الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 البداية والنهاية - ابن كثير ج 2

البداية والنهاية

ابن كثير ج 2


[ 1 ]

البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 ه‍. حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه علي شيري الجزء الثاني دار إحياء التراث العربي

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم [ ذكر ] (1) جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام ثم نتبعهم بذكر داود وسليمان عليهما السلام قال ابن جرير في تاريخه (2): لا خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين وأمور السالفين من أمتنا وغيرهم أن القائم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع [ كان ] كالب بن يوفنا (3) يعني أحد أصحاب موسى عليه السلام، وهو زوج اخته مريم، وهو أحد الرجلين اللذين ممن يخافون الله وهما يوشع وكالب وهما القائلان لبني إسرائيل حين نكلوا عن الجهاد (أدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) [ المائدة: 23 ] قال ابن جرير ثم من بعده كان القائم بأمور بني إسرائيل حزقيل بن بوذي (4) وهو الذي دعا الله فأحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. قصة حزقيل قال الله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) [ البقرة: 243 ]. قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: إن كالب بن يوفنا لما قبضه الله إليه بعد يوشع خلف في بني إسرائيل حزقيل بن بوذي وهو ابن العجوز (5) وهو الذي دعا للقوم الذين ذكرهم الله في كتابه


(1) سقطت من النسخ المطبوعة. (2) تاريخ الطبري: ج 1 / 226 و 237 دار القاموس الحديث. (3) قال صاحب مروج الذهب 1 / 49: ووجدت في نسخة أن القائم في بني اسرائيل بعد وفاة يوشع بن نون كوشان الكفري، وأنه أقام فيهم ثمانين سنة. (4) في المسعودي: مروج الذهب: فنحاص بن العازر بن هارون. (5) سمي بابن العجوز: لان أمه سألت الله الولد وقد كبرت وعقمت فوهبه الله لها. [ * ]

[ 4 ]

فيما بلغنا: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) قال ابن إسحاق فروا من الوباء فنزلوا بصعيد من الارض فقال لهم الله موتوا فماتوا جميعا فحظروا عليهم حظيرة دون السباع فمضت عليهم دهور طويلة فمر بهم حزقيل عليه السلام فوقف عليهم متفكرا فقيل له أتحب أن يبعثهم الله وأنت تنظر ؟ فقال: نعم فأمر أن يدعو تلك العظام أن تكتسي لحما وأن يتصل العصب بعضه ببعض فناداهم عن أمر الله له بذلك فقام القوم أجمعون وكبروا تكبيرة رجل واحد. وقال أسباط عن السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة [ الهمداني ] عن ابن مسعود وعن اناس من الصحابة في قوله: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) قالوا: كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط وقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها فهلك [ أكثر ] من بقي في القرية وسلم الآخرون فلم يمت منهم كثير فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا بقينا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم فوقع في قابل فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفا حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد أفيح فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه أن موتوا فماتوا حتى إذا هلكوا وبقيت أجسادهم مر بهم نبي يقال له حزقيل فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوي شدقيه وأصابعه فأوحى الله إليه [ يا حزقيل ] تريد أن أريك كيف أحييهم قال: نعم وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم فقيل له: ناد فنادى: يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى كانت أجسادا من عظام ثم أوحى الله إليه أن ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحما فاكتست لحما ودما وثيابها التي ماتت فيها. ثم قيل له ناد فنادى: أيتها الاجساد إن الله يأمرك أن تقومي فقاموا. قال أسباط: فزعم منصور [ بن المعتمر ] عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا: (سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت) فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا إلا عاد رسما حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم (1). وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف وعنه ثمانية آلاف وعن أبي صالح تسعة آلاف وعن ابن عباس أيضا كانوا أربعين ألفا. وعن سعيد بن عبد العزيز كانوا من أهل أذرعات. وقال ابن جريج عن عطاء هذا مثل يعني أنه سيق مثلا مبينا " أنه لن يغني حذر من قدر " وقول الجمهور أقوى إن هذا وقع. وقد روى الامام أحمد وصاحبا الصحيح من طريق الزهري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن [ عبد الله بن ] الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس أن عمر بن


(1) روى الطبري الخبر في تاريخه ج 1 / 237 - 238. وما بين معكوفين في الخبر زيادة من الطبري. [ * ]

[ 5 ]

الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ (1) لقيه أمراء الاجناد (2) أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء (3) وقع بالشام. فذكر الحديث يعني في مشاورته المهاجرين والانصار فاختلفوا عليه فجاءه عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا ببعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه " (4). فحمد الله عمر ثم انصرف. وقال الامام: حدثنا حجاج ويزيد المفتي (5) قالا: حدثنا ابن أبي ذؤيب عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أن هذا السقم عذب به الامم قبلكم فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه قال فرجع عمر من الشام " (6). وأخرجاه من حديث مالك عن الزهري بنحوه. قال محمد بن إسحاق ولم يذكر لنا مدة لبث حزقيل في بني إسرائيل ثم إن الله قبضه إليه. فلما قبض نسي بنو إسرائيل عهد الله إليهم وعظمت فيهم الاحداث وعبدوا الاوثان وكان في جملة ما يعبدونه من الاصنام صنم يقال له بعل فبعث الله إليهم الياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران. قلت وقد قدمنا قصة إلياس تبعا لقصة الخضر لانهما يقرنان في الذكر غالبا ولاجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصافات فتعجلنا قصته لذلك والله أعلم. قال محمد بن إسحاق فيما ذكر له عن وهب بن منبه قال ثم تنبأ فيهم بعد إلياس وصيه اليسع بن أخطوب عليه السلام وهذه: قصة اليسع عليه السلام وقد ذكره الله تعالى مع الانبياء في سورة الانعام في قوله: (وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين) [ الانعام: 86 ] وقال تعالى في سورة ص: (واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) [ ص: 48 ] قال إسحاق بن بشر أبو حذيفة أنبأنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال كان بعد الياس اليسع عليهما السلام، فمكث ما شاء الله أن يمكث يدعوهم


(1) سرغ: هي قرية في طرف الشام مما يلي الحجاز. (2) المراد بالاجناد هنا: مدن الشمس الخمس - وهي فلسطين والاردن ودمشق وحمص وقنسرين قال الامام النووي: هكذا فسروه واتفقوا عليه. (3) الوباء: قال الخليل وغيره: الطاعون. قالوا: وكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعون والوباء الذي وقع بالشام زمن عمر كان طاعونا وهو طاعون عمواس وهي قرية معروفة بالشام. (4) أخرجه مسلم في 39 كتاب السلام 32 باب الطاعون 98 / 2219 وأخرجه أحمد في مسنده ج 1 / 194 والبخاري حديث رقم 2259. (5) هو يزيد بن أبي حبيب، سمي بالمفتي لانه كان مفتي أهل مصر كما قال ابن سعد. (6) مسند أحمد ج 1 / 193 ومسلم 39 / 32 / 100 / 2219. [ * ]

[ 6 ]

إلى الله مستمسكا بمنهاج إلياس وشريعته حتى قبضه الله عزوجل إليه ثم خلف فيهم الخلوء ؟ ؟ وعظمت فيهم الاحداث والخطايا وكثرت الجبابرة وقتلوا الانبياء وكان فيهم ملك عنيد طاغ. ويقال إنه الذي تكفل له ذو الكفل إن هو تاب ورجع دخل الجنة فسمي ذا الكفل. قال محمد بن إسحاق هو اليسع بن أخطوب. وقال الحافظ أبو القسم بن عساكر في حرف الياء من تاريخه: اليسع وهو الاسباط بن عدي بن شوتلم بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. ويقال هو ابن عم إلياس النبي عليهما السلام. ويقال كان مستخفيا معه بجبل قاسيون من ملك بعلبك ثم ذهب معه إليها فلما رفع الياس خلفه اليسع في قومه ونبأه الله بعده. ذكر ذلك عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه. قال وقال غيره وكان ببانياس. ثم ذكر ابن عساكر قراءة من قرأ اليسع بالتخفيف وبالتشديد ومن قرأ والليسع وهو اسم واحد لنبي من الانبياء. قلت قد قدمنا قصة ذا الكفل بعد قصة أيوب عليهما السلام لانه قد قيل إنه ابن أيوب فالله أعلم. فصل قال ابن جرير (1) وغيره ثم مرج أمر بني إسرائيل وعظمت منهم الخطوب والخطايا وقتلوا من قتلوا من الانبياء وسلط الله عليهم بدل الانبياء ملوكا جبارين يظلمونهم ويسفكون دماءهم وسلط الله عليهم الاعداء من غيرهم أيضا وكانوا إذا قاتلوا أحدا من الاعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان في قبة الزمان كما تقدم ذكره فكانوا ينصرون ببركته وبما جعل الله فيه من السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون فلما كان في بعض حروبهم مع أهل غزة وعسقلان غلبوهم وقهروهم على أخذه فانتزعوه من أيديهم فلما علم بذلك ملك بني إسرائيل في ذلك الزمان مالت عنقه فمات كمدا وبقي بنو إسرائيل كالغنم بلا راع حتى بعث الله فيهم نبيا من الانبياء يقال له شمويل فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا ليقاتلوا معه الاعداء فكان من أمرهم ما سنذكره مما قص الله في كتابه. قال ابن جرير فكان من وفاة يوشع بن نون إلى أن بعث الله عزوجل شمويل بن بالي أربعمائة سنة وستون سنة. ثم ذكر تفصيلها بمدد الملوك الذين ملكوا عليهم وسماهم واحدا واحدا تركنا ذكرهم قصدا. قصة شمويل عليه السلام وفيها بدأ أمر داود عليه السلام هو شمويل ويقال له أشمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام بن اليهو بن تهو بن صوف بن


(1) تاريخ الطبري 1 / 243 روى الخبر مطولا. [ * ]

[ 7 ]

علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا. قال مقاتل وهو من ورثة هارون وقال مجاهد هو أشمويل بن هلفاقا (1) ولم يرفع في نسبه أكثر من هذا فالله أعلم. حكى السدي بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة والثعلبي وغيرهم أنه لما غلبت العمالقة من أرض غزة وعسقلان على بني إسرائيل وقتلوا منهم خلقا كثيرا وسبوا من أبنائهم جمعا كثيرا وانقطعت النبوة من سبط لاوى ولم يبق فيهم إلا امرأة حبلى فجعلت تدعو الله عز وجل أن يرزقها ولدا ذكرا فولدت غلاما فسمته أشمويل ومعناه بالعبرانية (2) إسماعيل أي سمع الله دعائي فلما ترعرع بعثته إلى المسجد وأسلمته عند رجل صالح فيه يكون عنده ليتعلم من خيره وعبادته فكان عنده فلما بلغ أشده بينما هو ذات ليلة نائم إذا صوت يأتيه من ناحية المسجد، فانتبه مذعورا، فظنه الشيخ يدعوه فسأله: أدعوتني ؟ فكره أن يفزعه فقال: نعم. نم، فنام. ثم ناداه الثانية فكذلك، ثم الثالثة فإذا جبريل يدعوه فجاءه فقال إن ربك قد بعثك إلى قومك فكان من أمره معهم ما قص الله في كتابه، قال الله تعالي في كتابه العزيز: (ألم تر إلى الملا من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين. وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم. وقال لهم نبيهم أن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين. فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين) [ البقرة: 246 - 251). قال أكثر المفسرين: كان نبي هؤلاء القوم المذكورين في هذه القصة هو شمويل. وقيل شمعون وقيل هما واحد وقيل يوشع وهذا بعيد لما ذكره الامام أبو جعفر بن جرير في تاريخه أن بين


(1) وقال المسعودي في مروج الذهب: شمويل بن بروحان بن ناحور. (2) قال ابن قتيبة في المعارف: ص 20 اشماويل بن هلقانا وهو اسماعيل بالعربية واسم أمه حنة لم يكن بينه وبين يوشع بن نون نبي وهو الذي ذكره الله عزوجل في القرآن حين قال: (وقال لهم نبيهم ان الله قد بعث لكم طالوت ملكا). [ * ]

[ 8 ]

موت يوشع وبعثة شمويل أربعمائة سنة وستين سنة فالله أعلم. والمقصود أن هؤلاء القوم لما أنهكتهم الحروب وقهرهم الاعداء سألوا نبي الله في ذلك الزمان وطلبوا منه أن ينصب لهم ملكا يكونون تحت طاعته ليقاتلوا من ورائه ومعه وبين يديه الاعداء. فقال لهم: (هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله) [ البقرة: 246 ] أي وأي شي يمنعنا من القتال (وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) يقولون نحن محروبون موتورون، فحقيق لنا أن نقاتل عن أبنائنا المنهورين المستضعفين فيهم المأسورين في قبضتهم. قال تعالى: (فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين) [ البقرة: 246 ] كما ذكر في آخر القصة أنه لم يجاوز النهر مع الملك إلا القليل والباقون رجعوا ونكلوا عن القتال (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا) قال الثعلبي وهو طالوت بن قيش بن أفيل بن صارو بن تحورت بن أفيح بن أنيس بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل (1). قال عكرمة والسدي كان سقاءا وقال وهب بن منبه كان دباغا. وقيل غير ذلك (2) فالله أعلم ولهذا: (قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال) وقد ذكروا أن النبوة كانت في سبط لاوى وأن الملك كان في سبط يهوذا فلما كان هذا من سبط بنيامين نفروا منه وطعنوا في إمارته عليهم وقالوا نحن أحق بالملك منه و [ قد ] (3) ذكروا أنه فقير لا سعة من المال معه، فكيف يكون مثل هذا ملكا ؟ (قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم). قيل كان الله قد أوحى إلى شمويل أن أي بني إسرائيل كان طوله على طول هذه العصا وإذا حضر عندك يفور هذا القرن (4) الذي فيه من دهن القدس فهو ملكهم فجعلوا يدخلون ويقيسون أنفسهم بتلك العصا فلم يكن أحد منهم على طولها سوى طالوت ولما حضر عند شمويل فار ذلك القرن فدهنه منه وعينه للملك (5) عليهم وقال لهم: (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم) قيل في أمر الحروب وقيل بل مطلقا (والجسم) قيل الطول وقيل الجمال والظاهر من


(1) في مروج الذهب 1 / 51: طالوت وهو ساود بن بشر بن أنيال بن طرون بن بحرون بن أفيح بن سميداح بن فالح بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. وفي كامل ابن الاثير: وهو بالسريانية: شاول بن قيس بن انمار بن ضرار بن يحرف بن يفتح بن ايش بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق. (2) جاء في القرطبي - أحكام القرآن: وقيل كان مكاريا. وكان عالما. (3) سقطت قد - من نسخ البداية المطبوعة. (4) القرن: بالتحريك: الجعبة من جلود تكون مشقوقة ثم تخرز. (5) في نسخة: الملك. [ * ]

[ 9 ]

السياق أنه كان اجملهم وأعلمهم بعد نبيهم عليه السلام: (والله يؤتي ملكه من يشاء) فله الحكم وله الخلق والامر (والله واسع عليم). (وقال لهم نبيهم إن آية ملكة أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) [ البقرة: 248 ] وهذا أيضا من بركة ولاية هذا الرجل الصالح عليهم ويمنه عليهم أن يرد الله عليهم التابوت الذي كان سلب منهم وقهرهم الاعداء عليه وقد كانوا ينصرون على أعدائهم بسببه (فيه سكينة من ربكم) قيل طشت من ذهب كان يغسل فيه صدور الانبياء. وقيل السكينة مثل الريح الخجوج، وقيل صورتها مثل الهرة إذا صرخت في حال الحرب أيقن بنو إسرائيل بالنصر (1) (وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون) قيل كان فيه رضاض (2) الالواح وشئ من المن الذي كان نزل عليهم بالتيه (تحمله الملائكة) أي تأتيكم به الملائكة يحملونه وأنتم ترون ذلك عيانا ليكون آية لله عليكم وحجة باهرة على صدق ما أقوله لكم وعلى صحة ولاية هذا الملك الصالح عليكم ولهذا قال: (إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) وقيل إنه لما غلب العمالقة على هذا التابوت وكان فيه ما ذكر من السكينة والبقية المباركة. وقيل كان فيه التوراة أيضا فلما استقر في أيديهم وضعوه تحت صنم لهم بأرضهم فلما أصبحوا إذا التابوت على رأس الصنم فوضعوه تحته فلما كان اليوم الثاني إذا التابوت فوق الصنم فلما تكرر هذا علموا أن هذا أمر من الله تعالى، فأخرجوه من بلدهم وجعلوه في قرية من قراهم فأخذهم داء في رقابهم، فلما طال عليهم هذا جعلوه في عجلة وربطوها في بقرتين وأرسلوهما فيقال إن الملائكة ساقتهما حتى جاؤوا بهما ملا بني إسرائيل وهم ينظرون كما أخبرهم نبيهم بذلك فالله أعلم على أي صفة جاءت به الملائكة والظاهر أن الملائكة كانت تحمله بأنفسهم كما هو المفهوم بالجنود من الآية والله أعلم. وإن كان الاول قد ذكره كثير من المفسرين أو أكثرهم (فلما فصل طالوت قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده) [ البقرة: 249 ]. قال ابن عباس وكثير من المفسرين: هذا النهر هو نهر الاردن، وهو المسمى بالشريعة، فكان من أمر طالوت بجنوده عند هذا النهر عن أمر نبي الله له عن أمر الله له اختبارا وامتحانا أن


(1) قال القرطبي: 3 / 249: قال ابن عطية: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الانبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى. (2) رضاض الشئ فتاته. وفي بقية: أقوال: - قال ابن عباس: عصا موسى وعصا هارون ورضاض الالواح. - قال الثوري: قفيز من في طست من ذهب وعصا موسى وعمامة هارون. - الضحاك: البقية: الجهاد وقتال الاعداء. [ * ]

[ 10 ]

من شرب من هذا النهر فلا يصحبني في هذه الغزوة ولا يصحبني إلا من لم يطعمه إلا غرفة (1) في يده. قال الله تعالى: (فشربوا منه إلا قليلا منهم). قال السدي كان الجيش ثمانين ألفا فشرب منه ستة وسبعون ألفا فبقي معه أربعة آلاف كذا قال. وقد روى البخاري في صحيحه: من حديث إسرائيل وزهير والثوري عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلثمائة مؤمن (2). وقول السدي أن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفا فيه نظر، لان أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلة يبلغون ثمانين ألفا والله أعلم. قال الله تعالى: (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) [ البقرة: 249 ] أي استقلوا أنفسهم واستضعفوها عن مقاومة أعدائهم بالنسبة إلى قلتهم وكثرة عدد عدوهم: (قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) [ البقرة: 249 ] يعني بها الفرسان منهم. والفرسان أهل الايمان والايقان الصابرون على الجلاد والجدال والطعان. (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) [ البقرة: 250 ] طلبوا من الله أن يفرغ عليهم الصبر أي يغمرهم به من فوقهم فتستقر قلوبهم ولا تقلق وأن يثبت أقدامهم في مجال الحرب ومعترك الابطال وحومة الوغى والدعاء إلى النزال فسألوا التثبت الظاهر والباطن وأن ينزل عليهم النصر على أعدائهم وأعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته وآلائه فأجابهم العظيم القدير السميع البصير الحكيم الخبير إلى ما سألوا وأنالهم ما إليه فيه رغبوا ولهذا قال: (فهزموهم باذن الله) أي بحول الله لا بحولهم وبقوة الله ونصره لا بقوتهم وعددهم مع كثرة أعدائهم وكمال عددهم كما قال تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) [ آل عمران: 133 ] وقوله تعالى: (وقتل داود جالوت وأتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء) [ البقرة: 251 ] فيه دلالة على شجاعة داود عليه السلام وأنه قتله قتلا أذل (3) به جنده وكسره ولا أعظم من غزوة يقتل فيها ملك عدوه فيغنم بسبب ذلك الاموال الجزيلة ويأسر الابطال والشجعان والاقران وتعلو كلمة الايمان على الاوثان ويدال لاولياء الله على أعدائه. ويظهر


(1) بين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش الذين همهم في غير الرفاهية ; والمغترف بيده غرفة: الآخذ منها قدر الحاجة وقال بعض المفسرين الغرفة بالكف الواحد، والغرفة: بالكفين. (2) قال الطبري 1 / 243: عبر معه منهم أربعة ألاف ورجع ستة وسبعون ألفا ولما نظروا إلى جالوت رجع عنه أيضا ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون وخلص في ثلثمائة وتسعة عشر عدة أهل بدر - وفي رواية وثلاثة عشر - وما جاز معه إلا مؤمن. (3) قال القرطبي: كان داود رجلا قصيرا مسقاما مصفارا أصغر أزرق، وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده. [ * ]

[ 11 ]

الدين الحق على الباطل وأوليائه. وقد ذكر السدى فيما يرويه أن داود عليه السلام كان أصغر أولاد أبيه وكانوا ثلاثة عشر ذكرا كان سمع طالوت ملك بني إسرائيل وهو يحرض بني إسرائيل على قتل جالوت وجنوده وهو يقول من قتل جالوت زوجته بابنتي وأشركته في ملكي وكان داود عليه السلام يرمي بالقذافة وهو المقلاع رميا عظيما فينا هو سائر مع بني إسرائيل إذ ناداه حجر: أن خذني فإن بي تقتل جالوت فأخذه ثم حجر آخر كذلك، ثم آخر كذلك، فأخذ الثلاثة في مخلاته فلما تواجه الصفان برز جالوت ودعا إلى نفسه فتقدم إليه داود فقال له: ارجع فإني أكره قتلك، فقال: لكني أحب قتلك، وأخذ تلك الاحجار الثلاثة فوضعها في القذافة ثم أدارها فصارت الثلاثة حجرا واحدا. ثم رمى بها جالوت ففلق (1) رأسه وفر جيشه منهزما فوفى (2) له طالوت بما وعده فزوجه ابنته وأجرى حكمه في ملكه، وعظم داود عليه السلام، عند بني إسرائيل وأحبوه، ومالوا إليه أكثر من طالوت، فذكروا أن طالوت حسده وأراد قتله واحتال على ذلك فلم يصل إليه وجعل العلماء ينهون طالوت عن قتل داود فتسلط عليهم فقتلهم، حتى لم يبق منهم إلا القليل. ثم حصل له توبة وندم وأقلاع عما سلف منه وجعل يكثر من البكاء ويخرج إلى الجبانة فيبكي حتى يبل الثرى بدموعه فنودي ذات يوم من الجبانة: أن يا طالوت قتلتنا ونحن أحياء وآذيتنا ونحن أموات فازداد لذلك بكاؤه وخوفه واشتد وجله ثم جعل يسأل عن عالم يسأله عن أمره، وهل له من توبة، فقيل له: وهل أبقيت عالما ؟ حتى دل على امرأة من العابدات فأخذته فذهبت به إلى قبر يوشع عليه السلام قالوا: فدعت الله فقام يوشع من قبره فقال: أقامت القيامة ؟ فقالت: لا ولكن هذا طالوت يسألك هل له من توبة ؟ فقال: نعم ينخلع من الملك ويذهب فيقاتل في سبيل الله حتى يقتل، ثم عاد ميتا. فترك الملك لداود عليه السلام وذهب ومعه ثلاثة عشر من أولاده فقاتلوا في سبيل الله حتى قتلوا (3) قالوا فذلك قوله: (وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء) [ البقرة: 251 ] هكذا ذكره ابن جرير في تاريخه (4) من طريق السدي بإسناده. وفي بعض هذا نظر ونكارة. والله أعلم. وقال محمد بن إسحق: النبي الذي بعث فأخبر طالوت بتوبته هو اليسع بن أخطوب حكاه ابن جرير أيضا. وذكر الثعلبي: أنها أتت به إلى قبر اشمويل فعاتبه على ما صنع بعده من الامور وهذا أنسب. ولعله إنما رآه في النوم لا أنه قام من القبر حيا فإن هذا إنما يكون معجزة لنبي وتلك


(1) في الطبري: فنقبت رأسه. (2) ذكر المسعودي: أن طالوت أبى أن يفي لداود بما تقدم من شرطه. فلما رأى ميل الناس إليه زوجه ابنته، وسلم إليه ثلت الجباية، وثلث الحكم وثلث الناس مروج الذهب 1 / 52. (3) ذكر المسعودي أنه مات على سرير ملكه ليلة كمدا. (4) تاريخ الطبري ج 1 / 245 - 246. [ * ]

[ 12 ]

المرأة لم تكن نبية والله أعلم. وزعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت إلى أن قتل مع أولاده أربعون (1) سنة فالله أعلم. قصة داود وما كان في أيامه [ وذكر ] (2) فضائله وشمائله ودلائل نبوته واعلامه هو داود بن ايشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عويناذب بن إرم (3) بن حصرون بن فارض بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم الخليل عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس. قال محمد بن أسحق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه: كان داود عليه السلام قصيرا أزرق العينين قليل الشعر طاهر القلب ونقيه. تقدم أنه لما قتل جالوت وكان قتله له فيما ذكره ابن عساكر عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصفر (4) فأحبته بنو إسرائيل ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم، فكان من أمر طالوت ما كان وصار الملك إلى داود عليه السلام، وجمع الله له بين الملك والنبوة بين خير الدنيا والآخرة، وكان الملك يكون في سبط والنبوة في آخر فاجتمع في داود هذا وهذا كما قال تعالى: (وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين) [ البقرة: 251 ] أي لولا إقامة الملوك حكاما على الناس لاكل قوي الناس ضعيفهم. ولهذا جاء في بعض الآثار (السلطان ظل الله في أرضه). وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن جالوت لما بارز طالوت فقال له أخرج إلي وأخرج إليك فندب طالوت الناس فانتدب داود فقتل جالوت. قال وهب بن منبه فمال الناس إلى داود حتى لم يكن لطالوت ذكر وخلعوا طالوت وولوا عليهم داود. وقيل إن ذلك [ كان ] (5) عن أمر شمويل حتى قال بعضهم إنه ولاه قبل الوقعة (6) قال ابن جرير (7) والذي عليه


(1) في مروج الذهب: عشرين سنة. (2) في نسخ البداية المطبوعة: ثم، وسقطت كلمة ذكر. وقد ورد اسم داود في القرآن الكريم في ستة عشر موضعا: سورة البقرة: 251، سورة النساء: 163، سورة المائدة: 78، سورة الانعام: 84، سورة الاسراء: 55، سورة الانبياء: 78 - 79، سورة النمل: 15 - 16، سورة سبأ: 10 - 12، سورة ص: 20 - 22 - 24 - 26. (3) في الطبري: باعز بدل عابر وعمي نادب بدل عويناذب ; ورام بدل إرم. وفي الانجيل: إنجيل متى: هو داود بن يسى، بن عوبيد، بن بوعز، بن سلمون، بن نحشون، بن عمينا داب، بن ارام، بن حصرون بن فارص بن يهوذا، بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام. (4) قال في مروج الذهب: كان ببيسان من أرض الغور من بلاد الاردن. (5) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (6) وذكر ذلك أيضا ابن عساكر في تاريخه 5 / 190 تهذيب. (7) انظر تاريخ الطبري 1 / 246. وقال المسعودي: إن داود أبى أن تنافس طالوت في حكمه. [ * ]

[ 13 ]

الجمهور: أنه إنما ولي ذلك بعد قتل جالوت والله أعلم. وروى ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز: أن قتله جالوت كان عند قصر أم حكيم وأن النهر الذي هناك هو المذكور في الآية فالله أعلم. وقال تعالى: (ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير) [ سبأ: 11 ] وقال تعالى: (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين. وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون) [ الانبياء: 79 ]. أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الاعداء وارشده إلى صنعتها وكيفيتها فقال: (وقدر في السرد) أي لا تدق المسمار فيفلق ولا تغلظه فيفصم قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمة. قال الحسن البصري وقتادة والاعمش: كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده، لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة. قال قتادة فكان أول من عمل الدروع من زرد، وإنما كانت قبل ذلك من صفائح، قال ابن شوذب: كان يعمل كل يوم درعا يبيعها بستة آلاف درهم وقد ثبت في الحديث: " أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وأن نبي الله داود كان يأكل من كسب يده " (1) وقال تعالى: (واذكر عبدنا داود ذا الايد أنه أواب. انا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق والطير محشورة كل له أواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) [ ص: 17 ] قال ابن عباس ومجاهد الايد القوة في الطاعة، يعني: ذا قوة في العبادة، والعمل الصالح قال قتادة: أعطي قوة في العبادة وفقها في الاسلام، قال: وقد ذكرنا لنا: أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى " (2). وقوله: " إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والاشراق والطير محشورة كل له أواب) [ ص: 18 - 19 ] كما قال: (يا جبال أوبي معه والطير) [ سبأ: 10 ] أي سبحي معه. قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد في تفسير هذه الآية (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والاشراق) أي عند آخر النهار وأوله وذلك أنه كان الله تعالى قد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحدا بحيث أنه كان إذا ترنم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يرجع بترجيعه ويسبح بتسبيحه وكذلك الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرة وعشيا


(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب البيوع باب 15 كسب الرجل وعمل بيده وأحمد في مسنده 2 / 466 و 4 / 141 والدارمي في سننه كتاب البيوع. وابن ماجه في تجارات 1 / 25. بألفاظ ومن عدة طرق. (2) أخرجه مسلم في صحيحه (13 / 181، 182 وما بعدها - 196) وأحمد في مسنده 1 / 314، 2 / 160، 164، 187، 190، 194، 195 - 5 / 296 والبخاري في صحيحه: 30 / 54، 56 - 60 / 37 - 66 / 34 - 79 - 38. ورواه أبو داود وابن ماجه والدارمي والنسائي في سننهم. وابن عساكر في تاريخه 5 / 192 - 193 تهذيب. [ * ]

[ 14 ]

صلوات الله وسلامه عليه. وقال الاوزاعي: حدثني عبد الله بن عامر قال: أعطي داود من حسن الصوت ما لم يعط أحد قط حتى أن كان الطير والوحش ينعكف حوله حتى يموت عطشا وجوعا، وحتى أن الانهار لتقف. وقال وهب بن منبه: كان لا يسمعه أحد إلا حجل كهيئة الرقص، وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الآذان بمثله فيعكف الجن والانس والطير والدواب على صوته حتى يهلك بعضها جوعا. وقال أبو عوانة الاسفراييني: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا محمد بن منصور الطوسي، سمعت صبيحا أبا تراب (1) رحمه الله قال أبو عوانة: وحدثني أبو العباس المدني حدثنا محمد بن صالح العدوي حدثنا سيار هو ابن حاتم عن جعفر، عن مالك، قال كان داود عليه السلام إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى. وهذا غريب. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: سألت عطاء عن القراءة على الغناء فقال: وما بأس بذلك ؟ سمعت عبيد بن عمر يقول: كان داود عليه السلام يأخذ المعزفة فيضرب بها فيقرأ عليها فترد عليه صوته يريد بذلك أن يبكي وتبكي. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت أبي موسى الاشعري وهو يقرأ فقال: " لقد أوتي أبو موسى من مزامير آل داود " (2). وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه. وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لقد أعطي أبو موسى من مزامير داود " (3) على شرط مسلم وقد روينا عن أبي عثمان النهدي (4) أنه قال: لقد سمعت البربط والمزمار، فما سمعت صوتا أحسن من صوت أبي موسى الاشعري. وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابه الزبور، كما قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خفف على داود القراءة، فكان يأمر بدابته فتسرج فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه ". وكذلك رواه البخاري منفردا به: عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق به، ولفظه: " خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ولا يأكل إلا من عمل يديه " (5). ثم قال البخاري:


(1) عبارة محرفة. وفي نسخة البداية المطبوعة: انبئنا برادح وهي محرفة وصححت في قصص الانبياء لابن كثير ; كما أثبتناه من نسخة مخطوطة محفوظة بدار الكتب المصرية رقم تاريخ 3609 مصورة عن نسخة الاستانة. (2) مسند أحمد ج 2 / 369 وابن ماجه في سننه. ورواه الهيثمي في الزوائد وفيه: قلت أصله في الصحيحين من حديث أبي موسى ; في صحيح البخاري 66 / 30 / 5048 فتح الباري وفي مسلم من حديث بريدة 6 / 34 / 235 ورواه النسائي من حديث عائشة. ورواه الدارمي في سننه من حديث أبي موسى. (3) مسند أحمد ج 2 / 354. (4) في نسخ البداية المطبوعة: الترمذي وهو تحريف. (5) مسند أحمد ج: 2 / 314، وصحيح البخاري 60 / 37 / 3417 فتح الباري. [ * ]

[ 15 ]

ورواه موسى بن عقبة، عن صفوان هو ابن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام في تاريخه من طرق: عن إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، ومن طريق أبي عاصم، عن أبي بكر السبري عن صفوان بن سليم به. والمراد بالقرآن ههنا الزبور الذي أنزله عليه، وأوحاه إليه، وذكر رواية أشبه أن يكون محفوظا فإن كان ملكا له أتباع، فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تسرج الدواب وهذ أمر سريع مع التدبر والترنم والتغني به على وجه التخشع صلوات الله وسلامه عليه وقد قال الله تعالى: (وآتينا داود زبورا) [ الاسراء: 55 ] والزبور كتاب مشهور وذكرنا في التفسير الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه أنزل في شهر رمضان وفيه من المواعظ والحكم (1) ما هو معروف لمن نظر فيه. وقوله: (وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) أي أعطيناه ملكا عظيما وحكما نافذا. روى ابن جرير وابن أبي حاتم: عن ابن عباس: أن رجلين تداعيا إلى داود عليه السلام في بقر. ادعى أحدهما على الآخر أنه اغتصبها منه، فأنكر المدعى عليه، فأرجأ أمرهما إلى الليل، فلما كان الليل أوحى الله إليه أن يقتل المدعي فلما أصبح قال له داود: إن الله قد أوحى إلي أن أقتلك، فأنا قاتلك لا محالة فما خبرك فيما ادعيته على هذا ؟ قال: والله يا نبي الله إني لمحق فيما ادعيت عليه ولكني كنت اغتلت أباه قبل هذا فأمر به داود فقتل فعظم أمر داود في بني إسرائيل جدا وخضعوا له خضوعا عظيما. قال ابن عباس وهو قوله تعالى: (وشددنا ملكه) وقوله تعالى: (وآتيناه الحكمة) أي النبوة (2) (وفصل الخطاب) قال شريح والشعبي وقتادة وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم فصل الخطاب الشهود والايمان يعنون بذلك البينة على المدعي واليمين على من أنكر (3). وقال مجاهد والسدي هو إصابة القضاء وفهمه. وقال مجاهد هو الفصل في الكلام وفي الحكم واختاره ابن جرير وهذا لا ينافي ما روي عن أبي موسى أنه قول " أما بعد ". وقال وهب بن منبه لما كثر الشر وشهادات الزور في بني إسرائيل أعطي داود سلسلة لفصل القضاء فكانت ممدودة من السماء إلى صخرة بيت المقدس وكانت من ذهب، فإذا تشاجر الرجلان في حق فأيهما كان محقا نالها والآخر لا يصل إليها فلم تزل كذلك حتى أودع رجل رجلا لؤلؤة فجحدها منه واتخذ عكازا


(1) الزبور: كتاب ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود. وإنما هو دعاء تحميد وتمجيد. (2) وقال مجاهد: أي العدل ; وأبو العالية: أي العلم بكتاب الله، وقال قتادة: السنة. (3) رواه ابن عساكر في تاريخه 5 / 196 تهذيب وفي صحيح البخاري بنحوه 48 / 6 / 2514. وفي رواية ابن عباس: (.. ان اليمين على المدعى عليه) ورواه مسلم في 30 كتاب الاقضية (1) باب اليمين على المدعى عليه. عن ابن عباس وفيه: ولكن اليمين على المدعى عليه. حديث 1 - 2 ص 3 / 1336 / ورواه الترمذي في 13 / 12 / 1342. [ * ]

[ 16 ]

وأودعها فيه فلما حضرا عند الصخرة تناولها المدعي فلما قيل للآخر خذها بيدك عمد إلى العكاز فأعطاه المدعي وفيه تلك اللؤلؤة وقال اللهم: إنك تعلم أني دفعتها إليه، ثم تناول السلسلة فنالها فأشكل أمرها على بني إسرائيل. ثم رفعت سريعا من بينهم. ذكره بمعناه غير واحد من المفسرين. وقد رواه إسحق بن بشر عن إدريس بن سنان عن وهب به بمعناه. (وهل أتاك نبؤ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب. فغفرنا له ذلك وان له عندنا لزلفى وحسن مآب) [ ص 21 - 25 ]. وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف ههنا قصصا وأخبارا أكثرها إسرائيليات ومنها ما هو مكذوب لا محالة تركنا إيرادها في كتابنا قصدا اكتفاء واقتصارا على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وقد اختلف الائمة في سجدة ص هل هي من عزائم السجود أو إنما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود على قولين: قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن العوام، قال سألت مجاهدا عن سجدة ص فقال سألت ابن عباس من أين سجدت قال أو ما تقرأ: (ومن ذريته داود وسليمان) (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) فكان داود ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به فسجدها داود عليه السلام فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الامام أحمد: حدثنا اسمعيل هو ابن علية عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه قال في السجود في ص ليست من عزائم السجود. وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. وكذا رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أيوب وقال الترمذي حسن صحيح وقال النسائي أخبرني إبراهيم بن الحسن المقسمي حدثنا حجاج بن محمد عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص وقال: " سجدها داود توبة ونسجدها شكرا. تفرد به أحمد ورجاله ثقات. وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد معه الناس فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود قفال [ النبي صلى الله عليه وسلم ]: " إنما هي توبة نبي ولكن رأيتكم تشزنتم

[ 17 ]

للسجود ] " فنزل وسجد (1). تفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيح. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حميد، حدثنا بكر هو ابن عمر وأبو الصديق الناجي أنه أخبره: أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب ص فلما بلغ إلى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شئ بحضرته انقلب ساجدا قال فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يسجد بها بعد. تفرد به أحمد وروى الترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن يزيد بن خنيس، عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: قال لي ابن جريج: حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت الشجرة بسجودي فسمعتها تقول: وهي ساجدة: " اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا وأقبلها مني كما قبلت من عبدك داود " وقال ابن عباس فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول: وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة. ثم قال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذ الوجه. وقد ذكر بعض المفسرين أن عليه السلام مكث ساجدا أربعين يوما وقاله مجاهد والحسن وغيرهما وورد في ذلك حديث مرفوع لكنه من رواية يزيد الرقاشي وهو ضعيف متروك الرواية، قال الله تعالى: (فغفرنا له ذلك وان له عندنا لزلفى وحسن مآب) [ ص: 25 ]. أي أن له يوم القيامة لزلفى وهي القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة قدسه بسببها كما ثبت في حديث: " المقسطون على منابر من نور. عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وحكمهم وما ولوا " (2). وقال الامام أحمد في مسنده: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر " (3) وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الاغر به وقال: لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار في قوله: (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) قال: يقوم داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش فيقول الله: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت


(1) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة - باب السجود في ص حديث رقم 1410 ج 2 / 59. - ما بين معكوفين في الحديث سقطت من نسخ البداية المطبوعة واستدركت من أبي داود. - التشزن: قال في النهاية: التأهب والتهيؤ للشئ، والاستعداد له، مأخوذ من عرض الشئ وجانبه. وقد وردت في نسخ البداية، تشرف وتشرفتم وهو تحريف. واستدركت من أبي داود. (2) أخرجه مسلم في 33 كتاب الامارة (5) باب فضيلة الامام العادل 18 / 1827 والنسائي في آداب القضاة وأحمد في مسنده ج 2 / 160. (3) مسند أحمد ج 3 / 22، والترمذي في سننه 12 / 4 / 1329. [ * ]

[ 18 ]

الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني في الدنيا فيقول: وكيف وقد سلبته ؟ فيقول إني أرده عليك اليوم، قال: فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان. [ قال تعالى ]: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) [ ص: 26 ] هذا خطاب من الله تعالى مع داود والمراد ولاة الامور وحكام الناس وأمرهم بالعدل واتباع الحق المنزل من الله لا ما سواه من الآراء والاهواء وتوعد من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك، وقد كان داود عليه السلام هو المقتدى به في ذلك الوقت في العدل، وكثرة العبادة، وأنواع القربات، حتى إنه كان لا يمضي ساعة من آناء الليل، وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلا ونهارا كما قال تعالى: (اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) [ سبأ: 13 ] قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدثنا صالح المزي (1)، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجلد قال: قرأت في مسألة داود عليه السلام أنه قال: يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك ؟ قال فأتاه الوحي " أن يا داود ألست تعلم أن الذي بك من النعم مني قال بلى يا رب قال فأنى أرضى بذلك منك ". وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر بن بالويه، حدثنا محمد بن يونس القرشي، حدثنا روح بن عبادة، حدثني عبد الله بن لاحق عن ابن شهاب قال: قال داود: " الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله، فأوحى الله إليه: أنك أتعبت الحفظة يا داود " ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن علي بن الجعد عن الثوري مثله. وقال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: أنبأنا سفيان الثوري، عن رجل، عن وهب بن منبه قال: إن في حكمة آل داود حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلى بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام للقلوب، وحق على العاقل أن يعرف زمانه ويحفظ لسانه ويقبل على شأنه، وحق على العاقل أن لا يظعن إلا في إحدى ثلاث: زاد لمعاده، ومرمة لمعاشه، ولذة في غير محرم. وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا، عن أبي بكر بن أبي خيثمة، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي الاغر عن وهب بن منبه فذكره. ورواه أيضا عن علي بن الجعد، عن عمر بن الهيثم الرقاشي، عن أبي الاغر، عن وهب بن منبه فذكره. وأبو الاغر هذا هو الذي أبهمه ابن المبارك في روايته. قاله ابن عساكر ; وقال عبد الرزاق: أنبأنا بشر بن رافع، حدثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له أبو عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه فذكر مثله. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام أشياء كثيرة مليحة منها قوله كن لليتيم كالاب


(1) في نسخ البداية والنهاية: المزي وهو تحريف. وما أثبتناه المري وهو: صالح بن بشير المري البصري. [ * ]

[ 19 ]

الرحيم. واعلم انك كما تزرع كذلك تحصد. وروى بسند غريب مرفوعا قال داود يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها وعن داود عليه السلام أنه قال: مثل الخطيب الاحمق في نادي القوم كمثل المغني عند رأس الميت، وقال أيضا: ما أقبح الفقر بعد الغنى وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدى. وقال انظر ما تكره أن يذكر عنك في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت. وقال لا تعدن أخاك بما لا تنجزه له، فإن ذلك عداوة ما بينك وبينه. وقال محمد بن سعد أنبأنا محمد بن عمر الواقدي، حدثني هشام بن سعد، عن عمر مولى عفرة قال: قالت يهود لما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج النساء: انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام ولا والله ما له همة إلا إلى النساء حسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك، فقالوا: لو كان نبيا ما رغب في النساء وكان أشدهم في ذلك حيي بن أخطب فأكذبهم الله وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله عليه وسلامه فقال: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) [ النساء: 54 ] يعني بالناس رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) [ النساء: 54 ] يعني ما أتى الله سليمان بن داود كانت له ألف امرأة سبعمائة مهرية (1) وثلثمائة سرية، وكانت لداود عليه السلام مائة (2) امرأة منهن امرأة أوريا أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة، هذا أكثر مما لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر الكلبي نحو هذا وأنه كان لداود عليه السلام مائة امرأة ولسليمان ألف امرأة منهن ثلثمائة سرية. وروى (3) الحافظ في تاريخه في ترجمة صدقة الدمشقي الذي يروي عن ابن عباس من طريق الفرج بن فضالة الحمصي، عن أبي هريرة الحمصي، عن صدقة الدمشقي أن رجلا سأل ابن عباس عن الصيام فقال: لاحدثنك بحديث كان عندي في البحث (4) مخزونا إن شئت أنبأتك بصوم داود فإنه كان صواما قواما، وكان شجاعا لا يفر إذا لاقى، وكان يصوم يوما ويفطر يوما وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفضل الصيام صيام داود وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتا يكون فيها وكانت له ركعة من الليل يبكي فيها نفسه ويبكي ببكائه كل شئ ويصرف بصوته الهموم والمحموم " (5). وإن شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان فإنه كان يصوم من أول الشهر ثلاثة أيام، ومن وسطه ثلاثة أيام، ومن آخره ثلاثة أيام يستفتح الشهر بصيام ووسطه بصيام ويختمه بصيام. وإن شئت انبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى بن مريم: فإنه كان يصوم الدهر ويأكل الشعير ويلبس الشعر يأكل ما وجد ولا يسأل عما فقد ليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب، وكان أينما أدركه الليل


(1) مهرية: الزوجة ذات المهر. (2) في رواية للطبري عن السدي: تسع وتسعون امرأة. 1 / 249. (3) الحافظ ابن عساكر في تاريخه: 6 / 418 - 419 تهذيب. (4) البحث: المعدن (قاموس). (5) أخرجه أحمد في مسنده ج 2 / 164 - 190. [ * ]

[ 20 ]

صف (1) بين قدميه، وقام يصلي حتى يصبح، وكان راميا لا يفوته صيد يريده وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فيقضي لهم حوائجهم. وإن شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران فإنها كانت تصوم يوما وتفطر يومين. وإن شئت أنبأتك بصوم النبي العربي الامي محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ويقول إن ذلك صوم الدهر. وقد روى الامام أحمد عن أبي النصر عن فرج بن فضالة عن أبي هرم عن صدقة عن ابن عباس مرفوعا في صوم داود. [ ذكر ] (2) كمية حياته وكيفية وفاته عليه السلام قد تقدم في ذكر الاحاديث الواردة في خلق آدم: أن الله لما استخرج ذريته من ظهره فرأى فيهم الانبياء عليهم السلام ورأى فيهم رجلا يزهر فقال: أي رب من هذا ؟ قال: هذا ابنك داود، قال: أي رب كم عمره ؟ قال: ستون عاما قال: أي رب زد في عمره. قال: لا إلا أن أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف عام، فزاده أربعين عاما فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت، فقال: بقي من عمري أربعون سنة، ونسي آدم ما كان وهبه لولده داود، فأتمها الله لآدم ألف سنة ولداود مائة سنة. رواه أحمد عن ابن عباس والترمذي وصححه عن أبي هريرة وابن خزيمة وابن حبان. وقال الحاكم على شرط مسلم. وقد تقدم ذكر طرقه وألفاظه في قصة آدم. قال ابن جرير وقد زعم بعض أهل الكتاب أن عمر داود كان سبعا وسبعين سنة قلت هذا غلط مردود عليهم قالوا وكان مدة ملكه أربعين سنة وهذا قد يقبل نقله لانه ليس عندنا ما ينافيه ولا ما يقتضيه. وأما وفاته عليه السلام فقال الامام أحمد في مسنده: حدثنا قبيصة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان داود عليه السلام فيه غيرة شديدة فكان إذا خرج أغلقت (3) الابواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع قال: فخرج ذات يوم وغلقت الدار فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار فإذا رجل قائم وسط الدار فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة، والله لنفتضحن بداود فجاء داود فإذا الرجل قائم في وسط الدار فقال له داود: من أنت ؟ فقال: أنا الذي لا أهاب الملوك ولا أمنع من الحجاب. فقال داود أنت والله إذن ملك الموت مرحبا بأمر الله. ثم مكث حتى قبضت روحه فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس. فقال سليمان للطير: أظلي على داود. فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الارض، فقال سليمان للطير اقبضي


(1) في نسخة صفن، وكلاهما بمعنى. (2) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (3) في نسخ البداية المطبوعة: أغلق وما أثبتناه من مسند أحمد. [ * ]

[ 21 ]

جناحا. قال: قال أبو هريرة: " فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يرينا كيف فعلت الطير، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وغلبت عليه يومئذ المضرحية " (1). انفرد بإخراجه الامام أحمد، وإسناده جيد قوي، رجاله ثقات ومعنى قوله وغلبت عليه يومئذ المضرحية: أي وغلبت على التظليل عليه الصقور الطوال الاجنحة، واحدها مضرحي. قال الجوهري وهو الصقر الطويل الجناح، وقال السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس قال: مات داود عليه السلام فجأة وكان بسبت وكانت الطير تظله. وقال السدي أيضا عن أبي مالك، وعن سعيد بن جبير قال: مات داود عليه السلام يوم السبت فجأة. وقال إسحاق بن بشر (2) عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن قال: مات داود عليه السلام وهو ابن مائة سنة ومات يوم الاربعاء فجأة (3). وقال أبو السكن الهجري مات إبراهيم الخليل فجأة وداود فجأة وابنه سليمان فجأة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين رواه ابن عساكر، وروي عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه، فقال له: دعني أنزل أو أصعد فقال: يا نبي الله قد نفدت السنون والشهور والآثار والارزاق. قال: فخر ساجدا على مرقاة من تلك المراقي فقبضه وهو ساجد. وقال اسحاق بن بشر: أنبأنا وافر بن سليمان، عن أبي سليمان الفلسطيني، عن وهب بن منبه قال: إن الناس حضروا جنازة داود عليه السلام فجلسوا في الشمس في يوم صائف قال: وكان قد شيع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب عليهم البرانس سوى غيرهم من الناس، ولم يمت في بني إسرائيل بعد موسى وهرون أحد كانت بنو إسرائيل أشد جزعا عليه منهم على داود، قال: فأذاهم الحر فنادوا سليمان عليه السلام أن يعمل لهم وقاية لما أصابهم من الحر فخرج سليمان فنادى الطير فأجابت، فأمرها أن تظل الناس فتراص بعضها إلى بعض من كل وجه حتى استمسكت الريح، فكاد الناس أن يهلكوا غما فصاحوا إلى سليمان عليه السلام من الغم، فخرج سليمان فنادى الطير: أن أظلي الناس من ناحية الشمس وتنحي عن ناحية الريح ففعلت، فكان الناس في ظل، وتهب عليهم الريح فكان ذلك أول ما رأوه من ملك سليمان. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع، حدثني الوليد بن مسلم، عن الهيثم بن حميد، عن الوضين بن عطاء، عن نصر بن علقمة، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد قبض الله داود من بين أصحابه ما فتنوا ولا بدلوا ولقد مكث أصحاب المسيح على سننه وهديه مائتي سنة ". هذا حديث غريب وفي


(1) مسند أحمد ج 2 / 419. (2) وهو غير اسحاق بن يسار ; إسحاق بن بشر بن حذيفة البخاري صاحب " المبتدأ والفتوح ". متروك. كذبه علي بن المديني. (3) قال الطبري: عمر داود فيما وردت به الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة سنة. وفي رواية للطبري: عن بعض أهل الكتب فإنه زعم أن عمره كان سبعا وسبعين سنة وأن مدة ملكه كانت أربعين سنة. [ * ]

[ 22 ]

رفعه نظر والوضين بن عطاء كان ضعيفا في الحديث والله أعلم. قصة سليمان (1) بن داود عليهما السلام قال الحافظ ابن عساكر: هو سليمان بن داود بن ايشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عمينا داب بن ارم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم (2) أبي الربيع نبي الله ابن نبي الله. جاء في بعض الآثار أنه دخل دمشق (3). قال ابن ماكولا فارص بالصاد المهملة وذكر نسبه قريبا مما ذكره ابن عساكر قال الله تعالى: (وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين) [ النمل: 16 ] أي ورثه في النبوة والملك، وليس المراد ورثه في المال، لانه قد كان له بنون غيره، فما كان ليخص بالمال دونهم، وأنه قد ثبت في الصحاح من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركنا فهو صدقة " (4) وفي لفظ: " نحن معاشر الانبياء لا نورث " (5). فأخبر الصادق المصدوق أن الانبياء لا تورث أموالهم عنهم كما يورث غيرهم بل تكون أموالهم صدقة من بعدهم على الفقراء والمحاويج لا يخصون بها أقرباؤهم لان الدنيا كانت أهون عليهم وأحقر عندهم من ذلك، كما هي عند الذي أرسلهم واصطفاهم وفضلهم وقال: (يا أيها الناس علمنا منطق الطير) الآية يعني أنه عليه السلام كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادتها. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا علي بن حمشاد (6) حدثنا اسمعيل بن قتيبة، حدثنا علي بن قدامة، حدثنا أبو جعفر الاستوائي (7) يعني محمد بن عبد الرحمن عن أبي يعقوب القمي (8)، حدثني أبو مالك قال: مر


(1) ذكر سليمان في القرآن ست عشرة مرة في: البقرة - النساء - الانعام - الانبياء - النمل - سبأ - ص. (2) راجع التعليق على نسب داود، وقد تقدم قريبا. (3) راجع تاريخ ابن عساكر ج 6 / 352 - 253 تهذيب. (4) أخرجه البخاري في صحيحه 85 / 3 / 6727 فتح الباري، وأخرجه مسلم في صحيحه 32 / 16 / 49 ومالك في الموطأ 56 / 12 / 27 والترمذي في سننه 22 / 44 / 1610 والنسائي في سننه وأحمد في مسنده 1 / 4، 6، 9، 25 - 2 / 463 - 6 / 145، 262. (5) أخرجه البخاري في كتاب الخمس، وفضائل أصحاب النبي (12) وفي المغازي (14، 38) وفي النفقات (3) وفي الفرائض (3) وفي كتاب الجهاد (49، 52، 54، 56). (6) في الاصول حشاد، وهو تحريف. (7) في الاصول الاسواني وهو تحريف والصواب الاستوائي نسبة إلى اتسوا وهي كورة بنواحي نيسابور ذكره صاحب معجم البلدان وفيه: محمد بن بسطام بن الحسن الاستوائي وقد ولي قضاء نيسابور ودام له القضاء ولاولاده. معجم البلدان ج 1 / 175. (8) في الاصول: العمي، وهو أبو الحسن يعقوب بن عبد الله بن سعد بن مالك الاشعري القمي روى عن = [ * ]

[ 23 ]

سليمان بن داود بعصفور يدور حول عصفورة فقال لاصحابه: أتدرون ما يقول قالوا وما يقول يا نبي الله ؟ قال يخطبها إلى نفسه ويقول زوجيني أسكنك أي غرف دمشق شئت. قال سليمان عليه السلام لان غرف دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها أحد ولكن كل خاطب كذاب. رواه ابن عساكر (1): عن أبي القاسم زاهر بن طاهر عن البيهقي به وكذلك ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات والدليل على هذا قوله بعد هذا من الآيات: (وأوتينا من كل شئ) أي من كل ما يحتاج الملك إليه من العدد والآلات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والانس والطيور والوحوش والشياطين السارحات والعلوم والفهوم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات ثم قال: (إن هذا لهو الفضل المبين) أي من بارئ البريات وخالق الارض والسموات كما قال تعالى: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم يوزعون حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) [ النمل: 17 - 19 ]. يخبر تعالى عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه ركب يوما في جيشه جميعه من الجن والانس والطير، فالجن والانس يسيرون معه، والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر وغيره، وعلى كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة أي نقباء يردون أوله على آخره فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه، ولا يتأخر عنه (2) قال الله تعالى: (حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) [ النمل: 18 ] فأمرت وحذرت واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور. وقد ذكر وهب أنه مر وهو على البساط بواد (3) بالطائف وأن هذه النملة كان اسمها جرسا (4) وكانت من قبيلة يقال لهم بنو الشيصبان وكانت عرجاء وكانت بقدر الذئب. وفي هذا كله نظر بل في هذا السياق دليل على أنه كان في موكبه راكبا في خيوله وفرسانه لا كما زعم بعضهم من أنه كان إذ ذاك على البساط لانه لو كان كذلك لم ينل النمل منه شئ ولا وطئ لان البساط كان عليه جميع ما


= عيسى بن جابر وروى عنه أبو الربيع الزهراني وغيره توفي بقزوين سنة 74 معجم البلدان 4 / 398. (1) تاريخ ابن عساكر 6 / 253 تهذيب. (2) قال القرطبي في أحكام القرآن ج 13 / 168 وفي الآية دليل على اتخاذ الامام والحكام وزعة يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض ; إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم. (3) وادي السرير. (4) قال في أحكام القرآن: قيل كان اسمها: طاخية. وقال السهيلي: " قالوا اسمها حرميا. ولا أدري كيف يتصور للنملة اسم علم والنمل لا يسمي بعضهم بعضا. [ * ]

[ 24 ]

يحتاجون إليه من الجيوش والخيول والجمال والاثقال والخيام والانعام والطير من فوق ذلك كله كما سنبينه بعد ذلك إن شاء الله تعالى. والمقصود أن سليمان عليه السلام فهم ما خاطبت به تلك النملة لامتها من الرأي السديد، والامر الحميد، وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور بما أطلعه الله عليه دون غيره وليس كما يقوله بعض الجهلة، من أن الدواب كانت تنطق قبل سليمان، وتخاطب الناس حتى أخذ عليهم سليمان بن داود العهد وألجمها، فلم تتكلم مع الناس بعد ذلك، فإن هذا لا يقوله إلا الذين لا يعلمون ولو كان هذا هكذا لم يكن لسليمان في فهم لغاتها مزية على غيره، إذ قد كان الناس كلهم يفهمون ذلك ولو كان قد أخذ عليها العهد أن لا تتكلم مع غيره وكان هو يفهمها لم يكن في هذا أيضا فائدة يعول عليها، ولهذا قال: (رب أوزعني) أي ألهمني وأرشدني: (أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) فطلب من الله أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى ما خصه به من المزية على غيره وأن ييسر عليه العمل الصالح وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين وقد استجاب الله تعالى له. والمراد بوالديه داود عليه السلام وأمه وكانت من العابدات الصالحات كما قال سنيد بن داود، عن يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قالت أم سليمان بن داود: يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تدع العبد فقيرا يوم القيامة ". رواه ابن ماجه (1) عن أربعة من مشايخه عنه به نحوه. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، أن سليمان بن داود عليه السلام خرج هو وأصحابه يستسقون فرأى نملة قائمة رافعة إحدى قوائمها تستسقي فقال لاصحابه: ارجعوا فقد سقيتم إن هذه النملة استسقت فاستجيب لها. قال ابن عساكر (2): وقد روي مرفوعا ولم يذكر فيه سليمان ثم ساقه من طريق محمد بن عزيز، عن سلامة بن روح بن خالد، عن عقيل، عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " خرج نبي من الانبياء بالناس يستسقون الله فإذا هم بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال النبي: " ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة ". وقال السدي: أصاب الناس قحط على عهد سليمان عليه السلام، فأمر الناس فخرجوا فإذا بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها وهي تقول: " اللهم أنا خلق من خلقك ولا غناء بنا عن فضلك " قال فصب الله عليهم المطر. قال تعالى: (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لاعذبنه عذابا


(1) رواه ابن ماجه في اقامة ح 174 وفيه:.. تترك الرجل فقيرا. (2) رواه ابن عساكر في تاريخه 6 / 271 تهذيب. [ * ]

[ 25 ]

شديدا أو لاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون إلا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والارض ويعلم ما يخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم. قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. إذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون. قالت يا أيها الملا إني القي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين قالت يا أيها الملا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والامر إليك فانظري ماذا تأمرين. قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا اعزة أهلها اذلة وكذلك يفعلون وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون. ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها اذلة وهم صاغرون) [ النمل: 20 - 37 ]. يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد وذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدمون (1) يقومون بما يطلب منهم، ويحضرون عنده بالنوبة كما هي عادة الجنود مع الملوك. وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره أنهم كانوا إذا اعوزوا الماء في القفار في حال الاسفار يجئ فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء وفيه من القوة التي أودعها الله تعالى فيه أن ينظر إلى الماء تحت تخوم الارض فإذا دلهم عليه حفروا عنه واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم. فلما تطلبه سليمان عليه السلام ذات يوم فقده ولم يجده في موضعه من محل خدمته (فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين) أي ماله مفقود من ههنا أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي (لاعذبنه عذابا شديدا) توعده بنوع من العذاب. اختلف المفسرون فيه والمقصود حاصل على كل تقدير (أو لاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين) أي بحجة تنجيه من هذه الورطة. قال الله تعالى: (فمكث غير بعيد) أي فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة ثم قدم منها: (فقال) لسليمان: (احطت بما لم تحط به) أي اطلعت على ما لم تطلع عليه (وجئتك من سبأ بنبأ يقين) أي بخبر صادق (إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم) يذكر ما كان عليه ملوك سبأ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوجين، وكان الملك قد آل في ذلك الزمان إلى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يخلف غيرها فملكوها عليهم. وذكر الثعلبي وغيره أن قومها ملكوا عليهم بعد أبيها رجلا فعم به الفساد، فأرسلت إليه


(1) في الطبري: اختار سليمان من كل طير طيرا فجعله رأس تلك الطير، فإذا أراد أن يسأل شيئا من تلك الطير سأل رأسها. [ * ]

[ 26 ]

تخطبه فتزوجها فلما دخلت عليه سقته خمرا ثم حزت رأسه ونصبته على بابها (1)، فأقبل الناس عليها وملكوها عليهم وهي بلقيس بنت السيرح وهو الهدهاد وقيل شراحيل بن ذي جدن بن السيرح (2) بن الحرث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وكان أبوها من أكابر الملوك وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن فيقال إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن (3)، فولدت له هذه المرأة واسمها تلقمة (4) ويقال لها بلقيس. وقد روى الثعلبي من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان أحد أبوي بلقيس جنيا ". وهذا حديث غريب وفي سنده ضعف. وقال الثعلبي أخبرني أبو عبد الله بن قبحونة، حدثنا أبو بكر بن جرجة، حدثنا ابن أبي الليث، حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ". اسماعيل بن مسلم هذا هو المكي ضعيف. وقد ثبت في صحيح البخاري: من حديث عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم ابنة كسرى قال: " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " (5). ورواه الترمذي والنسائي من حديث حميد عن الحسن عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم [ بمثله ] وقال الترمذي حسن صحيح وقوله: (واوتيت من كل شئ) أي مما من شأنه أن تؤتاه الملوك (ولها عرش عظيم) يعني سرير مملكتها كان مزخرفا بأنواع الجواهر واللآلئ والذهب والحلى الباهر. ثم ذكر كفرهم بالله وعبادتهم الشمس من دون الله وإضلال الشيطان لهم وصده إياهم عن عبادة الله وحده لا شريك له الذي يخرج الخبء في السموات والارض ويعلم ما يخفون وما يعلنون أي يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) أي له العرش العظيم، الذي لا أعظم منه في المخلوقات. فعند ذلك بعثه معه سليمان عليه السلام كتابه يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله والانابة والاذعان إلى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه ولهذا قال لهم: (ألا تعلوا علي) أي لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامري (واتوني مسلمين) أي وأقدموا علي سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مراودة. فلما


(1) راجع الكامل لابن الاثير 1 / 233. (2) ذكر الطبري في نسبها: ابنة ذي شرح بن ذي جدن بن ايلي شرح. (3) في أحكام القرطبي: بلعمة بنت شيصان. وفي الكامل: رواحة بنت السكر ; وقيل يلقمه بنت عمرو بن عمير الجني. (4) في الطبري: بلمقة وفي الكامل: بلقمة. (5) أخرجه البخاري في صحيحه 92 / 18، والترمذي في سننه 31 / 75 وأحمد في مسنده: 5 / 38، 43، 45، 47، 50، 51 والنسائي في سننه وأبو داود الطيالسي في مسنده. قال القاضي ابن العربي: هذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة ولا خلاف فيه ونقل عن الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه. [ * ]

[ 27 ]

جاءها الكتاب مع الطير ومن ثم اتخذ الناس البطائق، ولكن أين الثريا من الثرى، تلك البطاقة كانت مع طائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له، فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها فألقاه إليها وهي في خلوة لها ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها، فجمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها (قالت يا أيها الملا إني القي إلي كتاب كريم) ثم قرأت عليهم عنوانه أولا (إنه من سليمان) ثم قرأته: (وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي واتوني مسلمين) ثم شاورتهم في أمرها وما قد حل بها وتأدبت معهم، وخاطبتهم، وهم يسمعون (قالت يا أيها الملا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون) [ النمل: 32 ] تعني ما كنت لابت أمرا إلا وأنتم حاضرون (قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد) يعنون لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الابطال فإن أردت منا ذلك فإنا عليه من القادرين (و) مع هذا (الامر إليك فانظري ماذا تأمرين) [ النمل: 33 ] فبذلوا لها السمع والطاعة وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة، وفوضوا إليها في ذلك الامر، لترى فيه ما هو الارشد لها ولهم، فكان رأيها أتم وأسد من رأيهم، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون) [ النمل: 34 ] تقول برأيها السديد إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الامر من بينكم إلا إلي ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة إلا علي (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) [ النمل: 35 ] أرادت أن تصانع عن نفسها، وأهل مملكتها بهدية ترسلها، وتحف تبعثها ولم تعلم أن سليمان عليه السلام لا يقبل منهم، والحالة هذه صرفا ولا عدلا لانهم كافرون وهو وجنوده عليهم قادرون ولهذا (لما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون) [ النمل: 36 ] هذا وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة، كما ذكره المفسرون (1). ثم قال لرسولها إليه ووافدها الذي قدم عليه والناس حاضرون يسمعون (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) [ النمل: 37 ] يقول ارجع بهديتك التي قدمت بها إلي من قد من بها، فإن عندي مما قد أنعم الله علي وأسداه إلي من الاموال، والتحف، والرجال ما هو أضعاف هذا وخير من هذا الذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه (فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها) [ النمل: 37 ] أي فلابعثن إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم ولاخرجنهم من بلدهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم أذلة (وهم صاغرون) عليهم الصغار والعار


(1) عن ابن عباس: بعث باثنتي عشرة وصيفة، واثني عشر غلاما، وعلى يد الوصائف أطباق مسك وعنبر، وباثنتي عشرة نجيبة تحمل لبن الذهب، وبعصا كان يتوارثها ملوك حمير ; وبخرزتين احداهما مثقوبة ثقبا معوجا والاخرى غير مثقوبة. وبقدح لا شئ فيه. (من ذهب). [ قيل بعثت الهدية مع رجل من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو ]. أحكام القرآن 13 / 196. [ * ]

[ 28 ]

والدمار. فلما بلغهم ذلك عن نبي الله لم يكن لهم بد من السمع والطاعة، فبادروا إلى إجابته في تلك الساعة، وأقبلوا صحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين. فلما سمع بقدومهم عليه، ووفودهم إليه، قال لمن بين يديه ممن هو مسخر له من الجان ما قصه الله عنه في القرآن. (قال يا أيها الملا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين. قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) [ النمل: 38 - 43 ] - لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس، وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها، قبل قدومها عليه (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) يعني قبل أن ينقضي مجلس حكمك وكان فيما يقال من أول النهار إلى قريب الزوال يتصدى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الاشغال (وإني عليه لقوي أمين) أي وإني لذو قدرة على إحضاره إليك وأمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك (قال الذي عنده علم من الكتاب) المشهور أنه آصف بن برخيا وهو ابن خالة سليمان. وقيل هو رجل من مؤمني الجان كان فيما يقال يحفظ الاسم الاعظم. وقيل رجل من بني إسرائيل من علمائهم وقيل إنه سليمان وهذا غريب جدا. وضعفه السهيلي بأنه لا يصح في سياق الكلام قال وقد قيل فيه قول رابع وهو جبريل (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) قيل معناه قبل أن تبعث رسولا إلى أقصى ما ينتهي إليه طرفك من الارض ثم يعود إليك. وقيل قبل أن يصل إليك أبعد من تراه من الناس وقيل قبل أن يكل طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك. وقيل قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته وهذا أقرب ما قيل. (فلما رآه مستقرا عنده) أي فلما رأى عرش بلقيس مستقرا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين (قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) أي هذا من فضل الله علي وفضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) أي إنما يعود نفع ذلك عليه (ومن كفر فإن ربي غني كريم) أي غني عن شكر الشاكرين ولا يتضرر بكفر الكافرين. ثم أمر سليمان عليه السلام أن يغير حلى هذا العرش وينكر لها ليختبر فهمها وعقلها ولهذا قال: (ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو) وهذا من فطنتها وغزارة فهمها لانها استبعدت أن يكون عرشها لانها خلفته وراءها بأرض اليمن ولم تكن تعلم أن أحدا يقدر على هذا

[ 29 ]

الصنع العجيب الغريب قال الله تعالى إخبارا عن سليمان وقومه: (وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين) أي ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي قومها من دون الله اتباعا لدين آبائهم وأسلافهم لا لدليل قادهم إلى ذلك ولا حداهم على ذلك، وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج، وعمل في ممره ماء، وجعل عليه سقفا من زجاج، وجعل فيه من السمك وغيرها من دواب الماء، وأمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه (فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت ربي أني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) [ النمل: 44 ] وقد قيل إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها، وخشوا أن يتزوجها لان أمها من الجان فتتسلط عليهم معه. وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة وهذا ضعيف. وفي الاول أيضا نظر والله أعلم. إلا أن سليمان قيل إنه لما أراد إزالته حين عزم على تزوجها سأل الانس عن زواله فذكروا له الموسى فامتنعت من ذلك. فسأل الجان فصنعوا له النورة، ووضعوا لها الحمام، فكان أول من دخل الحمام فلما وجد مسه قال أوه من عذاب أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه. رواه الطبراني مرفوعا وفيه نظر. وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها أقرها على مملكة اليمن (1) وردها إليه، وكان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور باليمن غمدان وسالحين وبيتون فالله أعلم. وقد روى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه أن سليمان لم يتزوجها بل زوجها بملك همدان (2) وأقرها على ملك اليمن وسخر زوبعة ملك جن اليمن فبنى لها القصور الثلاثة التي ذكرناها باليمن. والاول أشهر وأظهر. والله أعلم. وقال تعالى في سورة ص: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والاعناق. ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه جسدا ثم أناب. قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي أنك أنت الوهاب. فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الاصفاد. هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) [ ص: 30 - 39 ] يذكر تعالى أنه وهب


(1) هذا قول ابن الاثير في الكامل. وفي أحكام القرآن عن الضحاك: أنه تزوجها وأسكنها الشام. (2) وفي رواية أخرى في الكامل: أنه زوجها ذا تبع ملك همدان ثم ردها إلى اليمن. ونقل الخبر الطبري في تاريخه 1 / 257. وفيه أمر زوبعة أمير جن اليمن فصنع لذي تبع الصنائع باليمن.. سلحين وصرواح ومرواح. وبينون وهند وهنيدة وتلثوم (وهي حصون). [ * ]

[ 30 ]

لداود سليمان عليهما السلام ثم أثنى الله عليه تعالى فقال: (نعم العبد إنه أواب) أي رجاع مطيع لله. ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافنات وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة. الجياد وهي المضمرة السراع (فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب) يعني الشمس. وقيل الخيل على ما سنذكره من القولين. (ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والاعناق) قيل مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف. وقيل مسح عنها العرق لما أجراها وسابق بينها وبين يديه على القول الآخر. والذي عليه أكثر السلف الاول فقالوا: اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس روي هذا عن علي بن أبي طالب وغيره والذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدا من غير عذر، اللهم إلا أن يقال إنه كان سائغا في شريعتهم فأخر الصلاة لاجل أسباب الجهاد وعرض الخيل من ذلك. وقد ادعى طائفة من العلماء في تأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق أن هذا كان مشروعا إذ ذاك حتى نسخ بصلاة الخوف قاله الشافعي وغيره. وقال مكحول والاوزاعي بل هو حكم محكم إلى اليوم أنه يجوز تأخيرها بعذر القتال الشديد (1) كما ذكرنا تقرير ذلك في سورة النساء عند صلاة الخوف. وقال آخرون بل كان تأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق نسيانا وعلى هذا فيحمل فعل سليمان عليه السلام على هذا والله أعلم. وأما من قال الضمير في قوله حتى توارت بالحجاب عائد على الخيل وأنه لم تفته وقت صلاة وإن المراد بقوله: (ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والاعناق) يعني مسح العرق عن عراقيبها وأعناقها، فهذا القول اختاره ابن جرير ورواه الوالبي عن ابن عباس في مسح العرق. ووجه هذا القول ابن جرير بأنه ما كان ليعذب الحيوان بالعرقبة ويهلك مالا بلا سبب ولا ذنب لها وهذا الذي قاله فيه نظر لانه قد يكون هذا سائغا في ملتهم وقد ذهب بعض علمائنا: إلى أنه إذا خاف المسلمون أن يظفر الكفار على شئ من الحيوانات من أغنام ونحوها جاز ذبحها وإهلاكها لئلا يتقووا بها، وعليه حمل صنيع جعفر بن أبي طالب يوم عقر فرسه بموته، وقد قيل إنها كانت خيلا عظيمة. قيل كانت عشرة آلاف فرس. وقيل عشرين ألف فرس (2). وقيل كان فيها عشرون فرسا من ذوات الاجنحة. وقد روى أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا يحيى بن أيوب، حدثني عمارة بن عزية ": أن محمد بن إبراهيم حدثه 4)


(1) الخبر في تاريخ ابن عساكر ج 6 / 258 و 259 تهذيب وقال القرطبي في أحكامه: ومن قال إن الهاء في ردوها ترجع للشمس فذلك من معجزاته. والاكثر أن التي توارت بالحجاب هي الشمس، ولما فاتته الصلاة فأمر الله الملائكة الموكلين بالشمس ردوها فردوها حتى صلى العصر في وقتها وأن أنبياء الله لا يظلمون لانهم معصومون. ج 15 / 196. (2) وعن الحسن والكلبي ومقاتل: كانت ألف فرس ورثها سليمان عن أبيه، عرض عليه تسعمائة فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت. [ * ]

[ 31 ]

عن محمد (1) بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها (2) ستر فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة تلعب، فقال: " ما هذا يا عائشة ؟ فقالت: بناتي، ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع. فقال: " ما هذا الذي أرى وسطهن ؟ قالت: فرس. قال: وما الذي عليه هذا ؟ قالت: جناحان. قال: فرس له جناحان ؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه صلى الله عليه وسلم " (3). وقال بعض العلماء لما ترك الخيل لله عوضه الله عنها بما هو خير له منها وهو الريح التي كانت غدوها شهرا ورواحها شهرا كما سيأتي الكلام عليها، كما قال الامام أحمد: حدثنا إسمعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة وأبي الدهماء، وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يعلمني مما علمه الله عزوجل وقال: " إنك لا تدع شيئا اتقاء الله عزوجل إلا أعطاك الله خيرا منه " (4). وقوله تعالى: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب). ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين ههنا آثارا كثيرة عن جماعة من السلف وأكثرها أو كلها متلقاة من الاسرائيليات (5) وفي كثير منها نكارة شديدة وقد نبهنا على ذلك في كتابنا التفسير واقتصرنا ههنا على مجرد التلاوة ومضمون ما ذكروه أن سليمان عليه السلام غاب عن سريره أربعين يوما ثم عاد إليه ولما عاد أمر ببناء بيت المقدس فبناه بناء محكما. وقد قدمنا أنه جدده وأن أول من جعله مسجدا اسرائيل عليه السلام كما ذكرنا ذلك عند قول أبي ذر، قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول قال: " المسجد الحرام " قلت: ثم أي ؟ قال: مسجد بيت المقدس، قلت: كم


(1) في سنن أبي داود: عن أبي سلمة، وسقط اسم محمد ابنه. (2) السهوة. قال في النهاية: السهوة بيت صغير، منحدر في الارض قليلا وقيل هو كالصفة، وقيل شبيه بالرف أو الطاق يوضع فيه الشئ. (3) سنن أبي داود - كتاب الادب - باب في اللعب بالبنات ح 4932 ج 4 / 283. (4) مسند أحمد ج 5 / 79 وفيه: إلا أتاك الله خيرا منه. (5) هذه الاقوال التي نقلها المفسرون لا تصح قصصا لمنافاتها للعصمة التي هي من أخص صفات الانبياء عليهم السلام. ولو صح منها شئ لكان الوحي محل الشك والارتياب. وقال أبو حيان في تفسيره: نقل المفسرون في هذه الفتنة وإلقاء الجسد أقوالا يجب براءة الانبياء منها، وهي مما لا يحل نقلها وهي إما من أوضاع اليهود أو الزنادقة. ولم يبين الله الفتنة ما هي ولا الجسد الذي ألقاه على كرسي سليمان.. وقال: ويستحيل عقلا بعض ما ذكروه كتمثل الشيطان بصورة نبي حتى يلتبس أمره عند الناس.. نسأل الله سلامة أذهاننا وعقولنا منها. وقال الالوسي: ومن أقبح ما زعم: تسلط الشيطان على نساء نبيه حتى وطئهن وهن حيض. الله أكبر ! هذا بهتان عظيم وخطب جسيم.. وقد ضعف القرطبي هذا الزعم. [ * ]

[ 32 ]

بينهما ؟ قال: أربعون سنة " (1) ومعلوم أن بين إبراهيم الذي بنى المسجد الحرام، وبين سليمان بن داود عليهما السلام أزيد من ألف سنة دع أربعين سنة وكان سؤاله الملك الذي لا ينبغي لاحد من بعده بعد إكماله اليت المقدس. كما قال الامام أحمد، والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم بأسانيدهم عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه عزوجل خلالا ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة، سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكا لا ينبغي لاحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطانا إياها " (2). فأما الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) [ الانبياء: 78 - 79 ] وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين، أي رعته بالليل فأكلت شجرة بالكلية، فتحاكموا إلى داود عليه السلام فحكم لاصحاب الكرم بقيمته فلما خرجوا على سليمان قال: بما حكم لكم نبي الله ؟ فقالوا: بكذا وكذا فقال أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجا ودرا حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه، ثم يتسلموا غنمهم، فبلغ داود عليه السلام ذلك فحكم به. وقريب من هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الآخر فقالت الكبري: إنما ذهب بابنك. وقالت الصغري: بل إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى، فخرجتا على سليمان فقال ائتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه، فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به لها " (3). ولعل كلا من الحكمين كان سائغا في شريعتهم، ولكن ما قاله سليمان أرجح، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه وإياه ومدح بعد ذلك أباه فقال: (وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون) [ الانبياء: 79 - 80 ]. ثم قال: (ولسليمان الريح عاصفة) أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة (تجري بأمره إلى الارض التي باركنا فيها وكنا بكل شئ عالمين.


