راسخ القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة. وكتب بهذه الابيات إليه وإلى من بمكة والمدينة من قريش: يا أيها الراكب العادي مطيته (3) * على غدافرة في سيرها فحم (4) أبلغ قريشا على نأي المزار بها * بيني وبين حسين الله والرحم وموقف بفناء البيت أنشده * عهد الاله وما توفي به الذمم عنيتم قومكم فخرا بأمكم * أم لعمري حصان برة كرم هي التي لا يداني فضلها أحد * بنت الرسول وخير الناس قد علموا وفضلها لكم فضل وغيركم * من قومكم (5) لهم في فضلها قسم إني لاعلم أو ظنا كعالمه (6) * والظن يصدق أحيانا فينتظم أن سوف يترككم ما تدعون بها * قتلى تهاداكم العقبان والرخم يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ مسكت * ومسكوا بحبال السلم (7) واعتصموا قد جرب الحرب من قد كان قبلكم * من القرون وقد بادت بها الامم فانصفوا قومكم لا تهلكوا برحا (8) * فرب ذي برح زلت به القدم قال: فكتب إليه ابن عباس: إني لارجو أن لا يكون خروج الحسين لامر تكرهه، ولست أدع النصيحة له في كل ما تجتمع به الالفة وتطفي به الثائرة، ودخل ابن عباس على الحسين فكلمه طويلا وقال له: أنشدك أن تهلك غدا بحال مضيعة لا تأتي العراق، وإن كنت لابد فاعلا فأقم


(1) في رواية أبي مخنف عن الحارث بن كعب الوالبي أن عمرو أرسل بكتابه مع عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد (الطبري 6 / 219). (2) كذا بالاصل وابن عساكر 4 / 330 وفي ابن الاعثم: كتاب من يزيد إلى أهل المدينة من قريش وغيرهم من بني هاشم. (3) في ابن عساكر: الغادي لطيته. (4) في ابن الاعثم وابن عساكر: عذافرة في سيرة قحم. (5) في ابن الاعثم: من يومكم. (6) في ابن الاعثم: إني لاعلم حقا غير ما كذب والظن... ويقتصم. (7) في ابن الاعثم: تمسكوا بحبال الخير. (8) في ابن الاعثم في الموضعين: بذخا. (*)

[ 178 ]

حتى ينقضي الموسم وتلقى الناس وتعلم ما يصدرون، ثم ترى رأيك، وذلك في عشر ذي الحجة. فأبى الحسين إلا أن يمضي إلى العراق، فقال له ابن عباس: والله إني لاظنك ستقتل غدا بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته، والله إني لاخاف أن تكون أنت الذي يقاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فقال له الحسين: أبا العباس إنك شيخ قد كبرت، فقال له ابن عباس: لولا أن يزري ذلك بي وبك لنشبت يدي في رأسك، ولو أعلم أنا إذا تباصينا أقمت لفعلت، ولكن لا أخال ذلك مانعك. فقال الحسين: لان أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن أقتل بمكة وتستحل بي، قال: فبكى ابن عباس وقال: أقررت عين ابن الزبير بذلك، وذلك الذي سلى نفسي عنه قال: ثم خرج ابن عباس عنه وهو مغضب وابن الزبير على الباب، فلما رآه قال: يا بن الزبير قد أتى ما أحببت، قرت عينك، هذا أبو عبد الله خارج ويتركك والحجاز، ثم قال: يا لك من قنبرة بمعمر * خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقرى ما شئت أن تنقري * صيادك اليوم قتيل فابشري قال: وبعث الحسين إلى المدينة يقدم عليه من خف من بني عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلا ونساء وصبيان من إخوته وبناته ونسائه، وتبعهم محمد بن الحنفية، فأدرك حسينا بمكة. فأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين أن يقبل، فحبس محمد بن الحنفية ولده فلم يبعث أحدا منهم حتى وجد الحسين في نفسه على محمد، وقال: ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه ؟ فقال: وما حاجتي إلى أن تصاب ويصابون معك ؟ وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم ؟ قالوا: وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج متوجها إليهم في أهل بيته (1) وستين شخصا من أهل الكوفة صحبته، وذلك يوم الاثنين في عشر ذي الحجة، فكتب مروان إلى ابن زياد: أما بعد فإن الحسين بن علي قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة. وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين، فإياك أن تهيج على نفسك مالا يسده شئ، ولا تنساه العامة، ولا تدع ذكره آخر الدهر والسلام. وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص: أما بعد فقد توجه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق أو تكون عبدا تسترق كما يسترق العبيد، وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه. قال: كتب يزيد إلى ابن زياد: إنه قد بلغني أن حسينا قد سار إلى الكوفة، وقد ابتلى به زمانك من بين الازمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت أنت به من بين العمال، وعندها تعتق أو تعود عبدا كما ترق العبيد وتعبد، فقتله ابن زياد وبعث برأسه إليه. قلت: والصحيح أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام كما سيأتي، وفي رواية أن يزيد كتب


(1) في ابن الاعثم 5 / 120: ومعه اثنان وثمانون رجلا من شيعته وأهل بيته. (*)

[ 179 ]

إلى ابن زياد: قد بلغني أن الحسين قد توجه إلى نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس واحبس على الظنة وخذ على التهمة، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إلي في كل ما يحدث من خير والسلام. قال الزبير بن بكار: وحدثني محمد بن الضحاك قال: لما أراد الحسين الخروج من مكة إلى الكوفة مر بباب المسجد الحرام وقال: لاذعرت السوام في فلق الصبح * مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم أعطي مخافة الموت ضيما * والمنايا ترصدنني أن أحيدا وقال أبو مخنف: قال أبو جناب يحيى بن أبي خيثمة عن عدي بن حرملة الاسدي عن عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل الاسديين قالا: خرجنا حاجين من الكوفة فقدمنا مكة فدخلنا يوم التروية فإذا نحن بالحسين وابن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحجر والباب، فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين: إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الامر فوازرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك ؟. فقال الحسين: إن أبي حدثني أن لها كبشا يستحل حرمتها يقتل، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش. فقال له ابن الزبير: فأقم إن شئت وولني أنا الامر فتطاع ولا تعصى، فقال: وما أريد هذا أيضا، ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا، فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاة الناس متوجهين إلى منى عند الظهيرة، قالا: فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصر من شعره، وحل من عمرته، ثم توجه نحو الكوفة وتوجهنا نحن مع الناس إلى منى. وقال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة بن سمعان. قال: لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل (1) عمرو بن سعيد - يعني نائب مكة - عليهم أخوه يحيى بن سعيد، فقالوا له: انصرف أين تريد ؟ فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان وتضاربوا بالسياط والعصي، ثم إن حسينا وأصحابه امتنعوا منهم امتناعا قويا، ومضى الحسين على وجهه ذلك، فناداه: يا حسين ألا تتقي الله ؟ تخرج من الجماعة وتفرق بين الامة بعد اجتماع الكلمة ؟ قال: فتأول الحسين هذه الآية * (لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل أنا برئ مما تعملون) * [ يونس: 41 ]. قال: ثم إن الحسين مر بالتنعيم (2) فلقي بها عيرا قد بعث بها بجير بن زياد (3) الحميري


(1) في الاخبار الطوال ص 244: صاحب شرطة أميرها عمرو بن سعيد بن العاص. (2) التنعيم: مكان بين مكة والمدينة بالقرب من مكة. (3) في الطبري 6 / 218 والكامل 4 / 40: ريسان الحميري. (*)

[ 180 ]

نائب اليمن قد أرسلها من اليمن إلى يزيد بن معاوية، عليها ورس (1) وحلل كثيرة، فأخذها الحسين وانطلق بها، واستأجر أصحاب الجمال عليها إلى الكوفة، ودفع إليهم أجرتهم، ثم ساق أبو مخنف باسناده الاول أن الفرزدق لقي الحسين في الطريق (2) فسلم عليه وقال له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب. فسأله الحسين عن أمر الناس وما وراءه فقال له: قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء. فقال له: صدقت، لله الامر من قبل ومن بعد، يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه. وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعد من كان الحق نيته، والتقوى سريرته، ثم حرك الحسين راحلته وقال: السلام عليكم ثم افترقا. وقال هشام بن الكلبي عن عوانة بن الحكم عن ليطة بن غالب بن الفرزدق عن أبيه. قال: حججت بأمي فبينما أنا أسوق بها بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج، وذلك في سنة ستين، إذ لقيت الحسين خرجا من مكة معه أسيافه وأتراسه، فقلت له: بأبي وأمي يا بن رسول الله، ما أعجلك عن الحج ؟ فقال: لو لم أعجل لاخذت، ثم سألني: ممن أنت ؟ فقلت: امرؤ من العراق، فسألني عن الناس فقلت له: القلوب معك والسيوف مع بني أمية، وذكر نحو ما تقدم. قال الفرزدق: وسألت الحسين عن أشياء وعن المناسك فأخبرني بها، قال: وإذا هو ثقيل اللسان من برسام (3) كان أصابه بمن بالعراق. قال: ثم مضيت فإذا فسطاط مضروب في الحرم وهيئة حسنة، فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، فسألني فأخبرته أني لقيت الحسين، قال: فهلا اتبعته ؟ فإن الحسين لا يحيك فيه السلاح ولا يجوز فيه وفي أصحابه. فندم الفرزدق وهم أنه يلحق به، ووقع في قلبه مقالة ابن عمرو، ثم ذكرت الانبياء وقتلهم فصدني ذلك عن اللحاق به، فلما بلغه أنه قتل لعن ابن عمرو، وكان ابن عمرو يقول: والله لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصغير حتى يبلغ هذا الامر ويظهر، وإنما أراد ابن عمرو بقوله: لا يحيك فيه السلاح، أي السلاح الذي لم يقدر أن يقتل به، وقيل غير ذلك وقيل أراد الهزل بالفرزدق. قالوا: ثم سار الحسين لا يلوي على شئ حتى نزل ذات عرق (4).


(1) ورس: بنت أصفر يكون باليمن تتخذ منه الغمرة للوجه، وفي الاخبار الطوال ص: 245: ورس وحناء. (2) في الاخبار الطوال ص 245 والطبري 6 / 218 لقيه بالصفاح، وهو موضع بين حنين وأنصاب الحرم يسرة الداخل إلى مكة، وصفاح نعمان جبال بين مكة والطائف وفي ابن الاعثم 5 / 124 لقيه بالشقوق، وهو منزل بطريق مكة بعد واقصة من الكوفة (معجم البلدان) وقال الفرزدق: لقيت الحسين بأرض الصفاح * عليه اليلامق والدرق (3) البرسام: علة يهذي فيها. (4) ذات عرق: مهل أهل العراق وهو الحد بين نجد وتهامة، وقيل عرق جبل بطريق مكة ومنه ذات عرق (معجم البلدان). (*)

[ 181 ]

قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن كعب الوالبي، عن علي بن الحسين بن علي. قال: لما خرجنا من مكة كتب عبد الله بن جعفر إلى الحسين مع ابنه عون ومحمد: أما بعد فإني أسائلك بالله لما انصرفت حتى تنظر في كتابي هذا، فإني مشفق عليك من الوجه الذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفئ نور الاسلام (1)، فإنك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير فإني في أثر كتابي والسلام (2). ثم نهض عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد نائب مكة فقال له: اكتب إلى الحسين كتابا تجعل له فيه الامان، وتمنيه في البر والصلة، وتوثق له في كتابك، وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع. فقال له عمرو: اكتب عني ما شئت وأتني به حتى أختمه. فكتب ابن جعفر على لسان عمرو بن سعيد ما أراد عبد الله، ثم جاء بالكتاب إلى عمرو فختمه بخاتمه، وقال عبد الله لعمرو بن سعيد: ابعث معي أمانك، فبعث معه أخاه يحيى، فانصرفا حتى لحقا الحسين فقرآ عليه الكتاب فأبى أن يرجع وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وقد أمرني فيها بأمر وأنا ماض له، فقالا: وما تلك الرؤيا ؟ فقال: لا أحدث بها أحدا حتى ألقى ربي عز وجل. قال أبو مخنف: وحدثني محمد بن قيس أن الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن ذي الرمة (3)، بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا، والطلب بحقنا، فنسأل الله أن يحسن لنا الصنيع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الاجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكتموا (4) أمركم وجدوا فإني قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال: وكان كتاب مسلم قد وصل إليه قبل أن يقتل سبع وعشرين ليلة، ومضمونه: أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله، وإن جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي هذا والسلام عليكم. قال: وأقبل قيس بن مسهر الصيداوي بكتاب الحسين إلى الكوفة، حتى إذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى عبيد الله بن زياد فقال له ابن زياد: اصعد إلى أعلا القصر فسب الكذاب ابن الكذاب علي بن أبي طالب وابنه الحسين، فصعد فحمد الله وأثنى عليه


(1) في الطبري 6 / 219 وابن الاعثم 5 / 115: نور الارض. (2) في ابن الاعثم: فإني آخذ لك الآمان من يزيد وجميع بني أمية على نفسك ومالك وولدك وأهل بيتك والسلام. (3) قاع عظيم بنجد تصب فيه جماعة أودية. (4) في الطبري 6 / 225: فاكمشوا، وانظر نسخة أخرى للكتاب في الاخبار الطوال ص 245. (*)

[ 182 ]

ثم قال: أيها الناس ! إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله، وهو ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر من بطن ذي الرمة، فأجيبوه واسمعوا له وأطيعوا. ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي والحسين. فأمر به ابن زياد فألقي من رأس القصر فتقطع، ويقال بل تكسرت عظامه وبقي فيه بقية رمق، فقام إليه عبد الملك بن عمير البجلي فذبحه، وقال: إنما أردت إراحته من الالم، وقيل إنه رجل يشبه عبد الملك بن عمير وليس به، وفي رواية أن الذي قدم بكتاب الحسين إنما هو عبد الله بن بقطر أخو الحسين من الرضاعة، فألقي من أعلى القصر. والله أعلم. ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة ولا يعلم بشئ مما وقع من الاخبار. قال أبو مخنف عن أبي علي الانصاري عن بكر بن مصعب المزني. قال: وكان الحسين لا يمر بماء من مياه العرب إلا اتبعوه، قال قال أبو مخنف عن أبي جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم، والمنذر (1) بن المشمعل الاسديين قالا: لما قضينا حجنا لم يكن لنا همة إلا اللحاق بالحسين، فأدركناه وقد مر برجل من بني أسد (2) فهم الحسين أن يكلمه ويسأله ثم ترك، فجئنا ذلك الرجل فسألناه عن أخبار الناس فقال: والله لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ورأيتهما يجران بأرجلهما في السوق. قالا: فلحقنا الحسين فأخبرناه فجعل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون مرارا. فقلنا له الله الله في نفسك. فقال: لا خير في العيش بعدهما. قلنا: خار الله لك. وقال له بعض أصحابه: والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ولو قد قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع. وقال غيرهما: لما سمع أصحاب الحسين بمقتل مسلم بن عقيل، وثب عند ذلك بنو عقيل بن أبي طالب وقالوا: لا والله لا ترجع حتى ندرك ثأرنا، أو نذوق ما ذاق أخونا. فسار الحسين حتى إذا كان بزرود (3) بلغه أيضا مقتل الذي بعثه بكتابه إلى أهل الكوفة بعد أن خرج من مكة ووصل إلى حاجر، فقال: خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج عليه، وليس عليه منا ذمام، قال: فتفرق الناس عنه أيادي سبأ يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من مكة، وإنما فعل ذلك لانه ظن أن من اتبعه من الاعراب إنما اتبعوه لانه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهلها، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على م يقدمون، وقد علم أنه إذا بين لهم الامر لم يصحبه إلا من يريد مواساته في الموت معه. قال: فلما كان السحر


(1) في الطبري 6 / 224: المذرى. (2) في الطبري: هو بكير بن المثعبة. وذكر ابن الاعثم رواية لقائه برجل من بني أسد في ذات عرق واسمه بشر بن غالب، وهو غير معروف، وأخبر الحسين أخبار أهل العراق والكوفة ولم يأت على ذكر مقتل مسلم وهانئ. (5 / 120) وفي الاخبار الطوال ص 247 أن الحسين لقي رجلا من بني أسد وأخبره بمقتل مسلم بعد رحيله من زرود. (3) زرود: موضع بطريق مكة بعد الرمل. (*)

[ 183 ]

أمر فتيانه أن يستقوا من الماء ويكثروا منه، ثم سار حتى مر ببطن العقبة فنزل بها. وقال محمد بن سعد: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا جعفر بن سليمان، عن يزيد الرشك قال: حدثني من شافه الحسين قال: رأيت أخبية مضروبة بفلاة من الارض فقلت: لمن هذه ؟ قالوا: هذه لحسين قال: فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع تسيل على خديه ولحيته، قال قلت: بأبي وأمي يا بن بنت رسول الله ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد ؟ فقال: هذه كتب أهل الكوفة إلي ولا أراهم إلا قاتلي، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلا انتهكوها، فيسلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الامة - يعني مقنعتها - وأخبرنا علي بن محمد عن الحسن بن دينار عن معاوية بن قرة. قال: قال الحسين: والله لتعتدن علي كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت. وحدثنا علي بن محمد عن جعفر بن سليمان الضبعي. قال قال الحسين: والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الامة. فقتل بنينوى يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر الحميدي، ثنا سفيان، ثنا شهاب بن حراش، عن رجل من قومه. قال: كنت في الجيش الذى بعثهم ابن زياد إلى الحسين، وكانوا أربعة آلاف يريدون قتال الديلم، فعينهم ابن زياد وصرفهم إلى قتال الحسين، فلقيت حسينا فرأيته أسود الرأس واللحية، فقلت له: السلام عليك أبا عبد الله، فقال: وعليك السلام - وكانت فيه غنة - فقال: لقد باتت فيكم سللة منذ الليلة - يعني سراقا - قال شهاب: فحدثت به زيد بن علي فأعجبه وكانت فيه غنة - قال سفيان بن عيينة: وهي في الحسينيين. قال أبو مخنف عن أبي خالد الكاهلي. قال: لما صبحت الخيل الحسين بن علي رفع يديه فقال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي من كل أمر نزل ثقة وعدة، فكم من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، فأنزلته بك وشكوته إليك، رغبة فيه إليك عمن سواك، ففرجته وكشفته وكفيتنيه، فأنت لي ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل غاية. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثني حجاج بن محمد عن أبي معشر عن بعض مشيخته. قال قال الحسين حين نزلوا كربلاء: ما اسم هذه الارض ؟ قالوا كربلاء، قال: كرب وبلاء. وبعث عبيد الله بن زياد عمر بن سعد لقتالهم، فقال له الحسين: يا عمر اختبرني إحدى ثلاث خصال، إما أن تتركني أرجع كما جئت، فإن أبيت هذه فسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده فيحكم في ما رأى، فإن أبيت هذه فسيرني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت. فأرسل إلى ابن زياد بذلك، فهم أن يسيره إلى يزيد، فقال شمر بن ذي الجوشن: لا ! إلا أن ينزل على حكمك، فأرسل إلى الحسين بذلك فقال الحسين: والله لا أفعل، وأبطأ عمر عن قتاله فأرسل ابن زياد شمر بن ذي الجوشن وقال له: إن تقدم عمر فقاتل

[ 184 ]

وإلا فاقتله وكن مكانه، فقد وليتك الامرة. وكان مع عمر قريب من ثلاثين رجلا من أعيان أهل الكوفة، فقالوا له: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال فلا تقبلوا منها شيئا ؟ فتحولوا مع الحسين يقاتلوا معه. وقال أبو زرعة: حدثنا سعيد بن سليمان ثنا عباد بن العوام عن حصين. قال: أدركت من مقتل الحسين قال: فحدثني سعد بن عبيدة قال: فرأيت الحسين وعليه جبة برود ورماه رجل يقال له عمرو بن خالد الطهوي بسهم، فنظرت إلى السهم معلقا بجبته. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عمار الرازي حدثني سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام، ثنا حصين أن الحسين بعث إليه أهل الكوفة: إن معك مائة ألف. فبعث إليهم مسلم بن عقيل فذكر قصة مقتل مسلم كما تقدم. قال حصين: فحدثني هلال بن يساف أن ابن زياد أمر الناس أن يأخذوا ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة حفظا فلا يدعون أحدا يلج ولا أحدا يخرج، وأقبل الحسين ولا يشعر بشئ حتى أتى (1) الاعراب فسألهم عن الناس فقالوا: والله لا ندري، غير أنك لا تستطيع أن تلج ولا تخرج، قال: فانطلق يسير نحو يزيد بن معاوية، فتلقته الخيول بكربلاء فنزل يناشدهم الله والاسلام، قال: وكان بعث إليه ابن زياد عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحصين بن نمير، فناشدهم الله والاسلام أن يسيروه إلى أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده، فقالوا له: لا ! إلا أن تنزل على حكم ابن زياد، وكان في جملة من معهم الحر بن يزيد الحنظلي ثم النهشلي على خيل، فلما سمع ما يقول الحسين قال لهم: ألا تتقون الله ؟ ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم، والله لو سألتكم هذا الترك والديلم ما حل لكم أن تردوهم فأبوا إلا حكم ابن زياد ؟ فضرب الحر وجه فرسه وانطلق إلى الحسين، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم، فلما دنا منهم قلب ترسه وسلم عليهم ثم كر على أصحاب ابن زياد فقتل منهم رجلين ثم قتل رحمه الله. وذكر أن زهير بن القين البجلي لقي الحسين وكان حاجا فأقبل معه (2)، وخرج إليه ابن أبي مخرمة (3) المرادي ورجلان آخران، وهما عمرو بن الحجاج ومعن السلمي، وأقبل الحسين يكلم من بعث إليه ابن زياد وعليه جبة من برود، فلما كلمهم انصرف فرماه رجل من بني تميم يقال له عمرو الطهوي بسهم بين كتفيه، فإني لانظر إلى السهم بين كتفيه متعلقا بجبته، فلما أبوا عليه رجع إلى مصافه وإني لانظر إليهم وهم قريب من مائة رجل، فيهم لصلب علي خمسة، ومن بني هاشم ستة عشر، ورجل من بني سليم حليف لهم، ورجل من بني كنانة حليف لهم، وابن عم ابن زياد.


(1) في الطبري: 6 / 222: لقي. (2) ذكر في الاخبار الطوال ص 246 أنه لقي الحسين في زرود وكان حاجا أقبل من مكة يريد الكوفة فطلق امرأته وألحقها بأهلها وتبع الحسين ووطن نفسه على الموت معه. (3) في الطبري 6 / 222: ابن أبي بحرية. (*)

[ 185 ]

وقال حصين، حدثني سعد بن عبيدة قال: إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد إذ أتاه رجل فساره فقال له: قد بعث إليك ابن زياد جويرية بن بدر التميمي وأمره إن لم تقاتل القوم أن يضرب عنقك. قال: فوثب إلى فرسه فركبها ثم دعا بسلاحه فلبسه وإنه لعلى فرسه، ونهض بالناس إليهم فقاتلوهم فجئ برأس الحسين إلى ابن زياد فوضع بين يديه فجعل يقول بقضيبه في أنفه ويقول: إن أبا عبد الله كان قد شمط. قال: وجئ بنسائه وبناته وأهله قال: وكان أحسن شئ صنعه أن أمر لهم بمنزل في مكان معتزل وأجرى عليهم رزقا، وأمر لهم بنفقة وكسوة. قال: وانطلق غلامان منهم من أولاد عبد الله بن جعفر - أو ابن أبي جعفر - فأتيا رجلا من طئ فلجآ إليه مستجيران به، فضرب أعناقهما وجاء برأسيهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد، قال: فهم ابن زياد بضرب عنقه وأمر بداره فهدمت. قال: وحدثني مولى لمعاوية بن أبي سفيان قال: لما أتي يزيد برأس الحسين فوضع بين يديه رأيته يبكي ويقول: لو كان بين ابن زياد وبينه رحم ما فعل هذا - يعني ابن زياد - قال الحصين: ولما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع. قال أبو مخنف: حدثني لوذان، حدثني عكرمة أن أحد عمومته سأل الحسين: أين تريد ؟ فحدثه، فقال له: أنشدك الله لما انصرفت راجعا، فوالله ما بين يديك من القوم أحد يذب عنك ولا يقاتل معك، وإنما والله أنت قادم على الاسنة والسيوف، فإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطأوا لك الاشياء، ثم قدمت عليهم بعد ذلك كان ذلك رأيا، فأما على هذه الصفة فإني لا أرى لك أن تفعل. فقال له الحسين: إنه ليس بخفي علي ما قلت وما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره، ثم ارتحل قاصدا الكوفة. وقال خالد بن العاص (1): رب مستنصح يغش ويردي * وظنين بالغيب يلقى نصيحا وقد حج بالناس في هذه السنة عمرو بن سعيد بن العاص وكان عامل المدينة ومكة ليزيد، وقد عزل يزيد عن إمرة المدينة الوليد بن عتبة وولاها عمرو بن سعيد بن العاص في شهر رمضان منها والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم دخلت سنة إحدى وستين استهلت هذه السنة والحسين بن علي سائر إلى الكوفة فيما بين مكة والعراق ومعه أصحابه وقراباته، فقتل في يوم عاشوراء من شهر المحرم من هذه السنة على المشهور الذي صححه الواقدي وغير واحد، وزعم بعضهم أنه قتل في صفر منها والاول أصح.


(1) في الطبري 6 / 216: الحارث بن خالد بن العاص بن هشام. (*)

[ 186 ]

وهذه صفة مقتله مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب قال أبو مخنف عن أبي جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذرى بن المشمعل الاسديين قالا: أقبل الحسين فلما نزل شرف (1) قال لغلمانه وقت السحر: استقوا من الماء فأكثروا، ثم ساروا إلى صدر النهار فسمع الحسين رجلا يكبر فقال له: مم كبرت ؟ فقال: رأيت النخيلة، فقال له الاسديان: إن هذا المكان لم ير أحد منه نخيلة، فقال الحسين: فماذا تريانه رأى ؟ فقالا: هذه الخيل قد أقبلت، فقال الحسين: أما لنا ملجأ نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد ؟ فقالا: بلى: ذو حسم (2). فأخذ ذات اليسار إليها فنزل، وأمر بأبنيته فضربت، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي، وهم مقدمة الجيش الذين بعثهم ابن زياد، حتى وقفوا في مقابلته في نحو (3) الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلدون سيوفهم، فأمر الحسين أصحابه أن يترووا من الماء ويسقوا خيولهم، وأن يسقوا خيول أعدائهم أيضا. وروى هو وغيره قالوا: لما دخل وقت الظهر أمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي فأذن ثم خرج الحسين في إزار ورداء ونعلين فخطب الناس من أصحابه وأعدائه واعتذر إليهم في مجيئه هذا إلى ههنا، بأنه قد كتب إليه أهل الكوفة أنهم ليس لهم إمام، وإن أنت قدمت علينا بايعناك وقاتلنا معك، ثم أقيمت الصلاة فقال الحسين للحر: تريد أن تصلي بأصحابك ؟ قال لا ! ولكن صل أنت ونحن نصلي وراءك. فصلى بهم الحسين، ثم دخل إلى خيمته واجتمع به أصحابه، وانصرف الحر إلى جيشه وكل على أهبته، فلما كان وقت العصر صلى بهم الحسين ثم انصرف فخطبهم وحثهم على السمع والطاعة له وخلع من عاداهم من الادعياء السائرين فيكم بالجور. فقال له الحر: إنا لا ندري ما هذه الكتب، ولا من كتبها، فأحضر الحسين خرجين مملوءين كتبا فنثرها بين يديه وقرأ منها طائفة، فقال الحر: لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك في شئ، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك على عبيد الله بن زياد، فقال الحسين: الموت أدنى من ذلك، ثم قال الحسين لاصحابه: اركبوا ! فركبوا وركب النساء، فلما أراد الانصراف حال القوم بينه وبين الانصراف، فقال الحسين للحر: ثكلتك أمك، ماذا تريد ؟ فقال له الحر: أما والله لو غيرك يقولها لي من العرب وهو على مثل الحال التي أنت عليها لاقتصن منه، ولما تركت أمه، ولكن لا سبيل إلى ذكر أمك إلا بأحسن ما نقدر عليه، وتقاول


(1) في الطبري 6 / 226: شراف، بين واقصة والقرعاء على ثمانية أميال من الاحساء التي لبني وهب ومن شراف إلى واقصة ميلان. (معجم البلدان). (2) ذو جشم: في الاخبار الطوال ص 248. (3) في الطبري: حر الظهيرة. (*)

[ 187 ]

القوم وتراجعوا فقال له الحر: إني لم أومر بقتالك، وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة على ابن زياد، فإذا أبيت فخذ طريقا لا يقدمك الكوفة ولا تردك إلى المدينة، واكتب أنت إلى يزيد، وأكتب أنا إلى ابن زياد إن شئت، فلعل الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشئ من أمرك. قال: فأخذ الحسين يسارا عن طريق العذيب والقادسية (1)، والحر بن يزيد يسايره وهو يقول له: يا حسين إني أذكرك الله في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن، ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى. فقال له الحسين: أفبالموت تخوفني ؟ ولكن أقول كما قال أخو الاوس لابن عمه وقد لقيه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين تذهب فإنك مقتول ؟ فقال: سأمضي وما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق خوفا أن يعيش ويرغما (2) ويروى على صفة أخرى: سأمضي وما بالموت عار على امرئ * إذا ما نوى حقا ولم يلف مجرما فإن مت أندم وإن عشت لم ألم * كفى بك موتا أن تذل وترغما فلما سمع ذلك الحر منه تنحى عنه وجعل يسير بأصحابه ناحية عنه، فانتهوا إلى عذيب الهجانات (3) وإذا سفر أربعة - أي أربعة نفر - قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يخبون ويجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل قد أقبلوا من الكوفة يقصدون الحسين ودليلهم رجل يقال له الطرماح بن عدي راكب على فرس (4) وهو يقول: يا ناقتي لا تذعري من زجري * وشمري قبل طلوع الفجر بخير ركبان وخير سفر * حتى تحلي بكريم النجر الماجد الحر رحيب الصدر * أتى به الله لخير أمر ثمت أبقاه بقاء الدهر


(1) العذيب: ماء لبني تميم على مرحلة من الكوفة، سمي بذلك لانه طرف أرض العرب. بينه وبين القادسية أربعة أميال منه إلى مفازة القرون في طريق مكة. والقادسية: قرية قرب الكوفة من جهة البرية. (2) في الطبري 6 / 229: وفارق مثبورا يفش ويرغما وفي الكامل ج 4 / 49: وخالف مثبورا وفارق مجرما. وفي فتوح ابن الاعثم 5 / 140: وفارق مذموما وخالف مجرما. (3) عذيب الهجانات: هو من منازل حاج الكوفة وقيل هو حد السواد (معجم البلدان). (4) في ابن الاعثم: أن الحسين سأل طريقا غير الجادة، فقال الطرماح أنا فقال الحسين: إذا سر بين أيدينا... (*)

[ 188 ]

فأراد الحر أن يحول بينهم وبين الحسين فمنعه الحسين من ذلك، فلما خلصوا إليه قال لهم: أخبروني عن الناس وراءكم، فقال له مجمع بن عبد الله العامري أحد النفر الاربعة: أما أشراف الناس فهم إلب عليك، لانهم قد عظمت رشوتهم وملئت غرائرهم، يستميل بذلك ودهم ويستخلص به نصيحتهم، فهم إلب واحد عليك، وأما سائر الناس فأفئدتهم تهوى إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك. قال: لهم: فهل لكم برسولي علم ؟ قالوا: ومن رسولك ؟ قال: قيس بن مسهر الصيداوي. قالوا: نعم أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى ابن زياد فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلى عليك وعلى أبيك ولعن ابن زياد وأباه، ودعا الناس إلى نصرتك وأخبرهم بقدومك فأمر به فألقي من رأس القصر فمات، فترقرقت عينا الحسين، وقرأ قوله تعالى: * (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر) * الآية [ الاحزاب: 23 ]. ثم قال: اللهم اجعل منازلهم الجنة نزلا، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك، ورغائب مدخور ثوابك. ثم إن الطرماح بن عدي قال للحسين: أنظر فما معك ؟ لا أرى معك أحدا إلا هذه الشرذمة اليسيرة، وإني لارى هؤلاء القوم الذين يسايرونك أكفاء لمن معك، فكيف وظاهر الكوفة مملوء بالخيول والجيوش يعرضون ليقصدونك، فأنشدك الله، إن قدرت أن لا تتقدم إليهم شبرا فافعل، فإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به من ملوك غسان وحمير، ومن النعمان بن المنذر، ومن الاسود والاحمر (1)، والله إن دخل علينا ذل قط فأسير معك حتى أنزلك القرية، ثم تبعث إلى الرجال من بأجأ وسلمى من طئ، ثم أقم معنا ما بدا لك، فأنا زعيم بعشرة (2) آلاف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم، والله لا يوصل إليك أبدا ومنهم عين تطرف. فقال له الحسين: جزاك الله خيرا، فلم يرجع عما هو بصدده، فودعه الطرماح، ومضى الحسين، فلما كان من الليل أمر فتيانه أن يستقوا من الماء كفايتهم، ثم سرى فنعس في مسيره حتى خفق برأسه، واستيقظ وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين. ثم قال: رأيت فارسا على فرس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، فلما طلع الفجر صلى بأصحابه وعجل الركوب ثم تياسر في مسيره حتى انتهى إلى نينوى (3)، فإذا راكب (4) متنكب قوسا قد قدم من الكوفة، فسلم على الحر بن يزيد ولم يسلم على الحسين، ودفع إلى الحر كتابا من ابن زياد ومضمونه: أن يعدل بالحسين في السير إلى العراق في غير قرية ولا


(1) في الكامل لابن الاثير 4 / 50: الاحمر والابيض. (2) في الطبري والكامل: عشرين ألف. (3) نينوى: (قال ابن الاعثم أو الغاضرية، وهي قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء) ونينوى: من سواد الكوفة، ناحية يقال لها نينوى ومنها كربلاء (معجم البلدان). (4) ذكره الطبري: مالك بن النسير البدي. (*)

[ 189 ]

حصن، حتى تأتيه رسله وجنوده، وذلك يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين، فلما كان من الغد قدم عمر بن سعد بن أبي قاص في أربعة آلاف، وكان قد جهزه ابن زياد في هؤلاء إلى الديلم، وخيم بظاهر الكوفة، فلما قدم عليهم أمر الحسين قال له: سر إليه، فإذا فرغت منه فسر إلى الديلم، فاستعفاه عمر بن سعد من ذلك. فقال له ابن زياد: إن شئت عفيتك وعزلتك عن ولاية هذه البلاد التي قد استنبتك عليها، فقال: حتى أنظر في أمري، فجعل لا يستشير أحدا إلا نهاه عن المسير إلى الحسين، حتى قال له ابن أخته حمزة بن المغيرة بن شعبة: إياك أن تسير إلى الحسين فتعصى ربك وتقطع رحمك، فوالله لان تخرج من سلطان الارض كلها أحب إليك من أن تلقى الله بدم الحسين، فقال: إني أفعل إن شاء الله تعالى. ثم إن عبيد الله بن زياد تهدده وتوعده بالعزل والقتل، فسار إلى الحسين فنازله في المكان الذي ذكرنا، ثم بعث إلى الحسين الرسل (1): ما الذي أقدمك ؟ فقال كتب إلي أهل الكوفة أن أقدم عليهم، فإذ قد كرهوني فأنا راجع إلى مكة وأذركم. فلما بلغ عمر بن سعد هذا قال: أرجو أن يعافيني الله من حربه، وكتب إلى ابن زياد بذلك (2)، فرد عليه ابن زياد: أن حل بينهم وبين الماء كما فعل بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان، واعرض على الحسين أن يبايع هو ومن معه لامير المؤمنين يزيد بن معاوية، فإذا فعلوا ذلك رأينا رأينا، وجعل أصحاب عمر بن سعد يمنعون أصحاب الحسين من الماء، وعلى سرية منهم عمرو بن الحجاج، فدعا عليهم بالعطش فمات هذا الرجل من شدة العطش. ثم إن الحسين طلب من عمر بن سعد أن يجتمع به بين العسكرين، فجاء كل واحد منهما في نحو من عشرين فارسا، فتكلما طويلا حتى ذهب هزيع من الليل، ولم يدر أحد ما قالا، ولكن ظن بعض الناس أنه سأله أن يذهب معه إلى يزيد بن معاوية إلى الشام ويتركا العسكرين متواقفين، فقال عمر إذا يهدم ابن زياد داري، فقال الحسين: أنا أبنيها لك أحسن مما كانت، قال: إذا يأخذ ضياعي، قال أنا أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز، قال: فتكره عمر بن سعد من ذلك. وقال بعضهم: بل سأل منه إما أن يذهبا إلى يزيد، أو يتركه يرجع إلى الحجاز أو يذهب إلى بعض الثغور فيقاتل الترك، فكتب عمر إلى عبيد الله بذلك، فقال: نعم ! قد قبلت، فقام الشمر بن ذي الجوشن فقال: لا والله حتى ينزل على حكمك هو وأصحابه، ثم قال: والله لقد بلغني أن حسينا وابن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل، فقال له ابن زياد: فنعم ما رأيت. وقد روى أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عقبة بن سمعان. قال: لقد


(1) في الطبري 6 / 235: عزرة بن قيس، وفي ابن الاعثم 5 / 155: عروة بن قيس، وفي الاخبار الطوال ص 253 قرة بن سفيان الحنظلي. (2) نسخة كتاب عمر بن سعد في الطبري 6 / 234. (*)

[ 190 ]

صحبت الحسين من مكة إلى حين قتل، والله ما من كلمة قالها في موطن إلا وقد سمعتها، وإنه لم يسأل أن يذهب إلى يزيد فيضع يده إلى يده، ولا أن يذهب إلى ثغر من الثغور، ولكن طلب منهم أحد أمرين، إما أن يرجع من حيث جاء، وإما أن يدعوه يذهب في الارض العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه. ثم إن عبيد الله بعث شمر بن ذي الجوشن فقال: اذهب فإن جاء الحسين وأصحابه على حكمي وإلا فمر عمر بن سعد أن يقاتلهم، فإن تباطأ عن ذلك فاضرب عنقه ثم أنت الامير على الناس. وكتب إلى عمر بن سعد يتهدده على توانيه في قتال الحسين، وأمره إن لم يجئ الحسين إليه أن يقاتله ومن معه، فإنهم مشاقون. فاستأمن عبيد الله (1) بن أبي المحل لبني عمته أم البنين بنت حزام من علي: وهم العباس وعبد الله وجعفر وعثمان. فكتب لهم ابن زياد كتاب أمان وبعثه عبيد الله بن أبي المحل مع مولى له يقال له كرمان، فلما بلغهم ذلك قالوا: أما أمان ابن سمية. فلا نريده، وإنا لنرجو أمانا خيرا من أمان ابن سمية. ولما قدم شمر بن ذي الجوشن على عمر بن سعد بكتاب عبيد الله بن زياد، قال عمر: أبعد الله دارك، وقبح ما جئت به، والله إني لاظنك الذي صرفته عن الذي عرضت عليه من الامور الثلاثة التي طلبها الحسين، فقال له شمر: فأخبرني ما أنت صانع ؟ أتقاتلهم أنت أو تاركي وإياهم ؟ فقال له عمر: لا ولا كرامة لك ! أنا أتولى ذلك، وجعله على الرجالة ونهضوا إليهم عشية يوم الخميس التاسع من المحرم، فقام شمر بن ذي الجوشن فقال: أين بنو أختنا ؟ فقام إليه العباس وعبد الله، وجعفر وعثمان بنو علي بن أبي طالب، فقال: أنتم آمنون. فقالوا: إن أمنتنا وابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا حاجة لنا بأمانك. قال: ثم نادى عمر بن سعد في الجيش: يا خيل الله اركبي وابشري، فركبوا وزحفوا إليهم بعد صلاة العصر من يومئذ، هذا وحسين جالس أمام خيمته محتبيا بسيفه، ونعس فخفق برأسه وسمعت أخته الضجة فدنت منه فأيقظته، فرجع برأسه كما هو، وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: " إنك تروح إلينا " فلطمت وجهها وقالت: يا ويلتنا. فقال: ليس لك الويل يا أخته: اسكتي رحمك الرحمن، وقال له أخوه العباس بن علي: يا أخي جاءك القوم، فقال: اذهب إليهم فسلهم ما بدا لهم، فذهب إليهم في نحو من عشرين (2) فارسا فقال: مالكم ؟ فقالوا جاء أمر الامير إما أن تأتوا على حكمه وإما أن نقاتلكم. فقال: مكانكم حتى أذهب إلى أبي عبد الله فأعلمه، فرجع ووقف أصحابه فجعلوا يتراجعون القول ويؤنب بعضهم بعضا، يقول أصحاب الحسين: بئس القوم، أنتم تريدون قتل ذرية نبيكم وخيار الناس في زمانهم ؟ ثم رجع العباس بن علي من عند الحسين إليهم فقال لهم: يقول لكم أبو عبد الله: انصرفوا عشيتكم هذه حتى ينظر في أمره الليلة، فقال عمر بن سعد لشمر بن ذي الجوشن: ما


(1) في الطبري 6 / 236: عبد الله (وانظر فتوح ابن الاعثم 5 / 166 وابن الاثير في الكامل 4 / 56). (2) في ابن الاعثم 5 / 176: ومعه عشرة فوارس. (*)

[ 191 ]

تقول ؟ فقال: أنت الامير والرأي رأيك، فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله ! والله لو سألكم ذلك رجل من الديلم لكان يبنغي إجباته. وقال قيس بن الاشعث: أجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة، وهكذا جرى الامر، فإن الحسين لما رجع العباس قال له: ارجع فارددهم هذه العشية لعلنا نصلي لربنا هذه الليلة ونستغفره وندعوه، فقد علم الله مني أني أحب الصلاة له، وتلاوة كتابه، والاستغفار والدعاء. وأوصى الحسين في هذه الليلة إلى أهله، وخطب أصحابه في أول الليل فحمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على رسوله بعبارة فصيحة بليغة، وقال لاصحابه: من أحب أن ينصرف إلى أهله في ليلته هذه فقد أذنت له فإن القوم إنما يريدونني. فقال مالك بن النضر: علي دين ولي عيال، فقال هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه حجلا، ليأخذ كل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم اذهبوا في بسيط الارض في سواد هذا الليل إلى بلادكم ومدائنكم، فإن القوم إنما يريدونني، فلو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري، فاذهبوا حتى يفرج الله عز وجل. فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه: لا بقاء لنا بعدك، ولا أرانا فيك ما نكره، فقال الحسين: يا بني عقيل حسبكم بمسلم أخيكم، اذهبوا فقد أذنت لكم، قالوا: فما تقول الناس إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الاعمام، لم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، رغبة في الحياة الدنيا، لا والله لا نفعل، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتى نرد موردك. فقبح الله العيش بعدك. وقال نحو ذلك مسلم بن عوسجة الاسدي، وكذلك قال سعيد بن عبد الله الحنفي: والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك، والله لو علمت أني أقاتل دونك ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عنك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك، لاحببت ذلك، وإنما هي قتلة واحدة. وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا من وجه واحد، فقالوا: والله لا نفارقك، وأنفسنا الفداء لك، نقيك بنحورنا وجباهنا، وأيدينا وأبداننا، فإذا نحن قتلنا وفينا وقضينا ما علينا. وقال أخوه العباس: لا أرانا الله يوم فقدك ولا حاجة لنا في الحياة بعدك. وتتابع أصحابه على ذلك. وقال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك عن علي بن الحسين زين العابدين. قال: إني لجالس تلك العشية التي قتل أبي في صبيحتها، وعمتي زينب تمرضني إذا اعتزل أبي في خبائه ومعه أصحابه، وعنده حوي مولى أبي ذر الغفاري، وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول: يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالاشراق والاصيل من صاحب أو طالب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الامر إلى الجليل * وكل حي سالك السبيل

[ 192 ]

فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى حفظتها وفهمت ما أراد، فخنقتني العبرة فرددتها، ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء قد نزل، وأما عمتي فقامت حاسرة حتى انتهت إليه فقالت: واثكلاه ! ! ليت الموت أعدمني الحياة اليوم، ماتت أمي فاطمة وعلي أبي، وحسن أخي، يا خليفة الماضي، وثمال الباقي فنظر إليها وقال: يا أخية، لا يذهبن حلمك الشيطان، فقالت: بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله، استقتلت ؟ ولطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشيا عليها، فقام إليها فصب على وجهها الماء وقال يا أخية: اتق الله واصبري وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الارض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شئ هالك إلا وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته، ويميتهم بقهره وعزته، ويعيدهم فيعبدونه وحده، وهو فرد وحده، واعلمي أن أبي خير مني، وأمي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة، ثم حرج عليها أن لا تفعل شيئا من هذا بعد مهلكه، ثم أخذ بيدها فردها إلى عندي، ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يدنوا بيوتهم بعضا من بعض حتى تدخل الاطناب بعضها في بعض، وأن لا يجعلوا للعدو مخلصا إليهم إلا من جهة واحدة، وتكون البيوت عن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن ورائهم، وبات الحسين وأصحابه طول ليلهم يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون، وخيول حرس عدوهم تدور من ورائهم، عليها عزرة بن قيس (1) الاحمسي والحسين يقرأ * (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين. ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) * الآية [ آل عمران: 178 ] فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرس من أصحاب ابن زياد فقال: نحن ورب الكعبة الطيبون ميزنا الله منكم. قال فعرفته فقلت لزيد (2) بن حضير: أتدري من هذا ؟ قال: لا ! فقلت هذا أبو حرب السبيعي عبيد الله بن شمير (3) - وكان مضحاكا بطالا - وكان شريفا شجاعا فاتكا، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه في خبائه. فقال له يزيد بن حصين (2): يا فاسق متى كنت من الطيبين ؟ فقال: من أنت ويلك ؟ قال: أنا يزيد (2) بن حصين. قال: إنا لله ! هلكت والله عدو الله ! على م يريد قتلك ؟ قال فقلت له: يا أبا حرب هل لك أن تتوب من ذنوبك العظام ؟ فوالله إنا لنحن الطيبون وإنكم لانتم الخبيثون. قال: نعم وأنا على ذلك من الشاهدين. قال: ويحك أفلا ينفعك معرفتك ؟ قال فانتهره عزرة بن قيس أمير السرية التي تحرسنا فانصرف عنا، قالوا: فلما صلى عمر بن سعد الصبح بأصحابه يوم الجمعة وقيل يوم السبت - وكان يوم عاشوراء - انتصب للقتال، وصلى الحسين أيضا بأصحابه وهم اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا، ثم انصرف


(1) في ابن الاعثم: عروة بن قيس. (2) كذا بالاصل، وفي الطبري 6 / 240 بريد بن حضير. (3) في الطبري: عبد الله بن شهر. (*)

[ 193 ]

فصفهم فجعل على ميمنته زهير بن القين، وعلى الميسرة حبيب بن المطهر (1)، وأعطي رايته العباس بن علي أخاه، وجعلوا البيوت بما فيها من الحرم وراء ظهورهم، وقد أمر الحسين من الليل فحفروا وراء بيوتهم خندقا وقذفوا فيه حطبا وخشبا وقصبا، ثم أضرمت فيه النار لئلا يخلص أحد إلى بيوتهم من ورائها. وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن - واسم ذي الجوشن شرحبيل بن الاعور بن عمرو بن معاوية من بني الضباب بن كلاب - وعلى الخيل عزرة بن قيس الاحمسي، وعلى الرجالة شبيث (2) بن ربعي، وأعطى الراية لوردان (3) مولاه، وتواقف الناس في ذلك الموضع، فعدل الحسين إلى خيمة قد نصبت فاغتسل فيها وانطلى بالنورة وتطيب بمسك كثير، ودخل بعده بعض الامراء ففعلوا كما فعل، فقال بعضهم لبعض: ما هذا في هذه الساعة ؟ فقال بعضهم: دعنا منك، والله ما هذه بساعة باطل، فقال يزيد بن حصين (4): والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاحقون (5)، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء القوم فيقتلوننا. ثم ركب الحسين على فرسه وأخذ مصحفا فوضعه بين يديه، ثم استقبل القوم رافعا يديه يدعو بما تقدم ذكره: اللهم أنت ثقتي في كل كرب: ورجائي في كل شدة، إلى آخره. وركب ابنه علي بن الحسين - وكان ضعيفا مريضا - فرسا يقال له الاحمق (6) ونادى الحسين أيها الناس: اسمعوا مني نصيحة أقولها لكم، فأنصت الناس كلهم، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أيها الناس إن قبلتم مني وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لم علي سبيل، وإن لم تقبلوا مني * (فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون. إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) * [ يونس: 71 ]. فلما سمع ذلك أخواته وبناته ارتفعت أصواتهن بالبكاء فقال عند ذلك: لا يبعد الله ابن عباس. - يعني حين أشار عليه أن لا يخرج بالنساء معه ويدعهن بمكة إلى أن ينتظم الامر - ثم بعث أخاه العباس فسكتهن، ثم شرع يذكر للناس فضله وعظمة نسبه وعلو قدره وشرفه، ويقول: راجعوا أنفسكم وحاسبوها. هل يصلح لكم قتال مثلي، وأنا ابن بنت نبيكم، وليس على وجه الارض ابن بنت نبي غيري ؟ وعلي أبي، وجعفر ذو الجناحين عمي، وحمزة سيد الشهداء عم أبي ؟ وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاخي: " هذان سيدا شباب أهل الجنة " (7). فإن صدقتموني بما


(1) في الطبري: مظاهر، وفي الاخبار الطوال ص 256: مظهر. (2) في الطبري: شبث بن ربعي. (3) في الطبري: ذويد، وفي الاخبار الطوال: زيد. (4) انظر هامش 2 ص 192. (5) في الطبري: لاقون. (6) في الطبري: لاحق. (7) تقدم تخريجه. (*)

[ 194 ]

أقول فهو الحق، فوالله ما تعمدت كذبة منذ علمت أن الله يمقت علي الكذب، وإلا فاسألوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، جابر بن عبد الله، وأبا سعيد، وسهل بن سعد، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبرونكم بذلك، ويحكم ! أما تتقون الله ؟ أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟. فقال عند ذلك شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف: إن كنت أدري ما يقول ؟ فقال له حبيب بن مطهر (1): والله يا شمر إنك لتعبد الله على سبعين حرفا، وأما نحن فوالله إنا لندري ما يقول: وإنه قد طبع على قلبك. ثم قال: أيها الناس ذروني (2) أرجع إلى مأمني من الارض، فقالوا: وما يمنعك أن تنزل على حكم بني عمك ؟ فقال: معاذ الله * (إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) * [ غافر: 27 ] ثم أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها ثم قال: أخبروني أتطلبوني بقتيل لكم قتلته ؟ أو مال لكم أكلته ؟ أو بقصاصة من جراحة ؟ قال: فأخذوا لا يكلمونه. قال: فنادى يا شبيث (3) بن ربعي، يا حجار بن أبجر، يا قيس بن الاشعث، يا زيد بن الحارث، ألم تكتبوا إلي أنه قد أينعت الثمار واخضر الجناب، فأقدم علينا فإنك إنما تقدم على جند مجندة ؟ فقالوا له: لم نفعل. فقال: سبحان الله ! والله لقد فعلتم، ثم قال: يا أيها الناس ! إذ قد كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم، فقال له قيس بن الاشعث: ألا تنزل على حكم بني عمك فانهم لو يؤذوك، ولا ترى منهم إلا ما تحب ؟ فقال له الحسين: أنت أخو أخيك، أتريد أن تطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لهم إقرار العبيد. قال: وأقبلوا يزحفون نحوه وقد تحيز إلى جيش الحسين من أولئك طائفة قريب من ثلاثين فارسا فيما قيل، منهم الحر بن يزيد أمير مقدمة جيش ابن زياد، فاعتذر إلى الحسين مما كان منهم، قال: ولو أعلم أنهم على هذه النية لسرت معك إلى يزيد، فقبل منه الحسين، ثم تقدم بين يدي أصحاب الحسين فخاطب عمر بن سعد فقال: ويحكم ألا تقبلون من ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعرض عليكم من الخصال الثلاث واحدة منها ؟ فقال: لو كان ذلك إلي قبلت. قال: وخرج من أصحاب الحسين زهير بن القين على فرس له شاك في السلاح، فقال: يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب الله نذار، إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن أخوة، وعلى دين واحد، وملة واحدة، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا أمة وأنتم أمة، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصره وخذلان الطاغية ابن الطاغية، عبيد الله بن زياد، فإنكم لم


(1) كذا بالاصل، وفي الطبري مظاهر، وفي الكامل: مظهر. (2) في الطبري: إذ كرهتموني فدعوني انصرف إلى... (3) في المراجع، وهو الصواب، شبث. (*)

[ 195 ]

تدركوا منهما إلا سوء عموم سلطانهما، يسملان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويقتلان أماثلكم وقراءكم، أمثال حجر بن عدي وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه. قال: فسبوه وأثنوا على ابن زياد ودعوا له، وقالوا: لا ننزع حتى نقتل صاحبك ومن معه. فقال لهم: إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية، فإن أنتم لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم، خلوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية، نذهب حيث شاء، فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين. قال: فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال له: اسكت أسكت الله نامتك، أبرمتنا بكثرة كلامك، فقال له زهير: يا بن البوال على عقبيه، ما إياك أخاطب ؟ إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين، فابشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الاليم. فقال له شمر: إن الله قاتلك وصاحبك بعد ساعة، فقال له زهير: أبالموت تخوفني ؟ فو الله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم. ثم إن زهيرا أقبل على الناس رافعا صوته يقول: عباد الله لا يغرنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه، فوالله لا ينال شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم قوم أهرقوا دماء ذريته، وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم. وقال الحر بن يزيد لعمر بن سعد: أصلحك الله ! أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ قال: إي والله قتالا أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الايدي، وكان الحر من أشجع أهل الكوفة، فلامه بعض أصحابه على الذهاب إلى الحسين، فقال له: والله إني أخير نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة غيرها ولو قطعت وحرقت. ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين فاعتذر إليه بما تقدم، ثم قال: يا أهل الكوفة لامكم الهبل، أدعوتم الحسين إليكم حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه، ومنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة الوسيعة التي لا يمنع فيها الكلب والخنزير، وحلتم بينه وبين الماء الفرات الجاري الذي يشرب منه الكلب والخنزير وقد صرعهم العطش ؟ بئس ما خلفتم محمدا في ذريته، لا سقاكم الله يوم الظمأ الاكبر إن لم تتوبوا وترجعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه. فحملت عليه رجالة لهم ترميه بالنبل فأقبل حتى وقف أمام الحسين. وقال لهم عمر بن سعد: لو كان الامر لي لاحببت الحسين إلى ما طلب ولكن أبى علي عبيد الله بن زياد، وقد خاطب أهل الكوفة وأنبهم ووبخهم وسبهم، فقال لهم الحر بن يزيد: ويحكم منعتم الحسين ونساءه وبناته الماء الفرات الذي يشرب منه اليهود والنصارى ويتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، فهو كالاسير في أيديكم لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا. قال فتقدم عمر بن سعد وقال لمولاه: يا دريد (1) أدن رايتك، فأدناها ثم شمر عن ساعده ورمى بسهم وقال: أشهدوا أني أول من رمى القوم، قال: فترامى الناس بالنبال، وخرج يسار


(1) في الاخبار الطوال ص 256: زيد. وفي الطبري: زويد. (*)

[ 196 ]

مولى زياد (1) وسالم مولى عبيد الله، فقالا: من يبارز ؟ فبرز لهما عبيد الله بن عمر (2) الكلبي بعد استئذانه الحسين فقتل يسارا أولا ثم قتل سالما بعده، وقد ضربه سالم ضربة أطار أصابع يده اليسرى، وحمل رجل يقال له عبد الله بن حوزة حتى وقف بين يدي الحسين فقال له: يا حسين أبشر بالنار ! فقال له الحسين: كلا ويحك إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع، بل أنت أولى بالنار. قالوا: فانصرف فوقصته فرسه فسقط وتعلقت قدمه بالركاب، وكان الحسين قد سأل عنه فقال: أنا ابن حوزة، فرفع الحسين يده وقال: اللهم حزه إلى النار، فغضب ابن حوزة وأراد أن يقحم عليه الفرس وبينه وبينه نهر، فحالت به الفرس فانقطعت قدمه وساقه وفخذه وبقي جانبه الآخر متعلقا بالركاب، وشد عليه مسلم بن عوسجة فضربه فأطار رجله اليمنى، وغارت به فرسه فلم يبق حجر يمر به إلا ضربه في رأسه حتى مات. وروى أبو مخنف عن أبي جناب قال: كان منا رجل يدعى عبد الله بن نمير (2) من بني عليم، كان قد نزل الكوفة واتخذ دارا عند بئر الجعد من همدان، وكانت معه امرأة له من النمر بن قاسط، فرأى الناس يتهيئون للخروج إلى قتال الحسين، فقال: والله لقد كنت على قتال أهل الشرك حريصا، وإني لارجو أن يكون جهادي مع ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لهؤلاء أفضل من جهاد المشركين، وأيسر ثوابا عند الله، فدخل إلى امرأته فإخبرها بما هو عازم عليه، فقالت: أصبت أصاب الله بك أرشد أمورك، افعل وأخرجني معك. قال: فخرج بها ليلا حتى أتى الحسين، ثم ذكر قصة رمي عمر بن سعد بالسهم، وقصة قتله يسار مولى زياد، وسالم مولى ابن زياد، وأن عبد الله بن عمير استأذن الحسين في الخروج إليهما فنظر إليه الحسين، فرأى رجلا آدم طويلا شديد الساعدين بعيد ما بين المنكبين، فقال الحسين: إني لاحسبه للاقران قتالا، اخرج إن شئت، فخرج فقالا له: من أنت ؟ فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك إلا هو خير منكما، ثم شد على يسار فكان كأمس الذاهب، فإنه لمشتغل به إذ حمل عليه سالم مولى ابن زياد فصاح به صائح قد رهقك العبد، قال: فلم ينتبه حتى غشيته فضربه على يده اليسرى فأطار أصابعه، ثم مال على الكلبي فضربه حتى قتله وأقبل يرتجز ويقول: إن تنكراني فأنا ابن كلب * نسبي بيتي في عليم حسبي (3) إني امرؤ ذو مروءة وغضب * ولست بالخوار عند الكرب (4)


(1) أي زياد بن أبي سفيان. (2) في الطبري 6 / 445 والكامل 4 / 65: عمير من بني عليم، وفي ابن الاعثم 5 / 189: وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي. (3) في الطبري: إن تنكروني فأنا ابن كلب حسبي... وفي المقتل لابي مخنف: إن تنكروني فأنا ابن الكلب * عبل الذراعين شديد الضرب. (4) في الطبري: ذو مرة وعصب... عند النكب. (*)

[ 197 ]

إني زعيم لك أم وهب * بالطعن فيهم مقدما والضرب * ضرب غلام مؤمن بالرب * فأخذت أم وهب عمودا ثم أقبلت نحو زوجها تقول له: فداؤك أبي وأمي، قاتل دون الطبين، ذرية محمد عليه السلام، فأقبل إليها يردها نحو النساء فأقبلت تجاذبه ثوبه، قالت: دعني أكون معك، فناداها الحسين: انصرفي إلى النساء فاجلسي معهن فإنه ليس على النساء قتال، فانصرفت إليهن. قال: وكثرت المبارزة يومئذ بين الفريقين والنصر في ذلك لاصحاب الحسين لقوة بأسهم، وأنهم مستميتون لا عاصم لهم إلا سيوفهم، فأشار بعض الامراء على عمر بن سعد بعدم المبارزة، وحمل عمرو بن الحجاج أمير ميمنة جيش ابن زياد. وجعل يقول: قاتلوا من مرق من الدين وفارق الجماعة (1). فقال له الحسين: ويحك يا حجاج أعلي تحرض الناس ؟ أنحن مرقنا من الدين وأنت تقيم عليه ؟ ستعلمون إذا فارقت أرواحنا أجسادنا من أولى بصلي النار. وقد قتل في هذه الحملة مسلم بن عوسجة (2)، وكان أول من قتل من أصحاب الحسين فمشى إليه الحسين فترحم عليه، وهو على آخر رمق، وقال له حبيب بن مطهر: ابشر بالجنة، فقال له بصوت ضعيف: بشرك الله بالخير، ثم قال له حبيب: لولا أني أعلم أني على أثرك لاحقك لكنت أقضي ما توصي به، فقال له مسلم بن عوسجة: أوصيك بهذا - وأشار إلى الحسين - إلى أن تموت دونه. قالوا: ثم حمل شمر بن ذي الجوشن بالميسرة وقصدوا نحو الحسين فدافعت عنه الفرسان من أصحابه دفاعا عظيما، وكافحوا دونه مكافحة بليغة، فأرسلوا يطلبون من عمر بن سعد طائفة من الرماة الرجالة، فبعث إليهم نحوا من خمسمائة، فجعلوا يرمون خيول أصحاب الحسين فعقروها كلها حتى بقي جميعهم رجالة، ولما عقروا جواد الحر بن يزيد نزل عنه وفي يده السيف كأنه ليث وهو يقول: إن تعقروا بي فأنا ابن الحر (3) * أشجع من ذي لبد هزبر ويقال إن عمر بن سعد أمر بتقويض تلك الابنية التي تمنع من القتال من أتى ناحيتها، فجعل أصحاب الحسين يقتلون من يتعاطى ذلك، فأمر بتحريقها فقال الحسين: دعوهم يحرقونها فإنهم لا يستطيعون أن يجوزوا منها وقد أحرقت وجاء شمر بن ذي الجوشن قبحه الله إلى فسطاط الحسين فطعنه برمحه - يعني الفسطاط - وقال: إيتوني بالنار لاحرقه على من فيه، فصاحت النسوة


(1) في الطبري والكامل: الامام. (2) قتله: مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي. (3) في ابن الاعثم: إن تنكروني فأنا ابن الحر. وفي المقتل: إن تعقروا مهري فإني الحر. (*)

[ 198 ]

وخرجن منه، فقال له الحسين: أحرقك الله بالنار. وجاء شبيث (1) بن ربعي إلى شمر قبحه الله فقال له: ما رأيت أقبح من قولك ولا من فعلك وموقفك هذا، أتريد أن ترعب النساء ؟ فاستحيى وهم بالرجوع وقال حميد بن مسلم: قلت لشمر سبحان الله ! ! إن هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين ؟ تعذب بعذاب الله وتقتل الولدان والنساء ؟ والله إن في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك. قال فقال لي: من أنت ؟ قلت: لا أخبرك من أنا - وخشيت أني إن أخبرته فعرفني أن يسوءني عند السلطان - وشهد زهير بن القين في رجال (2) من أصحاب الحسين على شمر بن ذي الجوشن فأزالوه عن موقفه، وقتلوا أبا عزة الضبابي - وكان من أصحاب شمر - وكان الرجل من أصحاب الحسين إذا قتل بان فيهم الخلل، وإذا قتل من أصحاب ابن زياد الجماعة الكثيرة لم يتبين ذلك فيهم لكثرتهم، ودخل عليهم وقت الظهر فقال الحسين: مروهم فليكفوا عن القتال حتى نصلي، فقال رجل من أهل الكوفة: إنها لا تقبل منكم، فقال له حبيب بن مطهر: ويحك ! ! أتقبل منكم ولا تقبل من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وقاتل حبيب قتالا شديدا حتى قتل رجلا يقال له بديل بن صريم من بني عقفان وجعل يقول: أنا حبيب وأبي مطهر * فارس هيجاء وحرب مسعر (3) أنتم أوفر عدة وأكثر (4) * ونحن أوفى منكم وأصبر ونحن أعلى حجة وأظهر * حقا وأبقى منكم وأطهر (5) ثم حمل على حبيب هذا رجل من بني تميم فطعنه فوقع، ثم ذهب ليقوم فضربه الحصين بن ؟ ؟ ير على رأسه بالسيف فوقع، ونزل إليه التميمي فاحتز رأسه وحمله إلى ابن زياد، فرأى ابن حبيب رأس أبيه فعرفه فقال لحامله: اعطني رأس أبي حتى أدفنه، ثم بكى. قال: فمكث الغلام إلى أن بلغ أشده ثم لم تكن له همة إلا قتل قاتل أبيه، قال: فلما كان زمن مصعب بن عمير دخل الغلام عسكر مصعب (6) فإذا قاتل أبيه في فسطاطه، فدخل عليه وهو قائل فضربه بسيفه حتى برد. وقال أبو مخنف: حدثني محمد بن قيس قال: لما قتل حبيب بن مطهر هد ذلك الحسين،


(1) كذا بالاصل، وفي المراجع شبث. (2) في الطبري 6 / 251: في عشرة من أصحابه. (3) في الطبري: مظاهر بدل مطهر، وتسعر بدل مسعر. وفي المقتل: وليث قسور. (4) في الطبري: أعد عدة وأكثر. (5) في الطبري: حقا وأتقى منكم واعذر. (6) وكان ذلك عندما غزا مصعب باجميرا واسم ابن حبيب القاسم بن حبيب. (*)

[ 199 ]

وقال عند ذلك: أحتسب نفسي، وأخذ الحر يرتجز ويقول للحسين: آليت لا تقتل حتى أقتلا * ولن أصاب اليوم إلا مقبلا أضربهم بالسيف ضربا مقصلا * لانا كلا عنهم ولا مهملا (1) ثم قاتل هو وزهير بن القين قتالا شديدا فكان إذا شد أحدهما حتى استلحم شد الآخر حتى يخلصه، فعلا ذلك ساعة، ثم إن رجالا شدوا على الحر بن يزيد فقتلوه، وقتل أبو ثمامة الصائدي ابن عم له كان عدوا له، ثم صلى الحسين بأصحابه الظهر صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعدها قتالا شديدا ودافع عن الحسين صناديد أصحابه، وقاتل زهير بن القين بين يدي الحسين قتالا شديدا، ورمى بعض أصحابه بالنبل حتى سقط بين يدي الحسين وجعل زهير يرتجز ويقول: أنا زهير وأنا ابن القين * أذودكم بالسيف عن الحسين قال: وأخذ يضرب على منكب الحسين ويقول: أقدم هديت هاديا مهديا * فاليوم تلقى جدك النبيا وحسنا والمرتضى عليا * وذا الجناحين الفتى الكميا * وأسد الله الشهيد الحيا * قال: فشد عليه كثير بن عبد الله الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه. قال: وكان من أصحاب الحسين نافع (2) بن هلال الجملي، وكان قد كتب على فوق نبله فجعل يرمي بها مسمومة وهو يقول: أرمي بها معلما أفواقها * والنفس لا ينفعها شقاقها (3) أنا الجملى أنا على دين علي (4) فقتل اثني عشر من أصحاب عمر بن سعد، سوى من جرح، ثم ضرب حتى كسرت عضداه، ثم أسروه فأتوا به عمر بن سعد فقال له: ويحك يا نافع، ما حملك على ما صنعت


(1) في الطبري: مهللا. (2) كذا بالاصل والطبري والكامل، وفي ابن الاعثم هلال بن رافع البجلي (5 / 200). (3) في ابن الاعثم: معلمة... أسواقها. وبعده: مسمومة تجري لها أحقابها * لتملان أرضها رشاقها (4) في ابن الاعثم: أنا الغلام التميمي البجلي * ديني على دين حسين بن علي إن أقتل اليوم وهذا عملي * وذاك رأيي أو ألاقي أملي (*)

[ 200 ]

بنفسك ؟ فقال: إن ربي يعلم ما أردت، والدماء تسيل عليه وعلى لحيته، ثم قال: والله لقد قتلت من جندكم اثني عشر سوى من جرحت، وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيت لي عضد وساعد ما أسرتموني. فقال شمر لعمر: اقتله، قال: أنت جئت به، فإن شئت اقتله. فقام شمر فأنضى سيفه فقال له نافع: أما والله يا شمر لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه. ثم قتله، ثم أقبل شمر فحمل على أصحاب الحسين وتكاثر معه الناس حتى كادوا أن يصلوا إلى الحسين، فلما رأى الحسين أنهم قد كثروا عليهم، وأنهم لا يقدرون على أن يمنعوا الحسين ولا أنفسهم، تنافسوا أن يقتلوا بين يديه، فجاء عبد الرحمن وعبد الله ابنا عزرة (1) الغفاري، فقالا: أبا عبد الله عليك السلام، حازنا العدو إليك فأحببنا أن نقتل بين يديك وندفع عنك. فقال: مرحبا بكما، ادنوا مني، فدنوا منه فجعلا يقاتلان قريبا منه وهما يقولان: قد علمت حقا بنو غفار * وخندف بعد بني نزار لنضربن معشر الفجار * بكل عضب قاطع بتار يا قوم ذودوا عن بني الاخيار (2) * بالمشرفي والقنا الخطار ثم أتاه أصحابه مثنى وفرادى يقاتلون بين يديه وهو يدعو لهم ويقول: جزاكم الله أحسن جزاء المتقين، فجعلوا يسلمون على الحسين ويقاتلون حتى يقتلوا، ثم جاء عابس بن أبي شبيب فقال: يا أبا عبد الله ! أما والله ما أمسى على ظهر الارض قريب ولا بعيد أعز علي منك، ولو قدرت أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشئ أعز علي من نفسي ودمي لفعلته، السلام عليك يا أبا عبد الله،: اشهد لي أني على هديك. ثم مشى بسيفه صلتا وبه ضربة على جبينه - وكان أشجع الناس - فنادى: ألا رجل لرجل ؟ ألا ابرزوا إلي. فعرفواه فنكلوا عنه، ثم قال عمر بن سعد: ارضخوه بالحجارة، فرمي بالحجارة من كل جانب، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره، ثم شد على الناس، والله لقد رأيته يكرد أكثر من مائتين من الناس بين يديه، ثم إنهم عطفوا عليه من كل جانب فقتل رحمه الله، فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدد، كل يدعي قتله، فأتوا به عمر بن سعد فقال لهم: لا تختصموا فيه، فإنه لم يقتله إنسان واحد، ففرق بينهم بهذا القول. ثم قاتل أصحاب الحسين بين يديه حتى تفانوا ولم يبق معه أحد إلا سويد بن عمرو بن أبي مطاع الخثعمي (3)، وكان أول قتيل قتل من أهل الحسين من بني أبي طالب علي الاكبر بن


(1) في الكامل 4 / 72: عزودة. وفي ابن الاعثم 5 / 194: قرة بن أبي قرة الغفاري وفي نور العين: مرة بن مرة. (2) في الطبري: الاحرار. و. (3) زيد في الطبري 6 / 255: وبشير بن عمرو الحضرمي. وفي الكامل 4 / 73: الضحاك بن عبد الله المشرفي. (*)

[ 201 ]

الحسين بن علي، وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، طعنه مرة بن منقذ بن النعمان العبدي فقتله، لانه جعل يقي أباه، وجعل يقصد أباه، فقال علي بن الحسين: أنا علي بن الحسين بن علي * نحن وبيت (1) الله أولى بالنبي تالله لا يحكم فينا ابن الدعي * كيف ترون اليوم ستري عن أبي (2) فلما طعنه مرة احتوشته الرجال فقطعوه بأسيافهم، فقال الحسين: قتل الله قوما قتلوك يا بني ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك محارمه ؟ ! فعلى الدنيا بعدك العفاء. قال: وخرجت جارية كأنها الشمس حسنا فقالت: يا أخياه ويا بن أخاه، فإذا هي زينب بنت علي من فاطمة، فأكبت عليه وهو صريع. قال: فجاء الحسين فأخذ بيدها فأدخلها الفسطاط، وأمر به الحسين فحول من هناك إلى بين يديه عند فسطاطه، ثم قتل (3) عبد الله بن مسلم بن عقيل. ثم قتل عون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر، ثم قتل عبد الرحمن وجعفر ابنا عقيل بن أبي طالب، ثم قتل القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب. قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج الكندي أن يزيد بن زياد، وكان راميا، وهو أبو الشعثاء الكناني (4) من بني بهدلة. جثى على ركبتيه بين يدي الحسين فرمى بمائة سهم ما سقط منها على الارض خمسة أسهم، فلما فرغ من الرمي قال: قد تبين لي أني قتلت خمسة نفر: أنا يزيد وأنا المهاجر * أشجع من ليث قوي حادر (5) برب إني للحسين ناصر * ولابن سعد تارك وهاجر


= وقالا: جاء إلى الحسين وقال: فإذا لم أر مقاتلا فأنا في حل من الانصراف ؟ فقال له الحسين: صدقت... قال: فاستويت على فرسي وحملت على عرض القوم... وسلمت. (1) في الطبري 6 / 256 والكامل 4 / 74 نحن ورب البيت. (2) سقط الشطر من الطبري والكامل ومروج الذهب، وفي ابن الاعثم 5 / 209: والله لا يحكم فينا ابن الدعي * أطعنكم بالرمح حتى ينثني أضربكم بالسيف أحمي عن أبي * ضرب غلام علوي قرشي (3) وقال ابن الاعثم: أن أول من خرج من ولد الحسين وإخوانه: عبد الله بن مسلم بن عقيل ثم جعفر بن عقيل ثم أخوه عبد الرحمن بن عقيل ثم محمد بن عبد الله بن جعفر ثم عون بن عبد الله بن جعفر ثم عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب. ثم تقدم أبو بكر بن علي - أخو الحسين - وامه ليلى بنت مسعود بن خالد الربعي التميمية ثم أخوه عمر بن علي - وأمه الصهباء بنت ربيعة بن بجير التغلبية (جمهرة أنساب العرب ص 33) ثم عثمان بن علي، ثم جعفر بن أبي طالب ثم العباس بن علي ثم تقدم من بعده علي بن الحسين. (الفتوح 5 / 202 وما بعدها). (4) في الطبري 6 / 232 و 255 والكامل 4 / 73: الكندي. (5) في الطبري:... وأبي المهاصر أشجع من ليث بغيل خادر. (*)

[ 202 ]

قالوا: ومكث الحسين نهارا طويلا وحده لا يأتي أحد إليه إلا رجع عنه، لا يحب أن يلي قتله، حتى جاءه رجل من بني بداء، يقال له مالك بن البشير (1)، فضرب الحسين على رأسه بالسيف فأدمى رأسه، وكان على الحسين برنس فقطعه وجرح رأسه فامتلا البرنس دما، فقال له الحسين: لا أكلت بها ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين. ثم ألقى الحسين ذلك البرنس ودعا بعمامة فلبسها. وقال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد عن حميد. قال: خرج إلينا غلام كأن وجهه فلقة قمر في يده السيف وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما، ما أنسى أنها اليسرى، فقال لنا عمر (2) بن سعد بن نفيل الازدي: والله لاشدن عليه. فقلت له: سبحان الله ! ! وما تريد إلى ذلك ؟ يكفيك. قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم. فقال: والله لاشدن عليه، فشد عليه عمر بن سعد أمير الجيش (3)، فضربه وصاح الغلام: يا عماه، قال: فشد الحسين على عمر بن سعد شدة ليث أعضب، فضرب عمر بالسيف فاتقاه بالساعد فأطنها من لدن المرفق فصاح ثم تنحى عنه، وحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمر من الحسين، فاستقبلت عمر بصدورها وحركت حوافرها، وجالت فرسانها عليه، ثم انجلت الغبرة فإذا بالحسين قائم على رأس الغلام، والغلام يفحص برجله والحسين يقول: بعدا لقوم قتلوك، ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك. ثم قال: عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثم لا ينفعك، صوت والله كثر واتره وقل ناصره. ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الارض، وقد وضع الحسين صدره على صدره، ثم جاء به حتى ألقاه مع ابنه علي الاكبر ومع من قتل من أهل بيته، فسألت عن الغلام فقيل لي هو القاسم بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وقال هانئ بن ثبيت الحضرمي: إني لواقف يوم مقتل الحسين عاشر عشرة ليس منا رجل إلا على فرس، إذ خرج غلام من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الابنية، وعليه إزار وقميص، وهو مذعور يلتفت يمينا وشمالا، فكأني أنظر إلى درتين في أذنيه تذبذبان كلما التفت، إذ أقبل رجل يركض فرسه حتى إذا دنا من الغلام مال عن فرسه ثم أخذ الغلام فقطعه بالسيف. قال هشام السكوني: هانئ بن ثبيت هو الذي قتل الغلام، خاف أن يعاب ذلك عليه فكنى عن نفسه. قال: ثم إن الحسين أعيا فقعد على باب فسطاطه وأتي بصبي صغير من أولاده اسمه


(1) في الطبري والكامل النسير وهو رجل من كندة. (2) في الطبري والكامل: عمرو بن سعد، وهو غير عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش. (3) في الطبري والكامل أن الذي شد على القاسم عمرو بن سعد بن نفيل، وليس عمر بن سعد أمير الجيش كما ورد في سياق رواية ابن كثير في مقتل القاسم. (*)

[ 203 ]

عبد الله (1)، فأجلسه في حجره، ثم جعل يقبله ويشمه ويودعه ويوصي أهله، فرماه رجل من بني أسد يقال له " ابن موقد النار " بسهم فذبح ذلك الغلام، فتلقى حسين دمه في يده وألقاه نحو السماء وقال: رب إن تك قد حبست عنا النصر من السماء فاجعله لما هو خير، وانتقم لنا من الظالمين. ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بسهم فقتله أيضا، ثم قتل عبد الله والعباس وعثمان وجعفر ومحمد بنو علي بن أبي طالب، إخوة الحسين. وقد اشتد عطش الحسين فحاول أن يصل إلى أن يشرب من ماء الفرات فما قدر، بل مانعوه عنه، فخلص إلى شربة منه، فرماه رجل يقال له حصين بن تميم بسهم في حنكه (2) فأثبته، فانتزعه الحسين من حنكه ففار الدم فتلقاه بيديه ثم رفعهما إلى السماء وهما مملوءتان دما، ثم رمى به إلى السماء وقال: اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا، ولا تذر على الارض منهم أحدا. ودعا عليهم دعاء بليغا. قال: فوالله إن مكث الرجل الرامي له إلا يسيرا حتى صب الله عليه الظمأ، فجعل لا يروى ويسقى الماء مبردا، وتارة يبرد له اللبن والماء جميعا، ويسقى فلا يروى، بل يقول: ويلكم اسقوني قتلني الظمأ. قال: فوالله ما لبث إلا يسيرا حتى انفد بطنه انفداد (3) بطن البعير. ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نحو من عشرة من رجالة الكوفة قبل منزل الحسين الذي فيه ثقله وعياله، فمشى نحوهم فحالوا بينه وبين رحله، فقال لهم الحسين: ويلكم ! ! إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا في دنياكم أحرارا وذوي أحساب، امنعوا رحلي وأهلي من طغاتكم (4) وجهالكم، فقال ابن ذي الجوشن ذلك لك يا بن فاطمة، ثم أحاطوا به فجعل شمر يحرضهم على قتله، فقال له أبو الجنوب: وما يمنعك أنت من قتله ؟ فقال له شمر: ألي تقول ذا ؟ فقال أبو الجنوب: ألي تقول ذا ؟ فاستبا ساعة، فقال له أبو الجنوب - وكان شجاعا -: والله لقد هممت أن أخضخض هذا السنان في عينك، فانصرف عنه شمر. ثم جاء شمر ومعه جماعة من الشجعان حتى أحاطوا بالحسين وهو عند فسطاطه ولم يبق معه أحد يحول بينهم وبينه، فجاء غلام يشتد من الخيام كأنه البدر، وفي أذنيه درتان، فخرجت زينب بنت علي لترده فامتنع عليها، وجاء يحاجف عن عمه فضربه رجل (5) منهم بالسيف فاتقاه بيده فأطنها سوى جلده، فقال: يا أبتاه، فقال له الحسين: يا بني احتسب أجرك عند الله، فإنك تلحق بآبائك الصالحين. ثم حمل على الحسين الرجال من كل جانب وهو يجول فيهم بالسيف يمينا


(1) في ابن الاعثم: علي في الرضاع. (2) في الطبري: في فمه، وفي الكامل 4 / 76 رماه حصين بن نمير، وقيل أن الذي رماه رجل من بني أبان بن دارم، وفي ابن الاعثم 5 / 215 أن الذي رماه أبو الجنوب وأصابه في جبهته. (3) في الطبري والكامل: انقدت بطنه انقداد. (4) في الطبري: طغامكم. (5) وهو: بحر بن كعب بن عبيد الله من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة (أنظر الطبري - الكامل). (*)

[ 204 ]

