الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




أخبار الزمان- المسعودي

أخبار الزمان

المسعودي


[ 1 ]

المسعودي اخبار الزمان دار الندلس

[ 3 ]

اخبار الزمان ومن أباده الحدثان، وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران تصنيف المؤرخ الكبير أبى الحسن على عبد الحسين بن على المسعودي المتوفى سنة 346 هجرية الطبعة الثانية اشرف على الطبع والتصحيح لجنة من الاساتذة مكتبة النجف الاشرف الشياح - الفبيري - تأسست سنة 1951 دار الانداس للطباعة والنشر - بيروت

[ 4 ]

بيروت - لبنان 1386 ه‍. 1966 م

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كلمة الناشر انطلاقا بالرسالة التي أخذنا على عاتقنا تحقيقها منذ أول تأسيس دار الاندلس، وهي الاسهام في إحياء التراث العربي القديم، والسعي في إنعاش الحركة الثقافية عن طريق نشر الكتب المفيدة، وما لقيناه من تشجيع وتقدير، في طبعتنا الجديدة لكتاب (مروج الذهب) للمسعودي... نتقدم اليوم بمجهود يضيف إلى تلك السلسلة الطويلة حلقة جديدة، وهو كتاب (أخبار الزمان) للمسعودي. وسرور " دار الاندلس " هو أنها إذ تضع لبنة جديدة في صرح الثقافة العربية الخالصة من طريق إحياء التراث القديم، وكل رجائها أن يكون التوفيق حليفها في المستقبل، والله من وراء القصد حسين عاصي صاحب الاندلس للطباعة والنشر بيروت - لبنان

[ 7 ]

مقدمة الطبعة الاولى بقلم عبد الله الصاوي للمسعودي كتابان جليلان في التاريخ،، ظهر أولهما مروج الذهب في عدة طبعات تداولها اكثر علماء هذا الجيل، فعرفوا من المسعودي عالما، جليلا، فلكيا، حاسبا، منجما، جغرافيا، أخباريا، فقيها، محدثا، جدليا، نظارا، ديانيا، مؤرخا، نسابة، فيلسوفا، أديبا، راوية. وانه كان ملما بعدة لغات، وكان ذا حظ وافر من الثقافات التي انتهى إليها علم الانسان، منذ بدأ الله الخلق إلى عصره. وظهر ثانيهما، وهو التنبيه والاشراف في طبعة واحدة قبيل نهاية القرن التاسع بسبع عشرة سنة في مطبعة بريل بمدينة ليدن بهولانده، ضمن المكتبة الجغرافية، التي عني بنشرها البروفسور " دي جوجي ". ويندر أن يعرف علماء العصر الحاضر عن هذا الكتاب شيئا، إذ لم يصدر منه سوى هذه الطبعة الاوربية، وطبعات أوربا من الغلاء بحيث لا يستطيع الرجل المتوسط الثراء أن يقتنيها. وقد قمت بنشر هذا الكتاب وسيذاع بين يدي الجمهور بعد بضعة أيام، ريثما أتمم طبع فهارسه المطولة. وسوف يرفع هذا الكتاب من منزلة مؤلفة العلامة المسعودي، ويحله الذروة بين الرجال النابهين، ذوي الثقافات الواسعة والمعلومات الكثيرة،

[ 8 ]

وسيرى العلماء قدرة المسعودي الفائقة وبراعته وعلمه الغزير الذي بدا لهم في ثنايا كتابه مروج الذهب، سيرون أنه قد عاد فظهر فيه بأوضح وأجلى مما ظهر في صنوه المروج من قبل. وكتاب " أخبار الزمان " هذا، ثالث كتاب يبرزه عالم الطبع من مؤلفات ذلك الامام الكبير. وقد يلاحظ من يقرأ كتاب مروج الذهب أو كتاب التنبيه والاشراف أن المسعودي أكثر من الثناء عليه، وأحال عليه في مواضع كثيرة. وأنه أوفى كتاب التاريخ، وأوسع المراجع العلمية الاسلامية التي وضعت في أواسط العصر العباسي ويظهر أن المسعودي ضمنه كل ثروته العلمية، إذ هو أول ما ألف من كتب، ثم راعته ضخامة الكتاب، فعمد إلى اختصاره عدة مرات، ثم عمد إلى تلك الثروه العلمية الهائلة فبعثرها في كتبه، وفرقها بين مصنفاته، تفرقة عادلة، وقسمة مرضية، راعى فيها أن يكون في كل مؤلف منها ما يحببه إلى القراء، ويرفع قدره ويسني منزلة بين العلماء. فكثيرا ما يرى الباحث في كتب المسعودي أنه يعرض إلى إجمال بعض الموضوعات الطريفة، والاحاديث الغريبة، في مختلف العلوم والفنون في هذين الكتابين، يلم بالموضوع إلمامة سريعة، ثم يذكر أنه بسطه مفصلا، وذكره بتمامه في كتاب " أخبار الزمان " فلا يزال الباحث يبحث عن ذلك الكتاب ضمن ما طبع أو ما لم يطبع، وربما دعاه الشوق إلى البحث في مكاتب أوربا، والمكاتب العامة الخاصة. ثم لا تكون نتيجة هذا البحث إلا الخيبة والفشل، والتحسر الدائم على ما فقد وضاع من تراث الآباء.

[ 9 ]

ذلك كان موقفي عند ما قرأت مروج الذهب للمسعودي لاول مرة، ولطالما أمضيت الايام في البحث، وأضنيت النفس في التنقيب عن كتبه، ولا سيما عن كتاب أخبار الزمان الذي هام به العلماء، لا فراط المسعودي في تقريظه، وإلماعه بما تضمنه من علوم وأبحاث مفيدة - اعتقدت أن في العثور عليه إشباعا لرغباتي العلمية، بل ظننت أن سعادة العالم رهينة بما قد ضمنه ذلك الكتاب من حلول لمسائل علمية معقدة، ومشكلات لم يصل العلم إلى حلها، ولا سيما مسائله الفلسفية، وما وراء الطبيعة، وأخباره الطريفة. ولم أكن فريدا في الشعور بتلك الحالة، بل ذلك شأن كل من يقرأ كتب المسعودي، أو يلم بها بعض الالمام. ولقد حدثت أن مستشرقا استهواه علم المسعودي، وأسلوبه الجذاب، وفتنته إحالاته العجيبة، فبحث أولا بنفسه، ثم لجأ إلى حكومته فأمدته بالمال، فظل يبحث ويتابع البحث، حتى عثر على نسخة من كتاب " أخبار الزمان " في مدينة شنقيط بصحراء افريقية، فرام شراءها، وبذل فيها ثمنا عاليا، فما سمحت أنفس الشناقطة ببيعها، ولا رضوا أن يستبدلوها بالذهب الوفير. فلما أعياه شراؤها عرض عليهم أن يصورها بالفتوغرافيا نظير مبلغ من المال جسيم، فما اعاروا عرضه ذلك التفاتا، بل منعوه النظر إليها والاستمتاع بها. فرحل عنهم حقبة من الدهر، ولما استيقن أن القوم قد أنسوا شخصه، وما كان قد جاء لاجله، عاد إليهم خائفا يترقب، وقد عزم استنساخها، فاكترى رجلا منهم عهد إليه باستنساخها.

[ 10 ]

لكنهم إذ فطنوا إلى الامر، لم يجدوا جزاءا لهذا المستشرق - الذي أحب العلم، وضحى بوقته وراحته ولذاته في سبيله، واستمات في تحصيل فكرة قد يصل نفعها إلى جميع المسلمين في مشارق الارض ومغاربها - إلا القتل، فذهب ضحية إحالات المسعودي، والبحث عن كتبه ! وهذا الذي فعله المستشرق بعض ما يجب نحو كتاب " أخبار الزمان، لان المسعودي أفرط في تقريظه والثناء عليه، وقال إنه أوعى كتاب وأجمعه في التاريخ. ولندع المسعودي يحدثنا عنه قال " أما بعد فانا صنفنا كتابنا في أخبار الزمان وقد قطعنا القول فيه على هيئة الارض ومدنها، وعجائبها وبحارها وأغوارها، وجبالها وأنهارها وبدائع معادنها، وأصناف مناهلها وأخبار غياضها وجزائر البحار والبحيرات الصغار، وأخبار الابنية المعظمة والمساكن المشرفة، وذكر شأن المبدأ وأصل النسل وتباين الاوطان، وما كان نهرا فصار بحرا، وما كان بحرا فصار نهرا، وما كان برا فصار بحرا على مرور الايام وكرور الدهور، وعلة ذلك وسببه الفلكي، وانقسام الاقاليم بخواص الكواكب ومعاطف الاوتاد ومقادير النواحي والآفاق، وتباين الناس في التاريخ القديم، واختلافهم في بدئه وأوليته من الهند وأصناف الملحدين، وما ورد في ذلك عن الشرعيين وما نطقت به الكتب وورد على الديانيين. ثم أتبعنا ذلك بأخبار الملوك الغابرة والامم الدائرة والقرون الخالية والطوائف البائدة على ممر سيرهم وأوقاتهم، وتضيف أعصارهم من الملوك والفراعنة العادية والاكاسرة واليونانية، وما ظهر من حكمهم ومقائل فلاسفتهم وأخبار ملوكهم وأخبار العناصر إلى ما في تضاعيف ذلك من أخبار الانبياء إلى أن أفضى الله بكرامته وشرف برسالته محمدا نبيه صلى الله عليه وسلم.

[ 11 ]

فذكرنا مولده ومنشأه وبعثته وهجرته ومغازيه وسراياه إلى أوان وفاته واتصال الخلافة واتساق المملكة بزمن زمن، ومقاتل من ظهر من الطالبين إلى الوقت الذي شرعنا فيه في تصنيف كتابنا هذا من خلافة المتقي لله أمير المؤمنين وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. ثم أتبعناه بكتابنا الاوسط في الاخبار على التاريخ، وما اندرج في السنين الماضية، ومن لدن البدء إلى الوقت الذي عنده انتهى كتابنا الاعظم وما تلاه من الكتاب الاوسط، رأينا إيجاز ما بسطناه واختصار ما وسطناه، في كتاب لطيف نودعه لمع ما في ذينك للكتابين، ضمناهما، وغير ذلك من أنواع العلوم وأخبار الامم الماضية والاعصار الخالية مما لم يتقدم ذكره فيهما ". من هذه الالمامة الموجزة التي يذكرها المسعودي في صدر كتاب مروج الذهب يمكننا أن نلم بشئ عن كتاب أخبار الزمان للمسعودي. ولو قارناه بكتابنا هذا الذي يزعم أنه للمسعودي وجدنا مفارقة كبيرة بين الكتابين، فالذي يصفه المسعودي، تأريخ عام مطول وهذا تاريخ خاص عن أصل الخلق وغرائب الارض والبحار والانهار وعجائبها، ثم أخبار آدم وبعض الانبياء من بعده، وملوك مصر وفتوحاتهم، وفراعنتها وكهانها وسحرتها وآثارها، فهذه مقارنة أولية تذلنا على أن كتاب أخبار الزمان غير هذا. وأيضا نحن نعلم ان صفحات مروج الذهب تبلغ خمسمائة وألف صفحة فلو فرضنا أنه على النصف من أصله الكتاب الاوسط لكان أصله ثلاثة آلاف صفحة، وسيكون كتاب أخبار الزمان إذا في ستة آلاف صفحة لان الكتاب الاوسط مختصر منه. فما مبلغ هذا الذي بين أيدينا، وعدد صفحاته مائتان وخمسون صفحة لا غير، من هذا الذي تبلغ صفحاته ثلاثة آلاف على أقل تقدير.

[ 12 ]

وسأورد أيضا بعض عبارات من مروج الذهب وإحالات فيه على كتاب اخبار الزمان نتبين منها صحة ما نذهب إليه. 1) قال المسعودي " ولمن سمينا من ملوك الحيرة أخبار وسيرة وحروب قد أتينا على ذكرها والغرر من مبسوطها في كتابنا أخبار الزمان... فأغنى ذلك عن إعادته " ولو عدنا إلى كتابنا لنبحث عن ملوك الحيرة هؤلاء لم نر شيئا عنهم في كتابنا هذا. 2) قال المسعودي: والفرق بينه (أي الفيل) وبين سائر أنواع الدواب ما يظهر من الفيل من الجزع عند ورود المياه من الغدران والانهار للشرب إذا كان الماء صافيا، فانه يثيره ويكدره ويمنع من شربه حين صفائه، وان ذلك يوجد في أكثر الخيل إذا وردت الماء وكان صافيا ضربته بأيديها فكدرته، فتشرب حينئذ. وتوافق الخيل الفيلة في هذا المعنى، دون سائر الحيوانات، وإن ذلك لمشاهدة صورها في الماء لصقالته وصفائه، ولعلمها بذلك عند زوال كدره. وإن الابل الاغلب منها يفعل ذلك، ولمعان غير ذلك مما وصفنا من أن ما عظم من الحيوانات إذا رأى صورته منعكسة على صفاء الماء أعجبته لعظمها وحسنها، وما بان له من حسن الهيئة عما دونه من أنواع الحيوان، وليس يفعل ذلك من الحيوان غير ما ذكرنا من الخيل والابل. وإن الفيل مع عظم جسمه ولطافة نفسه وخفة روحه وحسن تمييزه والمعرفة بوليه وعدوه من الناطقين وغيرهم، وقبوله الرياضة تمتنع أنثاه، كما تمتنع النوق إذا لقحت. وليس شئ من الدواب يمتنع من السفاد من الاناث عند حملها إلا الفيلة والابل، وهذا باب إن نحن تقصيناه وذكرنا ما فيه طال به الكتاب، وخرج

[ 13 ]

عن حد الاختصار والايجاز، وقد أتينا على وصف جميع ذلك في كتابنا " أخبار الزمان ". فإذا نحن نقبنا في صفحات هذا الكتاب لم نجد عن ذلك شيئا. 3) قال المسعودي: ثم اختلفت الكلمة بين اجناسهم (اي الصقالبة) فزال نظامهم وتحزبت أجناسهم وملك كل جنس منهم ملكا على حسب ما ذكرنا من ملوكهم لامور يطول ذكرها وقد أتينا على جمل من شرحها، وكثير من مبسوطها في كتابنا (أخبار الزمان). ونحن لا نجد فيه ذكر أمور يطول أو يقصر، عن زوال ملك الصقالبة وتدهوره وانفراط أمر ملوكهم وتبدد جماعتهم وتحزب عصبتهم في هذا الكتاب الذي بين أيدينا. (4) قال المسعودي: وأما الدلائل [ على ] أن السماء تدل على مثال الكرة وتدويرها بجميع ما فيه من الكواكب، وأن الارض بجميع أجزائها من البر والبحر على قدر مثال الكرة، وأن كرة الارض مثبتة في وسط السماء كالكرة وقدرها عند قدر السماء قدر النقطة في الدائرة صفرا، ووصف الربع المسكون من الارض، وما يعرض من دور الفلك، واختلاف الليل والنهار، ووصف المواضع التي تطلع الشمس فيها شهورا لا تغرب، وتغرب شهورا لاتطلع. فقد أتينا على وصف جميع ذلك وما اتضح عليه وما انتصب من البراهين وما قاله الناس في ذلك في كتابنا المترجم بكتاب " أخبار الزمان ". وهذا أيضا أنموذج رابع يوضح لنا بعض ما يتضمنه كتاب أخبار الزمان، وحجتنا فيه اننا لا نجد من ذلك شيئا ابدا في هذا الكتاب الذي بين أيدينا. ولو أننا تتبعنا عبارات المسعودي في كتابيه المروج والتنبيه لنتبين بها

[ 14 ]

بعض ما كان يحويه كتاب أخبار الزمان لوجدنا أمامنا من العبارات ما يضيق به هذا المكان، لكن في هذا ما يكفي لذي اللب. (5) وثمة دليل آخر وفرق يسير وهو إن لم يكن دقيقا إلا أننا نذكره من قبيل العرض والتدليل على أنه ليس كتاب أخبار الزمان الذي يذكره المسعودي ذلك أن اسمه جاء هكذا: (كتاب أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان، وعجائب البلدان، والغامر بالماء والعمران). وجاء اسم ذلك في مروج الذهب هكذا: كتاب أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان من الامم الماضية والاجيال والممالك الدائرة. وإذن فما نسب هذا الكتاب من كتاب أخبار الزمان، وما صلته بالمسعودي ؟ ذلك سؤال يخطر بعد ما أسلفناه من قول، والواقع أن نسبة هذا الكتاب للمسعودي في غاية من القوة، ذلك أننا لو ذهبنا نقيس ما جاء فيه من أخبار على ما جاء في كتب المسعودي المعتمد نسبتها إليه لوجدناه مطابقا لها في الجملة ولا نكاد نرى فيه اختلافا، وبذلك نجزم بأنها آراء المسعودي ونقوله. ولا يصح أن نذهب إلى أن الكتاب مختصر من كتابي المسعودي اللذين عرفناهما، لان ما يورده فيه من اخبار يضعف بكثير جدا ما يذكره في المروج أو التنبيه ويربي على ما فيهما. وأنا بعد ذلك أذهب إلى أن هذا الكتاب إما أن يكون اختصارا لجانب يسير من كتاب أخبار الزمان، ولو لا ان الكتاب تام، وقد عملت له خاتمة لقلت إنه قسم منه، وكذلك قال الذين رأوه وفهرسوا الكتب العربية الخطية امثال برو كلمان وجولدزيهر.

[ 15 ]

كما لا يمكنني أن أجزم بأن الذي اختصره غير المسعودي، وعلى أية حال فقد وجدنا التسمية على صدر النسخة الخطية المحفوظة بباريس، والتي صورت عنها النسخة التي في المكتبة الملكية. كما وجدت التسمية على صدر النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة تيمور باشا، وفي كلتا النسختين يضاف الكتاب إلى المسعودي. وأيا ما كان الكتاب للمسعودي أو غيره، فالكتاب فيه أشياء غربية وأخبار طريفة تفيدنا كثيرا في معرفة التاريخ القديم بوجه عام والمصريين بوجه خاص، ولو أن العلم الحديث يقفنا منها موقف الريبة والشك. وسيجد القارئ فيه لذة لا تعدلها لذة، وسيمضي في قراءته دون كد ولا ملل،، وسيعاود قراءته بعد ذلك مرات، وهو بلا ريب منته إلى إحدى ثمرتين: الاولى - أن الانسان فيما مضى وتصرم من الاجيال كان أقدر منه في هذه الحياة العصرية، وأن السحر والكهانة لعبا دورا كبيرا في غابر الاحقاب، وأن القدماء وصلوا في العلم بهما إلى غاية تتقاصر دونها أقصى الغايات. الثمرة الثانية - أن قدماء المؤرخين كانوا ذوي خيال واسع، قصاصين بارعين قادرين على أن يجسموا الخيال، ويلبسوه ثوبا من الحقيقة محكم النسج. وسيقف القراء منه على أن ما بلغه المصريون من الصناعة وعمارة الارض والفنون والعلوم والحكمة والبصر بالكيمياء لم تبلغه أمة من الامم، وسيجدون فيه من العجائب التي أقامها المصريون بالهندسة أو السحر أعاجيب أدناها الاهرام هذه التي أفنت العصور، ولم تبلها العصور. وسيعلمون ان ليست هذه الاهرام وحدها التي أقامها القدماء آيات شاهدة لهم بالقوة والايد واتساق الملك الجبروت.

[ 16 ]

بل إن لقدماء المصريين آثارا أخرى جليلة أقاموها في مصر والاسكندرية ومنف وأطرافها وفي غيرها من الممالك والبلدان. ذلك ما سيقف عليه القارئ الكريم في هذا الكتاب، وفي هذا الكتاب سيستطيع من يعنيه البحث عن الآثار أن يعلم بوجه التقريب مدافن ومخابئ كثرا ملاها القدماء بالذهب والتحف وغرائب الجواهر والحلى، ففي هذا الكتاب إشارات لتلك المواضع، وهذه الاشارات وإن لم تحددها تلك المواضع بالدقة فهي تفيد عالم الآثار، ولا سيما إذا استعان عليها بالعلم. ونحن بعد أن ننشر هذا الكتاب سنرقب عن كثب ما يظهره لنا علامة مصر الاثري الفاضل الدكتور سليم حسن، ونود أن يسمعنا رأيه فيما جاء بهذا الكتاب من آثار. وفي الحق أن ما ذكر في هذا الكتاب يكاد لا يصدقه العقل، بل يكاد ينفيه، ولكن معول الدكتور الفاضل وما كشفه في السنين الماضية من آثار، وما يكشفه الآن، يجعلنا لا نرتاب أبدا في تقبل ما يحدثنا به المسعودي في هذا الكتاب. على أن المؤلف نفسه يروي ما جاء فيه بتحفظ شديد، بل يرويه على أنه خبر يرتاب فيه العقل، ولكنا الآن أشد إيمانا بتصديق ما جاء فيه من المسعودي نفسه، وذلك بفضل العلم الحديث، وما وصل إليه علماء الآثار، ومعهد الآثار في الجامعة المصرية. ولن يضير هذا الكتاب شيئا ما ورد فيه من ذكر السحر والكهانة، وأن مصر كانت عامرة بالسحرة، فالقرآن الكريم يؤيد ذلك في كثير من سوره وهو يذكر السحرة في غير موضع، فيذكرهم مع موسى وفرعون في مواضع كثيرة، ويذكر هاروت وماروت وأنهما كانا يعلمان الناس السحر، ويذكر

[ 17 ]

السحرة مع ملك سليمان ويذكر للرسول صلى الله عليه وسلم كيف يتعوذ من النفاثات في العقد، وفي سيرة الرسول ما يفهمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سحر، وقد وضع الفقهاء عقوبة للساحر في الشريعة الاسلامية، ويروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: تعلموا السحر ولا تعملوا به، فهذه كلها دلائل ناطقة بحقيقة السحر والكهانة وأنها أشياء كانت معروفة مشتهرة بين القدماء. ونحن وإن كنا الآن لا نشاهد شيئا من آثار السحر، ولا من قوته، فليس لنا أن ننكره، وبين يدينا كتب مؤلفة في السحر تعد بالمئين، فمحال أن تكون هذه الكتب ألفت على غير أساس، وفي الحياة غرائب وأشياء معقدة هي كالسحر، بل ان الحياة ومن فيها جميعا أشبه شئ بالسحر. ومن الجائز أن يكون السحر علما ذهب بذهاب أهله، لانهم كانوا به جد ضنين. وقد أحصيت كتب المسعودي التي ذكرها في كتاب مروج الذهب وكتاب التنبيه والاشراف وأحال عليها أثبتها فيما يلي: 1) كتاب أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان من الامم الماضية، والاجيال الخالية، والممالك الدائرة وهذا وقسم منه. 2) الكتاب الاوسط. 3) كتاب مروج الذهب، ومعادن الجوهر، في تحف الاشراف من الملوك وأهل الدرايات. 4) كتاب فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف. 5) كتاب ذخائر العلوم، وما كان في سالف الدهور. 6) كتاب نظم الجواهر، في تدبير الممالك والعساكر. أخبار الزمان م (2)

[ 18 ]

7) كتاب الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار. 8) كتاب التنبيه والاشراف. 9) كتاب نظم الاعلام، في أصول الاحكام. 10) كتاب نظم الادلة، في أصول الملة. 11) كتاب المسائل والعلل، في المذاهب والملل. 12) كتاب خزائن الدين، وسر العالمين. 13) كتاب المقالات، في أصول الديانات. 14) كتاب سر الحياة. 15) رسالة البيان في أسماء الائمة. 16) الاخبار المسعوديات. 17) كتاب وصل المجالس. 18) كتاب تقلب الدول، وتغيير الآراء والملل 19) كتاب الابانة، في أصول الديانة. 20) كتاب مقاتل فرسان العجم. 21) كتاب الصفوة في الامامة. 22) كتاب الاستبصار في الامامة. 23) كتاب المبادئ التراكيب. 24) كتاب الرؤوس السبعة. 25) الزاهي. 26) كتاب الدعاوي. 27) كتاب الاسترجاع. 28) كتاب مزاهر الاخبار، وطرائف الاثار. 29) كتاب الرؤيا والكمال.

[ 19 ]

30) كتاب طب النفوس. 31) كتاب حدائق الاذهان، في أخبار الرسول. 32) كتاب القضايا والتجارب. 33) كتاب الواجب في الفروض اللوازم. 34) كتاب الزلف. يظهر أن كتبه هذه كلها قد ضاعت ولم يقف العلماء على شئ منها سوى: (1) مروج الذهب، وهو أوسع ما طبع من مؤلفاته. (2) هذا القسم من كتاب أخبار الزمان ومن أباده الحدثان. (3) كتاب التنبيه والاشراف، وقد قمت بطبعه على النسخة المطبوعة في ليدن. (4) الكتاب الاوسط، وفي مكتبة أكسفورد نسخة يظن انها هو.

[ 20 ]

للمسعودي 345 أو 346 - 957 من هو ؟ هو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي المعتزلي الشافعي، من ذرية عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل. فأما منشؤه فان الثقات من المؤرخين يروون انه نشأ في بغداد، على أن ابن النديم يروي أنه من أهل المغرب، فلعله شخص آخر، أو لعل بعض أجداده نزحوا إلى المغرب. وعلى أية حال فقد قضى زهرة شبابه في بغداد، ولكنه غادر اقليم العراق وإرضاء لميوله واذواقه، ورغبة منه في التجول، فخرج عن بغداد سنة 301 ليقوم برحلة قيل انها استمرت أعواما ثلاثة، وقد قضاها متنقلا بين ربوع فارس وكرمان. ثم بعد ذلك جاب بلاد الهند وصيمور، قطن أخيرا في مدينة بومباي حتى سنة 304، ومن المحتمل أن يكون قد أقام حينذاك في جزيرة سيلان. ومن ثم وصل إلى مدينة عمان، ويمكن أن نستنتج أنه ذهب إلى قناطر ماليسية العجيبة العظيمة، وشارف الصين. ومع أنه خاطر بتلك الرحلة وخصص لها نفسه ووقته، فانه تعمق في دراسات الحدود الاسلامية، واستعان على ذلك بالآيات العلمية، التي كانت معروفة في حياته.

[ 21 ]

وهو يحدثنا انه كان في سنة 314 في فلسطين وفي انطاكية، وظل بعد ذلك متنقلا بين العراق وسوريا ومصر على أن جل ما ورد عن إقامته كان في مصر. فهو يحدثنا بعد انه كان في سنة 336 قد أتم تأليف كتابه مروج الذهب في فسطاط مصر، وكان قد بدأ تأليفه سنة 332. ويذكر كذلك انه في سنة 344 كان يشتغل بوضع النسخة الاولى من كتاب التنبيه والاشراف في الفسطاط نفسه، ثم في سنة 345 زاد فيها وأصلحها. ويظهر مما ذكره من الكتب التاريخية في صدر كتابه، مروج الذهب، والتنبيه والاشراف، ان المكتبة العربية التاريخية في عصره كانت غنية جدا، عامر بالمؤلفات، فقد أورد فيهما عددا وفيرا من اسماء الكتب، وأسماء المؤلفين. والمؤرخون، يذكرون انه توفي سنة 345 وبعض يقول في 346، والخطب يسير، لكنه يجل حين نذكر ان ذلك العالم المؤرخ الكبير الذي عاش معنيا بالعلم وبالعالم، والعلماء وبالتاريخ والمؤرخين أهمله التاريخ، ولم يذكر المؤرخون شيئا من نعوته، ولا من تاريخ طفولته أو حياته. ولكن يكفينا عزاء بقاء اسمه حيا في بطون ما بقي من كتبه، تعمر به قلوب العلماء وصدور الاجلاء، فرحمه الله رحمة واسعة. وقد اعتمدت في طبع هذا الكتاب على النسخة المأخوذة من الاصل الباريسي بالتصوير الشمسي والمحفوظة بدار الكتب الملكية تحت رقم 879 تاريخ وقد رمزت إليها باشارة (ب) اول كلمة باريس، وهي نسخة معتبرة وخطها يقرأ بعسر ويذهب القارئ فيه مذاهب شتى لتشابه حروفه، وقد حدث في اثناء التصوير ارتجاج احدث فسادا في طبع بعض الصفحات وقد لقينا مجهودا كبيرا في مراجعتها، والتهدي إلى صوابها.

[ 22 ]

هناك اصل آخر في المكتبة التيمورية كثر فيه الحذف والبتر وكانت الورقة الاولى منه قد ضاعت فأكملها احد الناسخين فدل على سوء علمه ورأيه وعدم امانته وهذه النسخة محفوظة تحت رقم 614 تاريخ وهي كثيرة الخطأ ولم أعتمد عليها الا قليلا بل لقد تركت الاعتماد عليها عندما قاربت منتصف الكتاب لكثرة ما فيها من الخلل والتحريف والنقص وقد رمزت على ما انتفعت به منها بإشارة (ت) أول كلمة من تيمور. وقد اعتمدت فيما جاء فيه من اخبار مصر وملوكها على تاريخ القرماني المسمى بأخبار الدول وآثار الاول لابي العباس احمد بن يوسف بن احمد الدمشقي الشهير بالقرماني وقد طبع في مدينة بغداد سنة 1282. وقد لاحظت انه اطلع على نسخة من اخبار الزمان، لانه يذكر حوادث وأخبارا بنصوصها وعبارتها وألفاظها الا انه مختصر. وقد أفاد هذا الكتاب كثيرا في تصحيح بعض الاسماء وكشف بعض ما عميت قراءته ولا سيما تلك الصفحات التي حدث بها الارتجاج اثناء التصوير الشمسي في باريس. وقد رمزت إلى تاريخ القرماني بالاشارة (ق) اول حرف من كلمة قرماني، هذا وان ألفت نظر حضرات الادباء والعلماء إلى ان الفضل في اختيار هذا الكتاب، والانفاق على طبعه لحضرة الفاضل السيد عبد الحميد افندي حنفي عامله الله بلطفه الخفي، وشكر له مسعاه وأبلغه احسن ما يتمناه، وأنا ارجوا ان اكون قد قمت ببعض ما يجب علي من تصحيح هذا الكتاب، وأسأل الله ان يتداركني بلطفه، وان يوفقني إلى ما فيه الخير في الدنيا والاخرى، وأن يلهمني السداد، انه على ما يشاء قدير. عبد الله الصاوي

[ 23 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبنا ونعم الوكيل " قال الشيخ أبو الحسن، علي بن الحسين بن علي بن عبد الله الهذلي المسعودي رحمه الله ورضي عنه ". نبتدئ بحمد الله وذكره وشكره، والثناء عليه والشكر له، والصلاة على أنبيائه ورسله وملائكته، ونخص سيدنا ونبينا محمدا صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأزواجه وأصحابه، بأفضل صلواته، وأكمل تحياته، وأزكى بركاته. ثم نذكر ما وقع الينا من أسرار الطبائع، وأصناف الخلق، مما يكون ذلك (1) مشاكلا لقصدنا، ونصل ذلك بذكر ما يجب ذكره من ملوك


1) أول الكتاب في ت: مفقود، وقد انتحل الناسخ ديباجة أولها: الحمد لله الذي اختص نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بكتاب أخرس الفصحاء، وأعجز البلغاء عن مثل أقصر سورة من سوره، بل آية آياته. وبجوامع الكلم، وبدائع الحكم. وأيد أقواله، وأشهر أفعاله، وقصرت الالسن عن مدح نعت كماله، وقد سطع بدر وجوده، وفاض على الثقلين سح جوده، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلاة وسلاما دائمين ما دام النيرين * وسلم تسليما، وبعد، لما رأيت فن التاريخ شريف * *، ولهج به كل ظريف، قصدت تأليف هذا الكتاب جهدي، ليكون تذكرة من بعدي، فأقول كان ابتداؤنا به ابتداء الموجودات والمحسوسات مشاكلا الخ... *) الصواب النيرين. * *) الصواب شريفا، وهذا يدل على فرط جهل الناسخ المنتحل. (*)

[ 24 ]

الارض، وما عملوه من عجائب الاعمال، وشيدوه من عجائب البلدان (1) ووصفوة من الآلات المستطرفة والطلاسمات (2) المستعملة، وما بنوا من هياكلهم، وأودعوه نواويسهم، وزبروه على أحجارهم. على حسب ما نقل الينا من ذلك. ونبدأ بما جاء من الآثار الشرعية، والملة الحنيفية، ثم نذكر ما روي عن الحكماء الاول المتقدمين، وبالله أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل. وقد سميت كتابي هذا بكتاب [ تاريخ ] (أخبار الزمان ومن (3) أباده الحدثان وعجائب البلدان والغامر (4) بالماء والعمران) فأنا أقول: " أما بعد " فان الله جل جلاله، وتقدست أسماؤه، خلق خلقه من غير ضرورة كانت منه إلى خلقهم، وأنشأهم من غير حاجة كانت منه إلى إنشائهم. بل خلقهم ليعبدوه، فيجود عليهم بنعمه ويحمدوه، فيزيدهم من فضله فيشكروه ويمجدوه. كما قال عزوجل (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد ان يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) فلم يزده خلقه إياهم وإيجادهم مثقال ذرة، ولم ينقصه إفناؤهم وإعدامهم وزن شعرة، لانه سبحانه لا تغيره الاحوال، ولا يدخله الملال، ولا تتقاضي سلطانه الايام والليال. بل خصهم بأسماع وأبصار، وعقول وافكار. يصلون بها إلى الحق والباطل، فيعرفون بذلك المنافع والمضار. وجعل لهم الارض بساطا، ليسلكوا منها سبلا فجاجا، والسماء سقفا محفوظا. أنزل منها الغيث المدرار، والارزاق بمقدار، وأجرى لهم فيها قمر الليل وشمس النهار. يتعاقبان لمصالحهم دائبين. وجعل لهم الليل سكنا،


1) في ت: البنيان. 3) في ب: وما أباده وهو خطأ عربية وغير موافق لما ينقله 2) ت: الطلسمات. في كتبه، وفي ت: وما أباد. 4) ت: والناس. (*)

[ 25 ]

والنهار معاشا. ومحا آية الليل، وجعل آية النهار مبصرة. ليصلوا (1) بذلك العلم بأوقات فروضهم التي فرضها عليهم. من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وليعلموا عدد السنين والحساب، وحين تحل ديونهم، وتجب حقوقهم. قال الله عزوجل وعلا: (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) وقال (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق) إنعاما منه وطولا، وإحسانا منه وفضلا. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: " الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة فقد مضت ستة آلاف ومئون من السنين، وليأتين عليها مئون ليس عليها موحد لله تعالى ". وعن نافع عن ابن عمر، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما أجلكم في آجال من خلا من الامم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ". وعن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم " بعثت أنا والساعة كهاتين " وأشار بالسبابة والوسطى. وفي حديث سهل بن سعد الساعدي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " ما مثلي ومثل الساعة إلا كفرسي رهان ". وعن ابن عباس قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم " أول ما خلق الله القلم خلقه من نور طوله خمسمائة عام، وخلق اللوح المحفوظ من درة بيضاء، حافاته من ياقوت أحمر، عرضه مابين السماء والارض، خلقهما قبل أن يخلق الخلق والسموات والارض. فقال للقلم اكتب، قال وما أكتب ؟ قال اكتب علمي


1) ت وب: ليصلون. (*)

[ 26 ]

في خلقي إلى يوم القيامة، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما هو في علم الله، ينظر الله تعالى في ذلك اللوح كل يوم ثلاثمائة نظرة وستين نظرة، فيخلق ويرزق ويحيي ويميت، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ". وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق والسموات والارض ؟ قال " كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء ". وسئل ابن عباس " على أي شئ كان الماء ؟ قال: على متن الريح فلما أراد الباري جل جلاله أن يخلق الخلق سلط الريح العقيم على الماء فطفت أمواجه وارتفع زبده، وعلا دخانه، وصعد فوق الماء وسما عليه، فسماه الله سماء، وجمد الزبد فصار أرضا فجعل الارض على حوت، والحوت هو الذي ذكره الله تعالى في كتابه فقال (ن والقلم وما يسطرون) والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة، والصفاة على متن الريح، فتزلزلت الارض فأمر الامواج فأرست عليها جبالا جامدة، فاستقرت وثبتت فذلك قوله عزوجل (وجعل فيها رواسي من فوقها)، (وجعلنا في الارض رواسي أن تميد بكم). قال ابن عباس: أتت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ابتداء الخلق فقال (خلق الله الارض يوم الاحد ويوم الاثنين وخلق الجبال وما فيها من المنافع يوم الثلاثاء وخلق الماء والشجر والمدائن والعمران يوم الاربعاء فذلك قوله جلت قدرته (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين إلى قوله سواء للسائلين) وخلق يوم الخميس السماء والكواكب والنجوم والملائكة) وخلق يوم الجمعة الجنة والنار، وآدم عليه السلام، قالوا: ثم ماذا يا محمد ؟ قال: ثم استوى على العرش، قالوا: قد أصبت، لو أتممت وقلت ثم استراح.

[ 27 ]

فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا فأنزل الله عليه (ولقد خلقنا السموات والارض وما بينهما في ستة أيام، وما مسنا من لغوب، فاصبر على ما يقولون وفي رواية أسد بن موسى قال " أمر الله تبارك وتعالى السماء أن ترتفع وتسموا، وأمر الارض أن تنبسط وتنخفض فانبسطت، فدحاها من موضع بيت الله الحرام ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدنيا موج مكفوف، ولولا ذلك لاحرقت الشمس والقمر الارض ومن عليها " وبين كل سماء والتي تليها خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والعرش مسيرة ألف عام. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هو الاول فلا شئ قبله، والآخر فلا شئ بعده ". وعن زرارة بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " قلت لجبريل هل رأيت ربك قط ؟ فانتفض، ثم قال يا محمد إن بيني وبينه سبعين (1) ألف حجاب من نور، لو دنوت إلى واحد منها لا حترقت " ولما أراد الله عزوجل أن يخلق آدم أمر جبريل أن ينزل إلى الارض ويقبض (2) القبضة التي خلقه منها، فقالت له الارض أعوذ بالله منك أن تأخذ مني شيئا، فرجع إلى ربه، وقال يا رب تعوذت بك مني. فأرسل إسرافيل، فقال مثل ذلك، فارسل ملك الموت فتعوذت بالله منه، فقال ملك الموت إن ربي أمرني وأنا أعوذ به أن أرجع إليه بغير ما أمرني به. وروي بعض أهل الاثر أن أول ما أجرى الله الروح في آدم أجراه في رأسه وعينيه قبل سائر جسده، فلما رأى ثمار الجنة أراد النهوض إليها قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه فلم يستطع، فذلك قوله عزوجل (وكان الانسان


1) في ب وت: سبعون، والصوا ب ما ذكرناه 2) ت: فيقبض. (*)

[ 28 ]

عجولا) فلما خلق الله آدم عجبت الملائكة منه فأمرهم بالسجود له كلهم، فسجدوا طاعة لله تعالى إلا إبليس فانه تكبر وامتلا حسدا ومعصية، فغضب الله عليه ولعنه، وكان ذلك سبب هبوطه إلى الارض وأما الحكماء المتقدمون (1) فانهم يقولون: إن الله تعالى جمع الدراري في الحمل فجعل الشمس ملكا، وصير عطارد كالكاتب، والمشتري كالقاضي، والمريخ كالشرطي وكمن يحمل السلاح، والقمر كالخازن، والزهرة كالصاحبة، وزحل كالشيخ المشاور، والجوزهر (2) كالمقوم لامر الفلك وذكرت الاوائل أنه كان في الارض ثمان وعشرون أمة مخلوقه روحانية ذوات قوة وبطش، وصورمختلفات بحذاء الثمان (3) والعشرين منزلة لكل منزلة، أمة مفردة ويزعمون أن الامم الماضية، تعالى الله عن قولهم، إنما كان تدبيرها للكواكب الثابتة وهي ألف كوكب وعشرون كواكبا، يقطع كل كوكب منها البرج في ثلاثة آلاف سنه، وهي التي تعمل الاعمال كلها، وبها يكون جميع الامور وقال بعض أهل الاثر: إن الله خلق الافلاك من بخار وإنه لما صعد انعقد وهي سبعة أفلاك، وفوقها البيت المعمور، وله ثلاثمائة وستون بابا، جعلت درجا للفلك، وإن كل رحمة وبركة إنما تنزل من تلك الابواب، مقسومة على البروج والكواكب حتى تصير إلى الارض. وقالوا إن الله خلق هو ملء (4) ملكه يسمي الروح، ومن فوقه الحجب وذلك كله داخل في الكرسي. وهو قوله عزوجل (وسع كرسيه السموات


1) في الاصلين: المتقدمين، والصواب عربية ما ذكرناه. 2) كذا في ب، ت: وهذه التسمية يذكرها المسعودي في كتبه كالتنبيه والا شراف. 3) في الاصلين: الثمانية. 4) في ب، ت: مليؤ وهو خطأ املائي. (*)

[ 29 ]

والارض) والكرسي وما حوى داخل في العرش، والعرش وما حوى داخل في علم الله، جلت عظمته. وأعلا الدراري السبعة زحل ثم المشتري ثم المريخ ثم الشمس ثم الزهرة ثم عطارد ثم القمر. وزعم قوم من الحكماء الاوائل ان الكواكب ملائكة، وانه جعل لها من تدبير العالم ما لم يجعل لغيرها، فلذلك عظموها وعبدوها. وزعم قوم منهم ان الخلق العالية الذين هم الملائكة (1) اثنا عشر صنفا بحذاء البروج الاثني عشر، وأنهم يتوارثون، جعل الله فيمن شاء منهم حولا وقوة يقدر أحدهم أن يكون في صورة تملا الارض عظما، ويقدر احدهم ان يكون في صورة تدخل من خرق الابرة لطفا، ويغوص في تخوم الارض والبحار والجبال، لا يمنعه من ذلك مانع، ومنهم من له من الاجنحة مثنى وثلاث ورباع، كما قال الله عزوجل، يلتحقون اقطار الارض كلمحة البصر ومنهم مخلوق من النور، ومنهم زرق من نور النار، ومنهم شعاعيون، ومنهم ملائكة الرحمة، ومنهم الحفظة والخزنة. وهؤلاء مخلوقون من رطوبة الماء وهم حسان الوجوه سمر الالوان، ومنهم مشغولون بعبادة الله لا يعرفون غيرها، وهم في صور لا تحصى. وقال اصحاب الطبيعة: ان الافلاك لما تم خلقها كانت كالاجسام (2) لكواكبها وكانت الكواكب كالارواح لها. وقال هرمس لما خلق الله عزوجل البروج قسم لها دوامها في سلطانه، فجعل للحمل اثني عشر ألف سنة، وللثور أحد عشر ألف سنة، وللجوزاء عشرة آلاف سنة، وللاسد ثمانية آلاف سنة، وللسنبلة سبعة آلاف سنة، وللميزان ستة آلاف سنة، وللعقرب خمسة آلاف سنة، وللقوس اربعة آلاف


1) في هامش، ت: عنوان (ذكر الملائكة) 2) في ب: الاجسام والتصحيح عن ت. (*)

[ 30 ]

سنة، وللجدي ثلاثة آلاف سنة، وللدلو ألفي سنة، وللحوت ألف سنة ، فصار للدور ثمانية وسبعون ألف سنة، والباقي لسائر الكواكب. ولم يكن في عدد الحمل والثور والجوزاء حيوان، وذلك ثلاثة وثلاثون ألف سنة، ولا في الارض عالم روحاني (1). فلما كان عالم السرطان تكونت دواب الماء وهوام الارض، ولما استقام الاسد في سلطانه تكونت ذوات الاربع من الدواب والبهائم. فلما دخل سلطان السنبلة تكون الانسانان أدمانوس وحيوانوس، وكانت الطيور في سلطان الميزان. وأما مقادير الكواكب عندهم. فقالوا ان الشمس اكبر من الارض بمائة مرة وثلاث وستين (2) مرة، وزحل اكبر من الارض باحدى وتسعين مرة ونصف مرة، والمشتري بإحدى وثمانين مرة، والمريخ بثلاث (3) وسبعين مرة والزهرة بنيف وستين مرة وعطارد (3) ثلاثين مرة وثلث مرة، والقمر بسبع عشرة مرة (4) وربع مرة وكانت الشمس كالملك والدراري كما ذكرنا ومن الفلاسفة من يقول ان الكواكب حية ناطقة حساسة. ومنهم من قال ان لها حاسة السمع والبصر واللمس، وليس لها حاسة الذوق والشم. لانها (5) مشتغلة عن ذلك. ومنهم من زعم ان الفلك حي مميز لجميع ما فيه، ذو صورة فكذلك جميع ما فيه بهذه المنزلة.


1) في ب وت: روحانيا. 2) فيهما: ثلاثة وستون، والصحيح ما أثبتناه. 3) فيهما: بثلاثة. في الموضعين. 4) فيهما: بسبعة عشر. 5) ت: كأنها. (*)

[ 31 ]

وقالوا إن ضياء القمر مأخوذ من ضوء الشمس، لانهما إذا اجتمعا لم يكن للقمر نور. وقال قوم منهم العالم محدث إلا أنه لا يبيد لانه حكمة وصنعة حكيم، والحكيم لا يفسد صنعته. ذكر عمر الدنيا فأما ما ذكروه من توقيت الزمان ومدته إلى انقضائه، فانهم قالوا فيه أقوالا لاتسلم لهم، إنما تسمع وتذكر على ما يتعجب منه لاعلى جهة التصديق به، نعوذ بالله. ففي كتاب السند هند الذي عمل منه المجسطي وغيره من الزيجات أن دوران الشمس من أول سيرها من الحمل انما سيرها ينقضي على ما حسبوه من الآلاف ألف ألف وأربعمائة ألف ألف وعشرون ألف دورة لكل دورة سنة، والسنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم. وقالوا إن أصل الدور أربعة آلاف ألف ألف وثلاثمائة ألف ألف وعشرون ألف ألف عند كل بدء ألف سنة. وأما أهل الاثر، فزعم قوم أن عمر الزمان إلى آدم عليه السلام سبعة آلاف منه، ورواية محمد بن جرير الطبري على ما قدمناه ذكره أن من آدم إلى انقضاء الخلق سبعة آلاف وذكر طلوع الشمس من مغربها قبل انقضاء العالم. وقال قوم: إذا بلغ القلب خمس عشرة درجة (1) من الاسد كان طوفان نار يحرق العالم بأسره فلا يبقى على وجه الارض حيوان ولا في البحار،


1) في ب وت: خمسة عشر. (*)

[ 32 ]

وتبقى الارض خرابا من العالم، ثم يستأنف الله عزوجل ما أراد في الخلق. وكان أرسطا طاليس يرى أن الزمان لا يبيد، ولا ينفد. وأن الطبيعة قديمة، وأنه لا أول لها ولا آخر، تعالى الله جل جلاله. ذكر الامم المخلوقات قبل آدم عليه السلام يقال إنه كانت الجملة ثمانيا وعشرين أمة بأزاء المنازل العالية التي يحلها لقمر، لانه المستولي عندهم لتدبير العالم الارضي باذن الله تعالى جل ذكره خلقت من أمزجة مختلفة أصلها الماء والهواء والنار والارض، فهي متباينة الخلق ومنها أمة طوال خفاف زرق ذات أجنحة كلامهم فرقعة، ومنها أمة أبدانهم كأبدان الاسد ورؤسهم رؤس الطير لها شعور وأذناب طوال كلامهم دوي، ومنها أمة لها وجهان قدامها وخلفها و أرجل كثيرة وكلامهم كلام الطير. ومنها الجن. ومنها صفة الجن، وهي أمة في صور الكلاب لها أذناب وكلامها همهمة لا يفهم. ومنها أمة تشبه بني آدم أفواههم في صدورهم يصفرون تصفيرا. ومنها أمة في خلق الحيات الطوال لها أجنحة وأرجل وأذناب. ومنها أمة يشبهون نصف شق الانسان لهم عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة يقفزون تقفيزا، وكلامهم مثل كلام الغرانيق. ومنها أمة لها وجوه كوجوه الناس وأصلاب كأصلاب السلاحف، وفي ايديهم مخالب وفي رؤسهم قرون طوال، كلامهم كعوي الذئاب. ومنها أمة لكل واحد منهم رأسان ووجهان كوجوه الاسد طوال لا يفهم كلامهم، ومنها أمة مدورة الوجوه لها شعور بيض وأذناب كأذناب البقر يزرقون الناس من أفواههم. ومنها أمة في خلق النساء لهم شعور وثدي ليس فيهم ذكر،

[ 33 ]

تلقح من الريح وتلد أمثالها، ولها أصوات مطربة يجتمع إليها كثير من هذه الامم لحسن أصواتها. ومنها أمة في خلق الهوام والحشرات إلا أنها عظيمة الاجسام تأكل وتشرب مثل الانعام. ومنها أمة تشبة دواب البحر لها انياب كالخنازير بارزة وآذان طوال. وبقية الثمان والعشرين (1) امة على خلق لا يشبه بعضها بعضا الا إنها وحشية المنظر، ويقال ان هذه الامم تناتجت فصارت مائة وعشرين امة ذكر الجن وأجناسهم وقبائلهم وسئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، هل كان في الارض خلق من خلق الله تعالى قبل آدم يعبدون الله تعالى ؟ فقال: نعم خلق الله تعالى الارض، وخلق فيها أمما من الجن يسبحونه ويقدسونه لا يفترون، وكانوا يطيرون إلى السماء، ويلقون الملائكة، ويسلمون عليهم ويتعلمون منهم الخير، ويعلمون منهم بخبر ما يجري في السماء، ثم إن طائفة من الجن تمردوا وعتوا عن أمر الله عزوجل، وبغوا في الارض بغير الحق، وعلا بعضهم على بعض، حتى سفكوا الدماء، وأظهروا الفساد، وجحدوا الربوبية. وأقام الآخرون المطيعون على دينهم وعبادتهم وباينوا الذين عتوا عن أمر الله، وكان يصعد إلى السموات عنها للطاعة، وخلق الملائكة كما قدمناه ذكره روحانيين ذوي (2) أجنحة يطيرون بها حيث صيرهم الله تعالى، وأسكنهم ما بين أطباق السموات يسبحونه ويقدسونه لا يفترون، حتى اصطفى الله تعالى منهم الملائكة فكان أقربهم منه اسرافيل، ثم ميكائيل ثم جبرائيل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين


1) في ب، وت: الثمانية وعشرين. 2) فيهما ذو. (*) أخبار الزمان - م (3) (*)

[ 34 ]

فصل وأما الجن فذكرت الهند والفرس واليونان ولادات الجن وقبائلهم وأسماء ملوكهم، وزعموا أنهم مفترقون على احدى (1) وعشرين قبيلة، وبعد خمسة آلاف سنة ملكوا عليهم ملكا منهم، يقال له الملك شمائيل بن أرس جن، ثم افترقوا، فملكوا عليهم خمسة (2) ملوك فأقاموا بذلك دهرا طويلا، ثم أغار بعض الجن على بعض، وكانت بينهم وقائع كثيرة وحروب شديدة، وكان إبليس منهم، وله أسماء كثيرة باختلاف اللغات غير أن اسمه بالعربية الحارث. ويكنى أبا مرة. عظيم الخلق مطيقا (3) وكان يصعد إلى السماء ويقف في صفوف الملائكة، ويجتهد في العبادة، فلما بغي بعض على بعض، وكانت تلك الحروب بينهم اهبط إلى الارض في جند من الملائكة فهزمهم وقتلهم، وجعل ملكا على الارض فتجبر وطغا، وكان امتناعة من السجود لآدم عليه السلام. كما أنبأنا الله عزوجل في كتابه، فاهبط في أقبح صورة وأشدها (4) تشويها فأنكره جميع قبائل الجن واستوحشوا منه. فلما رأى ذلك سكن البحر، وجعل له عرشا على الماء. ثم جعل له ولادة كما جعلت لآدم عليه السلام. فألقيت عليه شهوة السفاد (5) وجعل لقاحة كلقاح الطير وبيضه كبيضه. وذكر بعض العلماء صنوف الجن فزعم * أن الشياطين خمس (6) وثلاثون قبيلة وأن الذين يطيرون في الجو خمس عشرة قبيلة (7) وان الذين مع لهب النار عشر


1) في الاصلين احد. 5) ت: الفساد. 2) فيهما: خمس ملوك. *) ما بين هاتين العلامتين في هذه الصفحة والتي تليها 3) في ت: مطيعا. مبتور في ت. 4) فيهما: وأشرها. 6) فيهما: خمسة وثلاثون. 7) في ب: خمسة عشر، وهو خطأ عربية. (*)

[ 35 ]

قبائل وأن مسترقي السمع ثلاثون قبيلة، ولهذا القبائل كلها ملوك من كل قبيلة لدفع شرهم. وحكي أن صنفا من السعالي يتصورون (1) في صور النساء الحسان ويتزوجن برجال الانس كما حكي عن رجل يقال سعد بن جبير، أنه تزوج امرأة منهن وهو لا يعلم ما هي: فأقامت عنده وولدت عنده أولادا وكانت معه ليلة على سطح يشرف على الجبانة، إذا بصوت في أقصى الجبانة نساء يتألمن فطربت وقالت لبعلها أما ترى نيران السعالي شأنك وببنيك استوص بهم خيرا فطارت فلم تعد إليه ومنهم من تظفر (2) بالرجال الخالي في الصحراء أو الخراب، فتأخذه بيده فترقصه حتى يتحير ويسقط فتمص دمه ومنهم صنف لا تفارق صور الحياة وربما قتلها الرجل فهلك يحكى ان فتى من الانصار قريب عهد بعرس استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تقدمه يوم الخندق وأن يلم بأهله فأذن له فلما انتهى إلى منزله وجد امرأته قائمة بالباب فأدركته غيرة وأهوى إليها برمحه، فقالت له لا تعجل وادخل حتى تنظر ما على فراشك فدخل فرأى على فراشه حية عظيمة، فطعنها برمحه فقتلها، فمات هو من ساعته. وتذكر العرب عن عبيد بن (3) الابرص الاسدي أنه خرج في سفر له يريد الشام مع نفر، فلما صار ببعض الطريق إذ هو بشجاع يلهث عطشا وخلفه حية سوداء تطرده، فنزل (4) * فقتل الحية السوداء وحل إدواته ونضح على


1) ب: يتصورون 3) ب، ت: عبيد الابرص. 2) ب: يظفر. 4) ت: ثم نزل. (*)

[ 36 ]

الشجاع من الماء فشرب وانساب حتى دخل جحره، ومضى عبيد حتى قضى حوائجه بالشام. فلما انصرف أغفى وهو في مفازة فلما انتبه وجد قلوصه قد ضل، وهو على غير الطريق فأقام مكانه فلما جنه الليل إذا بهاتف يقول: يا صاحب البكر البعيد مذهبه * * ما عنده من ذي رشاد يصحبه دونك هذا البكر منا تركبه * * حتى إذا الليل تولى غيهبه واقبل الصبح ولاح كوكبه * * فبعد حط رحله تستلبه (1) فلما سمع عبيد ذلك من الهاتف التفت، فإذا عنده بكر كأحسن ما يكون فركبه فسار به بقية ليلته فأصبح في منزله، وكان بينه وبين منزله إحدى وعشرون مرحلة فنزل عنها وأنشأ يقول: يا صاحب البكر قد أنجيت من عطب * * ومن حمام يضل المدلج الهادي ارجع حميدا فقد اوليتنا مننا * * جوزيت من رائح بالخير أو غادي فأجابه البكر: أنا الشجاع الذي ألفيتني رمضا (2) في مهمه نازح عن أهله صادي (3) فجدت بالماء لما ضن حامله (4) * * رويت منه ولم تلمم بأنكاد (5) الخير يبقى وإن طال الزمان به * * والشر أخبث ما اوعيت من زاد ثم قال إن الاسود الذي رأيته يطردني عبد من عبيدي أراد قتلي فكفيتني شره، وأرويتني من ظمئي ولن يضيع الخير واستخلف الله عليك. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أكثر الحيوان الداجن صفة الجن، وان الكلاب من الجن، فإذا رأوكم تأكلون فألقوا إليهم من طعامكم، فان


1) ت: فحط عنه رحله وسيبه 4) ب: ظن جاهله. 2) ب: ومضا. 5) ب: أرويت هامي ولم تهمم بانكاد. وفي ب أوتيت منه.) * 3) ب: ماد.

[ 37 ]

لهم أنفسا - يعني يأخذون بالعين. والعرب تذكر راكبا على جمل (1) في قدر الشاة وفد عليهم بسوق عكاظ [ نادى ] ألا من يهبني ثمانين بكرة هجانا وأدما، فلم يجبه أحد. فلما رأى ذلك ضرب جمله (2) وطار به بين السماء والارض كالبرق، فعجبوا منه فحدثهم رجل قال: لقيت رجلا في بعض المفاوز راكبا على نعامة وعيناه مشقوقتان بطول وجهه، فأخذتني منه روعة ثم استوقفته فقلت له: اتروي شيئا من الشعر ؟ قال: نعم وأقرضه، وأنشدني: أتاركة تحيتها (3) قطام وضنا (4) بالتحية والسلام حتى أتى على آخرها فقلت له: هيهات سبقك إليها أخو بني ذبيان، فقال: أنا والله يا أخي، نطقت بها على لسانه بسوق عكاظ، وكنت قلتها قبل ذلك بأربعمائة عام. ويقال إن الله تعالى خلق ألفا وعشرين أمة حذاء الكواكب الثابته (5) منها في البحر ستمائة أمة، ومنها في البر أربعمائة أمة وعشرين أمة أحسنها الانسان وأتمها وأحبها إلى الباري سبحانه وتعالى وأفضلها، فانه خلق على صورة إسرافيل عليه السلام وهو أقرب الملائكة إلى الله تعالى. وفي التوراة خلق الله تعالى آدم على صورته، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وفي الحديث " لا تضربوا الوجوه فإنها على صورة إسرافيل عليه السلام " وفي الحديث " تلجوا بالنظر إلى وجوه المرد فان فيها لمحات من الحور العين ". ويقال أن في الانسان من كل الخلق، فلذلك سخر له جميع الحيوان وسلط عليها فاقتنصها وذللها وسخر أكثرها، وجمع له المأكول من النبات


1) ب: حمل 4) ت: وظنا 2) في ب وت: جمله. 2) ت: اليابانية. 3) في ت: تدللها.

[ 38 ]

والحيوان [ البهيمي والوحشي وغيره ] (1)، وله خلقت اللذات جميعا، وعمل بهذه جميع الاعمال. وله المنطق والضحك، والفكر الفطنة، واختراعات الاشياء، وله خاطب الباري عزوجل، وعليه وقع الامر والنهي والانسان هو الذي استنبط الاشياء وجمع العلوم، وعمل الآلات، وأثار المعادن، وأخرج ما في قعور البحار، وسخر له كل شئ. ومن العجائب خلق النسناس وهو كمثل نصف الانسان بيد واحدة ورجل واحدة، ويثب وثبا ويعدو عدوا شديدا، وكان ببلاد اليمن، وربما كان ببلاد العجم، والعرب تصيده وتأكله. وفي بعض أخبارهم أن سيارة وقعوا في أرض كثيرة النسانس، فصادوا واحدا وذبحوه وطبخوه وكان سمينا، فلما جلسوا يأكلونه قال أحدهم: لقد كان هذا النسناس سمينا، فقال نسناس آخر، قد اختفى في شجرة بالقرب منهم: إنه كان يأكل السرو فلذلك سمن، فنبههم على نفسه فأخذوه وذبحوه. فقال آخر من شجرة أخرى، قد اختفى فيها عنهم: لو كان عاقلا صمت ولم ينطق، فاخذوه وذبحوه. فناداهم نسناس آخر تخبأ في بعض خروق الارض: اني قد احسنت فلم أتكلم فأخذوه وذبحوه، وكان لهم فيها قوت. وقيل إنه يغتذي بالثمار والنبات، ويصبر على العطش. وقيل إن في شرقي القلزم مما يلي في البحر أمة متولدة من صنف من السباع وبني آدم، وجوهها عراض كثيرة الشعر مثل وجوه السباع، وعيونها مدورة بصاصة، وأنيابها بارزة طوال، وآذانها طوال، وأبدانها كأبدان الناس إلا


1) عن ت. (*)

[ 39 ]

أن لهم أظفارا كبارا، معقفة محدودة، وليس وراءهم غيرهم. وطعامهم دواب البحر. ومما يشبه خلق الانسان أمة يقال لها الواق واق، وهي حمل شجر عظام لشعورها، ولها أيدي وفروج مثل فروج النساء وألوان، ولا يزلن يصحن واق واق، فان قطعت إحداهن سقطت ميتة لا تنطق. وفي كتاب الخزانة انه من جاوز اولئك وقع إلى ما هو اعظم منهن وأحسن أعجازا وفروجا ووجوها، فإن قطعت أقامت يوما وبعض آخر، وربما جامعها من يقطعها، وهي تشبه النساء، وأطيب رائحة، وألذ مباضعة، وهذه الارض أطيب رائحة من الكافور وليس بها إنس. وإنما يحكي ذلك عنها أهل المراكب إذا سقطوا إليها، ومنها خلق بحرية على شبه النساء يقال لها بنات الماء، في صورة النساء الحسان، ذوات الشعور السبط، لها فروج عظام وثدي، كلامهم لا يكاد يفهم، ولهم قهقهة. وحكى بعض البحريين ان الريح ألقتهم إلى جزيرة فيها شجر، وأنهار عذبة، وانهم كانوا يسمعون ضوضاة وضحكا، فكمنوا لهن وأخذوا منهن امرأتين فأوثقوهما. وأقامتا مع اللذين أخذاهما يقعان عليهما في كل وقت ويجدان لهما لذة عجيبة، وأن احداهما وثق بصاحبته فأرسلها من وثاقها فهربت إلى البحر ولم يرها بعد ذلك، وبقيت الاخرى، فلما حصلت في المركب رحمها صاحبها فحل وثاقها فحملت منه وولدت له ولدا ذكرا وانهم ركبوا في البحر فلما حصلت في المركب وقد انها لا تزول عن ابنها فتغفلته ووثبت في البحر، فلما كان بعد ذلك بيوم، ظهرت له وألقت إليه صدفا فيها در نفيس. قال المسعودي رحمة الله: وقد ذكرنا طرفا من أخبار الروحانية، على ما

[ 40 ]

نقل الينا والله اعلم بخلقه ومن اشياء كثيرة على طريق التعجب لا من طريق التصديق، فمن قرأ كتابنا هذا فليعلم العذر فيما أوردناه، وبالله التوفيق والتسديد والمعونة والتأييد. ذكر الارض وما فيها روى ابن عبد الحكم قال: خلقت الارض على صورة الطائر رأسه وصدره وجناحاه رجلاه وذنبه. فالرأس مكة والمدينة واليمن، والصدر الشأم ومصر، والجناح الايمن والعراق إلى الواق والوقواق وأمم السند والهند، والجناح الايسر ناسك ومنسك ويأجوج ومأجوج، وأمم كثيرة والذنب من ذات الحمام (1) إلى مغرب الشمس والبحر الاسود. وفي الحديث " ان الله عزوجل خلق مدينتين واحدة في المشرق واسمها جابلقا، وأخرى في المغرب واسمها جابرضا، طول كل مدينة عشرة آلاف فرسخ، لكل مدينة منها عشرة آلاف باب، بين كل بابين فرسخ، للباب كل ليلة عشرة آلاف رجل لا تلحقهم النوبة إلى يوم القيامة، وانهم يعمرون سبعة آلاف سنة الا ما دونها ويأكلون ويشربون ويتناكحون، وفيهم حكم كثيرة، ولهم خلق عظام تامة، وان هاتين المدينتين خارجتين من هذا العالم لا يرون شمسا ولا قمرا، ولا يعرفون آدم ولا إبليس، يعبدون الله تعالى ويوحدونه وان لهم نورا يسعون (2) فيه من نور العرش من غير شمس ولا قمر ".


1) هكذا في ب وت، غير ان الرسم يحتمل في ب ان تكون ذلك الحرام. 2) في الاصلين نور. (*)

[ 41 ]

وروي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مر بي جبريل عليه السلام ليلة أسري بي عليهم فدعوتهم إلى الله تعالى فأجابوني فمحسنهم مع محسنكم ومسيئهم مع مسيئكم ". روي وهب بن منبه باسناد له عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن لله تعالى ثمانية عشر الف عالم الدنيا منها عالم واحد، وما العمران في الدنيا إلا كخردلة في كف أحدكم ". وقال بعض أهل الاثمر فيما رواه: إن الله عزوجل دابة في مرج من مروجه، والمرج في غامض علمه رزقها في كل يوم، مثل رزق العالم بأسره. سبحان القادر على كل شئ. ذكر البحر الميحط وما فيه من العجائب ويقال ان فيه عرش إبليس لعنه الله فوق البحر المظلم يتشبه بالباري عز وجل (1)، ويحمله نفر من الابالسة والعفاريت العظام لحمله، ويحيط به عفاريت من الجن الذين هم في طاعته فمنهم من في لججه لا يفارقه، ومنهم من يتصرف عن أمره، وإنه لا يزول مرتبته إلا إلى من يطمع في فتنته أو عبد صالح يريد كيده، والباقون من أعوانه الذين يسعون إلى الناس ويضلونهم، وسجنه في جزيرة منه يحبس فيه من خالفة من الجن والشياطين. وفيه هيكل سليمان النبي عليه السلام، وفيه جسده وهو قصر عجيب في


1) العبارة: يتشبه بالباري عزوجل محيت من ب، وقد أثبتناها كما في ت.