(1) أخرجه البخاري في كتاب الانبياء 10 - 40 ومسلم في المساجد 1، 2 والنسائي في مساجد 3 وابن ماجه في مساجد 7 ومسند أحمد ج 5 / 150، 156، 157، 160، 166، 167. (2) أخرجه النسائي في مساجد - 6 - وابن ماجه إقامة 196 وأحمد في مسنده ج 2 / 176. (3) أخرجه البخاري في كتاب الانبياء 41 / 4 والقضاء 60 / 40 ورواه مسلم في 5 / 33، 30 / 20 والنسائي وأبو داود في سننيهما وابن ماجه في 28 / 14 وأحمد في مسنده 2 / 322 - 340 - 5 / 447 - 448. [ * ]

[ 33 ]

ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين) [ الانبياء: 81 - 82 ]. وقال في سورة ص: (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الاصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب. وان له عندنا لزلفى وحسن مآب) [ ص: 36 - 40 ]. لما ترك الخيل ابتغاء وجه الله عوضه الله منها الريح التي هي أسرع سيرا وأقوى وأعظم ولا كلفة عليه لها تجري بأمره رخاء (حيث أصاب) أي حيث أراد من أي البلاد. كان له بساط مركب من أخشاب بحيث إنه يسع جميع ما يحتاج إليه من الدور المبنية والقصور والخيام والامتعة والخيول والجمال والاثقال والرجال من الانس والجان، وغير ذلك من الحيوانات والطيور فإذا أراد سفرا أو مستنزها أو قتال ملك أو أعداء من أي بلاد الله شاء، فإذا حمل هذه الامور المذكورة على البساط أمر الريح فدخلت تحته فرفعته فإذا استقل بين السماء والارض أمر الرخاء فسارت به، فإن أراد أسرع من ذلك أمر العاصفة فحملته أسرع ما يكون فوضعته في أي مكان شاء بحيث إنه كان يرتحل في أول النهار من بيت المقدس فتغدو به الريح فتضعه باصطخر (1) مسيرة شهر فيقيم هناك إلى آخر النهار. ثم يروح من آخره فترده إلى بيت المقدس كما قال تعالى: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) [ سبأ: 12 - 13 ]. قال الحسن البصري كان يغدو من دمشق فينزل باصطخر فيتغدى بها ويذهب رائحا منها فيبيت بكابل (2) وبين دمشق وبين إصطخر مسيرة شهر، وبين إصطخر وكابل مسيرة شهر. قلت: قد ذكر المتكلمون على العمران والبلدان: أن إصطخر بنتها الجان لسليمان وكان فيها قرار مملكة الترك قديما وكذلك غيرها من بلدان شتى كتدمر وبيت المقدس وباب جبرون وباب البريد اللذان بدمشق على أحد الاقوال. وأما القطر فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد: هو النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن أنبعها الله له. قال السدي ثلاثة أيام فقط (3) أخذ منها جميع ما يحتاج إليه للبنايات


(1) إصطخر: بلدة بفارس، من أقدم مدنها وأشهرها، كان عليها قديما سور فتهدم بينها وبين شيراز اثنا عشر فرسخا النسبة إليها اصطخري واصطخرزي بناها اصطخر بن طهمورث ملك الفرس. معجم البدان 1 / 211. (2) كابل: كابل في الاقليم الثالث، قال ابن الفقيه: من ثغور طخارستان. وهي بين الهند ونواحي سجستان في ظهر الغور. غزاها المسلمون في أيام بني مروان وافتتحوها. معجم البلدان 4 / 426. (3) قال القشيري: تخصيص الاسالة بثلاثة أيام لا يدري ما حده، ولعله وهم من ناقله، إذ في رواية مجاهد: أنها سالت من صنعاء ثلاث ليال مما يليها، وهذا يشير إلى بيان الموضع لا إلى بيان المدة. [ * ]

[ 34 ]

وغيرها وقوله: (ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير) [ سبأ: 12 ] أي وسخر الله له من الجن عمالا يعملون له ما يشاء، لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته، ومن خرج منهم عن الامر عذبه ونكل به (يعملون له ما يشاء من محاريب) وهي الاماكن الحسنة وصدور المجالس (وتماثيل) وهي الصور في الجدران وكان هذا سائغا في شريعتهم وملتهم (1) (وجفان كالجواب). قال ابن عباس الجفنة كالجوبة من الارض وعنه كالحياض، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم. وعلى هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء كما قال الاعشى: تروح على آل المحلق جفنة * كجابية الشيخ العراقي يفهق (2) وأما القدور الراسيات فقال عكرمة: أثافهيا منها. يعني أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن وهكذا قال مجاهد وغير واحد. ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام والاحسان إلى الخلق من إنسان وجان قال تعالى: (اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) [ سبأ: 13 ] وقال تعالى: (والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الاصفاد) يعني أن منهم من قد سخره في البناء ومنهم من يأمره بالغوص في الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر واللآلئ وغير ذلك مما لا يوجد إلا هنالك وقوله: (وآخرين مقرنين في الاصفاد) أي قد عصوا فقيدوا مقرنين اثنين اثنين في الاصفاد: وهي القيود. هذا كله من جملة ما هيأه الله وسخر له من الاشياء التي هي من تمام الملك الذي لا ينبغي لاحد من بعده، ولم يكن أيضا لمن كان قبله. وقد قال البخاري: ثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي [ ص: 35 ] فرددته خاسئا) " (3). وكذا رواه


= وقال القرطبي في أحكامه: والظاهر أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عينا تسيل كعيون المياه دلالة على نبوته. 14 / 270. (1) نسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، وقد صح النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الآية، والتوعد لمن عملها أو اتخذها، فنسخ الله عزوجل بهذا ما كان مباحا قبله، وكانت الحكمة في ذلك لانه بعث صلى الله عليه وسلم والصور تعبد، فكان الاصلح إزالتها. روى مسلم عن عائشة عنه صلى الله عليه وسلم قال: إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله عز وجل. (2) الفهق: الامتلاء. وخص العراقي لجهله بالمياه لانه حضري، فإذا وجدها ملا جابيته وأعدها ولم يدر متى يجد المياه ; وأما البدوي فهو عالم بالمياه فهو لا يبالي ألا بعدها. (3) صحيح البخاري 8 / 75، 60 / 40، وأخرجه مسلم في صحيحه (5) كتاب المساجد (28) باب - 309 / 541. وأحمد في مسنده: 2 / 298. [ * ]

[ 35 ]

مسلم والنسائي من حديث شعبة. وقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فسمعناه يقول: " أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا: يارسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك، قال: " إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي. فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات. ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لاصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة " (1) وكذا رواه النسائي عن محمد بن سلمة به. وقال أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا مرة بن معبد، ثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة. فلما فرغ من صلاته قال: " لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين: الابهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لاصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل " (2). روى أبو داود منه " فمن استطاع " إلى آخره عن أحمد بن سريج عن أحمد الزبيري به. وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة سبعمائة بمهور وثلثمائة سراري وقيل بالعكس ثلثمائة حرائر وسبعمائة من الاماء. وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمرا عظيما جدا قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال سليمان بن داود لاطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه إن شاء الله فلم يقل فلم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا أحد شقيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو قالها لجاهدوا في سبيل الله " (3). وقال شعيب وابن أبي الزناد تسعين وهو أصح. تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا يزيد، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال سليمان بن داود لاطوفن الليلة على مائة امرأة كل امرأة منهن تلد غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف تلك الليلة على مائة امرأة فلم تلد منهن


(1) أخرجه مسلم: في 5 كتاب المساجد - 28 باب 40 / 542 ; والنسائي في سننه 17 / 19. (2) مسند أحمد ج 3 / 82. (3) صحيح البخاري 83 / 4 / 6639 فتح الباري. [ * ]

[ 36 ]

امرأة إلا امرأة ولدت نصف إنسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو قال إن شاء الله لولدت كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله الله عزوجل " (1). إسناده على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم، ثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال قال سليمان بن داود لاطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله ولم يستثن فما ولدت إلا واحدة منهن بشق إنسان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو استثنى لولد له مائة غلام كلهم يقاتل في سبيل الله عزوجل " تفرد به أحمد أيضا (2). وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سليمان بن داود لاطوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله قال: ونسي أن يقول إن شاء الله فأطاف بهن قال: فلم تلد منهن امرأة إلا واحدة نصف إنسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته " (3) وهكذا أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به مثله. وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا مقاتل، عن أبي الزناد وابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن سليمان بن داود كان له أربعمائة امرأة وستمائة سرية فقال يوما: لاطوفن الليلة على ألف امرأة فتحمل كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يستثن فطاف عليهن فلم تحمل واحدة منهن إلا امرأة واحدة منهن جاءت بشق إنسان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو استثنى فقال إن شاء الله لولد له ما قال فرسان ولجاهدوا في سبيل الله عزوجل ". وهذا إسناد ضعيف لحال إسحاق بن بشر فإنه منكر الحديث ولا سيما وقد خالف الروايات الصحاح. وقد كان له عليه السلام من أمور الملك واتساع الدولة وكثرة الجنود وتنوعها ما لم يكن لاحد قبله، ولا يعطيه الله أحدا بعده كما قال: (وأوتينا من كل شئ) [ النمل: 16 ] (وقال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب) [ ص: 35 ] وقد أعطاه الله ذلك بنص الصادق المصدوق. ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليه وأسداه من النعم الكاملة العظيمة إليه قال: (وهذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) أي أعط من شئت واحرم من شئت فلا حساب عليك أي تصرف في المال كيف شئت، فإن الله قد سوغ لك كل ما تفعله من ذلك ولا يحاسبك على ذلك، وهذا شأن النبي الملك بخلاف العبد الرسول، فإن من شأنه أن لا يعطي أحدا ولا يمنع أحدا إلا باذن الله له في ذلك، وقد خير نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين هذين المقامين فاختار أن يكون عبدا رسولا (4). وفي بعض الروايات أنه استشار جبريل في ذلك، فأشار إليه أن تواضع فاختار أن يكون عبدا


(1) رواه أحمد في مسنده ج 2 / 506 ورواه ابن عساكر في تاريخه 6 / 266 تهذيب. (2) مسند الامام أحمد 2 / 229. (3) مسند الامام أحمد 2 / 275. (4) تقدم تخريج الحديث ورواته فليراجع في محله. [ * ]

[ 37 ]

رسولا صلوات الله وسلامه عليه وقد جعل الله الخلافة والملك من بعده في أمته إلى يوم القيامة فلا تزال طائفة من أمته ظاهرين حتى تقوم الساعة فلله الحمد والمنة. ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان عليه السلام من خير الدنيا نبه على ما أعده له في الآخرة من الثواب الجزيل والاجر الجميل والقربة التي تقربه إليه والفوز العظيم والاكرام بين يديه وذلك يوم المعاد والحساب حيث يقول تعالى: (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب). [ ذكر ] (1) وفاته و [ كم كانت ] (1) مدة ملكه وحياته قال الله تبارك وتعالى: (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الارض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) [ سبأ: 14 ]. روى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من حديث إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كان سليمان نبي الله عليه السلام إذا صلى رأس شجرة نابتة بين يديه فيقول لها ما اسمك فتقول كذا فيقول لاي شئ أنت ؟ فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء أنبتت فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك قالت الخروب قال لاي شئ أنت ؟ قالت لخراب هذا البيت فقال سليمان: اللهم عم على الجن موتي حتى تعلم الانس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا والجن تعمل فأكلتها الارضة، فتبينت الانس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين. قال وكان ابن عباس يقرأها كذلك قال فشكرت الجن للارضة فكانت تأتيها بالماء (2). لفظ ابن جرير. وعطاء الخراساني في حديثه نكارة. وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا وهو أشبه بالصواب والله أعلم. وقال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه فأدخله في المرة التي توفي فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة فيأتيها فيسألها ما اسمك ؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا [ فيقول لها: لاي شئ نبت ؟ فتقول: نبت لكذا وكذا فيأمر بها فقطع ] (3) فإن كانت لغرس غرسها وإن كانت نبتت دواء قالت نبت دواء لكذا وكذا فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة فسألها ما اسمك ؟ فقالت: أنا الخروبة. فقال ولاي شئ نبت ؟ فقالت نبت


(1) ما بين معكوفين سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (2) روى الخبر الطبري في تاريخه (1 / 266 قاموس حديث). (3) ما بين معكوفين، زيادة اقتضاها السياق، من تاريخ الطبري. [ * ]

[ 38 ]

لخراب هذا المسجد. فقال سليمان ما كان الله ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له. ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه فمات ولم تعلم به الشياطين وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول الست جليدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان عليه السلام وهو في المحراب إلا احترق، ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان عليه السلام قد سقط ميتا فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه فأخرجوه، ووجدوا منسأته وهي العصا بلسان الحبشة قد أكلتها الارضة، ولم يعلموا منذ كم مات فوضعوا الارضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة. ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وهي قراءة ابن مسعود فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا كاملا فأيقن الناس عند ذلك، أن الجن كانوا يكذبون، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له وذلك قول الله عزوجل: (ما دلهم على موته إلا دابة الارض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) [ سبأ: 14 ] يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للارضة: لو كنت تأكلين الطعام لاتيناك بأطيب الطعام ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين قال فإنهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في حوف الخشب فهو ما يأتيها به الشيطان تشكرا لها (1). وهذا فيه من الاسرائيلات التي لا تصدق ولا تكذب. وقال أبو داود في " كتاب القدر " حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن الاعمش، عن خيثمة قال: قال سليمان بن داود عليهما السلام لملك الموت: إذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني، قال: ما أنا أعلم بذاك منك إنما هي كتب يلقى إلي فيها تسمية من يموت. وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال سليمان لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني. فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب فقام يصلي فاتكأ على عصاه قال فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متوك على عصاه ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت قال والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي قال فبعث الله دابة الارض - يعني - إلى منسأته فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر، فلما رأت الجن ذلك انفضوا


(1) روى الخبر الطبري في تاريخه 1 / 261 - 262 (قاموس حديث). [ * ]

[ 39 ]

وذهبوا قال فذلك قوله: (ما دلهم على موته إلا دابة الارض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين). قال أصبغ وبلغني عن غيره: أنها مكثت سنة تأكل في منسأته حتى خر وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف وغيرهم والله أعلم. قال إسحاق بن بشر، عن محمد ابن إسحاق، عن الزهري وغيره أن سليمان عليه السلام عاش ثنتين (1) وخمسين سنة وكان ملكه أربعين سنة وقال إسحاق أنبأنا أبوروق عن عكرمة عن ابن عباس أن ملكه كان عشرين سنة والله أعلم وقال ابن جرير: فكان جميع عمر سليمان بن داود عليهما السلام نيفا وخمسين سنة. وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر. ثم ملك بعده ابنه رحبعام (2) مدة سبع عشرة سنة فيما ذكره ابن جرير وقال: ثم تفرقت بعده مملكة بني إسرائيل. [ باب ذكر ] (3) جماعة من انبياء بني اسرائيل بعد داود وسليمان وقبل زكريا ويحيى عليهم السلام فمنهم شعيا بن أمصيا قال محمد بن إسحاق وكان قبل زكريا ويحيى، وهو ممن بشر بعيسى ومحمد عليهما السلام وكان في زمانه ملك اسمه حزقيا (4) على بني إسرائيل ببلاد بيت المقدس وكان سامعا مطيعا لشعيا فيما يأمره به وينهاه عنه من المصالح، وكانت الاحداث قد عظمت في بني إسرائيل فمرض الملك، وخرجت في رجله قرحة. وقصد بيت المقدس ملك بابل في ذلك الزمان وهو سنحاريب قال ابن إسحاق في ستمائة ألف راية وفزع الناس فزعا عظيما شديدا وقال الملك للنبي شعيا: ماذا أوحى الله إليك في أمر سنحاريب وجنوده فقال لم يوح إلي فيهم شئ بعد. ثم نزل عليه الوحي بالامر للملك حزقيا بأن يوصي ويستخلف على ملكه من يشاء فإنه قد اقترب أجله فلما أخبره بذلك أقبل الملك على القبلة فصلى وسبح ودعا وبكى فقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله عزوجل بقلب مخلص وتوكل وصبر: " اللهم رب الارباب وإله الآلهة [ القدوس المتقدس ] (5) يا رحمن يا رحيم [ المترحم


(1) في الكامل لابن الاثير: ثلاث وخمسين سنة. (2) في المسعودي: أرخبعم. (3) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (4) كذا في رواية الطبري: حزقيا بن أحاز ; وفيه عن ابن إسحاق كان يدعى: صديقة. (5) من الطبري. [ * ]

[ 40 ]

الرؤوف الذي ] (1) لا تأخذه سنة ولا نوم، اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك فأنت أعلم به من نفسي سري وإعلاني لك " قال: فاستجاب الله له ورحمه، وأوحى الله إلى شعيا يبشره بأنه قد رحم بكاءه وقد أخر في أجله خمس عشر سنة وأنجاه من عدوه سنحاريب [ وجنوده ] فلما قال له ذلك ذهب منه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن وخر ساجدا وقال في سجوده: " [ يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت ]، اللهم أنت الذي تعطي الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الاول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين [ أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي ] " فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا أن يأمره أن يأخذ ماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ويصبح قد برئ. ففعل ذلك فشفي وأرسل الله على جيش سنحاريب الموت (2) فأصبحوا وقد هلكوا كلهم سوى سنحاريب وخمسة من أصحابه منهم بخت نصر فأرسل ملك بني إسرائيل فجاء بهم، فجعلهم في الاغلال، وطاف بهم في البلاد على وجه التنكيل بهم والاهانة لهم سبعين يوما ويطعم كل واحد منهم كل يوم رغيفين من شعير ثم أودعهم السجن، وأوحى الله تعالى إلى شعيا أن يأمر الملك بإرسالهم إلى بلادهم لينذروا قومهم ما قد حل بهم فلما رجعوا جمع سنحاريب قومه وأخربهم بما قد كان من أمرهم فقال له السحرة والكهنة: إنا أخبرناك عن شأن ربهم وأنبيائهم فلما تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم فكان أمر سنحاريب مما خوفهم الله به. ثم مات سنحاريب بعد سبع سنين. قال ابن إسحاق ثم لما مات حزقيا ملك بني إسرائيل مرج أمرهم واختلطت أحداثهم وكثر شرهم فأوحى الله تعالى إلى شعيا فقام فيهم فوعظهم وذكرهم وأخبرهم عن الله بما هو أهله وأنذرهم بأسه وعقابه إن خالفوه وكذبوه. فلما فرغ من مقالته عدوا عليه وطلبوه ليقتلوه فهرب منهم فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها فلما رأو ذلك جاؤوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها فإنا لله وإنا إليه راجعون (3). ومنهم ارميا بن حلقيا من سبط لاوى بن يعقوب وقد قيل إنه الخضر. رواه الضحاك عن ابن عباس. وهو غريب وليس بصحيح (4). قال


(1) من الطبري. (2) قال ابن قتيبة في المعارف ص 23: سلط عليهم الطاعون فأصبحوا موتى. (3) نقل الخبر الطبري ج 1 / 280. ما ورد بين معكوفين في الرواية زيادة - اقتضاها السياق - من تاريخ الطبري. (4) ضعفه الطبري في نقله للخبر: واسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني اسرائيل أرميا بن حلقيا وكان من سبط هارون. [ * ]

[ 41 ]

ابن عساكر: جاء في بعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريا وهو يفور بدمشق فقال: أيها الدم فتنت الناس فاسكن فسكن. ورسب حتى غاب (1). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني علي بن أبي مريم، عن أحمد بن حباب، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: قال أرميا: أي رب أي عبادك أحب إليك ؟ قال: أكثرهم لي ذكرا، الذين يشتغلون بذكري عن ذكر الخلائق، الذين لا تعرض لهم وساوس الفناء ولا يحدثون انفسهم بالبقاء. الذين إذا عرض لهم عيش الدنيا قلوه. وإذا زوى عنهم سروا بذلك. أولئك أنحلهم محبتي وأعطيهم فوق غاياتهم. [ ذكر ] (2) خراب بيت المقدس وقوله تعالى: (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل أن لا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح أنه كان عبدا شكورا. وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا. فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا. ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا. عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) [ الاسراء: 2 - 8 ]. وقال وهب بن منبه أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له أرميا حين ظهرت فيهم المعاصي: أن قم بين ظهراني قومك فأخبرهم أن لهم قلوبا ولا يفقهون، وأعينا ولا يبصرون، وآذانا ولا يسمعون، وإني تذكرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم. فسلهم كيف وجدوا غب طاعتي، وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي، وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي ؟ إن الدواب تذكر أوطانها فتنزع إليها وإن هؤلاء القوم تركوا الامر الذي أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها، أما أحبارهم فأنكروا حقي وأما قراؤهم فعبدوا غيري، وأما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا، وأما ولاتهم فكذبوا علي وعلى رسلي. خزنوا المكر في قلوبهم وعودوا الكذب ألسنتهم. وإني أقسم بجلالي وعزتي لاهيجن عليهم جيولا لا يفقهون ألسنتهم، ولا يعرفون وجوههم، ولا يرحمون بكاءهم، ولابعثن فيهم ملكا جبارا قاسيا له عساكر كقطع السحاب ومواكب كأمثال الفجاج (3) كأن خفقان راياته طيران النسور وكأن حمل فرسانه كر (4)


(1) روى الخبر في تاريخه 2 / 384 تهذيب. (2) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (3) في الطبري: العجاج. (4) في الطبري: كرير. [ * ]

[ 42 ]

العقبان يعيدون العمران خرابا ويتركون القرى وحشة، فياويل أيليا وسكانها كيف أذللهم للقتل وأسلط عليهم السبا وأعيد بعد لجب الاعراس صراخا، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد شرافات القصور مساكن السباع وبعد ضوء السرج وهج العجاج وبالعز ذلا وبالنعمة العبودية وأبدلن نساءهم بعد الطيب التراب. وبالمشي على الزرابي الخبب، ولاجعلن أجسادهم زبلا للارض وعظامهن ضاحية للشمس ولادوسنهم بألوان العذاب، ثم لآمرن السماء فتكون طبقا من حديد والارض سبيكة من نحاس، فإن أمطرت لم تنبت الارض، وإن أنبتت شيئا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم. ثم أحبسه في زمان الزرع وأرسله في زمان الحصاد، فإن زرعوا في خلال ذلك شيئا سلطت عليه الآفة فإن خلص منه شئ نزعت منه البركة، فإن دعوتي لم أجبهم، وإن سألوا لم أعطهم وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرعوا صرفت وجهي عنهم. رواه ابن عساكر بهذا اللفظ (1). وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا إدريس، عن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى لما بعث أرميا إلى بني إسرائيل وذلك حين عظمت الاحداث فيهم فعملوا بالمعاصي وقتلوا الانبياء طمع بخت نصر فيهم وقذف الله في قلبه وحدث نفسه بالمسير إليهم لما أراد الله أن ينتقم به منهم فأوحى الله إلى أرميا إني مهلك بني إسرائيل ومنتقم منهم فقم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي فقام أرميا فشق ثيابه وجعل الرماد على رأسه وخر ساجدا وقال: يا رب وددت أمي لم تلدني حين جعلتني آخر أنبياء بني إسرائيل فيكون خراب بيت المقدس وبوار بني إسرائيل من أجلي فقال له: ارفع رأسك فرفع رأسه فبكى ثم قال: يا رب من تسلط عليهم فقال عبدة النيران لا يخافون عقابي، ولا يرجون ثوابي، قم يا أرميا فاستمع وحيي أخبرك خبرك وخبر بني إسرائيل. من قبل أن أخلقك اخترتك. ومن قبل أن أصورك في رحم أمك قدستك ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك، ومن قبل أن تبلغ نبأتك ومن قبل أن تبلغ الاشد اخترتك (2) ولامر عظيم أجتبيتك فقم مع الملك تسدده وترشده فكان مع الملك يسدده ويأتيه الوحي من الله حتى عظمت الاحداث [ في بني إسرائيل وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم ] ونسوا ما نجاهم الله به من عدوهم سنحاريب وجنوده فأوحى الله إلى أرميا [ أن ائت قومك من بني إسرائيل ] قم فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمتي عليهم وعرفهم أحداثهم فقال أرميا: " يا رب إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخطئ إن لم تسددني مخذول إن لم تنصرني ذليل إن لم تعزني " فقال تعالى: " أو لم تعلم أن الامور كلها تصدر عن مشيئتي وأن الخلق والامر كله لي وأن القلوب والالسنة (3) كلها بيدي فأقلبها


(1) رواه ابن عساكر في تاريخه 2 / 388، 389، 390 تهذيب. وروى الخبر الطبري في تاريخه مطولا بنحوه ج 1 / 286 وما بعدها. (2) في الطبري: اختبرتك. (3) في الطبري: والالسن. [ * ]

[ 43 ]

كيف شئت فتطيعني فأنا الله الذي ليس شئ مثلي. قامت السموات والارض وما فيهن بكلمتي. وإنه لا يخلص التوحيد ولم تتم القدرة إلا لي، ولا يعلم ما عندي غيري. وأنا الذي كلمت البحار ففهمت قولي، وأمرتها ففعلت أمري، وحددت عليها حدودا فلا تعدو حدي، وتأتي بأمواج كالجبال، فإذا بلغت حدي ألبستها مذلة لطاعتي وخوفا واعترافا لامري وإني معك، ولن يصل إليك شئ معي، وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي فتستوجب لذلك أجر من أتبعك ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. انطلق إلى قومك فقم فيهم وقل لهم إن الله قد ذكركم بصلاح آبائكم فلذلك استبقاكم يا معشر ابناء الانبياء. وكيف وجد آباؤكم مغبة طاعتي ؟ وكيف وجدتم مغبة معصيتي ؟ وهل وجدوا أحدا عصاني ؟ فسعد بمعصيتي ؟ أو هل علموا أحدا أطاعني فشقي بطاعتي ؟ إن الدواب إذا ذكرت أوطانها الصالحة نزعت إليها وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة وتركوا الامر الذي به أكرمت آباءهم وابتغوا الكرامة من غير وجهها. أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم ويعملون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري وأنسوهم ذكري وسنتي وعزوهم عني. فدان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا ليي فهم يطيعونهم في معصيتي. وأما ملوكهم وامراؤهم فبطروا نعمتي وآمنوا مكري وغرتهم الدنيا حتى نبذوا كتابي ونسوا عهدي، فهم يحترمون كتابي ويفترون على رسلي جرأة منهم وغرة بي فسبحان جلالي وعلو مكاني، وعظمة شأني هل ينبغي أن يكون لي شريك في ملكي ؟ وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي ؟ وهل ينبغي لي أن اخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني ؟ أو آذن لاحد بالطاعة لاحد. وهي لا تنبغي إلا لي. وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيدرسون ما يتخيرون فينقادون للملوك فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني، ويطيعونهم في معصيتي، ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي، فهم جهلة بما يعملون لا ينتفعون بشئ مما علموا من كتابي. وأما أولاد النبيين، فمقهورون ومفتونون، يخوضون مع الخائضين، يتمون مثل نصري آباءهم والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم بغير صدق منهم ولا تفكر ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم. وكيف كان جهدهم في أمري حين اغتر المغترون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم بصروا وصدقوا حتى عز أمرى وظهر ديني فتأنيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني. فتطولت عليهم وصفحت عنهم فأكثرت ومددت لهم في العمر، وأعذرت لهم لعلهم يتذكرون. وكل ذلك أمطر عليهم السماء وأنبت لهم الارض وألبسهم

[ 44 ]

العافية وأظهرهم على العدو، ولا يزدادون إلا طغيانا وبعدا مني، فحتى متى هذا ؟ أبي يسخرون ؟ أم بى يتحرشون ؟ أم إياي يخادعون ؟ أم علي يجترئون فإني أقسم بعزتي لاتيحن عليهم فتنة يتحير فيها الحكيم (1)، ويضل فيها رأي ذوي الرأي وحكمة الحكيم، ثم لاسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتبا ألبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرأفة والرحمة، وآليت أن يتبعه عدد وسواد مثل [ سواد ] الليل المظلم. له فيه عساكر مثل قطع السحاب ومواكب مثل العجاج، وكأن حفيف (2) راياته طيران النسور وحمل فرسانه كسرب (3) العقبان يعيدون العمران خرابا والقرى وحشا ويعثون في الارض فسادا ويتبرون ما علوا تتبيرا قاسية قلوبهم لا يكترثون ولا يرقبون ولا يرحمون. ولا يبصرون ولا يسمعون يجولون في الاسواق بأصوات مرتفعة مثل زئير الاسد تقشعر من هيبتها الجلود وتطيش من سمعها الاحلام بألسنة لا يفقهونها ووجوه ظاهر عليها المنكر لا يعرفونها. فوعرتي لاعطلن ببوتهم من كتبي وقدسي ولاخلين مجالسهم من حديثها ودروسها ولاوحشن مساجدهم من عمارها وزوارها الذين كانوا يتزينون بعمارتها لغيري، ويتهجدون فيها ويتعبدون لكسب الدنيا بالدين، ويتفقهون فيها لغير الدين ويتعلمون فيها لغير العمل، لابدلن ملوكها بالعز الذل وبالامن الخوف وبالغني الفقر وبالنعمة الجوع وبطول العافية والرخاء أنواع البلاء وبلباس الديباج والحرير مدارع الوبر والعباء، وبالارواح الطيبة والادهان جيف القتل، وبلباس التيجان أطواق الحديد والسلاسل والاغلال. ثم لاعيدن فيهم بعد القصور الواسعة، والحصون الحصينة الخراب، وبعد البروج المشيدة مساكن السباع، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد ضوء السراج دخان الحريق، وبعد الانس الوحشة والقفار. ثم لابدلن نساءها بالاسورة الاغلال، وبقلائد الدر والياقوت سلاسل الحديد. وبألوان الطيب والادهان النقع والغبار، وبالمشي على الزرابي عبور الاسواق والانهار والخبب إلى الليل في بطون الاسواق، وبالخدور والستور الحسور عن الوجوه، والسوق والاسفار والارواح السموم. ثم لادوسنهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حالق (4) لوصل ذلك إليه، إني إنما أكرم من أكرمني، وإنما أهين من هان عليه أمري. ثم لآمرن السماء خلال ذلك فلتكونن عليهم طبقا من حديد ولآمرن الارض فلتكونن سبيكة من نحاس فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت. فإن أمطرت خلال ذلك شيئا سلطت عليهم الآفة فإن خلص منه شئ نزعت منه البركة، وإن دعوني لم أجبهم وإن سألوني لم أعطهم وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرعوا إلي صرفت وجهي عنهم. وإن قالوا اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك، وذلك بأنك اخترتنا لنفسك، وجعلت فينا نبوتك وكتابك ومساجدك ثم مكنت لنا في البلاد،


(1) في الطبري: الحليم. (2) في الطبري: خفيق. (3) في الطبري 1 / 287: كرير العقبان. (4) حالق: المكان المرتفع. [ * ]

[ 45 ]

واستخلفتنا فيها وربيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صغارا، وحفظتنا وإياهم برحمتك كبارا فأنت أوفى المنعمين وإن غيرنا. ولا تبدل. وإن بدلنا، وإن تتم فضلك ومنك وطولك وإحسانك، فإن قالوا ذلك قلت لهم إني ابتدئ عبادي برحمتي ونعمتي. فإن قبلوا أتممت وإن استزادوا زدت، وإن شكروا ضاعفت، وإن غيروا غيرت، وإذا غيروا غضبت. وإذا غضبت عذبت وليس يقوم شئ بغضبي. قال كعب: فقال أرميا: برحمتك أصبحت أتعلم بين يديك، وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذل وأضعف من أن ينبغي لي أن أتكلم بين يديك، ولكن برحمتك أبقيتني لهذا اليوم، وليس أحد أحق أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد مني بما رضيت به مني طولا، والاقامة في دار الخاطئين وهم يعصونك حولي بغير نكر ولا تغيير مني، فإن تعذبني فبذنبي، وإن ترحمني فذلك ظني بك. ثم قال: يا رب سبحانك وبحمدك، وتباركت ربنا وتعاليت أتهلك هذه القرية وما حولها وهي مساكن أنبيائك ومنزل وحيك ؟ يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت ربنا وتعاليت لمخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد ومن البيوت التي رفعت لذكرك، يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمقتل هذه الامة وعذابك إياهم وهم من ولد إبراهيم خليلك، وأمة موسى نجيك، وقوم داود صفيك، يا رب أي القرى تأمن عقوبتك بعد ؟ وأي العباد يأمنون سطوتك بعد ولد خليلك إبراهيم ؟ وأمة نجيك موسى ؟ وقوم خليفتك داود ؟ تسلط عليهم عبدة النيران قال الله تعالى: يا أرميا من عصاني فلا يستنكر نقمتي، فإني إنما أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي، ولو أنهم عصوني لانزلنهم دار العاصين إلا أن أتداركهم برحمتي ". قال أرميا: يا رب اتخذت إبراهيم خليلا وحفظتنا به. وموسى قربته نجيا فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطفنا ولا تسلط علينا عدونا فأوحى الله إليه: " يا أرميا إني قدستك في بطن أمك وأخرتك إلى هذا اليوم فلو أن قومك حفظوا اليتامى والارامل والمساكين وابن السبيل لمكنت الداعم لهم وكانوا عندي بمنزلة جنة ناعم شجرها طاهر ماؤها ولا يغور ماؤها ولا تبور ثمارها ولا تنقطع، ولكن سأشكو إليك بني إسرائيل: إني كنت لهم بمنزلة الداعي الشفيق أجنبهم كل قحط وكل عسرة وأتبع بهم الخصب حتى صاروا كباشا ينطح بعضها بعضا فياويلهم ثم يا ويلهم إنما أكرم من أكرمني وأهين من هان عليه أمري، إن من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي، وإن هؤلاء القوم يتبرعون بمعصيتي تبرعا فيظهرونها في المساجد والاسواق وعلى رؤوس الجبال وظلال الاشجار حتى عجت السماء إلي منهم وعجت الارض والجبال، ونفرت منها الوحوش بأطراف الارض وأقاصيها وفي كل ذلك لا ينهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب ". قال فلما بلغهم أرميا رسالة ربهم وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب عصوه وكذبوه واتهموه وقالوا: " كذبت وأعظمت على الله الفرية فتزعم أن الله معطل أرضه ومساجده من كتابه وعبادته

[ 46 ]

وتوحيده فمن يعبده حين لا يبقى له في الارض عابد ولا مسجد ولا كتاب، لقد أعظمت الفرية على الله واعتراك الجنون " فأخذوه وقيدوه وسجنوه فعند ذلك بعث الله عليهم بخت نصر فأقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم ثم حاصرهم فكان كما قال تعالى: (فجاسوا خلال الديار) [ الاسراء: 5 ] قال فلما طال بهم الحصر نزلوا على حكمه ففتحوا الابواب وتخللوا الازقة وذلك قوله: (فجاسوا خلال الديار) وحكم فيهم حكم الجاهلية وبطش الجبارين فقتل منهم الثلث، وسبى الثلث، وترك الزمنى (1)، والشيوخ والعجائز ثم وطئهم بالخيل وهدم بيت المقدس وساق الصبيان، وأوقف النساء في الاسواق حاسرات، وقتل المقاتلة وخرب الحصون، وهدم المساجد، وحرق التوراة، وسأل عن دانيال الذي كان قد كتب له الكتاب، فوجدوه قد مات وأخرج أهل بيته الكتاب إليه وكان فيهم دانيال بن حزقيل الاصغر وميشائيل وعزرائيل وميخائيل فأمضى لهم ذلك الكتاب وكان دانيال بن حزقيل خلفا من دانيال الاكبر. ودخل بخت نصر بجنوده بيت المقدس ووطئ الشام كلها وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم. فلما فرغ منها انصرف راجعا وحمل الاموال التي كانت بها، وساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الاحبار والملوك تسعين ألف (2) غلام وقذف الكناسات في بيت المقدس وذبح فيه الخنازير، وكان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود، وأحد عشر ألفا من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين وثمانية آلاف من سبط ايشى بن يعقوب وأربعة عشر ألفا من سبط زبالون ونفتالي ابني يعقوب وأربعة عشر ألفا من سبط دان بن يعقوب وثمانية آلاف من سبط يستاخر بن يعقوب وألفين من سبط زيكون (3) بن يعقوب وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي واثني عشر ألفا من سائر بني إسرائيل وانطلق حتى قدم أرض بابل. قال إسحاق بن بشر: قال وهب بن منبه: فلما فعل ما فعل قيل له: كان لهم صاحب يحذرهم ما أصابهم ويصفك وخبرك لهم. ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم وتهدم مساجدهم وتحرق كنائسهم فكذبوه واتهموه وضربوه وقيدوه وحبسوه. فأمر بخت نصر فأخرج أرميا من السجن فقال له أكنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم ؟ قال: نعم قال: فأنى علمت ذلك ؟ قال أرسلني الله إليهم فكذبوني قال كذبوك وضربوك وسجنوك قال: نعم قال: " بئس القوم قوم كذبوا نبيهم وكذبوا رسالة ربهم فهل لك أن تلحق بي فأكرمك وأواسيك وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك " قال له أرميا: إني لم أزل في أمان الله منذ كنت، لم أخرج منه ساعة قط، ولو أن بني


(1) الزمني: أصحاب العاهات. (2) في الطبري: سبعين ألف صبي. أراد أن يقسمهم على جنوده، فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة. (3) في نسخ البداية المطبوعة: زبالون وهو تحريف وسقطت من الطبري ; وفيه زاد: وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب. [ * ]

[ 47 ]

إسرائيل لم يخرجوا منه لم يخافوك ولا غيرك ولم يكن لك عليهم سلطان فلما سمع بخت نصر هذا القول منه تركه، فأقام أرميا مكانه بأرض أيليا. وهذا سياق غريب. وفيه حكم ومواعظ وأشياء مليحة وفيه من جهة التعريب غرابة. وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: كان بخت نصر أصفهبذا لما بين الاهواز إلى الروم للملك على الفرس وهو لهراسب. وكان قد بنى مدينة بلخ التي تلقب بالخنساء (1)، وقاتل الترك وألجأهم إلى أضيق الاماكن وبعث بخت نصر لقتال بني إسرائيل بالشام فلما قدم الشام صالحه أهل دمشق، وقد قيل إن الذي بعث بخت نصر إنما هو بهمن ملك الفرس بعد بشتاسب بن لهراسب وذلك لتعدي بني إسرائيل على رسله إليهم. وقد روى ابن جرير: عن يونس بن عبد الاعلى، عن ابن وهب، عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن سعيد بن المسيب: أن بخت نصر لما قدم دمشق وجد بها دما يغلي على كبا يعني القمامة فسألهم ما هذا الدم ؟ فقالوا أدركنا آباءنا على هذا وكلما ظهر عليه الكبا ظهر قال فقتل على ذلك سبعين الفا من المسلمين وغيرهم فسكن. وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب وقد تقدم من كلام الحافظ ابن عساكر ما يدل على أن هذا دم يحيى بن زكريا وهذا لا يصح لان يحيى بن زكريا بعد بخت نصر بمدة والظاهر أن هذا دم نبي متقدم أو دم لبعض الصالحين أو لمن شاء الله ممن الله أعلم به. قال هشام بن الكلبي ثم قدم بخت نصر بيت المقدس فصالحه ملكها وكان من آل داود وصانعه عن بني إسرائيل وأخذ منه بخت نصر رهائن ورجع. فلما بلغ طبرية بلغه أن بني إسرائيل ثاروا على ملكهم فقتلوه لاجل أنه صالحه فضرب رقاب من معه من الرهائن ورجع إليهم فأخذ المدينة عنوة. وقتل المقاتلة وسبى الذرية. قال وبلغنا أنه وجد في السجن أرميا النبي فأخرجه وقص عليه ما كان من أمره إياهم وتحذيره لهم عن ذلك فكذبوه وسجنوه. فقال بخت نصر: بئس القوم قوم عصوا رسول الله وخلى سبيله وأحسن إليه واجتمع إليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل فقالوا: إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله عزوجل مما صنعنا فادع الله أن يقبل توبتنا فدعا ربه فأوحى الله إليه أنه غير فاعل (2) فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة فأخبرهم ما أمره الله تعالى به فقالوا كيف نقيم بهذه البلدة وقد خربت وغضب الله على أهلها فأبوا أن يقيموا (3). قال ابن الكلبي: ومن ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل في البلاد فنزلت طائفة منهم الحجاز وطائفة يثرب وطائفة وادي القرى (4)، وذهبت شرذمة منهم إلى مصر فكتب بخت نصر إلى ملكها


(1) في الطبري: الحسناء. (2) في الطبري: أنهم غير فاعلين. (3) الخبر في الطبري (ج 1 / 281 قاموس حديث). (4) العبارة في الطبري: ونزل بعضهم أرض الحجاز بيثرب ووادي القرى وغيرها. [ * ]

[ 48 ]

يطلب منه من شرد منهم إليه، فأبى عليه فركب في جيشه فقاتله وقهره وغلبه وسبى ذراريهم. ثم ركب إلى بلاد المغرب حتى بلغ أقصى تلك الناحية. قال ثم انصرف بسبي كثير من أرض المغرب ومصر وأهل بيت المقدس وأرض فلسطين والاردن وفي السبي دانيال [ وغيره من الانبياء ] (1). قلت والظاهر أنه دانيال بن حزقيل الاصغر لا الاكبر على ما ذكره وهب بن منبه والله أعلم. [ ذكر ] (2) شئ من خبر دانيال عليه السلام قال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن عبد الاعلى الشيباني قال: إن لم أكن سمعته من شعيب ابن صفوان فحدثني بعض أصحابنا عنه، عن الاجلح الكندي، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال ضرا بخت نصر أسدين فألقاهما في جب، وجاء بدانيال فألقاه عليهما فلم يهيجاه، فمكث ما شاء الله ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب، فأوحى الله إلى أرميا وهو بالشام: أن اعدد طعاما وشرابا لدانيال فقال يا رب أنا بالارض المقدسة ودانيال بأرض بابل من أرض العراق فأوحى الله إليه أن أعدد ما أمرناك به فإنا سنرسل من يحملك ويحمل ما أعددت. ففعل وأرسل إليه من حمله وحمل ما أعده حتى وقف على رأس الجب فقال دانيال من هذا ؟ قال: أنا أرميا. فقال: ما جاء بك ؟ فقال: أرسلني إليك ربك. قال وقد ذكرني ربي ؟ قال: نعم. فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره. والحمد لله الذي يجيب من رجاه. والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره. والحمد لله الذي يجزي بالاحسان إحسانا. والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة. والحمد لله الذي هو يكشف ضرنا بعد كربنا. والحمد لله الذي يقينا حين يسوء ظننا بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين ينقطع الحيل عنا. وقال يونس بن بكير: عن محمد بن إسحق، عن أبي خلد بن دينار، حدثنا أبو العالية قال: لما افتتحنا تستر وجدنا في مال بيت الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب فدعا له كعبا فنسخه بالعربية. فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا. فقلت لابي العالية: ما كان فيه ؟ قال سيركم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل ؟ قال حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس فلا ينبشونه. قلت: فما يرجون منه، قال: كانت السماء إذا حبست عنهم [ المطر ] (3) برزوا بسريره فيمطرون. قلت: من كنتم تظنون الرجل قال رجل يقال له دانيال قلت منذ كم وجدتموه قد مات قال منذ ثلثمائة سنة قلت: ما تغير منه شئ قال لا إلا شعرات من قفاه، إن لحوم الانبياء لا تبليها الارض


(1) من الطبري. (2) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (3) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. [ * ]

[ 49 ]

ولا تأكلها السباع. وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظا من ثلثمائة سنة فليس بنبي بل هو رجل صالح لان عيسى بن مريم ليس بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي بنص الحديث الذي في البخاري والفترة التي كانت بينهما أربعمائة سنة ؟ وقيل ستمائة وقيل ستمائة وعشرون سنة وقد يكون تاريخ وفاته من ثمانمائة سنة وهو قريب من وقت دانيال إن كان كونه دانيال هو المطابق لما في نفس الامر فإنه قد يكون رجلا آخر إما من الانبياء أو الصالحين ولكن قربت الظنون أنه دانيال لان دانيال كان قد أخذه ملك الفرس فأقام عنده مسجونا كما تقدم. وقد روى بإسناد صحيح إلى أبي العالية أن طول أنفه شبر. وعن أنس بن مالك بإسناد جيد أن طول أنفه ذراع فيحتمل على هذا أن يكون رجلا من الانبياء الاقدمين قبل هذه المدد والله أعلم. وقد قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب أحكام القبور: حدثنا أبو بلال محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الاشعري، حدثنا أبو محمد القاسم بن عبد الله، عن أبي الاشعت الاحمري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن دانيال دعا ربه عزوجل أن تدفنه أمة محمد، فلما افتتح أبو موسى الاشعري تستر وجده في تابوت تضرب عروقه ووريده وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من دل على دانيال فبشروه بالجنة. فكان الذي دل عليه رجل يقال له حرقوص فكتب أبو موسى إلى عمر بخبره فكتب إليه عمر أن أدفنه وابعث إلى حرقوص فإن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة وهذا مرسل من هذا الوجه وفي كونه محفوظا نظر والله أعلم. ثم قال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو بلال، حدثنا قاسم بن عبد الله، عن عنبسة بن سعيد وكان عالما، قال: وجد أبو موسى مع دانيال مصحفا وجرة فيها ودك ودراهم وخاتمه، فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر: أما المصحف فابعث به إلينا وأما الودك فابعث إلينا منه ومر من قبلك من المسلمين يستشفون به واقسم الدراهم بينهم وأما الخاتم فقد نفلناكه. وروي عن ابن أبي الدنيا من غير وجه: أن أبا موسى لما وجده وذكروا له أنه دانيال التزمه وعانقه وقبله. وكتب إلى عمر يذكر له أمره وأنه وجد عنده مالا موضوعا قريبا من عشرة آلاف درهم وكان من جاء اقترض منها فإن ردها وإلا مرض وإن عنده ربعة (1) فأمر عمر بأن يغسل بماء وسدر (2) ويكفن ويدفن ويخفى قبره، فلا يعلم به أحد وأمر بالمال أن يرد إلى بيت المال وبالربعة فتحمل إليه ونفله خاتمه. وروي عن أبي موسى: أنه أمر أربعة من الاسراء فسكروا نهرا (3) وحفروا في وسطه قبرا فدفنه فيه ثم قدم الاربعة الاسراء فضرب أعناقهم فلم يعلم موضع (4) قبره غير أبي موسى الاشعري رضي الله عنه


(1) ربعة: صندوق تحفظ فيه الاوراق وأجزاء القرآن. (2) سدر: شجرة النبق. (3) سكروا نهرا: سدوه. (4) في نسخة: مكان قبره ; وقال في المعارف: إن قبره كان بناحية السوس، وبقول صاحب أخبار الدول أن أبا = [ * ]

[ 50 ]

وقال ابن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم بن عبد الله، حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: رأيت في يد ابن بردة بن أبي موسى الاشعري خاتما نقش فصه أسدان بينهما رجل يلحسان ذلك الرجل قال أبو بردة هذا خاتم ذلك الرجل الميت الذي زعم أهل هذه البلدة أنه دانيال أخذه أبو موسى يوم دفنه. قال أبو بردة فسأل أبو موسى علماء تلك القرية عن نقش ذلك الخاتم فقالوا: إن الملك الذي كان دانيال في سلطانه جاءه المنجمون وأصحاب العلم فقالوا له انه يولد ليلة كذا وكذا غلام يعور (1) ملكك ويفسده فقال الملك والله لا يبقى تلك الليلة غلام إلا قتلته إلا أنهم أخذوا دانيال فألقوه في أجمة الاسد فبات الاسد ولبوته يلحسانه ولم يضراه فجاءت أمه فوجدتهما يلحسانه فنجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ قال أبو بردة قال أبو موسى قال: علماء تلك القرية فنقش دانيال صورته وصورة الاسدين يلحسانه في فص خاتمه لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك. إسناد حسن. [ ذكر ] (2) عمارة بيت المقدس بعد خرابها واجتماع [ الملا من ] (2) بني إسرائيل بعد تفرقهم في بقاع الارض [ وشعابها ] (2) قال الله تعالى في كتابه المبين وهو أصدق القائلين: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير) [ البقرة: 259 ] قال هشام بن الكلبي: ثم أوحى الله تعالى إلى أ عليه السلام فيما بلغني: أني عامر بيت المقدس فاخرج إليها فانزلها، فخرج حتى قدمها خراب، فقال في نفسه: سبحان الله أمرني الله أن أنزل هذه البلدة وأخبرني أنه عامرها فمتى يعمرها ؟ ومتى يحييها الله بعد موتها ؟ ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلة من طعام (3) فمكث في نومه سبعين (4) سنة حتى هلك بخت نصر والملك الذي فوقه وهو لهراسب وكان ملكه مائة وعشرين سنة وقام بعده ولده بشتاسب بن لهراسب وكان موت بخت نصر في دولته فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين فلم يبق بها من الانس أحد فنادى في أرض بابل في


= موسى وجده في العراق. وقال ابن الاثير في كامله: وأما دانيال فإنه أقام بأرض بابل وانتقل عنها ومات ودفن بالسوس من أعمال خوزستان 1 / 268. (1) يعور ملكه: يهلكه. (2) ما بين معكوفين سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (3) عصير من عنب في ركوة وسلة تين ; في رواية أخرى للطبري. (4) فأماته الله مائة عام. في رواية أخرى عند الطبري. [ * ]

[ 51 ]

بني إسرائيل: أن من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع وملك عليهم رجلا من آل داود وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبني مسجدها فرجعوا فعمروها وفتح الله لارميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف تبنى وكيف تعمر ومكث في نومه ذلك حتى تمت له مائة سنة ثم بعثه الله وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة وقد عهد المدينة خرابا فلما نظر إليها عامرة آهلة قال أعلم أن الله على كل شئ قدير. قال فأقام بنو إسرائيل بها ورد الله عليهم أمرهم فمكثوا كذلك حتى غلبت عليهم الروم في زمن ملوك الطوائف. ثم لم يكن لهم جماعة ولا سلطان يعني بعد ظهور النصارى عليهم. هكذا حكاه ابن جرير في تاريخه عنه (1). وذكر ابن جرير أن لهراسب كان ملكا عادلا سائسا لمملكته قد دانت له العباد والبلاد والملوك والقواد وأنه كان ذا رأي جيد في عمارة الامصار والانهار والمعاقل. ثم لما ضعف عن تدبير المملكة بعد مائة سنة ونيف نزل عن الملك لولده بشتاسب فكان في زمانه ظهور دين المجوسية وذلك أن رجلا كان اسمه زردشت كان قد صحب أرميا عليه السلام فأغضبه فدعا عليه أرميا فبرص زردشت فذهب فلحق بأرض آذربيجان وصحب بشتاسب فلقنه دين المجوسية الذي اخترعه من تلقاء نفسه فقبله منه بشتاسب وحمل الناس عليه وقهرهم وقتل منهم خلقا كثير ممن اباه منهم. ثم كان بعد يشتاسب بهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين والابطال المذكورين وقد ناب بخت نصر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة وعمر دهرا طويلا قبحه الله. والمقصود أن هذا الذي ذكره ابن جرير من أن هذا المار على هذه القرية هو أرميا عليه السلام. قال (2) وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهما وهو قوي من حيث السباق المتقدم وقد روي عن علي وعبد الله بن سلام وابن عباس والحسن وقتاة والسدي وسليمان بن بريدة وغيرهم أنه عزير. وهذا اشهر عند كثير من السلف والخلف والله أعلم. وهذه قصة العزير قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: هو عزير بن جروة ويقال بن سوريق بن عديا بن أيوب ابن درزنا بن عرى بن تقى بن أسبوع بن فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران. ويقال عزير بن سروخا جاء في بعض الآثار أن قبره بدمشق. ثم ساق من طريق أبي القاسم البغوي، عن داود بن عمرو عن حبان بن علي، عن محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعا لا أدري العين بيع أم لا ولا أدري أكان عزير نبيا أم لا ثم رواه من حديث مؤمل بن الحسن عن محمد بن إسحاق السجزي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب (3)، عن سعيد المقبري، عن أبي


(1) تاريخ الطبري (1 / 281 - 282 قاموس حديث). (2) في نسخ البداية المطبوعة: قال وهو تحريف. (3) في نسخ البداية المطبوعة: ابن أبي ذؤيب وهو تحريف. وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، أبو الحارث أحد الاعلام روى عن عكرمة ونافع والزهري وعنه معمر وغيره. ثقة وكان يفتي بالمدينة. توفي سنة 159 الكاشف ج 3 / 62. [ * ]

[ 52 ]

هريرة مرفوعا نحوه. ثم روي من طريق إسحاق بن بشر وهو متروك عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أن عزيزا كان ممن سباه بخت نصر وهو غلام حدث فلما بلغ أربعين سنة أعطاه الله الحكمة قال ولم يكن أحد أحفظ ولا أعلم بالتوراة منه قال وكان يذكر مع الانبياء حتى محى الله اسمه من ذلك حين سأل ربه عن القدر. وهذا ضعيف ومنقطع ومنكر والله أعلم. وقال إسحاق بن بشر: عن سعيد، عن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن سلام: أن عزيزا هو العبد الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه. وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن كعب وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن ومقاتل وجويبر عن الضحاك عن ابن عباس وعبد الله بن إسماعيل السدي عن أبيه، عن مجاهد، عن ابن عباس وإدريس عن جده وهب بن منبه قال إسحاق: كل هؤلاء حدثوني عن حديث عزير وزاد بعضهم على بعض قالوا بإسنادهم أن عزيزا كان عبدا صالحا حكيما خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها فلما انصرف أتى إلى خربة حين قامت الظهيرة وأصابه الحر ودخل الخربة وهو على حماره فنزل عن حماره ومعه سلة فيها تين وسلة فيها عنب فنزل في ظل تلك الخربة وأخرج قصعة معه فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة ثم أخرج خبزا يابسا معه فألقاه في تلك القصعة في العصير ليبتل ليأكله ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط فنظر سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها وقد باد أهلها ورأى عظاما بالية فقال: (أنى يحيي هذه الله بعد موتها) فلم يشك أن الله يحييها ولكن قالها تعجبا فبعث الله ملك الموت فقبض روحه فأماته الله مائة عام. فلما أتت عليه مائة عام، وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث قال: فبعث الله إلى عزير ملكا فخلق قلبه ليعقل قلبه وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى. ثم ركب خلقه وهو ينظر ثم كسى عظامه اللحم والشعر والجلد ثم نفخ فيه الروح كل ذلك وهو يرى ويعقل فاستوى جالسا فقال له الملك كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم وذلك أنه كان لبث صدر النهار عند الظهيرة وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب فقال أو بعض يوم ولم يتم لي يوم فقال له الملك بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك يعني الطعام الخبز اليابس وشرابه العصير الذي كان اعتصره في القصعة فإذا هما على حالهما لم يتغير العصير والخبز يابس فذلك قوله: (لم يتسنه) يعني لم يتغير وكذلك التين والعنب غض لم يتغير شئ من حالهما فكأنه أنكر في قلبه فقال له الملك: أنكرت ما قلت لك انظر إلى حمارك فنظر إلى حماره قد بليت عظامه وصارت نخرة فنادى الملك عظام الحمار فأجابت وأقبلت من كل ناحية حتى ركبه الملك وعزير ينظر إليه ثم ألبسها العروق والعصب ثم كساها اللحم ثم أنبت عليها الجلد والشعر ثم نفخ فيه الملك فقام الحمار رافعا رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقا يظن القيامة قد قامت فذلك قوله: (وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحما) يعني وانظر إلى عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضا في أوصالها حتى إذا صارت عظاما مصورا حمارا بلا لحم ثم انظر كيف نكسوها لحما فلما

[ 53 ]

تبين له قال اعلم أن الله على كل شئ قدير من إحياء الموتى وغيره (1): قال فركب حماره حتى أتى محلته فانكره الناس وأنكر الناس وأنكر منزله فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة، كانت أمة لهم فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وعقلته فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة (2). فقال لها عزير يا هذه أهذا منزل عزير قالت: نعم هذا منزل عزير فبكت وقالت ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه الناس قال فإني أنا عزير كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني قالت سبحان الله فإن عزيرا قد فقدناه منذ مائة سنة فلم نسمع له بذكر قال: فإني أنا عزير قالت: فإن عزيرا رجل مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك فإن كنت عزيرا عرفتك. قال فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال: قومي باذن الله فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال (3) فنظرت فقالت: أشهد أنك عزير وانطلقت إلى محلة بني إسرائيل، وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثماني عشر (4) سنة وبني بنيه شيوخ في المجلس فنادتهم فقالت: هذا عزير قد جاءكم فكذبوها، فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد علي بصري واطلق رجلي وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه قال: فنهض الناس، فأقبلوا إليه فنظروا إليه فقال ابنه كان لابي شامة سوداء بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير فقالت بنو إسرائيل فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير وقد حرق بخت نصر التوراة ولم يبق منها شئ إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا وكان أبوه سروخا وقد دفن التوراة أيام بخت نصر في موضع يعرفه أحد غير عزير فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب قال وجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فجدد لهم التوراة ونزل من السماء شهابان (5) حتى دخلا جوفه فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل (6). فمن ثم قالت اليهود عزير ابن الله للذي كان من أمر الشهابين وتجديده التوراة وقيامه بأمر بني إسرائيل وكان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل. والقرية التي مات فيها يقال لها سايراباذ. قال ابن عباس فكان كما قال الله تعالى: (ولنجعلك آية للناس) يعنى لبني


(1) الخبر رواه الطبري في تاريخه 1 / 289 وفيه أن الذي أماته الله أرميا وليس عزيرا. (2) الزمانة: العاهة. (3) عقال: قيد. (4) في الكامل لابن الاثير: مائة وثلاث عشرة سنة ; 1 / 270. (5) في الطبري والكامل: بعث الله ملكا في صورة انسان، أتاه باناء فيه ماء فسقاه من ذلك الاناء فتمثلت التوراة في صدره [ عزير ]. (6) زاد الطبري: فصاروا يعرفونها بحلالها وحرامها وسننها وفرائضها وحدودها ; وقامت التوراة بين أظهرهم وصلح بها أمرهم. [ * ]

[ 54 ]

إسرائيل. وذلك أنه كان يجلس مع بنيه وهم شيوخ وهو شاب لانه مات وهو ابن اربعين سنة فبعثه الله شابا كهيئة يوم مات قال ابن عباس بعث بعد بخت نصر وكذلك قال الحسن، وقد أنشد أبو حاتم السجستاني في معنى ما قاله ابن عباس: واسود رأس شاب من قبله ابنه * ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر يرى ابنه شيخا يدب على عصا * ولحيته سوداء والرأس أشقر وما لابنه حيل ولا فضل قوة * يقوم كما يمشي الصبي فيعثر يعد ابنه في الناس تسعين حجة * وعشرين لا يجري ولا يتبختر وعمر أبيه اربعون أمرها * ولان ابنه تسعون في الناس غبر فما هو في المعقول إن كنت داريا * وإن كنت لا تدري فبالجهل تعذر فصل المشهور أن عزيرا نبي من أنبياء بني إسرائيل (1)، وأنه كان فيما بين داود وسليمان وبين زكريا ويحيى، وأنه لما لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة ألهمه الله حفظها فسردها على بني إسرائيل كما قال وهب بن منبه أمر الله ملكا فنزل بمعرفة (2) من نور فقذفها في عزير فنسخ التوراة حرفا بحرف حتى فرغ منها. وروى ابن عساكر عن ابن عباس أنه سأل عبد الله بن سلام عن قول الله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله) [ البقرة: 30 ] لم قالوا ذلك ؟ فذكر له ابن سلام ما كان من كتبه لبني إسرائيل التوراة من حفظه وقول بني إسرائيل لم يستطع موسى أن يأتينا بالتوراة إلا في كتاب وإن عزيرا قد جاءنا بها من غير كتاب فرماه طوائف منهم وقالوا عزير ابن الله. ولهذا يقول كثير من العلماء: إن تواتر التوراة انقطع في زمن العزير. وهذا متجه جدا إذا كان العزيز غير بني كما قاله عطاء بن أبي رباح والحسن البصري، وفيما رواه إسحاق بن بشر عن مقاتل بن سليمان، عن عطاء، وعن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه ومقاتل عن عطاء بن أبي رباح قال: كان في الفترة تسعة أشياء بخت نصر وجنة صنعاء وجنة سبا وأصحاب الاخدود وأمر حاصورا وأصحاب الكهف وأصحاب الفيل ومدينة انطاكية وأمر تبع. وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا سعيد عن قتادة، عن الحسن قال: كان أمر عزير وبخت نصر في الفترة. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أولى الناس بابن مريم [ الانبياء أولاد علات ] (3) لانا إنه ليس بيني وبينه نبي " (4)


(1) ذكره المسعودي بين الانبياء وقال: وقد تنازع الناس في نبوته. وقال ابن قتيبة في المعارف: أن الله محا أسمه من الانبياء لانه أكثر المناجاة في القدر. (2) تقدم في الطبري: أن الملك أتى عزير باناء ماء وسقاه منه فتمثلت التوراة في صدره. (3) ما بين معكوفين سقط من نسخ البداية المخطوطة والمطبوعة. واستدرك من نص الحديث. (4) أخرجه مسلم في صحيحه في 43 / 40 / 143، 144، 145 وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أولى الناس = [ * ]

[ 55 ]

وقال وهب بن منبه كان فيما بين سليمان وعيسى عليهما السلام. وقد روى ابن عساكر عن أنس بن مالك وعطاء بن السائب أن عزيرا كان في زمن موسى بن عمران وأنه استأذن عليه فلم يأذن له يعني لما كان من سوآله عن القدر وأنه انصرف وهو يقول مائة موتة أهون من ذل ساعة وفي معنى قول عزير مائة موتة أهون من ذل ساعة قول بعض الشعراء: قد يصبر الحر على السيف * ويأنف الصبر على الحيف ويؤثر الموت على حالة * يعجز فيها عن قرى الضيف فأما ما روى ابن عساكر وغيره عن ابن عباس ونوف البكالي وسفيان الثوري وغيرهم من أنه سأل عن القدر فمحى اسمه من ذكر الانبياء فهو منكر وفي صحته نظر وكأنه مأخوذ عن الاسرائيليات وقد روى عبد الرزاق وقتيبة بن سعيد عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن نوف البكالي قال قال عزير فيما يناجي ربه: " يا رب تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء " فقيل له أعرض عن هذا فعاد فقيل له لتعرض عن هذا أو لامحون اسمك من الانبياء إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون وهذا لا يقتضي وقوع ما توعد عليه لو عاد فما محيا اسمه والله أعلم. وقد روى الجماعة سوى الترمذي من حديث يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة، وكذلك رواه شعيب عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نزل نبي من الانبياء تحت شجرة فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر بها فأحرقت بالنار فأوحى الله إليه مهلا نملة واحدة " (1). فروى إسحاق بن بشر: عن ابن جريج، عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه أنه عزير. وكذا روى عن ابن عباس والحسن البصري أنه عزير فالله أعلم. قصة زكريا ويحيى عليهما السلام قال الله تعالى في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم: (كهيعص. ذكر رحمة ربك عبده زكريا. إذ نادى ربه نداء خفيا. قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا. يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا. قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا. قال


= بعيسى مريم.. في الاولى والآخرة ؟. قالوا: كيف يا رسول الله ؟ قال: " الانبياء أخوة من علات.. وأمهاتهم شتى.. فليس بيننا نبي " حديث رقم 145. (1) أخرجه البخاري في صحيحه 59 / 16 / 3319 فتح الباري ; ومسلم في صحيحه 39 / 39 / 148، 149، 150 وأحمد في مسنده ج 2 / 312، 449 وأبو داود والنسائي في سننيهما. [ * ]

[ 56 ]

كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا. قال رب اجعل لي اية قال ايتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا. فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا. يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا. وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا. وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا. وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) [ مريم: 1 - 15 ]. وقال تعالى: (وكفلها زكريا كلما دخل عليهما زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين. قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء. قال رب اجعل لي آية. قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والابكار) [ آل عمران: 37 - 41 ]. وقال تعالى في سورة الانبياء: (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين. فاستجبنا له ووهبنا له يحيى واصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) [ الانبياء: 89 - 90 ] وقال تعالى: (وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين) [ الانعام: 85 ]. قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل. زكريا بن برخيا ويقال زكريا بن دان، ويقال زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوق بن حشبان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور بن شلوم بن بهناشاط بن اينا من بن رحبعام بن سليمان بن داود أبويحيى النبي عليه السلام من بني إسرائيل. دخل البثينة من أعمال دمشق في طلب ابنه يحيى. وقيل إنه كان بدمشق حين قتل ابنه يحيى والله أعلم. وقد قيل غير ذلك في نسبه (1) ويقال فيه زكريا بالمد وبالقصر ويقال زكرى أيضا.


(1) ذكر المسعودي في مروج الذهب: زكريا بن أدق من ولد داود من سبط يهوذا. وقال ابن قتيبة في المعارف: زكريا بن أزن من ولد داود من سبط يهوذا. ولم يذكر نسب زكريا في القرآن ولا في كتب الانبياء عند أهل الكتاب. قال النجار في قصص الانبياء مشككا في نسبه المتداول: ويوجد زكريا - آخر - ليس له قصة في القرآن اصلا، وهذا له كتاب من الكتب القانونية عند النصاري. وهو زكريا بن برخيا وكان في زمن داريوس أي قبل زمن المسيح بما يقرب من ثلاثه قرون. والنصارى يؤولونه بالمسيح واليهود يؤولونه بمسيحهم المنتظر وهو المسيح الدجال. أما زكريا أبويحيى فيظهر أنه كان ممن لهم شركة في خدمة الهيكل وعلى ذلك فهو لاوي. ص 368. [ * ]

[ 57 ]

والمقصود ان الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقص على الناس خبر زكريا عليه السلام وما كان من أمره حين وهبه الله ولدا على الكبر، وكانت امرأته [ مع ذلك ] (1) عاقرا في حال شبيبتها وقد أسنت أيضا حتى لا ييئس أحد من فضل الله ورحمته، ولا يقنط من فضله تعالى وتقدس فقال تعالى: (ذكر رحمت ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا). قال قتادة عند تفسيرها: إن الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي. وقال بعض السلف: قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرها عمن كان حاضرا عنده مخافته فقال: " يا رب يا رب يا رب فقال الله لبيك لبيك لبيك ". (قال رب إني وهن العظم مني) أي ضعف وخار من الكبر (واشتعل الرأس شيبا) استعارة من اشتعال النار في الحطب أي غلب على سواد الشعر شبيه كما قال ابن دريد في مقصورته: أما ترى رأسي حاكى لونه * طرة صبح تحت أذيال الدجا واشتعل المبيض في مسوده * مثل اشتعال النار في جمر الغضا وآض عود اللهو يبسا ذاويا * من بعد ما قد كان مجاج الثرى يذكر أن الضعف قد استحوذ عليه باطنا وظاهرا وهكذا قال زكريا عليه السلام: (إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا) وقوله: (لم أكن بدعائك رب شقيا) أي ما دعوتني فيما أسألك إلا الاجابة وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنت عمران بن ما ثان وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير إوانها ولا في آوانها وهذه من كرامات الاولياء فعلم أن الرازق للشئ في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا وإن كان قد طعن في سنه (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) وقوله: (وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا) قيل المراد بالموالي العصبة وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته فسأل وجود ولد من صلبه يكون برا تقيا مرضيا ولهذا قال: (فهب لي من لدنك) أي من عندك بحولك وقوتك (وليا يرثني) أي في النبوة (2) والحكم في بني إسرائيل: (ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) يعني كما كان آباؤه وأسلافه من ذرية (3) يعقوب أنبياء فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي وليس المراد ههنا وراثة


(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (2) قال القرطبي في الآية: سؤال ودعاء ; ولم يصرح بولد لما علم من حاله وبعده عنه بسبب المرأة فقيل كان عمره بضع وسبعين وقيل خمس وتسعين سنة وغلب على ظنه أنه لا يولد له لكبره. " يرثني " قيل النبوة: قال القرطبي: فأما قومهم وراثة نبوة فمحال، لان النبوة لا تورث. (3) كان زكريا متزوجا بأخت مريم بنت عمران ويرجع نسبها إلى سليمان - داود - يهوذا يعقوب. وزكريا من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى من ولد لاوى بن يعقوب. [ * ]

[ 58 ]

المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة ووافقهم ابن جرير ههنا وحكاه عن ابي صالح من السلف لوجوه: أحدها: ما قدمنا عند قوله تعالى: (وورث سليمان داود) [ النمل: 16 ] أي في النبوة والملك كما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروى في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركنا فهو صدقة " (1) فهذا نص على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يورث ولهذا منع الصديق أن يصرف ما كان يختص به في حياته إلى أحد من وراثه الذين لولا هذا النص لصرف إليهم وهم ابنته فاطمة وأزواجه التسع وعمه العباس رضي الله عنهم واحتج عليهم الصديق في منعه أياهم بهذا الحديث وقد وافقه على روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وأبو هريرة وآخرون رضي الله عنهم. الثاني: أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الانبياء: " نحن معاشر الانبياء لا نورث " (2) وصححه. الثالث: أن الدنيا كانت أحقر عند الانبياء من أن يكنزوا لها أو يلتفتوا إليها أو يهمهم أمرها حتى يسألوا الاولاد ليحوزوها بعدهم فإن من لا يصل إلى قريب من منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدا يكون وارثا له فيها. الرابع: أن زكريا عليه السلام كان نجارا يعمل بيده ويأكل من كسبها كما كان داود عليه السلام يأكل من كسب يده والغالب ولا سيما من مثل حال الانبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل إجهادا يستفضل منه ما لا يكون له ذخيرة له يخلفه من بعده وهذا أمر بين واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهم إن شاء الله. قال الامام أحمد: حدثنا يزيد يعني ابن هرون، أنبأنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان زكريا نجارا " (3). وهكذا رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه عن حماد بن سلمة به. وقوله: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا) [ مريم: 7 ]. وهذا مفسر بقوله: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين)


(1) أخرجه البخاري ومسلم ومالك والترمذي والنسائي وأحمد. وقد سبق تخريجه فليراجع. (2) تقدم نص الحديث في الترمذي وفيه: " لا نورث ما تركنا من صدقة " من طريق أنس بن مالك. 22 / 44 / 1610. وليراجع تخريج الحديث السابق. (3) أخرجه مسلم في صحيحه 43 / 45 / 165 ومسند أحمد ج 2 / 296، 405، 485. [ * ]

[ 59 ]

[ آل عمران: 39 ] فلما بشر بالولد وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد والحالة هذه له: (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا) [ مريم: 8 ] أي كيف يوجد ولد من شيخ كبير قيل كان عمره إذ ذاك سبعا وسبعين سنة والاشبه والله أعلم أنه كان أسن (1) من ذلك (وكانت امرأتي عاقرا) يعني وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرا لا تلد والله أعلم. كما قال الخليل: (أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون) [ الحجر: 54 ] وقالت سارة: (يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) [ هود: 72 - 73 ] وهكذا أجيب زكريا عليه السلام قال له الملك الذي يوحي إليه بأمر ربه (كذلك قال ربك هو علي هين) أي هذا سهل يسير عليه (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا) أي قدرته أوجدتك بعد أن لم تكن شيئا مذكورا أفلا يوجد منك ولدا وإن كنت شيخا. وقال تعالى: (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) [ الانبياء: 90 ] ومعنى اصلاح زوجته: أنها كانت لا تحيض فحاضت. وقيل كان في لسانها شئ أي بذاءة (2) (قال رب اجعل لي آية) أي علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد المبشر به (قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) يقول علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزا وأنت في ذلك سوي الخلق، صحيح المزاج، معتدل البنية. وأمر بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والابكار فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورا بها على قومه من محرابه (فأوحى إليهم أن سبحوه بكرة وعشيا). والوحي ههنا هو الامر الخفي إما بكتابه كما قاله مجاهد والسدي أو إشارة كما قاله مجاهد أيضا ووهب وقتادة. قال مجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتاده اعتقل لسانه من غير مرض. وقال ابن زيد كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد. وقوله: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا)، يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الالهية لابيه زكريا عليه السلام وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه (3). قال عبد الله بن المبارك قال معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا قال وذلك قوله: (وآتيناه الحكم صبيا) وأما قوله: (وحنانا من لدنا) فروى ابن جرير عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لا أدري ما الحنان. وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك (وحنانا من لدنا)


(1) تقدم أنه كان ابن خمس وتسعين سنة. (2) قال في أحكام القرآن: قال أكثر المفسرين: وأصلحنا زوجه: إنها كانت عاقرا فجعلت ولودا، وقال ابن عباس وعطاء: كانت سيئة الخلق، طويلة اللسان فأصلحها الله تعالى فجعلها حسنة الخلق. 11 / 336. (3) قال قتاده: كان ابن سنتين أو ثلاث سنين ; وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيا. [ * ]

[ 60 ]

أي رحمة من عندنا رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد. وعن عكرمة (وحنانا) أي محبة عليه ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه وهو محبتهما والشفقة عليهما وبره بهما. وأما الزكاة فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل. والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره، ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمرا ونهيا وترك عقوقهما قولا وفعلا فقال: (وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا) ثم قال: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) هذه الاوقات الثلاثة أشد ما تكون على الانسان فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر فيفقد الاول بعد ما كان ألفه وعرفه ويصير إلى الآخر ولا يدري ما بين يديه ولهذا يستهل صارخا إذا خرج من بين الاحشاء وفارق لينها وضمها وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمها وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار وصار بعد الدور والقصور إلى عرصة الاموات سكان القبور وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور فمن مسرور ومحبور ومن محزون ومثبور وما بين جبير وكسير وفريق في الجنة وفريق في السعير. ولقد أحسن بعض الشعراء. حيث يقول: ولدتك أمك باكيا مستصرخا * والناس حولك يضحكون سرورا فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا * في يوم موتك ضاحكا مسرورا ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها فقال: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى التقيا فقال له عيسى استغفر لي أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي أنت خير مني فقال له عيسى: أنت خير مني سلمت على نفسي وسلم الله عليك فعرف والله فضلهما، وأما قوله في الآية الاخرى: (وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين) [ آل عمران: 39 ] فقيل المراد بالحصور الذي لا يأتي النساء وقيل غير ذلك وهو أشبه لقوله: (هب لي من لدنك ذرية طيبة) [ آل عمران: 38 ] وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أنبأنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من أحد من ولد آدم إلا وقد اخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لاحد يقول أنا خير من يونس بن متى " (1). علي بن زيد بن جدعان تكلم فيه غير واحد من الائمة وهو منكر الحديث، وقد رواه ابن خزيمة والدارقطني من طريق أبي عاصم العباداني عن علي بن زيد بن جدعان به مطولا ثم قال ابن خزيمة وليس على شرطنا. وقال ابن وهب: حدثني ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه يوما وهم يتذاكرون فضل الانبياء فقال قال: موسى كليم الله. وقال قائل: عيسى روح الله وكلمته. وقال قائل: إبراهيم خليل الله [ وهم يذكرون


(1) مسند أحمد ج 1 / 254، 292. [ * ]

[ 61 ]

ذلك ] (1) فقال: " اين الشهيد ابن الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب " قال ابن وهب: يريد يحيى بن زكريا. وقد رواه محمد بن إسحاق وهو مدلس، عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب: حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كل ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا ". فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدلسين وقد عنعن ههنا. ثم قال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب مرسلا. ثم رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبي أسامة عن يحيى بن سعيد الانصاري ثم قد رواه ابن عساكر من طريق ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق: حدثنا محمد بن الاصبهاني، حدثنا أبو خالد الاحمر، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو قال ما أحد إلا يلقى الله بذنب إلا يحيى بن زكريا. ثم تلا: (وسيدا وحصورا) ثم رفع شيئا من الارض فقال ما كان معه إلا مثل هذا، ثم ذبح ذبحا وهذا موقوف من هذه الطريق وكونه موقوفا صح من رفعه والله أعلم. وأورده ابن عساكر من طرق: عن معمر من ذلك ما أورده من حديث إسحاق بن بشر وهو ضعيف، عن عثمان بن ساج (2) عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وروي من طريق أبي داود الطيالسي وغيره عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة يحيى وعيسى عليهما السلام " (3). وقال أبو نعيم الحافظ الاصبهاني: حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا أحمد بن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول خرج عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا يتماشيان فصدم يحيى امرأة، فقال له عيسى: يا بن خالة قد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أنه يغفر لك أبدا. قال: وما هي يابن خالة ؟ قال امرأة صدمتها. قال والله ما شعرت بها. قال: سبحان الله بدنك معي فأين روحك قال معلق بالعرش ولو أن قلبي اطمئن إلى جبريل لظننت أني ما عرفت الله طرفة عين ". فيه غرابة وهو من الاسرائيليات. وقال اسرائيل: عن أبي حصين، عن خيثمة قال: كان عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة وكان عيسى يلبس الصوف، وكان يحيى يلبس الوبر، ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم ولا عبد ولا أمة ولا مأوى يأويان إليه اين ما جنهما الليل أويا فلما أرادا أن يتفرقا قال له يحيى: أوصني قال: لا تغضب قال لا أستطيع إلا أن أغضب قال لا تقتن مالا قال أما هذه فعسى.


(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (2) في نسخ البداية المطبوعة: ابن سباح وهو تحريف والصواب ما أثبتناه. وهو عثمان بن عمرو بن ساج، مولى بني أمية وقد ينسب إلى جده، فيه ضعف من التاسعة. تقريب التهذيب 2 / 13. (3) رواه البيهقي في دلائله ج 7 / 578 من طريق حذيفة بن اليمان. وأخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 381 وقال الذهبي صحيح. [ * ]

[ 62 ]

وقد اختلفت الرواية عن وهب بن منبه هل مات زكريا عليه السلام موتا أو قتل قتلا على روايتين: فروى عبد المنعم بن إدريس بن سنان، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه قال هرب من قومه فدخل شجرة فجاؤوا فوضعوا المنشار عليهما فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أن فأوحى الله إليه: لئن لم يسكن أنينك لاقلبن الارض ومن عليها فسكن أنينه حتى قطع باثنتين (1). وقد روي هذا في حديث مرفوع سنورده بعد إن شاء الله. وروى إسحق بن بشر، عن إدريس بن سنان، عن وهب أنه قال الذي انصدعت له الشجرة هو شعيا فأما زكريا فمات موتا فالله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف وكان يعد من البدلاء حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الاشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن وكان أن يبطئ، فقال له عيسى عليه السلام: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن. فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن ؟ فقال: يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلا المسجد فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله عزوجل أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن. وأولهن أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا فإن مثل ذلك مثل من اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه. وآمركم بذكر الله عزوجل كثيرا فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره فأتي حصنا حصينا فتحصن فيه وأن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله عز وجل. قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " وأنا آمركم بخمس: الله أمرني بهن بالجماعة والسمع


(1) قال ابن قتيبة في المعارف ص 24: قتلوه في جوف شجرة قطعوها وقطعوه معها. وذكر المسعودي رواية قتله: قال: فنشروا الشجرة وهو فيها، دلهم عليه إبليس لعنه الله عزوجل، فقطعوه وقطعوها. والسبب في قتله اتهامه بارتكابه الفاحشة مع مريم 1 / 59. (وذكر ابن الاثير سببا آخر لقتله، ورواية قتله كما سبق إليها المسعودي وابن قتيبة - والسبب أنه لما قتل يحيى فر زكريا هاربا فأرسل الملك في طلبه. فدخل الشجرة.. 1 / 306. [ * ]

[ 63 ]

والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فإن من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربق الاسلام من عنقه إلا أن يرجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من حثا جهنم قال: يا رسول الله وإن صام وصلى قال: " وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عزوجل المسلمين المؤمنين عباد الله عزوجل " (1). وهكذا رواه أبو يعلى عن هدبة بن خالد، عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير به. وكذلك رواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي وموسى بن إسماعيل كلاهما عن أبان بن يزيد العطار به، ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب بن سابور، عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الاشعري به. ورواه الحاكم من طريق مروان بن محمد الطاطري، عن معاوية بن سلام عن أخيه به. ثم قال تفرد به مروان الطاطري عن معاوية بن سلام. قلت وليس كما قال ورواه الطبراني عن محمد بن عبدة عن أبي نوبة الربيع بن يافع، عن معاوية بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الاشعري فذكر نحوه فسقط ذكر زيد بن سلام عن أبي سلام عن الحارث الاشعري فذكر نحو هذه الرواية. ثم روى الحافظ ابن عساكر من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: ذكر لنا عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما سمعوا من علماء بني إسرائيل أن يحيى بن زكريا أرسل بخمس كلمات وذكر نحو ما تقدم. وقد ذكروا أن يحيى عليه السلام كان كثير الانفراد من الناس، إنما كان يأنس إلى البراري ويأكل من ورق الاشجار، ويرد ماء الانهار، ويتغذى بالجراد في بعض الاحيان ويقول: من أنعم منك يا يحيى. وروى ابن عساكر أن أبويه خرجا في تطلبه فوجداه عند بحيرة الاردن فلما اجتمعا به أبكاهما بكاء شديدا لما هو فيه من العبادة والخوف من الله عزوجل. وقال ابن وهب عن مالك، عن حميد بن قيس، عن مجاهد قال كان طعام يحيى بن زكريا العشب وإنه كان ليبكي من خشية الله حتى لو كان القار على عينيه لخرقه. وقال محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: جلست يوما إلى أبي إدريس الخولاني وهو يقص فقال: ألا أخبركم بمن كان أطيب الناس طعاما فلما رأى الناس قد نظروا إليه قال: إن يحيى بن زكريا كان أطيب الناس طعاما إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم. وقال ابن المبارك عن وهيب بن الورد قال: فقد زكريا ابنه يحيى ثلاثة أيام فخرج يلتمسه في البرية فإذا هو قد احتفر قبرا وأقام فيه يبكي على نفسه فقال: يا بني أنا أطلبك من ثلاثة أيام، وأنت في قبر قد احتفرته قائم تبكي فيه فقال يأبت ألست أنت أخبرتني أن بين الجنة والنار مفازة (2) لا يقطع إلا بدموع البكائين فقال له إبك يا بني فبكيا جميعا. وهكذا حكاه


(1) أخرجه الامام أحمد في مسنده ج 4 / 202 ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده (1161). (2) في كامل ابن الاثير: عقبة. [ * ]

[ 64 ]

وهب بن منبه ومجاهد بنحوه. وروى ابن عساكر عنه أنه قال: إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من النعيم فكذا ينبغي للصديقين أن لا يناموا لما في قلوبهم من نعيم المحبة لله عزوجل. ثم قال كم بين النعيمين وكم بينهما وذكروا أنه كان كثير البكاء حتى أثر البكاء في خديه من كثرة دموعه. بيان سبب قتل يحيى عليه السلام وذكروا في قتله أسبابا من أشهرها: أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوج ببعض محارمة (1)، أو من لا يحل له تزويجها فنهاه يحيى عليه السلام عن ذلك فبقي في نفسها (2) منه. فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها استوهبت منه دم يحيى فوهبه لها فبعثت إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طشت إلى عندها فيقال إنها هلكت من فورها وساعتها. وقيل بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته فأبى عليها فلما يئست منه تحيلت في أن استوهبته من الملك فتمنع عليها الملك ثم أجابها إلى ذلك فبعث من قتله وأحضر إليها رأسه ودمه في طشت. وقد ورد معناه في حديث رواه إسحاق بن بشر في كتابه " المبتدأ " حيث قال: أنبأنا يعقوب الكوفي، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به رأى زكريا في السماء فسلم عليه وقال له يا أبا يحيى خبرني عن قتلك كيف كان ولم قتلك بنو إسرائيل. قال: يا محمد أخبرك أن يحيى كان خير أهل زمانه وكان أجملهم وأصبحهم وجها وكان كما قال الله تعالى: (سيدا وحصورا) وكان لا يحتاج إلى النساء فهوته امرأة ملك بني إسرائيل وكانت بغية فأرسلت إليه وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها فأجمعت على قتل يحيى ولهم عيد يجتمعون في كل عام وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب. قال فخرج الملك إلى العيد فقامت امرأته فشيعته وكان بها معجبا ولم تكن تفعله فيما مضى فلما أن شيعته قال الملك سليني فما سألتني شيئا إلا اعطيتك قالت: أريد دم يحيى بن زكريا قال لها: سليني غيره قالت: هو ذاك قال هو لك، قال: فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو في محرابه يصلي وأنا إلى جانبه أصلي قال: فذبح في طشت وحمل رأسه ودمه إليها. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بلغ من صبرك قال ما انفتلت من صلاتي قال: فلما حمل رأسه إليها فوضع بين يديها فلما أمسوا خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل قد غضب إله


(1) قال الطبري: عن ابن عباس قال: بعث عيسى بن مريم يحيى بن زكريا في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس فكان فيما نهوهم عنه نكاح ابنة الاخ. وكان لملكهم (واسمه: هيرودس) ابنة أخ يريد أن يتزوجها فنهاه يحيى. راجع الكامل لابن الاثير ج 1 / 301 - 302. (2) كذا في الاصول، والصواب كما يقتضيه السياق: في نفسه. (3) جاء في الطبري والكامل: عن السدي: أن الملك أراد أن يتزوج ابنة امرأة له فنهاه يحيى عن ذلك وقال له: لا تحل لك. فحقدت عليه المرأة وطلبت قتله. وقال ابن قتيبة في المعارف ص 24 - أن أحب ملك بني اسرائيل قتله بحيلة امرأته ازبيل في قتله. أما المسعودي فذكر حادثة القتل دون تعليق. [ * ]

[ 65 ]

زكريا لزكريا فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا قال فخرجوا في طلبي ليقتلوني وجاءني الندير فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم علي فلما تخوفت أن لا أعجزهم عرضت لي شجرة فنادتني وقالت إلي إلي وانصدعت لي ودخلت فيها. قال وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجا من الشجرة، وجاءت بنو إسرائيل فقال إبليس: أما رأيتموه دخل هذه الشجرة هذا طرف ردائه دخلها بسحره، فقالوا نحرق هذه الشجرة، فاق إبليس: شقوه بالمنشار شقا. قال فشققت مع الشجرة بالمنشار قال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل وجدت له مسا أو وجعا قال لا إنما وجدت ذلك الشجرة التي جعل الله روحي فيها. هذا سياق غريب جدا. وحديث عجيب ورفعه منكر وفيه ما ينكر على كل حال ولم ير في شئ من أحاديث الاسراء ذكر زكريا عليه السلام إلا في هذا الحديث وإنما المحفوظ في بعض الفاظ الصحيح في حديث الاسراء فمررت بابني الخالة يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة [ فجاء ] (1) على قول الجمهور، كما هو ظاهر الحديث فإن أم يحيى أشياع بنت عمران أخت مريم بنت عمران. وقيل بل أشياع وهي امرأة زكريا أم يحيى هي أخت حنة امرأة عمران أم مريم فيكون يحيى ابن خالة مريم فالله أعلم. ثم اختلف في مقتل يحيى بن زكريا هل كان في المسجد الاقصى ؟ أم بغيره على قولين: فقال الثوري عن الاعمش، عن شمر بن عطية قال: قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعون نبيا منهم يحيى بن زكريا عليه السلام، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: قدم بخت نصر دمشق فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي فسأل عنه فأخبروه فقتل على دمه سبعين ألفا فسكن. وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب وهو يقتضي أنه قتل بدمشق وأن قصة بخت نصر كانت بعد المسيح (2) كما قاله عطاء والحسن البصري فالله أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق الوليد بن مسلم، عن زيد بن واقد قال: رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبلة الذي يلي المحراب مما يلي الشرق فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير وفي رواية كأنما قتل الساعة. وذكر في بناء مسجد دمشق أنه جعل تحت العمود المعروف بعمود السكاسكة فالله أعلم.


(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (2) رفض الطبري 2 / 15 والكامل 1 / 303 وقوع قصة بختنصر أيام المسيح قال: وهذا القول الذي روي عمن ذكرت في هذا الاخبار التي رويت وعمن لمن يذكر من ان بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا عند أهل السير والاخبار والعلم بأمور الماضين وعند غيرهم من أهل الملل غلط، وأجمعوا على أن غزوه كان عند قتلهم نبيهم شعيا في عهد أرميا، وبين عهد أرميا ويحيى اربعمائة سنة وإحدى وستون. [ * ]

[ 66 ]

وقد روى الحافظ ابن عساكر في المستقصى في فضائل الاقصى من طريق العباس بن سبع ؟ ؟. عن مروان، عن سعيد بن عبد العزيز، عن قاسم مولى معاوية قال: كان ملك هذه المدينة يعني دمشق هداد بن هداد وكان قد زوجه ابنه بابنة أخيه أريل ملكة صيدا وقد كان من جملة أملاكها سوق الملوك بدمشق وهو الصاغة العتيقة قال: وكان قد حلف بطلاقها ثلاثا. ثم أنه أراد مراجعتها فاستفتى يحيى بن زكريا فقال: لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك فحقدت عليه وسألت من الملك رأس يحيى بن زكريا وذلك بإشارة أمها فأبى عليها ثم أجابها إلى ذلك وبعث إليه وهو قائم يصلي بمسجد جيرون من أتاه برأسه في صينية فجعل الرأس يقول له لا تحل له لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فأخذت المرأة الطبق فحملته على رأسها وأتت به أمها وهو يقول كذلك فلما تمثلت بين يدي أمها خسف بها إلى قدميها ثم إلى حقويها وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن ويلطمن وجوههن ثم خسف بها إلى منكبيها فأمرت أمها السياف أن يضرب عنقها لتتسلى برأسها ففعل فلفظت الارض جثتها عند ذلك ووقعوا في الذل والفناء ولم يزل دم يحيى يفور حتى قدم بخت نصر فقتل عليه خمسة وسبعين ألفا. قال سعيد بن عبد العزيز وهي دم كل نبي ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرميا عليه السلام فقال أيها الدم أفنيت بني إسرائيل فاسكن بإذن الله فسكن فرفع السيف وهرب من هرب من أهل دمشق إلى بيت المقدس فتبعهم إليها فقتل خلقا كثيرا لا يحصون كثرة وسبا منهم ثم رجع عنهم. قصة عيسى بن مريم [ عبد الله ورسوله وابن أمته ] (1) عليه من الله أفضل الصلاة والسلام قال الله تعالى في سورة آل عمران التي أنزل صدرها وهو ثلاث وثمانون آية منها في الرد على النصارى عليهم لعائن الله، الذين زعموا أن لله ولدا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وكان قد قدم وفد نجران منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا يذكرون ما هم عليه من الباطل من التثليث في الاقانيم ويدعون بزعمهم أن الله ثالث ثلاثة وهم الذات المقدسة وعيسى ومريم، على اختلاف فرقهم، فأنزل الله عزوجل صدر هذه السورة بين فيها أن عيسى عبد من عباد الله خلقه وصوره في الرحم كما صور غيره من المخلوقات وأنه خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم وقال له كن فكان سبحانه وتعالى. وبين أصل ميلاد أمه مريم وكيف كان من أمرها وكيف حملت بولدها عيسى وكذلك بسط ذلك في سورة مريم كما سنتكلم على ذلك كله بعون الله وحسن توفيقه وهدايته فقال تعالى وهو أصدق القائلين: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على


(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. واستدركت من قصص الانبياء لابن كثير. [ * ]

[ 67 ]

العالمين. ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى وإني سميتها مريم وإني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) [ آل عمران: 33 - 37 ]. يذكر تعالى أنه اصطفى آدم عليه السلام والخلص من ذريته المتبعين شرعه الملازمين طاعته، ثم خصص فقال: (وآل إبراهيم) فدخل فيهم بنو إسماعيل وبنو إسحاق. ثم ذكر فضل هذا البيت الطاهر الطيب وهم آل عمران والمراد بعمران هذا والد مريم عليها السلام وقال محمد بن إسحاق وهو عمران بن باشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن موثم بن عزازيا بن امصيا بن ياوش بن اخريهو بن يازم بن يهفاشاط بن ايشا بن ايان بن رحبعام بن سليمان بن داود. وقال أبو القاسم بن عساكر مريم بنت عمران بن ما ثان (1) بن العازر بن اليود بن اخبر بن صادوق بن عيازوز بن الياقيم بن ايبود بن زريابيل بن شالتال بن يوحينا بن برشا بن أمون بن ميشا بن حزقا بن احاز بن موثام بن عزريا بن يورام بن يوشافاط بن ايشا بن ايبا بن رحبعام بن سليمان بن داود عليه السلام. وفيه مخالفة كما ذكره محمد بن إسحاق ولا خلاف أنها من سلالة داود عليه السلام وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه وكانت أمها وهي حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم اشياع في قول الجمهور وقيل زوج خالتها أشياع (2) فالله أعلم. وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره أن أم مريم كانت لا تحبل فرأت يوما طائرا يزق فرخا له فاشتهت الولد فنذرت لله أن حملت لتجعلن ولدها محررا أي حبيسا في خدمة بيت المقدس قالوا فحاضت من فورها فلما طهرت واقعها بعلها فحملت بمريم عليها السلام (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت) وقرئ بضم التاء: (وليس الذكر كالانثى) أي في خدمة بيت المقدس وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداما من أولادهم وقولها: (وإني سميتها مريم) استدل به على تسمية المولود يوم يولد وكما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنك أخاه وسماه عبد الله. وجاء في حديث الحسن عن سمرة


(1) في الطبري: ابن ما ثان بن اليعازر بن أليوذ بن أحين بن صادوق بن عازور بن الياقيم بن أبيوذ بن زر بابل بن شلتيل بن يوحنيا بن يوشيا بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن يهوشافاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود. (2) تبنى الطبري هذا القول. وقال زوج خالة مريم: الاشباع. [ * ]

[ 68 ]

مرفوعا " كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه " (1) رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وجاء في بعض ألفاظه ويدمى بدل ويسمى وصححه بعضهم والله أعلم. وقولها: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) قد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها فقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " (2) ثم يقول أبو هريرة واقرأوا إن شئتم: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) (3) [ آل عمران: 36 ] أخرجاه من حديث عبد الرزاق ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج عن بقية عن عبد الله بن الزبيدي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وقال أحمد: أيضا حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا ابن أبي ذؤيب، عن عجلان، مولى المشمعل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل مولود من بني آدم يمسه الشيطان باصبعه إلا مريم بنت عمران وابنها عيسى " (4). تفرد به من هذا الوجه. ورواه مسلم (5) عن أبي طاهر عن ابن وهب عن [ عمرو ] بن الحارث عن أبي يونس [ مولى أبي هريرة ] عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وقال أحمد حدثنا هشيم حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا ما كان من مريم وابنها، ألم تر إلى الصبي حين يسقط كيف يصرخ ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: " ذلك حين يلكزه الشيطان بحضنيه " (6) وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه من هذا الوجه. ورواه قيس، عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى بن مريم ومريم " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) وكذا رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأصل الحديث. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الملك، حدثنا المغيرة هو ابن


(1) أخرجه أحمد في مسنده 5 / 7، 12، 17، 22 والترمذي في سننه 17 / 21 ورواه أبو داود والنسائي في سننيهما وأبو داود الطيالسي في مسنده. (2) هذه فضيلة ظاهرة، وظاهر الحديث اختصاصها بعيسى وأمه. واختار القاضي عياض أن جميع الانبياء يتشاركون فيها. (3) مسند أحمد ج 2 / 274 وأخرجه البخاري في صحيحه 60 / 44 / 3431 فتح الباري. وأخرجه مسلم في صحيحه 43 كتاب الفضائل (40 باب) 146 / 2366 وفيه: نخسه الشيطان بدل مسه - في الموضعين - وإلا ابن مريم وامه - بدل إلا مريم وابنها. (4) مسند أحمد ج 2 / 288، 292. (5) صحيح مسلم 43 / 40 / 147 / 2366 وما بين معكوفين من صحيح مسلم. (6) مسند أحمد: 2 / 368. [ * ]

[ 69 ]

عبد الله الحزامي، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد إلا عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب " (1). وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقوله: (فتقبلها ربها بقبول حسن وانبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا) ذكر كثير من المفسرين أن أمها حين وضعتها لفتها في خروقها ثم خرجت بها إلى المسجد فسلمتها إلى العباد الذين هم مقيمون به وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم فتنازعوا فيها. والظاهر أنها إنما سلمتها إليهم بعد رضاعها وكفالة مثلها في صغرها. ثم لما دفعتها إليهم تنازعوا في أيهم يكفلها وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل أن زوجته اختها أو خالتها على القولين. فشاحوه في ذلك وطلبوا أن يقترع معهم فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم وذلك أن الخالة بمنزلة الام. قال الله تعالى: (وكفلها زكريا) أي بسبب غلبه لهم في القرعة كما قال تعالى: (ذلك من أنبأ الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون) [ آل عمران: 44 ]. قالوا وذلك أن كلا منهم ألقى قلمه معروفا به ثم حملوها ووضعوها في موضع وأمروا غلاما لم يبلغ الحنث فأخرج واحدا منها وظهر قلم زكريا عليه السلام فطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية وأن يكون ذلك بأن يلقوا أقلامهم في النهر، فأيهم جرى قلمه على خلاف جريه في الماء فهو الغالب ففعلوا فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جرية الماء وسارت أقلامهم مع الماء ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء ويكون بقية الاقلام قد انعكس سيرها صعدا فهو الغالب ففعلوا فكان زكريا هو الغالب لهم فكفلها. إذ كان أحق بها شرعا وقدرا لوجوه عديدة (2). قال الله تعالى: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) [ آل عمران: 37 ] قال المفسرون اتخذ لها زكريا مكانا شريفا من المسجد لا يدخله سواه، فكانت تعبد الله فيه، وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها من الاحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى أنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقا غريبا في غير أوانه فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فيسألها (أنى لك هذا فتقول هو من عند الله) أي رزق رزقنيه الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد من صلبه وإن كان قد أسن وكبر (قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) [ آل عمران: 38 ] قال بعضهم قال يامن يرزق مريم الثمر في


(1) مسند أحمد ج 2 / 523. (2) قال القرطبي: في الآية دلالتان: - القرعة كانت آية له لانه نبي تجري الآيات على يديه. ودلت الآية على أن الخالة أحق بالحضانة من سائر القرابات ما عدا الجدة. [ * ]

[ 70 ]

غير أبانه (1) هب لي ولدا وإن كان في غير اوانه فكان من خبره وقضيته ما قدمنا ذكره في قصته. [ قال الله تعالى: ]: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين. ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون. إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين. ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين. قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الاكمه والابرص واحيي الموتى باذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) [ آل عمران: 42 - 51 ]. يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها (2) بأن اختارها لايجاد ولد منها من غير أب وبشرت بأن يكون نبيا شريفا (يكلم الناس في المهد) أي في صغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وكذلك في حال كهولته فدل على أنه يبلغ الكهولة ويدعو إلى الله فيها وأمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلا لهذه الكرامة ولتقوم بشكر هذه النعمة فيقال إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها رضي الله عنها ورحمها ورحم أمها وأباها فقول الملائكة: (يا مريم إن الله اصطفاك) أي اختارك واجتباك (وطهرك) أي من الاخلاق الرذيلة وأعطاك الصفات الجميلة (واصطفاك على نساء العالمين). يحتمل أن يكون المراد عالمي زمانها كقوله لموسى: (إني اصطفيتك على الناس) [ الاعراف: 144 ] وكقوله عن بني إسرائيل: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) [ الدخان: 32 ] ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام أفضل من موسى وأن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل منهما وكذلك هذه الامة أفضل من سائر الامم قبلها وأكثر عددا وأفضل علما وأزكى عملا من بني إسرائيل وغيرهم. ويحتمل أن يكون قوله: (واصطفاك على نساء العالمين) محفوظ العموم فتكون أفضل نساء الدنيا ممن كان قبلها ووجد بعدها لانها إن كانت نبية على قول من يقول بنبوتها ونبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى محتجا بكلام الملائكة والوحي إلى أم موسى كما يزعم ذلك ابن حزم وغيره


(1) في نسخ البداية المطبوعة: أوانه، والصواب ما أثبتناه. (2) قال القرطبي: قال الزجاج وغيره على نساء العالمين أجمع إلى يوم الصور، وهو الصحيح ; حيث أن الله خص مريم بما لم يؤته أحدا من النساء. [ * ]

[ 71 ]

فلا يمتنع على هذا أن يكون مريم أفضل من سارة وأم موسى لعموم قوله: (واصطفاك على نساء العالمين) إذ لم يعارضه غيره والله أعلم. وأما قول الجمهور كما قد حكاه أبو الحسن الاشعري وغيره عن أهل السنة والجماعة من أن النبوة مختصة بالرجال (1) وليس في النساء نبية فيكون أعلى مقامات مريم كما قال الله تعالى: (ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة) [ المائدة: 75 ] فعلى هذا لا يمتنع أن تكون أفضل الصديقات المشهورات ممن كان قبلها وممن يكون بعدها والله أعلم. وقد جاء ذكرها مقرونا مع آسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد رضي الله عنهن وأرضاهن. وقد روى الامام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عديدة: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد " (2). وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حسبك من نساء العالمين بأربع مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد " (3) ورواه الترمذي عن أبي بكر بن زانجويه، عن عبد الرزاق به وصححه. ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي. وابن عساكر من طريق تميم بن زياد كلاهما عن أبي جعفر الرازي عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير نساء العالمين أربع: " مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد رسول الله " وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري عن ابن المسيب قال كان أبو هريرة يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خير نساء ركبن الابل صالح نساء قريش احناه على ولد في صغره وارعاه لزوج في ذات يده " (4) قال أبو هريرة ولم تركب مريم بعيرا قط. وقد رواه مسلم في صحيحه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق به. وقال أحمد حدثنا زيد بن الحباب، حدثني موسى بن علي، سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير نساء ركبن الابل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرأفه بزوج على قلة ذات يده " (5) قال أبو هريرة وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابنة عمران لم تركب الابل، تفرد به. وهو على شرط


(1) قال الرازي في تفسيره: اعلم أن مريم عليها السلام ما كانت من الانبياء لقوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم..) وإرسال جبريل إليها: إما أن يكون كرامة لها أو أرهاصا لعيسى عليه السلام. (2) مسند أحمد: 1 / 84، 116، 132. (3) مسند أحمد ج 3 / 135 ورواه الحاكم في مستدركه (3 / 197، 198 حيدر آباد). (4) مسند أحمد ج 2 / 275، 449 وأخرجه مسلم في صحيحه 2 / 270. (5) مسند أحمد ج 2 / 269، 319، 393، 502. [ * ]

[ 72 ]

الصحيح ولهذا الحديث طرق أخر عن أبي هريرة. وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الارض أربع خطوط فقال: " أتدرون ما هذا ؟ قالوا الله ورسوله أعلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون " ورواه النسائي من طرق عن داود بن أبي هند. وقد رواه ابن عساكر من طريق أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الاشعث، حدثنا يحيى بن حاتم العسكري، نبأنا بشر بن مهران بن حمدان، حدثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حسبك منهن أربع سيدات نساء العالمين: فاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد، وآسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران ". وقال أبو القاسم البغوي حدثنا وهب بن بقية (1) حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها قالت لفاطمة: أرأيت حين أكببت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيت ثم ضحكت ؟ قالت أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت، ثم أكببت عليه فأخبرني أني أسرع أهله لحوقا به وأني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران فضحكت. وأصل هذا الحديث في الصحيح (2). وهذا إسناد على شرط مسلم وفيه انهما أفضل الاربع المذكورات. وهكذا الحديث الذي رواه الامام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن يزيد هو ابن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نعم (3) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران " (4). إسناد حسن وصححه الترمذي ولم يخرجوه وقد روى نحوه من حديث علي بن أبي طالب ولكن في إسناده ضعف. والمقصود أن هذا يدل على أن مريم وفاطمة أفضل هذه الاربع. ثم يحتمل الاستثناء أن تكون مريم أفضل من فاطمة ويحتمل أن يكونا على السواء في الفضيلة لكن ورد حديث إن صح عين الاحتمال الاول. فقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: أنبأنا أبو الحسن بن الفرا وأبو غالب وأبو عبد الله ابنا البنا قالوا: أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة، أنبأنا أبو طاهر المخلص، حدثنا أحمد بن سليمان، حدثنا الزبير هو ابن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة


(1) في نسخ البداية المطبوعة: ابن منبه وهو تصحيف والصواب ما أثبتناه. (2) أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - باب منقبة فاطمة عليها السلام (5: 65) ميمنية. وأخرجه مسلم في 44 / 15 وأخرجه أحمد في مسنده 6 / 77 - 240 وأخرجه البيهقي في الدلائل ج 7 / 164 وابن سعد في الطبقات 2 / 247. (3) في نسخ المطبوعة نعيم وهو تحريف وما أثبتناه مناسب لما في الحديث في المسند: نعم. (4) مسند أحمد ج 3 / 64، 80. [ * ]

[ 73 ]

ثم آسية امرأة فرعون " فإن كان هذا اللفظ محفوظا بثم التي للترتيب فهو مبين لاحد الاحتمالين اللذين دل عليهما الاستثناء وتقدم على ما تقدم من الالفاظ التي وردت بواو العطف التي لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه والله أعلم. وقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازي، عن داود الجعفري، عن عبد العزيز بن محمد، وهو الدراوردي، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس مرفوعا فذكره بواو العطف لا بثم الترتيبية فخالفه إسنادا ومتنا فالله أعلم. فأما الحديث الذي رواه ابن مردويه من حديث شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". وهكذا الحديث الذي رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق: عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى الاشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " (1). فإنه حديث صحيح كما ترى اتفق الشيخان على إخراجه ولفظه يقتضي حصر الكمال في النساء في مريم وآسية ولعل المراد بذلك في زمانهما فإن كلا منهما كفلت نبيا في حال صغره فآسية كفلت موسى الكليم، ومريم كفلت ولدها عبد الله ورسوله، فلا ينفي كمال غيرهما في هذه الامة كخديجة وفاطمة فخديجة خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة خمس عشرة سنة وبعدها أزيد من عشر سنين، وكانت له وزير صدق بنفسها ومالها، رضي الله عنها، وأرضاها، وأما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها خصت بمزيد فضيلة على أخواتها لانها أصيبت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبقية أخواتها متن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأما عائشة فإنها كانت أحب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ولم يتزوج بكرا غيرها ولا يعرف في سائر النساء في هذه الامة بل ولا في غيرها أعلم منها، ولا أفهم، وقد غار الله لها حين قال لها أهل الافك ما قالوا فأنزل براءتها من فوق سبع سموات وقد عمرت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من خمسين سنة تبلغ عنه القرآن والسنة وتفتي المسلمين وتصلح بين المختلفين وهي أشرف أمهات المؤمنين حتى خديجة بنت خويلد أم البنات والبنين في قول طائفة من العلماء السابقين واللاحقين والاحسن الوقف فيهما رضي الله عنهما وما ذاك إلا لان قوله صلى الله عليه وسلم: " وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام "


(1) أخرجه مسلم في 44 كتاب الصحابة 12 باب فضائل خديجة 70 / 2431 والبخاري حديث رقم (1606) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد: 9 / 243 وقال رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه. قال العلماء في (فضل الثريد على سائر الطعام) معناه: أن فضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الاطعمة، لان الثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه.. [ * ]

[ 74 ]

يحتمل أن يكون عاما بالنسبة إلى المذكورات وغيرهن ويحتمل أن يكون عاما بالنسبة إلى ما عدي المذكورات والله أعلم. والمقصود ههنا ذكر ما يتعلق بمريم بنت عمران عليها السلام فإن الله طهرها واصطفاها على نساء عالمي زمانها ويجوز أن يكون تفضيلها على النساء مطلقا كما قدمنا. وقد ورد في حديث أنها تكون من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة هي واسية بنت مزاحم. وقد ذكرنا في التفسير عن بعض السلف أنه قال ذلك واستأنس بقوله: (ثيبات وابكارا) [ التحريم: 5 ] قال فالثيب آسية ومن الابكار مريم بنت عمران. وقد ذكرناه في آخر سورة التحريم فالله أعلم. قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثنا أبي، أنبأنا عمي الحسين، حدثنا يونس بن نفيع، عن سعد بن جنادة، هو العوفي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى " (1). وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن عرعرة، حدثنا عبد النور بن عبد الله، حدثنا يونس بن شعيب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشعرت أن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكلثم أخت موسى " رواه ابن جعفر العقيلي من حديث عبد النور به وزاد فقلت هنيأ لك يارسول الله. ثم قال العقيلي وليس بمحفوظ. وقال الزبير بن بكار حدثني محمد بن الحسن عن يعلى بن المغيرة عن ابن أبي داود قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خديجة وهي في مرضها الذي توفيت فيه فقال لها: " بالكره مني ما أرى منك يا خديجة وقد يجعل الله في الكره خيرا كثيرا أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وآسية امرأة فرعون " قالت وقد فعل الله بك ذلك يا رسول الله ؟ قال: " نعم " قالت بالرفاء والبنين " (2). وروى ابن عساكر من حديث محمد بن زكريا الغلابي: حدثنا العباس بن بكار، حدثنا أبو بكر الهزلي، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة وهي في مرض الموت فقال: " يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فاقرئهن مني السلام قالت: يا رسول الله وهل تزوجت قبلي قال: لا ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكلثم أخت موسى ". وروى ابن عساكر من طريق سويد بن سعيد: حدثنا محمد بن صالح بن عمر، عن الضحاك. ومجاهد، عن ابن عمر قال نزل جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أرسل به وجلس يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مرت خديجة فقال جبريل من هذه يا محمد ؟ قال: هذه صديقة أمتي، قال جبريل: معي إليها رسالة من الرب عزوجل يقرئها السلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد من اللهب لا نصب فيه


(1) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 218 وقال: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم. (2) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 218 عن أبي رواد. وقال: رواه الطبراني منقطع الاسناد وفيه محمد بن الحسن بن زبالة وهو ضعيف. [ * ]

[ 75 ]

ولا صخب قالت: الله السلام، ومنه السلام والسلام عليكما ورحمة الله وبركاته على رسول الله ما ذلك البيت الذي من قصب قال: لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم وهما من أزواجي يوم القيامة. وأصل السلام على خديجة من الله وبشارتها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا وصب في الصحيح ولكن هذا السياق بهذه الزيادات غريب جدا. وكل من هذه الاحاديث في أسانيدها نظر (1). وروى ابن عساكر من حديث أبي زرعة الدمشقي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية، عن صفوان بن عمرو، عن خالد بن معدان، عن كعب الاحبار: أن معاوية سأله عن الصخرة يعني صخرة بيت المقدس فقال: الصخرة على نخلة والنخلة على نهر من أنهار الجنة وتحت النخلة مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم ينظمان سموط أهل الجنة حتى تقوم الساعة. ثم رواه من طريق إسماعيل، عن عياش، عن ثعلبة بن مسلم، عن مسعود، عن عبد الرحمن، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله وهذا منكر (2) من هذا الوجه. بل هو موضوع. قد رواه أبو زرعة، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية، عن مسعود بن عبد الرحمان، عن ابن عابد: أن معاوية سأل كعبا عن صخرة بيت المقدس فذكره قال الحافظ ابن عساكر وكونه من كلام كعب الاحبار أشبه. قلت وكلام كعب الاحبار هذا إنما تلقاه من الاسرائيليات التي منها ما هو مكذوب مفتعل وضعه بعض زنادقتهم أو جهالهم وهذا منه والله أعلم. ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم [ العذراء ] (3) البتول قال الله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا. قال إنما أنا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا. قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا. قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا. فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا. وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلم أكلم اليوم إنسيا. فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا. يا


(1) نقل الاحاديث الهيثمي في زوائده من عدة طرق بروايات مختلفة وعلق حول أسانيدها ورواتها ; فليراجع ج 9 / 223 - 224 - 225. (2) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 218 وقال: رواه الطبراني وفيه محمد بن مخلد الرعيني وهذا الحديث من منكراته. (3) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. [ * ]

[ 76 ]

أخت هرون ما كان أبوك أمرء سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا. وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أمرت ويوم أبعث حيا. ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون. ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم. فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) [ مريم: 16 - 37 ]. ذكر تعالى هذه القصة بعد قصة زكريا التي هي كالمقدمة لها والتوطئة قبلها كما ذكر في سورة آل عمران قرن بينهما في سياق واحد وكما قال في سورة الانبياء: (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين. والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين) [ الانبياء: 89 - 91 ]. وقد تقدم أن مريم لما جعلتها أمها محررة تخدم بيت المقدس وأنه كفلها زوج أختها أو خالتها نبي ذلك الزمان زكريا عليه السلام، وأنه اتخذ لها محرابا وهو المكان الشريف من المسجد لا يدخله أحد عليها سواه، وأنها لما بلغت اجتهدت في العبادة، فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات، وظهر عليها من الاحوال ما غبطها به زكريا عليه السلام وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها وبأنه سيهب لها ولدا زكيا يكون نبيا كريما طاهرا مكرما مؤيدا بالمعجزات فتعجبت من وجود ولد من غير والد لانها لا زوج لها، ولا هي ممن تتزوج فأخبرتها الملائكة: بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت لامر الله وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه، لانهم لا يعلمون حقيقة الامر وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر، ولا تعقل، وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها (1) أو لحاجة ضرورية لابد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء فبينما هي يوما قد خرجت لبعض شؤونها (وانتبذت) أي انفردت وحدها شرقي المسجد الاقصى إذ بعث الله إليها الروح الامين جبريل عليه السلام: (فتمثل لها بشرا سويا) فلما رأته: (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا). قال أبو العالية علمت أن التقي ذو نهية، وهذا يرد قول من زعم أنه كان في بني إسرائيل رجل فاسق مشهور بالفسق اسمه تقي، فإن هذا قول باطل بلا دليل وهو من أسخف الاقوال.


(1) قال الرازي أن مريم طهرت عن الحيض وقال: قالوا كانت مريم لا تحيض. قال السدي: انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس وقال غيره: لتعبد الله. وهذا حسن (راجع الرازي - القرطبي). [ * ]

[ 77 ]

(قال إنما أنا رسول ربك) أي خاطبها الملك قائلا: إنما أنا رسول ربك [ أي ] (1) لست ببشر، ولكني ملك بعثني الله إليك (ليهب لك غلاما زكيا) أي ولدا زكيا (قالت أنى يكون لي غلام) أي كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد (ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا) أي ولست ذات زوج (2) وما أنا ممن يفعل الفاحشة (قال كذلك قال ربك هو علي هين) أي فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها والحالة هذه قائلا: (كذلك قال ربك) أي وعد أنه سيخلق منك غلاما ولست بذات بعل ولا تكونين ممن تبغين (هو علي هين) أي وهذا سهل عليه ويسير لديه فإنه على من يشاء قدير. وقوله: (ولنجعله آية للناس) أي ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلا على كمال قدرتنا على أنواع الخلق فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر، ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى. وقوله: (ورحمة منا) أي نرحم به العباد بأن يدعوهم إلى الله في صغره وكبره في طفوليته وكهوليته، بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له، وينزهوه عن اتخاذ الصاحبة والاولاد والشركاء والنظراء والاضداد والانداد. وقوله: (وكان أمرا مقضيا). يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها يعني أن هذا أمر قد قضاه الله وحتمه وقدره وقرره، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق واختاره ابن جرير ولم يحك سواه والله أعلم. ويحتمل أن يكون قوله: (وكان أمرا مقضيا) كناية عن نفخ جبريل فيها كما قال تعالى: (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا) [ التحريم: 12 ]. فذكر غير واحد من السلف: أن جبريل نفخ في جيب درعها فنزلت النفخة إلى فرجها، فحملت من فورها، كما تحمل المرأة عند جماع بعلها. ومن قال إنه نفخ في فمها أو أن الذي كان يخاطبها هو الروح الذي ولج فيها من فمها فقوله خلاف ما يفهم من سياقات هذه القصة في محالها من القرآن. فإن هذا السياق يدل على أن الذي أرسل إليها ملك من الملائكة وهو جبريل عليه السلام وأنه إنما نفخ فيها ولم يواجه الملك الفرج بل نفخ في جيبها فنزلت النفخة إلى فرجها فانسلكت فيه كما قال تعالى: (فنفخنا فيه من روحنا) فدل (3) على أن النفخة ولجت فيه لا في فمها كما روي عن أبي بن كعب ولا في صدرها كما رواه السدي بإسناده عن بعض الصحابة ولهذا قال تعالى: (فحملته) أي حملت ولدها (فانتبذت به مكانا قصيا) وذلك لان مريم عليها السلام لما حملت ضاقت به ذرعا وعلمت أن كثيرا من الناس سيكون منهم كلام في حقها فذكر غير واحد من السلف منهم وهب بن منبه أنها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فطن


(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (2) ذكرت مريم ذلك تأكيدا منها أنه لم يمسسها بشر، يحتمل الحلال والحرام، ولم تستبعد قدرة الله إنما تساءلت كيف يكون هذا الولد ؟ هل من قبل الزوج في المستقبل أم يخلقه الله ابتداء ؟ (3) في نسخ البداية المطبوعة: يدل والصواب ما أثبتناه. [ * ]

[ 78 ]

لذلك رجل من عباد بني إسرائيل يقال له يوسف بن يعقوب النجار وكان ابن خالها (1) فجعل يتعجب من ذلك عجبا شديدا وذلك لما يعلم من ديانتها ونزاهتها وعبادتها وهو مع ذلك يراها حبلى وليس لها زوج فعرض لها ذات يوم في الكلام فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر ؟ قالت: نعم فمن خلق الزرع الاول ؟ ثم قال: فهل يكون شجر من غير ماء ولا مطر ؟ قالت: نعم. فمن خلق الشجر الاول ؟ ثم قال: فهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت: نعم إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى قال لها: فأخبريني خبرك فقالت إن الله بشرني (بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين. ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين) ويروى مثل هذا عن زكريا عليه السلام أنه سألها فأجابته بمثل هذا والله أعلم. وذكر السدي بإسناده عن الصحابة أن مريم دخلت يوما على أختها، فقالت لها أختها: أشعرت أني حبلى فقالت مريم وشعرت أيضا أني حبلى ؟ فاعتنقتها وقالت لها أم يحيى: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك وذلك قوله: (مصدقا بكلمة من الله) ومعنى السجود ههنا الخضوع والتعظيم كالسجود عند المواجهة للسلام كما كان في شرع من قبلنا وكما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم. وقال أبو القاسم: قال مالك: بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابنا خالة وكان حملهما جميعا معا فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك قال مالك أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام لان الله تعالى جعله يحيي الموتى ويبرئ الاكمه والابرص. رواه ابن أبي حاتم وروي عن مجاهد قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت حدثني وكلمني وإذا كنت بين الناس سبح في بطني. ثم الظاهر أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء ويضعن لميقات حملهن ووضعهن إذ لو كان خلاف ذلك لذكر. وعن ابن عباس وعكرمة أنها حملت به ثمانية أشهر، وعن ابن عباس ما هو إلا أن حملت به فوضعته [ في الحال، وهذا هو الظاهر، لان الله تعالى، ذكر الانتباذ بعد الحمل ] (2) قال بعضهم حملت به تسع ساعات واستأنسوا لذلك بقوله: (فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة) والصحيح أن تعقيب كل شئ بحسبه لقوله: (فتصبح الارض مخضرة) [ الحج: 63 ] وكقوله: (فخلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضعة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) [ المؤمنون: 14 ] ومعلوم أن بين كل حالين أربعين يوما كما ثبت في الحديث المتفق عليه. قال محمد بن إسحاق شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل فما دخل على أهل بيت ما دخل


(1) في الطبري: ابن عمها. (2) ما بين معكوفين زيادة من القرطبي، من سياق كلام ابن عباس. [ * ]

[ 79 ]

على ال بيت زكريا. قال واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبد معها في المسجد وتوارت عنهم مريم واعتزلتهم وانتبذت مكانا قصيا (1) وقوله: (فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة) أي فألجأها واضطرها الطلق إلى جذع النخلة وهو بنص الحديث الذي رواه النسائي بإسناد لا بأس به عن أنس مرفوعا والبيهقي بإسناد وصححه عن شداد بن أوس مرفوعا أيضا ببيت لحم (2) الذي بنى عليه بعض ملوك الروم فيما بعد على ما سنذكره هذا البناء المشاهد الهائل (قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا) فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتن وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات إليه المعتكفات فيه ومن بيت النبوة والديانة فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو كانت (نسيا منسيا) أي لم تخلق بالكلية. وقوله: (فناداها من تحتها) وقرئ من تحتها على الخفض وفي المضمر قولان أحدهما: أنه جبريل قاله العوفي عن ابن عباس قال: ولم يتكلم عيسى إلا بحضرة القوم وهكذا قال سعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والضحاك والسدي وقتادة. وقال مجاهد والحسن وابن زيد وسعيد بن جبير في رواية هو ابنها عيسى واختاره ابن جرير. وقوله: (أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا) قيل النهر وإليه ذهب الجمهور. وجاء فيه حديث رواه الطبراني لكنه ضعيف، واختاره ابن جرير وهو الصحيح. وعن الحسن والربيع بن أنس وابن أسلم وغيرهم أنه ابنها والصحيح الاول لقوله: (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا) فذكر الطعام والشراب ولهذا قال: (فكلي واشربي وقري عينا). ثم قيل كان جذع النخلة يابسا وقيل كانت نخلة مثمرة فالله أعلم. ويحتمل أنها كانت نخلة لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك لان ميلاده كان في زمن الشتاء (2) وليس ذاك وقت ثمر وقد يفهم ذلك من قوله تعالى على سبيل الامتنان (تساقط عليك رطبا جنيا) قال عمرو بن ميمون ليس شئ أجود للنفساء من التمر والرطب ثم تلا هذه الآية. وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شيبان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الاوزاعي (3)، عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب قال: قال


(1) قال ابن قتيبة في المعارف: وكان يوسف النجار خطب مريم وتزوجها فيما ذكر في الانجيل فلما صارت إليه وجدها حبلى قبل أن يباشرها وكان رجلا صالحا فكره أن يفشي عليها وائتمر أن يسرحها خفية فتراءى له ملك في النوم فقال يا يوسف إن امرأتك مريم سوف تلد ابنا يسمى عيسى وهو ينجي أمته من خطاياهم. (2) قال المسعودي: ولد بقرية يقال لها بيت لحم على أميال من بيت المقدس، وقد ولدته في يوم الاربعاء لاربع وعشرين ليلة خلت من كانون الاول. (3) في نسخ البداية المطبوعة: الانصاري وهو تصحيف. وعبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الاوزاعي، أبو عمرو الفقيه شيخ الاسلام ثقة جليل. من السابعة مات سنة 157 تقريب التهذيب 1 / 1064 / 493 الكاشف 1 / 158. [ * ]

[ 80 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم وليس من الشجرة شئ يلقح غيرها " (1). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أطعموا نساءكم الولد الرطب فإن لم يكن رطب فتمر وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران ". وكذا رواه أبو يعلى في مسنده عن شيبان بن فروخ، عن مسروق بن سعيد، وفي رواية مسرور بن سعد. والصحيح مسرور بن سعيد التميمي أورد له ابن عدي هذا الحديث عن الاوزاعي به ثم قال وهو منكر الحديث، ولم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث. وقال ابن حبان يروي عن الاوزاعي المناكير الكثيرة التي لا يجوز الاحتجاج بمن يرويها. وقوله: (فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا). وهذا من تمام كلام الذي ناداها من تحتها قال: (كلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا) أي فإن رأيت أحدا من الناس (فقولي) له أي بلسان الحال والاشارة (إني نذرت للرحمن صوما) أي صمتا وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام قاله قتادة والسدي وابن اسلم ويدل على ذلك قوله: (فلن أكلم اليوم إنسيا) فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلى الليل وقوله تعالى: (فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا. يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) ذكر كثير من السلف ممن ينقل عن أهل الكتاب أنهم لما افتقدوها من بين أظهرهم ذهبوا في طلبها، فمروا على محلتها والانوار حولها، فلما واجهوها وجدوا معها ولدها فقالوا لها: (يا مريم لقد جئت شيئا فريا) أي أمرا عظيما منكرا. وفي هذا الذي قالوه نظر مع أنه كلام ينقض أوله آخره وذلك لان ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملت بنفسها وأتت به قومها وهي تحمله. قال ابن عباس وذلك بعد ما تعالت (2) من نفاسها بعد أربعين يوما (3). والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها (قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا) والفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال ثم قالوا لها: (يا أخت هرون) قيل شبهوها بعابد من عباد زمانهم كانت تساميه في العبادة وكان اسمه هرون وقيل شبهوها برجل فاجر في زمانهم اسمه هرون. قاله سعيد بن جبير وقيل أرادوا بهارون أخا موسى شبهوها به في العبادة. وأخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهرون نسبا فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على أنى من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع وكأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى وهرون ضربت بالدف يوم نجا الله موسى وقومه وأغرق فرعون وملاه فاعتقد أن هذه هي هذه وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن كما قررناه في التفسير مطولا ولله


(1) رواه ابن عساكر في تاريخه 2 / 342 تهذيب. ورواه الشوكاني في الفوائد المجموعة (489). (2) في نسخ البداية المطبوعة: تعلت والصواب ما أثبتناه. (3) هذا القول نقله القرطبي عن الكلبي أما ابن عباس فقال: خرجت من عندهم حين أشرقت الشمس فجاءتهم عند الظهر ومعها صبي تحمله، فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات. [ * ]

[ 81 ]

الحمد والمنة. وقد ورد الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هرون وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها والله أعلم. قال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن ادريس سمعت أبي يذكره عن سماك عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران فقالوا أرأيت ما تقرأون: (يا أخت هرون) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا قال فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالانبياء والصالحين قبلهم " (1) وكذا رواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن إدريس وقال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديثه وفي رواية: " ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بأسماء صالحيهم وأنبيائهم " وذكر قتادة وغيره أنهم كانوا يكثرون من التسمية بهارون حتى قيل إنه حضر بعض جنائزهم بشر كثير منهم ممن يسمى بهارون أربعون ألفا فالله أعلم. والمقصود أنهم قالوا: (يا أخت هرون) ودل الحديث على أنها قد كان لها أخ نسبي اسمه هرون، وكان مشهورا بالدين والصلاح والخير ولهذا قالوا: (ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) أي لست من بيت هذا شيمتهم ولا سجيتهم لا أخوك ولا أمك ولا أبوك فاتهموها بالفاحشة العظمى ورموها بالداهية الدهياء، فذكر ابن جرير (2) في تاريخه أنهم اتهموا بها زكريا وأرادوا قتله ففر منهم فلحقوه وقد انشقت له الشجرة فدخلها وأمسك أبليس بطرف ردائه فنشروه فيها كما قدمنا، ومن المنافقين من اتهمها بابن خالها (3) يوسف بن يعقوب النجار فلما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال عظم التوكل على ذي الجلال ولم يبق إلا الاخلاص والاتكال (فأشارت إليه) أي خاطبوه وكلموه، فإن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه. فعندها (قالوا) من كان منهم جبارا شقيا (كيف نكلم من كان في المهد صبيا) أي كيف تحيلينا في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب، وهو مع ذلك رضيع في مهده، ولا يميز بين محض وزبده وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا، والاستهزاء والتنقص لنا والازدراء، إذ لا تردين علينا قولا نطقيا بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبيا فعندها (قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا. وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا. والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا). هذا أول كلام تفوه به عيسى بن مريم فكان أول ما تكلم به أن (قال إني عبد الله) اعترف لربه تعالى


(1) أخرجه أحمد في مسنده ج 4 / 252 وأخرجه مسلم في صحيحه 38 كتاب الآداب 1 باب ح 9 / 2135 ص 3 / 1685. (2) الخبر في تاريخ الطبري 2 / 22 عن ابن عباس وابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ; في سياق قصة مريم ; والذين اتهموه: بنو اسرائيل. (3) تقدم أنه ابن عمها. [ * ]

[ 82 ]

بالعبودية وأن الله ربه فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله بل هو عبده ورسوله وابن أمته ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: (آتاني الكتاب وجعلني نبيا) فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا لعنهم الله وقبحهم كما قال تعالى: (وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما) [ النساء: 156 ] وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا إنها حملت به من زنا في زمن الحيض لعنهم الله فبرأها الله من ذلك وأخبر عنها أنها صديقة واتخذ ولدها نبيا مرسلا أحد أولي العزم الخمسة الكبار ولهذا قال: (وجعلني مباركا أينما كنت) وذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة تعالى وتقدس (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة والاحسان إلى الخليقة بالزكاة وهي تشتمل على طهارة النفوس من الاخلاق الرذيلة وتطهير الاموال الجزيلة بالعطية للمحاويج على اختلاف الاصناف وقرى الاضياف والنفقات على الزوجات والارقاء والقرابات وسائر وجوه الطاعات وأنواع القربات. ثم قال: (وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا) أي وجعلني برا بوالدتي وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها فسبحان من خلق الخليقة وبراها وأعطى كل نفس هداها. (ولم يجعلني جبارا شقيا) أي لست بفظ ولا غليظ ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته. (والسلام علي يوم ولدت يوم أموت ويوم أبعث حيا). وهذه الاماكن الثلاثة (1) التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام. ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية وبين أمره ووضحه وشرحه (2). قال: (ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون. ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) [ مريم: 34 - 35 ] كما قال تعالى بعد ذكر قصته وما كان من أمره في آل عمران: (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم. إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. الحق من ربك فلا تكن من الممترين. فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين. إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم. فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين)


(1) يوم ولدت: يعني في الدنيا، وقيل من همز الشيطان. ويوم أموت: يعني في القبر ; ويوم أبعث حيا: يعني في الآخرة. (2) في الآيات دلالات عديدة أبرزها ; - أن عيسى تكلم في طفولته ثم عاد إلى حالة الاطفال فكان نطقه اظهار براءة أمه. - أن عيسى تكلم في المهد خلافا لليهود والنصارى. - أن الصلاة والزكاة وبر الوالدين كان واجبا على الامم السالفة، والقرون الخالية الماضية. - الاشارة بمنزلة الكلام وتفهم ما يفهم القول. قال المهلب: وقد تكون الاشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من الكلام. [ * ]

[ 83 ]

[ آل عمران: 58 - 63 ]. ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكبا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم ويؤول أمر الجميع إلى ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم وهم العاقب والسيد وأبو حارثة بن علقمة فجعلوا يناظرون في أمر المسيح، فأنزل الله صدر سورة آل عمران في ذلك وبين أمر المسيح وابتداء خلقه وخلق أمه من قبله، وأمر رسوله بأن يباهلهم إن لم يستجيبوا له ويتبعوه، فلما رأوا عينيها وأذنيها نكصوا وامتنعوا عن المباهلة وعدلوا إلى المسالمة والموادعة وقال قائلهم: وهو العاقب عبد المسيح: يا معشر النصارى لقد علمتم أن محمد لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ولقد علمتم أن ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وإنها للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والاقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فطلبوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يضرب عليهم جزية وأن يبعث معهم رجلا أمينا فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وقد بينا ذلك في تفسير آل عمران وسيأتي بسط هذه القضية في السيرة النبوية (1) إن شاء الله تعالى وبه الثقة. والمقصود أن الله تعالى بين أمر المسيح قال لرسوله: (ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون) يعني من أنه عبد مخلوق (2) من امرأة من عباد الله ولهذا قال: (ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) أي لا يعجزه شئ ولا يكترثه ولا يؤوده بل هو القدير الفعال لما يشاء (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) وقوله: (إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم وأن هذا هو الصراط المستقيم. قال الله تعالى: (فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) [ مريم: 37 ] أي فاختلف أهل ذلك الزمان ومن بعدهم فيه فمن قائل من اليهود إنه ولد زنية، واستمروا على كفرهم وعنادهم. وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا هو الله وقال آخرون هو ابن الله. وقال المؤمنون هو عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه وهؤلاء هم الناجون المثابون المؤيدون المنصورون ومن خالفهم في شئ من هذه القيود فهم الكافرون الضالون الجاهلون، وقد توعدهم العلي العظيم الحكيم العليم بقوله: (فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم). قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، أنبأنا الوليد، حدثنا الاوزاعي، حدثني عمير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى


(1) راجع سيرة ابن كثير 4 / 10 / 108. (2) اعتقد اليهود أنه ابن يوسف النجار وقالت النصارى أنه الاله أو ابن الاله، وقول الحق هو كلمة الله في نعته لعيسى ; فكلام الله هو القول الحق الذي فيه يشكون. [ * ]

[ 84 ]

مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ". قال الوليد فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عمير عن جنادة وزاد " من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء " (1). وقد رواه مسلم عن داود بن رشيد عن الوليد [ بن مسلم ] (2) عن [ ابن ] (2) جابر به ومن طريق أخرى عن الاوزاعي به. باب بيان أن الله تعالى منزه عن الولد [ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبير ] (3) قال تعالى في آخر هذه السورة: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ادا) أي شيئا عظيما ومنكرا من القول وزورا (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا. وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا. إن كل من في السموات والارض إلا آتي الرحمن عبدا. لقد احصاهم وعدهم عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) [ مريم: 88 - 95 ] فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد لانه خالق كل شئ ومالكه وكل شئ فقير إليه، خاضع ذليل لديه وجميع سكان السموات والارض عبيده وهو ربهم لا إله إلا هو ولا رب سواه. كما قال تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون. بديع السموات والارض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم. ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل. لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) [ الانعام: 100 - 103 ]. فبين أنه خالق كل شئ فكيف يكون له ولد، والولد لا يكون إلا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا نظير له ولا شبيه له ولا عديل له فلا صاحبة له فلا يكون له ولد. كما قال تعالى: (قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) [ الاخلاص: 1 - 4 ] يقرر أنه الاحد الذي لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (الصمد) وهو السيد الذي كمل في علمه وحكمته و [ بلغ ] (4) رحمته وجميع صفاته (لم يلد) أي لم يوجد منه ولد (ولم يولد) أي ولم يتولد عن شئ قبله (ولم يكن له كفوا أحد) أي وليس له عدل ولا مكافئ ولا مساو فقطع النظير المداني الاعلى والمساوي فانتفى أن يكون له ولد إذ لا يكون الولد إلا متولدا بين شيئين متعادلين أو متقاربين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقال تبارك وتعالى وتقدس: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في


(1) أخرجه مسلم في صحيحه 1 كتاب الايمان 10 باب 46 / 28 / ص 1 / 57. والبخاري حديث رقم 1604. (2) ما بين معكوفين سقطت من نسخ البداية واستدركت من مسلم. (3) ما بين معكوفين سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (4) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. [ * ]

[ 85 ]

دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الارض وكفى بالله وكيلا. لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا) [ النساء: 171 - 173 ]. ينهى تعالى أهل الكتاب ومن شابههم عن الغلو والاطراء في الدين وهو مجاوزة الحد، فالنصارى لعنهم الله غلوا وأطروا المسيح حتى جاوزوا الحد. فكان الواجب عليهم أن يعتقدوا أنه عبد الله ورسوله وابن أمته العذراء البتول التي أحصنت فرجها فبعث الله الملك جبريل إليها فنفخ فيها عن أمر الله نفخة حملت منها بولدها عيسى عليه السلام، والذي اتصل بها من الملك هي الروح المضافة إلى الله إضافة تشريف وتكريم، وهي مخلوقة من مخلوقات الله تعالى كما يقال: بيت الله وناقة الله وعبد الله، وكذا روح الله أضيفت إليه تشريفا لها وتكريما. وسمي عيسى بها لانه كان بها من غير أب وهي الكلمة أيضا التي عنها خلق وبسببها وجد كما قال تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) [ آل عمران: 59 ]. وقال تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل له ما في السموات والارض كل له قانتون بديع السموات والارض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) [ البقرة: 116 - 117 ]. وقال تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون) [ التوبة: 30 ]. فأخبر تعالى أن اليهود والنصارى عليهم لعائن الله، كل من الفريقين ادعوا على الله شططا وزعموا أن له ولدا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وأخبر أنهم ليس لهم مستند فيما زعموه ولا فيما ائتفكوه، إلا مجرد القول ومشابهة من سبقهم إلى هذه المقالة الضالة تشابهت قلوبهم. وذلك أن الفلاسفة عليهم لعنة الله زعموا أن العقل الاول صدر عن واجب الوجود الذي يعبرون عنه بعلة العلل والمبدأ الاول، وأنه صدر عن العقل الاول عقل ثان ونفس وفلك، ثم صدر عن الثاني كذلك حتى تناهت العقول إلى عشرة والنفوس إلى تسعة والافلاك إلى تسعة باعتبارات فاسدة ذكروها واختيارات باردة أوردوها ولبسط الكلام معهم وبيان جهلهم وقلة عقلهم موضع آخر. وهكذا طوائف من مشركي العرب زعموا - لجهلهم - أن الملائكة بنات الله وأنه صاهر سروات الجن فتولد منهما الملائكة. تعالى الله عما يقولون وتنزه عما يشركون كما قال تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن أناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون) [ الزخرف: 19 ] وقال تعالى: (فاستفتهم الربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين. فأتوا بكتابكم إن

[ 86 ]

كنتم صادقين. وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين) [ الصافات: 149 - 160 ]. وقال تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين) [ الانبياء: 26 - 29 ]: وقال تعالى في أول سورة الكهف وهي مكية: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا. وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) [ الكهف: 1 - 5 ]. وقال تعالى: (قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الارض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون) [ يونس: 68 - 70 ] فهذه الآيات المكيات الكريمات تشمل الرد على سائر فرق الكفرة من الفلاسفة ومشركي العرب واليهود والنصارى الذين ادعوا وزعموا بلا علم أن الله ولدا سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا. ولما كانت النصارى عليهم لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة من أشهر من قال بهذه المقالة ذكروا في القرآن كثيرا للرد عليهم وبيان تناقضهم وقلة علمهم وكثرة جهلهم، وقد تنوعت أقوالهم في كفرهم، وذلك أن الباطل كثير التشعب والاختلاف والتناقض. وأما الحق فلا يختلف ولا يضطرب. قال الله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) [ النساء: 82 ]. فدل على أن الحق يتحد ويتفق والباطل يختلف ويضطرب. فطائفة من ضلالهم وجهالهم زعموا أن المسيح هو الله تعالى وطائفة قالوا هو ابن الله عز الله وطائفة قالوا هو ثالث ثلاثة. جل الله (1). قال الله تعالى في سورة المائدة: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الارض جميعا ولله ملك السموات والارض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شئ قدير) [ المائدة: 17 ] فأخبر تعالى عن كفرهم وجهلهم وبين أنه الخالق القادر على كل شئ المتصرف في كل شئ وأنه رب كل شئ ومليكه وإلهه. وقال في أواخرها: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار. لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم. أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور


(1) النسطورية: قالوا ابن الله، والملكانية قالوا: ثالث ثلاثة، واليعقوبية قالوا: هو الله. [ * ]

[ 87 ]

رحيم. ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون) [ المائدة: 72 - 75 ] حكم تعالى بكفرهم شرعا وقدرا فأخبر أن هذا صدر منهم مع أن الرسول إليهم هو عيسى بن مريم قد بين لهم أنه عبد مربوب مخلوق مصور في الرحم داع إلى عبادة الله وحده لا شريك له وتوعدهم على خلاف ذلك بالنار وعدم الفوز بدار القرار والخزي في الدار الآخرة والهوان والعار ولهذا قال: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) ثم قال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد) قال ابن جرير وغيره المراد بذلك قولهم بالاقانيم الثلاثة. أقنوم الاب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة المنبثقة من الاب إلى الابن على اختلافهم في ذلك ما بين الملكية واليعقوبية والنسطورية عليهم لعائن الله كما سنبين كيفية اختلافهم في ذلك ومجامعهم الثلاثة في زمن قسطنطين بن قسطس وذلك بعد المسيح بثلاثمائة سنة وقبل البعثة المحمدية بثلاثمائة سنة ولهذا قال تعالى: (وما من إله إلا إله واحد) أي وما من إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نظير له ولا كفؤ له ولا صاحبة له ولا ولد ثم توعدهم وتهددهم فقال: (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم) ثم دعاهم برحمته ولطفه إلى التوبة والاستغفار من هذه الامور الكبار والعظائم التي توجب النار فقال: (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم) ثم بين حال المسيح وأمه وأنه عبد رسول وأمه صديقة أي ليست بفاجرة كما يقوله اليهود لعنهم الله وفيه دليل على أنها ليست بنبية كما زعمه طائفة من علمائنا وقوله: (كانا يأكلان الطعام) كناية عن خروجه منهما كما يخرج من غيرهما أي ومن كان بهذه المثابة كيف يكون إلها تعالى الله عن قولهم وجهلهم علوا كبيرا. وقال السدي وغيره المراد بقوله لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة زعمهم في عيسى وأمه أنهما الالهان مع الله يعني كما بين تعالى كفرهم في ذلك بقوله في آخر هذه السورة الكريمة: (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله. قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) [ المائدة: 116 - 118 ]. يخبر تعالى أنه يسأل عيسى بن مريم يوم القيامة على سبيل الاكرام له والتقريع والتوبيخ لعابديه ممن كذب عليه وافترى وزعم أنه ابن الله أو أنه الله أو أنه شريكه تعالى الله عما يقولون فيسأله وهو يعلم أنه لم يقع منه ما يسأله عنه ولكن لتوبيخ من كذب عليه فيقول له: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك) أي تعاليت أن يكون معك شريك (ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق) أي ليس هذا يستحقه أحد سواك (وإن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب). وهذا

[ 88 ]

تأدب عظيم في الخطاب والجواب: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) [ أي ما قلت غير ما أمرتني عليه ] (1) حين أرسلتني إليهم وأنزلت علي الكتاب الذي كان يتلى عليهم ثم فسر ما قال لهم بقوله: (أن أعبدوا الله ربي وربكم) أي خالقي وخالقكم ورازقي ورازقكم (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني) أي رفعتني إليك حين أرادوا قتلي وصلبي فرحمتني وخلصتني منهم وألقيت شبهي على أحدهم حتى انتقموا منه فلما كان ذلك (كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد). ثم قال على وجه التفويض إلى الرب عزوجل والتبري من أهل النصرانية (إن تعذبهم فإنهم عبادك) أي وهم يستحقون ذلك (وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم). وهذا التفويض والاسناد إلى المشيئة بالشرط لا يقتضي وقوع ذلك ولهذا قال: (فإنك أنت العزيز الحكيم) ولم يقل الغفور الرحيم. وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الامام أحمد عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بهذه الآية الكريمة ليلة حتى أصبح (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) وقال: " إني سألت ربي عزوجل الشفاعة لامتي فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئا " (2). وقال: (وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لاعبين. لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون. وله من في السموات والارض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [ الانبياء: 16 - 20 ] وقال تعالى: (لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار. خلق السموات والارض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى ألا هو العزيز الغفار) [ الزمر: 4 - 5 ]. وقال تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين سبحان رب السموات والارض رب العرش عما يصفون) [ الزخرف: 81 - 82 ] وقال تعالى: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا) [ الاسراء: 111 ] وقال تعالى: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) [ الاخلاص: 1 - 4 ] وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقول الله تعالى: " شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك يزعم أن لي ولدا وأنا الاحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد " (3) وفي الصحيح أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا أحد أصبر على أذى سمعه


(1) ما بين المعكوفين سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (2) مسند أحمد ج 5 / 149 والبخاري في صحيحه 8 / 215 فتح الباري وأبو داود الطيالسي في مسنده. (3) أخرجه البخاري في صحيحه 59 / 1 / 3193 فتح الباري وفي 65 / 112 / 4975 فتح وأخرجه النسائي في سننه. [ * ]

[ 89 ]

من الله إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم " (1). ولكن ثبت في الصحيح أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم قرأ: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة أن أخذه أليم شديد) [ هود: 102 ] وهكذا قوله تعالى: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلى المصير) [ الحج: 48 ] وقال تعالى: (نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) [ لقمان: 24 ] وقال تعالى: (قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون) [ يونس: 69 - 70 ] وقال تعالى: (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا) [ الطارق: 17 ] [ ذكر ] (2) منشأ عيسى بن مريم عليهما السلام [ ومرباه في صغره وصباه ] (2) وبيان بدء الوحي إليه من الله تعالى قد تقدم أنه ولد ببيت لحم قريبا من بيت المقدس. وزعم وهب بن منبه أنه ولد بمصر وأن مريم سافرت هي ويوسف بن يعقوب النجار وهي راكبة على حمار ليس بينهما وبين الاكاف شئ. وهذا لا يصح والحديث الذي تقدم ذكره دليل على أن مولده كان ببيت لحم، كما ذكرنا ومهما عارضه فباطل. وذكر وهب بن منبه أنه لما ولد خرت الاصنام يومئذ في مشارق الارض ومغاربها. وأن الشياطين حارت في سبب ذلك، حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر عيسى فوجدوه في حجر أمه والملائكة محدقة به وأنه ظهر نجم عظيم في السماء وأن ملك الفرس اشفق من ظهوره، فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا هذا لمولد عظيم في الارض، فبعث رسله ومعهم ذهب ومر ولبان (3) هدية إلى عيسى فلما قدموا الشام سألهم ملكها (4) عما أقدمهم فذكروا له ذلك فسأل عن ذلك الوقت فإذا قد ولد فيه عيسى بن مريم ببيت المقدس واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد فأرسلهم إليه بما معهم وأرسل معهم من يعرفه له ليتوصل إلى قتله إذا انصرفوا عنه فلما وصلوا إلى مريم بالهدايا ورجعوا قيل لها إن رسل ملك الشام إنما جاؤوا ليقتلوا ولدك فاحتملته فذهبت به إلى مصر (5) فأقامت به حتى


(1) أخرجه مسلم في صحيحه 45 / 15 / 2583 كما رواه البخاري في التفسير وابن ماجه في الفقه. (2) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (3) المر: يجبر به الجرح والكسر ; واللبان: ينال دخانه السماء ولا ينالها دخان غيره. (4) في الطبري: أن رسل ملك فارس صاروا إلى هيرودس غلطا، وكان الرياسة على بيت المقدس لقيصر والملك من قبل قيصر عليها هيرودس الكبير. (5) قال ابن الاثير في الكامل والطبري في تاريخه: كان سبب قدومها مصر خوفها من ملك بني إسرائيل، وكان من الروم واسمه هيرودس وإن اليهود اغروه بقتله. [ * ]

[ 90 ]

بلغ عمره اثنتي عشرة سنة، وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره. فذكر منها أن الدهقان الذي نزلوا عنده افتقد مالا من داره وكانت داره لا يسكنها إلا الفقراء والضعفاء والمحاويج فلم يدر من أخذه وعز ذلك على مريم عليها السلام وشق على الناس وعلى رب المنزل وأعياهم أمرها فلما رأى عيسى عليه السلام ذلك عمد إلى رجل أعمى، وآخر مقعد من جملة من هو منقطع إليه فقال للاعمى: احمل هذا المقعد وانهض به فقال: إني لا أستطيع ذلك فقال بلى كما فعلت أنت وهو حين أخذتما هذا المال من تلك الكوة من الدار فلما قال ذلك صدقاه فيما قال وأتيا بالمال فعظم عيسى في أعين الناس وهو صغير جدا (1). ومن ذلك أن ابن الدهقان عمل ضيافة للناس بسبب طهور أولاده فلما اجتمع الناس وأطعمهم ثم أراد أن يسقيهم شرابا يعني خمرا كما كانوا يصنعون في ذلك الزمان لم يجد في جراره شيئا فشق ذلك عليه فلما رأى عيسى ذلك منه قام فجعل يمر على تلك الجرار ويمر يده على أفواهها فلا يفعل بجرة منها ذلك إلا امتلات شرابا من خيار الشراب. فتعجب الناس من ذلك جدا وعظموه وعرضوا عليه وعلى أمه مالا جزيلا فلم يقبلاه وارتحلا قاصدين بيت المقدس والله أعلم. وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا عثمان بن ساج وغيره، عن موسى بن وردان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد وعن مكحول عن أبي هريرة قال: إن عيسى بن مريم أول ما أطلق الله لسانه بعد الكلام الذي تكلم به وهو طفل فمجد الله تمجيدا لم تسمع الآذان بمثله لم يدع شمسا ولا قمرا ولا جبلا ولا نهرا ولا عينا إلا ذكره في تمجيده فقال: اللهم أنت القريب في علوك، المتعال في دنوك، الرفيع على كل شئ من خلقك. أنت الذي خلقت سبعا في الهواء بكلماتك مستويات طباقا أجبن وهن دخان من فرقك، فأتين طائعات لامرك فيهن ملائكتك يسبحون قدسك لتقديسك، وجعلت فيهن نورا على سواد الظلام وضياء من ضوء الشمس بالنهار، وجعلت فيهن الرعد المسبح بالحمد، فبعزتك يجلو ضوء ظلمتك، وجعلت فيهن مصابيح يهتدي بهن في الظلمات الحيران، فتباركت اللهم في مفطور سمواتك وفيما دحوت من أرضك دحوتها على الماء فسمكتها على تيار الموج الغامر، فأذللتها إذلال التظاهر، فذل لطاعتك صعبها واستحيى لامرك أمرها وخضعت لعزتك أمواجها، ففجرت فيها بعد البحور الانهار ومن بعد الانهار الجداول الصغار ومن بعد الجداول ينابيع العيون الغزار، ثم أخرجت منها الانهار والاشجار والثمار ثم جعلت على ظهرها الجبال فوتدتها أوتادا على ظهر الماء، فأطاعت أطوادها وجلمودها، فتباركت اللهم فمن يبلغ بنعته نعتك، أم من يبلغ بصفته صفتك ؟ تنشر السحاب وتفك الرقاب وتقضي الحق وأنت خير الفاصلين، لا إله إلا أنت سبحانك أمرت أن نستغفرك من كل ذنب، لا إله إلا أنت سبحانك سترت السموات عن الناس، لا إله إلا أنت سبحانك إنما يغشاك من عبادك


(1) الخبر رواه الطبري في تاريخه: ج 2 / 21 و 25. [ * ]

[ 91 ]

الاكياس، نشهد أنك لست بإله استحد ثناك، ولا رب يبيد ذكره، ولا كان معك شركاء فندعوهم ونذرك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك، نشهد أنك أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن لك كفوا أحد. وقال إسحاق بن بشر، عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك عن ابن عباس: أن عيسى بن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلا حتى بلغ ما يبلغ الغلمان ثم انطقه الله بعد ذلك الحكمة والبيان فأكثر اليهود فيه وفي أمه من القول وكانوا يسمونه ابن البغية وذلك قوله تعالى (وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما) [ النساء: 156 ] قال فلما بلغ سبع سنين أسلمته أمه في الكتاب فجعل لا يعلمه المعلم شيئا إلا بدره إليه فعلمه أبا جاد فقال عيسى: ما أبو جاد ؟ فقال المعلم: لا أدري فقال عيسى: كيف تعلمني ما لا تدري ؟ فقال المعلم: إذا فعلمني. فقال له عيسى: فقم من مجلسك، فقام فجلس عيسى مجلسه فقال سلني: فقال المعلم ما أبو جاد فقال عيسى: الالف آلاء الله. والباء بهاء الله والجيم بهجة الله وجماله. فعجب المعلم من ذلك فكان أول من فسر أبا جاد. ثم ذكر أن عثمان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجابه على كل كلمة بحديث طويل موضوع لا يسأل ولا يتمادى. وهكذا روى ابن عدي من حديث إسماعيل بن عياش، عن إسمعيل بن يحيى، عن ابن أبي مليكة عمن حدثه عن ابن مسعود، وعن مسعر بن كدام عن عطية، عن أبي سعيد رفع الحديث في دخول عيسى إلى الكتاب وتعليمه المعلم معنى حروف أبى جاد وهو مطول لا يفرح به. ثم قال ابن عدي وهذا الحديث باطل بهذا الاسناد لا يرويه غير اسمعيل، وروى ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة قال كان عبد الله بن عمر يقول: كان عيسى بن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان فكان يقول لاحدهم: تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك ؟ فيقول نعم فيقول: خبأت لك كذا وكذا. فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها أطعميني ما خبأت لي. فتقول وأي شئ خبأت لك ؟ فيقول كذا وكذا. فتقول له: من أخبرك ؟ فيقول عيسى بن مريم. فقالوا والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليفسدنهم فجمعوهم في بيت وأغلقوا عليهم، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم فسمع ضوضاءهم في بيت فسأل عنهم فقالوا: إنما هؤلاء قردة وخنازير. فقال اللهم كذلك فكانوا كذلك رواه ابن عساكر. وقال اسحق بن بشر، عن جويبر، ومقاتل عن الضحاك، عن ابن عباس قال: وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاما من الله، ففشا ذلك في اليهود وترعرع عيسى، فهمست به بنو إسرائيل، فخافت أمه عليه فأوحى الله إلى أمه أن تنطلق به إلى أرض مصر فذلك قوله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) [ المؤمنون: 50 ] وقد اختلف السلف والمفسرون في المراد بهذه الربوة التي ذكر الله من صفتها أنها ذات قرار

[ 92 ]

ومعين، وهذه صفة غريبة الشكل، وهي أنها ربوة وهو المكان المرتفع من الارض الذي أعلاه مستو يقر عليه وارتفاعه متسع، ومع علوه فيه عيون الماء معين، وهو الجاري السارح على وجه الارض فقيل المراد المكان الذي ولدت فيه المسيح وهو نخلة بيت المقدس ولهذا (ناداها من تحتها الا تحرني قد جعل ربك تحتك سريا) (1) وهو النهر الصغير في قول جمهور السلف. وعن ابن عباس بإسناد جيد أنها أنهار دمشق فلعله أراد تشبيه ذلك المكان بأنهار دمشق. وقيل ذلك بمصر كما زعمه من زعمه من أهل الكتاب ومن تلقاه عنهم والله أعلم، وقيل هي الرملة. وقال إسحاق بن بشر قال لنا إدريس عن جده وهب بن منبه، قال إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة أمره الله أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت إيليا قال فقدم عليه يوسف ابن خال أمه فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى إيليا وأقام بها حتى أحدث الله له الانجيل وعلمه التوراة وأعطاه إحياء الموتى وإبراء الاسقام والعلم بالغيوب مما يدخرون في بيوتهم وتحدث الناس بقدومه وفزعوا لما كان يأتي من العجائب، فجعلوا يعجبون منه فدعاهم إلى الله ففشا فيهم أمره. بيان نزول الكتب الاربعة ومواقيتها قال أبو زرعة الدمشقي: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح عمن حدثه قال: " أنزلت التوراة على موسى في ست ليال خلون من شهر رمضان. ونزل الزبور على داود في انثتي عشر ليلة خلت من شهر رمضان. وذلك بعد التوراة بأربعمائة سنة واثنتين وثمانين سنة. وأنزل الانجيل على عيسى بن مريم في ثمانية عشر ليلة خلت من رمضان بعد الزبور بألف عام وخمسين عاما وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في أربع وعشرين من شهر رمضان وقد ذكرنا في التفسير عند قوله: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) [ البقرة: 185 ] الاحاديث الواردة في ذلك وفيها أن الانجيل أنزل على عيسى بن مريم عليه السلام في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. وذكر ابن جرير في تاريخه (2) أنه أنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة ومكث حتى رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقال إسحاق بن بشر وأنبأنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ومقاتل، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة قال: أوحى الله عزوجل إلى عيسى بن مريم: يا عيسى جد في أمري ولا تهن واسمع وأطع يابن الطاهرة البكر البتول: إنك من غير فحل وأنا خلقتك آية للعالمين، إياي فاعبد، وعلي فتوكل خذ الكتاب بقوة، فسر لاهل السريانية بلغ من بين يديك: إني أنا الحق الحي القائم (3) الذي لا أزول صدقوا


(1) سورة مريم الآية 24 بلفظ: فناداها. (2) تاريخ الطبري 2 / 21. (3) العبارة في البيهقي: إني أنا الله الحي القيوم. [ * ]

[ 93 ]

النبي الامي العربي صاحب الجمل والتاج (وهي العمامة) والمدرعة والنعلين والهرواة (وهي القضيب) الانجل العينين، الصلت الجبين، الواضح الخدين، الجعد الرأس، الكث اللحية، المقرون الحاجبين، الاقنى الانف، المفلح الثنايا، البادي العنفقة (1) الذي كان عنقه ابريق فضة وكأن الذهب يجري في تراقيه له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب ليس على بطنه ولا على صدره شعر غيره، شثن الكف والقدم، إذا التفت التفت جميعا، وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر وينحدر من صبب، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، وريح المسك تنفح منه ولم ير قبله ولا بعده مثله، الحسن القامة الطيب الريح، نكاح النساء ذا النسل القليل (2)، إنما نسله من مباركة لها بيت يعني في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا صخب تكفله يا عيسى في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك له منها فرخان مستشهدان وله عندي منزلة ليس لاحد من البشر. كلامه القرآن ودينه الاسلام وأنا السلام طوبى لمن أدرك زمانه وشهد أيامه وسمع كلامه " (3). قال عيسى يا رب وما طوبى ؟ قال: غرس شجرة أنا غرستها بيدي فهي للجنان كلها أصلها من رضوان وماؤها من نسيم وبردها برد الكافور وطعمها طعم الزنجبيل وريحها ريح المسك من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. قال عيسى يا رب اسقني منها قال: حرام على النبيين أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي وحرام على الامم أن يشربوا منها حتى يشرب منها أمة ذلك النبي. قال: يا عيسى أرفعك إلي ؟ قال رب ولم ترفعني قال: أرفعك ثم اهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب ولتعينهم على قتال اللعين الدجال أهبطك في وقت صلاة ثم لا تصلي بهم لانها مرحومة ولا نبي بعد نبيهم. وقال هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه أن عيسى قال: يا رب انبئني عن هذه الامة المرحومة قال: أمة أحمد هم علماء حكماء كأنهم انبياء يرضون مني بالقليل من العطاء وأرضى منهم باليسير من العمل، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله. يا عيسى هم أكثر سكان الجنة لانه لم تذل ألسن قوم قط بلا إله إلا الله كما ذلت ألسنتهم، ولم تذل رقاب قوم قط بالسجود كما ذلت به رقابهم. رواه ابن عساكر. وروى ابن عساكر من طريق عبد الله بن بديل العقيلي، عن عبد الله بن عوسجة قال: أوحى الله إلى عيسى بن مريم: أنزلني من نفسك كهمك واجعلني ذخرا لك في معادك وتقرب إلي بالنوافل أحبك ولا تول غيري فأخذ لك، اصبر على البلاء وأرض بالقضاء، وكن لمسرتي فيك فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى، وكن مني قريبا وأحيي ذكري بلسانك، ولتكن مودتي في صدرك، تيقظ من


(1) العنفقة: الشعيرات الخفيفة بين الشفة السفلى والذقن. (2) في البيهقي: زاد: كأنه أراد الذكور من نسله. (3) أخرجه البيهقي في الدلائل - سوى الجزء الاخير منه - عن مقاتل بن حيان ج 1 / 378 وأورده ابن عساكر تاريخه المختصر 1 / 344. [ * ]

[ 94 ]

ساعات الغفلة واحكم في لطيف الفطنة، وكن لي راغبا راهبا، وأمت قلبك في الخشية لي، وراع الليل لحق مسرتي واظم نهارك ليوم الري عندي، نافس في الخيرات جهدك واعترف بالخير حيث توجهت، وقم في الخلائق بنصيحتي، واحكم في عبادي بعدلي فقد أنزلت عليك شفاء وسواس الصدور من مرض النسيان وجلاء الابصار من غشاء الكلال، ولا تكن حلسا كأنك مقبوض وأنت حي تنفس. يا عيسى بن مريم ما آمنت بي خليقة إلا خشعت، ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي، فاشهدك أنها آمنة من عقابي ما لم تغير أو تبدل سنتي. يا عيسى بن مريم البكر البتول ابك على نفسك أيام الحياة بكاء من ودع الاهل وقلا الدنيا وترك اللذات لاهلها، وارتفعت رغبته فيما عند إلهه وكن في ذلك تلين الكلام وتفشي السلام وكن يقظان إذا نامت عيون الابرار، حذرا ما هو آت من أمر المعاد وزلازل شدايد الاهوال قبل أن لا ينفع أهل ولا مال، واكحل عينك بملول (1) الحزن إذا ضحك البطالون وكن في ذلك صابرا محتسبا، وطوبي لك إن ذلك ما وعدت الصابرين رج من الدنيا بالله يوم بيوم وذق مذاقة ما قد حرب منك أين طعمه وما لم يأتك كيف لذته فرح من الدنيا بالبلغة وليكفك منها الخشن الجئيب (2)، قد رأيت إلى ما يصير، اعمل على حساب فإنك مسؤول، لو رأت عيناك ما أعددت لاوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك. وقال أبو داود في " كتاب القدر ": حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: لقي عيسى بن مريم إبليس فقال: أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب لك ؟ قال إبليس: فارق بذروة هذا الجبل فترد (3) منه فانظر هل تعيش أم لا - فقال ابن طاوس - عن أبيه. فقال عيسى أما علمت أن الله قال: لا يجربني عبدي فإني أفعل ما شئت. وقال الزهري: إن العبد لا يبتلي ربه ولكن الله يبتلي عبده. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبدة، أنبأنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس قال: أتى الشيطان عيسى بن مريم فقال: أليس تزعم أنك صادق فأت هوة فألق نفسك. قال: ويلك أليس قال يا ابن آدم لا تسألني هلاك نفسك فإني أفعل ما أشاء. وحدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا حسين بن طلحة، سمعت خالد بن يزيد قال: تعبد الشيطان مع عيسى عشر سنين أو سنتين أقام يوما على شفير جبل، فقال الشيطان أرأيت أن ألقيت نفسي هل يصيبني إلا ما كتب لي قال: إني لست بالذي ابتلي ربي، ولكن ربي إذا شاء ابتلاني وعرفه أنه الشيطان ففارقه. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا شريح بن يونس، حدثنا علي بن ثابت، عن الخطاب بن القاسم، عن أبي عثمان قال: كان عيسى عليه السلام يصلي على رأس جبل فأتاه إبليس فقال: أنت الذي تزعم أن كل


(1) ملول: جمع ملة، وهي الرماد الحار ينضج فيه الخبز. (2) الجئيب: الغليظ، وفي المطبوعة: الجثيب وهو تحريف. (3) في نسخ البداية فتروى، وهو خطأ والصواب لغة ما أثبتناه. [ * ]

[ 95 ]

شئ بقضاء وقدر قال: نعم. قال: ألق نفسك من هذا الجبل وقل قدر علي فقال: يالعين الله يختبر العباد وليس العباد يختبرون الله عزوجل. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثنا الفضل بن موسى البصري، حدثنا إبراهيم بن بشار، سمعت سفيان بن عيينة يقول: لقي عيسى بن مريم إبليس فقال له إبليس: يا عيسى بن مريم الذي بلغ من عظيم ربوبيتك إنك تكلمت في المهد صبيا. ولم يتكلم فيه أحد قبلك قال بل الربوبية للاله الذي انطقني ثم يميتني ثم يحييني قال: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحيي الموتى قال بل الربوبية لله الذي يحيي [ من يشاء ] (1) ويميت من أحييت ثم يحييه قال والله إنك لاله في السماء وإله في الارض قال: فصكه جبريل صكة بجناحيه فما نباها دون قرون الشمس، ثم صكه أخرى بجناحيه فما نباها دون العين الحامية، ثم صكه أخرى فأدخله بحار السابعة فأساخه، وفي رواية فأسلكه فيها حتى وجد طعم الحمأة، فخرج منها وهو يقول: ما لقي أحد من أحد ما لقيت منك يا بن مريم. وقد روي نحو هذا بأبسط منه من وجه آخر فقال الحافظ أبو بكر الخطيب: أخبرني أبو الحسن بن رزقويه، أنبأنا أبو بكر أحمد بن سبدي، حدثنا أبو محمد الحسن بن علي القطان، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، أنبأنا علي بن عاصم، حدثني أبو سلمة سويد، عن بعض أصحابه قال صلى عيسى ببيت المقدس فانصرف فلما كان ببعض العقبة عرض له إبليس فاحتبسه فجعل يعرض عليه ويكلمه ويقول له: إنه لا ينبغي لك أن تكون عبدا فأكثر عليه وجعل عيسى يحرص على أن يتخلص منه فجعل لا يتخلص منه فقال له فيما يقول: لا ينبغي لك يا عيسى أن تكون عبدا قال: فاستغاث عيسى بربه، فأقبل جبريل وميكائيل فلما رآهما إبليس كف، فلما استقر معه على العقبة اكتنفا عيسى وضرب جبريل إبليس بجناحه فقذفه في بطن الوادي قال فعاد إبليس معه وعلم أنهما لم يؤمرا بغير ذلك فقال لعيسى: قد أخبرتك أنه لا ينبغي أن تكون عبدا إن غضبك ليس بغضب عبد، وقد رأيت ما لقيت منك حين غضبت، ولكن أدعوك لامر هو لك آمر الشياطين فليطيعوك فإذا رأى البشر أن الشياطين أطاعوك عبدوك، أما إني لا أقول أن تكون إلها ليس معه إله، ولكن الله يكون إلها في السماء وتكون أنت إلها في الارض، فلما سمع عيسى ذلك منه استغاث بربه، وصرخ صرخة شديدة، فإذا اسرافيل قد هبط فنظر إليه جبريل وميكائيل فكف إبليس، فلما استقر معهم ضرب إسرافيل إبليس بجناحه، فصك به عين الشمس ثم ضربه ضربة أخرى فأقبل إبليس يهوي ومر عيسى وهو بمكانه فقال يا عيسى لقد لقيت فيك اليوم تعبا شديدا فرمى به في عين الشمس فوجد سبعة أملاك عند العين الحامية قال: فغطوه فجعل كلما خرج (2) غطوه في تلك الحمأة قال والله ما عاد إليه بعد. قال وحدثنا إسماعيل العطار، حدثنا أبو حذيفة، قال واجتمع إليه شياطينه فقالوا: سيدنا لقد (3)


(1) ما بين معكوفين سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (2) في نسخ البداية المطبوعة: كلما صرخ. (3) في نسخة قد والصواب ما أثبتناه. [ * ]

[ 96 ]

لقيت تعبا قال: إن هذا عبد معصوم ليس لي عليه من سبيل، وسأضل به بشرا كثيرا وأبث فيهم أهواء مختلفة وأجعلهم شيعا ويجعلونه وأمه إلهين من دون الله، قال: وأنزل الله فيما أيد به عيسى وعصمه من إبليس قرآنا ناطقا بذكر نعمته على عيسى فقال: (يا عيسى بن مريم إذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس) [ المائدة: 110 ] يعني إذ قويتك بروح القدس يعني جبريل (تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير) [ المائدة: 110 ] الآية كلها وإذ جعلت المساكين لك بطانة وصحابة وأعوانا ترضى بهم وصحابة وأعوانا يرضون بك هاديا وقائدا إلى الجنة فذلك فاعلم خلقان عظيمان من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي، وسيقول لك بنو إسرائيل صمنا فلم يتقبل صيامنا، وصلينا فلم يقبل صلاتنا، وتصدقنا فلم يقبل صدقاتنا، وبكينا بمثل حنين الجمال فلم يرحم بكاؤنا، فقل لهم ولم ذلك وما الذي يمنعني إن ذات يدي قلت أو ليس خزائن السموات والارض بيدي انفق منها كيف أشاء، وإن البخل يعتريني (1) أو لست أجود من سئل (2) وأوسع من أعطى أو أن رحمتي ضاقت وإنما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي. ولولا أن هؤلاء القوم يا عيسى بن مريم غروا (3) أنفسهم بالحكمة التي تورث. في قلوبهم ما استأثروا به الدنيا أثره على الآخرة لعرفوا من أين أوتوا، وإذا لايقنوا أن أنفسهم هي أعدى الاعداء لهم، وكيف أقبل صيامهم وهم يتقوون عليه بالاطعمة الحرام، وكيف أقبل صلاتهم وقلوبهم تركن إلى الذين يحاربوني ويستحلون محارمي وكيف أقبل صدقاتهم وهم يغصبون الناس عليها فيأخذونها من غير حلها. يا عيسى إنما أجزي عليها أهلها، وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطر من دماء الانبياء (4)، ازددت عليهم غضبا. يا عيسى وقضيت يوم خلقت السموات والارض أنه من عبدني وقال فيكما بقولي أن أجعلهم جيرانك في الدار ورفقائك في المنازل وشركاءك في الكرامة وقضيت يوم خلقت السموات والارض أنه من اتخذك وأمك إلهين من دون الله أن أجعلهم في الدرك الاسفل من النار. وقضيت يوم خلقت السموات والارض أني مثبت هذا الامر على يدي عبدي محمد وأختم به الانبياء والرسل ومولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الاسواق ولا يتزين (5) بالفحش ولا قوال بالخنا أسدده لكل أمر جميل واهب له كل خلق كريم، واجعل التقوى ضميره والحكم معقوله والوفاء طبيعته والعدل سيرته والحق شريعته والاسلام ملته. اسمه أحمد، أهدي به بعد الضلالة وأعلم به بعد الجهالة وأغني به بعد العائلة وارفع به بعد الضيعة أهدي به وافتح به بين


(1) في نسخ البداية المطبوعة: لا يعتريني. (2) في نسخ البداية المطبوعة: من سأل. (3) في نسخ البداية المطبوعة: عدوا وهو تحريف. (4) إشارة إلى أن بني اسرائيل أكثروا من قتل أنبيائهم والفتك بهم. (5) في نسخ البداية المطبوعة: يزر. [ * ]

[ 97 ]

آذان صم وقلوب غلف، وأهواء مختلفة متفرقة أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إخلاصا لاسمي وتصديقا لما جاءت به الرسل الهمهم التسبيح والتقديس والتهليل في مساجدهم ومجالسهم وبيوتهم ومنقلبهم ومثواهم يصلون لي قياما وقعودا وركعا وسجودا ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا قرباتهم دماؤهم وأناجيلهم في صدورهم وقربانهم في بطونهم رهبان بالليل ليوث في النهار ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم. وسنذكر ما يصدق كثيرا من هذا السياق مما سنورده من سورتي المائدة والصف إن شاء الله وبه الثقة. وقد روى أبو حذيفة إسحق بن بشر بأسانيده عن كعب الاحبار، ووهب بن منبه وابن عباس وسلمان الفارسي دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: لما بعث عيسى بن مريم وجاءهم بالبينات جعل المنافقون والكافرون من بني إسرائيل يعجبون منه ويستهزئون به، فيقولون ما أكل فلان البارحة، وما ادخر في منزله فيخبرهم فيزداد المؤمنون إيمانا والكافرون والمنافقون شركا (1) وكفرانا. وكان عيسى مع ذلك ليس له منزل يأوي إليه إنما يسيح في الارض ليس له قرار، ولا موضع يعرف به، فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مر ذات يوم على امرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي فقال لها مالك أيتها المرأة ؟ فقالت: ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها، وإني عاهدت ربي أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت أو يحييها الله لي، فأنظر إليها فقال لها عيسى أرأيت إن نظرت إليها أراجعة أنت ؟ قالت: نعم، قالوا فصلى ركعتين ثم جاء فجلس عند القبر فنادى يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي قال فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع القبر بإذن الله ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب فقال لها عيسى: ما أبطأ بك عني ؟ فقالت لما جاءتني الصيحة الاولى بعث الله لي ملكا فركب خلقي، ثم جاءتني الصيحة الثانية فرجع إلي روحي، ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفت أنها صيحة القيامة فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عيني من مخافة القيمة، ثم أقبلت على أمها فقالت يا أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين يا أماه أصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا يا روح الله وكلمته سل ربي أن يردني إلى الآخرة وأن يهون علي كرب الموت فدعا ربه فقبضها إليه واستوت عليها الارض فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضبا. وقدمنا في عقيب قصة نوح أن بني إسرائيل سألوه: أن يحيي لهم سام بن نوح فدعا الله عز وجل وصلى لله فأحياه الله لهم فحدثهم عن السفينة وأمرها ثم دعا فعاد ترابا (2). وقد روى السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس في خبر ذكره وفيه أن ملكا من ملوك بني إسرائيل مات وحمل على سريره فجاء عيسى عليه السلام فدعا الله عزوجل فأحياه الله عزوجل فرأى الناس أمرا هائلا


(1) في نسخ البداية المطبوعة: شكا. (2) الكامل في التاريخ لابن الاثير 1 / 315. [ * ]

[ 98 ]

ومنظرا عجيبا قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: (إذ قال الله يا عيسى بن مريم إذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الاكمه والابرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون) [ المائدة: 110 - 111 ] يذكره تعالى بنعمته عليه وإحسانه إليه في خلقه إياه من غير أب بل من أم بلا ذكر وجعله له آية للناس ودلالة على كمال قدرته تعالى ثم إرساله بعد هذا كله (وعلى والدتك) في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة وإقامة البرهان على براءتها مما نسبها إليه الجاهلون ولهذا قال: (إذ أيدتك بروح القدس) وهو جبريل بالقاء روحه إلى أمه وقرنه معه في حال رسالته ومدافعته عنه لمن كفر به (تكلم الناس في المهد وكهلا) أي تدعو الناس إلى الله في حال صغرك في مهدك وفي كهولتك (وإذ علمتك الكتاب والحكمة) أي الخط والفهم نص عليه بعض السلف (1) (والتوراة والانجيل) وقوله: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني) أي تصوره وتشكله من الطين على هيئته عن أمر الله له بذلك (فتنفخ فيه فتكون طيرا بإذني) أي بأمري قيؤكد تعالى بذكر الاذن له في ذلك لرفع التوهم وقوله: (وتبرئ الاكمه) قال بعض السلف وهو الذي يولد أعمى ولا سبيل لاحد من الحكماء إلى مداواته (والابرص) هو الذي لا طب فيه بل قد مرض بالبرص وصار داؤه عضالا (وإذ تخرج الموتى) أي من قبورهم أحياء بإذني وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارا متعددة مما فيه كفاية. وقوله: (وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين) وذلك حين أرادوا صلبه فرفعه الله إليه وانقذه من بين أظهرهم صيانة لجنابه الكريم عن الاذى، وسلامة له من الردى وقوله: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون) قيل المراد بهذا الوحي وحي إلهام أي أرشدهم الله إليه ودلهم عليه كما قال: (وأوحى ربك إلى النحل) [ النحل: 68 ] (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم) [ القصص: 7 ] وقيل المراد


(1) قال الرازي في الآية: والاقرب عندي أن يقال: المراد من الكتاب تعليم الخط والكتابة، ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الاخلاق لان كمال الانسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لاجل العمل به. ثم بعد أن صار عالما بالخط والكتابة ومحيطا بالعلوم العقلية والشرعية، علمه التوراة ثم بعد أن عظمت درجته في العلم وأحاط بأسرار الكتاب الذي أنزله تعالى على من قبله من الانبياء، أنزل عليه كتاب آخر وأوقفه على أسرار فذلك هو الغاية القصوى. [ * ]

[ 99 ]

وحي بواسطة الرسول وتوفيق في قلوبهم لقبول الحق (1) ولهذا استجابو قائلين: (آمنا واشهد بأننا مسلمون). وهذا من جملة نعم الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم أن جعل له أنصارا وأعوانا ينصرونه ويدعون معه إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى لعبده محمد صلى الله عليه وسلم: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الارض جميعا ما الفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) [ الانفال: 62 - 63 ] وقال تعالى: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وابرئ الاكمه والابرص واحيي الموتى بإذن الله وانبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من انصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين. ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) [ آل عمران: 48 - 54 ]. كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان فذكروا أن موسى عليه السلام كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه وكانوا سحرة أذكياء فبعث بآيات بهرت الابصار وخضعت لها الرقاب، ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر، وما ينتهي إليه وعاينوا ما عاينوا من الامر الباهر الهائل، الذي لا يمكن صدوره إلا عمن أيده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقا له أسلموا سراعا ولم يتلعثموا، وهكذا عيسى بن مريم بعث في زمن الطبائعية الحكماء، فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها وأنى لحكيم إبراء الاكمه الذي هو أسوأ حالا من أعمى والابرص والمجذوم ومن به مرض مزمن، وكيف يتوصل أحد من الخلق إلى أن يقيم الميت من قبره، هذا مما يعلم كل أحد معجزة دالة على صدق من قامت به وعلى قدرة من أرسله وهكذا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين بعث في زمن الفصحاء البلغاء فأنزل الله عليه القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فلفظه معجز تحدى به الانس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال فإن لم


(1) قال القرطبي في أحكامه: قال أبو عبيدة: أوحيت بمعنى أمرت: والوحي في كلام العرب معناه الالهام ويكون أقسام: - وحي بمعنى ارسال جبريل إلى الرسل عليهم السلام. - وحي بمعنى الالهام كما في هذه الآية، أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم. - وحي بمعنى الاعلام في اليقظة والمنام. [ * ]

[ 100 ]

يفعلوا ولن يفعلوا وما ذاك إلا لانه كلام الخالق عزوجل، والله تعالى لا يشبهه شئ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والمقصود أن عيسى عليه السلام لما أقام عليهم الحجج والبراهين، استمر (1) أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم فانتدب له من بينهم طائفة صالحة، فكانوا له أنصارا وأعوانا قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته وذلك حين هم به بنو إسرائيل ووشوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان فعزموا على قتله وصلبه فأنقذه الله منهم، ورفعه إليه من بين أظهرهم وألقى شبهه على أحد أصحابه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى وهم في ذلك غالطون وللحق مكابرون وسلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه وكلا الفريقين في ذلك مخطئون قال تعالى: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) [ آل عمران: 54 ] وقال تعالى: (وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين. ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى للاسلام والله لا يهدي القوم الظالمين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون) [ الصافات: 6 - 8 ] إلى أن قال بعد ذلك: (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين) [ الصف: 14 ] فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل وقد قام فيهم خطيبا فبشرهم بخاتم الانبياء الآتي بعده ونوه باسمه، وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه إقامة للحجة عليهم وإحسانا من الله إليهم كما قال تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذين يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) [ الاعراف: 157 ].


(1) بعد أن شرح عيسى لهم تلك المعجزات، بعد ادعائه النبوة، أخذوا يتعنتون عليه وطالبوه بالمزيد، فجاء بها وطالبهم بطاعته فيما يأمرهم به عن ربه، وإقرارهم لله بالعبودية فظهر كفرهم وأعلنوه. قال الرازي: اختلفوا في السبب الذي به ظهر كفرهم على وجوه: - قال السدي: أنه تعالى لما بعثه رسولا إلى بني اسرائيل جاءهم ودعاهم إلى دين الله فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم.. وبعد أن صار امره مشهورا قصدوا قتله واظهروا الطعن فيه وكفروا به. - إن اليهود كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشر به في التوراة، وأنه ينسخ دينهم فكانوا أول الطاعنين فيه.. ثم طلبوا قتله. - أن عيسى ظن من قومه الذين دعاهم للايمان لا يؤمنون فأحب امتحانهم، فقال لهم (من أنصاري إلى الله) فما أجابه إلا الحواريون، فأحس أن من سواهم كافرون مصرون على انكار دينه وطلب قتله. [ * ]

[ 101 ]

قال محمد بن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا يارسول الله أخبرنا عن نفسك قال: " دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصري من أرض الشام " (1). وقد روي عن العرباض بن سارية وأبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا وفيه: " دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى " (2) وذلك أن إبراهيم لما بني الكعبة قال: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم الآية) [ البقرة: 129 ] ولما انتهت النبوة في بني إسرائيل إلى عيسى قام فيهم خطيبا فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم، وأنها بعده في النبي العربي الامي خاتم الانبياء على الاطلاق أحمد، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الذي هو من سلالة اسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهم السلام قال الله تعالى: (فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) [ الصف: 6 ] يحتمل عود الضمير إلى عيسى عليه السلام ويحتمل عوده إلى محمد صلى الله عليه وسلم ثم حرض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الاسلام وأهله ونصرة نبيه ومؤازرته ومعاونته على إقامة الدين ونشر الدعوة فقال: (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله) أي من يساعدني في الدعوة إلى الله (قال الحواريون نحن أنصار الله) وكان ذلك في قرية يقال لها الناصرة فسموا بذلك النصارى قال الله تعالى: (فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة) يعني لما دعا عيسى بني إسرائيل وغيرهم إلى الله تعالى منهم من آمن ومنهم من كفر وكان ممن آمن به أهل انطاكية بكمالهم فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير بعث إليهم رسلا ثلاثة أحدهم شمعون الصفا فآمنوا واستجابوا وليس هؤلاء هم المذكورون في سورة يس لما تقدم تقريره في قصة أصحاب القرية وكفر آخرون من بني إسرائيل وهم جمهور اليهود فأيد الله من آمن به على من كفر فيما بعد، وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة الآية) [ آل عمران: 55 ] فكل من كان إليه أقرب كان غالبا (3) فمن دونه ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الذي لا شك فيه من أنه عبد الله ورسوله كانوا ظاهرين على النصارى الذين غلوا فيه، واطروه، وأنزلوه فوق ما أنزله الله به، ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب إليه


(1) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 1 / 83 - 84 وسيرة ابن هشام 1 / 170 والخبر في طبقات ابن سعد 1 / 102 والحاكم في المتسدرك 2 / 600 وصححه، وأقره الذهبي. (2) أخرجه البيهقي في الدلائل ج 1 / 80 و 83 وأخرجه أحمد في مسنده 4 / 127 - 128 والحاكم في المستدرك. وقال: هذا حديث صحيح الاسناد. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 223 وقال: رواه أحمد والطبراني والبزار وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد وقد وثقه ابن حبان. (3) في نسخ البداية المطبوعة: عاليا وهو تحريف. [ * ]

[ 102 ]

اليهود [ فيه ] (1) عليهم لعائن الله كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة (2) إلى زمن الاسلام وأهله. ذكر خبر المائدة قال الله تعالى: (إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين. قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) [ المائدة: 112 - 115 ] قد ذكرنا في التفسير الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وغيرهم من السلف، ومضمون ذلك أن عيسى عليه السلام أمر الحواريين بصيام ثلاثين يوما، فلما أتموها سألوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها، وتطمئن بذلك قلوبهم أن الله قد تقبل صيامهم وأجابهم إلى طلبتهم، وتكون لهم عيدا يفطرون عليها يوم فطرهم، وتكون كافية لاولهم وآخرهم لغنيهم وفقيرهم: فوعظهم عيسى في ذلك وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها ولا يؤدوا حق شروطها فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك من ربه عزوجل. فلما لم يقلعوا عن ذلك قام إلى مصلاه ولبس مسحا من شعر وصف بين قدميه وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء وتضرع إلى الله في الدعاء والسؤال أن يجابوا إلى ما طلبوا فأنزل الله تعالى المائدة من السماء والناس ينظرون إليها تنحدر بين غمامتين وجعلت تدنو قليلا قليلا وكلما دنت سأل عيسى ربه عزوجل أن يجعلها رحمة لا نقمة وأن يجعلها بركة وسلامة، فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام وهي مغطاة بمنديل فقام عيسى يكشف عنها وهو يقول: (بسم الله خير الرازقين) فإذا عليها سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة (3). ويقال: وخل. ويقال: ورمان وثمار ولها رائحة عظيمة جدا قال الله لها كوني فكانت ثم أمرهم بالاكل منها فقالوا: لا نأكل حتى تأكل فقال: إنكم الذين ابتدأتم السؤال لها فأبوا أن يأكلوا منها إبتداء فأمر الفقراء والمحاويج والمرضى والزمنى وكانوا قريبا من ألف وثلثمائة فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو آفة أو مرض مزمن، فندم الناس على ترك الاكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك. ثم قيل: إنها كانت تنزل كل يوم مرة فيأكل الناس منها يأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل إنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف. ثم كانت تنزل يوما بعد يوم كما كانت


(1) سقطت من النسخ المطبوعة. (2) الفترة: بين ظهور المسيح وبعث محمد عليهما السلام. (3) في الرازي: سمكة مشوية بلا شوك ولا فلوس تسيل دسما وخمسة أرغفة على واحد منها زيتون والثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد. [ * ]

[ 103 ]

ناقة صالح يشربون لبنها يوما بعد يوم. ثم أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الاغنياء فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك، فرفعت بالكلية ومسخ الذين تكلموا في ذلك خنازير. وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا: حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نزلت المائدة من السماء خبز ولحم وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا فمسخوا قردة وخنازير " (1) ثم رواه ابن جرير عن بندار عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس [ بن عمرو ] عن عمار موقوفا وهذا أصح وكذا رواه من طريق سماك عن رجل من بني عجل عن عمار موقوفا وهو الصواب والله أعلم. وخلاس عن عمار منقطع فلو صح هذا الحديث مرفوعا لكان فيصلا في هذه القصة فإن العلماء اختلفوا في المائدة هل نزلت أم لا فالجمهور أنها نزلت (2) كما دلت عليه هذه الآثار كما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ولا سيما قوله: (إني منزلها عليكم) كما قرره ابن جرير والله أعلم. وقد روى ابن جرير بإسناد صحيح إلى مجاهد وإلى الحسن بن أبي الحسن البصري، أنهما قالا: لم تنزل وانهم أبوا نزولها حين قال: (فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) ولهذا قيل إن النصارى لا يعرفون خبر المائدة وليس مذكورا في كتابهم مع أن خبرها مما يتوفر الدواعي على نقله. والله أعلم. وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير (3) فليكتب من هناك. ومن أراد مراجعته فلينظره من ثم ولله الحمد والمنة. فصل قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا رجل سقط اسمه، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو هلال محمد بن سليمان، عن بكر بن عبد الله المزني قال: فقد الحواريون نبيهم عيسى فقيل لهم توجه نحو البحر فانطلقوا يطلبونه فلما انتهوا إلى البحر إذا هو يمشي على الماء يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى، وعليه كساء مرتد بنصفه ومؤتزر بنصفه، حتى انتهى إليهم فقال لهم بعضهم قال أبو هلال ظننت أنه من أفاضلهم - ألا أجئ إليك يا نبي الله ؟ قال: بلى، قال: فوضع إحدى


(1) رواه الطبري في تفسيره 2 / 130 والترمذي في صحيحه 48 كتاب التفسير القرآن - 6 باب 3061 مرفوعا وقال لا نعرفه مرفوعا من حديث الحسن بن قزعة. ورواه موقوفا وقال: هذا أصح ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا. ورواه ابن كثير في تفسيره 2 / 120 دار الفكر. (2) قال الرازي: نزلت ثم طارت ثم عصوا من بعدها فمسخوا قردة وخنازير ; ولم يذكره أنهم أكلوا منها. وقال وقال الجمهور الاعظم من المفسرين: أنها نزلت. (3) رواه ابن كثير في التفسير ج 2 / 120 دار الفكر. [ * ]

[ 104 ]

رجليه على الماء ثم ذهب ليضع الاخرى، فقال: أوه غرقت يا نبي الله. فقال: أرني يدك يا قصير الايمان لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء. ورواه أبو سعيد بن الاعرابي عن إبراهيم بن أبي الجحيم، عن سليمان بن حرب، عن أبي هلال عن بكر بنحوه. ثم قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن الاشعث، عن الفضيل بن عياض قال: قيل لعيسى بن مريم، يا عيسى بأي شئ تمشي على الماء ؟ قال: بالايمان واليقين. قالوا فإنا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت قال: فامشوا إذا قال فمشوا معه في الموج فغرقوا. فقال لهم عيسى: مالكم ؟ فقالوا: خفنا الموج، قال: ألا خفتم رب الموج ؟ قال: فأخرجهم ثم ضرب بيده إلى الارض، فقبض بها ثم بسطها فإذا في إحدى يديه ذهب، وفي الاخرى مدر، أو حصى فقال: أيهما أحلى في قلوبكم ؟ قالوا: هذا الذهب قال: فإنهما عندي سواء. وقدمنا في قصة يحيى بن زكريا عن بعض السلف أن عيسى عليه السلام كان يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال ولا يدخر شيئا لغد. قال بعضهم كان يأكل من غزل أمه صلوات الله وسلامه عليه. وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال: كان عيسى عليه السلام إذا ذكر عنده الساعة صاح ويقول: لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة ويسكت، وعن عبد الملك بن سعيد بن بحر أن عيسى كان إذا سمع الموعظة صرخ صراخ الثكلى. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، حدثنا جعفر بن بلقان: أن عيسى كان يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك نفع ما أرجو وأصبح الامر بيد غيري وأصبحت مرتهنا بعملي، فلا فقير أفقر مني، اللهم لا تشمت بي عدوي ولا تسؤ بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تسلط علي من لا يرحمني. وقال الفضيل بن عياض عن يونس بن عبيد، كان عيسى يقول لا يصيب أحد حقيقة الايمان حتى لا يبالي من أكل الدنيا (1). قال الفضيل: وكان عيسى يقول فكرت في الخلق فوجدت من لم يخلق أغبط عندي ممن خلق. وقال إسحاق بن بشر، عن هشام بن حسان، عن الحسن قال: إن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة. قال: وإن الفرارين بذنوبهم يحشرون يوم القيامة مع عيسى. قال: وبينما عيسى يوما نائم على حجر قد توسده وقد وجد لذة النوم إذ مر به إبليس فقال: يا عيسى ألست تزعم أنك لا تريد شيئا من عرض الدنيا ؟ فهذا الحجر من عرض الدنيا فقال: [ فقام عيسى ] (2): فأخذ الحجر ورمى به إليه وقال: هذا لك مع الدنيا. وقال معتمر بن سليمان: خرج عيسى على أصحابه وعليه جبة صوف وكساء وتبان حافيا باكيا شعثا مصفر اللون من الجوع يابس الشفتين من العطش فقال: السلام عليكم يا بني إسرائيل، أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها


(1) في نسخ البداية المطبوعة: لا نصيب حقيقة الايمان حتى لا نبالي من أكل الدنيا. (2) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. [ * ]

[ 105 ]

بإذن الله ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي ؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله ؟ قال بيتي المساجد، وطيبي الماء، وإدامي الجوع، وسراجي القمر بالليل، وصلاتي في الشتاء مشارق الشمس، وريحاني بقول الارض، ولباسي الصوف (1) وشعاري خوف رب العزة، وجلسائي الزمنى والمساكين، أصبح وليس لي شئ وأمسي وليس لي شئ، وأنا طيب النفس غير مكترث فمن أغنى مني وأربح. رواه ابن عساكر. وروى في ترجمة محمد بن الوليد بن ابان بن حبان أبي الحسن العقيلي المصري، حدثنا هانئ بن المتوكل الاسكندراني، عن حيوة بن شريح، حدثني الوليد بن أبي الوليد، عن شفى بن ماتع (2) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أوحى الله تعالى إلى عيسى: أن يا عيسى انتقل من مكان إلى مكان لئلا تعرف فتؤذى، فوعزتي وجلالي لازوجنك ألف حوراء ولاولمن عليك أربعمائة عام ". وهذا حديث غريب رفعه وقد يكون موقوفا من رواية شفى بن ماتع (2) عن كعب الاحبار أو غيره من الاسرائيليين والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك عن سفيان بن عيينة، عن خلف بن حوشب قال: قال عيسى للحواريين: كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك فاتركوا لهم الدنيا. وقال قتادة: قال عيسى عليه السلام: سلوني فإني لين القلب وإني صغير عند نفسي. وقال إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال عيسى للحواريين: كلوا خبز الشعير، واشربوا الماء القراح، واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين بحق ما أقول لكم أن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وأن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق ما أقول لكم، إن شركم عالم يؤثر هواه على علمه يود أن الناس كلهم مثله. وروي نحوه عن أبي هريرة. وقال أبو مصعب عن مالك أنه بلغه أن عيسى كان يقول: يا بني إسرائيل عليكم بالماء القراح والبقل البري وخبز الشعير وإياكم وخبز البر فإنكم لن تقوموا بشكره (11). وقال ابن وهب عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: كان عيسى يقول اعبروا الدنيا ولا تعمروها، وكان يقول حب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة. وحكى وهيب بن الورد مثله وزاد: ورب شهوة أورثت أهلها حرنا طويلا. وعن عيسى عليه السلام: يا بن آدم الضعيف اتق الله حيث ما كنت، وكن في الدنيا ضيفا، واتخذ المساجد بيتا، وعلم عينك البكاء وجسدك الصبر وقلبك التفكر، ولا تهتم برزق غد فإنها خطيئة. وعنه عليه السلام أنه قال: كما أنه لا يستطيع أحدكم أن يتخذ على موج البحر دارا فلا يتخذ الدنيا قرارا وفي هذا يقول سابق البربري:


(1) في نسخ البداية المطبوعة: الصون، وهو تحريف. (2) في نسخ البداية المطبوعة: سفي بن نافع وهو تحريف. شفى بن ماتع الاصبحي ثقة من الثالثة، ذكره بعضهم في الصحابة خطأ، مات في خلافة هشام. تقريب التهذيب 1 / 93 / 353. (3) رواه مالك في الموطأ 1688 ص 515. [ * ]

[ 106 ]

لكم بيوت بمستن السيوف وهل * يبنى على الماء بيت أسه مدر وقال سفيان الثوري قال عيسى بن مريم: لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء. وقال إبراهيم الحربي عن داود بن رشيد، عن أبي عبد الله الصوفي قال قال عيسى: طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله. وعن عيسى عليه السلام: إن الشيطان مع الدنيا ومكره مع المال (1) وتزينه مع الهوى واستمكانه عند الشهوات. وقال الاعمش عن خيثمة: كان عيسى يضع الطعام لاصحابه ويقوم عليهم ويقول: هكذا فاصنعوا بالقرى. وبه قالت امرأة لعيسى عليه السلام: طوبى لحجر حملك ولثدي أرضعك. فقال: طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه. وعنه طوبى لمن بكى من ذكر خطيئته وحفظ لسانه ووسعه بيته. وعنه: طوبى لعين نامت ولم تحدث نفسها بالمعصية وانتبهت إلى غير اثم. وعن مالك بن دينار قال: مر عيسى وأصحابه بجيفة فقالوا: ما أنتن ريحها فقال: ما أبيض أسنانها. لينهاهم عن الغيبة. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا الحسين بن عبد الرحمن، عن زكريا بن عدي قال: قال عيسى ابن مريم: يا معشر الحواريين ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا. قال زكريا وفي ذلك يقول الشاعر: أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا * ولا أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما * استغنى الملوك بدنياهم عن الدين وقال أبو مصعب عن مالك قال عيسى بن مريم عليه السلام: لا تكثروا الحديث بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا فيها كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان معافى ومبتلى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية وقال الثوري: سمعت أبي يقول عن إبراهيم التيمي، قال: قال عيسى لاصحابه: بحق أقول لكم: من طلب الفردوس فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير. وقال مالك بن دينار قال عيسى: إن أكل الشعير مع الرماد والنوم على المزابل مع الكلاب لقليل في طلب الفردوس. وقال عبد الله بن المبارك: أنبأنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قال عيسى: اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم انظرو إلى هذا الطير تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها، فإن قلتم نحن أعظم بطونا من الطير فانظروا إلى هذه الاباقر (2) من الوحوش والحمر فإنها تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها [ اتقوا فضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز ] (3). وقال صفوان بن عمرو: عن شريح بن عبد الله، عن يزيد بن ميسرة، قال: قال


(1) في نسخ البداية المطبوعة، وفكرة من المال. (2) في نسخ البداية المطبوعة: الاباقير وهو تحريف. (3) ما بين معكوفين سقطت من أصول البداية، واستدركت العبارة من نص الحديث في كتاب الزهد لابن المبارك ; وروى الحديث ابن مالك في الموطأ. [ * ]

[ 107 ]

الحواريون للمسيح: يا مسيح الله انظر إلى مسجد الله ما أحسنه. قال: آمين آمين بحق ما أقول لكم لا يترك الله من هذا المسجد حجرا قائما إلى أهلكه بذنوب أهله، إن الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ولا بهذه الاحجار التي تعجبكم شيئا إن أحب إلى الله منها القلوب الصالحة وبها يعمر الله الارض، وبها يخرب الله الارض إذا كانت على غير ذلك. وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه: أخبرنا أبو منصور أحمد بن محمد الصوفي، أخبرتنا عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الوركانية قالت: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عمر بن عبد الله بن الهشيم املاء، حدثنا الوليد بن أبان املاء، حدثنا أحمد بن جعفر الرازي، حدثنا سهيل بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز، عن المعتمر، عن ليث، عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مر عيسى عليه السلام على مدينة خربة، فأعجبه البنيان فقال: أي رب مر هذه المدينة أن تجيبني ؟ فأوحى الله إلى المدينة أيتها المدينة الخربة جاوبي عيسى. قال: فنادت المدينة عيسى حبيبي وما تريد مني قال: ما فعل أشجارك وما فعل أنهارك وما فعل قصورك وأين سكانك ؟ قالت: حبيبي جاء وعد ربك الحق فيبست أشجاري، ونشفت أنهاري وخربت قصوري ومات سكاني. قال: فأين أموالهم فقالت جمعوها من الحلال والحرام موضوعة في بطني. لله ميراث السموات والارض. قال فنادى عيسى عليه السلام: تعجبت (1) من ثلاث أناس: طالب الدنيا والموت يطلبه، وباني القصور والقبر منزله، ومن يضحك ملء فيه والنار أمامه ! ابن آدم لا بالكثير تشبع ولا بالقليل تقنع تجمع مالك لمن لا يحمدك وتقدم على رب لا يعذرك إنما أنت عبد بطنك وشهوتك وإنما تملا بطنك إذا دخلت قبرك وأنت يابن آدم ترى حشد مالك في ميزان غيرك. هذا حديث غريب جدا وفيه موعظة حسنة فكتبناه لذلك. وقال سفيان الثوري عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، قال: قال عيسى عليه السلام: يا معشر الحواريين اجعلوا كنوزكم في السماء فإن قلب الرجل حيث كنزه. وقال ثور بن يزيد، عن عبد العزيز بن ظبيان قال قال عيسى بن مريم: من تعلم وعلم وعمل دعي عظيما في ملكوت السماء. وقال أبو كريب روي أن عيسى عليه السلام قال: لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ويعبر بك النادي. وروى ابن عساكر بإسناد غريب عن ابن عباس مرفوعا أن عيسى قام في بني إسرائيل فقال: يا معشر الحواريين لا تحدثوا بالحكم غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم والامور ثلاثة: أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف عليكم فيه فردوا علمه إلى الله عزوجل. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن رجل عن عكرمة، قال قال عيسى: لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها فإن الحكمة خير من اللؤلؤ ومن لا يريدها شر من الخنزير. وكذا حكى وهب وغيره عنه


(1) في نسخ البداية المطبوعة: فعجبت وهو تحريف. [ * ]

[ 108 ]

وعنه أنه قال لاصحابه: أنتم ملح الارض فإذا فسدتم فلا دواء لكم، وإن فيكم خصلتين من الجهل: الضحك من غير عجب والصبحة من غير سهر. وعنه أنه قيل له: من أشد الناس فتنة ؟ قال زلة العالم فإن العالم إذا زل يزل بزلته عالم كثير. وعنه أنه قال: يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رؤوسكم والآخرة تحت أقدامكم قولكم شفاء وعملكم داء مثلكم مثل شجرة الدفلى تعجب من رآها وتقتل من أكلها. وقال وهب قال عيسى: يا علماء السوء جلستم على أبواب الجنة فلا تدخلوها ولا تدعون المساكين يدخلونها، إن شر الناس عند الله عالم يطلب الدنيا بعلمه. وقال مكحول التقى يحيى وعيسى، فصافحه عيسى وهو يضحك فقال له يحيى: يابن خالة مالي أراك ضاحكا كأنك قد أمنت ؟ فقال له عيسى: مالي أراك عابسا كأنك قد يئست ؟ فأوحى الله إليهما: إن أحبكما إلي أبشكما بصاحبه. وقال وهب بن منبه: وقف عيسى هو وأصحابه على قبر وصاحبه يدلى فيه، فجعلوا يذكرون القبر وضيقه فقال: قد كنتم فيما هو أضيق منه في (1) أرحام أمهاتكم فإذا أحب (2) الله أن يوسع وسع. وقال أبو عمر الضرير: بلغني أن عيسى كان إذا ذكر الموت يقطر جلده دما. والآثار في مثل هذا كثيرة جدا. وقد أورده الحافظ ابن عساكر منها طرفا صالحا اقتصرنا منه على هذا القدر والله الموفق للصواب. [ ذكر ] (3) رفع عيسى عليه السلام إلى السماء في حفظ الرب وبيان كذب اليهود والنصارى في دعوى الصلب قال الله تعالى: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين. إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) [ آل عمران: 54 - 55 ]. وقال تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الانبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا. وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما. وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (4). وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم


(1) في نسخ البداية المطبوعة: من أرحام. (2) في نسخة: فإذا أراد. (3) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (4) قال القرطبي: رفعه الله إلى السماء من غير وفاة ولا نوم كما قاله الحسن وابن زيد وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عن ابن عباس وقال الضحاك. [ * ]

[ 109 ]

شهيدا) [ النساء: 155 - 159 ] فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعدما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان. قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: كان اسمه داود بن نورا (1) فأمر بقتله وصلبه، فحصروه في دار ببيت المقدس وذلك عشية الجمعة ليلة السبت، فلما حان وقت دخولهم ألقى شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده ورفع عيسى من روزنة [ من ] (2) ذلك البيت إلى السماء وأهل البيت ينظرون ودخل الشرط فوجدوا ذلك الشاب الذي ألقى عليه شبهه فأخذوه ظانين أنه عيسى فصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه إهانة له، وسلم لليهود عامة النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من أمر عيسى أنه صلب وضلوا بسبب ذلك ضلالا مبينا كثيرا فاحشا بعيدا. وأخبر تعالى بقوله: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) أي بعد نزوله إلى الارض في آخر الزمان قبل قيام الساعة فإنه ينزل ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الاسلام. كما بينا ذلك بما ورد فيه من الاحاديث عند تفسير هذه الآية الكريمة من سورة النساء وكما سنورد ذلك مستقصى في " كتاب الفتن والملاحم " عند أخبار المسيح الدجال فنذكر ما ورد في نزول المسيح المهدي عليه السلام من ذي الجلال لقتل المسيح الدجال الكذاب الداعي إلى الضلال. وهذا ذكر ما ورد في الآثار في صفة رفعه إلى السماء: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الاعمش عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا منهم من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال [ لهم ]: إن منكم من يكفر بي اثني عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني فيكون معي في درجتي ؟ فقام شاب من أحدثهم سنا فقال له: اجلس ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال [ أنا: فقال عيسى ] (3) اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا. فقال: أنت هو ذاك. فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء. قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به بعضهم اثني عشرة مرة بعد أن آمن به وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الاسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس وذلك قوله تعالى: (فأيدنا الذين آمنوا على


(1) في الطبري: كان الملك اسمه: هيرودس الصغير. (2) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. وروزنة: كوة ; وفي رواية: سقف البيت. (3) ما بين معكوفين في الحديث زيادة من تفسير القرطبي. [ * ]

[ 110 ]

عدوهم فأصبحوا ظاهرين) [ الصف: 14 ] وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس (1) على شرط مسلم ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية به نحوه. ورواه ابن جرير عن مسلم بن جنادة عن أبي معاوية وهكذا ذكر غير واحد من السلف. وممن ذكر ذلك مطولا محمد بن إسحق بن يسار قال: وجعل عيسى عليه السلام يدعو الله عزوجل أن يؤخر أجله يعني ليبلغ الرسالة ويكمل الدعوة ويكثر الناس الدخول في دين الله قيل وكان عنده من الحواريين اثني عشر رجلا: بطرس ويعقوب بن زبدا ويحنس أخو يعقوب واندراوس وفليبس وابرثلما ومتى وتوماس ويعقوب بن حلقيا وتداوس وفتاتيا ويودس كريا يوطا وهذا هو الذي دل اليهود على عيسى. قال ابن إسحق: وكان فيهم رجل آخر اسمه سرجس كتمته النصارى، وهو الذي ألقى شبه المسيح عليه، فصلب عنه (2) قال: وبعض النصارى يزعم أن الذي صلب عن المسيح وألقى عليه شبهه هو يودس بن كريا يوطا. والله أعلم. وقال الضحاك عن ابن عباس: استخلف عيسى شمعون وقتلت اليهود يودس الذي ألقى عليه الشبه. وقال أحمد بن مروان: حدثنا محمد بن الجهم، قال: سمعت الفراء يقول في قوله: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) قال: إن عيسى غاب عن خالته زمانا فأتاهم فقام رأس الجالوت اليهودي فضرب على عيسى حتى اجتمعوا على باب داره فكسروا الباب ودخل رأس جالوت ليأخذ عيسى فطمس الله عينيه عن عيسى، ثم خرج إلى أصحابه فقال: لم أره ومعه سيف مسلول، فقالوا: أنت عيسى وألقى الله شبه عيسى عليه فأخذوه فقتلوه وصلبوه فقال جل ذكره: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن هرون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحوارين في بيت فأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى فقالوا لهم: سحرتمونا لتبرزن إلينا عيسى أو لنقتلنكم جميعا فقال عيسى لاصحابه: من يشتري منكم نفسه اليوم بالجنة ؟ فقال رجل: أنا فخرج إليهم فقال: أنا عيسى، وقد صوره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه فمن ثم شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى فظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى ورفع الله عيسى من يومه ذلك. قال ابن جرير (3): وحدثنا المثنى، حدثنا إسحاق [ بن الحجاج ]، حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول: إن عيسى بن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه فدعا الحواريين وصنع لهم طعاما فقال: احضروني


(1) روى الحديث القرطبي في تفسيره عن أبي بكر بن أبي شيبة عن ابن عباس ورواها السيوطي 2 / 238. (2) ذكره الطبري 2 / 24 وفي رواية أخرى عنده: اسمه: ايشوع بن فنديرا. (3) تاريخ الطبري 2 / 22 - 23. ما بين معكوفين زيادة استدركت من الطبري. [ * ]

[ 111 ]

الليلة فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل، عشاهم وقام يخدمهم فلما فرغوا من الطعام، أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه فقال ألا من رد علي شيئا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم، وأما حاجتي التي استعنتكم عليها فتدعون الله [ لي ] وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول سبحان الله أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها ؟ فقالوا: والله ما ندري مالنا والله لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال: يذهب بالراعي وتتفرق الغنم، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه. ثم قال الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني، فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا: هذا من أصحابه فجحد، وقال: ما أنا بصاحبه فتركوه. ثم أخذه آخرون فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه. فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه، ويقولون: أنت كنت تحيي الموتى، وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل ؟ ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم فمكث سبعا. ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب، فجاءهما عيسى فقال على م تبكيان قالتا: عليك. فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، ون هذا شئ شبه لهم فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر وفقد الذي كان باعه ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه فقالوا: إنه ندم على ما صنع فاختنق ؟ وقتل نفسه فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام [ كان ] (1) يتبعهم يقال له يحيى فقال: هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم. وهذا إسناد غريب عجيب وهو أصح مما ذكره النصارى من أن المسيح جاء إلى مريم وهي جالسة تبكي عند جذعه فأراها مكان المسامير من جسده وأخبرها أن روحه رفعت وأن جسده صلب وهذا بهت وكذب واختلاق وتحريف وتبديل وزيادة باطلة في الانجيل على خلاف الحق ومقتضى الدليل (2).


(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (2) في النسخ المطبوعة: ومقتضى النقل. [ * ]

[ 112 ]

وحكى الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن حبيب، فيما بلغه، أن مريم سألت من بيت الملك بعد ما صلب المصلوب بسبعة أيام وهي تحسب أنه ابنها، أن ينزل جسده، فأجابهم إلى ذلك ودفن هنالك فقالت مريم لام يحيى: ألا تذهبين بنا نزور قبر المسيح ؟ فذهبتا فلما دنتا من القبر قالت مريم لام يحيى: ألا تستترين فقالت: وممن أستتر ؟ فقالت من هذا الرجل الذي هو عند القبر. فقالت أم يحيى: إني لا أرى أحدا فرجت مريم أن يكون جبريل، وكانت قد بعد عهدها به، فاستوقفت أم يحيى وذهبت نحو القبر فلما دنت من القبر قال لها جبريل، وعرفته: يا مريم أين تريدين ؟ فقالت أزور قبر المسيح فأسلم عليه وأحدث عهدا به. فقال: يا مريم إن هذا ليس المسيح إن الله قد رفع المسيح وطهره من الذين كفروا. ولكن هذا الفتى الذي القى شبهه عليه وصلب وقتل مكانه. وعلامة ذلك أن أهله قد فقدوه فلا يدرون ما فعل به فهم يبكون عليه فإذا كان يوم كذا وكذا فأت غيضة كذا وكذا فإنك تلقين المسيح. قال: فرجعت إلى أختها وصعد جبريل فأخبرتها عن جبريل وما قال لها من أمر الغيضة. فلما كان ذلك اليوم ذهبت فوجدت عيسى في الغيضة فلما رآها اسرع إليها وأكب عليها فقبل رأسها وجعل يدعو لها كما كان يفعل، وقال يا أمه إن القوم لم يقتلوني ولكن الله رفعني إليه وأذن لي في لقائك والموت يأتيك قريبا فاصبري واذكري الله كثيرا ثم صعد عيسى فلم تلقه إلا تلك المرة حتى ماتت. قال: وبلغني أن مريم بقيت بعد عيسى خمس سنين وماتت ولها ثلاث وخمسون سنة (1) رضي الله عنها وأرضاها. وقال الحسن البصري كان عمر عيسى عليه السلام يوم رفع أربعا وثلاثين سنة وفي الحديث: " إن أهل الجنة يدخلونها جردا مردا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين " (2). وفي الحديث الآخر: " على ميلاد عيسى وحسن يوسف " وكذا قال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. فأما الحديث الذي رواه الحاكم في " مستدركه " ويعقوب بن سفيان الفسوي في " تاريخه " عن سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن يزيد، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أن أمه فاطمة بنت الحسين حدثته: أن عائشة كانت تقول أخبرتني فاطمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها: أنه لم يكن نبي كان بعده نبي إلا عاش الذي بعده نصف عمر الذي كان قبله وأنه أخبرني أن عيسى بن مريم عاش عشرين ومائة سنة فلا أراني إلا ذاهب على رأس ستين.


(1) في الطبري: بقيت بعد رفعه (عيسى) ست سنين وكان جميع عمرها نيفا وخمسين وسنة ; وذكر أنها حملت به وكان عمرها ثلاث عشرة وان عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة وبقيت بعده ست سنوات (وإذا حسبنا أشهر الحمل) يصبح عمرها 52 سنة. (2) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 399 عن أبي هريرة رفعه. وقال: قلت في الصحيح بعضه، ورواه الطبراني في الصغير والاوسط وإسناده حسن. [ * ]

[ 113 ]

هذا لفظ الفسوي فهو حديث غريب. قال الحافظ ابن عساكر: والصحيح أن عيسى لم يبلغ هذا العمر، وإنما أراد به مدة مقامه في أمته، كما روى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة، قال: قالت فاطمة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن عيسى بن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة وهذا منقطع. وقال جرير والثوري عن الاعمش إن إبراهيم مكث عيسى في قومه أربعين عاما ويروى عن أمير المؤمنين علي أن عيسى عليه السلام رفع ليلة الثاني والعشرين من رمضان وتلك الليلة في مثلها توفي علي بعد طعنه بخمسة أيام. وقد روى الضحاك عن ابن عباس أن عيسى لما رفع إلى السماء جاءته سحابة فدنت منه حتى جلس عليها وجاءته مريم فودعته وبكت ثم رفع وهي تنظر، وألقى إليها عيسى بردا له وقال هذا علامة ما بيني وبينك يوم القيامة، وألقى عمامته على شمعون، وجعلت أمه تودعه باصبعها تشير بها إليه حتى غاب عنها، وكانت تحبه حبا شديدا لانه توفر عليها حبه من جهتي الوالدين إذ لا أب له وكانت لا تفارقه سفرا ولا حضرا. قال بعض الشعراء: وكنت أرى كالموت من بين ساعة * فكيف ببين كان موعده الحشر وذكر إسحاق بن بشر، عن مجاهد بن جبير: أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل الذي شبه لهم وهم يحسبونه المسيح وسلم لهم أكثر النصارى بجهلهم ذلك، تسلطوا على أصحاب بالقتل والضرب والحبس فبلغ أمرهم إلى صاحب الروم وهو ملك دمشق في ذلك الزمان فقيل له إن اليهود قد تسلطوا على أصحاب رجل كان يذكر لهم أنه رسول الله وكان يحيي الموتى ويبرئ الاكمه والابرص ويفعل العجائب فعدوا عليه فقتلوه وأهانوا أصحابه وحبسوهم فبعث فجئ بهم وفيهم يحيى بن زكريا وشمعون وجماعة فسألهم عن أمر المسيح فأخبروه عنه فبايعهم في دينهم وأعلى كلمتهم وظهر الحق على اليهود وعلت كلمة النصارى عليهم وبعث إلى المصلوب (1) فوضع عن جذعه وجئ بالجذع الذي صلب عليه ذلك الرجل فعظمه فمن ثم عظمت النصارى الصليب ومن هاهنا دخل دين النصرانية في الروم وفي هذا نظر من وجوه: أحدها: أن يحيى بن زكريا نبي لا يقر على أن المصلوب عيسى فإنه معصوم يعلم ما وقع على جهة الحق. الثاني أن الروم لم يدخلوا في دين المسيح إلا بعد ثلثمائة سنة وذلك في زمان قسطنطين بن قسطن باني المدينة المنسوبة إليه على ما سنذكره. الثالث أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل ثم ألقوه بخشبته جعلوا مكانه مطرحا للقمامة والنجاسة وجيف الميتات والقاذورات فلم يزل كذلك حتى كان في زمان قسطنطين المذكور فعمدت أمه هيلانة الحرانية الفندقانية فاستخرجته من هنالك معتقدة أنه المسيح ووجدوا الخشبة التي صلب عليها المصلوب فذكروا أنه ما مسها ذو عاهة إلا عوفي. فالله أعلم أكان هذا أم لا ؟ وهل كان


(1) نقل الخبر الطبري عن ابن إسحاق ; وفيه أن المصلوب سرجيس. ج 2 / 24. [ * ]

[ 114 ]

هذا لان ذلك الرجل الذي بذل نفسه كان رجلا صالحا أو كان هذا محنة وفتنة لامة النصارى في ذلك اليوم حتى عظموا تلك الخشبة، وغشوها بالذهب واللآلئ، ومن ثم اتخذوا الصلبانات وتبركوا بشكلها وقبلوها. وأمرت أم الملك هيلانة فأزيلت تلك القمامة وبني مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزينة فهي هذه المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس التي يقال لها القمامة باعتبار ما كان عندها، ويسمونها القيامة، يعنون التي يقوم جسد المسيح منها. ثم أمرت هيلانة بأن توضع قمامة البلد وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي هي قبلة اليهود فلم يزل كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس فكنس عنها القمامة بردائه وطهرها من الاخباث والانجاس، ولم يضع المسجد وراءها ولكن أمامها حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء بالانبياء وهو [ المسجد ] (1) الاقصى. [ ذكر ] (2) صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله قال الله تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسول وأمه صديقة) [ المائدة: 75 ] قيل سمي المسيح لمسحه الارض وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان لشدة تكذيب اليهود له وافترائهم عليه وعلى أمه عليهما السلام. وقيل لانه كان ممسوح القدمين. وقال تعالى: (وقفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور) [ الحديد: 27 ] وقال تعالى: (وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) [ البقرة: 87 ] والآيات في ذلك كثيرة جدا وقد تقدم ما ثبت في الصحيحين: " ما من مولود إلا والشيطان يطعن في خاصرته حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها ذهب يطعن فطعن في الحجاب " (3) وتقدم حديث عمير بن هانئ، عن جنادة، عن عبادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم (4). وروى البخاري ومسلم من حديث الشعبي، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران وإذا آمن بعيسى بن مريم ثم آمن بي فله أجران، والعبد إذا اتقى ربه وأطاع مواليه


(1) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. [ * ] (2) سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (3) تقدم تخريجه قريبا فليراجع. (4) تقدم تخريجه قريبا فليراجع. [ * ]

[ 115 ]

فله أجران " (1) هذا لفظ البخاري. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام، عن معمر (ح) وحدثني محمود حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليلة أسري بي لقيت موسى قال فنعته فإذا رجل حسبته قال مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنؤة. قال ولقيت عيسى فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس، يعني الحمام، ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به. الحديث " (2) وقد تقدم في قصتي إبراهيم وموسى ثم قال: حدثنا محمد بن كثير، أنبأنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " رأيت عيسى وموسى وإبراهيم. فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر. وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط " (3). تفرد به البخاري. وحدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا أبو ضمرة، حدثنا موسى بن عقبة، عن نافع، قال قال عبد الله بن عمر: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوما بين ظهراني الناس المسيح الدجال فقال: إن الله ليس بأعور إلا أن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية، وأراني الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجل آدم كأحسن ما يرى من آدم الرجال تضرب لمته بين منكبيه رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعا يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت فقلت من هذا ؟ فقالوا المسيح بن مريم. ثم رأيت رجلا وراءه جعد قطط أعور عين اليمنى كأشبه من رأيت بابن قطن. واضعا يده على منكبي رجل يطوف بالبيت فقلت من هذا ؟ فقالوا المسيح الدجال. ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة. ثم قال البخاري: تابعه عبد الله بن نافع ثم ساقه من طريق الزهري، عن سالم بن عمر قال الزهري: وابن قطن رجل من خزاعة هلك في الجاهلية. فبين صلوات الله وسلامه عليه صفة المسيحين: مسيح المهدي، ومسيح الضلالة، ليعرف هذا إذا نزل فيؤمن به المؤمنون، ويعرف الآخر فيحذره الموحدون. وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رأى عيسى بن مريم رجلا يسرق فقال له أسرقت قال كلا والذي لا إله إلا هو فقال عيسى آمنت بالله وكذبت عيني " وكذا رواه [ مسلم عن ] (4) محمد بن رافع عن عبد الرزاق (5). وقال أحمد: حدثنا عفان،


(1) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد 145 والعتق 14، 16 وأحاديث الانبياء 48 وأخرجه مسلم في 1 كتاب الايمان 241 والترمذي في كتاب النكاح 25 والنسائي في النكاح 65 والامام أحمد في مسنده 4 / 395، 402، 405، 414. (2) أخرجه البخاري في أحاديث الانبياء وباب 49 والترمذي في أول تفسير سورة الاسراء عن محمود بن غيلان. ورواه مسلم في الصحيح عن محمد بن رافع في 1 كتاب الايمان (272) وأخرجه البيهقي في الدلائل 2 / 387. (3) أخرجه البخاري في كتاب الانبياء 24، 48 وكتاب بدء الخلق 7. (4) ما بين معكوفين سقطت من نسخ البداية المطبوعة. (5) أخرجه مسلم في 43 / 40 / 149 / 2368. [ * ]

[ 116 ]

حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن الحسن وغيره، عن أبي هريرة قال: ولا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رأى عيسى رجلا يسرق فقال يا فلان أسرقت فقال لا والله ما سرقت فقال آمنت بالله وكذبت بصري " (1). وهذا يدل على سجية طاهرة حيث قدم حلف ذلك الرجل فظن أن أحدا لا يحلف بعظمة الله كاذبا على ما شاهده منه عيانا فقيل عذره ورجع على نفسه فقال آمنت بالله أي صدقتك وكذبت بصري لاجل حلفك. وقال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تحشرون حفاة عراة غرلا ". ثم قرأ: (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين) [ الانبياء: 104 ] فأول الخلق يكسى إبراهيم ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي فيقال: إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم: (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك. وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) [ المائدة: 117 - 118) " (2) تفرد به دون مسلم من هذا الوجه. وقال أيضا: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا سفيان، سمعت الزهري يقول: أخبرني عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس سمع عمر يقول على المنبر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله " (3). وقال البخاري: حدثنا إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج يصلي إذ جاءته أمه فدعته فقال أجيبها أو أصلي فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات وكان جريج في صومعة فعرضت له امرأة وكلمته فأبى فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما فقيل لها ممن قالت من جريج فأتوه وكسروا صومعته فأنزلوه وسبوه فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام قال فلان الراعي قالوا أنبني صومعتك من ذهب قال: لا إلا


(1) مسند أحمد ج 2 / 314. (2) أخرجه البخاري في صحيحه 81 / 45 ومسلم في صحيحه 51 / 56 / 58 والترمذي في سننه 44 / 17 / 7 ورواه النسائي وابن ماجه والدارمي في سننهم وأحمد في مسنده 1 / 220 - 223 - 229، 3 / 495 ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده حديث 2638. ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 10 / 345 - 346 عن جابر وقال: رواه الطبراني في الاوسط بنحوه ورجال أحمد وثقوا. (3) أخرجه البخاري في أحاديث الانبياء 48 والدارمي في الرقاق 68 وأحمد في مسنده 1 / 22، 24، 47، 55، 60. [ * ]

[ 117 ]

من طين. وكانت امرأة ترضع ابنا لها في بني إسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت اللهم اجعل ابني مثله فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله. ثم أقبل على ثديها يمصه. قال أبو هريرة كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمص أصبعه ثم مر بأمه فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك ثديها فقال: اللهم اجعلني مثلها فقالت: لم ذلك ؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة وهذه الامة يقولون سرقت وزنت ولم تفعل " (1). وقال البخاري حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني أبو سلمة أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أنا أولى الناس بابن مريم والانبياء أولاد علات ليس بيني وبينه نبي " (2) تفرد به البخاري من هذا الوجه. ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي داود الحفري، عن الثوري، عن أبي الزناد، عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان هو الثوري، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا أولى الناس بعيسى عليه السلام والانبياء أخوة أولاد علات وليس بيني وبين عيسى نبي " (3). وهذا إسناد صحيح على شرطهما ولم يخرجوه من هذا الوجه وأخرجه أحمد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وأخرجه ابن حبان من حديث عبد الرزاق نحوه. وقال أحمد: حدثنا يحيى، عن ابن أبي عروبة، حدثنا قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الانبياء أخوة لعلات. ودينهم واحد وأمهاتهم شتى. وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم لانه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة، والبياض سبط كان رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل بين مخصرتين فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويعطل الملل، حتى يهلك في زمانه كلها غير الاسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب وتقع الامنة في الارض حتى ترتع الابل مع الاسد جميعا، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان والغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا، فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه " (4). ثم رواه أحمد عن عفان، عن همام، عن قتادة، عن عبد الرحمن عن أبي هريرة فذكر نحوه وقال: " فيمكث أربعين سنة. ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون " (5). ورواه أبو داود عن هدبة بن خالد، عن همام بن يحيى به نحوه. وروى هشام بن عروة عن صالح مولى أبي هريرة عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فيمكث في الارض أربعين سنة. وسيأتي بيان


(1) رواه أحمد في مسنده 2 / 307 - 308. (2) تقدم تخريجه قريبا فليراجع. (3) مسند أحمد ج 2 / 406. مسند أحمد ج 2 / 437. مسند أحمد ج 2 / 319، 406، 482. [ * ]

[ 118 ]

نزوله عليه السلام في آخر الزمان في " كتاب الملاحم " كما بسطنا ذلك أيضا في التفسير عند قوله تعالى في سورة النساء: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) [ النساء: 159 ] وقوله: (وإنه لعلم للساعة) الآية [ الزخرف: 61 ] وأنه ينزل على المنارة البيضاء بدمشق (1) وقد أقيمت صلاة الصبح فيقول له إمام المسلمين. تقدم يا روح الله فصل فيقول: لا بعضكم على بعض أمراء مكرمة الله هذه الامة. وفي رواية فيقول له عيسى: إنما أقيمت الصلاة لك فيصلي خلفه. ثم يركب ومعه المسلمون في طلب المسيح الدجال فيلحقه عند باب لد فيقتله بيده الكريمة. وذكرنا أنه قوي الرجاء حين بنيت هذه المنارة الشرقية بدمشق التي هي من حجارة بيض وقد بنيت أيضا من أموال النصارى حين حرقوا التي هدمت وما حولها فينزل عليها عيسى بن مريم عليه السلام فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل من أحد إلا الاسلام، وأنه يحج من فج الروحاء حاجا أو معتمرا أو لثنتيهما، ويقيم أربعين سنة، ثم يموت فيدفن فيما قيل في الحجرة النبوية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه (2). وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر في آخر ترجمة المسيح عليه السلام في كتابه عن عائشة مرفوعا أنه يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الحجرة النبوية ولكن لا يصح إسناده وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا زيد بن أخزم الطائي، حدثنا أبو قتيبة مسلم بن قتيبة، حدثني أبو مودود المدني، حدثنا عثمان بن الضحاك، عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه عن جده، قال: مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى بن مريم عليهم السلام يدفن معه (3). قال أبو مودود: وقد بقي من البيت موضع قبر. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن كذا قال. والصواب الضحاك بن عثمان المدني. وقال البخاري هذا الحديث لا يصح عندي ولا يتابع عليه. وروى البخاري عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عاصم الاحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان قال: الفترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة وعن قتادة خمسمائة وستون سنة. وقيل خمسمائة وأربعون سنة وعن الضحاك أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. والمشهور ستمائة سنة (4). ومنهم من يقول ستمائة وعشرون سنة بالقمرية لتكون ستمائة بالشمسية والله أعلم. وقال ابن حبان في صحيحه: " ذكر المدة التي بقيت فيها أمة عيسى على هديه ": حدثنا أبو


(1) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 205 عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رواه الطبراني ورجاله ثقات. (2) أخرجه مسلم في صحيحه 1 / 356 من عدة طرق عن الزهري. (3) ورواه الهيثمي في الزوائد 8 / 206 عن عبد الله بن سلام. قال: ورواه الطبراني وفيه عثمان بن الضحاك وثقه ابن حبان وضعفه أبو داود. (4) جاء في مروج الذهب: 2 / 285: بين مولد المسيح إلى مولد النبي صلى الله عليه وسلم 521 سنة، وبين أن رفع الله المسيح وهو ابن 33 سنة إلى سنة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم 546. وبين مبعث المسيح وهجرة النبي صلى الله عليه وسلم 594 سنة. [ * ]

[ 119 ]

يعلى، حدثنا أبو همام، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الهيثم بن حميد، عن الوضين بن عطاء، عن نصر بن علقمة، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد قبض الله داود من بين أصحابه فما فتنوا ولا بدلوا ولقد مكث أصحاب المسيح على سنته وهديه مائتي سنة " (1). وهذا حديث غريب جدا وإن صححه ابن حبان. وذكر ابن جرير (2) عن محمد بن إسحاق: أن عيسى عليه السلام قبل أن يرفع وصى الحواريين بأن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له وعين كل واحد منهم إلى طائفة من الناس في إقليم من الاقاليم من الشام والمشرق وبلاد المغرب، فذكروا أنه أصبح كل إنسان منهم يتكلم بلغة الذين أرسله المسيح إليهم. وذكر غير واحد أن الانجيل نقله عنه أربعة لوقا ومتى ومرقس ويوحنا، وبين هذه الاناجيل الاربعة تفاوت كثير بالنسبة إلى كل نسخة ونسخة وزيادات كثيرة ونقص بالنسبة إلى الاخرى وهؤلاء الاربعة منهم اثنان ممن أدرك المسيح ورآه وهما متى ويوحنا ومنهم اثنين من أصحاب أصحابه وهما مرقس ولوقا. وكان ممن آمن بالمسيح وصدقه من أهل دمشق رجل يقال له ضينا وكان مختفيا في مغارة داخل الباب الشرقي قريبا من الكنيسة المصلبة خوفا من بولس اليهودي وكان ظالما غاشما مبغضا للمسيح، ولما جاء به. وكان قد حلق رأس ابن أخيه حين آمن بالمسيح وطاف به في البلد. ثم رجمه حتى مات رحمه الله. ولما سمع بولص أن المسيح عليه السلام قد توجه نحو دمشق جهز بغاله وخرج ليقتله فتلقاه عند كوكبا، فلما واجه أصحاب المسيح، جاء إليه ملك فضرب وجهه بطرف جناحه فأعماه. فلما رأى ذلك وقع في نفسه تصديق المسيح، فجاء إليه واعتذر مما صنع وآمن به فقبل منه وسأله أن يمسح عينيه ليرد الله عليه بصره، فقال إذهب إلى ضينا عندك بدمشق في طرف السوق المستطيل من المشرق فهو يدعو لك، فجاء إليه فدعا فرد عليه بصره وحسن إيمان بولص بالمسيح عليه السلام أنه عبد الله ورسوله وبنيت له كنيسة باسمه فهي كنيسة بولص المشهورة بدمشق من زمن فتحها الصحابة رضي الله عنهم حتى خربت. فصل اختلف أصحاب المسيح عليه السلام بعد رفعه إلى السماء على أقوال، كما قاله ابن عباس وغيره من أئمة السلف كما أوردناه عند قوله: (فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين) [ الصف: 14 ] قال ابن عباس وغيره: قال قائلون منهم: كان فينا عبد الله ورسوله فرفع إلى


(1) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 207 وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف. (2) تاريخ الطبري 2 / 24: عين فطرس إلى رومية وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق، وفيليبس إلى أرض القيروان وقرطاجنة وهي افريقيا ويحنس إلى دفسوس وابن تلما إلى ارض الحجاز وسيمن إلى أرض البربر دون أفريقيا ويعقوبس إلى أوري شلم. [ * ]

[ 120 ]

السماء وقال آخرون هو الله. وقال آخرون هو ابن الله (1). فالاول هو الحق والقولان الآخران كفر عظيم كما قال: (فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) [ مريم: 37 ] وقد اختلفوا في نقل الاناجيل على أربعة أقاويل ما بين زيادة ونقصان وتحريف وتبديل. ثم بعد المسيح بثلمائة سنة حدثت فيه الطامة العظمى والبلية الكبرى. اختلف البتاركة الاربعة وجميع الاساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين في المسيح على أقوال متعددة لا تنحصر ولا تنضبط. واجتمعوا وتحاكموا إلى الملك قسطنطين باني القسطنطينة وهم المجمع الاول (2). فصار الملك إلى قول أكثر فرقة اتفقت على قول من تلك المقالات، فسموا الملكية (3) ودحض من عداهم وأبعدهم وتفردت الفرقة التابعة لعبد الله بن إديوس الذي ثبت على أن عيسى عبد من عباد الله ورسول من رسله فسكنوا البراري والبوادي وبنوا الصوامع والديارات والقلايات وقنعوا بالعيش الزهيد ولم يخالطوا أولئك الملل والنحل وبنت الملكية الكنائس الهائلة عمدوا إلى ما كان من بناء اليونان فحولوا محاربيها إلى الشرق وقد كانت إلى الشمال إلى الحدي. بيان بناء بيت لحم والقمامة وبنى الملك قسطنطين بيت لحم على محل مولد المسيح وبنت أمه هيلانة القمامة يعني على قبر


(1) تقدم التعليق حول الفرق الثلاث التي اختلفت في رفعه عليه السلام. وقال صاحب الملل والنحل: لما رفع إلى السماء اختلف الحواريون وغيرهم فيه. وإنما اختلافاتهم تعود إلى أمرين: - كيفية نزوله واتصاله بأمه وتجسد الكلمة. - كيفية صعوده واتصاله بالملائكة وتوحد الكلمة. ص 100. (2) حضر المجمع الاول بمدينة نيقية ألفان وثمانية وأربعون أسقفا. فتم اختيار ثلاثمائة وثمانية عشر اسقفا متفقين ; فوضعوا شرائع النصرانية وكان رئيس هذا المجمع بطرق الاسكندرية. وحضر الاجتماع البطاركة الثلاثة الآخرون: بطرك انطاكية - بطرك مدينة رومية - بطرك القسطنطينية واتفقوا - على ما قال الشهرستاني وذلك قولهم: " نؤمن بالله الواحد الآب مالك كل شئ، وصانع ما يرى وما لا يرى وبالابن الواحد يسوع المسيح، ابن الله الواحد، بكر الخلائق كلها، الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كل شئ من أجلنا، ومن أجل معشر الناس، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانا، وحبل به، وولد من مريم البتول، وقتل وصلب أيام فيلاطوس ودفن، ثم قام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجئ تارة أخرى بين الاموات والاحياء، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه، وبعمودية واحدة لغفران الخطايا وبجماعة واحدة قدسية مسيحية جاثليقية وبقيام أبداننا، وبالحياة الدائمة أبد الآبدين " الملل والنحل ص 101. (3) كذا في الاصول، وهم المعروفون في كتب النحل والتفسير بالملكانية. قال الشهرستاني: وهم أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها قالوا: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح. وقالوا: إن المسيح ناسوت كلي لا جزئي (101).

[ 121 ]

لمصلوب (1) وهم يسلمون لليهود أنه المسيح. وقد كفرت هؤلاء وهؤلاء ووضعوا القوانين والاحكام. ومنها مخالف للعتيقة التي هي التوراة وأحلوا أشياء هي حرام بنص التوراة، ومن ذلك الخنزير وصلوا إلى الشرق، ولم يكن المسيح صلى إلا إلى صخرة بيت المقدس وكذلك جميع الانبياء بعد موسى. ومحمد خاتم النبيين صلى إليها بعد هجرته إلى المدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ثم حول إلى الكعبة التي بناها ابراهيم الخليل. وصوروا الكنائس ولم تكن مصورة قبل ذلك ووضعوا العقيدة التي يحفظها أطفالهم ونساؤهم ورجالهم التي يسمونها بالامانة وهي في الحقيقة أكبر الكفر والخيانة وجميع الملكية والنسطورية أصحاب نسطورس أهل المجمع الثاني (2) واليعقوبية أصحاب يعقوب البرادعي أصحاب المجمع الثالث (3) يعتقدون هذه العقيدة ويختلفون في تفسيرها وها أنا أحكيها وحاكي الكفر ليس بكافر لابث على ما فيها ركة الالفاظ وكثرة الكفر والخبال المفضى بصاحبه إلى النار ذات الشواظ فيقولون نؤمن بإله واحد ضابط الكل خالق السموات والارض كل ما يرى وكل ما لا يرى وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الاب قبل الدهور نور من نور إله حق من إله حق مولود غير مخلوق مساو للاب في الجوهر الذي كان به كل شئ من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء وتانس وصلب على عهد ملاطس النبطي وتالم وقبر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الاب. وأيضا فسيأتي بجسده ليدبر الاحياء والاموات الذي لا فناء للملكه وروح القدس الرب المحيي المنبثق من الاب مع الاب والابن مسجود له وبمجد الناطق في الانبياء كنسبة واحدة جامعة مقدسة يهولية واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا وأنه حي قيامة الموتى وحياة الدهر العتيد كونه آمين. كتاب أخبار الماضين من بني إسرائيل وغيرهم إلى آخر زمن الفترة سوى أيام العرب وجاهليتهم فإنا سنورد ذلك بعد فراغنا من هذا الفصل إن شاء الله تعالى قال الله تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا) [ طه 99 ] وقال: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [ يوسف: 3 ].


(1) قال ابن الاثير: في الكامل: اخرجت الخشبة التى تزعم النصارى أن المسيح صلب عليها، وجعلت ذلك اليوم عيدا، وهو عيد الصليب وهو لاربع عشرة تخلو من أيلول وبنت الكنيسة المعروفة بقمامة وتسمى القيامة. 1 / 330 مروج الذهب 1 / 329 (2) عقد بالقسطنطينية على مقدونس وأشياعه، وعدة المجتمعين فيه من الاساقفة مائة وخمسون رجلا. (3) عقد في ملك تدوس الصغير بن تدوس الكبير لاحدى وعشرين سنة من ملكه، وعقد بمدينة أفسس، وحضره مائتا أسقف وكان سببه ما ظهر من نسطورس بطرك القسطنطينية من مخالفته مذهبهم فلعنوه ونفوه. [ * ]

[ 122 ]

خبر ذي القرنين قال الله تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا. إنا مكنا له في الارض وآتينا من كل شئ سببا فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما. قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا. قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا. وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا. ثم أتبع سببا. حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا. كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا. ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا. قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا. قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا. فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا. قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا) [ الكهف: 83 - 98 ]. ذكر الله تعالى ذا القرنين هذا وأثنى عليه بالعدل، وأنه بلغ المشارق والمغارب، وملك الاقاليم وقهر أهلها، وسار فيهم بالمعدلة التامة والسلطان المؤيد المظفر المنصور القاهر المقسط. والصحيح: أنه كان ملكا من الملوك العادلين وقيل كان نبيا. وقيل رسولا. وأغرب من قال ملكا من الملائكة. وقد حكي هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: فإنه سمع رجلا يقول لآخر يا ذا القرنين فقال: مه ما كفاكم أن تتسموا بأسماء الانبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة ذكره السهيلي. وقد روى وكيع عن إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال كان ذو القرنين نبيا. وروى الحافظ ابن عساكر من حديث أبي محمد بن أبي نصر، عن أبي إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن أبي ذؤيب، حدثنا محمد بن حماد، أنبأنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذؤيب، عن المقبري (1) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا أدري أتبع كان لعينا أم لا ولا أدري الحدود كفارات لاهلها أم لا ولا أدري ذو القرنين كان نبيا أم لا " (2). وهذا غريب من هذا الوجه، وقال إسحاق بن بشر عن عثمان بن الساج، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان ذو القرنين ملكا صالحا رضي الله عمله وأثنى عليه في كتابه وكان منصورا، وكان الخضر وزيره. وذكر أن الخضر عليه السلام كان على مقدمة جيشه وكان عنده بمنزلة المشاور، الذي هو من الملك بمنزلة الوزير في إصلاح الناس اليوم، وقد


(1) في أبي داود: عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد. (2) أخرجه أبو داود في كتاب السنة عن محمد بن المتوكل العسقلاني باب التخيير بين الانبياء ح 4674 وفيه: ما أدري أتبع لعين هو أم لا، وما أدري أعزير نبي هو أم لا ؟. [ * ]

[ 123 ]

ذكر الازرقي (1) وغيره أن ذاالقرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل وطاف معه بالكعبة المكرمة هو واسماعيل عليه السلام وروى عن عبيد بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما أن ذا القرنين حج ماشيا وأن إبراهيم لما سمع بقدومه تلقاه ودعا له ورضاه وأن الله سخر لذي القرنين السحاب (2) يحمله حيث أراد والله أعلم. واختلفوا في السبب الذي سمي به ذا القرنين فقيل: لانه كان له في رأسه شبه القرنين. قال وهب بن منبه: كان له قرنان من نحاس في رأسه وهذا ضعيف. وقال بعض أهل الكتاب لانه ملك فارس والروم. وقيل: لانه بلغ قرني الشمس غربا وشرقا. وملك ما بينهما من الارض وهذا أشبه من غيره وهو قول الزهري وقال الحسن البصري: كانت له غديرتان من شعر يطافهما فسمي ذا القرنين. وقال إسحاق بن بشر: عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه قال دعا ملكا جبارا إلى الله فضربه على قرنه فكسره ورضه. ثم دعاه فدق قرنه الثاني فكسره فسمي ذا القرنين. وروى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذي القرنين فقال: كان عبدا ناصح الله فناصحه، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه الآخر فمات فسمي ذا القرنين. وهكذا رواه شعبة القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل عن علي به (3). وفي بعض الروايات عن أبي الطفيل عن علي قال لم يكن نبيا ولا رسولا ولا ملكا ولكن كان عبدا صالحا. وقد اختلف في اسمه فروى الزبير بن بكار عن ابن عباس: كان اسمه عبد الله بن الضحاك ابن معد وقيل مصعب بن عبد الله بن قنان بن منصور بن عبد الله بن الازد بن عون (4) بن نبت بن


(1) أخبار مكة 1 / 74. (2) عن علي بن أبي طالب كما في تفسير القرطبي. (3) في ذي القرنين واسمه تنازع الناس وكثرت الاقوال حتى التناقض ; والخلاف فيه كثير ولا طائل تحته - قال ناس أنه من الملائكة ; ومنهم من قال نبيا ومنه من قال كان عبدا صالحا. إلى جانب ما ذكره ابن كثير في تسميته بذي القرنين قيل: - سمي بذي القرنين لانه انقض في وقته قرنان من الناس. - كان على رأسه ما يشبه القرنين. - كان لتاجه قرنان. - عن النبي صلى الله عليه وسلم: لانه طاف قرني الدنيا يعني شرقها وغربها. - لانه رأى حلما في المنام كأنه تعلق بطرفي الشمس وقرنيها. - لانه دخل النور والظلمة. - كان له صفيرتان أي قرنان. (راجع المسعودي - تفسير الرازي - تفسير القرطبي - المعارف لابن قتيبة). (4) في أنساب السمعاني: غوث. [ * ]

[ 124 ]

مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان. وقد جاء في حديث أنه كان من حمير (1) وأمه رومية وأنه كان يقال له ابن الفيلسوف لعقله. وقد أنشد بعض الحميريين (2) في ذلك شعرا يفتخر بكونه أحد أجداده فقال: قد كان ذو القرنين جدي مسلما * ملكا تدين له الملوك وتحشد (3) بلغ المشارق والمغارب يبتغي * أسباب أمر من حكيم مرشد (4) فرأى مغيب الشمس عند غروبها * في عين ذي خلب وثأط حرمد (5) من بعده بلقيس كانت عمتي * ملكتهم حتى أتاها الهدهد قال السهيلي وقيل كان اسمه مرزبان بن مرزبة. ذكره ابن هشام (6) وذكر في موضع (7) آخر أن اسمه الصعب بن ذي مرائد وهو أول التبابعة وهو الذي حكم لابراهيم في بئر السبع (8). وقيل إنه أفريدون بن أسفيان الذي قتل الضحاك وفي خطبة قس: يا معشر إياد بن الصعب ذو القرنين، ملك الخافقين، وأذل الثقلين، وعمر ألفين. ثم كان ذلك كلحظة عين. ثم أنشد ابن هشام للاعشى: والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا * بالجنو في جدث أشم مقيما وذكر الدارقطني وابن ماكولا أن اسمه هرمس ويقال هرويس بن قيطون بن رومي بن لنطى


(1) قال أبو الريحان المنجم الهروي البيروني في كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية: قيل هو أبو كرب شمر بن عبير بن افريقس الحميري ; وقال: ويشبه أن يكون هذا القول أقرب لان الاذواء كانوا من اليمن وهم الذين لا تخلوا أساميهم من ذي. وقال المسعودي في مروج الذهب: قيل ان بعض التبابعة غزا مدينة رومية وأسكنها خلقا من اليمن، وأن ذا القرنين الذي هو الاسكندر من أولئك العرب المتخلفين بها. تفسير الرازي 21 / 164. (2) وهو تبع اليماني. كما في تفسير القرطبي والمسعودي ولم يذكر الابيات. (3) في تفسير الرازي والقرطبي: قبلي بدل جدي ; وفي القرطبي تسجد بدل تحشد. وعجزه في الرازي: ملكا علا في الارض غير مفند (4) في تفسير الرازي: عجزه: أسباب ملك من كريم سيد. (5) الخلب: الطين، الثأط: الحمأة. الحرمد: الاسود. (6) قال ابن إسحاق: مرزبان بن مرذبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح ; وذكر ابن هشام: اسمه الاسكندر سيرة ابن هشام. (7) أي في التيجان. (8) قال السهيلي: والظاهر من علم الاخبار أنهما اثنان: أحدهما كان على عهد إبراهيم عليه السلام ويقال انه قضى لابراهيم حين تحاكموا إليه في بئر السبع بالشام (وقد تقدم عن الازرقي أنه طاف معه ماشيا وأسلم على يديه) - والآخر كان قريبا من عهد عيسى عليه السلام. [ * ]

[ 125 ]

ابن كشلوخين بن يونان بن يافث بن نوح فالله أعلم. وقال إسحق بن بشر عن سعيد بن بشير عن قتادة قال اسكندر هو ذو القرنين وأبوه أول القياصرة وكان من ولد سام بن نوح عليه السلام. فأما ذو القرنين الثاني فهو اسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن مطيون بن رومي بن لنطي بن يونان بن يافث بن يونة بن شرخون بن رومة بن شرفط بن توفيل بن رومي بن الاصفر بن يقز بن العيص بن إسحق بن إبراهيم الخليل كذا نسبه الحافظ ابن عساكر في تاريخه (1). المقدوني اليوناني المصري باني اسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم، وكان متأخرا عن الاول بدهر طويل كان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة وكان أرطا طاليس الفيلسوف وزيره وهو الذي قتل دارا بن دارا وأذل ملوك الفرس وأوطأ أرضهم. وإنما نبهنا عليه لان كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرطا طاليس وزيره فيقع بسبب ذلك خطأ كبير وفساد عريض طويل كثير (2)، فإن الاول كان عبدا مؤمنا صالح وملكا عادلا وكان وزيره الخضر، وقد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا (3). وأما الثاني فكان مشركا وكان وزيره فيلسوفا وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة. فأين هذا من هذا لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الامور. فقوله تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين) كان سببه أن قريشا سألوا اليهود عن شئ يمتحنون به علم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لهم سلوه عن رجل طواف في الارض وعن فتية خرجوا لا يدري ما فعلوا فأنزل الله تعالى قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين. ولهذا قال: (قل سأتلوا عليكم منه ذكرا) أي من خبره وشأنه (ذكرا) أي خبرا نافعا كافيا في تعريف أمره، وشرح حاله فقال: (إنا مكنا له في الارض وآتيناه من كل شئ سببا) أي وسعنا مملكته في البلاد، وأعطيناه من آلات المملكة ما يستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمات العظيمة، والمقاصد الجسيمة. قال قتيبة، عن أبي عوانة، عن سماك، عن حبيب بن حماد قال: كنت عند علي بن أبي طالب وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب فقال له: سخر له السحاب ومدت له الاسباب


(1) قال الطبري وابن الاثير: وأما الروم وكثير من أهل الانساب فإنهم يقولون (وفي الكامل: يزعمون) أنه: الاسكندر بن بيلبوس بن مطريوس ويقال مصريم بن هرمس بن هروس بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن ثوبة بن سرحون بن رومية بن نزمط بن نوقيل بن رومى بن الاصفر بن أليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم. ويقال: إنه أنه أخو دارا لابيه. (2) قال الرازي: إن تعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطا طاليس حق وصدق وذلك مما لا سبيل إليه. (3) قال الرازي في تفسيره: من قال أنه كان نبيا احتج بوجوه: - قوله (إنا مكنا له في الارض) والاولى حمله على التمكين في الدين، والتمكين الكامل في الدين هو النبوة. - قوله (وآتيناه من كل شئ سببا) ومن جملة الاشياء النبوة. - قوله (قلنا يا ذا القرنين..) والذي يتكلم معه الله لا بد وأن يكون نبيا. وقال الدارقطني في كتاب الاخبار: إن ملكا يقال له رباقيل (رفائيل) كان ينزل على ذي القرنين. [ * ]

[ 126 ]

وبسط له في النور [ فكان الليل والنهار عليه سواء ] (1) وقال أزيدك فسكت الرجل وسكت علي رضي الله عنه. وعن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن عبد الله الوادعي سمعت معاوية يقول: ملك الارض أربعة. سليمان بن داود النبي عليهما السلام. وذو القرنين ورجل من أهل حلوان. ورجل آخر. فقيل له الخضر قال: لا. وقال الزبير بن بكار: حدثني إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن الضحاك، عن أبيه، عن سفيان الثوري قال: بلغني أنه ملك الارض كلها أربعة: مؤمنان وكافران سليمان النبي وذو القرنين ونمرود وبخت نصر. وهكذا قال سعيد بن بشير: سواء. وقال إسحاق بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن الحسن قال: كان ذو القرنين ملك بعد النمرود وكان من قصته أنه كان رجلا مسلما صالحا أتى المشرق والمغرب مد الله له في الاجل ونصره حتى قهر البلاد، واحتوى على الاموال، وفتح المدائن، وقتل الرجال، وجال في البلاد والقلاع فسار حتى أتى المشرق والمغرب فذلك قول الله: (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا) أي خبرا (إنا مكنا له في الارض وآتيناه من كل شئ سببا) أي علما بطلب أسباب المنازل. قال إسحاق، وزعم مقاتل أنه كان يفتح المدائن ويجمع الكنوز فمن اتبعه على دينه وتابعه عليه وإلا قتله. وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعبيد بن يعلى والسدي وقتادة والضحاك (وآتيناه من كل شئ سببا) يعني علما وقال قتادة ومطر الوراق معالم الارض ومنازلها وأعلامها وآثارها وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يعني: تعليم الالسنة كان لا يغزو قوما إلا حدثهم بلغتهم والصحيح أنه يعم كل سبب يتوصل به إلى نيل مقصوده في المملكة وغيرها فإنه كان يأخذ من كل أقليم من الامتعة والمطاعم والزاد ما يكفيه ويعينه على أهل الاقليم الآخر. وذكر بعض أهل الكتاب أنه مكث ألفا وستمائة سنة يجوب الارض ويدعو أهلها إلى عبادة الله وحده لا شريك له وفي كل هذه المدة نظر. والله أعلم. وقد روى البيهقي وابن عساكر حديثا متعلقا بقوله: (وآتيناه من كل شئ سببا) مطولا جدا وهو منكر جدا. وفي إسناده محمد بن يونس الكديمي وهو متهم فلهذا لم نكتبه لسقوطه عندنا والله أعلم وقوله: (فاتبع سببا) أي طريقا (حتى إذا بلغ مغرب الشمس) يعني من الارض انتهى إلى حيث لا يمكن أحدا أن يجاوزه ووقف على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له أوقيانوس الذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات التي هي مبدأ الاطوال على أحد قولي أرباب الهيئة، والثاني من ساحل هذا البحر كما قدمنا. وعنده شاهد مغيب الشمس فيما رآه بالنسبة إلى مشاهدته (تغرب في عين حمئة) والمراد بها البحر في نظره فإن من كان في البحر أو على ساحله، يرى الشمس كأنها تطلع من البحر وتغرب فيه ولهذا قال: (وجدها) أي في نظره ولم يقل: فإذا هي تغرب في عين حمئة أي ذات حمأة. قال كعب


(1) ما بين معكوفين زيادة استدركت من القرطبي وتفسير الطبرسي. [ * ]

[ 127 ]

الاحبار: وهو الطين الاسود. وقرأه بعضهم حامية. فقيل يرجع إلى الاول. وقيل من الحرارة وذلك من شدة المقابلة لوهج ضوء الشمس وشعاعها. وقد روى الامام أحمد: عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو عن عبد الله. قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال: " في نار الله الحامية لولا ما يزعها (1) من أمر الله لاحرقت ما على الارض " (2) فيه غرابة وفيه رجل منهم لم يسم ورفعه فيه نظر وقد يكون موقوفا من كلام عبد الله بن عمرو، فإنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب المتقدمين فكان يحدث منها والله أعلم. ومن زعم من القصاص أن ذا القرنين جاوز مغرب الشمس وصار يمشي بجيوشه في ظلمات مددا طويلة فقد اخطأوا بعد النجعة وقال ما يخالف العقل والنقل. بيان طلب ذي القرنين عين الحياة وقد ذكر ابن عساكر: من طريق وكيع، عن أبيه، عن معتمر بن سليمان، عن أبي جعفر الباقر، عن أبيه، زين العابدين خبرا مطولا جدا فيه: أن ذا القرنين كان له صاحب من الملائكة يقال له رناقيل (3) فسأله ذوالقرنين هل تعلم في الارض عينا يقال لها عين الحياة فذكر له صفة مكانها فذهب ذو القرنين في طلبها، وجعل الخضر على مقدمته فانتهى الخضر إليها في واد في أرض الظلمات فشرب منها، ولم يهتد ذو القرنين إليها. وذكر اجتماع ذي القرنين ببعض الملائكة في قصر هناك وأنه أعطاه حجرا فلما رجع إلى جيشه سأل العلماء عنه فوضعوه في كفة ميزان وجعلوا في مقابلته ألف حجر مثله فوزنها حتى سأل الخضر فوضع قباله حجرا وجعل عليه حفنة من تراب فرجح به. وقال هذا مثل ابن آدم لا يشبع حتى يوارى بالتراب فسجد له العلماء تكريما له وإعظاما والله أعلم (4). ثم ذكر تعالى أنه حكم في أهل تلك الناحية (قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا. قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا)


(1) يزعها: يزجرها ويمنعها. (2) مسند أحمد 2 / 207. (3) في قصص الانبياء للثعلبي: " رفائيل " وفي الدر المنثور " زرفائيل " وهذا الملك على ما ذكره الدارقطني في " الاخبار ": هو الذي يطوي الارض يوم القيامة. وينقصها فتقع اقدام الخلائق كلها بالساهرة، فيما ذكره بعض أهل العلم، والساهرة: أرض يجددها الله يوم القيامة. (4) ذكر الطبري وابن الاثير: فلما فرغ من أمر السد، وبعد أن دانت له عامة الارضين وملك التبت والصين، دخل الظلمات مما يلي القطب الشمالي والشمس جنوبية، فلهذا كانت ظلمة، وإلا فليس في الارض موضع إلا تطلع الشمس عليه أبدا، فلما دخل الظلمات أخذ أربعمائة رجل من أصحابه يطلب عين الخلد، فسار فيها ثمانية عشر يوما ثم خرج ولم يظفر بها، وكان الخضر على مقدمته فظفر بها وسبح فيها وشرب منها. ورجع (ذو القرنين) إلى العراق فمات في طريقه بشهرزور. (تاريخ الطبري 2 / 9، الكامل في التاريخ 1 / 287). [ * ]

[ 128 ]

[ الكهف: 87 - 88 ] أي فيجتمع عليه عذاب الدنيا والآخرة وبدأ بعذاب الدنيا لانه أزجر عند الكافر (وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا) [ الكهف: 89 ] فبدأ بالاهم وهو ثواب الآخرة وعطف عليه الاحسان منه إليه وهذا هو العدل والعلم والايمان قال الله تعالى: (ثم اتبع سببا) أي سلك طريقا راجعا من المغرب إلى المشرق فيقال إنه رجع في ثنتي عشرة سنة (حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا) أي ليس لهم بيوت ولا أكنان يستترون بها من حر الشمس. قال كثير من العلماء ولكن كانوا يأوون إذا اشتد عليهم الحر إلى أسراب قد اتخذوها في الارض شبه القبور (1) قال الله تعالى: (كذلك وقد احطنا بما لديه خبرا) أي ونحن نعلم ما هو عليه ونحفظه ونكلؤه بحراستنا في مسيره ذلك كله من مغارب الارض إلى مشارقها. وقد روي عن عبيد بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما من السلف: أن ذا القرنين حج ماشيا فلما سمع ابراهيم الخليل بقدومه تلقاه فلما اجتمعا دعا له الخليل ووصاه بوصايا ويقال إنه جئ بفرس ليركبها فقال: لا أركب في بلد فيه الخليل (2) فسخر الله له السحاب وبشره إبراهيم بذلك فكانت تحمله إذا أراد. وقوله تعالى: (ثم اتبع سببا. حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا) [ الكهف: 92 - 93 ] يعني غشما. يقال إنهم هم الترك أبناء عم يأجوج ومأجوج فذكروا له أن هاتين القبيلتين قد تعدوا عليهم وأفسدوا في بلادهم وقطعوا السبل عليهم، وبذلوا له حملا، وهو الخراج، على أن يقيم بينهم وبينهم حاجزا يمنعهم من الوصول إليهم فامتنع من أخذ الخراج اكتفاءا بما أعطاه الله من الاموال الجزيلة (قال ما مكني فيه ربي خير) ثم طلب منهم أن يجمعوا له رجالا وآلات ليبني بينهم وبينهم سدا وهو الردم بين الجبلين وكانوا لا يستطيعون الخروج إليهم إلا من بينهما وبقية ذلك بحار مغرقة وجبال شاهقة فبناه كما قال تعالى من الحديد والقطر وهو النحاس المذاب. وقيل الرصاص والصحيح الاول فجعل بدل اللبن حديدا وبدل الطين نحاسا ولهذا قال تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه) أي يعلوا عليه بسلالم (3) ولا غيرها (وما استطاعوا له نقبا) أي بمعاول ولا فؤوس ولا غيرها فقابل الاسهل بالاسهل والاشد بالاشد (قال هذا رحمة من ربي) أي قدر الله وجوده ليكون رحمة منه بعباده أن يمنع بسببه عدوان هؤلاء القوم على من جاورهم في تلك المحلة (فإذا جاء وعد ربي) أي الوقت الذي قدر


(1) قال الحسن: كانت أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، وكانت لا تحمل البناء، فإذا طلعت عليهم الشمس نزلوا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا، فيتراعون كما تتراعى البهائم. (القرطبي - تفسير الرازي). (2) تقدم الخبر في الازرقي وفيه: قال: ما كنت لاركب وهذا (إبراهيم) يمشي فحج ماشيا. (3) قال القرطبي في تفسيره: كان ارتفاع السد مائتا ذراع وخمسون ذراعا، وروي: في طوله ما بين طرفي الجبلين مائة فرسخ، وفي عرضه خمسون فرسخا (عن وهب بن منبه). [ * ]

[ 129 ]

خروجهم على الناس في آخر الزمان (جعله دكاء) أي مساويا للارض ولا بد من كون هذا ولهذا قال: (وكان وعد ربي حقا) [ الكهف: 98 ] كما قال تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. واقترب الوعد الحق) الآية [ الانبياء: 96 - 97 ] ولذا قال ههنا: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض) [ الكهف: 99 ] يعني يوم فتح السد على الصحيح (ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا) وقد أوردنا الاحاديث المروية في خروج يأجوج ومأجوج في التفسير وسنوردها إن شاء الله في " كتاب الفتن والملاحم " من كتابنا هذا إذا انتهينا إليه بحول الله وقوته وحسن توفيقه ومعونته وهدايته. قال أبو داود الطيالسي: عن الثوري: بلغنا أن أول من صافح ذو القرنين. وروي عن كعب الاحبار أنه قال لمعاوية: إن ذا القرنين لما حضرته الوفاة أوصى أمه إذا هو مات أن تصنع طعاما وتجمع نساء أهل المدينة وتضعه بين أيديهن، وتأذن له فيه إلا من كانت ثكلى فلا تأكل منه شيئا، فلما فعلت ذلك لم تضع واحدة منهن يدها فيه فقالت لهن سبحان الله كلكن ثكلى ؟ فقلن أي والله ما منا إلا من أثكلت فكان ذلك تسلية لامه. وذكر إسحاق بن بشر عن عبد الله بن زياد عن بعض أهل الكتاب وصية ذي القرنين وموعظة أمه موعظة بليغة طويلة فيها حكم وأمور نافعة وأنه مات وعمره ثلاثة آلاف سنة وهذا غريب. قال ابن عساكر وبلغني من وجه آخر أنه عاش ستا وثلاثين سنة. وقيل كان عمره ثنتين وثلاثين سنة. وكان بعد داود بسبعمائة سنة وأربعين سنة. وكان بعد آدم بخمسة آلاف ومائة وإحدى وثمانين سنة. وكان ملكه ست عشرة سنة (1). وهذا الذي ذكره إنما ينطبق على إسكندر الثاني لا الاول وقد خلط في أول الترجمة وآخرها بينهما والصواب التفرقة كما ذكرنا اقتداء بجماعة من الحفاظ والله أعلم. وممن جعلهما واحدا الامام عبد الملك بن هشام راوي السيرة وقد أنكر ذلك عليه الحافظ أبو القاسم السهيلي رحمه الله إنكارا بليغا ورد قوله ردا شنيعا وفرق بينهما تفريقا جيدا كما قدمنا قال ولعل جماعة من الملوك المتقدمين تسموا بذي القرنين تشبها بالاول. والله أعلم. ذكر أمتي يأجوج ومأجوج وصفاتهم وما ورد من أخبارهم وصفة السد هم من ذرية آدم بلا خلاف نعلمه ثم الدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين: من طريق الاعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى يوم القيامة يا آدم [ ! فيقول: لبيك وسعديك، والخبر في يديك ]: قم فابعث بعث النار من ذريتك فيقول: يا رب وما بعث النار ؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة.


(1) في المسعودي خمس عشرة سنة، وكان عمره لما ملك إحدى وعشرين سنة مات ابن ست وثلاثين. [ * ]

[ 130 ]

فحينئذ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ". [ قال: فاشتد ذلك عليهم ] قالوا يارسول الله أينا ذلك الواحد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ابشروا فإن منكم واحدا ومن يأجوج ومأجوج ألفا " (1) وفي رواية فقال: " ابشروا فإن فيكم أمتين ما كانتا في شئ إلا كثرتاه ". أي غلبتاه كثرة وهذا يدل على كثرتهم وإنهم أضعاف الناس مرارا عديدة. ثم هم من ذرية نوح لان الله تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على أهل الارض بقوله: (رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) وقال تعالى: (فأنجيناه وأصحاب السفينة) وقال: (وجعلنا ذريته هم الباقين) وتقدم في الحديث المروي (2) في المسند والسنن أن نوحا ولد له ثلاثة وهم سام وحام ويافث فسام أبو العرب وحام أبو السودان ويافث أبو الترك فيأجوج ومأجوج طائفة من الترك وهم مغل المغول وهم أشد بأسا وأكثر فسادا من هؤلاء ونسبتهم إليهم كنسبة هؤلاء إلى غيرهم. وقد قيل إن الترك إنما سموا بذلك حين بنى ذو القرنين السد وألجأ يأجوج ومأجوج إلى ما وراءه فبقيت منهم طائفة لم يكن عندهم كفسادهم فتركوا من ورائه. فلهذا قيل لهم الترك. ومن زعم (3) أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم فاختلطت بتراب فخلقوا من ذلك وأنهم ليسوا من حواء فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النواوي في شرح مسلم وغيره وضعفوه. وهو جدير بذلك إذ لا دليل عليه بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن. وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدا. فمنهم من هو كالنخلة السحوق. ومنهم من هو غاية في القصر. ومنهم من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالاخرى فكل هذه أقوال بلا دليل ورجم بالغيب بغير برهان. والصحيح أنهم من بني آدم وعلى أشكالهم وصفاتهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا " (4) ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن. وهذا فيصل في هذا الباب وغيره. وما قيل من أن أحدهم لا يموت حتى يرى من ذريته ألفا (5) فإن صح في خبر قلنا به وإلا فلا نرده إذ يحتمله العقل والنقل أيضا قد يرشد إليه


(1) أخرجه مسلم في 1 كتاب الايمان 96 باب يقول الله لآدم 379 / 222 ص 1 / 201 والبخاري حديث رقم: 1584. وما بين معكوفين زيادة من مسلم. وبعث النار: البعث هنا بمعنى المبعوث الموجه إليها، ومعناه ميز أهل النار من غيرهم. (2) رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ولد لنوح سام وحام ويافث فولد سام العرب وفارس والروم والخير فيهم وولد يافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم وولد حام القبط والبربر والسودان ". تقدم تخريجه. (3) قاله كعب الاحبار. وفي الخبر أن آدم احتلم ; وفي هذا نظر لان الانبياء لا يحتلمون قاله القرطبي. (4) أخرجه مسلم في 51 / 11 / 28 / 2841 وأحمد في مسنده ج 2 / 315. (5) رواه الهيثمي في الزوائد عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رواه الطبراني في الاوسط وفيه يحيى بن سعيد العطار وهو ضعيف. [ * ]

[ 131 ]

والله أعلم. بل قد ورد حديث مصرح بذلك إن صح قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الاصبهاني، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا المغيرة، عن مسلم، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم ولو أرسلوا لافسدوا على الناس معائشهم ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا. وإن من ورائهم ثلاث أمم (تأويل وتاريس ومنسك) " (1). وهو حديث غريب جدا وإسناده ضعيف. وفيه نكارة شديدة. وأما الحديث الذي ذكره ابن جرير في تاريخه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إليهم ليلة الاسراء فدعاهم إلى الله فامتنعوا من إجابته ومتابعته وأنه دعا تلك الامم التي هناك (تاريس وتاويل ومنسك) فأجابوه فهو حديث موضوع اختلقه أبو نعيم عمرو بن الصبح أحد الكذابين الكبار الذين اعترفوا بوضع الحديث والله أعلم. فإن قيل فكيف دل الحديث المتفق عليه أنهم فداء المؤمنين يوم القيامة أنهم في النار ولم يبعث إليهم رسل. وقد قال الله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فالجواب أنهم لا يعذبون إلا بعد قيام الحجة عليهم والاعذار إليهم كما قال تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [ الاسراء: 15 ] فإن كانوا في زمن الذي قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم قد أتتهم رسل منهم فقد قامت على أولئك الحجة وإن لم يكن قد بعث الله إليهم رسلا فهم في حكم أهل الفترة. ومن لم تبلغه الدعوة وقد دل الحديث المروي من طرق (2) عن جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من كان كذلك يمتحن في عرصات القيامة فمن أجاب الداعي دخل الجنة ومن أبى دخل النار " وقد أوردنا الحديث بطرقه وألفاظه وكلام الائمة عليه عند قوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وقد حكاه الشيخ أبو الحسن الاشعري إجماعا عن أهل السنة والجماعة، وامتحانهم لا يقتضي نجاتهم، ولا ينافي الاخبار عنهم بأنهم من أهل النار لان الله يطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على ما يشاء من أمر الغيب وقد اطلعه على أن هؤلاء من أهل الشقاء وأن سجاياهم تأبى قبول الحق والانقياد له فهم لا يجيبون الداعي إلى يوم القيامة فيعلم من هذا أنهم كانوا أشد تكذيبا للحق في الدنيا لو بلغهم فيها لان في عرصات القيامة ينقاد خلق ممن كان مكذبا في الدنيا فإيقاع الايمان هناك لما يشاهد من الاهوال أولى وأحرى منه في الدنيا والله أعلم. كما قال تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا ابصرنا وسمعنا فارجعنا فعمل صالحا إنا موقنون) [ السجدة: 12 ] وقال تعالى: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) [ مريم: 38 ]. وأما الحديث الذي فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعاهم ليلة الاسراء فلم يجيبوا " فإنه حديث منكر بل موضوع وضعه عمرو بن الصبح.


(1) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 8 / 6 وقال رواه الطبراني في الكبير والاوسط ورجاله ثقات. (2) رواه ابن كثير في تفسير سورة الاسراء - الآية 15 - ج 3 / 48 وما بعدها. (دار احياء التراث). [ * ]

[ 132 ]

وأما السد فقد تقدم أن ذا القرنين بناه من الحديد والنحاس وساوى به الجبال الصم الشامخات الطوال فلا يعرف على وجه الارض بناء أجل منه ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم. قال البخاري: وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم رأيت السد قال: " وكيف رأيته ؟ " قال مثل البرد المحبر (1) فقال: " رأيته هكذا ". ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم ولم أره مسندا من وجه متصل أرتضيه غير أن ابن جرير رواه في تفسيره مرسلا فقال: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال ذكر لنا أن رجلا قال: يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال: " انعته لي " قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء قال: " قد رأيته ". وقد ذكر أن الخليفة الواثق بعث رسلا من جهته وكتب لهم كتبا إلى الملوك يوصلونهم من بلاد إلى بلاد حتى ينهوا إلى السد فيكشفوا عن خبره وينظروا كيف بناه ذو القرنين على أي صفة ؟ فلما رجعوا أخبروا عن صفته وأن فيه بابا عظيما وعليه أقفال وأنه بناء محكم شاهق منيف جدا وأن بقية اللبن الحديد والآلات في برج هناك وذكروا أنه لا يزال هناك حرس لتلك الملوك المتاخمة لتلك البلاد ومحلته في شرقي الارض في جهة الشمال في زاوية الارض الشرقية الشمالية، ويقال: إن بلادهم متسعة جدا وإنهم يقتاتون بأصناف من المعايش من حراثة وزراعة واصطياد من البر ومن البحر، وهم أمم وخلق لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم. فإن قيل فما الجمع بين قوله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا) [ الكهف: 97 ] وبين الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها قالت استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نوم محمرا وجهه وهو يقول: " لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " (2) وحلق تسعين قلت: يارسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: نعم إذا كثر الخبث (3). وأخرجاه في الصحيحين: من حديث وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وعقد تسعين " (4). فالجواب أما على قول من ذهب إلى أن هذا إشارة إلى فتح أبواب الشر والفتن وإن هذا استعارة محضة وضرب مثل فلا إشكال. وأما على قول من جعل ذلك إخبارا عن أمر محسوس كما هو الظاهر المتبادر فلا إشكال أيضا لان قوله: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له


(1) البرد المحبر: الثوب المنمق. (2) أخرجه مسلم في 52 كتاب الفتن - (1) باب 2 / 2880 ص 4 / 2207 - 2208 والبخاري حديث رقم: 1582. (3) الخبث: فسره الجمهور بالفسوق والفجور، وقيل المراد: الزنى خاصة وقيل أولاد الزنى والظاهر أنه المعاصي مطلقا، ومعنى الحديث أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون. (4) الحديث 3 / 2881 والبخاري رقم 1583 راجع الحاشية رقم (2). [ * ]

[ 133 ]

نقبا) أي في ذلك الزمان لان هذه صيغة خبر ماض، فلا ينفي وقوعه فيما يستقبل بإذن الله لهم في ذلك قردا وتسليطهم عليه بالتدريج قليلا قليلا حتى يتم الاجل، وينقضي الامر المقدور فيخرجون كما قال الله تعالى: (وهم من كل حدب ينسلون) [ الانبياء: 96 ] ولكن الحديث الآخر أشكل من هذا وهو ما رواه الامام أحمد في مسنده قائلا: حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، حدثنا أبو رافع، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرون غدا إن شاء الله ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئة يوم تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فيستقون (1) المياه، وتتحصن الناس في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون قهرنا أهل الارض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا (2) في أقفائهم فيقتلهم بها " (3). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده إن دواب الارض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم " ورواه أحمد أيضا عن حسن بن موسى عن سفيان عن قتادة به، وهكذا رواه ابن ماجه من حديث سعيد عن قتادة إلا أنه قال حديث أبو رافع. ورواه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة به. ثم قال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. فقد أخبر في هذا الحديث أنهم كل يوم يلحسونه حتى يكادوا ينذرون شعاع الشمس من ورائه لرقته فإن لم يكن رفع هذا الحديث محفوظا وإنما هو مأخوذ عن كعب الاحبار كما قاله بعضهم فقد استرحنا من المؤنة وإن كان محفوظا فيكون محمولا على أن صنيعهم (4) هذا يكون في آخر الزمان عند اقتراب خروجهم كما هو المروي عن كعب الاحبار أو يكون المراد بقوله: (وما استطاعوا له نقبا) أي نافذا منه فلا ينفى أن يلحسوه ولا ينفذوه والله أعلم. وعلى هذا فيمكن الجمع بين هذا وبين ما في الصحيحين عن أبي هريرة فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد تسعين أي فتح فتحا نافذا فيه والله أعلم. قصة أصحاب الكهف قال الله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهئ لنا من أمرنا رشدا فضربنا على آذانهم في


(1) في ابن ماجه: ينشفون الماء: أي ينزحونه. (2) النغف بالتحريك: دود يكون في أنوف الابل والغنم واحدتها: نغفة. (3) مسند أحمد ج 2 / 510 والترمذي في 48 كتاب تفسير القرآن 19 باب حديث 3153 وقال: هذا حديث حسن غريب. (4) في نسخ البداية المطبوعة: ضيعهم وهو تحريف والصواب ما أثبتناه.

[ 134 ]

الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا. نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والارض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا. هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا. وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهئ لكم من أمركم مرفقا. وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا. وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم. قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا. إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا. وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا. سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب. ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم. قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا. ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لاقرب من هذا رشدا. ولبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعا. قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والارض أبصر به واسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا) [ الكهف: 9 - 26 ]. كان سبب نزول قصة أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة وغيره أن قريشا بعثوا إلى اليهود يسألونهم عن أشياء يمتحنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألونه عنها ليختبروا ما يجيب به فيها فقالوا: سلوه عن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدري ما صنعوا، وعن رجل طواف في الارض وعن الروح (1)، فأنزل الله تعالى: (ويسألونك عن الروح) [ الاسراء: 85 ] (ويسألونك عن ذي القرنين) [ الكهف: 83 ] وقال ههنا: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) أي ليسوا بعجب عظيم بالنسبة إلى ما أطلعناك عليه من الاخبار العظيمة والآيات الباهرة والعجائب الغريبة. والكهف: هو الغار في الجبل (2). قال شعيب


(1) قال ابن إسحاق: إن الذي سأل يهود هو النضر بن الحارث من شياطين قريش وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم - وزاد ابن إسحاق - فإن أخبركم فهو نبي وإلا فهو متقول. (2) وفي أقوال: الكهف: النقب (الغار) الواسع في الجبل، فإذا صغر ولم يتسع فهو غار. [ * ]

[ 135 ]

الجبائي واسم كهفهم حيزم، وأما الرقيم فعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما المراد به. وقيل هو الكتاب المرقوم فيه أسماؤهم وما جرى لهم كتب من بعدهم اختاره ابن جرير وغيره. وقيل هو اسم الجبل الذي فيه كهفهم. قال ابن عباس وشعيب الجبائي واسمه بناجلوس. وقيل هو اسم واد عند كهفهم وقيل اسم قرية هنالك والله أعلم. قال شعيب الجبائي: واسم كلبهم حمران (1) واعتناء اليهود بأمرهم ومعرفة خبرهم، يدل على أن زمانهم متقدم على ما ذكره بعض المفسرين أنهم كانوا بعد المسيح، وأنهم كانوا نصارى. والظاهر من السياق أن قومهم كانوا مشركين يعبدون الاصنام. قال كثير من المفسرين والمؤرخين وغيرهم: كانوا في زمن ملك يقال له دقيانوس وكانوا من أبناء الاكابر. وقيل من أبناء الملوك واتفق اجتماعهم في يوم عيد لقومهم فرأوا ما يتعاطاه قومهم من السجود للاصنام والتعظيم للاوثان فنظروا بعين البصيرة وكشف الله عن قلوبهم حجاب الغفلة، وألهمهم رشدهم فعلموا أن قومهم ليسوا على شئ، فخرجوا عن دينهم وانتموا إلى عبادة الله وحده لا شريك له. ويقال إن كل واحد منهم لما أوقع الله في نفسه ما هداه إليه من التوحيد انحاز عن الناس واتفق اجتماع هؤلاء الفتية في مكان واحد كما صح في البخاري: " الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " فكل منهم سأل الآخر عن أمره، وعن شأنه، فأخبره ما هو عليه واتفقوا على الانحياز عن قومهم والتبري منهم والخروج من بين أظهرهم والفرار بدينهم منهم وهو المشروع حال الفتن وظهور الشرور. قال الله تعالى: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والارض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين) [ الكهف: 13 - 15 ] أي بدليل ظاهر على ما ذهبوا إليه وصاروا من الامر عليه (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله) [ الكهف: 15 - 16 ] أي وإذ فارقتموهم في دينهم، وتبرأتم مما يعبدون من دون الله، وذلك لانهم كانوا يشركون مع الله كما قال الخليل: (إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين) [ الزخرف: 27 ] وهكذا هؤلاء الفتية قال بعضهم إذ قد فارقتم قومكم في دينهم، فاعتزلوهم بأبدانكم لتسلموا منهم أن يوصلوا إليكم شرا (فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهئ لكم من أمركم مرفقا) أي يسبل عليكم ستره وتكونوا تحت حفظه وكنفه ويجعل عاقبة أمركم إلى خير كما جاء في الحديث: " اللهم أحسن عاقبتنا في الامور كلها وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة " (2) ثم ذكر تعالى صفة الغار الذي آووا إليه وأن بابه موجه إلى نحو الشمال وأعماقه إلى جهة القبلة وذلك أنفع


(1) اختلف في اسمه قيل: فعن علي: ريان، وابن عباس " قطمير. وعبد الله بن سلام: بسيط. وهب: نقيا. (2) أخرجه أحمد في مسنده ج 4 / 181 عن هيثم بن خارجة ثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس قال سمعت أبي يحدث عن بسر بن أبي أرطأة القرشي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو.. وذكر الحديث. [ * ]

[ 136 ]

الاماكن أن يكون المكان قبليا وبابه نحو الشمال فقال: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور) وقرئ تزور: (عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال) فأخبر أن الشمس يعني في زمن الصيف وأشباهه تشرق أول طلوعها في الغار في جانبه الغربي ثم تشرع في الخروج منه قليلا قليلا وهو ازوارها (1) ذات اليمين فترتفع في جو السماء وتتقلص عن باب الغار ثم إذا تضيفت للغروب تشرع في الدخول فيه من جهته الشرقية قليلا قليلا إلى حين الغروب كما هو المشاهد بمثل هذا المكان والحكمة في دخول الشمس إليه في بعض الاحيان أن لا يفسد هواؤه (2) (وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله) أي بقاؤهم على هذه الصفة دهرا طويلا من السنين لا يأكلون ولا يشربون ولا تتغذى أجسادهم في هذه المدة الطويلة من آيات الله وبرهان قدرته العظيمة (من يهد الله فهو المهتد ومن يظلل فلن تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود) [ الكهف: 16 - 18 ] قال بعضهم لان أعينهم مفتوحة لئلا تفسد بطول الغمض (وتقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) قيل في كل عام يتحولون مرة من جنب إلى جنب (3) ويحتمل أكثر من ذلك فالله أعلم (وكلبهم باسط ذراعية بالوصيد) قال شعيب الجبائي اسم كلبهم حمران، وقال غيره الوصيد اسكفة الباب. والمراد أن كلبهم، الذي كان معهم وصحبهم حال انفرادهم من قومهم، لزمهم ولم يدخل معهم في الكهف بل ربض على بابه ووضع يديه على الوصيد وهذا من جملة أدبه ومن جملة ما أكرموا به فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولما كانت التبعية مؤثرة حتى كان في كلب هؤلاء صار باقيا معهم ببقائهم لان من أحب قوما سعد بهم فإذا كان هذا في حق كلب فما ظنك بمن تبع أهل الخير وهو أهل للاكرام. وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأ وخبرا طويلا أكثره متلقى من الاسرائيليات وكثير منها كذب ومما لا فائدة فيه كاختلافهم في اسمه ولونه. وأما اختلاف العلماء في محلة هذا الكهف فقال كثيرون هو بأرض أيلة. وقيل بأرض نينوى. وقيل بالبلقاء وقيل ببلاد الروم وهو أشبه. والله أعلم. ولما ذكر الله تعالى ما هو الانفع من خبرهم والاهم من أمرهم ووصف حالهم حتى كأن السامع راء والمخبر مشاهد لصفة كهفهم وكيفيتهم في ذلك الكهف وتقلبهم من جنب إلى جنب وأن كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. قال:


(1) ازوراها: الزور الميل، تزاور: تتنحى وتميل والازور في العين: المائل النظر إلى ناحية ومن اللفظة قال عنترة: فازور من وقع القنا بلبانه * وشكا إلى بعبرة وتحمحم (2) قال الزجاج: كان ازورار الشمس عن الكهف فعلا خارقا للعادة وكرامة عظيمة خص الله بها أصحاب الكهف. قال: ولو كان الامر عاديا مألوفا فلم يكن ذلك من آيات الله، علما أن الله تعالى أخبر أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم فيه برد الريح ونسيم الهواء ; فالمعنى أنه بقدرته منع وصول ضوء الشمس ; وهو ذلك التزاور والميل. (انظر القرطبي - تفسير الرازي). (3) قال الرازي: " وأقول هذا عجيب لانه تعالى لما قدر على أن يمسك حياتهم مدة ثلاثمائة سنة وأكثر فلم لا يقدر على حفظ أجسادهم أيضا من غير تقليب ؟ ". [ * ]

[ 137 ]

(لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا) أي لما عليهم من المهابة والجلالة في أمرهم الذي صاروا إليه ولعل الخطاب ههنا لجنس الانسان المخاطب لا بخصوصية الرسول صلى الله عليه وسلم كقوله: (فلما يكذبك بعد بالدين) [ التين: 7 ] أي أيها الانسان وذلك لان طبيعة البشرية تفر من رؤية الاشياء المهيبة غالبا ولهذا قال: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا) ودل على أن الخبر ليس كالمعاينة كما جاء في الحديث، لان الخبر قد حصل ولم يحصل الفرار ولا الرعب. ثم ذكر تعالى أنه بعثهم من رقدتهم بعد نومهم بثلاثمائة سنة وتسع سنين فلما استيقظوا قال بعضهم (1) لبعض: (كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) [ الكهف: 19 ] أي بدراهمكم هذه يعني التي معهم إلى المدينة ويقال كان اسمها دفسوس (2) (فلينظر أيها أزكى طعاما) أي أطيب (3) مالا (فليأتكم برزق منه) أي بطعام تأكلونه وهذا من زهدهم وورعهم (وليتلطف) أي في دخوله إليها (ولا يشعرن بكم أحدا أنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا) أي إن عدتم في ملتهم بعد إذ أنقذكم الله منها وهذا كله لظنهم أنهم رقدوا يوما أو بعض يوم أو أكثر من ذلك ولم يحسبوا أنهم قد رقدوا أزيد من ثلثمائة سنة وقد تبدلت الدول أطورا عديدة وتغيرت البلاد ومن عليها وذهب أولئك القرن الذين كانوا فيهم وجاء غيرهم وذهبوا وجاء غيرهم ولهذا لما خرج أحدهم وهو تيذوسيس (4) فيما قيل وجاء إلى المدينة متنكرا لئلا يعرفه أحد من قومه فيما يحسبه تنكرت له البلاد واستنكره من يراه من أهلها واستغربوا شكله وصفته ودراهمه، فيقال إنهم حملوه إلى متوليهم، وخافوا من أمره أن يكون جاسوسا أو تكون له صولة يخشون من مضرتها، فيقال إنه هرب منهم، ويقال بل أخبرهم خبره ومن معه وما كان من أمرهم فانطلقوا معه ليريهم مكانهم فلما قربوا من الكهف دخل إلى إخوانه فأخبرهم حقيقة أمرهم ومقدار ما رقدوا فعلموا أن هذا أمر قدره الله فيقال إنهم استمروا راقدين ويقال بل ماتوا بعد ذلك. وأما أهل البلدة فيقال إنهم لم يهتدوا إلى موضعهم من الغار وعمى الله عليهم أمرهم، ويقال لم يستطيعوا دخوله حسا (5) ويقال مهابة لهم.


(1) قال الطبري وصاحب بدائع الزهور: القائل هو: يمليخا. (2) في بدائع الزهور لابن إياس: افسوس من أرض رومية ولما جاء الاسلام غيروا اسمها وسموها ترسوس. (3) أزكى: أطيب ; والطعام الطيب هنا والمزكى: البعيد عن الغصب ; وقال ابن إياس هو الطعام الذي لا يوضع به شئ من شحم الخنزير. وقال ابن عباس: أحل ذبيحة. (4) تقدم التعليق أن اسمه يمليخا ; وفي الطبري أن تيذوسيس هو الملك الذي كان على المدينة حين قيامهم. وقال المسعودي: اسم الملك: أوالس. (5) قوله " حسا " كذا بالاصول ولعل المراد: جبنا أو تحسبا. [ * ]

[ 138 ]

واختلفوا في أمرهم فقائلون يقولون (ابنوا عليهم بنيانا) أي سدوا عليهم باب الكهف لئلا يخرجوا أو لئلا يصل إليهم ما يؤذيهم وآخرون وهم الغالبون على أمرهم قالوا: (لنتخذن عليهم مسجدا) أي معبدا يكون مباركا لمجاورته هؤلاء الصالحين. وهذا كان شائعا فيمن كان قبلنا، فأما في شرعنا فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (1) يحذر ما فعلوا وأما قوله: (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها) [ الكهف: 21 ] فمعنى أعثرنا أطلعنا على أمرهم الناس. قال كثير من المفسرين ليعلم الناس أن المعاد حق، وأن الساعة لا ريب فيها. إذا علموا أن هؤلاء القوم رقدوا أزيد من ثلثمائة سنة ثم قاموا كما كانوا من غير تغير منهم، فإن من أبقاهم كما هم، قادر على إعادة الابدان وإن أكلتها الديدان وعلى إحياء الاموات وإن صارت أجسامهم وعظامهم رفاتا وهذا مما لا يشك فيه المؤمنون (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) [ يس: 82 ]. هذا ويحتمل عود الضمير في قوله ليعلموا إلى أصحاب الكهف إذ علمهم بذلك من أنفسهم أبلغ من علم غيرهم بهم، ويحتمل أن يعود على الجميع والله أعلم. ثم قال تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) فذكر اختلاف الناس في كميتهم فحكى ثلاثة أقوال وضعف الاولين وقرر الثالث فدل على أنه الحق إذ لو قيل غير ذلك لحكاه ولو لم يكن هذا الثالث هو الصحيح لوهاه فدل على ما قلناه (2) ولما كان النزاع في مثل هذا لا طائل تحته ولا جدوى عنده أرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الادب في مثل هذا الحال إذا اختلف الناس فيه أن يقول الله أعلم. ولهذا قال: (قل ربي أعلم بعدتهم) وقوله: (وما يعلمهم إلا قليل) أي من الناس (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) أي سهلا ولا تتكلف أعمال الجدال في مثل هذا الحال ولا تستفت في أمرهم أحدا من الرجال ولهذا أبهم تعالى عدتهم في أول القصة فقال: (إنهم فتية آمنوا بربهم) ولو كان في تعين عدتهم كبير فائدة لذكرها عالم الغيب والشهادة وقوله تعالى: (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لاقرب من هذا رشدا) [ الكهف: 23 - 24 ] أدب عظيم أرشده الله تعالى إليه وحث خلقه عليه وهو ما إذا قال أحدهم إني سأفعل في المستقبل كذا، فيشرع له أن يقول: إن شاء الله ليكون ذلك تحقيقا لعزمه، لان العبد لا يعلم ما في غد ولا


(1) أخرجه مسلم في 5 كتاب المساجد - 3 باب 19 / 529 عن عروة بن الزبير عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرجه من عدة طرق عن أبي هريرة وابن عباس، وأخرجه البخاري حديث رقم: 285 و 287. (2) ذكرهم الطبري قال: قال ابن إسحاق عدد الفتية ثمانية وكلبهم تاسعهم سماهم: مكسملينا - محسملينا - يمليخا - مرطوس - كسوطونس - بيرونس - رسمونس - بطونس - قالوس. (2 / 40 دار قاموس حديث). وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كانوا سبعة واسماؤهم: مكسلمينا - يمليخا - مسليتنا - مرنوس - دبرنوس - ساونوس. والسابع الراعي / تفسير الرازي. [ * ]

[ 139 ]

يدري أهذا الذي عزم عليه مقدر أم لا، وليس هذا الاستثناء تعليقا وإنما هو الحقيقي ولهذا قال ابن عباس يصح إلى سنة ولكن قد يكون في بعض المحال لهذا ولهذا كما تقدم في قصة سليمان عليه السلام حين قال لاطوفن الليلة على سبعين امرأة تلد كل واحدة منه غلاما يقاتل في سبيل الله فقيل له. قال: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته " (1). وقوله: (واذكر ربك إذا نسيت) وذلك لان النسيان قد يكون من الشيطان، فذكر الله يطرده عن القلب فيذكر ما كان قد نسيه. وقوله: (وقل عسى أن يهدين ربي لاقرب من هذا رشدا) أي إذا اشتبه أمر، وأشكل حال، والتبس أقوال الناس في شئ فارغب إلى الله ييسره لك ويسهله عليك ثم قال: (ولبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعا). لما كان في الاخبار بطول مدة لبثهم فائدة عظيمة ذكرها تعالى وهذه التسع المزيدة بالقمرية وهي لتكميل ثلثمائة شمسية فإن كل مائة قمرية تنقص عن الشمسية ثلاث سنين (قال الله أعلم بما لبثوا) أي إذا سئلت عن مثل هذا وليس عندك في ذلك نقل فرد الامر في ذلك إلى الله عزوجل (له غيب السموات والارض) أي هو العالم بالغيب فلا يطلع عليه إلا من شاء من خلقه (أبصر به واسمع) يعني أنه يضع الاشياء في محالها لعلمه التام بخلقه وبما يستحقونه ثم قال: (ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا) أي ربك المنفرد بالملك والمنصرف وحده لا شريك له. قصة الرجلين المؤمن والكافر قال الله تعالى في سورة الكهف بعد قصة أهل الكهف: (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا. وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لاجدن خيرا منها منقلبا - إلى قوله - هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا) [ الكهف: 32 - 44 ]. قال بعض الناس هذا مثل مضروب ولا يلزم أن يكون واقعا والجمهور أنه أمر قد وقع وقوله: (واضرب لهم مثلا) يعني لكفار قريش في عدم اجتماعهم بالضعفاء والفقراء وازدرائهم بهم وافتخارهم عليهم كما قال تعالى: (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون) [ يس: 13 ] كما قدمنا الكلام على قصتهم قبل قصة موسى عليه السلام والمشهور أن هذين كانا رجلين مصطحبين وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا (2) ويقال إنه كان لكل


(1) أخرجه البخاري في كفارات 9 - والايمان 3 وأخرجه مسلم في كتاب الايمان 23، 24 والترمذي في النذور 7 والنسائي في الايمان 43 وابن ماجه في الكفارات 6 ومالك في الموطأ نذور (10) وأحمد في مسنده ج 2 / 275. (2) قيل من بني اسرائيل أحدهما كافر اسمه براطوس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا. وقيل هما المذكوران في سورة = [ * ]

[ 140 ]

منهما مال فأنفق المؤمن ماله في طاعة الله ومرضاته ابتغاء وجهه. وأما الكافر فإنه اتخذ له بساتين وهما الجنتان المذكورتان في الآية على الصفة والنعت المذكور. فيهما أعناب ونخيل تحف تلك الاعناب والزروع في ذلك والانهار سارحة ههنا وههنا للسقي والتنزه، وقد استوثقت فيهما الثمار، واضطربت فيهما الانهار، وابتهجت الزروع والثمار وافتخر مالكهما على صاحبه المؤمن الفقير قائلا له: (أنا اكثر منك مالا وأعز نفرا) أي أوسع جنانا. ومراده: أنه خير منه ومعناه: ماذا أغنى عنك إنفاقك ما كنت تملكه في الوجه الذي صرفته فيه كان الاولى بك أن تفعل كما فعلت لتكون مثلي فافتخر على صاحبه: (ودخل جنته وهو ظالم لنفسه) أي وهو على غير طريقة مرضية قال: (ما أظن أن تبيد هذه أبدا) وذلك لما رأى من اتساع أرضها، وكثرة مائها، وحسن نبات أشجارها ولو قد بادت كل واحدة من هذه الاشجار لاستخلف مكانها أحسن منها وزروعها دارة لكثرة مياهها. ثم قال: (وما أظن الساعة قائمة) فوثق بزهرة الحياة الدنيا الفانية وكذب بوجود الآخرة الباقية الدائمة. ثم قال: (ولئن رددت إلى ربي لاجدن خيرا منها منقلبا) أي ولئن كان ثم آخرة ومعاد فلاجدن هناك خيرا من هذا وذلك لانه اغتر بدنياه، واعتقد أن الله لم يعطه ذلك فيها. إلا لحبه له: وحظوته عنده كما قال العاص بن وائل فيما قص الله من خبره وخبر خباب بن الارت في قوله: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا) وقال: (لاوتين مالا وولدا. أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا) [ مريم: 78 ] وقال تعالى إخبارا عن الانسان أذا أنعم الله عليه (ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى) [ فصلت: 5 ] قال الله تعالى: (فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ) [ فصلت: 50 ] وقال قارون: (إنما أوتيته على علم عندي) [ القصص: 78 ] أي لعلم الله بي أني أستحقه قال الله تعالى: (أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) [ القصص: 78 ] وقد قدمنا الكلام على قصته في أثناء قصة موسى. وقال تعالى: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) [ سبأ: 37 ]. وقال تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) [ المؤمنون: 55 ]. ولما اغتر هذا الجاهل بما خول به في الدنيا فجحد الآخرة وادعى أنها إن وجدت ليجدن عند ربه خيرا مما هو فيه، وسمعه صاحبه يقول ذلك قال له: (وهو يحاوره) أي يجادله (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) [ الكهف: 37 ] أي أجحدت المعاد وأنت تعلم أن الله خلقك من تراب. ثم من نطفة ثم صورك أطوارا حتى صرت رجلا سويا سميعا بصيرا تعلم وتبطش وتفهم فكيف أنكرت المعاد والله قادر على البداءة (لكنا هو الله ربي) أي لكن أنا أقول بخلاف ما قلت


= الصافات (قال قائل منهم..) وهما: من أهل مكة: أبو سلمة عبد الله بن عبد الاسد المخزومي المؤمن والاسود بن عبد الاسود، الكافر - (انظر القرطبي - تفسير الرازي). [ * ]

[ 141 ]

وأعتقد خلاف معتقدك (هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا) أي لا أعبد سواه. وأعتقد أنه يبعث الاجساد بعد فنائها، ويعيد الاموات، ويجمع العظام الرفات، وأعلم أن الله لا شريك له في خلقه ولا في ملكه ولا إله غيره، ثم أرشده إلى ما كان الاولى به أن يسلكه عند دخول جنته فقال: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) [ الكهف: 39 ] ولهذا يستحب لكل من أعجبه شئ من ماله أو أهله أو حاله أن يقول كذلك وقد ورد فيه حديث مرفوع في صحته نظر (1). قال أبو يعلي الموصلي: حدثنا جراح بن مخلد، حدثنا عمرو بن يوسف، حدثنا عيسى بن عون، حدثنا عبد الملك بن زرارة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله " (2) فيرى فيه أنه دون الموت وكان يتأول هذه الآية: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) قال الحافظ أبو الفتح الازدي عيسى بن عون: عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس لا يصح. ثم قال المؤمن للكافر: (فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك) أي في الدار الآخرة (ويرسل عليها حسبانا من السماء) قال ابن عباس والضحاك وقتادة أي عذابا من السماء. والظاهر أنه المطر المزعج الباهر الذي يقتلع زروعها وأشجارها (فتصبح صعيدا زلقا) وهو التراب الاملس الذي لا نبات فيه (أو يصبح ماؤها غورا) وهو ضد المعين السارح (فلن تستطيع له طلبا) يعني فلا تقدر على استرجاعه قال الله تعالى: (وأحيط بثمره) أي جاءه أمر أحاط بجميع حواصله وخرب جنته ودمرها (فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها) [ الكهف: 42 ] أي خربت بالكلية فلا عودة لها وذلك ضد ما كان عليه أمل حيث قال: (وما أظن أن تبيد هذه أبدا) وندم على ما كان سلف منه من القول الذي كفر بسببه بالله العظيم فهو يقول: (يا ليتني لم أشرك بربي أحدا). قال الله تعالى: (ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هناك) [ الكهف: 43 ] أي لم يكن أحد يتدارك ما فرط من أمره وما كان له قدرة في نفسه على شئ من ذلك كما قال تعالى: (فما له من قوة ولا ناصر) [ الطارق: 10 ] وقوله: (الولاية لله الحق) ومنهم من يبتدئ


(1) عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابي موسى ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة، قلت بلى قال: لا حولا ولا قوة إلا بالله أخرجه مسلم. وأخرج الترمذي من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله.. " قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأخرجه أبو داود وابن ماجه في سننيهما. (2) روى الطبراني عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنعم الله عليه نعمة فأراد بقاءها فليكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وروى ابن ماجه عن محمد بن الحسن الخلال عن أنس، قال قال رسول الله: " ما أنعم الله على عبد فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطي أفضل مما أخذه " رواه في ثواب التسبيح. [ * ]

[ 142 ]

بقوله: (هنالك الولاية لله الحق) وهو حسن أيضا لقوله: (الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا) [ الفرقان: 26 ] فالحكم الذي لا يرد ولا يمانع ولا يغالب في تلك الحال، وفي كل حال لله الحق. ومنهم من رفع الحق جعله صفة للولاية وهما متلازمتان وقوله: (هو خير ثوابا وخير عقبا) [ الكهف: 44 ] أي معاملته خير لصاحبها ثوابا وهو الجزاء وخير عقبا وهو العاقبة في الدنيا والآخرة. وهذه القصة تضمنت أنه لا ينبغي لاحد أن يركن إلى الحياة الدنيا ولا يغتر بها ولا يثق بها بل يجعل طاعة الله والتوكل عليه في كل حال نصب عينيه. وليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه. وفيها أن من قدم شيئا على طاعة الله والانفاق في سبيله عذاب به، وربما سلب منه معاملة له بنقيض قصده. وفيها أن الواجب قبول نصيحة الاخ المشفق وأن مخالفته وبال ودمار على من رد النصيحة الصحيحة. وفيها أن الندامة لا تنفع إذا حان القدر ونفذ الامر الحتم بالله المستعان وعليه التكلان. قصة أصحاب الجنة قال الله تعالى: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين. ولا يستثنون. فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. فأصبحت كالصريم. فتنادوا مصبحين. أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين. فانطلقوا وهم يتخافتون. أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. وغدوا على حرد قادرين. فلما رأوها قالوا إنا لضالون. بل نحن محرومون. قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون. قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين. فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون. قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين. عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون. كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) [ القلم: 17 - 33 ]. وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش فيما أنعم به عليهم من إرسال الرسول العظيم الكريم إليهم فقابلوه بالتكذيب والمخالفة كما قال تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار. جهنم يصلونها وبئس القرار) [ إبراهيم 28 - 29 ]. قال ابن عباس هم كفار قريش فضرب تعالى لهم مثلا بأصحاب الجنة المشتملة على أنواع الزروع والثمار التي قد انتهت واستحقت أن تجد وهو الصرام (1) ولهذا قال: (إذ أقسموا) فيما بينهم (ليصرمنها) أي ليجدنها وهو الاستغلال (مصبحين) أي وقت الصبح حيث لا يراهم فقير ولا محتاج فيعطوه شيئا فخلفوا على ذلك، ولم يستثنوا في يمينهم، فعجزهم الله وسلط عليها الآفة التي أحرقتها وهي السفعة (2) التي اجتاحتها ولم تبق بها شيئا ينتفع به ولهذا قال: (فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. فأصبحت


(1) الصرام: يقال قد صرم العذق عن النخلة، وأصرم النخل إذا حان وقت صرامه، أي قطعه وقطاف ثمره. (2) السفعة: العين ; المراد بها هنا عذاب، وقيل إن الطائف هو جبريل فاقتلعها فأصبحت الجنة كالصريم ; وقال الكلبي: إن الله ارسل عليها نارا من السماء فاحترقت وهم نائمون. [ * ]

[ 143 ]

كالصريم) أي كالليل الاسود المنصرم من الضياء وهذه معاملة بنقيض المقصود (فتنادوا مصبحين) أي فاستيقظوا من نومهم فنادى بعضهم بعضا قائلين: (أغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين) أي باكروا إلى بستانكم فاصرموه قبل أن يرتفع النهار ويكثر السؤال (فانطلقوا وهم يتخافتون) أي يتحدثون فيما بينهم خفية قائلين: (لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين) أي اتفقوا على هذا واشتوروا عليه (وغدوا على حرد قادرين) اي انطلقوا مجدين في ذلك قادرين عليه، مضمرين على هذه النية الفاسدة. وقال عكرمة والشعبي: (وغدوا على حرد) أي غضب على المساكين، وأبعد السدي في قوله أن اسم حرثهم حرد (فلما رأوها) أي وصلوا إليها، ونظروا ما حل بها، وما قد صارت إليه من الصفة المنكرة بعد تلك النضرة، والحسن والبهجة فانقلبت بسبب النية الفاسدة فعند ذلك (قالوا إنا لضالون) أي قد نهينا عنها، وسلكنا غير طريقها ثم قالوا: (بل نحن محرومون) أي بل عوقبنا بسب سوء قصدنا وحرمنا بركة (1) حرثنا (قال أوسطهم). قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد هو أعدلهم وخيرهم (ألم أقل لكم لولا تسبحون) قيل يستثنون، قاله مجاهد والسدي وابن جرير وقيل تقولون خيرا بدل ما قلتم من الشر (قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين. فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون. قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين). فندموا حيث لا ينفع الندم، واعترفوا بالذنب بعد العقوبة، وذلك حيث لا ينجع وقد قيل: إن هؤلاء كانوا أخوة وقد ورثوا هذه الجنة من أبيهم، وكان يتصدق منها كثيرا، فلما صار أمرها إليهم استهجنوا أمر أبيهم، وأرادوا استغلالها من غير أن يعطوا الفقراء شيئا، فعاقبهم الله أشد العقوبة ولهذا أمر الله تعالى بالصدقة من الثمار، وحث على ذلك يوم الجداد كما قال تعالى: (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) [ الانعام: 141 ] ثم قيل كانوا من أهل اليمن من قرية يقال لها ضروان (2). وقيل من أهل الحبشة والله أعلم قال الله تعالى: (كذلك العذاب) أي هكذا نعذب من خالف أمرنا ولم يعطف على المحاويج من خلقنا (ولعذاب الآخرة أكبر) أي أعظم وأحكم من عذاب الدنيا (لو كانوا يعلمون) [ القلم: 33 ]. وقصة هؤلاء شبيه بقوله تعالى: (ضرب (3) الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان


(1) روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا كان هيئ له - ثم تلا - (فطاف عليها طائف من ربك) الآيتين. (2) ضروان من أرض اليمن على فرسخ من صنعاء. (3) سورة النحل الآية 112 ونصها: (وضرب الله..) قالوا فيها: ضرب الله مثلا لاهل مكة لما خرجوا إلى بدر حلفوا على أن يقتلوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإذا رجعوا إلى مكة طافوا بالكعبة وشربوا الخمور، فأخلف الله ظنهم فقتلوا وأسروا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرام فخابوا. وقيل هو وعظ لاهل مكة بالرجوع إلى الله لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ; (انظر تفسير القرطبي - تفسير الرازي). [ * ]

[ 144 ]

فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون) [ النحل: 112 - 113 ] قيل هذا مثل مضروب لاهل مكة وقيل هم أهل مكة أنفسهم ضربهم مثلا لانفسهم ولا ينافي ذلك والله أعلم اه‍. قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم قال الله تعالى في سورة الاعراف: (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون. وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون. فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون. فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) [ الاعراف: 163 - 166 ] وقال تعالى في سورة البقرة: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين. فجعلنا نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين) [ البقرة: 65 - 66 ] وقال تعالى في سورة النساء: (أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا) [ النساء: 47 ]. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم هم أهل ايلة. زاد ابن عباس بين مدين والطور. قالوا وكانوا متمسكين بدين التوراة في تحريم السبت في ذلك الزمان، فكانت الحيتان قد ألفت منهم السكينة في مثل هذا اليوم، وذلك أنه كان يحرم عليهم الاصطياد فيه وكذلك جميع الصنائع، والتجارات، والمكاسب، فكانت الحيتان في مثل يوم السبت يكثر غشيانها لمحلتهم من البحر، فتأتي من ههنا وههنا ظاهرة آمنة مسترسلة، فلا يهيجونها ولا يذعرونها (ويوم لا يسبتون لا تأتيهم) وذلك لانهم كانوا يصطادونها فيما عدا السبت قال الله تعالى: (كذلك نبلوهم) أي نختبرهم بكثرة الحيتان في يوم السبت (بما كانوا يفسقون) أي بسبب فسقهم المتقدم فلما رأوا ذلك احتالوا على اصطيادها في يوم السبت بأن نصبوا الحبال والشباك والشصوص وحفروا الحفر التي يجري معها الماء إلى مصانع قد أعدوها إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها ففعلوا ذلك في يوم الجمعة، فإذا جاءت الحيتان مسترسلة يوم السبت علقت بهذه المصايد، فإذا خرج سبتهم أخذوها فغضب الله عليهم ولعنهم لما احتالوا على خلاف أمره، وانتهكوا محارمه بالحيل التي هي ظاهرة للناظر، وهي في الباطن مخالفة محضة فلما فعل ذلك طائفة منهم افترق الذين لم يفعلوا فرقتين. فرقة أنكروا عليهم صنيعهم هذا واحتيالهم على مخالفة الله وشرعه في ذلك الزمان. وفرقة أخرى لم يفعلوا ولم ينهوا بل أنكروا على الذين نهوا وقالوا: (لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا) يقولون ما الفائدة في نهيكم هؤلاء وقد استحقوا العقوبة لا محالة فأجابتهم الطائفة المنكرة بأن قالوا: (معذرة إلى ربكم) أي فيما أمرنا به من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فنقوم به خوفا من عذابه (ولعلهم يتقون) أي لعل هؤلاء يتركون ما هم عليه من هذا الصنيع فيقيهم الله عذابه ويعفو عنهم إذا هم رجعوا

[ 145 ]

واستمعوا. قال الله تعالى " فلما نسوا ما ذكروا به) أي لم يلتفتوا إلى من نهاهم عن هذا الصنيع الشنيع الفظيع (أنجينا الذين ينهون عن السوء) وهم الفرقة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر (وأخذنا الذين ظلموا) وهم المرتكبون الفاحشة (بعذاب بئيس) وهو الشديد المؤلم الموجع (بما كانوا يفسقون). ثم فسر العذاب الذي أصابهم فبقوله: (فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين). وسنذكر ما ورد من الآيات في ذلك والمقصود هنا أن الله أخبر أنه أهلك الظالمين ونجى المؤمنين المنكرين وسكت عن الساكتين. وقد اختلف فيهم العلماء على قولين: فقيل إنهم من الناجين وقيل إنهم من الهالكين، والصحيح الاول عند المحققين وهو الذي رجع إليه ابن عباس إمام المفسرين وذلك عن مناظرة مولاه عكرمة فكساه من أجل ذلك حلة سنية تكرمة. قلت وإنما لم يذكروا مع الناجين لانهم وإن كرهوا ببواطنهم تلك الفاحشة، إلا أنهم كان ينبغي لهم أن يحملوا ظواهرهم بالعمل المأمور به من الانكار القولي الذي هو أوسط المراتب الثلاث: التي أعلاها الانكار باليد ذات البنان، وبعدها الانكار القولي باللسان، وثالثها الانكار بالجنان. فلما لم يذكروا نجوا مع الناجين إذ لم يفعلوا الفاحشة بل أنكروها. وقد روى عبد الرزاق: عن ابن جريج، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس وحكى مالك: عن ابن رومان، وشيبان عن قتادة وعطاء الخراساني ما مضمونه: أن الذين ارتكبوا هذا الصنع اعتزلهم بقية أهل البلد ونهاهم من نهاهم منهم، فلم يقبلوا فكانوا يبيتون وحدهم، ويغلقون بينهم وبينهم أبوابا حاجزا لما كانوا يترقبون من هلاكهم فأصبحوا ذات يوم وأبواب ناحيتهم مغلقة لم يفتحوها وارتفع النهار واشتد الضحاء فأمر بقية أهل البلد رجلا أن يصعد على سلالم، ويشرف عليهم من فوقهم، فلما أشرف عليهم إذا هم قردة لها أذناب يتعاوون ويتعادون ففتحوا عليهم الابواب فجعلت القردة تعرف قراباتهم ولا يعرفهم قراباتهم، فجعلوا يلوذون بهم ويقولون لهم الناهون: ألم ننهكم عن صنيعكم فتشير القردة برؤوسها أن نعم. ثم بكى عبد الله بن عباس وقال: إنا لنرى منكرات كثيرة. ولا ننكرها ولا نقول فيها شيئا. وقال العوفي عن ابن عباس: صار شباب القرية قردة وشيوخها خنازير. وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس: أنهم لم يعيشوا إلا فواقا ثم هلكوا ما كان لهم نسل وقال الضحاك عن ابن عباس أنه لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل هؤلاء ولم يشربوا ولم ينسلوا، وقد استقصينا الآثار في ذلك في تفسير سورة البقرة والاعراف. ولله الحمد والمنة. وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة وخنازير وإنما هو مثل ضربه الله (كمثل الحمار يحمل أسفارا) [ الجمعة: 5 ] وهذا صحيح إليه وغريب منه جدا ومخالف لظاهر القرآن ولما نص عليه غير واحد من السلف والخلف والله أعلم. قصة أصحاب القرية (إذ جاءها المرسلون) تقدم ذكرها قبل قصة موسى عليه السلام.

[ 146 ]

قصة سبأ سيأتي ذكرها في أيام العرب إن شاء الله تعالى وبه الثقة. قصة قارون وقصة بلعام تقدمتا في قصة موسى. وهكذا (قصة الخضر) و (قصة فرعون والسحرة) كلها في ضمن قصة موسى و (قصة البقرة) تقدمت في قصة موسى. وقصة (الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) في قصة حزقيل. وقصة (الملا من بني إسرائيل من بعد موسى) في قصة شمويل. وقصة (الذي مر على قرية) في قصة عزير. قصة لقمان قال تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد. وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعمها وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون. يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الارض يأتي بها الله إن الله لطيف خبير. يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور. ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا إن الله لا يحب كل مختار فخور. واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير) [ القمان: 12 - 19 ] هو لقمان بن عنقاء بن سدون (1). ويقال لقمان بن ثاران (2) حكاه السهيلي عن ابن جرير والقتيبي. قال السهيلي وكان نوبيا من أهل أيلة. قلت وكان رجلا صالحا ذا عبادة وعبارة وحكمة عظيمة. ويقال كان قاضيا في زمن داود عليه السلام فالله أعلم. وقال سفيان الثوري عن الاشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان عبدا حبشيا نجارا (3). وقال قتادة: عن عبد الله بن الزبير: قلت لجابر بن عبد الله ما انتهى إليكم في شأن لقمان ؟ قال: كان قصيرا أفطس من النوبة. وقال:


(1) في مروج الذهب: لقمان بن عنقاء بن مربد بن صاوون. وكان نوبيا مولى للقين بن جسر (2) قال ابن قتيبة في المعارف: كان اسم ابنه ثاران. وفي القرطبي: قال السيهلي: اسم ابنه ثاران في قول الطبري والقتبي. (3) في المعارف: عن سعيد بن المسيب: كان خياطا. وزاد: كان عبدا حبشيا. [ * ]

[ 147 ]

يحيى بن سعيد الانصاري: عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر ذو مشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة (1). وقال الاوزاعي حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان بلال ومهجع مولى عمر ولقمان الحكيم كان أسود نوبيا ذا مشافر. وقال الاعمش عن مجاهد كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين وفي رواية مصفح القدمين. وقال عمر بن قيس: كان عبدا أسود غليظ الشفتين مصفح القدمين فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا ؟ قال: نعم، قال: فما بلغ بك ما أرى ؟ قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني رواه ابن جرير عن ابن حميد عن الحكم عنه. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن ابن أبي يزيد بن جابر قال: إن الله رفع لقمان الحكيم لحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال ألست عبد ابن فلان الذي كنت ترعى غنمي بالامس ؟ قال: بلى قال فما بلغ بك ما أرى ؟ قال: قدر الله وأداء الامانة وصدق الحديث وترك ما لا يعنيني. وقال ابن وهب: أخبرني عبد الله بن عياش الفتياني عن عمر مولى عفرة، قال: وقف رجل على لقمان الحكيم فقال: أنت لقمان أنت عبد بني النحاس ؟ قال: نعم قال: فأنت راعي الغنم الاسود ؟ قال: أما سوادي فظاهر فما الذي يعجبك من أمري قال وطئ الناس بساطك وغشيهم بابك ورضاهم بقولك قال يا ابن أخي إن صنعت ما أقول لك كنت كذلك قال: ما هو ؟ قال لقمان: غضي بصري وكفي لساني، وعفة مطمعي، وحفظي فرجي، وقيامي بعدتي، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيرني كما ترى. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن عبدة بن رباح، عن ربيعة، عن أبي الدرداء أنه قال يوما وذكر لقمان الحكيم فقال: ما أوتي عن أهل، ولا مال، ولا حسب، ولا خصال ولكنه كان رجلا ضمضامة، سكيتا طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهارا قط، ولم يره أحد يبزق، ولا يتنحنح، ولا يبول، ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث، ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد، وكان قد تزوج وولد له أولاد فماتوا فلم يبك عليهم وكان يغشى السلطان ويأتي الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر فبذلك أوتي ما أوتي. ومنهم من زعم أنه عرضت عليه النبوة فخاف أن لا يقوم بأعبائها فاختار الحكمة لانها أسهل عليه وفي هذا نظر. والله أعلم. وهذا مروي عن قتادة كما سنذكره. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير


(1) وفي المعارف: روى يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان لقمان نبيا. وعلق صاحب المعارف: ولم يكن نبيا في قول أكثر الناس. وفي بدائع ابن إياس عن وهب بن منبه قال: كان من الانبياء ثلاثة سود الالوان: لقمان وذو القرنين ونبي الله صاحب الاخدود. ج 1 ص 250. [ * ]

[ 148 ]

من طريق وكيع عن إسرائيل عن جابر الجعفي عن عكرمة أنه قال كان لقمان نبيا وهذا ضعيف لحال الجعفي. والمشهور عن الجمهور أنه كان حكيما وليا ولم يكن نبيا، وقد ذكره الله تعالى في القرآن فأثنى عليه، وحكى من كلامه فيما وعظ به ولده الذي هو أحب الخلق إليه، وهو أشفق الناس عليه فكان من أول ما وعظ به أن قال: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) [ لقمان: 13 ]. فنهاه عنه وحذره منه. وقد قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير: عن الاعمش، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم) [ الانعام: 82 ] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه ليس بذاك ألم تسمع إلى قول لقمان: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) رواه مسلم من حديث سليمان بن مهران الاعمش به. ثم اعترض تعالى بالوصية بالوالدين وبيان حقهما على الولد وتأكده، وأمر بالاحسان إليهما حتى ولو كانا مشركين، ولكن لا يطاعان على الدخول في دينهما إلى أن قال مخبرا عن لقمان فيما وعظ به ولده (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الارض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) [ لقمان: 16 ] ينهاه عن ظلم الناس ولو بحبة خردل فإن الله يسأل عنها ويحضرها حوزة الحساب ويضعها في الميزان كما قال تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) وقال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) [ الانبياء: 47 ] وأخبره أن هذا الظلم لو كان في الحقارة كالخردلة، ولو كان في جوف صخرة صماء، لا باب لها ولا كوة، أو لو كانت ساقطة في شئ من ظلمات الارض أو السموات في اتساعهما وامتداد أرجائهما، لعلم الله مكانها (إن الله لطيف خبير) أي علمه دقيق فلا يخفى عليه الذر مما ترا آي للنواظر، أو توارى كما قال تعالى: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) [ الانعام: 59 ] وقال: (وما من غائبة في السماء والارض إلا في كتاب مبين) [ النمل: 75 ] وقال: (عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) [ سبأ: 3 ] وقد زعم السدي في خبره عن الصحابة أن المراد بهذه الصخرة، الصخرة التي تحت الارضين السبع وهكذا حكى عن عطية العوفي وأبي مالك والثوري والمنهال بن عمر وغيرهم وفي صحة هذا القول من أصله نظر. ثم إن في هذا المراد نظر آخر فإن هذه الآية نكرة غير معرفة فلو كان المراد بها ما قالوه لقال فتكن في الصخرة وإنما المراد فتكن في صخرة كانت كما قال الامام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله

[ 149 ]

للناس كائنا ما كان " (1) ثم قال: (يا بني أقم الصلاة) أي أدها بجميع واجباتها من حدودها وأوقاتها وركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها وما شرع فيها واجتنب ما ينهى عنه فيها. ثم قال: (وامر بالمعروف وانه عن المنكر) أي بجهدك وطاقتك أي إن استطعت باليد فباليد، وإلا فبلسانك فإن لم تستطع فبقلبك ثم أمره بالصبر فقال (واصبر على ما أصابك) وذلك أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في مظنة أن يعادى وينال منه، ولكن له العاقبة، ولهذا أمره بالصبر على ذلك ومعلوم أن عاقبة الصبر الفرج وقوله: (إن ذلك من عزم الامور) التي لا بد منها ولا محيد عنها. وقوله: (ولا تصعر خدك للناس) [ لقمان: 18 ] قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك ويزيد بن الاصم وأبو الجوزاء وغير واحد معناه لا تتكبر على الناس وتميل خدك حال كلامك لهم وكلامهم لك على وجه التكبر عليهم والازدراء لهم. قال أهل اللغة وأصل الصعر داء يأخذ الابل في أعناقها فتلتوي رؤوسها فشبه به الرجل المتكبر الذي يميل وجهه إذا كلم الناس أو كلموه على وجه التعظم عليهم. قال أبو طالب في شعره: وكنا قديما لا نقر ظلامة * إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها وقال عمرو بن حيي (2) التغلبي: وكنا إذا الجبار صعر خده * أقمنا له من ميله فتقوما (3) وقوله: (ولا تمش في الارض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور) ينهاه عن التبختر في المشية على وجه العظمة والفخر على الناس كما قال تعالى: (ولا تمش في الارض مرحا إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا) [ الاسراء: 37 ]. يعني لست بسرعة مشيك تقطع البلاد في مشيتك هذه، ولست بدقك الارض برجلك تخرق الارض بوطئك عليها، ولست بتشامخك وتعاظمك وترفعك تبلغ الجبال طولا، فاتئد على نفسك فلست تعدو قدرك. وقد ثبت في الحديث بينما رجل يمشي في برديه يتبختر فيهما، إذ خسف الله به الارض فهو يتجلل فيها إلى يوم القيامة (4)


(1) مسند أحمد 3 / 28. (2) في القرطبي: حنى التغلبي. (3) قال ابن عطية: تقوما خطأ لان قافية الشعر مخفوضة وقبله في معجم الشعراء للمرزباني: تعاطى الملوك الحق ما قصدوا بنا * وليس علينا قتلهم بمجرم وقال المرزباني وهذا البيت - بيت الشاهد ; يروى من قصيدة المتلمس التي أولها: يعيرني أمي رجال ولن ترى * أخا كرم إلا بأن يتكرما (4) أخرجه البخاري في كتاب اللباس (5) وكتاب الانبياء (54) ومسلم في كتاب اللباس 49 - 50 والنسائي في الزينة (101) وابن ماجه في الفتن 22 والدارمي في المقدمة (40) وأحمد في مسنده 2 / 66 - 267 - 315، 390، 413، 456، 467، 531، 3 / 40. [ * ]

[ 150 ]

وفي الحديث الآخر: " إياك وإسبال الازار فإنها من المخيلة لا يحبها الله " (1) كما قال في هذه الآية: (إن الله لا يحب كل مختال فخور) ولما نهاه عن الاختيال في المشي أمره بالقصد فيه، فإنه لا بد له أن يمشي فنهاه عن الشر وأمره بالخير، فقال: (واقصد في مشيك) أي لا تتباطأ مفرطا ولا تسرع إسراعا مفرطا ولكن بين ذلك قواما كما قال تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) [ الفرقان: 63 ] ثم قال: (واغضض من صوتك) [ لقمان: 19 ] يعني إذا تكلمت لا تتكلف رفع صوتك، فإن أرفع الاصوات وأنكرها صوت الحمير. وقد ثبت في الصحيحين الامر بالاستعاذة عند سماع صوت الحمير بالليل فإنها رأت شيطانا (2)، ولهذا نهى عن رفع الصوت حيث لا حاجة إليه، ولا سيما عند العطاس فيستحب خفض الصوت، وتخمير الوجه كما ثبت به الحديث من صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما رفع الصوت بالاذان، وعند الدعاء إلى الفئة للقتال، وعند الاهلاك ونحو ذلك فذلك مشروع فهذا مما قصه الله تعالى عن لقمان عليه السلام في القرآن من الحكم والوصايا النافعة الجامعة للخير المانعة من الشر وقد وردت آثار كثيرة في أخباره ومواعظه وقد كان له كتاب يؤثر عنه يسمى بحكمة لقمان ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى. قال الامام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا سفيان، أخبرني نهيك ابن يجمع الضبي، عن قزعة، عن ابن عمر قال أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن لقمان الحكيم كان يقول إن الله إذا استودع شيئا حفظه " (3). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الاشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن الاوزاعي عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مخيمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني إياك والتقنع فإنه مخونة بالليل مذمة بالنهار ". وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عمارة، حدثنا ضمرة، حدثنا السري بن يحيى قال لقمان لابنه: " يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك " وحدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا عبد الرحمن المسعودي، عن عون بن عبد الله، قال قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيت نادي قوم فادمهم بسهم الاسلام - يعني السلام - ثم اجلس بناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله فاجل سهمك معهم، وإن


أخرجه أحمد في مسنده 4 / 65، 5 / 63، 64، 378 وأخرجه أبو داود في سننه كتاب اللباس باب 24. (2) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق (15) وأبو داود في كتاب الادب (106) والترمذي في كتاب الدعوات (56). أقول في الآية: - دليل على تعريف قبح رفع الصوت في المخاطبة والملاحاة بقبح أصوات الحمير لانها عالية. - هذه الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاونا بهم، أو بترك الصياح جملة. (3) مسند أحمد ج 2 / 87. [ * ]

[ 151 ]

أفاضوا في غير ذلك فحول عنهم إلى غيرهم: وحدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا ضمرة، عن حفص بن عمر، قال وضع لقمان جرابا من خردل إلى جانبه وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة حتى نفد الخردل فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل تفطر قال فتفطر ابنه. وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، عن ابن سفيان المقدسي، عن خليفة بن سلام، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم من أهل الجنة لقمان الحكيم والنجاشي وبلال المؤذن " قال الطبراني يعني الحبشي وهذا حديث غريب منكر. وقد ذكر له الامام أحمد في كتاب الزاهد ترجمة ذكر فيها فوائد مهمة جمة فقال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن رجل عن مجاهد (ولقد آتينا لقمان الحكمة) قال الفقه والاصابة في غير نبوة. وكذا روي عن وهب بن منبه، وحدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدا حبشيا. وحدثنا أسود، حدثنا حماد، عن علي بن يزيد، عن سعيد بن المسيب أن لقمان كان خياطا (1). وحدثنا سياد، حدثنا جعفر، حدثنا مالك يعني ابن دينار قال: قال لقمان لابنه: يا بني اتخذ طاعة الله تجارة تأتك الارباح من غير بضاعة. وحدثنا يزيد، حدثنا أبو الأشهب عن محمد بن واسع، قال كان لقمان يقول لابنه: يا بني اتق الله ولا تري الناس أنك تخشى الله ليكرموك بذلك وقلبك فاجر. وحدثنا يزيد بن هرون، ووكيع قالا: حدثنا أبو الأشهب، عن خالد الربعي، قال كان لقمان عبدا حبشيا نجارا فقال له سيده: اذبح لي شاة، فذبح له شاة، فقال ائتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب، فقال [ له ] (2): أما كان فيها شئ أطيب من هذين. قال: لا. قال: فسكت عنه ما سكت ثم قال له اذبح لي شاة فذبح له شاة فقال له: وألق أخبثها مضغتين فرمى باللسان والقلب. فقال أمرتك أن تأتيني بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب، فقال له: إنه ليس شئ أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا (3). وحدثنا داود بن رشيد، حدثنا ابن المبارك، حدثنا معمر، عن أبي عثمان رجل من أهل البصرة يقال له الجعد أبو عثمان قال: قال لقمان لابنه: لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عمله، ولا تهاون بمقت الحكيم فيزهده فيك. وحدثنا داود بن أسيد، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن


(1) أنظر كتاب المعارف لابن قتيبة: رواه عن يزيد بن هارون عن حماد به. ص 25. (2) زيادة من تفسير القرطبي. (3) في هذا المعنى رفع أكثر من حديث من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت الجسد كله ألا وهي القلب " وجاء في اللسان قوله صلى الله عليه وسلم: " من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة ; ما بين لحييه ورجليه ". [ * ]

[ 152 ]

شريح بن عبيد الحضرمي، عن عبد الله بن زيد قال: قال لقمان: ألا أن يد الله على أفواه الحكماء، لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله له. وحدثنا عبد الرزاق: سمعت ابن جريج قال: كنت أقنع رأسي بالليل، فقال لي عمر: أما علمت أن لقمان قال: القناع بالنهار مذلة معذرة أو قال معجزة بالليل فلم تقنع رأسك بالليل ؟ قال: قلت له: إن لقمان لم يكن عليه دين. وحدثني حسن بن الجنيد، حدثنا سفيان قال لقمان لابنه: يا بني ما ندمت على السكوت قط، وإن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. وحدثنا عبد الصمد ووكيع قالا: حدثنا أبو الأشهب، عن قتادة أن لقمان قال لابنه: يا بني اعتزل الشر يعتز لك فإن الشر للشر خلق. وحدثنا أبو معاوية: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال مكتوب في الحكمة يا بني إياك والرغب، فإن الرغب كل الرغب يبعد القريب من القريب ويزيل الحكم كما يزيل الطرب، يا بني إياك وشدة الغضب فإن شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم. قال الامام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد بن عمير قال قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله عزوجل فاجلس معهم فإنك إن تك عالما ينفعك علمك وإن تك غبيا يعلموك وإن يطلع الله عليهم برحمة تصيبك معهم. يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله فيه، فإنك إن تك عالما لا ينفعك علمك، وإن تك غبيا يزيدوك غبيا وان يطلع الله إليهم بعد ذلك بسخط يصيبك معهم يا بني لا تغبطوا أمراء رحب الذراعين يسفك دماء المؤمنين فإن له عند الله قاتلا لا يموت. وحدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال مكتوب في الحكمة: بني لتكن كلمتك طيبة، وليكن وجهك بسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء. وقال مكتوب في الحكمة أو في التوراة: " الرفق رأس الحكمة " وقال مكتوب في التوراة كما ترحمون ترحمون وقال مكتوب في الحكمة: " كما تزرعون تحصدون " وقال مكتوب في الحكمة أحب خليلك وخليل أبيك. وحدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: قيل للقمان أي الناس أصبر ؟ قال: صبر لا يتبعه أذى. قيل فأي الناس أعلم ؟ قال من ازداد من علم الناس إلى علمه. قيل فأي الناس خير قال الغني. قيل الغني من المال قال لا ولكن الغني الذي إذا التمس عنده خير وجد وإلا أغنى نفسه عن الناس. وحدثنا سفيان هو ابن عيينة قال قيل للقمان أي الناس شر قال الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا. وحدثنا أبو الصمد، عن مالك بن دينار قال: وجدت في بعض الحكمة يبدد الله عظام الذين يتكلمون بأهواء الناس ووجدت فيها لا خير لك في أن تعلم ما لم تعلم ولما تعمل بما قد علمت فإن مثل ذلك رجل احتطب حطبا فحزم حزمة ثم ذهب يحملها فعجز عنها فضم إليه أخرى. وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا الحكم بن أبي زهير، وهو الحكم بن موسى، حدثنا الفرج بن

[ 153 ]

فضالة، عن أبي سعيد قال قال لقمان لابنه: يا بني لا يأكل طعامك إلا الاتقياء وشاور في أمرك العلماء. وهذا مجموع ما ذكره الامام أحمد في هذه المواضع وقد قدمنا من الآثار كثيرا لم يروها كما أنه ذكر أشياء ليست عندنا والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا العباس بن الوليد، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة قال: خير الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة على النبوة. قال: فأتاه جبريل وهو نائم فذر عليه الحكمة قال فأصبح ينطق بها. قال سعد سمعت قتادة يقول: قيل للقمان كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك ؟ فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة (1) لرجوت فيه الفوز منه (2)، ولكنت أرجو أن أقوم بها ولكن خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إلي. وهذا فيه نظر لان سعيد بن بشير عن قتادة قد تكلموا فيه، والذي رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: (ولقد آتينا لقمان الحكمة) قال يعني الفقه والاسلام ولم يكن نبيا ولم يوح إليه. وهكذا نص على هذا غير واحد من السلف (3) منهم مجاهد وسعيد بن المسيب وابن عباس والله أعلم. قصة أصحاب الاخدود قال الله تعالى: (والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود قتل أصحاب الاخدود النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم إلا أن يومئذ بالله العزيز الحميد. الذي له ملك السموات والارض والله على كل شئ شهيد إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق) [ البروج: 1 - 10 ]. قد تكلمنا على ذلك مستقصى في تفسيره هذه السورة ولله الحمد. وقد زعم محمد بن إسحاق: أنهم كانوا بعد مبعث المسيح، وخالفه غيره فزعموا أنهم كانوا قبله. وقد ذكر غير واحد أن هذا الصنيع مكرر في العالم مرارا في حق المؤمنين من الجبارين الكافرين ولكن هؤلاء المذكورون في القرآن قد ورد فيهم حديث مرفوع، وأثر أورده ابن إسحاق، وهما متعارضان وها نحن نوردهما لتقف عليهما. قال الامام أحمد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إلي غلاما فلاعلمه


(1) عزمة: عزائم الله فرائضه التي أوجبها على عباده. (2) في تفسير القرطبي: لرجوت فيها العون منه. (3) قال ابن عطية: عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين، أحب الله تعالى فأحبه فمن عليه بالحكمة وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق. فقال: رب، إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء ; وان عزمت علي فسمعا وطاعة ". [ * ]

[ 154 ]

السحر فدفع إليه غلاما فكان يعلمه السحر وكان بين الملك وبين الساحر راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه، فأعجبه نحوه وكلامه وكان إذا أتى الساحر ضربه، وقال ما حبسك ؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك ؟ فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر، قال فبينا هو ذات يوم إذ أتى على دابة (1) فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستيطعون أن يجوزوا فقال اليوم أعلم أمر الساحر أحب إلى الله أم أمر الراهب ؟ قال: فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها، ومضى [ الناس ] فأخبر الراهب بذلك. فقال: أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي فكان الغلام يبرئ الاكمه والابرص وسائر الادواء ويشفيهم الله على يديه، وكان جليس للملك فعمى فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: اشفني ولك ما ههنا اجمع فقال: ما أنا اشفي أحدا، إنما يشفي الله عزوجل، فإن آمنت به ودعوت الله شفاك فآمن فدعا الله فشفاه. ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان من رد عليك بصرك ؟ فقال: ربي قال: أنا. قال: لا ربي، وربك الله قال: ولك رب غيري ؟ قال: نعم ربي وربك الله فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام [ فبعث إليه ] فأتي به فقال: أي بني بلغ من سحرك أن تبرئ الاكمه والابرص وهذه الادواء، قال: ما أشفي أنا أحدا إنما يشفي الله عزوجل، قال: أنا قال: لا قال: أو لك رب غيري ؟ قال ربي وربك الله. قال: فأخذه أيضا بالعذاب، ولم يزل به حتى دل على الراهب، فأتى الراهب فقال: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه وقال للاعمى ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه [ في الارض ] وقال للغلام، ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا وقال إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه [ من فوقه ] فذهبوا به فلما علوا الجبل قال: اللهم أكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل، فدهدهوا أجمعون. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله، فبعث به مع نفر في قرقرة (2) فقال: إذا لججتم البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاغرقوه في البحر فلججوا به البحر فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت [ فانكفأت بهم السفينة ] (3) فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله [ عزوجل ] ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي قال: وما هو قال تجمع الناس في


(1) في الترمذي: أن الدابة كانت أسدا. (2) قرقرة: وفي المسند وصحيح مسلم قرقور وهو الصواب، والقرقور: السفينة الصغيرة. (3) من صحيح مسلم. [ * ]

[ 155 ]

صعيد واحد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي (1). ثم قل: بسم الله رب الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، ففعل ووضع السهم في كبد القوس، ثم رماه وقال بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات (2) فقال الناس: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام، فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر فقد والله نزل بك، قد آمن الناس كلهم، فأمر بأفواه السكك فحفر فيها الاخاديد وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه، وإلا فأقحموه فيها، وقال: فكانوا يتعادون فيها ويتواقعون (3) فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: اصبري يا أماه فإنك على الحق " (4) كذا رواه الامام أحمد ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن سلمة زاد النسائي وحماد بن زيد كلاهما عن ثابت به. ورواه الترمذي من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن ثابت بإسناده نحوه وجرد إيراده كما بسطنا ذلك في التفسير. وقد أورد محمد بن إسحاق هذه القصة على وجه آخر فقال: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب وحدثني أيضا بعض أهل نجران عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الاوثان وكان في قرية من قراها قريبا من نجران - ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد - ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزلها فيمون، ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه، قالوا رجل نزلها فابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر، وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث التامر ابنه عبد الله بن التامر مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم، فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الاسلام، حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الاعظم، وكان يعلمه فكتمه إياه، وقال له: يابن أخي إنك لن تحمله، أخشى ضعفك عنه، والتامر لا يظن إلا أن ابنه عبد الله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه وتخوف ضعفه فيه، عمد إلى قداح (5) فجمعها، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها أوقد نارا، ثم جعل يقذفها [ فيها ] قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الاعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا، فأخذه ثم أتى به صاحبه، فأخبره أنه قد علم


(1) الكنانة: بالكسر: جعبة السهام تتخذ من جلود لا خشب فيها، أو من خشب لا جلود فيها. (2) في الترمذي: أن الغلام دفن، قال: فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل. (3) في المسند: يتدافعون. (4) مسند أحمد ج 6 / 16 - 17 - 18. وما بين معكوفين في الحديث زيادة من المسند. (5) قداح: بالكسر جمع قدح: السهم قبل أن ينصل ويراش. [ * ]

[ 156 ]

الاسم الاعظم الذي قد كتمه [ إياه ] فقال: وما هو ؟ قال: كذا وكذا. قال: وكيف علمته ؟ فأخبره بما صنع. قال: أي ابن أخي قد أصبته، فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل. فجعل عبد الله بن التامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال: يا عبد الله أتوحد الله وتدخل في ديني، وأدعو الله لك فيعافيك عما أنت فيه من البلاء [ فيقول: نعم، فيوحد الله ويسلم، حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على دينه ] ؟ ودعا له فعوفي، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال [ له ] أفسدت علي أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لامثلن بك. قال: لا تقدر على ذلك. فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل، فيطرح على رأسه، فيقع إلى الارض ما به بأس. وجعل يبعث به إلى مياه بنجران. بحور لا يلقى فيها شئ إلا هلك، فيلقى به فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه قال له عبد الله بن التامر، والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت سلطت علي فقتلتني، قال: فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبد الله بن التامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله. وهلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن التامر وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الانجيل وحكمه. ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الاحزاب (1) فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران. قال ابن إسحاق فهذا حديث محمد بن كعب وبعض أهل نجران عن عبد الله بن التامر فالله أعلم أي ذلك كان. قال: فسار إليهم ذو نواس بجنده [ من حمير ] فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بين ذلك أو القتل. فاختاروا القتل فخذوا الاخدود، وحرق بالنار وقتل بالسيف، ومثل بهم فقتل منهم قريبا من عشرين ألفا (2). ففي ذي نواس وجنده أنزل الله على رسوله: (قتل أصحاب الاخدود النار ذات الوقود) الآيات [ البروج: 4 - 5 ]. وهذا يقتضي أن هذه القصة غير ما وقع في سياق مسلم وقد زعم بعضهم أن الاخدود وقع في العالم كثيرا كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو اليمان أنبأنا صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير قال: كانت الاخدود في اليمن زمان تبع وفي القسطنطينة زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد، واتخذ أتونا وألقى فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد وفي العراق في أرض بابل في زمان بخت نصر حين صنع الصنم، وأمر الناس فسجدوا له فامتنع دانيال وصاحباه عزريا ومشايل فأوقد لهم أتونا وألقى فيها الحطب والنار ثم ألقاهما فيه فجعلها الله عليهم بردا وسلاما وأنقذهم منها، وألقى فيها الذين بغوا عليه وهم تسعة رهط فأكلتهم النار وقال اسباط عن السدي في قوله: (قتل أصحاب الاخدود) قال كان الاخدود


(1) في تفسير القرطبي: الاحداث. (2) ما بين معكوفين في الخبر من تفسير القرطبي واستدركت لمقتضى السياق. - في القرطبي وابن إسحاق: الثامر بالثاء. - ذو نواس: واسمه زرعة بن تبان أسعد الحميري. [ * ]

[ 157 ]

ثلاثة: خد بالشام وخد بالعراق وخد باليمن رواه ابن أبي حاتم. وقد استقصيت ذكر أصحاب الاخدود والكلام على تفسيرها في سورة البروج ولله الحمد والمنة. بيان للاذن في الرواية عن اخبار بني اسرائيل قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام، حدثنا زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال " حدثوا عني ولا تكذبوا علي ومن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ". وقال أيضا: حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال " لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه " وقال: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج حدثوا عني ولا تكذبوا علي قال: " ومن كذب علي - قال همام احسبه قال - متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " وهكذا رواه مسلم والنسائي من حديث همام ورواه أبو عوانة الاسفراييني عن أبي داود السجستاني عن هدبة، عن همام، عن زيد بن أسلم به. ثم قال: قال أبو داود: أخطأ فيه همام، وهو من قول أبي سعيد كذا قال: وقد رواه الترمذي عن سفيان، عن وكيع، عن سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم ببعضه مرفوعا فالله أعلم. قال الامام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، أنبأنا الاوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، حدثني أبو كبشة السلولي: أن عبد الله بن عمرو بن العاص حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني يقول: " بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". ورواه أحمد أيضا عن عبد الله بن نمير، وعبد الرزاق كلاهما عن الاوزاعي به. وهكذا رواه البخاري عن أبي عاصم النبيل عن الاوزاعي به. وكذا رواه الترمذي عن بندار عن أبي عاصم ثم رواه عن محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن يوسف العرياني عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية وقال حسن صحيح (1). وقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى - أبو موسى - حدثنا هشام بن معاوية، حدثنا أبي، عن قتادة، عن أبي حسان، عن عبد الله بن عمرو قال كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عامة ليلة عن بني إسرائيل حتى نصبح ما نقوم فيها إلا لمعظم صلاة ورواه أبو داود عن محمد بن مثنى، ثم قال البزار حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا عفان، حدثنا أبو هلال عن قتادة، عن أبي حسان، عن عمران بن حصين (2)، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " يحدثنا عامة ليلة عن بني


(1) حديث: من كذب علي متعمدا.. " متواتر، رواه عن النبي ثمانية وتسعون صحابيا منهم العشرة، ولا يعرف ذلك لغيره فيض القدير 6 / 214. وقال المنذري في الترغيب: وهذا الحديث قد روي عن غير واحد من الصحابة في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها حتى بلغ مبلغ التواتر. والله أعلم 1 / 111. روى الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 142 باب: فيمن كذب على رسول الله صلى الله عليه من طرقه المختلفة مطولا وعلل رواته وناقليه. (2) في نسخ البداية المطبوعة حسين وهو تحريف. [ * ]

[ 158 ]

إسرائيل لا يقوم إلا لمعظم صلات " (1) قال البزار وهشام أحفظ من أبي هلال يعني أن الصواب عن عبد الله بن عمرو لا عن عمران بن حصين والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى، هو القطان، عن محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " (2) إسناد صحيح ولم يخرجوه. وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة، حدثنا وكيع، حدثنا ربيع بن سعد الجعفي، عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حدثوا عن بني إسرائيل فإنه قد كان فيهم الاعاجيب " (3) ثم أنشأ يحدث صلى الله عليه وسلم: قال خرجت طائفة من بني إسرائيل حتى أتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين ودعونا الله عزوجل فيخرج لنا رجلا قد مات نسائله يحدثنا عن الموت ففعلوا فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر من تلك القبور بين عينيه أثر السجود فقال يا هؤلاء ما أردتم إلي فقدمت منذ مائة عام فما سكنت عني حرارة الموت حتى الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت وهذا حديث غريب. إذا تقرر جواز الرواية عنهم فهو محمول على ما يمكن أن يكون صحيحا فأما ما يعلم أو يظن بطلانه لمخالفته الحق الذي بأيدينا عن المعصوم، فذاك متروك مردود لا يعرج عليه ثم مع هذا كله لا يلزم من جواز روايته أن تعتقد صحته لما رواه البخاري قائلا: حدثنا محمد بن يسار، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لاهل الاسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون " (3) تفرد به البخاري من هذا الوجه. وروى الامام أحمد من طريق الزهري عن أبي نملة الانصاري، عن أبيه أنه كان جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إذا جاء رجل من اليهود فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الله أعلم " فقال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان حقا لم تكذبوهم وإن كان باطلا لم تصدقوهم " (4) تفرد به أحمد. وقال الامام أحمد: حدثنا شريح بن


(1) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 191 عن عمران بن حصين وفيه: لعظم الصلاة. وقال: رواه البزار وأحمد والطبراني في الكبير وإسناده صحيح. (2) رواه الهيمثي في مجمع الزوائد 1 / 151 وقال: رواه أحمد وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف وبقية رجاله رجال الصحيح. (3) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 191 وقال: رواه البزار عن شيخه جعفر بن محمد بن أبي وكيع عن ابيه ولم أعرفهما وبقية رجاله ثقات. وفي هامشه قال: " إنما قال البزار حدثنا جعفر بن محمد بن أبي وكيع نا عبد الله بن نمير، ما رأيت فيه عن أبيه - فليحرر هذا - كما في هامش الاصل ". (4) مسند أحمد 4 / 136. [ * ]

[ 159 ]

النعمان، حدثنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال فغضب وقال: " أمتهوكون فيها يابن الخطاب ؟ والذي نفسي به لقد جئتكم به بيضاء نقية لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي به لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " (1). تفرد به أحمد وإسناده على شرط مسلم، فهذه الاحاديث دليل على أنهم قد بدلوا ما بأيديهم من الكتب السماوية، وحرفوها، وأولوها ووضعوها على غير مواضعها، ولا سيما ما يبدونه من المعربات التي لم يحيطوا بها علما وهي بلغتهم فكيف يعبرون عنها بغيرها، ولاجل هذا وقع في تعريبهم خطأ كبير، ووهم كثير، مع ما لهم من المقاصد الفاسدة والآراء الباردة ؟ وهذا بتحققه من نظر في كتبهم التي بأيديهم، وتأمل ما فيها من سوء التعبير، وقبيح التبديل والتغيير، وبالله المستعان وهو نعم المولى ونعم النصير. وهذه التوراة التي يبدونها ويخفون منها كثيرا فيما ذكروه فيها تحريف وتبديل وتغيير وسوء تعبير يعلم من نظر فيها وتأمل ما قالوه وما أبدوه وما أخفوه وكيف يسوغون عبارة فاسدة البناء والتركيب باطلة من حيث معناها وألفاظها. وهذا كعب الاحبار من أجود من ينقل عنهم وقد أسلم في زمن عمر، وكان ينقل شيئا عن أهل الكتاب فكان عمر رضي الله عنه يستحس بعض ما ينقله لما يصدقه من الحق وتأليفا لقلبه فتوسع كثير من الناس في أخذ ما عنده وبالغ أيضا هو في نقل تلك الاشياء التي كثير منها ما يساوي مداده. ومنها ما هو باطل لا محالة. ومنها ما هو صحيح لما يشهد له الحق الذي بأيدينا. وقد قال البخاري: وقال أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة. وذكر كعب الاحبار فقال إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب (2). يعني من غير قصد منه. وروى البخاري من حديث الزهري عن عبيدالله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شئ وكتابكم الذي أنزل الله على رسوله أحدث الكتب بالله تقرأونه محضا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم (3). وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن


(1) مسند أحمد ج 3 / 387. ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد قال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وفيه مجالد بن سعيد ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما 1 / 174. (2) صحيح البخاري - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تسألوا أهل الكتاب ص 8 / 160 دار الفكر - بيروت. (3) انظر المرجع السابق. - قوله لم يشب: أي لم يخلط بغيره. - قوله أحدث: أي أقرب نزولا. [ * ]

[ 160 ]

شئ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل (1) والله أعلم. قصة جريج أحد عباد بني اسرائيل قال الامام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثني أبي سمعت محمد بن سيرين، يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى بن مريم " (2) قال وكان في بني إسرائيل رجل عابد يقال له جريج، فابتنى صومعة وتعبد فيها، قال: فذكر بنو سرائيل عبادة جريج فقالت بغي منهم لئن شئتم لافتتنه فقالوا: قد شئنا ذاك قال فأتته فتمرضت له فلم يلتفت إليها فأمكنت نفسها من راع كان يؤوي غنمه، إلى أصل صومعة جريج فحملت فولدت غلاما فقالوا ممن ؟ قالت من جريج، فأتوه فاستنزلوه فشتموه وضربوه وهدموا صومعته فقال: ما شأنكم ؟ قالوا إنك زنيت بهذه البغي فولدت غلاما فقال وأين هو ؟ قالوا هو هذا. قال فقام فصلى ودعا ثم انصرف إلى الغلام فطعنه باصبعه فقال بالله يا غلام من أبوك ؟ فقال أنا ابن الراعي فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه، وقالوا: نبني صومعتك من ذهب. قال: لا حاجة لي في ذلك ابنوها من طين كما كانت. قال وبينما امرأة في حجرها ابن لها ترضعه إذ مر بها راكب ذو شارة (3) فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا ؟ قال فترك ثديها، وأقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله. قال: ثم عاد إلى ثديها فمصه. قال أبو هريرة فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي صنيع الصبي ووضع إصبعه في فيه يمصها. ثم مرت بأمة تضرب فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلها قال فترك ثديها وأقبل على الامة فقال اللهم اجعلني مثلها قال فذاك حين تراجعا الحديث (4). فقالت: خلفي (5) مر الراكب ذو الشارة، فقلت: اللهم اجعل ابني مثله. فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، ومررت بهذه الامة فقلت " اللهم لا تجعل ابني مثلها، فقلت اللهم اجعلني مثلها (6) فقال يا أمتاه إن الراكب ذو الشارة جبار من الجبابرة وإن هذه الامة يقولون: زنت ولم تزن وسرقت ولم تسرق، وهي تقول حسبي الله. وهكذا رواه البخاري في أحاديث الانبياء وفي المظالم عن مسلم بن إبراهيم ومسلم في كتاب الادب عن زهير بن حرب عن يزيد بن هرون كلاهما عن جرير بن حازم به طريق


(1) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 192 عن أبي الزعرا عن عبد الله وفيه: " وقد أضلوا أنفسهم إما أن يحدثوكم بصدق فتكذبونهم أو بباطل فتصدقونهم " رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون. (2) مسند أحمد ج 2 / 307، 308 وأخرجه مسلم في 45 كتاب البر والادب 2 باب تقديم بر الوالدين 8 / 2550. (3) ذو الشارة: الشارة الهيئة واللباس. (4) صحيح مسلم في 45 كتاب الادب 2 / 8 / 2550 والبخاري في أحاديث الانبياء حديث رقم: 653. (5) في صحيح مسلم: حلقى: أي أصابه الله بوجع في حلقه. (6) هنا: إشارة إلى سلامتها من المعاصي ; يعني اللهم اجعلني سالما من المعاصي مثلها كما هي سالمة. [ * ]

[ 161 ]

أخرى وسياق آخر (1). قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كان جريج يتعبد في صومعته قال: فأتته أمه فقالت يا جريج أنا أمك وكلمني قال وكان أبو هريرة يصف كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على حاجبه الايمن قال وصادفته يصلي قال: يا رب أمي وصلاتي، فاختار صلاته فرجعت، ثم أتته فصادفته يصلي فقالت: يا جريج أنا أمك فكلمني فقال: يا رب أمي وصلاتي فاختار صلاته، فقالت: اللهم هذا جريج وإنه ابني وإني كلمته فأبى أن يكلمني اللهم فلا تمته حتى تريه المومسات. ولو دعت عليه أن يفتتن لافتتن. قال: وكان راع يأوي إلى ديره فخرجت امرأة فوقع عليها الراعي فولدت غلاما فقيل ممن هذا ؟ فقالت: هو من صاحب الدير فأقبلوا بفؤوسهم ومساحيهم وأقبلوا إلى الدير فنادوه فلم يكلمهم فأقبلوا يهدمون ديره، فنزل إليهم فقالوا سل هذه المرأة - قال أراه تبسم - قال: ثم مسح رأس الصبي فقال من أبوك ؟ قال راعي الضأن قالوا يا جريج نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن اعيدوه كما كان ففعلوا ورواه مسلم في الاستيذان عن شيبان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة به (2). سياق آخر قال الامام أحمد (3) حدثنا عفان حدثنا حماد أنبأنا ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يتعبد في صومعته فأتته أمه ذات يوم فنادته فقالت: أي جريج، أي بني، أشرف علي أكلمك أنا أمك أشرف علي فقال: أي ربي صلاتي وأمي فأقبل على صلاته، ثم عادت فنادته مرارا فقالت: أي جريج أي بني اشرف علي فقال: أي رب صلاتي وأمي فأقبل على صلاته فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه المومسة وكانت راعية ترعى غنما لاهلها ثم تأوي إلى ظل صومعته فأصابت فاحشة فحملت فأخذت. وكان من زنى منهم قتل، فقالوا ممن ؟ قالت من جريج صاحب الصومعة فجاؤوا بالفؤوس والمرور، فقالوا: أي جريج أي مرائي ؟ انزل فأبى وأقبل على صلاته يصلي فأخذوا في هدم صومعته فلما رأى ذلك نزل، فجعلوا في عنقه وعنقها حبلا فجعلوا يطوفون بهما في الناس فوضع أصبعه على بطنها فقال: أي غلام من أبوك ؟ فقال: أبي فلان راعي الضأن، فقبلوه وقالوا إن شئت بنينا لك صومعتك من


(1) تراجعا الحديث: معناه أقبلت على الرضيع تحدثه، وكانت، أولا، لا تراه أهلا للحديث، فلما تكرر منه الكلام علمت أنه أهل له فسألته وراجعته. (2) صحيح مسلم 45 / 2 / 7 / 2550 وأحمد في مسنده 2 / 433. - المومسات: الزواني البغايا المتجاهرات بذلك، الواحدة: مومسة. - ديره: الدير الكنيسة المنقطعة عن العمارة، تنقطع فيها رهبان النصارى لتعبدهم، وهو بمعنى الصومعة. - مساحيهم: المساحي جمع مسحاة وهي كالمجرفة إلا أنها من حديد. [ * ]

[ 162 ]

ذهب وفضة قال أعيدوها كما كانت وهذا سياق غريب وإسناده على شرط مسلم ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه (1). فهؤلاء ثلاثة تكلموا في المهد عيسى بن مريم عليه السلام وقد تقدم الكلام على قصته وصاحب جريج ابن البغي من الراعي كما سمعت واسمه يابوس كما ورد مصرحا به في صحيح البخاري والثالث ابن المرأة التي كانت ترضعه فتمنت له أن يكون كصاحب الشارة الحسنة فتمنى أن يكون كتلك الامة المتهومة بما هي بريئة منه وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل. كما تقدم في رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا. وقد رواه الامام أحمد عن هوذة عن عوف الاعرابي عن خلاس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بقصة هذا الغلام الرضيع وهو إسناد حسن. وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن الاعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينما أمرأة ترضع ابنها إذ مر بها راكب وهي ترضعه فقالت اللهم لا تمت ابني حتى يكون مثل هذا فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم رجع في الثدي ومر بامرأة تجر ويلعب بها، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فقال: اللهم اجعلني مثلها. فقال أما الراكب فإنه كافر. وأما المرأة فإنهم يقولون إنه تزني وتقول حسبي الله ويقولون تسرق وتقول حسبي الله. وقد ورد في من تكلم في المهد أيضا شاهد يوسف كما تقدم وابن ماشطة آل فرعون والله أعلم. قصة برصيصا وهي عكس قضية جريج فإن جريجا عصم وذلك فتن. قال ابن جرير: حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، أنبأنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الاعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية: (كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين. فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين) [ الحشر: 16 - 17 ]. قال ابن مسعود وكانت امرأة ترعى الغنم وكان لها اخوة أربعة وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب قال: فنزل الراهب ففجر بها فحملت، فأتاه الشيطان فقال له اقتلها ثم ادفنها فإنك رجل تصدق ويسمع قولك فقتلها ثم دفنها قال فأتى الشيطان أخوتها في المنام فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا. فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك قالوا: لا بل قصها علينا قال فقصها فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك قالوا فوالله ما هذا إلا لشئ فانطلقوا فاستعدوا (2) ملكهم على


(1) مسند أحمد ج 2 / 385. (2) استعدوا ملكهم: أي استعانوا به فأنصفهم منه. [ * ]

[ 163 ]

ذلك الراهب فأتوه فأنزلوه. ثم انطلقوا به فأتاه الشيطان، فقال: إني أنا أوقعتك في هذا، ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وانجيك مما أوقعتك فيه قال فسجد له فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل. وهكذا روي عن ابن عباس وطاوس ومقاتل ابن حيان نحو ذلك. وقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بسياق آخر. فقال ابن جرير: حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر بن شميل، أنبأنا شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت عبد الله بن نهيك، سمعت عليا يقول: إن راهبا تعبد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه فعمد إلى امرأة فأجنها ولها أخوة فقال لاخوتها عليكم بهذا القس فيداويها قال: فجاؤوا بها إليه فداواها وكانت عنده، فبينما هو يوما عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت فعمد إليها فقتلها فجاء إخوتها فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك إنك اعييتني أنا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت بك اسجد لي سجدة، فسجد له قال: إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين فذلك قوله: (كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين). قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار فانطبق عليهم فتوسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم ففرج عنهم. قال الامام البخاري: حدثنا اسماعيل بن خليل، أخبرنا علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فآووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه فقال واحدا منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق (1) من أرز فذهب وتركه وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أني اشتريت منه بقرا وأنه أتاني يطلب أجره فقلت اعمد إلى تلك البقرة فسقها فقال لي إنما لي عندك فرق من أرز فقلت له اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. فانساخت عنهم الصخرة. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عنهما ليلة فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون (2) من الجوع وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن ادعهما فيستكنا لشربتهما فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار


(1) فرق: بفتح الراء واسكانها والفتح أشهر: هو إناء يسع ثلاثة آصع. (2) يتضاغون: يصيحون ويستغيثون من الجوع. [ * ]

[ 164 ]

فطلبتها حتى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها (1) قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه (2) فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا، رواه مسلم عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر به وقد رواه الامام أحمد منفردا به عن مروان بن معاوية، عن عمرو بن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن سالم، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه (3). ورواه الامام أحمد من حديث وهب بن منبه عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من هذا السياق وفيه زيادات ورواه البزار من طريق أبي إسحاق عن رجل من بجيلة عن النعمان بن بشير مرفوعا مثله ورواه البزار في مسنده من حديث أبي حنش عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. خبر الثلاثة الاعمى والابرص والاقرع روى البخاري ومسلم من غير وجه: عن همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص (4) وأعمى وأقرع بدا لله أن يبتليهم فبعث الله إليهم ملكا فأتى الابرص فقال له: أي شئ أحب إليك فقال لون حسن، وجلد حسن قد قذرني الناس قال: فمسحه فذهب عنه فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. فقال: أي المال أحب إليك قال الابل أو قال البقر - هو شك في ذلك أن الابرص والاقرع قال أحدهما الابل وقال الآخر البقر - فأعطي ناقة عشراء (5) فقال يبارك لك فيها. قال وأتى الاقرع فقال له: أي المال أحب إليك قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا قد قذرني الناس فمسحه فذهب وأعطي شعرا حسنا قال: فأي المال أحب إليك قال: البقر فأعطاه بقرة حاملا وقال يبارك لك فيها قال وأتى الاعمي فقال: أي شئ أحب إليك قال: يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس قال: فمسحه فرد الله إليه بصره قال: فأي المال أحب إليك قال: الغنم فأعطاه شاة والدا (6) فانتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من الابل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم ثم أنه أتى الابرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين تقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري فقال له: إن الحقوق كثيرة فقال له كأني أعرفك ألم تكن أبرص


(1) قعدت بين رجليها: أي جلست مجلس الرجل للوقاع. (2) لا تفض الخاتم إلا بحقه: الخاتم كناية عن بكارتها، وقولها بحقه: أي بنكاح لا بزني. (3) مسند الامام أحمد 2 / 116. صحيح البخاري كتاب الوكالة - باب إذا زرع بمال قوم بغير اذنهم ص 3 / 69. (4) أبرص: البرص بياض يظهر في ظاهر البدن، لفساد مزاج. قاموس. (5) ناقة عشراء: هي الحامل القريبة الولادة. (6) شاة والدا: أي وضعت ولدها، وهو معها. [ * ]

[ 165 ]

يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله عزوجل فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر، فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الاقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا فرد عليه مثل ما رد عليه هذا. فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الاعمى في صورته فقال رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك اسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري فقال قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري وفقيرا فقد أغناني فخذ ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بشئ أخذته لله عزوجل فقال أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك. هذا لفظ البخاري في أحاديث بني إسرائيل (1). حديث الذي استلف من صاحبه ألف دينار فأداها قال الامام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه ذكر: " أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال ائتني بشهداء أشهدهم قال: كفى بالله شهيدا قال: ائتني بكفيل قال كفى بالله كفيلا قال: صدقت فدفعها إليه إلي أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يقدم عليه للاجل الذي أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها، وأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها ثم زجج (2) موضعها ثم أتى بها البحر. ثم قال: اللهم إنك قد علمت أني استسلفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت كفى بالله كفيلا فرضي بذلك، وسألني شهيدا فقلت كفى بالله شهيدا فرضي بذلك، وإني قد جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبا وإني أستو دعتكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبا إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا يجيئه بماله فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لاهله حطبا فلما كسرها وجد المال والصحيفة ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه فأتاه بألف دينار وقال والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه قال هل كنت بعثت إلي بشئ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبا قبل هذا الذي جئت فيه قال: فإن الله أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة فانصرف بألفك راشدا. هكذا رواه الامام أحمد مسندا وقد علقه البخاري (3) في غير موضع من صحيحه بصيغة الجزم عن الليث بن سعد وأسنده في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه، والعجب


(1) أخرجه مسلم في 53 كتاب الزهد 10 / 2964 ص 4 / 2275 - 2276. والحديث في صحيح البخاري رقم: 1626. (2) زجج: أي سوى موضع النقر وأصلحه. (3) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب في اللقطة - باب إذا وجد خشبة. ج 3 / 93 دار الفكر، وفي كتاب الاجارة - باب الكفالة ج 3 / 56. [ * ]

[ 166 ]

من الحافظ أبي بكر البزار كيف رواه في مسنده عن الحسن بن مدرك عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عمر بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ثم قال لا يروى إلا من هذا الوجه بهذا الاسناد. قصة أخرى شبيهة بهذه القصة في الصدق والامانة قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اشترى رجل من رجل عقارا " (1) له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك مني إنما اشتريت منك الارض ولم ابتع منك الذهب وقال الذي له الارض إنما بعتك الارض وما فيها فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد قال أحدهما لي غلام، وقال الآخر لي جارية قال انكحوا الغلام الجارية وانفقوا على أنفسهما منه وتصدقا. هكذا روى البخاري هذا الحديث في أخبار بني إسرائيل وأخرجه مسلم (2) عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به وقد روى أن هذه القصة وقعت في زمن ذي القرنين. وقد كان قبل بني إسرائيل بدهور متطاولة والله أعلم. قال إسحاق بن بشر في كتابه المبتدأ عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن: أن ذا القرنين كان يتفقد أمور ملوكه وعماله بنفسه وكان لا يطلع على أحد منهم خيانة إلا أنكر ذلك عليه، وكان لا يقبل ذلك حتى يطلع هو بنفسه. قال فبينما هو يسير متنكرا في بعض المدائن، فجلس إلى قاض من قضاتهم أياما لا يختلف إليه أحد في خصومة فلما أن طال ذلك بذي القرنين ولم يطلع على شئ من أمر ذلك القاضي وهم بالانصراف إذا هو برجلين قد اختصما إليه فادعى أحدهما فقال: أيها القاضي إني اشتريت من هذا دارا عمرتها ووجدت فيها كنزا وإني دعوته إلى أخذه فأبى علي فقال له القاضي: ما تقول ؟ قال: ما دفنت وما عملت به فليس هو لي ولا أقبضه منه قال المدعي: أيها القاضي مر من يقبضه فتضعه حيث أحببت فقال القاضي تفر من الشر، وتدخلني فيه ما أنصفتني وما أظن هذا في قضاء الملك فقال القاضي هل لكما أمرا نصف مما دعوتماني إليه قالا: نعم قال: للمدعي ألك أبن ؟ قال نعم وقال للآخر ألك ابنة ؟ قال: نعم قال: اذهبا فزوج ابنتك من ابن هذا وجهزهما من هذا المال وادفعا فضل ما بقي إليهما يعيشان به فتكونا مليا بخيره وشره فعجب ذو القرنين حين سمع ذلك ثم قال للقاضي: ما ظننت أن في الارض أحدا يفعل مثل هذا أو قاض يقضي بمثل هذا فقال القاضي وهو لا يعرفه وهل أحد يفعل غير هذا قال


(1) العقار: هو الارض وما يتصل بها، وحقيقة العقار الاصل، سمي بذلك من العقر ومنه: عقر الدار. (2) أخرجه مسلم في صحيحه 30 كتاب الاقضية 11 باب 21 / 1721 ص 3 / 1345 والحديث في البخاري رقم: 1630. [ * ]

[ 167 ]

ذو القرنين: نعم قال القاضي فهل يمطرون في بلادهم فعجب ذو القرنين من ذلك وقال بمثل هذا قامت السموات والارض. قصة أخرى قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن قتادة عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ثم خرج يسأل فأتى راهبا فسأله فقال هل من توبة قال لا فقتله فجعل يسأل فقال له رجل ائت قرية كذا وكذا فأدركه الموت فناء بصدره (1) نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله إلى هذه أن تقربي وأوحى إلى هذه أن تباعدي وقال قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له هكذا رواه ههنا مختصرا وقد رواه مسلم عن بندار به ومن حديث شعبة ومن وجه آخر عن قتادة بن مطولا (2). حديث آخر قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الاعرج، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث فقال الناس سبحان الله بقرة تكلم فقال فإني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم (قال) وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلب حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئب هذا ! استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري فقال الناس سبحان الله ذئب يتكلم قال فإني أو من بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما " (3). ثم (قال) وحدثنا علي قال حدثنا سفيان، عن مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. وقد أسنده البخاري في المزارعة عن علي بن المديني ومسلم عن محمد بن عباد كلاهما عن سفيان بن عيينة وأخرجاه من طريق شعبة كلاهما عن مسعر به. وقال الترمذي حسن صحيح وأخرج مسلم الطريق الاول من حديث سفيان بن عيينة وسفيان الثوري كلاهما عن أبي الزناد. حديث آخر قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم، عن سعد، عن أبيه، عن


(1) نأى بصدره: أي نهض. (2) أخرجه مسلم في 49 كتاب التوبة 8 باب ح 46 / 47، 2766 وأخرجه البخاري في كتاب الانبياء ح 54. (3) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل أصحاب النبي (5) وكتاب الانبياء (54) ومسلم في كتاب فضائل الصحابة 12 وأحمد في مسنده ج 2 / 245، 502. [ * ]

[ 168 ]

أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنه كان فيما مضى قبلكم من الامم محدثون وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب " (1) لم يخرجه مسلم من هذا الوجه وقد روى عن إبراهيم بن سعد عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها. حديث آخر قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن [ بن عوف ] أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج على المنبر فتناول قصة من شعر كانت في يدي حرسي فقال يا أهل المدينة أين علماؤكم ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول: " إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم " (2). وهكذا رواه مسلم وأبو داود من حديث مالك وكذا رواه معمر ويونس وسفيان بن عيينة عن الزهري بنحوه. وقال الترمذي حديث صحيح. وقال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عمرو بن مرة قال سمعت سعيد بن المسيب قال قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة آخر قدمة قدمها فخطبنا فأخرج من كمه كبسة (3) شعر وقال ما كنت أرى أحدا يفعل هذا غير اليهود إن النبي صلى الله عليه وسلم: " سماه الزور " - يعني الوصال في الشعر - تابعه غندر عن شعبة والعجب أن مسلما رواه من غير وجه عن غندر عن شعبة ومن حديث قتادة عن سعيد بن المسيب به (4). حديث آخر قال البخاري، حدثنا سعيد بن تليد، حدثنا ابن وهب. قال: أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به ". ورواه مسلم عن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب به (5).


(1) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة (6) والانبياء (54) ومسلم في كتاب فضائل الصحابة (23) والترمذي في المناقب (17) وأحمد في مسنده 6 / 55. (2) أخرجه مسلم في صحيحه 37 كتاب اللباس 122 / 2127 ورواه عن معمر: وفي روايته: إنما عذب بنو اسرائيل. والحديث في صحيح البخاري رقم 1627. (3) كبة: هي شعر مكفوف بعضه على بعض. (4) صحيح مسلم 37 / 123 - 124. (5) أخرجه مسلم في 39 كتاب السلام 154 / 155 / 2245. والبخاري في الانبياء (54). - يطيف: أي يدور حولها. - ركية: بئر. - موقها: الموق هو الخف، فارسي معرب، والمعنى أنها نزعت له بموقها أي استقت. [ * ]

[ 169 ]

حديث آخر قال البخاري: حدثنا عبد الله بن أسماء، حدثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، فلا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الارض ". وكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد بن أسماء به (1). حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا المستمر بن الريان، حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان في بني إسرائيل امرأة قصيرة فصنعت رجلين من خشب فكانت تمشي بين امرأتين قصيرتين (2) واتخذت خاتما من ذهب وحشت تحت فصه أطيب الطيب والمسك فكانت إذا مرت بالمجلس حركته فنفح ريحه " (3). رواه مسلم من حديث المستمر وخليد بن جعفر كلاهما عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا قريبا منه وقال الترمذي حديث صحيح. حديث آخر قال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة عن منصور سمعت ربعي بن حراش يحدث عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الاولى " إذا لم تستح فاصنع ما شئت " (4) تفرد به البخاري دون مسلم وقد رواه بعضهم عن ربعي بن حراش عن حذيفة مرفوعا وموقوفا أيضا والله أعلم. حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا هاشم بن القسم، حدثنا عبد الحميد - يعني ابن بهرام - حدثنا شهر بن حوشب قال: قال أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شئ فجاء الرجل من سفره فدخل على امرأته جائعا قد أصابته [ مسغبة ]


(1) أخرجه مسلم في صحيحه 39 / كتاب السلام 152 / 2243 والبخاري في آذان 90 وفي كتاب المساقاة (9) والانبياء 54، وابن ماجه في الاقامة 152 وأحمد في مسنده 4 / 251. (2) عند مسلم: طويلتين. (3) مسند أحمد ج 3 / 40، ومسلم في صحيحه 40 كتاب الالفاظ من الادب (5) باب استعمال المسك 18 - 19 / 2252. (4) البخاري في صحيحه كتاب الانبياء 54 والادب 78 ; وأبو داود في كتاب الادب (6) وابن ماجه في الزهد (17) ومالك في الموطأ سفر 46 وأحمد في مسنده ج 4 / 121، 122 - 5 / 273. [ * ]

[ 170 ]

شديدة، فقال لامرأته: عندك شئ قالت: نعم أبشر أتاك رزق الله فاستحثها فقال: ويحك ابتغي إن كان عندك شئ قالت: نعم هنيئة نرجو رحمة الله حتى إذا طال عليه المطال قال: ويحك قومي فابتغي إن كان عندك شئ فأتيني به فإني قد بلغت الجهد وجهدت فقالت: نعم الآن ينضج التنور فلا تعجل، فلما أن سكت عنها ساعة، وتحينت أيضا أن يقول لها قالت من عند نفسها لو قمت فنظرت إلى تنوري فقامت فوجدت تنورها ملآن من جنوب الغنم ورحاها تطحن فقامت إلى الرحى فنفضتها واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم قال أبو هريرة: فوالذي نفس أبي القاسم بيده عن قول محمد صلى الله عليه وسلم: لو أخذت ما في رحيبها ولم تنفضها لطحنت إلى يوم القيامة " (1). وقال أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو بكر، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة قال: دخل رجل على أهله فلما رأى ملبهم من الحاجة خرج إلى البرية فلما رأت امرأته ما لقي قامت إلى الرحى فوضعتها وإلى التنور فسجرته ثم قالت: اللهم ارزقنا فنظرت فإذا الجفنة قد امتلات قال وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئا قال: فرجع الزوج قال: أصبتم بعد شيئا قالت امرأته: نعم من ربنا فرفعتها إلى الرحى ثم قامت فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال: " أما أنه لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة " قال شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " والله لان يأتي أحدكم بحزمة حطب ثم يحمله فيبيعه فيستعفف منه خير له من أن يأتي رجلا فيسأله " (2). قصة الملكين التائبين قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا المسعودي، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: بينما رجل فيمن كان قبلكم كان في مملكته ففكر فعلم أن ذلك منقطع عنه وأن ما هو فيه قد شغله عن عبادة ربه، [ فتسرب ] فانساب ذات ليلة من قصره. وأصبح في مملكة غيره، وأتى ساحل البحر فكان به يضرب اللبن بالآجر، فيأكل ويتصدق بالفضل، ولم يزل كذلك حتى رقي أمره [ وعبادته وفضله ] إلى ملكهم فأرسل إليه فأبى أن يأتيه، فركب إليه الملك، فلما رآه ولى هاربا فركض في أثره فلم يدركه، فناداه: يا عبد الله إنه ليس عليك مني بأس، فقام حتى أدركه فقال له: من أنت رحمك الله ؟ فقال: أنا فلان بن فلان صاحب مملكة كذا وكذا ففكرت في أمري فعلمت إنما أنا فيه منقطع، وأنه قد شغلني عن عبادة ربي عزوجل. فتركته وجئت ههنا أعبد ربي فقال له: ما أنت بأحوج لما صنعت مني قال: فنزل عن دابته فسيبها وتبعه فكانا جميعا يعبدان الله عزوجل فدعوا الله أن يميتهما جميعا فماتا ". قال عبد الله


(1) مسند أحمد 2 / 421. المسغبة: الجوع مع التعب. (2) مسند أحمد ج 2 / 257 وفيه: والذي نفسي بيده لان يأخذ أحدكم حبله فيذهب إلى الجبل فيحتطب ثم يأتي به يحمله على ظهره فيبيعه فيأكل خير له من أن يسأل الناس.. ". [ * ]

[ 171 ]

فلو كنت برملية (1) مصر لاريتكم قبورهما بالنعت الذي نعت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث آخر قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن رجلا كان قبلكم رغسه الله مالا فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم ؟ قالوا: خير أب. قال: فإني لم أعمل خيرا قط فإذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في يوم عاصف ففعلوا. فجمعه الله عزوجل فقال: ما حملك ؟ فقال: مخافتك. فتلقاه برحمته " (2). ورواه في مواضع أخر. ومسلم من طرق عن قتادة به. ثم رواه البخاري ومسلم من حديث ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. ومن حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. حديث آخر قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا. قال فلقي الله فتجاوز عنه " (3). وقد رواه في مواضع أخر ومسلم من طريق الزهري به. حديث آخر قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني ملك، عن محمد بن المنكدر، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيدالله، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون ؟ قال أسامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه " (4). قال أبو النضر لا يخرجكم إلا فرارا منه. ورواه مسلم من حديث مالك، ومن طرق أخر عن عامر بن سعد به: حدثنا


(1) مسند أحمد ج 1 / 451 ما بين معكوفين من المسند. رملية في المسند رميلة ; ولم أجدها، وورد في معجم البلدان رميلة: قال السمعاني رميلة من قرى بيت المقدس. (2) رواه البخاري في كتاب التوحيد (35) والانبياء (54) وكتاب الرقاق (25) وأخرجه مسلم في كتاب التوبة 25 و 27. والنسائي في الجنائز 117 وابن ماجه في الزهد 30 والدارمي في الرقاق 92 والموطأ جنائز 52 وأحمد في مسنده 1 / 5، 398، 2 / 269، 304، 3 / 13، 17، 19 - 4 / 118، 447، 5 / 3، 383، 407. (3) أخرجه البخاري في الانبياء (54) ومسلم في كتاب المساقاة (31) وأحمد في مسنده ج 2 / 263، 332، 339. (4) أخرجه البخاري في الانبياء (54) وكتاب القدر (15) والطب (31) ومسلم في السلام، 92، 94، 95 وأحمد في مسنده 1 / 182، 5 / 35، 213. [ * ]

[ 172 ]

موسى بن اسماعيل، حدثنا دواد بن أبي الفرات، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون أخبرني: " أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء من عباده وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد ". تفرد به البخاري عن مسلم من هذا الوجه (1). حديث اخر قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا ليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة. فقال: أتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم قام فخطب ثم قال: " إنما هلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " (2). وأخرجه بقية الجماعة من طرق عن الليث بن سعد به. حديث اخر وقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة: سمعت النزال بن سبرة الهلالي، عن ابن مسعود قال سمعت رجلا قرأ، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية وقال: " كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) (3) تفرد به البخاري دون مسلم. حديث اخر قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا ابراهيم، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم " (4). تفرد به دون مسلم وفي سنن أبي داود: " صلوا في


(1) البخاري في صحيحه كتاب الطب (31) وبرواية أخرى عند مسلم في كتاب الامارة (165). (2) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم 18، الانبياء 54 حدود 12 ومسلم في حدود 8، 9 - وأبو داود في حدود 4 والترمذي حدود 6 والنسائي - سارق 5، 6 وابن ماجه حدود 6 والدارمي حدود 5 وأحمد في مسنده 3 / 286 - 5 / 9، 6 / 329. (3) أخرجه البخاري في صحيحه في خصومات (1) والانبياء (54) وأحمد في مسنده: 1 / 405، 412 - 5 / 124. (4) البخاري في الصحيح كتاب الانبياء (50) وأبو داود ترجل 18 والنسائي في الزينة 14 وأحمد في مسنده 2 / 240، 260، 309، 401. [ * ]

[ 173 ]

نعالكم خالفوا اليهود " (1). حديث اخر قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس: سمعت عمر يقول: قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها. فباعوها " (2) رواه مسلم من حديث ابن عيينة. ومن حديث عمرو بن دينار به ثم قال البخاري تابعه جابر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا الحديث طرق كثيرة وسيأتي في باب الحيل من كتاب الاحكام إن شاء الله وبه الثقة. حديث اخر قال البخاري: حدثنا عمران بن ميسرة، حدثنا عبد الوارث، حدثنا خالد عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى: " فأمر بلال أن يشفع الاذان وأن يوتر الاقامة " (3). وأخرجه بقية الجماعة من حديث أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي به. والمقصود من هذا مخالفة أهل الكتاب في جميع شعارهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان المسلمون يتحينون وقت الصلواة بغير دعوة إليها. ثم أمر من ينادي فيهم وقت الصلاة (الصلاة جامعة) ثم أرادوا أن يدعوا إليها بشئ يعرفه الناس فقال قائلون: نضرب بالناقوس وقال آخر: نوري نارا، فكرهوا ذلك لمشابهة أهل الكتاب فأري عبد الله بن زيد بن عبد ربه الانصاري في منامه الاذان فقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بلالا فنادى كما هو مبسوط في موضعه من باب الاذان في كتاب الاحكام. حديث اخر قال البخاري: حدثنا بشر بن محمد، أنبأنا عبد الله، أنبأنا معمر ويونس عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله: أن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى


(1) سنن أبي داود: صلاة (88). ح 652 ص 1 / 176 وفيه قال صلى الله عليه وسلم: " خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم " عن شداد بن أوس. (2) صحيح البخاري: أنبياء (50) تفسير سورة رقم 6 / 6. بيوع: 103، 112. ومسلم في المساقاة: 72. والنسائي في البيوع: 93. وأحمد في مسنده: 1 / 25، 2 / 213 - 3 / 324، 326. (3) صحيح البخاري الاذان: 1 - 23 أنبياء: (50) ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة: 2 - 3 - 5 وأبو داود في صلاة 29 - والترمذي في سننه كتاب الصلاة 27 والنسائي في سننه: اذان (2) وابن ماجه في سننه: أذان: 6 - والدارمي في سننه صلاة: 6 وأحمد في مسنده 3 / 102 - 1089. [ * ]

[ 174 ]

اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (1) يحذر ما صنعوا وهكذا رواه في غير موضع ومسلم من طرق عن الزهري به. حديث اخر قال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لنتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه (2)، فقلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فمن ؟ " وهكذا رواه مسلم من حديث زيد بن أسلم به. والمقصود من هذا الاخبار عما يقع من الاقوال والافعال المنهى عنها شرعا، مما يشابه أهل الكتاب قبلنا أن الله ورسوله ينهيان عن مشابهتهم في أقوالهم وأفعالهم، حتى ولو كان قصد المؤمن خيرا لكنه تشبه ففعله في الظاهر فعلهم، وكما نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا تشابه المشركين الذين يسجدون للشمس حينئذ، وإن كان المؤمن لا يخطر بباله شئ من ذلك بالكلية وهكذا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) [ البقرة: 104 ]. فكان الكفار يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم في كلامهم معه: راعنا أي انظر إلينا ببصرك، واسمع كلامنا، ويقصدون بقولهم راعنا من الرعونة فنهى المؤمنين أن يقولوا ذلك، وإن كان لا يخطر ببال أحد منهم هذا أبدا. فقد روى الامام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم فليس للمسلم أن يتشبه بهم لا في أعيادهم ولا مواسمهم ولا في عباداتهم " (3). لان الله تعالى شرف هذه الامة بخاتم الانبياء الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة وعيسى بن مريم الذي أنزل عليه الانجيل حيين لم يكن لهما شرع متبع بل لو كانا موجودين بل وكل الانبياء لما ساغ لواحد منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة فإذا كان الله تعالى قد من علينا بأن جعلنا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يليق بنا أن نتشبه بقوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل قد بدلوا دينهم وحرفوه وأولوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولا. ثم هو


(1) صحيح البخاري: أنبياء (5) ; صلاة (55) مغازي 83. ومسلم في صحيحه: كتاب المساجد: 22 والنسائي مساجد 13 والدارمي في سننه: صلاة (120) وأحمد في مسنده 6 / 229، 275. (2) صحيح البخاري أنبياء (50)، اعتصام (14) ومسلم في كتاب العلم / 6 ; وابن ماجه في سننه في كتاب الفتن 17 وأحمد في مسنده ج 2 / 325. (3) مسند أحمد ج 2 / 50، 62. [ * ]

[ 175 ]

بعد ذلك كله منسوخ والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلا ولا كثيرا ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم حديث اخر قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما أجلكم من أجل من خلا من قبلكم من الامم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاه العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى المغرب على قيراطين قيراطين ألا لكم الاجر مرتين، فغضب اليهود والنصارى فقالوا نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال الله تعالى: (هل ظلمتكم من حقكم شيئا فقالوا: لا قال: فإنه فضلي أوتيه من أشاء) (1) وهذا الحديث فيه دليل على أن مدة هذه الامة قصيرة بالنسبة إلى ما مضى من مدد الامم قبلها لقوله إنما أجلكم في أجل من خلا من الامم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، فالماضي لا يعلمه إلا الله، كما أن الآتي لا يعلمه إلا هو، ولكنه قصير بالنسبة إلى ما سبق ولا اطلاع لاحد على تحديد ما بقي إلا الله عزوجل كما قال الله تعالى: (لا يجليها لوقتها إلا هو) [ الاعراف: 187 ] وقال: (يسألونك عن الساعة أيان مرساهم فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها) [ النازعات: 41 - 43 ]. وما تذكره بعض الناس من الحديث المشهور عند العامة من أنه: " عليه السلام لا يؤلف تحت الارض " فليس له أصل في كتب الحديث وورد فيه حديث أن الدنيا جمعة من جمع الآخرة وفي صحته نظر (2). والمراد من هذا التشبيه بالعمال تفاوت أجورهم وأن ذلك ليس منوطا بكثرة العمل وقلته، بل بأمور أخر معتبرة عند الله تعالى، وكم من عمل قليل أجدى ما لا يجديه العمل الكثير، هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها وهؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من الذهب مثل أحد ما بلغ من أحدهم ولا نصيفه من تمر وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره وقبضه وهو ابن ثلاث وستين على المشهور وقد برز في هذه المدة التي هي ثلاث وعشرون سنة في العلوم النافعة والاعمال الصالحة على سائر الانبياء قبله حتى على نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويعمل بطاعة


(1) صحيح البخاري: أنبياء (50) فضائل القرآن (17)، والترمذي في كتاب الادب 92 وأحمد في مسنده 2 / 112، 124. (2) قال الهروي في " الموضوعات الصغرى " 379 / 200 لا أصل له باطل. [ * ]

[ 176 ]

الله ليلا ونهارا، صباحا ومساء، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الانبياء أجمعين، فهذه الامة إنما شرفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيها وشرفه وعظمته كما قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم. لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) [ الحديد: 28 - 29 ]. فصل وأخبار بني إسرائيل كثيرة جدا في الكتاب والسنة النبوية، ولو ذهبنا نتقصى ذلك لطال الكتاب ولكن ذكرنا ما ذكره الامام أبو عبد الله البخاري في هذا الكتاب ففيه مقنع وكفاية وهو تذكرة وأنموذج لهذا الباب والله أعلم. وأما الاخبار الاسرائيلية فيما يذكره كثير من المفسرين والمؤرخين فكثيرة جدا ومنها ما هو صحيح موافق لما وقع، وكثير منها بل أكثرها مما يذكره القصاص مكذوب مفترى وضعه زنادقتهم وضلالهم وهي ثلاثة أقسام: منها ما هو صحيح لموافقته ما قصه الله في كتابه أو أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها ما هو معلوم البطلان لمخالفته كتاب الله وسنة رسوله، ومنها ما يحتمل الصدق والكذب فهذا الذي أمرنا بالتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه كما ثبت في الصحيح: " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل الينا وأنزل إليكم " (1). وتجوز روايته مع هذا الحديث المتقدم: " وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " (2). تحريف أهل الكتاب وتبديلهم أديانهم أما اليهود فقد أنزل الله عليهم التوراة على يدي موسى بن عمران عليه السلام وكانت كما قال الله تعالى: (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شئ) [ الانعام: 154 ] وقال تعالى: (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا) [ الانعام: 91 ] وقال تعالى: (ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرى للمتقين) [ الانبياء: 48 ] وقال تعالى: (وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم) [ الصافات: 117 - 118 ] وقال تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشوني ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [ المائدة: 44 ] فكانوا يحكمون بها وهم متمسكون بها


(1) تقدم تخريجه فليراجع في مكانه. (2) تقدم تخريجه فليراجع في مكانه. [ * ]

[ 177 ]

برهة من الزمان، ثم شرعوا في تحريفها وتبديلها وتغييرها وتأويلها وإبداء ما ليس منها، كما قال الله تعالى: (وإن منهم لفريقا يلوون السنتهم ك بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) [ آل عمران: 78 ] فأخبر تعالى أنهم يفسرونها ويتأو لونها ويضعونها على غير مواضعها وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء وهو أنهم يتصرفون في معانيها ويحملونها على غير المراد، كما بدلوا حكم الرجم بالجلد، والتحميم مع بقاء لفظ الرجم فيها، وكما أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، مع أنهم مأمورون بإقامة الحد والقطع على الشريف والوضيع. فأما تبديل ألفاظها فقال قائلون: بأنها جميعها بدلت، وقال آخرون: لم تبدل واحتجوا بقوله تعالى: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) [ المائدة: 43 ] وقوله: (الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات) الآية [ الاعراف: 157 ] وبقوله: (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) [ آل عمران: 93 ] وبقصة الرجم فإنهم كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب وجابر بن عبد الله وفي السنن عن أبي هريرة وغيره لما تحاكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة اليهودي واليهودية اللذين زنيا فقال لهم: ما تجدون في التوراة (1) في شأن الرجم ؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحضار التوراة فلما جاؤوا بها وجعلوا يقرأونها ويكتمون آية الرجم التي فيها ووضع عبد الله بن صور بأيده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارفع يدك يا أعور، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما وقال: " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه "، وعند أبي داود: أنهم لما جاؤوا بها نزع الوسادة من تحته فوضعها تحتها وقال آمنت بك وبمن أنزلك، وذكر بعضهم أنه قام لها ولم أقف على إسناده والله أعلم (2). وهذا كله يشكل على ما يقوله كثير من المتكلمين وغيرهم: أن التوراة انقطع تواترها في زمن بخت نصر ولم يبق من يحفظها إلا العزيز، ثم العزير إن كان نبيا فهو معصوم والتواتر إلى المعصوم يكفي، اللهم إلا أن يقال إنها لم تتواتر إليه لكن بعده زكريا ويحيى وعيسى وكلهم كانوا متمسكين بالتوراة فلو لم تكن صحيحة معمولا بها لما اعتمدوا عليها وهم أنبياء


(1) ما تجدون في التوارة: قال العلماء: هذا السؤال ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم، وإنما هو لالزامهم بما يعتقدونه في كتابهم. (2) الحديث أخرجوه من عدة طرق وبروايات مختلفة، صحيح البخاري توحيد (51) جنائز (60) مناقب 26 تفسير آل عمران / 6 اعتصام 16 ومسلم في كتاب الحدود: 13 - 26 - 27 - 28 والترمذي في سننه حدود (10) وابن ماجه في سننه حدود (10) وأبو داود في سننه حدود (25) والدارمي في سننه: حدود (15) ومالك في الموطأ حدود (1) وأحمد في مسنده ج 2 / 7، 62، 63، 76، 126، 280 - 4 / 255، 5 / 91، 92، 94، 95، 96، 104، 108. [ * ]

[ 178 ]

معصومون. ثم قد قال الله تعالى فيما أنزل على رسوله محمد خاتم الانبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الانبياء منكرا على اليهود في قصدهم الفاسد إذ عدلوا عما يعتقدون صحته عندهم وأنهم مأمورون به حتما لى التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يعاندون ما جاء به لكن لما كان في زعمهم ما قد يوافقهم على ما ابتدعوه من الجلد والتحميم (1) المصادم لما أمر الله به حتما وقالوا: إن حكم لكم بالجلد والتحميم فاقبلوه وتكونون قد اعتذرتم بحكم نبي لكم عند الله يوم القيامة، وإن لم يحكم لكم بهذا بل بالرجم فاحذروا أن تقبلوا منه، فأنكر الله تعالى عليهم في هذا القصد الفاسد الذي إنما حملهم عليه الغرض الفاسد وموافقة الهوى لا الدين الحق فقال: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله) الآية [ المائدة: 43 - 44 ] ولهذا حكم بالرجم قال: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، وسألهم ما حملهم على هذا ولم تركوا أمر الله الذي بأيديهم ؟ فقالوا: إن الزنا قد كثر في أشرافنا، ولم يمكنا أن نقيمه عليهم، وكنا نرجم من زنى من ضعفائنا. فقلنا تعالوا إلى أمر نصف نفعله مع الشريف والوضيع فاصطلحنا على الجلد والتحميم فهذا من جملة تحريفهم وتبديلهم وتغييرهم وتأويلهم الباطل وهذا إنما فعلوه في المعاني مع بقاء لفظ الرجم في كتابهم كما دل عليه الحديث المتفق عليه فلهذا قال من قال: هذا من الناس إنه لم يقع تبديلهم إلا في المعاني وإن الالفاظ باقية وهي حجة عليهم إذ لو أقاموا ما في كتابهم جميعه لقادهم ذلك إلى اتباع الحق ومتابعة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم) [ الاعراف: 157 ] الآية. وقال تعالى: (ولو أنهم أقاموا التوراة والانجيل وما أنزل إليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة) الآية [ المائدة: 66 ] وقال تعالى: (قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل إليكم من ربكم) الآية [ المائدة: 68 ] وهذا المذهب وهو القول بأن التبديل إنما وقع في معانيها لا في ألفاظها حكاه البخاري عن ابن عباس في آخر كتابه الصحيح وقرر عليه ولم يرده. وحكاه العلامة فخر الدين الرازي في تفسيره عن أكثر المتكلمين. ليس للجنب لمس التوراة وذهب فقهاء الحنفية إلى أنه لا يجوز للجنب مس التوراة وهو محدث، وحكاه الحناطي في فتاويه عن بعض أصحاب الشافعي وهو غريب جدا. وذهب آخرون من العلماء إلى التوسط في هذين القولين منهم شيخنا الامام العلامة أبو العباس بن تيمية رحمه الله فقال: أما من ذهب إلى


(1) التحميم: تسويد الوجوه بالحمم وهو الفحم. [ * ]

[ 179 ]

أنها كلها مبدلة من أولها إلى آخرها ولم يبق منها حرف إلا بدلوه فهذا بعيد، وكذا من قال لم يبدل شئ منها بالكلية بعيد أيضا، والحق أنه دخلها تبديل وتغيير وتصرفوا في بعض ألفاظها بالزيادة والنقص، كما تصرفوا في معانيها وهذا معلوم عند التأمل ولبسطه موضع آخر والله أعلم. كما في قوله في قصة الذبيح: اذبح ابنك وحيدك وفي نسخة بكرك إسحاق. فلفظة إسحاق مقحمة مزيدة بلا مرية. لان الوحيد وهو البكر إسماعيل لانه ولد قبل إسحاق بأربع عشرة سنة فكيف يكون الوحيد البكر إسحاق. وإنما حملهم على ذلك حسد العرب أن يكون إسماعيل غير الذبيح، فأرادوا أن يذهبوا بهذه الفضيلة لهم، فزادوا ذلك في كتاب الله افتراء على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اغتر بهذه الزيادة خلق كثير من السلف والخلف ووافقوهم على أن الذبيح إسحاق والصحيح الذبيح إسماعيل كما قدمنا والله أعلم. وهكذا في توراة السامرة في العشر الكلمات زيادة الامر بالتوجه إلى الطور في الصلاة وليس ذلك في سائر نسخ اليهود والنصارى. وهكذا يوجد في الزبور المأثور عن داود عليه السلام مختلفا كثيرا وفيه أشياء مزيدة ملحقة فيه وليست منه والله أعلم. قلت وأما ما بأيديهم من التوراة المعربة فلا يشك عاقل في تبديلها وتحريف كثير من ألفاظها وتغيير القصص والالفاظ والزيادات والنقص البين الواضح وفيها من الكذب البين والخطأ الفاحش شئ كثير جدا فأما ما يتلونه بلسانهم ويكتبونه بأقلامهم فلا إطلاع لنا عليه والمظنون بهم أنهم كذبة خونة يكثرون الفرية على الله ورسله وكتبه. وأما النصارى فأناجيلهم الاربعة من طريق مرقس ولوقا ومتى ويوحنا أشد اختلافا وأكثر زيادة ونقصا وأفحش تفاوتا من التوراة وقد خالفوا أحكام التوراة والانجيل في غير ما شئ قد شرعوه لانفسهم فمن ذلك صلاتهم إلى الشرق وليست منصوصا عليها ولا مأمورا بها في شئ من الاناجيل الاربعة وهكذا تصويرهم كنائسهم وتركهم الختان ونقلهم صيامهم إلى زمن الربيع وزيادته إلى خمسين يوما وأكلهم الخنزير ووضعهم الامانة الكبيرة وإنما هي الخيانة الحقيرة والرهبانية (1) وهي ترك التزويج لمن أراد التعبد وتحريمه عليه


(1) قال صلى الله عليه وسلم: لا رهبانية في الاسلام. وقال صلى الله عليه وسلم: إن لانفسكم عليكم حقا فصوموا وافطروا وقوموا وناموا ; فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر. وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم.)، في الآية وكلام النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الرهبانية. قال الرازي في تفسيره: الحكمة في نهي الله تعالى عن الرهبانية فيها وجوه: - أن الرهبانية المفرطة والاحتراز التام عن الطيبات واللذات مما يوقع الضعف في الاعضاء الرئيسة التي هي القلب والدماغ، فتختل الفكرة وتشوش العقل. وأن أكمل السعادات إنما هو معرفة الله تعالى: فإذا كانت الرهبانية الشديدة مما يوقع الخلل في ذلك بالطريق الذي بيناه لا جرم وقع النهي عنها. [ * ]

[ 180 ]

وكتبهم القوانين التي وضعتها لهم الاساقفة الثلاثمائة والثمانية عشر (1) فكل هذه الاشياء ابتدعوها ووضعوها في أيام قسطنطين بن قسطن باني القسطنطينية وكان زمنه بعد المسيح بثلاثمائة سنة وكان أبوه أحد ملوك الروم وتزوج أمه هيلانة في بعض أسفاره للصيد من بلاد حران وكانت نصرانية على دين الرهابين المتقدمين فلما ولد لها منه قسطنطين المذكور تعلم الفلسفة وبهر فيها وصار فيه ميل بعض الشئ إلى النصرانية التي أمه عليها، فعظم القائمين بها بعض الشئ وهو على اعتقاد الفلاسفة، فلما مات أبوه واستقل هو في المملكة سار في رعيته سيرة عادلة فأحبه الناس، وساد فيهم وغلب على ملك الشام بأسره مع الجزيرة، وعظم شأنه وكان أول القياصرة. ثم اتفق اختلاف في زمانه بين النصارى ومنازعة بين بترك الاسكندرية اكصندروس وبين رجل من علمائهم يقال له عبد الله بن أريوس فذهب اكصندروس إلى أن عيسى ابن الله تعالى الله عن قوله وذهب ابن أريوس إلى أن عيسى عبد الله ورسوله واتبعه على هذا طائفة من النصارى، واتفق الاكثرون الاخسرون على قول بتركهم ومنع ابن أريوس من دخول الكنيسة هو وأصحابه فهذب يستعدي على اكصندروس وأصحابه، إلى ملك قسطنطين فسأله الملك عن مقالته فعرض عليه عبد الله بن أريوس ما يقول في المسيح من أنه عبد الله ورسوله واحتج على ذلك فحال إليه وجنح إلى قوله فقال له قائلون فينبغي أن تبعث إلى خصمه فتسمع كلامه فأمر الملك باحضاره وطلب من سائر الاقاليم كل أسقف وكل من عنده في دين النصرانية وجمع البتاركة الاربعة من القدس وانطاكية ورومية والاسكندرية فيقال إنهم اجتمعوا في مدة سنة وشهرين ما يزيد على ألفي أسقف فجمعهم في مجلس واحد وهو المجمع الاول من مجامعهم الثلاثة المشهورة، وهم مختلفون اختلافا متباينا منتشرا جدا. فمنهم الشرذمة على المقالة التي لا يوافقهم أحد من الباقين عليها فهؤلاء خمسون على مقالة. وهؤلاء ثمانون على مقالة أخرى. وهؤلاء عشرة على مقالة وأربعون على أخرى ومائة على مقالة ومائتان على مقالة وطائفة على مقالة ابن أريوس وجماعة على مقالة أخرى فلما تفاقم أمرهم وانتشر اختلافهم حار فيهم الملك قسطنطين مع أنه سئ الظن بما عدا دين الصابئين من أسلافه اليونانيين فعمد إلى أكثر جماعة منهم على مقالة من مقالاتهم فوجدهم ثلثمائة وثمانية عشر أسقفا قد اجتمعوا على مقالة اكصندروس ولم يجد طائفة بلغت عدتهم فقال هؤلاء أولى بنصر قولهم لانهم أكثر الفرق فاجتمع بهم خصوصا ووضع سيفه وخاتمه إليهم وقال: إني رأيتكم أكثر الفرق قد اجتمعتم على مقالتكم هذه


= - إن اشتغال النفس بطلب اللذات، إنما هو مسلم لكن في حق النفوس الضعيفة أما النفوس المستعلية الكاملة فإنها لا يكون استعمالها في الاعمال الحسية مانعا لها من الاستكمال بالسعادات العقلية ; فالرهبانية الخالصة دليل على نوع من الضعف والقصور. - إن من استوفى اللذات الحسية كان غرضه منها الاستعانة بها على استيفاء اللذات العقلية. - الرهبانية التامة توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل. 11 / 70 - 71. (1) في المجمع السكوني الاول. [ * ]

[ 181 ]

فأنا أنصرها وأذهب إليها فسجدوا له وطلب منهم أن يضعوا له كتابا في الاحكام وأن تكون الصلاة إلى الشرق لانها مطلع الكواكب النيرة وأن يصوروا في كنائسهم صورا لها جثث فصالحوه على أن تكون في الحيطان فلما توافقوا على ذلك أخذ في نصرهم وإظهار كلمتهم وإقامة مقالتهم وإبعاد من خالفهم وتضعيف رأيه وقوله، فظهر أصحابه بجاهه على مخالفيهم وانتصروا عليهم وأمر ببناء الكنائس على دينهم وهم المليكة نسبة إلى دين الملك فبني في أيام قسطنطين بالشام وغيرها في المدائن والقرى أزيد من اثنتي عشر ألف كنيسة، واعتنى الملك ببناء بيت لحم يعني على مكان مولد المسيح وبنت أمه هيلانة قمامة بيت المقدس على مكان المصلوب الذي زعمت اليهود والنصارى بجهلهم وقلة علمهم أنه المسيح عليه الصلاة والسلام، ويقال إنه قتل من أعداء أولئك وخد لهم الاخاديد في الارض، وأجج فيها النار، وأحرقهم بها كما ذكرناه في سورة البروج. وعظم دين النصرانية وظهر أمره جدا بسبب الملك قسطنطين وقد أفسده عليهم فسادا لا إصلاح له ولا نجاح معه ولا فلاح عنده وكثرت أعيادهم بسبب عظمائهم وكثرت كنائسهم (1) على أسماء عبادهم، وتفاقم كفرهم، وغلظت مصيبتهم، وتخلد ضلالهم، وعظم وبالهم، ولم يهد الله قلوبهم ولا أصلح بالهم بل صرف قلوبهم عن الحق، وأمال عن الاستقامة ثم اجتمعوا بعد ذلك مجمعين في قضية النسطورية واليعقوبية، وكل فرقة من هؤلاء تكفر الاخرى وتعتقد تخليدهم في نار جهنم، ولا يرى مجامعتهم في المعابد والكنائس وكلهم يقول بالاقانيم (2) الثلاثة أقنوم الاب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة. ولكن بينهم اختلاف في الحلول والاتحاد فيما بين اللاهوت والناسوت هل تدرعه (3) أوحل فيه أو اتحد به، واختلافهم في ذلك شديد وكفرهم بسببه غليظ، وكلهم على الباطل إلا من قال من الاريوسية أصحاب عبد الله بن أريوس إن المسيح عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، كما يقول المسلمون فيه سواء ولكن لما استقر أمر الاريوسية على هذه المقالة تسلط عليهم الفرق الثلاثة بالابعاد والطرد حتى قلوا فلا يعرف اليوم منهم أحد فيما يعلم. والله أعلم. كتاب الجامع لاخبار الانبياء المتقدمين قال الله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) الآية [ البقرة: 253 ] وقال تعالى:


(1) قال براستد في العصور القديمة: وكان ارتقاء الفنون بين المسيحيين الاولين بطيئا، ولكن الحاجة إلى وجود أماكن للاجتماع أدت إلى نبوغ بنائين من الدرجة الاولى بين المسيحيين الاولى فبنوا في عهد قسطنطين أماكن للاجتماع مهيبة جدا على نمط الباسيليكا التجارية القوية. ص 662. (2) الاقانيم الثلاثة: قال الشهرستاني: يعنون بالاقانيم الصفات كالوجود والحياة والعلم وسموها: الاب والابن وروح القدس، وإنما العلم تدرع وتجسد دون سائر الاقانيم. (3) تدرع: من فعل ادرع أي دخل، يقال: ادرع الليل: دخل في ظلمته، وكل ما أدخلته في جوف الشئ فقد أدرعته. [ * ]

[ 182 ]

(إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ابراهيم وإسماعيل وإسحاق يعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما. رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) [ النساء: 163 - 165 ]. وقد روى ابن حبان في صحيحه، وابن مردويه في تفسيره وغيرهما من طريق إبراهيم بن هشام عن يحيى بن محمد الغساني الشامي - وقد تكلموا فيه - حدثني أبي، عن جدي، عن أبي إدريس، عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله، كم الانبياء ؟ قال: " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ". قلت: يا رسول الله كم الرسل منهم ؟ قال: " ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير " قلت: يا رسول الله من كان أولهم ؟ قال: " آدم " قلت يا رسول الله نبي مرسل ؟ قال: " نعم " خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا (1). ثم قال يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم وأربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى وأول النبيين آدم وآخرهم نبيك " (2). وقد أورد هذا الحديث أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قلت يا رسول الله كم الانبياء ؟ قال: " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة عشر جما غفيرا " (3). وهذا أيضا من هذا الوجه ضعيف فيه ثلاثة من الضعفاء معان وشيخه وشيخ شيخه. وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن إسحاق، أبو عبد الله الجوهري البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة اليزيدي (4)، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعث الله ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف إلى بني إسرائيل وأربعة آلاف إلى سائر الناس " (5) موسى وشيخه ضعيفان أيضا وقال أبو يعلى أيضا: حدثنا أبو الربيع، حدثنا محمد بن


(1) قبلا: أي عيانا ومقابلة. (2) أخرج قسما منه الهيثمي في زوائده 1 / 160 وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الاوسط بنحوه وعند النسائي طرف منه وفيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط. (3) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 159 وفيه: أن أبا ذر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الهيثمي: ورواه أحمد والطبراني في الكبير. وفي 8 / 210 عن أبي أمامة أن رجلا قال يا رسول الله:.. قال الهيثمي ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة وأخرجه أحمد في مسنده 5 / 266. (4) كذا في الاصل اليزيدي، وهو تحريف والصواب الربذي والرجل معروف ومشهور وهو ضعيف جدا (قاله الهيثمي). (5) رواه الهيثمي في زوائده ; وقال رواه أبو يعلى وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف جدا. 8 / 210. [ * ]

[ 183 ]

ثابت العبدي، حدثنا معبد بن خالد الانصاري، عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان فيمن خلا من إخواني من الانبياء ثمانية آلاف نبي ثم كان عيسى ثم كنت أنا " (1). يزيد الرقاشي ضعيف. وقد رواه الحافظ أبو بكر الاسماعيلي عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن طارق، حدثنا مسلم بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن محمد بن المنكدر، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل " (2). وهذا إسناد لا بأس به لكني لا أعرف حال أحمد بن طارق هذا. والله أعلم. حديث آخر قال عبد الله بن الامام أحمد وجدت في كتاب أبي بخطه حدثني عبد المتعالي بن عبد الوهاب، حدثنا يحيى بن سعيد الاموي، حدثنا مجالد، عن أبي الوداك قال: قال أبو سعيد: هل تقر الخوارج بالدجال ؟ قال: قلت: لا فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني خاتم ألف نبي أو أكثر وما بعث الله نبيا يتبع إلا وحذر أمته منه وإني قد بين لي فيه ما لم يبين لاحد منهم وأنه أعور وأن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخامة في حائط مجصص وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء وصورة النار سوداء تدخن " (3) وهذا حديث غريب. وقد روي عن جابر بن عبد الله ; فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لخاتم ألف نبي آو أكثر وإنه ليس منهم نبي إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإنه قد تبين لي فيه ما لم يتبين لاحد منهم، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور " (4). وهذا إسناد حسن وهو محمول على ذكر عدد من أنذر قومه الدجال من الانبياء لكن في الحديث الآخر: " ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الدجال ". فالله أعلم. وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن فرات [ يعني القزاز ] قال: سمعت أبا حازم [ يحدث ] قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته


(1) رواه الهيثمي في الزوائد 8 / 211 وقال: رواه أبو يعلى وفيه محمد بن ثابت العبدي وهو ضعيف. (2) رواه الهيثمي في زوائده 8 / 210 وقال: رواه الطبراني في الاوسط وفيه إبراهيم بن مهاجر بن مسمار وهو ضعيف، ووثقه ابن معين ويزيد الرقاشي وثق على ضعفه. (3) مسند أحمد ج 3 / 79 ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 346 وقال: رواه أحمد وفيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي في رواية وقال في آخرى ليس بالقوي. وضعفه جماعة. وروى الهيثمي في مجمع الزوائد عن أبي سعيد: 7 / 336: وفيه: ومعه مثل الجنة والنار فجنته عين ذات دخان وناره روضة خضراء، وقال: قلت هو في الصحيح باختصار، ورواه أبو يعلى والبزار وفيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلس. وعطية ضعيف وقد وثق. (4) رواه الهيثمي في زوائده 8 / 347 وقال: رواه البزار وفيه مجالد بن سعيد وقد ضعفه الجمهور وفيه توثيق. [ * ]

[ 184 ]

يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كانت بنو إسرائيل تسوسهم (1) الانبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله قال: " فوا (2) بيعة الاول فالاول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم " (3). وكذا رواه مسلم عن بندار ومن وجه آخر عن فرات به نحوه. وقال البخاري: حدثنا عمرو بن حفص، حدثنا أبي، حدثني الاعمش، حدثني شقيق قال: قال عبد الله - هو ابن مسعود - كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الانبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " رواه مسلم من حديث الاعمش به نحوه. وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن رجل عن أبي سعيد الخدري قال: وضع رجل يده اليمنى على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنا معشر الانبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الاجر إن كان النبي من الانبياء ليبتلى بالقمل حتى يقتله، وإن كان النبي من الانبياء ليبتلى بالفقر حتى يأخذ العباء فيجوبها وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء " (4) هكذا رواه الامام أحمد من طريق زيد بن أسلم، عن رجل، عن أبي سعيد وقد رواه ابن ماجة: عن دحيم عن ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد فذكره. وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال: " الانبياء ". ثم الصالحون. ثم الامثل فالامثل من الناس، يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عليه ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على [ ظهر ] الارض وما عليه خطيئة " (5). ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عاصم بن أبي النجود. وقال الترمذي حسن صحيح. وتقدم في الحديث: " نحن معشر الانبياء أولاد علات ديننا واحد وأمهاتنا شتى " (6) والمعنى أن شرائعهم وإن اختلفت في الفروع، ونسخ بعضها بعضا حتى انتهى الجميع إلى ما شرع الله لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين إلا أن كل نبي بعثه الله فإنما دينه


(1) تسوسهم: أي يتولون أمورهم كما تفعل الامراء والولاة بالرعية ; والسياسة، القيام على الامر بما يصلحه. (2) أي إذا بويع لخليفة بعد خليفة، فبيعة الاول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها. (3) أخرجه البخاري في 60 كتاب الانبياء (50) بباب ما ذكر عن بني اسرائيل. ومسلم في 33 كتاب الامارة باب (10) حديث 44 ص 33 / 1471 وابن ماجه في الجهاد. وأحمد في مسنده 2 / 297. ما بين معقوفين في الحديث زيادة استدركت من دلائل النبوة للبيهقي 6 / 338. (4) مسند أحمد ج 3 / 94. (5) مسند أحمد ج 1 / 172. وابن ماجه في الفتن 23. (6) تقدم تخريجه فليراجع. [ * ]

[ 185 ]

الاسلام، وهو التوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له كما قال الله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) [ الانبياء: 25 ] وقال تعالى: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) [ الزخرف: 45 ] وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة) الآية [ النحل: 36 ]. فأولاد العلات أن يكون الاب واحدا والامهات متفرقات، فالاب بمنزلة الدين وهو التوحيد والامهات بمنزلة الشرائع في اختلاف أحكامها كما قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) [ المائدة: 48 ] وقال: (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه) [ الحج: 67 ] وقال: ولكل وجهة هو موليها) [ البقرة: 148 ] على أحد القولين في تفسيرها. والمقصود أن الشرائع وإن تنوعت في أوقاتها إلا أن الجميع آمرة بعبادة الله وحده، لا شريك له وهو دين الاسلام الذي شرعه الله لجميع الانبياء، وهو الدين الذي لا يقبل الله غيره يوم القيامة، كما قال تعالى: (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [ آل عمران: 85 ] وقال تعالى: (ومن يرغب عن ملة ابراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين. إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) [ البقرة: 130 - 131 ] وقال تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) الآية [ المائدة: 44 ]. فدين الاسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو الاخلاص له وحده دون ما سواه، والاحسان أن يكون على الوجه المشروع في ذلك الوقت المأمور به، ولهذا لا يقبل الله من أحد عملا بعد أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على ما شرعه له كما قال تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) [ الاعراف: 158 ] وقال تعالى: (وأوحى إلى هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) [ الانعام: 19 ] وقال تعالى: (ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده) [ هود: 17 ]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت إلى الاحمر والاسود " (1). قيل أراد العرب والعجم. وقيل الانس والجن: وقال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده، لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم " (2) والاحاديث في هذا كثيرة جدا. والمقصود أن أخوة


(1) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد ح 3 وأحمد في مسنده 1 / 250، 301، 4 / 416، 5 / 145، 148، 162 مطولا. والدارمي في سننه، كتاب السير (28) عن جابر بن عبد الله، والبخاري في (8) كتاب الصلاة (56) باب. وأبو داود عن أبي ذر في كتاب الصلاة باب: في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة. 1 / 132 مختصرا. (2) أخرجه الدارمي في سننه مقدمة 39 وأحمد في مسنده ج 3 / 471، 4 / 266 عن عبد الله بن ثابت وفي آخره: " انكم حظي من الامم وأنا حظكم من النبيين ". [ * ]

[ 186 ]

العلات أن يكونوا من أب واحد وأمهاتهم شتى مأخوذ من شرب العلل بعد النهل. وأما أخوة الاخياف فعكس هذا أن تكون أمهم واحدة من آباء شتى. وأخوة الاعيان فهم الاشقاء من أب واحد وأم واحدة والله سبحانه وتعالى أعلم. وفي الحديث الآخر " نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة " (1) وهذا من خصائص الانبياء أنهم لا يورثون، وما ذاك إلا لان الدنيا أحقر عندهم من أن تكون مخلفة عنهم، ولان توكلهم على الله عزوجل في ذراريهم أعظم وأشد وآكد من أن يحتاجوا معه إلى أن يتركوا لورثتهم من بعدهم ما لا يستأثرون به عن الناس، بل يكون جميع ما تركوه صدقة لفقراء الناس، ومحاويجهم وذو خلتهم. وسنذكر جميع ما يختص بالانبياء عليهم السلام مع خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين في أول كتاب النكاح من كتاب الاحكام الكبير حيث ذكره الائمة من المصنفين اقتداء بالامام أبي عبد الله الشافعي رحمة الله عليه وعليهم أجمعين. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن، أن (2) عبد رب الكعبة قال: انتهيت إلى عبد الله بن عمرو، وهو جالس في ظل الكعبة فسمعته يقول: بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ نزل منزلا فمنا من يضرب خباءه، ومنا من هو في جشرة، ومنا من ينتضل إذ نادى مناديه: الصلاة جامعة قال فاجتمعنا قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبنا فقال: " إنه لم يكن نبي قبلي إلا دل أمته على خير ما يعلمه لهم، وحذرهم ما يعلمه شرا لهم، وإن أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها، وإن آخرها سيصيبها بلاء شديد وأمور ينكرونها تجئ فتن يريق بعضها بعضا، تجئ الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي. ثم تنكشف. ثم تجئ الفتنة فيقول المؤمن هذه. ثم تنكشف فمن سره منكم أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه موتته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر ". قال فأدخلت رأسي من بين الناس فقلت أنشدك بالله أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأشار بيده إلى أذنيه وقال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي. قال: فقلت هذا ابن عمك - يعني معاوية - يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، وأن نقتل أنفسنا وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) [ النساء: 29 ] قال فجمع يديه فوضعهما على جبهته ثم نكس هنيهة. ثم رفع رأسه فقال أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله ورواه أحمد أيضا عن وكيع عن الاعمش به وقال فيه أيها الناس إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا لهم وينذره ما يعلمه شرا لهم وذكر تمامه بنحوه. وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق عن الاعمش به ورواه مسلم أيضا من حديث الشعبي عن


(1) تقدم تخريجه فليراجع في مكانه. (2) في نسخ البداية المطبوعة أن والصواب ابن من المسند. [ * ]

[ 187 ]

عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه (1) آخر الجزء الثامن من خط المصنف رحمه الله تعالى يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب أخبار العرب وكان الفراغ من تتمة هذا المجلد في سابع عشر شوال سنة سهر ربيعه من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بدمشق المحروسة على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى رحمته وعفوه وغفرانه ولطفه وكرمه إسماعيل الدرعي الشافعي الانصاري غفر الله تعالى له وختم له بخير ولاحبابه ولاخوانه ولمشايخه ولجميع المسلمين والصلاة والسلام على محمد خير خلقه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. ذكر أخبار العرب قيل إن جميع العرب (2) ينتسبون إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام والتحية والاكرام. والصحيح المشهور أن العرب العاربة قبل إسماعيل وقد قدمنا أن العرب العاربة (3) منهم عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وجرهم والعماليق وأمم آخرون لا يعلمهم إلا الله كانوا قبل الخليل عليه الصلاة والسلام وفي زمانه أيضا. فأما العرب المستعربة (4) وهم عرب الحجاز فمن ذرية (5) اسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. وأما عرب اليمن وهم حمير فالمشهور أنهم من قحطان واسمه مهزم قاله ابن ماكولا وذكروا أنهم كانوا أربعة أخوة قحطان (6) وقاحط ومقحط وفالغ وقحطان بن


(1) مسند أحمد ج 2 / 161، 191. وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الامارة 46 والنسائي في سننه - بيعة 25. وابن ماجة في سننه: الفتن 9. - جشرة: إخراج الدواب للرعي. - النضل: الهزل والاعياء والتعب. (2) قال الجوهري في الصحاح: العرب جيل من الناس وهم أهل الامصار والاعراب سكان البادية والنسبة إلى العرب عربي وإلى الاعراب اعرابي والذي عليه العرف العام إطلاق لفظة العرب مشتقة من الاعراب. وقال ابن حزم في الجمهرة ص 7: جميع العرب يرجعون إلى ولد ثلاثة رجال. وهم عدنان وقحطان وقضاعة. وجاء في سبائك الذهب: ص 13: أعلم أن العرب كلها ترجع إلى أصلين: عدنان وقحطان. (3) قال في نهاية الارب: 18: فالعاربة هم العرب الاولى الذي فهمهم الله اللغة العربية ابتداءا فتكلموا بها فقيل لهم عاربة أي بمعنى الراسخة في العروبية. وقد يقال فيهم العرب العرباء. وهم العرب البائدة الذين بادوا ودرست آثارهم. (4) المستعربة: قال في نهاية الارب: المستعربة هم الداخلون في العروبية من بعد العجمة أخذا من استفعل بمعنى الصيرورة. (5) قال ابن حزم في الجمهرة: عدنان من ولد اسماعيل بلا شك في ذلك. إلا أن تسمية الاسماء بينه وبينه قد جهلت جملة. قال في سبائك الذهب: لا خلاف بينهم [ النسابين ] في أن عدنان من ولد اسماعيل. (6) قال ابن حزم ; قحطان. فمختلف فيه من ولد من هو ؟ قالوا: من ولد اسماعيل - عليه السلام - وهذا باطل [ * ]

[ 188 ]

هود. وقيل هو هود. وقيل هود أخوه وقيل من ذريته وقيل إن قحطان من سلالة اسماعيل حكاه ابن إسحاق وغيره فقال بعضهم هو قحطان بن [ الهميسع ] تيمن بن قيذر [ بنت ] (1) بن إسماعيل. وقيل غير ذلك في نسبه إلى إسماعيل والله أعلم. وقد ترجم البخاري في صحيحه على ذلك فقال (2): (باب نسبة اليمن إلى اسماعيل عليه السلام) حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن يزيد بن أبي عبيد حدثنا سلمة رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون بالسيوف فقال ارموا بني اسماعيل وأنا مع بني فلان لاحد الفريقين فأمسكوا بأيديهم فقال مالكم قالوا وكيف نرمي وأنت مع بني فلان فقال ارموا وأنا معكم كلكم. انفرد به البخاري وفي بعض ألفاظه: " ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ارموا وأنا مع ابن الادرع " فأمسك القوم فقال ارموا وأنا معكم كلكم. قال البخاري: وأسلم (3) بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة يعني وخزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبأ حين ارسل الله عليهم سيل العرم كما سيأتي بيانه وكانت الاوس والخزرج منهم وقد قال لهم عليه الصلاة والسلام ارموا بني إسماعيل فدل على أنهم من سلالته وتأوله آخرون على أن المراد بذلك جنس العرب لكنه تأويل بعيد إذ هو خلاف الظاهر بلا دليل. لكن الجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة إسماعيل. وعندهم أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين قحطانية وعدنانية فالقحطانية شعبان (4) سبأ


= بلا شك. وقيل من ولد هود - عليه السلام - وهذا باطل بيقين قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودا). وقال صاحب تاريخ حماة: بني قحطان هم العاربة وان العاربة هم بنو اسماعيل فقط. وقال في مروج الذهب إن قحطان من ولد عابر.. بن سام. وهو أبو اليمن كلها وهو أول من تكلم بالعربية لاعرابه عن المعاني وإبانته عنها. وقال الطبري ج 1 / 104 قحطان أول من ملك اليمن. (1) من سيرة ابن كثير، وفي سيرة ابن هشام نابت. ما بين معكوفين. (2) صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق ج 4 / 156. (3) في البخاري: ومنهم أسلم. (4) قال السمعاني في الانساب ص 5: والعرب على طبقات ست: شعب وقبيلة وعمارة وبطن وفخذ وفصيلة وما بينهما من الاباء فإنما يعرفها أهلها. وحكى أبو عبيد، عن ابن الكلبي عن أبيه: تقديم الفصيلة مقام العمارة قال صاحب سبائك الذهب: ولا يخفى أن الترتيب الاول أولى. [ * ]

[ 189 ]

وحضر موت (1) والعدنانية شعبان أيضا ربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان والشعب الخامس وهم قضاعة مختلف فيهم (2) فقيل إنهم عدنانيون قال ابن عبد البر وعليه الاكثرون ويروى هذا عن ابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم وهو اختيار الزبير بن بكار وعمه مصعب الزبيري وابن هشام وقد ورد في حديث قضاعة بن معد ولكنه لا يصح قاله ابن عبد البر وغيره ويقال إنهم لن (3) يزالوا في جاهليتهم وصدر من الاسلام ينتسبون إلى عدنان فلما كان في زمن خالد بن يزيد بن معاوية وكانوا أخواله انتسبوا إلى قحطان فقال في ذلك أعشى بن ثعلبة في قصيدة له: أبلغ قضاعة في القرطاس أنهم * لولا خلائف آل الله ما عتقوا قالت قضاعة إنا من ذوي يمن * والله يعلم ما بروا وما (4) صدقوا قد ادعوا والدا ما نال أمهم * قد يعلمون ولكن ذلك الفرق وقد ذكر أبو عمرو السهيلي أيضا من شعر العرب ما فيه إبداع في تفسير (5) قضاعة في انتسابهم إلى اليمن والله أعلم. والقول الثاني أنهم من قحطان وهو قول ابن إسحاق والكلبي وطائفة من أهل النسب. قال ابن إسحاق وهو قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وقد قال بعض شعرائهم وهو عمرو بن مرة (6) صحابي له حديثان:


(1) وسبأ اسمه عبد شمس وهو أول من سبى وأسر الاعادي. وحضرموت وبنوه قبيلة من بني قحطان. قال الجوهري: وحضرموت اسم بلد وقبيلة. (2) قال في سبائك الذهب: وهم قبيلة من حمير من القحطانية. وهذا هو المشهور في قضاعة وعليه جرى الكلبي وابن اسحاق. (3) كذا في الاصل وفي سيرة ابن كثير: لن والصواب لم. (4) كذا في الاصل وما وفي سيرة ابن كثير ولا. (5) كذا في الاصل، وفي سيرة ابن كثير تعيير، و (6) عمرو بن مرة بن عبس بن مالك بن الحرث بن مازن بن سعد بن مالك بن رفاعة بن نصر بن غطفان بن قيس بن جهينة. قال ابن سعد: كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم شيخا كبيرا، يكنى أبا طلحة ويقال أبا مريم وقيل أبا مرة. وهو أول من ألحق قضاعة باليمن. قال ابن حبان وأبو عمر مات في خلافة معاوية. وقال ابن سميع مات في خلافة عبد الملك بن مروان. له في جامع الترمذي حديث واحد في كتاب الاحكام وهو عند أحمد وفيه قوله لمعاوية: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله تعالى أبواب السماء دون حاجته ومسألته ومسكنته وله في مسند أحمد حديثان آخران أحدهما في ذم الحقوق. وله عند الطبراني عدة أحاديث منها حديث في قصة إسلامه. تقريب ابن حجر ج 2 / 79 الاصابة 3 / 15 مسند أحمد: جمهرة أنساب العرب ص 445. [ * ]

[ 190 ]

يا أيها الداعي ادعنا وأبشر * وكن قضاعيا ولا تنزر نحن بنو الشيخ الهجان الازهر (1) قضاعة بن مالك بن حمير النسب المعروف غير المنكر * في الحجر المنقوش تحت المنبر قال بعض أهل النسب هو قضاعة بن مالك بن عمر بن مرة بن زيد بن حمير وقال ابن لهيعة عن معروف بن سويد عن أبي عشابة (2) محمد بن موسى عن عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله أما نحن من معد قال لا قلت فمن نحن قال أنتم قضاعة بن مالك بن حمير قال أبو عمر بن عبد البر ولا يختلفون أن جهينة بن زيد بن أسود بن أسلم بن عمران بن إلحاف بن قضاعة قبيلة عقبة بن عامر الجهني فعلى هذا قضاعة في اليمن في حمير بن سبأ وقد جمع بعضهم بين هذين القولين بما ذكره الزبير بن بكار وغيره من أن قضاعة امرأة من جرهم تزوجها مالك بن حمير فولدت له قضاعة ثم خلف عليها معد بن عدنان وابنها صغير وزعم بعضهم أنه كان حملا فنسب إلى زوج أمه (3) كما كانت عادة كثير منهم ينسبون الرجل إلى زوج أمه والله أعلم. وقال محمد بن سلام البصري النسابة: العرب ثلاثة جراثيم العدنانية والقحطانية وقضاعة. قيل له فأيهما اكثر العدنانية أو القحطانية فقال ما شاءت قضاعة أن تيامنت فالقحطانية أكثر وإن تعددت فالعدنانية أكثر وهذا يدل على أنهم يتلومون في نسبهم فإن صح حديث ابن لهيعة المقدم فهو دليل على أنهم من القحطانية والله أعلم. وقد قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (4). قال علماء النسب يقال شعوب. ثم قبائل ثم عمائر. ثم بطون. ثم أفخاذ، ثم فصائل. ثم عشائر (5). والعشيرة أقرب الناس إلى الرجل وليس بعدها شئ. ولنبدأ أولا بذكر القحطانية


(2) الهجان: الكريم العالي النسب. والازهر: المشهور. (2) قوله أبى عشابة كذا بالاصل بباء. وليس بين الرجال من تكنى بهذه الكنية والموجود أبوعشانة المعافري المصري. واسمه حي بن يؤمن. (3) في أصول الاحساب: فجاءت بقضاعة على فراش مالك بن مرة فنسبته العرب إلى زوج أمه، وقيل إن اسم الجرهمية قضاعة فلما جاءت بولدها سمته باسمها، وقيل كان اسمه عمرا. وقيل كان اسمها عكبرة. وقال الطبري في ذلك: ج 2 / 190: ونزار كان يكنى أبا إياد أمه معانة بنت جوشم بن جلهمة بن عمرو وأخوته لامه وأبيه:. وعد منهم قضاعة، وبه كان معد يكنى. وفي أنساب السمعاني ; ص 6 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قضاعة من معد وكان به يكنى. (4) سورة الحجرات الآية 13. (5) تقدم التعليق على طبقات الانساب. وقال النووي في تحرير التنبيه: وزاد بعضهم العشيرة قبل الفصيلة. وقال الجوهري في الصحاح: وعشيرة الرجل هم رهطه الادنون. [ * ]

[ 191 ]

ثم نذكر بعدهم عرب الحجاز وهم العدنانية وما كان من أمر الجاهلية ليكون ذلك متصلا بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وقد قال البخاري (باب ذكر قحطان) حدثنا عبد العزيز بن عبد الله [ قال ] حدثنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي المغيث (1) عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه وكذا رواه مسلم عن قتيبة عن الدراوردي عن ثور بن زيد به. قال السهيلي وقحطان أول من قيل له أبيت اللعن وأول من قيل له أنعم صباحا. وقال الامام أحمد حدثنا أبو المغيرة عن جرير حدثني راشد بن سعد المقراي عن أبي حي، عن ذي فجر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان هذا الامر في حمير فنزعه الله منهم فجعله في قريش (وس ى ع ود ا ل ى ه‍ م) قال عبد الله كان هذا في كتاب أبي وحيث حدثنا به تكلم به على الاستواء يعني: " وسيعود إليهم ". قصة سبأ قال الله تعالى: (لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور. فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل. ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور. وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين. فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) (2). قال علماء النسب منهم محمد بن إسحاق: اسم سبأ عبد شمس (3) بن يشجب بن يعرب بن قحطان قالوا وكان أول من سبى من العرب فسمي سبأ لذلك. وكان يقال له الرائش لانه كان يعطي الناس الاموال من متاعه. قال السهيلي: ويقال إنه أول من تتوج. وذكر بعضهم أنه كان مسلما وكان له شعر بشر فيه بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك قوله: سيملك بعدنا ملكا عظيما * نبي لا يرخص في الحرام ويملك بعده منهم ملوك * يدينون العباد بغير ذام


(1) في البخاري كتاب بدء الخلق باب ذكر قحطان: أبي الغيث، وكذلك في سيرة ابن كثير. (2) سورة سبأ الآيات من 15 - 19. (3) في جمهرة أنساب العرب: اسم سبأ عامر. [ * ]

[ 192 ]

ويملك بعدهم منا ملوك * يصير الملك فينا باقتسام ويملك بعد قحطان نبي * تقي جبينه خير الانام (1) يسمى أحمدا ياليت أني * أعمر بعد مبعثه بعام فأعضده وأحبوه بنصري * بكل مدجج وبكل رام متى يظهر فكونوا ناصريه * ومن يلقاه يبلغه سلامي حكاه ابن دحية في كتابه التنوير في مولد البشير النذير. وقال الامام أحمد حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن دعلة (2) سمعت عبد الله بن العباس يقول إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ ما هو أرجل أم امرأة أم أرض قال: " بل هو رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة وبالشام منهم أربعة. فأما اليمانيون فمذحج وكندة والازد والاشعريون وأنمار وحمير [ وعربا كلها ]. وأما الشامية فلخم وجذام وعاملة وغسان. وقد ذكرنا في التفسير أن فروة بن مسيك الغطيفي (3) هو السائل عن ذلك كما استقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه هناك ولله الحمد. والمقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلها وقد كان فيهم التبابعة بأرض اليمن واحدهم تبع وكان لملوكهم تيجان يلبسونها وقت الحكم كما كانت الاكاسرة ملوك الفرس يفعلون ذلك وكانت العرب تسمي كل من ملك اليمن مع الشحر وحضرموت تبعا، كما يسمون من ملك الشام مع الجزيرة قيصر، ومن ملك الفرس كسرى، ومن ملك مصر فرعون، ومن ملك الحبشة النجاشي، ومن ملك الهند بطليموس، وقد كان من جملة ملوك حمير بأرض اليمن بلقيس. وقد قدمنا قصتها مع سليمان عليه السلام وقد كانوا في غبطة عظيمة وأرزاق دارة وثمار وزروع كثيرة وكانوا مع ذلك على الاستقامة والسداد وطريق الرشاد فلما بدلوا نعمة الله كفرا أحلوا قومهم دار البوار. قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا وزعم السدي أنه


(1) كذا في الاصل، وفي تفسير ابن كثير: مخبت. (2) في المسند 1 / 316: ثنا أبو عبد الرحمن ثنا عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، عن عبد الله بن هبيرة السبائي عن عبد الرحمن بن وعلة قال: (3) في أنساب السمعاني: السائل فروة بن مسيك المرادي. وفيه الذين تيامنوا: فالاسد وكندة وخمير والاشعريون ومدحج، فقال رجل يا رسول الله ما أنمار قال: هم الذين منهم بجيلة وخثعم. وفي إسناد آخر ذكر: هوازن وعك وسقط اسم مذحج. ويذهب جواد علي في أن سبأ هو اسم لشعب وليس لرجل وأن هذا الشعب كان يحكم ناحية صغيرة من اليمن ثم اتسع شيئا فشيئا. [ * ]

[ 193 ]

أرسل إليهم اثني عشر ألف نبي فالله أعلم. والمقصود أنهم لما عدلوا عن الهدى (1) إلى الضلال وسجدوا للشمس من دون الله وكان ذلك في زمان بلقيس وقبلها أيضا واستمر ذلك فيهم حتى أرسل الله عليهم سيل العرم (2) كما قال تعالى: (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل. ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) (3). ذكر غير واحد من علماء السلف والخلف من المفسرين وغيرهم أن سد مأرب كان صنعته (4) أن المياه تجري من بين جبلين فعمدوا في قديم الزمان فسدوا ما بينهما ببناء محكم جدا حتى ارتفع الماء فحكم على أعالي الجبلين وغرسوا فيهما البساتين والاشجار المثمرة الانيقة، وزرعوا الزروع الكثيرة، ويقال كان أول من بناه سبأ بن يعرب (5) وسلط إليه سبعين واديا يفد إليه وجعل له ثلاثين فرضة يخرج منها الماء ومات ولم يكمل بناؤه فكملته حمير بعده وكان اتساعه فرسخا في فرسخ (6) وكانوا في غبطة عظيمة وعيش رغيد وأيام طيبة حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فتمتلئ من الثمار ما يتساقط فيه من نضجه وكثرته وذكروا أنه لم يكن في بلادهم شئ من البراغيث ولا الدواب المؤذية لصحة هوائهم وطيب فنائهم كما قال تعالى: (لقد كان لسبأ في سكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور) [ سبأ: 15 ] وكما قال تعالى: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) [ إبراهيم: 3 ] فلما عبدوا غير الله وبطروا نعمته وسألوا بعد تقارب ما بين قراهم وطيب ما بينها من البساتين وأمن الطرقات سألوا أن يباعد بين أسفارهم وأن يكون سفرهم في مشاق وتعب وطلبوا أن يبدلوا بالخير شرا كما سأل بنو إسرائيل بدل المن والسلوى البقول والقثاء والفوم والعدس والبصل فسلبوا تلك النعمة العظيمة والحسنة العميمة بتخريب البلاد والشنات على وجوه العباد كما


(1) قال القرطبي في الجامع: 14 / 285: بعد أن اعرضوا عن أمره واتباع رسله بعد أن كانوا مسلمين. (2) العرم: قال ابن عباس: العرم: السد وقال عطاء: العرم اسم الوادي. وقال الزجاج: العرم اسم الجرذ الذي نقب السكر عليهم - فنسب السيل إليه. وقال ابن الاعرابي: العرم من أسماء الفأر. (3) سورة سبأ الآية 16. (4) قال جواد علي في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 2 / 100 - 212: أن المكربون (لقب أصحاب سبأ) هم الذين بدأوا إقامة السدود، وقد بدأت السدود عمليات هندسية صغيرة غرضها احتجاز مياه الامطار الموسمية وقد أقيمت مجموعة من السدود. إلى عهد المكرب يثع أمر بين فأقام هو وابنه سلسلة من السدود أكملت سد مأرب. وعثر ميلر في أنقاضه على كتابات تعود إلى أن بناءه كان في القرن الثامن قبل الميلاد. (5) تاريخ العرب قبل الاسام ص 174: العرم وهو سد أصم طوله من الشرق إلى الغرب نحو ثمانمائة ذراع وعلوه بضعة عشر ذراعا وعرضه 150 ذراعا. [ * ]

[ 194 ]

قال تعالى: (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم). قال غير واحد أرسل الله على أصل السد الفار وهو الجرذ ويقال الخلد فلما فطنوا لذلك أرصدوا عندها السنانير (1) فلم تغن شيئا إذ قد حم القدر ولم ينفع الحذر كلا لا وزر فلما تحكم في أصله الفساد سقط وانهار فسلك الماء القرار فقطعت تلك الجداول والانهار وانقطعت تلك الثمار ومادت تلك الزروع والاشجار وتبدلوا بعدها بردئ الاشجار والاثمار كما قال العزيز الجبار: (وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد هو الاراك وثمره البرير وأثل وهو الطرفاء (2). وقيل يشبهه. وهو حطب لا ثمر له (وشئ من سدر قليل) وذلك لانه لما كان يثمر النبق كان قليلا مع أنه ذو شوك كثير وثمره بالنسبة إليه كما يقال في المثل لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى ولهذا قال تعالى: (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) أي إنما نعاقب هذه العقوبة الشديدة من كفر بنا، وكذب رسلنا، وخالف أمرنا، وانتهك محارمنا. وقال تعالى: (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق) وذلك أنهم لما هلكت أموالهم وخربت بلادهم احتاجوا أن يرتحلوا منها وينتقلوا عنها فتفرقوا في غور البلاد ونجدها أيدى سبأ شذر مذر (3) فنزلت طوائف منهم الحجاز ومنهم خزاعة نزلوا ظاهر مكة وكان من أمرهم ما سنذكره ومنهم المدينة المنورة اليوم فكانوا أول من سكنها ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير فخالفوا الاوس والخزرج وأقاموا عندهم وكان من أمرهم ما سنذكره ونزلت طائفة أخرى منهم الشام وهم الذين تنصروا فيما بعد وهم غسان وعاملة وبهراء ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم وسنذكرهم عند ذكر فتوح الشام في زمن الشيخين رضي الله عنهما. قال محمد بن إسحاق حدثني أبو عبيدة قال: قال الاعشى بن قيس بن ثعلبة وهو ميمون بن قيس: وفي ذاك للمؤتسي أسوة * ومأرم عفى عليها العرم (4)


(1) قال القرطبي في أحكامه: قال وهب: كانوا يزعمون أنهم يجدون في عملهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا إلى جانبها هرة. (2) قال أبو عبيدة: الخمط: هو كل شجرة ذي شوك فيه مرارة. وقال الزجاج: الخمط كل نبت فيه مرارة لا يمكن أكله. والاثل: واحدته أثلة وجمعه أثلاث. وقال الحسن: الاثل الخشب وقال أبو عبيدة: الاثل: هو شجر النضار. (3) مثل كانت العرب تضربه في سبأ فتقول: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ. (4) كذا في الاصل مأرم والصواب من ابن هشام: مأرب. [ * ]

[ 195 ]

رخام بنته لهم حمير * إذا جاء مواره لم يرم (1) فأروى الزرع وأعنابها * على سعة ماؤهم إذ قسم (2) فصاروا أيادي لا بقدرو * ن على شرب طفل إذا ما فطم (3) وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن أول من خرج من اليمن قبل سيل العرم عمرو بن عامر اللخمي ولخم هو ابن عدي بن الحارث بن مرة بن أزد (4) بن زيد بن مهع (5) بن عمرو بن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ. ويقال لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ قاله ابن هشام. قال ابن إسحاق وكان سبب خروجه من اليمن فيما حدثني أبو زيد الانصاري أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمن فكاد قومه فأمر أصغر ولده إذا أغلظ عليه ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي. وعرض أمواله. فقال أشراف من أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه أمواله وانتقل في ولده وولد ولده. وقالت الازد لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك، فكانت حربهم سجالا، ففي ذلك قال عباس بن مرداس: وعك بن عدنان الذين تلعبوا (6) بغسان حتى طردوا كل مطرد قال فارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلاد فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام ونزل الاوس


(1) مواره: بضم الميم وفتحها: تلاطم مائة وتموجه. (2) كذا في الاصل الزرع: وفي سيرة ابن كثير وابن هشام: الزروع وهو الصواب. وفي كتاب الاكليل للهمداني: فأروى الحروث وأعنابها على ساعة ماؤهم ينقسم. (3) في ابن هشام: ما يقدرون. (4) في ابن هشام أدد وهو الصواب. (5) في ابن هشام: هميسع وهو الصواب. وفي جمهرة أنساب العرب ص 485: ابن زيد بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ. وزاد ولخم هو مالك. (6) في أصول الاحساب: تلقبوا. قال ابن هشام ; وغسان ماء بسد مآرب في اليمن ويقال غسان: ماء بالمشلل جبل وراء عزور: واد قريب من المدينة. قريب من الجحفة. وهي قرية على طريق المدينة في مكة. وقال صاحب فهرست المعجم الجغرافي: رحل آل جفنة من اليمن، إلى الشام ونزلوا بماء يقال له غسان فسموا به وأقاموا ببادية الشام. ولقد لاحظنا الرأيين هنا لما بينهما من خلاف. [ * ]

[ 196 ]

والخزرج يثرب ونزلت خزاعة مرا (1) ونزلت أزد السراة السراة (2) ونزلت أزد عمان عمان ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه وفي ذلك أنزل الله هذه الآيات (3) وقد روي عن السدي قريب من هذا. وعن محمد بن إسحاق في روايته أن عمرو بن عامر كان كاهنا وقال غيره كانت امرأته طريفة بنت الخير الحميرية كاهنة فأخبرت بقرب هلاك بلادهم وكأنهم رأوا شاهد ذلك في الفأر الذي سلط على سدهم ففعلوا ما فعلوا والله أعلم. وقد ذكرت قصته مطولة عن عكرمة فيما رواه ابن أبي حاتم في التفسير. فصل وليس جميع سبأ خرجوا من اليمن لما أصيبوا بسيل العرم بل أقام أكثرهم بها وذهب أهل مأرب الذين كان لهم السد فتفرقوا في البلاد وهو مقتضى الحديث المتقدم عن ابن عباس أن جميع قبائل سبأ لم يخرجوا من اليمن بل إنما تشاءم منهم أربعة وبقي باليمن ستة وهم مذحج وكندة وأنمار والاشعريون وأنمار هو أبو خثعم وبجيلة وحمير فهؤلاء ست قبائل من سبأ أقاموا باليمن واستمر فيهم الملك والتبايعة حتى سلبهم ذلك ملك الحبشة بالجيش الذي بعثه صحبة أميريه أبرهة وأرياط نحوا من سبعين سنة ثم استرجعه سيف بن ذي يزن الحميري. وكان ذلك قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقليل كما سنذكره مفصلا قريبا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان. ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن عليا وخالد بن الوليد ثم أبا موسى الاشعري ومعاذ بن جبل وكانوا يدعون إلى الله تعالى ويبينون لهم الحجج ثم تغلب على اليمن الاسود العنسي وأخرج نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها فلما قتل الاسود استقرت اليد الاسلامية عليها في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه كما سنبين ذلك بعد البعثة إن شاء الله تعالى. قصة ربيعة بن نصر بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر المتقدم ذكره اللخمي كذا ذكره ابن إسحاق وقال السهيلي: ونساب اليمن تقول نصر بن ربيعة (4) بن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم وقال الزبير بن بكار ربيعة بن نصر بن مالك بن


(1) مر وهو الذي يقال له مر الظهران، وهو على مرحلة من مكة. (2) السراة: جبل مشرف على عرفة ينقاد إلى صنعاء وإنما سمي بذلك لعلوه ويقال له سراة: (3) قال الله تعالى: (لقد كان لسبإ في مسكنهم آية فجنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم). (4) في السهيلي: وبعضهم يقول فيه: نصر بن ربيعة وهو في قول نساب اليمن ربيعة بن نصر. = [ * ]

[ 197 ]

شعوذ بن مالك بن عجم بن عمرو بن نمارة بن لخم ولخم أخو جذام وسمي لخما لانه لخم أخاه أي لطمه فعضه الآخر في يده فجذمها فسمي جذاما. وكان ربيعة أحد ملوك حمير التبابعة وخبره مع شق وسطيح الكاهنين وإنذارهما بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما سطيح فاسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان. وأما شق فهو ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قيس (1) بن عبقر بن أنمار بن نزار ومنهم من يقول أنمار بن أراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نابت (2) بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ويقال إن سطيحا كان لا أعضاء له وإنما كان مثل السطيحة ووجه في صدره وكان إذا غضب انتفخ وجلس وكان شق نصف إنسان ويقال إن خالد بن عبد الله بن القسري كان سلالته وذكر السهيلي أنهما ولدا في يوم واحد وكان ذلك يوم ماتت طريفة بنت الخير الحميرية ويقال إنها تفلت في فم كل منهما فورث الكهانة عنها وهي امرأة عمرو بن عامر المتقدم ذكره والله أعلم. قال محمد بن إسحاق وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة فرأى رؤيا هائلة هالته وفظع (3) بها فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه فقال لهم إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بها وبتأويلها. فقالوا (4) اقصصها علينا نخبرك بتأويلها. فقال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها (5) لانه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها. فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى شق وسطيح، فإنه ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانه بما سأل عنه. فبعث إليهما فقدم إليه سطيح قبل شق فقال له: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها فقال أفعل. رأيت حممة (6) خرجت من ظلمة.


= وفي جمهرة ابن حزم: نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن مسعود بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم. ولخم هو مالك بن عدي. (1) في ابن هشام: مس. وفي الطبري: ابن نذير بن قيس. (2) في ابن هشام وفي الاشتقاق لابن دريد: نبت. (3) فظع بها: اشتدت عليه، يقال فظع به الامر: اشتد عليه. (4) في ابن هشام: قالوا له: (5) في ابن هشام: عن تأويلها. وفي الطبري بتأويلها. (6) حممة: فحمة، وأراد هنا فحمة فيها نار. وفي المسعودي جمرة خرجت ظلمة. [ * ]

[ 198 ]

فوقعت بأرض تهمة (1). فأكلت منها كل ذات جمجمة. فقال له الملك ما اخطأت منها شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها، قال: أحلف بما بين الحرتين من حنش لتهبطن أرضكم الحبش (2). فليملكن ما بين أبين إلى جرش (3) فقال له الملك: يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده. فقال: لا وأبيك بل بعده بحين. أكثر من ستين أو سبعين. يمضين من السنين قال أفيدوم ذلك من سلطانهم (4) أم ينقطع قال بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ثم يقتلون (5) ويخرجون منها هاربين قال ومن بلى ذلك من قتلهم وإخراجهم قال يليهم أرم [ بن ] ذي يزن يخرج عليهم من عدن. فلا يترك منهم أحدا باليمن. قال أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع قال: ومن يقطعه، قال: نبي زكي. يأتيه الوحي من قبل العلي قال وممن هذا النبي ؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر. يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال وهل للدهر من آخر قال نعم يوم يجمع فيه الاولون والآخرون. يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال أحق ما تخبرني قال نعم. والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق. قال ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان قال نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة. فوقعت بين روضة وأكمة. فأكلت منها كل ذات نسمة. [ قال ] (6): فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا وأن قولهما واحد إلا أن سطيحا قال وقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة. وقال شق وقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة فقال له الملك ما أخطأت يا شق منها شيئا فما عندك في تأويلها فقال أحلف بما بين الحرتين من انسان. لينزلن أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة (7) البنان وليملكن ما بين لين إلى نجران فقال له الملك وأبيك ياشق إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني. أم بعده قال لا بل بعده بزمان. ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان. ويذيقهم أشد الهوان. قال ومن هذا العظيم


(1) تهمة: الارض المنخفضة المتصوبة نحو البحر ومنها سميت تهامة. (2) الحبش: يقال إنهم بنو حبش بن كومش بن حام بن نوح وبه سميت الحبشة. (3) أبين: بفتح أوله ويكسر، مخلاف باليمن منه عدن. وفي معجم البلدان: أبين: موضع في جبل عدن. جرش: بضم أوله وفتح ثانيه: من مخاليف اليمن من جهة مكة. وفتحت جرش في زمن النبي صلى الله عليه وسلم سنة 10 ه‍. (4) في الطبري وابن هشام: ملكهم بدل سلطانهم. (5) في الطبري: يقتلون بها أجمعون. (6) ما بين المعكوفين زيادة من ابن هشام. (7) طفلة: الناعمة الرخصة. [ * ]

[ 199 ]

الشان ؟ قال غلام لبس بدني ولا مدن (1) يخرج عليهم من بيت ذي يزن [ فلا يترك منهم أحدا باليمن ]. قال أفيدوم سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل من أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال: وما يوم الفصل ؟ قال يوم يجزى فيه الولات يدعى فيه من السماء بدعوات تسمع منها الاحياء والاموات ويجمع الناس فيه للميتات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات. قال أحق ما تقول قال إي ورب السماء والارض. وما بينهما من رفع وخفض. إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض (2). قال ابن إسحاق فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة قال ابن إسحاق فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر يعني الذي كان نائبا على الحيرة لملوك الاكاسرة وكانت العرب تفد إليه وتمتدحه وهذا الذي قاله محمد بن إسحاق من أن النعمان بن المنذر من سلالة ربيعة بن نصر قاله أكثر الناس. وقد روى ابن إسحاق أن امير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جئ بسيف النعمان بن المنذر سأل جبير بن مطعم عنه ممن كان ؟ فقال: من أشلاء قنص بن معد بن عدنان قال ابن إسحاق فالله أعلم أي ذلك كان. قصة تبع أبي كرب مع أهل المدينة (وكيف أراد غزوة البيت الحرام ثم شرفه وعظمه وكساه الحلل فكان أول من كساه) قال ابن إسحاق فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبي كرب وتبان أسعد تبع الآخر ابن كلكيكرب (3) بن زيد وزيد تبع الاول بن عمرو ذي الاذعار (4) بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن عدي (5) بن صيفي بن سبأ الاصغر بن كعب كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قس (6) بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أنس (7) بن الهميسع بن العربحج والعربحج هو حمير بن سبأ الاكبر بن يعرب بن


(1) مدن: وهو المقصر في الامور وفي ابن الاثير: مزن: المتهم بالامر. (2) أمض: الشك بلغة حمير. وقال أبو عمرو: أمض: أي باطل. (3) في ابن هشام كلي كرب وفي الطبري: بن ملكيكرب. (4) اتفق الطبري وابن إسحاق على أن ذا الاذعار هو عمرو وخالفهما المسعودي في مروج الذهب فقال: ذو الاذعار هو العبد بن ابراهة وكان ملكة خمسا وعشرين وسنة. (5) في الطبري: ابن قيس بن صيفي. (6) في ابن هشام والطبري: ابن قيس. (7) في الطبري وابن هشام: ابن أيمن بن الهميسع بن العرنجج والعرنجج: هو من قولهم اعرنجج الرجل في أمره: إذا جد فيه. كأنه أفعنلل. [ * ]

[ 200 ]

يشجب بن قحطان. قال عبد الملك بن هشام سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. قال ابن إسحاق وتبان أسعد أبو كرب هو الذي قدم المدينة (1) وساق الحبرين من اليهود إلى اليمن وعمر البيت الحرام وكساه وكان ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر. وكان قد جعل طريقه حين رجع من غزوة بلاد المشرق (2) على المدينة وكان قد مر بها في بدأته فلم يهج أهلها وخلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة فقدمها وهو مجمع لا خرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها (3). فجمع له هذا الحي من الانصار ورئيسهم عمرو بن طلحة (4) أخو بني النجار ثم أحد بني عمرو بن مبذول واسم مبذول عامر بن مالك بن النجار واسم النجار تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة [ بن ] عمرو بن عامر. وقال ابن هشام: عمرو بن طلحة (4) هو عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار وطلة أمه وهي بنت عامر بن زريق الخزرجية. قال ابن إسحاق: وقد كان رجل من بني عدي بن النجار يقال له أحمر عدا على رجل من أصحاب تبع وجده يجد (5) عذقا له فضربه بمنجله فقتله وقال إنما التمر لمن أبره فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم. فاقتتلوا فتزعم الانصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل فيعجبه ذلك منهم ويقول والله إن قومنا لكهام (6) وحكى ابن إسحاق عن الانصار: أن تبعا إنما كان حنقه على اليهود أنهم منعوهم منه. قال السهيلي ويقال إنه إنما جاء لنصرة الانصار أبناء عمه على اليهود الذين نزلوا عندهم في المدينة على شروط فلم يفوا بها واستطالوا عليهم والله أعلم. قال ابن إسحاق فبينا تبع على ذلك من قتالهم إذ جاءه حبران من أحبار اليهود من بني قريظة عالمان راسخان (7) حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها فقالوا له أيها الملك لا تفعل فإنك إن


(1) في مروج الذهب ج 2 / 82: أن تبع بن حسان بن كليكرب هو الذي قدم المدينة يريد هدم الكعبة. فمنعه أحبار اليهود، فكساها القصب اليماني. (2) في ابن هشام والطبري: حين أقبل من المشرق. (3) قيل إن تبعا لم يقصد غزوها، وإنما قصدها وقتل من اليهود مقتلة عظيمة بسبب شكاية من شكاهم إليه من الاوس والخزرج بسبب سوء الجوار انظر الطبري ج 2 / 39 وشرح السيرة لابي ذر. (4) في الطبري وابن هشام: عمرو بن الطلة. (5) يجد: يقطع. (6) كذا في الاصل لكهام، والصواب كما في الطبري وابن هشام: لكرام. (7) هما: كعب وأسد من بني قريظة وكانا ابني عم وكانا أعلم أهل زمانهما. طبري ج 2 / 95. [ * ]

[ 201 ]

أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك جل (1) العقوبة فقال لهما ولم ذلك قالا هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان تكون داره وقراره فتناهى [ عن ذلك ] ورأى أن لهما علما وأعجبه ما سمع منهما فانصرف عن المدينة وأتبعهما على دينهما. قال ابن إسحاق: وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها فتوجه إلى مكة وهي طريقه إلى اليمن حتى إذا كان بين عسفان وامج (2) أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان فقالوا له أيها الملك ألا ندلك على بيت مال داثرا غفلته الملوك قبلك فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة قال: بلى ; قالوا: بيت بمكة يعبده أهله، ويصلون عنده. وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين فسألهما عن ذلك، فقالا له: ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك ما نعلم بيتا لله عزوجل اتخذه في الارض لنفسه غيره ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا قال: فماذا تأمرانني أن أصنع إذا أنا قدمت عليه قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله: تطوف به، وتعظمه وتكرمه، وتحلق رأسك عنده، وتذلل له (3)، حتى تخرج من عنده. قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك قالا أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم عليه السلام وإنه لكما أخبرناك، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالاوثان التي نصبوها حوله، وبالدماء التي يهريقون عنده، وهم نجس أهل شرك - أو كما قالا له - فعرف نصحهما وصدق حديثهما، وقرب النفر من هذيل، فقطع أيديهم وأرجلهم (4) ثم مضى حتى قدم مكة، فطاف بالبيت، ونحر عنده، وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام - فيما يذكرون - ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل،


(1) في الطبري وابن هشام: عاجل. وفي تراجعه عن المدينة وفضل ابن الطلة وامتناعه عن تبع بقول خالد بن مالك بن النجار: أصحا أم انتهى ذكره * أم قضى من لذة وطره يا بني النجار إن لنا * فيهم قبل الاوان تره سيد سامي الملوك ومن * يغز عمرا لا يجد قدره وفي أخبار الازرقي: حتى إذا كان بالدف من جمدان بين أمج وعسفان ج 1 / 133. وجاء في تعليله: أن هذيل حسدا لقريش على ولايتهم البيت فعلوا ذلك. (2) عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة. وقيل على ستة وثلاثين ميلا من مكة. وأمج: بلد من أعراض المدينة وقيل واد. (3) في الطبري: وتتذلل له ; وفي ابن هشام: وتذل له. (4) في أخبار الازرقي: فضربت أعناقهم وصلبهم، 1 / 133. [ * ]

[ 202 ]

وأري في المنام أن يكسوا البيت فكساء الخصف (1) ثم أري في المنام أن يكسوه أحسن من ذلك فكساء المعافر (2) ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساء الملاء (3) والوصائل، وكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت وأوصى به ولاته من جرهم وأمرهم بتطهيره وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاتا (4) وهي المحايض وجعل له بابا ومفتاحا ففي ذلك قالت سبيعة بنت الاحب تذكر ابنها خالد بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب وتنهاه عن البغي بمكة وتذكر له ما كان من أمر تبع فيها: أبني لا تظلم بمك‍ * كة لا الصغير ولا الكبير واحفظ محارمها ب‍ * ني ولا يغرنك الغرور أبني من يظلم بمك‍ * ة يلق أطراف الشرور أبني يضرب وجهه * ويلج بخديه السعير (5) أبني قد جربتها * فوجدت ظالمها يبور الله آمنها وما * بنيت بعرصتها قصور ولله آمن طيرها * والعصم تأمن في ثبير (6) ولقد غزاها تبع * فكسا بنيتها الحبير وأذل ربي ملكه * فيها فأوفى بالنذور يمشي إليها حافيا * بفنائها ألفا بعير ويظل يطعم أهلها * لحم المهارى والجزور يسقيهم العسل المصفى * والرحيض من الشعير (7)


(1) كذا في الاصل فكساء الخصف وفي الطبري وابن هشام: فكساه الخصف ; والخصف: حصر تنسخ من خوص النخل ومن الليف. (2) كذا في الاصل فكساء المعافر ; وفي الطبري وابن هشام: فكساه المعافر. والمعافر ثياب تنسب إلى قبيلة يمنية. وفي الاخبار الازرقي: كساها الانطاع 1 / 250. (3) كذا في الاصل فكساء الملاء والصواب كما في الطبري وابن هشام فكساه الملاء والوصائل. والملاء جمع ملاءة وهي الملحفة. والوصائل: ثياب مخططة يمنية توصل بعضها ببعض. وفي أخبار الازرقي: ثياب حبرة من عصب اليمن. وقال أسعد في ذلك: وكسونا البيت الذي حرم الل‍ * ه ملاء ومعضدا وبرودا (4) في الطبري: ميلاثا. (5) في ابن هشام وسيرة ابن كثير: يلح. (6) العصم: الوعول التي تقصم في الجبال. وثبير: جبل بمكة. (7) الرحيض: المنقى والمصفى. [ * ]

[ 203 ]

والفيل أهلك جيشه * يرمون فيها بالصخور والملك في أقصى البلا * د وفي الاعاجم والخزور (1) فاسمع إذا حدثت واف‍ * هم كيف عاقبة الامور قال ابن إسحاق ثم خرج تبع متوجها إلى اليمن بمن معه من الجنود (2) وبالحبرين حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن. قال ابن إسحاق: حدثني أبو مالك بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيدالله يحدث: أن تعبا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا فدعاهم إلى دينه وقال: إنه خير من دينكم قالوا تحاكمنا (3) إلى النار قال: نعم. قال: وكانت باليمن فيما يزعم أهل اليمن نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه تأخذ (4) الظالم ولا تضر المظلوم فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه فخرجت النار إليهم فلما أقلبت (5) نحوهم حادوا عنها وهابوها فزجرهم (6) من حضرهم من الناس وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الاوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما ولم تضرهما فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما (7) فمن هنالك كان أصل اليهودية باليمن. قال ابن إسحاق وقد حدثني محدث (8) أن الحبرين ومن خرج من حمير إنما اتبعوا النار ليردوها وقالوا: من ردها فهو أولى بالحق. فدنا منها رجال حمير بأوثانهم ليردوها، فدنت منهم لتأكلهم فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردها فدنا منها الحبران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراة وهي تنقص (9)


(1) كذا في الاصل الخزور وهو تحريف، وفي ابن هشام وسيرة ابن كثير: الخزير والخزير: أمة من العجم ويقال لهم الخزر أيضا. (2) في الطبري وابن هشام: من جنوده. (3) في الطبري وابن هشام وسيرة ابن كثير: فحاكمنا. (4) في ابن هشام والطبري: تأكل. (5) في الطبري وابن هشام وسيرة ابن كثير: أقبلت. (6) في الطبري وابن هشام وسيرة ابن كثير: فذمرهم: أي حضهم وشجعهم. (7) في سيرة ابن كثير وابن هشام والطبري: فأصفقت حمير عند ذلك على دينه: أي اجتمعت. (8) في الطبري: عن بعض أصحابه. (9) كذا في الاصل والمطبوعة تنقص وهو تحريف والصواب في الطبري وابن هشام وسيرة ابن كثير: تنكص. [ * ]

[ 204 ]

عنهما، حتى رداها إلى مخرجها الذي خرجت منه فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما والله أعلم أي ذلك كان. قال إبن إسحاق وكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون فيه (1) إذ كانوا على شركهم فقال الحبران لتبع: إنما هو شيطان يفتنهم بذلك فخل بيننا وبينه قال: فشأنكما به فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلبا أسود فذبحاه ثم هدما ذلك البيت فبقاياه اليوم كما ذكر لي بها آثار الدماء التي كانت تهراق عليه. وقد ذكرنا في التفسير الحديث الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تسبوا تبعا فإنه قد كان أسلم " قال السهيلي وروى معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تسبوا أسعد الحميري فإنه أول من كسى الكعبة ". قال السهيلي وقد قال تبع حين أخبره الحبران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرا: شهدت على أحمد أنه * رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره * لكنت وزيرا له وابن عم وجاهدت بالسيف أعداءه * وفرجت عن صدره كل هم قال ولم يزل هذا الشعر تتوارثه الانصار ويحفظونه بينهم وكان عند أبي أيوب الانصاري رضي الله عنه وأرضاه. قال السهيلي وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب القبور أن قبرا حفر بصنعاء فوجد فيه امرأتان معهما لوح من فضة مكتوب بالذهب وفيه هذا قبر لميس وحبى ابنتي تبع ماتا (2) وهما تشهدان ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. ثم صار الملك فيما بعد إلى حسان بن تبان أسعد وهو أخو (3) اليمامة الزرقاء التي صلبت على باب مدينة جو (4) فسميت من يومئذ اليمامة.


(1) في ابن هشام والطبري: منه وهي أكثر مناسبة. (2) كذا في الاصل والمطبوعة وهو تحريف والصواب: ماتتا من سيرة ابن كثير. (3) في الطبري حسان بن تبع واليمامة الزرقاء ليست أخته بل هي أخت رياح بن مرة رجل من طسم هرب من اليمامة وأخبر حسان بخبر أخته اليمامة. وفي نهاية الارب للقلقشندي: سبأ بن سعد صاحب الحادثة. (4) كانت اليمامة تسمى جو أو القرية، وبها أتى حسان باليمامة ابنة مرة ففقئت عيونها فإذا فيها عروق سود، من أثر كحل حجر الاثمد. وأمر حسان بأن تسمى جو اليمامة. انظر الطبري ج 2 / 38 و 100. [ * ]

[ 205 ]

قال ابن إسحاق فلما ملك ابنه حسان بن أبي كرب تبان أسعد سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض الاعاجم حتى إذا كانوا ببعض أرض العراق كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم فكلموا أخا له يقال له عمرو وكان معه في جيشه فقالوا له أقتل أخاك حسان ونملكك علينا وترجع بنا إلى بلادنا فأجابهم فاجتمعوا على ذلك إلا ذارعين الحميري فإنه نهى عمرا عن ذلك فلم يقبل منه فكتب ذو رعين رقعة فيها هذان البيتان. ألا من يشتري سهرا بنوم * سعيد من يبيت قرير عين فأما حمير غدرت وخانت (1) * فمعذرة الاله لذي رعين ثم استودعها عمرا (2). فلما قتل عمرو أخاه حسان ورجع إلى اليمن منع منه النوم وسلط عليه السهر فسأل الاطباء والحذاق (3) من الكهان والعرافين عما به فقيل له إنه والله ما قتل رجل أخاه قط أو ذا رحم بغيا إلا ذهب نومه وسلط عليه السهر فعند ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه فلما خلص إلى ذي رعين قال له إن لي عندك براءة قال وما هي قال الكتاب الذي دفعته إليك فأخرجه فإذا فيه البيتان فتركه ورأى أنه قد نصحه وهلك عمرو فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا (4). وثوب لخنيعة (5) ذي شناتر على ملك اليمن وقد ملكها سبعا وعشرين سنة (6). قال ابن إسحاق فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت الملك يقال له لخنيعة ينوف ذو شناتر فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم وكان مع ذلك أمرءا فاسقا يعمل عمل قوم لوط فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه في مشربة له


(1) في الاشتقاق لابن دريد ; 225: فإن تك حمير غدرت وحانت. (2) زاد ابن الاثير ج 1 / 420 قال: فلما بلغ حسان ما أجمع عليه أخوه وقبائل اليمن قال لعمرو: يا عمرو لا تعجل علي منيتي * فالملك تأخذه بغير حشود فأبى إلا قتله، فقتله بموضع رحبة مالك. (3) في الطبري وابن هشام وسيرة ابن كثير: والحزاة: جمع حاز وهو الذي ينظر في النجوم ويقضي بها. (4) ملك عمرو بن تبع بعد أخيه أربعا وستين سنة ثم ملك بعده تبع بن حسان بن كليكرب ثم عمرو بن تبع ثم مرثد بن عبد كلال ثم وليعة بن مرثد ثم ابراهة بن الصباح بن وليعة ثم عمرو بن ذي قيفان. على ما ذكره صاحب مروج الذهب 1 / 82 وكانت مدة ملكهم بعد عمرو أخي حسان 253 سنة. وفيما ذكره المسعودي أن تبع بن حسان كان قبل حسان تبان أسعد كما ورد سابقا. (5) قوله لخنيعة بالنون وهو كذلك في سيرة ابن هشام والطبري وقال ابن دريد: لخيعة وفي ابن الاثير: لختيعة تنوف ذو شناتر وفي القاموس: لختيعة ذو الشناتر من ملوك اليمن. وفي مروج الذهب: ذو شناتر ولم يكن من أهل بيت الملك. (6) في مروج الذهب: ثلاثين سنة وقيل: تسعا وعشرين 1 / 83. [ * ]

[ 206 ]

قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك (1) ثم يطلع من شربته (2) تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده قد أخذ مسواكا (3) فجعله في فيه ليعلمهم أنه قد فرغ منه حتى بعث إلى زرعة (4) ذي نواس بن تبان أسعد أخي حسان وكان صبيا صغيرا حين قتل أخوه حسان ثم شب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل فلما أتاه رسوله عرف ما يريد منه فأخذ سكينا جديدا لطيفا (5) فخبأه بين قدميه ونعله ثم أتاه فلما خلا معه وثب إليه فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله ثم حز رأسه فوضعه في الكوة التي كان يشرف منها ووضع مسواكه في فيه ثم خرج على الناس فقالوا له: ذا نواس أرطب أم يباس فقال سل نحماس استرطبان ذو نواس استرطبان لا بأس (6) فنظروا إلى الكوة فإذا رأس لخنيعة مقطوع فخرجوا في أثر ذي نواس حتى أدركوه فقالوا ما ينبغي أن يملكنا غيرك إذ أرحتنا من هذا الخبيث. فملكوه عليهم واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن فكان آخر ملوك حمير وتسمى يوسف فأقام في ملكه زمانا، وبنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام على الانجيل أهل فضل واستقامة من أهل دينهم لهم (7) رأس يقال له عبد الله بن الثامر. ثم ذكر ابن إسحاق سبب دخول أهل نجران في دين النصارى وأن ذلك كان على يدي رجل يقال له فيميون (8) كان من عباد النصارى بأطراف الشام وكان مجلب الدعوة وصحبه رجل


(1) كانت حمير لا تملك من أبناء الملوك من نكح به. (2) في المطبوعة شربته وفي الطبري وابن الاثير وابن هشام: مشربته. (3) في ابن الاثير والطبري وابن هشام: سواكا. (4) في مروج الذهب: يوسف ذو نواس بن زرعة بن تبع الاصفر بن حسان بن كليكرب. وفي أخبار الدينوري ص 61، اسمه زرعة بن زيد بن كعب كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن جشم وإنما سمي ذا نواس للذؤلبة تنوس على شعره. (5) في الطبري وابن هشام: حديدا لطيفا. وفي ابن الاثير: لطيفا. (6) في ابن هشام والطبري نخماس. وفي ابن الاثير نحاس. والعبارة وردت هكذا في الاصل سل نخماس استرطبان أم يباس وهي غير واضحة وسياق العبارة في الاغاني: " كان الغلام إذا خرج من عند لخنيعة وقد لاط به قطعوا مشافر ناقته وذنبها وصاحوا به: أرطب أم يباس ولما خرج ذو نواس من عنده وركب ناقة له. قالوا: ذو نواس أرطب أم يباس ؟ فقال: ستعلم الاحراس، است ذي نواس، است رطبان أم يباس ". (7) كذا في الاصل وابن هشام والعبارة فيها خلل واضح، والصواب في الطبري: أهل فضل واستقامة لهم من أهل دينهم رأس، وفي كامل ابن الاثير: على استقامة، لهم رئيس يقال له.. (8) في ابن الاثير أن عبد الله بن الثامر كان أصل النصرانية بنجران. وفي الطبري أن عبد الله بن الثامر كان موقع أصل ذلك الدين (النصرانية) بنجران. وقال الدينوري في الاخبار الطوال: أن عبد الله بن التامر ملك النصارى في نجران أبي أن يهود فقتله ذو نواس. وفي الطبري أن [ * ]

[ 207 ]

يقال له صالح فكان (1) يتعبدان يوم الاحد ويعمل فيميون بقية الجمعة في البناء وكان يدعوا للمرضى والزمنى وأهل العاهات فيشفون، ثم استأسره وصاحبه بعض الاعراب فباعوهما بنجران فكان الذي اشترى فيميون يراه إذا قام في مصلاه بالبيت الذي هو فيه في الليل يمتلئ عليه البيت نورا فأعجبه ذلك من أمره. وكان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة [ لها عيد كل سنة ] (2) يعلقون عليها حلي نسائهم ويعكفون عندها فقال فيميون لسيده: أرأيت إن دعوت الله على هذه الشجرة فهلكت أتعلمون أن الذي أنتم عليه باطل. قال نعم فجمع له أهل نجران وقام فيميون إلى مصلاه فدعا الله عليها فأرسل الله عليها قاصفا فجعفها (3) من أصلها ورماها إلى الارض فاتبعه أهل نجران على دين النصرانية وحملهم على شريعة الانجيل حتى حدثت فيهم الاحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض فمن هنالك كانت النصرانية بنجران من أرض العرب ثم ذكر ابن إسحاق قصة عبد الله بن الثامر حين تنصر على يدي فيميون وكيف قتله وأصحابه ذو نواس وخد لهم الاخدود (4). وقال ابن هشام وهو الحفر المستطيل في الارض مثل الخندق وأجج فيه النار وحرقهم بها قتل آخرين حتى قتل قريبا من عشرين ألفا كما قدمنا ذلك مبسوطا في أخبار بني إسرائيل وكما هو مستقصى في تفسير سورة (والسماء ذات البروج) من كتابنا التفسير ولله الحمد (5) خروج الملك باليمن من حمير إلى الحبشة السودان كما أخبر بذلك شق وسطيح الكاهنان وذلك أنه لم ينج من أهل نجران إلا رجل واحد يقال له دوس ذو ثعلبان (6) على فرس له، فسلك الرمل فأعجزهم فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصر ملك الروم فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما بلغ منهم، وذلك لانه نصراني على دينهم.


= عبد الله بن الثامر قتله ملك كان قبل ذي نواس وان ذا نواس قتل من كان بعده من أهل دينه ج 2 / 105. وكان عبد الله بن الثامر قد تنصر على يدي فيميون، واستجمع أهل نجران على دينه. الطبري ابن الاثير - ابن هشام. (1) الصواب: فكانا يتعبدان. (2) ما بين معكوفين من الطبري وابن هشام. (3) فجعفها: قطعها، وفي ابن الاثير: ريحا فجففتها والقتها. وفي ابن هشام والطبري: ريحا فجعفتها من أصلها (4) يقال إن الذين خددوا الاخدود ثلاثة: تبع صاحب اليمن، وقسطنطين بن هلاني حين صرف النصارى عن التوحيد إلى عبادة الصليب، وبختنصر من أهل بابل حين أمر الناس أن يسجدوا فامتنع دانيال وأصحابه، فألقاهم في النار. (5) راجع الآيات 4، 4، 5، 6 من سورة البروج. (6) في رواية للطبري أن الذي أفلت هو جبار بن فيض من أهل نجران. ثم قال: و " الثبت عندي أنه دوس ذو ثعلبان " ج 2 / 106. وهو يوافق ما ذكره ابن اسحاق وابن الاثير. [ * ]

[ 208 ]

فقال له بعدت بلادك منا ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين وهو أقرب إلى بلادك. فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره. فقدم دوس على النجاشي بكتاب قيصر فبعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمره عليهم رجلا منهم يقال له أرياط (1) ومعه في جنده ابرهة الاشرم فركب ارياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ومعه دوس وسار إليه ذو نواس في حمير ومن اطاعه من قبائل اليمن. فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه في البحر ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر حتى أفضى به إلى غمرة، فأدخله فيها فكان آخر العهد به ودخل أرياط اليمن وملكها (2).


(1) أورد الطبري وصية النجاشي إلى أرياط في مسيره إلى اليمن: إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم. وأخرب ثلث بلادهم واسب ثلث نسائهم وأبنائهم. (2) تناول جواد علي في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 3 / 150 وما بعدها مسألتي علاقة الاحباش باليمن والنصرانية واليهودية في جنوب الجزيرة وأتى على كل الآراء التي أوردها العلماء في ذلك وخلاصاتها: تناول جواد علي في كتابه: تاريخ العرب قبل الاسلام (ج 3 ص 150 وما يليها) مسألتي علاقة الاحباش باليمن والنصرانية واليهودية في جنوبي الجزيرة وأتى على كل الآراء التي أوردها العلماء في ذلك بتفصيل كامل، ونحن نورد خلاصة ذلك فيما يلي: 1 - من العلماء من يذهب إلى أن أصل الاحباش من جنوبي الجزيرة، هاجروا إلى العدوة الافريقية لاسباب كثيرة، منها استيلاء البرثيين على سواحل بلاد العرب الشرقية، ومن هؤلاء العلماء أدوارد جلازر في كتابه " الاحباش ". 2 - إن لفظ أثيوبيا يوناني معناه الوجه المحترق أو الاسود، وقد أطلق على أرض الحبشة وعلى مناطق واسعة لا تدخل في الحبشة اليوم تشمل جنوب مصر وسواحل أفريقيا المطلة على البحر الاحمر والمحيط الهندي جنوبي بلاد العرب، وهي تقابل لفظ كوش الوارد في التوراة، مما يدل على أن الاتصال كان وثيقا من قديم الزمان بين الشعوب التي تسكن هذه النواحي. 3 - إن أصل الاحباش الذين هاجروا من جنوبي جزيرة العرب إلى أفريقية غير معروف. 4 - لا يعرف على وجه التحديد مكان أرض " حبشت " في جزيرة العرب، والموضع الذي نزلوا فيه أول ما عبروا باب المندب. ويرى هرمل أن الحضارمة القدماء أقرب العرب الجنوبيين إلى الحبش الجنوبيين، بدليل تقارب اللهجة الحضرمية القديمة المبينة في المسند واللغة الحبشية. 5 - يذهب جلازر إلى أن الحبش هاجروا إلى أفريقية بين سنتي 370 و 378 ميلادية، ويرى هرمل أن رحلتهم منها كانت سنة 375، وكان ذلك في عهد ملكين من ملوك الحبش هما " الاعميدة " وابنه عيزان وكان عيزان يلقب بلقب بملك أكسوم وحمير وريدان والحبشة وسلح وتيماء وصيمو والبجة وقسو. وكان مركز الدولة في أكسوم، أي أن ما دخل في زمامها من بلاد العرب كان تابعا لها. 6 - وحوالي سنة 378 قام زعيم عربي اسمه " ملك كرب يهأمن " بطرد الاحباش من اليمن وانشأ ملكا عربيا، وتلقب بملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات، وخلفه أبناه أبو كرب أسعد ورا أمر أيمن، وكانوا يعبدون إلها = [ * ]

[ 209 ]

......


= يسمى ذو سموى أي إله السماء، ولوحظ أن بلاد اليمن أخذت تسير بعد ذلك نحو ديانة التوحيد. 7 - يرى المستشرقون أن أبا كرب أسعد هو أسعد كامل تبع، الذي يرى الاخباريون أنه أول من تهود من ملوك اليمن، وليس لدينا دليل على ذلك، والثابت أن هذا الملك كان يتعبد لاله يسمى ذو سموت أو إله السماء. 8 - وكانت لهؤلاء الملوك جميعا عناية بمجموعة السدود التي تعرف بسد مأرب، وأول أخبار نسمعها عن تصدعه حوالي سنة 450 أو 451 ميلادية في عهد الملك شرحبيل يعفر، فاستعان بالحميرين وقبائل حضرموت لاصلاح الصدوع. 9 - كانت عاصمة سبأ مدينة حتى نهاية القرن الثالث للميلاد، ثم حلت محلها مدينة ظفار، ويرى جلازر أن نجم مأرب أخذ في الافول منذ القرن الاول للميلاد، وإن سبب هذا هو غزو الحبش لليمن. ويرى هارتمان أن السبب ثورة الهمدانيين على الحميرين وانتصارهم، ويرى جواد علي أن السبب قد يكون تحول التجارة عن مأرب بسبب تغير طرق التجارة وتأثير الطرق البحرية التي أخذت تنافس الطرق البرية، وكانت سفن البيزنطيين قد أخذت طريقها في البحر الاحمر " فسلبت من اليمانيين ثروة عظيمة ولم يبق في امكانهم الانفاق على السد لادامته والمحافظة عليه، وهذا ما اضطر القبائل إلى الهجرة من هذه الجنة التي ولجها الجفاف بالتدريج " ولكن الملوك لم يهجروا مأرب دفعة واحدة، إذ تدل النصوص على أنهم أقاموا بها أمدا من الوقت بعد ذلك 10 - وآخر ملوك حمير كما يقول الاخباريون هو ذو نواس (وإن كان بعضهم يذهب إلى أن ابنه ذا جدن خلفه) وللاخباريين عنه قصص طويل، وفي أيامه غزا الاحباش اليمن من جديد. ولم تورد النصوص المدونة بالمسند لدى نواس ذكرا، والنص الذي يحدثنا عن غزو الاحباش لليمن هذه المرة يسمى نص " حصن غراب " وتاريخه سنة 525 بعد الميلاد. 11 - ولا يذكر مؤرخو الرومان أن ملك حمير - عندما غزا الاحباش اليمن - كان يهوديا ويكتفي بروكوبيوس بالقول بأن النجاشي كان نصرانيا، وبلغه أن الحميرين كانوا يضطهدون النصارى ويعذبونهم، ولذلك أرسل أسطولا استولى على أرض حمير وأقام عليها ملكا حميريا نصرانيا، وذكر أن بعض الحميريين كانوا على اليهودية، أما بقيتهم فكانوا وثنيين على مذهب الهيلينيين. أما الرواية الحبشية فتذهب إلى أن معظم أهل سبأ كانوا وثنيين، وأن بعضهم كانوا يهودا، وأن اليهودية دخلت اليمن بعد تشتت اليهود عقب قضاء الرومان على دولة اسرائيل وهم الامبراطور تيتوس لمعبد سليمان في أورشليم. والمفهوم أن اليهودية دخلت اليمن بعد تشتت اليهود عقب قضاء الرومان على دولة اسرائيل وهم الامبراطور تيتوس لمعبد سليمان في أورشليم. والمفهوم أن اليهودية دخلت اليمن عن طريق الحجاز. 12 - أما النصرانية فلم تدخل اليمن من طريق واحد، " وإنما دخلتها من البر والبحر، دخلتها من البر من ديار الشام فالحجاز فاليمن، ومن العراق أيضا مع القوافل التجارية المستمرة التي كانت بين اليمن والعراق، ودخلتها من البحر بواسطة السفن اليونانية والرومانية، ودخلتها كذلك مع الاحباش الذين تنصروا أيضا في القرن الرابع للميلاد ". 13 - وقد قامت بين اليهودية والنصرانية منافسة في اليمن، وانتصرت اليهودية بتولي ذي نواس اليهودي العرش، وتسميه كتابات اليونان والسريان دميانوس ودمنوس. وقد اضطهد ذو نواس النصارى، فكان ذلك سببا في غزو الاحباش لليمن سنة 525 على ما ذكرناه. 14 - وأقام الاحباش ابرهة الحميري حاكما على اليمن، وكان نصرانيا. ثم اختلف أبرهة مع النجاشي، فأرسل = [ * ]

[ 210 ]

قد ذكر ابن إسحاق هاهنا أشعارا للعرب فيما وقع من هذه الكائنة الغريبة وفيها فصاحة وحلاوة وبلاغة وطلاوة ولكن تركنا إيرادها خشية الاطالة وخوف الملالة وبالله المستعان. خروج أبرهة الاشرم على أرياط واختلافهما قال ابن إسحاق: فأقام أرياط بأرض اليمن سنين (1) في سلطانه ذلك ثم نازعه ابرهة [ الحبشي - وكان في جنده ] حتى تفرقت الحبشة عليهما. فانحاز إلى كل منهما طائفة [ منهم ] ثم سار أحدهما إلى الآخر. فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط: إنك لن تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا شيئا، فابرز لي وأبرز لك، فاينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده، فأرسل إليه أرياط انصفت، فخرج إليه أبرهة، وكان رجلا قصيرا لحميا [ حادرا ] (2) وكان ذا دين في النصرانية وخرج إليه أرياط وكان رجلا جميلا عظيما طويلا وفي يده حربة له. وخلف أبرهة غلام - يقال له عتودة - يمنع ظهره. فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه. فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته فبذلك سمي أبرهة الاشرم. وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله (3)، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة. فاجتمعت عليه الحبشة باليمن وودى أبرهة أرياط. فلما بلغ ذلك النجاشي ملك الحبشة الذي بعثهم إلى اليمن غضب غضبا شديدا على أبرهة وقال عدا على أميري فقتله بغير أمري ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته فحلق أبرهة رأسه وملا جرابا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشي ثم كتب إليه: أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك فاختلفنا في أمرك وكل طاعته لك إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة واضبط لها وأسوس منه. وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك وبعثت إليه بجراب تراب من أرضي ليضعه تحت قدمه فيبر قسمه في. فلما انتهى ذلك


= هذا الاخير جيشا بقيادة أرياط ليقضي على أبرهة. وتمكن أبرهة من قتل أرياط ثم استرضى النجاشي. وقد ترك لنا ابرهة نصا على درجة كبيرة من الاهمية، أورده جواد علي كاملا، يذكر فيه ترميمه لسد مأرب مرتين، وكان أبرهة نائبا لملك الحبشة ولكنه تلقب بملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وأعرابها في النجاد وفي تهامة، وهو اللقب القديم للملوك حمير المستقلين. وقد عظم شأن أبرهة ووفدت عليه وفود ملك الفرس والمنذر والحارث بن جبلة ورؤساء القبائل. وقد انتشرت المسيحية في اليمن بعد ذلك وبنيت الكنائس الكثيرة وأهمها الكنيسة المعروفة بالقليس، وتركزت النصرانية بصفة خاصة في نجران على ما هو معروف. 15 - وقد ظل سلطان الاحباش على اليمن حتى ثار عليهم سيف بن ذي يزن وحرر بلاده منهم. واستعان بالفرس، مما أدى إلى غزوهم اليمن على ما هو معروف. (1) في مروج الذهب: عشرين سنة، وفي أخبار الازرقي: سنتين. (2) ما بين معقوفين في الحديث زيادة من الطبري. (3) في الاخبار الطوال: أن ابرهة ضرب أرياط بالسيف على مفرق رأسه فقتله، مخالفا بروايته ابن الاثير والطبري والمسعودي. [ * ]

[ 211 ]

إلى النجاشي رضي عنه وكتب إليه أن أثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري فأقام أبرهة باليمن. سبب قصد ابرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل. وأرسل عليهم طيرا أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعصف مأكول) (1). قيل أول من ذلل الفيلة إفريدون بن أثفيان (2) الذي قتل الضحاك قاله الطبري وهو أول من اتخذ للخيل السرج. وأما أول من سخر الخيل وركبها فطهمورث (3) وهو الملك الثالث من ملوك الدنيا ويقال إن أول من ركبها اسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ويحتمل أنه أول من ركبها من العرب والله تعالى أعلم. ويقال إن الفيل مع عظمة خلقه يفرق من الهر. وقد احتال بعض أمراء الحروب في قتال الهنود بإحضار سنانير إلى حومة الوغى فنفرت الفيلة (4). قال ابن إسحاق ثم إن أبرهة بني القليس (5) بصنعاء كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشئ من الارض وكتب إلى النجاشي إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب. فذكر السهيلي أن أبرهة استذل أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة الخسيسة وسخرهم فيها أنواعا من السخر. وكان من تأخر عن العمل حتى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة. وجعل ينقل إليها من قصر بلقيس رخاما وأحجارا وأمتعة عظيمة وركب فيها صلبانا من ذهب وفضة وجعل فيها منابر من عاج وأبنوس وجعل ارتفاعها عظيما جدا واتساعها باهرا (6) فلما هلك بعد ذلك أبرهة وتفرقت الحبشة كان من يتعرض لاخذ شئ من بنائها وامتعتها أصابته الجن بسوء. وذلك لانها كانت مبنية على اسم صنمين - كعيب وامرأته - وكان طول كل منهما ستون ذراعا. فتركها أهل


(1) سورة الفيل الآيات. (2) في ابن الاثير اثغيان وهو أول من ذلل الفيلة وامتطاها ونتج للبغال. وفي مروج الذهب 1 / 231 افريدون بن اثقابان. (3) في الطبري وابن الاثير: أول من اتخذ زينة الملوك من الخيل والبغال والحمير. (4) في مروج الذهب ج 2 / 9: والفيل يهرب من السنانير وهي القطاط ولا يقف لها البتة. وقد ذكر من ملوك الفرس أنها كانت توقي الفيلة.. بتخلية السنانير عليها. وفي ذلك يقول هارون بن موسى أحد أمراء السند وكان قد واجه ملك الهند فواجه الفيل بقط معه فهرب الفيل وكان ذلك سبب هزيمة الملك: وكنت قد أعددت هرا لها * قليل التهيب للزندبيل (5) في الاخبار الطوال: بيعة. (6) في رواية للطبري ج 2 / 110 أن أبرهة كتب إلى قيصر يطلب مساعدته فأعانه بالصناع والفسيفساء والرخام. [ * ]

[ 212 ]

اليمن على حالها. فلم تزل كذلك إلى زمن السفاح (1) أول خلفاء بني العباس فبعث إليها جامعة من أهل العزم والحزم والعلم فنقضوها حجرا حجرا ودرست آثارها إلى يومنا هذا. قال ابن إسحاق فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي غضب رجل من النسأة من كنانة (1) الذين ينسئون شهر الحرام (2) إلى الحل بمكة أيام الموسم كما قررنا ذلك عند قوله: (إنما النسئ زيادة في الكفر) الآية (3). قال ابن إسحاق فخرج الكناني حتى أتى القليس فقعد فيه (4) أي أحدث حيث لا يراه أحد ثم خرج فلحق بأرضه فأخبر أبرهة بذلك. فقال من صنع هذا. فقيل له صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجه العرب بمكة لما سمع بقولك أنك تريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك هذا فغضب فجاء فقعد فيها أي أنه ليس لذلك بأهل. فغضب أبرهة عند ذلك وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه. ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت. ثم سار وخرج معه بالفيل (5) وسمعت بذلك العرب فاعظموه وفظعوا به ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام. فخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر. فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام وما يريده من هدمه وإخرابه. فأجابه من أجابه إلى ذلك. ثم عرض له فقاتله. فهزم ذو نفر وأصحابه وأخذ له ذو نفر فأتي به أسيرا. فلما أراد قتله، قال له ذو نفر: يا أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من القتل (6). فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق، وكان أبرهة رجلا حليما ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له حتى إذا كان بأرض خثعم (7) عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي (8)


(1) في ابن الاثير والطبري: من بني فقيم. (2) كانوا يحلون الشهر من الاشهر الحرم، ويحرمون مكانه الشهر من أشهر الحل ويؤخرون ذلك الشهر. ونسأت الشئ فهو منسوء إذا أخرته. وكانوا يحرمون القتال في المحرم، فإذا احتاجوا إلى ذلك حرموا صفرا بدله وقاتلوا في المحرم. (3) سورة التوبة الآية 37. (4) في ابن هشام والطبري وابن الاثير: فيها وهو الصواب. (5) قال ابن الاثير 1 / 442: كان اسمه محمودا، وقيل كان معه ثلاثة عشر فيلا، وإنما وحد الله الفيل لانه عنى به كبيرها محمودا. وقال الضحاك: ثمانية فيلة. (6) في ابن هشام: قتلي. (7) في الاشتقاق لابن دريد: خثعم اسم جبل سمي به بنو عفرس بن خلف بن أفتل بن أنمار لانهم نزلوا عنده وقيل لانهم تخثعموا أي تلطخوا بالدم عند حلف عقدوه بينهم. (8) في ابن هشام والطبري: قبيلي. [ * ]

[ 213 ]

في قبيلتي خثعم وهما شهران وناهس (1) ومن تبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيرا فأتى به فلما هم بقتله قال له نفيل أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم - شهران وناهس - بالسمع والطاعة. فخلى سبيله (2) وخرج به معه يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف في رجال ثقيف فقالوا له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس عندنا لك خلاف. وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد - يعنون اللآت - إنما تريد البيت الذي بمكة ونحن نبعث معك من يدلك عليه فتجاوز عنهم. قال ابن إسحاق واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة. قال فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة. فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله بالمغمس (3). فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت قبره العرب فهو القبر الذي يرجم الناس بالغمس وقد تقدم في قصة ثمود أن أبا رغال كان رجلا منهم وكان يمتنع بالحرم فلما خرج منه أصابه حجر فقتله وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه " وآية ذلك أنه دفن معه غصنان من ذهب " فحفروا فوجدوهما قال وهو أبو ثقيف. قلت والجمع بين هذا وبين ما ذكر ابن إسحاق أن أبا رغال هذا المتأخر وافق اسمه اسم جده الاعلى ورجمه الناس كما رجموا قبر الاول أيضا والله أعلم. وقد قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه * كرجمكم لقبر أبي رغال الظاهر أنه الثاني. قال ابن إسحاق فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الاسود بن مفصود (4) على خيل له حتى انتهى إلى مكة. فساق إليه أموال [ أهل ] تهامة من قريش وغيرهم. وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم - وهو يومئذ كبير قريش وسيدها - فهمت قريش وكنانة وهذيل (5) ومن كان بذلك الحرم [ من سائر الناس ] (6) بقتاله. ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا


(1) يقال إن خثعم ثلاث: شهران وناعس وأكلب نهاية الارب وقال أبو عبيدة: ويقال هو أكلب بن ربيعة بن نزار. قال ابن حزم في الجمهرة: وأكلب بن ربيعة بن نزار دخلوا في بني خثعم فقالوا: أكلب بن ربيعة بن عفرس. (2) في الطبري: فأعفاه. (3) المغمس: واقع بين الجعرانة والشرايع في طريق السيل إلى الطائف ; على ثلثي فرسخ من مكة. (4) في الطبري وابن الاثير: مقصود ; وفي نسخة للازرقي كالاصل. (5) في الازرقي زاد: خزاعة. (6) ما بين معكوفين زيادة من الطبري. [ * ]

[ 214 ]

ذلك. وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له: سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك يقول إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت فإن لم تعرضوا لنا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فائتني به فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها فقيل له عبد المطلب بن هاشم [ بن عبد مناف بن قصي ]. فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة. فقال له عبد المطلب والله ما نريد حربه ومالنا بذلك من طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام - أو كما قال - فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه. فقال له حناطة فانطلق معي إليه فإنه قد أمرني أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان له صديقا - حتى دخل عليه وهو في محبسه فقال له يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ؟ ما عندي غناء في شئ مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي. فسأرسل إليه وأوصيه بك وأعظم عليه حقك واسأله أن يستأذن لك على الملك فنكلمه بما بدا لك ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. فقال حسبي. فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين (1) مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه وانفعه عنده بما استطعت. قال: أفعل. فكلم أنيس أبرهة فقال له أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب عين (1) مكة وهو الذي يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال فائذن له عليك فليكلمك في حاجته [ وأحسن إليه ] (2) فأذن له أبرهة قال وكان عبد الملطب أوسم الناس وأعظمهم وأجملهم فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه. فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جانبه ثم قال لترجمانه قل له حاجتك ؟ فقال له ذلك الترجمان فقال: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني. أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لاهدمه لا تكلمني فيه ؟ فقال له عبد المطلب إني أنا رب الابل، وإن للبيت ربا سيمنعه. فقال ما كان ليمتنع مني. قال أنت وذاك. فرد على عبد المطلب إبله. قال ابن إسحاق ويقال إنه كان قد دخل مع عبد المطلب على أبرهة يعمر (3) بن نفاثة بن


(1) في الطبري وابن هشام والازرقي: صاحب عير مكة. (2) ما بين معكوفين زيادة من الطبري. (3) كذا في الاصل وابن هشام والازرقي ; وفي الطبري: يعمرو بن نفاثة بن عدي بن الدئل. واختلف في الدئل = [ * ]

[ 215 ]

عدي بن الديل بن بكر بن عبدمناة بن كنانة سيد بني بكر (1) وخويلد بن واثلة (2) سيد هذيل فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم ذلك فالله أعلم أكان ذلك أم لا. فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في رؤوس الجبال [ خوفا عليهم من معرة الجيش ] (3). ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده. وقال عبد المطلب - وهو أخذ بحلقة باب الكعبة -: لاهم إن العبد يم‍ * نع رحله فامنع رحالك (4) لا يغلبن صليبهم * ومحالهم غدوا محالك إن كنت تاركهم وقب‍ * لتنا فأمر ما بدا لك قال ابن هشام هذا ما صح له منها (5). وقال ابن إسحاق ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال يتحرزون فيها فينتظرون ما أبرهة فاعل (6). فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة


= بهمز أو الديل. والمعروف أن الدئل هم الذين من بني كنانة وهم الهون أيضا وأما الديل فهم من الازد ; وفي اياد وفي عبد القيس. راجع نهاية الارب للقلقشندي - جمهرة انساب العرب لابن حزم - الانساب للسمعاني. لسان العرب مادة دأل. (1) في ابن هشام والازرقي كالاصل وفي الطبري: بني كنانة. وبنو بكر كما في جمهرة ابن حزم هم بطن من بطون كنانة. (2) في الطبري والازرقي وابن هشام واثلة. (3) زيادة اقتضاها السياق، من الطبري وابن الاثير والازرقي وابن هشام. والتحرز: التمنع، ويروى التحوز: وهو أن ينحاز إلى جهة يتمنع. ومعرة الجيش: شدته، أي عند نزولهم بقوم فيأكلوا من زروعهم بغير علم وقبل وطأتهم من مروا به من مسلم أو معاهد واصابتهم إياهم في حريمهم وأموالهم وزروعهم بما لم يؤذن لهم فيه. (4) لاهم وفي الازرقي يا رب. لاهم أصلها اللهم والعرب تحذف الالف واللام منها وتكتفي بما بقي. (5) زاد السهيلي: وانصر على آل الصليب * وعابديه اليوم آلك وقد ذكر الطبري قصيدة أخرى لعبد المطلب غير هذه القصيدة ج 2 / 112 - 113. وذكر الازرقي قصيدة أخرى له ص 145: منها: قلت والاشرم تردى خيله * إن ذا الاشرم غر بالحرم (6) زاد ابن هشام والطبري وابن الاثير: بمكة إذا دخلها. [ * ]

[ 216 ]

وهيأ فيله وعبى جيشه، وكان اسم الفيل محمودا. فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب (1) حتى قام إلى جنب الفيل ثم أخذ بأذنه فقال أبرك محمود وارجع راشدا من حيث أتيت. فإنك في بلد الله الحرام وأرسل أذنه. فبرك الفيل. قال السهيلي أي سقط إلى الارض وليس من شأن الفيلة أن تبرك وقد قيل إن منها ما يبرك كالبعير فالله أعلم (2). وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى فضربوا رأسه بالطبر زين (3) ليقوم فأبى فادخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول. ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان (4) مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاؤوا. ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل في ذلك: ألا حييت عنا يا ردينا * نعمناكم مع الاصباح عينا ردينة لو رأيت فلا تريه * لدى جنب المحصب ما رأينا (5) إذا لعذرتني وحمدت أمري * ولم تأسي على ما فات بينا حمدت الله إذ أبصرت طيرا * وخفت حجارة تلقى علينا (6) وكل القوم يسأل عن نفيل * كأن علي للحبشان دينا


(1) نفيل بن حبيب الخثعمي كما في الطبري وابن الاثير والازرقي. وقال في الروض الانف هو: نفيل بن عبد الله بن جزء بن عامر بن مالك بن واهب بن جليحة بن أكلب بن ربيعة بن عفرس بن جلف بن أفتل. وهو خثعم. ويتفق معه ابن حزم 391 في نسبه إلا أنه يقول: نفيل بن حبيب بن عبد الله.. وهو دليل الحبشة إلى البيت. (2) عبارة السهيلي: قوله فبرك الفيل فيه نظر لان الفيل لا يبرك فيحتمل أن يكون فعل فعل البارك الذي يلزم موضعه ولا يبرح فعبر بالبروك عن ذلك ويحتمل أن يكون بروكه سقوطه إلى الارض لما دهمه من أمر الله تعالى، وقد سمعت أن في الفيلة صنفا يبرك كما يبرك الجمل. راجع حياة الحيوان الكبرى للدميري ج 2 / 232. (3) الطبرزين: آلة معقفة من الحديد، وطبر كلمة فارسية معناها الفأس. وفي حياة الحيوان عند الدميري: فضربوه بالحديد. (4) قال ابن الاثير في النهاية مادة بلس: قال عباد بن موسى أظنها الزرازير. 1 / 111. (5) في الطبري وابن الاثير: ولم تريه وفي الازرقي: ولن تريه. وقبله في الطبري وابن الاثير: آتانا قابس منكم عشاء * فلم يقدر لقابسكم لدينا (6) في الطبري وابن الاثير: إذ عاينت بدل أبصرت. [ * ]

[ 217 ]

قال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك على كل منهل. وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم يسقط (1) أنملة أنملة كلما سقطت أنملة اتبعتها منه مدة تمت (2) قيحا ودما حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر. فما مات حتى أنصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون. قال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة (3) أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رئي بها مرائر الشجر الحرمل، والحنظل والعشر (4) ذلك العام. قال إبن إسحاق: فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان مما يعدد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله مارد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل. وأرسل عليهم طيرا أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعصف مأكول) (5). ثم شرع ابن إسحاق وابن هشام يتكلمان على تفسير هذه السورة والتي بعدها وقد بسطنا القول في ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى وله الحمد والمنة. قال ابن هشام الابابيل الجماعات ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه (6). قال: وأما السجيل فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب: الشديد الصلب (7). قال: وزعم


(1) في الطبري: تسقط أنامله أنملة أنملة. وفي ابن الاثير، فسقطت أعضاؤه عضوا عضوا. (2) في الطبري وابن هشام: تمث بالثاء أي ترشح وتنزف. (3) هو يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس الثقفي المدني كما في أخبار الازرقي وكان فقيها عالما بالسيرة توفي عام 128 ه‍. (4) الحرمل: شجر لا يأكله شئ سوى المعزى. والعشر: شجر مر له صمغ ولبن وتعالج بلبنه الجلود قبل دباغتها. وأما القول بأن الحصبة والجدري أول ما رؤيا في العرب بعد الفيل وأيضا العشر والحرمل والشجر فهذا مما لا ينبغي أن يعرض عليه ولا يعول عليه كثيرا فالامراض والاشجار مذ خلق الله العالم، ومذ وجد الانسان على الارض وقبل الفيل بدهور. (5) سورة الفيل (6) أبابيل: قال صاحب القاموس في " أبل ": فرق جمع بلا واحد. والابالة القطعة من الطير أو المتتابعة منها. قال صاحب اللسان " أبل ": الابابيل جماعة في تفرقة، واحدها إبيل وإبول. وزعم الرؤاسي أن واحدها إبالة. (7) قال صاحب اللسان: السجيل: حجارة كالمدر، ومن قرأ السجيل فهو الصلب الشديد. وقال أبو عبيدة: تأويله كثيرة شديدة. وقال أبو إسحاق: سجيل من سجلت إذا أعطيت وعند الجوهري: [ * ]

[ 218 ]

بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة وأنها سنج وجل (1) فالسنج الحجر ; والجل الطين. يقول: الحجارة من هذين الجنسين الحجر والطين. قال: والعصف ورق الزرع الذي لم يقصب. وقال الكسائي سمعت بعض النحويين يقول واحد الابابيل أبيل وقال كثيرون من السلف الابابيل الفرق من الطير التي يتبع بعضها بعضا من ههنا وههنا. وان ابن عباس كان له خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب وعن عكرمة كانت رؤوسها كرؤوس السباع خرجت عليهم من البحر وكانت خضرا. وقال عبيد بن عمير كانت سودا بحرية في مناقيرها وأكفها الحجارة. وعن ابن عباس كانت أشكالها كعنقاء مغرب وعن ابن عباس كان أصغر حجر منها كرأس الانسان ومنها ما هو كالابل. وهكذا ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق. وقيل كانت صغارا والله أعلم (1) وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن أبي سفيان عن عبيد بن عمير قال لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار حجرين في رجليه وحجرا في منقاره قال فجاءت حتى صفت على رؤوسهم. ثم صاحت وألقت ما في رجليها ومناقيرها. فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره. ولا يقع على شئ من جسده إلى خرج من الجانب الآخر (2). وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادنها شدة فأهلكوا جميعا. وقد تقدم أن ابن إسحاق قال وليس كلهم اصابته الحجارة يعني بل رجع منهم راجعون إلى اليمن حتى أخبروا أهلهم بما حل بقومهم من النكال وذكروا أن ابرهة رجع وهو يتساقط أنملة أنملة فلما وصل إلى اليمن انصدع صدره فمات لعنه الله (3).


= حجارة طبخت بنار جهنم مكتوب فيها اسماء القوم. (1) في تفسير القرطبي: قال عبد المطلب: إنها اشباه اليعاسيب. وقال الكلبي: في مناقيرها حصى كحصى الحذف. أمام كل فرقة طائر يقودها، أحمر المنقار، أسود الرأس طويل العنق. وقال سعيد بن جبير: خضر لها مناقير صفر. وقيل كانت بيضا. (2) قال القرطبي في تفسيره: قيل: كان الحجر يقع على بيضة أحدهم فيخرقها ويقع في دماغه، ويخرق الدابة والفيل. ويغيب الحجر في الارض من شدة وقعه. (3) في تفسير القرطبي ج 20 / 193: وكان أصحاب الفيل ستين ألفا، لم يرجع منهم أحد إلا أميرهم، ورجع معه شرذمة لطيفة، فلما أخبروا بما رأوا هلكوا. وفي رواية للقرطبي: ولم يسلم منهم إلا رجلا من كندة - نفيل بن حبيب -. وجاء في أخبار الازرقي: وأقام بمكة فلال من الجيش وعسفاء وبعض من ضمه العسكر، فكانوا بمكة يعتملون ويرعون لاهل مكة. [ * ]

[ 219 ]

وروى ابن إسحاق قال حدثني عبد الله بن أبي بكر عن سمرة (1) عن عائشة قالت لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان (2). وتقدم أن سائس الفيل كان اسمه أنيسا فأما قائده فلم يسم والله أعلم. وذكر النقاش في تفسيره أن السيل احتمل جثثهم فألقاها في البحر (3). قال السهيلي وكانت قصة الفيل أول المحرم من سنة ست وثمانين وثمانمائة (4) من تاريخ ذي القرنين. قلت وفي عامها ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشهور. وقيل كان قبل مولده بسنين كما سنذكر إن شاء الله تعالى وبه الثقة. ثم ذكر ابن إسحاق ما قالته العرب من الاشعار في هذه الكائنة العظيمة التي نصر الله فيها بيته الحرام الذي يريد أن يشرفه ويعظمه ويطهره ويوقره ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وما يشرع له من الدين القويم الذي أحد أركانه الصلاة بل عماد دينه وسيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهرة ولم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نصرة لقريش إذ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة: فإن الحبشة إذ ذاك كانوا أقرب لها من مشركي قريش وإنما كان النصر للبيت الحرام وإرهاصا وتوطئة لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم. فمن ذلك ما قاله عبد الله بن الزبعرى السهمي: تنكلوا عن بطن مكة إنها * كانت قديما لا يرام حريمها (5) لم تخلق الشعرى ليالي حرمت * إذ لا عزيز من الانام يرومها (6) سائل أمير الحبش عنها ما رأى * فلسوف ينبي الجاهلين عليمها (7)


(1) كذا في الاصل سمرة. وفي ابن هشام والطبري وابن الاثير: عمرة. وعمرة هي بنة عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الانصارية المدنية الفقيهة. كانت في حجر عائشة وروت عنها الكثير توفيت سنة 98 ه‍ وقيل سنة 106 ه‍ عن سبع وسبعين سنة. (2) جاء في تفسيره عن عتاب بن أسيد قال: وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس 20 / 195. (3) في الطبري ج 2 / 115: وبعث الله سيلا أتيا فذهب بهم فألقاهم في البحر. (4) في السهيلي سنة اثنتين وثمانين ; وفي مروج الذهب ج 2 / 296. وفي الطبري لمضي 42 سنة من ملك كسرى انوشروان وفي هذا العام كان يوم جبلة. وفي أيام العرب في الجاهلية يوم جبلة كان قبل الاسلام بسبع وخمسين سنة. نهاية الارب 414 وقال ابن سيد الناس: ص 27: ذكر أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي قال: كان قدوم الفيل مكة لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم. وافقه المسعودي. وزاد كان قدوم ابرهة مكة لسبع عشرة خلت من المحرم ولست عشرة ومائتين من تاريخ العرب ولسنة أربعين من ملك كسرى. (5) تنكلوا ورويت تنكبوا ومعناها: انصرفوا وارجعوا خوفا. (6) الشعرى: وهما شعريان - اسم نجم - الغميصاء والاخرى تتبع الجوزاء. (7) في ابن هشام الجيش بدل الحبش. [ * ]

[ 220 ]

ستون ألفا لم يؤوبوا أرضهم * بل لم يعش بعد الاياب سقيمها (1) كانت بها عاد وجرهم قبلهم * والله من فوق العباد يقيمها ومن ذلك قول أبي قيس بن الاسلت الانصاري المدني: ومن صنعه يوم فيل الحبو * ش إذ كلما بعثوه رزم محاجنهم تحت أقرابه * وقد شرموا أنفه فانخرم (2) وقد جعلوا سوطه مغولا * إذا يمموه قفاه كلم فولى وأدبر أدراجه * وقد باء بالظلم من كان ثم فأرسل من فوقهم حاصبا * فلفهم مثل لف القزم (4) تحض على الصبر أحبارهم * وقد ثأجوا كثؤاج الغنم (4) ومن ذلك قول أبي الصلت ربيعة بن أبي ربيعة وهب بن علاج الثقفي قال ابن هشام ويروى لامية بن أبي الصلت: إن آيات ربنا ثاقبات * مما يماري فيهن إلا الكفور (5) خلق الليل والنهار فكل * مستبين حسابه مقدور ثم يجلو النهار رب رحيم * بمهاة شعاعها منثور حبس الفيل بالمغمس حتى * صار يحبو كأنه معقور لازما حلقة الجران كما ق‍ * د من صخر كبكب محدور (6) حوله من ملوك كندة أبطا * ل ملاويث في الحروب صقور (7) خلفوه ثم ابذعروا جميعا * كلهم عظم ساقه مكسور كل دين يوم القيامة عند الل‍ * ه إلا دين الحنيفة بور ومن ذلك قول أبي قيس بن الاسلت أيضا: فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا * بأركان هذا البيت بين الاخاشب (8)


(1) في ابن هشام حذفت بل، ونبه السهيلي على أن بل زيادة زادها بعضهم ممن ظن خطأ أن البيت مكسور. (2) في الازرقي: وقد كلموا أنفه بالخزم. (3) في الازرقي: يلفهم. (4) في الازرقي: يحث على الطير أجنادهم. (5) في الازرقي: إن آيات ربنا بينات. (6) في ابن هشام كما قطر بدل كما قد. وكبكب: اسم جبل. (7) ملاويث جمع ملاث وهو الشديد والشريف. (8) الاخاشب: جبال مكة وجبال منى. [ * ]

[ 221 ]

فعندكم منه بلاء مصدق * غداة أبي يكسوم هادي الكتائب كتيبته بالسهل تمشي ورجله * على القاذفات في رؤوس المناقب فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب (1) قولوا سراعا هاربين ولم يؤب * إلى أهله ملحبش غير عصائب (2) ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرقيات في عظمة البيت وحمايته بهلاك من أراده بسوء: كاده الاشرم الذي جاء بالفي‍ * - ل فولى وجيشه مهزوم واستهلت عليهم الطير بالجن‍ * - دل حتى كأنه مرجوم ذاك من يغزه من الناس ير * جع وهو فل من الجيوش ذميم قال ابن إسحاق: وغيره فلما هلك ابرهة ملك الحبشة (3) بعده ابنه يكسوم. ثم من بعده أخوه مسروق بن ابرهة وهو آخر ملوكهم. وهو الذي انتزع سيف بن ذي يزن الحميري الملك من يده بالجيش الذين قدم بهم من عند كسرى أنو شروان كما سيأتي بيانه. وكانت قصة الفيل في المحرم سنة ست وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين وهو الثاني إسكندر بن فلبس المقدوني الذي يؤرخ له الروم. ولما هلك أبرهة وابناه وزال ملك الحبشة عن اليمن هجر القليس الذي كان بناه أبرهة وأراد صرف حج العرب إليه لجهله وقلة عقله. وأصبح يبابا لا أنيس به. وكان قد بناه على صنمين وهما كعيب وامرأته وكانا من خشب طول كل منهما ستون ذراعا في السماء وكانا مصحوبين من الجان ولهذا كان لا يتعرض أحد إلى أخذ شئ من بناء القليس وأمتعته إلا أصابوه بسوء. فلم يزل كذلك إلى أيام السفاح أول خلفاء بني العباس فذكر له أمره وما فيه من الامتعة والرخام الذي كان أبرهة نقله إليه من صرح بلقيس الذي كان باليمن فبعث إليه من خربه حجرا حجرا وأخذ جميع ما فيه من الامتعة والحواصل هكذا ذكره السهيلي والله أعلم. خروج الملك عن الحبشة ورجوعه إلى سيف بن ذي يزن قال محمد بن إسحاق رحمه الله: فلما هلك ابرهة ملك الحبشة يكسوم بن ابرهة وبه كان يكنى فلما هلك يكسوم ملك اليمن من الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة. قال: فلما طال البلاء على أهل اليمن (4) خرج سيف بن ذي يزن الحميري وهو سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح بن مالك بن


(1) في الازرقي: فلما أجازوا بطن نعمان ردهم. (2) في الازرقي: بالجيش، وفي هامشه قال: كذا في تصحيحات الطبعة الاوروبية. (3) في ابن هشام: ملك اليمن في الحبشة وفي الطبري: ملك اليمن ابنه في الحبشة. (4) أذل مسروق اليمن، حمير وقبائل اليمن، ووطئتهم الحبشة فنكحوا نساءهم وقتلوا رجالهم واتخذوا أبناءهم [ * ]

[ 222 ]

زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنجج، وهو حمير بن سبأ - وكان سيف يكنى أبا مرة - حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكى إليه ما هو فيه، وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم، وهو يخرج إليهم من شاء من الروم، فيكون له ملك اليمن، فلم يشكه [ ولم يجد عنده شيئا مما يريد ]. فخرج (1) حتى أتى النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق، فشكا إليه أمر الحبشة فقال له النعمان إن لي على كسرى وفادة في كل عام فاقم عندي حتى يكون ذلك ففعل ثم خرج معه فأدخله على كسرى وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه وكان تاجه مثل القنقل (2) العظيم فيما يزعمون يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك، وكانت عنقه لا تحمل تاجه إنما يستر عليه بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ثم يدخل رأسه في تاجه فإذا استوى في مجلسه كشف عنه الثياب فلا يراه أحد لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له. فلما دخل عليه [ سيف ] طأطأ رأسه فقال الملك: إن هذا الاحمق يدخل علي من هذا الباب الطويل ثم يطأطئ رأسه. فقيل ذلك لسيف فقال إنما فعلت هذا لهمي لانه يضيق عنه كل شئ. ثم قال: أيها الملك غلبتنا على بلادنا الاغربة. قال كسرى أي الاغربة الحبشة أم السند قال بل الحبشة فجئتك لتنصرني ويكون ملك بلادي لك فقال له كسرى بعدت بلادك مع قلة خيرها فلم أكن لاورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك، ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف (3) وكساه كسوة حسنة فلما قبض ذلك منه سيف خرج فجعل ينثر تلك الورق للناس، فبلغ ذلك الملك فقال إن لهذا لشأنا ثم بعث إليه فقال عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس قال وما أصنع بحباك، ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة، يرغبه فيها [ مما رأى من زهادته فيها إنما


= تراجمة بينهم وبين العرب (انظر الطبري - ابن الاثير) وقال المسعودي: عم آذان سائر الناس وزاد على أبيه وأخيه.. (1) في مروج الذهب ج 2 / 86: أقام سيف على باب قيصر سبع سنين فأبى نجدته وقال له: أنتم يهود والحبشة نصارى وليس في الديانة أن ننصر المخالف. فمضى إلى كسرى فاستنجده فوعده أنو شروان بالنصرة، وشغل بحرب الروم. ومات سيف فأتى بعده ابنه معديكرب بن سيف. الاخبار الطوال 63 ذهب إليه في انطاكية. وفي ابن الاثير ان ذي يزن الذي طلب المساعدة الاولى من كسرى. (2) القنقل: مكيال، يسع ثلاثة وثلاثين منا (والمن: وزان رطلين تقريبا). (3) واف: وفى الدرهم المثقال، وذلك إذا عدله. [ *

[ 223 ]

جئت الملك ليمنعني من الظلم ويدفع عني الذل ] (1) فجمع كسرى مرازبته فقال لهم: ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له. فقال قائل: أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فإن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم وإن ظفروا كان ملكا أزددته، فبعث معه كسرى من كان في سجونه وكانوا ثمانمائة رجل واستعمل عليهم وهرز وكان ذا سن فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا فخرجوا في ثمان سفائن فغرقت سفينتان ووصل إلى ساحل عدن (2) ست سفائن (3) فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له رجلي ورجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا فقال له وهرز: أنصفت وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن وجمع إليه جنده (4) فأرسل إليهم وهرز ابنا له (5) ليقاتلهم فيختبر قتالهم، فقتل ابن وهرز فزاده ذلك حنقا عليهم فلما تواقف الناس على مصافهم. قال وهرز: أروني ملكهم فقالوا له أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه بين عينيه ياقوتة حمراء. قال: نعم. قالوا ذلك ملكهم فقال اتركوه قال فوقفوا طويلا ثم قال علام هو ؟ قالوا قد تحول على الفرس. قال اتركوه فتركوه طويلا ثم قال علام هو ؟ قالوا على البغلة قال وهرز: بنت الحمار ذل وذل ملكه، إني سأرميه فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فأثبتوا حتى أوذنكم فإني قد أخطأت الرجل وإن رأيتم القوم قد استداروا به ولاثوا فقد أصبت الرجل فاحملوا عليهم. ثم وتر قوسه وكانت فيما يزعمون لا يوترها غيره من شدتها وأمر بحاجبيه فعصبا له ثم رماه فصك الياقوتة التي بين عينيه وتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه، ونكس عن دابته واستدارت الحبشة ولاثت به، وحملت عليهم الفرس فانهزموا فقتلوا وهربوا في كل وجه، وأقبل وهرز ليدخل صنعاء حتى إذا أتى بابها قال لا تدخل رايتي منكسة أبدا اهدموا هذا الباب فهدم، ثم دخلها ناصبا رايته فقال سيف بن ذي يزن الحميري: يظن الناس بالملكي‍ * ن أنهما قد التأما ومن يسمع بلامهما * فإن الخطب قد فقما قتلنا القيل مسروقا * وروينا الكثيب دما وإن القيل قيل النا * س وهرز مقسم قسما يذوق مشعشعا حتى * نفئ السبي والنعما


(1) ما بين معكوفين في الحديث زيادة من الطبري اقتضاها اكتمال المعنى. (2) في مروج الذهب: أتوا ساحل حضرموت في مكان يقال له: مثوب، فأمرهم وهرز أن يحرقوا السفن ليعلموا أنه الموت. (3) في الطبري: فيهن ستمائة رجل. (4) في الطبري: مائة ألف من الحبشة وحمير والاعراب. وكهلان ومن سائر من سكن اليمن من الناس. مروج الذهب 2 / 87. (5) في الطبري: يقال له: نوزاد. [ * ]

[ 224 ]

ووفدت العرب من الحجاز وغيرها على سيف يهنئونه بعود الملك إليه وامتدحوه. فكان من جملة من وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم، فبشره سيف برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما يعلم من أمره وسيأتي ذلك مفصلا في باب البشارات به عليه الصلاة والسلام. قال ابن إسحاق: وقال أبو الصلبت بن أبي ربيعة الثقفي قال ابن هشام ويروى لامية بن أبي الصلت (1): ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن * ريم في البحر للاعداء أحوالا (2) يمم قيصرا لما حان رحلته * فلم يجد عنده بعض الذي سالا (3) ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة * من السنين يهين النفس والمالا (4) حتى أتى ببني الاحرار يحملهم * إنك عمري لقد أسرعت قلقالا (5) لله درهم من عصبة خرجوا * ما إن أرى لهم في الناس أمثالا (6) غلبا مرازبة بيضا أساورة * أسدا تربب في الغيضات أشبالا (7) يرمون عن سدف كأنها غبط * بزمخر يعجل المرمي إعجالا (8) أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد * أضحى شريدهم في الارض فلالا فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا * في رأس غمدان دارا منك محلالا (9) واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم * وأسبل اليوم في برديك إسبالا (10) تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا يقال - إن غمدان - قصر باليمن بناه يعرب بن قحطان وملكه بعده واحتله واثلة بن حمير بن سبأ ويقال كان ارتفاعه عشرين طبقة فالله أعلم.


(1) في المسعودي 2 / 90: لابي زمعة جد أمية بن أبي الصلت (2) في المسعودي: في لجة البحر أحوالا وأحوالا. (3) في الطبري: أتى هرقل وقد شالت نعامتهم.. قالا. (4) في الطبري: ثم انتحى نحو كسرى بعد سابعة. وفي الشعر والشعراء بعد تاسعة. (5) في الطبري: انك لعمري لقد أطولت. والاحرار يعني: الفرس. وفي المسعودي: تخالهم في سواد الليل أجبالا. (6) في الطبري: ما إن ترى. وفي المسعودي: ما إن رأيت. (7) في الطبري: غر جحاجحة بيض مرازبة. وفي ابن هشام: بيضا مرازبة غلبا أساورة والغلب: الشداد. والاساورة: رماة الفرس. (8) في الطبري وابن هشام: شدف بدل سدف. وشدف عظام الاشخاص وهنا يعني القسي. (9) غمدان: قصر بناه يشرح بن يحصب وقيل بناه سليمان عليه السلام وقد هدم في عهد عثمان رضي الله عنه. (10) شالت نعامتهم: اشارة إلى هلاكهم. فالهالك ترتفع رجلاه وينتكس رأسه فتظهر نعامة قدميه وترتفع. [ * ]

[ 225 ]

قال ابن إسحاق: وقال عدي بن زيد الحميري وكان أحد بني تميم: ما بعد صنعاء كان يعمرها * ولاة ملك جزل مواهبها رفعها من بني لذي قزع ال‍ * مزن وتندى مسكا محاربها محفوفة بالجبال دون عرى ال‍ * كائد ما يرتقى غواربها يأنس فيها صوت النهام إذا * جاوبها بالعشي قاصبها (1) ساقت إليها الاسباب جند بني ال‍ * أحرار فرسانها مواكبها وفوزت بالبغال توسق بالح‍ * تف وتسعى بها توالبها (2) حتى يراها الاقوال من طرف الم‍ * نقل مخضرة كتائبها يوم ينادون آل بربر واليك‍ * سوم لا يفلحن هاربها فكان يوما باقي الحديث وزا * لت إمة ثابت مراتبها (3) وبدل الهيج بالزرافة والا * يام خون جم عجائبها (4) بعد بني تبع نخاورة * قد اطمأنت بها مرازبها قال ابن هشام: وهذا الذي عني سطيح بقوله يليه إرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن. والذي عنى شق بقوله: غلام ليس بدني ولا مدن يخرج من بيت ذي يزن. قال ابن إسحاق: وأقام وهرز والفرس باليمن فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الابناء (5) الذين باليمن اليوم. وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروق بن أبرهة وأخرجت الحبشة اثنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة: أرياط ثم أبرهة ثم يكسوم بن أبرهة ثم مسروق بن أبرهة. ما ال إليه أمر الفرس باليمن قال ابن هشام: ثم مات وهرز فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن ثم مات


(1) النهام: ذكر البوم القاصب: صاحب الزمارة. (2) توالبها: جمع تولب وهو ولد الحمار. (3) في بعض النسخ أمة وهو خطأ والصواب إمة: وهي النعمة. (4) في ابن هشام وسيرة ابن كثير: الفيج بدل الهيج: وهو المنفرد في مشيته. والزرافة: الجماعة. (5) في النهاية لابن الاثير: ويقال لاولاد فارس الابناء، وهم الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن، فقيل لاولادهم الابناء وغلب عليهم هذا الاسم لان امهاتهم من غير جنس آبائهم. [ * ]

[ 226 ]

المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان ثم مات فأمر ابن التينجان (1)، ثم عزله عن اليمن وأمر عليها باذان وفي زمنه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام فبلغني عن الزهري أنه قال: كتب كسرى إلى باذان: أنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي فسر إليه فاستتبه فإن تاب وإلا فابعث إلي برأسه، فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا، فلما أتى باذان الكتاب وقف لينتظر وقال إن كان نبيا فسيكون ما قال فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: على يدي ابنه شيرويه. قلت: وقال بعضهم بنوه تمالاوا على قتله، وكسرى هذا هو ابروبز بن هرمز بن أنوشروان بن قباز (2)، وهو الذي غلب الروم في قوله تعالى: (آلم غلبت الروم في أدنى الارض). كما سيأتي بيانه. قال السهيلي: وكان قتله ليلة الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الاولى سنة تسع (3) من الهجرة. وكان والله أعلم لما كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الاسلام فغضب ومزق كتابه، كتب إلى نائبه باليمن يقول له ما قال. وفي بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرسول باذان: إن ربي قد قتل الليلة ربك فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل تلك الليلة بعينها، قتله بنوه لظلمه بعد عدله بعدما خلعوه وولوا ابنه شيرويه فلم يعش بعد قتله أباه إلا ستة أشهر أو دونها (4). وفي هذا يقول خالد بن حق الشيباني: وكسرى إذ تقسمه بنوه * بأسياف كما اقتسم اللحام تمخضت المنون له بيوم * ألا ولكل حاملة تمام قال الزهري: فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الرسل: إلى من نحن يارسول الله. قال أنتم منا وإلينا أهل البيت قال:


(1) في الطبري ج 2 / 121 ابن الاثير ج 1 / 451: اسمه: خر خسره بن البينجان. وفي مروج الذهب: 2 / 83 ملك النوشجان بن وهرز بعد وهرز ثم رجل يقال له سبحان ثم خرزاد ثم ابن سبحان ثم المرزبان ثم بعد خر خسرو وكان مولده باليمن ثم بعده باذان. وفي اخبار الدينوري: بعد وهرز وجه كسرى إلى أرض اليمن بادان فلم يزل ملكا عليها إلى أن قام الاسلام. وقال ابن الاثير: وقد اختلفوا في ولاة اليمن للاكاسرة اختلافا كثيرا (2) في الطبري وابن الاثير والمسعودي: قباذ، وفي قصة مقتله قال الطبري 2 / 159: وثبت فارس على كسرى فقتلته وساعدهم على ذلك ابنه شيرويه: وكان الذي قتله مهر هرمز بن مردنشاه فاذوسبان نيمروذ. وزاد ابن الاثير: ان شيرويه أمر بقتل مهرمهز بعد دفن أبيه. (3) في الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 / 260: سنة سبع. (4) في الطبري 2 / 166 وابن الاثير 1 / 497 ثمانية أشهر، وفي المسعودي ج 1 / 291 سنة وستة أشهر. وكان هلاكه بالطاعون. [ * ]

[ 227 ]

الزهري ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت. قلت والظاهر أن هذا كان بعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولهذا بعث الامراء إلى اليمن لتعليم الناس الخير ودعوتهم إلى الله عز وجل، فبعث أولا خالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب، ثم أتبعهما أبا موسى الاشعري ومعاذ بن جبل. ودانت اليمن وأهلها للاسلام ومات باذان فقام بعده ولد شهر بن باذان، وهو الذي قتله الاسود العنسي حين تنبأ وأخذ زوجته كما سيأتي بيانه وأجلى عن اليمن نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قتل الاسود عادت اليد الاسلامية عليها. وقال ابن هشام: وهذا هو الذي عنى به سطيح بقوله: نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي. والذي عنى شق بقوله بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. قال ابن إسحاق: وكان في حجر باليمن فيما يزعمون كتاب بالزبور كتب بالزمان الاول: لمن ملك ذمار ؟ الحمير الاخيار، لمن ملك ذمار ؟ للحبشة الاشرار. لمن ملك ذمار ؟ لفارس الاحرار (1)، لمن ملك ذمار لقريش التجار. وقد نظم بعض الشعراء هذا المعنى فيما ذكره المسعودي: حين شدت ذمار قيل لمن ان‍ * ت فقالت لحمير الاخيار ثم سيلت من بعد ذاك فقال‍ * ت أنا للحبش أخبث الاشرار ثم قالوا من بعد ذاك لمن أن‍ * ت فقالت لفارس الاحرار ثم قالوا من بعد ذاك لمن أن‍ * ت فقالت إلى قريش التجار (2) ويقال إن هذا الكلام الذي ذكره محمد بن إسحاق، وجد مكتوبا عند قبر هود عليه السلام حين كشفت الريح عن قبره بأرض اليمن وذلك قبل زمن بلقيس بيسير في أيام مالك بن ذي المنار أخي عمرو ذي الاذعار بن ذي المنار ويقال كان مكتوبا على قبر هود أيضا وهو من كلامه عليه السلام حكاه السهيلي والله أعلم.


(1) سمى حمير الاخيار: لانهم كانوا أهل دين. وسمى الحبشة الاشرار: لما احدثوا في اليمن من الفتن والعبث والفساد. وهمهم بهدم بيت الله الحرام. فارس الاحرار: لانهم لم يؤدوا الاتاوة لسلطان أجنبي ولم تخضع بلادهم لسيطرة ولم يدينوا لملك غريب عنهم. (2) في مروج الذهب 2 / 94: كانت ملوك اليمن تنزل بمدينة ظفار، وكان على باب ظفار مكتوب بالقلم الاول في حجر أسود: يوم شيدت ظفار قيل: لمن أن‍ ت الاخيار إن ملكي للاحبش الاشرار ثم سلبت من بعد ذلك ؟ فقالت * إن ملكي: لفارس الاحرار ثم سيلت: ما بعد ذلك فقالت * إن ملكي إلى قريش التجار [ * ]

[ 228 ]

قصة الساطرون صاحب الحضر وقد ذكر قصته هاهنا عبد الملك بن هشام لاجل ما قاله بعض علماء النسب: إن النعمان بن المنذر الذي تقدم ذكره في ورود سيف بن ذي يزن عليه وسؤاله في مساعدته في رد ملك اليمن إليه إنه من سلالة الساطرون صاحب الحضر وقد قدمنا عن ابن إسحاق أن النعمان بن المنذر من ذرية ربيعة بن نصر (1) وأنه روي عن جبير بن مطعم أنه من أشلاء فيصر (2) بن معد بن عدنان فهذه ثلاثة أقوال في نسبه فاستطرد ابن هشام في ذكر صاحب الحضر. والحضر حصن عظيم بناه هذا الملك وهو الساطرون على حافة الفرات وهو منيف مرتفع البناء، واسع الرحبة والفناء، دوره بقدر مدينة عظيمة وهو في غاية الاحكام والبهاء والحسن والسناء، وإليه يجبى ما حوله من الاقطار والارجاء. واسم الساطرون الضيزن بن معاوية بن عبيد بن أجرم من بني سليح بن حلوان بن الحاف بن قضاعة كذا نسبه ابن الكلبي. وقال غيره: كان من الجرامقة وكان أحد ملوك الطوائف وكان يقدمهم إذا اجتمعوا لحرب عدو من غيرهم وكان حصنه بين دجلة والفرات (3). قال ابن هشام: وكان كسرى سابور ذو الاكتاف غزا الساطرون ملك الحضر وقال غير (4) ابن هشام: إنما الذي غزا صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان أذل ملوك الطوائف ورد الملك إلى الاكاسرة. وأما سابور ذو الاكتاف بن هرمز فبعد ذلك بدهر طويل والله أعلم ذكره السهيلي. قال ابن هشام: فحضره سنتين - وقال غيره أربع سنين (5)، وذلك لانه كان أغار على بلاد سابور في غيبته بأرض العراق - فأشرفت بنت الساطرون (6) وكان اسمها النضيرة فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ وكان جميلا، فدست إليه: أتتزوجني إن فتحت لك باب الحضر ؟ فقال: نعم ! فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر،


(1) قال الطبري في تاريخه 2 / 28: وهذا قول مضر وحماد الراوية وهو باطل. (2) كذا في الاصل قيصر، والصواب في الطبري قنص. وجاء في 2 / 28 عنده: ولم يأت في قنص بن معد شئ أثبت من قول جبير بن مطعم: أن النعمان كان من ولده. (3) في الطبري 2 / 61 ابن الاثير 1 / 387 بجبال تكريث بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر وكان بها رجل من الجرامقة يقال له الساطرون. وزعم الكلبي أنه من العرب من قضاعة وأنه الضيزن بن معاوية بن عبيد بن الاجرام بن عمرو بن النخع بن سيح بن حلفان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وامه من تزيد بن حلوان واسمها جيهلة. (4) الطبري ج 2 / 61 ابن الاثير 1 / 387 المسعودي مروج الذهب 2 / 271. (5) في خبر الطبري وابن الاثير أربع سنين: وفي المسعودي: أقام عليه سابور شهرا. (6) في هشام: ساطرون، وفي المسعودي: والساطرون واسيطرون هذه ألقاب. [ * ]

[ 229 ]

وكان لا يبيت إلا سكران فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه، وبعثت بها مع مولى لها. ففتح الباب - ويقال بل دلتهم على نهر يدخل منه الماء متسع فولجوا منه إلى الحضر، ويقال بل دلتهم على طلسم كان في الحضر وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء وتخضب رجلاها (1) بحيض جارية بكر زرقاء ثم ترسل فإذا وقعت على سور الحضر سقط ذلك الطلسم فيفتح الباب ففعل ذلك فانفتح الباب، فدخل سابو فقتل ساطرون واستباح الحضر وخربه وسار بها معه فتزوجها. فبينا هي نائمة على فراشها ليلا إذ جعلت تململ لا تنام فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد عليه ورقة آس (2). فقال لها سابور أهذا الذي أسهرك ! قالت: نعم ؟ قال فما كان أبوك يصنع بك ؟ قالت: كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير ويطعمني المخ ويسقيني الخمر (3). قال: أفكان جزاء أبيك ما صنعت به. أنت إلي بذلك أسرع، فربطت قرون (4) رأسها بذنب فرس ثم ركض الفرس حتى قتلها ففيه يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة: ألم تر للحضر إذ أهله * بن عمي وهل خالد من نعم أقام به شاهبور الجنو * د حولين تضرب فيه القدم فلما دعا ربه دعوة * أناب إليه فلم ينتقم (5) فهل زاده ربه قوة * ومثل مجاوره لم يقم وكان دعا قومه دعوة * هلموا إلى أمركم قد صرم فموتوا كراما بأسيافكم * أرى الموت يجشمه من جشم وقال عدي بن زيد في ذلك: والحضر صابت عليه داهية * من فوقه أيد مناكبها (6) ربية لم توق والدها * لحينها إذ أضاع راقبها (7) إذ غبقته صهباء صافية * والخمر وهل يهيم شاربها فأسلمت أهلها بليلتها * تظن أن الرئيس خاطبها (8)


(1) في الطبري وابن الاثير والمسعودي: فاكتب في رجلها. (2) في الطبري وابن الاثير والمسعودي: ورقة من ورق الآس (الريحان) ملتزقة بعكنة من عكنها قد آثرت فيها. (3) في الطبري وابن الاثير والمسعودي: الزبد والمخ وشهد الابكار من النحل وصفو الخمر: (4) ثم عصب غدائرها (الطبري - ابن الاثير - المسعودي). (5) كذا في ابن هشام والذي في الطبري: فلما رأى ربه فعله * أتاه طروقا فلم ينتقم (6) كذا في ابن هشام: وفي المسعودي: صبت بدل صابت. وعجزه: من قصره قد أبد ساكنها. (7) كذا في ابن هشام وفي المسعودي: ربيبة بدل ربية. (8) كذا في ابن هشام والذي في المسعودي: واسلمت أهلا لليلتها. [ * ]

[ 230 ]

فكان حظ العروس إذ جشر ال‍ * صبح دماء تجري سبائبها (1) وخرب الحضر واستبيح وقد * أحرق في خدرها مشاجبها وقال عدي بن زيد أيضا: أيها الشامت المعير بالده‍ * ر أأت المبرأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الا * يام بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلدن أم * من ذا عليه من أن يضام خفير أين كسرى كسرى الملوك أنو * شروان أم أين قبله سابور وبنو الاصفر الكرام ملوك ال‍ ب روم لم يبق منهم مذكور وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجل‍ * ة تجبى إليه والخابور شاده مرمرا وجلله كل‍ * سا فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فبا * ن الملك عنه فبابه مهجور (2) وتذكر رب الخورنق إذ * أشرف يوما وللهدى تفكير سره ماله وكثرة ما يم‍ * لك والبحر معرضا والسدير (3) فارعوى قلبه وقال وما غب‍ * طة حي إلى الممات يصير ثم اضحوا كأنهم ورق ج‍ * ف فألوت به الصبا والدبور قلت: ورب الخورنق الذي ذكره في شعره رجل من الملوك المتقدمين وعظه بعض علماء زمانه في أمره الذي كان قد أسرف فيه وعتا وتمرد فيه واتبع نفسه هواها ولم يراقب فيها مولاها فوعظه بمن سلف قبله من الملوك والدول وكيف بادوا ولم يبق منهم أحد وأنه ما صار إليه عن غيره إلا وهو منتقل عنه إلى من بعده. فأخذته موعظته وبلغت منه كل مبلغ فارعوى لنفسه، وفكر في يومه وأمسه، وخاف من ضيق رمسه. فتاب وأناب ونزع عما كان فيه وترك الملك ولبس زي الفقراء وساح في الفلوات وحظي بالخلوات وخرج عما كان الناس فيه من اتباع الشهوات وعصيان رب السموات وقد ذكر قصته مبسوطة الشيخ الامام موفق بن قدامة المقدسي رحمه الله في كتاب التوابين وكذلك أوردها بإسناد متين الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتاب الروض الانف المرتب أحسن ترتيب وأوضح تبيين. خبر ملوك الطوائف وأما صاحب الحضر وهو ساطرون فقد تقدم أنه كان مقدما على سائر ملوك الطوائف وكان


(1) جشر: طلع وأضاء. سبائبها: طرائقها. (2) في الطبري: فباد بدل فبان. [ * ]

[ 231 ]

من زمن اسكندر بن فلبيس المقدوني اليوناني وذلك لانه لما غلب على ملك الفرس دارا بن دارا وأذل مملكته وخرب بلاده واستباح بيضة قومه ونهب حواصله ومزق شمل الفرس شذر مذر عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل ولا يلتئم لهم أمر فجعل يقر كل ملك على طائفة من الناس في أقليم من أقاليم الارض ما بين عربها وأعاجمها فاستمر كل ملك منهم يحمي حوزته ويحفظ حصته ويستغل محلته فإذا هلك قام ولده من بعده أو أحد قومه فاستمر الامر كذلك قريبا من خمسمائة سنة حتى كان ازدشير بن بابك من بني ساسان بن بهمن بن أسفنديار بن يشتاسب بن لهراسب فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه ورجعت الممالك برمتها إليه وأزال ممالك مملوك الطوائف ولم يبق منهم تلد ولا طارف وكان تأخر عليه حصار صاحب الحضر الذي كان أكبرهم وأشدهم وأعظمهم إذ كان رئيسهم ومقدمهم فلما مات أزدشير تصدى له ولده سابور فحاصره حتى أخذه كما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم. ذكر بني اسماعيل وما كان من أمور الجاهلية إلى زمان البعثة تقدم ذكر اسماعيل نفسه عليه السلام مع ذكر الانبياء وكيف كان من أمره حين احتمله أبوه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مع أمه هاجر فاسكنها بوادي مكة بين جبال فاران (1) حيث لا أنيس به ولا حسيس وكان إسماعيل رضيعا ثم ذهب وتركهما هنالك عن أمر الله له بذلك ليس عند أمه سوى جراب (2) فيه تمر ووكاء فيه ماء فلما نفد ذلك أنبع الله لهاجر زمزم التي هي طعام طعم وشفاء سقم كما تقدم بيانه في حديث ابن عباس الطويل الذي رواه البخاري (3) رحمه الله. ثم نزلت جرهم وهم طائفة من العرب العاربة من أمم العرب الاقدمين عند هاجر بمكة على أن ليس لهم في الماء شئ إلا ما يشربون منه وينتفعون به فاستأنست هاجر بهم وجعل الخليل عليه السلام يطالع أمرهم في كل حين يقال إنه كان يركب البراق من بلاد بيت المقدس في ذهابه وإيابه ثم لما ترعرع الغلام وشب وبلغ مع أبيه السعي كانت قصة الذبح كما تقدم بيان أن الذبيح هو إسماعيل على الصحيح ثم لما كبر تزوج من جرهم امرأة (4) ثم فارقها وتزوج غيرها وتزوج بالسيدة (5) بنت


(1) فاران: كلمة عبرانية معربة، وهي من اسماء مكة ذكرها في التوراة، وقيل هي اسم لجبال مكة. ياقوت 4 / 324. (2) في الازرقي: شنة فيها ماء تشرب منها وتدر على ابنها وليس معها زاد - 1 / 55. (3) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق - باب يزفون النسلان في المشي ج 2 / 113. (4) في الازرقي: عمارة بنت سعيد بن أسامة. والذي في الروض الآنف: جداء بنت سعد وهي المرأة التي أمره أبوه بتطليقها ثم تزوج أخرى: سامة بنت مهلهل، وقيل عاتكة. امرأة من العماليق بنت صبدى الطبقات 1 / 51 المسعودي: الجداء بنت سعد 2 / 51. (5) كذا في الروض الآنف وفي الطبري - وفي ابن هشام رعلة 1 / 5 وفي الازرقي 1 / 86. وقال الكلبي رعلة بنت يشجب بن يعرب بن لوزان بن جرهم الطبقات 1 / 51. المسعودي: سامة بنت مهلهل بن سعد بن عوف بن هيني بنت نبت 2 / 52. [ * ]

[ 232 ]

مضاض بن عمرو الجرهمي وجاءته بالبنين الاثنى عشر كما تقدم ذكرهم وهم: نابت وقيذر. ومنشا. ومسمع. وماشي. ودما. وأذر. ويطور. ونيشى. وطيما. وقيذما هكذا ذكره محمد بن إسحاق (1) وغيره عن كتب أهل الكتاب وله ابنة واحدة اسمها نسمة (2) وهي التي زوجها من ابن أخيه العيصو بن إسحاق بن إبراهيم فولد له منها الروم وفارس والاشبان أيضا في أحد القولين. ثم جميع عرب الحجاز على اختلاف قبائلهم يرجعون في أنسابهم إلى ولديه نابت وقيذر (3)، وكان الرئيس بعده والقائم بالامور الحاكم في مكة والناظر في أمر البيت وزمزم نابت بن إسماعيل وهو ابن أخت الجرهميين. ثم تغلبت جرهم على البيت طمعا في بني أختهم فحكموا بمكة وما والاها عوضا عن بني إسماعيل مدة طويلة فكان أول من صار إليه أمر البيت بعد نابت مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن عيبر (5) بن نبت بن جرهم. وجرهم بن قحطان ويقال جرهم بن يقطن بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح


(1) قال الطبري 1 / 161 وقد ينطق اسماء أولاد اسماعيل بغير الالفاظ التي ذكرت عن ابن إسحاق: نابت متفق عليه. قيدر - قيذر - قيدار. أذبل - أدبيل - أدبال - أدب ايل. مبشا - منشا - مشا - مبشام - منشى. مسمع - مشماعة. ماشى - ماسى. دما - دمار - دوما. ادر - اذر - آزر - أذور. قيذما - قيدمان - قيدما - نيش - نفيس - يافيش - فنس. طيما - طما - ظيما. يطور - تطور - طور - قمطور. مسعودي 2 / 52. نابت فيدار - ادبيل - مبسم - مشمع - دوما - دوام - مسا - حداد - ثيما - يطور - نافش. (2) في الطبري ج 1 / 162: بسمة تزوجها عيص بن إبراهيم فولدت له الروم بن عيص فكل بني الاصغر من ولده وبعض الناس يزعم أن الاشبان من ولده ولا أدري أمن بنت اسماعيل أم لا. (3) في الطبري والازرقي: فمن نابت وقيدار نشر الله العرب وزاد الازرقي وكان أكبرهم قيدار ونابت (4) في السهيلي والمسعودي: ابن هيني. وفي رواية للمسعودي ان ملك جرهم يومئذ الحارث بن مضاض وهو أولى من ولي البيت. 2 / 54 - 55. [ * ]

[ 233 ]

الجرهمي، وكان نازلا بأعلى مكة بقعيقعان (1). وكان السميدع سيد قطوراء نازلا بقومه في أسفل مكة (2) وكل منهما يعشر من مر به مجتازا إلى مكة. ثم وقع بين جرهم وقطوراء فاقتتلوا [ قتالا شديدا ] فقتل السميدع واستوثق الامر لمضاض وهو الحاكم بمكة والبيت لا ينازعه في ذلك ولد إسماعيل مع كثرتهم وشرفهم وانتثارهم بمكة وبغيرها وذل لخؤولتهم له ولعظمة البيت الحرام [ أن يكون به بغي أو قتال ] (3). ثم صار الملك بعده إلى ابنه الحارث ثم إلى عمرو بن الحارث. ثم بغب جرهم بمكة واكثرت فيها الفساد وألحدوا بالمسجد الحرام (4) حتى ذكر أن رجلا منهم يقال له اساف بن بغى وامرأة يقال لها نائلة بنت وائل (5) اجتمعا في الكعبة فكان منه إليها الفاحشة فمسخهما الله حجرين فنصبهما الناس قريبا من البيت ليعتبروا بهما فلما طال المطال بعد ذلك بمدد عبدا من دون الله في زمن خزاعة كما سيأتي بيانه في موضعه. فكانا صنمين منصوبين يقال لهما إساف ونائلة. فلما اكثرت جرهم البغي بالبلد الحرام تمالات عليهم خزاعة الذين كانوا نزلوا حول الحرم


(1) في الازرقي: وكان في أعلى مكة وكان يعشر من دخلها من أعلاها وكان حوزهم وجه الكعبة والركن الاسود والمقام وموضع زمزم مصعدا يمينا وشمالا وقعيقعان إلى أعلى الوادي. (2) أسفل مكة واجيادين وكان حوزهم المسفلة ظهر الكعبة والركن اليماني والغربي واجيادين والثنية إلى الرمضة وازرقي 1 / 82. وفي المسعودي السميدع بن هوير بن لاوى بن قبطور بن وجرهم وقطورا يومئذ أهل مكة 1 / 81 - 85. كركر بن حيد 2 / 54. (3) مابين معكوفين زيادة من الازرقي. وفي المسعودي أن القتال كان على الجرهميين ثم اصطلحوا وصارت ولاية البيت إلى العماليق. ثم كانت لجرهم عليهم وأقاموا ولاة للبيت نحو ثلاثمائة سنة. وكان أول ملوكهم مضاض بن عمرو. ثم عمرو بن مضاض ثم الحارث بن عمرو ثم عمرو بن الحارث ثم مضاض بن الحارث بن عمرو بن مضاض بن عمرو. (4) قال في الازرقي 86: فقام مضاض بن عمرو بن الحارث فيهم فقال: يا قوم احذروا البغي فإنه لا بقاء لاهله قد رأيتم من كان قبلكم من العماليق استخفوا بالحرم فلم يعظموه وتنازعوا بينهم واختلفوا.. فلا تستخفوا بحق الحرم وحرمة بيت الله ولا تظلموا من دخله وجاءه معظما لحرمته أو آخر جاءه بائعا لسلعته أو مرتغبا في جواركم. (5) في الازرقي: أساف بن سهيل اساف بن يعلى - بن عمرو ونايلة بنت عمرو بن ذيب وقيل نائلة بنت زيد من جرهم نائلة بنت سهل - بنت زفيل. وفي ابن هشام: اساف بن بغى ونائلة بنت ديك 1 / 84 وقيل غير ذلك (ابن الكلبي - معجم البلدان - شرح القاموس). [ * ]

[ 234 ]

وكانوا من ذرية عمرو بن عامر الذي خرج من اليمن لاجل ما توقع من سيل العرم كما تقدم. وقيل إن خزاعة من بني إسماعيل فالله أعلم. والمقصود أنهم اجتمعوا لحربهم وآذنوهم بالحرب واقتتلوا واعتزل بنو إسماعيل كلا الفريقين فغلبت خزاعة وهم بنو بكر بن عبد مناة وغبشان (1) واجلوهم عن البيت فعمد عمرو (2) بن الحارث بن مضاض الجرهمي وهو سيدهم إلى غزالي الكعبة وهما من ذهب وحجر الركن وهو الحجر الاسود وإلى سيوف محلاة وأشياء أخر فدفنها في زمزم وعلم زمزم وارتحل بقومه فرجعوا إلى اليمن. وفي ذلك يقول عمرو بن الحارث بن مضاض (3): وقائلة والدمع سكب مبادر * وقد شرقت بالدمع منها المحاجر كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر (4) فقلت لها والقلب مني كأنما * يلجلجه بين الجناحين طائر بلى نحن كنا أهلها فأزالنا (5) * صروف الليالي والجدود العواثر وكنا ولاة البيت من بعد نابت * نطوف بذاك البيت والخير ظاهر ونحن ولينا البيت من بعد نابت * بعز فما يحظى لدينا المكاثر ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا * فليس لحي غيرنا ثم فاخر ألم تنكحوا من خير شخص علمته (6) * فابناؤه منا ونحن الاصاهر فإن تنثني الدنيا علينا بحالها * فإن لها حالا وفيها التشاجر فأخرجنا منها المليك بقدرة * كذلك يا للناس تجري المقادر (7)


(1) بنو غبشان، منهم الحارث وهو غبشان بن عبد عمرو بن بوي بن ملكان بن أفصى بطن من خزاعة. (2) في الازرقي: مضاض بن عمرو ; وكان مضاض حسب رواية الازرقي قد انعزل عن جرهم بعد بغيهم ولم يشترك في القتال بينهم وبين خزاعة. وبعد نصر خزاعة جاءهم بنو اسماعيل فسألوهم السكنى معهم وحولهم فأذنوا لهم. وأرسل مضاض يستأذن النزول مكة فرفضوا فانطلق مضاض نحو اليمن إلى أهله. (3) في الازرقي مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض في قصيدة طويلة 1 / 97. وفي المسعودي الحارث بن مضاض الاصغر. وفي ابن هشام عمرو بن الحارث بن عمرو بن مضاض. (4) الحجون: الجبل المشرف على مسجد الحرس بأعلى مكة. والصفا: مكان عال في أصل جبل أبي قبيس جنوبي المسجد الحرام. (5) في ياقوت والمسعودي: فأبادنا. (6) في الازرقي: فانكح جدي خير شخص علمته. (7) في التيجان: بالانسان بدل يا للناس وفي الازرقي بين الناس. [ * ]

[ 235 ]

أقول إذا نام الخلي ولم أنم * أذا العرش لا يبعد سهيل وعامر (1) وبدلت منها أوجها لا أحبها * قبائل منها حمير ويحابر (2) وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة * بذلك عضتنا السنون الغوابر فسحت دموع العين تبكي لبلدة * بها حرم أمن وفيها المشاعر وتبكي لبيت ليس يؤذى حمامه * يظل به أمنا وفيه العصافر (3) وفيه وحوش لا ترام أنيسة * إذا خرجت منه فليست تغادر قال ابن إسحاق: وقال عمرو بن الحارث بن مضاض أيضا يذكر بني بكر وغبشان الذين خلفوا بعدهم بمكة: يا أيها الناس سيروا إن قصاركم (4) * أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا حثوا المطي وأرخوا من أزمتها * قبل الممات وقضوا ما تقضونا كنا أناسا كما كنتم فغيرنا * دهر فأنتم كما صرنا تصيرونا (5) قال ابن هشام: هذا ماصح له منها وحدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الابيات أول شعر قيل في العرب وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن ولم يسم قائلها. وذكر السهيلي لهذه الابيات أخوة وحكى عندها حكاية معجبة وانشادات معربة. قال: وزاد أبو الوليد الازرقي في كتابه فضائل مكة على هذه الابيات المذكورة المنسوبة إلى عمرو بن الحارث بن مضاض: قد مال دهر علينا ثم أهلكنا * بالبغي فينا وبز الناس ناسونا (6) واستخبروا في صنيع الناس قبلكم * كما استبان طريق عنده الهونا كنا زمانا ملوك الناس قبلكم * بمسكن في حرام الله مسكونا قصة خزاعة وعمرو بن يحيى وعبادة العرب للاصنام قال ابن إسحاق: ثم أن غبشان من خزاعة وليت البيت دون بني بكر بن عبد مناة، وكان


(1) سهيل وعامر: جبل من جبال مكة (الروض الانف - معجم البلدان). (2) في الازرقي: منهم بدل منها وشطره: وحمير قد بدلتها واليحابر. (3) في الازرقي والاعلام والروض اختلاف يسير في رواية البيت. (4) في ابن هشام والازرقي قصركم: أي غايتكم ونهايتكم. وفي الازرقي: يا أيها الحي. (5) في ابن هشام عجزه: دهر فأنتم كما كنا تكونونا. وفي الازرقي: إنا كما كنتموا كنا فغيرنا * دهر فسوف كما صرنا تصيرونا (6) في الازرقي: فيه بدل فينا. وبر بدل وبز. [ * ]

[ 236 ]

الذي يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشاني، وقريش إذ ذاك حلول وصرم (1)، وبيوتات متفرقون في قومهم من بني كنانة. قالوا (2): وإنما سميت خزاعة خزاعة لانهم تخزعوا من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام فنزلوا بمر الظهران فأقاموا به. قال عون بن أيوب الانصاري ثم الخزرجي في ذلك (3): فلما هبطنا بطن مر تخزعت * خزاعة منا في حلول كراكر (4) حمت كل واد من تهامة واحتمت * بصم القنا والمرهفات البواتر وقال أبو المطهر اسماعيل بن رافع الانصاري الاوسي: فلما هبطنا بطن مكة أحمدت * خزاعة دار الآكل المتحامل فحلت أكاريسا وشتت قنابلا * على كل حي بين نجد وساحل (5) نفوا جرهما عن بطن مكة واحتبوا * بعز خزاعي شديد الكواهل فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى كان آخرهم حليل (6) بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي الذي تزوج قصي بن كلاب ابنته حبى فولدت له بنيه الاربعة عبد الدار وعبد مناف، وعبد العزى وعبدا، ثم صار أمر البيت إليه كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة. واستمرت خزاعة على ولاية البيت نحوا من ثلاثمائة (7) سنة وقيل خمسمائة سنة والله أعلم. وكانوا سوس (8) في ولايتهم وذلك لان في زمانهم كان أول عبادة الاوثان بالحجاز وذلك بسبب رئيسهم عمرو بن لحي (9) لعنه الله فإنه أول من دعاهم إلى ذلك وكان ذا مال جزيل جدا. يقال: إنه قفأ أعين عشرين بعيرا وذلك عبارة عن أنه ملك عشرين ألف بعير وكان من عادة العرب أن من الملك ألف بعير فقأ عين واحد منها لانه يدفع بذلك العين عنها.


(1) صرم: جماعات متفرقة. (2) قالوا: عن ابن هشام وغيره. (3) كذا في ابن هشام وياقوت، وفي الازرقي حسان بن ثابت الانصاري، ونسب صاحب التيجان الابيات إلى عمرو بن أنيف الغساني. (4) كذا في الاصل والازرقي والروض الآنف. وفي ابن هشام: خيول. والحلول: البيوت الكبيرة. وكراكر: جمات الخيل. (5) الاكاريس: الجماعات من الناس. والقنابل: جمع قنبلة: وهي القطعة من الخيل. (6) في المسعودي: خليل. (7) كذا في المسعودي، وفي الازرقي خمسمائة سنة. (8) كذا في الاصل: ولعلها: وكانوا مشؤومين في ولايتهم. (9) أبوه لحي وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وأمه فهيرة بنت عامر بن عمرو بن مضاض بن عمرو الجرهمي. كما في الازرقي. [ * ]

[ 237 ]

وممن ذكر ذلك الازرقي وذكر السهيلي: أنه ربما ذبح أيام الحجيج عشرة آلاف بدنة وكسى عشرة آلاف حلة في كل سنة يطعم العرب ويحيس لهم الحيس بالسمن والعسل ويلت لهم السويق (1). قالوا: وكان قوله وفعله فيهم كالشرع المتبع لشرفه فيهم ومحلته عندهم وكرمه عليهم. قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق ويقال ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح رآهم يعبدون الاصنام فقال لهم ما هذه الاصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: ألا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه (2). فأعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. قال ابن إسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل عليه السلام أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم، حين ضاقت عليهم، والتمسوا الفسح في البلاد. إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم حتى خلفت الخلوف (3) ونسوا ما كانوا عليه. وفي الصحيح عن أبي رجاء العطاردي. قال: كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من التراب وجئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا بها. قال ابن إسحاق: واستبدلوا بدين ابراهيم واسماعيل عليهما السلام غيره فعبدوا الاوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الامم قبلهم من الضلالات ; وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم عليه السلام يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفات والمزدلفة، وهدى البدن، والاهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه. فكانت كنانة وقريش إذا هلوا قالوا: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده. يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) (4) أي ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا


(1) وذكر الازرقي: كان أول من أطعم الحج سدايف الابل ولحمانها على الثريد وعم جميع الحاج بثلاثة أثواب من برود اليمن. (2) في ابن هشام: فيعبدوه. (3) خلوف: جمع خلف وهو القرن بعد القرن. (4) سورة يوسف الآية 106. [ * ]

[ 238 ]

جعلوا معي شريكا من خلقي (1). وقد ذكر السهيلي وغيره: أن أول من لبى هذه التلبية عمرو بن لحي وأن ابليس تبدى له في صورة شيخ فجعل يلقنه ذلك فيسمع منه ويقول كما يقول واتبعه العرب في ذلك. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمعهم يقولون لبيك لا شريك لك يقول: " قد قد " أي حسب حسب. وقد قال البخاري ثنا اسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن آدم ثنا اسرائيل عن أبي حفص عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أول من سيب السوائب وعبد الاصنام، أبو خزاعة عمرو بن عامر وإني رأيته يجر أمعاءه في النار. تفرد به أحمد من هذا الوجه. وهذا يقتضي أن عمرو بن لحي هو أبو خزاعة الذي تنسب إليه القبيلة بكمالها كما زعمه بعضهم من أهل النسب فيما حكاه بن إسحاق وغيره ولو تركنا مجرد هذا لكان ظاهرا في ذلك بل كالنص ولكن قد جاء ما يخالفه من بعض الوجوه. فقال البخاري وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري. قال سمعت سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس - والسائبة - التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شئ. قال وقال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه (2) في النار. كان أول من سيب السوائب. وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث صالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة به. ثم قال البخاري ورواه ابن الهاد عن الزهري قال الحاكم أراد البخاري رواه ابن الهاد عن عبد الوهاب بن بخت عن الزهري كذا قال. وقد رواه أحمد عن عمرو بن سلمة الخزاعي عن الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: رأيت عمرو بن عامر يجر قصبه في


(1) قال في مروج الذهب 2 / 137: كانت العرب في جاهليتها فرقا: - منهم الموحد المقر بخالقه المصدق بالبعث والنشور. - وكان من العرب من أقر بالخالق وانكر الرسل وعكف على عبادة الاصنام وهذا الصنف هم الذين حجوا إلى الاصنام وقصدوها ونحروا لها البدن ونسكوا لها النسائك. - ومنهم من أقر بالخالق وكذب بالرسل والبعث. - ومنهم من مال إلى اليهودية والنصرانية. - ومنهم المار على عنجهيته الراكب لهجمته. - ومنهم صنف يعبدون الملائكة ويزعمون أنها بنات الله. (2) قصبه: أمعاءه. [ * ]

[ 239 ]

النار، وكان أول من سيب السوائب وبحر البحيرة ولم يذكر بينهما عبد الوهاب بن بخت كما قال الحاكم فالله أعلم. وقال أحمد أيضا حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وهو أول من سيب السوائب. وهذا منقطع من هذا الوجه. والصحيح الزهري عن سعيد عنه كما تقدم وقوله في هذا الحديث والذي قبله الخزاعي يدل على أنه ليس والد القبيلة بل منتسب إليها مع ما وقع في الرواية من قوله أبو خزاعة تصحيف من الراوي من أخو خزاعة أو أنه كان يكني بأبي خزاعة ولا يكون ذلك من باب الاخبار بأنه أبو خزاعة كلهم والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لاكثم بن الجون الخزاعي يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف (1) يجر قصبه في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه ". فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله قال: " لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين اسماعيل فنصب الاوثان وبحر البحيرة (2) وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي ". ليس في الكتب من هذا الوجه (2). وقد رواه ابن جرير عن هناد بن عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه أو مثله وليس في الكتب أيضا. وقال البخاري حدثني محمد بن أبي يعقوب أبو عبد الله الكرماني حدثنا حسان بن إبراهيم حدثنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ورأيت عمرا يجر قصبه وهو أول من سيب السوائب ". تفرد به البخاري. وروى الطبراني من طريق صالح عن ابن عباس مرفوعا في ذلك. والمقصود أن عمرو بن لحي لعنه الله كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غير بها دين الخليل فاتبعه العرب في ذلك فضلوا بذلك ضلالا بعيدا بينا فظيعا شنيعا وقد أنكر الله تعالى عليهم في كتابه العزيز في غير ما آية منه فقال تعالى: (ولا تقولوا لم تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) [ النحل: 116 ] الآية. وقال تعالى: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون) [ المائدة: 106 ] وقد تكلمنا على هذا كله مبسوطا وبينا اختلاف السلف في تفسير ذلك فمن أراده فليأخذه من ثم ولله الحمد والمنة. وقال تعالى: (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون) [ النحل: 56 ]. وقال


(1) قمعة: عمير وسمي قمعة لانه انقمع وقعد. وخندف لقب بنت عمران بن الحاف بن قضاعة ; وقد خرجت مسرعة فقيل لها: تخندفين، فسميت خندف. (2) ومثله في الازرقي وفيه: ونصب الاصنام، وهو أول من غير دين الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام ; 1 / 100. [ * ]

[ 240 ]

تعالى: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون) [ الانعام: 136 ] [ وقال تعالى ]: (وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وانعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون) [ الانعام: 138 ]. [ وقال تعالى ]. (وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم أنه حكيم عليم. قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين) [ الانعام: 139 - 140 ] (1). وقال البخاري في صحيحه (2). باب جهل العرب حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر (3) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] قال إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الانعام (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين) وقد ذكرنا تفسير هذه الآية وما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمرو بن لحي قبحه الله مصلحة ورحمة بالدواب والبهائم وهو كاذب مفتر في ذلك ومع هذا الجهل والضلال اتبعه هؤلاء الجهلة الطغام فيه بل قد تابعوه فيما هو أطم من ذلك وأعظم بكثير وهو عبادة الاوثان مع الله عزوجل وبدلوا ما كان الله بعث به إبراهيم خليله من الدين القويم والصراط المستقيم من توحيد عبادة الله وحده لا شريك له وتحريم الشرك وغيروا شعائر الحج ومعالم الدين بغير علم ولا برهان ولا دليل صحيح ولا ضعيف واتبعوا في ذلك من كان قبلهم من الامم المشركين وشابهوا قوم نوح وكانوا أول من أشرك بالله وعبد الاصنام ولهذا بعث الله إليهم نوحا وكان أول رسول بعث ينهى عن عبادة الاصنام كما تقدم بيانه في قصة نوح (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن


(1) وانعام حرمت ظهورها أي ما يسيبونه لآلهتهم. وقال مجاهد: المراد البحيرة والوصيلة والحام. فالبحيرة: الناقة. التي انتجبت خمسة أبطن وكان آخرها ذكرا بحروا أذنها واعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح. الوصيلة: الناقة التي وصلت بين عشرة أبطن ومن الشاه التي وصلت سبعة أبطن. والحامي: الفحل من الابل يضرب الضراب المعدود قبل عشرة أبطن فإذا بلغ ذلك قالوا: هذا حام، أي حمى ظهره فيترك. (2) كتاب بدء الخلق - باب قصة زمزم وجهل العرب ج 4 / 160 - 161. (3) أبو النعمان هو محمد بن الفضل عارم. وأبو عوانة اسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري وأبو بشر: واسمه جعفر بن أبي وحشية. [ * ]

[ 241 ]

ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا) [ نوح: 23 ] الآية قال ابن عباس كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم فلما طال عليهم الامد عبدوهم وقد بينا كيفية ما كان من أمرهم في عبادتهم بما أغنى عن إعادته ههنا. قال ابن إسحاق وغيره: ثم صارت هذه الاصنام في العرب بعد تبديلهم دين اسماعيل فكان ود لبني كلب بن مرة (1) بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وكان منصوبا بدومة الجندل وكان سواع لبني هذيل بن الياس بن مدركة بن مضر. وكان منصوبا بمكان يقال له رهاط (2). وكان يغوث لبني أنعم من طئ ولاهل جرش من مذحج (3) وكان منصوبا بجرش. وكان يعوق منصوبا بأرض همدان (4) من اليمن لبني خيوان بطن من همدان. وكان نسر منصوبا بأرض حمير لقبيلة يقال لهم ذو الكلاع (5). قال ابن إسحاق: وكان لخولان بأرضهم صنم يقال له عم أنس (6) يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله فيما يزعمون فما دخل في حق عم أنس من حق الله الذي قسموه له تركوه له وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه وفيهم أنزل الله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا) قال: وكان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له سعد، صخرة بفلاة (7) من أرضهم طويلة فاقبل رجل منهم بإبل له مؤبلة ليقفها عليه، التماس بركته، فيما يزعم فلما رأته الابل وكانت مرعية لا تركب وكان الصنم يهراق عليه الدماء نفرت منه فذهبت في كل وجه وغضب ربها [ الملكاني ] وأخذ حجرا فرماه به ثم قال لا بارك الله فيك نفرت على إبلي ثم خرج في طلبها فلما اجتمعت له قال:


(1) في ابن هشام وجمهرة أنساب العرب: وبرة ; وسدنته بنو الفرافصة بن الاحوص بن كلب. (2) كذا في الاصل وابن هشام ومعجم البلدان ورهاط: من أرض ينبع. وفي جمهرة أنساب العرب ص 492: وفي المحبر 316 كان بنعمان ونعمان واد بقرب مكة من بلاد هذيل. وسدنته: بنو صاهلة من هذيل وفي ياقوت سدنته بنو لحيان من هذيل. (3) عبارة ابن الكلبي في الاصنام: واتخذت مذحج وأهل جرش، لم يجعل جرش من مذحج ; والمعروف ان جرش في حمير وفي نهاية الارب للقلقشندي حرش بطن من حمير ص 215، ومذحج من كهلان بن سبأ. وفي الجمهرة: كان لمذحج. (4) في الجمهرة 492: في أرحب. (5) في الجمهرة: كان لحمير بنجران. وذو الكلاع، رهطه أحاظة بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد وهم بطن من حمير ص 478 - 492. (6) في ابن هشام: عميانس، وفي عمود النسب للشنقيطي كالاصل. وفي الجمهرة لابن حزم: يعوق كان يعبده همدان وخولان. (7) في معجم البلدان والاصنام لابن الكلبي: الفلاة بساحل جدة. ولم يذكر الصنم في المحبر. [ * ]

[ 242 ]

أتينا إلى سعد ليجمع شملنا * فشتتنا سعد فلا نحن من سعد وهل سعد إلا صخرة بتنوفة (1) * من الارض لا يدعو لغي ولا رشد قال ابن إسحاق: وكان في دوس صنم (2) لعمرو بن حممة الدوسي. قال [ ابن إسحاق ] وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل وقد تقدم فيما ذكره ابن هشام أنه أول صنم نصبه عمرو بن لحي لعنه الله. قال ابن إسحاق: واتخذوا إسافا ونائلة على موضع زمزم (3) ينحرون عندهما ثم ذكر أنهما كانا رجلا وامرأة فوقع عليها في الكعبة فمسخهما الله حجرين. ثم قال [ ابن إسحاق ]: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة (4) أنها قالت سمعت عائشة تقول: ما زلنا نسمع أن اسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة فمسخهما الله عزوجل حجرين والله أعلم. وقد قيل إن الله لم يمهلهما حتى فجرا فيها بل مسخهما قبل ذلك فعند ذلك نصبا عند الصفا والمروة فلما كان عمرو بن لحي نقلهما فوضعهما على زمزم وطاف الناس بهما وفي ذلك يقول أبو طالب: وحيث ينيخ الاشعرون ركابهم * بمفضي السيول من أساف ونائل وقد ذكر الواقدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بكسر نائلة يوم الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها وتدعو بالويل والثبور. وقد ذكر السهيلي: أن أجا وسلمى وهما جبلان بأرض الحجاز إنما سميا باسم رجل اسمه أجا بن عبد الحي فجر بسلمى بنت حام فصلبا في هذين الجبلين فعرفا بهما قال: وكان بين أجا وسلمى صنم لطي يقال له قلس (5). قال إبن إسحاق: واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره. وإذا قدم من سفره تمسح به فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله. قال فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد قالت قريش: " أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب ".


(1) تنوفة: القفر من الارض الذي لا ينبت شيئا. (2) يسمى: ذو الكفين كما في ابن حزم ص 494 وأصنام ابن الكلبي ص 37 والمحبر ص 218. (3) كان أحد الصنمين أولا بلصق الكعبة، والآخر في موضع زمزم فنقلت قريش الذي كان بلصق الكعبة إلى الآخر - أنظر الالوسي - وأصنام ابن الكلبي. وعند ابن حزم: إساف كان بالصفا ونائلة كانت بالمروة ص 492. (4) تقدم التعليق فليراجع. (5) في جمهرة ابن حزم وياقوت: قلس كان بنجد قريبا من فيد سدنته بنو بولان. [ * ]

[ 243 ]

قال ابن إسحاق: وقد كانت (1) العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي لها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها. وهي مع ذلك تعرف فضل الكعبة عليها، لانها (2) بناء إبراهيم الخليل عليه السلام ومسجده. وكانت لقريش وبني كنانة العزى بنخلة (3) وكانت سدنتها وحجابها بني (4) شيبان من سليم حلفاء بني هاشم. وقد خربها خالد بن الوليد زمن الفتح كما سيأتي. قال [ ابن إسحاق ]: وكانت اللات لثقيف بالطائف وكانت سدنتها وحجابها بني (5) معتب من ثقيف وخربها أبو سفيان والمغيرة بن شعبة (6) بعد مجئ أهل الطائف كما سيأتي. قال [ ابن إسحاق ]: وكانت مناة للاوس والخزرج، ومن دان بدينهم من أهل المدينة (7)، على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد. وقد خربها أبو سفيان أيضا وقيل علي بن أبي طالب كما سيأتي. قال [ ابن إسحاق ]: وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة. وكان يقال له الكعبة اليمانية، ولبيت مكة الكعبة الشامية وقد خربه جرير بن عبد الله البجلي كما سيأتي. قال: وكان قلس لطي ومن يليها بجبلي طي بين أجا وسلمى، وهما جبلان مشهوران كما تقدم. قال: وكان رآم بيتا لحمير وأهل اليمن كما تقدم ذكره في قصة تبع أحد ملوك حمير وقصة الحبرين حين خرباه وقتلا منه كلبا أسود. قال: وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ولها يقول المستوغر واسمه كعب بن ربيعة بن كعب [ حين هدمها ]: ولقد شددت على رضاء شدة * فتركتها قفرا بقاع أسحما (8) وأعان عبد الله في مكروهها * وبمثل عبد الله أغشى المحرما


(1) في ابن هشام: وكانت. (2) في ابن هشام: لانها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم.. (3) نخلة: هي نخلة الشامية بإزاء الغمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكة وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال، وكانت العزى بواد منها (معجم البلدان) وعند ابن حزم: العزى يعبدها غطفان وتعظمها قريش وغنى وباهلة. (4) كذا في الاصل: والصواب بنو شيبان كما في ابن هشام. وعند ابن حزم: سدنتها: بنو صرمة بن مرة. (5) كذا في الاصل والصواب كما في ابن هشام بنو معتب. وعند ابن حزم: آل أبي العاصي من بني مالك بن ثقيف. وعند ابن الكلبي: من ثقيف بن عتاب بن مالك. (6) كذا في الاصل والمحبر 315. وعند ابن حزم: هدمه خالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة ص 491 واقتصر في الاصنام ص 17 على المغيرة. (7) في ابن هشام: يثرب. (8) القاع: المنخفض من الارض. ورواية العجز عند ابن الكلبي: فتركتها تلا تنازع أسحما. [ * ]

[ 244 ]

ويقال إن المستوغر هذا عاش ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة وكان أطول مضر كلها عمرا وهو الذي يقول: ولقد سئمت من الحياة وطولها * وعمرت من عدد السنين مئينا مائة حدتها بعدها مائتان لي * وازددت من عدد الشهور سنينا هل ما بقي إلا كما قد فاتنا * يوم يمر وليلة تحدونا قال ابن هشام: ويروى هذه الابيات لزهير بن جناب بن هبل. قال السهيلي: ومن المعمرين الذين جازوا المائتين والثلاثمائة زهير هذا وعبيد بن شربة ودغفل بن حنظلة النسابة والربيع بن ضبع الفزاري وذو الاصبع العدواني ونصر بن دهمان بن أشجع بن ربث بن غطفان، وكان قد اسود شعره بعد ابيضاضه وتقوم ظهره بعد اعوجابه. قال [ ابن إسحاق ]: وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب بن (1) وائل وإياد بسنداد وله يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة (2): بين الخورنق والسدير وبارق * والبيت ذي الشرفات من سنداد وأول هذه القصيدة: ولقد علمت وأن تطاول بي المدى * أن السبيل سبيل ذي الاعواد ماذا أؤمل بعد آل محرق * تركوا منازلهم وبعد إياد نزلوا بأنقرة يسيل عليهم * ماء الفرات يجئ من أطواد أرض الخورنق والسدير وبارق * والبيت ذي الكعبات من سنداد (3) جرت الرياح على محل ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد (4) وأرى النعيم وكلما يلهى به * يوما يصير إلى بلى ونفاد (5) قال السهيلي: الخورنق قصر بناه النعمان الاكبر لسابور ليكون ولده فيه عنده (6)، وبناه


(1) في ابن هشام: ابني. وسنداد: منازل لاياد اسفل سواد الكوفة وراء نجران الكوفة (معجم البلدان). (2) في رواية عند ابن هشام: للاسود بن يعفر النهشلي. (3) في معجم البلدان " سنداد ": أهل الخورنق وشطره: والقصر ذي الشرفات من سنداد. (4) في معجم البلدان: عراص ديارهم. (5) صدره في معجم البلدان: فإذا النعيم وكل ما يلهى به. (6) قال ابن الكلبي كما نقل عنه ياقوت: أمر ببنائه بهرام جور بن يزدجرد بن سابور ذي الاكتاف وذلك انه كان لا يبقى له ولد وكان قد لحق ابنه بهرام جور في صغره علة فسأل عن منزل مرئ صحيح من الادواء. فأشار عليه أطباؤه أن يخرجه إلى أرض العرب. فأنفذه إلى النعمان وأمره أن يبني له قصرا. فبناه له وأنزله إياه وعالجه حتى برأ من مرضه. " مادة خورنق ". [ * ]

[ 245 ]

رجل يقال له سنمار في عشرين سنة (1) ولم ير بناء أعجب منه فخشي النعمان أن يبني لغيره مثله فألقاه من أعلاه فقتله ففي ذلك يقول الشاعر: جزاني جزاه الله شر جزائه * جزاء سنمار وما كان ذا ذنب سوى رضفه البنيان عشرين حجة * يعد عليه بالقرامد والسكب (2) فلما انتهى البنيان يوما تمامه * وآض كمثل الطود والباذخ الصعب (3) رمى بسنمار على حق رأسه * وذاك لعمر الله من أقبح الخطب (4) قال السهيلي: أنشده الجاحظ في كتاب الحيوان. والسنمار من أسماء القمر. والمقصود أن هذه البيوت كلها هدمت لما جاء الاسلام جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل بيت من هذه سرايا تخربه، وإلى تلك الاصنام من كسرها، حتى لم يبق للكعبة ما يضاهيها، وعبد الله وحده لا شريك له. كما سيأتي بيانه وتفصيله في مواضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة. خبر عدنان جد عرب الحجاز لا خلاف أن عدنان من سلالة اسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام واختلفوا في عدة الآباء بينه وبين اسماعيل. على أقوال كثيرة فاكثر ما قيل أربعون أبا وهو الموجود عند أهل الكتاب أخذوه من كتاب رخيا كاتب أرميا بن حلقيا على ما سنذكره وقيل بينهما ثلاثون وقيل عشرون وقيل خمسة عشر وقيل عشرة وقيل تسعة وقيل سبعة وقيل إن أقل ما قيل في ذلك أربعة لما رواه موسى بن يعقوب عن عبد الله بن وهب بن زمعة الزمعي عن عمته عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " معد بن عدنان بن أدد بن زند بن اليرى بن اعراق الثرى ". قالت: أم سلمة فزند هو الهميسع واليرى هو نابت وإعراق الثرى هو إسماعيل لانه ابن إبراهيم وإبراهيم لم تأكله النار كما أن النار لا تأكل الثرى. قال الدارقطني: لا نعرف زندا إلا في هذا الحديث وزند بن الجون وهو أبو دلامة الشاعر: قال الحافظ أبو القاسم السهيلي وغيره من الائمة: مدة ما بين عدنان إلى زمن اسماعيل أكثر من أن يكون بينهما أربعة أباء أو عشرة أو عشرون وذلك أن معد بن عدنان كان عمره زمن بخت نصر ثنتي عشرة سنة. وقد ذكر أبو جعفر الطبري وغيره أن الله تعالى أوحى في ذلك الزمان إلى أرمياء بن حلقيا أن اذهب إلى بخت نصر فأعلمه أني قد سلطته على العرب وأمر الله أرميا أن يحمل


(1) في معجم البلدان: بناه رجل من الروم يقال له سنمار في ستين سنة (2) في معجم البلدان: سوى رمة البنيان، ستين حجة. (3) في معجم البلدان: فلما رأى البنيان تم سحوقه. (4) في معجم البلدان: فقال: اقذفوا بالعلج من فوق رأسه.. من أعجب الخطب. [ * ]

[ 246 ]

معه معد بن عدنان على البراق كي لا تصيبه النقمة فيهم فإني مستخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل ففعل أرميا ذلك واحتمل معدا على البراق إلى أرض الشام فنشأ مع بنى إسرائيل ممن بقي منهم بعد خراب بيت المقدس وتزوج هناك امرأة اسمها معانة بنت جوشن من بني دب بن جرهم قبل أن يرجع إلى بلاده ثم عاد بعد أن هدأت الفتن وتمحضت جزيرة العرب وكان رخيا كاتب أرمياء قد كتب نسبه في كتاب عنده ليكون في خزانة أرمياء فيحفظ نسب معد كذلك والله أعلم. ولهذا كره مالك رحمه الله رفع النسب إلى ما بعد عدنان. قال السهيلي: وإنما تكلمنا في رفع هذه الانساب على مذهب من يرى ذلك ولم يكرهه كابن إسحاق والبخاري والزبير بن بكار والطبري وغيرهم من العلماء، وأما مالك رحمه الله فقد سئل عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك، وقال له من أين له علم ذلك فقيل له فإلى إسماعيل فأنكر ذلك أيضا وقال ومن يخبره به وكره أيضا أن يرفع في نسب الانبياء مثل أن يقال إبراهيم بن فلان بن فلان هكذا ذكره المعيطي في كتابه. قال: وقول مالك هذا نحو مما روى عن عروة بن الزبير أنه قال ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان وإسماعيل، وعن ابن عباس أنه قال بين عدنان واسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون وروي عن ابن عباس أيضا أنه كان إذا بلغ عدنان يقول كذب النسابون مرتين أو ثلاثا والاصح عن ابن مسعود مثله. وقال عمر بن الخطاب إنما تنسب إلى عدنان، وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابه الانباه في معرفة قبائل الرواه: روى ابن لهيعة (1) عن أبي الاسود أنه سمع عروة بن الزبير يقول ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان ولا ما وراء قحطان إلا تخرصا، وقال أبو الأسود: سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة وكان من أعلم قريش بأشعارهم وأنسابهم يقول ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء معد بن عدنان في شعر شاعر ولا علم عالم. قال أبو عمر: وكان قوم من السلف منهم عبد الله بن مسعود وعمرو بن ميمون الازدي ومحمد بن كعب القرظي إذا تلوا (والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله) قالوا: كذب النسابون. قال أبو عمر رحمه الله: والمعنى عندنا في هذا غير ما ذهبوا والمراد أن من ادعى احصاء بني آدم فإنهم لا يعلمهم إلا الله الذي خلقهم، وأما أنساب العرب فإن أهل العلم بأيامها وأنسابها قد وعوا وحفظوا جماهيرها وأمهات قبائلها، واختلفوا في بعض فروع ذلك.


(1) ابن لهيعة: هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن لهيعة الحضرمي الغافقي المصري، كان مكثرا من الحديث والاخبار والرواية. توفي بمصر سنة سبعين ومائة. وكان عمره احدى وثمانين سنة، وكان مولده سنة سبع وتسعين (ابن خلكان). [ * ]

[ 247 ]

قال أبو عمر: والذي عليه أئمة هذا الشأن في نسب عدنان قالوا عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت (1) بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام وهكذا ذكره محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة. قال ابن هشام: ويقال عدنان بن أد يعني عدنان بن أد بن أدد (2) ثم ساق أبو عمر بقية النسب إلى آدم كما قدمناه في قصة الخليل عليه السلام. وأما الانساب إلى عدنان من سائر قبائل العرب فمحفوظة شهيرة جدا لا يتمارى فيها اثنان والنسب النبوي إليه أظهر وأوضح من فلق الصبح وقد ورد حديث مرفوع بالنص عليه كما سنورده في موضعه بعد الكلام على قبائل العرب وذكر أنسابها وانتظامها في سلك النسب الشريف والاصل المنيف إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. وما أحسن ما نظم النسب النبوي الامام أبو العباس عبد الله بن محمد الناشئ في قصيدته المشهورة المنسوبة إليه وهي قوله: مدحت رسول الله أبغي بمدحه * وفور حظوظي من كريم المآرب مدحت امرءا فاق المديح موحدا * بأوصافه عن مبعد ومقارب نبيا تسامى في المشارق نوره * فلاحت هواديه لاهل المغارب أتتنا به الانباء قبل مجيئه * وشاعت به الاخبار في كل جانب وأصبحت الكهان تهتف باسمه * وتنفي به رجم الظنون الكواذب وأنطقت الاصنام نطقا تبرأت * إلى الله فيه من مقال الاكاذب وقالت لاهل الكفر قولا مبينا * أتاكم نبي من لؤي بن غالب ورام استراق السمع جن فزيلت * مقاعدهم منها رجوم الكواكب هدانا إلى ما لم نكن نهتدي له * لطول العمى من واضحات المذاهب وجاء بآيات تبين أنها * دلائل جبار مثيب معاقب فمنها أنشقاق البدر حين تعممت * شعوب الضيامنة رؤوس الاخاشب ومنها نبوع الماء بين بنانه * وقد عدم الوراد قرب المشارب فروى به جمأ غفيرا وأسهلت * بأعناقه طوعا أكف المذانب وبئر طغت بالماء من مس سهمه * ومن قبل لم تسمح بمذقة شارب


(1) ابن قتيبة في المعارف ساق نسب عدنان إلى قيدار بن اسماعيل أخي نابت. وهذا ما فعله الجواني في أصول الاحساب والزيدي في روضة الالباب. وهكذا قال هشام بن محمد الكلبي كما في رواية ابن الاعرابي عنه (المسعودي) وقال المسعودي: 2 / 289: وقد نهى النبي أن يتجاوز عن معد، وقد اختلف أهل النسب [ في رواياتهم ] فالواجب الواقف عند أمره عليه السلام ونهيه. (2) في ابن هشام: ويقال عدنان بن أد. وفي رواية الكلبي: عدنان بن أد بن أدد. [ * ]

[ 248 ]

وضرع مراه فاستدر ولم يكن * به درة تصغي إلى كف حالب ونطق فصيح من ذراع مبينة * لكيد عدو للعداوة ناصب وإخباره بالامر من قبل كونه * وعند بواديه بما في العواقب ومن تلكم الآيات وحي أتى به * قريب المآني مستجم العجائب تقاصرت الافكار عنه فلم يطع * بليغا ولم يخطر على قلب خاطب حوى كل علم واحتوى كل حكمة * وفات مرام المستمر الموارب أتانا به لا عن روية مرتئ * ولا صحف مستمل ولا وصف كاتب يواتيه طورا في إجابة سائل * وافتاء مستفت ووعظ مخاطب واتيان برهان وفرض شرائع * وقص أحاديث ونص مآرب وتصريف أمثال وتثبيت حجة * وتعريف ذي جحد وتوقيف كاذب وفي مجمع النادي وفي حومة الوغى * وعند حدوث المعضلات الغرائب فيأتي على ما شئت من طرقاته * قويم المعاني مستدر الضرائب يصدق منه البعض بعضا كأنما * يلاحظ معناه بعين المراقب وعجز الورى عن أن يجيئوا بمثل ما * وصفناه معلوم بطول التجارب تأبى بعبد الله أكرم والد * تبلج منه عن كريم المناسب (1) وشيبة ذي الحمد الذي فخرت به * قريش على أهل العلى والمناصب ومن كان يستسقى الغمام بوجهه * ويصدر عن آرائه في النوائب وهاشم الباني مشيد افتخاره * بغر المساعي وامتنان المواهب وعبد مناف وهو علم قومه اش‍ * تطاط الاماني واحتكام الرغائب (2) وإن قصيا من كريم غراسه * لفي منهل لم يدن من كف قاضب به جمع الله القبائل بعدما * تقسمها نهب الاكف السوالب وحل كلاب من ذرى المجد معقلا * تقاصر عنه كل دان وغائب ومرة لم يحلل مريرة عزمه * سفاه سفيه أو محوبة حائب وكعب علا عن طالب المجد كعبه * فنال بأدنى السعي أعلا المراتب وألوى لؤي بالعداة فطوعت * له همم الشم الانوف الاغالب وفي غالب بأس أبى البأس دونهم * يدافع عنهم كل قرن مغالب وكانت لفهر في قريش خطابة * يعوذ بها عند اشتجار المخاطب وما زال منهم مالك خير مالك * وأكرم مصحوب وأكرم صاحب


(1) تبلج: أضاء. (2) اشتطاط: ابتعاد. [ * ]

[ 249 ]

وللنضر طول يقصر الطرف دونه * بحيث التقى ضوء النجوم الثواقب لعمري لقد أبدى كنانة قبله * محاسن تأبى إن تطوع لغالب ومن قبله أبقى خزيمة حمده * تليد تراث عن حميد الاقارب ومدركة لم يدرك الناس مثله * أعف وأعلى عن دني المكاسب وإلياس كان اليأس منه مقارنا * لاعدائه قبل اعتداد الكتائب وفي مضر يستجمع الفخر كله * إذا اعتركت يوما زحوف المقانب وحل نزار من رياسة أهله * محلا تسامى عن عيون الرواقب وكان معد عدة لوليه * إذا خاف من كيد العدو المحارب وما زال عدنان إذا عد فضله * توحد فيه عن قرين وصاحب وأد تأدى الفضل منه بغاية * وأرث حواه عن قروم اشايب وفي أدد حلم تزيد بالحجا * إذا الحلم أزهاه قطوب الحواجب وما زال يستعلي هميسع بالعلى * ويتبع آمال البعيد المراغب ونبت نبته دوحة العز وأبتنى * معاقله في مشمخر الاهاضب وحيزت لقيذار سماحة حاتم * وحكمة لقمان وهمة حاجب هموا نسل اسماعيل صادق وعده * فما بعده في الفخر مسعى لذاهب وكان خليل الله أكرم من عنت * له الارض من ماش عليها وراكب وتارح ما زالت له أريحية * تبين منه عن حميد المضارب وناحور نحار العدى حفظت له * مآثر لما يحصها عد حاسب وأشرع في الهيجآء ضيغم غابة * يقد الطلى بالمرهفات القواضب وأرغو ناب في الحروب محكم * ضنين على نفس المشح المغالب وما فالغ في فضله تلو قومه * ولا عابر من دونهم في المراتب وشالخ وارفخشذ وسام سمت بهم * سجايا حمتهم كل زار وعائب وما زال نوح عندي ذي العرش فاضلا * يعدده في المصطفين الاطايب ولمك أبوه كان في الروع رائعا * جريئا على نفس الكمي المضارب ومن قبل لمك لم يزل متوشلخ * يذود العدى بالذائدات الشوازب وكانت لادريس النبي منازل * من الله لم تقرن بهمة راغب ويارد بحر عند آل سراته * أبى الخزايا مستدق المآرب وكانت لمهلاييل فهم فضائل * مهذبة من فاحشات المثالب وقينان من قبل اقتنى مجد قومه * وفاد بشأو الفضل وخد الركائب وكان أنوش ناش للمجد نفسه * ونزهها عن مرديات المطالب

[ 250 ]

وما زال شيث بالفضائل فاضلا * شريفا بريئا من ذميم المعائب وكلهم من نور آدم أقبسوا * وعن عوده أجنوا ثمار المناقب وكان رسول الله أكرم منجب * جرى في ظهور الطيبين المناجب مقابلة آباؤه أمهاته * مبرأة من فاضحات المثالب عليه سلام الله في كل شارق * ألاح لنا ضوءا وفي كل غارب هكذا أورد القصيدة الشيخ أبو عمر بن عبد البر وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيبه من شعر الاستاذ أبي العباس عبد الله بن محمد الناشي المعروف بابن شرشير (1) أصله من الانبار ورد بغداد ثم ارتحل إلى مصر فأقام بها حتى مات سنة ثلاث وتسعين ومائتين وكان متكلما معتزليا يحكي عنه الشيخ أبو الحسن الاشعري في كتابه المقالات فيما يحكي عن المعتزلة وكان شاعرا مطبقا حتى أن من جملة اقتداره على الشعر كان يعاكس الشعراء في المعاني فينظم في مخالفتهم ويبتكر ما لا يطيقونه من المعاني البديعة والالفاظ البليغة حتى نسبه بعضهم إلى التهوس والاختلاط وذكر الخطيب البغدادي أن له قصيدة على قافية واحدة قريبا من أربعة آلاف بيت ذكرها الناجم وأرخ وفاته كما ذكرنا. قلت: وهذه القصيدة تدل على فضيلته وبراعته وفصاحته وبلاغته وعلمه وفهمه وحفظه وحس لفظه واطلاعه واضطلاعه واقتداره على نظم هذا النسب الشريف في سلك شعره وغوصه على هذه المعاني التي هي جواهر نفيسة من قاموس بحره فرحمه الله وأثابه وأحسن مصيره وإيابه. أصول انساب عرب الحجاز إلى عدنان وذلك لان عدنان ولد له ولدان معد وعك. قال السهيلي: ولعدنان أيضا ابن اسمه الحارث وآخر يقال له المذهب. قال وقد ذكر أيضا في بنيه الضحاك. وقيل إن الضحاك ابن لمعد لا ابن عدنان. قال وقيل إن عدن الذي تعرف به مدينة عدن وكذلك أبين كانا ابنين لعدنان حكاه الطبري (2) فتزوج عك في الاشعريين وسكن في


(1) ابن شرشير: اسم طائر يصل إلى الديار المصرية في زمن الشتاء وهو أكبر من الحمام بقليل وهو كثير الوجود بساحل دمياط وباسمه سمي الرجل. وابن شرشير هو الناشئ الاكبر، كان نحويا عروضيا متكلما أقام ببغداد مدة طويلة ثم رحل إلى مصر وأقام بها إلى آخر عمره. كان متبحرا في عدة علوم من جملتها علم المنطق وكان بقوة علم الكلام نقض علل النحاة وأدخل على قواعد العروض شبها ومثلها بغير أمثلة الخليل مات سنة 293 (شذرات الذهب 2 / 214). (2) في نهاية الارب 321: قال الزهري: كان لعدنان ستة أولاد: معد، وعبل واسمه الديب، وعدن وبه سميت عدن من اليمن، وأد، وأبي الضحاك، والعني. وأمهم مهدد. وقال في جمهرة الانساب ص 9: ولد عدنان: معد، وعك وقيل اسمه الحارث وقد قيل: عك بن الديث بن عدنان. [ * ]

[ 251 ]

بلادهم من اليمن فصارت لغتهم واحدة فزعم بعض أهل اليمن أنهم منهم فيقولون عك بن عدنان بن عبد الله بن الازد بن يغوث ويقال (1) عك بن عدنان بن الذيب بن عبد الله بن الاسد ويقال الريث بدل الذيب والصحيح ما ذكرنا من أنهم من عدنان. قال عباس بن مرداس: وعك بن عدنان الذين تلعبوا * بغسان حتى طردوا كل مطرد (2) وأما معد فولد له أربعة نزار وقضاعة وقنص وإياد (3) وكان قضاعة بكره وبه كان يكنى وقد قدمنا الخلاف في قضاعة ولكن هذا هو الصحيح عند ابن إسحاق وغيره والله أعلم. وأما قنص فيقال إنهم هلكوا ولم يبق لهم بقية إلا أن النعمان بن المنذر الذي كان نائبا لكسرى على الحيرة كان من سلالته على قول طائفة من السلف وقيل بل كان من حمير كما تقدم والله أعلم. وأما نزار فولد له ربيعة ومضر وأنمار قال ابن هشام وإياد بن نزار كما قال الشاعر: وفتو حسن أوجههم * من إياد بن نزار بن معد قال [ ابن هشام ]: وإياد ومضر شقيقان أمهما سودة بنت عك بن عدنان وأم ربيعة وأنمار شقيقة بنت عك بن عدنان. ويقال جمعة بنت عك بن عدنان: قال ابن إسحاق فأما أنمار فهو والد خثعم وبجيلة (4) قبيلة جرير بن عبد الله البجلي قال وقد تيامنت فلحقت باليمن. قال ابن هشام: وأهل اليمن يقولون: أنمار بن أراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نبت بن ملك بن زيد بن كهلان بن سبأ. قلت: والحديث المتقدم في ذكر سبأ يدل على هذا والله أعلم. قالوا: وكان مضر أول من حدا وذلك لانه كان حسن الصوت فسقط يوما عن بعيره فوثبت يده فجعل يقول وايدياه وايدياه فأعنقت الابل لذلك. قال ابن إسحاق: فولد مضر بن نزار


= والظاهر أن كلمة الديث مقحمة. فكل الذين عرضوا لعك بن عدنان لم يذكروه في نسبهم. وفي الجمهرة أن الضحاك ولد لمعد بن عدنان. (1) هذا قول ابن قتيبة في المعارف، وابن دريد في الاشتقاق والجواني في أصول الاحساب. (2) كذا في الاصل وفي ابن هشام: تلقبوا. (3) لا خلاف بين النسابين في نسب نزار لمعد، وأما سائر ولده فمختلف فيهم وفي عددهم. وفي الجمهرة لم يأت على قضاعة، وذكر عبيد الرماح بن معد، واعتبر الضحاك ولدا لمعد. وفي الطبري زاد: قناصة وسنام وحيدان وحيدة وحيادة وجنيد وجنادة والقحم. والعرف وعوف وشك. (4) في نهاية الارب: قال ابن الكلبي: إن انمار هذا لا عقب له إلا ما يقال في بجيلة وخثعم فإنه يقال انهم ابناء انمار. وقال في العبر: وبجيلة تنكر هذا. وأما أنمار فهو كما قال أبو عبيد: خثعم وعنفر والغوث وهنية وخزيمة وامهم بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة ص 216. [ * ]

[ 252 ]

رجلين الياس وعيلان (1) وولد لالياس مدركة وطابخة وقمعة (2) وأمهم خندف بنت عمران بن الحاف بن قضاعة. قال ابن إسحاق وكان اسم مدركة عامرا واسم طابخة عمرا ولكن اصطاد صيدا فبينا هما يطبخانه إذ نفرت الابل فذهب عامر في طلبها حتى أدركها وجلس الآخر يطبخ فلما راحا على أبيهما ذكرا له ذلك فقال لعامر: أنت مدركة وقال لعمرو: أنت طابخة قال: وأما قمعة فيزعم نساب مضر أن خزاعة من ولد عمرو بن لحي بن قمعة بن الياس. قلت: والاظهر أنه منها لا والدهم وأنهم من حمير كما تقدم (3) والله أعلم. قال ابن إسحاق: فولد مدركة خزيمة وهذيل وأمهما امرأة من قضاعة وولد خزيمة كنانة وأسدا وأسدة (4) والهون وزاد أبو جعفر الطبري (5): في أبناء كنانة على هؤلاء الاربعة عامرا والحارث والنضير وغنما وسعدا وعوفا وجرولا والحدال وغزوان. قال [ ابن إسحاق ] وولد كنانة النضر (6) ومالكا وعبد مناة وملكان. قريش نسبا واشتقاقا وفضلا وهم بنو النضر بن كنانة قال ابن إسحاق: وأم النضر برة بنت مر بن أد بن طابخة [ بن الياس بن مضر ] وسائر بنيه لامرأة أخرى. وخالفه ابن هشام فجعل برة بنت مرأم النضر ومالك وملكان. وأم عبد مناة هاله بنت سويد بن الغطريف من أزد شنوءة (7). قال ابن هشام: النضر هو قريش فمن كان من ولده فهو قرشي (8)، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي. وقال: ويقال: فهر بن مالك هو قريش.


(1) في نهاية الارب 376: وفي الروض الانف إياس. وعيلان قيل هو قيس عيلان وامهما اسمى بنت سود بنت أسلم بن الحارث بن قضاعة وفي كتاب نسب قريش ص 7 هي الحنفاء ابنة إياد بن معد وفي الطبري: أم الياس الرباب بنت حيدة بن معد. (2) قمعة وهو عمير وسمي قمعة لانه انقمع في الخباء وقعد (نهاية الارب ص 228 - الجمهرة ص 10). (3) كذا في نهاية الارب والجمهرة وتقدم التعليق فليراجع. (4) لم يذكر ابن قتيبة في المعارف أسدة، وفي الجمهرة: إن لخما وجذام وعاملة هم بنو أسدة بن خزيمة ص 11. وأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان. (5) كذا في الاصل والعبارة مختلة المعنى. وعبارة الطبري بتمامها ج 2 / 188. (6) النضر واسمه قيس كما في الطبري. وفي جمهرة الانساب ملك بدل مالك وقال لم يعقب لكنانة ولد غير هولاء. (7) وفي الطبري: أم عبد مناة فكيهة وقيل فكهة وهي الذفراء بنت هني بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. (8) قرشي: قال صاحب اللسان في مادة قرش: قريش غير مصروف إذا أردت القبيلة، والنسب إليه قرشي نادر، وقريشي على القياس. قال: بكل قريشي عليه مهابة * سريع إلى داعي الندى والتكرم قال ابن بري: اثبات الياء في النسب إلى قريش. وقال في التهذيب: إذا نسبوا إلى قريش قالوا: قرشي بحذف الزيادة وللشاعر إذا اضطر أن يقول قريشي. [ * ]

[ 253 ]

فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي. وهذان القولان قد حكاهما غير واحد من أئمة النسب كالشيخ أبي عمر بن عبد البر والزبير بن بكار ومصعب وغير واحد. قال أبو عبيد وابن عبد البر: والذي عليه الاكثرون أنه النضر بن كنانة لحديث الاسعد (1) بن قيس قلت: وهو الذي نص عليه هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأبو عبيدة معمر بن المثنى وهو جا مذهب الشافعي رضي الله عنه. ثم اختار أبو عمر أنه فهر بن مالك واحتج بأنه ليس أحد اليوم ممن ينتسب إلى قريش إلا وهو يرجع في نسبه إلى فهر بن مالك ثم حكى اختيار هذا القول عن الزبير بن بكار ومصعب الزبيري وعلي بن كيسان قال: وإليهم المرجع في هذا الشأن وقد قال الزبير بن بكار: وقد أجمع نساب قريش وغيرهم أن قريشا إنما تفرقت من فهر بن مالك والذي عليه من أدركت من نساب قريش أن ولد فهر بن مالك قرشي وأن من جاوز فهر بن مالك بنسبه فليس من قريش ثم نصر هذا القول نصرا عزيزا وتحامى له بأنه ونحوه أعلم بأنساب قومهم وأحفظ لما آثرهم (2). وقد روي البخاري (3) من حديث كليب بن وائل قال قلت لربيبة النبي صلى الله عليه وسلم - يعني زينب [ بنت أبي سلمة ] - في حديث ذكره أخبريني عن النبي صلى الله عليه وسلم أكان من مضر ؟ قالت فممن كان إلا من مضر. من بني النضر بن كنانة. وقال الطبراني ثنا إبراهيم بن نائلة الاصبهاني حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ثنا الحسن بن صالح عن أبيه عن الجشيش (4) الكندي قال جاء قوم من كندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا أنت منا وادعوه فقال: " لا، نحن بنو النضر بن كنانة لا نقف أمنا ولا ننتفي من أبينا " (5).


(1) كذا في الاصل: والصواب كما في البخاري والبيهقي والسمعاني: الاشعث. (2) اختلف النسابون في قريش فمنهم من قال اسم شخص ومنهم من قال اسم حي أو اسم قبيلة. قيل هو قريش بن بدر بن يخلد بن النضر وبه سميت قريشا. وقيل ان النضر بن كنانة كان اسمه قريشا وقيل القرشي. وقيل أن فهر بن مالك هو جماع قريش، وقيل قريش ولده ولا قريش غيرهم ولا يكون قريشي إلا منهم ولا من ولد فهر أحد إلا قريشي. وقيل إن قريشا اسم لفهر وان فهر لقب عليه. وقال المبرد: إن التسمية لقريش وقعت لقصي بن كلاب. وعند القلقشندي: أن قريش قبيلة من كنانة غلب عليهم اسم أبيهم فقيل لهم قريش على ما ذهب إليه جمهور النسابين وهو الاصح من الوجهين عند الشافعية. (انظر الانساب للسمعاني - الطبري - ابن الاثير - جمهرة الانساب - نهاية الارب - طبقات ابن سعد). (3) اول كتاب المناقب فتح الباري (6: 525) ورواه الاسماعيلي من رواية حبان بن هلال، عن عبد الواحد. (4) في أسد الغابة: جفشيش. (5) لا نقفو أمنا: أي لا نتهمها ولا نقذفها، يقال قفا فلان فلانا إذا قذفه بما ليس فيه، وقيل معناه لا نترك النسب [ * ]

[ 254 ]

وقال الامام أبو عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد ثنا أبي ثنا الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال جاء رجل من كندة يقال له الجشيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله إنا نزعم أن عبد مناف منا، فأعرض عنه، ثم عاد فقال: مثل ذلك ثم أعرض عنه، ثم عاد فقال مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " نحن بنو النضر بن كنانة لا نقف أمنا ولا ننتفي من أبينا " قفال الاشعث ألا كنت سكت من المرة الاولى فأبطل ذلك قولهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا غريب أيضا من هذا الوجه والكلبي ضعيف والله أعلم. وقد قال الامام أحمد (1) حدثنا بهز وعفان قالا ثنا حماد بن سلمة. قال ثني عقيل بن أبي طلحة وقال عفان عقيل بن طلحة السلمي عن مسلم بن الهيصم عن الاشعث بن قيس أنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة. قال عفان - لا يروني أفضلهم قال فقلت يارسول الله. انا نزعم أنكم منا قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن بنو النضر بن كنانة لا نقف أمنا ولا ننتفي من أبينا. قال: فقال الاشعث بن قيس: فوالله لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد. وهكذا رواه ابن ماجه (2) من طرق عن حماد بن سلمة به وهذا إسناد جيد قوي وهو فيصل في هذه المسألة فلا التفات إلى قول من خالفه والله أعلم ولله الحمد والمنة. وقد قال جرير بن عطية التميمي يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان: فما الام التي ولدت قريشا * بمقرفة النجار ولا عقيم (3) وما قرم بأنجب من أبيكم * ولا خال بأكرم من تميم (4) قال ابن هشام: يعني أم النضر بن كنانة وهي برة بنت مر أخت تميم بن مر. وأما اشتقاق قريش فقيل من التقرش وهو التجمع بعد التفرق وذلك في زمن قصي بن كلاب فإنهم كانوا متفرقين فجمعهم بالحرم (5) كما سيأتي بيانه وقد قال حذافة بن غانم العدوي (6): أبوكم قصي كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر


= إلى الآباء وننتسب إلى الامهات (النهاية 2 / 303). (1) مسند الامام أحمد ج 5 / 211 وأخرجه البيهقي في الدلائل ج 1 / 173 وفيه: مسلم بن هيضم. (2) كتاب الحدود - باب - من نفى رجلا من قبيلته (2 / 871). (3) المقرفة يعني اللئيمة، والنجار: الاصل. العقيم: التي لا تحمل. (4) القرم: استعاره هنا للرجل السيد ; وهو الفحل من الابل. (5) في الطبري ج 2 / 182: وجمع قبائل قريش فأنزلهم أبطح مكة وكان بعضهم في الشغاب ورؤوس جبال مكة فقسم منازلهم بينهم فسمى مجمعا. (6) في الطبري: مطرود وفي الازرقي فكالاصل. [ * ]

[ 255 ]

وقال بعضهم: كان قصي يقال له قريش قيل من التجمع والتقرش التجمع كما قال أبو خلدة اليشكري (1): اخوة قرشوا الذنوب علينا * في حديث من دهرنا وقديم (2) وقيل سميت قريش من التقرش وهو التكسب والتجارة حكاه ابن هشام رحمه الله. وقال الجوهري: القرش الكسب والجمع وقد قرش يقرش قال الفراء: وبه سميت قريش وهي قبيلة وأبوهم النضر بن كنانة فكل من كان من ولده فهو قرشي دون ولد كنانة فما فوقه. وقيل من التفتيش قال هشام بن الكلبي كان النضر بن كنانة تسمى قريشا لانه كان يقرش عن خلة الناس وحاجتهم فيسدها بماله والتقريش هو التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيرفدونهم بما يبلغهم بلادهم فسموا بذلك من فعلهم وقرشهم قريشا وقد قال الحارث بن حلزة في بيان أن التقرش التفتيش: أيها الناطق المقرش عنا * عند عمرو فهل له إبقاء (2) حكى ذلك الزبير بن بكار وقيل قريش تصغير قرش (3) وهو دابة في البحر قال بعض الشعراء: وقريش هي التي تسكن البح‍ * ر بها سميت قريش قريشا قال البيهقي (4): أخبرنا أبو نصر بن قتادة أنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني حدثنا محمد ابن الحسن بن الخليل النسوي أن أبا كريب حدثهم حدثنا وكيع بن الجراح عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي ركانة العامري أن معاوية قال لابن عباس: فلم سميت قريش قريشا ؟ فقال: لدابة تكون في البحر تكون أعظم دوابه، فيقال لها القرش لا تمر بشئ من الغث والسمين إلا أكلته قال فأنشدني في ذلك شيئا فأنشد [ ته ] شعر الجمحي إذ يقول: وقريش هي التي تسكن البح‍ * ر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا * تتركن لذي الجناحين ريشا (5) هكذا في البلاد حي قريش * يأكلون البلاد أكلا كميشا


(1) في ابن هشام: أبو جلدة وفيه: من عمرنا بدل من دهرنا. (2) في الطبري: لهن انتهاء وفي اللسان: وهل لذاك بقاء. (3) في اللسان: قريش دابة في البحر لا تدع دابة إلا أكلتها فجميع الدواب تخافها، وروي عن ابن عباس أن النضر كان في سفينة فطلعت عليهم دابة قريش فرماها بسهم فقتلها وحملها إلى مكة فسمي باسمها (نهاية الارب 356). (4) أخرجه في دلائل النبوة ج 1 / 180 - 181 وفيه أبي ريحانة العامري بدل من أبي ركانة. (5) في البيهقي: ولا تترك فيها لذي جناحين ريشا. [ * ]

[ 256 ]

ولهم آخر الزمان نبي * يكثر القتل فيهم والخموشا وقيل سموا بقريش بن الحارث (1) بن يخلد بن النضر بن كنانة وكان دليل بني النضر وصاحب ميرتهم فكانت العرب تقول: قد جاءت عير قريش قالوا وابن بدر بن قريش هو الذي حفر البئر المنسوبة إليه (2) التي كانت عندها الوقعة العظمى يوم الفرقان (3) يوم التقى الجمعان والله أعلم. ويقال في النسبة إلى قريش قرشي وقريشي قال الجوهري وهو القياس. قال الشاعر: لكل قريشي عليه مهابة * سريع إلى داعي الندا والتكرم قال فإذا أردت بقريش الحي صرفته وإن أردت القبيلة منعته قال الشاعر في ترك الصرف: * وكفى قريش المعضلات وسادها (4) * وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي عمرو الاوزاعي قال: حدثني شداد أبو عمار حدثني واثلة بن الاسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله [ تعالى ] اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى هاشما من قريش واصطفاني من بني هاشم " (5). قال أبو عمر بن عبد البر يقال بنو عبد المطلب فصيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو هاشم فخذه وبنو عبد مناف بطنه وقريش عمارته وبنو كنانة قبيلته ومضر شعبه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. ثم قال ابن إسحاق: فولد النضر بن كنانة مالكا ومخلدا (6) قال ابن هشام والصلت وأمهم جميعا بنت سعد بن الظرب العدواني (7). قال كثير بن عبد الرحمن وهو كثير عزة أحد بني مليح بن عمرو من خزاعة:


(1) في ابن حزم: قريش بن بدر بن يخلد بن النضر. 1 / 9 وفي الطبري قريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة. (2) في الطبري: سميت بدرا بدرا. (3) يوم الفرقان: وقعة بدر التي أظهر الله بها الاسلام وفرق بين الحق والباطل. وبين بدر والمدينة سبعة برد. (4) البيت لعدي بن الرقاع يمدح الوليد بن عبد الملك وصدره في اللسان: غلب المساميح الوليد سماحة.. وقيل في قريش أن بعضهم نظر إلى النضر فقال انظروا إلى النضر كأنه جمل قريش. وقيل سميت قريشا من أجل أنها تقرشت عن الغارات. وقيل لغلبة قريش وقهرهم سائر القبائل. (5) أخرجه مسلم في أول كتاب الفضائل باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم ح 1 ص 1782. وأخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح وأخرجه الامام أحمد في مسنده 4 / 107 وأخرجه البيهقي في دلائله 1 / 165 - 166. (6) في ابن هشام والطبري: يخلد. (7) في الطبري عكرشة بنت الحارث بن عمرو بن قيس العدواني وعند ابن إسحاق عاتكة بنت عدوان. وفي ابن الاثير: اسمها عاتكة ولقبها عكرشة. [ * ]

[ 257 ]

أليس أبي بالصلت أم ليس إخوتي * لكل هجان من بني النضر أزهرا (1) رأيت ثياب العصب مختلط السدى * بنا وبهم والحضرمي المخصرا (2) فإن لم تكونوا من بني النضر فاتركوا * أراكا بأذناب الفواتج أخضرا (3) قال ابن هشام: وبنو مليح بن عمرو يعزون إلى الصلت بن النضر (4). قال ابن إسحاق: فولد مالك بن النضر فهر بن مالك، وأمه جندلة بنت الحارث (5) بن مضاض الاصغر وولد فهر غالبا ومحاربا والحارث وأسدا وأمهم ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة (6). قال ابن هشام: وأختهم لابيهم جندلة بنت فهر. قال ابن إسحاق: فولد غالب بن فهر لؤي بن غالب وتيم بن غالب وهم الذين يقال لهم بنو الادرم (7) وأمهما سلمى بنت عمرو الخزاعي (8). قال ابن هشام وقيس بن غالب وأمه سلمى بنت كعب بن عمرو الخزاعي وهي أم لؤي (9) قال ابن إسحاق: فولد لؤي بن غالب أربعة نفر كعبا وعامرا وسامة وعوفا. قال ابن هشام ويقال: الحارث وهم جشم بن الحارث في هزان من ربيعة وسعد بن لؤي وهما بنانة في شيبان بن ثعلبة وبنانة (10) حاضنة لهم وخزيمة بن لؤي وهم عايذة في شيبان بن ثعلبة.


(1) الهجان: الكريم الاصل والعالي النسب ; والازهر: المشهور. (2) ثياب العصب: ثياب يمنية. الحضرمي: النعال. والمخصرة التي تضيق من جانبيها. (3) كذا في الاصل وفي ابن هشام الفوائج: وهي رؤوس الاودية وقيل هي عيون. (4) الصلت بن مالك، وولده دخلوا في بني مليح من خزاعة، وهم رهط كثير بن عبد الرحمن (الانباه على قبائل الرواه 93 - 94 جمهرة ابن حزم 1 / 12). (5) في الطبري وابن الاثير جندلة بنت عامر بن الحارث. وقال أبو عبيدة عمر بن المثنى: سلمى بنت أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. (6) في الطبري: ولد فهر غالب الحارث ومحارب وأسد وعوف وجون وذئب وأمهم ليلى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة. (7) الادرم: المدفون الكعبين من اللحم، وهو أيضا المنقوص الدقن وغالب كان كذلك، وبنو الادرم هم اعراب مكة، وهم من قريش الظواهر لا من قريش البطاح. راجع الطبري. (8) في الطبري وابن الاثير: عاتكة بنت النضر بن يخلد بن كنانة وهي أولى العواتك اللاتي ولدن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش. (9) في الطبري: أم كعب ماوية. وأم عوف الباردة بنت عوف بن غنم بن عبد الله بن غطفان خرجت إلى قومها لما مات لؤي وتزوجها سعد بن ذبيان بن بغيض وتبنى عوفا. (10) بناتة حاضنة لهم وهي من بني القين كما عند ابن إسحاق وفي الطبري بناتة أمهم. واعتبر الطبري مخالفا ابن هشام في أن عائذة أم خزيمة. [ * ]

[ 258 ]

ثم ذكر ابن إسحاق خبر سامة بن لؤي وأنه خرج إلى عمان، فكان بها. وذلك لشنآن كان بينه وبين أخيه عامر فأخافه عامر فخرج عنه هاربا إلى عمان وأنه مات بها غريبا وذلك أنه كان برعى (1) ناقته فعلقت حية بمشفرها فوقعت لشقها ثم نهشت الحية سامة حتى قتلته فيقال إنه كتب بأصبعه على الارض: عين فابكي لسامة بن لؤي * علقت ما بسامة العلاقة (2) لا أرى مثل سامة بن لؤي * يوم حلوا به قتيلا لناقه بلغا عامرا وكعبا رسولا * أن نفسي إليهما مشتاقة إن تكن في عمان داري فإني * غالبي خرجت من غير فاقه رب كأس هرقت يابن لؤي * حذر الموت لم تكن مهراقه رمت دفع الخوف يابن لؤي * ما لمن رام ذاك بالحتف طاقه وخروس السرى تركت رزيا * بعد جد وحدة ورشاقه (3) قال ابن هشام: وبلغني أن بعض ولده أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتسب إلى سامة بن لؤي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشاعر ؟ فقال له بعض أصحابه: كأنك يارسول الله أردت قوله " ؟ رب كأس هرقت يابن لؤي * حذر الموت لم تكن مهراقه فقال: " أجل ". وذكر السهيلي عن بعضهم أنه لم يعقب. وقال الزبير ولد أسامة (4) بن لؤي غالبا والنبيت والحارث قالوا وكانت له ذرية بالعراق (5) يبغضون عليا ومنهم علي بن الجعد كان يشتم أباه لكونه سماه عليا ومن بني سامة بن لؤي محمد بن عرعرة بن اليزيد شيخ البخاري (6).


= ووافق ابن قتيبة في المعارف، والسيرة في اعتبار الحارث ولدا للؤي وخالفهما الطبري وابن دريد حيث لم يذكر في ولد لؤي اسما للحارث. (1) كذا بالاصل، وفي ابن هشام: بينا هو يسير على ناقته، إذ وضعت رأسها ترتع فأخذت حية بمشفرها فهصرتها حتى وقعت الناقة. ويخالف صاحب الاغاني في روايته لقصة سامة بن إسحاق، بل كان الخلاف بين سامة وأخيه كعب. (2) العلاقة: هنا: الحية التي تعلقت بالناقة. (3) خروس السرى: يريد ناقة صموتا على السرى لا تضجر منه. رزيا في ابن هشام رديا والردى: التي سقطت من الاعياء. (4) كذا بالاصل والصواب سامة. (5) وهم بنو ناجية الذين قتلهم علي رضي الله عنهم على الردة وسباهم كما عند ابن حزم في الجمهرة ص 13 والاغاني ووفيات الاعيان 1 / 349. (6) كذا في الاصل اليزيد وهو تصحيف. [ * ]

[ 259 ]

وقال ابن إسحاق: وأما عوف بن لؤي فإنه خرج - فيما يزعمون - في ركب من قريش حتى إذا كان بأرض غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، أبطئ به، فانطلق من كان معه من قومه، فأتاه ثعلبة بن سعد، وهو أخوه في نسب بني ذبيان، فحبسه وزوجه والتاطه (1) وآخاه. فشاع نسبه في ذبيان. وثعلبة - فيما يزعمون - (2). قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر (3) بن الزبير أو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن الحصين أن عمر بن الخطاب قال: لو كنت مدعيا حيا من العرب أو ملحقهم بنا لادعيت بني مرة بن عوف، إنا لنعرف منهم الاشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيث وقع يعني عوف بن لؤي. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم أن عمر بن الخطاب قال لرجال منهم من بني مرة: إن شئتم أن ترجعوا إلى نسبكم فارجعوا إليه. قال ابن إسحاق: وكان القوم أشرافا في غطفان، هم سادتهم وقادتهم (4). قوم لهم صيت في غطفان وقيس كلها فأقاموا على نسبهم قالوا وكانوا يقولون إذا ذكر لهم نسبهم ما ننكره وما نجحده وإنه لاحب النسب إلينا ثم ذكر أشعارهم في انتمائهم إلى لؤي قال ابن إسحاق: وفيهم كان البسل (5) وهو تحريم ثمانية أشهر لهم من كل سنة من بين العرب وكانت العرب تعرف لهم ذلك ويأمنونهم فيها ويؤمنونهم أيضا قلت: وكانت ربيعة ومضر إنما يحرمون أربعة أشهر من السنة وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم واختلفت ربيعة ومضر في الرابع وهو رجب فقالت: مضر هو الذي بين جمادى وشعبان وقالت ربيعة


= هو محمد بن عريرة بن البرند كما في تقريب التهذيب والكاشف للذهبي وشذرات الذهب توفي سنة 213 ه‍. روى عنه البخاري. (1) تقدم التعليق على خروج أم عوف الباردة وزواجها في بني ذبيان. إلتاطه: ألصقه به، وضمه إليه وألحقه بنسبه. (2) نقص في العبارة، لعل الساقط سهوا من الناسخ، وتكملته كما في ابن هشام: " الذي يقول لعوف حين أبطئ به فتركه قومه: أحبس علي ابن لؤي جملك * تركك القوم ولا منزل لك وفي الطبري القائل فزارة بن ذبيان وأوله: عرج علي. (3) ينتمي إلى الزبير بن العوام الاسدي حدث عن عمه عروة وابن عمه عباد بن عبيد الله كان فقيها عالما وثقه النسائي. وابن سعد والدارقطني وذكره البخاري في الاوسط. (4) ومنهم: هرم بن سنان بن مرة بن أبي حارثة، وخارجة بن سنان، والحارث بن عوف، والحصين بن حمام وهاشم بن حرملة. (5) البسل: الحلال والحرام فهو من الاضداد. [ * ]

[ 260 ]

هو الذي بين شعبان وشوال وقد ثبت في الصحيحين (1) عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والارض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " فنص على ترجيح قول مضر لا ربيعة وقد قال الله عزوجل: (إن عدة الشهور عند الله اثني عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها أربعة حرم) فهذا رد على بني عوف بن لؤي في جعلهم الاشهر الحرم ثمانية فزادوا على حكم الله وأدخلوا فيه ما ليس منه وقوله في الحديث ثلاث متواليات رد على أهل النسئ الذين كانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر. وقوله فيه ورجب مضر رد على ربيعة. قال ابن إسحاق: فولد كعب بن لؤي ثلاثة، مرة، وعديا، وهصيصا وولد مرة، ثلاثة أيضا كلاب بن مرة، وتيم بن مرة، ويقظة بن مرة من أمهات ثلاث (2). قال وولد كلاب رجلين قصي (3) بن كلاب وزهرة بن كلاب وأمهما فاطمة بنت سعد بن سيل أحد [ بني ] الجدرة عمن جعثمة الاسد من اليمن حلفاء بني الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وفي أبيها يقول الشاعر: ما نرى في الناس شخصا واحدا * من علمناه كسعد بن سيل فارسا أضبط فيه عسرة * وإذا ما واقف القرن نزل (4) فارسا يستدرج الخيل كما اس‍ * تدرج الحر القطامي الحجل (5) قال السهيلي: سيل اسمه خير بن جمالة (6) وهو أول من طليت له السيوف بالذهب والفضة. قال ابن إسحاق: وإنما سمو الجدرة، لان عامر بن عمرو بن خزيمة (7) بن جعثمة تزوج بنت الحارث بن مضاض الجرهمي وكانت جرهم إذ ذاك ولاة البيت. فبنى للكعبة جدارا فسمي عامر بذلك الجادر فقيل لولده الجدرة لذلك.


(1) رواه البخاري عن ابي بكرة بن أبي شيبة في 64 كتاب المغازي 77 باب حجة الوداع. ومسلم في 28 كتاب القسامة (9) باب تغليط الدماء ج 29 ص 3 / 1305. (2) في الطبري أم كلاب هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهر بن مالك من بني كنانة. وتيم ويقظة أمهما كما ذكر ابن الكلبي: اسماء بنت عدي بن حارثة وأما ابن إسحاق فقال أمهما: هند بنت حارثة البارقية. (3) قصي اسمه زيد مات أبوه وهو فطيم فخرجت امه وتزوجت في بني ربيعة فسمى زيد قصيا لبعده عن دار قومه (راجع الطبري). (4) الاضبط الذي يعمل بكلتا يديه. والقرن: الذي يقاوم بصلابة في الحرب. (5) الحر القطامي: هنا - يعني الصقر. (6) وفي الطبري: خير بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر بن عمرو بن جعثمة. (7) في الطبري والروض الانف: عمرو بن جعثمة، باسقاط خزيمة. [ * ]

[ 261 ]

خبر قصي بن كلاب وارتجاعه ولا