وشمالا، فيتنافرون عنه كتنافر المعزى عن السبع (1)، وخرجت أخته زينب بنت فاطمة إليه فجعلت تقول: ليت السماء تقع على الارض، وجاءت عمر بن سعد فقالت: يا عمر أرضيت أن يقتل أبو عبد الله وأنت تنظر ؟ فتحادرت الدموع على لحيته وصرف وجهه عنها، ثم جعل لا يقدم أحد على قتله، حتى نادى شمر بن ذي الجوشن: ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل ؟ فاقتلوه ثكلتكم أمهاتكم. فحملت الرجال من كل جانب على الحسين وضربه زرعة بن شريك التميمي على كتفه اليسرى، وضرب على عاتقه، ثم انصرفوا عنه وهو ينوء ويكبو، ثم جاء إليه سنان بن أبي عمرو بن أنس النخعي (2) فطعنه بالرمح فوقع، ثم نزل فذبحه، وحز رأسه (2)، ثم دفع رأسه إلى خولى بن يزيد. وقيل: إن الذي قتله شمر بن ذي الجوشن، وقيل رجل من مذحج، وقيل عمر بن سعد بن أبي وقاص، وليس بشئ، وإنما كان عمر أمير السرية التي قتلت الحسين فقط. والاول أشهر. وقال عبد الله بن عمار: رأيت الحسين حين اجتمعوا عليه يحمل على من على يمينه حتى انذغروا عنه، فوالله ما رأيت مكثورا قط قد قتل أولاده وأصحابه أربط جأشا منه ولا أمضى جنانا منه، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله. وقال: ودنا عمر بن سعد من الحسين فقالت له زينب: يا عمر أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر ؟ فبكى وصرف وجهه عنها. وقال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير عن حميد بن مسلم قال: جعل الحسين يشد على الرجال وهو يقول: أعلى قتلي تحابون (4) ؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله أسخط عليكم بقتله مني، وأيم الله إني أرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم الله لي منكم من حيث لا تشعرون، أما والله لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم، وسفك دماءكم، ثم لا يرضى لكم بذلك حتى يضاعف لكم العذاب الاليم. قال: ولقد مكث طويلا من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكن كان يتقي بعضهم ببعض دمه، ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء مؤنة قتله، حتى نادى شمر بن ذي الجوشن ماذا تنتظرون بقتله ؟ فتقدم إليه زرعة بن شريك التميمي فضربه بالسيف على عاتقه، ثم طعنه سنان بن أنس بن عمرو النخعي بالرمح، ثم نزل فاحتز رأسه ودفعه إلى خولى. وقد روى ابن عساكر في ترجمة شمر بن ذي الجوشن، وذو الجوشن صحابي جليل، قيل اسمه شرحبيل، وقيل عثمان بن نوفل، ويقال ابن أوس بن الاعور العامري الضبابي، بطن من كلاب، ويكنى شمر بأبي السابغة. ثم روى من طريق عمر بن شبة: ثنا أبو


(1) في الطبري والكامل: إذا شد فيها الذئب. (2) في الطبري 6 / 260: سنان بن أنس بن عمرو، وفي ابن الاعثم سنان بن أنس النخعي رماه بسهم في نحره وطعنه صالح بن وهب اليزني في خاصرته فسقط إلى الارض. (3) في ابن الاعثم 5 / 218: احتز رأسه خولى بن يزيد الاصبحي: وفي الطبري والكامل ومروج الذهب فكالاصل. وفي الاخبار الطوال ص 258. احتز رأسه شبل بن يزيد أخو حولي. (4) في الطبري: تحاثون. (*)

[ 205 ]

أحمد حدثني عمي فضيل بن الزبير، عن عبد الرحيم بن ميمون، عن محمد بن عمرو بن حسن. قال: كنا مع الحسين بنهري كربلاء، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن فقال: صدق الله ورسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي " وكان شمر قبحه الله أبرص. وأخذ سنان وغيره سلبه (1)، وتقاسم الناس ما كان من أمواله وحواصله، وما في خبائه حتى ما على النساء من الثياب الطاهرة. وقال أبو مخنف عن جعفر بن محمد. قال: وجدنا بالحسين حين قتل ثلاثة وثلاثين طعنة. وأربعة وثلاثين ضربة، وهم شمر بن ذي الجوشن بقتل علي بن الحسين الاصغر " زين العابدين " وهو صغير مريض حتى صرفه عن ذلك حميد بن مسلم أحد أصحابه. وجاء عمر بن سعد فقال: ألا لا يدخلن على هذه النسوة أحد، ولا يقتل هذا الغلام أحد، ومن أخذ من متاعهم شيئا فليرده عليهم، قال: فوالله ما رد أحد شيئا. فقال له علي بن الحسين: جزيت خيرا فقد دفع الله عني بمقالتك شرا، قالوا: ثم جاء سنان بن أنس إلى باب فسطاط عمر بن سعد فنادى بأعلا صوته: أوقر ركابي فضة وذهبا * أنا قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا فقال عمر بن سعد: أدخلوه علي، فلما دخل رماه بالسوط وقال: ويحك أنت مجنون، والله لو سمعك ابن زياد تقول هذا لضرب عنقك (2). ومن عمر بن سعد على عقبة بن سمعان حين أخبره أنه مولى، فلم ينج منهم غيره. والمرقع بن يمانة (3) أسر فمن عليه ابن زياد، وقتل من أصحاب الحسين اثنان وسبعون نفسا، فدفنهم أهل الغاضرية من بني أسد بعدما قتلوا بيوم واحد، قال: ثم أمر عمر بن سعد أن يوطأ الحسين بالخيل، ولا يصح ذلك والله أعلم. وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون نفسا. وروي عن محمد بن الحنفية أنه قتل: قتل مع الحسين سبعة عشر رجلا كلهم من أولاد فاطمة، وعن الحسن البصري أنه قال: قتل مع الحسين ستة عشر رجلا كلهم من أهل بيته، ما على وجه الارض يومئذ لهم شبه. وقال غيره: قتل معه من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلا، فمن أولاد علي رضي الله عنه جعفر، والحسين،


(1) في الكامل 4 / 78 والطبري 6 / 260: أخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم، وفي ابن الاعثم 5 / 219: أخذ سيفه رجل من بني تميم يقال له الاسود بن حنظلة. وأخذ نعليه الاسود الاودي وأخذ سراويله بحر بن كعب (الطبري - الكامل) وفي ابن الاعثم أخذ سراويله يحيى بن عمرو الحرمي، وأخذ عمامته جابر بن زيد الازدي، ودرعه مالك بن بشر الكندي. (2) في تهذيب ابن عساكر 3 / 342 ومروج الذهب 3 / 75 وسمط النجوم العوالي 3 / 76: أنشدها بين يدي ابن زياد، وفي ابن الاعثم 5 / 221 أنشدها بشر بن مالك بين يدي ابن زياد، فقدمه وضرب عنقه. (3) في الطبري والاخبار الطوال ص 259 والكامل: المرقع بن ثمامة الاسدي. (*)

[ 206 ]

والعباس، ومحمد، وعثمان، وأبو بكر. ومن أولاد الحسين علي الاكبر وعبد الله. ومن أولاد أخيه الحسن ثلاثة، عبد الله، والقاسم، وأبو بكر بنو الحسن بن علي بن أبي طالب. ومن أولاد عبد الله بن جعفر اثنان، عون ومحمد. ومن أولاد عقيل، جعفر، وعبد الله وعبد الرحمن، ومسلم قتل قبل ذلك كما قدمنا. فهؤلاء أربعة لصلبه، واثنان آخران هما عبد الله بن مسلم بن عقيل ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل، فكملوا ستة من ولد عقيل، وفيهم يقول الشاعر (1): واندبي تسعة لصلب علي * قد أصيبوا وستة لعقيل (2) وسمي النبي غودر فيهم * قد علوه بصارم مصقول وممن قتل مع الحسين بكربلاء أخوه من الرضاعة عبد الله بن بقطر، وقد قيل إنه قتل قبل ذلك حيث بعث معه كتابا إلى أهل الكوفة فحمل إلى ابن زياد فقتله. وقتل من أهل الكوفة من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلا سوى الجرحى، فصلى عليهم عمر بن سعد ودفنهم. ويقال إن عمر بن سعد أمر عشرة فرسان فداسوا الحسين بحوافر خيولهم حتى ألصقوه بالارض يوم المعركة، وأمر برأسه أن يحمل من يومه إلى ابن زياد مع خولى بن يزيد الاصبحي، فلما انتهى به إلى القصر وجده مغلقا فرجع به إلى منزله فوضعه تحت إجانة وقال لامرأته نوار بنت مالك: جئتك بعز الدهر، فقالت: وما هو ؟ فقال: برأس الحسين. فقالت: جاء الناس بالذهب والفضة، وجئت أنت برأس ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله لا يجمعني وإياك فراش أبدا، ثم نهضت عنه من الفراش، واستدعى بامرأة له أخرى من بني أسد فنامت عنده قالت المرأة الثانية الاسدية: والله ما زلت أرى النور ساطعا من تلك الاجانة إلى السماء، وطيورا بيضا ترفرف حولها، فلما أصبح غدا به إلى ابن زياد فأحضره بين يديه، ويقال إنه كان معه رؤوس بقية أصحابه، وهو المشهور. ومجموعهما اثنان وسبعون رأسا، وذلك أنه ما قتل قتيل إلا احتزوا رأسه وحملوه إلى ابن زياد، ثم بعث بها ابن زياد إلى يزيد بن معاوية إلى الشام. قال الامام أحمد: حدثنا حسين، ثنا جرير، عن محمد، عن أنس. قال: أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين فجعل في طست فجعل ينكت عليه وقال في حسنه شيئا، فقال أنس: إنه كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مخضوبا بالوشمة (3). ورواه البخاري في المناقب عن محمد بن الحسن بن إبراهيم - هو ابن إشكاب - عن حسين بن محمد، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أنس فذكره. وقد رواه الترمذي من حديث حفصة بنت سيرين عن أنس. وقال:


(1) في مروج الذهب 3 / 77 مسلم بن قتيبة مولى بني هاشم - الابيات من الخفيف. (2) في مروج الذهب: وخمسة لعقيل. (3) أخرجه الترمذي في المناقب، (31) باب. ح‍ 3778 ص 5 / 659 وأخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة (22) باب. ح‍ (3748) فتح الباري (7 / 94). (*)

[ 207 ]

حسن صحيح. وفيه " فجعل ينكت بقضيب في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسنا ". وقال البزار: حدثنا مفرج بن شجاع بن عبيد الله الموصلي ثنا غسان بن الربيع ثنا يونس بن عبيدة عن ثابت وحميد عن أنس. قال: لما أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه ويقول: لقد كان - أحسبه قال جميلا - فقلت: والله لاسوءنك " إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثم حيث يقع قضيبك ". قال فانقبض. تفرد به البزار من هذا الوجه وقال: لا نعلم رواه عن حميد غير يونس بن عبدة وهو رجل من أهل البصرة مشهور وليس به بأس. ورواه أبو يعلى الموصلي، عن إبراهيم بن الحجاج، عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أنس فذكره. ورواه قرة بن خالد عن الحسن عن أنس فذكره. وقال أبو مخنف عن سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم. قال: دعاني عمر بن سعد فسرحني إلى أهله لابشرهم بما فتح الله عليه وبعافيته، فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وقد دخل عليه الوفد الذين قدموا عليه، فدخلت فيمن دخل. فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت فيه بقضيب بين ثناياه ساعة، فقال له زيد بن أرقم: ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الثنيتين يقبلهما " ثم انفضخ الشيخ يبكي، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينك، فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك، قال: فنهض فخرج، فلما خرج قال الناس: والله لقد قال زيد بن أرقم كلاما لو سمعه ابن زياد لقتله، قال: فقلت ما قال ؟ قالوا: مر بنا وهو يقول: ملك عبد عبيدا * فاتخذهم تليد أنت يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فبعدا لمن رضي بالذل. وقد روي من طريق أبي داود باسناده عن زيد بن أرقم بنحوه. ورواه الطبراني من طريق ثابت عن زيد. وقد قال الترمذي: حدثنا واصل بن عبد الاعلى، ثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن عمارة بن عمير. قال: لما جئ برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه فنصبت في المسجد في الرحبة فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت قد جاءت، فإذا حية قد جاءت تتخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد، فمكثت هنيهة ثم خرجت، فذهبت حتى تغيب ثم قالوا: قد جاءت قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا. ثم قال الترمذي: حسن صحيح (1). وأمر ابن زياد فنودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصعد المنبر فذكر ما فتح الله عليه من


(1) أخرجه الترمذي في المناقب - (31) باب ح‍ (3780) ص (5 / 660). (*)

[ 208 ]

قتل الحسين الذي أراد أن يسلبهم الملك ويفرق الكلمة عليهم، فقام إليه عبد الله بن عفيف الازدي، فقال: ويحك يا بن زياد ! ! تقتلون أولاد النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين ! فأمر به ابن زياد فقتل وصلب. ثم أمر برأس الحسين فنصب بالكوفة وطيف به في أزقتها، ثم سيره مع زحر بن قيس ومعه رؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية بالشام، وكان من زحر جماعة من الفرسان، منهم أبو بردة بن عوف الازدي: وطارق بن أبي ظيبان الازدي، فخرجوا حتى قدموا بالرؤوس كلها على يزيد بن معاوية. قال هشام: فحدثني عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي، عن أبيه، عن الغاز بن ربيعة الجرشي من حمير. قال: والله إني لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس فدخل على يزيد، فقال له يزيد: ويحك ما وراءك ؟ فقال أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله عليك ونصره، ورد علينا الحسين بن علي بن أبي طالب وثمانية عشر من أهل بيته، وستون رجلا من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الامير عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال، فغدونا إليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى أخذت السيوف مأخذها من هام القوم، فجعلوا يهربون إلى غير مهرب ولا وزر، ويلوذون منا بالآكام والحفر، لواذا كما لاذ الحمام من صقر، فوالله ما كانوا إلا جزر جزور، أو نومة قائل، حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مزملة، وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس وتسفي عليهم الريح، وازرهم (1) العقبان والرخم. قال: فدمعت عينا يزيد بن معاوية وقال: كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمية، أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه، ورحم الله الحسين. ولم يصل الذي جاء برأسه بشئ. ولما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد قال: أما والله لو أني صاحبك ما قتلتك، ثم أنشد قول الحسين بن الحمام المري الشاعر: يفلقن هاما من رجال أعزة (2) * علينا وهم كانوا أعق وأظلما قال أبو مخنف: فحدثني أبو جعفر العبسي قال: وقام يحيى بن الحكم (3) - أخو مروان بن الحكم - فقال:


(1) في الطبري 6 / 264 والكامل 4 / 84 زوارهم، والعقبان: عتاق الطير وسباعه التي لا تصيد الخشاش، والرخم: نوع من الطير موصوف بالغدر. (2) في مروج الذهب 3 / 75: نفلق هاما من رجال أحبة. وفي الاخبار الطوال ص 261: نفلق وفي سمط النجوم العوالي: تفلقن. وقبله في ابن الاثير 4 / 85 وسمط النجوم 3 / 73 وهما للحصين: أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت * قواضب في أيماننا تقطر الدما (3) في ابن الاعثم 5 / 238. عبد الله بن الحكم، وفي سمط النجوم 3 / 78: عبد الرحمن بن الحكم. (*)

[ 209 ]

لهام بجنب الطف أدنى قرابة * من ابن زياد العبد في الحسب الوغل سمية أضحى (1) نسلها عدد الحصى * وليس لآل المصطفى اليوم من نسل قال: فضرب يزيد في صدر يحيى بن الحكم وقال له: اسكت، وقال محمد بن حميد الرازي - وهو شيعي -: ثنا محمد بن يحيى الاحمري ثنا ليث عن مجاهد قال، لما جئ برأس الحسين فوضع بين يدي يزيد تمثل بهذه الابيات: ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج في وقع الاسل فأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا لي هنيا لا تسل حين حكت بفناء بركها * واستحر القتل في عبد الاسل قد قتلنا الضعف من أشرافكم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل (2) قال مجاهد: نافق فيها، والله ثم والله ما بقي في جيشه أحد إلا تركه أي ذمه وعابه. وقد اختلف العلماء بعدها في رأس الحسين هل سيره ابن زياد إلى الشام إلى يزيد أم لا، على قولين، الاظهر منهما أنه سيره إليه، وقد ورد في ذلك آثار كثيرة فالله أعلم. وقال أبو مخنف عن أبي حمزة الثمالي عن عبد الله اليماني (3) عن القاسم بن بخيت، قال: لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينكت بقضيب كان في يده في ثغره، ثم قال: إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام المري: يفلقن هاما من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما فقال له أبو برزة الاسلمي (4): أما والله لقد أخذ قضيبك هذا مأخذا لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشفه، ثم قال: ألا إن هذا سيجئ يوم القيامة وشفيعه محمد، وتجئ وشفيعك ابن زياد. ثم قال فولى. وقد رواه ابن أبي الدنيا، عن أبي الوليد، عن خالد بن يزيد بن أسد، عن عمار الدهني عن جعفر. قال: لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد وعنده أبو برزة وجعل ينكت بالقضيب فقال له: " ارفع قضيبك فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثمه ". قال ابن أبي


(1) في الطبري: أمسى. (2) في هامش المطبوعة: لا يتصور أن يكون يزيد قد تمثل بهذه الابيات هذه الايام، فإن المؤرخين قاطبة ذكروا أنه تمثل بها لما جاءه خبر وقعة الحرة بالمدينة الشريفة، وقتل الانصار، ووقعة الحرة بعد هذه كما ستراه. وأيضا فإن قضية الحسين رضي الله عنه لم يكن حاضرها أحد من الخزرج، بعلم ذلك من الالمام بالاخبار وأيام الناس والله أعلم. (قلت: والابيات لعبد الله بن الزبعري). (3) في الطبري: الثمالي. (4) واسمه نضلة بن عبيد (تهذيب التهذيب 10 / 446). (*)

[ 210 ]

الدنيا: وحدثني مسلمة بن شبيب عن الحميدي عن سفيان سمعت سالم بن أبي حفصة قال قال الحسن: لما جئ برأس الحسين جعل يزيد يطعن بالقضيب، قال سفيان وأخبرت أن الحصين كان ينشد على إثر هذا: سمية أمسى نسلها عدد الحصى * وبت رسول الله ليس لها نسل واما بقية أهله ونسائه فإن عمر بن سعد وكل بهم من يحرسهم ويكلؤهم، ثم أركبوهم على الرواحل في الهوادج، فلما مروا بمكان المعركة ورأوا الحسين وأصحابه مطرحين هنالك بكته النساء، وصرخن، وندبت زينب أخاها الحسين وأهلها، فقالت وهي تبكي: يا محمداه، يا محمداه * صلى عليك الله * وملك السماه * هذا حسين بالعراه * مزمل بالدماه، مقطع الاعضاء يا محمداه * وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة، تسفي عليها الصبا. قال فأبكت والله كل عدو وصديق. قال قرة بن قيس لما مرت النسوة بالقتلى صحن ولطمن خدودهن، قال: فما رأيت من منظر من نسوة قط أحسن منظر رأيته منهن ذلك اليوم، والله إنهن لاحسن من مهابيرين. وذكر الحديث كما تقدم. ثم قال: ثم ساروا بهم من كربلاء حتى دخلوا الكوفة فأكرمهم ابن زياد وأجرى عليهم النفقات والكساوى وغيرها، قال: ودخلت زينب ابنة فاطمة في أرذل ثيابها قد تنكرت وحفت بها إماؤها، فلما دخلت على عبيد الله بن زياد قال: من هذه ؟ فلم تكلمه، فقال بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة، فقال: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وكذب أحدوثتكم. فقالت: بل الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا لا كما تقول، وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر. قال: كيف رأيت صنع الله بأهل بيتكم ؟ فقالت: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فيحاجونك إلى الله. فغضب ابن زياد واستشاط، فقال له عمرو بن حريث: أصلح الله الامير ! إنما هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشئ من منطقها ؟ إنها لا تؤاخذ بما تقول ولا تلام على خطل. وقال أبو مخنف عن المجالد بن سعيد: إن ابن زياد لما نظر إلى علي بن الحسين " زين العابدين " قال لشرطي (1): أنظر أأدرك هذا الغلام، فإن كان أدرك فانطلقوا به فاضربوا عنقه ؟ فكشف إزاره عنه فقال: نعم ! فقال: اذهب به فاضرب عنقه، فقال له علي بن الحسين: إن كان بينك وبين هؤلاء النسوة قرابة فابعث معهن رجلا يحافظ عليهن، فقال له ابن زياد: تعال أنت ! فبعثه معهن. قال أبو مخنف: وأما سليمان بن أبي راشد فحدثني عن حميد بن مسلم قال: إني لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه علي بن الحسين، فقال له ما اسمك ؟ قال: أنا علي بن


(1) في ابن الاعثم 5 / 228 والطبري 6 / 263 وابن الاثير 4 / 82: مري بن معاذ الاحمري. (*)

[ 211 ]

الحسين، قال: أو لم يقتل الله علي بن الحسين ؟ فسكت، فقال له ابن زياد. مالك لا تتكلم ؟ قال: كان لي أخ يقال له علي أيضا قتله الناس. قال: إن الله قتله، فسكت، فقال: مالك لا تتكلم ؟ فقال: * (الله يتوفى الانفس حين موتها) * [ الزمر: 42 ] * (وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله) * [ آل عمران: 145 ] قال: أنت والله منهم، ويحك ! ! انظروا هذا أدرك ؟ والله إني لاحسبه رجلا، فكشف عنه مري بن معاذ الاحمري فقال: نعم قد أدرك، فقال: اقتله، فقال علي بن الحسين: من يوكل بهذه النسوة ؟ وتعلقت به زينب عمته فقالت: يا بن زياد حسبك منا ما فعلت بنا، أما رويت من دمائنا ؟ وهل أبقيت منا أحدا ؟ قال: واعتنقته وقالت: أسألك بالله إن كنت مؤمنا إن قتلته لما قتلني معه، وناداه علي فقال: يا بن زياد ! ! إن كان بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلا تقيا يصحبهن بصحبة الاسلام. قال: فنظر إليهن ساعة ثم نظر إلى القوم فقال: عجبا للرحم ! ! والله إني لاظن أنها ودت لو أني قتلته أن أقتلها معه، دعوا الغلام، انطلق مع نسائك. قال: ثم إن ابن زياد أمر بنساء الحسين وصبيانه وبناته فجهزن إلى يزيد، وأمر بعلي بن الحسين فغل بغل إلى عنقه، وأرسلهم مع محقر بن ثعلبة العائذي (1) - من عائذة قريش - ومع شمر بن ذي الجوشن قبحه الله، فلما بلغوا باب يزيد بن معاوية رفع محقر بن ثعلبة صوته فقال: هذا محقر بن ثعلبة، أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة، فأجابه يزيد بن معاوية: ما ولدت أم محقر شر وألام. فلما دخلت الرؤوس والنساء على يزيد دعا أشراف الشام فأجلسهم حوله، ثم دعا بعلي بن الحسين وصبيان الحسين ونسائه، فأدخلن عليه والناس ينظرون، فقال لعلي بن الحسين: يا علي أبوك قطع رحمي وجهل حقي ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت. فقال علي: * (ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب) * [ الحديد: 22 ] فقال يزيد لابنه خالد: أجبه. قال: فما درى خالد ما يرد عليه، فقال له يزيد: قل: * (ما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) * [ الشورى: 30 ] فسكت عنه ساعة ثم دعا بالنساء والصبيان فرأى هيئة قبيحة، فقال: قبح الله ابن مرجانة، لو كانت بينهم وبينه قرابة ورحم ما فعل هذا بهم، ولا بعث بكم هكذا. وروى أبو مخنف: عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علي قالت: لما أجلسنا بين يدي يزيد رق لنا وأمر لنا بشئ وألطفنا، ثم إن رجلا من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه - يعنيني - وكنت جارية وضيئة، فارتعدت فزعة من قوله، وظننت أن ذلك جائز لهم، فأخذت بثياب أختي زينب - وكانت أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذلك لا يجوز - فقالت لذلك الرجل: كذبت والله ولؤمت، ما ذلك لك وله: فغضب يزيد فقال لها: كذبت !


(1) في الطبري 6 / 264: محفز، وفي الكامل 4 / 84 محفر، وفي الاخبار الطوال ص 260: محقن. (*)

[ 212 ]

والله إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت. قالت: كلا ! والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا. قالت: فغضب يزيد واستطار ثم قال: إياي تستقبلين بهذا ؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، فقالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك. قال: كذبت يا عدوة الله. قالت: أنت أمير المؤمنين مسلط تشتم ظالما وتقهر بسلطانك. قالت: فوالله لكأنه استحى فسكت، ثم قام ذلك الرجل فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه. فقال له يزيد: اعزب وهب الله لك حتفا قاضيا. ثم أمر يزيد النعمان بن بشير أن يبعث معهم إلى المدينة رجلا أمينا معه رجال وخيل، ويكون علي بن الحسين معهن. ثم أنزل النساء عند حريمه في دار الخلافة فاستقبلهن نساء آل معاوية يبكين وينحن على الحسين، ثم أقمن المناحة ثلاثة أيام، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا ومعه علي بن الحسين وأخوه عمر بن الحسين، فقال يزيد يوما لعمر بن الحسين - وكان صغيرا جدا - أتقاتل هذا ؟ - يعني ابنه خالد بن يزيد - يريد بذلك ممازحته وملاعبته، فقال: اعطني سكينا (1) واعطه سكينا حتى نتقاتل، فأخذه يزيد فضمه إليه وقال: شنشنة أعرفها من أخزم (2)، هل تلد الحية إلا حية ؟. ولما ودعهم يزيد قال لعلي بن الحسين: قبح الله ابن سمية، أما والله لو أني صاحب أبيك ما سألني خصلة إلا أعطيته إياها، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت، ثم جهزه وأعطاه مالا كثيرا وكساهم وأوصى بهم ذلك الرسول، وقال له: كاتبني بكل حاجة تكون لك، فكان ذلك الرسول الذي أرسله معهن يسير عنهن بمعزل من الطريق، ويبعد عنهن بحيث يدركهن طرفه وهو في خدمتهم حتى وصلوا المدينة، فقالت فاطمة بنت علي: قلت لاختي زينب: إن هذا الرجل الذي أرسل معنا قد أحسن صحبتنا فهل لك أن نصله ؟ فقالت: والله ما معنا شئ نصله به إلا حلينا، قالت وقلت لها: نعطيه حلينا، قالت: فأخذت سواري ودملجي، وأخذت أختي سوارها ودملجها وبعثنا به إليه واعتذرنا إليه وقلنا: هذا جزاؤك بحسن صحبتك لنا، فقال: لو كان الذي صنعت معكم إنما هو للدنيا كان في هذا الذي أرسلتموه ما يرضيني وزيادة، ولكن والله ما فعلت ذلك إلا لله تعالى ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل إن يزيد لما رأى رأس الحسين قال: أتدرون من أين أتى ابن فاطمة ؟ وما الحامل له على ما فعل، وما الذي أوقعه فيما وقع فيه ؟ قالوا: لا ! قال: يزعم أن أباه خير من أبي، وأمه


(1) في الاخبار الطوال ص 261: سيفا، في الموضعين. (2) الشنشنة: الطبيعة والسجية، وأخزم كان ولدا عاقا لابيه، فمات وترك بنين عقوا جدهم وضربوه وأدموه، فقال: إنما هو شنشنة أعرفها من أخزم، فصار مثلا. وفي ابن الاثير أن الغلام: هو عمرو بن الحسن (4 / 87). وفي مكان آخر ذكره: عمرو بن الحسين وقد استصغر فلم يقتل وأمه أم ولد. (*)

[ 213 ]

فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من أمي، وجده رسول الله خير من جدي، وأنه خير مني وأحق بهذا الامر مني، فأما قوله أبوه خير من أبي فقد حاج أبي أباه إلى الله عزوجل، وعلم الناس أيهما حكم له، وأما قوله أمه خير من أمي فلعمري إن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من أمي، وأما قوله جده رسول الله خير من جدي، فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى أن لرسول الله فينا عدلا ولا ندا، ولكنه إنما أتى من قلة فقهه لم يقرأ * (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء) * الآية [ آل عمران: 26 ]، وقوله تعالى: * (والله يؤتي ملكه من يشاء) * [ البقرة: 247 ]. فلما دخلت النساء على يزيد قالت فاطمة بنت الحسين - وكانت أكبر من سكينة - يا يزيد ! بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا. فقال يزيد: يا بنت أخي، أنا لهذا كنت أكره. قالت: قلت والله ما تركوا لنا خرصا، فقال: ابنة أخي ! ما أتى إليك أعظم مما ذهب لك. ثم أدخلهن داره ثم أرسل إلى كل امرأة منهن ماذا أخذ لك ؟ فليس منهن امرأة تدعي شيئا بالغا ما بلغ إلا أضعفه لها. وقال هشام عن أبي مخنف: حدثني أبو حمزة الثمالي عن عبد الله الثمالي عن القاسم بن بخيت (1). قال: لما أقبل وفد الكوفة برأس الحسين دخلوا به مسجد دمشق فقال لهم مروان بن الحكم: كيف صنعتم ؟ قالوا: ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلا فأتينا والله على آخرهم، وهذه الرؤوس والسبايا، فوثب مروان وانصرف، وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم فقال: ما صنعتم ؟ فقالوا له مثل ما قالوا لاخيه، فقال لهم: حجبتم عن محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، لن أجامعكم على أمر أبدا، ثم قام فانصرف. قال: ولما بلغ أهل المدينة مقتل الحسين بكى عليه نساء بني هاشم ونحن عليه، وروي أن يزيد استشار الناس في أمرهم فقال رجل ممن قبحهم الله: يا أمير المؤمنين لا يتخذن من كلب سوء جروا، اقتل علي بن الحسين حتى لا يبقى من ذرية الحسين أحد، فسكت يزيد فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين اعمل معهم كما كان يعمل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رآهم على هذه الحال. فرق عليهم يزيد وبعث بهم إلى الحمام وأجرى عليهم الكساوى والعطايا والاطعمة، وأنزلهم في داره. وهذا يرد قول الرافضة: إنهم حملوا على جنائب الابل سبايا عرايا، حتى كذب من زعم منهم أن الابل البخاتي إنما نبتت لها الاسنمة من ذلك اليوم لتستر عوراتهن من قبلهن ودبرهن. ثم كتب ابن زياد إلى عمرو بن سعيد أمير الحرمين يبشره بمقتل الحسين، فأمر مناديا (2) فنادى بذلك. فلما سمع نساء بني هاشم ارتفعت أصواتهن بالبكاء والنوح، فجعل عمرو بن سعيد


(1) في نسخ البداية المطبوعة: نجيب تحريف. (2) في الطبري 6 / 268: عبد الملك بن أبي الحارث السلمي، وهو الذي أرسله عبيد الله بن زياد بخبر مقتل الحسين إلى عمرو بن سعيد بن العاص. (*)

[ 214 ]

يقول: هذا ببكاء نساء عثمان بن عفان. وقال عبد الملك بن عمير: دخلت على عبيد الله بن زياد وإذا رأس الحسين بن علي بين يديه على ترس، فوالله ما لبثت إلا قليلا حتى دخلت على المختار بن أبي عبيد وإذا رأس عبيد الله بن زياد بين يدي المختار على ترس، ووالله ما لبثت إلا قليلا حتى دخلت على عبد الملك بن مروان وإذا رأس مصعب بن الزبير على ترس بين يديه. وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في تاريخه (1): حدثني زكريا بن يحيى الضرير ثنا أحمد بن جناب (2) المصيصي، ثنا خالد بن يزيد بن (3) عبد الله القسري، ثنا عمار الدهني قال: قلت لابي جعفر: حدثني عن مقتل الحسين كأني حضرته، فقال: أقبل الحسين بكتاب مسلم بن عقيل الذي كان قد كتبه إليه يأمره فيه بالقدوم عليه، حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاث أميال، لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد ؟ فقال: أريد هذا المصر، فقال له: ارجع فإني لم أدع لك خلفي خيرا أرجوه، فهم الحسين أن يرجع، وكان معه أخوة مسلم بن عقيل، فقالوا: والله لا نرجع حتى (4) نأخذ بثأرنا ممن قتل أخانا أو نقتل. فقال: لا خيرة في الحياة بعدكم، فسار فلقيه أوائل خيل ابن زياد، فلما رأى ذلك عاد إلى كربلاء فأسند ظهره إلى (5) قصيتا وحلفا ليقاتل من جهة واحدة. فنزل وضربه أبنيته وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل، وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص قد ولاه ابن زياد الري وعهد إليه عهده، فقال: اكفني هذا الرجل واذهب إلى عملك، فقال: اعفني. فأبى أن يعفيه، فقال: أنظرني الليلة، فأخره فنظر في أمره، فلما أصبح غدا عليه راضيا بما أمره به، فتوجه إليه عمر بن سعد فلما أتاه قال له الحسين: اختر واحدة من ثلاث، إما أن تدعوني فانصرف من حيث جئت، وإما أن تدعوني فأذهب إلى يزيد، وإما أن تدعوني فألحق بالثغور. فقبل ذلك عمر، فكتب إليه عبيد الله بن زياد لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي، فقال الحسين: لا والله لا يكون ذلك أبدا. فقاتله فقتل أصحاب الحسين كلهم وفيهم بضعة عشر شابا من أهل بيته، وجاءه سهم فأصاب ابنا له في حجره فجعل يمسح الدم ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا، ثم أمر بحبرة فشقها ثم لبسها وخرج بسيفه فقاتل حتى قتل، قتله رجل من مذحج وحز رأسه فانطلق به إلى ابن زياد وقال في ذلك: أوقر ركابي فضة وذهبا * فقد قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا


(1) انظر الطبري 6 / 230. (2) في المطبوعة: خباب، خطأ. (3) في نسخ البداية المطبوعة يزيد عن عبد الله القسري، تحريف. (4) في الطبري: حتى نصيب ثأرنا أو نقتل. (5) في الطبري: إلى قصباء وخلا كي لا يقاتل إلا من وجه واحد. (*)

[ 215 ]

قال فأوفده إلى يزيد بن معاوية فوضع رأسه بين يديه، وعنده أبو برزة الاسلمي، فجعل يزيد ينكت بالقضيب على فيه ويقول: يفلقن هاما من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك، فوالله لربما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا فيه على فيه يلثمه. قال: وأرسل عمر بن سعد بحرمه وعياله إلى ابن زياد، ولم يكن بقي من آل الحسين إلا غلام، وكان مريضا مع النساء، فأمر به ابن زياد ليقتل فطرحت زينب نفسها عليه وقالت: والله لا يقتل حتى تقتلوني، فرق لها وكف عنه، قال: فأرسلهم إلى يزيد فجمع يزيد من كان بحضرته من أهل الشام ثم دخلوا عليه فهنوه بالفتح، فقام رجل منهم أحمر أزرق - ونظر إلى وصيفة من بناته - فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه، فقالت زينب: لا ولا كرامة لك ولا له، إلا أن تخرجا من دين الله، قال: فأعادها الازرق فقال له يزيد: كف عن هذا. ثم أدخلهم على عياله، ثم حملهم إلى المدينة، فلما دخلوها خرجت امرأة من بني عبد المطلب (1) ناشرة شعرها واضعة كمها على رأسها تتلقاهم وهي تبكي وتقول: ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي * منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم (2) ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء (3) في ذوي رحم وقد روى أبو مخنف عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود أن بنت عقيل هي التي قالت هذا الشعر، وهكذا حكى الزبير بن بكار أن زينب الصغرى بنت عقيل بن أبي طالب هي التي قالت ذلك حين دخل آل الحسين المدينة النبوية. وروى أبو بكر بن الانباري باسناده أن زينب بنت علي بن أبي طالب من فاطمة - وهي زوج عبد الله بن جعفر أم بنيه رفعت سجف خفائها يوم كربلاء يوم قتل الحسين وقالت هذه الابيات فالله أعلم. وقال هشام بن الكلبي: حدثني بعض أصحابنا عن عمرو بن أبي المقدام قال: حدثني عمرو بن عكرمة قال:


(1) في الارشاد وكشف الغمة: خرجت أم لقمان بنت عقيل بن أبي طالب ومعها أخواتها أم معافى وأسماء ورملة وزينب بنات عقيل بن أبي طالب تبكي قتلاها. وفي مروج الذهب 3 / 83: خرجت بنت عقيل بن أبي طالب في نساء من قومها حواسر حائرات... وفي فتوح ابن الاعثم 5 / 245: ثم جعل علي بن الحسين يقول: (2) في الطبري: منهم أسارى وقتلى... وفي مروج الذهب 3 / 83: نصف أسارى ونصف. (3) في مروج الذهب: بشر. (*)

[ 216 ]

صبحنا صبيحة قتل الحسين بالمدينة فإذا مولاة لنا تحدثنا قالت (1): سمعت البارحة مناديا ينادي وهو يقول: أيها القاتلون ظلما (2) حسينا * أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم * من نبي ومالك وقبيل (3) لقد لعنتم على لسان ابن داود * وموسى وحامل (4) الانجيل قال ابن هشام: حدثني عمرو بن حيزوم الكلبي عن أمه (5) قالت: سمعت هذا الصوت، وقال الليث وأبو نعيم يوم السبت. ومما أنشده الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وغيره لبعض المتقدمين في مقتل الحسين: جاؤا برأسك يا بن بنت محمد * متزملا بدمائه تزميلا وكأن بك يا بن بنت محمد * قتلوا جهارا عامدين رسولا قتلوك عطشانا ولم يتدبروا * في قتلك القرآن والتنزيلا ويكبرون بأن قتلت وإنما * وقتلوا بك التكبير والتهليلا فصل وكان مقتل الحسين رضي الله عنه يوم الجمعة، يوم عاشوراء من المحرم سنة إحدى وستين. وقال هشام بن الكلبي، سنة ثنتين وستين، وبه قال علي بن المديني. وقال ابن لهيعة: سنة ثنتين أو ثلاث وستين. وقال غيره سنة ستين. والصحيح الاول. بمكان من الطف يقاح له كربلاء من أرض العراق وله من العمر ثمان وخمسون سنة أو نحوها، وأخطأ أبو نعيم في قوله: إنه قتل وله من العمر خمس أو ست وستون سنة. قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن حسان، ثنا عمارة - يعني ابن زاذان - عن ثابت عن أنس قال: " استأذن ملك القطر أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له، فقال لام سلمة: احفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد، فجاء الحسين بن علي فوثب حتى دخل، فجعل يصعد على منكب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الملك: أتحبه ؟ قال ! نعم: فقال: إن أمتك تقتله، وإن شئت أريتك المكان


(1) في ابن الاثير 4 / 90: وسمع بعض أهل المدينة ليلة قتل الحسين مناديا ينادي. وفي ابن الاعثم 5 / 250: فلما فصلوا من دمشق سمعوا مناديا ينادي في الهواء وهو يقول: (2) في الطبري: أيها القائلون جهلا. (3) في ابن الاثير: وملاءك وقبيل، وفي الطبري: وملك.. وفي ابن الاعثم: ومرسل وقتيل. (4) في ابن الاثير وابن عساكر 4 / 341: وصاحب. (5) في الطبري: عن أبيه قال: (*)

[ 217 ]

الذي يقتل فيه، قال: فضرب بيده فأراه ترابا أحمر، فأخذت أم سلمة ذلك التراب فصرته في طرف ثوبها " (1). قال: فكنا نسمع أنه يقتل بكربلاء * وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثني عبد الله بن سعيد عن أبيه عن عائشة - أو أم سلمة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لقد دخل علي البيت ملك لم يدخل قبلها، فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك الارض التي يقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء " (2). وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أم سلمة. ورواه الطبراني عن أبي أمامة وفيه قصة أم سلمة. ورواه محمد بن سعد عن عائشة بنحو رواية أم سلمة فالله أعلم. وروي ذلك من حديث زينب بنت جحش ولبابة أم الفضل امرأة العباس. وأرسله غير واحد من التابعين. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا محمد بن هارون، أبو بكر، ثنا إبراهيم بن محمد الرقي وعلي بن الحسن الرازي قالا: ثنا سعيد بن عبد الملك أبو واقد الحراني، ثنا عطاء بن مسلم، ثنا أشعث بن سحيم، عن أبيه قال: سمعت أنس بن الحارث يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن ابني - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمن شهد منكم ذلك فلينصره ". قال: فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل مع الحسين، قال: ولا أعلم رواه غيره. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، ثنا شراحيل بن مدرك، عن عبد الله بن يحيى، عن أبيه أنه سار مع علي - وكان صاحب مطهرته - فلما جاؤوا نينوى وهو منطلق إلى صفين. فنادى علي: اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله، بشط الفرات قلت: وماذا تريد ؟ قال: " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وعيناه تفيضان فقلت: ما أبكاك يا رسول الله ؟ قال: بلى، قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، قال فقال: هل لك أن أشمك من تربته ؟ قال: فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا " (3). تفرد به أحمد. وروى محمد بن سعد: عن علي بن محمد، عن يحيى بن زكريا، عن رجل عن عامر الشعبي، عن علي مثله. وقد روى محمد بن سعد وغيره من غير وجه عن علي بن أبي طالب أنه مر بكربلاء عند أشجار الحنظل وهو ذاهب إلى صفين، فسأل عن اسمها فقيل كربلاء، فقال: كرب وبلاء، فنزل وصلى عند شجرة هناك ثم قال: يقتل ههنا شهداء هم خير الشهداء غير الصحابة، يدخلون الجنة بغير حساب - وأشار إلى مكان هناك - فعلموه بشئ فقتل فيه الحسين. وقد روي عن كعب الاحبار آثار في كربلاء وقد حكى أبو الجناب الكلبي وغيره أن أهل كربلاء لا يزالون يسمعون نوح الجن على الحسين وهن يقلن:


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 3 / 265. (2) مسند أحمد 6 / 294. (3) مسند أحمد 1 / 75. (*)

[ 218 ]

مسح الرسول جبينه * فله بريق في الخدود أبواه من عليا قريش * جده خير الجدود وقد أجابهم بعض الناس فقال: خرجوا به وفدا إلي‍ * - ه فهم له شر الوفود قتلوا ابن بنت نبيهم * سكنوا به ذات الخدود وروى ابن عساكر أن طائفة من الناس ذهبوا في غزوة إلى بلاد الروم فوجدوا في كنيسة مكتوبا: أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب ؟ فسألوهم: من كتب هذا ؟ فقالوا: إن هذا مكتوب ههنا من قبل مبعث نبيكم بثلاثمائة سنة. وروي أن الذين قتلوه رجعوا فباتوا وهم يشربون الخمر والرأس معهم، فبرز لهم قلم من حديد فرسم لهم في الحائط بدم هذا البيت: أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب ؟ وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن وعفان ثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس. قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام نصف النهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله ما هذا ؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل التقطه منذ اليوم " (1). قال عمار: فأحصينا ذلك اليوم فوجدناه قد قتل في ذلك اليوم. تفرد به أحمد وإسناده قوي. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عبد الله بن محمد بن هانئ أبو عبد الرحمن النحوي، ثنا مهدي بن سليمان، ثنا علي بن زيد بن جدعان. قال: استيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع وقال: قتل الحسين والله، فقال له أصحابه: لم يا بن عباس ؟ فقال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زجاجة من دم فقال: أتعلم ما صنعت أمتي من بعدي ؟ قتلوا الحسين وهذا دمه ودم أصحابه أرفعهما إلى الله ". فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه، وتلك الساعة، فما لبثوا إلا أربعة وعشرين يوما حتى جاءهم الخبر بالمدينة أنه قتل في ذلك اليوم وتلك الساعة. وروى الترمذي: عن أبي سعيد الاشج، عن أبي خالد الاحمر، عن رزين، عن سلمى قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكى فقلت: ما يبكيك ؟ فقالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما


(1) مسند أحمد ج 1 / 283. (*)

[ 219 ]

لك يا رسول الله ؟ قال: " شهدت قتل الحسين آنفا " (1). وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عبد الله الانصاري، أنبأنا قرة بن خالد، أخبرني عامر بن عبد الواحد، عن شهر بن حوشب قال: إنا لعند أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فسمعنا صارخة فأقبلت حتى انتهت إلى أم سلمة فقالت: قتل الحسين. فقالت: قد فعلوها، ملا الله قبورهم - أو بيوتهم - عليهم نارا، ووقعت مغشيا عليها، وقمنا. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا ابن مسلم، عن عمار قال: سمعت أم سلمة قالت: سمعت الجن يبكين على الحسين وسمعت الجن تنوح على الحسين. ورواه الحسين بن إدريس عن هاشم بن هاشم عن أمه عن أم سلمة قالت: سمعت الجن ينحن على الحسين وهن يقلن: أيها القاتلون جهلا حسينا * أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم * ونبي ومرسل وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داود * وموسى وصاحب الانجيل وقد روي من طريق أخرى عن أم سلمة بشعر غير هذا فالله أعلم. وقال الخطيب: أنبأنا أحمد بن عثمان بن ساج السكري، ثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، ثنا محمد بن شداد المسمعي، ثنا أبو نعيم، ثنا عبيد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: " أوحى الله تعالى إلى محمد إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا، وأنا قاتل بابن بنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا ". هذا حديث غريب جدا، وقد رواه الحاكم في مستدركه. وقد ذكر الطبراني ههنا آثارا غريبة جدا، ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذبا فاحشا، من كون الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم وما رفع يومئذ حجر إلا وجد تحته دم، وأن أرجاء السماء احمرت، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم، وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب ضرب بعضها بعضا، وأمطرت السماء دما أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ، ونحو ذلك. وروى ابن لهيعة: عن أبي قبيل المعافري: أن الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم وقت الظهر، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الامارة جعلت الحيطان تسيل دما، وأن الارض أظلمت ثلاثة أيام، ولم يمس زعفران ولا ورس بما (2) كان معه يومئذ إلا احترق من مسه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط، وأن الابل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم. إلى غير ذلك من الاكاذيب والاحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شئ.


(1) أخرجه الترمذي في المناقب (31) باب. ح‍ (3771) ص (5 / 657). (2) كذا بالاصل ولعلها: مما. (*)

[ 220 ]

وأما ما روي من الاحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح، فإنه قل من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا، فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض، وأكثرهم أصابهم الجنون. وللشيعة والرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة، وفيما ذكرنا كفاية، وفي بعض ما أوردناه نظر، ولولا أن ابن جرير وغيره من الحفاظ والائمة ذكروه ما سقته، وأكثره من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى، وقد كان شيعيا، وهو ضعيف الحديث عند الائمة، ولكنه أخباري حافظ، عنده من هذه الاشياء ما ليس عند غيره، ولهذا يترامى عليه كثير من المصنفين في هذا الشأن ممن بعده والله أعلم. وقد أسرف الرافضة في دولة بني بويه في حدود الاربعمائة وما حولها فكانت الدبادب (1) تضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء، ويذر الرماد والتبن في الطرقات والاسواق، وتعلق المسوح على الدكاكين، ويظهر الناس الحزن والبكاء، وكثير منهم لا يشرب الماء ليلتئذ موافقة للحسين لانه قتل عطشانا. ثم تخرج النساء حاسرات عن وجههن ينحن ويلطمن وجوههن وصدورهن، حافيات في الاسواق إلى غير ذلك من البدع الشنيعة، والاهواء الفظيعة، والهتائك المخترعة وإنما يريدون بهذا وأشباهه أن يشنعوا على دولة بني أمية، لانه قتل في دولتهم. وقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب (2) من أهل الشام، فكانوا إلى يوم عاشوراء يطبخون الحبوب ويغتسلون ويتطيبون ويلبسون أفخر ثيابهم ويتخذون ذلك اليوم عيدا يصنعون فيه أنواع الاطعمة، ويظهرون السرور والفرح، يريدون بذلك عناد الروافض ومعاكستهم. وقد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه من الناس واجتمعوا عليه، وقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك، والتحذير منه، والتوعد عليه وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأولوا عليه وقتلوه ولم يكن لهم قتله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاثة المتقدم ذكرها، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الامة كلها بكمالها ونتهم على نبيها صلى الله عليه وسلم، فليس الامر كما ذهبوا إليه، ولا كما سلكوه، بل أكثر الائمة قديما وحديثا كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة قبحهم الله، وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة. فلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون في الدنيا وآخذهم على ذلك وحملهم عليه


(1) الدبادب: الطبول. (2) النواصب: ويقال الناصبية وأهل النصب المتدينون ببغضة علي بن أبي طالب (رض) لانهم نصبوا له. (*)

[ 221 ]

بالرغبة والرهبة، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه. وليس كل ذلك الجيش كان راضيا بما وقع من قتله، بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك والله أعلم، ولا كرهه، والذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرح هو به مخبرا عن نفسه بذلك. وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو، ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك والله أعلم. فكل مسلم يبنغي له أن يحزنه قتله رضي الله عنه، فإنه من سادات المسلمين، وعلماء الصحابة وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي أفضل بناته، وقد كان عابدا وشجاعا وسخيا، ولكنه لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء، وقد كان أبوه أفضل منه فقتل، وهم لا يتخذون مقتله مأتما كيوم مقتل الحسين، فإن أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة، وقد قتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتما، وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي، قتل وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم مقتله مأتما، وكذلك الصديق كان أفضل منه ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الانبياء قبله، ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتما يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين، ولا ذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم وقبلهم شئ مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الامور المتقدمة، مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك. وأحسن ما يقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ما رواه علي بن الحسين عن جده رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من مسلم يصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من الاجر مثل يوم أصيب منها " (1). رواه الامام أحمد وابن ماجه. وأما قبر الحسين رضي الله عنه فقد اشتهر عند كثير من المتأخرين أنه في مشهد علي. بمكان من الطف عند نهر كربلاء، فيقال إن ذلك المشهد مبني على قبره فالله أعلم. وقد ذكر ابن جرير وغيره أن موضع قتله عفي أثره حتى لم يطلع أحد على تعيينه بخبر. وقد كان أبو نعيم، الفضل بن دكين، ينكر على من يزعم أنه يعرف قبر الحسين. وذكر هشام بن الكلبي أن الماء لما أجري على قبر الحسين ليمحي أثره نضب


(1) مسند أحمد ج 1 / 201 أخرجه من طريق عباد بن عباد عن الحسين بن علي. وابن ماجه من طريق هشام بن زياد: في الجنائز - (55) باب - ح‍ (1600) ص 1 / 510. (*)

[ 222 ]

الماء بعد أربعين يوما، فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمها حتى وقع على قبر الحسين فبكى وقال: بأبي أنت وأمي، ما كان أطيبك وأطيب تربتك ! ! ثم أنشأ يقول: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه * فطيب تراب القبر دل على القبر وأما رأس الحسين رضي الله عنه فالمشهور عند أهل التاريخ وأهل السير أنه بعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية، ومن الناس من أنكر ذلك. وعندي أن الاول أشهر فالله أعلم. ثم اختلفوا بعد ذلك في المكان الذي دفن فيه الرأس، فروى محمد بن سعد: أن يزيد بعث برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد نائب المدينة فدفنه عند أمه بالبقيع، وذكر ابن أبي الدنيا من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمر بن صالح - وهما ضعيفان - أن الرأس لم يزل في خزانة يزيد بن معاوية حتى توفي فأخذ من خزانته فكفن ودفن داخل باب الفراديس من مدينة دمشق. قلت: ويعرف مكانه بمسجد الرأس اليوم داخل باب الفراديس الثاني. وذكر ابن عساكر في تاريخه في ترجمته ريا حاضنة يزيد بن معاوية، أن يزيد حين وضع رأس الحسين بين يديه تمثل بشعر ابن الزبعرى يعني قوله: ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل قال: ثم نصبه بدمشق ثلاثة أيام ثم وضع في خزائن السلاح، حتى كان من زمن سليمان بن عبد الملك جئ به إليه، وقد بقي عظما أبيض، فكفنه وطيبه وصلى عليه ودفنه في مقبرة المسلمين، فلما جاءت المسودة - يعني بني العباس - نبشوه وأخذوه معهم. وذكر ابن عساكر أن هذه المرأة بقيت بعد دولة بني أمية، وقد جاوزت المائة سنة فالله أعلم. وادعت الطائفة المسمون بالفاطميين الذين ملكوا الديار المصرية قبل سنة أربعمائة إلى ما بعد سنة ستين وستمائة، أن رأس الحسين وصل إلى الديار المصرية ودفنوه بها وبنوا عليه المشهد المشهور به بمصر، الذي يقال له تاج الحسين، بعد سنة خمسمائة. وقد نص غير واحد من أئمة أهل العلم على أنه لا أصل لذلك، وإنما أرادوا أن يروجوا بذلك بطلان ما ادعوه من النسب الشريف، وهم في ذلك كذبة خونة، وقد نص على ذلك القاضي الباقلاني وغير واحد من أئمة العلماء، في دولتهم في حدود سنة أربعمائة، كما سنبين ذلك كله إذا انتهينا إليه في مواضعه إن شاء الله تعالى. قلت: والناس أكثرهم يروج عليهم مثل هذا، فانهم جاؤوا برأس فوضعوه في مكان هذا المسجد المذكور، وقالوا: هذا رأس الحسين، فراج ذلك عليهم واعتقدوا ذلك والله أعلم.

[ 223 ]

شئ من فضائله روى البخاري من حديث شعبة ومهدي بن ميمون، عن محمد بن أبي يعقوب: سمعت ابن أبي نعيم (1) قال: سمعت عبد الله بن عمر وسأله رجل من أهل العراق عن المحرم يقتل الذباب فقال: أهل العراق يسألون عن قتل الذباب وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هما ريحانتاي من الدنيا " (2). ورواه الترمذي عن عقبة بن مكرم، عن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن أبي يعقوب به نحوه: أن رجلا من أهل العراق سأل ابن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب، فقال ابن عمر: انظروا إلى أهل العراق يسألون عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت محمد صلى الله عليه وسلم. وذكر تمام الحديث. ثم قال: حسن صحيح. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو أحمد، ثنا سفيان، عن أبي الحجاف عن أبي حازم عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني " (3) - يعني حسنا وحسينا -. وقال الامام أحمد: حدثنا تليد بن سليمان، كوفي، ثنا أبو الحجاف، عن أبي حازم عن أبي هريرة. قال: " نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي والحسن والحسين وفاطمة فقال: أنا حرب لما حاربكم، سلم لمن سالمكم " (4). تفرد بهما الامام أحمد. وقال الامام أحمد: حدثنا ابن نمير، ثنا حجاج - يعني ابن دينار - عن جعفر بن إياس، عن عبد الرحمن بن مسعود، عن أبي هريرة. قال: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه حسن وحسين، هذا على عاتقه الواحد، وهذا على عاتقه الآخر، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجل يا رسول الله ! والله إنك لتحبهما، فقال: من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني ". تفرد به أحمد. وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو سعيد الاشج، حدثني عقبة بن خالد، حدثني يوسف بن إبراهيم التميمي، أنه سمع أنس بن مالك يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أهل بيتك أحب إليك ؟ قال: " الحسن والحسين ". قال: وكان يقول " ادع لي ابني فيشمهما ويضمهما إليه " (5). وكذا رواه الترمذي عن أبي سعيد الاشج به، وقال: حسن غريب من حديث أنس. وقال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر وعفان، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أنس. أن


(1) بضم النون وهو عبد الرحمن يكنى أبا الحكم البجلي. (2) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة (22) باب. ح‍ (3753) فتح الباري 7 / 95. وأخرجه الترمذي في المناقب (31) باب. ح‍ (3770) ص 5 / 657. (3) مسند أحمد ج 2 / 288، 440، 531. (4) مسند أحمد ج 2 / 442، وأخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم في المناقب ح‍ (3870) ص 5 / 699. (5) أخرجه الترمذي في المناقب (31) باب. ح‍ (3772) ص (5 / 657). (*)

[ 224 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر فيقول: الصلاة يا أهل البيت، * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (1) ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عفان به، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة. وقال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو أسامة، عن فضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبصر حسنا وحسينا فقال: اللهم إني أحبهما فأحبهما " (2) ثم قال: حسن صحيح وقد روى الامام أحمد عن زيد بن الحباب، عن الحسين بن واقد. وأهل السنن الاربعة من حديث الحسين بن واقد عن بريدة عن أبيه. قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: صدق الله، * (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) * [ التغابن: 15 ] نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتها " (3). وهذا لفظ الترمذي، وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد. ثم قال: حدثنا الحسن (4) بن عرفة، ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن راشد عن يعلى بن مرة. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الاسباط ". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن. ورواه أحمد عن عفان عن وهب عن عبد الله بن عثمان بن خيثم به. ورواه الطبراني عن بكر بن سهل، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح بن راشد بن سعد، عن يعلى بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الحسن والحسين سبطان من الاسباط ". وقال الامام أحمد: حدثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي نعيم، عن أبي سعيد الخدري. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (5). ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري وغيره عن يزيد بن أبي زياد، وقال: حسن صحيح. وقد رواه أبو القاسم البغوي عن داود بن رشيد، عن مروان الفزاري، عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعيم عن أبيه عن أبي


(1) سورة الاحزاب آية 33. والحديث أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 3 / 259، 285 وأخرجه الترمذي في تفسير القرآن (34) باب. ح‍ (3206) ص (5 / 352). (2) كتاب المناقب (31) باب. ح‍ (3782) ص (5 / 661). (3) تقدم تخريجه فليراجع في ترجمة الحسن بن علي من هذا الجزء صفحة 41. (4) من الترمذي، وتقريب التهذيب، وهو الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي، أبو علي البغدادي، صدوق مات سنة 257 ه‍. (تقريب 1 / 168 / 290). والحديث أخرجه الترمذي في المناقب. (31) باب. ح‍ (3775) ص (5 / 658). والامام أحمد في مسنده (4 / 172). (5) أخرجه الامام أحمد في مسنده 3 / 3، 62، 64، 83 والترمذي في المناقب (31) باب. (*)

[ 225 ]

سعيد. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة، يحيى وعيسى صلى الله عليه وسلم ". وأخرجه النسائي من حديث مروان بن معاوية الفزاري به، ورواه سويد بن سعيد عن محمد بن حازم، عن الاعمش، عن عطية عن أبي سعيد. وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن ربيع بن سعد عن أبي سابط قال: دخل حسين بن علي المسجد فقال جابر بن عبد الله: من أحب أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذا، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ". تفرد به أحمد، وروى الترمذي والنسائي من حديث إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش، عن حذيفة أن أمه بعثته ليستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ولها، قال: فأتيته فصليت معه المغرب ثم صلى حين صلى العشاء، ثم انفتل فتبعته فسمع صوتي فقال: " من هذا ؟ حذيفة ؟ قلت: نعم ! قال: ما حاجتك غفر الله لك ولامك ؟ إن هذا ملك لم ينزل إلى الارض قبل هذه الليلة استأذن ربه بأن يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (1) ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ولا يعرف إلا من حديث إسرائيل. وقد روي مثل هذا من حديث علي بن أبي طالب ومن حديث الحسين نفسه، وعمر وابنه عبد الله وابن عباس وابن مسعود وغيرهم، وفي أسانيده كلها ضعف والله أعلم. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا موسى بن عطية عن أبيه عن أبي هريرة. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحسن والحسين: " من أحبني فليحب هذين ". وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، ثنا إسماعيل - يعني ابن جعفر - أخبرني محمد - يعني ابن حرملة - عن عطاء. أن رجلا أخبره أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم " يضم إليه حسنا وحسينا ويقول: اللهم إني أحبهما فأحبهما " (2). وقد روي عن أسامة بن زيد وسلمان الفارسي شئ يشبه هذا وفيه ضعف وسقم والله أعلم. وقد قال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا كامل وأبو المنذر ابنا كامل قال أسود: أنبأنا المعنى عن أبي صالح عن أبي هريرة. قال: " كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء فإذا سجد وثب الحسين والحسن على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما أخذا رفيقا فيضعهما على الارض، فإذا عاد عادا حتى قضى صلاته أقعدهما على فخذيه، قال: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله أردهما إلى أمهما ؟ قال: فبرقت برقة فقال لهما: الحقا بأمكما، قال فمكث ضؤها حتى دخلا على أمهما " (3). وقد روى موسى بن عثمان


(1) أخرجه الترمذي في المناقب (31) باب. ح‍ (3781) ص (5 / 660). (2) أخرجه الامام أحمد في مسنده 5 / 369، والترمذي في المناقب عن البراء (31) باب. ح‍ (3782) ص (5 / 661). (3) مسند أحمد 2 / 513. (*)

[ 226 ]

الحضرمي، عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة نحوه، وقد روي عن أبي سعيد وابن عمر قريب من هذا، فقال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا معاذ بن معاذ، ثنا قيس بن الربيع، عن أبي المقدام عبد الرحمن الازرق عن علي. قال: " دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا نائم، فاستسقى الحسن أو الحسين فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة لنا كي يحلبها فدرت فجاءه الآخر فنحاه، فقالت فاطمة: يا رسول الله كأنه أحبهما إليك ؟ قال: لا ولكنه استسقى قبله، ثم قال: إني وإياك وهذين وهذا الراقد في مكان واحد يوم القيامة " (1). تفرد به أحمد. ورواه أبو داود الطيالسي: عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي فاختة عن علي فذكر نحوه. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب كان يكرمهما ويحملهما ويعطيهما كما يعطي أباهما، وجئ مرة بحلل من اليمن فقسمها بين أبناء الصحابة ولم يعطهما منهما شيئا، وقال: ليس فيها شئ يصلح لهما، ثم بعث إلى نائب اليمن فاستعمل لهما حلتين تناسبهما. وقال محمد بن سعد: أنبأنا قبيصة بن عقبة، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث قال: بينما عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة إذ رأى الحسين مقبلا فقال: هذا أحب أهل الارض إلى أهل السماء. وقال الزبير بن بكار: حدثني سليمان بن الدراوردي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وهم صغار لم يبلغوا، ولم يبايع صغيرا إلا منا ". وهذا مرسل غريب. وقال محمد بن سعد: أخبرني يعلى بن عبيد، ثنا عبد الله بن الوليد الرصافي، عن عبد الله بن عبيد الله بن عميرة. قال: حج الحسين بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا ونجائبه تقاد بين يديه. وحدثنا أبو نعيم - الفضل بن دكين - ثنا حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن الحسين بن علي حج ماشيا وإن نجائبه لتقاد وراءه. والصواب أن ذلك إنما هو الحسن أخوه، كما حكاه البخاري. وقال المدائني: جرى بين الحسن والحسين كلام فتهاجرا، فلما كان بعد ذلك أقبل الحسن إلى الحسين فأكب على رأسه يقبله، فقام الحسين فقبله أيضا، وقال: إن الذي منعني من ابتدائك بهذا أني رأيت أنك أحق بالفضل مني فكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به مني. وحكى الاصمعي عن ابن عون أن الحسن كتب إلى الحسين يعيب عليه إعطاء الشعراء فقال الحسين إن أحسن المال ما وقى العرض. وقد روى الطبراني: حدثنا أبو حنيفة محمد بن حنيفة الواسطي ثنا يزيد بن البراء بن عمرو بن البراء الغنوي، ثنا سليمان بن الهيثم قال: كان الحسين بن علي يطوف بالبيت فأراد أن يستلم فيما وسع له الناس، فقال رجل: يا أبا فراس من هذا فقال الفرزدق:


(1) مسند أحمد ج 1 / 101. (*)

[ 227 ]

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم يغضي حياء ويغضى من مهابته * فما يكلم إلا حين يبتسم في كفه خيزران رحيها عبق * بكف أورع في عرنينه شمم مشتقة من رسول الله نسبته (1) * طابت عناصره (2) والخيم والشيم لا يستطيع جواد بعد غايته (3) * ولا يدانيه قوم إن هموا كرموا من يعرف الله يعرف أولية ذا * فالدين من بيت هذا ناله أمم أي العشائر هم ليست رقابهم * لاولية هذا أوله نعم هكذا أوردها الطبراني في ترجمة الحسين في معجمه الكبير وهو غريب، فإن المشهور أنها من قيل الفرزدق في علي بن الحسين لا في أبيه، وهو أشبه فإن الفرزدق لم ير الحسين إلا وهو مقبل إلى الحج والحسين ذاهب إلى العراق، فسأل الحسين الفرزدق عن الناس فذكر له ما تقدم، ثم إن الحسين قتل بعد مفارقته له بأيام يسيرة، فمتى رآه يطوف بالبيت والله أعلم، وروى هشام عن عوانة قال: قال عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد: أين الكتاب الذي كتبته إليك في قتل الحسين ؟ فقال: مضيت لامرك وضاع الكتاب، فقال له ابن زياد: لتجيئن به، قال: ضاع، قال: والله لتجيئن به، قال: ترك والله يقرأ على عجائز قريش أعتذر إليهن بالمدينة، أما والله لقد نصحتك في حسين نصيحة لو نصحتها إلى سعد بن أبي وقاص لكنت قد أديت حقه، فقال عثمان بن زياد أخو عبيد الله، صدق عمر والله. ولوددت والله أنه ليس من بني ياد رجل إلا وفي أنفه خزامة (4) إلى يوم القيامة وأن حسينا لم يقتل، قال: فوالله ما أنكر ذلك عليه عبيد الله بن زياد. فصل في شئ من أشعاره التي رويت عنه فمن ذلك ما أنشده أبو بكر بن كامل عن عبد الله بن إبراهيم وذكر أنه للحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما:


(1) في الديوان: نبعته. (2) في الديوان: مغارسه. (3) في الديوان: جودهم. (4) الخزامة: الحلقة توضع في أنف البعير. (*)

[ 228 ]

إغن عن المخلوق بالخالق * تسد على الكاذب والصادق واسترزق الرحمن من فضله * فليس غير الله من رازق من ظن أن الناس يغنونه * فليس بالرحمن بالواثق أو ظن أن المال من كسبه * زلت به النعلان من حالق عن الاعمش أن الحسين بن علي قال: كلما زيد صاحب المال مالا * زيد في همه وفي الاشتغال قد عرفناك يا منغصة العي‍ * - ش ويا دار كل فان وبالي ليس يصفو لزاهد طلب الزه‍ * - د إذا كان مثقلا بالعيال وعن إسحاق بن إبراهيم قال: بلغني أن الحسين زار مقابر الشهداء بالبقيع فقال: ناديت سكان القبور فأسكتوا * وأجابني عن صمتهم ترب الحصا قالت أتدري ما فعلت بساكني * مزقت لحمهم وخرقت الكسا وحشوت أعينهم ترابا بعدما * كانت تأذى باليسير من القذا أما العظام فإنني مزقتها * حتى تباينت المفاصل والشوا قطعت ذا زاد من هذا كذا * فتركتها رمما يطوف بها البلا وأنشد بعضهم للحسين رضي الله عنه أيضا: لئن كانت الدنيا تعد نفيسة * فدار ثواب الله أعلى وأنبل وإن كانت الابدان للموت أنشئت * فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل وإن كانت الارزاق شيئا مقدرا * فقلة سعي المرء في الرزق أجمل وإن كانت الاموال للترك جمعها * فما بال متروك به المرء يبخل ومما أنشد الزبير بن بكار من شعره في امرأته الرباب بنت أنيف، ويقال بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس الكلبي أم ابنته سكينة (1): لعمرك إنني لاحب دارا * تحل (2) بها سكينة والرباب أحبهما وأبذل جل مالي * وليس للائمي فيها (3) عتاب


(1) قال ابن الكلبي اسمها أميمة. وقال المديني عن المالكي: اسمها آمنة وقيل أمينة. وسكينة لقب لقبت به (انظر الاغاني 16 / 138). (2) في الاغاني: تكون. (3) في الاغاني 16 / 139: لعاتب عندي عتاب. (*)

[ 229 ]

ولست لهم وإن عتبوا مطيعا * حياتي أو يعليني التراب (1) وقد أسلم أبوها على يدي عمر بن الخطاب وأمره عمر على قومه، فلما خرج من عنده خطب إليه علي بن أبي طالب أن يزوج ابنه الحسن والحسين من بناته، فزوج الحسن ابنته سلمى، والحسين ابنته الرباب، وزوج عليا ابنته الثالثة، وهي المحياة بنت امرئ القيس في ساعة واحدة، فأحب الحسين زوجته الرباب حبا شديدا وكان بها معجبا يقول فيها الشعر، ولما قتل بكربلاء كانت معه فوجدت عليه وجدا شديدا، وذكر أنها أقامت على قبره سنة ثم انصرفت وهي تقول: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر وقد خطبها بعده خلق كثير من أشراف قريش فقالت: ما كنت لاتخذ حموا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالله لا يؤويني ورجلا بعد الحسين سقف أبدا. ولم تزل عليه كمدة حتى ماتت، ويقال إنها إنما عاشت بعده أياما يسيرة فالله أعلم، وابنتها سكينة بنت الحسين كانت من أجمل النساء حتى إنه لم يكن في زمانها أحسن منها فالله أعلم. وروى أبو مخنف: عن عبد الرحمن بن جندب أن ابن زياد بعد مقتل الحسين تفقد أشراف أهل الكوفة فلم ير عبيد الله بن الحر بن يزيد، فتطلبه حتى جاءه بعد أيام فقال: أين كنت يا بن الحر ؟ قال: كنت مريضا، قال: مريض القلب أم مريض البدن ؟ قال: أما قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد من الله عليه بالعافية، فقال له ابن زياد: كذبت، ولكنك كنت مع عدونا، قال: لو كنت مع عدوك لم يخف مكان مثلي، ولكان الناس شاهدوا ذلك، قال: وعقل عن ابن زياد عقلة فخرج ابن الحر فقعد على فرسه. ثم قال: أبلغوه أني لا آتيه والله طائعا فقال ابن زياد: أين ابن الحر ؟ قال: خرج، فقال علي به، فخرج الشرط في طلبه فأسمعهم غليظ ما يكرهون، وترضى عن الحسين وأخيه وأبيه ثم أسمعهم في ابن زياد غليظا من القول ثم امتنع منهم وقال في الحسين وفي أصحابه شعرا: يقول أمير غادر حق غادر * ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمه فيا ندمي أن لا أكون نصرته * لذو حسرة ما إن تفارق لازمه (2)


(1) في الاغاني: فلست لهم وإن غابوا مضيعا * حياتي أو يغيبني التراب (2) في الطبري 6 / 270: فيا ندمي أن لا أكون نصرته * ألا كل نفس لا تسدد نادمه وإني لاني لم أكن من جماته * لذو حسرة ما إن تفارق لازمه (*)

[ 230 ]

سقى الله أرواح الذين تبارزوا * على نصره سقيا من الغيث دائمه وقفت على أجداثهم وقبورهم * فكان الحشى ينقض والعين ساجمه لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى * سراعا إلى الهيجا حماة حضارمه تأسوا على نصر ابن بنت نبيهم * بأسيافهم أساد غبل ضراغمه فإن يقتلوا تلك النفوس التقية (1) * على الارض قد أضحت لذلك واجمه فما إن رأى الراؤون أفضل منهم * لدى الموت سادات وزهر قمامه أتقتلهم ظلما وترجو ودادنا * فذى (2) خطة ليست لنا بملائمه لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم * فكم ناقم منا عليكم وناقمه أهم مرارا أن أسير بجحفل * إلى فئة زاغت عن الحق ظالمه فيا بن زياد استعد لحربنا * وموقف ضنك تقصم الظهر قاصمه وقال الزبير بن بكار: قال سليمان بن قتيبة (3) يرثي الحسين رضي الله عنه: وإن قتيل الطف من آل هاشم * أذل رقابا من قريش فذلت (4) فإن تتبعوه عائذا لبيت تصبحوا (5) * كعاد تعمت عن هداها فضلت مررت على أبيات آل محمد * فالفيتها أمثالها حيث حلت (6) وكانوا لنا غنما فعادوا رزية (7) * لقد عظمت تلك الرزايا وجلت فلا يبعد الله الديار وأهلها * وإن أصبحت منهم بزعمي تحلت (8) إذا افتقرت قيس خبرنا فقيرها * وتقتلنا قيس إذا النعل زلت وعند يزيد (9) قطرة من دمائنا * سنجزيهم يوما بها حيث حلت ألم تر أن الارض أضحت مريضة * لقتل حسين والبلاة اقشعرت ومما وقع من الحوادث في هذه السنة - أعني إحدى وستين - بعد مقتل الحسين:


(1) في الطبري: فإن يقتلوا فكل نفس تقية... (2) في الطبري: فدع. (3) في مروج الذهب 3 / 79 والكامل للمبرد 1 / 131 سليمان بن قتة، وفي الكامل لابن الاثير: قال التيمي تيم مرة. وقال المبرد: وسليمان بن قتة رجل من بني تيم بن مرة بن كعب بن لؤي وكان منقطعا إلى بني هاشم. (4) في الكامل للمبرد، وكامل ابن الاثير: أذل رقاب المسلمين. (5) في مروج الذهب: فإن يتبعوه عائذ البيت يصبحوا. وسقط البيت من ابن الاثير والمبرد. (6) في كامل المبرد: فلم أرها كعهدها يوم حلت. وفي ابن الاثير: فلم أرها أمثالها... (7) في ابن الاثير: وكانوا رجاء ثم أضحوا رزية، وفي المبرد: ثم صاروا. (8) في الكامل للمبرد وابن الاثير: وإن أصبحت من أهلها قد تخلت. (9) في الكامل للمبرد والكامل لابن الاثير: غني. (*)

[ 231 ]

ففيها ولى يزيد بن معاوية سلم بن زياد سجستان وخراسان حين وفد عليه، وله من العمر أربعة وعشرون سنة، وعزل عنها أخويه عبادا وعبد الرحمن، وسار سلم إلى عمله فجعل ينتخب الوجوه والفرسان، ويحرض الناس على الجهاد، ثم خرج في جحفل عظيم ليغزو بلاد الترك، ومعه امرأته أم محمد بنت عبد الله بن عثمان بن أبي العاص، فكانت أول امرأة من العرب قطع بها النهر، وولدت هناك ولدا أسموه صغدى، وبعثت (1) إليها امرأة صاحب صغدى بتاجها من ذهب ولآل. وكان المسلمون قبل ذلك لا يشتون في تلك البلاد، فشتى بها سلم بن زياد. وبعث المهلب بن أبي صفرة إلى تلك المدينة التي هي للترك، وهي خوارزم فحاصرهم حتى صالحوه على نيف وعشرين ألف ألف، وكان يأخذ منهم عروضا عوضا، فيأخذ الشئ بنصف قيمته فبلغت قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف ألف، فحظي بذلك المهلب عند سلم بن زياد. ثم بعث من ذلك ما اصطفاه ليزيد بن معاوية مع مرزبان ومعه وفد، وصالح سلم أهل سمرقند في هذه الغزوة على مال جزيل. وفيها عزل يزيد عن إمرة الحرمين عمرو بن سعيد وأعاد إليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فولاه المدينة، وذلك أن ابن الزبير لما بلغه مقتل الحسين شرع يخطب الناس ويعظم قتل الحسين وأصحابه جدا، ويعيب على أهل الكوفة وأهل العراق ما صنعوه من خذلانهم الحسين، ويترحم على الحسين ويلعن من قتله، ويقول: أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا في النهار صيامه، أما والله ما كان يستبدل بالقرآن الغنا والملاهي، ولا بالبكاء من خشية الله اللغو والحداء، ولا بالصيام شرب المدام وأكل الحرام، ولا بالجلوس في حلق الذكر طلب الصيد، - يعرض في ذلك بيزيد بن معاوية - فسوف يلقون غيا، ويؤلب الناس على بني أمية ويحثهم على مخالفته وخلع يزيد. فبايعه خلق كثير في الباطن، وسألوه أن يظهرها فلم يمكنه ذلك مع وجود عمرو بن سعيد، وكان شديدا عليه ولكن فيه رفق، وقد كان كاتبه أهل المدينة وغيرهم، وقال الناس: أما إذ قتل الحسين فليس ينازع أحد أبن الزبير، فلما بلغ ذلك يزيد شق ذلك عليه وقيل له: إن عمرو بن سعيد لو شاء لبعث إليك برأس ابن الزبير، أو يحاصره حتى يخرجه من الحرم، فبعث فعزله وولى الوليد بن عتبة فيها، وقيل في مستهل ذي الحجة، فأقام للناس الحج فيها، وحلف يزيد ليأتيني ابن الزبير في سلسلة من فضة، وبعث بها مع البريد ومعه برنس من خز ليبر يمينه، فلما مر البريد على مروان وهو بالمدينة وأخبره بما هو قاصد له وما معه من الغل أنشأ مروان يقول: فخذها فما هي للعزيز بخطة * وفيها مقال لامرئ متذلل أعامر إن القوم ساموك خطة * وذلك في الجيران غزل بمغزل


(1) في الطبري 6 / 273 وابن الاثير 4 / 97: أن أم محمد استعارت منها حليا فبعثت إليها بتاجها ولم تعده إليها وذهبت به. (*)

[ 232 ]

أراك إذا ما كنت في القوم ناصحا (1) * يقال له بالدلو أدبر وأقبل فلما انتهت الرسل إلى عبد الله بن الزبير بعث مروان ابنيه عبد الملك وعبد العزيز ليحضرا مراجعته في ذلك، وقال: أسمعاه قولي في ذلك، قال عبد العزيز: فلما جلس الرسل بين يديه جعلت أنشده ذلك وهو يسمع ولا أشعره، فالتفت إلي فقال: أخبرا أباكما أني أقول: إني لمن نبعة صم مكاسرها * إذا تناوحت القصباء والعشر ولا ألين لغير الحق أسأله * حتى يلين لضرس الماضغ الحجر قال عبد العزيز: فما أدري أيما كان أعجب ! ! قال أبو معشر: لا خلاف بين أهل السير أن الوليد بن عتبة حج بالناس في هذه السنة وهو أمير الحرمين وعلى البصرة والكوفة عبيد الله بن زياد، وعلى خراسان وسجستان سلم بن زياد أخو عبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. من توفي فيها من الاعيان الحسين بن علي رضي الله عنهما ومعه بضعة عشر من أهل بيته قتلوا جميعا بكربلاء، وقيل بضعة وعشرون كما تقدم. وقتل معهم جماعة من الابطال والفرسان. جابر بن عتيك بن قيس أبو عبد الله الانصاري السلمي، شهد بدرا وما معه، وكان حامل راية الانصار يوم الفتح، كذا قال ابن الجوزي، قال: وتوفي في هذه السنة عن إحدى وسبعين سنة. حمزة بن عمرو الاسلمي صحابي جليل ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: سأل حمزة بن عمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني كثير الصيام أفأصوم في السفر ؟ فقال له: " إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر " (2). وقد شهد فتح الشام، وكان هو البشير للصديق يوم أجنادين، قال الواقدي: وهو الذي بشر كعب بن مالك بتوبة الله عليه فأعطاه ثوبيه، وروى البخاري في التاريخ باسناد جيد عنه أنه قال: " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فأضاءت لي أصابعي حتى جمعت عليها كل متاع كان


(1) في الطبري: ناضحا. (2) أخرجه البخاري في الصوم (22) باب. ومسلم في الصيام ح‍ (103) و (104) وأبو داود في الصوم ح (42) والنسائي في الصيام (56) و (58) وابن ماجه في الصيام ح‍ (10) والدارمي ومالك في الموطأ في الصيام. وأحمد في مسنده 6 / 46، 193، 202، 207. (*)

[ 233 ]

للقوم " (1). اتفقوا على أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة إحدى وستين -. شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري الحجبي صاحب مفتاح الكعبة كان أبوه ممن قتله علي بن أبي طالب يوم أحد كافرا، وأظهر شيبة الاسلام يوم الفتح، وشهد حنينا وفي قلبه شئ من الشك، وقد هم بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأطلع الله على ذلك رسوله فأخبره بما هم به فأسلم باطنا وجاد إسلامه، وقاتل يومئذ وصبر فيمن صبر. قال الواقدي عن أشياخه: إن شيبة قال: كنت أقول والله لو آمن بمحمد جميع الناس ما آمنت به، فلما فتح مكة وخرج إلى هوازن خرجت معه رجاء أن أجد فرصة آخذ بثأر قريش كلها منه، قال: فاختلط الناس ذات يوم ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته فدنوت منه وانتضيت سيفي لاضربه به، فرفع لي شواظ من نار كاد يمحشني، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " يا شيبة ادن مني، فدنوت منه فوضع يده على صدري وقال: اللهم أعذه من الشيطان. قال: فوالله ما رفع يده حتى لهو يومئذ أحب إلي من سمعي وبصري، ثم قال: اذهب فقاتل، قال فتقدمت إلى العدو والله لو لقيت أبي لقتلته لو كان حيا، فلما تراجع الناس قال لي: يا شيبة الذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك، ثم حدثني بكل ما كان في نفسي مما لم يطلع عليه أحد إلا الله عزوجل، فتشهدت وقلت: استغفر الله، فقال: غفر الله لك " (2). ولي الحجابة بعد عثمان بن طلحة واستقرت الحجابة في بنيه وبيته إلى اليوم، وإليه ينسب بنو شيبة، وهم حجبة الكعبة. قال خليفة بن خياط وغير واحد: توفي سنة تسع وخمسين. وقال محمد بن سعد: بقي إلى أيام يزيد بن معاوية. وقال ابن الجوزي في المنتظم: مات في هذه السنة. عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم صحابي انتقل إلى دمشق وله بها دار، ولما مات أوصى إلى يزيد بن معاوية وهو أمير المؤمنين. الوليد بن عقبة بن أبي معيط ابن أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، أبو وهب القرشي العبشمي، وهو أخو عثمان بن عفان لامه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، وللوليد من الآخوة خالد وعمارة وأم


(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 79 وأبو نعيم في الدلائل ص (494) والسيوطي في الخصائص الكبرى (2 / 81). (2) انظر خبره في مغازي الواقدي 3 / 910 وابن هشام في السيرة 4 / 58 وابن عساكر عن مصعب بن شيبة ونقله الزرقاني في المواهب اللدنية 3 / 15. (*)

[ 234 ]

كلثوم، وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه بعد وقعة بدر من بين الاسرى صبرا بين يديه، فقال: يا محمد من للصبية ؟ فقال: " لهم النار " وكذلك فعل بالنضر بن الحارث. وأسلم الوليد هذا يوم الفتح، وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق فخرجوا يتلقونه فظن أنهم إنما خرجوا لقتاله فرجع، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يجهز إليهم جيشا، فبلغهم ذلك فجاء من جاء منهم ليعتذر إليه ويخبرونه بصورة ما وقع، فأنزل الله تعالى في الوليد: * (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة) * الآية [ الحجرات: 6 ]. ذكر ذلك غير واحد من المفسرين والله أعلم بصحة ذلك. وقد حكى أبو عمرو بن عبد البر على ذلك الاجماع. وقد ولاه عمر صدقات بني تغلب، وولاه عثمان نيابة الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، سنة خمس وعشرين، ثم شرب الخمر وصلى بأصحابه ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم ؟ ووقع منه تخبيط، ثم إن عثمان جلده وعزله عن الكوفة بعد أربع سنين فأقام بها، فلما جاء علي إلى العراق سار إلى الرقة واشترى له عندها ضيعة وأقام بها معتزلا جميع الحروب التي كانت أيام علي ومعاوية وما بعدها إلى أن توفي بضيعته في هذه السنة، ودفن بضيعته وهي على خمسة عشر ميلا من الرقة، ويقال: إنه توفي في أيام معاوية فالله أعلم. روى له الامام أحمد وأبو داود حديثا واحدا في فتح مكة، وقد ذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، وذكر أيضا وفاة أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، وقد تقدم ذكر وفاتها في سنة إحدى وخمسين، وقيل إنها توفيت سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ست وستين، والصواب ما ذكرناه. أم سلمة أم المؤمنين هند بنت أبي أمية حذيفة وقيل سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشية المخزومية كانت أولا تحت ابن عمها أبي سلمة بن عبد الاسد فمات عنها، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها في شوال سنة ثنتين بعد وقعة بدر، وقد كانت سمعت من زوجها أبي سلمة: حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنه قال: " ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا أبدله الله خيرا منها " قالت: فلما مات أبو سلمة قلت ذلك ثم قلت: ومن هو خير من أبي سلمة أول رجل هاجر ؟ ثم عزم الله لي فقلتها فأبدلني الله خيرا منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت من حسان النساء وعابداتهن. قال الواقدي: توفيت سنة تسع وخمسين وصلى عليها أبو هريرة. وقال ابن أبي خيثمة: توفيت في أيام يزيد بن معاوية. قلت: والاحاديث المتقدمة في مقتل الحسين تدل على أنها عاشت إلى ما بعد مقتله والله أعلم. ورضي الله عنها والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة ثنتين وستين يقال فيها قدم وفد المدينة النبوية على يزيد بن معاوية فأكرمهم وأجازهم بجوائز سنية، ثم

[ 235 ]

عادوا من عنده بالجوائز فخلعوه وولوا عليهم عبد الله بن حنظلة الغسيل، فبعث إليهم يزيد جندا في السنة الآتية إلى المدينة فكانت وقعة الحرة على ما سنبينه في التي بعدها إن شاء الله تعالى، وقد كان يزيد عزل عن الحجاز عمرو بن سعيد بن العاص، وولى عليهم الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فلما دخل المدينة احتاط على الاموال والحواصل والاملاك، وأخذ العبيد الذين لعمرو بن سعيد فحبسهم، - وكانوا نحوا من ثلاثمائة عبد - فتجهز عمرو بن سعيد إلى يزيد وبعث إلى عبيدة أن يخرجوا من السجن ويلحقوا به، وأعد لهم إبلا يركبونها، ففعلوا ذلك، فما لحقوه حتى وصل إلى يزيد فأكرمه واحترمه ورحب به يزيد، وأدنى مجلسه، ثم إنه عاتبه في تقصيره في شأن ابن الزبير، فقال له: يا أمير المؤمنين الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وإن جل أهل مكة والحجاز مالاوه علينا وأحبوه ولم يكن لي جند أقوى بهم عليه لو ناهضته، وقد كان يحذرني ويحترس مني، وكنت أرفق به كثيرا وأداريه لاستمكن منه فأثب عليه، مع أني قد ضيقت عليه ومنعته من أشياء كثيرة، وجعلت على مكة وطرقها وشعابها رجالا لا يدعون أحدا يدخلها حتى يكتبوا اسمه واسم أبيه، ومن أي بلاد هو وما جاء له، وماذا يريد، فإن كان من أصحابه أو ممن عرف أنه يريده رددته صاغرا، وإلا خليت سبيله. وقد وليت الوليد وسيأتيك من عمله وأمره ما لعلك تعرف به فضل مسارعتي واجتهادي في أمرك ومناصحتي لك إن شاء الله، والله يصنع لك ويكبت عدوك. فقال له يزيد: أنت أصدق مما رماك وحملني عليك، وأنت ممن أثق به وأرجو معونته وأدخره لذات الصدع، وكفاية المهم وكشف نوازل الامور العظام. في كلام طويل. وأما الوليد بن عتبة فإنه أفام بالحجاز وقد هم مرارا أن يبطش بعبد الله بن الزبير فيجده متحذرا ممتنعا قد أعد للامور أقرانها. وثار باليمامة رجل آخر يقال له نجدة بن عامر الحنفي (1) حين قتل الحسين، وخالف يزيد بن معاوية، ولم يخالف ابن الزبير بل بقي على حدة، له أصحاب يتبعونه، فإذا كان ليلة عرفة دفع الوليد بن عتبة بالجمهور وتخلف عنه ابن الزبير وأصحاب نجدة، ثم يدفع كل فريق وحدهم. ثم كتب نجدة (2) إلى يزيد: إنك بعثت إلينا رجلا أخرق لا يتجه لامر رشد ولا يرعوي لعظة الحكيم، فلو بعثت إلينا رجلا سهل الخلق لين الكنف، رجوت أن يسهل به من الامور ما استوعر منها وأن يجتمع ما تفرق، فانظر في ذلك فإن فيه صلاح خواصنا وعوامنا إن شاء الله تعالى. قالوا: فعزل يزيد الوليد وولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان، فسار إلى الحجاز وإذا هو فتى غر حدث غمر لم يمارس الامور، فطعموا فيه، ولما دخل المدينة بعث إلى يزيد منها وفدا فيهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الانصاري، وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة الحضرمي (3)، والمنذر بن الزبير، ورجال كثير من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيد


(1) في ابن الاثير: 4 / 103: النخعي. (2) في الطبري 7 / 3 والكامل لابن الاثير: ابن الزبير. (3) في ابن الاثير 4 / 102 والطبري 7 / 4: المخزومي. (*)

[ 236 ]

فأكرمهم وأحسن إليهم وعظم جوائزهم، ثم انصرفوا راجعين إلى المدينة، إلا المنذر بن الزبير فإنه سار إلى صاحبه عبيد الله بن زياد بالبصرة، وكان يزيد قد أجازه بمائة ألف نظير أصحابه من أولئك الوفد، ولما رجع وفد المدينة إليها أظهروا شتم يزيد وعيبه وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر وتعزف عنده القينات بالمعازف (1)، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه، فتابعهم الناس على خلعه، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على الموت، وأنكر عليهم عبد الله بن عمر بن الخطاب (2)، ورجع المنذر بن الزبير من البصرة إلى المدينة فوافق أولئك على خلع يزيد، وأخبرهم عنه أنه يشرب الخمر ويسكر حتى ترك الصلاة، وعابه أكثر مما عابه أولئك. فلما بلغ ذلك يزيد قال: اللهم إني آثرته وأكرمته ففعل ما قد رأيت، فأدركه وانتقم منه. ثم إن يزيد بعث إلى أهل المدينة النعمان بن بشير ينهاهم عما صنعوا ويحذرهم غب ذلك ويأمرهم بالرجوع إلى السمع والطاعة ولزوم الجماعة، فسار إليهم ففعل ما أمره يزيد وخوفهم الفتنة وقال لهم: إن الفتنة وخيمة، وقال: لا طاقة لكم بأهل الشام، فقال له عبد الله بن مطيع: ما يحملك يا نعمان على تفريق جماعتنا وفساد ما أصلح الله من أمرنا ؟ فقال له النعمان: أما والله لكأني وقد تركت تلك الامور التي تدعو إليها، وقامت الرجال على الركب التي تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف، ودارت رحا الموت بين الفريقين، وكأني بك قد ضربت جنب بغلتك إلي (3) وخلفت هؤلاء المساكين - يعني الانصار - يقتلون في سككهم ومساجدهم، وعلى أبواب دورهم. فعصاه الناس فلم يسمعوا منه فانصرف وكان الامر والله كما قال سواء. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة كذا قال وفيه نظر، فإنه إن كان في وفد أهل المدينة وقد رجعوا من عند يزيد فإنما وفد عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وإن كان قد حج بالناس فيها الوليد فما قدم وفد المدينة إلى يزيد إلا في أول سنة ثلاث وستين وهو أشبه والله أعلم. وممن توفي في هذه السنة من الاعيان بريدة بن الحصيب الاسلمي كان إسلامه حين اجتاز به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مهاجر إلى المدينة عند كراع الغميم، فلما كان هناك تلقاه بريدة في ثمانين نفسا من أهله فأسلموا، وصلى بهم صلاة العشاء وعلمه ليلتئذ صدرا من سورة مريم، ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بعد أحد فشهد معه المشاهد كلها وأقام بالمدينة، فلما فتحت البصرة نزلها واختط بها دارا، ثم خرج إلى غزو خراسان فمات بمرو في خلافة يزيد بن معاوية. ذكر موته غير واحد في هذه السنة.


(1) في الطبري وابن الاثير: ويعزف بالصنابير (ويضرب: في ابن الاثير) ويضرب عنده القيان (في ابن الاثير: ويعزف) ويلعب بالكلاب ويسمر عنده الحراب (اللصوص) والفتيان. (2) لم يرد ذكره لا في الطبري ولا في ابن الاثير. (3) في الطبري وابن الاثير: إلى مكة. (*)

[ 237 ]

الربيع بن خثيم أبو يزيد ؟ نوري الكوفي أحد أصحاب ابن مسعود قال له عبد الله بن مسعود: ما رأيتك قط إلا ذكرت المخبتين، ولو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحبك. وكان ابن مسعود يجله كثيرا، وقال الشعبي: كان الربيع من معادن الصدق، وكان أورع أصحاب ابن مسعود، وقال ابن معين: لا يسأل عن مثله، وله مناقب كثيرة جدا، أرخ ابن الجوزي وفاته في هذه السنة. علقمة بن قيس أبو شبل النخعي الكوفي كان من أكابر أصحاب ابن مسعود وعلمائهم وكان يشبه بابن مسعود وقد روى علقمة عن جماعة من الصحابة وعنه خلق من التابعين. عقبة بن نافع الفهري بعثه معاوية إلى إفريقية في عشرة آلاف فافتتحها، واختط القيروان، وكان موضعها غيضة لا ترام من السباع والحيات والحشرات، فدعا الله تعالى فجعلن يخرجن منها بأولادهن من الاوكار والجحار، فبناها ولم يزل بها حتى هذه السنة (1)، غزا أقواما من البربر والروم فقتل شهيدا رضي الله عنه. عمر بن حزم صحابي جليل استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على نجران وعمره سبع عشرة سنة وأقام بها مدة، وأدرك أيام يزيد بن معاوية. مسلم بمن مخلد الانصاري الزرقي ولد عام الهجرة، وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد فتح مصر، وولي الجند بها لمعاوية ويزيد، ومات في ذي القعدة من هذه السنة. مسلم بن معاوية الديلمي صحابي جليل شهد بدرا وأحدا والخندق مع المشركين، وكانت له في المسلمين نكاية، ثم أسلم وحسن إسلامه، وشهد فتح مكة وحنينا، وحج مع أبي بكر سنة تسع، وشهد حجة


(1) يذكر ابن الاثير في تاريخه ان معاوية عزل عقبة عن أفريقيا فعاد إلى الشام ثم وعده معاوية بإعادته إلى عمله ولم يزل في الشام إلى وفاة معاوية فاستعمله يزيد على أفريقيا من جديد سنة 62 ه‍ (الكامل 4 / 217). (*)

[ 238 ]

الوداع، وعمر ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الاسلام، قاله الواقدي. قال: وأدرك أيام يزيد بن معاوية، وقال ابن الجوزي: مات في هذه السنة. وفيها توفيت الرباب بنت أنيف امرأة الحسين بن علي التي كانت حاضرة أهل العراق إذ هم يعدون في السبت أو في الجمعة على زوجها الحسين بن علي ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم دخلت سنة ثلاث وستين ففيها كانت وقعة الحرة: وكان سببها أن أهل المدينة لما خلعوا يزيد بن معاوية وولوا على قريش عبد الله بن مطيع، وعلى الانصار عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، فلما كان في أول هذه السنة أظهروا ذلك واجتمعوا عند المنبر فجعل الرجل منهم يقول: قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي هذه، ويلقيها عن رأسه، ويقول الآخر: قد خلعته كما خلعت نعلي هذه، حتى اجتمع شئ كثير من العمائم والنعال هناك، ثم اجتمعوا على إخراج عامل يزيد من بين أظهرهم، وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان ابن عم يزيد (1)، وعلى إجلا بني أمية من المدينة، فاجتمعت بنو أمية في دار مروان بن الحكم، وأحاط بهم أهل المدينة يحاصرونهم، واعتزل الناس علي بن الحسين " زين العابدين " وكذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب لم يخلعا يزيد، ولا أحد من بيت ابن عمر، وقد قال ابن عمر لاهله: لا يخلعن أحد منكم يزيد فتكون الفيصل ويروى الصيلم بيني وبينه، وسيأتي هذا الحديث بلفظه وإسناده في ترجمة يزيد، وأنكر على أهل المدينة في مبايعتهم لابن مطيع وابن حنظلة على الموت، وقال: إنما كنا نبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر، وكذلك لم يخلع يزيد أحد من بني عبد المطلب، وقد سئل محمد بن الحنفية في ذلك فامتنع عن ذلك أشد الامتناع، وناظرهم وجادلهم في يزيد ورد عليهم ما اتهموا يزيد به من شرب الخمر وتركه بعض الصلوات كما سيأتي مبسوطا في ترجمة يزيد قريبا إن شاء الله، وكتب بنو أمية إلى يزيد (2) بما هم فيه من الحصر والاهانة، والجوع والعطش، وإنه إن لم يبعث إليهم من ينقذهم مما هم فيه وإلا استؤصلوا عن آخرهم، وبعثوا ذلك مع البريد، فلما قدم بذلك على يزيد وجده جالسا على سريره ورجلاه في ماء يتبرد به مما به من النقرس في رجليه، فلما قرأ الكتاب انزعج لذلك وقال: ويلك ! ما فيهم ألف رجل ؟ قال: بلى، قال: فهل لا قاتلوا ساعة من النهار ؟ ثم بعث إلى عمرو بن سعيد بن العاص فقرأ عليه الكتاب واستشاره فيمن يبعثه إليهم، وعرض عليه أن يبعثه إليهم فأبى عليه ذلك، وقال: إن أمير المؤمنين عزلني عنها وهي مضبوطة وأمورها محكمة، فأما الآن فإنما دماء قريش تراق


(1) في فتوح ابن الاعثم 5 / 292: كان عمرو بن سعيد بن العاص عاملا ليزيد على المدينة - وقد تقدم عزله -. (2) في الطبري 7 / 5 كتب مروان بن الحكم الكتاب إلى يزيد وأرسله مع حبيب بن قرة. أما في الاخبار الطوال ص 264: ارتحل مروان من المدينة بولده وأهل بيته حتى لحق بالشام. (*)

[ 239 ]

بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك منهم، ليتولى ذلك من هو أبعد منهم مني، قال: فبعث البريد إلى مسلم بن عقبة المزني (1) وهو شيخ كبير ضعيف فانتدب لذلك وأرسل معه يزيد عشرة آلاف فارس، وقيل اثنا عشر ألفا وخمسة عشر ألف رجل (2)، وأعطى كل واحد منهم مائة دينار (3) وقيل أربعة دنانير، ثم استعرضهم وهو على فرس له (4)، قال المدائني: وجعل على أهل دمشق عبد الله بن مسعدة الفزاري، وعلى أهل حمص حصين بن نمير السكوني، وعلى أهل الاردن حبيش بن دلجة القيني، وعلى أهل فلسطين روح بن زنباع الجذامي وشريك الكناني، وعلى أهل قنسرين طريف بن الحسحاس الهلالي، وعليهم مسلم بن عقبة المزني من غطفان، وإنما يسميه السلف مسرف بن عقبة. فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين ولني عليهم أكفك - وكان النعمان أخا عبد الله بن حنظلة لامه عمرة بنت رواحة - فقال يزيد لا ! ليس لهم إلا هذا الغشمة، والله لاقتلنهم بعد إحساني إليهم وعفوي عنهم مرة بعد مرة. فقال النعمان يا أمير المؤمنين أنشدك الله في عشيرتك وأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال له عبد الله بن جعفر: أرأيت إن رجعوا إلى طاعتك أيقبل منهم ؟ قال: إن فعلوا فلا سبيل عليهم، وقال يزيد لمسلم بن عقبة: ادع القوم ثلاثا فإن رجعوا إلى الطاعة فاقبل منه وكف عنهم، وإلا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا ظهرت عليهم فأبح المدينة ثلاثا ثم اكفف عن الناس، وانظر إلى علي بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيرا، وأدن مجلسه، فإنه لم يدخل في شئ مما دخلوا فيه، وأمر مسلم إذا فرغ من المدينة أن يذهب إلى مكة لحصار ابن نمير، وقال له: إن حدث بك أمر فعلى الناس حصين بن نمير السكوني. وقد كان يزيد كتب إلى عبيد الله بن زياد أن يسير إلى الزبير فيحاصره بمكة، فأبى عليه وقال: والله لا أجمعهما للفاسق أبدا، أقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغزو البيت الحرام ؟ وقد كانت أمه مرجانة قالت له حين قتل الحسين: ويحك ماذا صنعت وماذا ركبت ؟ وعنفته تعنيفا شديدا. قالوا: وقد بلغ يزيد أن ابن الزبير يقول في خطبته: يزيد القرود، شارب الخمور، تارك الصلوات، منعكف على القينات. فلما جهز مسلم بن عقبة واستعرض الجيش بدمشق جعل يقول: أبلغ أبا بكر إذا الجيش سرى * وأشرف الجيش على وادي القرى (5)


(1) في الطبري 7 / 6 والكامل لابن الاثير 4 / 112: المري. (2) في ابن الاعثم 5 / 293: عشرون ألف فارس وسبعة آلاف راجل. (3) في ابن الاعثم: مائتي دينار ولكل راجل مائة دينار (عدا أعطياتهم). (4) في الاخبار الطوال ص 264: شيعهم حتى بلغ ماء يقال له " وبرة " وهي أقرب مياه الشام إلى الحجاز. وفي ابن الاعثم: إلى الثنية. (5) في الطبري والكامل وابن الاعثم... إذا الليل سرى وهبط القوم... (وانظر الاخبار الطوال ص 265 ومروج الذهب 3 / 84). (*)

[ 240 ]

أجمع سكران من القوم ترى * يا عجبا من ملحد في أم القرى (1) * مخادع للدين يقضي بالفرى * (2) وفي رواية: أبلغ أبا بكر إذا الامر انبرى * ونزل الجيش على وادي القرى عشرون ألفا بين كهل وفتى * أجمع سكران من القوم ترى قالوا: وسار مسلم بمن معه من الجيوش إلى المدينة، فلما اقترب منها اجتهد أهل المدينة في حصار بني أمية، وقالوا لهم: والله لنقتلنكم عن آخركم أو تعطونا موثقا أن لا تدلوا علينا أحدا من هؤلاء الشاميين، ولا تمالئوهم علينا، فأعطوهم العهود بذلك، فلما وصل الجيش تلقاهم بنو أمية فجعل مسلم يسألهم عن الاخبار فلا يخبره أحد، فانحصر لذلك، وجاءه عبد الملك بن مروان فقال له: إن كنت تريد النصر فأنزل شرقي المدينة في الحرة، فإذا خرجوا إليك كانت الشمس في أقفيتكم وفي وجوههم، فادعهم إلى الطاعة، فإن أجابوك وإلا فاستعن بالله وقاتلهم فإن الله ناصرك عليهم إذ خالفوا الامام وخرجوا عن الطاعة. فشكره مسلم بن عقبة على ذلك، وامتثل ما أشار به، فنزل شرقي المدينة في الحرة، ودعا أهلها ثلاثة أيام، كل ذلك يأبون إلا المحاربة والمقاتلة، فلما مضت الثلاثة قال لهم في اليوم الرابع - وهو يوم الاربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين - قال لهم: يا أهل المدينة: مضت الثلاث وإن أمير المؤمنين قال لي: إنكم أصله وعشيرته، وإنه يكره إراقة دمائكم، وإنه أمرني أن أؤجلكم ثلاثا فقد مضت، فماذا أنتم صانعون ؟ أتسالمون أم تحاربون ؟ فقالوا: بل نحارب. فقال: لا تفعلوا بل سالموا ونجعل جدنا وقوتنا على هذا الملحد - يعني ابن الزبير - فقالوا: يا عدو الله ! لو أردت ذلك لما مكناك منه، أنحن نذركم تذهبون فتلحدون في بيت الله الحرام ؟ ثم تهيأوا للقتال، وقد كانوا اتخذوا خندقا بينهم وبين ابن عقبة، وجعلوا جيشهم أربعة أرباع على كل ربع أمير (3)، وجعلوا أجمل الارباع الرباع الذي فيه عبد الله بن حنظلة الغسيل، ثم اقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزم أهل المدينة إليها. وقد قتل من الفريقين خلق من السادات والاعيان، منهم عبد الله بن مطيع وبنون له سبعة بين يديه، وعبد الله بن حنظلة الغسيل، وأخوه لامه محمد بن ثابت بن شماس، ومحمد بن عمرو بن حزم،


(1) في الطبري والكامل وابن الاعثم يا عجبا من ملحد يا عجبا. (2) في الطبري: يقفو بالعرى، وفي الكامل: يعفو بالعرى. (3) في الطبري 7 / 8 عبد الرحمن بن زهير بن عبد عوف على ربع، وعبد الله بن مطيع على ربع آخر، ومعقل بن سنان الاشجعي على ربع آخر وعبد الله بن حنظلة الغسيل الانصاري في أعظم تلك الارباع وأكثره عددا. (*)

[ 241 ]

وقد مر به مروان وهو مجندل فقال: رحمك الله فكم من سارية قد رأيتك تطيل عندها القيام والسجود. ثم أباح مسلم بن عقبة، الذي يقول فيه السلف مسرف بن عقبة - قبحه الله من شيخ سوء ما أجهله - المدينة ثلاث أيام كما أمره يزيد، لا جزاه الله خيرا، وقتل خلقا من أشرافها وقرائها وانتهب أموالا كثيرة منها، ووقع شر عظيم وفساد عريض على ما ذكره غير واحد. فكان ممن قتل بين يديه صبرا معقل بن سنان، وقد كان صديقه قبل ذلك (1)، ولكن أسمعه في يزيد كلاما غليظا فنقم عليه بسببه، واستدعى بعلي بن الحسين فجاء يمشي بين مروان بن الحكم وابنه عبد الملك، ليأخذ له بهما عنده أمانا، ولم يشعر أن يزيد أوصاه به، فلما جلس بين يديه استدعى مروان بشراب - وقد كان مسلم بن عقبة حمل معه من الشام ثلجا إلى المدينة فكان يشاب له بشرابه - فلما جئ بالشراب شرب مروان قليلا ثم أعطى الباقي لعلي بن الحسين ليأخذ له بذلك أمانا، وكان مروان مواذا لعلي بن الحسين، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قد أخذ الاناء في يده قال له: لا تشرب من شرابنا، ثم قال له: إنما جئت مع هذين لتأمن بهما ؟ فارتعدت يد علي بن الحسين وجعل لا يضع الاناء من يده ولا يشربه، ثم قال له: لولا أن أمير المؤمنين أوصاني بك لضربت عنقك، ثم قال له: إن شئت أن تشرب فاشرب، وإن شئت دعونا لك بغيرها، فقال: هذه الذي في كفي أريد، فشرب ثم قال له مسلم بن عقبة: قم إلى ههنا فاجلس، فأجلسه معه على السرير وقال له: إن أمير المؤمنين أوصاني بك، وإن هؤلاء شغلوني عنك. ثم قال لعلي بن الحسين: لعل أهلك فزعوا، فقال: إي والله. فأمر بدابته فأسرجت ثم حمله عليها حتى رده إلى منزله مكرما. ثم استدعى بعمرو بن عثمان بن عفان - ولم يكن خرج مع بني أمية - فقال له: إنك إن ظهر أهل المدينة قلت أنا معكم، وإن ظهر أهل الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين، ثم أمر به فنتفت لحيته بين يديه - وكان ذا لحية كبيرة -. قال المدائني: وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام، يقتلون من وجدوا من الناس، ويأخذون الاموال. فأرسلت سعدى بنت عوف المرية إلى مسلم بن عقبة تقول له: أنا بنت عمك فمر أصحابك أن لا يتعرضوا لابلنا بمكان كذا وكذا، فقال لاصحابه: لا تبدأوا إلا بأخذ إبلها أولا. وجاءته امرأة فقالت: أنا مولاتك في الاسارى، فقال: عجلوه لها، فضربت عنقه، وقال: اعطوه رأسه، أما ترضين أن لا يقتل حتى تتكلمي في ابنك ؟ ووقعوا على النساء حتى قيل إنه حبلت ألف امرأة في تلك الايام من غير زوج فالله أعلم. قال المدائني عن أبي قرة قال: قال هشام بن حسان: ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج. وقد اختفى جماعة من سادات


(1) في ابن الاعثم 5 / 297 - 298: قال مسلم: ابن عمي، وقال معقل: أنا ابن عمك، فأنا رجل من أشجع وأنت من بني مرة ويجمع وإياك قيس غيلان. (*)

[ 242 ]

الصحابة منهم جابر بن عبد الله، وخرج أبو سعيد الخدري فلجأ إلى غار في جبل (1) فلحقه رجل من أهل الشام، قال: فلما رأيته انتضبت سيفي فقصدني، فلما رآني صمم على قتلي فشممت سيفي ثم قلت: * (إني أريد أن تبوء باثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) * فلما رأى ذلك قال: من أنت ؟ قلت: أنا أبو سعيد الخدري قال: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت: نعم ! فمضى وتركني. قال المدائني: وجئ إلى مسلم بسعيد بن المسيب فقال له: بايع ! فقال: أبايع على سيرة أبي بكر وعمر. فأمر بضرب عنقه، فشهد رجل أنه مجنون فخلى سبيله (2). وقال المدائني عن عبد الله القرشي وأبي إسحاق التميمي قالا: لما انهزم أهل المدينة يوم الحرة صاح النساء والصبيان، فقال ابن عمر: بعثمان ورب الكعبة. قال المدائني عن شيخ من أهل المدينة. قال: سألت الزهري كم كان القتلى يوم الحرة قال: سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والانصار، ووجوه الموالي وممن لا أعرف من حر وعبد وغيرهم عشرة آلاف (3). قال: وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وانتهبوا المدينة ثلاث أيام. قال الواقدي وأبو معشر: كانت وقعة الحرة يوم الاربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين. قال الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن ابن عون قال: وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكانوا يسمونه العائذ - يعني العائذ بالبيت - ويرون الامر شورى، وجاء خبر الحرة إلى أهل مكة ليلة مستهل المحرم مع سعيد مولى المسور بن مخرمة، فحزنوا حزنا شديدا وتأهبوا لقتال أهل الشام. قال ابن جرير: وقد رويت قصة الحرة على غير ما رواه أبو مخنف: فحدثني أحمد بن زهير، ثنا أبي، سمعت وهب بن جرير، ثنا جويرية بن أسماء قال: سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية لما حضرته الوفاة دعا ابنه يزيد فقال له: إن لك من أهل المدينة يوما، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإنه رجل قد عرفت نصيحته لنا، فلما هلك معاوية وفد إلى يزيد وفد من أهل المدينة، وكان ممن وفد إليه عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر - وكان شريفا


(1) في الامامة والسياسة 1 / 213 وابن الاعثم 5 / 295: لزم بيته. (2) في الامامة والسياسة: كان سعيد بن المسيب لم يبرح من المسجد ولم يكن يخرج إلا من الليل إلى الليل. (3) في مروج الذهب 3 / 85: قتل من آل أبي طالب اثنان - ومن بني هاشم ثلاثة وبضع وتسعون رجلا من سائر قريش ومثلهم من الانصار، وأربعة آلاف من سائر الناس، ودون من لم يعرف. وقال ابن الاعثم 5 / 295: قتل من أولاد المهاجرين ألف وثلاثمائة وقتل من أبناء الانصار ألف وسبعمائة ومن العبيد والموالي وسائر الناس ثلاثة آلاف وخمسمائة. وفي الامامة والسياسة 1 / 216: قتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ومن قريش والانصار سبع مئة ومن سائر الناس من الموالي والعرب والتابعين عشرة آلاف. وفي المعرفة والتاريخ 3 / 325 عن مالك بن أنس قال: قتل يوم الحرة سبعمائة من حملة القرآن وكان فيهم ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. (*)

[ 243 ]

فاضلا سيدا عابدا - ومعه ثمانية بنين له فأعطاه يزيد مائة ألف درهم، وأعطى بنيه كل واحد منهم عشرة آلاف سوى كسوتهم وحملاتهم، ثم رجعوا إلى المدينة، فلما قدمها أتاه الناس فقالوا له: ما وراءك ؟ فقال: جئتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم قالوا: قد بلغنا أنه أعطاك وأخدمك وأحذاك وأكرمك. قال: قد فعل وما قبلت منه إلا لا تقوى به على قتاله، فحض الناس فبايعوه، فبلغ ذلك يزيد فبعث إليهم مسلم بن عقبة، وقد بعث أهل المدينة إلى كل ماء بينهم وبين الشام فصبوا فيه زقا من قطران وغوروه، فأرسل الله على جيش الشام السماء مدرارا بالمطر، فلم يستقوا بدلو حتى وردوا المدينة، فخرج أهل المدينة بجموع كثيرة وهيئة لم ير مثلها، فلما رآهم أهل الشام هابوهم وكرهوا قتالهم، وكان أميرهم مسلم شديد الوجع، فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا التكبير من خلفهم في جوف المدينة، قد أقحم عليهم بنو حارثة من أهل الشام وهم على الجدر، فانهزم الناس فكان من أصيب في الخندق أعظم ممن قتل، فدخلوا المدينة وعبد الله بن حنظلة مستند إلى الجدار يغط نوما، فنبهه ابنه، فلما فتح عينيه ورأى ما صنع الناس، أمر أكبر بنيه فتقدم فقاتل حتى قتل، فدخل مسلم بن عقبة المدينة فدعا الناس للبيعة على أنهم خول (1) ليزيد بن معاوية، ويحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء. وقد روى ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد الصمد من تاريخه من كتاب المجالسة لاحمد بن مروان المالكي: ثنا الحسين بن الحسن اليشكري، ثنا الزيادي عن الاصمعي ح. وحدثني محمد بن الحارث عن المدائني قال: لما قتل أهل الحرة هتف هاتف بمكة على أبي قيس مساء تلك الليلة، وابن الزبير جالس يسمع: والصائمون القانتو * ن أولو العبادة والصلاح المهتدون المحسنو * ن السابقون إلى الفلاح ماذا بواقم والبقي‍ * ع من الجحاجحة الصباح وبقاع يثرب ويحهن‍ * - ن من النوادب والصياح قتل الخيار بنو الخيا * ر ذوي المهابة والسماح فقال ابن الزبير: يا هؤلاء قتل أصحابكم فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد أخطأ يزيد خطأ فاحشا في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام، وهذا خطأ كبير فاحش، مع ما انضم إلى ذلك من قتل خلق من الصحابة وأبنائهم، وقد تقدم أنه قتل الحسين وأصحابه على يدي عبيد الله بن زياد. وقد وقع في هذه الثلاثة أيام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يحد ولا يوصف، مما لا يعلمه إلا الله عز وجل، وقد أراد بارسال مسلم بن


(1) خول: خدم وعبيد، وفي الاخبار الطوال ص 265: بايع على أنكم فئ لامير المؤمنين. (*)

[ 244 ]

عقبة توطيد سلطانه وملكه، ودوام أيامه من غير منازع، فعاقبه الله بنقيض قصده، وحال بينه وبين ما يشتهيه، فقصمه الله قاصم الجبابرة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد. قال البخاري في صحيحه: حدثنا الحسين بن حريث (1)، ثنا الفضل بن موسى، ثنا الجعيد، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء " (2). وقد رواه مسلم من حديث أبي عبد الله القراظ المديني - واسمه دينار - عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يريد أحد المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص - أو ذوب الملح في الماء ". وفي رواية لمسلم من طريق أبي عبد الله القراظ عن سعد وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء " (3). وقال الامام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، ثنا يزيد بن خصيفة، عن عطاء بن يسار، عن السائب بن خلاد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا " (4). ورواه النسائي من غير وجه عن علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن خصيفة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن عطاء بن يسار، عن خلاد بن منجوف بن الخزرج أخبره فذكره. وكذلك رواه الحميدي عن عبد العزيز بن أبي حازم عن يزيد بن خصيفة. ورواه النسائي أيضا عن يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد، عن يحيى بن سعيد، عن مسلم بن أبي مريم، عن عطاء بن يسار عن ابن خلاد - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - فذكره. وقال ابن وهب: أخبرني حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن أبي بكر، عن عطاء بن يسار، عن السائب بن خلاد، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ". وقال الدارقطني: ثنا علي بن أحمد بن القاسم، ثنا أبي، ثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، ثنا أبو زكريا، يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس الانصاري، عن محمد وعبد الرحمن ابني جابر بن عبد الله قالا: خرجنا مع أبينا يوم الحرة وقد كف بصره فقال: تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا أبة وهل أحد يخيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: سمعت


(1) من البخاري وفي الاصل الحارث. (2) أخرجه البخاري في كتاب فضائل المدينة (7) باب. ح‍ (1877) فتح الباري 4 / 94. (3) أخرجه في صحيحه. كتاب الحج (89) باب. ح‍ 493 - 494 ص 2 / 1007 - 1008. (4) مسند أحمد ج 4 / 55. (*)

[ 245 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أخاف أهل هذا الحي من الانصار فقد أخاف ما بين هذين - ووضع يده على جبينه - " (1) قال الدارقطني: تفرد به سعد بن عبد العزيز لفظا وإسنادا، وقد استدل بهذا الحديث وأمثاله من ذهب إلى الترخيص في لعنة يزيد بن معاوية وهو رواية عن أحمد بن حنبل اختارها الخلال وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وابنه القاضي أبو الحسين وانتصر لذلك أبو الفرج بن الجوزي في مصنف مفرد، وجوز لعنته. ومنع من ذلك آخرون وصنفوا فيه أيضا لئلا يجعل لعنه وسيلة إلى أبيه أو أحد من الصحابة، وحملوا ما صدر عنه من سوء التصرفات على أنه تأول وأخطأ، وقالوا: إنه كان مع ذلك إماما فاسقا، والامام إذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقع الهرج وسفك الدماء الحرام، ونهب الاموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كان واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا. وأما ما يذكره بعض الناس من أن يزيد لما بلغه خبر أهل المدينة وما جرى عليهم عند الحرة من مسلم بن عقبة وجيشه، فرح بذلك فرحا شديدا، فإنه كان يرى أنه الامام وقد خرجوا عن طاعته، وأمروا عليهم غيره، فله قتالهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ولزوم الجماعة، كما أنذرهم بذلك على لسان النعمان بن بشير ومسلم بن عقبة كما تقدم، وقد جاء في الصحيح: " من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنا من كان ". وأما ما يوردونه عنه من الشعر في ذلك واستشهاده بشعر ابن الزبعرى في وقعة أحد التي يقول فيها: ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع (2) الخزرج من وقع الاسل حين حلت بفنائهم (3) بركها * واستحر القتل في عبد الاشل قد قتلنا الضعف من أشرافهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل (4)


(1) في رواية الامامة والسياسة عن جابر 1 / 214: جنبي. (2) في فحول الشعراء ص 199: ضجر، وفي فتوح ابن الاعثم 5 / 241: وقعة. وورد في سمط النجوم العوالي هذا البيت فقط. (3) في فحول الشعراء: ألقت بقناة، وفي الاخبار الطوال ص 267: حكت بقباء. (4) في فحول الشعراء ص 200: فقبلنا النصف من سادتهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل وفي نور العين: قد قتلنا النصف من أشرافكم... وفي ابن الاعثم 5 / 241: فجزيناهم ببدر مثلها * وأقمنا مثل بدر فاعتدل (*)

[ 246 ]

وقد زاد بعض الروافض فيها فقال: لعبت هاشم بالملك فلا * ملك جاءه ولا وحي نزل فهذا إن قاله يزيد بن معاوية فلعنة الله عليه ولعنة اللاعنين، وإن لم يكن قاله فلعنة الله على من وضعه عليه ليشنع به عليه، وسيذكر في ترجمة يزيد بن معاوية قريبا، وما ذكر عنه وما قيل فيه وما كان يعانيه من الافعال والقبائح والاقوال في السنة الآتية، فإنه لم يمهل بعد وقعة الحرة وقتل الحسين إلا يسيرا حتى قصمه الله الذي قصم الجبابرة قبله وبعده، إنه كان عليما قديرا. وقد توفي في هذه السنة خلق من المشاهير والاعيان من الصحابة وغيرهم في وقعة الحرة مما يطول ذكرهم. فمن مشاهيرهم من الصحابة عبد الله بن حنظلة أمير المدينة في وقعة الحرة، ومعقل بن سنان وعبيد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنهم، ومسروق بن الاجدع. ثم دخلت سنة أربع وستين ففيها في أول المحرم منها سار مسلم بن عقبة إلى مكة قاصدا قتال ابن الزبير ومن التف عليه من الاعراب، على مخالفة يزيد بن معاوية، واستخلف على المدينة روح بن زنباع (1)، فلما بلغ ثنية هرشا (2) بعث إلى رؤوس الاجناد فجمعهم، فقال: إن أمير المؤمنين عهد إلي أن حديث بي حدث الموت أن أستخلف عليكم حصين بن نمير السكوني، ووالله لو كان الامر لي ما فعلت، ثم دعا به فقال: انظر يا بن بردعة الحمار فاحفظ ما أوصيك به، ثم أمره إذا وصل مكة أن يناجز ابن الزبير قبل ثلاث، ثم قال: اللهم إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، أحب إلي من قتل أهل المدينة، وأجزى عندي في الآخرة. وإن دخلت النار بعد ذلك إني لشقي، ثم مات قبحه الله ودفن بالمسلك (3) فيما قاله الواقدي. ثم أتبعه الله بيزيد بن معاوية فمات بعده في ربيع الاول لاربع عشر ليلة خلت منه، فما متعهما الله بشئ مما رجوه وأملوه، بل قهرهم القاهر فوق عباده، وسلبهم الملك، ونزعه منهم من ينزع الملك ممن يشاء. وسار حصين بن نمير بالجيش نحو مكة فانتهى إليها لاربع بقين من المحرم فيما قاله الواقدي، وقيل لسبع مضين منه، وقد تلاحق بابن الزبير جماعات ممن بقي من أشراف أهل المدينة،


(1) وقال الواقدي: استخلف عمرو بن محرز الاشجعي. (2) هرشى: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة. (3) في الطبري 7 / 14: المشلل، وفي رواية هشام بن الكلبي: ثنية هرشى. وفي مروج الذهب 3 / 86 والامامة والسياسة 2 / 11: قديد. (*)

[ 247 ]

وانضاف إليه أيضا نجدة بن عامر الحنفي - من أهل اليمامة - في طائفة من أهلها ليمنعوا البيت من أهل الشام، فنزل حصين بن نمير ظاهر مكة، وخرج إليه ابن الزبير في أهل مكة ومن التف معه فاقتتلوا عند ذلك قتالا شديدا، وتبارز المنذر بن الزبير ورجل من أهل الشام فقتل كل واحد منهما صاحبه، وحمل أهل الشام على أهل مكة حملة صادقة، فانكشف أهل مكة، وعثرت بغلة عبد الله بن الزبير به، فكر عليه المسور بن مخرمة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف وطائفة فقاتلوا دونه حتى قتلوا جميعا، وصابرهم ابن الزبير حتى الليل فانصرفوا عنه ثم اقتتلوا في بقية شهر المحرم وصفرا بكماله، فلما كان يوم السبت ثالث ربيع الاول سنة أربع وستين نصبوا المجانيق على الكعبة ورموها حتى بالنار، فاحترق جدار البيت في يوم السبت، هذا قول الواقدي، وهم يقولون: خطاره مثل الفتيق المزبد * ترمى بها جدران (1) هذا المسجد وجعل عمر بن حوطة السدوسي يقول: كيف ترى صنيع أم فروة * تأخذهم بين الصفا والمروة وأم فروة اسم المنجنيق، وقيل: إنما احترقت لان أهل المسجد جعلوا يوقدون النار وهم حول الكعبة، فعلقت النار في بعض أستار الكعبة فسرت إلى أخشابها وسقوفها فاحترقت، وقيل إنما احترقت لان ابن الزبير سمع التكبير على بعض جبال مكة في ليلة ظلماء فظن أنهم أهل الشام، فرفعت نار على رمح لينظروا من هؤلاء الذين على الجبل، فأطارت الريح شررة من رأس الرمح إلى ما بين الركن اليماني والاسود من الكعبة، فعلقت في أستارها وأخشابها فاحترقت، واسود الركن وانصدع في ثلاثة أمكنة منه. واستمر الحصار إلى مستهل ربيع الآخر، وجاء الناس نعي يزيد بن معاوية، وأنه قد مات لاربع عشرة ليلة خلت من ربيع الاول سنة أربع وستين، وهو ابن خمس أو ثمان أو تسع وثلاثين سنة، فكانت ولايته ثلاث سنين وستة أو ثمانية أشهر، فغلب أهل الشام هنالك وانقلبوا صاغرين، فحينئذ خمدت الحرب وطفئت نار الفتنة، ويقال: إنهم مكثوا يحاصرون ابن الزبير بعد موت يزيد نحو أربعين ليلة، ويذكر أن ابن الزبير علم بموت يزيد قبل أهل الشام فنادى فيهم: يا أهل الشام قد أهلك الله طاغيتكم، فمن أحب منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فليفعل، ومن أحب أن يرجع إلى شامه فليرجع، فلم يصدق الشاميون أهل مكة فيما أخبروهم به، حتى جاء ثابت بن قيس بن القيقع (2) بالخبر اليقين. ويذكر أن حصين بن نمير دعاه ابن الزبير ليحدثه بين الصفين فاجتمعا حتى اختلفت رؤوس فرسيهما، وجعلت فرس حصين تنفر ويكفها، فقال له ابن الزبير: مالك ؟ فقال: إن الحمام تحت رجلي فرسي تأكل من الروث


(1) في الطبري 7 / 14 وفي الكامل 4 / 124: نرمي بها أعواد. (2) في الطبري 7 / 16: المنقع. (*)

[ 248 ]

فأكره أن أطأ حمام الحرم، فقال له: تفعل هذا وأنت تقتل المسلمين ؟ فقال له حصين. فأذن لنا فلنطف بالكعبة ثم ترجع جلى بلادنا، فأذن لهم فطافوا. وذكر ابن جرير أن حصينا وابن الزبير اتعدا ليلة أن يجتمعا فاجتمعا بظاهر مكة (1)، فقال له حصين: إن كان هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الامر بعده، فهلم فارحل معي إلى الشام، فوالله لا يختلف عليك اثنان. فيقال: إن ابن الزبير لم يثق منه بذلك وأغلظ له في المقال فنفر منه ابن نمير وقال: أنا أدعوه إلى الخلافة وهو يغلظ لي في المقال ؟ ثم كر بالجيش راجعا إلى الشام، وقال: أعده بالملك ويتواعدني بالقتل ؟. ثم ندم ابن الزبير على ما كان منه إليه من الغلظة، فبعث إليه يقول له: أما الشام فلست آتيه ولكن خذلي البيعة على من هناك، فإني أؤمنكم وأعدل فيكم. فبعث إليه يقول له: إن من يبتغيها من أهل هذا البيت بالشام لكثير. فرجع فاجتاز بالمدينة فطمع فيه أهلها وأهانوهم إهانة بالغة، وأكرمهم علي بن الحسين " زين العابدين " وأهدى لحصين بن نمير قتا وعلفا، وارتحلت بنو أمية مع الجيش إلى الشام فوجدوا معاوية بن يزيد بن معاوية قد استخلف مكان أبيه بدمشق عن وصية من أبيه له بذلك، والله سبحانه أعلم بالصواب. وهذه ترجمة يزيد بن معاوية هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أمير المؤمنين أبو خالد الاموي، ولد سنة خمس أو ست أو سبع وعشرين، وبويع له بالخلافة في حياة أبيه أن يكون ولي العهد من بعده، ثم أكد ذلك بعد موت أبيه في النصف من رجب سنة ستين، فاستمر متوليا إلى أن توفي في الرابع عشر من ربيع الاول سنة أربع وستين، وأمه ميسون بنت مخول بن أنيف بن دلجة بن نفاثة بن عدي بن زهير بن حارثة الكلبي. روى عن أبيه معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " (2). وحديثا آخر في الوضوء. وعنه ابنه خالد وعبد الملك بن مروان، وقد ذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة، وهي العليا، وقال: له أحاديث، وكان كثير اللحم عظيم الجسم كثير الشعر جميلا طويلا ضخم الهامة محدد الاصابع غليظها مجدرا، وكان أبوه قد طلق أمه وهي حامل به، فرأت أمه في المنام أنه خرج منها قمر من قبلها، فقصت رؤياها على أمها فقالت: إن صدقت رؤياك لتلدن من يبايع له


(1) في الطبري 7 / 17: بالابطح. (2) أخرجه البخاري في العلم ح‍ (10) وفي الخمس وفي الاعتصام. ومسلم في الامارة ح‍ (175) وفي الزكاة ح‍ (98) و 100. والترمذي في العلم ح‍ (4) وابن ماجة في المقدمة. والدارمي في المقدمة والرقاق. وأحمد في المسند 1 / 306، 2 / 234، 4 / 92، 93، 95، 96، 97، 98، 99، 100. (*)

[ 249 ]

بالخلافة. وجلست أمه ميسون يوما تمشطه وهو صبي صغير، وأبوه معاوية مع زوجته الحظية عنده في المنظرة، وهي فاختة بنت قرظة، فلما فرغت من مشطه نظرت أمه إليه فأعجبها فقبلته بين عينيه، فقال معاوية عند ذلك: إذا مات لم تفلح مزينة بعده * فنوطي عليه يا مزين التمائما وانطلق يزيد يمشي وفاختة تتبعه بصرها ثم قالت: لعن الله سواد ساقي أمك، فقال معاوية: أما والله إنه لخير من ابنك عبد الله - وهو ولده منها وكان أحمق - فقالت فاختة: لا والله لكنك تؤثر هذا عليه، فقال: سوف أبين لك ذلك حتى تعرفينه قبل أن تقومي من مجلسك هذا، ثم استدعى بابنها عبد الله فقال له: إنه قد بدا لي أن أعطيك كل ما تسألني في مجلسي هذا، فقال: حاجتي أن تشتري لي كلبا فارها وحمارا فارها، فقال: يا بني أنت حمار وتشتري لك حمارا ؟ قم فاخرج. ثم قال لامه: كيف رأيت ؟ ثم استدعى بيزيد فقال: إني قد بدا لي أن أعطيك كل ما تسألني في مجلسي هذا، فسلني ما بدا لك. فخر يزيد ساجدا ثم قال حين رفع رأسه: الحمد لله الذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة، وأراه في هذا الرأي، حاجتي أن تعقد لي العهد من بعدك، وتوليني العام صائفة المسلمين، وتأذن لي في الحج إذا رجعت، وتوليني الموسم، وتزيد أهل الشام عشرة دنانير لكل رجل في عطائه، وتجعل ذلك بشفاعتي، وتعرض لايتام بني جمح، وأيتام بني سهم، وأيتام بني عدي. فقال: مالك ولايتام بن عدي ؟ فقال: لانهم حالفوني وانتقلوا إلى داري. فقال معاوية: قد فعلت ذلك كله، وقبل وجهه، ثم قال لفاختة بنت قرظة: كيف رأيت ؟ فقالت: يا أمير المؤمنين أوصه بي فأنت أعلم به مني، ففعل. وفي رواية أن يزيد لما قال له أبوه: سلني حاجتك، قال له يزيد: اعتقني من النار أعتق الله رقبتك منها، قال: وكيف ؟ قال: لاني وجدت في الآثار أنه من تقلد أمر الامة ثلاثة أيام حرمه الله على النار، فاعهد إلي بالامر من بعدك ففعل. وقال العتبي: رأى معاوية ابنه يزيد يضرب غلاما له فقال له: اعلم أن الله أقدر عليك منك عليه، سوأة لك ! ! أتضرب من لا يستطيع أن يمتنع عليك ؟ والله لقد منعتني القدرة من الانتقام من ذوي الاحن، وإن أحسن من عفا لمن قدر. قلت: وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أبا مسعود يضرب غلاما له فقال: " اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه " (1). قال العتبي: وقدم زياد بأموال كثيرة وبسفط مملوء جواهر على معاوية فسر بذلك معاوية، فقام زياد فصعد المنبر ثم افتخر بما يفعله بأرض


(1) أخرجه مسلم في الايمان ح‍ (34) (35) (36) وأبو داود في الادب ح‍ (124) والترمذي في البر ح‍ (30) وأحمد في المسند 4 / 120. (*)

[ 250 ]

العراق من تمهيد الممالك لمعاوية، فقام يزيد فقال: إن تفعل ذلك يا زياد فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى قريش، ومن القلم إلى المنابر، ومن زياد بن عبيد إلى حرب بني أمية. فقال له معاوية: اجلس فداك أبي وأمي. وعن عطاء بن السائب قال: غضب معاوية على ابنه يزيد فهجره فقال له الاحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين إنما هم أولادنا، ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة، وأرض ذليلة، إن غضبوا فارضهم، وإن طلبوا فاعطهم، ولا تكن عليهم ثقلا فيملوا حياتك ويتمنوا موتك. فقال معاوية: لله درك يا أبا بحر، يا غلام ائت يزيد فأقره مني السلام وقل له: إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمائة ألف درهم، ومائة ثوب. فقال يزيد: من عند أمير المؤمنين ؟ فقال: الاحنف، فقال يزيد: لا جرم لاقاسمنه، فبعث إلى الاحنف بخمسين ألفا وخمسين ثوبا. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، ثنا ابن عائشة عن أبيه. قال: كان يزيد في حداثته صاحب شراب يأخذ مأخذ الاحداث، فأحس معاوية بذلك فأحب أن يعظه في رفق، فقال: يا بني ما أقدرك على أن تصل إلى حاجتك من غير تهتك يذهب بمرؤتك وقدرك، ويشمت بك عدوك ويسئ بك صديقك، ثم قال: يا بني إني منشدك أبياتا فتأدب بها واحفظها، فأنشده: انصب نهارا في طلاب العلا * واصبر على هجر الحبيب القريب حتى إذا الليل أتى بالدجا * واكتحلت بالغمض عين الرقيب فباشر الليل بما تشتهي * فإنما الليل نهار الاريب كم فاسق تحسبه ناسكا * قد باشر الليل بأمر عجيب غطى عليه الليل أستاره * فبات في أمن وعيش خصيب ولذة الاحمق مكشوفة * يسعى بها كل عدو مريب (1) قلت: وهذا كما جاء في الحديث " من ابتلي بشئ من هذه القاذورات فليستتر بستر الله عز وجل " (2). وروى المدائني: أن عبد الله بن عباس وفد إلى معاوية فأمر معاوية ابنه يزيد أن يأتيه فيعزيه في الحسن بن علي، فلما دخل على ابن عباس رحب به وأكرمه، وجلس عنده بين يديه، فأراد ابن عباس أن يرفع مجلسه فأبى وقال: إنما أجلس مجلس المعزي لا المهني، ثم ذكر الحسن فقال: رحم


(1) في نسخ البداية المطبوعة قال في الهامش: بالهامش - ونسبة هذا الشعر إلى معاوية فيه نظر والله سبحانه وتعالى أعلم. (2) أخرجه مالك في الموطأ في الحدود. ح‍ (12). (*)

[ 251 ]

الله أبا محمد أوسع الرحمة وأفسحها، وأعظم الله أجرك وأحسن عزاك، وعوضك من مصابك ما هو خير لك ثوابا وخير عقبى. فلما نهض يزيد من عنده قال ابن عباس: إذا ذهب بنو حرب ذهب علماء الناس، ثم أنشد متمثلا: مغاض عن العوراء لا ينطقوا بها * وأصل وراثات الحلوم الاوائل وقد كان يزيد أول من غزى مدينة قسطنطينية في سنة تسع وأربعين في قول يعقوب بن سفيان. وقال خليفة بن خياط: سنة خمسين. ثم حج بالناس في تلك السنة بعد مرجعه من هذه الغزوة من أرض الروم. وقد ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أول جيش يغزو مدينة قيصر مغفور لهم ". وهو الجيش الثاني الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه عند أم حرام فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: " أنت من الاولين " (1). يعني جيش معاوية حين غزا قبرص، ففتحها في سنة سبع وعشرين أيام عثمان بن عفان، وكانت معهم أم حرام فماتت هنالك بقبرص، ثم كان أمير الجيش الثاني ابنه يزيد بن معاوية، ولم تدرك أم حرام جيش يزيد هذا. وهذا من أعظم دلائل النبوة. وقد أورد الحافظ ابن عساكر ههنا الحديث الذي رواه محاضر، عن الاعمش، عن إبراهيم بن عبيدة، عن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " (2). وكذلك رواه عبد الله بن شفيق عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. ثم أورد من طريق حماد بن سلمة عن أبي محمد عن زرارة بن أوفى قال: القرن عشرون ومائة سنة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قرن وكان آخره موت يزيد بن معاوية. قال أبو بكر بن عياش: حج بالناس يزيد بن معاوية في سنة إحدى وخمسين وثنتين وخمسين وثلاث وخمسين. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو كريب، ثنا رشد بن عمرو بن الحارث، عن أبي بكير بن الاشج أن معاوية قال ليزيد: كيف تراك فاعلا إن وليت ؟ قال: يمتع الله بك يا أمير المؤمنين، قال لتخبرني: قال، كنت والله يا أبة عاملا فيهم عمل عمر بن الخطاب. فقال معاوية: سبحان الله يا بني والله لقد جهدت على سيرة عثمان بن عفان فما أطقتها فكيف بك وسيرة عمر ؟. وقال الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى. قال: قال معاوية ليزيد وهو يوصيه عند الموت: يا يزيد ! ! اتق الله فقد وطأت لك هذا الامر،


(1) الحديث أخرجه البخاري عن يحيى بن يحيى في الجهاد والسير (3) باب. وأخرجه مسلم في الامارة (49) باب فضل الغزو في البحر. (2) أخرجه مسلم عن عبد الرحمن بن بشر عن عمران بن حصين في فضائل الصحابة (52) باب. ح‍ (214) ص (4 / 1964). (*)

[ 252 ]

ووليت من ذلك ما وليت، فإن يك خيرا فأنا أسعد به، وإن كان غير ذلك شقيت به، فارفق بالناس وأغمض عما بلغك من قول تؤذي به وتنتقص به، وطأ عليه يهنك عيشك، وتصلح لك رعيتك، وإياك والمناقشة وحمل الغضب، فإنك تهلك نفسك ورعيتك، وإياك وخيرة أهل الشرف واستها نتهم والتكبر عليهم، ولن لهم لينا بحيث لا يروا منك ضعفا ولا خورا، وأوطئهم فراشك وقربهم إليك وادنهم منك، فانهم يعلموا لك حقك، ولا تهنهم ولا تستخف بحقهم فيهينوك ويستخفوا بحقك ويقعوا فيك، فإذا أردت أمرا فادع أهل السن والتجربة من أهل الخير من المشايخ وأهل التقوى فشاورهم ولا تخالفهم، وياك والاستبداد برأيك فإن الرأي ليس في صدر واحد، وصدق من أشار عليك إذا حملك على ما تعرف، واخزن ذلك عن نسائك وخدمك، وشمر إزارك، وتعاهد جندك، وأصلح نفسك تصلح لك الناس، لا تدع لهم فيك مقالا فإن الناس سراع إلى الشر، واحضر الصلاة، فإنك إذا فعلت ما أوصيك به عرف الناس لك حقك، وعظمت مملكتك، وعظمت في أعين الناس، واعرف شرف أهل المدينة ومكة فانهم أصلك وعشيرتك، واحفظ لاهل الشام شرفهم فإنهم أهل طاعتك، واكتب إلى أهل الامصار بكتاب تعدهم فيه منك بالمعروف، فإن ذلك يبسط آمالهم، وإن وفد عليك وافد من الكور كلها فأحسن إليهم وأكرمهم فإنهم لمن ورائهم، ولا تسمعن قول قاذف ولا ماحل فإني رأيتهم وزراء سوء. ومن وجه آخر أن معاوية قال ليزيد: إن لي خليلا من أهل المدينة فأكرمه، قال: ومن هو ؟ قال: عبد الله بن جعفر. فلما وفد بعد موت معاوية على يزيد أضعف جائزته التي كان معاوية يعطيه إياها، وكانت جائزته على معاوية ستمائة ألف، فأعطاه يزيد ألف ألف، فقال له: بأبي أنت وأمي، فأعطاه ألف ألف أخرى. فقال له ابن جعفر: والله لا أجمع أبوي لاحد بعدك. ولما خرج ابن جعفر من عند يزيد وقد أعطاه ألفي ألف، رأى على باب يزيد بخاتي مبركات قد قدم عليها هدية من خراسان، فرجع عبد الله بن جعفر إلى يزيد فسأله منها ثلاث بخاتي ليركب عليها إلى الحج والعمرة، وإذا وفد إلى الشام على يزيد، فقال يزيد للحاجب: ما هذه البخاتي التي على الباب ؟ - ولم يكن شعر بها - فقال: يا أمير المؤمنين هذه أربعمائة بختية جاءتنا من خراسان تحمل أنواع الالطاف - وكان عليها أنواع من الاموال كلها - فقال: اصرفها إلى أبي جعفر بما عليها. فكان عبد الله بن جعفر يقول: أتلومونني على حسن الرأي في هذا ؟ - يعني يزيد -. وقد كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم والحلم والفصاحة والشعر والشجاعة وحسن الرأي في الملك. وكان ذا جمال حسن المعاشرة، وكان فيه أيضا إقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات في بعض الاوقات، وإماتتها في غالب الاوقات. وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، ثنا حيوة، حدثني بشير بن أبي عمرو الخولاني: أن الوليد بن قيس حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يكون خلف من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون عيا، ثم يكون خلف يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم،

[ 253 ]

ويقرأ القرآن ثلاثة مؤمن ومنافق وفاجر ". فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة ؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به (1). تفرد به أحمد. وقال الحافظ أبو يعلي: حدثنا زهير بن حرب، ثنا الفضل بن دكين، ثنا كامل أبو العلاء: سمعت أبا صالح سمعت أبا هريرة. يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعوذوا بالله من سنة سبعين، ومن إمارة الصبيان " (2). وروى الزبير بن بكار عن عبد الرحمن بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال في يزيد بن معاوية: لست منا وليس خالك منا * يا مضيع الصلوات للشهوات قال: وزعم بعض الناس أن هذا الشعر لموسى بن يسار، ويعرف بموسى شهوات (3)، وروي عن عبد الله بن الزبير أنه سمع جارية له تغني بهذا البيت فضربها وقال قولي: أنت منا وليس خالك منا * يا مضيع الصلوات للشهوات وقال الحافظ أبو يعلي: حدثنا الحكم بن موسى، ثنا يحيى بن حمزة، عن هشام بن الغاز، عن مكحول عن أبي عبيدة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد ". وهذا منقطع بين مكحول وأبي عبيدة بل معضل. وقد رواه ابن عساكر من طريق صدقة بن عبد الله الدمشقي عن هشام بن الغاز عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني عن أبي عبيدة. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزال أمر هذه الامة قائما بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد " (4). ثم قال وهو منقطع أيضا بين مكحول وأبي ثعلبة. وقال أبو يعلى: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن عوف عن خالد بن أبي المهاجر، عن أبي العالية. قال: كنا مع أبي ذر بالشام فقال أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أول من يغير سنتي رجل من بني أمية ". ورواه ابن خزيمة عن بندار عن


(1) أخرجه أحمد في مسنده ج 3 / 38. (2) أخرجه الترمذي من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري في الزهد (23) باب. ح‍ (2331) وفيه: عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين سنة. وقال وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة. وأخرجه ابن ماجه في الزهد. باب (37). وأخرج البيهقي في الدلائل 6 / 466 عن أبي هريرة قال: اللهم لا تدركني سنة الستين ويحكم تمسكوا بصدغي معاوية، اللهم لا تدركني إمارة الصبيان. (3) شهوات لقب غلب عليه، يكنى أبا محمد اختلف في ولائه قيل أنه مولى بني سهم وقيل مولى بني تيم بن مرة وقيل مولى بني عدي بن كعب. ولقب بشهوات لانه كان سؤولا ملحفا فكان كلما رأى شيئا يعجبه... قال أشتهي هذا. وقيل غير هذا. (4) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 467. (*)

[ 254 ]

عبد الوهاب بن عبد المجيد عن عوف: حدثنا مهاجر بن أبي مخلد حدثني أبو العالية حدثني أبو مسلم عن أبي ذر فذكر نحوه، وفيه قصة وهي أن أبا ذر كان في غزاة عليهم يزيد بن أبي سفيان فاغتصب يزيد من رجل جارية، فاستعان الرجل بأبي ذر على يزيد أن يردها عليه، فأمره أبو ذر أن يردها عليه، فتلكأ فذكر أبو ذر له الحديث فردها، وقال يزيد لابي ذر: نشدتك بالله أهو أنا ؟ قال: لا (1). وكذا رواه البخاري في التاريخ وأبو يعلى عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب. ثم قال البخاري: والحديث معلول ولا نعرف أن أبا ذر قدم الشام زمن عمر بن الخطاب. قال: وقد مات يزيد بن أبي سفيان زمن عمر فولى مكانه أخاه معاوية. وقال عباس الدوري: سألت ابن معين: أسمع أبو العالية من أبي ذر ؟ قال: لا إنما يروي عن أبي مسلم عنه، قلت: فمن أبو مسلم هذا ؟ قال: لا أدري. وقد أورد ابن عساكر أحاديث في ذم يزيد بن معاوية كلها موضوعة لا يصح شئ منها، وأجود ما ورد ما ذكرناه على ضعف أسانيده وانقطاع بعضه والله أعلم. قال الحارث بن مسكين، عن سفيان، عن شبيب، عن عرقدة بن المستظل. قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قد علمت ورب الكعبة متى تهلك العرب، إذا ساسهم من لم يدرك الجاهلية ولم يكن له قدم في الاسلام. قلت: يزيد بن معاوية أكثر ما نقم عليه في عمله شرب الخمر، وإتيان بعض الفواحش، فأما قتل الحسين فإنه كما قال جده أبو سفيان يوم أحد لم يأمر بذلك ولم يسؤه. وقد قدمنا أنه قال: لو كنت أنا لم أفعل معه ما فعله ابن مرجانة - يعني عبيد الله بن زياد - وقال للرسل الذين جاؤوا برأسه: قد كان يكفيكم من الطاعة دون هذا، ولم يعطهم شيئا، وأكرم آل بيت الحسين ورد عليهم جميع ما فقد لهم وأضعافه، وردهم إلى المدينة في محامل وأهبة عظيمة، وقد ناح أهله في منزله على الحسين حين كان أهل الحسين عندهم ثلاثة أيام، وقيل إن يزيد فرح بقتل الحسين أول ما بلغه ثم ندم على ذلك، فقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: إن يونس بن حبيب الجرمي حدثه قال: لما قتل ابن زياد الحسين ومن معه بعث برؤوسهم إلى يزيد، فسر بقتله أولا وحسنت بذلك منزلة ابن زياد عنده، ثم لم يلبث إلا قليلا حتى ندم ! فكان يقول: وما كان علي لو احتملت الاذى وأنزلته في داري وحكمته فيما يريده، وإن كان علي في ذلك وكف ووهن في سلطاني، حفظا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورعاية لحقه وقرابته، ثم يقول: لعن الله ابن مرجانة فإنه أحرجه واضطره، وقد كان سأله أن يخلي سبيله أو يأتيني أو يكون بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله، فلم يفعل، بل أبى عليه وقتله، فبغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة،


(1) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 467 وقال: يزيد بن أبي سفيان كان من أمراء الاجناد بالشام في أيام أبي بكر وعمر لكن سميه يزيد بن معاوية يشبه أن يكون به. والله أعلم. وقال: هذا الاسناد إرسال بين أبي العالية وأبي ذر. (*)

[ 255 ]

فأبغضني البر والفاجر بما استعظم الناس من قتلي حسينا، مالي ولابن مرجانة قبحه الله وغضب عليه. ولما خرج أهل المدينة عن طاعته وخلعوه وولوا عليهم ابن مطيع وابن حنظلة، لم يذكروا عنه - وهم أشد الناس عداوة له - إلا ما ذكروه عنه من شرب الخمر وإيتانه بعض القاذورات، لم يتهموه بزندقة كما يقذفه بذلك بعض الروافض، بل قد كان فاسقا والفاسق لا يجوز خلعه لاجل ما يثور بسبب ذلك من الفتنة ووقع الهرج كما وقع زمن الحرة، فإنه بعث إليهم من يردهم إلى الطاعة وأنظرهم ثلاثة أيام، فلما رجعوا قاتلهم وغير ذلك، وقد كان في قتال أهل الحرة كفاية، ولكن تجاوز الحد باباحة المدينة ثلاثة أيام، فوقع بسبب ذلك شر عظيم كما قدمنا، وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب وجماعات أهل بيت النبوة ممن لم ينقض العهد. ولا بايع أحدا بعد بيعته ليزيد. كما قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل بن علية، حدثني صخر بن جويرية عن نافع. قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد ثم قال: أما بعد فإنا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر إلا أن يكون الاشراك بالله، أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ورسوله ثم ينكث بيعته " (1). فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الامر، فيكون الفيصل بيني وبينه. وقد رواه مسلم والترمذي من حديث صخر بن جويرية، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف المدائني، عن صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله. ولما رجع أهل المدينة من عند يزيد مشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلى محمد بن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب. فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواضبا على الصلاة متحريا للخير يسأل عن الفقه ملازما للسنة، قالوا: فإن ذلك كان منه تصنعا لك. فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلي الخشوع ؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر ؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم يكن رأيناه. فقال لهم أبى الله ذلك على أهل الشهادة، فقال: * (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) * [ الزخرف: 86 ] ولست من أمركم في شئ، قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الامر غيرك فنحن نوليك أمرنا. قال: ما أستحل القتال على ما


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 2 / 48 ومسلم في الجهاد والسير (4) باب ح‍ 9 و 10 ص 3 / 1360 والترمذي في السير (28) باب. ح‍ (1581) ص 4 / 144. (*)

[ 256 ]

تريدونني عليه تابعا ولا متبوعا. قالوا: فقد قالت مع أبيك، قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه، قالوا: فمر ابنيك أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا، قال: لو أمرتهما قاتلت. قالوا: فقم معنا مقاما تحض الناس فيه على القتال، قال: سبحان الله ! ! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه إذا ما نصحت لله في عباده. قالوا: إذا نكرهك. قال: إذا آمر الناس بتقوى الله ولا يرضون المخلوق بسخط الخالق، وخرج إلى مكة. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا مصعب الزبيري، ثنا ابن أبي حازم، عن هشام، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن ابن عمر دخل وهو معه على ابن مطيع، فلما دخل عليه. قال: مرحبا بأبي عبد الرحمن ضعوا له وسادة، فقال: إنما جئتك لاحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من نزع يدا من طاعة فإنه يأتي يوم القيامة لا حجة له، ومن مات مفارق الجماعة فإنه يموت موتة جاهلية " (1). وهكذا رواه مسلم من حديث هشام بن سعد عن زيد عن أبيه عن ابن عمر به، وتابعه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن زيد بن أسلم عن أبيه. وقد رواه الليث عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم عن ابن عمر فذكره. وقال أبو جعفر الباقر: لم يخرج أحد من آل أبي طالب ولا من بني عبد المطلب أيام الحرة، ولما قدم مسلم بن عقبة المدينة أكرمه وأدنى مجلسه وأعطاه كتاب أمان. وروى المدائني أن مسلم بن عقبة بعث روح بن زنباع إلى يزيد ببشارة الحرة، فلما أخبره بما وقع قال: واقوماه، ثم دعا الضحاك بن قيس القهري فقال له: ترى ما لقي أهل المدينة ؟ فما الذي يجبرهم ؟ قال: الطعام والاعطية، فأمر بحمل الطعام إليهم وأفاض عليهم أعطيته. وهذا خلاف ما ذكره كذبة الروافض عنه من أنه شمت بهم واشتفى بقتلهم، وأنه أنشد ذكرا وأثرا شعر ابن الزبعرى المتقدم ذكره. وقال أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان بن بسام: حدثني محمد بن القاسم سمعت الاصمعي يقول سمعت هارون الرشيد ينشد ليزيد بن معاوية: إنها بين عامر بن لؤي * حين تمنى وبين عبد مناف ولها في الطيبين جدود * ثم نالت مكارم الاخلاف بنت عم النبي أكرم من * يمشي بنعل على التراب وحافي لن تراها على التبدل والغل‍ * - ظة إلا كدرة الاصداف وقال الزبير بن بكار: أنشدني عمي مصعب ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان: آب هذا الهم فاكتنفا * ثم مر النوم فامتنعا راعيا للنجم أرقبه * فإذا ما كوكب طلعا حام حتى أنني لارى * أنه بالغور قد وقعا


(1) أخرجه مسلم في الامارة (13) باب. ح‍ 58 ص 3 / 1478. (*)

[ 257 ]

ولها بالمطارون إذا * أكل النمل الذي جمعا (1) نزهه حتى إذا بلغت * نزلت من خلق تبعا في قباب وسط دسكرة * حولها الزيتون قد ينعا ومن شعره: وقائلة لي حين شبهت وجهها * ببدر الدجى يوما وقد ضاق منهجي (2) تشبهني بالبدر هذا تناقص * بقدري ولكن لست أول من هجي ألم تر أن البدر عند كماله * إذا بلغ التشبيه عاد كدملجي فلا فخر إن شبهت بالبدر مبسمي * وبالسحر أجفاني وبالليل مدعجي (3) قد ذكره الزبير بن بكار عن أبي محمد الجزري قال: كانت بالمدينة جارية مغنية يقال لها سلامة، من أحسن النساء وجها، وأحسنهن عقلا وأحسنهن قدا، قد قرأت القرآن. وروت الشعر وقالته، وكان عبد الرحمن بن حسان والاحوص بن محمد يجلسان إليها. فعلقت بالاحوص فصدت عن عبد الرحمن، فرحل ابن حسان إلى يزيد بن معاوية إلى الشام فامتدحه ودله على سلامة وجمالها وحسنها وفصاحتها. وقال: لا تصلح إلا لك يا أمير المؤمنين، وأن تكون من سمارك، فأرسل يزيد فاشتريت له وحملت إليه، فوقعت منه موقعا عظيما، وفضلها على جميع من عنده، ورجع عبد الرحمن إلى المدينة فمر بالاحوص فوجده مهموما، فأراد أن يزيده إلى ما به من الهم هما فقال: يا مبتلى بالحب مقروحا * لاقي من الحب تباريحا أفحمه الحب فما ينثني * إلا بكاس الحب مصبوحا وصار ما يعجبه مغلقا * عنه وما يكره مفتوحا قد حازها من أصبحت عنده * ينال منها الشم والريحا خليفة الله فسل الهوى * وعز قلبا منك مجروحا قال: فأمسك الاحوص عن جوابه ثم غلبه وجده عليها فسار إلى يزيد فامتدحه فأكرمه يزيد وحظي عنده، فدست إليه سلامة خادما وأعطته مالا على أن يدخله إليها، فأخبر الخادم يزيد بذلك، فقال: امض لرسالتها، ففعل وأدخل الاحوص عليها وجلس يزيد في مكان يراهما ولا يريانه، فلما بصرت الجارية بالاحوص بكت إليه وبكى إليها، وأمرت فألقي له كرسي فقعد


(1) المطارون: موضع بالشام. (2) المنهج: البهر وتتابع النفس. (3) مدعجي: الدعجة: سواد العين مع سعتها. (*)

[ 258 ]

عليه، وجعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه شدة شوقه إليه فلم يزالا يتحدثان إلى السحر، ويزيد يسمع كلامهما من غير أن يكون بينهما ريبة، حتى إذا هم الاحوص بالخروج قال: أمسى فؤادي في هم وبلبال * من حب من لم أزل منه على بال فقالت: صحا المحبون بعد النأي إذ يئسوا * وقد يئست وما أضحوا على حال فقال: من كان يسلو بيأس عن أخي ثقة * فعنك سلام ما أمسيت بالسالي فقالت: والله والله لا أنساك يا شجني * حتى تفارق مني الروح أوصالي فقال: والله ما خاب من أمسى وأنت له * يا قرة العين في أهل وفي مال قال: ثم ودعها وخرج، فأخذه يزيد ودعا بها فقال: أخبراني عما كان في ليلتكما وأصدقاني، فأخبراه وأنشده ما قالا، فلم يحرفا منه حرفا ولا غيرا شيئا مما سمعه، فقال لها يزيد: أتحبينه ؟ قالت: إي والله يا أمير المؤمنين: حبا شديدا جرى كالروح في جسدي * فهل يفرق بين الروح والجسد ؟ فقال له: أتحبها ؟ فقال: إي والله يا أمير المؤمنين: حبا شديدا تليدا غير مطرف * بين الجوانح مثل النار يضطرم فقال يزيد: إنكما لتصفان حبا شديدا خذها يا أحوص فهي لك، ووصله صلة سنية. فرجع بها الاحوص إلى الحجاز وهو قرير العين. وقد روي أن يزيد كان قد اشتهر بالمعازف وشرب الخمر والغنا والصيد واتخاذ الغلمان والقيان والكلاب والنطاح بين الكباش والدباب والقرود، وما من يوم إلا يصبح فيه مخمورا، وكان يشد القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به، ويلبس القرد قلانس الذهب، وكذلك الغلمان، وكان يسابق بين الخيل، وكان إذا مات القرد حزن عليه. وقيل: إن سبب موته أنه حمل قردة وجعل ينقزها فعضته. وذكروا عنه غير ذلك والله أعلم بصحة ذلك. وقال عبد الرحمن بن أبي مدعور: حدثني بعض أهل العلم قال: آخر ما تكلم به يزيد بن معاوية: اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه، ولم أرده، واحكم بيني وبين عبيد الله بن زياد. وكان نقش خاتمه آمنت بالله العظيم.

[ 259 ]

مات يزيد بحوارين من قرى دمشق في رابع عشر ربيع الاول، وقيل يوم الخميس للنصف منه، سنة أربع وستين. وكانت ولايته بعد موت أبيه في منتصف رجب سنة ستين، وكان مولده في سنة خمس، وقيل سنة ست، وقيل سبع وعشرين. ومع هذا فقد اختلف في سنه ومبلغ أيامه في الامارة على أقوال كثيرة، وإذا تأملت ما ذكرته لك من هذه التحديدات انزاح عنك الاشكال من هذا الخلاف، فإن منهم من قال: جاوز الاربعين حين مات فالله أعلم. ثم حمل بعد موته إلى دمشق وصلى عليه ابنه معاوية بن يزيد أمير المؤمنين يومئذ، ودفن بمقابر باب الصغير، وفي أيامه وسع النهر المسمى بيزيد في ذيل جبل قاسيون، وكان جدولا صغيرا فوسعه أضعاف ما كان يجري فيه من الماء. وقال ابن عساكر: حدثنا أبو الفضل محمد بن محمد بن الفضل بن المظفر العبدي قاضي البحرين من لفظه وكتبه لي بخطه - قال: رأيت يزيد بن معاوية في النوم فقلت له: أنت قتلت الحسين ؟ فقال: لا ! فقلت له: هل غفر الله لك ؟ قال: نعم، وأدخلني الجنة. قلت: فالحديث الذي يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " رأى معاوية يحمل يزيد فقال: رجل من أهل الجنة يحمل رجلا من أهل النار " ؟ فقال: ليس بصحيح. قال ابن عساكر. وهو كما قال، فإن يزيد بن معاوية لم يولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما ولد بعد العشرين من الهجرة. وقال أبو جعفر بن جرير: أولاد يزيد بن معاوية وعددهم فمنهم معاوية بن يزيد بن معاوية يكنى أبا ليلى وهو الذي يقول فيه الشاعر: إني أرى فتنة قد حان أولها * والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا وخالد بن يزيد يكنى أبا هاشم كان يقال إنه أصاب علم الكيمياء، وأبو سفيان، وأمهما أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وقد تزوجها بعد يزيد مروان بن الحكم، وهي التي يقول فيها الشاعر: أنعمي أم خالد * رب ساع كقاعد وعبد العزيز (1) بن يزيد ويقال له الاسوار، وكان من أرمى العرب، وأمه أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر وهو الذي يقول فيه الشاعر: زعم الناس أن خير قريش * كلهم حين يذكرون الاساور (2)


(1) في الطبري 7 / 16 والكامل: 4 / 125: عبد الله. (2) في الطبري: حين تذكر الاسوار. (*)

[ 260 ]

وعبد الله الاصغر، وأبو بكر، وعتبة، وعبد الرحمن، والربيع، ومحمد، لامهات أولاد شتى. ويزيد وحرب وعمر وعثمان. فهؤلاء خمسة عشر ذكرا، وكان له من البنات عاتكة ورملة وأم عبد الرحمن وأم يزيد، وأم محمد، فهؤلاء خمس بنات. وقد انقرضوا كافة فلم يبق ليزيد عقب، والله سبحانه أعلم. إمارة معاوية بن يزيد بن معاوية أبي عبد الرحمن ويقال أبو يزيد ويقال أبو يعلى القرشي الاموي، وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، بويع له بعد موت أبيه - وكان ولي عهده من بعده - في رابع عشر ربيع الاول سنة أربع وستين، وكان رجلا صالحا ناسكا، ولم تطل مدته، قيل: إنه مكث في الملك أربعين يوما، وقيل عشرين يوما، وقيل شهرين، وقيل شهرا ونصف شهر، وقيل ثلاثة أشهر وعشرون يوما، وقيل أربعة أشهر فالله أعلم. وكان في مدة ولايته مريضا لم يخرج إلى الناس (1)، وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلي بالناس ويسد الامور، ثم مات معاوية بن يزيد هذا عن إحدى وعشرين وقيل ثلاث وعشرين سنة وثمانية عشر يوما، وقيل تسع عشرة سنة، وقيل عشرون سنة، وقيل ثلاث وعشرون سنة، وقيل: إنما عاش ثماني عشرة سنة، وقيل تسع عشرة سنة، وقيل عشرون، وقيل خمس وعشرون فالله أعلم. وصلى عليه أخوه خالد، وقيل عثمان بن عنبسة، وقيل الوليد بن عتبة (2) وهو الصحيح، فإنه أوصى إليه بذلك، وشهد دفنه مروان بن الحكم، وكان الضحاك بن قيس هو الذي يصلي بالناس بعده حتى استقر الامر لمروان بالشام، ودفن بمقابر باب الصغير بدمشق، ولما حضرته الوفاة قيل له ألا توصي فقال: لا أتزود مرارتها إلى اخرتي وأترك حلاوتها لبني أمية، وكان


(1) لم يرد لا في الطبري أو في ابن الاثير أنه كان مريضا، وقال ابن قتيبة في الامامة 2 / 13: لبث واليا شهرين وليال محجوبا لا يرى، وعند ابن العبري ص 111: أنه كان قدريا وقال: لا أحب أن ألقى الله بتبعاتكم فشأنكم وأمركم ولوه من شئتم وتخلى للعبادة حتى مات. ورأى الفخري ص 118: أنه كان صبيا ضعيفا وقد عرف بأبي ليلى لضعفه كما قال المسعودي: وهذه الكنية للمستصعف من العرب ويعود اعتكافه وعزلته في منزله كما نرى لاسباب كثيرة أقلها ثلاثة: - عدم اقتناعه - من حيث المبدأ - بأحقيته بالولاية (العبري). - اشتداد الصراع بين أطراف القيادة الاموية، بين القيسية (الضحاك) واليمنية. - ظهور عبد الله بن الزبير الرجل القوي، بعد موت يزيد، ودعوته الناس لمبايعته وادعائه الخلافة وظفره بالحجاز والعراق وخراسان واليمن ومصر والشام إلا الاردن. (2) قال المسعودي صلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فلما كبر الثانية طعن فسقط ميتا قبل تمام الصلاة فقدم عثمان بن عتبة بن أبي سفيان. (*)

[ 261 ]

رحمه الله أبيض شديد البياض كثير الشعر كبير العينين جعد الشعر أقنى الانف، مدور الرأس، جميل الوجه كثير شعر الوجه دقيقه حسن الجسم. قال أبو زرعة الدمشقي: معاوية وعبد الرحمن وخالد أخوه، وكانوا من صالحي القوم وقال فيه بعض الشعراء - وهو عبد الله بن همام البلوي: تلقاها يزيد عن أبيه * فدونكها معاوي عن يزيدا أديروها بني حرب عليكم * ولا ترموا بها الغرض البعيدا ويروى أن معاوية بن يزيد هذا نادى في الناس الصلاة جامعة ذات يوم، فاجتمع الناس فقال لهم فيما قال: يا أيها الناس ! إني قد وليت أمركم وأنا ضعيف عنه، فإن أحببتم تركتها لرجل قوي كما تركها الصديق لعمر، وإن شئتم تركتها شورى في ستة منكم كما تركها عمر بن الخطاب، وليس فيكم من هو صالح لذلك، وقد تركت لكم أمركم فولوا عليكم من يصلح لكم (1). ثم نزل ودخل منزله فلم يخرج منه حتى مات رحمه الله تعالى. ويقال إنه سقي ويقال إنه طعن. ولما دفن حضر مروان دفنه فلما فرغ منه قال مروان: أتدرون من دفنتم ؟ قالوا: نعم معاوية بن يزيد، فقال مروان: هو أبو ليلى الذي قال فيه أرثم الفزاري: إني أرى فتنة تغلي (2) مراجلها * والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا قالوا: فكان الامر كما قال، وذلك أن أبا ليلى توفي من غير عهد منه إلى أحد، فتغلب إلى الحجاز عبد الله بن الزبير، وعلى دمشق وأعمالها مروان بن الحكم، وبايع أهل خراسان سلم بن زياد حتى يتولى على الناس خليفة، وأحبوه محبة عظيمة، وسار فيهم سلم سيرة حسنة أحبوه عليها، ثم أخرجوه من بين أظهرهم. وخرج القراء والخوارج بالبصرة وعليهم نافع بن الازرق، وطردوا عنهم عبيد الله بن زياد بعد ما كانوا بايعوه عليهم حتى يصير للناس إمام، فأخرجوه عنهم، فذهب إلى الشام بعد فصول يطول ذكرها، وقد بايعوا بعده عبد الله بن الحارث بن نوفل المعروف ببة، وأمه هند بنت أبي سفيان، وقد جعل على شرطة البصرة هميان بن عدي السدوسي، فبايعه الناس في مستهل جمادى الآخرة سنة أربع وستين، وقد قال الفرزدق: وبايعت أقواما وفيت بعهدهم * وببة قد بايعته غير نادم فأقام فيها أربعة أشهر ثم لزم بيته، فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير فكتب ابن الزبير إلى


(1) أورد خطبة له - باختلاف: ابن قتيبة في الامامة 2 / 13 والفخري ص 118 ابن العبري في تاريخ مختصر الدول ص 111 وابن الاثير في الكامل 4 / 130 ومروج الذهب 3 / 88 والطبري 7 / 34. (2) في مروج الذهب: هاجت، وفي المعارف ص 154: فتنا بدل فتنة. (*)

[ 262 ]

أنس بن مالك يأمره أن يصلي بالناس، فصلى بهم شهرين (1)، ثم كان ما سنذكره. وخرج نجدة بن عامر الحنفي باليمامة، وخرج بنو ماحورا في الاهواز وفارس وغير ذلك على ما سيأتي تفصيله قريبا إن شاء الله تعالى. إمارة عبد الله بن الزبير وعند ابن حزم وطائفة أنه أمير المؤمنين آنذاك قد قدمنا أنه لما مات يزيد أقلع الجيش عن مكة وهم الذين كانوا يحاصرون ابن الزبير وهو عائذ بالبيت فلما رجع حصين بن نمير السكوني بالجيش إلى الشام، استفحل ابن الزبير بالحجاز وما والاها، وبايعه الناس بعد يزيد بيعة هناك، واستناب على أهل المدينة أخاه عبيد الله بن الزبير، وأمره باجلاء بني أمية عن المدينة فأجلاهم فرحلوا إلى الشام، وفيهم مروان بن الحكم وابنه عبد الملك، ثم بعث أهل البصرة إلى ابن الزبير بعد حروب جرت بينهم وفتن كثيرة يطول استقصاؤها، غير أنهم في أقل من ستة أشهر أقاموا عليهم نحوا من أربعة أمراء (2) من بينهم ثم تضطرب أمورهم، ثم بعثوا إلى ابن الزبير وهو بمكة يخطبونه لانفسهم، فكتب إلى أنس بن مالك ليصلي بهم، ويقال إن أول من بايع ابن الزبير مصعب بن عبد الرحمن، فقال الناس: هذا أمر فيه صعوبة، وبايعه عبد الله بن جعفر وعبد الله بن علي بن أبي طالب، وبعث إلى ابن عمر وابن الحنفية وابن عباس ليبايعوا فأبوا عليه. وبويع في رجب بعد أن أقام الناس نحو ثلاثة أشهر بلا إمام. وبعث ابن الزبير إلى أهل الكوفة عبد الرحمن بن يزيد الانصاري على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله على الخراج، واستوثق له المصران جميعا، وأرسل إلى مصر فبايعوه. واستناب عليها عبد الرحمن بن جحدر (3)، وأطاعت له الجزيرة، وبعث على البصرة الحارث بن عبد الله بن ربيعة، وبعث إلى اليمن فبايعوه، وإلى خراسان فبايعوه، وإلى الضحاك بن قيس بالشام فبايع، وقيل إن أهل دمشق وأعمالها من بلاد الاردن لم يبايعوه (4)، لانهم بايعوا مروان بن


(1) في ابن الاثير 4 / 143: أربعين يوما. (2) جدد أهل البصرة مبايعة عبيد الله بن زياد واليا عليهم حتى يتفق الناس على أمام لهم، ثم عزلوه وطردوه واتفقوا فيما بينهم على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الملقب بببة ثم اختلفوا فيما بينهم، وبقي ببة يقيم فيهم الصلاة، ثم أرسل ابن الزبير أميرا على البصرة عمر بن عبيد الله بن معمر ثم عزله وولى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي - القباع - (انظر الكامل ج 4 والطبري ج 7 حوادث سنة 64). (3) في الطبري 7 / 34، والكامل 4 / 145: ابن جحدم، وفي مروج الذهب 3 / 106: عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم. (4) في الكامل 4 / 145: بايع الضحاك في دمشق سرا للزبير، وبايعت قنسرين وحمص، وفي مروج الذهب 3 / 101: اخذت له البيعة بالشام وخطب له على سائر المنابر إلا منبر طبرية من بلاد الاردن وفي فتوح ابن الاعثم 5 / 312: أن الضحاك دعا إلى نفسه في الشام. (*)

[ 263 ]

الحكم لما رجع الحصين بن نمير من مكة إلى الشام، وقد كان التف على عبد الله بن الزبير جماعة من الخوارج يدافعون عنه، منهم نافع بن الازرق، وعبد الله بن أباض، وجماعة من رؤسهم. فلما استقر أمره في الخلافة قالوا فيما بينهم: إنكم قد أخطأتم لانكم قاتلتم مع هذا الرجل ولم تعلموا رأيه في عثمان بن عفان - وكانوا ينتقصون عثمان - فاجتمعوا إليه فسألوه عن عثمان فأجابهم فيه بما يسوؤهم، وذكر لهم ما كان متصفا به من الايمان والتصديق، والعدل والاحسان والسيرة الحسنة، والرجوع إلى الحق إذا تبين له، فعند ذلك نفروا عنه وفارقوه وقصدوا بلاد العراق وخراسان، فتفرقوا فيها بأبدانهم وأديانهم ومذاهبهم ومسالكهم المختلفة المنتشرة، التي لا تنضبط ولا تنحصر، لانها مفرعة على الجهل وقوة النفوس، والاعتقاد الفاسد، ومع هذا استحوذوا على كثير من البلدان والكور، حتى انتزعت منهم على ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله. ذكر بيعة مروان بن الحكم وكان سبب ذلك أن حصين بن نمير لما رجع من أرض الحجاز وارتحل عبيد الله بن زياد من البصرة إلى الشام، وانتقلت بنو أمية من المدينة إلى الشام، اجتمعوا إلى مروان بن الحكم بعد موت معاوية بن يزيد، وقد كان معاوية بن يزيد قد عزم على أن يبايع لابن الزبير بدمشق، وقد بايع أهلها الضحاك بن قيس على أن يصلح بينهم ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع الناس على إمام، والضحاك يريد أن يبايع لابن الزبير، وقد بايع لابن الزبير النعمان بن بشير بحمص، وبايع له زفر بن عبد الله الكلابي بقنسرين، وبايع له نائل (1) بن قيس بفلسطين، وأخرج منها روح بن زنباع الجذامي، فلم يزل عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير بمروان بن الحكم يحسنون له أن يتولى، حتى ثنوه عن رأيه وحذروه من دخول سلطان ابن الزبير وملكه إلى الشام، وقالوا له: أنت شيخ قريش وسيدها: فأنت أحق بهذا الامر. فرجع عن البيعة لابن الزبير، وخاف ابن زياد الهلاك إن تولى غير بني أمية، فعند ذلك التف هؤلاء كلهم مع قومه بني أمية ومع أهل اليمن على مروان، فوافقهم على ما أرادوا، وجعل يقول ما فات شئ، وكتب حسان بن مالك بن بحدل الكلبي إلى الضحاك بن قيس يثنيه عن المبايعة لابن الزبير، ويعرفه أيادي بني أمية عنده وإحسانهم، ويذكر فضلهم وشرفهم، وقد بايع حسان بن مالك أهل الاردن لبني أمية، وهو يدعو إلى ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وبعث إلى الضحاك كتابا بذلك، وأمره أن يقرأ كتابه على أهل دمشق يوم الجمعة على المنبر، وبعث بالكتاب مع رجل يقال له ناغضة بن كريب الطابجي، وقيل هو من بني كلب وقال له: إن لم يقرأه هو على الناس فاقرأه أنت، فأعطاه الكتاب فسار إلى الضحاك فأمره بقراءة الكتاب فلم يقبل، فقام ناغض فقرأه على الناس فصدقه جماعة من أمراء


(1) في الطبري والكامل: ناتل. (*)

[ 264 ]

الناس، وكذبه آخرون، وثارت فتنة عظيمة بين الناس، فقام خالد بن يزيد بن معاوية وهو شاب حدث على درجتين من المنبر فسكن الناس، ونزل الضحاك فصلى بالناس الجمعة، وأمر الضحاك بن قيس بأولئك الذين صدقوا ناغضة أن يسجنوا، فثارت قبائلهم فأخرجوهم من السجن، واضطرب أهل دمشق في ابن الزبير وبني أمية، وكان اجتماع الناس لذلك ووقوفهم بعد صلاة الجمعة بباب الجيرون " فسمي هذا اليوم بيوم جيرون ". قال المدائني: وقد أراد الناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أن يتولى عليهم فأبى، وهلك في تلك الليالي (1)، ثم إن الضحاك بن قيس صعد منبر المسجد الجامع فخطبهم به، ونال من يزيد بن معاوية، فقام إليه شاب من بني كلب فضربه بعصى كانت معه، والناس جلوس متقلدي سيوفهم، فقام بعضهم إلى بعض فاقتتلوا في المسجد قتالا شديدا، فقيس ومن لف لفيفها يدعون إلى ابن الزبير وينصرون الضحاك بن قيس، وبنو كلب يدعون إلى بني أمية وإلى البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية، ويتعصبون ليزيد وأهل بيته، فنهض الضحاك بن قيس فدخل دار الامارة وأغلق الباب ولم يخرج إلى الناس إلا يوم السبت لصلاة الفجر، ثم أرسل إلى بني أمية فجمعهم إليه فدخلوا عليه وفيهم مروان بن الحكم، وعمرو بن سعيد بن العاص، وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية. قال المدائني: فاعتذر إليهم مما كان منه، واتفق معهم أن يركب معهم إلى حسان بن مالك الكلبي فيتفقوا على رجل يرتضونه من بني أمية للامارة، فركبوا جميعا إليه، فينما هم يسيرون إلى الجابية لقصد حسان، إذ جاء معن بن ثور بن الاخنس في قومه قيس، فقال له: إنك دعوتنا إلى بيعة ابن الزبير فأجبناك، وأنت الآن ذاهب إلى هذا الاعرابي ليستخلف ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية، فقال له الضحاك: وما الرأي ؟ قال: الرأي أن نظهر ما كنا نسر، وأن ندعو إلى طاعة ابن الزبير ونقاتل عليها من أباها. فمال الضحاك بمن معه فرجع إلى دمشق (2)، فأقام بها بمن معه من الجيش من قيس ومن لف لفيفها، وبعث إلى أمراء الاجناد وبايع الناس لابن الزبير، وكتب بذلك إلى ابن الزبير يعلمه بذلك، فذكره ابن الزبير لاهل مكة وشكره على صنيعه، وكتب إليه بنيابة الشام، وقيل بل بايع لنفسه بالخلافة فالله أعلم. والذي ذكره المدائني أنه إنما دعا إلى بيعة ابن الزبير أولا، ثم حسن له عبيد الله بن زياد أن يدعو إلى نفسه، وذلك إنما فعله مكرا منه وكبارا ليفسد عليه ما هو بصدده، فدعا الضحاك إلى نفسه ثلاثة أيام، فنقم الناس عليه ذلك وقالوا: دعوتنا إلى بيعة رجل فبايعناه ثم خلعته بلا سبب


(1) في مروج الذهب 3 / 89: طعن وهو يصلي على معاوية بن يزيد ومات وهو في الركعة الثانية. (2) في الكامل 4 / 147 والطبري 7 / 37: رجع إلى مرج راهط ودمشق بيده (وفي الطبري: جل أهل دمشق من أهل اليمن وغيرهم على ذلك). وفي الامامة والسياسة 2 / 17: أن الضحاك بايع لنفسه بعد بيعة بني أمية لمروان (وانظر الفتوح لابن الاعثم 5 / 312). (*)

[ 265 ]

ولا عذر، ثم دعوتنا إلى نفسك ؟ فرجع إلى البيعة لابن الزبير فسقط بذلك عند الناس، وذلك الذي أراد ابن زياد. وكان اجتماع عبيد الله بن زياد به بعد اجتماعه بمروان وتحسينه له أن يدعو إلى نفسه، ثم فارق مروان ليخدع له الضحاك، فنزل عنده بدمشق وجعل يركب إليه كل يوم، ثم أشار ابن زياد على الضحاك أن يخرج من دمشق إلى الصحراء ويدعو بالجيوش إليه ليكون أمكن له، فركب الضحاك إلى مرج راهط فنزل بمن معه من الجنود، وعند ذلك اجتمع بنو أمية ومن اتبعهم بالاردن واجتمع إليهم من هنالك من قوم حسان بن مالك من بني كلب. ولما رأى مروان بن الحكم ما انتظم من البيعة لابن الزبير، وما استوثق له من الملك، عزم على الرحيل إليه لمبايعته وليأخذ منه أمانا لبني أمية، فسار حتى بلغ أذرعات فلقيه ابن زياد مقبلا من العراق فصده عن ذلك وهجن رأيه، واجتمع إليه عمرو بن سعيد بن العاص، وحصين بن نمير، وابن زياد، وأهل اليمن وخلق، فقالوا لمروان: أنت كبير قريش، وخالد بن يزيد غلام، و عبد الله بن الزبير كهل، فإنما يقرع الحديد بعضه ببعض، فلا تناوئه بهذا الغلام، وارم بنحرك في نحره، ونحن نبايعك، ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه (1) بالجابية في يوم الاربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين، قاله الواقدي، فلما تمهد له الامر سار بمن معه نحو الضحاك بن قيس فالتقيا بمرج راهط فغلبه مروان بن الحكم وقتله وقتل من قيس مقتلة لم يسمع بمثلها، على ما سيأتي تفصيله في أول سنة خمس وستين. فإن الواقدي وغيره قالوا: إنما كانت هذه الوقعة في المحرم من أول سنة خمس وستين. وفي رواية محمد بن سعد: وعن الواقدي وغيره قالوا: إنما كانت في أواخر هذه السنة. وقال الليث بن وسعد والواقدي والمدائني وأبو سليمان بن يزيد وأبو عبيدة وغير واحد: كانت وقعة مرج راهط للنصف من ذي الحجة سنة أربع وستين والله سبحانه وتعالى أعلم. وقعة مرج راهط ومقتل الضحاك بن قيس الفهري رضي الله عنه قد تقدم أن الضحاك كان نائب دمشق لمعاوية بن أبي سفيان، وكان يصلي عنهم إذا اشتغلوا أو غابوا، ويقيم الحدود ويسد الامور، فلما مات معاوية قام بأعباء بيعة يزيد ابنه، ثم لما مات يزيد بايع الناس لمعاوية بن يزيد، فلما مات معاوية بن يزيد بايعه الناس من دمشق حتى تجتمع الناس على إمام، فلما اتسعت البيعة لابن الزبير عزم على المبايعة له، فخطب الناس يوما وتكلم في يزيد بن معاوية وذمه، فقامت فتنة في المسجد الجامع، حتى اقتتل الناس فيه بالسيوف، فسكن الناس ثم دخل دار الامارة من الخضراء وأغلق عليه الباب، ثم اتفق مع بني أمية على أن يركبوا إلى حسان بن مالك بن بحدل وهو بالاردن فيجتمعوا عنده على من يراه أهلا للامارة، وكان حسان


(1) بايعوه على الخلافة ومن بعده خالد بن يزيد ومن بعده إلى عمرو بن سعيد (مروج الذهب 3 / 103. الكامل لابن الاثير 4 / 148 والطبري 7 / 38). (*)

[ 266 ]

يريد أن يبايع لابن أخته خالد بن يزيد، ويزيد ابن ميسون، وميسون بنت بحدل، أخت حسان، فلما ركب الضحاك معهم انخذل بأكثر الجيش فرجع إلى دمشق فامتنع بها، وبعث إلى أمراء الاجناد فبايعهم لابن الزبير، وسار بنو أمية ومعهم مروان وعمرو بن سعيد، وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية، حتى اجتمعوا بحسان بن مالك بالجابية. وليس لهم قوة طائلة بالنسبة إلى الضحاك بن قيس، فعزم مروان على الرحيل إلى ابن الزبير ليبايعه ويأخذ أمانا منه لبني أمية، فإنه كان قد أمر بإجلائهم عن المدينة، فسار حتى وصل إلى أذرعات فلقيه عبيد الله بن زياد مقبلا من العراق، فاجتمع به ومعه حصين بن نمير، وعمرو بن سعيد بن العاص، فحسنوا إليه أن يدعو إلى نفسه، فإنه أحق بذلك من ابن الزبير الذي قد فارق الجماعة وخلع ثلاثة من الخلفاء، فلم يزالوا بمروان حتى أجابهم إلى ذلك، وقال له عبيد الله بن زياد: وأنا أذهب لك إلى الضحاك إلى دمشق فأخدعه لك وأخذل أمره، فسار إليه وجعل يركب إليه كل يوم ويظهر له الود والنصيحة والمحبة، ثم حسن له أن يدعو إلى نفسه ويخلع ابن الزبير فإنك أحق بالامر منه، لانك لم تزل في الطاعة مشهورا بالامانة، وابن الزبير خارج عن الناس، فدعا الضحاك الناس إلى نفسه ثلاثة أيام فلم يصمد معه، فرجع إلى الدعوة لابن الزبير، ولكن انحط بها عند الناس، ثم قال له ابن زياد: إن من يطلب ما تطلب لا ينزل المدن والحصون، وإنما ينزل الصحراء ويدعو إليه بالجنود، فبرز الضحاك إلى مرج راهط فنزله، وأقام ابن زياد بدمشق وبنو أمية بتدمر، وخالد وعبد الله عند خالهم حسان بالجابية، فكتب ابن زياد إلى مروان يأمره أن يظهر دعوته، فدعا إلى نفسه، وتزوج بأم خالد بن يزيد (1) - وهي أم هاشم. بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة - فعظم أمره وبايعه الناس، واجتمعوا عليه، وسار إلى مرج راهط نحوه الضحاك بن قيس، وركب إليه عبيد الله بن زياد وأخوه عباد بن زياد، حتى اجتمع مع مروان ثلاثة عشر ألفا، وبدمشق من جهته يزيد بن أبي النمر (2)، وقد أخرج عامل الضحاك منها وهو يمد مروان بالسلاح والرجال وغير ذلك. ويقال كان نائبه على دمشق يومئذ عبد الرحمن بن أم الحكم، وجعل مروان على ميمنته عبيد الله بن زياد، وعلى ميسرته عمرو بن سعيد بن العاص (3)، وبعث الضحاك إلى النعمان بن بشير فأمده النعمان بأهل حمص عليهم شرحبيل بن ذي الكلاع. وركب إليه زفر بن الحارث الكلابي في أهل قنسرين. فكان الضحاك في ثلاثين ألفا، على ميمنته زياد بن عمرو العقيلي، وعلى ميسرته زكريا بن شمر الهلالي، فتصافوا وتقاتلوا بالمرج عشرين يوما، يلتقون بالمرج في كل يوم فيقتتلون قتالا شديدا،


(1) في الاخبار الطوال ص 285، ومروج الذهب 3 / 107 والفخري ص 119 والامامة والسياسة ص 2 / 16: تزوج بأم خالد بن يزيد بعد مبايعة الناس له، وما زواجه بها - حسب رأي أصحابه له - إلا إذلالا لابنها خالد وليضع من قدره وليصغر بذلك من شأنه فيسقط عن درجة الخلافة. (2) في الطبري 7 / 39 يزيد بن أبي نمس وفي الكامل 4 / 149: يزيد بن أبي الغمس. (3) في الكامل 4 / 149: على ميمنته عمرو بن سعيد وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد (الطبري 7 / 38). (*)

[ 267 ]

ثم أشار عبيد الله على مروان أن يدعوهم إلى الموادعة خديعة فإن الحرب خدعة، وأنت وأصحابك على الحق، وهم على الباطل، فنودي في الناس بذلك، ثم غدر أصحاب مروان فمالوا يقتلونهم قتالا شديدا، وصبر الضحاك صبرا بليغا، فقتل الضحاك بن قيس في المعركة، قتله رجل يقال له زحمة (1) بن عبد الله من بني كلب، طعنه بحربة فأنفذه ولم يعرفه. وصبر مروان وأصحابه صبرا شديدا حتى فر أولئك بين يديه، فنادى مروان: ألا لا تتبعوا مدبرا، ثم جئ برأس الضحاك، ويقال إن أول من بشره بقتله روح بن زنباع الجذامي، واستقر ملك الشام بيد مروان بن الحكم. وروي أنه بكى على نفسه يوم مرج راهط، فقال: أبعد ما كبرت وضعفت صرت إلى أن أقتل بالسيوف على الملك ؟. قلت: ولم تطل مدته في الملك إلا تسعة أشهر (2) على ما سنذكره. وقد كان الضحاك بن قيس بن خالد الاكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان (3) بن محارب بن فهر بن مالك، أبو أنيس الفهري أحد الصحابة على الصحيح، وقد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه أحاديث عدة، وروى عنه جماعة من التابعين، وهو أخو فاطمة بنت قيس وكانت أكبر منه بعشر سنين، وكان أبو عبيدة بن الجراح عمه. حكاه ابن أبي حاتم. وزعم بعضهم أنه لا صحبة له، وقال الواقدي: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه قبل البلوغ. وفي رواية عن الواقدي أنه قال: ولد الضحاك قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين. وقد شهد فتح دمشق وسكنها وله بها دار عند حجر الذهب مما يلي نهر بردا، وكان أميرا على أهل دمشق يوم صفين مع معاوية، ولما أخذ معاوية الكوفة استنابه بها في سنة أربع وخمسون وقد روى البخاري في التاريخ: أن الضحاك قرأ سورة ص في الصلاة فسجد فيها فلم يتابعه علقمة وأصحاب ابن مسعود في السجود. ثم استنابه معاوية عنده على دمشق فلم يزل عنده حتى مات معاوية وتولى ابنه يزيد، ثم ابن ابنه معاوية بن يزيد، ثم صار أمره إلى ما ذكرنا. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة أنبأنا علي بن زيد، عن الحسن أن الضحاك بن قيس كتب إلى الهيثم حين مات يزيد بن معاوية: السلام عليك أما بعد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، فتنا كقطع الدخان، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا


(1) في الطبري 7 / 39: زحنة، وفي مروج الذهب 3 / 105: قتله رجل من تيم اللات. (2) في العبري ص 111: سبعة أشهر وأياما. وفي الفخري ص 120: تسعة أشهر وبعض شهر. وفي الكامل 4 / 191: توفي في شهر رمضان سنة (65) وانظر الطبري 7 / 83. وفي المعارف ص 154: كانت ولايته عشرة أشهر. (3) في الاصابة 2 / 207: سنان. (*)

[ 268 ]

ويصبح كافرا، يبيع أقوام أخلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا قليل ". وإن يزيد بن معاوية قد مات وأنتم إخواننا وأشقاؤنا فلا تسبقونا حتى نحتال لانفسنا (1). وقد روى ابن عساكر من طريق ابن قتيبة عن العباس بن الفرج الرياشي عن يعقوب بن إسحاق بن ثوبة عن حماد بن زيد. قال: دخل الضحاك بن قيس على معاوية فقال معاوية منشدا له: تطاولت للضحاك حتى رددته * إلى حسب في قومه متقاصر فقال الضحاك: قد علم قومنا أنا أحلاس الخيل، فقال: صدقت، أنتم أحلاسها ونحن فرسانها يريد معاوية أنتم راضة وساسة، ونحن الفرسان -. ورأى أن أصل الكلمة من الحلس وهو كساء يكون تحت البرذعة أي أنه لازم ظهر الفرس كما يلزم الحلس ظهر البعير والدابة. وروى أن مؤذن دمشق قال للضحاك بن قيس: والله أيها الامير إني لاحبك في الله. فقال له الضحاك: ولكني والله أبغضك في الله. قال: ولم أصلحك الله ؟ قال: لانك تتراءى في أذانك وتأخذ على تعليمك أجرا. قتل الضحاك رحمه الله يوم مرج راهط وذلك للنصف من ذي الحجة سنة أربع وستين، قاله الليث بن سعد وأبو عبيد والواقدي وابن زير والمدائني. وفيها مقتل النعمان بن بشير الانصاري وأمه عمرة بنت رواحة، كان النعمان أول مولود ولد بالمدينة بعد الهجرة للانصار، في جمادى الاول (2) سنة ثنتين من الهجرة، فأتت به أمه تحمله إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وبشرها بأنه يعيش حميدا، ويقتل شهيدا، ويدخل الجنة، فعاش في خير وسعة، ولي نيابة الكوفة لمعاوية تسعة أشهر (3)، ثم سكن الشام، وولي قضاءها بعد فضالة بن عبيد، وفضالة بعد أبي الدرداء. وناب بحمص لمعاوية، وهو الذي رد آل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بأمر يزيد له في ذلك، وهو الذي أشار على يزيد بالاحسان إليهم فرق لهم يزيد وأحسن إليهم وأكرمهم، ثم لما كانت وقعة مروج راهط وقتل الضحاك بن قيس، وكان النعمان قد أمده بأهل حمص. فقتلوه بقرية يقال لها بيرين (4)، قتله رجل يقال له خالد بن خلي (5) المازني وقتل خلي بن داود وهو جد خالد بن خلي. وقد رثته ابنته


(1) أخرجه أحمد في مسنده 2 / 272، 3 / 453، 4 / 416. (2) في الاستيعاب على هامش الاصابة 3 / 551: في ربيع الآخر. (3) في الاستيعاب: سبعة أشهر. (4) في الاستيعاب: بيران، وفي المعارف: بين سلمية وحمص. (5) في الطبري 7 / 40 وسمط النجوم العوالي: عمرو بن الخلي، وفي مروج الذهب 3 / 106 والاستيعاب: خالد بن عدي الكلاعي وفي الاثير: عمرو بن الجلي. (*)

[ 269 ]

فقالت: ليت ابن مرنة وابنه * كانوا لقتلك واقية وبني أمية كلهم * لم تبق منهم باقية جاء البريد بقتله * يا للكلاب العاوية يستفتحون برأسه * دارت عليهم فانية فلابكين سريرة * ولابكين علانية ولابكينك ما حيي‍ * - ت مع السباع العادية وقيل إن أعشى همدان قدم على النعمان بن بشير وهو على حمص وهو مريض، فقال له النعمان: ما أقدمك ؟ قال: لتصلني وتحفظ قرابتي وتقضي ديني، فقال: والله ما عندي، ولكني سائلهم لك شيئا، ثم قام فصعد المنبر ثم قال: يا أهل حمص، إن هذا ابن عمكم من العراق، وهو مسترفدكم شيئا فما ترون ؟ فقالوا: احتكم في أموالنا، فأبى عليهم، فقالوا: قد حكمنا من أموالنا كل رجل دينارين - وكانوا في الديوان عشرين ألف رجل - فعجلها له النعمان من بيت المال أربعين ألف دينار، فلما خرجت أعطياتهم أسقط من عطاء كل رجل منهم دينارين. ومن كلام النعمان بن بشير رضي الله عنه قوله: إن الهلكة كل الهلكة أن تعمل السيئات في زمان البلاء. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو اليمان، ثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي رواحة: يزيد بن أيهم عن الهيثم بن مالك الطائي سمعت النعمان بن بشير على المنبر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن للشيطان مصالي وفخوخا، وإن من مصاليه وفخوخه البطر بنعم الله، والفخر بعطاء الله، والكبر على عباد الله، واتباع الهوى في غير ذات الله ". ومن أحاديثه الحسان الصحاح ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب " (2). رواه البخاري ومسلم. وقال أبو مسهر: كان النعمان بن بشير على حمص عاملا لابن الزبير، فلما تملك مروان خرج النعمان هاربا فاتبعه خالد بن خلي الكلاعي فقتله. قال أبو عبيدة وغير واحد: في هذه السنة.


(1) رواه البخاري في الايمان (39). والبيوع (2) ومسلم في المساقاة ح‍ (107) و (108) وأبو داود في البيوع (3) باب. وابن ماجه في الفتن (14) باب. وأحمد في مسنده 4 / 267، 269، 271، 275. (*)

[ 270 ]

وقد روى محمد بن سعد بأسانيده أن معاوية تزوج امرأة جميلة جدا فبعث إحدى امرأتيه - قيسون (1) أو فاختة - لتنظر إليها، فلما رأتها أعجبتها جدا، ثم رجعت إليه فقال: كيف رأيتيها ؟ قالت: بديعة الجمال، غير أني رأيت تحت سرتها خالا أسود، وإني أحسب أن زوجها يقتل ويلقى رأسه في حجرها. فطلقها معاوية وتزوجها النعمان بن بشير، فلما قتل أتي برأسه فألقي في حجرها سنة خمس وستين، وقال سليمان بن زير قتل بسلمية سنة ست وخمسين. وقال غيره: سنة خمس وستين، وقيل سنة ستين والصحيح ما ذكرناه. وفيها توفي المسور بن مخرمة بن نوفل، صحابي صغير، أصابه حجر المنجنيق مع ابن الزبير بمكة وهو قائم يصلي في الحجر. وهو من أعيان من قتل في حصار مكة وهو المسور بن مخرمة بن نوفل أبو عبد الرحمن الزهري، أمه عاتكة أخت عبد الرحمن بن عوف، له صحبة ورواية، ووفد على معاوية، وكان ممن يلزم عمر بن الخطاب، وقيل إنه كان ممن يصوم الدهر، وإذا قدم مكة طاف لكل يوم غاب عنها سبعا، وصلى ركعتين، وقيل إنه وجد يوم القادسية إبريق ذهب مرصع بالياقوت فلم يدر ما هو، فلقيه رجل من الفرس فقال له: بعنيه بعشرة آلاف، فعلم أنه شئ له قيمة، فبعث به إلى سعد بن أبي وقاص فنفله إياه. فباعه بمائة ألف. ولما توفي معاوية قدم مكة فأصابه حجر المنجنيق مع ابن الزبير لما رموا به الكعبة، فمات من بعد خمسة أيام، وغسله عبد الله بن الزبير، وحمله في جملة من حمل إلى الحجون، وكانوا يطأون به القتلى، ويمشون به بين أهل الشام، واحتكر المسور بن مخرمة طعاما في زمن عمر بن الخطاب، فرأى سحابا فكرهه، فلما أصبح عدا إلى السوق فقال: من جاءني أعطيته، فقال عمر: أجننت يا أبا مخرمة ؟ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت سحابا فكرهت ما فيه الناس فكرهت أن أربح فيه شيئا، فقال له عمر: جزاك الله خيرا. ولد المسور بمكة بعد الهجرة بسنتين. المنذر بن الزبير بن العوام ولد في خلافة عمر بن الخطاب، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وقد غزا المنذر القسطنطينية مع يزيد بن معاوية، ووفد على معاوية فأجازه بمائة ألف، وأقطعه أرضا، فمات معاوية قبل أن يقبض المال. وكان المنذر بن الزبير وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام يقاتلون أهل الشام بالنهار. ويطعمانهم بالليل. قتل المنذر بمكة في حصارها مع أخيه، ولما مات معاوية أوصى إلى المنذر أن ينزل في قبره. مصعب بن عبد الرحمن بن عوف كان شابا دينا فاضلا. قتل مصعب أيضا في حصار مكة مع ابن الزبير.


(1) المشهور أنها ميسون. (*)

[ 271 ]

وممن قتل في وقعة الحرة محمد بن أبي بن كعب، وعبد الرحمن بن أبي قتادة، وأبو حكيم معاذ بن الحارث الانصاري الذي أقامه عمر يصلي بالناس، وقتل يومئذ ولدان لزينب بنت أم سلمة، وزيد بن محمد بن سلمة الانصاري قتل يومئذ، وقتل معه سبعة من إخوته وغير هؤلاء رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين. وفيها توفي الاخنس بن شريق، شهد فتح مكة وكان مع علي يوم صفين. وفي هذه السنة - أعني سنة أربع وستين - جرت حروب كثيرة وفتن منتشرة ببلاد المشرق واستحوذ على بلاد خراسان رجل يقال له عبد الله بن خازم، وقهر عمالها وأخرجهم منها، وذلك بعد موت يزيد وابنه معاوية، قبل أن يستقر مالك ابن الزبير على تلك النواحي، وجرت بين عبد الله بن خازم هذا وبين عمرو بن مرثد حروب يطول ذكرها وتفصيلها، اكتفينا بذكرها إجمالا إذ لا يتعلق بذكرها كبير فائدة، وهي حروب فتنة وقتال بغاة بعضهم في بعض، والله المستعان. وقال الواقدي: وفي هذه السنة بعد موت معاوية بن يزيد بايع أهل خراسان سلم بن زياد بن أبيه، وأحبوه حتى أنهم سموا باسمه في تلك السنة أكثر من ألف غلام مولود، ثم نكثوا واختلفوا فخرج عنهم سلم وترك عليهم المهلب بن أبي صفرة. وفيها اجتمع ملا الشيعة على سليمان بن صرد بالكوفة، وتواعدوا النخيلة ليأخذوا بثأر الحسين بن علي بن أبي طالب، وما زالوا في ذلك مجدين، وعليه عازمين، من مقتل الحسين بكربلاء من يوم عاشوراء عشرة المحرم سنة إحدى وستين، وقد ندموا على ما كان منهم من بعثهم إليه، فلما أتاهم خذلوه وتخلوا عنه ولم ينصروه * فجادت بوصل حين لا ينفع الوصل * فاجتمعوا في دار سليمان بن صرد وهو صحابي جليل، وكان رؤس القائمين في ذلك خمسة، سليمان بن صرد الصحابي، والمسيب بن نجبة الفزاري أحد كبار أصحاب علي، وعبد الله بن سعد بن نفيل الازدي، وعبد الله بن وال التيمي، ورفاعة بن شداد البجلي. وكلهم من أصحاب علي رضي الله عنه، فاجتمعوا كلهم بعد خطب ومواعظ على تأمير سليمان بن صرد عليهم، فتعاهدوا وتعاقدوا وتواعدوا النخيلة، وأن يجتمع من يستجيب لهم إلى ذلك الموضع بها في سنة خمس وستين، ثم جمعوا من أموالهم وأسلحتهم شيئا كثيرا وأعدوه لذلك. وقام المسيب بن نجية خطيبا فيهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فقد ابتلينا بطول العمر وكثرة الفتن، وقد ابتلانا الله فوجدنا كاذبين في نصرة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن كتبنا إليه وراسلناه، فأتانا طمعا في نصرتنا إياه، فخذلناه وأخلفناه، وأتينا به إلى من قتله وقتل أولاده وذريته وقراباته الاخيار، فما نصرناهم بأيدينا، ولا خذلنا (1) عنهم بألسنتنا، ولا قويناهم بأموالنا، فالويل لنا جميعا ويلا متصلا أبدا لا


(1) في الطبري 7 / 48 والكامل 4 / 159: ولا جادلنا، وفي ابن الاعثم 6 / 49: ولا دفعنا. (*)

[ 272 ]

يفتر ولا يبيد دون أن نقتل قاتله والممالئين عليه، أو نقتل دون ذلك وتذهب أموالنا وتخرب ديارنا، أيها الناس قوموا في ذلك قومة رجل واحد، وتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم. وذكر كلاما طويلا. ثم كتبوا إلى جميع إخوانهم أن يجتمعوا بالنخيلة في السنة الآتية (1). وكتب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان وهو أمير على المدائن يدعوه إلى ذلك فاستجاب له ودعا إليه سعد من أطاعه من أهل المدائن، فبادروا إليه بالاستجابة والقبول، وتمالاوا عليه وتواعدوا النخيلة في التاريخ المذكور. وكتب سعد بن حذيفة إلى سليمان بن صرد بذلك ففرح أهل الكوفة من موافقة أهل المدائن لهم على ذلك، وتنشطوا لامرهم الذي تمالاوا عليه. فلما مات يزيد بن معاوية وابنه معاوية بعد قليل، طمعوا في الامر، واعتقدوا أن أهل الشام قد ضعفوا، ولم يبق من يقيم لهم أمرا، فاستشاروا سليمان في الظهور وأن يخرجوا إلى النخيلة قبل الميقات، فنهاهم عن ذلك وقال: لا ! حتى يأتي الاجل الذي واعدنا إخواننا فيه، ثم هم في الباطن يعدون السلاح والقوة ولا يشعر بهم جمهور الناس، وحينئذ عمد جمهور أهل الكوفة إلى عمرو بن حريث نائب عبيد الله بن زياد على الكوفة فأخرجوه من القصر، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الملقب دحروجة (2)، فبايع لعبد الله بن الزبير، فهو يسد الامور حتى تأتي نواب ابن الزبير. فلما كان يوم الجمعة لثمان بقين من رمضان من هذه السنة - أعني سنة أربع وستين - قدم أميران إلى الكوفة من جهة ابن الزبير، أحدهما عبد الله بن يزيد الخطمي، على الحرب والثغر، والآخر إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله (3) التيمي، على الخراج والاموال. وقد كان قدم قبلهما بجمعة واحدة للنصف من هذا الشهر المختار بن أبي عبيد - وهو المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب - فوجد الشيعة قد التفت على سليمان بن صرد وعظموه تعظيما زائدا، وهم معدون للحرب. فلما استقر المختار عندهم بالكوفة دعا إلى إمامة المهدي محمد بن علي بن أبي طالب، وهو محمد بن الحنفية في الباطن، ولقبه المهدي، فاتبعه على ذلك كثير من الشيعة وفارقوا سليمان بن صرد، وصارت الشيعة فرقتين، الجمهور منهم مع سليمان يريدون الخروج على الناس ليأخذوا بثأر الحسين، وفرقة أخرى مع المختار يريدون الخروج للدعوة إلى إمامة محمد بن الحنفية، وذلك عن غير أمر ابن الحنفية ورضاه، وإنما يتقولون عليه ليروجوا على الناس به، وليتوصلوا إلى أغراضهم الفاسدة، وجاءت العين (4) الصافية إلى عبد الله بن يزيد الخطمي نائب ابن الزبير بما تمالا عليه فرقتا الشيعة على اختلافهما من الخروج على الناس والدعوة إلى ما يريدون، وأشار من


(1) في ابن الاعثم 6 / 52 والطبري 7 / 50: غرة ربيع الآخر سنة 65 ه‍. (2) في ابن الاعثم 6 / 53 والطبري 7 / 52: دحروجة الجعل. (3) في ابن الاعثم: عبد الله. (4) في الطبري 7 / 55 وابن الاعثم 6 / 57: يزيد بن الحارث بن رويم وهو من شيعة بني أمية. (*)

[ 273 ]

أشار عليه بأن يبادر إليهم ويحتاط عليهم ويبعث الشرط والمقاتلة فيقمعهم عما هم مجمعون عليه من إرادة الشر والفتنة. فقام خطيبا في الناس وذكر في خطبته ما بلغه عن هؤلاء القوم، وما أجمعوا عليه من الامر، وأن منهم من يريد الاخذ بثأر الحسين، ولقد علموا أنني لست ممن قتله، وإني والله لممن أصيب بقتله وكره قتله، فرحمه الله ولعن قاتله، وإني لا أتعرض لاحد قبل أن يبدأني بالشر، وإن كان هؤلاء يريدون الاخذ بثأر الحسين فليعمدوا إلى ابن زياد فإنه هو الذي قتل الحسين وخيار أهله فليأخذوا منه بالثأر، ولا يخرجوا بسلاحهم على أهل بلدهم، فيكون فيه حتفهم واستئصالهم. فقام إبراهيم بن محمد بن طلحة الامير الآخر فقال: أيها الناس لا يغرنكم من أنفسكم كلام هذا المداهن، إنا والله قد استيقنا من أنفسنا أن قوما يريدون الخروج علينا، ولنأخذن الوالد بالولد والولد بالوالد، والحميم بالحميم، والعريف بما في عرافته، حتى تدينوا بالحق وتذلوا للطاعة. فوثب إليه المسيب بن نجبة الفزاري فقطع كلامه فقال: يا بن الناكثين أتهددنا بسيفك وغشمك ؟ أنت والله أذل من ذلك، إنا لا نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك وجدك، وإنا لنرجوا أن نلحقك بهما قبل أن تخرج من هذا القصر. وساعد المسيب بن نجية من أصحاب إبراهيم بن محمد بن طلحة جماعة من العمال، وجرت فتنة وشئ كبير في المسجد، فنزل عبد الله بن يزيد الخطمي عن المنبر وحاولوا أن يوفقوا بين الاميرين فلم يتفق لهم ذلك، ثم ظهرت الشيعة أصحاب سليمان بن صرد بالسلاح، وأظهروا ما كان في أنفسهم من الخروج على الناس، وركبوا مع سليمان بن صرد فقصدوا نحو الجزيرة، وكان من أمرهما ما سنذكره. وأما المختار بن عبيد الثقفي الكذاب فإنه قد كان بغيضا إلى الشيعة من يوم طعن الحسين وهو ذاهب إلى الشام بأهل العراق، فلجأ إلى المدائن، فأشار المختار على عمه وهو نائب المدائن بأن يقبض على الحسين ويبعثه إلى معاوية فيتخذ بذلك عنده اليد البيضاء، فامتنع عمر المختار من ذلك، فأبغضته الشيعة بسبب ذلك، فلما كان من أمر مسلم بن عقيل ما كان وقتله ابن زياد، كان المختار يومئذ بالكوفة فبلغ ابن زياد أنه يقول: لاقومن بنصرة مسلم ولآخذن بثأره، فأحضره بين يديه وضرب عينه بقضيب كان بيده فشترها، وأمر بسجنه، فلما بلغ أخته سجنه بكت وجزعت عليه، وكانت تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب، فكتب ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع عنده في إخراج المختار من السجن، فبعث يزيد إلى ابن زياد: أن ساعة وقوفك على هذا الكتاب تخرج المختار بن عبيد من السجن، فلم يمكن ابن زياد غير ذلك، فأخرجه وقال له: إن وجدتك بعد ثلاثة أيام بالكوفة ضربت عنقك. فخرج المختار إلى الحجاز وهو يقول: والله لاقطعن أنامل عبيد الله بن زياد، ولاقتلن بالحسين بن علي على عدد من قتل بدم يحيى بن زكريا. فلما استفحل أمر عبد الله بن الزبير بايعه المختار بن عبيد، وكان من كبار الامراء عنده، ولما حاصره الحصين بن نمير مع أهل الشام قاتل المختار دون ابن الزبير أشد القتال، فلما بلغه موت يزيد بن

[ 274 ]

معاوية واضطراب أهل العراق، نقم على ابن الزبير في بعض الامر (1) وخرج من الحجاز فقصد الكوفة فدخلها في يوم الجمعة والناس يتهيئون للصلاة، فجعل لا يمر بملا إلا سلم عليه وقال: أبشروا بالنصر. ودخل المسجد فصلى إلى سارية هنالك حتى أقيمت الصلاة، ثم صلى من بعد الصلاة حتى صليت العصر، ثم انصرف فسلم عليه الناس وأقبلوا إليه وعليه وعظموه، وجعل يدعو إلى إمامة المهدي محمد بن الحنفية، ويظهر الانتصار لاهل البيت، وأنه ما جاء إلا بصدد أن يقيم شعارهم، ويظهر منارهم، ويستوفي ثأرهم، ويقول للناس الذين اجتمعوا على سليمان بن صرد من الشيعة - وقد خشي أن يبادروا إلى الخروج مع سليمان - فجعل يخذلهم ويستميلهم إليه ويقول لهم: إني قد جئتكم من قبل ولي الامر، ومعدن الفضل، ووصي الرضى (2)، والامام المهدي، بأمر فيه الشفاء، وكشف الغطاء، وقتل الاعداء، وتمام النعماء، وأن سليمان بن صرد يرحمنا الله وإياه إنما هو غشمة من الغشم، وشن بال ليس بذي تجربة للامور، ولا له علم بالحروب، إنما يريد أن يخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم، وإني إنما أعمل على مثل مثل لي، وأمر قد بين لي، فيه عز وليكم، وقتل عدوكم، وشفاء صدوركم، فاسمعوا مني وأطيعوا أمري، ثم أبشروا وتباشروا، فإني لكم بكل ما تأملون وتحبون كفيل. فالتف عليه خلق كثير من الشيعة، ولكن الجمهور منهم مع سليمان بن صرد، فلما خرجوا مع سليمان إلى النخيلة (3) قال عمر بن سعد بن أبي وقاص وشبث بن ربعي وغيرهما لعبد الله بن يزيد (4) نائب الكوفة: إن المختار بن أبي عبيد أشد عليكم من سليمان بن صرد، فبعث إليه الشرط فأحاطوا بداره فأخذ فذهب به إلى السجن مقيدا، وقيل بغير قيد، فأقام به مدة ومرض فيه. قال أبو مخنف: فحدثني يحيى بن أبي عيسى أنه قال: دخلت إليه مع حميد بن مسلم الازدي نعوده ونتعاهده. فسمعته يقول: أما ورب البحار، والنخيل والاشجار، والمهامه والقفار، والملائكة الابرار، والمصلين (5) الاخيار، لاقتلن كل جبار، بكل لدن جثار خطار، ومهند بتار، بجند من الاخيار، وجموع من الانصار، ليسوا بميل الاغمار، ولا بعزل أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدين، وجبرت صدع المسلمين، وشفيت غليل صدور المؤمنين، وأدركت ثأر أولاد النبيين، لم أبك على زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا دنا. قال: وكان كلما أتيناه وهو في السجن يردد علينا هذا القول حتى خرج.


(1) في تاريخ الطبري 7 / 63: نقم المختار على ابن الزبير لانه أقام معه خمسة أشهر لا يستعمله وقال فيه ابن الزبير: والله لهو أحذر من ذئب قد أطافت به السباع. فنقم عليه المختار وخرج إلى الكوفة. (الكامل لابن الاثير 4 / 171) وفي رواية لابن الاثير أن خروج المختار إلى الكوفة كان بالاتفاق مع ابن الزبير لاقناع شيعة الكوفة بالقتال إلى جانبه ضد أهل الشام. (2) في الطبري: الوصي. (3) في الطبري 7 / 65 والكامل 4 / 172: الجزيرة. (4) من الطبري والكامل، وفي الاصل زياد تحريف، والمراد عبد الله بن يزيد نائب ابن الزبير على الكوفة. (5) في الطبري والكامل: والمصطفين. (*)

[ 275 ]

ذكر هدم الكعبة وبنائها في أيام ابن الزبير قال ابن جرير: وفي هذه السنة هدم ابن الزبير الكعبة، وذلك لانه مال جدارها من رمي المنجنيق فهدم الجدار حتى وصل إلى أساس إبراهيم، وكان الناس يطوفون ويصلون من وراء ذلك، وجعل الحجر الاسود في تابوت في سرق من حرير، وادخر ما كان في الكعبة من حلي وثياب وطيب، عند الخزان حتى أعاد ابن الزبير بناءها على ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يبنيها عليه من الشكل، وذلك كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من المسانيد والسنن، من طرق عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة ولادخلت فيها الحجر، فإن قومك قصرت بهم النفقة، ولجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا، يدخل الناس من أحدهما ويخرجون من الآخر، ولالصقت بابها بالارض فإن قومك رفعوا بابها ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا " (1). فبناها ابن الزبير على ذلك كما أخبرته به خالته عائشة أم المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجزاه الله خيرا. ثم لما غلبه الحجاج بن يوسف في سنة ثلاث وسبعين كما سيأتي، هدم الحائط الشمالي وأخرج الحجر كما كان أولا، وأدخل الحجارة التي هدمها في جوف الكعبة فرصها فيه، فارتفع الباب وسد الغربي، وتلك آثاره إلى الآن، وذلك بأمر عبد الملك بن مروان في ذلك، ولم يكن بلغه الحديث، فلما بلغه الحديث قال: وددنا أنا تركناه وما تولى من ذلك. وقد هم ابن المنصور المهدي أن يعيدها على ما بناها ابن الزبير، واستشار الامام مالك بن أنس في ذلك، فقال: إني أكره أن يتخذها الملوك لعبة، - يعني يتلاعبون في بنائها بحسب آرائهم - فهذا يرى رأي ابن الزبير، وهذا يرى رأي عبد الملك بن مروان، وهذا يرى رأيا آخر والله سبحانه وتعالى أعلم. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير وكان عامله على المدينة أخوه عبيد الله (2)، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وعلى قضائها سعيد بن المرزبان (3)، وامتنع شريح أن يحكم في زمان الفتنة، وعلى البصرة عمر بن معمر التيمي، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم، وكان في أواخر هذه السنة وقعة مرج راهط كما قدمنا، وقد استقر ملك الشام لمروان بن الحكم، وذلك بعد ظفره بالضحاك بن قيس وقتله له في الوقعة، وقيل إن فيها دخل مروان مصر وأخذها من نائبها الذي من جهة ابن الزبير، وهو عبد الرحمن بن جحدر (4). واستقرت يد مروان على الشام ومصر وأعمالها والله أعلم.


(1) تقدم تخريجه. (2) في الطبري 7 / 66 والكامل 4 / 174: عبيدة. (3) في الطبري: سعد بن نمران، وفي الكامل: هشام بن هبيرة. (4) تقدم: جحدم. (*)

[ 276 ]

وقال الواقدي: لما أراد ابن الزبير هدم البيت شاور الناس في هدمها فأشار عليه جابر بن عبد الله وعبيد بن عمير بذلك، وقال ابن عباس: أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم حتى يتهاون الناس بحرمتها، ولكن أرى أن تصلح ما يتهدم من بنيانها. ثم إن ابن الزبير استخار الله ثلاثا أيام، ثم غدا في اليوم الرابع فبدأ ينقض الركن إلى الاساس، فلما وصلوا إلى الاساس وجدوا أصلا بالحجر مشبكا كأصابع اليدين، فدعا ابن الزبير خمسين رجلا فأمرهم أن يحفروا، فلما ضربوا بالمعاول في تلك الاحجار المشبكة ارتجت مكة فتركه على حاله، ثم أسس عليه البناء، وجعل للكعبة بابين موضعين بالارض، باب يدخل منه وباب يخرج منه، ووضع الحجر الاسود بيده، وشده بفضة لانه كان قد تصدع، وزاد في وسع الكعبة عشرة أذرع، ولطخ جدرانها بالمسك وسترها بالديباج، ثم اعتمر من مساجد عائشة وطاف بالبيت وصلى وسعى، وأزال ما كان حول الكعبة من الزبالة، وما كان حولها من الدماء، وكانت الكعبة قد وهت من أعلاها إلى أسفلها من حجارة المنجنيق، واسود الركن وانصدع الحجر الاسود من النار التي كانت حول الكعبة، وكان سبب تجديد الزبير لها ما ثبت في الصحيحين من حديث عاشئة المتقدم ذكره والله أعلم. ثم دخلت سنة خمس وستين فيها اجتمع إلى سليمان بن صرد نحو من سبعة عشر ألفا، كلهم يطلبون الاخذ بثأر الحسين ممن قتله، قال الواقدي: لما خرج الناس إلى النخيلة كانوا قليلا، فلم تعجب سليمان قلتهم، فأرسل حكيم بن منقذ (1) فنادى في الكوفة بأعلى صوته: يا ثارات الحسين، فلم يزل ينادي حتى بلغ المسجد الاعظم، فسمع الناس فخرجوا إلى النخيلة وخرج أشراف الكوفة فكانوا قريبا من عشرين ألفا أو يزيدون، في ديوان سليمان بن صرد، فلما عزم على المسير بهم لم يصف معه منهم سوى أربعة آلاف، فقال المسيب بن نجية لسليمان: إنه لا ينفعك الكاره، ولا يقاتل معك إلا من أخرجته النية، وباع نفسه لله عز وجل، فلا تنتظرن أحدا وامض لامرك في جهاد عدوك واستعن بالله عليهم. فقام سليمان في أصحابه وقال: يا أيها الناس ! من كان إنما خرج لوجه الله وثواب الآخرة فذلك منا ونحن منه، ومن كان خروجه معنا للدنيا فليس منا ولا يصحبنا. فقال الباقون معه: ما للدنيا خرجنا، ولا لها طلبنا، فقيل له: أنسير إلى قتلة الحسين بالشام وقتلته عندنا بالكوفة كلهم مثل عمر بن سعد وغيره ؟ فقال سليمان: إن ابن زياد هو الذي جهز الجيش إليه وفعل به ما فعل، فإذا فرغنا منه عدنا إلى أعدائه بالكوفة، ولو قاتلتوهم أولا، وهم أهل مصركم ما عدم الرجل منكم أن يرى رجلا قد قتل أباه قد قتل أخاه أو حميمه، فيقع التخاذل، فإذا فرغتم من


(1) في الطبري 7 / 66 زيد: والوليد بن غضين الكناني، وفي ابن الاعثم 6 / 58: ابن عصين وفي الكامل: ابن عصير. (*)

[ 277 ]

الفاسق ابن زياد حصل لكم المراد. فقالوا: صدقت. فنادى فيهم: سيروا على اسم الله تعالى، فساروا عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الاول. وقال في خطبته: من كان خرج منكم للدنيا ذهبها وزبرجدها فليس معنا مما يطلب شئ، وإنما معنا سيوف على عواتقنا، ورماح في أكفنا، وزاد يكفينا حتى نلقى عدونا. فأجابوه إلى السمع والطاعة والحالة هذه، وقال لهم: عليكم بابن زياد الفاسق أولا، فليس له إلا السيف، وها هو قد أقبل من الشام قاصدا العراق. فصمم الناس معه على هذا الرأي، فلما أزمعوا على ذلك بعث عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد أمراء الكوفة من جهة ابن الزبير، إلى سليمان بن صرد يقولان له: إنا نحب أن تكون أيدينا واحدة على ابن زياد: وأنهم يريدون أن يبعثوا معهم جيشا ليقويهم على ما هم قد قصدوا له، وبعثوا بريدا بذلك ينتظرهم حتى يقدموا عليه، فتهيأ سليمان بن صرد لقدومهم عليه في رؤس الامراء، وجلس في أبهته والجيوش محدقة به، وأقبل عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن طلحة في أشراف أهل الكوفة من غير قتلة الحسين، لئلا يطمعوا فيهم، وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص في هذه الايام كلها لا يبيت إلا في قصر الامارة عند عبد الله بن يزيد خوفا على نفسه، فلما اجتمع الاميران عند سليمان بن صرد قالا له وأشارا عليه أن لا يذهبوا حتى تكون أيديهما واحدة على قتال ابن زياد، ويجهزوا معهم جيشا، فإن أهل الشام جمع كثير وجم غفير، وهم يحاجفون عن ابن زياد، فامتنع سليمان من قبول قولهما وقال: إنا خرجنا لامر لا نرجع عنه ولا نتأخر فيه. فانصرف الاميران راجعين إلى الكوفة، وانتظر سليمان بن صرد وأصحابه أصحابهم الذين كانوا قد واعدوهم من أهل البصرة وأهل المدائن فلم يقدموا عليهم ولا واحد منهم، فقام سليمان في أصحابه خطيبا وحرضهم على الذهاب لما خرجوا عليه، وقال: لو قد سمع إخوانكم بخروجكم للحقوكم سراعا. فخرج سليمان وأصحابه من النخيلة يوم الجمعة لخمس مضين من ربيع الاول (1) سنة خمس وستين، فسار بهم مراحل (2)، ما يتقدمون مرحلة إلى نحو الشام إلا تخلف عنه طائفة من الناس الذين معه، فلما مروا بقبر الحسين صاحوا صيحة واحدة وتباكوا وباتوا عنده ليلة يصلون ويدعون، وظلوا يوما يترحمون عليه ويستغفرون له ويترضون عنه ويتمنون أن لو كانوا ماتوا معه شهداء - قلت: لو كان هذا العزم والاجتماع قبل وصول الحسين إلى تلك المنزلة، لكان أنفع له وأنصر من اجتماع سليمان وأصحابه لنصرته بعد أربع سنين - ولما أرادوا الانصراف جعل لا يريم أحد منهم حتى يأتي القبر فيترحم عليه ويستغفر له، حتى جعلوا يزدحمون أشد من ازدحامهم عند الحجر الاسود. ثم ساروا قاصدين


(1) في الطبري والكامل وابن الاعثم: ربيع الآخر. (2) في الكامل 4 / 177 وصل دار الاهواز، وفي الطبري وابن الاعثم: نزل الاقساس، والاقساس: قرية بالكوفة أو كورة يقال لها اقساس مالك (معجم البلدان). (*)

[ 278 ]

الشام، فلما اجتازوا بقرقيسيا تحصن منهم زفر بن الحارث، فبعث إليه سليمان بن صرد: إنا لم نأت لقتالكم فأخرج إلينا سوقا فإنا إنما نقيم عندكم يوما أو بعض يوم، فأمر زفر بن الحارث أن يخرج إليهم سوق، وأمر للرسول إليه وهو المسيب بن نجبة بفرس وألف درهم. فقال: أما المال فلا. وأما الفرس فنعم. وبعث زفر بن الحارث إلى سليمان بن صرد ورؤس الامراء الذين معه إلى كل واحد عشرين جزورا وطعاما وعلفا كثيرا، ثم خرج زفر بن الحارث فشيعهم، وسار مع سليمان بن صرد وقال له: إنه قد بلغني أن أهل الشام قد جهزوا جيشا كثيفا وعددا كثيرا، مع حصين بن نمير، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وأدهم بن محرز الباهلي (1). وربيعة بن مخارق الغنوي (2)، وجبلة بن عبد الله الخثعمي. فقال سليمان بن صرد: على الله تولكنا وعلى الله فليتوكل المؤمنون. ثم عرض عليهم زفر أن يدخلوا مدينته أو يكونوا عند بابها، فإن جاءهم أحد كان معهم عليه، فأبوا أن يقبلوا وقالوا: قد عرض علينا أهل بلدنا مثل ذلك فامتنعنا. قال: فإذا أبيتم ذلك فبادروهم إلى عين الوردة، فيكون الماء والمدينة والاسواق والسباق خلف ظهوركم، وما بيننا وبينكم فأنتم آمنون منه، ثم أشار عليهم بما يعتمدونه في حال القتال فقال: ولا تقاتلوهم في فضاء فإنهم أكثر منكم عددا فيحيطون بكم، فإني لا أرى معكم رجالا والقوم ذووا رجال وفرسان، ومعهم كراديس فاحذروهم، فأثنى عليه سليمان بن صرد والناس خيرا، ثم رجع عنهم، وسار سليمان بن صرد فبادر إلى عين الوردة فنزل غربيها، وأقام هناك قبل وصول أعدائه إليه، واستراح سليمان وأصحابه واطمأنوا. وقعة عين وردة فلما اقترب أهل الشام إليهم خطب سليمان أصحابه فرغبهم في الآخرة وزهدهم في الدنيا، وحثهم على الجهاد، وقال: إن قتلت فالامير عليكم المسيب بن نجبة، فإن قتل فعبد الله بن سعد بن نفيل، فإن قتل فعبد الله بن وال، فإن قتل فرفاعة بن شداد، ثم بعث بين يديه المسيب بن نجبة في خمسمائة (3) فارس، فأغاروا على جيش ابن ذي الكلاع وهم عارون، فقتلوا منهم جماعة وجرحوا آخرين، واستاقوا نعما، وأتى الخبر إلى عبيد الله بن زياد فأرسل بين يديه الحصين بن نمير في اثني عشر ألفا، فصبح سليمان بن صرد وجيشه واقفون في يوم الاربعاء لثمان بقين من جمادى الاولى، وحصين بن نمير قائم في اثني عشر ألفا، وقد تهيأ كل من الفريقين


(1) في الطبري 7 / 73 زاد: وأبو مالك بن أدهم. (2) في الكامل 4 / 180: وعبيد الله بن زياد، ولم يذكر ربيعة بن مخارق الغنوي. وفي ابن الاعثم 6 / 80: أن عبيد الله بن زياد قد ترك الرقة... وقد وجه نحوكم بخمسة من قواده... وذكرهم وفيه: حملة بن عبد الله الخثعمي بدل جبلة. (3) في الكامل 4 / 181: أربعمائة فارس. (*)

[ 279 ]

لصاحبه، فدعا الشاميون أصحاب سليمان إلى الدخول في طاعة مروان بن الحكم (1)، ودعا أصحاب سليمان الشاميين إلى أن يسلموا إلى إليهم عبيد الله بن زياد فيقتلونه عن الحسين، وامتنع كل من الفريقين أن يجيب إلى ما دعا إليه الآخر، فاقتتلوا قتالا شديدا عامة يومهم إلى الليل، وكانت الدائرة فيه للعراقيين على الشاميين، فلما أصبحوا أصبح ابن ذي الكلاع وقد وصل إلى الشاميين في ثمانية عشر (2) ألف فارس، وقد أنبه وشتمه ابن زياد، فاقتتل الناس في هذا اليوم قتالا لم ير الشيب والمرد مثله قط، لا يحجز بينهم إلا أوقات الصلوات إلى الليل، فلما أصبح الناس من اليوم الثالث وصل إلى الشاميين أدهم بن محرز في عشرة آلاف، ذلك في يوم الجمعة، فاقتتلوا قتالا شديدا إلى حين ارتفاع الضحى، ثم استدار أهل الشام بأهل العراق وأحاطوا بهم من كل جانب، فخطب سليمان بن صرد الناس وحرضهم على الجهاد، فاقتتل الناس قتالا عظيما جدا، ثم ترجل سليمان بن صرد وكسر جفن سيفه ونادى يا عباد الله، من أراد الرواح، إلى الجنة والتوبة من ذنبه والوفاء بعهده فليأت إلي، فترجل معه ناس كثيرون وكسروا جفون سيوفهم، وحملوا حتى صاروا في وسط القوم. وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة حتى خاضوا في الدماء، وقتل سليمان بن صرد أمير العراقيين، رماه رجل يقال له يزيد بن الحصين بسهم فوقع، ثم وثب ثم وقع ثم وثب ثم وقع، وهو يقول: فزت ورب الكعبة فأخذ الراية المسيب بن نجبة فقاتل بها قتالا شديدا وهو يقول: قد علمت ميالة الذوائب * واضحة اللبات والترائب أني غداة الروع والتغالب * أشجع من ذي لبدة مواثب * قصاع أقران مخوف الجانب * (3) ثم قاتل قتالا شديدا فقضى ابن نجبة نحبه، ولحق في ذلك الموقف صحبه رحمهم الله، فأخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل فقاتل قتالا شديدا أيضا، وحمل حينئذ ربيعة بن مخارق على أهل العراق حملة منكرة، وتبارز هو وعبد الله بن سعد بن نفيل، ثم اتحدا فحمل ابن أخي ربيعة على عبد الله بن سعد فقتله، ثم احتمل عمه، فأخذ الراية عبد الله بن وال، فحرض الناس على الجهاد وجعل يقول: الرواح إلى الجنة - وذلك بعد العصر - وحمل بالناس ففرق من كان حوله ثم


(1) في الطبري 7 / 75 وابن الاعثم 6 / 82 والكامل 4 / 182: عبد الملك بن مروان. والصواب مروان بن الحكم فوقعة عين الوردة كانت في جمادى الاولى، وكانت وفاة مروان على الارجح في رمضان سنة 65 ه‍، ولعل من قال عبد الملك يريد اعلان الطاعة والقبول بولاية عهد عبد الملك وقد كانت البيعة بولاية العهد قد أخذت له. (2) في الطبري: ثمانية آلاف. (3) ذكر ابن الاعثم 6 / 83 شعر المسيب قال: لقد منيتم يا أخي جلادي * بيت المقام مقفص الاعادي ليس بفرار ولا حياد * أشجع من ليث عرين عادي (*)

[ 280 ]

قتل - وكان من الفقهاء المفتيين - قتله أدهم بن محرز الباهلي أمير حرب الشاميين ساعتئذ، فأخذ الراية رفاعة بن شداد فانحاز بالناس وقد دخل الظلام، ورجع الشاميون إلى رحالهم، وانشمر رفاعية بمن بقي معه راجعا إلى بلاده، فلما أصبح الشاميون إذا العراقيون قد كروا راجعين إلى بلادهم، فلم يبعثوا وراءهم طلبا ولا أحدا لما لقوا منهم من القتل والجراح، فلما وصلوا إلى هيت إذا سعد بن حذيفة بن اليمان قد أقبل بمن معه من أهل المدائن، قاصدين إلى نصرتهم (1)، فلما أخبروه بما كان من أمرهم وما حل بهم، ونعوا إليه أصحابهم ترحموا عليهم واستغفروا لهم وتباكوا على إخوانهم، وانصرف أهل المدائن إليها، ورجع راجعة أهل الكوفة إليها، وقد قتل منهم خلق كثير وجم غفير، وإذا المختار بن أبي عبيد كما هو في السجن لم يخرج منه (2)، فكتب إلى رفاعة بن شداد يعزيه فيمن قتل منهم ويترحم عليهم ويغبطهم بما نالوا من الشهادة، وجزيل الثواب ويقول: مرحبا بالذين أعظم الله أجورهم ورضي عنهم، والله ما خطا منهم أحد خطوة إلا كان ثواب الله له فيها أعظم من الدنيا وما فيها، وإن سليمان قد قضى ما عليه وتوفاه الله وجعل روحه في أرواح النبيين والشهداء والصالحين، وبعد فأنا الامير المأمون، قاتل الجبارين والمفسدين إن شاء الله، فأعدوا واستعدوا وأبشروا، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والطلب بدماء أهل البيت. وذكر كلاما كثيرا في هذا المعنى. وقد كان قبل قدومهم أخبر الناس بهلاكهم عن ربه الذي كان يأتي إليه من الشياطين، فإنه قد كان يأتي إليه شيطان فيوحي إليه قريبا مما كان يوحي شيطان مسيلمة إليه، وكان جيش سليمان بن صرد وأصحابه يسمى بجيش التوابين رحمهم الله، وقد كان سليمان بن صرد الخزرجي صحابيا جليلا نبيلا عابدا زاهدا، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في الصحيحين وغيرهما، وشهد مع علي صفين، وكان أحد من كان يجتمع الشيعة في داره لبيعة الحسين، وكتب إلى الحسين فيمن كتب بالقدوم إلى العراق، فلما قدمها تخلوا عنه وقتل بكربلاء بعد ذلك، ورأى هؤلاء أنهم كانوا سببا في قدومه، وأنهم خذلوه حتى قتل هو وأهل بيته، فندموا، على ما فعلوا معه، ثم اجتمعوا في هذا الجيش وسموا جيشهم جيش التوابين، وسموا أميرهم سليمان بن صرد أمير التوابين، فقتل سليمان رضي الله عنه في هذه الوقعة بعين وردة سنة خمس وستين، وقيل سنة سبع وستين، والاول أصح. وكان عمره يوم قتل ثلاثا وتسعين سنة رحمه الله. وحمل رأسه ورأس المسيب بن نجبة إلى مروان بن الحكم (3) بعد الوقعة، وكتب أمراء الشاميين إلى مروان بما فتح الله عليهم


(1) في مروج الذهب 3 / 113 قال: " قيل لعبد الله بن سعد بن نفيل وهو في القتال: إن إخواننا قد لحقونا من البصرة والمدائن " قال وقد قاتلوا واستشهد منهم. وفي ابن الاعثم 6 / 84 إشارة إلى وجود أهل المدائن في القتال وقد قاتلوا إلى جانب رفاعة بن شداد (وانظر الطبري 7 / 77). (2) أما ابن الاعثم فقال أن المختار كان من جملة من خرج إليهم لاستقبالهم وتعزيتهم (6 / 86). (3) في الطبري والكامل: عبد الملك بن مروان - وقد تقدم قريبا ملاحظة هذا الامر فليراجع. (*)

[ 281 ]

وأظفرهم من عدوهم، فخطب الناس وأعلمهم بما كان من أمر الجنود ومن قتل من أهل العراق، وقد قال: أهلك الله رؤوس الضلال سليمان بن صرد وأصحابه، وعلق الرؤوس بدمشق، وكان مروان بن الحكم قد عهد بالامر من بعده إلى ولديه عبد الملك ثم من بعده عبد العزيز: وأخذ بيعة الامراء على ذلك في هذه السنة، قاله ابن جرير وغيره. وفيها دخل مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد الاشدق إلى الديار المصرية فأخذاها من نائبها الذي كان لعبد الله بن الزبير، وهو عبد الرحمن بن جحدم، وكان سبب ذلك أن مروان قصدها فخرج إليه نائبها ابن جحدم فقابله مروان ليقاتله فاشتغل به، وخلص عمرو بن سعيد بطائفة من الجيش من وراء عبد الرحمن بن جحدم فدخل مصر فملكها، وهرب عبد الرحمن ودخل مروان إلى مصر فملكها، وجعل عليها ولده عبد العزيز. وفيها بعث ابن الزبير أخاه مصعبا ليفتح له الشام، فبعث إليه مروان عمرو بن سعيد فتلقاه إلى فلسطين فهرب منه مصعب بن الزبير وكر راجعا ولم يظفر بشئ. واستقر ملك الشام ومصر لمروان. وقال الواقدي: إن مروان حاصر مصر فخندق عبد الرحمن بن جحدم على البلد خندقا، وخرج في أهل مصر إلى قتاله، وكانوا يتناوبون القتال ويستريحون، ويسمى ذلك يوم التراويح، واستمر القتال في خواص أهل البلد فقتل منهم خلق كثير، وقتل يومئذ عبد الله بن يزيد بن معدي كرب الكلاعي أحد الاشراف. ثم صالح عبد الرحمن مروان على أن يخرج إلى مكة بماله وأهله، فأجابه مروان إلى ذلك، وكتب إلى أهل مصر كتاب أمان بيده، وتفرق الناس وأخذوا في دفن موتاهم والبكاء عليهم، وضرب مروان عنق ثمانين رجلا تخلفوا عن مبايعته، وضرب عنق الاكيدر بن حملة اللخمي، وكان من قتلة عثمان، وذلك في نصف جمادى الآخر يوم توفي عبد الله بن عمرو بن العاص، فما قدروا أن يخرجوا بجنازته فدفنوه في داره واستولى مروان على مصر وأقام بها شهرا، ثم استعمل عليها ولده عبد العزيز، وترك عنده أخاه بشر بن مروان وموسى بن نصير وزيرا له، وأوصاه بالاحسان إلى الاكابر ورجع إلى الشام. وفيها جهز مروان جيشين أحدهما مع حبيش بن دلجة العتيبي ليأخذ له المدينة، وكان من أمره ما سنذكره، والآخر مع عبيد الله بن زياد إلى العراق لينتزعه من نواب ابن الزبير، فلما كانوا ببعض الطريق لقوا جيش التوابين مع سليمان بن صرد وكان من أمرهم ما تقدم ذكره. واستمر جيش الشاميين ذاهبا إلى العراق، فلما كانوا بالجزيرة بلغهم موت مروان بن الحكم. وكانت وفاته في شهر رمضان من هذه السنة، وكان سبب موته أنه تزوج بأم خالد امرأة يزيد بن معاوية، وهي أم هاشم بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة، وإنما أراد مروان بتزويجه إياها

[ 282 ]

ليصغر ابنها خالدا في أعين الناس، فإنه قد كان في نفوس كثير من الناس منه (1) أن يملكوه بعد أخيه معاوية، فتزوج أمه ليصغر أمره، فبينما هو ذات يوم داخل إلى عند مروان، إذ جعل مروان يتكلم فيه عند جلسائه، فلما جلس قال له فيما خاطبه به: يا بن الرطبة الاست، فذهب خالد إلى أمه فأخبرها بما قال له، فقالت: اكتم ذلك ولا تعلمه أنك أعلمتني بذلك، فلما دخل عليها مروان قال لها: هل ذكرني خالد عندك بسوء ؟ فقالت له: وما عساه يقول لك وهو يحبك ويعظمك ؟ ثم إن مروان رقد عندها، فلما أخذه النوم عمدت إلى وسادة فوضعتها على وجهه وتحاملت عليها هي وجواريها حتى مات غما، وكان ذلك في ثالث شهر رمضان سنة خمس وستين بدمشق، وله من العمر ثلاث وستون سنة، وقيل إحدى وثمانون سنة، وكانت إمارته تسعة أشهر، وقيل عشرة أشهر إلا ثلاثة أيام. ترجمة مروان بن الحكم هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن شمس بن عبد مناف القرشي الاموي، أبو عبد الملك ويقال أبو الحكم، ويقال أبو القاسم، وهو صحابي عند طائفة كثيرة لانه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه في حديث صلح الحديبية، وفي رواية في صحيح البخاري عن مروان والمسور بن مخرمة عن جماعة من الصحابة الحديث بطوله، وروى مروان عن عمر وعثمان وكان كاتبه - أي كان كاتب عثمان - وعلي وزيد بن ثابت وبسيرة بنت صفوان الازدية وكانت حماته، وقال الحاكم أبو أحمد: كانت خالته، ولا منافاة بين كونها حماته وخالته. وروى عنه ابنه عبد الملك وسهل بن سعد وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين زين العابدين ومجاهد وغيرهم. قال الواقدي ومحمد بن سعد: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحفظ عنه شيئا، وكان عمره ثمان سنين حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره ابن سعد في الطبقة الاولى من التابعين، وقد كان مروان من سادات قريش وفضلائها، روى ابن عساكر وغيره أن عمر بن الخطاب خطب امرأة إلى أمها فقالت: قد خطبها جرير بن عبد الله البجلي وهو سيد شباب المشرق، ومروان بن الحكم وهو سيد شباب قريش، وعبد الله بن عمر وهو من قد علمتم، فقالت المرأة: أجاد يا أمير المؤمنين ؟ قال: نعم. قالت: قد زوجناك يا أمير المؤمنين. وقد كان عثمان بن عفان يكرمه ويعظمه. وكان كاتب الحكم بين يديه، ومن تحت رأسه جرت قضية الدار، وبسببه حصر عثمان بن عفان فيها. وألح عليه أولئك أن يسلم مروان إليهم فامتنع عثمان أشد الامتناع، وقد قاتل مروان يوم الدار قتالا شديدا، وقتل بعض الخوارج، وكان على الميسرة يوم الجمل، ويقال إنه رمى طلحة بسهم في ركبته فقتله فالله أعلم.


(1) كذا بالاصول، ولعل كلمة: منه زائدة. (*)

[ 283 ]

وقال أبو الحكم: سمعت الشافعي يقول: كان علي يوم الجمل حين انهزم الناس يكثر السؤال عن مروان فقيل له في ذلك فقال: إنه يعطفني عليه رحم ماسة، وهو سيد من شباب قريش. وقال ابن المبارك عن جرير بن حازم عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر أنه قال لمعاوية: من تركت لهذا الامر من بعدك ؟ فقال: أما القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، الشديد في حدود الله، مروان بن الحكم. وقد استنابه على المدينة غير مرة، يعزله ثم يعيده إليها، وأقام للناس الحج في سنين متعددة، وقال حنبل عن الامام أحمد، قال: يقال كان عند مروان قضاء، وكان يتتبع قضايا عمر بن الخطاب. وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول وذكر مروان يوما فقال قال مروان: قرأت كتاب الله منذ أربعين سنة ثم أصبحت فيما أنا فيه، من إهراق الدماء وهذا الشأن. وقال إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرة عن شريح بن عبيد وغيره. قال: كان مروان إذا ذكر الاسلام قال: بنعمت ربي لا بما قدمت يدي * ولا بتراثي إنني كنت خاطئا وقال الليث عن يزيد بن حبيب، عن سالم أبي النضر أنه قال: شهد مروان جنازة فلما صلى عليها انصرف، فقال أبو هريرة: أصاب قيراطا وحرم قيراطا، فأخبر بذلك مروان فأقبل يجري حتى بدت ركبتاه، فقعد حتى أذن له. وروى المدائني عن إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد: أن مروان كان أسلف علي بن الحسين حتى يرجع إلى المدينة بعد مقتل أبيه الحسين ستة آلاف دينار، فلما حضرته الوفاء أوصى إلى ابنه عبد الملك أن لا يسترجع من علي بن الحسين شيئا، فبعث إليه عبد الملك بذلك فامتنع من قبولها، فألح عليه فقبلها. وقال الشافعي: إنبأنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن الحسن والحسين كانا يصليان خلف مروان ولا يعيدانها، ويعتدان بها. وقد روى عبد الرزاق: عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: أول من قدم الخطبة على الصلاة يوم العيد مروان، فقال له رجل: خالفت السنة، فقال له مروان: إنه قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطيع فبقلبه، وذلك أضعف الايمان " (1). قالوا: ولما كان نائبا بالمدينة كان إذا وقعت معضلة جمع من عنده من الصحابة فاستشارهم فيها. قالوا: وهو الذي جمع الصيعان فأخذ بأعدلها فنسب إليه الصاع، فقيل صاع مروان، وقال الزبير بن بكار: حدثنا إبراهيم بن حمزة حدثني ابن أبي علي اللهبي عن إسماعيل بن أبي سعيد عن أبيه. قال: خرج أبو هريرة من عند مروان فلقيه قوم قد خرجوا من عنده فقالوا له: يا أبا هريرة، إنه أشهدنا الآن على مائة


(1) أخرجه أبو داود في الصلاة (242) باب وفي الملاحم (17) وابن ماجه في الاقامة (155) وفي الفتن (20) والامام أحمد في المسند 3 / 10، 52. (*)

[ 284 ]

رقبة أعتقها الساعة، قال: فغمز أبو هريرة يدي وقال: يا أبا سعيد، بك من كسب طيب خير من مائة رقبة. قال الزبير: البك الواحد. وقال الامام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن الاعمش، عن عطية، عن أبي سعيد. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا بلغ بنو أبي فلان ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا، ودين الله دخلا، وعباد الله خولا " (1). ورواه أبو يعلى عن زكريا بن زحمويه عن صالح بن عمر عن مطرف عن عطية عن أبي سعيد. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا دين الله دخلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا ". وقد رواه الطبراني عن أحمد بن عبد الوهاب عن أبي المغيرة عن أبي بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد عن أبي ذر. قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا بلغ بنو أمية أربعين رجلا ". وذكره، وهذا منقطع، ورواه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة من قوله: " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا " فذكره، ورواه البيهقي وغيره من حديث ابن لهيعة عن أبي قبيل عن ابن وهب، عن معاوية، وعبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباد الله خولا، وكتاب الله دغلا، فإذا بلغوا ستة (2) وتسعين وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عبد الملك بن مروان فقال أبو الجبابرة الاربعة ". وهذه الطرق كلها ضعيفة. وروى أبو يعلى وغيره من غير وجه عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن بني الحكم يرقون على منبره وينزلون، فأصبح كالمتغيظ، وقال: رأيت بني الحكم ينزون على منبري نزو القردة، فما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا بعد ذلك حتى مات " (3) ورواه الثوري عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب مرسلا وفيه " فأوحى الله إليه إنما هي دنيا أعطوها ". فقرت عينه وهي قوله: * (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) * [ الاسراء: 60 ] يعني بلاء للناس واختبارا، وهذا مرسل وسنده إلى سعيد ضعيف. وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة موضوعة، فلهذا أضربنا صفحا عن إيرادها لعدم صحتها. وقد كان أبوه الحكم من أكبر أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أسلم يوم الفتح، وقدم الحكم المدينة ثم طرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، ومات بها، ومروان كان أكبر الاسباب في حصار عثمان لانه زور على لسانه كتابا إلى مصر بقتل أولئك الوفد، ولما كان متوليا على المدينة لمعاوية كان يسب عليا كل جمعة على المنبر، وقال له الحسن بن علي: لقد لعن الله أباك الحكم وأنت في صلبه على لسان نبيه


(1) مسند الامام أحمد 3 / 80. (2) في دلائل البيهقي 6 / 508: تسعة. - الدغل: دخل في الامر مفسد، والدول: العقبة في المال. (3) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 509 و 511. (*)

[ 285 ]

فقال: لعن الله الحكم وما ولد والله أعلم (1). وقد تقدم أن حسان بن مالك لما قدم عليه مروان أرض الجابية، أعجبه إتيانه إليه، فبايع له وبايع أهل الاردن على أنه إذا انتظم له الامر نزل عن الامرة لخالد بن يزيد، ويكون لمروان إمرة حمص، ولعمرو بن سعيد نيابة دمشق، وكانت البيعة لمروان يوم الاثنين للنصف من ذي القعدة سنة أربع وستين، قاله الليث بن سعد وغيره، وقال الليث: وكانت وقعة مرج راهط في ذي الحجة من هذه السنة بعد عيد النحر بيومين، قالوا: فغلب الضحاك بن قيس واستوثق له ملك الشام ومصر، فلما استقر ملكه في هذه البلاد بايع من بعده لولده عبد الملك، ثم من بعده لولده عبد العزيز - والد عمر بن عبد العزيز - وترك البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية، لانه كان لا يراه أهلا للخلافة، ووافقه على ذلك مالك بن حسان، وإن كان خالا لخالد بن يزيد، وهو الذي قام بأعباء بيعة عبد الملك، ثم إن أم خلد دبرت أمر مروان فسمته ويقال: بل وضعت على وجهه وهو نائم وسادة فمات مخنوقا ثم إنها أعلنت الصراخ هي وجواريها وصحن: مات أمير المؤمنين فجأة. ثم قام من بعده ولده عبد الملك بن مروان كما سنذكره. وقال عبد الله بن أبي مذعور: حدثني بعض أهل العلم قال: كان آخر ما تكلم به مروان: وجبت الجنة لمن خاف النار، وكان نقش خاتمه العزة لله. وقال الاصمعي: حدثنا عدي بن أبي عمار، عن أبيه، عن حرب بن زياد قال: كان نقش خاتم مروان آمنت بالعزيز الرحيم. وكانت وفاته بدمشق عن إحدى وقيل ثلاث وستين سنة، وقال أبو معشر: كان عمره يوم توفي إحدى وثمانين سنة، وقال خليفة: حدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده قال: مات مروان بدمشق لثلاث خلون من شهر رمضان سنة خمس وستين، وهو ابن ثلاث وستين، وصلى عليه ابنه عبد الملك، وكانت ولايته تسعة أشهر وثمانية عشر يوما، وقال غيره: عشرة أشهر. وقال ابن أبي الدنيا وغيره: كان قصيرا أحمر الوجه أوقص دقيق العنق كبير الرأس واللحية، وكان يلقب خيط باطل، قال ابن عساكر: وذكر سعيد بن كثير بن عفير أن مروان مات حين انصرف من مصر بالصنبرة ويقال بلد، وقد قيل إنه مات بدمشق ودفن بين باب الجابية وباب الصغير. وكان كاتبه عبيد بن أوس، وحاجبه المنهال مولاه، وقاضيه أبو إدريس الخولاني، وصاحب شرطته يحيى بن قيس الغساني، وكان له من الولد عبد الملك، وعبد العزيز، ومعاوية، وغير هؤلاء، وكان له عدة بنات من أمهات شتى (2).


(1) رواه البيهقي في الدلائل من طريق عمرو بن مرة 6 / 512. (2) في المعارف لابن قتيبة ص 154: فولد مروان: عبد الملك ومعاوية وعبيد الله وعبد الله وأبان وداود وعبد العزيز وعبد الرحمن وعمر وبشر ومحمد (ومن البنات) أم عمر وأم عثمان وأم عمرو. (*)

[ 286 ]

خلافة عبد الملك بن مروان بويع له بالخلافة في حياة أبيه، فلما مات أبوه في ثالث رمضان منها جددت له البيعة بدمشق ومصر وأعمالهما، فاستقرت يده على ما كانت يد أبيه عليه، وقد كان أبوه قبل وفاته بعث بعثين أحدهما مع عبيد الله بن زياد إلى العراق لينتزعها من نواب ابن الزبير، فلقي في طريقه جيش التوابين مع سليمان بن صرد عند عين الوردة، فكان من أمرهم ما تقدم، من ظفره بهم، وقتله أميرهم وأكثرهم. والبعث الآخر مع حبيش بن دلجة إلى المدينة ليرتجعها من نائب ابن الزبير، فسأر نحوها، فلما انتهى إليها هرب نائبها جابر بن الاسود بن عوف، وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، فجهز نائب البصرة من قبل ابن الزبير وهو الحارث بن عبد الله بن ربيعة، جيشا من البصرة إلى ابن دلجة بالمدينة، فلما سمع بهم حبيش بن دلجة سار إليهم. وبعث ابن الزبير عباس (1) بن سهل بن سعد نائبا عن المدينة، وأمره أن يسير في طلب حبيش، فسار في طلبهم حتى لحقهم بالربذة فرمى يزيد بن سياه (2) حبيشا بسهم فقتله، وقتل بعض أصحابه وهزم الباقون، وتحصن منهم خمسمائة في المدينة ثم نزلوا على حكم عباس بن سهل فقتلهم صبرا، ورجع فلهم إلى الشام. قال ابن جرير: ولما دخل يزيد بن سياه الاسواري قاتل حبيش بن دلجة إلى المدينة مع عباس بن سهل كان عليه ثياب بياض وهو راكب برذونا أشهب، فما لبث أن اسودت ثيابه ودابته مما يتمسح الناس به ومن كثرة ما صبوا عليه من الطيب والمسك. وقال ابن جرير: وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة، وفيها قتل نافع بن الازرق وهو رأس الخوارج ورأس أهل البصرة، مسلم بن عبيس فارس أهل البصرة، ثم قتله ربيعة السلوطي وقتل بينهما نحو خمسة أمراء، وقتل في وقعة الخوارج قرة بن إياس المزني أبو معاوية، وهو من الصحابة. ولما قتل نافع بن الازرق رأست الخوارج عليهم عبيد الله بن ماحوز (3)، فسار بهم إلى المدائن فقتلوا أهلها ثم غلبوا على الاهواز وغيرها، وجبوا الاموال وأتتهم الامداد من اليمامة والبحرين، ثم ساروا إلى أصفهان وعليها عتاب بن ورقاء الرياحي، فالتقاهم فهزمهم، ولما قتل أمير الخوارج ابن ماحوز كما سنذكر، أقاموا عليهم قطري بن الفجاءة أميرا.


(1) في الطبري 7 / 84: عياش. (2) في الكامل 4 / 191: يزيد بن سنان، وفي الطبري: جاءه سهم غرب فقتله، وعنده في رواية أخرى عن علي بن محمد: قتله يزيد بن سياه. (3) من الكامل 4 / 195 والطبري 7 / 86: وفي الاصل: ماجور وفي الاخبار الطوال: ماحور. وقد صحح في كل المواضع. (*)

[ 287 ]

ثم أورد ابن جرير قصة قتالهم مع أهل البصرة بمكان يقال له دولاب (1)، وكانت الدولة للخوارج على أهل البصرة، وخاف أهل البصرة من الخوارج أن يدخلوا البصرة، فبعث ابن الزبير فعزل نائبها عبد الله بن الحارث المعروف بببة، بالحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المعروف بالقباع، وأرسل ابن الزبير المهلب بن أبي صفرة الازدي على عمل خراسان، فلما وصل إلى البصرة قالوا له: إن قتال الخوارج لا يصلح إلا لك، فقال: إن أمير المؤمنين قد بعثني إلى خراسان، ولست أعصى أمره. فاتفق أهل البصرة مع أميرهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على أن كتبوا كتابا (2) على لسان ابن الزبير إلى المهلب يأمره فيه بالمسير للخوارج ليكفهم عن الدخول إلى البصرة، فلما قرئ عليه الكتاب اشترط على أهل البصرة أن يقوي جيشه من بيت مالهم، وأن يكون له ما غلب عليه من أموال الخوارج، فأجابوه إلى ذلك، ويقال إنهم كتبوا بذلك إلى ابن الزبير فأمضى لهم ذلك وسوغه، فسار إليهم المهلب. وكان شجاعا بطلا صنديدا، فلما أراد قتال الخوارج أقبلوا إليه يزفون في عدة لم ير مثلها من الدروع والزرود والخيول والسلاح، وذلك أن لهم مدة يأكلون تلك النواحي، وقد صار لهم تحمل عظيم مع شجاعة لا تدانا، وإقدام لا يسامى، وقوة لا تجارى، وسبق إلى حومة الوغى فلما تواقف الناس بمكان يقال له سل وسل ابرى (3)، اقتتلوا قتالا شديدا عظيما، وصبر كل من الفريقين صبرا باهرا، وكان في نحو من ثلاثين ألفا ثم إن الخوارج حملوا حملة منكرة، فانهزم أصحاب المهلب لا يلوي والد على ولد، ولا يلتفت أحد إلى أحد، ووصل إلى البصرة فلا لهم، وأما المهلب فإنه سبق المنهزمين فوقف لهم بمكان مرتفع، وجعل ينادي: إلى عباد الله، فاجتمع إليه من جيشه ثلاثة آلاف من الفرسان الشجعان، فقام فيهم خطيبا فقال في خطبته: أما بعد أيها الناس، فإن الله تعالى ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون، ولعمري ما بكم الآن من قلة، وأنتم فرسان الصبر وأهل النصر، وما أحب أن أحدا ممن انهزموا معكم الآن: * (ولو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا) * [ التوبة: 47 ] ثم قال: عزمت على كل رجل منكم إلا أخذ عشرة أحجار معه، ثم امشوا بنا إلى عسكرهم فإنهم الآن آمنون، وقد خرجت خيولهم في طلب إخوانكم، فوالله إني لارجو أن لا ترجع خيولهم إلا وقد استبحتم عسكرهم، وتقتلوا أميرهم.


(1) دولاب: من قرى الري. (2) انظر نسخة الكتاب في الطبري 7 / 86 وأما في الاخبار الطوال ص 271 ففيه: أن الحارث بن عبد الله كتب إلى عبد الله بن الزبير يسأله أن يأمر المهلب بالسير إلى الخوارج، فكتب ابن الزبير إلى الملهب. (3) في الاخبار الطوال: سلي: وفي معجم البلدان: " سلى وسلبرى بكسر أوله وثانيه وتشديده وقصر الالف، وعن محمد بن موسى، سلى بالضم وفتح اللام وهو جبل بمناذر من أعمال الاهواز فذكرته فيما بعد مع سلبرى وكانت به وقعة للخوارج مع المهلب بن أبي صفرة، وسلبرى بكسر أوله وثانيه وتشديده وباء موحدة وراء مفتوحة وألف مقصورة موضع من نواحي خوزستان قرب جنديسابور وهي مناذر الصغرى ". (*)

[ 288 ]

ففعل الناس ذلك، فزحف بهم المهلب بن أبي صفرة على معشر الخوارج فقتل منهم خلقا كثيرا نحوا من سبعة آلاف، وقتل عبيد الله بن الماحوز في جماعة كثيرة من الازارقة، وحتتاز من أموالهم شيئا كثيرا، وقد أرصد المهلب خيولا بينه وبين الذين يرجعون من طلب المنهزمين، فجعلوا يقتطعون دون قومهم، وانهزم فلهم إلى كرمان وأرض أصبهان، وأقام المهلب بالاهواز حتى قدم مصعب بن الزبير إلى البصرة، وعزل عنها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة كما سيأتي قريبا. قال ابن جرير: وفي هذه السنة وجه مروان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمدا إلى الجزيرة، وذلك قبل مسيره إلى مصر. قلت: محمد بن مروان هذا هو والد مروان الحمار، وهو مروان بن محمد بن مروان، وهو آخر خلفاء بني أمية، ومن يده استلبت الخلافة العباسيون كما سيأتي. قال ابن جرير: وفي هذه السنة عزل ابن الزبير أخاه عبيد (1) الله عن إمرة المدينة وولاها أخاه مصعبا، وذلك أن عبيد (1) الله خطب الناس فقال في خطبته: وقد رأيتم ما صنع الله بقوم صالح في ناقة قيمتها خمسمائة درهم، فلما بلغت أخاه قال: إن هذا لهو التكلف، وعزله. ويسمى عبيد (1) الله مقوم الناقة لذلك، قال ابن جرير: وفي آخرها عزل ابن الزبير عن الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وولى عليها عبد الله بن مطيع الذي كان أمير المهاجرين يوم الحرة، لما خلعوا يزيد. قال ابن جرير: وفي هذه السنة كان الطاعون الجارف بالبصرة، وقال ابن الجوزي في المنتظم: كان في سنة أربع وستين، وقد قيل إنما كان في سنة تسع وستين، وهذا هو المشهور الذي ذكره شيخنا الذهبي وغيره، وكان معظم ذلك بالبصرة، وكان ذلك في ثلاثة أيام، فمات في أول يوم من الثلاثة من أهل سبعون ألفا، وفي اليوم الثاني منها إحدى وسبعون ألفا، وفي اليوم الثالث منها ثلاثة وسبعون ألفا، وأصبح الناس في اليوم الرابع موتي إلا قليل من آحاد الناس، حتى ذكر أن أم الامير بها ماتت فلم يوجد لها من يحملها، حتى استأجروا لها أربعة أنفس. وقال الحافظ أبو نعيم الاصبهاني: حدثنا عبيد الله ثنا أحمد بن عصام، حدثني معدى، عن رجل، يكنى أبا النفيد، وكان قد أدرك من هذا الطاعون، قال: كنا نطوف بالقبائل وندفن الموتى، فلما كثروا لم نقو على الدفن، فكنا ندخل الدار وقد مات أهلها فنسد بابها عليهم. قال فدخلنا دارا ففتشناها فلم نجد فيها أحدا حيا فسددنا بابها، فلما مضت الطواعين كنا نطوف فنفتح تلك السدد عن الابواب، ففتحنا سدة الباب الذي كنا فتشناه - أو قال الدار التي كنا سددناها - وفتشناها فإذا نحن بغلام في وسط الدار طري دهين، كأنما أخذ ساعتئذ من حجر أمه، قال: فبينما نحن وقوف على الغلام نتعجب منه إذ دخلت كلبة من شق في الحائط فجعلت تلوذ بالغلام والغلام يحبها إليها حتى


(1) في رواية الطبري 7 / 90 عبيدة، وقد تقدم ذكره (وانظر الكامل 4 / 206). (*)

[ 289 ]

مص من لبنها، قال معدى: وأنا رأيت ذلك الغلام في مسجد البصرة وقد قبض على لحيته. قال ابن جرير: وفي هذه السنة بنى عبد الله بن الزبير الكعبة البيت الحرام، يعني أكمل بناءها وأدخل فيها الحجر، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر. قال ابن جرير: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثني عبد العزيز عن خالد بن رستم الصنعاني، أبو محمد، حدثني زياد بن جبل: أنه كان بمكة يوم كان عليها ابن الزبير، فسمعته يقول: حدثتني أمي أسماء بنت أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: " لولا قرب عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم فأزيد في الكعبة من الحجر ": قال: فأمر ابن الزبير فحفروا فوجدوا تلاعا أمثال الابل، فحركوا منها تلعة - أو قال صخرة - فبرقت برقة فقال: أقروها على أساسها، فبناها بن الزبير وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر. قلت: هذا الحديث له طرق متعددة عن عائشة في الصحاح والحسان والمسانيد، وموضوع سياق طرق ذلك في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى. وذكر ابن جرير في هذه السنة حروبا جرت بين عبد الله بن خازم بخراسان، وبين الحرشي بن هلال القزيعي (1) يطول تفصيلها. قال: وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة مصعب بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن مطيع، وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي. وممن توفي فيها من الاعيان عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل أبو محمد السهمي كان من خيار الصحابة وعلمائهم وعبادهم، وكتب عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا، أسلم قبل أبيه، ولم يكن أصغر من أبيه إلا باثني عشرة سنة، وكان واسع العلم مجتهدا في العبادة، عاقلا، وكان يلوم أباه في القيام مع معاوية، وكان سمينا، وكان يقرأ الكتابين القرآن والتوراة، وقيل إنه بكى حتى عمي، وكان يقوم الليل ويصوم يوما ويفطر يوما ويصوم يوما. استنابه معاوية على الكوفة ثم عزله عنها بالمغيرة بن شعبة، توفي في هذه السنة بمصر. وقتل بمكة عبد الله بن مسعدة الفزاري، له صحبة، نزل دمشق وقيل إنه من سبي فزارة. ثم دخلت سنة ست وستين ففيها وثب المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب بالكوفة ليأخذوا ثأر الحسين بن علي فيما يزعم، وأخرج عنها عاملها عبد الله بن مطيع، وكان سبب ذلك أنه لما رجع أصحاب سليمان بن


(1) في الطبري 7 / 91 والكامل 4 / 208: الحريش بن هلال القريعي. (*)

[ 290 ]

صرد مغلوبين إلى الكوفة وجدوا المختار بن أبي عبيد مسجونا فكتب إليهم يعزيهم في سليمان بن صرد ويقول: أنا عوضه وأنا أقتل قتلة الحسين. فكتب إليه رفاعة بن شداد وهو الذي رجع بمن بقي من جيش التوابين نحن على ما تحب، فشرع المختار يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، وقال لهم فيما كتب به إليهم خفية: أبشروا فإني لو قد خرجت إليهم جردت فيما بين المشرق والمغرب من أعدائكم السيف فجعلتهم باذن الله ركاما، وقتلهم أفرادا وتوأما، فرحب الله بمن قارب منهم واهتدى، ولا يبعد الله إلا من أبى وعصى، لما وصلهم الكتاب قرأوه سرا وردوا إليه: إنا كما تحب، فمتى أحببت أخرجناك من محبسك، فكره أن يخرجوه من مكانه على وجه القهر لنواب الكوفة، فتلطف فكتب إلى زوج أخته صفية، وكانت امرأة صالحة، وزوجها عبد الله بن عمر بن الخطاب، فكتب إليه أن يشفع في خروجه عند نائبي الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة، فكتب ابن عمر إليهما يشفع عندهما فيه، فلم يمكنهما رده، وكان فيما كتب إليهما ابن عمر: قد علمتما ما بيني وبينكما من الود، وما بيني وبين المختار من القرابة والصهر، وأنا أقسم عليكما لما خليتما سبيله والسلام. فاستدعيا به فضمنه جماعة من أصحابه، واستخلفه عبد الله بن يزيد إن هو بغى للمسلمين غائلة فعليه ألف بدنة ينحرها تجاه الكعبة، وكل مملوك له عبد وأمة حر، فالتزم لهما بذلك، ولزم منزله، وجعل يقول: قاتلهما الله، أما حلفاني بالله، فإني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير، وأما إهدائي ألف بدنة فيسير، وأما عتقي مماليكي فوددت أنه قد استتم لي هذا الامر ولا أملك مملوكا واحدا، واجتمعت الشيعة عليه وكثر أصحابه وبايعوه في السر. وكان الذي يأخذ البيعة له ويحرض الناس عليه خمسة، وهم السائب بن مالك الاشعري، ويزيد بن أنس، وأحمد بن شميط، ورفاعة بن شداد، وعبد الله بن شداد الجشمي. ولم يزل أمره يقوى ويشتد ويستفحل ويرتفع، حتى عزل عبد الله بن الزبير عن الكوفة عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة، وبعث عبد الله بن مطيع نائبها عليها، وبعث الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة نائبا على البصرة، فلما دخل عبد الله بن مطيع المخزومي إلى الكوفة في رمضان (1) سنة خمس وستين، خطب الناس وقال في خطبته: إن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير أمرني أن أسير في فيئكم بسيرة عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان (2). فقام إليه السائب بن مالك الشيعي (3) فقال: لا نرضى إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا، ولا نريد


(1) في ابن الاعثم 6 / 87: ليلة الخميس لثلاث بقين من الشهر (من رمضان) وفي الطبري 7 / 95 والكامل 4 / 212، يوم الخميس لخمس بقين من رمضان. (2) انظر خطبته في الطبري والكامل، وذكر خطبته ابن الاعثم 6 / 87 باختلاف في أولها. (3) في الطبري والكامل وابن الاعثم: الاشعري. (*)

[ 291 ]

سيرة عثمان - وتكلم فيه - ولا سيرة عمر وإن كان لا يريد للناس إلا خيرا، وصدقه على ما قال بعض أمراء الشيعة، فسكت الامير وقال: إني سأسير فيكم بما تحبون من ذلك، وجاء صاحب الشرطة وهو إياس بن مضارب البجلي (1) إلى ابن مطيع فقال: إن هذا الذي يرد عليك من رؤوس أصحاب المختار، ولست آمن من المختار، فابعث إليه فاردده إلى السجن فإن عيوني قد أخبروني أن أمره قد استجمع له، وكأنك به وقد وثب في المصر. فبعث إليه عبد الله بن مطيع زائدة بن قدامة وأميرا آخر معه (2)، فدخلا على المختار فقالا له: أجب الامير. فدعا بثيابه وأمر باسراج دابته، وتهيأ للذهاب معهما، فقرأ زائدة بن قدامة: * (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) * الآية [ الانفال: 30 ]. فألقى المختار نفسه وأمر بقطيفة أن تلقى عليه، وأظهر أنه مريض، وقال: أخبرا الامير بحالي، فرجعا إلى ابن مطيع فاعتذرا عنه، فصدقهما ولها عنه، فلما كان شهر المحرم من هذه السنة عزم المختار على الخروج لطلب الاخذ بثأر الحسين فيما يزعم، فلما صمم على ذلك اجتمعت عليه الشيعة وثبطوه عن الخروج الآن إلى وقت آخر، ثم أنفذوا طائفة منهم إلى محمد بن الحنفية يسألونه عن أمر المختار وما دعا إليه (3)، فلما اجتمعوا به كان ملخص ما قال لهم: إنا لا نكره أن ينصرنا الله بمن شاء من خلقه، وقد كان المختار بلغه مخرجهم إلى محمد بن الحنفية، فكره ذلك وخشي أن يكذبه فيما أخبر به عنه، فإنه لم يكن باذن محمد بن الحنفية، وهم بالخروج قبل رجوع أولئك، وجعل يسجع لهم سجعا من سجع الكهان بذلك، ثم كان الامر على ما سجع به، فلما رجعوا أخبروه بما قال ابن الحنفية، فعند ذلك قوي أمر الشيعة على الخروج مع المختار بن أبي عبيد. وقد روى أبو مخنف أن أمراء الشيعة قالوا للمختار: اعلم أن جميع أمراء الكوفة مع عبد الله بن مطيع وهم إلب علينا، وإنه إن بايعك إبراهيم بن الاشتر النخعي وحده أغنانا عن جميع من سواه. فبعث إليه المختار جماعة (4) يدعونه إلى الدخول معهم في الاخذ بثأر الحسين، وذكروه سابقة أبيه مع علي رضي الله عنه، فقال: قد أجبتكم إلى ما سألتم، على أن أكون أنا ولي أمركم، فقالوا: إن هذا لا يمكن، لان المهدي قد بعث لنا المختار وزيرا له وداعيا إليه، فسكت


(1) في ابن الاعثم: العجلي. (2) في الطبري والكامل: حسين بن عبد الله البرسمي من همدان، وفي ابن الاعثم: الحسين بن عبد الله الهمداني. (3) ذكر الطبري وابن الاثير: أن عبد الرحمن بن شريح وسعيد بن منقذ الثوري وسعر بن أبي سعر الحنفي والاسود بن جراد الكندي وقدامة بن مالك الجشمي نهضوا إلى ابن الحنفية يسألونه خبر المختار (وانظر ابن الاعثم 6 / 91). (4) في الطبري 7 / 98: يزيد بن أنس وعامر الشعبي وأبوه شراحيل وانظر الكامل 4 / 215، وفي ابن الاعثم 6 / 94: خرج جماعة من أهل الكوفة من أوجههم وفيهم يومئذ أبو عثمان النهدي وعامر الشعبي ومن أشبههما. (*)

[ 292 ]

عنهم إبراهيم بن الاشتر فرجعوا إلى المختار فأخبروه، فمكث ثلاثا ثم خرج في جماعة من رؤس أصحابه إليه، فدخل على ابن الاشتر فقام إليه واحترمه وأكرمه وجلس إليه، فدعاه إلى الدخول معهم، وأخرج له كتابا على لسان ابن الحنفية يدعوه إلى الدخول مع أصحابه من الشيعة فيما قاموا فيه من نصرة آل البيت النبي صلى الله عليه وسلم، والاخذ بثأرهم. فقال ابن الاشتر: إنه قد جائتني كتب محمد بن الحنفية بغير هذا النظام، فقال المختار: إن هذا زمان وهذا زمان، فقال ابن الاشتر: فمن يشهد أن هذا كتابه ؟ فتقدم جماعة من أصحاب المختار فشهدوا بذلك، فقام ابن الاشتر من مجلسه وأجلس المختار فيه وبايعه، ودعا لهم بفاكهة وشراب من عسل. قال الشعبي: وكنت حاضرا أنا وأبي أمر إبراهيم بن الاشتر. ذلك المجلس، فلما انصرف المختار قال إبراهيم بن الاشتر: يا شعبي ما ترى فيما شهد به هؤلاء ؟ فقلت: إنهم قراه وأمراء ووجوه الناس، ولا أراهم يشهدون إلا بما يعلمون، قال: وكتمته ما في نفسي من اتهامهم، ولكني كنت أحب أن يخرجوا للاخذ بثأر الحسين، وكنت على رأي القوم. ثم جعل إبراهيم يختلف إلى المختار في منزله هو ومن أطاعه من قومه، ثم اتفق رأي الشيعة على أن يكون خروجهم ليلة الخمس لاربع عشرة ليلة خلت [ من ربيع الاول ] (1) من هذه السنة - سنة ست وستين. وقد بلغ ابن مطيع أمر القوم وما اشتوروا عليه، فبعث الشرط في كل جانب من جوانب الكوفة وألزم كل أمير أن يحفظ ناحيته من أن يخرج منها أحد، فلما كان ليلة الثلاثاء خرج إبراهيم بن الاشتر قاصدا إلى دار المختار في مائة رجل من قومه، وعليهم الدروع تحت الاقبية، فلقيه إياس بن مضارب (2) فقال له: أين تريد يا بن الاشتر في هذه الساعة ؟ إن أمرك لمريب، فوالله لا أدعك حتى أحضرك إلى الامير فيرى فيك رأيه، فتناول ابن الاشتر رمحا من يد رجل فطعنه في ثغرة نحره فسقط، وأمر رجلا فاحتز رأسه، وذهب به إلى المختار فألقاه بين يديه، فقال له المختار: بشرك الله بخير، فهذا طائر صالح. ثم طلب إبراهيم من المختار أن يخرج في هذه الليلة، فأمر المختار بالنار أن ترفع وأن ينادي شعار أصحابه: يا منصور أمت، يا ثارات الحسين. ثم نهض المختار فجعل يلبس درعه وسلاحه وهو يقول: قد علمت بيضاء حسناء الطلل * واضحة الخدين عجزاء الكفل * أني غداة الروع مقدام بطل * وخرج بين يديه إبراهيم بن الاشتر فجعل يتقصد الامراء الموكلين بنواحي البلد فيطردهم عن أماكنهم واحدا واحدا. وينادي شعار المختار، وبعث المختار أبا عثمان النهدي فنادى بشعار المختار، يا


(1) ما بين معكوفتين سقط من الاصل واستدرك من الطبري 6 / 100 والكامل 4 / 216، وفي ابن الاعثم 6 / 98: ربيع الآخر. (2) في الاخبار الطوال ص 290: إياس بن نضار العجلي. (*)

[ 293 ]

ثارت الحسين. فاجتمع الناس إليه من ههنا وههنا، وجاء شبث بن ربعي فاقتتل هو والمختار عند داره وحصره حتى جاء ابن الاشتر فطرده عنه، فرجع شبث إلى ابن مطيع وأشار عليه بأن يجمع الامراء إليه، وأن ينهض بنفسه، فإن أمر المختار قد قوي واستفحل، وجاءت الشيعة من كل فج عميق إلى المختار، فاجتمع إليه في أثناء الليل قريب من أربعة آلاف، فأصبح وقد عبى جيشه وصلى بهم الصبح، فقرأ فيها: * (والنازعات غرقا) * و * (عبس وتولى) * في الثانية قال بعض من سمعه: فما سمعت إماما أفصح لهجة منه، وقد جهز ابن مطيع جيشه (1) ثلاثة آلاف عليهم شبث بن ربعي، وأربعة آلاف أخرى مع راشد بن إياس بن مضارب، فوجه المختار ابن الاشتر في ستمائة فارس وستمائة راجل إلى راشد بن إياس، وبعث نعيم بن هبيرة في ثلاثمائة فارس وستمائة راجل إلى شبث بن ربعي، فأما ابن الاشتر فإنه هزم قرنه راشد بن إياس وقتله وأرسل إلى المختار يبشره، وأما نعيم بن هبيرة فإنه لقي شبث بن ربعي فهزمه شبث وقتله وجاء فأحاط بالمختار وحصره. وأقبل إبراهيم بن الاشتر نحوه فاعترض له حسان بن فائد بن العبسي في نحو من ألفي فارس من جهة ابن مطيع، فاقتتلوا ساعة. فهزمه إبراهيم، ثم أقبل نحو المختار فوجد شبث بن ربعي قد حصر المختار وجيشه، فما زال حتى طردهم فكروا راجعين، وخلص إبراهيم إلى المختار، وارتحلوا من مكانهم ذلك إلى غيره في ظاهر الكوفة، فقال له إبراهيم بن الاشتر اعمد بنا إلى قصر الامارة فليس دونه أحد يرد عنه، فوضعوا ما معهم من الاثقال، وأجلسوا هنالك ضعفة المشايخ والرجال، واستخلف على من هنالك أبا عثمان النهدي، وبعث بين يديه ابن الاشتر، وعبأ المختار جيشه كما كان، وسار نحو القصر، فبعث ابن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفي رجل، فبعث إليه المختار يزيد بن أنس وسار هو وابن الاشتر أمامه حتى دخل الكوفة من باب الكناسة، وأرسل ابن مطيع شمر بن ذي الجوشن الذي قتل الحسين في ألفين آخرين، فبعث إليه المختار سعد بن منقذ الهمداني، وسار المختار حتى انتهى إلى سكة شبث. وإذا نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة في خمسة آلاف وخرج ابن مطيع من القصر في الناس، واستخلف عليه شبث بن ربعي، فتقدم ابن الاشتر إلى الجيش الذي مع ابن مساحق، فكان بينهم قتال شديد، قتل فيه رفاعة بن شداد أمير جيش التوابين الذين قدم بهم، وعبد الله بن سعد وجماعة غيرهم، ثم انتصر عليهم ابن الاشتر فهزمهم، وأخذ بلجام دابة ابن مساحق فمت إليه بالقرابة،


(1) في ابن الاعثم 6 / 106: " وجعل عبد الله بن مطيع يوجه إليه بالكراديس كردوسا بعد كردوس، فأول كردوس زحف إلى المختار شبث بن ربعي الرياحي في أربعة آلاف، وراشد بن إياس بن مضارب العجلي في ثلاثة آلاف وحجار بن أبجر العجلي في ثلاثة آلاف، والغضبان بن القبثري [ وهو من بني همام بن مرة مشهور، ولم نجده لا في الطبري ولا في ابن الاثير ] في ثلاثة آلاف، والشمر بن ذي الجوشن في ثلاثة آلاف، وعكرمة بن ربعي في ألف، وشداد بن المنذر في ألف وسويد بن عبد الرحمن في ألف قال: فزحفت الخيل نحو المختار في عشرين ألف فارس أو يزيدون ". (*)

[ 294 ]

فأطلقه، وكان لا ينساها بعد لابن الاشتر. ثم تقدم المختار بجيشه إلى الكناسة وحصروا ابن مطيع بقصره ثلاثا، ومعه أشراف الناس سوى عمرو بن حريث فانه لزم داره، فلما ضاق الحال على ابن مطيع وأصحابه استشارهم فأشار عليه شبث بن ربعي أن يأخذ له ولهم من المختار أمانا، فقال: ما كنت لافعل هذا (1) وأمير المؤمنين مطاع بالحجاز وبالبصرة، فقال له: فإن رأيت أن تذهب بنفسك مختفيا حتى تلحق بصاحبك فتخبره بما كان من الامر وبما كان منا في نصره وإقامته دولته، فلما كان الليل خرج ابن مطيع مختفيا حتى دخل دار أبي موسى الاشعري، فلما أصبح الناس أخذ الامراء إليهم أمانا من ابن الاشتر فأمنهم، فخرجوا من القصر وجاؤوا إلى المختار فبايعوه، ثم دخل المختار إلى القصر فبات فيه، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، فخرج المختار إلى المسجد فصعد المنبر وخطب الناس خطبة بليغة ثم دعا الناس إلى البيعة وقال: فوالذي جعل السماء سقفا مكفوفا والارض فجاجا سبلا، ما بايعتم بعد بيعة علي أهدى منها. ثم نزل فدخل الناس يبايعونه على كتاب الله وسنة رسوله، والطلب بثأر أهل البيت (2) وجاء رجل إلى المختار فأخبره أن ابن مطيع في دار أبي موسى، فأراه أنه لا يسمع قوله، فكرر ذلك ثلاثا فسكت الرجل، فلما كان الليل بعث المختار إلى ابن مطيع بمائة ألف درهم (3). وقال له: اذهب فقد أخذت بمكانك - وكان له صديقا قبل ذلك - فذهب ابن مطيع إلى البصرة وكره أن يرجع إلى ابن الزبير وهو مغلوب، وشرع المختار يتحبب إلى الناس بحسن السيرة، ووجد في بيت المال تسعة آلاف ألف، فأعطى الجيش الذي حضروا معه القتال نفقات كثيرة، واستعمل على شرطته عبد الله بن كامل اليشكري (4)، وقرب أشراف الناس فكانوا جلساءه، فشق ذلك على الموالي الذين قاموا بنصره، وقالوا: لابي عمرة كيسان مولى غزينة - وكان على حرسه - قدم والله أبو إسحاق العرب وتركنا، فأنهى ذلك أبو عمرة إليه، فقال: بل هم مني وأنا منهم، ثم قال: * (إنا من المجرمين منتقمون) * [ السجدة: 22 ] فقال لهم أبو عمرة: أبشروا فإنه سيدنيكم ويقربك. فأعجبهم ذلك وسكتوا. ثم إن المختار بعث الامراء إلى النواحي والبلدان والرساتيق، من أرض العراق وخراسان، وعقد الالوية والرايات، وقرر الامارة والولايات (5)، وجعل يجلس للناس غدوة وعشية يحكم


(1) في الاخبار الطوال ص 292: سأل ابن مطيع الامامة لنفسه فأجابه المختار إلى ذلك، فأمنه. (2) زيد في الطبري 7 / 108 والكامل 4 / 226: وجهاد المحلين والدفع عن الضعفاء وقتال من قاتلنا وسلم من سالمنا والوفاء ببيعتكم لا نقيلكم ولا نستقبلكم. (وانظر الفتوح لابن الاعثم 6 / 113 - 114). (3) في ابن الاعثم: عشرة آلاف درهم. (4) في الطبري والكامل: الشاكري. (5) في الطبري: 7 / 109: أول رجل عقد له المختار راية عبد الله بن الحارث أخو الاشتر على أرمينية وبعث محمد بن عمير بن عطارد على آذربيجان وبعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل، وبعث اسحاق بن مسعود على = (*)

[ 295 ]

بينهم، فلما طال ذلك عليه استقضى شريحا فتكلم في شريح طائفة من الشيعة، وقالوا: إنه شهد حجر بن عدي، وإنه لم يبلغ عن هانئ بن عروة كما أرسله به، وقد كان علي بن أبي طالب عزله عن القضاء. فلما بلغ شريحا ذلك تمارض ولزم بيته، فجعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم عزله وجعل مكانه عبد الله بن مالك الطائي قاضيا. فصل ثم شرع المختار يتتبع قتلة الحسين من شريف ووضيع فيقتله، وكان سبب ذلك أن عبيد الله بن زياد كان قد جهزه مروان من دمشق ليدخل الكوفة، فإن ظفر بها فليبحها ثلاثة أيام، فسار ابن زياد قاصدا الكوفة، فلقي جيش التوابين فكان من أمرهم ما تقدم. ثم سار من عين وردة حتى انتهى إلى الجزيرة فوجد بها قيس غيلان، وهم من أنصار ابن الزبير، وقد كان مروان أصاب منهم قتلى كثيرة يوم مرج راهط، فهم إلب عليه، وعلى ابنه عبد الملك من بعده، فتعوق عن المسير سنة وهو في حرب قيس غيلان وبالجزيرة، ثم وصل إلى الموصل فانحاز نائبها (1) عنه إلى تكريت، وكتب إلى المختار يعلمه بذلك فندب المختار يزيد بن أنس في ثلاثة آلاف اختارها، وقال له: إني سأمدك بالرجال بعد الرجال، فقال له: لا تمدني إلا بالدعاء. وخرج معه المختار إلى ظاهر الكوفة فودعه ودعا له وقال له: ليكن خبرك في كل يوم عندي، وإذ لقيت عدوك فناجزك فناجزه، ولا تؤخر فرصة. ولما بلغ مخرجهم ابن زياد (2) جهز بين يديه سريتين إحداهما مع ربيعة بن مخارق ثلاثة آلاف، والاخرى مع عبد الله بن حملة (3) ثلاثة آلاف، وقال: أيكم سبق فهو الامير، وإن سبقتما معا فالامير عليكم أسنكما. فسبق ربيعة بن مخارق إلى يزيد بن أنس فالتقيا في طرف أرض الموصل مما يلي الكوفة، فتواقفا هنالك، ويزيد بن أنس مريض مدنف، وهو مع ذلك يحرض قومه على الجهاد ويدور على الارباع وهو محمول مضني وقال للناس: إن هلكت فالامير على


= المدائن وأرض جوخى وبعث قدامة بن أبي عيسى بن ربيعة النصري على بهقباذ الاعلى، وبعث محمد بن كعب بن قرظة على بهبقباذ الاوسط، وبعث حبيب بن منقذ الثوري على بهقباذ الاسفل، وبعث سعد بن حذيفة بن حلوان على حلوان. وانظر ابن الاثير 4 / 227 وانظر الاسماء باختلاف في الاخبار الطوال (ص 292). (1) وهو عبد الرحمن بن سعيد بن قيس (الطبري - الكامل). (2) في ابن الاعثم 6 / 139 والاخبار الطوال ص 293: ان عبد الملك بن مروان دعا بابن زياد وضم إليه ثمانين وكلفه بمقاتلة المختار ومصعب بن الزبير ثم يسير إلى عبد الله بن الزبير بالحجاز وقال له: أنت تعلم أن أبي مروان كان قد أمرك بالمسير إلى العراق على أنك تأتي الكوفة فتقتل أهلها وتنهبها ثلاثا ثم أن الموت عاجله، والآن فإني وليتك... (3) في ابن الاثير: عبد الله بن جملة الخثعمي. (*)

[ 296 ]

الناس (1) عبد الله بن ضمرة الفزاري، وهو رأس الميمنة، وإن هلك فمسعر (2) بن أبي مسعر رأس الميسرة، وكان ورقاء (3) بن خالد الاسدي على الخيل. وهو وهؤلاء الثلاثة أمراء الارباع، وكان ذلك في يوم عرفة من سنة ست وستين عند إضاءة الصبح، فاقتتلوا هم والشاميون قتالا شديدا، واضطربت كل من الميمنتين والميسرتين، ثم حمل ورقاء على الخيل فهمزها وفر الشاميون وقتل أميرهم ربيعة بن مخارق، واحتاز جيش المختار ما في معسكر الشاميين، ورجع فرارهم فلقوا الامير الآخر عبد الله بن حملة، فقال: ما خبركم ؟ فأخبروه فرجع بهم وسار بهم نحو يزيد بن أنس فانتهى إليهم عشاء، فبات الناس متحاجزين، فلما أصبحوا تواقفوا على تعبئتهم، وذلك يوم الاضحى من سنة ست وستين، فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم جيش المختار جيش الشاميين أيضا، وقتلوا أميرهم عبد الله بن حملة واحتووا على ما في معسكرهم، وأسروا منهم ثلاثمائة أسير، فجاؤوا بهم إلى يزيد بن أنس وهو على آخر رمق، فأمر بضرب أعناقهم. ومات يزيد بن أنس من يومه ذلك وصلى عليه خليفته ورقاء بن عامر (3) ودفنه، وسقط في أيدي أصحابه وجعلوا يتسللون راجعين إلى الكوفة، فقال لهم ورقاء يا قوم ماذا ترون ؟ إنه قد بلغني أن ابن زياد قد أقبل في ثمانين ألفا من الشام، ولا أرى لكم بهم طاقة، وقد هلك أميرنا، وتفرق عنا طائفة من الجيش من أصحابنا فلو انصرفنا راجعين إلى بلادنا ونظهر أنا إنما انصرفنا حزنا منا على أميرنا لكان خيرا لنا من أن نلقاهم فيهزموننا ونرجع مغلوبين، فاتفق رأي الامراء على ذلك، فرجعوا إلى الكوفة. فلما بلغ خبرهم أهل الكوفة، وأن يزيد بن أنس قد هلك، أرجف أهل الكوفة بالمختار وقالوا قتل يزيد بن أنس في المعركة وانهزم جيشه، وعما قليل يقدم عليكم ابن زياد فيستأصلكم ويشتف خضراكم، ثم تمالاوا على الخروج على المختار وقالوا: هو كذاب، واتفقوا على حربه وقتاله وإخراجه من بين أظهرهم، واعتقدوا أنه كذاب، وقالوا: قد قدم موالينا على أشرافنا، وزعم أن ابن الحنفية قد أمره بالاخذ بثأر الحسين وهو لم يأمره بشئ، وإما هو متقول عليه، وانتظروا بخروجهم عليه أن يخرج من الكوفة إبراهيم بن الاشتر فإنه قد عينه المختار أن يخرج في سبعة آلاف للقاء ابن زياد، فلما خرج ابن الاشتر اجتمع أشراف الناس ممن كان في جيش قتلة الحسين وغيرهم في دار شبث بن ربعي وأجمعوا أمرهم على قتال المختار، ثم وثبوا فركبت كل قبيلة مع أميرها في ناحية من نواحي الكوفة، وقصدوا قصر الامارة، وبعث المختار عمرو بن ثوبة (4) بريدا إلى إبراهيم بن الاشتر ليرجع إليه سريعا وبعث المختار إلى أولئك يقول لهم: ماذا


(1) في الطبري 7 / 114: إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الاسدي فإن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة. (وانظر أيضا الفتوح 6 / 143). (2) في الطبري وابن الاثير وابن الاعثم: سعر بن أبي سعر. (3) في الطبري وابن الاثير: ورقاء بن عازب الاسدي. (4) في الطبري 7 / 117 وابن الاعثم 6 / 148: توبة. (*)

[ 297 ]

تنقمون ؟ فإني أجيبكم إلى جميع ما تطلبون، وإنما يريد أن يثبطهم عن مناهضته حتى يقدم إبراهيم بن الاشتر، وقال: إن كنتم لا تصدقونني في أمر محمد بن الحنفية فابعثوا من جهتكم وأبعث من جهتي من يسأله عن ذلك، ولم يزل يطاولهم حتى قدم ابن الاشتر بعد ثلاث، فانقسم هو والناس فرقتين، فتكفل المختار بأهل اليمن، وتكفل ابن الاشتر بمضر وعليهم شبث بن ربعي، وكان ذلك بإشارة المختار، حتى لا يتولى ابن الاشتر بقتال قومه من أهل اليمن فيحنو عليهم وكان المختار شديدا عليهم. ثم اقتتل الناس في نواحي الكوفة قتال عظيما وكثرت القتلى بينهم من الفريقين، وجرت فصل وأحوال حربية يطول استقصاؤها، وقتل جماعة من الاشراف، منهم عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الكندي، وسبعمائة وثمانين رجلا من قومه (1)، وقتل من مضر بضعة عشر رجلا، ويعرف هذا اليوم بجبانة السبيع، وكان ذلك يوم الاربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة ست وستين، ثم كانت النصرة للمختار عليهم، وأسر منهم خمسمائة أسير، فعرضوا عليه فقال: أنظروا من كان منهم شهد مقتل الحسين فاقتلوه، فقتل منهم مائتان وأربعون رجلا (2)، وقتل أصحابه منهم من كان يؤذيهم ويسئ إليهم بغير أمر المختار، ثم أطلق الباقين، وهرب عمرو بن الحجاج الزبيدي، وكان ممن شهد قتل الحسين فلا يدري أين ذهب من الارض. مقتل شمر بن ذي الجوشن أمير السرية التي قتلت حسينا وهرب أشراف الكوفة إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير، وكان ممن هرب لقصده شمر بن ذي الجوشن قبحه الله، فبعث المختار في أثره غلاما له يقال له زرنب (3)، فلما دنا منه قال شمر لاصحابه: تقدموا وذروني وراءكم بصفة أنكم قد هربتم وتركتموني حتى يطمع في هذا العلج، فساقوا وتأخر شمر فأدركه زرنب فعطف عليه شمر فدق ظهره فقتله، وسار شمر وتركه، وكتب كتابا إلى مصعب بن الزبير وهو بالبصرة ينذره بقدومه عليه، ووفادته إليه، وكان كل من فر من هذه الوقعة يهرب إلى مصعب بالبصرة، وبعث شمر الكتاب مع علج من علوج قرية قد نزل عندها يقال لها الكلبانية (4) عند نهر إلى جانب تل هناك، فذهب ذلك العلج فلقيه علج آخر فقال


(1) في ابن الاعثم 6 / 151: فحصر من كان قتل من أصحاب المختار فكانوا مائة وخمسة وثلاثين رجلا، وأحصي من قتل من الخارجين عليه فكانوا ستمائة وأربعين رجلا، فذلك سبعمائة وخمسة وسبعون رجلا. (2) في الطبري وابن الاثير: مائتان وثمانية وأربعين رجلا. (3) في الطبري 7 / 121: زربيا، وفي ابن الاثير 4 / 236 زربى، وفي ابن الاعثم 6 / 155: رزين وفي تهذيب ابن عساكر 6 / 339: زريق. (4) في ابن الاثير والطبري: الكلتانية، وانظر ابن الاعثم ومعجم البلدان. (*)

[ 298 ]

له: إلى أين تذهب ؟ قال: إلى مصعب. قال: ممن ؟ قال: من شمر، فقال: اذهب معي إلى سيدي، وإذا سيده أبو عمرة أمير حرس المختار، وهو (1) قد ركب في طلب شمر، فدله العلج على مكانه فقصده أبو عمرة، وقد أشار أصحاب شمر عليه أن يتحول من مكانه ذلك، فقال لهم: هذا كله فرق من الكذاب، والله لا أرتحل من ههنا إلى ثلاثة أيام حتى أملا قلوبهم رعبا فلما كان الليل كابسهم أبو عمرة في الخيل فأعجلهم أن يركبوا أو يلبسوا أسلحتهم، وثار إليهم شمر بن ذي الحوشن فطاعنهم برمحه وهو عريان ثم دخل خيمته فاستخرج منها سيفا وهو يقول: نبهتم ليث عرين باسلا (2) * جهما محياه يدق الكاهلا لم ير يوما عن عدو ناكلا * إلا أكر مقاتلا أو قاتلا (3) يزعجهم (4) ضربا ويروي العاملا ثم ما زال يناضل عن نفسه حتى قتل، فلما سمع أصحابه وهم منهزمون صوت التكبير وقول أصحاب المختار الله أكبر قتل الخبيث عرفوا أنه قد قتل قبحه الله. قال أبو مخنف: عن يونس بن أبي إسحاق قال: ولما خرج المختار من جبانة السبيع وأقبل إلى القصر - يعني منصرفه من القتال - ناداه سراقة بن مرداس بأعلا صوته وكان في الاسرى. امنن علي اليوم يا خير معد * وخير من حل بشحر والجند وخير من لبى وصام وسجد (5) قال: فبعث إلى السجن فاعتقله ليلة ثم أطلقه من الغد، فأقبل إلى المختار وهو يقول: ألا أخبر (6) أبا إسحاق أنا * نزونا نزوة كانت علينا خرجنا لا نرى الضعفاء شيئا * وكان خروجنا بطرا وشينا (7)


(1) في ابن الاعثم 6 / 156: دعا برجل يقال له عبد الرحمن بن عبيد الهمداني في عشرة رجال. (2) في ابن الاعثم: تيمموا ليثا هزبرا باسلا. (3) في ابن الاعثم: لم يك... إلا كذا مقاتلا أو قاتلا وفي الطبري وابن الاثير: إلا كذا مقاتلا أو قاتلا. وزاد شطرا آخر. (4) في الطبري وابن الاثير وابن عساكر يبرحهم، وفي ابن الاعثم، يمنحكم طعنا وموتا عاجلا. (5) في الطبري 7 / 122: وخير من حي ولبى وسجد، وفي ابن الاثير 4 / 238: من لبى حيا وسجد. وفي ابن الاعثم 6 / 151: وخير من حل بقوم ووفد * وخير من لبى لجبار صمد (6) في الطبري وابن الاثير وابن الاعثم: ألا أبلغ. (7) في ابن الاعثم:... لا نرى الابطال... وحينا (كما في الطبري وابن الاثير). (*)

[ 299 ]

نراهم (1) في مصافهم (2) قليلا * وهم مثل الربا (3) حين التقينا برزنا إذ رأيناهم فلما * رأينا القوم قد برزوا إلينا رأينا منهم ضربا وطحنا * وطعنا صائبا حتى انثنينا (4) نصرت على عدوك كل يوم * بكل كثيبة تنعى حسينا (5) كنصر محمد في يوم بدر * ويوم الشغب إذ لاقى حنينا فاسجح إذ ملكت فلو ملكنا (6) * لجرنا في الحكومة واعتدينا تقبل توبة مني فإني * سأشكر إذ جعلت العفو دينا (7) وجعل سراقة بن مرداس يحلف أنه رأى الملائكة على الخيول البلق بين السماء والارض، وأنه لم يأسره إلا واحد من أولئك الملائكة، فأمره المختار أن يصعد المنبر فيخبر الناس بذلك. فصعد المنبر فأخبر الناس بذلك، فلما نزل خلا به المختار فقال له: إني قد عرفت أنك لم تر الملائكة، وإنما أردت بقولك هذا أني لا أقتلك، ولست أقتلك فاذهب حيث شئت لئلا تفسد على أصحابي، فذهب سراقة إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير وجعل يقول: ألا أخبر (8) أبا إسحاق أني * رأيت البلق دهما مصمتات كفرت بوحيكم وجعلت نذرا * علي قتالكم (9) حتى الممات رأيت عيناي (10) ما لم تبصراه * كلانا عالم بالترهات


(1) في ابن عساكر: تراهم، وليس البيت في ابن الاثير. (2) في الطبري: مصافهم، وفي ابن عساكر: مصفهم، وفي ابن الاعثم: صفوفهم. (3) في الطبري وابن الاعثم وابن عساكر: الدبى. (4) في الطبري وابن الاثير: لقينا منهم ضربا طلحفا... وفي ابن الاعثم: لقينا منهم ضربا عنيدا * وطعنا مسحجا... (5) في ابن الاعثم: زففت الخيل يا مختار زفا * بكل كتيبة قتلت حسينا نصرت على عدوك كل يوم * بكل حضارم لم يلق شينا (6) في ابن الاعثم: فصفحا إذ قدرت فلو قدرنا... (7) في الاخبار الطوال ص 303 بدل الابيات المذكورة: ألا من مبلغ المختار أنا * نزونا نزوة كانت علينا خرجنا لا نرى الاشراك دينا * وكان خروجنا بطرا وحينا (8) في ابن الاثير والطبري وابن الاعثم: ألا أبلغ... وفي الاخبار الطوال ص 303: عجزه: رأيت الشهب كمتا مصمتات (9) في ابن عساكر: هجاءكم. (10) في الطبري وابن الاثير وابن الاعثم وابن عساكر: أري عيني. (*)

[ 300 ]

إذا قالوا: أقول لهم (1) كذبتم * وإن خرجوا لبست لهم أداتي قالوا: ثم خطب المختار أصحابه فحرضهم في خطبته تلك على من قتل الحسين من أهل الكوفة المقيمين بها، فقالوا: ما ذنبنا نترك أقواما قتلوا حسينا يمشون في الدنيا أحياء آمنين، بئس ناصرو آل محمد إني إذا كذاب كما سميتموني أنتم، فإني والله أستعين عليهم، فالحمد لله الذي جعلني سيفا أضربهم، ورمحا أطعنهم، وطالب وترهم، وقائما بحقهم، وإنه كان حقا على الله أن يقتل من قتلهم، وأن يذل من جهل حقهم، فسموهم ثم اتبعوهم حتى تقتلوهم، فإنه لا يسيغ لي الطعام والشراب حتى أطهر الارض منهم، وأنفي من في المصر منهم. ثم جعل يتتبع من في الكوفة - وكانوا يأتون بهم حتى يوقفوا بين يديه فيأمر بقتلهم على أنواع من القتلات مما يناسب ما فعلوا -، ومنهم من حرقه بالنار، ومنهم من قطع أطرافه وتركه حتى مات، ومنهم من يرمي بالنبال حتى يموت، فأتوه بمالك بن بشر فقال له المختار: أنت الذي نزعت برنس الحسين عنه ؟ فقال: خرجنا ونحن كارهون فامنن علينا، فقال: اقطعوا يديه ورجليه. ففعلوا به ذلك ثم تركوه يضطرب حتى مات، وقتل عبد الله بن أسيد الجهني وغيره شر قتلة. مقتل خولي بن يزيد الاصبحي الذي احتز رأس الحسين بعث إليه المختار أبا عمرة صاحب حرسه، فكبس بيته فخرجت إليهم امرأته فسألوها عنه فقالت: لا أدري أين هو، وأشارت بيدها إلى المكان الذي هو مختف فيه، - وكانت تبغضه من ليلة قدم برأس الحسين معه إليها، وكانت تلومه على ذلك - واسمها العبوق (2) بنت مالك بن نهار بن عقرب الحضرمي، فدخلوا عليه فوجدوه قد وضع على رأسه قوصرة فحملوه إلى المختار فأمر بقتله قريبا من داره، وأن يحرق بعد ذلك. وبعث المختار إلى حكيم بن فضيل (3) السنبسي - وكان قد سلب العباس بن علي بن أبي طالب يوم قتل الحسين - فأخذ فذهب أهله إلى عدي بن حاتم، فركب ليشفع فيه عند المختار، فخشي أولئك الذين أخذوه أن يسبقهم عدي إلى المختار فيشفعه فيه، فقتلوا حكيما قبل أن يصل إلى المختار، فدخل عدي فشفع فيه فشفعه فيه: فلما رجعوا وقد قتلوه شتمهم عدي وقام متغضبا عليهم وقد تقلد منة المختار. وبعث المختار إلى يزيد بن ورقاء وكان قد قتل عبد الله بن مسلم بن عقيل، فلما أحاط الطلب بداره خرج فقاتلهم فرموه بالنبل والحجارة حتى سقط، ثم حرقوه وبه رمق الحياة، وطلب المختار سنان بن أنس، الذي كان يدعي أنه قتل الحسين، فوجدوه قد هرب إلى البصرة أو الجزيرة فهدمت داره، وكان


(1) في ابن الاعثم: لكم، وليس البيت في ابن عساكر وابن الاثير. (2) في الطبري 7 / 126 وابن الاثير 4 / 240: العيوف. (3) في الطبري والكامل: حكيم بن طفيل الطائي السنبسي. (*)

[ 301 ]

محمد بن الاشعث بن قيس ممن هرب إلى مصعب فأمر المختار بهدم داره وأن يبني بها دار حجر بن عدي التي كان زياد هدمها. مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الذين قتلوا الحسين قال الواقدي: كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه جالسا ذات يوم إذ جاء غلام له ودمه يسيل على عقبيه، فقال له سعد: من فعل بك هذا ؟ فقال: ابنك عمر، فقال سعد: اللهم اقتله وأسل دمه. وكان سعد مستجاب الدعوة، فلما خرج المختار على الكوفة استجار عمر بن سعد بعبد الله بن جعدة بن هبيرة، وكان صديقا للمختار من قرابته من علي، فأتى المختار فأخذ منه لعمر بن سعد أمانا مضمونه أنه آمن على نفسه وأهله وماله ما أطاع ولزم رحله ومصره، ما لم يحدث حدثا (1). وأراد المختار ما لم يأت الخلاء فيبول أو يغوط. ولما بلغ عمر بن سعد أن المختار يريد قتله خرج من منزله ليلا يريد السفر نحو مصعب أو عبيد الله بن زياد، فنمى للمختار بعض مواليه ذلك، فقال المختار: وأي حدث أعظم من هذا ؟ وقيل إن مولاه قال له ذلك، وقال له: تخرج من منزلك ورحلك ؟ ارجع، فرجع. ولما أصبح بعث إلى المختار يقول له: هل أنت مقيم على أمانك ؟ وقيل إنه أتى المختار يتعرف منه ذلك فقال له المختار: اجلس، وقيل إنه أرسل عبد الله بن جعدة إلى المختار يقول له: هل أنت مقيم على أمانك له ؟ فقال له المختار: اجلس، فلما جلس قال المختار لصاحب حرسه: اذهب فأتني برأسه فذهب إليه فقتله وأتاه برأسه. وفي رواية أن المختار قال ليلة: لاقتلن غدا رجلا عظيم القدمين غائر العينين، مشرف الحاجبين يسر بقتله المؤمنون والملائكة المقربون، وكان الهيثم بن الاسود حاضرا فوقع في نفسه أنه أراد عمر بن سعد فبعث إليه ابنه الغرثان فأنذره، فقال: كيف يكون هذا بعد ما أعطاني من العهود والمواثيق ؟ وكان المختار حين قدم الكوفة أحسن السيرة إلى أهلها أولا وكتب لعمر بن سعد كتاب أمان إلا أن يحدث حدثا. قال أبو مخنف: وكان أبو جعفر الباقر يقول: إنما أراد المختار إلا أن يدخل الكنيف فيحدث فيه، ثم إن عمر بن سعد قلق أيضا، ثم جعل يتنقل من محلة إلى محلة ثم صار أمره أنه رجع إلى داره، وقد بلغ المختار انتقاله من موضع إلى موضع فقال: كلا والله إن في عنقه سلسلة ترده لوجهه، إن يطير لادركه دم الحسين فآخذ برجله. ثم أرسل إليه أبا عمرة فأراد الفرار منه فعثر في


(1) انظر نسخة العهد في ابن الاعثم 6 / 122 وانظر في قتله الطبري 7 / 126 وابن الاثير 4 / 242 وأما في الاخبار الطوال ص 301 ففيه: أن عمر بن سعد هرب مع بعض أشراف الكوفة، فأخذوا طريق البصرة فأرسل رجلا من خاصته يسمى أبا القلوص الشبامي، فلحقهم بناحية المذار... ووقع عمر بن سعد بيده فأتى به المختار... فضرب عنقه. (*)

[ 302 ]

جبته، فضربه أبو عمرة بالسيف حتى قتله، وجاء برأسه في أسفل قبائه حتى وضعه بين يدي المختار، فقال المختار، لابنه حفص - وكان جالسا عند المختار - فقال: أتعرف هذا الرأس ؟ فاسترجع وقال: نعم ولا خير في العيش بعده، فقال: صدقت، ثم أمر فضربت عنقه ووضع رأسه مع رأس أبيه، ثم قال المختار: هذا بالحسين وهذا بعلي بن الحسين الاكبر، ولا سواء، والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله. ثم بعث المختار برأسيهما إلى محمد بن الحنفية، وكتب إليه كتابا في ذلك: بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد بن علي من المختار بن أبي عبيد، سلام عليك أيها المهدي فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن الله بعثني نقمة على أعدائكم فهم بين قتيل وأسير وطريد وشريد، فالحمد لله الذي قتل قاتلكم، ونصر مؤازركم، وقد بعثت إليك برأس عمر بن سعد وابنه وقد قتلنا ممن اشترك في دم الحسين وأهل بيته كل من قدرنا عليه، ولن يعجز الله من بقي، ولست بمنحجم عنهم حتى يبلغني أنه لم يبق على وجه الارض منهم أحد، فاكتب إلي أيها المهدي برأيك أتبعه وأكون عليه، والسلام عليك أيها المهدي ورحمة الله وبركاته. ولم يذكر ابن جرير أن محمد بن الحنفية رد جوابه، مع أن ابن جرير قد تقصى هذا الفصل وأطال شرحه، ويظهر من غبون كلامه قوة وجده به وغرامه، ولهذا توسع في إيراده بروايات أبي مخنف لوط بن يحيى، وهو متهم فيما يرويه، ولا سيما في باب التشيع، وهذا المقام للشيعة فيه غرام وأي غرام، إذ فيه الاخذ بثأر الحسين وأهله من قتلتهم، والانتقام منهم، ولا شك أن قتل قتلته كان متحتما، والمبادرة إليه كان مغنما، ولكن إنما قدره الله على يد المختار الكذاب الذي صار بدعواه إتيان الوحي إليه كافرا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " (1). وقال تعالى في كتابه الذي هو أفضل ما يكتبه الكاتبون * (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) * [ الانعام: 129 ] وقال بعض الشعراء: وما من يد إلا يد الله فوقها * ولا ظالم إلا سيبلى بظالم وسيأتي في ترجمة المختار ما يدل على كذبه وافترائه، وادعائه نصرة أهل البيت، وهو في نفس الامر متستر بذلك ليجمع عليه رعاعا من الشيعة الذين بالكوفة. ليقيم لهم دولة ويصول بهم ويجول على مخالفيه صولة. ثم إن الله تعالى سلط عليه من انتقم منه، وهذا هو الكذاب الذي قال فيه الرسول في حديث أسماء بنت الصديق: " إنه سيكون في ثقيف كذاب ومبير " (2). فهذا هو الكذاب وهو


(1) رواه البخاري عن أبي اليمان وقال البخاري قال عقبة تابعه معمر عن الزهري عن سعيد فتح الباري 7 / 471. (2) رواه البيهقي عن أبي داود الطيالسي في الدلائل 6 / 482 ونحوه روى مسلم في فضائل الصحابة (58) باب. = (*)

[ 303 ]

؟ ظهر التشيع وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد ولي الكوفة من جهة عبد الملك بن مروان كما سيأتي، وكان الحجاج عكس هذا، كان ناصبيا جلدا ظالما غاشما، ولكن لم يكن في طبقة هذا، متهم على دين الاسلام ودعوة النبوة، وأنه يأتيه الوحي من العلي العلام. قال ابن جرير: وفي هذه السنة بعث المختار المثنى بن مخرمة العبدي إلى البصرة يدعو إليه من استطاع من أهلها، فدخلها وابتنى بها مسجدا يجتمع فيه إليه قومه، فجعل يدعو إلى المختار، ثم أتى مدينة الورق (1) فعسكر عندها فبعث إليه الحارث بن عبد الله بن ربيعة القباع - وهو أمير البصرة قبل أن يعزل بمصعب - جيشا مع عباد بن الحصين أمير الشرطة، وقيس بن الهيثم. فقاتلوه وأخذوا منه المدينة وأنهزم أصحابه، وكان قد قام بنصرتهم بنو عبد القيس، فبعث إليهم الجيش فبعثوا إليه فأرسل الاحنف بن قيس وعمرو (2) بن عبد الرحمن المخزومي ليصلحا بين الناس، وساعدهما مالك بن مسمع، فانحجز الناس بعضهم عن بعض، ورجع إلى المختار في نفر يسير مغلولا مغلوبا مسلوبا، وأخبر المختار بما وقع من الصلح على يدي الاحنف وغيره من أولئك الامراء، وطمع المختار فيهم وكاتبهم في أن يدخلوا معه فيما هو فيه من الامر، وكان كتابه إلى الاحنف بن قيس: من المختار إلى الاحنف بن قيس ومن قبله من الامراء: أفسلم أنتم أما بعد فويل لبني ربيعة من مضر، وأن الاحنف يورد قومه سقر، حيث لا يستطيع لهم صدر، وإني لا أملك لكم ما قد خط في القدر، وقد بلغني أنكم سميتموني الكذاب، وقد كذب الانبياء من قبلي ولست بخير منهم. وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، ثنا الحسن بن حماد، عن حماد (3) بن علي بن مجالد عن الشعبي. قال: دخلت البصرة فقعدت إلى حلقة فيها الاحنف بن قيس، فقال بعض القوم: ممن أنت ؟ فقلت: رجل من أهل الكوفة، فقال: أنتم موال لنا، قلت: وكيف ؟ قال: أنقذناكم من أيدي عبيدكم من أصحاب المختار، قلت: أتدري ما قال شيخ من همدان فينا وفيكم ؟ فقال الاحنف: وما قال ؟ قلت: قال: أفخرتم ان قتلتم أعبدا * وهزمتهم مرة آل عدل (4)


= ح‍ (229) ص (1971) عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت للحجاج: حدثنا رسول الله أن في ثقيف كذابا ومبيرا فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. (1) في الطبري 7 / 130 وابن الاثير 4 / 245: الرزق. (2) في الطبري وابن الاثير: وعمر. (3) في الطبري: حيان. (4) في الطبري: آل عزل. (*)

[ 304 ]

فإذا فاخرتمونا فاذكروا * ما فعلنا بكم يوم الجمل بين شيخ خاضب عثبونه * وفتى البيضاء وضاحا دقل (1) جاء يهدج في سابغة * فذبحناه ضحى ذبح الجمل وعفونا فنسيتم عفونا * وكفرتم نعمة الله الاجل وقتلتم بحسين منهم * بدلا من قومكم شر بدل قال: فغضب الاحنف وقال: يا غلام هات الصحيفة، فأتى بصحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم من المختار بن أبي عبيد إلى الاحنف بن قيس، أما بعد فويل لبني ربيعة من مضر فإن الاحنف يورد قومه سقر حيث لا يقدرون على الصدر، وقد بلغني أنكم تكذبوني، فإن كذبت فقد كذبت رسل من قبلي، ولست بخير منهم، ثم قال الاحنف: هذا منا أو منكم. فصل ولما علم المختار أن ابن الزبير لا ينام عنهم، وأن جيش الشام من قبل عبد الملك مع ابن زياد يقصدونه في جمع كثير لا يرام، شرع يصانع ابن الزبير ويعمل على خداعه والمكر به، فكتب إليه: إني كنت بايعتك على السمع والطاعة والنصح لك، فلما رأيتك قد أعرضت عني تباعدت عنك، فإن كنت على ما أعهد منك فأنا على السمع والطاعة لك، والمختار يخفي هذا كل الاخفاء عن الشيعة، فإذا ذكر له أحد شيئا من ذلك أظهر لهم أنه أبعد الناس من ذلك، فلما وصل كتابه إلى ابن الزبير أراد أن يعلم أصادق أم كاذب، فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، فقال له: تجهز إلى الكوفة فقد وليتكها، فقال: وكيف وبها المختار ؟ فقال: يزعم أنه سامع لنا مطيع، وأعطاه قريبا من أربعين ألفا يتجهز بها، فسار فلما كان ببعض الطريق لقيه زائدة بن قدامة من جهة المختار في خمسمائة فارس ملبسة، ومعه سبعون ألفا من المال، وقد تقدم إليه المختار فقال: اعطه المال فإن هو انصرف وإلا فأره الرجال فقاتله حتى ينصرف، فلما رأى عمر بن عبد الرحمن الجد قبض المال وسار إلى البصرة فاجتمع هو وابن مطيع بها عند أميرها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وذلك قبل وثوب المثنى بن مخرمة كما تقدم، وقيل وصول مصعب بن الزبير إليها. وبعث عبد الملك بن مروان ابن عمه عبد الملك بن الحارث بن الحكم في جيش إلى وادي القرى ليأخذوا المدينة من نواب ابن الزبير، وكتب المختار إلى ابن الزبير إن أحببت أن أمدك بمدد، وإنما يريد خديعته ومكايدته، فكتب إليه ابن الزبير: إن كنت على طاعتي فلست أكره ذلك


(1) في الطبري: بين.... عثنونه * وفتى أبيض وضاح رفل. والعثنون: اللحية. (*)

[ 305 ]

فابعث بجند إلى وادي القرى ليكونوا مددا لنا على قتال الشاميين. فجهز المختار ثلاثة آلاف عليهم شرحبيل بن ورس الهمداني، ليس فيهم من العرب إلا سبعمائة، وقال له: سر حتى تدخل المدينة، فإذا دخلت فاكتب إلي حتى يأتيك أمري، وإنما يريد أخذ المدينة من ابن الزبير، ثم يركب بعد ذلك إلى مكة ليحاصر ابن الزبير بها، وخشي ابن الزبير أن يكون المختار بعث ذلك الجيش مكرا فبعث العباس بن سهل بن سعد الساعدي في ألفين، وأمره أن يستعين بالاعراب وقال لهم: إن رأيتموهم في طاعتي وإلا فكايدوهم حتى يهلكهم الله. فأقبل العباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم، وقد بقي ابن ورس في جيشه، فاجتمعا على ماء هنالك، فقال له العباس: ألستم في طاعة ابن الزبير ؟ فقال: بلى، قال: فإنه قد أمرني أن نذهب إلى وادي القرى فنقاتل من به من الشاميين. فقال له ابن ورس: فإني لم أومر بطاعتك، وإنما أمرني أن أدخل المدينة ثم أكتب إلى صاحبي فإنه يأمرني بأمره، ففهم عباس مغزاه ولم يظهر له أنه فطن لذلك، فقال له: رأيك أفضل، فاعمل ما بدا لك. ثم نهض العباس من عنده وبعث إليهم الجزر والغنم والدقيق، وقد كان عندهم حاجة شديدة إلى ذلك، وجوع كثير، فجعلوا يذبحون ويطبخون ويختبزون ويأكلون على ذلك الماء، فلما كان الليل بيتهم عباس بن سهل فقتل أميرهم وطائفة منهم نحوا من سبعين، وأسر منهم خلقا كثيرا فقتل أكثرهم، ورجع القليل منهم إلى المختار وإلى بلادهم خائبين. قال أبو مخنف: فحدثني أبو يوسف أن عباس بن سهل انتهى إليهم وهو يقول: أنا ابن سهل فارس غير وكل * أروع مقدام إذا الكبش نكل وأعتلي رأس الطرماح البطل * بالسيف يوم الروع حتى ينجدل (1) فلما بلغ خبرهم المختار قام في أصحابه خطيبا فقال: إن الفجار الاشرار قتلوا الابرار الاخيار، ألا إنه كان أمر مأتيا، وقضاء مقضيا. ثم كتب إلى محمد بن الحنفية مع صالح بن مسعود الخثعمي: كتابا يذكر فيه أنه بعث إلى المدينة جيشا لنصرته فغدر بهم جيش ابن الزبير، فإن رأيت أن أبعث جيشا آخر إلى المدينة وتبعث من قبلك رسلا إليهم فافعل، فكتب إليه ابن الحنفية: أما بعد فإن أحب الامور كلها إلي ما أطيع الله فيه، فأطع الله فيما أسررت وأعلنت، واعلم أني لو أردت القتال لوجدت الناس إلي سراعا، والاعوان لي كثيرة، ولكني أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. وقال لصالح بن مسعود: قل للمختار فليتق الله وليكف عن الدماء. فلما انتهى إليه كتاب محمد بن الحنفية قال: إني قد أمرت بجمع البر واليسر، وبطرح الكفر والغدر.


(1) في الطبري 7 / 135: ينخزل. (*)

[ 306 ]

وذكر ابن جرير من طريق المدائني وأبي مخنف: أن ابن الزبير عمد إلى ابن الحنفية وسبعة عشر رجلا من أشراف أهل الكوفة فحبسهم حتى يبايعوه، فكرهوا إن يبايعوا إلا من اجتمعت عليه الامة، فتهددهم وتوعدهم واعتقلهم بزمزم، فكتبوا إلى المختار بن أبي عبيد يستصرخونه ويستنصرونه، ويقولون له: إن ابن الزبير قد توعدنا بالقتل والحريق، فلا تخذلونا كما خذلتم الحسين وأهل بيته (1)، فجمع المختار الشيعة وقرأ عليهم الكتاب وقال: هذا صريخ أهل البيت يستصرخكم ويستنصركم، فقام في الناس بذلك وقال: لست أنا بأبي اسحاق إن لم أنصركم نصرا مؤزرا، وإن لم أرسل إليهم الخيل كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل بابن الكاهلية الويل، ثم وجه أبا عبد الله الجدلي في سبعين راكبا من أهل القوة، وظبيان بن عمر (2) التيمي في أربعمائة، وأبا المعتمر في مائة، وهانئ بن قيس في مائة، وعمير بن طارق في أربعين، وكتب إلى محمد بن الحنفية مع الطفيل بن عامر (3) بتوجيه الجنود إليه، فنزل أبو عبد الله الجدلي بذات عرق حتى تلاحق به نحو من مائة وخمسين فارسا، ثم سار بهم حتل دخل المسجد الحرام نهارا جهارا وهم يقولون: يا ثارات الحسين، وقد أعد ابن الزبير الحطب لابن الحنفية وأصحابه ليحرقهم به إن لم يبايعوه، وقد بقي من الاجل يومان، فعمدوا - يعني أصحاب المختار - إلى محمد بن الحنفية فأطلقوه من سجن ابن الزبير، وقالوا: إن أذنت لنا قاتلنا ابن الزبير، فقال: إني لا أرى القتال في المسجد الحرام، فقال لهم ابن الزبير: ليس نبرح وتبرحون حتى يبايع وتبايعوا معه، فامتنعوا عليه ثم لحقهم بقية أصحابهم فجعلوا يقولون وهم داخلون الحرم: يا ثارات الحسين فلما رأى ابن الزبير ذلك منهم خافهم وكف عنهم، ثم أخذوا محمد بن الحنفية وأخذوا من الحجيج مالا كثيرا فسار بهم حتى دخل شعب علي، واجتمع معه أربعة آلاف رجل، فقسم بينهم ذلك المال. هكذا أورده ابن جرير وفي صحتها نظر والله أعلم (4). قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة عبد الله ابن الزبير وكان نائبه بالمدينة أخاه مصعب ونائبه على البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وقد استحوذ المختار على الكوفة، وعبد الله بن خازم على بلاد خراسان، وذكر حروبا جرت فيها لعبد الله بن خازم يطول ذكرها. فصل قال ابن جرير: وفي هذه السنة سار إبراهيم بن الاشتر إلى عبيد الله بن زياد، وذلك لثمان


(1) نسخة الكتاب في ابن الاعثم 6 / 131. (2) في الطبري: ابن عثمان أخا بني تميم، وفي ابن الاثير، ابن عمارة أخا بني تميم. (3) نسخة الكتاب في ابن الاعثم 6 / 132. (4) انظر الطبري 7 / 137 والكامل 4 / 251 وفتوح ابن الاعثم 6 / 135 - 136. (*)

[ 307 ]

بقين من ذي الحجة. وقال أبو مخنف عن مشايخه: ما هو إلا أن فرغ المختار من جبانة السبيع وأهل الكناسة، فما ترك ابن الاشتر إلا يومين حتى أشخصه إلى الوجه الذي كان وجهه فيه لقتال أهل الشام، فخرج يوم السبت لثمان بقين (1) من ذي الحجة سنة ست وستين، وخرج معه المختار يودعه في وجوه أصحابه، وخرج معهم خاصة المختار، ومعهم كرسي المختار على بغل أشهب ليستنصروا به على الاعداء، وهم حافون به يدعون ويستصرخون ويستنصرون ويتضرعون، فرجع المختار بعد أن وصاه بثلاث قال: يا بن الاشتر اتق الله في سرك وعلانيتك، وأسرع السير، وعاجل عدوك بالقتال. واستمر أصحاب الكرسي سائرين مع ابن الاشتر، فجعل ابن الاشتر يقول: اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، سنة بني إسرائيل والذي نفسي بيده إذ عكفوا على عجلهم، فلما جاوز القنطرة هو وأصحابه رجع أصحاب الكرسي. قال ابن جرير: وكان سبب اتخاذ هذا الكرسي ما حدثني به عبد الله بن أحمد بن شيبويه حدثني أبي، ثنا سليمان، ثنا عبد الله بن المبارك عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، حدثني معبد بن خالد، حدثني طفيل بن جعدة بن هبيرة قال: أعدمت مرة من الورق فإني كذلك إذ مررت بباب رجل هو جار لي له كرسي قد ركبه وسخ شديد، فخطر في بالي أن لو قلت في هذا، فرجعت فأرسلت إليه أن ارسل إلي بالكرسي، فأرسل به، فأتيت المختار فقلت له: إني كنت أكتمك شيئا وقد بدا لي أن أذكره إليك، قال: وما هو ؟ قال: قلت كرسي كان جعدة بن هبيرة يجلس عليه كأنه كان يرى أن فيه أثرة من علم. قال: سبحان الله ! ! فلم أخرت هذا إلى اليوم ؟ ابعثه إلي، قال فجئت به وقد غسل فخرج عودا ناضرا وقد شرب الزيت، فأمر لي باثني عشر ألفا، ثم نودي في الناس الصلاة جامعة، قال: فخطب المختار الناس فقال: إنه لم يكن في الامم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الامة مثله، وإنه قد كان في بني إسرائيل تابوت يستنصرون به، وإن هذا مثله، ثم أمر فكشف عنه أثوابه وقامت السبابية فرفعوا أيديهم وكبروا ثلاثا، فقام شبث بن ربعي فأنكر على الناس وكاد أن يكفر من يصنع بهذا التابوت هذا التعظيم. وأشار بأن يكسر ويخرج من المسجد ويرمى في الخنس، فشكرها الناس لشبث بن ربعي، فلما قيل: هذا عبيد الله بن زياد قد أقبل، وبعث المختار ابن الاشتر، بعث معه بالكرسي يحمل على بغل أشهب قد غشي بأثواب الحرير، عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة، فلما تواجهوا مع الشاميين كما سيأتي وغلبوا الشاميين وقتلوا ابن زياد، ازداد تعظيمهم لهذا الكرسي حتى بلغوا به الكفر، قال الطفيل بن جعدة فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، وندمت على ما صنعت، وتكلم الناس في هذا الكرسي وكثر عيب الناس له، فغيب حتى لا يرى بعد ذلك. وذكر ابن الكلبي أن المختار طلب من آل جعدة بن هبيرة الكرسي الذي كان علي يجلس عليه


(1) في ابن الاعثم: خلون. (*)

[ 308 ]

فقالوا: ما عندنا شئ مما يقول الامير، فألح عليهم حتى علموا أنهم لو جاؤوا بأي كرسي كان لقبله منهم، فحملوا إليه كرسيا من بعض الدور فقالوا: هذا هو، فخرجت شبام وشاكر وسائر رؤوس المختارية وقد عصبوه بالحرير والديباج. وحكى أبو مخنف أن أول من سدن هذا الكرسي موسى بن أبي موسى الاشعري، ثم إن الناس عتبوا عليه في ذلك، فرفعه إلى حوشب البرسمي، وكان صاحبه حتى هلك المختار قبحه الله. ويروى أن المختار كان يظهر أنه لا يعلم بما يعظم أصحابه هذا الكرسي، وقد قال في هذا الكرسي أعشى همدان: شهدت عليكم أنكم سبائية * وأني بكم يا شرطة الشرك عارف وأقسم ما كرسيكم بسكينة * وان كان قد لفت عليه اللفائف وأن ليس كالتابوت فينا وإن سعت * شبام حواليه ونهد وخارف وإني امرؤ أحببت آل محمد * وتابعت وحيا ضمنته المصاحف وتابعت عبد الله لما تتابعت * عليه قريش شمطها والغطارف وقال المتوكل الليثي: أبلغ أبا إسحاق إن جئته * أني بكرسيكم كافر تنزوا شبام حول أعواده * وتحمل الوحي له شاكر محمرة أعينهم حوله * كأنهن الحمص الحادر قلت: هذا وأمثاله مما يدل على قلة عقل المختار وأتباعه، وضعفه وقلة علمه وكثرة جهله، ورداءة فهمه، وترويجه الباطل على أتباعه وتشبهه الباطل بالحق ليضل به الطغام، ويجمع عليه جهال العوام. قال الواقدي: وفي هذه السنة وقع في مصر طاعون هلك فيه خلق كثير من أهلها، وفيها ضرب الدنانير عبد العزيز بن مروان بمصر، وهو أول من ضربها بها. قال صاحب مرآت الزمان: وفيها ابتدأ عبد الملك بن مروان ببناء القبة على صخرة بيت المقدس وعمارة الجامع الاقصى، وكملت عمارته في سنة ثلاث وسبعين، وكان السبب في ذلك أن عبد الله بن الزبير كان قد استولى على مكة، وكان يخطب في أيام منى وعرفة، ومقام الناس بمكة، وينال من عبد الملك ويذكر مساوئ بني مروان، ويقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الحكم وما نسل، وأنه طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه، وكان يدعو إلى نفسه، وكان فصيحا، فمال معظم أهل الشام إليه، وبلغ ذلك عبد الملك فمنع الناس من الحج فضجوا، فبنى القبة على الصخرة والجامع الاقصى ليشغلهم بذلك عن الحج ويستعطف قلوبهم، وكانوا يقفون عند الصخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة. وينحرون يوم العيد ويحلقون رؤوسهم، ففتح بذلك على نفسه بأن شنع ابن الزبير عليه، وكاد

[ 309 ]

يشنع عليه بمكة ويقول: ضاهى بها فعل الاكاسرة في إيوان كسرى، والخضراء، كما فعل معاوية. ولما أراد عبد الملك عمارة بيت المقدس وجه إليه بالاموال والعمال، ووكل بالعمل رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام مولاه، وجمع الصناع من أطراف البلاد وأرسلهم إلى بيت المقدس، وأرسل إليه بالاموال الجزيلة الكثيرة، وأمر رجاء بن حيوة ويزيد أن يفرغا الاموال إفراغا ولا يتوقفا فيه، فبثوا النفقات وأكثروا، فبنوا القبة فجاءت من أحسن البناء، وفرشاها بالرخام الملون، وعملا للقبة جلالين أحدهما من اليود الاحمر للشتاء، وآخر من أدم للصيف، وحفا القبة بأنواع الستور، وأقاما لها سدنة وخداما بأنواع الطيب والمسك والعنبر والماورد والزعفران، ويعملون منه غالية ويبخرون القبة والمسجد من الليل، وجعل فيها من قناديل الذهب والفضة والسلاسل الذهب والفضة شيئا كثيرا، وجعل فيها العود القماري المغلف بالمسك وفرشاها والمسجد بأنواع البسط الملونة، وكانوا إذا أطلقوا البخور شم من مسافة بعيدة، وكان إذا رجع الرجل من بيت المقدس إلى بلاده توجد منه رائحة المسك والطيب والبخور أياما، ويعرف أنه قد أقبل من بيت المقدس، وأنه دخل الصخرة، وكان فيه من السدنة والقوم القائمين بأمره خلق كثير، ولم يكن يومئذ على وجه الارض بناء أحسن ولا أبهى من قبة صخرة بيت المقدس، بحيث إن الناس التهوا بها عن الكعبة والحج، وبحيث كانوا لا يلتفتون في موسم الحج وغيره إلى غير المسير إلى بيت المقدس، وافتتن الناس بذلك افتتانا عظيما، وأتوه من كل مكان، وقد عملوا فيه من الاشارات والعلامات المكذوبة شيئا كثيرا مما في الآخرة، فصوروا فيه صورة الصراط وباب الجنة، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووادي جهنم، وكذلك في أبوابه ومواضع منه، فاغتر الناس بذلك، وإلى زماننا، وبالجملة أن صخرة بيت المقدس لما فرغ من بنائها لم يكن لها نظير على وجه الارض بهجة ومنظرا، وقد كان فيها من الفصوص والجواهر والفسيفساء وغير ذلك شئ كثير، وأنواع باهرة. ولما فرغ رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام من عمارتها على أكمل الوجوه فضل من المال الذي أنفقاه على ذلك ستمائة ألف مثقال، وقيل ثلاثمائة ألف مثقال، فكتبا إلى عبد الملك يخبرانه بذلك، فكتب إليهما: قد وهبته منكما، فكتبا إليه: إنا لو استطعنا لزدنا في عمارة هذا المسجد من حلي نسائنا، فكتب إليهما إذ أبيتما أن تقبلاه فأفرغاه على القبة والابواب، فما كان أحد يستطيع أن يتأمل القبة مما عليها من الذهب القديم والحديث. فلما كان في خلافة أبي جعفر المنصور قدم بيت المقدس في سنة أربعين ومائة، فوجد المسجد خرابا، فأمر أن يقلع ذلك الذهب والصفائح التي على القبة والابواب، وأن يعمروا بها ما تشعث في المسجد، ففعلوا ذلك. وكان المسجد طويلا فأمر أن يؤخذ من طوله ويزاد في عرضه، ولما كمل البناء كتب على القبة مما يلي الباب القبلي: أمر ببنائه بعد تشعيثه أمير المؤمنين عبد الملك سنة اثنتين وستين من الهجرة النبوية، وكان طول المسجد من القبلة إلى الشمال سبعمائة وخمسة وستون ذراعا، وعرضه أربعمائة وستون ذراعا، وكان فتوح

[ 310 ]

القدس سنة ست عشرة (1) والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم دخلت سنة سبع وستين ففيها كان مقتل عبيد الله بن زياد على يدي إبراهيم بن الاشتر النخعي، وذلك أن إبراهيم بن الاشتر خرج من الكوفة يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة في السنة الماضية، ثم استهلت هذه السنة وهو سائر لقصد ابن زياد في أرض الموصل، فكان اجتماعهما بمكان يقال له الخازر، بينه وبين الموصل خمسة فراسخ، فبات ابن الاشتر تلك الليلة ساهرا لا يستطيع النوم، فلما كان قريب الصبح نهض فعبى جيشه وكتب كتائبه، وصلى بأصحابه الفجر في أول وقت، ثم ركب فناهض جيش ابن زياد، وزحف بجيشه رويدا وهو ماش في الرجالة حتى أشرف من فوق تل على جيش ابن زياد، فإذا هم لم يتحرك منهم أحد، فلما رأوهم نهضوا إلى خيلهم وسلاحهم مدهوشين، فركب ابن الاشتر فرسه وجعل يقف على رايات القبائل فيحرضهم على قتال ابن زياد ويقول: هذا قاتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جاءكم الله به وأمكنكم الله منه اليوم، فعليكم به فإنه قد فعل في ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يفعله فرعون في بني إسرائيل هذا ابن زياد قاتل الحسين الذي حال بينه وبين ماء الفرات أن يشرب منه هو وأولاده ونساؤه، ومنعه أن ينصرف إلى بلده أو يأتي يزيد بن معاوية حتى قتله، ويحكم ! ! اشفوا صدروكم منه، وارووا رماحكم وسيوفكم من دمه، هذا الذي فعل في آل نبيكم ما فعل، قد جاءكم الله به، ثم أكثر من هذا القول وأمثاله، ثم نزل تحت رايته، وأقبل ابن زياد في خيله ورجله في جيش كثيف (2) قد جعل على ميمنته حصين بن نمير وعلى الميسرة، عمير بن الحباب السلمي - وكان قد اجتمع بابن الاشتر ووعده أنه معه وأنه سينهزم بالناس غدا - وعلى خيل ابن زياد شرحبيل بن الكلاع (3)، وابن زياد في الرجالة يمشي معهم. فما كان إلا أن تواقفا الفريقان حتى حمل حصين بن نمير بالميمنة على ميسرة أهل العراق فهزمها، وقتل أميرها علي بن مالك الجشمي فأخذ رايته من بعده ولده محمد (4) بن علي فقتل أيضا، واستمرت الميسرة ذاهبة فجعل الاشتر يناديهم إلي يا شرطة الله، أنا ابن الاشتر، وقد كشف عن رأسه ليعرفوه، فالتاثوا به وانعطفوا عليه، واجتمعوا إليه، ثم حملت ميمنة أهل الكوفة


(1) في الاصل ستة عشر وهو خطأ. (2) في ابن الاعثم 6 / 173: " في ثلاثة وثمانين ألفا، وابراهيم يومئذ في أقل من عشرين ألفا. (3) كذا بالاصل والطبري 7 / 143 وابن الاثير 4 / 262، وفي ابن الاعثم 6 / 176: فعباهم عبيد الله بن زياد فجعل على ميمنته شرحبيل بن ذي الكلاع، وعلى ميسرته ربيعة بن مخارق الغنوي، وعلى جناح ميسرته عبد الله بن حملة الخثعمي، وفي القلب يومئذ الحصين بن نمير السكوني ". وقد تقدم أن ربيعة قتل في الموصل في لقائه مع يزيد بن أنس قائد جيوش المختار وذلك يوم عرفة سنة 66 ه‍. وفي مروج الذهب 3 / 116: أن عمير بن حباب السلمي كان على مينة ابن زياد. (4) في الطبري: قرة بن علي. (وانظر ابن الاثير 4 / 263). (*)

[ 311 ]

على ميسرة أهل الشام. وقيل بل انهزمت ميسرة أهل الشام وانحازت إلى ابن الاشتر، ثم حمل ابن الاشتر بمن معه وجعل يقول لصاحب رايته: ادخل برايتك فيهم، وقاتل ابن الاشتر يومئذ قتالا عظيما، وكان لا يضرب بسيفه رجلا إلا صرعه، وكثرت القتلى بينهم، وقيل إن ميسرة أهل الشام ثبتوا وقاتلوا قتالا شديدا بالرماح ثم بالسيوف، ثم أردف الحملة ابن الاشتر فانهزم جيش الشام بين يديه، فجعل يقتلهم كما يقتل الحملان، واتبعهم بنفسه ومن معه من الشجعان: وثبت عبيد الله بن زياد في موقفه حتى اجتاز به ابن الاشتر فقتله وهو لا يعرفه، لكن قال لاصحابه: التمسوا في القتلى رجلا ضربته بالسيف فنفحتني منه ريح المسك، شرقت يداه وغربت رجلاه، وهو واقف عند راية منفردة على شاطئ نهر خازر: فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد، وإذا هو قد ضربه ابن الاشتر فقطعه نصفين، فاحتزوا رأسه وبعثوه إلى المختار إلى الكوفة مع البشارة بالنصر والظفر بأهل الشام، وقتل من رؤس أهل الشام أيضا حصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع، واتبع الكوفيون أهل الشام فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وغرق منهم أكثر ممن قتل، واحتازوا ما في معسكرهم من الاموال والخيول. وقد كان المختار بشر أصحابه بالنصر قبل أن يجئ الخبر، فما ندري أكان ذلك تفاؤلا منه أو اتفاقا وقع له، أو كهانة. وأما على ما كان يزعم أصحابه أنه أوحى إليه بذلك فلا، فإن من اعتقد ذلك كفر ومن أقرهم على ذلك كفر، لكن: قال إن الوقعة كانت بنصيبين فأخطأ مكانها، فإنها إنما كانت بأرض الموصل، وهذا مما انتقده عامر الشعبي على أصحاب المختار حين جاءه الخبر، وقد خرج المختار من الكوفة ليتلقى البشارة، فأتى المدائن فصعد منبرها فبينما هو يخطب إذ جاءته البشارة وهو هنالك. قال الشعبي: فقال لي بعض أصحابه: أما سمعته بالامس يخبرنا بهذا ؟ فقلت له: زعم أن الوقعة كانت بنصيبين من أرض الجزيرة، وإنما قال البشير: إنهم كانوا بالخازر من أرض الموصل، فقال: والله لا تؤمن يا شعبي حتى ترى العذاب الاليم. ثم رجع المختار إلى الكوفة. وفي غيبته هذه تمكن جماعة ممن كان قاتله يوم جبانة السبيع والكناسة من الخروج إلى مصعب بن الزبير إلى البصرة، وكان منهم شبث بن ربعي، وأما ابن الاشتر فإنه بعث بالبشارة وبرأس ابن زياد وبعث رجلا على نيابة نصيبين واستمر مقيما في تلك البلاد، وبعث عمالا إلى الموصل وأخذ سنجار ودارا وما ولاها من الجزيرة. وقال أبو أحمد الحاكم: كان مقتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء سنة ست وستين، والصواب سنة سبع وستين. وقد قال سراقة بن مرداس البارقي يمدح ابن الاشتر على قتله ابن زياد: أتاكم غلام من عرانين مذحج * جرئ على الاعداء غير نكول

[ 312 ]

فيا بن زياد بؤ بأعظم هالك (1) * وذق حد ماضي الشفرتين صقيل ضربناك بالعضب الحسام بحده * إذا ما أتانا قتيلا (2) بقتيل جزى الله خيرا شرطة الله إنهم * شفوا من عبيد الله أمس غليلي وهذه ترجمة ابن زياد هو عبيد الله بن زياد بن عبيد، المعروف بابن زياد بن أبي سفيان، ويقال له زياد بن أبيه، وابن سمية، أمير العراق بعد أبيه زياد، وقال ابن معين: ويقال له عبيد الله بن مرجانة وهي أمه، وقال غيره: وكانت مجوسية، وكنيته أبو حفص، وقد سكن دمشق بعد يزيد بن معاوية، وكانت له دار عند الديماس تعرف بعده بدار ابن عجلان، وكان مولده في سنة تسع وثلاثين فيما حكاه ابن عساكر عن أبي العباس أحمد بن يونس الضبي، قال ابن عساكر: وروى الحديث عن معاوية وسعد بن أبي وقاص ومعقل بن يسار. وحدث عنه الحسن البصري وأبو المليح بن أسامة. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: ذكروا أن عبيد الله بن زياد حين قتل الحسين كان عمره ثمانيا وعشرين سنة، قلت: فعلى هذا يكون مولده سنة ثلاث وثلاثين فالله أعلم. وقد روى ابن عساكر أن معاوية كتب إلى زياد: أن أوفد إلي ابنك، فلما قدم عليه لم يسأله معاوية عن شئ إلا نفد منه، حتى سأله عن الشعر فلم يعرف منه شيئا، فقال له: ما منعك من تعلم الشعر ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني كرهت أن أجمع في صدري مع كلام الرحمن كلام الشيطان، فقال معاوية: اغرب فوالله ما منعني من الفرار يوم صفين إلا قول ابن الاطنابة حيث يقول: أبت لي عفتي وأبى بلائي * وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإعطائي على الاعدام مالي * وإقدامي على البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريح لادفع عن مآثر صالحات * وأحمي بعد عن إنف صحيح ثم كتب إلى أبيه: أن روه من الشعر، فرواه حتى كان لا يسقط عنه منه شئ بعد ذلك، ومن شعره بعد ذلك: سيعلم مروان بن نسوة أنني * إذا التقت الخيلان أطعنها شزرا وإني إذا حل الضيوف ولم أجد * سوى فرسي أو سعته لهم نحرا


(1) في الطبري وابن الاثير: مالك. (2) في الطبري: قاتلا، وليس البيت في ابن الاثير. (*)

[ 313 ]

وقد سأل معاوية يوما أهل البصرة عن ابن زياد فقالوا: إنه لظريف ولكنه يلحن، فقال: أو ليس اللحن أظرف له ؟ قال ابن قتيبة وغيره: إنما أرادوا أنه يلحن في كلامه، أي يلغز، وهو ألحن بحجته كما قال الشاعر في ذلك: منطق رائع ويلحن أحيانا * وخير الحديث ما كان لحنا وقيل إنهم أرادوا أنه يلحن في قوله لحنا وهو ضد الاعراب، وقيل أرادوا اللحن الذي هو ضد الصواب وهو الاشبه والله أعلم. فاستحسن معاوية منه السهولة في الكلام وأنه لم يكن ممن يتعمق في كلامه ويفخمه، ويتشدق فيه، وقيل أرادوا أنه كانت فيه لكنة من كلام العجم، فإن أمه مرجانة كانت سيروية وكانت بنت بعض ملوك الاعاجم يزدجرد أو غيره، قالوا: وكان في كلامه شئ من كلام العجم، قال يوما لبعض الخوارج: أهروري أنت ؟ يعني أحروري أنت ؟ وقال يوما من كاتلنا كاتلناه، أي من قاتلنا قاتلناه، وقول معاوية ذاك أظرف له، أي أجود له حيث نزع إلى أخواله، وقد كانوا يوصفون بحسن السياسة وجودة الرعاية ومحاسن الشيم. ثم لما مات زياد سنة ثلاث وخمسين ولى معاوية على البصرة سمرة بن جندب سنة ونصفا ثم عزله وولى عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان بن سلمة ستة أشهر، ثم عزله وولى عليها ابن زياد سنة خمس وخمسين. فلما تولى يزيد الخلافة جمع له بين البصرة والكوفة، فبنى في إمارة يزيد البيضاء، وجعل باب القصر الابيض الذي كان لكسرى عليها. وبنى الحمراء وهي على سكة المربد، فكان يشتي في الحمراء ويصيف في البيضاء، قالوا: وجاء رجل إلى ابن زياد فقال: أصلح الله الامير، إن امرأتي ماتت، وإني أريد أن أتزوج أمها، فقال له: كم عطاؤك في الديوان ؟ فقال: سبعمائة، فقال: يا غلام حط من عطائه أربعمائة، ثم قال له: يكفيك من فقهك هذا ثلاثمائة، قالوا: وتخاصمت أم الفجيج وزوجها إليه وقد أحبت المرأة أن تفارق زوجها، فقال أبو الفجيج: أصلح الله الامير إن خير شطري الرجل آخره، وإن شر شطري المرأة آخرها، فقال: وكيف ذلك ؟ فقال: إن الرجل إذا أسن اشتد عقله واستحكم رأيه وذهب جهله، وإن المرأة إذا أسنت ساء خلقها وقل عقلها وعقم رحمها واحتد لسانها، فقال: صدقت خذ بيدها وانصرف، وقال يحيى بن معين: أمر ابن زياد لصفوان بن محرز بألفي درهم فسرقت، فقال: عسى أن يكون خيرا فقال أهله: كيف يكون هذا خيرا ؟ فبلغ ذلك ابن زياد فأمر له بألفين آخرين، ثم وجد الالفين فصارت أربعة آلاف فكان خيرا. وقيل لهند بنت أسماء بن خارجة - وكانت قد تزوجت بعده أزواجا من نواب العراق - من أعز أزواجك عندك وأكرمهم عليك ؟ فقالت: ما أكرم النساء أحد إكرام بشير بن مروان، ولا هاب النساء هيبة الحجاج بن يوسف، ووددت أن القيامة قد قامت فأرى عبيد الله بن زياد وأشتفي من حديثه والنظر إليه - وكان أتى عذارتها - وقد تزوجت بالآخرين أيضا.

[ 314 ]

وقال عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: أول من جهر بالمعوذتين في الصلاة المكتوبة ابن زياد، قلت: يعني والله أعلم في الكوفة، فإن ابن مسعود كان لا يكتبهما في مصحفه وكان فقهاء الكوفة عن كبراء أصحاب ابن مسعود يأخذون والله أعلم. وقد كانت قي ابن زياد جرأة وإقدام ومبادرة إلى مالا يجوز، ومالا حاجة له به، لما ثبت في الحديث الذي رواه أبو يعلى ومسلم، كلاهما عن شيبان بن فروخ عن جرير عن الحسن أن عائذ بن عمرو دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم ". فقال له اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: وهل كان فيهم نخالة ؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم. وقد روى غير واحد عن الحسن أن عبيد الله بن زياد دخل على معقل بن يسار يعوده فقال له: إني محدثك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من رجل استرعاه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة ". وقد ذكر غير واحد أنه لما مات معقل صلى عليه عبيد الله بن زياد ولم يشهد دفنه، واعتذر بما ليس يجدي شيئا وركب إلى قصره، ومن جراءته إقدامه على الامر بإحضار الحسين إلى بين يديه وإن قتل دون ذلك، وكان الواجب عليه أن يجيبه إلى سؤاله الذي سأله فيما طلب من ذهابه إلى يزيد أو إلى مكة أو إلى أحد الثغور، فلما أشار عليه شمر بن ذي الجوشن بأن الحزم أن يحضر عندك وأنت تسيره بعد ذلك إلى حيث شئت من هذه الخصال أو غيرها، فوافق شمرا على ما أشار به من إحضاره بين يديه فأبى الحسين أن يحضر عنده ليقضي فيه بما يراه ابن مرجانة. وقد تعس وخاب وخسر، فليس لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر بين يدي ابن مرجانة الخبيث، وقد قال محمد بن سعد: أنبأنا الفضل بن دكين ومالك بن إسماعيل قالا: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك بن كردوس، عن حاجب عبيد الله بن زياد قال: دخلت معه القصر حين قتل الحسين قال فاضطرم في وجهه نارا أو كلمة نحوها، فقال بكمه هكذا على وجهه وقال: لا تحدثن بها أحدا، وقال شريك عن مغيرة قال: قالت مرجانة لابنها عبيد الله: يا خبيث قتلت ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لا ترى الجنة أبدا. وقد قدمنا أن يزيد بن معاوية لما مات بايع الناس في المصرين لعبيد الله حتى يجتمع الناس على إمام، ثم خرجوا عليه فأخرجوه من بين أظهرهم، فسار إلى الشام فاجتمع بمروان، وحسن له أن يتولى الخلافة ويدعو إلى نفسه ففعل ذلك، وخالف الضحاك بن قيس، ثم انطلق عبيد الله إلى الضحاك بن قيس فما زال به حتى أخرجه من دمشق إلى مرج راهط، ثم حسن له أن دعا إلى بيعة نفسه وخلع ابن الزبير ففعل، فانحل نظامه ووقع ما وقع بمرج راهط، من قتل الضحاك وخلق معه هنالك، فلما تولى مروان أرسل ابن زياد إلى العراق في جيش فالتقى هو وجيش التوابين مع سليمان بن صرد فكسرهم، واستمر قاصدا الكوفة في ذلك الجيش، فتعوق في الطريق بسبب من كان يمانعه من أهل الجزيرة من الاعداء الذي هم من جهة ابن الزبير.

[ 315 ]

ثم اتفق خروج ابن الاشتر إليه في سبعة آلاف، وكان مع ابن زياد أضعاف ذلك، ولكن ظفر به ابن الاشتر فقتله شر قتلة على شاطئ نهر الخازر قريبا من الموصل بخمس مراحل. قال أبو أحمد الحاكم: وكان ذلك يوم عاشوراء قلت: وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين، ثم بعث ابن الاشتر برأسه إلى المختار ومعه رأس حصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع وجماعة من رؤساء أصحابهم، فسر بذلك المختار، فقال يعقوب بن سفيان: حدثني يوسف بن موسى بن جرير، عن يزيد بن أبي زياد قال: لما جئ برأس ابن مرجانة وأصحابه طرحت بين يدي المختار فجاءت حية رقيقة ثم تخللت الرؤوس حتى دخلت في فم ابن مرجانة وخرجت من منخره، ودخلت في منخره وخرجت من فمه، وجعلت تدخل وتخرج من رأسه من بين الرؤوس. ورواه الترمذي من وجه آخر بلفظ آخر فقال: حدثنا واصل بن عبد الاعلى بن أبي معاوية، عن الاعمش، عن عمارة بن عمير. قال: لما جئ برأس عبيد الله وأصحابه فنصبت في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليها وهم يقولون: قد جاءت قد جاءت، فإذا حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد، فمكثت هنيهة ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت ثم قالوا: قد جاءت قد جاءت ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا. قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. وقال أبو سليمان بن زيد: وفي سنة ست وستين قالوا فيها قتل ابن زياد والحصين بن نمير، ولي قتلهما إبراهيم بن الاشتر وبعث برأسيهما إلى المختار فبعث بهما إلى ابن الزبير، فنصبت بمكة والمدينة. وهكذا حكى ابن عساكر عن أبي أحمد الحاكم وغيره أن ذلك كان في سنة ست وستين، زاد أبو أحمد في يوم عاشوراء، وسكت ابن عساكر عن ذلك، والمشهور أن ذلك كان في سنة سبع وستين كما ذكره ابن جرير وغيره، ولكن بعث الرؤوس إلى ابن الزبير (1) في هذه السنة متعذر لان العداوة كانت قد قويت وتحققت بين المختار وابن الزبير في هذه السنة، وعما قليل أمر ابن الزبير أخاه مصعبا أن يسير من البصرة إلى الكوفة لحصار المختار وقتاله والله أعلم. مقتل المختار بن أبي عبيد على يدي مصعب بن الزبير كان عبد الله بن الزبير قد عزل في هذه السنة عن نيابة البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي المعروف بالقباع، وولاها لاخيه مصعب بن الزبير، ليكون ردا وقرنا وكفء للمختار، فلما قدم مصعب البصرة دخلها متلثما فيمم المنبر، فلما صعده قال الناس: أمير أمير، فلما كشف اللثام عرفه الناس فأقبلوا إليه، وجاء القباع فجلس تحته بدرجة، فلما اجتمع الناس قام مصعب خطيبا فاستفتح القصص حتى بلغ: * (إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا) *


(1) تقدم أنه بعث الرؤوس إلى محمد بن الحنفية. (*)

[ 316 ]

[ القصص: 4 ] وأشار بيده نحو الشام أو الكوفة، ثم قال: * (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الارض) * [ القصص: 5 ] وأشار إلى الحجاز. وقال: يا أهل البصرة إنكم تلقبون أمراءكم، وقد سميت نفسي الجزار، فاجتمع عليه الناس وفرحوا له، ولما انهزم أهل الكوفة حين خرجوا على المختار فقهرهم وقتل منهم من قتل، كان لا ينهزم أحد من أهلها إلا قصد البصرة، ثم خرج المختار ليلتقي بالذي جاء بالرؤوس والبشارة، اغتنم من بقي بالكوفة من أعداء المختار غيبته فذهبوا إلى البصرة فرارا من المختار لقلة دينه وكفره، ودعواه أنه يأتيه الوحي وأنه قدم الموالي على الاشراف واتفق أن ابن الاشتر حين قتل ابن زياد واستقل بتلك النواحي، فأحرز بلادا وأقاليم ورساتيق لنفسه، واستهان بالمختار، فطمع مصعب فيه وبعث محمد بن الاشعث بن قيس على البريد (1) إلى المهلب بن أبي صفرة، وهو نائبهم على خراسان، فقدم في تجمل عظيم ومال ورجال وعدد وعدد، وجيش كثيف (2)، ففرح به أهل البصرة وتقوى به مصعب، فركب في أهل البصرة ومن اتبعهم من أهل الكوفة فركبوا في البحر والبر قاصدين الكوفة. وقدم مصعب بين يديه عباد بن الحصين، وجعل على ميمنته عمر بن عبد الله بن معمر، وعلى الميسرة المهلب بن أبي صفرة، ورتب الامراء على راياتها وقبائلها، كمالك بن مسمع، والاحنف بن قيس، وزياد بن عمر (3)، وقيس بن الهيثم وغيرهم، وخرج المختار بعسكره فنزل المذار وقد جعل على مقدمته أبا كامل الشاكري (4)، وعلى ميمنته عبد الله بن كامل، وعلى ميسرته عبد الله بن وهب (5) الجشمي، وعلى الخيل وزير بن عبد الله السلولي، وعلى الموالي أبا عمرة صاحب شرطته. ثم خطب الناس وحثهم على الخروج، وبعث بين يديه الجيوش، وركب هو وخلق من أصحابه وهو يبشرهم بالنصر، فلما انتهى مصعب إلى قريب الكوفة لقيتهم الكتائب المختارية فحملت عليهم الفرسان الزبيرية، فما لبثت المختارية إلا يسيرا حتى هربوا على حمية، وقد قتل


(1) انظر كتاب مصعب إلى المهلب في الطبري 7 / 147 وابن الاعثم 6 / 185. (2) في الطبري: قدم بجموع كثيرة، وفي ابن الاعثم: سار في ألف رجل من فرسان عسكره حتى قدم البصرة وفي الاخبال الطوال ص 305: وسار المهلب بمن معه حتى وافى البصرة. (3) في الطبري وابن الاثير: زياد بن عمرو. (4) في الطبري وابن الاثير وابن الاعثم: ندب المختار أصحابه للخروج مع أحمر بن شميط [ وفي معجم البلدان: سميط البجلي وفي الاخبار الطوال ص 305: أحمر بن سليط ] فخرج وعسكر بحمام أعين وبعث معه المختار رؤوس الارباع وعلى مقدمته ابن كامل الشاكري فوصلوا إلى المذار (والمذار في ميسان بين واسط والبصرة - معجم البلدان). (5) في ابن الاثير: وهيب، وفي الطبري: عبد الله بن وهب بن نضلة الجشمي وعلى خيله رزين بن عبد السلولي. (*)

[ 317 ]

منهم جماعة من الامراء، وخلق من القراء وطائفة كثيرة من الشيعة الاغبياء، ثم انتهت الهزيمة إلى المختار. وقال الواقدي: لما انتهت مقدمة المختار إليه جاء مصعب فقطع الدجلة إلى الكوفة وقد حصن المختار القصر واستعمل عليه عبد الله بن شداد وخرج المختار بمن بقي معه فنزل حروراء فلما قرب جيش مصعب منه جهز إلى كل قبيلة كردوسا، فبعث إلى بكر بن وائل سعيد بن منقذ، وإلى عبد القيس مالك بن منذر (1)، وإلى العالية عبد الله بن جعدة، وإلى الازد مسافر بن سعيد، وإلى بني تميم سليم بن يزيد الكندي، وإلى محمد بن الاشعث السائب بن مالك، ووقف المختار في بقية أصحابه فاقتتلوا قتالا شديدا إلى الليل فقتل أعيان أصحاب المختار وقتل تلك الليلة محمد بن الاشعث وعمير (2) بن علي بن أبي طالب، وتفرق عن المختار باقي أصحابه، فقيل له القصر القصر، فقال: والله ما خرجت منه وأنا أريد أن أعود إليه، ولكن هذا حكم الله، ثم ساروا إلى القصر فدخل وجاءه مصعب ففرق القبائل في نواحي الكوفة، واقتسموا المحال، وخلصوا إلى القصر، وقد منعوا المختار المادة والماء، وكان المختار يخرج فيقاتلهم ثم يعود إلى القصر، ولما اشتد عليه الحصار قال لاصحابه: إن الحصار لا يزيدنا إلا ضعفا، فانزلوا بنا حتى نقاتل حتى الليل حتى نموت كراما، فوهنوا فقال أما فوالله لا أعطي بيدي. ثم اغتسل وتطيب وتحنط وخرج فقاتل هو ومن معه حتى قتلوا. وقيل بل أشار عليه جماعة من أساورته بأن يدخل القصر دار إمارته، فدخله وهو ملوم مذموم، وعن قريب ينفذ فيه القدر المحتوم، فحاصره مصعب فيه وجميع أصحابه حتى أصابهم من جهد العطش ما الله به عليم، وضيق عليهم المسالك والمقاصد، وانسدت عليهم أبواب الحيل، وليس فيهم رجل رشيد ولا حليم، ثم جعل المختار يجيل فكرته ويكرر رويته في الامر الذي قد حل به، واستشار من عنده في هذا السبب السئ الذي قد اتصل سببه بسببه من الموالي والعبيد، ولسان القدر والشرع يناديه: * (قد جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) * [ سبأ: 49 ] ثم قوى عزمه قوة الشجاعة المركبة فيه، على أن أخرجته من بين من كان يحالفه ويواليه، ورأى أن يموت على فرسه، حتى يكون عليها انقضاء آخر نفسه، فنزل حمية وغضبا، وشجاعة وكلبا، وهو مع ذلك لا يجد مناصا ولا مفرا ولا مهربا، وليس معه من أصحابه سوى تسعة عشر، ولعله إن كان قد استمر على ما عاش عليه أن لا يفارقه التسعة عشر الموكلون بسقر، ولما خرج من القصر سأل أن


(1) في الطبري 7 / 250: بعث إلى عبد القيس وكان عليهم مالك بن المنذر عبد الرحمن بن شريح الشبامي. وفي ابن الاثير: بعث سعيد بن منقذ على بكر وعبد القيس. (2) في الطبري وابن الاثير ومروج الذهب 3 / 118 عبيد الله بن علي بن أبي طالب، وفي ابن الاعثم: عبيد الله بن أبي طالب، وفي الاخبار الطوال 360: عمر بن علي بن أبي طالب. (*)

[ 318 ]

يخلي سبيله فيذهب في أرض الله فقالوا له: إلا على حكم الامير. والمقصود أنه لما خرج من القصر تقدم إليه رجلان شقيقان أخوان، وهما طرفة وطراف ابنا عبد الله بن دجاجة من بني حنيفة (1)، فقتلاه بمكان الزياتين من الكوفة، واحتزا رأسه وأتيا به إلى مصعب بن الزبير، وقد دخل قصر الامارة، فوضع بين يديه، كما وضع رأس ابن زياد بين يدي المختار، وكما وضع رأس الحسين بين يدي ابن زياد، وكما سيوضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان، فلما وضع رأس المختار بين يدي مصعب أمر لهما بثلاثين ألفا. وقد قتل مصعب جماعة من المختارية، وأسر منهم خمسمائة أسير (2)، فضرب أعناقهم عن آخرهم في يوم واحد، وقد قتل من أصحاب مصعب في الوقعة محمد بن الاشعث بن قيس (3)، وأمر مصعب بكف المختار فقطعت وسمرت إلى جانب المسجد، فلم يزل هنالك حتى قدم الحجاج، فسأل عنها فقيل له هي كف المختار، فأمر بها فرفعت وانتزعت من هنالك، لان المختار كان من قبيلة الحجاج. والمختار هو الكذاب، والمبير الحجاج، ولهذا أخذ الحجاج بثأره من ابن الزبير فقتله وصلبه شهورا، وقد سأل مصعب أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار عنه فقالت: ما عسى أن أقول فيه إلا ما تقولون أنتم فيه، فتركها واستدعى بزوجته الاخرى وهي عمرة بنت النعمان بن بشير فقال لها: ما تقولين فيه ؟ فقالت: رحمه الله لقد كان عبدا من عباد الله الصالحين، فسجنها وكتب إلى أخيه إنها تقول إنه نبي فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها، فأخرجها إلى ظاهر البلد فضربت ضربات حتى ماتت، فقال في ذلك عمر بن أبي رمثة المخزومي (4). إن من أعجب العجائب (5) عندي * قتل بيضاء حرة عطبول قتلت هكذا على (6) غير جرم * إن لله درها من قتيل كتب القتل والقتال علينا * وعلى الغانيات (7) جر الذيول


(1) في مروج الذهب: 3 / 118 قتله رجل من بني حنيفة يقال له عبد الرحمن بن أسد واحتز رأسه. وفي الاخبار الطوال ص 308: قتله اخوان من بني حنيفة من أصحاب المهلب. (2) في الامامة والسياسة 2 / 25: قتل ثمانية آلاف صبرا. وفي الاخبار الطوال ص 309: كانوا ستة آلاف. (3) في مروج الذهب 3 / 118 زاد: وابنان له. (4) في الطبري 7 / 158: عمر بن أبي ربيعة القرشي، وفي ابن الاثير 4 / 275: عمر بن أبي ربيعة المخزومي وفي مروج الذهب 3 / 119: ففي ذلك يقول الشاعر، وفي ابن الاعثم 6 / 200: فقال بعضهم في ذلك. (5) في مروج الذهب: الاعاجيب، والعطبول: المرأة الفتية الجميلة الطويلة العنق. (6) في مروج الذهب: قتلوها ظلما على غير جرم. (7) في الطبري وابن الاعثم وابن الاثير: المحصنات. (*)

[ 319 ]

وقال أبو مخنف: حدثني محمد بن يوسف أن مصعبا لقي عبد الله بن عمر بن الخطاب فسلم عليه فقال ابن عمر: من أنت ؟ فقال: أنا ابن أخيك مصعب بن الزبير، فقال له ابن عمر: نعم، أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة ؟ عش ما استطعت، فقال له مصعب: إنهم كانوا كفرة سحرة، فقال ابن عمر: والله لو قتلت عدلهم غنما من تراث أبيك لكان ذلك سرفا. وهذه ترجمة المختار بن أبي عبيد الثقفي هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عفرة بن عميرة بن عوف بن ثقيف الثقفي، أسلم أبوه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يره، فلهذا لم يذكره أكثر الناس في الصحابة، وإنما ذكره ابن الاثير في الغابة، وقد كان عمر بعثه في جيش كثيف في قتال الفرس سنة ثلاث عشرة، فقتل يومئذ شهيدا وقتل معه نحو من أربعة آلاف من المسلمين، كما قدمنا، وعرف ذلك الجسر به، وهو جسر على دجلة فيقال له إلى اليوم جسر أبي عبيد، وكان له من الولد صفية بنت أبي عبيد، وكانت من الصالحات العابدات. وهي زوجة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان عبد الله لها مكرما ومحبا، وماتت في حياته، وأما أخوها المختار هذا فإنه كان أولا ناصبيا يبغض عليا بغضا شديدا، وكان عند عمه في المدائن، وكان عمه نائبها، فلما دخلها الحسن بن علي خذله أهل العراق وهو سائر إلى الشام لقتال معاوية بعد مقتل أبيه، فلما أحس الحسن منهم بالغدر فر منهم إلى المدائن في جيش قليل، فقال المختار لعمه: لو أخذت الحسن فبعثته إلى معاوية لاتخذت عنده اليد البيضاء أبدا، فقال له عمه: بئس ما تأمرني به يا بن أخي، فما زالت الشيعة تبغضه حتى كان من أمر مسلم بن عقيل بن أبي طالب ما كان، وكان المختار من الامراء بالكوفة، فجعل يقول: أما لانصرنه، فبلغ ابن زياد ذلك فحبسه بعد ضربه مائة جلدة، فأرسل ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يتشفع فيه، فأرسل يزيد إلى ابن زياد فأطلقه وسيره إلى الحجاز في عباءة، فصار إلى ابن الزبير بمكة فقاتل معه حين حصره أهل الشام قتالا شديدا، ثم بلغ المختار ما قال أهل العراق فيه من التخبيط، فسار إليهم وترك ابن الزبير، ويقال إنه سأل ابن الزبير أن يكتب له كتابا إلى ابن مطيع نائب الكوفة ففعل، فسار إليها، وكان يظهر مدح ابن الزبير في العلانية ويسبه في السر، ويمدح محمد بن الحنفية ويدعو إليه، وما زال حتى استحوذ على الكوفة بطريق التشيع وإظهار الاخذ بثأر الحسين، وبسبب ذلك التفت عليه جماعات كثيرة من الشيعة وأخرج عامل ابن الزبير منها، واستقر ملك المختار بها، ثم كتب إلى ابن الزبير يعتذر إليه ويخبره أن ابن مطيع كان مداهنا لبني أمية، وقد خرج من الكوفة، وأنا ومن بها في طاعتك، فصدقه ابن الزبير لانه كان يدعو إليه على المنبر يوم الجمعة على رؤوس الناس، ويظهر طاعته، ثم شرع في تتبع قتلة الحسين ومن شهد الوقعة بكربلاء من ناحية ابن زياد، فقتل منهم خلقا كثيرا، وظفر برؤوس كبار منهم

[ 320 ]

كعمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش الذي قتلوا الحسين وشمر بن ذي الجوشن أمير الالف الذين ولوا قتل الحسين، وسنان بن أبي أنس، وخولى بن يزيد الاصبحي، وخلق غير هؤلاء، وما زال حتى بعث سيف نقمته إبراهيم بن الاشتر في عشرين ألفا إلى ابن زياد، وكان ابن زياد حين التقاه في جيش أعظم من جيشه - في أضعاف مضاعفة - كانوا ثمانين ألفا، وقيل ستين ألفا، فقتل ابن الاشتر ابن زياد وكسر جيشه، واحتاز ما في معسكره، ثم بعث برأس ابن زياد ورؤوس أصحابه مع البشارة إلى المختار، ففرح بذلك فرحا شديدا، ثم إن المختار بعث برأس ابن زياد ورأس حصين بن نمير ومن معهما إلى ابن الزبير بمكة فأمر ابن الزبير بها فنصبت على عقبة الحجون. وقد كانوا نصبوها بالمدينة، وطابت نفس المختار بالملك، وظن أنه لم يبق له عدو ولا منازع، فلما تبين ابن الزبير خداعه ومكره وسوء مذهبه، بعث أخاه مصعبا أميرا على العراق، فسارو إلى البصرة فجمع العساكر فما تم سرور المختار حتى سار إليه مصعب بن الزبير من البصرة في جيش هائل فقتله واحتز رأسه وأمر بصلب كفه على باب المسجد، وبعث مصعب برأس المختار مع رجل من الشرط على البريد (1)، إلى أخيه عبد الله بن الزبير، فوصل مكة بعد العشاء فوجد عبد الله يتنفل، فما زال يصلي حتى أسحر ولم يلتفت إلى البريد الذي جاء بالرأس، فلما كان قريب الفجر قال: ما جاء بك ؟ فألقى إليه الكتاب فقرأه، فقال: يا أمير المؤمنين معي الرأس، فقال: ألقه على باب المسجد، فألقاه ثم جاء فقال: جائزتي يا أمير المؤمنين، فقال: جائزتك الرأس الذي جئت به تأخذه معك إلى العراق. ثم زالت دولة المختار كأن لم تكن، وكذلك سائر الدول، وفرح المسلمون بزوالها، وذلك لان الرجل لم يكن في نفسه صادقا، بل كان كاذبا يزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل. قال الامام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا عيسى القارئ، أبو عمير بن السدي، عن رفاعة القبابي قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة وقال: لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لالقيتها لك، قال: فأردت أن أضرب عنقه قال فذكرت حديثا حدثنيه أخي عمرو بن الحمق، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيما مؤمن أمن مؤمنا على دمه فقتله فأنا من القاتل برئ " (2). وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن حماد بن سلمة، حدثني عبد الملك بن عمير، عن رفاعة بن شداد. قال: كنت أقوم على رأس المختار فلما عرفت كذبه هممت أن أسل سيفي فأضرب عنقه، فذكرت حديثا حدثناه عمرو بن الحمق. قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أمن رجلا على نفسه فقتله أعطي لواء غدر يوم القيامة " (3) ورواه النسائي وابن ماجه من غير وجه


(1) في الاخبار الطوال ص 308: مع عبد الله بن عبد الرحمن. (2) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 5 / 437. (3) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 5 / 223، 224، 437. وابن ماجه في الديات (33) باب. ح‍ (2688). (*)

[ 321 ]

عن عبد الملك بن عمير وفي لفظ لهما: " من أمن رجلا على دم فقتله فأنا برئ من القاتل، وإن كان المقتول كافرا ". وفي سند هذا الحديث اختلاف. وقد قيل لابن عمر: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه، فقال صدق، قال تعالى: * (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) * [ الانعام: 121 ] وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني عنده، وكان يتعاهد مبيتي بالليل قال فقال لي: اخرج فحدث الناس، قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي ؟ فقلت الوحي وحيان قال الله تعالى: * (إنا أوحينا إليك هذا القرآن) * [ يوسف: 3 ] وقال تعالى: * (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) * [ الانعام: 112 ] قال فهموا أن يأخذوني فقلت: مالكم وذاك ! إني مفتيكم وضيفكم. فتركوني، وإنما أراد عكرمة أن يعرض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحي ينزل عليه. وروى الطبراني من طريق أنيسة بنت زيد بن الارقم: أن أباها دخل على المختار بن أبي عبيد فقال له: يا أبا عامر لو شفت رأي جبريل وميكائيل، فقال له زيد خسرت وتعست، أنت أهون على الله من ذلك، كذاب مفتر على الله ورسوله، وقال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف ثنا ابن (1) عوف الصديق الناجي: أن الحجاج بن يوسف دخل على أسماء بنت أبي بكر الصديق، بعد ما قتل ابنها عبد الله بن الزبير فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن الله أذاقه من عذاب أليم، وفعل به وفعل، فقالت له كذبت، كان بارا بالوالدين، صواما قواما، والله لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الاول، وهو مبير " (1). هكذا رواه أحمد بهذا السند واللفظ. وقد أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل عن عقبة بن مكرم العمي البصري، عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي، عن الاسود بن شيبان، عن أبي نوفل عن أبي عقرب واسمه معاوية بن سلم، عن أسماء بنت أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن في ثقيف كذابا ومبيرا " (2). وفي الحديث قصة طويلة في مقتل الحجاج ولدها عبد الله في سنة ثلاث وسبعين كما سيأتي، وقد ذكر البيهقي هذا الحديث في دلائل النبوة، وقد ذكر العلماء أن الكذاب هو المختار بن أبي عبيد، وكان يظهر التشيع ويبطن الكهانة، وأسر إلى أخصائه أنه يوحى إليه، وكان ما أدري هلى كان يدعي النبوة أم لا ؟ وكان قد وضع له كرسي يعظم ويحف به الرجال، ويستر بالحرير، ويحمل على البغال، وكان يضاهي به تابوت بني إسرائيل المذكور في القرآن، ولا شك


= وفي الزوائد: إسناد صحيح ورجاله ثقات، لان رفاعة بن شداد، أخرجه النسائي في سننه ووثقه. وذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجال الاسناد على شرط مسلم. (1) في مسند أحمد 6 / 351: ثنا عوف عن أبي الصديق الناجي. (2) صحيح مسلم - فضائل الصحابة (58) باب. ح‍ (229) ص (1971). (*)

[ 322 ]

أنه كان ضالا مضلا أراح الله المسلمين منه بعد ما انتقم به من قوم آخرين من الظالمين، كما قال تعالى: * (وكذلك نولي بعض الظالمين ببعضا بما كانوا يكسبون) * [ الانعام: 129 ] وأما المبير فهو القتال وهو الحجاج بن يوسف الثقفي نائب العراق لعبد الملك بن مروان، الذي انتزع العراق من يد مصعب بن الزبير، كما سيأتي بيانه قريبا. وذكر الواقدي أن المختار لم يزل مظهرا موافقة ابن الزبير حتى قدم مصعب إلى البصرة في أول سنة سبع وستين وأظهر مخالفته فسار إليه مصعب فقاتله وكان المختار في نحو من عشرين ألفا، وقد حمل عليه المختار مرة فهزمه، ولكن لم يثبت جيش المختار حتى جعلوا ينصرفون إلى مصعب ويدعون المختار، وينقمون عليه ما هو فيه من الكهانة والكذب، فلما رأى المختار ذلك انصرف إلى قصر الامارة فحاصره مصعب فيه أربعة أشهر، ثم قتله في رابع عشر رمضان سنة سبع وستين، وله من العمر سبع وستون سنة فيما قيل. فصل ولما استقر مصعب بن الزبير بالكوفة بعث إلى إبراهيم بن الاشتر ليقدم عليه، وبعث إليه عبد الملك بن مروان ليقدم عليه (1)، فحار ابن الاشتر في أمره، وشاور أصحابه إلى أيهما يذهب، ثم اتفق رأيهم على الذهاب إلى بلدهم الكوفة، فقدم ابن الاشتر على مصعب بن الزبير فأكرمه وعظمه واحترمه كثيرا، وبعث مصعب المهلب بن أبي صفرة على الموصل والجزيرة وأذربيجان وأرمينية، وكان قد استخلف على البصرة حين خرج منها عبيد الله بن عبد الله بن معمر، وأقام هو بالكوفة، ثم لم تنسلخ هذه السنة حتى عزله أخوه عبد الله بن الزبير عن البصرة وولى عليها ابنه حمزة بن عبد الله بن الزبير، وكان شجاعا جوادا مخلطا يعطي أحيانا حتى لا يدع شيئا، ويمنع أحيانا ما لم يمنع مثله، وظهرت خفة وطيش في عقله، وسرعة في أمره، فبعث الاحنف إلى عبد الله بن الزبير فعزله وأعاد إلى ولايتها أخاه مصعبا مضافا إلى ما بيده من ولاية الكوفة، قالوا: وخرج حمزة بن عبد الله بن الزبير من البصرة بمال كثير من بيت مالها، فعرض له مالك بن مسمع، فقال: لا ندعك تذهب بأعطياتنا، فضمن له عبيد الله بن معمر العطاء فكف عنه، فلما انصرف حمزة لم يقدم على أبيه مكة، بل عدل إلى المدينة، فأودع ذلك المار رجالا فكلهم غل ما أودعه وجحده، سوى رجل من أهل الكتاب، فأدى إليه أمانته. فلما بلغ أباه ما صنع قال: أبعده الله، أردت أن أباهي به بني مروان فنكص. وذكر أبو مخنف أن حمزة بن عبد الله بن الزبير ولي البصرة سنة كاملة فالله أعلم. قال ابن جرير: وحج بالناس فيها عبد الله بن الزبير، وكان عامله على الكوفة أخاه


(1) نسخة الكتابين لابن الاشتر في الطبري 7 / 158 وابن الاعثم 6 / 200 - 201. (*)

[ 323 ]

مصعبا، وعلى البصرة ابنه حمزة، وقيل بل كان رجع إليها أخوه، وعلى خراسان وتلك البلاد عبد الله بن خازم السلمي من جهة ابن الزبير والله سبحانه أعلم. وممن توفي فيها من الاعيان الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وأبو الجهم، وهو صاحب الانبجانية (1) المذكورة في الحديث الصحيح. وفيها قتل خلق كثير يطول ذكرهم. ثم دخلت سنة ثمان وستين ففيها رد عبد الله أخاه مصعبا إلى إمرة البصرة، فأتاها فقام بها، واستخلف على الكوفة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، قباع، واستعمل على المدينة جابر بن الاسود الزهري، وعزل عنها عبد الرحمن بن الاشعث لكونه ضرب سعيد بن المسيب ستين سوطا، فإنه أراد منه أن يبايع لابن الزبير فامتنع من ذلك فضربه، فعزله ابن الزبير. وفيها هلك ملك الروم قسطنطين بن قسطنطين ببلده، وفيها كانت وقعة الازارقة. وذلك أن مصعبا كان قد عزل عن ناحية فارس المهلب بن أبي صفرة، وكان قاهرا لهم وولاه الجزيرة، وكانا المهلب قاهرا للازارقة، وولى على فارس عمر بن عبيد الله بن معمر، فثاروا عليه فقاتلهم عمر بن عبيد الله فقهرهم وكسرهم، وكانوا مع أميرهم الزبير بن ماحوز (2)، ففروا بين يديه إلى اصطخر فاتبعهم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وقتلوا ابنه (3)، ثم ظفر بهم مرة أخرى ثم هربوا إلى بلاد أصبهان ونواحيها، فتقووا هنالك وكثر عددهم وعدتهم، ثم أقبلوا يريدون البصرة، فمروا ببعض بلاد فارس وتركوا عمر بن عبيد الله بن معمر وراء ظهورهم، فلما سمع مصعب بقدومهم ركب في الناس وجعل يلوم عمر بن عبيد الله بتركه هؤلاء يجتازون ببلاده، وقد ركب عمر بن عبيد الله في آثارهم، فبلغ الخوارج أن مصعبا أمامهم وعمر بن عبيد الله وراءهم، فعدلوا إلى المدائن فجعلوا يقتلون النساء والولدان، ويبقرون بطون الحبالى، ويفعلون أفعالا لم يفعلها غيرهم، فقصدهم نائب الكوفة الحارث بن أبي ربيعة ومعه أهلها وجماعات من أشرافها، منهم ابن الاشتر وشبث بن ربعي، فلما وصلوا إلى جسر الصراة قطعه الخوارج بينه وبينهم، فأمر الامير باعادته، ففرت الخوارج هاربين بين يديه، فاتبعهم عبد الرحمن بن مخنف في ستة آلاف


(1) الانبجانية: كساء من صوف لا علم لها. وهي من أدون الثياب الغليظة. وفي الحديث: قال صلى الله عليه وسلم: " شغلني اعلام هذه. اذهبوا بها إلى أبي الجهم. وائتوني بانبجانيته " رواه ابن ماجة عن عائشة قالت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خميصة لها أعلام... وذكر الحديث. في اللباس (1) باب ح‍ (3550) ص 2 / 1176 والبخاري في اللباس (19) باب. (2) من الطبري وابن الاثير، وقد تقدم، وفي الاصل ماجور. (3) واسمه: عبيد الله بن عمر (الطبري - ابن الاثير). (*)

[ 324 ]

فمروا على الكوفة ثم صاروا إلى أرض أصبهان، فانصرف عنهم ولم يقاتلهم، ثم أقبلوا فحاصروا عتاب بن ورقاء شهرا، بمدينة جيا، حتى ضيقوا على الناس فنزلوا إليهم فقاتلوهم فكشفوهم وقتلوا أميرهم الزبير بن الماحوز (1) وغنموا ما في معسكرهم، وأمرت الخوارج عليهم قطري بن الفجاءة ثم ساروا إلى بلاد الاهواز، فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة - وهو على الموصل - أن يسير إلى قتال الخوارج وكان أبصر الناس بقتالهم، وبعث مكانه إلى الموصل إبراهيم بن الاشتر فانصرف المهلب إلى الاهواز فقاتل فيها الخوارج ثمانية أشهر قتالا لم يسمع بمثله. قال ابن جرير: وفي هذه السنة كان القحط الشديد ببلاد الشام بحيث لم يتمكنوا معه من الغزو لضعفهم وقلة طعامهم وميرتهم. قال ابن جرير: وفيها قتل عبيد الله بن الحر وكان من خبره أنه كان رجلا شجاعا تتقلب به الاحوال والايام والآراء، حتى صار من أمره أنه لا يطاع لاحد من بني أمية ولا لآل الزبير، وكان يمر على عامل الكورة من العراق وغيره فيأخذ منه جميع ما في بيت ماله قهرا ويكتب له براءة ويذهب فينفقه على أصحابه. وكان الخلفاء والامراء يبعثون إليه الجيوش فيطردها ويكسرها قلت أو كثرت، حتى كاع فيه مصعب بن الزبير وعماله ببلاد العراق، ثم إنه وفد على عبد الملك بن مروان فبعثه في عشرة نفر (2) وقال: ادخل الكوفة وأعلمهم أن الجنود ستصل إليهم سريعا، فبعث في السر إلى جماعة من إخوانه فظهر على أمره فأعلم أمير الكوفة الحارث بن عبد الله فبعث إليه جيشا (3) فقتلوه في المكان الذي هو فيه، وحمل رأسه إلى الكوفة، ثم إلى البصرة، واستراح الناس منه. قال ابن جرير: وفيها شهد موقف عرفة أربع رايات متباينة، كل واحدة منها لا تأتم بالاخرى الواحدة لمحمد بن الحنفية في أصحابه، والثانية لنجدة الحروري وأصحابه، والثالثة لبني أمية، والرابعة لعبد الله بن الزبير، وكان اول من دفع رايته ابن الحنفية، ثم نجدة، ثم بنو أمية، ثم دفع ابن الزبير فدفع الناس معه، وكان عبد الله بن عمر فيمن انتظر دفع ابن الزبير، ولكنه تأخر دفعه، فقال ابن عمر: أشبه بتأخره دفع الجاهلية، فدفع ابن عمر فدفع ابن الزبير،


(1) في الاصل: ماجور. (2) كذا بالاصل والطبري 7 / 172 وفي ابن الاثير 4 / 293: فقال له: سر بأصحابك وادع من قدرت عليه وأنا ممدك بالرجال. وفي ابن الاعثم 6 / 232: ثم أمر له (أي عبد الملك) بأربعة آلاف رجل من أهل الشام فأعطاهم الارزاق وضمهم إليه وأمرهم بالمسير معه. (3) بعث خمسمائة فارس عليهم رجل يقال له عبيد بن العباس (ابن الاعثم) وفي الطبري: وثب عليه رجل من الانباط فأخذ بعضديه وضربه الباقون بالمرادي. وفي ابن الاعثم: طعنه رجل من بني محارب يكنى أبا كدية. وفي ابن الاثير: من بني باهلة يكنى أبا كدية. (*)

[ 325 ]

وتحاجز الناس في هذا العام فلم يكن بينهم قتال. وكان على نيابة المدينة جابر بن الاسود بن عوف الزهري من جهة ابن الزبير، وعلى الكوفة والبصرة أخوه مصعب، وعلى ملك الشام ومصر عبد الملك بن مروان، والله أعلم. وممن توفي فيها من الاعيان عبد الله بن يزيد الاوسي، شهد الحديبية، وعبد الرحمن بن الاسود بن عبد يغوث. وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي، ابن أخي عمر بن الخطاب، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفي بالمدينة عن نحو سبعين سنة. عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الانصاري. عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن امرئ القيس، صحابي جليل، سكن الكوفة ثم سكن قوميسيا. زيد بن أرقم بن زيد صحابي جليل. وفيها توفي عبد الله بن عباس ترجمان القرآن هو عبد الله بن عبدس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أبو العباس الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبر هذه الامة، ومفسر كتاب الله وترجمانه، كان يقال له الحبر والبحر، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا كثيرا، وعن جماعة من الصحابة، وأخذ عنه خلق من الصحابة وأمم من التابعين، وله مفردات ليست لغيره من الصحابة لاتساع علمه وكثرة فهمه وكمال عقله وسعة فضله ونبل أصله، رضي الله عنه وأرضاه. وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، وهو والد الخلفاء العباسيين، وهو أخو أخوة عشرة ذكور من أم الفضل للعباس، وهو آخرهم مولدا، وقد مات كل واحد منهم في بلد بعيد عن الآخر كما سيأتي ذلك. قال مسلم بن خالد الزنجي المكي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس. قال: لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب جاء أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا محمد أرى أم الفضل قد اشتملت على حمل، فقال: " لعل الله أن يقر أعينكم ". قال: فلما ولدتني أتى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في خرقة فحنكني بريقه. قال مجاهد: فلا نعلم أحدا حنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم بريقه غيره، وفي رواية أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعل الله أن يبيض وجوهنا بغلام " فولدت عبد الله بن عباس، وعن عمرو بن دينار قال: ولد ابن عباس عام الهجرة، وروى الواقدي من طريق شعبة عن ابن عباس أنه قال: ولدت قبل الهجرة بثلاث سنين، ونحن في الشعب، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، ثم قال الواقدي: وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل العلم. واحتج الواقدي بأنه كان قد ناهز الحلم عام حجة الوداع. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مختون، وكانوا لا يختنون الغلام حتى يحتلم. وقال شعبة وهشام وابن عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا

[ 326 ]

ابن عشر (1) سنين مختون. زاد هشام: وقد جمعت المحكم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: وما المحكم ؟ قال: المفصل. وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة مختون، وهذا هو الاصح ويؤيده صحة ما ثبت في الصحيحين، ورواه مالك عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال: أقبلت راكبا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الاتان ترتع ودخلت في الصف، فلم ينكر علي ذلك أحد. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، كانت أمي من النساء وكنت أنا من الولدان، وهاجر مع أبيه الفتح، فاتفق لقياهما النبي صلى الله عليه وسلم بالجحفة، وهو ذاهب لفتح مكة، فشهد الفتح وحنينا والطائف عام ثمان، وقيل كان في سنة تسع وحجة الوداع سنة عشر، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ولزمه، وأخذ عنه وحفظ وضبط الاقوال والافعال والاحوال، وأخذ عن الصحابة علما عظيما مع الفهم الثاقب، والبلاغة والفصاحة والجمال والملاحة، والاصالة والبيان، ودعا له رسول الرحمن صلى الله عليه وسلم، كما وردت به الاحاديث الثابتة الاركان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " دعا له بأن يعلمه التأويل، وأن يفقهه في الدين ". وقال الزبير بن بكار: حدثني ساعدة بن عبيد الله المزني، عن داود بن عطاء، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر أنه قال: إن عمر كان يدعو عبد الله بن عباس فيقربه ويقول: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاك يوما فمسح رأسك وتفل في فيك وقال: " اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل ". وبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم بارك فيه وانشر منه ". وقال حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: بت في بيت خالتي ميمونة فوضعت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا، فقال: " من وضع هذا ؟ قالوا: عبد الله بن عباس، فقال: اللهم علمه التأويل، وفقهه في الدين ". وقد رواه غير واحد عن ابن خيثم بنحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن بكير بن أبي صفرة، أبو يونس، عن عمرو بن دينار: أن كريبا أخبره أن ابن عباس قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجرني حتى جعلني حذاءه، فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على صلاته خنست فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انصرف من صلاته قال: " ما شأني أجعلك في حذائي فتخنس " (2) ؟ فقلت: يا رسول الله أو ينبغي لاحد أن يصلي في حذائك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله عز وجل ؟ قال: فأعجبته


(1) قال ابن حجر في الاصابة 2 / 330: قوله ان عشر سنين محمول على إلغاء الكسر. قال: والاثبت قبل الهجرة بثلاث سنين. وهو يقارب ما في الصحيحين. وقال ابن عبد البر - معلقا على قول أحمد بن حنبل: " والصواب ابن خمس عشرة سنة " -: " وما قاله أهل السير والعلم بأيام الناس عندي أصح والله أعلم وهو قولهم أن ابن عباس كان ابن ثلاث عشرة سنة يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ". (2) مسند الامام أحمد: 1 / 330. (*)

[ 327 ]

فدعا الله لي أن يزيدني علما وفهما، قال: ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نام حتى سمعت نفخه، ثم أتاه بلال فقال: يا رسول الله: الصلاة، فقام فصلى ما أعاد وضوءا. وقال الامام أحمد وغيره: حدثنا هاشم بن القاسم، ثنا ورقاء، وسمعت عبيد الله بن أبي يزيد يحدث عن ابن عباس قال: " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلاء فوضعت له وضوءا، فلما خرج قال من وضع ذا ؟ فقيل ابن عباس، فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " (1). وقال الثوري وغيره عن ليث عن أبي جهضم موسى بن سالم عن ابن عباس أنه رأى جبريل وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له بالحكمة، وفي رواية بالعلم، مرتين. وقال الدارقطني: حدثنا حمزة بن القاسم الهاشمي وآخرون قالوا: حدثنا العباس بن محمد، حدثنا محمد بن مصعب بن أبي مالك النخعي، عن أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: " رأيت جبريل مرتين، ودعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحكمة مرتين "، ثم قال: غريب من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عكرمة تفرد به عنه أبو مالك النخعي عبد الملك بن حسين. وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم، عن خالد، عن عكرمة عن ابن عباس. قال: " ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم علمه الحكمة ". ورواه أحمد أيضا عن إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة عنه قال: " ضمني إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم علمه الكتاب " (2). وقد رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث خالد وهو ابن مهران الحذاء عن عكرمة عنه به وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد، ثنا سليمان بن بلال، ثنا حسين بن عبد الله بن عكرمة عن ابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم اعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل " (3). تفرد به أحمد، وقد روى هذا الحديث غير واحد عن عكرمة بنحو هذا. ومنهم من أرسله عن عكرمة، والمتصل هو الصحيح، فقد رواه غير واحد من التابعين عن ابن عباس، وروي من طريق أمير المؤمنين المهدي، عن أبيه، عن أبي جعفر المنصور - عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - عن أبيه، عن جده عن عبد الله بن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم علمه الكتاب وفقهه في الدين ".


(1) مسند الامام أحمد: ج 1 / 266، 314، 328، 335 ورواه البخاري عن عبد الله بن محمد السندي في الوضوء (10) باب فتح الباري 1 / 244. (2) مسند أحمد 1 / 359 وأخرجه البخاري في فضائل الصحابة (24) باب. ح‍ (3756) فتح الباري 7 / 100 وقوله صلى الله عليه وسلم علمه الحكمة: اختلفوا في المراد بالحكمة فقيل: الاصابة في القول، وقيل الفهم عن الله، وقيل ما يشهد العقل بصحته، وقيل نور يفرق به بين الالهام والوسواس، وقيل سرعة الجواب بالصواب وقيل غير ذلك. (3) مسند أحمد 1 / 269 وانظر الحاشية السابقة. (*)

[ 328 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا أبو كامل وعفان المعني قالا: ثنا حماد، ثنا عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس. قال: " كنت مع أبي عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده رجل يناجيه، قال عفان: وهو كالمعرض عن العباس، فخرجنا من عنده فقال العباس: ألم أر ابن عمك كالمعرض عني ؟ فقلت: إنه كان عنده رجل يناجيه، قال عفان قال عباس: أو كان عنده أحد ؟ قلت: نعم، فرجع إليه فقال: يا رسول الله هل كان عندك أحد آنفا ؟ فإن عبد الله أخبرني أنه كان عندك رجل يناجيك، قال: هل رأيته يا عبد الله ؟ قال: قلت: نعم ! قال ذاك جبريل عليه السلام (1) وقد روي من حديث المهدي عن آبائه، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " أما إنك ستصاب في بصرك ". وكان كذلك، وقد روي من وجه آخر أيضا والله أعلم. ذكر صفة أخرى لرؤيته جبريل رواها قتيبة عن الدراوردي، عن ثور بن يزيد، عن موسى بن ميسرة أن العباس بعث ابنه عبد الله في حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده رجلا فرجع ولم يكلمه من أجل مكان ذلك الرجل، فلقي العباس بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال العباس: يا رسول الله أرسلت إليك ابني فوجد عندك رجلا فلم يستطع أن يكلمك فرجع وراءه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عم تدري من ذاك الرجل ؟ قال: لا ! قال: ذاك جبريل، ولن يموت ابنك حتى يذهب بصره ويؤتى علما " (2). ورواه سليمان بن بلال عن ثور بن يزيد كذلك، وله طريق أخرى. وقد ورد في فضائل ابن عباس أحاديث كثيرة منها ما هو منكر جدا أضربنا عن كثير منها صفحا، وذكرنا ما فيه مقنع وكفاية عما سواه. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ عبد الله بن الحسن القاضي بمرو، ثنا الحارث بن محمد، أنبأ يزيد بن هارون، أنبأ جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن عكرمة عن ابن عباس قال: " لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الانصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله فإنهم اليوم كثير، فقال: يا عجبا لك يا بن عباس ! ! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيهم ؟ قال: فترك ذلك وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح علي من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا بن عم رسول الله ما جاء بك ؟ هلا


(1) مسند أحمد 1 / 294، 312 وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 276 وقال: رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجالهما رجال الصحيح. ورواه البيهقي في الدلائل 7 / 75. (2) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 478، والهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 276 وعزاه للطبراني وقال: " فيه من لم أعرفه ". (*)

[ 329 ]

أرسلت إلي فأتيك ؟ فأقول: لا ! أنا أحق أن آتيك، قال: فأسأله عن الحديث، قال: فعاش هذا الرجل الانصاري حتى رآني وقد اجتمع حولي الناس يسألوني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني ". وقال محمد بن عبد الله الانصاري: ثنا محمد بن عمرو بن علقمة ثنا أبو سلمة عن ابن عباس قال: وجدت عامة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذا الحي من الانصار، إن كنت لاقبل بباب أحدهم، ولو شئت أن يؤذن لي عليه لاذن لي، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه. وقال محمد بن سعد: أنبأ محمد بن عمر حدثني قدامة بن موسى، عن أبي سلمة الحضرمي قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت ألزم الاكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والانصار فأسألهم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحدا منهم إلا سر باتياني إليه، لقربي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أسأل أبي بن كعب يوما - وكان من الراسخين في العلم - عما نزل من القرآن بالمدينة، فقال: نزل سبع وعشرون سورة وسائرها مكي. وقال أحمد: عن عبد الرزاق عن معمر قال: عامة علم ابن عباس من ثلاثة، من عمر وعلي وأبي بن كعب، وقال طاوس عن ابن عباس أنه قال: إن كنت لاسأل عن الامر الواحد من ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مغيرة عن الشعبي قال: قيل لابن عباس: أنى أصبت هذا العلم ؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول. وثبت عن عمر بن الخطاب أنه كان يجلس ابن عباس مع مشايخ الصحابة ويقول: نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وكان إذا أقبل يقول عمر: جاء فتى الكهول، وذو اللسان السؤول، والقلب العقول. وثبت في الصحيح أن عمر سأل الصحابة عن تفسير: * (إذا جاء نصر الله والفتح) * [ النصر: 1 ] فسكت بعض وأجاب بعض بجواب لم يرتضه عمر، ثم سأل ابن عباس عنها فقال: أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه، فقال: لا أعلم منها إلا بما تعلم، وأراد عمر بذلك أن يقرر عندهم جلالة قدره، وكبير منزلته في العلم والفهم (1). وسأله مرة عن ليلة القدر فاستنبط أنها في السابعة من العشر الاخير فاستحسنه عمر واستجاده كما ذكرنا في التفسير. وقد قال الحسن بن عرفة: حدثنا يحيى بن اليمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير عن عمر أنه قال لابن عباس: لقد علمت علما ما علمناه، وقال الاوزاعي قال عمر لابن عباس: إنك لاصبح فتياننا وجها، وأحسنهم عقلا، وأفقههم في كتاب الله عز وجل. وقال مجاهد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال لي أبي: إن عمر يدنيك ويجلسك مع أكابر الصحابة فاحفظ عني ثلاثا، لا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا يجربن عليك كذبا. قال


(1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير (4) باب. ح‍ (4970) فتح الباري 8 / 734 عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. (*)

[ 330 ]

الشعبي: قلت لابن عباس: كل واحدة خير من ألف، فقال ابن عباس: بل كل واحدة خير من عشرة آلاف. وقال الواقدي: حدثنا عبد الله بن الفضل بن أبي عبد الله، عن أبيه عن عطاء بن يسار: أن عمر وعثمان كانا يدعوان ابن عباس فيسير مع أهل بدر، وكان يفتي في عهد عمر وعثمان إلى يوم مات. قلت: وشهد فتح إفريقية سنة سبع وعشرين مع ابن أبي سرح، وقال الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه قال: نظر أبي إلى ابن عباس يوم الجمل يمشي بين الصفين، فقال: أقر الله عين من له ابن عم مثل هذا، وقد شهد مع علي الجمل وصفين وكان أميرا على الميسرة، وشهد معه قتال الخوارج وكان ممن أشار على علي أن يستنيب معاوية على الشام، وأن لا يعزله عنها في بادئ الامر، حتى قال له فيما قال: إن أحببت عزله فوله شهرا واعزله دهرا، فأبى علي إلا أن يقاتله، فكان ما كان مما قد سبق بيانه. ولما تراوض الفريقان على تحكيم الحكمين طلب ابن عباس أن يكون من جهة علي ليكافئ عمرو بن العاص، فامتنعت مذحج وأهل اليمن إلا أن يكون من جهة علي أبو موسى الاشعري، وكان من أمر الحكمين ما سلف. وقد استنابه علي على البصرة، وأقام للناس الحج في بعض السنين فخطب بهم في عرفات خطبة وفسر فيها سورة البقرة، وفي رواية سورة النور، قال من سمعه: فسر ذلك تفسيرا لو سمعته الروم والترك والديلم لاسلموا. وهو أول من عرف بالناس في البصرة، فكان يصعد المنبر ليلة عرفة ويجتمع أهل البصرة حوله فيفسر شيئا من القرآن، ويذكر الناس من بعد العصر إلى الغروب، ثم ينزل فيصلي بهم المغرب، وقد اختلف العلماء بعده في ذلك، فمنهم من كره ذلك وقال: هو بدعة لم يعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه إلا ابن عباس، ومنهم من استحب ذلك لاجل ذكر الله وموافقة الحجاج. وقد كان ابن عباس ينتقد على علي في بعض أحكامه فيرجع إليه علي في ذلك، كما قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عكرمة أن عليا حرق ناسا ارتدوا عن الاسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم بالنار، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تعذبوا بعذاب الله " بل كنت قاتلهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من بدل دينه فاقتلوه ". فبلغ ذلك عليا فقال: ويح ابن عباس (1)، وفي رواية ويح ابن عباس إنه لغواص على الهنات وقد كافأه علي فإن ابن عباس كان يرى إباحة المتعة، وأنها باقية، وتحليل الحمر الانسية، فقال علي: إنك امرؤ تائه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الانسية يوم خيبر ". وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما، وله ألفظ هذا من أحسنها والله سبحانه وتعالى أعلم. وقال البيهقي: أنبأ أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا بكر بن المؤمل يقول: سمعت أبا


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 1 / 217، 220، 282. (*)

[ 331 ]

نصر بن أبي ربيعة يقول: ورد صعصعة بن صوحان على علي بن أبي طالب من البصرة فسأله عن ابن عباس - وكان علي خلفه بها - فقال صعصعة: يا أمير المؤمنين، إنه آخذ بثلاث وتارك لثلاث آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، وبحسن الاستماع إذا حدث وبأيسر الامرين إذا خولف. وتر ؟ المراء ومقارنة اللئيم، وما يعتذر منه. وقال الواقدي: ثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن موسى بن سعيد، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه. قال: ما رأيت أحدا أحضر فهما ولا ألب لبا ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات ثم يقول عندك قد جاءتك معضلة، ثم لا يجاوز قوله، وإن حوله لاهل بدر من المهاجرين والانصار. وقال الاعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد. وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، وعن ابن عمر أنه قال: ابن عباس أعلم الناس بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر، حدثني يحيى بن العلاء، عن يعقوب بن زيد، عن أبيه قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول حين بلغه موت ابن عباس وصفق باحدى يديه على الاخرى: مات اليوم أعلم الناس وأحلم الناس، وقد أصيبت به هذه الامة مصيبة لا ترتق. وبه إلى يحيى بن العلاء، عن عمر بن عبد الله، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. قال: لما مات ابن عباس قال رافع بن خديج: مات اليوم من كان يحتاج إليه من بين المشرق والمغرب في العلم. قال الواقدي: وحدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن عمرو بن أبي عمرو: عن عكرمة قال: سمعت معاوية يقول مات والله أفقه من مات ومن عاش، وروى ابن عساكر عن ابن عباس قال: دخلت على معاوية حين كان الصلح وهو أول ما التقيت أنا وهو، فإذا عنده أناس فقال: مرحبا بابن عباس، ما تحاكت الفتنة بيني وبين أحد كان أعز علي بعدا ولا أحب إلي قربا، الحمد لله الذي أمات عليا، فقلت له: إن الله لا يذم في قضائه، وغير هذا الحديث أحسن منه، ثم قلت له: أحب أن تعفيني من ابن عمي وأعفيك من ابن عمك، قال: ذلك لك. وقالت عائشة وأم سلمة حين حج ابن عباس بالناس: هو أعلم الناس بالمناسك. وقال ابن المبارك عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: ركب زيد بن ثابت فأخذ ابن عباس بركابه فقال: لا تفعل يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فقال زيد: أنى يداك ؟ فأخرج يديه فقبلهما فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا. وقال الواقدي: حدثني داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير سمعت ابن المسيب يقول: ابن عباس أعلم الناس. وحدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عتبة. قال: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال، بعلم ما سبق إليه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب ونائل، وما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم منه، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا تفسير

[ 332 ]

القرآن ولا بحساب ولا بفريضة منه، ولا أعلم فيما مضى ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يوما ما يذكر فيه إلا الفقه، ويوما ما يذكر فيه إلا التأويل، ويوما ما يذكر فيه إلا المغازي، ويوما الشعر، ويوما أيام العرب، وما رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، ولا وجدت سائلا سأله إلا وجد عنده علما. قال: وربما حفظت القصيدة من فيه ينشدها ثلاثين بيتا. وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت مثل ابن عباس قط. وقال عطاء: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس، أكثر فقها، ولا أعظم هيبة، أصحاب القرآن يسألونه، وأصحاب العربية يسألونه، وأصحاب الشعر عنه يسألونه، فكلهم يصدر في واد أوسع. وقال الواقدي: حدثني بشر بن أبي سليم، عن ابن طاوس عن أبيه. قال: كان ابن عباس قد يسبق على الناس في العلم كما تسبق النخلة السحوق على الودى الصغار. وقال ليث بن أبي سليم قلت لطاوس: لم لزمت هذا الغلام ؟ - يعني ابن عباس - وتركت الاكابر من الصحابة ؟ فقال: إني رأيت سبعين من الصحابة إذا تماروا في شئ صاروا إلى قوله، وقال طاوس أيضا: ما رأيت أفقه منه، قال وما خالفه أحد قط فتركه حتى يقرره. وقال علي بن المديني ويحيى بن معين وأبو نعيم وغيرهم عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. قال: ما رأيت مثله قط، ولقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الامة - يعني ابن عباس - وقال أبو بكر بن أبي شيبة وغيره: من أبي أسامة، عن الاعمش، عن مجاهد. قال: كان ابن عباس أمدهم قامة، وأعظمهم جفنة، وأوسعهم علما. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلسه - يعني ابن عباس - الحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والشعر والطعام. وقال مجاهد: ما رأيت أعرب لسانا من ابن عباس، وقال محمد بن سعد: ثنا عفان بن مسلم ثنا سليم بن أخضر، عن سليمان التيمي - وهو ممن أرسله الحكم بن أديب - إلى الحسن سأله عن أول من جمع بالناس في هذا المسجد يوم عرفة ؟ قال: ابن عباس، وكان رجلا مثجى - أحسب في الحديث - كثير العلم، وكان يصعد المنبر فيقرأ سورة البقرة ويفسرها آية آية. وقد روي من وجه آخر عن الحسن البصري نحوه، وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري: روى سفيان عن أبي بكر الهذلي عن الحسن قال: كان ابن عباس أول من عرف بالبصرة، صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران ففسرهما حرفا حرفا. مثجى: قال ابن قتيبة مثجى من الثج وهو السيلان، قال تعالى: * (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا) * [ النبأ: 14 ] وقيل كثيرا بسرعة: وقال يونس بن بكير: حدثنا أبو حمزة الثمالي عن أبي صالح: قال لقد رأيت من ابن عباس مجلسا لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها به الفخر، لقد رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر أن يجئ ولا أن يذهب، قال: فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي: ضع لي وضوءا، قال: فتوضأ وجلس وقال: اخرج فقل لهم: من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أريد منه فليدخل. قال: فخرجت فأذنتهم فدخلوا حتى ملاوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شئ إلا أخبرهم عنه وزادهم

[ 333 ]

مثل ما سألوا عنه أو أكثر، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا. ثم قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل، قال فخرجت فأذنتهم فدخلوا حتى ملاوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شئ إلا أخبرهم به وزادهم مثله أو أكثر، ثم قال إخوانكم فخرجوا، ثم قال اخرج فقل: من كان يريد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها، فليدخل، فخرجت فأذنتهم فدخلوا حتى ملاوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شئ إلا أخبرهم وزادهم مثله أو أكثر، ثم قال: إخوانكم فخرجوا، ثم قال: اخرج فقل: من كان يريد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل، فخرجت فأذنتهم فدخلوا حتى ملاوا البيت والحجرة فما سألوه عن شئ إلا أخبرهم به وزادهم مثله، ثم قال إخوانكم فخرجوا، قال أبو صالح: فلو أن قريشا كلها فخرت بذلك لكان فخرا، فما رأيت مثل هذا لاحد من الناس. وقال طاوس وميمون بن مهران: ما رأينا أورع من ابن عمر ولا أفقه من ابن عباس، قال ميمون: وكان ابن عباس أفقههما، وقال شريك القاضي، عن الاعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت أجمل الناس، فإذا نطق قلت أفصح الناس، فإذا تحدث قلت أعلم الناس. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو النعمان، ثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن الحارث، عن عكرمة قال: كان ابن عباس أعلمهما بالقرآن، وكان علي أعلمهما بالمبهمات، وقال إسحاق بن راهويه: إنما كان كذلك لان ابن عباس كان قد أخذ ما عند علي من التفسير، وضم إلى ذلك ما أخذه عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبي بن كعب وغيرهم من كبار الصحابة. مع دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يعلمه الله الكتاب. وقال أبو معاوية عن الاعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: خطب ابن عباس وهو على الموسم فافتتح سورة البقرة فجعل يقرأها ويفسرها فجعلت أقول ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، لو سمعته فارس والروم لاسلمت. وقد روى أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل أن ابن عباس حج بالناس عام قتل عثمان فقرأ سورة النور وذكر نحو ما تقدم، فلعل الاول كان في زمان علي فقرأ في تلك الحجة سورة البقرة، وفي فتنة عثمان سورة النور، والله أعلم. وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله، وقال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس مرتين أقف عند كل آية فأسأل عنها، وروى عنه أنه قال أربع من القرآن لا أدري ما به جئ، الاواه، والحنان، والرقيم، والغسلين. وكل القرآن أعلمه إلا هذه الاربع. وقال ابن وهب وغيره عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سئل عن مسألة فإن كانت في كتاب الله قال بها، وإن لم تكن وهي السنة قال بها، فإن لم يقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدها عن أبي بكر وعمر قال بها، وإلا اجتهد رأيه وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو عاصم و عبد الرحمن بن الشعبي، عن كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة. قال: شتم رجل ابن عباس فقال له: إنك لتشتمني وفي ثلاث خصال،

[ 334 ]

لآتي على الآية من كتاب الله فأود أن الناس علموا منها مثل الذي أعلم، وإني لاسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل ويحكم بالقسط فأفرح به وأدعو إليه، ولعلي لا أقاضي إليه ولا أحاكم أبدا وإني لاسمع بالغيث يصيب الارض من أرض المسلمين فأفرح به ومالي بها من سائمة أبدا، ورواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن الحسن بن مكرم، عن يزيد بن هارون عن كهمس به. وقال ابن أبي مليكة: صحبت ابن عباس من المدينة إلى مكة، وكان يصلي ركعتين فإذا نزل قام شطر الليل ويرتل القرآن حرفا حرفا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب ويقرأ: * (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) * [ ق: 19 ] وقال الاصمعي: عن المعتمر بن سليمان، عن شعيب بن درهم قال: كان في هذا المكان - وأومأ إلى مجرى الدموع من خديه يعني خدي ابن عباس - مثل الشراك البالي من البكاء. وقال غيره: كان يصوم يوم الاثنين والخميس، وقال: أحب أن يرتفع عملي وأنا صائم، وروى هاشم وغيره عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أن ملك الروم كتب إلى معاوية يسأله عن أحب الكلام إلى الله عز وجل. ومن أكرم العباد على الله عز وجل، ومن أكرم الاماء على الله عز وجل. وعن أربعة فيهم الروح فلم يركضوا في رحم، وعن قبر سار بصاحبه، وعن مكان في الارض لم تطلع فيه الشمس إلا مرة واحدة، وعن قوس قزح ما هو ؟ وعن المجرة. فبعث معاوية فسأل ابن عباس عنهن فكتب ابن عباس إليه: أما أحب الكلام إلى الله فسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأكرم العباد على الله آدم، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شئ. وأكرم الاماء على الله مريم بنت عمران، وأما الاربعة الذين لم يركضوا في رحم فآدم وحواء وعصى موسى، وكبش إبراهيم الذي فدى به إسماعيل. وفي رواية وناقة صالح، وأما القبر الذي سار بصاحبه فهو حوت يونس، وأما المكان الذي لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة فهو البحر لما انفلق لموسى حتى جاز بنو إسرائيل فيه، وأما قوس قزح فأمان لاهل الارض من الغرق، والمجرة باب في السماء، وفي رواية الذي ينشق منه. فلما قرأ ملك الروم ذلك أعجبه وقال: والله ما هي من عند معاوية ولا من قوله، وإنما هي من عند أهل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ورد في هذه الاسئولة روايات كثيرة فيها وفي بعضها نظر والله أعلم. فصل تولى ابن عباس إمامة الحج سنة خمس وثلاثين بأمر عثمان بن عفان له وهو محصور، وفي غيبته هذه قتل عثمان، وحضر ابن عباس مع علي الجمل، وكان على الميسرة يوم صفين، وشهد قتال الخوارج وتأمر على البصرة من جهة علي، وكان إذا خرج منها يستخلف أبا الاسود الدؤلي على الصلاة، وزياد بن أبي سفيان على الخراج، وكان أهل البصرة مغبوطين به، يفقههم ويعلم جاهلهم، ويعظ مجرمهم، ويعطي فقيرهم، فلم يزل عليها حتى مات علي، ويقال إن عليا عزله

[ 335 ]

عنها قبل موته، ثم وفد على معاوية فأكرمه وقربه واحترمه وعظمه، وكان يلقي عليه المسائل المعضلة فيجيب عنها سريعا، فكان معاوية يقول: ما رأيت أحدا أحضر جوابا منه، ولما جاء الكتاب بموت الحسن بن علي اتفق كون ابن عباس عند معاوية فعزاه فيه بأحسن تعزية، ورد عليه ابن عباس ردا حسنا كما قدمنا، وبعث معاوية ابنه يزيد فجلس بين يدي ابن عباس وعزاه بعبارة فصيحة وجيزة، شكره عليها ابن عباس، ولما مات معاوية ورام الحسين الخروج إلى العراق نهاه ابن عباس أشد النهي، وأراد ابن عباس أن يتعلق بثياب الحسين - لان ابن عباس كان قد أضر في آخر عمره - فلم يقبل منه، فلما بلغه موته حزن عليه حزنا شديدا ولزم بيته، وكان يقول: يا لسان قل خيرا تغنم، واسكت عن شر تسلم، فإنك إن لا تفعل تندم. وجاء إليه رجل يقال له جندب فقال له: أوصني، فقال: أوصيك بتوحيد الله والعمل له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإن كل خير آتيه أنت بعد ذلك منك مقبول، وإلى الله مرفوع، يا جندب إنك لن تزدد من موتك إلا قربا، فصل صلاة مودع. واصبح في الدنيا كأنك غريب مسافر، فإنك من أهل القبور، وابك على ذنبك وتب من خطيئتك، ولتكن الدنيا عليك أهون من شسع نعلك، فكأن قد فارقتها وصرت إلى عدل الله، ولن تنتفع بما خلفت، ولن ينفعك إلا عملك. وقال بعضهم: أوصى ابن عباس بكلمات خير من الخيل الدهم، قال: لا تكلمن فيما لا يعنيك حتى ترى له موضعا، ولا تمار سفيها ولا حليما فإن الحليم يغلبك والسفيه يزدريك، ولا تذكرن أخاك إذا توارى عنك إلا بمثل الذي تحب أن يتكلم فيك إذا تواريت عنه، واعمل عمل من يعلم أنه مجزى بالاحسان مأخوذ بالاجرام. فقال رجل عنده: يا بن عباس ! هذا خير من عشرة آلاف. فقال ابن عباس: كلمة منه خير من عشرة آلاف. وقال ابن عباس: تمام المعروف تعجيله وتصغيره وستره - يعني أن تعجل العطية للمعطى، وأن تصغر في عين المعطي - وأن تسترها عن الناس فلا تظهرها ! فإن في إظهارها فتح باب الرياء وكسر قلب المعطى، واستحياءه من الناس. وقال ابن عباس: أعز الناس على جليس لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت، وقال أيضا: لا يكافئ من أتاني يطلب حاجة فرآني لها موضعا إلا الله عز وجل، وكذا رجل بدأني بالسلام أو أوسع لي في مجلس أو قام لي عن المجلس، أو رجل سقاني شربة ماء على ظمأ، ورجل حفظني بظهر الغيب. والمأثور عنه من هذه المكارم كثير جدا وفيما ذكرنا إشارة إلى ما لم نذكره. وقد عده الهيثم بن عدي في العميان من الاشراف، وفي بعض الاحاديث الواردة عنه ما يدل على ذلك، وقد أصيبت إحدى عينيه فنحل جسمه، فلما أصيبت الاخرى عاد إليه لحمه، فقيل له في ذلك فقال: أصابني ما رأيتم في الاولى شفقة على الاخرى، فلما ذهبتا اطمأن قلبي. وقال أبو القاسم البغوي: ثنا علي بن الجعد، ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه وقع في عينيه الماء فقال له الطبيب: ننزعك من عينيك الماء على أن لا تصلي سبعة أيام. فقال: لا ! إنه من ترك الصلاة وهو يقدر عليها لقي الله وهو عليه غضبان، وفي رواية أنه قيل له: نزيل

[ 336 ]

هذا الماء من عينيك على أن تبقى خمسة أيام ولا تصلي إلا على عود، وفي رواية إلا مستلقيا، فقال: لا والله ولا ركعة واحدة، إنه من ترك صلاة واحدة متعمدا لقي الله وهو عليه غضبان. وقد أنشد المدائني لابن عباس حين عمي: إن يأخذ الله من عيني نورهما * ففي لساني وسمعي منهما نور قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل * وفي فمي صارم كالسيف مأثور ولما وقع الخلف بين ابن الزبير وبين عبد الملك بن مروان اعتزل ابن عباس ومحمد بن الحنفية الناس، فدعاهما ابن الزبير ليبايعاه فأبيا عليه، وقال كل منهما: لا نبايعك ولا نخالفك، فهم بهما فبعثا أبا الطفيل عامر بن واثلة فاستنجد لهما من العراق من شيعتهما. فقدم أربعة آلاف فكبروا بمكة تكبيرة واحدة، وهموا بابن الزبير فهرب فتعلق بأستار الكعبة، وقال: أنا عائذ بالله، فكفوهم عنه، ثم مالوا إلى ابن عباس وابن الحنفية وقد حمل ابن الزبير حول دورهم الحطب ليحرقهم، فخرجوا بهما حتى نزلوا الطائف، وأقام ابن عباس سنتين لم يبايع أحدا كما تقدم. فلما كان في سنة ثمان وستين توفي ابن عباس بالطائف، وصلى عليه محمد بن الحنفية، فلما وضعوه ليدخلوه في قبره جاء طائر أبيض لم ير مثل خلقته، فدخل في أكفانه والتف بها حتى دفن معه. قال عفان: وكانوا يرون علمه وعمله، فلما وضع في اللحد تلا تال لا يعرف من هو وفي رواية أنهم سمعوا من قبره: * (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) * [ الفجر: 28 ] هذا القول في وفاته هو الذي صححه غير واحد من الائمة، ونص عليه أحمد بن حنبل والواقدي وابن عساكر، وهو المشهور عند الحافظ، وقيل إنه توفي في سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ثلاث وسبعين، وقيل سنة سبع وستين، وقيل سنة تسع وستين، وقيل سنة سبعين. والاول أصح، وهذه الاقوال كلها شاذة غريبة مردودة والله سبحانه وتعالى أعلم. وكان عمره يوم مات ثنتين وسبعين سنة، وقيل إحدى وسبعين، وقيل أربع وسبعين، والاول أصح والله أعلم. صفة ابن عباس كان جسيما إذا جلس يأخذ مكان رجلين، جميلا له وفرة، قد شاب مقدم رأسه، وشابت لمته، وكان يخضب بالحناء وقيل بالسواد، حسن الوجه يلبس حسنا ويكثر من الطيب بحيث إنه كان إذا مر في الطريق يقول النساء هذا ابن عباس أو رجل معه مسك، وكان وسيما أبيض طويلا جسيما فصيحا، ولما عمي اعترى لونه صفرة يسيرة. وقد كان بنو العباس عشرة، وهم الفضل، و عبد الله، وعبيد الله، ومعبد، وقثم، وعبد الرحمن، وكثير، والحارث، وعون، وتمام. وكان أصغرهم تمام، ولهذا كان يحمله ويقول:

[ 337 ]

تموا بتمام فصاروا عشرة * يا رب فاجعلهم كراما بررة واجعلهم ذكرا وانم الثمرة فأما الفضل فمات بأجنادين شهيدا، وعبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، ومعبد وعبد الرحمن بافريقية، وقثم وكثير بينبع، وقيل إن قثما مات بسمرقند، وقد قال مسلم بن حماد المكي مولى بني مخزوم: ما رأيت مثل بني أم واحدة أشراف ولدوا في دار واحدة أبعد قبور من بني أم الفضل، ثم ذكر مواضع قبورهم كما تقدم، إلا أنه قال الفضل مات بالمدينة، وعبيد الله بالشام. وقد كان عبد الله بن عباس يلبس الحلة بألف درهم، وكان له من الولد العباس وعلي، وكان علي يدعى السجاد لكثرة صلاته، وكان أجمل قرشي على وجه الارض، وقد قيل إنه كان يصلي كل يوم ألف ركعة، وقيل في الليل والنهار مع الجمال التام، وعلى هذا فهو أبو الخلفاء العباسيين، ففي ولده كانت الخلافة العباسية كما سيأتي، وكان لابن عباس أيضا محمد والفضل وعبد الله، وأمهم زرعة بنت مسرح بن معدي كرب، وله أسماء وهي لام ولد، وكان له من الموالي عكرمة وكريب وأبو معبد وشعبة ودقيق وأبو عمرة وأبو عبيد. وأسند ألفا وستمائة وسبعين حديثا والله سبحانه وتعالى أعلم. وفيها توفي أبو شريح الخزاعي العدوي الكعبي، اختلف في اسمه على أقوال أصحها خويلد بن عمرو، أسلم عام الفتح، وكان معه أحد ألوية بني كعب الثلاثة، قال محمد بن سعد: مات في هذه السنة وله أحاديث * وفيها توفي أبو واقد الليثي صحابي جليل مختلف في اسمه وفي شهوده بدرا، قال الواقدي توفي سنة ثمان وستين عن خمس وستين سنة، وكذا قال غير واحد في تاريخ وفاته. وزعم بعضهم أنه عاش سبعين سنة، مات بمكة بعدما جاوز بها سنة ودفن في مقابر المهاجرين والله أعلم. ثم دخلت سنة تسع وستين ففيها (1) كان مقتل عمرو بن سعيد الاشدق الاموي قتله عبد الملك بن مروان وكان سبب ذلك أن عبد الملك ركب في أول هذه السنة في جنوده قاصدا قرقيسيا ليحاصر زفر بن الحارث الكلابي الذي أعان سليمان بن صرد على جيش مروان حين قاتلوهم بعين وردة. ومن عزمه إذا فرغ من ذلك أن يقصد مصعب بن الزبير بعد ذلك، فلما سار إليها استخلف على دمشق عمرو بن سعيد الاشدق، فتحصن بها وأخذ أموال بيت المال وقيل بل كان مع عبد الملك ولكنه انخذل عنه في طائفة من الجيش وكر راجعا إلى دمشق في الليل، ومعه حميد بن حريث بن بحدل الكلبي،


(1) وفي مروج الذهب 3 / 121: وفي سنة سبعين قتل عبد الملك عمرو بن سعيد. (*)

[ 338 ]

وزهير بن الابرد الكلبي، فانتهوا إلى دمشق وعليها عبد الرحمن بن أم الحكم نائبا من جهة عبد الملك، فلما أحس بهم هرب وترك البلد فدخلها عمرو بن سعيد الاشدق فاستحوذ على ما فيها من الخزائن، وخطب الناس فوعدهم العدل والنصف والعطاء الجزيل والثناء الجميل، ولما علم عبد الملك بما فعله الاشدق كر راجعا من فوره فوجد الاشدق قد حصن دمشق وعلق عليها الستائر والمسوح، وانحاز الاشدق إلى حصن رومي منيع كان بدمشق فنزله. فحاصره عبد الملك وقاتله الاشدق مدة ستة عشر يوما (1)، ثم اصطلحا على ترك القتال، وعلى أن يكون ولي العهد بعد عبد الملك، وعلى أن يكون لكل عامل لعبد الملك عامل له، وكتبا بينهما كتاب أمان، وذلك عشية الخميس، ودخل عبد الملك إلى دمشق إلى دار الاماة على عادته، وبعث إلى عمرو بن سعيد الاشدق يقول له: رد على الناس أعطياتهم التي أخذتها من بيت المال، فبعث إليه الاشدق: إن هذا ليس إليك، وليس هذا البلد لك فاخرج منه، فلما كان يوم الاثنين بعث عبد الملك إلى الاشدق يأمره بالاتيان إلى منزله بدار الامارة الخضراء، فلما جاءه الرسول صادف عنده عبد الله بن يزيد بن معاوية وهو زوج ابنته أم موسى بنت الاشدق، فاستشاره عمرو الاشدق في الذهاب إليه فقال له: يا أبا سعيد (2) والله لانت أحب إلي من سمعي وبصري، وأرى أن لا نأتيه، فإن تبيعا الحميري ابن امرأة كعب الاحبار قال: إن عظيما من عظماء بني إسماعيل يغلق أبواب دمشق فلا يلبث أن يقتل. فقال عمرو: والله لو كنت نائما ما تخوفت أن ينبهني ابن الزرقاء، وما كان ليجترئ على ذلك مني، مع أن عثمان بن عفان أتاني البارحة في المنام فألبسني قميصه، وقال عمرو بن سعيد أبلغه السلام وقل له أنا رائح إليك العشية إن شاء الله. فلما كان العشي - يعني بعد الظهر - لبس عمرو درعا بين ثيابه وتقلد سيفه ونهض فعثر بالبساط فقالت امرأته وبعض من حضره: إنا نرى أن لا تأتيه، فلم يلتفت إلى ذلك ومضى في مائة (3) من مواليه، وكان عبد الملك قد أمر بني مروان فاجتمعوا كلهم عنده، فلما انتهى عمرو إلى باب أمر عبد الملك أن يدخل وأن يحبس من معه عند كل باب طائفة منهم، فدخل حتى انتهى إلى صرحة المكان الذي فيه عبد الملك، ولم يبق معه من مواليه سوى وصيف، فرمى ببصره فإذا مروان عن بكرة أبيهم مجتمعون عند عبد الملك، فأحس بالشر فالتفت إلى ذلك الوصيف فقال له همسا: ويلك انطلق إلى أخي يحيى فقل له فليأتني، فلم يفهم عنه وقال له: لبيك، فأعاد عليه ذلك فلم يفهم أيضا وقال: لبيك، فقال: ويلك أغرب عني في حرق الله وناره، وكان عند عبد الملك حسان بن مالك بن بحدل، وقبيصة بن ذؤيب،


(1) في الامامة والسياسة 2 / 26: حاصر عبد الملك دمشق أشهرا، حتى صالح عمرو بن سعيد على أنه الخليفة بعده. (2) في الطبري 7 / 176 وابن الاثير 4 / 298 والامامة والسياسة 2 / 26: يا أبا أمية. (3) في الامامة والسياسة: فأخرج معه أربعة آلاف رجل من أهل دولته، وفي مروج الذهب 3 / 122 في نحو خمسمائة فارس يزولون معه حيث زال. (*)

[ 339 ]

فأذن لهما عبد الملك بالانصراف، فلما خرجا غلقت الابواب واقترب عمرو من عبد الملك فرحب به وأجلسه معه على السرير، ثم جعل يحدثه طويلا، ثم إن عبد الملك قال: يا غلام خذ السيف عنه، فقال عمرو: إنا لله يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: أو تطمع أن تتحدث معي متقلدا سيفك ؟ فأخذ الغلام السيف عنه، ثم تحدثا ساعة، ثم قال له عبد الملك: يا أبا أمية، قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إنك حيث خلعتني آليت بيميني إن ملات عيني منك وأنا مالك لك أن أجمعك في جامعة (1)، فقالت بنو مروان: ثم تطلقه يا أمير المؤمنين، فقال ثم أطلقه، وما عسيت أن أفعل بأبي أمية، فقال بنو مروان: بر يمين أمير المؤمنين، فقال عمرو: بر قسمك يا أمير المؤمنين، فأخرج عبد الملك من تحت فراشه جامعة فطرحها إليه ثم قال: يا غلام قم فاجمعه فيها، فقام الغلام فجمعه فيها، فقال عمرو: أذكر الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على رؤوس الناس، فقال عبد الملك: أمكرا يا أبا أمية عند الموت ؟ لاها الله إذا ما كنا لنخرجك في جامعة على رؤوس الناس ولما نخرجها منك إلا صعدا، ثم اجتذبه اجتذابة أصاب فمه السرير فكسر ثنيته، فقال عمرو: أذكرك الله أن يدعوك كسر عظمي إلى ما هو أعظم من ذلك، فقال عبد الملك: والله لو أعلم أنك إذا بقيت تفي لي وصلح قريش لاطلقتك، ولكن ما اجتمع رجلان في بلد قط على ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه، وفي رواية أنه قال له: أما علمت يا عمرو أنه لا يجتمع فحلان في شرك ؟. فلما تحقق عمرو ما يريد من قتله قال له: أغدرا يا بن الزرقاء ؟ وأسمعه كلاما رديئا بشعا، وبينما هما كذلك إذ أذن المؤذن للعصر، فقام عبد الملك ليخرج إلى الصلاة. وأمر أخاه عبد العزيز بن مروان بقتله، وخرج عبد الملك وقام إليه عبد العزيز، بالسيف فقال له عمرو: أذكرك الله والرحم أن لا تلي ذلك مني، وليتول ذلك غيرك، فكف عنه عبد العزيز. ولما رأى الناس عبد الملك قد خرج وليس معه عمرو أرجف الناس بعمرو، فأقبل أخوه يحيى بن سعيد في ألف عبد لعمرو بن سعيد وأناس معهم كثير، وأسرع عبد الملك الدخول إلى دار الامارة، وجاء أولئك فجعلوا يدقون باب الامارة ويقولون: أسمعنا صوتك يا أبا أمية، وضرب رجل منهم الوليد بن عبد الملك في رأسه بالسيف فجرحه، فأدخله إبراهيم بن عدي (3) صاحب الديوان بيتا، وأحرزه فيه، ووقعت خبطة عظيمة في المسجد، وضجت الاصوات، ولما رجع عبد الملك وجد أخاه لم يقتله فلامه وسبه وسب أمه - ولم تكن أم عبد العزيز أم عبد الملك (3) فقال له: ناشدني الله والرحمن، وكان ابن عمه عبد الملك بن مروان، ثم إن عبد الملك قال: يا غلام أتني بالحربة، فأتاه بها فهزها وضربه بها فلم تغن شيئا، ثم ثنى فلم تغن شيئا، فضرب بيده إلى عضد عمرو فوجد


(1) الجامعة: الغل. (2) كذا بالاصل ومروج الذهب 3 / 124، وفي الطبري 7 / 178 وابن الاثير 4 / 300: إبراهيم بن عربي صاحب الديوان فاحتمله وادخله بيت القراطيس. (3) أم عبد الملك عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية وأم عبد العزيز ليلى الكلبية. (*)

[ 340 ]

مس الدرع فضحك وقال: أدارع أيضا ؟ إن كنت معدا، يا غلام ائتني بالصمصامة، فأتاه بسيفه ثم أمر بعمرو فصرع (1) ثم جلس على صدره فذبحه وهو يقول: يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي * أضربك حتى (2) تقول الهامة اسقوني قالوا: وانتقض عبد الملك بعدما ذبحه كما تنتقض القصبة برعدة شديدة جدا، بحيث إنهم ما رفعوه عن صدره إلا محمولا، فوضعوه على سريره وهو يقول: ما رأيت مثل هذا قط قبله (3) صاحب دنيا ولا آخرة، ودفع الرأس إلى عبد الرحمن بن أم الحكم فخرج إلى الناس فألقاه بين أظهرهم، وخرج عبد العزيز بن مروان ومعه البدر من الاموال تحمل، فألقيت بين الناس فجعلوا يختطفونها، ويقال: إنها استرجعت بعد ذلك من الناس إلى بيت المال، ويقال إن الذي ولي قتل عمرو بن سعيد مولى عبد الملك أبو الزعيزعة بعدما خرج عبد الملك إلى الصلاة فالله أعلم. وقد دخل يحيى بن سعيد - أخو عمرو بن سعيد - دار الامارة بعد مقتل أخيه بمن معه فقام إليهم بنو مروان فاقتتلوا، وجرح جماعات من الطائفتين، وجاءت يحيى بن سعيد صخرة في رأسه أشغلته عن نفسه وعن القتال، ثم إن عبد الملك بن مروان خرج إلى المسجد الجامع فصعد المنبر فجعل يقول: ويحكم أين الوليد ؟ وأبيهم لئن كانوا قتلوه لقد أدركوا ثأرهم، فأتاه إبراهيم بن عدي (4) الكناني فقال: هذا الوليد عندي قد أصابته جراحة وليس عليه بأس، ثم أمر عبد الملك بحيى بن سعيد أن يقتل فتشفع فيه أخوه عبد العزيز بن مروان، وفي جماعات آخرين معه كان عبد الملك قد أمر بقتلهم، فشفعه فيهم وأمر بحبسه فحبس شهرا، ثم سيره وبني عمرو بن سعيد وأهليهم إلى العراق فدخلوا على مصعب بن الزبير فأكرمهم وأحسن إليهم، ثم لما انعقدت الجماعة لعبد الملك بعد مقتل ابن الزبير، وفدوا عليه فكاد يقتلهم فتلطف بعضهم في العبارة حتى رق لهم رقة شديدة، فقال لهم عبد الملك: إن أباكم خيرني بين أن يقتلني أو أقتله، فاخترت قتله على قتلي، وأما أنتم فما أرغبني فيكم وأوصلني لقرابتكم وأرعاني لحقكم فأحسن جائزتهم وقربهم، وقد كان عبد الملك بعث إلى امرأة عمرو بن سعيد أن ابعثي إلي بكتاب الامان الذي كنت كتبته لعمرو، فقالت: إني دفنته معه ليحاكمك به يوم القيامة عند الله. وقد كان مروان بن الحكم وعد عمرو بن سعيد هذا أن يكون ولي العهد من بعد ولده عبد الملك، كلاما مجردا، فطمع في ذلك وقويت نفسه بسبب ذلك، وكان عبد الملك يبغضه بغضا شديدا من حال الصغر، ثم كان هذا صنيعه إليه في الكبر. قال ابن جرير: وذكر أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك ذات يوم: عجب منك ومن عمرو بن سعيد كيف أصبت غرته حتى قتلته ؟ فقال:


(1) في مروج الذهب 3 / 123: قتله أبو الزعيزعة، وفي الامامة والسياسة 3 / 27: قتله ابن الزويرع. (2) في الطبري وابن الاثير: حيث. (3) في الطبري وابن الاثير: قتله. (4) راجع هامش 2 ص 339. (*)

[ 341 ]

وأدنيته مني ليسكن روعه (1) * فأصول صولة حازم مستمكن غضبا ومحمية لديني إنه * ليس المسئ سبيله كالمحسن قال خليفة بن خياط: وهذا الشعر للضبي بن أبي رافع تمثل به عبد الملك. وروى ابن دريد عن أبي حاتم عن الشعبي أن عبد الملك قال: لقد كان عمرو بن سعيد أحب إلي من دم النواظر، ولكن والله لا يجتمع فحلان في الابل إلا أخرج أحدهما الآخر، وإنا لكما قال أخو بني يربوع: أجازي من جزاني الخير خيرا * وجازى الخير يجزى بالنوال وأجزي من جزاني الشر شرا * كما تحذا النعال على النعال قال خليفة بن خياط: وأنشد أبو اليقظان لعبد الملك في قتله عمرو بن سعيد: صحت ولا تشلل وضرت عدوها * يمين أراقت مهجة ابن سعيد وجدت ابن مروان ولا نبل عنده * شديد ضرير الناس غر بليد هو ابن أبي العاص لمروان ينتهي * إلى أسرة طابت له وجدود وكان الواقدي يقول: أما حصار عبد الملك لعمرو بن سعيد الاشدق فكان في سنة تسع وستين، رجع إليه من بطنان (2) فحاصره بدمشق ثم كان قتله في سنة سبعين والله أعلم. وهذه ترجمة الاشدق هو عمرو بن سعيد بن العاص (3) بن أمية بن عبد شمس، أبو أمية القرشي الاموي، المعروف بالاشدق، يقال (4) إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه أنه قال: " ما نحل والد ولدا أحسن من أدب حسن " وحديثا آخر في العتق، وروى عن عمر وعثمان وعلي وعائشة، وحدث عنه بنوه أمية وسعيد وموسى وغيرهم، واستنابه معاوية على المدينة، وكذلك يزيد بن معاوية بعد أبيه كما تقدم، وكان من سادات المسلمين، ومن الكرماء المشهورين، يعطي الكثير، ويتحمل العظائم، وكان وصي أبيه من بين بنيه (5)، وكان أبوه كما قدمنا من المشاهير الكرماء، والسادة النجباء، قال عمرو: ما شتمت رجلا منذ كنت رجلا، ولا كلفت من قصدني أن يسألني، لهو أمن علي مني


(1) في مروج الذهب 3 / 123: لتسكن نفرة. (2) في ابن الاثير 4 / 297 والطبري 7 / 175: بطنان حبيب، وانظر حاشية رقم 1 ص 338. (3) في الاصابة 2 / 47: عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية... (4) هذا بعيد، لان أباه سعيد ولد - في قول - عام الهجرة، وفي قول آخر كان عمره تسع سنين عندما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. (5) وقد احصي دينه لما مات وكان ثمانون ألف دينار وفاها عنه. (*)

[ 342 ]

عليه، وقال سعيد بن المسيب: خطباء الناس في الجاهلية الاسود بن عبد المطلب، وسهيل بن عمرو، وخطباء الناس في الاسلام معاوية وابنه، وسعيد بن العاص وابنه، وعبد الله بن الزبير. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا حماد، ثنا علي بن زيد، أخبرني من سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ليرعفن على منبري جبار من جبابرة بني أمية حتى يسيل رعافه " قال: فأخبرني من رأى عمرو بن سعيد بن العاص رعف على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سال رعافه (1). وهو الذي كان يبعث البعوث إلى مكة بعد وقعة الحرة أيام يزيد بن معاوية لقتال ابن الزبير، فنهاه أبو شريح الخزاعي وذكر له الحديث الذي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم مكة، فقال: نحن أعلم بذلك منك يا شريح، إن الحرام لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم، ولا فارا بجزية، الحديث كما تقدم وهو في الصحيحين. ثم إن مروان دخل إلى مصر بعدما دعا إلى نفسه واستقر له الشام، ودخل معه عمرو بن سعيد ففتح مصر، وقد كان وعد عمرا أن يكون ولي العهد من بعد عبد الملك، وأن يكون قبل ذلك نائبا بدمشق، فلما قويت شوكة مروان رجع عن ذلك، وجعل الامر من بعد ذلك لولده عبد العزيز، وخلع عمرا. فما زال ذلك في نفسه حتى كان من أمره ما تقدم، فدخل عمرو دمشق وتحصن بها وأجابه أهلها، فحاصره عبد الملك ثم استنزله على أمان صوري، ثم قتله كما قدمنا. وكان ذلك في هذه السنة على المشهور عند الاكثرين، وقال الواقدي وأبو سعيد بن يونس سنة سبعين فالله أعلم. ومن الغريب ما ذكره هشام بن محمد الكلبي بسند له أن رجلا سمع في المنام قائلا يقول على سور دمشق قبل أن يخرج عمرو بالكلية، وقبل قتله بمدة هذه الابيات: ألا يا قوم للسفاهة والوهن * وللفاجر الموهون والرأي الافن ولا بن سعيد بينما هو قائم * على قدميه خر للوجه والبطن رأى الحصن منجاة من الموت فالتجا * إليه فزارته المنية في الحصن قال: فأتى الرجل عبد الملك فأخبره فقال: ويحك سمعها منك أحد ؟ قال: لا ! قال: فضعها تحت قدميك، قال: ثم بعد ذلك خلع عمرو الطاعة وقتله عبد الملك بن مروان، وقد قيل إن عبد الملك لما حاصره راسله وقال: أنشدك الله والرحم أن تدع أمر بيتك وما هم عليه من اجتماع الكلمة فإن فيما صنعت قوة لابن الزبير علينا، فارجع إلى بيعتك ولك علي عهد الله وميثاقه، وحلف له بالايمان المؤكدة أنك ولي عهدي من بعدي، وكتبا بينهما كتابا، فانخدع له عمرو وفتح له أبواب دمشق فدخلها عبد الملك وكان من أمرها ما تقدم.


(1) مسند أحمد ج 2 / 522. (*)

[ 343 ]

وممن توفي فيها من الاعيان أبو الاسود الدؤلي ويقال له الديلي. قاضي الكوفة، تابعي جليل، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن جلس بن شباثة (1) بن عدي بن الدؤل بن بكر، أبو الاسود الذي نسب إليه علم النحو، ويقال بأنه أول من تكلم فيه، وإنما أخذه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد اختلف في اسمه على أقوال، أشهرها أن اسمه ظالم بن عمرو، وقيل عكسه، وقال الواقدي: اسمه عويمر بن ظويلم. قال وقد أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وشهد الجمل وهلك في ولاية عبيد الله بن زياد، وقال يحيى بن معين وأحمد بن عبد الله العجلي: كان ثقة وهو أول من تكلم في النحو، وقال ابن معين وغيره: مات بالطاعون الجارف سنة تسع وستين. قال ابن خلكان: وقيل إنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقد كان ابتداؤها في سنة تسع وتسعين. قلت: وهذا غريب جدا. قال ابن خلكان وغيره: كان أول من ألقى إليه علم النحو علي بن أبي طالب، وذكر له أن الكلام اسم وفعل وحرف، ثم إن أبا الاسود نحى نحوه وفرع على قوله، وسلك طريقه، فسمى هذا العلم النحو لذلك، وكان الباعث لابي الاسود على ذلك تغير لغة الناس، ودخول اللحن في كلام بعضهم أيام ولاية زياد على العراق، وكان أبو الاسود مؤدب بنيه، فإنه جاء رجل يوما إلى زياد فقال: توفي أبانا وترك بنون، فأمره زياد أن يضع الناس شيئا يهتدون به إلى معرفة كلام العرب، ويقال إن أول ما وضع منه باب التعجب من أجل أن ابنته قالت له ليلة: يا أبة ما أحسن السماء، قال نجومها، فقالت: إني لم أسأل عن أحسنها إنما تعجبت من حسنها، فقال قولي: ما أحسن السماء قال ابن خلكان: وقد كان أبو الاسود يبخل. وكان يقول: أطعنا المساكين في أموالنا لكنا مثلهم، وعشى ليلة مسكينا ثم قيده وبيته عنده ومنعه أن يخرج ليلته تلك لئلا يؤذي المسلمين بسؤاله، فقال له المسكين: اطلقني، فقال هيهات، إنما عشيتك لاريح منك المسلمين الليلة، فلما أصبح أطلقه. وله شعر حسن. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وقد أظهر خارجي التحكم بمنى فقتله عند الحجرة. والنواب فيها هم الذين كانوا في السنة التي قبلها. وممن توفي فيها جابر بن سمرة بن جنادة له صحبة ورواية ولابيه أيضا صحبة ورواية، وقيل توفي في سنة ست وستين فالله أعلم.


(1) في الاصابة 2 / 241: نفاثة. (*)

[ 344 ]

أسماء بنت يزيد ابن السكن الانصارية، بايعت النبي صلى الله عليه وسلم وقتلت بعمود خيمتها يوم اليرموك تسعة من الروم ليلة عرسها، وسكنت دمشق ودفنت بباب الصغير. حسان بن مالك أبو سليمان البحدلي قام ببيعة مروان لما تولى الخلافة، مات في هذه السنة والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة سبعين من الهجرة فيها ثارت الروم واستجاشوا على من بالشام، واستضعفوهم لما يرون من الاختلاف الواقع بين بني مروان وابن الزبير، فصالح عبد الملك ملك الروم وهادنه على أن يدفع إليه عبد الملك في كل جمعة ألف دينار خوفا منه على الشام. وفيها وقع الوباء بمصر فهرب منه عبد العزيز بن مروان إلى الشرقية، فنزل حلوان وهي على مرحلة من القاهرة، واتخذها منزلا واشتراها من القبط بعشرة آلاف دينار، وبنى بها دارا للامارة وجامعا، وأنزلها الجند. وفيها ركب مصعب بن الزبير من البصرة إلى مكة ومعه أموال جزيلة. فأعطى وفرق وأطلق لجماعة من رؤوس الناس بالحجاز أموالا كثيرة. وممن توفي فيها من الاعيان عاصم بن عمر بن الخطاب الفرشي العدوي، وأمه جميلة بنت ثابت بن أبي الاقلح، ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرو إلا عن أبيه حديثا واحدا " إذا أقبل الليل من ههنا " الحديث، وعنه ابناه حفص وعبد الله، وعروة بن الزبير، وقد طلق أبوه أمه فأخذته جدته الشموس بنت أبي عامر، أتى به الصديق وقال شمها ولطفها أحب إليه منك، ثم لما زوجه أبوه في أيام إمارته أنفق عليه من بيت المال شهرا، ثم كف عن الانفاق عليه وأعطاه ثمن ماله وأمره أن يتجر وينفق على عياله. وذكر غير واحد أنه كان بين عاصم وبين الحسن والحسين منازعة في أرض، فلما تبين عاصم من الحسن الغضب قال: هي لك، فقال له: بل هي لك، فتركاها ولم يتعرضا لها، ولا أحد من ذريتهما حتى أخذها الناس من كل جانب، وكان عاصم رئيسا وقورا كريما فاضلا. قال الواقدي: مات سنة سبعين بالمدينة.

[ 345 ]

قبيصة بن ذؤيب الخزاعي الكلبي أبو العلاء من كبار التابعين وهو أخو معاوية من الرضاعة، كان من فقهاء أهل المدينة وصالحيهم، انتقل إلى الشام وكان معلم كتاب. قيس بن ذريج المشهور أنه من بادية الحجاز، وقيل إنه أخو الحسين بن علي من الرضاعة، وكان قد تزوج لبنى بنت الحباب ثم طلقها، فلما طلقها هام لما به من الغرام، وسكن البادية، وجعل يقول فيها الاشعار ونحل جسمه، فلما زاد ما به أتاه ابن أبي عتيق فأخذه ومضى به إلى عبد الله بن جعفر فقال له: فداك أبي وأمي، اركب معي في حاجة، فركب واستنهض معه أربعة نفر من وجوه قريش، فذهبوا معه وهم لا يدرون ما يريد، حتى أتى بهم باب زوج لبنى، فخرج إليهم فإذا وجوه قريش، فقال: جعلني الله فداكم ! ما جاء بكم ؟ قالوا: حاجة لابن أبي عتيق، فقال الرجل: اشهدوا أن حاجته مقضية، وحكمه جائز، فقالوا: أخبره بحاجتك، فقال ابن أبي عتيق: اشهدوا على أن زوجته لبنى منه طالق، فقال عبد الله بن جعفر: قبحك الله، ألهذا جئت بنا ؟ فقال: جعلت فداكم يطلق هذا زوجته ويتزوج بغيرها خير من أن يموت رجل مسلم في هواها صبابة، والله لا أبرح حتى ينتقل متاعها إلى بيت قيس، ففعلت وأقاموا مدة في أرغد عيش وأطيبه رحمهم الله تعالى. يزيد بن زياد بن ربيعة الحميري الشاعر كان كثير الشعر والهجو، وقد أراد عبيد الله بن زياد قتله لكونه هجا أباه زيادا، فمنعه معاوية من قتله، وقال: أدبه، فسقاه دواء مسهلا وأركبه على حمار وطاف به في الاسواق وهو يسلح على الحمار فقال في ذلك: يغسل الماء ما صنعت وشعري * راسخ منك في العظام البوالي بشير بن النضر قاضي مصر، كان رزقه في العام ألف دينار، توفي بمصر، وولى بعده عبد الرحمن بن حمزة الخولاني، والله سبحانه أعلم. مالك بن يخامر السكسكي الالهاني الحمصي تابعي جليل، ويقال له صحبة فالله أعلم. روى البخاري من طريق معاوية عنه عن معاذ بن جبل في حديث الطائفة الظاهرة على الحق أنهم بالشام، وهذا من

[ 346 ]

باب رواية الاكابر عن الاصاغر، إلا أن يقال له صحبة، والصحيح أنه تابعي وليس بصحابي، وكان من أخص أصحاب معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال غير واحد: مات في هذه السنة، وقيل سنة اثنتين وسبعين والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم دخلت سنة احدى وسبعين ففيها كان مقتل مصعب بن الزبير، وذلك أن عبد الملك بن مروان سار في جنود هائلة من الشام قاصدا مصعب بن الزبير، فالتقيا في هذه السنة، وقد كانا قبلها يركب كل واحد ليلتقي بالآخر فيحول بينهما الشتاء والبرد والوحل، فيرجع كل واحد منهما إلى بلده، فلما كان في هذا العام سار إليه عبد الملك وبعث بين يديه السرايا، ودخل بعض من أرسله إلى البصرة فدعا أهلها إلى عبد الملك في السر، فاستجاب له بعضهم، وقد كان مصعب سار إلى الحجاز فجاء ودخل البصرة على إثر ذلك، فأنب الكبراء من الناس وشتمهم ولامهم على دخول أولئك إليهم، وإقرارهم لهم على ذلك (1)، وهدم دور بعضهم، ثم شخص إلى الكوفة، ثم بلغه قصد عبد الملك له بجنود الشام فخرج إليه ووصل عبد الملك إلى مسكن، وكتب إلى المروانية الذين استجابوا لمن بعثه إليهم فأجابوه، واشترطوا عليه أن يوليهم أصبهان فقال نعم - وهم جماعة كثيرة من الامراء - وقد جعل عبد الملك على مقدمته أخاه محمد بن مروان، وعلى ميمنته عبد الله بن يزيد بن معاوية، وعلى ميسرته خالد بن يزيد بن معاوية، وخرج مصعب وقد اختلف عليه أهل العراق، وخذلوه وجعل يتأمل من معه فلا يجدهم يقاومون أعداءه، فاستقتل وطمن نفسه على ذلك، وقال: لي بالحسين بن علي أسوة حين امتنع عن إلقائه يده، ومن الذلة لعبيد الله بن زياد، وجعل ينشد ويقول مسليا نفسه: وإن الاولى بالطف من آل هاشم * تأسوا فسنوا للكرام التأسيا وكان عبد الملك قد أشار عليه بعض أصحابه أن يقيم بالشام وأن يبعث إلى مصعب جيشا، فأبى وقال: لعلي إن بعثت رجلا شجاعا كان لا رأي له، ومن له رأي ولا شجاعة له، وإني أجد من نفسي بصيرا بالحرب وشجاعة، وإن مصعبا في بيت شجاعة، أبوه أشجع قرشي، وأخوه لا تجهل شجاعته، وهو شجاع ومعه من يخالفه ولا علم له بالحرب، وهو يحب الدعة والصفح، ومعي من ينصح لي ويوافقني على ما أريد، فسار بنفسه فلما تقارب الجيشان بعث عبد الملك إلى أمراء مصعب يدعوهم إلى نفسه ويعدهم الولايات، فجاء إبراهيم بن الاشتر إلى مصعب فألقى


(1) في ابن الاعثم 6 / 254: كان أهل البصرة صفين: زبيريون ومروانيون فتحركت شيعة بني مروان وشيعة آل الزبير فاقتتلوا في موضع يقال له المربد - وكان مصعب يومئذ بالكوفة - ووقعت الهزيمة على المروانيين. (*)

[ 347 ]

إليه كتابا مختوما (1) وقال: هذا جاءني من عبد الملك، ففتحه فإذا هو يدعوه إلى الاتيان إليه وله نيابة العراق، وقال لمصعب: أيها الامير ! إنه لم يبق أحد من أمرائك إلا وقد جاءه كتاب مثل هذا، فإن أطعتني ضربت أعناقهم. فقال له مصعب: إني لو فعلت ذلك لم ينصحنا عشائرهم بعدهم، فقال: فابعثهم إلى أبيض كسرى فاسجنهم فيه، فإن كانت لك النصرة ضربت أعناقهم، وإن كانت عليك خرجوا بعد ذلك. فقال له: يا أبا النعمان، إني لفي شغل عن هذا، ثم قال مصعب: رحم الله أبا بحر - يعني الاحنف - أن كان ليحذرني غدر أهل العراق، وكأنه كان ينظر إلى ما نحن فيه الآن. ثم تواجه الجيشان بدير الجاثليق من مسكن، فحمل إبراهيم بن الاشتر - وهو أمير المقدمة العراقية لجيش مصعب - على محمد بن مروان - وهو أمير مقدمة الشام - فأزالهم عن موضعهم، فأردفه عبد الملك بعبد الله بن يزيد بن معاوية، فحملوا على ابن الاشتر ومن معه فطحنوهم، وقتل ابن الاشتر رحمه الله وعفا عنه، وقتل معه جماعة من الامراء، وكان عتاب بن ورقاء على خيل مصعب فهرب أيضا ولجأ إلى عبد الملك بن مروان، وجعل مصعب بن الزبير وهو واقف في القلب ينهض أصحاب الرايات ويحث الشجعان والابطال أن يتقدموا إلى أمام القوم، فلا يتحرك أحد (2)، فجعل يقول: يا إبراهيم ولا إبراهيم لي اليوم، وتفاقم الامر واشتد القتال، وتخاذلت الرجال، وضاق الحال، وكثر النزال. قال المدائني: أرسل عبد الملك أخاه إلى مصعب يعطيه الامان فأبى وقال: إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموضع إلا غالبا أو مغلوبا. قالوا: فنادى محمد بن مروان عيسى بن مصعب فقال: يا بن أخي لا تقتل نفسك، لك الامان، فقال له مصعب: قد أمنك عمك فامض إليه، فقال: لا يتحدث نساء قريش أني أسلمتك للقتل، فقال له: يا بني فاركب خيل السبق فالحق بعمك فأخبره بما صنع أهل العراق فإني مقتول ههنا، فقال: والله إني لا أخبر عنك أحدا أبدا، ولا أخبر نساء قريش بمصرعك، ولا أقتل إلا معك ولكن إن شئت ركبت خيلك وسرنا إلى البصرة فإنهم على الجماعة، فقال: والله لا يتحدث قريش بأني فررت من القتال، فقال لابنه: تقدم بين يدي حتى أحتسبك، فتقدم ابنه فقاتل حتى قتل، وأثخن مصعب بالرمي فنظر إليه زائدة بن قدامة وهو كذلك فحمل عليه فطعنه وهو يقول: يا ثارات المختار، ونزل إليه رجل يقال له عبيد الله بن زياد بن ظبيان التميمي فقتله وحز رأسه وأتى به عبد الملك بن مروان، فسجد عبد الملك وأطلق له ألف دينار فأبى أن يقبلها وقال: لم أقتله على


(1) انظر نسخة الكتاب في الاخبار الطوال ص 312، وقد أشار إليه الطبري وابن الاثير وابن قتيبة وابن الاعثم في الفتوح والمسعودي في مروج الذهب. (2) طلب مصعب من أبي عثمان قطن بن عبد الله الحارثي التقدم برايته فرفض، فطلب مصعب من حجاز بن أبجر - أبو أسيد - التقدم برايته فرفض أيضا. فقال لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس مثل ذلك. فقال له: ما أرى أحدا فعل ذلك فأفعله. انظر الطبري 7 / 185 وابن الاثير 4 / 326 وابن الاعثم 6 / 266. (*)

[ 348 ]

طاعتك ولكن بثأر كان لي عنده (1)، وكان قد ولي له عملا قبل ذلك فعزله عنه وأهانه. قالوا: ولما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك قال عبد الملك: لقد كان بيني وبين مصعب صحبة قديمة، وكان من أحب الناس إلي، ولكن هذا الملك عقيم، وقال: لما تفرق عن مصعب جموعه قال له ابنه عيسى: لو اعتصمت ببعض القلاع وكاتبت من بعد عنك مثل المهلب بن أبي صفرة وغيره فقدموا عليك، فإذا اجتمع لك ما تريد منهم لقيت القوم، فإنك قد ضعفت جدا. فلم يرد عليه جوابا، ثم ذكر ما جرى للحسين بن علي وكيف قتل كريما ولم يلق بيده، ولم يجد من أهل العراق وفاء، وكذلك أبوه وأخوه، ونحن ما وجدنا لهم وفاء، ثم انهزم أصحابه وبقي في قليل من خواصه، ومال الجميع إلى عبد الملك، وقد كان عبد الملك يحب مصعبا حبا شديدا، وكان خليلا له قبل الخلافة، فقال لاخيه محمد: اذهب إليه فأمنه، فجاءه فقال له: يا مصعب قد أمنك ابن عمك على نفسك وولدك ومالك وأهلك، فاذهب حيث شئت من البلاد، ولو أراد بك غير ذلك لكان [ أنزله بك، فانشدك الله في نفسك ] (2)، فقال مصعب: قضي الامر، إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبا أو مغلوبا، فتقدم ابنه عيسى فقاتل، فقال محمد بن مروان: يا بن أخي لا تقتل نفسك. ثم ذكر من قوله ما تقدم، ثم قاتل حتى قتل رحمه الله، ثم ذكر من قتل منهم بعده كما تقدم، قال: ولما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك بكى وقال: والله ما كنت أقدر أن أصبر عليه ساعة واحدة من حبي له حتى دخل السيف بيننا، ولكن الملك عقيم. ولقد كانت المحبة والحرمة بيننا قديمة، متى تلد النساء مثل مصعب ؟ ثم أمر بمواراته ودفنه هو وابنه وإبراهيم بن الاشتر في قبور بمسكن بالقرب من الكوفة. قال المدائني: وكان مقتل مصعب بن الزبير يوم الثلاثاء (3) الثالث عشر من جمادى الاولى أو الآخرة من سنة إحدى وسبعين في قول الجمهور وقال المدائني: سنة ثنتين وسبعين والله أعلم. قالوا: ولما قتل عبد الملك مصعبا ارتحل إلى الكوفة فنزل النخيلة فوفدت عليه الوفود من رؤساء القبائل وسادات العرب، وجعل يخاطبهم بفصاحة وبلاغة واستشهاد بأشعار حسنة، وبايعه أهل العراق وفرق العمالات في الناس، وولى الكوفة قطن بن عبد الله الحري أربعين يوما،


(1) في ابن الاثير 4 / 328: ضربه ابن ظبيان فقتله، وفي ابن الاعثم 6 / 267: حمل عليه عبيد الله بن زياد بن ظبيان التميمي فطعنه طعنة نكسه عن فرسه ثم نزل رجل من أهل الشام إلى مصعب فاحتز رأسه (وفي الامامة والسياسة 2 / 29 فجاء غلام لعبيد الله بن ظبيان فضرب مصعبا بالسيف فقتله). وفي الطبري 7 / 186: طعنه زائدة ونزل إليه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فاحتز رأسه وقال: إنه قتل أخي النابئ بن زياد. وانظر تاريخ الاسلام للذهبي 3 / 110 والاخبار الطوال ص 313. ومروج الذهب 3 / 129. (2) من مروج الذهب 3 / 128. (3) في الاخبار الطوال ص 313: يوم الخميس للنصف من جمادى الاولى سنة 72 (وانظر مروج الذهب 3 / 129) (*)

[ 349 ]

ثم عزله وولى أخاه بشر بن مروان عليها. وخطب عبد الملك يوما بالكوفة فقال في خطبته: إن عبد الله بن الزبير لو كان خليفة كما يزعم لخرج فآسى بنفسه ولم يغرز ذنبه في الحرم، ثم قال لهم: إني قد استخلفت عليكم أخي بشر بن مروان وأمرته بالاحسان إلى أهل الطاعة، وبالشدة على أهل المعصية، فاسمعوا له وأطيعوا. وأما أهل البصرة فانهم لما بلغهم مقتل مصعب تنازع في إمارتها أبان (1) بن عثمان بن عفان، وعبيد الله بن أبي بكرة، فغلبه أبان عليها، فبايعه أهلها فكان أشرف الرجلين، قال أعرابي: والله لقد رأيت رداء أبان مال عن عاتقه يوما فابتدره مروان وسعيد بن العاص أيهما يسويه على منكبيه، وقال غيره: مد أبان يوما رجله فابتدرها معاوية وعبد الله بن عامر أيهما يغمزها، قال: فبعث عبد الملك خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد واليا عليها - يعني على البصرة - فأخذها من أبان واستناب فيها عبيد الله بن أبي بكرة، وعزل أبانا عنها. قالوا: وقد أمر عبد الملك بطعام كثير فعمل لاهل الكوفة فأكلوا من سماطه ومعه يومئذ على السرير عمرو بن حريث، فقال له عبد الملك: ما ألذ عيشنا لو أن شيئا يدوم ؟ ولكن كما قال الاول: وكل جديد يا أميم إلى البلى * وكل امرئ يوما يصير إلى كان فلما فرغ الناس من الاكل نهض فدار في القصر وجعل يسأل عمرو بن حريث عن أحوال القصر ومن بنى أماكنه وبيوته ثم عاد إلى مجلسه فاستلقى وهو يقول: اعمل على مهل فانك ميت * واكدح لنفسك أيها الانسان فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى * وكأن ما هو كائن قد كان قال ابن جرير: وفيها رجع عبد الملك كما زعم الواقدي إلى الشام، وفيها عزل ابن الزبير جابر بن الاسود عن المدينة وولى عليها طلحة بن عبد الله بن عوف، وكان هو آخر أمرائه عليها، حتى قدم عليها طارق بن عمرو مولى عثمان من جهة عبد الملك. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير ولم يبق له ولاية على العراق. قال الواقدي: وفيها عقد عبد العزيز بن مروان نائب مصر لحسان العاني على غزو إفريقية فسار إليها في عدد كثير، فافتتح قرطاجنة وكان أهلها روما عباد أصنام. وفيها قتل نجدة الحروري الذي تغلب على اليمامة، وفيها خرج عبد الله بن ثور في اليمامة. وهذه ترجمة مصعب بن الزبير وهو مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو


(1) في الطبري 7 / 189 وابن الاثير 4 / 336: حمران بن أبان. (*)

[ 350 ]

عبد الله القرشي، ويقال له أبو عيسى أيضا الاسدي، وأمه كرمان بنت أنيف الكلبية، كان من أحسن الناس وجها، وأشجعهم قلبا. وأسخاهم كفا، وقد حكى عن عمر بن الخطاب، وروى عن أبيه الزبير وسعد وأبي سعيد الخدري، وروى عنه الحكم بن عيينة وعمرو بن دينار الجمحي، وإسماعيل بن أبي خالد، ووفد على معاوية، وكان ممن يجالس أبا هريرة، وكان من أحسن الناس وجها، حكى الزبير بن بكار: أن جميلا نظر إليه وهو واقف بعرفة فقال: إن ههنا فتى أكره أن تراه بثينة، وقال الشعبي: ما رأيت أميرا على منبر قط أحسن منه، وكذا قال إسماعيل بن خالد. وقال الحسن هو أجمل أهل البصرة، وقال الخطيب البغدادي: ولي إمرة العراقين لاخيه عبد الله حتى قتله عبد الملك بمسكن بموضع قريب من أوانا على نهر دجيل عند دير الجاثليق، وقبره إلى الآن معروف هناك. وقد ذكرنا صفة مقتله المختار بن أبي عبيد، وأنه قتل في غداة واحدة من أصحاب المختار سبعة آلاف، قال الواقدي: لما قتل مصعب المختار طلب أهل القصر من أصحاب المختار من مصعب الامان فأمنهم، ثم بعث إليهم عباد بن الحصين فجعل يخرجهم ملتفين، فقال له الرجل: الحمد لله الذي نصركم علينا وابتلانا بالاسر، يا بن الزبير من عفا عفا الله عنه، ومن عاقب لا يأمن القصاص، نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم وقد قدرت فاسمح واعف عنا، قال: فرق لهم مصعب وأراد أن يخلي سبيلهم، فقام عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث وغيره من كل قبيلة فقالوا: قد قتلوا أولادنا وعشائرنا وجرحوا منا خلقا، اخترنا أو اخترهم، فأمر حينئذ بقتلهم، فنادوا بأجمعهم: لا تقتلنا واجعلنا مقدمتك في قتال عبد الملك بن مروان، فإن ظفرنا فلكم، وإن قتلنا لا نقتل حتى نقتل منهم طائفة، وكان الذي تريد، فأبى ذلك مصعب، فقال له مسافر: اتق الله يا مصعب، فإن الله عز وجل أمرك أن لا تقتل نفسا مسلمة بغير نفس، وإن: * (من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) * [ النساء: 93 ] فلم يسمع له بل أمر بضرب رقابهم جميعهم وكانوا سبعة آلاف نفس، ثم كتب مصعب إلى ابن الاشتر أن أجبني فلك الشام وأعنة الخيل، فسار ابن الاشتر إلى مصعب. وقيل إن مصعبا لما قدم مكة أتى عبد الله بن عمر فقال: أي عم: إني أسألك عن قوم خلعوا الطاعة وقاتلوا حتى غلبوا تحصنوا وسألوا الامان فأعطوه ثم قتلوا بعد ذلك. فقال: وكم هم ؟ فقال: خمسة آلاف، فسبح ابن عمر واسترجع وقال: لو أن رجلا أتى ماشية الزبير فذبح منها خمسة آلاف ماشية في غداة واحدة ألست تعده مسرفا ؟ قال: نعم: قال: أفتراه إسرافا في البهائم ولا تراه إسرافا في من ترجو توبته ؟ يا بن أخي أصب من الماء البارد ما استطعت في دنياك. ثم إن مصعبا بعث برأس المختار إلى أخيه بمكة وتمكن مصعب في العراق تمكنا زائدا، فقرر بها الويالات والعمال، وحظي عنده ابن الاشتر فجعله على الوفادة، ثم رحل مصعب إلى أخيه بمكة فأعلمه بما فعل فأقره على ما صنع، إلا ابن الاشتر لم يمض له ما جعله عليه، وقال له: أتراني أحب الاشتر وهو الذي جرحني هذه الجراحة، ثم استدعى بمن قدم مع مصعب من أهل العراق فقال لهم: والله لوددت

[ 351 ]

أن لي بكل رجلين منكم رجلا من أهل الشام. فقال له أبو حاجز الاسدي - وكان قاضي الجماعة بالبصرة - إن لنا ولكم مثلا قد مضى يا أمير المؤمنين وهو ما قال الاعشى: علقتها عرضا وعلقت رجلا * غيري وعلق أخرى غيرها الرجل قلت كما قيل أيضا: جننا بليلى وهي جنت بغيرنا * وأخرى بنا مجنونة لا نريدها علقناك يا أمير المؤمنين وعلقت أهل الشام وعلق أهل الشام إلى مروان، فما عسينا أن نصنع ؟ قال الشعبي: ما سمعت جوابا أحسن منه، وقال غيره: وكان مصعب من أشد الناس محبة للنساء وقد أمضى من ذلك شيئا كثيرا كما روى أنه اجتمع عند الحجر الاسود جماعة منهم ابن عمر ومصعب بن الزبير، فقالوا: ليقم كل واحد منكم وليسأل من الله حاجته، فسأل ابن عمر المغفرة، وسأل مصعب أن يزوجه الله سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة، وكانتا من أحسن النساء في ذلك الزمان، وأن يعطيه الله إمرة العراقين، فأعطاه الله ذلك، تزوج بعائشة بنت طلحة، وكان صداقها عليه مائة ألف دينار، وكانت باهرة الجمال جدا، وكان مصعب أيضا جميلا جدا، وكذلك بقية زوجاته، قال الاصمعي: عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: اجتمع في الحجر مصعب وعروة وابن الزبير وابن عمر، فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم: وقال مصعب، أما أنا فأتمنى إمرة العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين. وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. قال: فنالوا كلهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غفر الله له. وقال عامر الشعبي: بينما أنا جالس إذ دعاني الامير مصعب بن الزبير فأدخلني دار الامارة ثم كشف فإذا وراءه عائشة بنت طلحة، فلم أر منظرا أبهى ولا أحسن منها، فقال: أتدري من هذه ؟ فقلت: لا فقال: هذه عائشة بنت طلحة، ثم خرجت فقالت: من هذا الذي أظهرتني عليه ؟ قال: هذا عامر الشعبي، قالت: فأطلق له شيئا، فأطلق لي عشرة آلاف درهم. قال الشعبي: فكان أول مال ملكته، وحكى الحافظ ابن عساكر: أن عائشة بنت طلحة تغضبت مرة على مصعب فترضاها بأربعمائة ألف درهم، فأطلقتها هي للمرأة التي أصلحت بينهما، وقيل إنه أهديت له نخلة من ذهب ثمارها من صنوف الجواهر المثمنة، فقومت بألفي ألف دينار، وكانت من متاع الفرس فأعطاها لعائشة بنت طلحة. وقد كان مصعب من أجود الناس وأكثرهم عطاء، لا يستكثر ما يعطي ولو كان ما عساه أن يكون فكانت عطاياه للقوي والضعيف، والوضيع والشريف متقاربة، وكان أخوه عبد الله يبخل. وروى الخطيب البغدادي في تاريخه أن مصعبا غضب مرة على رجل فأمر بضرب عنقه، فقال له

[ 352 ]

الرجل: أعز الله الامير ! ما أقبح بمثلي أن يقوم يوم القيامة فيتعلق بأطرافك هذه الحسنة، وبوجهك هذا الذي يستضاء به، فأقول: يا رب سل مصعبا فيم قتلني. فعفا عنه، فقال الرجل: أعز الله الامير إن رأيت ما وهبتني من حياتي في عيش رضي، فأطلق له مائة ألف، فقال الرجل إني أشهدك أن نصفها لابن قيس الرقيات حيث يقول فيك: إن مصعبا شهاب من الله * تجلت عن وجهه الظلماء ملكه ملك رحمة (1) ليس فيه * جبروت منه ولا كبرياء يتقي الله في الامور وقد * أفلح من كان همه الاتقاء وفي رواية أنه قال له: أيها الامير قد وهبتني حياة، فإن استطعت أن تجعل ما قد وهبتني من الحياة في عيش رضي وسعة فافعل، فأمر له بمائة ألف. وقال الامام أحمد: حدثنا حماد بن سلمة، ثنا علي بن يزيد قال: بلغ مصعبا، عن عريف الانصاري شئ فهم به، فدخل عليه أنس بن مالك فقال له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " استوصوا بالانصار خيرا - أو قال معروفا - اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم " (1). فألقى مصعب نفسه عن سريره وألصق خده بالبساط وقال: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرأس والعين " فتركه. ومن كلام مصعب في التواضع أنه قال: العجب من ابن آدم كيف يتكبر وقد جرى في مجرى البول مرتين. وقال محمد بن يزيد المبرد: سئل القاسم بن محمد عن مصعب فقال: كان نبيلا رئيسا تقيا أنيسا. وقد تقدم أنه لما ظهر على المختار قتل من أصحابه في غداة واحدة خمسة آلاف، وقيل سبعة آلاف، فلما كان بعد ذلك لقي ابن عمر فسلم عليه فلم يعرفه ابن عمر، لانه كان قد انضر في عينيه، فتعرف له فعرفه، قال: أنت الذي قتلت في غداة واحدة خمسة آلاف ممن يوحد الله ؟ فاعتذر إليه بأنهم بايعوا المختار، فقال: أما كان فيهم من هو مستكره أو جاهل فينظر حتى يتوب ؟ أرأيت لو أن رجلا جاء إلى غنم الزبير فنحر منها خمسة آلاف في غداة واحدة، أما كان مسرفا ؟ قال: بلى ! قال: وهي لا تعبد الله ولا تعرفه كما يعرفه الآدمي، فكيف بمن هو موحد ؟ ثم قال له: يا بني تمتع من الماء البارد ما استطعت، وفي رواية أنه قال له: عش ما استطعت. وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الحسن، عن زفر بن قتيبة، عن الكبي قال: قال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه: من أشجع العرب والروم ؟ قالوا شبيب: وقال آخر: قطري بن الفجاءة وفلان وفلان. فقال عبد الملك: إن أشجع الناس لرجل جمع بين سكينة بنت


(1) في الكامل للمبرد 1 / 399: قوة. (2) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 3 / 241. (*)

[ 353 ]

الحسين وعائشة بنت طلحة وأمه الحميد بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وابنه ريان بن أنيف الكلبي، سيد ضاحية العرب وولي العراقين خمس سنين فأصاب ألف ألف، وألف ألف، وألف ألف، مع ما لنفسه من الاموال وملك غير ذلك من الاثاث والدواب والاموال ما لا يحصى، وأعطى مع هذا الامان وأن يسلم هذا له جميعه مع الحياة فزهد في هذا كله وأبى واختار القتل على مقام ذل، ومفارقة هذا كله ومشى بسيفه فقاتل حتى مات، وذلك بعد خذلان أصحابه له، فذلك مصعب بن الزبير رحمه الله، وليس هو كمن قطع الجسور مرة ههنا ومرة ههنا. فهذا هو الرجل وهذا هو الزهد. قالوا: وكان مقتله يوم الخميس للنصف من جمادى الاولى سنة ثنتين وسبعين. وقال الزبير بن بكار: حدثني فليح بن إسماعيل وجعفر بن أبي بشير عن أبيه. قال: لما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك قال: لقد أردى الفوارس يوم عبس * غلام غير مناع المتاع ولا فرح بخير إن أتاه * ولا هلع من الحدثان لاع ولا رقابة والخيل تعدو * ولا خال كانبوب اليراع فقال الرجل الذي جاء برأسه: والله يا أمير المؤمنين لو رأيته والرمح في يده تارة والسيف تارة يفري بهذا ويطعن بهذا، لرأيت رجلا يملا القلب والعين شجاعة، لكنه لما تفرقت عنه رجاله وكثر من قصده وبقي وحده ما زال ينشد: وإني على المكروه عند حضوره * أكذب نفسي والجفون فلم تغض وما ذاك من ذل ولكن حفيظة * أذب بها عند المكارم عن عرضي وإني لاهل الشر بالشر مرصد * وإني لذي سلم أذل من الارض فقال عبد الملك: كان والله كما وصف به نفسه وصدق، ولقد كان من أحب الناس إلي، وأشدهم لي ألفة ومودة، ولكن الملك عقيم. وروى يعقوب بن سفيان: عن سليمان بن حرب، عن غسان بن مضر، عن سعيد بن يزيد: أن عبيد الله بن زياد بن ظبيان قتل مصعبا عند دير الجاثليق على شاطئ نهر يقال له دجيل، من أرض مسكن، واحتز رأسه فذهب به إلى عبد الملك فسجد شكرا لله، وكان ابن ظبيان فاتكا رديئا وكان يقول: ليتني قتلت عبد الملك حين سجد يومئذ فأكون قد قتلت ملكي العرب، قال يعقوب: وكان ذلك سنة ثنتين وسبعين فالله أعلم. وحكى الزبير بن بكار في عمره يوم قتل ثلاثة أقوال، أحدهما خمس وثلاثون سنة والثاني أربعون سنة، والثالث خمس وأربعون سنة فالله أعلم. وروى الخطيب البغدادي أن امرأته سكينة بنت الحسن كانت معه في هذه الوقعة فلما قتل

[ 354 ]

طلبته في القتلى حتى عرفته بشامة في خده فقالت: نعم بعل المرأة المسلمة، كنت أدركك والله ما قال عنتر: وخليل غانية تركت مجندلا * بالقاع لم يعهد ولم يتثلم فهتكت بالرمح الطويل إهابه * ليس الكريم على القنا بمحرم قال الزبير: وقال عبد الله بن قيس الرقيات يرثي مصعب بن الزبير رحمه الله تعالى: لقد أورث (1) المصرين حزنا (2) وذلة * قتيل بدير الجاثليق مقيم فما نصحت (3) لله بكر بن وائل * ولا صدقت (4) يوم اللقاء تميم ولو كان بكريا يعطف حوله * كتائب يبقى حرها (5) ويدوم ولكنه ضاع الذمام (6) ولم يكن * بها مضري يوم ذاك كريم جزى الله كوفيا (7) هناك ملامة * وبصريهم إن الملوم ملوم وإن بني العلات أخلوا ظهورنا * ونحن صريح بينهم وصميم فإن نفن لا يبقي أولئك بعدنا * لذي حرمة في المسلمين حريم وقد قال أبو حاتم الرازي: ثنا يحيى بن مصعب الكلبي، ثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد الملك بن عمير قال: دخلت القصر بالكوفة فإذا رأس الحسين بن علي على ؟ رس بين يدي عبيد الله بن زياد وعبيد الله على السرير، ثم دخلت القصر بعد ذلك بحين فرأيت رأس عبيد الله بن زياد على ترس بين يدي المختار، والمختار على السرير، ثم دخلت القصر بعد ذلك بحين فرأيت رأس المختار على ترس بين يدي مصعب بن الزبير، ومصعب على السرير، ثم دخلت القصر بعد حين فرأيت رأس مصعب بن الزبير على ترس بين عبد الملك، وعبد الملك على السرير. وقد حكى ذلك الامام أحمد وغير واحد عن عبد الملك بن عمير. وقال عبد الله بن قيس الرقيات يرثي مصعبا أيضا: نعت السحائب والغمام بأسرها * جسدا بمسكن عاري الاوصال


(1) في الاخبار الطوال ص 313: ورد. (2) في الطبري 7 / 187: خزيا، وفي مروج الذهب 3 / 130: عارا وفي الاخبار الطوال ص 313: خزي. (3) في الاخبار الطوال: فما صبرت، وفي ابن الاعثم 6 / 268: فما جد هدت. (4) في الطبري ومروج الذهب وابن الاعثم: ولا صبرت. وفي الاخبار الطوال: ولا ثبتت. (5) في الطبري: يغلي حميمها. (6) في مروج الذهب والاخبار الطوال: ضاع الذمار، وفي ابن الاعثم: ضاع الزمان. (7) في مروج الذهب: بصريا وفي ابن الاعثم: كوفانا. وليس البيت في الاخبار الطوال وتاريخ الاسلام. (*)

[ 355 ]

تمسي عوائذه السباع وداره * بمنازل أطلالهن بوالي رحل الرفاق وغادروه ثاويا * للريح بين صبا وبين شمالي فصل وكان لمصعب من الولد عكاشة وعيسى الذي قتل معه وسكينة وأمهم فاطمة بنت عبد الله بن السائب، وعبد الله ومحمد، وأمهما عائشة بنت طلحة، وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وجعفر ومصعب وسعيد وعيسى الاصغر والمنذر لامهات شتى، والرباب وأمها سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعنهم. قال ابن جرير. وذكر أبو زيد عن أبي غسان محمد بن يحيى حدثني مصعب بن عثمان قال: لما انتهى إلى عبد الله بن الزبير قتل أخيه مصعب قام في الناس خطيبا فقال: الحمد لله الذي له الخلق والامر يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شئ قدير، ألا وإنه لم يذل الله من كان الحق معه وإن كان فردا وحده، ولن يفلح من كان وليه الشيطان وحزبه ولو كان معه الانام طرا، ألا وإنه أتانا من العراق خبر أحزننا وأفرحنا، أتانا قتل مصعب فأحزننا فأما الذي أفرحنا فعلمنا أن قتله له شهادة، وأما الذي أحزننا فإن الحميم لفراقه لوعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يرعوي من بعدها، وذو الرأي جميل الصبر كريم العزاء، ولئن أصبت بمصعب فلقد أصبت بالزبير قبله، وما أنا من عثمان بخلو مصيبة، وما مصعب إلا عبد من عبيد الله، وعون من أعواني، ألا وإن أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقل الثمن، فإن يقتل فإنا والله ما نموت على مضاجعنا كما تموت بنو أبي العاص، والله ما قتل منهم رجل في زحف في الجاهلية ولا في الاسلام، وما نموت إلا بأطراف الرماح أو تحت ظل السيوف، فإن بني أبي العاص يجمعون الناس بالرغبات والرهبات، ثم يقاتلون بهم أعداءهم ممن هو خير منهم وأكرم ولا يقاتلون تابعيهم زحفا، ألا وإن الدنيا عارية من الملك الاعلى الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه، فإن تقبل الدنيا لآخذها أخذ الاشر البطر، وإن تدبر لا أبكي عليها بكاء الحزين الاسف المهين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وممن توفي فيها من الاعيان إبراهيم بن الاشتر كان أبوه ممن قام على عثمان وقتله، وكان إبراهيم هذا من المعروفين بالشجاعة وله شرف، وهو الذي قتل عبيد الله بن زياد كما ذكرنا.

[ 356 ]

عبد الرحمن بن غسيلة أبو عبد الله المرادي الصنابحي، كان من الصلحاء، وكان عبد الملك يجلسه معه على السرير، وكان عالما فاضلا، توفي بدمشق. عمر بن سلمة المخزومي المدني ربيب النبي صلى الله عليه وسلم ولد بأرض الحبشة. سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو عبد الرحمن (1) كان عبدا لام سلمة فأعتقته وشرطت عليه أن يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أنا لا أزال أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم تعتقيني ما عشت، وقد كانت سفينة بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم أليفا، وبهم خليطا، وروى الطبراني أن سفينة سئل عن اسمه لم سمي سفينة ؟ قال: سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة، خرج مرة ومعه أصحابه فثقل عليهم متاعهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ابسط كساءك فبسطته فجعل فيه متاعهم، ثم قال لي: احمل ما أنت إلا سفينة، قال فلو حملت يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو خمسة أو ستة ما ثقل علي " (2). وروى محمد بن المنكدر عن سفينة قال: ركبت مرة سفينة في البحر فانكسرت بنا فركبت لوحا منها فطرحني البحر إلى غيضة فيها الاسد فجاءني فقلت: يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطأطأ رأسه وجعل يدفعني بجنبه أو بكفه حتى وضعني على الطريق، ثم همهم همهمة فظننت أنه يودعني. وقال حماد بن سلمة: ثنا سعيد بن جهمان عن سفينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " دخل بيت فاطمة فرأى في ناحية البيت قرما مضروبا فرجع ولم يدخل، فقالت فاطمة لعلي: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الذي رده ؟ فسأله فقال: ليس لي ولا لنبي أن يدخل بيتا مزوقا ". عمر بن أخطب أبو زيد الانصاري الاعرج غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة غزوة. يزيد بن الاسود الجرشي السكوني كان عابدا زاهدا صالحا، سكن الشام بقرية زيدين، وقيل بقرية جرين، وكانت له دار داخل باب شرقي، وهو مختلف في صحبته، وله روايات عن الصحابة، وكان أهل الشام يستسقون به إذا قحطوا، وقد استسقى به معاوية والضحاك بن قيس، وكان يجلسه معه على


(1) في صفة الصفوة 1 / 671: واسمه مهران. (وانظر الاصابة 2 / 58). (2) أخرجه الامام أحمد في المسند 5 / 220. (*)

[ 357 ]

المنبر، قال معاوية: قم يزيد اللهم إنا نتوسل إليك بخيارنا وصلحائنا، فيستسقي الله فيسقون، وكان يصلي الصلوات في الجامع بدمشق، وكان إذا خرج من القرية يريد الصلاة بالجامع في الليلة المظلمة يضئ له إبهام قدمه، وقيل أصابع رجليه كلها حتى يدخل الجامع، فإذا رجع أضاءت له حتى يدخل القرية. وذكروا أنه لم يدع شجرة في قرية زيدين إلا صلى عندها ركعتين، وكان يمشي في ضوء إبهامه في الليلة المظلمة ذاهبا إلى صلاة العشاء بالجامع بدمشق وآتيا إلى قريته، وكان يشهد الصلوات بالجامع بدمشق لا تفوته به صلاة. مات بقرية زيدين أو جرين من غوطة دمشق رحمه الله. ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين ففيها كانت وقعة عظيمة بين المهلب بن أبي صفرة وبين الازارقة من الخوارج بمكان يقال له سولاق (1) ثم مكثوا نحوا من ثمانية أشهر متواقفين، وجرت بينهم حروب يطول بسطها، وقد استقصاها ابن جرير، وقتل في أثناء ذلك من هذه المدة مصعب بن الزبير، ثم إن عبد الملك أقر المهلب بن أبي صفرة (2) على الاهواز وما معها، وشكر سعيه وأثنى عليه ثناء كثيرا، ثم تواقع الناس في دولة عبد الملك بالاهواز فكسر الناس الخوارج كسرة فظيعة، وهربوا في البلاد لا يلوون على أحد، واتبعهم خالد بن عبد الله أمير الناس وداود بن محندم (3) فطردوهم، وأرسل عبد الملك إلى أخيه بشر بن مروان أن يمدهم بأربعة آلاف، فبعث إليه أربعة آلاف عليهم عتاب بن ورقاء فطردوا الخوارج كل مطرد، ولكن لقي الجيش جهدا عظيما وماتت خيولهم ولم يرجع أكثرهم إلا مشاة إلى أهليهم. قال ابن جرير: وفي هذه السنة كان خروج أبي فديك الحارثي وهو من قيس بن ثعلبة، وغلب على البحرين، وقتل نجدة بن عامر الحارثي (4)، فبعث إليه خالد بن عبد الله أمير البصرة أخاه أمية بن عبد الله في جيش كثيف، فهزمهم أبو فديك وأخذ جارية لامية واصطفاها لنفسه،


(1) في الطبري 7 / 191: سولاف، وهي قرية في غربي، دجيل من أرض خوزستان ققرب مناذر الكبرى (معجم البلدان). (2) وكان خالد بن عبد الله بن أسيد قد عزل المهلب عن حرب الازارقة وولاها أخاه عبد العزيز وولى المهلب خراج الاهواز، فهزم عبد العزيز شر هزيمة فكتب خالد إلى عبد الملك يستخبره رأيه فكتب إليه عبد الملك: أما بعد فإن خطابي فيك حين وليتك أمر العراق كخطأك في عبد العزيز حين توليه الحرب وتولي المهلب الخراج... فابعث المهلب إلى حرب الازارقة واضمم أخاك عبد العزيز إليه (انظر الطبري 7 / 193 وابن الاعثم 6 / 303 وابن الاثير 4 / 342 والكامل للمبرد 2 / 261). (3) في الطبري 7 / 194: داود بن قحذم. وانظر أيضا ابن الاثير 4 / 344. (4) في الطبري: الحنفي. (*)

[ 358 ]

وكتب خالد أمير البصرة إلى عبد الملك يعلمه بما وقع، واجتمع على خالد هذا حرب أبي فديك وحرب الازارقة أصحاب قطرى بن الفجاءة بالاهواز. قال ابن جرير: وفيها بعث عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي إلى عبد الله بن الزبير ليحاصره بمكة، قال: وكان السبب في بعثه له دون غيره، أن عبد الملك بن مروان لما أراد الرجوع إلى الشام بعد قتله مصعبا وأخذه العراق، ندب الناس إلى قتال عبد الله بن الزبير بمكة فلم يجبه أحد إلى ذلك، فقام الحجاج وقال: يا أمير المؤمنين أنا له، وقص الحجاج على عبد الملك مناما زعم أنه رآه، قال: رأيت يا أمير المؤمنين كأني أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته، فابعث بي إليه فإني قاتله، فبعثه في جيش كثيف من أهل الشام وكتب معه أمانا لاهل مكة إن هم أطاعوه، قالوا: فخرج الحجاج في جمادى من هذه السنة ومعه ألفا فارس (1) من أهل الشام، فسلك طريق العراق ولم يعرض للمدينة حتى نزل الطائف، وجعل يبعث البعوث إلى عرفة، ويرسل ابن الزبير الخيل فيلتقيان فيهزم خيل ابن الزبير وتظفر خيل الحجاج، ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم ومحاصرة ابن الزبير، فإنه قد كلت شوكته، وملت جماعته، وتفرق عنه عامة أصحابه، وسأله أن يمده برجال أيضا، فكتب عبد الملك إلى طارق بن عمرو يأمره أن يلحق بمن معه بالحجاج، وارتحل الحجاج من الطائف فنزل بئر ميمونة، وحصر ابن الزبير بالمسجد، فلما دخل ذو الحجة حج بالناس الحجاج في هذه السنة وعليه وعلى أصحابه السلاح وهم وقوف بعرفات، وكذا فيما بعدها من المشاعر، وابن الزبير محصور لم يتمكن من الحج هذه السنة، بل نحر بدنا يوم النحر، وهكذا لم يتمكن كثير ممن معه من الحج، وكذا لم يتمكن كثير ممن مع الحجاج وطارق بن عمرو أن يطوفوا بالبيت، فبقوا على إحرامهم لم يحصل لهم التحلل الثاني، والحجاج وأصحابه نزول بين الحجون وبئر ميمونة فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال ابن جرير: وفي هذه السنة كتب عبد الملك إلى عبد الله بن خازم أمير خراسان يدعوه إلى بيعته ويقطعه خراسان سبع سنين، فلما وصل إليه الكتاب قال للرسول (2): بعثك أبو الذبان ؟ والله لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك، ولكن كل كتابه فأكله، وبعث عبد الملك إلى بكير بن وشاح (3) نائب ابن خازم على مرو يعده بأمرة خراسان إن خلع عبد الله بن خازم، فخلعه، فجاء ابن خازم فقاتله فقتل في المعركة عبد الله بن خازم أمير خراسان، قتله رجل يقال له وكيع بن


(1) في الامامة والسياسة 2 / 30: في ألف وخمسمائة رجل. وفي رواية لابن الاثير 4 / 348: في ثلاثة آلاف وفي ابن الاعثم 6 / 272: ستة آلاف رجل. (2) واسمه سوادة بن اشتم النميري، وذكره الطبري: سورة بن أشيم النميري، وقيل سنان بن مكمل الغنوي. (3) في ابن الاثير: ابن وساج. (*)

[ 359 ]

عميرة (1)، لكن كان قد ساعده غيره، فجلس وكيع على صدره وفيه رمق، فذهب ليوء فلم يتمكن من ذلك، وجعل وكيع يقول: يا ثارات دويلة - يعني أخاه - وكان دويلة قد قتله ابن خازم، ثم إن خازم تنخم في وجه وكيع قال وكيع: لم أر أحدا أكثر ريقا منه في تلك الحال، وكان أبو هريرة إذا ذكر هذا يقول: هذه والله هي البسالة، وقال له ابن خازم: ويحك أتقتلني بأخيك ؟ لعنك الله، أتقتل كبش مصر بأخيك العلج ؟ وكان لا يساوي كفا من تراب - أو قال من نوى - قال: فاحتز رأسه وأقبل بكير بن وشاح فأراد أخذ الرأس فمنعه منه بجير بن ورقاء فضربه بجير بعموده وقيده، ثم أخذ الرأس ثم بعثه إلى عبد الملك بن مروان وكتب إليه بالنصر والظفر، فسر بذلك سرورا كثيرا، وكتب إلى بكير بن وشاح باقراره على نيابة خراسان. وفي هذه السنة أخذت المدينة من ابن الزبير واستناب فيها عبد الملك طارق بن عمرو، الذي كان بعثه مددا للحجاج. وهذه ترجمة عبد الله بن خازم هو عبد الله بن خازم بن أسماء السلمي أبو صالح البصري أمير خراسان أحد الشجعان المذكورين، والفرسان المشكورين، قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيبه: ويقال له صحبة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في العمامة السوداء، وهو عند أبي داود والترمذي والنسائي لكن لم يسموه، وروى عنه سعد بن عثمان الرازي وسعيد بن الازرق. روى أبو بشير الدولابي أنه قتل في سنة إحدى وسبعين، وقيل: في سنة سبع وثمانين، وليس هذا القول بشئ. انتهى ما ذكره شيخنا، وقد ذكره أبو الحسن بن الاثير في الغابة في أسماء الصحابة، فقال: عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن سماك بن عوف بن امرئ القيس بن نهية (2) بن سليم بن منصور، أبو صالح السلمي، أمير خراسان، شجاع مشهور، وبطل مذكور، وروى عنه سعيد بن الازرق، وسعد بن عثمان، قيل إن له صحبة، وفتح سرخس، وكان أميرا على خراسان أيام فتنة ابن الزبير، وأول ما وليها سنة أربع وستين بعد موت يزيد بن معاوية وابنه معاوية، وجرى له فيها حروب كثيرة حتى تم أمره بها، وقد استقصينا أخباره في كتاب الكامل في التاريخ، وقتل سنة إحدى وسبعين. وهكذا حكى شيخنا عن الدولابي، وكذا رأيت في التاريخ لشيخنا الذهبي. والذي ذكره ابن جرير في تاريخه أنه قتل سنة ثنتين وسبعين، قال: وزعم بعضهم أنه قتل بعد مقتل عبد الله بن الزبير، وأن عبد الملك بعث برأس ابن الزبير إلى ابن خازم بخراسان (3)، وبعث يدعوه إلى طاعته وله خراسان عشر سنين، وأن ابن خازم لما رأى رأس ابن


(1) في ابن الاثير 4 / 346: بكير بن عمرو القريعي، وفي الاصابة 2 / 301 والمعارف لابن قتيبة ص 184: وكيع بن الدورقية. (2) في أسد الغابة 3 / 148 والاصابة 2 / 310: بهثة. (3) في رواية الاصابة: أن عبد الملك أرسل برأس مصعب بن الزبير بعد قتله إلى ابن خازم فغسله ثم صلى عليه. (*)

[ 360 ]

الزبير حلف لا يعطي عبد الملك طاعة أبدا، ودعا بطست فغسل رأس ابن الزبير وكفنه وطيبه وبعث به أهله بالمدينة، ويقال بل دفنه عنده بخراسان والله أعلم. وأطعم الكتاب للبريد الذي جاء به وقال: لولا أنك رسول لضربت عنقك، وقال بعضهم: قطع يديه ورجليه وضرب عنقه. وممن توفي فيها من الاعيان الاحنف بن قيس أبو (1) معاوية بن حصين التميمي السعدي أبو بحر البصري ابن أخي صعصعة بن معاوية، والاحنف لقب له، وإنما اسمه الضحاك، وقيل صخر، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وجاء في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له، وكان سيدا شريفا مطاعا مؤمنا، عليم اللسان، وكان يضرب بحلمه المثل وله أخبار في حلمه سارت بها الركبان، قال عنه عمر بن الخطاب: هو مؤمن عليم اللسان. وقال الحسن البصري: ما رأيت شريف قوم أفضل منه، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: هو بصري تابعي ثقة، وكان سيد قومه، وكان أعور أحيف الرجلين ذميما قصيرا كوسجا له بيضة واحدة، احتسبه عمر عن قومه سنة يختبره، ثم قال: هذا والله السيد - أو قال السؤدد - وقيل إنه خطب عند عمر فأعجبه منطقه، قيل ذهبت عينه بالجدري، وقيل في فتح سمرقند، وقال يعقوب بن سفيان: كان الاحنف جوادا حليما، وكان رجلا صالحا. أدرك الجاهلية ثم أسلم، وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فاستغفر له، وقال: كان ثقة مأمونا قليل الحديث، وكان كثير الصلاة بالليل، وكان يسرج المصباح ويصلي ويبكي حتى الصباح، وكان يضع أصبعه في المصباح ويقول: حس يا أحنف، ما حملك على كذا ؟ ما حملك على كذا ؟ ويقول لنفسه: إذا لم تصبر على المصباح فكيف تصبر على النار الكبرى ؟ وقيل له: كيف سودك قومك وأنت أرذلهم خلقة ؟ قال: لو عاب قومي الماء ما شربته، كان الاحنف من أمراء علي يوم صفين، وهو الذي صالح أهل بلخ على أربعمائة ألف دينار في كل سنة. وله وقائع مشهودة مشهورة، وقتل من أهل خراسان خلقا كثيرا في القتال بينهما، وانتصر عليهم. وقال الحاكم: وهو الذي افتتح مرو الروذ، وكان الحسن وابن سيرين في جيشه، وهو الذي افتتح سمرقند وغيرها من البلاد. وقيل إنه مات سنة سبع وستين، وقيل غير ذلك، عن سبعين سنة. وقيل عن أكثر من ذلك. ومن كلامه وقد سئل عن الحكم ما هو ؟ فقال: الذل مع الصبر، وكان إذا تعجب الناس من حلمه يقول: والله إني لاجد ما يجدون، ولكني صبور. وقال: وجدت الحلم أنصر لي من


(1) في الاصابة 1 / 100 والمعارف ص 186 ابن معاوية. ذكر ابن قتيبة في نسبه: هو صخر بن قيس بن معاوية بن حصن بن عباد بن مرة بن عبيد بن تميم ورهطه بنو مرة بن عبيد. وهو أبو اليقظان. (*)

[ 361 ]

الرجال وقد انتهى إليه الحلم والسؤدد، وقال: احيى معروفك باماتة ذكره، وقال عجبت لمن يجري مجرى البول مرتين كيف يتكبر ؟ وقال: ما أتيت باب أحد من هؤلاء إلا أن أدعى، ولا دخلت بين اثنين إلا أن يدخلاني بينهما (1)، وقيل له: بم سدت قومك ؟ قال: بتركي من الامر مالا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وأغلظ له رجل في الكلام وقال: والله يا أحنف لئن قلت لي واحدة لتسمعن بدلها عشرا، فقال له: إنك إن قلت لي عشرا لا تسمع مني واحدة، وكان يقول في دعائه: اللهم إن تعذبني فأنا أهل لذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل لذلك. وقد كان زياد بن أبيه يقر به ويدنيه، فلما مات زياد وولي ابنه عبيد الله لم يرفع به رأسا، فتأخرت عنده منزلته، فلما وفد برؤوساء أهل العراق على معاوية أدخلهم عليه على مراتبهم عنده، فكان الاحنف آخر من أدخله عليه، فلما رآه معاوية أجله وعظمه، وأدناه وأكرمه، وأجلسه معه على الفراش، ثم أقبل عليه يحادثه دونهم، ثم شرع الحاضرون في الثناء على ابن زياد والاحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك لا تتكلم ؟ قال: إن تكلمت خالفتهم، فقال معاوية: أشهدكم أني قد عزلته عن العراق، ثم قال لهم. انظروا لكم نائبا، وأجلهم ثلاثة أيام، فاختلفوا بينهم اختلافا كثيرا، ولم يذكر أحد منهم بعد ذلك عبيد الله، ولا طلبه أحد منهم، ولم يتكلم الاحنف في ذلك كلمة واحدة مع أحد منهم، فلما اجتمعوا بعد ثلاث أفاضوا في ذلك الكلام، وكثر اللغط، وارتفعت الاصوات والاحنف ساكت، فقال له معاوية: تكلم، فقال له: إن كنت تريد أن تولي فيها أحدا من أهل بيتك فليس فيهم من هو مثل عبيد الله، فإنه رجل حازم لا يسد أحد منهم مسده، وإن كنت تريد غيره فأنت أعلم بقرابتك، فرده معاوية إلى الولاية، ثم قال له بينه وبينه: كيف جهلت مثل الاحنف ؟ إنه هو الذي عزلك وولاك وهو ساكت، فعظمت منزلة الاحنف بعد ذلك عند ابن زياد جدا. توفي الاحنف بالكوفة وصلى عليه مصعب بن الزبير، ومشى في جنازته، وقد تقدمت له حكاية، ذكر الواقدي أنه قدم على معاوية فوجده غضبان على ابنه يزيد، وأنه أصلح بينهما بكلام، قال فبعث معاوية إلى يزيد بمال جزيل وقماش كثير، فأعطى يزيد نصفه للاحنف والله سبحانه أعلم. البراء بن عازب ابن الحارث بن عدي بن مجدعة (2) بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الانصاري الحارثي الاوسي. صحابي جليل، وأبوه أيضا صحابي، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) انظر كلامه مفصلا في الكامل للمبرد ج 1 / 75 وص 104. (2) كذا بالاصل والاستيعاب والاصابة، ولم يذكر ابن الكلبي في نسبه مجدعة وهو أصوب. (*)

[ 362 ]

أحاديث كثيرة، وحدث عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وعنه جماعة من التابعين وبعض الصحابة. وقيل إنه مات بالكوفة أيام ولاية مصعب بن الزبير على العراق. عبيدة السلماني القاضي وهو عبيدة بن عمرو ويقال ابن قيس بن عمرو السلماني المرادي أبو عمرو الكوفي. وسلمان بطن من مراد، أسلم عبيدة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن ابن مسعود وعلي وابن الزبير. وحدث عنه جماعة من التابعين، وقال الشعبي: كان يوازي شريحا في القضاء، قال ابن نمير: كان شريح إذا أشكل عليه أمر كتب إلى عبيدة فيه، وانتهى إلى قوله، وقد أثنى عليه غير واحد، وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل سنة ثلاث وقيل أربع وسبعين فالله أعلم. وقد قيل إن مصعب بن الزبير قتل فيها فالله أعلم. وممن توفي فيها أيضا عبد الله بن السائب بن صيفي المخزومي، له صحبة ورواية، وقرأ على أبي بن كعب، وقرأ عليه مجاهد وغيره. عطية بن بشر المازني له صحبة ورواية. عبيدة بن نضيلة أبو معاوية الخزاعي الكوفي مقرئ أهل الكوفة، مشهور بالخير والصلاح، توفي بالكوفة في هذه السنة. عبد الله بن قيس الرقيات القرشي العامري أحد الشعراء، مدح مصعبا وابن جعفر. عبد الله بن حمام أبو عبد الرحمن الشاعر السلولي هجا بني أمية بقوله: شربنا الغيض حتى لو سقينا * دماء بني أمية ما روينا ولو جاؤوا برملة أو بهند * لبايعنا أمير المؤمنينا وكان عبيدة السلماني أعورا، وكان أحد أصحاب ابن مسعود الذين يفتنون الناس. توفي بالكوفة. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين فيها كان مقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه على يدي الحجاج بن يوسف الثقفي المبير

[ 363 ]

قبحه الله وأخزاه، قال الواقدي: حدثني مصعب بن نائب عن نافع مولى بني أسد - وكان عالما بفتنة ابن الزبير - قال: حصر ابن الزبير ليلة هلال الحجة (1) سنة ثنتين وسبعين وقتل لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الاول (2) سنة ثلاث وسبعين، فكان حصر الحجاج له خمسة أشهر وسبع عشرة ليلة (3). وقد ذكرنا فيما تقدم أن الحجاج حج بالناس في هذه السنة الخارجة، وكان في الحج ابن عمر، وقد كتب عبد الملك إلى الحجاج أن يأتم بابن عمر في المناسك كم ثبت ذلك في الصحيحين، فلما استهلت هذه السنة استهلت وأهل الشام محاصرون أهل مكة، وقد نصب الحجاج المنجنيق على مكة ليحصر أهلها حتى يخرجوا إلى الامان والطاعة لعبد الملك وكان مع الحجاج الحبشة، فجعلوا يرمون بالمنجنيق فقتلوا خلقا كثيرا، وكان معه خمس مجانيق فألح عليها بالرمي من كل مكان، وحبس عنهم الميرة، والماء، فكانوا يشربون من ماء زمزم، وجعلت الحجارة تقع في الكعبة، والحجاج يصيح بأصحابه: يا أهل الشام الله الله في الطاعة، فكانوا يحملون على ابن الزبير حتى يقال إنهم آخذوه في هذه الشدة، فيشد عليهم ابن الزبير وليس معه أحد حتى يخرجهم من باب بني شيبة، ثم يكرون عليه فيشد عليهم، فعل ذلك مرارا، وقتل يومئذ جماعة منهم وهو يقول: هذا وأنا ابن الحواري. وقيل لابن الزبير ألا تكلمهم في الصلح ! ! فقال: والله لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم جميعا والله لا أسألهم صلحا أبدا. وذكر غير واحد أنهم لما رموا بالمنجنيق جاءت الصواعق والبروق والرعود حتى جعلت تعلو أصواتها على صوت المنجنيق، ونزلت صاعقة فأصابت من الشاميين اثني عشر رجلا فضعفت عند ذلك قلوبهم عن المحاصرة، فلم يزل الحجاج يشجعهم ويقول: إني خبير بهذه البلاد، هذه بروق تهامة ورعودها وصواعقها، وإن القوم يصيبهم مثل الذي يصيبكم، وجاءت صاعقة من الغد فقتلت من أصحاب ابن الزبير جماعة كثيرة أيضا، فجعل الحجاج يقول: ألم أقل لكم إنهم يصابون مثلكم وأنتم على الطاعة وهم على المخالفة، وكان أهل الشام يرتجزون وهم يرمون بالمنجنيق ويقولون: مثل الفنيق المزبد * نرمي بها أعواد هذا المسجد (4)


(1) في الطبري 7 / 202 وأسد الغابة 3 / 163. وفي الامامة والسياسة 2 / 30 ومروج الذهب 3 / 135: ذي القعدة. (2) في الاخبار الطوال ص 314 وابن الاثير 4 / 356: جمادى الآخرة، وفي مروج الذهب لاربع عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى سنة ثلاث وسبعين، وذلك يوم الثلاثاء. وفي فتوح ابن الاعثم 6 / 279: يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى. (3) في مروج الذهب 3 / 135: كانت مدة حصار الحجاج لابن الزبير بمكة خمسين ليلة. (4) في الاخبار الطوال: خطارة مثل الفنيق الملبد * نرمي بها عواذ أهل المسجد وفي ابن الاثير 4 / 351: وكان أهل الشام يقولون: = (*)

[ 364 ]

فنزلت صاعقة على المنجنيق فاحرقته، فتوقف أهل الشام عن الرمي والمحاصرة فخطبهم الحجاج فقال: ويحكم ألم تعلموا أن النار كانت تنزل على من كان قبلنا فتأكل قربانهم إذا تقبل منهم ؟ فلولا أن عملكم مقبول ما نزلت النار فأكلته، فعادوا إلى المحاصرة. وما زال أهل مكة يخرجون إلى الحجاج بالامان ويتركون ابن الزبير حتى خرج إليه قريب من عشرة آلاف، فأمنهم وقل أصحاب ابن الزبير جدا، حتى خرج إلى الحجاج حمزة وخبيب ابنا عبد الله بن الزبير، فأخذا لانفسهما أمانا من الحجاج فأمنهما، ودخل عبد الله بن الزبير على أمه فشكا إليها خذلان الناس له، وخروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله، وأنه لم يبق معه إلا اليسير، ولم يبق لهم صبر ساعة، والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا، فما رأيك ؟ فقالت: يا بني أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت تعلم أنك إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن كنت على حق فما وهن الدين وإلى كم خلودك في الدنيا ؟ القتل أحسن. فدنا منها فقبل رأسها وقال: هذا والله رأيي، ثم قال: والله ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمته، ولكني أحببت أن أعلم رأيك فزدتيني بصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أماه فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتد حزنك، وسلمي لامر الله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عمل بفاحشة قط، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في أمان ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عامل فرضيته بل أنكرته، ولم يكن عندي آثر من رضى ربي عز وجل، اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي، اللهم أنت أعلم بي مني ومن غيري، ولكني أقول ذلك تعزية لامي لتسلو عني، فقالت أمه: إني لارجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنا، إن تقدمتني أو تقدمتك، ففي نفسي اخرج يا بني حتى أنظر ما يصير إليه أمرك، فقال جزاك الله يا أمه خيرا فلا تدعي الدعاء قبل وبعد. فقالت: لا أدعه أبدا لمن قتل على باطل فلقد قتلت على حق، ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي، اللهم إني قد سلمته لامرك فيه ورضيت بما قضيت فقابلني في عبد الله بن الزبير بثواب الصابرين الشاكرين. ثم أخذته إليها فاحتضنته لتودعه واعتنقها ليودعها - وكانت قد أضرت في آخر عمرها - فوجدته لابسا درعا من حديد فقالت: يا بني ما هذا لباس من يريد ما نريد من الشهادة ! ! فقال: يا أماه إنما لبسته لاطيب خاطرك وأسكن قلبك به، فقالت: لا يا بني ولكن


يا بن الزبير طالما عصيكا * وطالما عنيتنا إليكا لتجزين بالذي أتيكا وفيه ص 124: أن أهل الشام جعلوا يرتجزون ويقولون: وذكر الشعر كما في الاصل، وكان ذلك في حصار الكعبة سنة أربع وستين في حصار حصين بن نمير أيام يزيد بن معاوية. (*)

[ 365 ]

انزعه فنزعه وجعل يلبس بقية ثيابه ويتشدد وهي تقول: شمر ثيابك، وجعل يتحفظ من أسفل ثيابه لئلا تبدو عورته إذا قتل، وجعلت تذكره بأبيه الزبير، وجده أبي بكر الصديق، وجدته صفية بنت عبد المطلب، وخالته عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وترجيه القدوم عليهما إذا هو قتل شهيدا، ثم خرج من عندها فكان ذلك آخر عهده بها رضي الله عنهما وعن أبيه وأبيها. قالوا: وكان يخرج من باب المسجد الحرام وهناك خمسمائة فارس وراجل فيحمل عليهم فيتفرقون عنه يمينا وشمالا، ولا يثبت له أحد وهو يقول: إني إذا أعرف يومي أصبر (1) * إذ بعضهم يعرف ثم ينكر وكانت أبواب الحرم قد قل من يحرسها من أصحاب ابن الزبير، وكان لاهل حمص حصار الباب الذي يواجه باب الكعبة، ولاهل دمشق باب بني شيبة، ولاهل الاردن باب الصفا، ولاهل فلسطين باب بنى جمح، ولاهل قنسرين باب بني سهم (2)، وعلى كل باب قائد ومعه أهل تلك البلاد، وكان الحجاج وطارق بن عمرو في ناحية الابطح، وكان ابن الزبير لا يخرج على أهل الباب إلا فرقهم وبدد شملهم، وهو غير ملبس حتى يخرجهم إلى الابطح ثم يصيح: لو كان قرني واحدا كفيته فيقول ابن صفوان وأهل الشام أيضا: إي والله وألف رجل، ولقد كان حجر المنجنيق يقع على طرف ثوبه فلا ينزعج بذلك، ثم يخرج إليهم فيقاتلهم كأنه أسد ضاري، حتى جعل الناس يتعجبون من إقدامه وشجاعته، فلما كان ليلة الثلاثاء السابع عشر من جمادى الاولى من هذه السنة بات ابن الزبير يصلي طول ليلته ثم جلس فاحتبى بحميلة سيفه فأغفى ثم انتبه مع الفجر على عادته، ثم قال: أذن يا سعد، فأذن عند المقام، وتوضأ ابن الزبير ثم صلى ركعتي الفجر، ثم أقيمت الصلاة فصلى الفجر، ثم قرأ سورة ن حرفا حرفا (3)، ثم سلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اكشفوا وجوهكم حتى أنظر إليكم، فكشفوا وجوههم وعليهم المغافر، فحرضهم وحثهم على القتال والصبر، ثم نهض ثم حمل وحملوا حتى كشفوهم إلى الحجون فجاءته آجرة فأصابته في وجهه فارتعش لها (4)، فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه تمثل بقول بعضهم:


(1) زيد في الطبري 7 / 204 وابن الاثير 4 / 355 شعرا بعده: وإنما يعرف يوميه الحر وفي ابن الاثير: يومه. (2) في ابن الاثير: بني تميم. (3) كذا بالاصل والطبري 7 / 204 وتاريخ الاسلام للذهبي 3 / 174 وفي ابن الاعثم 6 / 278: فقرأ بهم الركعة الاولى بأم الكتاب وسبح اسم ربك الاعلى وفي الثانية بأم الكتاب وسورة الاخلاص. (4) في ابن الاثير: رماه رجل من السكون، وفي ابن الاعثم 6 / 279: واعتوره رجلان من أهل الشام فضربه أحدهما بسيفه فأوهنه، وضربه الآخر على رأسه فسقط. (*)

[ 366 ]

ولسنا على الاعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا تقطر الدما ثم سقط إلى الارض فأسرعوا إليه فقتلوه (1) رضي الله عنه، وجاؤوا إلى الحجاج فأخبروه فخر ساجدا قبحه الله، ثم قام هو وطارق بن عمرو حتى وقفا عليه وهو صريع، فقال طارق: ما ولدت النساء أذكر من هذا، فقال الحجاج: تمدح من يخالف طاعة أمير المؤمنين ؟ قال: نعم ! هو أعذر لانا محاصروه وليس هو في حصن ولا خندق ولا منعة ينتصف منا، بل يفضل علينا في كل موقف، فلما بلغ ذلك عبد الملك ضرب طارقا. وروى ابن عساكر في ترجمة الحجاج أنه لما قتل ابن الزبير ارتجت مكة بكاء على عبد الله بن الزبير رحمه الله، فخطب الحجاج الناس فقال: أيها الناس ! إن عبد الله بن الزبير من خيار هذه الامة حتى رغب في الخلافة ونازعها أهلها وألحد في الحرم فأذاقه من عذابه الاليم، وإن آدم كان أكرم على الله من ابن الزبير، وكان في الجنة، وهي أشرف من مكة، فلما خالف أمر الله وأكل من الشجرة التي نهي عنها أخرجه الله من الجنة، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله، وقيل إنه قال: يا أهل مكة إكباركم واستعظامكم قتل ابن الزبير، فإن ابن الزبير كان من خيار هذه الامة حتى رغب في الدنيا ونازع الخلافة أهلها، فخلع طاعة الله وألحد في حرم الله، ولو كانت مكة شيئا يمنع القضاء لمنعت آدم حرمة الجنة وقد خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته. وعلمه أسماء كل شئ، فلما عصاه أخرجه من الجنة وأهبطه إلى الارض، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير، وان ابن الزبير غير كتاب الله. فقال له عبد الله بن عمر: لو شئت أن أقول لك كذبت لقلت، والله إن ابن الزبير لم يغير كتاب الله، بل كان قواما به صواما، عاملا بالحق. ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك بما وقع، وبعث برأس ابن الزبير مع رأس عبد الله بن صفوان وعمارة بن (2) حزم إلى عبد الملك، ثم أمرهم إذا مروا بالمدينة أن ينصبوا الرؤوس بها، ثم يسيروا بها إلى الشام، ففعلوا ما أمرهم به، وأرسل بالرؤوس مع رجل من الازد فأعطاه عبد الملك خمسمائة دينار، ثم دعا بمقراض فأخذ من ناصيته ونواصي أولاده فرحا بمقتل ابن الزبير، عليهم من الله ما يستحقون. ثم أمر الحجاج بجثة ابن الزبير فصلبت على ثنية كدا عند الحجون، يقال منكسة، فما زالت مصلوبة، حتى مر به عبد الله بن عمر فقال: رحمة الله عليك يا أبا خبيب، أما والله لقد كنت صواما قواما، ثم قال: أما آن لهذا الراكب أن ينزل (3) ؟ فبعث الحجاج فأنزل عن


(1) في ابن الاثير: قتله رجل من مراد. (2) في ابن الاثير والطبري: عمارة بن عمرو بن حزم. (3) نسب ابن الاعثم 6 / 278 هذا القول إلى اسماء أم الزبير قالته للحجاج في اليوم الثالث لمقتل ابنها، وقابلته تستأذنه في انزاله ودفنه فرفض، ثم رق لها وأمر بانزاله وحمل إليها فصب عليه الماء وحنط وكفن وصلي عليه ودفن. (*)

[ 367 ]

الحذع ودفن هناك. ودخل الحجاج إلى مكة فأخذ البيعة من أهلها إلى عبد الملك بن مروان، ولم يزل الحجاج مقيما بمكة حتى أقام للناس الحج عامه هذا أيضا وهو على مكة واليمامة واليمن. وهذه ترجمة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير هو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو بكر ويقال له أبو خبيب القرشي الاسدي، أول مولود ولد بعد الهجرة بالمدينة من المهاجرين، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ذات النطاقين، هاجرت وهي حامل به تم فولدته بقبا أول مقدمهم المدينة وقيل إنما ولدته في شوال سنة ثنتين من الهجرة، قاله الواقدي ومصعب الزبيري وغيرهما، والاول أصح لما رواه أحمد عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن أسماء أنها حملت بعبد الله بمكة قالت: فخرجت به وأنا متم فأتيت المدينة فنزلت بقبا فولدته، ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول ما دخل في جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ثم حنكه ثم دعا له وتبرك عليه، فكان أول مولود ولد في الاسلام. وهو صحابي جليل، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وروى عن أبيه وعمر وعثمان وغيرهم. وعنه جماعة من التابعين، وشهيد الجمل، مع أبيه وهو صغير، وحضر خطبة عمر بالجابية، ورواها عنه بطولها. ثبت ذلك من غير وجه. وقدم دمشق لغزو القسطنطينية، ثم قدمها مرة أخرى وبويع بالخلافة أيام يزيد بن معاوية لما مات معاوية بن يزيد، فكان على الحجاز واليمن والعراقين ومصر وخراسان وسائر بلاد الشام إلا دمشق، وتمت البيعة له سنة أربع وستين وكان الناس بخير في زمانه. وثبت من غير وجه عن هشام عن أبيه عن أسماء أنها خرجت بعبد الله من مكة مهاجرة وهي حبلى به فولدته بقبا أول مقدمهم المدينة، فأتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنكه وسماه عبد الله ودعا له، وفرح المسلمون به لانه كانت اليهود قد زعموا أنهم قد سحروا المهاجرين فلا يولد لهم في المدينة، فلما ولد ابن الزبير كبر المسلمون، وقد سمع عبد الله بن عمر جيش الشام حين كبروا عند قتله، فقال: أما والله للذين كبروا عند مولده خير من هؤلاء الذين كبروا عند قتله. وأذن الصديق في أذنه حين ولد رضي الله عنهما، ومن قال إن الصديق طاف به حول الكعبة وهو في خرقة فهو واهم والله أعلم. وإنما طاف الصديق به في المدينة ليشتهر أمر ميلاده على خلاف ما زعمت اليهود. وقال مصعب الزبيري: كان عارضا عبد الله خفيفين، وما اتصلت لحيته حتى بلغ ستين سنة، وقال الزبير بن بكار: حدثني علي بن صالح، عن عامر بن صالح، عن سالم بن عبد الله بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم في غلمة ترعرعوا منهم عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، وعمر بن أبي سلمة، فقيل يا رسول الله لو بايعتهم فتصيبهم بركتك ويكون لهم ذكر، فأتي بهم إليه فكأنهم تكعكعوا واقتحم عبد الله بن الزبير، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " إنه ابن أبيه وبايعه ". وقد روي من غير وجه أن عبد الله بن الزبير شرب من دم النبي صلى الله عليه وسلم، " كان النبي صلى الله عليه وسلم قد احتجم

[ 368 ]

في طست فأعطاه عبد الله بن الزبير ليريقه فشربه فقال له لا تمسك النار إلا تحلة القسم، وويل لك من الناس وويل للناس منك ". وفي رواية أنه قال له: " يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهريقه حيث لا يراك أحد، فلما بعد عمد إلى ذلك الدم فشربه، فلما رجع قال: ما صنعت بالدم ؟ قال: إني شربته لازداد به علما وإيمانا، وليكون شئ من جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم في جسدي، وجسدي أولى به من الارض، فقال: ابشر لا تمسك النار أبدا. وويل لك من الناس وويل للناس منك ". وقال محمد بن سعد: أنبأ مسلم بن إبراهيم ثنا الحارث بن عبيد، ثنا أبو عمران الجوني أن نوفا كان يقول: إني لاجد في كتاب الله المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء. وقال حماد بن زيد، عن ثابت البناني قال: كنت أمر بعبد الله بن الزبير وهو يصلي خلف المقام كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك. وقال الاعمش عن يحيى بن وثاب: كان ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تصعد وتنزل لا تراه إلا جذم حائط. وقال غيره: كان ابن الزبير يقوم ليله حتى يصبح، ويركع ليله حتى يصبح، ويسجد ليله حتى يصبح. وقال بعضهم: ركع ابن الزبير يوما فقرأت البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وما رفع رأسه. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: كنت إذا رأيت ابن الزبير يصلي كأنه كعب راسب، وفي رواية ثابت. وقال أحمد: تعلم عبد الرزاق الصلاة من ابن جريج، وابن جريج من عطاء، وعطاء من ابن الزبير، وابن الزبير من الصديق، والصديق من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الحميدي عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن ابن المنكدر قال: لو رأيت ابن الزبير يصلي كأنه غصن شجرة يصفقها الريح، والمنجنيق يقع ها هنا وها هنا. قال سفيان: كأنه لا يبالي به ولا يعده شيئا. وحكى بعضهم لعمر بن عبد العزيز أن حجرا من المنجنيق وقع على شرفة المسجد فطارت فلقة منه فمرت بين لحية ابن الزبير وحلقه، فما زال عن مقامه ولا عرف ذلك في صورته، فقال عمر بن عبد العزيز: لا إله إلا الله، جاء ما وصفت. وقال عمر بن عبد العزيز يوما لابن أبي مليكة: صف لنا عبد الله بن الزبير، فقال: والله ما رأيت جلدا قط ركب على لحم ولا لحما على عصب ولا عصبا على عظم مثله، ولا رأيت نفسا ركبت بين جنبين مثل نفسه، ولقد مرت آجرة من رمي المنجنيق بين لحيته وصدره فوالله ما خشع ولا قطع لها قراءته، ولا ركع دون ما كان يركع، وكان إذا دخل في الصلاة خرج من كل شئ إليها. ولقد كان يركع فيكاد الرخم أن يقع على ظهره ويسجد فكأنه ثوب مطروح. وقال أبو القاسم البغوي: عن علي بن الجعد، عن شعبة، عن منصور بن زاذان قال: أخبرني من رأى ابن الزبير يسرب في صلاته وكان ابن الزبير من المصلين. وسئل ابن عباس عن ابن الزبير فقال: كان قارئا لكتاب الله، متبعا لسنة رسول الله، قانتا لله صائما في الهواجر من مخافة الله، ابن حواري رسول الله، وأمه بنت الصديق، وخالته عائشة حبيبة حبيب الله، زوجة رسول الله، فلا يجهل حقه إلا من أعماه الله. وروي أن ابن الزبير كان يوما يصلي فسقطت حية من السقط فطوقت على بطن ابنه هاشم فصرخ النسوة وانزعج أهل المنزل واجتمعوا على قتل تلك

[ 369 ]

الحية فقتلوها، وسلم الولد، فعلوا هذا كله وابن الزبير في الصلاة لم يلتفت ولا درى بما جرى حتى سلم. وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك الخزامي وعبد الملك بن عبد العزيز ومن لا أحصي كثرة من أصحابنا أن ابن الزبير كان يواصل الصوم سبعا، يصوم يوم الجمعة ولا يفطر إلا ليلة الجمعة الاخرى، ويصوم بالمدينة ولا يفطر إلا بمكة، ويصوم بمكة فلا يفطر إلا بالمدينة، وكان إذا أفطر أول ما يفطر على لبن لقحة وسمن وصبر، وفي رواية أخرى فأما اللبن فيعصمه، وأما السمن فيقطع عنه العطش، وأما الصبر فيفتق الامعاء. وقال ابن معين: عن روح عن حبيب بن الشيهد عن ابن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام ويصبح في الثامن وهو أليثنا. وروي مثله من غير وجه. وقال بعضهم: لم يكن يأكل في شهر رمضان سوى مرة واحدة في وسطه. وقال خالد بن أبي عمران: كان ابن الزبير لا يفطر من الشهر إلا ثلاثة أيام. ومكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهره. وقال ليث عن مجاهد: لم يكن أحد يطيق ما يطيقه ابن الزبير من العبادة رضي الله عنه. ولقد جاء سيل مرة فطبق البيت فجعل ابن الزبير يطوف سباحة، وقال بعضهم: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاث، في العبادة والشجاعة والفصاحة. وقد ثبت أن عثمان جعله في النفر الذين نسخوا المصاحف مع زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وذكره سعيد بن المسيب في خطباء الاسلام مع معاوية وابنه وسعيد بن العاص وابنه، وقال عبد الواحد بن أيمن: رأيت على ابن الزبير رداءا يمانيا عدنيا يصلي فيه، وكان صيتا إذا خطب تجاوبه الجبلان أبو قبيس وزروراء. وكان آدم نحيفا ليس بالطويل، وكان بين عينيه أثر السجود كثير العبادة مجتهدا شهما فصيحا صواما قواما شديد البأس ذا أنفة له نفس شريفة وهمة عالية، وكان خفيف اللحية ليس في وجهه من الشعر إلا قليلا. وكانت له جمة وكان له لحية صفراء. وقد ذكرنا أنه شهد مع ابن أبي سرح قتال البربر وكانوا في عشرين ومائة ألف، والمسلمون عشرون ألفا، فأحاطوا بهم من كل جانب، فما زال عبد الله بن الزبير يحتال حتى ركب في ثلاثين فارسا، وسار نحو ملك البربر وهو منفرد وراء الجيش، وجواريه يظللنه بريش النعام، فساق حتى انتهى إليه والناس يظنون أنه ذاهب برسالة إلى الملك، فلما فهمه الملك ولى مدبرا فلحقه عبد الله فقتله واحتز رأسه وجعله في رأس رمح وكبر وكبر المسلمون، وحملوا على البربر فهزموهم بين أيديهم فقتلوا منهم خلقا كثيرا وغنموا أموالا وغنائم كثيرة جدا، وبعث ابن أبي سرح بالبشارة مع ابن الزبير فقص على عثمان الخبر وكيف جرى، فقال له عثمان: إن استطعت أن تؤدي هذا للناس فوق المنبر، قال: نعم ! فصعد ابن الزبير فوق المنبر فخطب الناس وذكر لهم كيفية ما جرى، قال عبد الله: فالتفت فإذا أبي الزبير في جملة من حضر، فلما تبينت وجهه كاد أن يرتج علي في الكلام من هيبته في قلبي، فرمزني بعينه وأشار إلي ليحضني، فمضيت في الخطبة كما كنت، فلما نزلت قال: والله لكأني أسمع خطبة أبي بكر الصديق حين سمعت خطبتك يا بني. وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الدارني يقول: خرج ابن الزبير في ليلة مقمرة على

[ 370 ]

راحلة له فنزل في تبوك فالتفت فإذا على الراحلة شيخ أبيض الرأس واللحية فشد عليه ابن الزبير فتنحى عنها فركب ابن الزبير راحلته ومضى، قال فناداه: والله يا بن الزبير لو دخل قلبك الليلة مني شعرة لخبلتك، قال: ومنك أنت يا لعين يدخل قلبي شئ ؟ وقد روى لهذه الحكاية شواهد من وجوه أخرى جيدة، وروى عبد الله بن المبارك: عن إسحاق بن يحيى، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، قال: أقبل عبد الله بن الزبير من العمرة في ركب من قريش فلما كانوا عند الينا صب (1) أبصروا رجلا عند شجرة، فتقدمهم ابن الزبير، فلما انتهى إليه سلم عليه فلم يعبأ به ورد ردا ضعيفا، ونزل ابن الزبير فلم يتحرك له الرجل، فقال له ابن الزبير: تنح عن الظل، فانحاز متكارها، قال ابن الزبير: فجلست وأخذت بيده وقلت: من أنت ؟ فقال: رجل من الجن، فما عدا أن قالها حتى قامت كل شعرة مني فاجتذبته وقلت: أنت رجل من الجن وتبدو إلي هكذا ؟ وإذا له سفلة وانكسر ونهرته وقلت: إلي تتبدا وأنت من أهل الارض، فذهب هاربا وجاء أصحابي فقالوا: أين الرجل الذي كان عندك ؟ فقلت: إنه كان من الجن فهرب. قال: فما منهم رجل إلا سقط إلى الارض عن راحلته، فأخذت كل رجل منهم فشددته على راحلته حتى أتيت بهم الحج وما يعقلون. وقال سفيان بن عيينة قال ابن الزبير: دخلت المسجد ذات ليلة فإذا نسوة يطفن بالبيت فأعجبنني، فلما قضين طوافهن خرجن فخرجت في أثرهن لاعلم أين منزلهن، فخرجن من مكة حتى أتين العقبة ثم انحدرن حتى أتين فجا فدخلن خربة فدخلت في أثرهن. فإذا مشيخة جلوس فقالوا: ما جاء بك يا بن الزبير ؟ فقلت: أشتهي رطبا، وما بمكة يومئذ من رطبة، فأتوني برطب فأكلت ثم قالوا: احمل ما بقي معك، فجئت به المنزل فوضعته في سفط وجعلت السفط في صندوق، ثم وضعت رأسي لانام، فبينما أنا بين النائم واليقظان إذ سمعت جلبة في البيت، فقال بعضهم لبعض أين وضعه ؟ قالوا: في الصندوق، ففتحوه فإذا هو في السفط داخله، فهموا بفتحه فقال بعضهم: إنه ذكر اسم الله عليه، فأخذوا السفط بما فيه فذهبوا به، قال. فلم آسف على شئ أسفي كيف لم أثب عليهم وهم في البيت. وقد كان عبد الله بن الزبير ممن حاجف عن عثمان يوم الدار، وجرح يومئذ بضع عشرة جراحة، وكان على الراجلة يوم الجمل وجرح يومئذ تسع عشرة جراحة أيضا، وقد تبارز يومئذ هو ومالك بن الحارث بن الاشتر، فاتحدا فصرع الاشتر ابن الزبير فلم يتمكن من القيام عنه، بل احتضنه ابن الزبير وجعل ينادي: اقتلوني ومالكا، واقتلوا مالكا معي، فأرسلهما مثلا. ثم تفرقا ولم يقدر عليه الاشتر، وقد قيل إنه جرح يومئذ بضع وأربعون جراحة، ولم يوجد إلا بين القتلى وبه رمق، وقد أعطت عائشة لمن بشرها أنه لم يقتل عشرة آلاف درهم وسجدت لله شكرا، وكانت تحبه حبا شديدا، لانه ابن أختها، وكان عزيزا عليها. وقد روي عن عروة: أن عائشة لم تكن تحب أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) الينا صب: أجبل متحاذيات في ديار بني بكر أو بني أسد بنجد، بينها وبين أضاخ أربعة أميال (معجم البلدان). (*)

[ 371 ]

وأبي بكر مثل حبها ابن الزبير، قال: وما رأيت أبي وعائشة يدعوان لاحد من الخلق مثل دعائهما لابن الزبير. وقال الزبير بن بكار: حدثني أخي هارون بن أبي بكر، عن يحيى بن إبراهيم، عن سليمان بن محمد، عن يحيى بن عروة، عن عمه عن عبد الله بن عروة قال أفحمت ألسنة نابغة بني جعدة فدخل على عبد الله بن الزبير المسجد الحرام فأنشد هذه الابيات: حكيت لنا الصديق لما وليتها * وعثمان وفاروق فارتاح معدم وسويت بين الناس في الحق فاستووا * فعاد صباحا حالك اللون مظلم أتاك أبو ليلى يجوب به الدجا * دجى الليل جواب الفلاة غشمشم لتجير منه جائيا غدرت به * صروف الليالي والزمان المصمم فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى. فإن الشعر أهون رسائلك عندنا، أما صفوه فما لنا فلآل الزبير، وأما عفوه فإن بني أسد يشغلها عنك وتيما، ولكن لك في مال الله حقان، حق لرؤيتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق لشركتك أهل الاسلام في فيئهم، ثم أخذ بيده فأدخله دار النعم فأعطاه قلائص سبعا وجملا وخيلا، وأوقر له الركاب برا وتمرا وثيابا، فجعل النابغة يستعجل ويأكل الحب صرفا، فقال له ابن الزبير: ويح أبي ليلى، لقد بلغ الجهد. فقال النابغة: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما وليت قريش وعدلت، واسترحمت فرحمت وحدثت فصدقت، ووعدت خيرا فأنجزت، فأنا والنبيون فرط العاصفين ". وقال محمد بن مروان صاحب كتاب المجالسة: أخبرني خبيب بن نصير الازدي ثنا محمد بن دينار الضبي، ثنا هشام بن سليمان المخزومي، عن أبيه قال: أذن معاوية للناس يوما فدخلوا عليه فاحتفل المجلس وهو على سريره، فأجال بصره فيهم فقال: أنشدوني لقدماء العرب ثلاثة أبيات جامعة من أجمع ما قالتها العرب، ثم قال: يا أبا خبيب فقال: مهيم، قال أنشد ذلك، فقال: نعم يا أمير المؤمنين بثلاثمائة ألف كل بيت بمائة ألف، قال: نعم إن ساوت، قال أنت بالخيار، وأنت واف كاف، فأنشده للافوه الازدي: بلوت الناس قرنا بعد قرن * فلم أر غير ختال وقال فقال معاوية صدق ولم أر في الخطوب أشد وقعا * وكيدا من معادات الرجال فقال معاوية صدق وذقت مرارة الاشياء طرا * فما شئ أمر من السؤال فقال صدق

[ 372 ]

ثم قال معاوية: هيه يا خبيب، قال: إلى ههنا انتهى، قال: فدعا معاوية بثلاثين عبدا على عنق كل واحد منهم بدرة، ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ عشرة آلاف درهم، فمروا بين يدي ابن الزبير حتى انتهوا إلى داره. وروى ابن أبي الدنيا ؟ عن أبي يزيد النميري، عن أبي عاصم النبيل، عن جويرية بن أسماء: أن معاوية لما حج تلقته الناس وتخلف ابن الزبير ثم جاءه وقد حلق رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين ما أكبر حجرة رأسك ! ! فقال له اتق أن لا يخرج عليك منها حية فتقتلك، فلما أفاض معاوية طاف معه ابن الزبير وهو آخذ بيده ثم استدعاه إلى داره ومنازله بقعيقعان، فذهب معه إليها، فلما خرجا قال: يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون جاء معه أمير المؤمنين إلى دوره ومنازله ففعل معه ماذا، لا والله لا أدعك حتى تعطيني مائة ألف، فأعطاه فجاء مروان فقال: والله يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلك، جاءك رجل قد سمى بيت مال الديوان وبيت الخلافة، وبيت كذا، وبيت كذا، فأعطيته مائة ألف، فقال له: ويلك كيف أصنع بابن الزبير ؟ وقال ابن أبي الدنيا: أخبرني عمر بن بكير، عن علي بن مجاهد بن عروة قال: سأل ابن الزبير معاوية شيئا فمنعه، فقال: والله ما أجهل أن ألزم هذه البنية فلا أشتم لك عرضا ولا أقصم لك حسبا، ولكني أسدل عماتي من بين يدي ذراعا، ومن خلفي ذراعا في طريق أهل الشام وأذكر سيرة أبي بكر الصديق وعمر فيقول الناس: من هذا ؟ فيقولون ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن بنت الصديق، فقال معاوية: حسبك بهذا شرفا، ثم قال: هات حوائجك. وقال الاصمعي: ثنا غسان بن نصر، عن سعيد بن يزيد. قال: دخل ابن الزبير على معاوية فأمر ابنا له صغيرا فلطمه لطمة دوخ منها رأسه، فلما أفاق ابن الزبير قال للصبي: ادن مني، فدنا منه، فقال له: الطم معاوية، قال: لا أفعل، قال: ولم ؟ قال لانه أبي، فرفع ابن الزبير يده فلطم الصبي لطمة جعله يدور منها كما تدور الدوامة، فقال معاوية: تفعل هذا بغلام لم تجز عليه الاحكام ؟ قال: إنه والله قد عرف ما يضره مما ينفعه، فأحببت أن أحسن أدبه. وقال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: عن عبد الله بن أبي بكر قال: لحق ابن الزبير معاوية وهو سائر إلى الشام فوجده وهو ينعس على راحلته، فقال له: أتنعس وأنا معك ؟ أما تخاف مني أن أقتلك ؟ فقال: إنك لست من قتال الملوك، إنما يصيد كل طائر قدره. قال لقد سرت تحت لواء أبي إلى علي بن أبي طالب، وهو من تعلمه، فقال: لا جرم قتلكم والله بشماله. قال: أما إن ذلك كان في نصرة عثمان، ثم لم يجز بها. فقال: إنما كان لبغض علي لا لنصرة عثمان، فقال له ابن الزبير: إنا قد أعطيناك عهدا فنحن وافون لك به ما عشت، فسيعلم من بعدك، فقال: أما والله ما أخافك إلا على نفسك، وكأني بك قد خبطت في الحبالة واستحكمت عليك الانشوطة، فذكرتني وأنت فيها، فقلت ليت أبا عبد الرحمن لها، ليتني والله لها، أما والله لاحللتك رويدا، ولاطلقتك سريعا، ولبئس الولي أنت تلك الساعة. وحكى أبو عبد الله نحو هذا، وقد تقدم أن معاوية لما مات وجاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة انشمر

[ 373 ]

منها ابن الزبير والحسين بن علي فقصدا مكة فأقاما بها، ثم خرج الحسين إلى العراق وكان من أمره ما تقدم، وتفرد بالرياسة والسؤدد بمكة ابن الزبير، ولهذا كان ابن عباس ينشد: يا لك من قنبرة (1) بمعمري * خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري يعرض بابن الزبير. وقيل إن يزيد بن معاوية كتب إلى ابن الزبير يقول: إني قد بعثت إليك بسلسلة من فضة وقيد من ذهب وجامعة من فضة وحلفت لتأتيني في ذلك فأبر قسمي ولا تشق العصا، فلما قرأ كتابه ألقاه من يده وقال: ولا ألين لغير الحق أسأله * حتى تلين لضرس الماضغ الحجر فلما مات يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد من بعده قريبا، استفحل أمر عبد الله بن الزبير جدا، وبويع له بالخلافة في جميع البلاد الاسلامية، وبايع له الضحاك بن قيس بدمشق وأعمالها، ولكن عارضه مروان بن الحكم في ذلك وأخذ الشام ومصر من نواب ابن الزبير، ثم جهز السرايا إلى العراق، ومات وتولى بعده عبد الملك بن مروان فقتل مصعب بن الزبير بالعراق وأخذها، ثم بعث إلى الحجاج فحاصر ابن الزبير بمكة قريبا من سبعة أشهر حتى ظفر به في يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الاولى سنة ثلاث وسبعين. وكانت ولاية ابن الزبير في سنة أربع وستين، وحج بالناس فيها كلها، وبنى الكعبة في أيام ولايته كما تقدم، وكساها الحرير (2)، وكانت كسوتها قبل ذلك الانطاع والمسوح (3)، وكان ابن الزبير عالما عابدا مهيبا وقورا كثير الصيام والصلاة، شديد الخشوع جيد السياسة، قال أبو نعيم الاصبهاني: حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي، ثنا أحمد بن سعيد الدارمي، ثنا أبو عاصم عن عمر بن قيس. قال: كان لابن الزبير مائة غلام يتكلم كل غلام منهم بلغة غير لغة الآخر، وكان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته، وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد الله والدار الآخرة طرفة عين، وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين. وقال الثوري: عن الاعمش عن أبي الضحى قال:


(1) في ابن الاثير 4 / 39: قبرة. (2) في أخبار مكة للازرقي 1 / 210: كساها القباطي [ والقباطي: جمع قبطية بالضم وهو ثوب رقيق أبيض من ثياب مصر ]. وفي رواية عنده ص 254 أنه كساها الديباج الخسرواني: والديباج: القماش المنقوش وهي معربة. (3) الانطاع: جمع نطع: وهو البساط. المسوح: المناديل. (*)

[ 374 ]

رأيت على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي كان رأس مال. وكان يطيب الكعبة حتى كان يوجد رحيها من مسافة بعيدة. وقال ابن المبارك عن معمر عن ابن طاوس، عن أبيه قال: دخل ابن الزبير على امرأته بنت الحسن فرأى ثلاث مثل - يعني أفرشة - فقال: هذا لي وهذا لابنة الحسن، وهذا للشيطان فأخرجوه. وقال الثوري عن عبد الله بن أبي بشير عن عبد الله بن مساور. قال: سمعت ابن عباس يعاتب ابن الزبير على البخل ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس بالمؤمن من يبيت شبعان وجاره إلى جنبه جائع ". وقال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل بن أبان الوراق، ثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى، عن عثمان بن عفان. قال قال له عبد الله بن الزبير حين حصر: إن عندي نجائب قد أعددتها لك، فهل لك أن تتحول إلى مكة فيأتيك من أراد أن يأتيك ؟ قال: لا ! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يلحد كبش من قريش اسمه عبد الله، عليه مثل أوزار الناس ". وهذا الحديث منكر جدا وفي إسناده ضعف، ويعقوب هذا هو القمي وفيه تشيع، ومثل هذا لا يقبل تفرده به، وبتقدير صحته فليس هو بعبد الله بن الزبير، فإنه كان على صفات حميدة، وقيامه في الامارة إنما كان لله عز وجل، ثم هو كان الامام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة، وهو أرشد من مروان بن الحكم، حيث نازعه بعد أن اجتمعت الكلمة عليه، وقامت البيعة له في الآفاق وانتظم له الامر والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، ثنا إسحاق بن سعيد، ثنا سعيد بن عمرو قال: أتى عبد الله بن عمر عبد الله بن الزبير وهو في الحجر جالس فقال: يا بن الزبير إياك والالحاد في حرم الله، فإني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يحلها وتحل به رجل من قريش، لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها ". فانظر أن لا تكونه، فقال له: يا بن عمر فإنك قد قرأت الكتب وصحبت النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فإني أشهد أن هذا وجهي إلى الشام مجاهدا. وهذا قد يكون رفعه غلطا، وإنما هو من كلام عبد الله بن عمر، وما أصابه من الزاملتين يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب، والله أعلم. وقال وكيع عن الثوري عن سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن حبشي الكناني عن عليم الكندي عن سلمان الفارسي. قال: " ليحرقن هذا البيت على يدي رجل من آل الزبير ". وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين عن أبي فضيل، ثنا سالم بن أبي حفصة عن منذر الثوري قال: قال ابن الحنفية: اللهم إنك تعلم إني كنت أعلم مما علمتني أن ابن الزبير لا يخرج منها إلا قتيلا يطاف برأسه في الاسواق. وقد روى الزبير بن بكار: عن هشام بن عروة قال: إن أول ما فصح به عبد الله بن الزبير وهو صغير السيف السيف، فكان لا يضعه من فيه، وكان الزبير إذا سمع ذلك منه يقول له: أما والله ليكونن لك منه يوم ويوم وأيام، وقد تقدم كيفية مقتله، وأن الحجاج صلبه على جذع فوق الثنية، وأن أمه جاءت حتى وقفت عليه فدعت له طويلا ولا يقطر من عينها دمعة ثم انصرفت، وكذلك وقف عليه ابن عمر فدعا له وأثنى عليه ثناء كثيرا جدا. وقال الواقدي: حدثني نافع بن ثابت، عن عبد الله

[ 375 ]

مولى أسماء قال: لما قتل عبد الله خرجت إليه أمه حتى وقفت عليه وهي على دابة، فأقبل الحجاج في أصحابه فسأل عنها فأخبر بها، فأقبل حتى وقف عليها فقال: كيف رأيت نصر الله الحق وأظهره ؟ فقالت: ربما أديل الباطل على الحق وأهله، وإنك بين فرثها والجنة، فقال إن ابنك ألحد في هذا البيت، وقد قال الله تعالى: * (ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) * [ الحج: 25 ] وقد أذقه الله ذلك العذاب الاليم، قالت: كذبت، كان أول مولود ولد في الاسلام بالمدينة، وسر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحنكه بيده وكبر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحا به، وقد فرحت أنت وأصحابك بمقتله، فمن كان فرح يومئذ بمولده خير منك ومن أصحابك، وكان مع ذلك برا بالوالدين صواما قواما بكتاب الله، معظما لحرم الله، يبغض من يعصى الله عز وجل، أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لسمعته يقول: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير " وفي رواية: " سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الاول وهو مبير " فانكسر الحجاج وانصرف، فبلغ ذلك عبد الملك فكتب إليه يلومه في مخاطبته أسماء، وقال: مالك ولابنة الرجل الصالح ؟ وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: ثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، أنبأنا الاسود بن شيبان عن أبي نوفل. قال: رأيت عبد الله بن الزبير على ثنية الحجون مصلوبا فجعلت قريش تمر عليه والناس حتى مر عليه عبد الله بن عمر فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت ما علمت صواما قواما وصولا للرحم، أما والله لامة أنت شرها لامة خير، ثم بعد عبد الله بن عمر. فبلغ الحجاج وقوف ابن عمر عليه وقوله ما قال، فأرسل إليه فأنزله عن جذعه وألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر فأبت أن تأتيه فأعاد عليها الرسول لتأتيني أو لابعثن إليك من يسحبك من قرونك، فأبت وقالت: والله لا آتيه حتى يبعث إلي من يسحبني بقروني، فقال الحجاج: أروني سبتيتي فأخذ نعليه ثم انطلق يتوذف حتى دخل عليها فقال: كيف رأيتني صنعت بعد والله ؟ قالت رأيتك فسدت عليه دنياه، وأفسدت عليك آخرتك، بلغني أنك تقول: يا بن ذات النطاقين، أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعام أبي بكر، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه، أما إن رسول الله حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا أخالك إلا إياه. قال: فقام عنها ولم يراجعها " انفرد به مسلم. وروى الواقدي أن الحجاج لما صلب ابن الزبير على ثنية الحجون بعثت إليه أسماء تدعو عليه، وطلبت منه أن يدفن فأبى عليها، حتى كتب إلى عبد الملك في ذلك فكتب إليه أن يدفن فدفن بالحجون، وذكروا أنه كان يشتم من عند قبره ريح المسك. وكان الحجاج قد قدم من الشام في ألفي فارس وانضاف إليه طارق بن عمرو في خمسة آلاف، وروى محمد بن سعد وغيره بسنده أن الحجاج حاصر ابن الزبير، وأنه اجتمع معه أربعون

[ 376 ]

ألفا: وأنه نصب المنجنيق على أبي قبيس ليرمي به المسجد الحرام، وأنه أمن من خرج إليه من أهل مكة ونادى فيهم بذلك، وقال: إنا لم نأت لقتال أحد سوى ابن الزبير، وأنه خير ابن الزبير بين ثلاث إما أن يذهب في الارض حيث شاء، أو يبعثه إلى الشام مقيدا بالحديد، أو يقاتل حتى يقتل. فشاور أمه فأشارت عليه بالثالث فقط، ويروى أنها استدعت بكفن له وبخرته وشجعته على القتل، فخرج بهذه النية فقاتل يوم الثلاثاء السابع عشر من جمادى الاولى سنة ثلاث وسبعين قتالا شديدا فجاءته آجرة ففلقت رأسه فسقط على وجهه إلى الارض، ثم أراد أن ينهض فلم يقدر، فاتكأ على مرفقه الايسر وجعل يحدم بالسيف من جاءه، فأقبل إليه رجل من أهل الشام فضربه فقطع رجله، ثم تكاثروا عليه حتى قتلوه واحتزوا رأسه، وكان مقتله قريبا من الحجون، ويقال: بل قتل وهو متعلق بأستار الكعبة فالله أعلم. ثم صلبه الحجاج منكسا على ثنية كدا عند الحجون، ثم لما أنزله دفنه في مقابر اليهود كما رواه مسلم، وقيل دفن بالحجون بالمكان الذي صلب فيه، فالله أعلم. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب عن ابن سيرين قال قال عبد الله بن الزبير لما جئ برأس المختار: ما كان يحدثنا كعب الاحبار شيئا إلا وجدناه إلا قوله إن فتى ثقيف يقتلني، وهذا رأسه بين يدي، قال ابن سيرين: ولم يشعر أنه قد خبئ له الحجاج. وروي هذا من وجه آخر. قلت: والمشهور أن مقتل الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الاولى، وقيل الآخرة منها، وعن مالك وغيره أن مقتله كان على رأس اثنين وسبعين، والمشهور الصحيح هو الاول، وكانت بيعته في سابع رجب سنة أربع وستين، وكان مولده في أول سنة إحدى من الهجرة، وقيل في شوال سنة ثنتين من الهجرة، فمات وقد جاوز السبعين قطعا والله أعلم. وأما أمه فانها لم تعش بعده إلا مائة يوم، وقيل عشرة أيام، وقيل خمسة، والاول هو المشهور وستأتي ترجمتها قريبا رضي الله عنها وعن أبيها وابنها، وقد رثي ابن الزبير وأخوه مصعب بمراث كثيرة حسنة بليغة، من ذلك قول معمر بن أبي معمر الذهلي يرثيهما بأبيات: لعمرك ما أبقيت في الناس حاجة * ولا كنت ملبوس الهدى متذبذبا غداة دعاني مصعب فأجبته * وقلت له أهلا وسهلا ومرحبا أبوك حواري الرسول وسيفه * فأنت بحمد الله من خيرنا أبا وذاك أخوك المهتدى بضيائه * بمكة يدعونا دعاء مثوبا ولم أك ذا وجهين وجه لمصعب * مريض ووجه لابن مروان إذ صبا وكنت امرأ ناصحته غير مؤثر * عليه ابن مروان ولا متقربا إليه بما تقذى به عين مصعب * ولكنني ناصحت في الله مصعبا إلى أن رمته الحادثات بسهمها * فيالله سهما ما أسد وأصوبا فان يك هذا الدهر أردى بمصعب * وأصبح عبد الله شلوا ملحبا

[ 377 ]

فكل امرئ حاس من الموت جرعة * وإن حاد عنها جهده وتهيبا وقيل: إن عبد الله بن الزبير غسلته أمه أسماء بعد أن قطعت مفاصيله وحنطته وطيبته وكفنته وصلت عليه وحملته إلى المدينة، فدفنته بدار صفية بنت حيي، ثم إن هذه الدار زيدت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدفون في المسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، وقد ذكر ذلك غير واحد فالله أعلم. وقد روى الطبراني عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دم محاجمه يهريقه فحساه، فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ما صنعت يا عبد الله بالدم ؟ قلت: جعلته في مكان ظننت أنه خاف على الناس، قال: فلعلك شربته ؟ قلت: نعم ! قال: ومن أمرك أن تشرب الدم ؟ ويل لك من الناس، وويل للناس منك ". ودخل سلمان الفارسي مرة على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عبد الله بن الزبير قائم في الدهليز ومعه طست يشرب منه، فدخل سلمان ودخل عبد الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له: " فرغت ؟ قال: نعم. قال سلمان: وما ذاك يا رسول الله ؟ قال: أعطيته غسالة محاجمي يهريق ما فيها، قال سلمان: شربها والذي بعثك بالحق، قال شربته ؟ قال: نعم ! قال: لم ؟ قال: أحببت أن يكون دم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوفي، فقال بيده على رأس ابن الزبير، وقال: ويل لك من الناس، وويل للناس منك، لا تمسك النار إلا تحلة القسم ". ولما بعث يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير ذلك القيد من ذهب وسلسلة من فضة وجامعة من فضة وأقسم لتأتيني فيها، فقالوا له: بر قسم أمير المؤمنين فقال: ولا ألين لغير الحق أسأله * حتى تلين لضرس الماضغ الحجر ثم قال: والله لضربة بسيف بعز، أحب إلي من ضربة بسوط في ذل، ثم دعا إلى نفسه وأظهر الخلاف ليزيد بن معاوية. وروى الطبراني أن ابن الزبير دخل على أمه فقال: إن في الموت لراحة، وكانت أمه قد أتت عليها مائة سنة لم تسقط لها سن، ولم يفسد لها بصر، فقالت: ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك، إما أن تملك فتقر عيني، وإما أن تقتل فأحتسبك، ثم خرج عنها وهو يقول: ولست بمبتاع الحياة بسبة * ولا بمريق من خشية الموت سلما (1) ثم أقبل على آل الزبير يعظهم ويقول ليكن أحدكم سيفه كما وجهه فيدفع عن نفسه بيده كأنه أمراه، والله ما بقيت زحفا قط إلا في الرعيل الاول، وما ألمت جرحا إلا ألم الدواء، ثم حمل


(1) في الطبري 7 / 205: ولا مرتق من خشية الموت سلما. وفي مروج الذهب 3 / 137: ولا أبتغي من رهبة الموت سلما. والبيت للحصين بن الحمام من المفضلية. (*)

[ 378 ]

عليهم ومعه سفيان، فأول من لقيه الاسود فضربه بسيفه حتى أطن رجله، فقال له الاسود: أخ يا بن الزانية، فقال له ابن الزبير: اخسأ يا بن حام، أسماء زانية ؟ ثم أخرجهم من المسجد، وكان على ظهر المسجد جماعة من أعوانه يرمون أعداءه بالآجر، فأصابته آجرة من أعوانه من غير قصد في مفرق رأسه ففلقت رأسه فوقف قائما وهو يقول: لو كان قرني واحدا كفيته (1) ويقول: ولسنا على الاعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا يقطر الدم (2) ثم وقع فأكب عليه موليان له وهما يقولن: العبد يحمي ربه ويحتمي ثم أرسلوا إليه فحزوا رأسه. وروى الطبراني أيضا: عن إسحاق بن أبي إسحاق قال: أنا حاضر مقتل عبد الله بن الزبير في المسجد الحرام، يوم قتل جعلت الجيوش تدخل من أبواب المسجد، وكلما دخل قوم من باب حمل عليهم حتى يخرجهم، فبينما هو على تلك الحال إذ جاءت شرفة من شرفات المسجد، فوقعت على رأسه فصرعته، وهو يتمثل بهذه الابيات: أسماء أسماء لا تبكيني * لم يبق إلا حسبي وديني * وصارم لانت به يميني * وقد روي أن أمه قالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل ؟ فقال الحجاج: ابنك المنافق، فقالت: والله ما كان منافقا، إن كان لصواما قواما وصولا للرحم، فقال: انصرفي يا عجوز، فإنك قد خرقت، فقالت والله ما خرقت منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت ". وقال مجاهد: كنت مع ابن عمر فمر على ابن الزبير فوقف فترحم عليه ثم التفت إلي وقال: أخبرني أبو بكر الصديق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من يعمل سوءا يجز به ". وروى سفيان عن ابن جريج عن أبي مليكة قال: ذكرت ابن الزبير عند ابن عباس قال: كان عفيفا في الاسلام، قارئا للقرآن، صواما قواما. أبوه الزبير، وأمه أسماء، وجده أبو بكر، وعمته خديجة، وجدته صفية، وخالته عائشة: والله لاحاسبن له بنفسي محاسبة لم أحاسبها لابي بكر ولا لعمر. وقال الطبراني: حدثنا زكريا الناجي، ثنا حوثرة بن محمد، ثنا أبو أسامة، ثنا سعيد بن المرزبان، أبو سعيد العبسي


(1) وتمامه في الاستيعاب على هامش الاصابة 2 / 304:... أوردته الموت وقد ذكيته. (2) البيت للحصين بن الحمام، من أبيات في حماسة أبي تمام (1 / 192 تبريزي). (*)

[ 379 ]

ثنا محمد بن عبد الله الثقفي قال: شهدت خطبة ابن الزبير بالموسم خرج علينا قبل التروية بيوم وهو محرم فلبى بأحسن تلبية سمعتها قط، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم جئتم من آفاق شتى وفودا إلى الله عز وجل، فحق على الله أن يكرم وفده، فمن كان منكم يطلب ما عند الله فإن طالب ما عند الله لا يخيب فصدقوا قولكم بفعل، فإن ملاك القول الفعل والنية النية، والقلوب القلوب، الله الله في أيامكم هذه فإنها أيام تغفر فيها الذنوب، جئتم من آفاق شتى في غير تجارة ولا طلب مال ولا دنيا ترجونها ها هنا، ثم لبى ولبى الناس، فما رأيت باكيا أكثر من يومئذ. وروى الحسن بن سفيان قال: ثنا حيان بن موسى ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا مالك بن أنس، عن وهب بن كيسان قال: كتب إلي عبد الله بن الزبير بموعظة: أما بعد فإن لاهل التقوى علامات يعرفون بها ويعرفونها من أنفسهم، صدق الحديث، وأداء الامانة، وكظم الغيظ، وصبر على البلاء ورضي بالقضاء، وشكر للنعماء، وذل لحكم القرآن، وإنما الايام كالسوق ما نفق فيها حمل إليها، إن نفق الحق عنده حمل إليه وجاءه أهله. وإن نفق الباطل عنده حمل إليه وجاءه أهله. وقال أبو معاوية: ثنا هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان قال: ما رأيت ابن الزبير يعطي سلمة قط لرغبة ولا لرهبة سلطان ولا غيره. وبهذه الاسنادات أهل الشام كانوا يعيرون ابن الزبير ويقولون له: يا بن ذات النطاقين. فقال له أسماء: يا بني إنهم يعيرونك بالنطاقين وإنما كان لي نطاق واحد شققته نصفين فجعلت في سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما وأوكيت قربته بالآخر لما خرج هو وأبو بكر يريدان الهجرة إلى المدينة. فكان ابن الزبير بعد ذلك إذا عيروه بالنطاقين يقول: إنها والله تلك شكاة ظاهر عنك عارها (1)، والله سبحانه وتعالى أعلم. وممن قتل مع ابن الزبير في سنة ثلاث وسبعين بمكة من الاعيان: عبد الله بن صفوان ابن أمية بن خلف الجمحي أبو صفوان المكي، وكان أكبر ولد أبيه، أدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن عمر وجماعة من الصحابة، وحدث عنه خلق من التابعين، وكان سيدا شريفا مطاعا حليما يحتمل الاذى، لو سبه عبد أسود ما استنكف عنه، ولم يقصده أحد في شئ فرده خائبا، ولا سمع بمفازة إلا حفر بها جبا أو عمل فيها بركة، ولا عقبة إلا سهلها. وقيل إن المهلب بن أبي صفرة قدم على ابن الزبير من العراق فأطال الخلوة معه، فجاء ابن صفوان فقال: من هذا الذي شغلك منذ اليوم ؟ قال: هذا سيد العرب من أهل العراق، فقال: ينبغي أن يكون المهلب. فقال المهلب لابن الزبير: ومن هذا الذي يسأل عني يا أمير المؤمنين ؟ قال هذا سيد قريش بمكة،


(1) في مروج الذهب 3 / 136: وكان ابن الزبير يقول متمثلا، (عندما ينادونه: يا بن ذات النطاقين): وعيرها الواشون إني أحبها * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها (*)

[ 380 ]

فقال: ينبغي أن يكون عبد الله بن صفوان، وكان ابن صفوان كريما جدا. وقال الزبير بن بكار بسنده: قدم معاوية حاجا فتلقاه الناس فكان ابن صفوان في جملة من تلقاه، فجعل يساير معاوية وجعل أهل الشام يقولون: من هذا الذي يساير أمير المؤمنين ؟ فلما انتهى إلى مكة إذا الجبل أبيض من الغنم، فقال: يا أمير المؤمنينن هذه غنم أجزتكها، فإذا هي ألفا شاة، فقال أهل الشام: ما رأينا أكرم من ابن عم أمير المؤمنين، كان ابن صفوان من جملة من صبر مع ابن الزبير حين حصره الحجاج، فقال له ابن الزبير: إني قد أقلتك بيعتي فاذهب حيث شئت، فقال إني إنما قاتلت عن ديني. ثم صبر نفسه حتى قتل وهو متعلق بأستار الكعبة في هذه السنة، رحمه الله وأكرمه. عبد الله بن مطيع ابن الاسود بن حارثة القرشي العدوي المدني، ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحنكه ودعا له بالبركة، وروى عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يقتل قرشي بعد اليوم صبرا إلى يوم القيامة ". وعنه ابناه إبراهيم ومحمد والشعبي وعيسى بن طلحة بن عبيد الله ومحمد بن أبي موسى. قال الزبير بن بكار: كان ابن مطيع من كبار رجال قريش جلدا وشجاعة، وأخبرني عمي مصعب أنه كان على قريش أميرا يوم الحرة ثم قتل مع ابن الزبير بمكة وهو الذي يقول: أنا الذي فررت يوم الحرة * والشيخ لا يفر إلا مرة (1) * ولا جبرت فرة بكرة * (2) رحمه الله. عوف بن مالك رضي الله عنه هو عوف بن مالك بن أبي عوف الاشجعي الغطفاني صحابي جليل، شهد مؤتة مع خالد بن الوليد والامراء قبله، وشهد الفتح وكانت معه راية قومه يومئذ، وشهد فتح الشام، وروى عن


(1) في المحبر ص 494 وابن الاثير 4 / 455 واسد الغابة 3 / 262: والحر لا يفر إلا مرة، وفي ابن الاعثم 6 / 277: والالح لا يهرب إلا مرة. (2) في ابن الاثير: واليوم أجزي فرة بكره. وفي المحبر: لاعقبن فرة بكره. وفي أسد الغابة: يا حبذا الكره بعد الفره * لاجرين كرة بفره وفي الفتوح: ما أحسن الكرة بعد الفره * وأقبح الفرة بعد الكرة (*)

[ 381 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم احاديث، وروى عنه جماعة من التابعين وابو هريرة، وقد مات قبله، وقال الواقدي وخليفة بن خياط وأبو عبيدة وغير واحد: توفي سنة ثلاث وسبعين بالشام. أسماء بنت أبي بكر الصديق والدة عبد الله بن الزبير، يقال لها ذات النطاقين، وإنما سميت بذلك عام الهجرة حين شقت نطاقها فربطت به سفرة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حين خرجا عامدين إلى المدينة، وأمها قيلة وقيل قبيلة (1) بنت عبد العزى من بني عامر بن لؤي. أسلمت أسماء قديما وهم بمكة في أول الاسلام، وهاجرت هي وزوجها الزبير وهي حامل متم بولدها عبد الله فوضعته بقبا أول مقدمهم المدينة، ثم ولدت للزبير بعد ذلك عروة والمنذر. وهي آخر المهاجرين والمهاجرات موتا، وكانت هي وأختها عائشة وأبوها أبو بكر الصديق وجدها أبو عتيق وابنها عبد الله وزوجها الزبير صحابيين رضي الله عنهم، وقد شهدت اليرموك مع ابنها وزوجها، وهي أكبر من أختها عائشة بعشر سنين. وقيل إن الحجاج دخل عليها بعد أن قتل ابنها فقال: يا أماه إن أمير المؤمنين أوصاني بك فهل لك من حاجة ؟ فقالت: لست لك بأم، إنما أنا أم المصلوب على الثنية، ومالي من حاجة، ولكن أحدثك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير " فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا أراك إلا إياه، فقال: أنا مبير المنافقين. وقيل إن ابن عمر دخل معه عليها وابنها مصلوب فقال لها: إن هذا الجسد ليس بشئ وإنما الارواح عند الله فاتقي الله واصبري، فقالت: وما يمنعني من الصبر وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل ؟. وقيل إنها غسلته وحنطته وكفنته وطيبته وصلت عليه ثم دفنته، ثم ماتت بعده بأيام في آخر جمادى الآخرة، ثم إن الزبير لما كبرت طلقها، وقيل بل قال له عبد الله ابنه: ان مثلي لا توطأ أمه، فطلقها الزبير، وقيل: بل اختصمت هي والزبير فجاء عبد الله ليصلح بينهما فقال الزبير: إن دخلت فهي طالق، فدخلت فبانت فالله أعلم. وقد عمرت أسماء دهرا صالحا وأضرت في آخر عمرها، وقيل بل كانت صحيحة البصر لم يسقط لها سن. وأدركت قتل ولدها في هذه السنة كما ذكرنا، ثم ماتت بعده بخمسة أيام، وقيل بعشرة، وقيل بعشرين، وقيل بضع وعشرين يوما، وقيل عاشت بعده مائة يوم وهو الاشهر، وبلغت من العمر مائة سنة ولم يسقط لها سن ولم ينكر لها عقل رحمها الله. وقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث طيبة مباركة رضي الله عنها ورحمها. قال ابن جرير: وفي هذه السنة - يعني سنة ثلاث وسبعين - عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة وأضافها إلى أخيه بشر بن مروان مع الكوفة، فارتحل إليها واستخلف على الكوفة


(1) في أسد الغابة 5 / 392 والاستيعاب على هامش الاصابة 4 / 232: والاصابة 4 / 229: قتيلة. (*)

[ 382 ]

عمرو بن حريث. وفيها غزا محمد بن مروان الصائفة فهزم الروم. وقيل إنه كان في هذه السنة وقعة عثمان بن الوليد بالروم من ناحية أرمينية، وهو في أربعة آلاف، والروم في ستين ألفا فهزمهم وأكثر القتل فيهم. وأقام للناس الحج في هذه السنة الحجاج وهو على مكة واليمن واليمامة، وعلى الكوفة والبصرة بشر بن مروان، وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. وعلى إمرة خراسان بكير بن وشاح، يعني الذي كان نائبا لعبد الله بن خازم والله أعلم. وممن توفي فيها من الاعيان غير من تقدم ذكره مع ابن الزبير عبد الله سعد بن جثم الانصاري له صحبة وشهد اليرموك، وكان كثير العبادة والغزو. عبد الله بن أبي حدرد الاسلمي (1) أبو محمد له صحبة ورواية توفي بالمدينة. مالك بن مسمع بن غسان البصري كان شديد الاجتهاد في العبادة والزهادة. ثابت بن الضحاك الانصاري له صحبة ورواية توفي بالمدينة، يقال له أبو زيد الاشمالي وهو من أهل البيعة تحت الشجرة. قال يحيى بن أبي كثير: أخبرني أبو قلابة أن ثابت بن الضحاك أخبره أنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قذف مؤمنا بكفر فهو كفيله ". زينب بنت أبي سلمى المخزومي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، ولدتها أمها بالحبشة، ولها رواية وصحبة. توبة بن الصمة وهو الذي يقال له مجنون ليلى (2)، كان توبة يشن الغارات على بني الحارث بن كعب، فرأى


(1) قال في الاستيعاب (هامش الاصابة 2 / 288) والاصابة 2 / 296: مات سنة إحدى وسبعين وله إحدى وثمانون سنة. (2) وهو توبة بن الحمير بن حزم بن كعب بن خفاجة بن عمرو بن عقيل (انظر في ترجمته الاغاني 11 / 204 الشعر = (*)

[ 383 ]

ليلى (1) فهواها وتهتك بها وهام بها محبة وعشقا، وقال فيها الاشعار الكثيرة القوية الرائقة، التي لم يسبق إليها ولم يلحق فيها لكثرة ما فيها من المعاني والحكم، وقد قيل له مرة: هل كان بينك وبين ليلى ريبة قط ؟ فقال: برئت من شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم إن كنت قط حللت سراويلي على محرم. وقد دخلت ليلى على عبد الملك بن مروان تشكو ظلامة فقال لها: ماذا رأى منك توبة حتى عشقك هذا العشق كله ؟ فقالت: والله يا أمير المؤمنين لم يكن بيني وبينه قط ريبة ولا خنا، وإنما العرب تعشق وتعف وتقول الاشعار فيمن تهوى وتحب مع العفة والصيانة لانفسها عن الدناءات. فأزال ظلامتها وأجازها. توفي توبة في هذه السنة وقيل إن ليلى جاءت إلى قبره فبكت حتى ماتت والله أعلم. تم الجزء الثامن من كتاب البداية والنهاية ويليه الجزء التاسع وأوله سنة أربع وسبعين من الهجرة وما فيها من الحوادث. نسأل الله التوفيق والاعانة


= والشعراء 356 آمالي القالي 1 / 86 الخزانة 3 / 31 المؤتلف 68، 63 العيني 1 / 569، 2 / 47 اسماء المغتالين: زينب بنت أبي سلمى المخزومي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، ولدتها أمها بالحبشة، ولها رواية وصحبة. توبة بن الصمة وهو الذي يقال له مجنون ليلى (2)، كان توبة يشن الغارات على بني الحارث بن كعب، فرأى

(1) قال في الاستيعاب (هامش الاصابة 2 / 288) والاصابة 2 / 296: مات سنة إحدى وسبعين وله إحدى وثمانون سنة. (2) وهو توبة بن الحمير بن حزم بن كعب بن خفاجة بن عمرو بن عقيل (انظر في ترجمته الاغاني 11 / 204 الشعر = (*)

[ 383 ]

ليلى (1) فهواها وتهتك بها وهام بها محبة وعشقا، وقال فيها الاشعار الكثيرة القوية الرائقة، التي لم يسبق إليها ولم يلحق فيها لكثرة ما فيها من المعاني والحكم، وقد قيل له مرة: هل كان بينك وبين ليلى ريبة قط ؟ فقال: برئت من شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم إن كنت قط حللت سراويلي على محرم. وقد دخلت ليلى على عبد الملك بن مروان تشكو ظلامة فقال لها: ماذا رأى منك توبة حتى عشقك هذا العشق كله ؟ فقالت: والله يا أمير المؤمنين لم يكن بيني وبينه قط ريبة ولا خنا، وإنما العرب تعشق وتعف وتقول الاشعار فيمن تهوى وتحب مع العفة والصيانة لانفسها عن الدناءات. فأزال ظلامتها وأجازها. توفي توبة في هذه السنة وقيل إن ليلى جاءت إلى قبره فبكت حتى ماتت والله أعلم. تم الجزء الثامن من كتاب البداية والنهاية ويليه الجزء التاسع وأوله سنة أربع وسبعين من الهجرة وما فيها من الحوادث. نسأل الله التوفيق والاعانة


= والشعراء 356 آمالي القالي 1 / 86 الخزانة 3 / 31 المؤتلف 68، 63 العيني 1 / 569، 2 / 47 اسماء المغتالين: ؟ 25 المحاسن والاضداد: 125 فوات الوفيات 1 / 259. (1) وهي ليلى بنت عبد الله بن الرحال. وقيل ابن الرحالة - بن شداد بن كعب بن معاوية وهو الاخيل بن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. كان توبة يهواها ويتعشق بها فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إياها وزوجها في بني الادلع. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية