الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 البداية والنهاية - ابن كثير ج 5

البداية والنهاية

ابن كثير ج 5


[ 1 ]

البداية والنهاية

[ 3 ]

البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفي سنة 774 ه‍ حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء الخامس دار احياء التراث العربي

[ 4 ]

طبعة جديدة محققة الطبعة الاولى 1408 ه‍ 1988 م‍

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم سنة تسع من الهجرة ذكر غزوة تبوك (1) في رجب منها قال الله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * [ التوبة: 28 - 29 ] روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم: أنه لما أمر الله تعالى أن يمنع المشركون من قربان المسجد الحرام في الحج وغيره. قالت قريش: لينقطعن عنا المتاجر والاسواق أيام الحج وليذهبن ما كنا نصيب منها، فعوضهم الله عن ذلك بالامر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. قلت: فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال الروم، لانهم أقرب الناس إليه وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الاسلام وأهله. وقد قال الله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم


(1) انظر في غزوة تبوك: تاريخ الطبري (3 / 142 دار القاموس) سيرة ابن هشام (4 / 159) فتح الباري (8 / 90) مغازي الواقدي (3 / 989) عيون الاثر (2 / 275) شرح المواهب اللدنية للزرقاني (3 / 62) السيرة الشامية (5 / 626). طبقات ابن سعد (2 / 165). وتبوك: بفتح الفوقية وضم الموحدة، وهي في طرف الشام من جهة القبلة، بينها وبين المدينة اثنتا عشرة مرحلة. قال السهيلي: سميت الغزوة بعين تبوك. قال ياقوت: نزلوا على عين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله ان لا أحد يمس من مائها، فسبق إليها رجلان وهي تبض بشئ من ماء فجعلا يدحلان فيها سهمين ليكثر ماؤها فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله: ما زلتما تبوكان منذ اليوم، فسميت بذلك تبوك. والبوك: ادخال اليد في الشئ وتحريكه. ومنه باك الحمار الاتان إذا نزا عليها، يبوكها بوكا. وقال ياقوت: هي موضع بين وادي القرى والشام (معجم البلدان 2 / 14). (*)

[ 6 ]

من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين) * [ التوبة: 123 ] فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزو الروم عام تبوك وكان ذلك في حر شديد وضيق من الحال، جلى للناس أمرها ودعى من حوله من أحياء الاعراب للخروج معه فأوعب معه بشر كثير كما سيأتي قريبا من ثلاثين ألفا وتخلف آخرون فعاتب الله من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين، ولامهم ووبخهم وقرعهم أشد التقريع وفضحهم أشد الفضيحة وأنزل فيهم قرآنا يتلى وبين أمرهم في سورة براءة كما قد بينا ذلك مبسوطا في التفسير وأمر المؤمنين بالنفر على كل حال. فقال تعالى * (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون) * [ التوبة: 41 - 42 ] ثم الآيات بعدها: ثم قال تعالى * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * [ التوبة: 122 ] فقيل إن هذه ناسخة لتلك وقيل لا فالله أعلم. قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب - يعني من سنة تسع - ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم. فذكر الزهري (1) ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم من علمائنا كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص في (2) الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد إليه، ليتأهب الناس لذلك أهبته. فأمرهم بالجهاد (3) وأخبرهم أنه يريد الروم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بني سلمة " يا جد، هل لك العام في جلاد بني الاصفر ؟ " فقال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني، فو الله لقد عرف قومي أنه ما رجل بأشد عجبا بالنساء مني، وإني اخشى إن رأيت نساء بني الاصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " قد أذنت لك " ففي الجد أنزل الله هذه الآية * (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) * [ التوبة: 49 ]. وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر، زهادة في الجهاد، وشكا في الحق، وإرجافا بالرسول صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيهم * (وقالوا لا تنفروا في


(1) في ابن هشام: وقد ذكر لنا الزهري. (2) في ابن هشام: على الحال. (3) في ابن هشام: فأمر الناس بالجهاز. (*)

[ 7 ]

الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون) * [ التوبة: 81 - 82 ]. قال ابن هشام: حدثني الثقة عمن حدثه، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن، عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة، عن أبيه عن جده قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي - وكان بيته عند جاسوم - يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة. فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا فقال الضحاك في ذلك: كادت وبيت الله نار محمد * يشيط بها الضحاك وابن أبيرق وظلت وقد طبقت كبس سويلم * أنوء على رجلى كسيرا ومرفق (1) سلام عليكم لا أعود لمثلها * أخاف ومن تشمل به النار يحرق قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش (2) وحص أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. قال ابن هشام: فحدثني من أثق به: أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم أرض عن عثمان فإني عنه راض " (2). وقد قال الامام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، ثنا ضمرة، ثنا عبد الله بن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير (4) مولى عبد الرحمن بن سمرة قال جاء: عثمان بن عفاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة قال: فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول " ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم " ورواه الترمذي عن محمد بن إسماعيل عن الحسن بن واقع، عن ضمرة به. وقال حسن غريب. وقاله عبد الله بن أحمد في مسند أبيه. حدثني أبو موسى العنزي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني سكن بن المغيرة، حدثني الوليد بن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خباب السلمي. قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، قال ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان: علي مائة اخرى بأحلاسها وأقتابها قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا يحركها، وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب " ما


(1) طبقت: علوت. الكبس: البيت الصغير من طين. (2) الانكماش: الاسراع. في القاموس: كمش وتكمش كانكمش: أعجل وأسرع. (3) سيرة ابن هشام ج 4 / 161. (4) من المسند والبيهقي. وهو كثير بن أبي كثير روى عن مولاه وجماعة وروى عنه قتادة وجماعة وثق وكاشف الذهبي (3 / 6). وفي الاصل كثة وهو تحريف. والحديث رواه الترمذي في كتاب المناقب 19 باب مناقب عثمان الحديث (3702) ص (5 / 626). (*)

[ 8 ]

على عثمان ما عمل بعد هذا " (1) وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبي داود الطيالسي عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به وقال غريب من هذا الوجه. ورواه البيهقي: من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة (2) به وقال ثلاث مرات وأنه التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال عبد الرحمن: فأنا شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر " ما ضر عثمان بعدها - أو قال - بعد اليوم " وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن جاوان، عن الاحنف بن قيس قال: سمعت عثمان بن عفاف يقول لسعد بن أبي وقاص وعلي والزبير وطلحة: أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من جهز جيش العسرة غفر الله له " فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا ؟ قالوا: اللهم نعم ! ورواه النسائي من حديث حصين به (3). فصل فيمن تخلف معذورا من البكائين وغيرهم قال الله تعالى * (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم، وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم، ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون، إنما السبيل على الذين يستأ ذنونك وهم اغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون) * [ براءة: 86 - 93 ] قد تكلمنا على تفسير هذا كله في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة، والمقصود ذكر البكائين الذين جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم حتى يصحبوه في غزوته هذه، فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه فرجعوا وهم يبكون تأسفا


(1) مسند الامام أحمد ج 4 / 75. والترمذي المصدر السابق ح‍ (3700) ص (5 / 625) وقال: " هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ولا نعرفه إلا من حديث السكن بن المغيرة، وفي الباب عن عبد الرحمن بن سمرة ". (2) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 214 وفيه عن السكن بن أبي كريمة. (3) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 215، والنسائي في حديث طويل أخرجه في كتاب الاحباس، باب وقف المساجد (6 / 234). (*)

[ 9 ]

على ما فاتهم من الجهاد في سبيل الله والنفقة فيه. قال ابن إسحاق: وكانوا سبعة نفر من الانصار وغيرهم، فمن بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقولون: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعرباض بن سارية الفزاري (1). قال ابن إسحاق: فبلغني أن ابن يامين بن عمير (2) بن كعب النضري لقي أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان، فقال ما يبكيكما ؟ قالا: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضجا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر، فخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله ثم بكى وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين المتصدق هذه الليلة " فلم يقم أحد ثم قال " أين المتصدق فليقم " فقام إليه فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبشر فو الذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة " (3). وقد أورد الحافظ البيهقي ها هنا حديث أبي موسى الاشعري فقال: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الحميد المازني (4) حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله لهم الحملان، إذ هم معه في جيش العسرة وهي (5) غزوة تبوك، فقلت: يا نبي الله ! إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال " والله لا أحملكم على شئ " ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينا من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مخافة أن يكون رسول الله قد وجد في نفسه علي فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أين عبد الله بن قيس ؟ فأجبته، فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " خذ هذين القرينين (6) وهذين القرينين وهذين القرينين " لستة أبعرة


(1) في تسمية البكائين خلاف: ففي رواية ابن عقبة ستة نفر، وسارية لم يذكره. ومن بني سلمة ذكر: عمر بن عثمة. وذكر الواقدي: عمرو بن عتبة، وذكر من بني زريق: سلمة بن صخر وشكك في ابن المغفل، وقال: هؤلاء أثبت ما سمعنا. (انظر الزرقاني - ابن سعد - الواقدي). (2) في شرح المواهب للزرقاني: لقي يامين بن عمرو. وفي الواقدي: لقي يامين بن عمير. (3) الجزء الاول من الحديث في سيرة ابن هشام ج 4 / 163 والقسم الاخير منه - رواية يونس بن بكير - نقلها البيهقي في الدلائل ج 5 / 218. (4) في دلائل البيهقي: الحارثي. (5) من دلائل البيهقي، وسقطت من نسخ البداية المطبوعة. (6) في نسخ البداية المطبوعة القربتين وهو تحريف. والقرينان البعيران المشدودان أحدهما إلى الآخر. (*)

[ 10 ]

ابتاعهن حينئذ من سعد فقال " انطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء [ فاركبوهن. قال أبو موسى: فانطلقت إلى أصحابي ] (1) فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء، ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله حين سألته لكم، ومنعه لي في أول مرة، ثم إعطائه إياي بعد ذلك لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله، فقالوا لي: والله إنك عندنا لمصدق، ولنفعلن ما أحببت، قال: فانطلق أبو موسى بنفر منهم، حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من منعه إياهم، ثم إعطائه بعد، فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء (2). وأخرجه البخاري ومسلم جميعا عن أبي كريب عن أبي أسامة وفي رواية لهما عن أبي موسى قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الاشعريين ليحملنا " فقال والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه " قال ثم جئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب أبل فأمر لنا بست ذودعر الذرى فأخذناها ثم قلنا يعقلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه والله لا يبارك لنا، فرجعنا له فقال " ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم " ثم قال " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها ". قال ابن إسحاق: وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم الغيبة (3) حتى تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة، ومرارة بن ربيع، أخو بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بني واقف، وأبو خثيمة أخو بني سالم بن عوف، وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم. قلت: أما الثلاثة الاول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبا إن شاء الله تعالى وهم الذين أنزل الله فيهم * (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه) * وأما أبو خيثمة فإنه عاد وعزم على اللحوق برسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي. فصل قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره، وأجمع السير. فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس، وضرب عبد الله بن أبي عدو الله عسكره أسفل منه - وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين - فلما سار رسول


(1) ما بين معكوفين سقط من الاصل، واستدركت من دلائل البيهقي. (2) الحديث في دلائل النبوة للبيهقي ج 5 / 216 - 217. وأخرجه البخاري في كتاب المغازي - (78) باب الحديث: 4415 فتح الباري (8 / 90) ومسلم في كتاب الايمان (3) باب الحديث (8). (3) في ابن هشام: النية. (*)

[ 11 ]

الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي، في طائفة من المنافقين وأهل الريب. قال ابن هشام: واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الانصاري قال: وذكر الدراوردي: أنه استخلف عليها عام تبوك سباع بن عرفطة. قال ابن إسحاق: وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالاقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وقالوا، ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه. فلما قالوا ذلك أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف (1) فأخبره بما قالوا فقال: " كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي " فرجع علي ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره. ثم قال ابن إسحاق. حدثني محمد بن طلحه بن يزيد بن ركانة. عن ابراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي هذه المقالة. وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث: من طريق شعبة عن سعد بن ابراهيم عن ابراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه به (2). وقد قال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله أتخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ". وأخرجاه من طرق عن شعبة نحوه، وعلقه البخاري أيضا من طريق أبي داود عن شعبة. وقال الامام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد، عن أبيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له - وخلفه في بعض مغازيه - فقال علي يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان ؟ فقال " يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ألا أنه لا نبي بعدي " ورواه مسلم والترمذي عن قتيبة: زاد مسلم ومحمد بن عباد كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به. وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه. قال ابن إسحاق: ثم إن أبا خيثمة رجع بعد ما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم، ما هذا بالنصف ! والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا زادا ففعلتا. ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل


(1) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة. (2) أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله باب مناقب علي بن أبي طالب (5 / 22). وفي كتاب المغازي باب غزوة تبوك فتح الباري (ج 8 / 91). ومسلم في كتاب فضائل الصحابة (4) باب الحديث (30 - 31 - 32). (*)

[ 12 ]

تبوك، وكان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كن أبا خيثمة " فقالوا: يا رسول الله هو والله أبو خيثمة. فلما بلغ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له " أولى لك يا أبا خيثمة " ثم أخبر رسول الله الخبر فقال خيرا ودعا له بخير. وقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبي خيثمة بنحو من سياق محمد بن إسحاق وأبسط وذكر أن خروجه عليه السلام إلى تبوك كان في زمن الخريف. فالله أعلم. قال ابن هشام وقال أبو خيثمة واسمه مالك بن قيس في ذلك: لما رأيت الناس في الدين نافقوا * أتيت التي كانت أعف وأكرما وبايعت باليمنى يدي لمحمد * فلم أكتسب إثما لم أغش محرما تركت خضيبا في العريش وصرمة * صفايا كراما بسرها قد تحمما (1) وكنت إذا شك المنافق أسمحت * إلى الدين نفسي شطره حيث يمما قال يونس بن بكير: عن محمد بن إسحاق، عن بريدة (2)، عن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن مسعود قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف، فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان فيقول " دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه " حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره فقال " دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه " فتلوم أبو ذر بعيره فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل ماش على الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كن أبا ذر " فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يرحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده ويبعث وحده " قال فضرب [ الدهر من ] (3) ضربه، وسير أبو ذر إلى الربذة فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال: إذا مت فاغسلاني وكفناني من الليل ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر، فلما مات فعلوا به كذلك فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال: ما هذا ؟ فقيل جنازة أبي ذر، فاستهل ابن مسعود يبكى وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده، فنزل


(1) الخضيب: المرأة المخضوبة. والصرمة: هنا جماعة النخل. الصفايا: كثيرة الثمر. (2) في رواية البيهقي: بريدة بن سفيان، وفي هامشه: " قال البخاري في التاريخ الكبير: فيه نظر، وضعفه النسائي وأبو داود وأحمد والدار قطني. (3) بياض بالاصل، والزيادة من رواية البيهقي. (*)

[ 13 ]

فوليه بنفسه حتى أجنه (1). إسناده حسن ولم يخرجوه قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل في قوله [ عز وجل ] * (الذين اتبعوه في ساعة العسرة) * [ التوبة: 117 ] قال: خرجوا في غزوة تبوك، الرجلان والثلاثة على بعير واحد وخرجوا في حر شديد فأصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها، فكان ذلك عسرة في الماء وعسرة في النفقة وعسرة في الظهر (2)، قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد (3) بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى أن الرجل لينحر بعيره، فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا فقال " أو تحب ذلك ؟ " قال: نعم ! قال: فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت (4) السماء فأطلت ثم سكبت، فملاوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (5). اسناده جيد ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه: أن هذه القصة كانت وهم بالحجر، وأنهم قالوا لرجل معهم منافق ويحك هل بعد هذا من شئ ؟ ! فقال سحابة مارة، وذكر أن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلت فذهبوا في طلبها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمارة بن حزم الانصاري - وكان عنده - " إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها، هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها " فانطلقوا فجاؤوا بها فرجع عمارة إلى رحله فحدثهم عما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر الرجل فقال رجل ممن كان في رحل عمارة: إنما قال ذلك زيد بن اللصيت (6) وكان في رحل عمارة قبل أن يأتي فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول إن في رحلي لداهية وأنا لا أدري، أخرج عني يا عدو الله فلا تصحبني. فقال بعض الناس إن زيدا تاب، وقال بعضهم لم يزل متهما بشر حتى هلك. قال الحافظ البيهقي: وقد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة ثم روى من


(1) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 168 ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 221 - 222. (2) الخبر في دلائل البيهقي ج 5 / 227. (3) في دلائل البيهقي: سعد. (4) قالت: بمعنى استعدت وتهيأت (القاموس). (5) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 231. والهيثمي في مجمع الزوائد 6 / 194 - 195 وقال: رواه البزار، والطبراني في الاوسط، ورجال البزار ثقات. (6) قال ابن هشام: يقال لصيب، وفي الاصابة لصيت وقيل لصيب، وفي الطبري: لصيب. (*)

[ 14 ]

حديث الاعمش وقد رواه الامام أحمد عن أبي معاوية، عن الاعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري - شك الاعمش - قا لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رسول الله لو أذنت فننحر نواضحنا فأكلنا وادهنا ؟ (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " افعلوا " فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله أن يجعل فيها البركة، فقال رسول الله " نعم ! " فدعا بنطع فبسطه ثم عاد بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجئ بكف ذرة، ويجئ الآخرة بكف من التمر، ويجئ الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شئ يسير، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال لهم " خذوا في أوعيتكم " فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوها، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة " ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الاعمش به. ورواه الامام أحمد من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة به ولم يذكر غزوة تبوك بل قال كان في غزوة غزاها. مروره صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى تبوك بمساكن ثمود بالحجر قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر، نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تشربوا من مياهها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الابل، ولا تأكلوا منه شيئا " هكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد. وقال الامام أحمد: حدثنا يعمر بن بشر، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا معمر، عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم " وتقنع بردائه وهو على الرجل. ورواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق كلاهما عن معمر باسناده نحوه. وقال مالك: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " (3). ورواه البخاري من حديث مالك، ومن حديث سليمان بن بلال كلاهما عن عبد الله بن دينار. ورواه مسلم من وجه آخر عن عبد الله بن دينار نحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر - هو ابن جويرية - عن نافع عن ابن عمر قال: نزل رسول


(1) وادهنا: أي اتخذنا دهنا من شحومها. (2) رواه الامام أحمد في مسنده ج 3 / 11، ومسلم في كتاب الايمان - باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا. الحديث (45). (3) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 165، وأخرجه البخاري في فتح الباري 6 / 530 و 8 / 381 ومسلم في الصحيح 4 / 2285. ورواه البيهقي من طرق متعددة ج 5 / 233. (*)

[ 15 ]

الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الابل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا [ فقال ] " إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم " وهذا الحديث اسناده على شرط الصحيحين من هذا الوجه ولم يخرجوه وإنما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن عياض، عن أبي ضمرة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به. قال البخاري وتابعه أسامة عن عبيد الله. ورواه مسلم من حديث شعيب بن إسحاق عن عبيد الله عن نافع به (1). وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير عن جابر قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال " لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله " قيل من هو يا رسول الله ؟ قال " هو أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " إسناده صحيح ولم يخرجوه. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي عن إسماعيل بن واسط، عن محمد بن أبي كبشة الانماري عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر، يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي في الناس: الصلاة جامعة قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره، وهو يقول: " ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم " فناداه رجل نعجب منهم ؟ قال " أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك ؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا " (2) اسناده حسن ولم يخرجوه. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي - أو عن العباس بن سعد الشك مني - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس " لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الابل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له " ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح


(1) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد (1) باب الحديث 40، والبخاري في 60 كتاب الانبياء (17) باب قول الله تعالى: وإلى ثمود أخاهم صالحا. (2) الحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (6 / 194) وقال: " رواه أحمد، وفيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وقد اختلط ". ورواه البيهقي من طريق أبي النصر هاشم بن القاسم. (*)

[ 16 ]

حتى ألقته بحبل طئ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: " ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له " ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك وفي رواية زياد عن ابن إسحاق أن طيئا أهدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع إلى المدينة. قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبد الله بن أبي بكر أن العباس بن سهل سمى له الرجلين، لكنه استكتمه إياهما فلم يحدثني بهما (1). وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب بن خالد ثنا عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبي حميد الساعدي قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: " أخرصوا " فخرص القوم وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة: " احصي ما يخرج منها حتى أرجع إليك أن شاء الله " قال: فخرج حتى قدم تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن فيها رجل، فمن كان له بعير فليوثق عقاله " قال أبو حميد: فعقلناها فلما كان من الليل هبت علينا ريح شديدة فقام فيها رجل فألقته في جبل طئ، ثم جاء رسول الله ملك إيلة فأهدى لرسول الله بغلة بيضاء، وكساه رسول الله بردا وكتب له يجيرهم (2) ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جئنا وادي القرى قال للمرأة " كم جاءت حديقتك ؟ " قالت عشرة أوسق خرص رسول الله، فقال رسول الله " إني متعجل فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل " قال فخرج رسول الله وخرجنا معه حتى إذا أوفى على المدينة قال: " هذه طابة ". فلما رأى أحدا قال " هذا أحد (3) يحبنا ونحبه، ألا أخبركم بخير دور الانصار ؟ " قلنا بلى يا رسول الله قال " خير دور الانصار بنو النجار، ثم دار بني عبد الاشهل (4)، ثم دار بني ساعدة، ثم في كل دور الانصار خير " (5). وأخرجه البخاري ومسلم من غير وجه عن عمرو بن يحيى به نحوه. وقال الامام مالك رحمه الله عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبره: أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك، فكان يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، ثم قال " إنكم ستأتون غذا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتونها حتى يضحى ضحى النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي "


(1) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 164 - 165. ونقله البيهقي في الدلائل من طريق أحمد بن عبد الجبار ج 5 / 240. (2) في الاصل يخبرهم وهو تحريف، وما اثبتناه من ابن هشام. (3) في رواية البيهقي: هذا أحد، وهو جبل. (4) زاد البيهقي: ثم دار بني الحارث بن الخزرج. (5) رواه مسلم في الصحيح، في كتاب الفضائل - (3) باب. الحديث (11). والبخاري في الصحيح: في الزكاة (54) باب الحديث (1481) فتح الباري (3 / 343). (*)

[ 17 ]

قال فجئناها وقد سبق مائها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشئ من ماء، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل مسستما من مائها شيئا "، قالا: نعم فسبهما وقال لهما: ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شئ، ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا " أخرجه مسلم من حديث مالك به (1). ذكر خطبته صلى الله عليه وسلم إلى تبوك إلى نخلة هناك روى الامام أحمد: عن أبي النضر هاشم بن القاسم، ويونس بن محمد المؤدب وحجاج بن محمد ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير عن أبي الخطاب، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال " ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس، إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شئ منه " (2) ورواه النسائي عن قتيبة عن الليث به وقال أبو الخطاب لا أعرفه. وروى البيهقي: من طريق يعقوب بن محمد الزهري، عن عبد العزيز بن عمران، حدثنا مصعب بن عبد الله عن (3) منظور بن جميل بن سنان أخبرني أبي، سمعت عقبة بن عامر الجهني: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فاسترقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح، قال " ألم أقل لك يا بلال اكلا لنا الفجر " فقال يا رسول الله ذهب بي من النوم مثل الذي ذهب بك، قال: فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله غير بعيد، ثم صلى وسار بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال " أيها الناس أما بعد، فإن أصذق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة ابراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الامور عوازمها (4) وشر الامور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الانبياء وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الاعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا. ومن الناس من لا يذكر


(1) رواه مسلم في 43 كتاب فضائل النبي صلى الله عليه وآله، (3) باب الحديث (10). ورواه البيهقي في الدلائل من طريق يحيى بن بكير. (2) رواه أحمد في مسنده ج 3 / 37، 41، و 58: وقال هاشم بن القاسم في روايته: لا يدعو إلى شئ. (3) في دلائل البيهقي: عبد الله بن مصعب بن منظور بن جميل بن سنان. (4) عوازمها: الفرائض التي عزم الله عليك بفعلها، والمع‍ ؟ نى: الامور ذوات عزمها التي فيها عزم (عن النهاية). (*)

[ 18 ]

الله إلا هجرا. ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عزوجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من حثاء جهنم [ والسكركي من النار ] (1) والشعر من إبليس، والخمر جماع الاثم، والنساء حبائل الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وأنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع والامر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألى على الله يكذبه، ومن يستغفره يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه. ومن يكظم [ الغيظ ] (2) يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغي (3) السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولامتي، اللهم اغفر لي ولامتي، اللهم اغفر لي ولامتي " قالها ثلاثا ثم قال: " استغفر الله لي ولكم " (4) وهذا حديث غريب وفيه نكارة وفي اسناده ضعف والله أعلم بالصواب. وقال أبو داود ثنا أحمد بن سعيد الهمداني، وسليمان بن داود. قالا: أخبرنا ابن وهب، أخبرني معاوية، عن سعيد بن غزوان عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج فإذا رجل مقعد، فسألته عن أمره فقال: سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أني حي، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة فقال: هذه قبلتنا ثم صلى إليها، قال: فأقبلت وأنا غلام اسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال قطع صلاتنا قطع الله أثره. قال فما قمت عليها إلى يومي هذا (5) ثم رواه أبو داود: من حديث سعيد بن (6) عبد العزيز التنوخي، عن مولى ليزيد بن نمران، عن يزيد بن نمران. قال: رأيت بتبوك مقعدا فقال: مررت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار وهو يصلي فقال: " اللهم اقطع أثره فما مشيت عليها بعد " (7). وفي رواية " قطع صلاتنا قطع الله أثره ". الصلاة على معاوية بن أبي معاوية (8) روى البيهقي: من حديث يزيد بن هارون أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي، قال: سمعت


(1) سقطت من الاصل واستدركت من الدلائل. (2) من دلائل البيهقي. (3) في الدلائل: يتبع. (4) الحديث في دلائل النبوة للبيهقي ج 5 / 241 - 242. (5) سنن أبي داود: كتاب الصلاة باب ما يقطع الصلاة الحديث (707) ص (1 / 188) (6) من أبي داود، وفي الاصل عن عبد العزيز تحريف. (7) سنن أبي داود كتاب الصلاة الحديث 705 ص (1 / 188) والحديث (706). (8) هكذا في الاصل ابن أبي معاوية. وذكره البيهقي معاوية بن معاوية الليثي، وهو معاوية بن معاوية المزني توفي = (*)

[ 19 ]

أنس بن مالك، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك، فطلعت الشمس بضياء ولها شعاع ونور، لم أرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا جبريل مالي أرى الشمس اليوم طلعت بيضاء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى " قال: ذلك أن معاوية بن أبي معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه قال " ومم ذاك ؟ " قال: بكثرة قراءته * (قل هو الله أحد) * بالليل والنهار، وفي ممشاه وفي قيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الارض فتصلي عليه ؟ قال " نعم ! " قال فصلى عليه ثم رجع. وهذا الحديث فيه غرابة شديدة ونكارة، والناس يسندون أمرها إلى العلاء بن زيد هذا وقد تكلموا فيه. ثم قال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا هاشم (1) بن علي أخبرنا عثمان بن الهيثم، حدثنا محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس قال جاء جبريل فقال: يا محمد مات معاوية بن أبي معاوية المزني، أفتحب أن تصلي عليه ؟ قال " نعم ! " فضرب بجناحه فلم يبق من شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت له، قال فصلى وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك، قال قلت " يا جبريل بما نال هذه المنزلة من الله ؟ " قال بحبه * (قل هو الله أحد) * يقرأها قائما وقاعدا، وذاهبا وجائيا، وعلى كل حال. قال عثمان: فسألت أبي أين كان النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال بغزوة تبوك بالشام، ومات معاوية بالمدينة، ورفع له سريره حتى نظر إليه وصلى عليه (2): وهذا أيضا منكر من هذا الوجه. قدوم رسول قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا يحيى بن سليم (3)، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن أبي راشد قال لقيت التنوخي رسول الله هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص وكان جارا لي شيخنا كبيرا قد بلغ العقد (4) أو قرب. فقلت ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ؟ قال بلى: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك فبعث دحية الكلبي إلى هرقل فلما أن جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قسيسي الروم وبطارقتها ثم أغلق عليه


= في حياة النبي صلى الله عليه وآله، اختلفوا في اسم أبيه، ذكره ابن عبد البرفي الاستيعاب (3 / 391) على هامش الاصابة، وذكره ابن حجر في الاصابة (3 / 436). ولعل كنية أبيه: أبو معاوية. (1) في الدلائل: هشام. (2) الخبر في دلائل البيهقي ج 5 / 245 - 246 في باب: ما روي في صلاته بتبوك على معاوية بن معاوية الليثي. وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمته وقال: أسانيد هذه الاحاديث ليست بالقوية، ولو أنها في الاحكام لم يكن في شئ منها حجة... وفضل قل هو الله أحد لا ينكر. (3) في المسند: سليمان. (4) في المسند الفند: والفند في الاصل: الكذب، وأفند تكلم بالفند، ثم قالوا للشيخ إذا هرم: قد أفند لانه يتكلم بالمحرف من الكلام عن سنن الصحة، وأفنده الكبر: إذا أوقعه في الفند. (عن النهاية). (*)

[ 20 ]

وعليهم الدار فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم ؟ وقد أرسل إلي يدعوني إلى ثلاث خصال، يدعوني أن أتبعه على دينه، أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والارض أرضنا، أو نلقى إليه الحرب. والله لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن [ ما تحت قدمي ] (1) فهلم فلنتبعه على دينه أو نعطيه مالنا على أرضنا، فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم وقالوا: تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيدا لاعرابي جاء من الحجاز. فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقأهم (2) ولم يكد وقال: إنما قلت ذلك لاعلم صلابتكم على أمركم ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال: ادع لي رجلا حافظا للحديث، عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه، فجاء بي فدفع إلي هرقل كتابا فقال: اذهب بكتابي إلى هذا الرجل، فما سمعته من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال، انظر هل يذكر صحيفته إلي التي كتب بشئ، وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل، وانظر في ظهره هل به شئ يريبك. قال فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا على الماء، فقلت أين صاحبكم ؟ قيل ها هو ذا، فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه، فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال " ممن أنت " فقلت أنا أخو تنوخ قال " هل لك إلى الاسلام الحنيفية ملة أبيكم ابراهيم ؟ " قلت إني رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم، فضحك وقال " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين، يا أخا تنوخ إني كتبت بكتاب إلى كسرى والله ممزقه وممزق ملكه وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرقه ويخرق ملكه، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير " قلت هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي، فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جنب سيفي ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره قلت من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم ؟ قالوا: معاوية فإذا في كتاب صاحبي تدعوني إلى جنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين فأين النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار " قال: فأخذت سهما من جعبتي فكتبته في جلد سيفي، فلما أن فرغ من قراءة كتابي قال " إن لك حقا وإنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرملون " قال: فناداه رجل من طائفة الناس قال أنا أجوزه، ففتح رحله فإذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري، قلت من صاحب الجائزة ؟ قيل لي: عثمان، ثم قال رسول الله " أيكم ينزل هذا الرجل ؟ " فقال فتى من الانصار: أنا، فقام الانصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله فقال " تعال يا أخا تنوخ " فأقبلت أهوي حتى كنت قائما في مجلسي الذي كنت بين يديه، فحل حبوته عن ظهره وقال " هاهنا امض لما أمرت


(1) من مسند أحمد. (2) رقأهم: سكنهم، وفي المسند رفأهم: تقرب إليهم. (*)

[ 21 ]

به " فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف مثل الحمحمة (1) الضخمة. هذا حديث غريب واسناده لا بأس به تفرد به الامام أحمد (2). مصالحته (3) عليه السلام ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح قبل رجوعه من تبوك قال ابن إسحاق: ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة، صاحب أيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح (4) وأعطوه الجزية، كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم، وكتب ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل ايلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر: لهم ذمة الله [ وذمة ] (5) محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه. وأنه طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يردونه من بر أو بحر. زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق بعد هذا، وهذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله. قال يونس عن ابن أسحاق. وكتب لاهل جرباء وأذرح: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لاهل جرباء وأذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب (6)، ومائة أوقية طيبة، وأن الله عليهم كفيل بالنصح والاحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين. قال: وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أهل أيلة برده مع كتابه أمانا لهم، قال: فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن محمد بثلثمائة دينار. بعثة عليه السلام خالد بن الوليد إلى اكيدر دومة قال ابن أسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد، فبعثه إلى أكيدر دومة، وهو


(1) في المسند: الحجمة، وفي نسخة العجمة وهي الاكثر مناسبة، والعجمة بالضم والكسر ما تعقد من الرمل أو كثرة الرمل. ولعل المراد ناتئ قليلا (القاموس المحيط). (2) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 3 / 341 - 342. (3) وفي النسخة التيمورية: كتابه صلى الله عليه وآله ليحنة. (4) أيلة: مدينة بالشام على النصف ما بين مصر ومكة على ساحل البحر. جرباء: بلدة بالشام تلقاء السراة. أذرح: مدينة بالشام، قيل هي فلسطين، قال في القاموس: بجنب جربا. (5) من ابن هشام. (6) في الواقدي والبيهقي نقلا عن ابن اسحاق: في كل رجب وافية طيبة. (انظر في كتبه صلى الله عليه وآله سيرة ابن هشام 4 / 169 مغازي الواقدي 3 / 1032 - دلائل البيهقي 5 / 247 - 248). (*)

[ 22 ]

أكيدر بن عبد الملك، رجل من بني كنانة (1) كان ملكا عليها وكان نصرانيا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد " إنك ستجده يصيد البقر " فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له ومعه امرأته (2). وباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذا ؟ قال: لا أحد فنزل فأمر بفرسه، فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ له يقال له حسان، فركب وخرجوا معه بمطاردهم (3). فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي صلى الله عليه وسلم فأخذته وقتلوا أخاه وكان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به (4) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه، قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتعجبون من هذا [ فوالذي نفسي بيده ] (5) لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا ". قال ابن أسحاق: ثم إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حقن له دمه فصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته (6)، فقال رجل من بني طئ يقال له بجير بن بجرة في ذلك: تبارك سائق البقرات إني * رأيت الله يهدي كل هاد فمن يك حائدا عن ذي تبوك * فإنا قد أمرنا بالجهاد وقد حكى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهذا الشاعر " لا يفضض الله فاك " فأتت عليه سبعون (7) سنة ما تحرك له فيها ضرس ولا سن. وقد روى ابن لهيعة عن أبي الاسود، عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالدا مرجعه من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر دومة فذكر نحو ما


(1) في ابن هشام: رجل من كندة، قال الواقدي وهو ابن عبد الملك بن عبد الجن. (2) اسمها الرباب بنت أنيف بن عامر من كندة (قاله الواقدي). (3) المطارد: جمع المطرد، وزن منبر، وهو رمح قصير يطرد به، وقيل يطرد به الوحش (اللسان). (4) بعثه مع عمرو بن أمية الضمري. (5) من ابن هشام ومغازي الواقدي. (6) قال الواقدي وابن سعد وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله كتابا فيه أمانهم وما صالحهم وختمه يومئذ بظفره ونصفه: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لاكيدر حين أجاب إلى الاسلام وخلع الانداد والاصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله، في دومة الجندل وأكنافها. وان لنا الضاحية من الضحل، والبور، والمعامي، وأغفال الارض، والحلقة، والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل، والمعين من المعمور بعد الخمس، لا تعدل سارحتكم ولا تعد فاردتكم، ولا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة لحقها. عليكم بذلك العهد والميثاق، ولكم بذلك الصدق والوفاء، شهد الله ومن حضر معه من المسلمين. ". (7) في دلائل البيهقي ج 5 / 251: تسعون سنة. (*)

[ 23 ]

تقدم إلا أنه ذكر أنه ما كره حتى أنزله من الحصن، وذكر أنه قدم مع أكيدر إلى رسول الله ثمانمائة من السبي، وألف بعير، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح، وذكر أنه لما سمع عظيم أيلة يحنة بن رؤبة بقضية أكيدر أقبل قادما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحه فاجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فالله أعلم (1). وروى يونس بن بكير عن سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى: أن أبا بكر الصديق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل، وخالد بن الوليد على الاعراب في غزوة دومة الجندل، فالله أعلم (2). فصل قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة، قال: وكان في الطريق ماء يخرج من وشل يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادي المشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه " قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال " من سبقنا إلى هذا الماء ؟ " فقيل له يا رسول الله فلان وفلان (3)، فقال أو لم أنههم أن يستقوا منه حتى آتيه، ثم لعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل (4)، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا بما شاء الله أن يدعو، فانخرق من الماء - كما يقول من سمعه - ما أن له حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه ". قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي، أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها انظر إليها، قال: فإذا رسول الله وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وإذا هو يقول " أدنيا إلي أخاكما " فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال " اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه " قال يقول ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة. قال ابن هشام: إنما سمي ذو البجادين، لانه كان يريد الاسلام فمنعه قومه وضيقوا عليه حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا


(1) نقل الخبر البيهقي في الدلائل مطولا ج 5 / 252. (2) روى الحديث البيهقي في دلائل النبوة ج 5 / 253. (3) ذكرهم الواقدي قال: أربعة من المنافقين: معتب بن قشير، والحارث بن يزيد الطائي، ووديعة بن ثابت، وزيد بن اللصيت. (4) الوشل. حجر أو جبل يقطر منه الماء قليلا قليلا. والوشل أيضا: القليل من الماء (شرح أبي ذر). (*)

[ 24 ]

بجاد - وهو الكساء الغليظ - فشقه باثنين فائتزر بواحدة وارتدى بالاخرى، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمي ذو البجادين. قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي، عن ابن أخي أبي رهم الغفاري أنه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين - وكان من أصحاب الشجرة - يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فسرت ذات ليلة معه ونحن بالاخضر والقى الله علي النعاس (1) وطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة النبي صلى الله عليه وسلم فيفزعني دنوها منه مخافة أن أصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوز راحلتي عنه، حتى غلبتني عيني في بعض الطريق، فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز، فلم أستيقظ إلا بقوله " حس " فقلت: يا رسول الله استغفر لي، قال " سر " فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألني عمن تخلف عنه من بني غفار فأخبره به. فقال وهو يسألني " ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط (2) الذين لا شعر لهم في وجوههم ؟ " فحدثته بتخلفهم، قال " فما فعل النفر السود الجعاد القصار " قال: قلت: والله ما أعرف هؤلاء منا قال " بلى الذين لهم نعم بشبكة شدخ " (3) فتذكرتهم في بني غفار، فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا، فقلت: يا رسول الله أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرءا نشيطا في سبيل الله، إن أعز أهلي علي أن يتخلف عني المهاجرون والانصار وغفار وأسلم ". قال ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير قال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة هم جماعة من المنافقين بالفتك به وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق، فأخبر بخبرهم فأمر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمار آخذ بزمام الناقة، وحذيفة يسوقها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبصر حذيفة فرجع إليهم ومعه محجن، فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الامر العظيم فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة " هل عرفت هؤلاء القوم ؟ " قال: ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم، ثم قال " علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب ؟ " قالا: لا، فأخبرهما بما كانوا تملاوا عليه وسماهم لهما واستكتمهما


(1) العبارة في ابن هشام: ونحن بالاخضر قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وألقى علينا النعاس. (2) الثطاط: جمع ثط، وهو صغير نبات شعر اللحية (قاله السهيلي). (3) شبكة شدخ: ماء لاسلم من بني غفار. كما عند ياقوت. وفي النهاية واللسان: شبكة جرح: موضع بالحجاز في ديار غفار. (*)

[ 25 ]

ذلك ؟ فقالا يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم ؟ فقال " أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " (1) وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعلم باسمائهم حذيفة بن اليمان وحده وهذا هو الاشبه والله أعلم ويشهد له قول أبي الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود: أليس فيكم - يعني أهل الكوفة - صاحب السواد والوساد - يعني ابن مسعود - أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره - يعني حذيفة - أليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان محمد - يعني عمارا - وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لحذيفة: أقسمت عليك بالله أنا منهم ؟ قال لا ولا أبرئ بعدك أحدا - يعني حتى لا يكون مفشيا سر النبي صلى الله عليه وسلم -. قلت: وقد كانوا أربعة عشر رجلا، وقيل كانوا اثني عشر رجلا، وذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان من أمرهم وبما تمالاوا عليه. ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم قال وفيهم أنزل الله عزوجل: * (وهموا بما لم ينالوا) * [ التوبة: 74 ]. وروى البيهقي من طريق محمد بن مسلمة (2) عن أبي إسحاق، عن الاعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة بن اليمان قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به، وعمار يسوق الناقة - أو أنا أسوق وعمار يقود به - حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثنى عشر رجلا قد اعترضوه فيها، قال فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله " هل عرفتم القوم ؟ " قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال " هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا ؟ " قلنا: لا قال: " أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها " قلنا: يا رسول الله أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال " لا، أكره أن يتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل لقومه، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم " ثم قال " اللهم ارمهم بالدبيلة " (3) قلنا يا رسول الله وما الدبيلة ؟ قال " هي شهاب من نار تقع على نياط قلب أحدهم فيهلك " (4). وفي صحيح مسلم: من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس بن عبادة. قال، قلت لعمار أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر علي أرأي رأيتموه أم شئ عهده إليكم رسول الله ؟ فقال: ما عهد


(1) روى الخبر البيهقي في دلائله ج 5 / 256 - 258 مطولا باختلاف بسيط في بعض ألفاظه وتعابيره. ورواه الامام أحمد في مسنده عن أبي الطفيل، وابن سعد عن جبير بن مطعم والواقدي في مغازيه من طريق صالح بن كيسان. (2) في الدلائل: سلمة، عن محمد بن إسحاق. (3) الدبيلة: خراج أو دمل كبير يظهر في الجوف تقتل صاحبها غالبا. (4) رواه البيهقي في دلائله ج 5 / 260 - 261. (*)

[ 26 ]

إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " في أصحابي أثنا عشر منافقا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " (1) وفي رواية من وجه آخر عن قتادة " إن في أمتي أثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم يكفيكهم الدبيلة، سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم ". قال الحافظ البيهقي (2): وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر - أو خمسة عشر - وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد، وعذر ثلاثة أنهم قالوا: ما سمعنا المنادي ولا علمنا بما أراد. وهذا الحديث قد رواه الامام أحمد في مسنده قال: حدثنا يزيد - هو ابن هارون - أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل. قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى إن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة " قد قد " حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوادي، فلما هبط ورجع عمار قال " يا عمار هل عرفت القوم ؟ " قال قد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال " هل تدري ما أرادوا ؟ " قال الله ورسوله أعلم، قال: " أرادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه " قال فسار عمار رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة ؟ قال أربعة عشر رجلا، فقال إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، قال فعذر رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة قالوا ما سمعنا منادي رسول الله وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر (3) الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد. قصة مسجد الضرار قال الله تعالى * (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذوبون، لا تقم فيه


(1) الحديث رواه مسلم في صحيحه عن أبي بكر بن أبي شيبة في (50) كتاب المنافقين (الحديث: 9) وعن محمد بن بشار. الحديث (10). ص (4 / 2143). (2) دلائل النبوة ج 5 / 262. وآخره: ولا علمنا بما أراد القوم. (3) قال الواقدي: ليس فيهم قرشي، وهو المجتمع عليه عندنا. ونقل البيهقي في الدلائل، عن ابن اسحاق اسماءهم، عبد الله بن سعد بن أبي سرح (قال في زاد المعاد: لم يعرف له إسلام) وأبو حاضر الاعرابي - وعامر - وأبو عامر (الراهب) - والجلاس بن سويد بن الصامت - ومجمع بن جارية - وفليح التيمي - وحصين بن نمير - وطعمة بن أبيرق - وعبد الله بن عيينة - ومرة بن ربيع. (ج 5 / 258). (*)

[ 27 ]

أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين، لا يزال بنينهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم) * [ التوبة: 106 - 110 ] وقد تكلمنا على تفسير ما يتعلق بهذه الآيات الكريمة في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد. وذكر ابن إسحاق كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله وكيفية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة، ومضمون ذلك أن طائفة من المنافقين بنوا صورة مسجد قريبا من مسجد قباء وأرادوا أن يصلي لهم رسول صلى الله عليه وسلم فيه حتى يروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد، فعصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك، فلما رجع منها فنزل بذي أوان - مكان بينه وبين المدينة ساعة - نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد وهو قوله تعالى * (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) * الآية. أما قوله ضرارا فلانهم أرادوا مضاهاة مسجد قباء، وكفرا بالله لا للايمان به، وتفريقا للجماعة عن مسجد قباء وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وهو أبو عامر الراهب الفاسق قبحه الله وذلك أنه لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فأبى عليه، ذهب إلى مكة فاستنفرهم، فجاؤوا عام أحد فكان من أمرهم ما قدمناه، فلما لم ينهض أمره ذهب إلى ملك الروم قيصر ليستنصره على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فكانت مكاتباته ورسله تفد إليهم كل حين، فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة وباطنه دار حرب ومقر لمن يفد من عند أبي عامر الراهب، ومجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين. ولهذا قال تعالى * (وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) * ثم قاتل * (وليحلفن) * أي الذين بنوه * (إن أردنا إلا الحسنى) * أي إنما أردنا ببنائه الخير. قال الله تعالى * (والله يشهد إنهم لكاذبون) * ثم قال الله تعالى إلى رسوله * (لا تقم فيه أبدا) * فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرر أمره ثم أمره وحثه على القيام في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم وهو مسجد قباء لما دل عليه السياق والاحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة إليه، وما ثبت في صحيح مسلم من أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينافي ما تقدم لانه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم فمسجد الرسول أولى بذلك وأحرى، وأثبت في الفضل منه وأقوى، وقد أشبعنا القول في ذلك في التفسير ولله الحمد. والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بذي أوان دعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي - أو أخاه عاصم بن عدي - رضي الله عنهما فأمرهما أن يذهبا إلى هذا المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار، فذهبا فحرقاه بالنار، وتفرق عنه أهله. قال ابن إسحاق: وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا وهم، خذام بن خالد - وفي جنب داره

[ 28 ]

كان بناء هذا المسجد - وثعلبة بن حاطب: ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن الازعر، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وجارية بن عامر، وابناه مجمع وزيد، ونبتل بن الحارث، ويخرج وهو إلى بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أمية [ بن زيد ] (1). قلت: وفي غزوة تبوك هذه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف صلاة الفجر أدرك معه الركعة الثانية منها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب يتوضأ ومعه المغيرة بن شعبة فابطأ على الناس، فأقيمت الصلاة فتقدم عبد الرحمن بن عوف، فلما سلم الناس أعظموا ما وقع فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " أحسنتم وأصبتم " وذلك فيما رواه البخاري رحمه الله قائلا حدثنا. وقال البخاري: حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: " إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم " فقالوا يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال " وهم بالمدينة حبسهم العذر " تفرد به من هذا الوجه (2). قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا عمرو بن يحيى، عن العباس بن سهل بن سعد، عن أبي حميد قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة قال " هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه " (3) ورواه مسلم من حديث سليمان بن بلال به نحوه. قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك (4). ورواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة به، وقال الترمذي حسن صحيح. وقال البيهقي أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، سمعت أبا خليفة يقول: سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع


(1) من ابن هشام. وخبر مسجد الضرار في مغازي الواقدي 3 / 1047 - 1048 وسيرة ابن هشام 4 / 173 - 174. (2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (81) باب، الحديث (4423) فتح الباري 8 / 126 وأخرجه في كتاب الجهاد (35) باب. فتح الباري (6 / 46). وأخرجه أبو داود في الجهاد، والحديث (2508) والامام أحمد في مسنده (3 / 103، 106، 182، 300، 341) وابن ماجه في الجهاد (6) باب، الحديث (2764). (3) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، الحديث (4422) فتح الباري (8 / 125). (4) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (196) باب، الحديث (3082) وأبو داود في الجهاد، الحديث (2779). (*)

[ 29 ]

وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع قال البيهقي: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة لا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك والله أعلم. فذكرناه ها هنا أيضا (1). قال البخاري رحمه الله حديث كعب بن مالك رضي الله عنه: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حتى تواثبنا (2) على الاسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، ولم يكن رسول الله يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا وعددا وعدادا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن يستخفي له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ تلك الغزوة ] (3) حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فارجع ولم اقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله والمسلمون معه ولم اقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لاتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى اسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك " ما فعل كعب ؟ " فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كعب بن مالك: قال: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج غدا من سخطه واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من


(1) دلائل النبوة ج 5 / 266 ونقله الصالحي في السيرة الشامية (5 / 673). (2) في البخاري: حتى تواثقنا. (3) من البخاري.. (*)

[ 30 ]

أهلي، فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشئ فيه كذب، فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل، فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال " تعال " فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي " ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك " فقلت بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر - ولقد أعطيت جدلا - ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لارجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، ووالله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك " فقمت فثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أراجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا: نعم رجلان، قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما، قالوا مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا: [ لي ] فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الارض فما هي التي اعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الاسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا، ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتي إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إلي - فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فقال الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. قال: وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان (1) [ في سرقة من


(1) هو جبلة بن الايهم حزم بذلك ابن عائذ، وعند الواقدي بالحرث بن أبي شمر. (*)

[ 31 ]

حرير ] (1) فإذا فيه، أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدر هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك (2)، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الامر. قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه، قال " لا ولكن لا يقربك " قالت إنه والله ما به حركة إلى شئ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو أستأذنت رسول الله في امرأتك كما استأذن هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدريني ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، قال: فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عزوجل قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الارض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع [ يقول ] بأعلى صوته: يا كعب أبشر، فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله [ للناس ] بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين (3) فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " قال قلت: أمن عندك يا رسول الله أم عند الله ؟ قال " لا بل من عند الله " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه. قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله " امسك عليك بعض مالك فهو خير لك " قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت يا رسول الله إن الله إنما نجاني


(1) زيادة من الواقدي، ومن رواية ابن مردويه. (2) وهي عميرة بنت جبير بن صخر بن أمية الانصارية وهي أم أولاده الثلاثة: عبد الله وعبيد ومعبد. (3) في الواقدي: استعارهما من أبي قتادة. (*)

[ 32 ]

بالصدق، وإن من توبتي ألا اتحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلاني، ما شهدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا، واني لارجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم * (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار) * إلى قوله * (وكونوا مع الصادقين) * [ التوبة: 117 - 119 ] فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للاسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لاحد، قال الله تعالى * (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم) * إلى قوله * (فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) * [ التوبة: 95 - 96 ] قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فبايعهم (1) واستغفر لهم وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله تعالى * (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) * ليس الذي ذكر الله مما خلفنا من الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منهم (2)، وهذا رواه مسلم من طريق الزهري بنحوه. وهكذا رواه محمد بن اسحاق عن الزهري مثل سياق البخاري، وقد سقناه في التفسير من مسند الامام أحمد وفيه زيادات يسيرة ولله الحمد والمنة. ذكر أقوام تخلفوا من العصاة غير هؤلاء قال علي بن طلحة (3) الوالبي، عن ابن عباس في قوله تعالى * (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله هو التواب الرحيم) * [ التوبة: 102 ] قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما حضروا رجوعه أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، فلما مر بهم رسول الله قال " من هؤلاء ؟ " قالوا أبا لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم قال " وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله عز وجل هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين " فلما أن بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا. فانزل الله عز وجل


(1) وفي ابن هشام والواقدي فعذرهم. (2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (79) باب. الحديث (4418) فتح الباري (8 / 113) وأخرجه في الوصايا وفي الجهاد، وفي صفة النبي صلى الله عليه وآله وفي فود الانصار. وفي الاستئذان، وفي المغازي، وفي التفسير. وأخرجه مسلم في كتاب التوبة، (9) باب، الحديث (53) ص (4 / 2120 - 2128). ورواه الواقدي في المغازي (3 / 1049 - 1056) وابن هشام في السيرة (ج 4 / 175 - 181). - وما بين معكوفين في الحديث زيادة استدركت من صحيح البخاري. (3) في دلائل البيهقي: ابن أبي طلحة. (*)

[ 33 ]

* (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) * الآية. و * (عسى) * من الله واجب. فلما أنزلت أرسل إليهم رسول الله فأطلقهم وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا، فقال " ما أمرت أن آخذ أموالكم " فأنزل الله * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ونزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم وان الله سميع عليم) * [ التوبة: 103 ] إلى قوله * (وآخرون مرجون لامر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) * وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري فارجئوا حتى نزل قوله تعالى * (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين خلفوا) * [ التوبة: 117 ] إلى آخرها. وكذا رواه عطية بن سعيد العوفي عن ابن عباس بنحوه (1). وقد ذكر سعيد بن المسيب، ومجاهد، ومحمد بن إسحاق قصة أبي لبابة وما كان من أمره يوم بني قريظة وربط نفسه حتى تيب عليه، ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب الله عليه، وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " يكفيك من ذلك الثلث " قال مجاهد وابن اسحاق: وفيه نزل * (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) * الآية: قال سعيد بن المسيب: ثم لم ير منه بعد ذلك في الاسلام إلا خيرا رضي الله عنه وأرضاه. قلت: ولعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية أصحابه واقتصروا على أنه كان كالزعيم لهم كما دل عليه سياق ابن عباس والله أعلم. وروى الحافظ البيهقي: من طريق أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، عن سليمة بن كهيل، عن عياض بن عياض، عن أبيه عن ابن مسعود قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " إن منكم منافقين فمن سميت فليقل قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان " حتى عد ستة وثلاثين، ثم قال " إن فيكم - أو أن منكم - منافقين فسلوا الله العافية " قال: فمر عمر برجل متقنع وقد كان بينه وبينه معرفة فقال: ما شأنك ؟ فأخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعدا لك سائر اليوم (2). قلت: كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة اقسام، مأمورون مأجورون كعلي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة، وابن أم مكتوم، ومعذورون وهم الضعفاء والمرضى، والمقلون وهم البكاؤون، وعصاة مذنبون وهم الثلاثة، أبو لبابة وأصحابه المذكورون، وآخرون ملومون مذمومون وهم المنافقون. ما كان من الحوادث بعد منصرفه من تبوك قال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، إملاء، أخبرنا أبو العباس محمد بن


(1) نقل الخبر البيهقي في الدلائل ج 5 / 271 - 272. (2) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 283 - 284. (*)

[ 34 ]

يعقوب، حدثنا أبو البحتري عبد الله بن شاكر (1)، حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا عم أبي زخر بن حصن، عن جده حميد بن منهب (2) قال: سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة بن لام يقول: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قل لا يفضض الله فاك " فقال: من قبلها طبت في الضلال وف‍ * - ي مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لابشر * أنت ولا نطفة (3) ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بينك المهيمن من * خندق علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت الار * ض فضاءت بنورك الافق فنحن في ذلك الضياء وفي الن‍ * - نور وسبل الرشاد يخترق (4) ورواه البيهقي من طريق أخرى عن أبي السكن، زكريا بن يحيى الطائي وهو في جزء له مروي عنه. قال البيهقي وزاد: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذه الحيرة البيضاء رفعت لي، وهذه الشيماء بنت نفيلة (5) الازدية على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود " فقلت: يا رسول الله إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهي لي ؟ قال " هي لك " قال: ثم كانت الردة فما ارتد أحد من طئ، وكنا نقاتل من يلينا من العرب على الاسلام فكنا نقاتل قيسا وفيها عيينة بن حصن، وكنا نقاتل بني أسد وفيهم طلحة بن خويلد، وكان خالد بن الوليد يمدحنا، وكان فيما قال فينا: جزى الله عنا طيئا في ديارها * بمعترك الابطال خير جزاء هموا أهل رايات السماحة والندى * إذا ما الصبا ألوت بكل خباء هموا ضربوا قيسا على الدين بعدما * أجابوا منادي ظلماء ؟ وعماء قال: ثم سار خالد إلى مسيلمة الكذاب فسرنا معه فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة فلقينا هرمز بكاظمة في جيش هو أكبر من جمعنا، ولم يكن أحد (6) من العجم أعدى للعرب


(1) في الدلائل: عبد الله بن محمد بن شاكر. (2) الدلائل: ابن منيب. (3) في الدلائل: ولا مضغة. (4) البيت في الدلائل: فنحن من ذلك النور في الضياء * وسبل الرشاد نخترق روى الخبر والابيات البيهقي في دلائل النبوة ج 5 / 268، ورواه الطبراني، والزرقاني في شرح المواهب (3 / 84). (5) من الدلائل، وفي الاصل بقيلة. (6) في الدلائل: ولم يكن أحد من الناس. (*)

[ 35 ]

والاسلام من هرمز، فخرج إليه خالد ودعاه إلى البراز فبرز له فقتله خالد وكتب يخبره إلى الصديق فنفله سلبه فبلغت قلنسوة هرمز مائة ألف درهم، وكانت الفرس إذا شرف فيها الرجل جعلت قلنسوته بمائة ألف درهم، قال: ثم قفلنا على طريق الطف إلى الحيرة فأول من تلقانا حين دخلناها الشيماء بنت نفيلة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود، فتعلقت بها وقلت هذه وهبها لي رسول الله، فدعاني خالد عليها بالبينة فأتيته بها، وكانت البينة محمد بن مسلمة ومحمد بن بشير الانصاري فسلمها إلي، فنزل إلي أخوها عبد المسيح يريد الصلح فقال بعنيها، فقلت لا أنقصها والله عن عشرة مائة درهم، فأعطاني ألف درهم وسلمتها إليه، فقيل لو قلت مائة ألف لدفعها اليك، فقلت: ما كنت أحسب أن عددا أكثر من عشر مائة (1). قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من سنة تسع تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ارتحل عن ثقيف سئل أن يدعو عليهم فدعا لهم بالهداية، وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلم مالك بن عوف النضري أنعم عليه وأعطاه وجعله أميرا على من أسلم من قومه، فكان يغزو بلاد ثقيف ويضيق عليهم حتى ألجأهم إلى الدخول في الاسلام، وتقدم أيضا فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الاحمسي أنه لم يزل بثقيف حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل بهم إلى المدينة النبوية بأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك. وقال ابن اسحاق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد من ثقيف، وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم. اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالاسلام، فقال له رسول الله - كما يتحدث قومه - " إنهم قاتلوك " وعرف رسول الله أن فيهم نخوة الامتناع للذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم، وكان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى الاسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف على عيلة له، وقد دعاهم إلى الاسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله، فتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف (2) أخو بني سالم بن مالك، ويزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم من بني عتاب يقال له وهب بن جابر، فقيل لعروة: ما ترى في دينك (3) ؟ قال كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم فزعموا أن


(1) الخبر في دلائل النبوة ج 5 / 28. (2) زاد الواقدي: وهو الا ثبت عندنا. (3) في ابن هشام: ما ترى في دمك. (*)

[ 36 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه " إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه " ؟ كذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبي بكر الصديق، وتابعه أبو بكر البيهقي في ذلك وهذا بعيد، والصحيح أن ذلك قبل حجة أبي بكر كما ذكره ابن إسحاق والله أعلم (1). قال ابن اسحاق: ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا، فائتمروا فيما بينهم وذلك عن رأي عمرو بن أمية أخي بني علاج فائتمروا بينهم ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلا منهم فأرسلوا عبد يا ليل بن عمرو بن عمير ومعه اثنان من الاحلاف وثلاثة من بني مالك، وهم الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، وعثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف أخو بني سالم، ونمير بن خرشة بن ربيعة. وقال موسى بن عقبة: كانوا بضعة عشر (2) رجلا فيهم كنانة بن عبد ياليل - وهو رئيسهم - وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد. قال ابن اسحاق: فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة، ألفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رآهم ذهب يشتد ليبشر رسول الله بقدومهم، فلقيه أبو بكر الصديق فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البيعة والاسلام، إن شرط لهم رسول الله شروطا ويكتبوا كتابا في قومهم، فقال أبو بكر للمغيرة أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهيلة، ولما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربت عليهم قبة في المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله. فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خالد بن سعيد قبلهم، وهو الذي كتب لهم كتابهم. قال: وكان مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية ثلاث سنين، فما برحوا يسألونه سنه سنة ويأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ليتألفوا سفهاءهم فأبى عليهم أن يدفعها شيئا مسمى إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة ليهدماها، وسألوه مع ذلك أن لا يصلوا وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم فقال " أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه " فقالوا


(1) الخبر في سيرة هشام ج 4 / 182 وابن سعد ج 1 / 312 ومغازي الواقدي ج 3 / 960 وجميعهم قالوا: كان ذلك بعد رجوعه صلى الله عليه وآله من حصار الطائف وقدومه المدينة. ونقل البيهقي رواية عروة بن الزبير، وموسى بن عقبة في الدلائل ج 5 / 299 - 300. و 304 وابن عبد البر في الدرر (ص 247). (2) في الواقدي: كانوا ستة، ويقال بضعة عشر فيهم سفيان بن عبد الله وهذا ما جزم به ابن سعد، والذي قال في رواية أخرى: خرج مع عبد ياليل وابناه كنانة وربيعة (والخمسة الذين ذكرهم ابن اسحاق: فساروا في سبعين رجلا وهؤلاء الستة رؤوسائهم. (ابن سعد 1 / 313 - مغازي الواقدي 3 / 963). (*)

[ 37 ]

سنؤتيكها وإن كانت دناءة (1). وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، محمد بن مسلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا ولا يستعمل عليهم غيرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لكم أن لا تحشروا (2) ولا تجبوا ولا يستعمل عليكم غيركم، ولا خير في دين لا ركوع فيه " (3) وقال عثمان بن أبي العاص: يا رسول الله علمني القرآن واجعلني إمام قومي. وقد رواه أبو داود من حديث أبي داود الطيالسي: عن حماد بن سلمة، عن حميد به. وقال أبو داود: حدثنا الحسن بن الصباح، ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني ابراهيم بن عقيل بن معقل بن منبه، عن وهب سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال: اشترطت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك " سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا " (4). قال ابن اسحاق: فلما أسلموا وكتب لهم كتابهم (5) أمر عليهم عثمان بن أبي العاص - وكان


(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 184 - 185 (2) الحشر: الانتداب إلى المغازي. (3) رواه الامام أحمد في مسنده ج 4 / 218 ورواه أبو داود في كتاب الخراج باب ما جاء في خبر الطائف الحديث (3026). (4) أخرجه أبو داود، الحديث (3025) ص (3 / 163). (5) ذكره أبو عبيد في الاموال عن عروة بن الزبير، قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله لثقيف: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله لثقيف، كتب: أن لهم ذمة الله الذي لا إله إلا هو، وذمة محمد بن عبد الله النبي. على ما كتب عليهم في هذه الصحيفة: أن واديهم حرام محرم لله كله: عضاه، وصيده، وظلم فيه، وسرق فيه، أو إساءة. وثقيف أحق الناس بوج ولا يعبر طائفهم. ولا يدخله عليه أحد من المسلمين يغلبهم عليه. وما شاؤوا أحدثوا في طائفهم من بنيان أو سواه بواديهم، لا يحشرون ولا يعشرون، ولا يستكرهون بمال ولا نفس، وهم أمة من المسلمين يتولجون من المسلمين حيثما شاؤوا، وأين تولجوا ولجوا، وما كان لهم من أسير فهو لهم، هم أحق الناس به حتى يفعلوا به ما شاؤوا، وما كان لهم من دين في رهن فبلغ أجله فإن لواط مبرأ من الله - وما كان من دين في رهن رواء عكاظ فإنه يقضي إلى عكاظ برأسه. وما كان لثقيف من دين في صحفهم اليوم الذي أسلموا عليه في الناس، فإنه لهم. وما كان لثقيف من وديعة في الناس، أو مال، أو نفس غنمها مودعها، أو أضاعها، ألا فإنها مؤداة، وما كان لثقيف من نفس غائبة أو مال، فإن له من الامن ما لشاهدهم، وما كان لثقيف من حليف أو تاجر، فأسلم فإن له مثل قضية أمر ثقيف، وإن طعن طاعن على ثقيف أو ظلمهم ظالم، فإنه لا يطاع فيهم في مال ولا نفس. وإن الرسول ينصرهم على من ظلمهم، والمؤمنون. ومن كرهوا أن يلج عليهم من الناس فإنه لا يلج عليهم. وأن السوق والبيع بأفنية البيوت، وأن لا يؤمر عليهم إلا بعضهم على بعض: على بني مالك أميرهم، وعلى الاخلاف أميرهم. وما سقت ثقيف من أعناب قريش فإن شطرها لمن سقاها. وما كان لهم من دين في رهن لم يلط فإن وجد ؟ أهله قضاء قضوا، وإن لم يجدوا قضاء فإنه إلى جمادى الاولى من عام قابل، من بلغ أجله يقضه فإنه قد لاطه. = (*)

[ 38 ]

أحدثهم سنا - لان الصديق قال: يا رسول الله إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الاسلام، وتعلم القرآن. وذكر موسى بن عقبة أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله خلفوا عثمان بن أبي العاص في رحالهم فإذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن العلم فاستقرأه القرآن فإن وجده، نائما ذهب إلى أبي بكر الصديق، فلم يزل دأبه حتى فقه في الاسلام (1) وأحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا شديدا. قال ابن اسحاق: حدثني سعيد بن أبي هند، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عثمان بن أبي العاص. قال: كان من آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني إلى ثقيف قال " يا عثمان تجوز في الصلاة، وأقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة " وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: " أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " رواه أبو داود والترمذي من حديث حماد بن سلمة به ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية عن محمد بن اسحاق كما تقدم. وروى أحمد: عن عفان، عن وهب، وعن معاوية بن عمرو عن زائدة كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن داود بن أبي عاصم، عن عثمان بن أبي العاص أن آخر ما فارقه رسول الله حين استعمله على الطائف أن قال " إذا صليت بقوم فخفف بهم حتى وقت لي أقرأ باسم ربك الذى خلق، وأشباهها من القرآن " وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، سمعت سعيد بن المسيب قال: حدث عثمان بن أبي العاص. قال: آخر ما عهد إلي رسول الله أن قال: " إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة " (2) ورواه مسلم عن محمد بن مثنى وبندار كلاهما عن محمد بن جعفر عن عبد ربه. وقال أحمد حدثنا: أبو أحمد الزبيري، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، عن عبد الله بن الحكم أنه سمع عثمان بن أبي العاص يقول استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف، فكان آخر ما عهد إلي أن قال " خفف عن الناس الصلاة " تفرد به من هذا الوجه. وقال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، أخبرنا عمرو بن


= وما كان لهم في الناس من دين فليس عليهم إلا رأسه. وما كان لهم من أسير باعه ربه فإن له بيعه، وما لم يبع فإن فيه ست قلائص نصفين. لبون كرام سمان. وما كان له بيع اشتراه فإن له بيعه " " كتاب الاموال ص 87. رقم 507. ونقله الاحمدي في مكاتيب الرسول عنه ص 2 / 263. وأوعز إليه البلاذري في فتوح البلدان ص 67 وياقوت في معجم البلدان (الطائف) والكامل لابن الاثير ج 1 / 246 وطبقات ابن سعد، والعقد الفريد ج 1 / 135. (1) زاد البيهقي في رواية ابن عقبة: وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله. دلائل النبوة 5 / 301. (2) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (37) الحديث (187) ورواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 306 من طريق يونس بن حبيب. (*)

[ 39 ]

عثمان، حدثني موسى - هو ابن طلحة - أن عثمان بن أبي العاص حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤم قومه ثم قال: " من أم قوما فليخفف بهم فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء " ورواه مسلم من حديث عمرو بن عثمان به. وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، سمعت أشياخا من ثقيف قالوا: حدثنا عثمان بن أبي العاص أنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم قومك وإذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة فإنه يقوم فيها الصغير والكبير والضعيف والمريض وذو الحاجة " وقال أحمد: حدثنا ابراهيم بن إسماعيل، عن الجريري عن أبي العلاء بن الشخير أن عثمان قال: يا رسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي، قال: " ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أنت حسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا " قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني (1). ورواه مسلم من حديث سعيد الجريري به. وروى مالك وأحمد ومسلم وأهل السنن من طرق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عثمان بن أبي العاص أنه شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده فقال له " ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " وفي بعض الروايات ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم (2). وقال أبو عبد الله بن ماجه: حدثنا محمد بن يسار (3)، ثنا محمد بن عبد الله الانصاري، حدثني عيينة بن عبد الرحمن - وهو ابن جوشن - حدثني أبي، عن عثمان بن أبي العاص. قال: لما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف جعل يعرض لي شئ في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " ابن أبي العاص ؟ " قلت نعم ! يا رسول الله ! قال " ما جاء بك ؟ " قلت يا رسول الله عرض لي شئ في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي قال " ذاك الشيطان أدن " فدنوت منه فجلست على صدور قدمي، قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال " أخرج عدو الله " فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال " الحق بعملك ". قال فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني بعد (3). تفرد به ابن ماجه. قال ابن اسحاق: وحدثني عيسى بن عبد الله، عن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفي عن بعض وفدهم قال: كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من شهر رمضان بفطورنا وسحورنا فيأتينا بالسحور فإنا لنقول إنا لنرى الفجر قد طلع ؟ فيقول: قد تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسحر لتأخير السحور، ويأتينا بفطرنا وإنا لنقول ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد، فيقول ما جئتكم حتى أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يضع يده في الجفنة فيلقم منها. وروى


(1) أخرجه مسلم في 39 كتاب السلام (25) باب الحديث (68). وأخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 / 307. (2) أخرجه مسلم في كتاب السلام (24) الحديث 67. وأخرجه أبو داود في الطب. باب كيف الرقى الحديث (3891). وأخرجه الترمذي في الطب، وقال: حسن صحيح. (3) أخرجه ابن ماجة في كتاب الطب (46) باب الفزع والارق (الحديث: 3548) وفيه: محمد بن بشار. (*)

[ 40 ]

الامام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده أوس بن حذيفة قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف، قال فنزلت الاحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني مالك في قبة له كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش، ثم يقول " لا آسى وكنا مستضعفين مستذلين بمكة، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا " فلما كانت ليلة أبطأ عنا الوقت الذي كان يأتينا فيه فقلنا لقد أبطأت علينا الليلة ؟ فقال: " إنه طرئ علي جزئي من القرآن فكرهت أن أجئ حتى أتمه " قال أوس سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجزئون القرآن ؟ فقالوا ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع وإحدى عشر، وثلاث عشرة. وحزب المفصل وحده لفظ أبو داود. قال ابن اسحاق: فلما فرغوا من أمرهم، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم (1)، فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه بني معتب دونه، خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود، قال وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن: * لنبكين دفاع، أسلمها الرضاع، لم يحسنوا المصاع (2) * قال ابن إسحاق: ويقول أبو سفيان: والمغيرة يضربها بالفأس وآها لك آها لك، فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبي سفيان فقال: إن رسول الله قد أمرنا أن نقضي عن عروة بن مسعود وأخيه الاسود بن مسعود والد قارب بن الاسود دينهما من مال الطاغية يقضي ذلك عنهما. قلت: كان الاسود قد مات مشركا ولكن أمر رسول الله بذلك تأليفا وإكراما لولده قارب بن الاسود رضي الله عنه. وذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا، فلما قدموا أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن، فسألوه عن الربا والزنا والخمر فحرم عليهم ذلك كله فسألوه عن الربة ما هو صانع بها ؟ قال " اهدموها " قالوا هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها، فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا بن عبد ياليل ما أجهلك، إنما الربة حجر


(1) الهدم، وفي نسخ البداية المطبوعة الهرم تحريف، والهدم: ماء وراء وادي القرى. (مراصد الاطلاع 2 / 1454). (2) في ابن هشام: لتبكين. ودفاع: سموها بذلك لانها - بزعمهم - تدفع عنهم الضرر. الرضاع: اللئيم المصاع: المضاربة بالسيوف. (*)

[ 41 ]

فقالوا: إنا لم نأتك يا بن الخطاب، ثم قالوا: يا رسول الله تول أنت هدمها، أما نحن فإنا لن نهدمها أبدا، فقال " سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها " فكاتبوه على ذلك واستأذنوه أن يسبقوا رسله إليهم، فلما جاؤوا قومهم تلقوهم فسألوهم ما وراءكم فأظهروا الحزن، وأنهم إنما جاؤوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف بحكم ما يريد وقد دوخ العرب، قد حرم الربا والزنا والخمر، وأمر بهدم الربة، فنفرت ثقيف وقالوا لا نطيع لهذا أبدا، قال فتأهبوا للقتال وأعدوا السلاح، فمكثوا على ذلك يومين - أو ثلاثة - ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب فرجعوا وأنابوا وقالوا: ارجعوا إليه فشارطوه على ذلك وصالحوه عليه قالوا: فإنا قد فعلنا ذلك ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه وفيما قاضيناه، فافهموا القضية واقبلوا عافية الله، قالوا: فلم كتمتمونا هذا أولا ؟ قالوا أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم ومكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة، فعمدوا إلى اللات، وقد استكفت ثقيف رجالها ونساءها والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين - يعني المعول - وقال لاصحابه: والله لاضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين ثم سقط يركض برجله فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وفرحوا وقالوا أبعد الله المغيرة قتلته الربة، وقالوا لاولئك من شاء منكم فليقترب، فقام المغيرة فقال: والله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم إنه ضرب الباب فكسره. ثم علا سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالارض، وجعل سادنها يقول: ليغضبن الاساس فليخسفن بهم، فلما سمع المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساسها فحفروه حتى أخرجوا ترابها وجمعوا ماءها وبناءها، وبهتت عند ذلك ثقيف، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم أموالها من يومه وحمدوا الله تعالى على اعتزاز دينه ونصرة رسوله (1). قال ابن اسحاق: وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين: إن عضاه وج (2) وصيده لا يعضد من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، وإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبي محمدا وإن هذا أمر النبي محمد، وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعداه أحد، فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن الحارث - من أهل مكة مخزومي - حدثني محمد بن عبد الله بن إنسان - وأثنى عليه خيرا - عن أبيه، عن عروة بن الزبير قال: أقبلنا مع