[ 42 ]

جزيرة، وفيه مواضع لا تزال على مر الزمان ترمي نارا ترتفع على مائة ذراع وفيه أسماك طول الحوت مدة أيام، وكل صورة عجيبة مختلفات الاشكال والصفات الملونة في كل لون من الالوان. وفيه مدائن تطفو على الماء وتغيب عنهم. وفيه الثلاثة أصنام (1) التي عملها أبرهة أحدها أصفر يومئ بيده كأنه يخاطب من جاوزه، ويأمره بالرجوع. والصنم الثاني أخضر رافع يديه باسط لهما كأنه يريد إلى أين تذهب، والصنم الثالث اسود مفلفل الشعر يومئ بأصبعه إلى البحر: من جاز هذا المكان غرق، مكتوب على صدره " هذا ما صنع أبرهة ذو المنار الحميري لسيده الشمس تقربا إليه ". وحكي أن فيه كالحصون ترتفع على الماء، ويظهر منها الصور الكثيرة وتغيب في الماء. ويقال إن عمق هذا البحر يختلف، فمنه مالا يلحق قعره ولا يدري، ومنه ما يكون سبعة آلاف باع وأكثر وأقل، ومنه ما يكون فيه شجر كالمرجان وأما البحر الاسود الزفتي وهو متصل به وهو شديد النتن، وليس فيه غير القلعة الفضية، قيل إنها معمولة، وقيل إنها خلقه. ويخرج من هذا البحر بحر الصين أوله من بلاد الغرب، بحر فارس إلى بلاد الصين، وهو بحر ضيق فيه مغايص اللؤلؤ. وقيل إن فيه إثني عشرة (2) الف جزيرة، وثمانمائة جزيرة. وفيه الدردور موضوع يدور فيه الماء فإذا سقط فيه مركب لم يزل يدور


1) في ب: الثلاثة أصنام. 2) في ب: اثني عشر، وفي ت: اثنا عشر. (*)

[ 43 ]

فيه حتى يتلف، وفيه كسير وعوير وهما جبلان. وفي هذا البحر عجائب كثيرة وصور شتى وحيتان ملونة، منها ما يكون طوله مائة ذراع ومائتي باع وأقل وأكثر يأكل بعضها بعضا. وفيه جزائر تنبت الذهب وبها معادن الجوهر، وفيه ثلاثمائة جزيرة عامرة مسكونة فيها ملوك عدة. ويقال ان في هذا البحر قصرا (1) من البلور، على قلعة تضئ طول الدهر بقناديل فيه لا تنطفئ. وبعد هذا بحر لا يدرك عمقه، ولا يضبط عرضه، تقطعه المراكب بالريح الطيبة في شهرين وأكثر، وليس في البحر المحيط أكبر منه ولا أشد هولا، وفيه من جميع المعادن من الزمرد ومنابت القنا والخيزران، وفيه أيضا كل سمكة يكون طولها أربعمائة ذراع وأقل وأكثر، وسمكة صغيرة بقدر الذراع فإذا طغت هذه السمكة وبغت وآذت سمك البحر ومراكبه سلطت عليها هذه السمكة الصغيرة فصارت في أذن هذه الكبيرة فلا تفارقها حتى تقتلها، وربما لم تقرب الكبيرة ذلك الموضع (2) خوفا من الصغيرة. وفيه سمكة يحكي وجهها وجه الانسان تظهر في الماء، وفيه أسماك طيارة تطير ليلا وترعى الندا، فإذا كان قبل طلوع الشمس رجعت إلى البحر. وفيه سمكة تكتب مرارتها الكتابة فتقرأ بالليل. وفيه سمكة خضراء دسمة من أكل منها اعتصم عن الطعام أياما (3) كثيرة لا يريد ذوقه وفيه سمكة لها قرنان كأنهما قرنا السرطان، يرميان بالليل نارا


1) في ب: قصر. 2) في ت: المراكب. 3) في ب وت: ايام. (*)

[ 44 ]

وفيه سمكة مدورة يقال لها المصح فوق ظهرها كالعمود، مستحد الرأس لا تقوم لها سمكة في البحر، لانها تلقاهن بهذا القرن فتقتلهن، وربما نقبت به المراكب، وقرنها أصفر كالذهب مجزع، يقال إنه ضرب من الحوت (1) وفيه سمكة يقال لها هفس من صدرها إلى رأسها مثل الترس يطيف به عيون تنظر بها ورأسها طويل مثل الحية في طول عشرين ذراعا (2) بأرجل كثيرة مثل أسنان المنشار من صدرها إلى آخر الذنب، فليس تتصل بشئ إلا أتلفته ولا ينطوي ذنبها على أحد إلا أهلكته، يقال إن لحمها يشفي من كل الاوصاب، وقليل ما يوجد وفيه عنبر وبحر آخر يقال هركند فيه جزائر كثيرة وفيه سمك ربما ينبت على ظهره الحشيش والصدف، وربما أرسا عليها أصحاب المراكب فيعتقدون أنه جزيرة فإذا فطنوا به أقلعوا عنها وربما نشر هذا السمك أحد جناحيه الذي في صلبه، فيكون كالجبل العظيم، وإذا رفع رأسه من الماء فيكون كالجبل عظما، وربما إذا رفع أذنيه فيكون مثل المنارة العظيمة، فإذا سكن البحر جر السمك بذنبه ثم فتح فمه فينزل السمك إلى حلقه كأنه ينزل إلى بئر، ويقال له العنبر طوله ثلاثمائة ذراع. واهل المراكب يخافون منه، فهم يضربون بالليل بالنواقيس (3) مخافة ان يتكئ على المركب فيغرقه. وفيه حيات عظام تخرج إلى البر فتبتلع الفيلة، وتلتف على صخور في البر فتتكسر في أجوافها ويسمع لها صوت هائل، وفيه حية يقال لها الملكة لا تظهر إلا مرة واحدة، وربما احتال فيها ملوك الزنج فأخذوها وتطبخ حتى


1) العبارة عن ت. 2) في باء وتاء: عشرون ذراع. 3) في باء: نواقيس. (*)

[ 45 ]

يخرج ودكها ويدهن به الملك فتزيد في قوته ونشاطه ويستعمل من جلود هذه الحية - وهي منمرة - فرش إذا جلس عليها صاحب السل ذهب عنه السل ومن جلس عليه أمن السل أن يصيبه أبدا. وريح هذا البحر من قعره، ربما ألقى عند اضطرابه نارا لها ضوء شديد والبحر الرابع يقال له دوانحد (1) وبينه وبين بحر هر كند (2) جزائر كثيرة، يقال (إنها) ألف وتسعمائة جزيرة، ويقع بين هذه الجزائر عنبر كثير وهذا العنبر (3) ينبت في قعر البحر نباتا، فإذا اشتد هيجان البحر قذفه من قعره فيرتفع مثل الرمل والحمأة، وهو عنبر دسم وقرأت في كتاب الطيب الذي ألفه ابراهيم بن المهدي، أن أحمد بن حفص العطار قال كنت في مجلس أبي اسحق وهو يصفي (4) عنبرا قد أذابه، وقد أخرج ماكان فيه من الحشيش الذي على خلقة مناقير الطير، فسألني فقلت هذه مناقير الطير الذي يأكل العنبر إذا راثته دوابه، فضحك أبو إسحق وقال هذا قول تقوله العامة. ما خلق الله دابة تروث العنبر، وما العنبر إلا شئ يكون في قعر البحر ولقد عني الرشيد بالمسألة عن العنبر، فأمر حمادا البدوي (5) في البحث بالمسألة، فكتب إليه أن جماعة من أهل عدن أعلموه أنه شئ يخرج من عيون في قعر البحر تقذفه الريح بالامواج، كما تخرج أرض هتبة القار وهي أرض الروم الزفت الرومي. وآخر جزائر هذا البحر بسرنديب في بحر هر كند وهي رأس هذه الجزائر كلها، وفي سرنديب أكثر مغايص اللؤلؤ ونبات الجوهر، وببحر


1) في ت: دوامخد. 2) في ت: كركند. 3) ب: عنبر. 4) ب: يصلي. 5) ت: جماد، ونقطة الجيم في ب كالممحوة. (*)

[ 46 ]

سرنديب طرق بين جبال، وهي مسالك لمن أراد بلاد الصين، وفي جبال هذا البحر معادن ذهب فيه أيضا مغايض اللؤلؤ، وفيها بقر وحشية وخلق مختلفة الصور، ويسلك من هذا البحر إلى بلاد المهراج وربما أظلت السحاب هذا البحر يوما وليلة، ولا ينقطع عنه المطر ولا تظهر حيتانه ودوابه وتخرج منه إلى بحر الصنف، وفيه يكون شجر العود وليس فيه أحدا يعرفه ورأسه تخرج من قرب الظلمة الشمالية وتمر أيضا على بلاد الواق وفيه ملك الجزائر الذي يدعي المهراج، وله من الجزائر والاعمال ما لا يحصى كثرة، ولو أراد مركب من مراكب البحران أن يطوف بجزائره في سنين كثيرة لم يقدر أن يطوفها، ولملكه جميع أفاويه الطيب والكافور والقرنفل والصندل والجوزة والبسباسة والقاقلة والعود، وليس لملك من الملوك ما لملك هذا البحر من أصناف الطيب، ويقال إن فيه قصرا أبيض يسير على الماء ويتراءى لاصحاب المراكب في السحر فيتباشرون به إذا هم أبصروه ويكون لهم دليل السلامة والربح والفائدة وفيه جزيرة برطايل، فيها جبال مسكونة يسمع فيها باليل والنهار والعزف والطبول والاصوات المنكرة ووجوه أهلها مثل المجان المطرقة، وهم مخرقو الآذان وأكثر البحريين مجمعون على ان الدجال فيها، ومنها يخرج إذا بلغ منتهاه وفيها يباع القرنفل، ويشترونه التجار من قوم لا يبصرونهم وفيه البراقية (1) وهي مدينة لطيفة من حجر أبيض براق يسمع فيها ضوضاء وأصوات، ولا يرى بها ساكن وربما نزل إليها البحريون وأخذوا من مائها فوجدوه أبيض (2) زلالا حلو الطعم فيه روائح الكافور


1) في ب: البرابة. 2) ب: أبيضا. وت: بيضا. (*)

[ 47 ]

ومنه جزيرة بها مساكن وقباب بيض تلوح وتتزايا (1) للناس فيطمعون (2) فيها وكلما قربوا منها تباعدت منهم فلا يزالون كذلك حتى ييأسوا منها فينصرفوا عنها ويتصل هذا البحر بالواق، ويقول البحريون انهم لا يعرفون منتهاه غير أن اقصاه جبال تتوقد نارا ليلا ونهارا يسمع لها قواصف مثل قواصف الرعود من شدة التهابة، وربما سمعوا من تلك النار صوتا عرفوه يدل على موت ملك من ملوكهم أو كبير من كبرائهم، وهذا الموضع لا يدرك قعره. وبعد بحر الصنف الذي ذكرناه بحر الصين، وهو بحر خبيث بارد ليس في غيره من البحار مثل برده، ويقال: إن ريحه من قعره، ويقال إنه بحر مسكون له أهل في بطن الماء. واخبر الثقة من أصحاب البحر انهم يرونهم إذا هاج البحر في جوف الليل كهيئة الريح، ويطلعون إلى المراكب: وليس يكون ذلك الا عند هيجان البحر وذكر البحريون أنهم لا يعرفون بعد بحر الصين بحرا يسلك، وهو بحر يغلي كما تغلي القماقم، وليس صفة ما به كسائر البحار وفي بحر الصين سمكة مثل الحراقة (3) يرمي بها الماء إلى الساحل، فإذا انجذر (4) الماء بقيت على الطين فلا تزال تضطرب مقدار نصف نهار، ثم تنسلخ في اضطرابها ذلك، فيخرج لها جناح فتستقل به فتطير وزعموا أن عرض بلاد الصين الذي تمر عليه المراكب ألف وخمسمائة فرسخ وفي هذا البحر يرى وجه عظيم على صور الناس إلا أنه أعظم منه، مستدير


(1) لعل الصواب وتترايا. 2) في ب: فيطعمون. 3) في ت: الجزافة. 3) جذر.) (*)

[ 48 ]

يشبه لون القمر، يغطي ما بين جبلين وأبواب الصين البحر بين كل جبلين فرجة وقيل إن بمدينة بقمولية (1) وهي القسطنطينية الاولى كنيسة في جوف البحر وربما تنكشف يوما في السنة فيحج أهل النواحي إليها ويستعدون لها قبل ذلك فيقيمون فيها يومهم ويتفرقون ويهدون إليها بدنهم (2) فإذا كان العصر بدا الماء في الزيادة فينصرفون ويبادرون الخروج عنها ولا يزال الماء يغطيها فتغيب إلى رأس السنة أيضا. ويقال إن في بحر الهند حيوانا (3) يشبه السرطان، فإذا خرج من الماء صار حجرا يتخذ منه كحل لبعض علل العين وأما بحر المرجان فهو في بحر الاندلس خاصة، ينبت في قعره مثل الشجر فما بعد منه عن درك الغواصين يحتال في قلعه، بأن يربط بالشرايط في كتان القنب، ويثقل بالرصاص ويدلى حتى يصل إلى الشجر، ثم يحرك المركب بالجذب، وتلك منوطة بهايمنة ويسرة حتى يعلم تشبكها في اغصان المرجان، ثم تقلع الشرايط، فيوجد المرجان قد اتخذ، وله نفاق كثير بالحجاز والهند والصين، وفيه عنبر كثير، وفيه سمك من أكل منه رأى كأنه ينكح، وفيه سمك في صور الناس. خبر تنيس أما خبر تنيس فكانت جنات وكرومات ومتنزهات وكانت مقسومة بين ملكين من ولد ابريت بن مصر، وكان احدهما مؤمنا، والآخر كافرا


1) ت: نقمولية. 2) في ب، ت: بدونهم، والصواب بدنهم جمع بدنة. 3) ب، ت: حيوان. (*)

[ 49 ]

فأنفق المؤمن ماله في وجوه البر حتى باع حصته منامن أخيه، وفرق الذي أخذ بها في وجوه البر فأفلحها، وزاد فيها عروشا كثيرة، وأجرى فيها أنهارا، وبني فيها بنيانا، واحتاج أخوه إلى ما في يده فكان يمنعه ويفتخر عليه بما له، من المال والجنة فخاطبه أخوه في بعض الايام مبسطا عليه فقال له: أنا أكثر منك مالا وأعزا نفرا، فقال له أخوه: فما أراك شاكرا لله تعالى عى ما أعطاك، ويوشك أن ينزع ذلك منك، ويقال إنه دعى عليه فغرق ماء البحر جميع ما كان له في ليلة واحدة حتى كأن لم يكن قبل ذلك. وقيل إن هذين الرجلين اللذين ذكرهما الله تعالى في كتابه فقال (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين إلى قوله أحدا) وكانت تنيس عظيمة، لها مائة باب وباقي ذكرها عند ذكر مدائن مصر إن شاء الله تعالى. وقيل إن بحيرة تنيس تعذب وقت مجئ النيل وتقيم ستة أشهر حلوة ثم تملح وبالقرب (منها) عين لا يخرج ماؤها إلا عند أوقات الصلوات فيتوضأ منها ثم تفيض لذلك عند وقت كل صلاة، وهي معروفة تسمى عين الاوقات. ولاهل الهند نهر عظيم معهم (1) عليه شجرة باسقة من حديد أو نحاس وتحتها وعمود من نحاس أو حديد مثبت في الارض مائل إلى الماء طوله على اللارض عشرة أذرع وعرضه نحو الذراع، ويزيد قليلا، في رأسه ثلاث شعب غلاظ مستوية محدودة كالمنار، وعنده رجل يقرأ كتابا ويقول للنهر: يا عظيم البركة، وسيل الجنة، أنت الذي خرجت من عين الجنة، ودللت الناس عليها فطوبى لمن صعد هذه الشجرة وألقى نفسه على هذا العمود، فينتدب الواحد لذلك والعدة ممن حوله ويصعدون على تلك الشجرة، ويلقون أنفسهم


1) لعل الصواب مهم. أخبار الزمان م (4) (*).

[ 50 ]

على العمود فيقطعون * قطعا ويقعون على الماء فيدعون لهم أصحابهم بالطوبى والمصير إلى الجنة واللذة ولهم نهر مكران الذي مد النيل (1) فيما ذكروا منه، وقالوا إنه يخرج من الجنة، وإنه لو لم ينجس بالذنوب لما كان (يموت) (2) من شرب منه ولهم نهر آخر من سنتهم أن يحضره رجال بأيديهم سيوف قاطعة، فإذا أراد الرجل من عبادهم أن يتطهر ويتقرب إلى الباري سبحانه، أتى في جماعة يأخذون ما عليه من الحلى واللباس وأطواق الذهب والاسورة والقراطق لان أبناء الملوك كثيرا (3) ما يخرجون إلى هذا النهر ثم يطرحونه على لوح عظيم ويأخذون بأطواقه ويضربونه بسيوفهم ويقطونه نصفين فيلقون أحد النصفين في هذا النهر والنصف الآخر في بحر كند (4) ويزعمون أن هذين النهرين يخرجان من الجنة وفي جبال سرنديب وادي الماس وهو بعيد القعر وبه حيات عظام مؤذية فإذا أرادوا إخراج الماس طرحوا فيه ما أمكنهم لحما حارا طري السلخ، فترى نسود تلك الجهة وهي به كثيرة، ذلك اللحم فنتقض عليه وتأخذه وترفعه إلى حيث تأكله خوفا من حيات الوادي، فيقصد طالب ذلك إلى موضع المأكول فيجدون بها ما تعلق باللحم من الماس على قدر العدسة والفولة والحمصة، وأكبر ما يجدونه قدر الباقلا، ويتخذ منه الملوك فصوصا لخواتم يلبسونها وذكر صاحب المنطق أن من الماس حجارة كبار إلا أنه يوصل إليها لاجل الحيات التي في ذلك الوادي


1) ب: مكرم ان الذي يمد من فيما ذكروا. 2) لمن ت ما بينها سقط في ت. 3) في ب: كثير. 4) في ت: الكند. (*)

[ 51 ]

وبالهند وادى القرنفل ولم يدخل إليه من التجار ولا ممن سلك البحار ولا ذكروا أنهم رأوا شجرة، وإنما تبيعه الجن فيما يقولون الناس يرسون بالمراكب في جزيرتهم، ويجعلون بضاعتهم على الساحل ويعودون إلى مراكبهم فيكونون بها، فإذا أصبحوا جاؤا فوجدوا إلى جانب كل بضاعة جزأ من القرنقل وربما ترك البضاعة والقرنفل أذا طلب الزيادة فربما يزاد فيه وذكر عن بعض الناس أنه طلع إلى الجزيرة وأمعن فيها فرأى قوما صفرا بغير لحى، في زي النساء، ولهم الشعور فغابوا عنه، وأن التجار أقاموا بعد ذلك مدة يترددون إلى ساحل تلك الجزيرة، فلا يخرج إليهم بشئ من القرنفل، فعلموا أن ذلك من اجل من كان نظر إليهم، ثم عادوا بعد سنين إلى ما كانوا عليه. ويقال إنه رطبا كان حلو المطعم يأكلون منه فلا يمرضون ولا يهربون، وذكر أن لباسهم من ورق شجر عندهم فهم يلحفونها ولا يعرفها الناس. وأما الجزائر فذكر بطليموس أن في البحر الاخضر سبعا وعشرين الف جزيرة عامرة وغير عامرة، منها جزيرة فيها أمة من بقايا النسناس، ولهم شجر يقال له اللوب يأكلون ثمره ويلتحفون بورقة ويأكلون لحوم الدواب البحرية وجزيرة المرجان فيها شجر المرجان في ضحضاح بين الملوحة والعذوبة وقد اطلعت رؤوسا مشعبة، فإذا سقطت إليها مراكب أخذوا من ذلك المرجان ما قدروا عليه. وجزيرة في وسطها كالضم العظيم من حجر أسود براق لا يدري ما داخله وحوله أموات وعظام كثيرة

[ 52 ]

وقد كان بعض الملوك سار إليها فلما نزل عليها وقع إلى أصحابه النعاس وخدر الاجسام، وضعفت أنفسهم، ولم يقدروا على الحركة، فبادر من حضر منهم إلى المراكب، وهلك من أخلد منهم إلى المقام والتخلف ويقال ان ذا (1) القرنين لما صار إلى الظلمة مر بجزيرة فيها أمم رؤوسهم رؤس الكلاب العظام، بادية أنيابهم يخرج من أفواههم لهب النار، يخرجون إلى المراكب فحاربوه وحاربهم وتخلص منهم، وسار فرأى نورا ساطعا فقصده فإذا هو (قد) بلغ جزيرة القصر وهذه الجزيرة في وسطها قصر مبني من البللور الصافي على شاطئ البحر، فأراد النزول بها فمنعه من ذلك بهرام فيلسوف (2) الهند، وعرفه ان من نزل إليها وقع عليه النوم وغرب (3) عنه عقله، ولم يستطع الخروج عنها حتى يهلك ويقال انه ظهر بها قوم قد صار لباسهم ورق الشجر، فسأل بهراما عن مقامهم فيها كيف امكنهم على ما ذكره، فأخبره بهرام ان بها ثمرا إذا أكلوه زال ذلك عنهم وذكروا أنه إذا كان الليل ظهر بشرافات ذلك القصر مثل المصابيح تسرج إلى الصبح ثم تخمد نهارها إلى الليل ثم تسرج ايضا وفي هذا البحر جزيرة بيضاء واسعة وبها ماء وشجر (4) وفيها قوم شقر وجوههم فيما وراءهم (5) وهم عراة، وللواحد منهم ذكر وفرج (6) امرأة


1) ب: ذي، ت: ذو. 2) في ب: بهرام فيلفوس‍. 3) ب: أخذه وعزم عنه عقله. 4) ب: ماءا وشجرا. 5) ت: وجوههم في صدورهم. 6) ت: فرجان فرج، وفرج امرأة. (*)

[ 53 ]

يتكلمون بمثل كلام الطير وطعامهم من نبات يشبه القطور (1) والكمأة ويشربون من غدران هناك. وجزيرة التنين فيها جبال وأنهار وزروع وهي عامرة وعلى مدينتهم حصن عالي، وكان تنين عظيم قد سام (2) أهلها (أقبح) سوم فيقال إن الاسكندر وصلها، وإن اهلها استغاثوا به، وذكروا عنه أنه أتلف مواشيهم حتى جعلوا له ضريبة في كل يوم ثورين ينصبوهما قرسا من موضعه، فيخرج فيبتلع الثورين ويعود إلى موضعه، ثم يعود من غد، فقال لهم أروني مكانه، فلما أصبح أقفوا الاسكندر في موضع يشرف عليه ونصبوا له الثورين فأقبل كأنه سحابة سوداء وعيناه كالبرق، والنار تخرج من جوفه فابتلع الثورين، وعاد إلى موضعه، فأمر الاسكندر بثورين عظيمين فسلخهما، ثم أمر فملئت جلودهما زفتا وكبريتا وجبسا وزرنيخا، ومزج تلك الاخلاط كلاليب حديد واجسادا، ثم نصبها في ذلك الموضع، فأقبل التنين على عادته فابتلعها ومضى لوجهه، فلم يلبث الا قليلا فاضطربت تلك الاخلاط في حلقه فخر مستلقيا لا يملك من نفسه، وفتح فاه ليستروح، فأمر الاسكندر بقطع الحديد فأحميت وجعلت على ألواح من حديد فقذفت في حلقة فمات في الوقت واستراح اهل ذلك البلد منه فرحوا لموته وانكفأوا (3) للاسكندر وحملوا إليه من طريف (4) ما عندهم. وكان فيما حلوه إليه دابة في خلق الارنب وبرها (5) اصفر يبرق كما يبرق الذهب يسمونه بتراح (6) وفي رأسها قرن واحد أسود، فإذا الاسود والسباع


1) ت: القطن. 2) ب: سام: اهلها سوم، ت: شام: أهلها اقبح شوم. 3) ت: وأظافوا - لعلها: وأضافوا. 4) ت: ظرائف. 5) في ب: شعرها. 6) في ت: نفواخ. (*) ما بينها وبين * * سقط في ت.) (*)

[ 54 ]

والطيور والوحش هربوا منها، وكذلك كل دابة تراها تهرب منها، وتفر بين يديها وفي هذا البحر جزيرة تظهر سته اشهر وتغيب شته أشهر بكل من فيها تعود إلى هيئتها، وقيل إنها جزيرة مدبرة وجزيرة ملكان، وملكان دابه عظيمة بحرية، قد استوطنت تلك الجزيرة، ولهذه الدابة رؤوس كثيرة، ووجوه مختلفة، وأنياب معقفة، وليس لها طعام إلا ما تصيده من دواب البحر وقيل انها مركب لبعض ملوك الجن من اهل البحر، لان لها جناحين إذا إقامتهما، وجمعت بين رأسيهما صارا كأنهما رف يلتبس بظل من الشمس * * وذكرتها الاوائل، وزعموا أنها بقدر الجبل، وجزيرة ملكان فيها أمة مثل خلق الانسان إلا أن رؤوسهم مثل رءوس الدواب يغوصون في البحر ويخرجون (1) بما قدروا على إخراجه من دواب البحر فيأكلونه وجزيرة صيدون، وصيدون هذا ملك وهذه الجزيرة مسيرة شهر في مثله، وكان بها عجائب كثيرة وأشجار وأنهار، وكان في وسطها مجلس على عمد مرمر ملون، وكان المجلس من ذهب مفصل بانواع الجوهر يشرف على هذه الجزيرة وقيل إن هذا الملك كان ساحرا، وكانت الجن تطوف به تعمل له العجائب فدل بعض الجن سليمان عليه السلام علية فغزاه سليمان وخرب الجزيرة وقتل اكثر اهلها، لانهم كانوا يعبدونه، وأسر منهم خلقا كثيرا وآمن به اكثرهم، واسر ابنة لصيدون لم يكن على وجه الارض في زمانها اجمل منها ولا اكمل كمالا وظرفا وحلاوة، فاصطفاها سليمان عليه السلام لنفسه وتزوجها وكانت تديم البكاء والحزن لمفارقتها لملك أبيها وغضارة نعيمها وأنس حشمها وخدمها وأهلها، فقال لها سليمان عليه السلام: ما لي اراك


1) ب: ويخرجوا. (*)

[ 55 ]

بهذه المنزلة من الحزن وانا خير لك من أبيك ملكي اجل من ملكه. قالت: اجل، ولكني إذا ذكرت كوني مع أبي وأنسي به هاج لي ذلك وجدا فلو أمرت الشياطين ان يصوروا لي صورته، فلعلي إذا رأيتها سلوت فأمر سليمان فصوروا لها صورة ابيها في مجلس يشبه، لمجلس الذي كان فيه، ويقال ان الذي صوره شيطان كان يصحب أباها، وقيل انه هو كان أشار عليها بذلك حتى سألت سليمان عليه السلام ذلك، فأمر الشياطين بعملها فكان في مقاصرها التي اسكنها سليمان عليه السلام في قصربناه لها، وقد غرس فيه بدائع الشجر وفجر الانهار في قنوات ذهب وفضة مطوقة بأصناف الجواهر على النعت الذي كان رآه لابيها في مساكنه، فعمدت إلى تلك (الصورة) فألبستها أصناف الثياب الفاخرة المنسوجة بالذهب المزينة بانواع الجواهر، وجعلت على رأسه اكليلا من الجوهر النفيس، وتوجته بتاج من ذهب منظوم بالجوهر الملون وأجلسته في صدر المجلس وجعلت حوله مخاد الديباج واوقدت بين يديه مجامرا من العود والعنبر، ونثرت عليه سحيق المسك، وفرشت بالبعد منه بحيث تحاذيه اصناف الافاويه والريحان والزعفران، وكانت تدخل عليه بكرة وعشية، فتسجد له مع جميع وصائفها وخدمها، لما كانت تصنع لابيها، وخرج الخبر واتصل بآصف بن برخيا، وكان من قراء سليمان عليه السلام وكاتبه وهو الذي كان عنده علم من الكتاب، وهو الذي احضر عرش بلقيس وكان عنده علم موضع المرأة من قلب سليمان وحبه لها فلم يدر كيف يدخل إلى تعريفه بذلك إلى أن اتجه له الامر (في ذلك) (1) فقال لسليمان يا نبي الله: اني سائلك شيئا. قال: سل. قال اني قد كبرت ولست آمن ان يفجأني الموت، وقد أردت ان اقوم مقاما اذكر فيه الانبياء واثني عليهم واصف فضائلهم، فلتأمر باحضار الناس وتجمع وجوه بني


1) عن ت. (*)

[ 56 ]

اسرائيل، فيجلسون في مراتبهم، وتنصب لي منبرا أرقي عليه واتكلم بما يمكن ان يحضرني من الكلام في النحو الذي اريد الكلام فيه ففعل سليمان عليه السلام ذلك فقام على المنبر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وأقبل يذكر الانبياء واحدا بعد واحد، فيثني على من ذكره منهم في صغره وكبره ومدة أيامه إلى أن ذكر داود، فأثنى عليه واستغفرله حتى مات، ثم ذكر سليمان فأثنى عليه في صغره خاصة ولم يذكر بشئ في كبره، ولا ذكر شيئا من أيامه بخير ولا بشر. فأحفظ ذلك سليمان ودعاه (1) لما فرغ فقال له سليمان أخبرني عنك يا آصف سمعتك ذكرت جميع الانبياء فأثنيت عليهم في ايامهم وفي جميع احوالهم، فلما بلغت ذكري أثنيت علي صغيرا وتركتني كبيرا فلم فعلت هذا ؟ فقال له ذكرت ما علمت، فلما ألح عليه قال وبما استحققت (2) أني أثني عليك في أيامك هذه ؟ فقال له وما الذي صنعت فيها ؟ قال لان غير الله يعبد في دارك منذ اربعين يوما، وما هذا جزاء نعمته عليك ولا شكر تمليكه لك ما ملكك وأباك من قبلك، فاستغفر سليمان وقال صدقت ودخل فعاقب المرأة وكسر الصنم وهرب شيطانه فظفر به بعد ذلك وحبسه ويقال إن ذلك الصنم كان يخاطب المرأة بلسان ابيها، ويقول لها قد أحسنت فيما فعلت، وكان يغويها ذلك بالسجود فعنف الله سليمان لذلك، وأخذت الجن خاتمه وخرج من ملكه، وكان يطوف في بني إسرائيل فيذكرونه، ثم سأل الله فرد ملكه وخاتمه بعد اربعين يوما، وهي عدد الايام التي سجدت المرأة فيها للصنم وقيل إن المرأة ماتت وكان ولد سليمان عليه السلام منها ومنها جزيرة الرود وهم خلق له أجنحة وشعور وخراطيم ضيقه، يمشون


1) في ب، وت: ودعا. 2) في ب استحقيت، وت: استحققت.

[ 57 ]

على رجلين وعلى اربعه ويطيرون ويعدون إلى الجزيرة، وقيل إنهم من الشياطين الاول ومنها جزيرة القاس وهو (1) دابه مامامة كالكرة تصيح صياحا شديدا ولا يدرى من أين يخرج صياحه، ويقال أنها تقيم ستة أشهر في البحر وستة أشهر يكون ظاهرا في تلك الجزيرة، ولا يعرف ما هو ولا يعرف ما هو ولا أي شئ يأكل، ولا من أي موضع يأكل. ومنها جزيرة مر بها قوم، وقد هاج عليهم البحر وعظم، فنظروا فإذا شيخ ابيض الرأس واللحية، وعليه ثياب خضر مستلق على وجه الماء، وهو يقول سبحان مدبر الامور، وعالم ما في الصدور، وألجم البحر بقدرته على أن لا يفور، سيروا بين الشمال والشرق حتى تنتهوا إلى جبال الطوق فاسلكوا وسطها تسلموا من الغرق. ففعلوا ذلك فاذاهم إلى مدينة بها أمة طوال الوجوه، معهم قضبان الذهب يعتمدون عليها، ويحاربون بها وطعامهم الموز والقسط، فأقاموا عندهم شهرا وأخذوا القضبان الذهب التي (2) عندهم، فلم يمنعوهم، ثم ساروا على ذلك السمت فخلصوا ويقال إن الرجل الذي أرشدهم الخضر عليه السلام وإن هذه الجزيرة مكانه وهي وسط البحر الاعظم وذكر بطليموس أن في بحر الشرق والصين ثلاث عشرة الف وسبعمائة جزيرة، وذكر بعضها منها جزيرة سرنديب، يقال إنها ثمانون فرسخا في مثلها، ونقول اهل الهند إن بها الجبل الذي اهبط الله تعالى عليه آدم عليه السلام تراه اهل المراكب على ايام


1) في ب، ت: وهي 2) في ب: الذي. (*)

[ 58 ]

وتذكر البراهة (1) أن عليه قدم آدم عليه السلام مغموسة وهي سبعون (2) ذراعا وأن على هذا الجبل مثل البرق ليلا ونهارا فلا يمكن احد من النظر إليه، وأن آدم عليه السلام خطا فيه إلى البحر خطوة واحدة، وهي على مسيرة يومين، وحوله ألوان الياقوت والاشياء (3) كلها وعليه اصناف العطر والافاوية، ودواب المسك. وارضه السنبادج، وفي أوديته الماس، وفي أنهاره البلور، وحوله في البحر غوص اللؤلؤ. ويتصل بها جزيرة الرامي، والرامي مدينة بالهند، وبها الكركند، وفيها البقم، وعروقه دواء من السم لساعته، وقد جربه البحريون من سم الافاعي والحيات وبها جواميس لا أذناب لها، وناس عراة في غياض لا يفهم كلامهم، وهم متوحشون من الناس، وطول الواحد منهم اربعة اشبار، وللرجل منهم فرج صغير، وكذلك المرأة. وشعورهم زغب احمر، ويتسلقون على الشجر من غير أن يستعينوا بأيديهم، وهم يلحقون المراكب سباحة وهم في سرعة الريح يبيعون العنبر بالحديد، ويحملونه في أفواههم، وبقرب من هؤلاء قوم سود، وشعورهم مفلفلة، يأكلون الناس أحياء إذا ظفروا بهم يشرحوهم تشريحا، ولهم فيها جبل طينه فضة، إذا أصابته النار ذاب ويتصل بها ارض الكافور، وهو شجر نبت بها ظل الشجرة منها مائة إنسان واكثر، تثقب الشجرة فيسيل منها ماء يملا عدة جرار، ثم يكون ذلك ماء الكافور، والكافور صمغ يخرج على اغصانها قطعا، ثم وخشبها ابيض خفيف وفي هذه الجزيرة عجائب كثيرة بحريات، وأطيار عجيبة، وغير ذلك من العجائب وجزيرة كله وهي جزيرة كبيرة يسكنها الهند، وفيها معدن الرصاص


1) ب: في البراهنة. 2) في ب: سبعين. 3) الذي في ب: وللاشباه. (*)

[ 59 ]

القلعي ومنابت الخيزران وهو عن يمينها على يومين منها. وجزيرة مالو عن، وأهلها يأكلون الناس، وبها موز كثير وكافور ونار جيل وقصب سكر وأرز. وجزيرة خاقه وبها مدينة سلاهيط وبها ملك يسير أحسن سيرة، لباسه والثياب المذهبة، وعلى رأسه قلنسوة من ذهب، مكللة بغرائب الجواهر وبها نارجيل وموز وسكر وصندل وسنبل وقرنفل. وبحذائها جبل في ذروته نار تتقد مقدار سمكها علو مائة ذراع في مثلها فهي بالليل نار، وبالنهار دخان. وجزيرة الطيب من هذه خمسة عشر يوما، من البحر، فيها من كل الاوفاويه وفي مملكة المهراج جزيرة، يقال لها فرطائيل يسمع منها الطبول والعزف والزمر وأصناف الغناء، والبحريون يقولون إن الدجال فيها، وبالقرب منها موضع في البحر يخرج منه خيل لها أعراف تجرها في الارض وجزيرة ميمونة في طريق الصين، فيها العود والكافور، ومنها إلى قماري إلى الساحل ايام يسيرة وبقماري العود القماري والصندل. وجزيرة الصندل على الساحل، وبها العود والصنفي، وهو عندهم أفضل من العود القماري، لانه يغرق في الماء لجودته وثقله، وبها بقر وجواميس وبلاد الواق وجزائها في مشارق الصين وهي كثيرة الذهب، حتى إن مقاود دوابهم وسلاحهم وسلاسل كلابهم ذهب، ويعملون القصب المنسوجة بالذهب ذات التماثيل العجيبة ومن هذه النواحي يجنى العود والمسك والآبنوس والدراصيني، وأصناف التجارات والعجائب وجزيرة الزنج وفيها أمم مختلفو (1) الاشكال والا خلاط، وملوك مختلفه


1) في ب: مختلفي. (*)

[ 60 ]

المعاني والمذاهب، وفيها أصناف من الدواب وفي بحر الزنج جزائر كثيرة يستخرجون منها الودع والحلزونات الملونة وهم يلبسونها مثل الحلى. ويدفنون انياب الفيلة، فإذا عفنت أتى تجارها من الهند السند فاشتروها منهم وفي بحر هر كند على ما ذكره بطليموس وجماعة من البحرين ألف وسبعمائة جزيرة عامرة سوى الخراب، ويملك هذه الجزائر كلها امرأة، ويقع إليها عنبر كثير، وربما وقع إليها القطعة بقدر البيت أو نحوه، وإنما يخرج هذا العنبر إذا هاجت الريح من قعر البحر رمت من تحته فقذفت به إلى السواحل. وهذه عامرة بالناس وتجارتهم الودع يأتيهم على وجه الماء وفيه روح، فيأخذون شقف النار جيل فيطرحونها على وجه البحر، فيتعلق هذا الودع بها فيأخذونه منه ويجمعونه وملك المهراج عظيم مملكته ليس في البحر بالشرق أكثر من جزائره، ولو شاء إنسان أن يركب مركبا، ويطوف بها لم يدرها في سنين كثيرة وهو بحر لا تحصى عجائبه، وعند ملوكه جميع الافاويه من الكافور والقرنفل والجوزة والبسباسة والقاقلة والكبابة والعود، وليس لغيره من الملوك ما له من العطاء ولا يشاركه في ذلك احد تتمنهم ببلاد الصين يقال إن بلاد الصين ثلاثمائة مدينة ونيف، عامرة كلها سوى القرى والاطراف والجزائر، وأبواب الصين اثنا عشر (1) بابا، وهو جبل في البحر بين كل جبلين منها فرجة وبحر يصار منه إلى موضع مدينة من مدائن الصين المعروفة الكبار وهذه الجبال التي تمر بينها المراكب مسيرة سبعة أيام فإذا جاوزت السفينة هذه الابواب صارت في بحر فسيح وماء عذب، وصارت كذلك حتى تسير إلى


1) في ب: اثنى عشر. (*)

[ 61 ]

الموضع الذي تريده من بلاد الصين. وأول مرسا تنزله خانقوا وماؤها عذب من أنهار عذبة وفي كلها أمن ومصالح وشجر وعمارة وزرع، وفي تلك الميناء (1) أودية كلها تدور [ بين ] جزيرتين في اليوم والليلة، وفي هذا المرسا اسواق وتجار وخروج ودخول، وتجارات تحط، ومراكب تذهب وتجئ. وجزيرة خلنجان فيما بين سرنديب وفلنتن ببلاد الهند فيها قوم سود عراة إذا وقع إليهم إنسان عربي (2) من غير بلادهم، علقوه من كسائه و قطعوه قطعا، وليس لهم ملك وغذاؤهم السمك والموز والنار جيل وقصب السكر، وبها آجام تنبت الخيزران، وهم عراة لا يستترون بشئ، وبقرب الصين موضع من البحر يقال له منجي وهو أخبث البحار وأكثرها رياحا وموجا ومضايقا وجبالا، تتطاير منه إلى المراكب صبيان مثل صبيان الزنج، طول أحدهم نحو خمسة أشبار يخرجون من الماء ويتواثبون إلى المراكب ويدورون فيها، ولا يؤذون أحدا ثم يعودون إلى البحر، فإذا كان ذلك منهم وظهروا كان ذلك علامة لاخبث الرياح عندهم، فيستعدون ويأخذون أهبتهم، ويخففون المراكب، ويلقون بعض ما فيها و يقطعون من الذقل ذراعا أو ذراعين إن خافوا كسرها ويقولون أيضا إنهم إذا رأوا على دور المكان سمكة يقال لها البليقة يكون منها ما طوله مائة ذراع في عرض عشرين ذراعا وينبت على ظهرها الحجارة، وربما تعرضت للمراكب فكسرتها وزعموا أنها ربما قربت من الساحل وهي لا تعلم، فتندفع بقوتها تتبع لبعض


1) في ب: الماء ودية ولعل الصواب ما ذكرناه. 2) كذا في ب، ت ولعل الصواب غريب والرسم لا يأباه. (*)

[ 62 ]

السمك هارب منها فلا تشعر الا وقد حصلت في البر بجملتها فلا يمكنها الرجوع فتهلك فإذا كان كذلك قطع لحمها وذوب في القدور فيذوب لحمها كله، ويصير دهنا ينتفع به في المراكب وغيرها وجزيرة بقرب الزنج فيها جبل يقال لها جبل النار يظهر منه بالنهار دخان وبالليل لهب نار، فلا يقدر أحد على الدنو منه. وجزيرة المدر وهم سودان ولهم مدينة لها بارند، وأهل هذا البلد يقطعون الطريق ويسبون ويقتلون. فالمراكب الصينية يعد فيها التجار السلاح والنفط، وربما كان في المراكب أربعمائة نفس من التجار وخمسمائة مقاتل، فلا يطمع فيهم، ويطمع في سواهم، وتغتال سفينتهم وجزيرة الرانج وهي جزيرة عظيمة كثيرة الاهل والزرع والتجارات ويقال إنها لما فسد من بالصين بالخوارج والهرج صارت المراكب الصينية تقصد جزيرة الرانج هذه ويقاتلون أهلها وكذلك جزائرها كلها ومدائنها. وأصبح أبواب الصين في التجارات الباب الذي يدخل منه إلى خانقوا وهو أقرب، ومن دخل من غيره بعد الطريق عليه وجزائر الرانج كثيرة منها جزيرة تعرف بسديدة، تكسيرها أربعمائة فرسخ وبها متاجر وطيب وجزيرة الرامي أيضا عامرة يقال إن تكسيرها ثمانية فراسخ فيها منابت البقم وفيها الكافور والاوفاوية وتكسيرها ثمانون فرسخا وجزيرة كله، يقال إنها النصف بين أرض الصين وأرض العرب وتكسيرها ثمانون فرسخا.

[ 63 ]

وبكله مجتمع الامتعة من العود والكافور والصندل والعاج والرصاص القلعي والآبنوس والبقم، والجهاز إليها في هذا الوقت من عمان. وجزيرة المهراج الذي هو ملك هذه الجزيرة، وهي جزيرة كبيرة في غاية العمارة والخصب. حكي عن بعض التجار الذين يوثق بقولهم أن الديكة إذا غردت بها في الاسحار تجاوبت من نحو مائة فرسخ لاتصال عمارتها، وانتظام قراها لا مفاوز فيها ولا خراب، وأن المسافر يسافر فيها بلا زاد، وينزل حيث أراد. وفي جزيرة سرنديب موضع يجتمع إليه أهليها يتدارسون فيه سريانياتهم، وقصص ملوكهم في الزمن السالف وبها صنم عظيم من ذهب مبلغ وزنه وقدر الجوهر الذي عليه مائة رطل وهو في هيكل لهم وفيها مواضع أخرى يجتمع فيها اليهود وأهل الملك يتدارسون فيها علومهم ويتكلمون في أديانهم، والملك يبيح لهم ذلك وفي هذه الجزيرة أعناب يقال لها أعناب سرنديب، والعنب واد عظيم يجوز المجتاز في هذا العنب شهرين وأكثر في رياض وغياض وهواء معتدل، والشاة عندهم بنصف درهم، وأكثر عملهم القمار بالنرد والشطرنج، ويستزير (1) الرجل المرأة بعلم أهلها وجزيرة الرانج جزيرة كبيرة واسعة، وكلما يزرع فيها من ذرة وقصب وسائر النبات فهو أسود، ولهم في جزائرهم قوم يعرفون بالمخرمين قد خرمت أنوفهم، وقد أتموا أسلحتهم ويأخذ بطرف كل سلسلة يجره ويمنعه من التقدم حتى يسفر السفراء (2) بينهم فان وقع الصلح وإلا شدت تلك السلاسل في أعناقهم


1) في ب ويستريد. 2) في ب: يصفر الصفراء والصواب ما ذكرناه. (*)

[ 64 ]

وتركوا للحرب، فلم تقم لهم قائمة، ويأكلون من وقعت عليه نهشا، ولا يزول أحدهم من مركزه دون أن يقتل وللعرب في قلوب الزنج هيبة عظيمة، فإذا عاينوا رجلا منهم سجدوا له وقالوا هذا إبن مملكة تنبت في بلادهم شجر التمر، لجلالة التمر في صدورهم ولان العرب إنما يصرفون صبيانهم بالتمر وفيهم خطباء بلغاء بألسنتهم، ومن يتعبد منهم يستتر بجلد نمر، ويأخذ بيده عصا، ويجتمع إليه الناس ويقف على رجله من أول النهار إلى الليل يخطب ويذكرهم الله تعالى، ويذكر لهم أمور من ملك منهم، ومن مضى من الملوك. وجزيرة سقطرى وبها منابت الصبر السقطري، وموضعها بين بلاد الزنج وبين بلاد العرب، وأكثر أهلها نصارى. والسبب في ذلك ان الاسكندر لما غلب على ملوك فارس وقتل فور (1) الهندي، وكان يكاتب ارسطاطاليس بما يجري من امره، ويعرفه بما وقف عليه وغلبه عليه من الممالك، وكان ارسطاطاليس يكتب إليه ويؤكد عليه في طلب جزيرة في البحر تعرف بسقطرى لان بها منابت الصبر السقطري، وبها الدواء العظيم الذي لا تتم الايارجات إلا به، وأن الجزيرة إن وجدها لا ينتقل عنها حتى يصلح عمارتها ويسكنها قوما من اليونانيين ويطوف (2) لهم بملكها والحفظ لها (3) ففعل الاسكندر ذلك، وتقدم إلى ملوك الطوائف بالاحتفاظ بها، وكان ذلك حتى بعث السيد عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم وتنصرف الروم ودخل هؤلاء في الجملة وتنصروا مع الناس فبقاياهم بها إلى هذا الوقت مع سائر من يسكنها من عندهم، وفي البحر الكبير الذي عن يمين الخارج من عمان جزائر


1) في ب: قوز. والصواب ما ذكرناه كما هو معروف في كتب التاريخ. 2) لعل الصواب ويصدق. 3) في ب: بها. (*)

[ 65 ]

كثيرة، وهي تحاذي بلاد الشجر فيها منابت اللبان، وما يتصل بذلك من ارض عاد وجرهم والتبابعة وفيها قوم من العرب وهم في هذه الجزيرة في قشعمة وضيق عيش إلى أن تتصل بعمان وسواحل اليمن فيتسع امرهم قليلا، وعيش هؤلاء من السمك ومن نبات عندهم، وربما وقع إليهم العنبر فباعوه من أصحاب المراكب. وبحر اليمن متصل ببحر البحار والقلزم، وينقطع هناك، ومن عجائب الجزائر التي في هذا البحر جزيرة يقال لها سلطا منها قوم يسمع كلامهم وضجيجهم وتصرفهم في معاشهم، ومن وصل إليهم يخاطبهم ويخاطبونه ولا يراهم، وسئلوا عن أمرهم فذكروا أنهم من الانس، وأنهم كانوا بعث إليهم نبي يقال له سافر بن جردول (1) فآمنوا به وهم على دينه. وإذا نزل الغريب إليهم جعلوا له من الزاد في ليلة ما يكفيه ثلاث ليال تمرا في نهاية الحلاوة والطيب ونارجيلا وطيورا مشوية على قدر اليمام، أطيب مضغة من اليمام، وإذا أراد من وقع عندهم الرجوع إلى أهله سيق له مركب واكثرهم لا يتجه له المسير عنهم حتى يحمل وإن لم يحملوه أقام على حاله ولم يسر إلى بلاد غيرها لطيب الموضع وكثرة الخير، وقد عرف ذلك البحريون. وجزيرة فرش، وهو شجر عرفت به الجزيرة يحمل ثمرا في خلق اللوز إلا أنه اكبر منه، يؤكل بقشره فيقوم مقام كل دواء، ومن أكل منه لم يمرض إلى موته ولم يهرم، وإن كان شعره أبيض عاد أسود، ولهذه الجزيرة ملك يمنع منها، وذكر أن بعض ملوك أهل الهند جلبه وزرعه فأورق ولم يثمر وجزيرة الدهان وهو شيطان في صورة الانسان راكب على ظهر طائر يشبه النعامة وعلى قدرها، يأكل لحوم الناس وإذا طرحهم البحر رفعهم إلى


1) الرسم يحتمل أن يقرأ: ساور بن جردل. أخبار الزمان - م (5) (*)

[ 66 ]

موضع لا خلاص لهم منه وأكلهم واحدا بعد واحد عند إرادته، ويأكلهم أحياء وحكي أن البحر حمل مركبا إلى تلك الجزيرة وقد كانوا سمعوا به، فلما أتاهم وقفوا على مركبهم ورموه وحاربوه وصبروا على قتاله، فصاح بهم صيحة سقطوا منها مغشيين على وجوههم، وجعل عبرهم إلى موضع عادته وكان فيهم رجل صالح فدعا الله عليه فهلك من حينه، وصار موضعه ذلك مطلبا لما معه من أموال الناس وأمتعتهم وجزيرة الضريف، وهي جزيرة تلوح لاصحاب المراكب فيطلبونها حتى إذا ظنوا أنهم قد قربوا منها تباعدت عنهم، وربما أقاموا كذلك أياما لا يقدرون على الوصول إليها ولا يقول أحد من أهل البحر إنه وصل إليها ولا دخلها، وهم يرون فيها شخوصا ودوابا وعمارة وشجرا وجزيرة البيدج فيها صنم من زجاج أخضر يجري من عينيه دمع على ممر الايام يقول البحريون إنه يبكي على قومه لانهم كانوا يعبدونه فغزاهم بعض الملوك فاستباهم وقتلهم وأراد كسر الصنم، فكانوا إذا ضربوه بشئ لم يعمل فيه وعاد الضرب إلى وجوههم فتركوه، وإذا دخلت الريح إلى أذنيه صفر تصفيرا عجيبا وجزيرة سرهانة، بها عمارة وشجر وأكثر أهلها أوانيهم ذهب، وثيابهم منسوجة بالذهب، وسلاحهم أعمدة ذهب، ولهم ملك متى وقع لهم من يريد الخروج بشئ منه دفعه عنه. ومن الجزائر ببلاد الغرب صقلية وهى جزيرة كبيرة دورها أكثر من خمسة عشر يوما، ومملكتها واسعة ولها جبال وأشجار وأنهار ومزارع، وهي بازاء افريقية، وبها جبل البركان لا يزال يظهر دخانه بالنهار وناره

[ 67 ]

بالليل ويطير منه في البحر شرارات، وهي حجارة سود مثقبة مثل الاسفنج (1) تطفو على الماء فتحملها الناس إلى البلاد يحكون بها في الحمامات أقدامهم وربما خرج من هذا البركان فيدخل في البحر فيحرق كلما صادف من دوابه وحيتانه، فتلقيه الامواج إلى الساحل، فلا يقدر أحد على الدنو من هذا الموضع وجزيرة سردانية، وهي جزيرة كبيرة مسيرة عشرين يوما وفيها شجر وعيون وزروع وجبال وتجارات وجزيرة أقريطش، وهي في بحر الروم، وبها جبال ومعدن ذهب وأنهار وثمار، وهي اثنا عشر يوما في ستة أيام، وفي البحر الكبير جزيرة ترى على بعد في البحر فإذا قرب منها القاصد بعدت عنه وغابت، فإذ رجع إلى الموضع الذى كان فيه رآها كما كان يراها قبل. وقيل إن بها شجرا يطلع بطلوع الشمس ولا يزال طالعا إلى نصف النهار ثم يعود إلى الانحطاط حتى تغيب الشمس، ويقول البحريون إن في ذلك البحر سمكة صغيرة يقال لها السائل إذا حملها الانسان مع نفسه أبصر الجزيرة ولم تغب عنه ودخلها، وهذا شئ عجيب ظريف وجزيرة طاوراق، وهو ملك له أربعة آلاف امرأة، ومن لم يكن له ذلك فليس بملك ويتفاخرون بكثرة الاولاد، وعندهم اشجار إذا أكلوا منها قووا على الباه قوة عجيبة وجزيرة السيارة، والبحريون مجمعون (2) عليها، منهم من يذكر أنه رآها مرارا كثيرة وليس بمسكون فيها. وهي جزيرة فيها جبال وعمارة، فإذا هبت الريح من الغرب صارت إلى الشرق، وإذا ذهبت من الشرق صارت إلى الغرب، هذا دأبها


1) في ب: الاسفنجة. 2) في ب: مجموعون. (*)

[ 68 ]

ويقال إن حجارتها خفيفة يكون الحجر العظيم الذي وزنه عندنا قناطير يزن عدة أرطال واقل من ذلك ويحمل الانسان القطعة العظيمة من الجبل. وذكر بعض اليهود لعنهم الله من أصحاب التجارات أن مركبهم انكسر بهم في بعض السنين، وان البحر طرحهم إلى جزيرة ترابها وحجارتها وكل ما فيها ذهب، فأقاموا فيها أياما لا يجدون غذاء غير السمك وهو مع كل ذلك قليل، فلما خافوا على أنفسهم التلف وكانوا مع ذلك سلم لهم زورق للمركب فجروه عندهم فأسقوه من ذلك الذهب وثقلوه بالطمع فوق ما يحمل، ثم دخلوا به البحر واجتهدوا في طلب النجاة فلم يسيروا به إلا يسيرا حتى عطب بهم الزورق وتلف الذهب ولم ينج منهم إلا بعضهم من أهل السباحة نحو مهب الريح من إلى الساحل وذكروا أن في جزائر الكافور قوما يأكلون الناس، ويأخذون رؤسهم فيجعلون فيها الكافور والطيب ويعلقونها في بيوتهم ويعبدونها، فإذا عزموا على أمر من الامور أخذوا رأسا من تلك الرؤس، فكبروا له وسجدوا بين يديه، وسألوه عما يريدونه، فيخبرهم بكل ما سألوه عنه من خير وشر. وجزيرة النساء، وهذه الجزيرة في تخوم من الصين، وحكوا عنها أنه لم يسكنها إلا النساء، وأنهن يلقحن الريح ويلدون نساء، وقيل إنهن يلقحن من الريح (1) وزعموا ان الذهب عروق عندهم مثل الخزران، وتربتها ذهب، وأنه وقع إليهن مرة رجل فهممن بقتله، فرحمته امرأة منهن وحملته على خشبة وسلمته (2) في البحر فحملته الامواج والرياح، حتى أتت به بلاد الصين فدخل إلى ملك الصين وعرفه حال الجزيرة، فوجه المراكب في طلبها، فطافت تطلبها ثلاثة أشهر فما وقعوا لها على خبر ولا أثر.


1) هكذا وقع التكرار في الاصول. 2) لعل الصواب سيبة. (*)

[ 69 ]

وجزيرة ابن أسعلاق، فيها شخص مشوه لا يدري ما هو، ذكر قوم أنه شيطان تجسد بين الجن والانس، وزعم قوم أنه خلق بحري مشوه مقارب لصورة الانسان، وانه يأكل من وقع إليه من الناس. وفي خبر ذي القرنين: ان مراكبه وقعت إلى جزيرة بيضاء نقية ذات أنهار واشجار واثمار، وفيهم خلق على خلق الانسان في الا نتصاب، رؤوسهم مثل رءوس السباع والكلاب، فلما دنوا منهم غابوا عن ابصارهم، وبوسط الجزيرة نهر شديد البياض بشاطئه شجرة عظيمة فيها من كل ثمرة طيبة لذيذة الطعم مشرقة بأنواع الالوان ورقها كالخلال (1) كبرا ولينا وحسنا، والشجرة تسير بسير الشمس من الغد والى الزوال، فإذا زالت الشمس تقلصت وانحطت، بانحطاط الشمس، وغابت بعد نبتها، وثمرها احلى من العسل والين من الزبد، وورقها اطيب رائحة من المسك، فجمعوا من ورقها كثيرا ليحملوه إلى الاسكندر، فضربوا وظهرت عليهم اثار الضرب ولم يروا من يضربهم وصيح بهم " ردوا ما قد اخذتم من هذه الشجرة ولا تتعرضوا لها فتهلكوا " فردوا ما كان اخذوه من ذلك وركبوا مركبهم وساروا ودخل الاسكندر جزيرة العباد فوجدها قفارا (2) غير حشيش فيها وغدران ووجد فيها قوما قد نهكتهم العبادة وصاروا كالحمم من سواد الالوان، فوقف بهم وسلم عليهم فردوا عليه، فقال لهم ما عيشكم في بلادكم هذه ؟ فقالوا ما يأتينا من رزق من اسماك البحر وضروب الحشيش، وما نشربه من ماء هذه الغدران، قال أفلا انقلكم إلى موضع اخصب لكم من هذا المكان، فقالوا وما نصنع به إن عندنا في جزيرتنا هذه ما نغني به عن جميع العالم، ويكفيهم لو انهم وصلوا إليه، قال: وما هو ؟ قال: فانطلقوا به إلى واد لهم يسرج من الوان الدر والياقوت فوق ما تتوهم


1) كالحلك. 2) في ب: غفارا. (*)

[ 70 ]

النفس، وأخرجوه من هناك إلى أرض واسعة كثيرة الفواكه فيها من أصناف الثمرات مالا يوجد مثله ببلد من البلدان، فقالوا له أتصل بنا إلى اكثر من هذا ؟ قال والله ولا إلى بعضه، فقالوا فهذا بين أيدينا فما نلتفت إلى شئ منه، وإنا لنؤثر الحشيش عن هذه الفواكه، فذهب أصحابه ليأخذوا من ذلك الجوهر شيئا فمنعهم، وودع القوم وانصرف إلى مركبه متعجبا منهم. وحكي أنه ذكرت له جزيرة في البحر الاخضر فيها قوم حكماء فصار إليهم فرأى قوما سرابيلهم ورق الشجر وبيوتهم الكهوف، وعليهم السكينة فسألهم عن مسائل من الحكمة فأجابوه فقال لهم سلوني ما أحببتم، فقالوا له إنا نسألك الخلد فقال أني لي به، ولا أقدر على زيادة نفس واحد في أنفاسي ! فقالوا فعرفنا بقية آجالنا، فقال أنا لا أعرف بقية أجلي، فكيف لي بمعرفة أجل غيري ! قالوا فامنحنا منحة تبقي لنا ما بقينا، فقال وهذا ما لا أبلغه لنفسي فكيف لغيري ! قالوا فدعنا نطلب ذلك ممن يقدر عليه ! وجعل الناس منهم يتطاولون بالنظر إلى عساكر الاسكندر، وكان على شاطئ البحر رجل حداد لا يرفع بصره إليه، ولا إلى شئ من عساكره فعجب الاسكندر من ذلك فأقبل عليه وقال له ما منعك من النهوض الي والنظر إلى عسكري ؟ فقال له لا يعجبني ملكك فأنظر إليه ! قال ولم ؟ قال اني عاينت قبلك ملكا لا يبلغ ملكك ملكه، وكان في جواري رجل مسكين لا يملك شيئا، فمات الملك والمسكين في يوم واحد، ودفنا في ناحية واحدة فكنت أتعاهدهما حتى بليت أكفانهما وبقيت رممهما، ثم اختلطا فجهدت أن اعرف الملك والمسكين فلم أقدر على ذلك، فهان علي كل ملك بعد ذلك. قال فصناعتك تكفيك ؟ قال انا اكسب بها ثلاثة دراهم كل يوم أنفق درهما واقضي درهما وأسلف درهما، فالدرهم الذي انفق هو مؤنتي ومؤنة عيالي

[ 71 ]

والدرهم الذي أقضيه عما يلزمني في كراء بيتي وموضع عملي، والدرهم الذي اسلفه هو الذي انفقه على ولدي لينفقه علي إذا كبرت قال أفلا تنفق ذلك على اصحابك ؟ قال هم لا يحتاجون إلى ذلك، وأنا لا أحتاج إليه، وانما يحتاج إلى ذلك من لا ينصف عن نفسه، فأما من انصف منها فلا يحتاج إلى شئ ! فعجب ذو القرنين من حكمهم وانصرف عنهم ذكر آدم عليه السلام وولده أجمع أهل الاثر أن آدم عليه السلام خلق يوم الجمعة، لست خلون من نسيان وكساه الله لباسا من ظفره، وأسجد له ملائكته فسجدو إلا إبليس وكان ملكا على الارض يصعد إلى السماء متى شاء فأبى من السجود لآدم، وقال أنا كنت خليفتك على الارض وهو من تراب كنت أطؤه، وأنا من نار وهو من طين، فلي عليه الفضل من كل جانب، وأفضله بالاجنجة التي أغشى بها اقطار الارض في اقل من لمح البصر، فلما امتنع من السجود أبلسه الله ولعنه. وخلق حواء وألبسها لباسه واسكنها الجنة لثلاث ساعات مضت من ذلك اليوم واباحهما جميع ما في الجنة الا الشجرة التي نهاهما عنها، وهي على قول اكثر اهل العلم البر، وكانت الحبة بقدر الاترجة فألقتهما الحية، وكانت من أحسن دواب الجنة، وكانت ذات قوائم. ولما رأى آدم ما أعطيه من الكرامة اشتاق إلى الخلود فطمع فيه إبليس، فاحتال حتى ادخله الجنة. فخاطب حواء فيها وقال (مانها كما ربكما عن هذه الشجرة الا ان تكونا

[ 72 ]

[ ملكين أو تكونا ] من الخالدين، وقاسمهما اني لكما لمن الناصحين) ولم يزل بحواء حتى اكلت من الشجرة واطعمت منها لآدم فأكل، فلما اكلا منها انكشف لباسهما عنهما إلى اطراف اصابعهما وبدت لهما سوآتهما، وهرب آدم في الجنة يمينا وشمالا لا يدري ما يصنع، فتعلقت به شجرة الا ترج وحبسته بناصيته ومعه حواء، فطفقا يأخذان من ورق الجنة ويستتران بها فقال الله عزوجل قد جعلت هذه الشجرة غذاء لكما ولذريتكما، يعني الشجرة التي اكلا منها عاصيين فاهبطوا جميعا انتما وابليس والحية فان بعضكم لبعض عدو. ونزع الله من الحية قوائمها فهبطوا، فكان مقام آدم في الجنة مع حواء ثلاث ساعات، مقدار مائتين وخمسين سنة من ايام الدنيا، وهو ربع يوم من أيام الآخرة الذي هو ألف سنة. فأهبط آدم على جبل سرنديب وعليه الورق المخصوف من الجنة، فلما جف الورق وذهبت رطوبته تقطع وسقط فنسفته الريح وطرحته إلى كل جهة فنبت منه بأرض الهند أنواع الطيب والافاويه، والتمر الذي لا يوجد إلا هناك، وفيه العود ودواب المسك، وحوله أصناف اليواقيت والماس، وفي بحره مغايص اللؤلؤ. وسمى الله آدم عبد الله وكناه أبا محمد وكان طويلا جعد الشعر أحسن من خلق الله تعالى، فلما نزل إلى الارض نقص من لونه وحسنه وطوله. وكان يتكلم بالعربية فحول الله عزوجل لسانه إلى السريانية، وانتزع منه ما علمه ثم رده الله سبحانه وتعالى بعد توبته إليه. وأهبط حواء على جدة وبيدها قبضة من جوهر الجنة فتناثر منه من يدها شئ فكانت الجواهر منه، ونقص أيضا من حسنها وبهائها وأهبط إبليس ومعه قبضة من النار وعصا من بعض شجر الجنة يقال إنه

[ 73 ]

العوسج ويقال إنها كانت من آس الجنة، وهي التي صارت إلى موسى عليه السلام وأنزل معه ثلاثين قضيبا من ثمار الجنة وجعلها إكليلا على رأسه، منها عشرة ظاهرة القشور وهي: الجوز واللوز والبندق والفستق والخشخاش والبلوط والقسطل وجوز الهند والرمان والموز وعشرة لها نوي وهي الخوخ والمشمش والاجاص والتمر والزعور والغبيرا والقراصيا والشاه بلوط والنبق والمقل وعشرة لا قشور لها نوى وهي، التفاح والسفرجال والكمثري والعنب والتوت والاترج والخرنوب والخيار والبطيخ والبر (1) وكان أول ما خلق الله تعالى في الارض الكمثرى وتاب الله سبحانه وتعالى على آدم عليه السلام بعد مائة سنة: أتاه جبريل عليه السلام وعلمه الكلمات، وهي لا إله إلا أنت عملت سوءا فاغفر لي وأنت خير الغافرين وقيل في طوله إنه كان يبلغ السماء فلما أهبط إلى الارض. جعل طوله مائتين وسبعين ذراعا، وعلم استخراج الحديد وسبكه وعمل الزبدة والمطرفة والكلاليب والمدية وآلات الارض وما يحتاج إليه من جميع الآلات. وعلم ما يأكله من دواب الارض، وما يجتنبه وأمر بالمسير إلى مكة، وكان موضع قدمه عمرا وما بينهما مفاوز، وأتى جدة فوجد بها حواء تبكي فقال لها هذا عملك (2). وقيل له إيت الكعبة فطفت بها، فمشى إليها فتلقته الملائكة بالابطح فقالوا له حياك الله يا آدم، لقد طفنا قبلك هذا البيت بألفي عام ولسنا بأول من حجه وعلمه جبريل عليه السلام المناسك، وأنزلت عليه إحدى عشرون


1) في الاصول: والتبر. 2) في الاصول: عملكي. (*)

[ 74 ]

صحيفة، وفرض عليه الصلاة والزكاة والاغتسال من الجنابة والوضوء، وزرع، وحصد، وطحن، وخبز، ثم قيل هذا دأبك أنت وذريتك، فقال يا رب ما بلغت هذا إلا بشق النفس فقيل له هذا بخطيئتك. وعوقبت حواء بعشر خصال، وجع العذرة، ووجع الولاة، وطول الحمل والحيض، وحزن الموت، وقناع الرأس، وملكة الرجال للنساء، وأن تكن تحت الرجل عند الجماع، والولولة عند المصيبة، ورقة القلب عند الحزن - جمع بين آدم وحواء بجمع وتعارفا وعوقب آدم بنقصان طوله، وتغير حسنه، وخوفه من السباع، وكانت تخافة، وحتم عليه وعلى ذريته بالموت، و حفظت عليه أعماله، وكلف النظر في رزقه والتعب فيه. وعوقبت الحية بقص جناحيها وعدم يديها ورجليها ومشيها على بطنها وشق لسانها، وخوفها من الناس وعدواتهم لها، وجعل من التراب غذاؤها، وإن طلبت أن تقتل أخرجت للناس لسانها. وإن آدم غشي حواء فولدت له قابيل وتوأمته قليما، وكان كذلك يولد له توأمين في كل بطن. ثم ولدت له هابيل وتوأمته لبوذا فشغل قابيل بالحرث، وشغل هابيل برعي الغنم، ثم أمره أن يزوج هابيل من أخت قابيل فضربها وقال أنا أحق بأختي منه، فأمرهما أبوهما أن يقربا قربانا فأيهما تقبل قربانه كان أحق بأخت قابيل، فرضيا بذلك. وقرب هابيل أسمن كبش كان عنده، وقرب قابيل من أرذل ما كان عنده من الغنم وكان ذلك بينهما يوم الجمعة، وجاءت النار إلى القربان، وأخذت الكبش الذي كان لهابيل، وحملته ولم تقبل قربان قابيل، فأغضبه ذلك وعزم على قتل أخيه بعد منصرفهما من منى، فلم يدر

[ 75 ]

كيف يقتله فتصور له إبليس لعنه الله في صوره إنسان، وأخذ طائرا ففشخ رأسه بحجر فقتله، وحمله معه حتى غاب عن عينه فاغتفل قابيل هابيل حتى نام عند غنمه، وهي ترعى فحمل حجرا فطرحه على رأسه فقتله فأصبح من النادمين، وطال تحسر آدم عليه السلام على ابنه هابيل وعلى الجنة فأنزل الله تعالى له خيمة من خيام الجنة من ياقوتة حمراء وضعت مكان الكعبة ولمائتين وثلاثين سنة من مهبط آدم ولد له شيث وهو هبة الله وتوأمته، فتقول أصحاب التواريخ: إنه ولد له مائة وعشرون بطنا، وأمر آدم عليه السلام بكتب الصحف، وعلم اللغات كلها، وعلم الاسماء التي قهر بها الجان والشياطين وعلم حساب الازمنة وسير الكواكب وسأل ربه أن يريه الدنيا وما يكون فيها من خير وشر، فمثلت له برا وبحرا فنظر إليها والى ملوكها وسكانها من ولده، وصور الانبياء وما يكون في العالم ويدور فيه من خير وشر إلى انقضائه ولما كثر ولده وولد ولده بعثه الله إليهم وأمره أن يأمرهم بما أمره الله به وينهاهم عما نهاه عنه، ويقال إنه أرسل وهو ابن تسعمائة سنة وسبعين سنة. ولما أراد الله سبحانه وتعالى أن يتوفاه أمره ان يسند وصيته إلى ابنه شيث ويعلمه جميع العلوم التي علم بها ففعل، وكان سبب وفاته عليه السلام أنه انصرف من الفلاحة موعوكا (1) فحم ومرض إحدى وعشرين يوما والملائكة تختلف إليه. ويقال إنه اشتهى قطفا من عنب الجنة فوجه بعض ولده يسأل له ذلك ممن لقيه من الملائكة، فلقيه جبريل عليه السلام فعزاه في ابيه وقال ارجع فان اباك قد مات. وكان سنه يومئذ تسعمائة وثلاثين سنة، وقالوا تسعمائة


1) في ب: مدعوكا وهو خطأ. (*)

[ 76 ]

وخمسين سنة بعد ما وهب لداود منها خمسين سنة وأتاه جبريل عليه السلام بكفن وحنوط من الجنة وعلم شيث كيف يغسله ويكفنه، وقيل هذه سنة لكم في موتاكم بعده، وحمل إلى غار الكنز في جبل أبي قبيس فدفن فيه، وكانت وفاته عليه السلام يوم الجمعة، ومات وولده وولد ولده أربعون ألف بيت ورفعت مع موته الخيمة الياقوت التي كانت بموضع الكعبة. وحزنت عليه حواء حزنا شديدا وبقيت بعده سنة ثم ماتت، عليه السلام والرحمة، وصلى عليها شيث ودفنها إلى جانب آدم صلى الله عليه وسلم وعلى جميع النبيين والمرسلين. ذكر شئ من أخبار ولده كان قابيل ولد آدم عليه السلام، وأول من عصا وقتل وكفر ولما قتل أخاه هرب عن ذلك الجبل بأخته وبنى قرية يقال لها خلوا وسكنها، وقابيل أول من عبد النار، وقيل إنه أشقى البرية وإن عليه نصف عذاب الخلق، وقيل إنه متى سفك دم بغير وجه حق كان شريكا لصاحبه فيه. شيث بن آدم بعثه الله إلى ولد أبيه وأنزل عليه سبعا وعشرين صحيفة عليه وعلى أبيه، وأمره ببناء البيت هو وولده بالحجاز، وأمره بالحج والعمرة، وكان أول من اعتمر، وأمر بجهاد ولد قابيل إلا أنه لا يبرح بين تهامة ومكة. وولد الانوش بن شيث عليها السلام وهو بكره ووصيه، ومن ولد أتركين (1) ابن شيث يغوث ويعوق ونسر وسواع وود، فكان هؤلاء النفر


1) لعل الصواب انوش. (*)

[ 77 ]

قوما صالحين، فلما ماتوا حزن عليهم أبناؤهم حزنا شديدا فتمثل لهم إبليس وصور لهم صورهم من المرمر، وجعلها في بيوتهم ليتذكروا (1) بها ويتأنسوا ويخف حزنهم عليهم، فلما ملكوا ونشأ غيرهم صور عندهم إبليس أنها آلهة وأن آباءهم كان يعبدونها واستهواهم فعبدوها، وكان عمر شيث سبعمائة سنة وإثنا (2) عشرة سنة، وولد له وهو ابن مائة وخمسين سنة. وأوصى إلى ابنه قينان وقد كان علمه الصحف وبين له قسمة الارض، وما يكون فيها، وأمره باقامة الصلاة وأيتاء الزكاة والحج، وبجهاد ولد قابيل ففعل ما أمره به أبوه، ومات قينان وله سبعمائة سنة وعشرون سنة. وأوصى إلى ابنه مهلايل ووصاه بما أوصاه به، وكان عمر مهلايل ثمانمائة سنة وخمسة وسبعين سنة. وأوصى إلى ابنه بوارد وعلمه الصحف وعلمه قسمة الارض، وما يحدث في العالم ودفع إليه كتاب سر الملكوت الذي علمه مهلاييل (3) الملك لآدم عليهما السلام وكانوا يتوارثونه مختوما لا ينظرون فيه. وولد لبوادر وهو ابن مائة سنة ابنه خنوخ، ويقول بعض اهل التاريخ إنه تم للعالم في وقته ألفان وستمائة سنة واربع سنين. وخنوخ هو ادريس النبي عليه السلام ونبأه الله تعالى وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله عزوجل، وسنن الدين وأنزل الله سبحانه وتعالى عليه ثلاثين صحيفة فكملت الصحف المنزلة يومئذ ثلاثين صحيفة، وعهد بوارد إلى خنوخ ورفع إليه وصية أبيه وعلمه العلوم التي كانت عنده ودفع إليه مصحف السر فلم يدفعه بعد شيث غير ادريس عليهما السلام. وفي بعض الاخبار انه أول من كتب [ من ولد ] آدم عليه السلام. وقال آخرون إنه لم يخل قط جيل ولا امة من الكتابة لان ادريس بدت


1) ليتذكرون. 2) ب: واثني. 3) في ب: وابيل. (*)

[ 78 ]

فيه النبوة وعلم عدة خطوط وامر بجمع المصاحف وتركها في الهيكل وامر بني آدم وغيرهم بدرسها، وفي بعض الاخبار انهم كانوا يلبسون القمص من فاخر الحرير والخز وغيرهما من الملونات والمنسوجات بالذهب والمنظومات بالجوهر ويلبسون التيجان. وقد كانت حواء أمرت بالنسج والمغزل، فغزلت القطن والكتان والوبر ونسجت وكست أولادها، وقد لبس آدم عليه السلام من غزل حواء. ويقال إنه لما ولد إدريس عليه السلام ضعف أمر عبادة الاصنام من أولاد قابيل، وسقط عظيم من أصنامهم الذين كانوا يعبدونه ويعتكفون عليه ويذبحون، وكان ملكهم يومئذ يمحويل، فاجتمعوا إليه ليتداولوا فيما ظهر لهم، فجاءهم إبليس في صورة شيخ قد كثر شيبه، وكان الشيب عندهم عجيبا لانهم لم يكونوا رأوه، إذ لم يكن قبل ذلك شيب ولا ظهر لهم إلا بعد نوح عليه السلام بعد الطوفان. وقيل أول من شاب إبراهيم عليه السلام، فقال يا رب ماهذا ؟ قال وقار، قال اللهم زدني وقارا. ويقال إنه أتاهم ابليس في صورة روحاني له جناحان، فقال لملكهم يمحويل إنه قد ولد الآن لمهلاييل ولد يكون عدوا للالهة وعدوا للملك، وسبب فسادها ولذلك أصابكم ما أنتم به مشغولون، فقال يمحويل فهل تقدر على هلاكه ؟ قال سأحرص على ذلك. فوكل الله بادريس ملائكة يحفظونه، فإذا أتاهم ابليس ومن معه من جنوده منعوهم منه وظهر في وقته كوكب من كواكب الذوائب أقام ظاهرا نيفا وثلاثين يوما، فجعله أبوه سالما الهيكل، وعلمه الصحف، وكان حريصا على دراستها وعلى الصوم والصلاة حتى شب فنبأه الله عزوجل على رأس أربعين سنة، فأتاه وراييل الملك يعلمه علم الفلك والكواكب وسعودها ونحوسها وصور الدرج والبروج

[ 79 ]

وقيل انه أول من نظر في النجوم بعد آدم عليه السلام. وفي التوارة ان أدريس عليه السلام احسن خدمة الله فرفعه الله تعالى إليه. ولما رأى ادريس بني قابيل في المعاصي وعبادة الاصنام سأل الله ان يرفعه إليه، وان يطهره من خطاياه فأجابه إلى ذلك، وأوحى الله إليه ان يلازم الهيكل هو وشيعته اربعين يوما وأوصى ادريس إلى ابنه متوشلخ لان الله أوحى إليه ان اجعل الوصية في ابنك متوشلخ فاني سأخرج من ظهره نبيا يرتضي فعله. فقيل انه رفع إلى السماء السابعة، وقيل إنه كانت له قصة مع ملك الموت، وقد سأل الله ان يذيقه طعم الموت، ثم سأل الله ان يريه رضوانا ويدخله الجنة، ففعل. ولم يخرج من الجنة، ورفعه الله وهو ابن مائة وخمسين سنة. وأما متوشلخ فأقام مع أخوته وبني أخيه، أمام الهيكل يعبدون الله تعالى والنقباء السبعون معهم ولما رفع الله تعالى ادريس عليه السلام كثر الاختلاف بعده والتنازع وأشاع عليه ابليس أنه هلك، وأنه كان كاهنا أراد الصعود إلى الفلك فأحرق، وحزن عليه ولد آدم المتمسكون بدينه حزنا شديدا، وأظهر ان صنمهم الاكبر أهلكه فزاد في عبادة الاصنام وتحليتها والذبائح لها، وعملوا عيدا لم يبق احد إلا حضره وكانت لهم يومئذ سبعة أصنام يغوث ويعوق ونسر (1) وود وسواع ومزية وضمر، وسنذكرها عند ذكر المتعبدات. وانقطع الوحي بعد إدريس عليه السلام، ومات اولئك النقباء، فكلما مات واحد منهم صور بنوه وأهله صورته في بيت لهم ليذكروه ويستغفروا


1) في ب: ونسرا وودا وسواعا. (*)

[ 80 ]

له، وكان متوشلخ أراد فساد تلك الصور فامتنعوا عليه، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه لمك ومعنى لمك الجامع، وعهد إليه أبوه ودفع إليه الصحف والكتب المختومة التي كانت لادريس عليه السلام، وكان عمر متوشلخ تسعمائة سنة. وانتقلت الوصية إلى لمك وهو ابو نوح عليهما السلام، وقد كان رأى أن نارا أخرجت من فيه، فأحرقت العالم ورأى وقتا آخر كأنه على شجرة في وسط بحر لا غير. ولما ولد له نوح عليه السلام ذكر العلماء والكهان ذلك ليمحويل الملك وعرفوه أن العالم يهلك في زمانه وأنه يكون طويل العمر. وقد كانوا رأوا أنه طوفان يغرق الارض، فأمر يمحويل أن يبنيا له المعاقل على رءوس الجبال، بنيانا عاليا ليتحصنوا بها، فعملوا منها سبعة معاقل بعدة الاصنام التي كانت لهم وعلى أسمائها، وزبروا عليها شيئا من علومهم ويقال إن الملك عملها لنفسه خاصة. وكبر نوح عليه السلام فنبأه الله عزوجل وهو ابن خمسين سنة وارسله إلى قومه، وكان من نعته أنه آدم رقيق البشرة، في رأسه طول، عظيم العينين رقيق الساعدين والساقين، كثير لحم الفخذين طويل اللحية عريضها، طويل، جسيم وكان حيا بعد ادريس عليهما السلام، وهو من أهل العزم من الرسل. وفي بعض الاخبار أن عمره ألف ومائتين وخمسين سنة، وأنه لبث في قومه يدعوهم إلى الايمان ألف سنة إلا خمسين عاما كما قال الله تعالى، وقال من ينكر طول الاعمار على مذهب الفلاسفة ان حياته لبنيه، وكانت شريعته التوحيد والصلاة والصيام والحج ومجاهدة اعداء الله من ولد قابيل، وأمر بالحلال ونهى عن الحرام، ولم يكن فرضت عليه احكام ولا مواريث ولا حدود، وأمر أن يدعو الناس إلى الله تعالى، ويحذرهم عذابه، ويذكرهم آلاءه.

[ 81 ]

وعلى رأس مائتي (1) سنة من عمره هلك يمحويل ملك الكفرة وملك بعده ابنه الدرمشيل، فشدد في عبادة الاصنام، وأعلى أمرها، وجمع الناس إليها، وأخذهم بالتعبد لها، فأظهر نوح عليه السلام دين الله عزوجل، وكان يدور [ في ] محالهم وأسواقهم وهيا كلهم يدعوهم إلى الله تعالى وكانوا (2) يطوون ذلك عن مليكهم، ويزجرون مع ذلك نوحا ويهددونه، ويهولون عليه، إلى أن جلت قصته، وعظم أمره، وتحاماه الناس، وتخاطبوا في أمره، إلى ان اتصل ذلك بمليكهم (3) فأحضره وانتهره، وتقدم إليه أن لا يعاود. ويقال إن الذي فعل هذا يمحويل، وإنه حبسه، وبعد ثلاث سنين من حبسه هلك يمحويل. وولي الدرمشيل، فأخرجه من الحبس، وتقدم إليه أن ينتهى عن إفساد الدين وسب الآلهة، فكان لكل صنم من أصنامهم الكبار عيد في وقت من أوقات السنة يحضرون وينحرون له ويطوفون به، فحضر عيد يغوث، فاجتمع الناس إليه من كل مكان، فأتاهم نوح عليه السلام، فقام في وسطهم وناداهم أن قولوا لا إله إلا الله، فوضعوا أصابعهم في آذانهم، وأدخلوا رؤوسهم تحت ثيابهم وسقطت الاصنام عند ندائه عن كراسيها، فوثبوا عليه فضربوه وشجوه، حتى سقط على وجهه وسحبوه إلى قصر الملك حتى ادخلوه عليه، وكان في مجلس مزخرف بأنواع الالوان، وبدائع التصاوير والاصباغ، مفروش برفيع الحرير، على سرير مصفح بالذهب، منظوم بالجوهر. فلما مثل بين يديه قال له: الم اعهد اليك وانهك عن التعرض لشئ من امور الآلهة، و [ ان ] تدعوهم إلى ما لا يعروفونه، وزاد امرك حتى سجدت


1) في ب: مائتين. 2) في ب: وكان. 3) في ب: لميلكهم. أخبار الزمان م (6) (*)

[ 82 ]

الآلهة، والقيتها عن كراسيها، ومواضع شرفها وعزها ؟ من علمك ذلك ؟ ومن اين وصل اليك ؟ فقال له نوح عليه السلام وهو مخضوب بدمائه: لو كانت آلهة لما سقطت، فاتق الله يا درمشيل، ولا تشرك بالله فانه يراك ! فقال له الملك، فكيف قدرت أن تخاطبني بهذا الخطاب ! فأمر بحبسه إلى أن يحضر عيد الصنم الآخر، فيذبحه له تقربا به إليه، وأمر برد الاصنام على كراسيها. وأن الدرمشيل رأى رؤيا هالته في أمر نوح عليه السلام، فأمر باخراجه وتخلية سبيله، وأخبرهم أنه مجنون لا حرج عليه. وكان في زمانه سويدين الكاهن فعرفهم بأمر الطوفان، وقرب زمانه، وكان يأمر بقتل نوح عليه السلام والله يعصمه منهم. فولد لنوح بعد خمسمائة سنة من عمره سام وبعده حام وبعده يام وبعده يافث، وطال أمر نوح معهم فلم يؤمن به إلا نفر يسير من العالم، وقيل له أنؤمن بك، واتبعك الارذلون (1). وقيل كانوا من أهل صنعته، وكان صلى الله عليه وسلم نجارا، ومضت لهم ثلاثة قرون، قرن بعد قرن، ونوح عليه السلام يذكرهم ويدعوهم إلى الله تعالى فلا يزدادون إلا طغيانا وعتوا و تجبرا واستكبارا، وقتل من كان اتبعه فكان يدعوهم إلى الله سبحانه فأوحى الله إليه (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) فحينئذ يئس منهم ودعا عليهم، فقال (رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا). وأمر نوح عليه السلام بعمل السفينة وقد قطع الله عن قومه النسل، وكثر عليهم القحط، وقلت عمارتهم وكانوا يستعينون على عبادتهم بأصنامهم ولا تنفعهم.


1) في الاصل: الازلون، وقد رسمناها كما وردت في القرآن الكريم. (*)

[ 83 ]

وابتدأ نوح بعمل السفينة، أقام في قطع خشبها من الساج وفي عملها ثلاث سنين، ثم صنع المسامير وأعد كل ما يحتاج إليه ونصبها في رجب، وأمر أن يجعل طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعا، وعمقها سبعين ذراعا. ويقال إنه لم يدر كيف يعملها فأتاه جبريل عليه السلام، وأمره أن يعملها على صورة الدجاجة وكانوا يهزؤن منه وهو يصنعها فيضحكون منه، ويرمونه بالحجارة وجعل بابها في جنبها، فأقامت بعد أن فرغ منها في البر سبعة أشهر إلى أن أخذ من أصحاب نوح الذين كانوا معه ثلاثة رجال فذبحوا الاصنام تقربا ليندفع عنهم القحط فيما زعموا، فحق عليهم العذاب. وأمر نوح عليه السلام أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين من جميع الحيوان، وكانت الطبقة السفلى للدواب والانعام والوحوش، والثانية للطعام والشراب، والثالثة لهم وكانوا ثمانين نفسا نوح وبنوه عليه السلام سام وحام ويافث، وأهله وناسه، وحملت الملائكة تابوت آدم عليه السلام من خشب فيه جسده، وكان معهم في السفينة، وكان التابوت بتهامة، وكان معه في السفينة (1). وركب معه المؤمنون من ولد أبيه وجده إدريس عليه السلام، فلما نزلوا من السفينة بنوا قرية وسموها سوق ثمانين، فهي اليوم تعرف بذلك هناك. ويقال أنه لما اتصل الخبر بدرمشيل، أن نوحا قد ركب السفينة وحمل زاده قال وأين الماء الذي يحملهم ؟ فركب في عدة من أصحابه وسار إلى السفينة، وقد أجمع (2) على إحراقها، فنادى نوحا عليه السلام فاستجاب له، فقال وأين الماء الذي يحمل سفينتك ؟ قال هو يأتيك في مقامك هذا، فقال وهذا أعجب، إنك تقول إنه يكون في أرض يبس ماء غمر يحمل مثل هذه السفينة، انزل منها أنت ومن معك وإلا أحرقتكم أجمعين، فقال له نوح عليه


1) هكذا وقع التكرار بالمعني في الاصول. 2) في ب: جمع، والاصح ما ذكرناه (*).

[ 84 ]

السلام ما أكثر اغترارك بالله عزوجل، فعجل الايمان، واخلع أنداد الله تعالى تسلم وترشد، وإلا فالعذاب بين يديك. فهو في محاورته إذ أتاه من أخبره أن امرأة كانت تخبز في تنور لها، فنبع الماء منه، فقال وما عسى أن يكون من ماء نبع من تنور فقال له نوح عليه السلام ويحك إنه علامة السخط، وكذلك أوحى إلي ربي وآية ذلك ان الارض تتخلخل من جميعها فأزل فرسك من موضعه، فان الماء ينبع من تحت قوائمه، فأزال الملك فرسه من موضعه، فإذا الماء ينبع من تحت قوائمه، فسار إلى موضع آخر فكان كذلك، وعادت رسله تخبره أن الماء كثر وفار، فرجع إلى داره ليأخذ أهله وولده ويمضي إلى المعاقل التي كان عملها لنفسه وقيل إن علم الطوفان كان عندهم إلا أنه لم يأت وقته. لما أراد الله تعالى وكان قد جعل في تلك المعاقل طعاما، فاراد الصعود إلى الجبال، فإذا الصخور تنحط على رؤسهم من أعلى الجبل، وانفتحت أبواب السماء بما لا يعلم قدره إلا الله تعالى من الماء، فساروا لا يدرون أين يتوجهون ويقال انه كان الماء حارا منتنا ويقال إن يام بن نوح ممن سار إلى السفينة مع الدرمشيل، فناداه أبوه (يا بني اركب معنا، ولا تكن مع الكافرين، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) مع الملك وأصحابه (قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) وقد كان رأى التنور يفور وقيل إن السفينة أقامت في الماء خمسين ومائة يوم، وقال قوم من أهل الاثر إنها أقامت أحد عشر شهرا، وقال آخرون كان الطوفان في رجب ووقفت على الجودي في المحرم وفي التوارة أن الله تعالى آلى على نفسه أن لا يعذب أمة بعدها بالغرق

[ 85 ]

وكان بين مهبط آدم عليه السلام وبين الطوفان وفور الماء أربعون يوما، فأمر نوح أن تفتح أبواب السفينة، ثم أرسل الغراب لينظر له فمضى ولم يعد إليه، فدعا عليه أن يكون مباعدا، وأن يكون رزقه في الخوف. ثم ارسل الحمامة فرجعت وقد انصبغت رجلاها بالطين، فدعا لها أن تكون إلفا لبني آدم ومنقارها ورجلاها مصبوغة من يومئذ، ولم تكن كذلك قبل ثم أرسلها بعد أيام فرجعت وفي مناقرها ورقة خضراء من الزيتون، وقيل كانت من عشب الارض. وفي التوراة أن الارض جفت في سبعة وعشرين من الشهر الحادي عشر، ولما تغيب الماء ووقفت السفينة على الجودي أوحى الله تعالى إلى نوح عليه السلام أن يخرج من السفينة هو ومن معه، فأخرج البهائم والهوام. وقالوا هم الاسد أن يعبث في السفينة فصاح به نوح عليه السلام، فألقى الله الحمى في جسده، وأن النجو آذاهم فلطم الفيل فعطس خنزيرا، فالتقط ذلك النجو [ فهو ] يعيش منه، وأن الفأر آذاهم فلطم الاسد فعطس هرا. ونزل نوح عليه السلام من السفينة وبنوه سام وحام ويافث ويحطون، وهو الذي ولد له في السفينة، ولما خرجوا ليستقروا على الارض بنوا قربة سموها سوق ثمانين فسكنوها، فقال لهم الله اكثروا واملاوا الارض واعمروها فقد باركت فيكم، ورفعت اللعنة عن الارض، وآذنت بركاتها وأخرج ثمرها وكلوا مما رزقناكم حلالا طيبا، واجتنبوا الاوثان والميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح لغير الله، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. ووجه نوح التابوت الذي فيه جسد آدم عليهما السلام إلى غار الكنز بمكة فدفن فيه. ولما كثر ولد نوح عليه السلام قسم الارض بينهم، فدب إبليس إليهم ليرمي بينهم العداوة والبغضاء فقال لبني حام ويافث إن اباكم أعطى ساما وولده خير

[ 86 ]

الارض ومنعكم منها وأعلاهم عليكم، ولم يزل بذلك فيهم حتى قتل بعضهم بعضا. فالآن نبدأ بذكر بني نوح عليه السلام وأنسابهم وتفرقهم في البلدان، وما ولد كل واحد منهم من الامم، فنبدأ بذكر حام، وبعده بذكر يافث، وبعده بذكر يحطون، وبعده بذكر سام، متصلا بالعرب والانبياء صلوات الله عليهم اجمعين. حام بن نوح عليه السلام يقول أهل الاثر إن نوحا عليه السلام دعا عليه بتشويه الوجه وسواده، وأن يكون ولده عبيدا لولد سام. فولد له بعد كنعان كوش، فكان أسود، فهم أن يقتل امرأته فمنعه سام، وذكره دعاء أبيه عليه فغضب، ونزع الشيطان بين الاخوة وحمل بعضهم على بعض، وكان آخر أمر حام أن هرب إلى مصر، وتفرق بنوه، ومضى على وجهه يؤم المغرب حتى انتهى إلى السوس الاقصى، إلى موضع يعرف اليوم بأصيلا، وهو آخر مرسى تبلغه مراكب البحر من نحو الاندلس إلى ناحية القبلة، وليس بعده للمراكب مذهب. فيقال ان بنيه اغتموا لمكانه، وندموا على تركه، فخرجوا على أثره يطلبونه في النواحي التي قصدها، فيقال ان منهم طوائف وقعت عليه، فكانوا معه إلى ان مات وقطنوا ذلك البلد وسكنوا به وهم أصناف السودان، فكل طائفة من ولده بلغت موضعا في طلبه فانقطع خبره عنهم أقاموا بذلك الموضع وتناسلوا فيه، ولم يصل إليه إلا بنوه فقط. ولما مات حام خرج بعضهم من ذلك الموضع فأقاموا بمكان البربر، وكان عمر حام أربعمائة سنة واحدى واربعين سنة.

[ 87 ]

ولما مات دفنه (1) بنوه في صخرة منقوبة في جبل أصيلا. ذكر كنعان بن حام هو أكبر ولد حام وهو أول من غير دين نوح عليه السلام، وألقى العداوة بينه وبين بني جده من الجبابرة والكنعانيين الذين كانوا بالشام، ويقال فراعنة مصر منهم، وجالوت منهم الذي قتله داود عليه السلام فهؤلاء العمالقة، لان العمالقة هم من ولد حام، ومن هؤلاء الكنعانيون الذين قاتلهم موسى عليه السلام، ويوشع بن النون (2) من بعده، وهم الذين عنى الله عزوجل بقوله (ان فيها قوما جبارين) وكانت خلقهم عظيمة. وفيما يقال ان كنعان الاصغر رتبهم في ناحية الشام والجزيرة ومن ولده فوسطن وصبرا ونهما وسمساوس، ومن ولده نبيط، والنبيط هو السواد وقيل سموا بذلك لانهم استنبطوا الارض وعمروها وكانوا اصحاب عمارة وتدبير. ومن ولد سودان بن كنعان امم منهم الاشبان والزنج وأجناس كثيرة تناسلت بالمغرب نحو سبعين جنسا، وهم مختلفون في افعالهم، ولهم ملوك. ومنهم أجناس يلبسون الجلود وهم عراة، ومنهم من يتزر بالحشيش، ومنهم قوم يعملون لرؤوسهم قرونا من عظام الدواب، وعندهم فأر ابيض يأكلونه ويسمونه من السماء. ويتزوج الواحد منهم عشرة نسوة يبيت كل ليلة عند اثنتين منهن، فان جامعهن على ما تحب وإلا طلقهن الملك بعد ثالثة. وربما اجدبوا، فإذا ارادوا ان يستسقوا جمعوا عظاما فكوموها كالتل،


1) في ب: دفنوه، وفي جائزة عربية على لغة ضعيفة. 2) المعروف في كتب التاريخ أنه يوشع بن نون. (*)

[ 88 ]

ثم اضرموها بالنار، وداروا حولها ورفعوا ايديهم إلى السماء، وتكلموا بكلام فينزل المطر ويسقوا. فإذا اعرس احدهم لطخوا وجهه بشئ يشبه الحبر، ثم اجلسوه على تل، وجلسوا على تل واجلسوا المرأة بين يديه وجعلوا قصبا مثل القبة، وستروها بشئ من الحشيش، واقاموا حولها ثلاثة ايام يشربون نبيذ الذرة ويلعبون، ثم ينصرفون ويأخذ الزوج امرأته ويسير بها إلى موضع سكناه. ويلبسون حلق النحاس في ايديهم وآذان نسائهم، ويحمل إليهم الكرداونية التي تصبغ بالحمرة يلبسونها ولا يلبسها منهم إلا الملك. ولهم شجرة عظيمة يعملون لها عيدا في كل سنة يجتمعون عندها، ويلعبون حولها حتى يسقط عليهم ورقها فيتبركون به ويزينون المرأة بحلق النحاس والودع في شعرها. ومن ولد سودان الكركر وبهم سميت المملكة، التي هي اعظم ممالك السودان وأجلها قدرا، وكل ملك لهم يعطي ملك الكركر حق الطاعة، وتنسب إلى الكركر ممالك كثيرة. ومملكة عانة وملكها ايضا عظيم الشأن، ويتصل ببلاد معادن الذهب وبها منهم امم عظيمة، ولهم خط لا يجاوزه من صدر إليهم فإذا وصلوا إلى ذلك الخط جعلوا الامتعة والاكسية علية وانصرفوا، فيأتون اولئك السودان، ومعهم الذهب فيتركونه عند الامتعة وينصرفون، ويأتي اصحاب الامتعة فإن ارضاهم وإلا عادوا ورجعوا فيعود السودان، فيزيدونهم حتى تتم المبايعة كما يفعل التجار الذين يبتاعون القرنفل من اهله سواء [ بسواء ]، وربما رجع التجار بعد زوالهم (1) مختفين فوضعوا النيران في الارض، فيسيل الذهب فتسرقه التجار. ثم يهربون لان الارض كلها ذهب عندهم ومعدن ظاهر، وربما فطنوا


1) في هامش ب: رواحهم، وفوقها اشارة إلى انها نسخة أخرى. (*)

[ 89 ]

لهم فيخرجون في آثارهم، فإن أدركوهم قتلوهم. وفي صحاريهم معادن الاشبار سسم ويكبر حتى يظهر مثل الحصى الظاهر في الرمل وكل ما يحصل للتجار من الذهب يضربونه بمدينة سجلماسة، وهي مدينة كبيرة فيها أربعة (1) جوامع وشارع يسار منه نصف يوم، وفيها نخيل كثير وفيها يضربون الدنانير. وتحت يد ملك عانة عدة ملوك وممالك كلها فيها الذهب ظاهر على الارض يستخرجه اهله، ويعملونه مثل اللبن. ومن الاجناس المشهورة (2) منهم ملك الدهدم يسار إليها من كركر على شاطئ البحر مغربا من هؤلاء ويحارب بعضهم بعضا، ويأكلون الناس، ولهم ملك كبير تحت يده ملوك، وفي بلدة قلعة عظيمة في صورة امرأة يتأهبون لها ويحجون إليها. ومملكة الزغاوة واسعة كبيرة، منها على النيل مما يحاذي النوبة، ويحاربون النوبة. ومملكة توان وهي كبيرة، ويسار فيها يوما واحدا (3) فيوجد فيها مومياء (4) في ابيار غير انها تتحرك مثل الزئبق، وهذه الآبار (5) في بقعة واحدة مقدارها نصف ميل بنوا عليها حصنا وهم يستعملون المومياء. ويقال البقعة بمغرا من الصحراء، وممالك النوبة وهم من ولد نوبا بن قوط ابن مصر بن حام لانهم لما صار جدهم إلى مصر مع مصر مات مصر وبقي بنوه فتولى امره بعده قبطم وثبت القبط بمصر، وهو من اولاد قبطم بن مصر. ووجه قبطم اخوته يسعون في البلاد لطلب ممالك وعيش، فخرج نوب بن قوط بأهله وولده وسار على عبر النيل فملكوا هنالك.


1) في ب: أربع جوامع. 2) في ب: المشهور. 3) في ب: يوم واحد. 4) في ب: موميا. 5) ب: البيار. (*)

[ 90 ]

ويقال لمدينتهم العظمى دنقله، وبلادهم بلاد نخل وزرع ومقدار اتساعها شهران، وهم نصارى على دين اليعقوبية. ويكون هؤلاء مملكة النوبة من ناحية الصعيد، وهم أوسع ملكا وأعظم خطرا وأصفى لونا، ومسيرة ملكهم ثلاثة أشهر ومدينتهم العظمى يقال لها دخلولة وهم أيضا نصارى وملكهم جليل، ولهم لباس وأساورة والذهب وأيضا عندهم يظهر على الارض، ولهم ايضا نخل وكرم وهم أجناس كثيرة ولهم ملوك وبلدهم واسع. مملكة البجة: وهي تلي النوبة وهي أيضا ممالك عديدة، وهم بين النيل والبحر وفي كل مملكة ملك، فأول ممالك البجة من حد السودان وهي آخر عمل المسلمين، والمسلمون يعملون عندهم في المعادن، ووراء ذلك ممالك ومدن. وتتصل بهم الحبشة وهم من ولد حبش بن كوش بن حام، وأكبر ممالكهم مملكة النجاشي وهو على دين النصراينة، واسم مدينتهم الكبرى كفر، ولم تزل العرب على قديم الايام تأتي هذه المملكة للتجارات. وتتصل بمملكة الحبشة مملكة الزنج، وهم على البحر المالح، ولهم ممالك واسعة، وهم من ولد سودان بن كنعان، ولهم أيضا ملوك عدة وممالك، واسم ملكهم الاكبر كوخه يكون بموضع يقال له نكد، وهو على البحر، يحدون أسنانهم حتى ترق، وهم كبار الافواه نظاف الثغور على كثرة أكلهم السمك. ولهم افيلة يبيعون انيابها من تجار البلدان التي تقرب منهم، ولهم الجزائر التي يخرج منها الودع ويتحلون به، ويبيعونه، وهم أجناس كثيرة، ولهم ممالك.

[ 91 ]

وأما الكوكة فهم أمة لهم أربعة أملاك ملكوا إلى أيلة الحجاز وبنى كل واحد منهم مدينة سماها باسمه، وجعلوا سائر الارض خيما، وقسموها على ثلاثين كورة مقسومة على اربعة أعمال لكل عمل ثمانون كورة، ولكل عمل ملك يجلس في مدينة على منبر من ذهب، وفي كل عمل بربا وهو بيت الحكمة، وهيكل لاحد الكواكب وفيه أصنام ذهب مرتبة له. وكانت الاسكندرية لهم واسمها راقودة وجعلوا لها خمس عشرة كورة (1) وجعلوا فيها كبار الكهنة ونصبوا في هياكلها من أصناف الذهب أكثر مما في غيرها، وكان بها مائة صنم من ذهب، وقسموا الصعيد ثمانين (2) كورة على أربعة اقسام. وكان عدد [ مدن ] مصر الداخلة في كورها ثلاثين مدينة فيها جميع العجائب والكور مثل اخميم وقفط وقوص والفيوم. ذكر يافث بن نوح وأما ولد يافث بن نوح فقال اصحاب التاريخ ان جميع اللغات اثنان وسبعون لغة منها سبع وثلاثون في ولد يافث: وثلاث وعشرون في ولد حام، واثنتا عشرة في ولد سام، فذكروا ان ولد يافث من ظهره سبعة وثلاثون لكل واحد منهم لغة يتكلم بها هو ونسله. وكان في قسم ولد يافث أرمينية وما جاوزها إلى الابواء، فمنهم الاشبان والروس والبرجمان والخرز والترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج وفارس ومزنان وأصحاب جزائر البحر والصين والبغار وأمم لا تحصى. ذكر يأجوج ومأجوج فأما يأجوج ومأجوج فانه لا يقدر على استقصاء ذكرهم لكثرة عددهم،


1) في ب: خمسة عشر. 2) في ب: ثمانون. (*)

[ 92 ]

وقد زعم ان مقدار ربع الارض مسيرة مائة وعشرين سنة. فذكروا أن تسعين منها ليأجوج ومأجوج واثني عشر للسودان، وثمانية للروم، وثلاثة للعرب، وسبعة لبقية الامم. وسمى أصحاب التاريخ يأجوج ومأجوج أربعين أمة مختلفي الخلق والقدود، في كل امة منها ملك ولهم زي ولغة، فمنهم من طوله الشبر والشبران وأطول من ذلك، ومنهم المشوهون، ومن يفترش إحدى أذنيه ويتغطى بالاخرى، ومن له ذنب وقرن وأنياب بارزة، ومنهم من مشية وثب ويأكلون الحيتان والناس والخشاش والطير كله والرخم والحدأة، وبعضهم يغير على بعض. ومنهم من لا يتكلم إلا همهمة وفيهم شدة وبأس، وأكثر طعامهم الصيد، وكانوا يغيرون على الامم التي تليهم ويخربون بلدانهم، حتى عمل ذو القرنين السد وهم يستفتحونه آخر الزمان كما قال الله عزوجل. وربما أكل بعضهم بعضا، والزلازل عندهم كثيرة، وذكر أن عندهم أمم تعرف المناسك. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج هل بلغتهم دعوتك ؟ فقال " جزت ليلة أسري بي عليهم فدعوتهم فلم يستجيبوا ". ذكرالصقالبة وأما الصقالبة فهم عدة أمم، فمنهم النصارى، و [ من ] يقولون بالمجوسية ويعبدون الشمس، ولهم بحر حلو يجري من ناحية الشمال إلى الجنوب، ولهم أيضا بحر يجري من المشرق إلى المغرب حتى يتصل ببحر آخر يجئ من ناحية البلغر، ولهم أنهار كثيرة، وهم كلهم في ناحية الشمال، وليس لهم

[ 93 ]

بحر مالح لان بلدهم بعيد عن الشمس، فماؤهم حلو، وما قرب من الشمس مالح، وما جاوزهم من الشمال لا يسكن لبرده وكثرة زلازلة، وأكثر قبائلهم مجوس يحرقون أنفسهم بالنار ويتعبدون لها. ولهم مدن كثيرة وبلاد، ولهم كنائس فيها أجراس معلقة يضربونها كالنواقيس. ومنهم أمة بين الصقابة والافرنج على دين الصابئين، يقولون بعبادة الكواكب، ولهم عقول وصناعات لطيفة من كل فن، وهم يحاربون الصقالبة وبرجان والترك. ولهم سبعة (1) أعياد في السنة بأسماء الكواكب، وأجلها عندهم عيد الشمس. ذكر اليونانيين وأما اليونانيون فهم الروم الاولى من ولد يونان بن يافث بن نوح وهم حكماء الامم، ولهم النجامة، والحساب، والهندسة، والطب، وصناعات المنطق، والصناعات اللطيفة، وكل حكم مذكور. وكانت الاندلس والاسكندرية ومن جاورهم من الامم يدينون بطاعتهم إلى أن غلب عليهم رومي بن ديقطون من ولد عيصو بن إسحاق بن ابراهيم عليهما السلام، لان عيصو لما فارق أخاه يعقوب سار إلى العدوة القريبة، وهي مساكن الروم اليوم فغلب عليها، وهم الذين بنوا رومية وإليهم تنسب وهم بنو الاصفر. وكان آخر ملوك اليونانين ايلاوبطره (2) بنت بطليموس صاحب كتاب


1) في ب: سبع. 2) هي كيلو بطره. (*)

[ 94 ]

الحكمة والطلسمات، ثم رجع الملك إلى الروم، وقد كان ملك قبلهما منهم كثير. ومنهم الحكماء الذين تكلموا في علم الفلك والهندسة والطب والحساب والموسيقي والمرائي العجيبة والطلسمات والحيل والروحانية والزيجات (1) وكل حكمة. وكان أبقراط منهم وأبقراط الثاني وهرمس وسقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس واقليدس وجالينوس وجماعة يطول الكتاب بذكرهم. ذكر الصين وقطع قوم من بني عامر بن يافث إلى ناحية الصين، وكان زعيمهم قد عمد إلى مراكب على حكاية سفينة جده نوح عليه السلام فركب هو وأهله وولده فيها، وقطع البحر إلى الصين، فعمروه وبنوا المدن وعملوا الحكم ودقاق الصناعات ولطيفها، وأثاروا معادن الذهب فيها، وملكوا ثلاثمائة سنة. وملك بعده ابنه صاني مائتي سنة، وبه سمي الصين، فجعل جسد أبيه في تمثال ذهب، وأقاموا يطوفون به وهو على سرير من ذهب، فصار ذلك رسم كل ملك يملكهم، وصوروا صورهم في هياكلهم، وهم على دين الصابئين ثم عبدوا الذرة، بعد ذلك اقتداء بالهند ومن ذلك عبدوا ملوكهم، وكانوا يجعلون أجسادهم في تماثيل ذهب ويسجدون لها. ومنهم حكماء تكلموا في الفلك والطب والصنعة وكثير من علوم الهند، وبلد الصين واسع يقال إن فيه ثلثمائة مدينة ونيفا عامرة سوى القرى والرساتيق وبها عجائب كثيرة، ومن خرج في البحر قطع سبعة (2) بحار


1) في ب: ولجزيات. 2) في ب: سبع. (*)

[ 95 ]

لكل بحر منها ريح ولون سمك ليس لما يليه. أولها بحر فارس وملكهم اليوم اليعقوفز وهو في مدينتهم العظمى التي يقال لها انصوا، وبينها وبين خانقوا التي تتراءى لها مراكب التجار ثلاثون يوما. ومن سيرتهم أن عمال الملك وأصحاب خراجه وجيوشه خدم، وذلك أن المرأة إذا لم تكن محصنة وأرادت الفجور رفعت أمرها إلى الملك تذكر حالها فيدفع إليها خاتم نحاس من خواتم الملك فجعلته في عنقها ولبست المصبغات، وعملت ما شاءت علانية، وإذا ولدت الذكور خصوا واستعملهم الملك في داره واعماله وان ولدت أنثى كانت على رسم امها. وأهل الصين بيض إلى الصفرة فطس، ومن سنتهم أن احدهم إذا تظلم إلى الملك من بعض عماله كشف عن أمره، فان كان صادقا أنصفه وعاتب ظالمه، وإن كان كاذبا ضرب بالخشبة ضربا شديدا لاجترائه على عمال الملك بالكذب. ومن سنتهم أنه إذا أراد خادم من خدم الملك شيئا ضرب جرس كبير يدخل الناس دورهم، ويخلون له الطرقات لئلا يرونه. ومن سنتهم ان تقسم المدينة قسمين، فيكون الملك واهل بيته وعماله وحشمه في القسم الواحد، والعامة والرعية واسواقهم في النصف الآخر، لا يدخل احد منهم إلى ناحية الملك. ومن سنتهم ان يورثوا الانثى أكثر من الذكر، ولهم عند حلول الشمس الحمل عيد كبير يأكلون فيه ويشربون سبعة أيام. واشرف حليهم من قرون الكر كند، وهو الموشان، لانها إذا استوت ظهر فيها صور عجيبة مختلفة فيتخذون منها مناطق تبلغ المنطقة اربعة آلاف مثقال من ذهب. والذهب عندهم كثير حتى يتخذون منه لجم دوابهم وسلاسل كلابهم، ولهم ثياب الحرير المنسوجة بالذهب.

[ 96 ]

ذكر الاهتردة وأما الاهتردة فهم من ولد عامر بن يافث نزلوا بين الروم والافرنج ومملكتهم واسعة، وملكهم جليل القدر ولهم مدن كثيرة وأكثرهم اليوم نصارى، ومنهم من لا دين له وهم يحاربون الافرنج والصقالبة الذين يجاورونهم ويطردونهم، وزيهم زي الروم، ومنهم صنف يحرقون أنفسهم. ذكر الافرنج وأما الافرنج فهم ايضا من ولد يافث ومملكتهم واسعة كبيرة، ولهم ممالك يجمعها ملك واحد ومدينتهم الكبرى يقال لها دريوه، وهم ايضا نصارى وهم اليوم اربع عشرة قبيلة ووراءهم اجناس اخرى وأكثر اعتدائهم إلى الصقالبة، ولهم اتساع مملكة، وهم يحاربون الروم والاهتردة، ومنهم متجر وفيهم نصارى، ومجوس وزنادقة، ومنهم من يحرق نفسه. مملكة الاندلس الاندلس اربع وعشرون مدينة يملكهم ملك واحد إلا ان دينهم دين الصائبة، ولهم في هياكلهم أصنام للكواكب ثم انصرفوا عن ذلك وتنصروا وكانت لهم معرفة، وحكم وكان في دار مملكتهم بيت إذا ولي منهم ملك أقفل على بابه قفلا، إلى ان ولي ملكهم لذريق ولم يكن من اهل الملك فطلب ان يفتح اقفال ذلك البيت وكانت عدتها اربعة وعشرين قفلا، فاجتمعوا إليه وسألوه ان لا يفعل وبذلوا له على ذلك جميع ما في أيديهم من الاموال فأبى الا فتحها، فلما رأوا منه الجد تشاءموا به وتركوه، ففتح الاقفال ودخل البيت

[ 97 ]

فوجد فيه صور العرب على الخيل والجمال، وعليهم العمائم الحمر وبأيديهم الرماح الطوال والقس وكتاب فيه " إذا فتح هذا البيت غلب على هذه البلاد قوم على صور هولاء " ففتحت الاندلس في تلك السنة والتي بعدها تولى فتحها طارق بن زياد مولى موسى بن نصير في سنة اثنتين وتسعين ايام الوليد بن عبد الملك، وقتل ملكهم لذريق وسباهم وغنم، ووجد في ذلك البيت مائدة سليمان عليه السلام وكانت من ذهب عليها اطواق جوهر مفصلة، ووجد المرآة العجيبة الغريبة التي ينظر فيها إلى الاقاليم السبعة وهي مدبرة من أخلاط، ووجد فيها آنية سليمان من الذهب، والزبور منسوخا بخط يوناني جليل بين ورقات ذهب مفصلا بجوهر، ووجد فيه اثنين وعشرين مصحفا محلاة كلها بالذهب منها التوراة ومصحفا آخر محلى بفضة فيه منافع الاشجار والاحجار، وعمل الطلسمات، وكان مصحف فيه عمل الصبغة وأصباغ اليواقيت، ووجد فيه فقاعة كبيرة من حجر مملوءة اكسيد الكيميا مختومة بالذهب، فحمل ذلك كله إلى الوليد بن عبد الملك. لما فتحت الاندلس نزلها المسلمون وتفرقوا في مدنها، وتملكوا أكثرها إلى ان صار إليها عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك في سنة ثمان وثلاثين ومائة فغلب عليها وتملكها فذريته إلى اليوم فيها. ذكر مملكة البرجان وأما البرجان فهم من ولد يونان بن يافث وهي مملكة كبيرة واسعة وهم يحاربون الروم والصقالبة والخزر والترك، وأشد [ الامم ] حربا لهم الروم. وبين القسطنطينية وبلاد برجان خمسة عشر يوما، ومملكة برجان مسيرة

[ 98 ]

عشرين يوما في ثلاثين يوما، وعلى عمل برجان كله سياج وعليه شبه الشباك من الخشب فهو كالسور على الخندق والقرى دون السياج. وأهل برجان مجوس، وليس لهم كتاب، ودوابهم التي للحرب راتعة أبدا في مرج لا يركبها أحد منهم إلا في وقت الحرب، وان وجدوا رجلا قد ركب دابة حربية في غير وقت قتلوه، وإذا خرجوا للحرب اصطفوا صفوفا فجعلوا اصحاب النشاب أمامهم، وجعلوا خلفهم جميع العيال والذرية. وليس لبرجان دنانير ولا دراهم وإنما تبايعهم وترويجهم بالبقر والغنم، وإذا وقع بينهم وبين الروم الصلح أدت برجان إلى الروم جواري وغلمانا من بني الصقالبة ومن شبههم. وإذا مات لاهل برجان ميت عمدوا إلى ما ترك من خدم وحاشية، فجمعوهم وأوصوهم بوصايا وأحرقوهم مع الميت، ويقولون نحرقهم نحن في الدنيا فلا يحرقون في الاخرة. ولهم ناووس عظيم إذا مات الميت أنزلوه فيه وانزلوا معه امرأته وحشمه فيبقون هناك حتى يموتوا. ومن سنتهم إذا أذنب عبد أو أخطأ وأراد مولاه أن يضربه انبطح من قبل نفسه ولم يمسكه أحد فيضربه مولاه ما أحب، فان قام من غير أن يأذن له مولاه وجب عليه القتل، ومن سنتهم أن يورثوا النساء أكثر من الرجال ذكر مملكة الترك وأما الترك فهم من ولد يافث بن نوح عليه السلام، وهم أجناس كثيرة،

[ 99 ]

وهم أصحاب مدن وحصون، ومنهم قوم في رءوس الجبال والبراري، في خيم اللبود، وليس لهم عمل غير الصيد، ومن لم يصد شيئا ذبح دابته وأخذ دمها وشواه، وهم يأكلون الرخم والغربان وغيرها. وليس لهم دين، ومنهم من هو على دين المجوسية ومنهم من يتهود. وملكهم الاكبر خاقان، وله سرير من ذهب وتاج ذهب ومنطقة ذهب ولباسهم الحرير، وقيل ان ملكهم الاعظم لا يكاد يظهر، وإن ظهر لم يقم بين يديه أحد، وفيهم مكر (1) وفيهم حقد، وشدة وبأس. وللملك عندهم يوم توقد لهم فيه نار عظيمة ويأتي ويقف وهو مطل عليها، ويتكلم بهمهمة فيرتفع منها وهج عظيم، فان كان إلى الخضرة كان الغيث والخصب وإن كان إلى البياض كان الجدب، وإن كان إلى الحمرة كانت هراقة الدماء، وإن كان إلى الصفرة كانت علل ووباء، وإن كان إلى السواد دل على موت الملك أو على سفر بعيد، فان كان ذلك عجل بالسفر والعودة ذكر مملكة الروم وأما الروم فهم من بني عيصو والروم لقب لهم، فلما صار الامر إلى قسطنطين قال بالنصرانية وجمع الاساقفة على المعمودية (2) ثم تفرقت النصارى بعده على الطبقات: البطريق والاسقف والقسيس والشماس والمطران والدمستق صاحب الفرق، وهم يفطرون يوم الاحد إذا صاموا، ويفطرون السبت من الظهر، ولا يتزوج الرجل عندهم الا واحدة ولا يتسرى عليها، ولا يشرب من الخمر حتى يسكر، والسكر عندهم حرام، وتعظيم الاحد عندهم، لان


1) في ب: وفيهم سحر. 2) في ب: المعمورية. (*)

[ 100 ]

المسيح قام من قبره ليلة يوم الاحد، وارتفع إلى السماء يوم الاحد بعد اجتماعه مع الحواريين. ولا يرون الاغتسال من الجنابة ولا الوضوء، وإنما عبادتهم بالنية ولا يأخذون القربان، ويقولون هذا لحمك ودمك، يعنون المسيح عيسى عليه السلام، ويعتقدون أنه ليس بلحم ولا خبز وإذا تفرقوا بعد أخذه قتل بعضهم بعضا، ولا يتكلم إذا أخذ القربان حتى يغسل فمه، ويورثون النساء جزئين والرجال جزءا، وليس لهم طلاق. ومن سيرتهم أن لا يلبس أحد منهم خفين أحمرين إلا الملك، فان كان ولي عهد لبس فردا أحمر وفردا أسود، ولا يأكل ملكهم إلا على الموسيقى والالحان والغناء، وأكثر طعامهم الكرديانات والمرققات والاستبدناجات والسكباجات. ولهم الارغن وفيهم الطب والحكمة وعمل الصناعات والحذق بالصور حتى أنهم ليصورون صورا يظهر عليها الحزن، ويصورون أخرى يظهر عليها الفرح والسرور، ويسمى ملكهم الملك الرحيم، ويظهر العدل والانصاف وهو ينوح. ذكر مملكة الفرس وأما الفرس فهم من ولد يافث بن نوح، والفرس تدفع ذلك ويزعمون أنهم لا يعرفون نوحا ولا الطوفان ولا ولد نوح، ويحسبون ملوكهم من كيومرت الاول وهو آدم. وزعموا أن الفرس كلها من ولد افريدون الملك، وزعم قوم أن أول ملك في العالم بعد الطوفان أو سبهبد بن نوح بن عامر (1) بن يافث وأنه ملكهم ألف


1) هكذا في الاصل، والمعروف أنه ابن لمك. (*)

[ 101 ]

سنة وطلع إلى الفلك. وبعده منوشهر وهذه الطبقة الاولى إلى أن غلب الاسكندر دارا بن دارا ورتب ملوك الطوائف، ثم هلكت الاكاسرة من آل أردشير بن بابك إلى انقضاء ملكهم وقد نسبهم قوم إلى سام، وبذلك جاءت الاثار. وكان دينهم دين الصابئة، ثم تمجسوا وبنوا بيوت النيران، ويقال إنه كان يكسي ملكهم بيوت النيران ويذر فيها كبريتا وزرنيخا فيستوقد من نفسه لا يستعملون الحطب لتلك النار الا أوقية أوقية بثلاثين فضة. ويقال إن [ من ] كان يريد التعبد في تلك البيوت يقعد على كرسي وبين يديه هاون حجر كبير قد جعل فيه ماء وبيده دستج خشب يضرب به الملك أبدا ويحركه بعنف شديد وقوة واجتهاد كأنه يعذبه لعبادته النار. وجميع أهل الممالك يعترفون للفرس ويقرون لهم بالرئاسة وحسن التملك وتدبير الحروب ودقيق الالوان وتأليف الطعام والطب واللباس وترتيب الاعمال ووضع الاشياء مواضعها والترتيل والخطابة ووفور العقل وتمام النظافة والشكل وهيبة الملوك، هذا كله لهم فيه السبق. ومن كتب سيرتهم استعمال من جاء من بعدهم من رسوم الملك وتدابير الرئاسة، وأمرهم أشهر من أن يستقصى في هذا المكان. ذكر مملكة خراسان فأما ملوك خراسان مثل الصغد وغيرهم من قد غلبه والاشر وسنية والبرجان وهو أهل الديلم والجبل واللد والاكراد والشماس، وما وراء النهر فقد كانت لهم ملوك عدة بطارقة اكثرهم كان يعبد النار ويتمجس. ويقال ان اردشير رأى شيطانه فقال له علمني علما انتفع به، فقال له على

[ 102 ]

أن تنكح أمك فهي أقرب اهلك، ففعل وصار دين المجوسية. والفرس تزعم أن نكاح الاخوات من وقت آدم، ثم أطلق لهم بعد ذلك زنادقتهم نكاح الام، وقالوا لهم هي أحق إليه من الاخت ففعلوا. وخلف جزيرة الصين أمم عراة ينسق لون شعورهم وأمم لا شعور لهم وأمم حمر الوجوه شقر الشعور، وأمم إذا طلعت الشمس هربوا إلى مغارات يأوون إليها من حر الشمس ولا يخرجون منها حتى تدور الشمس إلى الوجه الغربي، وأكثر ما يغتذون نباتا يشبه الكمأة وسمك وخشاش الارض، وتحاذيهم من ناحية الشمال أمم بيض شقر عراة يتناكحون كما تتناكح البهائم، ويجتمع على الواحدة الجماعة، ولا يمنع أحد من أنثى لينالها. ذكر سام بن نوح وأما سام بن نوح عليه السلام فان الله تعالى جعل له الرئاسة والكتب المنزلة والانبياء، ووصية نوح في ولده سام خاصة دون أخوته، فولد سام، أرفخشذ. وكان عمره أربعمائة سنة وخمسا وستين سنة منه، وولد أرفخشذ شالخ، وولد شالخ عابر، وعاش عابر أربعمائة سنة وثلاثين سنة. وولد عابر قحطان، وولد قحطان فالغ، وولد فالغ يعرب، وقيل إنه أول من تكلم بالعربية، وكانت لغاتهم السريانية، وولد يعرب سبأ وولد سبأ حمير، وسمى بذلك لانه كان له تاج، وكان له جوهر أحمر فإذا جلس أضاء على بعد منه، فكان يقال له الملك الاحمر، ثم غير اللفظ فقيل له حمير. وكهلان [ بعد ] حمير بن سبأ ومن كهلان كانت ملوك اليمن من التبايعة والاذوين، ومنهم كان أبرهة والاحابش، والمغاربة والانجاد.

[ 103 ]

والاذواء جماعة غزوا الامم وتجولوا في البلاد، ومنهم إفريقس الذي بلغ آخر المغرب. ذكر ابراهيم عليه السلام وأما ابراهيم عليه السلام فولد له سيدنا اسماعيل عليه السلام، وأمه [ هاجر ] القبطية واسحق وأمه سارة بنت هارون، وهو من بني حران وكانت حياة ابراهيم عليه السلام مائة وخمسا وسبعين سنة، وكان ملك بابل في وقته النمروذ من ولد كوش بن حام، فلما ان حاجه ابراهيم عليه السلام وكسر الاصنام أضرم الملك له نارا عظيمة وألقاه فيها فجعلها الله تعالى عليه بردا وسلاما، وأتت ريح فنسفت النار في وجوه الواقفين مع الملك كذلك. وخرج إلى حران فآمن به ابن أخته لوط وسارة بنت عمه. وكان خروجه وهو ابن سبع وثلاثين سنة وتزوج سارة بوحي أتاه، وخرج معه ثلاث صحف بالعبرانية وكانت لغته سريانية، وكان في الصحف أمثال وتسبيح وتهليل وتحميد، وأمر بالمسير فعبر الفرات وسار إلى مصر وسنذكر قصته في أخبار مصر. ذكر اسماعيل عليه السلام وأما اسماعيل عليه السلام فقطن الحرم ونبع له زمزم بامر الله تعالى، ونبأه الله وارسله إلى العماليق وجرهم وقبائل اليمن، فنهاهم عن عبادة الاوثان، فآمنت به طائفة منهم وكفر اكثرهم، وغلب على الحرم وتزوج في خيرهم.

[ 104 ]

وولد له اثنا عشر ولدا ومات وهو ابن مائة سنة وسبع وستين سنة، وأوصى إلى ابنه عدنان بأمر البيت، فدبر امر البيت. فمن عدنان ولد محمد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وجميع العرب العاربة من ولده. وذكر آخرون أنه من ولد قيدار بن اسماعيل، واختلفوا في ولد اسماعيل اختلافا كبيرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ بالنسب إلى معد بن عدنان، قال عدنان بن اعراق الثري. ومن اسماعيل وعدنان أمم كثيرة. حدث البلبلة كان الناس بعد الطوفان مجتمعين بمكان واحد بأرض بابل ولغتهم السريانية ثم تفرقوا فسلك قحطان وعاد وثمود وعملاق، وطسم وجديس طريقا، وألهمهم الله تعالى هذا اللسان العربي فساقتهم الاقدار إلى اليمن فسارت عاد إلى الاحقاف ونزل ثمود ناحية الحجر ونزل جديس اليمامة، ثم شخص طسم فنزل اليمامة مع جديس، ثم شخص عملاق فنزل أرض الحرم، وسار ضخم أرم فنزل الطائف، وسار جرهم فنزل مكة، فهؤلاء ولدهم ونسلهم يسمون العرب العاربة. وولد إسماعيل يسمون العرب المستعربة لانهم تعلموا منهم وتكلموا بلغتهم. ذكر عاد وأرسل الله هودا إلى عاد وهم بأحقاف الرمل وملكهم الخلجان (1) بن الوهم، وكاونوا يعبدون ثلاثة أصنام وكذبوه، فدعا عليهم فأمسك الله عنهم


1) في ب: الخلنجان. (*)

[ 105 ]

المطر ثلاث سنين فأجهدهم ذلك فوجهوا إلى مكة رجالا يستسقون لهم في الحرم. ولم تزل العرب تعظم موضع البيت، وكان موضعه بعد الطوفان ربوة حمراء، وأهله العماليق وسيدهم معاوية بن بكر، فقدم عليه وفد عاد للاستسقاء وفيهم قيل (1) بن عمرو ويزيد بن ربيعة، ونعيم بن هذال، ولقمان بن عاد، فقدموا ونزلوا على معاوية بن بكر وأقاموا عنده شهرا يأكلون ويشربون وتغنيهم الجرداتان وهما قينتان كانتا لمعاوية بن بكر، فلما طال أمرهم أشفق عليهم معاوية بن بكر لانهم أخواله وخاف عليهم، فصنع شعرا ينبههم به ويحثهم على ما قدموا له، وأمر الجاريتين فغنتاه (2): ألا يا قيل ويحك قم فهينم * لعل الله يمطرنا غماما فيسقي أرض عاد إن عادا * قد أمسوا لا يبينون الكلاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم * نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم * ولا لقوا التحية والسلاما (3) فانتبه القوم لما سمعوا الشعر ونهضوا يستسقون، فلما استسقوا نشأت لهم ثلاث سحائب بيضاء وسوداء وحمراء، ونودي قيل منها اختر لقومك قال البيضاء جهام قد فرغت ماءها، والحمراء ريح والسوداء غيث فاختارها فقيل قد اخترت رمادا رمددا لا يبقي من عاد أحدا، لا والدا ولا ولدا. فدخلت الريح على عاد من واديهم، فأقامت سبع ليال وثمانية أيام حسوما، والحسوم الدائمة حتى هلكوا عن آخرهم، وتهدمت ديارهم ولم يمنعهم جدار ولا جبل حتى هلكوا عن آخرهم، ولم يبق إلا رسمهم.


1) في ب: قنبل. 2) في ب: فغنيتاه. 3) الابيات في مروج الذهب بأطول من هذا. (*)

[ 106 ]

و [ روي أنه ] لما استسقى وفدهم بمكة، ساروا في طريقهم فنودوا في طريقهم: إن عادا قد هلكوا عن آخرهم، فاختاروا لانفسكم، فاختار قيل أن يلحق بقومه، فسار نحوهم فلقيته الريح فأهلكته، واختار مزيد برا وصدقا وكان مؤمنا بهود عليه السلام، فأعطي ما سأل. واختار نعيم حياة ألف سنة لا يمرض ولا يهرم، ولا تصيبه حاجة فأعطي ما اختار، واختار لقمان عمر سبعة أنسر فأعطي ما أختار، وكان يأخذ النسر فرخا يربيه حتى يهلك، ثم يأخذ عند هلاك ذلك فرخا آخر، فيفعل به كذلك، حتى بلغ سبعة أنسر، وكان آخرها لبد، وقد ضربت العرب به الامثال في أشعارهم قال الاعشى: ألم تر لقمان أهلكه * ما مر من سنة ومن شهر وبقي نسر كلما انقرضت * أيامه عادت إلى نسر ما مر من أمد على لبد * وعلى جميع نسوره السمر قد ابلت الايام نضرته * وأودعت لقمان في القبر وقال النابغة الذبياني: أمست خلاء وأمسى أهلها انقرضوا * أخنى عليها الذي أخنى على لبد ولما قسم نوح عليه السلام الارض بين بنيه جعل لسام وسط الارض، والحرم وما حوله واليمن إلى حضرموت إلى عمان والبحرين إلى عالج إلى طرف بلاد الهند، وكان هذا كله مدنا وقرى وحصونا وقصورا ومصانع وبساتين يتصل بعضها ببعض، إلى ان سخط الله على قوم هود فأفسد كثيرا منها. وجعل الله في ولد سام النبوة والبركة، وجعل لحام بعض الشام ومصر إلى أعالي النيل وبلاد النوبة والبجة، وأصناف السودان مع البحر الاحمر (1) إلى


1) في ب: الاخضر، وهو خطأ. (*)

[ 107 ]

بلد الحبشة والهند والقوط والسند. وقسم ليافث بلاد الترك والصين، ويأجوج ومأجوج، والصقالبة والروم وإفرنجة والاعبورة والاندلس إلى البحر المظلم، وسواحله. وجعل ليحطون صين الصين إلى بلاد الشحر إلى ناحية اليمن، فكثروا من كل جانب وانبسطوا إلى جهة بابل، وبورك فيهم فصاروا نيفا من سبعين ألف بيت على خلق عظيم إلى أن ضرب بينهم إبليس، وكانت البلبلة فافترقوا. وكان أول ملك منهم النمرود الاول بن كوش بن حام، وكان أسود أحمر العينين مشوها في جبهته كالقرن، وكان أول أسود يرى بعد الطوفان، فكان من ولده لدعاء نوح عليه السلام على ابنه حام، وذلك أن نوحا عليه السلام نام فانكشفت عورته، فرآها حام فضحك ولم يغطه، وسكت يافث، ولم ينكر عليه فصاح سام عليهما، وعلم ذلك نوح فدعا على حام أن يكون ولده سودا مشوهين عبيدا لولد سام، ودعا على يافث أن يكون ولده عبيدا لبني سام، وأن يكونوا أشرار الناس. وكان حام من أجمل البرية وأتمهم كمالا وأطيبهم ريحا، فاجتنب امرأته أن يطأها خوفا من دعوة أبيه، فلما مات أبوه غلبه ذلك على اعتقاده، فقرب منها فحملت بكوش بن حام وأخته، فلما رآهما حام فزع منهما، وأتى اخوته فأخبرهما وقال لهما قلت لامرأتي هل شيطان أو أحد غيري أتاك ؟ فقال اخوته هذه دعوة أبيك فاغتم لذلك وترك امرأته دهرا، ثم غشيها فولدت قوطا وتوأمته، فلما رأى ذلك هرب في البلاد وغاب فلم يدر أين يذهب، ولم يكن أشد تجبرا وتكبرا وعتوا من النمرود الاسود. وكان له بعض كهان فأتاه ابليس فقال له أنا كاهن من الكهان، ولم أر أحدا يعادلك في الكهانة وأنا معينك ومتمم أمرك، وجاعلك ملك الملوك،

[ 108 ]

على أن تذبح لي ولدك قربانا، وتصلي لي ثلاث صلوات فأقلدك وأكون معك، وأجعلك كاهنا كاملا تاما وأقيمك مقامي ففعل ما أمر به فأمر إبليس الشياطين بطاعته، وليكون معه، ثم أتوه بولد سام فحاربهم وعاونه إبليس فقهرهم واستعبدهم، فانقادوا له وأطاعوه فبنى له إبليس قصرا وصفحه بالذهب (1) المكللة بالجوهر تضئ ما حوله ودفع إليه سيفا يتألق نورا في رأسه ثعبان يمتد إلى من يومئ إليه فيقتله، فلما رأى (2) الناس ذلك أذعنوا له بالطاعة، ثم دعاهم إلى عبادته فأمر أن يبنى له صرح (3) من الحجارة ومن الكلس فلم يبق احد إلا عمل فيه وقال يكون حصنا لكم. وعاونته الابالسة فبنى صرحا عظيما فبلغ ارتفاعه في الجو تسعمائة ذراع، ثم هندم أعلاه بأغرب بنيان وبنى فيه مجالس على أساطين غريبة، وكان عرض كل حائط من حيطانه الاربع ألف ذراع وما بين ذلك من الطبقات جعلها كلها مخازن وملا جميعها من المال والطعام والشراب وجميع الالات وكل ما يخاف أن يحتاج إليه يوما من الدهر بما يقوم به هو وأهله مدة من الدهر طويلة، وجعل مجلسه أعلاه وأمر الناس أن يعبدوه. واتخذ صاحب خبره جنيا (4) بينه وبين الناس، فإذا رفع إليه أن أحدا امتنع عن عبادته أمر به فطرح من أعلى الصرح إلى أسفله. وزعم قوم أنه يكون على السحاب ويصعد إلى الفلك، وكان يركب عجلة منصوبة على ظهور الشياطين وينحدر منها إلى الارض ففرق الناس منه وافتتنوا به وعبده كثير منهم، وعظم أمره. واتصل بسام أنه يريد قتله، وقد عزم عليه فأخرج سام الاسماء التي علمه نوح عليه السلام إياها، وقال له


1) لعل الصواب بالمذاهب. 2) ب: رأوا. 3) ب: صرحا. 4) في ب: حبشيا. (*)

[ 109 ]

لا تدع بها إلا في مهم عظيم ففيها (1) اسم الله الاعظم، وقال: اللهم أنت الداعي لعبادك وبعينك ما هم فيه وما خرجوا من الفتنة إليه بغلبة هذا الجبار الذي قد استهوته الشياطين وانقيادهم له، وإن لم تغثهم ضلوا وهلكوا، وأنت أعلم بما يصلحهم، فاحقن دماءهم وامنع هذا الجبار منهم، وخذه بجريرته واكفنا أمره. فأمر الله عزوجل الرياح الاربع فأقبلت على ذلك الصرح من جوانبه فجعلته دكا واتبع ذلك ظلمة شديدة ورجفة عظيمة تزعزعت لها الجبال. فنهض العالم على وجوههم لا يرى بعضهم بعضا، ولا يدرون أين يتوجهون وضعفت ألسنتهم عن الكلام. وهلك اللعين عدو الله النمروذ، وهلك من كان يعبده، ومشى الناس في الظلمة هاربين ثلاثة أيام ثم لاحت لهم شعوب فيها نور يسير، فتشعب كل شعب فرقة هربت نحوه طلبا للنجاة، وتبع كل فرقة قوم يحثونهم، وهذا بلغة غير لغة الفرقة الاخرى، حتى خرجت كل فرقة إلى ناحية من الارض وقد تبلبلت ألسنتهم وكثرت لغاتهم، فإذا وصلت فرقة منهم إلى موضع ناداهم مناد " هذا موضعكم الذي تكونون فيه فاعتمروا فيه وأثمروا ". فخرج بنو سام لناحية اليمن إلى الشحر وحضرموت إلى آخر خط الاستواء، فمنهم العرب العاربة. وخرج بنو حام إلى السند والهند وبلاد أسوان (2). وخرج بنو يافث إلى الشمال،. فمنهم الروم والخزر والترك والصقالبة والافرنج، ويأجوج ومأجوج. وخرج بنو يحطون إلى الصين الاقصى وأقاصي الشرق، فنزل (3) كل قوم في موضعهم وعمروه وتوالدوا فيه إلى اليوم.


1) في ب: منها. 2) هكذا في الاصول. 3) في ب: ترك. (*)

[ 110 ]

ونذكر من أخبار آدم عليه السلام ما وقع الينا في نقله بعض الخلاف، وفي ذكره فائدة. آدم خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته على ما تقدم ذكره، وأسكنه جنته بفضله، وأهبطه بذنبه إلى الارض، وتاب عليه، وعلمه جميع العلوم، وملكه على الارض، وكثر في جميع العالم منه أفاضلهم وأشرارهم وهو أول من صام وصلى وقرأ وكتب. وكان من أحسن المخلوقين وجها، وكان أمرد أجرد، وأنزل الله تعالى عليه إحدى وعشرين صحيفة، وتوفاه الله وهو ابن سبعمائة سنة وخمسون سنة، وكان عمره الف سنة، فوهب لداود منها خمسين سنة لما عرضت عليه أعمارهم وصورهم فرأى عمر داود قصيرا. وأوصى بعده إلى ابنه شيث، وكان فيه وفي بنيه النبوة والدين والعبادة والقيام بحقوق الله تعالى وشرائعه. وأنزل الله تعالى على شيث تسعا وعشرين صحيفة، وكان مسكنه فوق الجبل وسكن ولد قابيل أسفل الوادي، وكان عمره تسعمائة سنة واثنتي عشرة سنة واستخلف ابنه أنوشا وكان عمره تسعمائة وخمسين سنة، واستخلف ابنه قينان وهو الذي كانت الوصية إليه وقسم الارض بين بني أبيه، فطاف وهو ابن تسعمائة وعشرين سنة، ودفع الوصية إلى ابنه هطيل (1) وفي وقته بنيت الكعبة، وكان عمره ثمانمائة سنة وخمسا وتسعين سنة، وأوصى إلى ابنه يرد وعلمه وضع العلوم، وأخبره بما يجري في العالم، ويحدث بنظره في النجوم، وفي كتاب سر الملوك الذي أنزل على آدم عليه السلام. وولد ليرد خنوخ وهو إدريس عليه السلام، وقد تقدم خبره مع يمحويل


1) في مروج الذهب: مهلائيل. (*)

[ 111 ]

لمللك ويقال إن يمحويل الملك بعث إلى أبيه أن يبعث إليه إدريس فامتنع، فوجه إليه جيشا فمنعه منه أعمامه. وجميع ولد شيث فلم يصل إليه، ولم يكن بعد شيث وحي، حتى نبأ الله تعالى إدريس [ عليه السلام ]. وكان عمر يرد سبعمائة وخمسين سنة، ويقال إنه أول من استوقد واستعبد وغزا بني قابيل، ونظر في علم الفلك، ووضع المكيال والميزان، وأوتي علم الطب والنجوم، وعلم الزيجات بحساب غير حساب الهند، وسأل ربه فأراه الصور الفلكية العالية. وكانت الارواح تخاطبه، وعلم أسماء الصعود والهبوط فصعد وهبط، ودار [ حول ] الفلك وعرف أشكال النجوم ووقف على مسير الكواكب، وعرف كل ما يحدث في العالم، فزبره على الحجارة وعلى الطين. وزيد مع ذلك كل العلوم والصناعات، وكانت له قصص تطول مع ملك الموت ومات ثم عاش ونظر إلى النار ودخل إلى الجنة ولم يخرج عنها. ورفع على رأس ثلاثمائة سنة من عمره، وكان يقال له هرمس باسم عطارد، وعلم ابنه صابيا الخط فقيل لكل من كتب الخط بعده صابيا. وهو الذي أخبر بالطوفان، وما يحدث في العالم ودفع الوصية، والصحف إلى ابنه متوشلخ وأمر صابيا بمعونته. وكان صابيا قد بلغ مبلغا جليلا، وعاش متوشلخ تسعمائة سنة واثنتين وثلاثين سنة. وانتقلت الوصية إلى ابنه لمك فأخذ في البحث وجمع العلوم، وأقبل على بني أبيه فجمعهم وأمرهم ونهاهم وحضهم على الجور لولد قابيل ونهاهم عن قربهم وعن الاختلاط بهم، وهو الذي رأى نارا خرجت من فيه، فأحرقت العالم.

[ 112 ]

ولما ولد له نوح عليه السلام والملك يومئذ درمشيل به يمحويل بن خنوخ ابن يحمور بن قابيل بن آدم عليه السلام، وكان قد تجبر وقهر الملوك على ما تقدم، لكنا نعيد ذكره هنا لما ورد في هذا الخبر من الزيادة والاستقصاء. وكان إبليس قد استمال الملك ودعاه إلى عبادة الكواكب ودين الصابئة، وقال له هو دين أجدادك، فأجابه وعمل له الشيطان هياكل واصناما عبدوها. ويقال إنه له يستخرج أحد من المعادن والجوهر واللؤلؤ والمرجان أكثر مما كان في وقت الدرمشيل، وكان شديدا على نوح والله تعالى يحفظه منه وعاش الملك ثلثمائة سنة. ونبأ الله تعالى نوحا عليه السلام وهو ابن مائة وخمسين سنة وأرسله إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان مائة سنة، وكان أول نبي بعد إدريس عليهما السلام. وكانت شريعته التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج وجهاد الاعداء، فدعا قومه إلى الله تعالى وحذرهم عذابه، وكلما قام فيهم ودعاهم عنفوه وحذروه وأخفوا أمره عن الملك، وكان يحضر هياكلهم وبيوت أصنامهم، فإذا قال لهم قولوا لا إله إلا الله وإني عبد الله ورسوله جعلوا أصابعهم في آذانهم وادخلوا رؤوسهم في ثيابهم تبرءا مما يقول. ولما قال لهم يوما قولوا لا إله إلا الله وقعت الاصنام على وجوهها فقاموا إليه فضربوه حتى سقط على وجهه، وعرف الملك خبره فأحضره وقال له ما هذا الذي بلغني عنك من مخالفتك لديني وما عليه بنو أبيك وسبك لالهتنا ؟ وما هذا السحر الذي اسقطت به الاصنام عن كراسيها ؟ ومن الذي علمك ذلك ؟

[ 113 ]

فقال له نوح عليه السلام لو كانت آلهة كما تزعم ما سقطت، وأنا عبد الله ورسوله فاتق الله تعالى ولا تشرك به شيئا، فانه يراك فأمر بحبسه. إلى أن يحضر عيد الاصنام فيذبحه تقربا إليه. وأمر برد الاصنام على كراسيها، وإصلاح ما تغير منها، وحان العيد وقرب فنادى في الناس أن يجتمعوا ليروا ما يصنع به، فدعا عليه نوح عليه السلام فأصابه صداع في دماغ راسه أذهب عقله، فأقام اسبوعا ثم هلك فحمل على سرير ذهب، وطيف به في هياكل الاصنام، وهم يبكون عليه ثم دفنوه، وشتموا نوحا ونالوا منه بألسنتهم كل قبيح. وولى الملك ابن الدرمشيل فأخرج نوحا من حبسه، وزعم أنه مجنون وتقدم إليه ونهاه أن لا يعود إلى ذلك الفعل فأقام إلى أن اجتمعوا في بعض أعيادهم عكوفا على أصنامهم فخرج حتى أتى جمعهم. فقال: قولوا لا إلا إله الله وإنى عبد الله ورسوله، فتساقطت الاصنام وقاموا إلى نوح عليه السلام فضربوه وشجوه وسحبوه على وجهه، ثم أتوا به الملك فقال له الملك ألم أصفح عنك، وأسرحك من حبس ابي على أن لا تعاود ؟ فقال له إني عبد مأمور بما أفعله، قال ومن أمرك ؟ قال إلهي، قال ومن إلهك قال إله السموات والارض وما فيها وخالق الخلائق اجمعين، قال وبماذا أمرك ؟ قال ادعو الناس إلى عبادته وحده، واخلع الاصنام، وأعمل بما فرضه الله تعالى من الصلاة والزكاة والصيام قال فان لم نفعل ما تقول، قال الامر إليه إن شاء اهلككم وإن شاء امهلكم، قال فاترك إلهك وما يريده وكف أنت عنا نفسك، قال ما ينبغي لي أن أكف ولا أقدر لاني عبد مأمور، فأمر بحبسه إلى ان يتقرب به إلى الاصنام.

[ 114 ]

فخرج على الملك سرنديب الكاهن الجبار، وكانت بينه وبينه حروب شغل بها عن أمر نوح عليه السلام وتشاءم بحبسه فأمر بتسريحه حتى يخلو له وجهه ثم صالح الكاهن على ناحية تركها له من عمله، وعاد إلى ما كان فيه من ملكه. وكان إبليس يحرضه على قتل نوح عليه السلام، ويزينه له فيمنعه الله تعالى منه وزاد أمر نوح عليه السلام، فوجه الملك إلى جميع ممالك الارض ليوجهوا له كل كاهن، وكل عراف لمناظرة نوح عليه السلام فشخصوا إليه من الآفاق، فناظروه فغلبهم نوح عليه السلام بالحجة والبرهان. فآمن منهم الكاهن فيملون المصري، واتبعه حتى دخل معه في السفينة، وأوحى الله تعالى إلى نوح عليه السلام ان اصنع الفلك بأعيننا، فقال كيف أصنعه ؟ فأهبط الله تعالى جبريل عليه السلام حتى أراه إياها، وأمره ان يبنيها على مثل صدر البطة فأقام في عملها عشر سنين، وعملها من خشب الساج، وجعل طولها ثلاثمائة ذراع وقيل دون ذلك، وجعل ارتفاعها من الارض خمسين ذراعا، وجعلها ثلاث طبقات كما امر. وكانوا يهزؤن منه ويضحكون، وكان الرجل منهم يأتي إليه بأبنه الصغير فيحذره منه، وربما رماه الصبيان بالحجارة فآذوه، ولما فرغ من عمل السفينة جعل بابها في جنبها، وأقامت موضوعة على الارض تسعة أشهر حتى حضر عيد لتلك الاصنام، فاجتمعوا إليه وقربوا إليه ثلاثمائة رجل ممن آمن بنوح عليه السلام، ذبحوهم بين أيديهم، فحق عليهم العذاب. وأمر الله تعالى نوحا عليه السلام أن يدخل في السفينة من كل زوجين اثنين، فقال يا رب من أين لي أن اجمع ذلك فأمر الله تعالى الرياح فحشرت إليه كلما أراد، وأمر به فأدخل فيها من كل زوجين اثنين.

[ 115 ]

وكانت السفينة ثلاث طبقات، فجعل الطبقة السفلى للبهائم والدواب والطير وجعل الوسطى لطعامهم، وجعل جسد آدم عليه السلام في تابوت فيها، وجعل العليا له ولمن دخل معه. وركب الملك إلى هيكل الاصنام فأقام فيها حينا، ثم مشى إلى السفينة، وقد علم بما شحنت فيه وعزم على حرقها، فلما وقف عليها قال يا نوح واين الماء الذي يحملها ؟ قال هو يأتيك في مكانك هذا، وأمر الملك فرميت السفينة بالنار، فرجعت عليه وعلى أصحابه فأحرقت بعضهم، وفار الماء على ما تقدم ذكره، وفتحت أبواب السماء بالمطر وحيل بينهم وبين صعود الجبال، ولم يدروا أين يتوجهون، وكانت المرأة تحمل ولدها على عنقها، فإذا لججها الغرق طرحته، فقيل لو رحم الله الكافر لرحم الصبي وأمه. وقال أصحاب النظر في الكواكب سلمت ثلاثة مواضع، لم يدخلها الطوفان ونحن لا نقول بذلك، والفرس لعنهم الله لا يقولون بالطوفان ولا بنبوة نوح عليه السلام، ونحن لا نقول بقولهم، والهند يزعمون أنه لم يكن ببلدهم من الطوفان شئ وكذلك أكثر [ سكان ] الجزائر والبحار (1) يزعمون ذلك. وقيل إن السفينة أقامت في الماء ستة أشهر، ويقال إنها سارت شرقا وغربا وأتت موضع الكعبة، وكانت معهم خرزة يعرفون بها الليل، ومواقيت الصلوات. ولما نزلوا من السفينة على ما تقدم ذكره أمرهم نوح عليه السلام بالزراعة وغرس الشجر، وتفقد الكرامة فلم يجدها، وسأل عنها فعرفه جبريل عليه السلام أن إبليس سرقها، لان له فيها شركة فاقتسمها معه، فقال نوح اعطه


1) في ب: وكذلك اكثر جزائر والتجار. (*)

[ 116 ]

منها الربع، قال لا يكفيه فزده، قال فاعطه النصف، قال لا يكفيه ولكن يكون له (1) الثلثان ولك الثلث، قال فنعم إذن قال فما طبخ من عصير الكرم بالنار حتى يذهب ثلثاه، كان حلالا لك ولذريتك، وما نقص من ذلك كان له، ولمن كان من اتباعه. وقال إبليس لنوح عليه السلام إن لك عندي يدا أرعاها لك قال وما مكافأتك ؟ قال وصية أوصيك بها، قال وما هي ؟ قال إياك والحسد والحرص والعجلة فان الحسد حملني على إن عصيت ربي، وغويت آدم حتى خرج من الجنة، والحرص حمل آدم وحواء حتى أكلا من الشجرة، فغضب الله عليهما، والعجلة التي حملتك على أن دعوت على قومك فأهلكتهم جميعا. ذكر عناق بنت آدم عليه السلام نرجع الآن إلى ما يجب ذكره من بقية أخبار آدم عليه السلام، ولدت عناق بنت آدم مفردة بغير أخ (2) وكانت مشوهة الخلق لها رأسان، وكان لها في كل يد عشر أصابع، لكل أصبع ظفران كالمنجلين الحادين. ذكرها علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: هي أول من بغى في الارض، وعمل الفجور، وجاهر بالمعاصي واستخدم الشياطين، وصرفهم في وجوه السحر. وكان الله عزوجل أنزل على آدم عليه السلام أسماء تطيعها الشياطين، وأمره أن يدفعها إلى حواء فتعلقها ععلى نفسها فتكون حرزا لها، ففعل ذلك، وكانت حواء تصونها وتحتفظ بها، فاغتفلتها عناق وهي نائمة، فاخذتها واستجلبت الشياطين بتلك الاسماء، وعملت السحر، وتكلمت بشئ من


1) في ب: لها. 2) ت: ذكر. (*)

[ 117 ]

الكهانة، وجاهرت بالمعاصي وأضلت خلقا كثيرا من ولد آدم عليه السلام، فدعا عليها آدم عليه السلام، وأمنت حواء فأرسل الله إليها في طريقها أسدا أعظم من الفيل فهجم عليها في بعض المغاور فقتلها، ومزق أعضاءها، وأراح الله آدم وحواء منها. ويقول أهل الاثر: إن عوجا الجبار [ من ] (1) ولدها: وإن الطوفان لم يغرقه ولا بلغ ماؤه إلا بعض جسده، وأنه طلب السفينة ليغرقها فأعماه الله عنها، وعمر إلى زمان فرعون، وقطع صخرة على قدر عسكر موسى عليه السلام وكان في أكثر من ستمائة الف (2)، وحملها على رأسه ليطرحها عليهم، فأرسل الله في طريقه ذلك عليه طيرا نقر ذلك الحجر حتى ثقبه، ونزل من رأسه إلى كتفيه فصار رأسه مضغوطا في الحجر فمنعه الرؤية، وتعذر عليه الحركة، وأمر الله تعالى موسى عليه السلام بقتله، وكان لموسى ايد قوية، وكانت وثبته عشرة أذرع، وطول عصاه مثلها وطوله كثيرا فوثب إليه فلم يضرب بطرف عصاه إلا عرقوبه، فسقط لثقل الحجر فقتله ووافق سقوطه عرض النيل. فأقام كالجسر يعبر الناس عليه والدواب كالقنطرة مدة طويلة. وفي حديث آخر أنهم جروه في خمسة أشهر في كل يوم ألف ثور مقرنين بعجلات مع تعاونهم عليه في كل يوم نصف ذراع حتى طرحوه في بحر القلزم. وقيل بل قطعوه قطعا وجروه إلى البحر، وقيل إن سقوطه كان في صحراء مصر فترك في موضعه وردم عليه بالصخور والرمل حتى صار كالجبل العظيم. ذكر أخبار الكهان من العرب بلغ سطيح من الكهانة ما لم يبلغه أحد، وكان يسمى كاهن الكهان،


1) في ب: هو. 2) ت: مائة الف. (*)

[ 118 ]

وكان يخبر بالغيوب والعجائب (1) فقيل [ إن ] (2) ربيعة بن نصر اللخمي رأى رؤيا هالته، فأمر بجمع الكهان وأصحاب القيافة والزجر، فلما حضروا عنده قال لهم إني رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بها، فقالوا له قصها علينا نخبرك بتأويلها، فقال ما أطمئن إلى تأويلها إذا قصصتها عليكم، ولا أصدق في تأويلها إلا من عرفها قبل أن أقصها عليه. فقال له رجل منهم: لا يفعل ذلك ويوثق بقوله إلا سطيح الذئبي وشق اليشكري، فهما أعلم، فارسل اليهما ليقدما عليك. فقدم سطيح قبل شق، وكان اسم سطيح ربيع بن ربيعة من بني ذئب بن عدي، فأكرمه ربيعة بن نصر، وقال له إني رأيت رؤيا هالتني، وأريد أن تخبرني بها وبتأويلها. فقال سطيح: أقسم بالشفق، والليل إذا غسق، والطارق إذا طرق، لقد رأيت حممة خرجت من ظلمة، فوقعت في أرض تهمة، فأكلت كل ذات جممة. قال صدقت فما تأويلها ؟ قال أحلف بما بين الحرتين من حنش، ليطأن أرضكم الحبش، وليملكن ما بين أبين إلى جرش. قال ربيعة إن هذا لغائظ موجع، فهل في زماننا ؟ قال لا بل بعده بحين اكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين، ثم تقتلون بها أجمعين، وتخرجون منها هاربين. قال فمن بلي ذلك منهم ؟ قال غلام رحب الفطرة من آل ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدا منهم باليمن. قال فما تصنع اليمن ؟ قال يملكها بعدهم [ قوم ذوو ] أخطار من رجال * (هامش) 1) ت: من الغيوب بالعجائب. 2) ت: ورأى ربيعة. (*)

[ 119 ]

أحرار، قال أفيدوم ذلك أو ينقطع ؟ قال بل ينقطع، قال ومن يقطعه ؟ قال نبي ذكي أمين قوي، يأتيه الوحي من قبل الواحد العلي: قال وممن هذا النبي ؟ قال من ولد غالب بن فهر بن مالك بن مضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال وهل للدهر من آخر ؟ قال نعم يوم انفطار السماء، والوقوف للجزاء، بالسعادة والشقاء. قال وأي يوم هو ؟ قال يوم يجمع فيه الاولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. قال أحق ما تخبرنا به يا سطيح ؟ قال نعم والشفق، والغسق، والقمر إذا اتسق، أن ما أنبأتك به لحق. ومن أخبار أيضا: أنه كان لعبد المطلب بن هاشم ماء بالطائف، يقال له ذو الهدم، فادعته ثقيف فجاؤه فاحتفروه، فمنعهم عبد المطلب فعظم خصامهم، فنافرهم عبد المطلب إلى سطيح، فخرج عبد المطلب ومعه ابنه الحارث، وخرج معه جماعة من قومه، وخرج خصمه جندب بن الحارث في جماعة من ثقيف، فلما كان في بعض الطريق نفد ماؤهم فطلبوا إلى الثقيفيين أن يسقوهم فلم يفعلوا، فنزل عبد المطلب وأصحابه، وهم لا يشكون أنه الموت، ففجر الله عين ماء عذب من تحب جرات بعير (1) عبد المطلب فشربوا واستقوا وحمد الله عزوجل عبد المطلب [ وشكره ] (2) وساروا على طريقهم فنفد ماء الثقيفيين فسألوا عبد المطلب أن يسقيهم ففعل فقال له الحارث: لان أدخل سيفي في بطني أخف علي من أن أفعل ذلك ! قال له يا بني اسقهم فان الكرم ثقيل الحمل، فسقاهم فساروا فقطعوا رأس جرادة (3)


1) في ب: من تحت جرار عبد المطلب. 2) زيادة عن ت. 3) في ب: جران. (*)

[ 120 ]

فجعلوه في خرز (1) مزادة، وعلقوه في جلد في عنق كلب لهم اسمه سوار، وكانت في عنقه قلادة لا تفارقه. فأتوا سطيحا فلما دخلوا عليه قالوا إنا أتيناك سائلين، قال فماذا تسألون ؟ قالوا نسأل عن شئ قد خبأناه، ونحتكم عندك في شئ وقع التخاصم بيننا فيه، فقال خبأتم رأس جرادة في خرز مزادة في عنق سوار ذي القلادة، قالوا صدقت فأخبرنا عما اختصمنا فيه اليك، قال احلف بالضوء والظلم، والبيت ذي الحرم، أن الدفين ذا الهدم، لهذا العربي ذي الكرم، فانصرفوا وقد قضى لعبد المطلب. ومن أخباره أن كسرى ابرويز (2) لما رأى في نومه كأنه سقط من قصره ست عشرة (3) شرفة ارتاع لذلك، فوجه إلى الموبذان فعرفه بذلك، وقال إن ذلك قد هالني وأفزعني. قال الموبذان: أيها الملك عسى أن يكون خيرا، وإني أيها الملك كنت أرى البارحة ان النيران قد خمدت، وقلعت بيوتها وهلك سدنتها وقد اغمني ذلك، وكنت عزمت على أن لا أخبر الملك حتى يوجه إلي فأتيته (4). قال كسرى فما الداعي ؟ قال الموبذان قد بلغني ان بأرض العرب كاهنا يقال له سطيح، يخبر بما يكون قبل كونه، فلو أرسل إليه الملك رسولا يسأله عن ذلك، فلعله أن يخبره بالجواب فيه. قال كسرى ومن لنا بحصيف ينفذ في ذلك ؟ وكان على باب الملك فيمن وفد عليه من العرب رجل، يقال له عبدالمسيح من رهط سطيح، فأشار به الموبذان على كسرى، فأحضره ولم يخبره بما رآه، وقال انطلق إلى سطيح، فاسأله عن رؤيا رأيتها، فإذا اخبرك بها، فاسأله أن يخبرك بتأويلها،


1) في ت: جلد. 2) في ب: اجرويز وهو خطأ. 3) في ب: ستة عشر. 4) لعل الصواب فأنبئه. (*)

[ 121 ]

فإذا أخبرك فارجع مسرعا ولا تتخلف، قال أفعل ايها الملك، فأمر له بمال وجائزة، وحمله جائزة إلى سطيح. فركب عبدالمسيح راحلته، ومضى مبادرا يقطع المفاوز والفيافي، حتى لحق مكان سطيح بعد ايام، فلما بلغ بيته وجده عليلا لما به فوقف عليه وسلم [ وجعل يرتجز ويقول ليسمعه: اصم ام يسمع غطريف اليمن * يا فاصل الخطة اعيت من ومن من ابيات ] (1) قال سطيح [ مجيبا له ] عبدالمسيح، على جمل فسيح، أوفى على سطيح، وقد أشفى على الضريح، يسأل عن ارتجاج الايوان، ورؤيا الموبذان، وخمود النيران. قال: فالتأويل يا سطيح ؟ قال: تنقضي أيامهم، وتنقطع آثارهم، وتملك العرب ديارهم، عند ظهور صاحب التلاوة، والقضيب والهراوة. قال: ومتى ذلك يا سطيح ؟ قال: إلى أن يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وقبل ذلك ينقضي امر سطيح ويواريه الضريح، ولا يصلح [ له ] فيها قرار. وقد روي [ هنا ] الكلام على غير هذا النوع واكثر منه كلاما (2) فرجع عبدالمسيح إلى كسرى، وقد دعى كلامه، فعجب كسرى وسره وقال: إلى أن يلي منا ستة عشر ملكا يكون سعة لدفع الهم، ولعل ذلك لا


1) زيادة عن ت. 2) عبارة ت: عبدالمسيح، على حمل مسيح، يسأل عن خمود النيران، رؤيا الموبذان وسقوط الايوان، لاخبر بالبرهان، أما عدد الشرفات فيلي مثلها ملوك وملكات وخمود النيران ينقضي ملكهم على الزمان، وذلك عند ظهور صاحب التلاوة أمر والقضيب والهراوة، فتنقضي آثارهم، وتملك العرب ديارهم، وهناك ينقضي سطيح، ويواريه الضريح، ولا تكون الدنيا له بدار ولا يقر به فيها قرار، وقد يروون هذا الكلام على غير هذا السجع. (*)

[ 122 ]

يكون، فرأى الملك منهم تلك العدة في سنين قليلة حتى انقضى ملكهم في خلافة عثمان رضي الله عنه (1). وقيل إن الرؤيا كانت ليلة مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال إن سطيحا عاش أربعمائة سنة. وأما شق الاول، وهو شق بن حويل بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، فهو اول كاهن في العرب العاربة، وارم ابو الجبابرة من عاد وثمود وطسم وجديس وغيرهم، ويقال إنه كانت له عين واحدة في جبهته، ويقال إنه [ كان ] يشق وجهه نار. ويقال ان الدجال من ولده، ويقال إنه هو الدجال بعينه، أنظره الله إلى وقته، وهو محبوس في بعض جزائر البحر. وفي حديث تميم الداري انه خرج في بعض الاسفار فوقع إلى جزيرة، فرآه وخاطبه، وسأله عن ظهوره، وانه وجده مغلولا، مشدودا إلى صخرة، وأن الشياطين تأتيه بما يأكله، على ما يقول. وفي خبر آخر أنه لا يحتاج إلى الغذاء، ورآه تميم الداري، وله عين واحدة، وحدث بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يرويه عنه فيقول: حدثني تميم الداري، ويذكر طرفا من خبر الدجال. ويقال إن أمه امرأة من الجن عشقت أباه حويلا، فتزوجته فأولدها الدجال وهو خوص بن حويل، وكان مشوها مبدلا، وكان إبليس يعمل له العجائب، فلما كان وقت سليمان عليه السلام دعاه فلم يجبه، فحبسه في جزيرة في البحر. وقيل إن أباه استهوته الشياطين لما كانت أمه منهم، وانه من مدينة ماريول التي غلبت عليها الجن، وهي من مدائن المغرب، وأن الجن في طاعته.


1) ت: عمر رضي الله عنه. (*)

[ 123 ]

ويقال إن خوصا هذا كان يحضر السارق فيأمره برد ما سرق، فان فعل وإلا صار حية فيلتوي في عنقه فيقتله، وقيل أنه ربما خاطبهم ولا يرونه، وكان إذا حكم على أحد فلم يرض حكمه بصبص (1) أحذقته في احدى عينيه فرده أعور. وقيل إن مجلسه كان في قبة بوادي برهوت في اليمن، وكانوا يحجون إليه، وقيل انه لم ينم قط، وانهم كانوا يرون فوق عينيه نارا بيضاء، وكذلك عن الموضع الذي هو فيه مسجون انه يعلوه بالليل نار مضيئة، وبالنهار دخان. وأما شق اليشكري وكان حكيم العرب في الجاهلية، وقد كان ربيعة بن نصر لما رأى رؤياه وجه إلى شق وسطيح، فأتاه سطيح قبل شق، وكان من جوابه ما قدمنا ذكره في أخبار سطيح، فلما قدم عليه شق قال له: يا شق اني رأيت رؤيا هالتني فما هي ؟ وكتمه قول سطيح، فقال له شق رأيت حممة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روض وأكمة فأكلت كل ذات نسمة، قال: صدقت فما تأويلها ؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من انسان، ليطأن (2) أرضكم السودان، وليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران. قال: أيكون في زماننا هذا ؟ قال: بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم عظيم ذو شان، قال: وممن هو هذا العظيم ؟ قال: غلام من بيت ذي يزن، فلا يترك احدا منهم باليمن، قال: فهل يدوم ذلك ؟ قال: بل ينقطع برسول يرسل، يأتي بالعدل بين اهل الدين والفضل، يكون الملك فيهم إلى يوم الفصل، قال: وما يوم الفصل ؟ قال: يوم يدعى من السماء بدعوات، يسمع


1) في ب: فضض. 2) في ت: ليهبطن. (*)

[ 124 ]

بها الاحياء والاموات، ويجمع الخلق فيه للميقات، يكون فيه لمن آمن الخير والخيرات، ولمن كفر الويل والترحات، قال: أحق ما تقول يا شق ؟ قال: اي ورب السماء والارض، وما بينهما من رفع وخفض، أن ما أنبأتك به لحق محض، ما فيه كذب ولا نقض، فأجازه ربيعة بجائزة سنية، ووصله وصرفه. خبر اليمامة الزرقاء وهي صاحبة جو واليمامة، سميت بها، وصاحبة البحرين، وقيل ان امها كانت كاهنة، وكان لها رئي (1) من الجن وهي من جديس، وكانت جديس وطسم بمكان فغلبت طسم على جديس، وملك الجميع عملوق بن الطسم، وكان يفترع النساء قبل زواجهن، فاحتالت جديس عليه فقتلوه وقتلوا كثيرا من طسم فاستنصرت بقايا طسم بحسان بن تبع الحميري، فغزا جديسا طالبا بثار طسم. وكانت اليمامة الزرقاء وعينها الواحدة اكبر من الاخرى، فإذا اغلقت الكبرى ابصرت بالصغرى على الفراسخ الكثيرة والامد البعيد، وقيل انها كانت [ ترى ] (2) فلك القمر، فتخبر عنه بأشياء عجيبة. وقد كان اتصل بجديس استنصار طسم بحسان بن تبع الحميري، فقطنوا وقالوا لليمامة: انظري فنظرت، وقالت: اقسم بمهب الرياح، والآكام والبطاح، والمساء والصباح، ليأتين من حمير [ الجيش ] الرداح، والخيل والسلاح، فلا ترون من بعدها فلاح. فلما اصبحوا في اليوم الثاني قالوا لها: انظري فنظرت، وكان حسان


2) وفي ت: رئيس والصواب رئي. 2) عن ت. (*)

[ 125 ]

لما قرب من جو بأربعة ايام قال لاصحابه ان اليمامة ستراكم على البعد الكثير فتنذر بكم، فليحمل كل واحد منكم غصنا من شجرة اعظم ما يقدر عليه ليسدل اغصانه عليه وجوانبه، ففعلوا ذلك. فقالت اليمامة لما رأت ذلك: يا جديس قد اتتكم الشجر، تخبط المدر، فاستعملوا منها الحذر فكذبوها، وقالوا لها: اتسير الشجر ؟ فلما كان في اليوم الثالث قالوا لها: انظري، فنظرت فقالت: ارى رجلا في كتفه كتف، أو نعل يخصفه فكذبوها، وقالوا قد تغير نظرها، وكيف ترى على هذا البعد ما لم يتصل بنا خبره، فكان حسان يسير بالليل ويكمن بالنهار، إلى أن صبحهم فقتلهم أبرح قتل، وهدم منازلهم واستباح نساءهم. وأخذ اليمامة، وقال لها ألا عرفتيهم بمسيري ؟ قالت: قد فعلت لو قبلوا، ونظر فرأى في عينها عروقا سوداء، فقال لها: بم كنت تكتحلين ؟ فقالت له: بحجر الاثمد، مربى بماء المطر. فقيل انه قطع يدها ورجلها، وقلع عينها وصلبها، فيقال: إن رئيها من الجن لطمه فأعوره، ومنعه النوم فلم يكن ينام. وقد ذكرت الشعراء اليمامة فأكثروا، قال الاعشى يذكرها في القصيدة التي أولها: بانت سعاد فأمسى حبلها انقطعا فقال يذكرها ونظرها: ما نظرت (1) ذات أشفار كنظرتها * حقا كما نظر الربى إذا شجعا فكذبوها بما قالت فصحبهم * جيوش حسان تزجي الموت والسلعا وإياها عنى:


1) من هنا إلى ذكر عجائب مصر لا يوجد. (*)

[ 126 ]

واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت * * إلى حمام شراع وارد الثمد تحفه جانبا بير ويتبعه * مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد قالت الا ليتما هذا الحمام [ لنا ] * إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسبوه فألفوه كما حسبت * تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد فكملت مائة منها حمامتها * واسرعت حسبة في ذلك العدد وقصتها في حديث الحمام مشهورة، وهذا هو القول الذي سجعت هي به: ليت الحمام ليه إلى حمامتيه أو نصفه قديه [ تم الحمام ميه ] ذكر عجائب مصر وأخبار ملوكها وكهانها لما ذكرنا الكهان وجب علينا أن نذكر كهنة مصر، لانهم كانوا أعظم الكهان قدرا، وأجلهم بالكهانة علما (1) وكان حكماء اليونانيين يصفونهم بذلك، ويقولون أخبرنا حكماء مصر بكذا، واستفدنا منهم كذا وكذا. وكان هؤلاء ينحون في كهانتهم نحو الكواكب، ويزعمون أنها هي التي تفيض عليهم العلوم وتخبر بالغيوب، وهي التي علمتهم أسرار الطبائع، ودلتهم على العلوم المكتومة فعملوا الطلسمات المشهورة، والنواميس الجليلة وولدوا الاشكال (2) الناطقة، وصوروا الصور المتحركة، وبنوا العالي من البنيان، وزبروا علومهم من الطب في الحجارة، وانفردوا بعمل البرابي، وعملوا من الطلاسم ما نفوا به (3) الاعداء عن بلادهم وعجائبهم ظاهرة، وحكمتهم واضحة.


1) في ت: حذقا. 2) في ت: وأولدوا الدلالات. 3) في ت: ومنعوا بها الاعداء. (*)

[ 127 ]

وكانت مصر خمسا وثمانون كورة منها بأسفل الارض خمس وأربعون، ومنها بالصعيد أربعون وكان في كل كورة رئيس من الكهنة، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قصة فرعون لما أشار عليه أصحابه، وقالوا (ابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم) يريد هؤلاء الرؤساء. وكان الذي يتعبد منهم لكوكب من الكواكب السبعة المدبرة سبع سنين يسمونه ماهرا، والذي يتعبد منهم للكواكب السبعة لكل واحد منهم سبع سنين، فمن بلغ هذه المرتبة منهم سمي قاطرا (1) وصار يجلس مع الملك ويصدر الملك عن رأيه، وإذا رآه قام إجلالا له، وكان زيهم أن يدخل كل يوم إلى الملك فيجلس إلى جانبه فتدخل الكهنة، ومعهم أصحاب الصناعات فيقفون حذاء القاطر، وكل واحد من الكهنة منفرد بكوكب يخدمه لا يتعداه إلى سواه، ويسمى بعبد كوكب كذا، كما كانت العرب تسمي عبد الشمس، فيقول القاطر لاحد الماهرين أين صاحبك ؟ فيقول في البرج الفلاني في الدرجة الفلانية في دقيقة كذا، ويسأل الآخر في حذائه، حتى إذا عرف مستقر الكواكب، قال للملك ينبغي أن يعمل الملك اليوم كذا وكذا، ويأكل كذا وكذا، ويجامع في وقت كذا، ويقول له جميع ما يراه صلاحا، والكاتب قائم بين يديه يكتب جميع ما يقول. ثم يلتفت إلى أهل الصناعات [ فيقول أنقش أنت صورة كذا على حجر كذا فمتى رسم على أهل الصناعات ] (2) فيخرجون إلى دار الحكمة، فيضعون أيديهم في الاعمال التي يصلح عملها في ذلك اليوم: ويستعمل الملك جميع ما قاله القاطر، ويؤرخ جميع ما جرى من هذا


1) في ب: ناظر، وقد رسم هكذا في كل موضع جاء فيه، والصواب ما ذكرناه. 2) الزيادة عن ت. (*)

[ 128 ]

وشبهه في ذلك اليوم في صحيفة، وتطوى وتودع في خزائن الملك فعلى ذلك جرت أمورهم. وكان الملك إذا حزبه (1) أمر بجمعهم بخارج مصر، ويصطف لهم الناس بخارج المدينة ثم يقدمون ركبانا، يتقدم بعضهم بعضا، ويضرب بين أيديهم بطبل الاجتماع، فيدخل كل واحد منهم بأعجوبة، فمنهم من يعلو وجهه نور مثل نور الشمس فلا يقدر أحدهم النظر إليه، ومنهم من يكون على يديه جوهر أخضر وأحمر على ثوب من ذهب منسوج، ومنهم من يكون راكبا على أسد متوشحا بحيات عظام ومنهم من تكون عليه قبة من نور أو جوهر في صنوف من العجائب الكثيرة، إلا أن كل واحد إنما يصنع ما يدل عليه كوكبه الذي يعبده، فإذا دخلوا على الملك قالوا أرادنا الملك الامر كذا، وأضمر الملك كذا، والصواب فيه كذا. * * * وكان بمصر القديمة واسمها أمسوس ملك كاهن يقال له عيقام من ولد عرباق (2) ابن آدم فتحكي أهل مصر عنه حكايات كثيرة تخرج عن العقل. وكان قبل الطوفان وقد رأي في علمه كون الطوفان، فأمر الشياطين الذين تطيعه أن يبنوا له مكانا خلف خط الاستواء، بحيث لا يلحقه شئ من الآفات، فبنوا له القصر الذي [ على ] سفح جبل القمر، وهو قصر النحاس الذي فيه التماثيل من النحاس، وهي خمسة وثمانون تمثالا، يخرج ماء النيل من حلوقها، وينصب إلى بطحاء مصر. فلما عمل له ذلك القصر أحب أن يراه قبل أن يسكنه، فجلس في قبة،


1) في ب: إذا أحزبه، وفي ت: إذا جربه، والصواب ما ذكرناه. 2) في ب: عراب. (*)

[ 129 ]

وحملته الشياطين على أعناقها إليه، فلما رآه ورأى حكمة بنائه، وزخرفة حيطانه، وما فيها من النقوش وصور الافلاك، وغير ذلك من العجائب، وكانت المصابيح تسرج فيه، وتنصب فيه موائد يوجد عليها من كل الاطعمة، ولا يرون من يعملها، وكذلك لا إنس به. وفي وسط القصر بركة من ماء جامد الظاهر ترى حركته من وراء ما جمد منه، وأشياء كثيرة من هذا المعنى، وإن كانت تنبو عنها العقول. فأعجبه ما رأى ورجع إلى مصر فاستخلف ابنه عرباق (1) وأوصاه بما يوجب له الملك وولده على مكانه، ورجع هو إلى ذلك القصر، وأقام به حتى هلك هناك. واليه تعزى مصاحف القبط، التي فيها تواريخهم. قونية الكاهنة وفي مصاحف القبط أنها كانت تجلس على عرش من نار، فإذا ما احتكم إليها الرجل، وكان صادقا شق (2) على النار حتى وصل إليها ولم تضره. وكانت تتصور عليهم في أشكال كثيرة من الصور، إذا شاءت (3) ثم بنت لنفسها قصرا واحتجبت فيه عن الناس، وجعلت حيطانه من نحاس مجوفة، وكتبت على كل أنبوب فيها من الفنون التي يتحاكم إليها فيه فكان الذي يتحاكم إليها يأتي إلى الانبوب الذي كتب عليه ذلك الفن، فيتكلم بما يريده، ويسأل ذلك ما قصد له بصوت خافض غير عال، فإذا فرغ من


1) في ت: عريان. 2) في ت: خاض النار. 3) ت: كيف شاءت. أخبار الزمان م (9) (*)

[ 130 ]

كلامه جعل هو أذنه على نذلك الانبوب، فيأتيه الجواب منه بكل ما يريده، فلم يزالوا مستعملين ذلك، إلى أن خرب بخت نصر البلد. وكان عرباق بن عيقام الملك قد تكهن بعد ابيه وعمل عجائب كثيرة، منها شجرة من صفر لها اغصان حديد بخطاطيف حادة، إذا تقرب الظالم إلى الملك تقدمت إليه تلك الخطاطيف، وتعلقت به وشبكت يديه، ولم تفارقه حتى يحدث عن نفسه بالصدق، ويعترف بظلمه، ويخرج من ظلامة خصمه. ومنها صنم من صوان أسود سماه عبد أفرويس (1) أي عبد زحل، كانوا يختصمون إليه، فمن زاغ عن الحق ثبت مكانه، ولم يقدر على القيام حتى ينصف من نفسه، ولو أقام سنة أو أكثر. ومن كانت له حاجة منهم أو طلب شيئا عند ذلك الصنم، قام ليلا ونظر إلى الكوكب، فذكر اسم عرباق وتضرع، فيصبح وقد وجد حاجته على باب منزله. وكان ربما حملته أطيار عظام، وهو في مرتبته فيمر بهم وهم يرونه في الهواء فيزدادون له عبادة وهيبة، وربما علا على ناس منهم فملا ماءهم من الاقذار، وسلط عليهم وحوش الارض وسباعها وهوامها. وكان من كهانهم فيلمون، وقد ذكرنا خبره مع نوح عليه السلام، وكان منهم شيمون (2) وهو الذي كان يوقد النار، ويتكلم عليها، فتطلع منها صورة نارية، وكانت الكهانة عندهم عمل المعجزات، ولم يزل هذا كاهنا إلى وقت فرعون ملك مصر الذي كان الطوفان في أيامه، وكان يسكن الهرم المجوسي (3) وكان هيكل الكواكب، وكانت فيه صورتا الشمس والقمر (4)


1) في ت: قرويش. 2) ت: سيبون. 3) في ت: البحري. 4) ب: وكانت في صورة الشمس والقمر. (*)

[ 131 ]

تنطقان، [ وكان الهرم الثاني ناووسا لاجساد الملوك التي نقلها إليه سورند، وفيه العجائب والتماثيل والمصاحف ] (1) وكان فيه التمثال الذي يضحك وكان من جوهر اخضر، وخزنوا ذلك فيه خوفا من [ تلفه في ] الغرق. (خبر الكهان بعد الطوفان) وأما الكهان بعد الطوفان (2) إلى خراب مصر فكثير، وأول من تكهن بمصر بعد الطوفان ابن فليمون كان قد ركب السفينة مع أبيه وأخيه وأخته وهي التي زوجها من ينصو بن حام، وهم الذين خرجوا إلى مصر وكانوا موحدين على دين نوح عليه السلام، ولم يكن اسم الكهانة عندهم عيبا، بل كان الكاهن كالحاكم الذي لا يعصى له أمر. وأول من تحقق بالكهانة، وغير الدين وتعبد الكواكب البودشير بن قفطويم بن ينصو بن حام، وكان ملكا بعد أبيه، وذكره جميع الكهنة في مصاحفهم. فانه كان من أجل كهانهم، وممن عمل النواميس العظام، وأقام أصنام الكواكب وبنى هياكلها. وتزعم القبط أن الكواكب خاطبته وأنه عمل عجائب كثيرة، منها أنه استتر عن الناس بعد سنين من ملكه، وكان يظهر لهم وقتا بعد وقت مرة في كل سنة وهو وقت نزول الشمس في برج الحمل، ويدخل الناس إليه فيخاطبهم ويرونه، ويأمرهم بما يعملونه وينهاهم ويحذرهم مخالفة أمره، وكان


1) جميع الزيادات عن ت. 2) خبر الكهان بعد الطوفان. (*)

[ 132 ]

يجلس لهم في بعض أوقات السنة فيخاطبهم عند دخولهم عليه، وينهاهم وهم لا يرونه. والمكان الذي يكلمهم منه غير خفي عنهم، ولا يعد منهم، ثم بنيت له قبة من فضة مموهة بالذهب وزخرف ما حولها، وكان يجلس لهم في أعلى القبة في صورة الوجه العظيم، فيخاطبهم، بمثل ما كان يخاطبهم، وكان يجلس لهم في أعلى السحاب بوجه في صورة إنسان عظيم، فأقام كذلك مدة ثم غاب عنهم فلم يروه. وأقاموا برهة ليس لهم ملك، إلى أن رأوا صورته في هيكل الشمس عند دخول الشمس الحمل، وأمرهم أن يقلدوا الملك لعديم بن قفطويم وأعلمهم أنه لا يعود إليهم، ففعلوا ذلك. وأما بديرة (1) الكاهنة فانها امرأة من أهل بيت الملك، يقال إنها أخت البودشير، وأنه ألقى إليها الكهانة فهي [ التي ] عملت اكثر الطلسمات والبرابي، وهي التي عملت القبطية (2) الناطقة بمنف. وكانت الكهانة في أهلها وولدها يأخذونها كابرا عن كابر، وهي التي حكى المصريون عنها أنها عملت طلسمات منعت الوحوش والطيور أن تشرب من النيل فمات اكثرها عطشا. وأن الله تعالى أرسل إليها ملكا فصاح بها صيحة ارتجت لها الارض [ وتشققت جبالها ] (3) فماتت من تلك الصيحة [ ويقال انها كانت تطير في الهواء والملائكة تضربها بأجنحتها إلى أن سقطت في البحر ] (3). وأما شؤون الاشموني فيقال انه هرمس الاول، الذي بنى بيت التماثيل الذي


1) في ت ندورة، وفي بعض كتب التواريخ تدورة. 2) في ت: الاصنام، وهي الصواب. 3) زيادة عن ت. (*)

[ 133 ]

يعرف بها مقدار النيل الذي عند جبل القمر وعمل للشمس [ هناك ] (1) هيكلين (2). وتحكي القبط عنه حكايات كثيرة، تخرج عن العادة، وتنكرها العقول، فكان يخفى عن الانسان فلا يرونه وهو معهم، وهو الذي بنى الاشمون. ويقال إنها مدينة في شرقي مصر كان طولها اثني عشر مبلا وجعل عليها حصنا بنى فيه قصرا عظيما [ يقال إنه بنى أنصنا واتخذ فيها ] الاعلام والملاعب. واتخذ في سفح الجبل مدينة يقال لها طهراطيس (3) وجعل فيها من العجائب شيئا كثيرا، وجعل لها أربعة ابواب من كل جهة باب واحد، وجعل على الباب الشرقي صورة عقاب وعلى الباب الغربي صورة نسر (4) وعلى الباب الجنوبي صورة اسد وعلى الباب الشمالي صورة كلب وملك (5) فيها الروحانيات وكانت تنطق إذا قصد إليها القاصد ولا يصل احد إلى الدخول فيها دون استئذان الموكلين بها وغرس فيها شجرة تحمل كل صنف من الفواكه. وبنى منارا طوله ثمانون ذراعا وعلى رأسه قبة تتلون في كل يوم لونا حتى تنقضي سبعة أيام بسبعة الوان ثم تعود إلى اللون الاول وتكسي المدينة ذلك اللون وجعل حول ذلك موضع ماء فيه سمك كثير، وجعل حول المدينة طلسمات من كل صنف تدفع عن اهلها المضار. وكانت ايضا تسمى مدينة البوسق (6) باسم الشجرة المنصوبة فيها.


1) زيادة عن ت. 2) في ب: هيكلين. وفي ت: هيكلا. 3) في ت: وعمل في الجبل الشرقي مدينة، ويقال لها أو طبراطليش. 4) في ت: صورة ثور. 5) في ت: واسكن. 6) في ت: اليوس. (*)

[ 134 ]

أول من بنى الاهرام كان سوريد بن فيلمون (1)، وكان ملكا على مصر قبل الطوفان بثلاثمائة (2) سنة فرأي في منامه كأن الارض قد انقلبت بأهلها، وكأن الناس يهربون على وجوههم وكأن الكواكب تتساقط، ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة مفزعة فرجف قلبه وأزعجه ذلك وأرعبه ولم يذكره لاحد، وعلم أنه سيحدث في العالم أمر عظيم. ثم رأى بعد ذلك، كأن الكواكب الثابتة نزلت إلى الارض في صورة طيور بيض كأنها تخطف الناس، وتلقيهم بين جبلين عظيمين، وكأن الجبلين قد انطبقا عليهم، وكأن الكواكب النيرة مظلمة كاسفة، فانتبه أيضا مذعورا فزعا. فدخل إلى هيكل الشمس، وجعل يتضرع فيه ويمرغ خديه في التراب، ويبكي، فلما أصبح أمر رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر، وكانوا مائة وثلاثين، فخلا بهم وحكى لهم جميع ما رآه فأعظموه وأكبروه وتأولوه على أمر عظيم يحدث في العالم. فقال فيلمون عظيم الكهان، وكان فيلمون إذ ذاك كبيرهم، وكان لا يبرح من حضرة الملك لانه رأس الكهنة كهنة أشمون، وهي مدينة مصر الاولى، قال إن في رؤيا الملك عجبا، وأمرا كبيرا، وأحلام أهل الملك لا تجري على محال ولا كذب لعظم أقدارهم، وكبير أخطارهم، وأنا اخبر الملك برؤيا رأيتها منذ سنة لم أذكرها لاحد من الناس.


1) في ت: سورند بن شهلوق. 2) في ت: بألف وثلاثمائة. (*)

[ 135 ]

فقال له الملك: قصها علي يا فيلمون، قال: رأيت كأني قاعد (1) مع الملك على رأس المغار الذي في أشمون، وكأن الفلك قد انحط من موضعه، حتى قارب رؤسنا وكأن علينا كالقبة المحيطة بنا، وكأن الملك رافع (2) يديه إلى السماء، وكواكبا قد خالطتنا في صور شتى مختلفة، وكأن الناس يستغيثون بالملك وقد انجفلوا إلى قصره، وكأن الملك رافع (3) يديه إلى أن يبلغ رأسه، وأمرني أن أفعل مثل فعله، ونحن على وجل شديد إذ رأينا منه موضعا قد انفتح وخرج منه ضياء يضئ، ثم طلعت علينا منه الشمس فكأنا استغثنا بها فخاطبتنا بأن الفلك سيعود إلى موضعه إذا مضت له ثلاث وستون دورة. وهبط الفلك حتى كاد أن يلصق بالارض ثم عاد إلى موضعه، فانتبهت فزعا. فقال لهم الملك: خذوا ارتفاع الكواكب وانظروا هل من حادث، فبلغوا غايتهم في استقصاء ذلك، فأخبروه بأمر الطوفان، وبعده بالنار التي تحرق العالم. فأمر الملك ببناء الاهرام، فلما تمت على ما دبروا حكمه، نقل إليها ما أحب من عجائبهم واموالهم واجساد ملوكهم، وأمر الكهان فزبروا (4) فيها علومهم، وحكمهم وأشرف ولد حام القبط والهند هم الحكماء. ذكر ملوك مصر قبل الطوفان وكان أول من ملك مصر قبل الطوفان بقراويس (5) وذلك أن بني آدم


1) في الاصلين: قاعدا. 2، 3) فيهما رافع في الموضعين. 4) في ب: فدبروا، والزبر والكتابة. 5) في تاريخ القرماني: نقراوش الجبار بن مصرايم بن مركاييل بن رواييل بن عرياب بن آدم عليه السلام. (*)

[ 136 ]

لما بغى بعضهم على بعض وتحاسدوا، وتغلب عليهم بنو قابيل ابن آدم تحول (1) بقراويس الجبار بن مصرايم بن مواكيل بن داويل بن عرباق بن آدم عليه السلام في نيف وسبعين راكبا من بني عرباق جبابرة، كلهم يطلبون موضعا ينقطعون فيه عن بني آدم، فلم يزالوا يمشون حتى وصلوا إلى النيل فأطالوا المشي عليه، فما رأوا سعة البلد وحسنه أعجبهم، وقالوا: هذا بلد زرع وعمارة، فأقاموا فيه استوطنوه، وبنوا الابنية والمصانع المحكمة. وبنى بقراويس مصر، وسماها باسم أبيه مصرايم (2) تبركا به وكان بقراويس جبارا له قوة زائدة وبطش وكان مع ذلك عالما له رئي من الجن، فملك بني أبيه، ولم يزل مطاعا في أمره، وقد كان وقع إليه من العلوم التي علمها درابيل لآدم عليه السلام، فقهر بها الجبابرة الذين كانوا معه. وهم الملوك الذين بنوا الاعلام، واقاموا الاساطين العظام، وبنو المصانع الغريبة، ووضعوا الطلسمات العجيبة، واستخرجوا المعادن، وقهروا من ناوأهم من ملوك الارض، ولم يطمع فيهم طامع، وكل علم جليل هو في أيدي المصريين، إنما كان من علوم أولئك، كانت مزبورة على الحجارة. فيقال إن فيلمون الكاهن الذي ركب مع نوح عليه السلام في السفينة هو الذي فسرها لهم، وعلمهم كتبها، وسنذكر خبرها في موضعه إن شاء الله عزوجل. ثم أمرهم بقراويس حين ملك ببناء سموها أمسوسا (3) وأقاموا لها أعلاما طوالا طول كل علم منها مائة ذراع، وزرعوا وعمروا الارض، وأمرهم ببناء المدائن، والقرى، وأسكن أهل كل بيت ناحية من أرض مصر.


1) في ب: تحمل، والتصحيح عن القرماني. 2) في ب: مصريم. 3) في القرماني: أسوس. (*)

[ 137 ]

وهم الذين حفروا النيل حتى أجروا ماءه إليهم، ولم يكن قبل ذلك معتدل الجري، وإنما كان ينبطح ويتفرق في الارض، فوجه إلى النوبة جماعة حتى هندسوه، وشقوا منه أنهارا إلى مواضع كثيرة من مدنهم التي بنوها. وشقوا منها نهرا إلى مدينة أمسوس يجري في وسطها وغرسوا فيها عليه الغروس وكثر خيرهم وعمرت أرضهم، وتجبر بقراويس لما ملك قومه، وكان عظيمهم. وبعد عشرين ومائة سنة خلت من ملكه أمر باقامة الاساطين، وزبروا عليها علومهم. ذكر دخولهم البلدة، وكيف خرجوا إليها ونزلوا بها وحروبهم لمن حاربهم من الملوك ثم أمر ببناء قبة على أساطين مثبتة بالرصاص، طولها مائة ذراع، وجعل عليها مرآة زبرجد أخضر، قدرها سبعة أشبار ترى خضرتها على أمد بعيد. وفي مصاحف المصريين أنه سأل الربئ الذي كان معه أن يعرفه فخرج [ إلى شاطئ ] النيل، فحمله حتى أجلسه على خلف خط الاستواء على البحر الاسود الزفتي [ والنيل يخرج ] مثل الخيوط حتى يدخل تحت جبل القمر، ثم يخرج إلى بطائح هناك. ويقال إنه بنى بيت التماثيل هناك، وعمل هيكل الشمس، ورجع إلى أمسوس وقسم البلد بين بنيه، فجعل لبقراوس الجانب الغربي، ولسوريد الجانب الشرقي، ولابنه الاصغر وهو مصرام مدينة سماها ير بيان، وأسكنه فيها، وأقام أساطين كثيرة، وشق إليها نهرا وغرس فيها غروسا.

[ 138 ]

وعمل بأمسوس عجائب كثيرة، منها طائر يصفر كل يوم عند طلوع الشمس مرتين وعند غروبها مرتين، تصفيرا مختلفا، يستدلون به على ما يكون من الحوادث، فيتأهبون لذلك، وأجرى لهم الماء على مجرى ينقسم منه على ثمانية وعشرين قسما. وعمل في وسط المدينة صنمين حجرا أسود، إذا قدم المدينة سارق لم يمكنه أن يزول عنها حتى يهلك بينهما (1) فإذا دخل بينهما انطبقا عليه، ولهذين الصنمين أعمال عجيبة غير هذا. وعمل بربيا صورة من نحاس مذهب على منار عال، لا يزال عليها السحاب يطلع، فمن استمطرها أمطرت عليه ما يشاء، فهلكت هذه الصورة في الطوفان. وعمل على حدود بلدهم أصناما من نحاس مجوفة، وملاها كبريتا، ووكل بها روحانية النار، إذا قصدهم قاصد بسوء أرسلت تلك الاصنام من أفواهها نارا فأحرقته. وكان حد بلدهم إلى ناحية الغرب مسافة أيام كثيرة عامرة بالقصور والبساتين، وكذلك في البحر، ومن الصعيد إلى بلاد علوة. وعمل فوق جبل بطرس منارا يفور بالماء ويسقي ما حوله وما تحته من المزارع وملكهم مائة وثمانين سنة. فلما مات لطخوا جسده بالادوية الممسكة، وجعلوه في تابوت من ذهب وعملوا له ناووسا مصفحا بالذهب، وجعلوه فيه وجعلوا معه كنوزا لا تحصى كثرة ولا تحصر قيمة.


1) في القرماني ان يزول عنهما. (*)

[ 139 ]

ومن الانواع النفيسة [ من ] الجوهر وتماثيل الزبرجد، وكثيرا من أكسير الصنعة المعمول المفروغ منه، ومن الذهب والاواني المعمولة من الذهب ما لا يحصى كثرة، ولا تعلم قيمته. وزبروا على البيوت تاريخ الوقت الذي مات فيه ملكهم، ثم جعلوا على ذلك كله طلسمات تدفع عنه الهوام والحشرات المفسدة، وصور كل طالب من الانس والجن. ثم ملك بعده ابنه براوس (1) الملك فتجبر وعتا وعلا أمره وبنى مدينة يقال لها جلجلة وجعل فيها جنة، وصفح حيطانها بصفائح الذهب والحجارة الملونة، وغرس فيها أصناف الفواكه والغروس تحفها الانهار. وأمر باقامة أساطين جعلها معالم، وكتب عليها جميع العلوم. وصور أصناف العقاقير بها، وزبروا عليها أسماءها ومنافعها. وكان له شيطان يعمل له التماثيل العجيبة فهو أول من عمل بمصر هيكلا، وصور فيه صور الكواكب السبعة، وكتب على رأسه تجاربها. وما عملت من المنافع والمضار، وألبسها الثياب، وأقام للهيكل كاهنا وسدنة. وخرج مغربا حتى بلغ البحر المحيط، وعمل عليه أعمالا، وبنى أساطين جعل على رؤوسها أصناما تسرج عيونها كالمصابيح في الليل، ورجع على بلاد السودان إلى النيل. وأمر ببناء حائط على جانب النيل. وجعل على شرفها حجارة ملونة شفافة. وجعل في مدينة منها خزائن للحكمة، وهي أول عجائب الارض وأغربها، ففي إحدى هذه المدن صنم للشمس، الذي هو أعظم أصنامهم.


1) تقدم اسمه بقراوس، وفي كتاب القرماني: نقاوش. (*)

[ 140 ]

وهي معلقة عليه في بيت شرفها وهو صورة إنسان جسده جسد طائر من ذهب أزرق مدبر وعيناه جوهرتان صفراوان، وهو جالس على سرير مغنطيس. وفي يده مصحف من العلوم. وفيها صنم آخر رأسه رأس إنسان وجسده جسد طائر، ومعه صورة امرأة جالسة من زئبق معقود لها ذؤابتان، وفي يدها مرآة، وعلى رأسها صورة كوكب. وهي رافعة يدها بالمرآة إلى وجهها ومظهرة فيها سبعة ألوان من الماء السائل. لا تختلط ولا يؤذي بعضها لون بعض ولا يغيره، وفيها شيخ جالس من الفيروزج بين يديه صبية جلوس كلهم من أصناف العقيق والجوهر. وفي الخزانة الثانية صورة هرمس وهو مكب ينظر إلى مائدة به يديه من نشادر على قوائم كبريت أحمر، وفي وسطها مثل الصحفة من جوهر أحمر فيها شئ من الصنعة. وفيها صورة عقاب من زمرد أخضر، عيناه من ياقوت أحمر، وبين يدية حية زرقاء من فضة قد لوت ذنبها على رجليه، ورفعت رأسها كأنها تريد أن تنفخ عليه، وفي ناحية منها صفة المريخ راكب على فرس بيده سيف مسلول من حديد أخضر، وفيها عمود من جوهر أخضر عليه قبة من ذهب فيها صورة المشتري وفيها قبة من اللازورد على أربعة أعمدة من جذع أزرق، وفي سقفها صورة الشمس والقمر يتحدثان في صورتي رجل وامرأة، وقبة من كبريت احمر فيها صورة الزهرة على صورة امرأة ممسكه بضفيرتها وتحتها رجل من زبرجد أخضر في يده كتاب فيه علم من علومهم، كأنه يقرؤه عليها. وجعل في كل خزانة من بقية الخزائن من الاموال والجواهر والكنوز والحلى ما لا يعد ولا يقدر قدره.

[ 141 ]

وجعل على باب كل مدينة طلسما، يمنع دخولها في صور مختلفة، لا يشبه بعضها بعضا. وملا كل مدينة بالجوهر النفيس والزبرجد الخطير والذهب والفضة، والكبريت الاحمر، واكسير الصنعة، وصنوف الادوية المؤلفة، والسموم الفاتكة، وعلم كل باب منها بعلامة تعرف بها. وانفذ إليها خازنا تحت الارض وجعلها من تحت جلجلة، وهي مدينته التي عمل فيها الجنة. وبين كل مدينة من تلك المدن الثلاث عشرون ميلا، وبين الثلاث سبعة أميال. وكان له من مدينته إلى هذه المدائن اسراب تحت الارض يصل منها إليها، وكذلك من بعضها إلى بعض. وصفات هذه المدائن وعجائبها في كل قرية بمصر على تلك الحجارة، وفي جميع مصاحفهم القديمة، وأكثر ذكرها في هياكل الكواكب خاصة، وقرئ في مصحف لبعض الكهان القدماء ذكر بقراوش الملك بكل ما ذكرناه، وأنه عمل مع ما ذكرناه عجائب كثيرة أزالتها الطوفان وركب هذه الرمال لزوال طلسماتها، فأقام بقراوش ملكا مائة سنة وسبع سنين، ثم مات فعمل له ناووس، وجعل معه من العجائب ما يطول ذكره. وولى بعده ابنه مصرام الملك بن بقراوس، فبنى للشمس هيكلا من المرمر وموهه بالذهب، وجعل في وسط الهيكل كالفرس من جوهر أزرق عليه صورة الشمس من ذهب أحمر، وأرخي عليه وعليها حلل الحرير الملون، وأمر أن يوقد عليها بطيب الريحان، وجعل في الهيكل قنديلا من الزجاج

[ 142 ]

الصافي، وجعل فيه حجرا مدبرا يضئ اكثر مما يضئ السراج، وأقام له سدنة، وعمل أربعة أعياد في السنة. وقيل إن مصر سميت به، وسمى به مصريم بن حام بعد الطوفان، لانه وجد اسمه مزبورا على الحجارة. وكان افليمون الكاهن يخبرهم بأخبار هؤلاء الملوك، وكان مصرام هذا قد ذلل الاسد في وقته، وكان يركبه، وصحبه الجني الذي كان مع أبيه، لما رأى من حرصه على لزوم الهياكل، والقيام بأمر الكواكب. وأمره أن يحتجب عن الناس، وألقى على وجهه [ من سحره ] (1) نورا شديدا لا يقدر أحد على النظر إليه. وادعاه إلها، واحتجب عن الناس ثلاثين سنة، واستخلف عليهم رجلا من ولد عرباق، وكان كاهنا. ويقال إن مصرام لما ركب في عرشه، وحملته الشياطين حتى انتهى إلى وسط البحر، فجعل له فيه القلعة البيضاء، وجعل عليها صنما للشمس، وزبر عليه اسمه وصفة ملكه. وعمل (2) صنما من نحاس وزبر عليه " انا مصرام الجبار، كاشف الاسرار، الغالب القهار، وضعت الطلسمات الصادقة، وأقمت الصور الناطقة، ونصبت الاعلام الهائلة، على البحار السائلة، ليعلم من بعدي انه لا يملك أحد ملكي ". وكل ذلك في أوقات السعادة، وقد كان عمل في جنته شجرة مولدة، تؤكل منها جميع الثمار.


1) زيادة عن ق. 2) في ب: وجعل، وهذه رواية القرماني. (*)

[ 143 ]

وعمل فيها قبة من زجاج احمر على رأسها صنم يدور مع الشمس، ووكل بها الشياطين إذا اختلط الظلام أن لا يخرج احد من ملكه إلا هلك. وهو اول من عمل الحمام، وأحب اهل مصر ان يروه فسألوا خليفته ذلك، فأمرهم أن يجتمعوا في مجلس عال كان له، فاجتمعوا وجلسوا عنده، فظهر لهم في صورة هالتهم، ملات قلوبهم رعبا، فخروا له على وجوههم دعوا له فأمر بإحضار الطعام والشراب فأكلوا وشربوا ورجعوا إلى مواضعهم، ثم لم يروه بعد ذلك وبلغ في كهانته إلى ما لم يبلغه أحد من آبائه وأجداده. وملك بعده عيقام الكاهن، فعدل فيهم، وعمل مدينة عجيبة قرب العريش وجعلها لهم حرما، وعمل لهم طلاسم عجيبة وعجائب كثيرة، وقيل ان ادريس عليه السلام رفع في وقته ولم يطل عمره. وملك بعده ابنه عرباق بن عيقام فتجبر واقبل على صيد السباع والوحش وعمل عجائب. منها أنه عمل شجرة من حديد ذات أغصان، ولطخها بدواء مدبر، فكانت تجلب كل صنف من السباع والوحش إليها، فيتمكن من صيدها كيف شاء. وفي كتب المصريين أن هاروت وماروت كانا في وقته بمصر، فعلما أهل مصر أصنافا من السحر، فنقلا بعد الطوفان إلى أرض بابل وتعلم عرباق من علمها. فاحتالت عليه امرأة من المغصوبات فسمته فهلك وبقي مدة لا يعرف خبره، وكان رسمه إذا خلا بالنساء لا يقربه أحد. فلما تأخر خبره عن الناس هجم ععليه فتى من بني بقراوس يقال له لوحيم (1)


1) في ق: لوجيم بالمعجمة. (*)

[ 144 ]

ومعه نفر من أهله، فوجدوه ملقى على فراشه جيفة، فأمر أن توقد له نار يحرق فيها فأحرقه، ثم جمع النسوة اللاتي كن في الجنة، فمن كانت من نسائه أحرقها معه، ومن كانت من المغصوبات، سرحها إلى أهلها، ففرح الناس لما نزل بهم. وملكهم لوحيم الملك فخرج ولبس تاج أبيه، وجلس على سرير الملك، وأمر بجمع الناس. فلما اجتمعوا قام فيهم خطيبا. وذكر ما كان عليه عرباق الاثيم من سوء السيرة واغتصاب النساء وسفك الدماء. ورفض الهياكل والاستخفاف بالكهنة، وأنه لميراث أبيه وجده وأحق به من غيره وضمن للناس العدل والاحسان والقيام بأمرهم، ودفع كل أذى عنهم فرضي الناس منه بذلك، وقالوا له: أنت أحق بالملك، فلا زلت دائم السعادة، طويل العمر، وانصرفوا مسرورين. فأمر بتجديد الهياكل وتعظيمها، وقرب كثيرا من الكهان، وأكرم جميعهم، وسار في الناس بالعدل. وكانت الغربان والغرانيق (1) قد كثرت في وقته فأهلكت الزرع، فعمل اربع منارات من نحاس في جوانب أمسوس، وجعل في كل منارة صورة غراب فيه حية قد التوت عليه فلم يقربهم شئ من تلك الطيور إلى أن كان الطوفان، فأزال تلك المنارة. ومن ملوكهم حصليم، وكانت له أخت حكيمة، وكانت في جواريها جارية فائقة العقل والجمال، فعشقها الملك، وسأل أخته أن تهبها له، فأبت فألح عليها في طلبها، فغضبت واعتزلت، وبنت هيكلا وتعبدت فيه للزهرة


1) في ب: والغرائب. والتصحيح عن ق. (*)

[ 145 ]

مدة ثم إنها رأت الزهرة تناجيها وتكلمها، وتأمرها أن تسلم الجارية إلى أخيها، وتنهاها أن تمنعه من ذلك، ففعلت ذلك. ولما صارت الجارية عند الملك حظيت عنده، وفضلها على سائر نسائه فحسدنها وولدت من الملك ولدا ذكرا لم يكن له ولد غيره، فزاد حسدهن لها، وجعلن يطلبن أذاها، ويطلبن الغوائل لها. وكان أجل وزراء الملك لما يعلم من محبة الملك لها يأتيها في كل يوم فيقضي ما عرض لها من حوائجها، إجلالا لها، فلما قصدن ضراتها (1) [ إذايتها ] لم يجدن أنجع من أن يرمينها بذلك الوزير، وكان ذلك حسدا وبغيا، فحققن الامر عند الملك بما أمكنهن من الحيل، فلما وقف الملك على ذلك أمر بقتلها وقتل الوزير، ولم يشاور في ذلك أخته ولا احدا من الحكماء. فلما نفذ أمره بذلك بادر من وقف على ذلك إلى أخته فأعلمها فأسرعت إلى الذي امر بقتلهما تأمر باستبقائهما، حتى يرى الملك في امرهما. ودخلت على الملك فقالت له ما هذا الذي أمرت به في وزيرك وجاريتك ؟ فقال اتصل بي عنهما كذا وكذا، قالت أتحدث حدثا عظيما من القتل على ما لم تتحققه، وعن غير مشورة لاهل الحكمة والثقات من اهل المملكة ؟ قال لم أملك صبري، قالت إن الملوك ليس لها ان تعجل حتى يتبين لهم الامر ! فامر باستبقائهما، وبحث عن أمرهما، فوقف على الكذب فيه، فأمر بكل من سعى فيه من ضراتها فأخرجن من القصر. وحصليم هذا هو أول من عمل مقياسا لزيادة النيل، وذلك أنه جمع اصحاب العلوم والهندسة، فعملوا بيتا من زجاج على حافة النيل وجعل في


1) في ب ضراتها: فتاها. أخبار الزمان م (10) (*)

[ 146 ]

وسطه بركة من نحاس صغيرة فيها ماء موزون، وعلى حافة البركة عقابان (1) من نحاس ذكر وأنثى. فإذا كان في أول الشهر الذي يزيد فيه الماء، وفتح البيت وحضر الكهان بين يدي الملك، وتكلم امير الكهان بكلام حتى يصفر أحد العقابين، فان صفر الذكر كان الماء تاما زائدا وإن صفرت الانثى كان الماء ناقصا، ثم يعبرون الماء، وكل أصبع تزيد في تلك البركة فهو زيادة ذراع في النيل، فإذا عملوا ذلك حفروا للزرع وأصلحوا الجسور وعمل على النيل القنطرة التي ببلادد النوبة اليوم، وكان يسمى ابنه هو صال اي خادم الزهرة للرؤيا التي رأتها اخته، وكفلت الغلام عمته وادبته احسن التأديب، وزوجته عشرين امرأة من بنات الملوك العظام. وبنت له مدينة وجعلت فيها عجائب كثيرة احتفلت فيها، وزينتها بأحسن النقش والزينة والعمارة، وعملت فيها حماما على أساطين يرتفع الماء فيها إليه حارا من غير وقيد. وهلك حصليم (2) فدفن في ناووسه، وملك بعده ابنه هو صال الملك، وتحول هو صال إلى السرب فسكنه، وبنى مدينة هي إحدى المدائن ذوات العجائب، وعمل في وسطها صنما للشمس يدور معها، ويبيت مغربا. ويصبح مشرقا. ويقال إنه أول من اتخذ تحت النيل سربا، وهو أول من عمل ذلك، وخرج منه متنكرا يشق الارض والامم إلى أن بلغ بابل، ورأى ما عمله الملوك من الاعاجيب، وعلم حال ملكها في الوقت وسيرته، ومجاري أموره. ويقال إن نوحا عليه السلام ولد في وقته، وولد لهوصال عشرون ولدا، وجعل مع كل واحد منهم قاطرا (3) وهو رأس الكهنة.


1) في ب: عقربان. وقد كتبناها عقابان لما يذكره بعد ثلاثة أسطر. 2) في ب: خصليم، وقد تقدم بالحاء، وفي ق بالجيم. 3) في ب: ناظرا. (*)

[ 147 ]

وتقول القبط أنه من بعد مائة وسبع وعشرين سنة من ملكهم لزم الهيكل الذي كان أقطعه أبوه لا يشركه فيه غيره، وأمور الناس جارية على سداد، فأقاموا كذلك سبع سنين، ثم وقع بين الاخوة تشاجر واختلاف، فأجمع رؤس الكهنة على أن يجعلوا أحدهم ملكا، ويقيم كل واحد منهم في قسمته، واجتمعوا لذلك في دار المملكة. وقام رأس الكهان فتكلم، وذكر هو صال وفضائله وسعادتهم في أيامه وما شملهم معه من الخير، وأخبر بما رأته الجماعة من تقليد أحدهم، فان كان هو صال حيا ورجع إليهم لم ينكر ما فعلوه، لانهم لم يريدوا إلا حفظ ملكه، ورفع المكاره عنه، وإن لم يرجع كان الامر على ما سلف ملك بعد ملك فاستحسن الناس ذلك القول ورضوا به رأيا، وعملوا به. فعقدوا الملك على أكبر ولده سنا وهو فدرشان (1) الملك فسار سيرة أبيه فحمد الناس أمره فعمل في أيامه قصرا من خشب ونقشه بأحسن النقوش وصور فيه الكواكب، وبجله بالفروش وحمله على الماء، وكان يتنزه فيه. فبينما هو فيه ذات يوم إذ هبت ريح عظيمة، وزاد النيل زيادة كبيرة فانكسر القصر وغرق الملك، وهلك وقد كان نفى إخوته إلى المدائن الداخلة. واقتصر على امرأة واحدة من بنات عمه، فولدت ولدا ولم يكن له ولد غيره، وكانت ساحرة فسحرته حتى هام بها وانفرد بحبها واستخلف بعض وزرائه على الملك، واقبل على لذاته ولهوه معها. فلما كان من أمره ما كان من هلاكه كتمته امرأته، وكان أمره ونهيه يخرج إلى الوزير عنه، فأقام الناس على طاعته تسع سنين لا يعلمون بأمره.


1) في ق: تدرسان. (*)

[ 148 ]

فلما رأى إخوته طول غيبته جمعوا [ عليها ] جموعا عظيمة وقدموا على أنفسهم أحدهم وهو نمرود الجبار. وساروا إلى أمسوس وبلغ ذلك الساحرة امرأة قدرشان، فأمرت الوزير على أمر الملك على عادتها بالخروج إليهم وبمحاربتهم، ففعل فهزموه وقتلوه وقتلوا كثيرا ممن كان معه. ودخلوا مدينة أمسوس وأتوا دار الملك فلم يروا له خبرا، فأيقنوا بموته، وكانت الحيلة وقعت من امرأته الساحرة. فجلس على سرير الملك نمرود (1) بن هو صال أخوه وملك الناس ووعدهم بحسن السيرة فيهم وتقييد ما كانوا ينكرونه، من أفعال أخيه واستولى على أمواله وخزائنه ففرقها على اخوته واقطعهم جميع ما كان أخوه ادخره لنفسه. وطلب امرأته الساحرة وابنها ليقتلهما فلم يقع لهما على خبر لان أمه ذهبت به إلى مدينة أهلها بالصعيد وكانوا كلهم سحرة وكهانا. فامتنعت بهم وداخلت الناس واعلمتهم أن ابنها هو الملك بعد أبيه لان أباه قلده الملك وأمرها أن تدبر الناس، وأعلمتهم فصدقوها وأجابوها وقالوا ان الغلام مغلوب على ملكه وان النمرود متغلب غاصب فاجتمع من حمايتها ونصرتها بشر كثير. وزحف ابن الساحرة إلى نمرود بجموع كثيرة وقد عمل له السحرة أصنافا من التماثيل المهلكة والنيران المحرقة فخرج إليه نمرود واخوته فيمن معهم من الاجناد والاتباع فانهزم الملك واخوته وتعلقوا ببعض الجبال. ونزل ابن الساحرة بدار الملك وجلس على سريره ولبس تاج ابيه وطافت به بطارقته وكان اسمه توسدون (2) ملك وهو حدث وكانت أمه تدبر أمره


1) في ق: شمرود. 2) في ق: توميدون. (*)

[ 149 ]

فقتل كل من كان صحب النمرود وجد في طلب ومحاربته حتى ظفر به وسيق إليه أسيرا واجتمع الناس لينظروا إليه فشدت رأسه برأس اسطوانة قائمة وشدت رجله (1) باسطوانة اخرى، وكان طوله فيما تذكره القبط عشرين ذراعا واودعته بيتا ووكلت به رجالا من حرسها لتقتله يوم عيدها وكان قويا فصاح في الليل صيحة مات منها بعض الحرس وهرب الباقون، فلما بلغها ذلك أمرت بانزاله واحضرته وامرت بنار توقد فأوقدت وجعلت تأمر فيقطع منه عضو بعد عضو فيلقى في النار حتى فرغ منه. وكبر ابنها فخرج كاهنا منجما ساحرا، فعملت له الشياطين قبة من زجاج كرية (2) مدبرة دائرة على دوران الفلك وصوروا عليها صور الكواكب، وكانوا يعرفون بها أسرار الطبائع، وعلوم العالم بطلوعها وأفولها. وبعد ستين سنة من ملكه ماتت أمه الساحرة، وأوصت أن يجعل جسدها تحت صنم القمر بعد أن يطلى بما يدفع عنه النتن، وكانت وهي ميتة تخبرهم بالعجائب وتجاوبهم على كل ما يسألون، فهاب الناس لابنها وفزعوا له، وكان يتصور لهم في صور كثيرة وملكهم مائة سنة، ولما حضرته الوفاة أمر أن يعمل له شكل صنم من زجاج، يكون شفيفا (3) ويطلى جسده بالادوية الممسكة له، ويدخل في تلك الصورة التي من الزجاج، ويلحد ما بين الشفتين وينام في هيكل الاصنام ويعمل له في كل سنة عيد تقرب فيه القرابين، وتدفن تحته كنوزه، ففعل ذلك كما أمر. وملك بعد، ابنه سرباق (4) الملك فعمل بسيرة ابيه وجدته، واجتمع


1) في ق: رجليه. 2) في ب: كورية. 3) في ق: من زجاج على شقين فلعل الصواب اذن: شقيا. 4) في ق: شرياق. (*)

[ 150 ]

عليه، وزحف رجل من بني طربيس بن آدم من ناحية العراق فتغلب على الشام. وأراد أن يزحف إلى مصر فعرف أنه لا يصل إليها لسحر أهلها، فأراد أن يدخلها متنكرا ليعرف أهلها، ويقف على سحر بعض أهلها، فخرج ومعه نفر حتى وصلوا إلى حصن من أول حدود مصر، فسألهم الموكلون به عن أمورهم فعرفوهم أنهم تجار يقصدون بلدا يسكنونها، ومعهم اموالهم ليحترفوا كيف ظهر لهم بها، فحبسوهم وأرسلوا إلى الملك بخبرهم. وقد كان رأى الملك في منامه كأنه كان قائما على منار لهم عال، وكأن طائرا عظيما قد انقض عليه ليختطفه فحاد عنه حتى كاد (1) أن يسقط عن المنار، فجاوزه الطائر ولم يضره فانتبه مذعورا، وبعث إلى رأس الكهنة، فقص عليه رؤياه فعرفه أن ملكا يطلب ملكه، فلا يصل إليه. فنظر في علمه فرأى ذلك الملك الذي يطلب ملكه قد دخل بلده ووافق ذلك دخول الرسل من ذلك الحصن يذكر القوم، فعلم الملك أنه فيهم فوجه بجماعة من أصحابه معه، فاستوثقوا منهم وحملوهم إليه. وقد كان الملك أمرهم أن يطوفوا بهم على أعمال مصر (2) كلها، ليروا ما فيها من الطلسمات والاصنام والعجائب والمعجزات فبلغوا بهم إلى الاسكندرية، ثم ساروا بهم إلى أمسوس، فأوقفوهم على عجائبها ثم ساروا بهم إلى الجنة التي عملها مصرام وأمر السحرة باظهار التماثيل فجعلوا يتعجبون مما يرون حتى وصلوا إلى سرباق الملك، والكهنة حوله قد أظهروا صنوف العجائب، وجعلوا بين يديه نارا لا يصل إليها إلا من كان من خاصته. ولا تضر الا من أضمر للملك غائلة وامر فشقوها واحدا بعد واحد فلم تضر منهم أحدا.


1) في ب: كان. 2) في ب: الجمال بمصر. (*)

[ 151 ]

وكان ذلك الملك آخر من دخلها منهم. فلما دنا من النار أخذته فولى هاربا فأتى به سرباق فسأله عن أمره وتوعده فأقر فأمر بقتله، وحمله إلى الحصن الذي أخذ به فصلب هناك من جهة الشأم على اسطوانة عظيمة من حجر وزبر عليها هذا فلان بن فلان المتغلب على الشأم أضمر غائلة للملك وطلب ما لم يصل إليه تعديا منه عليه وظلما له فعوقب بهذا. وأمر باطلاق الباقين. وقيل لهم قد وجب عليكم القتل، لصحبتكم لمن أراد الفساد في الارض. ولكن الملك بفضله عفا عنكم وأمر أن تخرجوا من بلاده، ولا تعدوا إليها ابدا فخرجوا هاربين. مسرورين بالسلامة فكانوا لا يمرون بأحد إلا حدثوه بما رأوا من العجائب. فانقطعت أطماع الملوك في الوصول إلى مصر والتعرض لها. وعملت في وقت سرباق عجائب كثيرة. منها أنه عمل عرباق في مدينته بطة من نحاس قائمة على اسطوانة، فإذا دخل الغريب من ناحية من النواحي أو باب من الابواب صفقت بجناحيها، وصرخت فيؤخذ [ الداخل ] ويكشف عن أمره ومقصده، وشق إلى مدائن الغرب نهرا من النيل، وبنى على عبريه منازل وأعلاما، وغرس فيها غروسا يتنزه عليها، وملكهم مائة سنة وثلاثين سنة. وملكهم بعده ابنه سهلون بن سرياق، وكان سهلون عالما منجما كاهنا، فأفاض العدل وقسم ماء النيل قسما موزونا، صرف إلى كل ناحية قسطا، ورتب الدولة وجعلها على سبع طبقات. (الطبقة الاولى) الملك وولده وأهل بيته ومن يلي عدله، ورأس الكهان، والوزير الاكبر، وصاحب خاتم الملك، وصاحب خزائنه. (والطبقة الثانية) مراتب العمال والمتولين لجباية الاموال، والاشراف على النفقات في أمر المملكة، ومصالح البلاد والعمارات، وقسمة المياه.

[ 152 ]

(والطبقة الثالثة) الكهان وأصحاب الهياكل وخدمتها، ومتولي الفراش والمشرف على ما يقرب من بوادر الفاكهة والرياحين وصغار البقر والغنم والفراريج الذكور، وما يعرف من مثل ذلك في طعام الملك وخوابي الشراب، وغير ذلك مما يشبهه. (والطبقة الرابعة) المنجمون، والاطباء، والفلاسفة، ونحوهم. (والطبقة الخامسة) أصحاب عمارة الارض، والمتولون أمر الزراعة، والغرس. (والطبقة السادسة) أصحاب الصناعات والمؤن، والمشيدون في كل سنة في كل فن، والمشرفون على أعمالهم، ونقل نما يستحسن من أعمالهم إلى خزائن الملك. (الطبقة السابعة) أصحاب الصيد من السباع والوحش والطير والهوام، والمشرفون على أخذ دمائها ومرارتها وشحومها، وحملها إلى الاطباء لاصلاح العقاقير، وتأليف الادوية. وتقدم إليهم ألا يدخل أهل صناعة في دلسة ولا مهنة في غير ما هو فيه، ومن قصر في عمله عوقب، ومن أحسن في عمله جوزي. وكانت رتبة أهل الملاهي والالحان في قسمة الملك. وتقدم في بناء المدائن ونصب الاعلام والمنارات، وابتدع ما يستغرب من الصناعات، وإجراء المياه، وتوليد غرائب الاشجار. وأقام على أعالي الجبال سحرة يقسمون الريح، ويمنعون من أراد بلدهم بأذى، وكذلك يمنعون كل طائر وسبع ووحش وهوام، وجرى في الناس على السداد والاعتدال.

[ 153 ]

وجعل لكل صنف من الناس صنفا من الكهنة يعلمونهم الدين، ودينهم يومئذ الصابئة الاولى ويرفع كل صنف منهم ما يجري من جميع ما يقولونه إلى الملك في كل يوم، وعمل البيت ذي القباب النورية، وأوقد فيها النار الدائمة تعظيما للنور. والقبط تزعم أنه أول من عمل بيتا لتعظيم النار، وقيل إن حمير (1) الفارسي بنى بيتا للنار، وهو أول من عمل ذلك للفرس اقتداء بسهلون الملك بمصر. وكان السبب لعمل سهلون أنه رأى في منامه كأن أباه أتاه، فقال له انطلق إلى جبل كذا من جبال مصر، فان فيه كوة من صفتها كذا، فانك واجد على باب الكوة أفعى لها رأسان، فانها إذا رأتك كثرت في وجهك، فليكن معك طائران صغيران ذكر (2) وأنثى، فإذا رأيت الافعى فاذبح لها الطائرين وألقهما اليهما فانها تأخذ برأسيهما، وتنحاش بهما إلى سرب قريب من الكوة فتدخل فإذا غابت عنك فادخل الكوة تنتهي في آخرها امرأة عظيمة من نور حار يابس، فسوف يسطع لك وجهها وتحمى بحرارتها، فلا تدنو إليها فتحترق، وقف حذاءها، وسلم عليها، فانها تخاطبك، واسكن إلى خطابها، وانظر ما تقوله لك فاعمل به فانك تتشرف به. وهي حافظة كنوز جدك مصرام التي رفعها تحت مدائن العجائب المعلقة وهي تدلك عليها، وتنال مع ذلك شرفا وطاعة من قومك ورعيتك، ثم مضى وتركه.


1) لعل الصواب جمشيد. 2) في ب: ذكرا. (*)

[ 154 ]

فانتبه سهلون، وجعل يتفكر فيما رأى وتعجب منه وعزم أن ينفذ ما أمره به، فمشى إلى الجبل وحمل الطائرين معه وامتثل ما أمره به أبوه إلى أن وقف حذاء المرأة فسلم عليها، فقالت له أتعرفني ؟ قال لا، لاني ما رأيتك قبل وقتي هذا، قالت له: أنا صورة النار المعبودة في الامم الخالية، وقد أردت أن تحيي ذكري، وتتخذ لي بيتا وتوقد لي فيه نارا دائمة، بقدر واحدة، وتتخذ لي عيدا في كل سنة تحضره أنت وقومك، فانك تتخذ بذلك عندي أنلك بها شرفا إلى شرفك، وملكا إلى ملكك، وامنع عنك وعن قومك من يطلبك ويعمل الحيلة عليك، وأدلك على كنوز جدك مصرام. فضمن لها أن يفعل ذلك فدلته على الكنوز التي كنزها جده تحت المدائن المعلقة وكيف يصير إليها، وكيف يمتنع من الارواح الموكلة بها وما ينجيه منها. فلما فرغ مما أراده من ذلك، قال لها فكيف لي بأن أراك في الاوقات التي أريد وأحتاج أن أسألك عما يطرأ من الامور فأسير اليك ؟ قالت له اما هذا المكان فلا تقربه بعد وقتك هذا، ولكن إذا احببت ان تراني فدخن في الوقت الذي علمته لك بكذا وكذا، اشياء ذكرتها له: منها عظام ما يقربه من القرابين والذبائح، وصموغ الاشجار. فاني اتخيل لك واخبرك بكل حق وباطل يكون في بلدك. فلما سمع ذلك منها سر به سرورا عظيما، وغابت الصور، وظهرت الافعى، وخرج هاربا، فلما نجا جعل على الكوة سدا ولم يؤخر ما فعلته به. وأخرج كنوز جده وعمل بأمسوس وغيرها من العجائب ما يطول به الذكر، فمنها القبة المركبة على سبعة أركان، في بعض مصاحف القبط أن هذه القبة يقال لها قبة القضاء.

[ 155 ]

وكان السبب في بنيانها أن بعض الكهنة جار في قضية قضاها، وذلك أن بعض العامة أتاه يشكو امرأته، ويذكر أنها تأباه وهو يحبها وتبغضه، وسأل أن يقومها له بالاظهار، وكانت المرأة من اهل بيت الكاهن، فأما لها عن زوجها وأمره بتخليتها فلم يفعل، وحبسه وشدد عليه، وكان من اهل الصناعات. فاجتمع من اهل صناعته من كان قد عرف حاله، وحال المرأة معه، وأنها ظالمة له وهو لها منصف، وعلموا ظلم الكاهن له، فاستعدوا عليه عند خليفة الملك فأحضره وسأله عما ذكروه فذكر أنه لم يحكم إلا بواجب. فأحضر بعض رؤساء الكهنة، وأظهر القوم الذين شهدوا للرجل، فوقف على ظلم الكاهن. فأخرج الرجل من الحبس وحبس الكاهن مكانه، وامر بالمرأة أن تعاقب وترد عليه. ورفع ذلك إلى الملك فأمر أن يخرج ذلك الكاهن من رسم الكهان، وأن يحبس إلى أن يرى رأيه فيه، واهتم الملك لذلك وخاف أن يجري من غير ذلك الكاهن مثل ما جرى منه، وأن يكون ما قد أبرمه من امر المملكة واهلها لا يتحكم له حسبما أحب، وبات مهموما مفكرا. فلما أصبح اصطبح وتطيب وتكلم ودخن بالدخنة التي أمر بها فتجلت له تلك الصورة وخاطبته فسألها أن تعمل له عملا يقف به على حقيقة الظلم وخفيه، ويعرف المظلوم من الظالم. فأمرته أن يبني بيتا مركبا على سبعة أركان، ويجعل له سبعة أبواب، على كل ركن بابا، ويعمل في وسطه قبة من صفر، ويصور في أعلاها صور الكواكب السبعة. ويعمل على الباب الاول من القبة مثال اسد رابض وحذاءه من الجانب

[ 156 ]

الآخر لبوة رابضة من صفر ويقرب لهما جر وأسد، ويبخرهما بشعره. وعلى الباب الثاني، تمثال ثور وبقرة، ويذبح لهما عجلا، ويبخرهما بشعره وعلى الباب الثالث صورة خنزير وأنثاه، ويذبح لهما خنوصا، ويبخرهما بشعره. وعلى الباب الرابع صورة جمل وشاة، ويذبح لهما سخلة، ويبخرهما بشعرها. وعلى الباب الخامس صورة ثعلب وحدأة وانثاه، ويذبح لهما فرخ عقاب، ويبخرهما بريشه، ويلطخ وجوه جميعها بدم القربان، ثم يحرق بقية القرابين ويجعل رمادها تحت عتبة أبواب القبة، ويجعل لها سدنة يوقدون فيها المصابيح ليلا ونهارا سبعة ايام. فإذا فرغت من ذلك كله، فاجعل لكل مرتبة من تلك المراتب التي قسمتها وجعلتها على سبع طبقات بابا من تلك الابواب، وليكن باب الاسد لاهل المملكة وسائر الابواب لسائر المراتب، فانه إذا تقدم إلى شئ من تلك الصور أهل الخصومات التصق الظالم بها، وشدت الصورة عليه شدا عنيفا وآذته وآلمته حتى يخرج لخصمه من حقه، الذكر للذكر، والانثى للانثى، فتعرف بذلك الظالم من المظلوم. ومن كان له قبل أحد حق ودعاه إلى بعض الصور فلم يجئ معه، فأتاها المظلوم فعرفها بذلك أقعد الظالم من رجليه وخرس لسانه، ولم يتحرك من مكانه حتى ينصف صاحبه. فلم يؤخر الملك عمل القبة على ما أمرت به وشرع فيها من حينه، وأتمها على ما أحسن ما يكون هيئة وصلاحا، واستراح من الاهتمام بأمور الناس، فلم يتظلم بعضهم من بعض.

[ 157 ]

وعلم أنه لا يجوز لبعضهم ظلم بعض، مع تلك الصورة، فلم تزل تلك الصورة باقية إلى أن أزالها الطوفان مع ما أزال من اعمالهم وعجائبهم. وعملت في وقت سهلون اعمال كثيرة، وكتب سيرته وما ابتدعه من العجائب في مصحف، وعمل ادوية وعقاقير كثيرة وتماثيل متحركات. وأمر أن يحمل ذلك كله مع المصحف الذي كتب فيه سيرته ومع كنوزه وذخائره إلى ناووسه الذي يجعل فيه إذا مات، وهو قد عمله في الجانب الغربي ووضع فيه غرائب وحكمة، فلما مات عمل فيه ذلك. وملك بعد ابنه سوريد بن سهلون الملك، وحزن عليه هو واهل مملكته ورعيته، حزنا عظيما لم يحزن على ملك قبله، وكان ملكه مائة وتسعا وتسعين سنة. وأقام دولته ورعيته عند ناووسه شهرا ينوحون ويبكون، وأقاموا في ناووسه خدمة يخدمون أموره وسدنة يحفظون ما يجب حفظه منه، وجلس ابنه على سرير الملك، واقتفى سيرة أبيه في العدل والصلاح وعمارة الارض، وسياسة الناس والانصاف بينهم، والاخذ لهم من نفسه وأهل بيته. وهو أول من جبى الخراج بمصر، وألزم أهل الصناعات على أقدارهم، وأول من أمر بالانفاق على المرضى والزمنى من خزائنه وبنى المنارات، ونصب الاعلام والطلسمات والهياكل، وحسن عمارتها على أحسن ما تقدم لسواه، فأحبه الناس وحمدوا أمره، وعمل مرآة من أخلاط كثيرة، كان ينظر إليها فيرى الاقاليم، وما أخصب منها وما أجدب، وكلما يحدث فيها. وكانت على منارة من نحاس في وسط مدينة أمسوس. وتقول القبط إنه عملها لمصر خاصة، وكان يرى فيها جميع من يقصدها من

[ 158 ]

كل ناحية، ويعلم بذلك جميع من يقصدها (1) فكان يأخذ أهبته لذلك، وهو أول من عمل صحيفة في كل يوم يكتب فيها جميع ما يكون في يومه، وما يعمل فيه ثم ترفع إليه وتودع في خزائنه يوما فيوما، فإذا مضى الشهر نقلت صحائف أيامه إلى مصحف الملك وختم بخاتمه، وخلد في خزائنه وما صلح منه أن يزبره في الحجارة زبره. وكذلك ما عمل من الصنائع وما أحدث منها، وكان يعطي الرغائب على الصناعات العجيبة والحكم الغريبة. وعمل وسط المدينة صورة امرأة جالسة في حجرها صبي كأنها ترضعه، فكل امرأة أصابتها علة في جسمها مست من جسد تلك الصورة الممثلة، فيزول عنها ما تجده على ما كان. وكذلك إن قل لبنها، مسحت ثديها فكثر، وكذلك إن أحبت أن تعطف عليها زوجها مسحت وجهها بدهن طيب، وقالت لها افعلي كذا وكذا. وإن قلت حيضتها وفرقت منه مسحت تحت ركبها، وان اصاب ولدها شئ فعلت بالصبي كذلك فيبرأ، وإن عسرت ولادتها مسحت رأسي الصبي سهل، وكذلك البكر يسهل عليها افتضاضها، وإذا وضعت الزانية يدها عليها ارتعدت حتى تكف عن فجورها، وما كان من أعمال الليل يحدث ليلا، وما كان من النهار يحدث نهارا، وكانت تعمل اعمالا كثيرة إلى ان ازالها الطوفان. وفي بعض كتب القبط انها وجدت بعد الطوفان، وانهم استعملوها وعبدوها، وصورتها في جميع برابي مصر مصورة برسمها ملونة، والذي دلهم عليها كانوا


1) هكذا في الاصول مع هذا التكرار. (*)

[ 159 ]

قرابات فيلمون الكاهن، ودلوهم على جميع اعمال مصر، وسنذكر خبرهم في هذا الكتاب ان شاء الله تعالى. وعمل ايضا سوريد في وقته غرائب كثيرة منها الصنم الذي يقال له بكوس المعمول من الاخلاط الكثيرة في الطب، وكان يعمل اعمالا كثيرة في دفع الاسقام والعلل عن اهلها، ويعرفون به من يبرأ منهم فيعالجونه فيعيش، و [ يعرفون من يموت ] بعلامات تظهر منه، فيقصرون عن علاجه، وكان يزيل الاوصاب بأن يغسل الموضع بأزاء أصحاب العلل منه، ويسقى ذلك الماء الذي يغسل به لصاحب الداء فيزول عنه، وكثير من هذه الاعمال. وهو أول من عمل الابرقات الايرونيات، وزبر عليها جميع العلوم. وهو الذي بنى الهرمين العظيمين المنسوبين إلى شداد بن عاد، والقبط تنكر أن تكون العادية دخلت بلدهم، والعمالقة تقول سحرهم ومنعهم من ارادتهم بشر ما يريدونه بهم، وبذلك يقول الحرانيون، وقد نقل ذلك أبو معشر في كتاب الالوف. وكان سبب بناء سوريد للهرمين انه رأى رؤيا أثبتها في موضعها، فأحضر كهنته ومنجميه، وقص عليهم من نزول المرآة في صورة امرأة وانقلاب الارض بأهلها، وانكساف الشمس بأسرها، وهي الرؤيا بعد، فأخبروه خبر الطوفان أنه يكون على الصورة التي كان، وذلك مذكور في كتاب تاريخ يرويه المقربون عن آخرين من القبط وجد في بعض ذراريهم على صدر ميت، وذكر أنها من ولد رجل من اهل مصر الاوائل ممن نجا من الطوفان وركب مع نوح عليه السلام في السفينة، وكان ممن آمن به وحمل ابنيه وقيل بن مصرام بن حام وكان أبدع الناس فهما في العلوم. وكان في الكتاب أن الملك سوريد بنى في الصعيد ثلاث مدائن وعمل فيها

[ 160 ]

عجائب كثيرة، وسنذكر شيئا من أخبار هذين الاخوين إن شاء الله تعالى. وكان في الكتاب أن الملك سوريد بن سهلون ملك مصر لما رأى في منامه ما رأى، أخبر فيلمون رأس الكهنة بما رآه من الامور، أمرهم ان ينظروا فيما تدل عليه الكواكب من أحداث في العالم، فتصيب اكثره، فأقاموا لها في وقت مسألته اياهم مسألة امعنوا فيها النظر، فدلت على آية تنزل من السماء، وتخرج من الارض فتعم اكثر الارض، وهو طوفان عظيم لا يبقى به شئ. قال فانظروا هل ينجز ذلك ويعود أم يبقى هو معمولا دائما ؟ فنظروا فظهر أنه يعود العمران والملك، وكل شئ كما كان وعرفوه بذلك، فأمر حينئذ ببناء بربي وأعلام عظام له ولاهل بيته، تحفظ أجسادهم، وما أو دعوه بها من أموالهم وزبروا فيها وفي سقوفها وفي حيطانها واسطواناتها، جميع العلوم الغامضة، التي يدعيها أهل مصر بين جميع الامم، وصور فيها صور الكواكب العظام منها وصور الصغار منها، ورسم ذلك بعلامات تعلم بها. وزبر فيها أسماء العقاقير ومنافعها، وعمل الطلسمات وأشكالها، وعلم الحساب والهندسة، وغير ذلك مما ينتفع به مزبورا ومفسرا لمن عرف كتابهم ولغتهم. وقالوا إن هذه نازلة وكائنة إذا كانت تكون من جميع أقطار العالم إلا اليسير منه، وذلك كائن إذا نزل قلب الاسد بأول دقيقة من رأس السرطان وتكون الكواكب عند ذلك في هذه المواضع من الفلك يكون القمر مع الشمس في أول دقيقة من الحمل، وراوس وهو المشتري في سبع وعشرين درجة من الحوت والمريخ في ثمان وعشرين درجة وخمس دقائق من الحوت، وأفردوين وهو الزهرة في سبع وعشرين درجة وثلاث دقائق من الحوت،

[ 161 ]

وهرمس وهو عطارد في سبع وعشرين دقيقة من الحوت، وزحل والجوزاء في الميزان وأوج القمر في الاسد على خمس درجات ودقائق. فلما عملوا ذلك وتحققوه قال انظروا أيضا هل يكون بعد هذه الآفة آفة أخرى تنزل من السماء إلى الارض تكون ضد الاخرى التي تنزل أولا. وهي النار التي تحرق أقطار العالم، فعرفوه فقال انظروا متى يكون الكون الآخر وهو المضمر ؟ فنظروا فوجدوا أنه يكون إذ نزل قلب الاسد في آخر دقيقة من الدرجة الخامسة عشرة من الاسد فتكون الشمس معه في دقيقة واحدة متصلة بزحل تثليث الرأس، ويكون المشتري في الاسد غير مستقيم السير، وعطارد معه في دقيقة، ويكون القمر في الدلو متصلا بالذنب في اثني عشر جزءا، وتكون الزهرة في بعدها الابعد مستقيمة السير ويكون المريخ في الاسد مستقيم السير، ويكون في ذلك الشمس تنطبق منه [ على ] الارض [ انطباقا ] لم يعهد مثله. فعرفوا الملك بما ظهر لهم من ذلك، وقالوا إن قلب الاسد إذا قطع ثلاثة أدوار لم يبق من حيوان الارض شئ متحرك إلا تلف وهلك وإذا استتم أدواره تحللت أمر الفلك، فأمر الملك بقطع الاساطين العظام وبنشر البلاطات الهائلة واستخراج الرصاص من أرض المغرب، وإحدار الصخور من ناحية اسوان وكانت سوداء عظاما تساق في العجل، فجعل منها آساس الاهرام الثلاثة الشرقي والغربي والملون وجميعه من الحجر الملون الاسود والابيض. وقيل كانت لهم صحائف من خواص اشياء وعليها كتابات، فإذا قطع الحجر وتم احكامه وضعوا عليه تلك الاشياء وضربوه فيغدو بتلك الضربة ما يغيب به عنهم ثم يعاودون ذلك حتى يصل. أخبار الزمان م (11)

[ 162 ]

فوضعت آساس الاهرام بالدهشور منها الهرم الشرقي والهرم الغربي والهرم الملون. وكانوا يمدون البلاطة ويجعلون في وسطها قضيب حديد قائم، ثم يركبون عليها بلاطة اخرى مثقوبة الوسط، فيدخل ذلك في ذلك الثقب، ثم يذاب الرصاص ويصب حول البلاطة وفي الثقب بهندمة واتقان بعد تأليف ما فيها من النقوش والكتابة والصور، حتى بلغوها من ذلك إلى ما يحار فيه الوهم، وجعل ابوابها تحت الارض بأربعين ذراعا في آزاج مبنية بالرصاص والحجارة، طول كل أزج منها مائة وخمسون ذراعا. فأما باب الهرم الشرقي، فإنه من الناحية الشرقية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم. وأما باب الهرم الغربي فمن الناحية الغربية، وهو ايضا على قياس مائة ذراع من وسط الحائط، حتى تنزل إلى باب الازج المبني فتدخل منه. وأما باب الهرم الملون بلونين من الحجارة فمن الناحية الجنوبية يقاس أيضا من وسط الحائط الجنوبي مائة ذراع، ويحفر حتى يوصل إلى باب الازج والمبنى له، ويدخل منه إلى باب الهرم، وجعل طول كل واحد منهما في الهوى مائة ذراع بالذراع الملكي، وهو خمسمائة ذراع عندنا بذراعنا اليوم، وجعل ضلع كل واحد من جهاته مائة ذراع ورفعها في الاستواء حتى بلغ أربعين ذراعا فوق الارض، ثم هندمها من كل جانب حتى تحددت أعاليها عند آخر طولها. وكان ابتداؤهم لبنائها في وقت سعد اجتمعوا عليه وتخيروه، فلما فرغ منها كساها ديباجا ملونا من فوقها إلى أسفلها، وعمل لها عيدا لم يبق في المملكة أحد إلا حضره.

[ 163 ]

ثم أمر بعمل ثلاثين مخزنا بنيت من حجارة صوان ملونة في الهرم الغربي، وملئت بآلات الزبرجد والتماثيل المعمولة من الجواهر الغالية، والطلسمات الغريبة، وآلات الحديد الفاخر والسلاح الذي لا يصدأ، والزجاج الذي يطوى فينطوي ولا ينكسر، وأصناف العقاقير المفردات والمؤلفات، والسموم القاتلات وغير ذلك مما يطول وصفه، ولا يدرك عده. ونقل إلى الهرم الآخر وهو الشرقي أصنام الكواكب والقباب الفلكية، وما عمل أجداده من التماثيل والدخن الذي يتقرب بها إليها ومصاحفها، وما عمل لها من التواريخ والحوادث التي مضت والاوقات التي تحدث منها ما ينتظر، وذكر من يلي مصر إلى آخر الزمان، وكون أدوار الكواكب الثابتة وما يحدث في دورانها وقتا وقتا، وجعل فيها المطاهر التي فيها المياه المدبرات وما أشبه ذلك من هذه الاشياء. وجعل في الهرم أجساد الكهنة في توابيت صوان أسود، ومع كل كاهن مصحف فيه عجائب صنعته وعمله وسيرته وما عمل في وقته. وكانوا على مراتب المرتبة الاولى القاطرون (1) وهم الذين تعبدوا للكواكب السبعة لكل كوكب سبع سنين، ومعنى القاطر عندهم جامع العلم. والمرتبة الثانية لمن تعبد لستة وله أيضا اسم، والمرتبة الثالثة لمن تعبد لخمسة، والمرتبة الرابعة لمن تعبد لاربعة، والمرتبة الخامسة لمن تعبد لثلاثة، والمرتبة السادسة لمن تعبد لاثنين والمرتبة السابعة لمن تعبد لواحد (2) ولكل واحد من أصحاب المراتب السبعة اسم يعرف به. وجعل في جهة من الهرم مرتبة من هذه المراتب في توابيتهم، وجعل مع


1) في ب: الناظرون. وقد مضى أن الصواب القاطر بالقاف والطاء. 2) تقدم أن الذي يتعبد لكوكب واحد كان يسمى ماهرا. (*)

[ 164 ]

أجسادهم مصاحفهم كتبوها في ورق الذهب، ذكروا فيها جميع ما كان وما يكون وما قد عملوه من العجائب، وجعل في الحيطان من كل جانب كما تدور أصناما تعمل بأيديها جميع الصناعات، على مراتبها وأقدارها وصفة كل صنعة وعلاجها، وما يصلح لها. وكتب مزبورا على الصور جميع علاجات الاشياء كلها، وعلم النواميس، وعلم كل علم ثم جعل فيها أموال الكواكب التي أهديت إليها، وأموال الكهنة وقدر ذلك لا يحصى عددا ولا وزنا. وجعل لكل هرم منها خازنا، فصاحب الهرم الشرقي صنم مجزع من جزع أسد وأبيض له عينان مفتوحتان براقتان، وهو جالس على كرسي، ومعه شبه الحربة إذا نظر إليه ناظر سمع من جهته صوت يكاد ينزع قلبه فيهيم على وجهه ويختلس عقله، ولا يكاد يفارقه الهم حتى يموت منه. وجعل خازن الهرم الغربي صنما من حجر صوان مجزعا واقفا معه شبه الحربة على رأسه حية مطوقة، من قرب منه وثبت إليه من ناحية قصده، فتطوقت على عنقه فقتلته ثم عادت إلى رأس الصنم. وجعل خازن الهرم الملون صنما صغيرا من حجر البهت على قاعدة منه قائما، من نظر إليه اجتذبه الصنم حتى يلصق به، فلا يفارقه حتى يموت. فلما فرغ من ذلك ضمدها بالارواح الروحانية، وذبح لها الذبائح لتمنع من أنفسها من أراد الوصول إليها، إلا من قرب لها وعمل لها بأعمال الوصول. وذكرت القبط أن عليها كتابا منقوشا تفسيره بالعربية " أنا سوريد الملك الملك، بنيت هذه الاهرام في وقت كذا من الزمان، وأتممت بنيانها في ست سنين، فمن أتى بعدي، وزعم أنه ملك مثلي فليهدمها في ستين سنة، وقد علم أن الهدم أيسر من البنيان، وإني قد كسوتها بالديباج فليكسها من أتى بعدي حصيرا ! "

[ 165 ]

فوجدوا أنه لا يقوم بهدمها شئ في الازمان الطوال، وأن كسوتها أيضا بالديباج مما يشق على الملك، ويتعذر إلا بفساد عظيم، وبما لم يكن [ فيه ] صلاح. فمنها أن الرشيد لما دخل مصر، فرأى الاهرام أحب أن يهدم بعضها ليعلم ما فيه، فقيل له إنك لا تقدر على ذلك، فقال لابد من فتح شئ منه ففتحت الثلمة المفتوحة بنار توقد وخل يرش ومجانيق يرمى بها وحدادين يعملون ما فسد منها وأنفق عليها مالا عظيما فوجدوا عرض الحائط قريبا من عشرين ذراعا، فلما انتهوا إلى آخر الحائط وجدوا خلف النقب مطهرة خضراء فيها ذهب مضروب وزن كل دينار أوقية من أواقينا، وكان عددها ألف دينار فعجبوا من ذلك ولم يعرفوا معناه، فأخبروا بذلك الرشيد، وأتوه بالذهب والمطهرة فجعل يعجب من ذلك الذهب، ومن جودته وحسنه وحمرته، ثم قال ارفعوا إلي حساب ما أنفقتموه على هذه الثلمة ففعل ذلك فوجدوه بأزاء ذلك الذهب الذي أصابوه لا يزيد ولا ينقص، فعجب من معرفتهم بذلك على طول المدة، وأنهم يستفتحونه من ذلك الموضع بعينه وعجب من معرفتهم بقدر ما ينفق عليه، ومن تركهم ما يوازي في الموضع، عجبا شديدا كأن لهؤلاء القوم من العلوم منزلة لا نوازيها ولا ندركها نحن ولا أمثالنا. وقيل ان المطهرة التي وجد فيها المال كانت من زبرجد، فأمر بحملها إلى خزائنه وكانت أحد ما حمله من عجائب مصر. ومن عجائبها وما يستغرب منها أن الرشيد لما فتح تلك الثلمة من الهرم أقام الناس سنين يقصدونه ويدخلونه، وينزلون فيه من الزلاقة التي فيه، فمنهم من يسلم، ومنهم من يهلك، وأن جماعة من الاحداث اتفقوا وكانوا عشرين

[ 166 ]

رجلا على أن يدخلوا الهرم، ولا يبرحوا منه إلى أن يصلوا إلى منتهى آخره أو يموتوا عن آخرهم فيه. فأخذوا معهم من الطعام والشراب ما يكفيهم لشهرين، وأخذوا الاكل والوقيد والشمع والحبال والفؤوس، وما احتاجوه من الآلات والحديد للحفر، دخلوا الهرم ونزل أكثرهم في الزلاقة الاولى والثانية، ومضوا يمشون في أرض الهرم، فرأوا خفافيش على قدر العقبان تضرب وجوههم، وانتهوا إلى ثقب تخرج منه ريح باردة ولا تفتر، فذهبوا ليدخلوه فانطفأت مسارجهم، فذهبوا ليدخلوه فإذا الثقب على قاعة كبيرة فارغة، فعلموا أن أجساد موتاهم في ذلك الموضع، وأن معها كنوزهم وأموالهم، فراموا أن ينزلوه فلم يستطيعوا على ذلك. فقال أحدهم: شدوني بالحبال، وانزلوني في هذا الثقب حتى أصل إلى قعر هذه القاعة، ولعلي أعلم منها بعض ما تريدون، ففعل القوم بصاحبهم ذلك، وشدوا الحبال في وسطه وتعجم الثقب فأبطأ فيه، وهم يمسكون الحبال حتى انطبق الثقب عليه، فجذبه أصحابه بجهدهم وقوتهم فلم يقدروا على نزعه وسمعوا عظامه تتكسر وسمعوا صيحة هائلة سقطوا منها على وجوههم لا يعقلون، فقاموا وطلبوا الخروج، وضاق بهم الامر وصعدوا فسقط بعضهم من الزلاقة عند صعودهم، فترك وهلك. وخرج من بقي منهم من جميع الهرم، وجلسوا في صيحة متعجبين، فبينما هم كذلك إذ أخرجت لهم الارض صاحبهم من بين أيديهم حيا يتكلم بكلام كاهني لم يفهموا معناه، فسره لهم بعض أصحاب الدرايات بالصعيد بأنه " هذا جزاء من طلب ما ليس له " ثم سقط ميتا فحملوه، وفطن بهم فأخذوا وحملوا إلى الوالي، فحدثوا عن أنفسهم ذلك.

[ 167 ]

وفي حديث آخر أن قوما دخلوا الهرم وانتهوا إلى أسفله وطافوه فعرض لهم مثل الطريق، فساروا فيه فوجدوا كالمطهرة يقطر منها ماء يسير ثم يفيض فلم يدروا ما هو، ثم وجدوا موضعا كالمجلس المربع حيطانه من حجارة مربعة ملونة عجيبة صغار في نهاية من الحسن، فقلع أحدهم منها حجرا وجعله في فيه. فانسدت أذنه من الريح، ولم يزل يتصبر وهو معهم حتى دخلوا مكانا فيه كالقوارة العظيمة فيها ذهب مضروب كثير، أعمدته كلها في غاية من الاتقان زنة كل واحد منها الف دينار، فأخذوا منها واحدا، فلم يقدروا أن يتحركوا، ولا ان يمشوا حتى تركوه من أيديهم، ولم يصلوا منه إلى شئ. ووجدوا في مكان آخر كالصفة فيها صورة شيخ من صنم أخضر، مشتمل شملة، وبين يديه تماثيل صغار في صورة الصبيان وكأنه يعلمهم، فأخذوا منها واحدا فلم يقدروا أن يتحركوا. وساروا أيضا في تلك الطريق، فوجدوا بيتا مسدودا فيه دوي هائل وزمزمة، فلم يتعرضوا له، ومضوا فوجدوا مثل المجلس المربع فيه صورة ديك من جواهر قائم على اسطوانة خضراء، وله عينان يسرج المجلس منها، فلما دنوا منه صوت بصوت مفزع، وخفق بجناحيه، فتركوه ومضوا حتى وصلوا إلى صنم من حجر أبيض في صورة امرأة منكسة الرأس، وعن جانبيها أسدان من حجارة كأنهما يريدان أن يلتقماهما، فجعلوا يتعوذون ويقرأون إلى أن تجاوزوهما، وساروا إلى أن لاح لهم نور ساطع، فاتبعوه فإذا هم بهوة مفتوحة، فخرجوا منها، فإذا هم في الصحراء. وإذا على باب الهوة تمثالا [ ن ] من حجر أسود معهما كالمزراقين، فعجبوا

[ 168 ]

من ذلك ووجدوا شبه الطريق فساروا عليه يوما كلاما إلى أن وصلوا إلى الاهرام من خارج. وكان ذلك في زمان يزيد بن عبد الله والي مصر فأخبروه بذلك فاستعد ووجه معهم من يدخل الهوة فأطافوا أياما فلم يجدوها، وأشكل عليهم أمرها، ولم يكن لهم إليها سبيل ولا وجدوا فيها حيلة، والذي أخرج ذلك وحده جوهرة نفيسة باعها بمال خطير. وذكر أن قوما في وقت أحمد بن طولون دخلوا الهرم فوجدوا في طاق من أحد بيوته أشنانة زجاج فأخذوها وخرجوا بها فافتقدوا رجلا منهم فدخلوا في طلبه إذ خرج عليهم عريانا يضحك ويقول " لا تتعبوا في طلبي " ورجع هاربا إلى داخل الهرم، فعلموا أن الجن قد استهوته وشاع أمرهم. وقيل إن أحدهم سعى بهم فأخذ الاشنانة منهم، ومنع الناس من دخول الهرم، وأنهم وزنوا ذلك الاشنان فوجدوا فيه سبعة أرطال من زجاج أبيض صاف، فانتبه رجل من أهل المعرفة، وقال لم تتخذ الملوك هذه لباطل وما عملت إلا لشئ، ثم ملا الاشنان بالماء ثم وزنه فوجده ملاء مثل وزنه فارغا لا ينقص ولا يزيد. وحكي أن قوما دخلوا الهرم ومعهم غلام يعبثون به، فخرج عليهم غلام أسود في يده عصى، فأخذ يضربهم ضربا وجيعا فخرجوا هاربين وتركوا طعامهم وشرابهم وبعض ثيابهم، وقد أصاب قوم في بربا اخميم مثل ذلك. وحكي أن رجلا وامرأة دخلا للفجور فصرعا جميعا فلم يزالا مصحوبين مشهورين إلى أن ماتا. وفي بعض مصاحف القبط أن سوريد الملك لما أخبره كهنته بخبر النار المحرقة، التي تخرج من برج الاسد فتحرق العالم فعمل في الاهرم مسارب

[ 169 ]

يدخل منها النيل إلى مكان يعنيه ثم يفيض إلى موضع من أرض العرب وأرض الصعيد، وملا تلك عجائب وطلسمات وأصناما تنطق. وحكى بعض القبط أن سوريد الملك لما أخبره منجموه بما أخبروه قال انظروا بلدنا هذا هل تلحقه آفة ؟ فنظروا وقالوا يلحقه طوفان يأتي على أكثره، ويلحقه خراب يقيم فيه عدة سنين، ثم يغلب عليها العمران. قال وكيف يكون خرابها ؟ قال يقصدها ملك يقتل أهلها ويغنم مالها، قال ثم ماذا ؟ قالوا يكون عمارتها [ على يد ] من قتله قال ثم ماذا ؟ قالوا يقصدها قوم مشوهون من ناحية النيل فيملكون أكثرها قال ثم ماذا ؟ قالوا انقطع نيلها وتخلو من أهلها، فأمر أن يكتب ذلك ويزبر على الاهرام والاسطوانات والحجارة العظيمة. وذكر رجل من أهل المغرب ممن يختلف إلى الواحات، ويحمل الاسماك إلى الواحات على جمل له أنه بات قرب الهرم، فما زال يسمع الضوضاء والغطغطة فهاله ذلك، وتباعد عن الهرم بجمله ذلك، فكان يرى حول الهرم شبه النيران تتألق، فلم يزل مذعورا إلى أن غلبته عيناه فنام، فلما أصبح في الموضع الذي فيه السمك رأى سماكا آخر بحياله موضوعا فعجب من ذلك وشد سمكه على جمله وكر راجعا إلى الفسطاط، وحلف أن لا يقرب من الهرم بعد ذلك. وأما البرابي فلها أخبار يطول ذكرها وشرحها، وتحكي القبط في أمور الروحانيين الغالبين على الاهرام والبرابي. فذكروا أن روحاني الهرم الجنوبي في صورة امرأة عريانة مكشوفة الفرج حسناء لها ذؤابتان فإذا أردات أن تستهوي الانسان ضحكت في وجهه واجتلبته إلى نفسها فيدنو إليها فتستهويه ويزول عقله ويهيم.

[ 170 ]

وقد رأى جماعة هذه المرأة تدور حول الهرم وقت القائلة، وعند غروب الشمس. وروحاني الهرم الآخر غلام أمرد أصفر عريان له ذؤابتان، وقد رأوه أيضا [ بعد المغرب ] (1) مرارا يطوف حوله. وروحاني الهرم الملون في صورة شيخ نوتي عليه قرطلة (2)، وفي يديه مجمر من مجامر الطاس وهو يبخره وكذلك في جميع الابرونيات. وأما بربا أخميم فمعروف عند أهلها ان روحانيها غلام أسود عريان. وروحاني بربا سميرا هو في صورة شيخ أدم طوال أشيب صغير اللحية. وأما بربا قفط فروحانيته في صورة جارية سوداء، تحمل صبيا أسود صغيرا. وأما بربا دنونية فروحانيته في صورة إنسان رأسه رأس أسد وله قرنان. وأما بربا بوصير فهو في صورة شيخ أبيض عليه زي الرهبان، ومعه مصحف يحمله. وأما بربا عدنا فروحانيته في صورة راع عليه كساء ومعه عصا. ولاهرام دهشور روحانيون يراهم من قرب منها من نواحيها، على طول الايام، ولكلها قرابين وبخور يظهر بها كنوزها، وتؤلف بين الناس وبين الروحانيين الذين بها. فأقام سوريد مائة سنة وسبع سنين، وقد كان كهانه عرفوه الوقت الذي يموت فيه، فأوصى إلى ابنه هو جيف (3) وعرفه بما احتاج إليه وأمره أن يدخل جسده الهرم ويجعله في الجرن الذي قد اعده لنفسه ويغشيه بكافور، ويحمل معه ما اعد من فاخر المتاع ومن السلاح والآلات، فامتثل هوجيت (4) جميع ما امره به.


1) عن ق. 2) هكذا في الاصول. 3) في ق: هرجيب. (*)

[ 171 ]

وتولى أمر الملك بعده أبنه هوجيت الملك فسار سيرة أبيه في العمارة والعدل والرقة والرأفة بالناس فأحبوه. وبنى الهرم الاول من أهرام دهشور، وحمل إليه كثيرا من الاموال والجوهر، وكان غرضه جمع المال وعمل الكيمياء وإخراج المعادن ودفن كل ما تهيأ له من الكنوز في كل سنة. وكانت له قصة مع بعض جواريه (1) فنفاها إلى ناحية الغرب، وأمر فبنيت لها هناك مدينة وأمر أن يقام فيها علم ويزبر عليها اسمها وقصتها، وأسكن معها كل امرأة مسنة من أهل بيته. وشج في أيامه رجل رجلا فأمر بقطع أصابعه، وسرق سارق مالا لرجل فملك رقه للذي سرق منه. وعمل منارات ومصانع وطلسمات، وملكهم تسعا وتسعين سنة ومات. وملك عليهم ابنه مناوس الملك، وكان جبارا عظيما وعذابا أليما (2) فآذى الناس، وسفك الدماء، واغتصب النساء، واستخرج كنوز بابل، وبنى قصورا بذهب وفضة، وفجر فيها الانهار، وجعل حباءها من صنوف الجواهر وتمخرق في الهبات على غير ما يجب، وأغفل العمارات. وأباح أصحابه غصب نساء العامة، وكان هو يفتض النساء قبل أزواجهن، وأطاف به أهل الشر من كل ناحية، فأبغضه الناس وكرهوا أيامه. وامتنع عليه قوم في شئ أمرهم به فأحرقهم بالنار، وسلط رجلا من الجبارين يقال له قرناس من ولد إدريس بن آدم على محاربة الامم القريبة في الماء فقتل منهم عالما كثيرا وحده.


1) في ق: وكانت له بنت أفسدت مع بعض خدامه فنفاها. 2) في ق: وكان جبارا أثيما، شيطانا رجيما. (*)

[ 172 ]

وكان أشجع اهل زمانه، ثم هلك فاغتم عليه الملك، وأمر أن يدفن مع الملوك في الهرم، ويقال بل عمل له وأقام عنده أعلاما، وزبر عليه اسمه وما عمل في وقته من الحروب. وأقام مناوس ملكا ثلاثا وسبعين سنة، ومات وجعل في الهرم مع أجداده في حوض من صوان أبيض مصفح بالذهب والجوهر، وجعل معه كثير (1) من ذخائره وأمواله وعجائبه. وملك عليهم ابنه افراوس (2) الملك، وكان عالما محنكا فخالف أباه في فعله، وعدل في الناس ورد النساء اللاتي غصبهن أبوه إلى أزواجهن. وعمل في وقته قبة طولها خمسون ذراعا وعرضها مائة ذراع، وركب في جوانبها أطيارا تصفر بأصناف الاصوات المطربة لا تفتر، وعمل في وسط المدينة منارا من صفر عليه صورة رأس إنسان من صفر كلما مضت ساعة من الليل والنهار صاح ذلك الرأس فيعلم بصياحه دخول ساعة ويعرف من كل سمعه عدة الساعات. وجعل منارا آخر وجعل فيه قبة من صفر مذهب ولطخه بلطوخات، فإذا غربت الشمس اشتعلت تلك القبة نورا فيضئ لها كثيرا من المدينة مشبها بالنار لا تطفيها الرياح، ولا الامطار، فإذا كان النهار قل ضوؤها لنور الشمس. ويقال إنه أهدى إلى الدرمشيل الملك ببابل مدهنة من زبرجد قدر خمسة أشبار، وكان استهداه ذلك ليجعلها في بيت القربان. ويقال انها وجدت بعد الطوفان، ويقال إنه عمل في الجبل الشرقي صنما عظيما قائما على قاعدة مصبوغا بلطوخ أصفر مموه بالذهب وجهه إلى الشمس


1) في ب: كثيرا. 2) في ق: أقروش. (*)

[ 173 ]

يدور معها إلى ان تغرب في الغرب ثم يدور ليلا حتى يحاذي الشمس مع الصبح. ويقال إن أفروسا كان يطلب الولد في وقته فنكح ثلاثمائة امرأة يبتغي أن يولد له منهن فلم يكن ذلك. ويقال إن في وقته عقمت أرحام النساء والبهائم، ووقع الموت لما كان الله عزوجل قدره من هلاك العالم بالطوفان. وقيل إن الاسد كثرت في وقته حتى كادت ان تدخل البيوت، فاحتالوا لها بالطلسمات المانعة والحيل المضرة بها، وكانت تغيب شيئا وتعود، فرفعوا ذلك إلى الملك وقالوا هذه علامة مكروهة، فأمر أن يعمل لها أخاديد وتملا نارا وجلبوا إليها الاسد بالدخن التي تجذب روحانيتها إليها، وألقوها على النيران فاحترقت. وبنى في وقته مدائن في ناحية الغرب تلفت في الطوفان مع أكثر مدنهم، وارتفعث الامطار عنهم، وقل الماء في النيل فأجدبوا وهلكت الزروع بالحر والريح الحارة وغير ذلك، فأضر ذلك بهم فاحتالوا لدفع النار بطلسماتهم، وكانت تذهب ثم تعود. وقيل ان الذي فعل ذلك بهم ساحر من سحرتهم كان مناوس قد غصب امرأته فأعمل الحيلة قليلا قليلا في افساد طلسماتهم، لان لكل طلسم شيئا يقوي روحانيته وشيئا آخر يفسدها. ولهذه العلة دخل بخت نصر الفارسي مصر، وكانت ممتنعة من جميع الملوك فلما أفسد الساحر طلسماتهم سلط عليهم تلك الآفات وأفسد طلسم التماسيح فهاجت عليهم ومنعتهم الماء، وعذبتهم عذابا كثيرا إلى أن فطنوا به من قبل تلاميذه.

[ 174 ]

وذلك أن بعض تلاميذه لامه على ما يفعل من المضرة بقومه، فانتهره ونفخ في وجهه، فأظلم عليه بصره فرفع التلميذ أمره إلى وزير الملك، فعرف الوزير الملك بالامر، فأمر الملك بادخال التلميذ إليه، فدخل وعرفه بصورة الحال، فأنفذ الملك إلى الساحر جيشا ليأتوه به، فلما نظر الساحر إلى القوم مقبلين إليه دخن بدخنة أغشت أبصارهم، وارتفعت منها عجاجة صارت نارا مضرمة حالت بينهم وبين الساحر، فهالهم أمره وخافوا على أنفسهم منه فرجعوا إلى ملكهم، وعرفوه بما جرى، فأمر الملك باحضار جميع السحرة. وكان رسم السحرة عندهم أن يعاهدوا ملوكهم على أن يكونوا أبدا معهم ولا يخالفوهم ولا يقصدوهم بمكروه ولا يبغونهم الغوائل، فمن فعل ذلك منهم سلب منزلته وما يملكه، وكان للملك أن يسفك دمه ودم أهل بيته، وكانوا مع الملوك على هذه الحالة، وكانوا مع ذلك يوفون بعهدهم ولا ينقضون شيئا من عهدهم. فلما اجتمع السحرة عند الملك أخبرهم خبر الساحر، وكان يقال له أجناس وما فعله من الفساد ونقضه للعهد، وقال لهم إن لم تحضروه أهلكت جميعكم، فسألوه النظر في الامر، فأخذ أولادهم ونساءهم رهائن بذلك وأنظرهم. فلما خرجوا من عنده تكلموا بينهم وقالوا إنكم تعلمون كثره علم أجناس وشدة سحرة، وانا ما لنا به طاقة، ومناوس الملك هو الذي نقض عهده، وتعدى عليه وغصبه امرأته، فينبغي لنا أن نخلص أنفسنا منه، فأجمعوا أمرهم على أن ينصرفوا إلى الملك واستأذنوه في الذهاب إليه ومداراته وتوبيخه والرفق به حتى يأتوا به الملك بأمان يأخذونه له منه، فيجدد العهد بينه وبين الملك، ففعلوا ذلك وأجابهم الملك إلى ما سألوه من ذلك، ثم مضوا إلى أجناس ولطفوا به، وقالوا له إنا ما نجهل حقك وعظم أمرك وإنا بقدرك

[ 175 ]

وكثرة علمك عارفون، ولم يكن في قدر الجناية التي جنت عليك قدر ما فعلته من الاضرار بأهل بلدك الذي أنت منهم، ولا في الواجب أن تهلك عالما كثيرا من الناس لجناية جناها عليك مناوس، ولا يجب على ملكنا وملك اليوم الذي عهده لازم لنا ولك من فعل أبيه بك وبسواك عقوبة. ولسنا نأمن أن تسلب علمك وتصير إلى أقبح عملك، فتهلك مذموما وتمضي غير مفقود، فلم يزالوا به حتى أجابهم إلى ما أرادوه، وكتبوا بذلك إلى الملك فكتب له أمانا وجدد له عهدا ورجع إلى ما كان من طاعة الملك وحسن رأيه فيه. وردت إليه امرأته فأكرمها وردها إلى قصر الملك وعرفهم أنه لا يرى في دينه أن يلامس امرأة لامسها الملك على حال من الاحوال، لما كانوا يرعون من طاعة الملوك ويعظمون من حقوقهم، فسر الناس بذلك وعجبوا من عقله وحكمه وصلح الملك والناس وعمل لهم أجناس هذا عجائب وطلسمات كثيرة. وملكهم افراؤس أربعا وستين سنة، وهلك وليس له ولد ولا أخ، فدفن في الهرم وجعلت معه أمواله وذخائره وجوهره والصنائع التي عملت في وقته. واجتمع الناس على تمليك رجل من أهل المملكة يقال له ارمافيوس (1) فلما ملك أمر بجمع الناس إليه، فلما اجتمعوا بين بديه قال لهم: إني أرى من حولكم من الامم مسارعة إليكم وغالبة على عداوتكم وأنا مانع بلدكم منهم وحام دياركم ودماءكم وقد تطرفت نواحيكم ويوشك أن تسير إليكم وأنا أريد


1) في ق: أرمالينوس. (*)

[ 176 ]

منعهم بعدوهم وأقصدهم في بلادهم وتخويلكم إياهم، فأحتاج إلى معرفة حكمائكم بالاعمال الهائلة والتماثيل العجيبة فشكروه ودعوا له بالتوفيق والسعادة الكاملة، وقالت الحكماء: نحن نخرج مع الملك ونبلغه محابه فيما يريده من أعدائه، ونحن نخدم الجيش مكانه، ونبذل أنفسنا دونه، فشرع في ذلك. وخرج في جيش عظيم، وحارب تلك الامم، فنكاهم نكاية شديدة، ورجع غانما، وخلف في وجوهها جيشا، فتألفت تلك الامم على ذلك الجيش من كل جانب فهزمته، ورجع أصحابه مغلوبين فغاظه ذلك. وقد كان أصابته علة في سفره من تغير الاهوية وتبديل الماء، فأنفذ ابن عم له يقال له فرعان بن ميسون، وكان أحد الجبابرة الذين لا يطاقون وهو أول فرعون تسمى بهذا الاسم، وتسمى به بعده من تشبه به. وقال أصحاب التاريخ من أهل مصر، إن أول من تسمى بفرعون غلام الوليد ابن دمع العماليقي، يقال له فرعون كان قد هرب من مولاه لما رجع من طلب النيل، وبنى المدينة التي يقال لها مدينة العقاب وتحصن بها، فقيل له فرعون وسنذكر خبره في موضعه. فانفذ الملك ابن عمه فرعان في جيش عظيم، فأجلى تلك الامم ونفاها إلى أطراف البحر وكر راجعا ومعه رؤس كثيرة وخلق كثير أسارى. فأمر الملك بنصب الرؤس حول المدينة، وقتل من صلح للقتل، وكان فيهم كاهن منهم فأمر أن ينشر بمنشار، وهو أول من فعل ذلك. وأعظم الملك ابن عمه فرعان وأكرمه وألبسه حللا منظومة بالجوهر، وأمر أن يطاف به ويذكر فضله، ثم أنزله في بعض قصوره. وأن امرأة من نساء الملك عزيزة عليه عشقت فرعان، فأرسلت إليه

[ 177 ]

تدعوه إلى نفسها فامتنع من ذلك خوفا من الملك، ولان التخطي كان عندهم إلى نساء الملك عظيما. فلما طال عليها شوقها إليه أحضرت امرأة ساحرة من نساء الكهنة ولا طفتها حتى أنست بها، فذكرت أمر فرعان وما تجده من سببه وامتناعه عليها، فضمنت لها بلوغ محبتها منه، فسحرته بدخن كان عندها عملته له حتى اهتاج إليها وقدم على ودها وسهل عليه ما صعب من أمره، ودست إليه فأجابها واجتمع بها وتمكن حب كل واحد منهما من صاحبه، ودام الامر بينهما وتمادى الانس إلى أن ذاكرته أمر الملك وأنها لا تأمن أن يصل خبرهما به فيهلكا، وقالت له اعمل الحيلة في قتله، وأنت ابن عمه فيكون [ لك ] الملك من بعده ونأمن على أنفسنا، فلشدة حبه لها استحسن ذلك واستدعى بسم فدفعه إليها، فدسته في شراب الملك فمات لوقته، ودفن في الهرم مع الملوك. وجلس فرعان الملك على سرير الملك، ولبس التاج ولم ينازعه أحد، وفرح الناس بمكانه لما كان عليه من الشدة والجرأة. وأن فرعان علا في الارض وتجبر، وهو الذي كان الطوفان في وقته، وغصب الناس أموالهم وعمل في طريق الظلم ما لم يعمله أحد، وأسرف في القتل وامتثل أصحابه فعله، فهابته الملوك، وأقروا له، وهو الذي كتب إلى الدرمشيل بن يمحويل ملك بابل يشير عليه بقتل نوح عليه السلام. وذلك أن الدرمشيل كتب إلى الآفاق يستعلم أهلها هل يعرفون آلهة غير الاصنام ؟ ويذكر قصة نوح عليه السلام، وأنه يريد تغيير ما هم عليه من عبادة الاصنام، ويزعم أن له إلها غيرها لا يرى فكل أنكر ذلك. أخبار الزمان - م (12)

[ 178 ]

ولما أخذ نوح عليه السلام في عمل السفينة كتب فرعان يأمره بقتل نوح وحرقها فأشار عليه بعض وزرائه أن لا يفعل وأن يدعها فان كان ما ذكره نوح حقا ركبها الملك وأهل بيته فقبل رأيه وتركها وهم بقتل نوح فمنعه الله منه. وكان عند أهل مصر علم الطوفان، ولم يقدروا كثرته ولا طول مقامه على وجه الارض، فاتخذوا السراديب تحت الارض وصفحوها بالزجاج وحبسوا الريح فيها بتدبيرهم، واتخذ الملك فيلمون رأس الكهنة مع نفسه، عدة له ولاهل بيته. وقد كان فرعان أقصى الكهان وباعدهم، فرأى فيلمون الكاهن ليلة في منامه كأن مدينة أمسوس قد انقلبت (1) بأهلها وكأن الاصنام قد انقلبت (1) على وجوهها وكأن ناسا من السماء ينزلون ومعهم مقامع يضربون بها الناس، وكأنه تعلق بأحدهم، وقال لهم: لاي شئ تفعلون بالناس ولا ترحمونهم ؟ قال: لانهم كفروا بإلههم بالذي خلقهم، قال: أما لهم خلاص ؟ قال: نعم من أراد الخلاص فعليه بصاحب السفينة. فانتبه مرعوبا وقام حيرانا لا يدري ما يصنع، وكان له امرأة وولدان ذكر واثنى وسبع تلاميذ فأجمع على أن يلحق بنوح عليه السلام. ثم نام أيضا فرأى في نومه كأنه في روضة خضراء، وكأن فيها طيورا بيضاء يفوح منها رياح المسك، وكأنه كان يعجب من حسنها، إذ تكلم بعض الطيور فقال سيروا بنا لعلنا ننجو مع المؤمنين، فقال له ومن هم المؤمنون ؟ قال أصحاب السفينة. فانتبه مرعوبا وأخبر أهله وتلاميذه بذلك واستكتمهم إياه ثم نظر في تخفيف اثقاله، وفي بيع ما يجب بيعه مستترا بذلك كله.


1) في ب: أقبلت. (*)

[ 179 ]

فلما فرغ مما أراده دخل على الملك وقال له إن رأى الملك أن ينفذني إلى الدرمشيل لارى هذا الرجل الذي عمل السفينة وأناظره وأجادله على ما جاء به من هذا الدين لذي يظهره، وأتبين حقيقة أمره فليفعل، فعسى أن يكون سبب هلاكه ودفعه عما يدعيه، فأعجب الملك منه وأمره بالخروج، وكتب معه إلى الدرمشيل. فسار فيلمون بأهله وولده ومضى معه تلاميذه حتى انتهوا إلى أرض بابل فقصد نوحا فأخبره بما قصده، وسأله أن يشرح له دينه ففعل نوح عليه السلام ذلك، فآمن به فيلمون وجميع من معه، ولم يقصد فيلمون إلى الدرمشيل ولم يدفع إليه كتاب فرعان ولا رآه. فقال نوح عليه السلام " من أراد الله به خيرا لم يصرف عنه ذلك " فلم يزل الكاهن مع نوح عليه السلام يخدمه هو وتلاميذه وولده إلى ان ركبوا السفينة. وأقام فرعان الملك متمكنا في ضلاله وظلمه، مدمنا على لهوه وقد استخف بالهياكل، فضاقت أرضهم بها، وكثر الظلم والهرج وفسدت الزروع وأجدبت الارض من كل ناحية، وظلم الناس بعضهم بعضا، ولم ينكر ذلك عليهم، وسدت الهياكل والبرابي وطبقت أبوابها، فجاءهم الطوفان وأقبل عليهم المطر في اربع وعشرين من الشهر. وكان فرعان سكرانا فلم يقم إلا والماء قد عظم، فوثب مبادرا يريد الهرم فتخلخلت الارض به، وسبق يريد الابواب فخانته رجلاه وسقط على وجهه، وجعل يخور كما يخور الثور إلى أن أهلكه الطوفان ومن دخل منهم الاسراب مات بغمها (1) ولحق الماء من [ أعلى ] (2) الاهرام إلى حد التربيع، وأثره ظاهر عليه إلى الآن.


1) هكذا في الاصول، وفي ق: ولعل الصواب بفمها، أي قبل أن يصل إليها. 2) زيادة عن ق. (*)

[ 180 ]

وقد ذكر أن مواضع سلمت من الطوفان يذكر ذلك الفرس، وتزعم أنها لا تعرف الطوفان، وكذلك الهند تزعم أنها لا تعرفه وليس بين أهل التاريخ اختلاف في عموم الطوفان لجميع الارض. ذكر ملوك مصر بعد الطوفان أجمع اهل مصر (1) أن أول من ملك مصر بعد الطوفان مصرايم بن بيصر (2) ابن حام بن نوح عليه السلام وذلك بدعوة سبقت له من جده. والسبب في ذلك أن فيلمون الكاهن سأل نوحا أن يخلطه بأهله وولده، وقال له: يا نبي الله إنني تركت أهلي وولدي فاجعل لي رفقة أذكر بها بعد موتي، فزوج عليه السلام مصرايم بن بيصر بن حام بنت فيلمون، فولدت له ولدا فسماه فيلمون باسم جده. فلما أراد نوح عليه السلام قسمة الارض بين بنيه، قال له فيلمون: ابعث معي يا نبي الله ابني، حتى أمضي به إلى بلدي وأظهره على كنوزه، وأوقفه على علومه وأفهمه رموزها، فبعثه مع جماعة من أهل بيته، وكان غلاما مراهقا. فلما قرب من مصر بنى له عرشا من أغصان الشجر، وستره بحشيش ثم بنى له بعد ذلك مدينة في الموضع بنفسه وسماها درمان (3) أي باب الجنة وزرعوا وغرسوا الاشجار.


1) في ق: أهل الاثر. 2) في ب: مصريم بن تنصر، والتصحيح عن ق. 3) في ق: درسان. (*)

[ 181 ]

وكان بين درمان إلى البحر زروع وأجنة وعمارة، وكان القوم الذين كانوا مع مصرايم جبابرة، فقطعوا الصخور وبنوا المصانع والمعالم، وأقاموا في أرغد عيش. ونكح مصرايم بنتا من بنات الكهنة، فولدت له ولدا فسماه قبطيما، وتزوج بعد تسعين سنة من عمره مرأة أخرى فولدت له أربعة نفر: يقطويم، واشمون، وابريت، وصابي، فكثروا وعمروا الارض وبورك لهم فيها. وقيل ان عدد من كان مع مصرايم ثلاثون رجلا من الجبابرة، فبنوا مدينة سموها ناقة، بلغتهم معناها ثلاثون، وهي مدينة منف. وكشف فيلمون الكاهن لمصرايم عن كنوز مصر وعلمه قراءة خط البرابي وما زبر على الحجارة، وعرض عليهم معادن الذهب والفيروزج والزبرجد وغير ذلك، ووصف لهم عمل الصنعة فجعل الملك أمرها إلى رجل يقال لسنطاس (1) ثقة من أهل بيته، فكان يعملها في الجبل الشرقي، فسمي الجبل به المقطم. وعلمهم أيضا عمل الطلسمات وكانت تخرج من البحر دواب وتفسد زروعهم، وما قارب البحر من جهاتهم فعملوا لها الطلاسم فغابت ولم تظهر بعد. وبنوا على غير البحر مدنا منها رقوده بمكان الاسكندرية، وجعلوا وسطها قبة من نحاس مذهب والقبة مذهبة. ونصبوا فوقها مرآة معموله من أخلاط شتى قطرها خمسة أشبار، وكان ارتفاع القبة من الارض خمسمائة ذراع، فكانوا إذا قصدهم قاصديهم بأذاهم


1) في ق: وكان عنده رجل ماهر يقال له مقيطام يعمل لهم الكيمياء والطلسمات الغريبة. (*)

[ 182 ]

من البحر عملوا لتلك المرآة عملا فألقت شعاعها إلى ذلك القاصد ومراكبه فأحرقتهم اجمعين، ولم تزل على حالها حتى غلب عليها البحر فهدمها. ويقال ان منارة الاسكندرية إنما عملت تشبيها بها، وقد كانت أيضا عليها مرآة يرى فيها من يقصدها من بلاد الروم، فاحتال عليها بعض الملوك، فوجه إليها من أزالها، وكانت من زجاجة مدبرة. ولما حضرت مصرايم الوفاة عهد إلى ابنه، وقد كان قسم أرض مصر بين بنيه فجعل نم قفط إلى اسوان لقبطيم، وجعل لا شمون من أسوان إلى منف، ولا بريت الحوف كله، ولصابي ناحية البحر إلى قرب برقة والغرب، فهو صاحب افريقية وولده الافارق، وأمر كل واححد من بنيه أن يبني مدينة لنفسه في موضعه وأمرهم عند موته أن يحفروا في الارض سربا ويفرشوه بالمرمر، ويدفنوه فيه ويدفنوا معه جميع ما في خزائنه من الذهب والفضة والجوهر. ويزبروا على ذلك أسماء الله العظام المانعة من الحوادث. فحفروا له سربا، طولا مائة وخمسون ذراعا، وجعلوا في وسطه مجلسا مصحفا بصفائح الذهب، وجعلوا للمجلس أربعة أبواب على كل باب تمثال من ذهب عليه تاج مرصع بالجوهر، جالس على كرسي من ذهب قدامه آنية زبرجد، ونقشوا في صدر كل تمثال آيات مانعة، واجلسوا جسده في مجلس زبرجد أخضر، وزبروا عليه " مات مصرايم بن بيصر بن حام بعد سبعمائة سنة مضت لايام الطوفان، مات ولم يعبد الاصنام، فصار إلى حيث هو لا يوم هرم ولا سقم ولا حزن، وجعل جسده وماله في هذا السرب وحصنه بأسماء الله العظام، وبما لا يصل إليه بعده إلا ملك له من جدوده سبعة ملوك يأتي في آخر الزمان، يدين للملك الديان، ويؤمن بالمبعوث بالقرآن، الداعي إلى الايمان في عواقب الازمان ".

[ 183 ]

وجعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط، وألف تمثال من الجوهر النفيس، وألف برنية ذهب مملوءة درايق سما، وألف آنية مملوءة بالصنعة الالهية والعقاقير السرية، وجعلوا مع ذلك طلسمات عجيبة، وسبائك ذهب مكدسة بعضها على بعض، وسقفوا ذلك بالصخور العظام، وهالوا عليه التراب والرمال حتى سدوا ما بين جبلين متقابلين، وجعلوا عليه علامات لا تخفى. وولي الملك بعده ابنه قبطيم الملك، ويقال ان القبط منسوبون إليه وهو أول من عمل العجائب، واثار المعادن، وشق الانهار، ويقال انه [ لحق ] (1) البلبلة، وخرج منها بهذا اللسان القبطي، وعمل ما لم يعمله أبوه من العمارات، ونصب الاعلام والمنارات والعجائب والطلسمات. وملكهم قبطيم ثمانين سنة، وهلك فاغتم عليه بنوه وأهله، ودفن في سرب تحت الجبل الكبير الداخل، وصفح بالمرمر الملون، وجعل فيه منافذ للريح فهي تتخرق فيه بدوي عظيم هائل، وجعل فيه كروس نحاس مطلية بأدوية تضئ أبدا كأنها سرج لا تطفأ، ولطخوا جسده بالمرمر والكافور والمومياء وجعلوه في جرن من ذهب وثياب منسوجة بالمرجان والدر، وكشفوا عن وجهه في جرنه تحت قبة على عمد من مرمر ملون وفي وسط القبة جوهرة معلقة تنير كالسراج، وبين كل عمودين تمثال في يده أعجوبة، وجعل تحت الجرن توابيت حجارة مملوءة جوهرا وذهبا وغير ذلك من التماثيل والصنعة، وحول ذلك مصاحف الحكمة، وسدوا عليه، وزبروا عليه كما زبروا على تابوت أبيه. وتولى الامر بعده ابنه قفطويم الملك، وكان أكبر ولد أبيه، وكان جبارا


1) زيادة عن ق. (*)

[ 184 ]

عظيم الخلق، وهو الذي وضع أسرار الاهرام بالدهشور وغيرها، ليعمل ما عمله الاولون، وهو الذي بنى مدينة زرنده. وهلكت عاد بالريح في آخر أيامه، وأثار من المعادن ما لم يثره أحد، وكان يجد الذهب على قدر الرحى والزبرجد مثل الاسطوانة، وغرس الا سارح في صحراء الغرب مثل النخلة. وعمل من العجائب كثيرا، وعمل منارا عاليا في جبل قفط يرى منه البحر الشرقي، ووجد هنالك معادن زئبق فعمل منه بركة عظيمة، فقيل إنها هناك إلى اليوم. وفي زمانه أثار ابليس وأعوانه الاصنام التي كان الطوفان أغرقها، وزينوا أمرها وعبادتها. ويقال ان قفطويما بنى المدائن الداخلة، وعمل فيها عجائبا، منها الماء الملفوف القائم كالعمود ولا ينحل ولا يذوب ويسمى فلطيس، وصيادة الطير (1) إذا نصبها ومر عليها الطير سقط فيها ولم يقدر أن يبرح منها حتى يؤخذ. وعمل بها أيضا عمودا من نحاس عليه صورة طائر، فإذا قرب الوحش والاسد والحيات من المدينة صفر ذلك الطائر صفيرا عاليا، فترجع تلك الدواب هاربة. وكان للمدينة أربعة أبواب جعل لها أربعة أصنام، على كل باب صنم من نحاس لا يعبر غريب الا ألقى عليه النوم والسبات، فينام عند الباب فلا يبرح نائما حتى يأتيه أهل تلك المدينة، فينفخوا في وجهه فيقوم، فان لم يفعلوا ذلك لم يزل نائما حتى يهلك. وعمل منارا لطيفا من زجاج ملون على قاعدة من نحاس، وعلى رأس المنارة


1) في ق: والبركة التي تسمى فلسطين أي صيادة الطير، لا يمر عليها طير الا سقط فيها. (*)

[ 185 ]

صورة صنم من زجاج كبيرة، وفي يده كالقوس، وكأنه يرمي به، فان عاينه غريب وقف في موضعه ولم يبرح حتى يجيئه أهل المدينة. وكان ذلك الصنم يتوجه من ذات نفسه إلى مهب الرياح الاربع، وقيل ان هذا الصنم على حاله إلى اليوم، وإن الناس تحاموا تلك المدينة على ما فيها من الكنوز والعجائب الظاهرة خوفا من ذلك الصنم، فإذا وقع عين انسان عليه لا يزال نائما حتى يهلك. وقد كان بعض الملوك عزم على قلعه بما أمكنه، فهلك في ذلك خلق كثير، ولم يقدر عليه. وقيل إنه عمل في بعض المدن الداخلة مرآة يرى الانسان فيها جميع ما يسأل عنه. وعمل من خلف الجبل وبين الواحات الداخلة مدنا، وعمل فيها عجائب كثيرة، ووكل بها الروحانيين الذين يمنعون منها، فلا يستطيع أحد أن يدنو منها ولا يدخلها حتى يعمل عقدا بين أولئك الروحانيين، فيصل حينئذ إليها ويأخذ من كنوزها ما أحب من غير مشقة ولا ضرر. فأقام قفطويم ملكا أربعمائة سنة، وأكثر العجائب انما عملت في وقته ووقت أبيه. وأمر قفطويم فعمل له ناووس في الجبل الغربي قريب من المدينة مدينة العمد، وقد كان عمل لنفسه قبة قبل موته في سرب تحت الارض معقود على أرج تحت الارض على هيئة الدار في سعة كثيرة، وعمل حول دورها خزائن واسعة منقورة في الجبل أيضا، وجعل في سقوفها مسارب للريح، وبلطت مع السرب وجميع الدار بالمرمر، وجعل في وسط الدار مجلسا على ثمانية

[ 186 ]

أركان مصفحا بالزجاج الملون المسبوك، وجعل في سقفه جواهر وحجارة تسرج. وفي كل ركن من أركان المجلس تمثال ذهب بيده كالبرق الذي يبرق، وعمل في وسط المجلس بركة مصفحة بالذهب، وعمل لها حواشي زبرجد وفرش حرير، وجعل على جسده بعد أن لطخ بالادوية المجففة، وجعل حواليه ألف آنية من كافور، وأسدلت عليه ثياب منسوجة بالذهب ووجهه مكشوف، وعلى رأسه تاج مكلل، وعن جوانب البركة أربعة تماثيل من زجاج مسبوك في صورة النساء وفي ألوانهن، وبأيديهن كالمراوح من ذهب، وعلى صدره من فوق الثياب سيف فاخر من أفخر الحديد قائمه من زبرجد. وجعل في تلك الخزائن من الذخائر وسبائك الذهب والتيجان والجواهر، وأواني الحكم وأصناف العقاقير، ومن الطلسمات العجيبة، والمصاحف الحاوية لجميع العلوم ما لا يحصى قدره كثرة. وجعل على باب المجلس صورة ديك من ذهب على قاعدة من زجاج أخضر، وهو ناشر الجناحين مزبور عليه آيات عظام مانعة، وجعل على كل مدخل أزج صورتين من نحاس مشوهتين، بأيديهما سيفان كالبرق وبين أيديهما بلاطة تحتها لوالب لابد من وطئها إذا أراد أن يدنو منها، فإذا وطأها ضرباه بسيفهما فقتلاه. وفي كل أزج كوة فيها لطوخ مدبرة تسرج وتضئ طول الزمان، وسدت أبواب الازج بالاساطين المرصعة ورصوا على السقف البلاطات العظام، وردموا فوقها بالرمال. وزبروا على باب الازج الاول في حجر عظيم " هذا المدخل إلى جسد الملك العظيم المهيب الكريم قفطويم ذي الايد والقوة والفخر والغلبة والقهر،

[ 187 ]

حل هذا الموضع بجسده وبقي ذكره وعلمه فلا يوصل إليه، ولا يقدر عليه بحيلة إلا بعد مدد ودورات تمضي من السنين ". وملك بعده ابنه البودشير (1) الملك فتجبر وتكبر، وعمل بالسحر، واحتجب عن العيون، وقد كان أعمامه صابي وأبريت ملوكا على مواضعهم، إلا أنه كان أكبرهم سنا، فلذلك أذعنوا له. فيقال إنه أرسل إلى هرمس المصري فبعثه إلى جبل القمر الذي يخرج النيل من تحته، حتى عمل له هناك هيكلا للتماثيل من نحاس، وعمل البطيحة التي ينصب عليها ماء النيل. ويقال انه هو الذي عدل جنبي النيل، وقد كان يفيض في بعض مواضع وربما انقطع في مواضع، وأمره البودشير أن يسير مغربا لينظر ما هناك، فوقع إلى أرض واسعة متخرقة بالمياه والعيون كثيرة العشب، فبنى بها منائر ومتنزهات وأقام بها، وحول البودشير جماعة من أهل بيته، فعمروا تلك النواحي وبنوا فيها حتى صارت أرضا عامرة كلها، وأقاموا بذلك مدة كبيرة، وخالطهم البربر ونكح بعضهم في بعض. ثم انهم تحاسدوا وتباغوا وكانت بينهم حروب افنتهم، فحينئذ خرب البلد وباد أهله الا بقية منازل تسمى الواحات. ويقال إنه عمل في وقته كثيرا من العجائب، فمنها قبة لها أربعة أركان في كل واحد منها كوة يخرج منها دخان ملتف (2) في ألوان شتى في يوم معلوم في السنة من أول سنتهم. فإذا خرج الدخان أخضر دل على العمارة والخصب وحسن الزرع وصلاح النبات، وإن خرج الدخان أبيض دل على الجدب وقلة الخيرات، وإن خرج


1) في ق: البودسير. وفي ب: في هذا الموضع فقط البودشيم. 2) في ق: ملفف. (*)

[ 188 ]

أحمر دل على الدماء والحروب وقصد الاعداء، وإن كان أسود دل على كثرة الامطار والسيول وفساد بعض الارض بذلك، وان كان أصفر دل على النيران وعلى آفات تحدث في الفلك. وما كان منه يخرج مختلط اللون دل على مظالم الناس وفساد بعضهم لبعض وإهمال ملوكهم الامور، وأشياء تدل على هذا الضرب، وكانت هذه القبة على منارة أقامت زمانا من ملكه ثم هدمها. ومما عمل له أيضا بالغرب في الصحراء التي تقرب منه، وكانت الوحوش قد كثرت عليهم وأفسدت زرعهم، وكذلك خنازير الماء، فعمل شجرة من نحاس أقامها في موضع فما وصل إليها من الوحش لم يستطع الحركة ولا البراح من عندها حتى تؤخذ قبضا فيقتل، فاتسع الناس في لحوم تلك الوحوش، فوجه بعض الملوك المجاورين لمصر عن احتيال لتلك الشجرة فقلعها واحتملها ليضعها في بلده فيعمل له مثلها، فلما قلعت من موضعها بطل عملها فلم ينتفع بها، لانهم كانوا يعملون ما يعملونه من ذلك بطالع يأخذونه فلا يزال مستقيما إلى أن يغير مكانه وينقل عنه. ومما عمل في وقته أن غرابا نقر عين صبي من أولاد الكهنة فقلعها، فعمل أبوه شجرة من نحاس عليها غراب في منقاره حية بادية الطرفين، وهو ناشر الجناحين، وكتب على ظهره كتابا، فكان الغربان يقعن على تلك الشجرة حتى يمتن أو يؤخذن فيقتلن، فهلك كثير منها وانتفى إلى الشام وغيرها من النواحي. ولم يزل الامر كذلك إلى أن صار لبعض ملوكهم داء لم يكن له دواء إلا أن يطبخ له غراب فيأكل من لحمه ويشرب مرقه، فطلب له غراب فلم يكن في وجوده حيلة، فوجه إلى ناحية الشام من يأتيه بغراب فأبطأ وزادت علته

[ 189 ]

فاغتاظ، وأمر بنزع الشجرة فنزعت فرجعت الغربان فأخذ منها الملك ما يعالج به، فلم يعد رسوله من ناحية الشام حتى خرج الملك من علته. ومما عمل في وقته، وكانت الرمال قد كثرت عليهم من ناحية الغرب حتى ربما طمت زروعهم، فعمل لذلك صنم من صوان أسود على قاعدة منه وفي يده كالقفة فيها مسحاة ونقش على جبهته وصدره وذراعيه وساقيه كتابات، ووجه به إلى المغرب، وجعل هناك فانكشفت تلك الرمال وزحفت بها الرياح إلى ورائها لتلك الآكام العالية في صحراء المغرب، فلم يزل الرمل يندفع عنهم إلى وراء ذلك الصنم حتى صار بحيث لا يؤذيهم منه شئ ولا يضرهم. فأقام البودشير مدة ثم احتجب عن الناس [ وكان يتجلى لهم في صورة وجه عظيم يكون ذلك في النادر ] (1) وربما خاطبهم من حيث لا يرونه وصبروا وهم في طاعته مدة طويلة، إلى أن رآه عديم ابنه وهو يأمره بالجلوس مكانه على سريره [ فجلس ] (1) فتولى الامر بعده وجلس على سرير ملكه ابنه عديم الملك، وكان جبارا لا يطاق عظيم الخلق، فأمر بقطع الصخور ونحتها ليبني هرما كما فعل الاولون. وكان في وقته الملكان اللذان أهبطا من السماء، ويقال إن عديما استكثر من علمهما، ثم انتقلا إلى بابل. وأهل مصر والقبط يقولون إن هذين شيطانان يقال لهما مهلة ومهالة، وإن الملكين ببابل في بئر هناك يغشاها كثير من السحرة إلى أن تقوم الساعة ومن ذلك الوقت عبدت الاصنام، واتخذت الاوثان، وقال قوم كانت


1) زيادة عن القرماني. (*)

[ 190 ]

الشياطين تظهر فتنصبها لهم، وقال قوم بل النمرود الاول أمر بنصبها وعبادتها. وعديم الملك أول من صلب، وذلك أن امرأة زنت برجل من أهل الصناعات وكان لها زوج فأمر بصلبهما، على منابر وجعل ظهر كل واحد منهما إلى ظهر صاحبه، وزبر على المنابر اسميهما وما فعلاه، وتاريخ الوقت الذي عمل ذلك فيه، فانتهى الناس عن الزنا. وبنى أربع مدائن وأودعها كثيرا من صنوف العجائب والطلسمات وغير ذلك، وكنز فيها كنوزا كثيرة وعمل على البحر الشرقي منارا، وأقام على رأسه صنما موجها إلى الشرق، باسط اليدين يمنع جميع دواب البحر والرمال أن تتجاوز حده، وزبر على صدره تاريخ الوقت الذي نصبه فيه. ويقال إن هذا المنار قائم إلى وقتنا هذا، ولولا هذا المنار لغلب الماء المالح على ارض مصر من البحر الشرقي. وعمل قنطرة على النيل في ارض النوبة، ونصب عليها أربعة أصنام موجهة إلى أربع جهات، في يد كل صنم منها سيف يضرب به إذا أتى آت من تلك الجهة، فأقامت على حالها مدة إلى أن تهدمت. وهو الذي عمل البربا، وهي هناك إلى اليوم، ويقال انه عمل في إحدى المدائن الاربع التي ذكرنا [ ها ] حوضا من صوان اسود على ماء لا ينقص مدى الدهر، ولا يتغير بما اجتلب إليه من رطوبة الهواء والماء. وعمل فيه حيلا عجيبة، وكان أهل تلك الناحية، وأهل تلك المدينة يشربون وينفقون منه، ولا ينقص ماؤه، وعمل ذلك لهم لبعدهم من النيل وقربهم من البحر المالح. وذكر بعض كهنة مصر أن ذلك إنما تم لقربهم من البحر المالح، لان الشمس فيما ذكروا يرتفع نحوها بخار البحر وعذوبة ما فيه.

[ 191 ]

فحبس هو من البخار جزءا بالهندسة وبالطلسمات السحرية، وجعله ينحط في ذلك الحوض، ويمده الهواء برطوبته فلا ينقص ماؤه على الدهر، ولو شرب منه العالم. وقد عمل أمام البربا حوضا لطيفا مدورا وجعله على قاعدة وملاه ماء، وحبس عليه جزء من البخار الرطب، فالخلق يشربون منه ولا ينقص وهو هناك إلى هذا الوقت. وعمل أيضا قدحا لطيفا على مثل العمد، وأهداه حويل الملك إلى الاسكندر اليوناني، وملكهم مائة سنة وأربعين سنة، ومات وهو ابن تسعمائة سنة وثلاثين سنة. وقيل إنه دفن في إحدى المدن ذوات العجائب في أزج من رخام ملون مبطن بزجاج أصفر، وطلي جسمه بما يمسكه، وجعل حوله كثير من ذخائره، وذلك في وسط المدينة وهي محروسة بمن يمنع منها من الروحانيين. وذكر بعض أهل القبط أن ناووس عديم عمل له في صحراء قفط على وجه الارض، وهو قبة عظيمة من زجاج أخضر براق معقود على ثمانية آزاج من صنفها، وعلى رأسها كرة من ذهب عليها طائر من ذهب ناشر الجناحين موشح بجواهر تمنع من الدخول، وفي قطرها مائة ذراع في مثلها. وجعل جسده في وسطها على سرير من ذهب مشبك بجوهر عقيق، وعليه ثياب منسوجة بالذهب مكشوف الوجه. والآزاج مفتوحة، طول كل أزج منها ثمانية أذرع، وارتفاع القبة أربعون ذراعا، يلقي نورها على ما حولها من الارض، لصفاء لونها وبريقها، وجعل معه في القبة مائة وسبعون مصحفا من مصاحف الحكمة، وسبع موائد عليها أوانيها منها.

[ 192 ]

ومنها مائدة من ذهب عليمون أحمر يخطف الابصار، وهو الذي يعمل منه تيجان الملوك وأوانيها منها، ومائدة من حجر الشمس المضئ وأوانيها منها، ومائدة من الزبرجد الاخضر الذي يخطف لونه البصر وله شعاع أصفر، وهو الذي إذا نظرت إليه الافاعي سالت عيونها وآنيتها منها، ومنها مائدة من كبريت أحمر مدبر على ما ذكروه من تدبيرهم في مصاحف كتبهم وأوانيها منها، ومنها مائدة من ملح أبيض براق صاف يكاد لونها يعشي البصر وأوانيها منها، ومنها مائدة من زئبق معقود حافتاها وقوائمها زئبق أصفر معقود، وأوانيها عليها من زئبق أحمر معقود، وجعل معه في القبة جواهر كثيرة وبراني بلور مملوءة بغرائب مدبرة، وجعل حوله سبعة أسياف صاعقية وكاهنية، وأتراس حديد مدبر أبيض، وجعل معه تماثيل افراس سبعة من ذهب عليها اللجم، وسروج من ذهب، وسبعة توابيت من صوان أسود مملوءة من الدنانير التي كان ضربها، وصور عليها صورته، وجعل معه من أصناف العقيق والسموم والادوية المدبرة في أواني الحنتم والحجازة على ضروبها شئ كثير. وقد ذكر من رأى القبة أنه مشى إليها مع جماعة وأقاموا عليها أياما، فما قدروا على دخولها، وأنهم إذا وصلوا إليها على ثمانية أذرع دارت القبة عن أيمانهم من شمائلهم، وقد رأوا ما فيها، ومتى دنوا منها دارت إلى جانب آخر. ومن عجائب شأنها أنهم كانوا يحاذونها من كل أزج، ويتأملونها أزجا أزجا، فلا يرون من أزج إلا ما يرون من أزج آخر على شكل واحد، ومعنى واحد وذكروا أنهم رأوا وجهه على قدر الذراع والنصف، ولحيته كبيرة مكشوفة، وقد رأوا بدنه بطول عشرة أذرع وزيادة، وذكروا أنهم رأوا

[ 193 ]

فيها عجائب كثيرة وصنوفا من الوحش لم ير مثلها. وفي كتاب القبط أنه لا يوصل إليها إلا ان يذبح لها ديك أبيض أفرق، ويبخر بريشه على بعد، وترسل البخور مع الريح على بعد حتى يصل إليها، ويكون بالكواكب النيرة على ما كانت عليه وقت نصبها، ويكون زحل والمشتري والمريخ في برج واحد والزهرة وعطارد في برج، ويتكلم عليها بصلاة الكهنة سبع مرات، فإذا وصل إليها لطخ حائطها بدم الديك الذي ذبح ويأخذ عند دخولها من المال والتماثيل ما استحسن ولا يكثر فيها من الجلوس وذكر أن هؤلاء الذين رأوها لم يكونوا من أهل الناحية، وإنما خرجوا يطلبون غيرها، وأنهم سألوا أهل قفط عنها، فما وجدوا أحدا يعرفها ولا رآها غير شيخ منهم. فانه ذكر أن ابنا له خرج في بعض الامور، ومعه جمل، وأنه رآها ولم يصل إليها فبحث عن أمرها، فعرف أن قوما من أهل المشرق جاءوا في طلب هذه القبة وأنهم أقاموا بقفط أياما وخرجوا يريدونها، فما رجع منهم أحد ولا عرف لهم خبر. وكان عديم الملك قد أوصى ابنه قبل موته أن يطوف ماشيا على أعمال بلاده، وأن ينصب في كل جزء من أجزاء عمومته منارا، ويزبر عليه اسمه ويعمل له علامات وملاعب. وعمل في صحرائها منارا، وعمل عليه صنما ذا رأسين مقترنين، وسار إلى جزء إبريت فبنى به قبة على عمد وعلى أساطين بعضها فوق بعض وجعل على أعلاها صنما صغيرا من ذهب. أخبار الزمان م (13)

[ 194 ]

وعمل هيكلا للكواكب، وكان أبوه البودشير أول من أقام للكواكب هيكلا، فتبعه ابنه على ذلك، ومضى إلى جزء صابي فعمل به منارة على رأسها امرأة من أخلاط ترى الناظر إليها جميع الاقاليم. ثم رجع إلى أبيه فولاه الملك بعده وعهد إليه بما أراد ووصاه، ثم مات أبوه فلما أودعه الناووس، وفرغ منه جلس على سرير الملك شدات (1) الملك، وهو الذي بنى الاعلام بالدهشور بالاحجار التي قطعت في زمان أبيه. وقال الذين ينكرون أن العادية دخلت مصر انما غلط الناس في اسم شدات فقالوا شداد بن عاد لكثرة ما يجري على ألسنتهم شداد وقلة ما يجري شدات. وما قدر أحد قط من الملوك أن يدخل مصر الا عبد لبخت نصر بما قدمه من الحيل في افساد طلسماتها. وشدات الملك هو الذي عمل مصاحف الزيجات التي يذكر فيها الملوك، ويقال انه وجد في بعض رموزهم ومصاحف كهانهم ان الملك بودشير بن قفطويم لما أجهد نفسه في عبادة الانوار العلوية، وعرف ان روحانياتها قد صارت فيه حبب إليها نفسه، وجوعها واستغنى جسده عن الطعام والشراب، فلما أدمن ذلك اشتاقته الانوار العلوية واشتاقها، فرفعته إلى مواضعها، وبرأته من شرور الارض المؤلمة، وجعلته نورا سابحا داخلا في نورها، يتصرف بتصرفها، فطوبى له من كاهن عرفت له كهانته، وأكرم بها وصير ملكا، فسبيل من بعده ان يبلغ خطته ويجعل بمثابته. وهذا الكلام وشبيهه تضليل للناس لانهم كانوا يتعبدون للكواكب، فيقولون مثل هذا ترغيبا في دينهم.


1) في ق: شداد. (*)

[ 195 ]

وقد قالوا أيضا انهم على توحيد الله وان مدحهم لهذه الوسائط المدبرات لا يضر خالقها، وانهم يعظمونها تقربا إليه، كما قالت الهند والعرب وكثير من الامم. وعمل شدات هيكل أرمنت وأقام فيه أصناما للكواكب من ذهب وفضة وحديد ابيض ورصاص مصفى وزئبق معقود، وهذه الاجساد المعدنية في طباع الكواكب وقسمتها. فلما فرغ منه زين بأحسن الزينة، ونقش بأحسن النقوش، وأمر فزين بالجواهر الملونة، والزجاج الملون، وكسي بالوشي والديباج، ولم يترك شيئا من الغريب الا عمله فيه، وكذلك عمل في المدن الداخلة من جزء صابي هيكلا مثله، والقبة التي عملها بجزء ابريت، وعمل هيكلا بشرف الاسكندرية، وعمل لزحل صنما من صوان اسود على عبر النيل من الجانب الغربي. وبنى شدات في الجانب الشرقي مدائن، وجعل في أحدهما صورة صنم قائم له احليل ظاهر إذا اتاه المعقود والمسحور والعنين الذي لا ينتشر احليله بكلتا يديه زال عنه ذلك وانتشر وقوي على الباه. وعمل في احداها بقرة لها ضرعان كبيران إذا مسحتهما المرأة التي نقص لبنها وتعقد ضرعها در وصلح. وفي أيامه بنيت العالية، بناها لابن له كان سخط على أمه فحولها إليها، وأسكنها قوما من أهل الحكمة ومن أهل الصناعات. وقيل ان سفط بنيت في أيامه والصورتين اللتين بها الملتصقتان للمهل، وكانت الحبشة والسودان عاثوا في بعض بلده فأخرج ابنه منقاوس (1) في جيش


1) في ق: منقاوش. (*)

[ 196 ]

عظيم إليهم فقتل منهم وسبا، وكل من سباه استعبده فصار ذلك سنة فيهم. واقتطع معدن الذهب، وأقام فيه من سباه منهم يعملون الذهب ويحملونه إليه، وألزم المقام معهم من يحرسهم من جيشه. وهو أول من أحب الصيد واتخذ الجوارح وولد الكلاب السلوقية من الذئاب والكلاب الاهلية، وعمل البيطرة وجميع ما يعالج به الدواب، وعمل من العجائب والطلاسم لكل شئ ما لا يحصى كثرة. وجمع التماسيح في بركة في ناحية اسيوط بطلسم لها، وكانت تنصب إليها من النيل انصبابا فيقتلها، ويستعمل جميع جلودها في السفن وغيرها، ويدخل لحومها وشحومها في الاغذية ومؤلفات العقاقير. والقبط تحكي انه عمل بمصر اثنتي عشرة اعجوبة وطلسما، ولم يعمل في بلد ما عمل فيها ولا تهبأ ذلك له، وقد بقيت آثار أكثرها قائمة بعد خرابها وإفساد معالمها. واقام شدات بن عديم تسعين سنة ملكا، وخرج فطرد صيدا فأكب به فرسه في هوة فقتله. وفي بعض كتبهم أنه أخذ بعض خدمه، وقد خالفه في امر من الامور، فألقاه من اعلى الجبل إلى اسفله فتقطع ثم ندم على ذلك من فعله، ورأى انه سيصيبه مثل ذلك، وكان يتوقى ان يصعد جبلا، وأوصى ان اصابه شئ ان يجعل ناووسه في الموضع الذى يلحقه فيه ما يلحقه، وان يزبر عليه " ليس ينبغي لذي القدرة ان يخرج عن الواجب، وان لا يفعل ما لا يجوز له فعله، وهذا ناووس شدات بن عديم بن قفطويم الملك، عمل ما لا يحل فكوفئ عليه ". ولما هلك عمل سرب في سفح الجبل عليه قبة على مجلس قد صفح بالفضة

[ 197 ]

واجلس فيه على سرير ملكه، وجعل معه من المال والجوهر والتماثيل واصناف الحكم والمصاحف شئ كثير، ومات وله أربعمائة واربعون سنة. وولي الامر من بعده ابنه منقاوس الملك فقام مقام أبيه، وملك بحزم وحكمة فأظهر مصاحف الحكمة، وأمر بالنظر فيها وان تنسخ بخط العامة ليفهموها، ورد الكهنة إلى مراتبهم. وهو أول من عمل الحمام من ملوك مصر وكان كثير النكاح، وتزوج عدة نسوة من بنات عمه ومن بنات الكهنة، وجعل لكل امرأة منهن مكانا قد أصلحه بالبنيان العجيب والصور المونقة والفرش الحسنة، والآلات العجيبة، وأسكنهن فيها. وقال بعض أهل الاثر إنه هو الذي بنى منف لبناته، وكن ثلاثين بنتا ورحلهن إليها، وعمل مدنا غيرها ومصانع، وبنى هيكلا لصور الكواكب وأصنامها على ثمانية فراسخ من منف، وعمل بتلك الناحية طلسمات كثيرة وغرائب أغرب فيها بفضل حكمته على أبيه وجده، وعمل للسنة اثني عشر عيدا يعمل في كل عيد من الاعمال ما كان موافقا لبرج الشهر، وكان يعظم الناس في تلك الاعياد ويوسع عليهم في أحوالهم وأرزاقهم، ورأوا معه من الخير ما لم يروه مع غيره، وفتح عليه من المعادن ما لم يفتح على أحد قبله. وألزم أصحاب الكيمياء العمل، فكانوا لا يفترون ليلا ولا نهارا، فاجتمعت عنده أموال عظيمة وجوهر كثير وزجاج مسبوك من الادرك وغيره، فأحب كنزها، فدعا أخا له كان يكرمه ويحبه، فقال له قد كثر ما عملناه من التماثيل، وعظم ما ادخرناه من الذهب والجواهر، ولست آمن أن يتسامع الملوك بكثرة ذلك، فيتألفوا على غزونا فخذ ذلك كله، وتوجه به

[ 198 ]

فأمعن في أرض الغرب، ثم انظر مكانا حريزا خفي الاثر فأحرزه فيه. وأسس عليه وعلمه بعلامات واكتب صفة المكان وعلاماته ومن أين الطريق إليه، وعد الي إن شاء الله تعالى. فيقول أهل الاثر انه حمل مع نفسه إثنا عشر الف عجلة، منها من الجواهر النفيسة ثلاثمائة، وسائرها ذهب إبريز، وصفائح مضروبة، وطرائف الملوك من آلاتهم وسلاحهم وأوانيهم، وسار في الجنوب يوما واحدا، ثم سار في الغرب يوما كاملا وبعض آخر، فانتهى في اليوم الثالث إلى جبل أسود منيع ليس له مصعد بين جبال مستديرة به، فعمل تحت ذلك الجبل أسرابا ومغاير فدفن فيها ما كان معه، وردم عليه كما أمره أخوه، وعلم وزبر وأتقن ذلك جهده، ورجع إلى أخيه فأعلمه. فمكث بعد ذلك أربع سنين يبعث في كل سنة عجلا كثيرا فيدفن فيها في أكواخ شتى، وهو الذي عمل بيتا فيه تماثيل تنفع من جميع العلل، وكتب على رأس كل هيكل تمثال ما يعالج به، فانتفع الناس بها زمانا إلى أن أفسدها بعض الملوك بالحكمة. وفي هذه المدينة صورة امرأة من حجر مبتسمة لا يراها مهموم إلا تبسم ونسي همه، وكان الناس يتناوبونها، ويطوفون حولها، ثم عبدوها من بعد. وعمل تمثالا طائرا روحانيا من ظفر مذهب كأنه يشير بجناحيه، ووضعه على اسطوانة في وسط المدينة، وكان لا يمر به زان ولا زانية إلا كشف عورته بحضرته، وكان الناس يمتحنون به فامتنع الناس من الزنا فرقا منه، فأقاموا كذلك إلى زمان فاكن (1) الملك ففسد أمره وبطله.


1) هكذا في الاصل، ولعله كلكن. (*)

[ 199 ]

وذلك أن امرأة من نسائه وكانت حظية عنده عشقت رجلا من خدام الملك وخافت أن يرقى ذلك إلى الملك فيمتحنها من ذلك الصنم فتفتضح فيقتلها، فأقامت مفكرة في الحيلة في ذلك، إلى أن خلا بها في بعض الليالي وهما يشربان فأخذت في ذكر الزواني وسبهن وذمهن، فذكر الملك ذلك للصنم، وما فيه من المنافع للناس وما يستحق من فعله من الثناء والذكر الحسن، فقالت له إنه لكذلك وقد صدق الملك غير أن منقاوس لم يصب الرأي في أمره، فقال: وكيف ؟ قالت: لانه أتعب نفسه وحكماءه فيما جعله لصلاح أمر العامة دون أمر نفسه، وهذا أكبر العجز، وإنما كان حكم هذا التمثال أن ينصب في دار الملك حيث يكون نساؤه وجواريه، فان اقترفت إحداهن ذنبا علم الملك به وجازى عليه في ستر، ولم تعلم العامة شيئا منه، فيكون ردعا لمن في قصره عماتهم به مغتلمة، وقد غلبتها شهوتها مرة ربما في عمرها لان شهوات النساء أكثر من شهوات الرجال، وأغلب لنقصان عقولهن عن عقول الرجال، وأما الآن فلو حدث شئ من ذلك في قصر الملك، وأعوذ بالنور الاعلى منه، وأحب امتحانه فضح نفسه، وشاع في العامة والخاصة امره، فان عاقب بغير امتحان كان متعديا، وإن صبر صبر على المكروه. قال الملك صدقت فيما قلت وأنزل قولها على النصيحة والصدق، وعلم أنها لم تشر بذلك إلا لامر وقفت عليه، ولم ترد كشفه، فلما أصبح نزع الصنم من موضعه ووضعه في قصره في مكان أعد له بلا مهلة ولا مشاورة حكيم ولا عالم، فلما نصب في القصر امتحن مرارا فلم يصنع شيئا عند الامتحان. وندم الملك على تحريكه وأقبلت جارية الملك على ما كانت همت به من الفجور وانهمكت فيه. وهذه الاعمال إنما تعمل بعد رصد الكواكب واختبارات أماكنها في الواجب من أوقات المعمول له ذلك.

[ 200 ]

وقد ذكر أهل اخميم أن رجلا من أهل المشرق، وكان يلزم البربا ويأتي إليه كل يوم ببخور وخلوق فيبخر ويطيب صورة كانت في عضادة باب البربا فيجد تحتها عند رجليها دينارا فيأخذه وينصرف، ففعل ذلك وأقام عليه مدة طويلة، حتى وشى به غلام إلى عامل البلد، فقبض عليه فبذل له الرجل مالا، وخرج عن البلد. ويقال إن منقاوس بنى هيكلا للسحرة على جبل القمر، وقدم عليه رجلا منهم يقال له مستهمس، وكانوا لا يطلقون الريح للمراكب المقلعة إلا بغرامة يأخذونها منهم، وكان الملك إذا ركب عملوا بين يديه التماثيل الهائلة فيجتمع الناس ويتعجبون من أعمالهم وأمر أن يبنى له هيكل للعبادة يكون له خصوصا، ويجعل فيه صورة الشمس والكواكب، وجعل حوله أصناما وعجائبا، فكان الملك يركب إليه ويقيم فيه سبعة أيام وينصرف، وجعل فيه عمودين، وزبر عليهما تاريخ الوقت الذي عملا فيه وهما باقيان إلى اليوم، وموضع ذلك يقال له عين شمس. ونقل منقاوس إلى عين شمس كنوزا وجواهر وطلسمات وعقاقير ودفنها بنواحيها. وكان قد قسم خراج البلد أرباعا، فربع منها للملك خاصة ينفقه فيما يشاء ويفعل به ما يريد، وربع لارزاق الجند، وربع ينفقه في مصالح الارض، وما يحتاج إليه من عمل جسورها وحفر خلجانها وأجبر أهلها على العمارة، وربع يدفن لحدث يحدث. وكان خراج البلد يومئذ مائة ألف ألف وثلاثة آلاف ألف (1) وقسمتها على ثلاثمائة كورة وثلاث كور.


1) في ق: وكان خراج مصر إذ ذاك مائة الف الف الف وثلاثمائة دينار. (*)

[ 201 ]

وهي اليوم خمسة وثمانون كورة، أسفل الارض خمسة وأربعون كورة، والصعيد أربعون كورة. وكان في كل كورة كاهن يدبر أمرها، وصاحب حرب، وأقام ملكا إحدى وسبعين سنة، ومات من طاعون أصابه، وقيل إنه سم في طعامه، وعمل له ناووس في صحراء القبط، وقيل في غربي قوص، ودفن معه من المصاحف وأكاسير الصنعة المعمولة وتمثيل الذهب والجوهر، ومن الذهب المضروب شئ كثير. وقد كانت ماتت له قبل موته جارية كانت أحظى نسائه عنده، وكان يحبها حبا شديدا، فأمر بعمل صورتها في جميع الهياكل، وعمل له تمثالها بذؤابتين من ذهب أسود، وألبسه حلة من جوهر منظوم، وجعلت جالسة على كرسي من ذهب، وكانت تحمل بين يديه في كل موضع يجلس فيه ليتسلى بذلك عنها، فدفنت تلك الصورة عند رجليه، كأنما يخاطبها. ولما فرغ من أمره جلس ابنه مناوس الملك بعد أبيه على سرير الملك فطلب الحكمة بعد، مثل أبيه وأكرم أهلها، وبذل الجوائز على الغرائب التي لم يتقدم عملها لمن تقدم قبله، وأثبت كل ما عمل من ذلك في كتب تواريخهم، وزبر على الحجارة في هياكلهم. ومناوس أول من عبدالبقر، وكان السبب في ذلك انه اعتل علة فيئس فيها من نفسه، وأنه رأى في منامه روحانيا عظيما يخاطبه ويقول له: لا يخرجك من علتك إلا عبادتك البقر، لان الطالع كان وقت حلولها، فلك الثور، وهو في صورة ثور بقرنين فأمر عند انتباهه، فأخذوا ثورا أبلق حسن الصورة، وعمل له مجلسا في قصره وسقفه قبة مذهبة، وكان يبخره ويطيبه ويحسن علفه، ووكل به سايسا من خدمه يقوم به وينظفه ويكنس

[ 202 ]

تحته، وكان يتعبد له سرا من أهل مملكته فبرئ من علته وعاد إلى أحسن أحواله. وقيل إنه أول من عملت له عجل مموهة بالذهب، وعليها قباب من خشب مذهب، وكانت تفرش بأحسن الفرش وتساق إلى موضع المتنزهات، وقيل إنه عملت له في علته لانه كان لا يقدر على الركوب، وكانت البقر تجره في العجلة فكان إذا مر بمكان نزه أقام به، وان مر بمكان خرب أمر بعمارته. وقيل انه نظر يوما إلى ثور من البقر التي تجره أبلق حسن الخلقة والقرنين، فأمر بتوقيفه والتعريض منه، وساقه بين يديه إلى موضع نزهته إعجابا به، وجعل عليه حللا من حرير منسوج بالذهب، فلما كان في بعض الايام خلا في موضع، وقد تفرد عن عبيده سار إليه وسجد بين يديه. فقال له: لو دام الملك على تربيتي واكرامي، وتعبد لي كفيته مهمه على ما يريده، وقويته في جميع أموره، وأزلت عنه جميع علله. فارتاع الملك لقوله، وأمر بأن يغسل ويطيب ويكسى بالحرير المذهب ويوقف في الهيكل، ووكل به من يخدمه في جميع أموره ويتعاهده بالمسح والتطييب وأمره بعبادته. وأقام ذلك الثور يعبد مدة طويلة، وافتتن الناس به، وصار ذلك أصلا لعبادة البقر، وبنى مواضع كثيرة في الصحراء والجبال وكنز فيها كنوزا كثيرة وأقام عليها أعلاما. وبنى في صحراء الغرب مدينة يقال لها ديماس، وأقام بها منارا، وكنز حولها كنوزا، ويقال ان هذه المدينة قائمة إلى الآن، وان قوما جازوا بها من ناحية الغرب فسمعوا فيها عزف الجن ورأوا نيرانهم. وفي بعض كتبهم أن ذلك الثور بعد مدة من عبادتهم له، أمرهم أن يعملوا

[ 203 ]

صورته من ذهب ويعملوه أجوف، ويؤخذ من رأسه شعرات ومن ذنبه، ويؤخذ من نحاتة قرنه وأظلافه ويجعل في ذلك التمثال، وعرفهم أنه يلحق بعالمه، وأن يجعلوا جسده في جرن من حجارة، وينصب في الهيكل، وينصب تمثاله عليه، وزحل في شرفه والشمس ناظرة إليه من تثليث، وأن ينقش في التمثال، علامات صورة الكواكب السبعة ففعلوا ذلك. وعملت الصورة من ذهب وكللت بأنواع الجوهر، وأدخلت صنعتها سواد في بياض، وجعل جسد الثور في الحدود التي حدها، ونصب عليه التمثال فكان يخبرهم بالعجائب وبما يحدث وقتا بعد وقت، ويجيبهم بكل ما يسألونه عنه. وعظم أمر ذلك التمثال ونذرت له النذور وقربت له القرابين، وقصده الناس من جميع أعمال مصر وما قرب منها، فكان يخبرهم بما يريدون. وأقام مناوس ملكا خمسا وثلاثين سنة، وهلك من سل أصابه، وعمل له ناووس تحت الجبل الغربي وجعل في جرن من حجارة. وجعل وصيه من بعده ابنه مريدس الملك، فجلس على سرير ملكه بعد أبيه وملك أحدى وعشرين سنة، وكان مضعفا فلم يبن بنيانا ولا ينصب منارا، ولا عملت في وقته أعجوبة، فمات ودفن مع أبيه في جرن من رصاص. وولي بعده اشمون الملك، واشمون أخو قبطيم الملك وكان وحده من اشمون إلى منف، وفي الشرق إلى البحر المالح إلى ما حاذي برقة الحمراء، وهي آخر حد مصر، وفي الصعيد إلى حدود اخميم. وكان ينزل اشمون لانه سماها باسمه عند بنيانها، ونقل إليها أهله وولده وطولها اثنا عشر ميلا في مثلها. وأشمون أول من اتخذ الملاعب بالكرة والصولجان وغير ذلك، وبنى

[ 204 ]

القصور وغرس الاجنة وأقام المنائر ونصب الاعلام وبنى المدن وأكثر فيها من العجائب. والقبط تزعم ان خبر اشمون كان أكثر الاخبار ذكرا وعجائبا وسحرا. منها انه بنى مدينة في سفح الجبل سماها أفطراطس وجعل لها أربعة أبواب جعل على الشرقي صورة عقاب، وعلى الغربي صورة ثور، وعلى الجنوبي صورة كلب، وعلى الشمالي صورة أسد. وأسكن الكهنة بسحرهم في تلك الصور روحانية، وكانت تنطق إذا قصدها القاصد الغريب، ولا يقدر على الدخول إليها إلا بإذن الموكلين بها، وجعل فيها شجرة تثمر كل لون من الفاكهة. وجعل فيها منارا طوله ثمانون ذراعا، على رأسه قبة تتلون كل يوم لونا حتى تمضي سبعة أيام بسبعة ألوان، ثم تعود إلى اللون الاول. وكانت تلك الالوان تكسو المدينة لونا شعاعيا، وأجرى حول ذلك المنار ماء ساقه من النيل وجعل في ذلك الماء سمكا من كل لون. وجعل حول المدينة طلسمات رؤسها رؤس القرود وأبدانها أبدان الناس، كل منها لدفع مضرة واجتلاب منفعة. ودفن تحت كل صنم من الاصنام المبنية الاربعة على أبوابها صنفا من الكنوز ولكل واحد منها قربان وبخور، وكلام يوصل به إليه، وأسكن فيها السحرة. وبنى بالقرب منها مدينة تعرف في كتبهم ذات العجائب في وسطها قبة عليها أبدا مثل السحابة تمطر مطرا خفيفا شتاء وصيفا، وتحت كل قبة مطهرة فيها ماء أخضر يتداوى به من كل داء فيبريه.

[ 205 ]

وفي شرقها بربا لطيف له أربعة أبواب لكل باب منها عضادتان، في كل عضادة منها صورة وجه كأنه يخاطب صاحبه، وهو يكلمه بكلام يفهمه، ويخبره بما حدث في يومه. ومن دخل ذلك البربا على غير طهارة نفخا عليه فأصابته فظيعة لا تفارقة أبدا إلى أن يموت. ويقال ان في وسطها ابدا مهبط نور كأنه عمود من اعتنقه لم يعزب عن نظره شئ من الروحانيات، وسمع كلامهم ورأى ما يعملون. وعلى كل باب من أبواب هذه المدينة صورة راهب في يده كالمصحف فيه علم من العلوم، فمن أحب ذلك العلم أتى تلك الصورة فمسحها بيده وأمرها على صدره فيثبت ذلك العلم في صدره. ويقال ان هاتين المدينتين سميتا على اسم هرمس وهو عطارد وإنهما إلى الآن على حالهما. وحكي عن رجل أتى عبد العزيز بن مروان وهو والي مصر، فعرفه انه رأى في صحراء الغرب وقد أوغل في طلب جمل له ضل، فوقع إلى مدينة خراب وانه وجد منها شجرة عظيمة تحمل من كل صنف من الفاكهة، وانه قد أكل منها وتزود، فقال له رجل من القبط هذه إحدى مدن (1) هرمس وفيها كنوز كثيرة، فوجه عبد العزيز جماعة من ثقاته، ووجهه معهم، وتزودوا زاد شهر ومشوا يطوفون تلك الصحارى زمانا، فما وجدوا لها أثرا. وكان اشمون أعدل ولد أبيه وأرغبهم في صنيعه، وأحبهم في عمل يبقي ذكره وهو الذي بنى المجالس المصفحة بالزجاج الملون في وسط النيل.


1) في ب: احدى مدينة. (*)

[ 206 ]

وتقول القبط إنه بنى سربا تحت الارض من أشمون إلى انصباب النيل، وقيل إنه عمله لنسائه لانهن كن يمضين إلى هيكل الشمس، وكان هذا السرب مبلط الارض، والحيطان بالزجاج الملون العجيب. وقيل إن أشمون كان أطول إخوته ملكا، وقال أهل الاثر إن ملكه ثمانمائة سنة، وإن قوم عاد انتزعوا الملك منه بعد ستمائة سنه من ملكه، وأقاموا تسعين سنة ثم كرهوا البلد واستوبؤوه (1) فرحلوا عنه إلى الراهبة من طريق الحجاز إلى وادي القرى، فعمروها واتخذوا المنازل والمصانع والقرى، وسلط الله عليهم القر فأهلكهم. وعاد ملك مصر إلى أشمون بعد خروجهم من البلد، ويقال إنه عمل في وقته وزة من نحاس، وكان الغريب إذا جاء ليدخل صاحت الوزة وصفقت بجناحيها فيعلم به أهل البلد، فان أحبوا أدخلوه، وإن أحبوا تركوه. وكثرت الحيات في وقته فاحتال لها بحيلة كانوا يأخذونها بأيديهم، ويعملون من شحومها ولحومها أدوية ودرياقات. وهو أول من عمل النيروز بمصر، يقيمون سبعة أيام يأكلون ويشربون إكراما للكواكب بزعمهم. وفي زمانه بنيت البهنسا، وأقام بها مطرانا، وجعل فوقها مجلسا من زجاج أصفر وعليه قبة مذهبة، وكانت الشمس إذا طلعت ألقت شعاعها على المدينة. ويقال إنه ملكهم ثمانمائة سنة وثلاثين سنة، ومات ودفن في احدى الاهرامات الصغار [ القبلية ] (2).


1) في ب: واستوزروه. 2) زيادة عن ق. (*)

[ 207 ]

وقيل بل عمل له طاووس في آخر أشمون ودفن معه مال كثير وعجائب كثيرة ومن الذخائر ما لا يحصى كثرة، ودفنت معه أصنام الكواكب السبعة التي كانت في هيكله، وعشرة آلاف سرج من ذهب وفضة وعشرة آلاف جام ونضار من ذهب وفضة، وزجاج مسبوك وألف برنية من العقاقير المدبرة لقبول الاعمال، وزبر على ذلك كله اسمه ومدة ملكه. وخلف على الملك ابنه الشاد الملك، فولي وهو غلام ابن خمس وأربعين سنة وكان متجبرا معجبا طماح العين، فابتز امرأة من نساء أبيه، فانكشف أمره وعرف خبره، وكان أكبر همه اللهو واللعب، فاجتمع إليه كل مله كان في ملكه وقصده كل من كان في يده شئ من أنواع الملاهي والملاعب، وانفرد للعب بهم وترك النظر في أمور الناس. وعمل قصورا من خشب عليها قباب منقوشة مموهة بالذهب، وكان يحملها على المراكب في النيل ويتنزه فيه مع من يحب من نسائه وخدمه ومن يلهيه. وعمل عليه الاروقة المذهبة وفرشها بأحسن الفرش وفاخره، وكان يتنزه عليها وتجرها البقر، ويقيم في نزهته شهورا لا يمر بموضع إلا أقام فيه، وولد من السحر توليدا كثيرا واستنفذ أكثرها في خزائن أبيه، وذهب خراجه في جرائد الملهين والنفقات في غير وجوهها، فلما اسرف في ذلك اجتمع الناس إلى وزيره فأنكروا حاله عنده، وسألوه مسألته والاشارة عليه بالاقلاع عما هو عليه، فضمن لهم ذلك، ثم فاوضه فيه وبين له ما يجب تبينه وحذره من العواقب اللاحقة من التفريط بما يكره فلم ينته، وسلط أصحابه على الناس فأساؤا إليهم وأضروا بهم. وخرج الملك ذات يوم إلى متنزه له قد صفح مجالسه بصفائح الذهب والفضة

[ 208 ]

وغرائب الجوهر الملون، وأجرى إليه المياه وغرس فيه نفيس الرياحين، وفرشه بأصناف الفرش الملونة. وكان إذا أحب ان يخلو بامرأة من نسائه خلى بها هناك، وأنه في ذلك المتنزه، وقد أقام فيه أياما إذ خرج غلام من بعض خدمه، فأتى بعض التجار في حاجة له، وكانت له خادم فأراد أخذها منه بغير ثمن فمنعه منها فوثب عليه يريد ضربه، فاجتمعوا عليه وضربوه حتى أسالوا دمه وحمل وقيد. واتصل خبره بالوزير وصاحب الجيش فركبا إلى الموضع وانكرا على الناس ما فعلوه وأسمعاهم فأغلظوا لهما وأسمعوهما، فانصرفا مغضبين وقالا ما نرى ستر هذا عن الملك وعرفاه الخبر، فلم يحفل بهما وأمر بالنداء في الناس من تعرضكم من خدم الملك وأصحابه فاقتلوه، فحمد الناس أمره وشكروا فعله وتواصوا بالوثوب على أصحابه، حتى إذا مضى لذلك اسبوع وجه إلى وزيره وصاحب جيشه أنه عزم أن يركب إلى صحراء الغرب يتصيد هناك، وأمر أن يركب معه جيشه، وأن يتزودوا لثلاثة ايام ففعلوا، واجتمعوا إلى بابه فاستدعى الوزير، وأسر إليه أنه يريد الانتقام من العامة، وخرج الملك وجيشه في أحسن زي وهيئة وسار إلى موضع غير بعيد. فلما اختلط الظلام رجع بالجيش حتى وافى باب المدينة، وأمر أصحابه أن يضعوا أيديهم في الناس فقتلوا خلقا كثيرا، وأمر بحرق الموضع الذي قتل فيه الغلام. ثم أمر ان ينادى: هذا جزاء من أقدم على الملك من رعاياه وأصحاب مهنتهم من العامة وغيرهم، فاستغاث الناس، فأسر إلى وزيره ان يطرح نفسه بين يديه ويسأله فيهم ففعل فأمنهم، وقال لهم، من عاد منكم فقد أحل دمه

[ 209 ]

فشكروا فعله وانصرفوا ورجع إلى ما كان عليه وأعظم. واحتجب عن الناس واستحلت الهياكل والكهنة فأبغضه العامة والخاصة وابتغوا له الغوائل، فاحتال عليه خاصته بطباخه وسقاته فسماه، فمات وهو ابن مائة وعشرين سنة، فكان ملكه خمسا وسبعين سنة. وصار الملك بعده إلى ابنه صاصا، وأكثر القبط تزعم ان صاصا هذا اخو الشاد وانه ابن مربيس الملك. ولما جلس صاصا على سرير الملك دخل الناس عليه يهنئونه، فوعدهم العدل فيهم وحسن النظر لهم، وسكن منف ونفى الملهين وأهل المجالات وأهل الشر ومن كان يصحب أباه. وأصلح الهياكل ورد الكهنة إلى مراتبهم، وعمل بمنف عجائب كثيرة وطلسمات، وأجرى فيها الانهار، ونصب العقاب الذي كان عمل قبله على موضعه وشرف هيكله ودعى إليه. وعمل بمنف مرآة يعرف بها زمان الخصب والجدب وما يحدث ببلده، وبنى داخل الواحات مدائن، وغرس فيها نخلا كثيرا، ونصب غرب البحر اعلاما كثيرة، وعمل خلف المقطم صنما يقال له صنم الحيلة، فكان كل من أعجزه امر أتاه يسأله، فيخبره ويبين له ما عزب عن معرفة منه. وجعل على أطراف مصر أصحابا يرفعون له ما يجري في حدود أرضه، وعمل على غربي النيل منابر إذا قصدهم قاصد يوقد عليها فيصل إليه الخبر من ليله أو من يومه، وجعل على البحر المالح مثل ذلك، ووكل بجمعها جماعة يحرسونها. أخبار الزمان - م (14)

[ 210 ]

وهو أول من اتخذها، ويقال إنه بنى أكثر منف، وكان له بنيان عظيم بالاسكندرية. ولما ملك واستولى على البلد بأسره، جمع إليه حكماء أهل بلده ونظر في النجوم وكان بها حاذقا، ورأى أن بلده لابد له من أن يدخل إليه طوفان عظيم من نيلها فيكاد يغرقها، ورأى أنه يحدث على يدي رجل يأتي من ناحية الشام. فجمع كل فاعل بمصر وجهاتها وبنى في ألواح الاقصى مدينة، جعل طول حصنها في الارتفاع خمسين ذراعا، وأودعها جميع الحكم والاموال، وهي المدينة التي وقع عليها موسى بن نصير في زمن بني أمية لما قلد المغرب، لانه لما دخل مصر، أخذ على الواح الاقصى بالنجوم وكان عنده علم منها. فأقام سبعة أيام يسير في رمال بين سمت الغرب والجنوب، إلى ان ظهرت له مدينة فيها حصن وأبواب حديد، فرام أن يفتح بابا من أبوابها، فأعياه ذلك لغلبة الرمل عليها، وعلى ما حولها، فأصعد إليها الناس، فكل من صعد منهم وأشرف، وثب داخلها لا يعلم كيف يقع، ولا على ما يسقط، ولا ما يصيب. ولما لم يجد فيها حيلة تركها ومضى، وقد فقد فيها جماعة من أصحابه، وحرروا عرض حصنها عشرين ذراعا، وهلك في طريقه منصرفا عنها جماعة من أصحابه، ولم يسمع أن أحدا قبل موسى بن نصير، ولا بعده وقع عليها. وفي تلك الصحاري اكثر متنزهاتهم ومدائنهم العجيبة وكنوزهم العظيمة، إلا أن الرمان غلبت عليها.

[ 211 ]

ولم يكن لمصر ملك، الا وقد عمل للرمل طلسما يبعدها ويوقفها، ثم تفسد طلسماتها على تقادم الايام ولا ينبغي لاحد أن ينكر كثرة بنيانهم ومدائنهم. وما نصبوه من الاعلام العظام. فقد كان للقوم بطش لم يكن لغيرهم، وفيما يظهر من آثارهم بيان تحقيق ما يذكر عنهم. من ذلك مثل هذه الاهرام والاعلام العظام المشهورة بالاسكندرية، وفي صحراء الغرب عجائب باقية من ذلك، وما لهم من الجبال المنحوتة التي جعلوا كنوزهم فوقها، فلا يصل أحد إليها، وكذلك الاودية المنحوتة، ومثل ما بالصعيد من مدائنهم، وما نقشوه عليها من حكمهم، فانه لو تعاطى أحد من ملوك الارض أن يبني مثل الهرمين، أو جميعهم ما تهيأ لهم ذلك، وكذلك لو أرادوا أن ينقشوا ثوبا واحدا لطال عليهم الامر وتركوه. وحكي عن قوم في ضياع الغرب، أن عاملا من عمالهم عنق بهم، فدخلوا في صحراء الغرب، وحملوا معهم زادا إلى أن تصلح أمورهم ويرجعوا إلى منازلهم، وكانوا على يوم وبعض آخر، فدلجوا إلى جبل، فوجدوا عيرا أهليا قد خرج من بعض شعابه، فتبعه نفر منهم، فأخرجه إلى مساكن وأشجار ونخل ومياه وناس، فهم يسكنون تلك الناحية، ويتناسلون ويزرعون، ولا يطالبهم أحد بخراج. وأخبروهم أنهم لم يدخلوا إلى ضياع الغرب، فصاروا نحوهم بأهليهم ومواشيهم وجميع أموالهم، فأقاموا مدة يطلبون الطريق فما وجدوه، ولا عرفوه، ولا وقفوا له على خبر، ولا تأتى لهم لوصول إليهم، فرجعوا آيسين على ما فاتهم من ذلك الموضع.

[ 212 ]

وحكي أيضا عن آخرين انهم ضلوا في طريق الغرب، فوقعوا إلى مدينة كثيرة الماء والشجر والناس والمواشي والنخل والزرع، فأضافوهم وأكلوا عندهم وأباتوهم في دار فيها طاحونة يعمل فيها الخمر، فشربوا معهم حتى سكروا وناموا، فلما انتبهوا عند طلوع الشمس وجدوا أنفسهم في مدينة خراب ليس فيها أنيس ولا عمارة، فارتاعوا وخرجوا على وجوههم كالهاربين، وساروا يومهم على غير سمت حتى قرب المساء، فظهرت لهم مدينة أكبر من الاولى، وأعمر وأكثر أهلا ودوابا ونخلا وشجرا وزرعا ومواشي، فأنسوا بها، ونزلوا عندهم فأخبروهم بخبر المدينة الاولى. فجعلوا يعجبون من ذلك ويضحكون منهم، وإذا لبعض أهل المدينة وليمة فانطلقوا بهم إليها فأطعموهم بها، وسقوهم وغنوهم بأصناف الملاهي، وسألوهم عن أخبارهم، فأخبروهم أنهم ضلوا عن الطريق في بعض هذه الصحاري، فقالوا لهم الطريق بين أيديكم واضح، ولا يمكن أن تغلطوا فيه فان أحببتم المسير وجهنا معكم، من يوقفكم على سمت الطريق الكبير الذي يؤديكم إلى مكانكم، وإن أحببتم أن تقيموا عندنا، أرفدناكم وزوجناكم عندنا، وكنتم أصهارنا وإخواننا، فسروا بذلك من قولهم. فأجمع بعضهم على المقام معهم، وأجمع أكثر من كان منهم له أهل وولد على أن يأخذ أهله وولده فيسير نحوهم قالوا فبتنا معهم خير مبيت، ثم نمنا فلما كان في الغد انتبهنا فوجدنا أنفسنا في مدينة عظيمة خراب قد تشعث بعض حصونها، وليس بها أحد من الناس إلا ان حولها نخلا كثيرا قد تساقط ثمرها، وتكدس حولها. فلحقنا لذلك من الخوف والارتياع والوحشة ما كاد يتلفنا. فخرجنا منها مفكرين فيما عايناه، وإنا لنجد روائح الخمر معنا ومعاني السكر فينا ظاهرة، فلم نزل نسير يومنا أجمع، وليس بنا جوع ولا عطش،

[ 213 ]

حتى إذا كان المساء وافينا راعيا يرعى غنما له، فسألناه عن العمارة والطريق، قال إن العمارة قريب منكم، فإذا نحن بأنهار فيها الماء، فنزلنا وشربنا منها وبتنا ثم أصبحنا، فإذا نحن في غير موضعنا الذي كنا فيه، وإذا معنا الناس والعمران، وما مشينا إلا بعض يوم حتى دخلنا مدينة الاشمون في الصعيد، فكنا نحدث الناس فلا يقبلون منا. وهذه مدائن القوم الداخلة القديمة قد غلبت عليها الجن، ومنها ما قد ستر عن العيون فلا يراه أحد. وذكر بعض القبط، أن رجلا من بني الكهنة الذين قتلهم الشاد سار إلى الافرنجة فذكر لملكهم كثرة كنوز مصر وعجائبها، وضمن له أن يوصله إليها وإلى ملكها وأموالها، ويدفع عنها طلسماتها حتى يبلغ جميع ما يريده، ويعرفه مواضع الكنوز. فعزم ملك الافرنجة على غزو مصر وجهاتها، فلما اتصل بصاحب مصر أن ملك الافرنجة تجهز إليها، عمد إلى جبل بين البحر المالح وشرقي النيل، فأصعد إليه أكثر كنوزه، وما كان في خزائنه، وصفح ظاهرها بالرصاص. وأمر فنحتوا جوانب الجبل إلى منتهى خمسين ذراعا، وجعلوا في آخر المنحوت منه الصور البارزة خارجة في النحت بقدر ذراع، وهو جبل مدور في جرمه إلا أنه رفيع السمك. ثم انصرف الملك إلى مصر، وتأهب بما قدر عليه، واستظهر بما أمكنه، وجعل ينتظر ملك الافرنجة. وأن ملك الافرنجة حشد وجيش ما أمكنه وقصد مصر، وكان لا يمر بشئ من عجائبها وطلاسمها وغرائب أعمالها ومناراتها إلا قدر عليه وغيره وأفسد ما صادف من أصنامها، وذلك كله أمكنه بمعونة ذلك الكاهن.

[ 214 ]

حتى أتى الاسكندرية الاولى فعاث فيها وهدم كثيرا منها وغير معالمها، إلى أن دخل النيل من ناحية رشيد، وصعد إلى منف، وأهل تلك البلاد يحاربونه وهو ينتهب ما مر عليه، فوجد منفا ممتنعة بالطلسمات الشداد، والمياه العميقة والسرادقات العالية فأقام عليها أياما كثيرة فحاربها طمعا أن يصل إليها، فلم يقدر ورأى كثرة الناس عليها، وأنهم كل يوم يزيدون وأصحابه ينقصون، فاغتاظ على الكاهن وأراد قتله فلم يمكنه. وفر إلى أهله فسيروه حتى أمر الكهان إلى أوله من الظهور فرجع إلى حاله (1) وهلك من أصحابه خلق كثير، واجتمع أهل النواحي فقصدوا مراكبه، فأحرقوا أكثرها فأجمع هو ومن معه على الهروب. ولما علم أهل مصر بذلك الكاهن الذي كان معه، انحشدوا إليه بما قدروا عليه من المراكب، وظفروا بأكثر أصحابه فقتلوهم وغرقوا مراكبهم، فكان أعظم مطالب ملكهم أن يخلص نفسه، فأسرع الهرب في مركب استجاده لمثل ذلك الحال. ففر وسلط الله على مراكبهم رياحا غرقت كثيرا منها، فما عادوا إلى الافرنجة إلا وملكهم قد ثقل بالجراحات التي أصابته، ورجع الناس إلى منازلهم وقرارهم ورجع الملك إلى مصر وترك ما كنزه في موضعه عتيدا له. ويقال انه كان هناك إلى هذا الوقت، ولم يزل بعد ذلك الوقت يغزو بلاد الروم، وأهل الجزائر، ويعيث فيها ويخربها، فهابته الملوك. وأقام ملكا سبعا وستين سنة، وهلك ودفن بمنف في ناووسه الذي كان عمل له في وسط المدينة من تحت الارض، وجعل الدخول إليه من خارج


1) هكذا في الاصول، ولم نغير فيها شيئا. (*)

[ 215 ]

المدينة من الجهة الغربية، وحمل إليه أموالا عظيمة، وجواهر كثيرة وطلسمات وتماثيل كما فعل أجداده من قبله. وكان فيه أربعة آلاف تمثال على صور شتى برية وبحرية، وتمثال عقاب من جوهر أخضر عند رأسه، وتمثال تنين أخضر من ذهب مسبوك عند رجليه، وزبر عليه اسمه وسيرته وجميع أموره. وعهد ابنه إلى بداونس الملك وهو أول من ملك الاجناد وصفا له ملك مصر وكان بداونس الملك محنكا مجربا ذا أيد وقوة ومعرفة بالامور، فأظهر فيهم العدل، واقام الهياكل ورد أهلها وأكرم الكهنة، وزاد في ألطافهم، وبنى بغربي منف بيتا عظيما للزهرة، وزبر فيه كتبا كثيرة من العلوم وكساه الحرير وعمل عيدا كبيرا اجتمع اتليه جميع الاجناد. وكان صنم الزهرة من اللازورد موشحا بذهب يبرق مسورا بسواري زبرجد أخضر، وكان في صورة امرأة لها ضفيرتان من ذهب أسود مدبر، وفي رجليها خلخالان من حجر أحمر كالياقوت، ونعلان من ذهب، وفي يدها قضيب مرجان وهي تشير بسبابتها كالمسلمة على من في الهيكل. وجعل حذاءها من الجانب الآخر بقرة ذات قرنين وضرعين من نحاس أحمر مموه بالذهب موشحة بحجر اللازورد ووجه البقرة محاذ إلى وجه صنم الزهرة، وجعلوا بينهما مطهرة من أخلاط الاجساد على عمود رخام مجزع فيها ماء مدبر بقوة من الزهرة يستشفى بها من كل داء، وفرش الهيكل بحشيشة الزهرة تنالوها في كل سبعة أيام. وجعل فيها كراسي الكهنة مصفحة بالذهب والفضة، وقرب فيها ألف رأس من الضأن والمعز والوحش والطير، وكان يحضره يوم الزهرة ويطوف به، وكان قد فرش الهيكل وستره ععن يمين الزهرة وشمالها.

[ 216 ]

وكان في أعلى قبة الهيكل صورة رجل راكب على فرس له جناحان ومعه حربة سنانها رأس إنسان معلق، وبقي هذا الهيكل إلى زمان بخت نصر وهو الذي هدمه. ويقال ان بداونس هو الذي حفر خليج بخارى (1) فارتفع له من الخراج في بلده مائة الف الف وخمسون الف الف. وقصده بعض العمالقة غازيا له من الشام، فلما سمع به جيش وخرج إليه، ولقيه وهزمه ودخل فلسطين فقتل فيها وسبا خلقا كثيرا، وسبا بعض حكمائها واسكنهم مصر فهابته الملوك. وعلى راس ثلاثين سنة من ملكه طمع السودان من الزنج والنوبة في ارضه، فهجموا على بعض الاطراف فعاثوا وافسدوا. فأمر بجمع الجيوش من اعمال مصر، وأعد المراكب ووجه قائدا من قواده يقال له بلوطس. وفي ثلاثمائة ألف بين راكب وراجل، واتبعه بقائد آخر في مثلها ووجه في البحر ثلاثمائة سفينة وجعل في كل سفينة كاهنا يعمل أعجوبة. وسار هو في أثرهما فيمن بقي من الجيوش، فلقوا جيوش السودان وكانوا زهاء الف الف فهزموهم وقتل اكثرهم، فأسر منهم كثيرا، وتبعهم الجيوش حتى وصلوا إلى أرض الفيلة من أرض الزنج فأخذوا منها عدة كثيرة، وأخذ معها كثيرا من النمور والوحش وسيقت إلى مصر. ونصب على حدوده منارات وزبروا عليها مسيرة وظهوره والوقت الذي غزا فيه السودان، وذكر كل ما عمل في أيامه.


1) هكذا في الاصول. (*)

[ 217 ]

ولما انصرف إلى مصر واستقر بها، اعتل ورأى رؤيا تدل على موته، فعمل لنفسه ناووسا ونقل إليه من أصنام الكواكب كثيرا، ومن الذهب والجوهر الملون والتماثيل الغريبة الصنعة والآلات والذخائر ما لا يعلم جودته وكثرته، فلما هلك دفن فيه وزبر على بابه في الحجارة اسمه وتاريخ الوقت الذي مات فيه، جعلت عليه طلاسم تمنع منه. وكان قد عهد إلى ابنه بعده مماليك الملك، وكان أديبا عاقلا كريما حسن الوجه مجربا مخالفا لابيه في عبادة الكواكب والبقر، ويقال إنه موحد على دين قبطيم ومصرايم، فكانت القبط تذمه بذلك. وكان سببه فيما ذكر، أنه رأى رؤيا فيما يراه النائم، كأنه أتاه رجلان لهما أجنحة فاختطفاه واحتملاه إلى الفلك، وأوقفاه حذاء شيخ أسود أبيض الرأس واللحية، فقال له هل تعرفني ؟ فدخلته منه روعة لحداثته، وكان سنه نيفا وثلاثين سنة، فقال له: ما أعرفك، فقال له أنا بشر، يعني رجلا، فقال قد عرفتك، قال أنت إلا هي، فقال إنك وإن كنت تدعوني إلها فاني مربوب ملك، وإلهي وإلهك الذي خلق السموات والارض وخلقني وخلقك، قال: فأين هو ؟ قال: في العلو الاعلى، [ تعالى ] لا تلحقه الظنون ولا تراه العيون، ولا يشبهه شئ، وهو الذي جعلنا سببا لا قامة العالم الاسفل وتدبيره، قال: كيف نعمل إذا ؟ قال: تضمر في نفسك ربوبيته وتخلص وحدانيته تعترف بأزليته، ثم أمر الرجلين فانزلاه إلى موضعه، فاستيقظ مذعورا وهو على فراشه. فدعا رأس الكهنة فقص عليه رؤياه، فقال له: عاهدتك أن لا تتخذ الاصنام آلهة فانها لا تضر ولا تنفع، قال فمن أعبد ؟ قال: الله الذي خلق السموات والارض وخلق جميع ما فيها من أموال وغيرها.

[ 218 ]

قال وكيف أقدر على رد نفوس العالم عما هم عليه ؟ قال اعقد على ذلك نيتك، وأخلص ضميرك وصف به قلبك، وإذا غبت عن عيون الناس وانفردت فاعمل ما أمكنك، ودم للناس في الظاهر على ما كان عليه جدودك، فقبل الملك ذلك القول منه واعتقده وعمل به. فكان يحضر للهيكل ويسجد للصنم، منحرفا عنه بقلبه مبغضا له كافرا به، وهو يضمر أن سجوده لله عزوجل. واستعمل كثرة الغزوات وموالاة الاسفار والجولان في البلاد، وكل ذلك لتطول غيبته عن مصر ويبعد عن الهيكل. وقال بعض أهل مصر إن الله أيده بملك من الملائكة يعضده ويرشده، وربما أتاه في نومه فأمره ونهاه، وأخبره بما يريد معرفته، فأمر الناس عند ذلك باتخاذ كل جادة من الخيل وكل جيد وجميل من السلاح، وأعد الزاد، واتخذ في بحر المغرب مائتي سفينة. وخرج في جيش عظيم في البر وفي البحر، فلقيه جموع البربر فهزمهم وقتل أكثرهم. وبلغ أفريقية، واستأصل أكثرها، وخرج منها، وكان لا يمر بأمة إلا أبادها إلى أن غزا من ناحية الاندلس يريد الافرنجة. وكان بها ملك عظيم يقال له افريوس، فحشد إليه من كل النواحي، فأقام يحاربه شهرا ثم طلب صلحه، وأهدى إليه هدايا كثيرة، فقبل ذلك منه وسار عنه ودعا الامم المتصلة بالبحر الاخضر فأطاعوه، ومر بأمة لها حوافر ولهم قرون صغار، ولهم شعور كشعور الذئبة، ولهم أنياب دلف بارزة من أفواههم، فقاتلوهم قتالا شديدا حتى اثخنهم، فنفروا عنه إلى غيران لهم مظلمة، فلم يمكن لهم دخولها عليهم.

[ 219 ]

والقبط تزعم أنه رأى سبعين أعجوبة سنذكر منها بعد هذا، وعمل على البحر أعلاما وزبر عليها اسمه، وخرب مدن البربر حيث كانت، وألجأهم إلى قرون الجبال، ورجع فتلقاه أهل مصر بصنوف اللهو والطيب والرياحين، وفرشوا له الطرق، ودخل قصره موفورا ظاهرا، وأخرج إليه ابنه، وكان ولد له من بعده فسر به وابتهج وكمل فرحه، واتصل خبره بالملوك فهابوه، وحملوا إليه الهدايا من كل جهة. وبلغه ن قوما من البربر والسحرة لهم تماثيل وبخورات عجيبة يضلون بها، وتخاييل وهم في مدينة لهم يقال لها قرمودة في المغرب من أرض مصر، وقد ملكوا عليهم امرأة منهم ساحرة يقال لها سطا. واتصل به كثرة أذاهم للناس، فعزاهم حتى إذا قرب منهم ستروا عنهم مدينتهم وسحروه، فلم يرها وطمسوا مياههم، فلم يعرفها، فهلك كثير من أصحابه عطشا، فلم يجد لهم حيلة في الوصول إليهم، فزال عنهم ثم صعد إلى ناحية الجنوب. ثم رجع إليهم على غير الطريق الذي سار إليهم عليها أولا، فمر بهم بهيكل كانوا يحضرونه في بعض أعيادهم، فأمر بهدمه فهدم بعضه، وسقط منه موضع على جماعة من أصحابه ممن تولى هدمه فأهلكهم، فلما رأى ذلك تركهم وانصرف عنهم، وخرجوا إلى هيكلهم فبنوه وأصلحوا ما فسد منه وحرسوه بطلسمات محكمة، ونصبوا في قبته صنما من نحاس مذهب. وكان إذا قصدهم أحد صاح الصنم صياحا عظيما منكرا يرعب منه كل ذي روح ويبهت، فيخرجون إليه فيصطلمونه. وكانت ملكتهم أحذق منهم بالسحر فقالوا لها نعمل الحيلة في افساد

[ 220 ]

مصر وإيذاء أهلها ؟ فقالت لهم نعم، فقالوا أنت أقدر منا، فاعملي فيها ما رأيتيه. فعملت لهم أدوية سحرت فيها النيل ودفعتها إلى بعضهم، وأمرتهم أن يمضوا بها إلى مصر، والزرع في حقله على أن تؤخذ فيطرحون منها في النيل في أعلى مصر، ويغرق بعضهم على أقطار مصر، وحيث زروعهم الكثيرة، فيفرقونها في كل جهة، قليل غبار في كل جهة. فلما فعلوا ذلك فاض النيل في غير وقته وزاد على المعهود، وأقام الماء طويلا على مزارعهم، وأفسد زروعهم وغلاتهم، وكثر فيه التماسيح والضفادع وكثرت العلل في الناس وانبثت فيهم الثعابين والعقارب. فأحضر الملك الكهنة والحكماء، وقال لهم أخبروني عن هذه الحوادث التي حدثت في بلادنا، ولم تذكروه في الطالع الذي وضعتموه لهذه السنة، فكنا نتأهب لها. فاجتمعوا في دار الكهنة، ونظروا وبحثوا حتى علموا أنهم أوتوا من قبل ناحية المغرب، وأن امرأة عملته وألقته في النيل، وفرقته على الجهات. فعلم الملك أنه من قبل تلك الساحرة، فقال لهم أجهدوا أنفسكم في هلاكها فقد بلغت فيكم من أذائها. فاجتمعوا إلى الهيكل الذي فيه صور الكواكب وسألوه أن يحضر معهم فلم يمكنه الخلاف، فلما أمسى لبس مسحا، وفرش رمادا، واستقبل مصلاه، وأقبل على الدعاء والابتهال والتضرع إلى الله تعالى، وقال: يا رب أنت إله الآلهة وملك الملوك، وخالق الكل، ولا يكون شئ مما دق وجل إلا بأمرك وحولك، أسألك بجميع فضائلك وآياتك وأسمائك أن تكفينا أمر هؤلاء القوم.

[ 221 ]

فلم يزل كذلك حتى غلبته سنة من النوم، فنام مكانه فرأى كأن آتيا أتاه، فقال له قد رحم الله تضرعك، وعلم ضميرك وأجاب دعوتك، وهو مهلك هؤلاء القوم ومدمرهم وصارف عنك الماء المفسد والدواب المضرة، والامراض المهلكة. فلما أصبح الكهنة غدوا عليه وسألوه حضور هيكلهم على ما وجههم به. فقال لهم قد كفيتم أمر عدوكم، وأزيل الماء المفسد والدواب المضرة عنكم، ولن تروا بعدها شيئا تكرهونه، فسكتوا ونظر بعضهم إلى بعض كالمنكرين لما سمعوه، ثم قالوا له قد سررنا بما ذكره الملك دام عمره، وهم يضمرون التكذيب والاستهزاء. وخرجوا عنه فقال بعضهم لبعض الرأي أن لا تقولوا شيئا في هذا، فان كان حقا ظهر سريعا، وإن كان باطلا اتسع لكم اللفظ في ذمه، وسيتبين أمره. فلما كان بعد يومين انكشف ذلك الماء المفسد، وجففته الشمس، وهلكت تلك الدواب المضرة فعلم القوم صدق ما أخبرهم به. وأمر الملك قائدا من قواده ورجلا من الكهنة أن يمضوا بجيش حتى يعلموا علم تلك المدينة، فخرجوا إليها فأتوها، فلم يروا مكروها ولا وجدوا مانعا. فلما وصلوا إليها وجدوا حصنها قد سقط، وأهلها عن آخرهم موتى، واحترق بعضهم، واسودت وجوههم، ووجدوا بعض الاصنام ساقطة على وجوهها، وأموالهم ظاهرة بين أيديهم. فطافوا المدينة وفتشوها فلم يجدوا فيها غير رجل واحد حيا، كان مخالفا

[ 222 ]

لدينهم بسبب رؤيا رآها، ووجدوا من الاموال والجواهر وأصناف الذهب والتماثيل ما لا يحصى كثرة، ولا يعرف له قيمة. ووجدوا صورة كاهن لهم كانوا يتعبدونها، وهي من زبرجد أخضر على قائمة من حجر البسد، ووجدوا صورة روحاني من ذهب ورأسه من جوهر أحمر وله جناحان من در، وفي يديه مصحف فيه كثير من علوم مصر في دفتين من ذهب مرصعتين بذهب ملون. ووجدوا مطهرة من ياقوت أزرق على قاعدة من زجاج أخضر مسبوك، وفيها فضلة من الماء الدافع للاسقام. ووجدوا فرسا من فضة من عزم عليه بعزائمه ودخنه بدخنه وركبه طار به فيما زعموا. ووجدوا غير ذلك من العجائب والآلات التي يستعملها السحرة والاصنام التي يتخذونها، فجمعوا من ذلك ما خف حمله وثقل ثمنه، وأوقروا به دوابهم من جميع العجائب والتماثيل وغرائب ما كان فيها من الاشكال، وحملوا جميعه إلى الملك، وحمل الرجل الذي وجد حيا، ووصلوا بذلك كله إلى الملك، فابتهج بذلك وحمد الله تعالى على ما أولاه، وسر الناس. وبهت منه كهنة مصر، ولم يعرفوا أصله، فوجه الملك دوابا وعسكرا ونهض معهم من شاء من العامة بأشمون ومصر، فنقلوا جميع ما كان تبقى في المدينة من شئ له خطر، فصار بأيدي الناس منه شئ كثير، واستغنى فيها كثير من مساكين العامة وسوقتهم وسيق منه إلى الملك شئ كثير جدا. وصار الموضع بعد ذلك زمانا طويلا مطلبا لمن أمكنه المسير إليه، وقل من مشى إليه ورجع خائبا.

[ 223 ]

واستحضر الملك ذلك الرجل الذي وجد حيا فاستخبره عن أحاديثهم، فحدثه بأشياء معجبة، ثم قال: وأعجب ما رأيت منهم أنه قصد المدينة منذ دهر ملك من ملوك البربر جبار من أهل بيت تجبر، فجاء بجموع كثيرة وجيوش كثيفة وتخاييل هائلة فأغلق أهل مدينتنا حصنهم، ورتبوا المراهقين على أسوارها ولجأوا إلى أصنامهم وشيوخهم وكهنتهم يخضعون لها ويتضرعون إليها. وكان لهم كاهن عظيم الشأن لا يكاد أن يخرج من منزله، فسار إليه رؤساؤهم، وشكوا إليه ما دهاهم من عدوهم، فخرج معهم إلى بركة لهم عظيمة بعيدة القعر، كانوا يشربون منها الماء، فجلس على حافتها، وأحاط الكهنة بها، وأقبل يزمزم على ماء البركة، فلم يزل كذلك حتى فاض الماء وفار، وخرج من وسطه نار تتأجج وخرج من وسطها وجه كدائرة الشمس وعلى ضوئها فخرت الجماعة سجودا لذلك الوجه وجللهم نوره، وجعل يعزم حتى ملا البركة وارتفع حتى صعد على أعلى القبة ثم ارتفع إلى السماء فسمعوه يقول قد كفيناكم أمر عدوكم، فاخرجوا فخذوا أموالهم. فخرجنا بأجمعنا متخوفين حتى وصلنا مضربهم، فوجدناهم أمواتا لم يبق منهم حي، فأخذنا جميع ما تركوه من مال وثياب ودواب، وآلة وانصرف أهل المدينة إلى مدينتهم فرحين، وكانوا يأكلون ويشربون، فقلت لبعض الكهنة لقد رأيت عجبا من ذلك الوجه فما هو ؟ قال ملك الشمس تبدت فماتوا عن آخرهم كما رأيت، قال له الملك فما الذي أهلكهم الآن ؟ قال لا أدري، غير أني أفقت من نومي في الليل فسمعت هدة عظيمة إذ تهدم الحصن فأردت الخروج ولا علم لي بذلك فإذا بأصوات انكرتها وضوء نار وروائح حريق، وكنت ساكنا في موضع كالخان فيه خلق كثير، فصحت بكثير منهم فلم يستجب لي أحد، فسرت أفتقد باب المنزل فوجدته

[ 224 ]

مغلقا فدخلت بيتي وأوقدت سراجا بنار كانت عندي، ثم مشيت على جميع من في الدار رجالا ونساء صغارا وكبارا، فلم أجد احدا منهم حيا فأقمت في نهاية من الرعب ابتهل إلى الله عزوجل وأدعو، فلما أصبحت أقمت حتى طلعت الشمس و [ بدا ] النهار، فلم أسمع صوتا ولا حركة، فخرجت فوجدت المدينة على ما وجدها أصحاب الملك. وكان هذا الرجل عاقلا مجربا فاتخذه الملك صاحبا ووزيرا وأنيسا، ولم يزل مماليك الملك على التوحيد لله تعالى والايمان به، وهو يسايس أهل بلاده ويداريهم عما في نفسه خوفا من اضطراب ملكه عليه. وأمر فبني له ناووس، وأمر أن يدفن فيه إذا مات وحده ولا يدفن معه أحد من أهله، وأمر أن لا يدفن معه ذهب ولا فضة ولا تمثال، وكتب بخطه صحيفة " هذا ناووس مماليك الملك، ملك مصر وأعمالها، مات وهو يؤمن بالله لا يعبد معه غيره، ومتبرئ من الاصنام وعبادتها، ومؤمن بالبعث والحساب والمجازاة على الاعمال عاش بكذا وكذا، فمن أحب النجاة من عباد الله، فليدن بما دان به "، وقد كان دفن بموضع آخر كنوزا كثيرة وزبر عليها انه لا يخرجها إلا أمة النبي المبعوث في آخر الزمان يعني محمدا [ عليه الصلاة والسلام ] ودفع الصحيفة التي كتبه إلى الآمر بعده وأمره بسترها والاحتفاظ بها فإذا هو مات زبر ما فيها على ناووسه. وكان طول حياته يقصد ناووسه يتعبد فيه مستترا عن جميع العالم ولما أيقن بالموت دعا ابنه فأسر إليه التوحيد وأعلمه انه دينه، ولم ير منه إلا الخير وأمره أن يدين به ونهاه عن عبادة الاصنام، فدان بذلك مدة حياة أبيه، ومات فدفنه ابنه في ناووسه وزبر عليه ما في الصحيفة. فلما فرغ من أمره جلس على سرير الملك ابنه اخريتا الملك، وتقلد الامر

[ 225 ]

* (يوجد نقص في أصل الكتاب من صفحة 225 إلى صفحة 241) *

[ 241 ]

وضعف أصحاب دليفة عنهم لكثرتهم وشدة صبرهم، فاستنصرت بأهل مدائن الصعيد فحاربوا أصحاب أيمن، فأزالوهم عن منف، وقد كانوا ظفروا بها وعاثوا فيها فهزموهم حتى ركبوا المراكب، وعدوا إلى ناحية الشمال، وكان معهم ساحر من أهل قفط، فأظهر سحره نارا أحالت بينهم وبين أصحاب دليفة فانحازوا عنهم واستعدوا، وعادوا لما كانوا فيه من الجد والطلب. وفزع أهل مصر لطول المدة وعجز الجيوش عن مقاتلتهم، وأشفقوا من خروج مصر من أيديهم، فوجهوا سفراء بينهم على أيجعلوا البلد قسما بينهم فأجاب كل واحد منهم إلى الصلح وأن دليفة بعد إجابتها إلى الصلح غدرت وخالفت، وأخرجت الاموال والجواهر ففرقتها في الناس، وقد كان بعضهم لامها في الصلح، فرجعت إلى الحرب، واشتد الامر بين الفريقين ثلاثة أشهر، ثم ظهر أيمن عليها وهزمها. ولجأت إلى ناحية قوص وسار خلفها وتمكن من المملكة، فلما رأت حقيقة الامر ونكول جندها وعجز كهنتها وسحرتها وأنها لابد لها أن تغلب سمت نفسها فهلكت. وملك بعدها أيمن الملك صاحب الاندلس ملك مصر، فتجبر وعتا وقتل خلقا ممن كان مع دليفة. وكان الوليد بن دومع العملاقي قد خرج في جيش عظيم يتنقل (1) في البلدان، ويغلب ملوكها ليسكن ما يوافق غرضه منها، ويعتدل [ حال ] (2) جسمه فيها على ما تقدم من ذكر علته. فلما انتهى إلى الشام، انتهى إليه خبر مصر وجلالة قدرها، وأن أمرها قد صار إلى النساء وباد ملوكها، فوجه إليها غلاما له يسمى عونا بجيش عظيم، فوصل إلى مصر وأيمن ودليفة يقتتلان، ففتحها وحوى أموالها وكنوزها،


(1) في ب: نبتهل والتصحيح عن ق. (2) في ب: صلاح. أخبار الزمان م (16)

[ 242 ]

وغاب خبره عن الوليد، فلم يشك في هلاكه وهلاك الجيش الذي كان معه، لما كان يعلمه من طلاسم مصر ومكر كهنتها. ثم اتصل به ان عبده قد ملكها، فسار إلى مصر وتلقاه العبد وعرفه أنه كان يسير إليه، وإنما أخره ما أراد من تعديل الملك وإصلاحه فقبل قوله. ودخل مصر الوليد بن دومع العمالقي وملكها فاستباح أهلها وأخذ أموالها، وتتبع ما أمكنه الوصول إليه من كنوزها، وهبط إليه أيمن بالطاعة من الصعيد ومدنها سامعا له إذ كان عسكره من قبله، ومن أعانه بملكه وجيشه حتى أخذ بثأر خاله انداحس وتم الامر للوليد على أعظم أمر. ثم سنح له ان يمشي حتى يقف على مخرج النيل، ويغزو من بناحيته من الامم فأقام ثلاث سنين يستعد لذلك، حتى اصلح جميع ما احتاج إليه. واستخلف عبده عونا على البلد وخرج في جيش كثيف، وعدد عظيمة، فلم يمر بأمة إلا أبادها. فيقال انه اقام في سفره سنين كثيرة وأنه مر على امم السودان وجاوزهم ومر على ارض الذهب، فوجد فيها مواضع فيها قضبان ثابتة وهي بلاد عانة. ولم يزل الوليد يسير حتى بلغ البطيحة التي ينصب ماء النيل إليها من الانهار التي تخرج من جبل القمر، وجبل القمر جبل شامخ عريض طويل، وإنما سمي جبل القمر لان القمر لا يطلع عليه لانه خرج كثيرا عن خط الاستواء، ونظر إليه كيف يخرج النيل من تحته فيمر في طرائق كثيرة كالانهار الرقاق، فيصير بعضها إلى حظيرة عظيمة يجتمع فيها، ويصير بعضها إلى حظيرة عظيمة، ثم يخرج من كل حظيرة نهر عظيم ينصب إلى حظيرة عظيمة يجتمع النهران فيها وهي البطيحة الكبيرة، وهي بعد خط الاستواء، وقبل الاقليم الاول، ويخرج من تلك البطيحة نهر واحد، ويجوز خط الاستواء ويجري إلى مصر ويمده نهر آخر من ناحية مكران يصب فيه عند اول جبل معظم في ثلث الاقليم الاول.

[ 243 ]

ويذكر أن هذين النهرين يزيدان وينقصان، فيهما التماسيح وسمك كأمثال سمك النيل، ويخرج منه نهر عظيم على مقربة من آخر شرقي جبل القمر. وحكي عن الوليد أنه وجد القصر الذي فيه قماقم النحاس الذي عملها هرمس الاول في وقت البودشير الاول بن قفطويم بن مصرايم بن حام بن نوح عليه السلام، وهي خمس وثمانون صورة جعلها جامعة لمن يخرج من الماء من الجبل، وبمعاقد وبمصاب مدبرة، يجري منها إلى تلك الصور، ويخرج من حلوقها على قياس معلوم وأذرع معدودة معلومة. ثم ينصب في أفواه الصور في انهار كثيرة ويتصل بالبطيحتين، ويخرج منها كما قلنا إلى البطيحة الجامعة للماء الذي يخرج من جبل القمر، وقد هندس في تلك ورتب مقدارا من الماء في كل صورة [ ما ] معه صلاح البلدان التي يمر بها، وينفع أهلها دون الفساد، وسطح قبل انتهاء المسطح ثمانية عشر ذراعا بالذراع التي ذرعها مقدار اثنين وثلاثين أصبعا، فما فضل عن ذلك عدل به عن يمين تلك الصور ويسارها إلى مسارب تخرج عن يمين القصر ويساره، تنصب إلى غياض ورمال لا عمارة فيها. وقد ذكر قوم من أهل الاثر أن الانهار الاربعة تخرج من أصل واحد من قبة في ارض الذهب التي من وراء البحر المظلم وهي سيحان وجيحان والنيل والفرات. وذكر بعضهم أنها من الجنة وأن تلك القبلة من زبرجد، وأن جميع هذه الانهار قبل أن يسلك إلى البحر المظلم أحلى من العسل وأطيب من رائحة المسك. وممن جاء بهذا وذكره أبو صالح كاتب الليث وغيره من المحدثين ذكروا أن رجلا من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام يقال له حايد وصل إلى القبة، وله خبر يطول ذكره. (1) [ هذا الخبر الذي قال المسعودي إنه يطول ذكره أثبته هنا، وإن لم يكن


1) هذا الكلام وجد بالاصول وهو فيما يظهر زيادة وتعليق من الناسخ أو الراوي، وقد وضعناه لذلك بين قوسين. (*)

[ 244 ]

هو ذكره لانه بموضعه وهو من كتاب العظمة رواه ببغداد الفقيه أبو الحسن عباد بن سرحان وهو يحدث به إلى الآن عن شيوخه ببغداد بأسانيد ذكرها عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن النيل يخرج من الجنة ولو التمستم فيه حين يمج لوجدتم من ورقها. حدثني أبو الطيب أحمد بن روح، قال حدثني علي بن داود، قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني الليث بن سعد قال زعموا والله أعلم أنه كان رجل من بني العيص، يقال له حايد بن أبي سالوم من العيص بن إسحق بن إبراهيم عليهما السلام أنه خرج هاربا من ملك من ملوكهم حتى دخل أرض مصر فأقام بها سنين. فلما رأى عجائب نيلها وما يأتي به جعل لله تعالى أن لا يفارق ساحله حتى يبلغ منتهاه من حيث يخرج أو يموت قبل ذلك، فسار عليه - قال بعضهم ثلاثين سنة في عبر الماء، وقال بعضهم خمس عشرة سنة كذا وخمس عشرة سنة كذا - حتى انتهى إلى بحر فنظر إلى النيل مقبلا فصعد على ساحل البحر، وإذا هو برجل قائم يصلي تحت شجرة تفاح، فلما رآه استأنس به وسلم عليه، فسأله الرجل صاحب الشجرة وقال له من أنت ؟ فقال أنا حايد بن أبي سالوم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، ومن أنت أصلحك الله ؟ قال له أنا عمران، فما الذي جاء بك هاهنا يا حايد حتى انتهيت إلى هذا الموضع، فان الله تعالى أوحى إلي أن أقف في هذا الموضع حتى يأتي أمره ؟ فقال له حايد أخبرني يا عمران ما انتهى اليك من خبر هذا النيل، وهل بلغك أن أحدا من بني آدم يبلغه ؟ فقال عمران قد بلغني أن رجلا من ولد العيص يبلغه، ولا أظنه غيرك يا حايد، فقال حايد يا عمران كيف الطريق إليه ؟ فقال له عمران لست أخبرك إلا أن تجعل لي ما سألتك قال وما ذلك يا عمران ؟ قال إذا رجعت إلي وأنا حي أقمت عندي، حتى يوحى إلي بأمرك أو يتوفاني الله تعالى فتدفنني، قال له لك ذلك علي، قال سر كما أنت على هذا البحر، فإنك تصل إلى موضع فيه دابة ترى أولها ولا ترى آخرها فلا يهولنك أمرها، فاركبها فإنها دابة معادية للشمس، إذا طلعت أهوت إليها لتلتقمها، حتى

[ 245 ]

يحول بيتها حجبتها، فإذا غربت أهوت إليها لتلتقمها، فإذا ركبتها فسر راجعا عليها حتى تنتهي إلى النيل فانزل عنها، فإنك ستنزل وتبلغ أرضا من حديد جبالها وأشجارها وسهلها من نحاس، فان جزتها وقعت في أرض من فضة، جبالها وأشجارها وسهلها من فضة، فان جزتها وقعت في أرض من ذهب، جبالها وسهلها من ذهب، فيها ينتهي إليك علم النيل. فسار حتى انتهى إلى أرض الحديد، ثم منها إلى أرض النحاس، ثم منها إلى أرض الفضة، ثم منها إلى أرض الذهب، فسار فيها حتى انتهى إلى سور من ذهب وشرفه من ذهب، فيه قبة من ذهب لها أربعة أبواب، ونظر إلى الماء ينحدر من ذلك السور، حتى يستقر في القبة، ثم يفرق فيخرج على الانهار الاربعة. وأما ما يخرج من الثلاثة فيفيض في الارض، وواحد يشق على وجه الارض وهو النيل، فشرب منه واستراح وأهوى إلى السور ليصعد، فأتاه ملك، فقال له يا حايد مكانك فقد انتهى اليك علم هذا النيل، وهذه الجنة والماء ينزل من الجنة. فقال إني أريد أن أنظر إلى ما في الجنة، قال إنك لن تسطيع دخولها اليوم يا حايد، فقال أي شئ هذا الذي أراه ؟ قال هذا الفلك الذي تدور فيه الشمس والقمر وهو شبه الرحى، قال إني أريد أن أركبه وأدور فيه، فقال بعضهم إنه ركبه في دار الدنيا، وقال بعضهم إنه لم يركبه، فقال له الملك يا حايد إنه سيأتيك رزقك من الجنة فلا تؤثر عليه شيئا من الدنيا، فانه لا ينبغي لشئ من الجنة أن يؤثر عليه شئ فانه يبقى ما بقيت. قال فبينما هو كذلك إذ نزل عليه عنقود من عنب فيه ثلاثة ألوان لون كالزبرجد الاخضر، ولون كاللؤلؤ الابيض، ولون كالياقوت الاحمر، ثم قال يا حايد قد انتهى إليك علم هذا النيل. فقال ما هذه الثلاثة التي تفيض في الارض ؟ قال أحدها الفرات، والثاني سيحان والثالث جيحان.

[ 246 ]

فرجع حايد حتى انتهى إلى الدابة فركبها، فلما أهوت الشمس للغروب قذفت به في الموضع الذي ركبها فيه، فأقبل حتى انتهى إلى عمران فوجده قد مات. فأقام على قبره ثلاثا، فأقبل شيخ متشبه بالناس أغر من السجود، فبكى على عمران ثم أقبل إلى حايد فسلم عليه، ثم قال له يا حايد ما الذي انتهى إليك من علم النيل ؟ فأخبره، فقال له الرجل هكذا نجده في الكتب. وكان التفاح قد ظهر في تلك الشجرة من أحسن شئ، فأغراه الشيخ وقال لحايد ألا تأكل منه شيئا ؟ قال معي رزقي قد أعطيته من الجنة ونهيت أن لا أؤثر عليه شيئا من الدنيا، قال صدقت يا حايد لا ينبغي لشئ من الجنة أن يؤثر عليه شئ من الدنيا، وهل رأيت في الدنيا مثل هذا التفاح ؟ وإنما هذه الشجرة أخرجها الله من الجنة لعمران ليعيش منها فأنبتها له في هذه الارض، وليست من الدنيا وما تركها إلا لك، ولو وليت لرفعت، فلم يزل به حتى أخذ منها تفاحة فبعضه عليها عض الملك على يديه، وقال له أتعرفه ؟ هو الذي أخرج أباك من الجنة، أما انه لو سلمت بهذا العنقود الذي معك لاكل منه أهل الدنيا فلم ينفد فهو الآن مجهودك ان يبلغك، فكان مجهوده أن بلغه. فأقبل حايد حتى بلغ مصر فأخبرهم بهذا الخبر، ومات رحمه الله، وتم الخبر الذي أثبته وليس من الام، ورجع الكلام إلى حيث انقطع ] (1). وقال آخرون تنقسم هذه الانهار إلى اثنين وسبعين قسما، حذاء اثنين وسبعين لسانا للامم المذكورة. وقال آخرون إنما هذه الانهار من ثلوج تنزل في أيامها، وتتكاثق هناك فتحملها حرارة الشمس مرة بلطف ومرة بقوة، فتسيل إلى هذه الانهار، فتسقي لما أراد الله جل وتعالى من تدبير خلقه. ونرجع إلى ذكر الوليد لما بلغ جبل القمر رأى جبلا عظيما، فأعمل الحيلة إلى أن صعد عليه ليرى ما خلفه فأشرف منه على البحر الاسود الزفتي النتن، ونظر إلى النيل يجري عليه كالانهار الرقاق، فأتته من ذلك البحر


1) إلى هنا ينتهي الكلام الذي زاده الناسخ في النسخة الاصلية. (*)

[ 247 ]

روائح منتنة، هلك بها كثير من أصحابه فأسرع بالنزول بعد ان كاد يهلك. وذكر قوم أنه لم ير هناك شمسا ولا قمرا إلا نورا أحمر كنور الشمس عند غروبها وقالوا إنه أقام في غيبته مدة عشرين سنة. وان عونا علامة تجبر بمصر بعد سبع سنين من مسيره، وادعى انه الملك، وادعى انه لم يكن عبد الوليد، وانه أخوه وله الملك من بعده وريب على الناس، واستعان بالسحرة عليهم وأسنى جوائز السحرة والكهنة، ولم يمنعهم محابهم، فمال إليه الناس ووثقوا بأمره ولم يترك امرأة من بنات ملوك مصر إلا نكحها، ولا مالا إلا أخذه وقتل صاحبه. وكان مع ذلك يكرم الهياكل والكهنة، فكان الناس يمسكون عنه اشفاقا منهم من السحرة الذين أطافوا به إلى ان رأي في منامه الوليد، وكان يقول له من أمرك أن تتسمى باسم الملك ؟ وقد علمت أنه من فعل استحق القتل، ونكحت إلى ذلك بنات الملوك، وأخذت الاموال بغير واجب، وكأنه أمر بقدور فملئت زفتا ثم غليت على النار وأحميت، وكأنه يغمسه فيها فلما غليت أمر بنزع ثيابه، فأتى طائر في صورة عقاب فاختطفه من أيديهم وعلق به في الجو، فجعله في هوة على رأس جبل، وكأنه سقط من رأس الجبل إلى واد فيه حمأة منتنة. فانتبه مذعورا طائر القلب، وكان في طول فعله ذلك في تملكه إذا خطرت بقلبه من ذكر الوليد خطرة يكاد عقله أن يزول فرقا منه، لما يعلمه من فظاظته وبطشه وقوته. وكاد مرة يوقن بهلاكه لطول غيبته وانقطاع خبره، وكان مرة يخاف أنه حي. فلما رأى الرؤيا لم يشك في حياة الوليد، فأضمر في نفسه الهرب من مصر في الاموال، فأطلع بعض السحرة ممن كان يثق به على أموره.

[ 248 ]

وقال له إني خائف من الوليد، وقد عزمت على الهرب من مصر، فما عندكم ؟ قالوا له نحن نحميك على أن تقبل منا، قال قولوا، قالوا له نعمل عقابا وتعبده، فان الذي خلصك منه في نومك هو بعض الروحانيين، وهو يريد منك أن تعمل صورته فتعبده. قال عون أشهد لقد قال لي وأنا أسمع: اعرف لي هذا المقام ولا تنسه. قالوا لقد بينا نحن لك ذلك. فسمع منهم وعمل عقابا من ذهب، وعجل عينيه من جوهرتين موشحتين بأصناف العمل الغريب. وعمل له هيكلا لطيفا وجعله في صدره، وأرخى عليه ستور الحرير، فأقبل عليه السحرة على خدمته بالبخور والقربان، إلى أن نطق لهم، فأقام عون على عادته ودعى الناس إلى ذلك فأجابوه، فلما مضت لذلك مدة أمر العقاب ببناء مدينة يحوله إليها فتكون حرزا له ومعقلا من كل أحد، فأمر عون كل فاعل بمصر أن يجتمعوا له، وأمر أصحابه أن يخرجوا إلى صحارى الغرب ويطلبوا إليه أرضا حسنة الاستواء، ويكون المدخل فيها بين فجوج صعبة وجبال وعرة، ويتوخى ان تكون تلك الارض قريبة من مغاض المياه، فكان مغيض الماء هو اليوم الفيوم وكان مغيضا لمياه النيل، حتى أصلحه يوسف عليه السلام، وإنما أراد عون قرب مكان المدينة من مغيض المياه ليجري إليها الماء منها، فخرج أصحابه يطوفون في الارض، فأقاموا في ذلك شهرا حتى وجدوا له بغيته، فلم يبق بمصر فاعل ولا مهندس ممن كان يفتت الصخور ويقطعها ويعمل شيئا مما يصلح للبنيان إلا وجهه، وأنفذ معهم ألف فارس في طاعتهم، وأنفذ معهم جميع الآلات، وأقام في توجيه الزاد إليهم شهرا على العجل، وطرق العجل اليوم ظاهرة واضحة في صحراء الغرب من خلف الاهرام، وهي التي يقصدها أصحاب المطالب وهي بنية مشهورة.

[ 249 ]

فلما تكامل لهم ما يريدونه من قطع الحجارة ونحتها أعدوا من العدد، وخطوا موضع المدينة وجعلوه فرسخين في مثلهما، وحفروا في وسطها بئرا، وجعلوا في تلك البئر تمثالا من نحاس صورة خنزير ونحاسة بأخلاط، وجعلوا وجهه إلى الشرق. وكان ذلك بطالع زحل واستقامته وسلامته من المتضادين له وهو في شرفه. وأخذوا خنزيرا فذبحوه له ولطخوا وجهه بدمه وبخروه بشعره، وأخذوا شيئا من شعره وعظامه ولحمه ودمه ومرارته، فجعلوا ذلك في جوف خنزير من النحاس ونقشوا عليه آيات زحل. ثم شقوا في البئر أخدودا من أربعة أوجه المدينة، وجعلوا فيها شوارع يتصل كل شارع فيها بباب من أبواب المدينة، ووصلوا ما بينها بالمنازل الحسنة والطرقات، وجعلوا حول القبة تماثيل من نحاس بأيديهم حراب، ووجوهها مقابلة لتلك الابواب. وجعلوا أساس المدينة من حجر أسود، وفوقة حجر أحمر، وفوقه حجر أخضر، وفوقه حجر أصفر، وفوق الكل ابيض شفاف، مثقبة كلها بالرصاص المصبوب بينها، وفي قلوبها أعمدة الحديد على صفة بناء الاهرام. وجعل طول حصنها ستين ذراعا ونصف ذراع، وعلى كل باب من أبوابها على أعلى الحصن تمثال عقاب كبير من صفر وأخلاط، أجوف ناشر الجناحين، وعلى كل من أركان المدينة صورة فارس بيده حربة ووجهه إلى خارج المدينة، وساق الماء إلى ناحية الباب الشرقي ينحدر في صبيب إلى الباب البحري، ويخرج إلى بطائح هناك، وكذلك من الباب الجنوبي إلى الشمالي. وقرب لتلك العقبان عقبانا ذكرا ولطخها بدمها، واجتلب الرياح إلى أبواب التماثيل فكانت الرياح إذا دخلتها يسمع لها أصواب شديدة، لا يسمعها أحد إلا هالته، وضمدها بعقارب مطلسمة تمنع الناس من دخولها إلا أن يكون مع الغريب الداخل إليها أحد من أهلها، ونصب العقاب الذي يتعبد

[ 250 ]

له تحت القبة التي في وسط المدينة على قاعدة لها أربعة أركان في كل ركن منها شيطان مشوه، وجعلها على عمود زبرجد، فكان العقاب يدور على كل جهة من الجهات الاربع، ويقيم كذلك ربع السنة يقرب إليه من جهته. فلما فرع من ذلك كله حمل إليها جميع الاموال والجواهر المخزونة بمصر، وما وجد في خزائن الملوك من التماثيل والحكم، وتراب الصنعة والعقاقير والسلاح وغير ذلك. وحول إليها كبار السحرة والكهنة وأصحاب الصنائع والمهن، وقسم المساكن التي بناها بينهم، لا يختلط بعضهم ببعض، وبنى حول سورها ربضا يحيط بها، وبنى فيه مساكن لاصحاب مهن الحرث والزرع وغير ذلك، وما يتعلق بالعمارة. وعقد على ما أجراه من الانهار قناطر يجوز عليها الخارج من المدينة والداخل إليها، وجعل الماء يدور حول الربض، ونصب عليه أعلاما ثم غرس ما وراء ذلك كله بأجناس الاشجار وغرائبها، فأقام بها من الجنات كل غريبة حسنة كثيرة الفوائد، ثم جعل ما وراء ذلك مزارع لكل نوع من الحبوب، فاستغل بذلك كله أعظم الغلات. وكان يرتفع إليه منها في السنة ما يكفيه عشر سنين، وبين هذه المدينة وبين منف ثلاثة أيام، فكان يخرج إليها فيقيم بها عشرة أيام، ثم يعود إلى منف. وكان لتلك المدينة أربعة أعياد في السنة في كل وقت يتحول فيه العقاب إلى الجهات الاربع، فلما تم لعون ذلك اطمأن قلبه وسكنت نفسه. إلى أن وافاه كتاب الوليد من ناحية النوبة، يأمره ان ينفذ إليه الازودة، وينصب له الاسواق، فوجه عون ذلك كله من أحسن شئ وأتمه في المراكب وعلى الظهر. وحول جميع عياله ومن اصطفاه من بنات الملوك من مصر وكبرائها إلى

[ 251 ]

المدينة المبنية، فلما قرب دخول الوليد مصر تحول هو إلى مدينته فتحصن بها وخلف للوليد خليفة يكون بين يديه. فدخل الوليد مصر فتلقاه الناس، فشكوا إليه عونا، وما حل بهم منه، فقال: وأين عون ؟ قالوا: فر عنك وتحصن دونك. فاغتاظ وأمر ان ينفذ إليه جيش كثيف، فعرفوه كيف بنى مدينته وأسكن فيها معه من السحرة، وأن امره صعب فما يكون إلا بعد نظر شاف واستعداد كاف، فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، ويحذره التخلف عنه، ويقسم عليه إن لم يفعل وظفر به يبضع لحمه بعد المبالغة في عذابه. فرد عليه عون جوابا يقول فيه: ما على الملك مني في هذا الموضع ؟ ولا أتعرض لبلده، ولا أعبث في شئ منه لاني عبده، وأنا في هذه الجهة حام له من كل عدو يقصده من ناحية من نواحي الغرب، ولا أقدر على المسير إليه لخوفي منه على نفسي، فليقرني الملك على حالي كأحد عماله، وأوجه إليه في كل وقت ما يلزمني من خراجه ومن هداياه، ووجه مع الجواب أموالا جزيلة جليلة وجوهرا نفيسا، فلما رأى الملك ذلك قنع به، وكف عنه. فأقام الوليد بمصر فاستعبد أهلها واستباح حريمهم وأموالهم مائة سنة وعشرين سنة، فأبغضوه وشتموه. وأنه ركب في بعض الايام متصيدا، فألقاه فرسه في هوة من الارض فقتله، وأراح الله الناس منه. وكان ابنه الريان ينكر فعله ولا يرضاه منه، فلما هلك عمل له ناووسا قرب الاهرام، وقيل انه دفن في أحد الاهرام. ثم ملك بعده ابنه الريان الملك، وهو فرعون يوسف عليه السلام، والقبط تسميه نهراوس، فجلس على سرير الملك، وكان عظيم الخلق جميل الوجه، عاقلا متمكنا من العلم، فدخل عليه الناس وهنأوه ودعوا له، فتكلم بجميل، ومنى الناس ووعدهم بالاحسان، وأسقط عنهم الخراج ثلاث سنين، فدعوا له وأثنوا عليه وشكروه.

[ 252 ]

فأمر بفتح الخزائن وفرق ما فيها على الخاص والعام ممن حضر مجلسه، فخرجوا عنه شاكرين له محبين فيه، فملك وأحسن. وتمكنت منه أريحية الصبا، فملك على البلد رجلا من أهل بيته يقال له المعين (1) وهو الذي يسميه اهل الاثر العزيز، وكان من أولاد الوزراء عاقلا متمكنا من عقله حصيف الرأي، كثير نزاهة النفس، مستعملا للعدل والصلاح، وأمر أن ينصب له في قصر الملك سرير من الفضة يجلس عليه. وكان يغدو ويروح إلى باب الملك، ويخرج العمال وجميع الوزراء والكتاب بين يديه عند مسيره وعند رجوعه. فقام بالملك، وكفى الملك مهمه، وأصلح جميع الامور، ووطأ البلاد، وأمن الناس، وأقام سوق العدل. والملك نهراوس منغمس في لذاته، معتكف على لهوه، لا ينظر في عمل ولا يفكر في أمر ولا يخاطبه أحد، فأقاموا لذلك حينا من الدهر، والبلد عامر، والخراج مدر. يقال انه بلغ في وقته تسعة وتسعون ألف ألف مثقال (2) فجعلها أقساما فما كان له ولنسائه ولمائدته حمل إليه، وما كان في أرزاق الجيوش والكهنة والفلاسفة وأصحاب الصنائع ومصانع البلد وإصلاح العقار والحرث والغرس وأصحاب المهن حمل إليهم، وما فضل عن ذلك كله حمل إلى خزائن الملك في قصره. ونهر اوس مع ذلك غير ناظر في شئ من ذلك ولا سائل عنه، وقد عملت له عدة متنزهات على عدة أيام السنة، فكان في كل يوم في موضع منها، فإذا كان من الغد انتقل إلى موضع آخر في كل يوم في موضع من الفرش والآنية ما ليس في غيره. فلما اتصل ذلك بملوك النواحي طمعوا فيه واستضعفوه، فقصده رجل من


1) في ق: يقال له قطفير. 2) في ق: سبعة وستين ألف ألف مثقال من الذهب. (*)

[ 253 ]

العمالقة يقال له عابد بن سجوم، ويكنى بأبي قابوس، فسار قاصدا إلى مصر حتى نزل على حد من حدودها. فأنفذ إليه العزيز جيشا وجعل عليه قائدا يقال له دوناس، فقتله ذلك الملك وهزم عسكره، ودخل حدود مصر فهدم أعلاما ومصانع كثيرة، واشتد طمعه في مصر وجهاتها. واتصل خبره بأهل مصر فأعظموا ذلك وأكبروه واجتمعوا إلى العزيز، فأمرهم أن يسيروا إلى قصر الملك، فأتوا إلى قصر الملك وجعلوا يصيحون ويستغيثون، فسمعهم نهراوس، فسأل عن حالهم، فأخبر خبر العمالقي وأنه قد دخل حدود مصر وعاث فيها، وأفسد مزارعها وغير مصانعها، وهدم أعلامها وأنه مقبل بجيوشه يريد قصر الملك، فارتاع لذلك وأنف منه، وانتبه من غفلته. وتذكر القبط أنه سمع نياح الجن على أبيه، فارتاع لذلك فعرض جيشه وأصلح أمره، وخرج إلى العمالقي واتبعه إلى حدود الشام. وقتل أكثر أصحابه، وأفسد الزرع وقطع الاشجار، وأحرق الديار، وصلب من أسره من الجيوش، ونصب أعلاما على الموضع الذي بلغه أي لمن جاوز هذا المكان. وقيل إنه بلغ الموصل، وضرب على أهل الشام خراجا، وبنى عند العريش مدينة عظيمة وشحنها بالرجال وملا تلك النواحي بالجنود، وانصرف إلى مصر، فلما فعل ذلك هابته الملوك، وفزعوا منه وأعظموه وهادوه وصالحوه. ولما استقر بمصر حشد جنوده من جميع الاعمال، واستعد لغزو ملوك الغرب، فخرج في تسعمائة ألف [ مقاتل ] واتصل بالملوك خبره، فمنهم من تنحى عن طريقه، ومنهم من دخل في طاعته، ومنهم من بذل الاموال والذخائر وصالح بلده، ومنهم من قهره واستباحه.

[ 254 ]

ومر بأرض البربر فأخذ كثيرا منها، ووجه قائدا يقال له مريطس، فركب في سفن كثيرة، وأخذ سواحل البحر فقتل بعض البربر، ودخل أرضهم وصالحه بعضهم، وحملوا إليه الاموال. ومضى الملك إلى إفريقية وقرطاجنة، فصالحوه على ألطاف وأموال كثيرة حملوها إليه. ومر حتى بلغ مصب البحر الاخضر إلى بحر الروم، وعمل هناك صنما من نحاس وهو الموضع الذي فيه الاصنام القديمة، وأقام تحته علما عظيما زبر عليه اسمه وتاريخ الوقت، وصفة الامر الذي خرج إليه، وضرب على أهل تلك النواحي خراجا. وعبر إلى الارض الكبيرة وسار إلى الافرنجة وسار إلى الاندلس، وصاحبها عند ذلك اللاذريق، فحاربه أياما، وقتل من أصحابه خلقا كثيرا. وصالحوه بعد ذلك على ذهب كثير في كل سنة يحمل إليه، وعلى أن لا يغزو أحدا في البحر ولا في البر شيئا من حدوده، من جميع من في تلك النواحي، وعلى أن يمنع من رام شيئا منهم من ذلك ويغالبهم عنه. وانصرف راجعا عنه، فسار على عبر البحر مشرقا على بلاد البربر. فلم يمر بموضع إلا خرج إليه أهله وأهدوه ودخلوا في طاعته، ومشوا بين يديه. وأخذ إلى ناحية الجنوب، فمر بناحية الكوفاس (1) وهي أمة عظيمة فحاربوه فقتل منهم خلقا كثيرا. وبعث قائدا له إلى مدينة على ساحل البحر المظلم، فخرج إليه ملك المدينة وأهلها يسألونه ما هو وما قصده ؟ فعرفهم القائد بحال الملك الريان وإذعان الملوك له ومصالحتهم إياه. فقالوا له أما نحن فما بلغنا أحد قط ولا رأيناه ولا ضرنا أحد ولا ضاررناه. وأخرجوا إليه مالا وجوهرا. وصالحوه على


1) في ق: الكوشانيين على معبر البحر الاسود. (*)

[ 255 ]

مدينتهم. فقبل ذلك منهم. وسألهم هل ركب هذا البحر أحد قط ؟ فقالوا جميعهم إنه ما يستطيع أحد أن يركبه، وأخبروه أنه ربما أظله الغمام فلا يرونه أياما. ثم أتاهم الملك الريان فتلقوه بهدايا وفاكهة أكثرها التوت وحجارة سود. فإذا جعلت في الماء صارت بيضاء. وسار على أمم السودان حتى بلغ إلى مملكة الزموم (1) الذين يأكلون الناس، فخرجوا إليه عراة بأيديهم حراب الحديد، وخرج ملكهم على دابة عظيمة الخلق لها قرون، وكان جسيما أحمر العينين فصبر للحرب صبرا عظيما ثم ظفر به الريان، فانهزموا في أوحال وأدغال وغيران وجبال وعرة، فلم يتهيأ له أتباعهم فيها. فجاوزهم إلى قوم على خلق القرود لهم أجنحة خفاف يلتفون بها من غير ريش، ومر على البحر المظلم، فلما أمعن في السير فيه غشيهم منه غمام فرجع متيامنا، حتى انتهى إلى جبل نبارس، فرأى فوقه تمثالا من حجر أحمر يومئ بيده، أن ارجعوا وعلى صدره مزبورا " ما وراثي أحد ". وانتهى إلى مدينة النحاس فلم يصل إليها، ثم مضى في الوادي المظلم، فكانوا يسمعون منه جلبة عظيمة، ولا يرون شيئا منه لشدة ظلمته. ثم سار حتى انتهى إلى وادي الرمل فرأى على عين أصناما عليها اسماء الملوك قبله، فأقام صنما وزبر عليه اسمه، فلما عدا وادي الرمل جاز إلى الخراب المتصل بالبحر الاسود المظلم، فسمع جلبة وصياحا هائلا، فخرج في شجعان من أصحابه يتبعون ذلك الصياح حتى أشرف على سباع عظيمة غريبة الخلق مخزمة الانوف وبعضها يغير على بعض فيأكل بعضها بعضا، فعلم أنه لا مذهب له من ورائها فرجع وعدى وادي الرمل، فمر بأرض العقارب فأهلكت بعض أصحابه فرجعوها عن أنفسهم بالنار وبالرقا والعزائم التي كانوا قد عرفوها حتى جاوزها.


1) في ق: الدمدم. (*)

[ 256 ]

وسار حتى انتهى إلى أرض سلوقة (1) وكانت بها حية تخرج عن الحد والمقدار، فرأوها ممتدة فظنوها ميتة، فهمموا عليها فوجدوها حية. فرجعوا عنها هاربين وتعوذوا منها بالرقا. وتزعم القبط أنه سحرها، ومنعها من الحركة، وتركها على حالها، فلم تتحرك حتى هلكت ويقال إن طول هذه الحية ميل وإنها كانت تبتلع الفيلة. وسار إلى مدينة الكند وهي مدينة الحكماء، فهربوا إلى جبل وعركان لهم صعدوا إليه من داخل مدينتهم من مواضع لا يقدر هو ولا أصحابه على الصعود فيها، فأقام على تلك الطريق يحرسها حتى عدم الماء، ولم يجد منه شيئا وضاع أصحابه، وكادوا أن يهلكوا عطشا. فنزل إليه رجل منهم يقال له ميدوش وكان من أفاضل الحكماء وقد غطى شعره جسده، فقال له أيها الملك المغرور أين تريد، وقد مد لك في الاجل، ورزقت فوق الكفاية ؟ ففيم تتعب نفسك وجيشك، هلا قنعت بما تملكه، واتكلت على خالقك الذي وهبك الغنى، وأعانك بهذا الخلق ! فعجب نهراوس من قوله وسأله عن الماء فدله عليه. وسأله عن موضعهم إذ لم يكن إصاب في جيشهم أثرا لسكناهم. قال نحن في موضع لا يصل إليه أحد. قال فما معاشكم ؟ قال من أصول نبات لنا نعتصم به ونقنع فيقيتنا ويكفينا اليسير منه. قال فمن أين تشربون ؟ قال من غدران لنا في الارض يجتمع إليها الماء من الامطار والثلوج. قال فلم هربتم عنا ؟ قال رغبة عن جواركم، وزهادة في خلطتكم وكراهة لقربكم، وإلا فليس لنا ما نخافكم عليه. قال فأين تكونون إذا حميت الشمس ؟ قال في غيران لنا تحت هذا الجبل. قال فهل تحتاجون إلى مال أخلفه لكم ؟ قال إنما يحتاج إلى هذا المال أهل


1) في ق: صلوفه. وهي حية عظيمة كأنها جبل. (*)

[ 257 ]

البذخ. ونحن لا نستعمل شيئا منه فاستغنينا عنه بما قد اكتفينا به. ومع ذلك فانا قد رزقنا منه ما لو رأيته لحقرت ما عندك. قال فأرنيه ! قال فسر معي، قال فانطلق الملك ونفر من أصحابه معه إلى أرض في سفح جبل يتصل بهم فرأوا فيه قضبان الذهب نابتا، وأروه واديا لهم على حافتيه حجارة الزبرجد والفيروزج. فأمر نهراوس أصحابه أن يتخيروا من جياد تلك الحجارة، ويحملوا منها ما يقدروا عليه ففعلوا، ورجع بهم إلى مصر فرأوا قوما من اهل العسكر يحملون صنما لهم ويعظمون امره، فجزع من ذلك، وسأل [ الرجل ] الملك أن يقيم بأرضهم، ونهاه عن عبادة الاصنام وخوفهم منها. فسأله نهراوس أن يدله على الطريق، ففعل وودعه وسار على السمت الذي وصفه له، فلم يمر على امة إلا أثر فيها اثرا إلى أن بلغ إلى ارض النوبة، فصالح أهله على ما يحملونه إليه ثم أتى إليه دنقلة فأقام بها علما وزبر اسمه عليه ومسيره وجميع ما عمله في سفرته تلك. ثم سار منها يريد منف فلم يبق احد إلا خرج إليه مع العزيز، وتلقوه بأصناف الطيب والرياحين والبخورات والملاهي وغرائب الالعاب. وكان العزيز قد بنى له مجلسا من الزجاج الغريب الابيض الصنعة الملون، وجعل فيه صهريجا من زجاج سماوي، وجعل في ارضه سمكا من الزجاج الغريب فلما دخل منف أنزله العزيز في ذلك المجلس، وأقام الناس أياما في لهو وسرور يأكلون ويشربون. وأمر بعرض جيشه ففقد سبعين ألفا، وقد كانوا خرجوا في ألف ألف، وكانت غيبته أحد عشر عاما. ولما سمع الملوك بذكر ما عمل في سفره، وما غلب من الامم، وما فتح من البلاد، وقتل وأسر من الخلق هابوه وخافوه، لشدة بأسه وعظيم سلطانه. أخبار الزمان - م (17)

[ 258 ]

وتجبر نهراوس فبنى في الجانب الغربي قصورا من رخام، ونصب عليها أعلاما فكان يغشاها أبدا، ويقيم فيها اياما كثيرة، وكان الخراج في وقته تسعة وتسعين ألف ألف، فأمر بالزيادة في طلب العمارات، وطلب وجوه الزيادة فيها من احسن الطرقات لا من رديئها. وأمر باصلاح الجسور في الجهات، والتحمل في أن يزيد الماء في انبساطه في الارض، ففعل ذلك كله حتى وافى الخراج مراده وزاد عليه. وقالت القبط: إن في مدته دخل البلد غلام من الشام له أخوة يحسدونه، فاحتالوا عليه حتى بيع من تجار يقصدون مصر، وكانت قوافل الشام تعرس بمصر بناحية الموقف اليوم، فأوقف الغلام للبيع ونودي عليه، وهو يوسف الصديق عليه السلام، فبلغ وزنه ذهبا ووزنه فضة، فاشتراه العزيز ليهديه للملك، فلما أتى به إلى منزله رأته زليخا امرأته، وكانت ابنة عمه فقالت له اتركه عندنا نربيه ففعل، وكان من أمره معها وعشقها له ما قصه الله تعالى في كتابه، وكانت تكتم حبها عنه، حتى غلبها الامر، فتزينت له وجاءته فعرفته عشقها له، وأنها مطاوعة له في كل ما يريده منها، وأنها لابد لها منه، وحبته بمال عظيم، فامتنع عليها، ولم يجد عنها مهربا، فرامت تقبيله فأبى عليها، فهجمت عليه ولم تزل تعاركه وهو يمتنع إلى أن دخل زوجها فوجده هاربا عنها وكان عنينا لا يأتي النساء، فقال لهما ما هذا فجعل يوسف عليه السلام يعتذر إليه، وقالت هي كنت نائمة فأتاني يراودني عن نفسي، ففطن أن الامر كان منها. فقال ليوسف عليه السلام أعرض عن هذا أي عن اعتذارك، وقال لزليخا استغفري لذنبك، فانك قد أخطأت. واتصل خبر الغلام وجماله بالملك، وأن العزيز ابتاعه له، فلما لم يره سأله عنه انكر المعين أمره وغير له خبره، وغلظ فيه عليه، وثقف الغلام عنده في القصر ومنعه الخروج فنسي خبره.

[ 259 ]

وكان نهراوس قد عاود الانعكاف على اللذات، والاحتجاب عن الناس لما كان العزيز كفاه من أمر الملك والرعية. واتصل خبر زليخا مع يوسف عليه السلام بنساء من نساء أصحاب الملك فعيرنها بذلك. فأحضرت منهن جماعة وعملت لهن طعاما، فلما أكلنه أحضرت لهن شرابا، وأجلستهن مجلسين مجلسا حذاء مجلس، مذهبين جميعا، وفرشتهما بالديباج الاصفر المذهب، وأرخت عليهما ستور الحرير والديباج. وجلسن فيهما للشراب وقدمت بين ايديهن فاكهة كثيرة، وسكاكين أنصبتها من الجوهر، وقالت لهن اقطعن من هذه الفاكهة بهذه السكاكين، ويقال إن الذي كان ينزل بين أيديهن أترج وهو المتكأ، فأمرت المواشط بتزيين يوسف عليه السلام. وإخراجه إلى المجلس الذي كانت تجلس هي فيه والنسوة للشراب. وكانت الشمس ذلك الوقت محاذية لذلك المجلس. فأخذته المواشط ونظمن شعره بأصناف الجوهر. وألبسنه ثوب ديباج أصفر منسوج بدوائر مذهبة. وفيها صور خضر صفار. وعدلن شعره على جبينه إلى قرب حاجبيه. ووصلن جبهته، وعقربن على خديه صدغيه، ورددن ذؤابته على صدره. ودفعن إليه بمذبة ذهب شعرها أخضر. فلما فرغ النسوة من أكلهن وجلسن للشراب، وأحضرت الفواكه وسقتهن أقداحا دفعت اليهن السكاكين، وقالت لهن قد بلغني ما أخذتن فيه من أمري مع عبدي. فقلن لها إن الامر على ما بلغك إلا أنك أعلى عندنا قدرا من هذا ومثلك يرتفع عن اولاد الملوك لحسنك وشرفك وعقلك، فكيف كنت ترضين بعبدك ؟ قالت لم يبلغكن الصدق عني. ولم ارض لنفسي بذلك، فلو رضيته لكان هو اهلا لذلك، وشارت إلى المواشط باخراجه، فرفعت ستور المجلس الذي يحاذي مجلسها

[ 260 ]

واقبل يوسف عليه السلام والمذبة بيده، وهن يرمقنه، محاذيا للشمس. فأشرق المجلس وما فيه بوجه يوسف عليه السلام وارسل مع نور الشمس شعاعا فكاد يخطف ابصارهن. واقبل يوسف عليه السلام والمذبة بيده وهن يرمقنه حتى وقف على رأسها يذب عنها، وهن لا يعقلن، وقد وضعن تلك السكاكين على أيديهن وأصابعهن، فقطعنها مكان الفاكهة ولا يشعرن بذلك ولا يجدن ألما وهي تخطبهن فلا يفهمن خطابها للذي أدهشهن من النظر إلى وجه يوسف عليه السلام. فقالت لهن زليخا ما لكن قد اشتغلتن عن فهم خطابي بالنظر إلى عبدي ؟ فقلن معاذ الله أن يكون هذا عبدك أو يكون هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم، ولم تبق منهن واحدة الا أنزلت وحاضت من محبته. فقالت لهن زليخا عند ذلك فهذا الذي لمتنني فيه، فقلن لها ما ينبغي لاحد أن يلومك بعد هذا، ومن لامك فقد ظلمك فدونكه، وقالت قد فعلت فأبى على فخاطبنه إن قدرتن واعدنه الخير مني وحذرنه عقوبتي على رده لي، فكانت كل واحدة منهن تدعوه إلى نفسها سرا، وتبذل له ما قدرت عليه وهو يمتنع، فإذا قطعت رجاءها منه لنفسها حينئذ خاطبته عن زليخا، وقالت له مولاتك تحبك وأنت تكرهها، وما ينبغي أن تخالفها وهي تبلغك إلى افضل المنازل، وتعطيك من الاموال والجواهر فوق ما يرضيك، فيقول ما لي بذلك من حاجة، فلما رأين ذلك منه أجمعن على أخذه غصبا. فقالت زليخا ما يجوز ذلك ولا يمكن، ولكنه ان لم يفعل لامنعنه اللدات، ولانزعن عنه جميع ما أعطيته ولاسجننه. فقال يوسف عليه السلام رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه، فأقسمت بالهها، وكان صنما من زبرجد أخضر باسم عطارد أنه إن لم يجبها إلى ما تريده لتعجلن له ذلك وكشفت عن الصنم واستعانته على أمره، ثم أمرت بنزع ثيابه وألبسته الصوف وسألت زوجها أن يحبسه لها ليزول عنها ذكرها به فمال إلى قولها لئلا يظن الناس بأهله القبيح، وعسى [ أن ] ينفي عنها القالة بذلك.

[ 261 ]

فأمر بحبسه فحبس. فأقام في السجن بضع سنين. ورأى الملك في منامه كأن آتيا أتاه فقال له إن فلانا [ وفلانا ] (1) قد عزما على قتلك، وكان صاحبي طعامه وشرابه. وفي غد تقف على أمرهما. فلما أصبح قررهما فاعترفا وقيل اعترف احدهما، وأنكر الآخر فامر بحبسهما وكان اسم صاحب الشراب مرطيس. وكان يوسف عليه السلام برا رؤفا بأهل السجن، يصبرهم ويعظهم ويعدهم بالفرج، ويفسر احلامهم. إلى ان اخبره صاحب طعام الملك وصاحب شرابه برؤياهما كما جاء به القرآن، فأخرجا من السجن. وكان كما أخبرهما ان قتل أحدهما وهو الذي أقر ونجا الآخر الذي لم يقر. وهو صاحب الشراب. ولما رأى الملك في نومه البقرات والسنابل وأراد أن يعبر رؤياه عرفه الساقي خبر يوسف عليه السلام. فأرسل إليه إلى السجن ففسرها له وقيل إن الملك قال للرسول سله عن الرؤيا قبل أن تقصها عليه ففعل. فقال الملك عند ذلك فجئني به. فرجع الرسول إليه ليخرجه ويحمله إلى الملك. فقال له يوسف عليه السلام لست أخرج حتى يكشف الملك عن امر النسوة اللاتي قطعن ايديهن وحبست من اجلهن. فأمر الملك في الوقت، فأحضرت زليخا والنسوة وكشف عن حقيقة الامر فوقف عليه، وأقرت زليخا والنسوة بما كان منها. فوجه الملك إليه وأخرج من السجن وغسل من دونه ونظف وألبس من الثياب ما يليق به مثله على الملك. فلما دخل على الملك ورآه امتلا قلبه من حبه. فأنزله وأكرمه وسأله عن الرؤيا ففسرها له كما قال الله عزوجل في كتابه. فقال الملك ومن يقوم بذلك ؟ فقال له يوسف عليه السلام أنا فإني به عليم. فخلع عليه خلع الملك وألبسه تاجا. وأمر أن يطاف به، ويركب الجيوش


1) في ب: ان فلانان. (*)

[ 262 ]

معه. ويرد إلى قصر الملك، ويجلس على سرير العزيز، فكان ذلك واستخلفه الملك مكانه وسماه العزيز. وقال قوم كان العزيز قد هلك، فتزوج يوسف عليه السلام امرأته، فلما خلا بها قال لها هذا أفضل مما كنت أردت ؟ فقالت له إن زوجي كان عنينا ولم ترك امرأة في حسنك وهيبتك إلا صبا قلبها إليك. فأقام يوسف عليه السلام يدبر ملك مصر كيف شاء، وجاءت سني الخصب فأخذ يوسف غلاتها فخزن اكثرها في سنابلها، واشترى الغلات الجسيمة، واكثر غلات الناس، وخزن من ذلك ما لا يحصر قدره. ثم جاءت سني الجدب وبدأ النيل في النقصان، فكان ينقص في كل سنة اكثر من نقصانه في السنة التي قبلها، فغلا السعر حتى بيع المأكول بالجوهر والمال والثياب والآنية والعقار. وكاد اهل مصر أن يرحلوا عنها لولا تدبير يوسف عليه السلام، وقحط أهل الشام، فكان من قصة إخوة يوسف ما قصه الله تعالى في كتابه. ووجه يوسف إلى أبيه فحمله إلى مصر وجميع اهله، وخرج في وجوه أهل مصر، فتلقاه وأدخله على الملك، فأحبه الملك وعظمه. فقال له يا شيخ كم سنك، وما صناعتك، وما الذي تعبده ؟ فقال له أما سني فعشرون ومائة سنة، وأما صناعتي فلنا غنم نرعاها فنحن ننتفع بها ونعيش منها، وأما الذي أعبده فرب العالمين، وهو رب آبائي وآبائك وإلهي وإلهك وإله كل مخلوق وخالق كل شئ. وكان في مجلس الملك كاهن عظيم القدر عندهم، يقال له فيناس، فلما سمع قول يعقوب عليه السلام ضاق به ذرعا، وقال لنهراوس بلغتهم إنه يجري خراب مصر على يد ولد هذا فقال له نهراوس، فبين لنا خبره. قال فيناس ليعقوب عليه السلام إن كل إله لا تراه العيون فليس بشئ، فغضب يعقوب عليه السلام، وقال كذبت أي عدو الله، وطغيت في هذه الدنيا، إن الله تعالى شئ وليس كالاشياء، وهو خالق كل شئ لا إله غيره.

[ 263 ]

قال فصفه لنا، قال إنما يوصف المخلوق لا الخالق عزوجل، لانه ارتفع عن الصفات، فهو واحد قديم أول أزلي قاض بكل شئ مدبر لكل شئ بلا كيف هو، حاضر في كل مكان لم يعزب عن علمه مثقال ذرة في ظلمات البحر، ولا اعماق الارض، ولا في اطباق السموات وهو يرى ولا تراه العيون ولا يحيط به فكر ولا يحويه مكان، وكان قبل المكان والزمان، وخلق المكان والزمان. ثم قام يعقوب صلى الله عليه وسلم مغضبا ليخرج، فأجلسه الملك وامر فيناس ان يكف عنه، ويأخذ في غير ذلك، قال كم عدة من دخل معك من الرجال ؟ قال ستون رجلا. قال فيناس للملك كذلك نجد في كتبنا أن خراب مصر يجري على يد قوم يدخلون مصر في هذا العدد من الشأم من صنف هؤلاء. قال الملك أيكون ذلك في ايامنا ؟ قال لا ولكن إلى أمد بعيد، ولكن الصواب أن يقتله الملك ولا يستبقي من ذريته أحدا. قال الملك نهراوس إن كان الامر كما تقول فلا يمكننا دفعه ولا علينا منه ضرورة إذا لم نخف أن يجري ذلك في مدتنا أن نقتل هؤلاء القوم، وهم يذكرون أمر إله عظيم. وغيرنا ممن يخاف أن يدور ذلك عليه أحق بالنظر فيه، وقد قبل قلبي قول هذا الرجل، وأعجبني امره، وهو شيخ جليل القدر، وليس إلى إذايته سبيل، فخاطبه بألين كلام وناظره إن شاء مناظرتك. فجرت بين يعقوب عليه السلام وبين فيناس بعد ذلك مخاطبات لين له فيها القول، وظهر فيها يعقوب عليه السلام [ عليه ]. وأحب يعقوب أن يعرف خبر مصر ومدائنها وعجائبها وسحرها وطلسماتها، فسأل عن قليل ذلك وكثيره فيناس عند خلوته به. واستحلفه بحق فرعون أن لا يكتمه شيئا منه، فوصف له ذلك كله وبينه وشرح غرائبه، حتى لم يخف عن يعقوب عليه السلام شيئا منها.

[ 264 ]

فأقام يعقوب بمصر ونهر اوس يجله ويعظمه إلى أن حضرته الوفاة، فأوصى أن يحمل إلى مكانه من الشأم، فجعل في تابوت، وخرج معه يوسف عليه السلام ووجوه أهل مصر حتى بلغوه إلى موضعه، ودفن فيه عليه السلام، وقيل إن عيصو منعه من دفنه هناك لان إسحق عليه السلام وهبه الموضع، فاشتراه يوسف عليه السلام منه بحكمه، ودفنه فيه. وأقام يوسف بمصر وولد له فيها، ويقال إن نهراوس آمن بيوسف عليه السلام، وكتم إيمانه خوفا من فساد ملكه. وملك نهراوس مائة وعشرين سنة، وفي وقته عمل يوسف عليه السلام الفيوم لابنة الملك، وكان أهل مصر قد تنقصوا الملك، وقالوا قد كبر وذهب عقله، فاخبهر يوسف عليه السلام، فقال نهراوس ما أبالي ولكني قد وهبت لابنتي ناحية كذا وكذا، وهي مغايض مياه ومروج، وأحب أن أدفع عنها صبيب المياه وأخرج عنها ما حصل فيها حتى ترجع ارضا عامرة مغلة، فاعمل في ذلك واحكم ما يمكن. فخرج يوسف عليه السلام فدبرها وأخرج المياه منها، وقطع مادتها منها، وبنى جسورها وقلع أدغالها وردها ارضا عظيمة العمارة جسيمة الغلة، وهي أرض الفيوم، وفرغ من ذلك كله في مدة قريبة، فعجب الناس من فطنة الملك وحكمة يوسف عليه السلام. ويقال إن نهراوس أول من بنى بمصر (1) وبنى اللاهون، وجعل الماء فيه مقسوما موزونا، ثم مات نهراوس. واستخلف ابنه دريموس، ويسميه أهل الاثر داروم (2) بن الريان وهو الفرعون الرابع عندهم. ولما ملك خالف سنة أبيه، وكان يوسف خليفته، لان أباه أمره بذلك وأكد عليه فيه، فكان يوسف عليه السلام يسدده فربما قبل منه وربما خالفه.


1) هكذا بالاصول، ولعل الصواب من بنى الجسور بمصر، أو بنى خزانا بمصر. 2) في ق: دارم. (*)

[ 265 ]

وظهر في وقته معدن فضة على ثلاثة أميال من النيل، فأثار منه شيئا عظيما، وعمل منه صنما على اسم القمر، لان طالعه كان على السرطان، ونصبه على قصر الرخام الذي كان ابوه بناه في شرقي النيل. ونصب حوله أصناما كلها من فضة وألبسها الحرير الاحمر، وعمل للصنم عيدا في كل شهر، وهو إذا دخل القمر بالسرطان. وكان ينتقل إلى مواضع شتى يتنزه، وكلما أراد أن يضر الناس منعه يوسف عليه السلام من ذلك ودفعه عن رأيه بأي وجه أمكنه، إلى ان مات يوسف عليه السلام وله مائة وثلاث وعشرون سنة، فأمر به داروم فكفن في ثياب الملوك، وجعل في تابوت رخام، ودفن في الجانب الغربي من النيل وخصب، ونقص الجانب الشرقي. فاخرج تابوته من الجانب الغربي ونقل إلى الجانب الشرقي فدفن فيه ونقص الجانب الغربي. فاتفق رأيهم أن يجعلوه في الجانب الغربي سنة وفي الشرقي سنة، ثم حدث لهم من الرأي أن شدوا حول التابوت حلقا من نحاس وثاقا ثم ربطوه بحبال وشدوه شدا وثيقا محكما ولووه لويا وثيقا ثم دلوه في وسط النيل، وتركوه هناك فأخصب الجانبان جميعا وقيل إن داروم استوزره بعد بلاطس (1) الكاهن، فكان بلاطس يطلق له ما كان يوسف عليه السلام منعه عنه، وعمله على أذى الناس وأخذ اموالهم، فبلغ بهم من ذلك مبلغا كبيرا. فكان لا يسمع بامرأة حسناء إلا وجه إليها فحملت إليه. وفشا ذلك في المملكة واضطرب الناس من فعله. فخاف بلاطس ان يفسد أمن المملكة، ويتلف الملك من فعله، فدخل إليه وأشار عليه أن يتودد إلى الناس، ويعتذر منهم ويرد نساءهم، فأمره


1) الصواب: استوزر بعده بلاطس. أخبار الزمان - م (18)

[ 266 ]

الملك أن ينادي في الحضور ثم لبس افخر ثيابه، ودخل الناس إليه فشكوا إليه ما حل بهم، فاعتذر إليهم وأسقط عنهم خراج ثلاث سنين. ثم أمر بعمل قصر من خشب فيه عجائب كثيرة، وكان يركب فيه هو ونساؤه وحشمه، ورجع إلى ما كان عليه من ابتزاز النساء، ونهب الاموال، واستخدام الاشراف والوجوه، من القبط من بني إسرائيل. إلى أن ركب في ذلك القصر يوما، فلما كان في بعض الليالي وقد أحدق النيل بالبلد، وكان الماء من الجبل إلى الجبل، وامتد القمر على الماء وهو في قصره الخشب، فأراد أن يعدي من العدوة إلى العدوة الاخرى، فلم يتهيأ له سوق القصر بسرعة لعظمه، فركب مركبا لطيفا مع ثلاثة نفر من خدمه وامرأة أبيه الساحرة. فلما توسط البحر هاجت ريح عاصفة، فانقلب المركب وغرق هو ومن معه، وأصبح الناس شاكين في امره إلى أن وجدت جثته بشطنوف فعرف بخاتمه، وبجوهر كان يتقلد به، فحمل إلى منف. وقدم الوزير ابنه معازيوس (1) وأجلسه على سرير الملك، وكان صبيا فبايع له الجيش وأسقط عن الناس الخراج الذي كان أبوه أسقطه وزادهم سنة وضمن لهم الاحسان فأطاعوه ورد نساءهم، وهو خامس الفراعنة، وكان في زمنه طوفان آخر ببعض البلد. وكان وزير أبيه قد هلك، فاستوزر كاهنا يقال له أملادة، فلما رأى من الاسرائيليين ما فعلوه أنكره، وأشار أن يفرد لهم من البلد [ مكانا لئلا ] بهم يختلط غيرهم، فأقطعوا موضعا من قبلي منف، وعملوا لانفسهم متعبدا كانوا يتلون فيه صحف ابراهيم عليه السلام. وان رجلا من أهل بيت المملكة عشق امرأة من الاسرائيليين، وأراد أن يتزوج، فأبوا عن ذلك.


(1) في ق: معدان. (*)

[ 267 ]

وتغلب احد ملوك الكنعانين على الشام وامتنع أهله ان يحملوا الضريبة إلى ملك مصر، وأقبل على ملازمة الهياكل والتعبد فيها، فأعظم الناس أمره فتجبر في نفسه، وأمر الناس أن يسموه ربا، وترفع ان ينظر في شئ من أمر المملكة، فجمع الناس وقال لهم قد رأيت أن أجعل امر الملك إلى ابني اقسامس وأكون من ورائه إلى أن يغيب شخصي عنكم كما وعدت، فرضوا ذلك، وقالوا الامر أمر الملك ونحن عبيده، ومن رضيته الآلهة فحكم الخلق أن يرضوه ولا يخالفوه. فأقام ابنه أقسامس (1) الملك، وجلس أقسامس على سرير الملك، وتوج بتاج أبيه وأقام الناظرون (2) بين يديه ورتب الناس مراتبهم، وقسم الكور والاعمال، نوأمر بأبساط العمارات، وأوسع على الناس في أرزاقهم، وعلا أمره وطال ملكه، وعمل مدنا كثيرة أسفل الارض وعجائب كثيرة يطول ذكرها، ويقال إن بخت نصر لما ظفر بمصر أخذ من عمله عجائب كثيرة، فأقام أول ولايته سبع سنين بأجمل أمر وأصلح حال. ومات وزير أبيه فاستخلف رجل من أهل بيت المملكة، يقال له طلما (3)


1) في ق: كاشيم. 2) لعل الصواب وأقام القاطرون، وقد تقدم معنى ذلك في صدر الكتاب. 3) في ق: ظلما، وقد جاء فيه زيادة لا بأس من ايرادها ههنا وهي " وكان يقال له ظلما، وكان شجاعا كاهنا حكيما متصرفا في كل فن، وكانت نفسه تنازعه الملك، قيل هو من ولد اشمون وقيل من ولد صاو، وقيل من العمالقة. وكان يقوم بأمر البلد كما كان العزيز مع الوليد. وقيل سبب استخلافه الملك أنه كان عطارا بأصبهان فأفلس وركبه الدين فخرج هاربا من الدين واتى الشام فلم يستقم حاله، فجاء إلى مصر فرأى على باب المدينة حمل بطيخ فسأل عن سعره فقيل بدرهم، فدخل المدينة فسأل عن سعره فقيل كل بطيخة بدرهم، فقال: من هنا أقضي ديني ! فاشترى حملا بدرهم وأتى المدينة فنهبه البوابون فما بقي منه الا بطيخة واحدة فباعها بدرهم، فقال ما هذا ؟ ما هنا أحد ينظر في مصالح الناس ؟ فقالوا: ملكنا مشغول بلذات نفسه وفوض الامر إلى الوزير، ولا ينظر في شئ فخرج فرعون إلى المقابر، فجعل لا يمكن احدا من الدفن الا بخمسة دراهم فأقام على ذلك مدة لم يتعرض له أحد فماتت بنت الملك، فقال: هاتوا خمسة دراهم، فقالوا ويحك هذه بنت الملك، فقال: هاتوا عشرة درهم، فلم يزل يضاعفها إلى أن وصلت إلى مائة درهم، فأخبروا الملك بحديثه، قال: ومن هذا ؟ قالوا: عامل الاموات فأرسل (*)

[ 268 ]

ابن قومس، وكان شجاعا ساحرا كاهنا كاتبا حكيما ذهنيا متصرفا في كل فن. فصلح أمر المملكة بمكانه وأحبه الناس، فعمل معالم كثيرة وعمر الخراب، وبنى مدنا، ورأى في نجومه أنه سيكون جدب وشدة، فاستعمل ما استعمله نهراوس الملك وقد تقدم ذكره. وبنى الهياكل، وقيل إن منارة الاسكندرية بنيت في زمانه، وفي زمانه هاج البحر المالح فغرق كثير من القرى والاخبية والمصانع. وحكي أن أقسامس تغيب عن الناس مدة، وقيل مات وكتموا موته، وكان ملكه إلى أن غاب عنهم إحدى وثلاثين سنة، وأقاموا إحدى عشرة سنة يدبر ملكهم طلما الكاهن. ولما افتقد الناس الملك اضطربوا وتغيروا على طلما، واتصل بهم أنه سمه وقتله، فقالوا لابد لنا من النظر إلى الملك، فعرفهم أنه قد تخلى عن الملك وولى ابنه لاطس، فما قبلوا منه، وأمر الجيش فركبوا في السلاح. وكان لاطس الملك جلس على سرير الملك ولبس التاج وكان جريئا معجبا خلقا، فوعد الناس جميلا وقال أنا مستقيم لكم ما استقمتم، وإن ملتم عن الواجب ملت عنكم، وألزم الناس اعمالهم، وحط جماعة من الوجوه عن مراتبهم، وصرف طلما بن قومس عما كان عليه من خلافته.


إلى الوزير فسأله عنه، فأنكر حاله فأحضره الملك وقال: من أنت ؟ فاخبره بخبر البطيخ، وقال ما عملت عامل الموتى الا حتى يصل خبري اليك وتحضرني لانصحك لتستيقظ من نومك، وتحفظ ملكك والا ذهب عنك، فاستوزره فسار في الناس سيرة حسنة، وفي زمانه شكى القبط إليه حال الاسرائليين، فقال: هم عبيدكم فافعلوا بهم ما بدا لكم. فكان القبطي يضرب الاسرائيلي فلا يقدر ان يغير عليه احد، وان ضرب الاسرائيلي القبطي قتل. وبنى في زمانه مدنا كثيرة، وأعلاما ومصانع وطلسمات، ومن أعجب ما عمل التنور الذي يشوى فيه بغير نار، والسكين تنصب فإذا رآها شئ من البهائم أقبل عليها حتى يذبح نفسه بها، والماء الذي يستحيل هواء وأشياء من النيرنج. (*)

[ 269 ]

واستخلف رجلا يقال له لا هوق من ولد صا الاكبر بن تدارس، ودفع إليه خاتمه، وكان كاهنا وأنفذ طلما عاملا على الصعيد، وأنفذ مع جماعة من الاسرائيليين، وجدد بناء الاعلام وأصلح الهياكل، وبنى قرى كثيرة، وأثيرت في وقته معادن كثيرة وكنوز. وكان محبا [ للخلق ] (1) ثم تجبر وعلا، وأمر أن لا يجلس أحد في قصر الملك لا كاهن ولا غيره، بل يقومون على ارجلهم إلى أن ينصرفوا، وزاد في أذى الناس والعنف بهم، ثم جمع أموالهم وكنزها، وطلب النساء فابتز منهن خلقا كثيرا، وقصد الناس بسطوته وفظاظته. واستعبد بني اسرائيل، وقتل جماعة من الكهنة فبغضه الخاص والعام، ثم حشد عليه طلما الذي صرفه وولاه الصعيد فجاءه بجيش كثيف، وخرج إليه بلاطس (2) الملك، فحاربه طلما فظفر ببلاطس وقتله، وسار حتى دخل منف فعاث فيها. ونزل قصر المملكة طلما بن قومس، فجلس على سرير الملك وحاز جميع ما كان في خزائنهم، فهذا الذي تذكر القبط أنه فرعون موسى صلى الله عليه وعلى نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وأما أهل الاثر فيزعمون انه الوليد بن مصعب، وأنه من العمالقة وذكروا أن الفراعنة سبعة. وكان طلما فيما يحكى عنه قصيرا طويل اللحية، أشهل العينين صغير العين اليسرى، في جبينه شامة، وأنه كان أعرج. وزعم قوم انه كان لقيطا، والدليل على ذلك ميله إليهم ونكاحه فيهم، ولما جلس في الملك اضطرب الناس عليه، فبذل الاموال ورغب من أطاعه، وقتل من خالفه فاعتدل أمره. وكان أول ما عمله أن رتب المراتب وشيد الاعلام وبنى المدن، وخندق


1) في ب: للحكم. 2) في ق: لا طيس. (*)

[ 270 ]

الخنادق، وعمل بناحية العريش حصنا، وكذلك على حدود مصر، واستخلف هامان وكان يقرب منه في نفسه. وأثار بعض الكنوز وصرفها في بناء المدائن والعمارات، وحفر خلجانا كثيرة، ويقال أنه الذي حفر خليج سودوس، فكان كلما عرجه إلى قرية من قرى الحوف حمل إليه أهلها مالا، فاجتمع من ذلك شئ كثير، فأمر برده على أهله. وبلغ الخراج في وقته سبعا وستين ألف ألف، وكان ينزل الناس على منازلهم وهو أول من عرف العرفاء على الناس. وكان ممن صحبه من الاسرائيليين رجل يقال له إمرى وهو عمران أبو موسى عليه السلام، فجعله حرسا لقصره يتولى حفظه وإغلاقه بالليل. وكان قد رأى في كهانته أنه يجري هلاكه على يد مولود من الاسرائيليين فمنعهم المناكحة ثلاث سنين لانه رأى أن ذلك المولود يكون فيها، وأن امرأة إمرى يعني عمران أتته بعض الليالي بشئ أصلحته له فواقعها فحملت بهارون، ثم واقعها في السنة الثالثة فحملت بموسى عليهما السلام، فرأى في كهانته أنه قد حمل بذلك المولود، فأمر بذبح المولودين الذكور من بني إسرائيل، ولم يتعرض لامرى لقربه منه، ولحراسته قصره. الا ان موسى كان من أمره ما قصه الله عزوجل في كتابه من أمر التابوت وقذف أمه في النيل إلى أن صار إلى تحت قصره، وأخذ امرأته له واسترضاعها لامه. وامتنع فرعون من قتله إلى أن كبر وعظم شأنه، ورد فرعون كثيرا من أمره وجعله من قواده، وكانت له سطوة، ثم وجهه لغزو الكوشانيين، وكانوا قد عاثوا في أطراف مصر، فخرج في جيش كثيف ورزقه الله الظفر، فقتل منهم خلقا وأسر خلقا وانصرف غانما سالما، فسر به فرعون وامرأته. فاستولى وهو غلام على كثير من أمر فرعون، وأراد أن يستخلفه حتى قتل رجلا من أشراف القبط، وكان يقرب من فرعون فهرب منه.

[ 271 ]

وخرج إلى ناحية مدين، وتزوج ابنة ثيرون، وهو شعيب عليهما السلام، على ان يرعى غنمه وأنسأه بأجلين فقضى أتمهما وأرسله الله إلى فرعون. وولدت امرأته فذهب يقتبس لها نارا، فكلمه الله تعالى في جبل الطور، وقال له: امض إلى فرعون، وأيده بأخيه فترك امرأته محلها ومضى لرسالة ربه. وولدت امرأته فأرسل الله تعالى جبريل بما يصلحها من آلة الولادة وختن ابنها، وكانت الغنم تغدو من عندها وترجع إليها بغير راع. وحمل جبريل عليه السلام الغلام حتى أراه موسى وهو سائر إلى مصر فقبله، وتفل في فيه ورده إلى امه، ومر بها رجل من آل شعيب فردها إلى مدين، وصار موسى إلى مصر ولقي اخاه هارون ولم يثبته لطول غيبته، وكان يغتسل على شاطئ النيل، فاستضافه فأضافه وأطعمه جلبانا مطبوخا قد ثرد فيه ثريد، وتعارفا وسر بعضهما ببعض وعرفه ان الله عزوجل أرسله ونبأه هو وأخوه، وجعله له عضدا. وغدوا إلى فرعون وأقاما اياما، وعلى كل واحد منهما جبة صوف، ومعه عصاه التي أخذها من شعيب عليهما السلام ومنها كانت احدى آياته، فكانا يأتيان في كل يوم ويجلسان ببابه فلا يصلان إلى فرعون لشدة حجابه، إلى ان دخل إليه مضحك كان له فعرفه حالهما، وقال بالباب رجلان يطلبان الاذن عليك، ويزعمان أن إلههما أرسلهما اليك، فأمر بادخالهما وخاطبه موسى وأراه آية العصا، وآيته في بياض اليد، وهما آيتان من تسع، وكان من خطابه إياه ما قصه الله في كنابه. فغاظ فرعون أمره وهم بقتله، فمنعه الله تعالى منه وشغله عنه، ورأى طلما فرعون كأن على صورة غمامة قد اقبلت، فمسحت على عيونهم فعموا.

[ 272 ]

ثم أمر قوما آخرين بقتله، فرأى كأن نارا قد أتت فاحرقتهم، فازداد عليه غيظا، وقال له من أين لك هذه النواميس العظام ؟ أسحرة بلدي علموك هذا، أم تعلمته بعد خروجك من عندنا ؟ قال هذا من ناموس السماء، وليس من نواميس الارض. قال ومن صاحبه ؟ قال صاحب البنية العليا، قابل بل علمتها من بلدي، وأمر بجمع السحرة والكهنة واصحاب النواميس فقال أخرجوا علي أرفع اعمالكم، فإني أرى نواميس هذا الساحر رفيعة جدا، فعرضوا عليه اعمالهم فسره ذلك، وأحضره وقال له فقت على سحرك وعندي من يوفي عليك، فواعدهم يوم الزينة، وهو يوم عيد كان لهم، على ان من غلب منهما اتبعه الآخر، وكان جماعة من أهل البلد اتبعوا موسى صلى الله عليه وسلم، وكانت السحرة مائة الف وأربعين الفا، فعملوا من الاعمال ما يرى الوجوه ملونة ومشوهة، ومنها الطويل ومنها العريض، ومنها المقلوب جبهته إلى اسفل ولحيته إلى فوق، ومنها ما له قرون ومنها ما هو عظيم على قدر الترس ومنها ما له آذان عظام، ومنها ما يشبه وجوه القرود. وفي كل فن وفي كل صورة، وأجساما عظاما ما تبلغ السحاب، وحيات عظيمة بأجنحة تطير إلى الهواء، ويرجع بعضها على بعض. وحيات يخرج من أفواهها نار يخيل للعالم انها تكاد تحرقه، وحيات برؤس وشعور، وأذناب فيها رؤس، وتماثيل في طرق الشياطين. ثم عملوا دخانا يغشى أبصار الناس، فلا يرى بعضم بعضا، ودخانا يظهر صورا مثل النيران في الجو، على دواب مثل ذلك يصدم بعضها بعضا، وتسمع لها قعاقع وضجة، وصورا اخرى على دواب خضر، وصورا سودا على دواب سود. فلما رأى فرعون ذلك سر هو وجماعته ممن حضر معه، واغتم موسى

[ 273 ]

صلى الله عليه وسلم، ومن كان آمن به وكفر [ بفرعون ] (1) خوفا على فتنة الناس بذلك وضلالهم. وكان للسحرة ثلاث رؤس، فلما رأى موسى صلوات الله عليه ذلك وضاق به ذرعا أتاه جبريل عليه السلام، وقال له لا تخف إنك انت الاعلى وألق ما في يمينك، فسر بذلك موسى عليه السلام، وطمع في إيمان الناس وسكن خوفه فأسر إلى عظماء السحرة وقال قد رأيت ما صنعتم، فان قهرتكم أتؤمنون بالله ؟ قالوا نشهد لنفعلن، فرآه فرعون، وقد اسر إليهم فغاظه وهم بمعاجلة (2) الجميع، ثم توقف ليعلم آخر القضية، والناس يهزؤون منه ومن أخيه وعليهما دراعتان من صوف، وقد احتزما بالليف، ومع موسى عليه السلام عصاه. فسمى موسى ععليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم ثم حلق العصا ورفعها في الجو ورفعها جبريل عليه السلام حتى غابت عن عيونهم، ثم اقبلت في صورة ثعبان عظيم له عينان كالترس تتوقدان نارا، وتخرج من فيه ومن منخره، وهو يزيد غضبا لله تعالى، فلا يقع من زبده شئ على احد إلا ابرصه، وبرصت من ذلك ابنة فرعون والثعبان فاتح فاه. وذكر أن امه كانت حاضرة قريبا منهم، فابتلع الثعبان جميع ما عملته السحرة ومائتي مركب كانت مملوءة عصيا وحبالا، وجميع من كان فيها من الملاحين. وكان في النهر الذي يتصل بدار فرعون عمد كبيرة وحجارة، وكانت قد حملت إلى هناك ليبنى بها، وأقبل الثعبان إلى قصر فرعون ليبلعه، وكان في قبة له على جانب القصر يشرف على عمل السحرة، فوضع الثعبان نابه تحت


1) في ب: وكفر ايمانه. 2) في ب: بمعالجة. (*)

[ 274 ]

القصر، ورفع بابه الآخر إلى اعلى القبة ولهب النار يخرج من فيه، وقد احرق مواضع من القصر، فصاح فرعون عند ذلك، واستغاث بموسى صلى الله عليه وسلم فزجره فعطف على الناس ليبتلعهم، وبلع بعضهم فسقط بعضهم على وجوه بعض. وذهب ليبتلعهم فأمسكه موسى عليه السلام، وعاد في يده عصا كما كانت ولم يروا لتلك المراكب أثرا، وكان فيها من الحبال والعصي والناس والاعمدة والحجارة وما شربه من ماء النهر حتى بانت أرضه ترابا. فلما رأى السحرة ذلك، ولم يروا لتلك الاعيان اثرا قالوا ما هذا عمل الآدميين ! وانما نصنع مخاييل لا تغيب عن الاعيان، فقال لهم موسى أوفوا يوعدكم وإلا سلطته عليكم فيبتلعكم كما ابتلع غيركم. فعندها آمن السحرة بموسى عليه السلام، وجاهروا فرعون،، وقالوا هذا من فعل إله السموات وليس من فعل إله الارض. (1) فقال فرعون قد علمت أنكم واطأتموه علي وعلى ملكي حسدا منكم لي، وأمر مثل ذلك، وجاهره فقطعت ايديهم وأرجلهم من خلاف. وكانوا يرون مساكنهم من الجنة قبل أن يموتوا، وجاهرته امرأته ففعل بها المؤمن ففعل به مثل ذلك. وكان الروحاني قد قال له إني رب السماء وأنت رب الارض قد استخلفتك فيها، فأنت رب كل من سكنها من الخلق، فتجبر وادعى الربوبية وشق الانهار وغرس الاشجار. فلما كان من امر موسى عليه السلام ما كان، فسد ذلك الروحاني وسقطت الطلسمات، وبعض الهياكل والمنارات وخرت الاصنام على وجهها، وعلت


1) هكذا في الاصل، والصواب: وليس من السحر أو ما يشبه ذلك. (*)

[ 275 ]

آيات موسى، وبطل ما كان من الطوفان والجراد والقمل والضفادع، فتحول ماؤهم دما، فكانت الاسرائيلية تسقي القبطية من فمها ماء فيعود في فم القبطية دما عبيطا، وتعض على الرغيف لتأكل منه فتعض على الضفدع، واتلف الجراد والقمل جميع ذروعهم، وهدم الماء ابنيتهم، وبعض منازلهم وتبين للناس أنه لا ينفعهم. وضاق صدر فرعون من ذلك، فرجع إلى مداراة موسى عليه السلام، ووعده أن يستخلفه على ملكه، وأشار عليه هامان والكهان أن لا يفعل. ثم أمر الرعية أن يقتلوا موسى، فخرج جماعة [ إلى ] (1) الموضع الذي فيه لذلك، فأتت نار فأحرقتهم. ورأى فرعون كأنه أخذ برجليه، ونكس على رأسه في حظيرة نار، وكأنه يستغيث، ويقول إني لمؤمن بموسى وربه فخلوا عنه، فدعا هامان وعرفه ذلك، وقال له لم يبق بعد هذا شئ، وأريد أن أو من بموسى، فقال له هو الذي عمل لك الرؤيا ليهولك، فتريد أن تكون عبدا بعد أن كنت ربا ! وتستتخف بك رعيتك، وتسلب ملكك ! قال فتلطف به وبعد ذلك منعه منه، وكان يبعث إليه سرا ويستنظره، فلما تم الاجل ولم يفعل فرعون شيئا كثر البلاء عليهم، وتهدمت منازلهم وفسدت زروعهم وكثرت الآيات في منازلهم. وكان الناس قد خافوا موسى وهابوه، وكانوا يؤمنون به سرا، فمن آمن به زال عنه الاذى فلما زاد الامر على فرعون أحضر موسى وقال له إن أحببتك ما لي عندك ؟ قال أردد شبابك، وأضعف عمرك، وآمنك من جميع العلل، ومن زوال


1) في ب: فخرج جماعة من الموضع. (*)

[ 276 ]

ملكك، وأعلي يدك على من ناوأك من الملوك، وأكثر فيك نشاطك، وأكلك وشريك. قال له فرعون إن فعلت ذلك فقد أنصفت فأنظرني إلى غد، ثم شاور هامان فمنعه، وقال له نموت غدا أصلح لنا، قال فلما يئس منه قال فأطلق لي بني اسرائيل قال انما تربد اخراجهم من بلدي لتكون عليهم أميرا ملكا، وانا انتفع بخدمتهم، وهذا حسد منك لي. قال له موسى عليه السلام فأنتقل على ان لا تدعي الربوبية، قال إذا انقص من أعين الناس، قال فان الله سيهلكك ويهلك قومك، وتصير ارواحكم إلى نار حامية، قال فإني أفعل ذلك معك سرا ولا افعله جهرا، وأقرب للآلهة (1) القرابين العظام. قال موسى عليه السلام إن إلهي لا يرضيه إلا أن يؤمن به الناس أجمعون، فأما أن تؤمن به وحدك سرا دون الناس، فلا يرضيه ذلك ولا يقبله منك سرا حتى تظهره. قال وإن لم تفعل ذلك فان الله مهلك واهلك، وعلامة هلاكك أن لا يبقى لك هيكل إلا تهدم ولاصنم إلا خر، وقد خالفت ما دعوتك إليه مرارا كثيرة، وأنا أحذرك الخلاف، وإن الله سيعجل لك العقوبة ولا ينظرك. ثم إن فرعون طول مطل موسى عليه السلام بما وعده في امر بني إسرائيل، ولم ينجزه، ورأى موسى عليه السلام أنه لا يرجع إلى خير ولا ينفع فيه وعظ، وخاف أن يفجأ بني إسرائيل بايذاء كثير، فعزم على الخروج عنه ببني إسرائيل. وحضر لبني إسرائيل عيد كانوا يجتمعون فيه، فأمر موسى عليه السلام نساء بني إسرائيل أن يستعرن حلى نساء القبط، ويأخذن منه ما يقدرن عليه من ثيابهن، ويتزين به في عيدهن، ففعلن ذلك، ثم دعونهن في عيدهن فأكلن معهن وشربن.


1) في ب: وأقرب للاهل. (*)

[ 277 ]

وكان موسى عليه السلام أبعدهم قليلا إلى المشرق، وأمر أن يبعدوا هنالك، فلما أكلوا وشربوا ألقى الله تعالى على القبطيين رجالا ونساء السبات حتى منعهم من كل شئ. ثم سار موسى عليه السلام بجميع بني إسرائيل من أول الليل، وكان عددهم ستمائة ألف وأربععين ألفا ونيفا. وأخرجوا تابوت يوسف عليه السلام من النيل وحملوه معهم، دلتهم على موضعه عجوز مؤمنة من القبط، ومضت معهم. فسار ببني إسرائيل إلى ناحية بحر القلزم ليخفي آثارهم، فلما كان من آخر الليل عرف فرعون بخروجهم، وما فعلوه بنساء القبط من إعارة حليهن إلى الاسرائيليات ودعائهن به، فجلس لوقته ونادى في الناس، فلما اجتمعوا أمرهم أن يتأهبوا للركوب في آثارهم وأجلهم ثلاثة أيام. وخاطب كل من قرب منهم وبعد من جيوشه وحشوده أن لا يتأخروا عن لحاقه طرفة عين، فلما أصبح في اليوم الرابع ركب الناس، وركب معهم يتقدمهم واتبعوا آثار بني إسرائيل، ولم يبق أحد من اولاد الملوك ولا من أتباعهم ولا من فيه فضل إلا سار معه، فيقال إنه كمل عددهم، وزاد على موسى عليه السلام ستة آلاف ألف. فلم يمر موسى عليه السلام بعلم من أعلامهم إلا سقط، ولا بصنم إلا سقط لوجهه، وساروا مقربين حتى لحقوهم على ساحل البحر. فلما أحس موسى عليه السلام بهم، قال لاخيه هارون تقدم إلى البحر وكنه بأبي العماس، ومره أن يكف عنا موجه، ويسكن عنا حركته، حتى أصل أنا ومن معي. فمضى هارون لذلك، وركب موسى عليه السلام، فلما وقف موسى على البحر ضربه بعصاه، فانشق لوجهه، وظهرت فيه اثنتي عشرة طريقة، فدخل كل سبط على طريق، وجعل بينهم طاقات رقيقة من الماء ليرى بعضهم بعضا، فدخل القوم، ودخل موسى عليه السلام في آخرهم.

[ 278 ]

فلما رآهم في البحر هم بتركهم خوفا من البحر، فأقبل جبرئيل عليه السلام بفرس بلقاء، فدخل في أثرهم، فلما رآها فرس فرعون اقتحم به في أثرها، فلم يقدر فرعون على إمساكه، لانه كان حصانا، وقد كان طال عمره. فلما دخل فرعون اتبعه قومه عن آخرهم، فلم يبق في البر أحد منهم فتوسطوا البحر، وقد خرج موسى عليه السلام ومن معه من الناس، فأمر الله تعالى جل جلاله جبريل عليه السلام أن يطبق البحر على فرعون وقومه ففعل. فلما رأى ذلك فرعون قال آمنت أنه لاإله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، ولم يقلها صحيح النية. فلما سمعه جبريل عليه السلام رجمه بكف من الحمأة ضرب بها وجهه، وسد بها فاه، خوفا أن يرحمه الله تعالى بذلك القول. فغرق الجميع ولم يفلت منهم أحد، وحملت أرواحهم إلى النار، ولما هلكوا طرح الله تعالى [ جملة منهم ] على عبر البحر، منهم فرعون في موضع مرتفع من الارض، حتى رأوه وعرفوه وبين الله ذلك في كتابه الكريم الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. تم وكمل كتاب اخبار الزمان وما أباده الحدثان وعجائب البلدان، والغامر بالماء والعمران، بمعونة الله وقوته، فله الحمد والشكر على ما أولى من النعم الجسام والبر والانعام. على يد أضعف عباد الله وأحوجهم إلى الرحمة والمغفرة والرضوان عبد الرحمن بن محمد بن محمد البصري سامحه الله وغفر له ولوالديه، ولمن كان السبب البحر، وقد خرج موسى عليه السلام ومن معه من الناس، فأمر الله تعالى جل جلاله جبريل عليه السلام أن يطبق البحر على فرعون وقومه ففعل. فلما رأى ذلك فرعون قال آمنت أنه لاإله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، ولم يقلها صحيح النية. فلما سمعه جبريل عليه السلام رجمه بكف من الحمأة ضرب بها وجهه، وسد بها فاه، خوفا أن يرحمه الله تعالى بذلك القول. فغرق الجميع ولم يفلت منهم أحد، وحملت أرواحهم إلى النار، ولما هلكوا طرح الله تعالى [ جملة منهم ] على عبر البحر، منهم فرعون في موضع مرتفع من الارض، حتى رأوه وعرفوه وبين الله ذلك في كتابه الكريم الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. تم وكمل كتاب اخبار الزمان وما أباده الحدثان وعجائب البلدان، والغامر بالماء والعمران، بمعونة الله وقوته، فله الحمد والشكر على ما أولى من النعم الجسام والبر والانعام. على يد أضعف عباد الله وأحوجهم إلى الرحمة والمغفرة والرضوان عبد الرحمن بن محمد بن محمد البصري سامحه الله وغفر له ولوالديه، ولمن كان السبب في كتابته ولمن قرأ فيه ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الاحياء منهم والاموات. ووافق الفراغ في نسخه يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الاولى أحد شهور سنة اثنين وثمانين وثمانمائة أحسن الله علي بها. والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله آمين آمين آمين وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم استغفر الله الكريم.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية