الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 البداية والنهاية - ابن كثير ج 7

البداية والنهاية

ابن كثير ج 7


[ 1 ]

البداية والنهاية

[ 3 ]

البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 ه‍ حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء السابع دار إحياء التراث العربي

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة لدار احياء التراث العربي طبعة جديدة محققة الطبعة الاولى 1408 ه‍ 1988 م

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم سنة ثلاث عشرة من الهجرة استهلت هذه السنة والصديق عازم على جمع الجنود ليبعثهم إلى الشام، وذلك بعد مرجعه من الحج عملا بقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين) * [ التوبة: 123 ]. وبقوله تعالى: * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) * الآية [ التوبة: 29 ]. واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه جمع المسلمين لغزو الشام - وذلك عام تبوك - حتى وصلها في حر شديد وجهد، فرجع عامه ذلك، ثم بعث قبل موته أسامة بن زيد مولاه ليغزو تخوم الشام كما تقدم. ولما فرغ الصديق من أمر جزيرة العرب بسط يمينه إلى العراق، فبعث إليها خالد بن الوليد ثم أراد أن يبعث إلى الشام كما بعث إلى العراق، فشرع في جمع الامراء في أماكن متفرقة من جزيرة العرب. وكان قد استعمل عمرو بن العاص على صدقات قضاعة معه الوليد بن عقبة فيهم، فكتب إليه يستنفره إلى الشام: " إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاكه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة، وسماه لك أخرى، وقد أحببت أبا عبد الله ن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك " فكتب إليه عمرو بن العاص: إني سهم من سهام الاسلام، وأنت عبد (1) الله الرامي بها، والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها (2) فارم بي فيها. وكتب إلى الوليد بن عقبة بمثل ذلك ورد عليه مثله، وأقبلا بعد ما استخلفا في عملهما، إلى المدينة. وقدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن فدخل المدينة وعليه جبة ديباج، فلما رآها عمر عليه أمر من هناك من الناس بتحريقها عنه، فغضب خالد بن سعيد (3)


(1) في الطبري والكامل: بعد. (2) زاد الطبري والكامل: وأفضلها. (3) قال الطبري: ان خالد بن سعيد قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وتربص ببيعة أبي بكر شهرين لم يبايعه وقال لعلي ما قال... فاضطغنها عليه عمر. ولم يحفلها عليه أبو بكر (4 / 28 - والكامل في التاريخ 2 / 402 وابن سعد 4 / 97). (*)

[ 6 ]

أو قال لعلي بن أبي طالب: يا أبا الحسن ! أغلبتم يا بني عبد مناف عن الامرة ؟ فقال له علي: أمغالبة تراها أو خلافة ؟ فقال لا يغلب على هذا الامر أولى منكم. فقال له عمر بن الخطاب: أسكت فض الله فاك، والله لا تزال كاذبا تخوض فيما قلت ثم لا تضر إلا نفسك. وأبلغها عمر أبا بكر فلم يتأثر لها أبو بكر. ولما اجتمع عند الصديق من الجيوش ما أراد قام في الناس خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله، ثم حث الناس على الجهاد فقال: ألا لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبه، ومن عمل لله كفاه الله، عليكم بالجد والقصد فإن القصد أبلغ، ألا إنه لا دين لاحد لا إيمان له، ولا إيمان لمن لا خشية له (1)، ولا عمل لمن لا نية له، ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به (2)، هي النجاة (3) التي دل الله عليها، إذ نجى بها من الخزي، وألحق بها الكرامة [ في الدنيا والآخرة ] (4). ثم شرع الصديق في تولية الامراء وعقد الالوية والرايات، فيقال إن أول لواء عقده لخالد بن سعيد بن العاص (5)، فجاء عمر بن الخطاب فثناه عنه وذكره بما قال. فلم يتأثر به الصديق كما تأثر به عمر، بل عزله عن الشام وولاه أرض " تيماء " يكون بها فيمن معه من المسلمين حتى يأتيه أمره. ثم عقد لواء يزيد بن أبي سفيان ومعه جمهور الناس، ومعه سهيل بن عمرو، وأشباهه من أهل مكة، وخرج معه ماشيا يوصيه بما اعتمده في حربه ومن معه من المسلمين، وجعل له دمشق. وبعث أبا عبيدة بن الجراح على جند آخر، وخرج معه ماشيا يوصيه، وجعل له نيابة حمص. وبعث عمرو بن العاص ومعه جند آخر وجعله على فلسطين. وأمر كل أمير أن يسلك طريقا غير طريق الآخر، لما لحظ في ذلك من المصالح. وكان الصديق اقتدى في ذلك بنبي الله يعقوب حين قال لبنيه (* يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون) * [ يوسف: 67 ]. فكان سلوك يزيد ابن أبي سفيان على تبوك. قال المدائني بإسناده عن شيوخه قالوا: وكان بعث أبي بكر هذه الجيوش في أول سنة ثلاث عشرة. قال محمد بن إسحاق عن صالح بن كيسان: خرج أبو بكر ماشيا ويزيد ابن أبي سفيان راكبا فجعل، يوصيه، فلما فرغ قال: أقرئك السلام وأستودعك الله، ثم انصرف ومضى يزيد وأجد السير. ثم تبعه شرحبيل بن حسنة، ثم أبو عبيدة مددا لهما، فسلكوا غير ذلك الطريق. وخرج عمرو بن العاص حتى نزل العرمات (6) من أرض الشام. ويقال إن يزيد بن أبي


(1) في الطبري: ولا أجر لمن لا حسبة له. (2) في الكنز: أن يحضره، وفي ابن عساكر: أن يحض به. (3) في الطبري: التجارة. (4) من الطبري 4 / 30 وأخرجه ابن عساكر في 1 / 133 وذكره في الكنز 8 / 207 بمثله. (5) قال الواقدي في فتوح الشام: يزيد بن أبي سفيان. (6) في الطبري: بغمر العربات. (*)

[ 7 ]

سفيان نزل البلقاء أولا. ونزل شرحبيل بالاردن، ويقال ببصرى. ونزل أبو عبيدة بالجابية. وجعل الصديق يمدهم بالجيوش، وأمر كل واحد منهم أن ينضاف إلى من أحب من الامراء. ويقال إن أبا عبيدة لما مر بأرض البلقاء قاتلهم حتى صالحوه وكان أول صلح (1) وقع بالشام. ويقال إن أول حرب وقع بالشام أن الروم اجتمعوا بمكان يقال له العرية (2) من أرض فلسطين، فوجه إليهم أبا أمامة [ الباهلي ] في سرية فقتلهم وغنم منهم، وقتل منهم بطريقا عظيما. ثم كانت بعد هذه وقعة مرج الصفراء استشهد فيها خالد بن سعيد بن العاص وجماعة من المسلمين. ويقال إن الذي استشهد في مرج الصفراء ابن لخالد بن سعيد، وأما هو ففر حتى انحاز إلى أرض الحجاز. فالله أعلم، حكاه ابن جرير. قال ابن جرير: ولما انتهى خالد بن سعيد إلى تيماء اجتمع له جنود من الروم في جمع كثير من نصارى العرب، من غيرا (3)، وتنوخ، وبني كلب، وسليح، ولخم وجذام، وغسان، فتقدم إليهم خالد بن سعيد، فلما اقترب منهم تفرقوا عنه ودخل كثير منهم في الاسلام، وبعث إلى الصديق يعلمه بما وقع من الفتح، فأمره الصديق أن يتقدم ولا يحجم، وأمده بالوليد بن عقبة وعكرمة بن أبي جهل وجماعة، فسار إلى قريب من إيلياء فالتقى هو وأمير من الروم يقال له ماهان (4) فكسره، ولجأ ماهان إلى دمشق، فلحقه خالد بن سعيد، وبادر الجيوش إلى لحوق دمشق وطلب الحظوة، فوصلوا إلى مرج الصفراء فانطوت عليه مسالح ماهان وأخذوا عليهم الطريق، وزحف ماهان ففر خالد بن سعيد، فلم يرد إلى ذي المروة. واستحوذ الروم على جيشهم إلا من فر على الخيل، وثبت عكرمة بن أبي جهل، وقد تقهقر عن الشام قريبا وبقي ردءا لمن نفر إليه، وأقبل شرحبيل بن حسنة من العراق من عند خالد بن الوليد إلى الصديق، فأمره على جيشه وبعثه إلى الشام، فلما مر بخالد بن سعيد بذي المروة، أخذ جمهور أصحابه الذين هربوا إلى ذي المروة. ثم اجتمع عند الصديق طائفة من الناس فأمر عليهم معاوية بن أبي سفيان وأرسله وراء أخيه يزيد بن أبي سفيان. ولما مر بخالد بن سعيد أخذ من كان بقي معه بذي المروة إلى الشام. ثم أذن الصديق لخالد بن سعيد في الدخول إلى المدينة وقال: كان عمر أعلم بخالد. وقعة اليرموك على ما ذكره سيف بن عمر في هذه السنة قبل فتح دمشق، وتبعه على ذلك أبو جعفر بن


(1) وهو صلح مآب وهي فسطاط ليست بمدينة وهي قرية من قرى البلقاء كما في الطبري 4 / 39. (2) في الطبري: العربة. وفي معجم البلدان: العربة موضع بفلسطين كانت به وقعة للمسلمين في أول الاسلام. (3) في الطبري: بهراء. (4) في الطبري والكامل: باهان، وفي فتوح الشام للواقدي وفتوح البلدان للبلاذري: ماهان. (*)

[ 8 ]

جرير رحمه الله. وأما الحافظ ابن عساكر رحمه الله فإنه نقل عن يزيد بن أبي عبيدة والوليد وابن لهيعة والليث وأبي معشر أنها كانت في سنة خمس عشرة بعد فتح دمشق. وقال محمد بن إسحاق: كانت في رجب سنة خمس عشرة. وقال خليفة بن خياط قال ابن الكلبي. كانت وقعة اليرموك يوم الاثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة. قال ابن عساكر، وهذا هو المحفوظ و (أما) ما قاله سيف من أنها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة فلم يتابع عليه. قلت: وهذا ذكر سياق سيف وغيره على ما أورده ابن جرير وغيره. قال: ولما توجهت هذه الجيوش نحو الشام أفزع ذلك الروم وخافوا خوفا شديدا، وكتبوا إلى هرقل يعلمونه بما كان من الامر. فيقال إنه كان يومئذ بحمص، ويقال: كان حج عامه ذلك إلى بيت المقدس. فلما انتهى إليه الخبر. قال لهم: ويحكم إن هؤلاء أهل دين جديد، وإنهم لا قبل لاحد بهم، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام ويبقى لكم جبال الروم، وإن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام وضيقوا عليكم جبال الروم. فنخروا من ذلك نخرة حمر الوحش كما هي عاداتهم في قلة المعرفة والرأي بالحرب والنصرة في الدين والدنيا. فعند ذلك سار إلى حمص، وأمر هرقل بخروج الجيوش الرومية صحبة الامراء، في مقابلة كل أمير من المسلمين جيش كثيف، فبعث إلى عمرو بن العاص أخا له لابويه " تذارق " في تسعين ألفا من المقاتلة. وبعث جرجه بن بوذيها (1) إلى ناحية يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بإزائه في خمسين ألفا أو ستين ألفا. وبعث الدراقص إلى شرحبيل بن حسنة. وبعث اللقيقار (2) ويقال القيقلان - قال ابن إسحاق وهو خصي هرقل نسطورس - في ستين ألفا إلى أبي عبيدة بن الجراح. وقالت الروم: والله لنشغلن أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا. وجميع عساكر المسلمين أحد وعشرون ألفا سوى الجيش الذي مع عكرمة بن أبي جهل. وكان واقفا في طرف الشام ردءا للناس - في ستة آلاف - فكتب الامراء إلى أبي بكر وعمر يعلمونهما بما وقع من الامر العظيم. فكتب إليهم أن اجتمعوا وكونوا جندا واحدا والقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله والله ينصر من نصره، وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم عن قلة، ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها، وليصل كل رجل منكم بأصحاب. وقال الصديق: والله لاشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد. وبعث إليه وهو بالعراق ليقدم إلى الشام فيكون الامير على من به، فإذا فرغ عاد إلى عمله بالعراق، فكان ما سنذكره. ولما بلغ هرقل ما أمر به الصديق أمراءه من الاجتماع، بعث إلى أمرائه أن يجتمعوا أيضا وأن ينزلوا بالجيش منزلا واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب، وعلى الناس أخوه تذارق، وعلى المقدمة جرجه، وعلى المجنبتين ماهان والدراقص، وعلى البحر القيقلان.


(1) في الكامل: بن توذر، وفي الطبري: توذرا. (2) في الطبري: الفيقار، وفي الكامل: القيقار. (*)

[ 9 ]

وقال محمد بن عائد عن عبد الاعلى عن سعيد بن عبد العزيز: إن المسلمين كانوا أربعة وعشرين ألفا، وعليهم أبو عبيدة، والروم كانوا عشرين ومائة ألف عليهم ماهان وسقلاب يوم اليرموك. وكذا ذكر ابن إسحاق أن سقلاب الخصي كان على الروم يومئذ في مائة ألف، وعلى المقدمة جرجه - من أرمينية - في اثني عشر ألفا، ومن المستعربة اثني عشر ألفا (1) عليهم جبلة بن الايهم: والمسلمون في أربعة وعشرين ألفا، فقاتلوا قتالا شديدا حتى قاتلت النساء من ورائهم أشد القتال. وقال الوليد عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير قال: بعث هرقل مائتي ألف عليهم ماهان الارمني. قال سيف: فسارت الروم فنزلوا الواقوصة قريبا من اليرموك، وصار الوادي خندقا عليهم. وبعث الصحابة إلى الصديق يستمدونه ويعلمونه بما اجتمع من جيش الروم باليرموك، فكتب الصديق عند ذلك إلى خالد بن الوليد (2) أن يستنيب على العراق وأن يقفل بمن معه إلى الشام، فإذا وصل إليهم فهو الامير عليهم. فاستناب المثنى بن حارثة على العراق وسار خالد مسرعا في تسعة آلاف وخمسمائة (3)، ودليله رافع بن عميرة الطائي، فأخذ به على السماق حتى انتهى إلى قراقر، وسلك به أراضي لم يسلكها قبله أحد، فاجتاب البراري والقفار، وقطع الاودية،: وتصعد على الجبال، وسار في غير مهيع، وجعل رافع يدلهم في مسيرهم على الطريق وهو في مفاوز معطشة، وعطش النوق وسقاها الماء عللا بعد نهل (4)، وقطع مشافرها وكعمها حتى لا تجتز رحل أدبارها، واستاقها معه، فلما فقدوا الماء نحرها فشربوا ما في أجوافها من الماء، ويقال بل سقاه الخيل وشربوا ما كانت تحمله من الماء وأكلوا لحومها. ووصل ولله الحمد والمنة في خمسة أيام، فخرج على الروم من ناحية تدمر فصالح أهل تدمر وأركه، ولما مر بعذراء أباحها وغنم لغسان أموالا عظيمة وخرج من شرقي دمشق، ثم سار حتى وصل إلى قناة بصرى فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها وسلمها إليه (5)، فكانت أول مدينة فتحت من الشام ولله الحمد.


(1) في فتوح ابن الاعثم: في أربعين ألفا من العرب المتنصرة بالخيل والعدد والسلاح والزينة. (2) أرسل أبو بكر كتاب إلى خالد بن الوليد مع عبد الرحمن بن حنبل الجمحي وفيه: من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خالد بن الوليد. أما بعد. فقد ورد علي من خبر الشام ما قد أقلقني وأرقني وضقت به ذرعا. فإذا ورد عليك كتابي هذا وأنت قائم فلا تقعد، وإن كنت راكبا فلا تنزل، وذر العراق وخلف عليها من تثق به من أهلها الذين قدموا معك من اليمامة والحجاز حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين، فإن العدو قد جمع لهما جمعا عظيما وقد احتاجوا إلى معونتك، فإذا أنت أتيت المسلمين بالشام فأنت أمير الجماعة والسلام. (الفتوح 1 / 133). (3) في الفتوح: سبعة آلاف، وفي الكامل: عشرة آلاف، وفي الطبري: تسعة آلاف. وفي فتوح البلدان: ثمان مئة. وفي فتوح الشام أربعة آلاف. (4) العلل: الشربة الثانية. والنهل: الشربة الاولى. (5) صالحوا على أن يؤمنوا على دمائهم وأموالهم وأولادهم على أن يؤدوا الجزية فعلى كل حالم دينارا وجريب حنطة (فتوح البلدان 1 / 134). (*)

[ 10 ]

وبعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحرث المزني إلى الصديق ثم سار خالد وأبو عبيدة ومرثد وشرحبيل إلى عمرو بن العاص - وقد قصده الروم بأرض العربا من المعور فكانت واقعة أجنادين. وقد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد: لله عينا رافع أنى اهتدى * فوز من قراقر إلى نوى (1) خمسا إذا ما سارها الجيش بكى * ما سارها قبلك إنسي أرى (2) وقد كان بعض العرب قال له في هذا المسير: إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت أنت ومن معك، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك، فسار خالد بمن معه وسروا سروة عظيمة فأصبحوا عندها، فقال خالد: عند الصباح يحمد القوم السرى. فأرسلها مثلا، وهو أول من قالها رضي الله عنه. ويقول غير ابن إسحاق كسيف بن عمر وأبي نحيف وغيرهما في تكميل السياق الاول: حين اجتمعت الروم مع أمرائها بالواقوصة وانتقل الصحابة من منزلهم الذي كانوا فيه فنزلوا قريبا من الروم في طريقهم الذي ليس لهم طريق غيره، فقال عمر بن العاص: أبشروا أيها الناس، فقد حصرت والله الروم، وقلما جاء محصور بخير. ويقال إن الصحابة لما اجتمعوا للمشورة في كيفية المسير إلى الروم، جلس الامراء لذلك فجاء أبو سفيان فقال: ما كنت أظن أني أعمر حتى أدرك قوما يجتمعون لحرب ولا أحضرهم، ثم أشار أن يتجزأ الجيش ثلاثة أجزاء، فيسير ثلثه فينزلون تجاه الروم، ثم تسير الاثقال والذراري في الثلث الآخر، ويتأخر خالد بالثلث الآخر حتى إذا وصلت الاثقال إلى أولئك سار بعدهم ونزلوا في مكان تكون البرية من وراء ظهورهم لتصل إليهم البرد والمد. فامتثلوا ما أشار به ونعم الرأي هو. وذكر الوليد عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير أن الروم نزلوا فيما بين دير أيوب واليرموك، ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر، وأذرعات خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة. ويقال إن خالدا إنما قدم عليهم بعد ما نزل الصحابة تجاه الروم بعد ما صابروهم وحاصروهم شهر ربيع الاول بكماله، فلما انسلخ وأمكن القتال (3) لقلة الماء بعثوا إلى الصديق يستمدونه فقال: خالد لها، فبعث إلى خالد فقدم عليهم في ربيع الآخر، فعند وصول خالد إليهم أقبل ماهان مددا للروم ومعه القساقسة، والشمامسة والرهبان يحثونهم، ويحرضونهم على القتال لنصر دين النصرانية، فتكامل جيش الروم أربعون ومائتا ألف. ثمانون ألفا مسلسل بالحديد والحبال، وثمانون ألفا فارس، وثمانون ألفا راجل. قال سيف وقيل بل كان الذين تسلسلوا كل عشرة سلسلة لئلا يفروا ثلاثين


(1) في الكامل والطبري: سوى. (2) البيت في فتوح البلدان: ماء إذا ما رامه الجبس انثنى * ما جازها قبلك من إنس يرى (3) كذا بالاصول والظاهر أن فيه سقطا، والعبارة بأكملها ساقطة من الطبري. (*)

[ 11 ]

ألفا (1)، فالله أعلم. قال سيف وقدم عكرمة بمن معه من الجيوش فتكامل جيش الصحابة ستة وثلاثين ألفا إلى الاربعين ألفا. وعند ابن إسحق والمدايني أيضا أن وقعة أجنادين قبل وقعة اليرموك وكانت وقعة أجنادين لليلتين بقيتا (2) من جمادى الاولى سنة ثلاث عشرة، وقتل بها بشر كثير من الصحابة، وهزم الروم وقتل أميرهم القيقلان (3). وكان قد بعث رجلا من نصارى العرب (4) يجس له أمر الصحابة، فلما رجع إليه قال: وجدت قوما رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، والله لو سرق فيهم ابن ملكهم لقطعوه، أو زنى لرجموه. فقال له القيقلان: والله لئن كنت صادقا لبطن الارض خير من ظهرها. وقال سيف بن عمر في سياقه: ووجد خالد الجيوش متفرقة فجيش أبي عبيدة وعمرو بن العاص ناحية، وجيش يزيد وشرحبيل ناحية. فقام خالد في الناس خطيبا. فأمرهم بالاجتماع ونهاهم عن التفرق والاختلاف. فاجتمع الناس وتصافوا مع عدوهم في أول جمادى الآخرة وقال خالد بن الوليد في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وإن هذا يوم له ما بعده لو رددناهم اليوم إلى خندقهم فلا نزال نردهم، وإن هزمونا لا نفلح بعدها أبدا، فتعالوا فلنتعاور الامارة فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم، ودعوني اليوم إليكم، فأمروه عليهم وهم يظنون أن الامر يطول جدا فخرجت الروم في تعبئة لم ير مثلها قبلها قط وخرج خالد في تعبئة لم تعبها العرب قبل ذلك. فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الاربعين كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، وجعل أبا عبيدة في القلب، وعلى الميمنة عمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن حسنة، وعلى الميسرة يزيد بن أبي سفيان. وأمر على كل كردوس أميرا، وعلى الطلائع قباب (5) بن أشيم، وعلى الاقباض عبد الله بن مسعود والقاضي يومئذ أبو الدرداء وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة الانفال وآيات الجهاد المقداد بن الاسود. وذكر إسحاق بن يسار بإسناده أن أمراء الارباع يومئذ كانوا أربعة، أبو عبيدة وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان، وخرج الناس على راياتهم وعلى الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة نفاثة بن أسامة الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيالة خالد بن الوليد وهو المشير في الحرب الذي


(1) في الطبري: أربعون ألفا. (2) في فتوح البلدان: لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الاولى، وفي فتوح الشام للواقدي كانت ليلة ست خلت من جمادى الاولى. (3) في الطبري: القبقلار، وفي الكامل: كان عليهم تذارق أخو هرقل لابويه. وفي الفتوح لابن الاعثم: كان عليهم قلفط أحد بطارقتهم. وقال الطبري: أما علماء الشام فيزعمون انما كان على الروم تذارق. (4) في الطبري: رجل من قضاعة من تزيد بن حيدان يقال له: ابن هزارف. (5) في الطبري: قباث. (*)

[ 12 ]

يصدر الناس كلهم عن رأيه. ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها كأنهم غمامة سوداء يصيحون بأصوات مرتفعة ورهبانهم يتلون الانجيل ويحثونهم على القتال، وكان خالد في الخيل بين يدي الجيش فساق بفرسه إلى أبي عبيدة فقال له: إني مشير بأمر، فقال: قل ما أمرك الله أسمع لك وأطيع. فقال له خالد إن هؤلاء القوم لابد لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإني أخشى على الميمنة والميسرة وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين وأجعلها وراء الميمنة والميسرة حتى إذا صدموهم كانوا لهم ردءا فنأتيهم من ورائهم. فقال له: نعم ما رأيت. فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الاخرى وأمر أبا عبيدة أن يتأخر عن القلب إلى وراء الجيش كله لكي إذا رآه المنهزم استحى منه ورجع إلى القتال، فجعل أبو عبيدة مكانه في القلب سعيد بن زيد أحد العشرة رضي الله عنهم، وساق خالد إلى النساء من وراء الجيش ومعهن عدد من السيوف وغيرها، فقال لهن من رأيتموه موليا فاقتلنه، ثم رجع إلى موقفه رضي الله عنه. ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان وعظ أبو عبيدة المسلمين فقال: عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدأوهم بالقتال وشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت إلا من ذكر الله في أنفسكم حتى آمركم إن شاء الله تعالى. قالوا: وخرج معاذ بن جبل على الناس فجعل يذكرهم ويقول يا أهل القرآن، ومتحفظي الكتاب وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال وجنته لا تدخل بالاماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق ألم تسمعوا لقول الله: * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلفت الذين من قبلهم) * الآية [ النور: 55 ]. فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم وأنتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره. وقال عمرو بن العاص: يا أيها المسلمون غضوا الابصار، واجثوا على الركب، واشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الاسنة فثبوا إليهم وثبة الاسد، فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب ويجزي بالاحسان إحسانا، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا، فلا يهولكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل. وقال أبو سفيان: يا معشر المسلمين أنتم العرب وقد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الاهل نائين عن أمير المؤمنين وأمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عدده، شديد عليكم حنقه، وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم، ولا يبلغ بكم رضوان الله غدا إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، ألا وإنها سنة لازمة وأن

[ 13 ]

الارض وراءكم، بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحارى وبراري، ليس لاحد فيها معقل ولا معدل إلا الصبر ورجاء ما وعد الله فهو خير معول، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون. ثم ذهب إلى النساء فوصاهن ثم عاد فنادى: يا معاشر أهل الاسلام حضر ما ترون فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم. ثم سار إلى موقفه رحمه الله. وقد وعظ الناس أبو هريرة أيضا فجعل يقول: سارعوا إلى الحور العين وجوار ربكم عز وجل في جنات النعيم، ما أنتم إلى ربكم في موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا المواطن، ألا وإن للصابرين فضلهم. قال سيف بن عمر إسناده عن شيوخه: إنهم قالوا كان في ذلك الجمع ألف رجل من الصحابة منهم مائة من أهل بدر. وجعل أبو سفيان يقف على كل كردوس ويقول: الله الله إنكم دارة (1) العرب وأنصار الاسلام، وإنهم دارة (1) الروم وأنصار الشرك، اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك. قالوا: ولما أقبل خالد من العراق قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين ! ! فقال خالد: ويلك، أتخوفني بالروم ؟ إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الاشقر برأ من توجعه، وأنهم أضعفوا في العدد - وكان فرسه قد حفا واشتكى في مجيئه من العراق -. ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ومعهما ضرار بن الازور، والحارث بن هشام، وأبو جندل بن سهيل، ونادوا: إنما نريد أميركم لنجتمع به، فأذن لهم في الدخول على تذارق، وإذا هو جالس في خيمة من حرير. فقال الصحابة: لا نستحل دخولها، فأمر لهم بفرش بسط من حرير، فقالوا: ولا نجلس على هذه. فجلس معهم حيث أحبوا وتراضوا على الصلح، ورجع عنهم الصحابة بعد ما دعوهم إلى الله عز وجل فلم يتم ذلك. وذكر الوليد بن مسلم أن ماهان طلب خالدا ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم فقال ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع، فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها. فقال خالد: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم. فجئنا لذلك. فقال أصحاب ماهان: هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب. قالو ثم تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو - وهما على مجنبتي القلب - أن ينشئا القتال. فبدرا يرتجزان (2) ودعوا إلى البراز، وتنازل الابطال، وتجاولوا وحمى الحرب وقامت على ساق. هذ


(1) في الطبري: ذادة العرب. (2) قال القعقاع يا ليتني ألقاك في الطراد * قبل اعترام الجحفل الوراد وأنت في حلبتك الوراد وقال عكرمة: قد علمت تهنكة الجواري * اني على مكرمة (*)

[ 14 ]

وخالد مع كردوس من الحماة الشجعان الابطال بين يدي الصفوف، والابطال يتصاولون من الفريقين بين يديه، وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الافاعيل، ويدبر أمر الحرب أتم تدبير. وقال إسحاق بن بشير عن سعيد بن عبد العزيز عن قدماء مشايخ دمشق، قالوا: ثم زحف ماهان فخرج أبو عبيدة، وقد جعل على الميمة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة قباب (1) بن أشيم الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيل خالد بن الوليد، وخرج الناس على راياتهم، وسار أبو عبيدة بالمسلمين، وهو يقول: عباد الله أنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معاشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر، ومرضاة للرب، ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدؤهم بالقتال، واشرعوا الرماح، واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله. وخرج معاذ بن جبل فجعل يذكرهم، ويقول: يا أهل القرآن، ومستحفظي الكتاب، وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال، وجنته لا تدخل بالاماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا للصادق المصدق، ألم تسمعوا لقول الله عز وجل * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) * إلى آخر الآية ؟ فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم، وأنتم في قبضته، وليس لكم ملتحد من دونه. وسار عمرو بن العاص في الناس وهو يقول: أيها المسلمون غضوا الابصار واجثوا على الراكب، واشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الاسنة فثبوا وثبة الاسد، فوالذي يرضي الصدق ويثيب عليه، ويمقت الكذب ويجزي الاحسان إحسانا. لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد لتطايروا تطاير أولاد الحجل. ثم تكلم أبو سفيان فأحسن وحث على القتال فأبلغ في كلام طويل. ثم قال حين تواجه الناس: يا معشر أهل الاسلام حضر ما ترون، فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم، وحرض أبو سفيان النساء فقال: من رأيتنه فارا فاضربنه بهذه الاحجار والعصي حتى يرجع. وأشار خالد أن يقف في القلب سعيد بن زيد، وأن يكون أبو عبيدة من وراء الناس ليرد المنهزم. وقسم خالد الخيل قسمين فجعل فرقة وراء الميمنة، وفرقة وراء الميسرة، لئلا يفر الناس وليكونوا ردءا لهم من ورائهم. فقال له أصحابه: افعل ما أراك الله، وامتثلوا ما أشار به خالد رضي الله عنه. وأقبلت الروم رافعة صلبانها ولهم أصوات مزعجة كالرعد، والقساقسة والبطارقة تحرضهم على القتال وهم في عدد وعدد لم ير مثله، فالله المستعان وعليه التكلان. وقد كان فيمن شهد اليرموك الزبير بن العوام، وهو أفضل من هناك من الصحابة، وكان من


(1) تقدم ذكره: قباث. (*)

[ 15 ]

فرسان الناس وشجعانهم، فاجتمع إليه جماعة من الابطال يومئذ فقالوا: ألا تحمل فنحمل معك ؟ فقال: إنكم لا تثبتون، فقالوا: بلى ! فحمل وحملوا فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا وأقدم هو فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد إلى أصحابه. ثم جاؤا إليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الاولى، وجرح يومئذ جرحين بين كتفيه، وفي رواية جرح. وقد روى البخاري معنى ما ذكرناه في صحيحه. وجعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين والرهبان يقول: اللهم زلزل أقدامهم، وأرعب قلوبهم: وأنزل علينا السكينة، وألزمنا كلمة التقوى، وجبب إلينا اللقاء، وأرضنا بالقضاء. وخرج ماهان فأمر صاحب الميسرة وهو الدبريجان (1)، وكان عدو الله متنسكا فيهم، فحمل على الميمنة وفيها الازد ومذحج وحضرموت وخولان، فثبتوا حتى صدقوا (2) أعداء الله، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال. فزال المسلمون من الميمنة إلى ناحية القلب، وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر، وثبت صور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم، وانكشف زبيد. ثم تنادوا فتراجعوا وحملوا حتى نهنهوا من أمامهم من الروم وأشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس، واستقبل النساء من انهزم من سرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة وجعلت خولة بنت ثعلبة تقول: يا هاربا عن نسوة تقيات * فعن قليل ما ترى سبيات * ولا حصيات ولا رضيات * (3) قال: فتراجع الناس إلى مواقفهم. وقال سيف بن عمر عن أبي عثمان الغساني عن أبيه. قال قال عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك: قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم ؟ ثم نادى: من يبايع على الموت ؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الازور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا، وقتل منهم خلق منهم ضرار بن الازور رضي الله عنهم. وقد ذكر الواقدي وغيره أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجئ إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليها، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعا ولم يشربها أحد منهم، رضي الله عنهم أجمعين.


(1) قال الواقدي: أن الديرجان كان بطريقا على بصرى وهو الذي قاتل خالد وقتله عبد الرحمن بن أبي بكر. (2) كذا بالاصل، ولعل الصواب: صدوا. (3) الابيات في الواقدي (فتوح الشام) يا هاربا عن نساء ثقات * لها جمال ولها ثبات تسلموهن إلى الهنات * تملك نواصينا مع البنات اعلاج سوق فسق عتاة * ينلن منا أعظم الشتات (*)

[ 16 ]

ويقال إن أول من قتل من المسلمين يومئذ شهيدا رجل جاء إلى أبي عبيدة فقال: إني قد تهيأت لامري فهل لك من حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم، تقرئه عني السلام وتقول: يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا. قال: فتقدم هذا الرجل حتى قتل رحمه الله. قالوا: وثبت كل قوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كأنها الرحا. فلم تر يوم اليرموك (إلا) مخا ساقطا، ومعصما نادرا، وكفا طائرة من ذلك الموطن. ثم حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التي حملت على ميمنة المسلمين فأزالوهم إلى القلب فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف منهم ثم قال: والذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر والجلد غير ما رأيتم، وإني لارجو أن يمنحكم الله أكتافهم. ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة ألف فما وصل إليهم حتى انفض جمعهم، وحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد، فانكشفوا وتبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم. قالوا: وبينما هم في جولة الحرب وحومة الوغى والابطال يتصاولون من كل جانب، إذ قدم البريد من نحو الحجاز فدفع إلى خالد بن الوليد فقال له: ما الخبر ؟ فقال له - فيما بينه وبينه -: إن الصديق رضي الله عنه قد توفي واستخلف عمر، واستناب على الجيوش أبا عبيدة عامر بن الجراح. فأسرها خالد ولم يبد ذلك للناس لئلا يحصل ضعف ووهن في تلك الحال، وقال له والناس يسمعون: أحسنت، وأخذ منه الكتاب فوضعه في كنانته واشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب والمقاتلة، وأوقف الرسول الذي جاء بالكتاب - وهو منجمة (1) بن زنيم - إلى جانبه. كذا ذكره ابن جرير بأسانيده. قالوا وخرج جرجه أحد الامراء الكبار من الصف واستدعى خالد بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجه: يا خالد أخبرني فاصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد (2) إلا هزمتهم ؟ قال: لا ! قال: فبم سميت سيف الله ؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه (3)، فقال لي: أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين. ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين. فقال جرجه: يا خالد إلى ما تدعون ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده


(1) في الطبري: محمية. (2) في الطبري: قوم. (3) في الطبري: فتابعناه. (*)

[ 17 ]

ورسوله والاقرار بما جاء به من عند الله عز وجل. قال: فمن لم يجيكم ؟ قال: فالجزية ونمنعهم. قال: فإن لم يعطها قال: نؤذنه بالحرب ثم نقاتله. قال: فما منزلة من يجيكم ويدخل في هذا الامر اليوم ؟ قال منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا. قال جرجه: فلمن دخل فيكم اليوم من الاجر مثل ما لكم من الاجر والذخر ؟ قال: نعم وأفضل. قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه ؟ فقال خالد: إنا قبلنا هذا الامر عنوة (1) وبايعنا نبينا وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتاب ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الامر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا ؟ فقال جرجه: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني ؟ قال: تالله لقد صدقتك (2) وإن الله ولي ما سألت عنه. فعند ذلك قلب جرجه الترس ومال مع خالد وقال: علمني الاسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه فسن (3) عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين. وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة بن أبي جهل والحرث بن هشام. فركب خالد وجرجه معه والروم خلال المسلمين، فتنادى الناس وثابوا وتراجعت الروم إلى مواقفهم وزحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجه من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب. وصلى المسلمون صلاة الظهر وصلاة العصر إيماء، وأصيب جرجه رحمه الله ولم يصل لله إلا تلك الركعتين مع خالد رضي الله عنهما. وضعضعت الروم عند ذلك. ثم نهد خالد بالقلب حتى صار في وسط خيول الروم، فعند ذلك هربت خيالتهم، وأسندت بهم في تلك الصحراء، وأفرج المسلمون بخيولهم حتى ذهبوا. وأخر الناس صلاتي العشاءين حتى استقر الفتح، وعمد خالد إلى رحل الروم وهم الرجالة ففصلوهم عن آخرهم حتى صاروا كأنهم حائط قد هدم ثم تبعوا من فر من الخيالة واقتحم خالد عليهم خندقهم، وجاء الروم في ظلام الليل إلى الواقوصة (4)، فجعل الذين تسلسلوا وقيدوا بعضهم ببعض إذا سقط واحد منهم سقط الذين معه. قال ابن جرير وغيره: فسقط فيها وقتل عندها مائة ألف وعشرون ألفا سوى من قتل في المعركة. وقد قاتل نساء المسلمين في هذا اليوم (5) وقتلوا خلقا كثيرا من الروم، وكن يضربن من


(1) في الطبري: إنا دخلنا في هذا الامر. (2) زاد الطبري: وما بي إليك ولا إلى أحد منكم وحشة... (3) في الطبري: فش. (4) في فتوح الواقدي: الياقوصة. (5) ومنهن: خولة بنت الازور وخولة بنت ثعلبة الانصارية وكعوب بنت مالك بن عاصم وسلمى بنت هاشم ونعم بنت فياض وهند بنت عتبة بن ربيعة ولبنى بنت جرير الحميرية وعفيرة بنت غفار وسعيدة بنت عاصم الخولاني. (*)

[ 18 ]

انهزم من المسلمين ويقلن: أين تذهبون وتدعوننا للعلوج ؟ فإذا زجرنهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجع إلى القتال. قال وتجلل القيقلان وأشراف من قومه من الروم ببرانسهم وقالوا: إذا لم نقدر على نصر دين النصرانية فلنمت على دينهم. فجاء المسلمون فقتلوهم عن آخرهم. قالوا: وقتل في هذا اليوم من المسلمين ثلاثة آلاف منهم عكرمة وابنه عمرو، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد، وأثبت خالد بن سعيد فلا يدرى أين ذهب وضرار بن الازور، وهشام بن العاص وعمرو ابن الطفيل بن عمرو الدوسي، وحقق الله رؤيا أبيه يوم اليمامة. وقد أتلف في هذا اليوم جماعة من الناس انهزم عمرو بن العاص في أربعة حتى وصلوا إلى النساء ثم رجعوا حين زجرهم النساء، وانكشف شرحبيل بن حسنة وأصحابه ثم تراجعوا حين وعظهم الامير بقوله تعالى: * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) * الآية [ التوبة: 111 ]. وثبت يومئذ يزيد بن أبي سفيان وقاتل قتالا شديدا، وذلك أن أباه مر به فقال له: يا بني عليك بتقوى الله والصبر فإنه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين إلا محفوفا بالقتال، فكيف بك وبأشباهك الذين ولوا أمور المسلمين ؟ ! أولئك أحق الناس بالصبر والنصيحة، فاتق الله يا بني ولا يكونن أحد من أصحابك بأرغب في الاجر والصبر في الحرب ولا أجرأ على عدو الاسلام منك. فقال: أفعل إن شاء الله. فقاتل يومئذ قتالا شديدا وكان من ناحية القلب رضي الله عنه. وقال سعيد بن المسيب عن أبيه قال: هدأت الاصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتا يكاد يملا العسكر يقول: يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين، قال: فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد. وأكمل خالد ليلته في خيمة تدارق أخي هرقل - وهو أمير الروم كلهم يومئذ - هرب فيمن هرب، وباتت الخيول تجول نحو خيمة خالد يقتلون من مر بهم من الروم حتى أصبحوا وقتل تدارق وكان له ثلاثون سرادقا وثلاثون رواقا من ديباج بما فيها من الفرش والحرير، فلما كان الصباح حازوا ما كان هنالك من الغنائم. وما فرحوا بما وجدوا بقدر حزنهم على الصديق حين أعلمهم خالد بذلك ولكن عوضهم الله بالفاروق رضي الله عنه. وقال خالد حين عزى المسلمين في الصديق: الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت، وكان أحب إلي من عمر، والحمد لله الذي ولى عمر وكان أبغض إلي من أبي بكر وألزمني حبه. وقد اتبع خالد من انهزم من الروم حتى وصل إلى دمشق فخرج إليه أهلها فقالوا: نحن على عهدنا وصلحنا ؟ قال: نعم. ثم اتبعهم إلى ثنية العقاب فقتل منهم خلقا كثيرا ثم ساق وراءهم إلى حمص فخرج إليه أهلها فصالحهم كما صالح أهل دمشق. وبعث أبو عبيدة عياض بن غنم وراءهم أيضا فساق حتى وصل ملطية فصالحه أهلها ورجع. فلما بلغ هرقل ذلك بعث إلى مقاتليها

[ 19 ]

فحضروا بين يديه وأمر بملطية فحرقت وانتهت الروم منهزمة إلى هرقل وهو بحمص والمسلمون في آثارهم يقتلون ويأسرون ويغنمون. فلما وصل الخبر إلى هرقل ارتحل من حمص وجعلها بينه وبين المسلمين وترس بها وقال هرقل: أما الشام فلا شام، وويل للروم من المولود المشئوم. ومما قيل من الاشعار في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو: ألم ترنا على اليرموك فزنا * كما فزنا بأيام العراق وعذراء المدائن قد فتحنا * ومرج الصفر... على العتاق فتحنا قبلها بصرى وكانت * محرمة الجناب لدى النعاق قتلنا من أقام لنا وفينا * نهابهم بأسياف رقاق قتلنا الروم حتى ما تساوى * على اليرموك معروق الوراق فضضنا جمعهم لما استجالوا * على الواقوص بالبتر الرقاق (1) غداة تهافتوا فيها فصاروا * إلى أمر يعضل بالذواق (2) وقال الاسود بن مقرن التميمي: وكم قد أغرنا غارة بعد غارة * يوما ويوما قد كشفنا أهاوله (3) ولولا رجال كان عشو غنيمة * لدى مأقط رجت علينا أوائله لقيناهم اليرموك لما تضايقت * بمن حل باليرموك منه حمائله فلا يعد من منا هرقل كتائبا * إذا رامها رام الذي لا يحاوله وقال عمرو بن العاص: القوم لخم وجذام في الحرب * ونحن والروم بمرج نضطرب فإذن يعودوا بها لا نصطحب * بل نعصب الفرار بالضرب الكرب وروى أحمد بن مروان المالكي في المجالسة: ثنا أبو إسمعيل الترمذي ثنا أبو معاوية بن عمرو عن أبي إسحق قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء، فقال هرقل وهو على إنطاكية لما قدمت منهزمة الروم: ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشرا مثلكم ؟ قالوا: بلى. قال: فأنتم أكثر أم هم ؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون ؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون


(1) في معجم البلدان: على الواقوصة البتر الرقاق. (2) الابيات في معجم البلدان 5 / 354 (الواقوصة). (3) أهاوله: الزينة والنقوش والتصاوير. (*)

[ 20 ]

النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، من أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغضب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله ونفسد في الارض. فقال: أنت صدقتني. وقال الوليد بن مسلم: أخبرني من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه قالا: لما نزل المسلمون بناحية الاردن، تحدثنا بيننا أن دمشق ستحاصر فذهبنا نتسوق منها قبل ذلك، فبينا نحن فيها إذ أرسل إلينا بطريقها فجئناه فقال: أنتما من العرب ؟ قلنا نعم ! قال: وعلى النصرانية ؟ قلنا: نعم. فقال: ليذهب أحدكما فليتجسس لنا عن هؤلاء القوم ورأيهم، وليثبت الآخر على متاع صاحبه. ففعل ذلك أحدنا، فلبث مليا ثم جاءه فقال: جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيولا عتاقا أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويبرونها، ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر. قال فالتفت إلى أصحابه وقال: أتاكم منهم مالا طاقة لكم به. انتقال إمرة الشام من خالد إلى أبي عبيدة بعد وقعة اليرموك وصيرورة الامرة بالشام إلى أبي عبيدة، فكان أبو عبيدة أول من سمي أمير الامراء. قد تقدم أن البريد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم يوم اليرموك، وأن خالدا كتم ذلك عن المسلمين لئلا يقع وهن، فلما أصبحوا أجلى لهم الامر وقال ما قال، ثم شرع أبو عبيدة في جمع الغنيمة وتخميسها، وبعث بالفتح والخمس مع قباب (1) بن أشيم إلى الحجاز، ثم نودي بالرحيل إلى دمشق، فساروا حتى نزلوا مرج الصفر، وبعث أبو عبيدة بين يديه طليعة أبا أمامة الباهلي ومعه رجلان من أصحابه. قال أبو أمامة: فسرت فلما كان ببعض الطريق أمرت الآخر (2) فكمن هناك وسرت أنا وحدي حتى جئت باب البلد، وهو مغلق في الليل وليس هناك أحد، فنزلت وغرزت رمحي بالارض ونزعت لجام فرسي، وعلقت عليه مخلاته ونمت، فلما أصبح الصباح قمت فتوضأت وصليت الفجر، فإذا باب المدينة يقعقع فلما فتح حملت على البواب فطعنته بالرمح فقتلته، ثم رجعت والطلب ورائي فلما انتهينا إلى الرجل الذي في الطريق من أصحابي ظنوا أنه كمين فرجعوا عني، ثم سرنا حتى أخذنا الآخر وجئت إلى أبي عبيدة فأخبرته بما رأيت، فأقام أبو


(1) الصواب قباث. (2) كذا بالاصل ولعل فيه سقطا. والعبارة في الطبري: دخلت الغوطة فحبستها بين أبياتها وشجراتها فقال أحد صاحبي قد بلغت حيث أمرت فانصرف لا تهلكنا فقلت: قف مكانك حتى تصبح أو اتيك فسرت حتى دفعت إلى باب المدينة... (4 / 38). (*)

[ 21 ]

عبيدة ينتظر كتاب عمر فيما يعتمده من أمر دمشق، فجاءه الكتاب يأمره بالمسير إليها، فساروا إليها حتى أحاطوا بها. واستخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب (1) في خيل هناك. وقعة جرت بالعراق بعد مجئ خالد إلى الشام وذلك أن أهل فارس اجتمعوا بعد مقتل ملكهم وابنه على تمليك شهريار (2) بن أزدشير بن شهريار واستغنموا غيبة خالد عنهم فبعثوا إلى نائبه المثنى بن حارثة جيشا كثيفا نحوا من عشرة آلاف عليهم هرمز بن حادويه (3)، وكتب شهريار إلى المثنى: إني قد بعثت إليك جندا من وحش أهل فارس إنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم. فكتب إليه المثنى: من المثنى إلى شهريار إنما أنت أحد رجلين إما باغ لذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكاذبين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير. قال: فجزع أهل فارس من هذا الكتاب، ولاموا شهريار على كتابه إليه واستهجنوا رأيه. وسار المثنى من الحرة إلى بابل، ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عدوة الصراة الاولى (4)، اقتتلوا قتالا شديدا جدا، وأرسل الفرس فيلا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن حارثة فقتله، وأمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلا ذريعا، وغنموا منهم مالا عظيما، وفرت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة، ووجدوا الملك قد مات فملكوا عليهم ابنة كسرى " بوران بنت أبرويز (5) " فأقامت العدل، وأحسنت السيرة، فأقامت سنة وسبع شهور، ثم ماتت، فملكوا عليهم أختها " آزرميدخت زنان " فلم ينتظم لهم أمر، فملكوا عليهم " سابور بن شهريار "، وجعلوا أمره إلى الفرخزاذ بن البندوان فزوجه سابور بإبنة كسرى " آزرميدخت " فكرهت ذلك وقالت: إنما هذا عبد من عبيدنا. فلما كان ليلة عرسها عليه هموا إليه فقتلوه، ثم ساروا إلى سابور فقتلوه أيضا، وملكوا عليهم هذه المرأة وهي " آزرميدخت " إبنة كسرى. ولعبت فارس بملكها لعبا كثيرا، وآخر ما استقر أمرهم عليه في هذه السنة أن ملكوا امرأة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ". وفي هذه الوقعة التي ذكرنا يقول عبدة بن الطبيب السعدي، وكان قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل هذه، فلما آيسته رجع إلى البادية وقال:


(1) وهو بشير بن كعب بن أبي الحميري. (2) في الطبري: شهربراز وفي الكامل: شهريران. (3) في الطبري والكامل: جاذويه. (4) في الطبري: الصراة الدنيا. (5) في الطبري والكامل: دخت زنان ابنة كسرى. (*)

[ 22 ]

هل حبل خولة بعد البين موصول * أم أنت عنها بعيد الدار مشغول وللاحبة أيام تذكرها * وللنوى قبل يوم البين تأويل حلت خويلة في حي عهدتهم * دون المدينة (1) فيها الديك والفيل يقارعون رؤس العجم ضاحية * منهم فوارس لا عزل ولا ميل وقد قال الفرزدق في شعره يذكر قتل المثنى ذلك الفيل: وبيت المثنى قاتل الفيل عنوة * ببابل إذ في فارس ملك بابل ثم إن المثنى بن حارثة استبطأ أخبار الصديق لتشاغله بأهل الشام، وما فيه من حرب اليرموك المتقدم ذكره، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق، واستناب على العراق بشير بن الخصاصية، وعلى المسالح سعيد بن مرة العجلي، فلما انتهى المثنى إلى المدينة وجد الصديق في آخر مرض الموت. وقد عهد إلى عمر بن الخطاب، ولما رأى الصديق المثنى قال لعمر: إذا أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس لحرب أهل العراق مع المثنى، وإذا فتح الله على أمرائنا بالشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أعلم بحربه. فلما مات الصديق ندب عمر المسلمين إلى الجهاد بأرض العراق لقلة من بقي فيه من المقاتلة بعد خالد بن الوليد، فانتدب خلقا وأمر عليهم أبا عبيدة بن مسعود، وكان شابا شجاعا، خبيرا بالحرب والمكيدة. وهذا آخر ما يتعلق بخبر العراق إلى آخر أيام الصديق وأول دولة الفاروق. خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت وفاة الصديق رضي الله عنه في يوم الاثنين عشية، وقيل بعد المغرب ودفن من ليلته، وذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد مرض خمسة عشر يوما، وكان عمر بن الخطاب يصلي عنه فيها بالمسلمين، وفي أثناء هذا المرض عهد بالامر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان، وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا، فكانت خلافة الصديق سنتين وثلاثة أشهر (2)، وكان عمره يوم توفي ثلاثا وستين سنة، للسن الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمع الله بينهما في التربة، كما جمع بينهما في الحياة، فرضي الله عنه وأرضاه. قال محمد بن سعد عن أبي قطن عمرو بن الهيثم، عن ربيع بن حسان الصائغ. قال: كان


(1) في الطبري: المدائن. (2) في الطبري والكامل: وعشر ليال. وفي رواية المدايني: وعشرين يوما. وقال أبو معشر: سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال. والاول أرجح. (*)

[ 23 ]

نقش خاتم أبي بكر " نعم القادر الله ". وهذا غريب وقد ذكرنا ترجمة الصديق رضي الله عنه، وسيرته وأيامه وما روي من الاحاديث، وما روي عنه من الاحكام في مجلد ولله الحمد والمنة. فقام بالامر من بعده أتم القيام الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وهو أول من سمي بأمير المؤمنين. وكان أول من حياه بها المغيرة بن شعبة، وقيل غيره كما بسطنا ذلك في ترجمة عمر بن الخطاب وسيرته التي أفردناها في مجلد، ومسنده والآثار المروية مرتبا على الابواب في مجلد آخر ولله الحمد. وقد كتب بوفاة الصديق إلى أمراء الشام مع شداد بن أوس، ومحمد بن جريح، فوصلا والناس مصافون جيوش الروم يوم اليرموك كما قدمنا. وقد أمر عمر على الجيوش أبا عبيدة حين ولاه وعزل خالد بن الوليد. وذكر سلمة عن محمد بن إسحاق أن عمر إنما عزل خالدا لكلام بلغه عنه، ولما كان من أمر مالك بن نويرة، وما كان يعتمده في حربه. فلما ولى عمر كان أول ما تكلم به أن عزل خالدا، وقال: لا يلي لي عملا أبدا. وكتب عمر إلى أبي عبيدة إن أكذب خالد نفسه فهو أمير على ما كان عليه، وإن لم يكذب نفسه فهو معزول، فانزع عمامته عن رأسه وقاسمه ماله نصفين. فلما قال أبو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد أمهلني حتى أستشير أختي، فذهب إلى أخته فاطمة - وكانت تحت الحارث بن هشام - فاستشارها في ذلك، فقالت له: إن عمر لا يحبك أبدا، وإنه سيعزلك وإن كذبت نفسك. فقال لها: صدقت والله (1). فقاسمه أبو عبيدة حتى أخذ [ إحدى ] نعليه وترك له الاخرى، وخالد يقول سمعا وطاعة لامير المؤمنين. وقد روى ابن جرير (2) عن صالح بن كيسان أنه قال: أول كتاب كتبه عمر إلى أبي عبيدة حين ولاه وعزل خالدا أن قال: " وأوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد فقم بأمرهم الذي يحق عليك، لا تقدم المسلمين [ إلى ] هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلا قبل أن تستر يده لهم وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك، فغض (3) بصرك عن الدنيا، وأله قلبك عنها، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم. وأمرهم بالمسير إلى دمشق (4) "، وكان بعد ما بلغه الخبر بفتح اليرموك وجاءته به البشارة، وحمل الخمس إليه. وقد ذكر ابن إسحاق أن الصحابة


(1) زاد الطبري: وأبى أن يكذب نفسه. (2) تاريخ الطبري 4 / 54. (3) في الطبري: فغمض، وفي فتوح الشام للازدي: وغض عن الدنيا عينيك. (4) زاد الازدي في فتوح ص 103: فقد رأيت مصارعهم وخبرت سرائرهم وان بينك وبين الآخرة ستر الخمار، وكأني بك منتظر سفرا من دار قد مضت نضارتها، وذهبت زهرتها، وأحزم الناس من يكون زاده التقوى. (*)

[ 24 ]

قاتلوا بعد اليرموك أجنادين ثم بفحل من أرض الغور قريبا من بيسان بمكان يقال له الردغة سمي بذلك لكثرة ما لقوا من الاوحال فيها، فأغلقوها عليهم، وأحاط بها الصحابة. قال: وحينئذ جاءت الامارة لابي عبيدة من جهة عمر وعزل خالد، وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من مجئ الامارة لابي عبيدة في حصار دمشق هو المشهور. فتح دمشق قال سيف بن عمر لما ارتحل أبو عبيدة من اليرموك فنزل بالجنود على مرج الصفر وهو عازم على حصار دمشق إذ أتاه الخبر بقدوم مددهم من حمص، وجاءه الخبر بأنه قد اجتمع طائفة كبيرة من الروم بفحل من أرض فلسطين، وهو لا يدري بأي الامرين يبدأ. فكتب إلى عمر في ذلك، فجاء الجواب أن ابدأ بدمشق فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، فانهد لها واشغلوا عنكم أهل فحل بخيول تكون تلقاءهم، فإن فتحها الله قبل دمشق فذلك الذي نحب، وإن فتحت دمشق قبلها فسر أنت ومن معك واستخلف على دمشق، فإذا فتح الله عليكم فحل فسر أنت وخالد إلى حمص واترك عمرا وشرحبيل على الاردن وفلسطين. قال: فسرح أبو عبيدة إلى فحل عشرة أمراء مع كل أمير خمسة أمراء وعلى الجميع عمارة بن مخشى الصحابي، فساروا من مرج الصفر إلى فحل فوجدوا الروم هنالك قريبا من ثمانين ألفا، وقد أرسلوا المياه حولهم حتى أردغت الارض فسموا ذلك الموضع الردغة، وفتحها الله على المسلمين فكانت أول حصن فتح قبل دمشق على ما سيأتي تفصيله. وبعث أبو عبيدة جيشا (1) يكون بين دمشق وبين فلسطين، وبعث ذا الكلاع في جيش يكون بين دمشق وبين حمص، ليرد من يرد إليهم من المدد من جهة هرقل. ثم سار أبو عبيدة من مرج الصفر قاصدا دمشق، وقد جعل خالد بن الوليد في القلب وركب أبو عبيدة وعمرو بن العاص في المجنبتين، وعلى الخيل عياض بن غنم، وعلى الرجالة شرحبيل بن حسنة، فقدموا دمشق وعليها نسطاس بن نسطوس، فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي وإليه باب كيسان أيضا، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية الكبير، ونزل يزيد بن أبي سفيان على باب الجابية الصغير، ونزل عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة على بقية أبواب البلد (2) ونصبوا المجانيق والدبابات، وقد أرصد أبو عبيدة أبا الدرداء على جيش ببرزة يكونون ردءا له، وكذا الذي بينه وبين حمص وحاصروها حصارا شديدا سبعين ليلة، وقيل أربعة أشهر، وقيل ستة أشهر، وقيل أربعة عشر شهرا فالله أعلم. وأهل دمشق ممتنعون منهم غاية الامتناع، ويرسلون إلى ملكهم هرقل - وهو مقيم بحمص - يطلبون منه المدد فلا يمكن


(1) في رواية الطبري: بقيادة علقمة بن حكيم ومسروق. (2) في فتوح البلدان 1 / 144 نزل عمر بن العاص على باب توما وشرحبيل على باب الفراديس. (*)

[ 25 ]

وصول المدد إليهم من ذي الكلاع، الذي قد أرصده أبو عبيدة رضي الله عنه بين دمشق وبين حمص - عن دمشق ليلة - فلما أيقن أهل دمشق أنه لا يصل إليهم مدد أبلسوا وفشلوا وضعفوا، وقوي المسلمون واشتد حصارهم، وجاء فصل الشتاء واشتد البرد وعسر الحال وعسر القتال، فقدر الله الكبير المتعال، ذو العزة والجلال، أن ولد لبطريق دمشق مولود في تلك الليالي فصنع لهم طعاما وسقاهم بعده شرابا. وباتوا عنده في وليمته قد أكلوا وشربوا وتعبوا فناموا عن مواقفهم، واشتغلوا عن أماكنهم، وفطن لذلك أمير الحرب خالد بن الوليد فإنه كان لا ينام ولا يترك أحدا ينام، بل مراصد لهم ليلا ونهارا، وله عيون وقصاد يرفعون إليه أحوال المقاتلة صباحا ومساء. فلما رأى حمدة تلك الليلة، وأنه لا يقاتل على السور أحد كان قد أعد سلاليم من حبال فجاء هو وأصحابه من الصناديد الابطال، مثل القعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي، وقد أحضر جيشه عند الباب وقال لهم: إذا سمعتم تكبيرنا فوق السور فأرقوا إلينا. ثم نهد هو وأصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقرب في أعناقهم، فنصبوا تلك السلالم وأثبتوا أعاليها بالشرفات، وأكدوا أسافلها خارج الخندق، وصعدوا فيها، فلما استووا على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير، وجاء المسلمون فصعدوا في تلك السلالم وانحدر خالد وأصحابه الشجعان من السور إلى البوابين فقتلوهم، وقطع خالد وأصحابه أغاليق الباب بالسيوف وفتحوا الباب عنوة، فدخل الجيش الخالدي من الباب الشرقي. ولما سمع أهل البلد التكبير ثاروا وذهب كل فريق إلى أماكنهم من السور، لا يدرون ما الخبر، فجعل كلما قدم أحد من أصحاب الباب الشرقي قتله أصحاب خالد، ودخل خالد البلد عنوة فقتل من وجده. وذهب أهل كل باب فسألوا من أميرهم الذي عند الباب من خارج الصلح - وقد كان المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فيأبون عليهم - فلما دعوهم إلى ذلك أجابوهم. ولم يعلم بقية الصحابة ما صنع خالد. ودخل المسلمون من كل جانب وباب (1) فوجدوا خالدا وهو يقتل من وجده فقالوا له: إنا قد أمناهم، فقال: إني فتحتها عنوة. والتقت الامراء في وسط البلد عند كنيسة المقسلاط (2) بالقرب من درب الريحان اليوم. هكذا ذكره سيف بن عمر وغيره وهو المشهور أن خالدا فتح الباب قسرا. وقال آخرون: بل الذي فتحها عنوة أبو عبيدة وقيل يزيد بن أبي سفيان، وخالد صالح أهل البلد فعكسوا المشهور المعروف (3). والله أعلم.


(1) وفي فتوح البلدان 1 / 145 ان أبا عبيدة عانى من فتح باب الجابية واقتتل المسلمون مع الروم قتالا شديدا حتى فتح الباب عنوة ودخلوا منه. أما ابن الاعثم في الفتوح فقال: انه لما اشتد الحصار على أهل دمشق سألوه أبا عبيدة الصلح فأجابهم إلى ذلك ووقع صلحهم وفتحت أبواب دمشق فدخلها المسلمون 1 / 161. (2) وهو موضع النحاسين بدمشق وهو البريص، وفي ابن الاعثم واليعقوبي: التقيا في كنيسة مريم. (3) هذا ما ذهب إليه البلاذري في فتوح البلدان وفيه نص كتاب خالد لاهل دمشق بالصلح وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها: أعطاهم أمانا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم (*)

[ 26 ]

وقد اختلف الصحابة فقال قائلون هي صلح - يعني على ما صالحهم الامير في نفس الامر وهو أبو عبيدة -. وقال آخرون: بل هي عنوة، لان خالدا افتتحها بالسيف أولا كما ذكرنا، فلما أحسوا بذلك ذهبوا إلى بقية الامراء ومعهم أبو عبيدة فصالحوهم، فاتفقوا فيما بينهم على أن جعلوا نصفها صلحا ونصفها عنوة، فملك أهلها نصف ما كان بأيديهم وأقروا عليه، واستقرت يد الصحابة على النصف (1). ويقوي هذا ما ذكره سيف بن عمر من أن الصحابة كانوا يطلبون إليهم أن يصالحوهم على المشاطرة فيأبون، فلما أحسوا باليأس أنابوا إلى ما كانت الصحابة دعوهم إليه فبادروا إلى إجابتهم. ولم تعلم الصحابة بما كان من خالد إليهم. والله أعلم. ولهذا أخذ الصحابة نصف الكنيسة العظمى التي كانت بدمشق وتعرف " بكنيسة يوحنا " فاتخذوا الجانب الشرقي منها مسجدا، وأبقوا لهم نصفها الغربي كنيسة، وقد أبقوا لهم مع ذلك أربع عشرة كنيسة أخرى مع نصف الكنيسة المعروفة " بيوحنا "، وهي جامع دمشق اليوم. وقد كتب لهم بذلك خالد بن الوليد كتابا، وكتب فيه شهادته أبو عبيدة وعمرو بن العاص ويزيد وشرحبيل: إحداها كنيسة المقسلاط التي اجتمع عندها أمراء الصحابة، وكانت مبنية على ظهر السوق الكبير، وهذه القناطر المشاهدة في سوق الصابونيين من بقية القناطر التي كانت تحتها، ثم بادت فيما بعد وأخذت حجارتها في العمارات. الثانية: كنيسة كانت في رأس درب القرشيين وكانت صغيرة، قال الحافظ ابن عساكر: وبعضها باق إلى يوم وقد تشعثت. الثالثة: كانت بدار البطيخ العتيقة. قلت: وهي داخل البلد بقرب الكوشك، وأظنها هي المسجد الذي قبل هذا المكان المذكور، فإنها خربت من دهر. والله أعلم. الرابعة: كانت بدرب بني نصر بين درب الحبالين ودرب التميمي. قال الحافظ ابن عساكر: وقد أدركت بعض بنيانها، وقد خرب أكثرها. الخامسة: كنيسة بولص، قال ابن عساكر: وكانت غربي القيسارية الفخرية وقد أدركت من بنيانها بعض أساس الحنية. السادسة: كانت في موضع دار الوكالة وتعرف اليوم بكنيسة القلانسيين. قلت: والقلانسيين هي الحواحين اليوم. السابعة: التي بدرب السقيل اليوم وتعرف بكنيسة حميد بن درة سابقا، لان هذا الدرب كان أقطاعا له وهو حميد بن عمرو بن مساحق القرشي العامري، ودرة أمه، وهي درة إبنة هاشم بن عتبة بن ربيعة، فأبوها خال معاوية. وكان قد أقطع هذا الدرب فنسبت هذه الكنيسة إليه، وكان مسلما، ولم يبق لهم اليوم سواها، وقد


= وسور مدينتهم لا يهدم ولا يسكن شئ من دورهم. لهم بذلك عهد الله وذمة رسوله صلى الله عليه وآله والخلفاء والمؤمنين لا يعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية. (1) قال محمد بن سعد: قال الواقدي: قرأت كتاب خالد بن الوليد لاهل دمشق فلم أر فيه أنصاف المنازل والكنائس، وقد روي ذلك ولا أدري من اين جاء به من رواه ويروي الواقدي في فتوح الشام أن خالد فتح دمشق عنوة وقد دار بينه وبين أبي عبيدة محاجة عنيفة نزل خالد بعدها على رأي أبي عبيدة (فتوح الشام 1 / 72 وما بعدها). (*)

[ 27 ]

خرب أكثرها. ولليعقوبية منهم كنيسة داخل باب توما بين رحبة خالد - وهو خالد بن أسيد بن أبي العيص - وبين درب طلحة بن عمرو بن مرة الجهني، وهي الكنيسة الثامنة، وكانت لليعقوبيين كنيسة أخرى فيما بين درب التنوى وسوق علي. قال ابن عساكر: قد بقي من بنائها بعضه، وقد خربت منذ دهر. وهي الكنيسة التاسعة. وأما العاشرة فهي الكنيسة المصلبة قال الحافظ ابن عساكر: وهي باقية إلى اليوم بين الباب الشرقي وباب توما بقرب النيبطن عند السور. والناس اليوم يقولون النيطون. قال ابن عساكر: وقد خرب أكثرها هكذا قال. وقد خربت هذه الكنيسة وهدمت في أيام صلاح الدين فاتح القدس بعد الثمانين وخمسمائة بعد موت الحافظ ابن عساكر رحمه الله. الحادية عشرة: كنيسة مريم داخل الباب الشرقي. قال ابن عساكر وهي من أكبر ما بقي بأيديهم. قلت: ثم خربت بعد موته بدهر في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البند قداري على ما سيأتي بيانه. الثانية عشرة (1) كنيسة اليهود التي بأيديهم اليوم في حارتهم، ومحلها معروف بالقرب من الجبر وتسميه الناس اليوم بستان القط وكانت لهم كنيسة في درب البلاغة لم تكن داخلة في العهد فهدمت فيما بعد وجعل مكانها المسجد المعروف بمسجد ابن السهروردي، والناس اليوم يقولون درب الشاذوري. قلت: وقد أخربت لهم كنيسة كانوا قد أحدثوها لم يذكرها أحد من علماء التاريخ لا ابن عساكر ولا غيره، وكان إخرابها في حدود سنة سبع عشرة وسبعمائة ولم يتعرض الحافظ ابن عساكر لذكر كنيسة السامرة بمرة. ثم قال ابن عساكر: ومما أحدث - يعني النصارى - كنيسة بناها أبو جعفر المنصور بنى قطيطا في الفريق عند قناة صالح قريبا من دازبها وأرمن اليوم (2)، وقد أخربت فيما بعد وجعلت مسجدا يعرف بمسجد الجنيق وهو مسجد أبي اليمن. قال ومما أحدث كنيستا العباد إحداهما عند دار ابن الماشلي وقد جعلت مسجدا. والاخرى التي في رأس درب النقاشين وقد جعلت مسجدا. انتهى ما ذكره الحافظ ابن عساكر الدمشقي رحمه الله. قلت: وظاهر سياق سيف بن عمر يقتضي أن فتح دمشق وقع في سنة ثلاث عشرة ولكن نص سيف على ما نص عليه الجمهور من أنها فتحت في نصف رجب سنة أربع عشرة. كذا حكاه الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عائذ القرشي الدمشقي عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن حصين بن غلاق عن يزيد بن عبيدة قال: فتحت دمشق سنة أربع عشرة. ورواه دحيم عن الوليد. قال: سمعت أشياخا يقولون إن دمشق فتحت سنة أربع عشرة. وهكذا قال سعيد بن عبد العزيز وأبو معشر ومحمد بن إسحاق ومعمر والاموي وحكاه عن مشايخه وابن الكلبي وخليفة بن خياط وأبو عبيد القاسم بن سلام، إن فتح دمشق كان في سنة أربع عشرة. وزاد سعيد بن عبد العزيز وأبو


(1) في الاصل: " عشر " تحريف. (2) كذا بالاصل. (*)

[ 28 ]

معشر والاموي: وكانت اليرموك بعدها بسنة. وقال بعضهم: بل كان فتحها في شوال سنة أربع عشرة. وقال خليفة: حاصرهم أبو عبيدة في رجب وشعبان ورمضان وشوال وتم الصلح في ذي القعدة. وقال الاموي في مغازيه: كانت وقعة أجنادين في جمادى الاولى، ووقعة فحل في ذي القعدة من سنة ثلاث عشرة - يعني ووقعة دمشق سنة أربع عشرة - وقال دحيم عن الوليد: حدثني الاموي أن وقعة فحل وأجنادين كانت في خلافة أبي بكر ثم مضى المسلمون إلى دمشق فنزلوا عليها في رجب سنة ثلاث عشرة يعني ففتحوها في سنة أربع عشرة. وكانت اليرموك سنة خمس عشرة، وقدم عمر إلى بيت المقدس سنة ست عشرة. فصل واختلف العلماء في دمشق هل فتحت صلحا أو عنوة ؟ فأكثر العلماء على أنه استقر أمرها على الصلح، لانهم شكوا في المتقدم على الآخر أفتحت عنوة ثم عدل الروم إلى المصالحة، أو فتحت صلحا، أو اتفق الاستيلاء من الجانب الآخر قسرا ؟ فلما شكوا في ذلك جعلوها صلحا احتياطا. وقيل بل جعل نصفها صلحا ونصفها عنوة، وهذا القول قد يظهر من صنع الصحابة في الكنيسة العظمى التي كانت أكبر معابدهم حين أخذوا نصفها وتركوا لهم نصفها. والله أعلم. ثم قيل: إن أبا عبيدة هو الذي كتب لهم كتاب الصلح، وهذا هو الانسب والاشهر، فإن خالدا كان قد عزل عن الامرة، وقيل بل الذي كتب لهم الصلح خالد بن الوليد، ولكن أقره على ذلك أبو عبيدة. فالله أعلم. وذكر أبو حذيفه إسحاق بن بشر أن الصديق توفي قبل فتح دمشق، وأن عمر كتب إلى أبي عبيدة يعزيه والمسلمين في الصديق، وأنه قد استنابه على من بالشام، وأمره أن يستشير خالدا في الحرب، فلما وصل الكتاب إلى أبي عبيدة كتمه من خالد حتى فتحت دمشق بنحو من عشرين ليلة، فقال له خالد: يرحمك الله، ما منعك أن تعلمني حين جاءك ؟ فقال: إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا أريد، ولا للدنيا أعمل، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنما نحن إخوان وما يضر الرجل أن يليه أخوه في دينه ودنياه. ومن أعجب ما يذكر ههنا ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي: حدثنا هشام بن عمار ثنا عبد الملك بن محمد ثنا راشد بن داود الصنعاني حدثني أبو عثمان الصنعاني شراحيل بن مرثد، قال: بعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى أهل اليمامة، وبعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام، فذكر الراوي فقال خالد لاهل اليمامة إلى أن قال: ومات أبو بكر واستخلف عمر فبعث أبا عبيدة إلى الشام فقدم دمشق فاستمد أبو عبيدة عمر فكتب عمر إلى خالد بن الوليد أن يسير إلى أبي عبيدة بالشام، فذكر مسير خالد من العراق إلى الشام كما تقدم. وهذا غريب جدا فإن الذي لا يشك فيه

[ 29 ]

أن الصديق هو الذي بعث أبا عبيدة وغيره من الامراء إلى الشام، وهو الذي كتب إلى خالد بن الوليد أن يقدم من العراق إلى الشام ليكون مددا لمن به وأميرا عليهم، ففتح الله تعالى عليه وعلى يديه جميع الشام على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وقال محمد بن عائذ: قال الوليد بن مسلم: أخبرني صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن المسلمين لما افتتحوا مدينة دمشق بعثوا أبا عبيدة بن الجراح وافدا إلى أبي بكر بشيرا بالفتح فقدم المدينة فوجد أبا بكر قد توفي واستخلف عمر بن الخطاب فأعظم أن يتأمر أحد من الصحابة عليه فولاه جماعة الناس فقدم عليهم فقالوا: مرحبا بمن بعثناه بريدا فقدم علينا أميرا. وقد روى الليث وابن لهيعة وحيوة بن شريح ومفضل بن فضالة وعمر بن الحارث وغير واحد عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر أنه بعثه أبو عبيدة بريدا بفتح دمشق قال: فقدمت على عمر يوم الجمعة فقال لي: منذ كم لم تنزع خفيك ؟ فقلت من يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة. فقال: أصبت السنة. قال الليث: وبه نأخذ، يعني أن المسح على الخفين للمسافر لا يتأقت، بل له أن يمسح عليهما ما شاء، وإليه ذهب الشافعي في القديم. وقد روى أحمد وأبو داود عن أبي بن عمارة مرفوعا مثل هذا، والجمهور على ما رواه مسلم عن علي في تأقيت المسح للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة. ومن الناس من فصل بين البريد ومن في معناه وغيره، فقال في الاول لا يتأقت، وفيما عداه يتأقت لحديث عقبة وحديث علي. والله أعلم. فصل ثم إن أبا عبيدة بعث خالد بن الوليد إلى البقاع ففتحه بالسيف. وبعث سرية فالتقوا مع الروم بعين ميسنون، وعلى الروم رجل يقال له " سنان " تحدر على المسلمين من عقبة بيروت فقتل من المسلمين يومئذ جماعة من الشهداء فكانوا يسمون " عين ميسنون " عين الشهداء. واستخلف أبو عبيدة على دمشق يزيد بن أبي سفيان (1) كما وعده بها الصديق. وبعث يزيد دحية بن خليفة إلى تدمر في سرية ليمهدوا أمرها. وبعث أبا الزهراء القشيري إلى البثينة (2) وحوران فصالح أهلها. قال أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله: افتتح خالد دمشق صلحا، وهكذا سائر مدن


(1) انظر الطبري 4 / 59. ولم يسمه ابن الاعثم في الفتوح، قال: فدعا أبو عبيدة برجل من المسلمين فولاه مدينة دمشق وخرج حتى لحق بأصحابه في فلسطين 1 / 177. (2) في فتوح البلدان: أن يزيد بن أبي سفيان فتح البثنية وحوران صلحا (1 / 150). وقال الطبري أن أبا الزهراء القشيري صالحهما على صلح أهل دمشق. (*)

[ 30 ]

الشام كانت صلحا دون أرضيها. فعلى يدي يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة. وقال الوليد بن مسلم: أخبرني غير واحد من شيوخ دمشق بينما هم على حصار دمشق إذ أقبلت خيل من عقبة السلمية مخمرة بالحرير فثار إليهم المسلمون فالتقوا فيما بين بيت لهيا والعقبة (1) التي أقبلوا منها، فهزموهم وطردوهم إلى أبواب حمص، فلما رأى أهل حمص ذلك ظنوا أنهم قد فتحوا دمشق فقال لهم أهل حمص إنا نصالحكم على ما صالحتم عليه أهل دمشق ففعلوا. وقال خليفة بن خياط حدثني عبد الله بن المغيرة عن أبيه قال افتتح شرحبيل بن حسنة الاردن كلها عنوة ما خلا طبرية فإن أهلها صالحوه (2). وهكذا قال ابن الكلبي. وقالا بعث أبو عبيدة خالدا فغلب على أرض البقاع وصالحه أهل بعلبك وكتب لهم كتابا (3). وقال ابن المغيرة عن أبيه وصالحهم على أنصاف منازلهم وكنائسهم، ووضع الخراج. وقال ابن إسحاق وغيره وفي سنة أربع عشرة فتحت حمص وبعلبك صلحا على يدي أبي عبيدة في ذي القعدة قال خليفة: ويقال في سنة خمس عشرة. وقعة فحل (4) وقد ذكرها كثير من علماء السير قبل فتح دمشق وإنما ذكرها الامام أبو جعفر بن جرير بعد فتح دمشق وتبع في ذلك سياق سيف بن عمر فيما رواه عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني وأبي حارثة القيسي قالا: خلف الناس يزيد بن أبي سفيان في خيله في دمشق وساروا نحو فحل وعلى


(1) في فتوح البلدان: الثنية. وروى البلاذري عن أبي مخنف أن أهل حمص قاتلوا المسلمين ثم لجأوا إلى المدينة وطلبوا الامان والصلح، فتم على مئة ألف وسبعين ألف دينار. (2) الطبري: 4 / 60. (3) في فتوح البلدان أن أبا عبيدة سار إلى بعلبك فصالحهم وأمنهم على أنفسهم وكتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب أمان لفلان بن فلان وأهل بعلبك رومها وفرسها وعربها على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ودورهم، داخل المدينة وخارجها وعلى أرحائهم، وللروم أن يرعوا سرحهم ما بينهم وبين خمسة عشر ميلا ولا ينزلوا قرية عامرة. فإذا مضى شهر ربيع وجمادى الاولى ساروا إلى حيث شاءوا. ومن أسلم منهم فله مالنا وعليه ما علينا، ولتجارهم أن يسافروا إلى حيث أرادوا من البلاد التي صالحنا عليها وعلى من أقام منهم الجزية والخراج. شهد الله، وكفى بالله شهيدا (1 / 154). أما في فتوح ابن الاعثم فقال أن خالد بن الوليد مضى إلى بعلبك وقاتل الروم فيها من ضحوة النهار إلى قريب الظهر ثم حمل عليهم حتى احمرت الارض من دمائهم واحتوى خالد على أموال وسلاح وخيل وسبي كثير فوجه به كله إلى أبي عبيدة في دمشق وأخبره بما فتح الله عليه من أمر بعلبك 1 / 176. وافقه الازدي في مسير خالد إليها وفتحها - إلى أن قال - وأقبل راجعا إلى أبي عبيدة فأخبره الخبر (فتوح الشام 110). (4) فحل: بكسر أوله وسكون ثانيه: اسم موضع بالشام كانت فيه وقعة للمسلمين مع الروم (معجم البلدان 6 / 240). وقيل موضع بين طبرية وبيسان بوادي نهر اليرموك. كانت به وقائع كثيرة. (*)

[ 31 ]

الناس الذين هم بالغور شرحبيل بن حسنة وسار أبو عبيدة وقد جعل على المقدمة خالد بن الوليد وأبو عبيدة على الميمنة وعمرو بن العاص على الميسرة، وعلى الخيل ضرار بن الازور، وعلى الرجالة عياض بن غنم فوصلوا إلى فحل وهي بلدة بالغور وقد انحاز الروم إلى بيسان (1)، وأرسلوا مياه تلك الاراضي على هنالك من الاراضي فحال بينهم وبين المسلمين، وأرسل المسلمون إلى عمر يخبرونه بما هم فيه من مصابرة عدوهم وما صنعه الروم من تلك المكيدة، إلا أن المسلمين في عيش رغيد ومدد كبير، وهم على أهبة من أمرهم. وأمير هذا الحرب شرحبيل بن حسنة وهو لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة. وظن الروم أن المسلمين على غرة، فركبوا في بعض الليالي ليبيتوهم، وعلى الروم سقلاب (2) بن مخراق، فهجموا على المسلمين فنهضوا إليهم نهضة رجل واحد لانهم على أهبة دائما، فقاتلوهم حتى الصباح وذلك اليوم بكماله إلى الليل. فلما أظلم الليل فر الروم وقتل أميرهم سقلاب وركب المسلمون أكتافهم وأسلمتهم هزيمتهم إلى ذلك الوحل الذي كانوا قد كادوا به المسلمين فغرقهم الله فيه، وقتل منهم المسلمين بأطراف الرماح ما قارب الثمانين ألفا (3) لم ينج منهم إلا الشريد، وغنموا منهم شيئا كثيرا ومالا جزيلا. وانصرف أبو عبيدة وخالد بمن معهما من الجيوش نحو حمص كما أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. واستخلف أبو عبيدة على الاردن شرحبيل بن حسنة، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص فحاصر بيسان فخرجوا إليه فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم صالحوه على مثل ما صالحت عليه دمشق، وضرب عليهم الجزية والخراج على أراضيهم وكذلك فعل أبو الاعور السلمي بأهل طبرية سواء. ما وقع بأرض العراق آنذاك من القتال وقد قدمنا أن المثنى بن حارثة لما سار خالد من العراق بمن صحبه إلى الشام وقد قيل إنه سار بتسعة آلاف، وقيل بثلاثة آلاف، وقيل بسبعمائة وقيل بأقل، إلا أنهم صناديد جيش العراق، فأقام المثنى بمن بقي فاستقل عددهم وخاف من سطوة الفرس لولا اشتغالهم بتبديل ملوكهم وملكاتهم، واستبطأ المثنى خبر الصديق فسار إلى المدينة فوجد الصديق في السياق، فأخبر بأمر العراق، فأوصى الصديق عمر أن يندب الناس لقتال أهل العراق. فلما مات الصديق ودفن ليلة الثلاثاء أصبح عمر فندب الناس وحثهم على قتال أهل العراق، وحرضهم ورغبهم في الثواب على


(1) بيسان: بلد من أرض فلسطين شمالي نابلس، وإليها ينسب القاضي عبد الرحيم بن علي البيساني وزير الملك الناصر يوسف بن أيوب. (2) في الطبري والكامل: سقلار. (3) كذا بالاصل والطبري والكامل. وفي فتوح ابن الاعثم: ستين ألفا. وفي فتوح الازدي (ص 112): بين الثلاثين والاربعين ألفا. (*)

[ 32 ]

ذلك، فلم يقم أحد لان الناس كانوا يكرهون قتال الفرس لقوة سطوتهم، وشدة قتالهم. ثم ندبهم في اليوم الثاني والثالث فلم يقم أحد وتكلم المثنى بن حارثة فأحسن، وأخبرهم بما فتح الله تعالى على يدي خالد من معظم أرض العراق، ومالهم هناك من الاموال والاملاك والامتعة والزاد، فلم يقم أحد في اليوم الثالث فلما كان اليوم الرابع كان أول من انتدب من المسلمين أبو عبيد بن مسعود الثقفي ثم تتابع الناس في الاجابة، أمر عمر طائفة من أهل المدينة وأمر على الجميع أبا عبيد)، هذا ولم يكن صحابيا، فقيل لعمر: هلا أمرت عليهم رجلا من الصحابة ؟ فقال: إنما أومر أول من استجاب، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، وإن هذا هو الذي استجاب قبلكم. ثم دعاه فوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا، وأمره أن يستشير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يستشير سليط بن قيس فإنه رجل باشر الحروب فسار المسلمون إلى أرض العراق وهم سبعة آلاف رجل (1)، وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد إلى العراق فجهز عشرة آلاف عليهم هاشم بن عتبة وأرسل عمر جرير بن عبد الله البجلي في أربعة آلاف (2) إلى العراق فقدم الكوفة ثم خرج منها فواقع هرقران المدار فقتله وانهزم جيشه وغرق أكثرهم في دجلة فلما وصل الناس إلى العراق وجدوا الفرس مضطربين في ملكهم، وآخر ما استقر عليه أمرهم أن ملكوا عليهم " بوران " بنت كسرى بعد ما قتلوا التي كانت قبلها " أزرميدخت " وفوضت بوران أمر الملك عشر سنين إلى رجل منهم يقال له رستم بن فرخزاذ على أن يقوم بأمر الحرب، ثم يصير الملك إلى آل كسرى فقبل ذلك. وكان رستم هذا منجما يعرف النجوم وعلمها جيدا، فقيل له: ما حملك على هذا ؟ يعنون وأنت تعلم أن هذا الامر لا يتم لك فقال: الطمع وحب الشرف (3). وقعة النمارق بعث رستم أميرا يقال له " جابان " وعلى مجنبتيه رجلان يقال لاحدهما " حشنس ماه " ويقال للآخر " مردانشاه " وهو خصي أمير حاجب الفرس، فالتقوا مع أبي عبيد بمكان يقال له النمارق، - بين الحيرة والقادسية - وعلى الخيل المثنى بن حارثة، وعلى الميسرة عمرو بن الهيثم (4) فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا وهزم الله الفرس وأسر جابان ومردانشاه. فأما مردانشاه فإنه قتله الذي أسره (5)، وأما جابان فإنه خدع الذي أسره (6) حتى أطلقه فأمسكه المسلمون وأبوا أن يطلقوه،


(1) في فتوح ابن الاعثم: أربعة آلاف. (2) في ابن الاعثم: في سبعمائة. (3) الخبر في الطبري 4 / 62 - 64. (4) زاد الطبري: وعلى ميمنته والق بن جيدارة. (5) في الطبري: أسره أكتل بن شماخ العكلي. (6) أسر جابان مطر بن فضة التيمي. وكان يدعى بأمه، وقد هم مطر بذبحه فقال جابان من تحته: لا إله إلا الله (*)

[ 33 ]

وقالوا: إن هذا الامير وجاؤا به إلى أبي عبيد فقالوا: اقتله فإنه الامير فقال: وإن كان الامير فإني لا أقتله. وقد أمنه رجل من المسلمين ثم ركب أبو عبيد في آثار من انهزم منهم وقد لجأوا إلى مدينة كسكر التي لابن خالة كسرى واسمه نرسي فوازرهم نرسي على قتال أبي عبيد، فقهرهم أبو عبيد وغنم منهم شيئا كثيرا وأطعمات كثيرة جدا، ولله الحمد. وبعث بخمس ما غنم من المال والطعام إلى عمر بن الخطاب بالمدينة وقد قال في ذلك رجل من المسلمين (1). لعمري وما عمري علي بهين * لقد صبحت بالخزي أهل النمارق بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم * يجوسونهم ما بين درنا وبارق قتلناهم ما بين مرج مسلح * وبين الهواني من طريق التدارق (2) فالتقوا بمكان بين كسكر والسفاطية وعلى ميمنة نرسي وميسرته إبنا خاله بندويه وبيرويه أولاد نظام (3) وكان رستم قد جهز الجيوش مع الجالينوس، فلما بلغ أبو عبيد ذلك أعجل نرسي بالقتال قبل وصولهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت الفرس وهرب نرسي والجالينوس إلى المدائن بعد وقعة جرت من أبي عبيد مع الجالينوس بمكان يقال له باروسما، فبعث أبو عبيد المثنى بن حارثة وسرايا أخر إلى متاخم تلك الناحية كنهر جور (4) ونحوها ففتحها صلحا وقهرا وضربوا الجزية والخراج وغنموا الاموال الجزيلة ولله الحمد والمنة وكسروا الجالينوس الذي جاء لنصرة جابان وغنموا جيشه وأمواله وكر هاربا إلى قومه حقيرا ذليلا. وقعة جسر أبي عبيد ومقتل أمير المسلمين وخلق كثير منهم لما رجع الجالينوس هاربا مما لقي من المسلمين تذامرت الفرس بينهم واجتمعوا إلى رستم فأرسل جيشا كثيفا عليهم ذا الحاجب " بهمس (5) حادويه " وأعطاه راية افريدون وتسمى درفش كابيان وكانت الفرس تتيمن بها. وحملوا معهم راية كسرى وكانت من جلود النمور عرضها ثمانية أذرع (6). فوصلوا إلى المسلمين (7) وبينهم النهر وعليه جسر فأرسلوا: إما أن تعبروا إلينا وإما إن


= فلم يقتله مطر (فتوح ابن الاعثم 1 / 166). (1) وهو عاصم بن عمرو - قاله الطبري. (2) في الطبري: وبين الهوافي من طريف البذارق. (3) في الطبري: بندويه وتيرويه ابنا بسطام وهو خال كسرى. (4) في الطبري: جوبر. (5) في الطبري والكامل: بهمن جاذويه وفي فتوح البلدان: " ويقال ان اسمه رستم ". ويقال له: ذا الحاجب لانه كان يعصب حاجبيه بعصابة ليرفعهما كبرا. وفي فتوح ابن الاعثم ذكره: مهران ملك اذربيجان. (6) زاد الكامل والطبري: وطولها اثنى عشر ذراعا (2 / 438). (7) في الطبري والكامل: في المروحة موضع البرج والعاقول. وفي فتوح ابن الاعثم بموضع يقال له بانقيا. (*)

[ 34 ]

نعبر إليكم. فقال المسلمون لاميرهم أبي عبيد أأمرهم فليعبروا هم إلينا. فقال ما هم بأجرأ على الموت منا ثم اقتحم إليهم فاجتمعوا في مكان ضيق هنالك فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله والمسلمون في نحو من عشرة آلاف، وقد جاءت الفرس معهم بأفيلة كثيرة عليها الجلاجل، قائمة لتذعر خيول المسلمين فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة ومما تسمع من الجلاجل التي عليها ولا يثبت منها إلا القليل على قسر. وإذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم على الفيلة ورشقتهم الفرس بالنبل، فنالوا منهم خلقا كثيرا وقتل المسلمون منهم مع ذلك ستة آلاف. وأمر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة أولا، فاحتوشوها فقتلوها عن آخرها، وقد قدمت الفرس بين أيديهم فيلا عظيما أبيض، فتقدم إليه أبو عبيد فضربه بالسيف فقطع ذلومه فحمى الفيل، وصاح صيحة هائلة وحمل فتخبطه برجليه فقتله ووقف فوقه فحمل على الفيل خليفة أبي عبيد الذي كان أوصى أن يكون أميرا بعده فقتل، ثم آخر ثم آخر حتى قتل سبعة (1) من ثقيف كان قد نص أبو عبيد عليهم واحدا بعد واحد، ثم صارت إلى المثنى بن حارثة بمقتضى الوصية أيضا. وقد كانت دومة امرأة أبي عبيد رأت مناما يدل على ما وقع سواء بسواء. فلما رأى المسلمون ذلك وهنوا عند ذلك ولم يكن بقي إلا الظفر بالفرس، وضعف أمرهم، وذهب ريحهم، وولوا مدبرين، وساقت الفرس خلفهم فقتلوا بشرا كثيرا وانكشف الناس فكان أمرا بليغا وجاؤا إلى الجسر فمر بعض الناس. ثم انكسر الجسر فتحكم فيمن وراءه الفرس فقتلوا من المسلمين وغرق في الفرات نحوا من أربعة آلاف. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وسار المثنى بن حارثة فوقف عند الجسر الذي جاؤا منه، وكان الناس لما انهزموا جعل بعضهم يلقي بنفسه في الفرات فيغرق، فنادى المثنى. أيها الناس على هينتكم فإني واقف على فم الجسر لا أجوزه حتى لا يبقى منكم أحد ههنا، فلما عدى الناس إلى الناحية الاخرى سار المثنى فنزل بهم أول منزل، وقام يحرسهم هو وشجعان المسلمين، وقد جرح أكثرهم وأثخنوا. ومن الناس من ذهب في البرية لا يدرى أين ذهب، ومنهم من رجع إلى المدينة النبوية مذعورا، وذهب بالخبر عبد الله بن زيد بن عاصم المازني إلى عمر بن الخطاب فوجده على المنبر، فقال له عمر: ما وراءك يا عبد الله بن زيد ؟ (2) فقال: أتاك الخبر اليقين يا أمير المؤمنين، ثم صعد إليه المنبر فأخبره الخبر سرا، ويقال كان أول من قدم بخبر الناس عبد الله بن يزيد بن الحصين الحطمي (3). فالله أعلم.


(1) ذكر في فتوح البلدان أنه بعد مقتل أبي عبيد، أخذ اللواء أخوه فقتل، فاخذه ابنه جبر فقتل ثم أخذه المثنى ساعة، 2 / 308 وفي فتوح ابن الاعثم 1 / 169: قال أبو عبيد إن قتلت فأميركم ابني وهب فإن قتل فابني مالك فأن قتل فابني جبر، فإن اصيب فسليط بن مالك فأن اصيب فأبو محجن فإن اصيب فالمثنى بن حارثة. (2) في فتوح البلدان: عروة بن زيد. وفى الطبري والكامل فكالاصل. (3) كذا في رواية ابن اسحاق وكان الخطمي من الذين تفرقوا ولحقوا بالمدينة، أما عبد الله بن زيد فقد أرسله المثنى بن حارثة بعد الوقعة بالخبر إلى عمر بن الخطاب. وفي ابن الاعشم: معاذ بن حصين الانصاري 1 / 170 (*)

[ 35 ]

قال سيف بن عمر وكانت هذه الوقعة في شعبان من سنة ثلاث [ عشرة ] (1) بعد اليرموك بأربعين يوما فالله أعلم، وتراجع المسلمون بعضهم إلى بعض وكان منهم من فر إلى المدينة فلم يؤنب عمر الناس بل قال أنا فيئكم وأشغل الله المجوس بأمر ملكهم. وذلك أن أهل المدائن عدوا على رستم فخلعوه ثم ولوه وأضافوا إليه الفيرزان، واختلفوا على فرقتين (2)، فركب الفرس إلى المدائن ولحقهم المثنى بن حارثة في نفس من المسلمين، فعارضه أميران (3) من أمرائهم في جيشهم، فأسرهما وأسر معهما بشرا كثيرا فضرب أعناقهم. ثم أرسل المثنى إلى من بالعراق من أمراء المسلمين يستمدهم، فبعثوا إليه بالامداد، وبعث إليه عمر بن الخطاب بمدد كثير فيهم جرير بن عبد الله البجلى، في قومه بجيلة بكمالها، وغيره من سادات المسلمين (4) حتى كثر جيشه. وقعت البويب التي اقتص فيها المسلمون من الفرس فلما سمع بذلك أمراء الفرس، وبكثرة جيوش المثنى، بعثوا إليه جيشا آخر مع رجل يقال له مهران فتوافوا هم وإياهم بمكان يقال له " البويب " قريب من مكان الكوفة اليوم وبينهما الفرات. فقالوا: إما أن تعبروا إلينا، أو نعبر إليكم. فقال المسلمون: بل اعبروا إلينا. فعبرت الفرس إليهم فتواقفوا، وذلك في شهر رمضان. فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم، وعبى الجيش، وجعل يمر على كل راية من رايات الامراء على القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت. وفي القوم جرير بن عبد الله البجلي في بجيلة وجماعة من سادات المسلمين. وقال المثنى لهم: إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيأوا، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا. فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول. فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم، واقتتلوا قتالا شديدا، ورأى المثنى في بعض صفوفه خللا، فبعث إليهم رجلا يقول: الامير يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: لا تفضحوا العرب (5) اليوم فاعتدلوا. فلما رأى ذلك منهم - وهم بنو عجل - أعجبه وضحك. وبعث إليهم يقول: يا معشر المسلمين عاداتكم، انصروا الله


(1) من الطبري، وفي فتوح البلدان: كانت وقعة الجسر يوم السبت في آخر شهر رمضان سنة ثلاث عشرة. (2) في الطبري: فرقة الفهلوج على رستم وأهل فارس على الفيرزان. (3) وهما: جابان ومردانشاه. كما في الطبري والكامل. (4) في ابن الاعثم صار جرير في سبعمائة رجل، وفي الطبري: بعث عمر جرير في بجيلة، وعصمة بن عبد الله من بني عبد بن الحارث الضبي فيمن تبعه من بني ضبة، وهلال بن علقمة التيمي مع الرباب، وابن المثنى الجشمي مع جشم سعد، وعبد الله بن ذي السهمين مع اناس من خثعم، وربعي في بعض بني حنظلة، وربعي بن عامر بن خالد العنود على بعض بني عمرو وقرط بن جماح على عبد القيس. وابن مردى التغلبي في اناس من بني تغلب (الطبري 4 / 73)، وأنس بن هلال النمري في بنى النمر. (5) في الطبري: المسلمين. (*)

[ 36 ]

ينصركم. وجعل المثنى والمسلمون يدعون الله بالظفر والنصر. فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الابطال يحمون ظهره، وحمل على مهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة، وحمل غلام من بني تغلب نصراني فقتل مهران وركب فرسه. كذا ذكره سيف بن عمر. وقال محمد بن إسحاق بل حمل عليه المنذر بن حسان بن ضرار الضبي فطعنه واحتز رأسه جرير بن عبد الله البجلي، واختصما في سلبه فأخذ جرير السلاح وأخذ المنذر منطقته (1). وهربت المجوس وركب المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلا. وسبق المثنى بن حارثة إلى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون. فركبوا أكتافهم بقية ذلك اليوم وتلك الليلة، ومن أبعد إلى الليل فيقال إنه قتل منهم يومئذ وغرق قريب من مائة ألف ولله الحمد والمنة. وغنم المسلمون مالا جزيلا وطعاما كثيرا، وبعثوا بالبشارة والاخماس إلى عمر رضي الله عنه. وقد قتل من سادات المسلمين في هذا اليوم بشر كثير أيضا وذلت لهذه الوقعة رقاب الفرس وتمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة فغنموا شيئا عظيما لا يمكن حصره. وجرت أمور يطول ذكرها بعد يوم البويب وكانت هذه الواقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام. وقد قال الاعور الشني العبدي في ذلك: - هاجت لاعور دار الحي أحزانا * واستبدلت بعد عبد القيس حسانا (2) وقد أرانا بها والشمل مجتمع * إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا إذ كان (3) سار المثنى بالخيول لهم * فقتل الزحف من فرس وجيلانا سما لمهران والجيش الذي معه * حتى أبادهم مثنى ووحدانا فصل ثم بعث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص الزهري أحد العشرة في ستة آلاف أميرا على العراق، وكتب إلى جرير بن عبد الله والمثنى بن حارثة أن يكونا تبعا له وأن يسمعا له ويطيعا، فلما وصل إلى العراق كانا معه، وكانا قد تنازعا الامرة، فالمثنى يقول لجرير: إنما بعثك أمير المؤمنين مددا إلي. ويقول جرير: إنما بعثني أميرا عليك. فلما قدم سعد على أمر العراق انقطع نزاعهما. قال ابن إسحاق. وتوفي المثنى بن حارثة (4) في هذه السنة: كذا قال ابن إسحق.


(1) كذا في رواية الطبري عن ابن اسحاق، والبلاذري في فتوح البلدان، وزاد: ويقال إن الحصن بن معبد بن زرارة بن عدس التميمي كان ممن قتله. (2) في الطبري: خفانا. (3) في الطبري: أزمان. (4) وكان المثنى قد أصيب بجراحات في وقعة الجسر، فانتقضت عليه فمرض مرضا شديدا ومات وبلغ ذلك سعد = (*)

[ 37 ]

بقين من جمادى الاخرة منها فولى قضاء المدينة علي بن أبي طالب رضي الله عنه واستناب على الشام أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وعزل عنها خالد بن الوليد المخزومي، وأبقاه على شورى الحرب وفيها فتحت بصرى صلحا وهي أول مدينة فتحت من الشام، وفيها فتحت دمشق في قول سيف وغيره كما قدمنا واستنيب فيها يزيد بن أبي سفيان فهو أول من وليها من أمراء المسلمين رضي الله عنهم. وفيها كانت وقعة فحل من أرض الغور وقتل بها جماعة من الصحابة وغيرهم. وفيها كانت وقعة جسر أبي عبيد فقتل فيها أربعة آلاف من المسلمين منهم أميرهم أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وهو والد صفية امرأة عبد الله بن عمر وكانت امرأة صالحة رحمهما الله. ووالد المختار بن أبي عبيد كذاب ثقيف وقد كان نائبا على العراق في بعض وقعات العراق كما سيأتي. وفيها توفي المثنى بن حارثة في قول ابن إسحاق، وقد كان نائبا على العراق استخلفه خالد ابن الوليد حين سار إلى الشام، وقد شهد مواقف مشهورة وله أيام مذكورة ولاسيما يوم البويب بعد جسر أبي عبيد قتل فيه من الفرس وغرق بالفراة قريب من مائة ألف، الذي عليه الجمهور أنه بقي إلى سنة أربع عشرة كما سيأتي بيانه. وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب في قول بعضهم وقيل بل حج عبد الرحمن بن عوف. وفيها استنفر عمر قبائل العرب لغزو العراق الشام فأقبلوا من كل النواحي فرمى بهم الشام والعراق. وفيها كانت وقعة أجنادين في قول ابن اسحق يوم السبت لثلاث من جمادى الاولى منها. وكذا عند الواقدي فيما بين الرملة وبين جسرين على الروم القيقلان (1) وأمير المسلمين عمرو بن العاص، وهو في عشرين ألفا في قول فقتل القيقلان وانهزمت الروم وقتل منهم خلق كثير. واستشهد من المسلمين أيضا جماعة منهم هشام بن العاص والفضل ابن العباس، وأبان بن سعيد وأخواه وخالد وعمرو، ونعيم بن عبد الله بن النحام، والطفيل بن عمرو بن عبد الله بن عمرو الذوسيان، وضرار بن الازور، وعكرمة بن أبي جهل، وعمه سلمة بن هشام، وهبار بن سفيان، وصخر بن نصر، وتميم وسعيد إبنا الحارث بن قيس رضي الله عنهم. وقال محمد بن سعد قتل يومئذ طليب بن عمرو (2) وأمه أروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن قتل يومئذ عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة فيما ذكره الواقدي قال: ولم يكن له رواية وكان ممن صبر يوم حنين. قال ابن جرير وقتل يومئذ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة والحارث بن أوس بن عتيك رضي الله عنهم. وفيها كانت وقعة مرج الصفر في قول خليفة بن خياط وذلك لثنتي عشرة بقيت من جمادى الاولى وأمير الناس خالد بن سعيد بن العاص فقتل يومئذ وقيل إنما قتل أخوه عمرو وقيل ابنه. فالله أعلم. قال ابن إسحق: وكان أمير الروم قلقط فقتل من الروم مقتلة عظيمة حتى جرت طاحون


(1) في الطبري والكامل: القيقلار. (2) كذا في الاصل والصواب: طليب بن عمير بن وهب بن عبد بن قصي ويكنى أبا عدي. (*)

[ 38 ]

ذكر اجتماع الفرس على يزدجرد بعد اختلافهم كان شرين قد جمع آل كسرى في القصر الابيض وأمر بقتل ذكرانهم كلهم، وكانت أم يزدجرد فيهم معها ابنها وهو صغير، فواعدت أخواله فجاؤا وأخذوه منها وذهبوا به إلى بلادهم، فلما وقع ما وقع يوم البويب وقتل من قتل منهم كما ذكرنا، وركب المسلمون أكتافهم وانتصروا عليهم وعلى أخذ بلدانهم، ومحالهم وأقاليمهم. ثم سمعوا بقدوم سعد بن أبي وقاص من جهة عمر، اجتمعوا فيما بينهم وأحضروا الاميرين الكبيرين فيهم وهما رستم والفيرزان فتذامروا فيما بينهم وتواصوا وقالوا لهما لئن لم تقوما بالحرب كما ينبغي لنقتلنكما ونشتفي بكما. ثم رأوا فيما بينهم أن يبعثوا خلف نساء كسرى من كل فج ومن كل بقعة، فمن كان لها ولد من آل كسرى ملكوه عليهم. فجعلوا إذا أتوا بالمرأة عاقبوها هل لها ولد وهي تنكر ذلك خوفا على ولدها إن كان لها ولد، فلم يزالوا حتى دلوا على أم يزجرد، فأحضروها وأحضروا ولدها فملكوه عليهم وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وهو من ولد شهريار بن كسرى وعزلوا بوران واستوثقت الممالك له، واجتمعوا عليه وفرحوا به، وقاموا بين يديه بالنصر أتم قيام، واستفحل أمره فيهم وقويت شوكتهم به، وبعثوا إلى الاقاليم والرساتيق فخلعوا الطاعة للصحابة ونقضوا عهودهم وذممهم، وبعث الصحابة إلى عمر بالخبر، فأمرهم عمر أن بتبرزوا من بين ظهرانيهم وليكونوا على أطراف البلاد حولهم على المياه، وأن تكون كل قبيلة تنظر إلى الاخرى بحيث إذا حدث حدث على قبيلة لا يخفى أمرها على جيرانهم. وتفاقم الحال جدا. وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث عشرة، وقد حج بالناس عمر في هذه السنة وقيل بل حج بهم عبد الرحمن بن عوف ولم يحج عمر هذه السنة. والله أعلم. ما وقع سنة ثلاث عشرة (1) من الحوادث كانت فيها وقائع تقدم تفصيلها ببلاد العراق على يدي خالد بن الوليد رضي الله عنه، فتحت فيها الحيرة والانبار وغيرهما من الامصار، وفيها سار خالد بن الوليد من العراق إلى الشام على المشهور. وفيها كانت وقعة اليرموك في قول سيف بن عمر واختيار ابن جرير، وقتل بها من قتل من الاعيان ممن يطول ذكرهم وتراجمهم رضي الله عنهم أجمعين. وفيها توفي أبو بكر الصديق. وقد أفردنا سيرته في مجلد ولله الحمد. وفيها ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الثلاثاء لثمان


= فأرسل إلى امرأته سلمى بنت حفصة التميمية فخطبها وتزوجها بعد انقضاء عدتها (الفتوح 1 / 174). وفي الكامل ان المثنى مات قبل وصول سعد 2 / 452. (1) في المطبوعة: " عشر ". (*)

[ 39 ]

هناك من دمائهم. والصحيح أن وقعة مرج الصفر في أول سنة أربع عشرة كما سيأتي. ذكر المتوفين في هذه السنة مرتبين على الحروف كما ذكرهم الحافظ الذهبي أبان بن سعيد بن العاص بن أمية الاموي أبو الوليد المكي صحابي جليل. وهو الذي أجار عثمان بن عفان يوم الحديبية حتى دخل مكة لاداء رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أسلم بعد مرجع أخويه من الحبشة. خالد، وعمرو، فدعواه إلى الاسلام فأجابهما. وساروا فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح خيبر. وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع على البحرين وقتل بأجنادين * أنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهور أنه قتل ببدر فيما ذكره البخاري وغيره، وزعم الواقدي فيما نقله عن أهل العلم أنه شهد أحدا وأنه بقي بعد ذلك زمانا. قال: وحدثني ابن أبي الزناد عن محمد بن يوسف أن أنسة مات في خلافة أبي بكر الصديق، وكان يكنى أبا مسروح. وقال الزهري كان يأذن للناس على النبي صلى الله عليه وسلم * تميم بن الحارث بن قيس السهمي وأخوه قيس صحابيان جليلان هاجرا إلى الحبشة وقتلا بأجنادين * الحارث بن أوس بن عتيك بن مهاجرة الحبشة. قتل بأجنادين * خالد بن سعيد ابن العاص الاموي، من السابقين الاولين، ممن هاجر إلى الحبشة وأقام بها بضع عشرة سنة ويقال إنه كان على صنعاء من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمره الصديق على بعض الفتوحات كما تقدم قتل يوم مرج الصفر في قول، وقيل بل هرب فلم يمكنه الصديق من دخول المدينة تعزيرا له، فأقام شهرا في بعض ظواهرها حتى أذن له. ويقال إن الذى قتله أسلم وقال رأيت له حين قتلته نورا ساطعا إلى السماء رضي الله عنه * سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة (1). ويقال حارثة بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الانصاري الخزرجي سيدهم، أبو ثابت ويقال أبو قيس صحابي جليل كان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرا في قول عروة وموسى بن عقبة (2) والبخاري وابن ماكولا. وروى ابن عساكر من طريق حجاج بن أرطاة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن راية المهاجرين يوم بدر كانت مع علي وراية الانصار مع سعد بن عبادة رضي الله عنهما. قلت: والمشهور أن هذا كان يوم الفتح والله أعلم. وقال الواقدي: لم يشهدها لانه نهسته حية فشغلته عنها بعد أن تجهز لها، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، وشهد أحدا وما بعدها. وكذا قال خليفة بن خياط. وكانت له جفنة تدور مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث دار من بيوت نسائه


(1) في الاستيعاب: بن أبي حليمة. (2) قال في الاستيعاب: لم يذكره ابن عقبة في البدريين ولا ابن اسحاق. وقال في الاصابة: اختلف في شهوده بدرا. (*)

[ 40 ]

بلحم وثريد، أو لبن وخبز، أو خبز بسمن أو بخل وزيت، وكان ينادي عند أطمة كل ليلة لمن أراد القرى. وكان يحسن الكتابة بالعربي، والرمي والسباحة، وكان يمسى من أحسن ذلك كاملا. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر ما ذكره غير واحد من علماء التاريخ أنه تخلف عن بيعة الصديق حتى خرج إلى الشام فمات بقرية من حوران سنة ثلاث عشرة في خلافة الصديق. قاله ابن إسحاق والمدائني وخليفة. قال: وقيل في أول خلافة عمر. وقيل سنة أربع عشرة، وقيل سنة خمس عشرة. وقال الفلاس وابن بكر سنة ست عشرة. قلت: أما بيعة الصديق فقد روينا في مسند الامام أحمد أنه سلم للصديق ما قاله من إن الخلفاء من قريش. وأما موته بأرض الشام فمحقق والمشهور أنه بحوران. قال محمد بن عائذ الدمشقي عن عبد الاعلى عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: أول مدينة فتحت من الشام بصرى، وبها توفي سعد بن عبادة. وعند كثير من أهل زماننا أنه دفن بقرية من غوطة دمشق، يقال لها " المنيحة " وبها قبر مشهور به. ولم أر الحافظ ابن عساكر تعرض لذكر هذا القبر في ترجمته بالكلية. فالله أعلم. قال ابن عبد البر: ولم يختلفوا أنه وجد ميتا في مغتسله، وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول: قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده * رميناه بسهم فلم يخطئ فؤاده (1) قال ابن جريج: سمعت عطاء (يقول) سمعت أن الجن قالوا في سعد بن عبادة هذين البيتين. له عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وكان رضي الله عنه من أشد الناس غيرة، ما تزوج امرأة إلا بكرا، ولا طلق امرأة فتجاسر أحد أن يخطبها بعده. وقد روي أنه لما خرج من المدينة قسم ماله بين بنيه، فلما توفي ولد له ولد فجاء أبو بكر وعمر إلى ابنه قيس بن سعد فأمراه أن يدخل هذا معهم، فقال إني لا أغير ما صنع سعد ولكن نصيبي لهذا الولد * سلمة بن هشام بن المغيرة، أخو أبي جهل بن هشام، أسلم سلمة قديما وهاجر إلى الحبشة فلما رجع منها حبسه أخوه وأجاعه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت ولجماعة معه من المستضعفين. ثم انسل فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد الخندق، وكان معه بها، وقد شهد أجنادين وقتل بها رضي الله عنه * ضرار بن الازور الاسدي، كان من الفرسان المشهورين، والابطال المذكورين، له مواقف مشهودة، وأحوال محمودة. ذكر عروة وموسى بن عقبة أنه قتل بأجنادين. له حديث في استحباب إبقاء شئ من اللبن في الضرع عند الحلب * طليب بن عمير بن وهب بن كثير بن هند بن قصي القرشي العبدي، أمه أروى بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم. أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرا. قاله ابن إسحاق والواقدي والزبير


(1) في الاستيعاب: نحن قتلنا سيد الخز * رج سعد بن عبادة رميناه بسهمين * فلم نخطئ فؤاده (*)

[ 41 ]

ابن بكار. ويقال إنه أول من ضرب مشركا، وذلك أن أبا جهل سب النبي صلى الله عليه وسلم فضربه طليب بلحى جمل فشجه. استشهد طليب بأجنادين وقد شاخ رضي الله عنه * عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ابن هاشم القرشي الهاشمي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم كان من الابطال المذكورين والشجعان المشهورين، قتل يوم أجنادين بعد ما قتل عشرة من الروم مبارزة كلهم بطارقة أبطال. وله من العمر يومئذ بضع وثلاثون سنة * عبد الله بن عمرو الدوسي قتل بأجنادين. وليس هذا الرجل معروفا * عثمان بن طلحة العبدري الحجبي. قيل إنه قتل بأجنادين، والصحيح أنه تأخر إلى ما بعد الاربعين * عتاب ابن أسيد بن أبي العيص بن أمية الاموي أبو عبد الرحمن أمير مكة نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله عليها عام الفتح، وله من العمر عشرون سنة، فحج بالناس عامئذ، واستنابه عليها أبو بكر بعده عليه السلام. وكانت وفاته بمكة، قيل يوم توفي أبو بكر رضي الله عنهما. له حديث واحد رواه أهل السنن الاربعة * عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو عثمان القرشي المخزومي، كان من سادات الجاهلية كأبيه، ثم أسلم عام الفتح بعد ما فر، ثم رجع إلى الحق. واستعمله الصديق على عمان حين ارتدوا فظفر بهم كما تقدم. ثم قدم الشام وكان أميرا على بعض الكراديس، ويقال: إنه لا يعرف له ذنب بعدما أسلم. وكان يقبل المصحف ويبكي ويقول: كلام ربي كلام ربي. احتج بهذا الامام أحمد على جواز تقبيل المصحف ومشروعيته. وقال الشافعي: كان عكرمة محمود البلاء في الاسلام. قال عروة: قتل بأجنادين. وقال غيره: باليرموك بعد ما وجد به بضع وسبعون ما بين ضربة وطعنة رضي الله عنه * الفضل بن العباس بن عبد المطلب، قيل إنه توفي في هذه السنة، والصحيح أنه تأخر إلى سنة ثماني عشرة * نعيم بن عبد الله بن النحام أحد بني عدي، أسلم قديما قبل عمر ولم يتهيأ له هجرة إلى ما بعد الحديبية، وذلك لانه كان فيه بر بأقاربه، فقالت له قريش: أقم عندنا على أي دين شئت، فو الله لا يتعرضك أحد إلا ذهبت أنفسنا دونك. استشهد يوم أجنادين وقيل يوم اليرموك رضي الله عنه * هبار بن الاسود (1) بن أسد أبو الاسود القرشي الاسدي، هذا الرجل كان قد طعن راحلة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم يوم خرجت من مكة حتى أسقطت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، وقتل بأجنادين رضي الله عنه * هبار بن سفيان ابن عبد الاسود (2) المخزومي ابن أخي أم سلمة. أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة واستشهد يوم أجنادين على الصحيح، وقيل قتل يوم مؤتة والله أعلم (3) * هشام بن العاص بن وائل السهمي أخو عمرو بن العاص. روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إبنا العاص مؤمنان " وقد أسلم هشام قبل عمرو، وهاجر إلى الحبشة، فلما رجع منها احتبس بمكة. ثم هاجر بعد الخندق، وقد أرسله


(1) في الاصابة: هبار بن الاسود بن المطلب بن أسد. (2) في الاصابة والاستيعاب: عبد الاسد. (3) قاله ابن سعد والزبير بن بكار وسيف بن عمر، وقال ابن عبد البر: والاشبه عندي أنه قتل بأجنادين لان ابن عقبة لم يذكره فيمن قتل يوم مؤته شهيدا (الاستيعاب 3 / 609 على هامش الاصابة). (*)

[ 42 ]

الصديق إلى ملك الروم. وكان من الفرسان. وقتل بأجنادين، وقيل باليرموك، والاول أصح والله أعلم * أبو بكر الصديق رضي الله عنه تقدم وله ترجمة مفردة ولله الحمد. سنة أربع عشرة من الهجرة استهلت هذه السنة والخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس ويحرضهم على جهاد أهل العراق، وذلك لما بلغه من قتل أبي عبيد يوم الجسر، وانتظام شمل الفرس، واجتماع أمرهم على يزجرد الذي أقاموه من بيت الملك، ونقض أهل الذمة بالعراق عهودهم، ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم، وآذوا المسلمين وأخرجوا العمال من بين أظهرهم. وقد كتب عمر إلى من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد. قال ابن جرير رحمه الله. وركب عمر رضي الله عنه في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صرار، فعسكر به عازما على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة. ثم عقد مجلسا لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه، ونودي أن الصلاة جامعة، وقد أرسل إلى علي فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق، إلا عبد الرحمن بن عوف (1) فإنه قال له: إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر أقطار الارض، وإني أرى أن تبعث رجلا وترجع أنت إلى المدينة فارثا (2) عمر والناس عند ذلك واستصوبوا رأي ابن عوف. فقال عمر: فمن ترى أن نبعث إلى العراق (3) ؟ فقال: قد وجدته. قال ومن هو ؟ قال الاسد في براثنه سعد بن مالك الزهري. فاستجاد قوله وأرسل إلى سعد فأمره على العراق وأوصاه فقال: يا سعد بن وهيب (4) لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة، فانظر الامر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فألزمه، فإنه الامر. هذه عظتي إياك، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين. ولما أراد فراقه قال له: إنك ستقدم على أمر شديد، فالصبر الصبر على ما أصابك ونابك، تجمع لك خشية الله، واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين، في طاعته واجتناب معصيته، وإنما طاعة من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة، وإنما عصيان من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة. وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء، منها السر


(1) في فتوح ابن الاعثم: إلا علي بن أبي طالب، (1 / 172). فقد أشار عليه بالبقاء في المدينة وارسال سعد. (2) كذا بالاصل، وفي نسخة: فارفا، ولعلها فأرفأ بمعنى جنح كما يفهم من النهاية والقاموس. (3) فقال عمر: فأشيروا علي برجل. كما في الطبري. (4) في الفتوح: بني وهب وفي الطبري: بني وهيب. (*)

[ 43 ]

ومنها العلانية، فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه في الحق سواء، وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه، وبمحبة الناس، ومن محبة الناس فلا تزهد في التحبب فإن النبيين قد سألوا محبتهم، وإن الله إذا أحب عبدا حببه، وإذا أبغض عبدا بغضه، فاعتبر منزلتك عند الله بمنزلتك عند الناس. قالوا: فسار سعد نحو العراق في أربعة آلاف ثلاثة آلاف من أهل اليمن، وألف من سائر الناس، وقيل في ستة آلاف (1). وشيعهم عمر من صرار إلى الاعوص (2) وقام عمر في الناس خطيبا هنالك فقال: إن الله إنما ضرب لكم الامثال، وصرف لكم القول لتحيي القلوب، فإن القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله، من علم شيئا فلينفع به، فإن للعدل إمارات وتباشير، فأما الامارات فالحياء والسخاء والهين واللين. وأما التباشير فالرحمة. وقد جعل الله لكل أمر بابا، ويسر لكل باب مفتاحا، فباب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت والاستعداد بتقديم الاموال (3). والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف، فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شئ. إني بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحد، وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه فأنهوا شكاتكم إلينا، فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع. ثم سار سعد إلى العراق، ورجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة. ولما انتهى سعد إلى نهر زرود، ولم يبق بينه وبين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير، وكل منهما مشتاق إلى صاحبه، انتقض جرح المثنى بين حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر فمات رحمه الله ورضي الله عنه، واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية. ولما بلغ سعدا موته ترحم عليه وتزوج زوجته سلمى. ولما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها وإمرتها، ولم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره، وأمده عمر بأمداد أخر حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون ألفا، وقيل ستة وثلاثون. وقال عمر: والله لارمين ملوك العجم بملوك العرب. وكتب إلى سعد أن يجعل الامراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد، عرف العرفاء، وأمر على القبائل، وولى على الطلائع، والمقدمات، والمجنبات والساقات، والرجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر (4). قال سيف بإسناده عن مشايخه قالوا: وجعل عمر على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النون (5)، وجعل إليه الاقباض وقسمة الفئ، وجعل داعية الناس وقاصهم سلمان


(1) في فتوح ابن الاغثم: في سبعة آلاف. (2) الاعوص: موضع على أميال من المدينة، وقيل: واد في ديار باهلة لبني حصن. (3) في الطبري: الاعمال. (4) راجع في تفاصيل تدابير سعد العسكرية الطبري 4 / 88. (5) في الطبري: ذا النور. (*)

[ 44 ]

الفارسي. وجعل الكاتب زياد بن أبي سفيان. قالوا: وكان في هذا الجيش كله من الصحابة ثلثمائة وبضعة عشر صحابيا، منهم بضعة وسبعون بدريا، وكان فيه سبعمائة من أبناء الصحابة رضي الله عنهم. وبعث عمر كتابه إلى سعد يأمره بالمبادرة إلى القادسية، والقادسية باب فارس في الجاهلية، وأن يكون بين الحجر والمدر، وأن يأخذ الطرق والمسالك على فارس، وأن يبدروهم بالضرب والشدة، ولا يهولنك كثرة عددهم وعددهم، فإنهم قوم خدعة مكرة، وإن أنتم صبرتم وأحسنتم ونويتم الامانة رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لم يجتمع لهم شملهم أبدا إلا أن يجتمعوا، وليست معهم قلوبهم. وإن كانت الاخرى فارجعوا إلى ما وراءكم حتى تصلوا إلى الحجر فإنكم عليه أجرأ، وإنهم عنه أجبن وبه أجهل، حتى يأتي الله بالفتح عليهم ويرد لكم الكرة. وأمره بمحاسبة نفسه وموعظة جيشه، وأمرهم بالنية الحسنة والصبر فإن النصر (1) يأتي من الله على قدر النية، والاجر على قدر الحسبة، وسلوا الله العافية، وأكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، واكتب إلي بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون وأين يكون منكم عدوكم، واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجلية، وخف الله وارجه ولا تدل بشئ، واعلم أن الله قد توكل لهذا الامر بما لا خلف له، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم. فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والاراضي بحيث كأنه يشاهدها، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم وأمثاله، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلم، إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية. وكتب إليه عمر: قد جاءني كتابك وفهمته، فإذا لقيت عدوك ومنحك الله أدبارهم، فإنه قد ألقى في روعي أنكم ستهزمونهم فلا تشكن في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه خرابها إن شاء الله. وجعل عمر يدعو لسعد خاصة وله وللمسلمين عامة. ولما بلغ سعد العذيب اعترض للمسلمين جيش للفرس مع شيرزاد بن اراذويه، فغنموا مما معه شيئا كثيرا ووقع منهم موقعا كبيرا، فخمسها سعد وقسم أربعة أخماسها في الناس واستبشر الناس بذلك وفرحوا، وتفاءلوا، وأفرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم، على هذه السرية غالب بن عبد الله الليثي. غزوة القادسية ثم سار سعد فنزل القادسية، وبث سراياه، وأقام بها شهرا لم ير أحدا من الفرس، فكتب إلى عمر بذلك، والسرايا تأتي بالميرة من كل مكان. فعجت رعايا الفرس من أطراف بلادهم إلى


(1) في الطبري: المعونة. (*)

[ 45 ]

يزدجرد من الذين يلقون من المسلمين من النهب والسبي. وقالوا: إن لم تنجدونا وإلا أعطينا ما بأيدينا وسلمنا إليهم الحصون. واجتمع رأي الفرس على إرسال رستم إليهم، فبعث إليه يزدجرد فأمره على الجيش فاستعفي رستم من ذلك، وقال: إن هذا ليس برأي في الحرب، إن إرسال الجيوش بعد الجيوش أشد على العرب من أن يكسروا جيشا كثيفا مرة واحدة. فأبى الملك إلا ذلك، فتجهز رستم للخروج. ثم بعث سعد كاشفا إلى الحيرة وإلى صلوبا فأتاه الخبر بأن الملك قد أمر على الحرب رستم بن الفرخزاذ الارمني، وأمده بالعساكر. فكتب سعد إلى عمر بذلك فكتب إليه عمر: لا يكربنك ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتونك به، واستعن بالله وتوكل عليه، وابعث إليه رجالا من أهل النظر والرأي والجلد يدعونه، فإن الله جاعل دعاءهم توهينا لهم وفلجا عليهم، واكتب إلي في كل يوم. ولما اقترب رستم بجيوشه وعسكر بساباط كتب سعد إلى عمر يقول: إن رستم قد عسكر بساباط وجر الخيول والفيول وزحف علينا بها، وليس شئ أهم عندي، ولا أكثر ذكرا مني لما أحببت أن أكون عليه من الاستعانة والتوكل. وعبأ رستم فجعل على المقدمة وهي أربعون ألفا الجالنوس، وعلى الميمنة الهرمزان، وعلى الميسرة مهران بن بهرام وذلك ستون ألفا، وعلى الساقة البندران (1) في عشرين ألفا، فالجيش كله ثمانون ألفا فيما ذكره سيف وغيره. وفي رواية: كان رستم في مائة ألف وعشرين ألفا، يتبعها ثمانون ألفا، وكان معه ثلاثة وثلاثون فيلا منها فيل أبيض كان لسابور، فهو أعظمها وأقدمها، وكانت الفيلة تألفه. ثم بعث سعد جماعة من السادات منهم النعمان بن مقرن، وفرات بن حبان (2)، وحنظلة بن الربيع التميمي، وعطارد بن حاجب، والاشعث بن قيس، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معدي كرب (3)، يدعون رستم إلى الله عز وجل. فقال لهم رستم: ما أقدمكم ؟ فقالوا: جئنا لموعود الله إيانا، أخذ بلادكم وسبي نسائكم وأبنائكم وأخذ أموالكم، فنحن على يقين من ذلك، وقد رأى رستم في منامه كأن ملكا نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كله ودفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر. وذكر سيف بن عمر أن رستم طاول سعدا في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن وملتقاه سعدا بالقادسية أربعة أشهر كل ذلك لعله يضجر سعدا ومن معه ليرجعوا، ولولا أن الملك استعجله ما التقاه، لما يعلم من غلبة المسلمين لهم ونصرهم عليهم، لما رأى في منامه، ولما


(1) في الطبري: البيرزان. (2) في الطبري والفتوح لابن الاعثم حيان العجلي. (3) زاد الطبري: بسر بن أبي رهم وجملة بن جوية الكناني وعدي بن سهيل والمغيرة بن زرارة بن النباش بن حبيب والحارث بن حسان وعاصم بن عمرو والمعنى بن حارثة. أما ابن الاعثم فذكر: عمرو بن معد يكرب الزبيدي وطليحة بن خويلد الاسدي وجرير بن عبد الله البجلي والمغيرة بن شعبة الثقفي وعاصم بن عمرو التميمي وشرحبيل بن السمط الكندي والمنذر بن حسان الضبي وفرات بن حيان العجلي وابراهيم بن حارثة الشيباني. 1 / 196 وانظر الكامل 2 / 456 (*)

[ 46 ]

يتوسمه، ولما سمع منهم، ولما عنده من علم النجوم الذي يعتقد صحته في نفسه لما له من الممارسة لهذا الفن. ولما دنا جيش رستم من سعد أحب سعد أن يطلع على أخبارهم على الجلية، فبعث رجلا سرية لتأتيه برجل من الفرس وكان في السرية طليحة الاسدي الذي كان ادعى النبوة ثم تاب. وتقدم الحارث مع أصحابه حتى رجعوا. فلما بعث سعد السرية اخترق طليحة الجيوش والصفوف، وتخطى الالوف، وقتل جماعة من الابطال حتى أسر أحدهم وجاء به لا يملك من نفسه شيئا، فسأله سعد عن القوم فجعل يصف شجاعة طليحة، فقال دعنا من هذا وأخبرنا عن رستم، فقال: هو في مائة ألف وعشرين ألفا، ويتبعها مثلها. وأسلم الرجل من فوره رحمه الله. قال سيف عن شيوخه: ولما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه. فبعث إليه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. فلما قدم عليه جعل رستم يقول له: إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الاذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا. فقال له المغيرة: إنا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولا قال له: إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عز. فقال له رستم: فما هو ؟ فقال أما عموده الذي لا يصلح شئ منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والاقرار بما جاء من عند الله، فقال ما أحسن هذا ؟ ! وأي شئ أيضا ؟ قال وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله. قال: وحسن أيضا وأي شئ أيضا ؟ قال: والناس بنو آدم [ وحواء ] (1)، فهم أخوة لاب وأم، قال وحسن أيضا. ثم قال رستم: أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا ؟ قال: إي والله ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة. قال: وحسن أيضا. قال: ولما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الاسلام فأنفوا ذلك وأبوا أن يدخلوا فيه قبحهم الله وأخزاهم وقد فعل. قالوا: ثم بعث إليه سعد رسولا آخر بطلبه وهو ربعي بن عامر، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الامتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه. فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال رستم: إئذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم ؟ فقال الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى


(1) من الطبري. (*)

[ 47 ]

سعتها، ومن جور الاديان إلى عدل الاسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله. قالوا: وما موعود الله ؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الامر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟ قال نعم ! كم أحب إليكم ؟ يوما أو يومين ؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال: ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الاعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الاجل، فقال: أسيدهم أنت ؟ قال ! لا: ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم. فاجتمع رستم برؤوساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل ؟ فقالوا معاذ الله أن تميل إلى شئ من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه ؟ فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة. إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الاحساب. ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلا فبعث إليهم حذيفة بن محصن فتكلم نحو ما قال ربعي. وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة فتكلم بكلام حسن طويل. قال فيه رستم للمغيرة: إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل. فقال من يوصلني إليه وله درهمان ؟ فلما سقط عليه غرق فيه، فجعل يطلب الخلاص فلا يجده، وجعل يقول من يخلصني وله أربعة دراهم ؟ ومثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل جحرا في كرم فلما رآه صاحب الكرم ضعيفا رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئا كثيرا فجاء بجيشه، واستعان عليه بغلمانه فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا. ثم استشاط غضبا وأقسم بالشمس لاقتلنكم غدا. فقال المغيرة: ستعلم. ثم قال رستم للمغيرة: قد أمرت لكم بكسوة. ولاميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا (1). فقال المغيرة: أبعد أن أوهنا ملككم وضعفنا عزكم، ولنا مدة نحو بلادكم ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون وستصيرون لنا عبيدا على رغمكم ؟ ! فلما قال ذلك استشاط غضبا. وقال ابن جرير حدثني محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي ثنا أمية بن خالد ثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن. قال قال أبو وائل: جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس قال: لا أدري لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف أو ثمانية آلاف بين ذلك، والمشركون ثلاثون ألفا ونحو ذلك، فقالوا لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح، ما جاء بكم ؟ ارجعوا. قال: قلنا ما نحن براجعين، فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون دوك دوك وشبهونا بالمغازل. فلما أبينا عليهم أن نرجع قالوا: ابعثوا إلينا رجلا من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم. فقال المغيرة بن شعبة، أنا: فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا وصاحوا، فقال: إن هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم. فقال


(1) في الطبري: فأنا آمر لاميركم بكسوة وبغل وألف درهم وآمر لكل رجل منكم بوقر تمر وبثوبين وتنصرفون عنا (*)

[ 48 ]

رستم: صدق، ما جاء بكم ؟ فقال: إنا كنا قوما في شر وضلالة، فبعث الله إلينا نبيا فهدانا الله به ورزقنا على يديه، فكان فيما رزقنا حبة تنبت في هذا البلد، فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا: لا صبر لنا عنها، أنزلونا هذه الارض حتى نأكل من هذه الحبة. فقال رستم: إذا نقتلكم. قال إن قتلتمونا دخلنا الجنة، وإن قتلناكم دخلتم النار وأديتم الجزية. قال: فلما قال وأديتم الجزية نخروا وصاحوا وقالوا: لا صلح بيننا وبينكم. فقال المغيرة: تعبرون إلينا أو نعبر إليكم ؟ فقال رستم: بل نعبر إليكم، فاستأخر المسلمون حتى عبروا فحملوا عليهم فهزموهم (1). وذكر سيف أن سعدا كان به عرق النسا يومئذ، وأنه خطب الناس وتلى قوله تعالى: * (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون) * [ الانبياء: 105 ]، وصلى بالناس الظهر ثم كبر أربعا وحملوا بعد أن أمرهم أن يقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، في طردهم إياهم، وقتلهم لهم. وقعودهم لهم كل مرصد، وحصرهم لبعضهم في بعض الاماكن حتى أكلوا الكلاب والسنانير. ومارد شاردهم حتى وصل إلى نهاوند، ولجأ أكثرهم إلى المدائن، ولحقهم المسلمون إلى أبوابها. وكان سعد قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، وخرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم وأرديتهم على عواتقهم وسياطهم بأيديهم، والنعال في أرجلهم، وخيولهم الضعيفة، وخبطها الارض بأرجلها. وجعلوا يتعجبون منها غاية العجب كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عددها وعددها. ولما استأذنوا على الملك يزدجرد أذن لهم وأجلسهم بين يديه، وكان متكبرا قليل الادب، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها ؟ عن الاردية، والنعال، والسياط ثم كلما قالوا له شيئا من ذلك تفاءل فرد الله فأله على رأسه. ثم قال لهم: ما الذي أقدمكم هذه البلاد ؟ أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا ؟ فقال له النعمان بن مقرن: إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة. فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينهد (2) إلى من خالفه من العرب ويبدأ بهم، ففعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكروه (3) عليه فاغتبط، وطائع إياه فازداد. فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الامم فندعوهم إلى الانصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين الاسلام حسن الحسن وقبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء (4) فإن أبيتم فالمناجزة. وإن أجبتم إلى ديننا خلقنا


(1) تاريخ الطبري: 4 / 92 - 93. (2) في الطبري: ينبذ. (3) في الطبري والكامل: مكره. (4) كذا بالاصل والطبري، وفي الكامل الجزية وهو الصواب. (*)

[ 49 ]

فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشآنكم وبلادكم، وأن أتيتمونا بالجزي (4) قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم. قال فتكلم يزدجرد فقال: إني لا أعلم في الارض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم. فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم. فأسكت القوم فقام المغيرة بن شعبة (1) فقال: أيها الملك إن هؤلاء رؤس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الاشراف، وإنما يكرم الاشراف الاشراف، ويعظم حقوق الاشراف الاشراف، وليس كل ما أرسلوا له جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك، فجاوبني فأكون أنا الذي أبلغك ويشهدون على ذلك. إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما، فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الارض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الابل وأشعار الغنم. ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، وأن يبغي (2) بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك فبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا، فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد. أول ترب كان له الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئا إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين. فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله، فقال لنا إن ربكم يقول: أنا الله وحدي لا شريك لي كنت إذ لم يكن شئ وكل شئ هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شئ وإلي يصير كل شئ، وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لادلكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي، ولاحلكم داري دار السلام. فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم، ومن أبي فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه. فاختر إن شئت الجزية وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف،: أو تسلم فتنجي نفسك. فقال يزدجرد: أتستقبلني بمثل هذا ؟ فقال: ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به. فقال: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شئ لكم عندي. وقال إئتوني بوقر من تراب فاحملوه على أشراف هؤلاء ثم سوقوه


(1) في الطبري والكامل: المغيرة بن زرار بن النباش، وكان أحد الوفد الذين أرسلهم سعد إلى يزدجرد. (2) في الطبري: يغير. (*)

[ 50 ]

حتى يخرج من أبيات المدائن. إرجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه وجنده (1) في خندق القادسية وينكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور. ثم قال: من أشرفكم ؟ فسكت القوم فقال عاصم بن عمرو وافتات ليأخذ التراب أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحملنيه، فقال: أكذلك ؟ قالوا: نعم. فحمله على عنقه فخرج به من الايوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها ثم انجذب في السير ليأتوا به سعدا وسبقهم عاصم فمر بباب قديس فطواه وقال بشروا الامير بالظفر، ظفرنا إن شاء الله تعالى، ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر. فقال: أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم، وتفاءلوا بذلك أخذ بلادهم. ثم لم يزل أمر الصحابة يزداد في كل يوم علوا وشرفا ورفعة، وينحط أمر الفرس سفلا وذلا ووهنا. ولما رجع رستم إلى الملك يسأله عن حال من رأى من المسلمين ؟ فذكر له عقلهم وفصاحتهم وحدة جوابهم، وأنهم يرومون أمرا يوشك أن يدركوه. وذكر ما أمر به أشرفهم من حمل التراب وأنه استحمق أشرفهم في حمله التراب على رأسه، ولو شاء اتقى بغيره وأنا لا أشعر. فقال له رستم: إنه ليس أحمق، وليس هو بأشرفهم، إنما أراد أن يفتدي قومه بنفسه ولكن والله ذهبوا بمفاتيح أرضنا وكان رستم منجما، ثم أرسل رجلا وراءهم وقال: إن أدرك التراب فرده تداركنا أمرنا، وإن ذهبوا به إلى أميرهم غلبونا على أرضنا قال: فساق وراءهم فلم يدركهم بل سبقوه إلى سعد بالتراب وساء ذلك فارس وغضبوا من ذلك أشد الغضب واستهجنوا رأي الملك. فصل كانت وقعة القادسية وقعة عظيمة لم يكن بالعراق أعجب منها، وذلك أنه لما تواجه الصفان كان سعد رضي الله عنه قد أصابه عرق النسا، ودمامل في جسده، فهو لا يستطيع الركوب، وإنما هو في قصر متكئ على صدره فوق وسادة وهو ينظر إلى الجيش ويدبر أمره، وقد جعل أمر الحرب إلى خالد بن عرفطة، وجعل على الميمنة جرير بن عبد الله البجلي (2)، وعلى الميسرة قيس ابن مكشوح (3)، وكان قيس والمغيرة بن شعبة قد قدما على سعد مددا من عند أبي عبيدة من الشام بعد ما شهدا وقعة اليرموك. وزعم ابن إسحاق أن المسلمين كانوا ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية آلاف، وأن رستما كان


(1) في الطبري: حتى يدفيكم ويدفيه، وفي الكامل: حتى يدفنكم ويدفنه. (2) في فتوح ابن الاعثم: عمرو بن معديكرب وجرير بن عبد الله. (3) في فتوح البلدان 2 / 317: ويقال ان قيس بن مكشوح لم يحضر القتال بالقادسية ولكنه قدمها وقد فرغ المسلمون من القتال. وقال ابن الاعثم: كان على ميسرته: ابراهيم بن حارثة الشيباني. وعلي بن جحش العجلي وفي الطبري انه قدم مع هاشم بن عتبة يوم عماس، أي ثالث أيام القادسية 4 / 126. (*)

[ 51 ]

في ستين ألفا، فصلى سعد بالناس الظهر ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم وتلا قوله تعالى * (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون) * [ الانبياء: 105 ] وقرأ القراء آيات الجهاد وسوره، ثم كبر سعد أربعا ثم حملوا بعد الرابعة فاقتتلوا حتى كان الليل فتحاجزوا، وقد قتل من الفريقين بشر كثير، ثم أصبحوا إلى مواقفهم فاقتتلوا يومهم ذلك وعامة ليلتهم، ثم أصبحوا كما أمسوا على مواقفهم، فاقتتلوا حتى أمسوا ثم اقتتلوا في اليوم الثالث كذلك وأمست هذه الليلة تسمى ليلة الهرير (1)، فلما أصبح اليوم الرابع اقتتلوا قتالا شديدا وقد قاسوا من الفيلة بالنسبة إلى الخيول العربية بسبب نفرتها منها أمرا بليغا، وقد أباد الصحابة الفيلة ومن عليها، وقلعوا عيونها، وأبلى جماعة من الشجعان في هذه الايام مثل طليحة الاسدي، وعمرو بن معدي كرب، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله البجلي، وضرار بن الخطاب، وخالد بن عرفطة، وأشكالهم وأضرابهم. فلما كان وقت الزوال من هذا اليوم ويسمى يوم القادسية، وكان يوم الاثنين (2) من المحرم سنة أربع عشرة كما قاله سيف بن عمر التميمي، هبت ريح شديدة فرفعت خيام الفرس عن أماكنها وألقت سرير رستم الذي هو منصوب له، فبادر فركب بغلته وهرب فأدركه المسلمون فقتلوه (3) وقتلوا الجالينوس (4) مقدم الطلائع القادسية، وانهزمت الفرس ولله الحمد والمنة عن بكرة أبيهم، ولحقهم المسلمون في أقفائهم فقتل يومئذ المسلسلون بكمالهم وكانوا ثلاثين ألفا، وقتل في المعركة عشرة آلاف، وقتلوا قبل ذلك قريبا من ذلك. وقتل من المسلمين في هذا اليوم وما قبله من الايام ألفان وخمسمائة (5) رحمهم الله. وساق المسلمون خلف المنهزمين حتى دخلوا وراءهم مدينة الملك وهي المدائن التي فيها الايوان الكسروي، وقد أذن لمن ذكرنا عليه، فكان منهم إليه ما قدمنا. وقد غنم المسلمون من وقعة القادسية هذه من الاموال والسلاح مالا يحد ولا يوصف كثرة، فحصلت الغنائم بعد صرف الاسلاب وخمست وبعث


(1) وأيام القادسية أربعة: الاول يوم أرماث وليلة أرماث تدعى الهدأة، واليوم الثاني يوم أغواث وليلة أغواث تدعى السواد، واليوم الثالث يوم عماس، وليلة اليوم الرابع تدعى ليلة الهرير، واليوم الرابع يوم القادسية. قال ابن الاثير في التاريخ: وسميت ليلة الهرير بذلك لتركهم الكلام إنما كانوا يهرون هريرا 2 / 479. (2) في فتوح البلدان يوم الاحد، وقال: كان يوم القادسية في آخر سنة ست عشرة. وفي الطبري وابن الاثير في الكامل: سنة أربع عشرة. (3) في الطبري: قتله هلال بن علفة، وفي الكامل وابن الاعثم: هلال بن علقمة العقيلي. وفي فتوح البلدان: قتل رستم ولم يعلم من قاتله. وقال الواقدي: قيل قتله زهير بن عبد شمس البجلي. وقيل قتله عوام بن عبد شمس وقيل: هلال بن علفة التيمي. (فتوح البلدان 2 / 317). (4) في الطبري: أصيب قبل ليلة الهرير ألفان وخمسمائة وقتل ليلة الهرير ويوم القادسية من المسلمين ستة آلاف دفنوا في الخندق بحيال مشرق. (5) في الكامل لابن الاثير: قتله زهرة بن الحوية التميمي. (*)

[ 52 ]

بالخمس والبشارة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد كان عمر رضي الله عنه يستخبر عن أمر القادسية كل من لقيه من الركبان، ويخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشق الخبر، فبينما هو ذات يوم من الايام إذا هو براكب يلوح من بعد، فاستقبله عمر فاستخبره، فقال له: فتح الله على المسلمين بالقادسية وغنموا غنائم كثيرة وجعل يحدثه وهو لا يعرف عمر وعمر ما ؟ تحت راحلته، فلما اقتربا من المدينة جعل الناس يحيون عمر بالامارة فعرف الرجل عمر فقال: يرحمك الله يا أمير المؤمنين هلا أعلمتني أنك الخليفة ؟ فقال لا حرج عليك يا أخي. وقد تقدم أن سعدا رضي الله عنه كان به قروح وعرق النسا، فمنعه من شهود القتال لكنه جالس في رأس القصر ينظر في مصالح الجيش، وكان مع ذلك لا يغلق عليه باب القصر لشجاعته، ولو فر الناس لاخذته الفرس قبضا باليد، لا يمتنع منهم، وعنده امرأته سلمى بنت حفص (1) التي كانت قبله عند المثنى بن حارثة، فلما فر بعض الخيل يومئذ فزعت وقالت: وامثنياه ولا مثنى لي اليوم. فغضب سعد من ذلك ولطم وجهها، فقالت - أغيرة وجبنا يعني أنها تعيره بجلوسه في القصر يوم الحرب - وهذا عناد منها فإنها أعلم الناس بعذره وما هو فيه من المرض المانع من ذلك، وكان عنده في القصر رجل مسجون على الشراب كان قد حد فيه مرات متعددة، يقال سبع مرات، فأمر به سعد فقيد وأودع في القصر فلما رأى الخيول تجول حول حمى القصر وكان من الشجعان الابطال قال: كفى حزنا أن تدحم الخيل بالفتى (2) * وأترك مشدودا علي وثاقيا إذا قمت غناني الحديد وغلقت * مصاريع من دوني تصم المناديا وقد كنت ذا مال كثير وإخوة * وقد تركوني مفردا (3) لا أخاليا ثم سأل من زبراء أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد، وحلف لها أنه يرجع آخر النهار فيضع رجله في القيد فأطلقته، وركب فرس سعد وخرج فقاتل قتالا شديدا، وجعل سعد ينظر إلى فرسه فيعرفها وينكرها ويشبهه بأبي محجن ولكن يشك لظنه أنه في القصر موثق، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في قيدها ونزل سعد فوجد فرسه يعرق فقال: ما هذا ؟ فذكروا له قصة أبي محجن فرضي عنه وأطلقه رضي الله عنهما. وقد قال رجل من المسلمين في سعد رضي الله عنه:


(1) في الطبري: خصفة وفي ابن الاعثم والاصابة: حفصة. (2) في الاصابة: كفى حزنا أن ترتدي الخيل بالقنا. وفي الاستيعاب: أن تلتقي، وفي الكامل والطبري: أن تردي. وفي فتوح البلدان: أن تدعس. (3) في الطبري والكامل: واحدا. وبعده فيهما: ولله عهد لا أخيس بعهده * لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا (*)

[ 53 ]

نقاتل (1) حتى أنزل الله نصره * وسعد بباب القادسية معصم فأبنا (2) وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهن أيم فيقال إن سعدا نزل إلى الناس فاعتذر إليهم مما فيه من القروح في فخذيه وإليتيه، فعذره الناس. ويذكر أنه دعا على قائل هذين البيتين وقال: اللهم إن كان كاذبا، أو قال: الذي قال رياء وسمعة وكذبا فاقطع لسانه ويده. فجاءه سهم وهو واقف بين الصفين، فوقع في لسانه فبطل شقه فلم يتكلم حتى مات رواه سيف عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر فذكره. وقال سيف عن المقدام بن شريح الحارثي عن أبيه قال: قال جرير بن عبد الله البجلي: أنا جرير وكنيتي أبو عمرو * قد فتح الله وسعد في القصر فأشرف سعد من قصره وقال: وما أرجو بجيلة غير أني * أؤمل أجرها (3) يوم الحساب وقد لقيت خيولهم خيولا * وقد وقع الفوارس في الضراب وقد دلفت بعرصتهم خيول (4) * كأن زهاءها إبل الجراب فلولا جمع قعقاع بن عمرو * وحمال للجوا في الركاب ولولا ذاك ألفيتم رعاعا * تسيل (5) جموعكم مثل الذباب وقد روى محمد بن إسحق عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم البجلي - وكان ممن شهد القادسية - قال: كان معنا رجل من ثقيف فلحق بالفرس مرتدا، فأخبرهم أن بأس الناس في الجانب الذي فيه بجيلة. قال: وكنا ربع الناس، قال: فوجهوا إلينا ستة عشر فيلا (6)، وجعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسك الحديد، ويرشقوننا بالنشاب، فلكأنه المطر، وقربوا خيولهم بعضها إلى بعض لئلا ينفروا. قال: وكان عمرو بن معد يكرب الزبيدي يمر بنا فيقول: يا معشر المهاجرين، كونوا أسودا فإنما الفارسي تيس. قال: وكان فيهم أسوار لا تكاد تسقط له نشابة، فقلنا له يا أبا ثور اتق ذاك الفارس فإنه لا تسقط له نشابة، فوجه إليه الفارس ورماه بنشابة فأصاب ترسه


(1) في فتوح البلدان: وقاتلت. (2) في فتوح البلدان: فرحنا، ومنهن أيم مكان فيهن أيم. (3) في الطبري: أجرهم. (4) في الطبري: فيول. (5) في الطبري: تشل. وقبله: هم منعوا جموعكم بطعن * وضرب مثل تشقيق الاهاب (6) في رواية سيف: ثلاث عشر فيلا. (الطبري 4 / 117). (*)

[ 54 ]

وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه فاستلبه سوارين من ذهب، ومنطقة من ذهب، ويلمقا من ديباج. قال: وكان المسلمون ستة آلاف أو سبعة آلاف، فقتل الله رستما وكان الذي قتله رجل يقال له هلال ابن علقمة التميمي (1)، رماه رستم بنشابة فأصاب قدمه وحمل عليه هلال فقتله واحتز رأسه وولت الفرس فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فأدركوهم في مكان قد نزلوا فيه واطمأنوا، فبينما هم سكارى قد شربوا ولعبوا إذ هجم عليهم المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتل هنالك الجالينوس، قتله زهرة بن حوية التميمي. ثم ساروا خلفهم فكلما تواجه الفريقان نصر الله حزب الرحمن، وخذل حزب الشيطان وعبدة النيران، واحتاز المسلمون من الاموال ما يعجز عن حصره ميزان وقبان، حتى أن منهم من يقول من يقايض بيضاء بصفراء لكثرة ما غنموا من الفرسان. ولم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفرات وراءهم وفتحوا المدائن وجلولاء على ما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وقال سيف بن عمر عن سليمان بن بشير عن أم كثير امرأة همام بن الحارث النخعي قالت: شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس، شددنا علينا ثيابنا وأخذنا الهراوي ثم أتينا القتلى، فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، ومن كان من المشركين أجهزنا عليه، ومعنا الصبيان فنوليهم ذلك - تعني استلابهم - لئلا يكشفن عن عورات الرجال. وقال سيف بأسانيده عن شيوخه قالوا: وكتب سعد إلى عمر يخبره بالفتح وبعدة من قتلوا من المشركين. وبعدة من قتل من المسلمين، بعث بالكتاب مع سعد بن عميلة الفزاري (2) وصورته " أما بعد فإن الله نصرنا على أهل فارس ومنحناهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل، وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراؤن مثل زهائها، فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبوه ونقله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون على الانهار، وصفوف (3) الآجام، وفي الفجاح. وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارى (4) وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا يعلمهم إلا الله، فإنه بهم عالم كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، وهم آساد في النهار لا تشبههم الاسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم. فيقال إن عمر قرأ هذه البشارة على الناس فوق المنبر رضى الله عنهم. ثم قال عمر للناس: إني حريص على أن لا أرى حاجة إلا سددتها، ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في


(1) في رواية الطبري عن ابن اسحاق: هلال بن علفة التيمي. (2) في فتوح الشام للواقدي 2 / 193 سماه نوفل ولم ينسبه، وفي الطبري والكامل فكالاصل. (3) في الطبري: وعلى طفوف. (4) في الطبري: القارئ، وفي فتوح البلدان: الانصاري واغتم عمر لمصابه وقال: لقد كاد قتله ينغض علي هذا الفتح 2 / 326. (*)

[ 55 ]

عيشنا حتى نستوي في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولست معلمكم إلا بالعمل، إني والله لست بملك فأستعبدكم، ولكني عبد الله عرض علي الامانة فإن أبيتها ورددتها عليكم واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا سعدت بكم، وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت بكم، ففرحت قليلا وحزنت طويلا، فبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب (1). وقال سيف عن شيوخه قالوا: وكانت العرب من العذيب إلى عدن أبين، يتربصون وقعة القادسية هذه، يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وقد بعث أهل كل بلدة قاصدا يكشف ما يكون من خبرهم، فلما كان ما كان من الفتح سبقت الجن بالبشارة إلى أقصى البلاد قبل رسل الانس فسمعت امرأة ليلا بصنعاء على رأس جبل وهي تقول: فحييت عنا عكرم ابنة خالد * وما خير زاد بالقليل المصرد وحييت عني الشمس عند طلوعها * وحييت عني كل تاج مفرد وحيتك عني عصبة نخعية * حسان الوجوه آمنوا بمحمد أقاموا لكسرى يضربون جنوده * بكل رقيق الشفرتين مهند إذا ثوب الداعي أناخوا بكلكل * من الموت مسود الغياطل أجرد (2) قالوا: وسمع أهل اليمامة مجتازا يغني بهذه الابيات: وجدنا الاكرمين بني تميم * غداة الروع أكثرهم (3) رجالا هموا ساروا بأرعن مكفهر * إلى لجب يرونهم (4) رعالا بحور للاكاسر من رجال * كأسد الغاب تحسبهم جبالا تركن لهم بقادس عز فخر * وبالخيفين أياما طوالا مقطعة أكفهم وسوق * بمرد حيث قابلت الرجالا (5) قالوا: وسمع ذلك في سائر بلاد العرب، وقد كانت بلاد العراق بكمالها التي فتحها خالد نقضت العهود والذمم والمواثيق التي كانوا أعطوها خالدا، سوى أهل بانقيا وبرسما، وأهل أليس الآخرة ثم عاد الجميع بعد هذه الوقعة التي أوردناها، وادعوا أن الفرس أجبروهم على نقض


(1) انظر الطبري 4 / 144 - 145. (2) في الطبري: من الموت تسود الغياطل مجرد. (3) في الطبري: أصبرهم. (4) في الطبري: فزرتهم. (5) انظر الابيات في الطبري 4 / 144، وذكرها ابن الاثير في الكامل - باختلاف ونسبها إلى عمرو بن شأس الاسدي 2 / 472. (*)

[ 56 ]

العهود، وأخذوا منهم الخراج وغير ذلك. فصدقوهم في ذلك تألفا لقلوبهم وسنذكر حكم أهل السواد في كتابنا الاحكام الكبير إن شاء الله تعالى. وقد ذهب ابن إسحاق وغيره إلى أن وقعة القادسية كانت في سنة خمس عشرة. وزعم الواقدي أنها كانت في سنة ست عشرة. وأما سيف بن عمر وجماعة فذكروها في سنة أربع عشرة، وفيها ذكرها ابن جرير. فالله أعلم. قال ابن جرير والواقدي: في سنة أربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على أبي بن كعب في التراويح وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الامصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان قال ابن جرير وفيها بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة وأمره أن ينزل فيها بمن معه من المسلمين، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني، وروايته. قال: وزعم سيف أن البصرة إنما مصرت في ربيع من سنة ست عشرة وأن عتبة بن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت، وجهه إليها سعد بأمر عمر رضي الله عنهم (1). وقال أبو مخنف عن مجالد عن الشعبي رضي الله عنهم: إن عمر بعث عتبة بن غزوان إلى أرض البصرة في ثلثمائة وبضعة عشر رجلا، وسار إليه من الاعراب ما كمل معه خمسمائة، فنزلها في ربيع الاول سنة أربع عشرة، والبصرة يومئذ تدعى أرض الهند فيها حجارة بيض خشنة، وجعل يرتاد لهم منزلا حتى جاؤا حيال الجسر الصغير فإذا فيه حلفا وقصب نابت، فنزلوا. فركب إليهم صاحب الفرات في أربعة آلاف أسوار، فالتقاه عتبة بعدما زالت الشمس، وأمر الصحابة فحملوا عليهم فقتلوا الفرس عن آخرهم، وأسروا صاحب الفرات، وقام عتبة خطيبا فقال في خطبته: إن الدنيا قد آذنت بصرم (2)، وولت حذاء (3)، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء، وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا عما (4) بحضرتكم، فقد ذكر لي لو أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفا ولتملانه، أو عجبتم ؟ ولقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مالنا طعام إلا ورق السمر (5)، حتى تقرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد، فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا هو أمير على مصر من الامصار، وسيجربون الناس بعدنا (6). وهذا الحديث في صحيح مسلم بنحو من هذا السياق.


(1) الطبري 4 / 148. (2) الصرم: الصرم الانقطاع والذهاب. (3) حذاء: مسرعة الانقطاع. (4) في الطبري ومسلم: بخير ما. (5) في مسلم: ورق الشجر. والسمر: شجر بالبادية قاله أبو عبيد. (6) تاريخ الطبري 4 / 149 وصحيح مسلم كتاب الزهد والرقائق ح‍ (14) ص (2278). (*)

[ 57 ]

وروى علي بن محمد المدائني أن عمر كتب إلى عتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة: يا عتبة إني استعملتك على أرض الهند وهي حومة من حومة العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها، وأن يعينك عليها، وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي يمدك بعرفجة بن هرثمة. فإذا قدم عليك فاستشره وقربه، وادع إلى الله، فمن أجابك فاقبل منه، ومن أبى فالجزية عن صغار وذلة، وإلا فالسيف في غير هوادة، واتق الله فيما وليت، وإياك أن تنازعك نفسك إلى كبر فتفسد عليك آخرتك، وقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعززت [ به ] بعد الذلة، وقويت [ به ] بعد الضعف، حتى صرت أميرا مسلطا، وملكا مطاعا، تقول فيسمع منك، وتأمر فيطاع أمرك، فيالها نعمة إذا لم ترق (1) فوق ؟ درك، وتبطر على من دونك، احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، وهي أخوفهما عندي عليك أن يستدرجك ويخدعك فتسقط سقطة فتصير بها إلى جهنم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك، إن الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا، واتق مصارع الظالمين. وقد فتح عتبة الابلة في رجب أو شعبان من هذه السنة. ولما مات عتبة بن غزوان في هذه السنة استعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة سنتين، فلما رمي بما رمي به عزله وولى عليها أبا موسى الاشعري رضي الله عنهم. وفي هذه السنة ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيد الله في الشراب هو وجماعة معه، وفيها ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب أيضا سبع مرات، وضرب معه ربيعة بن أمية ابن حلف. وفيها نزل سعد بن أبي وقاص الكوفة، وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب. قال وكان بمكة عتاب بن أسيد، وبالشام أبو عبيدة، وبالبحرين عثمان بن أبي العاص وقيل العلاء ابن الحضرمي، وعلى العراق سعد، وعلى عمان حذيفة بن محصن. ذكرى من توفي في هذا العام من المشاهير ففيها توفي سعد بن عبادة في قول والصحيح في التي قبلها والله أعلم * عتبة بن غزوان بن جابر بن هيب (2) المازني، حليف بني عبد شمس صحابي بدري، وأسلم قديما بعد سنة (3) وهاجر إلى أرض الحبشة وهو أول من اختط البصرة عن أمر عمر في إمرته له على ذلك كما تقدم، وله فضائل ومآثر، وتوفي سنة أربع عشرة، وقيل سنة خمس عشرة، وقيل سنة سبع عشرة، وقيل سنة


(1) في الطبري 4 / 150 والكامل 2 / 486: ترفعك. وما بين معكوفين في الخبر منهما.. (2) في الاصابة: وهب. (3) كذا بالاصل، وفي هامش المطبوعة: ولعله يريد بعد سنة من البعثة لانه من السابقين الاولين. والاقرب ما في الاستيعاب: بعد ستة رجال فهو سابع سبعة في الاسلام - ولعل ما في الاصل سنة - هو ستة، وجاءت سنة سهوا من الناسخ. (على هامش الاصابة 3 / 114). (*)

[ 58 ]

عشرين. فالله أعلم. وقد جاوز الخمسين (1)، وقيل بلغ ستين سنة رضي الله عنه * عمرو بن أم مكتوم الاعمى، ويقال اسمه عبد الله، صحابي مهاجري، هاجر بعد مصعب بن عمير، قبل النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقرئ الناس القرآن، وقد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة غير مرة، فيقال ثلاث عشرة مرة، وشهد القادسية مع سعد زمن عمر فيقال إنه قتل بها شهيدا ويقال إنه رجع المدينة وتوفي بها والله أعلم * المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل شيبان الشيباني نائب خالد على العراق، وهو الذي صارت إليه الامرة بعد أبي عبيد يوم الجسر، فدارى بالمسلمين حتى خلصهم من الفرس يومئذ، وكان أحد الفرسان الابطال، وهو الذي ركب إلى الصديق فحرضه على غزو العراق، ولما توفي تزوج سعد بن أبي وقاص بإمرأته سلمى بنت حفص (2) رضي الله عنهما وأرضاهما. وقد ذكره ابن الاثير في كتابه الغابة في أسماء الصحابة * أبو زيد الانصاري النجاري أحد القراء الاربعة الذين حفظوا القرآن من الانصار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في حديث أنس بن مالك، وهم معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قال أنس أحد عمومتي. قال الكلبي واسم أبي زيد هذا قيس بن السكن بن قيس بن زعوراء بن حزم بن جندب بن غنم بن عدي بن النجار شهد بدرا. قال موسى بن عقبة واستشهد يوم جسر أبي عبيد وهي عنده في سنة أربع عشرة، وقال بعض الناس أبو زيد الذي يجمع القرآن سعد بن عبيد، وردوا هذا برواية قتادة عن أنس بن مالك قال: افتخرت الاوس والخزرج فقالت الاوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنا الذي حمته الدبر عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح، ومنا الذي اهتز له عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومنا الذي جعلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت. فقالت الخزرج منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي، وزيد بن ثابت، ومعاذ، وأبو زيد رضي الله عنهم أجمعين * أبو عبيد بن مسعود بن عمرو الثقفي والد المختار بن أبي عبيد أمير العراق، ووالد صفية امرأة عبد الله بن عمر. أسلم أبو عبيد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر في الصحابة. قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ولا يبعد أن يكون له رواية والله أعلم. أبو قحافة والد الصديق واسم أبي بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن صخر (3) بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، أسلم أبو قحافة عام الفتح فجاء به الصديق يقوده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال " هلا أقررتم الشيخ في بيته حتى كنا نحن نأتيه " تكرمة لابي بكر رضي الله عنه فقال: بل هو أحق بالسعي إليك يا رسول الله. فأجلسه رسول الله


(1) في الاصابة والاستيعاب: سبع وخمسين سنة. (2) تقدم: حفصة. (3) في الاستيعاب والاصابة: عمرو. (*)

[ 59 ]

صلى الله عليه وسلم بين يديه ورأسه كالثغامة بياضا ودعا له، وقال: " غيروا هذا الشيب بشئ وجنبوه السواد ". ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصارت الخلافة إلى الصديق أخبره المسلمون بذلك وهو بمكة، فقال: أو أقرت بذلك بنو هاشم وبنو مخزوم ؟ قالوا: نعم ! قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم أصيب بإبنه الصديق رضي الله عنه. ثم توفي أبو قحافة في محرم وقيل في رجب سنة أربع عشرة بمكة، عن أربع وسبعين (1) سنة رحمه الله وأكرم مثواه. وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي ومن المستشهدين في هذه السنة مرتبين على الحروف: أوس بن أوس بن عتيك قتل يوم الجسر * بشير بن عنبس بن يزيد الظفري أحدي، وهو ابن عم قتادة بن النعمان ويعرف بفارس الحواء اسم فرسه * ثابت بن عتيك، من بني عمرو بن مبذول، صحابي قتل يوم الجسر * ثعلبة بن عمرو بن محصن النجاري بدري قتل يومئذ * الحارث ابن عتيك بن النعمان النجاري شهد أحدا قتل يومئذ * الحارث بن مسعود بن عبدة صحابي أنصاري قتل يومئذ، الحارث بن عدي بن مالك أنصاري أحدي قتل يومئذ * خالد بن سعيد بن العاص، قيل إنه استشهد يوم مرج الصفر، وكان في سنة أربع عشرة في قول * خزيمة بن أوس الاشهلي قتل يوم الجسر * ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أرخ وفاته في هذه السنة ابن قانع * زيد بن سراقة يوم الجسر * سعد بن سلامة بن وقش الاشهلي * سعد بن عبادة في قول * سلمة ابن أسلم بن حريش يوم الجسر * ضمرة بن غزية يوم الجسر * عباد وعبد الله وعبد الرحمن بنو مريع بن قيظي قتلوا يومئذ * عبد الله بن صعصعة بن وهب الانصاري النجاري، شهد أحدا وما بعدها. قال ابن الاثير في الغابة: وقتل يوم الجسر * عتبة بن غزوان تقدم * عقبة وأخوه عبد الله حضرا الجسر مع أبيهما قيظي بن قيس وقتلا يومئذ * العلاء بن الحضرمي توفي في هذه السنة في قول وقيل بعدها وسيأتي * عمرو بن أبي اليسر قتل يوم الجسر * قيس بن السكن أبو زيد الانصاري رضي الله عنه تقدم * المثنى بن حارثة الشيباني، توفي في هذه السنة رحمه الله وقد تقدم * نافع بن غيلان قتل يومئذ * نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وكان أسن من عمه العباس، قيل إنه توفي في هذه السنة والمشهور قبلها كما تقدم * واقد بن عبد الله قتل يوم (2) * يزيد بن قيس بن الخطم الانصاري الظفري شهد أحدا وما بعدها، قتل يوم الجسر، وقد أصابه يوم أحد جراحات كثيرة وكان أبوه شاعرا مشهورا * أبو عبيد بن مسعود الثقفي أمير يوم الجسر وبه عرف لقتله عنده، تخبطه الفيل حتى قتله رضي الله عنه بعد ما قطع بسيفه خرطومه كما تقدم * أبو قحافة التيمي والد أبي بكر الصديق، توفي في هذه السنة رضي الله عنه. هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن أمية الاموية، والدة معاوية بن أبي سفيان، وكانت من سيدات نساء قريش ذات رأي ودهاء


(1) في الاستيعاب والاصابة: سبع وتسعين سنة. (2) بياض بالاصل، وفي الاستيعاب توفي في خلافة عمر بن الخطاب، وفي الاصابة: في أولها. (*)

[ 60 ]

ورياسة في قومها، وقد شهدت يوم أحد مع زوجها وكان لها تحريض على قتل المسلمين يومئذ، ولما قتل حمزة مثلت به وأخذت من كبده فلاكتها فلم تستطع إساغتها، لانه كان قد قتل أباها وأخاها يوم بدر، ثم بعد ذلك كله أسلمت وحسن إسلامها عام الفتح، بعد زوجها بليلة. ولما أرادت الذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبايعه استأذنت أبا سفيان فقال لها: قد كنت بالامس مكذبة بهذا الامر، فقالت والله ما رأيت الله عبد حق عبادته بهذا المسجد قبل هذه الليلة، والله لقد باتوا ليلهم كلهم يصلون فيه. فقال لها: إنك قد فعلت ما فعلتك فلا تذهبي وحدك. فذهبت إلى عثمان بن عفان ويقال إلى أخيها أبي حذيفة بن عتبة فذهب معها، فدخلت وهي متنقبة، فلما بايعها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غيرها من النساء قال * (على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين) * فقالت: أو تزني الحرة ؟ * (ولا تقتلن أولادكن) * قالت: قد ربيناهم صغارا وتقتلهم (1) كبارا ؟ ! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم * (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك) * فبادرت وقالت: في معروف. فقال: في معروف، وهذا من فصاحتها وحزمها، وقد قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والله يا محمد ما كان على ظهر الارض أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من أهل خبائك، فقد والله أصبح اليوم وما على ظهر الارض من أهل خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك. فقال: وكذلك والذي نفسي بيده. وشكت من شح أبي سفيان فأمرها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي بنيها بالمعروف، وقصتها مع الفاكه بن المغيرة مشهورة، وقد شهدت اليرموك مع زوجها وماتت يوم مات أبو قحافة في سنة أربع عشرة (2) وهي أم معاوية بن أبي سفيان. ثم دخلت سنة خمس عشرة قال ابن جرير: قال بعضهم فيها (3) مصر سعد بن أبي وقاص الكوفة دلهم عليها ابن بقيلة قال لسعد: أدلك على أرض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة ؟ فدلهم على موضع الكوفة اليوم، قال: وفيها كانت وقعة مرج الروم، وذلك لما انصرف أبو عبيدة وخالد من وقعة فحل قاصدين إلى حمص حسب ما أمر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما تقدم في رواية سيف بن عمر، فسارا حتى نزلا على ذي الكلاع، فبعث هرقل بطريقا يقال له توذرا في جيش معه فنزل بمرج دمشق وغربها، وقد هجم الشتاء فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم، وجاء أمير آخر من الروم


(1) في الاصابة: وقتلتهم. (2) جزم ابن سعد انها ماتت في خلافة عثمان، وفي الاصابة: عن صاحب الامثال انها بقيت إلى خلافة عثمان بل بعد ذلك. (3) قال الواقدي في سنة سبع عشرة. وقال أبو عبيدة: كان تكويف الكوفة سنة ثماني عشرة وفي الكوفة قال الاثرم: قيل التكوف الاجتماع، وقيل أيضا ان المواضع المستديرة من الرمل تسمى كوفاني، وبعضهم يسمي الارض التي فيها الحصباء مع الطين والرمل: كوفة. (*)

[ 61 ]

يقال له شنس وعسكر معه كثيف، فنازله أبو عبيدة فاشتغلوا به عن توذرا فسار توذرا نحو دمشق لينازلها وينتزعها من يزيد بن أبي سفيان، فاتبعه خالد بن الوليد وبرز إليه يزيد بن أبي سفيان من دمشق، فاقتتلوا وجاء خالد وهم في المعركة فجعل يقتلهم من ورائهم ويزيد يفصل فيهم من أمامهم، حتى أناموهم ولم يفلت منهم إلا الشارد، وقتل خالد توذرا وأخذوا من الروم أموالا عظيمة فاقتسماها ورجع يزيد إلى دمشق وانصرف خالد إلى أبي عبيدة فوجده قد واقع شنس بمرج الروم فقاتلهم فيه مقاتلة عظيمة حتى أنتنت الارض من زهمهم، وقتل أبو عبيدة شنس وركبوا أكتافهم إلى حمص فنزل عليها يحاصرها. وقعة حمص الاولى لما وصل أبو عبيدة في اتباعه الروم المنهزمين إلى حمص، نزل حولها يحاصرها، ولحقه خالد ابن الوليد فحاصروها حصارا شديدا، وذلك في زمن البرد الشديد، وصابر أهل البلد رجاء أن يصرفهم عنهم شدة البرد، وصبر الصحابة صبرا عظيما بحيث إنه ذكر غير واحد أن من الروم من كان يرجع، وقد سقطت رجله وهي في الخف، والصحابة ليس في أرجلهم شئ سوى النعال، ومع هذا لم يصب منهم قدم ولا أصبع أيضا، ولم يزالوا كذلك حتى انسلخ فصل الشتاء فاشتد الحصار (1)، وأشار بعض كبار أهل حمص عليهم بالمصالحة فأبوا عليه ذلك وقالوا: أنصالح والملك منا قريب ؟ فيقال إن الصحابة كبروا في بعض الايام تكبيرة ارتجت منها المدينة حتى تفطرت منها بعض الجدران، ثم تكبيرة أخرى فسقطت بعض الدور، فجاءت عامتهم إلى خاصتهم فقالوا: ألا تنظرون إلى ما نزل بنا، وما نحن فيه ؟ ألا تصالحون القوم عنا ؟ قال: فصالحوهم على ما صالحوا عليه أهل دمشق، على نصف المنازل، وضرب الخراج على الاراضي، وأخذ الجزية على الرقاب بحسب الغنى والفقر. وبعث أبو عبيدة بالاخماس والبشارة إلى عمر مع عبد الله بن مسعود. وأنزل أبو عبيدة بحمص جيشا كثيفا يكون بها مع جماعة من الامراء، منهم بلال والمقداد وكتب أبو عبيدة إلى عمر يخبره بأن هرقل قد قطع الماء إلى الجزيرة (2) وأنه يظهر تارة ويخفى أخرى. فبعث إليه عمر يأمره بالمقام ببلده.


(1) في فتوح البلدان أن أهل حمص قاتلوا ثم لجأوا إلى المدينة وطلبوا الامان والصلح، فتم على مئة ألف وسبعين ألف دينار 1 / 155. وقال الواقدي في فتوح الشام ان حمص جرى تسليمها إلى أبي عبيدة بعد قتال عنيف، وأصبحت المدينة تحت ذمامه وأمانه - يعني أبا عبيدة 1 / 144. وهذا ما ذهب إليه ابن الاعثم في الفتوح: اقتتلوا يوما قتالا شديدا ولما كان الغد سألوا أبا عبيدة الصلح 1 / 216. (2) لم يشر ابن الاعثم في كتاب أبي عبيدة إلى أمر هرقل، انظر نص الكتاب في الفتوح 1 / 216 والعبارة في الطبري: إلى الجزيرة وهو بالرهاء ينغمس حينا ويطلع أحيانا، فبعث إلى عمر: ان أقم في مدينتك وادع أهل القوة والجلد من عرب الشام فإني غير تارك البعثة إليك بمن يكانفك إن شاء الله. (*)

[ 62 ]

وقعة قنسرين لما فتح أبو عبيدة حمص بعث خالد بن الوليد إلى قنسرين، فلما جاءها ثار إليه أهلها ومن عندهم من نصارى العرب، فقاتلهم خالد فيها قتالا شديدا، وقتل منهم خلقا كثيرا، فأما من هناك من الروم فأبادهم وقتل أميرهم ميتاس (1). وأما الاعراب فإنهم اعتذروا إليه بأن هذا القتال لم يكن عن رأينا فقبل منهم خالد وكف عنهم ثم خلص إلى البلد فتحصنوا فيه، فقال لهم خالد إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لانزلكم إلينا. ولم يزل بهم حتى فتحها الله عليه. ولله الحمد. فلما بلغ عمر ما صنعه خالد في هذه الوقعة قال يرحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال مني، والله إني لم أعزله عن ريبة ولكن خشيت أن يوكل الناس إليه. وفي هذه السنة تقهقر هرقل بجنوده، وارتحل عن بلاد الشام إلى بلاد الروم. هكذا ذكره ابن جرير عن محمد بن إسحاق: قال وقال سيف: كان ذلك في سنة ست عشرة، قالوا: وكان هرقل كلما حج إلى بيت المقدس وخرج منها يقول عليك السلام يا سورية، تسليم مودع لم يقض منك وطرا وهو عائد. فلما عزم على الرحيل من الشام وبلغ الرها، طلب من أهلها أن يصحبوه إلى الروم، فقالوا: إن بقاءنا هاهنا أنفع لك من رحيلنا معك، فتركهم. فلما وصل إلى شمشان (2) وعلا على شرف هنالك التفت إلى نحو بيت المقدس وقال: عليك السلام يا سورية سلاما لا اجتماع بعده إلا أن أسلم عليك تسليم المفارق، ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا حتى يولد المولود المشؤم، ويا ليته لم يولد. ما أحلى فعله وأمر عاقبته على الروم ! ! ثم سار هرقل حتى نزل القسطنطينية واستقر بها ملكه، وقد سأل رجلا ممن اتبعه كان قد أسر مع المسلمين، فقال: أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال: أخبرك كأنك تنظر إليهم، هم فرسان بالنهار، رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقفون على من حاربوه حتى يأتوا عليه. فقال: لئن كنت صدقتني ليملكن (3) موضع قدمي هاتين. قلت وقد حاصر المسلمون قسطنطينية في زمان بني أمية فلم يملكوها ولكن سيملكها المسلمون في آخر الزمان كما سنبينه في كتاب الملاحم، وذلك قبل خروج الدجال بقليل على ما صحت به الاحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره من الائمة ولله الحمد والمنة. وقد حرم الله على الروم أن يملكوها بلاد الشام برمتها إلى آخر الدهر، كما ثبت به الحديث في الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك


(1) في الطبري: ميناس. (2) في الطبري: شمشاط. (3) في الطبري: ليرثن. (*)

[ 63 ]

قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل " وقد وقع ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه كما رأيت، وسيكون ما أخبر به جزما لا يعود ملك القياصرة إلى الشام أبدا لان قيصر علم جنس عند العرب يطلق على كل من ملك الشام مع بلاد الروم. فهذا لا يعود لهم أبدا. وقعة قيسارية قال ابن جرير: وفي هذه السنة أمر عمر معاوية بن أبي سفيان على قيسارية وكتب إليه: أما بعد فقد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير. فسار إليها فحاصرها (1)، وزاحفه أهلها مرات عديدة، وكان آخرها وقعة أن قاتلوا قتالا عظيما، وصمم عليهم معاوية، واجتهد في القتال حتى فتح الله عليه فما انفصل الحال حتى قتل منهم نحوا من ثمانين ألفا، وكمل المائة الالف من الذين انهزموا عن المعركة، وبعث بالفتح والاخماس إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه. قال ابن جرير: وفيها كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص بالمسير إلى إيليا، ومناجزة صاحبها فاجتاز في طريقه عند الرملة بطائفة من الروم فكانت. وقعة أجنادين وذلك أنه سار بجيشه وعلى ميمنته ابنه عبد الله بن عمرو، وعلى ميسرته جنادة بن تميم المالكي، من بني مالك بن كنانة، ومعه شرحبيل بن حسنة، واستخلف على الاردن أبا الاعور السلمي، فلما وصل إلى الرملة وجد عندها جمعا من الروم عليهم الارطبون، وكان أدهى الروم وأبعدها غورا، وأنكأها فعلا، وقد كان وضع بالرملة جندا عظيما وبايلياء جندا عظيما، فكتب عمرو إلى عمر بالخبر. فلما جاءه كتاب عمرو قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عما تنفرج. وبعث عمرو بن العاص علقمة بن حكيم الفراسي، ومسروق بن بلال العكي على قتال أهل إيليا. وأبا أيوب المالكي إلى الرملة، وعليها التذارق، فكانوا بإزائهم ليشغلوهم عن عمرو بن العاص وجيشه، وجعل عمرو كلما قدم عليه إمداد من جهة عمر يبعث منهم طائفة إلى هؤلاء وطائفة إلى هؤلاء. وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الارطبون على سقطة


(1) قال الواقدي: والذي اجتمع عليه العلماء ان أول الناس حاصرها عمرو بن العاص سنة ثلاث عشرة. ثم حاصرها معاوية ودام حصارها سبع سنين وكان فتحها في شوال سنة تسع عشرة. وانظر فتوح البلدان 2 / 169. (*)

[ 64 ]

ولا تشفيه الرسل فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حضرته (1) حتى عرف ما أراد، وقال الارطبون في نفسه: والله إن هذا لعمرو أو أنه الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لاطيب القوم بأمر هو أعظم من قتله. فدعا حرسيا فساره فأمره بفتكه فقال: اذهب فقم في مكان كذا وكذا، فإذا مر بك فاقتله، ففطن عمرو بن العاص فقال للارطبون: أيها الامير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر ابن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد أموره، وقد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك ويروا ما رأيت. فقال الارطبون: نعم ! فاذهب فأتني بهم، ودعا رجلا فساره فقال: اذهب إلى فلان فرده. وقام عمرو فذهب إلى جيشه ثم تحقق الارطبون أنه عمرو بن العاص، فقال: خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب (2). وبلغت عمر بن الخطاب فقال: لله در عمرو. ثم ناهضه عمرو فاقتتلوا بأجنادين قتالا عظيما، كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم ثم اجتمعت بقية الجيوش إلى عمرو بن العاص، وذلك حين أعياهم صاحب إيليا وتحصن منهم بالبلد، وكثر جيشه، فكتب الارطبون إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري أنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين فارجع ولا تغر فتلقى مثل ما لقي الذين قبلك من الهزيمة، فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية فبعثه إلى أرطبون وقال: اسمع ما يقول لك ثم ارجع فأخبرني. وكتب إليه معه: جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك، لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي وقد علمت أني صاحب فتح هذه البلاد، واقرأ كتابي هذا بمحضر من أصحابك ووزرائك. فلما وصله الكتاب جمع وزراءه وقرأ عليهم الكتاب فقالوا للارطبون: من أين علمت أنه ليس بصاحب فتح هذه البلاد ؟ فقال: صاحبها رجل اسمه على ثلاثة أحرف. فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره بما قال فكتب عمرو إلى عمر يستمده ويقول له: إني أعالج حربا كؤدا صدوما، وبلادا ادخرت لك، فرأيك. فلما وصل الكتاب إلى عمر علم أن عمرا لم يقل ذلك إلا لامر علمه، فعزم عمر على الدخول إلى الشام لفتح بيت المقدس كما سنذكر تفصيله. قال سيف بن عمر عن شيوخه: وقد دخل عمر الشام أربع مرات، الاولى كان راكبا فرسا حين فتح بيت المقدس، والثانية على بعير، والثالثة وصل إلى سرع ثم رجع لاجل ما وقع بالشام من الوباء. والرابعة دخلها على حمار هكذا نقله ابن جرير عنه. فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب ذكره أبو جعفر بن جرير في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر وملخص ما ذكره هو وغيره


(1) في الطبري: حصونه. (2) في الطبري: الخلق. (*)

[ 65 ]

أن أبا عبيدة لما فرغ من دمشق كتب (1) إلى أهل إيليا يدعوهم إلى الله وإلى الاسلام، أو يبذلون الجزية أو يؤذنوا بحرب. فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه. فركب إليهم في جنوده واستخلف على دمشق سعيد بن زيد ثم حاصر بيت المقدس وضيق عليهم (2) حتى أجابوا إلى الصلح بشرط أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فكتب إليه أبو عبيدة بذلك فاستشار عمر الناس في ذلك فأشار عثمان بن عفان بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم وأرغم لا نوفهم. وأشار علي بن أبي طالب بالمسير إليهم ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم، فهوى ما قال علي ولم يهو ما قال عثمان. وسار بالجيوش نحوهم واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب وسار العباس ابن عبد المطلب (3) على مقدمته، فلما وصل إلى الشام تلقاه أبو عبيدة ورؤس الامراء، كخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، فترجل أبو عبيدة وترجل عمر فأشار أبو عبيدة ليقبل يد عمر فهم عمر بتقبيل رجل أبي عبيده فكف أبو عبيدة فكف عمر. ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء. ويقال إنه لبى حين دخل بيت المقدس فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود، وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد فقرأ في الاولى بسورة ص وسجد فيها والمسلمون معه، وفي الثانية بسورة بني إسرائيل، ثم جاء إلى الصخرة فاستدل على مكانها من كعب الاحبار وأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه فقال ضاهيت اليهودية. ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس وهو العمري اليوم ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائه، ونقل المسلمون معه في ذلك، وسخر أهل الاردن في نقل بقيتها، وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لانها قبلة اليهود، حتى أن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصخرة، وذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة وهي المكان الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلاجل ذلك سمي ذلك الموضع القمامة وانسحب هذا الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى هنالك.


(1) ذكر الازدي في فتوح الشام 243 نص كتاب أبي عبيدة إلى أهل إيلياء وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم من أبي عبيدة بن الجراح إلى بطارقة أهل إيلياء وسكانها... فإنا ندعوكم إلى شهادة ان لا إله إلا الله... فإن أبيتم فأقروا لنا باعطاء الجزية.... وإن أبيتم سرت إليكم بقوم هم أشد حبا للموت منكم للحياة ولشرب الخمر وأكل الخنزير، ثم لا أرجع عنكم إن شاء الله حتى أقتل مقاتلتكم واسبي ذراريكم. (2) قال الازدي: فخرج أهل إيلياء فقاتلوا المسلمين ساعة، ثم انهزموا ثم قاتلوهم ثم انهزموا إلى داخل حصنهم. أما الواقدي فذكر في فتوح الشام: ولم يزل أبو عبيدة ينازل بيت المقدس أربعة أشهر كاملة وما من يوم إلا ويقاتلهم قتالا شديدا، (ثم طلبوا أن يبعث إلى عمر ليفتحوا له البلد) فأمر أبو عبيدة بالكف عنهم 1 / 218 - 219. (3) في الطبري فكالاصل، وفي فتوح الواقدي 1 / 220: سار معه الزبير وعبادة بن الصامت. (*)

[ 66 ]

وقد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبوي وهو بإيلياء وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود قال لهم: إنكم لخليق أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا ثم أمروا بإزالتها فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون فأزالها عمر بن الخطاب وقد استقصى هذا كله بأسانيده ومتونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر في كتابه المستقصى في فضائل المسجد الاقصى. وذكر سيف في سياقه: أن عمر رضي الله عنه ركب من المدينة على فرس ليسرع السير بعد ما استخلف عليها علي بن أبي طالب، فسار حتى قدم الجابية فنزل بها وخطب بالجابية خطبة طويلة بليغة منها: " أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم، واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي ولا بينه وبين الله هوادة، فمن أراد لحب (طريق) وجه الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد، ولا يخلون أحدكم بإمرأة فإن الشيطان ثالثهما (1)، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن (2) " وهي خطبة طويلة اختصرناها. ثم صالح عمر أهل الجابية ورحل إلى بيت المقدس وقد كتب إلى أمراء الاجناد أن يوافوه في اليوم الفلاني إلى الجابية فتوافوا أجمعون في ذلك اليوم إلى الجابية. فكان أول من تلقاه يزيد بن أبي سفيان، ثم أبو عبيدة، ثم خالد بن الوليد في خيول المسلمين وعليهم يلامق الديباج، فسار إليهم عمر ليحصبهم (3) فاعتذروا إليه بأن عليهم السلاح، وأنهم يحتاجون إليه في حروبهم. فسكت عنهم واجتمع الامراء كلهم بعد ما استخلفوا على أعمالهم، سوى عمرو بن العاص وشرحبيل فإنهما مواقفان الارطبون بأجنادين، فبينما عمر في الجابية إذا بكردوس من الروم بأيديهم سيوف مسللة، فسار إليهم المسلمون بالسلاح فقال عمر: إن هؤلاء قوم يستأمنون. فساروا نحوهم فإذا هم جند (4) من بيت المقدس يطلبون الامان والصلح من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه فأجابهم عمر رضي الله عنه إلى ما سألوا، وكتب لهم كتاب أمان ومصالحة، وضرب عليهم الجزية، واشترط عليهم شروطا ذكرها ابن جرير (5)، وشهد في الكتاب خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وهو كاتب الكتاب


(1) في فتوح الشام للواقدي: فإنهن من حبائل الشيطان. وعن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان. رواه الترمذي. (2) انظر الخطبة في فتوح الواقدي 1 / 222 - 223. (3) وقال لهم لما رأى ما عليهم من ثياب: ويحكم لا تعتزوا بغير ما أعزكم الله به فتذلوا. (4) وكان على جند إيلياء القادمين: ابن الجعيد قاله الازدي في فتوحه ص (254) وفي ابن الاعثم: أبو الجعيد وهو من المستعربة. (5) انظر صورتي عهد عمر لاهل بيت مقدس وأهل لد في الطبري 4 / 159. (*)

[ 67 ]

وذلك في سنة خمس عشرة (1). ثم كتب لاهل لد ومن هنالك من الناس كتابا آخر (2) وضرب عليهم الجزية، ودخلوا فيما صالح عليه أهل إيلياء، وفر الارطبون إلى بلاد مصر، فكان بها حتى فتحها عمرو بن العاص، ثم فر إلى البحر فكان يلي بعض السرايا الذين يقاتلون المسلمين فظفر به رجل من قيس فقطع يد القيسي وقتله القيسي وقال في ذلك: فإن يكن أرطبون الروم أفسدها * فإن فيها بحمد الله منتفعا وإن يكن أرطبون الروم قطعها * فقد تركت بها أوصاله قطعا ولما صالح أهل الرملة وتلك البلاد، أقبل عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حتى قدما الجابية فوجدا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب راكبا، فلما اقتربا منه أكبا على ركبتيه فقبلاها واعتنقهما عمر معا رضي الله عنهم * قال سيف ثم سار عمر إلى بيت المقدس من الجابية وقد توحى فرسه فأتوه ببرذون فركبه فجعل يهملج به فنزل عنه وضرب وجهه وقال لا علم الله من علمك، هذا من الخيلاء (3)، ثم لم يركب برذونا قبله ولا بعده، ففتحت إيلياء وأرضها على يديه ما خلا أجنادين فعلى يدي عمرو. وقيسارية فعلى يدي معاوية. هذا سياق سيف بن عمر وقد خالفه غيره من أئمة السير فذهبوا إلى أن فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة. قال محمد بن عائذ عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن حصن بن علان قال يزيد بن عبيدة: فتحت بيت المقدس سنة ست عشرة وفيها قدم عمر بن الخطاب الجابية. وقال أبو زرعة الدمشقي عن دحيم عن الوليد بن مسلم قال: ثم عاد في سنة سبع عشرة فرجع من سرع ثم قدم سنة ثماني عشرة فاجتمع إليه الامراء وسلموا إليه ما اجتمع عندهم من الاموال فقسمها وجند الاجناد ومصر الامصار ثم عاد إلى المدينة. وقال يعقوب بن سفيان: ثم كان فتح الجابية وبيت المقدس سنة ست عشرة. وقال أبو معشر: ثم كان عمواس والجابية في سنة ست عشرة. ثم كانت سرع في سبع عشرة، ثم كان عام الرمادة في سنة ثماني عشرة قال: وكان فيها طاعون عمواس (4) - يعني فتح البلدة المعروفة بعمواس - فأما الطاعون المنسوب إليها فكان في سنة ثماني عشرة كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. قال أبو مخنف: لما قدم عمر الشام فرأى غوطة دمشق ونظر إلى المدينة والقصور والبساتين تلا


(1) بالاصل: خمسة عشر. خطأ. (2) زاد الواقدي في فتوحه 1 / 224: واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر " ولقد كاد أن يهلكني برذونكم المهملج وثوبكم الابيض. (3) عمواس: كورة من فلسطين بالقرب من بيت المقدس، على أربعة أميال من الرملة على طريق القدس. والطاعون: بثور أو أورام تظهر في الجسم مع التهاب شديد ومؤذ جدا وهو مرض فتاك شديد العدوى. (*)

[ 68 ]

قوله تعالى * (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوما آخرين) * [ الدخان: 24 ] ثم أنشد قول النابغة: هما فتيا دهر يكر عليهما * نهار وليل يلحقان التواليا إذا ما هما مرا بحي بغبطة * أناخا بهم حتى يلاقوا الدواهيا وهذا يقتضي بادي الرأي أنه دخل دمشق وليس كذلك، فإنه لم ينقل أحد أنه دخلها في شئ من قدماته الثلاث إلى الشام، أما الاولى وهي هذه فإنه سار من الجابية إلى بيت المقدس، كما ذكر سيف وغيره والله أعلم. وقال الواقدي أما رواية غير أهل الشام فهي أن عمر دخل الشام مرتين ورجع الثالثة من سرع سنة سبع عشرة وهم يقولون دخل في الثالثة دمشق وحمص وأنكر الواقدي ذلك. قلت: ولا يعرف أنه دخل دمشق إلا في الجاهلية قبل إسلامه كما بسطنا ذلك في سيرته. وقد روينا أن عمر حين دخل بيت المقدس سأل كعب الاحبار عن مكان الصخرة فقال: يا أمير المؤمنين اذرع من وادي جهنم كذا وكذا ذراعا فهي ثم. فذرعوا فوجدوها وقد اتخذها النصارى مزبلة، كما فعلت اليهود بمكان القمامة، وهو المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي شبه بعيسى فاعتقدت النصارى واليهود أنه المسيح. وقد كذبوا في اعتقادهم هذا كما نص الله تعالى على خطئهم في ذلك. والمقصود أن النصارى لما حكموا على بيت المقدس قبل البعثة بنحو من ثلثمائة سنة، طهروا مكان القمامة واتخذوه كنيسة هائلة بنتها أم الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة إليه، واسم أمه هيلانة الحرانية البندقانية. وأمرت ابنها فبنى للنصارى بيت لحم على موضع الميلاد، وبنت هي على موضع القبر فيما يزعمون. والغرض أنهم اتخذوا مكان قبلة اليهود مزبلة أيضا، في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان وحديثه. فلما فتح عمر بيت المقدس وتحقق موضع الصخرة، أمر بإزالة ما عليها من الكناسة حتى قيل إنه كنسها بردائه، ثم استشار كعبا أين يضع المسجد ؟ فأشار عليه بأن يجعله وراء الصخرة، فضرب في صدره وقال: يا ابن أم كعب ضارعت اليهود: وأمر ببنائه في مقدم بيت المقدس. قال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب أن عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس، قال: قال ابن سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب: أين ترى أن أصلي ؟ قال إن أخذت عني صليت خلف الصخرة وكانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر ضاهيت اليهودية لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس. وهذا إسناد جيد اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه المستخرج، وقد تكلمنا على رجاله في كتابنا الذي أفردناه في مسند عمر، ما رواه من الاحاديث المرفوعة وما روي

[ 69 ]

عنه من الآثار الموقوفة مبوبا على أبواب الفقه ولله الحمد والمنة. وقد روى سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم قال: لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق، فقال السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء ؟ لاها لله لا ترجع حتى يفتح الله عليك إيلياء. وقد روى أحمد بن مروان الدينوري، عن محمد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن الهيثم بن عدي، عن أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن جده أسلم مولى عمر بن الخطاب أنه قدم دمشق في تجار من قريش، فلما خرجوا تخلف عمر لبعض حاجته، فبينما هو في البلد إذا البطريق يأخذ بعنقه، فذهب ينازعه فلم يقدر، فأدخله دارا فيها تراب وفأس ومجرفة وزنبيل، وقال له: حول هذا من ههنا إلى ههنا، وغلق عليه الباب وانصرف فلم يجئ إلى نصف النار. قال: وجلست مفكرا ولم أفعل مما قال لي شيئا. فلما جاء قال: مالك لم تفعل ؟ ولكمني في رأسي بيده قال: فأخذت الفأس فضربته بها فقتلته وخرجت على وجهي فجئت ديرا لراهب فجلست عنده من العشي، فأشرف علي فنزل وأدخلني الدير فأطعمني وسقاني، وأتحفني، وجعل يحقق النظر في، وسألني عن أمري فقلت: إني أضللت أصحابي. فقال: إنك لتنظر بعين خائف، وجعل يتوسمني ثم قال: لقد علم أهل دين النصرانية أني أعلمهم بكتابهم، وإني لاراك الذي تخرجنا من بلادنا هذه، فهل لك أن تكتب لي كتاب أمان على ديري هذا ؟ فقلت: يا هذا لقد ذهبت غير مذهب. فلم يزل بي حتى كتبت له صحيفة بما طلب مني، فلما كان وقت الانصراف أعطاني أتانا فقال لي اركبها، فإذا وصلت إلى أصحابك فابعث إلي بها وحدها فإنها لا تمر بدير إلا أكرموها. ففعلت ما أمرني به، فلما قدم عمر لفتح بيت المقدس أتاه ذلك الراهب وهو بالجابية بتلك الصحيفة فأمضاها له عمر واشترط عليه ضيافة من يمر به من المسلمين، وأن يرشدهم إلى الطريق. رواه ابن عساكر وغيره. وقد ساقه ابن عساكر من طريق أخرى في ترجمة يحيى بن عبيد الله بن أسامة القرشي البلقاوي عن زيد بن أسلم، عن أبيه فذكر حديثا طويلا عجيبا هذا بعضه. وقد ذكرنا الشروط العمرية على نصارى الشام مطولا في كتابنا الاحكام، وأفردنا له مصنفا على حدة ولله الحمد والمنة. وقد ذكرنا خطبته في الجابية بألفاظها وأسانيدها في الكتاب الذي أفردناه لمسند عمر، وذكرنا تواضعه في دخوله الشام في السيرة التي أفردناها له. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني الربيع بن ثعلب، نا أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله ابن مسلم بن هرمز المكي، عن أبي الغالية الشامي قال: قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصطفق رجلاه بين شعبتي الرحل بلا ركاب، وطاؤه كساء انبجاني ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفا، هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل وعليه قميص من كرابيس قد رستم وتخرق جنبه. فقال: ادعوا لي رأس القوم، فدعوا له الجلومس، فقال: اغسلوا قميصي

[ 70 ]

وخيطوه وأعيروني ثوبا أو قميصا. فأتي بقميص كتان فقال: ما هذا ؟ قالوا: كتان. قال: وما الكتان ؟ فأخبروه فنزع قميصه فغسل ورقع وأتي به فنزع قميصهم ولبس قميصه. فقال له الجلومس: أنت ملك العرب وهذه بلاد لا تصلح بها الابل، فلو لبست شيئا غير هذا وركبت برذونا لكان ذلك أعظم في أعين الروم. فقال: نحن قوم أعزنا الله بالاسلام فلا نطلب بغير الله بديلا. فأتي ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل فركبه بها فقال: احبسوا احبسوا، ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا فأتي بجمله فركبه. وقال إسماعيل بن محمد الصفار: حدثنا سعد أن بن نصر، حدثنا سفيان، عن أيوب الطائي، عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع موقيه فأمسكهما بيد، وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الارض، صنعت كذا وكذا، قال: فصك في صدره وقال: أولو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزكم الله بالاسلام فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله. [ أيام برس وبابل وكوثى ] قال ابن جرير: وفي هذه السنة - أعني سنة خمس عشرة - كانت بين المسلمين وفارس وقعات في قول سيف بن عمر. وقال ابن إسحاق والواقدي: إنما كان ذلك في سنة ست عشرة، ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بينهم، وذلك حين بعث عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص يأمره بالمسير إلى المدائن، وأن يخلف النساء والعيال بالعقيق (1) في خيل كثيرة كثيفة، فلما تفرغ سعد من القادسية بعث على المقدمة زهرة بن حوية، ثم أتبعه بالامراء واحدا بعد واحد، ثم سار في الجيوش وقد جعل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص على خلافته مكان خالد بن عرفطة، وجعل خالدا هذا على الساقة، فساروا في خيول عظيمة، وسلاح كثير، وذلك لايام بقين من شوال من هذه السنة، فنزلوا الكوفة وارتحل زهرة بين أيديهم نحو المدائن (2)، فلقيه بها يصبهرى في جيش من فارس فهزمهم زهرة وذهبت الفرس في هزيمتهم إلى بابل وبها جمع كثير ممن انهزم يوم القادسية قد جعلوا عليهم الفيرزان، فبعث زهرة إلى سعد فأعلمه باجتماع المنهزمين ببابل، فسار سعد بالجيوش إلى بابل، فتقابل هو والفيرزان عند بابل فهزمهم كأسرع من لفة الرداء، وانهزموا بين يديه فرقتين ففرقة ذهبت إلى المدائن، وأخرى سارت إلى نهاوند (3)، وأقام سعد ببابل أياما ثم سار


(1) كذا بالاصل وفي الطبري والكامل: العتيق وفي فتوح الواقدي 2 / 194: الحيرة. (2) في الطبري والكامل: برس. وفي الواقدي: بالس. وبرس موضع بأرض بابل به آثار لبخت نصر وثل مفرط العلويسمى صرح البرس. (3) في الكامل والطبري: ثلاث فرق، والثالثة عليها الهرمزان سار إلى الاهواز. (*)

[ 71 ]

منها نحو المدائن فلقوا جمعا آخر من الفرس فاقتتلوا قتالا شديدا وبارزوا أمير الفرس، وهو شهريار، فبرز إليه رجل من المسلمين يقال له نائل الاعرجي أبو نباتة من شجعان بني تميم، فتجاولا ساعة بالرماح، ثم ألقياها فانتضيا سيفيهما وتصاولا بهما، ثم تعانقا وسقطا عن فرسيهما إلى الارض، فوقع شهريار على صدر أبي نباتة، وأخرج خنجرا ليذبحه بها، فوقعت أصبعه في فم أبي نباتة فقضمها حتى شغله عن نفسه، وأخذ الخنجر فذبح شهريار بها وأخذ فرسه وسواريه وسلبه، وانكشف أصحابه فهزموا، فأقسم سعد على نائل ليلبس سواري شهريار وسلاحه، وليركبن فرسه إذا كان حرب فكان يفعل ذلك. قالوا: وكان أول من تسور بالعراق، وذلك بمكان يقال له كوثى (1). وزار المكان الذي حبس فيه الخليل وصلى عليه وعلى سائر الانبياء، وقرأ * (وتلك الايام نداولها بين الناس) * الآية [ آل عمران: 140 ]. وقعة نهر شير (2) قالوا: ثم قدم سعد زهرة بين يديه من كوثى إلى نهرشير فمضى إلى المقدمة وقد تلقاه شيرزاذ (3) إلى ساباط بالصلح والجزية فبعثه إلى سعد فأمضاه، ووصل سعد بالجنود إلى مكان يقال له مظلم ساباط، فوجدوا هنالك كتائب كثيرة لكسرى يسمونها بوران، وهم يقسمون كل يوم لا يزول ملك فارس ما عشنا، ومعهم أسد كبير لكسرى يقال له المقرط، قد أرصدوه في طريق المسلمين فتقدم إليه ابن أخي سعد، وهو هاشم بن عتبة، فقتل الاسد والناس ينظرون وسمى يومئذ سيفه المتين (4) وقبل سعد يومئذ رأس هاشم، وقبل هاشم قدم سعد (5). وحمل هاشم على الفرس فأزالهم عن أماكنهم وهزمهم وهو يتلو قوله تعالى * (أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال) * فلما كان الليل ارتحل المسلمون ونزلوا نهر شير فجعلوا كلما وقفوا كبروا وكذلك حتى كان آخرهم مع سعد فأقاموا بها شهرين ودخلوا في الثالث وفرغت السنة. قال ابن جرير: وفيها حج بالناس عمر وكان عامله فيها على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى الكوفة والعراق سعد، وعلى الطائف يعلى بن أمية (6) وعلى البحرين


(1) في فتوح الواقدي: كوثاريا. وكوثى موضع بالعراق في أرض بابل، وكوثى العراق كوثيان: أحدهما كوثى الطريق والآخر كوثى ربى وبها مشهد الخليل عليه السلام وبها مولده وبها طرح ابراهيم في النار. (2) كذا بالاصل وفي الطبري والكامل والبلاذري: بهرسير. وفي فتوح الواقدي: نهمشير. (3) في الواقدي: سرزاد. (4) في الطبري: المنن. (5) كذا في الطبري والكامل: أما الواقدي فقال في فتوح العراق 2 / 198: ان هاشم بن المرقال قتل سرزاد وذكر بقية القصة كالاصل. (6) في الطبري: منية. (*)

[ 72 ]

واليمامة عثمان بن أبي العاص، وعلى عمان حذيفة بن محصن. قلت: وكانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة في رجب منها عند الليث بن سعد وابن لهيعة وأبي معشر والوليد بن مسلم ويزيد بن عبيدة وخليفة بن خياط وابن الكلبي ومحمد بن عائذ وابن عساكر وشيخنا أبي عبد الله الذهبي الحافظ. وأما سيف بن عمر وأبو جعفر بن جرير فذكروا وقعة اليرموك في سنة ثلاث عشرة. وقد قدمنا ذكرها هنالك تبعا لابن جرير، وهكذا وقعة القادسية عند بعض الحفاظ أنها كانت في أواخر هذه السنة - سنة خمس عشرة - وتبعهم في ذلك شيخنا الحافظ الذهبي. والمشهور أنها كانت في سنة أربع عشرة كما تقدم ثم ذكر شيخنا الذهبي. من توفي في هذه السنة مرتبين على الحروف سعد بن عبادة الانصاري الخزرجي، وهو أحد أقوال المؤرخين. وقد تقدم * سعد بن عبيد ابن النعمان أبو زيد الانصاري الاوسي، قتل بالقادسية، ويقال إنه أبو زيد القاري أحد الاربعا الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنكر آخرون ذلك، ويقال إنه والد عمير بن سعد الزاهد أمير حمص. وذكر محمد بن سعد وفاته بالقادسية وقال: كانت في سنة ست عشرة والله أعلم * سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن حسل بن عامر بن لؤي أبو يزيد العامري أحد خطباء قريش وأشرافهم، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه وكان سمحا جوادا فصيحا كثير الصلاة والصوم والصدقة وقراءة القرآن والبكاء. ويقال إنه قام وصام حتى شحب لونه. وله سعي مشكور في صلح الحديبية. ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس بمكة خطبة عظيمة تثبت الناس على الاسلام، وكانت خطبته بمكة قريبا من خطبة الصديق بالمدينة، ثم خرج في جماعة إلى الشام مجاهدا فحضر اليرموك وكان أميرا على بعض الكراديس، ويقال إنه استشهد يومئذ. وقال الواقدي والشافعي. توفي بطاعون عمواس * عامر بن مالك بن أهيب الزهري أخي سعد بن أبي وقاص، هاجر إلى الحبشة، وهو الذي قدم بكتاب عمر إلى أبي عبيدة بولايته على الشام وعزل خالد عنها، استشهد يوم اليرموك * عبد الله بن سفيان بن عبد الاسد المخزومي، صحابي هاجر إلى الحبشة مع عمه أبي سلمة بن عبد الاسد. روى عنه عمرو بن دينار منقطعا لانه قتل يوم اليرموك * عبد الرحمن بن العوام، أخو الزبير بن العوام، حضر بدرا مشركا ثم أسلم واستشهد يوم اليرموك في قول * عتبة بن غزوان، توفي فيها في قول * عكرمة بن أبي جهل استشهد باليرموك في قول * عمرو بن أم مكتوم استشهد يوم القادسية وقد تقدم، ويقال بل رجع إلى المدينة * عمرو بن الطفيل بن عمرو تقدم * عامر بن أبي ربيعة تقدم * فراس بن النضر بن الحارث يقال استشهد يوم اليرموك * قيس بن عدي بن سعد بن سهم من مهاجرة الحبشة قتل باليرموك * قيس بن أبي صعصعة * عمرو بن زيد بن عوف الانصاري المازني شهد العقبة وبدرا، وكان أحد أمراء الكراديس يوم اليرموك، وقتل يومئذ، وله حديث قال: قلت يا رسول الله في كم

[ 73 ]

أقرأ القرآن ؟ قال: " في خمس عشرة " الحديث، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: ففيه دليل على أنه ممن جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم * نصير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، أسلم عام الفتح، وكان من علماء قريش، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه سلم يوم حنين مائة من الابل، فتوقف في أخذها وقال: لا أرتشي على الاسلام، ثم قال: والله ما طلبتها ولا سألتها، وهي عطية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها وحسن إسلامه، واستشهد يوم اليرموك * نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أسن من أسلم من بني عبد المطلب، وكان ممن أسر يوم بدر ففاداه العباس، ويقال إنه هاجر أيام الخندق وشهد الحديبية والفتح، وأعان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، وثبت يومئذ وتوفي سنة خمس عشرة، وقيل سنة عشرين والله أعلم، توفي بالمدينة وصلى عليه عمر ومشى في جنازته ودفن بالبقيع وخلف عدة أولاد فضلاء وأكابر * هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص تقدم وقال ابن سعد: قتل يوم اليرموك. ثم دخلت سنة ست عشرة استهلت هذه السنة وسعد بن أبي وقاص منازل مدينة نهرشير، وهي إحدى مدينتي كسرى مما يلي دجلة من الغرب، وكان قدوم سعد إليها في ذي الحجة من سنة خمس عشرة، واستهلت هذه السنة وهو نازل عندها. وقد بعث السرايا والخيول في كل وجه، فلم يجدوا واحدا من الجند، بل جمعوا من الفلاحين مائة ألف فحبسوا حتى كتب إلى عمر ما يفعل بهم، فكتب إليه عمر: إن من كان من الفلاحين لم يعن عليكم وهو مقيم ببلده فهو أمانه، ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به. فأطلقهم سعد بعد ما دعاهم إلى الاسلام فأبوا إلا الجزية. ولم يبق من غربي دجلة إلى أرض العرب أحد من الفلاحين إلا تحت الجزية والخراج، وامتنعت نهرشير من سعد أشد الامتناع، وقد بعث إليهم سعد سلمان الفارسي فدعاهم إلى الله عز وجل أو الجزية أو المقاتلة، فأبوا إلا المقاتلة والعصيان، ونصبوا المجانيق والدبابات، وأمر سعد بعمل المجانيق فعملت عشرون منجنيقا، ونصبت على نهرشير، واشتد الحصار وكان أهل نهرشير يخرجون فيقاتلون قتالا شديدا ويحلفون أن لا يفروا أبدا، فأكذبهم الله وهزمهم زهرة بن حوية بعد ما أصابه سهم وقتل بعد مصابه كثيرا من الفرس وفروا بين يديه ولجأوا إلى بلدهم، فكانوا يحاصرون فيه أشد الحصار، وقد انحصر أهل البلد حتى أكلوا الكلاب والسنانير وقد أشرف رجل منهم على المسلمين فقال: يقول لكم الملك: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة إلى جبلنا، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم ؟ أما شبعتم ؟ لا أشبع الله بطونكم. قال: فبدر الناس رجل يقال له أبو مقرن (1) الاسود بن قطبة فأنطقه الله بكلام لم يدر ما قال لهم، قال: فرجع الرجل ورأيناهم


(1) في الطبري أبو مفزر، وفي فتوح العراق للواقدي: أبو مرة الاسود بن قطينة. (*)

[ 74 ]

يقطعون من نهرشير إلى المدائن. فقال الناس لابي مقرن: ما قلت لهم: فقال: والذي بعث محمدا بالحق ما أدري ما قلت لهم إلا أن علي سكينة وأنا أرجو أن أكون قد أنطقت بالذي هو خير، وجعل الناس ينتابونه يسألونه عن ذلك، وكان فيمن سأله سعد بن أبي وقاص، وجاءه سعد إلى منزله فقال: يا أبا مقرن ما قلت: فوالله إنهم هراب. فحلف له أنه لا يدري ما قال. فنادى سعد في الناس ونهد بهم إلى البلد والمجانيق تضرب في البلد، فنادى رجل من البلد بالامان فأمناه، فقال والله ما بالبلد أحد، فتسور الناس السور فما وجدنا فيها أحدا ألا قد هربوا إلى المدائن. وذلك في شهر صفر من هذه السنة فسألنا ذلك الرجل وأناسا من الاسارى فيها لاي شئ هربوا ؟ قالوا بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح فأجابه ذلك الرجل بأنه لا يكون بينكم وبينه صلح أبدا حتى نأكل عسل افريذين بأترج كوثى (1). فقال الملك: يا ويلاه إن الملائكة لتتكلم على ألسنتهم، ترد علينا وتجيبنا عن العرب. ثم أمر الناس بالرحيل من هناك إلى المدائن فجازوا في السفن منها إليها وبينهما دجلة، وهي قريبة منها جدا، ولما دخل المسلمون نهرشير لاح لهم القصر الابيض من المدائن وهو قصر الملك الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيفتحه الله على أمته، وذلك قريب الصباح، فكان أول من رآه من المسلمين ضرار بن الخطاب، فقال: الله أكبر أبيض كسرى، هذا ما وعدنا الله ورسوله. ونظر الناس إليه فتتابعوا التكبير إلى الصبح. ذكر فتح المدائن لما فتح سعد نهرشير واستقر بها، وذلك في صفر (2) لم يجد فيها أحدا ولا شيئا مما يغنم، بل قد تحولوا بكمالهم إلى المدائن وركبوا السفن وضموا السفن إليهم، ولم يجد سعد رضي الله عنه شيئا من السفن وتعذر عليه تحصيل شئ منها بالكلية، وقد زادت دجلة زيادة عظيمة واسود ماؤها، ورمت بالزبد من كثرة الماء بها، وأخبر سعد بأن كسرى يزدجرد عازم على أخذ الاموال والامتعة من المدائن إلى حلوان، وأنك إن لم تدركه قبل ثلاث فات عليك وتفارط الامر. فخطب سعد المسلمين على شاطئ دجلة، فحمد الله وأثنى عليه وقال إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاؤا فينا وشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شئ تخافون أن تؤتوا منه، وقد رأيت أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم (3) الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم. فقالوا جميعا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل. فعند ذلك ندب سعد الناس إلى العبور ويقول: من يبدأ فيحمي لنا الفراض - يعني ثغرة


(1) في فتوح الواقدي: أفريزونا نوح. (2) في نسخ البداية المطبوعة: صفة وهو تحريف. (3) في الكامل لابن الاثير: تحصدكم. (*)

[ 75 ]

المخاضة من الناحية الاخرى - ليجوز الناس إليهم آمنين، فانتدب عاصم بن عمرو وذو البأس من الناس قريب من ستمائة، فأمر سعد عليهم عاصم بن عمرو فوقفوا على حافة دجلة فقال عاصم: من ينتدب معي لنكون قبل الناس دخولا في هذا البحر فنحمي الفراض من الجانب الآخر ؟ فانتدب له ستون من الشجعان المذكورين - والاعاجم وقوف صفوفا من الجانب الآخر - فتقدم رجل من المسلمين وقد أحجم الناس عن الخوض في دجلة، فقال: أتخافون من هذه النطفة ؟ ثم تلا قوله تعالى * (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) * [ آل عمران: 145 ] ثم أقحم فرسه فيها واقتحم الناس، وقد افترق الستون فرقتين أصحاب الخيل الذكور، وأصحاب الخيل الاناث. فلما رآهم الفرس يطفون على وجه الماء قالوا: ديوانا ديوانا. يقولون مجانين مجانين. ثم قالوا: والله ما تقاتلون إنسا بل تقاتلون جنا. ثم أرسلوا فرسانا منهم في الماء يلتقون أول المسلمين ليمنعوهم من الخروج من الماء، فأمر عاصم بن عمرو أصحابه أن يشرعوا لهم الرياح ويتوخوا الاعين، ففعلوا ذلك بالفرس فقلعوا عيون خيولهم، فرجعوا أمام المسلمين لا يملكون كف خيولهم حتى خرجوا من الماء، واتبعهم عاصم وأصحابه فساقوا وراءهم حتى طردوهم عن الجانب الآخر، ووقفوا على حافة الدجلة من الجانب الآخر ونزل بقية أصحاب عاصم من الستمائة في دجلة فخاضوها حتى وصلوا إلى أصحابهم من الجانب الآخر فقاتلوا مع أصحابهم حتى نفوا الفرس عن ذلك الجانب وكانوا يسمون الكتيبة الاولى كتيبة الاهوال، وأميرها عاصم بن عمرو، والكتيبة الثانية الكتيبة الخرساء وأميرها القعقاع بن عمرو. وهذا كله وسعد والمسلمون ينظرون إلى ما يصنع هؤلاء الفرسان بالفرس، وسعد واقف على شاطئ دجلة. ثم نزل سعد ببقية الجيش، وذلك حين نظروا إلى الجانب الآخر قد تحصن بمن حصل فيه من الفرسان المسلمين، وقد أمر سعد المسلمين عند دخول الماء أن يقولوا: نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم اقتحم بفرسه دجلة واقتحم الناس لم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الارض حتى ملؤا ما بين الجانبين، فلا يرى وجه الماء من الفرسان والرجالة، وجعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الارض، وذلك لما حصل لهم من الطمأنينة والامن، والوثوق بأمر الله ووعده ونصره وتأييده، ولان أميرهم سعد ابن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض، ودعا له. فقال " اللهم أجب دعوته، وسدد رميته " والمقطوع به أن سعدا دعا لجيشه هذا في هذا اليوم بالسلامة والنصر، وقد رمى بهم في هذا اليم فسددهم الله وسلمهم، فلم يفقد من المسلمين رجل واحد غير أن رجلا واحدا يقال له غرقدة البارقي، زل (1) عن فرس له شقراء، فأخذ القعقاع بن عمرو بلجاماه، وأخذ بيد الرجل حتى عدله على فرسه، وكان من الشجعان، فقال: عجز النساء أن يلدن مثل القعقاع بن عمرو. ولم يعدم للمسلمين شئ من أمتعتهم غير قدح من خشب


(1) في الطبري: زال. (*)

[ 76 ]

لرجل يقال له مالك بن عامر، كانت علاقته رثة فأخذه الموج، فدعا صاحبه الله عز وجل، وقال: اللهم لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي. فرده الموج إلى الجانب الذي يقصدونه فأخذه الناس ثم ردوه على صاحبه بعينه. وكان الفرس إذا أعيا وهو في الماء يقيض الله له مثل النشز المرتفع فيقف عليه فيستريح، وحتى أن بعض الخيل ليسير وما يصل الماء إلى حزامها، وكان يوما عظيما وأمرا هائلا، وخطبا جليلا، وخارقا باهرا، ومعجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خلقها الله لاصحابه لم ير مثلها في تلك البلاد، ولا في بقعة من البقاع، سوى قضية العلاء بن الحضرمي المتقدمة، بل هذا أجل وأعظم، فإن هذا الجيش كان أضعاف ذلك. قالوا: وكان الذي يساير سعد بن أبي وقاص في الماء سلمان الفارسي، فجعل سعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. والله لينصرن الله وليه ويظهرن الله دينه، وليهزمن الله عدوه، إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات. فقال له سلمان: إن الاسلام جديد. ذللت لهم والله البحور، كما ذلل لهم البر، أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا أفواجا. فخرجوا منه كما قال سلمان لم يغرق منهم أحدا، ولم يفقدوا شيئا (1). ولما استقل المسلمون على وجه الارض خرجت الخيول تنفض أعرافها صاهلة، فساقوا وراء الاعاجم حتى دخلوا المدائن، فلم يجدوا بها أحدا، بل قد أخذ كسرى (2) أهله وما قدروا عليه من الاموال والامتعة والحواصل وتركوا ما عجزوا عنه من الانعام والثياب والمتاع، والآنية والالطاف والادهان ما لا يدري قيمته. وكان في خزانة كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار ثلاث مرات فأخذوا من ذلك ما قدروا عليه وتركوا ما عجزوا عنه وهو مقدار النصف من ذلك أو ما يقاربه. فكان أول من دخل المدائن كتيبة الاهوال ثم الكتيبة الخرساء، فأخذوا في سككها لا يلقون أحدا ولا يخشونه (3) غير القصر الابيض ففيه مقاتلة وهو محصن. فلما جاء سعد بالجيش دعا أهل القصر الابيض ثلاثة أيام على لسان سلمان الفارسي، فلما كان اليوم الثالث نزلوا منه وسكنه سعد واتخذ الايوان مصلى، وحين دخله تلا قوله تعالى * (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين) * [ الدخان: 25 ] ثم تقدم إلى صدره فصلى ثمان ركعات صلاة الفتح، وذكر سيف في روايته أنه صلاها بتسليمة واحدة وأنه جمع بالايوان في صفر من هذه السنة فكانت أول جمعة جمعت بالعراق، وذلك لان سعدا نوى الاقامة بها، وبعث إلى العيالات فأنزلهم دور المدائن


(1) سموا يوم عبورهم الدجلة بيوم الجراثيم، لانه لم يكن أحد يعبر إلا ظهرت له جرثومة يسير معها وهي من القش المربوطة حزما. (2) في الطبري والكامل: يزدجرد. (3) في الكامل: أحدا يخشونه، وفي الطبري أحدا ولا يحسونه. (*)

[ 77 ]

واستو طنوها، حتى فتحوا جلولاء وتكريت والموصل، ثم تحولوا إلى الكوفة بعد ذلك كما سنذكره. ثم أرسل السرايا في إثر كسرى يزدجرد فلحق بهم طائفة فقتلوهم وشردوهم واستلبوا منهم أموالا عظيمة. وأكثر ما استرجعوا من ملابس كسرى وتاجه وحليه. وشرع سعد في تحصيل ما هنالك من الاموال والحواصل والتحف، مما لا يقوم ولا يحد ولا يوصف كثرة وعظمة. وقد روينا أنه كان هناك تماثيل من جص فنظر سعد إلى أحدها وإذا هو يشير بأصبعه إلى مكان، فقال سعد: إن هذا لم يوضع هكذا سدى، فأخذوا ما يسامت أصبعه فوجدوا قبالتها كنزا عظيما من كنوز الاكاسرة الاوائل، فأخرجوا منه أموالا عظيمة جزيلة، وحواصل باهرج، وتحفا فاخرة. واستحوذ المسلمون على ما هنالك أجمع مما لم يرد أحد في الدنيا أعجب منه. وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو مكان بالجواهر النفيسة التي تحير الابصار، ومنطقته كذلك وسيفه وسواره وقباؤه وبساط إيوانه، وكان مربعا ستون ذراعا في مثلها، من كل جانب، والبساط (1) مثله سواء، وهو مسنوج بالذهب واللآلئ والجواهر الثمينة، وفيه مصور جميع ممالك كسرى، بلاده بأنهارها وقلاعها، وأقاليمها، وكنوزها، وصفة الزروع والاشجار التي في بلاده. فكان إذا جلس على كرسي مملكته ودخل تحت تاجه، وتاجه معلق بسلاسل الذهب، لانه كان لا يستطيع أن يقله على رأسه لثقله، بل كان يجئ فيجلس تحته ثم يدخل رأسه تحت التاج والسلاسل الذهب تحمله عنه، وهو يستره حال لبسه فتذا رفع الحجاب عنه خرت له الامراء سجودا. وعليه المنطقة والسواران والسيف والقباء المرصع بالجواهر فينظر في البلدان واحدة واحدة، فيسأل عنها ومن فيها من النواب، وهل حدث فيها شئ من الاحداث ؟ فيخبره بذلك ولاة الامور بين يديه. ثم ينتقل إلى الاخرى، وهكذا حتى يسأل عن أحوال بلاده في كل وقت لا يهمل أمر المملكة، وقد وضعوا هذا البساط بين يديه تذكارا له بشأن الممالك، وهو إصلاح جيد منهم في أمر السياسة. فلما جاء قدر الله زالت تلك الايدي عن تلك الممالك والاراضي وتسلمها المسلمون من أيديهم قسرا، وكسروا شوكتهم عنها وأخذوها بأمر الله صافية ضافية، ولله الحمد والمنة. وقد جعل سعد بن أبي وقاص على الاقباض عمرو بن عمرو بن مقرن فكان أول ما حصل ما كان في القصر الابيض ومنازل كسرى، وسائر دور المدائن، وما كان بالايوان مما ذكرنا، وما يفد من السرايا الذين في صحبة زهرة بن حوية، وكان فيما رد زهرة بغل كان قد أدركه وغصبه من الفرس وكانت تحوطه بالسيوف فاستنقذه منهم وقال إن لهذا لشأنا فرده إلى الاقباض وإذا عليه سفطان فيهما ثياب كسرى وحليه. ولبسه الذي كان يلبسه على السرير كما ذكرنا، وبغل آخر عليه تاجه الذي ذكرنا في سفطين أيضا ردا من الطريق مما استلبه أصحاب السرايا، وكان فيما ردت السرايا أموال عظيمة وفيها أكثر إناث كسرى وأمتعته والاشياء النفيسة التي استصحبوها معهم، فلحقهم المسلمون فاستلبوها منهم. ولم تقدر الفرس على حمل البساط لثقله عليهم، ولا حمل الاموال لكثرتها. فإنه كان المسلمون يجيئون بعض تلك الدور فيجدون البيت


(1) وكان العرب يسمون البساط: القطف. (*)

[ 78 ]

ملآنا إلى أعلاه من أواني الذهب والفضة، ويجدون من الكافور شيئا كثيرا، فيحسبونه ملحا، وربما استعمله بعضهم في العجين فوجدوه مرا حتى تبينوا أمره فتحصل الفئ على أمر عظيم من الاموال، وشرع سعد فخمسه وأمر سلمان الفارسي (1) فقسم الاربعة الاخماس بين الغانمين، فحصل لكل واحد من الفرسان أثني عشر ألفا، وكانوا كلهم فرسانا، ومع بعضهم جنائب، واستوهب سعد أربعة أخماس البساط ولبس كسرى من المسلمين، ليبعثه إلى عمر والمسلمين بالمدينة لينظروا إليه ويتعجبوا منه، فطيبوا له ذلك وأذنوا فيه، فبعثه سعد إلى عمر مع الخمس مع بشير بن الخصاصية، وكان الذي بشر بالفتح قبله حليس بن فلان الاسدي، فروينا أن عمر لما نظر إلى ذلك قال إن قوما أدوا هذا لامناء (2)، فقال له علي بن أبي طالب: إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعت. ثم قسم عمر ذلك في المسلمين فأصاب عليا قطعة من البساط فباعها بعشرين ألفا. وقد ذكر سيف بن عمر أن عمر بن الخطاب ألبس ثياب كسرى لخشبة ونصبها أمامه ليرى الناس ما في هذه الزينة من العجب، وما عليها من زهرة الحياة الدنيا الفانية. وقد روينا أن عمر ألبس ثياب كسرى لسراقة بن مالك بن جعشم أمير بني مدلج رضي الله عنه. قال الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة: أخبرنا عبد الله بن يوسف الاصبهاني، ثنا أبو سعيد بن الاعرابي. قال وجدت في كتابي بخط يدي عن أبي داود حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حماد، ثنا يونس، عن الحسن: أن عمر بن الخطاب أتي بفروة كسرى فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك بن جعشم، قال قألقى إليه سواري كسرى بن هرمز فجعلهما في يده فبلغا منكبيه فلما رآهما في يدي سراقة قال الحمد لله سواري كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج. وذكر الحديث. هكذا ساقه البيهقي. ثم حكى عن الشافعي أنه قال: وإنما ألبسهما سراقة لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه " كأني بك وقد ألبست سواري كسرى " قال الشافعي: وقد قال عمر لسراقة حين ألبسه سواري كسرى: قل الله أكبر. فقال الله أكبر. ثم قال: قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مدلج (3). وقال الهيثم بن عدي: أخبرنا أسامة بن زيد الليثي، ثنا القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر بقباء كسرى وسيفه ومنطقته وسواريه وسراويله وقميصه وتاجه وخفيه، قال فنظر عمر في وجوه القوم. وكان أجسمهم وأبدنهم قامة سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا سراق قم فالبس، قال سراقة فطمعت فيه فقمت فلبست فقال


(1) في الطبري: سلمان بن ربيعة وفي الكامل الباهلي. (2) في الكامل: لذوو أمانة. (3) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 329 - 330. (*)

[ 79 ]

أدبر فأدبرت، ثم قال أقبل فأقبلت، ثم قال بخ بخ، أعيرابي من بني مدلج عليه قباء كسرى وسراويله وسيفه ومنطقته وتاجه وخفاه. رب يوم يا سراق بن مالك، لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى وآل كسرى، كان شرفا لك ولقومك، انزع. فنزعت. فقال: اللهم إنك منعت هذا رسولك ونبيك، وكان أحب إليك مني وأكرم عليك مني ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني، وأكرم عليك مني، وأعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي. ثم بكى حتى رحمه من كان عنده. ثم قال لعبد الرحمن بن عوف: أقسمت عليك ما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي. وذكر سيف بن عمر التميمي: أن عمر حين ملك تلك الملابس والجواهر جئ بسيف كسرى ومعه عدة سيوف منها سيف النعمان بن المنذر نائب كسرى على الحيرة وأن عمر قال: الحمد لله الذي جعل سيف كسرى فيما يضره ولا ينفعه. ثم قال: إن قوما أدوا هذا لامناء، أو لذوا أمانة. ثم قال: إن كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتي عن آخرته فجمع لزوج امرأته، أو زوج ابنته (1)، ولم يقدم لنفسه، ولو قدم لنفسه ووضع الفضول في مواضعها لحصل له. وقد قال بعض المسلمين وهو أبو نجيد نافع بن الاسود في ذلك: وأملنا (2) على المدائن خيلا * بحرها مثل برهن أريضا فانتشلنا (3) خزائن المرء كسرى * يوم ولوا وحاص (4) منا جريضا وقعة جلولاء لما سار كسرى وهو يزدجرد بن شهريار من المدائن هاربا إلى حلوان شرع في أثناء الطريق في جمع رجال وأعوان وجنود، من البلدان التي هناك، فاجتمع إليه خلق كثير، وجم غفير من الفرس وأمر على الجميع مهران، وسار كسرى إلى حلوان فأقام الجمع الذي جمعه بينه وبين المسلمين في جلولاء، واحتفروا خندقا عظيما حولها، وأقاموا بها في العدد والعدد وآلات الحصار، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك. فكتب إليه عمر أن يقيم هو بالمدائن ويبعث ابن أخيه هاشم بن عتبة أميرا على الجيش الذي يبعثه إلى كسرى، ويكون على المقدمة القعقاع بن عمرو، وعلى الميمنة سعد بن مالك وعلى الميسرة أخوه عمر بن مالك، وعلى الساقة عمرو بن مرة الجهني (5). ففعل


(1) زاد الطبري: أو امرأة ابنه. (2) في الطبري: وأسلنا. (3) في الطبري: وانتثلنا. وفيه وفي الكامل: أبو بجيد تحريف. (4) كذا في الاصل والطبري، وفي الكامل: وخاض. (5) في فتوح البلدان 2 / 324: حجر بن عدي على الميمنة، وعمرو بن معد يكرب على الخيل، وطليحة بن خويلد = على الرجال وعلى الاعاجم خرزاد أخو رستم. (*)

[ 80 ]

سعد ذلك وبعث مع ابن أخيه جيشا كثيفا يقارب اثني عشر ألفا، من سادات المسلمين ووجوه المهاجرين والانصار، ورؤوس العرب. وذلك في صفر من هذه السنة بعد فراغهم من أمر المدائن، فساروا حتى انتهوا إلى المجوس وهم بجلولاء قد خندقوا عليهم، فحاصرهم هاشم بن عتبة، وكانوا يخرجون من بلدهم للقتال في كل وقت فيقاتلون قتالا لم يسمع بمثله. وجعل كسرى يبعث إليهم الامداد، وكذلك سعد يبعث المدد إلى ابن أخيه، مرة بعد أخرى. وحمى القتال، واشتد النزال، واضطرمت نار الحرب، وقام في الناس هاشم فخطبهم غير مرة، فحرضهم على القتال والتوكل على الله. وقد تعاقدت الفرس وتعاهدت، وحلفوا بالنار أن لا يفروا أبدا حتى يفنوا العرب. فلما كان الموقف الاخير وهو يوم الفيصل والفرقان، تواقفوا من أول النهار، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله حتى فني النشاب من الطرفين، وتقصفت الرماح من هؤلاء ومن هؤلاء، وصاروا إلى السيوف والطبر زنيات، وحانت صلاة الظهر فصلى المسلمون إيماءا، وذهبت فرقة المجوس وجاءت مكانها أخرى، فقام القعقاع بن عمرو في المسلمين فقال: أهالكم ما رأيتم أيها المسلمون ؟ قالوا: نعم إنا كالون وهم مريحون، فقال: بل إنا حاملون عليهم ومجدون في طلبهم، حتى يحكم الله بيننا، فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى نخالطهم، فحمل وحمل الناس، فأما القعقاع فإنه صمم الحملة في جماعة من الفرسان والابطال والشجعان حتى انتهى إلى باب الخندق، وأقبل الليل بظلامه وجالت بقية الابطال بمن معهم في الناس وجعلوا يأخذون في التحاجز من أجل إقبال الليل وفي الابطال يومئذ طليحة الاسدي، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، وقيس بن مكشوح، وحجر بن عدي. ولم يعلموا بما صنعه القعقاع في ظلمة الليل، ولم يشعروا بذلك، لولا مناديه ينادي: أين أيها المسلمون، هذا أميركم على باب خندقهم. فلما سمع ذلك المجوس فروا وحمل المسلمون نحو القعقاع بن عمرو فإذا هو على باب الخندق قد ملكه عليهم، وهربت الفرس كل مهرب، وأخذهم المسلمون من كل وجه، وقعدوا لهم كل مرصد، فقتل منهم في ذلك الموقف مائة ألف حتى جللوا وجه الارض بالقتلى، فلذلك سميت جلولاء. وغنموا من الاموال والسلاح والذهب والفضة قريبا مما غنموا من المدائن قبلها. وبعث هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو في إثر من انهزم منهم وراء كسرى، فساق خلفهم حتى أدرك مهران منهزما (1)، فقتله القعقاع بن عمرو، وأفلتهم الفيرزان فاستمر منهزما، وأسر سبايا كثيرة بعث بها إلى هاشم بن عتبة، وغنموا دواب كثيرة جدا. ثم بعث هاشم بالغنائم والاموال إلى عمه سعد بن أبي وقاص فنفل سعد ذوي النجدة، ثم أمر بقسم ذلك على الغانمين.


= وقال ابن الكلبي: كان على الناس يوم جلولاء: سعد عمرو بن عتبة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة. وفي ابن الاعثم: جرير على الميمنة، وحجر بن عدي على الميسرة وعلى الجناح المكشوح المرادي وعمرو بن معدي كرب على أعنة الخيل وطلحة بن خويلد الاسدي على الرجالة. (1) في الطبري والكامل: منهزما إلى خانقين. (*)

[ 81 ]

قال الشعبي: كان المال المتحصل من وقعة جلولاء ثلاثين ألف ألف، فكان خمسه ستة آلاف ألف وقال غيره: كان الذي أصاب كل فارس يوم جلولاء نظير ما حصل له يوم المدائن - يعني اثني عشر ألفا لكل فارس - وقيل أصاب كل فارس تسعة آلاف وتسع دواب (1). وكان الذي ولي قسم ذلك بين المسلمين وتحصيله، سلمان الفارسي (2) رضي الله عنه. ثم بعث سعد بالاخماس من المال والرقيق والدواب مع زياد بن أبي سفيان، وقضاعي بن عمرو، وأبي مقرن (3) الاسود. فلما قدموا على عمر سأل عمر زياد بن أبي سفيان عن كيفية الوقعة فذكرها له، وكان زياد فصيحا، فأعجب إيراده لها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأحب أن يسمع المسلمون منه ذلك، فقال له: أتستطيع أن تخطب الناس بما أخبرتني به ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد على وجه الارض أهيب عندي منك، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك ؟ فقام في الناس فقص عليهم خبر الوقعة، وكم قتلوا، وكم غنموا، بعبارة عظيمة بليغة فقال عمر: إن هذا لهو الخطيب المصقع - يعني الفصيح - فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا ثم حلف عمر بن الخطاب أن لا يجن هذا المال الذي جاؤا به سقف حتى يقسمه، فبات عبد الله بن أرقم وعبد الرحمن بن عوف يحرسانه في المسجد، فلما أصبح جاء عمر في الناس، بعد ما صلى الغداة وطلعت الشمس، فأمر فكشف عنه جلابيبه، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وذهبه الاصفر وفضته البيضاء، بكى عمر، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين: فوالله إن هذا لموطن شكر، فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم. ثم قسمه كما قسم أموال القادسية. وروى سيف بن عمر عن شيوخه أنهم قالوا: وكان فتح جلولاء في ذي القعدة من سنة ستة عشر، وكان بينه وبين فتح المدائن تسعة أشهر وقد تكلم ابن جرير ههنا فيما رواه عن سيف على ما يتعلق بأرض السواد وخراجها، وموضع تحرير ذلك كتاب الاحكام. وقد قال هاشم بن عتبة في يوم جلولاء: يوم جلولاء ويوم رستم * ويوم زحف الكوفة المقدم ويوم عرض الشهر المحرم * وأيام خلت من بينهن صرم (4)


(1) وهو قول الطبري: 4 / 182. (2) سلمان بن ربيعة الباهلي وليس الفارسي (انظر الطبري والكامل) وكانت العرب تسميه سلمان الخيل. (3) في الطبري: أبي مفزر. (4) البيت في الطبري. (*)

[ 82 ]

شيبن أصدغي فهي هرم * مثل ثغام البلد المحرم وقال أبو نجيد في ذلك: ويوم جلولاء الوقيعة أصبحت * كتائبنا تردى بأسد عوابس فضضت جموع الفرس ثم أنمتهم * فتبا لاجساد المجوس النجائس وأفلتهن الفيرزان بجرعة * ومهران أردت يوم حز القوانس أقاموا بدار للمنية موعد * وللترب تحثوها خجوج الروامس ذكر فتح حلوان ولما انقضت الوقعة أقام هشام بن عتبة بجلولاء عن أمر عمر بن الخطاب - في كتابه إلى سعد - وتقدم القعقاع بن عمرو إلى حلوان، عن أمر عمر أيضا ليكون ردءا للمسلمين هنالك، ومرابطا لكسرى حيث هرب. فسار كما قدمنا، وأدرك أمير الوقعة وهو مهران الرازي، فقتله وهرب منه الفيرزان، فلما وصل إلى كسرى وأخبره بما كان من أمر جلولاء، وما جرى على الفرس بعده، وكيف قتل منهم مائة ألف، وأدرك مهران فقتل، هرب عند ذلك كسرى من حلوان إلى الري، واستناب على حلوان أميرا يقال له خسروشنوم (1)، فتقدم إليه القعقاع بن عمرو، وبرز إليه خسروشنوم إلى مكان (2) خارج من حلوان، فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا ثم فتح الله ونصر المسلمين وانهزم خسروشنوم، وساق القعقاع (3) إلى حلوان فتسلمها ودخلها المسلمون فغنموا وسبوا، وأقاموا بها، وضربوا الجزية على من حولها من الكور والاقاليم، بعد ما دعوا إلى الدخول في الاسلام فأبوا إلا الجزية. فلم يزل القعقاع بها حتى تحول من سعد من المدائن إلى الكوفة، فسار إليها كما سنذكره إن شاء الله تعالى. فتح تكريت والموصل لما افتتح سعد المدائن بلغه أن أهل الموصل قد اجتمعوا بتكريت على رجل من الكفرة يقال له


= ويوم عرض النهر المحرم * من بين أيام خلون صرم (1) قصر شيرين على فرسخ من حلوان (انظر الطبري - فتوح ابن الاعثم). (2) وفي الفتوح لابن الاعثم 1 / 279: دعا رجلا من قواده من الاعاجم يقال له منوشهر بن هرمزدان فاستخلفه على حلوان. (3) في ابن الاعثم: أقبل سعد بن أبي وقاص - على علته - وعلى مقدمته جرير بن عبد الله البجلي حتى دخل حلوان 1 / 280 وفي فتوح البلدان 2 / 370: ان جرير بن عبد الله فتح حلوان صلحا بعد هرب يزدجرد منها، وكان ذلك سنة تسع عشرة. (*)

[ 83 ]

الانطاق، فكتب إلى عمر بأمر جلولاء واجتماع الفرس بها، وبأمر أهل الموصل، فتقدم ما ذكرناه من كتاب عمر في أهل جلولاء، وما كان من أمرها. وكتب عمر في قضية أهل الموصل الذين قد اجتمعوا بتكريت على الانطاق، أن يعين جيشا لحربهم، ويؤمر عليه عبد الله بن المعتم (1)، وأن يجعل على مقدمته ربعي بن الافكل الغزي (2)، وعلى الميمنة الحارث بن حسان الذهلي، وعلى الميسرة فرات بن حيان العجلي، وعلى الساقة هانئ بن قيس، وعلى الخيل عرفجة ابن هرثمة. ففصل عبد الله بن المعتم في خمسة آلاف من المدائن، فسار في أربع حتى نزل بتكريت على الانطاق، وقد اجتمع إليه جماعة من الروم، ومن الشهارجة، ومن نصارى العرب، من إياد وتغلب والنمر. وقد أحدقوا بتكريت، فحاصرهم عبد الله بن المعتم أربعين يوما. وزاحفوه في هذه المدة أربعة وعشرين مرة (3)، ما من مرة إلا وينتصر عليهم ويفل جموعهم، فضعف جانبهم، وعزمت الروم على الذهاب في السفن بأموالهم، وراسل عبد الله بن المعتم إلى من هنالك من الاعراب، فدعاهم إلى الدخول معه في النصرة على أهل البلد، فجاءت القصاد إليه عنهم بالاجابة إلى ذلك، فأرسل إليهم: إن كنتم صادقين فيما قلتم فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقروا بما جاء من عند الله. فرجعت القصاد إليه بأنهم قد أسلموا فبعث إليهم: إن كنتم صادقين فإذا كبرنا وحملنا على البلد الليلة فأمسكوا علينا أبواب السفن، وامنعوهم أن يركبوا فيها، واقتلوا منهم من قدرتم على قتله، ثم شد عبد الله وأصحابه، وكبروا تكبيرة رجل واحد، وحملوا على البلد فكبرت الاعراب من الناحية الاخرى، فحار أهل البلد، وأخذوا في الخروج من الابواب التي تلي دجلة، فتلقتهم إياد والنمر وتغلب، فقتلوهم قتلا ذريعا، وجاء عبد الله بن المعتم بأصحابه من الابواب الاخر فقتل جميع أهل البلد عن بكرة أبيهم، ولم يسلم إلا من أسلم من الاعراب من إياد وتغلب والنمر، وقد كان عمر عهد في كتابه إذا نصروا على تكريت أن يبعثوا ربعي بن الافكل إلى الحصنين (4) وهي الموصل سريعا، فسار إليها كما أمر عمر، ومعه سرية كثيرة، وجماعة من الابطال، فسار إليها حتى فجئها قبل وصول الاخبار إليها، فما كان إلا أن واقفها حتى أجابوا إلى الصلح فضربت عليهم الذمة عن يد وهم صاغرون، ثم قسمت الاموال التي تحصلت من تكريت، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف، وسهم الراجل ألف درهم، وبعثوا بالاخماس مع فرات بن حيان، وبالفتح مع الحارث بن حسان، وولى إمرة حرب الموصل ربعي بن


(1) في الطبري: العنزي. (2) في فتوح البلدان: ان عمر بن الخطاب ولى عتبة بن فرقد السلمي الموصل سنة عشرين فقاتله أهل نينوى، فأخذها عنوة وصالحه أهل الحصن الآخر (الموصل) على الجزية والاذن لمن أراد الجلاء بالجلاء 2 / 407. (3) في الطبري والكامل: زحفا. (4) في الكامل: الحصنان هما الموصل ونينوى. وتسمى الموصل الحصن الغربي، ونينوى الحصن الشرقي 2 / 524. (*)

[ 84 ]

الافكل، وولي الخراج بها عرفجة بن هرثمة. فتح ماسبذان من أرض العراق لما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى عمر بالمدائن، بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان قد جمع طائفة من الفرس، فكتب إلى عمر في ذلك، فكتب إليه أن أبعث جيشا وأمر عليهم ضرار ابن الخطاب (1). فخرج ضرار في جيش من المدائن، وعلى مقدمته ابن الهزيل (2) الاسدي، فتقدم ابن الهزيل بين يدي الجيش، فالتقى مع آذين وأصحابه قبل وصول ضرار إليه، فكسر ابن الهزيل طائفة الفرس، وأسر آذين بن الهرمزان، وفرعنه أصحابه، وأمر ابن الهزيل فضرب عنق آذين بين يديه، وساق وراء المنهزمين حتى انتهى إلى ماسبذان - وهي مدينة كبيرة - فأخذها عنوة، وهرب أهلها في رؤوس الجبال والشعاب، فدعاهم فاستجابوا له، وضرب على من لم يسلم الجزية، وأقام نائبا عليها حتى تحول سعد من المدائن إلى الكوفة كما سيأتي. فتح قرقيسيا وهيت في هذه السنة قال ابن جرير وغيره: لما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن وكان أهل الجزيرة قد أمدوا أهل حمص على قتال أبي عبيدة وخالد - لما كان هرقل بقنسرين - واجتمع أهل الجزيرة في مدينة هيت، كتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب إليه أن يبعث إليهم جيشا، وأن يؤمر عليهم عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، فسار فيمن معه من المسلمين (3) إلى هيت، فوجدهم قد خندقوا عليهم، فحاصرهم حينا فلم يظفر بهم، فسار في طائفة من أصحابه واستخلف على محاصرة هيت الحارث بن يزيد، فراح عمر بن مالك (4) إلى قرقيسيا فأخذها عنوة، وأنابوا إلى بذل الجزية، وكتب إلى نائبه على هيت: إن لم يصالحوا أن يحفر من وراء خندقهم خندقا، ويجعل له أبوابا من ناحيته. فلما بلغهم ذلك أنابوا إلى المصالحة. قال شيخنا / أبو عبد الله الحافظ الذهبي: وفي هذه السنة بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص بعد فراغه من اليرموك إلى قنسرين فصالح أهل حلب، ومنبج، وأنطاكية، على الجزية. وفتح سائر بلاد قنسرين عنوة. قال: وفيها افتتحت سروج والرها على يدي عياض بن غنم.


(1) كذا بالاصل والطبري والمعجم، وفي ابن الاعثم 1 / 280: كان أمير الجيش المكشوح المرادي في عشرة آلاف وفي فتوح البلدان ان أبا موسى الاشعري فتح ماسبذان صلحا وصلحه أهل السيروان 2 / 377. (2) في الطبري: الهذيل. (3) وكان على مقدمة جيشه الحارث بن يزيد العامري، وعلى مجنبتيه ربعي بن عامر ومالك بن حبيب (الطبري - الكامل). (4) في فتوح العراق للواقدي 2 / 107: كان على الجيش عبد الله بن غسان وسهيل بن عدي. (*)

[ 85 ]

قال: وفيها فيما ذكر ابن الكلبي سار أبو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فحاصر إيليا فسألوا الصلح على أن يقدم عمر فيصالحهم على ذلك، فكتب أبو عبيدة إلى عمر فقدم حتى صالحهم وأقام أياما ثم رجع إلى المدينة. قلت: قد تقدم هذا فيما قبل هذه السنة والله أعلم. قال الواقدي: وفي هذه السنة حمى عمر الربذة بخيل المسلمين، وفيها غرب عمر أبا محجن الثقفي إلى باضع (1)، وفيها تزوج عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عبيد. قلت: الذي قتل يوم الجسر، وكان أمير السرية وهي أخت المختار بن أبي عبيد أمير العراق فيما بعد، وكانت امرأة صالحة، وكان أخوها فاجرا وكافرا أيضا. قال الواقدي: وفيها حج عمر بالناس، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت. قال: وكان نائبه على مكة عتاب، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى العراق سعد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلى بن أمية، وعلى اليمامة والبحرين العلاء بن الحضرمي، وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى البصرة المغيرة بن شعبة، وعلى الموصل ربعي بن الافكل، وعلى الجزيرة عياض بن غنم الاشعري. قال الواقدي وفي ربيع الاول من هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - كتب عمر بن الخطاب التاريخ، وهو أول من كتبه. قلت: قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، وذلك أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين يحل عليه في شعبان، فقال: أي شعبان ؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها، أم التي بعدها ؟ ثم جمع الناس فقال: ضعوا للناس شيئا يعرفون فيه حلول ديونهم. فيقال إنهم أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك. ومنهم من قال: أرخوا بتاريخ الروم من زمان اسكندر فكرهوا ذلك، ولطوله أيضا. وقال قائلون: أرخوا من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون من مبعثه عليه السلام. وأشار علي بن أبي طالب وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فإنه أظهر من المولد والمبعث. فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرخوا من أول تلك السنة من محرمها، وعند مالك رحمه الله فيما حكاه عن السهيلي وغيره: أن أول السنة من ربيع الاول لقدومه عليه السلام إلى المدينة. والجمهور على أن أول السنة من المحرم، لانه أضبط لئلا تختلف الشهور، فإن المحرم أول السنة الهلالية العربية. وفي هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - توفيت مارية أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في المحرم منها فيما ذكره الواقد وابن جرير وغير واحد، وصلى عليها عمر بن الخطاب، وكان يجمع الناس لشهود جنازتها، ودفنت بالبقيع رضي الله عنها وأرضاها، وهي مارية القبطية، أهداها صاحب اسكندرية - وهو جريج بن مينا - في جملة تحف وهدايا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل ذلك منه. وكان


(1) في الاصل: إلى ما صنع، وأثبتنا ما في الطبري، وباضع جزيرة في بحر اليمن، وفي الكامل ناصع. وناصع بلد في الحبشة. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: نفاه عمر إلى جزيرة في البحر. (*)

[ 86 ]

معها أختها شيرين التي وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان. ويقال أهدى المقوقس معهما جاريتين أخريين، فيحتمل أنهما كانتا خادمتين لمارية وسيرين. وأهدى معهن غلاما خصيا اسمه مابور، وأهدى مع ذلك بغلة شهباء اسمها الدلدل، وأهدى حلة حرير من عمل الاسكندرية. وكان قدوم هذه الهدية في سنة ثمان. فحملت مارية من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبراهيم عليه السلام، فعاش عشرين شهرا، ومات قبل أبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة سواء. وقد حزن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى عليه وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، وقد تقدم ذلك في سنة عشر. وكانت مارية هذه من الصالحات الخيرات الحسان. وقد حظيت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعجب بها، وكانت جميلة ملاحة، أي حلوة، وهي تشابه هاجر سرية الخليل، فإن كلا منهما من ديار مصر وتسراها نبي كريم، وخليل جليل، عليهما السلام. ثم دخلت سنة سبع عشرة في المحرم منها انتقل سعد بن أبي وقاص من المدائن إلى الكوفة، وذلك أن الصحابة استوخموا المدائن، وتغيرت ألوانهم وضعفت أبدانهم، لكثرة ذبابها وغبارها. فكتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب عمر: إن العرب لا تصلح إلا حيث يوافق إبلها (1). فبعث سعد حذيفة وسلمان بن زياد يرتادان للمسلمين منزلا مناسبا يصلح لاقامتهم (2). فمرا على أرض الكوفة وهي حصباء في رملة حمراء، فأعجبتهما ووجد هنالك ديرات ثلاث دير حرقة (3) بنت النعمان، ودير أم عمرو، ودير سلسلة، وبين ذلك خصاص خلال هذه الكوفة، فنزلا فصليا هنالك وقال كل واحد منهما: اللهم رب السماء وما أظلت، ورب الارض وما أقلت، ورب الريح وما ذرت، والنجوم وما هوت، والبحار وما جرت، والشياطين وما أضلت، والخصاص وما أجنت، بارك لنا في هذه الكوفة واجعلها منزل ثبات. ثم كتبا إلى سعد بالخبر، فأمر سعد باختطاط الكوفة، وسار إليها في أول هذه السنة في محرمها، فكان أول بناء وضع فيها المسجد. وأمر سعد رجلا راميا شديد الرمي، فرمى من المسجد إلى الاربع جهات فحيث سقط سهمه بنى الناس منازلهم، وعمر قصرا تلقاء محراب المسجد للامارة وبيت المال، فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب، فاحترقت في أثناء السنة، فبنوها باللبن عن أمر عمر، بشرط أن لا يسرفوا ولا يجاوزوا الحد. وبعث سعد إلى الامراء والقبائل فقدموا عليه، فأنزلهم الكوفة، وأمر سعد أبا هياج (4) الموكل بإنزال الناس فيها بأن


(1) زاد في فتوح البلدان: فارتد لهم موضعا عدنا، ولا تجعل بيني وبينهم بحرا. (2) في فتوح البلدان: ان الذي دل سعدا على أرض الكوفة عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة 2 / 339. (3) كذا بالاصل والطبري، وفي الكامل: حرمة. (4) أبو الهياج الاسدي واسمه عمرو بن مالك بن جنادة. (*)

[ 87 ]

يعمروا ويدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعا. ولما دون ذلك ثلاثين وعشرين ذراعا، وللازقة سبعة أذرع، وبنى لسعد قصر قريب من السوق، فكانت غوغاء الناس تمنع سعدا من الحديث، فكان يغلق بابه ويقول: سكن الصويت فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب بعث محمد بن مسلمة، فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده ويجمع حطبا ويحرق باب القصر ثم يرجع من فوره. فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر، وأمر سعدا أن لا يغلق بابه عن الناس، ولا يجعل على بابه أحدا يمنع الناس عنه، فامتثل ذلك سعد وعرض على محمد بن مسلمة شيئا من المال فامتنع من قبوله، ورجع إلى المدينة، واستمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين ونصف، حتى عزله عنها عمر، من غير عجز ولا خيانة. أبو عبيدة وحصر الروم له بحمص وقدم عمر إلى الشام وذلك أن جمعا من الروم عزموا على حصار أبي عبيدة بحمص، واستجاشوا بأهل الجزيرة. وخلق ممن هنالك، وقصدوا أبا عبيدة، فبعث أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه من قنسرين، وكتب إلى عمر بذلك، واستشار أبو عبيدة المسلمين في أن يناجز الروم أو يتحصن بالبلد حتى يجئ أمر عمر ؟ فكلهم أشار بالتحصن، إلا خالدا فإنه أشار بمناجزتهم، فعصاه وأطاعهم. وتحصن بحمص وأحاط به الروم، وكل بلد من بلدان الشام مشغول أهله عنه بأمرهم، ولو تركوا ما هم فيه وأقبلوا إلى حمص لانخرم النظام في الشام كله. وكتب عمر إلى سعد أن يندب الناس مع القعقاع بن عمرو، ويسيرهم إلى حمص من يوم يقدم عليه الكتاب، نجدة لابي عبيدة فإنه محصور، وكتب إليه أن يجهز جيشا إلى أهل الجزيرة الذين مالاوا الروم على حصار أبي عبيدة ويكون أمير الجيش إلى الجزيرة (1) عياض بن غنم. فخرج الجيشان معا من الكوفة، القعقاع في أربعة آلاف نحو حمص لنجدة أبي عبيدة، وخرج عمر بنفسه من المدينة لينصر أبا عبيدة، فبلغ الجابية وقيل إنما بلغ سرع. قاله ابن إسحاق، وهو أشبه والله أعلم. فلما بلغ أهل الجزيرة الذين مع الروم على حمص أن الجيش قد طرق بلادهم، انشمروا إلى بلادهم، وفارقوا الروم، وسمعت الروم بقدوم أمير المؤمنين عمر لينصر نائبه عليهم فضعف جانبهم جدا. وأشار خالد على أبي عبيدة بأن يبرز إليهم ليقاتلهم، ففعل ذلك أبو عبيدة، ففتح الله عليه ونصره، وهزمت الروم هزيمة فظيعة. وذلك قبل ورود عمر عليهم، وقبل وصول الامداد إليهم بثلاث ليال. فكتب أبو عبيدة إلى عمر وهو بالجابية يخبره بالفتح وأن المدد وصل إليهم بعد ثلاث ليال وسأله هل يدخلهم في القسم معهم مما أفاء الله عليهم ؟ فجاء الجواب بأن يدخلهم معهم في الغنيمة، فإن العدو إنما ضعف وإنما انشمر عنه المدد من خوفهم منهم، فأشركهم أبو عبيدة في الغنيمة. وقال عمر: جزى


(1) سهيل بن عدي إلى الرقة، وعبد الله بن عتبان إلى نصيبين، والوليد بن عقبة إلى عرب الجزيرة من تنوخ وربيعة، وأمير الفرق جميعا عياض. (الطبري - الكامل). (*)

[ 88 ]

الله أهل الكوفة خيرا يحمون (1) حوزتهم ويمدون أهل الامصار. فتح الجزيرة قال ابن جرير: وفي هذه السنة فتحت الجزائر فيما قاله سيف بن عمر، قال ابن جرير: في ذي الحجة من سنة سبع عشرة فوافق سيف بن عمر في كونها في هذه السنة. وقال ابن إسحاق: كان ذلك في سنة تسع عشرة. سار إليها عياض بن غنم. وفي صحبته أبو موسى الاشعري وعمر ابن سعد بن أبي وقاص (2)، وهو غلام صغير السن ليس إليه من الامر شئ، وعثمان بن أبي العاص. فنزل الرها فصالحه أهلها على الجزية، وصالحت حران على ذلك. ثم بعث أبا موسى الاشعري إلى نصيبين، وعمر بن سعد إلى رأس العين، وسار بنفسه إلى دارا، فافتتحت هذه البلدان، وبعث عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية، فكان عندها شئ من قتال قتل فيه صفوان بن المعطل السلمي شهيدا. ثم صالحهم عثمان بن أبي العاص على الجزية، على كل أهل بيت دينار. وقال سيف في روايته: جاء عبد الله بن عبد الله بن غسان (2) فسلك على رجليه (3) حتى انتهى إلى الموصل فعبر إلى بلد حتى انتهى إلى نصيبين، فلقوه بالصلح وصنعوا كما صنع أهل الرقة (4). وبعث إلى عمر برؤوس النصارى من عرب أهل الجزيرة، فقال لهم عمر: أدوا الجزية. فقالوا: أبلغنا مأمننا فوالله لئن وضعت علينا الجزية لندخلن أرض الروم، والله لتفضحنا من بين العرب. فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسكم، وخالفتم أمتكم، ووالله لتؤدن الجزية وأنتم صغرة قمئة، ولئن هربتم إلى الروم لاكتبن فيكم، ثم لاسبينكم. قالوا: فخذ منا شيئا ولا تسميه جزية. فقال: أما نحن فنسميه جزية، وأما أنتم فسموه ما شئتم. فقال له علي بن أبي طالب: ألم يضعف عليهم سعد الصدقة ؟ قال: بلى، وأصغى إليه ورضي به منهم. قال ابن جرير: وفي هذه السنة قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام فوصل إلى


(1) في الطبري: يكفون. وفي فتوح البلدان عن شمر بن عطية قال قال عمر: هم رمح الله وكنز الايمان وجمجمة العرب، يحرسون ثغورهم ويمدون أهل الامصار 2 / 354. (2) في فتوح البلدان: عمير بن سعد، قال الكلبي وهو عمير بن سعد بن شهيد بن عمرو أحد الاولى. وقال الواقدي: هو عمير بن سعد بن عبيد وقتل أبوه سعد يوم القادسية. (3) في الطبري: عتبان، وفي الواقدي كالاصل. والعبارة في الطبري: عبد الله بن عيد الله بن عتبان سلك على دجلة... (4) قال البلاذري في فتوح البلدان عن ثابت بن الحجاج: فتح عياض الرقة وحران والرها ونصيبين وميا فارقين وقرقيسيا وقرى الفرات ومدائنها صلحا وأرضها عنوة. (*)

[ 89 ]

سرع في قول محمد بن إسحاق، وقال سيف: وصل إلى الجابية. قلت: والاشهر أنه وصل سرع، وقد تلقاه أمراء الاجناد، أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وخالد بن الوليد (1)، إلى سرع فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فاستشار عمر المهاجرين والانصار فاختلفوا عليه، فمن قائل يقول: أنت قد جئت لامر فلا ترجع عنه. ومن قائل يقول: لا نرى أن تقدم بوجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوباء. فيقال إن عمر أمر الناس بالرجوع من الغد. فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله ؟ قال: نعم ! نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو هبطت واديا ذا عدوتين إحداهما مخصبة والاخرى مجدبة، فإن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن أنت رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ؟ ثم قال لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة. قال ابن إسحاق في روايته وهو في صحيح البخاري: وكان عبد الرحمن بن عوف متغيبا في بعض شأنه، فلما قدم قال: إن عندي من ذلك علما، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم به بأرض قوم فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه (2). فحمد الله عمر - يعني لكونه وافق رأيه - ورجع بالناس. وقال الامام أحمد: ثنا وكيع، ثنا سفيان بن حسين ابن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد، عن سعد بن مالك بن أبي وقاص وخزيمة بن ثابت وأسامة ابن زيد قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عذب به قوم قبلكم، فإذا وقع بأرض أنتم فيها فلا تخرجوا منها فرارا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه (3) " ورواه الامام أحمد أيضا من حديث سعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد عن سعد بن أبي وقاص به. قال سيف بن عمر: كان الوباء قد وقع بالشام في المحرم من هذه السنة ثم ارتفع، وكأن سيفا يعتقد أن هذا الوباء هو طاعون عمواس، الذي هلك فيه خلق من الامراء ووجوه المسلمين، وليس الامر كما زعم، بل طاعون عمواس من السنة المستقبلة بعد هذه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وذكر سيف بن عمر: أن أمير المؤمنين عمر كان قد عزم على أن يطوف البلدان، ويزور الامراء، وينظر فيما اعتقدوه وما آثروا من الخير، فاختلف عليه الصحابة فمن قائل يقول ابدأ بالعراق، ومن قائل يقول بالشام. فعزم عمر على قدوم الشام لاجل قسم مواريث من مات من المسلمين في طاعون عمواس، فإنه أشكل قسمها على المسلمين بالشام فعزم على ذلك. وهذا يقتضي أن عمر عزم على قدوم الشام بعد طاعون عمواس، وقد كان الطاعون في سنة ثماني عشرة كما سيأتي، فهو قدوم آخر غير قدوم سرع. والله أعلم. قال سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بن النعمان قالوا: قال عمر: ضاعت مواريث


(1) في الطبري: شرحبيل بن حسنة بدل خالد. (2) أخرجه البخاري في الانبياء 54 وفي الحيل 13، ومالك في الموطأ في المدينة 22، 23، 24. (3) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 1 / 182 و 4 / 195. (*)

[ 90 ]

الناس بالشام أبدأ بها فأقسم المواريث وأقيم لهم ما في نفسي، ثم أرجع فأتقلب في البلاد وأنبذ إليهم أمري. قالوا: فأتى عمر الشام أربع مرات مرتين في سنة ست عشرة، ومرتين في سنة سبع عشرة، ولم يدخلها في الاولى من الاخريين. وهذا يقتضي ما ذكرناه عن سيف أنه يقول بكون طاعون عمواس في سنة سبع عشرة. وقد خالفه محمد بن إسحاق وأبو معشر وغير واحد، فذهبوا إلى أنه كان في سنة ثماني عشرة. وفيه توفي أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان، وغيرهم من الاعيان، على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. شئ من أخبار طاعون عمواس الذي توفي فيه أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من أشراف الصحابة وغيرهم. أورده ابن جرير في هذه السنة. قال محمد بن إسحاق عن شعبة عن المختار (1) بن عبد الله البجلي عن طارق بن شهاب البجلي. قال: أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدث عنده فلما جلسنا قال: لا تحفوا فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تتنزهوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها، حتى يرتفع هذا البلاء، فإني سأخبركم بما يكره مما يتقى. من ذلك أن يظن من خرج أنه لو قام مات، ويظن من أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظن ذلك هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج وأن يتنزه عنه، إني كنت مع أبي عبيدة بن الجراح بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه: أن سلام عليك أما بعد فإنه قد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك بها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا أن لا تضعه من يدك حتى تقبل إلي: قال فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، فقال: يغفر الله لامير المؤمنين. ثم كتب إليه يا أمير المؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم أمره وقضاءه، فخلني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي. فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقال الناس: يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة ؟ قال: لا، وكأن قد. قال: ثم كتب إليه " سلام عليك أما بعد فإنك أنزلت الناس أرضا عميقة فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة " قال أبو موسى: فلما أتاه كتابه دعاني فقال: يا أبا موسى، إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فأخرج فارتد للناس منزلا حتى أتبعك بهم، فرجعت إلى منزلي لارتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت، فرجعت إليه وقلت: والله لقد كان في أهلي حدث. فقال: لعل صاحبتك قد أصيبت ؟ قلت: نعم، فأمر ببعير فرحل فلما وضع رجله في غرزه طعن فقال: والله لقد أصبت، ثم سار بالناس حتى نزل


(1) في الطبري المخارق. (*)

[ 91 ]

الجابية ورفع عن الناس الوباء (1). وقال محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح بن شهر بن حوشب عن رابة - رجل من قومه -. وكان قد خلف على أمه بعد أبيه، وكان قد شهد طاعون عمواس. قال: لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة في الناس خطيبا فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم (2) وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لابي عبيدة [ منه ] حظه، فطعن، فمات واستخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام خطيبا بعده. فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن معاذا يسأل الله تعالى أن يقسم لآل معاذ [ منه ] حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم قام فدعا لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقلب (3) ظهر كفه ثم يقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئا من الدنيا. فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص فقام فيهم خطيبا فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال نار، فتحصنوا (4) منه في الجبال. فقال أبو وائل الهذلي: كذبت والله لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت شر من حماري هذا. فقال: والله ما أرد عليك ما تقول، وأيم الله لا نقيم عليه. قال: ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا ودفعه الله عنهم. قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأي عمرو بن العاص فوالله ما كرهه. قال ابن إسحاق: ولما انتهى إلى عمر مصاب أبي عبيدة ويزيد بن أبي سفيان، أمر معاوية على جند دمشق وخراجها، وأمر شرحبيل بن حسنة على جند الاردن وخراجها. وقال سيف بن عمر عن شيوخه قالوا: لما كان طاعون عمواس وقع مرتين لم ير مثلهما (5) وطال مكثه، وفني خلق كثير من الناس، حتى طمع العدو وتخوفت قلوب المسلمين لذلك. قلت: ولهذا قدم عمر بعد ذلك إلى الشام فقسم مواريث الذين ماتوا لما أشكل أمرها على الامراء، وطابت قلوب الناس بقدومه، وانقمعت الاعداء من كل جانب لمجيئه إلى الشام ولله الحمد والمنة.


(1) الخبر في الطبري 4 / 201 والكامل في التاريخ 2 / 558 في حوادث سنة 81 ه‍. (2) قوله دعوة نبيكم: حين جاءه جبرائيل فقال: فناء أمتك بالطعن أو الطاعون فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فبالطاعون. (3) في الطبري: يقبل، وفي الكامل: يقبلها. وانظر خطبتيهما في فتوح ابن الاعثم 1 / 312 - 313. (4) في الطبري: فتجبلوا. وفي فتوح ابن الاعثم 1 / 313 قال: إن هذا الوباء قد وقع فيكم، إنما هو وخز من الجن، فمن أقام به هوى ومن انحاز عنه نجا. (5) في الطبري: وقع موتانا لم ير مثله. وفي الكامل: وأصاب الناس من الموت ما لم يروا مثله قط، وكان عدة من مات في طاعون عمواس خمسة وعشرين ألفا. (*)

[ 92 ]

وقال سيف بعد ذكره قدوم عمر بعد طاعون عمواس في آخر سنة سبع عشرة، قال: فلما أراد القفول إلى المدينة في ذي الحجة منها خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا إني قد وليت عليكم وقضيت الذي علي في الذي ولاني الله من أمركم إن شاء الله، فبسطنا (1) بينكم فيأكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغناكم ما لدينا، فجندنا لكم الجنود، وهيأنا لكم الفروج، وبوأنا لكم، ووسعنا عليكم ما بلغ فيؤكم وما قاتلتم عليه من شامكم، وسمينا لكم أطعماتكم، وأمرنا لكم بأعطياتكم وأرزاقكم ومغانكم. فمن علم شيئا ينبغي العمل به فليعلمنا نعمل به إن شاء الله ولا قوة إلا بالله. قال وحضرت الصلاة فقال الناس: لو أمرت بلالا فأذن ؟ فأمره فأذن فلم يبق أحد كان أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن إلا بكى حتى بل لحيته، وعمر أشدهم بكاء، وبكى من لم يدركه لبكائهم ولذكره صلى الله عليه وسلم. وذكر ابن جرير في هذه السنة من طريق سيف بن عمر عن أبي المجالد أن عمر بن الخطاب بعث ينكر على خالد بن الوليد في دخوله إلى الحمام، وتدلكه بعد النورة بعصفر معجون بخمر، فقال في كتابه: إن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرم ظاهر الاثم وباطنه، وقد حرم مس الخمر فلا تمسوها أجسامكم فإنها نجس، فإن فعلتم فلا تعودوا. فكتب إليه خالد: إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر. فكتب إليه عمر: إني أظن أن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه فانتهى لذلك. قال سيف: وأصاب أهل البصرة تلك السنة طاعون أيضا فمات بشر كثير وجم غفير، رحمهم الله ورضي الله عنهم أجمعين. قالوا: وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهله إلى الشام فلم يرجع منهم إلا أربعة. فقال المهاجر بن خالد في ذلك: من يسكن الشام يعرس به * والشام إن لم يفننا كارب أفنى بني ريطة فرسانهم * عشرون لم يقصص لهم شارب ومن بني أعمامهم مثلهم * لمثل هذا يعجب العاجب طعنا وطاعونا مناياهم * ذلك ما خط لنا الكاتب كائنة غريبة فيها عزل خالد عن قنسرين أيضا قال ابن جرير: وفي هذه السنة أدرب خالد بن الوليد وعياض بن غنم، أي سلكا درب الروم وأغارا عليهم، فغنموا أموالا عظيمة وسبيا كثيرا. ثم روى من طريق سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع وأبي المجالد. قالوا: لما رجع خالد ومعه أموال جزيلة من الصائفة انتجعه


(1) في الطبري: قسطنا. (*)

[ 93 ]

الناس يبتغون رفده ونائله، فكان ممن دخل عليه الاشعث بن قيس فأجازه بعشرة آلاف فلما بلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة يأمره أن يقيم خالدا ويكشف عمامته وينزع عنه قلنسوته ويقيده بعمامته ويسأله عن هذه العشرة آلاف، إن كان أجازها الاشعث من ماله فهو سرف، وإن كان من مال الصائفة فهي خيانة ثم أعزله عن عمله. فطلب أبو عبيدة خالدا وصعد أبو عبيدة المنبر، وأقيم خالد بين يدي المنبر، وقام إليه بلال ففعل ما أمر به عمر بن الخطاب هو والبريد الذي قدم بالكتاب. هذا وأبو عبيدة ساكت لا يتكلم، ثم نزل أبو عبيدة واعتذر إلى خالد مما كان بغير اختياره وإرادته، فعذره خالد وعرف أنه لا قصد له في ذلك. ثم سار خالد إلى قنسرين فخطب أهل البلد وودعهم، وسار بأهله إلى حمص فخطبهم أيضا وودعهم وسار إلى المدينة، فلما دخل خالد على عمر أنشد عمر قول الشاعر: صنعت فلم يصنع كصنعك صانع * وما يصنع الاقوام فالله صانع ثم سأله من أين هذا اليسار الذي تجيز منه بعشرة آلاف ؟ فقال: من الانفال والسهمان. قال: فما زاد على الستين ألفا فلك، ثم قوم أمواله وعروضه وأخذ منه عشرين ألفا ثم قال: والله إنك علي لكريم، وإنك إلي لحبيب، ولن تعمل (1) لي بعد اليوم على شئ. وقال سيف عن عبد الله عن المستورد عن أبيه عن عدي بن سهل. قال: كتب عمر إلى الامصار: إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع. ثم رواه سيف عن مبشر عن سالم قال: لما قدم خالد على عمر فذكر مثله. قال الواقدي: وفي هذه السنة اعتمر عمر في رجب منها، وعمر في المسجد الحرام وأمر بتجديد أنصاب الحرم، أمر بذلك لمخرمة بن نوفل، وأزهر بن عبد عوف، وحويطب بن عبد العزى، وسعيد بن يربوع. قال الواقدي: وحدثني كثير بن عبد الله المري عن أبيه عن جده قال: قدم عمر مكة في عمرة سنة سبع عشرة، فمر في الطريق فكلمه أهل المياه أن يبنوا منازل بين مكة والمدينة - ولم يكن قبل ذلك بناء - فأذن لهم وشرط عليهم أن ابن السبيل أحق بالظل والماء. قال الواقدي: وفيها تزوج عمر بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بها في ذي القعدة. وقد ذكرنا في سيرة عمر ومسنده صفة تزويجه بها وأنه أمهرها أربعين ألفا، وقال إنما تزوجتها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل سبب ونسب فإنه ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " قال: وفي هذه السنة ولى عمر أبا موسى الاشعري البصرة، وأمره أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الاول فشهد عليه فيما حدثني معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب: أبو بكرة، وشبل بن معبد البجلي، ونافع بن عبيد (2)، وزياد. ثم ذكر الواقدي وسيف هذه القصة


(1) في الطبري: ولن تعاتبني. (2) في الطبري: ابن كلدة. (*)

[ 94 ]

وملخصها: أن امرأة كان يقال لها أم جميل بنت الافقم، من نساء بني عامر بن صعصعة، ويقال من نساء بني هلال. وكان زوجها (1) من ثقيف قد توفي عنها، وكانت تغشى نساء الامراء والاشراف، وكانت تدخل على بيت المغيرة بن شعبة وهو أمير البصرة، وكانت دار المغيرة تجاه دار أبي بكرة، وكان بينهما الطريق، وفي دار أبي بكرة كوة تشرف على كوة في دار المغيرة، وكان لا يزال بين المغيرة وبين أبي بكرة شنآن. فبينما أبو بكرة في داره وعنده جماعة يتحدثون في العلية، إذ فتحت الريح باب الكوة، فقام أبو بكرة ليغلقها، فإذا كوة المغيرة مفتوحة، وإذا هو على صدر امرأة وبين رجليها، وهو يجامعها، فقال أبو بكرة لاصحابه: تعالوا فانظروا إلى أميركم يزني بأم جميل. فقاموا فنظروا إليه وهو يجامع تلك المرأة، فقالوا لابي بكرة. ومن أين قلت إنها أم جميل ؟ - وكان رأساهما من الجانب الآخر -. فقال: انتظروا، فلما فرغا قامت المرأة فقال أبو بكرة: هذه أم جميل. فعرفوها فيما يظنون. فلما خرج المغيرة - وقد اغتسل - ليصلي بالناس منعه أبو بكرة أن يتقدم. وكتبوا إلى عمر في ذلك، فولى عمر أبا موسى الاشعري أميرا على البصرة. وعزل المغيرة، فسار إلى البصرة فنزل البرد. فقال المغيرة: والله ما جاء أبو موسى تاجرا ولا زائرا ولا جاء إلا أميرا. ثم قدم أبو موسى على الناس وناول المغيرة كتابا من عمر هو أوجز كتاب فيه " أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرا فسلم ما في يديك والعجل " وكتب إلى أهل البصرة: إني قد وليت عليكم أبا موسى ليأخذ من قويكم لضعيفكم، وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن دينكم وليجبي لكم فيأكم ثم ليقسمه بينكم. وأهدى المغيرة لابي موسى جارية من مولدات الطائف تسمى عقيلة وقال: إني رضيتها لك، وكانت فارهة. وارتحل المغيرة والذين شهدوا عليه وهم أبو بكرة، ونافع بن كلدة، وزياد بن أمية، وشبل بن معبد البجلي. فلما قدموا على عمر جمع بينهم وبين المغيرة. فقال المغيرة: سئل هؤلاء الاعبد كيف رأوني ؟ مستقبلهم أو مستدبرهم ؟ وكيف رأوا المرأة وعرفوها، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم يستتروا ؟ أو مستدبري فكيف استحلوا النظر في منزلي على امرأتي ؟ والله ما أتيت إلا امرأتي وكانت تشبهها. فبدأ عمر بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال: كيف رأيتهما ؟ قال: مستدبرهما. قال: فكيف استبنت رأسها قال: تحاملت. ثم دعا شبل بن معبد فشهد بمثل ذلك، فقال استقبلتهما أم استدبرتهما ؟ قال: استقبلتهما. وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم. قال: رأيته جالسا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين يخفقان وأستين مكشوفتين، وسمعت حفزانا شديدا. قال: هل رأيت كالميل في المكحلة ؟ قال: لا. فهل تعرف المرأة ؟ قال: لا ولكن أشبهها. قال: فتنح. وروي أن عمر رضي الله عنه كبر عند ذلك ثم أمر بالثلاثة فجلدوا الحد وهو يقرأ قوله تعالى * (فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) * [ النور: 13 ] فقال المغيرة: اشفني من الاعبد. قال: اسكت أسكت الله فاك، والله لو تمت الشهادة لرجمناك بأحجارك.


(1) واسمه: الحجاج بن عبيد. (*)

[ 95 ]

فتح الاهواز ومناذر ونهر تيري قال ابن جرير: كان في هذه السنة، وقيل: في سنة ست عشرة. ثم روى من طريق سيف ؟ ن شيوخه أن الهرمزان كان قد تغلب على هذه الاقاليم وكان ممن فر يوم القادسية من الفرس، جهز أبو موسى من البصرة (1)، وعتبة بن غزوان من الكوفة جيشين لقتاله، فنصرهم الله عليه، أخذوا منه ما بين دجلة إلى دجيل، وغنموا من جيشه ما أرادوا، وقتلوا من أرادوا، ثم صانعهم طلب مصالحتهم عن بقية بلاده (2)، فشاروا في ذلك عتبة بن غزوان فصالحه، وبعث بالاخماس البشارة إلى عمر، وبعث وفدا فيهم الاحنف بن قيس. فأعجب عمر به وحظي عنده. وكتب إلى عتبة يوصيه به ويأمره بمشاورته والاستعانة برأيه. ثم نقض الهرمزان العهد والصلح، واستعان بطائفة من الاكراد، وغرته نفسه، وحسن له الشيطان عمله في ذلك. فبرز إليه المسلمون فنصروا عليه وقتلوا من جيشه جما غفيرا، وخلقا كثيرا، وجمعا عظيما، واستلبوا منه ما بيده من الاقاليم والبلدان إلى تستر، فتحصن بها، وبعثوا إلى عمر بذلك. وقد قال الاسود بن سريع في ذلك - وكان صحابيا رضي الله عنه -. لعمرك ما أضاع بنو أبينا * ولكن حافظوا فيمن يطيعوا أطاعوا ربهم وعصاه قوم * أضاعوا أمره فيمن يضيع مجوس لا ينهنهها كتاب * فلاقوا كبة فيها قبوع وولى الهرمزان على جواد * سريع الشد يثفنه الجميع وخلى سرة الاهواز كرها * غداة الجسر إذ نجم الربيع وقال حرقوص بن زهير السعدي وكان صحابيا أيضا: غلبنا الهرمزان على بلاد * لها في كل ناحية ذخائر سواء برهم والبحر فيها * إذا صارت نواحيها بواكر لها بجر يعج بجانبيه * جعافر لا يزال لها زواخر


(1) لم يأت الطبري في روايته على ذكر أبي موسى، الخبر فيه 4 / 208. وقال في فتوح البلدان: أن المغيرة بن شعبة غزا في ولايته سوق الاهواز وشخص عتبة من البصرة آخر سنة خمس عشرة أو أول سنة ست عشرة. وبعد نكث الهرمزان صلحه غزاها أبو موسى وكان قد تولى البصرة بعد المغيرة وذلك في سنة سبع عشرة 2 / 464. ويؤيده ما ذكره ابن الاعثم في فتوحه 2 / 3 في كتاب عمر إلى أبي موسى: " فقد بلغني أن الاعاجم قد تحركت بأرض الاهواز من تستر والسوس ومناذر وما والى ذلك.... سر على بركة الله ". (2) كان الصلح معه على الاهواز كلها ومهرجان خان ما خلا نهر تيري ومناذر وما غلبوا عليه من سوق الاهواز. (*)

[ 96 ]

فتح تستر المرة الاولى صلحا قال ابن جرير: كان ذلك في هذه السنة في قول سيف وروايته. وقال غيره: في سنة ست عشرة وقال غيره: كانت في سنة تسع عشرة. ثم قال ابن جرير: ذكر الخبر عن فتحها، ثم ساق من طريق سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا: ولما افتتح حرقوص بن زهير (1) سوق الاهواز، وفر الهرمزان بين يديه، فبعث في إثره جزء بن معاوية - وذلك عن كتاب عمر بذلك - فما زال جزء يتبعه حتى انتهى إلى رامهرمز فتحصن الهرمزان في بلادها، وأعجز جزءا تطلبه، واستحوذ جزء على تلك البلاد والاقاليم والاراضي، فضرب الجزية على أهلها، وعمر عامرها، وشق الانهار إلى خرابها ومواتها: فصارت في غاية العمارة والجودة. ولما رأى الهرمزان ضيق بلاده عليه لمجاورة المسلمين، طلب من جزء بن معاوية المصالحة، فكتب إلى حرقوص، فكتب حرقوص إلى عتبة بن غزوان، وكتب عتبة إلى عمر في ذلك. فجاء الكتاب العمري بالمصالحة على رامهرمز، وتستر، وجندسابور، ومدائن أخر من ذلك. فوقع الصلح على ذلك كما أمر به عمر رضي الله عنه (2). ذكر غزو بلاد فارس من ناحية البحرين عن ابن جرير عن سيف وذلك أن العلاء بن الحضرمي كان على البحرين في أيام الصديق، فلما كان عمر عزله عنها وولاها لقدامة بن مظعون. ثم أعاد العلاء بن الحضرمي إليها. وكان العلاء بن الحضرمي يباري سعد بن أبي وقاص. فلما افتتح سعد القادسية، وأزاح كسرى عن داره، وأخذ حدود ما يلي السواد، واستعلى وجاء بأعظم مما جاء به العلاء بن الحضرمي من ناحية البحرين. فأحب العلاء أن يفعل فعلا في فارس نظير ما فعله سعد فيهم، فندب الناس إلى حربهم، فاستجاب له أهل بلاده، فجزأهم أجزاء، فعلى فرقة الجارود بن المعلى، وعلى الاخرى السوار بن همام، وعلى الاخرى خليد بن المنذر بن ساوى، وخليد هو أمير الجماعة. فحملهم في البحر إلى فارس، وذلك بغير إذن عمر له في ذلك - وكان عمر يكره ذلك لان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ما أغزيا فيه المسلمين - فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا من عند اصطخر فحالت فارس بينهم وبين سفنهم، فقام في الناس خليد بن المنذر فقال: أيها الناس، إنما أراد هؤلاء القوم بصنيعهم هذا محاربتكم، وأنتم جئتم لمحاربتهم، فاستعينوا بالله وقاتلوهم، فإنما الارض والسفن لمن غلب، واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر


(1) حرقوص بن زهير السعدي، مدد عمر لعتبة بن غزوان بعد نقض الهرمزان صلحه (الطبري - الكامل). (2) انظر الطبري 4 / 211 وفتوح البلدان 2 / 464 - 465 والكامل: 2 / 545. وفتوح ابن الاعثم 2 / 9 فعند ابن الاعثم والبلاذري أن أبا موسى الاشعري تولى بنفسه صلح تستر. (*)

[ 97 ]

ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في مكان من الارض يدعى طاوس، ثم أمر خليد المسلمين فترجلوا وقاتلوا فصبروا، ثم ظفروا فقتلوا فارس مقتلة لم يقتلوا قبلها مثلها. ثم خرجوا يريدون البصرة فغرقت بهم سفنهم، ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا ووجدوا شهرك في أهل اصطخر قد أخذوا على المسلمين بالطرق، فعسكروا وامتنعوا من العدو. ولما بلغ عمر ما صنع العلاء بن الحضرمي، اشتد غضبه عليه، وبعث إليه فعزله وتوعده، وأمره بأثقل الاشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه. فقال: الحق بسعد بن أبي وقاص [ فيمن قبلك، فخرج بمن معه نحو سعد ] (1) مضافا إليه، وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان: إن العلاء بن الحضرمي خرج بجيش فأقطعهم أهل فارس وعصاني، وأظنه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم إن لا ينصروا، أن يغلبوا وينشبوا، فاندب إليهم الناس واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا. فندب عتبة المسلمين وأخبرهم بكتاب عمر إليه في ذلك، فانتدب جماعة من الامراء والابطال، منهم هاشم بن أبي وقاص، وعاصم بن عمرو، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، والاخنف بن قيس، وغيرهم، في اثني عشر ألفا. وعلى الجميع أبو سبرة بن أبي رهم. فخرجوا على البغال يجنبون الخيل سراعا، فساروا على الساحل لا يلقون أحدا حتى انتهوا إلى موضع الوقعة التي كانت بين المسلمين من أصحاب العلاء، وبين أهل فارس بالمكان المسمى بطاوس، وإذا خليد بن المنذر ومن معه من المسلمين محصورون قد أحاط بهم العدو من كل جانب، وقد تداعت عليهم تلك الامم من كل وجه، وقد تكاملت أمداد المشركين، ولم يبق إلا القتال. فقدم المسلمون إليهم في أحوج ما هم فيه إليهم، فالتقوا مع المشركين رأسا، فكسر أبو سبرة المشركين كسرة عظيمة، وقتل منهم مقتلة عظيمة جدا، وأخذ منهم أموالا جزيلة باهرة، واستنقذ خليدا ومن معه من المسلمين من أيديهم، وأعز به الاسلام وأهله، ودفع الشرك وذله ولله الحمد والمنة ثم عادوا إلى عتبة بن غزوان إلى البصرة. ولما استكمل عتبة فتح تلك الناحية، استأذن عمر في الحج فأذن له فسار إلى الحج واستخلف على البصرة أبا سبرة بن أبي رهم، واجتمع بعمر في الموسم، وسأله أن يقيله فلم يفعل، وأقسم عليه ليرجعن إلى عمله. فدعا عتبة الله عز وجل فمات ببطن نخلة، وهو منصرف من الحج، فتأثر عليه عمر وأثنى عليه خيرا، وولى بعده بالبصرة المغيرة بن شعبة، فوليها بقية تلك السنة والتي تليها، لم يقع في زمانه حدث، وكان مرزوق السلامة في عمله. ثم وقع الكلام في تلك المرأة من أبي بكرة فكان من أمره ما قدمنا. ثم بعث إليها أبا موسى الاشعري واليا عليها رضي الله عنهم.


(1) بياض بالاصل، وما بين معكوفين من الطبري. (*)

[ 98 ]

ذكر فتح تستر ثانية وأسر الهرمزان وبعثه إلى عمر بن الخطاب قال ابن جرير: كان ذلك في هذه السنة في رواية سيف بن عمر التميمي. وكان سبب ذلك أن يزدجرد كان يحرض أهل فارس في كل وقت ويؤنبهم بملك العرب بلادهم وقصدهم إياهم في حصونهم فكتب إلى أهل الاهواز وأهل فارس فتحركوا وتعاهدوا وتعاقدوا على حرب المسلمين، وأن يقصدوا البصرة. وبلغ الخبر إلى عمر، فكتب إلى سعد - وهو بالكوفة - أن ابعث جيشا كثيفا إلى الاهواز مع النعمان بن مقرن وعجل وليكونوا بإزاء الهرمزان (1)، وسمى رجالا من الشجعان الاعيان الامراء يكونون في هذا الجيش، منهم جرير بن عبد الله البجلي، وجرير بن عبد الله الحميري، والنعمان بن مقرن، وسويد بن مقرن: وعبد الله بن ذي السهمين. وكتب عمر إلى أبي موسى وهو بالبصرة أن ابعث إلى الاهواز جندا كثيفا وأمر عليهم سهيل (2) بن عدي، وليكن معه البراء بن مالك، وعاصم بن عمرو، ومجزأة بن ثور، وكعب بن ثور (3)، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، وعبد الرحمن بن سهل، والحصين بن معبد. وليكن على أهل الكوفة وأهل البصرة جميعا أبو سبرة بن أبي رهم، وعلى كل من أتاه من المدد. قالوا: فسار النعمان بن مقرن بجيش الكوفة فسبق البصريين فانتهى إلى رامهرمز (4) وبها الهرمزان، فخرج إليه الهرمزان في جنده ونقض العهد بينه وبين المسلمين، فبادره طمعا أن يقتطعه قبل مجئ أصحابه من أهل البصرة رجاء أن ينصر أهل فارس، فالتقى معه النعمان بن مقرن بأربل (5)، فاقتتلا قتالا شديدا، فهزم الهرمزان وفر إلى تستر، وترك رامهرمز فتسلمها النعمان عنوة وأخذ ما فيها من الحواصل والذخائر والسلاح والعدد. فلما وصل الخبر إلى أهل البصرة بما صنع الكوفيون بالهرمزان وأنه فر فلجأ إلى تستر، ساروا إليها ولحقهم أهل الكوفة حتى أحاطوا بها فحاصروها جميعا، وعلى الجميع أبو سبرة، فوجدوا الهرمزان قد حشد بها خلقا كثيرا، وجما غفيرا. وكتبوا إلى عمر في ذلك وسألوه أن يمدهم، فكتب إلى أبي موسى أن يسير إليهم. فسار إليهم - وكان أمير أهل البصرة واستمر أبو سبرة على الامرة (6) على جميع أهل الكوفة والبصرة، فحاصرهم أشهرا وكثر القتل من


(1) كذا بالاصل والطبري وفتوح البلدان والكامل، وفي فتوح ابن الاعثم: الهرمزدان أنو شروان. (2) في الطبري والكامل: سهل بن عدي أخو سهيل. (3) في الطبري: سور. (4) في فتوح البلان: أن أبا موسى هادن أهل رامهرمز ولما انقضت هدنتهم وجه إليهم أبا مريم الحنفي فصالحهم على ثماني مئة ألف درهم ثم غدروا ففتحها أبو موسى عنوة. (2 / 466 - 467) وفي ابن الاعثم أن النعمان وجرير ابن عبد الله افتتحا معا قلاع ومدينة رمهرمز بالسيف قسرا بعد أن هادنهم وأجلهم أبو موسى ستة أشهر 2 / 11. (5) في الطبري والكامل: اربك. (6) في فتوح البلدان وفتوح ابن الاعثم: أبو موسى كان الامير على الناس. وفي الطبري والكامل فكالاه. (*)

[ 99 ]

الفريقين، وقتل البراء بن مالك أخو أنس بن مالك يومئذ مائة مبارز سوى من قتل غير ذلك، وكذلك فعل كعب بن ثور، ومجزأة بن ثور، وأبو يمامة (1) وغيرهم من أهل البصرة، وكذلك أهل الكوفة قتل منهم جماعة مائة مبارزة كحبيب بن قرة، وربعي بن عامر، وعامر بن عبد الاسود وقد تزاحفوا أياما متعددة، حتى إذا كان في آخر زحف قال المسلمون للبراء بن مالك - وكان مجاب الدعوه -: يا براء اقسم على ربك ليهزمنهم لنا. فقال: اللهم اهزمهم لنا، واستشهدني قال: فهزمهم المسلمون حتى أدخلوهم خنادقهم واقتحموها عليهم، ولجأ المشركون إلى البلد فتحصنوا به، وقد ضاقت بهم البلد، وطلب رجل (2) من أهل البلد الامان من أبي موسى فأمنه، فبعث يدل المسلمين على مكان يدخلون منه إلى البلد، وهو من مدخل الماء إليها، فندب الامراء الناس إلى ذلك فانتدب رجال من الشجعان والابطال، وجاؤا فدخلوا مع الماء - كالبط - إلى البلد، وذلك في الليل، فيقال كان أول من دخلها عبد الله بن مغفل المزني (3)، وجاؤا إلى البوابين فأناموهم وفتحوا الابواب، وكبر المسلمون فدخلوا البلد، وذلك في وقت الفجر إلى أن تعالى النهار، ولم يصلوا الصبح يومئذ إلا بعد طلوع الشمس - كما حكاه البخاري عن أنس بن مالك قال: شهدت فتح تستر، وذلك عند صلاة الفجر، فاشتغل الناس بالفتح فما صلوا الصبح إلا بعد طلوع الشمس - فما أحب أن لي بتلك الصلاة حمر النعم. احتج بذلك البخاري لمكحول والاوزاعي في ذهابهما إلى جواز تأخير الصلاة لعذر القتال. وجنح إليه البخاري واستدل بقصة الخندق في قوله عليه السلام " شغلونا عن الصلاة الوسطى ملا الله قبورهم وبيوتهم نارا (4) " وبقوله يوم بني قريظة " لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة (5) " فأخرها فريق من الناس إلى بعد غروب الشمس، ولم يعنفهم، وقد تكلمنا على ذلك في غزوة الفتح. والمقصود أن الهرمزان لما فتحت البلد لجأ إلى القلعة فتبعه جماعة من الابطال ممن ذكرنا وغيرهم فلما حصروه في مكان من القلعة ولم يبق إلا تلافه أو تلافهم، قال لهم بعد ما قتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور رحمهما الله: إن معي جعبة فيها مائة سهم، وإنه لا يتقدم إلي أحد منكم إلا رميته بسهم قتلته. ولا يسقط لي سهم إلا في رجل منكم، فماذا ينفعكم إن أسرتموني بعدما قتلت منكم مائة رجل ؟ قالوا: فماذا تريد ؟ قال: تؤمنوني حتى أسلمكم يدي فتذهبوا بي إلى عمر بن


(1) في الطبري: أبو تميمة. (2) في فتوح ابن الاعثم ذكر اسمه: نسيبه بن دارنه. وفي الاخبار الطوال: سينة. (3) في فتوح ابن الاعثم عوف بن مجزأة. وفي فتوح البلدان 2 / 468: رجل من بني شيبان يقال له أشرس بن عوف وفي الاخبار الطوال ص (131) مثل فتوح البلدان. (4) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (98) باب ح‍ (2931) فتح الباري 6 / 105. وفي المغازي ح‍ (4111) ومسلم في كتاب المساجد (36) باب. ح‍ 204. (5) أخرجه البخاري في المغازي فتح الباري 7 / 407 ومسلم في الجهاد ح‍ (69) ص (1391). (*)

[ 100 ]

الخطاب فيحكم في بما يشاء. فأجابوه إلى ذلك فألقى قوسه ونشابه وأسروه فشدوه وثاقا وأرصدوه ليبعثوه إلى أمير المؤمنين عمر، ثم تسلموا ما في البلد من الاموال والحواصل فاقتسموا أربعة أخماسه فنال كل فارس ثلاثة آلاف وكل راجل ألف درهم. فتح السويس ثم ركب أبو سبرة في طائفة من الجيش ومعه أبو موسى الاشعري والنعمان بن مقرن، واستصحبوا معهم الهرمزان، وساروا في طلب المنهزمين من الفرس حتى نزلوا على السوس، فأحاطوا بها. وكتب أبو سبرة إلى عمر فجاء الكتاب بأن يرجع أبو موسى إلى البصرة، وأمر عمر زر ابن عبد الله بن كليب العقيمي (1) - وهو صحابي - أن يسير إلى جندسابور، فسار. ثم بعث أبو سبرد بالخمس وبالهرمزان مع وفد فيهم أنس بن مالك والاحنف بن قيس، فلما اقتربوا من المدينة هيؤا الهرمزان بلبسه الذي كان يلبسه من الديباج والذهب المكلل بالياقوت واللآلئ. ثم دخلوا المدينة وهو كذلك فتيمموا به منزل أمير المؤمنين، فسألوا عنه فقالوا: إنه ذهب إلى المسجد بسبب وفد من الكوفة. فجاؤا المسجد فلم يروا أحدا فرجعوا، فإذا غلمان يلعبون فسألوهم عنه فقالوا: إنه نائم في المسجد متوسدا برنسا له. فرجعوا إلى المسجد فإذا هو متوسد برنسا له كان قد لبسه للوفد، فلما انصرفوا عنه توسد البرنس ونام وليس في المسجد غيره، والدرة معلقة في يده. فقال الهرمزان: أين عمر ؟ فقالوا: هو ذا. وجعل الناس يخفضون أصواتهم لئلا ينبهوه، وجعل الهرمزان يقول: وأين حجابه ؟ أين حرسه ؟ فقالوا: ليس له حجاب ولا حرس، ولا كاتب ولا ديوان. فقال: ينبغي أن يكون نبيا. فقالوا: بل يعمل عمل الانبياء. وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسا، ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان ؟ قالوا: نعم. فتأمله وتأمل ما عليه ثم قال: أعوذ بالله من النار وأستعين بالله. ثم قال: الحمد لله الذي أذل بالاسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غدارة (2). فقال له الوفد: هذا ملك الاهواز فكلمه. فقال: لا حتى لا يبقى عليه من حليته شئ. ففعلوا ذلك وألبسوه ثوبا صفيقا، فقال عمر: يا هرمزان كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله ؟ فقال: يا عمر: إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم، إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا. ثم قال: ما عذرك وما حجتك في انقاضك مرة بعد مرة ؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك. قال: لا تخف ذلك. فاستسقى الهرمزان ماء فأتي به في قدح غليظ (3)، فقال: لو


(1) في الطبري والكامل: الفقيمي. وفي فتوح البلدان أن أبا موسى سار إلى جنديسابور فطلبوا الامان وصالحهم 2 / 470. (2) في الطبري: غرارة. (3) في ابن الاعثم: من خشب. (*)

[ 101 ]

مت عطشا لم أستطع أن أشرب في هذا. فأتي به في قدح آخر يرضاه فلما أخذه جعلت يده ترعد، وقال: إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب. فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه فأكفأه. فقال عمر: أعيدوه عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش. فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأنس (1) به. فقال له عمر: إني قاتلك، فقال: إنك أمنتني. قال: كذبت: فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ويحك يا أنس أنا أؤمن من قتل مجزأة والبراء ؟ لتأتيني بمخرج وإلا عاقبتك، قال: قلت لا بأس عليك حتى تخبرني. وقلت: لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له من حوله مثل ذلك. فأقبل على الهرمزان فقال: خدعتني والله لا أنخدع إلا أن تسلم. فأسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة. وفي رواية أن الترجمان بين عمر وبين الهرمزان كان المغيرة بن شعبة، فقال له عمر: قل له من أي أرض أنت ؟ قال مهرجاني. قال: تكلم بحجتك. فقال: أكلام حي أم ميت ؟ قال: بل كلام حي. فقال قد أمنتني، فقال خدعتني ولا أقبل ذلك إلا أن تسلم. فأسلم ففرض له في ألفين وأنزله المدينة. ثم جاء زيد فترجم بينهما أيضا. قلت: وقد حسن إسلام الهرمزان وكان لا يفارق عمر حتى قتل عمر فاتهمه بعض الناس بممالاة أبي لؤلؤة هو وجفينة، فقتل عبيد الله بن عمر الهرمزان وجفينة على ما سيأتي تفصيله. وقد روينا أن الهرمزان لما علاه عبيد الله بالسيف قال: لا إله إلا الله. وأما جفينة فصلب على وجهه. والمقصود أن عمر كان يحجر على المسلمين أن يتوسعوا في بلاد العجم خوفا عليهم من العجم، حتى أشار عليه الاحنف بن قيس بأن المصلحة تقتضي توسعهم في الفتوحات فإن الملك يزدجرد لا يزال يستحثهم على قتال المسلمين، وإن لم يستأصل شأو العجم وإلا طمعوا في الاسلام وأهله، فاستحسن عمر ذلك منه وصوبه. وأذن للمسلمين في التوسع في بلاد العجم، ففتحوا بسبب ذلك شيئا كثيرا، ولله الحمد. وأكثر ذلك وقع في سنة ثماني عشرة كما سيأتي بيانه فيها. ثم نعود إلى فتح السوس وجندسابور وفتح نهاوند في قول سيف. كان قد تقدم أن أبا سبرة سار بمن معه من علية الامراء من تستر إلى السوس، فنازلها حينا وقتل من الفريقين خلق كثير، فأشرف عليه علماء أهلها فقالوا: يا معشر المسلمين لا تتعبوا في حصار هذا البلد فإنا نأثر فيما نرويه عن قدمائنا من أهل هذا البلد أنه لا يفتحه إلا الدجال أو قوم معهم الدجال، واتفق أنه كان في جيش أبي موسى الاشعري صاف بن صياد، فأرسله أبو موسى فيمن يحاصره، فجاء إلى الباب فدقه برجله فتقطعت السلاسل، وتكسرت الاغلاق، ودخل المسلمون البلد فقتلوا من وجدوا حتى نادوا بالامان ودعوا إلى الصلح فأجابوهم إلى ذلك، وكان على السوس شهريار (2) أخو


(1) في الطبري: أستأمن. (2) في فتوح ابن الاعثم: سابور ابن آذرماهان 2 / 6. (*)

[ 102 ]

الهرمزان، فاستحوذ المسلمون على السوس، وهو بلد قديم العمارة في الارض يقال إنه أول بلد وضع على وجه الارض. والله أعلم. وذكر ابن جرير أنهم وجدوا قبر دانيال بالسوس، وأن أبا موسى لما قدم بها بعد مضي أبي سبرة إلى جندي سابور، كتب إلى عمر في أمره فكتب إليه أن يدفنه وأن يغيب عن الناس موضع قبره، ففعل (1). وقد بسطنا ذلك في سيرة عمر ولله الحمد. قال ابن جرير: وقال بعضهم أن فتح السوس ورامهز وتسيير الهرمزان من تستر إلى عمر في سنة عشرين والله أعلم. وكان الكتاب العمري قد ورد بأن النعمان بن مقرن يذهب إلى أهل نهاوند فسار إليها فمر بماه - بلدة كبيرة قبلها - فافتتحها ثم ذهب إلى نهاوند ففتحها. ولله الحمد. قلت: المشهور أن فتح نهاوند إنما وقع في سنة إحدى وعشرين كما سيأتي فيها بيان ذلك، وهي وقعة عظيمة وفتح كبير، وخبر غريب ونبأ عجيب، وفتح زر بن عبد الله الفقيمي مدينة جندي سابور (2) فاستوثقت تلك البلاد للمسلمين. هذا وقد تحول يزدجرد من بلد إلى بلد، حتى انتهى أمره إلى الاقامة بأصبهان، وقد كان صرف طائفة من أشراف أصحابه قريبا من ثلثمائة من العظماء عليهم رجل يقال له سياه، فكانوا يفرون من المسلمين من بلد إلى بلد حتى فتح المسلمون تستر واصطخر، فقال سياه لاصحابه: إن هؤلاء بعد الشقاء والذلة ملكوا أماكن الملوك الاقدمين، ولا يلقون جندا إلا كسروه، والله ما هذا عن باطل. - ودخل في قلبه الاسلام وعظمته - فقالوا له: نحن تبع لك. وبعث عمار بن ياسر في غضون ذلك يدعوهم إلى الله، فأرسلوا إلى أبي موسى الاشعري بإسلامهم، وكتب فيهم إلى عمر في ذلك، فأمره أن يفرض لهم في ألفين ألفين، وفرض لستة منهم في ألفين وخمسمائة، وحسن إسلامهم، وكان لهم نكاية عظيمة في قتال قومهم حتى بلغ من أمرهم أنهم حاصروا حصنا فامتنع عليهم فجاء أحدهم فرمى بنفسه في الليل على باب الحصن وضمخ ثيابه بدم، فلما نظروا إليه حسبوا أنه منهم، ففتحوا إليه باب الحصن ليأووه فثار إلى البواب فقتله، وجاء بقية أصحابه ففتحوا ذلك الحصن، وقتلوا من فيه من المجوس. إلى غير ذلك من الامور العجيبة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وذكر ابن جرير أن عمر بن الخطاب عقد الالوية والرايات الكبيرة في بلاد خراسان والعراق لغزو فارس والتوسع في بلادهم كما أشار عليه بذلك الاحنف بن قيس، فحصل بسبب ذلك فتوحات كثيرة في السنة المستقبلة بعدها كما سنبينه وننبه عليه ولله الحمد والمنة.


(1) ذكرت مضامين هذه الرسالة في مصادرها مختصرة فقال الطبري: " وكتب إلى عمر فيه، فكتب إليه يأمره بتوريته " وقال ابن الاثير في الكامل: " فاستأذنوا عمر فيه فأمر بدفنه " وقال البلاذري: " فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر: أن كفنه وادفنه. فسكر أبو موسى نهرا حتى إذا انقطع، دفنه، ثم اجرى الماء عليه ". (2) في الاصل جند سابور، والتصحيح من الطبري. (*)

[ 103 ]

قال: وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ثم ذكر نوابه على البلاد، وهم من ذكر في السنة قبلها غير المغيرة فإن على البصرة بدله أبو موسى الاشعري. قلت: وقد توفي في هذه السنة أقوام قيل إنهم توفوا قبلها وقد ذكرناهم، وقيل فيما بعدها وسيأتي ذكرهم في أماكنهم والله تعالى أعلم. ثم دخلت سنة ثماني عشرة المشهور الذي عليه الجمهور أن طاعون عمواس كان بها، وقد تبعنا قول سيف بن عمر وابن جرير في إيراده ذلك في السنة التي قبلها، لكنا نذكر وفاة من مات في الطاعون في هذه السنة إن شاء الله تعالى، قال ابن إسحاق، وأبو معشر: كان في هذه السنة طاعون عمواس وعام الرمادة، فتفانى فيهما الناس. قلت: كان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز، وجاع الناس جوعا شديدا. وقد بسطنا القول في ذلك في سيرة عمر. وسميت عام الرمادة لان الارض اسودت من قلة المطر حتى عاد لونها شبيها بالرماد. وقيل: لانها تسفى الريح ترابا كالرماد. ويمكن أن تكون سميت لكل منهما. والله أعلم. وقد أجدبت الناس في هذه السنة بأرض الحجاز، وجفلت الاحياء إلى المدينة ولم يبق عند أحد منهم زاد فلجأوا إلى أمير المؤمنين فأنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه من الاطعمة والاموال حتى أنفده، وألزم نفسه أن لا يأكل سمنا ولا سمينا حتى يكشف ما بالناس، فكان في زمن الخصيب يبث له الخبز باللبن والسمن، ثم كان عام الرمادة يبث له بالزيت والخل، وكان يستمرئ الزيت. وكان لا يشبع مع ذلك، فاسود لون عمر رضي الله عنه وتغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف. واستمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر، ثم تحول الحال إلى الخصب والدعة وانشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم. قال الشافعي: بلغني أن رجلا من العرب قال لعمر حين ترحلت الاحياء عن المدينة: لقد انجلت عنك ولانك لابن حرة. أي واسيت الناس وأنصفتهم وأحسنت إليهم. وقد روينا أن عمر عس المدينة ذات ليلة عام الرمادة فلم يجد أحدا يضحك، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، ولم ير سائلا يسأل، فسأل عن سبب ذلك فقيل له: يا أمير المؤمنين إن السؤال سألوا فلم يعطوا فقطعوا السؤال، والناس في هم وضيق فهم لا يتحدثون ولا يضحكون. فكتب عمر إلى أبي موشى بالبصرة أن يا غوثاه لامة محمد. وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر أن يا غوثاه لامة محمد. فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الاطعمات، ووصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة ومن جدة إلى مكة. وهذا الاثر جيد الاسناد، لكن ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة مشكل، فإن مصر لم تكن فتحت في سنة ثماني عشرة، فإما أن يكون عام الرمادة بعد سنة ثماني عشرة، أو يكون ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة وهم. والله أعلم.

[ 104 ]

وذكر سيف عن شيوخه أن أبا عبيدة قدم المدينة ومعه أربعة آلاف راحلة تحمل طعاما، فأمره عمر بتفريقها في الاحياء حول المدينة، فلما فرغ من ذلك أمر له بأربعة آلاف درهم فأبى أن يقبلها، فلح عليه عمر حتى قبلها. وقال سيف بن عمر عن سهل بن يوسف السلمي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة، وأول سنة ثماني عشرة، أصاب أهل المدينة وما حولها جوع فهلك كثير من الناس، حتى جعلت الوحش تأوي إلى الانس، فكان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل الامصار حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر فقال: أنا رسول رسول الله إليك، يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد عهدتك كيسا، وما زلت على ذلك (1)، فما شأنك " ؟ قال: متى رأيت هذا ؟ قال: البارحة. فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة، فصلى بهم ركعتين ثم قام فقال: أيها الناس أنشدكم الله هل تعلمون مني أمرا غيره خير منه ؟ فقالوا: اللهم لا، فقال: إن بلال بن الحارث يزعم ذية وذية. قالوا: صدق بلال فاستغث بالله ثم بالمسلمين. فبعث إليهم - وكان عمر عن ذلك محصورا - فقال عمر: الله أكبر، بلغ البلاء مدته فانكشف. ما أذن لقوم في الطلب إلا وقد رفع عنهم الاذى والبلاء. وكتب إلى أمراء الامصار أن أغيثوا أهل المدينة ومن حولها، فإنه قد بلغ جهدهم. وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه العباس بن عبد المطلب ماشيا، فخطب وأوجز وصلى ثم جثى لركبتيه وقال: اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا. ثم انصرف فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا الغدران. ثم روى سيف عن مبشر بن الفضيل، عن جبير بن صخر، عن عاصم بن عمر بن الخطاب: أن رجلا من مزينة عام الرمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة فقال: ليس فيهن شئ. فألحوا عليه فذبح شاة فإذا عظامها حمر فقال يا محمداه. فلما أمسى أرى في المنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: " أبشر بالحياة، إيت عمر فأقره مني السلام وقل له إن عهدي بك وفي العهد شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر "، فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه استأذن لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتى عمر فأخبره ففزع، ثم صعد عمر المنبر فقال للناس: أنشدكم الله الذي هداكم للاسلام هل رأيتم مني شيئا تكرهونه ؟ فقالوا: اللهم لا، وعم ذاك ؟ فأخبرهم بقول المزني - وهو بلال بن الحارث - ففطنوا ولم يفطن. فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا. فنادى في الناس فخطب فأوجز ثم صلى ركعتين فأوجز ثم قال: اللهم عجزت عنا أنصارنا، وعجز عنا حولنا وقوتنا، وعجزت عنا أنفسنا، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم اسقنا وأحيي العباد والبلاد.


(1) في الطبري: وما زلت على رجل. (*)

[ 105 ]

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي قالا: حدثنا أبو عمر بن مطر، حدثنا إبراهيم (1) بن علي الذهلي، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن أبي صالح عن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق الله لامتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: إيت عمر فأقره (2) مني السلام واخبرهم أنهم مسقون، وقل له عليك بالكيس الكيس. فأتى الرجل فأخبر عمر فقال: يا رب ما آلوا إلا ما عجزت عنه (3). وهذا إسناد صحيح. وقال الطبراني: حدثنا أبو مسلم الكشي، حدثنا أبو محمد الانصاري، ثنا أبي، عن ثمامة ابن عبد الله بن أنس، عن أنس أن عمر خرج يستسقي وخرج بالعباس معه يستسقي يقول: اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبينا توسلنا إليك بنبينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا صلى الله عليه وسلم. وقد رواه البخاري عن الحسن بن محمد عن محمد بن عبد الله به ولفظه " عن أنس أن عمر كان إذا قحطوا يستسقي بالعباس بن عبد المطلب فيقول: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون (4). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا - في كتاب المطر وفي كتاب مجابي الدعوة - حدثنا أبو بكر النيسابوري ثنا عطاء بن مسلم، عن العمري عن خوات بن جبير قال: خرج عمر يستسقي بهم فصلى ركعتين فقال: اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك فما برح من مكانه حتى مطروا فقدم أعراب فقالوا: يا أمير المؤمنين بينا نحن في وادينا في ساعة كذا إذ أظلتنا غمامة فسمعنا منها صوتا: أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص. وقال ابن أبي الدنيا: ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان عن مطرف بن طريف عن الشعبي قال: خرج عمر يستسقي بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع فقالوا يا أمير المؤمنين ما نراك استسقيت. فقال: لقد طلبت المطر بمحاديج السماء التي يستنزل بها المطر ثم قرأ * (استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا) * [ نوح: 11 ] ثم قرأ * (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) * الآية [ هود: 3 ]. وذكر ابن جرير في هذه السنة من طريق سيف بن عمر، عن أبي المجالد والربيع وأبي عثمان وأبي حارثة وعن عبد الله بن شبرمة عن الشعبي قالوا: كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب أن نفرا


(1) في دلائل البيهقي: أبو بكر بن علي الذهلي. (2) في الدلائل: فاقرئه. (3) روى الخبر البيهقي في الدلائل 7 / 47. (4) أخرجه البخاري في الاستسقاء، باب (3) ح‍ (1010) فتح الباري (2 / 494). ورواه البيهقي في الدلائل من طريق يعقوب بن سفيان ج 6 / 147. (*)

[ 106 ]

من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار وأبو جندل بن سهل، فسألناهم فقالوا: خيرنا فاخترنا. قال فهل أنتم منتهون ؟ ولم يعزم. فجمع عمر الناس فأجمعوا على خلافهم، وأن المعنى: فهل أنتم منتهون أي انتهوا. وأجمعوا على جلدهم ثمانين ثمانين. وأن من تأول هذا التأويل وأصر عليه يقتل. فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعهم فسلهم عن الخمر، فإن قالوا هي حلال فاقتلهم، وإن قالوا: هي حرام فاجلدهم. فاعترف القوم بتحريمها، فجلدوا الحد وندموا على ما كان منهم من اللجاجة فيما تأولوه، حتى وسوس أبو جندل في نفسه، فكتب أبو عبيدة إلى عمر في ذلك، وسأله أن يكتب إلى أبي جندل ويذكره، فكتب إليه عمر بن الخطاب في ذلك، من عمر إلى أبي جندل، إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فتب وارفع رأسك وابرز ولا تقنط فإن الله تعالى يقول * (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) * [ الزمر: 53 ] وكتب عمر إلى الناس: إن عليكم أنفسكم ومن غير فغيروا عليه، ولا تعيروا أحدا فيفشو فيكم البلاء، وقد قال أبو الزهراء القشيري في ذلك. ألم تر أن الدهر يعثر بالفتى * وليس على صرف المنون بقادر صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي * ولست عن الصهباء يوما بصابر (1) رماها أمير المؤمنين بحتفها * فخلانها يبكون حول المقاصر قال الواقدي وغيره: وفي هذه السنة في ذي الحجة منها حول عمر المقام - وكان ملصقا بجدار الكعبة - فأخره إلى حيث هو الآن لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين. قلت: قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر ولله الحمد والمنة. قال: وفيها استقضى عمر شريحا على الكوفة، وكعب بن سور على البصرة. قال وفيها حج عمر بالناس وكانت نوابه فيها الذين تقدم ذكرهم في السنة الماضية، وفيها فتحت الرقة والرها وحران على يدي عياض بن غنم. قال: وفتحت رأس عين الوردة على يدي عمر (2) بن سعد بن أبي وقاص. وقال غيره خلاف ذلك. وقال شيخنا الحافظ الذهبي في تاريخه: وفيها - يعني هذه السنة - افتتح أبو موسى الاشعري الرها وشمشاط عنوة، وفي أوائلها وجه أبو عبيدة عياض بن غنم إلى الجزيرة فوافق أبا موسى فافتتحها حران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة، وقيل صلحا. وفيها سار عياض إلى الموصل فافتتحها وما حولها عنوة. وفيها بنى سعد جامع الكوفة. وقال الواقدي: وفيها كان طاعون عمواس فمات فيه خمسة وعشرون ألفا. قلت: هذا الطاعون منسوب إلى بلدة صغيرة يقال لها عمواس - وهي بين القدس والرملة - لانها كان أول ما نجم الداء بها، ثم انتشر في الشام منها فنسب إليها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال الواقدي توفي: في


(1) الصهباء: الخمرة. (2) انظر الحاشية رقم 2 ص 88 من هذا الجزء. (*)

[ 107 ]

عام طاعون عمواس من المسلمين بالشام خمسة وعشرون ألفا. وقال غيره: ثلاثون ألفا. وهذا ذكر طائفة من أعيانهم رضي الله عنهم. الحارث بن هشام أخو أبي جهل أسلم يوم الفتح، وكان سيدا شريفا في الاسلام كما كان في الجاهلية، استشهد بالشام في هذه السنة في قول، وتزوج عمر بعده بامرأته فاطمة. شرحبيل بن حسنة أحد أمراء الارباع، وهو أمير فلسطين، وهو شرحبيل بن عبد الله بن المطاع بن (1) قطن الكندي حليف بني زهرة، وحسنة أمه، نسب إليها وغلب عليه ذلك. أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة وجهزه الصديق إلى الشام، فكان أميرا على ربع الجيش، وكذلك في الدولة العمرية، وطعن هو وأبو عبيدة وأبو مالك الاشعري في يوم واحد سنة ثماني عشرة. له حديثان روى ابن ماجه أحدهما في الوضوء وغيره. عامر بن عبد الله بن الجراح ابن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي أبو عبيدة بن الجراح الفهري، أمين هذه الامة، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخمسة الذين أسلموا في يوم واحد، وهم عثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الاسد، وأبو عبيدة بن الجراح. أسلموا على يدي الصديق. ولما هاجروا آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن معاذ، وقيل بين محمد بن مسلمة. وقد شهد بدرا وما بعدها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح (2) " ثبت ذلك في الصحيحين. وثبت في الصحيحين أيضا أن الصديق قال يوم السقيفة: وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوه - يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة - وبعثه الصديق أميرا على ربع الجيش إلى الشام، ثم لما انتدب خالدا من العراق كان أميرا على أبي عبيدة وغيره لعلمه بالحروب. فلما انتهت الخلافة إلى عمر عزل


(1) في الاصابة: بن عبد الله بن الغطريف بن عبد العزي بن جثامة بن مالك الكندي. وفي الاستيعاب: بن المطاع بن عمرو من كندة. وقال موسى بن عقبة من بني جمح. وقال الزبير: تبنته حسنة زوجة سفيان بن معمر بن حبيب الجمحي وليس بابن لها. (2) أخرجاه من طريق أبي قلابة عن أنس، والبخاري نحوه من حديث حذيفة. وأخرج الامام أحمد من طريق عفان عن حماد عن ثابت عن أنس. (*)

[ 108 ]

خالدا وولى أبا عبيدة بن الجراح، وأمره أن يستشير خالدا، فجمع للامة بين أمانة أبي عبيدة وشجاعة خالد. قال ابن عساكر: وهو أول من سمي أمير الامراء بالشام. قالوا: وكان أبو عبيدة طوالا نحيفا أجنى معروق الوجه، خفيف اللحية، أهتم، وذلك لانه لما انتزع الحلقتين من وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد خاف أن يؤلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحامل على ثنيتيه فسقطتا، فما رأى أحسن هتما منه. توفي بالطاعون عام عمواس كما تقدم سياقه في سنة ست عشرة عن سيف بن عمر. والصحيح أن عمواس كانت في هذه السنة - سنة ثماني عشرة - بقرية فحل، وقيل بالجابية. وقد اشتهر في هذه الاعصار قبر بالقرب من عقبة ينسب إليه والله أعلم. وعمره يوم مات ثمان وخمسون سنة. الفضل بن عباس بن عبد المطلب كان حسنا وسيما جميلا، أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه يوم النحر من حجة الوداع، وهو شاب حسن، وقد شهد فتح الشام، واستشهد بطاعون عمواس، في قول محمد بن سعد والزبير بن بكار وأبي حاتم وابن الرقي وهو الصحيح. وقيل يوم مرج الصفر، وقيل بأجنادين. ويقال باليرموك سنة ثمان وعشرين. معاذ بن جبل ابن عمرو بن أوس بن عابد بن عدي بن كعب بن عمرو بن أدى بن علي بن أسد بن ساردة ابن يزيد بن جشم بن الخزرج الانصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن المدني صحابي جليل كبير القدر. قال الواقدي: كان طوالا حسن الشعر والثغر براق الثنايا، لم يولد له. وقال غيره: بل ولد له ولد وهو عبد الرحمن. شهد معه اليرموك. وقد شهد معاذ العقبة. ولما هاجر الناس آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين ابن مسعود. وحكى الواقدي الاجماع على ذلك. وقد قال محمد بن إسحق: آخى بينه وبين جعفر بن أبي طالب. وشهد بدرا وما بعدها. وكان أحد الاربعة من الخزرج، الذين جمعوا القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد عمر بن أنس بن مالك. وصح في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي من حديث حيوة بن شريح عن عقبة بن مسلم عن أبي عبد الرحمن الجيلي عن الصنابحي. عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له " يا معاذ والله إني لاحبك فلا تدعن أن تقول في دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " وفي المسند والنسائي وابن ماجه من طريق أبي قلابة عن أنس مرفوعا " وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل " وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وقال له " بم تحكم " ؟ فقال: بكتاب الله وبالحديث. وكذلك أقره الصديق على ذلك يعلم الناس الخير

[ 109 ]

باليمن. ثم هاجر إلى الشام فكان بها حتى مات بعد ما استخلفه أبو عبيدة حين طعن ثم طعن بعده في هذه السنة. وقد قال عمر بن الخطاب. إن معاذا يبعث أمام العلماء بربوة. ورواه محمد ابن كعب مرسلا. وقال ابن مسعود: كنا نشبهه بإبراهيم الخليل. وقال ابن مسعود: إن معاذا كان قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين. وكانت وفاته شرقي غوربيسان سنة ثماني عشرة. وقيل سنة تسع عشرة وقيل سبع عشرة، عن ثمان وثلاثين (1) سنة على المشهور وقيل غير ذلك والله أعلم. يزيد بن أبي سفيان أبو خالد صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الاموي، أخو معاوية، وكان يزيد أكبر وأفضل. وكان يقال له يزيد الخير، أسلم عام (2) الفتح، وحضر حنينا وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من الابل وأربعين أوقية، واستعمله الصديق على ربع الجيش إلى الشام، وهو أول أمير وصل إليها، ومشى الصديق في ركابه يوصيه، وبعث معه أبا عبيدة وعمرو ابن العاص وشرحبيل بن حسنة فهؤلاء أمراء الارباع. ولما افتتحوا دمشق دخل هو من باب الجابية الصغير عنوة كخالد في دخوله من الباب الشرقي عنوة وكان الصديق قد وعده بأمرتها، فوليها عن أمر عمر وأنفذ له ما وعده الصديق، وكان أول من وليها من المسلمين. المشهور أنه مات في طاعون عمواس كما تقدم. وزعم الوليد بن مسلم أنه توفي سنة تسع عشرة بعد ما فتح قيسارية. ولما مات كان قد استخلف أخاه معاوية على دمشق فأمضى عمر بن الخطاب له ذلك رضي الله عنهم. وليس له في الكتب شئ، وقد روى عنه أبو عبد الله الاشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مثل الذي يصلي ولا يتم ركوعه ولا سجوده مثل الجائع الذي لا يأكل إلا التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شيئا ". أبو جندل بن سهيل ابن عمرو، وقيل اسمه العاص (3) أسلم قديما وقد جاء يوم صلح الحديبية مسلما يرسف في قيوده لانه كان قد استضعف فرده أبوه وأبى أن يصالح حتى يرد، ثم لحق أبو جندل بأبي بصير إلى سيف البحر، ثم هاجر إلى المدينة وشهد فتح الشام. وقد تقدم أنه تأول آية الخمر ثم رجع،


(1) في الاصابة: أربع وثلاثين سنة وكذا قال سعيد بن المسيب. (2) في الاستيعاب: يوم فتح مكة. وفي الاصابة: من مسلمة الفتح. (3) في الاصابة: عبد الله، وقال في الاستيعاب عبد الله أخاه، وقال الزبير: اسم أبي جندل سهيل بن عمرو بن سهيل. (*)

[ 110 ]

ومات بطاعون عمواس رحمه الله ورضي عنه * أبو عبيدة بن الجراح هو عامر بن عبد الله تقدم * أبو مالك الاشعري، قيل اسمه كعب بن عاصم قدم مهاجرا سنة خيبر مع أصحاب السفينة، وشهد ما بعدها، واستشهد بالطاعون عام عمواس هو وأبو عبيدة ومعاذ في يوم واحد رضي الله عنهم أجمعين. ثم دخلت سنة تسع عشرة قال الواقدي وغيره: كان فتح المدائن وجلولاء فيها. والمشهور خلاف ما قال كما تقدم. وقال محمد ابن إسحق: كان فتح الجزيرة والرها وحران ورأس العين ونصيبين في هذه السنة. وقد خالفه غيره. وقال أبو معشر وخليفة وابن الكلبي: كان فتح قيسارية في هذه السنة وأميرها معاوية. وقال غيره يزيد بن أبي سفيان. وقد تقدم أن معاوية افتتحها قبل هذا بسنتين. وقال محمد بن إسحق كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل وفتح مصر في سنة عشرين. وقال سيف بن عمر: كان فتح قيسارية وفتح مصر في سنة ست عشرة. قال ابن جرير: فأما فتح قيسارية فقد تقدم، وأما فتح مصر فإني سأذكره في سنة عشرين إن شاء الله تعالى. قال الواقدي: وفي هذه السنة ظهرت نار من حرة ليلا فأراد عمر أن يخرج بالرجال إليها، ثم أمر المسلمين بالصدقة فطفئت ولله الحمد. ويقال كان فيها وقعة أرمينية، وأميرها عثمان بن أبي العاص، وقد أصيب فيها صفوان بن المعطل بن رخصة السامي ثم الذكواني، وكان أحد الامراء يومئذ. وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما علمت عليه إلا خيرا " وهو الذي ذكره المنافقون في قصة الافك فبرأ الله ساحته، وجناب أم المؤمنين زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قالوا. وقد كان إلى حين قالوا لم يتزوج، ولهذا قال والله ما كشفت كنف أنثى قط. ثم تزوج بعد ذلك، وكان كثير النوم ربما غلب عليه عن صلاة الصبح في وقتها، كما جاء في سنن أبي داود وغيره. وكان شاعرا ثم حصلت له شهادة في سبيل الله. قيل بهذا البلد، وقيل بالجزيرة، وقيل بشمشاط. وقد تقدم بعض هذا فيما سلف. وفيها فتحت تكريت في قول والصحيح قبل ذلك، وفيها فيما ذكرنا أسرت الروم عبد الله بن حذافة. وفيها في ذي الحجة منها كانت وقعة بأرض العراق قتل فيها أمير المجوس شهرك، وكان أمير المسلمين يومئذ الحكم بن أبي العاص رضي الله عنه. قال ابن جرير وفيها حج بالناس عمر، ونوابه في البلاد وقضاته هم المذكورون قبلها. والله أعلم. ذكر من توفي فيها من الاعيان وممن توفي فيها من الاعيان أبي بن كعب سيد القراء، وهو أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، أبو المنذر وأبو الطفيل، الانصاري النجاري سيد القراء، شهد العقبة وبدرا وما بعدهما، وكان سيدا جليل القدر. وهو أحد القراء الاربعة

[ 111 ]

الخزرجيين الذين جمعوا القرآن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لعمر يوما: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه منه جبريل وهو رطب. وفي المسند والنسائي وابن ماجه من طريق أبي قلابة عن أنس مرفوعا " أقرأ أمتي أبي بن كعب " وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له " إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ". قال: وسماني لك ؟ " قال نعم " فزرفت عيناه وقد تكلمنا على ذلك في التفسير عند سورة * (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة) * قال الهيثم بن عدي: توفي أبي سنة تسع عشرة. وقال يحيى بن معين: سنة سبع عشرة أو عشرين. وقال الواقدي عن غير واحد: توفي سنة ثنتين وعشرين. وبه قال أبو عبيد وابن نمير وجماعة. وقال الفلاس وخليفة: توفي في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه (1) * وفيها مات خباب مولى عتبة ابن غزوان من المهاجرين شهد بدرا وما بعدها، وهو صحابي من السابقين وصلى عليه عمر * ومات فيها صفوان بن المعطل في قول كما تقدم والله أعلم. سنة عشرين من الهجرة قال محمد بن إسحق: فيها كان فتح مصر. وكذا قال الواقدي: إنها فتحت هي واسكندرية في هذه السنة. وقال أبو معشر: فتحت مصر سنة عشرين، واسكندرية في سنة خمس وعشرين. وقال سيف: فتحت مصر واسكندرية في سنة ست عشرة في ربيع الاول منها. ورجح ذلك أبو الحسن بن الاثير في الكامل لقصة بعث عمرو الميرة من مصر عام الرمادة، وهو معذور فيما رجحه والله أعلم. وفيها كان فتح تستر في قول طائفة من علماء السير بعد محاصرة سنتين وقيل سنة ونصف. والله أعلم. صفة فتح مصر عن ابن إسحاق وسيف قالوا: لما استكمل عمرو المسلمون فتح الشام بعث عمرو بن العاص إلى مصر وزعم سيف أنه بعثه بعد فتح بيت المقدس، وأردفه بالزبير بن العوام وفي صحبته بشر بن أرطاة، وخارجة بن حذافة، وعمير بن وهب الجمحي. فاجتمعا على باب مصر فلقيهم أبو مريم جاثليق مصر ومعه الاسقف أبو مريم في أهل الثبات (2)، بعثه المقوقس صاحب اسكندرية لمنع بلادهم، فلما تصافوا قال عمرو بن العاص لا تعجلوا حتى نعذر، ليبرز إلي بو مريم وأبو مريم راهبا هذه البلاد، فبرزا إليه، فقال لهما عمرو بن العاص: أنتما راهبا هذه البلاد فاسمعا، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق


(1) قال أبو نعيم مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، واحتج له بأن زر بن حبيش لقبه في خلافة عثمان، وهذا ما أكده علي بن المديني من انه مات في صدر خلافة عثمان. وقال ابن عبد البر: الاكثر على انه مات في خلافة عمر. (2) في الطبري: أهل النيات. (*)

[ 112 ]

وأمره به وأمرنا به محمد صلى الله عليه وسلم، وأدى إلينا كل الذي أمر به، ثم مضى وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الاعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الاسلام، فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة، وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفظا لرحمنا منكم، وأن لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة. ومما عهد إلينا أميرنا استوصوا بالقبطيين خيرا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانا بالقبطيين خيرا، لان لهم رحما وذمة. فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الانبياء معروفة شريفة، كانت إبنة ملكنا وكانت من هل منف والملك فيهم فأديل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوهم ملكهم واغتربوا فلذلك صارت إلى إبراهيم عليه السلام مرحبا به وأهلا. أمنا حتى نرجع إليك، فقال عمرو: إن مثلي لا يخدع ولكني أؤجلكما ثلاثا لتنظروا ولتناظرا قومكما وإلا ناجزتكم. قالا: زدا، فزادهم يوما، فقالا: زدنا. فزادهم يوما. فرجعا إلى المقوقس فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم، فقالا لاهل مصر: أما نحن فسنجتهد أن ندفع عنكم ولا نرجع إليهم. وقد بقيت أربعة أيام قاتلوا وأشار عليهم بأن يبيتوا المسلمين، فقال الملا منهم: ما تقاتلون من قوم قتلوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم. فألح الارطبون في أن يبيتوا للمسلمين ففعلوا فلم يظفروا بشئ بل قتل منهم طائفة منهم الارطبون (1)، وحاصر المسلمون عين شمس (2) من مصر في اليوم الرابع. وارتقى الزبير عليهم سور البلد (3)، فلما أحسوا بذلك خرجوا إلى عمرو من الباب الآخر فصالحوه واخترق الزبير البلد حتى خرج من الباب الذي عليه عمرو فأمضوا الصلح وكتب لهم عمرو كتاب أمان: " بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الامان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم لا يدخل عليهم شئ من ذلك ولا ينتقص ولا يساكنهم النوبة، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف وعليهم ما حق لصونهم، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة. وإن نقص نهرهم من غايته رفع عنهم بقدر ذلك ومن دخل في صلحهم من الروم والنوبة، فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا،


(1) وكان ذلك ببلبيس، وبلبيس بمديرية الشرقية وكان نابليون رمم حصونها لما قدم مصر، وقد قاومت بلبيس شهرا وكان بها ارمانوسة ابنة المقوقس والتي كان أبوها قد زوجها من قسطنطين بن هرقل وأرسلها إليه في قيسارية، وقد أخذت ارمانوسة وأرسلها عمرو بن العاص إلى أبيها مكرمة في جميع مالها مع قيس بن أبي العاص السهمي فسر بقدومها. (انظر الواقدي في فتوح مصر). (2) قال الشيخ محمد رضا في كتابه عمر بن الخطاب: لم يكن لعين شمس أهمية عسكرية عند الفتح الاسلامي غير انها كانت صالحة للقتال فالمياة واصلة إليها ومن السهل تموين الجيش فيها، وكان عمرو بن العاص يقصد بنزوله عين شمس محاربة الروم في العراء بعيدا عن الحصون. ص 239. (3) وهو سور حصن بابليون أو قصر الشمع وقد بناه الريان بن ارسلاون وكان هذا القصر يوقد عليه الشمع في رأس كل شهر وذلك انه إذا حلت الشمس في برج من البروج. (*)

[ 113 ]

عليهم ما عليهم أثلاثا، في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم. على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة. شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه وكتب وردان وحضر (1) " فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح واجتمعت الخيول بمصر وعمروا الفسطاط، وظهر أبو مريم وأبو مريام فكلما عمرا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة. فأبى عمرو أن يردها عليهما، وأمر بطردهما وإخراجهما من بين يديه، فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمر أن كل سبي أخذ في الخمسة أيام التي أمنوهم فيها أن يرد عليهم، وكل سبي أخذ ممن لم يقاتل وكذلك من قاتل فلا يرد عليه سباياه. وقيل إنه أمره أن يخيروا من في أيديهم من السبي بين الاسلام وبين أن يرجع إلى أهله، فمن اختار الاسلام فلا يردوه إليهم، ومن اختارهم ردوه عليهم وأخذوا منه الجزية، وأما ما تفرق من سبيهم في البلاد ووصل إلى الحرمين وغيرهما، فإنه لا يقدر على ردهم ولا ينبغي أن يصالحهم على ما يتعذر الوفاء به. ففعل عمرو ما أمر به أمير المؤمنين، وجمع السبايا وعرضوهم وخيروهم فمنهم من اختار الاسلام، ومنهم من عاد إلى دينه، وانعقد الصلح بينهم. ثم أرسل عمرو جيشا إلى اسكندرية وكان المقوقس صاحب الاسكندرية قبل ذلك يؤدي خراج بلده وبلد مصر إلى ملك الروم - فلما حاصره عمرو بن العاص جمع أساقفته وأكابر دولته وقال لهم: إن هؤلاء العرب غلبوا كسرى وقيصر وأزالوهم عن ملكهم ولا طاقة لنا بهم، والرأي عندي أن نؤدي الجزية إليهم. ثم بعث إلى عمرو بن العاص يقول: إني كنت أؤدي الخراج إلى من هو أبغض إلي منكم - فارس والروم - ثم صالحه على أداء الجزية، وبعث عمرو بالفتح والاخماس إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وذكر سيف أن عمرو بن العاص لما التقى مع المقوقس جعل كثير من المسلمين يفر من الزحف فجعل عمر يزمرهم ويحثهم على الثبات: فقال له رجل من أهل اليمن: إنا لم نخلق من حجارة ولا حديد. فقال له عمرو: اسكت فإنما، أنت كلب. فقال له الرجل: فأنت إذا أمير الكلاب. فأعرض عنه عمرو ونادى يطلب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اجتمع إليه من هناك من الصحابة قال لهم عمرو: تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين. فنهدوا إلى القوم ففتح الله عليهم وظفروا أتم الظفر. قال سيف: ففتحت مصر في ربيع الاول من سنة ست عشرة وقام فيها ملك الاسلام ولله الحمد والمنة. وقال غيره: فتحت مصر في سنة عشرين، وفتحت اسكندرية في سنة خمس وعشرين بعد محاصرة ثلاثة أشهر عنوة، وقيل صلحا على اثني عشر ألف دينار. وقد ذكر أن المقوقس سأل من عمرو أن يهادنه أولا، فلم يقبل عمرو وقال له: قد علمتم ما فعلنا بملككم


(1) قال الاستاذ بتلر أن هذا العقد - وقد أورده الطبري 4 / 239 - هو عقد صلح الاسكندرية. أقول ويبدو ان هذا العقد مقتضب فقد فرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران ديناران عن كل نفس شريفهم ووضيعهم من بلغ منهم الحلم (وأخرج النساء والصبيان من ذلك) انظر فتوح البلدان 1 / 256. (*)

[ 114 ]

الاكبر هرقل. فقال المقوقس لاصحابه: صدق فنحن أحق بالاذعان. ثم صالح على ما تقدم. وذكر غيره أن عمرا والزبير سارا إلى عين شمس فحاصراها وأن عمرا بعث إلى الفرما (1) أبرهة بن الصباح، وبعث عوف بن مالك إلى الاسكندرية، فقال كل منهما لاهل بلده: أن نزلتم فلكم الامان. فتربصوا ماذا يكون من أهل عين شمس، فلما صالحوا صالح الباقون. وقد قال عوف بن مالك لاهل اسكندرية: ما أحسن بلدكم ؟ فقالوا: إن اسكندر لما بناها قال: لابنين مدينة فقيرة إللى الله غنية عن الناس. فبقيت بهجتها. وقال أبرهة لاهل الفرما: ما أقبح مدينتكم: فقالوا إن الفرما - وهو أخو الاسكندر - لما بناها قال لابنين مدينة غنية عن الله فقيرة إلى الناس. فهي لا يزال ساقطا بناؤها فشوهت بذلك. وذكر سيف أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما ولي مصر بعد ذلك زاد في الخراج عليهم رءوسا من الرقيق يهدونها إلى المسلمين في كل سنة، ويعوضهم المسلمون بطعام مسمى وكسوة. وأقر ذلك عثمان بن عفان وولاة الامور بعده، حتى كان عمر بن عبد العزيز فأمضاه أيضا نظرا لهم، وإبقاء لعهدهم. قلت: وإنما سميت ديار مصر بالفسطاط نسبة إلى فسطاط عمرو بن العاص، وذلك أنه نصب خيمته وهي الفسطاط موضع مصر اليوم، وبنى الناس حوله، وتركت مصر القديمة من زمان عمرو بن العاص وإلى اليوم، ثم رفع الفسطاط وبنى موضعه جامعا وهو المنسوب إليه اليوم. وقد غزا المسلمون بعد فتح مصر النوبة فنالهم جراحات كثيرة، وأصيبت أعين كثيرة، لجودة رمي النوبة فسموهم جند الحدق. ثم فتحها الله بعد ذلك وله الحمد والمنة، وقد اختلف في بلاد مصر فقيل: فتحت صلحا إلا الاسكندرية، وهو قول يزيد بن أبي حبيب. وقيل: كلها عنوة وهو قول ابن عمر وجماعة. وعن عمرو بن العاص أنه خطب الناس فقال: ما قعدت هذا ولاحد من القبط عندي عهد إن شئت قتلت، وإن شئت بعت وإن شئت خمست إلا لاهل الطابلس (2) فإن لهم عهدا نوفي به. قصة نيل مصر روينا من طريق ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن عمن حدثه قال: لما افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص - حين دخل بؤنة من أشهر العجم - فقالوا: أيها الامير، لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها. قال: وما ذاك: قالوا: إذا كانت اثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية


(1) الفرما: مدينة قديمة وميناء بمصر شرقي بور سعيد على بعد عشرين ميلا منها وقد كانت مفتاح مصر من جهة الشام وكان لها شأن كبير في الحرب التي نشبت بين الفرس ومصر. قال ابن حوقل والمقريزي وبها قبر جالينوس. (2) في فتوح البلدان: أنطابلس. (*)

[ 115 ]

بكر من أبويها، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو: إن هذا مما لا يكون في الاسلام، إن الاسلام يهدم ما قبله. قال: فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا، حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل. فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها " من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإن كنت إنما تجري من قبلك ومن أمرك فلا تجر فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت إنما تجري بأمر الله الواحد القهار، وهو الذي يجريك فنسأل الله تعالى أن يجريك " قال: فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم (1). قال سيف بن عمر: وفي ذي القعدة من هذه السنة - وهي عنده سنة ست عشرة - جعل عمرو المسالح على أرجاء مصر، وذلك لان هرقل أغزا الشام ومصر في البحر. قال ابن جرير: وفي هذه السنة غزا أرض الروم أبو بحرية عبد الله بن قيس العبدي - وهو أول من دخلها فيما قيل - فسلم وغنم وقيل أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي. قال الواقدي: وفيها عزل عمر قدامة ابن مظعون عن البحرين، وحده في الشراب. وولى على البحرين واليمامة أبا هريرة الدوسي رضي الله عنه. قال: وفيها شكا أهل الكوفة سعدا في كل شئ، حتى قالوا: لا يحسن يصلي، فعزله عنها وولى عليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان - وكان نائب سعد - وقيل بل ولاها عمرو بن ياسر. وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان، عن عبد الملك سمعه من جابر بن سمرة. قال: شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر فقالوا: إنه لا يحسن يصلي، قال الاعاريب ؟ والله ما آلو بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر، اردد في الاوليين واصرف في الاخيرين. فسمعت عمر يقول: كذا الظن بك يا أبا إسحق. وفي صحيح مسلم أن عمر بعث من يسأل عنه أهل الكوفة فأثنوا خيرا إلا رجلا يقال له: أبو سعدة قتادة بن أسامة قام فقال: أما إذ أنشدتنا فإن سعدا لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية، ولا يخرج في السرية. فقال سعد: اللهم إن كان عبدك هذا قام مقام رياء وسمعة، فأطل عمره وأدم فقره وعرضه للفتن. فأصابته دعوة سعد - فكان شيخا كبيرا يرفع حاجبيه عن عينيه، ويتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن، فيقال له في ذلك، فيقول: شيخ كبير مفتون أصابته دعوة سعد. وقد قال عمر في وصيته - وذكره في الستة " فإن أصابت الامرة سعدا فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ولى، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. قال: وفيها أجلى عمر يهود خيبر عنها إلى أذرعات وغيرها، وفيها أجلى عمل يهود نجران منها أيضا إلى الكوفة، وقسم خيبر، ووادي القرى، ونجران بين المسلمين. قال: وفيها دون عمر الدواوين، وزعم


(1) الخبر رواه الواقدي في فتوح مصر 2 / 69. (*)

[ 116 ]

غيره أنه دونها قبل ذلك. فالله أعلم. قال: وفيها بعث عمر علقمة بن مجزر المدلجي إلى الحبشة في البحر فأصيبوا فآلى عمر على نفسه أن لا يبعث جيشا في البحر بعدها. وقد خالف الواقدي في هذا أبو معشر فزعم أن غزوة الحبشة إنما كانت في سنة إحدث وثلاثين - يعني في خلافة عثمان بن عفان - والله أعلم. قال الواقدي: وفيها تزوج عمر فاطمة بنت الوليد بن عبتة. التي مات عنها الحارث بن هشام في الطاعون. وهي أخت خالد بن الوليد. قال: وفيها مات هلال بدمشق، وأسيد بن الحضير في شعبان، وزينب بنت جحش أم المؤمنين. وهي أول من مات من أمهات المؤمنين رضي الله عنها. قال: وفيها مات هرقل وقام بعده ولده قسطنطين. قال: وحج الناس في هذه السنة عمر ونوابه وقضاته من تقدم في التي قبلها. سوى من ذكرنا أنه عزله وولى غيره. ذكر المتوفين من الاعيان - أسيد بن الحضير ابن سماك الانصاري الاشهلي من الاوس، أبو يحيى أحد النقباء ليلة العقبة، وكان أبوه رئيس الاوس يوم بعاث، وكان قبل الهجرة بست سنين وكان يقال له حضير الكتائب، يقال إنه أسلم على يدي مصعب بن عمير. ولما هاجر الناس آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين زيد بن حارثة، ولم يشهد بدرا. وفي الحديث الذي صححه الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أسيد بن الحضير " وذكر جماعة. وقدم الشام مع عمر وأثنت عليه عائشة، وعلى سعد بن معاذ، وعباد بن بشر، رضي الله عنهم. وذكر ابن بكير أنه توفي بالمدينة سنة عشرين، وأن عمر حمل بين عموديه وصلى عليه ودفن بالبقيع، وكذا أرخ وفاته سنة عشرين الواقدي وأبو عبيد وجماعة. أنيس بن مرثد بن أبي مرثد الغنوي هو وأبوه وجده صحابة وكان أنيس هذا عينا لرسول الله يوم حنين، ويقال إنه الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " إغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " والصحيح أنه غيره، فإن في الحديث " فقال لرجل من أسلم " فقيل: إنه أنيس بن الضحاك الاسلمي. وقد مال ابن الاثير إلى ترجيحه والله أعلم. له حديث في الفتنة قال إبراهيم بن المنذر: توفي في ربيع الاول سنة عشرين. بلال بن أبي رباح الحبشي المؤذن مولى أبي بكر ويقال له بلال بن حمامة. وهي أمه. أسلم قديما فعذب في الله فصبر فاشتراه الصديق فأعتقه، شهد بدرا وما بعدها. وكان عمر يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا. رواه البخاري.

[ 117 ]

ولما شرع الاذان بالمدينة كان هو الذي يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أم مكتوم يتناوبان، تارة هذا وتارة هذا، وكان بلال ندي الصوت حسنه، فصيحا، وما يروى " أن سين بلال عند الله شيئا " فليس له أصل. وقد أذن يوم الفتح على ظهر الكعبة. ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الاذان، ويقال أذن للصديق أيام خلافته ولا يصح. ثم خرج إلى الشام مجاهدا، ولما قدم عمر إلى الجابية أذن بين يديه بعد الخطبة لصلاة الظهر، فانتحب الناس بالبكاء. وقيل إنه زار المدينة في غضون ذلك فأذن فبكى الناس بكاء شديدا ويحق لهم ذلك، رضي الله عنهم. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال " إني دخلت الجنة فسمعت خشف نعليك أمامي فأخبرني بأرجى عمل عملته ". فقال: ما توضأت إلا وصليت ركعتين. " فقال بذاك " وفي رواية " ما أحدثت إلا توضأت وما توضأت إلا رأيت أن علي أن أصلي ركعتين " قالوا: وكان بلال آدم شديد الادمة طويلا نحيفا كثير الشعر خفيف العارضين. قال ابن بكير: توفي بدمشق في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. وقال محمد بن إسحق وغير واحد: توفي سنة عشرين. قال الواقدي: ودفن بباب الصغير وله بضع وستون سنة. وقال غيره: مات بداريا ودفن بباب كيسان. وقيل دفن بداريا، وقيل إنه مات بحلب. والاول أصح والله أعلم. سعيد بن عامر بن خذيم من أشراف بني جمح، شهد خيبر وكان من الزهاد والعباد، وكان أميرا لعمر على حمص بعد أبي عبيدة، بلغ عمر أنه قد أصابته جراحة شديدة، فأرسل إليه بألف دينار فتصدق بها جميعها، وقال لزوجته: أعطيناها لمن يتجر لنا فيها رضي الله عنه. قال خليفة: فتح هو ومعاوية فيسارية كل منهما أمير على من معه. عياض بن غنم أبو سعد الفهري من المهاجرين الاولين، شهد بدرا وما بعدها، وكان سمحا جوادا، شجاعا، وهو الذي افتتح الجزيرة، وهو أول من جاز درب الروم غازيا، واستنابه أبو عبيدة بعده على الشام فأقره عمر عليها إلى أن مات سنة عشرين عن ستين سنة. أبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل اسمه المغيرة. أسلم عام الفتح فحسن إسلامه جدا وكان قبل ذلك من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى دينه ومن تبعه، وكان شاعرا مطيقا يهجو الاسلام وأهله، وهو الذي رد عليه حسان بن ثابت رضي الله عنه في قوله:

[ 118 ]

ألا أبلغ أبا سفيان عني * مغلغلة فقد برح الخفاء هجوت محمدا وأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء ولما جاء هو و عبد الله بن أبي أمية ليسلما لم يأذن لهما عليه السلام حتى شفعت أم سلمة لاخيها فأذن له، وبلغه أن أبا سفيان هذا قال: والله لئن لم يأذن لي لآخذن بيد بني هذا - لولد معه صغير - فلاذهبن فلا يدري أين أذهب. فرق حينئذ له رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذن له، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وكان آخذا بلجام بغلته يومئذ، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبه وشهد له بالجنة، وقال " أرجو أن تكون خلفا من حمزة " وقد رثى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي بقصيدة ذكرناها فيما سلف وهي التي يقول فيها: أرقت فبات ليلي لا يزول * وليل أخ المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما * أصيب المسلمون به قليل فقد عظمت مصيبتنا وجلت * عشية قيل قد قبض الرسول فقدنا الوحي والتنزيل فينا * يروح به ويغدو جبرئيل ذكروا أن أبا سفيان حج فلما حلق رأسه فطع الحالق ثؤلولا له في رأسه فتمرض منه فلم يزل كذلك حتى مات بعد مرجعه إلى المدينة، وصل عليه عمر بن الخطاب. وقد قيل إن أخاه نوفلا توفي قبله بأربعة أشهر والله أعلم. أبو الهيثم بن التيهان هو مالك بن مالك بن عسل (1) بن عمرو بن عبد الاعلم بن عامر بن دعورا (2) بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي، شهد العقبة نقيبا، وشهد بدرا وما بعدها، ومات سنة عشرين، وقيل إحدى وعشرين، وقيل إنه شهد صفين مع علي، قال ابن الاثير وهو الاكثر (3). وقد ذكره شيخنا هنا. فالله أعلم.


(1) في الاصابة عتيك، وقد سقط من نسبه في الاستيعاب. (2) في الاصابة والاستيعاب: زعورا. (3) وقد رجحه ابن عبد البر في الاستيعاب، وقد شكك الواقدي وابن حجر في هذا القول وذهبا إلى ترجيح قول من قال سنة عشرين أو احدى وعشرين. (*)

[ 119 ]

زينب بنت جحش ابن رباب الاسدية من أسد خزيمة أول أمهات المؤمنين وفاة، أمها أميمة بنت عبد المطلب، وكان اسمها برة، فسماها رسول الله زينب، وتكنى أم الحكم، وهي التي زوجه الله بها، وكانت تفتخر بذلك على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فتقول: زوجكن أهلوكن وزوجني الله من السماء. قال الله تعالى * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) * الآية [ الاحزاب: 37 ]. وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، فلما طلقها تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل كان ذلك في سنة ثلاث وقيل أربع وهو الاشهر. وقيل سنة خمس وفي دخوله عليه السلام بها نزل الحجاب كما ثبت في الصحيحين عن أنس. وهي التي كانت تسامي عائشة بنت الصديق في الجمال والحظوة، وكانت دينة ورعة عابدة كثيرة الصدقة. وذاك الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله " أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا " أي بالصدقة. وكانت امرأة صناعا تعمل بيديها وتتصدق على الفقراء، قالت عائشة: ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين وأتقى الله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم أمانة وصدقة من زينب بنت جحش. ولم تحج بعد حجة الوداع لا هي ولا سودة، لقوله عليه السلام لازواجه " هذه ثم ظهور الحصر " وأما بقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكن يخرجن إلى الحج وقالتا زينب وسودة: والله لا تحركنا بعده دابة. قالوا: وبعث عمر إليها فرضها اثني عشر ألفا فتصدقت به في أقاربها. ثم قالت: اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد هذا. فماتت في سنة عشرين وصلى عليها عمر. وهي أول من صنع لها النعش، ودفنت بالبقيع. صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول وهي أم الزبير بن العوام، وهي شقيقة حمزة والمقوم وحجل، أمهم هالة بنت وهيب (1) بن عبد مناف بن زهرة. لا خلاف في إسلامها وقد حضرت يوم أحد ووجدت على أخيها حمزة وجدا كيثرا، وقتلت يوم الخندق رجلا من اليهود جاء فجعل يطوف بالحصن التي هي فيه وهو فارع حصن حسان فقالت لحسان: انزل فاقتله، فأبى، فنزلت إليه فقتلته ثم قالت: انزل فاسلبه فلولا أنه رجل لاستلبته. فقال: لا حاجة لي فيه. وكانت أول امرأة قتلت رجلا من المشركين. وقد اختلف في إسلام من عداها من عمات النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: أسلمت أروى وعاتكة. قال ابن الاثير وشيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ: والصحيح أنه لم يسلم منهن غيرها (2). وقد تزوجت أولا بالحارث بن حرب بن أمية. ثم خلف عليها العوام بن خويلد فولدت له الزبير وعبد الكعبة. وقيل تزوج بها العوام بكرا، والصحيح الاول توفيت بالمدينة سنة عشرين عن ثلاث وسبعين سنة


(1) كذا في الاصل وابن سعد والاستيعاب وفي الاصابة: وهب. (2) وفي ابن سعد ان أروى وعاتكة اسلمتا بمكة وهاجرتا إلى المدينة، 8 / 42 - 44. (*)

[ 120 ]

ودفنت بالبقيع رضي الله عنها وقد ذكر ابن إسحق من توفي غيرها. عويم بن ساعدة الانصاري شهد العقبتين والمشاهد كلها وهو أول من استنجى بالماء، وفيه نزل قوله تعالى * (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) * [ التوبة: 108 ] وله روايات توفي هذه السنة بالمدينة * بشر بن عمرو بن حنش يلقب بالجارود، أسلم في السنة العاشرة، وكان شريفا مطاعا في عبد القيس، وهو الذي شهد على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر، فعزله عمر عن اليمن وحده قتل الجارود شهيدا * أبو خراشة خويلد بن مرة الهذلي، كان شاعرا مجيدا مخضرما أدرك الجاهلية والاسلام وكان إذا جرى سبق الخيل. نهشته حية فمات بالمدينة. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وكانت وقعة نهاوند وهي وقعة عظيمة جدا لها شأن رفيع ونبأ عجيب، وكان المسلمون يسمونها فتح الفتوح قال ابن إسحق والواقدي: كانت وقعة نهاوند في سنة إحدى وعشرين. وقال سيف: كانت في سنة سبع عشرة. وقيل في سنة تسع عشرة والله أعلم. وإنما ساق أبو جعفر بن جرير قصتها في هذه السنة فتبعناه في ذلك وجمعنا كلام هؤلاء الائمة في هذا الشأن سياقا واحدا، حتى دخل سياق بعضهم في بعض. قال سيف وغيره: وكان الذي هاج هذه الوقعة أن المسلمين لما افتتحوا الاهواز ومنعوا جيش العلاء من أيديهم واستولوا على دار الملك القديم من اصطخر مع ما حازوا من دار مملكتهم حديثا، وهي المدائن، وأخذ تلك المدائن والاقاليم والكور والبلدان الكثيرة، فحموا عند ذلك واستجاشهم يزدجرد الذي تقهقر من بلد إلى بلد حتى صار إلى أصبهان مبعدا طريدا، لكنه في أسرة من قومه وأهله وماله، وكتب إلى ناحية نهاوند وما والاها من الجبال والبلدان، فتجمعوا وتراسلوا حتى كمل لهم من الجنود ما لم يجتمع لهم قبل ذلك (1)، فبعث سعد إلى عمر يعلمه بذلك، وثار أهل الكوفة على سعد في غضون هذا الحال. فشكوه في كل شئ حتى قالوا: لا يحسن يصلي. وكان الذي نهض بهذه الشكوى رجل يقال له: الجراح بن سنان الاسدي في نفر معه، فلما ذهبوا إلى عمر فشكوه قال لهم عمر: إن الدليل على ما عندكم من الشر نهوضكم في هذا الحال عليه، وهو مستعد لقتال أعداء الله، وقد جمعوا لكم، ومع هذا لا يمنعني أن أنظر في


(1) في الطنبري 4 / 235 والكامل 3 / 5 وبلغ الخبر سعدا وفي فتوح ابن الاعثم: وبلغ ذلك أهل الكوفة فاجتمعوا إلى أميرهم عمار بن ياسر 2 / 32. (*)

[ 121 ]

أمركم. ثم بعث محمد بن مسلمة - وكان رسول العمال - فلما قدم محمد بن مسلمة الكوفة طاف على القبائل والعشائر والمساجد بالكوفة فكل يثني على سعد خيرا إلا ناحية الجراح بن سنان فإنهم سكتوا فلم يذموا ولم يشكروا، حتى انتهى إلى بني عبس، فقام رجل يقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة، فقال: أما إذ ناشدتنا فإن سعدا لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية. فدعا عليه سعد فقال: اللهم إن كان قالها كذبا ورياءا وسمعة فاعم بصره، وكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن. فعمي واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع بالمرأة فلا يزال حتى يأتيها فيجسها فإذا عثر عليه قال: دعوة سعد الرجل المبارك. ثم دعا سعد على الجراح وأصحابه فكل أصابته فارعة في جسده، ومصيبة في ماله بعد ذلك. واستنفر محمد بن مسلمة أهل الكوفة لغزو أهل نهاوند في غضون ذلك عن أمر عمر بن الخطاب. ثم سار سعد ومحمد بن مسلمة والجراح وأصحابه حتى جاءوا عمر فسأله عمر: كيف يصلي ؟ فأخبره أنه يطول في الاوليين ويخفف في الاخرين، وما آلوا ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحق. وقال سعد في هذه القصة. لقد أسلمت خامس خمسة، ولقد كنا وما لنا طعام إلا ورق الحبلة حتى تقرحت أشداقنا، وإني لاول رجل رمى بسهم في سبيل الله، ولقد جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه وما جمعهما لاحد قبلي، ثم أصبحت بنو أسد يقولون لا يحسن يصلي. وفي رواية يغرر بي على الاسلام، لقد خبت إذا وضل عملي. ثم قال عمر لسعد: من استخلفت على الكوفة ؟ فقال: عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فأقره عمر على نيابته الكوفة - وكان شيخا كبيرا من أشراف الصحابة حليفا لبني الحبلى من الانصار - واستمر سعد معزولا من غير عجز ولا خيانة ويهدد أولئك النفر، وكاد يوقع بهم بأسا. ثم ترك ذلك خوفا من أن لا يشكو أحدا أميرا. والمقصود أن أهل فارس اجتمعوا من كل فج عميق بأرض نهاوند. حتى اجتمع منهم مائة ألف وخمسون ألف مقاتل، وعليهم الفيرزان (1) ويقال: بندار، ويقال ذو الحاجب. وتذامروا فيما بينهم، وقالوا: إن محمدا الذي جاء العرب لم يتعرض لبلادنا، ولا أبو بكر الذي قام بعده تعرض لنا في دار ملكنا، وإن عمر بن الخطاب هذا لما طال ملكه انتهك حرمتنا وأخذ بلادنا، ولم يكفه ذلك حتى أغزانا في عقر دارنا، وأخذ بيت المملكة وليس بمنته حتى يخرجكم من بلادكم. فتعاهدوا وتعاقدوا على أن يقصدوا البصرة والكوفة ثم يشغلوا عمر عن بلاده، وتواثقوا من أنفسهم وكتبوا بذلك عليهم كتابا. فأما كتب سعد بذلك إلى عمر - وكان قد عزل سعدا في غضون ذلك - شافه سعد عمر بما تمالؤا عليه وقصدوا إليه، وأنه قد اجتمع منهم مائة وخمسون ألفا. وجاء كتاب


(1) في الكامل: فاجتمعوا بنهاوند على الفيرزان 3 / 6 وكذا في الطبري. وفي الاخبار الطوال ص 124: فولى أمرهم مردان شاه بن هرمز، وفي فتوح البلدان فأمر عليهم مردان شاه ذا الحاجب، وفي فتوح ابن الاعثم: أمروا عليهم أربعة من ملوك العجم منهم: ذو الحاجب خرزاد بن هرمز وسنفاد بن حشرو وخهانيل بن فيروز وشروميان بن اسفنديار (2 / 33). (*)

[ 122 ]

عبد الله بن عبد الله بن عتبان (1) من الكوفة إلى عمر مع قريب بن ظفر العبدي بأنهم قد اجتمعوا وهم منحرفون متذامرون على الاسلام وأهله، وأن المصلحة يا أمير المؤمنين أن نقصدهم فنعاجلهم عما هموا به وعزموا عليه من المسير إلى بلادنا فقال عمر لحامل الكتاب: ما اسمك ؟ قال: قريب. قال: ابن من ؟ قال: ابن ظفر. فتفاءل عمر بذلك وقال: ظفر قريب. ثم أمر فنودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس وكان أول من دخل المسجد لذلك سعد بن أبي وقاص، فتفاءل عمر أيضا بسعد، فصعد عمر المنبر حتى اجتمع الناس فقال: إن هذا يوم له ما بعده من الايام، ألا وإني قد هممت بأمر فاسمعوا وأجيبوا وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، إني قد رأيت أن أسير بمن قبلي حتى أنزل منزلا وسطا بين هذين المصرين فأستنفر الناس، ثم أكون لهم ردءا حتى يفتح الله عليهم. فقام عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في رجال من أهل الرأي، فتكلم كل منهم بانفراده فأحسن وأجاد، واتفق رأيهم على أن لا يسير من المدينة، ولكن يبعث البعوث ويحصرهم برأيه ودعائه. وكان من كلام علي رضي الله عنه أن قال: يا أمير المؤمنين، إن هذا الامر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، هو دينه الذي أظهر، وجنده الذي أعزه وأمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ. فنحن على موعود من الله والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكانك منهم يا أمير المؤمنين مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فإذا انحل تفرق ما فيه وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا. والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثير عزيز بالاسلام، فأقم مكانك واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم، فليذهب منهم الثلثان ويقيم الثلث، واكتب إلى أهل البصرة يمدونهم أيضا. - وكان عثمان قد أشار في كلامه أن يمدهم في جيوش من أهل اليمن والشام. ووافق عمر على الذهاب إلى ما بين البصرة والكوفة - فرد علي على عثمان في موافقته على الذهاب إلى ما بين البصرة والكوفة كما تقدم، ورد رأي عثمان فيما أشار به من استمداد أهل الشام خوفا على بلادهم إذا قل جيوشها من الروم. ومن أهل اليمن خوفا على بلادهم من الحبشة. فأعجب عمر قول علي وسر به - وكان عمر إذا استشار أحدا لا يبرم أمرا حتى يشاور العباس - فلما أعجبه كلام الصحابة في هذا المقام عرضه على العباس فقال: يا أمير المؤمنين خفض عليك، فإنما اجتمع هؤلاء الفرس لنقمة تنزل عليهم. ثم قال عمر: أشيروا علي بمن أوليه أمر الحرب وليكن عراقيا. فقالوا: أنت أبصر بجندك يا أمير المؤمنين. فقال: أما والله لاولين رجلا يكون أول الاسنة إذا لقيها غدا. قالوا: من يا أمير المؤمنين ؟ قال: النعمان بن مقرن. فقالوا: هو لها - وكان النعمان قد كتب إلى عمر وهو على كسكر وسأله أن يعزله عنها ويوليه قتال أهل نهاوند - فلهذا أجابه إلى ذلك وعينه له، ثم كتب عمر إلى حذيفة أن يسير من الكوفة بجنود منها، وكتب إلى أبي موسى أن يسير بجنود البصرة، وكتب إلى النعمان - وكان بالبصرة - أن يسير بمن هناك من الجنود إلى نهاوند، وإذا اجتمع الناس فكل أمير على جيشه والامير على الناس كلهم


(1) في فتوح البلدان 2 / 371 وفتوح ابن الاعثم 2 / 41: من عمار بن ياسر. (*)

[ 123 ]

النعمان بن مقرن. فإذا قتل فحذيفة بن اليمان، فإن قتل فجرير بن عبد الله، فإن قتل فقيس بن مكشوح، فإن قتل قيس ففلان ثم فلان، حتى عد سبعة أحدهم المغيرة بن شعبة، وقيل لم يسم فيهم. والله أعلم. وصورة الكتاب " بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى النعمان بن مقرن سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنه قد بلغني أن جموعا من الاعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرا فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم، ولا تدخلهم غيضة، فإن رجلا من المسلمين أحب إلي من مائة ألف دينار، والسلام عليك. فسر في وجهك ذلك حتى تأتي ماه فإني قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمع إليك جنودك فسر إلى الفيرزان ومن جمع معه من الاعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا وأكثروا من لا حول ولا قوة إلا بالله " (1). وكتب عمر إلى نائب الكوفة - عبد الله بن عبد الله - أن يعين جيشا ويبعثهم إلى نهاوند، وليكن الامير عليهم حذيفة بن اليمان حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرن، فإن قتل النعمان فحذيفة، فإن قتل فنعيم بن مقرن. وولى السائب بن الاقرع قسم الغنائم. فسار حذيفة في جيش كثيف نحو النعمان بن مقرن ليوافوه بماه، وسار مع حذيفة خلق كثير من أمراء العراق، وقد أرصد في كل كورة ما يكفيها من المقاتلة، وجعل الحرس في كل ناحية، واحتاطوا احتياطا عظيما، ثم انتهوا إلى النعمان بن مقرن حيث اتعدوا، فدفع حذيفة بن اليمان إلى النعمان كتاب عمرو فيه الامر له بما يعتمده في هذه الوقعة، فكمل جيش المسلمين في ثلاثين ألفا من المقاتلة فيما رواه سيف عن الشعبي، فمنهم من سادات الصحابة ورؤوس العرب خلق كثير وجم غفير، منهم عبد الله بن عمر أمير المؤمنين، وجرير بن عبد الله البجلي، وحذيفة بن اليمان، والمغيرة بن شعبة، وعمرو ابن معدي كرب الزبيدي، وطليحة بن خويلد الاسدي، وقيس بن مكشوح المرادي. فسار الناس نحو نهاوند وبعث النعمان بن مقرن الامير بين يديه طليعة ثلاثة وهم طليحة، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، وعمرو بن أبي سلمة (2). ويقال له عمرو بن ثبى أيضا، ليكشفوا له خبر القوم وما هم عليه. فسارت الطليعة يوما وليلة فراجع عمرو بن ثبى فقيل له: ما رجعك ؟ فقال: كنت في أرض العجم وقتلت أرض جاهلها وقتل أرضا عالمها. ثم رجع بعده عمرو بن معدي كرب وقال: لم نر أحد وخفت أن يؤخذ علينا الطريق، ونفذ طليحة ولم يحفل برجوعهما فسار بعد ذلك نحوا من بضعة عشر فرسخا حتى انتهى إلى نهاوند، ودخل في العجم وعلم من


(1) انظر الطبري 4 / 232 وفتوح ابن الاعثم 2 / 41 وفي رواية في فتوح البلدان من طريق شيبان 2 / 372: ان النعمان بن مقرن كان بالمدينة وقد استعمله عمر غازيا على نهاوند مشافهة. (2) كذا في الاصل والطبري والكامل. وفي فتوح ابن الاعثم: بعث بكير بن شداخ الليثي وطليحة بن خويلد الاسدي 2 / 44. (*)

[ 124 ]

أخبارهم ما أحب، ثم رجع إلى النعمان فأخبره بذلك، وأنه ليس بينه وبين نهاوند شئ يكرهه. فسار النعمان على تعبئته وعلى المقدمة نعيم بن مقرن، وعلى المجنبتين حذيفة وسويد بن مقرن، وعلى المجردة القعقاع بن عمرو، وعلى الساقة مجاشع بن مسعود، حتى انتهوا إلى الفرس وعليهم الفيرزان، ومعه من الجيش كل من غاب عن القادسية في تلك الايام المتقدمة، وهو في مائة وخمسين ألفا، فلما تراءا الجمعان كبر النعمان وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات، فزلزت الاعاجم ورعبوا من ذلك رعبا شديدا. ثم أمر النعمان بحط الاثقال وهو واقف، فحط الناس أثقالهم، وتركوا رحالهم، وضربوا خيامهم وقبابهم. وضربت خيمة للنعمان عظيمة، وكان الذين ضربوا أربعة عشر من أشراف الجيش، وهم حذيفة بن اليمان، وعتبة (1) بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، وبشير بن الخصاصية، وحنظلة الكاتب، وابن الهوبر، وربعي بن عامر، وعامر بن مطر، وجرير بن عبد الله الحميري، وجرير بن عبد الله البجلي، والاقرع بن عبد الله الحميري، والاشعث بن قيس الكندي، وسعيد بن قيس الهمداني، ووائل بن حجر، فلم ير بالعراق خيمة عظيمة أعظم من بناء هذه الخيمة، وحين حطوا الاثقال أمر النعمان بالقتال وكان يوم الاربعاء، فاقتتلوا ذلك اليوم والذي بعده والحرب سجال، فلما كان يوم الجمعة انحجزوا في حصنهم، وحاصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ما شاء الله، والاعاجم يخرجون إذا أرادوا ويرجعون إلى حصونهم إذا أرادوا. وقد بعث أمير الفرس يطلب رجلا من المسلمين ليكلمه، فذهب إليه المغيرة ابن شعبة، فذكر من عظم ما رأى عليه من لبسه ومجلسه، وفيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب واستهانته بهم، وانهم كانوا أطول الناس جوعا، وأقلهم دارا وقدرا. وقال: ما يمنع هؤلاء الاساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا مجا من جيفكم، فإن تذهبوا نخل عنكم، وإن تابوا نزركم مصارعكم. قال: فتشهدت وحمدت الله وقلت: لقد كنا أسوأ حالا مما ذكرت، حتى بعث الله رسوله فوعدنا النصر في الدنيا، والخير (2) في الآخرة، وما زلنا نتعرف من ربنا النصر منذ بعث الله رسوله إلينا، وقد جئناكم في بلادكم وإنا لن نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا حتى نغلبكم على بلادكم وما في أيديكم أو نقتل بأرضكم. فقال: أما والله إن الاعور لقد صدقكم ما في نفسه. فلما طال على المسلمين هذا الحال واستمر، جمع النعمان بن مقرن أهل الرأي من الجيش، وتشاوروا في ذلك، وكيف يكون من أمرهم حتى يتواجهوا هم والمشركون في صعيد واحد، فتكلم عمرو بن أبي سلمة أولا - وهو أسن من كان هناك - فقال: إن بقاءهم على ما هم عليه أضر عليهم من الذي يطلبه منهم وأبقى على المسلمين. فرد الجميع عليه وقالوا: إنا لعلى يقين من إظهار ديننا، وإنجاز موعود الله لنا. وتكلم عمرو بن معدي كرب فقال: ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم. فردوا جميعا عليه وقالوا: إنما تناطح بنا الجدران والجدران أعوان لهم علينا. وتكلم طليحة الاسدي


(1) في الطبري 4 / 240: عقبة بن عمرو، وفي الكامل 3 / 10: عقبة بن عامر. (2) في الطبري: والجنة. (*)

[ 125 ]

فقال: إنهما لم يصيبا، وإني أرى أن تبعث سرية فتحدق بهم ويناوشوهم بالقتال ويحمشوهم فإذا برزوا إليهم فليفروا إلينا هرابا، فإذا استطردوا وراءهم وانتموا إلينا عزمنا أيضا على الفرار كلنا، فإنهم حينئذ لا يشكون في الهزيمة فيخرجون من حصونهم عن بكرة أبيهم، فإذا تكامل خروجهم رجعنا إليهم فجالدناهم حتى يقضي الله بيننا. فاستجاد الناس هذا الرأي، وأمر النعمان على المجردة القعقاع بن عمرو، وأمرهم أن يذهبوا إلى البلد فيحاصروهم وحدهم ويهربوا بين أيديهم إذا برزوا إليهم. ففعل القعقاع ذلك، فلما برزوا من حصونهم نكص القعقاع بمن معه ثم نكص ثم نكص فاغتنمها الاعاجم، ففعلوا ما ظن طليحة، وقالوا: هي هي، فخرجوا بأجمعهم ولم يبق بالبلد من المقاتلة إلا من يحفظ لهم الابواب، حتى انتهوا إلى الجيش، والنعمان بن مقرن على تعبئته. وذلك في صدر نهار جمعة، فعزم الناس على مصادمتهم، فنهاهم النعمان وأمرهم أن لا يقاتلوا حتى تزول الشمس، وتهب الارواح (1)، وينزل النصر كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل. وألح الناس على النعمان في الحملة فلم يفعل - وكان رجلا ثابتا - فلما حان الزوال صلى بالمسلمين ثم ركب برذونا له أحوى قريبا من الارض. فجعل يقف على كل راية ويحثهم على الصبر ويأمرهم بالثبات، ويقدم إلى المسلمين أنه يكبر الاولى فيتأهب الناس للحملة. ويكبر الثانية فلا يبقى لاحد أهبة، ثم الثالثة ومعها الحملة الصادقة. ثم رجع إلى موقفه. وتعبت الفرس تعبئة عظيمة واصطفوا صفوفا هائلة. في عدد وعدد لم ير مثله، وقد تغلغل كثير منهم بعض في بعض وألقوا حسك الحديد وراء ظهورهم حتى لا يمكنهم الهرب ولا الفرار، ولا التحيز. ثم إن النعمان بن مقرن رضي الله عنه كبر الاولى وهز الراية فتأهب الناس للحملة، ثم كبر الثانية وهز الراية فتأهبوا أيضا، ثم كبر الثالثة وحمل وحمل الناس على المشركين وجعلت راية النعمان تنقض على الفرس كانقضاض العقاب على الفريسة، حتى تصافحوا بالسيوف فاقتتلوا قتالا لم يعهد مثله في موقف من المواقف المتقدمة، ولا سمع السامعون بوقعة مثلها، قتل من المشركين ما بين الزوال إلى الظلام من القتلى ما طبق وجه الارض دما، بحيث إن الدواب كانت تطبع فيه، حتى قيل إن الامير النعمان بن مقرن زلق به حصانه في ذلك الدم فوقع وجاءه سهم في خاصرته فقتله، ولم يشعر به أحد سوى أخيه سويد، وقيل نعيم، وقيل غطاه بثوبه وأخفى موته ودفع الراية إلى حذيفة بن اليمان، فأقام حذيفة أخاه نعيما مكانه، وأمر بكتم موته حتى ينفصل الحال لئلا ينهزم الناس. فلما أظلم الليل انهزم المشركون مدبرين وتبعهم المسلمون وكان الكفار قد قرنوا منهم ثلاثين ألفا بالسلاسل وحفروا حولهم خندقا، فلما انهزموا وقعوا في الخندق وفي تلك الاودية نحو مائة ألف وجعلوا يتساقطون في أودية بلادهم فهلك منهم بشر كثير نحو مائة ألف أو يزيدون، سوى من قتل من المعركة، ولم يفلت منهم إلا الشريد. وكان الفيرزان أميرهم قد صرع في المعركة فانفلت وانهزم واتبعه نعيم بن مقرن، وقدم القعقاع بين يديه وقصد الفيرزان همدان فلحقه القعقاع وأدركه عند ثنية همدان،


(1) في الطبري: الرياح. (*)

[ 126 ]

وقد أقبل منها بغال كثير وحمر تحمل عسلا، فلم يستطع الفيرزان صعودها منهم، وذلك لحينه فترجل وتعلق في الجبل فاتبعه القعقاع حتى قتله، وقال المسلمون يومئذ: إن لله جنودا من عسل، ثم غنموا ذلك العسل وما خالطه من الاحمال وسميت تلك الثنية ثنية العسل. ثم لحق القعقاع بقية المنهزمين منهم إلى همدان وحاصرها وحوى ما حولها، فنزل إليه صاحبها - وهو خسرشنوم - فصالحه عليها. ثم رجع القعقاع إلى حذيفة ومن معه من المسلمين، وقد دخلوا بعد الوقعة نهاوند عنوة، وقد جمعوا الاسلاب والمغانم إلى صاحب الاقباض وهو السائب بن الاقرع. ولما سمع أهل ماه بخبر أهل همدان بعثوا إلى حذيفة وأخذوا لهم منه الامان، وجاء رجل يقال له الهرند (1) - وهو صاحب نارهم - فسأل من حذيفة الامان ويدفع إليهم وديعة عنده (2) لكسرى، ادخرها لنوائب الزمان، فأمنه حذيفة وجاء ذلك الرجل بسفطين مملوءتين جوهرا ثمينا لا يقوم، غير أن المسلمين لم يعبأوا به، واتفق رأيهم على بعثه لعمر خاصة، وأرسلوه صحبة الاخماس والسبي صحبة السائب ابن الاقرع، وأرسل قبله بالفتح مع طريف بن سهم، ثم قسم حذيفة بقية الغنيمة في الغانمين، ورضخ ونفل لذوي النجدات، وقسم لمن كان قد أرصد من الجيوش لحفظ ظهور المسلمين من ورائهم، ومن كان ردءا لهم، ومنسوبا إليهم. وأما أمير المؤمنين فإنه كان يدعو الله ليلا ونهارا لهم، دعاء الحوامل المقربات، وابتهال ذوي الضرورات، وقد استبطأ الخبر عنهم فبينا رجل من المسلمين ظاهر المدينة إذا هو براكب فسأله من أين أقبل ؟ فقال: من نهاوند. فقال: ما فعل الناس ؟ قال: فتح الله عليهم وقتل الامير، وغنم المسلمون غنيمة أصاب الفارس ستة آلاف، والراجل ألفان. ثم فاته وقدم ذلك الرجل المدينة فأخبر الناس وشاع الخبر حتى بلغ أمير المؤمنين فطلبه فسأله عمن أخبره، فقال راكب. فقال: إنه لم يجئني، وإنما هو رجل من الجن بريدهم واسمه عثيم، ثم قدم طريف بالفتح بعد ذلك بأيام، وليس معه سوى الفتح، فسأله عمن قتل النعمان فلم يكن معه علم حتى قدم الذين معهم الاخماس فأخبروا بالامر على جليته، فإذا ذلك قد الجني شهد الوقعة ورجع سريعا إلى قومه نذيرا. ولما أخبر عمر بمقتل النعمان بكى وسأل السائب عمن قتل من المسلمين فقال: فلان وفلان وفلان، لاعيان الناس وأشرافهم. ثم قال وآخرون من أفناد الناس ممن لا يعرفهم أمير المؤمنين، فجعل يبكي ويقول: وما ضرهم أن لا يعرفهم أمير المؤمنين ؟ لكن الله يعرفهم وقد أكرمهم بالشهادة، وما يصنعون بمعرفة عمر. ثم أمر بقسمة الخمس على عادته، وحملت ذانك السفطان إلى منزل عمر، ورجعت الرسل، فلما أصبح عمر طلبهم فلم يجدهم، فأرسل في إثرهم البرد فما لحقهم البريد إلا بالكوفة.


(1) في الطبري 4 / 243 والكامل 3 / 14: الهربذ صاحب بيت النار. (2) في الطبري والكامل وابن الاعثم: كان قد أودعها النخيرجان وقد كان النخيرجان وزيرا ليزدجرد. (*)

[ 127 ]

قال السائب بن الاقرع: فلما أنخت بعيري بالكوفة، أناخ البريد على عرقوب بعيري، وقال: أجب أمير المؤمنين، فقلت: لماذا ؟ فقال: لا أدري. فرجعنا على إثرنا، حتى انتهيت إليه. قال: مالي ولك يا بن أم السائب، بل ما لابن أم السائب ومالي، قال: فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: ويحك والله إن هو إلا أن نمت في الليلة التي خرجت فيها فباتت ملائكة الله تسحبني إلى ذينك السفطين وهما يشتعلان نارا، يقولون لنكوينك بهما. فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين. فاذهب بهما لا أبا لك فبعهما فاقسمهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم، فإنهم لا يدرون ما وهبوا ولم تدر أنت معهم. قال السائب: فأخذتهما حتى جئت بهما مسجد الكوفة وغشيتني التجار فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف. ثم خرج بهما إلى أرض الاعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف. فما زال أكثر أهل الكوفة مالا بعد ذلك. قال سيف: ثم قسم ثمنهما بين الغانمين فنال كل فارس أربعة آلاف درهم من ثمن السفطين. قال الشعبي: وحصل للفارس من أصل الغنيمة ستة آلاف وللراجل ألفان وكل المسلمون ثلاثين ألفا. قال: وافتتحت نهاوند في أول سنة تسع عشرة لسبع سنين من إمارة عمر، رواه سيف عن عمرو بن محمد عنه. وبه عن الشعبي قال: لما قدم سبي نهاوند إلى المدينة جعل أبو لؤلؤة - فيروز غلام المغيرة بن شعبة - لا يلقى منهم صغيرا إلا مسح رأسه وبكى وقال: أكل عمر كبدي - وكان أصل أبي لؤلؤة من نهاوند فأسرته الروم أيام فارس وأسرته المسلمون بعد، فنسب إلى حيث سبي - قالوا: ولم تقم للاعاجم بعد هذه الوقعة قائمة، وأتحف عمر الذين أبلوا فيها بألفين تشريفا لهم وإظهارا لشأنهم. وفي هذه السنة افتتح المسلمون أيضا بعد نهاوند مدينة جي - وهي مدينة أصبهان - بعد قتال كثير وأمور طويلة، فصالحوا المسلمين وكتب لهم عبد الله بن عبد الله كتاب أمان وصلح وفر منهم ثلاثون نفرا إلى كرمان لم يصالحوا المسلمين (1). وقيل: إن الذي فتح أصبهان هو النعمان بن مقرن وأنه قتل بها، ووقع أمير المجوس وهو ذو الحاجبين عن فرسه فانشق بطنه ومات وانهزم أصحابه. والصحيح أن الذي فتح أصبهان عبد الله بن عبد الله بن عتبان - الذي كان نائب الكوفة - وفيها افتتح أبو موسى قم وقاشان، وافتتح سهيل بن عدي مدينة كرمان. وذكر ابن جرير عن الواقدي: أن عمرو بن العاص سار في جيش معه إلى طرابلس (2) قال:


(1) في فتوح ابن الاعثم: أن الفاذوسفان صاحب أصبهان (وفي الطبري الفيروزان) هرب في ثلاثين فارسا ولحق بيزدجرد. وفي فتوح البلدان: خرج ليلحق بيزدجرد إلى كرمان فلحق به عبد الله بن بديل... فتبارزا ثم صالحه الفيرزان على أصبهان انظر الطبري 4 / 247 والكامل 3 / 11 وابن الاعثم 2 / 69 - 70. (2) في الطبري 4 / 250 انطابلس. (*)

[ 128 ]

وهي برقة فافتتحها صلحا على ثلاث عشر ألف دينار في كل سنة. قال: وفيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهري إلى زويلة ففتحها بصلح، وصار ما بين برقة إلى زويلة سلما للمسلمين. قال: وفيها ولى عمر عمار بن ياسر على الكوفة بدل زياد ابن حنظلة الذي ولاه عبد عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وجعل عبد الله بن مسعود على بيت المال، فاشتكى أهل الكوفة من عمار فاستعفي عمار من عمله، فعزله وولى جبير بن مطعم، وأمره أن لا يعلم أحدا، وبعث المغيرة بن شعبة امرأته إلى امرأة جبير يعرض عليها طعاما للسفر فقالت: اذهبي فأتيني به. فذهب المغيرة إلى عمر فقال: بارك الله يا أمير المؤمنين فيمن وليت على الكوفة. فقال: وما ذاك ؟ وبعث إلى جبير بن مطعم فعزله وولى المغيرة بن شعبة ثانية، فلم يزل عليها حتى مات عمر رضي الله عنهم. قال: وفيها حج عمر واستخلف على المدينة زيد بن ثابت وكان عماله على البلدان المتقدمون في السنة التي قبلها سوى الكوفة. قال الواقدي: وفيها توفي خالد بن الوليد بحمص وأوصى إلى عمر بن الخطاب. وقال غيره توفي سنة ثلاث وعشرين، وقيل بالمدينة. والاول أصح. وقال غيره: وفيها توفي العلاء بن الحضرمي فولى عمر مكانه أبا هريرة. وقد قيل إن العلاء توفي قبل هذا كما تقدم. والله أعلم. وقال ابن جرير فيما حكاه عن الواقدي: وكان أمير دمشق في هذه السنة عمير بن سعيد (1)، وهو أيضا على حمص وحوران وقنسرين والجزيرة، وكان معاوية على البلقاء والاردن، وفلسطين، والسواحل وإنطاكية، وغير ذلك. ذكر من توفي سنة إحدى وعشرين خالد بن الوليد ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي أبو سليمان المخزومي، سيف الله، أحد الشجعان المشهورين، لم يقهر في جاهلية ولا إسلام. وأمه عصماء (2) بنت الحارث أخت لبابة بنت الحارث، وأخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين. قال الواقدي: أسلم أول يوم من صفر سنة ثمان، وشهد مؤتة وانتهت إليه الامارة يومئذ عن غير إمرة، فقاتل يومئذ قتالا شديدا لم ير مثله، اندقت في يده تسعة أسياف، ولم تثبت في يده إلا صفيحة يمانية. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) في الطبري: عمير بن سعد. (2) في الاصابة والاستيعاب: أمه لبابة الصغرى بنت الحارث بن حرب الهلالية أخت لبابة الكبرى زوج العباس... (1 / 413 وهامش الاصابة 1 / 406). (*)

[ 129 ]

أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه ". وقد روي أن خالدا سقطت قلنسوته يوم اليرموك وهو في الحرب فجعل يستحث في طلبها فعوتب في ذلك، فقال: إن فيها شيئا من شعر ناصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنها ما كانت معي في موقف إلا نصرت بها. وقد روينا في مسند أحمد من طريق الوليد بن مسلم عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده وحشي بن حرب عن أبي بكر الصديق أنه لما أمر خالدا على حرب أهل الردة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " فنعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين (1) " وقال أحمد: حدثنا حسين الجعفي عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير قال: استعمل عمر بن الخطاب أبا عبيدة على الشام وعزل خالد بن الوليد، فقال خالد: بعث إليكم أمين هذه الامة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " أمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح " فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " خالد سيف من سيوف الله نعم فتى العشيرة (2) " وقد أورده ابن عساكر من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وأبي هريرة، ومن طرق مرسلة يقوي بعضها بعضا. وفي الصحيح " وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا وقد احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله " وشهد الفتح وشهد حنينا وغزا بني جذيمة أميرا في حياته عليه السلام. واختلف في شهوده خيبر وقد دخل مكة أميرا على طائفة من الجيش وقتل خلقا كثيرا من قريش، كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه، ولله الحمد والمنة. وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العزى - وكانت لهوازن - فكسر قمتها أولا ثم دعثرها وجعل يقول: يا عزى كفرانك لا سبحانك * إني رأيت الله قد أهانك ثم حرقها وقد استعمله الصديق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال أهل الردة ومانعي الزكاة، فشفى واشتفى. ثم وجهه إلى العراق ثم أتى الشام فكانت له من المقامات ما ذكرناها مما تقربها القلوب والعيون، وتتشنف بها الاسماع. ثم عزله عمر عنها وولى أبا عبيدة وأبقاه مستشارا في الحرب، ولم يزل بالشام حتى مات على فراشه رضي الله عنه. وقد روى الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: لما حضرت خالدا الوفاة بكى ثم قال: لقد حضرت كذا وكذا زحفا، وما في جسدي شبرا إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء. وقال أبو يعلى: ثنا شريح بن يونس ثنا يحيى بن زكريا عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس. قال: قال خالد


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 1 / 8. (2) أخرجه الامام أحمد في مسنده 3 / 245. (*)

[ 130 ]

ابن الوليد: ما ليلة يهدي إلي فيها عروس، أو أبشر فيها بغلام بأحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو. وقال أبو بكر بن عياش عن الاعمش عن خيثمة قال: أتي خالد برجل معه زق خمر فقال: اللهم اجعله عسلا، فصار عسلا. وله طرق، وفي بعضها مر عليه رجل معه زق خمر فقال له خالد: ما هذا ؟ فقال: عسل فقال: اللهم اجعله خلا، فلما رجع إلى أصحابه قال: جئتكم بخمر لم يشرب العرب مثله، ثم فتحه فإذا هو خل، فقال أصابته والله دعوة خالد رضي الله عنه. وقال حماد بن سلمة عن ثمامة عن أنس. قال: لقي خالد عدوا له فولى عنه المسلمون منهزمين وثبت هو وأخو البراء بن مالك، وكنت بينهما واقفا، قال: فنكس خالد رأسه ساعة إلى الارض ثم رفع رأسه إلى السماء ساعة - قال: وكذلك كان يفعل إذا أصابه مثل هذا -، ثم قال لاخي البراء: قم فركبا، واختطب خالد من معه من المسلمين وقال: ما هو إلا الجنة وما إلى المدينة سبيل. ثم حمل بهم فهزم المشركين. وقد حكى مالك عن عمر بن الخطاب أنه قال لابي بكر: اكتب إلى خالد أن لا يعطى شاة ولا بعيرا إلا بأمرك. فكتب أبو بكر إلى خالد بذلك، فكتب إليه خالد: إما أن تدعني وعملي، وإلا فشأنك بعملك. فأشار عليه عمر بعزله، فقال أبو بكر: فمن يجزي عني جزاء خالد ؟ قال عمر: أنا. قال: فأنت. فتجهز عمر حتى أنيخ الظهر في الدار، ثم جاء الصحابة فأشاروا على الصديق بإبقاء عمر بالمدينة وإبقاء خالد بالشام. فلما ولى عمر كتب إلى خالد بذلك فكتب إليه خالد بمثل ذلك فعزله، وقال: ما كان الله ليراني آمر أبا بكر بشئ لا أنفذه أنا. وقد روى البخاري في التاريخ وغيره من طريق علي بن رباح عن ياسر بن سمي البرني، قال: سمعت عمر يعتذر إلى الناس بالجابية من عزل خالد، فقال: أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس، وذا الشرف واللسان، فأمرت أبا عبيدة. فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: ما اعتذرت يا عمر، لقد نزعت عاملا استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعت لواء رفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغمدت سيفا سله الله، ولقد قطعت الرحم، وحسدت ابن العم. فقال عمر: إنك قريب القرابة، حديث السن مغضب في ابن عمك. قال الواقدي رحمه الله، ومحمد بن سعيد وغير واحد: مات سنة إحدى وعشرين بقرية على ميل من حمص، وأوصى إلى عمر بن الخطاب. وقال دحيم وغيره: مات بالمدينة. والصحيح الاول. وقدمنا فيما سلف تعزير عمر له حين أعطى الاشعث بن قيس عشرة آلاف، وأخذه من ماله عشرين ألفا أيضا. وقدمنا عتبه عليه لدخوله الحمام وتدلكه بعد النورة بدقيق عصفر معجون بخمر، واعتذار خالد إليه بأنه صار غسولا. وروينا عن خالد أنه طلق امرأة من نسائه وقال: إني لم أطلقها عن ريبة، ولكنها لم تمرض عندي ولم يصبها شئ في بدنها ولا رأسها ولا في شئ من جسدها. وروى سيف وغيره: أن عمر قال حين عزل خالدا عن الشام، والمثنى بن حارثة عن العراق: إنما عزلتهما ليعلم الناس أن الله نصر الدين لا بنصرهما وأن القوة لله جميعا. وروى سيف أيضا: أن عمر

[ 131 ]

قال حين عزل خالدا عن قنسرين وأخذ منه ما أخذ: إنك علي لكريم، وإنك عندي لعزيز، ولن يصل إليك مني أمر تكرهه بعد ذلك. وقد قال الاصمعي عن سلمة عن بلال عن مجالد عن الشعبي قال: اصطرع عمر وخالد وهما غلامان - وكان خالد ابن خال عمر - فكسر خالد ساق عمر، فعولجت وجبرت، وكان ذلك سبب العداوة بينهما. وقال الاصمعي عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال: دخل خالد على عمر وعليه قميص حرير فقال عمر: ما هذا يا خالد ؟ فقال: وما بأس يا أمير المؤمنين، أليس قد لبسه عبد الرحمن بن عوف ؟ فقال: وأنت مثل ابن عوف ؟ ولك مثل ما لابن عوف ؟ عزمت على من بالبيت إلا أخذ كل واحد منهم بطائفة مما يليه. قال: فمزقوه حتى لم يبق منه شئ. وقال عبد الله بن المبارك عن حماد بن زيد حدثنا عبد الله بن المختار عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل - ثم شك حماد في أبي وائل - قال: ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال: لقد طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي. وما من عملي شئ أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتها وأنا متترس والسماء تهلني تمطر إلى الصبح، حتى نغير على الكفار. ثم قال: إذا أنا مت فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله. فلما توفي خرج عمر على جنازته فذكر قوله: ما على آل نساء الوليد يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقعا أو لقلقة. قال ابن المختار: النقع التراب على الرأس، واللقلقة الصوت. وقد علق البخاري في صحيحه بعض هذا فقال: وقال عمر: دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة. وقال محمد بن سعد ثنا وكيع وأبو معاوية وعبد الله بن نمير قالوا: حدثنا الاعمش عن شقيق بن سلمة قال: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة في دار خالد يبكين عليه فقيل لعمر: إنهن قد اجتمعن في دار خالد يبكين عليه، وهن خلقاء أن يسمعنك بعض ما تكره. فأرسل إليهن فانههن. فقال عمر: وما عليهن أن ينزفن من دموعهن على أبي سليمان، ما لم يكن نقعا أو لقلقة. ورواه البخاري في التاريخ من حديث الاعمش بنحوه. وقال إسحق بن بشر وقال محمد: مات خالد بن الوليد بالمدينة فخرج عمر في جنازته وإذا أمه تندبه وتقول: أنت خير من ألف ألف من القو * م إذا ما كبت وجوه الرجال فقال: صدقت والله إن كان لكذلك. وقال سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم. قال: فأقام خالد في المدينة حتى إذا ظن عمر أنه قد زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به، وقد عزم على توليته بعد أن يرجع من الحج، واشتكى خالد بعده وهو خارج من المدينة زائرا لامه فقال لها احدروني إلى مهاجري، فقدمت به المدينة ومرضته فلما ثقل وأظل قدوم عمر لقيه لاق على مسيرة ثلاث صادرا عن حجة فقال له عمر بهم (1) فقال: خالد بن


(1) كذا بالاصل. (*)

[ 132 ]

الوليد ثقيل لما به. فطوى عمر ثلاثا في ليلة فأدركه حين قضى، فرق عليه واسترجع وجلس ببابه حتى جهز، وبكته البواكي، فقيل لعمر: ألا تسمع ألا تنهاهن ؟ فقال: وما على نساء قريش أن يبكين أبا سليمان ؟ ما لم يكن نقع ولا لقلقة. فلما خرج لجنازته رأى عمر امرأة محرمة تبكيه وتقول: أنت خير من ألف ألف من النا * س إذا ما كبت وجوه الرجال أشجاع فأنت أشجع من ليث * ضمر بن جهم أبي أشبال أجواد فأنت أجود من سيل * دياس يسيل بين الجبال فقال عمر: من هذه ؟ فقيل له: أمه. فقال: أمه والا له ثلاثا. وهل قامت النساء عن مثل خالد. قال: فكان عمر يتمثل في طيه تلك الثلاث في ليلة وفي قدومه: تبكي ما وصلت به الندامى * ولا تبكي فوارس كالجبال أولئك إن بكيت أشد فقدا * من الا ذهاب والعكر الجلال (1) تمنى بعدهم قوم مداهم * فلم يدنوا لاسباب الكمال وفي رواية أن عمر قال لام خالد: أخالدا أو أجره ترزئين ؟ عزمت عليك أن لا تبيني حتى تسود يداك من الخضاب. وهذا كله منا يقتضي موته بالمدينة النبوية، وإليه ذهب دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ولكن المشهور عن الجمهور وهم الواقدي، وكاتبه محمد بن سعد، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وإبراهيم بن المنذر، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو عبد الله العصفري، وموسى بن أيوب، وأبو سليمان بن أبي محمد وغيرهم، أنه مات بحمص سنة إحدى وعشرين. زاد الواقدي: وأوصى إلى عمر بن الخطاب. وقد روى محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد وغيره قالوا: قدم خالد المدينة بعد ما عزله عمر فاعتمر ثم رجع إلى الشام، فلم يزل بها حتى مات في سنة إحدى وعشرين. وروى الواقدي: أن عمر رأى حجاجا يصلون بمسجد قباء فقال: أين نزلتم بالشام ؟ قالوا: بحمص، قال: فهل من معرفة خبر ؟ قالوا: نعم مات خالد بن الوليد. قال: فاسترجع عمر وقال: كان والله سدادا لنحور العدو، ميمون النقيبة. فقال له علي: فلم عزلته ؟ قال: لبذله المال لذوي الشرف واللسان. وفي رواية أن عمر قال لعلي: ندمت على ما كان مني. وقال محمد بن سعد: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحميدي، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، سمعت قيس بن أبي حازم يقول: لما مات خالد بن الوليد قال عمر: رحم الله أبا سليمان، لقد كنا نظن به أمورا ما كانت. وقال جويرية عن نافع قال: لما مات خالد لم يوجد له إلا فرسه وغلامه وسلاحه، وقال القاضي المعافا ابن زكريا الحريري: ثنا أحمد بن العباس العسكري، ثنا عبد الله بن أبي سعد، حدثني عبد الرحمن


(1) العكر: من الابل ما بين الخمسين إلى المائة. (*)

[ 133 ]

ابن حمزة اللخمي، ثنا أبو علي الحرنازي قال: دخل هشام بن البحتري في ناس من بني مخزوم على عمر بن الخطاب فقال له: يا هشام أنشدني شعرك في خالد. فأنشده فقال: قصرت في الثناء على أبي سليمان رحمه الله، إنه كان ليحب أن يذل الشرك وأهله، وإن كان الشامت به لمتعرضا لمقت الله. ثم قال عمر قاتل الله أخا بني تميم ما أشعره. وقل للذي يبقى خلاف الذي مضى * تهيأ لاخرى مثلها فكأن قدي فما عيش من قد عاش بعدي بنافعي * ولا موت من قد مات يوما بمخلدي ثم قال عمر: رحم الله أبا سليمان ما عند الله خير له مما كان فيه. ولقد مات سعيدا وعاش حميدا ولكن رأيت الدهر ليس بقائل. طليحة بن خويلد ابن نوفل بن نضلة بن الاشتر بن جحوان بن فقعس بن طريف بن عمر بن قعير (1) بن الحارث بن ثعلبة بن داود (2) بن أسد بن خزيمة الاسدي الفقعسي، كان ممن شهد الخندق من ناحية المشركين، ثم أسلم سنة تسع، ووفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم ارتد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام الصديق، وادعى النبوة كما تقدم. وروى ابن عساكر أنه ادعى النبوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ابنه خيال (3) قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله: ما اسم الذي يأتي إلى أبيك ؟ فقال: ذو النون الذي لا يكذب ولا يخون، ولا يكون كما يكون. فقال: لقد سمي ملكا عظيم الشأن، ثم قال لابنه: قتلك الله وحرمك الشهادة. ورده كما جاء. فقتل خيال في الردة في بعض الوقائع قتله عكشاة بن محصن ثم قتل طليحة عكاشة وله مع المسلمين وقائع. ثم خذله الله على يدي خالد بن الوليد، وتفرق جنده فهرب حتى دخل الشام فنزل على آل جفنة، فأقام عندهم حتى مات الصديق حياء منه، ثم رجع إلى الاسلام واعتمر، ثم جاء يسلم على عمر فقال له: اغرب عني فإنك قاتل الرجلين الصالحين، عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم، فقال: يا أمير المؤمنين هما رجلان أكرمهما الله على يدي ولم يهني بأيديهما. فأعجب عمر كلامه ورضي عنه. وكتب له بالوصاة إلى الامراء أن يشاور ولا يولي شيئا من الامر ثم عاد إلى الشام مجاهدا فشهد اليرموك وبعض حروب كالقادسية ونهاوند الفرس، وكان من الشجعان المذكورين، والابطال المشهورين، وقد حسن إسلامه بعد هذا كله. وذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة وقال: كان يعد بألف فارس لشدته وشجاعته وبصره بالحرب. وقال أبو نصر بن ماكولا: أسلم ثم ارتد ثم أسلم


(1) في أسد الغابة: معين. (2) في أسد الغابة: دودان. (3) في الاصابة حبال وقد تقدم. (*)

[ 134 ]

وحسن إسلامه، وكان يعدل بألف فارس. ومن شعره أيام ردته وادعائه النبوة في قتل المسلمين أصحابه: فما ظنكم بالقوم إذ تقتلونهم * أليسوا وإن لم يسلموا برجال فإن يكن أزاد أصبى ونسوة * فلم يذهبوا فرعا بقتل خيال (1) نصبت لهم صدر الحمالة إنها * معاودة قتل الكماة نزال فيوما تراها في الجلال مصونة * ويوما تراها غير ذات جلال ويوما تراها تضئ المشرفية نحوها * ويوما تراها في ظلال عوالي عشية غادرت ابن أقرم ثاويا * وعكاشة العمي عند مجال وقال سيف بن عمر عن مبشر بن الفضيل عن جابر بن عبد الله. قال: بالله الذي لا إله إلا هو ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية يريد الدنيا مع الآخرة، ولقد اتهمنا ثلاثة نفر فما رأينا كما هجمنا عليهم من أمانتهم وزهدهم، طليحة بن خويلد الاسدي، وعمرو بن معدي كرب، وقيس بن المكشوح. قال ابن عساكر: ذكر أبو الحسن محمد بن أحمد بن الفراس الوراق أن طليحة استشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين مع النعمان بن مقرن، وعمرو بن معدي كرب رضي الله عنهم. عمرو بن معدي كرب ابن عبد الله بن عمرو بن عاصم بن عمرو بن زبيد الاصغر بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن شيبة وهو زبيد الاكبر بن الحارث بن ضعف بن سعد العشيرة بن مذحج الزبيدي المذحجي أبو ثور، أحد الفرسان المشاهير الابطال، والشجعان المذاكير، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع، وقيل عشر، مع وفد مراد، وقيل في وفد زبيد قومه. وقد ارتد مع الاسود العنسي فسار إليه خالد بن سعيد بن العاص، فقاتله فضربه خالد بن سعيد بالسيف على عاتقه فهرب وقومه، وقد استلب خالد سيفه الصمصامة، ثم أسر ودفع إلى أبي بكر فأنبه وعاتبه واستتابه، فتاب وحسن إسلامه بعد ذلك، فسيره إلى الشام، فشهد اليرموك ثم أمره عمر بالمسير إلى سعد وكتب بالوصاة به، وأن يشاور ولا يولي شيئا، فنفع الله به الاسلام وأهله، وأبلى بلاء حسنا يوم القادسية. وقيل إنه قتل بها، وقيل بنهاوند، وقيل مات عطشا في بعض القرى يقال لها روذة (2) فالله أعلم. وذلك كله في إحدى وعشرين فقال بعض من رثاه من قومه:


(1) أصبى: الذي كثرت صبيته. (2) قال في الاستيعاب: مات بقرية من قرى نهاوند. وفي الاصابة من طريق خالد بن قطن أنه بقي إلى خلافة عثمان. وقال صاحب كتاب المعمرين انه شهد صفين. والاكثر على انه مات سنة إحدى وعشرين. (*)

[ 135 ]

لقد غادر الركبان يوم تحملوا * بروذة شخصا لا جبانا ولا غمرا فقل لزبيد بل لمذحج كلها * رزئتم أبا ثور قريع الوغى عمرا وكان عمرو بن معدي كرب رضي الله عنه من الشعراء المجيدين، فمن شعره: أعاذل عدتي بدني ورمحي * وكل مقلص سلس القياد أعاذل إنما أفنى شبابي * إجابتي الصريخ إلى المنادي مع الابطال حتى سل جسمي * وأقرع عاتقي حمل النجاد ويبقى بعد حلم القوم حلمي * ويفنى قبل زاد القوم زادي تمنى أن يلاقيني قييس * وددت وأينما مني ودادي فمن ذا عاذري من ذي سفاه * يرود بنفسه مني المرادي أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مرادي له حديث واحد في التلبية رواه شراحيل بن القعقاع عنه، قال: كنا في الجاهلية إذا لبينا: لبيك تعظيما إليك عذرا * هذي زبيد قد أتتك قسرا * يعدو بها مضمرات شزرا * يقطعن خبتا وجبالا وعرا * قد تركوا الاوثان خلوا صفرا * قال عمرو: فنحن نقول الآن ولله الحمد ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. العلاء بن الحضرمي أمير البحرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقره عليها أبو بكر ثم عمر. تقدم أنه توفي سنة أربع عشرة ومنهم من يقول إنه تأخر إلى سنة إحدى وعشرين، وعزله عمر عن البحرين وولى مكانه أبا هريرة. وأمره عمر على الكوفة فمات قبل أن يصل إليها منصرفه من الحج. كما قدمنا ذلك والله أعلم. وقد ذكرنا في دلائل النبوة قصته في سيره بجيشه على وجه الماء وما جرى له من خرق العادات ولله الحمد. النعمان بن مقرن بن عائذ المزني أمير وقعة نهاوند، صحابي جليل، قدم مع قومه من مزينة في أربعمائة راكب، ثم سكن البصرة وبعثه الفاروق أميرا على الجنود إلى نهاوند، ففتح الله على يديه فتحا عظيما، ومكن الله له في تلك البلاد، ومكنه من رقاب أولئك العباد، ومكن به للمسلمين هنالك إلى يوم التناد، ومنحه النصر في الدنيا ويوم يقوم الاشهاد، وأتاح له بعد ما أراه ما أحب شهادة عظيمة وذلك غاية المراد،

[ 136 ]

فكان ممن قال الله تعالى في حقه في كتابه المبين وهو صراطه المستقيم * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) * [ التوبة: 111 ]. ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وفيها كانت فتوحات كثيرة منها فتح همدان ثانية ثم الري وما بعدها ثم أذربيجان قال الواقدي وأبو معشر: كانت في سنة ثنتين وعشرين. وقال سيف: كانت في سنة ثماني عشرة بعد فتح همدان والري وجرجان. وأبو معشر يقول بأن أذربيجان كانت بعد هذه البلدان، ولكن عنده أن الجميع كان في هذه السنة. وعند الواقدي: أن فتح همدان والري في سنة ثلاث وعشرين، فهمدان افتتحها المغيرة (1) بعد مقتل عمر بستة أشهر، قال: ويقال كان فتح الري قبل وفاة عمر بسنتين، إلا أن الواقدي وأبا معشر متفقان على أن أذربيجان في هذه السنة، وتبعهما ابن جرير وغيره. وكان السبب في ذلك أن المسلمين لما فرغوا من نهاوند وما وقع من الحرب المتقدم، فتحوا حلوان وهمذان بعد ذلك. ثم إن أهل همذان نقضوا عهدهم الذي صالحهم عليه القعقاع ابن عمرو، فكتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يسير إلى همذان، وأن يجعل على مقدمته أخاه سويد ابن مقرن، وعلى مجنبتيه ربعي بن عامر الطائي، ومهلهل بن زيد التميمي. فسار حتى نزل على ثنية العسل، ثم تحدر على همذان (2)، واستولى على بلادها، وحاصرها فسألوه الصلح فصالحهم ودخلها، فبينما هو فيها ومعه اثني عشر ألفا من المسلمين إذ تكاتف (3) الروم والديلم وأهل الري وأهل أذربيجان، واجتمعوا على حرب نعيم بن مقرن في جمع كثير، فعلى الديلم ملكهم واسمه موتا، وعلى أهل الري أبو الفرخان، وعلى أذربيجان اسفندياذ أخو رستم، فخرج إليهم بمن معه من المسلمين حتى التقوا بمكان يقال له واج الروذ، فاقتتلوا قتالا شديدا وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند ولم تك دونها، فقتلوا من المشركين جمعا كثيرا، وجما غفيرا لا يحصون كثرة، وقتل ملك


(1) في رواية فتوح البلدان عن الواقدي 2 / 380 أن المغيرة وجه جرير بن عبد الله البجلي إلى همذان وافتتحها على مثل صلح نهاوند. أما ابن الاعثم في فتوحه 2 / 64 فقال ان المسلمين دخلوا همذان بعدما رحل عنها الاعاجم واحتووا على ما قدروا عليه منها. (2) في فتوح ابن الاعثم: كان على همذان رجل من عظماء الاعاجم واسمه كفتار. (3) في الطبري: تكاتب وفي الكامل: كاتب. (*)

[ 137 ]

الديلم موتا وتمزق شملهم، وانهزموا بأجمعهم، بعد من قتل بالمعركة منهم، فكان نعيم بن مقرن أول من قاتل الديلم من المسلمين. وقد كان نعيم كتب إلى عمر يعلمه باجتماعهم فهمه ذلك واغتم له. فلم يفجأه إلا البريد بالبشارة فحمد الله وأثنى عليه، وأمر بالكتاب فقرئ على الناس، ففرحوا وحمدوا الله عز وجل. ثم قدم عليه بالاخماس ثلاثة من الامراء وهم سماك بن خرشة، ويعرف بأبي دجانة، وسماك بن عبيد، وسماك بن مخرمة. فلما استسماهم عمر قال: اللهم اسمك بهم الاسلام، وأمد بهم الاسلام، ثم كتب إلى نعيم بن مقرن بأن يستخلف على همذان ويسير إلى الري فامتثل نعيم. وقد قال نعيم في هذه الوقعة: ولما أتاني أن موتا ورهطه * بني باسل جروا جنود الاعاجم نهضت إليهم بالجنود مساميا * لامنع منهم ذمتي بالقواصم فجئنا إليهم بالحديد كأننا * جبال تراءى من فروع القلاسم (1) فلما لقيناهم بها مستفيضة * وقد جعلوا يسمون فعل المساهم صدمناهم في واج روذ بجمعنا * غداة رميناهم بإحدى العظائم فما صبروا في حومة الموت ساعة * لحد الرماح والسيوف الصوارم كأنهم عند انبثاث جموعهم * جدار تشظى لبنه للهادم أصبنا بها موتا ومن لف جمعه * وفيها نهاب قسمه غير عاتم تبعناهم حتى أووا في شعابهم * فنقتلهم قتل الكلاب الجواحم (2) كأنهم في واج روذ وجوه * ضئين أصابتها فروج المخارم (3) فتح الري استخلف نعيم بن مقرن على همذان يزيد بن قيس الهمداني وسار بالجيوش حتى لحق بالري فلقي هناك جمعا كثيرا من المشركين (4) فاقتتلوا عند سفح جبل الري فصبروا صبرا عظيما ثم انهزموا فقتل منهم نعيم بن مقرن مقتلة عظيمة بحيث عدوا بالقصب فيها، وغنموا منهم غنيمة عظيمة قريبا مما غنم المسلمون من المدائن. وصالح أبو الفرخان على الري، وكتب له أمانا بذلك، ثم كتب نعيم (5) إلى عمر بالفتح ثم بالاخماس ولله الحمد والمنة.


(1) القلاسم: اسم موضع. (2) الجواحم: الكلاب المصابة بداء في عينها أو في رأسها. (3) ضئين: الغنم. (4) من أهل نهاوند وطبرستان وقومس وجرجان وعليهم ملك الري سياوخش بن مهران بن بهرام شوبين، وذكره ابن الاعثم: فرخنداد بن يزدامر الاكبر. (5) اختلف المؤرخون في فتح الري، قيل إن فتحها كان على يد نعيم بن مقرن، وقيل على يد قرظة بن كعب وقيل (*)

[ 138 ]

فتح قومس ولما ورد البشير بفتح الري وأخماسها كتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يبعث أخاه سويد بن مقرن إلى قومس. فسار إليها سويد، فلم يقم له شئ حتى أخذها سلما وعسكر بها وكتب لاهلها كتاب أمان وصلح (1). فتح جرجان لما عسكر سويد بقومس بعث إليه أهل بلدان شتى منها جرجان وطبرستان وغيرها يسألونه الصلح على الجزية، فصالح الجميع وكتب لاهل كل بلدة كتاب أمان وصلح. وحكى المدائني أن جرجان فتحت في سنة ثلاثين أيام عثمان. فالله أعلم. وهذا فتح أذربيجان لما افتتح نعيم بن مقرن همذان ثم الري، وكان قد بعث بين يديه بكير بن عبد الله (2) من همذان إلى أذربيجان، وأردفه بسماك بن خرشة، فلقي أسفندياذ بن الفرخزإذ بكيرا وأصحابه، قبل أن يقدم عليهم سماك، فاقتتلوا فهزم الله المشركين، وأسر بكير اسفندياذ، فقال له اسفندياذ: الصلح أحب إليك أم الحرب ؟ فقال: بل الصلح. قال: فأمسكني عندك. فأمسكه ثم جعل يفتح بلدا بلدا وعتبة بن فرقد أيضا يفتح معه بلدا بلدا في مقابلته من الجانب الآخر. ثم جاء كتاب عمر بأن يتقد بكير إلى الباب وجعل سماك موضعه نائبا لعتبة بن فرقد، وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد، وسلم إليه بكير اسفندياذ، وسار كما أمره عمر إلى الباب. قالوا: وقد كان اعترض بهرام بن فرخزاذ لعتبة بن فرقد فهزمه عتبة وهرب بهرام، فلما بلغ ذلك اسفندياذ وهو في الاسر عند بكير قال: الآن تم الصلح وطفئت الحرب. فصالحه فأجاب إلى ذلك كلهم. وعادت أذربيجان سلما، وكتب بذلك عتبة وبكير إلى عمر، وبعثوا بالاخماس إليه، وكتب عتبة حين انتهت إمرة أذربيجان لاهلها كتاب أمان وصلح.


= على يد عروة بن زيد الخيل الطائي. انظر: الطبري 4 / 253 الكامل 3 / 24 فتوح البلدان 2 / 389 فتوح ابن الاعثم 2 / 63 تاريخ اليعقوبي 2 / 157. (1) انظر نص الكتاب في الطبري 4 / 254. وفي فتوح البلدان 2 / 390 فتحها عروة بن زيد الخيل. (2) في فتوح البلدان 4 / 400: ان حذيفة بن اليمان غزا أذربيجان ثم وليها عتبة بن فرقد السلمي. وقال أبو مخنف. ان المغيرة بن شعبة غزاها سنة عشرين ففتحها. وفي الواقدي ان المغيرة غزاها سنة 22 وافتتحها عنوة. والواضح أن أهل أذربيجان قد نقضوا أكثر من مرة الصلح فأغزوا مرارا ولعل هذا هو سبب اللغط في تأكيد من غزاها وافتتحها. (*)

[ 139 ]

فتح الباب (1) قال ابن جرير: وزعم سيف أنه كان في هذه السنة كتب عمر بن الخطاب كتابا بالامرة على هذه الغزوة لسراقة بن عمرو - الملقب بذي النور - وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، ويقال له - ذو النور أيضا - وجعل على إحدى المجنبتين حذيفة بن أسيد، وعلى الاخرى بكير بن عبد الله الليثي - وكان قد تقدمهم إلى الباب - وعلى المقاسم سلمان بن ربيعة. فساروا كما أمرهم عمر وعلى تعبئته، فلما انتهى مقدم العساكر - وهو عبد الرحمن بن ربيعة - إلى الملك الذي هناك عند الباب وهو شهربراز ملك أرمينية وهو من بيت الملك الذي قتل بني إسرائيل وغزا الشام في قديم الزمان، فكتب شهربراز لعبد الرحمن واستأمنه فأمنه عبد الرحمن بن ربيعة، فقدم عليه الملك، فأنهى إليه أن صغوه إلى المسلمين، وأنه مناصح للمسلمين. فقال له: إن فوقي رجلا فاذهب إليه. فبعثه إلى سراقة بن عمرو أمير الجيش، فسأل من سراقة الامان، فكتب إلى عمر فأجاز ما أعطاه من الامان، واستحسنه، فكتب له سراقة كتابا بذلك. ثم بعث سراقة بكيرا، وحبيب بن مسلمة، وحذيفة بن أسيد، وسلمان بن ربيعة، إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية جبال اللان (2) وتفليس وموقان، فافتتح بكير موقان، وكتب لهم كتاب أمان ومات في غضون ذلك أمير المسلمين هنالك، وهو سراقة بن عمرو، واستخلف بعده عبد الرحمن بن ربيعة، فلما بلغ عمر ذلك أقره على ذلك وأمره بغزو الترك. أول غزو الترك وهو تصديق الحديث المتقدم الثابت في الصحيح عن أبي هريرة وعمرو بن تغلب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما عراض الوجوه، دلف الانوف، حمر الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة (3) " وفي رواية " ينتعلون الشعر ". لما جاء كتاب عمر إلى عبد الرحمن بن ربيعة يأمره بأن يغزو الترك، سار حتى قطع الباب قاصدا لما أمره عمر، فقال له شهربراز: أين تريد ؟ قال: أريد ملك الترك بلنجر، فقال له شهربراز: إنا لنرضى منهم بالموادعة، ونحن من وراء الباب. فقال له عبد الرحمن: إن الله بعث إلينا رسولا، ووعدنا على لسانه بالنصر والظفر، ونحن لا نزال منصورين، فقاتل الترك وسار في


(1) الباب: كذا في الاصل. وفي فتوح البلدان وابن الاعثم مدينة الباب. وفي معجم البلدان: باب الابواب ويقال له الباب غير مضاف والباب الابواب... وأما حديثها أيام الفتوح فإن سليمان بن ربيعة الباهلي غزاها في أيام عمر بن الخطاب. (2) كذا في الاصل والطبري والكامل، وفي فتوح البلدان: أران. (3) أخرجه البخاري في كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الاسلام. (*)

[ 140 ]

بلاد بلنجر مائتي فرسخ، وغزا مرات متعددة. ثم كانت له وقائع هائلة في زمن عثمان كما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى. وقال سيف بن عمر عن الغصن بن القاسم عن رجل عن سلمان بن ربيعة. قال: لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة بلادهم حال الله بين الترك والخروج عليه، وقالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت. فتحصنوا منه وهربوا بالغنم والظفر. ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان فظفر بهم، كما كان يظفر بغيرهم. فلما ولي عثمان على الكوفة بعض من كان ارتد، غزاهم فتذامرت الترك وقال بعضهم لبعض: إنهم لا يموتون (1)، قال: انظروا وفعلوا فاختفوا لهم في الغياض. فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله وهرب عنه أصحابه، فخرجوا على المسلمين بعد ذلك حتى عرفوا أن المسلمين يموتون، فاقتتلوا قتالا شديدا ونادى مناد من الجو صبرا آل عبد الرحمن وموعدكم الجنة، فقالت عبد الرحمن حتى قتل وانكشف الناس وأخذ الراية سلمان بن ربيعة فقاتل بها، ونادى المنادي من الجو صبرا آل سلمان ابن ربيعة. فقاتل قتالا شديدا ثم تحيز سلمان وأبو هريرة بالمسلمين، وفروا من كثرة الترك ورميهم الشديد السديد على جيلان فقطعوها إلى جرجان، واجترأت الترك بعدها، ومع هذا أخذت الترك عبد الرحمن بن ربيعة فدفنوه في بلادهم، فهم يستسقون بقبره إلى اليوم. وسيأتي تفصيل ذلك كله. قصة السد ذكر ابن جرير بسنده أن شهربراز قال لعبد الرحمن بن ربيعة لما قدم عليه حين وصل إلى الباب وأراه رجلا فقال شهربراز: أيها الامير إن هذا الرجل كنت بعثته نحو السد، وزودته مالا جزيلا وكتبت له إلى الملوك الذين يولوني، وبعثت لهم هدايا، وسألت منهم أن يكتبوا له إلى من يليهم من الملوك حتى ينتهي إلى سد ذي القرنين، فينظر إليه ويأتينا بخبره. فسار حتى انتهى إلى الملك الذي السد في أرضه، فبعثه إلى عامله مما يلي السد، فبعثت معه بازياره ومعه عقابه، فلما انتهوا إلى السد إذا جبلان بينهما سد مسدود، حتى ارتفع على الجبلين، وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده، فنظر إلى ذلك كله وتفرس فيه، ثم لما هم بالانصراف قال له البازيار: على رسلك، ثم شرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء، وانقض عليها العقاب. فقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شئ، وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شئ. قال: فلم تدركها حتى وقعت في أسفله واتبعها العقاب فأخرجها فإذا فيها ياقوتة وهي هذه. ثم ناولها الملك شهربراز لعبد الرحمن بن ربيعة، فنظر إليها عبد الرحمن ثم ردها إليه، فلما ردها إليه فرح وقال: والله لهذه خير


(1) زاد ابن الاعثم في الفتوح: وقد بلغنا انهم نزلوا من السماء فليس يموتون ولا يعمل فيهم السلاح (*)

[ 141 ]

من مملكة هذه المدينة - يعني مدينة باب الابواب التي هو فيها - ووالله لانتم أحب إلي اليوم من مملكة آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم وبلغهم خبرها لانتزعوها مني. وأيم الله لا يقوم لكم شئ ما وفيتم ووفى ملككهم الاكبر. ثم أقبل عبد الرحمن بن ربيعة على الرسول الذي ذهب على السد فقال: ما حال هذا الردم ؟ - يعني ما صفته - فأشار إلى ثوب في زرقة وحمرة فقال: مثل هذا. فقال رجل لعبد الرحمن: صدق والله لقد نفذ ورأى. فقال: أجل وصف صفة الحديد والصفر. قال الله تعالى * (آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا) * [ الكهف: 96 ] وقد ذكرت صفة السد في التفسير، وفي أوائل هذا الكتاب. وقد ذكر البخاري في صحيحه تعليقا أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم رأيت السد. فقال: " كيف رأيته " ؟ قال: مثل البرد المحبر رأيته. قالوا: ثم قال عبد الرحمن بن ربيعة لشهربراز: كم كانت هديتك ؟ قال: قيمة مائة ألف في بلادي وثلاثة آلاف ألف في تلك البلدان. بقية من خبر السد أورد شيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ في هذه السنة ما ذكر صاحب كتاب مسالك الممالك عما أملاه عليه سلام الترجمان، حين بعثه الواثق بأمر الله بن المعتصم - وكان قد رأى في النوم كأن السد قد فتح - فأرسل سلاما هذا وكتب له إلى الملوك بالوصاة به، وبعث معه ألفي بغل تحمل طعاما فساروا بين سامرا إلى إسحق بتفليس، فكتب لهم إلى صاحب السرير، وكتب لهم صاحب السرير إلى ملك اللان، فكتب لهم إلى قبلان شاه، فكتب لهم إلى ملك الخزر، فوجه معه خمسة أولاد فساروا ستة وعشرين يوما. انتهوا إلى أرض سواداء منتنة حتى جعلوا يشمون الخل، فساروا فيها عشرة أيام، فانتهوا إلى مدائن خراب مدة سبعة وعشرين يوما، وهي التي كانت يأجوج ومأجوج تطرقها فخربت من ذلك الحين، وإلى الآن، ثم انتهوا إلى حصن قريب من السد فوجدوا قوما يعرفون بالعربية وبالفارسية ويحفظون القرآن، ولهم مكاتب ومساجد، فجعلوا يعجبون منهم ويسألونهم من أين أقبلوا، فذكروا لهم أنهم من جهة أمير المؤمنين الواثق فلم يعرفوه بالكلية. ثم انتهوا إلى جبل أملس ليس عليه خضرا وإذا السد هناك من لبن حديد مغيب في نحاس، وهو مرتفع جدا لا يكاد البصر ينتهي إليه، وله شرفات من حديد، وفي وسطه باب عظيم بمصراعين مغلقين، عرضهما مائة ذراع، في طول مائة ذراع، في ثخانة خمسة أذرع، وعليه قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع - وذكر أشياء كثيرة - وعند ذلك المكان حرس يضربون عند القفل في كل يوم فيسمعون بعد ذلك صوتا عظيما مزعجا، ويقال: أن وراء هذا الباب حرس وحفظة، وقريب من هذا الباب حصنان عظيمان بينهما عين ماء عذبة، وفي إحداهما بقايا العمارة من مغارف ولبن من حديد وغير ذلك، وإذا طول اللبنة ذراع ونصف في مثله، في سمك شبر. وذكروا أنهم سألوا أهل تلك البلاد هل رأوا أحدا من يأجوج ومأجوج فأخبروهم أنهم رأوا منهم يوما أشخاصا فوق

[ 142 ]

الشرفات فهبت الريح فألقتهم إليهم، فإذا طول الرجل منهم شبر أو نصف شبر. والله أعلم. قال الواقدي: وفي هذه السنة غزا معاوية الصائفة، من بلاد الروم، وكان معه حماد والصحابة فسار وغنم ورجع سالما. وفيها ولد يزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان. وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب وكان عماله فيها على البلاد، هم الذين كانوا في السنة قبلها. وذكر أن عمر عزل عمارا في هذه السنة عن الكوفة اشتكاه أهلها وقالوا: لا يحسن السياسة، فعزله وولى أبا موسى الاشعري، فقال أهل الكوفة: لا نريده، وشكوا من غلامه فقال: دعوني حتى أنظر في أمري، وذهب إلى طائفة من المسجد ليفكر من يولي. فنام من الهم فجاءه المغيرة فجعل يحرسه حتى استيقظ فقال له: إن هذا الامر عظيم يا أمير المؤمنين، الذي بلغ بك هذا. قال: وكيف وأهل الكوفة مائة ألف لا يرضون عن أمير ولا يرضى عنهم أمير. ثم جمع الصحابة واستشارهم، هل يولي عليهم قويا مشددا أو ضعيفا مسلما ؟ فقال له المغيرة بن شعبة: يا أمير المؤمنين، إن القوي لك وللمسلمين وتشديده لنفسه، وأما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين وإسلامه لنفسه. فقال عمر للمغيرة - واستحسن ما قال له -: اذهب فقد وليتك الكوفة. فرده إليها بعد ما كان عزله عنها بسبب ما كان شهد عليه الذين تقدم حدهم بسبب قذفه، والعلم عند الله عز وجل. وبعث أبا موسى الاشعري إلى البصرة [ فقيل لعمار: أساءك العزل ؟ فقال: والله ما سرتني الولاية، ولقد ساءني العزل. وفي رواية أن الذي سأله عن ذلك عمر رضي الله عنه، ثم أراد عمر أن يبعث سعد بن أبي وقاص على الكوفة بدل المغيرة فعاجلته المنية في سنة ثلاث وعشرين على ما سيأتي بيانه، ولهذا أوصى لسعد به. قال الواقدي: وفي هذه السنة غزا الاحنف بن قيس بلاد خراسان، وقصد البلد الذي فيه يزدجرد ملك الفرس. قال ابن جرير: وزعم سيف أن هذا كان في سنة ثماني عشرة. قلت: والاول هو المشهور والله أعلم. قصة يزدجرد بن شهريار بن كسرى لما استلب سعد من يديه مدينة ملكه، وداره مقره، وإيوان سلطانه، وبساط مشورته وحواصله، تحول من هناك إلى حلوان، ثم جاء المسلمون ليحاصروا حلوان فتحول إلى الري، وأخذ المسلمون حلوان ثم أخذت الري، فتحول منها إلى أصبهان (1)، فأخذت أصبهان، فسار


(1) أصبهان: في التاج (أصص): " أصبهان أصله أصت بهان أي سمنت المليحة، سميت لحسن هوائها وعذوبة مائها وكثرة فواكهها فخففت. والصواب أنها أعجمية وقد تكسر همزتها وقد تبدل باؤها فاء فيهما، وأصلها اسباهان أي الاجناد لانهم كانوا سكانها... الخ ". (*)

[ 143 ]

إلى كرمان فقصد المسلمون كرمان فافتتحوها، فانتقل إلى خراسان فنزلها. هذا كله والنار التي يعبدها من دون الله يسير بها معه من بلد إلى بلد، ويبني لها في كل بيت توقد فيهم على عادتهم، وهو يحمل في الليل في مسيره إلى هذه البلدان على بعير عليه هودج ينام فيه. فبينما هو ذات ليلة في هودجه وهو نائم فيه، إذ مروا به على مخاضة فأرادوا أن ينبهوه قبلها لئلا ينزعج إذا استيقظ في المخاضة، فلما أيقظوه تغضب عليهم شديدا وشتمهم، وقال: حرمتموني أن أعلم مدة بقاء هؤلاء في هذه البلاد وغيرها، إني رأيت في منامي هذا أني ومحمدا عند الله، فقال له: ملككم مائة سنة، فقال: زدني. فقال: عشرا ومائة. فقال: زدني. فقال: عشرين ومائة سنة. فقال: زدني فقال لك، وأنبهتموني، فلو تركتموني لعلمت مدة هذه الامة. خراسان مع الاحنف بن قيس وذلك أن الاحنف بن قيس هو الذي أشار على عمر بأن يتوسع المسلمون بالفتوحات في بلاد العجم، ويضيقوا على كسرى يزدجرد، فإنه هو الذي يستحث الفرس والجنود على قتال المسلمين. فأذن عمر بن الخطاب في ذلك عن رأيه، وأمر الاحنف، وأمره بغزو بلاد خراسان. فركب الاحنف في جيش كثيف إلى خراسان قاصدا حرب يزدجرد، فدخل خراسان فافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان العبدي، ثم سار إلى مرو الشاهجان وفيها يزدجرد، وبعث الاحنف بين يديه مطرف بن عبد الله بن الشخير إلى نيسابور، والحارث بن حسان إلى سرخس. ولما اقترب الاحنف من مرو الشاهجان، ترحل منها يزدجرد إلى مرو الروذ فافتتح الاحنف مرو الشاهجان فنزلها. وكتب يزدجرد حين نزل مرو الروذ إلى خاقان ملك الترك يستمده، وكتب إلى ملك الصغد يستمده، وكتب إلى ملك الصين يستعينه. وقصده الاحنف بن قيس إلى مرو الروذ وقد استخلف على مرو الشاهجان حارثة بن النعمان، وقد وفدت إلى الاحنف أمداد من أهل الكوفة مع أربعة أمراء (1)، فلما بلغ مسيره إلى يزدجرد ترحل إلى بلخ، فالتقى معه ببلخ يزدجرد فهزمه الله عز وجل وهرب هو ومن بقي معه من جيشه فعبر النهر واستوثق ملك خراسان على يدي الاحنف بن قيس، واستخلف في كل بلدة أميرا، ورجع الاحنف فنزل مرو الروذ، وكتب إلى عمر بما فتح الله عليه من بلاد خراسان بكمالها. فقال عمر: وددت أنه كان بيننا وبين خراسان بحر من نار. فقال له علي: ولم يا أمير المؤمنين ؟ فقال: إن أهلها سينقضون عهدهم ثلاث مرات فيجتاحون في الثالثة، فقال: يا أمير المؤمنين لان يكون ذلك بأهلها، أحب إلي من أن يكون ذلك بالمسلمين وكتب عمر إلى الاحنف ينهاه عن العبور إلى ما وراء النهر. وقال: احفظ ما بيدك من


(1) وهم: علقمة بن النضر النضري. وربعي بن عامر التميمي وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي وابن أم غزال الهمذاني (الطبري 4 / 263). (*)

[ 144 ]

بلاد خراسان. ولما وصل رسول يزدجرد إلى اللذين (1) استنجد بهما لم يحتفلا بأمره، فلما عبر يزدجرد النهر ودخل في بلادهما تعين عليهما إنجاده في شرع الملوك، فسار معه خاقان الاعظم ملك الترك، ورجع يزدجرد بجنود عظيمة فيهم ملك التتار خاقان، فوصل إلى بلخ واسترجعها، وفر عمال الاحنف إليه إلى مرو الروذ، وخرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الاحنف بمرو الروذ فتبرز الاحنف بمن معه من أهل البصرة وأهل الكوفة والجميع عشرون ألفا فسمع رجلا يقول لآخر: إن كان الامير ذا رأي فإنه يقف دون هذا الجبل فيجعله وراء ظهره ويبقى هذا النهر خندقا حوله فلا يأتيه العدو إلا من جهة واحدة. فلما أصبح الاحنف أمر المسلمين فوقفوا في ذلك الموقف بعينه، وكان أمارة النصر والرشد، وجاءت الاتراك والفرس في جمع عظيم هائل مزعج، فقام الاحنف في الناس خطيبا فقال: إنكم قليل وعدوكم كثير، فلا يهولنكم، * (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) * [ البقرة: 249 ] فكانت الترك يقاتلون بالنهار ولا يدري الاحنف أين يذهبون في الليل. فسار ليلة مع طليعة من أصحابه نحو جيش خاقان، فلما كان قريب الصبح خرج فارس من الترك طليعة وعليه طوق وضرب بطبله فتقدم إليه الاحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الاحنف فقتله وهو يرتجز: إن على كل رئيس حقا * أن يخضب الصعدة أو يندقا إن لها شيخا بها ملقى * بسيف أبي حفص الذي تبقى قال: ثم استلب التركي طوقه ووقف موضعه، فخرج آخر عليه طوق ومعه طبل فجعل يضرب بطبله، فتقدم إليه الاحنف فقتله أيضا واستلبه طوقه ووقف موضعه فخرج ثالث فقتله وأخذ طوقه ثم أسرع الاحنف الرجوع إلى جيشه ولا يعلم بذلك أحد من الترك بالكلية. وكان من عادتهم أنهم لا يخرجون من صبيتهم حتى تخرج ثلاثة من كهولهم بين أيديهم يضرب الاول بطلبه، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم يخرجون بعد الثالث. فلما خرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث، فأتوا على فرسانهم مقتلين، تشاءم بذلك الملك خاقان وتطير، وقال لعسكره: قد طال مقامنا وقد أصيب هؤلاء القوم بمكان لم نصب بمثله، ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير، فانصرفوا بنا. فرجعوا إلى بلادهم وانتظرهم المسلمون يومهم ذلك ليخرجوا إليهم من شعبهم فلم يروا أحدا منهم، ثم بلغهم انصرافهم إلى بلادهم راجعين عنهم، وقد كان يزدجرد - وخاقان في مقابلة الاحنف بن قيس ومقاتلته - ذهب إلى مرو الشاهجان فحاصرها وحارثة بن النعمان بها واستخرج منها خزانته التي كانت دفنها بها، ثم رجع وانتظره خاقان ببلخ حتى رجع إليه. وقد قال المسلمون للاحنف: ما ترى في اتباعهم ؟ فقال: أقيموا بمكانكم ودعوهم. وقد أصاب الاحنف في ذلك، فقد جاء في الحديث " اتركوا الترك ما تركوكم " وقد * (رد الله الذين كفروا


(1) وهما خاقان ملك الترك، وغوزك ملك الصغد. (*)

[ 145 ]

بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) * [ الاحزاب: 25 ]. ورجع كسرى خاسرا الصفقة لم يشف له غليل، ولا حصل على خير، ولا انتصر كما كان في زعمه، بل تخلى عنه من كان يرجو النصر منه، وتنحى عنه وتبرأ منه أحوج ما كان إليه، وبقي مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء * (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) * [ النساء: 88 ] وتحير في أمره ماذا يصنع ؟ وإلى أين يذهب ؟ وقد أشار عليه بعض أولي النهي من قومه حين قال: قد عزمت أن أذهب إلى بلاد الصين أو أكون مع خاقان في بلاده فقالوا: إنا نرى أن نصانع (1) هؤلاء القوم فإن لهم ذمة ودينا يرجعون إليه، فنكون في بعض هذه البلاد وهم مجاورينا، فهم خير لنا من غيرهم. فأبى عليهم كسرى ذلك. ثم بعث إلى ملك الصين يستغيث به ويستنجده فجعل ملك الصين يسأل الرسول عن صفة هؤلاء القوم الذين قد فتحوا البلاد وقهروا رقاب العبا، فجعل يخبره عن صفتهم، وكيف يركبون الخيل والابل، وماذا يصنعون ؟ وكيف يصلون. فكتب معه إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علي، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها، ولو جئت لنصرك أزالوني ما داموا على ما وصف لي رسولك فسالمهم وارض منهم بالمسالمة. فأقام كسرى وآل كسرى في بعض البلاد مقهورين. ولم يزل ذلك دأبه حتى قتل بعد سنتين من إمارة عثمان كما سنورده في موضعه. ولما بعث الاحنف بكتاب الفتح وما أفاء الله عليهم من أموال الترك ومن كان معهم، وأنهم قتلوا منهم مع ذلك مقتلة عظيمة، ثم ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا. فقام عمر على المنبر وقرئ الكتاب بين يديه، ثم قال عمر: إن الله بعث محمدا بالهدى ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة، فقال: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فالحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر جنده. ألا وإن الله قد أهلك ملك المجوسية وفرق شملهم، فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضير بمسلم، ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون، فقوموا في أمره على وجل، يوف لكم بعهده، ويؤتكم وعده، ولا تغيروا يستبدل قوما غيركم، فإني لا أخاف على هذه الامة أن تؤتى إلا من قبلكم. وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ في تاريخ هذه السنة - أعني سنة ثنتين وعشرين -: وفيها فتحت أذربيجان على يدي المغيرة بن شعبة. قاله ابن إسحاق: فيقال، إنه صالحهم على ثمانمائة ألف درهم. وقال أبو عبيدة: فتحها حبيب بن سلمة الفهري بأهل الشام عنوة، ومعه أهل الكوفة فيهم حذيفة فافتتحها بعد قتال شديد والله أعلم. وفيها افتتح حذيفة الدينور عنوة - بعدما كان سعد افتتحها فانتقضوا عهدهم -. وفيها افتتح حذيفة ماه سندان عنوة - وكانوا نقضوا أيضا عهد سعد - وكان مع حذيفة أهل البصرة فلحقهم أهل الكوفة فاختصموا في الغنيمة، فكتب عمر: إن


(1) في الطبري: نصالح. (*)

[ 146 ]

الغنيمة لمن شهد الوقعة. قال: أبو عبيدة ثم غزا حذيفة همذان فافتتحها عنوة، ولم تكن فتحت قبل ذلك، وإليها انتهى فتوح حذيفة. قال: ويقال افتتحها جرير بن عبد الله بأمر المغيرة ويقال: افتتحها المغيرة سنة أربع وعشرين. وفيها افتتحت جرجان. قال خليفة: وفيها افتتح عمرو بن العاص طرابلس المغرب، ويقال في السنة التي بعدها. قلت: وفي هذا كله غرابة لنسبته إلى ما سلف والله أعلم. قال شيخنا: وفيها توفي أبي بن كعب في قول الواقدي وابن نمير والذهلي والترمذي، وقد تقدم في سنة تسع عشرة. ومعضد بن يزيد الشيباني استشهد بأذربيجان ولا صحبة له. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وفيها وفاة عمر بن الخطاب قال الواقدي وأبو معشر: فيها كان فتح اصطخر وهمذان. وقال سيف: كان فتحها بعد فتح توج الآخرة. ثم ذكر أن الذي افتتح توج مجاشع بن مسعود، بعدما قتل من الفرس مقتلة عظيمة وغنم منهم غنائم جمة. ثم ضرب الجزية على أهلها، وعقد لهم الذمة، ثم بعث بالفتح وخمس الغنائم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ثم ذكر أن عثمان بن أبي العاص افتتح جور بعد قتال شديد كان عندها، ثم افتتح المسلمون اصطخر - وهذه المرة الثانية -، وكان أهلها قد نقضوا العهد بعد ما كان جند العلاء بن الحضرمي افتتحوها حين جاز في البحر - من أرض البحرين - والتقوا هم والفرس في مكان يقال له طاوس، كما تقدم بسط ذلك في موضعه. ثم صالحه الهربد على الجزية، وأن يضرب لهم الذمة. ثم بعث بالاخماس والبشارة إلى عمر. قال ابن جرير: وكانت الرسل لها جوائز، وتقضى لهم حوائج، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعاملهم بذلك. ثم إن شهرك خلع العهد، ونقض الذمة، ونشط الفرس، فنقضوا، فبعث إليهم عثمان بن أبي العاص ابنه وأخاه الحكم، فاقتتلوا مع الفرس فهزم الله جيوش المشركين، وقتل الحكم بن أبي العاش شهرك (1)، وقتل ابنه معه أيضا. وقال أبو معشر: كانت فارس الاولى واصطخر الآخرة سنة ثمان وعشرين في إمارة عثمان، وكانت فارس الآخرة ووقعة جور في سنة تسع وعشرين. فتح فسا ودار أبجرد وقصة سارية بن زنيم ذكر سيف عن مشايخه أن سارية بن زنيم (2) قصد فسا ودار أبجرد (3)، فاجتمع له جموع


(1) في رواية لابن الاثير في الكامل 3 / 40: قتله سوار بن همام العبدي والذي طعنه طعنة قاتلة فحمل عليه ابن شهرك فقتل سوار. ووافقه في روايته البلاذري في فتوح البلدان 2 / 477. (2) في فتوح البلدان 2 / 478: ان عثمان بن أبي العاص قصد داربجرد وفسا وفتحهما صلحا. = (*)

[ 147 ]

- من الفرس والاكراد - عظيمة، ودهم المسلمين منهم أمر عظيم وجمع كثير، فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في وقت من النهار، وأنهم في صحراء وهناك جبل إن أسندوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فنادى من الغد الصلاة جامعة، حتى إذا كانت الساعة التي رأى أنهم اجتمعوا فيها، خرج إلى الناس وصعد المنبر، فخطب الناس وأخبرهم بصفة ما رأى، ثم قال: يا سارية، الجبل الجبل، ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنودا ولعل بعضها أن يبلغهم. قال: ففعلوا ما قال عمر، فنصرهم الله على عدوهم، وفتحوا البلد. وذكر سيف في رواية أخرى عن شيوخه أن عمر بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ قال: يا سارية بن زنيم، الجبل الجبل. فلجأ المسلمون إلى جبل هناك فلم يقدر العدو عليهم إلا من جهة واحدة فأظفرهم الله بهم، وفتحوا البلد. وغنموا شيئا كثيرا، فكان من جملة ذلك سفط من جوهر فاستوهبه سارية من المسلمين لعمر، فلما وصل إليه مع الاخماس قدم الرسول بالخمس فوجد عمر قائما في يده عصا وهو يطعم المسلمين سماطهم، فلما رآه عمر قال له: اجلس - ولم يعرفه -، فجلس الرجل فأكل مع الناس، فلما فرغوا انطلق عمر إلى منزله واتبعه الرجل، فاستأذن فأذن له وإذا هو قد وضع له خبز وزيت وملح، فقال: ادن فكل. فجلست فجعل يقول لامرأته: ألا تخرجين يا هذه فتأكلين ؟ فقالت: إني أسمع حس رجل عندك. فقال: أجل، فقالت: لو أردت أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة. فقال: أو ما ترضين أن يقال أم كلثوم بنت علي وامرأة عمر. فقالت: ما أقل غناء ذلك عني. ثم قال للرجل: ادن فكل فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى. فأكلا فلما فرغا قال: أنا رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين. فقال: مرحبا وأهلا. ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته، ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية بن زنيم، فأخبره ثم ذكر له شأن السفط (1) من الجوهر فأبى أن يقبله وأمر برده إلى الجند. وقد سأل أهل المدينة رسول سارية عن الفتح فأخبرهم، فسألوه: هل سمعوا صوتا يوم الوقعة ؟ قال: نعم، سمعنا قائلا يقول: يا سارية الجبل، وقد كدنا نهلك فلجأنا إليه ففتح الله علينا. ثم رواه سيف عن مجالد عن الشعبي بنحو هذا. وقال عبد الله بن وهب: عن يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر وجه جيشا ورأس عليهم رجلا يقال له سارية، قال: فبينما عمر يخطب فجعل ينادي: يا ساري الجبل يا ساري الجبل ثلاثا. ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر: فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك إذ سمعنا مناديا يا سارية الجبل ثلاثا فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله. قال: فقيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك. وهذا إسناد جيد حسن. وقال الواقدي: حدثني نافع بن أبي نعيم، عن نافع مولى ابن عمر. أن عمر قال على


= فسا: مدينة بفارس بينها وبين شيراز أربع مراحل، وأما كورة دارابجرد فإن أكبر مدنها فسا وهي مدينة قديمة ولها حصن وخندق. (1) في الطبري والكامل: الدرج، والدرج هو السفط الصغير. (*)

[ 148 ]

المنبر: يا سارية بن زنيم الجبل. فلم يدر الناس ما يقول حتى قدم سارية بن زنيم المدينة على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين كنا محاصري العدو فكنا نقيم الايام لا يخرج علينا منهم أحد، نحن في خفض من الارض وهم في حصن عال، فسمعت صائحا ينادي بكذا وكذا يا سارية بن زنيم الجبل، فعلوت بأصحابي الجبل، فما كان إلا ساعة حتى فتح الله علينا. وقد رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي من طريق مالك عنا نافع عن ابن عمر بنحوه، وفي صحته من حديث مالك نظر. وقال الواقدي: حدثني أسامة بن زيد، عن أسلم عن أبيه. وأبو سليمان عن يعقوب بن زيد قالا: خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الجمعة إلى الصلاة فصعد المنبر ثم صاح: يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم. ثم خطب حتى فرغ، فجاء كتاب سارية إلى عمر: إن الله قد فتح علينا يوم الجمعة ساعة كذا وكذا - لتلك الساعة التي خرج فيها عمر فتكلم على المنبر - قال سارية: فسمعت صوتا يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم، فعلوت بأصحابي الجبل، ونحن قبل ذلك في بطن واد، ونحن محاصروا العدو ففتح الله علينا. فقيل لعمر بن الخطاب ما ذلك الكلام ؟ فقال: والله ما ألقيت له إلا بشئ ألقي على لساني. فهذه طرق يشد بعضها بعضا. [ فتح كرمان وسجستان ومكران ] ثم ذكر ابن جرير من طريق سيف عن شيوخه فتح كرمان على يدي سهيل بن عدي وأمده عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وقيل على يدي عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي (1)، وذكر فتح سجستان (2) على يدي عاصم بن عمرو، بعد قتال شديد، وكانت ثغورها متسعة، وبلادها متنائية، ما بين السند إلى نهر بلخ، وكانوا يقاتلون القندهار والترك من ثغورها وفروجها. وذكر فتح مكران (3) على يدي الحكم بن عمرو، وأمده بشهاب بن المخارق بن شهاب، وسهيل بن عدي، و عبد الله بن عبد الله، واقتتلوا مع ملك السند فهزم الله جموع السند، وغنم السملمون منهم غنيمة كثيرة، وكتب الحكم بن عمرو بالفتح وبعث بالاخماس مع صحار العبدي، فلما قدم


(1) وقال في فتوح البلدان 2 / 482 ان عبد الله بن عامر وجه مجاشع بن مسعود السلمي إلى كرمان فقاتل أهلها في حصنهم ففتحها عنوة. (2) هي ناحية كبيرة وولاية واسعة وهي جنوبي هراة. سهلة لا يرى بها جبل وبها نخل كثير وتمر وفي رجالهم عظم خلق وجلادة بين سجستان وكرمان 130 فرسخا. (3) هذه الولاية بين كرمان من غربيها وسجستان شمالها والبحر جنوبها والهند شرقها. قال الاصطخري: مكران ناحية واسعة عريضة والغالب عليها المفاوز والضر والقحط. (*)

[ 149 ]

على عمر سأله عن أرض مكران فقال: يا أمير المؤمنين أرض سهلها جبل، وماؤها وشل (1)، وثمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها. فقال عمر: أسجاع أنت أم مخبر ؟ فقال: لا، بل مخبر، فكتب عمر إلى الحكم بن عمرو أن لا يغزو بعد ذلك مكران، وليقتصروا على ما دون النهر. وقد قال الحكم بن عمرو في ذلك: لقد شبع الارامل غير فخر * بفئ جاءهم من مكران أتاهم بعد مسغبة وجهد * وقد صفر الشتاء من الدخان فإني لا يذم الجيش فعلي * ولا سيفي يذم ولا لساني (2) غداة أدافع الاوباش دفعا * إلى السند العريضة والمداني ومهران لنا فيما أردنا * مطيع غير مسترخي العنان فلولا ما نهى عنه أميري * قطعناه إلى البدد الزواني غزوة الاكراد ثم ذكر ابن جرير بسنده عن سيف عن شيوخه: أن جماعة من الاكراد والتف إليهم طائفة من الفرس اجتمعوا فلقيهم أبو موسى بمكان من أرض بيروذ قريب من نهر تيري، ثم سار عنهم أبو موسى إلى أصبهان وقد استخلف على حربهم الربيع بن زياد بعد مقتل أخيه المهاجر بن زياد، فتسلم الحرب وحنق عليهم، فهزم الله العدو وله الحمد والمنة، كما هي عادته المستمرة وسنته المستقرة، في عباده المؤمنين، وحزبه المفلحين، من أتباع سيد المرسلين. ثم خمست الغنيمة وبعث بالفتح والخمس إلى عمر رضي الله عنه، وقد سار ضبة بن محصن العنزي فاشتكى أبا موسى إلى عمر، وذكر عنه أموارا لا ينقم عليه بسببها (3)، فاستدعاه عمر فسأله عنها فاعتذر منها


(1) ماؤها وشل: أي قليل. وتمرها دقل: أي التمر الردئ أو أردؤه. (2) في الطبري: سناني. (3) هذه الامور كما ذكرها الطبري 5 / 9: - اتخذ أبو موسى ستين غلاما من أبناء الدهاقين اتخذهم لنفسه. - اتخذ جارية اسمها عقيلة يغديها بجفنة ويعشيها بجفنة. - له قفيزان يكتال بأحدهما لنفسه وبالآخر لغيره. - له خاتمان يختم بهما. واستولى على أمره زياد بن عبيد بن علاج الثقفي. - اجاز الحطيئة بألف. - زاد ابن الاعثم في فتوحه: انه حلف يمينا كاذبة في انه أعطى أهل رامهرمز أمانا وعهدا وأجلا ستة أشهر. (2 / 29). (*)

[ 150 ]

بوجوه مقبولة فسمعها عمرو قبلها، ورده إلى عمله وعذر ضبة فيما تأوله ومات عمر، وأبو موسى على صلاة البصرة. خبر سلمة بن قيس الاشجعي والاكراد بعثه عمر على سرية ووصاه بوصايا كثيرة بمضمون حديث بريدة في صحيح مسلم " اغزوا بسم الله قاتلوا من كفر بالله " الحديث إلى آخره، فساروا فلقوا جمعا من المشركين فدعوهم إلى إحدى ثلاث خلال (1)، فأبوا أن يقبلوا واحدة منها، فقاتلوهم فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وغنموا أموالهم. ثم بعث سلمة بن قيس رسولا إلى عمر بالفتح وبالغنائم، فذكروا وروده على عمر وهو يطعم الناس، وذهابه معه إلى منزله، كنحو ما تقدم من قصة أم كلثوم بنت علي، وطلبها الكسوة كما يكسى طلحة وغيره أزواجهم، فقال: ألا يكفيك أن يقال بنت علي وامرأة أمير المؤمنين ؟ ثم ذكر طعامه الخشن وشرابه من سلت، ثم شرع يستعلمه عن أخبار المهاجرين، وكيف طعامهم وأشعارهم، وهل يأكلون اللحم الذي هو شجرتهم، ولا بقاء للعرب دون شجرتهم ؟ وذكر عرضه عليه ذلك السفط من الجوهر، فأبى أن يأخذه وأقسم على ذلك، وأمره بأن يرده فيقسم بين الغانمين. وقد أورده ابن جرير مطولا جدا. وقال ابن جرير: وفي هذه السنة حج عمر بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي آخر حجة حجها رضي الله عنه. قال: وفي هذه السنة كانت وفاته. ثم ذكر صفة قتله مطولا أيضا، وقد ذكرت ذلك مستقصى في آخر سيرة عمر، فليكتب من هناك إلى هنا. وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي، أبو حفص العدوي، الملقب بالفاروق قيل لقبه بذلك أهل الكتاب. وأمه حنتمة بنت هشام (2) أخت أبي جهل بن هشام. أسلم عمر وعمره سبع وعشرين سنة (3)، وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج في عدة سرايا، وكان أميرا على بعضها، وهو أول من دعي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ، وجمع الناس على التراويح، وأول من عس بالمدينة، وحمل الدرة وأدب بها، وجلد في الخمر ثمانين، وفتح


(1) كما في الطبري: دعوتهم إلى الاسلام فإن أبوا فادعوهم إلى الخراج فإن أبوا فقاتلوهم. (5 / 10). (2) قال ابن عبد البر وابن حجر وابن سعد: حنتمة بن هاشم بن المغيرة المخزومية: وقال في الاستيعاب: ومن قال بنت هشام فقد أخطأ وليست هي أخت أبي جهل إنما هي ابنة عمهما، فهاشم وهشام ابنا المغيرة اخوان (الاصابة 2 / 518 والهامش 2 / 458 طبقات ابن سعد: 3 / 265). (3) في طبقات ابن سعد 3 / 270: ست وعشرين سنة. (*)

[ 151 ]

الفتوح، ومصر الامصار، وجند الاجناد. ووضع الخراج، ودون الدواوين (1)، وعرض الاعطية، واستقضى القضاة، وكور الكور، مثل السواد والاهواز والجبال وفارس وغيرها، وفتح الشام كله، والجزيرة والموصل، وميا فارقين، وآمد، وأرمينية، ومصر واسكندرية. ومات وعساكره على بلاد الري. فتح من الشام اليرموك وبصرى ودمشق والاردن، وبيسان، وطبرية، والجابية، وفلسطين والرملة، وعسقلان وغزة والسواحل والقدس وفتح مصر واسكندرية وطرابلس الغرب وبرقة، ومن مدن الشام بعلبك وحمص وقنسرين وحلب وإنطاكية وفتح الجزيرة وحران والرها والرقة ونصيبين ورأس عين وشمشاط وعين وردة وديار بكر وديار ربيعة وبلاد الموصل وأرمينية جميعها. وبالعراق القادسية والحيرة ونهر سير (2) وساباط، ومدائن كسرى وكورة الفرات ودجلة والابلة والبصرة والاهواز وفارس ونهاوند وهمذان والري وقومس وخراسان واصطخر وأصبهان والسوس ومرو ونيسابور وجرجان وأذربيجان وغير ذلك، وقطعت جيوشه النهر مرارا، وكان متواضعا في الله، خشن العيش، خشن المطعم، شديدا في ذات الله، يرقع الثوب بالاديم، ويحمل القربة على كتفيه، مع عظم هيبته، ويركب الحمار عريا، والبعير مخطوما بالليف، وكان قليل الضحك لا يمازح أحدا وكان نقش خاتمه كفى بالموت واعظا يا عمر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أشد أمتي في دين الله عمر " وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الارض، فوزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل ووزيراي من أهل الارض أبو بكر وعمر، وإنهما السمع والبصر " وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الشيطان يفرق من عمر " وقال " أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر (3) " وقيل لعمر إنك قضاء. فقال: الحمد لله الذي ملا لهم قلبي رحما وملا قلوبهم لي رعبا. وقال عمر: لا يحل لي من مال الله إلا حلتان حلة للشتاء وحلة للصيف، وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم، ثم أنا رجل من المسلمين. وكان عمر إذا استعمل عاملا كتب له عهدا وأشهد عليه رهطا من المهاجرين واشترط عليه أن لا يركب برذونا، ولا يأكل نقيا، ولا يلبس رقيقا، ولا يغلق بابه دون ذوي


(1) ديوان: على الارجح غير عربية - أصلها فارسي - قيل إن كسرى أطلع ذات يوم على كتاب ديوانه فرآهم يحسبون مع أنفسهم فقال: " ديوانه " أي " مجانين " فسمي موضعهم بهذا الاسم ثم حذفت الهاء عند كثرة الاستعمال تخفيفا فقيل ديوان (انظر الاحكام السلطانية للماوردي) وقد اختلفوا في الذي أشار على عمر بتدوين الدواوين فقيل خالد بن الوليد، وقيل الوليد بن هشام وقيل الهرمزان. وقد أحدثه عمر لما رأى كثرة الاموال التي ترد عليه. وأمر ثلاثة من كتاب قريش وهم عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم فكتبوا ديوان العساكر الاسلامية على ترتيب الانساب مبتدئا من قرابة الرسول وما بعد فالاقرب فالاقرب.... (2) في الطبري بهرسير، وفي الواقدي في فتوح العراق: نهمشير. (2) الحديث أخرجه الترمذي في المناقب رقم (3793). وابن ماجة في المقدمة. والحاكم في المستدرك وابن عدي وابن عساكر وهو جزء من حديث أوله: أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، ولفظ الترمذي: أرحم أمتي... (*)

[ 152 ]

الحاجات. فإن فعل شيئا من ذلك حلت عليه العقوبة. وقيل إنه كان إذا حدثه الرجل بالحديث فيكذب فيه الكلمة والكلمتين فيقول عمر: احبس هذه احبس هذه، فيقول الرجل: والله كلما حدثتك به حق غير ما أمرتني أن أحبسه. وقال معاوية بن أبي سفيان: أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته فلم يردها، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهرا لبطن. وعوتب عمر فقيل له: لو أكلت طعاما طيبا كان أقوى لك على الحق ؟ فقال: إني تركت صاحبي على جادة، فإن أدركت جادتهما فلم أدركهما في المنزل. وكان يلبس وهو خليفة جبة صوف مرقوعة بعضها بأدم ويطوف بالاسواق على عاتقه الدرة يؤدب بها الناس، وإذا مر بالنوى وغيره يلتقطه ويرمي به في منازل الناس ينتفعون به. وقال أنس: كان بين كتفي عمر أربع رقاع، وإزاره مرقوع بأدم. وخطب على المنبر وعليه إزار فيه اثنتي عشرة (1) رقعة، وأنفق في حجته ستة عشر دينار، وقال لابنه: قد أسرفنا، وكان لا يستظل بشئ غير أنه كان يلقي كساءه على الشجر ويستظل تحته، وليس له خيمة ولا فسطاط. ولما قدم الشام لفتح بيت المقدس كان على جمل أورق تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة قد طبق رجليه بين شعبي الرحل بلا ركاب، ووطاؤه كبش من صوف، وهو فراشه إذا نزل، وحقيبته محشوة ليفا، وهي وسادته إذا نام، وعليه قميص من كرابيس قد رسم وتخرق جيبه، فلما نزل قال: ادعوا لي رأس القرية، فدعوه فقال: اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني قميصا، فأتي بقميص كتان، فقال: ما هذا ؟ فقيل كتان. فقال: فما الكتان ؟ فأخبروه. فنزع قميصه فغسلوه وخاطوه ثم لبسه، فقال له: أنت ملك العرب، وهذه بلاد لا يصلح فيها ركوب الابل. فأني ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل، فلما سار جعل البرذون يهملج به فقال لمن معه: احبسوا، ما كنت أظن الناس يركبون الشياطين، هاتوا جملي. ثم نزل وركب الجمل. وعن أنس قال: كنت مع عمر فدخل حائطا لحاجته فسمعته يقول - وبيني وبينه جدار الحائط - عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ، والله لتتقين الله بني الخطاب أو ليعذبنك. وقيل: إنه حمل قربة على عاتقه فقيل له في ذلك فقال: إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها ؟ وكان يصلي بالناس العشاء ثم يدخل بيته فلا يزال يصلي إلى الفجر. وما مات حتى سرد الصوم، وكان في عام الرمادة لا يأكل إلا الخبز والزيت حتى اسود جلده ويقول: بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع. وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء. وكان يسمع الآية من القرآن فيغشى عليه فيحمل صريعا إلى منزله فيعاد أياما ليس به مرض إلا الخوف. وقال طلحة بن عبد الله: خرج عمر ليلة في سواد الليل فدخل بيتا فلما أصبحت ذهبت إلى ذلك البيت فإذا عجوز عمياء مقعدة


(1) بالاصل: اثني عشر، وهو تحريف. (*)

[ 153 ]

فقلت لها: ما بال هذا الرجل يأتيكي ؟ فقالت: إنه يتعاهدني مدة كذا وكذا يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الاذي. فقلت لنفسي: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتبع ؟. وقال أسلم مولى عمر: قدم المدينة رفقة من تجار، فنزلوا المصلى فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن تحرسهم الليلة ؟ قال: نعم ! فباتا يحرسانهم ويصليان، فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه فقال لامه: اتق الله تعالي وأحسني إلى صبيك. ثم عاد إلى مكانه، فسمع بكاءه فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبي فأتى إلى أمه فقال لها: ويحك، إنك أم سوء، ما لي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة من البكاء ؟ ! فقالت: يا عبد الله إني أشغله عن الطعام فيأبى ذلك، قال: ولم ؟ قالت: لان عمر لا يفرض إلا للمفطوم. قال: وكم عمر ابنك هذا ؟ قالت: كذا وكذا شهرا، فقال: ويحك لا تعجليه عن الفطام. فلما صلى الصبح وهو لا يستبين للناس قراءته من البكاء. قال: بؤسا لعمر. كم قتل من أولاد المسلمين. ثم أمر مناديه فنادى، لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الاسلام. وكتب بذلك إلى الآفاق (1). وقال أسلم: خرجت ليلة مع عمر إلى ظاهر المدينة فلاح لنا بيت شعر فقصدناه فإذا فيه امرأة تمخض وتبكي، فسألها عمر عن حالها فقالت: أنا امرأة عربية وليس عندي شئ. فبكى عمر وعاد يهرول إلى بيته فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب: هل لك في أجر ساقه الله إليك ؟ وأخبرها الخبر، فقالت: نعم، فحمل على ظهره دقيقا وشحما، وحملت أم كلثوم ما يصلح للولادة وجاءا، فدخلت أم كلثوم على المرأة، وجلس عمر مع زوجها - وهو لا يعرفه - يتحدث، فوضعت المرأة غلاما فقالت أم كلثوم: يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بغلام. فلما سمع الرجل قولها استعظم ذلك وأخذ يعتذر إلى عمر. فقال عمر: لا بأس عليك، ثم أوصلهم بنفقة وما يصلحهم وانصرف. وقال أسلم: خرجت ليلة مع عمر إلى حرة واقم، حتى إذا كنا بصرار إذا بنار فقال: يا أسلم ههنا ركب قد قصر بهم الليل، انطلق بنا إليهم، فأتيناهم فإذا امرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على النار وصبيانها يتضاغون، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء، قالت: وعليك السلام. قال: أدنو. قالت: ادن أو دع. فدنا فقال: ما بالكم ؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد. قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون ؟ قالت: من الجوع. فقال: وأي شئ على النار ؟ قالت: ماء أعللهم به حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر. فبكى عمر ورجع يهرول إلى دار الدقيق فأخرج عدلا من دقيق وجراب شحم، وقال: يا أسلم احمله على ظهري، فقلت: أنا أحمله عنك. فقال: أنت تحمل وزري يوم القيامة ؟. فحمله على ظهره وانطلقنا إلى المرأة فألقى


(1) روى الخبر ابن سعد عن نافع عن ابن عمر 3 / 301. (*)

[ 154 ]

عن ظهره وأخرج من الدقيق في القدر، وألقى عليه من الشحم، وجعل ينفخ تحت القدر والدخان يتخلل لحيته ساعة، ثم أنزلها عن النار وقال: إيتيني بصحفة. فأتى بها فغرفها ثم تركها بين يدي الصبيان وقال: كلوا، فأكلوا حتى شبعوا - والمرأة تدعو له وهي لا تعرفه - فلم يزل عندهم حتى نام الصغار، ثم أوصلهم بنفقة وانصرف، ثم أقبل علي فقال: يا أسلم الجوع الذي أسهرهم وأبكاهم. وقيل: إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رأى عمر وهو يعدو إلى ظاهر المدينة فقال له: إلى أين يا أمير المؤمنين ؟ فقال: قد ند بعير من إبل الصدقة فأنا أطلبه. فقال: قد أتعبت الخلفاء من بعدك. وقيل: إنه رأى جارية تتمايل من الجوع فقال: من هذه ؟ فقالت ابنة عبد الله: هذه ابنتي. قال: فما بالها ؟ فقالت: إنك تحبس عنا ما في يدك فيصيبنا ما ترى. فقال: يا عبد الله، بيني وبينكم كتاب الله، والله ما أعطيكم إلا ما فرض الله لكم، أتريدون مني أن أعطيكم ما ليس لكم: فأعود خائنا ؟. روي ذلك عن الزهري. وقال الواقدي: حدثنا أبو حمزة يعقوب بن مجاهد عن محمد بن إبراهيم عن أبي عمرو قال: قلت لعائشة: من سمى عمر الفاروق أمير المؤمنين ؟ قالت: النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا أمير المؤمنين هو " وأول من حياه بها المغيرة بن شعبة " وقيل غيره. فالله أعلم. وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبد الصمد الانصاري، حدثتني أم عمرو بنت حسان الكوفية - وكان قد أتى عليها مائة وثلاثون سنة - عن أبيها قال: لما ولي عمر قالوا: يا خليفة رسول الله. فقال عمر: هذا أمر يطول، بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم. فسمي أمير المؤمنين. وملخص ذلك أن عمرو رضي الله عنه لما فرغ من الحج سنة ثلاث وعشرين ونزل بالابطح دعا الله عز وجل وشكا إليه أنه قد كبرت سنه وضعفت قوته، وانتشرت رعيته، وخاف من التقصير، وسأل الله أن يقبضه إليه، وأن يمن عليه بالشهادة في بلد النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتا في بلد رسولك، فاستجاب له الله هذا الدعاء، وجمع له بين هذين الامرين الشهادة في المدينة النبوية وهذا عزيز جدا، ولكن الله لطيف بما يشاء تبارك وتعالى، فاتفق له أن ضربه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي الاصل، الرومي الدار، وهو قائم يصلي في المحراب، صلاة الصبح من يوم الاربعاء، لاربع بقين من ذي الحجة من هذه السنة بخنجر ذات طرفين، فضربه ثلاث ضربات، وقيل ست ضربات، إحداهن تحت سرته قطعت السفاق فخر من قامته، واستخلف عبد الرحمن بن عوف، ورجع العلج بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه، حتى ضرب ثلاثة عشر (1) رجلا مات منهم ستة، فألقى عليه عبد الله بن


(1) كذا في الاصل وابن سعد، وفي الاستيعاب اثنا عشر رجلا، وقال ابن سعد: ثلاثة عشر رجلا مات منهم تسعة. (*)

[ 155 ]

عوف برنسا فانتحر نفسه لعنه الله، وحمل عمر إلى منزله والدم يسيل من جرحه - وذلك قبل طلوع الشمس - فجعل يفيق ثم يغمى عليه، ثم يذكرونه بالصلاة فيفيق ويقول: نعم، ولاحظ في الاسلام لمن تركها. ثم صلى في الوقت، ثم سأل عمن قتله من هو ؟ فقالوا له: هو أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. فقال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يدي رجل يدعي الايمان ولم يسجد لله سجدة. ثم قال: قبحه الله، لقد كنا أمرنا به معروفا - وكان المغيرة قد ضرب عليه في كل يوم درهمين ثم سأل من عمر أن يزيد في خراجه فإنه نجار نقاض حداد فزاد في خراجه إلى مائة في كل شهر - وقال له: لقد بلغني أنك تحسن أن تعمل رحا تدور بالهواء فقال أبو لؤلؤة: أما والله لاعملن لك رحا يتحدث عنها الناس في المشارق والمغارب - وكان هذا يوم الثلاثاء عشية - وطعنه صبيحة الاربعاء (1) لاربع بقين من ذي الحجة. وأوصى عمر أن يكون الامر شورى بعده في ستة ممن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض. وهم عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ولم يذكر سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي فيهم، لكونه من قبيلته، خشية أن يراعى في الامارة بسببه، وأوصى من يستخلف بعده بالناس خيرا على طبقاتهم ومراتبهم، ومات رضي الله عنه بعد ثلاث، ودفن في يوم الاحد مستهل المحرم من سنة أربع وعشرين بالحجرة النبوية، إلى جانب الصديق، عن إذن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في ذلك، وفي ذلك اليوم حكم أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال الواقدي رحمه الله: حدثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه قال: طعن عمر يوم الاربعاء لاربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الاحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وأحدا وعشرين يوما، وبويع لعثمان يوم الاثنين لثلاث مضين من المحرم. قال: فذكرت ذلك لعثمان الاخنس فقال: ما أراك إلا وهلت. توفي عمر لاربع ليال بقين من ذي الحجة وبويع لعثمان لليلة بقيت من ذي الحجة فاستقبل بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين. وقال أبو معشر: قتل عمر لاربع بقين من ذي الحجة تمام سنة ثلاث وعشرين وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام وبويع عثمان بن عفان. وقال ابن جرير: حدثت عن هشام بن محمد قال: قتل عمر لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين فكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام. وقال سيف عن خليد بن وفرة (2) ومجالد قالا: استخلف عثمان لثلاث من المحرم فخرج فصلى بالناس صلاة العصر. وقال


(1) قال ابن قتيبة ضربه أبو لؤلؤة يوم الاثنين لاربع بقين من ذي الحجة ومكث ثلاثا. وقال عثمان بن محمد الاخنسي توفي عمر لاربع ليال بقين من ذي الحجة. (وانظر أسد الغابة 3 / 77). (2) في الطبري: ذفرة. (*)

[ 156 ]

علي بن محمد المدائني عن شريك عن الاعمش - أو جابر الجعفي - عن عوف بن مالك الاشجعي وعامر بن أبي محمد عن أشياخ من قومه، وعثمان بن عبد الرحمن عن الزهري قال: طعن عمر يوم الاربعاء لسبع بقين من ذي الحجة والقول الاول هو الاشهر. والله سبحانه وتعالى أعلم. صفته رضي الله عنه كان رجلا طوالا أصلع أعسر أيسر أحور العينين، آدم اللون، وقيل كان أبيض شديد البياض تعلوه حمرة، أشنب الاسنان، وكان يصفر لحيته، ويرجل رأسه بالحناء. واختلف في مقدار سنه يوم مات رضي الله عنه على أقوال عدتها - عشرة - فقال ابن جرير: حدثنا زيد بن أحزم ثنا أبو قتيبة عن جرير بن حازم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قتل عمر بن الخطاب وهو ابن خمس وخمسين سنة، ورواه الدراوردي عن عبد الله (1) عن نافع عن ابن عمر. وقاله عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري، ورواه أحمد عن هشيم عن علي بن زيد عن سالم بن عبد الله بن عمر، وعن نافع رواية أخرى ست وخمسون سنة. قال ابن جرير: وقال آخرون: كان عمره ثلاثا وخمسين سنة، حدثت بذلك عن هشام بن محمد. ثم روي عن عامر الشعبي أنه توفي وله ثلاث وستون سنة. قلت: وقد تقدم في عمر الصديق مثله، وروي عن قتادة أنه قال: توفي عمر وهو ابن إحدى وستين سنة (2)، وعن ابن عمر والزهري خمس وستون. وعن ابن عباس ست وستون، وروى ابن جرير عن أسلم مولى عمر أنه قال: توفي وهو ابن ستين سنة. قال الواقدي: وهذا أثبت الاقاويل عندنا. وقال المدائني: توفي عمر وهو ابن سبع وخمسين سنة. ذكر زوجاته وأبنائه وبناته قال الواقدي وابن الكلبي وغيرهما: تزوج عمر في الجاهلية زينب بنت مظعون أخت عثمان ابن مظعون فولدت له عبد الله وعبد الرحمن الاكبر، وحفصة رضي الله عنهم. وتزوج مليكة بنت جرول فولدت له عبيد الله فطلقها في الهدنة، فخلف عليها أبو الجهم بن حذيفه، قال المدائني. وقال الواقدي: هي أم كلثوم بنت جرول فولدت له عبيد الله وزيدا الاصغر. قال المدائني وتزوج قريبة بنت أبي أمية المخزومي ففارقها في الهدنة، فتزوجها بعده عبد الرحمن بن أبي بكر. قالوا: وتزوج أم حكيم بنت الحارث بن هشام بعد زوجها - حين قتل في الشام - فولدت له فاطمة


(1) في الاستيعاب: عبيد الله. (2) في رواية الاستيعاب عن قتادة: اثنتين وخمسين سنة. (*)

[ 157 ]

ثم طلقها. قال المدائني وقيل لم يطلقها. قالوا: وتزوج جميلة (1) بنت عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح من الاوس. وتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قبله عند عبد الله بن أبي مليكة (2) ولما قتل عمر تزوجها بعده الزبير بن العوام رضي الله عنهم، ويقال هي أم ابنه عياض فالله أعلم. قال المدائني: وكان قد خطب أم كلثوم ابنه أبي بكر الصديق وهي صغيرة وراسل فيها عائشة فقالت أم كلثوم: لا حاجة لي فيه، فقالت عائشة: أترغبين عن أمير المؤمنين ؟ قالت: نعم، إنه خشن العيش فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فصده عنها ودله على أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، ومن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال تعلق منها بسبب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطبها من علي فزوجه إياها، فأصدقها عمر رضي الله عنه أربعين ألفا، فولدت له زيدا (3) ورقية، قالوا: وتزوج لهية - امرأة من اليمن - فولدت له عبد الرحمن الاصغر، وقيل الاوسط. وقال الواقدي: هي أم ولد وليست زوجة، قالوا: وكانت عنده فكيهة أم ولد فولدت له زينب. قال الواقدي وهي أصغر ولده. قال الواقدي: وخطب أم أبان بنت عتبة بن شيبة فكرهته وقالت: يغلق بابه ويمنع خيره ويدخل عابسا ويخرج عابسا. قلت: فجملة أولاده رضي الله عنه وأرضاه ثلاثة عشر ولدا، وهم زيد الاكبر، وزيد الاصغر، وعاصم، وعبد الله، وعبد الرحمن الاكبر، وعبد الرحمن الاوسط، قال الزبير بن بكار وهو أبو شحمة، وعبد الرحمن الاصغر وعبيد الله، وعياض، وحفصة، ورقية، وزينب، وفاطمة، رضي الله عنهم. ومجموع نسائه اللاتي تزوجهن في الجاهلية والاسلام ممن طلقهن أو مات عنهن سبع، وهن جميلة بنت (1) عاصم بن ثابت بن الاقلح، وزينب بنت مظعون، وعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وقريبة بنت أبي أمية، ومليكة بنت جرول، وأم حكيم بنت الحارث ابن هشام، وأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأم كلثوم أخرى وهي مليكة بنت جرول. وكانت له أمتان له منهما أولاد، هما فكيهة ولهية، وقد اختلف في لهية هذه فقال بعضهم: كانت أم ولد، وقال بعضهم: كان أصلها من اليمن وتزوجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فالله أعلم. ذكر بعض ما رثي به قال علي بن محمد المدائني: عن ابن داب وسعيد بن خالد، عن صالح بن كيسان عن


(1) في ابن سعد: جميلة بنت ثابت بن أبي الاقلح وولدت عاصما. وقيل كان اسمها عاصية فسماها النبي صلى الله عليه وآله جميلة. وفي الطبري جميلة أخت عاصم بن ثابت 5 / 16. والطبقات 3 / 265. (2) في الطبري: عبد الله بن أبي بكر (انظر الاصابة 4 / 356). (3) وهو زيد الاصغر. (*)

[ 158 ]

المغيرة بن شعبة قال: لما مات عمر بكته ابنة أبي خيثمة (1) فقالت: واعمراه، أقام الاود وأبر العهد، أمات الفتن وأحيا السنن، خرج نقي الثوب بريا من العيب. قال فقال علي بن أبي طالب: والله لقد صدقت، ذهب بخيرها، ونجا من شرها، أما والله ما قالت ولكن قولت. قال: وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل في زوجها عمر: فجعني فيروز لا در دره * بأبيض تال للكتاب منيب رؤوف على الادنى غليظ على العدى * أخى ثقة في النائبات نجيب متى ما يقل لا يكذب القول فعله * سريع إلى الخيرات غير قطوب وقالت أيضا: عين جودي بعبرة ونحيب * لا تملي على الامام النجيب فجعتنا المنون بالفارس العي‍ * - لم يوم الهياج والتلبيب (2) عصمة الناس والمعين على الده‍ * - ر وغيث المنتاب والمحروب قل لاهل السراء والبؤس موتوا * قد سقته المنون كأس سغوب وقالت امرأة من المسلمين تبكيه: سيبكيك نساء الح‍ * - ي يبكين شجيات ويخمشن وجوها * كالدنانير نقيات ويلبسن ثياب الحز * ن بعد القصبيات وقد ذكر ابن جرير ترجمة طويلة لعمر بن الخطاب، وكذلك أطال ابن الجوزي في سيرته، وشيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخه، وقد جمعنا متفرقات كلام الناس في مجلد مفرد، وأفردنا ولما أسنده وروى عنه من الاحكام مجلدا آخر كبيرا مرتبا على أبواب الفقه ولله الحمد. قال ابن جرير: وفي هذه السنة توفي قتادة بن النعمان، وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمورية ومعه من الصحابة عبادة بن الصامت، وأبو أيوب، وأبو ذر، وشداد بن أوس. وفيها فتح معاوية عسقلان صلحا. قال: وفيها كان على قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة كعب بن سوار، قال: وأما مصعب الزبيري فإنه ذكر أن مالكا روى عن الزهري أن أبا بكر وعمر لم يكن لهما قاض وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي في تاريخه في سنة ثلاث وعشرين. فيها كانت قصة سارية بن زنيم. وفيها فتحت كرمان وأميرها سهيل بن عدي. وفيها فتحت سجستان، وأميرهم عاصم بن


(1) في الطبري: ابن أبي حثمة. (2) في أسد الغابة والطبري: فجعتني المنون بالفارس المعلم... (*)

[ 159 ]

عمرو وفيها تحت مكران، وأميرها الحكم بن أبي العاص، أخو عثمان، وهي من بلاد الجبل. وفيها رجع أبو موسى الاشعري من بلاد أصبهان وقد افتتح بلادها، وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمورية. ثم ذكر وفاة من مات فيها. فمنهم قتادة بن النعمان الانصاري الاوسي الظفري أخو أبي سعيد الخدري لامه، وقتادة أكبر منه، شهد بدرا وأصيبت عينه في يوم أحد حتى وقعت على خده فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت أحسن عينيه، وكان من الرماة المذكورين، وكان على مقدمة عمر حين قدم إلى الشام توفي في هذه السنة على المشهور عن خمس وستين سنة، ونزل عمر في قبره، وقيل إنه توفي في التي قبلها. ثم ذكر ترجمة عمر بن الخطاب فأطال فيها وأكثر وأطنب، وأتي بمقاصد كثيرة مهمة، وفوائد جمة، وأشياء حسنة، فأثابه الله الجنة. ثم قال: ذكر من توفي في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. الاقرع بن حابس ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة (1) بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي المجاشعي. قال ابن دريد: واسمه فراس بن حابس ولقب بالاقرع لقرع في رأسه، وكان أحد الرؤساء، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وفد بني تميم، وهو الذي نادى من وراء الحجرات: يا محمد إن مدحي زين، وذمي شين، وهو القائل - وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن - أتقبله ؟ والله إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم. فقال " من لا يرحم لا يرحم ". وفي رواية " ما أملك أن نزع الله الرحمة من قبلك " وكان ممن تألفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه يوم حنين مائة من الابل، وكذلك لعيينة بن حصن الفزاري، وأعطى عباس بن مرداس خمسين (2) من الابل فقال: أتجعل نهبي ونهب العبي‍ * - د بين عيينة والاقرع (3) فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في مجمع (4) وما كنت دون امرئ منهما * ومن يخفض اليوم لا يرفع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت القائل: أتجعل نهبي ونهب العبي‍ * - د بين عيينة والاقرع رواه البخاري قال السهيلي: إنما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الاقرع قبل عيينة لان الاقرع كان خيرا


(1) قال ابن منده وأبو نعيم جندلة بدل حنظلة، وقال ابن الاثير في أسد الغابة وهو خطأ والصواب حنظلة. (2) في رواية البيهقي عن رافع بن خديج: أعطاه دون المائة. وعن ابن اسحاق أعطاه أباعر. (3) في البيهقي فأصبح بدل، اتجعل. النهب: الغنيمة. والعبيد: اسم فرس العباس بن مرداس. (4) حصن: أبو عيينة، وحابس أبو الاقرع. وفي رواية قال شيخي بدل مرداس. (*)

[ 160 ]

من عيينة ولهذا لم يرتد بعد النبي صلى الله عليه وسلم كما ارتد عيينة فبايع طليحة وصدقه ثم عاد. والمقصود أن الاقرع كان سيدا مطاعا، وشهد مع خالد وقائعه بأرض العراق، وكان على مقدمته يوم الانبار. ذكره شيخنا فيمن توفي في خلافة عمر بن الخطاب. والذي ذكره ابن الاثير في الغابة أنه استعمله عبد الله ابن عامر على جيش وسيره إلى الجوزجان فقتل وقتلوا جميعا، وذلك في خلافة عثمان كما سيأتي إن شاء الله تعالى. حباب بن المنذر ابن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة أبو عمر ويقال أبو عمرو الانصاري الخزرجي السلمي، ويقال له ذو الرأي لانه أشار يوم بدر أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أدنى ما يكون إلى القوم، وأن يغور ما وراءهم من القلب فأصاب في هذا الرأي، ونزل الملك بتصديقه وأما قوله يوم السقيفة: أنا جذيلها المحكك، ومزيجها (1) المرجب، منا أمير ومنكم أمير. فقد رده عليه الصديق والصحابة. ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (2) عتبة بن مسعود الهذلي، هاجر مع أخيه لابويه، عبد الله إلى الحبشة شهد أحدا وما بعدها. قال الزهري: ما كان عبد الله بأفقه منه، ولكن مات عتبة قبله، وتوفي زمن عمر على الصحيح، ويقال في زمن معاوية سنة أربع وأربعين. علقمة بن علاثة ابن عوف بن الاحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكلابي، أسلم عام الفتح وشهد حنينا وأعطى يومئذ مائة من الابل تأليفا لقلبه، وكان يكون بتهامة وكان شريفا مطاعا في قومه، وقد ارتد أيام الصديق فبعث إليه سرية فانهزم ثم أسلم وحسن إسلامه، ووفد على عمر في خلافته، وقدم دمشق في طلب ميراث له ثم، ويقال استعمله عمر على حوران فمات بها، وقد كان الحطيئة قصده ليمتدحه فمات قبل مقدمه بليال فقال: فما كان بيني لو لقيتك سالما * وبين الغنى إلا ليال قلائل (3)


(1) المشهور والمحفوظ: وعذيقها. (2) أبو أروى الهاشمي لم يشهد بدرا وكان أسن من عمه العباس قال الزبير: مات قبل أخويه نوفل وأبي سفيان في خلافة عمر. (3) وبعده: لعمري لنعم المرء من آل جعفر * بحوران أمسى أدركته الحبائل (*)

[ 161 ]

علقمة بن مجزز ابن الاعور بن جعدة بن معاذ بن عتوارة بن عمرو بن مدلج الكناني المدلجي، أحد أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، على بعض السرايا، وكانت فيه دعابة، فأجج نارا وأمر أصحابه أن يدخلوا فيها فامتنعوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لو دخلوا فيها ما خرجوا منها " وقال " إنما الطاعة في المعروف " وقد كان علقمة جوادا ممدحا رثاه جواس العذري فقال: إن السلام وحسن كل تحية * تغدو على ابن مجزز وتروح عويم بن ساعدة ابن عباس أبو عبد الرحمن الانصاري الاوسي، أحد بني عمرو بن عوف شهد العقبة وبدرا وما بعدها له حديث عند أحمد وابن ماجه في الاستنجاء بالماء. قال ابن عبد البر: توفي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقيل في خلافة عمر، وقال وهو واقف على قبره: لا يستطيع أحد أن يقول أنا خير من صاحب هذا القبر ما نصبت راية للنبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو واقف تحتها. وقد روى هذا الاثر ابن أبي عاصم كما أورده ابن الاثير من طريقه. غيلان بن سلمة الثقفي أسلم عام الفتح (1) على عشر نسوة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا، وقد وفد قبل الاسلام على كسرى فأمره أن يبني له قصرا بالطائف، وقد سأله كسرى أي ولدك أحب إليك ؟ قال الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ، والغائب حتى يقدم، فقال له كسرى أن لك هذا ؟ هذا كلام الحكماء. قال: فما غذاؤك ؟ قال: البر. قال نعم هذا من البر لا من التمر واللبن. معمر بن الحارث (2) ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي أخو حاطب (3) وحطاب، أمهم قيلة بنت مظعون، أخت عثمان بن مظعون أسلم معمر قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الارقم وشهد بدرا وما بعدها وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين معاذ بن عفراء.


(1) قال في الاصابة والاستيعاب: أسلم يوم الطائف. (2) في الاستيعاب والاصابة: معمر بن الحارث بن معمر. (3) في الاستيعاب: أو حطاب، وأمهم قتيلة بنت مظعون. (*)

[ 162 ]

ميسرة بن مسروق العبسي شيخ صالح قيل إنه صحابي شهد اليرموك ودخل الروم أميرا على جيش ستة آلاف وكانت له همة عالية فقتل وسبى وغنم وذلك في سنة عشرين، وروى عن أبي عبيدة وعنه أسلم مولى عمر، لم يذكره ابن الاثير في الغابة. واقد بن عبد الله ابن عبد مناف بن عرين الحنظلي اليربوعي حليف بني عدي بن كعب، أسلم قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الارقم وشهد بدرا وما بعدها وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين بشر بن البراء بن معرور، وهو أول من قتل في سبيل الله عز وجل ببطن نخلة، مع عبد الله بن جحش حين قتل عمرو بن الحضرمي، توفي في خلافة عمر رضي الله عنه. أبو خراش الهذلي الشاعر واسمه خويلد بن مرة، كان يسبق الخيل على قدميه، وكان فتاكا في الجاهلية، ثم أسلم وحسن إسلامه، وتوفي في زمن عمر، أتاه حجاج فذهب يأتيهم بماء فنهشته حية فرجع إليهم بالماء وأعطاهم شاة وقدرا، ولم يعلمهم بما جرى له، فأصبح فمات فدفنوه. ذكره ابن عبد البر وابن الاثير في أسماء الصحابة. والظاهر أنه ليست له وفادة، وإنما أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مخضرم والله أعلم. أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب ابن عمرو الانصاري شهد أحدا (1) وما بعدها، إلا تبوك فإنه تخلف لعذر الفقر، وهو أحد البكائين المذكورين. سودة بنت زمعة القرشية العامرية أم المؤمنين، أول من دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها، وكانت صوامة قوامة، ويقال كان في خلقها حدة، وقد كبرت فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفارقها


(1) وفي أسد الغابة أنه شهد بدرا وما بعدها. ولم يقدر على المسير إلى تبوك مع رسول الله صلى الله عليه وآله فنزل فيه وفي أصحابه: تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون. وقال في الاستيعاب والاصابة: شهد أحدا وما بعدها من المواقع - ولم يستثنيا تبوك. (*)

[ 163 ]

- ويقال بل فارقها - فقالت: يا رسول الله لا تفارقني وأنا أجعل يومي لعائشة، فتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصالحها على ذلك. وفي ذلك أنزل الله عز وجل * (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) * الآية [ النساء: 128 ]. قالت عائشة: نزلت في سودة بنت زمعة، توفيت في خلافة عمر بن الخطاب (1). هند بن عتبة يقال: ماتت في خلافة عمر وقيل توفيت قبل ذلك كما تقدم فالله أعلم. خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ثم استهلت سنة أربع وعشرين ففي أول يوم منها دفن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك يوم الاحد في قول وبعد ثلاث أيام بويع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه. كان عمر رضي الله عنه قد جعل الامر بعده شورى بين ستة نفر وهم عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم. وتحرج أن يجعلها لواحد من هؤلاء على التعيين، وقال لا أتحمل أمرهم حيا وميتا، وإن يرد الله بكم خيرا يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم صلى الله عليه وسلم، ومن تمام ورعه لم يذكر في الشورى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، لانه ابن عمه خشي أن يراعى فيولى لكونه ابن عمه، فلذلك تركه. وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. بل جاء في رواية المدائني عن شيوخه أنه استثناه من بينهم، وقال لست مدخله فيهم، وقال لاهل الشورى يحضركم عبد الله - يعني ابنه - وليس إليه من الامر شئ - يعني بل يحضر الشورى ويشير بالنصح ولا يولي شيئا - وأوصى أن يصلي بالناس صهيب بن سنان الرومي ثلاث أيام حتى تنقضي الشورى، وأن يجتمع أهل الشورى ويوكل بهم أناس حتى ينبرم الامر، ووكل بهم خمسين رجلا من المسلمين وجعل عليهم مستحثا أبا طلحة الانصاري، والمقداد بن الاسود الكندي، وقد قال عمر بن الخطاب: ما أظن الناس يعدلون بعثمان وعلي أحدا، إنهما كانا يكتبان الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ينزل به جبريل عليه. قالوا: فلما مات عمر رضي الله عنه وأحضرت جنازته تبادر إليها علي وعثمان أيهما يصلي عليه، فقال لهما عبد الرحمن بن عوف: لستما من هذا في شئ، إنما هذا إلى صهيب الذي أمره عمر أن يصلي بالناس. فتقدم صهيب وصلى عليه، ونزل في قبره


(1) وقال الواقدي انها توفيت في شوال سنة 54 ه‍ في خلافة معاوية بن أبي سفيان قال: وهذا الثبت عندنا. (طبقات ابن سعد 8 / 57). (*)

[ 164 ]

مع ابنه عبد الله أهل الشورى سوى طلحة فإنه كان غائبا، فلما فرغ من شأن عمر جمعهم المقداد ابن الاسود في بيت المسور بن مخرمة، وقيل في حجرة عائشة، وقيل في بيت المال، وقيل في بيت فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس، والاول أشبه والله أعلم. فجلسوا في البيت وقام أبو طلحة يحجبهم، وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا من وراء الباب فحصبهم سعد ابن أبي وقاص وطردهما وقال جئتما لتقولا حضرنا أمر الشورى ؟ رواه المدائني عن مشايخه والله أعلم بصحته. والمقصود أن القوم خلصوا من الناس في بيت يتشاورون في أمرهم، فكثر القول، وعلت الاصوات وقال أبو طلحة: إني كنت أظن أن تدافعوها ولم أكن أظن أن تنافسوها، ثم صار الامر بعد حضور طلحة إلى أن فوض ثلاثة منهم ما لهم في ذلك إلى ثلاثة، ففوض الزبير ما يستحقه من الامارة إلى علي، وفوض سعد ماله في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، وترك طلحة حقه إلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه، فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان: أيكما يبرأ من هذا الامر فنفوض الامر إليه والله عليه والاسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين فأسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك والله علي والاسلام أن أجتهد فأولي أولاكما بالحق، فقالا نعم ! ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثان لئن ولاه ليعدلن ولئن ولى عليه ليسمعن وليطيعن، فقال كل منهما نعم ! ثم تفرقوا، ويروى أن أهل الشورى جعلوا الامر إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه، فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى وغيرهم فلا يشير إلا بعثمان بن عفان، حتى أنه قال لعلي: أرأيت إن لم أو لك بمن تشير به علي ؟ قال: بعثمان. وقال لعثمان: أرأيت إن لم أو لك بمن تشير به ؟ قال: بعلي بن أبي طالب. والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الامر في ثلاثة، وينخلع عبد الرحمن منها لينظر الافضل والله عليه والاسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه. ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤس الناس وأقيادهم جميعا وأشتاتا، مثنى وفرادى، ومجتمعين، سرا وجهرا، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والاعراب إلى المدينة، في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان بن عفان، إلا ما ينقل عن عمار والمقداد أنهما أشارا بعلي بن أبي طالب، ثم بايعا مع الناس على ما سنذكره، فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاث أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاء واستخارة، وسؤالا من ذوي الرأي عنهم، فلم يجد أحدا يعدل بعثمان بن عفان رضي الله عنه، فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب جاء إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة فقال: أنائم يا مسور ؟ والله لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث، اذهب فادع إلي عليا وعثمان قال المسور: فقلت بأيهما أبدأ ؟ فقال بأيهما شئت، قال فذهبت إلى علي فقلت: أجب خالي، فقال: أمرك أن تدعو معي أحدا ؟

[ 165 ]

قلت: نعم ! قال: من ؟ قلت: عثمان بن عفان، قال: بأينا بدأ ؟ قلت لم يأمرني بذلك، بل قال: ادعو لي أيهما شئت أولا، فجئت إليك، قال: فخرج معي فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس علي حتى دخلت فوجدته يوتر مع الفجر، فقال لي كما قال لي علي سواء، ثم خرج فدخلت بها على خالي وهو قائم يصلي، فلما انصرف أقبل على علي وعثمان فقال: إني قد سألت الناس عنكما فلم أجد أحدا يعدل بكما أحدا، ثم أخذ العهد على كل منهما أيضا لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولى عليه ليسمعن وليطيعن، ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عممه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقلد سيفا، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والانصار، ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة، فامتلا المسجد حتى غص بالناس، وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس إلا في أخريات الناس - وكان رجلا حييا رضي الله عنه - ثم صعد عبد الرحمن ابن عوف منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف وقوفا طويلا، ودعا دعاء طويلا، لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس، إني سألتكم سرا وجهرا بأمانيكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي وإما عثمان، فقم إلي يا علي، فقام إليه تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر ؟ قال: اللهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، قال فأرسل يده وقال: قم إلي يا عثمان، فأخذ بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر ؟ قال: اللهم نعم ! قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان. قال وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر، قال فقعد عبد الرحمن مقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، وجاء إليه الناس يبايعونه، وبايعه علي بن أبي طالب أولا، ويقال آخرا. وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره عن رجال لا يعرفون أن عليا قال لعبد الرحمن خدعتني، وإنك إنما وليته لانه صهرك وليشاورك كل يوم في شأنه، وأنه تلكأ حتى قال له عبد الرحمن * (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجرا عظيما) *. إلى غير ذلك من الاخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح فهي مردودة على قائليها وناقليها. والله أعلم. والمظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الاخبار وضعيفها، ومستقيمها وسقيمها، ومبادها وقويمها، والله الموفق للصواب. وقد اختلف علماء السير في اليوم الذي بويع فيه لعثمان بن عفان رضي الله عنه، فروى الواقدي عن شيوخه أنه بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، واستقبل بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين، وهذا غريب جدا. وقد روى الواقدي أيضا عن ابن جرير عن ابن أبي مليكة قال: بويع لعثمان بن عفان لعشر خلون من المحرم بعد مقتل عمر بثلاث ليال، وهذا أغرب من الذي قبله، وكذا روى سيف بن عمر عن عامر الشعبي أنه قال: اجتمع

[ 166 ]

أهل الشورى على عثمان لثلاث خلون من المحرم سنة أربع وعشرين، وقد دخل وقت العصر وقد أذن مؤذن صهيب، واجتمع الناس بين الاذان والاقامة فخرج فصلى بهم العصر. وقال سيف عن خليفة بن زفر ومجالد قالا: استخلف عثمان لثلاث خلون من المحرم سنة ثلاث وعشرين فخرج فصلى بالناس العصر، وزاد الناس - يعني في أعطياتهم - مائة، ووفد أهل الامصار، وهو أول من صنع ذلك. قلت: ظاهر ما ذكرناه من سياق بيعته يقتضي أن ذلك كان قبل الزوال، لكنه لما بايعه الناس في المسجد ذهب به إلى دار الشورى على ما تقدم فيها من الخلاف، فبايعه بقية الناس، وكأنه لم يتم البيعة إلا بعد الظهر وصلى صهيب يومئذ الظهر في المسجد النبوي وكان أول صلاة صلاها الخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان بالمسلمين صلاة العصر، كما ذكره الشعبي وغيره. وأما أول خطبة خطبها بالمسلمين فروى سيف بن عمر عن بدر بن عثمان عن عمه قال لما بايع أهل الشورى عثمان خرج وهو أشدهم كآبة فأتى منبر النبي صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، واعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا [ فإنه لا يغفل عنكم ] (1). أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمروها ومتعوا بها طويلا ؟ ألم تلفظهم ؟ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة فإن الله قد ضرب لها مثلا، بالذي هو خير فقال تعالى * (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) * [ الكهف: 45 ] قال: وأقبل الناس يبايعونه. قلت وهذه الخطبة: إما بعد صلاة العصر يومئذ، أو قبل الزوال وعبد الرحمن بن عوف جالس في رأس المنبر وهو الاشبه والله أعلم. وما يذكره بعض الناس من أن عثمان لما خطب أول خطبة ارتح عليه فلم يدر ما يقول حتى قال: أيها الناس، إن أول مركب صعب [ وإن بعد اليوم أياما ] (2)، وإن أعش فستأتيكم الخطبة على وجهها، فهو شئ يذكره صاحب العقد وغيره، ممن يذكر طرف الفوائد، ولكن لم أر هذا بإسناد تسكن النفس إليه والله أعلم. وأما قول الشعبي إنه زاد الناس مائة مائة - يعني في عطاء كل واحد من جند المسلمين - زاده على ما فرض له عمر مائة درهم من بيت المال وكان عمر قد جعل لكل نفس من المسلمين في كل ليلة من رمضان درهما من بيت المال يفطر عليه، ولامهات المؤمنين درهمين درهمين، فلما ولى عثمان أقر ذلك وزاده، واتخذ سماطا في المسجد أيضا للمتعبدين، والمعتكفين، وأبناء السبيل،


(1) من الطبري 5 / 43. (2) من طبقات ابن سعد 3 / 62. (*)

[ 167 ]

والفقراء، والمساكين، رضي الله عنه. وقد كان أبو بكر إذا خطب يقوم على الدرجة التي تحت الدرجة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف عليها، فلما ولى عمر نزل درجة أخرى عن درجة أبي بكر رضي الله عنهما، فلما ولي عثمان قال إن هذا يطول، فصعد إلى الدرجة التي كان يخطب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد الاذان الاول يوم الجمعة، قبل الاذان الذي كان يؤذن به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس على المنبر، وأما أول حكومة حكم فيا فقضية عبيد الله بن عمر، وذلك أنه غدا على ابنة أبي لؤلؤة قاتل عمر فقتلها، وضرب رجلا نصرانيا يقال له جفينة بالسيف فقتله، وضرب الهرمزان الذي كان صاحب تستر فقتله، وكان قد قيل إنهما مالآ أبا لؤلؤة على قتل عمر. فالله أعلم. وقد كان عمر قد أمر بسجنه ليحكم فيه الخليفة من بعده، فلما ولي عثمان وجلس للناس كان أول ما تحوكم إليه في شأن عبيد الله، فقال علي: ما من العدل تركه، وأمر بقتله، وقال بعض المهاجرين: أيقتل أبوه بالامس ويقتل هو اليوم ؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين قد برأك الله من ذلك، قضية لم تكن في أيامك فدعها عنك، فودى عثمان رضي الله عنه أولئك القتلى من ماله، لان أمرهم إليه، إذ لا وارث لهم إلا بيت المال، والامام يرى الاصلح في ذلك، وخلى سبيل عبيد الله. قالوا فكان زياد بن لبيد البياضي إذا رأى عبيد الله بن عمر يقول: ألا يا عبيد الله ما لك مهرب * ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر أصبت دما والله في غير حله * حراما وقتل الهرمزان له خطر على غير شئ غير أن قال قائل * أتتهمون الهرمزان على عمر فقال سفيه والحوادث جمة * نعم أتهمه قد أشار وقد أمر وكان سلاح العبد في جوف بيته * يقلبها والامر بالامر بعتبر قال: فشكا عبيد الله بن عمر زيادا إلى عثمان فاستدعى عثمان زياد بن لبيد فأنشأ زياد يقول في عثمان: أبا عمرو عبيد الله رهن * فلا تشكك بقتل الهرمزان أتعفو إذ عفوت بغير حق * فما لك بالذي يخلى يدان (1) قال فنهاه عثمان عن ذلك وزبره (2) فسكت زياد بن لبيد عما يقول. ثم كتب عثمان بن عفان إلى عماله على الامصار أمراء الحرب، والائمة على الصلوات، والامناء على بيوت المال يأمرهم


(1) في الطبري تحكى بدل يخلى. وقبله في الطبري 5 / 42: فإنك إن غفرت الجرم عنه * وأسباب الخطا فرسا رهان (2) في الكامل: وشذبه. (*)

[ 168 ]

بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحثهم على طاعة الله وطاعة رسوله، ويحرضهم على الاتباع وترك الابتداع، قال ابن جرير: وفي هذه السنة عزل عثمان المغيرة بن شعبة عن الكوفة وولى عليها سعد ابن أبي وقاص فكان أول عامل ولاه، لان عمر قال: فإن أصابت الامرة سعدا فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ولي، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. فاستعمل سعدا عليها سنة وبعض أخرى، ثم رواه ابن جرير من طريق سيف عن مجالد عن الشعبي. وقال الواقدي فيما ذكره عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر أوصى أن تقر عماله سنة، فلما ولي عثمان أقر المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة، ثم عزله، واستعمل سعدا ثم عزله وولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط. قال ابن جرير: فعلى ما ذكره الواقدي تكون ولاية سعد على الكوفة سنة خمس وعشرين. قال ابن جرير: وفي هذه السنة - أعني سنة أربع وعشرين - غزا الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية حين منع أهلها ما كانوا صالحوا عليه أهل الاسلام في أيام عمر بن الخطاب، وهذا في رواية أبي مخنف، وأما في رواية غيره فإن ذلك كان في سنة ست وعشرين، ثم ذكر ابن جرير: ههنا هذه الوقعة وملخصها أن الوليد بن عقبة سار بجيش الكوفة نحو أذربيجان وأرمينية، حين نقضوا العهد فوطئ بلادهم وأغار بأراضي تلك الناحية فغنم وسبى وأخذ أموالا جزيلة فلما أيقنوا بالهلكة صالحهم أهلها على ما كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان ثمانمائة ألف درهم في كل سنة فقبض منهم جزية سنة ثم رجع سالما غانما إلى الكوفة، فمر بالموصل. وجاءه كتاب عثمان وهو بها يأمره أن يمد أهل الشام على حرب أهل الروم. قال ابن جرير: وفي هذه السنة جاشت الروم حتى خاف أهل الشام وبعثوا إلى عثمان رضي الله عنه يستمدونه فكتب إلى الوليد بن عقبة: أن إذا جاءك كتابي هذا فابعث رجلا أمينا كريما شجاعا (1) في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إلى إخوانكم بالشام. فقام الوليد بن عقبة في الناس خطيبا حين وصل إليه كتاب عثمان فأخبرهم بما أمره به أمير المؤمنين وندب الناس وحثهم على الجهاد ومعاونة معاوية وأهل الشام، وأمر سلمان بن ربيعة على الناس الذين يخرجون إلى الشام فانتدب في ثلاثة أيام ثمانية آلاف فبعثهم إلى الشام وعلى جند المسلمين (2) حبيب بن مسلم الفهري، فلما اجتمع الجيشان شنوا الغارات على بلاد الروم فغنموا وسبوا شيئا كثيرا وفتحوا حصونا كثيرة ولله الحمد. وزعم الواقدي أن الذي أمد أهل الشام بسلمان بن ربيعة إنما هو سعيد بن العاص عن كتاب عثمان رضي الله عنه فبعث سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة بستة آلاف فارس حتى انتهى إلى حبيب بن مسلمة وقد أقبل إليه الموريان الرومي في ثمانين ألفا من الروم والترك، وكان حبيب بن مسلمة شجاعا شهما فعزم على أن يبيت جيش الروم فسمعته امرأته يقول للامراء ذلك فقالت له: فأين موعدي معك - تعني أين أجتمع بك غدا - فقال لها: موعدك سرادق الموريان أو الجنة، ثم


(1) العبارة في الطبري: أما إذا أتاك كتابي هذا فابعث رجلا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته واسلامه... (2) في الطبري: وعلى جند الشام. (*)

[ 169 ]

نهض إليهم في ذلك الليل بمن معه من المسلمين فقتل من أشرف له وسبقته امرأته إلى سرادق الموريان فكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها سرادق وقد مات عنها حبيب بن مسلمة بعد ذلك، فخلف عليها بعده الضحاك بن قيس الفهري، فهي أم ولده. قال ابن جرير: واختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال الواقدي وأبو معشر: حج بهم عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان. وقال آخرون: حج بالناس عثمان بن عفان رضي الله عنه. والاول هو الاشهر فإن عثمان لم يتمكن من الحج في هذه السنة لاجل رعاف أصابه مع الناس في هذه السنة حتى خشي عليه وكان يقال لهذه السنة سنة الرعاف، وفيها افتتح أبو موسى الاشعري الري بعد ما نقضوا العهد الذي كان واثقهم عليه حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه، وفيها توفي سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ويكنى بأبي سفيان، كان ينزل قديدا وهو الذي اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط الديلي حين خرجوا من غار ثور قاصدين المدينة فأراد أن يردهم على أهل مكة لما جعلوا في كل واحد من النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر مائة مائة من الابل، فطمع أن يفوز بهذا الجعل فلم يسلطه الله عليهم، بل لما اقترب منهم وسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ساخت قوائم فرسه في الارض حتى ناداهم بالامان، فأعطوه الامان، وكتب له أبو بكر كتاب أمان عن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قدم به بعد غزوة الطائف فأسلم وأكرمه النبي صلى الله عليه وسلم وهو القائل: يا رسول الله أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للابد ؟ فقال له: " بل لابد الابد. دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " (1). ثم دخلت سنة خمس وعشرين وفيها نقض أهل الاسكندرية العهد، وذلك أن ملك الروم بعث إليهم معويل الخصي في مراكب من البحر فطمعوا في النصرة ونقضوا ذمتهم (2)، فغزاهم عمرو بن العاص في ربيع الاول، فافتتح الارض عنوة وافتتح المدينة صلحا. وفيها حج بالناس عثمان بن عفان رضي الله عنه. وفيها في قول سيف عزل عثمان سعدا عن الكوفة وولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط مكانه، فكان هذا مما نقم على عثمان. وفيها وجه عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبي سرح لغزو بلاد المغرب، واستأذنه ابن أبي سرح في غزو إفريقية فأذن له ويقال فيها أيضا عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقيل بل كان هذا في سنة سبع وعشرين كما سيأتي والله أعلم. وفيها فتح معاوية الحصون، وفيها ولد ابنه يزيد بن معاوية.


(1) أخرجه مسلم في الحج وأبو داود وابن ماجة والدارمي في المناسك وأحمد في مسنده 1 / 3 236 / 405، 4 / 175. (2) في فتوح البلدان 2 / 260 قال أن الروم الذين بالاسكندرية بعثوا إلى ملك الروم قسطنطين بن هرقل يخبرونه بقلة عدد المسلمين عندهم، وبما هم فيه من الذلة واداء الجزية، فبعث منويل في ثلاثمائة مركب مشحونة بالمقاتلة، فدخل الاسكندرية فقتل من بها من روابط المسلمين. (*)

[ 170 ]

ثم دخلت سنة ست وعشرين قال الواقدي: فيها أمر عثمان بتجديد أنصاب الحرم. وفيها وسع المسجد الحرام. وفيها عزل سعدا عن الكوفة وولاها الوليد بن عقبة، وكان سبب عزل سعد أنه اقترض من ابن مسعود مالا من بيت المال، فلما تقاضاه به ابن مسعود ولم يتيسر قضاؤه تقاولا، وجرت بينهما خصومة شديدة، فغضب عليهما عثمان فعزل سعدا واستعمل الوليد بن عقبة - وكان عاملا لعمر على عرب الجزيرة - فلما قدمها أقبل عليه أهلها فأقام بها خمس سنين وليس على داره باب، وكان فيه رفق برعيته. قال الواقدي: وفيها حج بالناس عثمان بن عفان رضي الله عنه. وقال غيره: وفيها افتتح عثمان بن أبي العاص سابور صلحا على ثلاثة آلاف ألف وثلثمائة ألف (1). ثم دخلت سنة سبع وعشرين قال الواقدي وأبو معشر: وفيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبد الله ابن سعد بن أبي سرح - وكان أخا عثمان لامه - وهو الذي شفع له يوم الفتح حين كان أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه. غزوة إفريقية أمر عثمان بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح أن يغزو بلاد إفريقية فإذا افتتحها الله عليه فله خمس الخمس من الغنيمة نفلا، فسار إليها في عشرة آلاف فافتتحها سهلها وجبلها، وقتل خلقا كثيرا من أهلها، ثم اجتمعوا على الطاعة والاسلام، وحسن إسلامهم، وأخذ عبد الله بن سعد خمس الخمس من الغنيمة (2) وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، وقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الجيش، فأصاب الفارس ثلاثة آلاف دينار والراجل ألف دينار. قال الواقدي: وصالحه بطريقها على ألفي ألف دينار وعشرين ألف دينار (3)، فأطلقها كلها عثمان في يوم واحد لآل الحكم ويقال لآل مروان.


(1) في فتوح البلدان 2 / 479: ان أبا موسى الاشعري افتتح سابور عنوة بعد نقض أهلها وغدرهم وكان على مقدمته عثمان بن أبي العاص. (2) قال الطبري ان وفدا جاء عثمان وشكى إليه ما أخذه عبد الله ورفضوا تبرير عثمان مما اضطره إلى استرداده من عبد الله وتوزيعه على الجند 5 / 49. (3) في الطبري: ألفي دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وفي الكامل ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار. (*)

[ 171 ]

غزوة الاندلس لما افتتحت إفريقية بعث عثمان إلى عبد الله بن نافع بن عبد قيس وعبد الله بن نافع بن الحصين الفهريين من فورهما إلى الاندلس فأتياها من قبل البحر، وكتب عثمان إلى الذين خرجوا إليها يقول: إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر (1)، وأنتم إذا فتحتم الاندلس فأنتم شركاء لمن يفتتح قسطنطينية في الاجر آخر الزمان والسلام، قال فساروا إليها فافتتحوها ولله الحمد والمنة. وقعة جرجير والبربر مع المسلمين لما قصد المسلمون وهم عشرون ألفا إفريقية، وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وفي جيشه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، صمد إليهم ملك البربر جرجير (2) في عشرين ومائة ألف، وقيل في مائتي ألف، فلما تراءى الجمعان أمر جيشه فأحاطوا بالمسلمين هالة، فوقف المسلمون في موقف لم ير أشنع منه ولا أخوف عليهم منه، قال عبد الله بن الزبير: فنظرت إلى الملك جرجير من وراء الصفوف وهو راكب على برذون، وجاريتان تظلانه بريش الطواويس، فذهبت إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح فسألته أن يبعث معي من يحمي ظهري وأقصد الملك، فجهز معي جماعة من الشجعان، قال فأمر بهم فحموا ظهري وذهبت حتى خرقت الصفوف إليه - وهم يظنون أني في رسالة إلى الملك - فلما اقتربت منه أحس مني الشر ففر على برذونه، فلحقته فطعنته برمحي، وذففت عليه بسيفي، وأخذت رأسه فنصبته على رأس الرمح وكبرت، فلما رأى ذلك البربر فرقوا وفروا كفرار القطا، واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فغنموا غنائم جمة وأموالا كثيرة، وسبيا عظيما، وذلك ببلد يقال له سبيطلة - على يومين من القيروان - فكان هذا أول موقف اشتهر فيه أمر عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وعن أبيه وأصحابهما أجمعين (3). قال الواقدي: وفي هذه السنة افتتحت اصطخر ثانية على يدي عثمان بن أبي العاص، وفيها غزا معاوية قنسرين، وفيها حج بالناس عثمان بن عفان. قال ابن جرير قال بعضهم وفي هذه السنة غزا معاوية قبرص، وقال الواقدي: كان ذلك في سنة ثمان وعشرين. وقال أبو معشر: غزاها معاوية سنة ثلاث وثلاثين فالله أعلم.


(1) في الطبري: الاندلس. (2) كذا في الاصل والكامل والطبري وفتوح البلدان، وفي فتوح ابن الاعثم: جرجين. (3) الكامل لابن الاثير 3 / 90 فتوح البلدان 1 / 267. ولم يشر الطبري في روايته إلى مقتل جرجير، ففي روايته أشار إلى صلح جرجير، وهو ما أشار إليه ابن الاعثم في فتوحه. قال: سأل جرجين عبد الله الصلح بعد انهزامه ومقتل كثير من عسكره. (الطبري 5 / 50 الفتوح 3 / 136). (*)

[ 172 ]

ثم دخلت سنة ثمان وعشرين فتح قبرص ففيها ذكر ابن جرير فتح قبرص تبعا للواقدي، وهي جزيرة غربي بلاد الشام في البحر، مخلصة وحدها، ولها ذنب مستطيل إلى نحو الساحل مما يلي دمشق، وغربيها أعرضها، وفيها فواكه كثيرة، ومعادن، وهي بلد جيد، وكان فتحها على يدي معاوية بن أبي سفيان، ركب إليها في جيش كثيف من المسلمين ومعه عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان التي تقدم حديثها في ذلك حين نام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها ثم استيقظ يضحك فقالت: ما أضحكك يا رسول الله ؟ فقال: " ناس من أمتي عرضوا علي يركبون ثبج هذا البحر مثل الملوك على الاسرة ". فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. فقال " أنت منهم " ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال مثل ذلك فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: " أنت من الاولين " فكانت في هذه الغزوة وماتت بها وكانت الثانية عبارة عن غزو قسطنطينية بعد هذا كما سنذكره. والمقصود أن معاوية ركب البحر في مراكب فقصد الجزيرة المعروفة بقبرص ومعه جيش عظيم من المسلمين، وذلك بأمر عثمان بن عفان رضي الله عنه له في ذلك بعد سؤاله إياه، وقد كان سأل في ذلك عمر بن الخطاب فأبى أن يمكنه من حمل المسلمين على هذا الخلق العظيم الذي لو اضطرب لهلكوا عن آخرهم، فلما كان عثمان لح معاوية عليه في ذلك فأذن له فركب في المراكب فانتهى إليها، ووافاه عبد الله بن سعد بن أبي سرح إليها من الجانب الآخر، فالتقيا على أهلها فقتلوا خلقا كثيرا وسبوا سبايا كثيرة، وغنموا مالا جزيلا جيدا، ولما جئ بالاسارى جعل أبو الدرداء يبكي، فقال له جبير بن نفير: أتبكي وهذا يوم أعز الله فيه الاسلام وأهله ؟ فقال: ويحك إن هذه كانت أمة قاهرة لهم ملك، فلما ضيعوا أمر الله صيرهم إلى ما ترى، سلط الله عليهم السبي، وإذا سلط على قوم السبي فليس لله فيهم حاجة، وقال ما أهون العباد على الله تعالى إذا تركوا أمره ؟ ! ثم صالحهم معاوية على سبعة آلاف دينار (1) في كل سنة، وهادنهم، فلما أرادوا الخروج منها قدمت لام حرام بغلة لتركبها فسقطت عنها فاندقت عنقها فماتت هناك فقبرها هنالك يعظمونه ويستسقون به ويقولون قبر المرأة الصالحة. قال الواقدي: وفي هذه السنة غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم. وتزوج عثمان


(1) كذا في الاصل والطبري، وفي فتوح ابن الاعثم: سبعة آلاف دينار ومائتي دينار، وقال: كانوا يؤدون مثلها إلى ملك الروم. 3 / 119. والكامل 3 / 96. وذكر الكامل بندا هاما في العهد: على أهل قبرص أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم إليهم ويكن طريق المسلمين إلى العدو عليهم. وذكر الطبري بندا وهو: على أهل قبرص ألا يتزوجوا من عدونا - الروم - إلا باذننا. (*)

[ 173 ]

نائلة بنت الفرافصة الكلبية - وكانت نصرانية فأسلمت قبل أن يدخل بها - وفيها بنى عثمان داره بالمدينة الزوراء وفيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه. ثم دخلت سنة تسع وعشرين ففيها عزل عثمان بن عفان أبا موسى الاشعري عن البصرة، بعد عمله ست سنين وقيل ثلاث، وأمر عليها عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وهو ابن خال عثمان بن عفان، وجمع له بين جند أبي موسى وجند عثمان بن أبي العاص وله من العمر خمس وعشرن سنة، فأقام بها ست سنين. وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن عامر فارس في قول الواقدي وأبي معشر. زعم سيف أنه كان قبل هذه السنة. فالله أعلم. وفيها وسع عثمان بن عفان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وبناه بالقصة (1) - وهي الكلس - كان يؤتى به من بطن نخل والحجارة المنقوشة، وجعل عمده حجارة مرصعة (2)، وسقفه بالساج، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه ستة، على ما كانت عليه في زمان عمر بن الخطاب، ابتدأ بناءه في ربيع الاول منها. وفيها حج بالناس عثمان بن عفان، وضراب له بمنى فسطاطا فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى، وأتم الصلاة عامه هذا، فأنكر ذلك عليه غير واحد من الصحابة، كعلي وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود، حتى قال ابن مسعود ليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان، وقد ناظره عبد الرحمن بن عوف فيما فعله، فروى ابن جرير أنه قال: تأهلت بمكة، فقال له: ولك أهل بالمدينة وإنك تقوم حيث أهلك بالمدينة. قال: وإن لي مالا بالطائف أريد أن أطلعه بعد الصدر، قال: إن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث، فقال: وإن طائفة من أهل اليمن قالوا: إن الصلاة بالحضر ركعتان فربما رأوني أصلي ركعتين فيحتجون بي، فقال له: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الاسلام فيهم قليل، وكان يصلي ههنا ركعتين، وكان أبو بكر يصلي ههنا ركعتين، وكذلك عمر بن الخطاب، وصليت أنت ركعتين صدرا من إمارتك، قال فسكت عثمان ثم قال: إنما هو رأي رأيته. سنة ثلاثين من الهجرة النبوية فيها افتتح سعد بن العاص طبرستان في قول الواقدي وأبي معشر والمدائني، وقال: هو أول


(1) كذا في الاصل والطبري. وفي الكامل: الجص. وفي القاموس: القصة: الجصة، وسمي موضع قرب المدينة بذي القصة لانه كان به قصة أي جص. (2) في الكامل والطبري: حجارة فيها رصاص. (*)

[ 174 ]

من غزاها. وزعم سيف أنهم كانوا صالحوا سويد بن مقرن قبل ذلك على أن لا يغزوها، على مال بذله له أصبهبذها فالله أعلم. فذكر المدائني أن سعيد بن العاص ركب في جيش فيه الحسن والحسين، والعبادلة الاربعة (1)، وحذيفة بن اليمان، في خلق من الصحابة فسار بهم فمر على بلدان شتى يصالحونه على أموال جزيلة، حتى انتهى إلى بلد معاملة (2) جرجان، فقاتلوه حتى احتاجوا إلى صلاة الخوف، فسأل حذيفة: كيف صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأخبره فصلى كما أخبره، ثم سأله أهل ذلك الحصن الامان، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا ففتحوا الحصن فقتلهم إلا رجلا واحدا، وحوى ما كان في الحصن، فأصاب رجل من بني نهد سفطا مقفولا فاستدعى به سعيد ؟ ففتحوه فإذا فيه خرقة سوداء مدرجة فنشروها، فإذا فيها خرقة حمراء فنشروها، وإذا داخلها خرقة صفراء، وفيها إيران كميت وورد. فقال شاعر يهجو بهما بني نهد: آب الكرام بالسبايا غنيمة * وفاز (3) بنو نهد بأيرين في سفط كميت وورد وافرين كلاهما * فظنوهما غنما فناهيك من غلط قالوا: ثم نقض أهل جرجان ما كان صالحهم عليه سعيد بن العاص، وامتنعوا عن أداء المال الذي ضربه عليهم - وكان مائة ألف دينار وقيل مائتي ألف دينار وقيل ثلثمائة ألف دينار - ثم وجه إليهم يزيد بن المهلب بعد ذلك، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة عزل عثمان بن عفان الوليد بن عقبة عن الكوفة، وولى عليها سعيد بن العاص وكان سبب عزله أنه صلى بأهل الكوفة الصبح أربعا ثم التفت فقال أزيدكم ؟ فقال قائل: ما زلنا منك منذ اليوم في زيارة. ثم إنه تصدى له جماعة يقال كان بينهم وبينه شنآن، فشكوه إلى عثمان، وشهد بعضهم عليه أنه شرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقاياها، فأمر عثمان بإحضاره وأمر بجلده، فيقال إن عليا نزع عنه حلته، وأن سعيد بن العاص جلده بين يدي عثمان بن عفان، وعزله وأمر مكانه على الكوفة سعيد بن العاص (4). وفي هذه السنة سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من يد عثمان في بئر أريس، وهي على ميلين من المدينة، وهي من أقل الآبار ماء، فلم يدرك خبره بعد بذل مال جزيل، والاجتهاد في طلبه، حتى الساعة، فاستخلف عثمان بعده خاتما من فضة، ونقش عليه محمدا رسول الله، فلما قتل عثمان ذهب الخاتم


(1) العبادلة الاربعة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير. (2) في الطبري تخوم جرجان، وكان سعيد قد مر على قومس وجرجان وطميسة وقد قاتله أهلها. زاد في فتوح البلدان: ونامنة وهي قرية. (3) في الكامل: وآب. (4) ذكر الخبر الطبري مطولا وأسباب عزله الوليد ج 5 / 58 وما بعدها. ومروج الذهب 1 / 437 وابن الاعثم 3 / 166 - 167 وذكر كتاب عثمان إلى الكوفة بتولية سعيد بن العاص عليهم. (*)

[ 175 ]

فلم يدر من أخذه. وقد روى ابن جرير ها هنا (1) حديثا طويلا في اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب، ثم من فضة، وبعثه عمر بن الخطاب إلى كسرى، ثم دحية إلى قيصر، وأن الخاتم الذي كان في يد النبي صلى الله عليه وسلم ثم في يد أبي بكر ثم في يد عمر ثم في يد عثمان ست سنين، ثم إنه وقع في بئر أريس، وقد تقدم بعض هذا في الصحيح. وفي هذه السنة وقع بين معاوية وأبي ذر بالشام، وذلك أن أبا ذر أنكر على معاوية بعض الامور، وكان ينكر على من يقتني مالا من الاغنياء ويمنع أن يدخر فوق القوت، ويوجب أن يتصدق بالفضل، ويتأول قول الله سبحانه وتعالى * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) * [ التوبة: 34 ] فينهاه معاوية عن إشاعة ذلك فلا يمتنع، فبعث يشكوه إلى عثمان، فكتب عثمان إلى أبي ذر أن يقدم عليه المدينة، فقدمها فلامه عثمان على بعض ما صدر منه، واسترجعه فلم يرجع فأمره بالمقام بالربذة - وهي شرقي المدينة - ويقال إنه سأل عثمان أن يقيم بها وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي " إذا بلغ البناء سلعا فأخرج منها " وقد بلغ البناء سلعا، فأذن له عثمان بالمقام بالربذة وأمره أن يتعاهد المدينة في بعض الاحيان، حتى لا يرتد أعرابيا بعد هجرته، ففعل فلم يزل مقيما بها حتى مات على ما سنذكره رضي الله عنه. وفي هذه السنة زاد عثمان النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء. فصل وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة ثلاثين - أبي بن كعب فيما صححه الواقدي. جبار بن صخر ابن أمية بن خنساء، أبو عبد الرحمن الانصاري، عقبي بدري، وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر خارصا، وقد توفي عن ستين سنة. حاطب بن أبي بلتعة (2) ابن عمرو بن عمير اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزى، شهد بدرا وما بعدها، وهو الذي كان كتب إلى المشركين يعلمهم بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة، فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به، ثم بعثه بعد ذلك برسالة إلى المقوقس ملك الاسكندرية.


(1) تاريخ الطبري: ج 5 / 66 - 67. (2) في نسخ البداية المطبوعة: ابن بلتعة تحريف. (*)

[ 176 ]

الطفيل بن الحارث ابن المطلب أخو عبيدة، وحصين، شهد بدرا. قال سعيد بن عمير توفي في هذه السنة (1). عبد الله بن كعب ابن عمرو المازني أبو الحارث، وقيل أبو يحيى الانصاري، شهد بدرا وكان على الخمس يومئذ. عبد الله بن مظعون أخو عثمان بن مظعون هاجر إلى الحبشة وشهد بدرا. عياض بن زهير ابن أبي شداد بن ربيعة بن هلال أبو سعيد (2) القرشي الفهري، شهد بدرا وما بعدها. مسعود بن ربيعة وقيل ابن الربيع، أبو عمرو (3) القاري شهد بدرا وما بعدها. توفي عن نيف وستين سنة. معمر بن أبي سرح ابن ربيعة بن هلال القرشي أبو سعد الفهري، وقيل اسمه عمرو، بدري قديم الصحبة. أبو أسيد مالك بن ربيعة قال الفلاس: مات في هذه السنة، والاصح أنه مات سنة أربعين، وقيل سنة ستين فالله أعلم.


(1) في الاصابة والاستيعاب: مات سنة احدى وثلاثين وقيل سنة اثنتين وثلاثين وقيل سنة ثلاث وثلاثين. (2) في الاستيعاب: أبو سعد. (3) في الاستيعاب: أبو عمير. (*)

[ 177 ]

ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ففيها كانت غزوة الصواري، وغزوة الاساودة في البحر فيما ذكره الواقدي وقال أبو معشر: كانت غزوة الصواري سنة أربع وثلاثين. وملخص ذلك فيما ذكره الواقدي وسيف وغيرهما أن الشام كان قد جمعها لمعاوية بن أبي سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد أحرزه غاية الحفظ وحمى حوزته، ومع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف، - ولهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة - فيقتلون خلقا، ويأسرون آخرين، ويفتحون حصونا ويغنمون أموالا ويرعبون الاعداء، فلما أصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح من أصاب من الفرنج والبربر، ببلاد إفريقية والاندلس، حميت الروم واجتمعت على قسطنطين بن هرقل، وساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الاسلام، خرجوا في خمسمائة مركب (1)، وقصدوا عبد الله بن أبي سرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب، فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون ويصلبون (2)، وبات المسلمون يقرأون ويصلون، فلما أصبحوا صف عبد الله بن سعد أصحابه صفوفا في المراكب، وأمرهم بذكر الله وتلاوة القرآن، قال بعض من حضر ذلك: فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب، وعقدوا صواريها، وكانت الريح لهم وعلينا، فأرسينا ثم سكنت الريح عنا، فقلنا لهم: إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر فمات الاعجل منا ومنكم، قال فنخروا نخرة رجل واحد وقالوا: الماء الماء، قال فدنونا منهم وربطنا سفننا بسفنهم، ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف، يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر، وضربت الامواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل وألقت الاموال جثث الرجال إلى الساحل حتى صارت مثل الجبل العظيم، وغلب الدم على لون الماء، وصبر المسلمون يومئذ صبرا لم يعهد مثله قط، وقتل منهم بشر كثير، ومن الروم أضعاف ذلك، ثم أنزل الله نصره على المسلمين فهرب قسطنطين وجيشه - وقد قلوا جدا - وبه جراحات شديدة مكينة مكث حينا يداوي منها بعد ذلك، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أياما، ثم رجع مؤيدا منصورا مظفرا. قال الواقدي: فحدثني معمر عن الزهري قال: كان في هذه الغزوة محمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أبي بكر، فأظهرا عيب عثمان وما غير وما خالف أبا بكر وعمر، ويقولان دمه حلال لانه استعمل عبد الله بن سعد - وكان قد ارتد وكفر بالقرآن العظيم وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه، وأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أقواما واستعملهم عثمان، ونزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعمل سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر، فبلغ ذلك


(1) في فتوح ابن الاعثم: في قريب من ألف مركب من مراكب الروم فيها المقاتلة والزرافات والنيران والنفط والمسلمون في خمسمائة مركب فيها رجال مقاتلة والخيل والسلاح والطعام الكثير 3 / 128. وفي الطبري في خمسمائة مركب أو ستمائة كانت جموع الروم 5 / 70. (2) في الطبري: يضربون بالنواقيس، وفي فتوح ابن الاعثم: يضربون بالصنوج والطنابير ويشربون الخمور وينفخون في الصفارات. (*)

[ 178 ]

عبد الله بن سعد فقال: لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين، ولقوا العدو فكانا أنكل المسلمين قتالا، فقيل لهما في ذلك فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكمه ؟ فأرسل إليهما عبد الله بن سعد فنهاهما أشد النهي وقال: والله لولا لا أدري ما يوافق أمير المؤمنين لعاقبتكما وحسبتكما. قال الواقدي وفي هذه السنة فتحت أرمينية على يدي حبيب بن مسلمة. وفي هذه السنة قتل كسرى ملك الفرس. كيفية قتل كسرى ملك الفرس وهو يزدجرد قال ابن إسحاق: هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو، فسأل من بعض أهلها مالا فمنعوه وخافوه على أنفسهم، فبعثوا إلى الترك يستفزونهم عليه، فأتوه فقتلوا أصحابه وهرب هو حتى أتى منزل رجل ينقر الارحية على شط، فأوى إليه ليلا، فلما نام قتله. وقال المدائني: لما هرب بعد قتل أصحابه انطلق ماشيا عليه تاجه ومنطقته وسيفه، فانتهى إلى منزل هذا الرجل الذي ينقر الارحية فجلس عنده فاستغفله وقتله وأخذ ما كان عليه، وجاءت الترك في طلبه فوجدوه قد قتله وأخذ حاصله، فقتلوا ذلك الرجل وأهل بيته واخذوا ما كان مع كسرى، ووضعوا كسرى في تابوت وحملوه إلى اصطخر، وقد كان يزدجرد وطئ امرأة من أهل مرو قبل أن يقتل فحملت منه ووضعت بعد قتله غلاما ذاهب الشق وسمى ذلك الغلام المخدج، وكان له نسل وعقب في خراسان، وقد سبى قتيبة بن مسلم في بعض غزواته بتلك البلاد جاريتين من نسله، فبعث بإحداهما إلى الحجاج، فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك فولدت له ابنه يزيد بن الوليد الملقب بالناقص. وقال المدائني في رواية عن بعض شيوخه: إن يزدجرد لما انهزم عنه أصحابه عقر جواده وذهب ماشيا حتى دخل رحى على شط نهر يقال له المرغاب فمكث فيه ليلتين والعدو في طلبه فلم يدر أين هو، ثم جاء صاحب الرحى فرأى كسرى وعليه أبهته، فقال له: ما أنت ؟ إنسي أم جني ؟ قال: إنسي، فهل عندك طعام ؟ قال: نعم ! فأتاه بطعام فقال: إني مزمزم فأتني بما أزمزم به، قال: فذهب الطحان إلى أسوار من الاساورة فطلب منه ما يزمزم به، قال: وما تصنع به ؟ قال: عندي رجل لم أر مثله قط وقد طلب مني هذا، فذهب به الاسوار إلى ملك البلد - مرو واسمه ماهويه بن باباه - فأخبره خبره، فقال هو يزدجرد، اذهبوا فجيئوني برأسه، فذهبوا مع الطحان فلما دنوا من دار الرحى هابوا أن يقتلوه وتدافعوا وقالوا للطحان ادخل أنت فاقتله، فدخل فوجده نائما فأخذ حجرا فشدخ به رأسه ثم احتزه فدفعه إليهم وألقى جسده في النهر، فخرجت العامة إلى الطحان فقتلوه، وخرج أسقف فأخذ جسده من النهر وجعله في تابوت وحمله إلى اصطخر فوضعه في ناووس، ويروى أنه مكث في منزل ذلك الطحان ثلاثة أيام لا يأكل حتى رق له وقال له: ويحك يا مسكين ألا تأكل ؟ وأتاه بطعام فقال: إني لا أستطيع أن آكل إلا بزمزمة، فقال له: كل وأنا أزمزم لك، فسأل أن يأتيه بمزمزم، فلما ذهب يطلب له من بعض الاساورة شموا

[ 179 ]

رائحة المسك من ذلك الرجل، فأنكروا رائحة المسك منه فسألوه فأخبرهم فقال: إن عندي رجلا من صفته كيت وكيت، فعرفوه وقصدوه مع الطحان وتقدم الطحان فدخل عليه وهم بالقبض عليه فعرف يزدجرد ذلك فقال له: ويحك خذ خاتمي وسواري ومنطقتي ودعني أذهب من ههنا، فقال لا، أعطني أربعة دراهم وأنا أطلقك، فزاده إحدى قرطيه من أذنه فلم يقبل حتى يعطيه أربعة دراهم أخرى، فهم في ذلك إذ دهمهم الجند فلما أحاطوا به أرادوا قتله قال: ويحكم لا تقتلوني فإنا نجد في كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلوني واذهبوا بي إلى الملك أو إلى العرب، فإنهم يستحيون من قتل الملوك، فأبوا عليه ذلك فسلبوه ما كان عليه من الحلى فجعلوه في جراب وخنقوه بوتر وألقوه في النهر فتعلق بعود فأخذه أسقف - واسمه إيليا - فحن عليه مما كان من أسلافه من الاحسان إلى النصارى الذين كانوا ببلادهم، فوضعه في تابوت ودفنه في ناووس، ثم حمل ما كان عليه من الحلى إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ففقد قرط من حليه فبعث إلى دهقان تلك البلاد فأغرمه ذلك. وكان ملك يزدجرد عشرين سنة، منها أربع سنين في دعة، وباقي ذلك هاربا من بلد إلى بلد، خوفا من الاسلام وأهله، وهو آخر ملوك الفرس في الدنيا على الاطلاق، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " رواه البخاري. وثبت في الحديث الصحيح أنه لما جاء كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مزقه، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يمزق كل ممزق، فوقع الامر كذلك، وفي هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة كان قد نقض أهلها ما كان لهم من الصلح، فمن ذلك ما فتح عنوة، ومن ذلك ما فتح صلحا، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن وهي مرو على ألفي ألف مائتي ألف، وقيل على ستة آلاف ألف ومائتي ألف. وفي هذه السنة حج بالناس عثمان بن عفان رضي الله عنه. ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وفيها غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ المضيق - مضيق القسطنطينية - ومعه زوجته عاتكة، ويقال فاطمة (1) بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف. قاله أبو معشر والواقدي: وفيها استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على جيش وأمره أن يغزو الباب، وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة نائب تلك الناحية بمساعدته، فسار حتى بلغ بلنجر فحصروها ونصب عليها المجانيق والعرادات. ثم إن أهل بلنجر خرجوا إليهم وعاونهم الترك فاقتتلوا قتالا شديدا - وكانت الترك تهاب قتال المسلمين، ويظنون أنهم لا يموتون - حتى اجترأوا عليهم بعد ذلك، فلما كان هذا اليوم التقوا معهم فاقتتلوا، فقتل يومئذ عبد الرحمن بن ربيعة - وكان يقال له ذو النون (2) - وانهزم


(1) في الاصابة: فاختة. (2) في الطبري: ذو النور. (*)

[ 180 ]

المسلمون فافترقوا فرقتين، ففرقة ذهبت إلى بلاد الخزر. وفرقة سلكوا ناحية جيلان وجرجان، وفي هؤلاء أبو هريرة وسلمان الفارسي. وأخذت الترك جسد عبد الرحمن بن ربيعة - وكان من سادات المسلمين وشجعانهم - فدفنوه في بلادهم فهم يستسقون عنده إلى اليوم، ولما قتل عبد الرحمن بن ربيعة استعمل سعيد بن العاص على ذلك الفرع سلمان بن ربيعة، وأمدهم عثمان بأهل الشام عليهم حبيب بن مسلمة، فتنازع حبيب وسلمان في الامرة حتى اختلفا، فكان أول اختلاف وقع بين أهل الكوفة وأهل الشام، حتى قال في ذلك رجل من أهل الكوفة وهو أوس (1): فإن تضربوا سلمان نضرب حبيبكم * وإن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل وإن تقسطوا فالثغر ثغر أميرنا * وهذا أمير في الكتائب مقبل ونحن ولاة الثغر كنا حماته * ليالي نرمي كل ثغر وننكل وفيها فتح ابن عامر مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان. فأما مرو الروذ فبعث إليهم ابن عامر الاحنف بن قيس فحصرها فخرجوا إليه فقاتلهم حتى كسرهم فاضطرهم إلى حصنهم، ثم صالحوه على مال جزيل وعلى أن يضرب على أراضي الرعية الخراج، ويدع الارض التي كان اقتطعها كسرى لوالد المرزبان، صاحب مرو، حين قتل الحية التي كانت تقطع الطريق على الناس وتأكلهم، فصالحهم الاحنف على ذلك، وكتب لهم كتاب صلح بذلك (2)، ثم بعث الاحنف الاقرع بن حابس إلى الجوزجان ففتحها بعد قتال وقع بينهم، قتل فيه خلق من شجعان المسلمين، ثم نصروا فقال في ذلك أبو كثير النهشلي قصيدة طويلة فيها: سقى مزن السحاب إذا استهلت * مصارع فتية بالجوزجان إلى القصرين من رستاق خوط * أبادهم هناك الاقرعان ثم سار الاحنف من مرو الروذ إلى بلخ فحاصرهم حتى صالحوه على أربعمائة ألف، واستناب ابن عمه أسيد بن المشمس (3) على قبض المال، ثم ارتحل يريد الجهاد، وداهمه الشتاء فقال لاصحابه: ما تشاؤون ؟ قالوا: قد قال عمرو بن معد يكرب: إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع فأمر الاحنف بالرحيل إلى بلخ فأقام بها مدة الشتاء، ثم عاد إلى عامر فقيل لابن عامر ما فتح على أحد ما فتح عليك، فارس وكرمان وسجستان وعامر خراسان، فقال: لا جرم، لاجعلن شكري لله على ذلك أن أحرم بعمرة من موقفي هذا مشمرا فأحرم بعمرة من نيسابور، فلما قدم على


(1) أوس بن مغراء. (2) ذكر الطبري نص كتاب الاحنف في تاريخه 5 / 81. (3) في الطبري: المتشمس. (*)

[ 181 ]

عثمان لامه على إحرامه من خراسان. وفيها أقبل قارن في أربعين ألفا (1) فالتقاه عبد الله بن خازم في أربعة آلاف، وجعل لهم مقدمة ستمائة رجل، وأمر كلا منهم أن يحمل على رأس رمحه نارا، وأقبلوا إليهم في وسط الليل فبيتوهم فثاروا إليهم فناوشتهم المقدمة فاشتغلوا بهم، وأقبل عبد الله بن خازم بمن معه من المسلمين فاتفقوا هم وإياهم، فولى المشركون مدبرين، واتبعهم المسلمون يقتلون من شاؤوا كيف شاؤوا. وغنموا سبيا كثيرا وأموالا جزيلة، ثم بعث عبد الله بن خازم بالفتح إلى ابن عامر، فرضي عنه وأقره على خراسان - وكان قد عزله عنها - فاستمر بها عبد الله بن خازم إلى ما بعد ذلك. ذكر من توفي من الاعيان في هذه السنة العباس بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو الفضل المكي عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالد الخلفاء العباسيين، وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين أو ثلاث، أسر يوم بدر فافتدى نفسه بمال، وافتدى ابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث. وقد ذكرنا أنه لما أسر وشد في الوثاق وأمسى الناس، أرق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول الله ما لك ؟ فقال " إني أسمع أنين العباس في وثاقه فلا أنام " فقام رجل من المسلمين فحل من وثاق العباس حتى سكن أنينه فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم عام الفتح، وتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجحفة فرجع معه، وشهد الفتح، ويقال إنه أسلم قبل ذلك ولكنه أقام بمكة بإذن النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك، كما ورد به الحديث فالله أعلم. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجله ويعظمه وينزله منزلة الوالد من الولد، ويقول " هذا بقية آبائي " وكان من أوصل الناس لقريش وأشفقهم عليهم، وكان ذا رأي وعقل تام واف، وكان طويلا جميلا أبيض بضا ذا طفرتين وكان له من الولد عشرة ذكور سوى الاناث، وهم تمام - وكان أصغرهم - والحارث، وعبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، وعون (2)، والفضل، وقثم، وكثير، ومعبد. وأعتق سبعين مملوكا من غلمانه. وقال الامام أحمد: ثنا علي بن عبد الله قال: حدثني محمد بن طلحة التميمي من أهل المدينة حدثني أبو سهيل نافع بن مالك عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس " هذا العباس بن عبد المطلب أجود قريش كفا وأوصلها (3) " تفرد به وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر حين بعثه على الصدقة فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) من أهل الطبسين وأهل باذعيس وهراة وقوهستان. (2) لم يرد في ابن سعد. (3) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 1 / 185. (*)

[ 182 ]

" ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي على ومثلها " ثم قال: " يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه " ؟ وثبت في صحيح البخاري عن أنس أن عمر خرج يستسقي وخرج بالعباس معه يستسقي به، وقال اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، قال فيسقون (1)، ويقال إن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا إذا مرا بالعباس وهما راكبان ترجلا إكراما له. قال الواقدي وغير واحد: توفي العباس في يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب، وقيل من رمضان سنة ثنتين وثلاثين، عن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان، ودفن بالبقيع وقيل توفي سنة ثلاث وثلاثين، وقيل سنة أربع وثلاثين، وفضائله ومناقبه كثيرة جدا. عبد الله بن مسعود ابن غافل بن حبيب بن سمح (2) بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تيم ابن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي، أبو عبد الرحمن حليف بني زهرة، أسلم قديما قبل عمر، وكان سبب إسلامه حين مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه، وهو يرعى غنما فسألاه لبنا فقال: إني مؤتمن، قال فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عناقا لم ينز عليها الفحل فاعتقلها ثم حلب وشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع " أقلص " فقلص، فقلت علمني من هذا الدعاء فقال: " إنك غلام معلم " (3)، الحديث. وروى محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه: أن ابن مسعود كان أول من جهر بالقرآن بمكة، بعد النبي صلى الله عليه وسلم عند البيت، وقريش في أنديتها قرأ سورة الرحمن علم القرآن، فقاموا إليه فضربوه، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحمل نعليه وسواكه، وقال له إذنك على أن تسمع سوادي (4) ولهذا كان يقال له صاحب السواك والوساد، وهاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، وهو الذي قتل أبا جهل بعد ما أثبته إبنا عفراء، وشهد بقية المشاهد، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما " اقرأ علي " فقلت أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ فقال " إني أحب أن أسمعه من غيري " فقرأ عليه من أول سورة النساء إلى قوله * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) * فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " حسبك " وقال أبو موسى: قدمت أنا وأخي من اليمن وما كنا نظن إلا أن ابن مسعود وأمه من أهل


(1) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء (باب: 3) ح‍ (1010) فتح الباري 2 / 492. (2) في ابن سعد شمخ. وفي الاصابة: شخص بن قار. وفي الاستيعاب: شمخ بن فان. (3) أخرجه الامام أحمد في مسنده 1 / 379 والفسوي في المعرفة والتاريخ 2 / 537. (4) العبارة في الاستيعاب: إذنك علي أن ترفع الحجاب وأن تستمع سوادي حتى أنهاك (انظر الاصابة 2 / 369 وهامشها 2 / 318 وابن سعد 3 / 154). (*)

[ 183 ]

بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لكثرة دخولهم بيت النبي صلى الله عليه وسلم. وقال حذيفة ما رأيت أحدا أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه ودله وسمته من ابن مسعود، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله زلفى، وفي الحديث " وتمسكوا بعهد ابن أم عبد " وفي الحديث الآخر الذي رواه أحمد: عن محمد بن فضيل، عن مغيرة، عن أم حرسي عن علي أن ابن مسعود صعد شجرة يجتني الكبات فجعل الناس يعجبون من قدة ساقيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد " وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه - وقد نظر إلى قصره وكان يوازي بقامته الجلوس - فجعل يتبعه بصره ثم قال هو كنيف ملئ علما. وقد شهد ابن مسعود بعد النبي صلى الله عليه وسلم مواقف كثيرة، منها اليرموك وغيرها، وكان قدم من العراق حاجا فمر بالربذة فشهد وفاة أبي ذر ودفنه، ثم قدم إلى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائدا، فيروى أنه قال له: ما تشتكي ؟ قال ذنوبي، قال فما تشتهي ؟ رحمة ربي، قال ألا آمر لك بطبيب ؟ فقال: الطبيب أمرضني، قال ألا آمر لك بعطائك ؟ - وكان قد تركه سنتين - فقال: لا حاجة لي فيه. فقال: يكون لبناتك من بعدك، فقال أتخشى على بناتي الفقر ؟ إني أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من قرأ الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا " وأوصى عبد الله بن مسعود إلى الزبير بن العوام، فيقال إنه هو الذي صلى عليه ليلا، ثم عاتب عثمان الزبير على ذلك، وقيل بل صلى عليه عثمان، وقيل عمار، فالله أعلم. ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة. عبد الرحمن بن عوف ابن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو محمد القرشي الزهري، أسلم قديما على يدي أبي بكر، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع، وشهد بدرا وما بعدها، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى بني كلب وأرخى له عذبة بين كتفيه، لتكون أمارة عليه للامارة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية السابقين إلى الاسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى، ثم أحد الثلاثة الذين انتهت إليهم منهم، كما ذكرنا. ثم كان هو الذي اجتهد في تقديم عثمان رضي الله عنه، وقد تقاول هو وخالد ابن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصفيه (1) " وهو في الصحيح. وقال معمر عن الزهري: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بشطر ماله


(1) وأخرجه ابن ماجه في المقدمة ح‍ (161) 1 / 57. وفي زوائده: اسناده صحيح والمد: مكيال معروف ومعلوم، وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز. (*)

[ 184 ]

اربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألفا ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة، فأما الحديث الذي قال عبد بن حميد في مسنده: ثنا يحيى بن إسحق، ثنا عمارة بن زاذان، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك أن عبد الرحمن بن عوف لما هاجر آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عثمان بن عفان (1) فقال له إن لي حائطين فاختر أيهما شئت، فقال: بارك الله لك في حائطيك، ما لهذا أسلمت، دلني على السوق، قال فدله فكان يشتري السمنة والاقيطة والاهاب، فجمع فتزوج فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال " بارك الله لك أولم ولو بشاة " قال فكثر ماله حتى قدمت له سبعمائة راحلة تحمل البر وتحمل الدقيق والطعام، قال: فلما دخلت المدينة سمع لاهل المدينة رجة، فقالت عائشة: ما هذه الرجة ؟ فقيل لها عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف سبعمائة تحمل البر والدقيق والطعام. فقال عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنة حبوا " فلما بلغ عبد الرحمن ذلك قال: أشهدك يا أمه أنها بأحمالها وأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. وقال الامام أحمد: ثنا عبد الصمد بن حسان، ثنا عمارة - هو ابن زاذان - عن ثابت عن أنس قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتا في المدينة قالت: ما هذا ؟ قالوا عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل كل شئ - قال وكانت سبعمائة بعير - قال فارتجت المدينة من الصوت، فقالت عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قد رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا " (2) فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال: لئن استطعت لادخلها قائما، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله. فقد تفرد به عمارة بن زاذان الصيدلاني وهو ضعيف. وأما قوله في سياق عبد بن حميد: إنه آخى بينه وبين عثمان بن عفان، فغلط محض مخالف لما في صحيح البخاري من أن الذي آخى بينه وبينه إنما هو سعد بن الربيع الانصاري رضي الله عنهما، وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى وراءه الركعة الثانية من صلاة الفجر في بعض الاسفار، وهذه منقبة عظيمة لا تبارى. ولما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقي من أهل بدر بأربعمائة دينار - وكانوا مائة - فأخذوها حتى عثمان وعلي، وقال علي: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها، وسبقت زيفها وأوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير حتى كانت عائشة تقول سقاه الله من السلسبيل. وأعتق خلقا من مماليكه ثم ترك بعد ذلك كله مالا جزيلا، من ذلك ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال، وترك ألف بعير ومائة فرس، وثلاثة آلاف شاة ترعى بالبقيع، وكان نساءه أربعا فصولحت إحداهن من ربع الثمن بثمانين ألفا، ولما مات صلى عليه عثمان بن عفان، وحمل في جنازته سعد بن أبي وقاص، ودفن بالبقيع عن خمس وسبعين سنة. وكان أبيض مشربا حمرة حسن الوجه، دقيق


(1) روى الحديث ابن سعد عن أنس وفيه: ان سعد بن الربيع قال ذلك لعبد الرحمن بن عوف (الطبقات 3 / 125). (2) أخرجه أحمد في المسند ج 6 / 115. (*)

[ 185 ]

البشرة، أعين أهدب الاشفار، أقنى، له جمة، ضخم الكفين، غليظ الاصابع، لا يغير شيبه رضي الله عنه. أبو ذر الغفاري واسمه جندب بن جنادة على المشهور، أسلم قديما بمكة فكان رابع أربعة أو خامس خمسة. وقصة إسلامه تقدمت قبل الهجرة، وهو أول من حيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية الاسلام، ثم رجع إلى بلاده وقومه، فكان هناك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فهاجر بعد الخندق ثم لزم رسول الله صلى الله عليه وسلم حضرا وسفرا، وروى عنه أحاديث كثيرة، وجاء في فضله أحاديث كثيرة، من أشهرها ما رواه الاعمش، عن أبي اليقظان عثمان بن عمير، عن أبي حرب بن أبي الاسود، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر " وفيه ضعف. ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية فاستقدمه عثمان إلى المدينة، ثم نزل الربذة فأقام بها حتى مات في ذي الحجة من هذه السنة، وليس عنده سوى امرأته وأولاده، فبينما هم كذلك لا يقدرون على دفنه إذ قدم عبد الله بن مسعود من العراق في جماعة من أصحابه، فحضروا موته، وأوصاهم كيف يفعلون به، وقيل قدموا بعد وفاته فولوا غسله ودفنه، وكان قد أمر أهله أن يطبخوا لهم شاة من غنمه ليأكلوه بعد الموت، وقد أرسل عثمان بن عفان إلى أهله فضمهم مع أهله. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين فيها كان فتح قبرص (1) في قول أبي معشر، وخالفه الجمهور فذكروها قبل ذلك كما تقدم، وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية ثانية، حين نقض أهلها العهد. وفيها سير أمير المؤمنين جماعة من قراء أهل الكوفة إلى الشام، وكان سبب ذلك أنهم تكلموا بكلام قبيح في مجلس سعيد بن عامر، فكتب إلى عثمان في أمرهم، فكتب إليه عثمان أن يجليهم عن بلده إلى الشام، وكتب عثمان إلى معاوية أمير الشام أنه قد أخرج إليك قراء من أهل الكوفة فأنزلهم وأكرمهم وتألفهم. فلما قدموا أنزلهم معاوية وأكرمهم واجتمع بهم ووعظهم ونصحهم فيما يعتمدونه من اتباع الجماعة وترك الانفراد والابتعاد، فأجاب متكلمهم والمترجم عنهم بكلام فيه بشاعة وشناعة، فاحتملهم معاوية لحلمه، وأخذ في مدح قريش - وكانوا قد نالوا منهم - وأخذ في المدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والثناء عليه، والصلاة والتسليم. وافتخر معاوية بوالده وشرفه في قومه، وقال فيما قال: وأظن أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لم يلد إلا حازما، فقال له صعصعة بن صوحان: كذبت، قد


(1) في معظم المراجع العربية والاسلامية وردت قبرس فيها بالسين لا بالصاد. (*)

[ 186 ]

ولد الناس كلهم لمن هو خير من أبي سفيان من خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البر والفاجر، والاحمق والكيس. ثم بذل لهم النصح مرة أخرى فإذا هم يتمادون في غيهم، ويستمرون على جهالتهم وحماقتهم، فعند ذلك أخرجهم من بلده ونفاهم عن الشام، لئلا يشوشوا عقول الطغام، وذلك أنه كان يشتمل مطاوي كلامهم على القدح في قريش كونهم فرطوا وضيعوا ما يجب عليهم من القيام فيه، من نصرة الدين وقمع المفسدين. وإنما يريدون بهذا التنقيص والعيب ورجم الغيب، وكانوا يشتمون عثمان وسعيد بن العاص، وكانوا عشرة، وقيل تسعة وهو الاشبه، منهم كميل بن زياد، والاشتر النخعي - واسمه مالك بن يزيد - وعلقمة بن قيس النخعيان، وثابت بن قيس النخعي، وجندب بن زهير العامري، وجندب بن كعب الازدي، وعروة بن الجعد وعمرو بن الحمق الخزاعي (1). فلما خرجوا من دمشق أووا إلى الجزيرة فاجتمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - وكان نائبا على الجزيرة. ثم ولى حمص بعد ذلك - فهددهم وتوعدهم، فاعتذروا إليه وأنابوا إلى الاقلاع عما كانوا عليه، فدعا لهم وسير مالكا الاشتر النخعي إلى عثمان بن عفان ليعتذر إليه عن أصحابه بين يديه، فقيل ذلك منهم وكف عنهم وخيرهم أن يقيموا حيث أحبوا، فاختاروا أن يكونوا في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقدموا عليه حمص، فأمرهم بالمقام بالساحل، وأجرى عليهم الرزق. ويقال بل لما مقتهم معاوية كتب فيهم إلى عثمان فجاءه كتاب عثمان أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردهم إليه، فلما رجعوا كانوا أزلق ألسنة، وأكثر شرا، فضج منهم سعيد بن العاص إلى عثمان، فأمره أن يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص، وأن يلزموا الدروب. وفي هذه السنة سير عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام، وإلى مصر بأسباب مسوغة لما فعله رضي الله عنه، فكان هؤلاء ممن يؤلب عليه ويمالئ الاعداء في الحط والكلام فيه، وهم الظالمون في ذلك، وهو البار الراشد رضي الله عنه. وفي هذه السنة حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وتقبل الله منه. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين قال أبو معشر: فيها كانت وقعة الصواري، والصحيح في قول غيره أنها كانت قبل ذلك كما تقدم. وفي هذه السنة تكاتب المنحرفون عن طاعة عثمان وكان جمهورهم من أهل الكوفة - وهم في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص منفيون عن الكوفة، وثاروا على سعيد بن العاص


(1) في رواية الطبري 5 / 90: مالك بن الحارث الاشتر، وثابت بن قيس النخعي، وكميل بن زياد النخعي، وزيد بن صوحان العبدي، وجندب بن زهير الغامدي، وجندب بن كعب الازدي وعروة بن الجعد وعمرو بن الحمق الخزاعي. (*)

[ 187 ]

أمير الكوفة، وتألبوا عليه، ونالوا منه ومن عثمان، وبعثوا إلى عثمان من يناظره (1) فيما فعل وفيما اعتمد من عزل كثير من الصحابة وتولية جماعة من بني أمية من أقربائه، وأغلظوا له في القول، وطلبوا منه أن يعزل عماله ويستبدل أئمة غيرهم من السابقين ومن الصحابة، حتى شق ذلك عليه جدا، وبعث إلى أمراء الاجناد فأحضرهم عنده ليستشيرهم، فاجتمع إليه معاوية بن أبي سفيان أمير الشام، وعمرو بن العاص أمير مصر، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير المغرب، وسعيد ابن العاص أمير الكوفة، وعبد الله بن عامر أمير البصرة فاستشارهم فيما حدث من الامر وافتراق الكلمة، فأشار عبد الله بن عامر أن يشغلهم بالغزو عما هم فيه من الشر، فلا يكون هم أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته فإن غوغاء الناس إذا تفرغوا وبطلوا اشتغلوا بمالا يغني وتكلموا بما لا يرضي وإذا تفرقوا نفعوا أنفسهم وغيرهم، وأشار سعيد بن العاص بأن يستأصل شأفة المفسدين ويقطع دابرهم، وأشار معاوية بأن يرد عماله إلى أقاليمهم وأن لا يلتفت إلى هؤلاء وما تألبوا عليه من الشر، فإنهم أقل وأضعف جندا. وأشار عبد الله بن سعد بن أبي سرح بأن يتألفهم بالمال فيعطيهم منه ما يكف به شرهم، ويأمن غائلتهم، ويعطف به قلوبهم إليه. وأما عمرو بن العاص فقام فقال: أما بعد يا عثمان فإنك قد ركبت الناس ما يكرهون فأما أن تعزل عنهم ما يكرهون، وإما أن تقدم فتنزل عمالك على ما هم عليه، وقال له كلاما فيه غلظة، ثم اعتذر إليه في السر بأنه إنما قال هذا ليبلغ عنه من كان حاضرا من الناس إليهم ليرضوا من عثمان بهذا، فعند ذلك قرر عثمان عماله على ما كانوا عليه، وتألف قلوب أولئك بالمال، وأمر بأن يبعثوا إلى الغزو إلى الثغور، فجمع بين المصالح كلها، ولما رجعت العمال إلى أقاليمها امتنع أهل الكوفة من أن يدخل عليهم سعيد بن العاص ولبسوا السلاح وحلفوا أن لا يمكنوه من الدخول فيها حتى يعزله عثمان ويولي عليهم أبا موسى الاشعري، وكان اجتماعهم بمكان يقال له الجرعة (2) - وقد قال يومئذ الاشتر النخعي: والله لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا، وتواقف الناس بالجرعة. وأحجم سعيد عن قتالهم وصمموا على منعه، وقد اجتمع في مسجد الكوفة في هذا اليوم حذيفة وأبو مسعود عقبة بن عمرو، فجعل أبو مسعود يقول: والله لا يرجع سعيد بن العاص حتى يكون دماء. فجعل حذيفة يقول: والله ليرجعن ولا يكون فيها محجمة من دم، وما أعلم اليوم شيئا إلا وقد علمته ومحمد صلى الله عليه وسلم حي. والمقصود أن سعيد بن العاص كر راجعا إلى المدينة وكسر الفتنة، فأعجب ذلك أهل الكوفة، وكتبوا إلى عثمان أن يولي عليهم أبا موسى الاشعري بذلك


(1) بعثوا إلى عثمان عامر بن عبد الله التميمي وهو الذي يدعى عامر بن عبد القيس (الطبري 5 / 94) وهو تابعي يعد من الزهاد اليمانية قيل أدرك الجاهلية وكان أعبد أهل زمانه وأشدهم اجتهادا. ولما نزل به الموت بكى وقال: " بمثل هذا المصرع فليعمل العاملون اللهم إني استغفرك من تقصيري وتفريطي أتوب إليك من جميع ذنوبي لا إله إلا أنت. " وما زال يرددها حتى مات: وقيل قبره بالبيت المقدس. (2) الجرعة: مكان قريب من القادسية. (*)

[ 188 ]

فأجابهم عثمان إلى ما سألوا إزاحة لعذرهم، وإزالة لشبههم، وقطعا لعللهم. وذكر سيف بن عمر أن سبب تألب الاحزاب على عثمان أن رجلا يقال له عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأظهر الاسلام وصار إلى مصر، فأوحى إلى طائفة من الناس كلاما اخترعه من عند نفسه، مضمونه أنه يقول للرجل: أليس قد ثبت أن عيسى بن مريم سيعود إلى هذه الدنيا ؟ فيقول الرجل: نعم ! فيقول له فرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه فما تنكر أن يعود إلى هذه الدنيا، وهو أشرف من عيسى بن مريم عليه السلام ؟ ثم يقول: وقد كان أوصى إلى علي بن أبي طالب، فمحمد خاتم الانبياء، وعلي خاتم الاوصياء، ثم يقول: فهو أحق بالامرة من عثمان، وعثمان معتد في ولايته ما ليس له. فأنكروا عليه وأظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. فافتتن به بشر كثير من أهل مصر، وكتبوا إلى جماعات من عوام أهل الكوفة والبصرة، فتمالاوا على ذلك، وتكاتبوا فيه، وتواعدوا أن يجتمعوا في الانكار على عثمان، وأرسلوا إليه من يناظره ويذكر له ما ينقمون عليه من توليته أقرباءه وذوي رحمه وعزله كبار الصحابة. فدخل هذا في قلوب كثير من الناس، فجمع عثمان بن عفان نوابه من الامصار فاستشارهم فأشاروا عليه بما تقدم ذكرنا له فالله أعلم. وقال الواقدي فيما رواه عن عبد الله بن محمد عن أبيه قال: لما كانت سنة أربع وثلاثين أكثر الناس بالمقالة على عثمان بن عفان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، فكلم الناس علي بن أبي طالب أن يدخل على عثمان، فدخل عليه فقال له: إن الناس ورائي وقد كلموني فيك، ووالله ما أدري ما أقول لك، وما أعرف شيئا تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه، ولا خلونا بشئ فنبلغكه، وما خصصنا بأمور خفي عنك إدراكها، وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونلت صهره، وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك، ولا ابن الخطاب بأولى بشئ من الخير منك، وإنك أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رحما، ولقد نلت من صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم ينالا، ولا سبقاك إلى شئ، فالله الله في نفسك، فإنك والله ما تبصر من عمى، ولا تعلم من جهل. وإن الطريق لواضح بين، وإن أعلام الدين لقائمة، تعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل، هدي وهدى، فأقام سنة معلومة، وأمات بدعة معلومة (1)، فوالله إن كلا لبين، وإن السنن لقائمة لها أعلام، وإن البدع لقائمة لها أعلام، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وأضل به فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة، وأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يؤتى يوم القيامة بالامام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في جهنم فيدور فيها كما تدور الرحا ثم يرتطم في غمرة جهنم، وإني أحذرك الله وأحذرك سطوته ونقمته، فإن عذابه أليم شديد، واحذر أن تكون إمام هذه الامة المقتول، فإنه


(1) في الكامل 3 / 152 والطبري 5 / 99: متروكة. (*)

[ 189 ]

كان يقال قتل في هذه الامة إمام فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، وتلبس أمورها عليها، ويتركون شيعا لا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجا، ويمرحون فيها مرحا. فقال عثمان: قد والله علمت لتقولن الذي قلت، أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك، ولا عبت عليك، ولا جئت منكرا، إني وصلت رحما، وسددت خلة، وآويت ضائعا، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي، أنشدك الله يا علي هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك ؟ قال: نعم ! قال: فتعلم أن عمر ولاه ؟ قال: نعم ! قال: فلم تلوموني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته ؟ قال علي: سأخبرك أن عمر كان كلما ولى أميرا فإنما يطأ على صماخيه، وأنه إن بلغه حرف جاء به، ثم بلغ به أقصى الغاية في العقوبة، وأنت لا تفعل ضعفت ورفقت على أقربائك. فقال عثمان: هم أقرباؤك أيضا، فقال علي لعمري إن رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في غيرهم. قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها، فقد وليته، فقال علي: أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه ؟ قال: نعم ! قال علي: فإن معاوية يقطع الامور دونك وأنت تعلمها ويقول للناس: هذا أمر عثمان، فليبلغك فلا تنكر ولا تغير على معاوية ثم خرج علي من عنده وخرج عثمان على إثره فصعد المنبر فوعظ وحذر وأنذر، وتهدد وتوعد، وأبرق وأرعد، فكان فيما قال: ألا فقد والله عبتم علي بما أقررتم به لابن الخطاب، ولكنه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم وأوطأت لكم كتفي، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم علي، أما والله لانا أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددا وأقمن، إن قلت: هلم إلي إلي، ولقد أعددت لكم أقرانكم وأفضلت عليكم فضولا، وكشرت لكم عن نابي، فأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا لم أنطق به، فكفوا ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يليكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا، ألا فما تفقدون من حقكم ؟ فوالله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي. ثم اعتذر عما كان يعطي أقرباه بأنه من فضل ماله. فقام مروان ابن الحكم فقال: إن شئتم والله حكمنا بيننا وبينكم السيف، نحن والله وأنتم كما قال الشاعر: فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم * مغارسكم تبنون في دمن الثرى فقال عثمان: اسكت لاسكت، دعني وأصحابي، ما منطقك في هذا، ألم أتقدم إليك أن لا تنطق. فسكت مروان ونزل عثمان رضي الله عنه (1). وذكر سيف بن عمر وغيره أن معاوية لما ودعه عثمان حين عزم على الخروج إلى الشام عرض عليه أن يرحل معه إلى الشام فإنهم قوم كثيرة طاعتهم للامراء. فقال: لا أختار بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) انظر الطبري ج 5 / 100 والكامل لابن الاثير 3 / 153. (*)

[ 190 ]

سواه. فقال: أجهز لك جيشا من الشام يكونون عندك ينصرونك ؟ فقال: إني أخشى أن أضيق بهم بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه من المهاجرين والانصار. قال معاوية: فوالله يا أمير المؤمنين لتغتالن - أو قال: لتغزين - فقال عثمان: حسبي الله ونعم الوكيل. ثم خرج معاوية من عنده وهو متقلد السيف وقوسه في يده، فمر على ملا من المهاجرين والانصار، فيهم علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، فوقف عليهم واتكأ على قوسه وتكلم بكلام بليغ يشتمل على الوصاة بعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، والتحذير من إسلامه إلى أعدائه، ثم انصرف ذاهبا. فقال الزبير: ما رأيته أهيب في عيني من يومه هذا. وذكر ابن جرير أن معاوية استشعر الامر لنفسه من قدمته هذه إلى المدينة، وذلك أنه سمع حاديا يرتجز في أيام الموسم في هذا العام وهو يقول: قد علمت ضوامر المطي * وضمرات عوج القسي أن الامير بعده علي * وفي الزبير خلف رضي وطلحة الحامي لها ولي فلما سمعها معاوية لم يزل ذلك في نفسه حتى كان ما كان على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله وبه الثقة. قال ابن جرير: وفي هذه السنة مات أبو عبس بن جبير (1) بالمدينة وهو بدري. ومات أيضا مسطح بن أثاثة. وغافل بن البكير. وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان وكان السبب في ذلك أن عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر ولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وكان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو بن العاص، مقهورين معه لا يستطيعون أن يتكلموا بسوء في خليفة ولا أمير فما زالوا حتى شكوه إلى عثمان لينزعه عنهم ويولي عليهم من هو ألين منه. فلم يزل ذلك دأبهم حتى عزل عمرا عن الحرب وتركه على الصلاة، وولى على الحرب والخراج عبد الله بن سعد بن أبي سرح. ثم سعوا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما، حتى كان بينهما كلام قبيح. فأرسل عثمان فجمع لابن أبي سرح جميع عمالة مصر، خراجها وحربها وصلاتها، وبعث إلى عمرو يقول له: لا خير لك في المقام عند من يكرهك، فأقدم إلي، فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة وفي نفسه من عثمان أمر عظيم وشر كبير فكلمه فيما كان من أمره بنفس، وتقاولا في ذلك، وافتخر عمرو بن العاص بأبيه على عثمان، وأنه كان أعز منه. فقال له عثمان: دع هذا فإنه من أمر الجاهلية. وجعل عمرو بن العاص يؤلب


(1) في الطبري والكامل: جبر. (*)

[ 191 ]

الناس على عثمان. وكان بمصر جماعة يبغضون عثمان ويتكلمون فيه بكلام قبيح على ما قدمنا، وينقمون عليه في عزله جماعة من علية الصحابة وتوليته من دونهم، أو من لا يصلح عندهم للولاية. وكره أهل مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، بعد عمرو بن العاص، واشتغل عبد الله بن سعد عنهم بقتال أهل المغرب، وفتحه بلاد البربر والاندلس وإفريقية. ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حربه والانكار عليه، وكان عظم ذلك مسندا إلى محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، حتى استنفرا نحوا من ستمائة (1) راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب، لينكروا على عثمان فساروا إليها تحت أربع رفاق، وأمر الجميع إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر التجيبي، وسودان بن حمران السكوني. وأقبل معهم محمد بن أبي بكر، وأقام بمصر محمد بن أبي حذيفة يؤلب الناس ويدافع عن هؤلاء. وكتب عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم إلى المدينة منكرين عليه في صفة معتمرين. فلما اقتربوا من المدينة (2) أمر عثمان علي ابن أبي طالب أن يخرج إليهم ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة. ويقال: بل ندب الناس إليهم، فانتدب علي لذلك فبعثه، وخرج معه جماعة الاشراف وأمره أن يأخذ معه عمار بن ياسر. فقال علي لعمار، فأبى عمار أن يخرج معه. فبعث عثمان سعد بن أبي وقاص أن يذهب إلى عمار ليحرضه على الخروج مع علي إليهم، فأبى عمار كل الاباء، وامتنع أشد الامتناع، وكان متعصبا على عثمان بسبب تأديبه له فيما تقدم على أمر وضربه إياه في ذلك، وذلك بسبب شتمه عباس بن عتبة بن أبي لهب، فأدبهما عثمان، فتآمر عمار عليه لذلك، وجعل يحرض الناس عليه، فنهاه سعد ابن أبي وقاص عن ذلك ولامه عليه، فلم يقع عنه ولم يرجع ولم ينزع، فانطلق علي بن أبي طالب إليهم وهم بالجحفة (3)، وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره، فردهم وأنبهم وشتمهم، فرجعوا على أنفسهم بالملامة، وقالوا: هذا الذي تحاربون الامير بسببه، وتحتجون عليه به. ويقال إنه ناظرهم في عثمان، وسألهم ماذا ينقمون عليه، فذكروا أشياء منها أنه حمى الحمى، وأنه خرق المصاحف، وأنه أتم الصلاة وأنه ولى الاحداث الولايات وترك الصحابة الاكابر وأعطى بني أمية أكثر من الناس فأجاب علي عن ذلك: أما الحمى فإنما حماه لابل الصدقة لتسمن، ولم يحمه لابله ولا لغنمه وقد حماه عمر من قبله. وأما المصاحف فإنما حرق ما وقع فيه اختلاف، وأبقى لهم المتفق


(1) في الطبري: خمسمائة، وفي الطبري والكامل: كان عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوي. (2) وصلوا إلى ذي خشب، وكان رسول عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد وصل إلى عثمان وأخبره بقدومهم عليه يريدونه ويظهرون انهم قوم معتمرون. (3) في الكامل 3 / 162 والطبري 5 / 110 انطلق علي رضي الله عنه في ركب من المهاجرين والانصار ثلاثون رجلا فيهم سعد بن زيد وأبو جهم العدوي وجبير بن مطعم وحكيم بن حزام ومروان بن الحكم وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وأبو أسيد الساعدي وزيد بن ثابت وحسان بن ثابت وكعب بن مالك ونيار بن مكرز وغيرهم. (*)

[ 192 ]

عليه، كما ثبت في العرضة الاخيرة، وأما إتمامه الصلاة بمكة، فإنه كان قد تأهل بها ونوى الاقامة فأتمها، وأما توليته الاحداث فلم يول إلا رجلا سويا عدلا، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة وهو ابن عشرين سنة، وولى أسامة بن زيد بن حارثة. وطعن الناس في إمارته فقال إنه لخليق بالامارة وأما إيثاره قومه بني أمية. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤثر قريشا على الناس، ووالله لو أن مفتاح الجنة بيدي لادخلت بني أمية إليها. ويقال إنهم عتبوا عليه في عمار ومحمد بن أبي بكر، فذكر عثمان عذره في ذلك، وأنه أقام فيهما ما كان يجب عليهما. وعتبوا عليه في إيوائه الحكم بن أبي العاص، وقد نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد نفاه إلى الطائف ثم رده، ثم نفاه إليها، قال فقد نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رده، وروى أن عثمان خطب الناس بهذا كله بمحضر من الصحابة، وجعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما فيه شهادة له. ويروي أنهم بعثوا طائفة من فشهدوا خطبة عثمان هذه، فلما تمهدت الاعذار وانزاحت عللهم ولم يبق لهم شبهة، أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم فصفح عنهم، رضي الله عنه. وردهم إلى قومهم فرجعوا خائبين من حيث أتوا، ولم ينالوا شيئا مما كانوا أملوا وراموا، ورجع علي إلى عثمان، فأخبره برجوعهم عنه، وسماعهم منه، وأشار على عثمان أن يخطب الناس خطبة يعتذر إليهم فيها مما كان وقع من الاثرة لبعض أقاربه، ويشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك، وأناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله، وأنه لا يحيد عنها، كما كان الامر أولا في مدة ست سنين الاول، فاستمع عثمان هذه النصيحة، وقابلها بالسمع والطاعة، ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس، رفع يديه في أثناء الخطبة، وقال اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أول تائب مما كان مني، وأرسل عينيه بالبكاء فبكى المسلمون أجمعون، وحصل للناس رقة شديدة على إمامهم، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك، وأنه قد لزم ما كان عليه الشيخان، أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وأنه قد سبل بابه لمن أراد الدخول عليه، لا يمنع أحد من ذلك، ونزل فصلى بالناس ثم دخل منزله وجعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال، لا يمنع أحد من ذلك مدة. قال الواقدي: فحدثني علي بن عمر عن أبيه قال: ثم إن عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له: تكلم كلاما تسمعه الناس منك ويشهدون عليك، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والانابة، فإن البلاد قد تمخضت عليك، ولا آمن ركبا آخرين يقدمون من قبل الكوفة، فتقول يا علي اركب إليهم، ويقدم آخرون من البصرة فتقول يا علي اركب إليهم، فإن لم أفعل قطعت رحمك واستخففت بحقك. قال: فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها، وأعلم الناس من نفسه التوبة، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فوالله ما عاب من عاب شيئا أجهله، وما جئت شيئا إلا وأنا أعرفه، ولك ضل رشدي (1) ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من زل فليتب، ومن أخطأ فليتب،


(1) العبارة في الطبري والكامل: ولكني منتني نفسي وكذبتني وضل عني رشدي. (*)

[ 193 ]

ولا يتمادى في الهلكة، إن من تمادى في الجور كان أبعد عن الطريق " فأنا أول من اتعظ، أستغفر الله مما فعلت وأتوب، فمثلي نزع وتاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم (1)، فوالله لاكونن كالمرقوق إن ملك صبر، وإن عتق شكر، وما عن الله مذهب إلا إليه. قال: فرق الناس له وبكى من بكى، وقام إليه سعيد بن زيد فقال: يا أمير المؤمنين ! ألله الله في نفسك ! فأتمم على ما قلت. فلما انصرف عثمان إلى منزله وجد به جماعة من أكابر الناس، وجاءه مروان بن الحكم فقال: أتكلم يا أمير المؤمنين أم أصمت ؟ فقالت امرأة عثمان - نائلة بنت الفرافصة الكلبية - من وراء الحجاب: بل اصمت، فوالله إنهم لقاتلوه، ولقد قال مقالة لا ينبغي النزوع عنها. فقال لها: وما أنت وذاك ! فوالله لقد مات أبوك وما يحسن أن يتوضأ. فقالت له: دع ذكر الاباء، ونالت من أبيه الحكم، فأعرض عنها مروان. وقال لعثمان: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت ؟ فقال له عثمان: بل تكلم، فقال مروان: بأبي أنت وأمي، لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممنع منيع، فكنت أول من رضي بها وأعان عليها، ولكنك قلت ما قلت حين جاوز الحزام الطبيين، وبلغ السيل الزبا، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل، والله لاقامة على خطيئة يستغفر منها، خير من توبة خوف عليها، وإنك لو شئت لعزمت التوبة ولم تقرر لنا بالخطيئة، وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس. فقال عثمان: قم فاخرج إليهم فكلمهم، فإني أستحي أن أكلمهم، قال: فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا، فقال: ما شأنكم كأنكم قد جئتم لنهب، شاهت الوجوه كل إنسان آخذ بإذن صاحبه ألا من أريد (2) جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، أخرجوا عنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم أمر يسؤكم ولا تحمدوا غبه، ارجعوا إلى منازلكم، فوالله ما نحن مغلوبين على ما بأيدنا، قال فرجع الناس، وخرج بعضهم حتى أتى عليا فأخبره الخبر، فجاء علي مغضبا حتى دخل على عثمان. فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحويلك عن دينك وعقلك ؟ ! وإن مثلك مثل جمل الظعينة سار حيث يسار به، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه، وأيم الله إني لاراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت سوقك (3)، وغلبت على أمرك. فلما خرج علي دخلت نائلة على عثمان فقالت: أتكلم أو أسكت ؟ فقال: تكلمي، فقالت: سمعت قول علي أنه ليس يعاودك، وقد أطعت مروان حيث شاء، قال: فما أصنع ؟ قالت: تتقي الله وحده لا شريك له، وتتبع سنة صاحبيك من قبلك، فإنك متى أطعت مروان قتلك، ومروان


(1) في الكامل: اشرافكم فليروا في رأيهم. وفي الطبري، فليأتني اشرافكم فليروني رأيهم فوالله لئن ردني الحق عبدا لاستنن بسنة العبد ولاذلن ذل العبد... 5 / 111 والكامل 3 / 164. (2) في الطبري كالاصل، وفي ابن الاثير: شاهت الوجوه ألا من أريد ؟ (3) في الطبري: شرفك وفي الكامل: أذهبت شرفك وغلبت على رأيك. (*)

[ 194 ]

ليس له عند الله قدر ولا هيبة ولا محبة (1)، فأرسل إلى علي فاستصلحه فإن له قرابة منك وهو لا يعصى. قال فأرسل عثمان إلى علي فأبى أن يأتيه، وقال: لقد أعلمته أني لست بعائد. قال: وبلغ مروان قول نائلة فيه فجاء إلى عثمان فقال: أتكلم أو أسكت ؟ فقال: تكلم، فقال: إن نائلة بنت الفرافصة، فقال عثمان لا تذكرها بحرف فأسوء إلى وجهك، فهي والله أنصح لي منك. قال: فكف مروان. ذكر مجئ الاحزاب إلى عثمان للمرة الثانية من مصر وذلك أن أهل الامصار لما بلغهم خبر مروان، وغضب علي على عثمان بسببه، ووجدوا الامر على ما كان عليه لم يتغير ولم يسلك سيرة صاحبيه، تكاتب أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة وتراسلوا، وزورت (2) كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة، وعلى لسان علي وطلحة والزبير، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين، وأنه أكبر الجهاد اليوم. وذكر سيف بن عمر التميمي عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، وقاله غيرهم أيضا، قالوا: لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين، خرج أهل مصر في أربع رقاق على أربعة أمراء، المقلل لهم يقول ستمائة، والمكثر يقول: ألف. على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر الليثي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة السكوني وعلى القوم جميعا الغافقي بن حرب العكي، وخرجوا فيما يظهرون للناس حجاجا، ومعهم ابن السوداء - وكان أصله ذميا فأظهر الاسلام وأحدث بدعا قولية وفعلية، قبحه الله - وخرج أهل الكوفة في عدتهم في أربع رفاق أيضا، وأمراؤهم: زيد بن صوحان، والاشتر النخعي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الاصم، وعلى الجميع عمرو بن الاصم (3). وخرج أهل البصرة في عدتهم أيضا في أربع رايات مع حكيم بن جبلة العبدي، وبشر بن شريح بن ضبيعة القيسي، وذريح بن عباد العبدي (4)، وعليهم كلهم حرقوص بن زهير السعدي، وأهل مصر مصرون على ولاية علي بن أبي طالب، وأهل الكوفة عازمون على تأمير الزبير، وأهل البصرة مصممون على تولية طلحة. لا تشك كل فرقة أن أمرها سيتم، فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة، كما تواعدوا في كتبهم، في شهر شوال فنزل طائفة منهم بذي خشب، وطائفة بالاعوص، والجمهور بذي المروة، وهم


(1) زاد الطبري وابن الاثير: وانما تركك الناس لمكانه. (2) في رواية الطبري والكامل: كتب من بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، إنما لم يذكر أي من أسماء هؤلاء الصحابة. (3) في الطبري والكامل: وهم في عداد أهل مصر، وفي مروج الذهب: في مائتي رجل. (4) زاد ابن الاثير في الكامل: وابن المحترش، وفي الطبري: ابن المحرش بن عبد عمرو الحنفي. وقال الطبري وابن الاثير وهم في عداد أهل مصر، أما المسعودي فقال كانوا في مئة رجل. (*)

[ 195 ]

على وجل من أهل المدينة، فبعثوا قصادا وعيونا بين أيديهم ليخبروا الناس أنهم إنما جاؤوا للحج لا لغيره، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله، ما جئنا إلا لذلك، واستأذنوا للدخول، فكل الناس أبى دخولهم ونهى عنه، فتجاسروا واقتربوا من المدينة، وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أفواف، معتم بشقيقة حمراء يمانية، متقلدا السيف وليس عليه قميص وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، فسلم عليه المصريون فصاح بهم وطردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فارجعوا لا صبحكم الله، قالوا: نعم ! وانصرفوا من عنده على ذلك، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي - وقد أرسل ابنهى إلى عثمان - فسلموا عليه فصاح بهم وطردهم وقال لهم كما قال علي لاهل مصر، وكذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة. فرجع كل فريق منهم إلى قومهم، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، وساروا أياما راجعين، ثم كروا عائدين إلى المدينة، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان، وقالوا للناس: من كف يده فهو آمن، فكف الناس ولزموا بيوتهم، وأقام الناس على ذلك أياما. هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون ولا على ما هم عازمون، وفي كل ذلك وأمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلي بالناس، فيصلي وراءه أهل المدينة وأولئك الآخرون. وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم، حتى قال علي لاهل مصر: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم ؟ فقالوا: وجدنا مع بريد كتابا بقتلنا. وكذلك قال البصريون لطلحة، والكوفيون للزبير. وقال أهل كل مصر: إنما جئنا لننصر أصحابنا. فقال لهم الصحابة: كيف علمتم بذلك من أصحابكم، وقد افترقتم وصار بينكم مراحل ؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه، فقالوا: ضعوه على ما أردتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا ونحن نعتزله - يعنون أنه إن نزل عن الخلافة تركوه آمنا - وكان المصريون فيما ذكر، لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريدا يسير، فأخذوه ففتشوه، فإذا معه في إداوة كتابا على لسان عثمان فيه الامر بقتل طائفة منهم (1)، وبصلب آخرين، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم، وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان (2) وعلى جمله، فلما رجعوا جاؤوا بالكتاب وداروا به على الناس، فكلم الناس


(1) نص الكتاب في الطبري وفيه أمر عبد الله بن سعد بحبس وجلد ابن عديس البلوي وعمرو بن الحمق وسودان بن حمران وعروة بن النباع الليثي وحلق رؤوسهم ولحاهم. زاد ابن الاثير: وصلب بعضهم. (الطبري 5 / 119 الكامل 3 / 168). وفي فتوح ابن الاعثم 3 / 211: اضرب عنق عمرو بن يزيد بن ورقاء صبرا. وعلقمة بن عديس البلوي وكنانة بن بشر وعروة بن سهم الليثي فاقطع ايديهم وأرجلهم وإذا ماتوا فاصلبهم وأما محمد بن أبي بكر فاحتل في قتله. (2) في الطبري ذكره: أبو الاعور السلمي. وفي فتوح ابن الاعثم: غلام أسود، لم يسمه. (*)

[ 196 ]

أمير المؤمنين في ذلك، فقال: بينة علي بذلك وإلا فوالله لا كتبت ولا أمليت، ولا دريت بشئ من ذلك، والخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون في ذلك، وكذبه الكاذبون. ويقال: إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنه ابن أبي سرح، ويولي محمد بن أبي بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما وجدوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما رجعوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر وآخرين معه، فرجعوا، وقد حنقوا عليه حنقا شديدا، وطافوا بالكتاب على الناس، فدخل ذلك في أذهان كثير من الناس (1). وروى ابن جرير من طريق محمد بن إسحاق عن عمه عبد الرحمن بن يسار، أن الذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الاعور السلمي، على جمل لعثمان، وذكر ابن جرير من هذه الطريق أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه، وهذا كذب على الصحابة، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم، كما كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج كتبا مزورة عليهم أنكروها، وهكذا زور هذا الكتاب على عثمان أيضا، فإنه لم يأمر به ولم يعلم به أيضا. واستمر عثمان يصلي بالناس في تلك الايام كلها، وهم أحقر في عينه من التراب، فلما كان في بعض الجمعات وقام على المنبر، وفي يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته، وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من بعده، فقام إليه رجل من أولئك فسبه ونال منه، وأنزله عن المنبر، فطمع الناس فيه من يومئذ، كما قال الواقدي: حدثني أسامة ابن زيد عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: بينا أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يخطب عليها وأبو بكر وعمر، فقال له جهجاه: قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح حتى أصابته الاكلة، فرأيتها تدود، فنزل عثمان وحملوه وأمر بالعصا فشدوها، فكانت مضببة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين، حتى حصر فقتل. قال ابن جرير: وحدثنا أحمد بن إبراهيم ثنا عبد الله بن إدريس عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن الجهجاه الغفاري أخذ عصا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته، فرمي في ذلك المكان بأكلة. وقال الواقدي: وحدثني ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن ابن أبي (2) حبيبة قال: خطب عثمان الناس في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين: إنك ركبت بهاتير (3) وركبناها معك، فتب نتب معك. فاستقبل عثمان القبلة وشمر (4) يديه، قال ابن أبي حبيبة:


(1) انظر الخبر في فتوح ابن الاعثم 3 / 210 وفيه كتاب عثمان بتولية محمد بن أبي بكر وعزل عبد الله بن سعد، والكتاب المنسوب إلى عثمان إلى واليه بمصر مع غلامه الذين أمسك به المصريون وهم عائدون من المدينة. (2) في الطبري: أبي حبيبة. (3) في الطبري وابن سعد: نهابير. والنهابير: المهالك (القاموس). (4) في الطبري: شهر يديه، وفي ابن سعد: رفع يديه فقال: اللهم إني استغفرك واتوب إليك. (*)

[ 197 ]

فلم أر يوما أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ. ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام إليه جهجاه الغفاري فصاح إليه: يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها عليها عباءة وجامعة، فأنزل فلندرجك في العباة ولنطرحك في الجامعة ولنحملك على الشارف ثم نطرحك في جبل الدخان. فقال عثمان: قبحك الله وقبح ما جئت به، ثم نزل عثمان. قال ابن أبي حبيبة: وكان آخر يوم رأيته فيه. وقال الواقدي: حدثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد. قال: كنا أول من اجترأ على عثمان بالنطق السئ جبلة بن عمرو الساعدي مر به عثمان وهو في نادي قومه، وفي يد جبلة جامعة، فلما مر عثمان سلم فرد القوم، فقال جبلة: لم تردون عليه ؟ رجل قال (1) كذا وكذا، ثم أقبل على عثمان فقال: والله لاطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه، فقال عثمان: أي بطانة ؟ فوالله لاتخير (2) الناس، فقال مروان تخيرته، ومعاوية تخيرته، وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح تخيرته، منهم من نزل القرآن بذمه، وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه، قال: فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم. قال الواقدي: وحدثني محمد بن صالح عن عبيد الله بن رافع بن نقاخة عن عثمان بن الشريد. قال: مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره، ومعه جامعة، فقال: يا نعثل ! والله لاقتلنك ولاحملنك على قلوص جرباء، ولاخرجنك إلى حرة النار. ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه. وذكر سيف بن عمر أن عثمان بعد أن صلى بالناس يوم الجمعة صعد المنبر فخطبهم أيضا فقال في خطبته: يا هؤلاء الغرباء (3) ! الله الله، فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فامحوا الخطأ بالصواب، فإن الله لا يمحو السئ إلا بالحسن، فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: إنه في الكتاب. فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي مريرة فأقعده وقال يا نطع (4)، وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشيا عليه، فاحتمل وأدخل داره، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من الناس أن يساعدهم إلا محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر (5)، وعمار بن ياسر. وأقبل علي وطلحة والزبير إلى عثمان في أناس يعودونه ويشكون إليه بثهم وما حل بالناس، ثم رجعوا إلى منازلهم، واستقبل جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وابن عمر، وزيد بن ثابت في المحاربة عن عثمان، فبعث إليهم يقسم عليهم لما كفوا أيديهم وسكنوا حتى يقضي الله ما يشاء.


(1) في رواية الطبري عن الواقدي: فعل. (2) في الطبري: إني لا أمخير. (3) في الطبري: العدى. (4) العبارة في الطبري: محمد بن أبي قتيرة فأقعده وقال فأفظع. (5) في الطبري: محمد بن أبي حذيفة. (*)

[ 198 ]

ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان لما وقع ما وقع يوم الجمعة، وشج أمير المؤمنين عثمان، وهو في رأس المنبر، وسقط مغشيا عليه، واحتمل إلى داره وتفاقم الامر، وطمع فيه أولئك الاجلاف الاخلاط من الناس، وألجأوه إلى داره وضيقوا عليه، وأحاطوا بها محاصرين له، ولزم كثير من الصحابة بيوتهم، وسار إليه جماعة من أبناء الصحابة، عن أمر آبائهم، منهم الحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير - وكان أمير الدار - وعبد الله بن عمرو، وصاروا، يحاجون عنه، ويناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم، وأسلمه بعض الناس رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، ولم يقع في خلد أحد أن القتل كان في نفس الخارجين. وانقطع عثمان عن المسجد فكان لا يخرج إلا قليلا في أوائل الامر، ثم انقطع بالكلية في آخره، وكان يصلي بالناس في هذه الايام الغافقي بن حرب. وقد استمر الحصر أكثر من شهر، وقيل أربعين يوما، حتى كان آخر ذلك أن قتل شهيدا رضي الله عنه، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. والذي ذكره ابن جرير أن الذي كان يصلي بالناس في هذه المدة وعثمان محصور، طلحة بن عبيد الله. وفي صحيح البخاري عن (1). وروى الواقدي أن عليا صلى أيضا، وصلى أبو أيوب، وصل بهم سهل بن حنيف، وكان يجمع بهم علي، وهو الذي صلى بهم بعد، وقد خاطب الناس في غبوب ذلك بأشياء، وجرت أمور سنورد منها ما تيسر وبالله المستعان. قال الامام أحمد: حدثنا بهز ثنا أبو عوانة ثنا حصين عن عمرو بن جاوان قال: قال الاحنف انطلقنا حجاجا فمررنا بالمدينة، فبينا نحن في منزلنا إذ جاءنا آت فقال: الناس في المسجد، فانطلقت أنا وصاحبي، فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد، قال: فتخللتهم حتى قمت عليهم، فإذا علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، قال: فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي، فقال: ههنا علي ؟ قالوا: نعم ! قال: ههنا الزبير ؟ قالوا: نعم ! قال: ههنا طلحة ؟ قالوا: نعم ! قال: ههنا سعد بن أبي وقاص ؟ قالوا: نعم ! قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له فابتعته فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني قد ابتعته، فقال: " اجعله في مسجدنا وأجره لك " قالوا: نعم ! قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من يبتاع بئر رومة " فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إني قد ابتعتها - يعني بئر رومة - قال: " اجعلها سقاية للمسلمين ولك أجرها " قالوا: نعم ! قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال: " من يجهز هؤلاء غفر الله


(1) بياض بالاصل: وفي هامش النسخة المطبوعة قال: بياض بأصل المصرية وفي الرياض النضرة وتاريخ الخميس. وروى عن عبد الله بن سلام انه قال: لما حصر عثمان ولى أبا هريرة على الصلاة. (*)

[ 199 ]

له " فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا ؟ قالوا: اللهم نعم ! فقال: اللهم أشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثم انصرف (1). ورواه النسائي من حديث حصين وعنده إذ جاء رجل وعليه ملاءة صفراء. طريق أخرى قال عبد الله بن أحمد: حدثني عبد الله (2) بن عمر القواريري، حدثني القاسم بن الحكم ابن أوس الانصاري حدثني أبو عبادة الدرقي الانصاري، من أهل الحديبية (3)، عن زيد بن أسلم عن أبيه. قال: شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز، ولو ألقى حجر لم يقع إلا على رأس رجل، فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريل، فقال: أيها الناس ! أفيكم طلحة ؟ فسكتوا، ثم قال: أيها الناس: أفيكم طلحة ؟ فسكتوا، ثم قال أيها الناس ! أفيكم طلحة ؟ فقام طلحة بن عبيد الله، فقال له عثمان: ألا أراك ههنا ؟ ما كنت أرى أنك تكون في جماعة قوم تسمع نداي إلى آخر ثلاث مرات، ثم لا تجيبني ؟ أنشدك الله يا طلحة تذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع كذا وكذا، ليس معه أحد من أصحابه غيري وغيرك ؟ فقال: نعم ! قال: فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا طلحة إنه ليس من نبي إلا ومعه من أصحابه رفيق من أمته معه في الجنة، وإن عثمان بن عفان هذا - يعني - رفيقي في الجنة (4) " فقال طلحة: اللهم نعم ! ثم انصرف، لم يخرجوه. طريق أخرى قال عبد الله بن أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدسي ثنا محمد بن عبد الله الانصاري، ثنا هلال بن إسحاق، عن الجريري، عن ثمامة بن جزء القشيري. قال: شهدت الدار يوم أصيب عثمان، فاطلع عليه اطلاعة، فقال ادعو لي صاحبيكم اللذين ألباكم علي، فدعيا له، فقال: أنشدكما الله تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ضاق المسجد بأهله، فقال: من يشتري هذه البقعة من خالص ماله فيكون فيها كالمسلمين، وله خير منها في الجنة " ؟ فاشتريتها من خالص مالي


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 1 / 70. (2) في مسند أحمد: عبيد الله. (3) في مسند أحمد: 1 / 74: حدثني أبو عبادة الزرقي الانصاري، من أهل المدينة. (4) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 1 / 74 ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 91 وقال: روي النسائي بعضه باسناد منقطع، ورواه عبد الله وأبو يعلى في الكبير والبزار في اسناد عبد الله والبزار أبو عبادة الزرقي وهو متروك واسقطه أبو يعلى من السند. (*)

[ 200 ]

فجعلتها بين المسلمين وأنتم تمنعوني أن أصلي فيه ركعتين. ثم قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لم يكن فيها بئر يستعذب منه إلا بئر رومة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، وله خير منها في الجنة " ؟ فاشتريتها من خالص مالي، وأنتم تمنعوني أن أشرب منها. ثم قال: هل تعلمون أني صاحب جيش العسرة ؟ قالوا: اللهم نعم ! وقد رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وعباس الدوري وغير واحد، أخرجه النسائي عن زياد بن أيوب كلهم عن سعيد بن عامر عن يحيى بن أبي الحجاج المنقري عن أبي مسعود الجريري به، وقال الترمذي: حسن صحيح. طريق أخرى قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد ثنا القاسم - يعني ابن المفضل - ثنا عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد. قال: دعا عثمان رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم عمار بن ياسر، إني سائلكم وإني أحب أن تصدقوني، نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤثر قريشا على الناس، ويؤثر بني هاشم على سائر قريش ؟ فسكت القوم. فقال: لو أن بيدي مفاتيح الجنة لاعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم. فبعث إلى طلحة والزبير فقال عثمان: ألا أحدثكما عنه - يعني عمارا - أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخذ بيدي يمشي في البطحاء حتى أتى على أبيه وأمه وهم يعذبون " فقال أبو عمار: يا رسول الله، الدهر هكذا ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اصبر، ثم قال: اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت " (1) تفرد به أحمد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب. طريق أخرى قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن سليمان سمعت معاوية (2) بن سلم أن سلمة يذكر عن مطرف عن نافع عن ابن عمر أن عثمان أشرف على أصحابه وهو محصور، فقال: على م تقتلونني ؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث، رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدا فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل "، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي منه، ولا ارتددت منذ أسلمت، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. ورواه النسائي عن أحمد بن الازهر عن إسحاق بن سليمان به.


(1) أخرج الحديث الامام أحمد في مسنده 1 / 62. (2) في مسند أحمد، مغيرة. انظر الحديث فيه ج 1 / 63. (*)

[ 201 ]

طريق أخرى قال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد بن زيد، ثنا يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: كنت مع عثمان في الدار وهو محصور، قال: وكنا ندخل مدخلا إذا دخلناه سمعنا كلام من على البلاط، قال: فدخل عثمان يوما لحاجته فخرج إلينا منتقعا لونه، فقال: إنهم ليتوا عدوني بالقتل آنفا. قال: قلنا يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين، قال: ولم يقتلونني ؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس " فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت بدلا بديني منذ هداني الله له، ولا قتلت نفسا، فبم يقتلونني (1) ؟. وقد رواه أهل السنن الاربعة من حديث حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد حدثني أبو أسامة. زاد النسائي وعبد الله بن عامر بن ربيعة قالا: كنا مع عثمان، فذكره. وقال الترمذي: حسن. وقد رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد فرفعه. طريق أخرى قال الامام أحمد: حدثنا قطن ثنا يونس - يعني ابن أبي إسحاق - عن أبيه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. قال: أشرف عثمان من القصر وهو محصور فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حراء إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ثم قال: " اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد " وأنا معه، فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد بالله من شهد رسول الله يوم بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة فقال: " هذه يدي وهذه يد عثمان ". ووضع يديه إحداهما على الاخرى فبايع لي فانتشد له رجال. ثم قال: قال: أنشد بالله من شهد رسول الله قال: " من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد بنيت له بيتا في الجنة " فابتعته من مالي فوسعت به المسجد. فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد بالله من شهد رسول الله يوم جيش العسرة قال: " من ينفق اليوم نفقة متقبلة " ؟ فجهزت نصف الجيش من مالي، فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد بالله من شهد رومة يباع ماؤها ابن السبيل فابتعتها من مالي فأبحتها ابن السبيل قال: فانتشد له رجال (2). ورواه النسائي عن عمران بن بكار عن حطاب بن عثمان بن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن جده أبي إسحاق السبيعي به.


(1) الحديث أخرجه الامام أحمد في مسنده 1 / 61، 63، 70، 382، 444، 465، 6 / 58، 214 وابن سعد في الطبقات 3 / 67. (2) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 1 / 59. (*)

[ 202 ]

وقد ذكر ابن جرير أن عثمان رضي الله عنه لما رأي ما فعل هؤلاء الخوارج من أهل الامصار، من محاصرته في داره، ومنعه الخروج إلى المسجد، كتب إلى معاوية بالشام، وإلى ابن عامر بالبصرة وإلى أهل الكوفة، يستنجدهم في بعض جيش يطردون هؤلاء من المدينة، فبعث معاوية مسلمة بن حبيب، وانتدب يزيد بن أسد القشيري في جيش، وبعث أهل الكوفة جيشا، وأهل البصرة جيشا، فلما سمع أولئك بخروج الجيوش إليهم صمموا في الحصار، فما اقترب الجيوش إلى المدينة حتى جاءهم قتل عثمان رضي الله عنه كما سنذكره. وذكر ابن جرير أن عثمان استدعى الاشتر النخعي ووضعت لعثمان وسادة في كوة من داره. فأشرف على الناس، فقال له عثمان: يا أشتر ماذا يريدون ؟ فقال: إنهم يريدون منك إما أن تعزل نفسك عن الامرة، وإما أن تفتدي من نفسك من قد ضربته، أو جلدته، أو حبسته، وإما أن يقتلوك. وفي رواية أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابه عن الامصار ويولي عليها من يريدون هم، وإن لم يعزل نفسه أن يسلم لهم مروان بن الحكم فيعاقبوه كما زور على عثمان كتابه إلى مصر، فخشي عثمان إن سلمه إليهم أن يقتلوه، فيكون سببا في قتل امرئ مسلم وما فعل من الامر ما يستحق بسببه القتل، واعتذر عن الاقتصاص مما قالوا بأنه رجل ضعيف البدن كبير السن. وأما ما سألوه من خلعه نفسه فإنه لا يفعل ولا ينزع قميصا قمصه الله إياه، ويترك أمة محمد يعدو بعضها على بعض ويولي السفهاء من الناس من يختاروه هم فيقع الهرج ويفسد الامر بسبب ذلك الامر كما ظنه فسدت الامة ووقع الهرج، وقال لهم فيما قال، وأي شئ إلي من الامر إن كنت كلما كرهتم أميرا عزلته، وكلما رضيتم عنه وليته ؟ وقال لهم فيما قال: والله لئن قتلتموني لا تتحابوا بعدي، ولا تصلوا جميعا أبدا، ولا تقاتلوا بعدي عدوا جميعا أبدا، وقد صدق رضي الله عنه فيما قال. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن أبي قيس، حدثني النعمان بن بشير قال: كتب معي عثمان إلى عائشة كتابا فدفعت إليها كتابه فحدثني أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعثمان: " إن الله لعله يقمصك قميصا. فإن أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه، ثلاث مرات " قال النعمان: فقلت يا أم المؤمنين ! فأين كنت عن هذا الحديث ؟ فقالت: يا بني والله أنسيته (1). وقد رواه الترمذي من حديث الليث عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن عامر عن النعمان عن عائشة به. ثم قال: هذا حديث حسن غريب. ورواه ابن ماجه من حديث الفرج بن فضالة عن ربيعة بن يزيد عن النعمان، فأسقط عبد الله بن عامر. قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن إسماعيل، ثنا قيس، عن أبي سهلة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادعو لي بعض أصحابي، قلت أبو بكر ؟ قال: لا، قلت عمر ؟


(1) الحديث في مسند أحمد ج 6 / 75. (*)

[ 203 ]

قال: لا ؟ قلت ابن عمك علي ؟ قال: لا ! قالت قلت عثمان ؟ قال: نعم ! فلما جاء قال: تنحى فجعل يساره ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر فيها، قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل ؟ قال: لا ! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا وإني صابر نفسي عليه (1) " تفرد به أحمد. وقال محمد بن عائد الدمشقي: حدثنا الوليد بن مسلم ثنا عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن عمرو أنه سمع أبا ثور الفقيمي يقول: قدمت على عثمان فبينا أنا عنده فخرجت فإذا بوفد أهل مصر قد رجعوا فدخلت على عثمان فأعلمته، قال: فكيف رأيتهم ؟ فقلت: رأيت في وجوههم الشر، وعليهم ابن عديس البلوي، فصعد ابن عديس منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الجمعة، وتنقص عثمان في خطبته، فدخلت على عثمان فأخبرته بما قال فيهم، فقال: كذب والله ابن عديس، ولولا ما ذكر ما ذكرت، إني رابع أربعة في الاسلام، ولقد أنكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته ثم توفيت فأنكحني ابنته الاخرى، ولا زنيت ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام، ولا تعنيت ولا تمنيت منذ أسلمت، ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أتت علي جمعة إلا وأنا أعتق فيها رقبة منذ أسلمت، إلا أن لا أجدها في تلك الجمعة فأجمعها في الجمعة الثانية. ورواه يعقوب بن سفيان عن عبد الله بن أبي بكر عن ابن لهيعة، قال: لقد اختبأت عند ربي عشرا، فذكرهن. فصل كان الحصار مستمرا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والانصار - وكانوا قريبا من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة، وخلق من مواليه، ولو تركهم لمنعوه فقال لهم: أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله، وعنده من أعيان الصحابة وأبنائهم جم غفير، وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حر. فبرد القتال من داخل، وحمي من خارج، واشتد الامر، وكان سبب ذلك أن عثمان رأى في المنام رؤيا دلت على اقتراب أجله فاستسلم لامر الله رجاء موعوده، وشقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليكون خيرا بني آدم حيث قال حين أراد أخوه قتله: * (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين) * [ المائدة: 29 ] وروى أن آخر من خرج من عند عثمان من الدار، بعد أن عزم عليهم في الخروج، الحسن بن علي وقد خرج، وكان أمير الحرب على أهل الدار عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم. وروى موسى بن عقبة عن سالم أو نافع أن ابن


(1) الحديث في مسند أحمد ج 6 / 52 وأخرجه ابن سعد عن أبي سهلة مولى عثمان من طريق حماد بن اسامة 3 / 66. وفيه قال أبو سهلة: وانهم يرون انه ذلك اليوم، يوم حصاره في الدار. (*)

[ 204 ]

ولم يلبس سلاحه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يوم الدار ويوم نجرة الحروري. قال أبو جعفر الداري أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر: أن عثمان رضي الله عنه أصبح يحدث الناس، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: يا عثمان افطر عندنا " فأصبح صائما وقتل من يومه، وقال ؟ ؟ بن عمر عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن رجل قال دخل عليه كثير بن الصلت فقال: يا أمير المؤمنين اخرج فاجلس بالفناء فيرى الناس وجهك فإنك إن فعلت ارتدعوا. فضحك وقال: ؟ ير رأيت البارحة وكأني دخلت على نبي الله وعنده أبو بكر وعمر، فقال: " ارجع فإنك مفطر عندي غدا " ثم قال عثمان: ولن تغيب الشمس والله غدا أو كذا وكذا إلا وأنا من أهل الآخرة، قال: فوضع سعد وأبو هريرة السلاح وأقبلا حتى دخلا على عثمان. وقال موسى بن عقبة: ؟ ني أبو علقمة - مولى لعبد الرحمن بن عوف - حدثني ابن الصلت قال: أغفى عثمان بن عفان ؟ ؟ يوم الذي قتل فيه فاستيقظ فقال: لولا أن يقول الناس تمنى عثمان أمنية لحدثتكم. قال: قلنا ؟ حك الله، حدثنا فلسنا نقول ما يقول الناس، فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي، " فقال: إنك شاهد معنا الجمعة ". وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي، ؟ لف بن تميم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر البجلي، ثنا عبد الله بن عمير حدثني كثير الصلت قال: دخلت على عثمان وهو محصور، فقال لي: يا كثير ما أراني إلا مقتولا يومي ؟ ؟. قال: قلت ينصرك الله على عدوك يا أمير المؤمنين، قال: ثم أعاد علي فقلت وقت لك في ؟ ؟ اليوم شئ أو قيل لك شئ ؟ قال: لا ! ولكني سهرت في ليلتي هذه الماضية، فلما كانت وقت ؟ حر أغفيت إغفاءة فرأيت فيما يرى النائم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر وعمر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي: يا عثمان الحقنا لا تحبسنا، فإنا ننتظرك " قال: فقتل من يومه ذلك. وقال ابن أبي الدنيا ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا يزيد بن هارون، عن فرج بن فضالة، عن مروان بن أبي أمية عن عبد الله بن سلام. قال: أتيت عثمان لاسلم عليه وهو محصور، فدخلت عليه فقال: مرحبا ؟ ؟، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة في هذه الخوخة - قال: وخوخة في البيت - فقال: " يا عثمان ؟ ؟ وك قلت: نعم ! قال: عطشوك ؟ قلت: نعم ! فأدلى دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت ؟ ؟ ؟ إني لاجد برده بين ثديي وبين كتفي، وقال لي: إن شئت نصرت عليهم، وإن شئت أفطرت ؟ ؟ ؟، فاخترت أن أفطر عنده " فقتل ذلك اليوم. وقال محمد بن سعد: أنا عفان بن مسلم، ثنا وهيب، ثنا داود، عن زياد بن عبد الله، ؟ م هلال بنت وكيع عن امرأة عثمان - قال: وأحسبها بنت الفرافصة - قالت: أعفى عثمان مستيقظ قال: إن القوم يقتلوني، قلت: كلا يا أمير المؤمنين. قال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، فقالوا: أفطر عندنا الليلة، أو إنك مفطر عندنا الليلة (1). وقال الهيثم بن


(1) ؟ ؟ بقات ابن سعد ج 3 / 75. (*)

[ 205 ]

كليب: حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني ثنا شبابة ثنا يحيى بن أبي راشد مولى عمر بن حريث عن محمد بن عبد الرحمن الجرشي. وعقبة بن أسد عن النعمان بن بشير عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية - امرأة عثمان - قالت: لما حصر عثمان ظل اليوم الذي كان فيه قتله صائما، فلما كان إفطاره سألهم الماء العذب فأبوا عليه، وقالوا: دونك ذلك الركي (1). وركي في الدار الذي ؟ فيه النتن - قالت: فلم يفطر فرأيت جارا على أحاجير متواصلة - وذلك في السحر - فسألتهم العذب، فأعطوني كوزا من ماء، فأتيته فقلت: هذا ماء عذب أتيتك به، قالت: فنظر في الفجر قد طلع فقال: إني أصبحت صائما، قالت: فقلت ومن أين أكلت ؟ ولم أر أحدا ؟ ؟ بطعام ولا شراب ؟ فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع علي من هذا السقف ومعه دلو من ؟ ؟ فقال: اشرب يا عثمان، فشربت حتى رويت، ثم قال: ازدد فشربت حتى نهلت، ثم قال: إن القوم سينكرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا، قالت: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه. وقال أبو يعلي الموصلي وعبد الله بن الامام أحمد: حدثني عثمان بن أبي شيبة ثنا يونس بن يعفور العبدي عن أبيه عن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان: أن عثمان أعتق عشرين مملوكا ودعا بسراويل فشدها ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأبا بكر وعمر، وأنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين ؟ ؟ فقتل وهو بين يديه. قلت: إنما لبس السراويل رضي الله عنه في هذا اليوم لئلا تبدو عورته إذا ؟ ؟ فإنه كان شديد الحياء، كانت تستحي منه ملائكة السماء، كما نطق بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ووضع ؟ ؟ يديه المصحف يتلو فيه، واستسلم لقضاء الله عز وجل، وكف يده عن القتال، وأمر الناس و ؟ ؟ عليهم أن لا يقاتلوا دونه، ولولا عزيمته عليهم لنصروه من أعدائه، ولكن كان أمر الله قدرا ؟ ؟ مقدورا. وقال هشام بن عروة عن أبيه: إن عثمان رضي الله عنه أوصى إلى الزبير. وقال ؟ ؟ الاصمعي عن العلاء بن الفضل عن أبيه. قال: لما قتل عثمان فتشوا خزانته فوجدوا فيها صند ؟ ؟ مقفلا ففتحوه فوجدوا فيه حقة فيها ورقة مكتوب فيها: " هذه وصية عثمان. بسم الله الرحمن الرحيم، عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله يبعث من في القبور، ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيى وعليها يموت، وعليها يبعث إن شاء الله تعالى ". وروى ابن عساكر أن عثمان رضي الله عنه قال يوم دخلوا عليه فقتلوه: أرى الموت لا يبقى عزيزا ولم يدع * لعاذ ملاذا في البلاد ومرتعا


(1) الركي: بئر الماء. (*)

[ 206 ]

وقال أيضا: يبيت أهل الحصن والحصن مغلق * ويأتي الجبال الموت في شماريخها العلا صفة قتله رضي الله عنه وقال خليفة بن خياط: حدثنا ابن علية ثنا ابن عون (1) عن الحسن قال أنبأني رباب. قال: بعثني عثمان فدعوت له الاشتر فقال: ما يريد الناس ؟ قال: ثلاث ليس من إحداهن بد، قال: ما هن ؟ قال: يخيرونك بين أن تخلع لهم أمرهم فتقول: هذا أمركم فاختاروا من شئتم، وبين أن تقتص من نفسك، فإن أبيت فإن القوم قاتلوك. فقال: أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لاخلع سربالا سربلنيه الله، وأما أن أقتص لهم من نفسي، فوالله لئن قتلتموني لا تحابون بعدي، ولا تصلون بعدي جميعا، ولا تقاتلون بعدي جميعا عدوا أبدا. قال: وجاء رويجل كأنه ذئب فاطلع من باب ورجع، وجاء محمد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلا، فأخذ بلحيته فعال بها حتى سمعت وقع أضراسه، فقال: ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن عامر، وما أغنت عنك كتبك، قال: أرسل لحيتي يا بن أخي، قال: فأنا رأيته استعدى رجلا من القوم بعينه - يعني أشار إليه - فقام إليه بمشقص فوجى به رأسه. قلت: ثم مه ؟ قال: ثم تعاوروا (2) عليه حتى قتلوه. قال سيف بن عمر التميمي رحمه الله عن العيص بن القاسم، عن رجل، عن خنساء مولاة أسامة بن زيد - وكانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان - أنها كانت في الدار ودخل محمد ابن أبي بكر يأخذ بلحيته وأهوى بمشاقص معه فيجأ بها في حلقه، فقال مهلا يا بن أخي، فوالله لقد أخذت مأخذا ما كان أبوك ليأخذ به، فتركه وانصرف مستحييا نادما، فاستقبله القوم على باب الصفة فردهم طويلا حتى غلبوه، فدخلوا وخرج محمد راجعا. فأتاه رجل بيده جريدة يقدمهم حتى قام على عثمان فضرب بها رأسه فشجه، فقطر دمه على المصحف حتى لطخه، ثم تعاوروا عليه فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف، ووثبت نائلة بنت الفرافصة الكلبية فصاحت وألقت نفسها عليه، وقالت: يا بنت شيبة أيقتل أمير المؤمنين ؟ وأخذت السيف، فقطع الرجل يدها (3)، وانتهبوا متاع الدار ومر رجل على عثمان ورأسه مع المصحف فضرب رأسه برجله ونحاه عن المصحف وقال: ما رأيت كاليوم وجه كافر أحسن ولا مضجع كافر أكرم. قال: والله ما تركوا في داره شيئا حتى الاقداح إلا ذهبوا به.


(1) في نسخ البداية المطبوعة: عوف تحريف. (2) في الطبري وابن سعد 3 / 73: تغاووا عليه. (3) في رواية الطبري والكامل: أصابع يدها. (*)

[ 207 ]

وروى الحافظ ابن عساكر أن عثمان لما عزم على أهل الدار في الانصراف ولم يبق عنده سوى أهله تسوروا عليه الدار وأحرقوا الباب ودخلوا عليه، وليس فيهم أحد من الصحابة ولا أبنائهم، إلا محمد بن أبي بكر، وسبقه بعضهم، فضربوه حتى غشي عليه وصاح النسوة فانزعروا وخرجوا ودخل محمد بن أبي بكر وهو يظن أنه قد قتل، فلما رآه قد أفاق قال: على أي دين أنت يا نعثل ؟ قال: على دين الاسلام، ولست بنعثل ولكني أمير المؤمنين، فقال: غيرت كتاب الله، فقال: كتاب الله بيني وبينكم، فتقدم إليه وأخذ بلحيته وقال: إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول: * (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) * وشطحه بيده من البيت إلى باب الدار، وهو يقول: يا بن أخي ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي. وجاء رجل من كندة من أهل مصر، يلقب حمارا، ويكنى بأبي رومان. وقال قتادة: اسمه رومان، وقال غيره: كان أزرق أشقر، وقيل كان اسمه سودان بن رومان المرادي. وعن ابن عمر قال: كان اسم الذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة وبيده السيف صلتا قال ثم جاء فضربه به في صدره حتى أقعصه، ثم وضع ذباب السيف في بطنه واتكى عليه وتحامل حتى قتله، وقامت نائلة دونه فقطع السيف أصابعها رضي الله عنها، ويروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت في حلقه. والصحيح أن الذي فعل ذلك غيره، وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها. فتذمم من ذلك وغطى وجهه ورجع وحاجز دونه فلم يفد وكان أمر الله قدرا مقدورا، وكان ذلك في الكتاب مسطورا. وروى ابن عساكر عن ابن عون أن كنانة بن بشر ضرب جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد فخر لجنبيه (1)، وضربه سودان بن حمران المرادي بعدما خر لجنبه فقتله، وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره، وبه رمق، فطعنه تسع طعنات، وقال: أما ثلاث منهن فلله، وست لما كان في صدري عليه. وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، وإسحاق بن داود الصواف التستري قالا: ثنا محمد بن خالد بن خداش، ثنا مسلم بن قتيبة، ثنا مبارك عن الحسن. قال: " حدثني سياف عثمان أن رجلا من الانصار دخل على عثمان فقال: ارجع يا بن أخي فلست بقاتلي، قال: وكيف علمت ذلك ؟ قال: لانه أتى بك النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعك فحنكك ودعا لك بالبركة. ثم دخل عليه رجل آخر من الانصار فقال له مثل ذلك سواء. ثم دخل محمد بن أبي بكر فقال: أنت قاتلي. قال: وما يدريك يا نعثل ؟ قال: لانه أتى بك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم سابعك ليحنكك ويدعو لك بالبركة، فخريت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوثب على صدره وقبض على لحيته، ووجأه بمشاقص كانت في يده ". هذا حديث غريب جدا وفيه نكارة. وثبت من غير وجه


(1) في رواية عبد الرحمن بن الحارث عن ابن عون: خر لجبينه. وفي فتوح ابن الاعثم: سقط على قفاه. (*)

[ 208 ]

أن أول قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى * (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) * [ البقرة: 137 ] ويروى أنه كان قد وصل إليها في التلاوة أيضا حين دخلوا عليه، وليس ببعيد فإنه كان قد وضع المصحف يقرأ فيه القرآن. وروى ابن عساكر أنه لما طعن قال: بسم الله توكلت على الله، فلما قطر الدم قال: سبحان الله العظيم. وقد ذكر ابن جرير في تاريخه بأسانيده أن المصريين لما وجدوا ذلك الكتاب مع البريد إلى أمير مصر، فيه الامر بقتل بعضهم، وصلب بعضهم، وبقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، وكان قد كتبه مروان بن الحكم على لسان عثمان، متأولا قوله تعالى * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب أليم) * [ المائدة: 33 ] وعنده أن هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه من جملة المفسدين في الارض، ولا شك أنهم كذلك، لكن لم يكن له أن يفتات على عثمان ويكتب على لسانه بغير علمه، ويزور على خطه وخاتمه، ويبعث غلامه على بعيره، بعد ما وقع الصلح بين عثمان وبين المصريين (1)، على تأمير محمد بن أبي بكر على مصر، بخلاف ذلك كله، ولهذا لما وجدوا هذا الكتاب على خلاف ما وقع الاتفاق عليه، وظنوا أنه من عثمان، أعظموا ذلك، مع ما هم مشتملون عليه من الشر فرجعوا إلى المدينة فطافوا به على رؤوس الصحابة، وأعانهم على ذلك قوم آخرون، حتى ظن بعض الصحابة أن هذا عن أمر عثمان رضي الله عنه، فلما قيل لعثمان رضي الله عنه في أمر هذا الكتاب بحضرة جماعة من أعيان الصحابة وجمهور المصريين، حلف بالله العظيم، وهو الصادق البار الراشد، أنه لم يكتب هذا الكتاب ولا أملاه على من كتبه، ولا علم به، فقالوا له: فإن عليه خاتمك. فقال: إن الرجل قد يزور على خطه وخاتمه قالوا: فإنه مع غلامك وعلى جملك. فقال: والله لم أشعر بشئ من ذلك. فقالوا له - بعد كل مقالة - إن كنت قد كتبته فقد خنت، وإن لم تكن قد كتبته بل كتب على لسانك وأنت لا تعلم فقد عجزت، ومثلك لا يصلح للخلافة، إما لخيانتك، وإما لعجزك، وهذا الذي قالوا باطل على كل تقدير فإنه لو فرض أنه كتب الكتاب، وهو لم يكتبه في نفس الامر، لا يضره ذلك لانه قد يكون رأى ذلك مصلحة للامة في إزالة شوكة هؤلاء البغاة الخارجين على الامام، وأما إذا لم يكن قد علم به فأي عجز ينسب إليه إذا لم يكن قد اطلع عليه وزور على لسانه ؟ وليس هو بمعصوم بل الخطأ والغفلة جائزان عليه رضي الله عنه، وإنما هؤلاء الجهلة البغاة متعنتون خونة، ظلمة مفترون، ولهذا صمموا بعد هذا على حصره والتضييق عليه، حتى منعوه الميرة والماء والخروج إلى المسجد، وتهددوه بالقتل، ولهذا خاطبهم بما


(1) وكان المصريون قد انصرفوا ومعهم محمد بن أبي بكر أميرا عليهم ومعه كتاب بذلك من عثمان. (انظر نصه في فتوح ابن الاعثم 2 / 210 ونص كتاب عثمان إلى ابن أبي سرح عامله على مصر في هذا الموضوع). (*)

[ 209 ]

خاطبهم به من توسعة المسجد وهو أول من منع منه، ومن وقفه بئر رومة على المسلمين وهو أول من منع ماءها، ومن أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث، النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة " وذكر أنه لم يقتل نفسا، ولا ارتد بعد إيمانه، ولا زنى في جاهلية ولا إسلام، بل ولا مس فرجه بيمينه بعد أن بايع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية بعد أن كتب بها المفصل. ثم ذكر لهم من فضائله ومناقبه ما لعله ينجع فيهم بالكف عنه والرجوع إلى الطاعة لله ولرسوله ولاولي الامر منهم، فأبوا إلا الاستمرار على ما هم عليه من البغي والعدوان، ومنعوا الناس من الدخول إليه والخروج من عنده، حتى اشتد عليه الحال، وضاق المجال، ونفذ ما عنده من الماء، فاستغاث بالمسلمين في ذلك فركب علي بنفسه وحمل معه قربا من الماء فبالجهد حتى أوصلها إليه (1) بعد ما ناله من جهلة أولئك كلام غليظ، وتنفير لدابته، وإخراق عظيم بليغ، وكان قد زجرهم أتم الزجر، حتى قال لهم فيما قال: والله إن فارس والروم لا يفعلون كفعلكم هذا بهذا الرجل، والله إنهم ليأسرون فيطعمون ويسقون، فأبوا أن يقبلوا منه حتى رمى بعمامته في وسط الدار. وجاءت أم حبيبة راكبة بغلة وحولها حشمها وخدمها، فقالوا ما جاء بك ؟ فقالت: إن عنده وصايا بني أمية، لايتام وأرامل، فأحببت أن أذكره بها، فكذبوها في ذلك ونالها منهم شدة عظيمة، وقطعوا حزام البغلة وندت بها، وكادت أو سقطت عنها، وكادت تقتل لولا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها، ووقع أمر كبير جدا، ولم يبق يحصل لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في الخفية ليلا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما وقع هذا أعظمه الناس جدا، ولزم أكثر الناس بيوتهم، وجاء وقت الحج فخرجت أم المؤمنين عائشة في هذه السنة إلى الحج، فقيل لها: إنك لو أقمت كان أصلح، لعل هؤلاء القوم يهابونك، فقالت: إني أخشى أن أشير عليهم برأي فينالني منهم من الاذية ما نال أم حبيبة، فعزمت على الخروج. واستخلف عثمان رضي الله عنه في هذه السنة على الحج عبد الله بن عباس، فقال له عبد الله بن عباس: إن مقامي على بابك أحاجف عنك أفضل من الحج. فعزم عليه، فخرج بالناس إلى الحج واستمر الحصار بالدار حتى مضت أيام التشريق ورجع اليسير من الحج، فأخبر بسلامة الناس، وأخبر أولئك بأن أهل الموسم عازمون على الرجوع إلى المدينة ليكفوكم عن أمير المؤمنين. وبلغتهم أيضا أن معاوية قد بعث جيشا مع حبيب بن مسلمة، وأن عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد نفذ آخر مع معاوية بن خديج، وأن أهل الكوفة قد بعثوا


(1) في مروج الذهب: فبلغ عليا طلبه للماء فبعث إليه بثلاث قرب ماء فما وصل إليه ذلك. وقال ابن الاعثم في الفتوح: 2 / 219 فأرسل علي ثلاث قرب من الماء مع نفر من بني هاشم فلم يتعرض لهم أحد حتى دخلوا على عثمان وأوصلوا إليه الماء، فشرب وشرب من كان معه في الدار. (*)

[ 210 ]

القعقاع بن عمرو في جيش، وأن أهل البصرة بعثوا مجاشعا في جيش، فعند ذلك صمموا على أمرهم وبالغوا فيه، وانتهزوا الفرصة بقلة الناس وغيبتهم في الحج، وأحاطوا بالدار، وجدوا في الحصار، وأحرقوا الباب، وتسوروا من الدار المتاخمة للدار، كدار عمرو بن حزم وغيرها، وحاجف الناس عن عثمان أشد المحاجفة، واقتتلوا على الباب قتالا شديدا، وتبارزوا وتراجزوا بالشعر في مبارزتهم، وجعل أبو هريرة يقول: هذ يوم طاب في الضراب فيه. وقتل طائفة من أهل الدار وآخرون من أولئك الفجار، وجرح عبد الله بن الزبير جراحات كثيرة، وكذلك جرح الحسن بن علي ومروان بن الحكم فقطع إحدى علباويه فعاش أوقص حتى مات. ومن أعيان من قتل من أصحاب عثمان، زياد بن نعيم الفهري، والمغيرة بن الاخنس بن شريق، ونيار بن عبد الله الاسلمي، في أناس وقت المعركة، ويقال إنه انهزم أصحاب عثمان ثم رجعوا. ولما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم، فانصرفوا كما تقدم، فلم يبق عنده أحد سوى أهله، فدخلوا عليه من الباب، ومن الجدران وفزع عثمان إلى الصلاة وافتتح سورة طه، وكان سريع القراءة - فقرأها والناس في غلبة عظيمة، قد احترق الباب والسقيفة التي عنده، وخافوا أن يصل الحريق إلى بيت المال، ثم فرغ عثمان من صلاته وجلس وبين يديه المصحف، وجعل يتلو هذه الآية * (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) * [ ال عمران: 173 ] فكان أول من دخل عليه رجل يقال له الموت الاسود فخنقه خنقا شديدا حتى غشي عليه، وجعلت نفسه تتردد في حلقه، فتركه وهو يظن أنه قد قتله، ودخل ابن أبي بكر فمسك بلحيته ثم ند وخرج، ثم دخل عليه آخر ومعه سيف فضربه به فاتقاه بيده فقطعها، فقيل: إنه أبانها: وقيل: بل قطعها ولم يبنها، إلا أن عثمان قال: والله إنها أول يد كتبت المفصل، فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية * (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) * [ البقرة: 137 ] ثم جاء آخر شاهرا سيفه فاستقبلته نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه، وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها. ثم إنه تقدم إليه فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه، رضي الله عن عثمان وفي رواية أن الغافقي بن حرب تقدم إليه بعد محمد بن أبي بكر فضربه بحديدة في فيه، ورفس المصحف الذي بين يديه برجله فاستدار المصحف ثم استقر بين يدي عثمان رضي الله عنه. وسالت عليه الدماء، ثم تقدم سودان بن حمران بالسيف فمانعته نائلة فقطع أصابعها فولت فضرب عجيزتها بيده وقال: إنها لكبيرة العجيزة. وضرب عثمان فقتله، فجاء غلام عثمان فضرب سودان فقتله، فضرب الغلام رجل يقال له قترة (1) فقتله. وذكر ابن جرير أنهم أرادوا حز رأسه بعد قتله، فصاح النساء وضربن وجوههن، فيهن امرأتاه نائلة وأم البنين، وبناته، فقال ابن عديس: اتركوه، فتركوه. ثم مال هؤلاء الفجرة على


(1) في الطبري والكامل والمسعودي: قتيرة. (*)

[ 211 ]

ما في البيت فنهبوه، وذلك أنه نادى مناد منهم: أيحل لنادمه ولا يحل لنا ماله، فانتهبوه ثم خرجوا فأغلقوا الباب على عثمان وقتيلين معه، فلما خرجوا إلى صحن الدار وثب غلام لعثمان على قترة فقتله، وجعلوا لا يمرون على شئ إلا أخذوه حتى استلب رجل يقال له كلثوم التجيبي، ملاءة نائلة، فضربه غلام لعثمان فقتله، وقتل الغلام أيضا، ثم تنادى القوم: أن أدركوا بيت المال لا تستبقوا إليه، فسمعهم حفظة بيت المال فقالوا: يا قوم النجا النجا، فإن هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من أن قصدهم قيام الحق والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما ادعوا أنهم إنما قاموا لاجله وكذبوا إنما قصدهم الدنيا، فانهزموا وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شئ كثير جدا. فصل ولما وقع هذا الامر العظيم، الفظيع الشنيع، أسقط في أيدي الناس، فأعظموه جدا، وندم أكثر هؤلاء الجهلة الخوارج بما صنعوا، وأشبهوا من تقدمهم ممن قص الله علينا خبرهم في كتابه العزيز، من الذين عبدوا العجل. في قوله تعالى * (ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين) * [ الاعراف: 149 ]. ولما بلغ الزبير مقتل عثمان - وكان قد خرج من المدينة - قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم ترحم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تبا لهم، ثم تلا قوله تعالى * (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون. فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون) * [ يس: 49 ] وبلغ عليا قتله فترحم عليه. وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى * (كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين) * [ الحشر: 16 ] ولما بلغ سعد ابن أبي وقاص قتل عثمان استغفر له وترحم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه * (قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) * [ الكهف: 103 ] ثم قال سعد: اللهم اندمهم ثم خذهم. وقد أقسم بعض السلف بالله إنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولا. رواه ابن جرير. وهكذا ينبغي أن يكون لوجوه (منها) دعوة سعد المستجابة كما ثبت في الحديث الصحيح وقال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن. وقال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث قال: الذي قتل عثمان كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي. وكانت امرأة منظور ابن سيار الفزاري تقول: خرجنا إلى الحج وما علمنا لعثمان بقتل، حتى إذا كنا بالمرج (1) سمعنا رجلا يغني تحت الليل:


(1) في الطبري: العرج. والعرج عقبة بين مكة والمدينة على جادة الحاج (معجم البلدان). (*)

[ 212 ]

ألا إن خير الناس بعد ثلاثة * قتيل التجيبي الذي جاء من مصر ولما رجع الحج وجدوا عثمان رضي الله عنه قد قتل، وبايع الناس علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ولما بلغ أمهات المؤمنين في أثناء الطريق أن عثمان قد قتل، رجعن إلى مكة فأقمن بها نحوا من أربعة أشهر كما سيأتي. فصل كانت مدة حصار عثمان رضي الله عنه في داره أربعين يوما على المشهور، وقيل كانت بضعا وأربعين يوما. وقال الشعبي: كانت ثنتين وعشرين ليلة. ثم كان قتله رضي الله عنه في يوم الجمعة بلا خلاف. قال سيف بن عمر عن مشايخه: في آخر ساعة منها، ونص عليه مصعب بن الزبير وآخرون. وقال آخرون ضحوة نهارها، وهذا أشبه، وكان ذلك لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة على المشهور، وقيل في أيام التشريق، رواه ابن جرير: حدثني أحمد بن زهير ثنا أبو خيثمة ثنا وهب بن جرير (1) سمعت يونس عن يزيد عن الزهري. قال: قتل عثمان فزعم بعض الناس أنه قتل في أيام التشريق، وقال بعضهم قتل يوم الجمعة لثلاث (2) خلت من ذي الحجة. وقيل قتل يوم النحر، حكاه ابن عساكر ويستشهد له بقول الشاعر: ضحوا بأشمط عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا قال: والاول هو الاشهر، وقيل إنه قتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على الصحيح المشهور، وقيل سنة ست وثلاثين، قال مصعب بن الزبير وطائفة: وهو غريب. فكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما (3)، لانه بويع له في مستهل المحرم سنة أربع وعشرين. فأما عمره رضي الله عنه فإنه جاوز ثنتين وثمانين سنة، وقال صالح بن كيسان: توفي عن ثنتين وثمانين سنة وأشهر، وقيل: أربع وثمانون سنة، وقال قتادة: توفي عن ثمان وثمانين أو تسعين سنة. وفي رواية عنه توفي عن ست وثمانين سنة. وعن هشام بن الكلبي: توفي عن خمس وسبعين سنة، وهذا غريب جدا، وأغرب منه ما رواه سيف بن عمر عن مشايخه، وهم محمد وطلحة وأبو عثمان وأبو حارثة أنهم قالوا: قتل عثمان رضي الله عنه عن ثلاث وستين سنة.


(1) زاد الطبري في روايته: قال سمعت أبي قال: (2) في الطبري: لثماني عشرة ليلة، وقال ابن الاعثم: قتل يوم الخميس لثماني عشرة خلت من ذي الحجة 2 / 241 وفي مروج الذهب ليلة الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجة 2 / 382. (3) في مروج الذهب: 2 / 366: إلا ثمانية أيام. وقال ابن الاعثم: كان مقتله على رأس احدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وثمانية عشر يوما وذكر ابن عبد البر عن الواقدي يوم الجمعة لثمان ليال خلت من ذي الحجة يوم التروية سنة خمس وثلاثين، وعن الواقدي أيضا قال: لليلتين بقيتا من ذي الحجة (هامش الاصابة 3 / 76 - 77). (*)

[ 213 ]

وأما موضع قبره فلا خلاف أنه دفن بحش كوكب - شرقي البقيع - وقد بني عليه زمان بني أمية قبة عظيمة وهي باقية إلى اليوم. قال الامام مالك رضي الله عنه: بلغني أن عثمان رضي الله عنه كان يمر بمكان قبره من حش كوكب فيقول: إنه سيدفن ههنا رجل صالح. وقد ذكر ابن جرير أن عثمان رضي الله عنه بقي بعد أن قتل ثلاثة أيام لا يدفن. قلت: وكأنه اشتغل الناس عنه بمبايعة علي رضي الله عنه حتى تمت، وقيل إنه مكث ليلتين، وقيل بل دفن من ليلته، ثم كان دفنه ما بين المغرب والعشاء خيفة من الخوارج، وقيل بل استؤذن في ذلك بعض رؤسائهم. فخرجوا به في نفر (1) قليل من الصحابة، فيهم حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، وأبو الجهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم الاسلمي، وجبير بن مطعم، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، وطلحة والزبير، وعلي بن أبي طالب وجماعة من أصحابه ونسائه، منهن امرأتاه نائلة وأم البنين بنت عتبة بن حصين، وصبيان. وهذا مجموع من كلام الواقدي وسيف بن عمر التميمي - وجماعة من خدمه حملوه على باب بعد ما غسلوه وكفنوه. وزعم بعضهم أنه لم يغسل ولم يكفن، والصحيح الاول. وصلى عليه جبير بن مطعم، وقيل الزبير بن العوام، وقيل حكيم بن حزام، وقيل مروان بن الحكم، وقيل المسور بن مخرمة وقد عارضه بعض الخوارج وأرادوا رجمه، وإلقاءه عن سريره، وعزموا على أن يدفن بمقبرة اليهود بدير سلع، حتى بعث علي رضي الله عنه إليهم من نهاهم عن ذلك وحمل جنازته حكيم بن حزام، وقيل مروان بن الحكم، وقيل المسور بن مخرمة، وأبو جهم بن حذيفة ونيار بن مكرم، وجبير بن مطعم، وذكر الواقدي أنه لما وضع ليصلى عليه - عند مصلى الجنائز - أراد بعض الانصار أن يمنعهم من ذلك، فقال أبو جهم بن حذيفة: ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته ثم قالوا: لا يدفن في البقيع ولكن ادفنوه وراء الحائط، فدفنوه شرقي البقيع تحت نخلات هناك. وذكر الواقدي أن عمير بن ضابي نزا على سريره وهو موضوع للصلاة عليه فكسر ضلعا من أضلاعه وقال: أحبست ضابيا حتى مات في السجن. وقد قتل الحجاج فيما بعد عمير بن ضابي هذا وقال البخاري في التاريخ: حدثنا موسى بن إسماعيل عن عيسى بن منهال ثنا غالب عن محمد بن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة وإذا رجل يقول: اللهم اغفر لي، وما أظن أن تغفر لي، فقلت: يا عبد الله ما سمعت أحدا يقول ما تقول، قال: كنت أعطيت لله عهدا إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته، فلما قتل وضع على سريره في البيت والناس يجيئون يصلون عليه، فدخلت كأني أصلي عليه، فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه ولحيته ولطمته وقد يبست يميني. قال ابن سيرين: فرأيتها يابسة كأنها عود. ثم أخرجوا بعبدي عثمان اللذين قتلا في الدار، وهما صبيح


(1) في طبقات ابن سعد 3 / 79: في ستة عشر رجلا. وقال الواقدي: حمله أربعة رجال: جبير بن مطعم وحكيم بن حزام وأبو حذيفة بن حذيفة ونيار بن مكرم وصلى عليه جبيرا، قال ابن سعد وهذا أثبت. (*)

[ 214 ]

ونجيح، رضي الله عنهما، فدفنا إلى جانبه بحش كوكب، وقيل إن الخوارج لم يمكنوا من دفنهما، بل جروهما بأرجلهما حتى ألقوهما بالبلاط فأكلتهما الكلاب، وقد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان، ورفع الجدار بينه وبين البقيع، وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله حتى اتصلت بمقابر المسلمين. ذكر صفته رضي الله عنه كان رضي الله عنه حسن الوجه دقيق (1) البشرة، كبير اللحية، معتدل القامة، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، حسن الثغر، فيه سمرة، وقيل كان في وجهه شئ من آثار الجدري، رضي الله عنه. وعن الزهري: كان حسن الوجه والثغر، مربوعا، أصلع، أروح الرجلين. يخضب بالصفرة وكان قد شد أسنانه بالذهب وقد كسى ذراعيه الشعر. وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي سبرة عن سعيد بن أبي زيد، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عتبة. قال: كان لعثمان عند خازنه يوم قتل، ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، ومائة ألف دينار (2)، فانتهبت وذهبت، وترك ألف بعير بالربذة، وترك صدقات كان تصدق بها، بئر أريس، وخيبر، ووادي القرى، فيه مائتا ألف دينار. [ وبئر رومة كان اشتراها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسبلها ] (3). فصل قال الاعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة أنه قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن الدجال. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق شبابة عن حفص بن مورق الباهلي، عن حجاج بن أبي عمار الصواف عن زيد بن وهب عن حذيفة. قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال، والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه، آن به في قبره. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا وغيره: أنا محمد ابن سعد أنا عمرو بن عاصم الكلابي ثنا أبو الاشهب حدثني عوف عن محمد بن سيرين أن حذيفة


(1) في رواية الواقدي: رقيق البشرة. (2) في رواية ابن سعد عن الواقدي: خمسون ومائة ألف دينار 3 / 76 وقال في مروج الذهب: كان له عند خازنه من المال خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار وخلف خيلا كثيرا وإبلا. 2 / 367. (3) سقطت من رواية الواقدي، وزادها في عقد الجمان ونسبها لابن كثير. (*)

[ 215 ]

ابن اليمان قال: اللهم إن كان قتل عثمان بن عفان خيرا. فليس لي فيه نصيب، وإن كان قتله شرا فأنا منه برئ، والله لئن كان قتله خيرا ليحلبنه لبنا، وإن كان قتله شرا ليمتص به دما (1). وقد ذكره البخاري في صحيحه. طريق أخرى عنه قال محمد بن عائذ: ذكر محمد بن حمزة حدثني أبو عبد الله الحراني أن حذيفة بن اليمان في مرضه الذي هلك فيه كان عنده رجل من إخوانه وهو يناجي امرأته ففتح عينيه فسألهما فقالا خيرا، فقال: شيئا تسرانه دوني ما هو بخير، قال: قتل الرجل - يعني عثمان - قال: فاسترجع ثم قال: اللهم إني كنت من هذا الامر بمعزل، فإن كان خيرا فهو لمن حضره وأنا منه برئ، وإن كان شرا فهو لمن حضره وأنا منه برئ، اليوم تغيرت القلوب يا عثمان، الحمد لله الذي سبق بي الفتن، قادتها وعلوجها الخطى، من تردى بغيره فشبع شحما وقبل عمله. وقال الحسن بن عرفة: ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي موسى الاشعري: قال لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الامة لبنا، ولكنه كان ضلالا فاحتلبت به الامة دما، وهذا منقطع. وقال محمد بن سعد: أنا عارم (2) بن الفضل أنا الصعق بن حزن ثنا قتادة عن زهدم الجرمي. قال: خطب ابن عباس فقال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء. وقد روي من غير هذا الوجه عنه. وقال الاعمش وغيره عن ثابت بن عبيد عن أبي جعفر الانصاري. قال: لما قتل عثمان جئت عليا وهو جالس في المسجد وعليه عمامة سوداء فقلت له: قتل عثمان، فقال: تبا لهم آخر الدهر. وفي رواية: خيبة لهم. وقال أبو القاسم البغوي: أنبأنا علي بن الجعد أنا شريك عن عبد الله بن عيسى عن ابن أبي ليلى. قال: سمعت عليا وهو بباب المسجد أو عند أحجار الزيت (3) رافعا صوته يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان. وقال أبو هلال عن قتادة عن الحسن. قال: قتل عثمان وعلي غائب في أرض له (4)، فلما بلغه قال: اللهم إني لم أرض ولم أمالئ. وروى الربيع بن بدر عن سيار بن سلامة عن أبي العالية: أن عليا دخل على عثمان فوقع عليه وجعل يبكي حتى ظنوا أنه سيلحق به. وقال الثوري وغيره عن ليث عن طاووس عن ابن عباس قال: قال علي يوم قتل عثمان: والله ما قتلت ولا أمرت ولكني غلبت.


(1) انظر طبقات ابن سعد 3 / 82. (2) من ابن سعد 3 / 80 وفي الاصل حازم تحريف (3) أحجار الزيت: موضع بالمدينة كان فيه أحجار علا عليها الطريق فاندفنت. (4) في فتوح ابن الاعثم: عرف الضبع، سمي بالضبع لما عليه من الحجارة التي كانت منضدة تشبيها لها بالضبع وعرفها لان للضبع عرفا من رأسها إلى ذنبها. (معجم البلدان) وقيل موضع قبل حرة بني سليم. (*)

[ 216 ]

ورواه غير ليث عن طاوس عن ابن عباس عن علي نحوه. وقال حبيب بن أبي العالية عن مجاهد عن ابن عباس. قال: قال علي إن شاء الناس حلفت لهم عند مقام إبراهيم بالله ما قتلت عثمان ولا أمرت بقتله، ولقد نهيتهم فعصوني، وقد روي من غير وجه عن علي بنحوه (1). وقال محمد ابن يونس الكديمي: ثنا هارون بن إسماعيل ثنا قرة بن خالد عن الحسن عن قيس بن عباد. قال: سمعت عليا يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاؤوني للبيعة فقلت: والله إني لاستحيي من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لاستحيي ممن تستحي منه الملائكة " (2) وإني لاستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل في الارض لم يدفن بعد، فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس يسألوني البيعة فقلت: اللهم إني أشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزمة فبايعت. فلما قالوا: أمير المؤمنين كان صدع قلبي وأسكت نفرة من ذلك وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر يجمع الطرق الواردة عن علي أنه تبرأ من دم عثمان، وكان يقسم على ذلك في خطبه وغيرها أنه لم يقتله ولا أمر بقتله ولا مالا ولا رضي به، ولقد نهى عنه فلم يسمعوا منه. ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث ولله الحمد والمنة. وثبت عنه أيضا من غير وجه أنه قال: إني لارجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى فيهم * (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) * [ الحجر: 47 ] وثبت عنه أيضا من غير وجه أنه قال: * (كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا) * [ المائدة: 93 ] وفي رواية أنه قال: كان عثمان رضي الله عنه خيرنا وأوصلنا للرحم، وأشدنا حياء، وأحسننا طهورا، وأتقانا للرب عز وجل. وروى يعقوب بن سفيان عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن مجالد عن عمير بن رودى (كذا) أبي كثير. قال: خطب علي فقطع الخوارج عليه خطبته فنزل فقال: إن مثلي ومثل عثمان كمثل أثوار ثلاثة، أحمر وأبيض وأسود، ومعهم في أجمة أسد، فكان كلما أراد قتل أحدهم منعه الآخران، فقال للاسود والاحمر: إن هذا الابيض قد فضحنا في هذه الاجمة فخليا عنه حتى آكله، فخليا عنه فأكله، ثم كان كلما أراد أحدهما منعه الآخر فقال للاحمر: إن هذا الاسود قد فضحنا في هذه الاجمة، وإن لوني على لونك فلو خليت عنه أكلته فخلى عنه الاحمر فأكله، ثم قال للاحمر: إني آكلك، فقال: دعني حتى أصيح ثلاث صيحات، فقال دونك، فقال: ألا إني إنما أكلت يوم أكل البيض ثلاثا فلو أني نصرته لما أكلت ثم قال علي: وإنما أنا وهنت يوم قتل عثمان، ولو أني نصرته لما وهنت قالها ثلاثا. وروى ابن عساكر من طريق محمد بن هارون الحضرمي عن سويد بن عبد الله القشيري القاضي عن ابن مهدي عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب. قال: كانت المرأة تجئ في زمان عثمان إلى بيت المال فتحمل وقرها وتقول: اللهم


(1) الخبر في طبقات ابن سعد 3 / 82. (2) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة ح‍ (26) والامام أحمد في المسند 1 / 71، 6 / 63، 155، 288. (*)

[ 217 ]

بدل، اللهم غير. فقال حسان بن ثابت حين قتل عثمان رضي الله عنه: قلتم بدل فقد بدلكم * سنة حرى وحربا كاللهب ما نقمتم من ثياب خلفة * وعبيد وإماء وذهب قال: وقال أبو حميد أخو بني ساعدة - وكان ممن شهد بدرا، وكان ممن جانب عثمان - فلما قال: والله ما أردنا قتله، ولا كنا نرى أن يبلغ منه القتل، اللهم إن لك علي أن لا أفعل كذا وكذا أضحك حتى ألقاك (1)، وقال محمد بن سعد أنا عبد الله بن إدريس أنا إسماعيل بن أبي خالد أنا قيس بن أبي حازم عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. قال: لقد رأيتني وأن عمر موثقي وأخته الاسلام، ولو أرفض أحد فيما صنعتم بإبن عفان لكان حقيقا. وهكذا رواه البخاري في صحيحه وروى محمد بن عائذ عن إسماعيل بن عباس عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير. قال سمع عبد الله بن سلام رجلا يقول لآخر: قتل عثمان بن عفان فلم ينتطح فيه عنزان. فقال: سلام أجل ! إن البقر والمعز لا تنتطح في قتل الخليفة، ولكن ينتطح فيه الرجال بالسلاح، و لنقتلن به أقوام إنهم لفي أصلاب آبائهم ما ولدوا بعد. وقال ليث عن طاوس. قال: قال سلام: يحكم عثمان يوم القيامة في القاتل والخاذل. وقال أبو عبد الله المحاملي: ثنا أبو الاشعث حزم بن أبي حزم سمعت أبا الاسود يقول سمعت أبا بكرة يقول: لان أخر من السماء إلى الارض أحب إلي من أن أشرك في قتل عثمان. وقال أبو يعلى: ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ثنا محمد بن عباد الهباني ثنا البراء بن أبي فضال ثنا الحضرمي عن أبي مريم رضيع الجارود. قال: كنت بالمدينة فقام الحسن بن علي خطيبا فقال: أيها الناس ! رأيت البارحة في منامي عجبا، رأيت الرب تبارك وتعالى فوق عرشه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام عند قائمة من قوائم العرش، فجاء أبو بكر فوضع يده على منكب النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء عمر فوضع يده على منكب أبي بكر، ثم جاء عثمان فكان بيده - دم رأسه - فقال: رب سل عبادك فيم قتلوني ؟ فانبعث من السماء ميزابان من دم في الارض، قال لعلي ألا ترى ما يحدث به الحسن ؟ ! فقال: حدث بما رأى. ورواه أبو يعلى أيضا عن سفيان بن عن جميع بن عمير عن عبد الرحمن بن مجالد عن حرب العجلي: سمعت الحسن بن علي يقول كنت لاقاتل بعد رؤيا رأيتها، رأيت العرش ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلق بالعرش، ورأيت أبا بكر واضعا يده على منكب رسول الله، وكان عمر واضعا يده على منكب أبي بكر، ورأيت عثمان واضعا يده على منكب عمر، ورأيت دما دونهم، فقلت: ما هذا ؟ فقيل: دم عثمان يطلب الله به. ثنا مسلم بن إبراهيم: ثنا سلام بن مسكين عن وهب بن شبيب عن زيد بن صوحان أنه قال: يوم قتل عثمان نفرت القلوب منافرها، والذي نفسي بيده لا تتألف إلى يوم القيامة، وقال محمد بن سيرين قالت عائشة: مصصتموه مص الاناء ثم قتلتموه ؟ وقال خليفة بن خياط: ثنا أبو قتيبة ثنا يونس


(1) الخبر رواه ابن سعد من طريق سليمان بن حرب 3 / 81. (*)

[ 218 ]

أبي إسحاق، عن عون بن عبد الله بن عتبة. قال: قالت عائشة: غضبت لكم من السوط ولا أغضب لعثمان من السيف، استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالعقب المصفى قتلتموه. وقال أبو معاوية عن الاعمش، عن خيثمة عن مسروق. قال: قالت عائشة حين قتل عثمان: تركتموه كالثوب النقي من الدنس ثم قتلتموه. وفي رواية: ثم قربتموه ثم ذبحتموه كما يذبح الكبش ؟ فقال لها مسروق: هذا عملك، أنت كتبت إلى الناس تأمريهم أن يخرجوا إليه، فقالت: لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا. قال الاعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها. وهذا إسناد صحيح إليها. وفي هذا وأمثاله دلالة ظاهرة على أن هؤلاء الخوارج قبحهم الله، زوروا كتبا على لسان الصحابة إلى الآفاق يحرضونهم على قتال عثمان، كما قدمنا بيانه ولله الحمد والمنة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا حزم القطعي، ثنا أبو الاسود بن سوادة أخبرني طلق بن حسان قال: قال قتل عثمان فتفرقنا في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نسألهم عن قتله فسمعت عائشة تقول: قتل مظلوما لعن الله قتلته. وروى محمد بن عبد الله الانصاري عن أبيه عن ثمامة عن أنس. قال: قالت أم سليم لما سمعت بقتل عثمان: رحمه الله، أما إنه لم يحلبوا بعده إلا دما. وأما كلام أئمة التابعين في هذا الفصل فكثير جدا يطول ذكرنا له، فمن ذلك قول أبي مسلم الخولاني حين رأى الوفد الذين قدموا من قتله أنكم مثلهم أو أعظم جرما أما مررتم ببلاد ثمود ؟ قالوا: نعم ! قال: فأشهد أنكم مثلهم، لخليفة الله أكرم عليه من ناقته. وقال ابن علية عن يونس ابن عبيد عن الحسن. قال: لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الامة لبنا، ولكنه كان ضلالا فاحتلبت به الامة دما. وقال أبو جعفر الباقر: كان قتل عثمان على غير وجه الحق (1). وهذا ذكر بعض ما رثي به رضي الله عنه قال مجالد عن الشعبي: ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك: فكف يديه ثم أغلق بابه * وأيقن أن الله ليس بغافل وقال لاهل الدار لا تقتلوهم * عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل فكيف رأيت الله صب عليهم * العداوة والبغضاء بعد التواصل وكيف رأيت الخير أدبر بعده * عن الناس إدبار النعام الجوافل (2)


(1) ذكر ابن سعد في طبقاته ما قاله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في قتله بأسانيد وطرق كثيرة ج 3 / 80 وما بعدها (2) في الاستيعاب: السحاب الحوافل (*)

[ 219 ]

وقد نسب هذه الابيات سيف بن عمر إلى أبي المغيرة الاخنس بن شريق (1). وقال سيف بن عمر: وقال حسان بن ثابت: ماذا أردتم من أخي الدين باركت * يد الله في ذاك الاديم المقدد قتلتم ولي الله في جوف داره * وجئتم بأمر جائر غير مهتد فهلا رعيتم ذمة الله بينكم * وأوفيتم بالعهد عهد محمد ألم يك فيكم ذا بلاء ومصدق * وأوفاكم عهدا لدى كل مشهد فلا ظفرت أيمان قوم تبايعوا (2) * على قتل عثمان الرشيد المسدد وقال ابن جرير: وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه: من سره الموت صرفا لا مزاج له * فليأت مأسدة في دار عثمانا مستحقبي حلق الماذي قد سفعت (3) * فوق المخاطم بيض زان أبدانا ضحوا بأشمط عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا (4) صبرا فدى لكم أمي وما ولدت * وقد ينفع الصبر في المكروه أحيانا فقد رضينا (5) بأرض الشام نافرة * وبالامير وبالاخوان إخوانا إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا * ما دمت حيا وما سميت حسانا لتسمعن وشيكا في ديارهم * الله أكبر يا ثارات عثمانا (6) يا ليت شعري وليت الطير تخبرني * ما كان شأن علي وابن عفانا [ وهو القائل أيضا: إن تمس دار ابن أروى منه خاوية * باب صريع وباب محرق خرب فقد يصادف باغي العرف حاجته * فيها ويأوي إليها المجد والحسب (7)


(1) وقال مصعب هي لحسان وقال عمر بن شبة هي للوليد بن عقبة بن أبي معيط (الاستيعاب). (2) في الاستيعاب: تعاونوا. (3) في الطبري والكامل وابن الاعثم: مستشعري حلق الماذي قد شفعت. (4) سقط من الطبري وأثبته في الاستيعاب وقال: هذا البيت يختلف فيه ينسب إلى غيره وقال بعضهم هو لعمران بن حطان. وهو في الكامل. (5) في ابن الاعثم: رضيت حقا. (6) البيت في فتوح ابن الاعثم: لتسمعن وشيكا في دياركم * خيلا تكدس تحت النخع فرسانا (7) البيت في الطبري والكامل: فقد يصادف باغي الخير حاجته * فيها ويهوي إليها الذكر والحسب = (*)

[ 220 ]

يا معشر الناس ابدوا ذات أنفسكم * لا يستوي الصدق عند الله والكذب وقال الفرزدق: إن الخلافة لما أظعنت ظعنت * عن أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا صارت إلى أهلها منهم ووارثها * لما رأى الله في عثمان ما انتهكوا السافكي دمه ظلما ومعصية * أي دم لا هدوا من غيتهم سفكوا ] (1) وقال راعي الابل النميري في ذلك: عشية يدخلون بغير إذن * على متوكل أوفى وطابا خليل محمد ووزير صدق * ورابع خير من وطئ الترابا فصل إن قال قائل كيف وقع قتل عثمان رضي الله عنه بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة رضي الله عنهم ؟ فجوابه من وجوه (أحدها) أن كثيرا منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الامر إلى قتله، فإن أولئك الاحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عينا، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة، إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان، أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة. وأما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع، ولا أن هؤلاء يجترئون عليه إلى ما هذا حده، حتى وقع ما وقع والله أعلم. - الثاني - أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة، ولكن لما وقع التضييق الشديد، عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا، فتمكن أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية - الثالث - أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج، ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة، بل لما اقترب مجيئهم، انتهزوا فرصتهم، قبحهم الله، وصنعوا ما صنعوا من الامر العظيم - الرابع - أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبا من ألفي مقاتل من الابطال، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة، لان الناس كانوا في الثغور وفي الاقاليم في كل جهة، ومع هذا كان كثير من الصحابة اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم، ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجئ إلا ومعه السيف، يضعه على حبوته إذا احتبى، والخوارج محدقون بدار عثمان رضي الله عنه، وربما لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك، ولكن كبار


= وفي الاستيعاب: فيها ويأوي إليها الجود والحسب. (1) في هامش النسخة المطبوعة قال: زيادة من تاريخ البدر العيني نقلها في سياق عبارة ابن كثير. وأورد ابن عبد البر في الاستيعاب البيتان الاول والثاني ونسبهما إلى حميد بن ثور الهلالي. (*)

[ 221 ]

الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يحاجفون عن عثمان رضي الله عنه، لكي تقدم الجيوش من الامصار لنصرته، فما فجئ الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها، وأحرقوا بابها، وتسوروا عليه حتى قتلوه، وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان رضي الله عنه، بل كلهم كرهه، ومقته، وسب من فعله، ولكن بعضهم كان يود لو خلع نفسه من الامر، كعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق وغيرهم. وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة سهم بن خنش أو خنيش أو خنش الازدي - وكان قد شهد الدار - ورواه محمد بن عائذ عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن يزيد الرجي عنه وكان قد استعاده عمر بن عبد العزيز إلى دير سمعان فسأله عن مقتل عثمان فذكر ما ملخصه: أن وفد السبائية وفد مصر كانوا قد قدموا على عثمان فأجازهم وأرضاهم فانصرفوا راجعين ثم كروا إلى المدينة فوافقوا عثمان قد خرج لصلاة الغداة أو الظهر فحصبوه بالحصا والنعال والخفاف فانصرف إلى الدار ومعه أبو هريرة والزبير وابنه عبد الله وطلحة ومروان والمغيرة بن الاخنس في ناس، وأطاف وفد مصر بداره، فاستشار الناس فقال عبد الله بن الزبير: يا أمير المؤمنين إني أشير بإحدى ثلاث خصال إما أن تحرم بعمرة فيحرم عليهم دماؤنا وإما أن نركب معك إلى معاوية بالشام، وإما أن نخرج فنضرب بالسيف إلى أن يحكم الله بيننا وبينهم فأنا على الحق وهم على الباطل. فقال عثمان: أما ما ذكرت من الاحياء بعمرة فتحرم دماؤنا فإنهم يرونا ضلالا الآن وحال الاحرام وبعد الاحرام، وأما الذهاب إلى الشام فإني أستحيي أن أخرج من بينهم خائفا فيراني أهل الشام وتسمع الاعداء من الكفار ذلك، وأما القتال فإني أرجو أن ألقى الله وليس يهراق بسببي محجمة دم. قال: ثم صلينا معه صلاة الصبح ذات يوم فلما فرغ أقبل على الناس فقال: إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني الليلة فقالا لي: صم يا عثمان فإنك تفطر عندنا، وإني أشهدكم أني قد أصبحت صائما وإني أعزم على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخرج من الدار سالما مسلوما منه. فقلنا: يا أمير المؤمنين إن خرجنا لم نأمن منهم علينا فأذن لنا أن نكون معه في بيت من الدار تكون لنا فيه جماعة ومنعة، ثم أمر بباب الدار ففتح ودعا بالمصحف فأكب عليه وعنده امرأتاه بنت الفرافصة وابنة شيبة فكان أول من دخل عليه محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته فقال: دعها يا بن أخي فوالله لقد كان أبوك يتلهف لها بأدنى من هذا، فاستحيى فخرج فقال للقوم: قد أشعرته لكم وأخذ عثمان ما امتعط من لحيته فأعطاه إحدى امرأتيه ثم دخل رومان بن سودان رجل أزرق قصير محدد عداده من مراد معه حرف من حديد فاستقبله فقال: على أي ملة أنت يا نعثل ؟ فقال عثمان: لست بنعثل ولكني عثمان بن عفان، وأنا على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين فقال: كذبت، وضربه بالحرف على صدغه الايسر فقتله فخر فأدخلته نائلة بينها وبين ثيابها - وكانت جسيمة ضليعة - فألقت نفسها عليه وألقت بنت شيبة نفسها على ما بقى من جسده ودخل رجل من

[ 222 ]

أهل مصر بالسيف مصلتا فقال: والله لاقطعن أنفه فعالج المرأة عنه فغلبته فكشف عنها درعها من خلفها حتى نظر إلى متنها فلما لم يصل إليه أدخل السيف بين قرطها ومنكبها فقبضت على السيف فقطع أناملها، فقالت: يا رباح، لغلام عثمان أسود يا غلام ادفع عني هذا الرجل، فمشى إليه الغلام فضربه فقتله وخرج أهل البيت يقاتلون عن أنفسهم فقتل المغيرة بن الاخنس وجرح مروان ؟ ال: فلما أمسينا قلنا: إن تركتم صاحبكم حتى يصبح مثلوا به فاحتملناه إلى بقيع الغرقد في جوف الليل وغشينا سواد من خلفنا فهبناهم وكدنا أن نتفرق عنه فنادى مناديهم: أن لا روع عليكم البثوا إنما جئنا لنشهده معكم - وكان أبو حبيش يقول: هم ملائكة الله - فدفناه ثم هربنا إلى الشام من ليلتنا فلقينا الجيش بوادي القرى عليه حبيب بن مسلمة قد أتوا في نصرة عثمان فأخبرناهم بقتله ودفنه. وقال أبو عمر بن عبد البر: دفنوا عثمان رضي الله عنه بحش كوكب (1) - وكان قد اشتراه ؟ زاده في البقيع - ولقد أحسن بعض السلف إذ يقول وقد سئل عن عثمان: هو أمير البررة، وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، منصور من نصره. وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي في آخر ترجمة عثمان وفضائله - بعد حكايته هذا الكلام: للذين قتلوه أو ألبوا عليه قتلوا إلى عفو الله ورحمته، والذين خذلوه خذلوا وتنغص عيشهم، وكان ؟ ؟ للك بعده في نائبه معاوية وبنيه، ثم في وزيره مروان وثمانية من ذريته، استطالوا حياته وملوه مع ؟ ضله وسوابقه، فتملك عليهم من هو من بني عمه بضعا وثمانين سنة، فالحكم لله العلي الكبير. هذا لفظه بحروفه. بعض الاحاديث الواردة في فضائل عثمان بن عفان هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن ؟ ياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. أبو عمرو وأبو عبد الله، القرشي، الاموي، أمير المؤمنين، ذو النورين، وصاحب الهجرتين، وزوج الابنتين. وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن عبد شمس. وأمها أم حكيم وهي البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والانصار رضي الله عنهم، فكان ثالث الخلفاء الراشدين، والائمة المهديين، المأمور باتباعهم والاقتداء بهم. أسلم عثمان رضي الله عنه قديما على يدي أبي بكر الصديق، وكان سبب إسلامه عجيبا فيما


(1) حش كوكب: الحش البستان، وكوكب: رجل من الانصار. (*)

[ 223 ]

ذكره الحافظ ابن عساكر، وملخص ذلك أنه لما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنته رقية - وكانت ذات جمال - من ابن عمها عتبة بن أبي لهب، تأسف إذ لم يكن هو تزوجها، فدخل على أهله مهموما فوجد عندهم خالته سعدى بنت كريز - وكانت كاهنة - فقالت له: أبشر وحييت ثلاثا تترا، ثم ثلاثا وثلاثا أخرى، ثم بأخرى كي تتم عشرا، أتاك خير ووقيت شرا، أنكحت والله حصانا زهرا، وأنت بكر ولقيت بكرا، وافيتها بنت عظيم قدرا، بنيت أمرا قد أشاد ذكرا * قال عثمان: فعجبت من أمرها حيث تبشرني بالمرأة قد تزوجت بغيري: فقلت: يا خالة ! ما تقولين ؟ فقالت: عثمان لك الجمال، ولك اللسان، هذا النبي معه البرهان. أرسله بحقه الديان. وجاءه التنزيل والفرقان، فاتبعه لا تغتالك الاوثان. قال: فقلت إنك لتذكرين أمرا ما وقع ببلدنا. فقالت: محمد بن عبد الله، رسول من عند الله، جاء بتنزيل الله، يدعو به إلى الله، ثم قالت: مصباحه مصباح، ودينه فلاح، وأمره نجاح، وقرنه نطاح، ذلت له البطاح، ما ينفع الصياح، لو وقع الذباح، وسلت الصفاح ومدت الرماح. قال عثمان: فانطلقت مفكرا فلقيني أبو بكر فأخبرته، فقال: ويحك يا عثمان إنك لرجل حازم، ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الاصنام التي يعبدها قومنا ؟ أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع ؟ قال قلت بلى ! والله إنها لكذلك، فقال: والله لقد صدقتك خالتك، هذا رسول الله محمد بن عبد الله، قد بعثه الله إلى خلقه برسالته، هل لك أن تأتيه ؟ فاجتمعنا برسول الله فقال: يا عثمان أجب الله إلى حقه، فإني رسول الله إليك وإلى خلقه قال: فوالله ما تمالكت نفسي منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يقال: أحسن زوج رآه إنسان * رقية وزوجها عثمان فقالت في ذلك سعدى بنت كريز: هدى الله عثمانا بقولي إلى الهدى * وأرشده والله يهدي إلى الحق فتابع بالرأي السديد محمدا * وكان برأي لا يصد عن الصدق وأنكحه المبعوث بالحق بنته * فكانا كبدر مازج الشمس في الافق فداؤك يا بن الهاشميين مهجتي * وأنت أمين الله أرسلت للخلق قال: ثم جاء أبو بكر من الغد بعثمان بن مظعون، وبأبي عبيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سلمة بن عبد الاسد، والارقم بن أبي الارقم، فأسلموا وكانوا مع من اجتمع مع رسول الله ثمانية وثلاثون رجلا. وهاجر إلى الحبشة أول الناس ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة، فلما كانت وقعة بدر اشتغل بتمريض ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام بسببها في المدينة، وضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه منها وأجره فيها، فهو معدود فيمن شهدها.

[ 224 ]

؟ ؟ وفيت زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأختها أم كلثوم فتوفيت أيضا في صحبته، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ؟ ؟ ؟ ؟ كان عندنا أخرى لزوجناها بعثمان " وشهد أحدا وفر يومئذ فيمن تولى، وقد نص الله على العفو ؟ ؟ ؟ ؟ ؟، وشهد الخندق والحديبية، وبايع عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بإحدى يديه، وشهد خيبر ؟ ؟ ؟ القضاء، وحضر الفتح وهوازن والطائف وغزوة تبوك، وجهز جيش العسرة. وتقدم عن ؟ ؟ ؟ الرحمن بن خباب أنه جهزهم يومئذ بثلاثمائة بعير بأقتاببها وأحلاسها، وعن عبد الرحمن بن ؟ ؟ ؟ ؟ أنه جاء يومئذ بألف دينار فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: ما ضر عثمان ما فعل ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ هذا اليوم مرتين. وحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وتوفي وهو عنه راض، وصحب أبا بكر فأحسن صحبته، وتوفي وهو عنه راض، وصحب عمر أحسن صحبته وتوفي وهو عنه ؟ ؟ ؟ ؟ ؟. ونص عليه في أهل الشورى الستة، فكان خيرهم كما سيأتي. فولي الخلافة بعده ففتح الله على يديه كثيرا من الاقاليم والامصار، وتوسعت المملكة الاسلامية، وامتدت الدولة المحمدية، وبلغت الرسالة المصطفوية في مشارق الارض ومغاربها، ؟ ؟ ؟ للناس مصداق قوله تعالى: * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) * [ النور: 55 ] وقوله تعالى: * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ كله ولو كره المشركون) * [ التوبة: 33 ] وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " وهذا كله تحقق ؟ ؟ ؟ ؟ وتأكد وتوطد في زمان عثمان رضي الله عنه. وقد كان رضي الله عنه حسن الشكل، مليح الوجه، كريم الاخلاق، ذا حياء كثير، ؟ ؟ ؟ ؟ غزير، يؤثر أهله وأقاربه في الله، تأليفا لقلوبهم من متاع الحياة الدنيا الفاني، لعله يرغبهم ؟ ؟ ر ما يبقى على ما يفنى، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي أقواما ويدع آخرين، يعطي أقواما خشية ؟ بهم الله على وجوههم في النار، ويكل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الهدى والايمان، ؟ - $ عنت عليه بسبب هذه الخصلة أقوام، كما تعنت بعض الخوارج على رسول الله صلى الله عليه وسلم في. وقد قدمنا ذلك في غزوة حنين حيث قسم غنائمها * وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل ؟ ؟ ؟ ؟ رضي الله عنه نذكر ما تيسر منها إن شاء الله وبه الثقة، وهي قسمان - الاول - فيما ورد في ؟ ؟ ؟ ؟ مع غيره. فمن ذلك الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد عن قتادة أن أنسا حدثهم قال: " صعد النبي صلى الله عليه وسلم أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف اسكن أحد - أظنه ضربه برجله - فليس عليك ألا نبي وصديق وشهيدان (1) " تفرد به دون


؟ ؟ ؟ جه البخاري في فضائل الصحابة ح‍ 3699 فتح الباري 7 / 53. وأخرجه الترمذي في المناقب ح‍ 3697 = (*)

[ 225 ]

مسلم. وقال الترمذي: ثنا قتيبة ثنا عبد العزيز بن محمد بن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله " كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اهدئي فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد (1) ". ثم قال في الباب: عن عثمان (2) وسعيد بن زيد وابن عباس، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وبريدة الاسلمي، وهذا حديث صحيح. قلت: ورواه أبو الدرداء، ورواه الترمذي عن عثمان في خطبته يوم الدار، وقال: على ثبير. حديث آخر وهو عن أبي النهدي عن أبي موسى الاشعري قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط، فأمرني بحفظ الباب، فجاء رجل يستأذن فقلت: من هذا ؟ قال: أبو بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن له وبشره بالجنة. ثم جاء عمر فقال ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فدخل وهو يقول: اللهم صبرا وفي رواية - الله المستعان (3) " رواه عنه قتادة وأيوب السختياني. وقال البخاري: وقال حماد بن زيد: حدثنا عاصم الاحول وعلي بن الحكم سمعا أبا عثمان يحدث عن أبي موسى الاشعري بنحوه، وزاد عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعدا في مكان قد انكشف عن ركبتيه، أو ركبته، فلما دخل عثمان غطاها. وهو في الصحيحين أيضا من حديث سعيد بن المسيب عن أبي موسى، وفيه " أن أبا بكر وعمر دليا أرجلهما مع رسول الله في باب القف وهو في البئر، وجاء عثمان فلم يجد له موضعا " قال سعيد: فأولت ذلك قبورهم اجتمعت وانفرد عثمان. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن مروان، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة. قال: قال نافع بن الحارث: " خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل حائطا فقال: امسك علي الباب، فجاء حتى جلس على القف ودلى رجليه، فضرب الباب فقلت: من هذا ؟ فقال: أبو بكر، فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر، قال: ائذن له وبشره بالجنة، فدخل فجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على


= من طريق محمد بن بشار وفيه: اثبت أحد. ج 5 / 624. (1) أخرجه في المناقب ح‍ 3696 ج 5 / 624. (2) في نسخ البداية المطبوعة: عثمان بن سعيد وهو تحريف وعثمان هو عثمان بن موهب نسبة إلى جده وهو عثمان بن عبد الله بن موهب مولى بني تميم بصري تابعي وسط وهو ثقة باتفاقهم. (3) رواه الترمذي في المناقب ح‍ 3710 وقال هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أبي عثمان النهدي ج 5 / 631 والبخاري في فضائل الصحابة ح‍ 3695 فتح الباري 7 / 53 وح‍ 3674 عن سعيد بن المسيب. ورواه الامام أحمد في مسنده، في الحديث التالي عن نافع بن الحارث ج 3 / 408 و 2 / 165. (*)

[ 226 ]

القف ودلى رجليه في البئر، ثم ضرب الباب: فقلت: من هذا ؟ قال. عمر، قلت: يا رسول الله هذا عمر، قال: ائذن له وبشره بالجنة، ففعلت، فجاء فجلس مع رسول الله على القف ودلى رجليه في البئر، ثم ضرب الباب فقلت: من هذا ؟ قال: عثمان، قلت: يا رسول الله هذا عثمان، قال: ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء، فأذنت له وبشرته بالجنة، فجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على القف ودلى رجليه في البئر " هكذا وقع في هذه الرواية، وقد أخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي سلمة، فيحتمل أن أبا موسى ونافع بن عبد الحارث كانا موكلين بالباب، أو أنها قصة أخرى. وقد رواه الامام أحمد عن عفان عن وهيب عن موسى بن عقبة سمعت أبا سلمة ولا أعلمه إلا عن نافع بن عبد الحارث " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطا فجلس على قف البئر، فجاء أبو بكر فاستأذن فقال لابي موسى: ائذن له وبشره بالجنة. ثم جاء عمر فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة وسيلقى بلاء (1) " وهذا السياق أشبه من الاول، على أنه قد رواه النسائي من حديث صالح بن كيسان عن أبي الزناد عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن نافع ابن عبد الحارث عن أبي موسى الاشعري. فالله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد أنا همام عن قتادة، عن ابن سيرين، ومحمد بن عبيد عن عبد الله بن عمرو قال: " كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أبو بكر فاستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عمر فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان فاستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة. قال: قلت فأين أنا ؟ قال: أنت مع أبيك (2) " تفرد به أحمد. وقد رواه البزاز وأبو يعلى من حديث أنس بن مالك بنحو ما تقدم. حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا حجاج، ثنا ليث حدثني عقيل، عن ابن شهاب عن يحيى بن سعيد بن العاص أن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وعثمان حدثاه أن أبا بكر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لابي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، فاستأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحالة فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال: اجمعي عليك ثيابك فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله ! ما لي لا أراك فزعت لابي بكر وعمر كما فزعت


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 4 / 393 و 408. (2) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 2 / 165 و 3 / 408 (*)

[ 227 ]

لعثمان ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عثمان رجل حيي، وأني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة لا يبلغ إلى حاجته " قال الليث: وقال جماعة الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: " ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة ؟ " (1) ورواه مسلم من حديث محمد بن أبي حرملة عن عطاء وسليمان بن يسار عن أبي سلمة عن عائشة. ورواه أبو يعلى الموصلي من حديث سهيل عن أبيه عن عائشة. ورواه جبير بن نفير وعائشة بنت طلحة عنها. وقال الامام أحمد: حدثنا مروان، ثنا عبد الله بن يسار، سمعت عائشة بنت طلحة تذكر عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان جالسا كاشفا عن فخذه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا قلت: يا رسول الله استأذن عليك أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك: فقال: يا عائشة ألا نستحي من رجل والله إن الملائكة لتستحي منه ؟ (2) ". تفرد به أحمد من هذا الوجه. طريق أخرى عن حفصة رواه الحسن بن عرفة وأحمد بن حنبل عن روح بن عبادة عن ابن جريج، أخبرني أبو خالد عثمان بن خالد عن عبد الله بن أبي سعيد المدني حدثتني حفصة، فذكر مثل حديث عائشة، وفيه: فقال " ألا نستحي ممن تستحي منه الملائكة ؟ (3) ". طريق أخرى عن ابن عباس قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو كريب، ثنا يونس بن بكير ثنا النضر - هو ابن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز الكوفي - عن عكرمة عن ابن عباس. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا نستحي ممن تستحي منه الملائكة عثمان بن عفان ؟ " (1) ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الاسناد قلت هو على شرط الترمذي ولم يخرجوه. طريق أخرى عن ابن عمر قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنل ؟ ا، ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا أبو


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 1 / 71، 6 / 155 و 167 ومسلم في فضائل الصحابة (3) باب ح‍ (28) ص 4 / 1867. (2) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 6 / 62. (3) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 6 / 155 و 288. (*)

[ 228 ]

معشر حدثني إبراهيم بن عمر بن أبان، حدثني أبي عمر بن أبان عن أبيه. قال سمعت عبد الله ابن عمر يقول: " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وعائشة وراءه إذ استأذن أبو بكر فدخل، ثم استأذن عمر فدخل، ثم استأذن سعد بن مالك فدخل، ثم استأذن عثمان بن عفان فدخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث كاشفا عن ركبته، فرد ثوبه على ركبته حين استأذن عثمان، وقال لامرأته: استأخري، فتحدثوا ساعة ثم خرجوا، فقالت عائشة: يا نبي الله ! دخل أبي وأصحابه فلم تصلح ثوبك على ركبتك ولم تؤخرني عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ؟ والذي نفسي بيده إن الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله، ولو دخل وأنت قريب مني لم يتحدث ولم يرفع رأسه حتى يخرج (1) " هذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه زيادة على ما قبله، وفي سنده ضعف. قلت: وفي الباب عن علي وعبد الله بن أبي أوفى، وزيد ابن ثابت: وروى أبو مروان القرشي عن أبيه عن مالك، عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " عثمان حيي تستحي منه الملائكة ". حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأشدها حياء عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله أبي. وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين وأمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح (2) " وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث خالد الحذاء، وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي صحيح البخاري ومسلم آخره " ولكل أمة أمين وأمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح " وقد روى هشيم عن كريز بن حكيم عن نافع عن ابن عمر مثل حديث أبي قلابة عن أنس أو نحوه. حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، ثنا محمد بن حرب، حدثني الزبيدي، عن ابن شهاب عن عمرو بن أبان بن عثمان، عن جابر بن عبد الله. أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر، فلما قمنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما ما ذكره


(1) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 82 وقال: رواه أبو يعلى والطبراني وفيه ابراهيم بن عمر بن أبان وهو ضعيف. (2) الحديث في مسند أحمد ج 3 / 184 وارجع إلى هامش (3) من صفحة 151 من هذا الجزء. (*)

[ 229 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم من نوط بعضهم ببعض، فهؤلاء ولاة هذا الامر الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم (1) " ورواه أبو داود عن عمرو بن عثمان عن محمد بن حرب، ثم قال: ورواه يونس وشعيب عن الزهري فلم يذكرا عمرا. حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا أبو داود - عمر بن سعد - ثنا بدر بن عثمان عن عبيد الله بن مروان عن أبي عائشة عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال: " رأيت قبل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين، فأما المقاليد فهذه المفاتيح، وأما الموازين فهي التي يوزن بها، فوضعت في كفة ووضعت أمتي في كفة فوزنت بهم فرجحت، ثم جئ بأبي بكر فوزن فوزن بهم، ثم جئ بعمر فوزن فوزن بهم، ثم جئ بعثمان فوزن فوزن بهم، ثم رفعت (2) " تفرد به أحمد * وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا هشام بن عمار ثنا عمرو بن واقد ثنا يونس بن ميسرة عن أبي إدريس عن معاذ بن جبل. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني رأيت أني وضعت في كفة وأمتي في كفة فعدلتها، ثم وضع أبو بكر في كفة وأمتي في كفة فعدلها، ثم وضع عمر في كفة وأمتي في كفة فعدلها، ثم وضع عثمان في كفة وأمتي في كفة فعدلها ". حديث آخر قال أبو يعلى: حدثنا عبد الله بن مطيع ثنا هشيم عن العوام، عمن حدثه عن عائشة. قالت: لما أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه، وجاء أبو بكر بحجر فوضعه وجاء عمر بحجر فوضعه، وجاء عثمان بحجر فوضعه، قالت: فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: " هم أمراء الخلافة من بعدي ". وقد تقدم هذا الحديث في بناء مسجده أول مقدمه المدينة عليه الصلاة والسلام، وكذلك تقدم في دلائل النبوة من حديث الزهري عن رجل عن أبي ذر في تسبيح الحصا في يده عليه السلام ثم في كف أبي بكر، ثم في كف عمر، ثم في كف عثمان، رضي الله عنهم، وفي بعض الروايات: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذه خلافة النبوة " وسيأتي حديث سفينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا " فكانت ولاية عثمان ومدتها ثنتي عشرة سنة، من جملة هذه الثلاثين بلا خلاف بين العلماء العاملين، كما أخبر به سيد المرسلين صلى الله عليه آله وصحبه أجمعين.


(1) الحديث في مسند أحمد 3 / 355. (2) مسند أحمد 3 / 355. (*)

[ 230 ]

حديث آخر وهو ما روي من طرق متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شهد للعشرة بالجنة، وهو أحدهم بنص النبي صلى الله عليه وسلم. حديث آخر قال البخاري: حدثنا محمد بن حاتم (1) بن بزيغ، ثنا شاذان ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر قال: " كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نذر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم " تابعه عبد الله بن صالح بن عبد العزيز، تفرد به البخاري، ورواه إسماعيل بن عياش، والفرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن نافع عن ابن عمر. ورواه أبو يعلى عن أبي معشر عن يزيد بن هارون عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن عمر به. طريق أخرى عن ابن عمر قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية ثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن ابن عمر. قال: " كنا نعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه متوافرون أبو بكر وعمر وعثمان ثم نسكت ". طريق أخرى عن ابن عمر بلفظ آخر قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، وعقبة بن مكرم قالا: ثنا أبو عاصم عن عمر بن محمد عن سالم عن أبيه. قال: كنا نقول في عهد النبي صلى الله عليه وسلم: أبو بكر وعمر وعثمان - يعني في الخلافة - وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجوه، لكن قال البزار: وهذا الحديث قد روي عن ابن عمر من وجوه " كنا نقول أبو بكر وعمر وعثمان، ثم لا نفاضل بعد " وعمر بن محمد لم يكن بالحافظ، وذلك: يتبين في حديثه إذا روي عن غير سالم فلم يقل شيئا وقد رواه غير واحد من الضعفاء عن الزهري عن سالم عن أبيه به. وقد اعتنى الحافظ ابن عساكر بجمع طرقه عن ابن عمر فأفاد وأجاد. فأما الحديث الذي قال الطبراني: حدثنا سعيد بن عبد ربه الصفار البغدادي حدثنا علي بن جميل الرقي أنا جرير عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في الجنة شجرة - أو ما في الجنة شجرة - شك علي بن حنبل، ما عليها ورقة إلا مكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان ذو


(1) في نسخ البداية المطبوعة " (حازم) - فتح الباري - كتاب المناقب ح‍ 3697 ص 7 / 53 (*)

[ 231 ]

النورين " فإنه حديث ضعيف في إسناده من تكلم فيه ولا يخلو من نكارة، والله أعلم. القسم الثاني فيما ورد من فضائله وحده قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبو عوانة ثنا عثمان بن موهب. قال: " جاء رجل من أهل مصر حج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم ؟ قالوا: قريش، قال: فمن الشيخ فيهم ؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا بن عمر ! إني سائلك عن شئ فحدثني [ عنه ]، هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد ؟ قال: نعم ! قال: تعلم أنه تغيب يوم بدر ولم يشهدها ؟ قال: نعم ! قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان ولم يشهدها ؟ قال: نعم ! قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله وكانت مريضة، فقال له رسول الله: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك (1) " تفرد به دون مسلم. طريق أخرى وقال الامام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن عاصم، عن سفيان. قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان ؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم حنين، قال عاصم: يقول يوم أحد - ولم أتخلف عن يوم بدر، ولم أترك سنة عمر، قال: فانطلق فخبر بذلك عثمان فقال: أما قوله: إني لم أفر يوم حنين، فكيف يعيرني بذلك وقد عفا الله عني فقال: * (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم) * [ آل عمران: 155 ] وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم فقد شهد، وأما قوله: ولم أترك سنة عمر، فإني لا أطيقها ولا هو، فإنه يحدثه بذلك.


(1) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة - ح‍ 3698 فتح الباري 7 / 54. ورواه الترمذي في المناقب ح‍ 3706 ص 5 / 629 قوله: اذهب بها الآن معك: يظهر من سياق الاسئلة ان السائل كان ممن يتعصب على عثمان فأراد أن يقرر معتقده فيه، وكأن ابن عمر فهم منه مراده، فقول ابن عمر له يعني أن أقرن هذا العذر بالجواب حتى لا يبقى لك فيما أجبتك به حجة على ما كنت تعتقده في عثمان (قاله ابن حجر). (*)

[ 232 ]

حديث آخر قال البخاري: حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد (1)، ثنا أبي عن يونس، قال ابن شهاب: أخبرني عروة أن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الاسود بن عبد يغوث قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لاخيه (3) الوليد فقد أكثر الناس فيه ؟ فقصدت لعثمان حين خرج إلى الصلاة. فقلت: إن لي إليك حاجة، وهي نصيحة لك، فقال: يا أيها المرء منك قال أبو عبد الله قال معمر: أعوذ بالله منك - فانصرفت فرجعت إليهم إذ جاء رسول عثمان فأتيته فقال ما نصيحتك ؟ فقلت: إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب وكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت هديه، وقد أكثر الناس في شأن الوليد. فقال: أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت: لا ! ولكن خلص إلي من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها، قال: أما بعد ! فإن الله بعث محمدا بالحق وكنت ممن استجاب لله ولرسوله فآمنت بما بعث به، وهاجرت الهجرتين كما قلت، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعته، فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله عز وجل، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفت، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم ؟ قلت: بلى ! قال: فما هذه الاحاديث التي تبلغني عنكم ؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسأخذ فيه بالحق إن شاء الله. ثم دعا عليا فأمره أن يجلده فجلده ثمانين (3). حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر، عن النعمان بن بشير عن عائشة رضي الله عنها قالت: " أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان فجاء فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأينا إقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان أقبلت إحدانا على الاخرى فكان من آخر كلمة أن ضرب منكبه وقال: يا عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ثلاثا. فقلت لها يا أم المؤمنين ؟ فأين كان هذا عنك ؟ قالت: نسيته والله ما ذكرته، قال: فأخبرته معاوية بن أبي سفيان فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين: أن اكتبي إلي به، فكتبت إليه به كتابا (4) " وقد رواه أبو


(1) من البخاري، وفي الاصل سعد تحريف. (2) الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس وكان أخا عثمان لامه وكان قد ولاه الكوفة بعد عزله سعدا بن أبي وقاص. (3) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة ح‍ 3696 فتح الباري 7 / 53 وروى الجزء الاخير منه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 88 وقال: رجاله رجال الصحيح. (4) أخرجه الامام أحمد في مسنده 6 / 117. (*)

[ 233 ]

عبد الله الجيري عن عائشة وحفصة بنحو ما تقدم. ورواه قيس بن أبي حازم وأبو سلمة عنها. ورواه أبو سهلة عن عثمان: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا فأنا صابر نفسي عليه " ورواه فرج ابن فضالة عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري عن عروة عن عائشة فذكره، قال الدارقطني: تفرد به الفرج بن فضالة ورواه أبو مروان محمد عن عثمان بن خالد العماني، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه [ عن هشام بن عروة عن أبيه ] عن عائشة. ورواه ابن عساكر من طريق المنهال بن عمر عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عنها. ورواه ابن أسامة عن الجريري: حدثني أبو بكر العدوي. قال: سألت عائشة، وذكر عنها نحو ما تقدم [ تفرد به الفرج بن فضالة ] (1) ورواه حصين عن مجاهد عن عائشة بنحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن كنانة الاسدي، أبو يحيى، ثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه. قال: بلغني أن عائشة قالت: " ما استمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة، فإن عثمان جاءه في حر الظهيرة فظننت أنه جاءه في أمر النساء، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه فسمعته يقول: إن الله ملبسك قميصا تريدك أمتي على خلعه فلا تخلعه. فلما رأيت عثمان يبذل لهم ما سألوه إلا خلعه علمت أنه عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عهد إليه (2). طريق أخرى قال الطبراني: حدثنا مطلب بن سعيد الازدي، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، قال: كنا عند شفى الاصبحي فقال: حدثنا عبد الله بن عمر قال: " التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عثمان إن الله كساك قميصا فأرادك الناس على خلعه قلا تخلعه، فوالله لئن خلعته لا ترى الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " وقد رواه أبو يعلى من طريق عبد الله بن عمر عن أخته حفصة أم المؤمنين. وفي سياق متنه غرابة والله أعلم. حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثتني فاطمة بنت عبد الرحمن قالت: حدثتني أمي أنها سألت عائشة وأرسلها عمها فقال: قولي إن أحد بنيك يقرئك السلام ويسألك عن عثمان بن


(1) ما بين معكوفتين سقط من الاصل، واستدرك من المخطوطة الحلبية. (2) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 6 / 114. ورواه الترمذي في المناقب عن النعمان بن بشير عن عائشة ح‍ (3705) ص 5 / 628. (*)

[ 234 ]

عفان فإن الناس قد شتموه، فقالت: " لعن الله من لعنه، فوالله لقد كان قاعدا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن رسول الله لمسند ظهره إلي، وإن جبريل ليوحي إليه القرآن، وإنه ليقول له: اكتب يا عثيم، قالت عائشة: فما كان الله لينزل تلك المنزلة إلا كريما على الله ورسوله (1) " ثم رواه الامام أحمد عن يونس عن عمر بن إبراهيم اليشكري عن أمه عن أمها أنها سألت عائشة عند الكعبة عن عثمان فذكرت مثله. حديث آخر قال البزار: حدثنا عمر بن الخطاب قال: ذكر أبو المغيرة عن صفوان بن عمرو، عن ماعز التميمي، عن جابر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر فتنة فقال أبو بكر: أنا أدركها ؟ فقال: لا ! فقال عمر: أنا يا رسول الله أدركها ؟ قال: لا ! فقال عثمان: يا رسول الله فأنا أدركها ؟ قال: بك يبتلون " قال البزار: وهذا لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه. حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عمر، ثنا سنان بن هارون، ثنا كليب بن واصل (2)، عن ابن عمر. قال: " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقال: يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما، فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان ". ورواه الترمذي عن إبراهيم بن سعيد عن شاذان به وقال: حسن غريب. حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا موسى بن عقبة حدثني أبو أمي أبو حنيفة أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافا - أو قال: اختلافا وفتنة - فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله ؟ قال: عليكم


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 6 / 250 ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 86 وقال: رواه أحمد والطبراني في الاوسط إلا أنه قال: " عن أم كلثوم بنت ثمامة الحنطي أن أخاها المخارق بن ثمامة الحنطي ". قال: وأم كلثوم لم أعرفها وبقية رجال الطبراني ثقات. (2) رواه الترمذي في المناقب ح‍ 3708 ص 5 / 630. وفيه حدثنا شاذان الاسود بن عامر عن سنان بن هرون البرجمي عن كليب بن وائل. (*)

[ 235 ]

بالامين وأصحابه وهو يشير إلى عثمان بذلك (1) " تفرد به أحمد وإسناده جيد حسن ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو أسامة ثنا حماد بن أسامة ثنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله ابن شقيق، حدثني هرم بن الحارث وأسامة بن خزيم - وكانا يغازيان - فحدثاني حديثا ولم يشعر كل واحد منهما أن صاحبه حدثنيه عن مرة البهزي قال: " بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة فقال: كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الارض كأنها صياصي بقر ؟ نصنع ماذا يا رسول الله ؟ قال: عليكم هذا وأصحابه - أو اتبعوا هذا وأصحابه - قال: فأسرعت حتى عييت فأدركت الرجل فقلت: هذا يا رسول الله ؟ قال: هذا، فإذا هو عثمان بن عفان (2) " فقال: هذا وأصحابه فذكره. طريق أخرى وقال الترمذي في جامعه: حدثنا محمد بن بشار، ثنا عبد الوهاب الثقفي، ثنا أيوب، عن أبي قلابة عن أبي الاشعث الصنعاني أن خطباء قامت بالشام وفيهم رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له مرة بن كعب، فقال: لولا حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تكلمت، وذكر الفتن فقر بها فمر رجل متقنع في ثوب، فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه. فإذا هو عثمان ابن عفان، فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا ؟ قال نعم ! (3) " ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن ابن عمر وعبد الله بن حوالة وكعب بن عجرة. قلت: وقد رواه أسد بن موسى عن معاوية بن صالح حدثني سليم بن عامر، عن جبير بن نفير، عن مرة بن كعب البهزي فذكر نحوه، وقد رواه الامام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية، عن صالح، عن سليم بن عامر، عن جبير بن نفير عن كعب بن مرة البهزي. الصحيح مرة بن كعب كما تقدم، وأما حديث ابن حواله، فقال حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن عبد الله بن سفيان (4) عن عبد الله بن شقيق، عن عبد الله بن حوالة. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف وأنت وفتنة تكون في أقطار الارض ؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله، قال اتبع هذا الرجل، فإنه يومئذ ومن اتبعه على الحق قال: فاتبعته فأخذت بمنكبه فقتلته فقلت: هذا يا رسول الله ؟ فقال: نعم ! فإذا هو عثمان بن عفان " وقال حرملة عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط، عن ابن حوالة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاث من نجا منهن فقد نجا، موتي،


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 2 / 345. (2) أخرجه الامام أحمد ج 5 / 35. (3) أخرجه الترمذي في المناقب ح‍ 3704 ص (5 / 628). (4) في هامش النسخة المطبوعة: كذا بالمصرية بزيادة عبد الله بن سفيان. (*)

[ 236 ]

وخروج الدجال وقتل خليفة مصطبر قوام بالحق يعطيه. وأما حديث كعب بن عجرة. فقال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، أخبرني معاوية بن مسلم، عن مطر الوراق، عن ابن سيرين عن كعب بن عجرة قال: " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقربها وعظمها قال: ثم مر رجل مقنع في ملحفة فقال: هذا يومئذ على الحق قال فانطلقت مسرعا أو محضرا وأخذت بضبعيه فقلت: هذا يا رسول الله ؟ قال: هذا فإذا هو عثمان بن عفان (1) " ثم رواه أحمد عن يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن كعب بن عجرة فذكر مثله. ورواه أبو يعلى عن هدبة، عن همام، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن كعب بن عجرة. وكذا رواه أبو عون عن ابن سيرين عن كعب. وقد تقدم حديث أبي ثور التميمي عنه في قوله في الخطبة التي خاطب بها الناس من داره: والله ما تغنيت ولا تمنيت ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يعتق كل يوم جمعة عتيقا فإن تعذر عليه أعتق في الجمعة الاخرى عتيقين. وقال مولاه حمران: كان عثمان يغتسل كل يوم منذ أسلم. رضي الله عنه. حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا علي بن عياش، ثنا الوليد بن مسلم، أنبأنا الاوزاعي، عن محمد ابن عبد الملك بن مروان أنه حدثه عن المغيرة بن شعبة: أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: " إنك إمام العامة وقد نزل بك ما ترى وإني أعرض عليك خصالا ثلاثا اختر إحداهن، إما أن تخرج فتقاتلهم فإن معك عددا وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق بابا سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على رواحلك فتلحق مكة، فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية. فقال عثمان: أما أن أخرج فأقاتل فلن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلوني بها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم، ولن أكون أنا، وأما أن ألحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) ". وقال الامام أحمد: ثنا أبو المغيرة ثنا أرطاة - يعني ابن المنذر - حدثني أبو عون الانصاري أن عثمان قال لابن مسعود: " هل أنت منته عما بلغني عنك ؟ فاعتذر بعض العذر، فقال عثمان: ويحك ! إني قد سمعت وحفظت - وليس كما سمعت -، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سيقتل أمير، ويتبرى متبرئ (3)، وإني أنا المقتول، وليس عمر، إنما قتل عمر واحد، وأنه


(1) الحديث أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 4 / 242. (2) مسند الامام أحمد ج 1 / 67. (3) مسند الامام أحمد 1 / 66. وفيه: وينتزي منتز بدل ويتبرى متبرئ. (*)

[ 237 ]

يجتمع علي " وهذا الذي قاله لابن مسعود قبل مقتله بنحو من أربع سنين فإنه مات قبله بنحو ذلك. حديث آخر [ قال عبد الله بن أحمد: ثنا عبيد الله بن عمر الفربري: ثنا القاسم بن الحكم بن أوس الانصاري، حدثني أبو عبادة الزرقي الانصاري - من أهل المدينة عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: " شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز ولو ألقى حجر لم يقع إلا على رأس رجل فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلي باب مقام جبريل، فقال: أيها الناس ! أفيكم طلحة ؟ فسكتوا، ثم قال: أيها الناس ! أفيكم طلحة بن عبيد الله ؟ فسكتوا، ثم قال: أيها الناس ! أفيكم طلحة ؟ فقام طلحة بن عبيد الله فقال له عثمان: ألا أراك ههنا ؟ ما كنت أرى أنك تكون في جماعة قوم تسمع نداي آخر ثلاث مرات، ثم لا تجيئني ؟ أنشدك الله يا طلحة تذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع كذا وكذا ليس معه أحد من أصحابه غيري وغيرك ؟ فقال: نعم ! قال: فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ما من نبي إلا ومعه من أصحابه رفيق في الجنة، وإن عثمان بن عفان هذا - يعني نفسه - رفيقي في الجنة ؟ فقال طلحة: اللهم نعم ! " تفرد به أحمد ] (1). حديث آخر عن طلحة قال الترمذي: حدثنا أبو هشام الرفاعي، ثنا يحيى بن اليمان، عن شريح بن زهرة (2)، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب (3)، عن طلحة بن عبيد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لكل نبي رفيق ورفيقي في الجنة عثمان " ثم قال: هذا حديث غريب وليس إسناده بالقوي، وإسناده منقطع. ورواه أبو عثمان محمد بن عثمان عن أبيه عن أبي الزناد عن أبيه عن الاعرج عن أبي هريرة، وقال الترمذي: حدثنا الفضل بن أبي طالب البغدادي وغير واحد قالوا: حدثنا عثمان ابن زفر، حدثنا محمد بن زياد، عن محمد بن عجلان عن أبي الزبير عن جابر قال: " أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة رجل ليصلي عليه فلم يصل عليه، فقيل يا رسول الله ما رأيناك تركت الصلاة على أحد قبل هذا ؟ فقال: إنه كان يبغض عثمان فأبغضه الله عز وجل (4) " ثم قال الترمذي: هذا حديث


(1) هذا الحديث تكرر في النسختين المصرية والحلبية. انظر صفحة 198 - 199 من هذا الجزء والتعليق عليه هناك فليراجع. (2) في الترمذي: شيخ من بني زهرة. (3) من الترمذي ح‍ 3698 ص 5 / 624 وفي الاصل وتاب. (4) كتاب المناقب - ح‍ 3709 ص 5 / 630. (*)

[ 238 ]

غريب، ومحمد بن زياد هذا صاحب ميمون بن مهران ضعيف الحديث جدا، ومحمد بن زياد صاحب أبي هريرة بصري ثقة، يكنى أبا الحارث، ومحمد بن زياد الالهاني صاحب أبي أمامة ثقة شامي يكنى أبا سفيان. حديث آخر روى الحافظ ابن عساكر من حديث أبي مروان العثماني، ثنا أبي عثمان بن خالد، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن الاعرج عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عثمان بن عفان على باب المسجد فقال: يا عثمان ! هذا جبريل يخبرني أن الله قد زوجك أم كلثوم بمثل صداق رقية، على مثل مصاحبتها " وقد روى ابن عساكر أيضا من حديث ابن عباس وعائشة وعمارة بن روبية وعصمة بن مالك، الخطمي، وأنس بن مالك وابن عمر وغيرهم، وهو غريب ومنكر من جميع طرقه، وروي بإسناد ضعيف عن علي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو كان لي أربعون ابنة لزوجتهن بعثمان واحدة بعد واحدة، حتى لا يبقى منهن واحدة " وقال محمد بن سعيد الاموي، عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن المهلب بن أبي صفرة قال: " سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم قلتم في عثمان: أعلانا فوقا ؟ قالوا: لانه لم يتزوج رجل من الاولين والآخرين ابنتي نبي غيره رواه ابن عساكر. وقال إسماعيل بن عبد الملك عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا يديه حتى يبدو ضبعيه إلا لعثمان بن عفان، إذا دعا له. وقال مسعر عن عطية عن أبي سعيد قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعا يديه يدعو لعثمان يقول: " اللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه " وفي رواية يقول لعثمان: " غفر الله لك ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما كان منك وما هو كائن إلى يوم القيامة " ورواه الحسن بن عرفة عن محمد بن القاسم الاسدي عن الاوزاعي عن حسان بن عطية عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. وقال ابن عدي عن أبي يعلى عن عمار بن ياسر المستملي عن إسحاق بن إبراهيم المستملي، عن أبي إسحاق عن أبي وائل عن حذيفة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى عثمان يستعينه في غزاة غزاها، فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار، فوضعها بين يديه، فجعل يقلبها بين يديه ويدعو له: " غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي عثمان ما فعل بعدها ". حديث آخر وقال ليث بن أبي سليم: أول من خبص الخبيص عثمان خلط بين العسل والنقي ثم بعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزل أم سلمة، فلم يصادفه، فلما جاء وضعوه بين يديه، فقال: من

[ 239 ]

بعث هذا ؟ قالوا: عثمان: قالت: فرفع يديه إلى السماء فقال: " اللهم إن عثمان يترضاك فارض عنه ". حديث آخر روى أبو يعلى عن سنان بن فروخ عن طلحة بن يزيد عن عبيدة بن حسان عن عطاء الكيخاراني عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتنق عثمان وقال: " رأيت وليي في الدنيا ووليي في الآخرة ". حديث آخر قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن حوالة. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تهجمون على رجل معتجر ببرده من أهل الجنة، يبايع الناس " قال فهجمنا على عثمان بن عفان فرأيناه معتجرا يبايع الناس. ذكر شئ من سيرته وهي دالة على فضيلته قال ابن مسعود: لما توفي عمر بايعنا خيرنا ولم نأل، وفي رواية بايعوا خيرهم ولم يألوا، وقال الاصمعي عن أبي الزناد عن أبيه عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: كان نقش خاتم عثمان آمنت بالذي خلق فسوى. وقال محمد بن المبارك بلغني أنه كان نقش خاتم عثمان آمن عثمان بالله العظيم. وقال البخاري في التاريخ: ثنا موسى بن إسماعيل ثنا مبارك بن فضالة قال سمعت الحسن يقول: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قل ما يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون فيه خيرا، يقال لهم: يا معشر المسلمين اغدوا على أعطياتكم، فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على أرزاقكم فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم اغدوا على السمن والعسل، الاعطيات جارية، والارزاق دارة، والعدو متقى، وذات البين حسن، والخير كثير، وما من مؤمن يخاف مؤمنا، ومن لقبه فهو أخوه، قد كان من إلفته ونصيحته ومودته قد عهد إليهم أنها ستكون أثرة، فإذا كانت فاصبروا " قال الحسن: فلو أنهم صبروا حين رأوها لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق والخير الكثير، بل قالوا: لا والله ما نصابرها: فوالله ما وردوا وما سلموا، والاخرى كان السيف مغمدا عن أهل الاسلام فسلوه على أنفسهم، فوالله ما زال مسلولا إلى يوم الناس، هذا وأيم الله إني لاراه سيفا مسلولا إلى يوم القيامة " وقال غير واحد عن الحسن البصري قال: سمعت عثمان يأمر في خطبته بذبح الحمام وقتل الكلاب. وروى سيف بن عمر أن أهل المدينة اتخذ بعضهم الحمام ورمى بعضهم بالجلا هقات [ فوكل عثمان رجلا من بني ليث يتبع ذلك، فيقص

[ 240 ]

الحمام ويكسر الجلاهقات ] (1) - وهي قسي البندق - وقال محمد بن سعد: " أنبأنا القعنبي وخالد بن مخلد ثنا محمد بن هلال عن جدته - وكانت تدخل على عثمان وهو محصور - فولدت هلالا، ففقدها يوما فقيل له: إنها قد ولدت هذه الليلة غلاما، قالت: فأرسل إلي بخمسين درهما وشقيقة سنبلانية، وقال: هذا عطاء ابنك وكسوته، فإذا مرت به سنة رفعناه إلى مائة " وروى الزبير بن أبي بكر عن محمد بن سلام عن ابن بكار، قال: قال ابن سعيد بن يربوع بن عتكة المخزومي: انطلقت وأنا غلام في الظهيرة ومعي طير أرسله في المسجد، والمسجد بيننا، فإذا شيخ جميل حسن الوجه نائم، تحت رأسه لبنة أو بعض لبنة، فقمت أنظر إليه أتعجب من جماله، ففتح عينيه فقال: من أنت يا غلام ؟ فأخبرته، فإذا غلام نائم قريبا منه فدعاه فلم يجبه، فقال لي: ادعه ! فدعوته فأمره بشئ وقال لي: اقعد ! فذهب الغلام فجاء بحلة وجاء بألف درهم، ونزع ثوبي وألبسني الحلة ؟ وجعل الالف درهم فيها، فرجعت إلى أبي فأخبرته ؟ فقال: يا بني من فعل هذا بك ؟ فقلت: لا أدري إلا أنه رجل في المسجد نائم لم أر قط أحسن منه، قال: ذاك أمير المؤمنين عثمان بن عفان " وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرني يزيد بن خصيفة عن أبي السائب بن يزيد " أن رجلا سأل عبد الرحمن بن عثمان التميمي أهي صلاة طلحة بن عبيد الله عن صلاة عثمان قال: نعم ! قال: قلت لاغلبن الليلة النفر على الحجر - يعني المقام - فلما قمت فإذا رجل يرجمني مقنعا قال فالتفت فإذا بعثمان يرحمني فتأخرت عنه فصلى فإذا هو يسجد بسجود القرآن، حتى إذا قلت هذا هو أذان الفجر أوتر بركعة لم يصل غيرها ثم انطلق ". وقد روى هذا من غير وجه أنه صلى بالقرآن العظيم في ركعة واحدة عند الحجر الاسود، أيام الحج، وقد كان هذا من دأبه رضي الله عنه. ولهذا روينا عن ابن عمر أنه قال في قوله تعالى * (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) * [ الزمر: 9 ] قال: هو عثمان بن عفان. وقال ابن عباس في قوله تعالى * (هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) * [ النحل: 76 ] قال: هو عثمان. وقال حسان (2): ضحوا بأشمط عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا وقال سفيان بن عيينة: ثنا إسرائيل بن موسى سمعت الحسن يقول قال عثمان: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لاكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف، وما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما يديم النظر فيه. وقال أنس ومحمد بن سيرين: قالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه، فوالله لقد كان يحيي الليل بالقرآن في ركعة. وقال غير واحد: إنه رضي الله عنه كان لا يوقظ أحدا من أهله إذا قام من الليل ليعينه على وضوئه، إلا أن يجده يقظانا، وكان يصوم


(1) الطبري 5 / 135 والكامل 3 / 181 وكان ذلك سنه ثمان من خلافته. (2) انظر حاشية 4 صفحة 219 من هذا الجزء. (*)

[ 241 ]

الدهر، وكان يعاتب فيقال: لو أيقظت بعض الخدم ؟ فيقول: لا ! الليل لهم يستريحون فيه. وكان إذا اغتسل لا يرفع المئزر عنه، وهو في بيت مغلق عليه، ولا يرفع صلبه جيدا من شدة حيائه رضي الله عنه. شئ من خطبه قال الواقدي: حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي عن أبيه أن عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس أول كل مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطب على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلمنا الله (1). وقال الحسن: خطب عثمان فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس ! اتقوا الله فإن تقوى الله غنم، وإن أكيس الناس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، واكتسب من نور الله نورا لظلمة القبر، وليخش عبد أن يحشره الله أعمى، وقد كان بصيرا، وقد يلقى الحكيم جوامع الكلم، والاصم ينادي من مكان بعيد، واعلموا أن من كان الله له لم يخف شيئا، ومن كان الله عليه فمن يرجو بعده ؟. وقال مجاهد: خطب عثمان فقال: ابن آدم ! اعلم أن ملك الموت الذي وكل بك لم يزل يخلفك ويتخطى إلى غيرك منذ أنت في الدنيا، وكأنه قد تخطى غيرك إليك، وقصدك، فخذ حذرك، واستعد له، ولا تغفل فإنه لا يغفل عنك، واعلم ابن آدم إن غفلت عن نفسك ولم تستعد لها لم يستعد لها غيرك، ولابد من لقاء الله، فخذ لنفسك ولا تكلها إلى غيرك والسلام. وقال سيف بن عمر عن بدر بن عثمان عن عمه. قال: آخر خطبة خطبها عثمان في جماعة " إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى وإن الآخرة تبقى، لا تبطرنكم الفانية، ولا تشغلنكم عن الباقية، وآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله، اتقوا الله فإن تقواه جنة من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا * (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) * إلى آخر الآيتين (2). فصل قال الامام أحمد: حدثنا هشيم، ثنا محمد بن قيس الاسدي، عن موسى بن طلحة.


(1) طبقات ابن سعد 3 / 62. العقد الفريد 2 / 133 وذكر الطبري في تاريخه خطبة أخرى لما بايعه أهل الشورى. كانت مثالا في الزهد واحتقار الدنيا وعدم الركون إليها (الطبري 5 / 43). (2) سورة آل عمران الاية 103، والخطبة في تاريخ الطبري 5 / 149. (*)

[ 242 ]

قال: سمعت عثمان بن عفان وهو على المنبر والمؤذن يقيم الصلاة وهو يستخير الناس يسألهم عن أخبارهم، وأسفارهم. وقال أحمد: حدثنا إسماعيل ثنا إبراهيم ثنا يونس - يعني ابن عبيد - حدثني عطاء بن فروخ مولى القرشيين أن عثمان اشترى من رجل أرضا فأبطأ عليه فلقيه فقال: ما منعك من قبض مالك ؟ قال: إنك غبنتني، فما ألقى من الناس أحدا إلا وهو يلومني، قال: أذلك يمنعك ؟ قال: نعم ! قال: فاختر بين أرضك ومالك، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أدخل الله الجنة رجلا كان سهلا مشتريا وبائعا وقاضيا ومقتضيا (1) ". وروى ابن جرير أن طلحة لقي عثمان وهو خارج إلى المسجد فقال له طلحة: إن الخمسين ألفا التي لك عندي قد حصلت فأرسل من يقبضها، فقال له عثمان: إنا قد وهبناكها لمروءتك (2). وقال الاصمعي: استعمل ابن عامر (3) قطن بن عوف الهلالي على كرمان، فأقبل جيش من المسلمين - أربعة آلاف - وجرى الوادي فقطعهم عن طريقهم، وخشى قطن الفوت فقال: من جاز الوادي فله ألف درهم، فحملوا أنفسهم على العوم، فكان إذا جاز الرجل منهم قال قطن: اعطوه جائزته، حتى جاوزا جميعا وأعطاهم أربعة آلاف ألف درهم، فأبى ابن عامر أن يحسبها له، فكتب لذلك إلى عثمان بن عفان، فكتب عثمان: أن احسبها له، فإنه إنما أعان المسلمين في سبيل الله فمن ذلك اليوم سميت الجوائز لاجازة الوادي، فقال الكناني (4) في ذلك: فدى للاكرمين بني هلال * على علاتهم أهلي ومالي هموا سنوا الجوائز في معد * فعادت سنة أخرى الليالي (5) رماحهم تزيد على ثمان * وعشر قبل تركيب النصال (6) فصل ومن مناقبه الكبار وحسنأته العظيمة أنه جمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على الفرضة الاخيرة، التي درسها جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سني حياته، وكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في بعض الغزوات، وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام، ممن يقرأ على


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده 1 / 58، وفي نسخ البدايه المطبوعة: اسماعيل بن ابراهيم ثنا يونس تحريف. والصواب ما اثبتناه حسب سياق المسند. (2) تاريخ الطبري 5 / 139. (3) في فتوح البلدان 2 / 482: ولى الحجاج قطن بن قبيصة بن مخارق الهلالي على كرمان وفارس. وكذره في الاصابة: قطن بن عبد عوف الهلالي له ادراك، استعمله عبد الله بن عامر على كرمان. (4) ذكره في فتوح البلدان: الحجاف بن حكيم. (5) في الاصابة: فكانت سنة إحدى الليالي. وفي فتوح البلدان: فصارت سنة... (6) في فتوح البلدان: وعشر حين تختلف العوالي. (*)

[ 243 ]

قراءة المقداد بن الاسود، وأبي الدرداء، وجماعة من أهل العراق، ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود، وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة أحرف، يفضل قراءته على قراءة عبد الله بن مسعود، وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة أحرف، يفضل قراءته على قراءة غيره، وربما خطأ الآخر أو كفره، فأدى ذلك إلى اختلاف شديد، وانتشار في الكلام السئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الامة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم. وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الاقاليم على القراءة به، دون ما سواه، لما رأى في ذلك من مصلحة كف المنازعة، ودفع الاختلاف، فاستدعى بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين، فاستدعى بها عثمان وأمر زيد بن ثابت الانصاري أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الاموي، بحضرة عبد الله بن الزبير الاسدي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شئ أن يكتبوه بلغة قريش، فكتب لاهل الشام مصحفا، ولاهل مصر آخر، وبعث إلى البصرة مصحفا وإلى الكوفة بآخر، وأرسل إلى مكة مصحفا وإلى اليمن مثله، وأقر بالمدينة مصحفا. ويقال لهذه المصاحف الائمة، وليست كلها بخط عثمان، بل ولا واحد منها، وإنما هي بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه، وإمارته، كما يقال دينار هرقلي، أي ضرب في زمانه ودولته. قال الواقدي: حدثنا ابن أبي سبرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه غيره من وجه آخر عن أبي هريرة قال: " لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال: أصبت ووفقت، أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أنشد أمتي حبا لي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني، يعملون بما في الورق المعلق (1) " فقلت: أي ورق ؟ حتى رأيت المصاحف، قال: فأعجب ذلك عثمان وأمر لابي هريرة بعشرة آلاف، وقال: والله ما علمت أنك لتحبس علينا حديث نبينا صلى الله عليه وسلم "، ثم عمد إلى بقية المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فحرقه، لئلا يقع بسببه اختلاف، فقال أبو بكر بن أبي داود - في كتاب المصاحف - حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن قالا: ثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن رجل عن سويد بن غفلة قال: قال لي علي حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته (2) " وهكذا رواه أبو داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق عن شعبة مثله، وقد رواه البيهقي وغيره من حديث محمد بن أبان - زوج أخت حسين - عن


(1) روى البيهقي في الدلائل 6 / 538 عن أبي صالح حديثا مرسلا بنحوه. ورورى نحوه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وروي موصولا عن سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس. (2) كتاب المصاحف ص 19. (*)

[ 244 ]

علقمة بن مرثد قال: سمعت العيزار بن جرول سمعت سويد بن غفلة قال: " قال علي: أيها الناس ! إياكم والغلو في عثمان تقولون حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولو وليت مثل ما ولي لفعلت مثل الذي فعل (1) " وقد روي عن ابن مسعود أنه تعتب لما أخذ منه مصحفه فحرق، وتكلم في تقدم إسلامه على زيد بن ثابت الذي كتب المصاحف، وأمر أصحابه أن يغلوا مصاحفهم، وتلا قوله تعالى * (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) * [ آل عمران: 161 ] فكتب إليه عثمان رضي الله عنه يدعوه إلى اتباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، وجمع الكلمة، وعدم الاختلاف، فأناب وأجاب إلى المتابعة وترك المخالفة رضي الله عنهم أجمعين. وقد قال أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله بن مسعود دخل مسجد منى فقال: كم صلى أمير المؤمنين الظهر ؟ قالوا: أربعا، فصلى ابن مسعود أربعا فقالوا: ألم تحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر صلوا ركعتين ؟ فقال: نعم ! وأنا أحدثكموه الآن، ولكني أكره الاختلاف. وفي الصحيح أن ابن مسعود قال: ليت حظي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين. وقال الاعمش: حدثني معاوية بن قرة - بواسط - عن أشياخه قالوا: صلى عثمان الظهر بمنى أربعا فبلغ ذلك ابن مسعود فعاب عليه، ثم صلى بأصحابه العصر في رحله أربعا، فقيل له: عتبت على عثمان وصليت أربعا ؟ فقال: إني أكره الخلاف. وفي رواية الخلاف شر فإذا كان هذا متباعة من ابن مسعود إلى عثمان في هذا الفرع فكيف بمتابعته إياه في أصل القرآن ؟ والاقتداء به في التلاوة التي عزم على الناس أن يقرأوا بها لا بغيرها ؟ وقد حكى الزهري وغيره أن عثمان إنما أتم خشية على الاعراب أن يعتقدوا أن فرض الصلاة ركعتان، وقيل بل قد تأهل بمكة، فروى يعلى وغيره من حديث عكرمة بن إبراهيم حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذباب عن أبيه أن عثمان صلى بهم بمنى أربع ركعات، ثم أقبل عليهم فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا تزوج الرجل ببلد فهو من أهله " وإني أتممت لاني تزوجت بها منذ قدمتها. وهذا الحديث لا يصح، وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء بميمونة بنت الحارث ولم يتم الصلاة، وقد قيل إن عثمان تأول أنه أمير المؤمنين حيث كان وهكذا تأولت عائشة فأتمت، وفي هذا التأويل نظر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو رسول الله حيث كان، ومع هذا ما أتم الصلاة في الاسفار. ومما كان يعتمده عثمان بن عفان أنه كان يلزم عماله بحضور الموسم كل عام، ويكتب إلى الرعايا: من كانت له عند أحد منهم مظلمة فليواف إلى الموسم فإني آخذ له حقه من عامله، وكان عثمان قد سمح لكثير من كبار الصحابة في المسير حيث شاؤوا من البلاد، وكان عمر يحجر عليهم في ذلك، حتى ولا في الغزو، ويقول: إني أخاف أن تروا الدنيا وأن يراكم أبناؤها، فلما خرجوا في زمان


(1) رواه أبو بكر السجساتي في المصاحف مطولا 29 - 30. (*)

[ 245 ]

عثمان اجتمع عليهم الناس، وصار لكل واحد أصحاب، وطمع كل قوم في تولية صاحبهم الامارة العامة بعد عثمان، فاستعجلوا موته، واستطالوا حياته، حتى وقع ما وقع من بعض أهل الامصار، كما تقدم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، العلي العظيم. ذكر زوجاته وبنيه وبناته رضي الله عنهم تزوج برقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فولد له منها عبد الله (1)، وبه كان يكنى، بعد ما كان يكنى في الجاهلية بأبي عمرو، ثم لما توفيت تزوج بأختها أم كلثوم، ثم توفيت فتزوج بفاختة بنت غزوان ابن جابر، فولد له منها عبيد الله الاصغر، وتزوج بأم عمرو بنت جندب بن عمرو الازدية، فولدت له عمرا، وخالدا، وأبانا، وعمر ومريم، وتزوج بفاطمة بنت الوليد بن عبد شمس المخزومية، فولدت له الوليد وسعيدا. وتزوج أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية، فولدت له عبد الملك، ويقال وعتبة، وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي فولدت له عائشة وأم أبان وأم عمرو، بنات عثمان. وتزوج نائلة بنت الفرافصة بن الاحوص بن عمرو بن ثعلبة (2) بن حصن بن ضمضم بن عدي بن حيان بن كليب، فولدت له مريم ويقال وعنبسة (3) وقتل رضي الله عنه وعنده أربع نائلة، ورملة، وأم البنين، وفاختة. ويقال إنه طلق أم البنين وهو محصور. فصل تقدم في دلائل النبوة الحديث الذي رواه الامام أحمد وأبو داود من حديث سفيان الثوري عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية الكاهلي، عن عبد الله بن مسعود، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن رحا الاسلام ستدور لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن تهلك فسبيل ما هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما قال: فقال عمر يا رسول الله أبما مضى أم بما بقي ؟ قال: بل بما بقي " وفي لفظ له ولابي داود " تدور رحا الاسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين " الحديث. وكأن هذا الشك من الراوي، والمحفوظ في نفس الامر خمس وثلاثين، فإن


(1) بلغ عبد الله ست سنين فنقره ديك في عينه فمرض فمات في جمادى الاولى سنة أربع من الهجرة وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) في الطبري وابن سعد: ابن ثعلبة بن الحارث بن حصن. (3) قال الواقدي وكان له بنت تدعى أم البنين بنت عثمان بن نائلة وهي التي كانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي سفيان. وقال ابن سعد أم البنين وأمها أم ولد. (الطبري 5 / 149 وطبقات ابن سعد 3 / 54).

[ 246 ]

فيها قتل أمير المؤمنين عثمان على الصحيح، وقيل ست وثلاثين، والصحيح الاول وكانت أمور شنيعة ولكن الله سلم ووقى بحوله وقوته فلم يكن بأسرع من أن بايع الناس علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وانتظم الامر، واجتمع الشمل، ولكن جرت بعد ذلك أمور في يوم الجمل وأيام صفين على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. في ذكر من توفي زمان عثمان ممن لا يعرف وقت وفاته على التعيين أنس بن معاذ بن أنس بن قيس الانصاري النجاري، ويقال له أنيس أيضا، شهد المشاهد كلها رضي الله عنه. أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت الانصاريان، شهد بدرا، وأوس هو زوج المجادلة المذكورة في قوله تعالى * (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) * [ المجادلة: 1 ] وامرأته خولة بنت ثعلبة. أوس بن خولى الانصاري من بني الحبلى، شهد بدرا، وهو المنفرد من بين الانصار بحضور غسل النبي صلى الله عليه وسلم، والنزول مع أهله في قبره، عليه الصلاة والسلام. الحر بن قيس، كان سيدا في الانصار، ولكن كان بخيلا ومتهما بالنفاق، يقال إنه شهد بيعة الرضوان فلم يبايع، واستتر ببعير له، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى * (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا) * [ التوبة: 49 ]. وقد قيل إنه تاب وأقلع فالله أعلم. الحطيئة الشاعر المشهور. قيل اسمه جرول ويكنى بأبي مليكة، من بني عبس، أدرك أيام الجاهلية، وأدرك صدرا من الاسلام، وكان يطوف في الآفاق يمتدح الرؤساء من الناس، ويستجديهم ويقال كان بخيلا مع ذلك، سافر مرة فودع امرأته فقال لها: عدي السنين إذا خرجت لغيبة * ودعي الشهور فانهن قصار وكان مداحا هجاء، وله شعر جيد، ومن شعره ما قاله بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فاستجاد منه قوله: من يفعل الخير لم يعدم جوائزه * لا يذهب العرف بين الله والناس خبيب بن يساف بن عتبة الانصاري أحد من شهد بدرا * سلمان بن ربيعة الباهلي، يقال له صحبة، كان من الشجعان الابطال المذكورين، والفرسان المشهورين، ولاه عمر قضاء الكوفة، ثم ولي في زمن عثمان إمرة على قتال الترك، فقتل ببلنجر، فقيرة هناك في تابوت يستسقي به الترك إذا قحطوا * عبد الله بن حذافة بن قيس القرشي السهمي، هاجر هو وأخوه قيس إلى الحبشة،

[ 247 ]

وكان من سادات الصحابة، وهو القائل: يا رسول الله من أبي ؟ - وكان إذا لاحى الرجال دعي لغير أبيه - فقال: أبوك حذافة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى كسرى فدفع كتابه إلى عظيم بصرى فبعث معه من يوصله إلى هرقل كما تقدم، وقد أسرته الروم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في جملة ثمانين من المسلمين، فأرادوه على الكفر فأبى عليهم، فقال له الملك: قبل رأسي وأنا أطلقك ومن معك من المسلمين، فقبل رأسه فأطلقهم، فلما قدم على عمر قال له: حق على كل مسلم أن يقبل رأسك، ثم قام عمر فقبل رأسه قبل الناس رضي الله عنه * عبد الله بن سراقة بن المعتمر، العدوي صحابي أحدي، وزعم الزهري أنه شهد بدرا فالله أعلم * عبد الله بن قيس بن خالد الانصاري، شهد بدرا * عبد الرحمن بن سهل بن زيد الانصاري الحارثي، شهد أحدا وما بعدها، وقال ابن عبد البر شهد بدرا، استعمله عمر على البصرة بعد موت عتبة بن غزوان، وقد نهشته حية فرقاه عمارة بن حزم، وهو القائل لابي بكر - وقد جاءته جدتان فأعطى السدس أم الام وترك الاخرى وهي أم الاب - فقال له: أعطيت التي لو ماتت لم يرثها، وتركت التي لو ماتت لورثها، فشرك بينهما * عمرو بن سراقة بن المعتمر العدوي أخو عبد الله بن سراقة، وهو بدري كبير، روى أنه جاع مرة فربط حجرا على بطنه من شدة الجوع، ومشى يومه ذلك إلى الليل، فأضافه قوم من العرب ومن معه، فلما شبع قال لاصحابه: كنت أحسب الرجلين يحملان البطن، فإذا البطن يحمل الرجلين. عمير بن سعد الانصاري الاوسي، صحابي جليل القدر، كبير المحل كان يقال له نسيج وحده، لكثرة زهادته وعبادته، شهد فتح الشام مع أبي عبيدة، وناب بحمص وبدمشق أيضا في زمان عمر، فلما كانت خلافة عثمان عزله وولى معاوية الشام بكماله، وله أخبار يطول ذكرها * عروة بن حزام أبو سعيد العدوي كان شاعر مغرما في ابنة عم له، وهي عفراء بنت مهاجر، يقول فيها الشعر واشتهر بحبها، فارتحل أهلها من الحجاز إلى الشام، فتبعهم عروة فخطبها إلى عمه فامتنع من تزويجه لفقره وزوجها بابن عمها الآخر، فهلك عروة هذا في محبتها، وهو مذكور في كتاب مصارع العشاق، ومن شعره فيها قوله: وما هي إلا أن أراها فجاءة * فأبهت حتى ما أكاد أجيب وأصرف عن رأيي الذي كنت أرتأي * وأنسى الذي أعددت حين تغيب قطبة بن عامر أبو زيد الانصاري عقبي بدري * قيس بن مهدي بن قيس بن ثعلبة الانصاري النجاري، له حديث في الركعتين قبل الفجر، وزعم ابن ماكولا أنه شهد بدرا، قال مصعب الزبيري: هو جد يحيى بن سعيد الانصاري، وقال الاكثرون: بل هو جد أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الكوفي فالله أعلم * لبيد بن ربيعة أبو عقيل العامري الشاعر المشهور: صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شئ ما خلا الله باطل " * وتمام البيت: وكل نعيم لا محالة زائل

[ 248 ]

فقال عثمان بن مظعون: إلا نعيم الجنة، وقد قيل إنه توفي سنة إحدى وأربعين فالله أعلم * المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي، شهد بيعة الرضوان وهو والد سعيد بن المسيب سيد التابعين * معاذ بن عمرو بن الجموح الانصاري شهد بدرا، وضرب يومئذ أبا جهل بسيفه فقطع رجله، وحمل عكرمة بن أبي جهل على معاذ هذا فضربه بالسيف فحل يده من كتفه، فقاتل بقية يومه وهي معلقة يسحبها خلفه، قال معاذ: فلما انتهيت وضعت قدمي عليها ثم تمطأت عليها حتى طرحتها رضي الله عنه. وعاش بعد ذلك إلى هذه السنة سنة خمس وثلاثين * محمد بن جعفر بن أبي طالب، القرشي الهاشمي، ولد لابيه وهو بالحبشة، فلما هاجر إلى المدينة سنة خيبر، وتوفي يوم مؤتة شهيدا، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزلهم فقال لامهم أسماء بنت عميس: " إيتيني ببني أخي، فجئ بهم كأنهم أفرخ فجعل يقبلهم ويشمهم ويبكي، فبكت أمهم فقال: أتخافين عليهم العيلة وأنا وليهم في الدنيا والآخرة ؟ ثم أمر الحلاق فحلق رؤوسهم " وقد مات محمد وهو شاب في أيام عثمان كما ذكرنا، وزعم ابن عبد البر أنه توفي في تستر فالله أعلم * معبد بن العباس بن عبد المطلب بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتل شابا بأفريقية من بلاد المغرب * معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، صاحب خاتم النبي صلى الله عليه وسلم، قيل توفي في أيام عثمان، وقيل قبل ذلك، وقيل سنة أربعين والله أعلم * منقذ بن عمرو الانصاري، أحد بني مازن بن النجار. كان قد أصابته آمة في رأسه فكسرت لسانه، وضعف عقله، وكان يكثر من البيع والشراء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " من بايعت فقل لا خلابة، ثم أنت بالخيار في كل ما تشتريه ثلاثة أيام " قال الشافعي: كان مخصصا بإثبات الخيار في كل بيع، سواء اشترط الخيار أم لا * نعيم بن مسعود، أبو سلمة الغطفاني وهو الذي خذل بين الاحزاب وبين بني قريظة كما قدمناه، فله بذلك اليد البيضاء، والراية العليا أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، الشاعر، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد يوم السقيفة وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أشعر هذيل، وهذيل أشعر العرب وهو القائل: وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع وتجلدي للشامتين أربهم * أني لريب الدهر لا أتضعضع توفي غازيا بأفريقية في خلافة عثمان * أبو رهم سبرة بن عبد العزى القرشي الشاعر ذكره في هذا الفصل محمد بن سعد وحده * أبو زبيد الطائي، الشاعر، اسمه حرملة بن المنذر كان نصرانيا (1) وكان يجالس الوليد بن عقبة فأدخله على عثمان فاستنشده شيئا من شعره فأنشده قصيدة


(1) تذهب أغلب المصادر القديمة إلى أنه كان نصرانيا وأدرك الاسلام ولم يسلم وانه على دينه (النصرانية) مات. (الشعر والشعراء، الاغاني، تاريخ ابن عساكر، الارشاد لياقوت) إلا أن هناك اشارة في الطبري اغفلها المؤرخون، وهي رغبته واستعداده للقتال، وقد تمثل ذلك في قتاله إلى جانب المسلمين يوم الجسر حمية = (*)

[ 249 ]

له في الاسد بديعة (1)، فقال له عثمان: تفتأ تذكر الاسد ما حييت ؟ إني لاحسبك جبابا نصرانيا * أبو سبرة بن أبي رهم العامري، أخو أبي سلمة بن عبد الاسد، أمهما برة بنت عبد المطلب، هاجر إلى الحبشة وشهد بدرا وما بعدها، قال الزبير: لا نعلم بدريا سكن مكة بعد النبي صلى الله عليه وسلم سواه، قال: وأهله ببدر في ذلك * أبو لبابة بن عبد المنذر أحد نقباء ليلة العقبة، وقيل إنه في خلافة علي والله أعلم * أبو هاشم بن عتبة تقدم وفاته في سنة إحدى وعشرين، وقيل في خلافة عثمان والله أعلم. خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب واسمه عبد مناف بن عبد المطلب واسمه شيبة بن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصي، واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان أبو الحسن والحسين، ويكنى بأبي تراب، وأبي القسم الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وختنه على ابنته فاطمة الزهراء. وأمة فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ويقال إنها أول هاشمية ولدت هاشميا. وكان له من الاخوة طالب، وعقيل، وجعفر، وكانوا أكبر منه، بين كل واحد منهم وبين الآخر عشر سنين، وله أختان، أم هانئ وجمانة، وكلهم من فاطمة بنت أسد، وقد أسلمت وهاجرت * كان علي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة واحد الستة أصحاب الشورى، وكان ممن توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم راض عنهم وكان رابع الخلفاء


= للمسلمين وقد استعمله بعدها عمر على صدقات قومه. وصاحب الوليد بن عقبة، الذي لم يزل به حتى اسلم في آخر امارة الوليد وحسن اسلامه. وأيد ابن الاثير هذه الرواية. ولم يرد في شعره ما يؤيد نصرانيته كما هو الحال عند غيره من الشعراء. في موته أقوال والثابت، وفي ديوانه اشارة إلى انه رثى عبيد الله بن عمر بن الخطاب والمعروف أن عبيد الله قتل في صفين. وله قصيدة في رثاء الامام علي فهذا يعني صراحة إلى انه كان حيا سنة (40) ويذكر السيوطي في المزهر 1 / 125 - 129 عن ابن دريد في اماليه أن أبا زبيد الطائي وجميل بن معمر العذري والاخطل اجتمعوا عند يزيد يتناشدون وصف الاسد. هذا يرجح انه مات بعد سنة 41، وهذا يضع علامة استفهام كبرى على صحة رواية بروكلمن الذي قال: مات نصرانيا في خلافة عثمان (تاريخ الادب العربي 1 / 173). (1) ومنها: في الطرائف الادبية، وحماسة البحتري والمحكم وأمالي المرتضى وشرح سقط الزند: من مبلغ قومنا النائين إذا شحطوا * أن الفؤاد إليهم شيق ولع فالدار تنبيهم عني فإن لهم * ودي ونصري إذا اعداؤهم نصعوا إلى أن يقول: ضرغامة أهرت الشدقين ذي لبد * كأنه برنسا في الغاب ملتفع أفر عنه بني الخالات جرأته * لا الصيد يمنع منه وهو ممتنع (*)

[ 250 ]

الراشدين وكان رجلا آدم شديد الادمة أشكل (1) العينين عظيمهما، ذو بطن، أصلع، وهو إلى القصر أقرب وكان عظيم اللحية، قد ملات صدره ومنكبيه، أبيضها، وكان كثير شعر الصدر والكتفين، حسن الوجه، ضحوك السن، خفيف المشي على الارض * أسلم علي قديما، وهو ابن سبع وقيل ابن ثمان، وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل أحد عشر، وقيل اثني عشر، وقيل ثلاثة عشر، وقيل أربع عشرة، وقيل ابن خمس عشرة، أو ست عشرة سنة قاله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن، ويقال إنه أول من أسلم والصحيح أنه أول من أسلم من الغلمان، كما أن خديجة أول من أسلمت من النساء، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الاحرار، وكان سبب اسلام علي صغيرا أنه كان في كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لانه كان قد أصابتهم سنة مجاعة، فأخذه من أبيه، فكان عنده، فلما بعثه الله بالحق آمنت خديجة وأهل البيت ومن جملتهم علي، وكان الايمان النافع المتعدي نفعه إلى الناس إيمان الصديق رضي الله عنه. وقد ورد عن علي أنه قال: أنا أول من أسلم ولا يصح إسناده إليه. وقد روي في هذا المعنى أحاديث أوردها ابن عساكر كثيرة منكرة لا يصح شئ منها والله أعلم. وقد روى الامام أحمد: من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة سمعت أبا حمزة - رجلا من موالي الانصار - قال سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي * وفي رواية أول من صلى. قال عمرو: فذكرت ذلك للنخعي فأنكره، وقال أبو بكر: أول من أسلم * وقال محمد بن كعب القرظي: أول من آمن من النساء خديجة وأول رجلين آمنا أبو بكر وعلي ولكن كان أبو بكر يظهر إيمانه وعلي يكتم إيمانه، قلت: يعني خوفا من أبيه، ثم أمره أبوه بمتابعة ابن عمه ونصرته، وهاجر علي بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وكان قد أمره بقضاء ديونه ورد ودائعه، ثم يلحق به، فامتثل ما أمره به، ثم هاجر، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سهل بن حنيف، وذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير والمغازي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين نفسه، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة لا يصح شئ منها لضعف أسانيدها، وركة بعض متونها، فإن في بعضها " أنت أخي ووارثي وخليفتي وخير من أمر بعدي " وهذا الحديث موضوع مخالف لما ثبت في الصحيحين وغيرهما والله أعلم * وقد شهد علي بدرا وكانت له اليد البيضاء فيها، بارز يومئذ فغلب وظهر وفيه وفي عمه حمزة وابن عمه عبيدة بن الحارث وخصوصهم الثلاثة - عتبة وشيبة والوليد بن عتبة - نزل قوله تعالى * (هذان خصمان اختصموا في ربهم) * [ الحج: 19 ] الآية. وقال الحكم وغيره عن مقسم عن ابن عباس قال: " دفع النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم بدر إلى علي وهو ابن عشرين سنة " وقال الحسن بن عرفة: حدثني عمار بن محمد عن سعيد بن محمد الحنظلي عن أبي جعفر محمد بن علي قال: نادى مناد في السماء يوم بدر يقال له رضوان لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. قال ابن عساكر وهذا مرسل وإنما تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر ثم


(1) في الطبري وابن سعد: ثقيل العينين، وعن أبي الحجاج: كان فيهما أثر الكحل. (*)

[ 251 ]

وهبه من علي بعد ذلك وقال يونس بن بكير: عن مسعر، عن أبي عوف، عن أبي صالح، عن علي قال: قيل لي يوم بدر ولابي بكر قيل لاحدنا معك جبريل ومع الآخر ميكائيل قال وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل ويكون في الصف. وشهد علي أحدا وكان على الميمنة ومعه الراية بعده مصعب بن عمير، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الانصاري، وحمزة بن عبد المطلب، على القلب وعلى الرجالة الزبير بن العوام، وقيل المقداد بن الاسود، وقد قاتل علي يوم أحد قتالا شديدا، وقتل خلقا كثيرا من المشركين، وغسل عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم الدم الذي كان أصابه من الجراح حين شج في وجهه وكسرت رباعيته وشهد يوم الخندق فقتل يومئذ فارس العرب، وأحد شجعانهم المشاهير، عمرو بن عبدود العامري، كما قدمنا ذلك في غزوة الخندق، وشهد الحديبية وبيعة الرضوان، وشهد خيبر وكانت له بها مواقف هائلة، ومشاهد طائلة، منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله " فبات الناس يذكرون أيهم يعطاها، فدعا عليا - وكان أرمد - فدعا له، وبصق في عينه فلم يرمد بعدها، فبرأ وأعطاه الراية، ففتح الله على يديه، وقتل مرحبا اليهودي. وذكر محمد بن إسحاق عن عبد الله بن حسن عن بعض أهله عن أبي رافع أن يهوديا ضرب عليا فرطح ترسه، فتناول بابا عند الحصن فتترس به، فلم يزل في يده حتى فتح الله على يديه ثم ألقاه من يده، قال أبو رافع: فلقد رأيتني أنا وسبعة معي نجتهد أن نقلب ذلك الباب على ظهره يوم خيبر فلم نستطع. وقال ليث عن أبي جعفر عن جابر أن عليا حمل الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، فلم يحملوه إلا أربعون رجلا * ومنها أنه قتل مرحبا فارس يهود وشجعانهم * وشهد علي عمرة القضاء وفيها قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أنت مني، وأنا منك " وما يذكره كثير من القصاص في مقاتلته الجن في بئر ذات العلم - وهو بئر قريب من الجحفة - فلا أصل له، وهو من وضع الجهلة من الاخباريين فلا يغتر به. وشهد الفتح وحنينا والطائف، وقاتل في هذه المشاهد قتالا كثيرا، واعتمر من الجعرانة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك واستخلفه على المدينة، قال له: يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان ؟ فقال: " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي " وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم أميرا وحاكما على اليمن، ومعه خالد بن الوليد، ثم وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، إلى مكة، وساق معه هديا، وأهل كأهلال النبي صلى الله عليه وسلم، فأشركه في هديه، واستمر على إحرامه، ونحرا هديهما بعد فراغ نسكهما كما تقدم ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له العباس: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن الامر بعده ؟ فقال: والله لا أسأله فإنه إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدا، والاحاديث الصحيحة الصريحة دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوص إليه ولا إلى غيره بالخلافة، بل لوح بذكر الصديق، وأشار إشارة مفهمة ظاهرة جدا إليه، كما قدمنا ذلك ولله الحمد. وأما ما يفتريه كثير من جهلة الشيعة والقصاص الاغبياء، من أنه أوصى إلى علي بالخلافة،

[ 252 ]

فكذب وبهت وافتراء عظيم يلزم به خطأ كبير، من تخوين الصحابة وممالاتهم بعده على ترك إنفاذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه، وصرفهم إياها إلى غيره، لا لمعنى ولا لسبب، وكل مؤمن بالله ورسوله يتحقق أن دين الاسلام هو الحق، يعلم بطلان هذا الافتراء، لان الصحابة كانوا خير الخلق بعد الانبياء، وهم خير قرون هذه الامة، التي هي أشرف الامم بنص القرآن، وإجماع السلف والخلف، في الدنيا والآخرة، ولله الحمد. وما قد يقصه بعض القصاص من العوام وغيرهم في الاسواق وغيرها من الوصية لعلي في الآداب والاخلاق في المأكل والمشرب والملبس، مثل ما يقولون: يا علي لا تعتم وأنت قاعد، يا علي لا تلبس سراويلك وأنت قائم، يا علي لا تمسك عضادتي الباب، ولا تجلس على أسكفة الباب، ولا تخيط ثوبك وهو عليك، ونحو ذلك، كل ذلك من الهذيانات فلا أصل لشئ منه، بل هو اختلاف بعض السفلة الجهلة، ولا يعول على ذلك ويغتر به إلا غبي عيي. ثم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كان علي من جملة من غسله وكفنه وولي دفنه كما تقدم ذلك مفصلا ولله الحمد والمنة. وسيأتي في باب فضائله ذكر تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم له من فاطمة بعد وقعة بدر فولد منها حسن وحسين ومحسن كما قدمنا. وقد وردت أحاديث في ذلك لا يصح شئ منها بل أكثرها من وضع الروافض والقصاص. ولما بويع الصديق يوم السقيفة كان علي من جملة من بايع بالمسجد كما قدمنا. وكان بين يدي الصديق كغيره من أمراء الصحابة يرى طاعته فرضا عليه، وأحب الاشياء إليه، ولما توفيت فاطمة بعد ستة أشهر - وكانت قد تغضبت بعض الشئ على أبي بكر بسبب الميراث الذي فاتها من أبيها عليه السلام، ولم تكن اطلعت على النص المختص بالانبياء وأنهم لا يورثون، فلما بلغها سألت أبا بكر أن يكون زوجها ناظرا على هذه الصدقة، فأبى ذلك عليها، فبقي في نفسها شئ كما قدمنا، واحتاج علي أن يداريها بعض المداراة - فلما توفيت جدد البيعة مع الصديق رضي الله عنهما، فلما توفي أبو بكر وقام عمر في الخلافة بوصية أبي بكر إليه بذلك، كان علي من جملة من بايعه، وكان معه يشاوره في الامور، ويقال إنه استقضاه في أيام خلافته، وقدم معه من جملة سادات أمراء الصحابة إلى الشام، وشهد خطبته بالجابية، فلما طعن عمر وجعل الامر شورى في ستة أحدهم علي، ثم خلص منهم بعثمان وعلي كما قدمنا، فقدم عثمان على علي، فسمع وأطاع، فلما قتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمسة وثلاثين على المشهور. عدل الناس إلى علي فبايعوه، قبل أن يدفن عثمان، وقيل بعد دفنه كما تقدم (1)، وقد امتنع علي من إجابتهم إلى قبول الامارة حتى تكرر قولهم


(1) في الطبري والكامل: بويع لخمس بقين من ذي الحجة بقيت المدينة خمسة أيام، بعد مقتل عثمان، وأميرها الغافقي بن حرب حتى غشى الناس عليا فبايعوه 3 / 193، وذكرها الطبري عن سيف عن أبي حارثة 5 / 156 وقال ابن الاعثم: ترك عثمان قتيلا إلى أن بويع علي وأتي به إلى حفرته 2 / 241 وفي مروج الذهب: بويع علي في اليوم الذي قتل فيه عثمان. (*)

[ 253 ]

له وفر منهم إلى حائط بني عمرو بن مبذول (1)، وأغلق بابه فجاء الناس فطرقوا الباب وولجوا عليه، وجاؤوا معهم بطلحة والزبير، فقالوا له: إن هذا الامر لا يمكن بقاؤه بلا أمير، ولم يزالوا به حتى أجاب. ذكر بيعة علي رضي الله عنه بالخلافة يقال أن أول من بايعه طلحة بيده اليمنى وكانت شلاء من يوم أحد - لما وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال بعض القوم: والله إن هذا الامر لا يتم، وخرج علي إلى المسجد فصعد المنبر وعليه إزار وعمامة خز ونعلاه في يده، توكأ على قوسه، فبايعه عامة الناس، وذلك يوم السبت التاسع عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ويقال إن طلحة والزبير إنما بايعاه بعد أن طلبهما وسألاه أن يؤمرهما على البصرة والكوفة، فقال لهما: بل تكونا عندي أستأنس بكما، ومن الناس من يزعم أنه لم يبايعه طائفة من الانصار، منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة (2) ذكره ابن جرير من طريق المدائني عن شيخ من بني هاشم عن عبد الله بن الحسن قال المدائني: حدثني من سمع الزهري يقول: هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم بايعوا عليا، ولم يبايعه قدامة بن مظعون، وعبد الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة، قلت: وهرب مروان بن الحكم والوليد بن عقبة وآخرون إلى الشام. وقال الواقدي: بايع الناس عليها بالمدينة، وتربص سبعة نفر لم يبايعوا، منهم ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وصهيب، وزيد بن ثابت، ومحمد بن أبي سلمة، وسلمة بن سلامة بن رقش، وأسامة بن زيد، ولم يتخلف أحد من الانصار إلا بايع فيما نعلم. وذكر سيف بن عمر عن جماعة من شيوخه قالوا: بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان وأميرها الغافقي بن حرب، يلتمسون من يجييبهم إلى القيام بالامر. والمصريون يلحون على علي وهو يهرب منهم إلى الحيطان، ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم لا نولي أحد من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد بن أبي وقاص فقالوا: إنك من أهل الشورى فلم يقبل منهم، ثم راحوا إلى ابن عمر فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم، ثم قالوا: ان نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة اختلف الناس في أمرهم ولم نسلم، فرجعوا إلى علي فألحوا عليه، وأخذ الاشتر بيده فبايعه وبايعه الناس، وأهل الكوفة يقولون، أول من بايعه الاشتر النخعي وذلك يوم الخميس الرابع


(1) كذا بالاصل والطبري، وفي الكامل كان في بيته، 3 / 191 وفي فتوح ابن الاعثم: كان يعرف الضبع 2 / 243. (2) في فتوح ابن الاعثم 2 / 256: اسامة بن زيد وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك - لم يدخلوا في بيعة الناس من المهاجرين والانصار - ورفض علي استدعاءهم لسعته. (*)

[ 254 ]

والعشرون من ذي الحجة، وذلك بعد مراجعة لهم في ذلك، وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا علي، فلما كان يوم الجمعة وصعد علي المنبر بايعه من لم يبايعه بالامس، وكان أول من بايعه طلحة بيده الشلاء، فقال قائل: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم الزبير، ثم قال الزبير: إنما بايعت عليا واللج على عنقي والسلام، ثم راح إلى مكة فأقام أربعة أشهر، وكانت هذه البيعة يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة، وكان أول خطبة خطبها أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشر، إن الله حرم حرما غير (1) مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، لا يحل لمسلم أذى مسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم الموت، فإن الناس أمامكم، وإنما خلفكم الساعة تحدو بكم فتخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بالناس أخراهم، اتقوا الله عباده في عباده وبلاده، فانكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم، ثم أطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا رأيتم الشر فدعوه * (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض) * [ الانفال: 26 ] الآية، فلما فرغ من خطبته قال المصريون: خذها إليك واحذرن أبا الحسن * إنا نمر الامر إمرار الرسن صولة آساد كآساد السفن * بمشرفيات كغدران اللبن ونطعن الملك بلين كالشطن * حتى يمرن على غير عنن فقال علي مجيبا لهم ! ان عجزت عجزة لا أعتذر * سوف أكيس بعدها وأستمر أرفع من ذيلي ما كنت أجر * وأجمع الامر الشتيت المنتشر إن لم يشاغبني العجول المنتصر * أو يتركوني والسلاح يبتدر وكان على الكوفة أبو موسى الاشعري على الصلاة وعلى الحرب القعقاع بن عمرو وعلى الخراج جابر بن فلان المزني، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقد تغلب عليه محمد بن أبي حذيفة، وعلى الشام معاوية بن أبي سفيان، ونوابه على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قنسرين حبيب بن مسلمة، وعلى الاردن أبو الاعور، وعلى فلسطين حكيم بن علقمة (2)، وعلى أذربيجان الاشعث بن قيس، وعلى قرقيسيا جرير بن عبد الله البجلي، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وعلى قيسارية مالك بن حبيب، وعلى همذان (3) حبيش. هذا ما ذكره ابن جرير من نواب عثمان الذي توفي وهم نواب الامصار، وكان


(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (2) في الطبري والكامل: علقمة بن حكيم الكناني. (3) في الطبري والكامل: وعلى همذان النسير، أما حبيش (وفي الكامل حنيس) فكان على ماسبذان. (*)

[ 255 ]

على بيت المال عقبة بن عمرو (1)، وعلى قضاء المدينة زيد بن ثابت، ولما قتل عثمان بن عفان خرج النعمان بن بشير ومعه قميص عثمان مضمخ بدمه، ومعه أصابع نائلة التي أصيبت حين حاجفت عنه بيدها، فقطعت مع بعض الكف فورد به على معاوية بالشام، فوضعه معاوية على المنبر ليراه الناس، وعلق الاصابع في كم القميص، وندب الناس إلى الاخذ بهذا الثأر والدم وصاحبه، فتباكى الناس حول المنبر، وجعل القميص يرفع تارة ويوضع تارة، والناس يتباكون حوله سنة، وحث بعضهم بعضا على الاخذ بثأره، واعتزل أكثر الناس النساء في هذا العام، وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان، ممن قتله من أولئك الخوارج: منهم عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء (2)، وأبو أمامة، وعمرو بن عنبسة وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين: شريك بن حباشة، وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن بن غنم، وغيرهم من التابعين. ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤس الصحابة رضي الله عنهم، وطلبوا منه إقامة الحدود، والاخذ بدم عثمان. فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يوليه إمرة الكوفة ليأتيه بالجنود، وطلب منه طلحة أن يوليه إمرة البصرة، ليأتيه منها بالجنود ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج، وجهلة الاعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان رضي الله عنه فقال لهما: مهلا علي، حتى انظر في هذا الامر. ودخل عليه المغيرة بن شعبة على إثر ذلك فقال له. إني أرى أن تقر عمالك على البلاد، فإذا أتتك طاعتهم استبدلت بعد ذلك بمن شئت وتركت من شئت، ثم جاءه من الغد فقال له: إني أرى أن تعزلهم لتعلم من يطيعك ممن يعصيك، فعرض ذلك علي على ابن عباس قال: لقد نصحك بالامس وغشك اليوم، فبلغ ذلك المغيرة فقال: نعم نصحته فلما لم يقبل غششته ثم خرج المغيرة فلحق بمكة، ولحقه جماعة منهم طلحة والزبير: وكانوا قد استأذنوا عليا في الاعتمار فأذن لهم، ثم إن ابن عباس أشار على علي باستمرار نوابه في البلاد، إلى أن يتمكن الامر، وأن يقر معاوية خصوصا على الشام وقال له: إني أخشى إن عزلته عنها أن يطلبك بدم عثمان ولا آمن طلحة والزبير أن يتكلما عليك بسبب ذلك، فقال علي: إني لا أرى هذا ولكن اذهب أنت إلى الشام فقد وليتكها، فقال ابن عباس لعلي: إني أخشى من معاوية أن يقتلني بعثمان، أو يحبسني لقرابتي منك ولكن اكتب معي إلى معاوية فمنه وعده، فقال علي: والله إن هذا مالا يكون أبدا، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين الحرب خدعة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لئن أطعتني لاوردنهم بعد صدرهم ونهى ابن عباس عليا فيما أشار عليه أن يقبل من هؤلاء الذين يحسنون إليه الرحيل إلى


(1) في الكامل: عامر. (2) قال ابن الاثير: والصحيح أن أبا الدرداء توفي قبل أن قتل عثمان. قال في الاصابة: والاصح عند أصحاب الحديث انه مات في خلافة عثمان فيما قال الواقدي: مات سنة ثنتين وثلاثين. (*)

[ 256 ]

العراق، ومفارقة المدينة، فأبى عليه ذلك كله، وطاوع أمر أولئك الامراء من أولئك الخوارج من أهل الامصار. قال ابن جرير: وفي هذه السنة قصد قسطنطين بن هرقل بلاد المسلمين في ألف مركب، فأرسل الله عليه قاصفا من الريح فغرقه الله بحوله وقوته، ومن معه، ولم ينج منهم أحد إلا الملك في شرذمة قليلة من قومه، فلما دخل صقلية عملوا له حماما فقتلوه فيه، وقالوا: أنت قتلت رجالنا. ثم دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة استهلت هذه السنة وقد تولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الخلافة، وولى على الامصار نوابا، فولى عبيد الله بن عباس على اليمن، وولى سمرة بن جندب (1) على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وقيس بن سعد بن عبادة على مصر، وعلى الشام سهل بن حنيف بدل معاوية (2) فسار حتى بلغ تبوك فتلقته خيل معاوية، فقالوا: من أنت ؟ أمير، قالوا: على أي شئ ؟ قال: على الشام، فقالوا: إن كان عثمان بعثك فحي هلابك، وإن كان غيره فارجع. فقال: أو ما سمعتم الذي كان ؟ قالوا: بلى، فرجع إلى علي. وأما قيس بن سعد فاختلف عليه أهل مصر فبايع له الجمهور، وقالت طائفة: لا نبايع حتى نقتل قتلة عثمان، وكذلك أهل البصرة، وأما عمارة بن شهاب المبعوث أميرا على الكوفة فصده عنها طلحة بن خويلد غضبا لعثمان، فرجع إلى علي فأخبره، وانتشرت الفتنة وتفاقم الامر، واختلفت الكلمة، وكتب أبو موسى إلى علي بطاعة أهل الكوفة ومبايعتهم إلا القليل منهم، وبعث علي إلى معاوية كتبا كثيرة فلم يرد عليه جوابها، وتكرر ذلك مرارا إلى الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر، ثم بعث معاوية طومارا مع رجل (3) فدخل به على علي فقال: ما وراءك ؟ قال جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القود كلهم موتور، تركت سبعين ألف (4) شيخ يبكون تحت قميص عثمان، وهو على منبر دمشق، فقال علي: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ثم خرج رسول معاوية من بين يدي علي فهم به أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان يريدون قتله، فما أفلت إلا بعد جهد. وعزم علي رضي الله عنه على قتال أهل الشام، وكتب إلى قيس بن سعد بمصر يستنفر الناس لقتالهم، وإلى أبي موسى


(1) في الطبري والكامل: عثمان بن حنيف. (2) زاد ابن الاعثم في فتوحه 2 / 268: وولى جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي بلاد خراسان، وولى عبد الرحمن مولى بديل من ورقاء الخزاعي أميرا وعاملا على الماهين، والماهان: الدينور ونهاوند احداهما ماه الكوفة والاخرى ماه البصرة. (3) ذكره الطبري: من بني عبس ثم من بني رواحة يدعى قبيصة. (4) في الطبري والكامل: ستين ألف. (*)

[ 257 ]

بالكوفة: وبعث إلى عثمان بن حنيف بذلك، وخطب الناس فحثهم على ذلك (1). وعزم على التجهز. وخرج من المدينة، واستخلف عليها قثم بن العباس، وهو عازم أن يقاتل بمن أطاعه من عصاه وخرج عن أمره ولم يبايعه مع الناس، وجاء إليه ابنه الحسن بن علي فقال: يا أبتي دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين، ووقوع الاختلاف بينهم، فلم يقبل منه ذلك، بل صمم على القتال، ورتب الجيش، فدفع اللواء إلى محمد بن الحنفية، وجعل ابن العباس على الميمنة، وعمرو بن أبي سلمة على الميسرة، وقيل جعل على الميسرة عمرو بن سفيان بن عبد الاسد، وجعل على مقدمته أبا ليلى بن عمرو بن الجراح ابن أخي أبي عبيدة، واستخلف على المدينة قثم بن العباس ولم يبق شئ إلا أن يخرج من المدينة قاصدا إلى الشام، حتى جاءه ما شغله عن ذلك وهو ما سنورده. ابتداء وقعة الجمل لما وقع قتل عثمان بعد أيام التشريق، كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين قد خرجن إلى الحج في هذا العام فرارا من الفتنة، فلما بلغ الناس أن عثمان قد قتل، أقمن بمكة بعدما خرجوا منها، ورجعوا إليها وأقاموا بها وجعلوا ينتظرون ما يصنع الناس ويتجسسون الاخبار فلما بويع لعلي وصار حظ الناس عنده بحكم الحال وغلبة الرأي، لا عن اختيار منه لذلك رؤس أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان، مع أن عليا في نفس الامر يكرههم، ولكنه تربص بهم الدوائر، ويود لو تمكن منهم ليأخذ حق الله منهم، ولكن لما وقع الامر هكذا واستحوذوا عليه، وحجبوا عنه علية الصحابة فر جماعة من بني أمية (2) وغيرهم إلى مكة، واستأذنه طلحة بن الزبير في الاعتمار، فأذن لهما فخرجا إلى مكة وتبعهم خلق كثير، وجم غفير، وكان علي لما عزم على قتال أهل الشام قد ندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبوا عليه، فطلب عبد الله بن عمر بن الخطاب وحرضه على الخروج معه، فقال: إنما أنا رجل من أهل المدينة، إن خرجوا خرجت على السمع والطاعة، ولكن لا أخرج للقتال في هذا العام، ثم تجهز ابن عمر وخرج إلى مكة، وقدم إلى مكة أيضا في هذا العام يعلى بن أمية (3) من اليمن، - وكان عاملا عليها لعثمان -، ومعه ستمائة بعير وستمائة ألف درهم (4)، وقدم لها عبد الله بن عامر من البصرة، وكان نائبها لعثمان، فاجتمع فيها خلق من سادات الصحابة، وأمهات المؤمنين، فقامت عائشة رضي الله عنها في الناس تخطبهم وتحثهم على القيام بطلب دم عثمان، وذكرت ما افتات به أولئك من قتله في بلد حرام وشهر حرام، ولم يراقبوا


(1) انظر خطبته في أهل المدينة في الطبري 5 / 163 - 164 والكامل لابن الاثير 3 / 204. (2) منهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط - أخو عثمان - مروان بن الحكم - عبد الله بن عامر - ابن خال عثمان - وعبد الله بن عامر الحضرمي وسعيد بن العاص. (3) الصواب يعلى بن منية. (4) كذا في الاصل والطبري والكامل. وفي فتوح ابن الاعثم: أربعمائة بعير. (*)

[ 258 ]

جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سفكوا الدماء، وأخذوا الاموال. فاستجاب الناس لها، وطاوعوها على ما تراه من الامر بالمصلحة، وقالوا لها: حيثما ما سرت سرنا معك، فقال قائل نذهب إلى الشام، فقال بعضهم: إن معاوية قد كفاكم أمرها، ولو قدموها لغلبوا، واجتمع الامر كله لهم، لان أكابر الصحابة معهم وقال آخرون: نذهب إلى المدينة فنطلب من علي أن يسلم إلينا قتلة عثمان فيقتلوا، وقال آخرون: بل نذهب إلى البصرة فنتقوى من هنالك بالخيل والرجال، ونبدأ بمن هناك من قتلة عثمان. فاتفق الرأي على ذلك وكان بقية أمهات المؤمنين قد وافقن عائشة على المسير إلى المدينة، فلما اتفق الناس على المسير إلى البصرة رجعن عن ذلك وقلن: لا نسير إلى غير المدينة، وجهز الناس يعلى بن أمية فأنفق فيهم ستمائة بعير وستمائة ألف درهم (1) وجهزهم ابن عامر أيضا بمال كثير، وكانت حفصة بنت عمر أم المؤمنين قد وافقت عاشئة على المسير إلى البصرة، فمنعها أخوها عبد الله من ذلك، وأبى هو أن يسير معهم إلى غير المدينة، وسار الناس صحبة عاشئة في ألف فارس، وقيل تسعمائة فارس من أهل المدينة ومكة، وتلاحق بهم آخرون، فصاروا في ثلاثة آلاف، وأم المؤمنين عاشئة تحمل في هودج على حمل اسمه عسكر، اشتراه يعلى بن أمية من رجل من عرينة بمائتي دينار، وقبل بثمانين دينارا، وقيل غير ذلك، وسار معها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق ففارقنها هنالك وبكين للوداع، وتباكى الناس، وكان ذلك اليوم يسمى يوم النحيب، وسار الناس قاصدين البصرة، وكان الذي يصلي بالناس عن أمر عاشئة ابن أختها عبد الله ابن الزبير (2)، ومروان بن الحكم يؤذن للناس في أوقات الصلوات، وقد مروا في مسيرهم ليلا بماء يقال له الحوأب، فنبحتهم كلاب عنده، فلما سمعت ذلك عاشئة قالت: ما اسم هذا المكان ؟ قالوا الحوأب، فضربت باحدى يديها على الاخرى وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أطنني إلا راجعة، قالوا: ولم ؟ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنسائه: " ليت شعري أيتكن التي تنبحها كلاب الحوأب "، ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، وقالت: ردوني ردوني، أنا والله صاحبة ماء الحوأب، وقد أوردنا هذا الحديث بطرقه وألفاظه في دلائل النبوة كما سبق، فأناخ الناس حولها يوما وليلة، وقل لها عبد الله بن الزبير: إن الذي أخبرك أن هذا ماء الحوأب قد كذب (3)، ثم قال الناس: النجا النجا، هذا جيش علي بن أبي طالب قد أقبل، فارتحلوا نحو البصرة، فلما اقتربت من البصرة كتبت إلى الاحنف بن قيس وغيره من رؤوس الناس، أنها قد قدمت، فبعث عثمان بن حنيف عمران بن حصين وأبا الاسود الدؤلي إليها ليعلما ما جاءت له، فلما قدما عليها سلما عليها واستعلما منها ما جاءت له، فذكرت لهما ما الذي جاءت له من القيام


(1) في فتوح ابن الاعثم: ستين ألف دينار وفي رواية عوف أعان يعلى بأربعمائة ألف وحمل سبعين رجلا من قريش. (2) في رواية في الطبري: عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد. (3) جاء ابن الزبير بخمسين رجلا شهدوا عند عائشة هذا الماء ليس بماء الحوأب، فكانت هذه أول شهادة زور شهد بها في الاسلام. (*)

[ 259 ]

بطلب دم عثمان، لانه قتل مظلوما في شهر حرام وبلد حرام. وتلت قوله تعالى * (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك بتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما) * [ النساء: 114 ] فخرجا من عندها فجاءا إلى طلحة فقالا له: ما أقدمك ؟ فقال: الطلب بدم عثمان، فقالا: ما بايعت عليا ؟ قال: بلى والسيف على عنقي، ولا أستقبله إن هو لم يخل بيننا وبين قتلة عثمان. فذهبا إلى الزبير فقال مثل ذلك، قال: فرجع عمران وأبو الاسود إلى عثمان بن حنيف، فقال أبو الاسود: يا بن الاحنف (1) قد أتيت فانفر * وطاعن القوم وجالد واصبر * واخرج لهم مستلثما وشمر * فقال عثمان بن حنيف: إنا لله وإنا إليه راجعون، دارت رحا الاسلام ورب الكعبة، فانظروا بأي زيفان نزيف، فقال عمران إي والله لتعركنكم عركا طويلا، يشير عثمان بن حنيف إلى حديث ابن مسعود مرفوعا " تدور رحا الاسلام لخمس وثلاثين " الحديث كما تقدم، ثم قال عثمان بن حنيف لعمران بن حصين: أشر علي، فقال اعتزل فإني قاعد في منزلي، أو قال قاعد على بعيري، فذهب فقال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين، فنادى في الناس يأمرهم بلبس السلاح والاجتماع في المسجد، فاجتمعوا فأمرهم بالتجهز، فقام رجل وعثمان على المنبر فقال: أيها الناس إن كان هؤلاء القوم جاؤوا خائفين فقد جاؤوا من بلد يأمن فيه الطير، وإن كانوا جاءوا يطلبون بدم عثمان فما نحن بقتلته، فاطيعوني وردوهم من حيث جاؤوا، فقام الاسود بن سريع السعدي فقال: إنما جاؤوا يستعينون بنا على قتلة عثمان ومنا ومن غيرنا، فحصبه الناس، فعلم عثمان بن حنيف أن لقتلة عثمان بالبصرة أنصارا، فكره ذلك، وقدمت أم المؤمنين بمن معها من الناس، فنزلوا المربد من أعلاه قريبا من البصرة، وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يكون معها، وخرج عثمان بن حنيف بالجيش فاجتمعوا بالمربد، فتكلم طلحة - وكان على الميمنة - فندب إلى الاخذ بثأر عثمان، والطلب بدمه، وتابعه الزبير فتكلم بمثل مقالته فرد عليهما ناس من جيش عثمان بن حنيف، وتكلمت أم المؤمنين فحرضت وحثت على القتال، فتناور طوائف من أطراف الجيش فتراموا بالحجارة، ثم تحاجز الناس ورجع كل فريق إلى حوزته، وقد صارت طائفة من جيش عثمان بن حنيف إلى جيش عائشة، فكثروا، وجاء حارثة (2) بن قدامة السعدي فقال: يا أم المؤمنين ! والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل عرضة السلاح، إن كنت أتيتينا طائعة فارجعي من حيث جئت إلى منزلك، وإن كنت أتيتينا مكرهة فاستعيني بالناس في الرجوع وأقبل حكيم بن جبلة - وكان على خيل عثمان بن


(1) في الطبري والكامل: يا بن حنيف. (2) في الطبري والكامل: جارية. (*)

[ 260 ]

حنيف - فأنشب القتال وجعل أصحاب أم المؤمنين يكفون أيديهم ويمتنعون من القتال، وجعل حكيم يقتحم عليهم فاقتتلوا على فم السكة، وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن، وحجز الليل بينهم، فلما كان اليوم الثاني قصدوا للقتال، فاقتتلوا قتالا شديدا، إلى أن زال النهار، وقتل خلق كثير من أصحاب ابن حنيف، وكثرت الجراح في الفريقين، فلما عضتهم الحرب تداعوا إلى الصلح على أن يكتبوا بينهم كتابا ويبعثوا رسولا إلى أهل المدينة يسأل أهلها، إن كان طلحة والزبير أكرها على البيعة، خرج عثمان بن حنيف عن البصرة وأخلاها، وإن لم يكونا أكرها على البيعة خرج طلحة الزبير عنها وأخلوها لهم، وبعثوا بذلك كعب بن سور القاضي، فقدم المدينة يوم الجمعة، فقام في الناس، فسألهم: هل بايع طلحة والزبير طائعين أو مكرهين ؟ فسكت الناس فلم يتكلم إلا أسامة بن زيد، فقال: بل كانا مكرهين، فثار إليه بعض الناس فأرادوا ضربه، فحاجف دونه صهيب، وأبو أيوب، وجماعة حتى خلصوه، وقالوا له: ما وسعك ما وسعنا من السكوت ؟ فقال: لا والله ما كنت أرى أن الامر ينتهي إلى هذا، وكتب علي إلى عثمان بن حنيف يقول له: إنهما لم يكرها على فرقة، ولقد أكرها على جماعة وفضل فإن كان يريدان الخلع فلا عذر لهما، وإن كانا يريدان غير ذلك نظرا ونظرنا، وقدم كعب بن سور على عثمان بكتاب علي، فقال عثمان: هذا أمر آخر غير ما كنا فيه، وبعث طلحة والزبير إلى عثمان بن حنيف أن يخرج إليهما فأبى، فجمعا الرجال في ليلة مظلمة وشهدا بهم صلاة العشاء في المسجد الجامع، ولم يخرج عثمان بن حنيف تلك الليلة، فصلى بالناس عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ووقع من رعاع الناس من أهل البصرة كلام وضرب، فقتل منهم نحوا أربعين رجلا، ودخل الناس على عثمان بن حنيف قصره فأخرجوه إلى طلحة والزبير، ولم يبق في وجهه شعرة إلا نتفوها، فاستعظما ذلك وبعثا إلى عائشة فأعلماها الخبر، فأمرت أن تخلي سبيله، فأطلقوا وولوا على بيت المال عبد الرحمن بن أبي بكر، وقسم طلحة والزبير أموال بيت المال في الناس وفضلوا أهل الطاعة، وأكب عليهم الناس يأخذون أرزاقهم، وأخذوا الحرس، واستبدوا في الامر بالبصرة، فحمى لذلك جماعة من قوم قتلة عثمان وأنصارهم، فركبوا في جيش قريب من ثلثمائة، ومقدمهم حكيم بن جبلة، هو أحد من باشر قتل عثمان، فبارزوا وقاتلوا، فضرب رجل رجل حكيم بن جبلة فقطعها، فزحف حتى أخذها وضرب بها ضاربه فقتله ثم اتكأ عليه وجعل يقول: يا ساق لن تراعي * * إن لك ذراعي أحمي بها كراعي وقال أيضا: ليس على أن أموت عار * * والعار في الناس هو الفرار والمجد لا يفضحه الدمار فمر عليه رجل وهو متكئ برأسه على ذلك الرجل، فقال له: من قتلك ؟ فقال له

[ 261 ]

وسادتي. ثم مات حكيم قتيلا هو ونحو من سبعين من قتلة عثمان وأنصارهم أهل المدينة، فضعف جأش من خالف طلحة والزبير من أهل البصرة، ويقال: إن أهل البصرة بايعوا طلحة والزبير، وندب الزبير ألف فارس يأخذها معه ويلتقي بها عليا قبل أن يجئ فلم يجبه أحد، وكتبوا بذلك إلى أهل الشام يبشرونهم بذلك، وقد كانت هذه الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، وقد كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان تدعوه إلى نصرتها والقيام معها فإن لم يجئ فليكف يده وليلزم منزله، أي لا يكون عليها ولا لها، فقال: أنا في نصرتك ما دمت في منزلك، وأبى أن يطيعها في ذلك، وقال: رحم الله أم المؤمنين أمرها الله أن تلزم بيتها وأمرنا أن نقاتل، فخرجت من منزلها وأمرتنا بلزوم بيوتنا التي كانت هي أحق بذلك منا، وكتبت عائشة إلى أهل اليمامة والكوفة بمثل ذلك (1). مسير علي بن أبي طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من الشام بعد أن كان قد تجهز قاصدا الشام كما ذكرنا، فلما بلغه قصد طلحة والزبير البصرة، خطب الناس وحثهم على المسير إلى البصرة ليمنع أولئك من دخولها، إن امكن، أو يطردهم عنها إن كانوا قد دخلوها، فتثاقل عنه أكثر أهل المدينة، واستجاب له بعضهم، قال الشعبي: ما نهض معه في هذا الامر غير ستة نفر من البدريين، ليس لهم سابع. وقال غيره أربعة. وذكر ابن جرير وغيره قال كان ممن استجاب له من كبار الصحابة أبو الهيثم بن التيهان، وأبو قتاده الانصاري، وزياد بن حنظلة، وخزيمة بن ثابت. قالوا: وليس بذي الشهادتين، ذاك مات في زمن عثمان رضي الله عنه. وسار علي من المدينة نحو البصرة على تعبئته المتقدم ذكرها، غير أنه استخلف على المدينة تمام بن عباس وعلى مكة قثم بن عباس وذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، وخرج علي من المدينة في نحو من تسعمائة مقاتل (2)، وقد لقي عبد الله بن سلام رضي الله عنه عليا وهو بالربذة، فأخذ بعنان فرسه وقال: يا أمير المؤمنين ! لا تخرج منها، فوالله لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا، فسبه بعض الناس، فقال علي: دعوه فنعم الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء الحسن بن علي إلى أبيه في الطريق فقال: لقد نهيتك فعصيتني تقتل غدا بمضيعة لا ناصر لك. فقال له علي: إنك لا تزال تحن علي حنين الجارية، وما الذي نهيتني عنه فعصيتك ؟ فقال: ألم آمرك قبل مقتل عثمان أن تخرج منها لئلا يقتل وأنت بها، فيقول قائل أو يتحدث متحدث ؟ ألم آمرك أن لا تبايع الناس بعد قتل عثمان حتى يبعث إليك أهل كل مصر ببيعتهم ؟ وأمرتك حين خرجت هذه المرأة وهذان الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فعصيتني في ذلك كله ؟ فقال له علي: أما قولك أن أخرج قبل مقتل عثمان فلقد أحيط بنا كما أحيط


(1) انظر كتاب عائشة إلى أهل الكوفة في الطبري 5 / 181 - 182. (2) في الطبري سبعمائة رجل. (*)

[ 262 ]

به، وأما مبايعتي قبل مجئ بيعة الامصار فكرهت أن يضيع هذا الامر، وأما أن أجلس وقد ذهب هؤلاء إلى ما ذهبوا إليه. فتريد مني أن يكون كالضبع التي يحاط بها، ويقال ليست ها هنا، حتى يشق عرقوبها فتخرج، فإذا لم أنضر فيما يلزمني في هذا الامر ويعنيني، فمن ينظر فيه ؟ فكف عني يا بني، ولما انتهى إليه خبر ما صنع القوم بالبصرة من الامر الذي قدمنا كتب إلى أهل الكوفة مع محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، إني قد اخترتكم على أهل الامصار، فرغبت إليكم وفزعت لما حدث، فكونوا لدين الله أعوانا وأنصارا، [ وأيدونا ] وانهضوا إلينا فالاصلاح نريد لتعود هذه الامة إخوانا (1)، فمضيا، وأرسل إلى المدينة فأخذ ما أراد من سلاح ودواب، وقام في الناس خطيبا فقال: إن الله أعزنا بالاسلام ورفعنا به، وجعلنا به إخوانا، بعد ذلة وقلة وتباغض وتباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الاسلام دينهم، والحق قائم بينهم، والكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الامة، ألا وإن هذه الامة لابد مفترقة كما افترقت الامم قبلها، فنعوذ بالله من شر ما هو كائن. ثم عاد ثانية فقال: إنه لابد مما هو كائن أن يكون، ألا وإن هذه الامة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، شرها فرقة تحبني ولا تعمل بعملي، وقد أدركتم ورأيتم، فالزموا دينكم، واهتدوا بهديي فإنه هدى نبيكم، واتبعوا سنته، وأعرضوا عما أشكل عليكم، حتى تعرضوه على الكتاب، فما عرفه القرآن فالزموه، وما أنكره فردوه، وارضوا بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن حكما وإماما. قال فلما عزم على المسير من البربذة قام إليه ابن أبي رفاعة بن رافع، فقال: يا أمير المؤمنين أي شئ تريد ؟ وأين تذهب بنا ؟ فقال: أما الذي نريد وننوي فالاصلاح، إن قبلوا منا وأجابوا إليه، قال: فإن لم يجيبوا إليه ؟ قال: ندعهم بغدرهم ونعطيهم الحق ونصبر. قال: فإن لم يرضوا ؟ قال: ندعهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا ؟ قال: امتنعنا منهم، قال: فنعم إذا. فقام إليه الحجاج بن غزية الانصاري فقال: لارضينك بالفعل كما أرضيتني بالقول، والله لينصرني الله كما سمانا أنصارا. قال: وأتت جماعة من طئ وعلي بالبربذة، فقيل له: هؤلاء جماعة جاؤوا من طئ منهم من يريد الخروج معك ومنهم من يريد السلام عليك، فقال: جزى الله كلا خيرا * (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) * [ النساء: 95 ] قالوا: فسار علي من الربذة على تعبئته وهو راكب ناقة حمراء يقود فرسا كميتا فلما كان بفيد (2) جاءه جماعة من أسد وطئ، فعرضوا أنفسهم عليه فقال: فيمن معي كفاية، وجاء رجل من أهل الكوفة يقال له عامر بن مطر الشيباني، فقال له علي: ما وراءك ؟ فأخبره الخبر، فسأله عن أبي موسى فقال: إن أردت الصلح فأبو موسى صاحبه، وإن أردت القتال فليس بصاحبه، فقال علي: والله ما أريد إلا الصلح ممن تمرد علينا. وسار، فلما اقترب من الكوفة وجاءه الخبر بما وقع من الامر على جليته،


(1) زاد الطبري في كتابه: ومن أحب ذلك وآثره فقد أحب الحق وآثره ومن أبغض ذلك فقد أبغض الحق وغمصه. (2) فيد: بليدة في نصف طريق مكة من الكوفة عامرة إلى الآن (معجم البلدان). (*)

[ 263 ]

من قتل ومن إخراج عثمان بن حنيف من البصرة، وأخذهم أموال بيت المال، جعل يقول: اللهم عافني مما ابتليت به طلحة والزبير، فلما انتهى إلى ذي قار أتاه عثمان بن حنيف مهشما، وليس في وجهه شعرة فقال: يا أمير المؤمنين بعثتني إلى البصرة وأنا ذو لحية، وقد جئتك أمردا، فقال: أصبت خيرا وأجرا. وقال عن طلحة والزبير: اللهم احلل ما عقدا، ولا تبرم ما أحكما في أنفسهما، وأرهما المساءة فيما قد عملا - يعني في هذا الامر - وأقام علي بذي قار ينتظر جواب ما كتب به مع محمد بن أبي بكر وصاحبه محمد بن جعفر - وكانا قد قدما بكتابه على أبي موسى وقاما في الناس بأمره - فلم يجابا في شئ، فلما أمسوا دخل أناس من دوي الحجبى على أبي موسى يعوضون عليه الطاعة لعلي، فقال: كان هذا بالامس فغضب محمد ومحمد فقالا له قولا غليظا: فقال لهما: والله إن بيعة عثمان لفي عنقي وعنق صاحبكما، فإن لم يكن بد من قتال فلا نقاتل أحدا حتى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا ومن كانوا، فانطلقا إلى علي فأخبراه الخبر، وهو بذي قار، فقال للاشتر: أنت صاحب أبي موسى والمعرض في كل شئ فاذهب أنت وابن عباس فأصلح ما أفسدت، فخرجا فقدما الكوفة وكلما أبا موسى واستعانا عليه بنفر من الكوفة فقام في الناس فقال: أيها الناس، إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين صحبوه أعلم بالله ورسوله ممن لم يصحبه، وإن لكم علينا حقا وأنا مؤد إليكم نصيحة، كان الرأي أن لا تستخفوا بسلطان الله وأن لا تجترئوا على أمره، وهذه فتنة النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان خير من القاعد، والقاعد خير من القائم والقائم خير من الراكب، والراكب خير من الساعي فاغمدوا السيوف وانصلوا الاسنة، واقطعوا الاوتار، وأووا المضطهد والمظلوم حتى يلتئم هذا الامر، وتتجلي هذه الفتنة، فرجع ابن عباس والاشتر إلى علي فأخبراه الخبر، فأرسل الحسن وعمار بن ياسر، وقال لعمار: انطلق فأصلح ما أفسدت، فانطلقا حتى دخلا المسجد فكان أول من سلم عليهما مسروق بن الاجدع، فقال لعمار: علام قتلتم عثمان ؟ فقال: علي شتم أعراضنا وضرب أبشارنا، فقال: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولو صبرتم لكان خيرا للصابرين. قال: وخرج أبو موسى فلقي الحسن بن علي فضمه إليه، وقال لعمار: يا أبا اليقظان أعدوت على أمير المؤمنين عثمان قتلته ؟ فقال: لم أفعل، ولم يسؤني ذلك، فقطع عليهما الحسن بن علي فقال لابي موسى: لم تثبط الناس عنا ؟ فوالله ما أردنا إلا الاصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شئ، فقال: صدقت بأبي وأمي، ولكن المستشار مؤتمن، سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم يقول " إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب " (1) وقد جعلنا الله إخوانا وحرم علينا دماءنا وأموالنا، فغضب عمار وسبه، وقال: يا أيها الناس، إنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدة أنت فيها قاعدا خير منك قائما، فغضب رجل من بني تميم لابي موسى ونال من عمار، وثار آخرون، وجعل


(1) أخرجه مسلم في صحيحه في الفتن. (3) باب نزول الفتن ح‍ (13) ص (2212) ورواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 408 عن أبي بكرة. (*)

[ 264 ]

أبو موسى يكفكف الناس، وكثر اللغط، وارتفعت الاصوات، وقال أبو موسى أيها الناس، أطيعوني وكونوا خير قوم من خير أمم العرب، يأوي إليهم المظلوم، ويأمن فيهم الخائف، وإن الفتنة إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت تبينت ثم أمر الناس بكف أيديهم ولزوم بيوتهم، فقام زيد بن صوحان فقال: أيها الناس سيروا إلى أمير المؤمنين، وسيد المسلمين سيروا إليه. أجمعون، فقام القعقاع بن عمرو فقال: إن الحق ما قاله الامير، ولكن لابد للناس من أمير يردع الظالم ويعدي المظلوم، وينتظم به شمل الناس، وأمير المؤمنين علي ولي بما ولي، وقد أنصف بالدعاء، وإنما يريد الاصلاح، فانفروا إليه، وقام عبد خير فقال: الناس أربع فرق، علي بمن معه في ظاهر الكوفة، وطلحة والزبير بالبصرة، ومعاوية بالشام، وفرقة بالحجاز لا تقاتل ولا عناء بها، فقال أبو موسى: أولئك خير الفرق، وهذه فتنة. ثم تراسل الناس في الكلام ثم قام عمار والحسن بن علي في الناس على المنبر يدعوان الناس إلى النفير إلى أمير المؤمنين، فإنه إنما يريد الاصلاح بين الناس، وسمع عمار رجلا يسب عائشة فقال: اسكت مقبوحا منبوحا، والله إنها لزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أتطيعوه أو إياها، رواه البخاري وقام حجر بن عدي فقال: أيها الناس، سيروا إلى أمير المؤمنين، * (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وانفسكم في سبيل الله ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون) * [ التوبة: 41 ] وجعل الناس كلما قام رجل فحرض الناس على النفير يثبطهم أبو موسى من فوق المنبر، وعمار والحسن معه على المنبر حتى قال له الحسن بن علي: ويحك ! اعتزلنا لا أم لك، ودع منبرنا، ويقال إن عليا بعث الاشتر فعزل أبا موسى عن الكوفة وأخرجه من قصر الامارة من تلك الليلة، واستجاب الناس للنفير فخرج مع الحسن تسعة آلاف في البر وفي دجلة (1)، ويقال سار معه اثني عشر ألف رجل ورجل واحد، وقدموا على أمير المؤمنين فتلقاهم بذي قار إلى أثناء الطريق في جماعة، منهم ابن عباس فرحب بهم وقال: يا أهل الكوفة ! أنتم لقيتم ملوك العجم ففضضتم جموعهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الذي نريده، وإن أبوا داويناهم بالرفق حتى يبدأونا بالظلم، ولم ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله تعالى. فاجتمعوا عنده بذي قار، وكان من المشهورين من رؤساء من الفاف إلى علي، القعقاع بن عمرو، وسعد بن مالك، وهند بن عمرو، والهيثم بن شهاب، وزيد بن صوحان، والاشتر، وعدي بن حاتم، والمسيب بن نجبة، ويزيد بن قيس، وحجر بن عدي وأمثالهم، وكانت عبد القيس بكمالها بين علي وبين البصرة ينتظرونه وهم ألوف، فبعث علي القعقاع رسولا إلى طلحة والزبير بالبصرة يدعوهما إلى الالفة والجماعة، ويعظم عليهما الفرقة والاختلاف، فذهب القعقاع إلى البصرة فبدأ بعائشة أم المؤمنين. فقال: أي أماه ! ما أقدمك


(1) في الكامل 3 / 231 ستة آلاف ومائتان في البر، وفي الماء ألفان وأربعمائة (انظر الطبري 5 / 191 وفتوح ابن الاعثم 2 / 292). (*)

[ 265 ]

هذا البلد ؟ فقالت: أي بني ! الاصلاح بين الناس، فسألها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضرا عندها، فحضرا فقال القعقاع: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها ؟ فقالت إنما جئت للاصلاح بين الناس، فقالا: ونحن كذلك قال: فأخبراني ما وجه هذا الاصلاح ؟ وعلى أي شئ يكون ؟ فوالله لئن عرفناه لنصطلحن، ولئن أنكرناه لا نصطلحن، قالا: قتلة عثمان، فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن، فقال: قتلتما قتلته من أهل البصرة، وأنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل، فغضب لهم ستة آلاف فاعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف، فإن تركتموهم وقعتم فيما تقولون، وإن قاتلتموهم فأديلوا عليكم كان الذي حذرتم وفرقتم من هذا الامر أعظم مما أراكم تدفعون وتجمعون منه - يعني أن الذي تريدونه من قتل قتلة عثمان مصلحة، ولكنه يترتب عليه مفسدة هي أربى منها - وكما أنكم عجزتم عن الاخذ بثأر عثمان من حرقوص بن زهير، لقيام ستة آلاف في منعه ممن يريد قتله، فعلي أعذر في تركه الآن قتل قتلة عثمان، وإنما أخر قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن منهم، فإن الكلمة في جميع الامصار مختلفة، ثم أعلمهم أن خلقا من ربيعة ومضر قد اجتمعوا لحربهم بسبب هذا الامر الذي وقع. فقالت له عائشة أم المؤمنين: فماذا تقول أنت ؟ قال: أقول إن هذا الامر الذي وقع دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة، وإدراك الثأر، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الامر وائتنافه كانت علامة شر وذهاب هذا الملك، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خير كما كنتم أولا، ولا تعرضونا للبلاء فتتعرضوا له، فيصرعنا الله وإياكم، وايم الله إني لاقول قولي هذا وأدعوكم إليه، وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الامة التي قل متاعها، ونزل بها ما نزل، فإن هذا الامر الذي قد حدث أمر عظيم، وليس كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة القبيلة. فقالوا: قد أصبت وأحسنت فارجع، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح الامر، قال: فر