(1) لفظ موسى بن عقبة وروى الخبر عروة بن الزبير بمعناه، والرواية اختصرها ابن عبد البر في الدرر (247)، ونقلها البيهقي في الدلائل ج 5 / 303. (2) عضاه: واحدته عضة، شجر له شوك، ووج أرض الطائف. وتقدم قريبا نص الكتاب بتمامه، فليراجع. (*)

[ 42 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم من لية (1) حتى إذا كنا عند السدرة، وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرف القرن حذوها فاستقبل محبسا ببصره - يعني واديا - ووقف حتى اتفق الناس كلهم ثم قال " إن صيدوج وعضاهه حرم محرم لله " وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا، وقد رواه أبو داود: من حديث محمد بن عبد الله بن انسان الطائفي وقد ذكره ابن حبان في ثقاته. وقال ابن معين ليس به بأس. تكلم فيه بعضهم وقد ضعف أحمد والبخاري وغيرهما هذا الحديث، وصححه الشافعي وقال بمقتضاه والله أعلم. موت عبد الله بن أبي، قبحه الله قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد. قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي يعوده في مرضه الذي مات فيه، فلما عرف فيه الموت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما والله إن كنت لانهاك عن حب يهود " فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فمه (2) ؟. وقال الواقدي: مرض عبد الله بن أبي في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة، وكان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول الله يعوده فيها، فلما كان اليوم الذي مات فيه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه فقال " قد نهيتك عن حب يهود " فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه ؟ ثم قال: يا رسول الله ليس هذا الحين عتاب هو الموت فاحضر غسلي وأعطني قميصك الذي يلي جلدك فكفني فيه وصل علي واستغفر لي، ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم (3). وروى البيهقي: من حديث سالم بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوا مما ذكره الواقدي فالله أعلم. وقد قال اسحاق بن راهويه (4): قلت لابي أسامة أحدثكم عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عليه فقام عمر بن الخطاب فأخذ بثوبه فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك الله عنه، فقال رسول الله " إن ربي خيرني فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وسأزيد على السبعين " فقال إنه منافق أتصلي عليه ؟ فأنزل الله عز وجل * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله) * [ التوبة: 84 ] فأقر به أبو أسامة وقال نعم ! وأخرجاه في الصحيحين من حديث أبي أسامة (5)، وفي رواية للبخاري وغيره قال عمر:


(1) لية: ناحية من نواحي الطائف. (2) نقل الخبر في دلائل البيهقي ج 5 / 285. (3) رواه الواقدي في مغازيه (3 / 1057) ونقله البيهقي عنه في الدلائل ج 5 / 285 و 288. (4) في رواية البيهقي: اسحاق بن ابراهيم. (5) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة براءة (12) باب، الحديث (4670)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين (الحديث: 3). ونقله البيهقي من طريق ابراهيم بن أبي طالب ج 5 / 287. (*)

[ 43 ]

فقلت يا رسول الله تصلي عليه وقد قال في يوم كذا وكذا، وقال في يوم كذا وكذا وكذا ! ! فقال " دعني يا عمر فإني بين خيرتين، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت " ثم صلى عليه فأنزل الله عز وجل * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) * الآية. قال عمر: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم. وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: أتى رسول الله صلى الله عليه سلم قبر عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه - أو فخذيه - ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه. فالله أعلم (1). وفي صحيح البخاري بهذا الاسناد مثله وعنده إنه إنما ألبسه قميصه مكافأة لما كان كسى العباس قميصا حين قدم المدينة فلم يجدوا قميصا يصلح له إلا قميص عبد الله بن أبي (2). وقد ذكر البيهقي ها هنا قصة ثعلبة بن حاطب وكيف افتتن بكثرة المال ومنعه الصدقة (3)، وقد حررنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى * (ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله) * الآية. [ التوبة: 75 ]. فصل قال ابن إسحاق: وكانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه يعدد أيام الانصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه، قال ابن هشام وتروى لابنه عبد الرحمن بن حسان: ألست خير معد كلها نفرا * و ؟ شرا إن هموا عموا وإن حصلوا قوم هموا شهدوا بدرا بأجمعهم * مع الرسول فما ألوا وما خذلوا وبايعوه فلم ينكث به أحد * منهم ولم يك في إيمانه دخل (4) ويوم صبحهم في الشعب من أحد * ضرب رصين كحر النار مشتعل ويوم ذي قرد يوم استثار بهم * على الجياد فما خانوا وما نكلوا (5) وذا العشيرة جاسوها بخيلهم * مع الرسول عليها البيض والاسل ويوم ودان أجلوا أهله رقصا * بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل


(1) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز (22) باب الحديث 1270 عن مالك بن اسماعيل. ومسلم في كتاب المنافقين (الحديث 2). ونقله البيهقي في الدلائل من طريق سعدان بن نصر (5 / 286). (2) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (142) باب الحديث (3008). ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 286. (3) دلائل النبوة - باب قصة حاطب بن ثعلبة وما ظهر فيها من الآثار ج 5 / 289 من طريق عطية بن سعد عن ابن عباس. (4) في ابن هشام: في إيمانهم. (5) في ابن هشام: فما خاموا بدلا من فما خانوا. (*)

[ 44 ]

وليلة طلبوا فيها عدوهم * لله والله يجزيهم بما عملوا وليلة بحنين جالدوا معه * فيها يعلهم في الحرب إذ نهلوا وغزوة يوم نجد ثم كان لهم * مع الرسول بها الاسلاب والنفل وغزوة القاع فرقنا العدو به * كما يفرق دون المشرب الرسل ويوم بويع كانوا أهل بيعته * على الجلاد فآسوة وما عدلوا وغزوة الفتح كانوا في سريته * مرابطين فما طاشوا وما عجلوا ويوم خيبر كانوا في كتيبته * يمشون كلهم مستبسل بطل بالبيض نرعش الايمان عارية * تعوج بالضرب أحيانا وتعتدل ويوم سار رسول الله محتسبا * إلى تبوك وهم راياته الاول وساسة الحرب إن حرب بدت لهم * حتى بدا لهم الاقبال والقفل أولئك القوم أنصار النبي وهم * قومي أصير إليهم حين أتصل ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم * وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا ذكر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع ونزول سورة براءة قال ابن إسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطا. قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، وأهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد، فلما خرج أبو بكر رضي الله عنه بمن معه من المسلمين وفصل عن البيت أنزل الله عز وجل هذه الآيات من أول سورة التوبة * (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الارض أربعة أشهر) * إلى قوله * (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر إن الله برئ من المشركين ورسوله) * إلى آخر القصة. ثم شرح ابن إسحاق يتكلم على هذه الآيات وقد بسطنا الكلام عليها في التفسير ولله الحمد والمنة، والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه بعد أبي بكر الصديق ليكون معه ويتولى علي بنفسه ابلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكونه ابن عمه من عصبته. قال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليقيم للناس الحج، قيل له يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو بعثت بها إلى بكر فقال " لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي " ثم دعا علي بن أبي طالب فقال " اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، ألا إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك: ولا يطوف بالبيت عريان، ومن

[ 45 ]

كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدته " فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور ؟ فقال بل مأمور، ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج، التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجل [ الناس ] (1) أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم أو بلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم (2). وهذا مرسل من هذا الوجه. وقد قال البخاري: باب حج أبي بكر رضي الله عنه بالناس سنة تسع: حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، حدثنا فليح، عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليه النبي صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن في البيت عريان. وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان. قال حميد ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي فأمره أن يؤذن ببراءة قال: أبو هريرة فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان (3). وقال البخاري في كتاب الجهاد: حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب، عن الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق فيمن يؤذن يوم النحر بمنى، لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ويوم الحج الاكبر يوم النحر، وإنما قيل الاكبر من أجل قول الناس العمرة الحج الاصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك. ورواه مسلم من طريق الزهري به نحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي، عن محرز بن أبي هريرة عن أبيه. قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كنتم تنادون ؟ قالوا كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف في البيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله - أو أمده - إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الاربعة أشهر


(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (2) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 190 وبنحو سياقه رواه الواقدي في المغازي ج 3 / 1077. (3) أخرجه البخاري في كتاب التفسير - تفسير سورة التوبة (22) باب فسيحوا في الارض... الحديث (4655). (*)

[ 46 ]

فإن الله برئ من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك. قال فكنت أنادي حتى صحل صوتي (1). وهذا إسناد جيد لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر، وقد ذهب إلى هذا ذاهبون ولكن الصحيح أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ ولو زاد على أربعة أشهر ومن ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة أشهر، بقي قسم ثالث وهو من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل وهذا يحتمل أن يلتحق بالاول، فيكون أجله إلى مدته وإن قل، ويحتمل أن يقال إنه يؤجل إلى أربعة أشهر لانه أولى ممن ليس له عهد بالكلية والله تعالى أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد، عن سماك، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث براءة مع أبي بكر فلما بلغ ذا الحليفة قال " لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي " فبعث بها مع علي بن أبي طالب. وقد رواه الترمذي من حديث حماد بن سلمة وقال حسن غريب من حديث أنس. وقد روى عبد الله بن أحمد: عن لوين، عن محمد بن جابر، عن سماك عن حلس (2) عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أردف أبا بكر بعلي فأخذ منه الكتاب بالجحفة رجع أبو بكر فقال: يا رسول الله نزل في شئ ؟ قال " لا ولكن جبريل جاءني فقال لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك " وهذا ضعيف الاسناد ومتنه فيه نكارة والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان عن أبي اسحاق عن زيد بن يثيع (3) - رجل من همدان - قال: سألنا عليا بأي شئ بعثت يوم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في الحجة ؟ قال بأربع، لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته ولا يحج المشركون بعد عامهم هذا (4). وهكذا رواه الترمذي من حديث سفيان - هو ابن عيينة - عن أبي اسحاق السبيعي عن زيد بن يثيع عن علي به وقال حسن صحيح. ثم قال وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق فقال عن زيد بن أثيل، ورواه الثوري عن أبي إسحاق عن بعض أصحابه عن علي. قلت: ورواه ابن جرير من حديث معمر، عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن رأشد أخبرنا حيوة بن شريح أخبرنا ابن صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت علي بن أبي طالب عن يوم الحج الاكبر فقال إن رسول الله صلى الله عليه سلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إلي فقال: قم يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه سلم


(1) صحل صوتي: أي حتى بح. والخبر في مسند الامام أحمد ج 2 / 299. (2) كذا بالاصل حلس، والصواب حنش وهو حنش بن المعتمر أو ابن ربيعة بن المعتمر الكناني الكوفي، يروي عن علي وأبي ذر، وعنه الحكم وسماك بن حرب... (خلاصة التهذيب / 81). (3) في المسند: أثيع. (4) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 1 / 79. (*)

[ 47 ]

فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة ثم صدرنا فأتينا منى فرميت الجمرة ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضورا كلهم خطبة أبي بكر رضي الله عنه يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم. قال علي فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا وهو يوم عرفة. وقد تقصينا الكلام على هذا المقام في التفسير وذكرنا أسانيد الاحاديث والآثار في ذلك مبسوطا بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة. قال الواقدي (1) وقد كان خرج مع أبي بكر من المدينة ثلثمائة من الصحابة منهم عبد الرحمن بن عوف، وخرج أبو بكر معه بخمس بدنات، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة ثم أردفه بعلي فلحقه بالعرج (2) فنادى ببراءة امام الموسم. فصل كان في هذه السنة - أعني في سنة تسع - من الامور الحادثة غزوة تبوك في رجب كما تقدم بيانه. قال الواقدي وفي رجب منها مات النجاشي صاحب الحبشة ونعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس. وفي شعبان منها - أي من هذه السنة - توفيت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بن عبد المطلب، وقيل غسلها نسوة من الانصار فيهن أم عطية. قلت: وهذا ثابت في الصحيحين، وثبت في الحديث أيضا أنه عليه السلام لما صلى عليها وأراد دفنها قال: " لا يدخله أحد قارف الليلة أهله " فامتنع زوجها عثمان لذلك ودفنها أبو طلحة الانصاري رضي الله عنه ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك ممن يتبرع بالحفر والدفن من الصحابة كأبي عبيدة وأبي طلحة ومن شابههم فقال " لا يدخل قبرها إلا من لم يقارف أهله من هؤلاء " إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا بعيد والله أعلم وفيها صالح ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وصاحب دومة الجندل كما تقدم إيضاح ذلك كله في مواضعه. وفيها هدم مسجد الضرار الذي بناه جماعة المنافقين صورة مسجد وهو دار حرب في الباطن فأمر به عليه السلام فحرق. وفي رمضان منها قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم ورجعوا إليهم بالامان وكسرت اللات كما تقدم. وفيها توفي عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين لعنه الله في أواخرها، وقبله بأشهر (3) توفي معاوية بن معاوية الليثي - أو المزني - وهو الذي صلى عليه رسول


(1) مغازي الواقدي 3 / 1077. (2) العرج: قرية جامعة في واد من نواحي الطائف، وقيل واد به (المراصد). (3) قوله بأشهر، وفي نسخة بشهر، والمعروف أن ابن أبي مات في ذي القعدة، ومعاوية بن معاوية مات بالمدينة ورسول الله صلى الله عليه وآله بتبوك - وكانت تبوك في رجب - وهذا يجعل قول من قال " شهر " بعيدا. (*)

[ 48 ]

الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك إن صح الخبر في ذلك. وفيها حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس عن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك. وفيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب ولذلك تسمى سنة تسع سنة الوفود، وها نحن نعقد لذلك كتابا برأسه اقتداء بالبخاري وغيره.

[ 49 ]

كتاب الوفود (1) الواردين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال محمد بن إسحاق: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع، وأنها كنت تسمى سنة الوفود، قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص بأسلامها أمر هذا الحي من قريش، لان قريشا كانوا إمام الناس وهاديتهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل بن ابراهيم وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت به قريش ودوخها الاسلام، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عداوته فدخلوا في دين الله كما قال عز وجل * (أفواجا) * يضربون إليه من كل وجه، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم * (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) * أي فاحمد الله على ما ظهر من دينك، واستغفره إنه كان توابا، وقد قدمنا حديث عمرو بن مسلمة قال: كانت العرب تلوم باسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم باسلامهم وبدر - أي قومي - باسلامهم، فلما قدم قال جئتكم والله من عند النبي حقا، قال صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا، وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري. قلت: وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقي بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع بل وعلى فتح مكة. وقد قال الله تعالى * (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح قاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) * [ الحديد: 10 ] وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح " لا هجرة ولكن جهاد ونية " فيجب التمييز


(1) انظر في تلك الوفود: (ابن سعد 1 / 291) تاريخ الطبري، ابن حزم (259) سيرة ابن هشام (4 / 206). السيرة الشامية (6 / 386) ودلائل البيهقي (5 / 309). (*)

[ 50 ]

بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعد الله خيرا وحسنى، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة والله أعلم. على أن هؤلاء الائمة الذين اعتنوا بايراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء لم يذكروها ونحن نورد بحمد الله ومنه ما ذكروه وننبه على ما ينبغي التنبيه عليه من ذلك، ونذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. وقد قال محمد بن عمر الواقدي: حدثنا كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده، قال: كان أول من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضر أربعمائة من مزينة وذاك في رجب سنة خمس فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة في دارهم وقال: " أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم " فرجعوا إلى بلادهم، ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبي باسناده: أن أول من قدم من مزينة خزاعي بن عبد نهم ومعه عشرة من قومه فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على إسلام قومه، فلما رجع إليهم لم يجدهم كما ظن فيهم فتأخروا عنه. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعي من غير أن يهجوه، فذكر أبياتا (1) فلما بلغت خزاعيا شكى ذلك إلى قومه فجمعوا له وأسلموا معه وقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان يوم الفتح دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء مزينة - وكانوا يومئذ ألفا - إلى خزاعي هذا، قال وهو أخو عبد الله ذو البجادين. وقال البخاري رحمه الله: باب وفد بني تميم: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبي صخرة، عن صفوان بن محرز المازني، عن عمران بن حصين، قال: أتى نفر من بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال، " اقبلوا البشرى يا بني تميم " قالوا: يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا، فرئي ذلك في وجهه ثم جاء نفر من اليمن فقال: " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " قالوا: قبلنا يا رسول الله. ثم قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبره عن ابن أبي مليكة، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم: أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، فقال عمر: بل أمر الاقرع بن حابس، فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * حتى انقضت. ورواه البخاري أيضا من غير وجه عن ابن أبي مليكة بألفاظ أخرى قد ذكرنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى * (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) * الآية. وقال محمد بن إسحاق: ولما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بني تميم منهم: الاقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر التميمي - أحد بني سعد - وعمرو بن الاهتم، والحتحات (2) بن يزيد، ونعيم بن يزيد،


(1) ذكرها ابن سعد في الطبقات 1 / 292 ومنها: ألا أبلغ خزاعيا رسولا * بأن الذم يغسله الوفاء (2) في نسخة الحجاب، وفي سيرة ابن هشام الحبحاب، وقال ابن هشام: الحتات وهو الذي آخي رسول الله = (*)

[ 51 ]

وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عظيم من بنى تميم. قال ابن إسحاق: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وقد كان الاقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنين والطائف، فلما قدم وفد بني تميم كانا معهم، ولما دخلوا، المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته أن أخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم، فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: " قد أذنت لخطيبكم فليقل " فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد الله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة. فمن مثلنا في الناس، ألسنا برؤس الناس وأولي فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد ما عددنا، وإنا لو نشاء لاكثرنا الكلام ولكن نخشى (1) من الاكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف [ بذلك ] (2). أقول هذا لان تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج: " قم، فأجب الرجل في خطبته " فقام ثابت فقال: الحمد الله الذي السموات والارض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شئ قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خيرته رسولا أكرمه نسبا وأصدقه حديثا وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابا وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الايمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس احسابا، وأحسن وجوها، وخير الناس فعالا. ثم كان أول الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم. فقام الزبرقان بن بدر فقال: نحن الكرام فلا حي يعادلنا * منا الملوك وفينا تنصب البيع (3) وكم قسرنا من الاحياء كلهم * عند النهاب وفضل العز يتبع ونحن يطعم عند القحط مطعمنا * من الشواء إذا لم يؤنس القزع (4) بما ترى الناس تأتينا سراتهم * من كل أرض هويا ثم نصطنع فننحر الكوم عبطا في أرومتنا * للنازلين إذا ما أنزلوا شعبوا (5)


= صلى الله عليه وآله بينه وبين معاوية بن أبي سفيان. واختاره أيضا السهيلي. (1) في ابن هشام: ولكنا نحيا. (2) من ابن هشام. (3) البيع: جمع بيعة، وهي موضع الصلاة. (4) القزع: السحاب الرقيق. (5) الكوم: جمع كوماء، وهي الناقة العظيمة السنام. (*)

[ 52 ]

فما ترانا إلى حي نفاخرهم * إلا استفادوا وكانوا الرأس تقتطع فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه * فيرجع القوم والاخبار تستمع إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد * إنا كذلك عند الفخر ترتفع قال ابن إسحاق: وكان حسان بن ثابت غائبا فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام شاعر القوم فقال ما قال أعرضت في قوله وقلت على نحو ما قال، فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: " قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال ". فقال حسان: إن الذوائب من فهر وأخوتهم * قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته * تقوى الاله وكل الخير يصطنع (1) قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم * أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة * إن الخلائق - فأعلم - شرها البدع إن كان في الناس سباقون بعدهم * فكل سبق لادنى سبقهم تبع لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم * عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم * أو وازنوا أهل مجد بالندى منعوا (2) أعفه ذكرت في الوحي عفتهم * لا يطعمون ولا يرديهم طمع لا يبخلون على جار بفضلهم * ولا يمسهم من مطمع طبع إذا نصبنا لحي لم ندب لهم * كما يدب إلى الوحشية الذرع (3) نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها * إذا الزعانف من أظفارها خشعوا لا يفخرون إذا نالوا عدوهم * وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع كأنهم في الوغى والموت مكتنع * أسد بحلية في أرساعها فدع خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا * ولا يكن همك الامر الذي منع‍ ؟ وا فإن في حربهم - فاترك عداوتهم - * شرا يخاض عليه السم والسلع أكرم بقوم رسول الله شيعتهم * إذا تفاوتت الاهواء والشيع أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره * فيما أحب لسان حائك صنع فإنهم أفضل الاحياء كلهم * إن جد في الناس جد القول أو شمعوا (4) وقال ابن هشام: وأخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم: أن الزبرقان لما قدم على


(1) رواية العجز في الديوان: تقوى الاله وبالامر الذي شرعوا. (2) في ابن هشام: متعوا. (3) الذرع: ولد البقرة الوحشية. (4) شمعوا، وتروى سمعوا، قال السهيلي: ضحكوا، ومنها جارية شموع: أي كثيرة الطرب. (*)

[ 53 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم قام فقال: أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا * إذا اختلفوا (1) عند احتضار المواسم بأنا فروع الناس في كل موطن * وأن ليس في أرض الحجاز كدارم وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا * ونضرب رأس الاصيد المتفاقم وإن لنا المرباع في كل غارة * تغير بنجد أو بأرض الاعاجم قال فقام حسان فأجابه فقال: هل المجد إلا السؤدد العود والندى * وجاه الملوك واحتمال العظائم نصرنا وآوينا النبي محمدا * على أنف راض من معد وراغم بحي حريد أصله وثراؤه * بجابية الجولان وسط الاعاجم نصرناه لما حل بين بيوتنا * بأسيافنا من كل باغ وظالم جعلنا بنينا دونه وبناتنا * وطبنا له نفسا بفئ المغانم ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا * على دينه بالمرهفات الصوارم ونحن ولدنا من قريش عظيمها * ولدنا نبي الخير من آل هاشم (2) بني دارم لا تفخروا إن فخركم * يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتم * لنا خول من بين ظئر وخادم فان كنتم جئتم لحقن دمائكم * وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا * ولا تلبسوا زيا كزي الاعاجم قال ابن إسحاق. فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الاقرع بن حابس: وأبي، إن هذا لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولاصواتهم أعلا من أصواتنا. قال: فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم، وكان عمرو بن الاهتم قد خلفه القوم في رحالهم، وكان أصغرهم سنا، فقال قيس بن عاصم - وكان يبغض عمرو بن الاهتم - يا رسول الله، إنه كان رجل منا في رحالنا وهو غلام حدث وأزرى به، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم، قال عمرو بن الاهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك يهجوه: ظللت مفترش الهلباء تشتمني * عند الرسول فلم تصدق ولم تصب سدناكم سؤددا رهوا وسؤددكم * باد نواجذه مقع على الذنب


(1) في ابن هشام: احتفلوا. (2) في البيت إشارة أن أم عبد المطلب جد النبي كانت جارية من الانصار، وهي سلمى بنت عمرو النجارية الخزرجية. (*)

[ 54 ]

وقد روى الحافظ البيهقي: من طريق يعقوب بن سفيان، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن يزيد، عن محمد بن الزبير الحنظلي. قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الاهتم. فقال لعمرو بن الاهتم: " أخبرني عن الزبرقان، فأما هذا فلست أسألك عنه " وأراه كان عرف قيسا، قال فقال: مطاع في أذنيه شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: قد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال، قال فقال عمرو: والله ما علمتك إلا زبر المروءة، ضيق العطن، أحمق الاب، لئيم الخال، ثم قال: يا رسول الله قد صدقت فيهما جميعا أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه، وأسخطني فقلت بأسوء ما أعلم. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن البيان سحرا " وهذا مرسل من هذا الوجه. قال البيهقي وقد روي من وجه آخر موصولا: أنبأنا أبو جعفر كامل بن أحمد المستملي، ثنا محمد بن محمد بن محمد (1) بن أحمد بن عثمان البغدادي، ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن (2) العلاف ببغداد، حدثنا علي بن حرب الطائي، أنبأنا أبو سعد (3) بن الهيثم بن محفوظ عن أبي المقوم يحيى بن يزيد الانصاري عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. قال: جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الاهتم التميميون، ففخر الزبرقان، فقال: يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك - يعني عمرو بن الاهتم - قال عمرو بن الاهتم: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أذنيه. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو بن الاهتم: أنا أحسدك فوالله إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا، وما كذبت فيما قلت آخرا. ولكني رجل إذا رأيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الاولى والاخرى جميعا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن من البيان سحرا " (4) وهذا اسناد غريب جدا. وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم وهو أنه كانوا قد جهزوا السلاح على خزاعة فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلا وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا فقدم رؤساهم بسبب أسرائهم ويقال قدم منهم تسعين - أو ثمانين - رجلا في ذلك منهم عطارد والزبرقان، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، والاقرع بن حابس، ورباح بن الحارث وعمرو بن الاهتم، فدخلوا المسجد وقد


(1) في الدلائل: محمد بن محمد بن أحمد... (2) في الدلائل: الحسين. (3) في الدلائل: أبو سعد الهيثم. (4) الخبر في دلائل النبوة مرسلا وموصولا ج 5 / 315 - 316 ورواه المزي في تحفة الاشراف وقال: الحكم بن عتيبة لم يسمع من مقسم سوى خمسة أحاديث. (*)

[ 55 ]

أذن بلال الظهر، والناس ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج إليهم فعجل هؤلاء فنادوه من وراء الحجرات، فنزل فيهم ما نزل، ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم وأنه عليه الصلاة والسلام أجازهم على كل رجل اثني عشر أوقية ونشا إلا عمرو بن الاهتم فإنما أعطي خمس أواق لحداثة سنه والله أعلم (1). قال ابن إسحاق: ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى * (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم) * [ الحجرات: 4 ] قال ابن جرير: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد عن أبي إسحاق عن البراء في قوله * (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات) *. قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن حمدي زين، وذمي شين. فقال: " ذاك الله عز وجل " وهذا إسناد جيد متصل. وقد روي عن الحسن البصري وقتادة مرسلا عنهما، وقد وقع تسمية هذا الرجل فقال الامام أحمد: حدثنا عفاف، ثنا وهب، ثنا موسى بن عقبة، عن أبي سلمة عن عبد الرحمن عن الاقرع بن حابس أنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد يا محمد، وفي رواية يا رسول الله فلم يجبه. فقال: يا رسول الله إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين. فقال: " ذاك الله عز وجل ". حديث في فضل بني تميم قال البخاري: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. قال: لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها فيهم: " هم أشد أمتي على الدجال " وكانت فيهم سبية عند عائشة فقال: " أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل " وجاءت صدقاتهم فقال: " هذه صدقات قوم - أو قومي - " (2) وهكذا رواه مسلم عن زهير بن حرب به. وهذا حديث يرد على قتادة ما ذكره صاحب الحماسة وغيره من شعر من ذمهم حيث يقول: تميم بطرق اللوم أهدى من القطا * ولو سلكت طرق الرشاد لضلت ولو أن برغوثا على ظهر قملة * رأته تميم من بعيد لولت


(1) الخبر في طبقات ابن سعد ج 1 / 293 - 294، قال وفيهم أنزل الله تعالى: * (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) *. (2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (68) باب الحديث 4366. (*)

[ 56 ]

وفد بني عبد القيس ثم قال البخاري بعد وفد بني تميم: باب وفد عبد القيس حدثنا أبو إسحاق (1) حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا قرة، عن أبي جمرة (2) قال: قلت لابن عباس: إن لي جرة ينتبذ لي فيها فاشربه حلوا في جر إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح ؟ فقال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " مرحبا بالقوم غير خزايا ولا الندامى " فقال: يا رسول الله إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام فحدثنا بجميل (3) من الامر إن عملنا به دخلنا الجنة وندعوا به من وراءنا. قال: " آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، الايمان بالله هل تدرون مع الايمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس. وأنهلكم عن أربع، ما ينتبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت " (4). وهكذا رواه مسلم من حديث قرة بن خالد عن أبي جمرة وله طرق في الصحيحين عن أبي جمرة. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة عن أبي جمرة سمعت ابن عباس يقول: إن وفد عبد القيس لما قدم على رسول الله صلى الله عليه قال " ممن القوم ؟ " قالوا من ربيعة. قال: " مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى " فقالوا يا رسول الله: إنا حي من ربيعة وإنا نأتيك شقة بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك في شهر حرام فمرنا بأمر فصل ندعوا إليه من وراءنا وندخل به الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالايمان بالله وحده أتدرون ما الايمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس، وأنهاكم عن أربع، عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت - وربما قال والمقير - فاحفظوهن وادعوا اليهن من وراءكم " (5) وقد أخرجاه صاحبا الصحيحين من حديث شعبة بنحوه، وقد رواه مسلم من


(1) في البخاري: اسحاق. (2) من البخاري، وفي الاصل: أبي حمزة. (3) في البخاري: بجمل من الامر، وفي مسلم: بأمر فصل. (4) أخرجه البخاري في الموضع السابق حديث (4368). - في قوله آمركم بأربع، وإنما ذكر خمسا قال القاضي عياض: كان الاربع ما عدا أداء الخمس، قال: وكأنه أراد إعلامهم بقواعد الايمان وفروض الاعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم اخراجه إذا وقع لهم جهاد لانهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها لانها مسببة عن الجهاد. أما النووي فقال: أما قوله أن يؤدوا خمسا من المغنم فليس عطفا على قوله " آمركم بأربع... " وإنما هو عطف على قوله بأربع فيكون مضافا إلى الاربع لا واحدا منها... - الدباء: القرع وهو جمع والواحدة دباءة. الحنتم: الجرار يجلب فيها الخمر. النقير: جذع ينقرون وسطه وينبذون فيه. المقير: المزفت المطلي بالغار... (5) أخرجه أبو داود في الاشربة عن سليمان بن حرب، وفي كتاب السنة عن أحمد بن حنبل. وأخرجه الترمذي في = (*)

[ 57 ]

حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد بحديث فصتهم بمثل هذا السياق، وعنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاشج عبد القيس " إن فيك لخلتين يحبهما الله عز وجل، الحلم والاناة " (1) وفي رواية " يحبهما الله ورسوله " فقال يا رسول الله تخلقتهما أم جبلني الله عليهما ؟ فقال: " جبلك الله عليهما " فقال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا مطر بن عبد الرحمن، سمعت هند بنت الوازع أنها سمعت الوازع يقول: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والاشج المنذر بن عامر - أو عامر بن المنذر - ومعهم رجل مصاب فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبوا من رواحلهم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلوا يده، ثم نزل الاشج فعقل راحلته وأخرج عيبته ففتحها، فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم أتى رواحلهم فعقلها فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أشج إن فيك خصلتين يحبهما الله عز وجل ورسوله، الحلم والاناة " فقال يا رسول الله أنا تخلقتهما أو جبلني الله عليهما ؟ فقال: " بل الله جبلك عليهما ". قال الحمد الله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله عز وجل ورسوله. فقال الوازع يا رسول الله إن معي خالا لي مصابا فادع الله له فقال: " أين هو آتيني به " قال: فصنعت مثل ما صنع الاشج البسته ثوبيه وأتيته فأخذ من ورائه يرفعها حتى رأينا بياض إبطه، ثم ضرب بظهره فقال " أخرج عدو الله " فولى وجهه وهو ينظر بنظر رجل صحيح (2). وروى الحافظ البيهقي: من طريق هود بن عبد الله بن سعد، أنه سمع جده مزيدة العبدي (3). قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم " سيطلع من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق " فقام عمر فتوجه نحوهم فتلقى ثلاثة عشر راكبا، فقال من القوم ؟ فقالوا: من بني عبد القيس، قال: فما أقدمكم هذه البلاد التجارة ؟ قالوا: لا قال: أما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكركم آنفا فقال خيرا، ثم مشوا معه حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر للقوم: وهذا صاحبكم الذي تريدون، فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم فمنهم من مشى ومنهم من هرول، ومنهم من سعى حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا بيده فقبلوها، وتخلف الاشج في الركاب حتى أناخها وجمع متاع القوم، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن فيك خلتين يحبهما


= الاشربة وقال حسن صحيح. والنسائي في العلم، والايمان. وما لك في الموطأ في الاشربة. وأخرجه البخاري في أكثر من موضع: في الايمان، وفي كتاب الخمس، وفي كتاب العلم، والصلاة، والزكاة، وفي الادب. والتوحيد. (1) أخرجه مسلم في (1) كتاب الايمان (6) باب الحديث (26). وأبو يعلى والطبراني بسند جيد. (2) مسند الامام أحمد ج 4 / 206. (3) في البيهقي: هود بن عبد الله بن سعد، انه سمع مزبدة العصري. (انظر ترجمة مزبدة في أسد الغابة ج 1 / 96 و 4 / 417). (*)

[ 58 ]

الله ورسول ". قال: جبل جبلت [ عليه ] أن تخلقا مني ؟ قال: بل جبل فقال: الحمد الله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله (1). وقال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو بن حنش، أخو عبد القيس. قال ابن هشام: وهو الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس وكان نصرانيا، قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن الحسن قال: لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه، فعرض عليه الاسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه، فقال: يا محمد إني كنت على دين وإني تارك ديني لدينك أفتضمن لي ديني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه " قال: فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان فقال: " والله ما عندي ما أحملكم عليه ". قال: يا رسول الله إن بيننا وبين بلادنا ضوالا من ضوال الناس: أفنتبلغ عليها إلى بلادنا، قال: لا إياك وإياها، فإنما تملك حرق النار. قال فخرج الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الاسلام صلبا على دينه حتى هلك، وقد أدرك الردة، فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الاول مع الغرور (2) بن المنذر بن النعمان بن المنذر، قام الجارود فتشهد شهادة الحق ودعا إلى الاسلام فقال: أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأكفر من لم يشهد. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدي، فأسلم فحسن إسلامه، ثم هلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ردة أهل البحرين، والعلاء عنده أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين (3). ولهذا روى البخاري: من حديث ابراهيم بن طهمان، عن أبي جمرة (4) عن ابن عباس. قال: أول جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجوانا (5) من البحرين، وروى البخاري عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبد القيس حتى صلاهما بعد العصر في بيتها (6).


(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 327، ورواه أبو يعلى والطبراني بسند جيد. (2) الغرور: واسمه المنذر، قال السهيلي: سمي الغرور لانه غر قومه يوم حرب الردة. (3) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 221 - 222. (4) في نسخ البداية المطبوعة: أبي حمزة تحريف. (5) من البخاري، وفي الاصل حواثي بالجاء، تحريف. انظر الخبر في المغازي الحديث (4371). (6) أخرجه البخاري في المغازي (69) باب الحديث (4370). قال الحافظ ابن حجر: والذي يتبين لنا انه كان لعبد القيس وفادتان: إحداهما قبل الفتح، ولهذا قالوا للنبي صلى الله عليه وآله: " بينا وبينك كفار مضر " وكان ذلك قديما إما في سنة خمس أو قبلها. وكان عدد الوفد الاول ثلاثة عشر رجلا، وفيها سألوا عن الايمان وعن الاشربة، وكان فيهم الاشج،،، ثانيتهما كانت في سنة الوفود - سنة تسع - وكان عددهم حينئذ أربعين رجلا، وكان فيهم الجارود العبدي. قال: ويؤيد التعدد ما أخرجه ابن حبان... أن النبي صلى الله عليه وآله قال لهم: ما لي أرى ألوانكم قد تغيرت. (*)

[ 59 ]

قلت: لكن في سياق ابن عباس ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فتح مكة لقولهم وبيننا وبينك هذا الحي من مضر لا نصل إليك إلا في شهر حرام. والله أعلم. قصه ثمامة ووفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب قال البخاري: باب وفد بني حنيفة وقصة ثمامة بن أثال: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد سمع أبا هريرة قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما عندك يا ثمامة " ؟ قال عندي خير، يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم. وان تنعم تنعم على شاكر، وان كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فتركه حتى كان الغد، ثم قال له: " ما عندك يا ثمامة) ؟ فقال: عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى بعد الغد فقال: " ما عندك يا ثمامة " ؟ فقال عندي ما قلت لك. فقال: " أطلقوا ثمامة " فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يا محمد والله ما كان على وجه الارض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك بأحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة فماذا ترى ؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل أصبوت ؟ قال: لا ! ولكن أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم (1). وقد رواه البخاري في في موضع آخر ومسلم وأبو داود والنسائي كلهم عن قتيبة عن الليث به. وفي ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر وذلك أن ثمامة لم يفد بنفسه، وإنما أسر وقدم به في الوثاق فربط بسارية من سواري المسجد ثم في ذكره مع الوفود سنه تسع نظر آخر. وذلك أن الظاهر من سياق قصته أنها قبيل الفتح لان أهل مكة عيروه بالاسلام وقالوا أصبوت فتوعدهم بأنه لا يفد إليهم من اليمامة حبة حنطة ميرة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل على أن مكة كانت إذ ذاك دار حرب، لم يسلم أهلها بعد والله أعلم، ولهذا ذكر الحافظ البيهقي قصة ثمامة بن أثال قبل فتح مكة وهو أشبه ولكن ذكرناه هاهنا إتباعا للبخاري رحمه الله. وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، ثنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حسين، ثنا نافع بن جبير عن ابن عباس: قال: قدم مسيلمة الكذاب (2) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل القول: إن جعل لي محمد


(1) اخرجه البخاري في كتاب المغازي (70) باب الحديث (4372). (2) مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحرث من بني حنيفة، قال ابن اسحاق: ادعى النبوة ستة عشر، كنيته أبو ثمامة. وقيل إن مسيلمة لقب واسمه ثمامة. قال ابن حجر: إن كان هذا محفوظا فيكون ممن توافقت كنيته واسمه. (*)

[ 60 ]

الامر من بعده اتبعته، وقدم في بشر كثير من قومه فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه. فقال له: " لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليقرنك الله، وإني لاراك الذي رأيت فيه ما أريت، وهذا ثابت يجيبك عني " ثم انصرف عنه. قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك الذي رأيت فيه ما أريت، فأخبرني أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما، فأوحى إلي في المنام إن أنفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي: أحدهما الاسود العنسي (1) والآخر مسيلمة " (2). ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر (3) ثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر، عن همام بن منبه (4) أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينا أنا نائم أتيت بخزائن الارض، فوضع في كفي سواران من ذهب فكبرا علي فأوحي إلي أن أنفخهما، فنفختهما فذهبا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة " (5). ثم قال البخاري: ثنا سعيد بن محمد الجرمي، ثنا يعقوب بن ابراهيم، حدثنا أبي، عن صالح عن ابن عبيدة بن (6) نشيط - وكان في موضع آخر اسمع عبد الله - أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. قال: بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة فنزل في دار بنت الحارث وكان تحته بنت الحارث بن كريز وهي أم عبد الله بن الحارث (7) بن كريز فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس وهو الذي يقال له خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيب فوقف عليه فكلمه فقال له مسيلمة إن شئت خليت بينك وبين الامر، ثم جعلته لنا بعدك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه وإني لاراك الذي رأيت فيه ما رأيت (8)، وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك


(1) الاسود العنسي واسمه عبهلة بن كعب كان يقال له: ذو الخمار. وهو من بني عنس. خرج بصنعاء وادعى النبوة وغلب على عامل صنعاء المهاجر بن أبي أمية. (2) أخرجه البخاري في المغازي (70) باب، الحديث (4373)، وفي كتاب المناقب (25) باب. وأخرجه مسلم في كتاب الرؤيا (4) باب الحديث (21). (3) من البخاري، وفي الاصل منصور تحريف. (4) من البخاري، وفي الاصل هشام بن أمية تحريف. (5) فتح الباري 8 / 73 الحديث رقم 4375. (6) في نسخ البداية المطبوعة: عن نشيط، وهو تحريف. (7) في البخاري: أم عبد الله بن عامر بن كريز. قال ابن حجر: الصواب أم أولاد عبد الله بن عامر لانها زوجته لا أمه، واسم أمه ليلى بنت أبي حثمة العدوية. قال ابن سعد: نزلوا في دار رملة بنت الحارث، وكان منزلها معدا للوفود، وهو أكثر احتمالا لان بنت الحارث زوجة مسيلمة لم تكن إذ ذاك بالمدينة وإنما كانت باليمامة ولما قتل مسيلمة تزوجها ابن عمها عبد الله بن عامر. (8) في البخاري: واني لاراك الذي أريت فيه ما أريت. (*)

[ 61 ]

عني " فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [ عبيد الله بن ] (1) عبد الله سألت ابن عباس عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكر فقال ابن عباس: ذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أنا نائم رأيت أنه وضع في يدي سواران من ذهب فقطعتهما (2) وكرهتهما فأذن لي فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان " فقال عبيد الله: [ أحمدهما العنسي الذي قتله ] (3) فيروز باليمن والآخر مسيلمة الكذاب (4). وقال محمد بن إسحاق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة بن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هماز بن ذهل بن الزوال بن حنيفة ويكنى أبا ثمامة وقيل أبا هارون وكان قد تسمى بالرحمان فكان يقال له رحمان اليمامة وكان عمره يوم قتل مائة وخمسين سنة، وكان يعرف أبوابا من النيرجات فكان يدخل البيضة إلى القارورة وهو أول من فعل ذلك، وكان يقص جناح الطير ثم يصله ويدعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب منها. قلت: وسنذكر أشياء من خبره عند ذكر مقتله لعنه الله. قال ابن إسحاق: وكان منزلهم في دار بنت الحارث امرأة من الانصار ثم من بني النجار، فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن بني حنيفة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه " قال ابن إسحاق: وحدثني شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا. وزعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وفي ركائبنا يحفظها لنا، قال: فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم، وقال " أما أنه ؟ يس بشركم مكانا " أي لحفظه ضيعة أصحابه، ذلك الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاؤوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم. وقال: إني أشركت في الامر معه، وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: أما إنه ليس بشركم مكانا، ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت في الامر معه، ثم جعل يسجع لهم السجعات، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا. وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع هذا يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبي. فأصفقت (5) معه بنو حنيفة على ذلك.


(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (2) في الاصل ففظعتهما، والصواب من البخاري. (3) ما بين معكوفين من البخاري. (4) أخرجه البخاري في المغازي (71) باب الحديث (4378). (5) أصفقت معه: أجمعوا عليه وتابعوه. (*)

[ 62 ]

قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان (1). وذكر السهيلي وغيره أن الرحال بن عنفوة - وأسمه نهار بن عنفوة - وكان قد أسلم وتعلم شيئا من القرآن وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة، وقد مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أبي هريرة وفرات بن حيان فقال لهم: " أحدكم ضرسه في النار مثل أحد " فلم يزالا خائفين حتى ارتد الرحال مع مسيلمة وشهد له زورا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشركه في الامر معه، وألقى إليه شيئا مما كان يحفظه من القرآن فادعاه مسيلمة لنفسه فحصل بذلك فتنة عظيمة لبني حنيفة وقد قتله زيد بن الخطاب يوم اليمامة كما سيأتي. قال السهيلي: وكان مؤذن مسيلمة يقال له حجير، وكان مدبر الحرب بين يديه محكم بن الطفيل، وأضيف إليهم سجاح وكانت تكنى أم صادر تزوجها مسيلمة وله معها أخبار فاحشة، واسم مؤذنها زهير بن عمرو وقيل جنبة بن طارق، ويقال إن شبث بن ربعي أذن لها أيضا ثم أسلم وقد أسلمت هي أيضا أيام عمر بن الخطاب فحسن إسلامها، وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وقد كان مسيلمة بن حبيب كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد: فإني قد أشركت في الامر معك، فإن لنا نصف الامر، ولقريش نصف الامر، ولكن قريشا قوم يعتدون (2). فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الارض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. قال وكان ذلك في آخر سنة عشر - يعني ورود هذا الكتاب - قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق فحدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما: " وأنتما تقولان مثل ما يقول ؟ " قالا: نعم ! فقال: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما (3). وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود. قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة الكذاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لهما: " أتشهدان أني رسول الله " فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " آمنت بالله ورسله، ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما " قال عبد الله بن مسعود فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل. قال عبد الله: فأما ابن أثال فقد كفاه الله، وأما ابن النواحة فلم يزل في نفسي منه حتى أمكن الله منه. قال الحافظ البيهقي أما أسامة (4) بن أثال فأنه أسلم وقد مضى الحديث في اسلامه. وأما ابن النواحة [ فإن ابن مسعود قتله بالكوفة حين أمكن الله منه ] (5)


(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 222 - 223. (2) في نسخ البداية المطبوعة: لا يعتدون وهو تحريف. (3) نص الكتابين في سيرة ابن هشام ج 4 / 247. (4) في الدلائل، ثمامة. (5) ما بين معكوفين سقط من الاصل واستدرك من دلائل البيهقي ج 5 / 332. والخبر أخرجه النسائي عن = (*)

[ 63 ]

فأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي (1) أنبانا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الوهاب، ثنا جعفر بن عون، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة وهم يقرأون قراءة ما أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم: والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما. قال: فأرسل إليهم عبد الله فأتى بهم وهم سبعون رجلا ورأسهم عبد الله بن النواحة، قال: فأمر به عبد الله فقتل، ثم قال: ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء ولكن نحوزهم إلى الشام لعل الله أن يكفيناهم (2). وقال الواقدي كان وفد بني حنيفة بضعة عشر رجلا عليهم سلمى بن حنظلة وفيهم الرحال بن عنفوة وطلق بن علي، وعلي بن سنان، ومسيلمة بن حبيب الكذاب، فأنزلوا في دار مسلمة بنت الحارث وأجريت على الضيافة فكانوا يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزا ولحما، ومرة خبزا ولبنا، ومرة خبزا، ومره خبزا وسمنا، ومره تمرا ينزلهم. فلما قدموا المسجد أسلموا وقد خلفوا مسيلمة في رحالهم، لما أرادوا الانصراف أعطاهم جوائزهم خمس أواق من فضة، وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم، لما ذكروا أنه في رحالهم فقال " أما أنه ليس بشركم مكانا " فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه فقال: إنما قال ذلك لانه عرف الامر لي من بعده، وبهذه الكلمة تشبث قبحه الله حتى ادعى النبوة. قال الواقدي: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معهم بأداوة فيها فضل طهوره، وأمرهم أن يهدموا بيعتهم وينضحوا هذا الماء مكانه ويتخذوه مسجدا ففعلوا (3). وسيأتي ذكر مقتل الاسود العنسي في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومقتل مسيلمة الكذاب في أيام الصديق، وما كان من أمر بني حنيفة إن شاء الله تعالى. وفد أهل نجران (4) قال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين، ثنا يحيى بن آدم، عن اسرائيل، عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة. قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وأبعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا رجلا أمينا، فقال: " لابعثن معكم رجلا أمينا حق أمين " فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قم يا أبا عبيدة الجراح، فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا أمين هذه


= عبد الرحمن، عن سفيان، وأشار إليه المزي في تحفة الاشراف (7 / 48). (1) من البيهقي، وفي الاصل المزني. (2) دلائل البيهقي ج 5 / 333. (3) الخبر نقله ابن سعد عن الواقدي في الطبقات ج 1 / 316 - 317. (4) نجران: بفتح النون وسكون الجيم: بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن يشتمل على ثلاث وسبعين قرية. (*)

[ 64 ]

الامة " (1) وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث شعبة عن أبي إسحاق به. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يشوع (2) عن أبيه عن جده - قال يونس وكان نصرانيا فأسلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى [ أهل ] نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان (3)، باسم إله ابراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران [ وأهل نجران ] (4) أسلم أنتم فإني أحمد إليكم إله ابراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب والسلام. فلما أتى الاسقف الكتاب فقرأه فظع به وذعر به ذعرا شديدا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة - وكان من [ أهل ] همدان ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله، لا الاتهم (5)، ولا السيد ولا العاقب - فدفع الاسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل فقرأه، فقال الاسقف: يا أبا مريم ما رأيك ؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله ابراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما تؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، ولو كان أمر من أمور الدنيا لاشرت عليك فيه برأي، وجهدت لك، فقال له الاسقف تنح فاجلس، فتنحى شرحبيل فجلس ناحيته. فبعث الاسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي، فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الاسقف: تنح فاجلس فتنحى فجلس ناحيته، وبعث الاسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: جبار بن بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الاسقف فتنحى فجلس ناحيته. فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا، أمر الاسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران والمسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمع حين ضرب بالناقوس، ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف


(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (72) باب (4380) و (4381). (2) في المطبوعة: بن يسوع تحريف. (3) الآية الاولى من سورة النمل، وقد عقب ابن القيم في زاد المعاد فقال: " وقد وقع في هذه الرواية هذا، وقال: قبل أن ينزل عليه (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين) وذلك غلط على غلط، فإن هذه السوره مكية باتفاق، وكتابه إلى نجران بعد مرجعه من تبوك. ". (4) ما بين معكوفين من الدلائل. والعبارة في الدلائل: إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله... (وهو المناسب). (5) الاتهم كذا في الاصل، وفي ابن هشام الابهم، وفي الدلائل: الايهم. (*)

[ 65 ]

مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل الاصبحي وجبار بن فيض الحارثي فيأتوهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة، وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه، فلم يرد عليهم السلام، وتصدوا لكلامه نهار طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وكانوا يعرفونهما (1) فوجدوهما في ناس من المهاجرين والانصار في مجلس. فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن ! إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فاقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهار طويلا فأعيانا أن يكلمنا فما الرأي منكما، أترون أن نرجع ؟ فقالا لعلي بن أبي طالب، وهو في القوم ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ فقال علي لعثمان ولعبد الرحمن أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا إليه، ففعلوا فسلموا فرد سلامهم. ثم قال: " والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الاولى وأن ابليس لمعهم، ثم ساءلهم وسائلوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى ؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى ليسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما عندي فيه شئ يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول الله في عيسى " فأصبح الغد وقد أنزل الله عز وجل هذه الآية * (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) * [ آل عمران: 59 - 61 ] فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة وله يؤمئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرا ثقيلا، والله لئن كان هذا الرجل ملكا متقويا فكنا أول العرب طعن في عيبته ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة وإنا أدنى العرب منهم جوارا، ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه لا يبقى على وجه الارض منا شعر ولا ظفر إلا هلك، فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم ؟ فقال رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا، فقالا له أنت وذاك، قال: فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك، فقال " وما هو " ؟ فقال حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فما حكمك فينا فهو جائز، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لعل وراءك أحد يثرب عليك ؟ " فقال


(1) العبارة في الدلائل: وكانا معرفة لهم، كانا يجدعان العتائر إلى نجران في الجاهلية فيشتروا لهما من بزها وثمرها وذرتها.. (*)

[ 66 ]

شرحبيل: سل صاحبي، فقالا: ما ترد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل، [ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كافر أو قال: جاحد موفق ] (1) فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلاعنهم حتى إذا كان الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد النبي الامي رسول الله لنجران أن كان عليهم حكمه في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء [ وسوداء ] ورقيق، فافضل عليهم، وترك ذلك كله على ألفي حلة [ من حلل الاواقي ]، في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة، وذكر تمام الشروط (2). إلى أن شهد أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف من بني نصر والاقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة (3)، وكتب حتى إذا قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران ومع الاسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة، فدفع الوفد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسقف، فبينما هو يقرأه وأبو علقمة معه وهما يسيران إذ كبت ببشر ناقته فتعس بشر غير أنه لا يكني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الاسقف عند ذلك: قد والله تعست نبيا مرسلا، فقال له بشر: لا جرم والله لا أحل عنها عقدا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرب وجه ناقته نحو المدينة وثنى الاسقف ناقته عليه، فقال له: افهم عني إنما قلت هذا ليبلغ عني العرب مخافة أن يروا أنا أخذنا حقه أو رضينا بصوته أو نجعنا (4) لهذا الرجل بما لم تنجع به العرب نحن أعزهم وأجمعهم دارا، فقال له بشر: لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا، فضرب بشر ناقته وهو مولي الاسقف ظهره وارتجز يقول:


(1) من دلائل البيهقي. (2) تمام الكتاب في الدلائل:... ومع كل حلة أوقية من الفضة فما زادت على الخراج أو نقصت عن الاواقي فبالحساب، وما قضوا من دروع أو خيل أو ركاب أو عروض أخذ منهم بالحساب، وعلى نجران مؤنة رسلي، ومتعتهم ما بين عشرين يوما فدونه، ولا تحبس رسلي فوق شهر، وعليهم عارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا إذا كان كيد ومعرة، وما هلك مما أعاروا رسلي من دروع أو خيل أو ركاب فهو ضمان على رسلي حتى يؤدوه إليهم، ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي على أنفسهم وملتهم ؟ ؟ ضيهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم وان لا يغيروا مما كانوا عليه ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغيروا أسقف عن اسقفيته ولا راهب من رهبانيته، ولا واقها من وقيهاه، وكلما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم دنية ولا دم جاهلية ولا يحشرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل فيهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين بنجران، ومن أكل ربا من ذي قبل فذمتي منة بريئة، ولا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله عز وجل وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله أبدا حتى يأتي الله بأمره، ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم. راجع نصه في طبقات ابن سعد 1 / 358 فتوح البلدان (76) أبو عبيد في الاموال ص 187 جمهرة رسائل العرب ج 1 / 76 الخراج لابي يوسف 72 وتاريخ اليعقوبي ج 2 / 67. (3) قال أبو يوسف في الخراج: كتب لهم هذا الكتاب عبد الله بن أبي بكر، وفي اليعقوبي: كتبه علي ابن أبي طالب وفي الاموال لابي عبيد: شهد عليه عثمان بن عفان وثقيقيب. (4) في الدلائل: فبخعنا في الموضعين. (*)

[ 67 ]

إليك تغدوا وضينها * معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم ولم يزل معه حتى قتل بعد ذلك. قال ودخل الوفد نجران فأتي الراهب بن أبي شمر الزبيدي، وهو في رأس صومعته فقال له: إن نبيا بعث بتهامة فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا وإن بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم فقال الراهب أنزلوني وإلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة قال: فأنزلوه فأخذ معه هدية وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء وقعب وعصا. فأقام مدة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع الوحي ثم رجع إلى قومه ولم يقدر له الاسلام ووعد أنه سيعود فلم يقدر له حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الاسقف أبا الحارث أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيد والعاقب ووجوه قومه فأقاموا عنده يسمعون ما ينزل الله عليه وكتب للاسقف هذا الكتاب ولاساقفة نجران بعده: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي للاسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير جوار الله ورسوله لا يغير أسقف من أسقفته ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم ولا ما كانوا عليه من ذلك، جوار الله ورسوله أبدا ما أصلحوا ونصحوا عليهم غير مبتلين بظلم ولا ظالمين وكتب المغيرة بن شعبة (1). وذكر محمد بن إسحاق: أن وفد نصارى نجران كانوا ستين راكبا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم: وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد وهو الاتهم وأبو حارثة بن علقمة وأوس بن الحارث وزيد وقيس ويزيد ونبيه وخويلد وعمرو وخالد وعبد الله ويحنس وأمر هؤلاء الاربعة عشر يؤل إلى ثلاثة منهم وهم العاقب وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه والسيد وكان ثمالهم وصاحب رحلهم وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وخيرهم وكان رجل من العرب من بكر بن وائل ولكن دخل في دين النصرانية فعظمته الروم وشرفوه وبنوا له الكنائس ومولوه وخدموه لما يعرفون من صلابته في دينهم وكان مع ذلك يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن صده الشرف والجاه من اتباع الحق. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني بريدة بن سفيان عن ابن البيلماني عن كرز بن علقمة. قال: قدم وفد نصارى نجران ستون راكبا منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم والاربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم العاقب والسيد وأبو حارثة أحد بني بكر بن وائل أسقفهم وصاحب مدارستهم وكانوا قد شرفوه فيهم ومولوه وأكرموه، وبسطوا عليه الكرامات وبنوا له الكنائس لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما توجهوا من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له وإلى جنبه أخ له يقال له كرز بن


(1) الخبر مطولا في دلائل النبوة للبيهقي - باب وفد نجران وشهادة الاساقفة لنبينا صلى الله عليه وآله ج 5 / 382 وما بعدها. (*)

[ 68 ]

علقمة يسايره إذ عثرت بغلة أبي حارثة فقال كرز: تعس الابعد - يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم -. فقال أبو حارثة: بل أنت تعست فقال له كرز ولم يا أخي فقال والله أنه للنبي الذي كنا ننتظره فقال له كرز وما يمنعك وأنت تعلم هذا. فقال له: ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا واخدمونا وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى قال فاضمر عليها منه أخوه كرز حتى أسلم بعد ذلك. وذكر ابن إسحاق أنهم لما دخلوا المسجد النبوي دخلوا في تجمل وثياب حسان وقد حانت صلاة العصر فقاموا يصلون إلى المشرق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فكان المتكلم لهم أبا حارثة بن علقمة والسيد والعاقب حتى نزل فيهم صدر من سورة آل عمران والمباهلة فأبوا ذلك وسألوا أن يرسل معهم أمينا فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح كما تقدم في رواية البخاري وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسير سورة آل عمران ولله الحمد والمنة. وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل واربد بن مقيس قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن مقيس بن جزء بن جعفر (1) بن خالد وجبار (2) بن سلمى بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم. وقدم عامر بن الطفيل عدو الله، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا أبا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، فانا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ؟ ثم قال لاربد: إن قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فأعله بالسيف، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عامر بن الطفيل: يا محمد خالني قال: " لا والله حتى تؤمن بالله وحده " قال: يا محمد خالني، قال: وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد لا يحير شئيا، فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال: يا محمد خالني، قال " لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له " فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أما والله لاملانها عليك خيلا ورجالا، فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم اكفني عامر بن الطفيل " فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل لاربد: أين ما كنت أمرتك به ؟ والله ما كان على ظهر الارض رجل أخوف على نفسي منك، وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال: لا أبالك لا تعجل علي والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك أفأضربك بالسيف ؟ وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله عز وجل على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول ؟


(1) في ابن هشام: ابن خالد بن جعفر. (2) في رواية البيهقي عن ابن اسحاق: حيان بن مسلم بن مالك. (*)

[ 69 ]

قال ابن هشام: ويقال أغدة كغدة الابل وموت في بيت سلولية (1). وروى الحافظ البيهقي: من طريق الزبير بن بكار، حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن مؤمل عن أبيها عن جدها مؤمل بن جميل (2) قال: أتى عامر بن الطفيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له " يا عامر أسلم " فقال: أسلم على أن لي الوبر ولك المدر: قال: " لا " ثم قال: أسلم، فقال: أسلم على أن لي الوبر ولك المدر، قال: لا فولى وهو يقول: والله يا محمد لاملانها عليك خيلا جردا، ورجالا مردا، ولاربطن بكل نخلة فرسا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفني عامرا واهد قومه. فخرج حتى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة من قومه يقال لها: سلولية فنزل عن فرسه، ونام في بيتها، فأخذته عدة في حلقه، فوثب على فرسه وأخذ رمحه، وأقبل يجول، وهو يقول غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية، فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتا (3). وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في أسماء الصحابة موءلة هذا فقال هو موءلة بن كثيف الضبابي الكلابي العامري من بني عامر بن صعصعة، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين سنة فأسلم وعاش في الاسلام مائة سنة وكان يدعى ذا اللسانين من فصاحته، روى عنه ابنه عبد العزيز وهو الذي روى قصة عامر بن الطفيل غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية. قال الزبير بن بكار: حدثتني ظميا بنت عبد العزيز بن موءلة بن كثيف بن جميل بن خالد بن عمرو بن معاوية، وهو الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قالت: حدثني أبي عن أبيه عن موءلة أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو ابن عشرين سنة، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح يمينه وساق إبله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقها بنت لبون ثم صحب أبا هريرة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاش في الاسلام مائة سنة وكان يسمى ذا اللسانين من فصاحته. قلت والظاهر أن قصة عامر بن لطفيل متقدمة على الفتح، وإن كان ابن إسحاق والبيهقي قد ذكراها بعد الفتح، وذلك لما رواه الحافظ البيهقي: عن الحاكم عن الاصم، أنبأنا محمد بن إسحاق، أنبأنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الاوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس في قصة بئر معونة وقتل عامر بن الطفيل حرام بن ملحان خال أنس بن مالك وغدره بأصحاب بئر معونة حتى قتلوا عن آخرهم سوى عمرو بن أمية كما تقدم. قال الاوزاعي قال يحيى: فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحا: اللهم اكفني عامر بن الطفيل بما شئت، وابعث عليه ما يقتله فبعث الله عليه الطاعون. وروي عن همام عن إسحاق بن عبد الله عن أنس في قصة ابن


(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 213، ونقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 318. (2) من الدلائل، وفي الاصل: عبد العزيز بن موءلة عن أبيها عن جدها موءلة، وفي القاموس: موءلة بن كثيف بن حمل، وفي الاصابة: ابن حميل. (3) الخبر في دلائل النبوة للبيهقي ج 5 / 320. (*)

[ 70 ]

ملحان قال: وكان عامر بن الطفيل قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخيرك بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل، ويكون لي أهل الوبر، وأكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، قال: فطعن في بيت امرأة، فقال: غدة كغدة البعير وموت في بيت امرأة من بني فلان، ائتوني بفرسي فركب فمات على ظهر فرسه (1). قال ابن إسحاق ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بني عامر شاتين، فلما قدموا أتاهم قومهم: فقالوا وما وراءك يا أربد ؟ قال لا شئ: والله لقد دعانا إلى عبادة شئ لوددت لو أنه عندي الآن، فأرميه بالنبل حتى أقتله الآن، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه (2) فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. قال ابن إسحاق: وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لامه فقال لبيد يبكي أربد: ما أن تعدي (3) المنون من أحد * لا والد مشفق ولا ولد أخشى على أربد الحتوف ولا * أرهب نوء السماك والاسد فعين هلا بكيت أربد إذ * قمنا وقام النساء في كبد إن يشغبوا لا يبال شغبهم * أو يقصدوا في الحكوم يقتصد حلو أريب وفي حلاوته * مر لصيق الاحشاء والكبد وعين هلا بكيت أربد إذ * ألوت رياح الشتاء بالعضد (4) وأصبحت لاقحا مصرمة * حتى تجلت غوابر المدد أشجع من ليث غابة لحم * ذو نهمة في العلا ومنتقد لا تبلغ العين كل نهمتها * ليلة تمسى الجياد كالقدد (5) الباعث النوح في مآتمه * مثل الظباء الابكار بالجرد فجعني البرق والصواعق بالفا * رس يوم الكريهة النجد والحارب الجابر الحريب إذا * جاء نكيبا وإن يعد يعد (6) يعفو على الجهد والسؤال كما * ينبت غيث الربيع ذو الرصد كل بني حرة مصيرهم * قل وإن كثروا من العدد


(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 320 وأخرج الجزء الثاني منه البخاري عن همام في كتاب المغازي (28) باب غزوة الرجيع، الحديث (4091) فتح الباري (7 / 385). (2) في ابن هشام: يتبعه. (3) من ابن هشام: تعدى أي تترك. وفي الاصل تعزي، وفي المطبوعة تعري (4) العضد: الشجر ذهبت الريح بأوراقه. (5) القدد: جمع قدة وهي السير يقطع من الجلد يشبه به الخيل بالسير في النحول والضعف. (6) الحارب: السالب، والحريب: المسلوب. والنكيب: المنكوب المصاب. (*)

[ 71 ]

إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا * يوما فهم للهلاك والنفد وقد روى ابن إسحاق: عن لبيد أشعارا كثيرة في رثاء أخيه لامه أربد بن قيس تركناها اختصارا واكتفاء بما أوردناه والله الموفق للصواب. قال ابن هشام وذكر زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال فأنزل الله عز وجل في عامر وأربد * (الله يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الارحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يده ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) * [ الرعد: 8 ] يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ثم ذكر أربد وقتله فقال الله تعالى * (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال هو الذى يريكم البرق خوفا وطعما وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) * [ سورة الرعد: 11 ]. قلت وقد تكلمنا على هذه الآيات الكريمات في سورة الرعد ولله الحمد والمنة، وقد وقع لنا إسناد ما علقه ابن هشام رحمه الله فروينا من طريق الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير حيث قال: حدثنا مسعدة بن سعد العطار، حدثنا ابراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني عبد العزيز بن عمران، حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم، عن أبيهما عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: أن أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب وعامر بن الطفيل بن مالك قا ؟ ؟ المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهيا إليه وهو جالس فجلسا بين يديه: فقال عامر بن الطفيل: يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ". قال عامر: أتجعل لي الامر إن أسلمت من بعدك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل ". قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، أجعل لي الوبر ولك المدر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا " فلما قفل (1) من عنده، قال عامر أما والله لاملانها عليك خيلا ورجالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يمنعك الله " فلما خرج أربد وعامر قال عامر: يا أربد أنا أشغل عنك محمدا بالحديث فاضربه بالسيف فإن الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية، ويكرهوا الحرب فسنعطيهم الدية، قال أربد افعل. فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: يا محمد قم معي أكلمك فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم فخليا إلى الجدار، ووقف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه، وسل أربد السيف فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطيع سل السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما، فلما خرج أربد وعامر من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانا بالحرة، حرة واقم نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير فقالا: أشخصا يا عدوا الله لعنكما الله، فقال عامر من هذا


(1) من سيرة ابن كثير، وفي الاصل: قفا (*)

[ 72 ]

يا سعد ؟ قال أسيد بن حضير الكتائب فخرجا حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالحرة أرسل الله قرحة فأخذته فأدركه بالليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية يرغب (1) أن يموت في بيتها ثم ركب فرسه فأحضرها حتى مات عليه راجعا فأنزل الله فيهما * (الله يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الارحام وما تزداد) * إلى قوله * (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) * يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ثم ذكر أربد وما قتله به فقال * (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) * الآية، وفي هذا السياق دلالة على ما تقدم من قصة عامر وأربد، وذلك لذكر سعد بن معاذ فيه والله أعلم. وقد تقدم وفود الطفيل بن عامر الدوسي رضي عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وإسلامه وكيف جعل الله له نورا بين عينيه ثم سأل الله فحوله له إلى طرف سوطه وبسطنا ذلك هنالك فلا حاجة إلى إعادته هاهنا كما صنع البيهقي وغيره. قدوم ضمام بن ثعلبة وافدا [ عن قومه بني سعد بن بكر ] (2) قال ابن إسحاق حدثني محمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب عن ابن عباس. قال: بعث بنو سعيد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم إليه وأناخ بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخله المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه. فقال: أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا ابن عبد المطلب " فقال: يا محمد قال: نعم. قال: يا بن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك. قال " لا أجد في نفسي فسل عما بدالك " فقال: أنشدك إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله بعثك إلينا رسولا ؟ قال: " اللهم نهم ! " قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا وان نخلع هذه الانداد التي كان آباؤنا يعبدون ؟ قال: اللهم نعم ! قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس. قال " نعم ! " قال: ثم جعل يذكر فرائض الاسلام فريضة فريضة: الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الاسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض واجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص ثم انصرف إلى بعيره راجعا. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة " قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم أن قال: بئست اللات


(1) يرغب: يكره. (2) من ابن هشام، وفي الاصل: وافدا على قومه. (*)

[ 73 ]

والعزى. فقالوا: مه يا ضمام اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون. فقال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه. واني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. قال: يقول ابن عباس فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (1). وهكذا رواه الامام أحمد: عن يعقوب بن ابراهيم الزهري، عن أبيه، عن ابن إسحاق فذكره، وقد روى هذا الحديث أبو داود: من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس بنحوه وفي هذا السياق ما يدل على أنه رجع إلى قومه قبل الفتح لان العزى خربها خالد بن الوليد أيام الفتح. وقد قال الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس. قال: بعثت بنو سعد بن بكر في رجب سنة خمس ضمام بن ثعلبة وكان جلدا أشعر ذا غديرتين وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فأغلظ في المسألة سأله عمن أرسله وبما أرسله ؟ عن شرائع الاسلام فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كله فرجع إلى قومه مسلما قد خلع الانداد فأخبرهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما وبنو المساجد وأذنوا بالصلاة (2). وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، ثنا سليمان - يعني ابن المغيرة - عن ثابت، عن أنس بن مالك. قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك قال: صدق ! قال: فمن خلق السموات ؟ قال: الله، قال: فمن خلق الارض ؟ قال: الله قال فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل ؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الارض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك ؟ قال: نعم ! قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم ! قال وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم ! قال وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم ! قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: صدق، قال: ثم ولى فقال والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئا ولا أنقص عليهن شيئا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن صدق ليدخلن الجنة ". وهذا


(1) الخبر رواه ابن هشام في السيرة ج 4 / 219 - 220 ورواه الامام أحمد، والترمذي والنسائي عن ثابت عن أنس، والبخاري ومسلم. ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن شريك عن أنس. (2) انظر الخبر في طبقات ابن سعد عن الواقدي ج 1 / 299. (*)

[ 74 ]

الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما بأسانيد وألفاظ كثيرة عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وقد رواه مسلم من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة وعلقه البخاري من طريقه وأخرجه من وجه آخر بنحوه. فقال الامام أحمد: حدثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك يقول: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال. أيكم محمد ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم، قال: فقلنا: هذا الرجل الابيض المتكئ. فقال الرجل: يا بن عبد المطلب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجبتك فقال الرجل: يا محمد إني سائلك فمشتد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك، فقال: سل ما بدا لك. فقال الرجل: أسألك بربك ورب من كان قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم نعم ! " قال فأنشدك الله. آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم نعم " [ قال: أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:: " اللهم نعم ! ] (1) قال الرجل آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. وقد رواه البخاري: عن عبد الله بن يوسف، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري به وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن الليث به. والعجب أن النسائي رواه من طريق آخر عن الليث قال: حدثني ابن عجلان وغيره من أصحابنا عن سعيد المقبري عن شريك عن أنس بن مالك فذكره وقد رواه النسائي أيضا من حديث عبيد الله العمري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فلعله عن سعيد المقبري من الوجهين جميعا. فصل وقد قدمنا ما رواه الامام أحمد: عن يحيى بن آدم عن حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قدوم ضماد الازدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة وإسلامه وإسلام قومه كما ذكرنا مبسوطا بما أغنى عن إعادته ها هنا ولله الحمد والمنة. وفد طئ مع زيد الخيل رضي الله عنه [ وهو زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب، أبو مكنف الطائي، وكان من أحسن العرب وأطوله


(1) ما بين معكوفتين سقط من نسخ البداية المطبوعة. (*)

[ 75 ]

رجلا. سمي زيد الخيل لخمس أفراس كن له (1). قال السهيلي: ولهن أسماء لا يحضرني الآن حفظها ] (2). قال ابن اسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طئ وفيهم زيد الخيل، وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلموه وعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام، فأسملوا فحسن إسلامهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما " حدثني من لا أتهم من رجال طئ، ما ذكر رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ الذي فيه ثم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وقطع له فيدا وأرضين معه، وكتب له بذلك فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى قومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن ينج زيد من حمى المدينة فإنه قال " وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم غير الحمى، وغير أم ملدم - لم يثبته - قال فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له فردة أصابته الحمى فمات بها ولما أحس بالموت قال: أمر تحل قومي المشارق غدوة * واترك في بيت بفردة منجد الارب يوم لو مرضت لعادني * عوائد من لم يبر منهن يجهد (3) قال: ولما مات عمدت امرأته بجلهلها وقلة عقلها ودينها إلى ما كان معه من الكتب فحرقتها بالنار. قلت: وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد: أن علي بن أبي طالب بعث. رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهبية في تربتها فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة زيد الخيل، وعلقمة بن علاثة، والاقرع بن حابس، وعتبة بن بدر الحديث. وسيأتي ذكره في بعث علي إلى اليمن إن شاء الله تعالى. قصة عدي بن حاتم الطائي قال البخاري: في الصحيح وفد طئ وحديث عدي بن حاتم: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، ثنا عبد الملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن عدي بن حاتم. قال: أتينا عمر ابن الخطاب في وفد فجعل يدعو رجلا رجلا يسميهم فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين ؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ نكروا. فقال


(1) قال صاحب الاغاني منها: الهطال، والكميت، والورد، وكامل، ودؤول، ولاحق (16 / 49 ساسي). (2) ما بين معكوفتين سقط من نسخ البداية المطبوعة. (3) كذا في الاصول وابن هشام، وفي كتاب شعراء اسلاميون ذكر: أمر تحل صحبي المشارق غدوة * وأترك في بيت بفردة منجد سقى الله ما بين القفيل فطابة * فما دون أرمام فما فوق منشد هنالك لو أني مرضت لعادني * عوائد من لم يشف منهن مجهد فليت اللواتي عدنني لم يعدنني * وليت اللواتي غبن عني عودي (*)

[ 76 ]

عدي: لا أبالي إذا (1)، وقال ابن إسحاق: وأما عدي بن حاتم فكان يقول، فيما بلغني: ما رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به مني، أما أنا فكنت أمرءا شريفا وكنت نصرانيا وكنت أسير في قومي بالمرباع (2) وكنت في نفسي على دين، وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بي، فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته، فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعيا لابلي: لا أبالك أعدد لي من إبلي أجمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن. فإني قد رأيت رايات، فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد. قال: قلت. فقرب إلي أجمالي فقربها، فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام، فسلكت الحوشية (3) وخلفت بنتا (4) لحاتم في الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها، وتخالفني خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيبت ابنة حاتم فيمن أصابت فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طئ وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام. قال فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس بها فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت إليه وكانت امرأة جزلة. فقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد: فامنن علي من الله عليك. قال: ومن وافدك ؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله: قالت: ثم مضى وتركني حتى إذا كان الغد مر بي فقلت له مثل ذلك وقال لي مثل ما قال بالامس، قالت حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست فأشار إلي رجل خلفه أن قومي فكلميه. قالت: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك. فقال صلى الله عليه وسلم قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك كم يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنيني، فسألت عن الرجل الذي أشار إلى أن كلميه فقيل لي: علي بن أبي طالب قالت: فقمت حتى قدم من بلي أو قضاعة قالت: وإنما أريد أن آتي أخي بالشام، فجئت فقلت يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ. قالت: فكساني وحملني وأعطاني نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشام. قال عدي: فوالله إني لقاعد في أهلي، فنظرت إلى ظعينة تصوب إلى قومنا قال: فقلت: ابنة حاتم قال فإذا هي هي فلما وقفت علي انتحلت (5) تقول: القاطع الظالم، احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك ؟ قال قلت: أي أخية لا تقولي إلا خيرأ فوالله ما لي من عذر، لقد صنعت ما ذكرت قال: ثم نزلت فأقامت عندي فقلت لها: وكانت امرأة حازمة ماذا ترين في أمر هذا الرجل، قالت


(1) أخرجه البخاري في المغازي (76) باب، الحديث 4394 فتح الباري (8 / 102). (2) بالمرباع: أي آخذ ربع الغنائم، لاني سيدهم. (3) الحوشية: جبل للضباب قرب صرية، من أرض نجد، بينها وبين الشام. (4) بنت حاتم هي سفانة كما رجحه السهيلي. إذ لم يعرف له غيرها. (5) في الاصل: استحلت، وأثبتنا: انسحلت - من ابن هشام - أي جرت بالكلام. (*)

[ 77 ]

أرى والله أن تلحق به سريعا فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله وإن يكن ملكا فلن تزل في عز اليمن وأنت أنت. قال: قلت والله إن هذا الرأي قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه. فقال: من الرجل ؟ فقلت عدي بن حاتم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانطلق بي إلى بيته فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها قال: قلت في نفسي والله ما هذا بملك. قال: ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي فقال " اجلس على هذه " قال قلت: بل أنت فاجلس عليها. قال " بل أنت " فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالارض، قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال " إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسيا (1) " قال قلت: بلى ! قال: " أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع " قال: قلت: بلى ! قال " فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك " قال قلت: أجل ! والله. قال: وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل ثم قال " لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه إنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم ". قال: فأسلمت، قال: فكان عدي يقول: مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن وقد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى هذا البيت، وأيم الله لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه (2). هكذا أورد ابن إسحاق رحمه الله هذا السياق بلا اسناد وله شواهد من وجوه أخر. فقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت سماك بن حرب، سمعت عباد بن حبيش، يحدث عن عدي بن حاتم. قال: جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بعقرب (3) فأخذوا عمتي وناسا فلما أتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فصفوا له. قالت: يا رسول الله بان الوافد وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فمن علي من الله عليك. فقال: ومن وافدك ؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الذي فر من الله ورسوله ؟ قالت: فمن علي فلما رجع ورجل إلى جنبه - ترى أنه علي - قال سليه حملانا، قال فسألته فأمر لها عدي: فأتتني فقالت لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها وقالت إيته راغبا أو راهبا فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال: فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي، فذكر قربهم منه، فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر. فقال


(1) الركوسي: من الركوسية وهم قوم دينهم بين دين النصارى والصابئين. (2) سيرة ابن هشام ج 4 / 225 - 227. (3) عقرب هكذا بالاصل، ولعل الصواب عقرباء، وهي اسم مدينة الجولان وهي كورة بدمشق. (*)

[ 78 ]

له: يا عدي بن حاتم ما أفرك ؟ أفرك أن يقال لا إله إلا الله فهل من إله إلا الله، ما أفرك ؟ أفرك أن يقال الله أكبر فهل شئ هو أكبر من الله عز وجل، فأسلمت فرأيت وجهه استبشر، وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى. قال: ثم سألوه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فلكم أيها الناس أن ترضخوا من الفضل ارتضخ أمرؤ بصاع، ببعض صاع، بقبضة، ببعض قبضة. قال شعبة - وأكثر علمي أنه قال: بتمرة، بشق تمرة - وإن أحدكم لاقى الله فقائل، ما أقول ألم أجعلك سميعا بصيرا ألم أجعل لك مالا وولدا فماذا قدمت: فينظر من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يجد شيئا، فما يتقي النار إلا بوجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فان لم تجدوه فبكلمة لينة، إني لا أخشى عليكم الفاقة لينصرنكم الله وليعطينكم - أو ليفتحن عليكم - حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب، إن أكثر ما يخاف السرق على ظعينتها (1). وقد رواه الترمذي من حديث شعبة وعمرو بن أبي قيس كلاهما عن سماك ثم قال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك. وقال الامام أحمد. أيضا حدثنا يزيد، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة - هو ابن حذيفة - عن رجل. قال قلت لعدي بن حاتم: حديث بلغني عنك أحب أن أسمعه منك قال: نعم ! لما بلغني خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهت خروجه كراهية شديدة فخرجت حتى وقعت ناحية الروم - وفي رواية حتى قدمت على قيصر - قال: فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهتي لخروجه قال قلت: والله لو أتيت هذا الرجل، فإن كان كاذبا لم يضرني وإن كان صادقا علمت، قال: فقدمت فأتيته فلما قدمت قال الناس عدي بن حاتم ؟ فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا عدي بن حاتم أسلم تسلم ثلاثا قال قلت: إني على دين. قال أنا أعلم بدينك منك فقلت أنت تعلم بديني مني ؟ قال: نعم ! ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك ؟ قلت: بلى ! قال هذا لا يحل لك في دينك قال: نعم ! فلم يعد أن قالها فتواضعت لها قال: أما أني أعلم الذي يمنعك من الاسلام تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة لهم وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة ؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها قال فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الامر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قال قلت: كنوز ابن هرمز ؟ قال: نعم ! كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد. قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة [ تخرج ] (2) ! من الحيرة تطوف بالبيت في غير جوار ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها. ثم قال أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة


(1) أخرجه الامام أحمد مطولا في مسنده (4 / 378 - 379)، والترمذي في تفسير سورة الفاتحة الحديث (2953). (2) من المسند. (*)

[ 79 ]

عن رجل. وقال حماد وهشام عن محمد بن أبي عبيدة ولم يذكر عن رجل. قال: كنت أسأل الناس عن حديث عدي بن حاتم وهو إلى جنبي ولا أسأله، قال: فأتيته فسألته فقال: نعم ! فذكر الحديث. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عمرو الاديب، أنبأنا أبو بكر الاسماعيلي، أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا النضر بن شميل أنبأنا اسرائيل، أنبأنا سعد الطائي أنبأنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم. قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، وأتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل. قال: يا عدي بن حاتم هل رأيت الحيرة ؟ قلت لم أرها وقد أنبئت عنها قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله عز وجل. قال قلت في نفسي: فإن ذعار طيئ - الذين سعروا البلاد - ولئن طالت بك حياة ليفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قلت: كسرى بن هرمز ؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه ليس بينه وبين ترجمان، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن شماله قلا يرى إلا جهنم. قال عدي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا شق تمرة فبكلمة طيبة " قال عدي: فقد رأيت الظعينة ترتحل من الكوفة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله عز وجل، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم (1). وقد رواه البخاري عن محمد بن الحكم عن النضر بن شميل به بطوله. وقد رواه من وجه آخر عن سعدان بن بشر، عن سعد أبي مجاهد الطائي، عن محل بن خليفة عن عدي به. ورواه الامام أحمد والنسائي من حديث شعبة عن سعد أبي مجاهد الطائي به. وممن روى هذه القصة عن عدي: عامر بن شرحبيل الشعبي فذكر نحوه. وقال: لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها (2). وثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة. وعند مسلم من حديث زهير بن معاوية كلاهما عن أبي اسحاق عن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني عن عدي بن حاتم. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اتقوا النار ولو بشق تمرة " ولفظ مسلم " من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل " طريق أخرى فيها شاهد لما تقدم. وقد قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو بكر (3) محمد بن عبد الله بن يوسف، ثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفي، ثنا ضرار بن صرد، ثنا عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب، عن كميل بن زياد النخعي. قال: قال علي بن أبي طالب: يا سبحان الله ! ما أزهد كثيرا من الناس خير، عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في الحاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغي له


(1) رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 343 - 344. والبخاري في كتاب المناقب (25) باب، الحديث (3595) (2) نقله البيهقي في الدلائل ج 5 / 345. (3) في الاصل: أبو بكر بن محمد تحريف، وأثبتنا ما ورد في الدلائل. (*)

[ 80 ]

أن يسارع في مكارم الاخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح، فقام إليه رجل فقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم ! وما هو خير منه: لما أتي بسبايا طيئ وقفت جارية حمراء لعساء ذلفاء عيطاء شماء الانف، معتدلة القامة والهامة، درماء الكعبين، خدلة الساقين لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين مصقولة المتنين. قال: فلما رأيتها أعجبت بها وقلت لاطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعلها في فيئي فلما تكلمت أنسيت جمالها [ لما رأيت ] (1) من فصاحتها. فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلي عنا، ولا تشمت بنا أحياء العرب، فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيئ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الاخلاق والله يحب مكارم الاخلاق. فقام أبو بردة بن نيار. فقال: يا رسول الله تحب مكارم الاخلاق (2) فقال رسول الله " والذي نفسي بيده لا يدخل أحد الجنة إلا بحسن الخلق ". هذا حديث حسن المتن غريب الاسناد جدا عزيز المخرج. وقد ذكرنا ترجمة حاتم طيئ أيام الجاهلية عند ذكرنا من مات من أعيان المشهورين فيها وما كان يسديه حاتم إلى الناس من المكارم والاحسان إلا أن نفع ذلك في الآخرة معذوق بالايمان (3) وهو ممن لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. وقد زعم الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب في ربيع الآخر من سنة تسع إلى بلاد طيئ فجاء معه بسبايا فيهم أخت عدي بن حاتم وجاء معه بسيفين كانا في بيت الصنم يقال لاحدهما الرسوب والآخر المخذم كان الحارث بن أبي سمر (4) قد نذرهما لذلك الصنم. قال البخاري رحمه الله: قصة دوس والطفيل بن عمرو حدثنا أبو نعيم، ثنا سفيان عن ابن ذكوان - هو عبد الله بن زياد (5) - عن عبد الرحمن الاعرج، عن أبي هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن دوسا قد هلكت، وعصت وأبت فادع الله عليهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اهد دوسا وأت


(1) من الدلائل. (2) كذا في الاصل، وفي الدلائل: يا رسول الله ! الله يحب مكارم الاخلاق ؟. (3) معذوق: أي معلق. (4) كذا في الاصل، وفي تاريخ الطبري 3 / 148: نقلا عن الواقدي: ابن أبي شمر. (5) قال ابن حجر في الفتح: هو عبد الله أبو الزناد. (*)

[ 81 ]

بهم ". انفرد به البخاري من هذا الوجه. ثم قال: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة، حدثنا إسماعيل، عن قيس عن أبي هريرة قال: لما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم قلت في الطريق: يا ليلة من طولها وعنائها * على أنها من دارة الكفر نجت وأبق لي غلام في الطريق، فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة، هذا غلامك. هو حر لوجه الله عز وجل فأعتقته (1). انفرد به البخاري من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن حازم وهذا الذي ذكره البخاري من قدوم الطفيل بن عمرو فقد كان قبل الهجرة ثم إن قدر قدومه بعد الهجرة فقد كان قبل الفتح لان دوسا قدموا ومعهم أبو هريرة وكان قدوم أبي هريرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر خيبر ثم ارتحل أبو هريرة حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بعد الفتح فرضخ لهم شيئا من الغنيمة وقد قدمنا ذلك كله مطولا في مواضعه. قال البخاري رحمه الله: قدوم الاشعريين وأهل اليمن ثم روى من حديث شعبة، عن سليمان بن مهران الاعمش، عن ذكوان أبي صالح السمان، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا، الايمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الابل، والسكينة والوقار في أهل الغنم " ورواه مسلم من حديث شعبة. ثم رواه البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال " أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبا وأرق أفئدة. الفقه يمان، والحكمة يمانية ". ثم روى عن إسماعيل، عن سليمان، عن ثور عن أبي الغيث (2) عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الايمان يمان، والفتنة ها هنا، ها هنا يطلع قرن الشيطان " ورواه مسلم عن شعيب عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. ثم روى البخاري من حديث شعبة، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الايمان ها هنا وأشار بيده إلى اليمن، والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الابل، من حديث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر " وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو. ثم روى من حديث سفيان الثوري، عن أبي صخرة جامع بن شداد، ثنا صفوان بن محرز عن عمران بن حصين. قال: جاءت بنو تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " ابشروا يا بني تميم " فقالوا: أما إذ


(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (75) باب، الحديث (4392) و (4393). (2) في نسخ البداية المطبوعة: أبو المغيث، وفي البخاري أبو الغيث واسمه سالم. (*)

[ 82 ]

بشرتنا فأعطنا فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء ناس من أهل اليمن فقال: " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " فقالوا: قبلنا يا رسول الله (1) وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري به وهذا كله مما يدل على فضل وفود أهل اليمن وليس فيه تعرض لوقت وفودهم، ووفد بني تميم وإن كان متأخرا قدومهم لا يلزم من هذا أن يكون مقارنا لقدوم الاشعريين بل الاشعريين متقدم وفدهم على هذا فإنهم قدموا صحبة أبي موسى الاشعري في صحبة جعفر بن أبي طالب، وأصحابه من المهاجرين الذين كانوا بالحبشة، وذلك كله حين فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر كما قدمناه مبسوطا في موضعه، وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: " والله ما أدري بأيهما أسر أبقدوم جعفر أو بفتح خيبر " والله سبحانه وتعالى أعلم. قال البخاري (2): قصة عمان والبحرين حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا سفيان سمع محمد بن المنكدر سمع جابر بن عبد الله يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا " ثلاثا فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم على أبي بكر أمر مناديا فنادى: من كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم دين أو عدة فليأتني. قال جابر: فجئت أبا بكر فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا " قال: فأعرض عني قال جابر فلقيت أبا بكر بعد ذلك فسألته فلم يعطني ثم أتيته فلم يعطني ثم أتيته الثالثة فلم يعطني فقلت له: قد أتيتك فلم تعطني، ثم أتيتك فلم تعطني، فأما أن تعطني وإما أن تبخل عني. قال: قلت تبخل عني ؟ قال: وأي داء أدوأ من البخل ؟ قالها ثلاثا ما منعتك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك وهكذا رواه البخاري ها هنا وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد عن سفيان بن عيينة به ثم قال البخاري بعده: وعن عمرو عن محمد بن علي: سمعت جابر بن عبد الله يقول: جئته فقال لي أبو بكر: عدها فعددتها فوجدتها خمسمائة، فقال: خذ مثلها مرتين. وقد رواه البخاري أيضا عن علي بن المديني، عن سفيان هو ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي أبي جعفر الباقر، عن جابر كروايته له عن قتيبة ورواه أيضا هو ومسلم من طرق أخر عن سفيان بن عيينة عن عمرو، عن محمد بن علي، عن جابر بنحوه. وفي رواية أخرى له: أنه أمره فحثى بيديه من دراهم فعدها فإذا هي خمسمائة فأضعفها له مرتين يعني فكان جملة ما أعطاه ألفا وخمسمائة درهم.


(1) الاحاديث رواها البخاري في كتاب المغازي (74) باب قدوم الاشعريين وأهل اليمن الاحاديث من (4386 - 4390) ومسلم في كتاب الايمان (21) باب الحديث (89) عن أبي اليمان، عن شعيب عن الزهري. (2) في كتاب المغازي (73) باب قصة عمان والبحرين. (*)

[ 83 ]

وفود فروة بن مسيك المرادي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحاق: وقدم فروة بن مسيك المرادي (1) مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان بين قومه مراد وبين همدان وقعة قبيل الاسلام أصابت همدان من قومه حتى أثخنوهم وكان ذلك في يوم يقال له الردم وكان الذي قاد همدان إليهم الاجدع بن مالك قال ابن هشام ويقال مالك بن خريم الهمداني. قال ابن إسحاق فقال فروة بن مسيك في ذلك اليوم: مررن على لفات وهن خوص * ينازعن الاعنة ينتحينا (2) فإن نغلب فغلابون قدما * وان نغلب فغير مغلبينا وما إن طبنا جبن ولكن * منايانا وطعمة آخرينا كذاك الدهر دولته سجال * تكز صروفه حينا فحينا فبينا ما نسر به ونرضى * ولو لبست غضارته سنينا إذا انقلبت به كرات دهر * فألفى في الاولى غبطوا طحينا فمن يغبط بريب الدهر منهم * يجد ريب الزمان له خؤنا فلو خلد الملوك إذا خلدنا * ولو بقى الكرام إذا بقينا فأفنى ذلكم سروات قومي * كما أفنى القرون الاولينا قال ابن إسحاق ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا ملوك كندة قال: لما رأيت ملوك كندة أعرضت * كالرجل خان الرجل عرق نسائها قربت راحلتي أؤم محمدا * أرجو فواضلها وحسن ثرائها (3) قال: فلما انتهى فروة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: - فيما بلغني - يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم. فقال: يا رسول الله من ذا الذي يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إن ذلك لم يزد قومك في الاسلام إلا خيرا " واستعمله على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم (4).


(1) انظر ترجمته في الاصابة وأسد الغابة 4 / 180. وراجع خبر قدومه إلى النبي صلى الله عليه وآله في طبقات ابن سعد (1 / 328) وسيرة ابن هشام 4 / 228 وعيون الاثر 2 / 305 ونهاية الارب 2 / 239 ودلائل البيهقي 5 / 368. (2) لفات: من ديار مراد، ولفات: بالكسر: موضع بين مكة والمدينة (معجم ما استعجم). (3) قال أبو عبيدة: أرجو فواضله وحسن ثنائها. وفي الاغاني: وحسن ثراها. (4) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 228، ونقله عنه البيهقي في الدلائل ج 5 / 368. (*)

[ 84 ]

قدوم عمر بن معد يكرب في أناس من زبيد قال إبن إسحاق: وقد كان عمرو بن معدي كرب قال لقيس بن مكشوح المرادي حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا قيس إنك سيد قومك وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقال (1) إنه نبي فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى علينا، إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه قيس ذلك وسفه رأيه، فركب عمرو بن معدي كرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وصدقه وآمن به، فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وقال: خالفني وترك امري ورأيي. فقال عمرو بن معدي كرب في ذلك: أمرتك يوم ذي صن‍ * - عاء أمرا باديا رشده (2) أمرتك باتقاء الله وال‍ * - معروف تتعده خرجت من المنى مثل ال‍ * - حمير غره وتده تمناني على فرس * عليه جالسا أسده علي مفاضة كالن‍ * - نهي أخلص ماءه جدده ترد الرمح منثنى ال‍ * - سنان عوائرا قصده (3) فلو لاقيتني للقي‍ * - ت ليثا فوقه لبده تلاقى شنبثا شثن ال‍ * - براثن ناشزا كتده (4) يسامي القرن إن قرن * تيممه فيعتضده فيأخذه فيرفعه * فيخفضه فيقتصده فيدمغه فيحطمه * فيخمضه فيزدرده ظلوم الشرك فيما أح‍ * - رزت أنيابه ويده قال ابن إسحاق: فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زبيد، وعليهم فروة بن مسيك فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أرتد عمرو بن معدي كرب فيمن ارتد وهجا فروة بن مسيك فقال: وجدنا ملك فروه شر ملك * حمار ساف منخره بثفر (5)


(1) في ابن هشام: يقول. (2) ذو صنعاء: اسم موضع. (3) عوائر: متطايرة. والقصد جمع قصدة وهي ما تكسر من الرمح. (4) الشنبث: الاسد. الشثن: الغليظ الاصابع. (5) ساف: شم. والثفر: في الحيوان بمنزلة الرحم من الانسان. (*)

[ 85 ]

وكنت إذا رأيت أبا عمير * ترى الحولاء من خبث وغدر قلت: ثم رجعت إلى الاسلام وحسن إسلامه وشهد فتوحات كثيرة في أيام الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما وكان من الشجعان المذكورين والابطال المشهورين والشعراء المجيدين توفي سنة إحدى وعشرين بعدما شهد فتح نهاوند وقيل بل شهد القادسية وقتل يومئذ قال أبو عمر بن عبد البر وكان وفوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع وقيل سنة عشر فيما ذكره ابن إسحاق والواقدي. قلت: وفي كلام الشافعي ما يدل عليه. فالله أعلم. قال يونس عن ابن إسحاق: وقد قيل إن عمرو بن معدي كرب لم يأت النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال في ذلك: إنني بالنبي موقنة نف‍ * سي وإن لم أر النبي عيانا سيد العالمين طرا وأدنا * هم إلى الله حين بان مكانا جاء بالناموس من لدن الله و * كان الامين فيه المعانا حكمة بعد حكمه وضياء * فاهتدينا بنورها من عمانا وركبنا السبيل حين ركب‍ * - ناه جديدا بكرهنا ورضانا وعبدنا الاله حقا وكنا * للجهالات نعبد الاوثانا وائتلفنا به وكنا عدوا * فرجعنا به معنا إخوانا فعليه السلام والسلام منا * حيث كنا من البلاد وكانا إن نكن لم نر النبي فإنا * قد تبعنا سبيله إيمانا قدوم الاشعث بن قيس في وفد كندة قال ابن اسحاق وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الاشعث بن قيس، في وفد كندة فحدثني الزهري أنه قدم في ثمانين راكبا من كندة، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده قد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة، قد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: ألم تسلموا ؟ قالوا: بلى ! قال فما بال هذا الحرير في أعناقكم ؟ قال: فشقوه منها فألقوه. ثم قال له الاشعث بن قيس: يا رسول الله نحن بنوا آكل المرار وأنت ابن آكل المرار، قال، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث، وكانا تاجرين إذا شاعا (1) في العرب فسئلا ممن أنتما ؟ قالا: نحن بنو آكل المرار يعني ينسبان إلى كندة ليعزا في تلك البلاد لان كندة كانوا ملوكا، فاعتقدت كندة أن قريشا منهم لقول عباس وربيعة نحن بنو آكل المرار وهو الحارث بن عمرو (2) بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن


(1) وفي رواية البيهقي عنه: إذا سارا. (2) في ابن هشام: الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية... (*)

[ 86 ]

معاوية بن كندى - ويقال ابن كندة - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم. " لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا (1) أمنا ولا ننتفي من أبينا ". فقال لهم الاشعث بن قيس والله يا معشر كندة لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين. وقد روي هذا الحديث متصلا من وجه آخر فقال الامام أحمد: حدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة، حدثني عقيل بن طلحة وقال عفان في حديثه أنبأنا عقيل بن طلحة السلمي: عن مسلم بن هيضم، عن الاشعث بن قيس أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة - قال عفان - لا يروني أفضلهم، قال قلت يا رسول الله: أنا ابن عم إنكم منا. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نحن بنو النضر بن كنانة لا نفقوا أمنا ولا ننتفي من أبينا ". قال وقال الاشعث: فوالله لا أسمع أحد نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد (2). وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، وعن محمد بن يحيى عن سليمان بن حرب. وعن هارون بن حيان، عن عبد العزيز بن المغيرة ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به نحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، حدثنا الاشعث بن قيس. قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة فقال لي: هل لك من ولد ؟ قلت غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جمد ولوددت أن مكانه شبع القوم. قال: لا تقولن ذلك فإن فيهم قرة عين وأجرا إذا قبضوا، ثم ولئن قلت ذاك أنهم لمجبنة محزنة إنهم لمجبنة محزنة. تفرد به أحمد وهو حديث حسن جيد الاسناد (3). قدوم أعشى بن مازن على النبي صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن الامام أحمد: حدثني العباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا أبو سلمة عبيد بن عبد الرحمن الحنفي، قال: حدثني الجنيد بن أمين بن ذروة بن نضلة بن طريف بن نهصل الحرمازي، حدثني أبي أمين عن أبيه ذروة عن أبيه نضلة: أن رجلا منهم يقال له الاعشى، واسمه عبد الله الاعور كانت عنده امرأة يقال لها معاذة، خرج في رجب يمير أهله من هجر فهربت امرأته بعده ناشزا فعادت برجل منهم يقال له مطرف بن نهشل (4) بن كعب بن قميثع (5) بن ذلف بن أهضم بن عبد الله بن الحرماز فجعلها خلف ظهره، فلما قدم لم يجدها في بيته وأخبر أنها


(1) لا نقفوا أمنا: لا نتبع في نسبنا أمنا. وقد كان من جدات النبي صلى الله عليه وآله من هي من كندة، قيل هي دعد بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث الكندي، وهي أم كلاب بن مرة، وقيل بل هي جدة كلاب، أم أمه هند (قاله السهيلي). (2) رواه البيهقي في الدلائل من طريق اسماعيل بن حرب وحجاج ج 5 / 371. وفي مسند الامام أحمد ج 5 / 211، 212. (3) مسند الامام أحمد ج 5 / 211، 212. (4) في المسند: مطرف بن بهصل.. وفي الاصابة: مطرف بن بهصلة. (5) في المسند: قميشع وفي الاصابة: قشع. (*)

[ 87 ]

نشزت عليه، وأنها عاذت بمطرف بن نهشل، فأتاه فقال: يا بن عم، أعندك امرأتي فادفعها إلي قال: ليست عندي، ولو كانت عندي لم أدفعها إليك، قال وكان مطرف أعز منه قال: فخرج الاعشى حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فعاذ به فأنشأ يقول: يا سيد الناس وديان العرب * إليك أشكو ذربة من الذرب كالذئبة العنساء (1) في ظل السرب * خرجت أبغيها الطعام في رجب فخلفتني بنزاع وهرب * أخلفت الوعد ولطت بالذنب وقذفتني بين عصر مؤتشب * وهن شر غالب لمن غلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: " وهن شر غالب لمن غلب ". فشكى إليه امرأته وما صنعت به وانها عند رجل منهم يقال له مطرف بن نهشل. فكتب له النبي صلى الله عليه وسلم: إلى مطرف انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه، فأتاه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرئ عليه، فقال لها: يا معاذة هذا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فيك فأنا دافعك إليه، فقالت: خذ لي عليه العهد والميثاق وذمة نبيه، أن لا يعاقبني فيما صنعت فأخذ لها ذلك عليه ودفعها مطرف إليه فأنشأ يقول: لعمرك ما حبي معاذة بالذي * يغيره الواشي ولا قدم العهد ولا سوء ما جاءت به إذ أزالها * غواة الرجال إذ يناجونها بعدي قدوم صرد بن عبد الله الازدي في نفر من قومه ثم وفود أهل جرش بعدهم قال ابن إسحاق وقدم صرد بن عبد الله الازدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد من الازد، فأسلم وحسن إسلامه، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه وأمره أن يجاهد بمن أسلم، من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن. فذهب فحاصر جرش (2) وبها قبائل من اليمن وقد ضوت إليهم خثعم، حين سمعوا بمسيره إليهم فأقام عليهم قريبا من شهر، فامتنعوا فيها منه ثم رجع عنهم حتى إذا كان قريبا من جبل: يقال له شكر فظنوا أنه قد ولى عنهم منهزما فخرجوا في طلبه فعطف عليهم فقتلهم قتلا شديدا وقد كان أهل جرش بعثوا منهم رجلين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فبينما هما عنده بعد العصر إذ قال بأي بلاد الله شكر فقام الجرشيان فقالا: يا رسول الله ببلادنا جبل يقال له كشر وكذلك تسمية أهل جرش فقال أنه ليس بكشر ولكنه شكر قالا فما شأنه يا رسول الله فقال إن بدن الله لتنحر عنده الآن، قال فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان فقال لهما، ويحكما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآن لينعى إليكما قومكما فقوما إليه فاسألاه أن يدعو الله فيرفع عن قومكما فقاما إليه فسألاه ذلك فقال: " اللهم أرفع عنهم " فرجعا فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أخبر


(1) في المسند: الغبشاء. (انظر الخبر في مسند الامام أحمد ج 2 / 202). (2) جرش: مخلاف من مخاليف اليمن (معجم البلدان). (*)

[ 88 ]

عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء وفد أهل جرش بمن بقي منهم حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وحسن إسلامهم وحمى لهم حول قريتهم. قدوم رسول ملوك حمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي وكان ذلك في رمضان سنة تسع. قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله كتاب ملوك حمير ورسلهم باسلامهم مقدمه من تبوك وهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل (1) ذي رعين ومعافر وهمدان، وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة (2) الرهاوي باسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله، فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان، قيل ذي رعين ومعافر وهمدان، أما بعد ذلكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، فإنه قد وقع نبأ (3) رسولكم منقلبنا (4) من أرض الروم، فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به، وخبرنا ما قبلكم، وأنبأنا باسلامكم وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهداه، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خمس الله، وسهم النبي صلى الله عليه وسلم وصفيه، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب (5) نصف العشر، وأن في الابل في الاربعين ابنة لبون، وفي ثلاثين من الابل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الابل شاة، وفي كل عشر من الابل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين تبيع، جذع أو جذعة. وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، ومن أدى ذلك، وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله، وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته، فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر وأنثى، حر أو عبد دينار واف، من قيمة المعافري أو عرضه (6) ثيابا. فمن أدى ذلك إلى رسول الله فأن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله، أما بعد فإن رسول الله محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذ إتاك رسلي فأوصيكم بهم خيرا: معاذ بن جبل


(1) قيل: لقب، وهو الملك الذي دون الملك الاكبر، والجمع أقيال. (2) في الواقدي: ابن مرارة. (3) في الواقدي وابن هشام: وقع بنا. (4) في الواقدي: مقفلنا. والقفول الرجوع من السفر. (5) في الطبري: المغرب بالميم، والغرب: الدلو العظيمة التي تتخذ من جلد الثور. (6) في ابن هشام: أو عوضه. (*)

[ 89 ]

وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن نمر ومالك بن مرة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم وأبلغوها رسلي، وإن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضيا، أما بعد فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله ثم أن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين، فابشر بخير وآمرك بحمير خيرا ولا تخونوا ولا تخاذلوا فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم، وأن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لاهل بيته، وإنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب فآمركم به خيرا، وأني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم فآمركم بهم خيرا، فإنهم منظور إليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " (1) وقد قال الامام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا عمارة عن ثابت عن أنس بن مالك: أن مالك ذي يزن أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة قد أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرا وثلاثة وثلاثين ناقة. ورواه أبو داود: عن عمرو بن عون الواسطي، عن عمارة بن زاذان الصيدلاني، عن ثابت البناني عن أنس به. وقد روى الحافظ البيهقي ها هنا (2) - حديث كتاب عمرو بن حزم فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الاصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم فكتب له كتابا وعهدا وأمره فيه أمره، فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله يا أيها الذين آمنوا اوفوا بالعقود عهدا من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره: بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوه والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق، كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين، وأن ينهى الناس فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر، وأن يخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم في الحق ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله حرم الظلم


(1) الخبر ونص الكتاب في ابن هشام ج 4 / 235 - 236. وانظره في الطبري 2 / 381، وفتوح البلدان 82، والسيرة الحلبية 3 / 258، وأجزاء منه في طبقات ابن سعد 1 / 356، أبو عبيد في الاموال ص 13 - 27، وأسد الغابة 2 / 146. في شرح مفردا ؟ ؟ وتعابيره: - همدان بطن من كهلان، وهم بنو همدان بن مالك بن زيد، سكنوا اليمن في مخلاف همدان وهو ما بين الغائط وتهامة وسراة شمالي صنعاء. أسلموا سنة عشر. - معافر: قبيلة باليمن، وهو معافر بن يعفر بن مالك، بطن من كهلان، وملوك معافر آل الكرندى من سبأ الاصغر، مخلافهم باليمن سمي باسمهم. قال في النهاية: أنهم من القحطانية. (2) دلائل النبوة ج 5 / 413. (*)

[ 90 ]

ونهى عنه فقال: [ تعالى ] * (ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله) *، وأن يبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستأنف الناس حتى يتفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج، وسننه وفرائضه، وما أمره الله به والحج الاكبر الحج والحج الاصغر العمرة: وأن ينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغير إلا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ويفضي بفرجه إلى السماء، ولا ينقض (1) شعر رأسه إذا عفى في قفاه، وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعو إلى القبائل والعشائر وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعى إلى العشائر والقبائل فليعطفوا [ فيه ] (2) بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس باسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمرهم الله عز وجل، وأمروا بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود (3) وأن يغلس بالصبح وأن يهجر بالهاجرة حتى تميل الشمس وصلاة العصر والشمس في الارض مبدرة والمغرب حين يقبل الليل لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل، [ وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح إليها ] (4) وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار فيما سقى المغل (5) وفيما سقت السماء العشر وما سقى الغرب فنصف العشر، وفي كل عشر من الابل شاتان، وفي عشرين أربع شياه وفي أربعين من البقر بقرة وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين [ في الصدقة ] (6) فمن زاد فهو خير له، ومن أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه فدان دين الاسلام فانه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته، فإنه لا يغير عنها وعلى كل حالم ذكر وأنثى حر أو عبد دينار واف أو عرضه (7) من الثياب فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله ورسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته ". قال الحافظ البيهقي: وقد روى سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده هذا الحديث موصولا بزيادات كثيرة ونقصان عن بعض ما ذكرناه في الزكاة والديات وغير ذلك (8).


(1) في ابن هشام: يعقص. وفي الدلائل: يعقد. (2) من الدلائل. (3) في الدلائل: الركوع والخشوع، وفي ابن هشام: الركوع والسجود والخشوع. (4) سقطت من الاصل، واستدركت من الدلائل وابن هشام. (5) كذا في الاصل المغل، وفي الدلائل: العين. وابن هشام: ما سقت العين. (6) من الدلائل. (7) في ابن هشام والدلائل: عوضه. (8) سنن البيهقي الكبرى 1 / 88، 309 و 8 / 189 و 10 / 128. والكتاب في الطبري 2 / 388 وفتوح البلدان = (*)

[ 91 ]

قلت: ومن هذا الوجه رواه الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في سننه مطولا، وأبو داود في كتاب المراسيل وقد ذكرت ذلك بأسانيده وألفاظه في السنن ولله الحمد والمنة، وسنذكر بعد الوفود بعث النبي صلى الله عليه وسلم الامراء إلى اليمن لتعليم الناس وأخذ صدقاتهم وأخماسهم معاذ بن جبل وأبو موسى وخالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. قدوم جرير بن عبد الله البجلي وإسلامه قال الامام أحمد (1): حدثنا أبو قطن، حدثني يونس، عن المغيرة بن شبل. قال: قال جرير: لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي، ثم حللت عيبتي، ثم لبست حلتي، ثم دخلت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليسي يا عبد الله هل ذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم ! ذكرك بأحسن الذكر بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته وقال يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن، إلا أن على وجهه مسحة ملك قال جرير: فحمدت الله عز وجل على ما أبلاني. قال أبو قطن: فقلت له سمعته منه أو سمعته من المغيرة بن شبل. قال نعم ! ثم رواه الامام أحمد عن أبي نعيم، وإسحاق بن يوسف وأخرجه النسائي من حديث الفضل بن موسى ثلاثتهم عن يونس عن أبي اسحاق السبيعي عن المغيرة بن شبل - ويقال ابن شبيل - عن عوف البجلي الكوفي عن جرير بن عبد الله وليس له عنه غيره. وقد رواه النسائي عن قتيبة عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بقصته: " يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك " الحديث وهذا على شرط الصحيحين. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، ثنا إسماعيل، عن قيس عن جرير. قال: ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي. وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن إسماعيل بن خالد، عن قيس بن أبي حازم عنه. وفي الصحيحين زيادة وشكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري. وقال: " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا (2) ". ورواه النسائي عن قتيبة عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل عن قيس عنه وزاد فيه - يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك، فذكر نحو ما تقدم. قال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عمرو: عثمان بن أحمد السماك،


= للبلاذري ص 80 وفي الجمهرة 1 / 62 وصبح الاعشى 10 / 9، وأبو داود أخرجه في أول كتاب الزكاة وأوعز إليه في الاصابة وقال: أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والدارمي، وابن عبد البر في الاستيعاب وابن الاثير في أسد الغابة 4 / 99. (1) مسند الامام ج 4 / 360 - 364 وأخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 / 346 ورواه الطبراني برجال ثقات. (2) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (154) الحديث (3020)، وفي كتاب المغازي (62) باب الحديث (4355). ومسلم في كتاب فضائل الصحابة (29) باب الحديث (137). (*)

[ 92 ]

حدثنا الحسن بن سلام السواق، حدثنا محمد بن مقاتل الخراساني، حدثنا حصين (1) بن عمر الاحمسي، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد - أو (2) قيس بن أبي حازم - عن جرير بن عبد الله. قال: بعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فأتيته ] فقال: يا جرير لاي شئ جئت ؟ قلت: أسلم على يديك يا رسول الله قال: فألقى علي كساء ثم أقبل على أصحابه فقال " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " ثم قال: يا جرير أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأن تؤمن بالله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. وتصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة ففعلت ذلك فكان بعد ذلك لا يراني إلا تبسم في وجهي (3)، هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله. قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. وأخرجاه في الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد به. وهو في الصحيحين من حديث زياد بن علاثة عن جرير به. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا زائدة، ثنا عاصم، عن سفيان يعني - أبا وائل - عن جرير. قال قلت يا رسول الله اشترط علي فأنت أعلم بالشرط قال: " أبايعك على أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتنصح المسلم، وتبرأ من الشرك ". ورواه النسائي من حديث شعبة، عن الاعمش، عن أبي وائل، عن جرير وفي طريق أخرى عن الاعمش عن منصور عن أبي وائل عن أبي نخيلة عن جرير به فالله أعلم. ورواه أيضا عن محمد بن قدامة، عن جرير، عن مغيرة عن أبي وائل والشعبي عن جرير به ورواه عن جرير عبد الله بن عميرة رواه أحمد منفردا به وابنه عبيد الله بن جرير أحمد أيضا منفردا به وأبو جميلة وصوابه نخيلة ورواه أحمد والنسائي ورواه أحمد أيضا عن غندر عن شعبة عن منصور عن أبي وائل عن رجل عن جرير فذكره، والظاهر أن هذا الرجل هو أبو نخيلة البجلي. والله أعلم. وقد ذكرنا بعث النبي صلى الله عليه وسلم له حين أسلم إلى ذي الخلصة بيت كان يعبده خثعم وبجيلة وكان يقال له الكعبة اليمانية يضاهون به الكعبة التي بمكة ويقولون للتي ببكة الكعبة الشامية ولبيتهم الكعبة اليمانية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تريحني من ذي الخلصة فحينئذ شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يثبت على الخيل فضرب بيده الكريمة في صدره حتى أثرت فيه وقال: " اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا ". فلم يسقط بعد ذلك عن فرس ونفر إلى ذي الخلصة في خمسين ومائة راكب من قومه من أحمس فخرب ذلك البيت وحرقه حتى تركه مثل الجمل الاجرب، وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيرا يقال له: أبو أرطاة فبشره بذلك فبرك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات والحديث مبسوط في الصحيحين وغيرهما كما قدمناه بعد الفتح استطرادا بعد ذكر تخريب بيت العزى على يدي خالد بن


(1) في الدلائل: حسين. (2) في الدلائل: عن قيس. (3) دلائل البيهقي ج 5 / 347، ورواه الطبراني وابن سعد عن جرير. (*)

[ 93 ]

الوليد رضي الله عنه. والظاهر أن اسلام جرير رضي الله عنه كان متأخرا عن الفتح (1) بمقدار جيد. فإن الامام أحمد قال: حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة بن عبد الكريم بن مالك الجزري عن مجاهد عن جرير بن عبد الله البجلي. قال: إنما أسلمت بعدما أنزلت المائدة وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعدما أسلمت. تفرد به أحمد وهو إسناد جيد اللهم إلا أن يكون منقطعا بين مجاهد وبينه، وثبت في الصحيحين أن أصحاب عبد الله بن مسعود كان يعجبهم حديث جرير في مسح الخف لان إسلام جرير إنما كان بعد نزول المائدة، وسيأتي في حجة الوداع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له استنصت الناس يا جرير وإنما أمره بذلك لانه كان صبيا وكان ذا شكل عظيم كانت نعله طولها ذراع، وكان من أحسن الناس وجها وكان مع هذا من أغض الناس طرفا. ولهذا روينا في الحديث الصحيح عنه أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال أطرق بصرك. وفادة وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل بن يعمر الحضرمي ابن (2) هنيد أحد ملوك اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر بن عبد البر: كان أحد أقيال حضرموت وكان أبوه من ملوكهم، ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه قبل قدومه به وقال يأتيكم بقية أبناء الملوك فلما دخل رحب به، وأدناه من نفسه وقرب مجلسه وبسط له رداءه وقال: " اللهم بارك في وائل وولده وولده ولده " واستعمله على الاقيال من حضرموت وكتب معه ثلاث كتب، منها كتاب إلى المهاجر بن أبي أمية. وكتاب إلى الاقيال والعباهلة وأقطعه أرضا وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان. فخرج معه راجلا فشكى إليه حر الرمضاء فقال: انتعل ظل الناقة فقال: وما يغني عني ذلك لو جعلتني ردفا. فقال له وائل: اسكت فلست من أرداف الملوك ثم عاش وائل بن حجر حتى وفد على معاوية وهو أمير المؤمنين فعرفه معاوية فرحب به وقربه وأدناه وأذكره الحديث وعرض عليه جائزة سنية فأبى أن يأخذها، وقال أعطها من هو أحوج إليها مني (3). وأورد الحافظ البيهقي بعض هذا وأشار إلى أن البخاري


(1) جابر بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضر بن ثعلبة البجلي الصحابي يكنى أبا عمرو، وقيل يكنى: أبا عبد الله. اختلف في وقت إسلامه، انظر الروايات المختلفة في ذلك: الاصابة ج 1 / 232 والاستيعاب لابن عبد البر على هامش الاصابة 1 / 232 وأسد الغابة ج 1 / 279. (2) في الاستيعاب وأسد الغابة، أبو هنيدة. (3) الخبر في الاستيعاب على هامش الاصابة 3 / 642 وانظر ترجمته في أسد الغابة 5 / 80 والاصابة 3 / 628. ودلائل النبوة للبيهقي ج 5 / 349، وانظر التاريخ الكبير للبخاري (4 / 175 - 176) ورواه الطبراني، والبزار وأبو نعيم بنحوه. وابن سعد في الطبقات 1 / 349 في وفد حضرموت. أما الكتب التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم لوائل بن حجر: - من المعجم الصغير للطبراني ص 243، ومعجم البلدان مادة (يبعث) فيه: (*)

[ 94 ]

في التاريخ روى في ذلك شيئا. وقد قال الامام أحمد حدثنا حجاج أنبأنا شعبة عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا قال وأرسل معي معاوية أن أعطيها إياه - أو قال أعلمها إياه - قال فقال معاوية أردفني خلفك فقلت لا تكون من أرداف الملوك قال فقال أعطني نعلك فقلت انتعل ظل الناقة قال فلما استخلف معاوية أتيته فاقعدني معه على السرير فذكرني الحديث - قال سماك - فقال وددت أني كنت حملته بين يدي. وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث شعبة وقال الترمذي صحيح. وفادة لقيط بن عامر المنتفق أبي رزين العقيلي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن الامام أحمد: كتب إلي ابراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري: كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك فحدث


= * بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى المهاجر بن أبي أمية لابناء معشر أبناء ضمعاج، أقول شنوءة. بما كان لهم فيها من ملك وموامر وعمران، وبحر وملحح ومحجر، وما كان لهم من مال أترثوه بايعت، ومالهم فيها من مال بحضرموت: أعلاها وأسفلها، مني الذمة والجوار، الله لهم جوار، والمؤمنون على ذلك أنصار. - الصواب: أقوال شبوة. وتروى الاقيال جمع قيل، ملك بلغة حمير. - قوله موامر: الصواب مرامر، وهو الاراضي العامرة، وفي النهاية ومعجم البلدان: مزاهر. - من البيان والتبيين للجاحظ ج 2 / 21، والعقد الفريد باب الوفود، ونهاية الارب للقلقشندي ص 220 ومعجم الطبراني الصغير ص 243 والطبقات الكبرى لابن سعد 1 / 287 وأسد الغابة 3 / 38. * بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى الاقيال العباهلة من أهل حضرموت، بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، على التيعة السائمة شاة، والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس، لا خلاط، ولا وراط، ولا شناق، ولا شغار، ولا جلب، ولا جنب، وعليهم العون. لسرايا المسلمين، على كل عشرة ما تحمل العراب فمن أجبى فقد أربى وكل مسكر حرام. شرح مفرداته: - التيعة: اسم لادنى ما يجب فيه الزكاة من الحيوان. - التيمة: الشاة الزائدة على الاربعين حتى تبلغ الفريضة الاخرى. - السيوب: الركاز، قال الزمخشري: يريد به المال المدفون في الجاهلية، أو المعدن - خلاط: خلط الرجل ابله بإبل غيره - وراط: اخفاء الغنم عن المصدق، والشناق: هو ما بين الخمس إلى التسع. والشغار: نكاح معروف في الجاهلية. - من طبقات ابن سعد ج 1 / 287 و 349. * هذا كتاب من محمد النبي لوائل بن حجر قيل حضرموت وذلك انك أسلمت وجعلت لك ما في يديك من الارضين والحصون وانه يؤخذ منك من كل عشرة واحد ينظر في ذلك ذو عدل وجعلت لك أن لا تظلم فيها ما قام الدين والنبي والمؤمنون عليه أنصار. (*)

[ 95 ]

بذلك عني. قال حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي، حدثني عبد الرحمن بن عياش السمعي الانصاري القبائي، من بني عمرو بن عوف، عن دلهم بن الاسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي، عن أبيه، عن عمه لقيط بن عامر قال دلهم: وحدثنيه أبي الاسود، عن عاصم بن لقيط أن لقيطا خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له: نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق قال لقيط فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انسلاخ رجب فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الناس خطيبا. فقال: " أيها الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام، ألا لاسمعنكم ألا فهل من امرئ بعثه قومه " فقالوا أعلم لنا ما يقول رسول الله ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه، أو حديث صاحبه، أو يلهيه الضلال ألا إني مسؤول هل بلغت ألا فاسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا أجلسوا (قال) فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره، قلت: يا رسول الله ما عندك من علم الغيب ؟ فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أني ابتغي لسقطه. فقال: " ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله " وأشار بيده قلت وما هي ؟ قال علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه. وعلم [ المني حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمون وعلم ] ما في غد وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مسنتين (1) فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قريب ". قال لقيط: قلت لن نعدم من رب يضحك خيرا - وعلم يو الساعة. قلنا (2): يا رسول الله علمنا مما لا يعلم الناس ومما تعلم، فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحد، من مذحج التي تربوا علينا وخثعم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن منها قال: تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم، ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة، لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شئ إلا مات، والملائكة الذين مع ربك فأصبح ربك عز وجل يطوف بالارض وقد خلت عليه البلاد، فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه تخلقه من عند رأسه، فيستوي جالسا فيقول ربك عز وجل مهيم ؟ لما كان فيه - يقول: يا رب أمس اليوم، فلعهده بالحياة يتحسبه حديثا بأهله. قلت: يا رسول الله كيف يجمعنا بعدما تفرقنا الرياح والبلى والسباع. فقال: انبئك بمثل ذلك في آلاء الله في الارض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت لا تحي أبدا. ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك [ إلا ] أياما حتى أشرفت عليها وهي شرية (3) واحدة فلعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الارض فتخرجون من الاصواء (4) ومن مصارعكم فنتظرون إليه وينظر إليكم. قال: قلت: يا رسول الله


(1) الازل: الشدة، والمسنتين: من أصابتهم السنة - أي القحط. (2) في المسند: قلت: يا رسول الله علمنا مما تعلم الناس وما تعلم. (3) الشرية: شجر الحنظل، والشرية بفتح الراء: الطريقة. (4) الاصواء: القبور (*)

[ 96 ]

وكيف ونحن ملء الارض، وهو عز وجل شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه فقال: أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما. قلت: يا رسول الله فما يفعل [ بنا ] ربنا إذا لقيناه ؟ قال تعرضون عليه بادية له صحائفكم ولا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح قبلكم بها، فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحدكم منها قطرة فأما المسلم فتدع على وجهه مثل الريطة (1) البيضاء وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم الاسود ألا ثم ينصرف نبيكم، وينصرف على أثره الصالحون فتسلكون جسرا من النار فيطأ أحدكم الجمر فيقول حس فيقول ربك عز وجل أوانه (2) فتطلعون على حوض الرسول على أطماء والله ناهلة عليها ما رأيتها قط، فلعمر إلهك لا يبسط واحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والاذى وتحبس الشمس والقمر، فلا ترون منهما واحدا قال قلت: يا رسول الله فيم نبصر ؟ قال مثل بصرك ساعتك هذه، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الارض وواجهته الجبال. قال قلت: يا رسول فيم نجزي من سيآتنا وحسناتنا. قال: الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها إلا أن يعفو. قال قلت: يا رسول الله أما الجنة وأما النار. قال: لعمر إلهك إن للنار سبعة أبواب ما منهن [ بابان ] (3) إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما [ وان للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما ] قلت: يا رسول الله فعلام نطلع من الجنة قال: على أنهار من عسل مصفى وأنها من كأس، ما بها من صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة لعمر إلهك، ما تعلمون وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة قلت: يا رسول الله ولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات قال: الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذونكم غير أن لا توالد. قال لقيط: قلت أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه [ فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم ] قلت: يا رسول الله علام أبايعك فبسط [ النبي ] يده وقال على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال الشرك، وأن لا تشرك بالله إلها غيره. قال قلت: وإن لنا ما بين المشرق والمغرب فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده وبسط أصابعه وظن أني مشترط شيئا لا يعطينيه. قال قلت: تحل منها حيث شئنا ولا يجني منها امرؤ إلا على نفسه، فبسط يده وقال: وذلك لك تحل حيث شئت ولا تجئ عليك إلا نفسك قال فانصرفنا عنه. ثم قال: إن هذين من [ لعمر إلهك ] أتقى الناس [ في ] الاولى والآخرة فقال: له كعب بن الخدارية أحد بني كلاب منهم: يا رسول الله بنو المنتفق أهل ذلك منهم ؟ قال: فانصرفنا وأقبلت عليه - وذكر تمام الحديث إلى أن قال - فقلت: يا رسول الله هل لاحد ممن مضى خير في


(1) الريطة: الثوب اللين الرقيق. (2) الاوان: الحين والزمان. (3) من مسند أحمد، وفي الاصل: باب. (*)

[ 97 ]

جاهليته قال: فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار، قال: فلكأنه وقع حر بين جلدتي وجهي ولحمي مما قال. لاني على رؤس الناس فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله ثم إذا الاخرى أجمل فقلت يا رسول الله: وأهلك ؟ قال: وأهلي لعمر الله، ما أتيت [ عليه ] (1) من قبر عامري أو قرشي من مشرك فقل: أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوءك تجر على وجهك، وبطنك في النار. قال قلت: يا رسول الله ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه وقد كانوا يحسبون أنهم مصلحون. قال: ذلك بأن الله يبعث في آخر كل سبع أمم - يعني نبيا - فمن عصى نبيه كان من الضالين ومن أطاع نبيه كان من المهتدين. هذا حديث غريب جدا وألفاظه في بعضها نكارة وقد أخرجه الحافظ البيهقي في كتاب البعث والنشور، وعبد الحق الاشبيلي في العاقبة والقرطبي في كتاب التذكرة في أحوال الآخرة وسيأتي في كتاب البعث والنشور إن شاء الله تعالى. وفادة زياد بن الحارث رضي الله عنه قال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو أحمد (2) الاسد اباذي بها أنبأنا أبو بكر [ أحمد بن جعفر بن حمدان ] بن مالك القطيعي [ حدثنا: أبو علي: بشر بن موسى ] حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، حدثني زياد بن نعيم الحضرمي، سمعت زياد بن الحارث الصدائي يحدث. قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الاسلام، فأخبرت أنه قد بعث جيشا إلى قومي، فقلت: يا رسول الله أردد الجيش وأنا لك باسلام قومي وطاعتهم. فقال لي: اذهب فردهم، فقلت: يا رسول الله ! إن راحلتي قد كلت، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فردهم. قال الصدائي: وكتبت إليهم كتابا فقدم وفدهم باسلامهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أخا صداء ! إنك لمطاع في قومك، فقلت بل هو الله هداهم للاسلام فقال: " أفلا أومرك عليهم " قلت: بلى يا رسول الله، فكتب لي كتابا أمرني. فقلت. يا رسول الله مر لي بشئ من صدقاتهم، قال: نعم ! فكتب لي كتابا آخر. قال الصدائي: وكان ذلك في بعض أسفاره. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم، ويقولون: أخذنا بشئ كان بيننا وبين قومه في الجاهلية. فقال رسول الله: أو فعل ذلك ؟ قالوا: نعم ! فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأنا فيهم فقال: لا خير في الامارة لرجل مؤمن، قال الصدائي: فدخل قوله في نفسي، ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله أعطني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن ". فقال السائل: أعطني من الصدقة، فقال رسول الله إن [ الله ] لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك


(1) ما وقع بين معكوفتين في الحديث من مسند الامام أحمد ج 4 / 13، 14 (2) الاسد أبادي واسمه الحسين بن علوش بن محمد بن نصر. (*)

[ 98 ]

الاجزاء أعطيتك. قال الصدائي: فدخل ذلك في نفسي أني غني وإني سألته من الصدقة، قال: ثم إن رسول الله اعتشى (1) من أول الليل فلزمته، وكنت قريبا، فكان أصحابه ينقطعون عنه، ويستأخرون منه ولم يبق معه أحد غيري، فلما كان أوان صلاة الصبح، أمرني فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله ؟ فجعل ينظر ناحية المشرق إلى الفجر، ويقول: لا، حتى إذا طلع الفجر نزل فتبرز، ثم انصرف إلي وهو متلاحق أصحابه فقال: هل من ماء يا أخا صداء ؟ قلت: لا إلا شئ قليل لا يكفيك، فقال: اجعله في إناء ثم ائتني به، ففعلت فوضع كفه في الماء قال: فرأيت بين أصبعين من أصابعه عينا تفور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا أني استحي من ربي عز وجل لسقينا واستقينا " ناد في أصحابي من له حاجة في الماء، فناديث فيهم فأخذ من أراد منهم شيئا ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فأراد بلال أن يقيم فقال له رسول الله: إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم ". قال الصدائي: فأقمت، فلما قضى رسول الله الصلاة أتيته بالكتابين، فقلت يا رسول الله أعفني من هذين. فقال: ما بدا لك ؟ فقلت سمعتك يا رسول الله تقول: لا خير في الامارة لرجل مؤمن، وأنا أو من بالله وبرسوله وسمعتك تقول للسائل: من سأل الناس عن ظهر غنى فهو صداع في الرأس وداء في البطن، وسألتك وأنا غني. فقال: هو ذاك فإن شئت فاقبل وإن شئت فدع فقلت أدع فقال لي رسول الله: فدلني على رجل أؤمره عليكم فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمره عليهم، ثم قلنا: يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها، واجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا، فقد أسلمنا وكل من حولنا عدو، فادع الله لنا في بئرنا فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه ولا نتفرق ! فدعا سبع حصيات فعركهن بيده ودعا فيهن، ثم قال: اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر فالقوا واحدة واحدة واذكروا الله. قال الصدائي: ففعلنا ما قال لنا فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها - يعني البئر (2). وهذا الحديث له شواهد في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه. وقد ذكر الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث بعد عمرة الجعرانة قيس بن سعد بن عبادة في أربعمائة إلي بلاد صداء فيوطئها، فبعثوا رجلا منهم فقال جئتك لترد عن قومي الجيش وأنا لك بهم، ثم قدم وفدهم خمسة عشر رجلا، ثم رأى منهم حجة الوداع مائة رجل، ثم روى الواقدي: عن الثوري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائي قصته في الاذان.


(1) اعتشى: أي سار وقت العشاء. (2) خبر قدوم زياد رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 355 ورواه البغوي وابن عساكر وحسنه، ونقله الصالحي في السيرة الشامية 6 / 532. وعن الواقدي روى ابن سعد في الطبقات ج 1 / 326 - 327. أجزاء منه. (*)

[ 99 ]

وفادة الحارث بن حسان البكري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الامام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر: سلام بن سليمان النحوي، حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل عن الحارث البكري. قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها. فقالت: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله حاجة فهل أنت مبلغي إليه ؟ قال: فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ما شأن الناس ؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها. قال: فجلست منزله أو قال رحله، فاستأذنت عليه، فأذن لي فدخلت فسلمت، فقال: هل كان بينكم وبين تميم شئ ؟ قلت: نعم ! وكانت الدائرة عليهم ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب، فأذن لها فدخلت. فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت، وقالت: يا رسول الله أين يضطر مضرك قال قلت: إن مثلي ما قال الاول معزى حملت حتفها حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قالت: هي وما وافد عاد ؟ وهي أعلم بالحديث منه ولكن تستطعمه. قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال له قيل فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة (1) فقال: اللهم انك تعلم لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا. قال: فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا بقدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا قال - أبو وائل وصدق - وكانت المرأة أو الرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا يكن كوافد عاد. وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي المنذر سلام بن سليمان به، ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن الحارث البكري، ولم يذكر أبا وائل وهكذا رواه الامام أحمد عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث والصواب عن عاصم عن أبي وائل عن الحارث كما تقدم (2). وفادة عبد الرحمن بن أبي عقيل (3) مع قومه قال أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي، أنبأنا أبو


(1) في رواية أبي وائل: جبال تهامة. (2) مسند الامام أحمد ج 3 / 481 و 482. (3) اخنلفوا في نسبه، قال الكلبي: هو عبد الرحمن بن أبي عقيل بن مسعود بن معتب بن مالك كعب بن عمرو بن = (*)

[ 100 ]

جعفر: محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي، أنبأنا علي بن الجعد (1) عبد العزيز، ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا أبو خالد يزيد الاسدي، ثنا عون بن أبي جحيفة، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي، عن عبد الرحمن بن أبي عقيل. قال: انطلقت في وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيناه فأنخنا بالباب، وما في الناس رجل أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فلما دخلنا وخرجنا فما في الناس رجل أحب إلينا من رجل دخلنا عليه. قال: فقال قائل منا: يا رسول الله ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان ؟ قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " فلعل صاحبك عند الله أفضل من ملك سليمان، إن الله عز وجل لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فأهلكوا بها، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لامتي يوم القيامة " (2). قدوم طارق بن عبيد الله وأصحابه روى الحافظ البيهقي: من طريق أبي جناب الكلبي، عن جامع بن شداد المحاربي، حدثني رجل من قومي يقال له طارق بن عبد الله قال: إني لقائم بسوق ذي المجاز، إذ أقبل رجل عليه جبة وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ورجل يتبعه يرميه بالحجارة " وهو يقول " يا أيها الناس إنه كذاب " فقلت من هذا ؟ فقالوا هذا غلام من بني هاشم، يزعم أنه رسول الله قال قلت: من هذا الذي يفعل به هذا. قالوا: هذا عمه عبد العزى، قال: فلما أسلم الناس وهاجروا خرجنا من الربذة نريد المدينة نمتار من تمرها، فلما دنونا من حيطانها ونخلها، قلت: لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه، إذا رجل في طمرين، فسلم علينا وقال: من أين أقبل القوم ؟ قلنا: من الربذة، قال: وأين تريدون ؟ قلنا، نريد هذه المدينة. قال: ما حاجتكم منها ؟ قلنا: نمتار من تمرها، قال: ومعنا ظعينة لنا ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: أتبيعوني جملكم هذا ؟ قلنا: نعم ! بكذا وكذا صاعا من تمر. قال: فما استوضعنا مما قلنا شيئا، وأخذ بخطام الجمل وانطلق، فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها، قلنا ما صنعنا والله ما بعنا جملنا ممن يعرف ولا أخذنا له ثمنا قال: تقول المرأة التي معنا والله لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر أنا ضامنة لثمن جملكم، إذ أقبل الرجل فقال: [ أنا ] رسول الله إليكم، هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا فاستوفينا، ثم دخلنا المدينة، فدخلنا المسجد فإذا هو قائم على المنبر يخطب الناس، فأدركنا من خطبته وهو يقول: " تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى، أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك. إذ


= سعد بن عوف بن ثقيف، واجمعوا على انه من ثقيف وان له صحبة. قال في الاستيعاب: له صحبة صحيحة. (1) في الدلائل: علي بن عبد العزيز. (2) الخبر في الدلائل للبيهقي ج 5 / 358. ورواه ابن منده والطبراني والبزار برجال ثقات. (*)

[ 101 ]

أقبل رجل من بني يربوع أو قال: رجل من الانصار فقال: يا رسول الله لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية. فقال: " إن أبا لا يجني على ولد ثلاث مرات " (1). وقد روى النسائي فضل الصدقة منه عن يوسف بن عيسى، عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربي ببعضه. ورواه الحافظ البيهقي أيضا عن الحاكم، عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن يزيد بن زياد، عن جامع عن (2) طارق بطوله كما تقدم. وقال فيه فقالت الظعينة: لا تلاوموا فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر، ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه. قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي، ثم النفاثي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا باسلامه وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام، فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذه فحبسوه عندهم. فقال في محبسه ذلك: طرقت سليمى موهنا أصحابي * والروم بين الباب والقروان (3) صد الخيال وساءه ما قد رأى * وهممت أن أغفى وقد أبكاني لا تكحلن العين بعدي إثمدا * سلمى ولا تدين للاتيان ولقد علمت أبا كبيشة أنني * وسط الاعزة لا يحصن لساني فلئن هلكت لتفقدن أخاكم * ولئن بقيت ليعرفن مكاني ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى * من جودة وشجاعة وبيان قال: فلما أجمعت الروم على صلبه على ماء لهم يقال له عفرى بفلسطين. قال: ألا هل أتى سلمى بأن حليلها * على ماء عفرى فوق إحدى الرواحل على ناقة (4) لم يضرب الفحل أمها * مشذبة (5) أطرافها بالمناجل قال: وزعم الزهري أنهم لما قدموه ليقتلوه قال: بلغ سراة المسلمين بأنني * سلم لربي أعظمي ومقامى قال ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء، رحمة الله ورضي عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه.


(1) الخبر في دلائل البيهقي ج 5 / 380 - 381. (2) من الدلائل، وفي الاصل ونسخ البداية المطبوعة " بن " تحريف. (3) القروان: جمع قرو: وهو حوض من خشب تسقى فيه الدواب وتلغ فيه الدواب. (4) في دلائل البيهقي: على بكرة. (5) في نسخ البداية المطبوعة: يشد به. والمشذبة: التي أزيلت أغصانها. (*)

[ 102 ]

قدوم تميم الداري على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروج النبي صلى الله عليه وسلم وإيمان من آمن به أخبرنا أبو عبد الله سهل بن محمد بن نصرويه المروزي بنيسابور، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسن القاضي، أنبأنا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد القطان، حدثنا يحيى بن جعفر بن الزبير، أنبأنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت غيلان بن جرير يحدث عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، قالت: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم الداري فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ركب البحر فتاهت به سفينته فسقطوا إلى جزيرة فخرجوا إليها يلتمسون الماء فلقي إنسانا يجر شعره، فقال له: من أنت ؟ قال: أنا الجساسة (1) قالوا: فأخبرنا، قال: لا أخبركم ولكن عليكم بهذه الجزيرة، فدخلناها فإذا رجل مقيد، فقال: من أنتم ؟ قلنا ناس من العرب، قال: ما فعل هذا النبي الذي خرج فيكم ؟ قلنا: قد آمن به الناس واتبعوه وصدقوه. قال: ذلك خير لهم، قال: أفلا تخبروني عن عين زغر (2) ما فعلت ؟ فأخبرناه عنها، فوثب وثبة كاد أن يخرج من وراء الجدار، ثم قال: ما فعل نخل بيسان هل أطعم بعد، فأخبرناه أنه قد أطعم، فوثب مثلها ثم قال: أما لو قد أذن لي في الخروج لوطئت البلاد كلها غير طيبة. قالت: فأخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدث الناس، فقال: هذه طيبة وذاك الدجال (3) وقد روى هذا الحديث الامام أحمد ومسلم وأهل السنن، من طرق عن عامر بن شراحيل الشعبي، عن فاطمة بنت قيس وقد أورد له الامام أحمد شاهدا من رواية أبي هريرة وعائشة أم المؤمنين وسيأتي هذا الحديث بطرقه وألفاظه في كتاب الفتن. وذكر الواقدي وفد الدارين من لخم وكانوا عشرة. وفد بني أسد وهكذا ذكر الواقدي: أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول سنة تسع وفد بني أسد وكانوا عشرة، منهم ضرار بن الازور، ووابصة بن معبد، وطليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة بعد ذلك ثم أسلم وحسن إسلامه، ونفادة بن عبد الله بن خلف (4). فقال له رئيسهم: حضرمي بن عامر يا رسول الله أتيناك نتدرع الليل البهيم، في سنة شهباء، ولم تبعث إلينا بعثا. فنزل فيهم * (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي اسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للاسلام إن كنتم صادقين) * [ الحجرات: 17 ]. وكان فيهم قبيلة يقال لهم بنو الرتية (5) فغير اسمهم فقال أنتم بنو


(1) سميت بالجساسة لتجسسها الاخبار للدجال، وعن عمرو بن العاص أنها دابة الارض المذكورة في القرآن. (2) عين زغر: بضم أوله وفتح ثانيه. قرية بمشارف الشام. (3) أخرج الحديث البيهقي في الدلائل ج 5 / 416 - 417. ورواه مسلم في كتاب الفتن (24) باب، الحديث (121) والحديث (119) مطولا. (4) في طبقات ابن سعد: نقادة بالقاف، وله ترجمة في الاصابة، وذكره بالقاف وبالفاء. (5) في ابن سعد عن الواقدي: بني الزنية. (*)

[ 103 ]

الرشدة، وقد استهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفادة بن عبد الله بن خلف ناقة تكون جيدة للركوب وللحلب من غير أن يكون لها ولد معها فطلبها فلم يجدها إلا عند ابن عم له، فجاء بها فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلبها فشرب منها وسقاه سؤره ثم قال: " اللهم بارك فيها وفيمن منحها " فقال: يا رسول الله وفيمن جاء بها فقال " وفيمن جاء بها ". وفد بني عبس ذكر الواقدي: أنهم كانوا تسعة نفر وسماهم الواقدي فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا عاشركم " وأمر طلحة بن عبيد الله فعقد لهم لواء وجعل شعارهم يا عشرة، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألهم عن خالد بن سنان العبسي الذي قدمنا ترجمته في أيام الجاهلية، فذكروا أنه لا عقب له، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم يرصدون عيرا لقريش قدمت من الشام وهذا يقتضي تقدم وفادتهم على الفتح والله أعلم. وفد بني فزارة قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر الجمحي، عن أبي وجزة السعدي. قال: لما رجع رسول الله من تبوك وكان سنة تسع قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا، فيهم، خارجة بن حصن، والحارث بن قيس بن حصن، وهو أصغرهم، على ركاب عجاف، فجاؤو مقرين بالاسلام، وسألهم رسول الله عن بلادهم. فقال أحدهم: يا رسول الله أسننت بلادنا، وهلكت مواشينا وأجدب جناتنا (1)، وغرث عيالنا، فادع الله لنا، فصعد رسول الله المنبر ودعا فقال: " اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار، اللهم اسقنا سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا هدم، ولا غرق، ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الاعداء ". قال فمطرت فما رأوا السماء سبتا (2) فصعد رسول الله المنبر فدعا فقال: " اللهم حوالينا ولا علينا على الآكام والظراب وبطون الادوية ومنابت الشجر، فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب " (3). وفد بني مرة قال الواقدي: إنهم قدموا سنة تسع، عند مرجعه من تبوك، وكانوا ثلاثة عشر رجلا منهم الحارث بن عوف، فأجازهم عليه السلام بعشر أواق من فضة، وأعطى الحارث بن عوف ثنتي عشرة


(1) في ابن سعد جنابنا، والجناب: الناحية. وأسننت: أي أصابتها السنة أي أجدبت ؟ ؟ وغرث: أي جاع. (2) في ابن سعد: ستا. (3) خبر قدوم وفود بني أسد وبني عبس وبني فزارة ذكره ابن سعد في الطبقات عن الواقدي في ج 1 / 292 و 295 و 296. (*)

[ 104 ]

أوقية، وذكروا أن بلادهم مجدبة فدعا لهم. فقال: " اللهم اسقهم الغيث " فلما رجعوا إلى بلادهم، وجدوها قد مطرت ذلك اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفد بني ثعلبة قال الواقدي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن رجل من بني ثعلبة عن أبيه. قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة سنة ثمان، قدمنا عليه أربعة نفر، فقلنا: نحن رسل من خلفنا من قومنا، وهم يقرون بالاسلام، فأمر لنا بضيافة، وأقمنا أياما ثم جئناه لنودعه فقال لبلال: أجزهم كما تجيز للوفد، فجاء ببقر (1) من فضة، فأعطى كل رجل منا خمس أواق، وقال: ليس عندنا دراهم، وانصرفنا إلى بلادنا. وفد بني محارب قال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن أبي وجزة السعدي. قال: قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع، وهم عشرة نفر فيهم: سواء بن الحارث، وابنه خزيمة بن سواء، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث، وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء، فأسلموا وقالوا: نحن على من وراءنا، ولم يكن أحد في تلك المواسم أفظ ولا أغلظ على رسول الله منهم، وكان في الوفد رجل منهم فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الحمد الله الذي أبقاني حتى صدقت بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذه القلوب بيد الله عز وجل " ومسح رسول الله وجه خزيمة بن سواء فصارت غرة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفد، وانصرفوا إلى بلادهم (2). وفد بني كلاب ذكر الواقدي: أنهم قدموا سنة تسع وهم ثلاثة عشر رجلا، منهم: لبيد بن ربيعة الشاعر، وجبار بن سلمى، وكان بينه وبين كعب بن مالك خلة، فرحب به وأكرمه وأهدى إليه، وجاؤوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه بسلام الاسلام، وذكروا له أن الضحاك بن سفيان الكلابي سار فيهم بكتاب الله وسنة رسوله التي أمره الله بها ودعاهم إلى الله فاستجابوا له وأخذ صدقاتهم من أغنيائهم فصرفها على فقرائهم. وفد بني رؤاس بن (3) كلاب ثم ذكر الواقدي: أن رجلا يقال له عمرو بن مالك بن قيس بن بجيد بن رؤاس بن


(1) في ابن سعد عن الواقدي: بنقر. وبقر: قدر كبيرة واسعة، من التبقر أي التوسع أو سماها بذلك لانها تسع بقرة بتمامها (عن النهاية). (2) في ابن سعد 1 / 299 عن الواقدي: إلى أهلهم. (3) من طبقات ابن سعد وفي الاصل: من. (*)

[ 105 ]

كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصة، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ثم رجع إلى قومه فدعاهم إلى الله فقالوا: حتى نصيب من بني عقيل مثل ما أصابوا منا، فذكر مقتلة كانت بينهم وأن عمرو بن مالك هذا قتل رجلا من بني عقيل قال: فشددت يدي في غل وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغه ما صنعت فقال لئن أتاني لاضرب ما فوق الغل من يده فلما جئت سلمت فلم يرد علي السلام وأعرض فأتيته عن يمينه فأعرض عني فأتيته عن يساره فأعرض عني فأتيته من قبل وجهه فقلت يا رسول الله إن الرب عز وجل ليرتضى فيرضى فأرض عني رضي الله عنك. قال: " قد رضيت ". وفد بني عقيل بن كعب ذكر الواقدي: أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقطعهم العقيق - عقيق بني عقيل - وهي أرض فيها نخيل وعيون وكتب بذلك كتابا: " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعا ومطرفا وأنسا (1)، أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وسمعوا وطاعوا، ولم يعطهم حقا لمسلم ". فكان الكتاب في يد مطرف. قال: وقدم عليه أيضا لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل وهو أبو رزين فأعطاه ماء يقال له النظيم وبايعه على قومه، وقد قدمنا قدومه وقصته وحديثه بطوله ولله الحمد والمنة. وفد بني قشير بن كعب وذلك قبل حجة الوداع، وقبل (2) حنين، فذكر فيهم، قرة بن هبيرة بن [ عامر بن ] (3) سلمة الخير بن قشير فأسلم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساه بردا وأمره أن يلي صدقات قومه فقال قرة حين رجع: حباها رسول الله إذ نزلت به * وأمكنها من نائل غير منفد فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة * وقد أنجحت حاجاتها من محمد عليها فتى لا يردف الذم رجله * يروى لامر العاجز المتردد (4) وفد بني البكاء ذكر أنهم قدموا سنة تسع وأنهم كانوا ثلاثين رجلا، فيهم معاوية بن ثور بن عبادة بن البكاء


(1) ربيع: هو الربيع بن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل الخفاجي له ترجمة في الاصابة 2583. مطرف بن عبد الله بن الاعلم بن عمرو بن ربيعة العقيلي ترجمته في الاصابة 3 / رقم 8017 وأنس هو ابن قيس بن المنتفق بن عامر عقيل الاصابة ج 1 رقم 276. (2) في ابن سعد: وبعد حنين. (3) من الاصابة. (4) في ابن سعد: تروك لامر العاجز المتردد. (*)

[ 106 ]

وهو يومئذ ابن مائة سنة ومعه ابن له يقال له بشر فقال: يا رسول الله إني اتبرك بمسك، وقد كبرت وابني هذا بر بي فامسح وجهه، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وأعطاه أعنزا عفرا وبرك عليهن، فكانوا لا يصيبهم بعد ذلك قحط ولا سنة. وقال: محمد بن بشر بن معاوية في ذلك: وأبي الذي مسح الرسول برأسه * ودعا له بالخير والبركات أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا * عفرا نواحل لسن باللحيات (1) يملان وفد الحي كل عشية * ويعود ذاك الملء بالغدوات بوركن من منح وبورك مانحا * وعليه منى ما حييت صلاتي وفد كنانة روى الواقدي بأسانيده: أن واثلة بن الاسقع الليثي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فصلى معه الصبح، ثم رجع إلى قومه فدعاهم وأخبرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبوه: والله لا أحملك أبدا وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهزته حتى سار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وهو راكب على بعير لكعب بن عجرة، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد إلى أكيدر دومة فلما رجعوا عرض واثلة على كعب بن عجرة ما كان شارطه عليه من سهم الغنيمة فقال له كعب إنما حملتك لله عز وجل. وفد أشجع ذكر الواقدي: أنهم قدموا عام الخندق، وهم مائة رجل ورئيسهم مسعود (2) بن رخيلة فنزلوا شعب سلع فخرج إليهم رسول الله وأمر لهم بأحمال التمر، ويقال بل قدموا بعد ما فرغ من بني قريظة وكانوا سبع مائة رجل فوادعهم ورجعوا ثم أسلموا بعد ذلك. وفد باهلة قدم رئيسهم مطرف بن الكاهن (3) بعد الفتح فأسلم. وأخذ لقومه أمانا وكتب له كتابا فيه


(1) في ابن سعد: عفرا نواجل ليس باللجبات، وفي الاصابة: عفرا ثواجل لسن باللجبات. وثواجل: عظام البطون. (2) وهو مسعود بن رخيلة بن عابد بن مالك بن حبيب بن نبيح بن ثعلبة بن قنفذ بن حلاوة بن سبيع بن بكر بن اشجع الاشجعي. قال الطبري قاد اشجع يوم الاحزاب وهو مشرك. له ترجمة في أسد الغابة (4 / 357. الاصابة 3 / 410). (3) وهو مطرف بن خالد بن نضلة الباهلي من بني قراض بن معن. وبنو قراض داخل في بني باهلة وليس منهم، منهم باهليون بالادخال بالاصل (نهاية الارب للقلقشندي). كتب له النبي صلى الله عليه وآله نصه كما في الطبقات 1 / 284، قسم منه في الاصابة وأوعز إليه في أسد الغابة: هذا كتاب من محمد رسول الله، لمطرف بن الكاهن ولمن سكن بيشه من باهلة. ان من احيى أرضا مواتا بيضاء (*)

[ 107 ]

الفرائض وشرائع الاسلام كتبه عثمان بن عفان رضي الله عنه. وفد بني سليم قال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني سليم يقاله له: قيس بن نشبة (1) فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه ووعى ذلك كله، ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فأسلم، ورجع إلى قومه بني سليم فقال: سمعت ترجمة الروم وهينمة فارس وأشعار العرب، وكهانة الكهان وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه، فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقديد وهم سبع (2) مائة. ويقال كانوا ألفا وفيهم العباس بن مرداس وجماعة من أعيانهم فأسلموا وقالوا اجعلنا في مقدمتك، واجعل لواءنا أحمر وشعارنا مقدما ففعل ذلك بهم. فشهدوا معه الفتح والطائف وحنينا. وقد كان راشد بن عبد ربه السلمي يعبد صنما فرآه يوما وثعلبان يبولان عليه فقال: أرب يبول الثعلبان برأسه * لقد ذل من بالت عليه الثعالب ثم شد عليه فكسره ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اسمك ؟ قال غاوى بن عبد العزى. فقال: بل أنت راشد بن عبد ربه واقطعه موضعا يقال له رهاط فيه عين تجري يقال لها عين الرسول وقال هو خير بني سليم وعقد له على قومه وشهد الفتح وما بعدها. وفد بني هلال بن عامر وذكر في وفدهم: عبد عوف بن أصرم، فأسلم وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وقبيصة بن مخارق الذي له حديث في الصدقات، وذكر في وفد بني هلال زياد بن عبد الله بن مالك بن نجير (3) بن الهدم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر فلما دخل المدينة يمم منزل خالته ميمونة بنت الحارث فدخل عليها فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزله رآه فغضب ورجع. فقالت: يا رسول الله انه ابن أختي (4) فدخل ثم خرج إلى المسجد، ومعه فصلى الظهر ثم أدنا زيادا فدعا له ووضع يده على رأسه ثم حدرها على طرف أنفه فكانت بنو هلال تقول: ما زلنا نتعرف البركة في وجه زياد. وقال الشاعر لعلي بن زياد:


= فيها م‍ ؟ اخ الانعام ومراح، فهي له، وعليهم في كل ثلثين من البقر فارض وفي كل أربعين من الغنم عتود، وفي كل خمسين من الابل ثاغية مسنة، وليس للمصدق ان يصدقها إلا في مراعيها، وهم آمنون بأمان الله. (1) في ابن سعد: قيس بن نسيبة، وقيس بن نشبة السلمي في الاصابة وله ترجمة 3 / 260. (2) في ابن سعد: تسعمائة. (3) في ابن سعد: ابن بجير بن الهزم. (4) ذكرها ابن سعد قال: غرة بنت الحارث، وذكرها في الاصابة: عزة. (*)

[ 108 ]

إن الذي (1) مسح الرسول برأسه * ودعا له بالخير عند المسجد أعني زيادا لا أريد سواءه * من عابر (2) أو متهم أو منجد ما زال ذاك النور في عرنينه * حتى تبوأ بيته في ملحد وفد بني بكر بن وائل ذكر الواقدي: أنهم لما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قس بن ساعدة. فقال: ليس ذاك منكم ذاك رجل من إياد تحنف في الجاهلية فوافى عكاظ والناس مجتمعون فكلمهم بكلامه الذي حفظ عنه. قال: وكان في الوفد بشير بن الخصاصية (3) وعبد الله بن مرثد وحسان بن خوط. فقال رجل من ولد حسان: أنا وحسان بن خوط وأبي * رسول بكر كلها إلى النبي وفد بني تغلب ذكر أنهمو كانوا ستة عشر رجلا مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب، فنزلوا دار رمله بنت الحارث فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم النصارى على أن لا يضيعوا (4) أولادهم في النصرانية وأجاز المسلمين منهم. وفادات أهل اليمن: وفد تجيب (5) ذكر الواقدي: أنهم قدموا سنة تسع، وأنهم كانوا ثلاثة رجلا فأجازهم أكثر ما أجاز غيرهم، وأن غلاما منهم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حاجتك ؟ فقال يا رسول الله أدع الله يغفر لي ويرحمني ويجعل غنائي في قلبي. فقال: " اللهم اغفر له وارحمه، واجعل غناه في قلبه ". فكان بعد ذلك من أزهد الناس. وفد خولان (6) ذكر أنهم كانوا عشرة، وأنهم قدموا في شعبان سنة عشر، وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن


(1) في الاصابة: يا بن الذي... (2) في ابن سعد: من عاثر. (3) وهو بشير بن معبد بن شراحيل بن سبع بن ضبارى بن سدوس بن سنان بن ذهل السدوسي، والخصاصية أمه، قال ابن عبد البر: هي جدته (الاصابة). (4) في ابن سعد عن الواقدي: يصبغوا. وقال القلقشندي في نهاية الارب: بلادهم بالجزيرة الفراتية بجهات سنجار ونصيبين وتعرف ديارهم بديار ربيعة، وكانت النصرانية غالبة عليهم لمجاورة الروم. (ص 176). (5) بنو تجيب: بطن من كندة وهم بنو أشرس بن شبيب بن السكون بن كندة، وتجيب: أمهم. (6) بنو خولان: بطن من كهلان من القحطانية، وهم بنو خولان بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب عن عريب بن زيد بن كهلان، وبلادهم في بلاد اليمن من شرقيه. (نهاية الارب: 231). (*)

[ 109 ]

صنمهم الذي كان يقال له: عم أنس، فقالوا: أبدلناه خيرا منه ولو قد رجعنا لهدمناه، وتعلموا القرآن والسنن فلما رجعوا هدموا الصنم، وأحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله. وفد جعفي (1) ذكر أنهم كانوا يحرمون أكل القلب، فلما أسلم وفدهم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكل القلب وأمر به فشوي وناوله رئيسهم وقال لا يتم إيمانكم حتى تأكلوه (ه ؟) حذه ويده ترعد فأكله وقال: على أني أكلت القلب كرها * وترعد حين مسته بناني بسم الله الرحمن الرحيم فصل في قدوم الازد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة والحافظ أبو موسى المديني من حديث أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: حدثني علقمة بن مرثد (2) بن سويد الازدي، قال: حدثني أبي عن جدي عن سويد بن الحارث. قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخلنا عليه وكلمناه فأعجبه ما رأى من سمتنا وزينا فقال: ما أنتم ؟ قلنا مؤمنون فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم " قلنا خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا بها رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما الخمسة التي أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها ؟ " قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: " وما الخمسة التي أمرتكم أن تعملوا بها ؟ " قلنا أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت من استطاع إليه سبيلا. فقال: " وما الخمسة التي (3) تخلقتم بها في الجاهلية ؟ ". قالوا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضى بمر القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالاعداء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء " ثم قال: " وأنا أزيدكم خمسا فيتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما تسكنون، ولا تنافسوا في شئ أنتم عنه غدا تزولون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما


(1) بنو جعفى: بطن من سعد العشيرة من القحطانية والنسبة إليهم جعفي، وفد منهم إلى النبي صلى الله عليه وآله قيس بن سلمة، وسلمة بن يزيد، وكتب لقيس كتابا ذكره ابن سعد في الطبقات ج 1 / 325. وبنو جعفى في مخلافهم باليمن بينه وبين اليمن اثنان وثمانون فرسخا. (2) في أسد الغابة والاصابة: علقمة بن يزيد. (3) من أسد الغابة، وفي الاصل: الذي. (*)

[ 110 ]

عليه تقدمون، وفيه تخلدون ". فانصرف القوم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظوا وصيته وعملوا بها. ثم ذكر: وفد كندة وأنهم كانوا بضعة عشر راكبا عليهم الاشعث بن قيس وأنه أجازهم بعشر أواق وأجاز الاشعث ثنتي عشرة أوقية وقد تقدم. وفد الصدف (1) قدموا في بضعة عشر راكبا فصادفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، فجلسوا ولم يسلموا فقال: " أمسلمون أنتم ؟ " قالوا: نعم ! قال " فهلا سلمتم " فقاموا قياما فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فقال: " وعليكم السلام، أجلسوا " فجلسوا وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوقات الصلوات. وفد خشين قال: وقدم أبو ثعلبة الخشني ورسول الله يجهز إلى خيبر فشهد معه خيبر، ثم قدم بعد ذلك بضعة (2) عشر رجلا منهم فأسلموا. وفد بني سعد ثم ذكر وفد بني سعد هذيم وبلي وبهراء وبني عذرة وسلامان وجهينة وبني كلب والجرميين. وقد تقدم الحديث عمرو بن سلمة الجرمي في صحيح البخاري. وذكر: وفد الازد وغسان والحارث بن كعب وهمدان وسعد العشيرة وقيس (3)، ووفد الداريين والرهاووين، وبني عامر والمسجع وبجيلة وخثعم وحضرموت. وذكر فيهم وائل بن حجر وذكر فيهم الملوك الاربعة حميدا ومخوسا ومشرجا وأبضعه (4). وقد ورد في مسند أحمد لعنهم مع أختهم العمردة (5) وتكلم الواقدي كلاما فيه طول.


(1) بنو الصدف: حي من حضرموت. والصدف هو ابن مالك بن مراتع بن كندة، سمي الصدف لانه صدف عن قومه حين أتاهم سيل العرم، ثم لحق بكندة فنزل بهم، والنسبة إليهم صدفي. (نهاية الارب - القلقشندي 68). (2) في ابن سعد: سبعة نفر. وبنو خشين بطن من قضاعة من القحطانية، وهم بنو خشين بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة. (نهاية الارب 229). (3) في رواية ابن سعد عن الواقدي: وعنس. (4) في ابن سعد: حمدة ومخوس ومشرح وأبضعة وهم ملوك بني وليعة. (5) في الاصل: مع أخيهم الغمر، وأثبتنا ما في القاموس ولعله الاصح. (*)

[ 111 ]

وذكر وفد أزد عمان وغافق وبارق وثمالة والحدار (1) وأسلم وجذام ومهرة وحمير ونجران وحيسان (2). وبسط الكلام على هذه القبائل بطول جدا، وقد قدمنا بعض ما يتعلق بذلك وفيما أوردناه كفاية والله أعلم. ثم قال الواقدي. وفد السباع حدثني شعيب بن عبادة عن المطلب بن عبد الله بن حنظب قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بالمدينة في أصحابه أقبل ذئب فوقف بين يديه فعوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا وافد السباع إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره وإن أحببتم تركتموه وتحذرتم منه فما أخذ فهو رزقه ". قالوا: يا رسول الله ما تطيب أنفسنا له بشئ، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأصابعه الثلاث: أي خالسهم فولى وله عسلان. وهذا مرسل من هذا الوجه ويشبه هذا الذئب الذئب الذي ذكر في الحديث الذي رواه الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا القاسم بن الفضل الحداني (3)، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري. قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبها الراعي، فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه فقال: ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي، فقال: يا عجبا ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الانس. فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك ؟ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه، حتى دخل المدينة فزاواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي: الصلاة جامعة، ثم خرج فقال للاعرابي: أخبرهم، فأخبرهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صدق والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الانس وتكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده " (4). وقد رواه الترمذي عن سفيان بن وكيع بن الجراح، عن أبيه عن القاسم بن الفضل به، وقال حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل به وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى وابن مهدي. قلت: وقد رواه الامام أحمد أيضا: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب هو ابن أبي حمزة حدثني عبد الله بن أبي الحسين، حدثني مهران، أنبأنا أبو سعيد الخدري حدثه، فذكر هذه القصة بطولها بأبسط من هذا السياق. ثم رواه أحمد: حدثنا أبو النضر، ثنا عبد الحميد بن بهرام، ثنا شهر،


(1) والحدان في ابن سعد. (2) جيشان في رواية الواقدي، وقد ذكر وفاداتهم ابن سعد في طبقاته عن الواقدي ج 1 / 329 - 359. (3) في نسخ البداية المطبوعة الحراني، تحريف. والحداني نسبة إلى محلة بالبصرة نزلها لطن من الازد يقال لهم حدان. اللباب 1 / 284. (4) رواه الامام أحمد في مسنده ج 3 / 83 - 84، وروى الترمذي جزء منه في كتاب الفتن - باب ما جاء في كلام السباع (4 / 476)، ورواه البيهقي في الدلائل ج 6 / 41. (*)

[ 112 ]

قال: وحدث أبو سعيد فذكره وهذا السياق أشبه والله أعلم وهو إسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه (1). فصل وقد تقدم ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة، وقد تقصينا الكلام في ذلك عند قوله تعالى في سورة الاحقاف * (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن) * فذكرنا ما ورد من الاحاديث في ذلك والآثار وأوردنا حديث سواد بن قارب الذي كان كاهنا فأسلم. وما رواه عن رئيه الذي كان يأتيه بالخبر حين أسلم [ الرئي ] (2) حين قال له: عجبت للجن وانجاسها * وشدها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما مؤمن الجن كأرجاسها فانهض إلى الصفوة من هاشم * واسم بعينيك إلى راسها ثم قوله: عجبت للجن وتطلابها * وشدها العيس باقتابها تهوي إلى مكة تبغى الهدى * ليس قدامها كأذنابها فانهض إلى الصفوة من هاشم * واسم بعينيك إلى بابها عجبت للجن وتخبارها * وشدها العيس بأكوارها ثم قوله: تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ليس ذوو الشر كأخيارها فانهض إلى الصفوة من هاشم * ما مؤمنوا الجن ككفارها وهذا وأمثاله مما يدل على تكرار وفود الجن إلى مكة وقد قررنا ذلك هنالك بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة وبه التوفيق. وقد أورد الحافظ أبو بكر البيهقي هاهنا حديثا غريبا جدا بل منكرا أو موضوعا ولكن مخرجه عزيز أحببنا أن نورده كما أورده والعجب منه فإنه قال في دلائل النبوة (3): باب [ ما روي في ] قدوم هامة بن هيم (4) بن لاقيس بن إبليس على النبي صلى الله عليه وسلم وإسلامه. أخبرنا أبو الحسين (5) محمد بن الحسين بن داود العلوي رحمه الله أنبأنا أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل القاري المروزي، ثنا


(1) رواه أحمد في مسنده ج 3 / 88. ونقل قصة الذئب السيوطي في الخصائص الكبرى (2 / 61) وعزاها لاحمد، ولابن سعد والبزار، وللحاكم وللبيهقي ولابي نعيم من طرق عن أبي سعيد الخدري. (2) من سيرة ابن كثير. (3) دلائل النبوة ج 5 / 418، وما بين معكوفتين في الخبر زيادة استدركت من الدلائل. (4) من الدلائل، وفي الاصل هيثم. (5) من الدلائل وفي الاصل: أبو الحسن. (*)

[ 113 ]

عبد الله بن حماد الآملي، ثنا محمد بن أبي معشر، أخبرني أبي، عن نافع عن ابن عمر. قال: قال عمر رضي الله عنه: بينا نحن قعود مع النبي صلى الله عليه وسلم على جبل من جبال تهامة إذ أقبل شيخ بيده عصا، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد [ عليه السلام ] ثم قال: " نغمة جن وغمغمتهم من أنت ؟ " قال أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فما بينك وبين إبليس إلا أبوان، فكم أتى لك من الدهر " قال: قد افنيت الدنيا عمرها إلا قليلا ليالي قتل قابيل هابيل كنت غلاما ابن أعوام أفهم الكلام، وأمر بالآكام، وآمر بافساد الطعام، وقطيعة الارحام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بئس عمل الشيخ المتوسم، والشباب المتلوم " قال ذرني من الترداد إني تائب إلى الله عز وجل، إني كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكاني، وقال: لا جرم إني على ذلك من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. قال: قلت: يا نوح إني كنت ممن اشترك في دم السعيد الشهيد هابيل بن آدم فهل تجد لي عندك توبة ؟ قال: يا هام هم بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة، إني قرأت فيما أنزل الله علي أنه ليس من عبد تاب إلى الله بالغ أمره ما بلغ إلا تاب الله عليه، قم فتوضأ وأسجد لله سجدتين. قال: ففعلت من ساعتي ما أمرني به. فناداني: أرفع رأسك فقد نزلت توبتك من السماء فخررت لله ساجدا، قال: وكنت مع هود في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكاني، فقال: لا جرم إني على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، قال: وكنت مع صالح في مسجده، مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكاني وقال: أنا على ذلك من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، وكنت أزور يعقوب، وكنت مع يوسف في المكان الامين، ومنت ألقى الياس في الاودية وأنا القاه الآن، وإني لقيت موسى بن عمران فعلمني من التوراة وقال: إن لقيت عيسى ابن مريم فأقره مني السلام. وإني لقيت عيسى ابن مريم فأقرأته عن موسى السلام، وإن عيسى قال: إن لقيت محمدا صلى الله عليه وسلم فأقرئه مني السلام، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عينيه فبكى ثم قال: وعلى عيسى السلام، ما دامت الدنيا، وعليك السلام يا هام بأدائك الامانة. قال: يا رسول الله افعل بي ما فعل موسى إنه علمني من التوراة، قال: فعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقعت الواقعة والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت، والمعوذتين، وقل هو الله أحد، وقال: " ارفع إلينا حاجتك يا هامة، ولا تدع زيارتنا ". قال عمر: فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعد إلينا فلا ندري الآن أحي هو أم ميت ؟ ثم قال البيهقي: ابن أبي معشر هذا قد روى عنه الكبار إلا أن أهل العلم بالحديث يضعفونه. وقد روي هذا الحديث من وجه آخر هو أقوى منه والله أعلم (1).


(1) رواه العقيلي في الضعفاء وقال: لا أصل له. وابن مردويه في التفسير، وأبو نعيم في الحلية والدلائل، و عبد الله بن الامام أحمد في زوائد الزهد. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وأشار إليه في مقدمة كتابه (الوفاء) والسيوطي في اللالئ المصنوعة 1 / 174 (*)

[ 114 ]

سنة عشر من الهجرة باب بعث رسول الله خالد بن الوليد قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الاولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الاسلام، قبل أن يقاتلهم، ثلاثا فإن استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الاسلام ويقولون: أيها الناس: أسلموا تسلموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أمره رسول الله إن هم أسلموا ولم يقاتلوا. ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد النبي رسول الله من خالد بن الوليد: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو: أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك، فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الاسلام، فإن أسلموا [ أقمت بهم و ] (1) قبلت منهم، وعلمتهم معالم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه وإن لم يسلموا قاتلتهم، وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الاسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول، وبعثت فيهم ركبانا: [ قالوا ] (2) يا بني الحارث أسلموا تسلموا فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه وأعلمهم معالم الاسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يكتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الاسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه، فبشرهم وأنذرهم، وأقبل، وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ". فأقبل خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب، منهم قيس بن الحصين ذو الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، و عبد الله بن قراد (3) الزيادي، وشداد بن عبيد (4) الله القناني، وعمرو بن عبد الله الضبابي (5). فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) من ابن هشام. (2) من ابن هشام. (3) قوله: قراد، وفي الطبري قريظ، وفي الاصابة: قداد، وفي أسد الغابة: قداذ. (4) في ابن هشام والطبري: عبد الله. (5) الضبابي: بكسر الضاد، قال السهيلي: وبالفتح في نسب النابغة الذبياني، وبالضم: في بني بكر. (*)

[ 115 ]

ورآهم. قال من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند ؟ قيل: يا رسول الله هؤلاء بنو الحارث بن كعب، فلما وقفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله وأنه لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. ثم قال: " أنتم الذين إذا زجروا استقدموا " فسكتوا فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية ثم الثالثة فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة. قال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله ! نحن الذين إذا زجروا استقدموا قالها أربع مرات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أن خالدا لم يكتب إلي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا، لالقيت رؤوسكم تحت أقدامكم ". فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا. قال فمن حمدتم ؟ قالوا حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقتم. ثم قال: بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية ؟ قالوا: لم نك نغلب أحدا، قال بلى، كنتم تغلبون من قاتلكم. قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله إنا كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم قال: " صدقتم " ثم أمر عليهم قيس بن الحصين. قال ابن إسحاق: ثم رجعوا إلى قومهم في بقية شوال أو في صدر ذي القعدة، قال: ثم بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ليفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الاسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتاب عهد إليه فيه عهده وأمره أمره، ثم أورده ابن أسحاق وقد قدمناه في وفد ملوك حمير (1) من طريق البيهقي وقد رواه النسائي نظير ما ساقه محمد بن إسحاق بغير إسناد. بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الامراء إلى أهل اليمن قال البخاري: باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع. حدثنا موسى، ثنا أبو عوانة ثنا عبد الملك، عن أبي بردة قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف، قال: واليمن مخلافان، ثم قال: " يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا " وفي رواية: وتطاوعا ولا تختلفا وانطلق كل واحد منهما إلى عمله، قال: وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا [ فسلم عليه ] (2) فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، فإذا هو جالس وقد اجتمع الناس إليه، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ يا عبد الله بن قيس أيم هذا قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يقتل، قال: إنما جئ به لذلك، فانزل، قال: ما أنزل حتى يقتل فأمر به فقتل ثم نزل. فقال: يا عبد الله كيف تقرأ


(1) انظر الكتاب في هذا الجزء ص 89. (2) من البخاري في: 64 كتاب المغازي (60) باب فتح الباري ج‍ 8. (*)

[ 116 ]

القرآن ؟ قال: أتفوقه (1) تفوقا قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ ؟ قال أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فاقرأ ما كتبت الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (2). انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه. ثم قال البخاري: ثنا إسحاق، ثنا خالد، عن الشيباني، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى الاشعري. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها فقال ما هي ؟ قال: البتع والمزر فقلت لابي بردة: ما البتع ؟ قال نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير. فقال: " كل مسكر حرام " رواه جرير وعبد الواحد عن الشيباني عن أبي بردة (3). ورواه مسلم من حديث سعيد بن أبي بردة. وقال البخاري: حدثنا حبان، أنبأنا عبد الله، عن زكريا بن أبي إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فان هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فان هم أطاعوا لك بذلك فاياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " (4). وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق متعددة. وقال الامام أحمد: ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدثني راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني، عن معاذ بن جبل. قال: لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه يوصيه ومعاذ راكب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم التفت بوجهه نحو المدينة فقال: " إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا " ثم رواه عن أبي اليمان، عن صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني: أن معاذ لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال يا معاذ " إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري " فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " لا تبك يا معاذ، للبكاء أوان، البكاء من الشيطان " (5). وقال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدثني أبو زياد يحيى بن


(1) أتفوقه تفوقا: أي ألازم قراءته ليلا ونهارا شيئا بعد شئ وحينا بعد حين، مأخوذ من فواق الناقة: وهي ان تحلب ثم تترك ساعة حتى تدر ثم تحلب. (2) فتح الباري ج 8 / 60 الحديث 4341. (3) فتح الباري الحديث 4342. ج 8 / 61. (4) فتح الباري الحديث 4347. ج 8 / 64. (5) مسند الامام أحمد ج 5 / 235. (*)

[ 117 ]

عبيد الغساني، عن يزيد بن قطيب، عن معاذ أنه كان يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال: " لعلك أن تمر بقبري ومسجدي فقد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم يقاتلون على الحق مرتين، فقاتل بمن أطاعك منهم من عصاك، ثم يفيئون إلى الاسلام حتى تبادر المرأة زوجها والولد والده والاخ أخاه، فانزل بين الحيين السكون والسكاسك ". وهذا الحديث فيه إشارة وظهور وإيماء إلى أن معاذا رضي الله عنه، لا يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، وكذلك وقع فإنه أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع، ثم كانت وفاته عليه السلام بعد أحد وثمانين يوما من يوم الحج الاكبر. فأما الحديث الذي قال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن الاعمش عن أبي ظبيان، عن معاذ أنه لما رجع من اليمن قال: يا رسول الله رأيت رجالا باليمن يسجد بعضهم لبعض أفلا نسجد لك قال: " لو كنت آمر بشرا أن يسجد لبشر لامرت المرأة أن تسجد لزوجها " وقد رواه أحمد، عن ابن نمير عن الاعمش: سمعت أبا ظبيان يحدث عن رجل من الانصار عن معاذ بن جبل قال: أقبل معاذ من اليمن فقال: يا رسول الله إني رأيت رجالا. فذكر معناه. فقصد دار على رجل منهم ومثله لا يحتج به ولا سيما وقد خالفه غيره ممن يعتد به فقالوا: لما قدم معاذ من الشام كذلك رواه أحمد ثنا إبراهيم بن مهدي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله " وقال أحمد: ثنا وكيع، وثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا معاذ اتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن " قال وكيع وجدته في كتابي، عن أبي ذر: وهو السماع الاول، وقال سفيان مرة عن معاذ ثم قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل، عن ليث، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ. أنه قال: يا رسول الله أوصني، فقال: " اتق الله حيثما كنت، قال: زدني قال اتبع السيئة الحسنة تمحها، قال: زدني، قال: خالف الناس بخلق حسن ". وقد رواه الترمذي في جامعه: عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان الثوري به وقال: حسن. قال شيخنا في الاطراف وتابعه فضيل بن سليمان، عن ليث بن أبي سليم، عن الاعمش عن حبيب به. وقال أحمد: ثنا أبو اليمان، ثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، عن معاذ بن جبل. قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات قال: " لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن [ والديك ] (1) وإن أمراك أن تخرج من مالك وأهلك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا، فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرا فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية فإن بالمعصية يحل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك


(1) من مسند أحمد. (*)

[ 118 ]

الناس، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت، وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا، وأحبهم في الله عز وجل " وقال الامام أحمد: ثنا يونس، ثنا بقية، عن السري بن ينعم، عن شريح، عن مسروق عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن. قال: " إياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين " وقال أحمد: ثنا سليمان بن داود الهاشمي، ثنا أبو بكر - يعني ابن عياش - ثنا عاصم، عن أبي وائل عن معاذ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا أو عد له من المعافر، وأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة مسنة ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا حوليا وأمرني فيما سقت السماء العشر، وما سقى بالدوالي نصف العشر " وقد رواه أبو داود من حديث أبي معاوية والنسائي من حديث محمد بن إسحاق عن الاعمش كذلك. وقد رواه أهل السنن الاربعة من طرق عن الاعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ وقال أحمد: ثنا معاوية عن عمرو وهارون بن معروف قالا: ثنا عبد الله بن وهب عن حيوة عن يزيد بن أبي حبيب، عن سلمة بن أسامة، عن يحيى بن الحكم. أن معاذا قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا قال هارون - والتبيع الجذع أو جذعة - ومن كل أربعين مسنة، فعرضوا على أن آخذ ما بين الاربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين فأبيت ذلك. وقلت لهم: أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقدمت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا ومن العشرين ومائة ثلاث مسننات أو أربعة أتباع، قال: وأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن يبلغ مسنة أو جذع وزعم أن الاوقاص (1) لا فريضة فيها. وهذا من أفراد أحمد، وفيه دلالة على أنه قدم بعد مصيره إلى اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحيح إنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كما تقدم في الحديث. وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن أبي بن كعب بن مالك، قال: كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه حتى كان عليه دين أغلق ماله فكلم رسول الله في أن يكلم غرماءه ففعل. فلم يضعوا له شيئا، فلو ترك لاحد بكلام أحد لترك لمعاذ بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فدعاه رسول الله فلم يبرح أن باع ماله وقسمه بين غرمائه. قال: فقام معاذ ولا مال له، قال: فلما حج رسول الله بعث معاذا إلى اليمن قال: فكان أول من تجر في هذا المال معاذ، قال: فقدم على أبي بكر الصديق من اليمن وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء عمر ؟ فقال: هل لك أن تطيعني، فتدفع هذا المال إلى أبي بكر، فإن أعطاكه فاقبله، قال فقال معاذ: لم أدفعه إليه وإنما بعثني رسول الله ليجيرني، فلما أبى عليه انطلق عمر إلى أبي بكر فقال: أرسل إلى


(1) الاوقاص: ما بين الفريضتين في الزكاة. (*)

[ 119 ]

هذا الرجل فخذ منه ودع له. فقال أبو بكر: ما كنت لافعل، وإنما بعثه رسول الله ليجيره، فلست آخذ منه شيئا. قال: فلما أصبح معاذ انطلق إلى عمر فقال: ما أرى إلا فاعل الذي قلت، إني رأيتني البارحة في النوم - فيما يحسب عبد الرزاق قال - أجر إلى النار وأنت آخذ بحجزتي، قال: فانطلق إلى أبي أبكر بكل شئ جاء به حتى جاءه بسوطه وحلف له أنه لم يكتمه شيئا. قال: فقال أبو بكر رضي الله عنه: هو لك لا آخذ منه شيئا (1). وقد رواه أبو ثور (2) عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك فذكره إلا أنه قال: حتى إذا كان عام فتح مكة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على طائفة من اليمن أميرا، فمكث حتى قبض رسول الله، ثم قدم في خلافة أبي بكر، وخرج إلى الشام. قال البيهقي: وقد قدمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلفه بمكة مع عتاب بن أسيد ليعلم أهلها، وأنه شهد غزوة تبوك، فالاشبه أن بعثه إلى اليمن كان بعد ذلك والله أعلم، ثم ذكر البيهقي لقصة منام معاذ شاهدا من طريق الاعمش عن أبي وائل عن عبد الله وأنه كان من جملة ما جاء به عبيد فأتى بهم أبا بكر، فلما رد الجميع عليه رجع بهم، ثم قام يصلي، فقاموا كلهم يصلون معه فلما انصرف. قال لمن صليتم. ؟ قالوا: لله قال: فأنتم له عتقاء فأعتقهم (3). وقال الامام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي عون، عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء ؟ قال أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله ؟ قال: فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ قال: اجتهد وإني لا آلو. قال فضرب رسول الله صدري ثم قال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله " (4. وقد رواه أحمد: عن وكيع، عن عفان، عن شعبة باسناده ولفظه. وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث شعبة به وقال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وقد رواه ابن ماجه من وجه آخر عنه إلا أنه من طريق محمد بن سعد بن حسان - وهو المصلوب أحد الكذابين - عن عياذ بن بشر، عن عبد الرحمن، عن معاذ به نحوه، وقد روى الامام أحمد عن محمد بن جعفر، ويحيى بن سعيد، عن شعبة عن عمرو بن أبي حكيم عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن معمر، عن أبي الاسود الدئلي. قال: كان معاذ باليمن


(1) الخبر رواه البيهقي في الدلائل ج 5 / 405 - 406، وأخرجه بتمامه أبو نعيم في حلية الاولياء 1 / 231، وأخرجه الحاكم مختصرا في مستدركه (3 / 273). (2) في دلائل البيهقي: ابن ثور، وفي نسخة للدلائل: أبو ثور. وفي الحاشية: هو محمد بن ثور الصنعاني، أبو عبد الله العابد الثقة، له ترجمة في التهذيب 9 / 87. (دلائل النبوة ج 5 / 405). (3) دلائل البيهقي ج 5 / 405، وحلية الاولياء لابي نعيم ج 1 / 232 رواه مرسلا، ووصله الحاكم في المستدرك 3 / 273. (4) مسند الامام أحمد ج 5 / 230 و 236 و 242. (*)

[ 120 ]

فارتفعوا إليه في يهودي مات وترك أخا مسلما. فقال معاذ: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الاسلام يزيد ولا ينقص " فورثه. ورواه أبو داود: من حديث ابن بريدة به. وقد حكى هذا المذهب عن معاوية بن أبي سفيان، ورواه عن يحيى بن معمر القاضي، وطائفة من السلف وإليه ذهب إسحاق بن راهويه وخالفهم الجمهور، ومنهم الائمة الاربعة وأصحابهم محتجين بما ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر " والمقصود أن معاذ رضي الله عنه كان قاضيا للنبي صلى الله عليه وسلم باليمن وحاكما في الحروب ومصدقا إليه تدفع الصدقات كما دل عليه حديث ابن عباس المتقدم، وقد كان بارزا للناس يصلي بهم الصلوات الخمس كما قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، أن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ: * (واتخذ الله ابراهيم خليلا) * فقال رجل من القوم: لقد قرت عين إبراهيم (1). انفرد به البخاري. ثم قال البخاري: باب (2) بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع حدثنا أحمد بن عثمان، ثنا شريح بن مسلمة، ثنا ابراهيم بن يوسف [ بن اسحاق ] بن أبي إسحاق، حدثني أبي، عن أبي اسحاق سمعت البراء بن عازب قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد بن الوليد إلى اليمن قال: ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه قال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل فكنت فيمن عقب معه قال: فغنمت أواقي ذات عدد انفرد به البخاري من هذا الوجه ثم قال البخاري حدثنا محمد بن بشار، ثنا روح بن عبادة، ثنا علي بن سويد بن منجوف، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى خالد بن الوليد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليا فأصبح وقد اغتسل فقلت لخالد ألا ترى إلى هذا ؟ فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال: " يا بريدة [ أ ] تبغض عليا ؟ فقلت: نعم فقال: " لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك " (3). انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه. وقال الامام أحمد: ثنا يحيى بن سعيد، ثنا عبد الجليل قال انتهيت إلى حلقة فيها أبو مجلز وابنا بريدة فقال عبد الله بن بريدة: حدثني أبو بريدة قال: أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا قط، قال: وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا قال فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا قال فأصبنا سبيا قال فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعث إلينا من يخمسه قال فبعث إلينا عليا وفي السبي وصيفة من أفضل السبي. قال: فخمس وقسم فخرج


(1) أخرجه البخاري في المغازي (60) باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن. فتح الباري 8 / 65. (2) كتاب المغازي - 61 باب فتح الباري ج 8 / 65. (3) فتح الباري 8 / 65 - 66 الحديثان 4349 - 4350. وما بين معكوفتين من الفتح. (*)

[ 121 ]

ورأسه يقطر فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا ؟ فقال ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي، فإني قسمت، وخمست فصارت في الخمس، ثم صارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ثم صارت في آل علي ووقعت بها، قال، فكتب الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت أبعثني فبعثني مصدقا فجعلت أقرأ الكتاب وأقوله صدق قال: فأمسك يدي والكتاب فقال: " أتبغض عليا " قال: قلت نعم ؟ قال " فلا تبغضه وإن كنت تحبه فازدد له حبا فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة " قال: فما كان من الناس أحد بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي من علي. قال عبد الله بن بريدة فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث غير أبي بريدة (1). تفرد به بهذا السياق عبد الجليل بن عطية الفقيه أبو صالح البصري وثقه ابن معين وابن حبان. وقال البخاري: إنما يهم في الشئ وقال محمد بن إسحاق: ثنا أبان بن صالح، عن عبد الله بن نيار الاسلمي عن خاله عمرو بن شاس الاسلمي وكان من أصحاب الحديبية. قال: كنت مع علي بن أبي طالب في خيله التي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فجفاني علي بعض الجفاء. فوجدت في نفسي عليه فلما قدمت المدينة، اشتكيته في مجالس المدينة وعند من لقيته، فأقبلت يوما ورسوله الله جالس في المسجد، فلما رآني أنظر إلى عينيه نظر إلي حتى جلست إليه فلما جلست إليه قال: " إنه والله يا عمرو بن شاس لقد آذيتني " فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أعوذ بالله والاسلام أن أوذي رسول الله. فقال: " من آذى عليا فقد آذاني " وقد رواه البيهقي من وجه آخر: عن ابن إسحاق عن أبان بن [ صالح، عن ] الفضل بن معقل بن سنان عن عبد الله بن نيار عن خاله عمرو بن شاس فذكره بمعناه (2). وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو إسحاق (3) المولى ثنا عبيدة بن أبي السفر: سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الاسلام فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالدا، إلا رجلا كان ممن [ يمم ] مع خالد، فأحب أن يعقب مع علي فليعقب معه. قال البراء: فكنت فيمن عقب مع علي، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، ثم تقدم فصلى بنا علي ثم صفنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعا، فكتب علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: " السلام على همدان السلام على همدان ". قال البيهقي: رواه البخاري مختصرا من وجه


(1) مسند الامام أحمد ج 5 / 351 و 359. (2) الخبر في دلائل البيهقي ج 5 / 395، وأخرجه الامام أحمد في مسنده 3 / 483. وما بين معكوفين من الدلائل. (3) العبارة في الدلائل: حدثنا أبو اسحاق: ابراهيم بن محمد بن يحيى المزكي، أنبأنا أبو عبد الله: أحمد بن علي الجوزجاني، حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر... (*)

[ 122 ]

آخر عن ابراهيم بن يوسف (1). وقال البيهقي: أنبأنا أبو الحسين [ محمد بن الحسين ] محمد بن الفضل القطان، أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان، [ حدثنا أبو اسحاق: اسماعيل بن إسحاق القاضي ] ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة عن أبي سعيد الخدري. أنه قال: بعث رسول الله علي بن أبي طالب إلى اليمن. قال أبو سعيد، فكنت فيمن خرج معه، فلما أخذ من إبل الصدقة، سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا - وكنا قد رأينا في إبلنا خللا - فأبى علينا، وقال: إنما لكم فيها سهم كما للمسلمين. قال، فلما فرغ علي وانطفق من اليمن راجعا، أمر علينا إنسانا وأسرع هو وأدرك الحج، فلما قضى حجته، قال له النبي صلى الله عليه وسلم. " ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم " قال أبو سعيد: وقد كنا سألنا الذي استخلفه ما كان علي منعنا إياه ففعل، فلما عرف في إبل الصدقة أنها قد ركبت، ورأى أثر الركب، قدم الذي أمره ولامه. فقلت: أما أن الله علي لئن قدمت المدينة لاذكرن لرسول الله، ولاخبرنه ما لقينا من الغلظة والتضييق. قال: فلما قدمنا المدينة غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد أن أفعل ما كنت حلفت عليه، فلقيت أبا بكر خارجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآني وقف معي، ورحب بي وساءلني وساءلته. وقال متى قدمت ؟ فقلت: قدمت البارحة، فرجع معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل، وقال هذا سعد بن مالك بن الشهيد. فقال: ائذن له فدخلت، فحييت رسول الله وحياني، وأقبل علي وسألني عن نفسي وأهلي وأحفى المسألة، فقلت: يا رسول الله ما لقينا من علي من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق، فاتئد رسول الله وجعلت أنا أعدد ما لقينا منه، حتى إذا كنت في وسط كلامي، ضرب رسول الله على فخذي، وكنت منه قريبا وقال: " يا سعد بن مالك ابن الشهيد: مه، بعض قولك لاخيك علي، فوالله لقد علمت أنه أحسن في سبيل الله ". قال: فقلت في نفسي ثكلتك أمك سعد بن مالك - ألا أراني كنت فيما يكره منذ اليوم، ولا أدري لا جرم والله لا أذكره بسوء أبدا سرا ولا علانية. وهذا إسناد جيد على شرط النسائي ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة (2). وقد قال يونس: عن محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي عمر (3)، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال إنما وجد جيش علي بن [ أبي ] طالب الذين كانوا معه باليمن، لانهم حين أقبلوا خلف عليهم رجلا، وتعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فعمد الرجل فكسى كل رجل حلة، فلما دنوا خرج عليهم علي يستلقيهم فإذا عليهم الحلل. قال علي: ما هذا ؟ قالوا: كسانا فلان: قال: فما دعاك إلى هذا قبل أن تقدم على رسول الله فيصنع ما شاء فنزع الحلل منهم، فلما قدموا على رسول الله اشتكوه لذلك، وكانوا قد صالحوا رسول الله، وإنما


(1) دلائل البيهقي ج 5 / 396. والبخاري في كتاب المغازي (61) باب وقد تقدم. (2) الخبر رواه البيهقي في الدلائل، والزيادات بين معكوفين منه، ورواه مختصرا الامام أحمد في مسنده ج 3 / 86. (3) في ابن هشام: يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة. (*)

[ 123 ]

بعث عليا إلى جزية موضوعة. قلت: هذا السياق أقرب من سياق البيهقي وذلك إن عليا سبقهم لاجل الحج، وساق معه هديا وأهل باهلال النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يمكث حراما وفي رواية البراء بن عازب أنه قال له: إني سقت الهدي وقرنت. والمقصود أن عليا لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبه، وعلي معذور فيما فعل، لكن اشتهر الكلام فيه في الحجيج. فلذلك والله أعلم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجته، وتفرغ من مناسكه ورجع إلى المدينة، فمر بغدير خم قام في الناس خطيبا فبرأ ساحة علي ورفع من قدره ونبه على فضله ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس، وسيأتي هذا مفصلا في موضعه إن شاء الله وبه الثقة. وقال البخاري: ثنا قتيبة، ثنا عبد الواحد، عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة، حدثني عبد الرحمن بن أبي نعم، سمعت أبا سعيد الخدري يقول: بعث علي بن أبي طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها. قال: فقسمها بين أربعة، بين عيينة بن بدر (1)، والاقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل (2). فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا تأمنوني ؟ وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء " قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الازار. فقال: يا رسول الله اتق الله ! فقال: ويلك أو لست أحق الناس (3) أن يتقي الله ؟ قال: ثم ولى الرجل قال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ قال: لا لعله أن يكون يصلي قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لم أومر أن انقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم. قال: ثم نظر إليه وهو مقف فقال: " إنه يخرج من ضئضئي (4) هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " - أظنه قال: لئن أدركتهم لاقتلنهم قتل ثمود (3) -. وقد رواه البخاري في مواضع أخر من كتابه ومسلم في كتاب الزكاة من صحيحه من طرق متعددة إلى عمارة بن القعقاع به. ثم قال الامام أحمد: ثنا يحيى عن الاعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري عن


(1) وهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، ونسبه في روايته إلى جده الاعلى. (2) قال ابن حجر: ذكر عامر بن الطفيل غلط من عبد الواحد فإنه كان مات قبل ذلك. (3) في البخاري: أحق أهل الارض. (4) ضئضئ: النسل والعقب. (5) فتح الباري: الحديث 4351. (*)

[ 124 ]

علي. قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأنا حديث السن، قال: فقلت: تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء. قال: " إن الله سيهدي لسانك ويثبت قلبك " قال: فما شككت في قضاء بين اثنين (1). ورواه ابن ماجه من حديث الاعمش به. وقال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، ثنا شريك عن سماك، عن حنش، عن علي. قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني، وأنا حدث لا أبصر القضاء. قال فوضع يده على صدري وقال: " اللهم ثبت لسانه وأهد قلبه، يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر ما سمعت من الاول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك " قال فما اختلف علي قضاء بعد - أو ما أشكل علي قضاء بعد. ورواه أحمد أيضا وأبو داود من طرق عن شريك والترمذي من حديث زائدة كلاهما عن سماك بن حرب، عن حنش بن المعتمر، وقيل ابن ربيعة الكناني الكوفي عن علي به. وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الاجلح، عن الشعبي، عن عبد الله بن أبي الخليل عن زيد بن أرقم أن نفرا وطئوا امرأة في طهر فقال علي: لاثنين اتطيبان نفسا لذا (2) فقالا لا فأقبل على الآخرين فقال أتطيبان نفسا لذا فقالا: لا ! فقال: أنتم شركاء متشاكسون. فقال: إني مقرع بينكم فأيكم قرع أغرمته ثلثي الدية وألزمته الولد، قال فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا أعلم إلا ما قال علي. وقال أحمد: ثنا شريح بن النعمان، ثنا هشيم، أنبأنا الاجلح عن الشعبي، عن أبي الخليل، عن زيد بن أرقم: أن عليا أتي في ثلاثة نفر إذ كان في اليمن اشتركوا في ولد فأقرع بينهم فضمن الذي أصابته القرعة ثلثي الدية وجعل الولد له. قال زيد بن أرقم: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقضاء علي، فضحك حتى بدت نواجذه. ورواه أبو داود: عن مسدد، عن يحيى القطان والنسائي عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر كلاهما عن الاجلح بن عبد الله، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن الخليل، وقال النسائي في رواية عبد الله بن أبي الخليل عن زيد بن أرقم. قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل اليمن فقال إن ثلاثة نفر أتوا عليا يختصمون في ولد، وقعوا على امرأة في طهر واحد فذكر نحو ما تقدم. وقال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روياه أعني أبا داود والنسائي: من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي: عن أبي الخليل، أو ابن الخليل عن علي قوله فأرسله ولم يرفعه. وقد رواه الامام أحمد أيضا عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن الاجلح عن الشعبي، عن عبد خير، عن زيد بن أرقم فذكر نحو ما تقدم. وأخرجه أبو داود والنسائي جميعا عن حنش بن أصرم، وابن ماجه عن إسحاق بن منصور كلاهما عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن


(1) رواه أحمد في مسنده 1 / 83 وابن سعد في الطبقات 2 / 237 وابن ماجه 2 / 26. ومن طرق وأسانيد متصلة رواه أحمد في 1 / 88، 111، 136، 149، 156 ورواه أبو داود 3 / 327 والترمذي 2 / 277 وقال: حسن صحيح. (2) وفي نسخة التيمورية: نفساكما. (*)

[ 125 ]

صالح الهمداني، عن الشعبي، عن عبد خير عن زيد بن أرقم به. قال شيخنا في الاطراف لعل عبد خير هذا هو عبد الله بن الخليل ولكن لم يضبط الراوي اسمه قلت: فعلى هذا يقوى الحديث، وإن كان غيره كان أجود لمتابعته له لكن الاجلح بن عبد الله الكندي فيه كلام ما، وقد ذهب إلى القول بالقرعة في الانساب الامام أحمد وهو من أفراده. وقال الامام أحمد: ثنا أبو سعيد، ثنا اسرائيل ثنا سماك، عن حنش عن علي قال: بعثني رسول الله إلى اليمن فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية للاسد فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل فتعلق بآخر ثم تعلق آخر بآخر حتى صاروا فيها أربعة فجرحهم الاسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله وماتوا من جراحتهم كلهم. فقام أولياء الاول إلى أولياء الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا فأتاهم علي على تعبية ذلك فقال: تريدون أن تقاتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي أني أقضي بينكم قضاء، إن رضيتم فهو القضاء وإلا أحجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فيكون هو الذي يقضي بينكم فمن عدا بعد ذلك فلا حق له، اجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية، وثلث الدية، ونصف الدية والدية كاملة فللاول الربع لانه هلك والثاني ثلث الدية، والثالث نصف الدية، والرابع الدية، فأبوا أن يرضوا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند مقام إبراهيم فقصوا عليه القصة. فقال: أنا أحكم بينكم، فقال رجل من القوم: يا رسول الله إن عليا قضى علينا فقصوا عليه القصة فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رواه الامام أحمد أيضا عن وكيع، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن حنش عن علي فذكره. كتاب حجة الوداع في سنة عشر ويقال لها حجة البلاغ وحجة الاسلام وحجة الوداع لانه عليه الصلاة والسلام ودع الناس فيها ولم يحج بعدها، وسميت حجة الاسلام لانه عليه السلام لم يحج من المدينة غيرها، ولكن حج قبل الهجرة مرات قبل النبوة وبعدها. وقد قيل إن فريضة الحج نزلت عامئذ. وقيل سنة تسع، وقيل سنة ست، وقيل قبل الهجرة وهو غريب، وسميت حجة البلاغ لانه عليه السلام بلغ الناس شرع الله في الحج قولا وفعلا، ولم يكن بقي من دعائم الاسلام وقواعده شئ إلا وقد بينه عليه السلام فلما بين لهم شريعة الحج، ووضحه وشرحه أنزل الله عز وجل عليه وهو واقف بعرفة * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) * [ المائدة: 3 ]. وسيأتي ايضاح لهذا كله والمقصود ذكر حجته عليه السلام كيف كانت، فإن النقلة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا جدا بحسب ما وصل إلى كل منهم من العلم وتفاوتوا في ذلك تفاوتا كثيرا لاسيما من بعد الصحابة رضي الله عنهم، ونحن نورد بحمد الله وعونه، وحسن توفيقه ما ذكره الائمة في كتبهم من هذه الروايات ونجمع بينهما جمعا يثلج قلب من تأمله، وأنعم النظر فيه، وجمع بين

[ 126 ]

طريقتي الحديث وفهم معانيه إن شاء الله وبالله الثقة وعليه التكلان، وقد اعتنى الناس بحجة رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتناء كثيرا من قدماء الائمة ومتأخريهم، وقد صنف العلامة أبو محمد بن حزم الاندلسي رحمه الله مجلدا في حجة الوداع أجاد في أكثره ووقع له فيه أوهام سننبه عليها في مواضعها وبالله المستعان. باب بيان أنه عليه والسلام لم يحج من المدينة إلا حجة واحدة وإنه اعتمر قبلها ثلاث عمر كما رواه البخاري ومسلم: عن هدبة، عن همام، عن قتادة عن أنس. قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي في حجته. الحديث. وقد رواه يونس بن بكير، عن عمر بن ذر، عن مجاهد عن أبي هريرة مثله وقال سعد بن منصور، عن الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة. قالت: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر: عمرة في شوال وعمرتين في ذي القعدة وكذا رواه ابن بكير: عن مالك عن هشام بن عروة. وروى الامام أحمد: من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رسول الله اعتمر ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة. وقال أحمد: ثنا أبو النضر ثنا داود - يعني العطار - عن عمرو، عن عكرمة عن ابن عباس. قال: اعتمر رسول الله أربع عمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء والثالثة من الجعرانة والرابعة التي مع حجته. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث داود العطار وحسنه الترمذي. وقد تقدم هذا الفصل عند عمرة الجعرانة. وسيأتي في فصل من قال إنه عليه السلام حج قارنا وبالله المستعان. فالاولى، من هذه العمرة عمرة الحديبية التي صد عنها. ثم بعدها عمرة القضاء ويقال عمرة القصاص ويقال عمرة القضية. ثم بعدها عمرة الجعرانة مرجعه من الطائف حين قسم غنائم حنين، وقد قدمنا ذلك كله في مواضعه، والرابعة عمرته مع حجته وسنبين اختلاف الناس في عمرته هذه مع الحجة هل كان متمتعا بأن أوقع العمرة قبل الحجة وحل منها أو منعه من الاحلال منها سوقه الهدي أو كان قارنا لها مع الحجة كما نذكره من الاحاديث الدالة على ذلك أو كان مفردا لها عن الحجة بأن أوقعها بعد قضاء الحجة قال: وهذا هو الذي يقوله من يقول بالافراد كما هو المشهور عن الشافعي وسيأتي بيان هذا عند ذكرنا إحرامه صلى الله عليه وسلم كيف كان مفردا أو متمتعا أو قارنا. قال البخاري: ثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، حدثني زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة، وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة، قال أبو إسحاق

[ 127 ]

وبمكة أخرى (1). وقد رواه مسلم من حديث زهير وأخرجاه من حديث شعبة. زاد البخاري وإسرائيل ثلاثتهم عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن زيد به. وهذا الذي قال أبو إسحاق من أنه عليه السلام حج بمكة حجة أخرى أي أراد أنه لم يقع منه بمكة إلا حجة واحدة ما هو ظاهر لفظه فهو بعيد (2) فإنه عليه السلام كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج ويدعو الناس إلى الله ويقول: " من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي عز وجل " حتى قيض الله جماعة الانصار يلقونه ليلة العقبة أي عشية يوم النحر، عند جمرة العقبة ثلاث سنين متتاليات، حتى إذا كانوا آخر سنة بايعوه ليلة العقبة الثانية، وهي ثالث اجتماعه لهم به ثم كانت بعدها الهجرة إلى المدينة كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه. والله أعلم. وفي حديث جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله. قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس بالحج فاجتمع بالمدينة بشر كثير، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة أو لاربع، فلما كان بذي الحليفة صلى ثم استوى على راحلته فلما أخذت به في البيداء لبى، وأهللنا لا ننوي إلا الحج. وسيأتي الحديث بطوله وهو في صحيح مسلم وهذا لفظ البيهقي (3) من طريق أحمد بن حنبل عن إبراهيم بن طهمان عن جعفر بن محمد به. باب خروجه عليه السلام من المدينة لحجة الوداع بعد ما استعمل عليها أبا دجانة بن حرشة الساعدي، ويقال سباع بن عرفطة الغفاري قال محمد بن إسحاق: فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو القعدة من سنة عشر تجهز للحج، وأمر الناس بالجهاز له فحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة وهذا إسناد جيد، وروى الامام مالك في موطائه: عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن عمرة، عن عائشة. ورواه الامام أحمد عن عبد الله بن نمير، عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن عمرة عنها. وهو ثابت في الصحيحين وسنن النسائي وابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة: من طرق عن يحيى بن


(1) فتح الباري باب حجة الوداع الحديث 4404. (2) كانت قريش في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، إلا من لم يكن بمكة أو عاقه ضعف، وكانوا يرون إقامة الحج من مفاخرهم التي امتازوا بها على العرب، فكيف بالنبي أن يتركه ؟ قال ابن حجر: إنه صلى الله عليه وآله لم يترك الحج وهو بمكة قط. (3) دلائل النبوة ج 5 / 432. (*)

[ 128 ]

سعيد الانصاري عن عمرة عن عائشة. قالت: خرجنا مع رسول الله لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج الحديث بطوله كما سيأتي. وقال البخاري: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا فضيل بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة: أخبرني كريب عن ابن عباس. قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعدما ترجل وأدهن، ولبس إزاره ورداءه، ولم ينه عن شئ من الاردية ولا الازر، إلا المزعفرة التي تردع الجلد (1) فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء وذلك لخمس بقين من ذي القعدة فقدم مكة لخمس (2) خلون من ذي الحجة تفرد به البخاري فقوله - وذلك لخمس بقين من ذي القعدة - إن أراد به صبيحة يومه بذي الحليفة صح قول ابن حزم في دعواه أنه صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة يوم الخميس وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة وأصبح بها يوم الجمعة وهو اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة وإن أراد ابن عباس بقوله وذلك لخمس من ذي القعدة يوم انطلاقه عليه السلام من المدينة بعدما ترجل وأدهن ولبس إزاره ورداءه كما قالت عائشة وجابر أنهم خرجوا من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة بعد قول ابن حزم وتعذر المصير إليه وتعين القول بغيره ولم ينطبق ذلك إلا على يوم الجمعة إن كان شهر ذي القعدة كاملا ولا يجوز أن يكون خروجه عليه السلام من المدينة كان يوم الجمعة لما روى البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا وهيب، ثنا أيوب، عن أبي قلابة عن أنس بن مالك. قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء حمد الله عز وجل وسبح ثم أهل بحج وعمرة. وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين. وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن محمد - يعني ابن المنكدر - وإبراهيم بن ميسرة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين. ورواه البخاري: عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري به. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي: من حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنذر، وابراهيم بن ميسرة، عن أنس به. وقال أحمد: ثنا محمد بن بكير، ثنا ابن جريج، عن محمد بن المنذر، عن أنس قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح فلما ركب راحلته واستوت به أهل. وقال أحمد: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن المنذر التيمي، عن أنس بن مالك الانصاري: قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر في مسجده بالمدينة أربع ركعات ثم صلى بنا العصر بذي الحليفة ركعتين آمنا لا يخاف في حجة الوداع تفرد به أحمد من هذين الوجهين الآخرين وهما على شرط الصحيح وهذه ينفي كون خروجه عليه السلام يوم الجمعة قطعا ولا يجوز على هذا


(1) الردع: تغير اللون إلى الصفرة. (2) في البخاري: لاربع. انظر الحديث رقم (1545) كتاب الحج. (*)

[ 129 ]

أن يكون خروجه يوم الخميس كما قال ابن حزم لانه كان يوم الرابع والعشرين من ذي القعدة لانه لا خلاف أن أول ذي الحجة كان يوم الخميس لما ثبت بالتواتر والاجماع من أنه عليه السلام وقف بعرفة يوم الجمعة وهو تاسع ذي الحجة بلا نزاع، فلو كان خروجه يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي القعدة لبقي في الشهر ست ليال قطعا ليلة الجمعة والسبت والاحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء فهذه ست ليال. وقد قال ابن عباس وعائشة وجابر: أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة وتعذر أنه يوم الجمعة لحديث أنس فتعين على هذا أنه عليه السلام خرج من المدينة يوم السبت وظن الراوي أن الشهر يكون تاما فاتفق في تلك السنة نقصانه فانسلخ يوم الاربعاء واستهل شهر ذي الحجة ليلة الخميس ويؤيده ما وقع في رواية جابر لخمس بقين أو أربع وهذا التقرير على هذا التقدير لا محيد عنه ولابد منه. والله أعلم. باب صفة خروجه عليه السلام من المدينة إلى مكة للحج قال البخاري: حدثنا ابراهيم بن المنذر، ثنا أنس بن عياض عن عبيد الله هو ابن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس (1)، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى يصبح (2). تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال الحافظ أبو بكر البزار وجدت في كتابي: عن عمرو بن مالك، عن يزيد بن زريع، عن هشام، عن عروة، عن ثابت عن ثمامة عن أنس. أن النبي صلى الله عليه وسلم: حج على رحل رث وتحته قطيفة وقال حجة لا رياء فيها ولا سمعة. وقد علقه البخاري في صحيحه فقال: وقال محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا يزيد بن زريع، عن عروة عن ثابت عن ثمامة قال: حج أنس على رحل رث ولم يكن شحيحا وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج على رحل وكانت زاملته. هكذا ذكره البزار والبخاري معلقا مقطوع الاسناد من أوله وقد أسنده الحافظ البيهقي في سننه فقال: أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب القاضي، ثنا محمد بن ابي بكر ثنا يزيد زريع فذكره. وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده من وجه آخر عن أنس بن مالك. فقال حدثنا علي بن الجعد أنبأنا الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) الشجرة والمعرس: موضعان معروفان على طريق مكة المدينة، وكل من الشجرة والمعرس على ستة أميال من المدينة والمعرس أقرب. (2) أخرجه البخاري في كتاب الحج (15) باب الحديث 1533 فتح الباري 3 / 392. (*)

[ 130 ]

على رحل رث وقطيفة تساوي - أو لا تساوي - أربعة دراهم. فقال: " اللهم حجة لا رياء فيها " (1). وقد رواه الترمذي في الشمائل (2) من حديث أبي داود الطيالسي، وسفيان الثوري وابن ماجه من حديث وكيع بن الجراح ثلاثتهم عن الربيع بن صبيح به وهو إسناد ضعيف، من جهة يزيد بن أبان الرقاشي فإنه غير مقبول الرواية عند الائمة. وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه. قال: صدرت مع ابن عمر، فمرت بنا رفقة يمانية ورحالهم الادم، وخطم إبلهم الخرز (3). فقال عبد الله: من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة وردت العام برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا قدموا في حجة الوداع فلينظر إلى هذه الرفقة. ورواه أبو داود: عن هناد، عن وكيع، عن إسحاق، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن ابن عمر. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو طاهر الفقيه، وأبو زكريا بن أبي إسحاق، وأبو بكر بن الحسن وأبو سعيد بن أبي عمرو قالوا: ثنا أبو العباس هو الاصم، أنبأنا محمد بن عبد الله بن الحكم، أنبأنا سعيد بن بشير القرشي، حدثنا عبد الله بن حكيم الكناني - رجل من أهل اليمن من مواليهم - عن بشر بن قدامة الضبابي. قال: أبصرت عيناي حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفات مع الناس على ناقة له حمراء قصواء تحته قطيفة بولانية وهو يقول: " اللهم اجعلها حجة غير رياء ولا مما (4) ولا سمعة ". والناس يقولون هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، ثنا ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه. أن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حجاجا حتى أدركنا بالعرج (5) نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست عائشة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلست إلى جنب أبي، وكانت زمالة (6) رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمالة أبي بكر واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه فطلع عليه وليس معه بعيره. فقال: أين بعيرك ؟ فقال أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تضله فطفق يضربه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول: " انظروا إلى هذا المحرم وما يصنع ". وكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن عبد العزيز أبي رزمة. وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ثلاثتهم عن عبد الله بن إدريس به. فأما الحديث الذي رواه أبو بكر البزار في مسنده قائلا: حدثنا إسماعيل بن حفص، ثنا يحيى بن اليمان، ثنا حمزة الزيات،


(1) في رواية البيهقي عن أبي يعلى: زاد لا رياء فيها ولا سمعة. دلائل النبوة ج 5 / 444. (2) الشمائل - باب ما جاء في تواضع رسول الله صلى الله عليه وآله ج 2 / 120. (3) الخرز: نبات من النجيل منظوم من أعلاه إلى أسفله. (4) هكذا في الاصول، ولا هنا، وفي الاصابة في ترجمة بشر بن قدامة: " اللهم غير رياء ولا سمعة " وفي سيرة ابن كثير: ولا مباهاة ولعلها الاقرب للصواب. (5) العرج: منزل بطريق مكة. (6) الزمالة: المركوب والاداة، وما كان معهما في السفر (النهاية). (*)

[ 131 ]

عن حمران بن أعين، عن أبي الطفيل عن أبي سعيد. قال: حج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة قد ربطوا أوساطهم ومشيهم خلط الهرولة. فإنه حديث منكر ضعيف الاسناد. وحمزة بن حبيب الزيات ضعيف وشيخه متروك الحديث. وقد قال البزار لا يروى إلا من هذا الوجه وإن كان إسناده حسنا عندنا، ومعناه أنهم كانوا في عمرة إن ثبت الحديث لانه عليه السلام إنما حج حجة واحدة وكان راكبا وبعض أصحابه مشاة. قلت: ولم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في شئ من عمره ماشيا لا في الحديبية ولا في القضاء ولا الجعرانة ولا في حجة الوداع، وأحواله عليه السلام أشهر وأعرف من أن تخفى على الناس بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله والله أعلم. فصل تقدم أنه عليه السلام صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم ركب منها إلى الحليفة وهي وادي العقيق، فصلى بها العصر ركعتين، فدل على أنه جاء الحليفة نهارا في وقت العصر، فصلى بها العصر قصرا وهي من المدينة على ثلاثة أميال ثم صلى بها المغرب والعشاء وبات بها حتى أصبح فصلى بأصحابه وأخبرهم أنه جاءه الوحي من الليل بما يعتمده في الاحرام كما قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أتى في المعرس من ذي الحليفة فقيل له إنك ببطحاء مباركة. وأخرجاه في الصحيحين من حديث موسى بن عقبة به وقال البخاري: حدثنا الحميدي ثنا الوليد وبشر بن بكر. قالا: ثنا الاوزاعي ثنا يحيى، حدثني عكرمة أنه سمع ابن عباس أنه سمع (1) عمر يقول: سمعت رسول الله بوادي العقيق يقول: " أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة " (2) تفرد به دون مسلم فالظاهر إن أمره عليه السلام بالصلاة في وادي العقيق هو أمر بالاقامة به إلى أن يصلي صلاة الظهر لان الامر إنما جاءه في الليل وأخبرهم بعد صلاة الصبح فلم يبق إلا صلاة الظهر فأمر أن يصليها هنالك وأن يوقع الاحرام بعدها ولهذا قال: أتاني الليلة آت من ربي عز وجل فقل صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة، وقد احتج به على الامر بالقرآن في الحج وهو من أقوى الادلة على ذلك كما سيأتي بيانه قريبا والمقصود أنه عليه السلام أمر بالاقامة بوادي العقيق إلى صلاة الظهر، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، فأقام هنالك وطاف على نسائه في تلك الصبيحة وكن تسع نسوة وكلهن خرج معه ولم يزل هنالك حتى صلى الظهر، كما سيأتي في حديث أبي حسان الاعرج، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى


(1) من البخاري، وفي الاصل ابن عمر. (2) في كتاب الحج 61 باب الحديث 1534. (*)

[ 132 ]

الظهر بذي الحليفة ثم أشعر بدنته ثم ركب فأهل وهو عند مسلم. وهكذا قال الامام أحمد: حدثنا روح ثنا أشعث - هو ابن عبد الملك، عن الحسن، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ثم ركب راحلته فلما علا شرف البيداء أهل. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل والنسائي عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل، عن أشعث بمعناه، وعن أحمد بن الازهر عن محمد بن عبد الله الانصاري عن أشعث اتم منه، وهذا فيه رد على ابن حزم حيث زعم أن ذلك في صدر النهار وله أن يعتضد بما رواه البخاري: من طريق أيوب عن رجل عن أنس: أن رسول الله بات بذي الحليفة حتى أصبح فصلى الصبح ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل العمرة وحج. ولكن في إسناده رجل مبهم والظاهر أنه أبو قلابة والله أعلم. قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، ثنا خالد - يعني ابن الحارث، ثنا شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، سمعت أبي يحدث عن عائشة أنها قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يطوف على نسائه ثم يصبح محرما ينضح طيبا. وقد رواه البخاري من حديث شعبة وأخرجاه من حديث أبي عوانة زاد مسلم ومسعر وسفيان بن سعيد الثوري أربعتهم عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر به. وفي رواية لمسلم عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرما. قال: ما أحب أني أصبح محرما أنضح طيبا لان أطلي القطران أحب إلي من أن أفعل ذلك. فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله عند إحرامه ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرما. وهذا اللفظ الذي رواه مسلم يقتضي أنه كان صلى الله عليه وسلم يتطيب قبل أن يطوف على نسائه ليكون ذلك أطيب لنفسه وأحب اليهن، ثم لما اغتسل من الجنابة وللاحرام تطيب أيضا للاحرام طيبا آخر. كما رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تجرد لاهلاله واغتسل وقال الترمذي حسن غريب. وقال الامام أحمد حدثنا زكريا بن عدي، أنبأنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمى واشنان (1) ودهنه بشئ من زيت غير كثير. الحديث تفرد به أحمد وقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عثمان بن عروة: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة تقول: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه ولحله قلت لها بأي طيب ؟ قالت: بأطيب الطيب. وقد رواه مسلم: من حديث سفيان بن عيينة. وأخرجه البخاري من حديث وهب عن هشام بن عروة عن أخيه، عثمان، عن أبيه عروة، عن عائشة به. وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة. قالت: كنت أطيب


(1) خطمى وأشنان: نوعان من النبات. (*)

[ 133 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحرامه حين يحرم، ولحله أن يطوف بالبيت. وقال مسلم: حدثنا عبد به حميد، أنبأنا محمد بن أبي بكر، أنبأنا ابن جريج أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة، أنه سمع عروة والقاسم يخبرانه عن عائشة قالت: طيبت رسول الله بيدي بذريرة (1) في حجة الوداع للحل والاحرام. وروى مسلم من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين لحرمه حين أحرم ولحله أن يطوف بالبيت. وقال مسلم: حدثني أحمد بن منيع، ويعقوب الدورقي قالا: ثنا هشيم، أنبأنا منصور، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة قالت: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويحل ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك. وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب (2). قالا: ثنا وكيع، ثنا الاعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي. ثم رواه مسلم من حديث الثوري وغيره: عن الحسن بن عبيد الله عن ابراهيم، عن الاسود، عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري ومسلم من حديث الاعمش كلاهما عن منصور عن ابراهيم عن الاسود عنها. وأخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم بن ابراهيم عن الاسود عن عائشة. وقال أبو داود الطيالسي: أنبأنا أشعث عن منصور عن ابراهيم عن الاسود عن عائشة. قالت كأني أنظر إلى وبيص الطيب في أصول شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان. ثنا حماد بن سلمة، عن إبراهيم النخعي، عن الاسود، عن عائشة. قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وهو محرم. وقال عبد الله بن الزبير الحميدي. ثنا سفيان بن عيينة، ثنا عطاء بن السائب، عن إبراهيم النخعي، عن الاسود عن عائشة. قالت: رأيت الطيب في مفرق رسول الله بعد ثالثة وهو محرم. فهذه الاحاديث دالة على أنه عليه السلام تطيب بعد الغسل، إذ لو كان الطيب قبل الغسل لذهب به الغسل ولما بقي له أثر ولاسيما بعد ثلاثة أيام من يوم الاحرام. وقد ذهب طائفة من السلف منهم: ابن عمر إلى كراهة التطيب عند الاحرام، وقد روينا هذا الحديث من طريق ابن عمر عن عائشة فقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بشران - ببغداد - أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، ثنا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا عبد الرحمن بن أبي العمر، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن عائشة. أنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغالية الجيدة عند إحرامه. وهذا إسناد غريب عزيز المخرج. ثم


(1) ذريرة: نوع من الطيب، قال النووي: هي فتات قصب طيب يجاء به من الهند. (2) زاد مسلم: وأبو سعيد الاشج قالوا:... الخ كتاب الحج شرح النووي ج 8 / 101. (*)

[ 134 ]

إنه عليه السلام لبد رأسه ليكون أحفظ لما فيه من الطيب وأصون له من استقرار التراب والغبار. قال مالك عن نافع عن ابن عمر. إن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك. قال: " إني لبدت رأسي، وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحر ". وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك وله طرق كثيرة عن نافع. قال البيهقي: أنبأنا الحكام، أنبأنا الاصم، أنبأنا يحيى، ثنا عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا عبد الاعلى ثنا محمد بن إسحاق، عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبد رأسه بالعسل. وهذا إسناد جيد ثم أنه عليه السلام أشعر (1) الهدي وقلده وكان معه بذي الحليفة. قال الليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة. وسيأتي الحديث بتمامه وهو في الصحيحين والكلام عليه إن شاء الله. وقال مسلم: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا معاذ بن هشام، هو الدستوائي، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي حسان عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى ذا الحليفة دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الايمن، وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته. وقد رواه أهل السنن الاربعة من طرق عن قتادة. وهذا يدل على أنه عليه السلام تعاطى هذا الاشعار والتقليد بيده الكريمة في هذه البدنة وتولى إشعار بقية الهدي وتقليده غير، فإنه قد كان هدي كثير أما مائة بدنة أو أقل منها بقليل، وقد ذبح بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة وأعطى عليا فذبح ما غبر (2) وفي حديث جابر أن عليا قدم من اليمن ببدن للنبي صلى الله عليه وسلم وفي سياق ابن إسحاق أنه عليه السلام أشرك عليا في بدنه والله أعلم. وذكر غيره أنه ذبح هو وعلي يوم النحر مائة بدنة فعلى هذا يكون قد ساقها معه من ذي الحليفة وقد يكون اشترى بعضها بعد ذلك وهو محرم. باب بيان الموضع الذي أهل منه عليه السلام واختلاف الناقلين لذلك وترجيح الحق في ذلك تقدم الحديث الذي رواه البخاري من حديث الاوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: أتاني آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة. وقال البخاري (3) باب الاهلال عند مسجد ذي


(1) أشعر الهدي: الاشعار هو جرح الهدي في صفحة سنامها اليمنى بحربة أو سكين أو حديدة أو نحوها وأصل الاشعار والشعور الاعلام والعلامة، وإشعار الهدي لكونه علامة له، ليعلم أنه هدي. (2) ما غبر: ما بقي. (3) في كتاب الحج - 20 باب الحديث 1541. (*)

[ 135 ]

الحليفة - حدثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا موسى بن عقبة سمعت سالم بن عبد الله. وحدثنا عبد الله بن مسلمة، ثنا مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد - يعني مسجد ذي الحليفة. وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن موسى بن عقبة وفي رواية لمسلم عن موسى بن عقبة عن سالم، ونافع، وحمزة بن عبد الله بن عمر ثلاثتهم عن عبد الله بن عمر فذكره. وزاد فقال لبيك. وفي رواية لهما من طريق مالك عن موسى بن عقبة عن سالم قال قال عبد الله بن عمر: بيداؤكم (1) هذه التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهل رسول الله من عند المسجد وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا كما يأتي في الشق الآخر وهو ما أخرجاه في الصحيحين: من طريق مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج، عن ابن عمر فذكر حديثا فيه أن عبد الله قال: وأما الاهلال فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته. وقال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق: حدثني خصيف بن عبد الرحمن الجزري، عن سعيد بن جبير. قال قلت: لعبد الله بن عباس يا أبا العباس عجبا لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب. فقال: إني لاعلم الناس بذلك، إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه، أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه قوم فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل رسول الله حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله فما علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: أنما أهل رسول الله حين علا شرف البيداء، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا شرف البيداء. فمن أخذ بقول عبد الله بن عباس أنه أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه. وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة، عن عبد السلام بن حرب، عن خصيف به نحوه وقال الترمذي حسن غريب لا نعرف أحد رواه غير عبد السلام كذا قال وقد تقدم رواية الامام أحمد له من طريق محمد ابن إسحاق عنه - وكذلك رواه الحافظ البيهقي، عن الحاكم، عن القطيعي، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه ثم قال خصيف الجزري غير قوي، وقد رواه الواقدي باسناد له عن ابن عباس. قال البيهقي: إلا أنه لا ينفع متابعة الواقدي والاحاديث التي وردت في ذلك عن عمر وغيره مسانيدها قوية ثابتة. والله تعالى أعلم.


(1) المراد ببيداء هنا: موضع فوق ذي الحليفة لمن صعد من الوادي (قاله البكري في معجم ما استعجم). (*)

[ 136 ]

قلت: فلو صح هذا الحديث، لكان فيه جمع لما بين الاحاديث من الاختلاف وبسط لعذر من نقل خلاف الواقع ولكن في إسناده ضعف ثم قد روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما تقدم عنهما كما سننبه عليه ونبينه وهكذا ذكر من قال: أنه عليه السلام أهل حين استوت به راحلته. قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا هشام بن يوسف، أنبأنا ابن جريج، حدثني محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك. قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة فلما ركب راحلته واستوت به أهل. وقد رواه البخاري ومسلم وأهل السنن من طرق عن محمد بن المنكدر، وابراهيم بن ميسرة، عن أنس، وثابت في الصحيحين من حديث مالك عن سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج، عن ابن عمر. قال: وأما الاهلال فإني لم أر رسول الله يهل حتى تنبعث به راحلته وأخرجا في الصحيحين من رواية ابن وهب عن يونس عن الزهري عن سالم عن أبيه: أن رسول الله كان يركب راحلته بذي الحليفة ثم يهل حين تستوي به قائمة. وقال البخاري (1): باب من أهل حين استوت به راحلته. حدثنا أبو عاصم، ثنا ابن جريج، أخبرني صالح بن كيسان عن نافع عن ابن عمر. قال: أهل النبي صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة. وقد رواه مسلم والنسائي من حديث ابن جريج به. وقال مسلمم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضع رجله في الغرز (2) وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة. انفرد به مسلم من هذا الوجه، وأخرجاه من وحه آخر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه. ثم قال البخاري باب الاهلال مستقبل القبلة: قال أبو معمر حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن نافع قال: كان ابن عمر إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائما ثم يلبي حتى يبلغ الحرم، ثم يمسك حتى إذا جاء ذا طوى بات به حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. ثم قال: تابعه إسماعيل عن أيوب في الغسل (3). وقد علق البخاري أيضا هذا الحديث في كتاب الحج عن محمد بن عيسى، عن حماد بن زيد، وأسنده فيه عن يعقوب بن ابراهيم الدورقي، عن إسماعيل هو ابن علية. ورواه مسلم عن زهير بن حرب د عن إسماعيل وعن أبي الربيع الزهراني وغيره عن حماد بن زيد ثلاثتهم عن أيوب، عن أبي تميمة السختياني به. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن إسماعيل بن علية به. ثم قال البخاري: حدثنا سليمان أبو الربيع، ثنا فليح، عن نافع قال: كان ابن عمر إذا أراد الخروج إلى مكة أدهن بدهن ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي، ثم يركب فإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) في كتاب الحج 28 باب الحديث 1552. (2) الغرز: فتح الغين واسكان الراء: ركاب كور البعير إذا كان من جلد أو خشب، وقيل هو الكور مطلقا. وانظر صحيح مسلم شرح النووي 8 / 97. (3) فتح الباري - كتاب الحج الحديث 1553. (*)

[ 137 ]

يفعل (1). تفرد به البخاري من هذا الوجه. وروى مسلم عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن سالم عن أبيه قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها والله ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره. وهذا الحديث يجمع بين رواية ابن عمر الاولى وهذه الروايات عنه، وهو أن الاحرام كان من عند المسجد، ولكن بعد ما ركب راحلته واستوت به على البيداء، يعني الارض، وذلك قبل أن يصل إلى المكان المعروف بالبيداء، ثم قال البخاري في موضع آخر (2): حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا فضيل بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة، حدثني كريب عن عبد الله بن عباس قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعدما ترجل وأدهن ولبس إزاره هو وأصحابه، ولم ينه عن شئ من الاردية والازر تلبس، إلا المزعفرة التي تردع على الجلد، فأصبح بذي الحليفة، ركب راحلته حتى استوت على البيداء أهل هو وأصحابه، وقلد بدنه، وذلك لخمس بقين [ من ذي القعدة، فقدم مكة لاربع خلون ] (3) من ذي الحجة. فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، ولم يحل من أجل بدنه لانه قلدها، لم تزل بأعلا مكة عند الحجون وهو مهل بالحج، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة، وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يقصروا من رؤوسهم ثم يحلوا، وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها، ومن كانت معه امرأته فهي له حلال والطيب والثياب. انفرد به البخاري. وقد روى الامام أحمد: عن بهز بن أسد، وحجاج، وروح بن عبادة، وعفان بن مسلم كلهم عن شعبة قال: أخبرني. قتادة، قال: سمعت أبا حسان الاعرج الاجرد وهو مسلم بن عبد الله البصري عن ابن عباس. قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة ثم دعا ببدنته فأشعر صفحة سنامها الايمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين، ثم دعا براحلته فلما استوت على البيداء أهل بالحج. ورواه أيضا عن هشيم أنبأنا أصحابنا منهم شعبة فذكر نحوه. ثم رواه الامام أحمد أيضا عن روح وأبي داود الطيالسي ووكيع بن الجراح كلهم عن هشام الدستوائي عن قتادة به نحوه. ومن هذا الوجه رواه مسلم في صحيحه وأهل السنن في كتبهم فهذه الطرق عن ابن عباس من أنه عليه السلام أهل حين استوت به راحلته أصح وأثبت من رواية خصيف الجزري عن سعيد بن حبير عنه والله أعلم وهكذا الرواية المثبتة المفسرة أنه أهل حين استوت به الراحلة مقدمة على الاخرى لاحتمال أنه أحرم من عند المسجد حين استوت به راحلته، ويكون رواية ركوبه الراحلة فيها زيادة علم على الاخرى والله أعلم. ورواية أنس في ذلك سالمة عن المعارض وهكذا رواية جابر بن عبد الله في صحيح مسلم من طريق جعفر الصادق، عن أبيه، عن أبي الحسين زين العابدين، عن جابر في


(1) فتح الباري - الحديث 1554 ج 3 / 413. (2) في كتاب الحج، 23 باب ما يلبس المحرم من الثياب والاردية - حديث 1545 فتح الباري 3 / 405. (3) ما بين معكوفين زيادة من البخاري، سقطت من الاصل. (*)

[ 138 ]

حديثه الطويل الذي سيأتي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به راحلته سالمة عن المعارض والله أعلم. وروى البخاري: من طريق الاوزاعي سمعت عطاء، عن جابر بن عبد الله: أن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته. فأما الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق بن يسار عن أبي الزناد، عن عائشة بنت سعد. قالت قال سعد، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ طريق الفرع (1) أهل إذا استقلت به راحلته وإذا أخذ طريقا أخرى أهل إذا علا على شرف البيداء. فرواه أبو داود والبيهقي من حديث ابن إسحاق وفيه غرابة ونكارة والله أعلم. فهذه الطرق كلها دالة على القطع أو الظن الغالب أنه عليه السلام أحرم بعد الصلاة وبعد ما ركب راحلته وابتدأت به السير زاد ابن عمر في روايته وهو مستقبل القبلة. باب بسط البيان لما أحرم به عليه السلام في حجته هذه من الافراد والتمتع أو القران (2) رواية عائشة أم المؤمنين في ذلك: قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: أنبأنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج. ورواه مسلم عن إسماعيل عن أبي أويس، ويحيى بن يحيى بن مالك. ورواه الامام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك به. وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني المنكدر بن محمد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج. وقال الامام أحمد: ثنا شريح، ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة عن عائشة. وعن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة. وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج: تفرد به أحمد من هذه الوجوه عنها. وقال الامام أحمد: حدثني عبد الاعلى بن حماد،


(1) الفرع: قرية بينها وبين المدينة ثمانية برد على طريق مكة. (2) الافراد: قال النووي: الافراد أن يحرم بالحج في أشهره ويفرغ منه ثم يعتمر. وزاد ابن حجر: وفي غير أشهره أيضا عند من يجيزه. والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء. التمتع، قال ابن حجر: هو الاعتمار في أشهر الحج ثم التحلل من تلك العمرة والاهلال بالحج في تلك السنة، زاد الكرماني: دون العودة إلى الميقات. وزاد ابن حجر: ويطلق التمتع في عرف السلف على القرآن أيضا. القران: في رواية أبي ذر الاقران، وهو غلط من حيث اللغة كما قاله عياض وغيره، وصورته الاهلال بالحج والعمرة معا، قال ابن حجر: وهذا لا خلاف في جوازه. وقال الكرماني: أن يحرم بهما (أي الحج والعمرة). وتباينت أراء وأقوال العلماء في أي من هذه الانواع الثلاثة أفضل ؟ وتفاوتت أيضا وتباينت اراؤهم في حجة النبي صلى الله عليه وآله هل كان مفردا أم متمتعا أم قارنا. وكل فئة منهم رجحت نوعا مستندة في حجتها على العديد من الاحاديث التي سنقف عليها بمختلف رواياتها وطرقها فيما سيأتي من أبواب. (*)

[ 139 ]

قال: قرأت على مالك بن أنس، عن أبي الاسود، عن عروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج. وقال: حدثنا روح، ثنا مالك، عن أبي الاسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل - وكان يتيما في حجر عروة - عن عروة بن الزبير عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج. ورواه ابن ماجه عن أبي مصعب عن مالك كذلك. ورواه النسائي عن قتيبة، عن مالك عن أبي الاسود عن عروة عن عائشة: أن رسول الله أهل بالحج. وقال أحمد أيضا: ثنا عبد الرحمن، عن مالك، عن أبي الاسود عن عروة عن عائشة. قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة، ومنا من أهل بالحج والعمرة وأهل رسول الله بالحج، فأما من أهل بالعمرة، فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، وأما من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم يحلوا إلى يوم النحر. وهكذا رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف والقعيني وإسماعيل بن أبي أويس عن مالك. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به. وقال أحمد: حدثنا سفيان: عن الزهري، عن عروة عن عائشة: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج وأهل ناس بالحج والعمرة وأهل ناس بالعمرة. ورواه مسلم عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة به نحوه. فأما الحديث الذي قال الامام أحمد: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس في حجة الوداع فقال من أحب أن يبدأ بعمرة قبل الحج فليفعل، وأفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ولم يعتمر. فإنه حديث غريب جدا. تفرد به أحمد بن حنبل وإسناده لا بأس به، ولكن لفظه فيه نكارة شديدة وهو قوله: فلم يعتمر. فإن أريد بهذا أنه لم يعتمر مع الحج ولا قبله هو قول من ذهب إلى الافراد، وإن أريد أنه لم يعتمر بالكلية لا قبل الحج ولا معه ولا بعده، فهذا مما لا أعلم أحدا من العلماء قال به، ثم هو مخالف لما صح عن عائشة وغيرها من أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته. وسيأتي تقرير هذا في فصل القرآن مستقصى والله أعلم. وهكذا الحديث الذي رواه الامام أحمد قائلا في مسنده: حدثنا روح، ثنا صالح بن أبي الاخضر، ثنا ابن شهاب ان عروة أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أهل رسول الله بالحج والعمرة في حجة الوداع وساق معه الهدي، وأهل ناس معه بالعمرة وساقوا الهدي، وأهل ناس بالعمرة ولم يسوقوا هديا. قالت عائشة: وكنت ممن أهل بالعمرة ولم أسق هديا، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان منكم أهل بالعمرة فساق معه الهدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، ولا يحل منه شئ حرم منه حتى يقضي حجه وينحر هديه يوم النحر، ومن كان منكم أهل بالعمرة ولم يسق معه هديا فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم ليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. قالت عائشة: فقدم رسول الله الحج الذي خاف فوته وأخر العمرة. فهو حديث من أفراد الامام أحمد وفي بعض ألفاظه نكارة ولبعضه شاهد في الصحيح، وصالح بن أبي الاخضر ليس من علية أصحاب الزهري لا سيما إذا خالفه غيره كما ههنا في بعض ألفاظ سياقه هذا. وقوله فقدم الحج

[ 140 ]

الذي يخاف فوته وأخر العمرة لا يلتئم مع أول الحديث أهل بالحج والعمرة، فإن أراد أنه أهل بهما في الجملة وقدم أفعال الحج ثم بعد فراغه أهل بالعمرة كما يقول من ذهب إلى الافراد فهو ما نحن فيه ههنا، وإن أراد أنه أخر العمرة بالكلية بعد إحرامه بها فهذا لا أعلم أحدا من العلماء صار إليه، وإن أراد أنه المقضي بأفعال الحج عن أفعال العمرة ودخلت العمرة في الحج، فهذا قول من ذهب إلى القرآن وهم يؤولون قول من روى أنه عليه الصلاة والسلام أفرد الحج أي أفرد أفعال الحج وإن كان قد نوى معه العمرة قالوا: لانه قد روى القرآن كل من روى الافراد كما سيأتي بيانه. والله تعالى أعلم. رواية جابر بن عبد الله في الافراد. قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية ثنا الاعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله: قال: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته بالحج. إسناده جيد على شرط مسلم. ورواه البيهقي عن الحاكم وغيره عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية عن الاعمش، عن أبي سفيان عن جابر. قال: أهل رسول الله في حجته بالحج ليس معه عمرة، وهذه الزيادة غريبة جدا ورواية الامام أحمد بن حنبل أحفظ والله أعلم. وفي صحيح مسلم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. قال: وأهللنا بالحج لسنا نعرف العمرة. وقد روى ابن ماجه: عن هشام بن عمار عن الدراوردي وحاتم بن إسماعيل كلاهما عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج، وهذا إسناد جيد. وقال الامام أحمد: ثنا عبد الوهاب الثقفي، ثنا حبيب - يعني المعلم - عن عطاء حدثني جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج ليس مع أحد منهم هدي إلا النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة. وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري بطوله كما سيأتي عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب. رواية عبد الله بن عمر للافراد. قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل بن محمد ثنا عباد - يعني ابن عباد - حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. قال: أهللنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا. ورواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عون، عن عباد بن عباد، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا. وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا الحسن بن عبد العزيز ومحمد بن مسكين. قالا: ثنا بشر بن بكر، ثنا سعيد بن عبد العزيز بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج - يعني مفردا - اسناده جيد ولم يخرجوه. رواية ابن عباس للافراد. روى الحافظ البيهقي: من حديث روح بن عبادة، عن شعبة، عن أيوب، عن أبي العالية البراء عن ابن عباس. أنه قال: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فقدم لاربع مضين من ذي الحجة فصلى بنا الصبح بالبطحاء. ثم قال: من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها. ثم قال: رواه مسلم عن ابراهيم بن دينار، عن ابن روح. وتقدم من رواية قتادة عن أبي حسان الاعرج عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم أتى ببدنة

[ 141 ]

فأشعر صفحة سنامها الايمن، ثم أتى براحلته فركبها فلما استوت به على البيداء أهل بالحج، وهو في صحيح مسلم أيضا. وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو هشام، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا أبو حصين، عن عبد الرحمن بن الاسود عن أبيه. قال: حججت مع أبي بكر فجرد، ومع عمر فجرد، ومع عثمان فجرد. تابعه الثوري عن أبي حصين وهذا إنما ذكرناه ههنا لان الظاهر أن هؤلاء الائمة رضي الله عنهم إنما يفعلون هذا عن توقيف والمراد بالتجريد ههنا الافراد والله أعلم. وقال الدارقطني: ثنا أبو عبيد الله القاسم بن اسماعيل ومحمد بن مخلد. قالا: ثنا علي بن علي بن محمد بن معاوية الرزاز، ثنا عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد على الحج فأفرد، ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر فأفرد الحج، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر فبعث عمر فأفرد الحج، ثم حج أبو بكر فأفرد الحج، وتوفي أبو بكر واستخلف عمر فبعث عبد الرحمن بن عوف فأفرد الحج، ثم حج فأفرد الحج، ثم حصر عثمان فأقام عبد الله بن عباس للناس فأفرد الحج. في أسناده عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف لكن قال الحافظ البيهقي له شاهد بإسناد صحيح. ذكر ما قاله إنه صلى الله عليه وسلم حج متمتعا قال الامام أحمد: حدثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهل فساق الهدي من ذي الحليفة، وبدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وكان من الناس من أهدى فساق الهدي من ذي الحليفة ومنهم من لم يهد. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله ". وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة، استلم الحجر أول شئ ثم خب ثلاثة أشواط من السبع، ومشى أربعة أطواف ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة ثم لم يحلل من شئ حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى فساق الهدي من الناس. قال الامام أحمد: وحدثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير: أن عائشة أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالعمرة إلى الحج وتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم بن عبد الله عن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى هذا الحديث البخاري: عن يحيى بن بكير، ومسلم وأبو داود عن عبد الملك بن شعيب، عن الليث عن أبيه، والنسائي عن

[ 142 ]

محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، عن حجين بن المثنى ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن عقيل عن الزهري، عن عروة عن عائشة كما ذكره الامام أحمد رحمه الله. وهذا الحديث من المشكلات على كل من الاقوال الثلاثة، أما قول الافراد ففي هذا إثبات عمرة أما قبل الحج أو معه، وأما على قول التمتع الخاص فلانه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعد ما طاف بالصفا والمروة. وليس هذا شأن المتمتع، ومن زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدي كما قد يفهم من حديث ابن عمر عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة، ولم تحل أنت من عمرتك ؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحر. فقولهم بعيد لان الاحاديث الواردة في إثبات القران ترد هذا القول، وتأبى كونه عليه السلام إنما أهل أولا بعمرة ثم بعد سعيه بالصفا والمروة أهل بالحج، فإن هذا على هذه الصفة لم ينقله أحد بأسناد صحيح بل ولا حسن ولا ضعيف. وقوله في هذا الحديث: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، إن أريد بذلك التمتع الخاص وهو الذي يحل منه بعد السعي فليس كذلك فإن في سياق الحديث ما يرده ثم في إثبات العمرة المقارنة لحجه عليه السلام ما يأباه، وإن أريد به التمتع العام دخل فيه القرآن وهو المراد. وقوله: وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، إن أريد به بدأ بلفظ العمرة على لفظ الحج بأن قال: لبيك اللهم عمرة وحجا فهذا سهل ولا ينافي القرآن وإن أريد به أنه أهل بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج متراخ ولكن قبل الطواف قد صار قارنا أيضا، وإن أريد به أنه أهل بالعمرة ثم فرغ من أفعالها تحلل أو لم يتحلل بسوق الهدي كما زعمه زاعمون، ولكنه أهل بحج بعد قضاء مناسك العمرة وقبل خروجه إلى منى، فهذا لم ينقله أحد من الصحابة كما قدمنا، ومن ادعاه من الناس فقوله مردود لعدم نقله ومخالفته الاحاديث الواردة في إثبات القرآن كما سيأتي، بل والاحايث الواردة في الافراد كما سبق والله أعلم. والظاهر والله أعلم أن حديث الليث هذا عن عقيل، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر يروى من الطريق الاخرى عن ابن عمر حين أفرد الحج ومن محاصرة الحجاج لابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم شئ فلو أخرت الحج عامك هذا. فقال: إذا أفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يعني زمن حصر عام الحديبية فأحرم بعمرة من ذي الحليفة، ثم لما علا شرف البيداء قال ما أرى أمرهما إلا واحدا، فأهل بحج معها فاعتقد الراوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا فعل سواء، بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فرووه كذلك وفيه نظر لما سنبينه وبيان هذا في الحديث الذي رواه عبد الله بن وهب: أخبرني مالك بن أنس وغيره أن نافعا حدثهم أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة معتمرا وقال: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فأهل بالعمرة، وسار حتى إذا ظهر على ظاهر البيداء التفت إلى أصحابه فقال: ما أمرهما إلا واحد أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة، فخرج حتى جاء البيت فطاف به وطاف بين الصفا والمروة سبعا لم يزد عليه، ورأى أن ذلك مجزيا عنه وأهدى. وقد أخرجه صاحب الصحيح من حديث مالك. وأخرجاه من حديث عبيد الله عن نافع

[ 143 ]

به. ورواه عبد الرزاق، عن عبيد الله وعبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع به نحوه، وفيه ثم قال في آخره: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما رواه البخاري حيث قال: حدثنا قتيبة، ثنا ليث. عن نافع: أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال، وإنا نخاف أن يصدوك. قال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة إذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة. ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء: قال: ما أرى شأن الحج والعمرة إلا واحدا أشهدكم أني أوجبت حجا مع عمرتي فأهدى هديا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر ولم يحل من شئ حرم منه، ولم يحلق ولم يقصر، حتى كان يوم النحر فنحر وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الاول. قال ابن عمر كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع: أن ابن عمر دخل عليه ابنه عبد الله بن عبد الله وظهره في المدار فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال فيصدوك عن البيت فلو أقمت. قال، قد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن حيل (1) بيني وبينه أفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أشهدكم أني قد أوجبت مع عمرتي حجا ثم قدم فطاف لهما طوافا واحدا. وهكذا رواه البخاري: عن أبي النعمان. عن حماد بن زيد، عن أيوب بن تميمة السختياني عن نافع به. ورواه مسلم من حديثهما عن أيوب به. فقد اقتدى ابن عمر رضي الله عنه برسول الله صلى الله عليه وسلم في التحلل عند حصر العدو والاكتفاء بطواف واحد عن الحج والعمرة، وذلك لانه كان قد أحرم أولا بعمرة ليكون متمتعا، فخشي أن يكون حصر فجمعهما وأدخل الحج قبل العمرة قبل الطواف فصار قارنا، وقال: ما أرى أمرهما إلا واحدا - يعني لا فرق بين أن يحصر الانسان عن الحج أو العمرة أو عنهما - فلما قدم مكة اكتفى عنهما بطوافه الاول كما صرح به في السياق الاول الذي أفردناه، وهو قوله: ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الاول. قال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني أنه اكتفى عن الحج والعمرة بطواف واحد - يعني بين الصفا والمروة، وفي هذا دلالة على أن ابن عمر روى القران، ولهذا روى النسائي: عن محمد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن نافع: أن ابن عمر قرن الحج والعمرة فطاف طوافا واحدا، ثم رواه النسائي عن علي بن ميمون الرقي، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وأيوب السختياني، وعبد الله بن عمر أربعتهم عن نافع: أن ابن عمر أتى ذا الحليفة فأهل بعمرة فخشي أن يصد عن البيت. فذكر تمام الحديث من إدخاله الحج على العمرة وصيرورته قارنا. والمقصود أن بعض الرواة لما سمع قول ابن عمر إذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. اعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج فأدخله


(1) من البخاري: وفي الاصل: فإن يحل. (*)

[ 144 ]

عليها قبل الطواف فرواه بمعنى ما فهم، ولم يرد ابن عمر ذلك وانما أراد ما ذكرناه والله أعلم بالصواب، ثم بتقدير أن يكون أهل بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف فإنه يصير قارنا لا متمتعا التمتع الخاص فيكون فيه دلالة لمن ذهب إلى أفضلية التمتع والله تعالى أعلم. وأما الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا همام، عن قتادة، حدثني مطرف، عن عمران. قال: تمتعنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن قال رجل برأيه ما شاء. فقد رواه مسلم عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن همام عن قتادة به، والمراد به المتعة التي أعم من القران والتمتع الخاص ويدل على ذلك ما رواه مسلم: من حديث شعبة وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف، عن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن الحصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة وذكر تمام الحديث. وأكثر السلف يطلقون المتعة على القران كما قال البخاري: حدثنا قتيبة، ثنا حجاج بن محمد الاعور عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب. قال: اختلف علي وعثمان رضي الله عنهما وهما بعسفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا (1) أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أهل بهما جميعا. ورواه مسلم من حديث شعبة أيضا عن الحكم بن عيينة، عن علي بن الحسين عن مروان بن الحكم عنهما به. وقال علي: ما كنت لادع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أحد من الناس. ورواه مسلم من حديث شعبة أيضا عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق عنهما فقال له علي: لقد علمت إنما تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال أجل ! ولكنا كنا خائفين (2). وأما الحديث الذي رواه مسلم: من حديث غندر، عن شعبة، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه عن شعبة عن مسلم بن مخراق القري (3) سمع ابن عباس يقول: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بحج فلم يحل رسول الله ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم. فقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده وروح بن عبادة عن شعبة عن مسلم القري عن ابن عباس. قال: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج - وفي رواية أبي داود - أهل رسول الله وأصحابه بالحج، فمن كان منهم لم يكن له متعة هدي حل ومن كان معه هدي لم يحل الحديث. فإن صححنا الروايتين جاء القران وإن توقفنا في كل منهما وقف الدليل، وان رجحنا رواية مسلم في صحيحه في رواية العمرة فقد تقدم عن ابن عباس أنه روى الافراد وهو الاحرام بالحج فتكون هذه زيادة على الحج فيجئ القول بالقران لاسيما وسيأتي عن ابن عباس ما يدل على ذلك. وروى مسلم: من حديث غندر ومعاذ بن معاذ، عن شعبة، عن الحكم عن مجاهد، عن ابن عباس: أن رسول الله قال هذه


(1) من البخاري، وفي الاصل إلى أن، وهي رواية سعيد بن المسيب. (2) ولكنا كنا خائفين: قال النووي لعله أشار إلى عمرة القضية سنة سبع، لكن لم يكن في تلك السنة حقيقة تمتع إنما كان عمرة وحدها. وقال القرطبي: قوله خائفين: أي من يكون أجر من أفرد أعظم من أجر من تمتع. (3) من صحيح مسلم، وفي الاصل المقبري وهو تحريف. (*)

[ 145 ]

عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن معه هدي فليحل الحل كله، فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وروى البخاري: عن آدم بن أبي اياس، ومسلم من حديث غندر كلاهما عن شعبة عن أبي جمرة قال: تمتعت فنهاني ناس، فسألت ابن عباس فأمرني بها، فرأيت في المنام كأن رجلا يقول [ لي ] (1) حج مبرور ومتعة (2) متقبلة، فأخبرت ابن عباس فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم صلوات الله وسلامه عليه، والمراد بالمتعة ههنا القران. وقال القعيني وغيره عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه حدثه: أنه سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان يذكر التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله. فقال سعد: بئس ما قلت يا بن أخي، فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب كان ينهى عنها. فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه. ورواه الترمذي والنسائي: عن قتيبة، عن مالك. وقال الترمذي صحيح. وقال عبد الرزاق: عن معتمر بن سليمان، وعبد الله بن المبارك كلاهما عن سليمان التيمي: حدثني غنيم بن قيس، سألت سعد بن أبي وقاص: عن التمتع بالعمرة إلى الحج قال: فعلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر في العرش (3) - يعني مكة - ويعني به معاوية. ورواه مسلم من حديث شعبة وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد ومروان الفزاري أربعتهم عن سليمان التيمي: سمعت غنيم بن قيس، سألت سعدا عن المتعة فقال: قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش. وفي رواية يحيى بن سعيد - يعني معاوية - وهذا كله من باب إطلاق التمتع على ما هو أعم من التمتع الخاص، وهو الاحرام بالعمرة والفراغ منها ثم الاحرام بالحج ومن القران بل كلام سعد فيه دلالة على إطلاق التمتع على الاعتمار في أشهر الحج وذلك أنهم اعتمروا ومعاوية بعد كافر بمكة قبل الحج أما عمرة الحديبية أو عمرة القضاء وهو الاشبه، فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية أسلم مع أبيه ليلة الفتح وروينا أنه قصر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم يمشقص في بعض عمره وهي عمرة الجعرانة لا محالة. والله أعلم. ذكر حجة من ذهب إلى أنه عليه السلام كان قارنا رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قد تقدم ما رواه البخاري من حديث أبي عمرو الاوزاعي: سمعت يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: أتاني آت من ربي عز وجل فقال صل في


(1) من البخاري. (2) في البخاري: وعمرة. (3) العرش: بيوت مكة، قال أبو عبيد: سميت بيوت مكة عرشا لانها عيدان تنصب وتظلل، قال: ويقال لها عروش، واحدها عرش. ومن قال عرش: واحدها عريش. (*)

[ 146 ]

هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا علي بن أحمد بن عمر بن حفص المقبري ببغداد، أنبأنا أحمد بن سليمان قال قرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع: حدثنا أبو زيد الهروي، ثنا علي بن المبارك، ثنا يحيى بن أبي كثير، ثنا عكرمة، حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاني جبرائيل عليه السلام وأنا بالعقيق فقال: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل عمرة في حجة، فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. ثم قال البيهقي رواه البخاري عن أبي زيد الهروي. وقال الامام أحمد: ثنا هاشم، ثنا سيار، عن أبي وائل أن رجلا كان نصرانيا يقال له الصبى بن معبد، فأراد الجهاد فقيل له إبدأ بالحج فأتى الاشعري فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعا ففعل، فبينما هو يلبي إذ مر بزيد بن صوحان، وسلمان بن ربيعة. فقال أحدهما لصاحبه: لهذا أضل من بعير أهله، فسمعها الصبى فكبر ذلك عليه فلما قدم أتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له. فقال له عمر: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم. قال وسمعته مرة أخرى يقول وفقت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم. وقد رواه الامام أحمد: عن يحيى بن سعيد القطان، عن الاعمش، عن شقيق، عن أبي وائل، عن الصبي بن معبد، عن عمر بن الخطاب فذكره. وقال: إنهما لم يقولا شيئا، هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم. ورواه عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن منصور عن أبي وائل به. ورواه أيضا عن غندر عن شعبة، عن الحكم، عن أبي وائل، وعن سفيان بن عيينة عن عبدة بن أبي لبابة، عن أبي وائل. قال قال: الصبى بن معبد كنت رجلا نصرانيا فأسلمت فأهللت بحج وعمرة فسمعني زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة وأنا أهل بهما. فقالا: لهذا أضل من بعير أهله، فكأنما حمل علي بكلمتهما جبل، فقدمت على عمر فأخبرته فأقبل عليهما فلامهما وأقبل علي فقال: هديت لسنة النبي صلى الله عليه وسلم قال عبدة قال أبو وائل: كثيرا ما ذهبت أنا ومسروق إلى الصبى ابن معبد نسأله عنه وهذه أسانيد جيدة على شرط الصحيح. وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق عن أبي وائل شقيق بن سلمة به. وقال النسائي في كتاب الحج من سننه: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، ثنا أبي عن جمرة السكري، عن مطرف، عن سلمة بن كهيل، عن طاوس عن ابن عباس عن عمر. أنه قال: والله إني لانهاكم عن المتعة وإنها لفي كتاب الله وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم إسناد جيد. رواية أميري المؤمنين عثمان وعلي رضي الله عنهما. قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب. قال: اجتمع علي وعثمان بعسفان وكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه، فقال عثمان: دعنا منك. هكذا رواه الامام أحمد مختصرا: وقد أخرجاه في الصحيحين: من حديث شعبة عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب. قال: اختلف علي وعثمان وهما بعسفان في المتعة. فقال علي: ما تريد إلى أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ذلك علي بن أبي

[ 147 ]

طالب أهل بهما جميعا وهكذا لفظ البخاري. وقال البخاري: ثنا محمد بن يسار، ثنا غندر، عن شعبة، عن الحكم، عن علي بن الحسين، عن مروان بن الحكم. قال: شهدت عثمان وعليا، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى علي أهل بهما: لبيك بعمرة وحج. قال: ما كنت لادع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد. ورواه النسائي من حديث شعبة به، ومن حديث الاعمش، عن مسلم البطين، عن علي بن الحسين به. وقال الامام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن قتادة. قال: قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة وعلي يأمر بها. فقال عثمان لعلي: إنك لكذا وكذا. ثم قال علي: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أجل ولكنا كنا خائفين. ورواه مسلم من حديث شعبة فهذا اعتراف من عثمان رضي الله بما رواه علي رضي الله عنهما ومعلوم أن عليا رضي الله عنه أحرم عام حجة الوداع بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد ساق الهدي وأمره عليه السلام أن يمكث حراما وأشركه النبي صلى الله عليه وسلم في هديه كما سيأتي بيانه. وروى مالك في الموطأ: عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن المقداد بن الاسود دخل على علي بن أبي طالب بالسقيا وهو ينجع بكرات (1) له دقيقا وخبطا. فقال: هذا عثمان بن عفان ينهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة، فخرج علي وعلى يده أمر الدقيق والخبط - ما أنسى أثر الدقيق والخبط على ذراعيه - حتى دخل على عثمان. فقال: أنت تنهى أن يقرن بين الحج والعمرة. فقال عثمان: ذلك رأيي فخرج علي مغضبا وهو يقول: لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا وقد قال أبو داود في سننه: ثنا يحيى بن معين، ثنا حجاج، ثنا يونس، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب. قال: كنت مع علي حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن فذكر الحديث في قدوم علي. قال علي: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف صنعت. قال قلت: إنما أهللت باهلال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: إني قد سقت الهدي وقرنت. وقد رواه النسائي من حديث يحيى بن معين بإسناده وهو على شرط الشيخين، وعلله الحافظ البيهقي: بأنه لم يذكر هذا اللفظ في سياق حديث جابر الطويل وهذا التعليل فيه نظر لانه قد روى القران من حديث جابر بن عبد الله كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. وروى ابن حبان في صحيحه عن علي بن أبي طالب. قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة وخرجت أنا من اليمن. وقلت لبيك باهلال كإهلال النبي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم فإني أهللت بالحج والعمرة جميعا. رواية أنس بن مالك رضي الله عنه: وقد رواه عنه جماعة من التابعين ونحن نوردهم مرتبين على حروف المعجم. بكر بن عبد الله المزني عنه. قال الامام أحمد: حدثنا هشيم، ثنا حميد الطويل، أنبأنا بكر بن عبد الله المزني. قال: سمعت أنس بن مالك يحدث قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي


(1) ينجع: يسقي. بكرات: الابل الفتية. والخبط: ورق الشجر ينفض ويجفف ويطحن ويخلط بدقيق وغيره، ثم تسقاه الابل. (*)

[ 148 ]

بالحج والعمرة جميعا، فحدثت بذلك ابن عمر. فقال: لبى بالحج وحده فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر. فقال: ما تعدونا إلا صبيانا. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك عمرة وحجا. ورواه البخاري عن مسدد، عن بشر بن الفضل عن حميد به. وأخرجه مسلم عن شريح بن يونس عن هشيم به. وعن أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، عن حبيب بن الشهيد عن بكر بن عبد الله المزني به. ثابت البناني عن أنس. قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن ثابت، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لبيك بعمرة وحجة معا. تفرد به من هذا الوجه الحسن البصري عنه. قال: الامام أحمد: ثنا روح، ثنا أشعث، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا مكة وقد لبوا بحج وعمرة، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة أن يحلوا وأن يجعلوها عمرة فكأن القوم هابوا ذلك. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا أني سقت هديا لاحللت، فأحل القوم وتمتعوا. وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا الحسن بن قزعة، ثنا سفيان بن حبيب، ثنا أشعث، عن الحسن عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة، فلما قدموا مكة طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلوا فهابوا ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحلوا فلولا أن معي الهدي لاحللت. فحلوا حتى حلوا إلى النساء. ثم قال: البزار لا نعلم رواه عن الحسن إلا أشعث بن عبد الملك. حميد بن تيرويه الطويل عنه. قال الامام أحمد: حدثنا يحيى، عن حميد، سمعت أنسا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك بحج وعمرة وحج. هذا أسناد ثلاثي على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ولا أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه، لكن رواه مسلم: عن يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد أنهم سمعوا أنس بن مالك. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهل بهما جميعا لبيك عمرة وحجا لبيك عمرة وحجا. وقال الامام أحمد: حدثنا يعمر بن يسر، ثنا عبد الله، أنبأنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك. قال: ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنا كثيرة وقال: لبيك بعمرة وحج وإني لعند فخذ ناقته اليسرى. تفرد به أحمد من هذا الوجه أيضا. حميد بن هلال العدوي البصري عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة عن أنس بن مالك. وحدثناه سلمة بن شبيب ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة وحميد بن هلال، عن أنس. قال: إني ردف أبي طلحة وان ركبته لتمس ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي بالحج والعمرة. وهذا اسناد جيد قوي على شرط الصحيح ولم يخرجوه. وقد تأوله البزار على أن الذي كان يلبي بالحج والعمرة أبو طلحة قال: ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا التأويل فيه نظر ولا حاجة إليه لمجئ ذلك من طرق عن أنس كما مضى وكما سيأتي ثم عود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى وهو

[ 149 ]

في هذه الصورة أقوى دلالة. والله أعلم وسيأتي في رواية سالم بن أبي الجعد عن أنس صريح الرد على هذا التأويل. زيد بن أسلم عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار روى سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك. أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بحج وعمرة. حدثناه الحسن بن عبد العزيز الجروي، ومحمد بن مسكين. قالا: حدثنا بشر بن بكر، عن سعيد بن عبد العزيز، عن زيد بن أسلم، عن أنس. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد رواه الحافظ، أبو بكر البيهقي بأبسط من هذا السياق. فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي. قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأنا العباس بن الوليد بن يزيد، أخبرني أبي ثنا شعيب بن عبد العزيز، عن زيد بن أسلم وغيره. أن رجلا أتى ابن عمر فقال: بم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال ابن عمر: أهل بالحج فانصرف، ثم أتاه من العام المقبل. فقال: بم أهل رسول الله ؟ قال ألم تأتني عام أول. قال: بلى ! ولكن أنس بن مالك يزعم أنه قرن قال ابن عمر إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء وهن مكشفات الرؤوس، وإني كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها اسمعه يلبي بالحج. سالم بن أبي الجعد الغطفاني الكوفي عنه. قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، ثنا شريك، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بن مالك يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أنه جمع بين الحج والعمرة فقال: لبيك بعمرة وحجة معا، حسن ولم يخرجوه. وقال الامام أحمد: ثنا عفان، ثنا أبو عوانة، ثنا عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن سعد مولى الحسن بن علي. قال: خرجنا مع علي فأتينا ذا الحليفة. فقال علي: إني أريد أن أجمع بين الحج والعمرة، فمن أراد ذلك فليقل كما أقول، ثم لبى قال: لبيك بحجة وعمرة معا. قال وقال سالم: وقد أخبرني أنس بن مالك. قال: والله إن رجلي لتمس رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه ليهل بهما جميعا. وهذا أيضا إسناد جيد من هذا الوجه ولم يخرجوه، وهذا السباق يرد على الحافظ البزار ما تأول به حديث حميد بن هلال عن أنس كما تقدم. والله أعلم. سليمان بن طرخان التيمي عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي، ثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، يحدث عن أنس بن مالك. قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا. ثم قال البزار: لم يروه عن التيمي إلا ابنه المعتمر ولم يسمعه إلا من يحيى بن حبيب العربي عنه. قلت وهو على شرط الصحيح ولم يخرجوه. سويد بن حجير عنه. قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي قزعة سويد بن حجير، عن أنس بن مالك قال: كنت رديف أبي طلحة فكانت ركبة أبي طلحة تكاد أن تصيب ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل بهما. وهذا إسناد جيد تفرد به أحمد ولم

[ 150 ]

يخرجوه وفيه رد على الحافظ البزار صريح. عبد الله بن زيد أبو قلابة الجرمي عنه. قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة عن أنس: قال: كنت رديف أبي طلحة وهو يساير النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فإن رجلي لتمس غرز النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يلبي بالحج والعمرة معا. وقد رواه البخاري: من طرق عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال. صلى صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب راحلته حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر، وأهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما جميعا. وفي رواية له: كنت رديف أبي طلحة وأنهم ليصرخون بهما جميعا الحج والعمرة. وفي رواية له عن أيوب عن رجل عن أنس. قال: ثم بات حتى أصبح فصلى الصبح ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج. عبد العزيز بن صهيب تقدمت روايته عنه مع رواية حميد الطويل عنه عند مسلم. علي بن زيد بن جدعان عنه. قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا ابراهيم بن سعيد، ثنا علي بن حكيم، عن شريك، عن علي بن زيد، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى بهما جميعا. هذا غريب من هذا الوجه ولم يخرجه أحد من أصحاب السنن وهو على شرطهم. قتادة بن دعامة السدوسي عنه: قال الامام أحمد: حدثنا بهز وعبد الصمد المعني. قالا: أخبرنا همام بن يحيى، ثنا قتادة. قال: سألت أنس بن مالك قلت: كم حج النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: جحة واحدة واعتمر أربع مرات عمرته زمن الحديبية وعمرته في ذي القعدة من المدينة، وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنيمة حنين وعمرته مع حجته. وأخرجاه في الصحيحين من حديث همام بن يحيى به. مصعب بن سليم الزبيري مولاهم عنه. قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا مصعب بن سليم، سمعت أنس بن مالك يقول: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة وعمرة، تفرد به أحمد. يحيى بن إسحاق الحضرمي عنه. قال الامام أحمد: ثنا هشيم: أنبأنا يحيى بن إسحاق وعبد العزيز بن صهيب، وحميد الطويل عن أنس أنهم سمعوه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا يقول لبيك عمرة وحجا، لبيك عمرة وحجا وقد تقدم أن مسلما رواه عن يحيى بن يحيى، عن هشيم به. وقال الامام أحمد أيضا: ثنا عبد الاعلى، عن يحيى عن أنس. قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة قال فسمعته يقول لبيك عمرة وحجا. أبو الصيقل عنه قال الامام أحمد: حدثنا حسن، ثنا زهير. وحدثنا أحمد بن عبد الملك، ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي أسماء الصيقل، عن أنس بن مالك. قال: خرجنا نصرخ بالحج فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة. وقال: لو استقبلت من أمري ما

[ 151 ]

استدبرت لجعلتها عمرة ولكني سقت الهدي وقرنت الحج بالعمرة. ورواه النسائي عن هناد، عن أبي الاحوص، عن أبي إسحاق عن أبي أسماء الصيقل، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بهما. أبو قدامة الحنفي ويقال: إن اسمه محمد بن عبيد عن أنس. قال الامام أحمد: ثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، عن يونس بن عبيد، عن أبي قدامة الحنفي. قال قلت: لانس بأي شئ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي فقال: سمعته سبع مرات يلبي بعمرة وحجة، تفرد به الامام أحمد، وهو اسناد جيد قوي ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة، وروى ابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة وقرن القوم معه. وقد أورد الحافظ البيهقي بعض الطرق عن أنس بن مالك ثم شرع يعلل ذلك بكلام فيه نظر وحاصله أنه قال: والاشتباه وقع لانس لا لمن دونه ويحتمل أن يكون سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم غيره كيف يهل بالقران، لا أنه يهل بهما عن نفسه والله أعلم. قال: وقد روي ذلك عن غير أنس بن مالك وفي ثبوته نظر، قلت: ولا يخفى ما في هذا الكلام من النظر الظاهر لمن تأمله وربما أنه كان ترك هذا الكلام أولى منه، إذ فيه تطرق احتمال إلى حفظ الصحابي مع تواتره عنه كما رأيت آنفا وفتح هذا يفضي إلى محذور كبير والله تعالى أعلم. حديث البراء بن عازب في القران. قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بشران، أنبأنا علي بن محمد المصري، حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى، ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب. قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة. فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج معها. قال: البيهقي ليس هذا بمحفوظ قلت سيأتي بأسناد صحيح إلى عائشة نحوه. رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، ومحمد بن جعفر بن رميس، والقاسم بن إسماعيل، أو عبيد، وعثمان بن جعفر اللبان وغيرهم. قالوا: حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي، ثنا زيد بن حباب، ثنا سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر بن عبد الله. قال: حج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر، وحجة قرن معها عمرة. وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن سعيد الثوري به، وأما الترمذي فرواه عن عبد الله بن أبي زياد بن حباب عن سفيان به ثم قال: غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب. ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن، يعني الرازي، روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن أبي زياد، وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه ورأيته لا يعده محفوظا. قال: وإنما روي عن الثوري، عن أبي اسحاق، عن مجاهد مرسلا. وفي السنن الكبير للبيهقي قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمد بن

[ 152 ]

إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال هذا حديث خطأ وإنما روي هذا عن الثوري مرسلا. قال البخاري: وكان زيد بن الحباب إذا روى خطأ ربما غلط في الشئ وأما ابن ماجه فرواه عن القاسم بن محمد بن عباد المهلبي، عن عبد الله بن داود الخريبي (1). عن سفيان به وهذه طريق لم يقف عليها الترمذي ولا البيهقي وربما ولا البخاري حيث تكلم في زيد بن الحباب ظانا أنه انفرد به وليس كذلك. والله أعلم. طريق أخرى عن جابر. قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر حدثنا أبو معاوية عن حجاج عن أبي الزبير عن جابر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن الحج والعمرة وطاف لهما طوافا واحدا. ثم قال: هذا حديث حسن وفي نسخة صحيح ورواه ابن حبان في صحيحه عن جابر قال: لم يطف للنبي صلى الله عليه وسلم إلا طوافا واحدا لحجه ولعمرته. قلت: حجاج هذا هو ابن أرطاة. وقد تكلم فيه غير واحد من الائمة، ولكن قد روي من جه آخر عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أيضا كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا مقدم بن محمد، حدثني عمي القاسم بن يحيى بن مقدم، عن عبد الرحمن بن عثمان بن خيثم، عن أبي الزبير عن جابر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم فقرن بين الحج والعمرة وساق الهدي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يقلد الهدي فليجعلها عمرة. ثم قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه بهذا الاسناد انفرد بهذه الطريق البزار في مسنده وإسنادها غريبة جدا وليست في شئ من الكتب الستة من هذا الوجه. والله أعلم. رواية أبي طلحة زيد بن سهل الانصاري رضي الله عنه. قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا حجاج - هو ابن أرطأة - عن الحسن بن سعد، عن ابن عباس. قال: أخبرني أبو طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الحج والعمرة. ورواه ابن ماجه، عن علي بن محمد، عن أبي معاوية بإسناده ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة. الحجاج بن أرطاة فيه ضعف والله أعلم. رواية سراقة بن مالك بن جعشم. قال الامام أحمد: حدثنا مكي بن إبراهيم ثنا داود - يعني ابن سويد - سمعت عبد الملك الزراد. يقول سمعت النزال بن سبرة صاحب علي يقول: سمعت سراقة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. قال وقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. رواية سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تمتع بالحج والعمرة وهو القران. قال الامام مالك عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أنه حدثه أنه


(1) الخريبي: نسبة إلى محلة بالبصرة تدعى الخريبة، وكانت وفاته سنة 211 ه‍. اللباب 1 / 359. (*)

[ 153 ]

سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان يذكر التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا مجهل أمر الله. فقال سعد: بئس ما قلت يا بن أخي. فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب كان ينهى عنها، فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه. ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن مالك به. وقال: الترمذي هذا حديث صحيح. وقال الامام أحمد: ثنا يحيى بن سعيد، ثنا سليمان - يعني التيمي - حدثني غنيم. قال: سألت ابن أبي وقاص عن المتعة فقال: فعلناها وهذا كافر بالعرش - يعني معاوية - هكذا رواه مختصرا. وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث سفيان بن سعيد الثوري، وشعبة ومروان الفزاري، ويحيى بن سعيد القطان أربعتهم عن سليمان بن طرخان التيمي سمعت غنيم بن قيس سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة ؟ فقال: قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش. قال: يحيى بن سعيد في روايته - يعني معاوية - ورواه عبد الرزاق عن معتمر بن سليمان وعبد الله بن المبارك كلاهما عن سليمان التيمي، عن غنيم بن قيس سألت سعدا: عن التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال: فعلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر بالعرش - يعني مكة ويعني به معاوية - وهذا الحديث الثاني أصح اسنادا وإنما ذكرناه اعتضادا لا اعتمادا والاول صحيح الاسناد وهذا أصرح في المقصود من هذا. والله أعلم. رواية عبد الله بن أبي أوفى. قال الطبراني: حدثنا سعيد بن محمد بن المغيرة المصري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا يزيد بن عطاء، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى. قال: إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لانه علم أنه لم يكن حاجا بعد ذلك العام. رواية عبد الله بن عباس في ذلك. قال الامام أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا داود - يعني القطان - عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء والثالثة من الجعرانة والرابعة التي مع حجته. وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن داود بن عبد الرحمن العطار المكي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس به وقال الترمذي حسن غريب ورواه الترمذي: عن سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة مرسلا. ورواه الحافظ البيهقي من طريق أبي الحسن علي بن عبد العزيز البغوي، عن الحسن بن الربيع، وشهاب بن عباد كلاهما عن داود بن عبد الرحمن العطار فذكره. وقال: الرابعة التي قرنها مع حجته ثم قال أبو الحسن علي بن عبد العزيز: ليس أحد يقول في هذا الحديث عن ابن عباس إلا داود بن عبد الرحمن ثم حكى البيهقي عن البخاري أنه قال: داود بن عبد الرحمن صدوق إلا أنه ربما يهم في الشئ. وقد تقدم ما رواه البخاري من طريق ابن عباس عن عمر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بوادي العقيق: أتاني آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة. فلعل هذا مستند ابن عباس فيما حكاه. والله أعلم.

[ 154 ]

رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قد تقدم فيما رواه البخاري ومسلم: من طريق الليث، عن عقيل عن الزهري. عن سالم، عن ابن عمر. أنه قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهدى فساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وذكر تمام الحديث في عدم إحلاله بعد السعي. فعلم كما قررناه أولا إنه عليه السلام لم يكن متمتعا التمتع الخاص وإنما كان قارنا لانه حكى أنه عليه السلام لم يكن متمتعا اكتفى بطوف واحد بين الصفا والمروة عن حجه وعمرته. وهذا شأن القارن على مذهب الجمهور كما سيأتي بيانه والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا أبو خيثمة، ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف طوافا واحدا لاقرانه لم يحل بينهما واشترى من الطريق - عني الهدي - وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقاة، إلا أن يحيى بن يمان وإن كان من رجال مسلم في أحاديثه عن الثوري نكارة شديدة والله أعلم، ومما يرجح أن ابن عمر أراد بالافراد الذي رواه إفراد أفعال الحج لا الافراد الخاص الذي يصير إليه أصحاب الشافعي وهو الحج ثم الاعتمار بعده في بقية في الحجة قول الشافعي: أنبأنا مالك، عن صدقة بن يسار عن ابن عمر. أنه قال: لان أعتمر قبل الحج وأهدي أحب إلي من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة. رواية عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. قال الامام أحمد: حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري - حدثنا يونس بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قرن خشية أن يصد عن البيت، وقال: إن لم يكن حجة فعمرة وهذا حديث غريب سندا ومتنا تفرد بروايته الامام أحمد. وقد قال أحمد في يونس بن الحارث الثقفي هذا كان مضطرب الحديث وضعفه وكذا ضعفه يحيى بن معين في رواية عنه والنسائي، وأما من حيث المتن فقوله إنما قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يصد عن البيت فمن الذي كان يصده عليه السلام عن البيت وقد أطد الله له (1) الاسلام وفتح البلد الحرام وقد نودي برحاب منى أيام الموسم في العام الماضي أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان وقد كان معه عليه السلام في حجة الوداع قريب من أربعين ألفا فقوله: خشية أن يصد عن البيت، وما هذا بأعجب من قول أمير المؤمنين عثمان لعلي بن أبي طالب حين قال له علي: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله فقال: أجل ولكنا كنا خائفين ولست أدري على م يحمل هذا الخوف من أي جهة كان ؟ إلا أنه تضمن رواية الصحابي لما رواه وحمله على معنى ظنه فما رواه صحيح مقبول وما اعتقده ليس بمعصوم فيه فهو موقوف عليه وليس بحجة على غيره ولا يلزم منه رد الحديث الذي رواه: هكذا قول عبد الله بن عمرو. لو صح السند إليه. والله أعلم. رواية عمران بن حصين رضي الله عنه. قال الامام أحمد: ثنا محمد بن جعفر وحجاج


(1) أطد: ثبت. (*)

[ 155 ]

قالا، ثنا شعبة، عن حميد بن هلال سمعت مطرفا قال: قال لي عمران بن حصين: إني محدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حجته وعمرته، ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل قرآن فيه يحرمه، وأنه كان يسلم علي فلما اكتويت أمسك عني فلما تركته عاد إلي. وقد رواه مسلم عن محمد بن المثنى، ومحمد بن يسار، عن غندر عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه، والنسائي عن محمد بن عبد الاعلى، عن خالد بن الحارث ثلاثتهم عن شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف عن عمران به. ورواه مسلم: من حديث شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن الحصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة الحديث. قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني، حديث شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف صحيح، وأما حديثه عن قتادة عن مطرف فإنما رواه عن شعبة كذلك بقية بن الوليد. وقد رواه غندر وغيره عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. قلت: وقد رواه أيضا النسائي في سننه: عن عمرو بن علي الفلاس، عن خالد بن الحارث عن شعبة، وفي نسخة عن سعيد بدل شعبة عن قتادة عن مطرف، عن عمران بن الحصين فذكره. والله أعلم. وثبت في الصحيحين: من حديث همام، عن قتادة، عن مطرف عن عمران بن الحصين قال: تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواية الهرماس بن زياد الباهلي: قال عبد الله بن الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن عمران بن علي أبو محمد من أهل الري وكان أصله أصبهاني، حدثنا يحيى بن الضريس. حدثنا عكرمة بن عمار، عن الهرماس. قال: كنت ردف أبي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على بعير وهو يقول: " لبيك بحجة وعمرة معا " وهذا على شرط السنن ولم يخرجوه. رواية حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضي الله عنها. قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر عن حفصة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: مالك لم تحل من عمرتك ؟ قال: " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك وعبيد الله بن عمر زاد البخاري وموسى بن عقبة زاد مسلم وابن جريج كلهم عن نافع عن ابن عمر به. وفي لفظهما أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك ؟ فقال: " إني قلدت هديي ولبدت (1) رأسي فلا أحل حتى أنحر " وقال الامام أحمد أيضا: حدثنا شعيب بن أبي حمزة. قال قال نافع: كان عبد الله بن عمر يقول: أخبرتنا حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع. فقالت له فلانة: ما يمنعك أن تحل. قال: " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلست أحل حتى أنحر هديي " وقال أحمد


(1) التلبيد: أن يجعل المحرم في رأسه شيئا من الصمغ ليجتمع شعره لئل يشعث في الاحرام. ويقال: لبد الرجل إذا جمع شعره على رأسه ولطخه بالصمغ لئلا يقع فيه القمل. (*)

[ 156 ]

أيضا: حدثنا يعقوب بن ابراهيم، حدثنا أبي، عن أبي إسحاق، حدثني نافع عن عبد الله بن عمر بن حفصة بنت عمر. أنها قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أن يحللن بعمرة. قلنا: فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا ؟ قال: " إني أهديت ولبدت فلا أحل حتى أنحر هديي " ثم رواه أحمد: عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن نافع، عن ابن عمر عن حفصة فذكره فهذا الحديث فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متلبسا بعمرة ولم يحل منها، وقد علم بما تقدم من أحاديث الافراد أنه كان قد أهل بحج أيضا فدل مجموع ذلك أنه قارن مع ما سلف من رواية من صرح بذلك. والله أعلم. رواية عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي، فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انقضي (1) رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. ففعلت، فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت. فقال: هذه مكان عمرتك. قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا (2). وكذلك رواه مسلم عن حديث مالك، عن الزهري فذكره. ثم رواه عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فأهللت بعمرة، ولم أكن سقت الهدي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته، لا يحل حتى يحل منهما جميعا وذكر تمام الحديث كما تقدم. والمقصود من إيراد هذا الحديث ههنا قوله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة. ومعلوم أنه عليه السلام قد كان معه هدي فهو أول وأولى من أئتمر بهذا لان المخاطب داخل في عموم متعلق خطابه على الصحيح. وأيضا فإنها قالت: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا يعني بين الصفا والمروة. وقد روى مسلم عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما طاف بين الصفا والمروة طوافا واحدا، فعلم من هذا أنه كان قد جمع بين الحج والعمرة. وقد روى مسلم من حديث حماد بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة قالت: فكان الهدي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذوي اليسار، وأيضا فإنها ذكرت أن


(1) انقضي رأسك: قال ابن حجر: يحتمل أن يكون لاجل الغسل لتهل بالحج، لاسيما إن كانت ملبدة فتحتاج إلى نقض الضفر، وأما الامتشاط فلعل المراد به تسريحها شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شئ ثم تضفره كما كان. (2) فتح الباري - كتاب الحج - الحديث: 1556. (*)

[ 157 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتحلل من النسكين فلم يكن متمتعا وذكرت أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعمرها من التنعيم. وقالت: يا رسول الله ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج، فبعثها مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم، ولم يذكر أنه عليه السلام اعتمر بعد حجته فلم يكن مفردا. فعلم أنه كان قارنا لانه كان باتفاق الناس قد اعتمر في حجة الوداع. والله أعلم. وقد تقدم ما رواه الحافظ البيهقي: من طريق يزيد بن هارون، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب أنه قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج معها. وقال البيهقي: في الخلافيات. أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا أبو محمد بن حبان الاصبهاني، أنبأنا إبراهيم بن شريك، أنبأنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، عن مجاهد قال: سئل ابن عمر كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال مرتين. فقالت عائشة لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا سوى العمرة التي قرنها مع حجة الوداع. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا بأس به لكن فيه إرسال - مجاهد لم يسمع من عائشة في قول بعض المحدثين. قلت كان شعبة ينكره، وأما البخاري ومسلم فإنهما أثبتاه والله أعلم. وقد روي من حديث القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وعروة بن الزبير وغير واحد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه الهدي عام حجة الوداع وفي إعمارها من التنعيم ومصادقتها له منهبطا على أهل مكة وبيتوته بالمحصب حتى صلى الصبح بمكة، ثم رجع إلى المدينة. وهذا كله مما يدل على أنه عليه السلام لم يعتمر بعد حجته تلك ولم أعلم أحدا من الصحابة نقله. ومعلوم أنه لم يتحلل بين النسكين، ولا روى أحد أنه عليه السلام بعد طوافه بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة حلق ولا قصر ولا تحلل بل استمر على إحرامه باتفاق، ولم ينقل أنه أهل بحج لما سار إلى منى فعلم أنه لم يكن متمتعا. وقد اتفقوا على أنه عليه السلام اعتمر عام حجة الوداع، فلم يتحلل بين النسكين ولا أنشأ إحراما للحج ولا اعتمر بعد الحج فلزم القران، وهذا مما يعسر الجواب عنه والله أعلم. وأيضا فإن رواية القران مثبتة لما سكت عنه أو نفاه من روى الافراد والتمتع فهي مقدمة عليها كما هو مقرر في علم الاصول. وعن أبي عمران أنه حج مع مع مواليه. قال: فأتيت أم سلمة فقلت: يا أم المؤمنين إني لم احج قط، فأيهما أبدأ بالعمرة أم بالحج ؟ قالت: ابدأ بأيهما شئت. قال: ثم أتيت صفية أم المؤمنين فسألتها فقالت: لي مثل ما قالت لي، ثم جئت أم سلمة فأخبرتها بقول صفية فقالت لي أم سلمة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا آل محمد من حج منكم فليهل بعمرة في حجة. رواه ابن حبان في صحيحه وقد رواه ابن حزم في حجة الوداع من حديث الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم، عن أبي عمران عن أم سلمة به. فصل إن قيل: قد رويتم عن جماعة من الصحابة أنه عليه السلام أفرد الحج ثم رويتم عن هؤلاء

[ 158 ]

بأعيانهم وعن غيرهم أنه جمع بين الحج والعمرة فما الجمع من ذلك. فالجواب: أن رواية من روى أنه أفرد الحج محمولة على أنه أفرد أفعال الحج، ودخلت العمرة فيه نية وفعلا ووقتا وهذا يدل على أنه اكتفى بطواف الحج، وسعيه عنه وعنها كما هو مذهب الجمهور في القارن خلافا لابي حنيفة رحمه الله حيث ذهب إلى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين واعتمد على ما روي في ذلك عن علي بن أبي طالب وفي الاسناد إليه نظر. وأما من روى التمتع ثم روى القران فقد قدمنا الجواب عن ذلك بأن التمتع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص والقران بل ويطلقونه على الاعتمار في أشهر الحج وإن لم يكن معه حج. كما قال سعد بن أبي وقاص: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا - يعني معاوية - يومئذ كافر بالعرش - يعني بمكة - وإنما يريد بهذا إحدى العمرتين، إما الحديبية أو القضاء. فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية قد أسلم لانها كانت بعد الفتح وحجة الوداع بعد ذلك سنة عشر وهذا بين واضح والله أعلم. فصل إن قيل: فما جوابها عن الحديث الذي رواه أبو داود الطيالسي في مسنده. حدثنا هشام عن قتادة عن أبي سيح الهنائي (1)، واسمه صفوان بن خالد، أن معاوية قال لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صفف (2) النمور قالوا: اللهم نعم ! قال. وأنا أشهد قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا (3) قالوا: اللهم نعم ! قال: أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرن بين الحج والعمرة قالوا: اللهم لا ! قال: والله إنها لمعهن. وقال الامام أحمد: ثنا عفان ثنا همام، عن قتادة، عن أبي سيح الهنائي قال: كنت في ملاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند معاوية فقال معاوية: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود النمور أن يركب عليها قالوا: اللهم نعم ! قال: وتعلمون أنه نهى عن لباس الذهب إلا مقطعا قالوا: اللهم نعم ! قال: وتعلمون أنه نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة قالوا: اللهم نعم ! قال: وتعلمون أنه نهى عن المتعة - يعني متعة الحج - قالوا: اللهم لا ! وقال أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي سيح الهنائي أنه شهد معاوية وعنده جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم معاوية: أتعلمون أن رسول الله نهى عن ركوب جلود النمور قالوا: نعم ! قال: تعلمون أن رسول الله نهى عن لبس الحرير ؟ قالوا: اللهم نعم ! قال: أتعلمون أن رسول الله نهى أن يشرب في آنية الذهب والفضة ؟ قالوا: اللهم نعم ! قال أتعلمون أن رسول الله نهى عن جمع بين حج وعمرة ؟ قالوا: اللهم لا ! قال فو الله إنها


(1) في المشتبه: 1 / 279: السبائي. (2) الصفف: جمع صفة وهي ما يفرش تحت السرج. (3) المقطع: الشئ اليسير منه كالحلقة (عن النهاية). (*)

[ 159 ]

لمعهن. وكذا رواه حماد بن سلمة، عن قتادة وزاد ولكنكم نسيتم، وكذا رواه أشعث بن نزار وسعيد بن أبي عروبة وهمام عن قتادة بأصله. ورواه مطر الوراق، وبهيس بن فهدان عن أبي سيح في متعة الحج. فقد رواه أبو داود، والنسائي من طرق عن أبي سيح الهنائي به وهو حديث جيد الاسناد. ويستغرب منه رواية معاوية رضي الله عنه النهي عن الجمع بين الحج والعمرة ولعل أصل الحديث النهي عن المتعة، فاعتقد الراوي أنها متعة الحج، وإنما هي متعة النساء، ولك يكن عند أولئك الصحابة رواية في النهي عنها أو لعل النهي عن الاقران في التمر كما في حديث ابن عمر فاعتقد الراوي أن المراد القران في الحج وليس كذلك أو لعل معاوية رضي الله عنه قال إنما قال أتعلمون أنه نهي عن كذا فبناه بما لم يسم فاعله فصرح الراوي بالرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووهم في ذلك فإن الذي كان ينهى عن متعة الحج، إنما هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يكن نهيه عن ذلك على وجه التحريم والحتم كما قدمنا، وانما كان ينهى عنها لتفرد عن الحج، بسفر آخر ليكثر زيارة البيت، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يهابونه كثيرا، فلا يتجاسرون على مخالفته غالبا وكان ابنه عبد الله يخالفه، فيقال له: إن أباك كان ينهى عنها، فيقول لقد خشيت أن يقع عليكم حجارة من السماء قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أفسنة رسول الله تتبع أم سنة عمر بن الخطاب، وكذلك كان عثمان بن عفان رضي الله عنه ينهى عنها، وخالفه علي بن أبي طالب كما تقدم. وقال لا أدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس. وقال عمران بن حصين: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات أخرجاه في الصحيحين. وفي صحيح مسلم عن سعد: أنه أنكر على معاوية إنكاره المتعة، وقال: قد فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر بالعرش يعني معاوية أنه كان حين فعلوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرا بمكة يومئذ. قلت: وقد تقدم أنه عليه السلام حج قارنا بما ذكرناه من الاحاديث الواردة في ذلك، ولم يكن بين حجة الوداع وبين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون يوما وقد شهد الحجة ما ينيف عن أربعين ألف صحابي قولا منه وفعلا فلو كان قد نهى عن القران في الحج الذي شهده منه الناس لم ينفرد به واحد من الصحابة ويرده عليه جماعة منهم ممن سمع منه ولم يسمع، فهذا كله مما يدل على أن هذا هكذا ليس محفوظا عن معاوية رضي الله عنه والله أعلم. وقال أبو داود ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني حيوة أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبد الله بن القاسم خراساني، عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب فشهد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج وهذا الاسناد لا يخلو عن نظر. ثم إن كان هذا الصحابي عن معاوية فقد تقدم الكلام على ذلك ولكن في هذا النهي عن المتعة لا القران. وان كان في غيره فهو مشكل في الجملة لكن لا على القران. والله أعلم. ذكر مستند من قال: أنه عليه الصلاة والسلام أطلق الاحرام ولم يعين حجا، ولا عمرة أولا. ثم بعد ذلك صرفه إلى معين. وقد حكي عن الشافعي أنه الافضل إلا أنه قول ضعيف.

[ 160 ]

قال الشافعي رحمه الله: أنبأنا سفيان، أنبأنا ابن طاوس، وابراهيم بن ميسرة، وهشام بن حجير سمعوا طاوسا يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة فأمر أصحابه من كان منهم من أهل بالحج ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة. وقال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي ولكن لبدت رأسي وسقت هديي، فليس لي محل إلا محل هديي، فقام إليه سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله أقض لنا قضاء كأنما ولدوا اليوم أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للابد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل للابد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " قال: فدخل علي من اليمن فسأله النبي صلى الله عليه وسلم بم أهللت ؟ فقال أحدهما: لبيك إهلال النبي صلى الله عليه وسلم،. وقال الآخر: لبيك حجة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا مرسل طاوس وفيه غرابة. وقاعدة الشافعي رحمه الله أنه لا يقبل المرسل بمجرده حتى يعتضد بغيره. اللهم إلا أن يكون عن كبار التابعين كما عول عليه كلامه في الرسالة، لان الغالب أنهم لا يرسلون إلا عن الصحابة. والله أعلم. وهذا المرسل ليس من هذا القبيل بل هو مخالف للاحاديث المتقدمة كلها، أحاديث الافراد، وأحاديث التمتع، وأحاديث القران وهي مسندة صحيحة. كما تقدم فهي مقدمة عليه ولانها مثبتة أمرا نفاه هذا المرسل والمثبت مقدم على النافي لو تكافئا. فكيف والمسند صحيح والمرسل من حيث لا ينهض حجة لانقطاع سنده والله تعالى أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الاصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا محاضر، حدثنا الاعمش، عن ابراهيم عن الاسود عن عائشة. قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر حجا ولا عمرة فلما قدمنا أمرنا أن نحل فلما كانت ليلة النفر حاضت صفية بنت حيي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " حلقى عقرى " (1) ما أراها إلا حابستكم. قال: هل كنت طفت يوم النحر ؟ قالت: نعم ! قال: فانفري. قالت قلت: يا رسول الله إني لم أكن أهللت قال: " فاعتمري من التنعيم " قال فخرج معها أخوها. قالت: فلقينا مدلجا فقال: موعدكن كذا وكذا. هكذا رواه البيهقي. وقد رواه البخاري: عن محمد، قيل هو ابن يحيى الذهلي، عن محاضر بن المورع به إلا أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج وهذا أشبه بأحاديثها المتقدمة لكن روى مسلم عن سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر، عن الاعمش عن إبراهيم عن الاسود عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر حجا ولا عمرة. وقد أخرجه البخاري ومسلم: من حديث منصور، عن ابراهيم، عن الاسود عنها. قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج وهذا أصح وأثبت. والله أعلم. وفي


(1) عقرى حلقى: قال النووي: هكذا يرويه المحدثون بالالف التي هي ألف التأنيث ويكتبونه بالياء ولا ينونونه. قال أبو عبيد: معنى عقرى: عقرها الله تعالى، يعني عقر جسدها وأصابها بوجع في حلقها. وقال: إنما هو عقرا وحلقا وهذا على مذهب العرب في الدعاء على الشئ من غير إرادة وقوعه، وعقرى تجئ نعتا وهي لا تجوز في الدعاء. (*)

[ 161 ]

رواية لها من هذا الوجه خرجنا نلبي، ولا نذكر حجا ولا عمرة وهو محمول على أنهم لا يذكرون ذلك من التلبية وإن كانوا قد سموه حال الاحرام كما في حديث أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لبيك اللهم حجا وعمرة ". وقال أنس: وسمعتهم يصرخون بهما جميعا. فأما الحديث الذي رواه مسلم من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نضرة عن جابر وأبي سعيد الخدري. قالا: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخا فإنه حديث مشكل على هذا. والله أعلم. ذكر تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لك لا شريك لك " وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك لك وسعديك، والخير في يديك لبيك، والرغباء إليك والعمل. ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك به. وقال مسلم: حدثنا محمد بن عباد، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، [ و ] عن نافع مولى عبد الله بن عمرو وحمزة بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل، فقال: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لك لا شريك لك ". قالوا: وكان عبد الله يقول: [ هذه ] (1) تلبية رسول الله. قال نافع: وكان عبد الله يزيد مع هذا: لبيك لبيك لبيك، وسعديك والخير بيديك [ لبيك ] والرغباء إليك والعمل. حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد، عن [ عبيد الله ] (2) أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: تلقفت التلبية، من [ في ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر بمثل حديثهم. حدثني حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب. قال: [ فإن ] (3) سالم بن عبد الله بن عمر: أخبرني عن أبيه. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا (4) يقول: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " لا يزيد على هؤلاء الكلمات وان عبد الله بن عمر كان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين، فإذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات. وقال عبد الله بن عمر: كان عمر بن الخطاب يهل باهلال النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكلمات وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، وسعديك والخير في يديك لبيك والرغباء إليك


(1) من مسلم، وفي الاصل: في. (2) من مسلم: وفي الاصل عبد الله. (3) من مسلم، وفي الاصل: قال. (4) من مسلم، وفي الاصل ملبيا. (*)

[ 162 ]

والعمل (1). هذا لفظ مسلم. وفي حديث جابر من التلبية كما في حديث ابن عمر وسيأتي مطولا قريبا رواه مسلم منفردا به. وقال البخاري بعد إيراده من طريق مالك، عن نافع عن ابن عمر ما تقدم: حدثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان، عن الاعمش، عن عمارة، عن أبي عطية عن عائشة. قالت: إني لاعلم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك " تابعه أبو معاوية عن الاعمش وقال شعبة: أخبرنا سليمان، سمعت خيثمة عن أبي عطية سمعت عائشة. تفرد به البخاري. وقد رواه الامام أحمد: عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن سليمان بن مهران الاعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطية الوادي، عن عائشة فذكر مثل ما رواه البخاري سواء ورواه أحمد: عن أبي معاوية، وعبد الله بن نمير عن الاعمش كما ذكره البخاري سواء ورواه أيضا عن محمد بن جعفر وروح بن عبادة، عن شعبة، عن سليمان بن مهران الاعمش به كما ذكره البخاري وكذلك رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة سواء. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الاعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطية. قال قالت عائشة: إني لاعلم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي. قال: ثم سمعتها تلبي. فقالت: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لك لا شريك لك. فزاد في هذا السياق وحده والملك لا شريك لك. وقال البيهقي: أخبرنا الحاكم، أنبأنا الاصم، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأنا ابن وهب: أخبرني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، أن عبد الله بن الفضل، حدثه عن عبد الرحمن الاعرج، عن أبي هريرة أنه قال: كان من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لبيك إله الحق ". وقد رواه النسائي عن قتيبة، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد العزيز بن أبي سلمة. وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، كلاهما عن وكيع عن عبد العزيز به. قال النسائي: ولا أعلم أحدا أسنده عن عبد الله بن الفضل إلا عبد العزيز. ورواه إسماعيل بن أمية مرسلا. وقال الشافعي أنبأنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، أخبرني حميد الاعرج عن مجاهد أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر التلبية لبيك اللهم لبيك فذكر التلبية. قال حتى إذا كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه فزاد فيها: لبيك إن العيش عيش الآخرة. قال ابن جريج وحسبت أن ذلك يوم عرفة. هذا مرسل من هذا الوجه. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد يوسف بن محمد بن محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا نصر بن علي الجهضمي، ثنا محبوب بن الحسن، ثنا داود، عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بعرفات فلما قال: لبيك اللهم لبيك. قال: إنما الخير خير الآخرة. وهذا إسناد غريب وإسناده على شرط السنن ولم يخرجوه.


(1) الاحاديث أخرجها مسلم في صحيحه - شرح النووي - كتاب الحج - باب التلبية وصفاتها 8 / 87. وما بين معكوفتين زيادات استدركت من صحيح مسلم. (*)

[ 163 ]

وقال الامام أحمد: حدثنا روح، ثنا أسامة بن زيد، حدثني عبد الله بن أبي لبيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني جبرائيل برفع الصوت في الاهلال فإنه من شعائر الحج. تفرد به أحمد. وقد رواه البيهقي: عن الحاكم، عن الاصم، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الله بن أبي لبيد، عن المطلب، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره وقد قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي لبيد، عن المطلب بن حنطب، عن خلاد، عن السائب، عن زيد بن خالد قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها شعار الحج. وكذا رواه ابن ماجه: عن علي بن محمد، عن وكيع عن الثوري به. وكذلك رواه شعبة وموسى بن عقبة عن عبد الله بن أبي لبيد به. وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا سليمان، عن عبد الله بن أبي لبيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " جاءني جبرائيل فقال: يا محمد مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها شعار الحج. قال شيخنا أبو الحجاج المزي في كتابه الاطراف: وقد رواه معاوية عن هشام وقبيصة عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن أبي لبيد، عن المطلب، عن خلاد بن السائب، عن أبيه عن زيد بن خالد به. وقال أحمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام، عن خلاد بن السائب بن خلاد، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبرائيل فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالاهلال. وقال أحمد: قرأت على عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، وحدثنا روح: ثنا مالك يعني ابن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن خلاد بن السائب الانصاري، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبرائيل فأمرني أن آمر أصحابي - أو من معي - أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالاهلال - يريد أحدهما وكذلك رواه الشافعي عن مالك ورواه أبو داود عن القعنبي عن مالك به. ورواه الامام أحمد أيضا: من حديث ابن جريج والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر به. وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وقال الحافظ البيهقي ورواه ابن جريج قال: كتب إلى عبد الله بن أبي بكر فذكره ولم يذكر أبا خلاد في إسناده قال والصحيح رواية مالك وسفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك، عن خلاد بن السائب، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك قال البخاري وغيره كذا قال. وقد قال الامام أحمد في مسنده: حدثنا السائب بن خلاد بن سويد أبي سهلة الانصاري، ثنا محمد بن بكر، أنبأنا ابن جريج. وثنا روح ثنا ابن جريج قال: كتب إلى عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن خلاد بن السائب الانصاري، عن أبيه السائب بن خلاد. أنه سمع

[ 164 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أتاني جبرائيل فقال إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية والاهلال. وقال روح بالتلبية أو الاهلال. قال: لا أدري أينا وهل أنا أو عبد الله أو خلاد في الاهلال أو التلبية هذا لفظ أحمد في مسنده. وكذلك ذكر شيخنا في أطرافه عن ابن جريج كرواية مالك وسفيان بن عيينة. فالله أعلم. فصل في إيراد حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وحده منسك مستقل رأينا أن إيراده ههنا أنسب لتضمنه التلبية وغيرها كما سلف، وما سيأتي فنورد طرقه وألفاظه ثم نتبعه بشواهده من الاحاديث الواردة في معناه وبالله المستعان. قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، ثنا جعفر بن محمد حدثني أبي. قال: أتينا جابر بن عبد الله وهو في بني سلمة، فسألناه عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث في المدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج في هذا العام. قال: فنزل المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويفعل ما يفعل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس (1) بقين من ذي القعدة، وخرجنا معه حتى إذا أتى ذا الحليفة نفست أسماء بنة عميس بمحمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع قال: اغتسلي ثم استثفري بثوب (2) ثم أهلي فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك. والملك، لا شريك لك. ولبى الناس والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلم يقل لهم شيئا فنظرت مد بصري بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من راكب وماش ومن خلفه كذلك وعن يمينه مثل ذلك وعن شماله مثل ذلك. قال جابر: ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا عليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله وما عمل به من شئ عملناه، فخرجنا لا ننوي إلا الحج، حتى إذا أتينا الكعبة فاستلم نبي الله صلى الله عليه وسلم الحجر الاسود ثم رمل ثلاثة، ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين ثم قرأ * (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) * [ البقرة: 125 ]. قال أحمد: وقال أبو عبد الله - يعني جعفرا - فقرأ فيهما بالتوحيد وقل يا أيها الكافرون، ثم استلم الحجر وخرج إلى الصفا ثم قرأ * (إن الصفا والمروة من شعائر الله) *. [ البقرة: 158 ] ثم قال: نبدأ بما بدأ الله به فرقي على الصفا حتى إذا


(1) في المسند: لعشر، وقد تقدم أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة، والارجح أنه يوم السبت كما قال الواقدي ولم يوقت مسلم خروجه. (2) في المسند: واستذفري. والاستثفار هو أن تشد في وسطها شدا، وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها، في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بثفر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها. (*)

[ 165 ]

نظر إلى البيت كبر. ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، [ له ] الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده وصدق وعده وهزم - أو غلب - الاحزاب وحده. ثم دعا ثم رجع إلى هذا الكلام، ثم نزل حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى حتى إذا أتى المروة فرقي عليها حتى نظر إلى البيت فقال عليها كما قال على الصفا، فلما كان السابع عند المروة. قال: يا أيها الناس إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة فمن لم يكن معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. فحل الناس كلهم فقال سراقة بن مالك بن جعشم وهو في أسفل الوادي: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للابد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه فقال: للابد. ثلاث مرات. ثم قال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. قال: وقد علي من اليمن بهدي وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه من هدي المدينة هديا فإذا فاطمة قد حلت ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها فقالت: أمرني به أبي. قال: قال علي بالكوفة: قال جعفر قال إلى هذا الحرف لم يذكره جابر. فذهبت محرشا (1) أستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي ذكرت فاطمة. قلت: إن فاطمة لبست ثيابا صبيغا واكتحلت وقالت أمرني أبي. قال: صدقت صدقت أنا أمرتها به. وقال جابر وقال لعلي بم أهللت ؟ قال قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك. قال: ومعي الهدي، قال: فلا تحل. قال: وكان جماعة الهدي الذي أتى به علي من اليمن، والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثا وستين، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحرت ههنا ومنى كلها منحر، ووقف بعرفة فقال: وقفت ههنا. وعرفة كلها موقف ووقف بالمزدلفة. وقال وقفت ههنا. والمزدلفة كلها موقف. هكذا أورد الامام أحمد هذا الحديث وقد اختصر آخره جدا (2). ورواه الامام مسلم بن الحجاج في المناسك من صحيحه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن ابراهيم كلاهما عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جابر بن عبد الله فذكره. وقد أعلمنا على الزيادات المتفاوتة من سياق أحمد ومسلم إلى قوله عليه السلام لعلي صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج. قال قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك صلى الله عليه وسلم. قال: فإن معي الهدي. قال: فلا تحل قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقية


(1) محرشا: قال النووي: التحريش الاغراء، والمراد هنا أن يذكر له ما يقتضي عتابها. (2) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 3 / 320 - 321. (*)

[ 166 ]

له من شعر، فضربت له بنمرة (1) فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له [ فركب ] (2) فأتى بطن الوادي، فخطب الناس. وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة. وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن (3) ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. ورباء الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله واتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهم أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت. فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس، اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات. ثم أذن [ بلال ] (4) ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصوى إلى الصخرات (5) وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا، حتى غاب القرص وأردف أسامة بن زيد خلفه ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام، حتى أن رأسها لتصيب مورك (6) رحله ويقول بيده اليمنى. أيها الناس السكينة السكينة. كلما أتى جبلا (7) من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا فحمد الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ودفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن العباس وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت ظعن بجرين، فطفق


(1) نمرة: بفتح النون وكسر الميم - وهي موضع بجنب عرفات وليست من عرفات. (2) من رواية جابر في البيهقي. (3) قال السهيلي: واسمه آدم. قال الدارقطني وهو تصحيف قال النووي اسمه إياس وقيل حارثة وقيل اسمه تمام. قال الزبير بن بكار: آدم وكان طفلا صغيرا يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبني ليث بن بكر. (4) من دلائل البيهقي. (5) وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات. (6) مورك: قال أبو عبيد: المورك والموركة الموضع الذي يثني الراجب رجله عليه قدام واسطة الرحل. (7) في مسلم: حبلا من الحبال. والحبل: التل اللطيف من الرمل الضخم. (*)

[ 167 ]

الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل فحول الفضل يده إلى الشق الآخر فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى إذا أتى بطن محسر، فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف، رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب، وهم يستقون على زمزم فقال: أنزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم. فناولوه دلوا فشرب منه (1). ثم رواه مسلم: عن عمر بن حفص. عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر فذكره بنحوه. وذكر قصة أبي سيارة (2) وأنه كان يدفع بأهل الجاهلية على حمار عرى وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نحرت ههنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف ووقفت ههنا وجمع كلها موقف. وقد رواه أبو داود بطوله عن النفيلي وعثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن وربما زاد بعضهم على بعض الكلمة والشئ أربعتهم عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بنحو من رواية مسلم وقد رمزنا لبعض زياداته عليه ورواه أبو داود أيضا والنسائي عن يعقوب بن ابراهيم عن يحيى بن سعيد القطان عن جعفر به. ورواه النسائي أيضا عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد ببعضه عن إبراهيم بن هارون البلخي: عن حاتم بن إسماعيل ببعضه. ذكر الاماكن التي صلى فيها صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب من المدينة إلى مكة في عمرته وحجته قال البخاري (3) - باب المساجد التي على طريق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، قال: ثنا فضيل بن سليمان، قال: ثنا موسى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الامكنة. وحدثني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يصلي في تلك الامكنة. وسألت سالما فلا أعلمه إلا وافق نافعا في الامكنة كلها إلا أنهما


(1) صحيح مسلم - كتاب الحج (19) باب حجة النبي صلى الله عليه وآله الحديث 147 ص 886 - 892. وشرح النووي ج 8 / 170 - 195. (2) من صحيح مسلم، وفي الاصل أبي سنان تحريف. (3) في كتاب الصلاة 89 باب الحديث 483 وما بعده فتح الباري ج 1 / 567. (*)

[ 168 ]

اختلفا في مسجد بشرف الروحاء (1). قال: حدثنا ابراهيم بن المنذر، ثنا أنس بن عياض، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن نافع أن عبد الله أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة. وكان إذا رجع من غزو كان في تلك الطريق أو في حج أو عمرة هبط من بطن واد فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية فعرس (2) ثم حتى يصبح، ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الاكمة التي عليها المسجد، كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده في بطنه كثب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي، فدحى السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه، وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي كان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم يقول، ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى، وأنت ذاهب إلى مكة بينه وبين المسجد الاكبر رمية بحجر أو نحو ذلك، وان ابن عمر كان يصلي إلى العرق (3) الذي عند منصرف الروحاء، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف وأنت ذاهب إلى مكة، وقد ابتنى ثم مسجد فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد، كان يتركه عن يساره ووراءه ويصلي أمامه إلى العرق نفسه، وكان عبد الله يروح من الروحاء فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلي فيه الظهر، وإذا أقبل من مكة فإن مر به قبل الصبح بساعة أو من آخر السحر عرس حتى يصلي بها الصبح، وأن عبد الله حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة (4) عن يمين الطريق ووجاه الطريق في مكان بطح سهل حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها وهي قائمة على ساق وفي ساقها كثب كثيرة. وان عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في طرف تلعة من وراء العرج (5) وأنت ذاهب إلى هضبة عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة على القبور رضم من حجارة عن يمين الطريق عند سلمات الطريق، بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة فيصلي الظهر في ذلك المسجد. وان عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عند سرحات عن يسار الطريق في مسيل دون هرشى، ذلك المسيل لاصق بكراع هرشى (6) بينه وبين الطريق قريب من غلوة، وكان عبد الله يصلي إلى سرحة هي أقرب السرحات إلى الطريق


(1) شرف الروحاء: قرية جامعة على ليلتين من المدينة، وهي آخر السيالة للمتوجه إلى مكة. (2) عرس: قال الخطابي التعريس: نزول استراحة لغير إقامة، وأكثر ما يكون في آخر الليل. (3) العرق: قال أبو عبيد البكري: هو عرق الظبية. (4) الرويثة: قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخا. (5) العرج: بسكون الراء: قرية جامعة بينها وبين الرويثة ثلاثة عشر أو أربعة عشر ميلا. (6) هرشى: جبل على ملتقى طريق المدينة والشام قريب الجحفة، وكراع هرشى طرفها (قاله البكري). (*)

[ 169 ]

وهي أطولهن. وان عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران قبل المدينة حين يهبط من الصفراوات (1) ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة ليس بين منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الطريق إلا رمية بحجر، وأن عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى ويبيت حتى يصبح يصلي الصبح حين يقدم مكة ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة ليس في المسجد الذي بني ثم ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة. وأن عبد الله حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الاكمة ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الاكمة السوداء تدع من الاكمة عشرة أذرع أو نحوها ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة. تفرد البخاري رحمه الله بهذا الحديث بطوله وسياقه إلا أن مسلما روى منه عند قوله في آخره: وأن عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى إلى آخر الحديث عن محمد بن إسحاق المسيبي عن أنس بن عياض. عن موسى بن عقبة، عن نافع. عن ابن عمر فذكره. وقد رواه الامام أحمد بطوله عن أبي قرة موشى بن طارق، عن موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر به نحوه. وهذه الاماكن لا يعرف اليوم كثير منها أو أكثرها لانه قد غير أسماء أكثر هذه البقاع اليوم عند هؤلاء الاعراب الذين هناك فإن الجهل قد غلب على أكثرهم (2). وإنما أوردها البخاري رحمه الله في كتابه لعل أحدا يهتدي إليها بالتأمل والتفرس والتوسم أو لعل أكثرها أو كثيرا منها كان معلوما في زمان البخاري. والله تعالى أعلم. باب دخول النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة شرفها الله عز وجل قال البخاري: حدثنا مسدد، ثنا يحيى بن عبد الله، حدثني نافع عن ابن عمر. قال: بات النبي صلى الله عليه وسلم بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة وكان ابن عمر يفعله. ورواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان به. وزاد حتى صلى الصبح أو قال حتى أصبح. وقال مسلم: ثنا أبو الربيع الزهراني. ثنا حماد عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله. ورواه البخاري: من حديث حماد بن زيد، عن أيوب به. ولهما من طريق أخرى عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر: كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى وذكره وتقدم آنفا ما


(1) الصفراوات: جمع صفراء وهو مكان بعد مر الظهران. (2) قال ابن حجر: هذه المساجد لا يعرف اليوم منها غير مسجدي ذي الحليفة، والمساجد التي بالروحاء يعرفها أهل تلك الناحية. وقد بسط الزبير بن بكار في - أخبار المدينة - صفة تلك المساجد. (*)

[ 170 ]

أخرجاه من طريق موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت بذي طوى حتى يصبح فيصلي الصبح حتى يقدم مكة ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أكمة غليظة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الاكمة ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الاكمة السوداء يدع من الاكمة عشرة أذرع أو نحوها ثم يصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة. أخرجاه في الصحيحين. وحاصل هذا كله أنه عليه السلام لما انتهى في مسيره إلى ذي طوى وهو قريب من مكة متاخم للحرم، أمسك عن التلبية لانه قد وصل إلى المقصود بات لذلك المكان حتى أصبح فصلى هنالك الصبح في المكان الذي وصفوه بين فرضتي الجبل الطويل هنالك. ومن تأمل هذه الاماكن المشار إليها بعين البصيرة عرفها معرفة جيدة وتعين له المكان الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم اغتسل صلوات الله وسلامه عليه لاجل دخول مكة ثم ركب ودخلها نهارا جهرة علانية من الثنية العليا التي بالبطحاء (1). ويقال كذا ليراه الناس، ويشرف عليهم وكذلك دخل منها يوم الفتح كما ذكرناه، قال مالك، عن نافع، عن ابن عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى أخرجاه في الصحيحين من حديثه. ولهما: من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا التي في البطحاء وخرج من الثنية السفلى. ولهما أيضا: من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مثل ذلك. ولما وقع بصره عليه السلام على البيت. قال: ما رواه الشافعي في مسنده: أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من شرفه وكرمه فمن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا. قال الحافظ البيهقي هذا منقطع وله شاهد مرسل عن سفيان الثوري، عن أبي سعيد الشامي عن مكحول قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبر وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرا وزد من حجه أو اعتمره تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا وقال الشافعي: أنبأنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: حدثت عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ترفع الايدي في الصلاة وإذا رأى البيت وعلى الصفا والمروة وعشية عرفة وبجمع وعند الجمرتين وعلى الميت. قال الحافظ البيهقي: وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس وعن نافع عن ابن عمر مرة موقوفا عليهما ومرة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر الميت. قال وابن أبي ليلى هذا غير قوي. ثم أنه عليه السلام دخل المسجد من باب بني شيبة قال الحافظ البيهقي: روينا عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال يدخل المحرم من حيث شاء. قال: ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة وخرج من باب بني مخزوم إلى الصفا. ثم قال


(1) البطحاء والابطح وهي بجنب المحصب وهذه الثنية ينحدر منها إلى مقابر المدينة. (*)

[ 171 ]

البيهقي: وهذا مرسل جيد. وقد استدل البيهقي على استحباب دخول المسجد من باب بني شيبة بما رواه من طريق أبي داود الطيالسي ثنا حماد بن سلمة وقيس بن سلام كلهم عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن علي رضي الله عنه. قال لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب فوضع الحجر في وسطه وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه وقد ذكرنا هذا مبسوطا في باب بناء الكعبة قبل البعثة. وفي الاستدلال على استحباب الدخول من باب بني شيبة بهذا نظر. والله أعلم. صفة طوافه صلوات الله وسلامه عليه قال البخاري: حدثنا أصبغ بن الفرج، عن ابن وهب، أخبرني عمرو بن محمد، عن محمد بن عبد الرحمن. قال ذكرت لعروة قال أخبرتني عائشة: أن أول شئ بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم طاف ثم لم تكن عمرة ثم حج أبو بكر وعمر مثله. ثم حججت مع أبي الزبير فأول شئ بدأ به الطواف. ثم رأيت المهاجرين والانصار يفعلونه. وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة فلما مسحوا الركن حلوا. هذا لفظه. وقد رواه في موضع آخر عن أحمد بن عيسى ومسلم عن هارون بن سعيد ثلاثتهم عن ابن وهب به. وقولها ثم لم تكن عمرة يدل على أنه عليه السلام لم يتحلل بين النسكين ثم كان أول ما ابتدأ به عليه السلام استلام الحجر الاسود قبل الطواف كما قال جابر: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا. وقال البخاري: ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن الاعمش، عن ابراهيم، عن عابس بن ربيعة. عن عمر أنه جاء إلى الحجر فقبله وقال إني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك (1). ورواه مسلم: عن يحيى بن يحيى. وأبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وابن أبي نمير جميعا عن أبي معاوية عن الاعمش عن إبراهيم. عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول إني (2) لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد وأبو معاوية قالا: حدثنا الاعمش، عن إبراهيم بن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر أتى الحجر فقال، أما والله لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله قبلك ما


(1) قال الطبري: إنما قال ذلك عمر لان الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الاصنام، فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الاحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله لا لان الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الاوثان. (2) في صحيح مسلم: أني أقبلك وأعلم. (*)

[ 172 ]

قبلتك ثم دنا فقبله. فهذا السياق يقتضي أنه قال ما قال ثم قبله بعد ذلك، بخلاف سياق صاحبي الصحيح فالله أعلم. وقال أحمد: ثنا وكيع ويحيى واللفظ لوكيع عن هشام، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب أتى الحجر فقال: إني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك وقال ثم قبله. وهذا منقطع بين عروة بن الزبير وبين عمر. وقال البخاري أيضا: ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال للركن: أما والله إني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استلمك ما استلمتك فاستلمه. ثم قال: وما لنا والرمل إنما كنا راءينا به المشركين ولقد أهلكهم الله. ثم قال: شئ صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه. وهذا يدل على أن الاستلام تأخر عن القول. وقال البخاري: ثنا أحمد بن سنان، ثنا يزيد بن هارون، ثنا ورقاء، ثنا زيد بن أسلم عن أبيه. قال: رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وقال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. وقال مسلم بن الحجاج: ثنا حرملة، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس هو - ابن يزيد الايلي - وعمرو - هو - ابن دينار. وحدثنا هارون بن سعيد الايلي، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو، عن ابن شهاب، عن سالم: أن أباه حديثه أنه قال: قبل عمر بن الخطاب الحجر. ثم قال: أما والله لقد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. زاد هارون في روايته قال عمرو وحدثني بمثلها زيد بن أسلم عن أبيه أسلم - يعني - عن عمر به. وهذا صريح في أن التقبيل يقدم على القول. فالله أعلم. وقال الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق: أنبانا عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر قبل الحجر. ثم قال: قد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك. هكذا رواه الامام أحمد. وقد أخرجه مسلم في صحيحه عن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر قبل الحجر وقال، إني لاقبلك وأني لاعلم أنك حجر، ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك. ثم قال مسلم: ثنا خلف بن هشام والمقدمي وأبو كامل وقتيبة كلهم عن حماد. قال خلف: ثنا حماد بن زيد، عن عاصم الاحول، عن عبد الله بن سرجس. قال: رأيت الاصلع - يعني - عمر يقبل الحجر ويقول: والله إني لاقبلك وإني لاعلم أنك حجر، وأنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. وفي رواية المقدمي وأبي كامل: رأيت الاصلع وهذا من أفراد مسلم دون البخاري. وقد رواه الامام أحمد عن أبي معاوية، عن عاصم الاحول عن عبد الله بن سرجس به. ورواه أحمد أيضا عن غندر عن شعبة، عن عاصم الاحول به. وقال الامام أحمد: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان عن ابراهيم بن عبد الاعلى، عن سويد بن غفلة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكني رأيت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم بك حفيا. ثم رواه أحمد عن وكيع عن سفيان الثوري به. وزاد فقبله والتزمه. وهكذا رواه مسلم من حديث عبد الرحمن بن مهدي بلا

[ 173 ]

زيادة. ومن حديث وكيع بهذه الزيادة قبل الحجر والتزمه. وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفيا. وقال الامام أحمد: ثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن عمر بن الخطاب أكب على الركن، وقال: إني لاعلم أنك حجر ولو لم أر حبيبي صلى الله عليه وسلم قبلك واستلمك ما استلمتك ولا قبلتك (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وهذا إسناد جيد قوي ولم يخرجوه. وقال أبو داود الطيالسي: ثنا جعفر بن عثمان القرشي من أهل مكة قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه. ثم قال: رأيت خالك ابن عباس قبله وسجد عليه. وقال ابن عباس رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه. ثم قال عمر لو لم أر النبي صلى الله عليه وسلم قبله ما قبلته. وهذا أيضا إسناد حسن ولم يخرجه إلا النسائي عن عمرو بن عثمان، عن الوليد بن مسلم،. عن حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، عن ابن عباس عن عمر فذكر نحوه. وقد روي هذا الحديث عن عمر: الامام أحمد أيضا من حديث يعلى بن أمية عنه. وأبو يعلى الموصلي في مسنده: من طريق هشام بن حشيش بن الاشقر عن عمر. وقد أوردنا ذلك كله بطرقه وألفاظه وعزوه وعلله في الكتاب الذي جمعناه في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولله الحمد والمنة. وبالجملة فهذا الحديث مروي من طرق متعددة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي تفيد القطع عند كثير من أئمة هذا الشأن وليس في هذه الروايات أنه عليه السلام سجد على الحجر إلا ما أشعر به. رواية أبي داود الطيالسي عن جعفر بن عثمان وليست صريحة في الرفع. ولكن رواه الحافظ البيهقي: من طريق أبي عاصم النبيل، ثنا جعفر بن عبد الله قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه. ثم قال: رأيت خالك ابن عباس قبله وسجد عليه. وقال ابن عباس: رأيت عمر قبله وسجد عليه. ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هكذا ففعلت. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا الطبراني، أنبأنا أبو الزنباع، ثنا يحيى بن سليمان الجعفي، ثنا يحيى بن يمان، ثنا سفيان بن أبي حسين، عن عكرمة عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد على الحجر. قال الطبراني لم يروه عن سفيان إلا يحيى بن يمان. وقال البخاري: ثنا مسدد، ثنا حماد، عن الزبير بن عربي قال: سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله قال: أرأيت إن زحمت أرأيت إن غلبت ؟ قال: اجعل أرأيت باليمن. رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله تفرد به دون مسلم وقال البخاري: ثنا مسدد ثنا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: ما تركت استلام هذين الركنين في شدة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما فقلت لنافع: أكان ابن عمر يمشي بين الركنين ؟ قال: إنما كان يمشي ليكون أيسر لاستلامه. وروى أبو داود والنسائي: من حديث يحيى بن سعيد القطان، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة ". وقال البخاري: ثنا أبو الوليد، ثنا ليث، عن ابن

[ 174 ]

شهاب، عن سالم بن عبد الله عن أبيه. قال: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، وقتيبة عن الليث بن سعد به. وفي رواية عنه أنه قال: ما أرى النبي صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين الشاميين إلا أنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم. وقال البخاري: وقال محمد بن بكر، أنبأنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء أنه قال: ومن يتقي شيئا من البيت. وكان معاوية يستلم الاركان فقال له ابن عباس، إنه لا يستلم هذان الركنان فقال له ليس من البيت شئ مهجورا وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن. انفرد بروايته البخاري رحمه الله تعالى. وقال مسلم في صحيحه: حدثني أبو الطاهر، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن قتادة بن دعامة حدثه: أن أبا الطفيل البكري حدثه، أنه سمع ابن عباس يقول: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلام يستلم غير الركنين اليمانيين. انفرد به مسلم فالذي رواه ابن عمر موافق لما قاله ابن عباس أنه لا يستلم الركنان الشاميان لانهما لم يتمما على قواعد إبراهيم لان قريشا قصرت بهم النفقة فأخرجوا الحجر من البيت حين بنوه كما تقدم بيانه. وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو بناه فتممه على قواعد إبراهيم ولكن خشي من حداثة عهد الناس بالجاهلية فتنكره قلوبهم، فلما كانت إمرة عبد الله بن الزبير هدم الكعبة وبناها على ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم كما أخبرته خالته أم المؤمنين عائشة بنت الصديق. فإن كان ابن الزبير استلم الاركان كلها بعد بنائه إياها على قواعد إبراهيم فحسن جدا وهو والله المظنون به. وقال أبو داود: ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوافه " ورواه النسائي: عن محمد بن المثنى عن يحيى وقال النسائي: ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج عن يحيى بن عبيد عن أبيه، عن عبد الله بن السائب. قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بين الركن اليماني والحجر * (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) * [ البقرة: 201 ]. ورواه أبو داود عن مسدد عن عيسى بن يونس، عن ابن جريج به. وقال الترمذي: ثنا محمود بن غيلان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا سفيان، عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخل المسجد فاستلم الحجر ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم أتى المقام فقال * (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) * [ البقرة: 125 ] فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى الحجر بعد الركعتين فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا أظنه قال: * (إن الصفا والمروة من شعائر الله) * هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم. وهكذا رواه إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم. ورواه الطبراني عن النسائي وغيره عن عبد الاعلى بن واصل عن يحيى بن آدم به. ذكر رمله عليه الصلاة والسلام في طوافه واضطباعه قال البخاري: حدثنا أصبغ بن الفرج، أخبرني ابن وهب، عن يونس عن ابن شهاب

[ 175 ]

عن سالم عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقدم مكة إذا استلم الركن الاسود اول ما يطوف يخب ثلاثة أشواط من السبع. ورواه مسلم عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة كلاهما عن ابن وهب به. وقال البخاري: ثنا محمد بن سلام، ثنا شريح بن النعمان، ثنا فليح، عن نافع عن ابن عمر. قال: سعى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشواط ومشى أربعة في الحج والعمرة تابعه الليث. حدثني كثير بن فرقد، عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انفرد به البخاري وقد روى النسائي عن محمد وعبد الرحمن ابني عبد الله بن عبد الحكم كلاهما عن شعيب بن الليث عن أبيه الليث بن سعد، عن كثير بن فرقد، عن نافع عن ابن عمر به. وقال البخاري: ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبد الله بن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة ثم سجد سجدتين ثم يطوف بين الصفا والمروة. ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة. وقال البخاري: ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا أنس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان إذا طاف بالبيت الطواف الاول يخب (1) ثلاثة أطواف ويمشي أربعة، وأنه كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة ". ورواه مسلم من حديث عبيد الله بن عمر قال مسلم، أنبأنا عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر قال: رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعا. ثم رواه من حديث سليم بن أخضر عن عبيد الله بنحوه. وقال مسلم أيضا حدثني أبو طاهر، حدثني عبد الله بن وهب أخبرني مالك وابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رمل ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر. وقال عمر بن الخطاب فيم الرملان والكشف عن المناكب، وقد أطد الله الاسلام، ونفى الكفر ومع ذلك لا نترك شيئا كما نفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي من حديث هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم عن أبيه عنه. وهذا كله رد على ابن عباس ومن تابعه من أن المرسل ليس بسنة لان رسول الله إنما فعله لما قدم وهو وأصحابه صبيحة رابعة - يعني في عمرة القضاء - وقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الاشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعهم أن يرملوا الاشواط كلها إلا خشية الابقاء عليهم. وهذا ثابت عنه في الصحيحين وتصريحه لعذر سببه في صحيح مسلم أظهر فكان ابن عباس ينكر وقوع الرمل في حجة الوداع. وقد صح بالنقل الثابت كما تقدم بل فيه زيادة تكميل الرمل من الحجر إلى الحجر ولم يمش ما بين الركنين اليمانيين لزوال تلك العلة المشار إليها وهي الضعف. وقد ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس أنهم رملوا في عمرة الجعرانة واضطبعوا (2). وهو رد عليه فإن عمرة الجعرانة لم يبق


(1) يخب: الرمل والخبب بمعنى واحد، وهو إسراع المشي مع تقارب الخطا ولا يثب وثبا. (2) الاضطباع: أن يدخل الرداء من تحت إبطه الايمن ويرد طرفه على يساره، ويبدي منكبه الايمن ويغطي = (*)

[ 176 ]

في أيامها خوف لانها بعد الفتح كما تقدم. رواه حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت واضطبعوا ووضعوا أرديتهم تحت آباطهم وعلى عواتقهم. ورواه أبو داود من حديث حماد بنحوه. ومن حديث عبد الله بن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس به فأما الاضطباع في حجة الوداع فقد قال قبيصة والفريابي عن سفيان الثوري، عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن يعلى بن أمية عن أمية قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت مضطبعا. رواه الترمذي من حديث الثوري وقال: حسن صحيح. وقال أبو داود: ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن ابن جريج عن ابن يعلى عن أبيه قال: طاف رسول الله مضطبعا برداء أخضر. وهكذا رواه الامام أحمد: عن وكيع، عن الثوري، عن ابن جريج عن ابن يعلى عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم طاف بالبيت وهو مضطبع ببرد له أخضر. وقال جابر في حديثه المتقدم حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا. ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ * (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) * فجعل المقام بينه وبين البيت فذكر أنه صلى ركعتين قرأ فيهما * (قل هو الله أحد) *. * (وقل يا أيها الكافرون) *. فإن قيل: فهل كان عليه السلام في هذا الطواف راكبا أو ماشيا ؟ فالجواب أنه قد ورد نقلان قد يظن أنهما متعارضان ونحن نذكرهما ونشير إلى التوفيق بينهما ورفع اللبس عند من يتوهم فيهما تعارضا وبالله التوفيق وعليه الاستعانة وهو حسبنا ونعم الوكيل. قال البخاري: رحمه الله حدثنا أحمد بن صالح، ويحيى بن سليمان قالا: ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعيره في حجة الوداع يستلم الركن بمحجن. وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عن ابن وهب. قال البخاري تابعه الدراوردي عن ابن أخي الزهري عن عمه. وهذه المتابعة غريبة جدا. وقال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الوهاب، ثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس. قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير كلما أتى الركن أشار إليه. وقد رواه الترمذي من حديث عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وعبد الوارث كلاهما عن خالد بن مهران الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه. وقال حسن صحيح. ثم قال البخاري: ثنا مسدد، ثنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن عكرمة عن ابن عباس قال: طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير، فلما أتى الركن أشار إليه بشئ كان عنده وكبر. تابعه إبراهيم بن طهمان عن خالد الحذاء. وقد أسند هذا التعليق هاهنا في كتاب الطواف عن عبد الله بن محمد، عن أبي عامر عن إبراهيم بن طهمان به. وروى مسلم عن الحكم بن موسى، عن شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن كراهية أن


= الايسر، سمي به لابداء احد الضبعين. (*)

[ 177 ]

يضرب عنه الناس. فهذا إثبات أنه عليه السلام طاف في حجة الوداع على بعير ولكن حجة الوداع كان فيها ثلاثة أطواف الاول طواف القدوم والثاني طواف الافاضة وهو طواف الفرض وكان يوم النحر والثالث طواف الوداع فلعل ركوبه صلى الله عليه وسلم كان في أحد الآخرين أو في كليهما. فأما الاول وهو طواف القدوم فكان ماشيا فيه. وقد نص الشافعي على هذا كله. والله أعلم وأحكم. والدليل على ذلك ما قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه السنن الكبير: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى، ثنا الفضل بن محمد بن المسيب، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق هو - ابن يسار رحمه الله - عن أبي جعفر وهو محمد بن علي بن الحسين، عن جابر بن عبد الله قال: دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى فأتى النبي صلى الله عليه وسلم باب المسجد فأناخ راحلته ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه وفاضت عيناه بالبكاء ثم رمل ثلاثا ومشى أربعا حتى فرغ فلما فرغ قبل الحجر ووضع يده عليه ومسح بهما وجهه. وهذا إسناد جيد. فأما ما رواه أبو داود: حدثنا مسدد، ثنا خالد بن عبد الله، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته، فلما أتى على الركن استلمه بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين. تفرد به يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف. ثم لم يذكر أنه في حجة الوداع ولا ذكر أنه في الطواف الاول من حجة الوداع ولم يذكر ابن عباس في الحديث الصحيح عنه عند مسلم. وكذا جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب في طوافه لضعفه. وإنما ذكر لكثرة الناس وغشيانهم له وكان لا يحب أن يضربوا بين يديه كما سيأتي تقريره قريبا إن شاء الله. ثم هذا التقبيل الثاني الذي ذكره ابن إسحاق في روايته بعد الطواف وبعد ركعتيه أيضا ثابت في صحيح مسلم من حديث جابر. قال فيه بعد ذكر صلاة ركعتي الطواف ثم رجع إلى الركن فاستلمه. وقد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير جميعا عن أبي خالد قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد الاحمر، عن عبيد الله عن نافع. قال: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبل يده قال وما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. فهذا يحتمل أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطوافات أو في آخر استلام فعل هذا لما ذكرنا. أو أن ابن عمر لم يصل إلى الحجر لضعف كان به أو لئلا يزاحم غيره فيحصل لغيره أذى به. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوالده ما رواه أحمد في مسنده: حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبي يعفور العبدي. قال: سمعت شيخا بمكة في إمارة الحجاج يحدث عن عمر بن الخطاب. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وكبر. وهذا إسناد جيد لكن راويه عن عمر مهم لم يسم والظاهر أنه ثقة جليل. فقد رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن أبي يعفور العبدي واسمه وقدان سمعت رجلا من خزاعة حين قتل ابن الزبير وكان أميرا على مكة يقول: قال رسول الله لعمر يا أبا حفص إنك رجل قوي فلا تزاحم على الركن، فإنك تؤذي الضعيف ولكن إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فكبر وامض.

[ 178 ]

قال سفيان بن عيينة هو عبد الرحمن بن الحارث كان الحجاج استعمله عليها منصرفه منها حين قتل ابن الزبير. قلت: وقد كان عبد الرحمن هذا جليلا نبيلا كبير القدر وكان أحد النفر الاربعة الذين ندبهم عثمان بن عفان في كتابة المصاحف التي نفذها إلى الآفاق ووقع على ما فعله الاجماع والاتفاق. ذكر طوافه صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة روى مسلم في صحيحه عن جابر في حديثه الطويل المتقدم بعد ذكره طوافه عليه السلام بالبيت سبعا وصلاته عند المقام ركعتين. قال ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ * (إن الصفا والمروة من شعائر الله) * [ الاحزاب: 21 ] أبدأ بما بدأ الله به. فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة فرقي عليها حتى نظر إلى البيت فقال عليها كما قال على الصفا. وقال الامام أحمد: ثنا عمر بن هارون البلخي، أبو حفص، ثنا ابن جريج عن بعض بني يعلى بن أمية عن أبيه. قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعا بين الصفا والمروة ببرد له نجراني. وقال الامام أحمد: ثنا يونس، ثنا عبد الله بن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن، ثنا عطية، عن حبيبة بنت أبي تجراة (1) قالت: دخلت دار حصين في نسوة من قريش والنبي صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة قالت: وهو يسعى يدور به إزاره من شدة السعي وهو يقول لاصحابه اسعوا إن الله كتب عليكم السعي. وقال أحمد أيضا: ثنا شريح، ثنا عبد الله بن المؤمل، ثنا عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، يكور به إزاره وهو يقول اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي. تفرد به أحمد. وقد رواه أحمد أيضا عن عبد الرزاق، عن معمر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن عبيدة، عن صفية بنت شيبة. أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة يقول: كتب عليكم السعي فاسعوا. وهذه المرأة هي حبيبة بنت تجراة المصرح بذكرها في الاسنادين الاولين وعن أم ولد شيبة بن عثمان. أنها أبصرت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول: " لا يقطع الابطح إلا شدا " (2). رواه النسائي والمراد بالسعي هاهنا الذهاب من الصفا إلى المروة،


(1) في الاصل غير منقوطة، وفي نسخ البداية المطبوعة تجزأة تحريف والصواب تجراة ما اثبتناه من هامش المشتبه للذهبي 1 / 112. وهي إحدى نساء بني عبد الدار كما قال ابن حجر. (2) في نسخ البداية المطبوعة: الاسدا تحريف. (*)

[ 179 ]

ومنها إليها وليس المراد بالسعي ههنا الهرولة والاسراع فإن الله لم يكتبه علينا حتما بل لو مشى الانسان على هينة في السبع الطوافات بينهما ولم يرمل في المسير أجزأه ذلك عند جماعة العلماء لا نعرف بينهم اختلافا في ذلك. وقد نقله الترمذي رحمه الله عن أهل العلم. ثم قال: ثنا يوسف بن عيسى، ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن كثير بن جهمان قال: رأيت ابن عمر يمشي في المسعى، فقلت: أتمشي في السعي بين الصفا والمروة فقال: لئن سعيت، فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى ولئن مشيت لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وأنا شيخ كبير. ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس نحو هذا. وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عطاء بن السائب، عن كثير بن جهمان السلمي الكوفي، عن ابن عمر فقول ابن عمر إنه شاهد الحالين منه صلى الله عليه وسلم يحتمل شيئين أحدهما: أنه رآه يسعى في وقت ماشيا لم يمزجه برمل فيه بالكلية، والثاني: أنه رآه يسعى في بعض الطريق ويمشي في بعضه، وهذا له قوة لانه قد روى البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة. وتقدم في حديث جابر أنه عليه السلام: نزل من الصفا فلما انصبت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة. وهذا هو الذي تستحبه العلماء قاطبة إن الساعي بين الصفا والمروة - وتقدم في حديث جابر - يستحب له أن يرمل في بطن الوادي في كل طوافه في بطن المسيل الذي بينهما، وحددوا ذلك ما بين الاميال الخضر فواحد مفرد من ناحية الصفا مما يلي المسجد واثنان مجتمعان من ناحية المروة مما يلي المسجد أيضا. وقال بعض العلماء ما بين هذه الاميال اليوم أوسع من بطن المسيل الذي رمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله أعلم: وأما قول محمد بن حزم في الكتاب الذي جمعه في حجة الوداع ثم خرج عليه السلام إلى الصفا فقرأ: إن الصفا والمروة من شعائر الله، أبدأ بما بدأ الله به فطاف بين الصفا والمروة أيضا سبعا راكبا على بعير يخب ثلاثا ويمشي أربعا فإنه لم يتابع على هذا القول ولم يتفوه به أحد قبله من أنه عليه السلام خب ثلاثة أشواط بين الصفا والمروة ومشى أربعا ثم مع هذا الغلط الفاحش لم يذكر عليه دليلا بالكلية بل لما انتهى إلى موضع الاستدلال عليه قال: ولم نجد عدد الرمل بين الصفا والمروة منصوصا ولكنه متفق عليه هذا لفظه. فإن أراد بأن الرمل في الثلاث التطوافات الاول على ما ذكر متفق عليه فليس بصحيح بل لم يقله أحد، وإن أراد أن الرمل في الثلاث الاول في الجملة متفق عليه فلا يجدي له شيئا ولا يحصل له شيئا مقصودا، فإنهم كما اتفقوا على الرمل الثلاث الاول في بعضها على ما ذكرناه كذلك اتفقوا على استحبابه في الاربع الاخر أيضا. فتخصيص ابن حزم الثلاث الاول باستحباب الرمل فيها مخالف لما ذكره العلماء والله أعلم. وأما قول ابن حزم: أنه عليه السلام كان راكبا بين الصفا والمروة فقد تقدم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسعى بطن المسيل أخرجاه. وللترمذي عنه إن أسعى فقد رأيت رسول الله يسعى، وإن مشيت فقد رأيت رسول الله يمشي. وقال جابر: فلما انصبت قدماه في الوادي رمل

[ 180 ]

حتى إذا صعد مشى رواه مسلم. وقالت حبيبة بنت أبي تجراة يسعى يدور به إزاره من شدة السعي. رواه أحمد. وفي صحيح مسلم عن جابر كما تقدم أنه رقي على الصفا حتى رأى البيت. وكذلك على المروة. وقد قدمناه من حديث محمد بن إسحاق عن أبي جعفر الباقر، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بعيره على باب المسجد يعني حتى طاف ثم لم يذكر أنه ركبه حال ما خرج إلى الصفا وهذا كله مما يقتضي أنه عليه السلام سعى بين الصفا والمروة ماشيا ولكن قال مسلم: ثنا عبد بن حميد، ثنا محمد - يعني ابن بكر - انا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة على بعير ليراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه، ولم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا. ورواه مسلم أيضا: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، وعن علي بن خشرم، عن عيسى بن يونس، وعن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد كلهم عن ابن جريج به وليس في بعضها وبين الصفا والمروة. وقد رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة. ورواه النسائي: عن الفلاس عن يحيى، وعن عمران بن يزيد، عن سعيد بن إسحاق كلاهما عن ابن جريج به. فهذا محفوظ من حديث ابن جريج وهو مشكل جدا لان بقية الروايات عن جابر وغيره تدل على أنه عليه السلام كان ماشيا بين الصفا والمروة، وقد تكون رواية أبي الزبير عن جابر لهذه الزيادة وهي قوله وبين الصفا والمروة مقحمة أو مدرجة ممن بعد الصحابي والله أعلم. أو أنه عليه السلام طاف بين الصفا والمروة بعض الطوفان على قدميه وشوهد منه ما ذكر فلما ازدحم الناس عليه وكثروا ركب كما يدل عليه حديث ابن عباس الآتي قريبا. وقد سلم ابن حزم أن طوافه الاول بالبيت كان ماشيا وحمل ركوبه في الطواف على ما بعد ذلك وادعى أنه كان راكبا في السعي بين الصفا والمروة قال: لانه لم يطف بينهما إلا مرة واحدة ثم تأول قول جابر حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل بأنه لم يصدق ذلك وان كان راكبا فإنه إذا انصب بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه مع سائر جسده. قال: وكذلك ذكر الرمل يعني به رمل الدابة براكبها وهذا التأويل بعيد جدا. والله أعلم. وقال أبو داود: ثنا أبو سلمة موسى، ثنا حماد، أنبأنا أبو عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمل بالبيت وأن ذلك من سنته. قال: صدقوا وكذبوا فقلت: ما صدقوا وما كذبوا ؟ قال: صدقوا رمل رسول الله وكذبوا ليس بسنة: إن قريشا قالت زمن الحديبية دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف، فلما صالحوه على أن يحجوا من العام المقبل، فيقيموا بمكة ثلاثة أيام فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركون من قبل قعيقعان فقال رسول الله لاصحابه أرملوا بالبيت ثلاثا وليس بسنة. قالت: يزعم قومك أن رسول الله طاف بين الصفا

[ 181 ]

والمروة على بعير وأن ذلك سنة. قال: صدقوا وكذبوا قلت: ما صدقوا وما كذبوا. قال: صدقوا قد طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة على بعير، وكذبوا ليست بسنة، كان الناس لا يدفعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصرفون عنه فطاف على بعير ليسمعوا كلامه وليروا مكانه ولا تناله أيديهم هكذا رواه أبو داود: وقد رواه مسلم: عن أبي كامل، عن عبد الواحد بن زياد. عن الجريري، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس فذكر فضل الطواف بالبيت بنحو ما تقدم. ثم قال قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا أسنة هو فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال: صدقوا وكذبوا. قلت: فما قولك صدقوا وكذبوا ؟ قال إن رسول الله كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد ! حتى خرج العواتق من البيوت وكان رسول الله لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه الناس ركب. قال ابن عباس: والمشي والسعي أفضل. هذا لفظ مسلم، وهو يقتضي أنه إنما ركب في أثناء الحال. وبه يحصل الجمع بين الاحاديث والله أعلم. وأما ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال: ثنا محمد بن رافع، ثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أراني قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فصفه لي قلت: رأيته عند المروة على ناقة وقد كثر الناس عليه فقال ابن عباس: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم كانوا لا يضربون عنه، ولا يكرهون. فقد تفرد به مسلم، وليس فيه دلالة على أنه عليه السلام سعى بين الصفا والمروة راكبا إذ لم يقيد ذلك بحجة الوداع ولا غيرها وبتقدير أن يكون ذلك في حجة الوداع فمن الجائز أنه عليه السلام بعد فراغه من السعي وجلوسه على المروة وخطبته الناس وأمره إياهم من لم يسق الهدي منهم أن يفسخ الحج إلى العمرة فحل الناس كلهم إلا من ساق الهدي كما تقدم في حديث جابر. ثم بعد هذا كله أتى بناقته فركبها وسار إلى منزلة بالابطح كما سنذكره قريبا. وحينئذ رآه أبو الطفيل عامر بن واثلة البكري، وهو معدود في صغار الصحابة. قلت قد ذهب طائفة من العراقيين كأبي حنيفة وأصحابه والثوري إلى أن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين، وهو مروي عن علي وابن مسعود ومجاهد والشعبي. ولهم أن يحتجوا بحديث جابر الطويل ودلالة على أنه سعى بين الصفا والمروة ماشيا وحديثه هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى بينهما راكبا على تعداد الطواف بينهما مرة ماشيا ومرة راكبا. وقد روى سعيد بن منصور في سند عن علي رضي الله عنه أنه أهل بحجة وعمرة فلما قدم مكة طاف بالبيت وبالصفا والمروة لعمرته ثم عاد فطاف بالبيت وبالصفا والمروة لحجته ثم أقام حراما إلى يوم النحر هذا لفظه. ورواه أبو ذر الهروي في مناسكه عن علي أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل. وكذلك رواه البيهقي والدارقطني والنسائي في خصائص علي فقال البيهقي في سننه: أنبأنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، أنبأنا أبو محمد بن صاعد، ثنا محمد بن زنبور، ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن مالك بن الحارث أو منصور، عن مالك بن الحارث عن أبي نصر قال: لقيت

[ 182 ]

عليا وقد أهللت بالحج وأهل هو بالحج والعمرة. فقلت: هل أستطيع أن أفعل كما فعلت ؟ قال: ذلك لو كنت بدأت بالعمرة قلت: كيف أفعل إذا أردت ذلك ؟ قال: تأخذ إداوة من ماء فتفيضها عليك ثم تهل بهما جميعا ثم تطوف لهما طوافين وتسعى لهما سعيين، ولا يحل لك حرام دون يوم النحر. قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد قال: ما كنا نفئ إلا بطواف واحد، فأما الآن فلا نفعل. قال الحافظ البيهقي وقد رواه سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وشعبة عن منصور فلم يذكر فيه السعي. قال: وأبو نصر هذا مجهول. وإن صح فيحتمل أنه أراد طواف القدوم وطواف الزيارة. قال وقد روي بأسانيد أخر عن علي مرفوعا وموقوفا ومدارها على الحسن بن عمارة وحفص بن أبي داود وعيسى بن عبد الله، وحماد بن عبد الرحمن كلهم ضعيف، لا يحتج بشئ مما رووه في ذلك. والله أعلم. قلت: والمنقول في الاحاديث الصحاح خلاف ذلك فقد قدمنا عن ابن عمر في صحيح البخاري: أنه أهل بعمرة وأدخل عليها الحج، فصار قارنا وطاف لهما طوافا واحدا بين الحج والعمرة وقال هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى الترمذي وابن ماجه والبيهقي من حديث الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جمع بين الحج والعمرة طاف لهما طوافا واحدا وسعى لهما سعيا واحدا. قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب. قلت: إسناده على شرط مسلم. وهكذا جرى لعائشة أم المؤمنين فإنها كانت ممن أهل بعمرة لعدم سوق الهدي معها، فلما حاضت أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتهل بحج مع عمرتها فصارت قارنة فلما رجعوا من منى طلبت أن يعمرها من يعد الحج فأعمرها تطييبا لقلبها كما جاء مصرحا به في الحديث. وقد قال الامام أبو عبد الله الشافعي أنبأنا مسلم - هو ابن خالد - الزنجي عن ابن جريج عن عطاء أن رسول الله قال لعائشة: طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك. وهذا ظاهره الارسال وهو مسند في المعنى بدليل ما قال الشافعي أيضا: أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن عطاء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشافعي: وربما قال سفيان، عن عطاء عن عائشة وربما قال عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة فذكره قال الحافظ البيهقي: ورواه ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة موصولا. وقد رواه مسلم من حديث وهيب عن ابن طاوس عن ابن عباس عن أبيه عن عائشة بمثله. وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول دخل رسول الله على عائشة وهي تبكي فقال: مالك تبكين ؟ قالت: أبكي إن الناس حلوا ولم أحل وطافوا بالبيت، ولم أطف وهذا الحج قد حضر قال: إن هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي وأهلي بحج، ففعلت ذلك، فلما طهرت، قال: طوفي بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حللت من حجك وعمرتك قالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي من عمرتي، أني لم أكن طفت حتى حججت قال: اذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم. وله من حديث ابن جريج أيضا أخبرني أبو الزبير سمعت جابرا قال: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا، وعند أصحاب أبي حنيفة

[ 183 ]

رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين ساقوا الهدي كانوا قد قرنوا بين الحج والعمرة كما دل عليه الاحاديث المتقدمة. والله أعلم. وقال الشافعي: أنبأنا ابراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي قال في القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين قال الشافعي: وقال بعض الناس طوفان وسعيان، واحتج فيه برواية ضعيفة عن علي. قال جعفر يروى عن علي قولنا رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن قال أبو داود: ثنا هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع. قالا: ثنا أبو عاصم، عن معروف يعني ابن خربوذ المكي حدثنا أبو الطفيل قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجن ثم يقبله، زاد محمد بن رافع ثم خرج إلى الصفا والمروة فطاف سبعا على راحلته وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي داود الطيالسي عن معروف بن خربوذ به بدون الزيادة التي ذكرها محمد بن رافع وكذلك رواه عبيد الله بن موسى عن معروف بدونها ورواه الحافظ البيهقي عن أبي سعيد بن أبي عمرو، عن الاصم، عن يحيى بن أبي طالب، عن يزيد بن أبي حكيم، عن يزيد بن مالك، عن أبي الطفيل بدونها فالله أعلم. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو بكر بن الحسن، وأبو زكريا بن أبي إسحاق قالا: ثنا أبو جعفر محمد بن علي بن رحيم، ثنا أحمد بن حازم، أنبأنا عبيد الله بن موسى، وجعفر بن عون قالا: أنبأنا أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد الله بن عمار قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى بين الصفا والمروة، على بعير لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وقال البيهقي كذا قالا: وقد رواه جماعة غير أيمن فقالوا: يرمي الجمرة يوم النحر قال: ويحتمل أن يكونا صحيحين. قلت رواه الامام أحمد في مسنده: عن وكيع، وقران بن تمام، وأبي قرة موسى بن طارف قاضي أهل اليمن، وأبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، ومعتمر بن سليمان، عن أيمن بن نابل الحبشي أبي عمران المكي نزيل عسقلان مولى أبي بكر الصديق، وهو ثقة جليل من رجال البخاري عن قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة يوم النحر من بطن الوادي على ناقة صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية وأخرجه النسائي عن إسحاق بن راهويه، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن وكيع كلاهما عن أيمن بن نابل، عن قدامة كما رواه الامام أحمد. وقال الترمذي: حسن صحيح. فصل قال جابر في حديثه: حتى إذا كان آخر طوافه عند المروة قال: إني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي. رواه مسلم ففيه دلالة على من ذهب إلى أن السعي بين الصفا والمروة أربعة عشر كل ذهاب وإياب يحسب مرة قاله جماعة من أكابر الشافعية. وهذا الحديث رد عليهم لان آخر الطواف عن قولهم يكون عند الصفا لا عند المروة ولهذا قال أحمد في روايته في حديث جابر فلما كان السابع عند المروة قال: أيها الناس إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق

[ 184 ]

الهدي، وجعلتها عمرة فمن لم يكن معه هدي فليحل وليجعلها عمرة فحل الناس كلهم. وقال مسلم: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي. فصل روى أمره عليه السلام لمن لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة خلق من الصحابة يطول ذكرنا لهم هاهنا وموضع سرد ذلك كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله. وقد اختلف العلماء في ذلك فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: كان ذلك من خصائص الصحابة ثم نسخ جواز الفسخ لغيرهم وتمسكوا بقول أبي ذر رضي الله عنه لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا لاصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رواه مسلم، وأما الامام أحمد فرد ذلك. وقال: قد رواه أحد عشر صحابيا فأين تقع هذه الرواية من ذلك وذهب رحمه الله إلى جواز الفسخ لغير الصحابة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما بوجوب الفسخ على كل من لم يسق الهدي بل عنده أنه يحل شرعا إذا طاف بالبيت ولم يكن ساق هديا صار حلالا بمجرد ذلك، وليس عنه النسك إلا القران لمن ساق الهدي، أو التمتع لمن لم يسق، فالله أعلم. قال البخاري: ثنا أبو النعمان، ثنا حماد بن زيد، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء، عن جابر، وعن طاوس عن ابن عباس. قالا: قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبح رابعة من ذي الحجة يهلون بالحج لا يخلطه شئ فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة، وأن نحل إلى نسائنا ففشت تلك المقالة. قال عطاء قال جابر: فيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا. قال جابر - يكفه - فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بلغني أن قوما يقولون كذا وكذا والله لانا أبر وأتقى لله منهم، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لاحللت فقام سراقة بن جعشم. فقال، يا رسول الله هي لنا أو للابد ؟ فقال: بل للابد. قال مسلم: ثنا قتيبة، ثنا الليث هو ابن سعد، عن أبي الزبير عن جابر. أنه قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله بحج مفرد وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت (1) حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدي. قال: فقلنا حل ماذا قال الحل كله فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال فهذان الحديثان فيهما التصريح بأنه عليه السلام قدم مكة عام حجة الوداع لصبح رابعة ذي الحجة وذلك يوم الاحد حين ارتفع النهار وقت الضحاء لان أول ذي الحجة تلك السنة كان يوم الخميس بلا خلاف لان يوم عرفة منه كان يوم الجمعة بنص حديث عمر بن الخطاب الثابت في الصحيحين كما سيأتي. فلما قدم عليه السلام يوم الاحد رابع الشهر بدأ كما ذكرنا بالطواف بالبيت ثم بالسعي بين الصفا والمروة فلم انتهى طوافه بينهما عند المروة، أمر من لم يكن معه هدي أن يحل من إحرامه حتما فوجب ذلك عليهم لا محالة، ففعلوه وبعضهم متأسف لاجل أنه عليه السلام لم يحل من إحرامه لاجل سوقه ؟


(1) عركت: حاضت. (*)

[ 185 ]

الهدي، وكانوا يحبون موافقته عليه السلام والتأسي به، فلما رأى ما عندهم من ذلك. قال لهم: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة، أي لو أعلم أن هذا ليشق عليكم لكنت تركت سوق الهدي حتى أحل كما أحللتم، ومن هاهنا تتضح الدلالة على أفضلية التمتع كما ذهب إليه الامام أحمد أخذا من هذا فإنه قال: لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارنا ولكن التمتع أفضل لتأسفه عليه، وجوابه أنه عليه السلام لم يتأسف على التمتع لكونه أفضل من القران في حق من ساق الهدي وإنما تأسف عليه لئلا يشق على أصحابه في بقائه على إحرامه وأمره لهم بالاحلال، ولهذا والله أعلم لما تأمل الامام أحمد هذا السر نص في رواية أخرى عنه على أن التمتع أفضل في حق من لم يسق الهدي لامره عليه السلام من لم يسق الهدي من أصحابه بالتمتع وأن القران أفضل في حق من ساق الهدي كما اختار الله عز وجل لنبيه صلوات الله وسلامه عليه في حجة الوداع وأمره له بذلك كما تقدم. والله أعلم. فصل ثم سار صلوات الله وسلامه عليه، بعد فراغه من طوافه بين الصفا والمروة وأمره بالفسخ لمن لم يسق الهدي، والناس معه حتى نزل بالابطح شرقي مكة، فأقام هنالك بقية يوم الاحد ويوم الاثنين والثلاثاء والاربعاء حتى صلى الصبح من يوم الخميس كل ذلك يصلي بأصحابه هنالك ولم يعد إلى الكعبة من تلك الايام كلها. قال البخاري (1): باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف حتى يخرج إلى عرفة ويرجع بعد الطواف الاول: حدثنا محمد بن أبي بكر، ثنا فضيل بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة قال: أخبرني كريب، عن عبد الله بن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة فطاف سبعا (2) وسعى بين الصفا والمروة ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع بها من عرفة. انفرد به البخاري. فصل وقدم - في هذا الوقت ورسول الله صلى الله عليه وسلم منيخ بالبطحاء خارج مكة - علي من اليمن وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعثه كما قدمنا إلى اليمن أميرا بعد خالد بن الوليد رضي الله عنهما فلما قدم وجد زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حلت كما حل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين لم يسوقوا الهدي، واكتحلت ولبست ثيابا صبيغا فقال: من أمرك بهذا ؟ قالت: أبي، فذهب محرشا عليها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنها حلت ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، وزعمت أنك أمرتها بذلك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت، صدقت. صدقت ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم أهللت حين أوجبت


(1) في كتاب الحج - 70 باب الحديث (1625) فتح الباري 3 / 485. (2) سقطت عند البخاري. (*)

[ 186 ]

الحج ؟ قال: باهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإن معي الهدي فلا تحل، فكان جماعة الهدي الذي جاء به علي من اليمن والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة واشتراه في الطريق مائة من الابل واشتركا في الهدي جميعا. وقد تقدم هذا كله في صحيح مسلم رحمه الله. وهذا التقرير يرد الرواية التي ذكرها الحافظ أبو القاسم الطبراني رحمه الله من حديث عكرمة عن ابن عباس. أن عليا تلقى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجحفة والله أعلم. وكان أبو موسى في جملة من قدم مع علي ولكنه لم يسق هديا فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحل بعد ما طاف للعمرة وسعى ففسخ حجه إلى العمرة وصار متمتعا فكان يفتي بذلك في أثنا خلافة عمر بن الخطاب، فلما رأى عمر بن الخطاب أن يفرد الحج عن العمرة ترك فتياه مهابة لامير المؤمنين عمر رضي الله عنه وأرضاه. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه. قال: رأيت بلالا يؤذن ويدور، ويتبع فاه هاهنا وهاهنا وأصبعاه في أذنه. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له حمراء أراها من أدم. قال: فخرج بلال بين يديه بالعنزة (1) فركزها فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عبد الرزاق وسمعته بمكة قال: بالبطحاء يمر بين يديه الكلب والمرأة والحمار وعليه حلة حمراء كأني انظر إلى بريق ساقيه قال سفيان: نراها حبرة. وقال أحمد: ثنا وكيع، ثنا سفيان عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه. قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالابطح وهو في قبة له حمراء، فخرج بلال بفضل وضوئه فمن ناضح ونائل. قال: فأذن بلال فكنت اتتبع فاه هكذا وهكذا - يعني يمينا وشمالا - قال ثم ركزت له عنزة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه جبة له حمراء أو حلة حمراء وكأني انظر إلى بريق ساقيه، فصلى بنا إلى عنزة الظهر أو العصر ركعتين، تمر المرأة والكلب والحمار لا يمنع ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى أتى المدينة. وقال مرة: فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري. وقال أحمد أيضا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة وحجاج عن الحكم سمعت أبا جحيفة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ وصلى الظهر ركعتين وبين يديه عنزة، وزاد فيه عون عن أبيه عن أبي جحيفة وكان يمر من ورائنا الحمار والمرأة. قال: حجاج في الحديث ثم قام الناس فجعلوا يأخذون يده فيمسحون بها وجوههم. قال، فأخذت يده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك. وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة بتمامه. فصل فأقام عليه السلام بالابطح كما قدمنا، يوم الاحد ويوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء. وقد حل الناس إلا من ساق الهدي وقدم في هذه الايام علي بن أبي طالب من اليمن بمن معه من المسلمين وما معه من الاموال، ولم يعد عليه السلام إلى الكعبة بعد ما طاف بها، فلما أصبح عليه


(1) العنزة: رميح بين العصا والرمح فيه زج. (*)

[ 187 ]

السلام يوم الخميس صلى بالابطح الصبح من يومئذ، وهو يوم التروية (1) ويقال له يوم منى لانه يسار فيه إليها. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب قبل هذا اليوم. ويقال للذي قبله فيما رأيته في بعض التعاليق يوم الزينة لانه يزين فيه البدن بالجلال ونحوها. فالله أعلم. قال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أحمد بن محمد بن جعفر الجلودي، ثنا محمد بن إسماعيل بن مهران، ثنا محمد بن يوسف، ثنا أبو قرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب يوم التروية خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم، فركب عليه السلام قاصدا إلى منى قبل الزوال وقيل بعده وأحرم الذين كانوا قد حلوا بالحج من الابطح حين توجهوا إلى منى وانبعثت رواحلهم نحوها. قال عبد الملك: عن عطاء، عن جابر بن عبد الله: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحللنا حتى كان يوم التروية، وجعلنا مكة منا بظهر، لبينا بالحج. ذكره البخاري تعليقا مجزوما. وقال مسلم: ثنا محمد بن حاتم، ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير عن جابر. قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى. قال: وأهللنا من الابطح. وقال عبيد بن جريج لابن عمر رأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت حتى يوم التروية. فقال لهم أر النبي صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته. رواه البخاري في جملة حديث طويل (2). قال البخاري: وسئل عطاء عن المجاوز منى يلبي بالحج فقال: كان ابن عمر يلبي يوم التروية إذا صلى الظهر واستوى على راحلته قلت: هكذا كان ابن عمر يصنع إذا حج معتمرا يحل من العمرة فإذا كان يوم التروية لا يلبي حتى تنبعث به راحلته متوجها إلى منى كما أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة بعد ما صلى الظهر وانبعثت به راحلته، لكن يوم التروية لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالابطح وإنما صلاها يومئذ بمنى وهذا مما لا نزاع فيه. قال البخاري (3): باب أين يصلي الظهر يوم التروية. حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا إسحاق الازرق، ثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك قال قلت: أخبرني بشئ عقلته (4) من رسول الله صلى الله عليه وسلم أين صلى الظهر والعصر يوم التروية ؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر ؟ قال: بالابطح. ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن إسحاق بن يوسف الازرق عن سفيان الثوري به. وكذلك رواه الامام أحمد عن إسحاق بن يوسف الازرق به. وقال الترمذي حسن صحيح يستغرب من حديث الازرق عن الثوري. ثم قال البخاري أنبأنا علي سمع أبا بكر بن عياش ثنا عبد العزيز بن رفيع. قال


(1) يوم التروية: وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي التروية لانهم كانوا يروون فيها إبلهم ويتروون من الماء لان تلك الاماكن لم تكن إذ ذاك فيها آبار ولا عيون. (2) في كتاب اللباس - باب النعال السبتية وغيرها. (3) في كتاب الحج - 83 باب الحديث 1653 فتح الباري 3 / 507. (4) من البخاري، وفي الاصل عقلت، وفي النسخ المطبوعة. علقت. (*)

[ 188 ]

لقيت أنس بن مالك وحدثني إسماعيل بن أبان، ثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد العزيز قال: خرجت إلى منى يوم التروية، فلقيت أنسا ذاهبا على حمار فقلت: أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا اليوم الظهر ؟ فقال أنظر حيث يصلي أمراؤك فصل. وقال أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا أبو كدينة، عن الاعمش، عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خمس صلوات بمنى. وقال أحمد أيضا: حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبو محياة يحيى بن يعلى التيمي، عن الاعمش، عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس. أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم التروية بمنى، وصلى الغداة يوم عرفة بها. وقد رواه أبو داود عن زهير بن حرب، عن أحوص، عن جواب، عن عمار بن زريق، عن سليمان بن مهران الاعمش به. ولفظه: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى. وأخرجه الترمذي عن الاشج، عن عبد الله بن الاجلح، عن الاعمش بمعناه. وقال ليس هذا مما عده شعبة فيما سمعه الحكم عن مقسم. وقال الترمذي: ثنا أبو سعيد الاشج، ثنا عبد الله بن الاجلح، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس قال: صلى بنا رسول الله بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم غدا إلى عرفات. ثم قال: وإسماعيل بن مسلم قد تكلم فيه. وفي الباب عن عبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك. وقال الامام أحمد (1) عمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه راح إلى منى يوم التروية وإلى جانبه بلال بيده عود عليه ثوب يظلل به رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني من الحر - تفرد به أحمد. وقد نص الشافعي على أنه عليه السلام ركب من الابطح إلى منى بعد الزوال، ولكنه إنما صلى الظهر بمنى فقد يستدل له بهذا الحديث. والله أعلم. وتقدم في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي فلما كان يوم التروية توجهو إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة له من شعر فضربت له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس. وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شئ من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، وكان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل.


(1) بياض في الاصل، وفي الفتح الرباني - كتاب الحج 3 باب 178 عن أبي أمامة عمن رأى النبي صلى الله عليه وآله... علق البنا قال: عمن رأى النبي صلى الله عليه وآله: يفيد أن أبا اسامة روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله بواسطة، وقد جاء الحديث عند الطبراني في الكبير بغير واسطة، فيحتمل انه رواه مرتين، مرة بواسطة ومرة عن النبي صلى الله عليه وآله بغير واسطة، ويحتمل أنه عنى نفسه بقوله: عمن رأى النبي صلى الله عليه وآله وأبهم نفسه لغرض والله أعلم (الفتح الرباني ج 11 / 214). (*)

[ 189 ]

وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهم أن لا يوطئن فرشكم أحد تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا نشهد إنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال: بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها على الناس، اللهم أشهد اللهم اشهد اللهم اشهد. ثلاث مرات. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أنبأنا علي بن حجر، عن مغيرة، عن موسى بن زياد بن حذيم بن عمرو السعدي، عن أبيه عن جده. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع: اعلموا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا كحرمة شهركم هذا كحرمة بلدكم هذا. وقال أبو داود: باب الخطبة على المنبر بعرفة. حدثنا هناد، عن ابن أبي زائدة، ثنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضمرة عن أبيه أو عمه. قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر بعرفة. وهذا الاسناد ضعيف. لان فيه رجلا مبهما ثم تقدم في حديث جابر الطويل أنه عليه السلام خطب على ناقته القصواء. ثم قال أبو داود: ثنا مسدد، ثنا عبد الله بن داود، عن سلمة بن نبيط، عن جل من الحي عن أبيه نبيط: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة على بعير أحمر يخطب. وهذا فيه مبهم أيضا. ولكن حديث جابر شاهد له. ثم قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري، وعثمان بن أبي شيبة. قالا: ثنا وكيع عن عبد المجيد بن أبي عمرو. قال حدثني العداء بن خالد بن هوذة. وقال هناد عن عبد المجيد، حدثني خالد بن العداء بن هوذة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائما في الركابين. قال أبو داود: رواه ابن العلاء عن وكيع كما قال هناد. وحدثنا عباس بن عبد العظيم، ثنا عثمان بن عمر، ثنا عبد المجيد أبو عمرو، عن العداء بن خالد بمعناه. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل للمحرم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد قال: كان الرجل الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله وهو بعرفة ربيعة بن أمية بن خلف. قال [ يقول له ] (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم قل أيها الناس إن رسول الله يقول: هل تدرون أي شهر هذا ؟ فيقولون: الشهر الحرام، فيقول: قل لهم إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة شهركم هذا. ثم يقول قل: أيها الناس إن رسول الله يقول هل تدرون أي بلد هذا ؟. وذكر تمام الحديث. وقال محمد بن إسحاق: حدثني ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن خارجة قال: بعثني عتاب بن أسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو


(1) ما بين معكوفين من ابن هشام. (*)

[ 190 ]

واقف بعرفة في حاجة فبلغته ثم وقفت تحت ناقته وإن لعابها (1) ليقع على رأسي فسمعته يقول: أيها الناس إن الله أدى إلى كل ذي حق حقه، وإنه لا تجوز وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا (2). وراه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث قتادة عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة به. وقال الترمذي: حسن صحيح قلت وفيه اختلاف على قتادة والله أعلم. وسنذكر الخطبة التي خطبها عليه السلام بعد هذه الخطبة يوم النحر وما فيها من الحكم والمواعظ والتفاصيل والآداب النبوية إن شاء الله. قال البخاري (3): باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة: حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك - وهما غاديان من منى إلى عرفة - كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه. وأخرجه مسلم من حديث مالك وموسى بن عقبة كلاهما عن محمد بن أبي بكر بن عوف بن رباح الثقفي الحجازي عن أنس به. وقال البخاري: ثنا عبد الله بن مسلمة ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج بن يوسف (4) أن يأتم بعبد الله بن عمر في الحج، فلما كان يوم عرفة جاء ابن عمر وأنا معه حين زاغت الشمس - أو زالت الشمس - فصالح عند فسطاطه: أين هذا ؟ فخرج إليه. فقال اين عمر الرواح. فقال: الآن ؟ قال: نعم ! فقال: أنظرني حتى أفيض علي ماء. فنزل ابن عمر حتى خرج، فسار بيني وبين أبي، فقلت: إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فأقصر الخطبة وعجل الوقوف فقال ابن عمر: صدق. ورواه البخاري أيضا عن القعنبي عن مالك. وأخرجه النسائي من حديث أشهب وابن وهب عن مالك. ثم قال البخاري بعد روايته هذا الحديث: وقال الليث: حدثني عقيل، عن ابن شهاب عن سالم: أن الحجاج عام نزل بابن الزبير، سأل عبد الله: كيف تصنع في هذا الموقف ؟ فقال: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة (5) يوم عرفة. فقال ابن عمر: صدق، إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة. فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل تبتغون بذلك إلا سنة (6). وقال أبو داود: ثنا أحمد بن حنبل، ثنا يعقوب، ثنا أبي


(1) في ابن هشام: لغامها، واللغام الرغوة التي تخرج على فم البعير. (2) سيرة ابن هشام ج 4 / 252 - 253. (3) في كتاب الحج - 86 باب الحديث (1659) فتح الباري 3 / 510. (4) كان ذلك حين أرسل عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي لقتال ابن الزبير. (5) هجر بالصلاة: أي صل بالهاجرة وهي شدة الحر. (6) فتح الباري 3 / 514 الحديث 1662 وآخره: وهل يتبعون بذلك إلا سنته ؟. (*)

[ 191 ]

عوف عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة، فنزل بنمرة وهي منزل الامام الذي ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا فجمع بين الظهر والعصر. وهكذا ذكر جابر في حديثه بعد ما أورد الخطبة المتقدمة قال: ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا. وهذا يقتضي أنه عليه السلام خطب أولا ثم أقيمت الصلاة ولم يتعرض للخطبة الثانية. وقد قال الشافعي: أنبأنا إبراهيم بن محمد وغيره، عن جعفر بن محمد، عن أبيه وعن جابر في حجة الوداع. قال: فراح النبي صلى الله عليه وسلم إلى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الاولى، ثم أذن بلال ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الاذان، ثم أقام بلال فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر. قال البيهقي تفرد به إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى. قال مسلم: عن جابر ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة. وقال البخاري: ثنا يحيى بن سليمان، عن ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير عن كريب عن ميمونة: أن الناس شكوا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون وأخرجه مسلم عن هارون بن سعيد الايلي عن ابن وهب به. وقال البخاري: أنبأنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عمير مولى ابن عباس عن أم الفضل بنت الحارث أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فيشربه. ورواه مسلم من حديث مالك أيضا. وأخرجاه من طرق أخر عن أبي النضر به. قلت أم الفضل هي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين وقصتهما واحدة والله أعلم. وصح إسناد الارسال إليها لانه من عندها اللهم إلا أن يكون بعد ذلك أو تعدد الارسال من هذه ومن هذه. والله أعلم. وقال الامام أحمد: ثنا إسماعيل، ثنا أيوب قال: لا أدري أسمعته من سعيد بن جبير أم عن بنيه عنه. قال: أتيت على ابن عباس وهو بعرفة وهو يأكل رمانا. وقال: أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة وبعثت إليه أم الفضل بلبن فشربه. وقال أحمد: ثنا وكيع، ثنا ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التؤمة عن ابن عباس: أنهم تماروا في صوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فأرسلت أم فضل إلى رسول الله بلبن فشربه. وقال الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق وأبو بكر قالا: أنبأنا ابن جريج قال: قال عطاء: دعا عبد الله بن عباس الفضل بن عباس إلى الطعام يوم عرفة، فقال: إني صائم، فقال عبد الله: لا تصم فإن رسول الله قرب إليه حلاب فيه لبن يوم عرفة فشرب منه، فلا تصم فإن الناس مستنون بكم. وقال ابن بكير وروح: إن الناس يستنون بكم. وقال البخاري: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بينا رجل واقف مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال فأوقصته فقال النبي صلى الله عليه وسلم اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين

[ 192 ]

ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا. ورواه مسلم عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد. وقال النسائي: أنبأنا إسحاق بن ابراهيم هو ابن راهويه، أخبرنا وكيع، أنبأنا سفيان الثوري، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة وأتاه أناس من أهل نجد فسألوه عن الحج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة) فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه. وقد رواه بقية أصحاب السنن من حديث سفيان الثوري. زاد النسائي وشعبة عن بكير بن عطاء به، وقال النسائي: أنبأنا قتيبة، أنبأنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني عمرو بن عبد الله بن صفوان أن يزيد بن شيبان قال: كنا وقوفا بعرفة مكانا بعيدا من الموقف، فأتانا ابن مربع الانصاري فقال: إني رسول رسول الله إليكم يقول لكم: كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم ابراهيم. وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار. وابن مربع اسمه زيد بن مربع الانصاري، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد. وقال وفي الباب عن علي وعائشة وجبير بن معطم والشريد بن سويد: وقد تقدم من رواية مسلم: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف. زاد مالك في موطئه: وارفعوا عن بطن عرفة. فصل فيما حفظ من دعائه عليه السلام وهو واقف بعرفة: قد تقدم أنه عليه السلام أفطر يوم عرفة فدل على أن الافطار هناك أفضل من الصيام، لما فيه من التقوى على الدعاء لانه المقصود الاهم هناك، ولهذا وقف عليه السلام وهو راكب على الراحلة من لدن الزوال إلى أن غربت الشمس. وقد روى أبو داود الطيالسي في مسنده: عن حوشب بن عقيل، عن مهدي الهجري، عن عكرمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا حوشب بن عقيل، حدثني مهدي المحاربي، حدثني عكرمة مولى ابن عباس قال: دخلت على أبي هريرة في بيته فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم عرفة بعرفات. وقال عبد الرحمن مرة عن مهدي العبدي: وكذلك رواه أحمد: عن وكيع، عن حوشب، عن مهدي العبدي فذكره، وقد رواه أبو داود عن سليمان بن ح حرب عن حوشب. والنسائي عن سليمان بن معبد عن سليمان بن حرب به. وعن الفلاس عن ابن مهدي به. وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد كلاهما عن وكيع عن حوشب. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو أسامة الكلبي، ثنا حسن بن الربيع، ثنا الحارث بن عبيد، عن حوشب بن عقيل، عن مهدي الهجري، عن عكرمة عن ابن عباس قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم

[ 193 ]

عن صوم يوم عرفة بعرفة. قال البيهقي: كذا قال الحارث بن عبيد، والمحفوظ عن عكرمة عن أبي هريرة. وروى أبو حاتم محمد بن حبان البستي في صحيحه: عن عبد الله بن عمرو أنه سئل عن صوم يوم عرفة فقال: حججت مع رسول الله فلم يصمه ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه وأنا فلا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه. قال الامام مالك: عن زياد بن أبي زياد مولى ابن عباس عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له. قال البيهقي هذا مرسل. وقد روي عن مالك باسناد آخر موصولا وإسناده ضعيف. وقد روى الامام أحمد والترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير. وللامام أحمد أيضا: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده. قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير. وقال أبو عبد الله بن منده. أنبأنا أحمد بن إسحاق بن أيوب النيسابوري، ثنا أحمد بن داود بن جابر الاحمسي، ثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي، ثنا فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن نافع عن ابن عمر. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعائي ودعاء الانبياء قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. وقال الامام أحمد: ثنا يزيد يعني ابن عبد ربه الجرجسي، ثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، عن أبي سعيد الانصاري، عن أبي يحيى، مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية * (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) * [ آل عمران: 18 ] وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في مناسكه: ثنا الحسن بن مثنى بن معاذ العنبري، ثنا عفان بن مسلم، ثنا قيس بن الربيع، عن الاغر بن الصباح، عن خليفة عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ما قلت أنا والانبياء قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. وقال الترمذي في الدعوات: ثنا محمد بن حاتم المؤدب، ثنا علي بن ثابت، ثنا قيس بن الربيع، وكان من بني أسد، عن الاغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين عن علي رضي الله عنه قال: كان أكثر ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في الموقف: اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخير مما نقول اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، ولك رب تراثي، أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الامر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما تهب به الريح. ثم قال: غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي. وقد رواه الحافظ البيهقي من طريق موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أكثر دعاء من كان قبلي ودعائي يوم عرفة أن أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. اللهم اجعل في بصري نورا وفي سمعي نورا، وفي قلبي نورا.

[ 194 ]

اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري. اللهم إني أعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الامر، وشر فتنة القبر، وشر ما يلج في الليل وشر ما يلج في النهار وشر ما تهب به الرياح وشر بوائق الدهر. ثم قال: تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف. وأخوه عبد الله لم يدرك عليا: وقال الطبراني في مناسكه: حدثنا يحيى بن عثمان النصري، ثنا يحيى بن بكير، ثنا يحيى بن صالح الايلي، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: كان فيما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: اللهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شئ من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير، الوجل المشفق المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير: من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته، وذل لك جسده ورغم لك أنفه. اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا وكن بي رؤوفا رحيما، يا خير المسؤولين ويا خير المعطين. وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم: أنبأنا عبد الملك ثنا عطاء. قال قال أسامة بن زيد: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فرفع يديه: يدعو فمالت به ناقته فسقط خطامها قال: فتناول الخطام باحدى يديه وهو رافع يده الاخرى. وهكذا رواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم، وقال الحافظ البيهقي. أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا علي بن الحسن، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، ثنا ابن جريج، عن حسين بن عبد الله الهاشمي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفة يداه إلى صدره كاستطعام المسكين. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا عبد القاهر بن السري، حدثني ابن كنانة بن العباس بن مرداس، عن أبيه، عن جده عباس بن مرداس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لامته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء، فأوحى الله إليه إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا، وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها، فقال: يا رب إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته، وتغفر لهذا الظالم فلم يجبه تلك العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء فأجابه الله تعالى إني قد غفرت لهم. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها. قال: تبسمت من عدو الله إبليس إنه لما علم أن الله عز وجل قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثبور، ويحثو التراب على رأسه. ورواه أبو داود السجستاني في سننه: عن عيسى بن إبراهيم البركي وأبي الوليد الطيالسي كلاهما عن عبد القاهر بن السري، عن كنانة بن عباس بن مرداس عن أبيه عن جده مختصرا. ورواه ابن ماجه عن أيوب بن محمد الهاشمي بن عبد القاهر بن السري، عن عبد الله بن كنانة بن عباس، عن أبيه عن جده به مطولا: ورواه ابن جرير: في تفسيره عن إسماعيل بن سيف العجلي، عن عبد القاهر بن السري، عن ابن كنانة يقال له أبو لبابة عن أبيه عن جده العباس بن مرداس فذكره. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عمن سمع قتادة يقول: ثنا جلاس بن

[ 195 ]

عمرو، عن عبادة بن الصامت. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: أيها الناس إن الله تطول عليكم في هذا اليوم، فغفر لكم إلا التبعات (1) فيما بينكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم. وأعطى محسنكم ما سأل. فادفعوا بسم الله. فلما كانوا بجمع. قال: إن الله قد غفر لصالحكم وشفع لصالحيكم في طالحيكم، تنزل الرحمة فتعمهم، ثم تفرق الرحمة (2) في الارض فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده. وإبليس وجنوده على جبال عرفات ينظرون ما يصنع الله بهم، فإذا نزلت الرحمة دعا هو وجنوده بالويل والثبور، كنت أستفزهم حقبا من الدهر (3) المغفرة فغشيتهم، فيتفرقون يدعون بالويل والثبور. ذكر ما نزل على رسول الله من الوحي في هذا الموقف قال الامام أحمد: ثنا جعفر بن عون، ثنا أبو العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب. قال: جاء من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين إنكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال وأي آية هي ؟ قال: قوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) * [ المائدة: 3 ] فقال عمر: والله إني لاعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة (4). ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون. وأخرجه أيضا مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن قيس بن مسلم به. ذكر إفاضته عليه السلام من عرفات إلى المشعر الحرام قال جابر في حديثه الطويل: فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا قليلا، حين غاب القرص فأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق لناقته القصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رجله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة ! كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا. رواه مسلم. وقال البخاري (5) باب السير إذا دفع من


(1) التبعات: ما يتبع المال من نوائب الحقوق، وهو من تبعت الرجل بحقي، والتبيع: الذي يتبعك بحق يطالبك به. والمعنى أن الله تعالى يغفر الذنوب كلها إلا حقوق الآدميين المتعلقة بالذمة ليطالب بها حقا. (2) في رواية الترغيب: المغفرة. (3) بياض بالاصل، ولعله (خوف المغفرة). (4) رواه البخاري في كتاب الايمان (33) باب الحديث (45). وفي كتاب التفسير - باب اليوم أكملت لكم دينكم. وأخرجه مسلم في التفسير - الحديث (5). والترمذي في تفسير سورة المائدة (5 / 250) والنسائي في كتاب الحج. (5) في كتاب الحج - 92 باب الحديث 1666. (*)

[ 196 ]

عرفة. حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه. قال: سئل أسامة وأنا جالس: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع ؟ قال: كان يسير العنق (1)، فإذا وجد فجوة نص. قال هشام - والنص - فوق العنق. ورواه الامام أحمد وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسامة بن زيد. وقال الامام أحمد: ثنا يعقوف، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن أسامة بن زيد قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة قال: فلما وقعت الشمس دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سمع حطمة الناس خلفه. قال: رويدا أيها الناس عليكم السكينة إن البر ليس بالايضاع (2). قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التحم عليه الناس أعنق، وإذا وجد فرجة نص، حتى أتى المزدلفة فجمع فيها بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة. ثم رواه الامام أحمد من طريق محمد بن إسحاق حدثني إبراهيم بن عقبة، عن كريب عن أسامة بن زيد فذكر مثله. وقال الامام أحمد: ثنا أبو كامل، ثنا حماد، عن قيس بن سعد، عن عطاء عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد قال: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وأنا رديفه، فجعل يكبح راحلته حتى إن ذفراها (3) ليكاد يصيب قادمة الرحل. ويقول: يا أيها الناس عليكم السكينة والوقار فإن البر ليس في إيضاع الابل. وكذا رواه عن عفان عن حماد بن سلمة به ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به. ورواه مسلم عن زهير بن حرب، عن يزيد بن هارون، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس عن أسامة بنحوه. قال وقال أسامة: فما زال يسير على هينة حتى أتى جمعا. وقال الامام أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج، ثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد. أنه ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة حتى دخل الشعب ثم أهراق الماء وتوضأ، ثم ركب ولم يصل. وقال الامام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا همام، عن قتادة، عن عروة، عن الشعبي، عن أسامة بن زيد أنه حدثه. قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفات، فلم ترفع راحلته رجلها غادية حتى بلغ جمعا. وقال الامام أحمد: ثنا سفيان، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس أخبرني أسامة بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه من عرفة فلما أتى الشعب نزل فبال ولم يقل أهراق الماء فصببت عليه فتوضأ وضوءا خفيفا فقلت: الصلاة ؟ فقال: الصلاة أمامك: قال: ثم أتى المزدلفة فصلى المغرب ثم حلوا رحالهم ثم صلى العشاء. كذا رواه الامام أحمد عن كريب، عن ابن عباس عن أسامة بن زيد فذكر. ورواه النسائي عن الحسين بن حرب (4)، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة،


(1) العنق: بفتح المهملة والنون: هو السير الذي بين الابطاء والاسراع. وقال الزمخشري: الخطو الفسيح وقال القزاز: العنق: سير سريع. (2) الايضاع: الاسراع. (3) ذفراه: تثنية ذفرى وهي العظم الشاخص خلف الاذن. (4) الحديث في سنن النسائي 2 / 46 وفيه: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان... (*)

[ 197 ]

ومحمد بن أبي حرملة كلاهما عن كريب عن ابن عباس عن أسامة. قال شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه والصحيح كريب عن أسامة. وقال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن موسى بن عقبة عن كريب، عن أسامة بن زيد. أنه سمعه يقول: دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة فنزل الشعب فبال ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة ؟ فقال: الصلاة أمامك. فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل انسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة فصلى العشاء، ولم يصل بينهما. وهكذا رواه البخاري أيضا عن القعنبي، ومسلم عن يحيى بن يحيى، والنسائي عن قتيبة عن مالك عن موسى بن عقبة به. وأخرجاه من حديث يحيى بن سعيد الانصاري، عن موسى بن عقبة أيضا. ورواه مسلم من حديث إبراهيم بن عقبة، ومحمد بن عقبة، عن كريب كنحو رواية أخيهما موسى بن عقبة عنه. وقال البخاري أيضا: ثنا قتيبة، ثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة (1)، عن كريب، عن أسامة بن زيد. أنه قال: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعب الايسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال، ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا. فقلت: الصلاة يا رسول الله ؟ قال: الصلاة أمامك، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفة فصلى ثم ردف الفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع. قال كريب: فأخبرني عبد الله بن عباس عن الفضل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة. ورواه مسلم عن قتيبة، ويحيى بن يحيى، ويحيى بن أيوب، وعلي بن حجر أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر به. وقال الامام أحمد: ثنا وكيع، ثنا عمر بن ذر، عن مجاهد، عن أسامة بن زيد. أن رسول الله أردفه من عرفة. قال فقال الناس: سيخبرنا صاحبنا ما صنع. قال فقال أسامة: لما دفع من عرفة فوقف، كف رأس راحلته حتى أصاب رأسها واسطة الرحل أو كاد يصيبه يشير إلى الناس بيده السكينة السكينة السكينة ! ! حتى أتى جمعا ثم أردف الفضل بن عباس قال فقال الناس: سيخبرنا صاحبنا بما صنع رسول الله فقال الفضل: لم يزل يسير سيرا لينا كسيره بالامس، حتى أتى على وادي محسر فدفع فيه حتى استوت به الارض. وقال البخاري: ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا إبراهيم بن سويد، حدثني عمرو بن أبي عمرو، ومولى المطلب (2)، أخبرني سعيد بن جبير، مولى والبة الكوفي، حدثني ابن عباس. أنه دفع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا وضربا للابل فأشار بسوطه إليهم وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة ! فإن البر ليس بالايضاع. تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقد تقدم رواية الامام أحمد ومسلم والنسائي هذا من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد. فالله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمر، ثنا المسعودي، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس. قال: لما أفاض رسول الله من عرفات


(1) محمد بن أبي حرملة المدني مولى آل حويطب ولا يعرف اسم أبيه، وكان ينسب إلى جد مواليه. (2) المطلب هو ابن عبد الله بن حنطب. (*)

[ 198 ]

أوضع الناس، فأمر رسول الله مناديا ينادي: أيها الناس ليس البر بايضاع الخيل ولا الركاب. قال: فما رأيت من رافعة يديها غادية حتى نزل جمعا. وقال الامام أحمد: ثنا حسين وأبو نعيم. قالا: ثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع، قال: حدثني من سمع ابن عباس يقول: لم ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات وجمع إلا أريق الماء. وقال الامام أحمد: ثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عبد الملك، عن أنس بن سيرين قال: كنت مع ابن عمر بعرفات فلما كان حين راح رحت معه، حتى الامام فصلى معه الاولى والعصر ثم وقف وأنا وأصحاب لي حتى أفاض الامام فأفضنا معه حتى انتهينا إلى المضيق دون المأزمين فأناخ وأنخنا، ونحن نحسب أنه يريد أن يصلي فقال غلامه الذي يمسك راحلته: إنه ليس يريد الصلاة ولكنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته، فهو يحب أن يقضي حاجته. وقال البخاري: ثنا موسى، ثنا جويرية، عن نافع. قال: كان عبد الله بن عمر يجمع بين المغرب والعشاء بجمع غير أنه يمر بالشعب الذي أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخل فينتقص ويتوضأ ولا يصلي حتى يجيئ جمعا. تفرد به البخاري رحمه الله من هذا الوجه. وقال البخاري: ثنا آدم بن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر قال: جمع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسح بينهما ولا على إثر واحدة منهما. ورواه مسلم: عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا. ثم قال مسلم: حدثني حرملة، حدثني ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره أن أباه قال: جمع رسول الله بين المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة فصلى المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين فكان عبد الله يصلي بجمع كذلك حتى لحق بالله. ثم روى مسلم من حديث شعبة عن الحكم وسلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير. أنه صلى المغرب بجمع والعشاء باقامة واحدة ثم حدث عن ابن عمر أنه صلى مثل ذلك. وحدث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ذلك. ثم رواه من طريق الثوري عن سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين باقامة واحدة. ثم قال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن جبير، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق. قال قال سعيد بن جبير: أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعا فصلى بنا المغرب والعشاء باقامة واحدة ثم انصرف، فقال: هكذا صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان. وقال البخاري: ثنا خالد بن مخلد، ثنا سليمان بن بلال، حدثني يحيى بن سعيد، حدثني عدي بن ثابت، حدثني عبد الله بن يزيد الخطمي، حدثني أبو يزيد الانصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في حجة الوداع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة ورواه البخاري أيضا في المغازي: عن القعنبي عن مالك ومسلم من حديث سليمان بن بلال، والليث بن سعد ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن عدي بن ثابت. ورواه النسائي أيضا عن الفلاس، عن يحيى القطان، عن شعبة عن عدي بن ثابت به.

[ 199 ]

ثم قال البخاري (1): باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما. حدثنا عمرو بن خالد، ثنا زهير بن حرب، ثنا أبو إسحاق سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: حج عبد الله (2) فأتينا المزدلفة حين الاذان بالعتمة أو قريبا من ذلك، فأمر رجلا فأذن وأقام ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر رجلا فأذن وأقام. قال عمرو: - لا أعلم الشك إلا من زهير ثم صلى العشاء ركعتين فلما طلع الفجر. قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وقتهما، صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر. قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. وهذا اللفظ وهو قوله والفجر حين يبزغ الفجر أبين وأظهر من الحديث الآخر الذي رواه البخاري عن حفص بن عمر بن غياث عن أبيه عن الاعمش عن عمارة عن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود. قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء وصلاة الفجر قبل ميقاتها. ورواه مسلم من حديث أبي معاوية وجرير عن الاعمش به. وقال جابر في حديثه: ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. وقد شهد معه هذه الصلاة عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي. قال الامام أحمد: ثنا هشيم، ثنا ابن أبي خالد، وزكريا عن الشعبي أخبرني عروة بن مضرس قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بجمع فقلت: يا رسول الله جئتك من جبلي طيئ أتعبت نفسي، وأنضيت راحلتي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج ؟ فقال: من شهد معنا هذه الصلاة يعني صلاة الفجر بجمع، ووقف معنا حتى يفيض منه، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد نم حجه وقضى تفثه (3). وقد رواه الامام أحمد أيضا وأهل السنن الاربعة من طرق عن الشعبي عن عروة بن مضرس. وقال الترمذي: حسن صحيح. فصل وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم طائفة من أهله بين يديه من الليل قبل حطمة الناس من المزدلفة إلى منى. قال البخاري (4): باب من قدم ضعفة أهله بالليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون، ويقدم إذا غاب القمر. حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب. قال قال سالم: كان عبد الله بن عمر يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام [ بالمزدلفة ] (5). بليل


(1) في كتاب الحج - 97 باب الحديث 1675. (2) هو عبد الله بن مسعود. (3) التفث: الشعث وما كان من نحو قص الاظفار والشارب وحلق العانة وغير ذلك. (4) في كتاب الحج - 98 باب - الحديث 1676 - 1677 - 1678. (5) من البخاري. (*)

[ 200 ]

فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون (1) قبل أن يقف الامام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإن قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس. قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع بليل. وقال البخاري: ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، أخبرني عبد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول: أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله. وروى مسلم: من حديث ابن جريج، أخبرني عطاء عن ابن عباس. قال: بعث بي رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع بسحر مع ثقله. وقال الامام أحمد: ثنا سفيان الثوري، ثنا سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني (2) عن ابن عباس قال: قدمنا رسول الله أغيلمة بني عبد المطلب على حراثنا فجعل يلطح (3) أفخاذنا بيده ويقول: أبني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس. قال ابن عباس: ما أخال أحدا يرمي الجمرة حتى تطلع الشمس. وقد رواه أحمد أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري فذكره. وقد رواه أبو داود: عن محمد بن كثير، عن الثوري به. والنسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري به. وأخرجه ابن ماجه: عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد كلاهما عن وكيع عن مسعر، عن سفيان الثوري كلاهما عن سلمة بن كهيل به. وقال أحمد: ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو الاحوص، عن الاعمش، عن الحكم بن عيينة عن مقسم عن ابن عباس. قال: مر بنا رسول الله ليلة النحر وعلينا سواد من الليل، فجعل يضرب أفخاذنا ويقول: أبني أفيضوا لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس. ثم رواه الامام أحمد من حديث المسعودي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعفة أهله من المزدلفة بليل فجعل يوصيهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس. وقال أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا الوليد بن عقبة، ثنا حمزة الزيات بن حبيب، عن عطاء عن ابن عباس. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ضعفة أهله بغلس ويأمرهم - يعني أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس - وكذا رواه النسائي عن محمود بن غيلان، عن بشر بن السري، عن سفيان، عن حبيب. قال: الطبراني وهو ابن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس فخرج حمزة الزيات من عهدته وجاد إسناد الحديث. والله أعلم وقد قال البخاري: ثنا مسدد، عن يحيى عن ابن جريج حدثني عبد الله مولى أسماء عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي فصلت ساعة ثم قالت يا بني هل غاب القمر ؟ قلت لا فصلت ساعة ثم قالت هل غاب القمر ؟ قلت: نعم ! قالت فارتحلوا فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا فقالت: يا بني


(1) في البخاري: يرجعون، وما اثبتناه رواية مسلم وهي أوضح. (2) العرني: نسبة إلى عرينة بن نذير، بطن من بجيلة. اللباب 2 / 133. (3) يلطح: من اللطح يضرب ببطن الكف ضربا ليس بالشديد. (*)

[ 201 ]

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن. ورواه مسلم من حديث ابن جريج به فإن كانت أسماء بنت الصديق رمت الجمار قبل طلوع الشمس كما ذكر هاهنا عن توقيف فروايتها مقدمة على رواية ابن عباس لان إسناد حديثها أصح من إسناد حديثه، اللهم إلا أن يقال: إن الغلمان أخف حالا من النساء وأنشط فلهذا أمر الغلمان بأن لا يرموا قبل طلوع الشمس، وأذن للظعن في الرمي قبل طلوع الشمس لانهم أثقل حالا وأبلغ في التستر. والله أعلم. وإن كانت أسماء لم تفعله عن توقيف فحديث ابن عباس مقدم على فعلها. لكن يقوي الاول قول أبي دواد: ثنا محمد بن خلاد الباهلي، ثنا يحيى، عن ابن جريج أخبرني عطاء، أخبرني مخبر عن أسماء أنها رمت الجمرة بليل قلت: إن رمينا الجمرة بليل قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال البخاري: ثنا أبو نعيم، ثنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن (1) محمد، عن عائشة قالت: نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم سودة أن تدفع قبل حطمة الناس - وكانت امرأة بطيئة - فآذن لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا نحن حتى أصبحنا، ثم دفعنا بدفعه، فلان أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به. وأخرجه مسلم عن القعنبي عن أفلح بن حميد به. وأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة به. وقال أبو داود: ثنا هارون بن عبد الله، ثنا ابن أبي فديك عن الضحاك - يعني ابن عثمان - عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة. أنها قالت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو داود - يعني عندها -. انفرد به أبو داود وهو إسناد جيد قوي رجاله ثقات. ذكر تلبيته عليه السلام بالمزدلفة قال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا الاحوص، عن حصين عن كثير بن مدرك عن عبد الرحمن بن يزيد. قال: قال عبد الله ونحن بجمع سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام، لبيك اللهم لبيك. فصل في وقوفه عليه السلام بالمشعر الحرام ودفعه من المزدلفة قبل طلوع الشمس وإيضاعه في وادي محسر قال الله تعالى * (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) * الآية [ البقرة: 198 ] وقال جابر في حديثه: فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله عز وجل وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، ودفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس وراءه. وقال


(1) في نسخ البداية " عن " تحريف، وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر والد عبد الرحمن الراوي عنه. (*)

[ 202 ]

البخاري: ثنا حجاج بن منهال، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق (1). قال سمعت عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر صلى بجمع الصبح،، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون أشرق ثبير، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ خالفهم، ثم ] (2) أفاض قبل أن تطلع الشمس. وقال البخاري: ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد. قال: خرجت مع عبد الله إلى مكة ثم قدمنا جمعا فصلى صلاتين: كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، والعشاء بينهما ثم صلى الفجر حين طلع الفجر - قائل يقول: طلع الفجر وقائل يقول: لم يطلع الفجر - ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان: المغرب [ والعشاء ] (3)، فلا تقدم الناس جمعا حتى يعتموا (4) وصلاة الفجر هذه الساعة. ثم وقف حتى أسفر. ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة. فلا أدري أقوله كان أسرع أو دفع عثمان، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا عبد الرحمن بن المبارك العبسي، ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن المسور بن مخرمة. قال: خطبنا رسول الله بعرفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أهل الشرك والاوثان كانوا يدفعون من هاهنا عند غروب الشمس، حتى تكون الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤسها، هدينا مخالف لهديهم. وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. هدينا مخالف لهديهم. قال ورواه عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلا. وقال الامام أحمد: ثنا أبو خالد سليمان بن حيان، سمعت الاعمش، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من المزدلفة قبل طلوع الشمس. وقال البخاري: ثنا زهير بن حرب، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، عن يونس الايلي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس. أن أسامة كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى. قال: فكلاهما قال لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة. ورواه ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وروى مسلم: من حديث الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي معبد عن ابن عباس عن الفضل بن عباس. وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: عليكم بالسكينة وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا وهو من منى قال: عليكم بحصى الخذف الذي يرمي به الجمرة


(1) من البخاري، وهو أبو اسحاق السبيعي، وفي الاصل ابن اسحاق تحريف. (2) من البخاري: فتح الباري - كتاب الحج - الحديث 1684. (3) سقطت من الاصل، واستدركت من البخاري. (4) من البخاري وفي الاصل يقيموا تحريف. ويعتموا: أي يدخلوا في العتمة وهو وقت العشاء الآخرة. (*)

[ 203 ]

قال: ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى الجمرة. وقال الحافظ البيهقي باب الايضاع في وادي محسر: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو المقري، وأبو بكر الوراق، أنبأنا الحسن بن سفيان، ثنا هشام بن عمار، وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: ثنا حاتم بن إسماعيل، ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر في حج النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حتى إذا أتى محسرا، حرك قليلا. رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن شيبة. ثم روى البيهقي: من حديث سفيان الثوري، عن أبي الزبير عن جابر. قال: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة وأمرهم بالسكينة وأوضع في وادي محسر، وأمرهم أن يرموا الجمار بمثل حصى الخذف وقال: خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا. ثم روى البيهقي: من حديث الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن زيد بن علي عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من جمع حتى أتى محسرا، فقرع ناقته حتى جاوز الوادي فوقف، ثم أردف الفضل ثم أتى الجمرة فرماها. هكذا رواه مختصرا. وقد قال الامام أحمد: ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، ثنا سفيان بن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي. قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال: إن هذا الموقف وعرفة كلها موقف، وأفاض حين غابت الشمس وأردف أسامة فجعل يعنق على بعيره والناس يضربون يمينا وشمالا لا يلتفت إليهم. ويقول السكينة أيها الناس ثم أتى جمعا فصلى بهم الصلاتين المغرب والعشاء ثم بات حتى أصبح ثم أتى قزح (1) فوقف على قزح فقال: هذا الموقف وجمع كلها موقف. ثم سار حتى أتى محسرا فوقف عليه فقرع دابته فخبت حتى جاز الوادي ثم حبسها، ثم أردف الفضل وسار حتى أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر. فقال: هذا المنحر ومنى كلها منحر. قال واستفتته جارية شابة من خثعم. فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أفند (2). وقد ادركته فريضة الله في الحج فهل يجزئ عنه أن أودي عنه ؟ قال: نعم ! فأدي عن أبيك. قال ولوى عنق الفضل فقال له العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك ؟ قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما. قال: ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله حلقت قبل أن أنحر. قال أنحر ولا حرج. ثم أتاه آخر. فقال: يا رسول الله أني أفضت قبل أن أحلق قال: أحلق أو قصر ولا حرج. ثم أتى البيت فطاف ثم أتى زمزم فقال: يا بني عبد المطلب سقايتكم ولولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت معكم. وقد رواه أبو داود: عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن آدم عن سفيان الثوري. ورواه الترمذي عن بندار عن أبي أحمد الزبيري. وابن ماجه عن علي بن محمد، عن يحيى بن آدم. وقال الترمذي حسن صحيح لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه. قلت وله شواهد من وجوه صحيحة مخرجة في الصحاح وغيرها فمن ذلك قصة الخثعمية وهو في الصحيحين من طريق الفضل وتقدمت في


(1) قزح: جبل بالمزدلفة.. (2) أفند: الفند أصله الكذب، والفند، الهرم حتى الخرف. (*)

[ 204 ]

حديث جابر وسنذكر من ذلك ما تيسر. وقد حكى البيهقي باسناد عن ابن عباس أنه أنكر الاسراع في وادي محسر. وقال: إنما كان ذلك من الاعراب. قال: والمثبت مقدم على النافي قلت وفي ثبوته عنه نظر. والله أعلم. وقد صح ذلك عن جماعة من الصحابة عن رسول الله وصح من صنيع الشيخين أبي بكر وعمر أنهما كانا يفعلان ذلك فروى البيهقي عن الحاكم عن النجاد وغيره. عن أبي علي محمد بن معاذ بن المستهل المعروف بدران عن القعنبي، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة أن عمر كان يوضع ويقول: إليك تعدوا قلقا وضينها (1) * مخالف دين النصارى دينها ذكر رميه عليه السلام جمرة العقبة وحدها يوم النحر وكيف رماها ومتى رماها ومن أي موضع رماها وبكم رماها وقطعه التلبية حين رماها قد تقدم من حديث أسامة والفضل وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، أنه عليه السلام لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. وقال البيهقي: أنبأنا الامام أبو عثمان، أنبأنا أبو طاهر بن خزيمة، أنبأنا جدي - يعني إمام الائمة - محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا علي بن حجر، ثنا شريك، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل عن عبد الله. قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة. وبه عن ابن خزيمة، ثنا عمر بن حفص الشيباني، ثنا حفص بن غياث، ثنا جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس عن الفضل. قال: أفضت مع رسول الله من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر حصاة. قال البيهقي وهذه زيادة غريبة ليست في الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل وان كان ابن خزيمة قد اختارها. وقال محمد بن إسحاق: حدثني أبان بن صالح عن عكرمة. قال: أفضت مع الحسين بن علي فما أزال أسمعه يلبي حتى رمى جمرة العقبة فلما قذفها أمسك. فقلت ما هذا فقال: رأيت أبي علي بن أبي طالب يلبي حتى رمى جمرة العقبة وأخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. وتقدم من حديث الليث عن أبي الزبير، عن أبي معبد عن ابن عباس عن أخيه الفضل. أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس في وادي محسر بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة. رواه مسلم. وقال أبو العالية: عن ابن عباس حدثني الفضل. قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة يوم النحر: هات فألقط لي حصا فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف فوضعهن في يده فقال: بأمثال هؤلاء بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين. رواه البيهقي وقال جابر في حديثه حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع


(1) الوضين: حزام الرحل، والقلق: المتسع، كناية عن هزال الناقة. (*)

[ 205 ]

كل حصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي. رواه مسلم. وقال البخاري: وقال جابر رضي الله عنه رمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ضحى، ورمى بعدد ذلك بعد الزوال. وهذا الحديث الذي علقه البخاري أسنده مسلم من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمع جابرا. قال: رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فإذا زالت الشمس. وفي الصحيحين من حديث الاعمش عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد. قال: رمى عبد الله من بطن الوادي فقلت: يا أبا عبد الرحمن إن ناسا يرمونها من فوقها. فقال: والذي لا إله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة لفظ البخاري. وفي لفظ له: من حديث شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود: أنه أتى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى بسبع. وقال: هكذا أرمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة. ثم قال البخاري (1): باب من رمى الجمار بسبع يكبر مع كل حصاة قاله ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إنما يعرف في حديث جابر من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر كما تقدم أنه أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف. وقد روى البخاري في هذه الترجمة من حديث الاعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ثم قال من هاهنا والذي لا إله غير قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمع جابر بن عبد الله. قال: رأيت رسول الله يرمي الجمرة بسبع مثل حصى الخذف. وقال الامام أحمد، ثنا يحيى بن زكريا، ثنا حجاج، عن الحكم، عن أبي القاسم - يعني مقسما - عن ابن عباس. أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة جمرة العقبة يوم النحر راكبا. ورواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة: وقال حسن. وأخرجه ابن ماجه: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الاحمر عن الحجاج بن أرطاة به. وقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي من حديث يزيد بن [ أبي ] (2) زياد، عن سليمان بن عمرو بن الاحوص، عن أمه أم جندب الازدية. قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار من بطن الوادي وهو راكب، يكبر مع كل حصاة ورجل من خلفه يستره فسألت عن الرجل فقالوا: الفضل بن عباس فازدحم الناس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا رميتم الجمرة فارموه بمثل حصى الخذف. لفظ أبي داود وفي رواية له قالت: رأيته عند جمرة العقبة راكبا ورأيت بين أصابعه حجرا فرمى ورمى الناس ولم يقم عندها. ولابن ماجه قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر عند جمرة العقبة وهو راكب على بغلة. وذكر الحديث وذكر البغلة هاهنا غريب جدا. وقد روى مسلم في صحيحه من حديث ابن جريج: أخبرني أبو الزبير سمعت جابر بن عبد الله يقول: رأيت


(1) في كتاب الحج - 138 باب. الحديث 1750. (2) زيادة من سنن أبي داود ج 1 / 309. (*)

[ 206 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه. وروى مسلم أيضا من حديث زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن الحصين، عن جدته أم الحصين سمعتها تقول: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته يوم النحر وهو يقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه. وفي رواية قالت: حججت مع رسول الله حجة الوداع. فرأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. وقال الامام أحمد: ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، ثنا أيمن بن نابل، ثنا قدامة بن عبد الله الكلابي. أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر على ناقة له صهباء، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. ورواه أحمد أيضا: عن وكيع ومعتمر بن سليمان وأبي قرة موسى بن طارق الزبيدي ثلاثتهم عن أيمن بن نائل به. ورواه أيضا عن أبي قرة عن سفيان الثوري عن أيمن. وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث وكيع به. ورواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن مروان بن معاوية عن أيمن بن نابل به. وقال هذا حديث حسن صحيح. وقال الامام أحمد: ثنا نوح بن ميمون، ثنا عبد الله - يعني العمري - عن نافع، قال: كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيا. وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأتيها إلا ماشيا ذاهبا وراجعا. ورواه أبو داود عن القعنبي عن عبد الله العمري به. فصل قال جابر: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غير وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. وسنتكلم على هذا الحديث. وقال الامام أحمد بن حنبل: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن حميد الاعرج، عن محمد بن ابراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ونزلهم منازلهم فقال: لينزل المهاجرون هاهنا، وأشار إلى ميمنة القبلة، والانصار هاهنا، وأشار إلى ميسرة القبلة. ثم لينزل الناس حولهم. قال: وعلمهم مناسكهم ففتحت أسماع أهل منى حتى سمعوه في منازلهم. قال فسمعته يقول: أرموا الجمرة بمثل حصى الخذف وكذا رواه أبو داود: عن أحمد بن حنبل إلى قوله ثم لينزل الناس حولهم. وقد رواه الامام أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه، وأبو داود: عن مسدد، عن عبد الوارث، وابن ماجه: من حديث ابن المبارك، عن عبد الوارث، عن حميد بن قيس الاعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كأنا نسمع ما يقول الحديث. ذكر جابر بن

[ 207 ]

عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرك علي بن أبي طالب في الهدي وأن جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من الابل، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة. قال ابن حبان وغيره: وذلك مناسب لعمره عليه السلام فإنه كان ثلاثا وستين سنة. وقد قال الامام أحمد: ثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير، ثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. قال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج مائة بدنة نحر منها بيده ستين وأمر ببقيتها فنحرت وأخذ من كل بدنة بضعة فجمعت في قدر فأكل منها وحسى من مرقها. قال: ونحر يوم الحديبية سبعين فيها جمل أبي جهل فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها. وقد روى ابن ماجه بعضه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، عن وكيع عن سفيان الثوري عن ابن أبي ليلى به. وقال الامام أحمد: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق حدثني رجل عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر، عن ابن عباس. قال: أهدى رسول الله في حجة الوداع مائة بدنة نحر منها ثلاثين بدنة بيده، ثم أمر عليا فنحر ما بقي منها. وقال: قسم لحومها وجلودها وجلالها بين الناس، ولا تعطين جزارا منها شيئا وخذ لنا من كل بعير جدية من لحم، واجعلها في قدر واحدة حتى نأكل من لحمها ونحسو من مرقها ففعل. وثبت في الصحيحين: من حديث مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي. قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطي الجزار منها شيئا وقال: نحن نعطيه من عندنا. وقال أبو داود: ثنا محمد بن حاتم، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا عبد الله بن المبارك، عن حرملة بن عمران، عن عبد الله بن الحارث الازدي سمعت عرفة بن الحارث الكندي. قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى بالبدن فقال: أدع لي أبا حسن فدعي له علي. فقال: خذ بأسفل الحربة، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلاها ثم طعنا بها البدن، فلما فرغ ركب بغلته وأردف عليا. تفرد به أبو داود وفي إسناده ومتنه غرابة. والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج، أنبأنا عبد الله، أنبأنا الحجاج بن أرطاة، عن الحكم عن أبي القسم - يعني مقسما - عن ابن عباس. قال: رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم جمرة العقبة ثم ذبح ثم حلق. وقد ادعى ابن حزم أنه ضحى عن نسائه بالبقر وأهدى بمنى بقرة وضحى هو بكبشين أملحين. صفة حلقه رأسه الكريم عليه الصلاة والتسليم قال الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق في حجته. ورواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - عن عبد الرزاق. وقال البخاري: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب قال: قال نافع: ان عبد الله بن عمر يقول: حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته. ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة عن نافع به. وقال البخاري: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا جويرية بن أسماء، عن نافع أن عبد الله بن عمر. قال: حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة من أصحابه وقصر بعضهم. ورواه مسلم: من حديث

[ 208 ]

الليث، عن نافع به وزاد قال عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله المحلقين مرة أو مرتين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين. وقال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع وأبو داود الطيالسي، عن يحيى بن الحصين عن جدته: أنها سمعت رسول الله في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة ولم يقل وكيع في حجة الوداع. وهكذا روى هذا الحديث مسلم من حديث مالك وعبيد الله (1) عن نافع، عن ابن عمر وعمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة والعلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة. وقال مسلم: ثنا يحيى بن يحيى، ثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن ابن سيرين عن أنس بن مالك. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر. ثم قال للحلاق: خذ وأشار إلى جانبه الايمن ثم الايسر ثم جعل يعطيه الناس. وفي رواية أنه حلق شقه الايمن فقسمه بين الناس من شعرة وشعرتين وأعطى شقه الايسر لابي طلحة. وفي رواية له: أنه أعطى الايمن لابي طلحة وأعطاه الايسر وأمره أن يقسمه بين الناس. وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت عن أنس. قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وقد أطاف به أصحابه ما يريدون أن يقع شعرة إلا في يد رجل. انفرد به أحمد. فصل ثم لبس عليه السلام ثيابه وتطيب بعد ما رمى جمرة العقبة، ونحر هديه، وقبل أن يطوف بالبيت طيبته عائشة أم المؤمنين. قال البخاري: ثنا علي بن عبد الله بن المديني، ثنا سفيان - هو ابن عيينة - ثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، وكان أفضل أهل زمانه. أنه سمع أباه وكان أفضل أهل زمانه يقول: إنه سمع عائشة تقول طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها. وقال مسلم: ثنا يعقوب الدورقي وأحمد بن منيع قالا: ثنا هشيم، أنبأنا منصور، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة. قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويحل يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك. وروى النسائي من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة عن عائشة. قالت: طيبت رسول الله لحرمه حين أحرم ولحله بعدما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت. وقال الشافعي: أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن سالم. قال قالت عائشة: أنا طيبت رسول الله لحله وإحرامه. ورواه عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، عن سالم عن عائشة فذكره. وفي الصحيحين من حديث ابن جريج: أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبران عن عائشة. أنها قالت: طيبت رسول الله بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والاحرام. ورواه مسلم: من حديث الضحاك بن عثمان، عن أبي الرجال عن أمه عمرة، عن عائشة به.


(1) في نسخ البداية المطبوعة: وعبد الله وأشار مصححه في هامشه: وفي التيمورية عبيد الله - والامام. (*)

[ 209 ]

وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الحسن العوفي، عن ابن عباس. أنه قال، إذا رميتم الجمرة فقد حللتم من كل شئ كان عليكم حراما إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت. فقال رجل: والطيب يا أبا العباس فقال له: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك أفطيب هو أم لا ؟ وقال محمد بن إسحاق: حدثني أبو عبيدة، عن عبد الله بن زمعة، عن أبيه وأمه زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت: كانت الليلة التي يدور فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة النحر فكان رسول الله عندي فدخل وهب بن زمعة، ورجل من آل أبي أمية متقمصين. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضتما ؟ قالا: لا. قال: فانزعا قميصيكما فنزعاهما. فقال له وهب: ولم يا رسول الله ؟ فقال: هذا يوم أرخص لكم فيه إذا رميتم الجمرة ونحرتم هديا إن كان لكم فقد حللتم من كل شئ حرمتم منه إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت فإذا رميتم ولم تفيضوا صرتم حرما كما كنتم أول مرة حتى تطوفوا بالبيت. وهكذا رواه أبو داود: عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين كلاهما عن ابن أبي عدي عن ابن إسحاق فذكره. وأخرجه البيهقي: عن الحاكم عن أبي بكر بن أبي إسحاق، عن أبي المثنى العنبري، عن يحيى بن معين وزاد في آخره. قال أبو عبيدة: وحدثتني أم قيس بنت محصن. قالت: خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصين، عشية يوم النحر ثم رجعوا إلينا عشيا وقمصهم على أيديهم يحملونها فسألتهم فأخبروها بمثل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوهب بن زمعة وصاحبه وهذا الحديث غريب جدا. لا أعلم أحدا من العلماء قال به. ذكر إفاضته صلى الله عليه وسلم إلى البيت العتيق قال جابر: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فأفاض ] (1) إلى البيت فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم. فقال: أنزعوا بني عبد المطلب فلولا أن تغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه. رواه مسلم ففي هذا السياق ما يدل على أنه عليه السلام ركب إلى مكة قبل الزوال فطاف بالبيت ثم لما فرغ صلى الظهر هناك. وقال مسلم أيضا: أخبرنا محمد بن نافع، أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وهذا الخلاف حديث جابر وكلاهما عند مسلم، فإن عللنا بهما أمكن أن يقال إنه عليه السلام صلى الظهر بمكة ثم رجع إلى منى فوجد الناس ينتظرونه فصلى بهم والله أعلم. ورجوعه عليه السلام إلى منى في وقت الظهر ممكن لان ذلك الوقت كان صيفا والنهار طويل وإن كان قد صدر منه عليه السلام أفعال كثيرة في صدر هذا النهار فإنه دفع فيه من المزدلفة بعدما أسفر الفجر جدا ولكنه قبل طلوع الشمس، ثم قدم منى فبدأ يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات. ثم جاء فنحر بيده ثلاثا وستين بدنة ونحر على بقية المائة، ثم أخذت


(1) من صحيح مسلم. (*)

[ 210 ]

من كل بدنة بضعة ووضعت في قدر وطبخت حتى نضجت فأكل من ذلك اللحم وشرب من ذلك المرق. وفي غبون (1) ذلك حلق رأسه عليه السلام وتطيب، فلما فرغ من هذا كله ركب إلى البيت وقد خطب عليه السلام في هذا اليوم خطبة عظيمة ولست أدري أكانت قبل ذهابه إلى البيت أو بعد رجوعه منه إلى منى. فالله أعلم. والقصد أنه ركب إلى البيت فطاف به سبعة أطواف راكبا ولم يطف بين الصفا والمروة كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر وعائشة رضي الله عنهما، ثم شرب من ماء زمزم، ومن نبيذ تمر من ماء زمزم. فهذا كله مما يقوي قول من قال: إنه عليه السلام صلى الظهر بمكة كما رواه جابر. ويحتمل أنه رجع إلى منى في آخر وقت الظهر فصلى بأصحابه بمنى الظهر أيضا. وهذا هو الذي أشكل على ابن حزم، فلم يدر ما يقول فيه وهو معذور لتعارض الروايات الصحيحة فيه. والله أعلم. وقال أبو داود: ثنا علي بن بحر وعبد الله بن سعيد المعني. قالا: ثنا أبو خالد الاحمر، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة. قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة. قال ابن حزم: فهذا جابر وعائشة قد اتفقا على أنه عليه السلام صلى الظهر يوم النحر بمكة وهما والله أعلم أضبط لذلك من ابن عمر. كذا قال وليس بشئ فإن رواية عائشة هذه ليست ناصة أنه عليه السلام صلى الظهر بمكة، بل محتملة إن كان كان المحفوظ في الرواية: حتى صلى الظهر، وإن كانت الرواية حين صلى الظهر. وهو الاشبه فإن ذلك دليل على أنه عليه السلام صلى الظهر بمنى قبل أن يذهب إلى البيت وهو محتمل والله سبحانه وتعالى أعلم. وعلى هذا فيبقى مخالفا لحديث جابر فإن هذا يقتضي أنه صلى الظهر بمنى قبل أن يركب إلى البيت وحديث جابر يقتضي أنه ركب إلى البيت قبل أن يصلي الظهر وصلاها بمكة. وقد قال البخاري: وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس أخر النبي صلى الله عليه وسلم - يعني طواف الزيارة إلى الليل - وهذا والذي علقه البخاري فقد رواه الناس من حديث يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، وفرج بن ميمون، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن عائشة وابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الطواف يوم النحر إلى الليل. ورواه أهل السنن الاربعة من حديث سفيان به. وقال الترمذي حسن. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله، ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن عائشة وابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار ليلا. فإن حمل هذا على أنه أخر ذلك إلى ما بعد الزوال كأنه يقول إلى العشي صح ذلك. وأما إن حمل على ما بعد الغروب فهو بعيد جدا ومخالف لما ثبت في الاحاديث الصحيحة المشهورة من أنه عليه السلام طاف يوم النحر نهارا، وشرب من سقاية زمزم. وأما الطواف الذي ذهب في الليل إلى البيت بسببه فهو طواف الوداع. ومن الرواة من يعبر عنه بطواف الزيارة كما سنذكره إن شاء الله. أو طواف زيارة محضة قبل طواف الوداع وبعد طواف الصدر الذي هو طواف الفرض. وقد ورد حديث


(1) كذا في الاصول، ولعله تحريف، وفي سيرة ابن كثير: وفي غضون ذلك وهو مناسب أكثر. (*)

[ 211 ]

سنذكره في موضعه. أن رسول الله كان يزور البيت كل ليله من ليالي منى وهذا بعيد أيضا. والله أعلم. وقد روى الحافظ البيهقي: من حديث عمرو بن قيس، عن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله أذن لاصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة، وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا. وهذا حديث غريب جدا أيضا. وهذا قول طاوس وعروة بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الطواف يوم النحر إلى الليل. والصحيح من الروايات وعليه الجمهور أنه عليه السلام طاف يوم النحر بالنهار، والاشه أنه كان قبل الزوال ويحتمل أن يكون بعده والله أعلم. والمقصود أنه عليه السلام لما قدم مكة طاف بالبيت سبعا وهو راكب ثم جاء زمزم وبنوا عبد المطلب يستقون منها ويسقون الناس، فتناول منها دلوا فشرب منه وأفرغ عليه منه. كما قال مسلم: أخبرنا محمد بن منهال الضرير، ثنا يزيد بن زريع، ثنا حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، سمع ابن عباس يقول وهو جالس معه عند الكعبة: قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فأتيناه باناء فيه نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة. وقال: أحسنتم وأجملتم هكذا فاصنعوا. قال ابن عباس فنحن لا نريد أن نغير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية عن بكر أن اعرابيا قال لابن عباس: مالي أرى بني عمكم يسقون اللبن والعسل وأنتم تسقون النبيذ، أمن حاجة بكم أم من بخل ؟ فذكر له ابن عباس هذا الحديث. وقال أحمد: حدثنا روح، ثنا حماد، عن حميد، عن بكر، عن عبد الله أن اعرابيا قال لابن عباس. ما شأن آل معاوية يسقون الماء والعسل، وآل فلان يسقون اللبن، وأنتم تسقون النبيذ. أمن بخل بكم أم حاجة ؟ فقال ابن عباس ما بنا بخل ولا حاجة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا ورديفه أسامة بن زيد فاستسقى فسقيناه من هذا - يعني نبيذ السقاية - فشرب منه وقال أحسنتم هكذا فاصنعوا. ورواه أحمد: عن روح ومحمد بن بكر، عن ابن جريج، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وداود بن علي بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس فذكره. وروى البخاري: عن إسحاق بن سليمان [ حدثنا خالد ] (1) عن خالد [ الحذاء ] (2) عن عكرمة عن ابن عباس. أن رسول الله جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك (3) فأت رسول الله بشراب من عندها. فقال: اسقني ! فقال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: اسقني ! فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها. فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح. ثم قال: لولا أن تغلبوا لنزعت حتى أضع الحبل على هذه - يعني عاتقه - وأشار إلى عاتقه. وعنده من حديث عاصم عن الشعبي أن ابن عباس قال: سقيت النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم. قال


(1) من صحيح مسلم، وخالد هو خالد الطحان. (2) من البخاري - الحديث 1635 فتح الباري 3 / 491. (3) وهي لبابة بنت الحارث الهلالية أم الفضل وعبد الله ابنا العباس. (*)

[ 212 ]

عاصم فحلف عكرمة - ما كان يومئذ إلا على بعير. وفي رواية ناقته. وقال الامام أحمد: ثنا هشيم، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وهو على بعير واستلم الحجر بمحجن كان معه. قال وأتى السقاية فقال: أسقوني ! فقالوا: إن هذا يخوضه الناس ولكنا نأتيك به من البيت. فقال: لا حاجة لي فيه اسقوني مما يشرب الناس. وقد روى أبو داود: عن مسدد، عن خالد الطحان، عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: قدم رسول الله مكة ونحن نستقي فطاف على راحلته الحديث. وقال الامام أحمد: حدثنا روح وعفان قالا: ثنا حماد، عن قيس وقال عفان في حديثه أنبأنا قيس، عن مجاهد عن ابن عباس. أنه قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمزم فنزعنا له دلوا فشرب، ثم مج فيها ثم أفرغناها في زمزم. ثم قال: لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي - انفرد به أحمد وإسناده على شرط مسلم. فصل ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يعد الطواف بين الصفا والمروة مرة ثانية بل اكتفى بطوافه الاول. كما روى مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، سمعت جابر بن عبد الله يقول: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا. قلت والمراد بأصحابه هاهنا الذين ساقوا الهدي وكانوا قارنين. كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: - وكانت أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة - يكفيك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك. وعند أصحاب الامام أحمد أن قول جابر وأصحابه عام في القارنين والمتمتعين. ولهذا نص الامام أحمد على أن المتمتع يكفيه طواف واحد عن حجه وعمرته وإن تحلل بينهما تحلل. وهو قول غريب مأخذه ظاهر عموم الحديث. والله أعلم. وقال أصحاب أبي حنيفة في المتمتع كما قال المالكية والشافعية إنه يجب عليه طوافان وسعيان حتى طردت الحنفية ذلك في القارن وهو من إفراد مذهبهم أنه يطوف طوافين ويسعى سعيين ونقلوا ذلك عن علي موقوفا. وروي عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد قدمنا الكلام على ذلك كله عند الطواف وبينا أن أسانيد ذلك ضعيفة مخالفة للاحاديث الصحيحة. والله أعلم. فصل ثم رجع عليه السلام إلى منى بعد ما صلى الظهر بمكة كما دل عليه حديت جابر. وقال ابن عمر: رجع فصلى الظهر بمنى رواهما مسلم كما تقدم قريبا ويمكن الجمع بينهما بوقوع ذلك بمكة وبمنى والله أعلم. وتوقف ابن حزم في هذا المقام فلم يجزم فيه بشئ وهو معذور لتعارض النقلين الصحيحين فيه فالله أعلم. وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة.

[ 213 ]

ورواه أبو داود منفردا به. وهذا يدل على أن ذهابه عليه السلام إلى مكة يوم النحر كان بعد الزوال. وهذا ينافي حديث ابن عمر قطعا وفي منافاته لحديث جابر نظر. والله أعلم. فصل وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم الشريف خطبة عظيمة تواترت بها الاحاديث ونحن نذكر منها ما يسره الله عز وجل. قال البخاري (1): باب الخطبة أيام منى. حدثنا علي بن عبد الله، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا فضيل بن غزوان، ثنا عكرمة عن ابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس، يوم النحر. فقال: يا أيها الناس أي يوم هذا ؟ قالوا: يوم حرام. قال: فأي بلد هذا ؟ قالوا: بلد حرام. قال: فأي شهر هذا ؟ قالوا: شهر حرام قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. قال: فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت اللهم قد بلغت قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته - فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ورواه الترمذي عن الفلاس عن يحيى القطان به. وقال حسن صحيح. وقال البخاري أيضا: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو عامر، ثنا قرة (2)، عن محمد بن سيرين أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي بكرة رضي الله عنه. قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال: أتدرون أي يوم هذا ؟ قلنا الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس هذا يوم النحر ؟ قلنا: بلى ! قال: أي شهر هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس ذو الحجة ؟ قلنا: بلى ! قال: أي بلد هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس بالبلدة الحرام ؟ قلنا: بلى ! قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم. ألا هل بلغت ؟ قالوا: نعم ! قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ورواه البخاري ومسلم من طرق عن محمد بن سيرين به. ورواه مسلم: من حديث عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه فذكره. وزاد في آخره: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما وإلى جذيعة من الغنم فقسمها بيننا. وقال الامام أحمد: ثنا إسماعيل، أنبأنا أيوب، عن محمد بن سيرين عن أبي بكرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض، السنة اثنى عشر شهرا منها أربعة


(1) في كتاب الحج - 132 باب. الحديث 1739. (2) أبو عامر هو العقدي، وقرة هو ابن خالد. (*)

[ 214 ]

حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. ثم قال: ألا أي يوم هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر ؟ قلنا: بلى ! ثم قال: أي شهر هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال أليس ذا الحجة ؟ قلنا بلى ! ثم قال: أي بلد هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليست البلدة ؟ قلنا: بلى ! قال: فإن دماءكم وأموالكم - لاحسبه - قال وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت. ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه. هكذا وقع في مسند الامام أحمد عن محمد بن سيرين عن أبي بكرة. وهكذا رواه أبو داود عن مسدد. والنسائي عن عمرو بن زرارة كلاهما عن إسماعيل - وهو ابن علية - عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي بكرة به. وهو منقطع لان صاحبا الصحيح أخرجاه من غير وجه عن أيوب وغيره عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه به. وقال البخاري أيضا: ثنا محمد بن المثنى، ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه عن ابن عمر. قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم بمنى: أتدرون أي يوم هذا ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن هذا يوم حرام، أفتدرون أي بلد هذا ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بلد حرام. قال: أفتدرون أي شهر هذا ؟ قالو: الله ورسوله أعلم. قال: شهر حرام. قال: فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. وقد أخرجه البخاري في أماكن متفرقة من صحيحه وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن جده عبد الله بن عمر، فذكره قال البخاري. وقال هشام بن الغاز: أخبرني نافع عن ابن عمر: وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا. وقال: هذا يوم الحج الاكبر. فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم أشهد. وودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع. وقد أسند هذا الحديث أبو داود: عن مؤمل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم. وأخرجه ابن ماجه: عن هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد كلاهما عن هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي أبي العباس الدمشقي به (1). وقيامه عليه السلام بهذه الخطبة عند الجمرات يحتمل أنه بعد رميه الجمرة يوم النحر وقبل طوافه. ويحتل أنه بعد طوافه ورجوعه إلى منى ورميه بالجمرات لكن يقوي الاول ما رواه النسائي حيث قال: حدثنا عمرو بن هشام الحراني، ثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم (2) عن زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن حصين الاحمسي، عن جدته أم حصين (3)


(1) في الخلاصة: أبي عبد الله الدمشقي. (2) أبو عبد الرحيم واسمه خالد بن أبي يزيد وهو خال محمد بن مسلمة روى عنه وكيع وحجاج الاعور. (3) أم الحصين: هي الاحمسية صحابية شهدت حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وآله روى عنها يحيى بن الحصين، والعيزار بن حريث. (*)

[ 215 ]

قالت: حججت في حجة النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت بلالا آخذا بقود راحلته، وأسامة بن زيد رافع عليه ثوبه يظله من الحر وهو محرم حتى رمى جمرة العقبة. ثم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وذكر قولا كثيرا. وقد رواه مسلم: من حديث زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن الحصين، عن جدته أم الحصين قالت: حججت مع رسول الله حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. قالت: فقال رسول الله قولا كثيرا. ثم سمعته يقول: إن أمر عليكم عبد مجدع - حسبتها قالت: أسود - يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا. وقال الامام أحمد: ثنا محمد بن عبيد الله، ثنا الاعمش، عن أبي صالح - وهو - ذكوان السمان - عن جابر. قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال: أي يوم أعظم حرمة ؟ قالوا: يومنا هذا. قال: أي شهر أعظم حرمة ؟ قالوا: شهرنا هذا. قال: أي بلد أعظم حرمة ؟ قالوا: بلدنا هذا. قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا هل بلغت قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد. انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيحين. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الاعمش به. وقد تقدم حديث جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر في خطبته عليه السلام يوم عرفة. فالله أعلم. قال الامام أحمد: ثنا علي بن بحر، ثنا عيسى بن يونس، عن الاعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري. قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فذكر معناه. وقد رواه ابن ماجه: عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس به. وإسناده على شرط الصحيحين. فالله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو هشام، ثنا حفص، عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: أي يوم هذا ؟ قالوا: يوم حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ثم قال البزار: رواه أبو معاوية، عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأبي سعيد. وجمعهما لنا أبو هشام عن حفص بن غياث عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد. قلت وتقدم رواية أحمد له عن محمد بن عبيد الطنافسي، عن الاعمش، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله فلعله عند أبي صالح عن الثلاثة. والله أعلم. وقال هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس الاشجعي. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: إنما هن أربع، لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا. قال: فما أنا بأشح عليهن مني حين سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رواه أحمد والنسائي: من حديث منصور، عن هلال بن يساف. وكذلك رواه سفيان بن عيينة، والثوري عن منصور. وقال ابن حزم في حجة الوداع. حدثنا أحمد بن عمر بن أنس العذري، ثنا أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي الانصاري، ثنا أحمد بن عبدان الحافظ بالاهواز، ثنا سهل بن موسى بن شيرزاد، ثنا موسى بن عمرو بن عاصم، ثنا أبو العوام، ثنا محمد بن جحادة، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك. قال: شهدت رسول الله في حجة الوداع وهو يخطب وهو يقول: أمك وأباك وأختك

[ 216 ]

وأخاك ثم أدناك أدناك قال: فجاء قوم فقالوا: يا رسول الله قبلنا بنو يربوع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجني نفس على أخرى. ثم سأله رجل نسي أن يرمي الجمار. فقال: ارم ولا حرج. ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله نسيت الطواف: فقال: طف ولا حرج. ثم أتاه آخر حلق قبل أن يذبح قال: اذبح ولا حرج. فما سألوه يومئذ عن شئ إلا قال: لا حرج لا حرج. ثم قال: قد أذهب الله الحرج إلا رجلا اقترض امرأ مسلما فذلك الذي حرج وهلك. وقال: ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء إلا الهرم. وقد روى الامام أحمد وأهل السنن بعض هذا السياق من هذه الطريق. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الامام أحمد: ثنا حجاج، حدثني شعبة، عن علي بن مدرك سمعت أبا زرعة يحدث عن جرير وهو جده عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال في حجة الوداع: يا جرير استنصت الناس. ثم قال في خطبته: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ثم رواه أحمد: عن غندر وعن ابن مهدي كل منهما عن شعبة به. وأخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به. وقال أحمد ثنا ابن نمير، ثنا إسماعيل، عن قيس قال: بلغنا أن جريرا قال قال رسول الله: استنصت الناس ثم قال عند ذلك لا أعرفن بعد ما أرى ترجعون كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. ورواه النسائي من حديث عبد الله بن نمير به. وقال النسائي: ثنا هناد بن السري، عن أبي الاحوص، عن ابن غرقدة عن سليمان بن عمرو عن أبيه. قال: شهدت رسول الله في حجة الوداع يقول: أيها الناس ثلاث مرات أي يوم هذا قالوا يوم الحج الاكبر. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ولا يجني جان على والده، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى، ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية يوضع لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وذكر تمام الحديث. وقال أبو داود: باب من قال خطب (1) يوم النحر. حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا هشام بن عبد الملك، ثنا عكرمة - هو ابن عمار - ثنا الهرماس بن زياد الباهلي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على ناقته العضباء (2) يوم الاضحى بمنى. ورواه أحمد والنسائي من غير وجه عن عكرمة بن عمار عن الهرماس. قال: كان أبي مردفي فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى يوم النحر على ناقته العضباء. لفظ أحمد وهو من ثلاثيات المسند ولله الحمد. ثم قال أبو داود (3) ثنا مؤمل الفضل الحراني، ثنا الوليد، ثنا ابن جابر، ثنا سليم بن عامر [ الكلاعي ] (4) سمعت أبا أمامة يقول: سمعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يوم


(1) من سنن أبي داود 2 / 198، وفي الاصل: يخطب. والحديث 1954. (2) العضباء: مقطوعة الاذن. قال الاصمعي: كل قطع في الاذن فهو جدع، فإن جاوز الربع فهي عضباء. وقال أبو عبيد: العضباء التي قطع نصف اذنها فما فوق، وقال الخليل: العضباء مشقوقة الاذن. وقال الحربي: العضباء اسم لها. (3) المصدر السابق - الحديث 1955، ورواه أحمد في مسنده ج 5 / 251، 262. (4) من سنن أبي داود. (*)

[ 217 ]

النحر وقال الامام أحمد: ثنا عبد الرحمن، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر الكلاعي. سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ على الجدعاء واضع رجليه في الغرز يتطاول ليسمع الناس. فقال بأعلا صوته ألا تسمعون ؟ فقال رجل من طوائف الناس: يا رسول الله ماذا تعهد إلينا فقال " اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم وأطيعوا إذا أمرتم تدخلوا جنة ربكم " فقلت: يا أبا أمامة مثل ما أنت يومئذ. قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة أزاحم البعير أزحزحه قدما لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه أحمد أيضا: عن زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، وأخرجه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكوفي، عن زيد بن الحباب. وقال حسن صحيح. قال الامام أحمد: ثنا أبو المغيرة، ثنا إسماعيل بن عباس، ثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: في خطبته عام حجة الوداع إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، وحسابهم على الله. ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنه الله التابعة إلى يوم القيامة، لا تنفق امرأة من بيتها إلا بأذن زوجها. فقيل يا رسول الله ولا الطعام. قال: ذاك أفضل أموالنا. ثم قال رسول الله: العارية مؤداة والمنحة مردودة، والدين مقضى، والزعيم غارم (1). ورواه أهل السنن الاربعة من حديث إسماعيل بن عياش. وقال الترمذي: حسن. ثم قال أبو داود: رحمه الله باب متى يخطب (2) يوم النحر. حدثنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم الدمشقي، ثنا مروان، عن هلال بن عامر المزني، حدثني رافع بن عمرو المزني. قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعلي يعبر عنه والناس بين قائم وقاعد. ورواه النسائي: عن دحيم، عن مروان الفزاري به. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا هلال بن عامر المزني عن أبيه. قال: رأيت رسول الله يخطب الناس بمنى على بغلة وعليه برد أحمر. قال: ورجل من أهل بدر بين يديه يعبر عنه. قال: فجئت حتى أدخلت يدي بين قدمه وشراكه. قال: فجعلت أعجب من بردها. حدثنا محمد بن عبيد ثنا شيخ من بني فزارة، عن هلال بن عامر المزني عن أبيه. قال: رأيت رسول الله على بغلة شهباء وعلي يعبر عنه. ورواه أبو داود من حديث أبي معاوية عن هلال بن عامر. ثم قال أبو داود (3): باب من يذكر الامام في خطبته بمنى: حدثنا مسدد، ثنا عبد الوارث، عن حميد الاعرج، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي. قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ


(1) مسند الامام أحمد ج 4 / 238 و 5 / 267. (2) في السنن: أي وقت يخطب: ج 2 / 198 حديث 1956. (3) في كتاب المناسك - ج 2 / 198. والحديث رقم: 1957. (*)

[ 218 ]

الجمار، فوضع السباحتين ثم قال حصى الخذف (1). ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد، وأمر الانصار فنزلوا من وراء المسجد ثم نزل الناس بعد ذلك. وقد رواه أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه. وأخرجه النسائي من حديث ابن المبارك عن عبد الوارث كذلك. وتقدم رواية الامام (أحمد) له عن عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن معاذ عن (2) رجل من الصحابة. فالله أعلم. وثبت في الصحيحين، من حديث ابن جريج، عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا هو يخطب يوم النحر فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا وكذا. ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم افعل ولا حرج. وأخرجاه من حديث مالك. زاد مسلم ويونس عن الزهري به. وله ألفاظ كثيرة ليس هذا موضع استقصائها. ومحله كتاب الاحكام وبالله المستعان وفي لفظ الصحيحين. قال فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم عن شئ قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج. فصل ثم نزل عليه السلام بمنى حيث المسجد اليوم فيما يقال، وأنزل المهاجرين يمنته، والانصار يسرته، والناس حولهم من بعدهم. وقال الحافظ البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة، ثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن يوسف بن ماهك عن أم مسيكة عن عائشة. قالت: قيل يا رسول الله ألا نبني لك بمنى بناء يظلك. قال: لا منى مناخ من سبق. وهذا إسناد لا بأس به وليس هو في المسند ولا في الكتب الستة من هذا الوجه. وقال أبو داود: ثنا أبو بكر محمد بن خلاد الباهلي، ثنا يحيى، عن ابن جريج [ حدثني حريز ] (3) أو أبو حريز - الشك من يحيى - أنه سمع عبد الرحمن بن فروخ، يسأل ابن عمر قال: إنا نتبايع بأموال الناس فيأتي أحدنا مكة، فيبيت على المال فقال: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات بمنى وظل. انفرد به أبو داود. ثم قال أبو داود (4): ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا ابن نمير وأبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر قال: استأذن العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له.


(1) العبارة عند أبي داود: فوضع اصبعيه السبابتين، ثم قال: بحصى الخذف. (2) قال صاحب الفتح الرباني: روي الحديث بثلاثة طرق ثبت بها ان عبد الرحمن من الصحابة، وأنه روى الحديث بدون واسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله، ورواه مرة بواسطة، ويحتمل انه هو، وأراد عدم التصريح باسم نفسه لامر ما، فقال عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يعني نفسه. (3) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. والحديث في سنن أبي داود - كتاب المناسك - ج 2 / 198 حديث (1958). (4) المصدر السابق - حديث 1959. ج 2 / 199. (*)

[ 219 ]

وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن نمير زاد البخاري: وأبي ضمرة أنس بن عياض زاد مسلم: وأبي أسامة حماد بن أسامة. وقد علقه البخاري عن أبي أسامة وعقبة بن خالد كلهم عن عبيد الله بن عمر به. وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه بمنى ركعتين كما ثبت عنه ذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود وحارثة بن وهب رضي الله عنهما. ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أن سبب هذا القصر النسك كما هو قول طائفة من المالكية وغيرهم. قالوا ومن قال: إنه عليه السلام كان يقول بمنى لاهل مكة: أتموا فإنا قوم سفر فقد غلط إنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو نازل بالابطح كما تقدم. والله أعلم. وكان صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام منى بعد الزوال كما قال جابر فيما تقدم ماشيا كما قال ابن عمر فيما سلف كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ويقف عند الاولى وعند الثانية يدعو الله عز وجل ولا يقف عند الثالثة. قال أبو داود: ثنا علي بن بحر وعبدد الله بن سعيد المعني قالا: ثنا أبو خالد الاحمر، عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها [ ليالي ] (1) أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة ويقف عند الاولى والثانية فيطيل المقام ويتضرع ويرمي الثالثة لا يقف عندها. انفرد به أبو داود. وروى البخاري من غير وجه: عن يونس بن يزيد، عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم ثم يسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلا، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل فيقوم مستقبل القبلة ويدعو، ويرفع يديه ويقوم طويلا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. وقال وبرة بن عبد الرحمن: قام ابن عمر عند العقبة، بقدر قراءة سورة البقرة. وقال أبو مجلز حزرت قيامه بعد قراءة سورة يوسف ذكرهما البيهقي. وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه عن أبي القداح عن أبيه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما. وقال أحمد ثنا محمد بن أبي بكر وأنبأ روح ثنا ابن جريج، أخبرني محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو، عن أبيه عن أبي القداح بن عاصم بن عدي عن أبيه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر ثم يدعوا يوما وليلة ثم يرموا الغد. وقال الامام أحمد: ثنا عبد الرحمن، ثنا مالك عن عبد الله بن بكر عن أبيه عن أبي القداح بن عاصم بن عدي عن أبيه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لرعاء الابل في البيتوتة بمنى حتى يرموا يوم النحر ثم يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر (1). وكذا رواه عن عبد الرزاق عن مالك بنحوه. وقد رواه أهل السنن


(1) من سنن أبي داود ج 2 / 201 حديث رقم 1973. (2) قال ابن حجر: لستة أيام متوالية من أيام ذي الحجة أسماء: الثامن يوم التروية، والتاسع عرفة، والعاشر = (*)

[ 220 ]

الاربعة من حديث مالك ومن حديث سفيان بن عيينة به. قال الترمذي: ورواية مالك أصح. وهو حديث حسن صحيح. فصل فيما ورد من الاحاديث الدالة على أنه عليه السلام خطب الناس بمنى في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو أوسطها قال أبو داود باب أي يوم يخطب (1): حدثنا محمد بن العلاء، أنبأنا ابن المبارك، عن إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن رجلين من بني بكر. قالا: رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته وهي خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي خطب بمنى. إنفرد به أبو داود. ثم قال أبو داود: ثنا محمد بن بشار، ثنا أبو عاصم، ثنا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين (2) حدثتني جدتي سراء بنت نبهان - وكانت ربة بيت في الجاهلية -. قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس فقال: أي يوم هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم ! قال: أليس أوسط أيام التشريق. انفرد به أبو داود. قال أبو داود: وكذلك قال عم أبي حرة الرقاشي (3) أنه خطب أوسط أيام التشريق. وهذا الحديث قد رواه الامام أحمد (4) متصلا مطولا فقال: ثنا عثمان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأنا علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي عن عمه. قال: كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس. فقال: يا أيها الناس أتدرون في أي شهر أنتم وفى أي يوم أنتم وفي أي بلد أنتم ؟ قالوا: في يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى أن تلقونه. ثم قال: اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفس منه، ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة، وإن أول دم يوضع دم (5) ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع وإن الله قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، ألا وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والارض ثم قرأ * (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم


= النحر، والحادي عشر القر، والثاني عشر النفر الاول، والثالث عشر النفر الثاني. وذكر مكي بن أبي طالب ان السابع يسمى يوم الزينة - انكره عليه النووي. وأيام التشريق هي الثلاثة الايام التي بعد يوم النحر. وأوسطها - الثاني منها - يوم الرؤوس. سمي بذلك لانهم كانوا يأكلون فيه رؤوس الاضاحي. (1) في السنن - كتاب المناسك: باب أي يوم يخطب بمنى. (2) في سنن أبي داود: ابن حصن. (3) في الاصل أبو حمزة، وما أثبتناه من السنن، وميزان الاعتدال والخلاصة. (4) سنن أبي داود - ج 2 / 197 ومسند الامام أحمد ج 5 / 72. (5) كذا في الاصول دم ربيعة، وقد تقدم انه ابن ربيعة. (*)

[ 221 ]

خلق السموات والارض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) *، [ التوبة 36 - 37 ]، ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكنه في التحريش بينكم، واتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان (1) لا يملكن لانفسهن شيئا، وإن لهن عليكم حقا ولكم عليهن حق أن لا يوطئن فرشكم أحد غيركم، ولا يأذن في بيوتكم لاحد تكرهونه. فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهن بأمانة الله وأستحللتم فروجهن بكلمة الله، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وبسط يده وقال: ألا هل بلغت ألا هل بلغت ! ثم قال: ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ أسعد من سامع. قال حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة: قد والله بلغوا أقواما كانوا أسعد به (2). وقد روى أبو داود في كتاب النكاح من سننه: عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي حرة الرقاشي - واسمه حنيفة - عن عمه ببعضه في النشوز. قال ابن حزم: جاء أنه خطب يوم الرؤوس وهو اليوم الثاني من يوم النحر بلا خلاف عن أهل مكة، وجاء أنه أوسط أيام التشريق فيحتمل على أن أوسط بمعنى أشرف كما قال تعالى * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * [ البقرة: 143 ]. وهذا المسلك الذى سلكه ابن حزم بعيد. والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الوليد بن عمرو بن مسكين، ثنا أبو همام محمد بن الزبرقان، ثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، وصدقة بن يسار عن عبد الله بن عمر قال: نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى وهو في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع. * (إذا جاء نصر الله والفتح) * فعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء (3) فرحلت له ثم ركب، فوقف الناس بالعقبة فاجتمع إليه ما شاء الله من المسلمين، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإن كل دم كان في الجاهلية فهو هدر، وإن أول دمائكم أهدر دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل. وكل ربا في الجاهلية فهو موضوع، وإن أول رباكم أضع ربا العباس بن عبد المطلب، أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والارض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر منها أربعة حرم رجب - مضر - الذي بين جمادى وشعبان، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم * (ذلك الدين


(1) العواني: الاسرى، جمع عان. (2) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 2 / 265 وقال: رواه أحمد، وأبو حرة الرقاشي وثقه أبو داود وضعفه ابن معين، وفيه علي بن زيد وفيه كلام. (3) القصواء: الناقة التي قطع طرف اذنها، ولم تكن ناقة النبي صلى الله عليه وآله قصواء وإنما كان هذا لقبا لها. وقد جاء في الحديث انه كان له: ناقة تسمى العضباء، وأخرى تسمى الجدعاء. وفي حديث آخر صلماء. فيحتمل أن يكون الجميع صفة ناقة واحدة. ويؤيد ذلك ما روي في حديث علي حين بعثه النبي صلى الله عليه وآله يبلغ أهل مكة سورة براءة. فرواه ابن عباس انه ركب ناقته صلى الله عليه وآله القصواء، وفي رواية جابر العضباء وفي رواية غيرهما الجدعاء. (*)

[ 222 ]

القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) * الآية [ التوبة: 36 ] * (إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله) * [ التوبة: 37 ] كانوا يحلون صفرا عاما ويحرمون المحرم عاما ويحرمون صفر عاما ويحلون المحرم عاما فذلك النسئ. يا أيها الناس من كان عنده وديعة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد ببلادكم آخر الزمان،. وقد يرضى عنكم بمحقرات الاعمال، فاحذروه على دينكم بمحقرات الاعمال، أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. لكم عليهن حق ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يعصينكم في معروف، فإن فعلن ذلك فليس لكم عليهن سبيل، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فإن ضربتم فاضربوا ضربا غير مبرح. ولا يحل لامرء من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه، أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب الله فاعملوا به، أيها الناس أي يوم هذا ؟ قالوا: يوم حرام قال: فأي بلد هذا ؟ قالوا: بلد حرام قال: أي شهر هذا ؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإن الله حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا اليوم في هذا البلد وهذا الشهر، ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم ثم رفع يديه فقال: اللهم أشهد (1). حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يزور البيت كل ليلة من ليالي منى قال البخاري يذكر عن أبي حسان عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت في أيام منى، هكذا ذكره معلقا بصيغة التمريض وقد قال الحافظ البيهقي: أخبرناه أبو الحسن بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا العمري، أنبأنا ابن عرعرة فقال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابا قال: سمعته من أبي ولم يقرأه. قال: فكان فيه عن قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى. قال وما رأيت أحدا واطأه عليه. قال البيهقي: وروى الثوري في الجامع عن طاوس عن ابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يفيض كل ليلة - يعني ليالي منى - وهذا مرسل. فصل اليوم السادس من ذي الحجة. قال بعضهم يقال له: يوم الزينة (2) لانه يزين فيه البدن بالجلال وغيرها، واليوم السابع يقال له يوم التروية لانهم يتروون فيه من الماء ويحملون منه ما يحتاجون إليه حال الوقوف وما بعده، واليوم الثامن يقال له يوم منى لانهم يرحلون فيه من الابطح


(1) رواه مطولا الهيثمي في زوائده 2 / 2067 وقال: قلت في الصحيح وغيره طرف منه، ورواه البزار وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف. (2) تقدم التعليق قريبا وقول ابن حجر في اسمائها. ص 219. (*)

[ 223 ]

إلى منى، واليوم التاسع يقال له يوم عرفة لوقوفهم فيه بها، واليوم العاشر يقال له يوم النحر ويوم الاضحى ويوم الحج الاكبر، واليوم الذي يليه يقال له يوم القر لانهم يقرون فيه، ويقال له يوم الرؤوس لانهم يأكلون فيه رؤوس الاضاحي وهو أول أيام التشريق، وثاني أيام التشريق يقال له: يوم النفر الاول لجواز النفر فيه، وقيل هو اليوم الذي يقال له يوم الرؤوس، واليوم الثالث من أيام التشريق يقال له: يوم النفر الآخر. قال الله تعالى: * (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) * الآية [ البقرة: 203 ]. فلما كان يوم النفر الآخر وهو اليوم الثالث من أيام التشريق وكان يوم الثلاثاء ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فنفر بهم من منى فنزل المحصب وهو واد بين مكة ومنى فصلى به العصر. كما قال البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا إسحاق بن يوسف، ثنا سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع. قال سألت أنس بن مالك: أخبرني عن شئ عقلته (1) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أين صلى الظهر يوم التروية ؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر ؟ قال: بالابطح (2)، افعل كما يفعل أمراؤك. وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النفر بالابطح وهو المحصب. فالله أعلم. قال البخاري: حدثنا عبد المتعال بن طالب، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن قتادة حدثه أن أنس بن مالك حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه صلى الظهر والعصر [ والمغرب ] (3) والعشاء، ورقد رقدة في المحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به. قلت - يعني طواف الوداع -. وقال البخاري ثنا عبد الله بن عبد الوهاب، ثنا خالد بن الحارث. قال: سئل عبيد الله (4) عن المحصب فحدثنا عبيد الله عن نافع قال: نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعمر وابن عمر. وعن نافع: أن ابن عمر كان يصلي بها - يعني المحصب - والظهر والعصر أحسبه قال: والمغرب قال خالد: لا أشك في العشاء ثم يهجع هجعة ويذكر ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الامام أحمد: ثنا نوح بن ميمون، أنبأنا عبد الله، عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان نزلوا المحصب هكذا رأيته في مسند الامام أحمد من حديث عبد الله العمري عن نافع. وقد روى الترمذي هذا الحديث عن إسحاق بن منصور وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن يحيى كلاهما عن عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان ينزلون الابطح. قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة وأبي رافع وابن عباس وحديث ابن عمر حسن غريب. وإنما نعرفه من حديث عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر به. وقد رواه مسلم: عن محمد بن


(1) من البخاري، وفي الاصل بشئ غفلته. (2) الابطح: أي البطحاء التي بين مكة ومنى وهي ما انبطح من الوادي واتسع وهي التي يقال لها المحصب والمعرس وحدها ما بين الجبلين إلى المقبرة. (3) من البخاري - كتاب الحج. فتح الباري ج 3 / 466. (4) من البخاري فتح الباري 3 / 467، وفى الاصل عبد الله، وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. (*)

[ 224 ]

مهران الرازي، عن عبد الرزاق، عن معمر عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الابطح. ورواه مسلم أيضا من حديث صخر بن جويرية، عن نافع عن ابن عمر: أنه كان ينزل المحصب (1) وكان يصلي الظهر يوم النفر بالحصبة. قال نافع: قد حصب رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده. وقال الامام أحمد: حدثنا يونس، ثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن أيوب وحميد، عن بكر بن عبد الله عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ثم هجع هجعه، ثم دخل - يعني مكة - فطاف بالبيت. ورواه أحمد أيضا عن عفان عن حماد، عن حميد، عن بكر، عن ابن عمر فذكره وزاد في آخره: وكان ابن عمر يفعله. وكذلك رواه أبو داود: عن أحمد بن حنبل. وقال البخاري: ثنا الحميدي، ثنا الوليد، ثنا الاوزاعي، حدثني الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر - بمنى - نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر - يعني بذلك المحصب - الحديث. ورواه مسلم: عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم، عن الاوزاعي فذكر مثله سواء. وقال الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد. قال قلت: يا رسول الله أين تنزل غدا - في حجته - ؟ قال: وهل ترك لنا عقيل منزلا، ثم قال: نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة - يعني المحصب - حيث قاسمت قريشا على الكفر، وذلك أن بني كنانة حالفت قريشا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤوهم - يعني حتى يسلموا إليهم رسول الله - ثم قال عند ذلك: " لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم " قال الزهري - والخيف - الوادي. أخرجاه من حديث عبد الرزاق، وهذان الحديثان فيهما دلالة على أنه عليه السلام قصد النزول في المحصب مراغمة لما كان تمالا عليه كفار قريش لما كتبوا الصحيفة في مصارمة بني هاشم وبني المطلب حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمنا بيان ذلك في موضعه. وكذلك نزله عام الفتح فعلى هذا يكون نزوله سنة مرغبا فيها، وهو أحد قولي العلماء. وقد قال البخاري: ثنا أبو نعيم، أنبأنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: إنما كان منزلا ينزله النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه - يعني الابطح -. وأخرجه مسلم من حديث هشام به ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: إنما نزل رسول الله المحصب ليكون أسمح لخروجه وليس بسنة، فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله (2). وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان. قال قال عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: ليس التحصيب بشئ (3) إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان وهو ابن عيينة به. وقال أبو داود:


(1) في النسخة التيمورية: أنه كان يرى المحصب سنة. (2) سنن أبي داود - كتاب المناسك - حديث 2008. (3) أي أن التحصيب ليس من أمر المناسك - الذي يلزم فعله، قاله ابن المنذر. (*)

[ 225 ]

ثنا أحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة ومسدد المعني قالوا: ثنا سفيان، ثنا صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار قال قال أبو رافع: لم يأمرني - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن أنزله، ولكن ضربت قبته (1) فيه فنزله. قال مسدد: وكان على ثقل (2) النبي صلى الله عليه وسلم وقال عثمان - يعني [ في ] (3) الابطح -. ورواه مسلم عن قتيبة وأبي بكر وزهير بن حرب عن سفيان بن عيينة به. والمقصود أن هؤلاء كلهم اتفقوا على نزول النبي صلى الله عليه وسلم في المحصب لما نفر من منى، ولكن اختلفوا فمنهم من قال: لم يقصد نزوله، وإنما نزله اتفاقا ليكون أسمح لخروجه، ومنهم من أشعر كلامه بقصده عليه السلام نزوله، وهذا هو الاشبه وذلك أنه عليه السلام أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، وكانوا قبل ذلك ينصرفون من كل وجه كما قال ابن عباس فأمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت - يعني طواف الوداع -. فأراد عليه السلام أن يطوف هو ومن معه من المسلمين بالبين طواف الوداع، وقد نفر من منى قريب الزوال، فلم يكن يمكنه أن يجئ البيت في بقية يومه، ويطوف به ويرحل إلى ظاهر مكة من جانب المدينة، لان ذلك قد يتعذر على هذا الجم الغفير، فاحتاج أن يبيت قبل مكة ولم يكن منزل أنسب لمبيته من المحصب، الذي كانت قريش قد عاقدت بني كنانة على بني هاشم وبني المطلب فيه، فلم يبرم الله لقريش أمرا بل كبتهم وردهم خائبين، وأظهر الله دينه ونظر نبيه وأعلا كلمته، وأتم له الدين القويم، وأوضح به الصراط المستقيم، فحج بالناس وبين لهم شرائع الله وشعائره، وقد نفر بعد إكمال المناسك، فنزل في الموضع الذي تقاسمت قريش فيه على الظلم والعدوان والقطيعة، فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء وهجع هجعة، وقد كان بعث عائشة أم المؤمنين مع أخيها عبد الرحمن ليعمرها من التنعيم، فإذا فرغت أتته، فلما قضت عمرتها ورجعت أذن في المسلمين بالرحيل إلى البيت العتيق. كما قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، ثنا خالد، عن أفلح، عن القاسم، عن عائشة قالت: أحرمت من التنعيم بعمرة، فدخلت فقضيت عمرتي، وانتظرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالابطح حتى فرغت، وأمر الناس بالرحيل. قالت: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. البيت فطاف به ثم خرج (4). وأخرجاه في الصحيحين من حديث أفلح بن حميد ثم قال أبو داود: ثنا محمد بن بشار ثنا أبو بكر - يعني الحنفي - ثنا أفلح عن القاسم، عن (5) عائشة - قالت: خرجت معه - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم -، - [ في ] (6) - النفر الآخر ونزل المحصب. قال أبو داود: فذكر ابن بشار بعثها إلى التنعيم. قالت: ثم جئت سحرا، فأذن في الصحابة بالرحيل، فارتحل


(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (2) ثقل: بفتح الثاء والقاف: متاع. (3) من سنن أبي داود. والحديث في - كتاب المناسك رقم 2009 ج 2 / 209. (4) سنن أبي داود - كتاب المناسك حديث 2005. (5) في الاصل: يعني تحريف. (6) من أبي داود. (*)

[ 226 ]

فمر بالبيت قبل صلاة الصبح فطاف به حين خرج، ثم انصرف متوجها إلى المدينة. ورواه البخاري عن محمد بن بشار به. قلت: والظاهر أنه عليه السلام صلى الصبح يومئذ عند الكعبة بأصحابه وقرأ في صلاته تلك بسورة * (والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور) * السورة بكمالها. وذلك لما رواه البخاري حيث قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. قال: شكوت إلى رسول الله أني أشتكي، قال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حينئذ إلى جنب البيت وهو يقرأ والطور وكتاب مسطور. وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث مالك بإسناد نحوه. وقد رواه البخاري من حديث هشام بن عروة، عن أبيه عن زينب، عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وهو بمكة وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت وأرادت الخروج فقال لها: " إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون " فذكر الحديث فأما ما رواه الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة فهو إسناد كما ترى على شرط الصحيحين ولم يخرجه أحد من هذا الوجه بهذا اللفظ ولعل قوله يوم النحر غلط من الراوي أو من الناسخ وإنما هو يوم النفر ويؤيده ما ذكرناه من رواية البخاري. والله أعلم. والمقصود أنه عليه السلام لما فرغ من صلاة الصبح طاف بالبيت سبعا ووقف في الملتزم بين الركن الذي فيه الحجر الاسود وبين باب الكعبة فدعا الله عز وجل وألزق جسده بجدار الكعبة. قال الثوري عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده. قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزق وجهه وصدره بالملتزم. المثنى ضعيف. فصل ثم خرج عليه السلام من أسفل مكة كما قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من أعلاها وخرج من أسفلها. أخرجاه. وقال ابن عمر دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى. رواه البخاري ومسلم وفي لفظ دخل من كداء وخرج من كدى. وقد قال الامام أحمد: ثنا محمد بن فضيل، ثنا أجلح بن عبد الله، عن أبي الزبير عن جابر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة عند غروب الشمس فلم يصل حتى أتى سرف وهي على تسعة أميال من مكة وهذا غريب جدا، وأجلح فيه نظر، ولعل هذا في غير حجة الوداع فإنه عليه السلام كما قدمنا طاف بالبيت بعد صلاة الصبح فماذا أخره إلى وقت الغروب. هذا غريب جدا، اللهم إلا أن يكون ما ادعاه ابن حزم صحيحا من أنه عليه السلام رجع إلى المحصب من مكة بعد طوافه بالبيت طواف الوداع ولم يذكر دليلا على ذلك إلا قول عائشة حين رجعت من اعتمارها من التنعيم فلقيته

[ 227 ]

بصعدة، وهو مهبط على أهل مكة أو منهبطه، وهو مصعد. قال ابن حزم: الذي لا شك فيه أنها كانت مصعدة من مكة وهو منهبط لانها تقدمت إلى العمرة وانتظرها حتى جاءت، ثم نهض عليه السلام إلى طواف الوداع فلقيها منصرفه إلى المحصب من مكة. وقال البخاري: باب من نزل بذي طوى إذا رجع من مكة، وقال محمد بن عيسى، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر. أنه كان إذا أقبل بات بذي طوى حتى إذا أصبح دخل، وأذا نفر مر بذي طوى وبات بها حتى يصبح، وكان يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. هكذا ذكر هذا معلقا بصيغة الجزم. وقد أسند هو ومسلم من حديث حماد بن زيد به لكن ليس فيه ذكر المبيت بذي طوى في الرجعة. فالله أعلم. فائدة عزيزة. فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استصحب معه من ماء زمزم شيئا، قال الحافظ أبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب، ثنا خلاد بن يزيد الجعفي، ثنا زهير بن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة: أنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمله، ثم قال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله - هو ابن المبارك - ثنا موسى بن عقبة عن سالم ونافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من الغزو أو الحج أو من العمرة، يبدأ فيكبر ثلاث مرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده. والاحاديث في هذه كثيرة ولله الحمد والمنة. فصل في إيراد الحديث الدال على أنه عليه السلام خطب بمكان بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة - يقال له غدير خم - فبين فيها فضل علي بن أبي طالب وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا، والصواب كان معه في ذلك، ولهذا لما تفرغ عليه السلام من بيان المناسك ورجع إلى المدينة بين ذلك في أثناء الطريق، فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ وكان يوم الاحد بغدير خم تحت شجرة هناك، فبين فيها أشياء. وذكر من فضل علي وأمانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه. ونحن نورد عيون الاحاديث الواردة في ذلك ونبين ما فيها من صحيح وضعيف بحول الله وقوته وعونه، وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ فجمع فيه مجلدين أورد فيهما طرقه وألفاظه، وساق الغث والسمين والصحيح والسقيم، على ما جرت به عادة كثير من المحدثين يوردون ما وقع

[ 228 ]

لهم في ذلك الباب من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه. وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة. ونحو نورد عيون ما روي في ذلك مع إعلامنا أنه لا حظ للشيعة فيه ولا متمسك لهم ولا دليل لما سنبينه وننبه عليه، فنقول وبالله المستعان. قال محمد بن إسحاق - في سياق حجة الوداع - حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة. قال: لما أقبل علي من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، تعجل إلى رسول الله واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسى كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل. قال: ويلك ما هذا ؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس. قال ويلك: انزع قبل أن ينتهي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فانتزع الحلل من الناس، فردها في البز، قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب - وكانت عند أبي سعيد الخدري - عن أبي سعيد. قال: أشتكى الناس عليا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا، فسمعته يقول: أيها الناس لا تشكوا عليا فوالله أنه لاخشن في ذات الله أو في سبيل الله [ من أن يشكى ] (1). ورواه الامام أحمد من حديث محمد بن إسحاق به. وقال: إنه لاخشن في ذات الله أو في سبيل الله. وقال الامام أحمد حدثنا الفضل بن دكين، ثنا ابن أبي غنية (2)، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن بريدة قال: غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله يتغير. فقال يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قلت: بلى يا رسول الله ! قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". وكذا رواه النسائي، عن أبي داود الحراني، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن عبد الملك بن أبي غنية بإسناده نحوه. وهذا إسناد جيد قوي رجاله كلهم ثقات. وقد روى النسائي في سننه: عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن حماد، عن أبي معاوية عن الاعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم. قال: لما رجع رسول الله من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن (3) ثم قال: " كأني قد دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " فقلت لزيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه. تفرد به النسائي من هذا الوجه. قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي وهذا


(1) من ابن هشام. (2) في الاصل عينة، وفي المسند: ابن أبي عيينة عن الحسن. وأثبتنا ما في الخلاصة: ابن أبي غنية. (3) قممن: كنسن. (*)

[ 229 ]

حديث صحيح. وقال ابن ماجه: حدثنا علي بن محمد: أنا أبو الحسين، أنبأنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب. قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع التي حج فنزل في الطريق، فأمر: الصلاة جامعة فأخذ بيد علي فقال: " ألست بأولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى ! قال: ألست بأولى بكل مؤمن من نفسه ؟، قالوا: بلى ! قال: فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر عن علي بن زيد بن جدعان، عن عدي عن البراء. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان: ثنا هدبة، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، وأبي هارون عن عدي بن ثابت عن البراء. قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فلما أتينا على غدير خم كشح لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرتين، ونودي في الناس الصلاة جامعة، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأخذ بيده فأقامه عن يمينه فقال: " ألست أولى بكل امرئ من نفسه ؟ قالوا: بلى ! قال: فإن هذا مولى من أنا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " فلقيه عمر بن الخطاب فقال: هنيئا لك أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. ورواه ابن جرير عن أبي زرعة عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد وأبي هارون العبدي - وكلاهما ضعيف - عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب به. وروى ابن جرير هذا الحديث من حديث موسى بن عثمان الحضرمي - وهو ضعيف جدا - عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء وزيد بن أرقم. فالله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا ابن نمير، ثنا عبد الملك، عن أبي عبد الرحيم الكندي، عن زاذان أبي عمر قال سمعت عليا بالرحبة (1) وهو ينشد الناس من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم، وهو يقول ما قال ؟ قال فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه " تفرد به أحمد وأبو عبد الرحيم هذا لا يعرف. وقال عبد الله بن الامام أحمد في مسند أبيه: حديث علي بن حكيم الاودي: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، وعن زيد بن يثيغ، قال: نشد علي الناس في الرحبة من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ما قال إلا قام ؟ قال: فقام من قبل سعيد ستة ومن قبل زيد ستة فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي يوم غدير خم " أليس الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى ! قال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " قال عبد الله وحدثني علي بن حكيم، أنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو ذي أمر، مثل حديث أبي إسحاق يعني عن سعيد وزيد وزاد فيه: " وانصر من نصره واخذل من خذله " قال عبد الله وحدثنا علي ثنا شريك، عن الاعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وقال النسائي في كتاب " خصائص علي ": حدثنا الحسين بن حرب، ثنا الفضل بن موسى، عن الاعمش، عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب. قال قال علي في الرحبة: أنشد بالله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول: " إن الله ولي المؤمنين


(1) الرحبة: قرية بحذاء القادسية على مرحلة من الكوفة على يسار الحجاج إذا أرادوا مكة. (*)

[ 230 ]

ومن كنت وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره " وكذلك رواه شعبة عن أبي إسحاق وهذا إسناد جيد. ورواه النسائي أيضا من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو ذي أمر. قال نشد علي الناس بالرحبة فقام أناس فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول يوم غدير خم: " من كنت مولاه فإن عليا مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. وأحب من أحبه، وابغض من أبغضه وانصر من نصره " ورواه ابن جرير: عن أحمد بن منصور، عن عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن وهب وعبد خير عن علي. وقد رواه ابن جرير: عن أحمد بن منصور عن عبيد الله بن موسى - وهو شيعي ثقة - عن فطر بن خليفة عن أبي إسحاق، عن زيد بن وهب، وزيد بن يثيغ وعمرو ذي أمر: أن عليا أنشد الناس بالكوفة وذكر الحديث. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا يونس بن أرقم، ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى شهدت عليا في الرحبة ينشد الناس فقال: أشهد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول " من كنت مولاه فعلي مولاه " لما قام فشهد. قال عبد الرحمن: فقام اثنا عشر رجلا بدريا كأني أنظر إلى أحدهم فقالوا نشهد أنا سمعنا رسول الله يقول يوم غدير خم " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي أمهاتهم، فقلنا: بلى يا رسول الله ! قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " إسناد ضعيف غريب. وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا أحمد بن عمير الوكيعي، ثنا زيد بن الحباب، ثنا الوليد بن عقبة بن ضرار القيسي، أنبأنا سماك، عن عبيد بن الوليد القيسي قال: دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى، فحدثني أنه شهد عليا في الرحبة قال: أنشد بالله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهده يوم غدير خم إلا قام ولا يقوم إلا من قد رآه فقام اثنا عشر رجلا فقالوا: قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأخذل من خذله " فقام إلا ثلاثة لم يقوموا فدعا عليهم فأصابتهم دعوته. وروى أيضا عن عبد الاعلى بن عامر التغلبي وغيره عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به. وقال ابن جرير: ثنا أحمد بن منصور، ثنا أبو عامر العقدي وروى ابن أبي عاصم، عن سليمان الغلابي عن أبي عامر العقدي، ثنا كثير بن زيد، حدثني محمد بن عمر بن علي، عن أبيه عن علي: أن رسول الله حضر الشجرة بخم فذكر الحديث وفيه: من كنت مولاه فإن عليا مولاه. وقد رواه بعضهم عن أبي عامر، عن كثير، عن محمد بن عمر بن علي عن علي منقطعا. وقال إسماعيل بن عمرو البجلي وهو ضعيف عن مسعر عن طلحة بن مصرف، عن عميرة بن سعد: أنه شهد عليا على المنبر يناشد أصحاب رسول الله من سمع رسول الله يوم غدير خم فقام اثنا عشر رجلا منهم أبو هريرة وأبو سعيد وأنس بن مالك فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " وقد رواه عبيد الله بن موسى. عن هاني بن أيوب وهو ثقة عن طلحة بن مصرف به. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني حجاج بن الشاعر، ثنا شبابة، ثنا نعيم بن حكيم، حدثني أبو مريم ورجل من جلساء علي عن علي. أن

[ 231 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم غدير خم: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". قال: فزاد الناس بعد - وال من والاه، وعاد من عاداه. روى أبو داود بهذا السند حديث المخرج. وقال الامام أحمد: حدثنا حسين بن محمد وأبو نعيم المعني. قالا: ثنا قطن عن أبي الطفيل. قال جمع علي الناس في الرحبة - يعني رحبة مسجد الكوفة - فقال: أنشد الله كل من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده فقال للناس: " أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: نعم ! يا رسول الله قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " قال فخرجت كأن في نفسي شيئا فلقيت زيد بن أرقم. فقلت له إني سمعت عليا يقول: كذا وكذا. قال فما تنكر ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك له. هكذا ذكره الامام أحمد في مسند زيد بن أرقم رضي الله عنه. ورواه النسائي من حديث الاعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم به وقد تقدم. وأخرجه الترمذي: عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبي سريحة - أو زيد بن أرقم - شك شعبة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. ورواه ابن جرير: عن أحمد بن حازم، عن أبي نعيم، عن كامل أبي العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة، عن زيد بن أرقم. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا أبو عوانة، عن المغيرة عن أبي عبيد، عن ميمون أبي عبد الله. قال قال زيد بن أرقم وأنا أسمع: نزلنا مع رسول الله منزلا يقال له وادي خم فأمر بالصلاة فصلاها بهجير. قال: فخطبنا وظل رسول الله بثوب على شجرة ستره من الشمس. فقال: " ألستم تعلمون - أو ألستم تشهدون - أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا: بلى ! قال: فمن كنت مولاه فإن عليا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". ثم رواه أحمد: عن غندر، عن شعبة، عن ميمون أبي عبد الله، عن زيد بن أرقم إلى قوله من كنت مولاه فعلي مولاه. قال ميمون حدثني بعض القوم عن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". وهذا إسناد جيد رجاله ثقات على شرط السنن وقد صحح الترمذي بهذا السند حديثا في الريث. وقال الامام أحمد: ثنا يحيى بن آدم، ثنا حنش بن الحارث بن لقيط الاشجعي، عن رباح بن الحارث قال: جاء رهط إلى علي بالرحبة، فقالوا: السلام عليك يا مولانا. قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب. قالوا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول: من كنت مولاه فهذا مولاه. قال رباح: فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء ؟ قالوا: نفر من الانصار منهم أبو أيوب الانصاري. وقال الامام أحمد: ثنا حنش، عن رباح بن الحارث. قال: رأيت قوما من الانصار قدموا على علي في الرحبة فقال: من القوم ؟ فقالوا: مواليك يا أمير المؤمنين فذكر معناه هذا لفظ وهو من أفراده. وقال ابن جرير: ثنا أحمد بن عثمان أبو الجوزاء، ثنا محمد بن خالد بن عثمة، ثنا موسى بن يعقوب الزمعي وهو صدوق حدثني مهاجر بن مسمار عن عائشة بنت سعد سمعت أباها يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يوم الجحفة وأخذ بيد علي فخطب. ثم قال: " أيها الناس إني وليكم قالوا: صدقت ! فرفع يد علي

[ 232 ]

فقال هذا وليي والمؤدي عني وإن الله موالي من والاه، ومعادي من عاداه ". قال شيخنا الذهبي: وهذا حديث حسن غريب. ثم رواه ابن جرير: من حديث يعقوب بن جعفر بن أبي كبير، عن مهاجر بن مسمار فذكر الحديث وأنه عليه السلام وقف حتى لحقه من بعده وأمر برد من كان تقدم فخطبهم الحديث. وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في الجزء الاول من كتاب غدير خم - قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وجدته في نسخة مكتوبة عن ابن جرير - حدثنا محمود بن عوف الطائي، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا إسماعيل بن كشيط، عن جميل بن عمارة، عن سالم بن عبد الله بن عمر. قال ابن جرير - أحسبه قال عن عمر - وليس في كتابي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد علي " من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". وهذا حديث غريب. بل منكر وإسناده ضعيف. قال البخاري في جميل بن عمارة هذا فيه نظر. وقال المطلب بن زياد: عن عبد الله بن محمد بن عقيل، سمع جابر بن عبد الله يقول: كنا بالجحفة بغدير خم فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خباء أو فسطاط فأخذ بيد علي. فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". قال شيخنا الذهبي: هذا حديث حسن وقد رواه ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، وغيره عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بنحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، وابن أبي بكير. قالا: ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حبشي بن جنادة. قال يحيى بن آدم وكان قد شهد حجة الوداع. قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم علي مني وأنا منه، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي وقال ابن أبي بكير لا يقضي عني ديني إلا أنا أو علي. وكذا رواه أحمد أيضا: عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل. قال الامام أحمد وحدثناه الزبيري، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة مثله. قال فقلت لابي إسحاق: أين سمعت منه ؟ قال: وقف علينا على فرس في مجلسنا في جبانة السبيع. وكذا رواه أحمد: عن أسود بن عامر، ويحيى بن آدم عن شريك. ورواه الترمذي عن إسماعيل بن موسى، عن شريك، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسويد بن سعيد، وإسماعيل بن موسى ثلاثتهم عن شريك به. ورواه النسائي: عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل به. وقال الترمذي حسن صحيح غريب. ورواه سليمان بن قرم - وهو متروك - عن أبي إسحاق عن حبش بن جنادة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". وذكر الحديث. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أنبأنا شريك، عن أبي يزيد الاودي عن أبيه. قال: دخل أبو هريرة المسجد فاجتمع الناس إلى فقام إليه شاب. فقال أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " قال نعم ! ورواه ابن جرير: عن أبي كريب، عن شاذان، عن شريك به تابعه إدريس الاودي، عن أخيه أبي يزيد، واسمه داود بن يزيد به. ورواه ابن جرير أيضا: من حديث إدريس وداود عن أبيهما عن أبي هريرة فذكره. فأما الحديث الذي رواه ضمرة عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة. قال لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 233 ]

بيد علي قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه فأنزل الله عز وجل * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) *. قال أبو هريرة وهو يوم غدير خم من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا. فإنه حديث منكر جدا بل كذب لمخالفته لما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن هذه الآية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بها كما قدمنا وكذا قوله إن صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو يوم غدير خم يعدل صيام ستين شهرا لا يصح لانه قد ثبت ما معناه في الصحيح أن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهرا هذا باطل. وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: بعد إيراده هذا الحديث هذا حديث منكر جدا. ورواه حبشون الخلال، وأحمد بن عبد الله بن أحمد النيري وهما صدوقان عن علي بن سعيد الرملي عن ضمرة. قال ويروى هذا الحديث من حديث عمر بن الخطاب، ومالك بن الحويرث، وأنس بن مالك وأبي سعيد وغيرهم بأسانيد واهية. قال: وصدر الحديث متواتر أتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله وأما اللهم وال من والاه فزيادة قوية الاسناد وأما هذا الصوم فليس بصحيح ولا والله ما نزلت هذه الآية إلا يوم عرفة قبل غدير خم بأيام والله تعالى أعلم. وقال الطبراني: حدثنا علي بن إسحاق الوزير الاصبهاني، حدثنا علي بن محمد المقدمي، حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي، حدثنا علي بن محمد بن يوسف بن شبان بن مالك بن مسمع، حدثنا سهل بن حنيف بن سهل بن مالك أخي كعب بن مالك عن أبيه عن جده. قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط، فاعرفوا ذلك له. أيها الناس إني عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الاولين راض فاعرفوا ذلك لهم. أيها الناس احفظوني في أصحابي وأصهاري وأحبابي لا يطلبكم الله بمظلمة أحد منهم. أيها الناس ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيرا. * (بسم الله الرحمن الرحيم) *. سنة إحدى عشرة من الهجرة استهلت هذه السنة وقد استقر الركاب الشريف النبوي بالمدينة النبوية المطهرة مرجعه من حجة الوداع، وقد وقعت في هذه السنة أمور عظام من أعظمها خطبا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عليه السلام نقله الله عز وجل من هذه الدار الفانية إلى النعيم الابدي في محلة عالية رفيعة ودرجة في الجنة لا أعلى منها ولا أسنى كما قال تعالى: * (وللآخرة خير لك من الاولى ولسوف يعطيك ربك فترضى) * [ الضحى: 4 ] وذلك بعدما أكمل أداء الرسالة التي أمره الله تعالى بإبلاغها، ونصح أمته ودلهم على خير ما يعلمه لهم، وحذرهم ونهاهم عما فيه مضرة عليهم في دنياهم وأخراهم. وقد قدمنا ما رواه صاحبا الصحيح من حديث عمر بن الخطاب أنه قال نزل قوله تعالى * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) * [ المائدة: 3 ] يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة. وروينا من طريق جيد: أن عمر بن الخطاب حين نزلت هذه الآية بكى فقيل

[ 234 ]

ما يبكيك ؟ فقال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان، وكأنه استشعر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقد أشار عليه السلام إلى ذلك فيما رواه مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عند جمرة العقبة وقال لنا: خذوا عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا. وقدمنا ما رواه الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة الربذي، عن صدقة بن يسار عن ابن عمر. قال: نزلت هذه السورة * (إذا جاء نصر الله والفتح) * في أوسط أيام التشريق فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت ثم ذكر خطبته في ذلك اليوم كما تقدم (1). وهكذا قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لعمر بن الخطاب حين سأله عن تفسير هذه السورة بمحضر كثير من الصحابة ليريهم فضل ابن عباس وتقدمه وعلمه حين لامه بعضهم على تقديمه وإجلاسه له مع مشايخ بدر. فقال: إنه من حيث تعلمون ثم سألهم وابن عباس حاضر عن تفسير هذه السورة * (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) * فقالوا: أمرنا إذا فتح لنا أن نذكر الله ونحمده ونستغفره فقال: ما تقول يا بن عباس ؟ فقال: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه. فقال عمر: لا أعلم منها إلا ما تعلم (2). وقد ذكرنا في تفسير هذه السورة ما يدل على قول ابن عباس من وجوه وإن كان لا ينافي ما فسر به الصحابة رضي الله عنهم وكذلك ما رواه الامام أحمد حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حج بنسائه قال: " إنما هي هذه الحجة ثم الزمن ظهور الحصر ". تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقد رواه أبو داود في سننه من وجه آخر جيد. والمقصود أن النفوس استشعرت بوفاته عليه السلام في هذه السنة، ونحن نذكر ذلك ونورد ما روي فيما يتعلق به من الاحاديث والآثار وبالله المستعان ولنقدم على ذلك ما ذكره الائمة محمد بن إسحاق بن يسار، وأبو جعفر بن جرير، وأبو بكر البيهقي في هذا موضع قبل الوفاة من تعداد حججه وغزواته وسراياه وكتبه ورسله إلى الملوك فلنذكر ذلك ملخصا مختصرا ثم نتبعه بالوفاة. ففي الصحيحين (3) من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة، وحج بعدما هاجر حجة الوداع ولم يحج بعدها. قال أبو إسحاق وواحدة بمكة كذا قال أبو إسحاق السبيعي. وقد قال زيد بن الحباب، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجات: حجتين قبل أن يهاجر، وواحدة بعدما هاجر معها عمرة وساق ستا وثلاثين بدنة وجاء علي بتمامها من اليمن (4). وقد قدمنا من غير


(1) انظر دلائل النبوة للبيهقي ج 5 / 447. (2) الحديث أخرجه البخاري في كتاب التفسير (4) باب. الحديث (4970) فتح الباري (8 / 734). (3) في البخاري - كتاب المغازي (77) باب الحديث 4404. ومسلم في 15 كتاب الحج (35) باب الحديث (218). (4) تقدم ان ما ساقه رسول الله صلى الله عليه وآله معه من الهدي ست وستون، وأتى علي بتمام المئة من اليمن. (*)

[ 235 ]

واحد من الصحابة منهم أنس بن مالك في الصحيحين أنه عليه السلام: اعتمر أربع عمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء وعمرة الجعرانة والعمرة التي مع حجة الوداع. وأما الغزوات فروى البخاري: عن أبي عاصم النبيل (1) عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الاكوع. قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات ومع زيد بن حارثة تسع غزوات يؤمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيحين: عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل عن يزيد (2) عن سلمة. قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات و [ خرجت ] (3) فيما يبعث من البعوث تسع غزوات: مرة علينا أبو بكر ومرة علينا أسامة بن زيد. وفي صحيح البخاري من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء. قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة غزوة. وفي الصحيحين من حديث شعبة عن أبي إسحاق عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة وشهد معه منها سبع عشرة أولها العشير أو العسير. وروى مسلم: عن أحمد بن حنبل، عن معتمر، عن كهمس بن الحسن، عن ابن بريدة عن أبيه: أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة. وفي رواية لمسلم من طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة قاتل منها في ثمان. وفي رواية عنه بهذا الاسناد وبعث أربعا وعشرين سرية قاتل يوم بدر وأحد والاحزاب والمريسيع وخيبر ومكة وحنين. وفي صحيح مسلم: من حديث أبي الزبير عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا إحدى وعشرين غزوة غزوت معه منها تسع عشرة غزوة ولم أشهد بدرا ولا أحدا منعني أبي فلما قتل أبي يوم أحد لم أتخلف عن غزاة غزاها. وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري. قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان عشرة غزوة. ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ وسمعته مرة يقول أربعا وعشرين غزوة فلا أدري أكان ذلك وهما أو شيئا سمعته بعد ذلك. وقال قتادة: غزا رسول الله تسع عشرة قاتل في ثمان منها، وبعث من البعوث أربعا وعشرين. فجميع غزواته وسراياه ثلاث وأربعون. وقد ذكر عروة بن الزبير والزهري وموسى بن عقبة ومحمد إسحاق بن يسار وغير واحد من أئمة هذا الشأن: أنه عليه السلام قاتل يوم بدر في رمضان من سنة اثنتين، ثم في أحد في شوال سنة ثلاث، ثم الخندق وبني قريظة في شوال أيضا من سنة اثنتين، ثم في أحد في شوال سنة ثلاث، ثم الخندق وبني قريظة في شوال أيضا من سنة أربع وقيل خمس، في بني المصطلق بالمريسيع في شعبان سنة خمس، ثم في خيبر في صفر سنة سبع ومنهم من يقول سنة ست والتحقيق أنه في أول سنة سبع وآخر سنة ست، ثم قاتل أهل مكة في رمضان سنة ثمان وقاتل هوازن وحاصر أهل الطائف في شوال وبعض ذي الحجة سنة ثمان كما تقدم تفصيله، وحج في سنة ثمان بالناس عتاب بن أسيد نائب مكة، ثم في سنة تسع أبو بكر الصديق، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين سنة عشر. وقال محمد بن


(1) واسمه الضحاك بن مخلد. والحديث في فتح الباري 7 / 517، رقم 4272. (2) في نسخ البداية المطبوعة زيد تحريف. (3) من البخاري. (*)

[ 236 ]

إسحاق (1): وكان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة سبعا وعشرين غزوة: غزوة ودان وهي غزوة الابواء، ثم غزوة بواط من ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الاولى بطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر العظمى التي قتل الله فيها صناديد قريش، ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر، ثم غزوة السويق بطلب أبا سفيان بن حرب، ثم غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمر، ثم غزوة بحران معدن بالحجاز، ثم غزوة أحد، ثم حمراء الاسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل، ثم غزوة بدر الآخرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان من هذيل، ثم غزوة ذي قرد، ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا، فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة القضاء، ثم غزوة الفتح، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك. قال ابن إسحاق: قاتل منها في تسع غزوات: غزوة بدر وأحد والخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف. قلت: وقد تقدم ذلك كله مبسوطا في أماكنه بشواهده وأدلته ولله الحمد. قال ابن إسحاق (2): وكانت بعوثه عليه السلام وسراياه ثمانيا وثلاثين من بين بعث وسرية، ثم شرع رحمه الله في ذكر تفصيل ذلك. وقد قدمنا ذلك كله أو أكثره مفصلا في مواضعه ولله الحمد والمنة. ولنذكر ملخص ما ذكره ابن إسحاق: بعث عبيدة بن الحارث إلى أسفل ثنية المرة، ثم بعث حمزة بن عبد المطلب إلى الساحل من ناحية العيص، ومن الناس من يقدم هذا على بعث عبيدة كما تقدم فالله أعلم، بعث سعد بن أبي وقاص إلى الخرار، بعث عبد الله بن جحش إلى نخلة، بعث زيد بن حارثة إلى القردة، بعث محمد بن مسلمة إلى كعب بن الاشرف، بعث مرثد بن أبي مرتد [ الغنوي ] إلى الرجيع، بعث المنذر بن عمرو إلى بئر معونة، بعث أبي عبيدة إلى ذي القصة، بعث عمر بن الخطاب إلى برية في أرض بني عامر، بعث علي إلى اليمن، بعث غالب بن عبد الله الكلبي إلى الكديد فأصاب بني الملوح أغار عليهم في الليل فقتل طائفة منهم فاستاق نعمهم فجاء نفرهم في طلب النعم فلما اقتربوا حال بينهم واد من السيل وأسروا في مسيرهم هذا الحارث بن مالك بن البرصاء. وقد حرر ابن إسحاق هذا ها هنا وقد تقدم بيانه، بعث علي بن أبي طالب إلى أرض فدك، بعث أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم أصيب هو وأصحابه، بعث عكاشة إلى الغمرة، بعث أبي سلمة بن عبد الاسد إلى قطن وهو ماء بنجد لبني أسد، بعث محمد بن مسلمة إلى القرطاء من هوازن، بعث بشير بن سعد إلى بني مرة بفدك، وبعثه أيضا إلى ناحية حنين، بعث زيد بن حارثة إلى الجموم من أرض بني سليم، بعث زيد بن حارثة إلى جذام من أرض بني خشين. قال ابن هشام: وهي من أرض حسمى وكان سببها فيما ذكره ابن إسحاق وغيره: أن دحية بن خليفة لما


(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 256. (2) سيرة ابن هشام ج 4 / 257. ونقلها عنه البيهقي في الدلائل ج 5 / 467 - 468. (*)

[ 237 ]

رجع من عند قيصر وقد أبلغه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الله فأعطاه من عنده تحفا وهدايا فلما بلغ واديا في أرض بني جذام يقال له شنار أغار عليه الهنيد بن عوص وابنه عوص بن الهنيد الضليعيان. والضليع بطن من جذام فأخذا ما معه فنفر حي (1) منهم قد أسلموا فاستنقذوا ما كان قد أخذ لدحية فروده عليه فلما رجع دحية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر واستسقاه دم الهنيد وابنه عوص، فبعث حينئذ زيد بن حارثة في جيش إليهم فساروا إليهم من ناحية الاولاج فأغار بالماقص من ناحية الحرة، فجمعوا ما وجدوا من مال وناس وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين من بني الاحنف، ورجلا من بني خصيب فلما احتاز زيد أموالهم وذراريهم اجتمع نفر منهم برفاعة بن زيد. وكان قد جاءه كتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله فقرأه عليهم رفاعة فاستجاب له طائفة منهم، ولم يكن زيد بن حارثة يعلم ذلك فركبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ثلاثة أيام فأعطوه الكتاب فأمر بقراءته جهرة على الناس. ثم قال: رسول الله كيف أصنع بالقتلى ثلاث مرات. فقال رجل منهم يقال له أبو زيد بن عمرو أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمي هذه فبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال علي: إن زيدا لا يطيعني فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه علامة فسار معهم على جمل لهم فلقوا زيدا وجيشه ومعهم الاموال والذراري بفيفاء الفحلتين فسلمهم علي جميع ما كان أخذ لهم لم يفقدوا منه شيئا (2). بعث زيد بن حارثة أيضا إلى بني فزارة بوادي القرى فقتل طائفة من أصحابه وارتث هو من بين القتلى، فلما رجع آلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزوهم أيضا، فلما استبل من جراحه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانيا في جيش فقتلهم بوادي القرى، وأسر أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر وكانت عند مالك بن حذيفة بن بدر ومعها ابنة لها [ وعبد الله بن مسعدة ]، فأمر زيد بن حارثة قيس بن المسحر اليعمري فقتل أم قرفة واستبقى ابنتها وكانت من بيت شرف يضرب بأم قرفة المثل في عزها، وكانت بنتها مع سلمة بن الاكوع فاستوهبها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاها إياه، فوهبها رسول الله لخاله حزن بن أبي وهب فولدت له ابنه عبد الرحمن. بعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر مرتين: إحداهما التي أصاب فيها اليسير بن رزام (3) وكان يجمع غطفان لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رسول الله عبد الله بن رواحة في نفر منهم عبد الله بن أنيس، فقدموا عليه فلم يزالوا يرغبونه ليقدموه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار معهم فلما كانوا بالقرقرة (4)، على ستة أميال من خيبر، ندم اليسير على مسيره ففطن له عبد الله بن أنيس - وهو يريد


(1) وهم بنو الضبيب، رهط رفاعة بن زيد. (2) الخبر في سيرة ابن هشام ج 4 / 260 - 265. (3) قال ابن هشام: رزام، وفي ابن سعد والواقدي: أسير بن زارم. (4) في ابن سعد والواقدي: قرقرة ثبار. وفي مغازي موسى بن عقبة قرقرة تيار. وقال صاحب وفاء الوفا: ثبار على ستة أميال من خيبر. (*)

[ 238 ]

السيف - فضربه بالسيف فأطن قدمه وضربه اليسير بمخرش (1) من شوحط في رأسه فأمه، ومال كل رجل من المسلمين على صاحبه من اليهود فقتله، إلا رجلا واحدا أفلت على قدميه، فلما قدم ابن أنيس تفل في رأسه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقح (2) جرحه ولم يؤذه. قلت: وأظن البعث الآخر (3) إلى خيبر لما بعثه عليه السلام خارصا على نخيل خيبر والله أعلم. بعث عبد الله بن عتيك وأصحابه إلى خيبر فقتلوا أبا رافع اليهودي، بعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان بن نبيح فقتله بعرنة. وقد روى ابن إسحاق قصته هاهنا مطولة وقد تقدم ذكرها في سنة خمس والله أعلم، بعث زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام فأصيبوا كما تقدم، بعث كعب بن عمير (4) إلى ذات أطلاح من أرض الشام فأصيبوا جميعا أيضا، بعث عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر إلى بني العنبر من تميم فأغار عليهم فأصاب منهم أناسا ثم ركب وفدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسراهم فأعتق بعضا وفدى بعضا. بعث غالب بن عبد الله أيضا إلى أرض بني مرة فأصيب بها مرداس بن نهيك حليف لهم من الحرقة من جهينة قتله أسامة بن زيد ورجل من الانصار. أدركاه فلما شهرا السلاح قال: لا إله إلا الله فلما رجعا لامهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد اللوم فاعتذرا بأنه ما قال ذلك إلا تعوذا من القتل. فقال لاسامة هلا شققت عن قبله وجعل يقول لاسامة: من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة. قال أسامة: فما زال يكررها حتى لوددت أن لم أكن أسلمت قبل ذلك. وقد تقدم الحديث بذلك. بعث عمرو بن العاص إلى دات السلاسل من أرض بني عذرة يستنفر العرب إلى الشام، وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بلي، فلذلك بعث عمرا يستنفرهم ليكون أنجع فيهم فلما وصل إلى ماء لهم يقال له السلسل خافهم فبعث يستمد رسول الله، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيهم أبو بكر وعمر وعليها أبو عبيدة بن الجراح فلما انتهوا إليه تأمر عليهم كلهم عمرو وقال إنما بعثتم مددا لي فلم يمانعه أبو عبيدة لانه كان رجلا سهلا لينا هينا عند أمر الدنيا فسلم له وانقاد معه، فكان عمرو يصلي بهم كلهم ولهذا لما رجع. قال: يا رسول الله أي الناس أحب إليك ؟ قال: عائشة. قال فمن الرجال ؟ قال: أبوها. بعث عبد الله بن أبي حدرد إلى بطن أضم وذلك قبل فتح مكة وفيها قصة محلم بن جثامة وقد تقدم مطولا في سنة سبع، بعث ابن أبي حدرد أيضا إلى الغابة، بعث عبد


(1) مخرش وتروى مخراش وهي عصا معوجة الرأس. والشوحط: ضرب من شجر في الجبال. (2) في ابن هشام: فلم تقح ولم تؤذه، وفي الواقدي: فلم تقح بعد ذلك ولم تؤذني. (3) قال الواقدي في مغازيه عن عروة بن الزبير: غزا عبد الله بن رواحة خيبر مرتين. الاولى بعثه النبي إلى خيبر في رمضان في ثلاثة نفر ينظر إلى خيبر وحال أهلها ما يريدون وما يتكلمون به.... فأقبلوا حتى ناحية خيبر وتفرقوا... ووعوا ما سمعوا من أسير وغيره ثم عادوا بعد ثلاثة أيام. وأخبروا النبي صلى الله عليه وآله بما رأوه وسمعوه. والبعث الآخر في شوال وهو البعث الذي تقدم، (1 / 566). (4) في الاصل عمرو، وما أثبتناه من ابن هشام، وابن سعد. (*)

[ 239 ]

الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل. قال محمد بن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي رباح. قال: سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم. قال: فقال عبد الله: أخبرك إن شاء الله عن ذلك تعلم أني كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وأبو سعيد الخدري وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل فتى من الانصار، فسلم على رسول الله ثم جلس. فقال: يا رسول الله أي المؤمنين أفضل ؟ قال: أحسنهم خلقا. قال: فأي المؤمنين أكيس ؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم استعدادا له، قبل أن ينزل به أولئك الاكياس، ثم سكت الفتى. وأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال إذ نزلن بكم - وأعوذ بالله أن تدركوهن - أنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يغلبوا عليها إلا ظهر فيهم الطاعون والاوجاع، التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، فلولا البهائم ما مطروا، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عيهم عدو من غيرهم، فأخذ بعض ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ويجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم. قال: ثم أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها، فأصبح وقد اعتم بمعامة من كرابيس سوداء فأدناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نقضها ثم عممه بها، وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك. ثم قال: هكذا يا بن عوف فاعتم، فإنه أحسن وأعرف، ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء فدفعه إليه، فحمد الله وصلى على نفسه، ثم قال: خذه يا بن عوف اغزوا جميعا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا فهذا عهد الله وسيرة نبيكم فيكم. فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء. قال ابن هشام: فخرج إلى دومة الجندل، بعث أبي عبيدة بن الجراح وكانوا قريبا من ثلاثمائة راكب إلى سيف البحر، وزوده عليه السلام جرابا من تمر وفيها قصة العنبر وهي الحوت العظيم الذي دسره البحر (1) وأكلهم كلهم منه قريبا من شهر حتى سمنوا وتزودوا منه وشائق أي شرائح، حتى رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعموه منه فأكل منه كما تقدم بذلك الحديث. قال ابن هشام: ومما لم يذكر ابن إسحاق من البعوث (2) - يعني هاهنا -، بعث عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان صخر بن حرب بعد مقتل خبيب بن عدي وأصحابه، فكان من أمره ما قدمناه وكان مع عمرو بن أمية جبار بن صخر، ولم يتفق لهما قتل أبي سفيان بل قتلا رجلا غيره وأنزلا خبيبا عن جذعه، وبعث سالم بن عمير أحد


(1) دسره البحر: أي دفعه. (2) خطأ السهيلي ابن هشام فيما ادعاه على ابن اسحاق من اغفاله بعض البعوث، قال: " هو غلط منه، قد ذكره ابن اسحاق، عن جعفر بن عمرو بن أمية بن عمرو بن أمية فيما حدث أسد عن يحيى بن زكريا عن ابن اسحاق " (الروض الانف ج 2 / 263). (*)

[ 240 ]

البكائين إلى أبي عفك أحد بني عمرو بن عوف وكان قد نجم نفاقه حين قتل رسول الله الحارث بن سويد بن الصامت كما تقدم. فقال يرثيه ويذم - قبحه الله - الدخول في الدين: لقد عشت دهرا وما أن أرى * من الناس دارا ولا مجمعا أبر عهودا وأوفى لمن * يعاقد فيهم إذا ما دعا من أولاد قيلة في جمعهم * يهد الجبال ولم يخضعا فصدعهم راكب جاءهم * حلال حرام لشتى معا فلو أن بالعز صدقتم * أو الملك تابعتم تبعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. من لي بهذا الخبيث، فانتدب له سالم بن عمير هذا فقتله فقالت أمامة المريدية في ذلك: تكذب دين الله والمرء أحمدا * لعمرو الذي أمناك بئس الذي يمني (1) حباك حنيف (2) آخر الليل طعنة * أبا عفك خذها على كبر السن وبعث عمير بن عدي الخطمي لقتل العصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد كانت تهجو الاسلام وأهله، ولما قتل أبو عفك المذكور أظهرت النفاق وقالت في ذلك: بأست بني مالك والنبيت * وعوف وباست بني الخزرج أطعتم أتاوى من غيركم * فلا من مراد ولا مذحج ترجونه بعد قتل الرؤوس * كما يرتجي ورق المنضج ألا آنف يبتغي غرة * فيقطع من أمل المرتجي قال فأجابها حسان بن ثابت فقال: بنو وائل وبنو واقف * وخطمة دون بني الخزرج متى ما دعت سفها ويحها * بعولتها والمنايا تجي فهزت فتى ماجدا عرقه * كريم المداخل والمخرج فضرجها من نجيع الدما * وبعيد الهدو فلم يحرج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك: ألا آخذ لي من ابنة مروان ؟ فسمع ذلك عمير بن عدي فلما أمسى من تلك الليلة سرى عليها [ في بيتها ] (3) فقتلها. ثم أصبح فقال: يا رسول الله قتلتها.


(1) شطره في ابن هشام: لعمر الذي أمناك أن بئس ما يمني. (2) من ابن هشام، وفي الاصل حفيف. (3) من ابن هشام. (*)

[ 241 ]

فقال: نصرت الله ورسوله يا عمير. قال: يا رسول الله هل علي من شأنها. قال: لا تنتطح فيها عنزان. فرجع عمير إلى قومه، وهم يختلفون في قتلها وكان لها خمسة بنون. فقال: أنا قتلتها فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون فذلك أول يوم عز الاسلام في بني خطمة فأسلم منهم بشر كثير، لما رأوا من عز الاسلام. ثم ذكر البعث الدين أسروا ثمامة بن أثال الحنفي وما كان من أمره في إسلامه. وقد تقدم ذلك في الاحاديث الصحاح. وذكر ابن هشام أنه هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء. لما كان من قلة أكله بعد إسلامه، وأنه لما انفصل عن المدينة دخل مكة معتمرا وهو يلبي فنهاه أهل مكة عن ذلك فأبى عليهم وتوعدهم بقطع الميرة عنهم من اليمامة فلما عاد إلى اليمامة منعهم الميرة حتى كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعادها إليهم. وقال بعض بني حنيفة: ومن الذي لبى بمكة محرما * برغم أبي سفيان في الاشهر الحرم وبعث علقمة بن مجزز المدلجي ليأخد بثأر أخيه وقاص بن مجزز يوم قتل بذي قرد فاستأذن رسول لله ليرجع في آثار القوم فأذن له وأمره على طائفة من الناس فلما قفلوا أذن لطائفة منهم في التقدم واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة وكانت فيه دعابة فاستوقد نارا، وأمرهم أن يدخلوها فلما عزم بعضهم على الدخول. قال إنما كنت أضحك فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم. قال: من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه. والحديث في هذا ذكره ابن هشام عن الدراوردي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن عمرو بن الحكم بن ثوبان عن أبي سعيد الخدري، وبعث كرز بن جابر لقتل أولئك النفر الذين قدموا المدينة وكانوا من قيس من بجيلة، فاستوخموا المدينة واستوبؤها فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى إبله فيشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحوا قتلوا راعيها وهو يسار مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه واستاقوا اللقاح. فبعث في آثارهم كرز بن جابر في نفر من الصحابة فجاؤوا بأولئك النفر من بجيلة مرجعه عليه السلام من غزوة ذي قرد فأمر فقطع ايديهم وأرجلهم وسملت أعينهم، وهؤلاء النفر إن كانوا هم المذكورين في حديث أنس المتفق عليه أن نفرا ثمانية من عكل أو عرينة قدموا المدينة الحديث، والظاهر أنهم هم فقد تقدم قصتهم مطولة. وإن كانوا غيرهم فها قد أوردنا عيون ما ذكره ابن هشام. والله أعلم قال ابن هشام: وغزوة علي بن أبي طالب [ اليمن ] (1) التي غزاها مرتين. قال أبو عمرو المدني: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا إلى اليمن، وخالدا في جند آخر. وقال إن اجتمعتم فالامير علي بن أبي طالب. قال: وقد ذكر ابن إسحاق. بعث خالد ولم يذكره في عدد البعوث والسرايا فينبغي أن تكون العدة في قوله تسعا وثلاثين. قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن زيد بن حارثة إلى الشام وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الاولون. قال ابن هشام:


(1) سقطت من الاصل، واستدركت من ابن هشام. (*)

[ 242 ]

وهو آخر بعث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال البخاري حدثنا إسماعيل، ثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمارته، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للامارة وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده. ورواه الترمذي من حديث مالك. وقال حديث صحيح حسن. وقد انتدب كثير من الكبار من المهاجرين الاولين والانصار في جيشه فكان من أكبرهم عمر بن الخطاب ومن قال: إن أبا بكر كان فيهم فقد غلط. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد به المرض وجيش أسامة مخيم بالجرف وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس كما سيأتي فكيف يكون في الجيش وهو إمام المسلمين بإذن الرسول من رب العالمين، ولو فرض أنه قد انتدب معهم فقد استثناه الشارع من بينهم بالنص عليه للامامة في الصلاة التي هي أكبر أركان الاسلام، ثم لما توفي عليه الصلاة والسلام استطلق الصديق من أسامة عمر بن الخطاب فأذن له في المقام عند الصديق ونفذ الصديق جيش أسامة كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه إن شاء الله. فصل في الآيات والاحاديث المنذرة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضه الذي مات فيه قال الله تعالى: * (إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) * [ الزمر: 30 ] وقال تعالى: * (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفائن مت فهم الخلدون) * [ الانبياء: 34 ]. وقال تعالى: * (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) * [ الانبياء: 35 ] * (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) * [ آل عمران: 185 ]. وقال تعالى: * (وما محمد إلا رسول قد دخلت من قبله الرسل أفائن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) * [ آل عمران: 144 - 145 ]. وهذه الآية هي التي تلاها الصديق يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سمعها الناس كأنهم لم يسمعوها قبل. وقال تعالى: * (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) * [ النصر: 1 - 3 ]. قال عمر بن الخطاب وابن عباس: هو أجل رسول الله نعي إليه. وقال ابن عمر نزلت أوسط أيام التشريق في حجة الوداع فعرف رسول الله أنه الوداع، فخطب الناس خطبة أمرهم فيها ونهاهم، الخطبة المشهورة كما تقدم. وقال جابر: رأيت رسول الله

[ 243 ]

يرمي الجمار فوقف. وقال: " لتأخذوا (1) عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا ". وقال عليه السلام لابنته فاطمة كم سيأتي: " إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة وإنه عارضني به العام مرتين وما أرى ذلك إلا اقتراب أجلي ". وفي صحيح البخاري من حديث أبي بكر بن عياش عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: كان رسول الله يعتكف في كل شهر رمضان عشرة أيام فلما كان من العام الذي توفي فيه اعتكف عشرين يوما (2)، وكان يعرض عليه القرآن في كل رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه القرآن مرتين (3). وقال محمد بن إسحاق رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفرا وبعث أسامة بن زيد فبينا الناس على ذلك ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكواه الذي قبضه الله فيه إلى ما أراده الله من رحمته وكرامته في ليال بقين (4) من صفر أو في أول شهر ربيع الاول، فكان أول ما ابتدئ به رسول الله من ذلك فيما ذكر لي أنه خرج إلى بقيع الغرقد، من جوف الليل، فاستغفر لهم ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن جعفر عن عبيد بن جبر (5) مولى الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي مويهبة (6) مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: بعثني رسول الله من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن استغفر لاهل هذا البقيع فانطلق معي، فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم. قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها. الآخرة شر من الاولى، ثم أقبل علي فقال: يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيه، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة. قال قلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة. قال: لا والله يا أبا مويهبة. لقد اخترت لقاء ربي والجنة، ثم استغفر لاهل البقيع، ثم انصرف فبدئ برسول الله وجعه الذي قبضه الله فيه. لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب. وإنما رواه أحمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن


(1) تقدم نص الحديث وفيه: وقال لنا: خذوا عني. (2) أخرجه البخاري في كتاب الاعتكاف (17) باب الحديث (2044) وأبو داود في الصوم الحديث 2466 وابن ماجه في الصيام (58) باب الحديث (1769). والدارمي في الصوم. والامام أحمد في مسنده (2 / 336، 355). (3) البخاري في كتاب فضائل القرآن (7) باب الحديث (4998) (4) قال الواقدي: لليلتين بقيتا من صفر. (5) في ابن هشام: عبد الله بن عمر عن عبيد بن جبير، وفي الطبري عن ابن اسحاق: عبد الله بن عمر بن علي... (6) أبو مويهبة: مولى رسول الله صلى الله عليه وآله من مولدي مزينة شهد غزوة المريسيع، كان ممن يقود جمل عائشة انظر ترجمة له في الاصابة (4 / 188). (*)

[ 244 ]

إسحاق به (1). وقال الامام أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا الحكم بن فضيل، ثنا يعلى بن عطاء، عن عبيد بن جبر عن أبي مويهبة. قال: أمر رسول الله أن يصلي على أهل البقيع فصلى عليهم ثلاث مرات فلما كانت [ ليلة الثانية ] (2) قال: يا أبا مويهبة أسرج لي دابتي. قال فركب ومشيت حتى انتهى إليهم فنزل عن دابته وأمسكت الدابة فوقف. أو قال - قام عليهم - فقال: ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس، أتت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا، الآخرة أشد من الاولى، فليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس. ثم رجع فقال: يا أبا مويهبة إني أعطيت. أو قال: خيرت بين مفاتيح ما يفتح على أمتي من بعدي والجنة أو لقاء ربي قال فقلت: بأبي أنت وأمي فاخترنا. قال: لان ترد علي عقبها ما شاء الله فاخترت لقاء ربي، فما لبث بعد ذلك إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض. وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال رسول الله: نصرت بالرعب وأعطيت الخزائن وخيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل فاخترت التعجيل. قال البيهقي: وهذا مرسل وهو شاهد لحديث أبي مويهبة (3) قال ابن إسحاق وحدثني يعقوب بن عتبة، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن (4) مسعود بن عائشة. قالت: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأن أقول وارأساه. فقال: بل أنا والله يا عائشة وارأساه قالت: ثم قال: وما ضرك لو مت قبل فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك. قالت قلت: والله لكأني بك لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استعز به في بيت ميمونة، فدعا نساءه، فاستأذنهن أن يمرض في بيتي فأذن له. قالت: فخرج رسول الله بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن عباس ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه [ الارض ] (5) حتى دخل بيتي. قال عبيد الله فحدثت به ابن عباس فقال: أتدري من الرجل الآخر ؟ هو علي بن أبي طالب. وهذا الحديث له شواهد ستأتي قريبا. وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الاصم، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة. قالت: دخل علي رسول الله وهو يصدع وأنا أشتكي رأسي فقلت: وارأساه ! فقال: بل أنا والله يا عائشة وارأساه ! ثم قال: وما عليك لو مت قبلي فوليت أمرك، وصليت عليك وواريتك. فقلت: والله إني لاحسب لو كان ذلك، لقد خلوت ببعض نسائك في


(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 55 - 56 وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال الذهبي: صحيح. ونقله الطبري عنه في تاريخه 3 / 190. (2) من مسند الامام أحمد 3 / 488، وفي الاصل: فلما كانت الثالثة. (3) رواه البيهقي في دلائله ج 7 / 163. (4) من ابن هشام والطبري، وفي الاصل عن ابن مسعود. (5) من الطبري 3 / 191. (*)

[ 245 ]

بيتى من آخر النهار [ فأعرست بها ]، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تمادى به وجعه فاستعز (1) به وهو يدور على نسائه في بيت ميمونة، فاجتمع إليه أهله. فقال العباس: إنا لنرى برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات الجنب فهلموا فلنلده، فلدوه (2) فأفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من فعل هذا ؟ فقالوا: عمك العباس تخوف أن يكون بك ذات الجنب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها من الشيطان، وما كان الله ليسلطه علي، لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه، إلا عمي العباس، فلد أهل البيت كلهم، حتى ميمونة. وإنها لصائمة يومئذ وذلك بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج وهو بين العباس ورجل آخر - لم تسمه - تخط قدماه بالارض [ إلى بيت عائشة ]. قال عبيد الله قال ابن عباس: الرجل الآخر علي بن أبي طالب (3). قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير، ثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما ثقل رسول الله واشتد به وجعه، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له، فخرج وهو بين الرجلين، تخط رجلاه الارض بين عباس قال: ابن عبد المطلب وبين رجل آخر. قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله - يعني ابن عباس - بالذي قالت عائشة. فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة ؟ قال قلت: لا ! قال ابن عباس: هو علي، فكانت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تحدث أن رسول الله لما دخل بيتي، واشتد به وجعه. قال: هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس. فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن. قالت عائشة: ثم خرج إلى الناس فصلى لهم وخطبهم (4). وقد رواه البخاري أيضا في مواضع أخر من صحيحه ومسلم من طرق عن الزهري به. وقال البخاري: حدثنا إسماعيل، ثنا سليمان بن بلال قال هشام بن عروة أخبرني أبي عن عائشة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: أين أنا غدا أين أنا غدا ؟ يريد يوم عائشة فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها. قالت عائشة رضي الله عنها: فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه في بيتي، وقبضه الله وإن رأسه لبين سحري ونحري وخالط ريقه ريقي. قالت: ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن، فأعطانيه فقضمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به وهو مسند إلى صدري (5). انفرد به البخاري من هذا


(1) استعز: استعز به المرض واستعز عليه اشتد وجعه وغلبه على نفسه. (2) اللدود: ما يسقاه المريض من الادوية في أحد شقي فمه. (3) الحديث في دلائل البيهقي ج 7 / 169 - 170 وما بين معكوفين فيه استدراك من الدلائل. (4) رواه البخاري في كتاب المغازي (83) باب الحديث (4442). ومسلم في كتاب الصلاة (21) باب الحديث (92). (5) البخاري في كتاب المغازي - (83) باب. الحديث (4450) فتح الباري (8 / 144). (*)

[ 246 ]

الوجه. وقال البخاري: أخبرنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، حدثني ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. قالت: مات النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لبين حاقنتي وذاقنتي فلا أكره شدة الموت لاحد أبدا بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال البخاري: حدثنا حيان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عروة أن عائشة أخبرته. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث عليه (1) بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم عنه. ورواه مسلم من حديث ابن وهب عن يونس بن يزيد الايلي عن الزهري به. والفلاس ومسلم عن محمد بن حاتم كلهم. وثبت في الصحيحين من حديث أبي عوانة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: اجتمع نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن امرأة فجاءت فاطمة تمشي لا تخطئ، مشيتها مشية أبيها. فقال: مرحبا بابنتي فأقعدها عن يمينه أو شماله. ثم سارها بشئ فبكت، ثم سارها فضحكت. فقلت لها: خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسرار وأنت تبكين ! فلما أن قامت. قلت أخبريني ما سارك. فقالت: ما كنت لافشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما توفي قلت لها: أسألك لما لي عليك من الحق لما أخبرتيني. قالت: أما الآن فنعم ! قالت سارني في الاول قال لي: إن جبريل كان يعارضني في القرآن كل سنة مرة، وقد عارضني في هذا العام مرتين ولا أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي، فاتقي الله وأصبري فنعم السلف أنا لك، فبكيت. ثم سارني فقال: أما ترضي أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الامة فضحكت (2). وله طرق عن عائشة. وقد روى البخاري: عن علي بن عبد الله، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة. قالت: لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني، فقلنا كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن لا تلدوني ؟ قلنا كراهية المريض للدواء. فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهدكم. قال البخاري: ورواه ابن أبي الزناد عن هشام عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم (3). وقال البخاري: وقال يونس، عن الزهري قال عروة قالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم (4). هكذا ذكره البخاري معلقا. وقد


(1) في البخاري: أنفث على نفسه. (2) البخاري: كتاب الاستئذان (43) باب من ناجى بين يدي الناس. ومسلم في كتاب فضائل الصحابة (15) باب حديث (99). وأخرجه الامام أحمد في مسنده (6 / 282) ورواه ابن سعد في طبقاته (2 / 247). (2) البخاري - كتاب المغازي حديث 4458. (4) البخاري في كتاب المغازي - حديث (4428). والبيهقي في الدلائل ج 7 / 172 وأحمد في مسنده (6 / 18). (*)

[ 247 ]

أسنده الحافظ البيهقي عن الحاكم، عن أبي بكر بن محمد (1) بن أحمد بن يحيى الاشقر، عن يوسف بن موسى، عن أحمد بن صالح، عن عنبسة، عن يونس بن يزيد الايلي، عن الزهري به. وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم، أنبأنا الاصم، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، عن الاعمش، عن عبد الله بن مرة، عن أبي الاحوص، عن عبد الله بن مسعود. قال: لئن أحلف تسعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل قتلا أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل، وذلك أن الله اتخذه نبيا واتخذه شهيدا (2). وقال البخاري: ثنا إسحاق بن بشر حدثنا شعيب (3) عن أبي حمزة حدثني أبي عن الزهري. قال: أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك الانصاري - وكان كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تيب عليهم - أن عبد الله بن عباس أخبره: أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله في وجعه الذي توفي فيه فقال الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب. فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لارى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لاعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت. اذهب بنا إلى رسول الله فلنسأله فيمن هذا الامر ؟ إن كان فينا علمنا ذلك. وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم. انفرد به البخاري، وقال البخاري: ثنا قتيبة، ثنا سفيان، عن سليمان الاحول عن سعيد بن جبير. قال: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه. فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا (4) بعده أبدا فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع - فقالوا: ما شأنه أهجر (5) استفهموه. فذهبوا يردون عنه. فقال: دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه، فأوصاهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها. ورواه البخاري في موضع آخر ومسلم من حديث سفيان بن عيينة به. ثم قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا. فقال بعضهم: إن رسول الله قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل


(1) في البيهقي: أبو بكر محمد... (2) دلائل النبوة ج 7 / 172. (3) في البخاري: حدثني اسحاق، أخبرنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة. واسحاق هو ابن راهويه. (فتح الباري 8 / 142). (4) في البخاري: لن تضلوا. فتح الباري 8 / 132. (5) من البخاري، وفي الاصل يهجر. أهجر: أي هل تغير كلامه واختلط بسسبب المرض، ووقوع ذلك من النبي صلى الله عليه وآله مستحيل لانه معصوم في صحته ومرضه لقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى) *. (*)

[ 248 ]

البيت واختصموا. فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا. قال عبيد الله، قال: ابن عباس إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم (1). ورواه مسلم عن محمد بن رافع وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق بنحوه. وقد أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه من حديث معمر ويونس عن الزهري به. وهذا الحديث مما قد توهم به بعض الاغبياء من أهل البدع من الشيعة وغيرهم كل مدع أنه كان يريد أن يكتب في ذلك الكتاب ما يرمون إليه من مقالاتهم، وهذا هو التمسك بالمتشابه. وترك المحكم وأهل السنة يأخذون بالمحكم. ويردون ما تشابه إليه، وهذه طريقة الراسخين في العلم كما وصفهم الله عز وجل في كتابه، وهذا الموضع مما زل فيه أقدام كثير من أهل الضلالات، وأما أهل السنة فليس لهم مذهب إلا اتباع الحق يدورون معه كيفما دار، وهذا الذي كان يريد عليه الصلاة والسلام أن يكتبه قد جاء في الاحاديث الصحيحة التصريح بكشف المراد منه. فإنه قد قال الامام أحمد: حدثنا مؤمل، ثنا نافع، عن ابن عمرو ثنا ابن أبي مليكة، عن عائشة. قالت لما كان وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قبض فيه قال " ادعوا لي أبا بكر وابنه لكي لا يطمع في أمر أبي بكر طامع ولا يتمناه متمن. ثم قال: يأبى الله ذلك والمؤمنون ". مرتين. قالت عائشة: فأبى الله ذلك والمؤمنون، انفرد به أحمد من هذا الوجه وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، عن ابن أبي مليكة عن عائشة. قالت لما ثقل رسول الله قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: " ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لابي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد، فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم. قال: " أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر " انفرد به أحمد من هذا الوجه أيضا. وروى البخاري: عن يحيى بن يحيى، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد عن عائشة. قالت: قال رسول الله: لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى متمنون. فقال: يأبى الله - أو يدفع المؤمنون أو يدفع الل